######OpenITI# #META# comp: 1 #META# الكتاب: البحر المديد موافق للمطبوع #META# digitization_comments: [طبعة أخرى] #META# authinf: ابن عجيبة (1160 - 1224 ه = 1747 - 1809 م) ¶ أحمد بن محمد بن المهدي، ابن عجيبة، الحسني الأنجري: مفسر صوفي مشارك. ¶ من أهل المغرب. ¶ دفن ببلدة أنجرة (بين طنجة وتطوان) له كتب كثيرة، منها (البحر المديد في تفسير القرآن المجيد - خ) في أربعة مجلدات ضخام، بدئ بطبعه وصدر جزء منه [ثم طبع كاملا] ، و (أزهار البستان - خ) بالخزانة الزيدانية بمكناس، لم يتمه، في طبقات الأعيان المالكية، ومنه مخطوطة في خزانة الرباط (286 ك) مصورة في معهد المخطوطات (1352 تاريخ) و (شرح القصيدة المنفرجة - خ) و (شرح صلوات ابن مشيش - خ) و (تبصرة الطائفة الزرقاوية - خ) و (الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية - ط) و (الفتوحات القدوسية في شرح المقدمة الآجرومية - ط) جمع فيه بين النحو والتصوف، و (فهرسة) لأشياخه، و (إيقاظ الهمم في شرح الحكم - ط) ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# ad: 1224 #META# bkord: 8247 #META# المؤلف: أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي أبو العباس #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: البحر المديد موافق للمطبوع ¶ المؤلف: أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي أبو العباس ¶ عدد الأجزاء / 8 ¶ دار النشر / دار الكتب العلمية بيروت ¶ الطبعة الثانية / 2002 م 1423 ه ¶ تنبيه ¶ أولا: الكتاب موافق للمطبوع ¶ ثانيا: الترقيم داخل الصفحات ¶ ثالثا: الترقيم لذيل الصفحات وليس لأولها ¶ رابعا: ترقيم الشاملة للكتاب آلى ¶ [طبعة أخرى] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# أولا: الكتاب موافق للمطبوع #META# رابعا: ترقيم الشاملة للكتاب آلى #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# bkid: 34062 #META# higrid: 1224 #META# iso: البحر المديد العلميه #META# archive: 19 #META# max: 4653 #META# ثالثا: الترقيم لذيل الصفحات وليس لأولها #META# auth: ابن عجيبة #META# cat: التفاسير #META# authno: 135 #META# ndata: بسم اللهD04336ECرة الناس #META# idx: 1 #META# bk: البحر المديد (العلمية) #META# ثانيا: الترقيم داخل الصفحات #META# Lng: أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# بسم الله الرحمن الرحيم # اسم الكتاب / البحر المديد موافق للمطبوع # المؤلف : أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي ~~الفاسي أبو العباس # عدد الأجزاء / 8 # دار النشر / دار الكتب العلمية بيروت # الطبعة الثانية / 2002 م 1423 ه # تنبيه # أولا : الكتاب موافق للمطبوع # ثانيا : الترقيم داخل الصفحات # ثالثا : الترقيم لذيل الصفحات وليس لأولها # رابعا : ترقيم الشاملة للكتاب آلى PageV01P023 ### | AUTO " سورة الفاتحة " # قلت : {الحمد} مبتدأ ، و{الله} خبر ، وأصله النصب ، وقرئ به ، والأصل : ~~أحمد الله حمدا ، وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته ، ~~دون تجدده وحدوثه ، وفيه تعليم اللفظ مع تعريض الاستغناء. أي : الحمد لله ~~وإن لم تحمدوه. ولو قال (أحمد الله) لما أفاد هذا المعنى ، وهو من المصادر ~~التي تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تذكر معها. والتعريف للجنس ؛ أي : للحقيقة ~~من حيث هي ، من غير قيد شيوعها ، ومعناه : الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد أن ~~الحمد ما هو. أو للاستغراق ؛ إذ الحمد في الحقيقة كله لله ؛ إذ ما من خير ~~إلا وهو موليه بواسطة وبغير واسطة. كما قال : {وما بكم من نعمة فمن الله} ~~[النحل : 53] ، وقيل : للعهد ، والمعهود حمده تعالى نفسه في أزله. # وقرئ {الحمد لله} بإتباع الدال للام ، وبالعكس ، تنزيلا لهما من حيث ~~إنهما يستعملان معا منزلة كلمة واحدة. # 24 # ومعناه في اللغة : الثناء بالجميل على قصد التعظيم والتبجيل ، وفي العرف ~~: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما. والشكر في اللغة : فعل يشعر ~~بتعظيم المنعم ، فهو مرادف للحمد العرفي ، وفي العرف : صرف العبد جميع ما ~~أنعم الله عليه من السمع والبصر إلى ما خلق لأجله وأعطاه إياه. وانظر شرحنا ~~الكبير للفاتحة في النسب التي بيناها نظما ونثرا. # و{الله} اسم مرتجل جامد ، والألف واللام فيه لازمة لا للتعريف ، قال ~~الواحدي : اسم تفرد به الباري - سبحانه - يجري في وصفه مجرى الأسماء ~~الأعلام ، لا يعرف له اشتقاق ، وقال الأقليشي : إن هذا الاسم مهما لم يكن ~~مشتقا كان دليلا على عين الذات ، دون أن ينظر فيها إلى صفة من ms0001 الصفات ، ~~وليس باسم مشتق من صفة ، كالعالم والحق والخالق والرازق ، فالألف واللام ~~على هذا في (الله) من نفس الكلمة ، كالزاي من زيد ، وذهب إلى هذا جماعة ، ~~واختاره الغزالي ، وقال : كل ما قيل في اشتقاقه فهو تعسف. PageV01P024 # وقيل : مشتق من التأله وهو التعبد ، وقيل : من الولهان ، وهو الحيرة ؟ ~~لتحير العقول في شأنه. وقيل : أصله : الإله ، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها ~~إلى اللام ، ثم وقع الإدغام وفخمت للتعظيم ، إلا إذا كان قبلها كسر. # 25 # و{رب} نعت {لله} ، وهو في الأصل : مصدر بمعنى التربية ، وهو تبليغ الشيء ~~إلى كماله شيئا فشيئا ، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 24 # وقيل : هو وصف من ربه يربه ، وأصله : ربب ثم أدغم ، سمي به المالك ؛ لأنه ~~يحفظ ما يملكه ويربيه ، ولا يطلق على غيره تعالى إلا بقيد كقوله تعالى : ~~{ارجع إلى ربك} [يوسف : 50]. قال ابن جزي : ومعانيه أربعة : الإله والسيد ~~والمالك والمصلح ، وكلها تصلح في رب العالمين ، إلا أن الأرجح في معناه ، ~~الإله ؛ لاختصاصه بالله تعالى. و{العالمين} جمع عالم ، والعالم : اسم لما ~~يعلم به ، كالخاتم لما يختم به ، والطابع لما يطبع به. غلب فيما يعلم به ~~الصانع. وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض ، فإنها لإمكانها وافتقارها ~~إلى مؤثر واجب لذاته ، تدل على وجوده ، وإنما جمع ليشمل ما تحته من الأجناس ~~المختلفة ، وغلب العقلاء منهم فجمع بالياء والنون كسائر أوصافهم ، فهو جمع ~~، لا اسم جمع ، خلافا لابن مالك. # 26 # وقيل : اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين ، وتناوله لغيرهم على ~~سبيل الاستتباع ، وقيل : عني به هنا الناس ، فإن كل واحد منهم عالم ، حيث ~~إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير ، ولذا سوى بين النظر فيهما فقال ~~: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات : 21]. # {قلت} : وإليه يشير قول الشاعر : # يا تائها في مهمه عن سره # انظر تجد فيك الوجود بأسره # أنت الكمال طريقة وحقيقة # يا جامعا سر الإله بأسره PageV01P025 ~~و{الرحمن الرحيم} اسمان بنيا للمبالغة ، من رحم ، كالغضبان من غضب ، ~~والعليم من علم ، والرحمة في اللغة ms0002 ، رقة القلب ، وانعطاف يقتضي التفضل ~~والإحسان ، ومنه الرحم ؛ لانعطافها على ما فيها. وأسماء الله تعالى إنما ~~تؤخذ باعتبار الغايات ، التي هي أفعال ، دون المبادئ التي هي انفعالات ، ~~و{الرحمن} أبلغ من {الرحيم} ؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، ~~كقطع وقطع ، وذلك إنما يؤخذ تارة باعتبار الكمية ، وأخرى باعتباره الكيفية. # فعلى الأول : قيل : يا رحمن الدنيا ؛ لأنه يعم المؤمن والكافر ، ورحيم ~~الآخرة ؛ لأنه يختص بالمؤمن ، وعلى الثاني قيل : يا رحمن الدنيا والآخرة ~~ورحيم الدنيا ؛ لأن النعم الأخروية كلها جسام ، وأما النعم الدنيوية فجليلة ~~وحقيرة. # وإنما قدم {الرحمن} - والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى - لتقدم رحمة ~~الدنيا ، ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره ، لأن معناه المنعم ~~الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها ، وذلك لا يصدق على غيره تعالى. انظر ~~البيضاوي. وسيأتي الكلام عليهما في المعنى. # 27 # و{ملك} نعت لما قبله ، قراءة الجماعة بغير ألف من (الملك) بالضم ، وقرأ ~~عاصم والكسائي بالألف ، من (الملك) بالكسر ، والتقدير على هذا : مالك مجيء ~~يوم الدين ، أو مالك الأمر يوم الدين. وقراءة الجماعة أرجح ، لثلاثة أوجه : ~~الأول : أن الملك أعظم من مالك ، إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله ، وأما ~~الملك فهو سيد الناس ، والثاني : قوله : {وله الملك يوم ينفخ فى الصور} ~~[الأنعام : 73] ، والثالث : أنها لا تقتضي حذفا ، والحدف خلاف الأصل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 24 PageV01P026 ~~و{يوم الدين} ظرف مضاف إلى ما قبله على طريق الاتساع ، وأجري الظرف مجرى ~~المفعول به ، والمعنى على الظرفية ، أي : الملك في يوم الدين ، أو ملك ~~الأمر يوم الدين ، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان - أي : القصر والمد - ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قرئ {ملك} بوجوه كثيرة تركنا ذكرها ~~لشذوذها. فإن قيل : ملك ومالك نكرة ؛ لأن إضافة اسم الفاعل لا تخصص ، وكيف ~~ينعت به {الرحمان الرحيم} وهما معرفتان ؟ قلت : إنما تكون إضافة اسم الفاعل ~~لا تخصص إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال ؛ لأنها حينئذ غير محضة ، وأما ~~هذا فهو مستمر دائما ، فإضافته محضة. قاله ابن جزي. # يقول ms0003 الحق جل جلاله معلما لعباده كيف يثنون عليه ويعظمونه ثم يسألونه : ~~يا عبادي قولوا {الحمد لله رب العالمين} أي : الثناء الجميل إنما يستحقه ~~العظيم الجليل ، فلا يستحق الحمد سواه ، إذ لا منعم علىالحقيقة إلا الله ، ~~{وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل : 53]. أو جميع المحامد كلها لله ، أو ~~الحمد المعهود في الأذهان هو حمد الله تعالى نفسه في أزله ، قبل أن يوجد ~~خلقه ، فلما أوجد خلقه قال لهم : الحمد لله ، أي : احمدوني بذلك المعهود في الأزل. # 28 # وإنما استحق الحمد وحده لأنه {رب العالمين} ، وكأن سائلا سأله : لم ~~اختصصت بالحمد ؟ فقال : لأني رب العالمين ، أنا أوجدتهم برحمتي ، وأمددتهم ~~بنعمتي ، فلا منعم غيري ، فاستحققت الحمد وحدي ، مني كان الإيجاد وعلي ~~توالي الإمداد ، فأنا رب العباد ، فالعوالم كلها - على تعدد أجناسها ~~واختلاف أنواعها - في قبضتي وتحت تربيتي ورعايتي. PageV01P027 # قال بعضهم : خلق الله ثمانية عشر ألف عالم ، نصفها في البر ونصفها في ~~البحر. وقال الفخر الرازي : روي أن بني آدم عشر الجن ، وبنو آدم والجن عشر ~~حيوانات البر ، وهؤلاء كلهم عشر الطيور ، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحار ، ~~وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين ببني آدم ، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة ~~سماء الدنيا ، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الثانية ، ثم على هذا الترتيب ~~إلى ملائكة السماء السابعة ، ثم الكل في مقابلة الكرسي نزر قليل ، ثم هؤلاء ~~عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش ، التي عددها : مائة ألف ، طول ~~كل سرادق وعرضه - إذا قوبلت به السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما - ~~يكون شيئا يسيرا ونزرا قليلا. وما من موضع شبر ، إلا وفيه ملك ساجد أو راكع ~~أو قائم ، وله زجل بالتسبيح والتهليل. ثم هؤلاء كلهم في مقابلة الذين ~~يجولون حول العرش كالقطرة في البحر ، ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى : {وما ~~يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر : 31]. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 24 # وقال وهب بن منبه : (قائم العرش ثلاثمائة وست وستون قائمة ، وبين كل ~~قائمة وقائمة ستون ألف صحراء ، وفي كل صحراء ستون ألف عالم ms0004 ، وكل عالم قدر ~~الثقلين). # 29 PageV01P028 ~~فهذه العوالم كلها في قبضة الحق وتحت تربيته وحفظه ، يوصل المدد إلى كل ~~واحد وهو في مستقره ومستودعه ، إما إلى روحانيته من قوة العلوم والمعارف ، ~~وإما إلى بشريته من قوة الأشباح ، من العرش إلى الفرش ، كلها مقدرة أرزاقها ~~محصورة آجالها ، محفوظة أشباحها ، معلومات أماكنها ، لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. ثم هذه التربية التي ربى سبحانه ~~بها خلقه إنما هي رحمة منه وإحسان ، لا لزوم عليه وإيجاب ، ولذلك وصله ~~بقوله : {الرحمن الرحيم} ، أي : الرحمن بنعمة الإيجاد ، الرحيم بنعمة ~~الإمداد. " نعمتان ما خلا موجود عنهما ، ولا بد لكل مكون منهما : نعمة ~~الإيجاد ونعمة الإمداد ، أنعم أولا بالإيجاد ، وثنى بتوالي الإمداد ". كما ~~في (الحكم). فاسمه {الرحمن} يقتضي إيجاد الأشياء وإبرازها ، واسمه {الرحيم} ~~يقتضي تربيتها وإمدادها. ولذلك لا يجوز إطلاق اسم {الرحمان} على أحد ، ولم ~~يتسم أحد به ؛ إذ الإيجاد لا يصح من غيره تعالى ، بخلاف اسمه {الرحيم} ~~فيجوز إطلاقه على غيره تعالى ؛ لمشاركة صدور الإمداد في الظاهر من بعض ~~المخلوقات مجازا وعارية. # أو : الرحمن في الدنيا والآخرة ، والرحيم في الآخرة : لأن رحمة الآخرة ~~خاصة بالمؤمنين. أو الرحمن بجلائل النعم والرحيم بدقائقها ، فجلائل النعم ~~مثل : نعمة الإسلام والإيمان والإحسان ، والمعرفة والهداية ، وكشف الحجاب ~~وفتح الباب والدخول مع الأحباب ، ودقائق النعم مثل : الصحة والعافية والمال ~~الحلال ، وغير ذلك مما يأتي ذكره في المنعم عليهم. # ثم من تحقق منه الإيجاد والإمداد استحق أن يكون ملكا لجميع العباد ، ~~ولذلك ذكره بأثره فقال : {ملك يوم الدين} أي : المتصرف في عباده كيف شاء ، ~~لا راد لما قضى ولا مانع لما أعطى ، فهو ملك الملوك رب الأرباب في هذه ~~الدار وفي تلك الدار.. # 30 PageV01P029 ~~وإنما خص يوم الدين - وهو يوم الجزاء - بالملكية ؛ لأن ذلك اليوم يظهر فيه ~~الملك لله عيانا لجميع الخلق ، فإن الله تعالى يتجلى لفصل عباده ، حتى يراه ~~المؤمنون عيانا ، بخلاف الدنيا فإن تصرفه تعالى لا يفهمه إلا الكملة من ~~المؤمنين ، ولذلك ادعى كثير من الجهلة ms0005 الملك ونسبوه لأنفسهم. ويوم القيامة ~~ينفرد الملك لله عند الخاص والعام ، قال تعالى : {لمن الملك اليوم لله ~~القهار} [غافر : 16]. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 24 # الإشارة} لما تلجى الحق سبحانه من عالم الجبروت إلى عالم الملكوت ، أو ~~تقول : من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، حمد نفسه بنفسه ، ومجد نفسه بنفسه ~~، ووحد نفسه بنفسه ، ولله در الهروي ، حيث قال : # 31 # ما وحد الواحد من واحد # إذ كل من وحده جاحد # توحيد من ينطق عن نعته # عارية أبطلها الواحد # توحيده إياه توحيده # ونعت من ينعته لاحد # فقال في توحيد نفسه بنفسه مترجما عن نفسه بنفسه : {الحمد لله رب ~~العالمين} ، فكأنه يقول في عنوان كتابه وسر خطابه : أنا الحامد والمحمود ، ~~وأنا القائم بكل موجود ، أنا رب الأرباب ، وأنا مسبب الأسباب لمن فهم ~~الخطاب ، أنا رب العالمين ، أنا قيوم السموات والأرضين ، بل أنا المتوحد في ~~وجودي ، والمتجلي لعبادي بكرمي وجودي ، فالعوالم كلها ثابتة بإثباتي ، ~~ممحوة بأحدية ذاتي. PageV01P030 # قال رجل بين يدي الجنيد : {الحمد لله} ولم يقل : {رب العالمين} ، فقال له ~~الجنيد : كملها يا أخي ، فقال الرجل : وأي قدر للعالمين حتى تذكر معه ؟ ! ~~فقال الجنيد : قلها يا أخي ؛ فإن الحادث إذا قرن بالقديم تلاشى الحاد وبقي ~~القديم. يقول سبحانه : " يا من هو مني قريب ، تدبر سري فإنه غريب أنا المحب ~~، وأنا الحبيب ، وأنا القريب ، وأنا المجيب ، أنا الرحيم الرحمن ، وأنا ~~الملك الديان ، أنا الرحمن بنعمة الإيجاد ، والرحيم بتوالي الإمداد. مني ~~كان الإيجاد ، وعلي دوام الإمداد ، وأنا رب العباد ، أنا الملك الديان ، ~~وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان ، أنا الملك # 32 # على الإطلاق ، لولا جهالة أهل العناد والشقاق ، الأمر لنا على الدوام ، ~~لمن فهم عنا من الأنام ". قال في الرسائل الكبرى : لا عبرة بظواهر الأشياء ~~، وإنما العبرة بالسر المكنون ، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غطائه ~~وزوال أستاره وخفائه ، فإذا تحقق ذلك التجلي والظهور ، واستولى على الأشياء ~~الفناء والدثور ، وانقشعت الظلمات بإشراق النور ، فهناك يبدو عين ويحق الحق ~~المبين ، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين ، كما يفهم العامة ms0006 بطلان ذلك في يوم ~~الدين ، حين يكون الملك لله رب العالمين ، وليت شعري أي وقت كان الملك ~~لسواه حتى يقع التقييد بقوله : {الملك يومئذ لله} [الحج : 56] ، وقوله : ~~{والأمر يومئذ لله} [الانفطار : 19] ؟ ! لولا الدعاوى العريضة من القلوب ~~المريضة. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 24 PageV01P031 ~~قلت : {إياك} مفعول {نعبد} ، وقدم للتعظيم والاهتمام به ، والدلال على ~~الحصر ، ولذلك قال ابن عباس : (نعبدك ولا نعبد معك غيرك) ، ولتقديم ما هو ~~مقدم في الوجود وهو الملك المعبود ، وللتنبيه على أن العابد ينبغي أن يكون ~~نظره إلى المعبود أولا وبالذات ، ومنه إلى العبادة ، لا من حيث إنها عبادة ~~صدرت عنه ، بل من حيث إنها نسبة شريفة إليه ، ووصلة بينه وبين الحق ، فإن ~~العارف إنما يحق وصوله إذا استغفر في ملاحظة جناب القدس ، وغاب عما عداه ، ~~حتى إنه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها إلا من حيث إنها تجل من تجلياته ~~ومظهر لربوبيته ، ولذلك فضل ما حكى الله عن حبيبه حين قال : {لا تحزن إن ~~الله معنا} [التوبة : 40] ، على ما حكاه عن كليمه حيث قال : {إن معى ربى ~~سيهدين} [الشعراء : 62] ، أي : حيث صرح بمطلوبه ، و{إياك} مفعول {نستعين} ~~وقدم أيضا للاختصاص والاهتمام ، كما تقدم في {إياك نعبد}. وكرر الضمير ولم ~~يقل : إياك نعبد ونستعين ؛ لأن إظهاره أبلغ في إظهار الاعتماد على الله ، ~~وأقطع في إحضار التعلق بالله والإقبال على الله وأمدح ، ألا ترى أن قولك : ~~بك أنتصر وبك أحتمي وبك أنال مطالبي - أبلغ وأمدح من قولك : بك أنتصر ~~وأحتمي... الخ ؟ # وقدم العبادة على الاستعانة ليتوافق رؤوس الآي ، وليعلم منه أن تقديم ~~الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة ، فإن من تلبس بخدمة الملك وشرع ~~فيها بحسب وسعه ، # 33 # ثم طلب منه الإعانة عليها أجيب إلى مطلبه ، بخلاف من كلفه الملك بخدمته ، ~~فقال : أعطني ما يعينني عليها ، فهو سوء أدب ، وأيضا : من استحضر الأوصاف ~~العظام ما أمكنه إلا المسارعة إلى الخضوع والعبادة ، وأيضا : لما نسب ~~المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحا واعتدادا منه بما يصدر عنه فعقبه ms0007 ~~بقوله : {وإياك نستعين} ، دفعا لذلك التوهم. PageV01P032 # والعبادة : أقصى غاية الخضوع والتذلل ، ومنه طريق معبد ، أي : مذلل ، ~~والاستعانة ، طلب المعونة ، والمراد طلب المعونة في المهمات كلها ، أو في ~~أداء العبادات. # والضمير المستتر في الفعلين للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة ~~الجماعة ، أو له ولسائر الموجودين. أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط ~~حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها ، ولهذا شرعت الجماعة. قاله ~~البيضاوي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 33 # يقول الحق جل جلاله ، تتميما لتعليم عباده : فإذا أثنيتم علي ومجدتموني ~~وعظمتموني فأقروا لي بالربوبية ، وأظهروا من أنفسكم العبودية ، واطلبوا مني ~~العون في كل وقت وقولوا : {إياك نعبد وإياك نستعين} ، وكأنه - جل جلاله - ~~لما ذكر أنه مستحق للمحامد كلها قديمها وحديثها ؛ لأنه رب العوالم وقيومها ~~، أصل الأصول وفروعها ، أنعم عليها أولا بالإيجاد ، وثانيا بتوالي الإمداد ~~، فهو مالكها على الإطلاق ، ذكر أنه لا يستحق أن يعبد سواه ؛ إذ لا منعم ~~على الحقيقة إلا الله ، فهو أحق أن يعبد ، وأولى أن يفرد بالوجهة والقصد ، ~~لأنه مستبد وغير مستمد ، والمادة من عين الجود ، فإذا انقطعت المادة انعدم ~~الوجود. قال البيضاوي : ثم إنه لما ذكر الحقيق بالحمد ، ووصف بصفات عظام ~~تميز بها عن سائر الذوات ، تعلق العلم بمعلوم معين ، خوطب بذلك ، أي : يا ~~من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة ، لكون أدل على الاختصاص ، وللترقي ~~من الغيبة إلى الشهود ، وكأن المعلوم صار عيانا ، والمعقول مشاهدا ، ~~والغيبة حضورا ، بنى أول الكلام على ما هو # 34 PageV01P033 ~~مبادئ حال العارف ؛ من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه ، والنظر في آلائه ، ~~والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه ، ثم قفى بما هو منتهى أمره ~~، وهو أن يخوض لجة الوصول ، ويصير من أهل المشاهدة ، فيراه عيانا ويناجيه ~~شفاها ، اللهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون التابعين للأثر. ومن عادة ~~العرب التفنن في الكلام والعدول عن أسلوب إلى آخر ، تطرية وتنشيطا للسامع ، ~~فتعدل من الخطاب إلى الغيبة ، ومن الغيبة إلى التكلم ، كقوله : {حتى إذا ~~كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح...} [يونس : 22] ، ولم يقل (بكم) ms0008 وقوله : ~~{أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد...} [فاطر : 9] ، أي : ولم يقل : ~~فساقه... انظر تمام كلامه. # والالتفات هذا في قوله : {إياك نعبد} ولم يقل : إياه نعبد ؛ لأن الظاهر ~~من قبل الغيبة ، وحسنه أن الموصوف تعين وصار حاضرا. # قال الأقليشي : فهذه الآية هي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : ~~" فإذا قال العبد : إياك نعبد وإياك نستعين ، يقول الله تعالى : هذه بيني ~~وبين عبدي ولعبدي ما سأل " معناه : أي عبد توجه إلي بالعبادة وسألني العون ~~عليها فعبادته متقبلة ، والعون مني له عليها حاصل حتى يوقعها على وجهها ، ~~فالعبادة وصف العبد ، والعون من الله تعالى للعبد ، فلهذا قال : " فهذه ~~بيني وبين عبدي ". # جزء : 1 رقم الصفحة : 33 # قال ابن جزي : أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا ، وفي هذا ~~دليل على بطلان قول القدرية والجبرية ، وأن الحق بين ذلك. # {الإشارة} : لما تجلى الحق جل جلاله من عالم الجبروت إلى عالم الملكوت ، ~~وحمد نفسه بنفسه ، تجلى أيضا وتنزل من عالم الملكوت إلى عالم الملك بقدرته ~~وحكمته ؛ # 35 PageV01P034 ~~لإظهار آثار أسمائه وصفاته ، فأظهر العبودية وأخفى الربوبية ، أظهر الحكمة ~~وأبطن القدرة ، فجعل عالم الحكمة يخاطب عالم القدرة ، ويخضع له ، ويتعبد ~~ويستمد ، منه الإعانة والهداية ، ويتحرز من طريق الضلالة والغواية. # فعالم الحكمة محل التكليف ، وعالم القدرة محل التصريف ، عالم الحكمة عالم ~~الأشباح ، وعالم القدرة عالم الأرواح ، فإياك نعبد لأهل عالم الحكمة ، ~~وإياك نستعين لأهل عالم القدرة ، ولذلك قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي ~~الله عنه : {إياك نعبد} شريعة ، و{إياك نستعين} حقيقة ، و{إياك نعبد} ~~إسلاما ، و{إياك نستعين} إحسانا ، {إياك نعبد} عبادة ، و{إياك نستعين} ~~عبودية ، {إياك نعبد} فرق ، {إياك نسعتين} جمع. ه. # وإن شئت قلت : {إياك نعبد} لأهل العمل لله وهم المخلصون ، و{إياك نستعين} ~~لأهل العمل بالله وهم الموحدون ، العمل لله يوجب المثوبة ، والعمل بالله ~~يوجب القربة ، العمل لله يوجب تحقيق العبادة ، والعمل بالله يوجب تصحيح ~~الإرادة ، العمل لله نعت كل عابد ، والعمل بالله نعت كل قاصد ، العمل لله ~~قيام بأحكام الظواهر ، والعمل بالله قيام ms0009 بإصلاح الصمائر ، قاله القشيري. # 36 # ثم إن الناس في شهود القدرة والحكمة على ثلاثة أقسام : قسم حجبوا بالحكمة ~~عن شهود القدرة ، وهم أهل الحجاب من أهل الغفلة ، وقفوا مع قوله : {إياك ~~نعبد} ، وقسم حجبوا بشهود القدرة عن الحكمة ، وهم أهل الفناء ، وقفوا مع ~~قوله : {إياك نستعين} ، وقسم لم يحجبوا بالحكمة عن القدرة ولا بالقدرة عن ~~الحكمة ، أعطوا كل ذي حق حقه ووفوا كل ذي قسط قسطه ، وهم أهل الكمال من أهل ~~البقاء ، جمعوا بين قوله : {إياك نعبد وإياك نستعين} ، وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 33 PageV01P035 ~~قلت : الهداية في الأصل : الدلالة بلطف ، ولذلك تستعمل في الخير ، وقوله : ~~{فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات : 23] على التهكم ، والفعل منه (هدى) ~~بالفتح ، وأصله أن يعدى باللام ، أو " إلى " ، فعومل هنا معاملة : {واختار ~~موسى قومه} [الأعراف : 155]. والصراط لغة : الطريق ، مشتق من سرط الطعام ~~إذا ابتعله ، فكأنها تبتلع السابلة ؛ أي المارة به ، وقلبت السين صادا ~~لتطابق الطاء في الإطباق ، وقد تشم زايا # 37 # لقرب المخرج ، و{المستقيم} : الذي لا عوج فيه ، والمراد به طريق الحق ~~الموصلة إلى الله. # يقول الحق جل جلاله : معلما لعباده كيف يطلبونه ، وما ينبغي لهم أن ~~يطلبوا ، أي : قولوا {اهدنا} أي : أرشدنا إلى الطريق المستقيم ، الموصلة ~~إلى حضرة النعيم ، والطريق المستقيم هو السير على الشريعة المحمدية في ~~الظاهر ، والتبري من الحول والقوة في الباطن ، أو تقول : هو أن يكون ظاهرك ~~شريعة وباطنك حقيقة ، ظاهرك عبودية وباطنك حرية ، الفرق على ظاهرك موجود ~~والجمع في باطنك مشهود ، وفي الحكم : " متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره ~~وفي الباطن مستسلما لقهره ، فقد أعظم المنة عليك ". # فالصراط المستقيم الذي أمرنا الحق بطلبه هو : الجمع بين الشريعة والحقيقة ، # 38 PageV01P036 ~~والمفهوم من قوله : {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة : 5] ، ولذلك وصله ~~به ، فكأن الحق - سبحانه - يقول : " يا عبادي احمدوني ومجدوني وأفردوني ~~بالقصد وخصوني بالعبادة ، وكونوا في ظاهركم مشتغلين بعبادتي ، وفي باطنكم ~~مستعينين بحولي وقوتي ، أو كونوا في ظاهركم متأدبين بخدمتي ، وفي باطنكم ~~مشاهدين لقدرتي وعظمة ربوبيتي ". وقال سيدنا علي - كرم الله ms0010 وجهه - : ~~(الصراط المستقيم هنا القرآن). وقال جابر رضي الله عنه : (هو الإسلام) يعني ~~الحنيفية السمحاء وقال سهل بن عبد الله : (هو طريق محمد صلى الله عليه ~~وسلم). يعني اتباع ما جاء به. وحاصله ما تقدم من إصلاح الظاهر بالشريعة ~~والباطن بالحقيقة ، فهذا هو الطريق المستقيم الذي من سلطه كان من الواصلين ~~المقربين مع النبيين والصديقين. # فإن قلت : إذا كان العبد ذاهبا على هذا المنهاج المستقيم ، فكيف يطلب ما ~~هو حاصل ؟ فالجواب : أنه طلب التثبيت على ما هو حاصل ، والإرشاد إلى ما هو ~~ليس بحاصل ، فأهل مقام الإسلام يطلبون # 39 # الثبات على الإسلام ، الذي هو حاصل ، والترقي إلى مقام الإيمان الذي ليس ~~بحاصل ، على طريق الصوفية ، الذين يخصون العمل الظاهر بمقام الإسلام ، ~~والعمل الباطن بمقام الإيمان ، وأهل الإيمان يطلبون الثبات على الإيمان ~~الذي هو حاصل ، والترقي إلى مقام الإحسان الذي ليس بحاصل ، وأهل مقام ~~الإحسان يطلبون الثبات على الإحسان ، والترقي إلى ما لا نهاية له من كشوفات ~~العرفان {وفوق كل ذى علم عليم} [يوسف : 76]. # جزء : 1 رقم الصفحة : 37 PageV01P037 ~~وقال الشيخ أبو العباس المرسى رضي الله عنه : {اهدنا الصراط المستقيم} ~~بالتثبيت فيما هو حاصل ، والإرشاد فيما ليس بحاصل ، ثم قال : عموم المؤمنين ~~يقولون : {اهدنا الصراط المستقيم} أي : بالتثبيت فيما هو حاصل ، والإرشاد ~~لما ليس بحاصل ، فإنه حصل لهم التوحيد وفاتهم درجات الصالحين ، والصالحون ~~يقولون : {اهدنا الصراط المستقيم} معناه : نسألك التثبيت فيما هو حاصل ~~والإرشاد إلى ما ليس بحاصل ، فإنهم حصل لهم الصلاح وفاتهم درجات الشهداء ، ~~والشهداء يقولون : {اهدنا الصراط المستقيم} أي بالتثبيت فيما هو حاصل ~~والإرشاد إلى ما ليس بحاصل ، فإنهم حصلت لهم الشهادة وفاتهم درجات الصديقين ~~، والصديقون يقولون : {اهدنا الصراط المستقيم} أي : بالتثبيت فيما هو حاصل ~~والإرشاد إلى ما ليس بحاصل ، فإنهم حصل لهم درجات الصديقين وفاتهم درجات ~~القطب ، والقطب يقول : {اهدنا الصراط المستقيم} بالتثبت فيما هو حاصل ~~والإرشاد إلى ما ليس بحاصل ، فإنه حصل له رتبة القطبانية ، وفاته علم ما ~~إذا شاء الله أن يطلعه عليه أطلعه. ه. # وقال ms0011 بعضهم : الهداية إما للعين وإما للأثر الدال على العين ، ولا نهاية ~~للأولى ، قلت : فالأولى لأهل الشهود والعيان ، والثانية لأهل الدليل ~~والبرهان ، فالهداية للعين هي الدلالة على الله. والهداية للأثر هي الدلالة ~~على العمل ، " من دلك على الله فقد نصحك ، ومن دلك على العمل فقد أتعبك ". ~~وإنما كانت الأولى لا نهاية لها ؛ لأن الترقي بعد المعرفة لا نهاية له. ~~بخلاف الدلالة على الأثر فنهايتها الوصول إلى العين ، إن كان الدال عارفا ~~بالطريق. # قال البيضاوي : وهداية الله تتنوع أنواعا لا يحصيها عد {وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوهآ} [إبراهيم : 34] لكنها تنحصر في أجناس مترتبة : # 40 # الأول : إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه ، ~~كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة. PageV01P038 # الثاني : نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد ، وإليه ~~الإشارة بقوله : {وهديناه النجدين} [البلد : 10] ، وقال : {فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت : 17]. # الثالث : الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وإياها عني بقوله : ~~{وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} [الأنبياء : 73] ، وقوله : {إن هذا القرءان ~~يهدى للتى هى أقوم} [الإسراء : 9]. # جزء : 1 رقم الصفحة : 37 # الرابع : أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي ~~والإلهام والمنامات الصادقة. وهذا يختص بنيله الأنبياء والأولياء ، وإياه ~~عني بقوله : {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام : 90] ، ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت : 69]. # فالمطلوب : إما زيادة ما منحوه من الهدى والثبات عليه ، أو حصول المراتب ~~المترتبة عليه ، فإذا قال العارف الواصل عنى بقوله : أرشدنا طريق السير فيك ~~، لتمحو عنا ظلمات أحوالنا ، وتميط غواشي أبداننا ، لنستضيء بنور قدسك ~~فنراك بنورك. ه. # قلت : قوله الرابع... الخ ، في عبارته قلق واختصار ، والصواب أن يقول : ~~الرابع - أن يكشف عن قلوبهم الظلم والأغيار ، ويشرق عليها الأنوار والأسرار ~~، ويريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام ، وباستعمال الفكرة في عظمة الملك ~~العلام ، حتى تستولي أنوار المعاني على حس الأواني ، ثم يقول : وهذا قسم ~~يختص بنيله الأنبياء والأولياء. # وقوله : فإذا قال العارف... الخ ، الصواب أن يقول : فإذا قاله المريد ~~السائر ؛ لأن الواصل انمحت عنه الظلمات كلها والغواشي ms0012 وسائر الأكدار ؛ لأن ~~الله تعالى غطى وصفه بوصفه ونعته بنعته ، فلم يبق له وصف ظلماني. وأيضا ~~قوله : [أرشدنا إلى طريق السير] إنما يناسب السائر دون الواصل ؛ لأن الواصل ~~ما بقي له إلا الترقي ، ولا يسمى في اصطلاح الصوفية [السير] إلا قبل ~~الوصول. والله تعالى أعلم. # 41 # جزء : 1 رقم الصفحة : 37 PageV01P039 ~~قلت : { صراط } بدل من الأول - بدل الكل من الكل - وهو في حكم تكرير العامل ~~من حيث إنه المقصود بالنسبة ، وفائدته : التوكيد والتنصيص على أن طريق ~~المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة ، على آكد وجه وأبلغه؛ لأنه جعله ~~كالتفسير والبيان له ، فكأنه من البين الذي لا خفاء فيه ، وأن الصراط ~~المستقيم ما يكون طريق المؤمنين ، و{ غير المغضوب عليهم } بدل من { الذين } ~~على معنى أن المنعم عليهم هم الذي سلموا من الغضب والضلال. أو صفة له مبينة ~~أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة ، وهي نعمة الإيمان ، ~~وبين السلامة من الغضب والضلال ، وذلك إنما يصح بأحد تأويلين : إجراء ~~الموصول مجرى النكرة ، إذ لم يقصد به معهود كالمعرف في قوله : # ولقد أمر على اللئيم يسبني... أو يجعل { غير } معرفة؛ لأنه أضيف إلى مآله ~~ضد واحد ، وهو المنعم عليه ، فيتعين تعين الحركة غير السكون ، وإلا لزم ~~عليه نعت المعرفة بالنكرة. فتأمله. # والغضب : ثوران النفس إرادة الانتقام ، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد ~~غايته وهو العقوبة ، و{ عليهم } نائب فاعل : و{ لا } مزيدة لتأكيد ما في { ~~غير } من معنى النفي ، فكأنه قال : ولا المغضوب عليهم ولا الضالين ، وقرأ ~~عمر رضي الله عنه : { وغير الضالين } ، والضلال : والعدول عن الطريق السوي ~~عمدا أو خطأ ، وله عرض عريض والتفاوت بين أدناه وأقصاه كبير. قاله ~~البيضاوي. # وإنما أسند النعمة إلى الله والغضب إلى المجهول تعليما للأدب ، { مآ ~~أصابك من حسنة فمن الله... } [ النساء : 79 ] الآية.قلت : { صراط } بدل من ~~الأول - بدل الكل من الكل - وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود ~~بالنسبة ، وفائدته : التوكيد والتنصيص على أن طريق المسلمين هو المشهود ~~عليه بالاستقامة ، على آكد ms0013 وجه وأبلغه؛ لأنه جعله كالتفسير والبيان له ، ~~فكأنه من البين الذي لا خفاء فيه ، وأن الصراط المستقيم ما يكون طريق ~~المؤمنين ، و { غير المغضوب عليهم } بدل من { الذين } على معنى أن ~~المنعم عليهم هم الذي سلموا من الغضب والضلال. أو صفة له مبينة ~~أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة ، وهي نعمة الإيمان ، ~~وبين السلامة من الغضب والضلال ، وذلك إنما يصح بأحد تأويلين : إجراء ~~الموصول مجرى النكرة ، إذ لم يقصد به معهود كالمعرف في قوله : ¶ ولقد ~~أمر على اللئيم يسبني... أو يجعل { غير } معرفة؛ لأنه أضيف ~~إلى مآله ضد واحد ، وهو المنعم عليه ، فيتعين تعين الحركة غير ~~السكون ، وإلا لزم عليه نعت المعرفة بالنكرة. فتأمله. ¶ والغضب : ~~ثوران النفس إرادة الانتقام ، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد غايته وهو ~~العقوبة ، و { عليهم } نائب فاعل : و { لا } مزيدة لتأكيد ما في { غير } ~~من معنى النفي ، فكأنه قال : ولا المغضوب عليهم ولا الضالين ، وقرأ عمر ~~رضي الله عنه : { وغير الضالين } ، والضلال : والعدول عن الطريق السوي ~~عمدا أو خطأ ، وله عرض عريض والتفاوت بين أدناه وأقصاه كبير. قاله ~~البيضاوي. ¶ وإنما أسند النعمة إلى الله والغضب إلى المجهول تعليما ~~للأدب ، { مآ أصابك من حسنة فمن الله... } [ النساء : ~~79 ] الآية. ----NO PAGE NO------ يقول الحق جل جلاله في تفسير الطريق المستقيم : هو طريق الذين أنعمت عليهم ~~بالهداية والاستقامة ، والمعرفة العامة والخاصة ، من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين ، والمنعم عليهم في الآية مطلق ، يصدق كل منعم عليه ~~بالمعرفة والاستقامة في دينه ، كالصحابة وأضرابهم ، وقيل : المراد بهم ~~أصحاب سييدنا موسى عليه السلام قبل التحريف. وقيل : أصحاب سيدنا عيسى قبل ~~التغيير. والتحقيق أنه عام. # قال البيضاوي : ونعم الله وإن كانت لا تحصى كما قال الله : { وإن تعدوا ~~نعمت الله لا تحصوهآ } [ إبراهيم : 34 ] تنحصر في جنسين : دنيوي وأخروي. # فالأول : وهو الدنيوي - قسمان : موهبي وكسبي ، والموهبي قسمان : روحاني ، ~~كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوي ، كالفهم والفكر والنطق ~~، وجسماني : كتخليق البدن بالقوة الحالة فيه والهيئات العارضة له من ms0014 الصحة ~~وكمال الأعضاء. والكسبي : كتزكية النفس عن الرذائل ، وتحليتها بالأخلاق ~~الحسنة والملكات الفاضلة ، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلي ~~المستحسنة ، وحصول الجاه والمال. # والثاني : وهو الأخروي : أن يغفر له ما فرط منه ويرضى عنه ويبوأه في أعلى ~~عليين ، مع الملائكة المقربين أبد الآبدين ، والمراد القسم الأخير ، وما ~~يكون وصلة إلى نيله من القسم الأول ، وأما ما عدا ذلك فيشترك فيه المؤمن ~~والكافر. أه .يقول الحق جل جلاله في تفسير الطريق المستقيم : هو طريق ~~الذين أنعمت عليهم بالهداية والاستقامة ، والمعرفة العامة والخاصة ، من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، والمنعم عليهم في الآية مطلق ، ~~يصدق كل منعم عليه بالمعرفة والاستقامة في دينه ، كالصحابة وأضرابهم ، ~~وقيل : المراد بهم أصحاب سييدنا موسى عليه السلام قبل التحريف. وقيل : ~~أصحاب سيدنا عيسى قبل التغيير. والتحقيق أنه عام. ¶ قال البيضاوي : ونعم ~~الله وإن كانت لا تحصى كما قال الله : { وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوهآ } [ إبراهيم : 34 ] تنحصر في جنسين : دنيوي وأخروي. ~~¶ فالأول : وهو الدنيوي - قسمان : موهبي وكسبي ، والموهبي قسمان : ~~روحاني ، كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوي ، كالفهم ~~والفكر والنطق ، وجسماني : كتخليق البدن بالقوة الحالة فيه والهيئات ~~العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء. والكسبي : كتزكية النفس عن الرذائل ، ~~وتحليتها بالأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة ، وتزيين البدن بالهيئات ~~المطبوعة والحلي المستحسنة ، وحصول الجاه والمال. ¶ والثاني : وهو ~~الأخروي : أن يغفر له ما فرط منه ويرضى عنه ويبوأه في أعلى عليين ، ~~مع الملائكة المقربين أبد الآبدين ، والمراد القسم الأخير ، وما يكون ~~وصلة إلى نيله من القسم الأول ، وأما ما عدا ذلك فيشترك فيه المؤمن ~~والكافر. أ ه . ----NO PAGE NO------ قال ابن جزي : النعم التي يقع عليها الشكر ثلاثة أقسام ، دنيوية : كالصحة ~~والعافية والمال الحلال. ودينية : كالعلم والتقوى والمعرفة. وأخروية : ~~كالثواب على العمل القليل بالعطاء الجزيل : وقال أيضا : والناس في الشكر ~~على مقامين : منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه ، الخاصة به ، ومنهم من ~~يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم. والشكر على ثلاث ~~درجات : فدرجة العوام ، الشكر ms0015 على النعم ، ودرجة الخواص : الشكر على النعم ~~والنقم وعلى كل حال ، ودرجة خواص الخواص : أن يغيب عن رؤية النعمة بمشاهدة ~~المنعم. قال رجل لإبراهيم بن أدهم رضي الله عنه : الفقراء إذا أعطوا شكروا ~~وإذا منعوا صببروا ، فقال إبراهيم : هذه أخلاق الكلاب ، ولكن القوم إذا ~~منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. أه # ثم احترس من الطريق غير المستقيمة ، فقال : { غير المغضوب عليهم } أي : ~~غير طريق الذين غضبت عليهم ، فلا تهدنا إليها ولا تسلك بنا سبيلها ، بل ~~سلمنا من مواردها. والمراد بهم : اليهود ، كذا فسرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، ويصدق بحسب العموم على كل من غضب الله عليهم ، { ولا الضالين } أي : ~~ولا طريق الضالين ، أي : التالفين عن الحق ، وهم النصارى كما قال صلى الله ~~عليه وسلم. والتفسيران مأخوذان من كتاب الله تعالى. قال تعالى في شأن ~~اليهود : { فبآءو بغضب على غضب } [ البقرة : 90 ] ، وقال في حق النصارى : { ~~قد ضلوا من قبل وأضلوا عن سوآء السبيل } [ المائدة : 77 }.قال ابن جزي : ~~النعم التي يقع عليها الشكر ثلاثة أقسام ، دنيوية : كالصحة والعافية والمال ~~الحلال. ودينية : كالعلم والتقوى والمعرفة. وأخروية : كالثواب على العمل ~~القليل بالعطاء الجزيل : وقال أيضا : والناس في الشكر على مقامين : منهم ~~من يشكر على النعم الواصلة إليه ، الخاصة به ، ومنهم من يشكر الله عن ~~جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم. والشكر على ثلاث درجات : فدرجة ~~العوام ، الشكر على النعم ، ودرجة الخواص : الشكر على النعم والنقم وعلى كل ~~حال ، ودرجة خواص الخواص : أن يغيب عن رؤية النعمة بمشاهدة المنعم. قال ~~رجل لإبراهيم بن أدهم رضي الله عنه : الفقراء إذا أعطوا شكروا وإذا ~~منعوا صببروا ، فقال إبراهيم : هذه أخلاق الكلاب ، ولكن القوم إذا ~~منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. أ ه ¶ ثم احترس من الطريق غير ~~المستقيمة ، فقال : { غير المغضوب عليهم } أي : غير طريق الذين غضبت عليهم ~~، فلا تهدنا إليها ولا تسلك بنا سبيلها ، بل سلمنا من مواردها. والمراد ~~بهم : اليهود ، كذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم ، ويصدق بحسب ~~العموم على كل من ms0016 غضب الله عليهم ، { ولا الضالين } أي : ولا طريق الضالين ~~، أي : التالفين عن الحق ، وهم النصارى كما قال صلى الله عليه وسلم. ~~والتفسيران مأخوذان من كتاب الله تعالى. قال تعالى في شأن اليهود : { ~~فبآءو بغضب على غضب } [ البقرة : 90 ] ، وقال في حق النصارى ~~: { قد ضلوا من قبل وأضلوا عن سوآء السبيل } [ ~~المائدة : 77 }. ----NO PAGE NO------ واعلم أن الحق - سبحانه - قسم خلقه على ثلاثة أقسام : قسم أعدهم للكرم ~~والإحسان ، ليظهر فيهم اسم الكريم أو الرحيم ، وهو المنعم عليه بالإيمان ~~والاستقامة. وقسم أعدهم للانتقام والغضب ، ليظهر فيهم اسمه المنتقم أو ~~القهار ، وهم المغضوب وعليهم والضالون عن طريق الحق عقلا أو عملا ، وهم ~~الكفار ، وقسم أعدهم الله للحلم والعفو ، ليظهر فيهم اسمه تعالى الحليم ~~والعفو ، وهم أهل العصيان من المؤمنين. # فمن رام أن يكون الوجود خاليا من هذه الأقسام الثلاثة ، وأن يكون الناس ~~كلهم سواء في الهداية أو ضدها ، فهو جاهل بالله وبأسمائه؛ إذ لا بد من ظهور ~~آثار أسمائه في هذا الآدمي ، من كرم وقهرية وحلم وغير ذلك. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الطريق المستقيم التي أمرنا الحق بطلبها هي : طريق الوصول إلى ~~الحضرة ، التي هي العلم بالله على نعت الشهود والعيان ، وهو مقام التوحيد ~~الخاص ، الذي هو أعلى درجات أهل التوحيد ، وليس فوقه إلا مقام توحيد ~~الأنبياء والرسل ، ولا بد فيه من تربية على يد شيخ كامل عارف بطريق السير ، ~~قد سلك المقامات ذوقا وكشفا ، وحاز مقام الفناء والبقاء ، وجمع بين الجذب ~~والسلوك؛ لأن الطريق عويص ، قليل خطاره ، كثير قطاعه ، وشيطان هذا الطريق ~~فقيه بمقاماته ونوازله ، فلا بد فيه من دليل ، وإلا ضل سالكها عن سواء ~~السبيل ، وإلا هذا المعنى أشار ابن البنا ، حيث قال : وإنما القوم ~~مسافرون... لحضرة الحق وظاعنون # فافتقروا فيه إلى دليل... ذي بصر بالسير والمقيل # قد سلك الطريق ثم عاد... ليخبر القوم بما استفادواعلم أن الحق - سبحانه - ~~قسم خلقه على ثلاثة أقسام : قسم أعدهم للكرم والإحسان ، ليظهر فيهم ~~اسم الكريم أو الرحيم ، وهو المنعم عليه بالإيمان والاستقامة. وقسم أعدهم ms0017 ~~للانتقام والغضب ، ليظهر فيهم اسمه المنتقم أو القهار ، وهم المغضوب ~~وعليهم والضالون عن طريق الحق عقلا أو عملا ، وهم الكفار ، وقسم أعدهم ~~الله للحلم والعفو ، ليظهر فيهم اسمه تعالى الحليم والعفو ، وهم أهل ~~العصيان من المؤمنين. ¶ فمن رام أن يكون الوجود خاليا من هذه الأقسام ~~الثلاثة ، وأن يكون الناس كلهم سواء في الهداية أو ضدها ، فهو جاهل بالله ~~وبأسمائه؛ إذ لا بد من ظهور آثار أسمائه في هذا الآدمي ، من كرم وقهرية ~~وحلم وغير ذلك. والله تعالى أعلم. ¶ الإشارة : الطريق المستقيم التي ~~أمرنا الحق بطلبها هي : طريق الوصول إلى الحضرة ، التي هي العلم بالله على ~~نعت الشهود والعيان ، وهو مقام التوحيد الخاص ، الذي هو أعلى درجات أهل ~~التوحيد ، وليس فوقه إلا مقام توحيد الأنبياء والرسل ، ولا بد فيه من ~~تربية على يد شيخ كامل عارف بطريق السير ، قد سلك المقامات ذوقا وكشفا ، ~~وحاز مقام الفناء والبقاء ، وجمع بين الجذب والسلوك؛ لأن الطريق عويص ، ~~قليل خطاره ، كثير قطاعه ، وشيطان هذا الطريق فقيه بمقاماته ~~ونوازله ، فلا بد فيه من دليل ، وإلا ضل سالكها عن سواء السبيل ، وإلا ~~هذا المعنى أشار ابن البنا ، حيث قال : وإنما القوم ~~مسافرون... لحضرة الحق وظاعنون ¶ فافتقروا فيه ~~إلى دليل... ذي بصر بالسير والمقيل ¶ قد سلك ~~الطريق ثم عاد... ليخبر القوم بما استفاد ----NO PAGE NO------ وقال في لطائف المنن : ( من لم يكن له أستاذ يصله بسلسلة الأتباع ، ويكشف ~~له عن قلبه القناع ، فهو في هذا الشأن لقيط لا أب له ، دعي لا نسب له ، فإن ~~يكن له نور فالغالب غلبة الحال عليه ، والغالب عليه وقوفه مع ما يرد من ~~الله إليه ، لم ترضه سياسة التأديب والتهذيب ، ولم يقده زمانم التربية ~~والتدريب ) ، فهذا الطريق الذي ذكرنا هو الذي يستشعره القارئ للفاتحة عند ~~قوله : { اهدنا الصراط المستقيم } مع الترقي الذي ذكره الشيخ أو العباس ~~المرسي رضي الله عنه المتقدم ، وإذا قرأ { صراط الذين أنعمت عليهم } استشعر ~~، أي : أنعمت عليهم بالوصول والتمكين في معرفتك. # وقال الورتجبي : اهدنا مرادك منا؛ لأن الصراط ms0018 المستقيم ما أراد الحق من ~~الخلق ، من الصدق والإخلاص في عبوديته وخدمته. ثم قال : وقيل : اهدنا هدى ~~العيان بعد البيان ، لتستقيم لك حسب إرادتك. وقيل : اهدنا هدى من يكون منك ~~مبدؤه ليكون إليك منتهاه. ثم قال : وقال بعضهم : اهدنا ، أي : ثبتنا على ~~الطريق الذي لا اعوجاج فيه ، منازل الذين أنعمت عليهم بالمعرفة والمحبة ~~وحسن الأدب في الخدمة. ثم قال : وقال بعضهم : اهدنا ، أي : ثبتنا على ~~الطريق الذي لا اعوجاج فيه ، وهو الإسلام ، وهو الطريق المستقيم والمنهاج ~~القويم { صراط الذين أنعمت عليهم } أي : منازل الذين أنعمت عليهم بالمعرفة ~~والمحبة وحسن الأدب في الخدمة. ثم قال : { غير المغضوب عليهم } يعني : ~~المطرودين عن باب العبودية ، { ولا الضالين } يعني المفلسين عن نفائس ~~المعرفة. أهوقال في لطائف المنن : ( من لم يكن له أستاذ يصله بسلسلة ~~الأتباع ، ويكشف له عن قلبه القناع ، فهو في هذا الشأن لقيط لا أب له ، ~~دعي لا نسب له ، فإن يكن له نور فالغالب غلبة الحال عليه ، والغالب ~~عليه وقوفه مع ما يرد من الله إليه ، لم ترضه سياسة التأديب والتهذيب ~~، ولم يقده زمانم التربية والتدريب ) ، فهذا الطريق الذي ذكرنا هو ~~الذي يستشعره القارئ للفاتحة عند قوله : { اهدنا الصراط المستقيم } مع ~~الترقي الذي ذكره الشيخ أو العباس المرسي رضي الله عنه المتقدم ، وإذا قرأ ~~{ صراط الذين أنعمت عليهم } استشعر ، أي : أنعمت عليهم بالوصول والتمكين ~~في معرفتك. ¶ وقال الورتجبي : اهدنا مرادك منا؛ لأن الصراط المستقيم ~~ما أراد الحق من الخلق ، من الصدق والإخلاص في عبوديته وخدمته. ثم قال : ~~وقيل : اهدنا هدى العيان بعد البيان ، لتستقيم لك حسب إرادتك. وقيل : ~~اهدنا هدى من يكون منك مبدؤه ليكون إليك منتهاه. ثم قال : وقال بعضهم : ~~اهدنا ، أي : ثبتنا على الطريق الذي لا اعوجاج فيه ، منازل الذين أنعمت ~~عليهم بالمعرفة والمحبة وحسن الأدب في الخدمة. ثم قال : وقال بعضهم : اهدنا ~~، أي : ثبتنا على الطريق الذي لا اعوجاج فيه ، وهو الإسلام ، وهو الطريق ~~المستقيم والمنهاج القويم { صراط الذين أنعمت عليهم } أي : منازل الذين ~~أنعمت عليهم بالمعرفة والمحبة ms0019 وحسن الأدب في الخدمة. ثم قال : { غير ~~المغضوب عليهم } يعني : المطرودين عن باب العبودية ، { ولا الضالين } يعني ~~المفلسين عن نفائس المعرفة. أ ه ----NO PAGE NO------ قلت : والأحسن أن يقال : { غير المغضوب عليهم } هم الذين أوقفهم عن السير ~~اتباع الحظوظ والشهوات ، فأوقعهم في مهاوي العصيان والمخالفات ، { ولا ~~الضالين } هم الذين حبسهم الجهل والتقليد ، فلم تنفذ بصائرهم إلى خالص ~~التوحيد ، فنكصوا عن توحيد العيان إلى توحيد والبرهان ، وهو ضلال عند أهل ~~الشهود والعيان ، ولو بلغ في الصلاح غاية الإمكان. # وقال في الإحياء : إذا قلت : { بسم الله الرحمن الرحيم } فافهم أن الأمور ~~كلها بالله ، وأن المراد ها هنا المسمى ، وإذا كانت الأمور كلها بالله فلا ~~جرم أن الحمد كله لله ، ثم قال : وإذا قلت : { الرحمن الرحيم } فأحضر في ~~قلبك أنواع لطفه لتتفتح لك رحمته فينبعث به رجاؤك ، ثم استشعر من قلبك ~~التعظيم والخوف من قولك : { يوم الدين }. ثم قال : ثم جدد الإخلاص بقولك : ~~{ إياك نعبد }. وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك : { ~~وإياك نستعين } ، ثم اطلب اسم حاجتك ، وقل : { اهدنا الصراط المستقيم } ~~الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك ، وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا ، ~~واستشهد بالذين أفاض عليهم نعم الهداية من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين ، دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين واليهود والنصارى ~~والصابئين. أه ملخصا. # وقال القشيري : قوله تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم } الأمر في هذه ~~الآية مضمر ، أي : قولوا : اهدنا. والصراط المستقيم : طريق الحق ، وهو ما ~~عليه أهل التوحيد ، أي : أرشدنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات ، ~~فيقع على وجه التوحيد غبار الظنون والحسابات لتكون دليلنا عليك ، ثم قال : ~~{ صراط الذين أنعمت عليهم } أي : الواصلين بك إليك ، ثم قال : { غير ~~المغضوب عليهم } بنسيان التوفيق والتعامي عن رؤية التأييد ، { ولا الضالين ~~} عن شهود سابق الاختيار ، وجريان تصاريف الأقدار. أهقلت : والأحسن أن يقال ~~: { غير المغضوب عليهم } هم الذين أوقفهم عن السير اتباع الحظوظ ~~والشهوات ، فأوقعهم في مهاوي العصيان والمخالفات ، { ولا الضالين } هم ~~الذين حبسهم الجهل والتقليد ، فلم تنفذ بصائرهم إلى خالص ms0020 التوحيد ، ~~فنكصوا عن توحيد العيان إلى توحيد والبرهان ، وهو ضلال عند أهل الشهود ~~والعيان ، ولو بلغ في الصلاح غاية الإمكان. ¶ وقال في الإحياء : إذا قلت ~~: { بسم الله الرحمن الرحيم } فافهم أن الأمور كلها بالله ، وأن المراد ~~ها هنا المسمى ، وإذا كانت الأمور كلها بالله فلا جرم أن الحمد كله ~~لله ، ثم قال : وإذا قلت : { الرحمن الرحيم } فأحضر في قلبك أنواع لطفه ~~لتتفتح لك رحمته فينبعث به رجاؤك ، ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف من ~~قولك : { يوم الدين }. ثم قال : ثم جدد الإخلاص بقولك : { إياك نعبد }. ~~وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك : { وإياك ~~نستعين } ، ثم اطلب اسم حاجتك ، وقل : { اهدنا الصراط المستقيم } الذي ~~يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك ، وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا ~~، واستشهد بالذين أفاض عليهم نعم الهداية من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين ، دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين واليهود والنصارى ~~والصابئين. أ ه ملخصا. ¶ وقال القشيري : قوله تعالى : { اهدنا الصراط ~~المستقيم } الأمر في هذه الآية مضمر ، أي : قولوا : اهدنا. والصراط ~~المستقيم : طريق الحق ، وهو ما عليه أهل التوحيد ، أي : أرشدنا إلى الحق ~~لئلا نتكل على وسائط المعاملات ، فيقع على وجه التوحيد غبار الظنون ~~والحسابات لتكون دليلنا عليك ، ثم قال : { صراط الذين أنعمت عليهم } أي : ~~الواصلين بك إليك ، ثم قال : { غير المغضوب عليهم } بنسيان التوفيق ~~والتعامي عن رؤية التأييد ، { ولا الضالين } عن شهود سابق الاختيار ، ~~وجريان تصاريف الأقدار. أ ه ----NO PAGE NO------ ### | AUTO سورة البقرة # جزء : 1 رقم الصفحة : 41 # {الم} # وقد حارت العقول في رموز الحكماء ، فكيف بالأنبياء ؟ فكيف بالمرسلين ؟ ~~فكيف بسيد المرسلين ؟ ، فكيف يطمع أحد في إدراك حقائق رموز رب العالمين ؟ ! ~~قال الصديق رضي الله عنه : (في كل كتاب سر ، وسر القرآن فواتح السور). ه. ~~فمعرفة أسرار هذه الحروف لا يقف عليها إلا الصفوة من أكابر الأولياء. وكل ~~واحد يلمع له على قدر صفاء شربه. # وأقرب ما فيها أنها أشياء أقسم الله بها لشرفها. فقيل : إنها مختصرة من ~~أسمائه تعالى ، فالألف من الله ، واللام ms0021 من اللطيف ، والميم من مهيمن أو ~~مجيد. وقيل : من أسماء نبيه صلى الله عليه وسلم فالميم مختصرة إما من ~~المصطفى ، ويدل عليه زيادة الصاد في {المص} # 51 # [الأعراف : 1] ، أو من المرسل ، ويدل عليه زيادة في الراء {المر} [الرعد ~~: 1]. و{الر} [الحجر : 1] مختصرة من الرسول. فكأن الحق تعالى يقول : يا ~~أيها المصطفى أو يا أيها الرسول {ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة : 2] أو ~~هذا {كتاب أنزل إليك} [الأعراف : 2] أو غير ذلك ، ويدل على هذا توجيه ~~الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم بعد هذه الرموز. و{كهيعص} [مريم : 1] ~~مختصرة من الكافي والهادي والولي والعالم والصادق ، و{طه} [طه : 1] من طاهر ~~، و{طس} [النمل : 1] من يا طاهر يا سيد ، ويا محمد في {طسم} [الشعراء : 1] ~~، إلى غير ذلك. PageV01P040 # وعند أهل الإشارة يقول الحق جل جلاله : ألف : أفرد سرك إلي ، انفراد الألف ~~عن سائر الحروف ، واللام : لين جوارحك لعبادتي ، والميم : أقم معي بمحو ~~رسومك وصفاتك ، أزينك بصفاء الأنس والقرب مني. قاله الثعلبي. # قلت : والأظهر أنها حروف تشير للعوالم الثلاثة ، فالألف لوحدة الذات في ~~عالم الجبروت ، واللام لظهور أسرارها في عالم الملكوت ، والميم لسريان ~~أمدادها في عالم الرحموت ، والصاد لظهور تصرفها في عالم الملك. وكل حرف من ~~هذه الرموز يدل على ظهور أثر الذات في عالم الشهادة ، فالألف يشير إلى ~~سريان الوحدة في مظاهر الأكوان ، واللام : يشير إلى فيضان أنوار الملكوت من ~~بحر الجبروت ، والميم يشير إلى تصرف الملك في عالم الملك ، وكأن الحق تعالى ~~يقول : هذا الكتاب الذي تتلو يا محمد - هو فائض من بحر الجبروت إلى عالم ~~الملكوت ، ومن عالم الملكوت إلى الرحموت ، ثم نزل به الروح الأمين إلى عالم ~~الملك والشهادة ، فلا ينبغي أن يرتاب فيه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 51 # {ذلك الكتاب لا ريب فيه...} # قلت : الريب : تحرك القلب واضطرابه بالشكوك والأوهام ، وتقابله الطمأنينة ~~بالسكون إلى الحق على الدوام. # يقول الحق جل جلاله : يا أيها الرسول المصطفى والنبي المجتبى {ذلك ~~الكتاب} الذي أنزلناه عليه من جبروت قدسنا وملكوت عزنا {لا ريب فيه} أنه من ~~عندنا. فمن ms0022 ارتاب فيه ، أو نسبه إلى غيرنا ، فقد استحق البعد من ساحة ~~رحمتنا ، وحلت عليه شدائد نقمتنا ، ومن تحقق به أنه من لدنا ، وآمن بمن جاء ~~به من عندنا ، فقد استحق دخول حضرة قدسنا حتى يسمع منا ويتكلم بنا ، فإذا ~~أحببته كنت له ، فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يتكلم... الحديث. فيكون من ~~الصديقين المقربين مع النبيين والمرسلين ، وكان في ذروة درجات المتقين ، ~~الذين يهتدون بهدي القرآن المبين ، كما أشار إلى ذلك بقوله : # 52 PageV01P041 ~~{... هدى للمتقين} قلت : {هدى} خبر عن مبتدأ مضمر ، أو مبتدأ بتقديم الخبر. ~~أي : هو هاد للمتقين ، أو فيه الهدى لهم. والهدى : هو الإرشاد والبيان ، ~~ومعناه : الدلالة الموصلة إلى الحق. والمتقي : من جعل بينه وبين مقت الله ~~وقاية ، وله ثلاث درجات : # * حفظ الجوارح من المخالفات ، # * وحفظ القلوب من المساوئ والهفوات ، # * وحفظ السرائر من الوقوف مع المحسوسات ، # فالأولى لمقام الإسلام ، وإليه توجه الخطاب بقوله : {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} [التغابن : 16] ، والثانية لمقام الإيمان ، وإليه توجه الخطاب ~~بقوله : {فاتقوا الله يأولي الألباب} [المائدة : 100] ، والثالثة لمقام ~~الإحسان ، وإليه توجه الخطاب بقوله : {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران : 102]. # يقول الحق جل جلاله : {ذلك الكتاب} الذي لا يقرب ساحته شك ولا ارتياب ، ~~هو عين الهداية لأهل التقى من ذوي الألباب ، فلا يزالون يترقون به في ~~المقامات والأحوال حتى يسمعوه من الكبير المتعال ، بلا واسطة تبليغ ولا ~~إرسال ، قد انمحت في حقهم الرسوم والأشكال ، وهذه غاية الهداية ، وتحقيق ~~سابق العناية. # قال جعفر الصادق : (والله لقد تجلى الله تعالى لخلقه في كلامه ولكن لا ~~يشعرون). # وقال أيضا - وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشيا عليه ، فلما ~~سري عنه ، قيل له في ذلك فقال : (ما زلت أرددت الآية على قلبي حتى سمعتها ~~من المتكلم بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته). # جزء : 1 رقم الصفحة : 52 # فدرجات القراءة ثلاث : # أدناها : أن يقرأ العبد كانه يقرأ على الله تعالى واقفا بين يديه ، وهو ~~ناظر له ومستمع منه ، فيكون حاله السؤال والتملق والتضرع والابتهال. # والثانية : أن يشهد بقلبه ms0023 كأن الله تعالى يخاطبه بألفاظه ، ويناجيه ~~بإنعامه وإحسانه ، فمقامه الحياء والتعظيم ، والإصغاء والفهم. PageV01P042 # والثالثة : أن يرى في الكلام المتكلم ، فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ، ~~بل يكون فانيا عن نفسه ، غائبا في شهود ربه ، لم يبق له عن نفسه إخبار ولا ~~مع غير الله قرار. # فالأولى لأهل الفناء في الأفعال ، والثانية لأهل الفناء في الصفات ، ~~والثالثة لأهل الفناء في شهود الذات ، رضي الله عنهم ، وحشرنا على ~~منهاجهم... آمين. # 53 # جزء : 1 رقم الصفحة : 52 # قلت : هذه الأوصاف تتضمن ثلاثة أعمال ، الأول : عمل قلبي وهو الإيمان ، ~~والثاني : عمل بدني ، وهو الصلاة ، والثالث : عمل مالي ، وهو الإنفاق في ~~سبيل الله ، وهذه الأعمال هي أساس التقوى التي تدور عليها. # أما العمل القلبي : فهو الإيمان أولا ، والمعرفة ثانيا ، فما دام العبد ~~محجوبا بشهود نفسه ، محصورا في الأكوان وفي هيكل ذاته فهو مؤمن بالغيب ، ~~يؤمن بوجود الحق تعالى ، وبما أخبر به من أمور الغيب ، يستدل بوجود أثره ~~عليه ، فإذا فني عن نفسه وتلطفت دائرة حسه ، وخرجت فكرته عن دائرة الأكوان ~~، أفضى إلى الشهود والعيان ، فصار الغيب عنده شهادة ، والملك ملكوتا ، ~~والمستقبل حالا ، والآتي واقعا ، وقد قلت ذلك : # فلا ترضى بغير الله حبا # وكن أبدا بعشق واشتياق # ترى الأمر المغيب ذا عيان # تحظى بالوصول وبالتلاقي # وفي الحكم : " لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل ~~إليها ، ولرأيت بهجة الدنيا وكسوة الفناء ظاهرة عليها " وقال في التنوير : ~~ولو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان ، ولأشرق نور الإيقان ~~فغطى وجود الأكوان. ه. # وإنما اقتصر الحق تعالى على الإيمان بالغيب لأنه هو المكلف به ؛ إذ هو ~~الذي يطيقه جل العباد ، بخلاف المعرفة الخاصة فلا يطيقها إلا الخصوص ، ~~والله تعالى أعلم. PageV01P043 # وأما العمل البدني : فهو إقامة الصلاة ، والمراد بإقامتها إتقان شروطها ~~وأركانها وخشوعها ، وحفظ السر فيها ، قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله ~~عنه : (كل موضع ذكر فيه المصلون في معرض المدح فإنما جاء لمن أقام الصلاة ، ~~إما بلفظ الإقامة ، وإما بمعنى يرجع ms0024 إليها ، قال تعالى {الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة} ، وقال تعالى : {أقم الصلاة} [الإسراء : 78] ، ~~{والمقيمى الصلاة} [الحج : 35] ، ولما ذكر المصلين بالغفلة قال : {فويل ~~للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} [الماعون : 4 ، 5] ولم يقل : فويل ~~للمقيمين الصلاة). # جزء : 1 رقم الصفحة : 54 # وأما العمل المالي فهو الإنفاق في سبيل الله واجبا أو مندوبا ، وهو من ~~أفضل القربات ، يقول الله - تبارك وتعالى : " يا ابن آدم أنفق ، أنفق عليك ~~" ، وفي حديث آخر : " أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا " وقال صلى الله ~~عليه وسلم : " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها " ~~، قيل : لمن هي يا رسول الله ؟ قال : " لمن أطعم الطعام ، # 54 PageV01P044 ~~وأفشى ، السلام ، وصلى بالليل والناس نيام " وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ~~: " إن الله - عز وجل - ليدخل باللقمة من الخبز والقبضة من التمر ومثله مما ~~ينتفع به المسكين ثلاثة ، الجنة : رب البيت الآمر به ، والزوجة تصلحه ، ~~والخادم الذي يناوله المسكين " وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : " إن الصدقة ~~لتسد سبعين بابا من السوء " وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : " صنائع ~~المعروف تقي مصارع السوء ، وصدقة السر تطفئ غضب الرب ، وصلة الرحم تزيد في ~~العمر ". الإشارة : يا من غرق في بحر الذات وتيار الصفات {ذلك الكتاب} الذي ~~تسمع من أنوار ملكوتنا ، وأسرار جبروتنا {لا ريب فيه} أنه من عندنا ، فلا ~~تسمعه من غيرها ، {فإذا قرأناه فاتبع قرءانه} [القيامة : 18] ، فهو هاد ~~لشهود ذاتنا ، ومرشد للوصول إلى حضرتنا ، لمن اتقى شهود غيرنا ، وغرق في ~~بحر وحدتنا ، الذي يؤمن بغيب غيبنا ، وأسرار جبروتنا ، التي لا تحيط بها ~~العلوم ، ولا تسمو إلى نهايتها الأفكار والفهوم ، الذي جمع بين مشاهدة ~~الربوبية ، والقيام بوظائف العبودية ، إظهارا لسر الحكمة بعد التحقق بشهود ~~القدرة ، فهو على صلاته دائم ، وقلبه في غيب الملكوت هائم ، ينفق مما رزقه ~~الله من أسرار العلوم ومخازن الفهوم ، فهو دائما ينفق من سعة علمه وأنوار ~~فيضه ، فلا جرم أنه على بينة من ربه. # ولما ذكر الحق تعالى من آمن من العرب ، ذكر من ms0025 آمن من أهل الكتاب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 54 PageV01P045 ~~قلت : الموصول مبتدأ ، و{أولئك} خبره ، أو عطف على {المتقين} ، وحذف المنزل ~~عليه في جانب الكتب المتقدمة ، فلم يقل : وما أنزل على من قبلك ؛ إشارة إلى ~~أن الإيمان بالكتب المتقدمة دون معرفة أعيان المنزل عليهم كاف ، إلا من ورد ~~تعيينه في الكتاب والسنة فلا بد من الإيمان به ، أما القرآن العظيم فلا بد ~~من الإيمان أنه منزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن اعتقد أنه ~~منزل على غيره كالروافض فإنه كافر بإجماع ، ولذلك ذكر المتعلق بقوله : {بما ~~أنزل إليك}. # يقول الحق جل جلاله : {والذين} يصدقون {بما أنزل إليك} يا محمد من ~~الأخبار الغيبية والأحكام الشرعية ، والأسرار الربانية والعلوم اللدنية ~~{وما أنزل من قبلك} من الكتب السماوية ، والأخبار القدسية ، وهم {يوقنون} ~~بالبعث والحساب والرجوع إلينا والمآب ، على نعت ما أخبرت به في كتابي ~~وأخبار أنبيائي ، {أولئك} راكبون على متن الهداية ، مستعلون على محمل ~~العناية ، محفوفون بجيش النصر والرعاية ، {وأولئك هم} الظافرون بكل مطلوب ، ~~الناجون من كل مخوف ومرهوب ، دون من عداهم ممن سبق له # 55 # الخذلان ، فلم يكن له إيمان ولا إيقان ، فلا هداية له ولا نجاح ، ولا ~~نجاة له ولا فلاح ، نسأل الله العصمة بمنه وكرمه. PageV01P046 # الإشارة : قلت : كأن الآية الأولى في الواصلين ، والثانية في السائرين ، ~~لأن الأولين وصفهم بالإنفاق من سعة علومهم ، وهؤلاء وصفهم بالتصديق في ~~قلوبهم ، فإن داموا على السير كانوا مفلحين فائزين بما فاز به الأولون. ~~فأهل الآية الأولى من أهل الشهود والعيان ، وأهل الثانية من أهل التصديق ~~والإيمان. أهل الأولى ذاقوا طعم الخصوصية ، فقاموا بشهود الربوبية وآداب ~~العبودية ، وأهل الثانية صدقوا بنزول الخصوصية ودوامها ، واستنشقوا شيئا من ~~روائح أسرارها وعلومها ، فهم يوقنون بوجود الحقيقة ، عالمون برسوم الطريقة ~~، فلا جرم أنهم على الجادة وطريق الهداية ، وهم مفلحون بالوصول إلى عين ~~العناية.دون الفرقة الثالثة التي هي الإنكار موسومة ، ومن نيل العناية ~~محرومة ، التي أشار إليها الحق تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 55 # قلت : {سواء} خبر مقدم ، و{أنذرتهم} مبتدأ ms0026 لسبك همزة التسوية ، أي : ~~الإنذار وعدمه سواء في حق هؤلاء الكفرة ، والجملة خبر إن ، و{غشاوة} مبتدأ ~~، والجار قبله خبره ، والغشاوة : ما يغشى الشيء ويغطيه ، كنى به عن مانع ~~قهرهم عن الإيمان. # يقول الحق جل جلاله : يا محمد {إن الذين كفروا} بما أنزل إليك جهرا ، ~~وسبقت لهم مني الشقاوة سرا ، لا ينفع فيهم الوعظ والإنذار ، ولا البشارة ~~والتذكار ، فإنذارك وعدمه في حقهم سواء ، لما سبق لهم مني الطرد والشقاء ، ~~فالتذكير في حقهم عناء ، والغيبة عن أحوالهم راحة وهناء ، لأني ختمت على ~~قلوبهم بطابع الكفران ، فلا يهتدون إلى إسلام ولا إيمان ، ومنعت أسماعهم أن ~~تصغي إلى الوعظ والتذكير ، فلا ينجع فيهم تخويف ولا تحذير ، وغشيت أبصارهم ~~بظلمة الحجاب فلا يبصرون الحق والصواب ، قد أعددتهم لعذابي ونقمتي ، ~~وطردتهم عن ساحة رحمتي ونعمتي. PageV01P047 # وإنما أمرتك بإنذارهم لإقامة الحجة عليهم ، وإني وإن حكمت عليهم أنهم من ~~أهل مخالفتي وعنادي ؛ فإني لا أظلم أحدا من خلقي وعبادي ، {قل فلله الحجة ~~البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين} [الأنعام : 149]. فما ظلمتهم ؛ لأني بعثت ~~الرسل مبشرين ومنذرين ، ولكن ظلموا أنفسهم فكانوا هم الظالمين ، فحكمتي ~~اقتضيت الإنذار ، وقدرتي اقتضت القهر والإجبار ، فالواجب عليك أيها العبد ~~أن تكون لك عينان : عين تنظر لحكمتي وشريعتي فتتأدب ، وعين تنظر لقدرتي ~~وحقيقتي فتسلم ، وتكون بي الأمن # 56 # والرهب ، فلا تأمن مكري وإن أمنتك ، ولا تيأس من حلمي وإن أبعدتك ، فعلمي ~~لا يحيط به محيط ، إلا من هو بكل شيء محيط. # الإشارة : إن الذين أنكروا وجود الخصوصية ، جحدوا أهل مشاهدة الربوبية من ~~أهل التربية النبوية ، لا ينفع فيهم الوعظ والتذكير ، بما سبق لهم في علم ~~الملك القدير ، فسواء عليهم أأنذرتهم وبال القطيعة والحجاب ، أم لم تنذرهم ~~؛ لعدم فتح الباب ، قد ختم الله على قلوبهم بالعوائد والشهوات ، أو حلاوة ~~الزهد والطاعات ، أو تحرير المسائل والمشكلات ، وعلى سمع قلوبهم بالخواطر ~~والغفلات ، وجعل على أبصارهم غشاوة الحجاب ، فلا يبصرون إلا المحسوسات ، ~~غائبون عن أسرار المعاني وأنوار التجليات ، بخلاف قلوب العارفين ، فإنها ~~ترى من أسرار المعاني ما لا يرى للناظرين ms0027 ، وفي ذلك يقول الشاعر : # جزء : 1 رقم الصفحة : 56 # قلوب العارفين لها عيون # ترى ما لا يرى للناظرينا # وألسنة بأسرار تناجي # تغيب عن الكرام الكاتبينا # وأجنحة تطير بغير ريش # إلى ملكوت رب العالمينا PageV01P048 ~~فسبحان من حجب العالمين بصلاحهم عن مصلحهم ، وحجب العلماء بعلمهم عن ~~معلومهم ، واختص قوما بنفوذ عزائمهم إلى مشاهدة ذات محبوبهم ، فهم في رياض ~~ملكوته يتنزهون ، وفي بحار جبروته يسبحون ، {لمثل هذا فليعمل العاملون} ~~[الصافات : 61]. # ولما ذكر الحق - جل جلاله - من أعلن بالإنكار ، ذكر من أسر بالجحود وأظهر ~~الإقرار. # جزء : 1 رقم الصفحة : 56 # قلت : {من} موصوفة مبتدأ ، والخبر مقدم ، أي : ومن الناس ناس يقولون كذا ~~، والمخادعة : إظهار خلاف ما يخفي من المكروه ، وأصل الخدع : الإخفاء ، ~~ومنه المخدع للبيت الذي يخبأ فيه المتاع. وقيل : الفساد لأن المنافقين ~~يفسدون إيمانهم بما يخفون ، وجملة {وما يشعرون} حالية ، أي : غير شاعرين ، ~~والشعور : التفطن ، وفعله من باب كرم ونصر. وليت شعري : أي : ليت فطنتي ~~تدرك هذا ، وجملة {في قلوبهم مرض} تعليلية للمخادعة ، والمرض : الضعف ~~والفتور ، وهو هنا مرض القلوب بالشك والنفاق. والعياذ بالله. # 57 # يقول الحق جل جلاله : {ومن الناس} من هم مغموص عليهم بالنفاق كبعض اليهود ~~والمنافقين ، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، يقولون : {آمنا بالله ~~وباليوم الآخر} وما هم في عداد المؤمنين ، {يخادعون} بزعمهم {الله والذين ~~آمنوا} بما يظهرون من الإيمان ، {وما يخدعون} في الحقيقة {إلا أنفسهم} ؛ ~~لأن وبال خداعهم راجع إليهم ، {وما يشعرون} أن خداعهم وبال عليهم ، وإنما ~~حصلت لهم هذه المخادعة لأن {في قلوبهم} مرضا من الشك والحسد ، فقلوبهم ~~مذبذبة ، وأنفسهم مغمومة ، {فزادهم الله مرضا} على مرضهم بما ينزل عليهم من ~~الآيات التي تفضحهم ، {ولهم} في الآخرة - إذا قدموا على الله - {عذاب} موجع ~~بسبب تكذيبهم رسول الله أو كذبهم على الله. هذا مضمن الآية. PageV01P049 # افتتح الحق - جل جلاله - بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ~~ألسنتهم ، ثم ثنى بالكافرين الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا ، ثم ثلث ~~بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وهم أخبث الكفرة ؛ ~~لأنهم ms0028 خلطوا بالكفر استهزاء وخداعا ، ولذلك كانوا في الدرك الأسفل من النار. # الإشارة : ومن الناس من يترامى بالدعوى على الخصوصية ، ويدعي تحقيق ~~مشاهدة الربوبية ، وهو في الدرك الأسفل من العمومية ، يظهر خلوص الإيمان ~~وتحقيق العرفان ، وهو في أودية الشكوك والخواطر حيران ، وفي فيافي القطيعة ~~والفرق ظمآن ، لسانه منطلق بالدعوى ، وقلبه خارب من الهدي ، يخادع الله ~~بالرضا عن عيوبه ومساوئه ، ويخادع المسلمين بتزيين ظاهره ، وباطنه معمور ~~بحظوظه ومهاويه ، يتزيى بزي العارفين ويتعامل معاملة الجاهلين ، ويصدق عليه ~~قول القائل : # جزء : 1 رقم الصفحة : 57 # أما الخيام فإنها كخيامهم # وأرى نساء الحي غير نسائها # وما يخادع في الحقيقة إلا نفسه ، حيث حرمها الوصول ، وتركها في أودية ~~الأكوان تجول ، قلبه بمرض الفرق والقطعية سقيم ، وهو يظن أنه في عداد من ~~يأتي الله بقلب سليم ، فزاده الله مرضا على مرضه حيث رضي بسقمه وعيبه ، وله ~~عذاب الحرص والتعب في ضيق الحجاب والنصب بسبب كذبه على الله ، وإنكاره على ~~أولياء الله ، فجزاؤه البعد والخذلان ، وسوء العاقبة والحرمان ، عائذا ~~بالله من المكر والطغيان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 57 # 58 # قلت : {إذا} ظرف خافض لشرطه منصوب بجوابه ، أي : قالوا نحن مصلحون ، وقت ~~قول القائل لهم : لا تفسدوا ، والجملة بيان وتقرير لخداعهم ، أو معطوفة على ~~{من يقول ءامنا} [البقرة : 8] ، أي : ومن الناس فرقة إذا قيل لهم : لا ~~تفسدوا ، قالوا : إنما نحن مصلحون. PageV01P050 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا قيل} لهؤلاء المنافقين : {لا تفسدوا في الأرض} ~~بالمعاصي والتعويق عن الإيمان ، وإغراء أهل الكفر والطغيان على أهل الإسلام ~~والإيمان ، وتهييج الحروب والفتن ، وإظهار الهرج والمرج والمحن ، وإفشاء ~~أسرار المسلمين إلى أعدائهم الكافرين ، فإن ذلك يؤدي إلى فساد النظام ، ~~وقطع مواد الإنعام ، {قالوا} في جوابهم الفاسد : {إنما نحن مصلحون} في ذلك ~~، فلا تصح مخاطبتنا بذلك ، فإن من شأننا الإصلاح والإرشاد ، وحالنا خالص من ~~شوائب الفساد ، قال تعالى : {ألا إنهم هم المفسدون} هنالك ، ولكن لا شعور ~~لهم بذلك. # قلت : فرد الله ما ادعوه من الانتظام في سلك المصلحين بأقبح رد وأبلغه ، ~~من وجوه الاستئناف الذي ms0029 في الجملة ، والاستفتاح بالتنبيه ، والتأكيد بإن ~~وضمير الفعل ، وتعريف الخبر ، والتعبير بنفي الشعور ، إذ لو شعروا أدنى ~~شعور لتحققوا أنهم مفسدون. # وهذه الآية عامة لكل من اشتغل بما لا يعنيه ، وعوق عن طريق الخصوص ، ففيه ~~شعبة من النفاق ، وفي صحيح البخاري : " ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا : ~~إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أوتمن خان ". الإشارة : وإذ قيل لمن ~~يشتغل بالتعويق عن طريق الله والإنكار على أولياء الله : أقصر من هذا ~~الإفساد ، وارجع عن هذا الغي والعناد ، فقد ظهرت معالم الإرشاد لأهل المحبة ~~والوداد. قال : إنما أنا مصلح ناصح ، وفي أحوالي كلها صالح ، يقول له الحق ~~جل جلاله : بل أفسدت قلوب عبادي ، ورددتهم عن طريق محبتي وودادي ، وعوقتهم ~~عن دخول حضرتي ، وحرمتهم شهود ذاتي وصفاتي ، سددت بابي في وجه أحبابي ، ~~آيستهم من وجود التربية ، وتحكمت على القدرة الأزلية ، ولكنك لا تشعر بما ~~أنت فيه من البلية. # ولقد صدق من سبقت له العناية ، وأتحف بالرعاية والهداية ، حيث يقول : # فهذه طريقة الإشراق # كانت وتبقى ما الوجود باق PageV01P051 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 58 # وقال أيضا : # وأنكروه ملا عوام # لم يفهموا مقصوده فهاموا # فتب أيها المذكر قبل الفوات ، واطلب من يأخذ بيدك قبل الممات ، لئلا تلقى ~~الله بقلب سقيم ، فتكون في الحضيض الأسفل من عذابه الأليم ، فسبب العذاب وجود # 59 # الحجاب ، وإتمام النعيم النظر لوجهه الكريم ، منحنا الله منه الحظ الأوفى ~~في الدنيا والآخرة. آمين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 58 # قلت : الكاف من {كما آمن} صفة لمصدر محذوف ، و{ما} مصدرية. أي : إذا قيل ~~لهم آمنوا إيمانا خالصا من النفاق مثل إيمان المسلمين ، أو من أسلم من ~~جلدتهم ، والسفه : خفة وطيش في العقل ، يقال : ثوب سفيه ، أي : خفيف. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا قيل} لهؤلاء المنافقين من المشركين واليهود : ~~اتركوا ما أنتم عليه من الكفر والجحود ، وراقبوا الملك المعبود ، وطهروا ~~قلوبكم من الكفر والنفاق ، وأقصروا مما أنتم فيه من العباد والشقاق ~~و{آمنوا} إيمانا خالصا مثل إيمان المسلمين ، لتكونوا معهم في أعلى عليين ، ~~" من ms0030 أحب قوما حشر معهم ". " المرء مع من أحب " ، {قالوا} مترجمين عما في ~~قلوبهم من الكفر والنفاق : {أنؤمن كما آمن السفهاء} الذين لا عقل لهم ، إذ ~~جلهم فقراء وموالي. PageV01P052 # قال الحق تعالى في الرد عليهم وتقبيح رأيهم : {ألا إنهم هم السفهاء} لا ~~غيرهم ، حيث تركوا ما هو السبب في الفوز العظيم بالنعيم المقيم ، وارتكبوا ~~ما استوجبوا به الخلود في الدرك الأسفل من الجحيم {ولكن لا يعلمون} ، ~~{وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون} [الشعراء : 227] ، عبر الحق في هذه ~~الآية ب {لا يعلمون} وفي الأولى ب {لا يشعرون} [الأعراف : 95] ؛ لأن الفساد ~~في الأرض يدرك بأدنى شعور ، بخلاف الإيمان والتمييز بين الحق والباطل ؛ ~~فيحتاج إلى زيادة تفكر واكتساب علم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : وإذا قيل لأهل الإنكار على أهل الخصوصية ، القاصدين مشاهدة ~~عظمة الربوبية ، قد تجردوا عن لباس العز والاشتهار ، ولبسوا أطمار الذل ~~والافتقار ، آمنوا بطريق هؤلاء المخصوصين ، وادخلوا معهم كي تكونوا من ~~المقربين. قالوا : {أنؤمن كما آمن السفهاء} ونترك ما نحن عليه من العز ~~والكبرياء ، قال الله تعالى في تسفيه رأيهم وتقبيح شأنهم : {ألا إنهم هم ~~السفهاء} ؛ حيث تعززوا بعز يفنى ، وتركوا العز الذي لا يفنى ، قال الشاعر : # تذلل لمن تهوى لتكسب عزة # فكم عزة قد نالها المرء بالذل # إذا كان من تهوى عزيزا ، ولم تكن # ذليلا له ، فاقر السلام على الوصل # جزء : 1 رقم الصفحة : 60 # فلو علموا ما في طي الذل من العز ، وما في طي الفقر من الغنى ، لجالدوا ~~عليه بالسيوف ، ولكن لا يعلمون. # 60 # جزء : 1 رقم الصفحة : 60 # قلت : اللقاء : المصادفة بلا قصد ، والخلو بالشيء أو معه : الانفراد به ، ~~ضمنه هنا معنى رجع ، ولذلك تعدى بإلى ، و(الشيطان) فيعال ، من شطن ، إذا ~~بعد ، أو فعلان من شاط ، إذا بطل ، والاستهزاء بالشيء : الاستخفاف بحقه ، ~~والعمه في البصيرة كالعمى في البصر. PageV01P053 # يقول الحق جل جلاله : في وصف المنافقين تقريرا لنفاقهم : إنهم كانوا {إذا ~~لقوا} الصحابة أظهروا الإيمان ، وإذا رجعوا {إلى شياطينهم} أي : كبرائهم ~~المتمردين في الكفر والطغيان ، {قالوا إنا معكم} لم ms0031 نخرج عن ديننا {إنما ~~نحن مستهزئون} بهم ، ومستسخرون بشأنهم ، نزلت في عبد الله بن أبي - رأس ~~المنافقين - كان إذا لقي سعدا قال : نعم الدين دين محمد ، وإذا خلا برؤساء ~~قومه من أهل الكفر ، شدوا أيديكم على دين آبائكم. # وخرج ذات يوم مع أصحابه فاستقبلهم نفر من الصحابة - رضوان الله عليهم - ~~فقال عبد الله لأصحابه : انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم ، فأخذ بيد أبي ~~بكر رضي الله عنه فقال : مرحبا بالصديق سيد بني تيم ، وشيخ الإسلام ، وثاني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، ثم أخذ بيد عمر ، فقال : مرحبا بسيد بني عدي بن كعب ، ~~الفاروق ، القوي في دين الله ، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ثم أخذ بيد علي ؛ فقال : مرحبا بابن عم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وختنه ، سيد بني هاشم ، ما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ~~علي رضي الله عنه : يا عبد الله ، اتق الله ولا تنافق ، فإن المنافقين شر ~~خليقة الله ، فقال عبد الله : مهلا يا أبا الحسن ، أنى تقول هذا ؟ والله إن ~~إيماننا كإيمانكم ، وتصديقنا كتصديقكم ، فنزلت الآية. # ثم رد الله تعالى عليهم فقال : {الله يستهزئ بهم} أي : يفعل بهم فعل ~~المستهزئ ؛ بأن يفتح لهم بابا إلى الجنة وهم في النار ، ويطلع المؤمنين ~~عليهم ، فيقول لهم : ادخلوا الجنة ، فإذا جاءوا يستبقون إليها وطمعوا في ~~الدخول ، سدت عليهم ورجعوا إلى النار ، {فاليوم الذين ءامنوا من الكفار ~~يضحكون} [المطففين : 34] الآية. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 61 PageV01P054 ~~ويمدهم} أي : يمهلهم {في} كفرهم ، و{طغيانهم} يتحيرون إلى يوم يبعثون ؛ لأنهم # 61 # {اشتروا الضلالة بالهدى} أي : استبدلوا بها رأس مالهم ، فضلا عن الربح ، ~~إذ الإيمان رأس المال ، وأعمال الطاعات ربح ، فإذا ذهب الرأس فلا ربح ؛ ~~ولذلك قال تعالى : {فما ربحت تجارتهم} ، بل خسرت صفقتهم ، {وما كانوا ~~مهتدين} إلى أسباب الربح أبدا ، لاستبدالهم الهدى - التي هي رأس المال - ~~بالضلالة - التي هي سبب الخسران. وبالله التوفيق. # وها هنا ms0032 استعارات وبلاغات يطول سردها ، إذ مرادنا تربية اليقين بكلام رب ~~العالمين. الإشارة : الناس في طريق الخصوص على أربعة أقسام : # قسم : سبقت لهم من الله العناية ، وهبت عليهم ريح الهداية : فصدقوا ~~ودخلوا فيها ، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله ، فتجروا فيه وربحوا ، ~~فعوضهم الله تعالى جنة المعارف ، يتبوؤون منها حيث شاءوا ، فإذا قدموا عليه ~~أدخلهم جنة الزخارف ، يسرحون فيها حيث شاءوا ، وأتحفهم فيها بالنظر إلى ~~وجهه الكريم. # وقسم : سبقت لهم من الله الهداية ، وحفتهم الرعاية ، فصدقوا وأقروا ، ~~ولكنهم ضعفوا عن الدخول ، ولم تتعلق همتهم بالوصول ، فبقوا في ضعفاء ~~المسلمين {ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل...} [التوبة : 91]. # وقسم : أنكروا وأظهروا وجحدوا وكفروا ، فتجروا وخسروا ، " من عادى لي ~~وليا فقد آذنته بالحرب ". PageV01P055 # وقسم رابع : هم مذبذبون بين ذلك إذا لقوا أهل الخصوصية قالوا : آمنا وصدقنا ~~فأنتم على الجادة ، وإذا رجعوا إلى أهل التمرد من المنكرين - طعنوا وجحدوا ~~، وقالوا : إنما كنا بهم مستهزئين ، {الله يستهزئ بهم} بما يظهر لهم من صور ~~الكرامات والاستدراجات ، ويمدهم في تعاطي العوائد والشهوات ، وطلب العلو ~~والرئاسات ، متحيرين في مهامه الخواطر والغفلات ، {أولئك الذي اشتروا ~~الضلالة} عن طريق الخصوص من أهل الوصول ، {بالهدى} الذي كان بيدهم ، لو حصل ~~لهم التصديق والدخول ، فما ربحوا في تجارتهم ، وما كانوا مهتدين إلى بلوغ ~~المأمول. قال بعض العارفين : (التصديق بطريقتنا ولاية ، والدخول فيها عناية ~~، والانتقاد عليها جناية). وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 61 # 62 # قلت : {استوقد} يحتمل أن تكون للطلب ، أو زائدة بمعنى أوقد ، و{لما} ~~شرطية ، و{ذهب} جواب ، وإذا كان لفظ الموصول مفردا واقعا على جماعة ، يصح ~~في الضمير مراعاة لفظه فيفرد ، ومعناه فيجمع ، فأفرد في الآية أولا ، وجمع ~~ثانيا ، ويقال : أضاء يضيء إضاءة ، وضاء يضوء ضوءا. PageV01P056 # يقول الحق جل جلاله : مثل هؤلاء المنافقين من اليهود {كمثل} رجل في ظلمة ، ~~تائه في الطريق ، فاستوقد نارا ليبصر طريق ، فاستوقد نارا ليبصر طريق ms0033 القصد ~~{فلما} اشتغلت و{أضاءت ما حوله} فأبصر الطريق ، وظهرت له معالم التحقيق ، ~~أطفأ الله تلك النار وأذهب نورها ، ولم يبق إلا جمرها وحرها. كذلك اليهود ~~كانوا في ظلمة الكفر والمعاصي ينتظرون ظهور نور النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويطلبونه ، فلما قدم عليهم ، وأشرقت أنواره بين أيديهم كفروا به ، فأذهب ~~الله عنهم نوره ، {وتركهم في ظلمات} الكفر والشك والنفاق ، {لا يبصرون} ولا ~~يهتدون ، {صم} عن سماع الحق ، {بكم} عن النطق به {عمي} عن رؤية نوره ، {فهم ~~لا يرجعون} عن غيهم ، ولا يقصرون عن ضلالتهم. # الإشارة : مثل من كان في ظلمات الحجاب قد أحاطت به الشكوك والارتياب ، ~~وهو يطلب من يأخذ بيده ويهديه إلى طريق رشده ، فلما ظهرت أنوار العارفين ، ~~وأحدقت به أسرار المقربين ، حتى أشرقت من نورهم أقطار البلاد ، وحيي بهم جل ~~العباد ، أنكرهم وبعد منهم ، فتصامم عن سماع وعظهم ، وتباكم عن تصديقهم ، ~~وعمي عن شهود خصوصيتهم ، فلا رجوع له عن حظوظه وهواه ، ولا انزجار له عن ~~العكوف على متابعة دنياه ، مثله كمن كان في ظلمات الليل ضالا عن الطريق ، ~~فاستوقد نارا لتظهر له الطريق ، فلما اشتعلت وأضاءت ما حوله أذهب الله ~~نورها ، وبقي جمرها وحرها ، وهذه سنة ماضية : لا ينتفع بالولي إلا من كان ~~بعيدا منه. وفي الحديث : " أزهد الناس في العالم جيرانه " ، وقد مثلوا ~~الولي بالنهر الجاري كلما بعد جريه عم الانتفاع به ، ومثلوه أيضا بالنخلة ~~لا تظل إلا عن بعد. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 62 PageV01P057 ~~قلت : {أو} للتنويع ، أو بمعنى الواو ، و{الصيب} : المطر ، فيعل ، من صاب ~~المطر إذا نزل ، وهو على حذف مضاف ، أي : أو كذي صيب ، وأصله : صيوب ، كسيد ، # 63 # قلبت الواو ياء وأدغمت ، ولا يوجد هذا إلا في المعتل كميت وهين وضيق وطيب. # و{الرعد} : الصوت الذي يخرج من السحاب ، و{البرق} : النور الذي يخرج منه. ~~قال ابن عزيز : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله ~~عز وجل ينشىء السحاب فتنطق أحسن النطق ، وتضحك أحسن الضحك ، فنطقها الرعد ، ~~وضحكها البرق ms0034 " وقال ابن عباس : " الرعد ملك يسوق السحاب ، والبرق سوط من ~~نور يزجر به السحاب). ه. والصواعق : قطعة من نار تسقط من المخراق الذي بيد ~~سائق السحاب ، وقيل : تسقط من نار بين السماء والأرض ، والله تعالى أعلم. # يقول الحق جل جلاله : ومثل المنافقين أيضا كأصحاب مطر غزير {فيه ظلمات ~~ورعد} وهدير أصابهم في ليلة مظلمة وقفراء مدلهمة. فيه {برق} يلمع ، وصاعقة ~~تقمع ، إذا ضرب الرعد وعظم صوته جعلوا {أصابعهم في آذانهم} من الهول والخوف ~~حذرا من موت أنفسهم ، وقد ماتت أرواحهم وقلوبهم ، وإذا ضرب البرق كاد {أن ~~يخطف أبصارهم} ، فإذا لمع أبصروا الطريق ، و{مشوا فيه ، وإذا أظلم عيهم ~~قاموا} متحيرين حائدين عن عين التحقيق ، {والله من ورآئهم محيط} [البروج : ~~20]. {ولو شاء الله لذهب بسمعهم} بصوت ذلك الرعد ، {وأبصارهم} بلمعان ذلك ~~البرق ، {إن الله على كل شيء قدير} لا يعجزه شيء. PageV01P058 # هذا مثلهم في تحيرهم واضطرابهم ، فيحتمل أن يكون من التشبيه المركب ، وهو ~~تشبيه الجملة بالجملة ، أو من المفصل ، فيكون المطر مثالا للقرآن ، وفيه ~~ذكر الكفر والنفاق المشبهين بالظلمات ، والوعد عليه والزجر المشبه بالرعد ، ~~والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا تبهرهم المشبهة بالبرق ، وتخوفهم وروعهم ~~هو جعل أصابعهم في آذانهم ، لئلا يسمعون فيميلوا إلى الإيمان ، وفضح نفاقهم ~~وتكاليف الشرع التي يكرهونها هي الصواعق. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 63 # الإشارة : أهل الخصوصية إذا ظهروا بين العموم بأحوال غريبة وعلوم وهبية ، ~~وأسرار ربانية وأذكار نورانية ، دهشوا منهم وتحيروا في أمرهم ، وخافوا على ~~أنفسهم ، فإذا سمعوا منهم علوما لدنية وأسرارا ربانية فروا منها ، وجعلوا ~~أصابعهم في آذانهم ، خوفا على نفسهم أن تفارق عوائدها وهواها ، وإذا خاصمهم ~~أحد من العموم ألجموه بالحجة ، فتكاد تلك الحجة تخطفه إلى الحضرة ، كلما ~~لمع له شيء من الحق مشى إلى حضرته ، وإذا كرت عليه الخصوم والخواطر ، وأظلم ~~عليه الحال ، وقف في الباب حيران ، ولو شاء الله لذهب بعقله وسمعه وبصره ، ~~فيبصر به إلى حضرته. من استغرب أن ينقذه الله من شهوته ، وأن يخرجه من وجود ~~غفلته ، فقد استعجز ms0035 القدرة الإلهية {وكان الله على كل شىء مقتدرا} [الكهف : 45]. # 64 PageV01P059 ~~فالصيب الذي نزل من السماء كناية عن الواردات والأحوال التي ترد على قلوب ~~العارفين ، ويظهر أثرها على جوارحهم ، والظلمات التي فيها كناية عن اختفاء ~~بعضها عن أهل الشريعة فينكرونها ، والرعد كناية عن اللهج بذكر الله جهرا في ~~المحافل والحلق ، والبرق كناية عن العلوم الغريبة التي ينطقون بها والحجج ~~التي يحتجون بها على الخصوم ، فإذا سمعها العوام اشمأزت قلوبهم عن قبولها ، ~~فإذا وقع منهم إنصاف تحققوا صحتها فمالوا إلى جهتها ، ومشوا إلى ناحيتها ، ~~فإذا كرت عليهم الخصوم قاموا منكرين ، ولو شاء ربك لهدى الناس جميعا {ولا ~~يزالون مختلفين} [هود : 118]. # ولما ذكر الحق من تخلق بالإيمان ظاهرا وباطنا ، ومن تحلى به كذلك ، ومن ~~أخفى الكفر وأظهر الإيمان ، دعا الكل إلى توحيده وعبادته. # جزء : 1 رقم الصفحة : 63 # قلت : جملة الترجي حال من الواو في {اعبدوا} ، أي : اعبدوا ربكم راجين أن ~~تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدي والفلاح ، المستوجبين جوار الله ~~تعالى ، نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين ؛ وهو التبري من كل شيء ~~سوى الله تعالى - إلى الله تعالى. # و{الذي جعل} صفة للرب ، و{فلا تجعلوا} معطوف على {اعبدوا} على أنه نهي ، ~~أو منصوب بأن ، جواب له ، و(الأنداد) جمع ند ، بكسر النون. وهو الشبه ~~والمثل ، و{أنتم تعلمون} حال من ضمير {فلا تجعلوا} أي : فلا تجعلوا لله ~~أندادا والحال أنكم من أهل العلم. PageV01P060 # يقول الحق جل جلاله : يا عبادي اعبدوني بقلوبكم بالتوحيد والإيمان ، ~~وبجوارحكم بالطاعة والإذعان ، وبأرواحكم بالشهود والعيان ، فأنا الذي ~~أظهرتكم من العدم - أنتم ومن كان قبلكم - وأسبلت عليهم سوابغ النعم ، الأرض ~~تقلكم والسماء تظلكم ، والجهات تكتنفكم ، وأنزلت من السماء ماء فأخرجت به ~~أصنافا {من الثمرات رزقا لكم} ، فأنتم جوهرة الصدق ، تنطوي عليكم أصداف ~~مكنوناتي ، وأنتم الذين أطلعتكم على أسرار مكنوناتي ، فكيف يمكنكم أن ~~تتوجهوا إلى غيري ؟ وقد أغنيتكم بلطائف إحساني وبري ، أنعمت عليكم أولا ~~بالإيجاد ، وثانيا بتوالي الإمداد ، خصصتكم بنور العقل والفهم ، وأشرقت ~~عليكم نبذة من أنوار القدم ، فبي عرفتموني ، وبقدرتي ms0036 عبدتموني ، فلا شريك ~~معي ولا ظهير ، ولا احتياج إلى معين ولا وزير. # 65 # الإشارة : توجه الخطاب إلى العارفين الكاملين في الإنسانية الذي يعبدون ~~الله تعظيما لحق الربوبية ، وقياما بوظائف العبودية ، وفيهم قال صاحب ~~العينية : # هم الناس فالزم إن عرفت جنابهم # ففيهم لضر العالمين منافع # وقال قبل ذلك : # هم القصد للملهوف والكنز والرجا # ومنهم ينال الصب ما هو طامع # بهم يهتدي للعين من ضل في العمى # بهم يجذب العشاق ، والربع شاسع # جزء : 1 رقم الصفحة : 65 # هم القصد والمطلوب والسؤل والمنى # واسمهم للصب في الحب شافع PageV01P061 ~~فعبادة العارفين : بالله ومن الله وإلى الله ، وعبادة الجاهلين : بأنفسهم ~~ومن أنفسهم ولأنفسهم ، عبادة العارفين حمد وشكر ، وعبادة الغافلين اقتضاء ~~حظ وأجر ، عبادة العارفين قلبية باطنية ، وعبادة الغافلين حسية ظاهرية ، يا ~~أيها الناس المخصوصون بالأنس والقرب دوموا على عبادة القريب ، ومشاهدة ~~الحبيب ، فقد رفعت بيني وبينكم الحجب والأستار ، وأشهدتكم عجائب الألطاف ~~والأسرار ، أبرزتكم إلى الوجود ، وأدخلتكم من باب الكرم والجود ، ومنحتكم ~~بفضلي غاية الشهود ، لعلكم تتقون الإنكار والجحود ، وتعرفونني في كل شاهد ~~ومشهود. # فقد جعلت أرض نفوسكم مهادا لعلوم الشرعية ، وسماء قلوبكم سقفا لأسرار ~~الحقيقة ، وأنزلت من سماء الملوكت ماء غيبيا تحيا به أرض النفوس ، وتهتز ~~بواردات حضرة القدوس ، فتخرج من ثمرات العلوم اللدنية ، والأسرار الربانية ~~، والأحوال المرضية ، ما تتقوت به عائلة المستمعين ، وتنتعش به أسرار ~~السائرين ، فلا تشهدوا معي غيري ، ولا تميلوا لغير إحساني وبري ، فقد علمتم ~~أني منفرد بالوجود ، ومختص بالكرم والجود ، فكيف يرجى غيري وأنا ما قطعت ~~الإحسان ؟ ! وكيف يلتفت إلى ما سواي وأنا بذلت عادة الأمتنان ؟ ! مني كان ~~الإيجاد ، وعلي دوام الإمداد ، فثقوا بي كفيلا ، واتخذوني وكيلا ، أعطكم ~~عطاء جزيلا ، وأمنحكم فخرا جليلا. # ولما أمر عباده بعبادته وتوحيده ، أمرهم بتصديق كلامه والإيمان برسوله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 65 # فإن قلت : الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعا ، فكيف عبر بإن الدالة ~~على الشك والتردد ؟ # قلت : {إن} جازمة للفظ الشرط أو محله ، موضوعة للشك في الشرط. و" إذا " ~~لا تجزم في ms0037 اللفظ ، وتدل على الجزم في المعنى ، وفي ذلك يقول القائل : # إنا إن شككت وجدتموني جازما # وإذا جزمت فإنني لم أجزم PageV01P062 ~~فإن قلت : الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعا ، فكيف عبر بإن الدالة ~~على الشك والتردد ؟ قلت : لما كان ريبهم واقعا في غير محله - إذ لو تأملوا ~~أدنى تأمل لزال ريبهم لوضوح الأمر وسطوع البرهان - كان ريبهم كأنه مشكوك ~~فيه ومتردد في وقوعه ، و(الشهداء) جمع شهيد بمعنى الحاضر ، أو القائم ~~بالشهادة ، أو الناصر ، أطلق على الأصنام ؛ لأنهم يزعمون أنها تشهد لهم ، ~~ومعنى (دون) : أدنى مكان من الشيء ، ثم استعير للرتب فقيل : زيد دون عمرو ؛ ~~أي : في الشرف ، ثم اتسع فيه فاستعير لكل تجاوز حد إلى حد ، وتخطي أمر إلى آخر. # يقول الحق جل جلاله : {وإن كنتم} يا معشر الكفار {في} شك {مما نزلنا على} ~~محمد {عبدنا} ورسولنا المختار لسر وحينا ، {فأتوا بسورة من} جنسه في ~~البلاغة والفصاحة ، مشتملة على علوم وأسرار ومغيبات كما اشتمل عليه كتابي ، ~~{وادعوا} من استطعتم ممن تنتصرون به على ذلك الإتيان ، من آلهتكم التي ~~تزعمون أنها تشهد لكم يوم القيامة ، أو من حضركم من البلغاء والفصحاء ممن ~~تنتصرون به {من دون الله إن كنتم صادقين} في أنها تنفعكم. {فإن لم} تقدروا ~~أن {تفعلوا} ذلك {ولن} تقدروا ابدا فأسلموا وأقروا بالحق ، و{اتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة} أي : حجارة الكبريت ، فهما حطبها ووقودها ~~{أعدت للكافرين}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 66 PageV01P063 ~~وبشر} يا محمد ويا من يصلح منه التبشير {الذين آمنوا} بالله ورسوله ، ~~{وعملوا} ما كلفوا به من الأعمال {الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار} أي : من تحت قصورها ، وهي أنهار من ماء ، وأنهار من عسل ، وأنهار ~~من لبن ، وأنهار من خمر لذة للشاربين. {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا} أي : ~~صنفا ، {قالوا هذا الذين رزقنا من قبل} في دار الدنيا ، فإن الطباع تميل ~~إلى المألوف ، فالصفة متفقة والطعم مختلف. أو في الجنة ، قيل : هذا لما روى ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " والذي ms0038 نفس محمد بيده إن الرجل من أهل ~~الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى جوفه حتى يبدل الله تعالى # 67 # مكانها مثلها " ، فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك ، لفرط ~~استغرابهم ، وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ ~~في الصورة ، {ولهم فيها أزواج} أي : حور {مطهرة} من الحيض ، وسائر الأدناس ~~، ومن الأخلاق المذمومة ، والشيم الذميمة ، {وهم فيها خالدون} ؛ فإن النعيم ~~إذا كان يعقبه الفناء تنغص على صاحبه ، كما قال الشاعر : لا خير في العيش ~~ما دامت منغصة # لذاته بادكار الموت والهرم # الإشارة : وإن كنتم يا معشر العوام في شك مما خصصنا به ولينا من الأنوار ~~، وما أنزلنا على قلبه من المعارف والأسرار ، وما ظهر عليه من البهجة ~~والأنوار ، وما اهتدى على يديه من الصالحين والأبرار ، فأتوا أنتم بشيء من ~~ذلك ، وانتصروا بما قدرتم من دون الله إن كنتم صادقين في المعارضة ، قال ~~القشيري : وكما أن كيد الكافرين يضمحل في مقابلة معجزات الرسول ، فكذلك ~~دعاوى الملبسين تتلاشى عند ظهور أنوار الصديقين. ه. PageV01P064 # فإن لم تفعلوا ما ذكرنا من المعارضة ، ولن تقدروا على ذلك أبدا ، فأذعنوا ، ~~واخضعوا ، واتقوا نار القطيعة والحظوظ ، والطمع والهلع ، التي مادتها ~~النفوس والفلوس ؛ إذ بهما هلك من هلك وفاز من فاز ؛ أعدت تلك النار ~~للمنكرين الخصوصية ، الجاحدين لوجود التربية النبوية. # وبشر الصديقين بوجود الخصوصية ، المنقادين لأهلها ، أن لهم جنات المعارف ~~في الدنيا ، وجنات الزخارف في الآخرة ، تجري من تحت قلوب أهلها أنوار ~~العلوم والمعارف ، فإذا كشف لهم يوم القيامة عن أسرار ذاته ، قالوا : هذا ~~الذي عرفناه من قبل في دار الدنيا ، إذ الوجود واحد والمعرفة متفاوتة ، ~~وأتوا بأرزاق المعارف متشابهة ؛ لأن من عرفه في الدنيا عرفه في الآخرة ، ~~ومن أنكره هنا أنكره يوم القيامة ، إلا في وقت مخصوص على وجه مخصوص ، ولهم ~~في جنات المعارف عرائس المعارف والكشوفات ، مطهرات من أدناس الحس وعبث ~~الهوى والشهوات ، وهم بعد تمكنهم من شهود الذات ، خالدون في عش الحضرة ، ~~فيها يسكنون وإليها يأوون. # جزء : 1 رقم الصفحة ms0039 : 66 # وقال القشيري : كما أن أهل الجنة يجدد لهم النعيم في وقت ، فالثاني عندهم ~~على ما يظنون كالأول ، فإذا ذاقوه وجدوه غير ما تقدم ، كذلك أهل الحقائق : ~~أحوالهم في الزيادة أبدا ، فإذا رقي أحدهم عن محله ، توهم أن الذي سيلقاه ~~في هذا النفس مثل ما # 68 # تقدم ، فإذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف ، كما قال قائلهم : # ما زلت أنزل من ودادك منزلا # تتحير الألباب عند نزوله # ولما ضرب الله الأمثال في القرآن للمنافقين وغيرهم تكلم في ذلك بعض ~~الكفار والملحدين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 66 PageV01P065 ~~قلت : الحياء : خلق كريم يمنع صاحبه من ارتكاب ما يعاب به ، وفي الحديث : " ~~إن الله حيي كريم " ، و{مثلا} مفعول ، و{ما} نكرة ، صفته ، و{بعوضة} بدل ، ~~والبعوضة : الذباب. وفي الحديث : " لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح ~~بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء " ، وقيل : صغار البق ، أي : إن الله لا ~~يترك أن يضرب مثلا - أي مثل كان - بعوضة فما فوقها. أو {بعوضة} مفعول أول ، ~~و{مثلا} مفعول ثان ، من باب جعل ، و{ماذا} إما مبتدأ وخبر ، على أن {ذا} ~~موصولة ، أو مفعولة بأراد على أنها مركبة ، و{مثلا} حال أو تمييز. والفسق : ~~الخروج ، يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها. # يقوله الحق جل جلاله : {إن الله} لا يترك ترك المستحيي {أن يضرب مثلا} ~~بالخسيس والكبير كالذباب والعنكبوت وغير ذلك. فأما المؤمنون فيتيقنون {أنه ~~الحق من ربهم} ، وحكمته : إبراز المعاني اللطيفة في قوالب المحسوسات ليسهل ~~الفهم ، وأما الكفار فيعترضون ويقولون : {ماذا أراد الله} بهذه الأمثال ؟ ~~فإن الله منزه عن ضرب الأمثال بهذه الأشياء الخسيسة ، قال الله تعالى في ~~الرد عليهم : أراد بهذا إضلال قوم بسبب إنكارها ، وهداية آخرين بسبب ~~الإيمان بها ، {وما يضل} بذلك المثل إلا الخارجين عن طاعته ، {الذين} نقضوا ~~العهد الذي أخذ عليهم في عالم الذر ، أو مطلق العهد ، {ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل} من الأنبياء والرسل والأرحام وغيرها ، {ويفسدون في الأرض} ~~بالمعاصي والتعويق عن الإيمان ، {أولئك هم الخاسرون} الكاملون في الخسران ، ~~نعوذ بالله من الخذلان. ms0040 # 69 PageV01P066 ~~الإشارة : إن الله لا يترك أن يظهر مثلا من أنوار قدسه بارزا بقدرته ، ~~مرتديا برداء حكمته ، ملتبسا بأسرار ذاته ، مكسوا بأنوار صفاته من الذرة ~~إلى ما لا نهاية له ، فالمتجلي في النملة هو المتجلي في الفيلة ، فأما ~~الذين صدقوا بتجلي الذات في أنوار الصفات ، فيقولون : إنه الحق فائض من نور ~~الربوبية ، محتجبا برداء الكبرياء وسبحات الألوهية. وأما الجاحدون لظهور ~~نور ذات الربوبية فينكرونه في حال ظهوره ، ويقولون : ماذا أراد الله بهذه ~~العوالم الظاهرة ؟ فيقول الحق تعالى : أردت ظهور قدرتي وعجائب حكمتي ، ~~ليظهر سر ربوبيتي في مظاهر عبوديتي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 69 # قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : " العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية ~~" وقيل لأبي الحسن النوري : ما هذه الأماكن والمخلوقات الظاهرة ؟ فقال : عز ~~ظاهر وملك قاهر ، ومخلوقات ظاهرة به ، وصادرة عنه ، لا هي متصلة به ولا ~~منفصلة عنه ، فرغ من الأشياء ولم تفرغ منه ، لأنها تحتاج إليه وهو لا يحتاج ~~إليها. ه. # فأراد الله بظهور هذا الكون أن يضل به قوما فيقفون مع ظاهر غرته ، ويهدي ~~به قوما فينفذون إلى باطن عبرته. وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن ~~دائرة الشهود ، المنكرين لتجليات الملك المعبود ، الذين ينقضون عهد الله ، ~~وهو معرفة الروح التي حصلت لها وهي في عالم الذر ، ويقطعون ما أمر الله به ~~أن يوصل من الشيوخ العارفين ، الذين أهلهم الله للتربية والترقية ، وهم لا ~~ينقطعون ما دامت الملة المحمدية ، ويفسدون في الأرض بالإنكار والتعويق عن ~~طريق الخصوص ، بتضييعهم الأصول ، وهي صحبة العارفين ، والتأدب لهم ، ~~والتعظيم لحرمتهم. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 69 # قلت : {كيف} حال ؛ لأنها وقعت قبل كلام تام. PageV01P067 # يقول الحق جل جلاله : {كيف تكفرون بالله} وتجحدون نعمه المتوالية ، {و} ~~الحالة أنكم {كنتم أمواتا} نطفا في الأرحام {فأحياكم} بنفخ الروح في ~~أجسادكم ، {ثم يميتكم} عند انقضاء آجالكم ، {ثم يحييكم} عند البعث لحسابكم ~~، ثم يسكنكم دار القرار ، إما إلى الجنة وإما إلى النار. فهذه الآثار دالة ~~على باهر قدرته ms0041 وتمام حكمته ، فقد وضح الحق وظهر ، {فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر} [الكهف : 29]. # الإشارة : كيف تنكرون ظهور نور الحق في الأكوان ، وتبعدون عن حضرة الشهود ~~والعيان ، وقد كنتم أمواتا بالغفلة وغم الحجاب ، فأحياكم باليقظة والإياب ، ~~ثم يميتكم # 70 # بالفناء عن شهود ما سواه ، ثم يحييكم بالرجوع إلى شهود أثره بالله ، ثم ~~إليه ترجعون في كل شيء لشهود نوره في كل شيء ، وقبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، ~~وعند كل شيء " كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان ". # جزء : 1 رقم الصفحة : 70 # قلت : {جميعا} حال مؤكدة من {ما} ، و{ثم} للترتيب الذكري لا الخارجي ؛ ~~لأن دحو الأرض مؤخر عن خلق السماء ، إلا أن يكون العطف على معنى الجملة ، ~~والتقدير : هو الذي خلق لكم الأرض مشتملة على جميع منافعكم ، ثم استوى إلى ~~السماء فخلقهن سبعا ، ثم دحا الأرض وبسطها. # والتسوية : خلق الأشياء سالمة من العوج والخلل ، و{سبع} : بدل من الضمير ~~، أو بيان له ، وجملة {وهو بكل شيء عليم} تعليل لما قبله. أي : ولكونه ~~عالما بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع. PageV01P068 # يقول الحق جل جلاله : {هو الذي خلق} لأجلكم {ما} استقر {في الأرض جميعا} ~~تنتفعون به في الظاهر قوتا لأشباحكم ، ودواء لأبدانكم ، ومتعة لنفوسكم ، ~~وتنتفعون به في الباطن بالتفكر والاعتبار ، وزيادة في إيمانكم وقوة ~~لإيقانكم ، ثم قصد {إلى السماء} قصد إرادة ، فخلقهن {سبع سموات} مستوية ~~تامة ، ليس فيها تفاوت ولا خلل ، تظلكم بجرمها ، وتضي عليكم بشمسها وقمرها ~~وكواكبها ، وقد أحاط علمه بالأشياء كلها ، فلذلك خلقها على هذا النمط ~~الغريب والإتقان العجيب. # الإشارة : يا عبادي خلقت الأشياء كلها من أجلكم ، الأرض تقلكم ، والسماء ~~تظلكم ، والجهات تكتنفكم والحيوانات تخدمكم ، والنباتات تنفعكم ، وخلقتكم ~~من أجلي ، فكيف تميلون إلى غيري ، وتنسون إحساني وبري ؟ !!! الأشياء كلها ~~عبيدكم وأنتم عبيد الحضرة ، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا ~~شهدت المكون كانت الأكوان معك ". # وفي بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى : " يا عبدي ؛ إنما منحتك صفاتي ~~لتعرفني بها ، فإن ms0042 ادعيتها لنفسك سلبتك الولاية ، ولم أسلبك صفاتي ، يا ~~عبدي : أنت صفتي وأنا صفتك ، فارجع إلي أرجع إليك ، يا عبدي : فيك للعلوم ~~باب مفاتحه أنا ، وفيك للجهل باب مفاتحه أنت ، فاقصد أي البابين شئت ، يا ~~عبدي : قربي منك بقدر بعدك عن نفسك ؛ # 71 PageV01P069 ~~وبعدي عنك بقدر قربك من نفسك ، فقد عرفتك الطريق ، فاترك نفسك تصل إلي في ~~خطرة واحدة ، يا عبدي : كل ما جمعك علي فهو مني ، وكل ما فرقك عني فهو منك ~~، فجاهد نفسك تصل إلي ، وإني لغني عن العالمين ، يا عبدي : إن منحتني نفسك ~~رددتها إليك راضية مرضية ، وإن تركتها عندك فهي أعظم بلية ، فهي أعدى ~~الأعادي إليك فجاهدها تعد بالفوائد إليك ". وفي بعض الآثار المروية عن الله ~~تعالى : " يا عبدي : أنا بدك اللازم فالزم بدك ". ويمكن أن يشار بالأرض إلى ~~أرض العبودية ، وبالسماء إلى سماء الحقيقة ، وبالسبع سماوات إلى سبع مقامات ~~؛ وهي الصبر والشكر والتوكل والرضى والتسليم والمحبة والمعرفة. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 71 # ولما ذكر الخلق العالم العلوي والسفلي ، ذكر كيفية ابتداء من عمر العالم ~~السفلي من جنس الآدمي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 71 # لما أراد الله تعالى عمارة الأرض ، بعد أن عمر السماوات بالملائكة ، أخبر ~~الملائكة بما هو صانع من ذلك ؛ تنويها بآدم وتشريفا لذريته ، وتعيما لعباده ~~أمر المشاورة ، فقال لهم : {إني جاعل في الأرض خليفة} يخلفني في أرضي ~~وتنفيذ أحكامي ، {قالوا} على وجه الاستفهام ، أو من الإدلال ، إن كان من ~~المقربين ، بعد أن رأوا الجن قد أفسدوا وسفكوا الدماء : {أتجعل من يفسد ~~فيها} ، وشأن الخليفة الإصلاح ، {ونحن نسبح بحمدك} ، أي : نسبح ملتبسين ~~بحمدك ، {ونقدس لك} ، أي : نطهر أنفسنا لأجلك ، أو ننزهك عما لا يليق بجلال ~~قدسك ، فنحن أحق بالخلافة منهم. # قال الحق جل وعلا : {إني أعلم ما لا تعلمون} ؛ فإني أعلم أنه يكون منهم ~~رسل وأنبياء وأولياء ، ومن يكون مثلكم أو أعظم منكم ، ولما ألقى الخليل في ~~النار ضجت الملائكة وقال : " يا رب هذا خليلك يحرق بالنار ". فقال لهم : " ~~إن استغاث بكم ms0043 # 72 PageV01P070 ~~فأغيثوه ". فلما رفع همته عنهم قال الحق تعالى : {ألم أقل لكم إني أعلم ما ~~لا تعلمون}. # ثم وجه الحق تعالى استحقاقه للخلافة ؛ وهو تشريفه بالعلم ، فقال : {وعلم ~~آدم الأسماء كلها} ، أي مسميات الأسماء ؛ بأن ألقى في روعه ما تحتاج إليه ~~ذريته من اللغات والحروف ، وخواص الأشياء ومنافعها ، ثم عرض تلك المسميات ~~على الملائكة ، إظهارا لعجزهم ، وتشريفا لآدم بالعلم. {فقال} : أخبروني ~~{بأسماء هؤلاء} المسيمات {إن كنتم صادقين} في ادعائكم استحقاق الخلافة ، ~~فلما عجزوا عن معرفة تلك الأسماء {قالوا سبحانك} أي : تنزيها لك عن العبث ، ~~{لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم} بكل شيء ، {الحكيم} لإتقانك كل ~~شيء ، وهذا اعتراف منهم بالقصود والعجز ، وإشعار بأن سؤالهم كان استفهاما ~~وطلبا لتفسير ما أشكر عليهم ، ولم يكن اعتراضا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 72 # يقول الحق جل جلاله : {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} ، وعين لهم اسم كل مسمى ، ~~فلما أخبرهم بذلك بحيث قال مثلا : هذا فرس وهذا جمل ، وعين ذلك لهم ، وظهرت ~~ميزته عليهم بالعلم حتى استحق الخلافة ، قال الحق تعالى : {ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السموات والأرض} أي : ما غاب ، وأعلم ما تظهرونه من قولكم : ~~{أتجعل فيها...} الخ ، وما تكتمونه من استحقاقكم الخلافة ، وقولكم : لن ~~يخلق الله تعالى أحدا أعلم منا لتقدمنا ، والفضل لمن صدق لا لمن سبق. PageV01P071 # قال البيضاوي : اعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان ، ومزية العلم ~~وفضله على العبادة ، وأنه شرط في الخلافة ، بل العمدة فيها ، وأن التعليم ~~يصح إطلاقه عليه تعالى ، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه ؛ لاختصاصه بمن ~~يحترف به ، وأن اللغات توقيفية - عملها الله بالوحي - ، وأن آدم عليه ~~السلام أفضل من هؤلاء الملائكة ؛ لأنه أعلم منهم ، والأعلم أفضل لقوله ~~تعالى : {هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر : 9] ، وأن الله ~~يعلم الأشياء قبل حدوثها. ه. باختصار. # وقال في تفسير الملائكة : إنهم أجسام لطيفة قادرة على التشكل ، وهي ~~منقسمة على قسمين : قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال ~~بغيره ، - وهم العليون ، والملائكة المقربون ms0044 - وقسم يدبرون الأمر من السماء ~~إلى الأرض على ما ثبت به القضاء وجرى به القلم الإلهي ، وهم المدبرات أمرا ~~، فمنهم سماوية ، ومنه أرضية. ه. مختصرا. # الإشارة : اعلم أن الروح القائمة بهذا الآدمي هي قطعة من الروح الأعظم ~~التي هي المعاني القائمة بالأواني ، وهي آدم الأكبر والأب الأدم ، وفي ذلك ~~يقول ابن الفارض : # وإني وإن كنت ابن آدم صورة # فلي فيه معنى شاهد بأبوتي # 73 # فلما أراد الحق تعالى أن يستخلف هذا الروح في هذه البشرية لتدبرها ~~وتصرفها فيما أريد منها ، قالت الملائكة بلسان حالها : كيف تجعل فيها من ~~يفسد فيها بالميل إلى الحظوظ والشهوات ، ويسفك الدماء بالغضب والحميات ، ~~ونحن نسبحك وننزهك عما لا يليق بك ؟ رأت الملائكة ما يصدر من بعض الأرواح ~~من الميل إلى الحضيض الأسفل ، ولم تر ما يصدر في بعضها من التصفية والترقية ~~، فقال لهم الحق تعالى : {إني أعلم ما لا تعلمون} ؛ فإن منها من تعرج إلى ~~عرش الحضرة ، وتعبدني بالفكرة والنظرة ، وتستولي على الوجود بأسره ، وتنكشف ~~لها عند ذلك أسرار الذات وأنوار الصفات وأسماء المسميات. PageV01P072 # جزء : 1 رقم الصفحة : 72 # فيقول الحق تعالى للملائكة : هل فيكم من كشف له عن هذا السر المكنون ، ~~والاسم المصون ، فقالوا : {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} من علم الصفات ~~دون أسرار الذات {إنك أنت العليم الحكيم} يقول الحق تعالى لروح العارف التي ~~نفذت إلى بحر وحدة الذات وتيار الصفات : أنبئهم بما غاب عنهم من أسرار ~~الجبروت ، وأسماء الملكوت ، فلما أعلمهم بما كوشف له من الأسرار ، وانفق له ~~من الأنوار ، أقروا بشرف الآدمي ، وسجدوا لطلعة آدم عليه السلام فقال الحق ~~لهم : {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض} ؟ أي : ما غاب في سماء ~~الأرواح من الأسرار وفي أرض النفوس من الأنوار ، وأعلم ما تظهرونه من ~~الانقياد ، وما تكتمونه من الاعتقاد ، والله تعالى أعلم. # ولما تبين شرف آدم عليه السلام وبان فضله أمرهم بالسجود له. # جزء : 1 رقم الصفحة : 72 # قلت : {إذ} ظرف للماضي ، ضد إذا ، وهي معمولة لفعل مقدر ms0045 ، يفسره قوله ~~تعالى : {واذكروا إذ كنتم} [الأعراف : 86] ، فحيثما وردت في القرآن فيقدر ~~له " اذكر " ، والاستثناء متصل ؛ إذا قلنا إبليس من الملائكة ، ومنقطع ؛ ~~إذا قلنا من الجن. والله تعالى أعلم. # 74 # يقول الحق جل جلاله : واذكر {إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ، لام تبينت ~~فضيلة ، آدم أمرهم بالسجود ، فقال لهم : {اسجدوا لآدم} سجود انحناء ، ~~{فسجدوا} كلهم ، لأنهم شهدوا الجمع ولم يشهدوا الفرق ، فرأوا آدم قبلة ، أو ~~نورا من أنوار عظمته ، {إلا إبليس} أي : امتنع ؛ حيث نظر الفرق بحكمة ~~الواحد القهار ، فاستبكر {وكان} من جملة {الكافرين}. وكفره باعتراضه على ~~الله وتسفيه حكمه ، لا بامتناعه ؛ إذ مجرد المعصية لا تكفر. والله تعالى أعلم. PageV01P073 # الإشارة : إذا كمل تصفية الروح ، وظهر شرفها ، خضع لها كل شيء ، وتواضع لها ~~كل شيء ، وانقاد لأمرها من سبقت له العناية ، وهبت عليه ريح الهداية ، ~~لأنها صارت آدم الأكبر ، إلا من إبلسته المشيئة ، وطردته القدرة ، فاستبكر ~~عن تحكيم جنسه على نفسه ، وكان من الكافرين لوجود الخصوصية ، جزاؤه حرمان ~~شهود طلعة الربوبية ، وهبوطه إلى حضيض العمومية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 74 # قلت : {رغدا} : صفة لمصدر محذوف ، أي : أكلا رغدا واسعا ، و{تكونا} : ~~منصوب ، جواب الأمر ، أو معطوف على {تقربا} ، و{أزلهما} : أوقعهما في الزلل ~~بسبب الأكل ، أو أذهبهما عن الجنة ، ويدل عليه قراءة حمزة : " فأزالهما " ~~وجملة {بعضكم لبعض عدو} : حالية ، أي : متعادين. PageV01P074 # يقول الحق جل جلاله : {وقلنا يا آدم} حين سجدت له الملائكة ودخل الجنة : ~~{اسكن أنت وزوجك} حواء {الجنة} ، وكانت خلقت من ضلعه الأيسر ، {وكلا} من ~~ثمار الجنة {حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة} : العنب أو التين أو الحنطة ؛ ~~{فتكونا} إن أكلتما منها {من الظالمين} لنفسيكما. فدخل إبليس خفية أو في فم ~~الحية ، فتكلم مع آدم عليه السلام فقال له آدم عليه السلام : ما أحسن هذه ~~الحالة لو كان الخلود. فحفظها إبليس ، ووجد فيها مدخلا من جهة الطمع ، فقال ~~له : {هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه : 120] فدله على أكل ~~الشجرة ، وقال : {ما نهاكما ربكما} [الأعراف : 20] عنها {إلا} [الأعراف : ~~20] كراهية {أن ms0046 تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهمآ إني لكما لمن ~~الناصحين} [الأعراف : 20 ، 21]. وأكلت حواء أولا ، ثم قالت له : قد أكلت ~~ولم يضرني ، ثم أكل آدم عليه السلام من جنس الشجرة ، لا من عينها ، متأولا ~~، فطار التاج واللباس ، وأخرجهما {مما كانا فيه} من رغد العيش والعناء ، ~~وأهبطهما إلى الأرض ، للتعب والعناء ، ليكون خليفة على ما سبق به القضاء. # فقال لهم الحق تعالى : {اهبطوا} آدم وحواء وإبليس والحية ، {بعضكم لبعض ~~عدو ولكم في الأرض} استقرار وتمتع {إلى حين} وفاتكم ، فتقدمون علي فيجازي ~~المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، {فتلقى} أي أخذ {آدم من ربه كلمات} وهي : # 75 # {ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ~~[الأعراف : 23} ، {فتاب} الحق تعالى عليه واجتباه لحضرته ، فإنه تواب كثير ~~التوبة على عباده ، رحيم بهم ، أرحم من أبيهم وأمهم ، اللهم ارحمنا رحمة ~~تعصمنا بها عن رؤية السوي ، إنك على كل شيء قدير. PageV01P075 # جزء : 1 رقم الصفحة : 75 # الإشارة : يقول الحق جل جلاله للروح ، إذا كمل تهذيبها ، وتمت تريبتها : ~~اسكن أنت وبشريتك التي تزوجتها - قال تعالى : {وإذا النفوس زوجت} [التكوير ~~: 7] - جنة المعارف ، وكلا من ثمار أذوابها وأنهار علومها ، وتبوءا من قصور ~~ترقياتها ، أكلا واسعا ما دمتما متحليين بالأدب ، ولا تقربا شجرة المعصية ~~وسوء الأدب {فتكونا من الظالمين} ، فلما سكنت جنة الخلود ، وشرهت إلى ~~الخلود ، أهبطها الله إلى أرض العبودية ، وردها إلى البقاء ؛ لتستحق ~~الخلافة ، وتقوم بحقوق الربوبية ، بسبب ما ارتكبه من المعصية ، وهي الشره ~~إلى دوام الحرية ، " أكرم بها معصية أورثت الخلافة! " ، فكل ما ينزل بالروح ~~إلى قهرية العبودية ، فهو سبب إلى الترقي لشهود نور الربوبية ، وربما قضي ~~عليك بالذنب فكان سبب الوصول ، فلام أراد الحق تعالى أن ينزلها إلى أرض ~~العبودية بالسلوك بعد الجذب ، قال لها ولمن يحاربها من الشيطان والهوى ~~والدنيا وسائر الحظوظ : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ، ولكم - أيها العارفون بعد ~~جهاد أعدائكم - في أرض العبودية ، استقرار وتمتع بتجليات أنوار الربوبية ، ~~إلى حين الملاقاة الحقيقية. فتلقت الروح من ربها كلمات الإنابة ، وهب عليها ~~، نسيم ms0047 الهداية ، بما سبق لها من عين العناية ، فتاب عليها ، وقربها إلى ~~حضرة الشهود ، ومعاينة طلعة الملك الودود ، إنه تواب رحيم جواد كريم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 75 # قلت : {إن} : شرط ، و{ما} زيدت لتقوية الشرط ، ولذلك دخلت نون التوكيد ، ~~وعبر بإن دون {إذا} ، مع تحقق مجيء الهدى ؛ لأنه غير واجب عقلا ، وجملة ~~الشرط الثاني وجوابه ، الشرط الأول ، و{جميعا} حال مؤكدة ؛ أي : اهبطوا ~~أنتم أجمعون ، ولذلك لا يقتضي اجماعهم على الهبوط في زمان واحد. PageV01P076 # ولما أمر الحق جلا جلاله آدم أولا بالهبوط من الجنة ، جعل يبكي ويتضرع ~~ويقول : ألم تخلقني بيدك ؟ ألم تسجد لي ملائكتك ؟ ألم تدخلني جنتك ؟ ثم ~~ألهم الكلمات التي تلقاها من ربه ، فتاب عليه ورحمه ، فطمع آدم حين سمع من ~~ربه قبول توبته في البقاء في # 76 # الجنة ، فقال له الحق جل جلاله : يا آدم لا يجاورني من عصاني ، وقد سبقت ~~كلمتي بهبوطك إلى الأرض لتكون خليفتي بذريتك ، فكرر عليه الأمر بالهبوط ~~ثانيا. فقال : {اهبطوا منها جميعا} أنتما بما اشتملتما عليه من ذريتكما. ~~فمهما {يأتينكم مني هدى} أي : بيان وإرشاد إلى توحيدي ومعرفتي ، على يد ~~رسول أو نائب عنه ، {فمن تبع} ذلك الإرشاد ، واهتدى إلى معرفتي وتوحيدي ، ~~وعمل بطاعتي وتكاليفي ، {فلا خوف عليهم} من لحوق مكروه {ولا هم يحزنون} من ~~فوات محبوب ، لأني أصرف عنهم جميع المكاره ، وأجلب لهم المنافع ، {والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا} الدالة على قدرتنا المنزلة على رسلنا ، {واستكبروا} ~~[النساء : 173] عن النظر فيها ، أو عن الخضوع لمن جاء بها ، {أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون}. # الإشارة : إذا سكنت الأرواح في عش الحضرة ، وتمكنت من الشهود والنظرة ، ~~أمرها الحق تعالى بالنزول إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ ، فتنزل بالإذن ~~والتمكين ، والرسوخ في اليقين ، لا لطلب جزاء أو لقضاء شهوة ، بل تنزل ~~بالله ومن الله وإلى الله ، فمن نزل منها على هذا الهدى الحسن {فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون} ، ومن ركب بحر التوحيد مع غير رئيس عارف ، ولم يأو ~~إلى سفينة الشريعة ، واستكبر عن الخضوع إلى تكاليفها لعبت ms0048 به الأمواج ، ~~فكان من المغرقين. {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ؛ لأن من تحقق ولم ~~يتشرع فقد تزندق ، ومن تشرع ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق ~~، جعلنا الله ممن تحقق بهما. وسلك على مهاجهما إلى الممات ، آمين. PageV01P077 # جزء : 1 رقم الصفحة : 76 # ولما ذكر الحق تعالى شرف كتابه ، ونفى وجد الريب عن ساحته ، ثم دعا إلى ~~توحيده ، وبرهن على وجوده ، بابتداء خلق العالم من عرشه إلى فرشه ، وذكر ~~كيفية ابتداء عمارته ، خاطب بني إسرائيل ؛ لأنهم أهل العلم بالأخبار ~~المتقدمة ، وقد مسعوا هذه الأخبار نبي أمي لم يعهد بقراءة ولا تعلم ، فقامت ~~الحجة عليهم ، وتحققوا أنه من عند الله. وما منعهم من الإسلام إلا الحسد ~~وحب الرئاسة ، فلذلك أطال الحق الكلام معهم ، تارة يقرعهم على عدم الإيمان ~~وما فعلوا مع أنبيائهم ، وتارة يذكرهم النعم التي أنهم الله على أسلافهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 76 # 77 # قلت : {إسرائيل} : هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليهم الصلاة ~~السلام - وهو اسم عجمي ، وبنو تميم تقول : " إسرائين " بالنون ، (وإسرا) ~~بالعبرانية : عبد ، و(إيل) : اسم الله تعالى ، فمعناه : عبد الله ، وبنو ~~إسرائيل : هم أولاد يعقوب عليه السلام ، و{بعهدي} من إضافة المصدر إلى ~~فاعله ، و{بعهدكم} إلى مفعوله ، و{إياي} منصوب بفعل مضمر ، يقدر مؤخرا. أي ~~: أياي ارهبوا فارهبون. وحذف مفعول {ارهبون} لرؤوس الآي وكذا قوله : {وإياي ~~فاتقون} ، والرهبة : خوف مع تحرز ، و{تكتموا} : معطوف على {تلبسوا} ، أو ~~منصوب بأن مضمرة بعد النهي ، و{أنتم تعلمون} : جملة حالية. PageV01P078 # يقول الحق جل جلاله : {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي} التي خصصتكم بها ، بأن ~~فضلتكم على أهل زمانكم ، وجعلت فيكم أنبياء ورسلا ، كلما انقرض نبي بعثت ~~نبيا آخر ، وجعلتكم ملوكا وحكاما على الناس ، قبل أن تفسدوا في الأرض بقتل ~~الأنبياء ، فتكفروا بهذه النعم ، فإن الإنسان حسود غيرو بالطبع ، فإذا نظر ~~إلى ما أنعم الله على غيره حمله الحسد والغيرة على السخط والكفران ، وإذا ~~نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر ، فاذكروا ~~ما أنعمت به عليكم ms0049 ، وقيدوه بالشكر ، {وأوفوا بعهدي} الذي عهدت إليكم ، وهو ~~أنكم إن أدركتم محمدا صلى الله عليه وسلم لتؤمنن به ولتنصرنه ، ولتبينن ~~صفته التي في كتابكم ، ولا تكتمونها ، {أوف بعهدكم} بأن أدخلكم جنتي ، ~~وأبيح لكم النظر إلى وجهي ، وأحل عليكم رضواني في جملة عبادي ، ولا ترهبوا ~~أحدا غيري ، فإنه لا فاعل غيري. # جزء : 1 رقم الصفحة : 77 PageV01P079 ~~وبادروا إلى الإيمان {بما أنزلت} على محمد رسولي ، من كتابي ، الذي هو مصدق ~~{لما معكم} من التوراة ، ومهيمن عليه ، {ولا تكونوا أول} فريق {كافر به} ، ~~فتبوؤوا بإثمكم وإثم من تبعكم ، ولا تستبدلوا الإيمان الذي هو سبب الفوز في ~~الدارين ، بالعرض الفاني الذي تأخذونه من سفلتكم ، فإنه ثمن قليل يعقبه ~~عذاب جليل وخزي كبير. ولا تخشوا أحدا سواي ؛ فإن النفع والضرر بيدي ، ولا ~~تخلطوا {الحق} الذي هو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته التي في كتابكم ، ~~{بالباطل} الذي تريدونه تحريفا وتأويلا ، {و} لا {تكتموا الحق} الذي عندكم ~~، من ذكر محمد وصحة رسالته ، {وأنتم تعلمون} أنكم محرفون ، ولابسون عنادا ~~وحسدا ، فيحل عليكم غضبي وعقابي ، {ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى} [طه : 81]. ~~فإذا حصلتم أصول الدين ، وهو الإيمان ، فاشتغلوا بفروعه ، وهي الصلاة ~~والزكاة وغيرهما ، فأدوهما على منهاج المسلمين. واجعلوا صلاتكم في جماعة ~~المؤمنين ؛ فإن صلاة الجماعة تفضل غيرها بسبع وعشرين درجة ، مع سريان ~~واقتباس الأنوار من الصالحين والأبرار ، وبالله التوفيق. # 78 PageV01P080 ~~الإشارة : إذا توجه الخطاب إلى طائفة مخصوصة ، حمله أهل الفهم عن الله على ~~عمومه لكل سامع ، فإن الملك إذا عاتب قوما بمحضر آخرين ، كان المراد بذلك ~~تحذير كل من يسمع ، فكأن الحق جل جلاله يقول : يا بني آدم اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت عليكم ، وتفكروا في أصولها وفروعها ، واشكروني عليها بنسبتها ~~إلي وحدي ، فإنه لا منعم غيري ، فمن شكرني شكرته ، ومن فيض إحساني وبري ~~مددته ، ومن كفر نعمتي سلبته ، وعن بابي طردته ، وأوفوا بعهدي بالقيام ~~بوظائف العبودية ، أوف بعهدكم بأن أطلعكم على أسرار الربوبية. أو : {أوفوا ~~بعهدي} بالقيام برسوم الشريعة ، {أوف بعهدكم} بالهداية إلى منار الطريقة ، ~~أو ms0050 : {أوفوا بعهدي} بسلوك منهاج الطريقة ، {أوف بعهدكم} بالإيصال إلى عين ~~الحقيقة ، أو : {أوفوا بعهدي} بالاستغراق في بحر الشهود ، {أوف بعهدكم} ~~بالترقي أبدا غلى الملك الودود ، وخصوني بالرهب والرغب ، وتوجهوا إلي في كل ~~سؤال وطلب ، أعطف عليكم بعنايتي وودي ، وأمنحكم من عظيم إحساني ورفدي ، ~~{وآمنوا بما أنزلت} على قلوب أوليائي ، ومن مواهب أسراري وآلائي ، تصديقا ~~لما أتحفت به رسلي وأنبيائي ، فكل ما ظهر على الأولياء فهو معجزة للأنبياء ~~وتصديق لهم ، ولا تبادروا بالإنكار على أوليائي ، فتكونوا سببا في طرد ~~عبادي عن بابي ، ولا يمنعكم حب الرئاسة والجاه عن الخضوع إلى أوليائي ، ولا ~~ترقبوا أحدا غيري ، فإني أمنعكم من شهود سري. # جزء : 1 رقم الصفحة : 77 PageV01P081 ~~{ولا تلبسوا الحق بالباطل} ، فتظهروا شعار الصالحين وتبطنوا أخلاق الفاسقين ~~، تتزيوا بزي الأولياء ، تفعلوا فعل الأغوياء ، وإذا تحققتم بخصوصية أحد من ~~عبادي ، فلا تكتموها عن أهل محبتي وودادي ، وأقيموا صلاة القلوب بالخضوع ~~تحت مجاري الأقدار ، وأدوا زكاة النفوس بالذل والانكسار ، وكونوا مع ~~الخاشعين ، {واركعوا مع الراكعين} ، أمنحكم معونتي ونصري ، وأفيض عليكم من ~~بحر إحساني وبري ، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 77 # قلت : البر ، بالكسر : يجمع وجوه الخير وأنواع الطاعات ، والنسيان : الترك. # يقول الحق جل جلاله في توبيخ أخبار اليهود : كانوا إذا استرشدهم أحد من ~~العرب دلوه على الإسلام ، وقالوا له : دين محمد حق ، وهم يمتنعون منه ، ~~وقيل : كانوا يأمرون الناس بالصدقة وهم يبخلون ، فقال لهم : كيف {تأمرون ~~الناس بالبر} والإحسان ، # 79 # وتتركون {أنفسكم} في الكفر والعصيان ، وأنتم تدرسون التوراة الصحيح ، ~~وتعلمون أن ذلك من أقبح القبيح ؟ ، أفلا عقل لكم يزجركم عن هذه الخصلة ~~الذميمة ؟ ؛ فإن من شأن العقل التمييز بين القبيح والحسن والنافع والضار ، ~~فكل من تقدم لما فيه ضرره فلا عقل له. # الإشارة : كل من أشار إلى مقام لم يبلغ قدمه إليه ، فهذا التوبيخ متوجه ~~إليه ، وكل من ذكر غيره بعيب لم يتخلص منه ، قيل له : أتأمر الناس بالبر ~~وتنسى نفسك خالية منه ، فلا يسلم من توبيخ هذه الآية من ms0051 أهل التكذير إلا ~~الفرد النادر من أهل الصفاء والوفاء. # وقال البيضاوي : (المراد بها حث الواعظ على تزيكة النفس ، والإقبال عليها ~~بالتكميل لتقوم فيقيم ، لا منع الفاسق عن الوعظ ، فإن الإخلال بأحد الأمرين ~~المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر). فانظره. وتأمل قول القائل : # يا أيها الرجل المعلم غيره # هلا لنفسك كان ذا التعليم # تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا # ومن الضنا وجواه أنت سقيم PageV01P082 ~~وأراك تلقح بالرشاد عقولنا # نصحا ، وأنت من الرشاد عديم # أبدأ بنفسك فانهها عن غيها # فإذا انتهت عنه فأنت حكيم # فهناك يقبل إن وعظت ، ويقتدى # بالقول منك ، وينفع ال # لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # لكن من حصل له بعض الصفاء ذكر غيره ونفسه معهم ، وكان بعض أشياخنا يقول ~~حين يذكر الفقراء : نحن إنما ننبح على نفوسنا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 79 # قلت : الصبر : هو حبس القلب على حكم الرب ، فيحتمل أن يراد به ظاهره ، أو ~~يراد به هنا الصوم ، لأن فيه الصبر عن الشهوات. والخشوع في الجوارع : ~~سكونها وذلها ، والخضوع في القلب : انقياده لحكم الرب. # يقول الحق جل جلاله : يا من ابتلي بالرئاسة والجاه ، استكبر عن الانقياد ~~لأحكام الله ؛ التي جاءت بها الرسل من عند الله ، استعن على نفسك {بالصبر} ~~على قطع المألوفات ، وترك الحظوظ والشهوات ، وأصل فروعها حب الرئاسة والجاه ~~، فمن صبر على تركهما فاز برضوان الله. وفي الحديث : " وفي الصبر على ما ~~تكره خير كثير ". # 80 # قال الشاعر : # والصبر كالصبر مر في مذاقته # لكن عواقبه أحلى من العسل PageV01P083 ~~أو : {واستعينوا} بالصوم {والصلاة} ، فإن في الصوم كسر الشهوة وتصفية النفس ~~، فإذا صفت النفس من الرذائل تحلت بأنواع الفضائل ، كالتواضع والإنصاف ، ~~والخشوع وسائر سني الأوصاف ، وفي الصلاة أنواع من العبادات النفسية ~~والبدنية ، كالطهارة ، وستر العورة ، وصرف المال فيهما ، والتوجه إلى ~~الكعبة ، والعكوف للعبادة ، وإظهار الخشوع بالجوارح ، وإخلاص النبية بالقلب ~~، ومجاهدة الشيطان ، ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن ، وكف النفس عن الأطيبين ~~، وفي الصلاة قضاء المآرب وجبر المصائب ، ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام ~~- إذا حز ms0052 به أمر فزع إلى الصلاة ، {وإنها لكبيرة} أي : شاقة على النفس ؛ ~~لتكريرها في كل يوم ، ومجيئها وقت حلاوة النوم ، {إلا على الخاشعين} الذين ~~سكنت حلاوتها في قلوبهم ، وتناجوا فيها مع ربهم ، حتى صارت فيها قرة عينهم. # الذين يتيقنون {إنهم ملاقوا ربهم} فيتنعمون بالنظر إلى وجه الكريم ، ~~ويتيقنون أيضا أنهم راجعون إلى ربهم بالبعث والحشر للثواب والعقاب ، وإنما ~~عبر الحق تعالى هنا بالظن في موضع اليقين إبقاء على المذنبين ، وتوفرا على ~~العاصين ، الذين ليس لهم صفاء اليقين ؛ إذ لو ذكر اليقين صرفا لخرجوا من ~~الجملة ، فسبحانه من رب حليم ، وجواد كريم. اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة ~~واليقين ، حتى لا يختلج قلوبنا وهم ولا ريب ، يا رب العالمين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 80 # الإشارة : يا من رام الدخول إلى حضرة الله ، تذلل وتواضع لأولياء الله ، ~~وتجرع الصبر في ذلك كي يدخلوك حضرة الله ، كما قال القائل : # تذلل لمن تهوى ؛ فليس الهوى سهل # إذا رضي المحبوب صح لك الوصل PageV01P084 ~~فإن منعك من ذلك حب الرئاسة والجاه ، فاستعن على ذلك بالصبر والصلاة ، فإن ~~الصبر عنوان الظفر ، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فأدمن قرع الباب حتى ~~تدخل مع الأحباب ، فالإدمان على عبادة الصلاة أمره كبير ، إلا من خلص إلى ~~مناجاة العلي الكبير ، وتحقق بملاقاة الشهود والعيان ، ورجع إلى مولاه في ~~كل أوان ، فإن الصلاة حينئذ تكون له من قرة العين. وبالله التوفيق ، وهو ~~الهادي إلى سواء الطريق. # ولما أمرهم بالأصول والفروع ، ذكرهم بالنعم ، وخوفهم بالوعيد على عدم شكرها. # 81 # جزء : 1 رقم الصفحة : 80 # قلت : {العدل} بالفتح : الفداء ، وبالكسر : الحمل ، وجملة {لا تجزي} : ~~صفة ليوم ، والعائد محذوف ، أي : لا تجزي فيه. # يقول الحق جل جلاله : {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت} على ~~آبائكم بالهداية وبعث الرسل ، {وأني فضلتكم على العالمين} : أهل زمانكم ، ~~فاذكروا هذه النعم واشكروني عليها ؛ بأن تتبعوا هذا النبي الجليل ، الذي ~~تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. # وخافوا {يوما} لا تقضي فيه {نفس عن نفس شيئا} بحيث لا تجلب لها نفعا ، ~~ولا ms0053 تدفع عنها ضررا ، ولا تقبل {منها شفاعة} إن وقعت الشفاعة فيها ، ولا ~~يؤخذ منها فداء ، إن أرادت الفداء عنها ، ولا تنتصر في دفع العذاب ، إن ~~أرادت الانتصار بعشيرتها. فانتفى عنها وجوه الامتناع من العذاب بأي وجه ~~أمكن ؛ فإن الإنسان إذا أخذ للنكال احتال على نفسه إما بالشفاعة ، أو ~~بالفداء إن لم تقبل الشفاعة فيه ، أو بالانتصار بأقاربه ، والآية في الكفار ~~، فلا حجة لمن ينفي الشفاعة في عصاة المؤمنين ، والله تعالى أعلم. PageV01P085 # الإشارة : قد يتوجه العتاب إلى أهل الرئاسة والجاه ، من العلماء والصالحين ~~، وكل من خص بشرف أو خصوصية ، فيقول لهم الحق تعالى : {اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم} بالعلم أو السيادة أو الصلاح ، وبأن فضلتكم على أهل زمانكم ، ~~وخصصتكم من أبناء جنسكم ؛ فقد روي : " أن العبد يحاسب على جاهه كما يحاسب ~~على ماله ". فمن صرفه في طاعة الله ، وتواضع لعباد الله ، وسعى في حوائجهم ~~، وأبلغ الجهد في قضاء مآربهم ، كان ذلك شكرا لنعمة الجاه ؛ فقد روي في ~~الحديث : " من سعى في حاجة أخيه المسلم ، قضيت أو لم تقض ، غفر له ما تقدم ~~من ذنبه ، وكتب له براءتان : براءة من النار وبراءة من النفاق ". ولا يأخذ ~~على ذلك أجرا ولا جعلا ؛ فإن ذلك سحت وربا ، ومن تكبر به وطغى ، أو أخذ على ~~ذلك أجرا ، قيل له يوم القيامة : قد استوفيت أجرك فلا حظ لك عندنا ، فلا ~~تنفعه شفاعة ، ولا يقبل منه فداء ، ولا يقدر أن ينتصر من موارد الهوان ~~والردى ، ففي بعض الأخبار : يقول الله تعالى للفقراء الذين يعظمون في ~~الدنيا لأجل فقرهم : ألم أرخص لكم الأسعار ؟ ألم أوسع لكم المجالس ؟ ألم ~~أعطف عليكم عبادي ؟ فقد أخذتم أجركم في الدنيا. أو كما قالك والله تعالى أعلم. # 82 # جزء : 1 رقم الصفحة : 82 # قلت : {إذ} : معمول لاذكروا ، و{فرعون} : اسم لكل من ملك القبط ، كما أن ~~قيصر اسم لمن ملك الروم ، وكسرى اسم لمن ملك الفرس ، واسم {فرعون} الذي كان ~~في زمن موسى عليه السلام : " مصعب بن ريان " ، وقيل : ابنه الوليد. وسام ~~يسوم : طلب ms0054 وبغى ، يقال : سامه خسفا إذا أولاه ظلما ، وجملة {يسومونكم} : ~~حال من {آل فرعون} ، وجملة {يذبحون} : بيان لها. وسوء العذاب : أفظعه ~~وأقبحه. PageV01P086 # يقول الحق جل جلاله : يا بني إسرائيل اذكروا نعمة أخرى أنعمت بها على ~~أسلافكم ، وأنتم عالمون بها ، وذلك حين أنجيناكم من عذاب فرعون ورهطه ، ~~يولونكم أقبح العذاب وأشنعه ، كانوا يستعبدون رجالكم ونساءكم في مشاق ~~الخدمة والمهنة ، ولما أخبره الكهان أنه سيخرج منكم ولد يخرب ملكه ، جعل ~~يذبح ذكوركم ويترك نساءكم ، وفي ذلكم محنة {من ربكم} وابتلاء {عظيم} ، أو ~~في ذلك الإنجاء اختبار من ربكم عظيم ، فاذكروا هذه النعمة ، وتحصنوا ~~بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من محنة أخرى ، ولا ينفع حذر من قدر ، ~~{وكان أمر الله قدرا مقدورا} [الأحزاب : 38]. وبالله التوفيق. # الإشارة : لكل زمان فراعين وجبابرة يقطعون الناس عن الانقطاع إلى الله ~~والدخول إلى حضرة الله ، {ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا} [الكهف : 104] ، # يقول الحق جل جلاله للذين تخلصوا منهم : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~بها ؛ حيث أنجيتكم من فراعين زمنكم ، {يسومونكم سوء العذاب} ؛ وهو البقاء ~~في غم الحجاب ، والانقطاع عن الأحباب ، يقتلون ما ربيتم من اليقين في ~~قلوبكم والمعرفة في أسراركم ، ويستحيون شهواتكم وحظوظكم ، {وفي ذلكم بلاء ~~من ربكم عظيم}. قال تعالى : {وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله ~~إن يتبعون إلا الظن...} [الأنعام : 116]. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى ~~سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 82 # ثم ذكرهم الحق تعالى نعمة أخرى ؛ وهي فلق البحر وإغراق العدو ، فقال : PageV01P087 # يقول الحق جل جلاله : واذكروا أيضا حين {فرقنا} بسببكم {البحر} ، حين فررتم ~~من عدوكم ، فسلكتم فيه اثني عشر مسلكا يابسا ، حتى خلصتم إلى الشام ، فلما ~~أدرككم عدوكم ، واستتم دخوله فيه ، أطبقنا عليهم البحر {فأنجيناكم وأغرقنا ~~آل فرعون} وأنتم تعاينون غرقهم وهلاكهم ، فاشكروا هذه النعم التي أنعمت بها ~~على أسلافكم ، واتبعوا # 83 # أحسن ما أنزل إليكم من ربكم على نبي أمي ، لم يكن له علم بهذا ، حتى علمه ~~بالوحي من ربكم. # الإشارة : قال بعض ms0055 الحكماء : (الهوى بحر لا ساحل له إلا الموت) : فلا ~~يقطع بحر الحظوظ والعوائد ، إلا الخواص ، الذين من الله عليهم بسلوك ~~الطريقة ، والغرق في بحر الحقيقة ، على يد رجلا جمعوا بين الشريعة والحقيقة ~~، فيقول الحق - جل جلاله - لمن تخلص من بحر هواه ، وأفضى إلى مشاهدة مولاه ~~: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ؛ حيث خلصتكم من بحر الشهوات والعوائد ، ~~وأطلعتكم على أسرار العلوم وذخائر الفوائد ، وأغرقنا فيه من تكبر وطغى ، ~~وأنتم تنظرون ما فيه الناس من غم الحجاب وسوء الحساب ، في بحر لجى يغشاه ~~موج الذنوب ، من فوقه موج الحظوظ ، من فوقه سحاب الأثر ، إذا أخرج يده لم ~~يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا لما له من نور. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 83 # قلت : {أربعين} : مفعول لواعدنا ، لا ظرف ، و{العجل} : مفعول أول ، ~~والثاني محذوف ، أي : اتخذتموه إليها ، و{الفرقان} : معطوف على {الكتاب}. PageV01P088 # يقول الحق جل جلاله : واذكروا أيضا حين {واعدنا موسى} أن يصوم {أربعين ~~ليلة} بأيامها متواصلة ، وذلك حين طلبتم منه أن ينزل عيه الكتاب فيه بيان ~~الأحكام ، ثم لما صامها ، وهي : ذو القعدة وعشر ذي الحجة ، وأتى إلى ~~المناجاة ، كفرتم ، و{اتخذتم العجل} الذي صاغه السامري من الحلي ، الذي ~~أخذته نساء بني إسرائيل من القبط عارية ، ففروا به ظنا منهم أنه حلال ، ~~فقال لهم هارون عليه السلام : لا يحل لكم ، فطرحوه في حفرة ، فصاغ منه ~~السامري صورة العجل ، وألقى في جوفه قبضة أخذها من تحت حافر فرس جبريل عليه ~~السلام حين عبر معهم البحر ، فجعل يخور ، فقال السامري : {هذآ إلهكم وإله ~~موسى} [طه : 88] ، {وأنتم ظالمون} في عبادته ، {ثم عفونا عنكم} بالتوبة ~~وقتل النفس على ما يأتي ، {لعلكم تشكرون} ، فلا فلا تعصون نعمة ، {و} ~~اذكروا أيضا {إذ آتينا موسى الكتاب} الذي طلبتم ، وهو التوراة ، وهو ~~{الفرقان} الذي فرقنا فيه بين الحق والباطل ، كي تهتدوا إلى الصواب فتنجوا ~~من العذاب. # 84 # الإشارة : ما زالت الأشياخ والأولياء الأقدمون ينتحلون طريق سيدنا موسى ~~عليه السلام في استعمال هذه الأربعين ، ينفردون فيها إلى مولاهم ، مؤانسة ms0056 ~~ومناجاة ، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه : # وصرت موسى زماني # مذ صار بعضي كلي # وقال : # صارت جبالي دكا # من هيبة المتجلي PageV01P089 ~~فيفارقون عشائرهم وأصحابهم في مناجاة الحبيب ، والمؤانسة بالقريب ، فمن ~~أصحابهم من يبقى على عهده في حال غيبة شيخه ، من المجاهدة والمشاهدة ، ~~ومنهم من تسرقه العاجلة فيرجع إلى عبادة عجل حظه وهواه ؛ فيظلم نفسه ~~بمتابعة دنياه ، فإن بادر بالتوبة والإقلاع ، ورجع إلى حضرة شيخه بالاستماع ~~والاتباع ، وقع عنه العفو والغفران ورجا ما كان يؤمله من المشاهدة والعيان ~~، وإلا باء بالعقوبة والخسران ، وكل من اعتزل عن الأحباب والعشائر والأصحاب ~~، طالبا جمع قلبه ، ورضى ربه ، فلا بد أن ترد عليه أسرار ربانية ومواهب ~~لدنية ، من لدن حكيم عليم ، يظهر بها الحق ، ويدفع بها الباطل ، فيفرق بين ~~الحق والباطل. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 84 # قلت : البارىء هو : المقدر للأشياء والمظهر لها. # يقول الحق جل جلاله : واذكروا يا بني إسرائيل حين {قال} موسى {لقومه} لما ~~رجع من الطور ، ووجدهم قد عبدوا العجل : {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم} ~~وبخستموها {باتخاذكم العجل} إلاهكم ، {فتوبوا إلى} خالقكم الذي صوركم في ~~أحسن تقويم ، {فاقتلوا أنفسكم} بهدم هذه البنية التي ركبتها في أحسن صورة ، ~~فبخستموها ، ولم تعرفوا قدرها ، فعبدتم أبلد الحيوان ، الذي هو البقرة. من ~~لم يعرف حق النعمة فحقيق أن تسترد منه. # فذلكم القتل والمبادرة إلى التوبة {خير لكم} عند خالقكم ، لأنه يفضي إلى ~~الحياة الدائمة والبهجة السرمدية ، فلما صعب عليكم القتل ؛ للشفقة على الأخ ~~أو القريب ، ألقينا عليكم ضبابة حتى أظلم المكان ، فاقتتلتم من الغداة إلى ~~العشي ، فدعا موسى وهارون - عليهما السلام - بالكشف عنهم ، فرفعت السحابة ، ~~وقد قتل سبعون ألفا ، ففعلتم ذلك # 85 # القتل ، فتاب الحق تعالى عليكم ، فقبل توبة من بقي منكم ، وعفا عمت مات ؛ ~~{إنه هو التواب الرحيم} أي : كثير التوفيق للتوبة ، أو كثير قبولها ، ~~الرحيم بعباده المؤمنين. PageV01P090 # الإشارة : ما قاله سيدنا موسى عليه السلام لقومه ، يقال مثله لمن عبد هواه ~~، وعكف على متابعة دنياه : يا من بخس نفسه بإرخاء ms0057 العنان في متابعة هواها ، ~~حتى حرمها من مشاهدة جمال مولاها ، تب إلى ربك ، وانتبه من غفلتك ، واقتل ~~نفسك بمخالفة هواها ، فلعلها تحيا بمشاهدة مولاها ، فما دامت النفس موجودة ~~، وحظوظها لديها مشهودة ، وآمالها ممدودة ، كيف تطمع أن تدخل حضرة الله ، ~~وتتمتع بشهود جماله وسناه ؟ ! # إن ترد وصلنا فموتك شرط # لا ينال الوصال من فيه فضله # وقال الحلاج في هذا المعنى : # لم أسلم النفس للأسقام تتلفها # إلا لعلمي بأن الوصل يحييها # وقال أيضا : # أقتلوني يا ثقاتي # إن في قتلي حياتي # وحياتي في مماتي # ومماتي في حياتي # جزء : 1 رقم الصفحة : 85 # أنا عندي : محو ذاتي # من أجل المكرمات # وبقائي في صفاتي # من قبيح السيئات # وقال أيضا : # إن كان سفك دمي أقصى مرادكم # فما غلت نظرة منكم بسفك دمي # وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : (لا يدخل على الله إلا من ~~بابين ، أحدهما : الموت الحسي ، وهو الموت الطبيعي ، والآخر : الموت الذي ~~تعنيه هذه الطائفة). ه. وهو موت النفوس ، فمن لم تمت نفسه لم تحيى روحه. # وقال بعض العارفين : (لا يحصل الدخول على الله حتى يموت أربع موتات : موت ~~أحمر ، وموت أسود ، وموت أبيض ، وموت أخضر. أما الموت الأحمر فهو مخالفة ~~الهوى ، وأما الموت الأسود فهو تحمل الأذى ، وأما الموت الأبيض فهو الجوع - ~~أي : المتوسط - وأما الموت الأخضر فهو لبس المرقعات ، وطرح الرقاع بعضها ~~على بعض). # قلت : ورأس الهوى وعنصره هو حب الجاه وطلب الرئاسة. فمن نزل إلى أرض ~~الخمول ، وخرق عوائد نفسه فيه ، انخرقت له الحجب ، ولاحت له الأنوار ، ~~وأشرقت عليه الأسرار في مدة قريبة ، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء ~~الطريق. # 86 PageV01P091 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 85 # قلت : {جهرة} مصدر نرى ؛ لأنه نوع منه ، أي : نرى الله رؤية عيان ، أو ~~حال من الفاعل ، أي : نراه معاينين له ، أو من المفعول ؛ أي : نراه معاينة. # يقول الحق جل جلاله : واذكروا أيضا ، يا بني إسرائيل ، حين قلتم لموسى ~~عليه السلام لما رجع من الطور ، ووجدكم قد عبدتم العجل ، فأخذ منكم سبعين ~~رجلا ممن ms0058 لم يعبد العجل ، وذهب يعتذر ، فلما سمعتم كلامي أنكرتموه وحرفتموه ~~، وقلتم : {لن نؤمن لك} أن هذا كلام الله {حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة} بسبب طلبكم ما لا طاقة لكم به ، فغبتم عن إحساسكم ، وذهبت أرواحكم ~~، {وأنتم تنظرون} ما فعل بكم ، فاستشفع فيكم موسى عليه السلام وقال : يا ~~{رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهآء منا} [الأعراف : ~~155] كيف أرجع إلى قومي بغير هؤلاء ؟ {ثم بعثناكم من بعد موتكم} وعشتم ~~زمانا بعد ذلك {لعلكم تشكرون} هذه النعمة ، وتقومون بحسن الخدمة ، فتقروا ~~بربوبيتي ، وتصدقوا برسلي ، فلم تفعلوا. PageV01P092 # الإشارة : من شأن الأرواح الطيبة التشوق إلى الحضرة ، والتشوف إلى العيان ~~والنظرة ، فلا يحصل لها كمال التصديق والإيقان إلا بعد الشهود والعيان ، ~~فلما علم الحق سبحانه من بعض الأرواح صدق الطلب ، رفع عنها الحجاب ، وفتح ~~لها الباب ، فأخذتها صاعقة الدهشة والحيرة ، ولم تطق صدمة المشاهدة والنظرة ~~، فغابت عن الأشكال والرسوم في مشاهدة أنوار الحي القيوم ، ثم من عليها ~~بالبعث من موت الفناء إلى حياة البقاء ، فأمنت من الشقاء ، فحصلت لها ~~الحياة الدائمة والسعادة السرمدية. فالصاعقة عند أهل الفن هي عبارة عن ~~الغيبة عن النفس ، وفناء دائرة الحس ، وهي شهود عدمك لوجود الحق ، والبعث ~~منها هو مقام البقاء ، وهو شهود الأثر بالله. وهو مقام حق اليقين. وحاصلة : ~~شهود وجود الحق وحده ، لا عدمك ولا وجودك ، " كان الله ولا شيء معه ، وهو ~~الآن على ما عليه كان ". وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 86 # قلت : {الغمام} : السحاب الرقيق ، و{المن} هنا : العسل ، و{السلوى} قيل : ~~اللحم ، والأصح : أنه اسم طائر كالسماني. # 87 PageV01P093 ~~يقول الحق جل جلاله : في تذكير بني إسرائيل ما أنعم به عليهم في حال التيه ~~: {و} قد {ظللنا عليكم الغمام} يقيكم من الحر في أيام التيه ، {وأنزلنا ~~عليكم المن} وهو عسل كان ينزل على الشجر من الفجر إلى الطلوع ، فيغرفون منه ~~ما شاءوا ، {و} أنزلنا عليكم {السلوى} ، وهو طير كانت تحشره الجنوب ، فينزل ~~عليهم ، فياخذون منه ما شاءوا ، ولا يمتنع منهم ، فيذبحون ويأكلون ms0059 لحما ~~طريا ، فقلنا لهم : {كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا} بمخالفتهم أمر ~~نبيهم وسوء أدبهم معه ، حيث قالوا : {فاذهب أنت وربك فقاتلآ إنا هاهنا ~~قاعدون} [المائدة : 24] ، فعاقبهم بالتيه أربعين سنة ، يتيهون في مقدار ~~خمسة فراسخ أو ستة. {ولكن} ظلموا أنفسهم ؛ حيث أوقعوها في البلاء والمحنة. # روي أنهم لما أمروا بجهاد الجبارين ، جبنوا وقالوا تلك المقالة ، فدعا ~~عليهم سيدنا موسى عليه السلم فوقعوا في التيه بين مصر والشام ، فكانوا ~~يمشون النهار فيبيتون حيث أصبحوا ، ويمشون الليل فيصبحون حيث أمسوا ، ~~فقالوا لموسى عليه السلام : من لنا بالطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن ~~والسلوى ، قالوا : كيف بحر الشمس ؟ فظلل عليهم الغمام ، قالوا : بم نستصبح ~~بالليل ؟ فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم ، قالوا : من لنا بالماء ؟ فأمر ~~موسى عليه السلام بضرب الحجر ، فقالوا : من لنا باللباس ؟ فأعطوا ألا يبلى ~~لهم ثوب ، ولا يخلق ، ولا يدرن ، وأن ينمو بنمو صاحبه ، وقيل : كساهم مثل ~~الظفر ، {والله على كل شىء قدير} [البقرة : 284]. PageV01P094 # الإشارة : لما انفصلت الأرواح من عالم الجبروت ، كانت على الطهارة الأصلية ~~، والنزاهة الأزلية ، عالمة بأسرار الربوبية وعظمة الألوهية ، لكن لم يكن ~~لها إلا جنة الحرية ، دون جنة العبودية ، فلما أراد الحق تعالى أن يمتعها ~~بجنتين عن يمين وشمال ، أمرها بالنزول إلى أرض العبودية ، في ظلل من غمام ~~البشرية ، فمن عليها بحلاوة المشاهدات وسلوان المناجات ، وقال لها : {كلوا ~~منطيبات ما رزقناكم} من طرائف العلوم ، وفواكه الفهوم ، هذا لمن اعتنى ~~بروحه فاستكمل فضيلتها ، وخالف هواها ، فنفذت من عالم الأشباح إلى عالم ~~الأرواح ، فلم تنحجب بسحب الآثار إلى نفوذ شهود الأنوار ، بل غابت عن شهود ~~الآثار بشهود الأنوار. أما من حجبت عن شهود الأنوار بالوقوف مع الآثار ، ~~ووقعت في شبكة الحظوظ والشهوات ، وربطت بعقال الأسباب والعادات ، فقد ظلمت ~~نفسها ، وبخست حقها من مشاهدة مولاها ، حتى استعت عليها دائرة الحس ، ولم ~~تنفذ إلى المشاهدة والأنس. وأنشدوا : # جزء : 1 رقم الصفحة : 87 # كمل حقيقتك التي لم تكمل # والجسم ضعه في الحضيض الأسفل # أتكمل الفاني وتترك باقيا # هملا ، وأنت بأمره ms0060 لم تحفل ؟ # فالجسم للنفس النفيسة آلة # ما لم تحصله بها لم يحصل # 88 # يفنى ، وتبقى دائما في غبطة # أو شقوة وندامة لا تنجلي # أعطيت جسمك خادما فخدمته # أتملك المفضول رق الأفضل ؟ # شرك كثيف أنت في أحباله # ما دام يمكنك الخلاص فعجل # من يستطيع بلوغ أعلى منزل # ما باله يرضى بأدنى منزل! # جزء : 1 رقم الصفحة : 87 # قلت : {حطة} : خبر مبتدأ مضمر ، أي : أمرنا حطة ، أي : تواضع وانحطاط ، ~~وقال هنا : (فكلوا) ، وفي الأعراف بالواو ؛ لأن الأكل مرتب على الدخول ، ~~بخلاف السكنى ، فإنها تفارق الأكل ، فكأنه مأمور به. PageV01P095 # يقول الحق جل جلاله : واذكروا يا بني إسرائيل حين قلنا لأسلافكم بعد أن ~~خرجوا من التيه : {ادخلوا هذه القرية} أعني بيت المقدس ، أو أريحاء ، بعد ~~أن تجاهدوا أهلها ، {فكلوا} من نعم ما فيها أكلا واسعا ؛ لأنها مخصبة ، ~~{وادخلوا} باب القرية راكعين ، تواضعا وشكرا ، {وقولوا} في دخولكم : شأننا ~~{حطة} ، أي : شأننا الانحطاط والتواضع لله ، فإن فعلتم ذلك {نغفر لكم ~~خطاياكم وسنزيد} من امتثل أمرنا ، وأحسن الأدب معنا ، خيرا كثيرا ، في ~~الدنيا والآخرة ، {فبدل الذين ظلموا} منهم قولا غير الذي أمروا به ، وقالوا ~~مكان حطة : حنطة ، حبة في شعرة ، {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا} عذابا {من ~~السماء} قيل : هو الطاعون ، فمات منهم سبعون ألفا في يوم واحد ، بسبب فسقهم ~~وتعديهم الحدود. # الإشارة : يقول الحق سبحانه للأرواح ، لما كمل تطهيرها من البقايا ، ~~وتكاملت فيها المزايا : ادخلوا هذه الحضرة المقدسة ، وتنعموا فيها حيث شئتم ~~بالمشاهدة ، والمكالمة ، والمواجهة ، والمساورة ، والمفاتحة ، والمناجاة ، ~~وادخلوا بابها أذلاء صاغرين ، فلا دخول للحضرة المقدسة إلا من باب الذل ~~والافتقار ، وأنشدوا : # وما رمت الدخول عليه حتى # حللت محلة العبد الذليل # وأغمضت الجفون على قذاها # وصنت النفس عن قال وقيل # وقيل لأبي يزيد : يا أبا يزيد ، خزائننا معمورة بالخدمة ، ائتني من كوة ~~الذل والافتقار. وفي رواية قيل له : يا أبا يزيد : تقرب إلينا بما ليس ~~عندنا ، فقال : يا رب ؛ وما # 89 # الذي ليس عندك ؟ فقال : الذل والافتقار. ه. وقال شيخ المشايخ القطب ~~الجيلاني رضي الله عنه ms0061 : (أتيت الأبواب كلها ، فوجدت عليها الزحام ، فأتيت ~~من باب الذل والافتقار ، فوجدته خاليا ، فدخلت منه ، وقلت : هلموا). أو كما ~~قال. وقال الشاعر : # جزء : 1 رقم الصفحة : 89 PageV01P096 ~~تذلل لمن تهوى فليس الهوى سهل # إذا رضي المحبوب صح لك الوصل # وقولوا عند دخولكم الحضرة : شأننا حطة ؛ أي : شأننا السفليات دون ~~العلويات ، فالسلوك من باب السفليات واجب ، وإلا فلا وصول ، فكل من سلك من ~~باب السفليات طهر من البقايا ، وتكاملت فيه المزايا ، فيصلح لدخول الحضرة ، ~~وينخرط في سلك أهل الشهود والنظرة ، فيكون من المحسنين المقربين ، فلا جرم ~~أن الله يزيده ترقيا في العلوم والأسرار ، في هذه الدار ، وفي تلك الدار ، ~~بخلاف من خالف ما أمر به من سلوك طريق السفليات ، وتعاطي الأمور العلويات ، ~~قبل كمال التربية ؛ فإنه يجرع إلى غم الحجاب ، وسوء الحساب ؛ بسبب خروجه عن ~~طريق الأحباب ، وسلوكه طريق أهل الغفلة والارتياب ، وبالله التوفيق ، وهو ~~الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 89 # قلت : {استسقى} : طلب السقي ، و" ال " في {الحجر} للعهد ، وهو الحجر الذي ~~فر بثوبه ، أو حجر خفيف مربع مثل رأس الرجل ، أمر أن يحمله معه ، فكان يضعه ~~في مخلاته ، فإذا احتاج الماء ضربه ، قيل : كان من رخام ، وقيل : كان كذان ~~، كان فيه اثنتا عشرة حفرة ، تنبع من كل حفرة عين ماء عذب ، على عدد ~~الأسباط ، فإذا أراد حمله ضربه فجف الماء منه ، وقيل : للجنس ، فكان يضرب ~~أي حجر وجد ، فتنفجر منه عيونا ، ثم تسير كل عين في جدول إلى سبط ، فقالوا ~~: إن أفضينا إلى أرض لا حجارة فيها عطشنا ، فأوحى إليه : أن كلمه يطعك ~~لعلهم يعتبرون. # و{فانفجرت} معطوف على محذوف ؛ أي : فضرب فانفجرت ، والعثو : أشد الفساد ، ~~عثا يعثوا عثوا ، وعثى يعثي عثيا ، وعاث يعيث عيثا ، و{مفسدين} : حال مؤكدة ~~لعاملها ، أو مقيدة ، إن قلنا : إن العثو أعم من الفساد ، لصدقه على القصاص ~~، فإنه عثر غير فساد. انظر البيضاوي. # 90 PageV01P097 ~~يقول الحق جل جلاله : واذكروا يا بني إسرائيل حين عطشتم في التيه ، فطلبتم ~~من موسى السقي ، فاستسقى لكم ، {فقلنا} ms0062 له : {اضرب بعصاك} التي أخذتها من ~~شعيب عليه السلام ، وكانت من آس الجنة ، وورثت عن آدم عليه السلام ، فيها ~~عشرة أذرع ، فضرب {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} على عدد أسباطكم ، فكل عين ~~تجري إلى سبط {قد علم كل أناس مشربهم} معينا ، لا يعدو أحد على أحد ، فقلنا ~~لهم : {كلوا} من المن والسلوى ، {واشربوا} من الماء الذي رزقناكم ، ولا ~~تطغوا بالنعم فتفسدا في الأرض بالمعاصي والذنوب ، فيكون ذلك كفرا مستوجبا ~~للسلب بعد العطاء ، روي أنهم كانوا ستمائة ألف ، وسعة المعسكر اثنا عشر ~~ميلا. والله تعالى أعلم. # الإشارة : اعلم أن الأرواح إذا تطهرت من الأكدار ، وتحررت من الأغيار ، ~~وأشرقت عليها الأنوار والأسرار ، وكمل تطهيرها ، وتمت تصفيتها ، كان صاحبها ~~آية من آيات الله ، وحجة من حجج الله ، إذا ضرب بعصا همته القلوب القاسية ~~أو الأنفس الأبية ، لانت وانفجرت بالعلوم القدسية ، كل واحد بما يليق به ، ~~فمنها من تنبع بالعلوم الوهبية ، ومنها من تنبع بالعلوم الرسمية ، ومنها من ~~تنبع بالكرامات وخوارق العادات ، ومنها من تنبع منها المكاشفات والاطلاعات ~~، قد علم كل أناس مشربهم ، على حسب ما سبق لهم ، فيقول الحق تعالى لهم : ~~كلوا من ثمرات ما اجتنيتم من العلوم والمعارف التي أوليناكم ، واشربوا من ~~مناهل المنازل التي فيها أقمناكم ، أو كلوا من ثمرات المعرفة ما تتقوى به ~~معانيكم ، واشربوا من خمر الحبيب ما تغيبوا به عن وجودكم ، ولا تتعدوا ~~أطواركم من القيام بوظائف العبودية ، ومعرفة عظمة الربوبية ، فتكونوا لسلب ~~ما أولاكم متعرضين ، ولعقوبته مستحقين ، عائذا بالله من السلب بعد العطاء. آمين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 90 PageV01P098 ~~قلت : المراد بالطعام الواحد : هو المن والسلوى. ووحده لأنه لا يختلف ولا ~~يتبدل ، كقولهم : طعام مائدة الأمير واحد ، والبقل : جميع الخضر ، كالنجم ~~والكرنب والكراث وغير ذلك. والقثاء : جمع قثاءة ، وهي الخيار والفقوس ~~والبطيخ وغير ذلك من # 91 # الفواكه التي تستنبت ، والفوم قيل : الحنطة ، والأصح أنه الثوم. قال ~~الشاعر : # أنتم أناس لئام الأصول # طعامكم الفوم والحوقل # أراد : الثوم والبصل. والعرب تعاقب بين الفاء والثاء فتقول : معافير ~~ومعاثير ، وتقول للقبر ms0063 : جدث وجدف. # والعدس : معلوم ، روى علي - كرم الله وجهه - عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : " عليكم بالعدس ، فإنه مبارك مقدس ، وإنه يرقق القلب ، ويكثر ~~الدمعة ، وإنه بارك فيه سبعون نبيا ، آخرهم عيسى ابن مريم ". يقول الحق جل ~~جلاله : واذكروا أيضا حين {قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} حين مللتم ~~من العسل واللحم ، وملتم إلى عكركم السوء ، أي : مألوفكم وشهواتكم السيئة ، ~~لأنهم كانوا فلاحين ، فقلتم : {ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض} ، أي ~~: من جنس ما ينبت الله فيها من البل والقثاء والعدس والفوم والبصل ، قال ~~موسى عليه السلام : {أتستبدلون الذي هو أدنى} وأخس من الثوم والبصل وغيرها ~~، {بالذي هو خير} من اللحم والعسل ، {اهبطوا} إلى مصر من الأمصار ، تجدوا ~~ما تشتهون ، إذ لا يوجد ذلك إلا في القرى والأمصار ، أو {اهبطوا مصرا} التي ~~كنتم فيها أذلاء مستبعدين ، تجدوا حظوظكم وشهواتكم ؛ لأن الحظوظ والشهوات ~~منوطة بالذل والهوان ، {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} ، أي : ألزموها لزوم ~~الدرهم المضروب لضربه ونقشه ، فالذلة : ضرب الجزية ، والمسكنة : فقر النفس ~~وإن كان موسرا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 91 PageV01P099 ~~وإنما ضربت عليهم الذلة والمسكنة لأنهم لم يرضوا بتدبير الحق ، ولم يقنعوا ~~برزقه ، فكل من لم يقنع بقسمته وسئم من اتحاد رزقه ، خيف عليه من ضرب الذل ~~والمسكنة ، وانقلبوا أيضا {بغضب من الله} حيث نقضوا العهود ، وتعدوا الحدود ~~، فكفروا وطغوا وقتلوا الأنبياء بغير حق ، وسبب ذلك : تمردهم في العصيان ، ~~فإن المعاصي تجر بعضها إلى البعض حتى تنتهي إلى الكفر ، والعياذ بالله من ~~سخطه وعضبه. # الإشارة : كل من لم يقنع بالقسمة الأزلية ، ولم يقم حيث أقامته القدرة ~~الإلهية ، بل جنح إلى حظوظه وهواه ، وحرص على تحصيل أغراضه ومناه ، قيل له ~~: أتستبدل تدبيرك - الذي هو أدنى - بتدبير الحق - الذي هو خير - ؟ أتترك ~~تدبير الحكيم العليم ، الرؤوف الرحيم ، إلى تدبير عقلك الضعيف الجاهل ~~الخسيس اللئيم ؟ ! فعسى أن تدبر شيئا يكون # 92 # لك فإذا هو عليك. وعسى أن تأتيك المسار من حيث تعتقد المضار ، وتأتيك ~~المضار من حيث ms0064 ترتجي المسار. ولله در القائل : # وكم رمت أمرا خرت لي في انصرافه ، # فلا زلت لي مني أبر وأرحما # عزمت على ألا أحس بخاطر # على القلب إلا كنت أنت المقدما # وألا تراني عند ما قد نهيتني ؛ # لكونك في قلبي كبيرا معظما # يا من لم يقنع بتدبير مولاه ، ومال إلى نيل حظه وهواه ، اهبط إلى أرض ~~الحظوظ والشهوات تجد فيها ما ألفته نفسك من عوائدك السيئات. يا من أخلدت ~~نفسه إلى الهوى ومتابعة الشيطان ، كيف تستبدل العز الدائم بالذل والهوان ؟ ~~! وأنشدوا : # لا تتبع النفس في هواها # إن اتباع الهوا هوان PageV01P100 ~~قال في التنوير : فائدة : اعلم أن بني إسرائل لما دخلوا التيه ، ورزقوا ~~المن والسلوى ، واختار الله لهم ذلك رزقا ، رزقهم إياه ، يبرز عن عين المنة ~~، من غير تعب منهم ولا نصب ، فرجعت نفوسهم الكثيفة لوجود ، العادة ، ~~والغيبة عن شهود تدبير الله ، غلى طلب ما كانوا يعتادونه ، فقالوا : {ادع ~~لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض} الآية. {قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضرب عليهم الذلة والمسكنة ~~وباءوا بغضب من الله} ، وذلك لأنهم تركوا ما اختار الله لهم ، مائلين لما ~~اختاروا لأنفسهم ، فقيل لهم عن طريق التوبيخ : {أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير} ؟ فظاهر التفسير : أتستبدلون الفوم والعدس والبصل بالمن ~~والسلوى ؟ وليس النوعان سواء في اللذة ولا في سقط المشقة وسر الاعتبار ، ~~أتستبدلون مرادكم لأنفسكم بمراد الله تعالى لكم ؟ {أتستبدلون الذي هو أدنى} ~~وهو ما أردتموه ، {بالذي خير} ، وهو ما أراده الله لكم ؟ {اهبطوا مصرا} فإن ~~ما اشتهيتموه لا يليق إلا أن يكون في الأمصار ، وفي سر الخطاب : اهبطوا عن ~~سماء التفويض وحسن التبدير منا لكم ، إلى أرضي التدبير والاختيار منكم ~~لأنفسكم ، موصوفين بالذل والمسكنة ؛ لاختياركم مع اختيار الله ، وتدبيركم ~~لأنفسكم مع تدبير الله. ه المراد منه. # ولما ذكرهم الحق تعالى بالنعمة ، ووبخهم على ارتكاب الآثام ، رغبهم في ~~الإسلام. # جزء : 1 رقم الصفحة : 91 # قلت : {إن} : ناصبة مؤكدة ، وخبرها : جملة {من آمن} أو {فلهم ms0065 أجرهم}. ~~و{من آمن} : بدل من اسمها ، أو محذوف ، والموصول : مبتدأ ؛ أي : إن الذين آمنوا # 93 # بمحمد صلى الله عليه وسلم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين هادوا ~~كذلك. و{هادوا} : تهودوا ، أي : دخلوا في اليهودية. وسموا يهودا ؛ إما نسبة ~~لأبيهم الأكبر (يهوذا بن يعقوب) ، أو من هاد ، إذا تاب ؛ لأنهم تابوا من ~~عبادة العجل. PageV01P101 # والنصارى : جمع نصران ، وسموا بذلك إما لنصرهم المسيح عليه السلام ، أو ~~لسكناهم معه في قرية يقال لها : (نصران) ، والصابئون : طائفة من أهل الكتاب ~~، خرجوا عن دين اليهودية وعبدوا الكواكب ، يقال : صبا يصبو ، إذا مال وخرج ~~من دين إلى دين. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم والذين ~~آمنوا بموسى ، والذين آمنوا بعيسى - عليهما السلام - ، والذين خرجوا عن ~~دينهم وصبوا ، {من آمن بالله واليوم الآخر} وتبع محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وعمل بشريعته ، {فلهم أجرهم عند ربهم} إذا قدموا عليه بالنعيم المقيم ، ~~والنظر إلى وجهه الكريم ، {ولا خوف عليهم} حين يخاف الكفار ، {ولا هم ~~يحزنون} حين يحزن المفرطون والأشرار ؛ إذ لا يلحقهم وبال ولا يفوتهم نوال. ~~وبالله التوفيق. # الإشارة : إن الذين آمنوا إيمانا لا يختلجه وهم ، ولا يطرق ساحته شك ولا ~~ريب ، إما عن برهان قاطع ، أو عن شهود ساطع ، والذين تابوا عن هواجس ~~الخواطر وغفلات الضمائر ، والذين نصروا الدين ، وشيدوا منار شريعة المسلمين ~~، والذين صبوا إلى الحبيب ، ومالوا عن كل بعيد وقريب ، فهؤلاء الذين سبقت ~~لهم من الله العناية ، وهبت عليهم ريح الهداية ، جمعوا بين تزيين البواطن ~~بأنوار الإيقان ، وتزيين الظواهر بأنواع الطاعة والإذعان ، فلا جرم أنهم ، ~~إذا قدموا على ربهم ، أجل منصبهم ، وأجزل ثوابهم ، وأعلى مقامهم ، فأولئك ~~اولياء الله الذين {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. PageV01P102 # فالمخصوصون بالعناية أربعة : قوم أقامهم الحق تعالى لتنمية الإيمان وتربية ~~الإيقان ، إما عن دليل وبرهان - وهم أهل النظر والاعتبار ، - وإما عن شهود ~~وعيان - وهم أهل الشهود والاستبصار - ، وقوم أقامهم الحق تعالى لتصفية ~~نفوسهم وتزكية أحوالهم بالتوبة ، والإقلاع عن كل وصف مذموم ، وهم السائرون ~~والطالبون ms0066 ، وقوم أقامهم لنصر الدين وإظهار شريعة المسلمين ، إما بتقرير ~~قواعده أو جهاد معانده ، وهم العلماء والمجاهدون ، وقوم أقامهم لخدمته ، ~~وملأ قلوبهم بهيبته ، وهم العباد والزهاد ، مالوا عن الشهوات وتأنسوا به في ~~الخلوات ، هجرو الأوطان وفارقوا الأحباب والإخوان ، صبوا إلى محبة الحبيب ~~وتلذذوا بمناجاة القريب ، فهؤلاء المخصوصون بعين العناية ، المحفوظون بغاية ~~الرعاية ، لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس. حققنا الله ~~بمقام الجميع بمنه وكرمه. آمين. # 94 # جزء : 1 رقم الصفحة : 93 # قلت : {لولا} حرف امتناع لوجود ، تلزم الدخول على المبتدأ ، وخبرها واجب ~~الحذف عند سيبويه ، أي : لولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان ، وقال ~~الكوفيون ، فاعل بمحذوف : أي : لولا أن ثبت فضل الله عليكم ورحمته ، ~~و(لكنتم) : جوابها. # يقول الحق جل جلاله : واذكروا يا بني إسرائيل حين {أخدنا ميثاقكم} أن ~~تقبلوا تكاليف التوراة ، وكانت شاقة عليهم ، فلما أبيتم قبولها ، قلعنا ~~الطور ، ورفعناه فوقكم على مقدار عسكركم ، كالظلة ، وقلنا لكم : {خذوا ما ~~آتيناكم} من التوراة بجد واجتهاد ، {واذكروا ما فيه} من الوعظ والتذكير ~~{لعلكم تتقون} الله ، فتفوزون بالخير الكثير ، فقبلتم ذلك كرها {ثم توليتم} ~~وأعرضتم بعد لك ، فسفكتم الدماء ، وقتلتم الأنبياء ، {فلولا فضل الله ~~عليكم} بتوفيقكم للتوبة ، {ورحمته} بقبولها منكم ، فخسرتم الدنيا والآخرة. PageV01P103 # {ولقد علمتم} ما جرى للذين {اعتدوا منكم في السبت} في زمن داود عليه السلام ~~، وذلك في قرية يقال لها : " أيلة " ، كانت على شاطئ البحر ، وقد نهوا عن ~~الاصطياد يوم السبت ، فكانت الحيتان تخرج يوم السبت شرعا ، فتخرج خراطيمها ~~للبر ، فإذا كان يوم الأحد دخلت في البحر ، فحفروا حياضا ، وشرعوا إليها ~~جدوال ، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد ، فلما لم ~~يعاقبوا على ذلك أحلوا يوم السبت ، فانقسمت القرية على ثلاث فرق : قوم نهوا ~~، وقوم سكتوا ، وقوم اصطادوا ، فمسخ من اصطاد قردة وخنازير ؛ الشبان قردة ، ~~والشيوخ خنازير ، فبقوا ثلاثة أيام وماتوا. فجعلنا تلك الفعلة التي فعلنا ~~بهم - {نكالا} وزجرا {لما بين يديها} في زمانها ، وما خلفها ؛ من يأتي ~~بعدها ، {وموعظة} : وتذكيرا {للمتقين} من أمة محمد صلى الله ms0067 عليه وسلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 95 # الإشارة : اعلم أن المريدين إذا دخلوا في يد شيخ ، وأخذوا عنه العهد ، ~~حملهم من أعباء التكليف وخرق العائد ما تموت به نفسوهم ، وتحيا به قلوبهم ، ~~كذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس ، فإذا هموا بالتقصير ، ظلل عليهم جبل ~~همته ، وأدار عليهم # 95 # يد حفظه ورعايته ، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن : (والله لا يكون الشيخ ~~شيخا حتى تكون يده مع الفقير أينما ذهب). والمراد باليد : الهمة والحفظ ، ~~ولا يزال الشيخ يراسلهم بهذه التكاليف ، ويحضهم على الأخذ بها ، والاجتهاد ~~في العمل بها ، حتى تموت نفوسهم وتحيا قلوبهم ، وترسخ معرفتهم ، وتكمل ~~تربيتهم ، فحينئذ ينتقلون إلى روح وريحان في جنات الشهود العيان. PageV01P104 # قلت : وقد كان شيخنا يرسل لنا البطاقات في حال البدايات ، فما كانت أفتحها ~~حتى ترتعد نفسي مما فيها ، لأنها تعلم أنه ما يرسل لها إلا ما فيه موتها ، ~~فلولا فضل الله علينا ورحمته - حتى قوانا على العمل بما فيها - لكنا من ~~الخاسرين ، ولقد أخطأت العناية قوما ، فتعدوا حدود الشيوخ ، أو خرجوا عن ~~دائرتهم قبل كمال تربيتهم ، فمسخت قلوبهم ، وانمحت في ديوان الولاية رسومهم ~~، جعل الله ذلك عبرة لغيرهم ، وزاجرا لمن حذا حذوهم ، نعوذ بالله من السلب ~~بعد العطاء ، وكفران النعم وحرمان الرضى ، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى ~~سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 95 # قلت : الفارض : المسنة التي لا تلد ، يقال : فرضت البقرة ، تفرض فروضا ، ~~إذا أسنت. البكر : الصغير التي لم تلد ، العوان : المتوسطة بين المسنة ~~والصغيرة ، والفاقع : الناصع الصفرة ، يقال : أصفر فاقع ، وأسود حالك ، أي ~~: شديد السواد ، وأصل شية : وشية ، كعدة ، حذفت فاؤها وعوض عنها التاء ، ~~والوشي : الرقم. # يقول الحق جل جلاله : واذكروا يا بني إسرائيل حين {قال موسى لقومه} لما ~~تخاصموا إليه في قتيل وجد في قرية ولم يدر قاتله ، وذلك أن رجلا فقيرا من ~~بني إسرائيل قتل قريبا له كان موسرا ليرثه ، ثم رماه في قرية أخرى ، ثم ذهب ~~يطلب دمه ، فترافعوا إلى موسى عليه السلام فقال لهم بوحي : {إن الله يأمركم ~~أن ms0068 تذبحوا بقرة} ، وأبهم الأمر عليهم ، {قالوا أتتخذونا هزوا} أي : مهزوءا ~~بنا ، حيث نسألك عن بيان القائل # 96 # وأنت تأمرنا أن نذبح بقرة ، وهذا من تعنتهم وسوء أدبهم. {قال أعوذ بالله ~~أن أكون من الجاهلين} ؛ إذ لا يستهزئ بأمر الدين إلا الجاهل. PageV01P105 # فلما رأوا جده {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} ، هل هي كبيرة أو صغيرة ~~أو متوسطة ؟ {قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض} أي : كبيرة ، {ولا بكر} أي : ~~ولا صغير {عوان} متوسطة بين ما ذكر من الصغر والكبر ، {فافعلوا ما تؤمرون} ~~، فإن الله يبين لكم القاتل ، {يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها} ناصع ~~صفرتها {تسر الناظرين} لسمنها وبهجة لونها ، {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ~~ما هي} ، فإن البقر الصفر كثير ، وقد تشابه علينا أمرها ؟ {قال إنه} تعالى ~~يقول : إنها مسلمة من العمل ليست ذلولا ، أي : مذللة بالعمل لا {تثير} أي : ~~تقلب {الأرض ولا تسقي الحرث} بالسانية. {مسلمة} من العيوب كلها ، {لا شية ~~فيها} أي : لا رقم فيها يخالف الصفرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 96 # فلما تبين لهم الأمر {قالوا الآن جئت بالحق} الواضح ، فوجدوها عند شاب ~~كان بيد أمه ، قد استودعها له أبوه في غيضة ، فاشتروها منه بملء جلدها ذهبا ~~، أو بوزنها ، {فذبحوها} ، وضربوا القتيل بجزء منها ، فجلس وعروقه تسيل دما ~~، وقال : قتلني ابن عم لي ، ثم رجع ، {وما كادوا يفعلون} لكثرة ترددهم ، أو ~~لفحش غلوها. قال عليه الصلاة والسلام : " لو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم لكن ~~شددوا فشدد الله عليهم ". # جزء : 1 رقم الصفحة : 96 # قلت : حق هذه الآية أن تتقدم قبل قوله : {إن الله يأمركم...} [البقرة : ~~67] وإنما أخرها الحق تعالى ليتوجه العتاب إليهم مرتين ؛ على ترك المسارعة ~~لامتثال أمر نبيهم ، وعلى قتل النفس ، ولو قدمها لكانت قصة واحدة بتوبيخ واحد. PageV01P106 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكروا {إذ قتلتم نفسا} حرصا على الدنيا ~~{فادارأتم} أي : تدافعتم في شأنها ، كل قرية تدفع عنها ، {والله} تعالى ~~{مخرج} ومبين {ما كنتم تكتمون} من القتل ، ومن قتله ، {فقلنا} : اضربوا ~~القتيل ms0069 أو قبره {ببعضها} قيل : اللسان ، وقيل القلب ، وقيل : الفخد أو ~~الذنب ، فضربوه فحيى ، وأخبر بقاتله كما تقدم ، {كذلك} أي : كما أحيا هذا ~~القتيل ، {يحيي الله الموتى} من قبورها {ويريكم آياته} # 97 # الدالة على قدرته ، {لعلكم تعقلون} فتعلمون أن من قدر على إحياء نفس واحد ~~يقدر على إحياء الأنفس كلها. # واستدلت المالكية بالقصة على التدمية الحمراء ، وهي قبول قول القتيل قبل ~~موته بأن فلانا قتله ، وفيه نظر ؛ لأن هذا حيى بعد موته فلا يتطرقه الكذب ، ~~واستدلت أيضا على حرمان القتل من الإرث ، وفيه نظر ؛ لأن هذه شريعة من ~~قبلنا يتطرقها النسخ ، لكن ثبت في الحديث أنه لا يرث. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إذا أمر الشيخ المريدين بذبح نفوسهم بخرق عوائدها ، فمن تردد ~~منهم في فعل ما تموت به نفسه ، كان ذلك دليلا على قلة صدقه وضعف نهايته ، ~~ومن بادر منها إلى قتلها دل على صدقه وفلاحه ونجح نهايته ، فإذا ماتت النفس ~~بالكلية حييت روحه بالمعرفة والمشاهدة الدائمة ، فلا موت بعدها أبدا ، قال ~~تعالى : {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان : 56] ، وأما ~~الموت الطبيعي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام ، ومن وطن ضيق إلى وطن ~~واسع ، وأنشدوا : # لا تظنوا الموت موتا إنه # لحياة ، وهو غاية المنى # لا ترعكم هجمة الموت فما # هو إلا انتقال من هنا # فاخلعوا الأجساد مشن نفسكم # تبصروا الحق عيانا بينا # جزء : 1 رقم الصفحة : 97 PageV01P107 ~~قلت : والسيف الذي يجهز على النفس ويسرع قتلها هو الذل والفقر ، فمن ذل ~~نفسه بين أبناء جنسه ، وخرق عوائد نفسه ، وزهد في الدنيا ، ماتت نفسه في ~~طرفة عين ، وحييت روحه ، وظفر بقرة العين ، وهي معرفة مولاه ، والغيبة عما سواه. # وكمال الوقت في ذبح النفس أن تكون متوسطة بين الصغر والكبر ، فإن الصغيرة ~~جدا لا يؤمن عليها الرجوع ، والكبيرة جدا قد يصعب عليها النزوع ، كاملة ~~الأوصاف بحسن الزهد والعفاف ، تسر الناظرين لبهجة منظرها وحسن طلعتها ، ~~وكذلك من كان من أهل الشهود والنظرة ، تسحر مشاهدة القلوب ، ويسوقها بسرعة ~~إلى حضرة علام الغيوب ، لما ms0070 أقيم به من مشاهدته الملكوت ، حتى إن من لاحظه ~~تناسى أحوال البشرية ، واستولت عيله أنوار الروحانية ، وغابت في ذكر الحبيب ~~عن البعيد والقريب ، كما في الحديث : " أوليا الله من إذا رؤوا ذكر الله " ~~، وتكون أيضا هذه النفس غير مذللة بطلب الدنيا والحرص عليها ، مسلمة لا عيب ~~فيها ، ولا رق لشيء من الأثر عليها ، فحينئذ تصلح # 98 # للحضرة ، وتتمتع بنعيم الشهود والنظرة ، لم يبق لخصم الفرق معها تدارؤ ~~ولا نزاع ، بل أقر الخصم وارتفع النزاع. # جزء : 1 رقم الصفحة : 97 # قلت : القسوة والقساوة : هي الصلابة واليبوسة ، كالشقوة والشقاوة ، يقال ~~حجر قاس ، أي : يابس. قال الشاعر : # ولا أرى أثرا للذكر في جسدي # والحبل في الجبل القاسي له أثر # و{أو} للإضراب ، أو بمعنى الواو ، أو للتنويع ، فبعضها كالحجارة وبعضها أشد. # يقول الحق جل جلاله : {ثم قست قلوبكم} يا معشر اليهود ، ويبست فلم تلن ~~ولم تخضع ، مع ما رأت من الآيات كانفجار الحجر بالماء في التيه ، وإنزال ~~المن والسلوى ، وتظليل الغمام ، وإحياء الميت وغير ذلك. PageV01P108 # قال الكلبي : (أنكروا بعد ما رأوا ذلك ، وقالوا : ما قتلنا ، فما كانوا قد ~~أعمى قلبا ، ولا أشد تكذيبا منهم لنبيهم عند ذلك) فقلوبهم كالحجارة ، بل ~~أشد ، أو إن شبهتم قلوبهم بالحجارة أصبتم ، وبما هو أشد أصبتم ، بل في ~~الحجارة فضل عليها في اللين ، فإن منها ما تتفجر {منه الأنهار} الكبار ، ~~ومنها ما تشقق {فيخرج منه} العيون الجارية ، ومنها ما تهبط من رأس الجبل ~~{من خشية الله}. وفي بعض الأخبار : " كل حجر تردى من رأس جبل فهو من خشية ~~الله " ، وقلوبكم يا معشر اليهود لا تلين ولا تخشع ولا تأتي بخير ، نسأل ~~الله السلامة بمنه وكرمه. # الإشارة : كل من أساء الأدب مع أستاذه ، أو خرج عن دائرته إلى غيره ، قسا ~~قلبه ، وذهب حاله ولبه ، فإن رجع قريبا واستدرك ما فات ، لان قلبه ونهض ~~حاله ، وإلا وقع في مهاوي القطيعة ، ولم يأت منه شيء ، وللقلب القاسي ~~علامات : منها جمود العين ، وطول الأمل ، وعدم الحزن على ما فاته من ~~الطاعات وما صدر ms0071 منه من السيئات ، وعدم الفرح بما يصدر منه من الطاعات ، ~~فإن المؤمن تسره حسناته وتسيئه سيئاته ، ودواؤه : صحبة الفقراء الذاكرين ~~الخاشعين ، والجلوس بين يدي العارفين الكاملين ، وتعاهد الصيام ، والصلاة ~~بالليل والناس نيام ، والتضرع إلى الحي القيوم الذي لا ينام ، وللشافعي رضي ~~الله الله عنه : # ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي # جعلت الرجا مني لعفوك سلما # جزء : 1 رقم الصفحة : 9 # تعاظمني ذنبي فلما قرنته # بعفوك ربي كان عفوك أعظما # 9 PageV01P109 ~~قوله تعالى : {وإن من الحجارة لم يتفجر منه الأنهار} [البقرة : 74] كذلك ~~القلوب القاسية إذا لانت بالإنابة إلى ربها ، والرجوع عن مألوفاتها ، تتفجر ~~منها أنهار العلوم ، وتشقق منها أسرار الحكم ، ومنها من تذوب من هيبة ~~المتجلي لها ، فتندك جبالها ، وتزلزل أرض نفوسها ، كما قال القائل : # لو عاينت عيناك يوم تزلزلت # أرض النفوس ودكت الأجبال # لرأيت شمس الحق يسطع نورها # حين التزلزل ، والرجال رجال # والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 9 # قلت : ضمن الإيمان معنى الإذعان والإقرار ؛ ولذلك عداه باللام ، وجملة ~~{قد كان} حال من فاعل الإيمان ، و{إذا لقوا} عطف على {كان} ، والتقدير : ~~أفتطمعون في إيمانهم والحالة أن من سلف منهم كانوا يحرفون كلام الله ، ومن ~~حضر منهم الآن ينافقونكم في دين الله ، فلا مطمع في إيمان من هذا وصفه. # يقول الحق جل جلاله : {أفتطمعون} يا معشر المسلمين أن يذعن لكم أهل ~~الكتاب ويصدقوكم {وقد كان فريق منهم} ، وهم السبعون الذين ذهبوا مع موسى ~~للاعتذار ، {يسمعون كلام الله} حين كلمهم وكلفهم بمشاق التوراة ، فحرفوا ~~وقالوا : قال : افعلوا ما استطعتم ، فإذا لم يحصل لهم الإيمان مع سماع ~~الكلام بلا واسطة ، فكيف يؤمن لكم هؤلاء ، وهم إنما يسمعونه بواسطة الرسالة ~~؟ أو {يسمعون كلام الله} في التوراة ثم يحرفونه ، محوا أو تأويلا ، كصفة ~~سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك ، {من بعد} ما فهموه ~~{وهم يعلمون} أنه كلام الله ، أو {وهم يعلمون} أنهم محرفون ومغيرون لكلام الله. PageV01P110 # وكيف تطمعون أيضا في إيمانهم وهم منافقون ؟ {إذا لقوا} المؤمنين {قالوا ~~آمنا} ، وصفة نبيكم مذكورة ms0072 في كتابنا ، {وإذا خلا بعضهم إلى بعض} لامهم من ~~لم ينافق ، و{قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} من علم التوراة ~~فتطلعونهم عليه {ليحاجوكم به} أي : يغلبوكم بالحجة {عند ربكم} في الدنيا ~~والآخرة ، فيقولون : كنتم عالمين بنبوة نبينا فجحدتم وعاندتم ، {أفلا ~~تعقلون} حتى تطلعوهم على ما فتح الله به عليكم. أو يقول # 100 # الحق تعالى : {أفلا تعقلون} يا معشر المسلمين فتطمعون في إيمانهم بعد هذه ~~الخصال التي فيهم ، قال الحق جل جلاله : {أولا يعلمون أن الله} لا يخفى ~~عيله شيء ، بل {يعلم} ما يسرونه وما يعلنونه ، فيجازيهم على ما أخفوا وما ~~أعلنوا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 100 # الإشارة : من سبقت له المشيئة بالخذلان ، وحكم عليه القدر والقضاء ~~بالحرمان ، يرجع إلى الدليل والبرهان ، بعد الاستشراف على الشهود والعيان ، ~~فيرجع إلى مشاهدة الآثار والرسوم ، وينسى ما كان يعهده من دقائق العلوم ، ~~سبب ذلك كله : الإخلال بالأدب مع المشايخ والأصحاب ، أو مفارقة الإخوان ، ~~وعدم مواصلة أهل العرفان ، وضم إلى ذلك الإنكار على أولياء الله ، وتحريف ~~ما سمعه منهم من مواهب الله ، فلا مطمع في رجوعه وإيابه ، وقد بعد من الفتح ~~وأسبابه ، لا سيما إذا اتصف بالنفاق ، إذا لقي أهل النسبة أظهر الوفاق ، ~~وإذا خلا إلى العامة أظهر الشقاق ، فمثل هذا لا يرجى له فلاح ، ولا يسعد ~~بصلاح ونجاح. نعوذ بالله من ذلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 100 PageV01P111 ~~قلت : أماني : جمع أمنية ، وهي في الأصل : ما يقدره الإنسان في نفسه من منى ~~إذا قدر ، ولذلك تطلق على الكذب ، وعلى ما يتمنى وما يقرأ ، قاله اليضاوي. ~~والاستثناء منقطع ، أي : لكن أكاذيب ، ويقال : تمنى الرجل ، إذا كذب واختلق ~~الحديث ، ومنه قول عثمان رضي الله عنه : (والله ما تمنيت ولا تغنيت منذ ~~أسلمت). # يقول الحق جل جلاله : {ومنهم} أي : من اليهود عوام {أميون} لا يقرؤون ~~الكتاب ولا يفهمونه ، لكن يسمعون من أحبارهم {أماني} كاذبة ، وأشياء ~~يظنونها من الكتاب ، ولا علم لهم بصحتها ، كتغيير صفته صلى الله عليه وسلم ~~وغير ذلك ، أو مواعيد فارغة ، ومطامع خاوية ، سمعوها منهم ، من ms0073 أن الجنة لا ~~يدخلها إلا هم ، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة ، وغير ذلك من ~~أمنيتهم الفارغة وأمانيهم الباطلة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : اعلم أن المنكرين على أهل الخصوصية ثلاث فرق : أهل الرئاسة ~~المتكبرون ، والفقهاء ، المتجمدون ، والعوام المقلدون ، يصدق عليهم قوله ~~تعالى : {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} ؛ إذ لا علم عندهم ~~يميزون به المحق من المبطل ، وإنما هم مقلدون ، فوزرهم على من حرمهم بركة ~~الاعتقاد ، وأدخلهم في شؤم الانتقاد ، ولقد أحسن " ابن البنا " حيث قال في ~~شأن أهل الإنكار. # واعلم رعاك الله من صديق # أن الورى حادوا عن التحقيق # إذ جهلوا النفوس والقلوب # وطلبوا ما لم يكن مطلوبا # واشتغلوا بعالم الأبدان # فالكل نساء منهم ودان # 101 # وأنكروا ما جهلوا وزعموا # أن ليس بعد الجسم شيء يعلم # وكفروا وزندقوا وبدعوا # إذا دعاهم اللبيب الأورع # كل يرى أن ليس فوق فهمه # فهم ولا علم وراء علمه # محتجبا عن رؤية المراتب # عل يسمى عالما وطالب # هيهات هذا كله تقصير # يأنفه الحاذق والنحرير PageV01P112 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 101 # قلت : {ويل} : كلمة يستعملها كل واقع في هلكة ، وأصلها العذاب والهلكة ، ~~وهو في الأصل مصدر لا فعل له ، وسوغ الابتداء به الدعاء ، وقال أبو سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم : " الويل واد في جهنم " [لو سيرت فيه ~~جبال الدنيا لانماعت]. # يقول الحق جل جلاله : {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} تحريفا لكتاب ~~الله ، {ويقولون هذا من عند الله} خوفا من أن تزول رئاستهم ، وينقطع عنهم ~~ما كانوا يأخذونه من سفلتهم ، نزلت في أحبار اليهود لما قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة ، خافوا أن تزول رئاستهم ، فاحتالوا في تعويق اليهود عن ~~الإسلام ، وكانت صفة النبي صلى الله عليه وسلم " حسن الوجه ، حسن الشعر ، ~~أكحل العينين ، ربعة " ، فغيروها ، وكتبوا : طوالا ، أزرق ، سبط الشعر ، ~~{فويل لهم مما كتبت أيدهم وويل لهم مما يكسبون} ، ويأخذون من سفلتهم ، فهو ~~وإن كان كثيرا في الحسن فهو ، بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب الأليم ، قليل. # الإشارة : ينزجر بهذه ms0074 الآية صنفان : أحدهما : علماء الأحكام ، إذا أفتوا ~~بغير المشهور ، رغبة فيما يقبضون على الفتوى من الحطام الفاني ، وكذلك ~~القضاة إذا حكموا بالهوى ، رغبة فيما يقبضون من الرشا ، أو يحصلونه من ~~الجاه ، {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} الثاني : أهل ~~الرئاسة والجاه من أولاد الصالحين وغيرهم ، فإنهم إذا رأوا أحدا قام بولاية ~~أو نسة خافوا على زوال رئاستهم ، فيحتالون على الناس بالتعويق عن الدخول في ~~طريقته ، فيكتبون في ذلك سفسطات وترهات ، ينفرون الناس عن اتباع الحق ، ~~{ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} [التوبة : 32]. # 102 # جزء : 1 رقم الصفحة : 102 PageV01P113 ~~قلت : {بلى} : حرف جواب كنعم ، والفرق بينهما أن {بلى} لا يقع إلا في جواب ~~النفي ويصير إثباتا ، تقول : ألم يأت زيد ؟ فتقول : بلى. أي : أتى ، ومثله ~~: {قالوا لن تمسنا النار} فقال تعالى : {بلى} أي تمسكم ، بخلاف نعم ؛ فإنها ~~لتقرير ما قبلها نفيا أو إثباتا ، فإذا قيل : ألم يأت زيد ؟ فقلت : نعم ، ~~أي لم يأت ، وإذا قيل : هل أتى زيد فقلت : نعم ، أي أتى.وقد نظم ذلك بعضهم فقال : # " نعم " لتقرير الذي قبلها # إثباتا أو نفيا ، كذا قرروا # " بلى " جواب النفي لكنه # يصير إثباتا ، كذا حرروا # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} أي : بنو إسرائيل في أمانيهم الباطلة : ~~{لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} أربعين يوما مقدار عبادة العجل ، ثم ~~يخلفنا فيها المسلمون. قال الحق جل جلاله : {قل} لهم يا محمد : {أتخذتم} ~~بذلك عهدا عند الله {فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون} ~~- {بلى} تمسكم النار وتخلدون فيها ؛ لأن {من كسب سيئة} أي : كفرا ومات عليه ~~، {وأحاطت به خطيئته} أي : أحدقت به ، واستولت عليه ، {فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون} - {والذين آمنوا} بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ~~{وعلموا} بشريعته المطهرة الأعمال {الصالحات} {أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون} هذه عادته تعالى ؛ إذا ذكر فريقا شفع بضده ترغيبا وترهيبا وبالله ~~التوفيق. PageV01P114 # الإشارة : اعلم أن كثيرا من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء ، ويطلقون ~~عنان ms0075 أنفسهم في المعاصي والشهوات ، ويقولون : سمعنا من سيدي فلان يقول : من ~~رآنا لا تمسه النار. وهذا غلط وغرور ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - ~~لابنته : " يا فاطمة بنت محمد ، لا أغني عنك من الله شيئا ، اشتري نفسك من ~~الله " وقال للذي قال : ادع الله أن أكون رفيقك في الجنة فقال له : " أعني ~~على نفسك بكثرة السجود " نعم ، هذا المقالة : إن صدرت من ولي متمكن مع الله ~~فهي حق ، لكن بشرط العمل ممن رآه بالمأمورات وترك المحرمات ، فإن المأمول ~~من فضل الله ، ببركة أوليائه ، أن يتقبل الله منه أحسن ما عمل ، ويتجاوز عن ~~سيئاته ، فإن الأولياء المتمكنين اتخذوا عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ~~؛ وهو أن من تعلق بهم وتمسك بالشريعة شفعوا فيه. # 103 # والغالب على من صحب أولياء الله المتمكنين - الحفظ وعدم الإصرار ، فمن ~~كان كذلك لا تمسه النار ، وفي الحديث : " إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب " ~~، يعني : يلهم التوبة سريعا ، كما قيل لأهل بدر : " افعلوا ما شئتم فقد ~~غفرت لكم ". ولا يتخذ عند الله العهد إلا أهل الفناء والبقاء ، لأنهم بالله ~~فيما يقولون ، فليس لهم عن أنفسهم إخبار ، ولا مع غير الله قرار ، وأما من ~~لم يبلغ هذا المقام فلا عهد له ؛ لأنه بنفسه ، فمن تعلق بمثل هذا فهو على ~~خطر ، وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 103 # قوله تعالى : {بلى من كسب سيئة} ، من اقتنى حب الدنيا أحاطت به أشغالها ~~وعلائقها ، فهو في نار القطعية مقيم ، أحاط به سرادق الهموم والأكدار ، ~~تلدغه عقارب الشكوك والأغيار ، بخلاف من أشرفت عليه أنوار الإيمان ، وصحب ~~أهل الشهود والعيان ، فإنه في روح وريحان وجنة ورضوان ، متعنا الله بذلك في ~~الدارين. آمين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 103 PageV01P115 ~~قلت : {لا تعبدون} : خبر في معنى النهي ، كقوله تعالى : {ولا يضآر كاتب ولا ~~شهيد} [البقرة : 282] ، وهو أبلغ من صريح النهي ، لما فيه من إيهام أو ~~المنهي سارع إلى الانتهاء ، وقيل : حذفت " أن " ، وارتفع المضارع ، وهو على ~~حذف القول ، أي : وقلنا لهم : لا تعبدون ، وقرأ ابن ms0076 كثير وحمزة والكسائي ~~بالغيب. # يقول الحق جل جلاله : واذكروا إذ أخذنا الميثاق على بني إسرائيل وقلنا ~~لهم : لا يتصور منكم شرك معي ولا ميل إلى غيري ، فلا تعبدوا إلا إياي ، ~~وأحسنوا {بالوالدين} إحسانا كاملا ، وأحسنوا {وذي القربى} نسبا ودينا ، ~~وأحسنوا باليتامى {والمساكين} ، بالمواساة والملاطفة ، {وقولوا للناس} قولا ~~{حسنا} أو ذا حسن ، وهو ما لا لغو فيه ، ولا تأثيم بل ما فيه نصح وإرشاد ، ~~{وأقيموا الصلاة} بإتقان شروطها وكمال آدابها ، وأدوا {الزكاة} لمستحقها ، ~~{ثم} بعد ذلك {توليتم} ، وأعرضتم {إلا قليلا} ممن أسلم {منكم وأنتم معرضون} ~~عن الحق ظهوره. # ذكر الحق تعالى في هذا العهد أربعة أعمال : عمل خاص بالقلب ، وهو التوحيد ~~، وعمل خاص بالبدن ، وهو الصلاة ، وعمل خاص بالمال ، وهو الزكاة ، وعمل عام ~~وهو الإحسان ، ورتبها باعتبار الأهم فالأهم ، فقدم الوالدين لتأكيد حقهما ~~الأعظم ، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم ، ثم اليتامى لقلة ~~حيلتهم ، ثم المساكين لضعفهم ، والله تعالى أعلم. # 104 PageV01P116 ~~الإشارة : كل عهد أخذ على بني إسرائيل يؤخذ مثله على الأمة المحمدية ، وهذا ~~حكمة ذكر قصصهم لنا ، وسرد مساؤئهم علينا ؛ لنتحرز من الوقوع فيما وقعوا ~~فيه ، فنهلك كما هلكوا ، وكل عهد أخذ على العموم باعتبار الظاهر يؤخذ مثله ~~على الخصوص باعتبار الباطن ، فقد أخذ الحق سبحانه العهد على المتوجهين إليه ~~ألا تتوجه همتهم إلا إليه ، ولا يعتمدون بقلوبهم إلا عليه ، وأن يتخلقوا ~~بالإحسان ، مع الأقارب والأجانب وكافة الإخوان ، وخصوصا الوالدين من قبل ~~البشرية أو الروحانية ، وهم أهل التربية النبوية ، فحقوق أب الروحانية تقدم ~~على أب البشرية ، لأن أب البشرية كان سببا في خروجه إلى دار الفناء والهوان ~~، وأب الروحانية كان سببا في دخوله إلى روح وريحان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 104 # وأخذ العهد على المتوجهين أن يكلموا الناس بالملاطفة والإحسان ، ويرشدوهم ~~إلى الكريم المنان ، ويقيموا الصلاة بالجوارح والقلوب ، ويؤدوا زكاة نفوسهم ~~بتطهيرها من العيوب ، فمن تولى بعد ذلك فأولئك الفاسقون ، وعن دائرة ~~الولاية خارجون. # جزء : 1 رقم الصفحة : 104 # قلت : {ثم أنتم هؤلاء} {أنتم} : مبتدأ ، و{هؤلاء} : خبر ، و{تقتلون} ms0077 : ~~حال ، كقولك : أنت ذلك الرجل الذي فعلت كذا وكذا ، أو {هؤلاء} : بدل ، ~~و{تقتلون} : خبر أو منادي ، أي : يا هؤلاء ، أو منصوب على الاختصاص ، ~~والعدوان : الإفراط في الظلم ، و{أسارى} حال ، جميع أسير ، ويجمع على أسرى ~~، وقرئ به ؛ أي : مأسورين : و{هو} ضمير الشأن ، و{محرم} خبر ، و{إخراجهم} ~~مبتدأ مؤخر ، أو ضمير الإخراج فيكون مبتدأ ، و{محرم} خبره ، و{إخراجهم} بدل ~~من الضمير ، وهذه الجملة متصلة بقوله : {وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ~~تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} ، وما قبلها اعتراض. PageV01P117 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكروا أيضا {إذ أخذنا ميثاقكم} وقلنا لكم : {لا ~~تسفكون دماءكم} أي : لا يسفك بعضكم دم بعض ، {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} # 105 # أي : لا يخرج أحدكم أخاه من داره ويجليه عنها ، وجعلهم الحق نفسا واحدة ، ~~وذلك هو في الحقيقة ، وفي ذلك يقول الشاعر : # عنصر الأنفاس منا واحد # وكذا الأجسام جسم عمنا # {ثم أقررتم} بهذا العهد والتزمتموه لأنفسكم {وأنتم تشهدون} على أنفسكم ~~بذلك ، {ثم أنتم} يا {هؤلاء} اليهود {تقتلون أنفسكم} أي : يقتل بعضكم بعضا ~~، {وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} إجلاء عنها ، تتغالبون {عليهم} بالظلم ~~والطغيان ، {وإن يأتوكم} مأسورين تفدوهم بمالكم ، وذلك الإخراج محرم عليكم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 105 # وحاصل الآية : أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل العهد في التوراة ألا ~~يقتل بعضهم بعضا ، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ، وأيما عبد أو أمة ~~وجدتموه من بني إسرائيل أسيرا فاشتروه بما كان من ثمنه واعتقوه ، فكانت ~~قريظة حلفاء الأوس ، والنضير حلفاء الخزرج ، وكانوا يقتتلون في الحرب فيعين ~~بنو قريظة حلفاءهم الأوس ، فيقاتلون بني النضير في قتالهم مع الخزرج ، فإذا ~~غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها ، فإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى ~~يفدوه ، فعيرتهم العرب ، فقالوا : تقاتلونهم وتفدونهم ؟ ! فيقولون : قد ~~أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ، قالوا : فلم تقاتلونهم ؟ فقالوا : إنا ~~نستحي أن يذل حلفاؤنا ، فوبخهم الله على ذلك ، فقال : PageV01P118 # {أفتؤمنون ببعض الكتاب} وهو الفداء {وتكفرون ببعض} وهو القتل والإخراج ؟ ~~{فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي} أي : ذل وهوان {في ms0078 الحياة الدنيا} ، ~~وهو السبي والقتل لبني قريظة ، والجلاء والإخراج من الوطن لبني النضير ، أو ~~الذل والجزية للفريقين إلى يوم القيامة ، {ويوم القيامة يردون إلى أشد ~~العذاب}. وليس ما أصابهم تكفيرا لذنوبهم ، بل نقمة وغضبا عليهم ، {وما الله ~~بغافل عما تعملون}. # الإشارة : الناس على قسمين : قوم ضعفاء تمسكوا بظاهر الشريعة ولم ينفذوا ~~إلى باطنها ، ولم يقدروا على قتل نفوسهم ، ولا على الخروج من وطن عوائدهم ، ~~فيقول لهم الحق جل جلاله : لا تسفكوا دماءكم في محبتي ؛ لأنكم لا تقدرون ~~على ذلك ، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم في سياحة قلوبكم ، فقد أقررتم ~~بعجزكم وضعفكم ، ويقول للأقوياء : ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم في طلب ~~معرفتي ، وتخرجون فريقا منكم من ديار عوائدهم في طلب مرضاتي ، تتعاونوا على ~~نفوسكم بالقهر والغلبة ، وكذلك ورد في بعض الأخبار : (أول ما يقول الله ~~للعبد : اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك ، فإن قال : لا ، ما أريد ~~إلا أنت ، قال له : من دخل في هذا معي فإنما يدخل بإسقاط الحظوظ ، ورفع ~~الحدث ، وإثبات القدم ، وذلك يوجب العدم) وأنشدوا : # من لم يكن فانيا عن حظه # وعن الفنا والأنس بالأحباب # فلأنه بين المنازل واقف # لمنال حظ أو لحسن مآب # 106 PageV01P119 ~~ويقول أيضا للأقوياء الذين قتلوا أنفسهم وخرجوا عن عوائدهم : وإن يأتوكم ~~أسارة في أيدي نفوسهم وعوائدهم ، أو في طلب الدنيا وشهواتها ، تفدوهم من ~~أسرهم ، وتفكوهم من قيودهم ، وتدخلوهم في حضرة مولاهم ، وفي بعض الآثار : ~~(طالب الدنيا أسير ، وطالب الآخرة أجير ، وطالب الحق أمير) ه. والأمير هو ~~الذي يفك الأسارى من أيدي العدو ، لأجل ما ملكه الله من القوة والاستعداد ، ~~فإذا انفك العبد من هواه ، دخل في حضرة مولاه ، فمن رام إخراجه منها بعد ~~دخوله يقال له : وهو محرم عليكم إخراجهم ، فكيف تؤمنون بظاهر الشريعة ~~وتنكرون علم الطريقة ، وأنوار الحقيقة ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي ~~في الحياة الدنيا وهو الحرص والطمع ، والخوف والجزع وطول الأمل ، وعدم ~~النهوض إلى العمل ، {ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} ، وهو غم الحجاب ~~وسوء الحساب ms0079 ، {وما الله بغافل عما يعملون}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 105 # يقول الحق جل جلاله : {أولئك} الناقصون للعهود المتعدون الحدود {اشتروا ~~الحياة الدنيا} وزخارفها الغرارة {بالآخرة} الباقية الدائمة ، {فلا يخفف ~~عنهم العذاب} ساعة الدنيا بالذل والهوان ، وفي الآخرة بدخول النيران ، {ولا ~~هم ينصرون} بالامتناع منه في كل أوان. # الإشارة : أولئك الذين نظروا إلى غرة ظاهرة الأكوان ، ولم ينفذوا إلى ~~عبرة باطنها ، فلا ينقطع عنهم عذاب الوهم والحجاب ، ولا هم ينصرون من أليم ~~العذاب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 106 # قلت : {قفينا} : أتبعنا ، و{عيسى} عجمي معدول عن أيشوع في لغة السريانية ~~، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة ، و{مريم} : بمعنى الخادم ، ووزنه : مفعل ~~لا فعيل ، و{أيدناه} أي : قويناه ونصرناه ، و{روح القدس} هنا جبريل عليه ~~السلام أي : الروح المقدسة - من إضافة الموصوف إلى الصفة ، سمي به لطهارته ~~من كدر الحس. PageV01P120 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا موسى} التوراة ، فما قمتم بحقها ولا ~~عملتم بما فيها ، واتبعنا بعده الرسل كلما مات رسول بعثنا بعده آخر اعتنا ~~بكم ، {وآتينا عيسى # 107 # ابن مريم} المعجزات الواضحات كإحياء الموتى ، وإبراء الأكمة والأبرص ، ~~والإخبار بالمغيبات ، والإنجيل ، {وأيدناه} بجبريل عليه السلام كان يسير ~~معه حيث سار ، ورفعه إلى السماء حين أردتم يا معشر اليهود قتله ، {أفكلما ~~جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم} من مشاق الطاعات وترك الحظوظ والشهوات ، ~~{استكبرتم} وامتنعتم من الإيمان به {ففريقا} منهم كذبتموه كعيسى وسليمان ~~ومحمد - عليهم السلام - ، {وفريقا} تقتلونه كزكريا ويحيى - عليهما السلام - ~~؟ قال القشيري : أصغوا إلى الداعين بسمع الهوى ، فصار معبودهم صفاتهم ~~وهواهم. ه. # الإشارة : كل ما قاله الحق جل جلاله لبني إسرائيل في فحوى الخطاب يقوله ~~لهذه الأمة في سر الخطاب ، فلقد آتانا الكتاب ، وبين فيه الرشد والصواب ، ~~وقفى بعد إنزاله بعلماء أتقياء ، وأولياء أصفياء ، يحكمون بحكمه ، ويهدون ~~بهديه ، فإذا أمروا بالزهد في الدنيا وترك الحظوظ والهوى رفضوهم وكذبوهم ، ~~وربما كفروهم وقتلوهم ، واستكبروا عن الأذعان لهم والانقياد لقولهم ، ~~ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون. PageV01P121 # وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم : " لتتبعن سنن منح قبلكم شبرا بشبر ~~وذراعا ms0080 بذراع ، حتى لو دخلوا جحر لدخلتموه " ، فقالوا : من يا رسول الله ~~اليهود والنصارى ؟ قال : " نعم... ومن إذن ؟ " أي : ومن تتبعون إلا هم. ~~فالدعاة إلى الله لا ينقطعون ما دام الدين قائما ، فقوم يدعون إلى أحكام ~~الله ، وقوم يدعون إلى معرفة الله ، فالأول : العلماء ، والثاني : الأولياء ~~، فإذا أمروا بالخروج عن العوائد والشهوات ، رموهم بسهام العتاب والمخالفات ~~، إذ لم يأت أحد بمثل ما جاءوا به إلا عودي ، إلا من خصته سابق العناية ، ~~وهبت عليه ريح الهداية ، فيتبع آثارهم ، وقليل ما هم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 107 # قلت : {غلف} : جمع ألف ، كأحمر وحمر ، وأصفر وصفر ، وهو الذي عليه غشاوة ~~، أي : هي في غلاف ؛ فلا تفقه ما تقول ، بمنزلة الأغلف ، وهو غير المختون ، ~~وقيل : أصله {غلف} بضم اللام ، وبه قرأ ابن محيصن. فيكون جمع غلاف ، كحجاب ~~وحجب ، وكتاب وكتب ، ومعناه ، قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك ~~وكتابك. و{قليلا} صفة لمحذوف ؛ أي : فإيمانا قليلا ، أو عددا قليلا يؤمنون ~~، أو ظرف ؛ لأنه من صفة الأحيان ، والعامل فيه ما يليه ، و{ما} لتأكيد ~~القلة ، أي : في قليل من الأحيان يؤمنون ، أو حال من الواو في {يؤمنون} أي ~~: فيؤمنون في حال قلتهم. # 108 # يقول الحق جل جلاله : قالت اليهود استهزاء بما تدعوهم إليه : {قلوبنا} ~~مغلفة ومغشاة فلا نفقه ما تقول ، أو أوعية للعلوم فلا تحتاج إلى علمك ، قال ~~الله تعالى : {بل} لا غطاء على قلوبهم حسا ، بل هي على الفطرة لكن {لعنهم ~~الله} وطردهم وخذلهم بسبب {كفرهم} فأبطل استعدادها للعلم ، {فقليلا ما ~~يؤمنون} أي : فإيمانا قليلا يؤمنون كإيمانهم ببعض الكتاب ، أو فلا يؤمن إلا ~~قليل منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه ، والله تعالى أعلم. PageV01P122 # الإشارة : إذا أمر الدعاة إلى الله أهل الدنيا بذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع ~~الفلوس ، ليتأهلوا به لدخول حضرة القدوس ، أو أمروهم بخرق العوائد ، لتخرق ~~لهم العوائد ، أنفوا وعنفوا وقالوا : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ، ~~فيقال لهم : بل سبق لكم من الله البعد والحرمان ، فأنكرتم أسباب الشهود ~~والعيان ، لكن من سبقت له من ms0081 الله العناية ، وهب عليه نسيم الهداية ، فلا ~~تضره الجناية ، فقد يلتحق بالخصوص ، وإن كان من أعظم اللصوص ، وهو قليل ~~بالنسبة إلى من جاهد نفسه في طلب السبيل ، {وكان الله على كل شىء مقتدرا} ~~[الكهف : 45]. # جزء : 1 رقم الصفحة : 108 # قلت : {لما} حرف وجود لوجود إذا وليها الماضي ، ولها شرط وجواب ، وهو هنا ~~محذوف دل عليه جواب {لما} الثانية ، أي : ولما جاءهم كتاب من عند الله ~~كفروا به ، أو {لما} الثانية تأكيد للأولى. والجواب : {كفروا به} ، أو فلما ~~وجوابها جواب الأولى ، كقوله : {فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع...} [طه : ~~123] الآية ، و{يستفتحون} ينتصرون ، وفي الحديث : " أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين " ، الذين لا مال لهم. # يقول الحق جل جلاله : {ولما جاءهم} أي : اليهود ، القرآن مصدقا {لما ~~معهم} من التوراة ، أي : موافقا له وشاهدا له بالصحة ، وقد كانوا قبل ظهوره ~~يستنصرون على أعدائهم بالنبي الذي جاء به ، فيقولون : اللهم انصرنا عليهم ~~بالنبي المبعوث في آخر # 109 PageV01P123 ~~الزمان ، الذي نجد نعته في التوراة ، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين : ~~(قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا ، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم) ، فلما ~~ظهر وعرفوه كفروا به {فلعنة الله} عليهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر ؛ ~~للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم ، فاللام في {الكافرين} للعهد ، وهم كفار ~~اليهود ، أو للجنس ، فتكون اللعنة عامة لكل كافر ، ويدخلون فيها دخولا ~~أوليا ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : ترى كثيرا من الناس إذا ذكر لهم الأولياء المتقدمون أقروهم ~~وصدقوهم ، وإذا ذكر لهم أولياء أهل زمانهم أنكروهم وجحدوهم ، مع كونهم ~~يستنصرون بأهل زمانهم في الجملة. فهذه نزعة يهودية ، آمنوا ببعض وكفروا ببعض. # والناس في إثبات الخصوصية ونفيها على ثلاثة أقسام : قسم أثبتوها ~~للمتقدمين ، ونفوها عن المتأخرين ، وهم أقبح العوام ، وقسم أقروها قديما ~~وحديثا ، وقالوا : إنهم أخفياء في زمانهم ، فحرمهم الله بركتهم ، وقوم ~~أقروا الخصوصية في أهل زمانهم ، وعرفوهم وظفروا بهم وعظموهم ، وهم السعداء ~~الذين أراد الله أن يوصلهم إليه ويقربهم إلى حضرته. وفي الحكم : " سبحان من ~~لم يجعل الدليل ms0082 على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا ~~من أراد أن يوصله إليه ". وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 109 # قلت : بئس ونعم : فعلان جامدان مختصان بالدخول على ما يدل على العموم ، ~~إما نكرة ، فتنصب على التمييز المفسر للضمير الفاعل ، أو معروف بأل الجنسية ~~، فيرتفع على الفاعلية ، تقول : بئس رجلا زيد ، وبئس الرجل زيد ، ويذكر بعد ~~ذلك المخصوص : إما خبر عن مبتدأ مضمر ، أو مبتدأ والخبر مقدم. وإنما اختصتا ~~بالدخول على ما يدل على العموم ؛ لأن {نعم} مستوفية لجميع المدح ، و{بئس} ~~مستوفية لجميع الذم. فإذا قلت : نعم الرجل زيد ، فكأنك قلت : استحق زيد ~~المدح الذي يكون في سائر جنسه ، وكذلك تقول في بئس. PageV01P124 # و{ما} المتصلة ببئس ونعم : نكرة منصوبة على التمييز ، أي : بئس شيئا اشتروا # 110 # به أنفسهم ، وهو كفرهم ، أو معرفة تامة مرفوعة على الفاعل ، أي : بئس ~~الشيء شيء اشتروا به أنفسهم. و{اشتروا} هنا بمعنى باعوا ، كشروا على خلاف ~~الأصل ، وقد يمكن ان يبقى على أصله ، على ما يأتي في بيان المعنى. # و{بغيا} مفعول من اجله ليكفروا ، و{يكفرون} حال من الفاعل في {قالوا} ، ~~و{وراء} في الأصل : مصدر جعل ظرفا ، ويضاف إلى الفاعل ويراد به ما يتوارى ~~به وهو خلفه ، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو قدامه ، ولذلك عد من ~~الأضداد ، قاله البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : في شأن اليهود : بئس شيئا باعوا به حظ أنفسهم ، وهو ~~كفرهم بما أنزر الله ، أو {بئسما اشتروا به أنفسهم} بحسب ظنهم ، فإنهم ظنوا ~~أنهم خلصوا أنفسهم من العذاب بما فعلوا ، وهو كفرهم بما أنزل الله على محمد ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بغيا وحسدا أن يكون النبي من غيرهم ، فانقلبوا ~~{بغضب على غضب} للكفر والحسد لمن هو أفضل الخلق ، أو لكفرهم بمحمد - عليه ~~الصلاة والسلام - بعد عيسى عليه السلام ، أو لتضييعهم التوراة ، وكفرهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ، {وللكافرين عذاب مهين} أي : يذلهم ويخزيهم في ~~الدنيا والآخرة ، بخلاف عذاب العاصي فإنه كفارة لذنوبه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 110 PageV01P125 ~~{وإذا ms0083 قيل} لهؤلاء اليهود : {آمنوا بما أنزل الله} على محمد صلى الله عليه ~~وسلم {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} من التوراة ، وهم {يكفرون بما وراءه} أي ~~: بما سواه ، وهو القرآن ، حال كونه {مصدقا لما معهم} من التوراة ومهيمنا ~~عليه. {قل} لهم يا محمد : {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} هذا الزمان ، ~~وهو محرم عليكم في التوراة ، {إن كنتم مؤمنين} به ؟ فهذا يبطل دعواكم ~~الإيمان بالتوراة ؛ إذ الإيمان بالكتاب يقتضي العمل به ، وإلا كان دعوى ، ~~وإن فعله أسلافكم فأنتم راضون به وعازمون عليه. # الإشارة : اعلم أن قاعدة تفسير أهل الإشارة هي أن كل عتاب توجه لمن ترك ~~طريق الإيمان ، وأنكر على أهله يتوجه مثله لمن ترك طريق مقام الإحسان ، ~~وأنكر على أهله. وكل وعيد توعد به أهل الكفران يتوعد به من ترك السلوك ~~لمقام الإحسان ، غير أن عذاب أهل الكفر حسي بدني ، وعذاب أهل الحجاب معنوي قلبي. # فنقول فيمن رضي بعيبه وأقام على مرض قلبه وأنكر الأطباء ووجود أهل ~~التربية ، بئسما اشتروا به أنفسهم ، وهو كفرهم بما أنزل الله من الخصوصية ~~على قلوب أوليائه بغيا وحسدا ، أو جهلا وسوء ظن ، أن ينزل الله من فضله على ~~من يشاء من عباده ، فباؤوا بغضب الحجاب على غضب البعد والارتياب ، أو بغضب ~~سقم القلوب على غضب الإصرار على المساوئ والعيوب. (من لم يتغلغل في علمنا ~~هذا مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر) كما قال الشاذلي رضي الله عنه ، ولا ~~يصح التغلغل فيه إلا بصحبة أهله. وللكافرين بالخصوصية عذاب الطمع وسجن ~~الأكوان ، وهما شجرة الذل والهوان. # 111 PageV01P126 ~~وإذا قيل لهم : آمنوا بما أنزل الله من أسرار الحقيقة وأنوار الطريقة ، ~~قالوا : نؤمن بما أنزل علينا من ظواهر الشريعة ، ويكفرون بما وراءه من ~~أسرار الحقيقة ، ككشف أسرار الذات وأنوار الصفات ، وهو - أي : علم الحقيقة ~~- الحق ؛ لأنه خالص لب الشريعة ، ولله در صاحب المباحث الأصلية حيث قال : # هل ظاهر الشرع وعلم الباطن # إلا كجسم فيه روح ساكن ؟ # وقال أيضا : # ما مثل المعقول والمنقول # إلا كدر زاخر مجهول # حتى ms0084 إذا أخرجه الغواص # لم يك للدر إذن خلاص # وإنام خلاصه في الكشف # عن الغطاء حيث لا يستخفي # جزء : 1 رقم الصفحة : 110 # فالصدف الظاهر ثم الدر # معقوله والجهل ذاك البحر # وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول : (هل ثم شيء غير ما فهمناه من ~~الكتاب والسنة ؟ ) ، كان يقول ذلك إذا قيل له : إن الشيخ الشاذلي فاض اليوم ~~بعلوم وأسرار ، فلا التقى بالشيخ وأخذ بيده ، قال : (أي والله... ما قعد ~~على قواعد الشريعة التي لا تنهدم إلا الصوفية). ويقال لمن ادعى التمسك ~~بالشريعة وأنكر ما وراءها : فلم تشتغل بجمع الدنيا واحتكارها وتخاف من ~~الفقر ، وتهتم بأمر الرزق وتجزع من المصائب ، والشريعة تنادي عليك بذم ذلك ~~كله إن كنت مؤمنا ؟ !! وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 110 # قلت : جملة : {وأنتم ظالمون} حال من {اتخذتم}. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد جاءكم موسى} بالمعجزات الواضحات : كالعصا ~~واليد وفلق البحر ، ثم لم ينجح ذلك فيكم ، فاتخذتم العجل إلها تعبدونه من ~~بعد ذهابه إلى الطور {وأنتم ظالمون} في ذلك ، فأين دعواكم الإيمان بالتوراة ؟ PageV01P127 # الإشارة : ويقال لمن أقام على عبيه ، ورضي بمرض قلبه ، حتى لقي الله بقلب ~~سقيم : لقد جاءتكم أوليائي بالآيات الواضحات ، ولو لم يكن إلا شفاء المرضى ~~على أيديهم - أعني مرضى القلوب - لكان كافيا ، ثم اتخذتم الهوى إلهكم ، ~~وعبدتم العاجلة بقلوبكم ، وعزت عليكم نفوسكم وفلوسكم ، وأنتم ظالمون في ~~الإقامة على مساوئكم # 112 # وعيوبكم ، مع وجود الطبيب لمن طلب الشفاء ، وحسن الظن وشهد الصفاء. (كن ~~طالبا تجد مرشدا) وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 112 # قلت : {إن كنتم} : شرط حذف جوابه ، أي : إن كنتم مؤمنين فبئس ما يأمركم ~~به إيمانكم. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكروا أيضا {إذ أخذنا ميثاقكم} أن تعملوا ~~بالتوراة فأبيتم {ورفعنا فوقكم} جبل {الطور} وقلنا : {خذوا ما آتيناكم ~~بقوة} واجتهاد {واسمعوا} ما أقول لكم فيه {قالوا} بلسان حالهم : {سمعنا} ~~قولك {وعصينا} أمرك ، حيث لم يمتثلوا ، أو بلسان المقال لسوء أدبهم ، ~~{وأشربوا في قلوبهم} حب {العجل} حتى صبغ فيها ورسخ رسوخ الصبغ ms0085 في الثوب ، ~~لأنهم كانوا مجسمة ، ولم يروا منظرا أعجب من العجل الذي صنعه السامري ، ~~{قل} لهم يا محمد : {بئسما يأمركما به إيمانكم} بالتوراة الذي ادعيتموه ، ~~{إن كنتم مؤمنين} ، لكن الإيمان لا يأمر بهذا فلستم مؤمنين. # الإشارة : يقول الحق جل جلاله لمن ادعى كمال الإيمان ، وهو منكر على أهل ~~الإحسان ، مع إقامته على عوائد نفسه ، وكونه محجوبا بشهود حسه : وإذا أخذنا ~~ميثاقكم ، بأن تجاهدوا نفوسكم ، وتخرقوا عوائدكم لتدخلوا حضرة ربكم ، ~~ورفعنا فوق رؤوسكم سيوف التخويف ، أو جبال التشويق ، وأوضحنا لكم سواء ~~الطريق ، وقلنا لكم : خذوا ما آتيناكم من خرق العوائد ، واكتساب الفوائد ، ~~بجد واجتهاد ، فأبيتم وعزت عليكم نفوسكم ، وقلتم بلسان حالكم : سمعنا ~~وعصينا ، وأشربت قلوبكم حب العاجلة ، وآثرتم الدنيا على الآخرة ، بئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين. PageV01P128 # جزء : 1 رقم الصفحة : 112 # قلت : {خالصة} خبر كان ، و{عند} متعلق بكان على الأصح. # 113 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد لبني إسرائيل الذين ادعوا أن الجنة ~~خاصة بهم : {إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله} أي : في غيبه ، {خالصة} ~~لكم {من دون} سائر {الناس} ، أو من دون المسلمين ، {فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين} في اختصاصكم بهم ، فإن العبد إذا تحقق أنه صائر إليها اشتاق إلى ~~الموت الذي يوصل إليها ، كما قال عمار رضي الله عنه عند موته : # الآن ألاقي الأحبه # محمدا وحزبه # وقال حذيفة رضي الله عنه حين احتضر : (جاء حبيب على فاقة ، لا أفلح من ندم). # أي : على التمني ، أو على الدنيا. # قال تعالى : {ولن يتمنوه أبدا} بسبب {ما قدمت أيديهم} من الكفر والعصيان ~~، فما تمناه أحد منهم قط ، قال ابن عباس : (لو أن اليهود تمنوا الموت ~~لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار). وقال في الأحياء : (دعا - عليه الصلاة ~~والسلام - اليهود إلى تمني الموت ، وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه ، فحيل بينهم ~~وبين النطق بذلك). وذكر غيره : أن بعضهم تمناه ، فما جاءت العشاء حتى أخذته ~~الذبحة في حلقه فمات. {والله عليم بالظالمين} ، فيه تهديد لهم وتنبيه على ~~أنهم ظالمون في دعوى ما ليس ms0086 لهم ، ونفيه عمن هو لهم. # الإشارة : في هذه الآية ميزان صحيح توزن به الأعمال والأحوال ويتميز به ~~المدعون من الأبطال ، فكل عمل يهدمه الموت فهو مدخول ، وكل حال يهزمه الموت ~~فهو معلول ، وكل من فر من الموت ، فهو في دعواه المحبة كذاب ، فمن ادعى ~~الخصوصية على الناس يختبر بهذه الآية. # والناس في حب البقاء في الدنيا على أربعة أقسام : PageV01P129 # رجل أحب البقاء في الدنيا لاغتنام لذاته ونيل شهواته ، قد طرح أخراه ، وأكب ~~على دنياه ، واتخذ إلهه هواه ، فأصمه ذلك وأعماه ، إن ذكر له الموت فر عنه ~~وشرد ، وإن وعظ أنف وعند ، عمره ينقص ، وحرصه يزيد ، وجسمه يبلى ، وأمله ~~جديد ، وحتفه قريب ، ومطلبه بعيد ، فهذا إن لم تكن له عناية أزلية ، وسابقة ~~أولية فيمسك عليه الإيمان ، ويختم له بالإسلام ، وإلا فقد هلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 113 # ورجل قد أزيل عن عينه قذاها ، وأبصر نفسه وهواها ، وزجرها ونهاها ، قد ~~شمر ليتلافى ما فات ، ونظر فيما هو آت ، وتأهب لحلول الممات ، والانتقال ~~إلى محلة الأموات ، ومع هذا فإنه يكره الموت أن يشاهد وقائعه ، أو يرى ~~طلائعه ، وليس يكره الموت لذاته ، ولا لأنه هادم لذاته ، لكنه يخاف أن ~~يقطعه عن الاستعداد ليوم المعاد ، ويكره أن تطوى صحيفة عمله قبل بلوغ أمله ~~، وأن يبادر بأجله قبل صلاح خلله ، فهو # 114 # يريد البقاء في هذه الدار لقضاء هذه الأوطار ، فهذا ما أفضل حياته : ~~وأطيب مماته! لا يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم : " من كره لقاء الله ~~كره الله لقاءه ". ورجل آخر قد عرف الله تعالى بأسمائه الحسنى ، وصفاته ~~العليا ، وشهد ما شهد من كمال الربوبية ، وجمال حضرة الألوهية ، فملأت عينه ~~وقلبه ، وأطاشت عقله ولبه ، فهو يحن إلى ذلك المشهد ، ويستعجل إنجاز ذلك ~~الموعد ، قد علم أن الحياة الدنيوية حجاب بينه وبين محبوبة ، وستر مسدل ~~بينه وبين مطلوبه ، فهذا من المحبين العشاق ، قد حن إلى الوصال والتلاق ، ~~أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه ، فما أحسن حياته ولقاءه! PageV01P130 # ورجل آخر قد شهد ما شاهد ذلك ، وربما ms0087 زاد على ما هنالك ، لكنه فوض الأمر ~~إلى خالقه ، وسلم الأمر لبارئه ، فلم يرض إلا ما رضي له ، ولم يرد إلا ما ~~أريد به ، وما اختار إلا ما حكم به فيه ، إن أبقاه في هذه الدار أبقاه ، ~~وإن أخذه فهو بغيته ومناه ، فهذا من العارفين المقربين. جعلنا الله منهم ~~بمنه وكرمه. آمين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 113 # قلت : {ومن الذين أشركوا} : على حذف مضاف ، أي : وأحرص من الذين أشركوا ، ~~فيوقف عليه ، و{لو يعمر} مصدرية ، أي : يود أحدهم تعمير ألف سنة. و{أن ~~يعمر} فاعل لمزحزحه ، أي : وما هو بمزحزحه من العذاب تعميره. # يقول الحق جل جلاله : ولتجدن يا محمد اليهود {أحرص الناس} على البقاء في ~~هذه الدار الدنية ، فكيف يزعمون أنهم أولى الناس بالجنة ، ولتجدنهم أيضا ~~أحرص من المشركين على البقاء ، مع كونهم لا يقرون بالجزاء ، فدل ذلك على ~~أنهم صائرون إلى النار ، فلذلك كرهوا اللقاء وحرصوا على البقاء ، يتمنى ~~أحدهم لو يعيش {ألف سنة} وليس ذلك {بمزحزحه} أي : مبعده من العذاب ، بل ~~زيادة له في العقاب {والله بصير بما يعملون} : تهديد وتخويف. # الإشارة : يفهم من سر الخطاب أن كل من قصر أمله ، وحسن عمله ، وطيب نفسه ~~للقاء الحبيب ، واشتغل في هذه اللحظة القصيرة بما يقربه من القريب ، كان ~~قربه من الله بقدر محبته للقائه ، وكل من طول أمله ، وحرص على البقاء في ~~هذه الدار الفانية ، كان بعده من الله بقدر محبته للبقاء ، إلا من أحب ~~البقاء لزيادة الأعمال ، أو الترقي في # 115 # المقامات والأحوال ، فلا بأس به ، ويفهم منه أيضا أن من اشتد حرصه على ~~الحياة الفانية كانت فيه نزعة يهودية. PageV01P131 # واعلم أن الناس ، في طول الأمل وقصره ، على قسمين : منهم من طول في أمله ~~فازداد في كسله ، ودخله الوهن في عمله ، وآخر قد قصر أمله وجعل التقوى ~~بضاعته ، والعبادة صناعته ، ولم يتجاوز بأمله ساعته ، ومثل هذا قد رفع ~~التوفيق عليه لواءه ، وألبسه رداءه ، وأعطاه جماله وبهاءه ، فانظر رحمك ~~الله أي الرجلين تريد أن تكون ، وأي العملين تريد أن تعمل ms0088 ، وبأي الرداءين ~~أن تشتمل ؟ فلست تلبس هناك إلا ما تلبس هنا. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 115 # قلت : {من} شرطية وجوابها محذوف ، أي : فليمت غيظا ، أو {فإنه نزله} على ~~معنى : من عادى منهم جبريل فقد خلع ريقة الإنصاف ، أو كفر بما معه من ~~الكتاب ؛ لأنه نزل بكتاب مصدقا لما قبله من الكتب ، وجبريل فيه ثماني لغات ~~، أربع قرئ بهن. وهي : جبرئيل كسلسبيل. وجبرئل كجحمرش ، وجبريل - بفتح ~~الجيم - بلا همز ، وجبريل بكسرها ، وأربع شواذ : جبرال ، وجبرائيل ، ~~وجبرائل ، وجبرين بالنون ، ومعناه : عبد الله. وفي ميكائيل أربع لغات : ~~مكيائيل ممدود ، وميكائل مقصور ، وميكئل مهموز مقصور ، وميكال على وزن ميعاد. # يقول الحق جل جلاله : في الرد على اليهود ، كابن صوريا وغيره ، حيث قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم : من الذي يأتيك بالوحي ؟ فقال : " جبريل " ، ~~فقالوا : ذلك عدونا من الملائكة ؛ لأنه ينزل بالشدة والعذاب ، ولو كان ~~ميكائيل لاتبعناك ؛ لأنه ينزل بالخصب والسلم ، فقال تعالى : {من كان عدوا ~~لجبريل} فليمت غيظا ، فإنه هو الذي نزل القرآن {على قلبك بإذن الله مصدقا ~~لما بين يديه} من الكتب ، وهداية {وبشرى للمؤمنين} ، فإن كان ينزل بالشدة ~~والعذاب على الكافرين ، فإنه ينزل بالهداية والبشارة على المؤمنين. PageV01P132 # ومن كان عدوا لجبريل فإنه عدو لله ، إذ هو رسوله للأنبياء ، وصفيه من ~~الملائكة ، وعدو أيضا لميكائيل فإنه وزيره ، وللرسل أيضا فإنه سفيرهم ، ~~و{من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} فإن الله عدو له. وعطف ~~جبريل وميكائيل من عطف # 116 # الخاص على العام لزيادة شرفهما ، ووضع الظاهر موضع الضمير في قوله : {عدو ~~للكافرين} ولم يقل : لهم ، تسجيلا عليهم بالكفر ، وبيان أن الله إنما ~~عاداهم لكفرهم ، وأن عداوة الملائكة والرسل كفر ، عصمنا الله من موارد ~~الردى ، آمين. # الإشارة : إذا كانت معاداة الملائكة والرسل هي معاداة الله ، فكذلك ~~معاداة أوليائه هي معاداة الله أيضا ، ولذلك قال تعالى : " من عادى لي وليا ~~فقد آذنني بالحرب " فالبعض هو الكل ، ويؤخذ بالمفهوم أن محبة الملائكة ~~والرسل هي محبة الله. وكذلك محبة أولياء الله هي محبة الله ، وكذلك ms0089 أيضا ~~محبة عباد الله هي محبة الله ، ومعاداتهم معاداة الله. " الخلق عيال الله ، ~~وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله ". وكل من ادعى أنه يحب الله وفي قلبه ~~عداوة لمسلم فهو كاذب ، وكل من ادعى أنه يعرف الله وفي قلبه إنكار على ~~مخلوق فهو في دعواه أيضا كاذب ، فالواجب على العبد أن يحب جميع العباد ، من ~~كان طائعا فظاهر ، ومن كان عاصيا أحب له التوبة والإنابة ، ومن كان كافرا ~~أحب له الإسلام والهداية ، ولا يكره من العبد إلا فعله ، ولله در القائل : # جزء : 1 رقم الصفحة : 116 # ارحم بني جميع الخلق كلهم # وانظر إليهم بعين الحلم والشفقه # وقر كبيرهم وارحم صغيرهم # وراع في كل خلق من خلقه # وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 116 PageV01P133 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد أنزلنا إليك} يا محمد {آيات} واضحات ، مشتملة ~~على علوم غيبية ، وأخبار نبوية ، وشرائع محكمة ، وأنوار قدسية ، وأسرار ~~جبروتية ، وما يجحدها ويكفر بها إلا المتمرد في الكفر والطغيان ، الخارج عن ~~الطاعة والإيمان ، فالفسق ، إذا استعمل في نوع من المعاصي ، دل على أعظمه ~~وأقبحه ، وهو هنا الكفر ، والعياذ بالله. # الإشارة : اعلم أن العبد إذا سبقت لهم من الله العناية ، ألقى الله في ~~قلبه التصديق والهداية ، من غير أن يحتاج إلى علامة ولا آية ، بل يكشف له ~~الحق تعالى عن سر الخصوصية وأنوارها ، فيشهد سره لصاحبها بالتقويم ، وتخضع ~~له روحه بالتعظيم ، فتدبوا له أنوار الإيمان وتشرق عليه شموس العرفان ، من ~~غير توقف على دليل ولا برهان ، بخلاف من سبق له الحرمان ، فلا ينجح فيه ~~دليل ولا برهان ، والعياذ بالله من الخذلان. # 117 # ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في شأن العهد الذي أخذه الله ~~عليهم فيه ، قال مالك بن الصيف : والله ما عهد إلينا في محمد عهد ولا ميثاق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 117 # قلت : الهمزة للإنكار ، والواو للعطف على محذوف تقديره : أكفروا بالآيات ~~وكلما عاهدوا عهدا ، و{كلما} منصوب على الظرفية ، وهي متضمنة معنى الشرط ~~فتفتقر للجواب ، وهو العامل فيها. والنبذ : الطرح ، لكنه ms0090 يغلب فيما ينسى ، ~~قاله البيضاوي. PageV01P134 # يقول الحق جل جلاله : في شأن اليهود والإنكار عليهم : {أو كلما} أعطوا عهدا ~~وعقدوه على أنفسهم طرحه {فريق منهم} ؟ فقد أعطوا العهد أنهم إن أدركوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به ولينصرنه ، فلما أدركوه نبذوا ذلك ~~العهد ونسوه. وكذلك أعطوا العهد للنبي صلى الله عليه وسلم ألا يعاونوا ~~المشركين عليه ، فنبذه بنو قريظة والنضير ، ولم ينقضه جميعهم بل فريق منهم ~~، وهم الأكثر ، ولذلك قال : {بل أكثرهم لا يؤمنون} ، فالأكثر هم الناقضون ~~للعهود ، المجاوزون للحدود. والله تعالى أعلم. # الإشارة : نقض العهد مع الله أو مع عباده من علامة النفاق ، ومن شيم أهل ~~البعاد والشقاق ، والوفاء بالعهد من علامة الإيمان ، ومن شيم أهل المحبة ~~والعرفان. قال تعالى في صفة المفلحين : {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} ~~[المؤمنون : 8] ، ولا سيما عهود الشيوخ ؛ أهل التمكين والرسوخ ، فمن أخذ ~~عقد الصحبة مع الشيخ الذي هو أهل للتربية ؛ فيحذر من حل العقدة بينه وبينه ~~، فإن ذلك يقطع الإمداد ، ويوجب الطرد والبعاد ، والالتفات إلى غيره تسويس ~~لبذرة الإرادة ، وموجب لقطع الزيادة والإفادة ، ثم إن الانجماع على الشيخ ، ~~وقطع النظر والالتفات إلى غيره هو سبب للكون - كذلك - مع الله ، فبقدر ~~الانقطاع إلى الشيخ يحصل الانقطاع إلى الله ، وبقدر ترك الاختيار وسلب ~~الإرادة مع الشيخ يحصل كذلك مع الله ، وبقدر الوفاء بعهود شيوخ التربية ~~يحصل الوفاء بعهود حقوق الربوبية. فمن كانت غيبته في الشيخ أقوى ، وانحياشه ~~أليه أكثر ، وجمعه عليه أدوم ، كان كذلك مع ربه ، وكذلك التعظيم والأدب ، ~~والله يعامل العبد على حسب ذلك. # قال الشيخ زروق رضي الله عنه : (ولا تنتقل عنه ، ولو رأيت من هو أعلى منه ~~، فتحرم بركة الأول والثاني) ، ولذلك كان المشايخ يمنعون أصحابهم من صحبة ~~غيرهم ، بل من زيارتهم ، وأنشدوا : # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به PageV01P135 ~~في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل # جزء : 1 رقم الصفحة : 118 # وحاصل أمر الزيارة لغير شيخه أن فيه تفصيلا : فمن كمل صدقه ، وتوفر عقله ~~، بحيث إذا زار لا يستنقص شيخه ، ولا ms0091 الذي زاره ، جاز له أن يزور من شاء ، ومن لم # 118 # يكمل صدقه وعقله ، بحيث إذا زار : إما يستنقص شيخه ، أو الشيخ الذي زاره ~~، فليكف عن زيارة غير شيخه. وقال محيي الدين بن العربي : ويجب على المريد ~~أن يعتقد في شيخه أنه عالم بالله ، ناصح لخلق الله ، ولا ينبغي له أن يعتقد ~~في شيخه العصمة. وقد قيل للجنيد : أيزني العارف ؟ فقال : {وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا} [الأحزاب : 38]. وصحب تلميذ شيخا ، فرآه يوما قد زنا بامرأة ، ~~فلم يتغير من خدمته ، ولا أخل في شيء من مرسومات شيخه ، ولا ظهر منه نقص في ~~احترامه. وقد عرف الشيخ أنه رآه ، فقال له يوما : يا بني قد عرفت أنك ~~رأيتني حين فسقت بتلك المرأة ، وكنت أنتظر فراقك عني من أجل ذلك : فقال له ~~التلميذ : يا سيدي الإنسان معرض لمجاري أقدار الله عليه ، وإني من الوقت ~~الذي دخلت فيه إلى خدمتك ما خدمتك على أنك معصوم ، وإنما خدمتك على أنك ~~عارف بطريق الله تعالى ، عارف بكيفية السلوك عليه الذي هو طلبي ، وكونك ~~تعصي أو لا تعصي شيء بينك وبين الله عز وجل ، لا يرجع من ذلك شيء علي ، فما ~~وقع منك يا سيدي شيء لا يوجب نفاري وزوالي عنك ، وهذا هو عقدي ، فقال له ~~الشيخ : وفقت وسعدت هكذا وإلا فلا... فربح ذلك التلميذ ، وجاء منه ما تقر ~~به العين من حسن الحال وعلو المقام. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 118 PageV01P136 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولما جاءهم} يعني اليهود {رسول مشن عند الله} محمد ~~صلى الله عليه وسلم {مصدق لما معهم} من التوراة بموافقته له في بعض الأخبار ~~{نبذ فريق من الذين أثوتوا الكتاب} ، وهم من كفر من أحبار يهود ، {كتاب ~~الله} : التوراة ، {وراء ظهورهم} ، حيث لم يعملوا بما فيه من الأمر ~~بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وغيروا صفته التي فيه ، وكتموها ، ~~فكأنهم طرحوه وراء ظهورهم ، وكأنهم لا علم لهم بشيء من ذلك. # قال البيضاوي : اعلم أن الحق تعالى دل على أن حال اليهود أربع ms0092 فرق : فرقة ~~آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب ، وهم الأقلون المدلول ~~عليهم بقوله : {بل أكثرهم لا يؤمنون} [البقرة : 100] ، وفرقة جاهروا بنبذ ~~عهودها ، وتخطي حدودها ، تمردا وفسوقا ، وهم المعنيون بقوله تعالى : {نبذه ~~فريق منهم} [البقرة : 100] ، وفرقة لم يجاهروا بنبذها ، ولكن نبذوا لجهلهم ~~بها ، وهم الأكثرون ، وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ، ونبذوها خفية ، عالمين ~~بالحال بغيا وعنادا ، وهم المتجاهلون. ه. قلت : ولعلهم المنافقون منهم. # 119 # جزء : 1 رقم الصفحة : 119 # قلت : {على ملك سليمان} على حذف مضاف ، أي : على عهد ملك سليمان ، أو ~~{على} بمعنى {في} ، وقوله : {وما أنزل} عطف على السحر ، عطف تفسير ، ~~والفتنة في الأصل : الاختبار ، تقول : فتنت الذهب والفضة إذا أدخلتهما ~~النار لتعلم جودتهما من رداءتهما ، وقوله : {لمثوبة} جواب {لو} ، والأصل : ~~لأثيبوا ، ثم عدل إلى الجملة الاسمية لتدل على الثبوت. PageV01P137 # يقول الحق جل جلاله : في شأن اليهود : ولما جاءهم كتاب من عند الله نبذوه ~~{واتبعوا} ما تقرأ {الشياطين} على الناس من السحر {على} عهد {ملك سليمان} ، ~~وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب ، ~~ويلقونها إلى الكهنة ، وهم يدونونها ويعلمونها الناس ، وفشا ذلك في عهد ~~سليمان حتى قيل : إن الجن يعلم الغيب ، وإن ملك سليما إنما قام بهذا ، وأنه ~~به سخر الجن والإنس والريح ، فجمع سليمان ما دون منه ودفنه ، فاستخرجته ~~الشياطين بعد موته ، فرد الله تعالى قولهم بقوله : {وما كفر سليمان} ~~باستعمال السحر ؛ لأنه تعظيم غير الله بالتقرب للشيطان ، والنبي معصوم ~~{ولكن الشياطين} هم الذين {كفروا} باستعماله {يعلمون الناس السحر} إغواء ~~وإضلالا ، ويعلمون {ما أنزل على الملكين} في بلد بابل من سواد الكوفة ، ~~وهما {هاروت وماروت}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 120 PageV01P138 ~~وتمام قصتهما : أنهما لما قارفا الذنب وجاء المساء هما بالصعود ، فلم ~~تطاوعهما أجنحتهما ، فعلما ما حل بهما ، فقصدا إدريس عليه السلام ، فأخبراه ~~، وسألاه الشفاعة إلى الله تعالى فشفع فيهما ، فخيرهما الله تعالى بين عذاب ~~الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا لانقطاعه ، فهما يعذبان في بئر ~~ببابل ، منكسان معلقان بالسلاسل من أجر لهما ، مزرقة أعينهما ms0093 ، ليس بينهما ~~وبين الماء إلا قدر أربعة أصابع ، وهما يعذبان بالعطش. ه. فإن قلت : ~~الملائكة معصومون فكيف يصح هذا من هاروت وماروت ؟ قلنا : لما ركب الله ~~فيهما الشهوة النسلخا من حكم الملكية إلى حكم البشرية ابتلاء من الله تعالى ~~لهما ، فلم يبق لهما حكم الملائكة من العصمة. {وما يعلمان من أحد} السحر ~~حتى ينصحاه ويقولا : {إنما نحن فتنة} لكم ، واختبار من الله تعالى لعباده ، ~~ليظهر من يصبر عنه ومن لا يصبر ، وكان تعلمه في ذلك الوقت كفرا ، فيقولان ~~له : {فلا تكفر} بتعلمه ، فكانوا يتعلمون {منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} وقدرته ، فلا تأثير لشيء إلا بإذن # 121 # الله ، ويتعلمون منهما {ما يضرهم} يوم القيامة {ولا ينفعهم} ، ولقد علم ~~بنو إسرائيل أن من اشتراه واستبدله بكتاب الله والعلم بما فيه {ما له في ~~الآخرة من} نصيب ، {ولبئس} ما باعوا به حظ أنفسهم من النعيم {لو كانوا ~~يعلمون} ، ولكن لما لم يعملوا بعلمهم كانوا كمن لا علم عنده. {ولو أنهم ~~آمنوا} بالله ورسوله {واتقوا} الكفر والسحر ، لأثيبوا ثوابا كبيرا ، وكان ~~ذلك خيرا لهم ما استوجبوه من العقاب {لو كانوا يعلمون}. PageV01P139 # الإشارة : كل من أكب على دنياه وتتبع حظوظه وهواه ، وترك العمل بما جاء من ~~عند الله ، يصدق عليه أنه نبذ كتاب الله ، واشتغل بما سواه من حب الدنيا ~~والرئاسة والجاه ، فالدنيا سحارة غرارة ، تسحر القلوب وتغيبها عن حضرة علام ~~الغيوب وفي الحديث : " اتقوا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت " ، ولا شك ~~أنها تفرق بين الأحباب وبين العشائر والأصحاب ، ولقد علم من أخذ الدنيا ~~ونعيمها ، وأكب عليها ما له في الآخرة من نصيب ، فبقدر ما يأخذ من نعيم ~~الدنيا وشهواتها ينقص له من نعيم الآخرة. ولبئس ما شروا به أنفسهم - حيث ~~آثروا الحياة الدنيا على الآخرة - لو كانوا يعلمون. ولو أنهم آمنوا بالله ، ~~واتقوا كل ما يشغل عن الله لكانوا من أولياء الله ، وتلك المثوبة - التي ~~صاروا إليها - خير لو كان يعلمون. # جزء ms0094 : 1 رقم الصفحة : 120 # قال عبد الواحد بن زيد : سمعت أن جارية مجنونة في خراب الأبلة تنطق ~~بالحكم ، فطلبتها حتى وجدتها ، وهي محلوقة الرأس ، وعليها جبة صوف ، فلما ~~رأتني قال : مرحبا بك يا عبد الواحد ، ثم قالت : يا عبد الواحد ما جاء بك ؟ ~~فقلت : تعظينني ، فقالت : واعجبا لواعظ ، يوعظ ، يا عبد الواحد... اعلم أن ~~العبد إذا كان في كفاية ، ومال إلى شيء من الدنيا ، سلبه الله حلاوة الزهد ~~، وظل حيرانا ولها ، فإن كان له عند الله نصيب عاتبه وحيا في سره ، فيقول ~~له : عبدي أردت رفع قدرك عند ملائكتي ، وأجعلك دليلا لأوليائي ، ومرشدا ~~لأهل طاعتي ، فملت إلى عرض الدنيا وتركتني ، فأورثك ذلك الوحشة بعد الأنس ، ~~والذل بعد العز ، والفقر بعد الغنى ، ارجع إلى ما كنت عليه أرجع إليك ما ~~كنت تعرفه من نفسك. ثم انصرفت عني وتركتني وبقيت حسرتها في قلبي. ه. PageV01P140 # ولما كان المسلمون يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم : راعنا يا رسول الله ~~وأرعنا سمعك ، يعنون من المراعاة والأنتظار ، وهي عند اليهود سب من الرعونة ~~، ففرحت اليهود ، وقالوا : كنا نسب محمدا سرا ، فأعلنوا له بالشتم ، فكانوا ~~يقولون : يا محمد راعنا ويضحكون ، نهى الله تعالى المسلمين عن هذه اللفظة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 120 # 122 # قلت : يقال راعى الشيء يراعيه مراعاة : انتظره أو التفت إليه. ويقال : ~~رعى إلى الشيء ، وراعاه وأرعاه : إذا أصغى إليه واستمعه. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا} للرسول صلى الله ~~عليه وسلم : {راعنا} أي : انتظرنا أو أمهل علينا لأن في ذلك ذريعة لسب ~~اليهود ، أو قلة أدب ، وقولوا : {انظرنا} أي : انتظرنا {وللكافرين} المؤذين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم {عذاب أليم} أي : موجع. # الإشارة : حسن الخطاب من تمام الآداب ، وتمام الآداب هو السبب الموصل إلى ~~عين الصواب ، فمن لا أدب له لا تربية له ، ومن لا تربية له لا سير له ، ومن ~~لا سير له لا وصول له ، فمن لا يتربى على أيدي الرجال لا يربى الرجال ، وقد ~~قالوا : من أساء ms0095 الأدب مع الأحباب طرد إلى الباب ، ومن أساء الأدب في الباب ~~طرد إلى سياسة الدواب. وقالوا أيضا : اجعل عملك ملحا ، وأدبك دقيقا. وقال ~~آخر : إن الإنسان ليبلغ بالخلق وحسن الأدب إلى عظيم الدرجات وهو قليل العمل ~~، ومن حرم الأدب حرم الخير كله ، ومن أعطي الأدب فقد مكن من مفاتيح القلوب. PageV01P141 # قال أبو عثمان رضي الله عنه : الأدب عند الأكابر وفي مجالس السادات من ~~الأولياء يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلا والخير في الدنيا والعقبى. وقال ~~أبو حفص الحداد رضي الله عنه : التصوف كله آدب ، لكل وقت أدب ، ولكل حال ~~أدب ، ولكل مقام أدب ، فمن لازم الأدب بلغ مبلغ الرجال ، ومن حرم الأدب فهو ~~بعيد من حيث يظن القرب ، مردود من حيث يرجوا الوصول. وقال ذو النون المصري ~~رضي الله عنه : (إذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء). ~~وقيل : من لم يتأدب لوقت فوقته مقت. وقيل : من حبسه النسب أطلقه الادب ، ~~ومن قل أدبه كثر شغبه. وقيل : الأدب سند الفقراء ، وزينة الأغنياء. ه. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 122 # قلت : الود : محبة الشيء مع تمنيه و{من أهل الكتاب} بيانية كقوله : {لم ~~يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} ، و{أن ينزل} معمول يود ، و{من خير} صلة ، ~~و{من ربكم} ابتدائية. # يقول الحق جل جلاله : ما يتمنى {الذين كفروا من أهل الكتاب} إنزال خير ~~عليكم {من ربكم} ولا المشركون حسدا منهم ، بل يتمنون أن تبقوا على ضلالتكم ~~وذلكم ، # 123 # {والله يختص برحمته} كالنوبة والولاية {من يشاء} من عباده. فلا يجب عليه ~~شيء ولا يمتنع عليه ممكن ، {والله ذو الفضل العظيم} ، فيمن بالنبوة أو ~~الولاية على من يشاء فضلا وإحسانا. # الإشارة : في الآية تنبيهان : أحدهما : أن من كان يحسد أهل الخصوصية ~~وينكر عليهم ، فيه نزعة يهودية ، وخصلة من خصال المشركين ، والثاني : أن ~~حسد أهل الخصوصية والإنكار عليهم أمر شائع وسنة ماضية ، فليوطن المريد نفسه ~~على ذلك : وليعلم انه ما يقال له إلا ما قيل لمن قبله ، {ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا} [الأحزاب ms0096 : 62] ، وما من نعمة إلا وعليها حسود. # وقال حاتم الطائي : # ومن حسد يجور علي قومي PageV01P142 ~~وأي الدهر ذو لم يحسدوني # وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 123 # قلت : النسخ في اللغة يطلق على معنيين ؛ أحدهما : التغيير والتحويل ، ~~يقال : مسخه الله قردا ونسخه. قال الفراء : ومنه نسخ الكتاب ، والثاني : ~~بمعنى رفع الشيء وإبطاله. يقال : نسخت الشمس الظل ، أي : ذهبت به وأبطلته ، ~~وهو المراد هنا. # والإنساء هو الترك والإذهاب ، والنساء هو التأخر. و{ما} شريكة منصوبة ~~بشرطها مفعولا به. و{نأت} جوابها. # يقول الحق جل جلاله : في الرد على اليهود حيث قالوا : انظروا إلى محمد ~~يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ، فأجاب الله عنهم بقوله : {ما ننسخ من ~~آية} أي : نزيل لفظها أو حكمها أو هما معا ، {نأت بخير منها} في الخفة أو ~~في الثواب ، {أو ننسها} من قلب النبي - عليه الصلاة والسلام - بإذن الله ، ~~أو نتركها غير منسوخة ، أو نؤخر إنزالها أو نسخها. باعتبار القراءات ، {نأت ~~بخير منها أو مثلها ألم تعلم} يا محمد {أن الله على # 124 # كل شيء قدير} لا يعجزه نسخ ولا غيره {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات ~~والأرض} يتصرف فيهما كيف يشاء ، لا راد لما قضى ولا معقب لما حكم به وأمضى ~~، ينسخ من شرائع أحكامه ما يشاء ، يثبت فيها ما شاء ، بحسب مصالح العباد ، ~~وما تقضيه الرأفة والوداد. # وهو جائز عقلا وشرعا ، فكما نسخت شريعتهم ما قبلها نسخها ما بعدها ، فمن ~~تحكم على الله ، أو رد على أصفياء الله ممن اطصفاهم لرسالته ، فليس له {من ~~دون الله من ولي} يمنع من عذاب الله ، {ولا نصير} ينصره من غضب الله. PageV01P143 # والنسخ إنما يكون في الأوامر والنواهي دون الأخبار ، لأنه يكون كذبا ، ~~ومعنى النسخ : انتهاء العمل بذلك الحكم ، ونقل العباد من حكم إلى حكم ~~لمصلحة ، فلا يلزم عليه البداء كما قالت اليهود ، والنسخ عندنا على ثلاثة ~~أقسام : نسخ اللفظ والمعنى : كما كان يقرأ : " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه ~~كفر " ، ثم نسخ ، ونسخ اللفظ دون المعنى : " كالشيخ والشيخة إذا زينا ms0097 ~~فرجموهما البتة " ثم نسخ لفظه ، وبقي حكمه وهو الرجم ، ونسخ المعنى دون ~~اللفظ : كآية السيف بعد الأمر بالمهادنة مع الكفار. الله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 124 # الإشارة : قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه في تفسيرها : ما ~~نذهب من بدل إلا ونأت بخير منه أو مثله. ه. ومعناه : ما نذهب بولي إلا ونأت ~~بخير منه أو مثله إلى يوم القيامة ، وبهذا يرد على من زعم أن شيخ التربية ~~انقطع ؛ فإن قدرة الله عامة ، وملك الله قائم ، والأرض لا تخلو ممن يقوم ~~بالحجة حتى يأتي أمر الله. # قال في لطائف المنن : وقد سئل بعض العارفين عن أولياء المدد : أينقضون في ~~زمن ؟ فقال : لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها ، ولا أبرزت الأرض ~~نباتها ، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم ، ولا بنقص إمدادهم ، ولكن إذا ~~فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم ، ثم قال : وقد قال ~~علي - كرم الله وجهه - في مخاطبته لكميل : اللهم لا تخلو الأرض من قائم لك ~~بحجتك ، أولئك الأقلون عددا ، الأعظمون عند الله قدرا ، قلوبهم معلقة ~~بالمحل الأعلى. أولئك خلفاء الله في بلاده وعباده ، واشوقاه إلى رؤيتهم. # وروى الترمذي الحكيم عن ابن عمر رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال : " أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره " وبالله ~~التوفيق. # 125 # جزء : 1 رقم الصفحة : 124 PageV01P144 ~~قلت : {أم} للإضراب بمعنى بل ؛ وهو على قسمين : إما إضراب عن المعنى السابق ~~، أو لفظه فقط كما هنا ، انظر تفسير ابن عطية ، وإضافة الرسول إليهم ~~باعتبار ما في نفس الأمر. وهو نص في إرساله إليهم كما أرسل إلى غيرهم. ~~والضلال : التلف. و{سواء السبيل} : وسط الطريق. # يقول الحق جل جلاله : أتريدون يا معشر اليهود أن قترحوا على نبيكم الذي ~~أرسلت إليكم ، وإلى كافة الخلق من غيركم الآيات ، وتسألوه أن يريكم ~~المعجزات ، كما سألتم موسى من قبل فقلتم : {أرنا الله جهرة} [النساء : 153] ~~تشغيبا وتعنتا ، وأبيتم عن الإيمان ، واستبدلتموه بالكفر والعصيان ، {ومن ~~يتبدل ms0098 الكفر بالإيمان} فقد تلف عن طريق الحق والسداد ، ومأواه جهنم وبئس ~~المهاد. # الإشارة : لا يشترط في الولي ظهور الكرامة ، وإنما يشترط فيه كمال ~~الاستقامة ، ولا يشترط فيه أيض هداية الخلق على يديه ؛ إذ لم يكن ذلك للنبي ~~فكيف يكون للولي ؟ قال تعالى : {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس ~~: 99] وقد سرى في طبع العوام ما سرى في طبع الكفار ، قالوا : {لن نؤمن لك ~~حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء : 90] الآية. فكثير من العوام لا ~~يقرون الولي حتى يروا له آية أو كرامة ، مع أن الولي كلما رسخت قدمه في ~~المعرفة قل ظهور الكرامة على يديه ؛ لأن الكرامة إنما هي معونة وتأييد ~~وزيادة إيقان. والجبل الراسي لا يحتاج إلى عماد. # والحق هو ما قاله الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : (وإنهما ~~كرامتان جامعتان محيطتان : كرامة الإيمان بمزيد الإيقان على نعت الشهود ~~والعيان ، وكرامة العمل على السنة والمتابعة ، ومجانبة الدعاوى والمخادعة ، ~~فمن أعطيهما ثم اشتاق إلى غيرهما فهو مفتر كذاب ، أو ذو خطأ في العلم ~~والفهم ، كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضى والكرامة ، ثم جعل يشتاق إلى ~~سياسة الدوام وخلع الرضا) أو كما قال رضي الله عنه. PageV01P145 # وقال شيخنا رضي الله عنه : (الكرامة الحقيقية هي الأخلاق النبوية والعلوم ~~اللدنية). فمن أنكر أولياء أهل زمانه وطلب منهم الدليل غير ما تقدم فقد ضل ~~سواء السبيل ، وبقي مربوطا في سجن البرهان والدليل. وبالله التوفيق ، وهو ~~الهادي إلى سواء الطريق. # 126 # جزء : 1 رقم الصفحة : 126 # قلت : {لو} مصدرية مفعول {ود} ، و{كفارا} : مفعول ثان ، و{حسدا} : مفعول ~~له ، علة لود ، أو حال من الواو ، و{من عند} متعلق بود ، أي : يتمنوا ذلك ~~من عند أنفسهم وتشهيهم ، أو بقوله : {حسدا} ، فالوقف على قوله : {كفارا} ، ~~أي : حسدا حاصلا من تلقاء أنفسهم ، لم يستندوا فيه إلى شبهة ولا دليل ، ~~والعفو : ترك العقوبة بالذنب. والصفح : الإعراض عن المذنب ، كأنه يولي عنه ~~صفحة عنقه ، فهو أبلغ من العفو. # يقول الحق جل جلاله : في التحذير من اليهود وغيرهم من الكفار ms0099 : تمنى ~~الذين كفروا من أهل الكتاب وغيرهم لو يصرفونكم عن دينكم و{يردونكم من بعد ~~إيمانكم} بنبيكم {كفارا} ضالين ، كما كنتم قبل الدخول فيه ، وذلك {حسدا من} ~~تلقاء {أنفسهم} غيرة أن تكون النبوة في غيرهم ، وذلك {من بعد ما بين لهم ~~الحق} وعرفوه كما يعرفون أبناءهم ، {فاعفوا} عن عتابهم ، وأعرضوا عن ~~تشغيبهم {حتى يأتي الله بأمره} فيهم بالقتل والجلاء. {إن الله على كل شيء ~~قدير} ، واشتغلوا بما كلفكم به من أداء حقوق العبودية ، والقيام بوظائف ~~الربوبية ، كإتقان الصلاة وأداة الزكاة ، واعلموا أن الله لا يضيع من ~~أعمالكم شيئا ، فما تقدموا لأنفسكم ليوم فقركم تجدوه عند الله وأعظم أجرا ، ~~إن الله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأحوالكم. # نزلت الآية في عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان ، أتيا بيت المدراس ، ~~فألانوا لهم الكلام ، فطمعوا في صرفهما عن دينهما ، ففضحهم الله ورد كيدهم ~~في نحرهم ، والله تعالى أعلم. PageV01P146 # الإشارة : من جملة ما دب إلى بعض الطوائف المتجمدين على تقليد أشياخهم : ~~التعصب والحمية على طريق أشياخهم ، ولو ظهر الحق عند غيرهم ، وخصوصا أولاد ~~الصالحين منهم ، فإذا رأوا أحدا ظهرت عليه أنوار الولاية ، وأسرار الخصوصية ~~، تمنوا أن يردوهم عن طريق الحق ، ويصرفوهم إلى مخالطة الخلق ، حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ، فيقال لمن توجه إلى الحق : فاعفوا ~~واصفحوا حتى يظهر الحق ، ولا تلتفتوا إلى تشغيبهم ، ولا تشتغلوا قط بعيبهم ~~فتكونوا أقبح منهم. # 127 # قال بعض العارفين : (لا تشتغل قط بمن يؤذيك واشتغل بالله يرده عنك ، وقد ~~غلط في هذا الأمر خلق كثير ، اشتغلوا بمن يؤذيهم فطال الأذى مع الإثم. ولو ~~أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم). بل ينبغي لمن يحسد أو يؤذى أن يغيب ~~عن الحاسد وكيده ، ويشتغل بما هو مكلف به من حقوق العبودية وشهود عظمة ~~الربوبية ، فإن الله لا يضيع من التجأ إليه ، ولا يخيب مقصود من اعتمد ~~عليه. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 127 # قلت : {وقالوا} عطف على {ود الذين كفروا} ، والضمير يعود على أهل الكتاب ~~واليهود ms0100 والنصارى ، أي : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، ~~وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، و{هود} : جمع هائد ، ~~كبازل وبزل وحائل وحول ، و{الأماني} : جمع أمينة ، وهي ما يتمنى المرء ~~ويشتهيه ، وأصله أمنوية كأضحوكة وأعجوبة ، فقلبت الواو ياء وأدغمت ، ~~و{هاتوا} : اسم فعل بمعنى الأمر ، ومعناه آت ، وأهمل ماضيه ومضارعه ، ~~و{أسلم} معناه : استسلم وخضع ، والخوف مما يتوقع ، والحزن على ما وقع. PageV01P147 # يقول الحق جل جلاله : وقالت اليهود : {لن يدخل الجنة} إلا من كان يهوديا ، ~~أي : على دينهم ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ، وهذه ~~دعاوى باطلة ، وأماني فارغة ليس عليها بينة ، بل مجرد أمانيهم الكاذبة ، ~~{قل} لهم يا محمد : {هاتوا برهانكم} أنكم مختصون بالجنة {إن كنتم صادقين} ~~في هذه الأمنية ، بل يدخلها غيركم من أهل الإسلام والإحسان ، فإن {من أسلم ~~وجهه لله} أي : انقاد بكليته إليه {وهو محسن} في أفعاله واعتقاده ، {فله ~~أجره عند ربه} وهو دخول النعميم والنظر إلى وجهه الكريم ، {ولا خوف عليهم} ~~من مكروه يتوقع {ولا هم يحزنون} على فوات شيء يحتاجون إليه ؛ لأنهم في ~~ضيافة الكريم تساق إليهم المسار وتدقع عنه المضار ، وبالله التوفيق. # الإشارة : من جملة ما دخل على بعض الفقراء أنهم يخصون الخصوصية بهم وبمن ~~تبع شيخهم ، وينفونها عن غيرهم ، وهذه نزعة يهودية ، وتحكم على القدرة ~~الإلهية فيقال لهم : تلك أمانيكم الفارعة ، بل ينالها غيركم ، فمن قصد الله ~~صادقا وجده ، وأنجز بالوفاء موعده ، فمن خضع لله وانقاد لأولياء الله ، فله ~~أجره عند ربه ، وهو المعرفة به ، # 128 # ولا خوف عليه من القطيعة ، ولا يحزن على فوات نصيبه من المعرفة. وبالله ~~التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 128 PageV01P148 ~~يقول الحق جل جلاله : إخبارا عن مقالات اليهود والنصارى وتقبيحا لصنيعهم : ~~{وقالت اليهود} في الرد على النصارى : {ليست النصارى على شيء} يعتد به ، ~~{وقالت النصارى} في سب اليهود ، {ليست اليهود على شيء} يعتمد عليه ، ~~والحالة أنهم {يتلون الكتاب} ، فاليهود يتلون التوراة وفيها البشارة بعيسى ~~عليه السلام ، والنصارى ms0101 يتلون الإنجيل ، وفيه تقرير شريعة التوراة وصحة ~~نبوة موسى عليه السلام ، فقد كفرت كل فرقة بكتابها غضبا وتعصبا ، ومثل ~~مقالتهم هذه {قال الذين لا يعلمون} وهم المشركون ، فقالوا : ليس المسلمون ~~على شيء ، {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} فيدخل ~~أهل الحق الجنة وأهل الباطل النار ، وبالله التوفيق. # الإشارة : كل ما قصه الحق تعالى علينا من مساوئ غيرنا فالمقصود به ~~التنفير والتحذير من مثل ما راتكبوه ، والتخلق بضد ما فعلوه ، فكل من تراه ~~ينقص الناس ويصرهم فهو أصغرهم ، وكل من تراه يقول : أصحاب سيدي فلان ليسوا ~~على شيء ، وأصحاب سيدي فلان ليس عندهم شيء ، فليس هو على شيء ، وقد ابتلي ~~بعض المتصوفة بهذا الوصف الذميم ، ينصب الميزان على الناس ، فيسقط ثوما ~~ويرفع آخرين ، وهو يتلو كتاب الله ، ويسمع قوله تعالى : {ولا تجسسوا ولا ~~يغتب بعضكم بعضا...} [الحجرات : 12] الآية. # وأكثر ما تجد هذا الوصف في بعض الفقهاء المتجمدين على ظاهر الشريعة ، ~~يعتقد ألا علم فوق علمه ، ولا فهم فوق فهمه ، كيف ؟ والله تعالى يقول : ~~{ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء : 85] ، {وفوق كل ذى علم عليم} ~~[يوسف : 76] ، وقد قال إمام الحرمين : (لإن أدخل ألف كافر في الإسلام بشبهة ~~خير من إخراج واحد منه بشبهة). PageV01P149 # فالواجب على من أراد السلامة أن يحسن الظن بجميع المسلمين ، ويعتقد فيهم ~~أنهم كلهم صالحون ، ففي الحديث : " خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير : حسن ~~الظن بالله ، # 129 # وحسن الظن بعباد الله ، وخصلتان ليس فوقهما شيء من الشر : سوء الظن بالله ~~، وسوء الظن بعباد الله " وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 129 # ثم وبخ الحق - تعالى - النصارى على منع الناس من بيت المقدس وإيذاء من ~~يصلي فيه ، وطرح الأقذاء فيه ، مع زعمهم أنهم على الحق دون غيرهم ، قاله ~~ابن عباس ، أو كفار قريش حيث منعوا المسلمين من الصلاة فيه ، وصدوا رسول ~~الله عن الوصول إليه ، قاله ابن زيد ، والتحقيق : أن الحق تعالى وبخ ~~الجميع. # جزء : 1 رقم الصفحة : 129 # قلت : {من} مبتدأ ، و{أظلم} خبر ، و{أن يذكر} ms0102 إما منصوب على إسقاط الخافض ~~وتسلط الفعل عليه ، أي : من أن يذكر ، أو بدل اشتمال من {مساجد} ، أو مجرور ~~بالحروف المحذوف ، قاله سيبويه. و{خائفين} حال من الواو. PageV01P150 # يقول الحق جل جلاله : لا أحد أكثر جرما ولا أعظم ظلما {ممن} يمنع {مساجد ~~الله} من {أن يذكر} اسم الله فيها ، جماعة أو فرادى ، في صلاة أو غيرها ، ~~{وسعى في خرابها} حيث عطل عمارتها ، {أولئك ما كان} ينبغي {لهم أن يدخلوها} ~~إلا بخشية وخشوع ، فكيف يجترئون على تخريبها ؟ أو ما كان الواجب أن يدخلوها ~~إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا عن أن يمنعوهم منها ، أو {ما ~~كان لهم} في علم الله وقضائه {أن يدخلوها إلا خائفين} ، فيكون وعدا أنجزه ~~الله لهم ، وقد فتح الله لهم مكة والشام ، فكان لا يدخل بيت الله الحرام ~~كافر إلا خفية ، خائفا من القتل ، ولا يدخل نصراني بيت المقدس إلا خائفا من ~~المسلمين ، فنالهم {في الدنيا خزي} وهو قتل الحربي ، وضرب الجزية على الذمي ~~، وخزي المشركين قتلهم يوم الفتح ، وإذلالهم بدخولها عليهم عنوة ، ولمن مات ~~على الكفر {في الآخرة عذاب عظيم}. # وهذه الآية - وإن نزلت في الكفار - فهي عامة لكل من يمنع الناس من الذكر ~~في المساجد ، كيفما كان قياما أو قعودا ، جماعة أو فرادى ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : مساجد الله هي حضرة القلوب وحضر الأرواح وحضرة الأسرار ، فحضرة ~~القلوب لأهل المراقبة من أهل الإيمان ، وحضرة الأرواح والأسرار لأهل ~~المشاهدة والمكالمة من أهل الإحسان ، فمن منع نفسه من الدخول في هذه ~~الحضرات الثلاث ، وسعى في خراب باطنه باتباع الحظوظ والشهوات ، ومال إلى ~~الدنيا وزخارفها الغرارات ، # 130 # فلا أحد أظلم منه نفسا ، ولا أبخس منه صفقة. فلا ينجع في هؤلاء إلا خوف ~~مزعج أو شوق مقلق. فإن لم يكن أحد من هذين بقي على غيه حتى مخايل الموت. ~~فيحن إلى الدخول فيها خائفا ، ولا ينفع حينئذ الندم ، وقد زلت به القدم ، ~~له في الدنيا ذلك الفقر والجزع ، وله في الآخرة غم الحجاب وسوء الحساب ~~وحسرة العتاب ، نسأل ms0103 الله العافية في الدارين. آمين. بمنه وكرمه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 130 PageV01P151 ~~وقال القشيري : نفس العابد وطن العبادة ، وقلب العارف وطن المعرفة ، وروح ~~الواجد وطن المحبة ، وسر الموحد وطن المشاهدة ، ولا أظلم ممن سعى في خراب ~~وطن العابد بالشهوات ، وفي وطن المعرفة بالمنى والعلاقات ، وفي وطن المحبة ~~بالحطوط والمساكنات ، وفي وطن الموحد بالالتفات إلى القربات. ه. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 130 # قلت : {أينما} شرطية ، و{تولوا} شرطها ، وجملة {فثم} جوابها ، و(ولي) ~~يستعمل بمعنى أدبر وبمعنى أقبل ، تقول : وليت عن كذا أو كذا ، والوجه هنا ~~بمعنى الجهة ، تقول : سافرت في وجه كذا ، أي في جهة كذا. قاله ابن عطية. # يقول الحق جل جلاله : {ولله المشرق والمغرب} ، والجهات كلها له ، لا يختص ~~ملكه بمكان دون آخر ، فإذا منعتم من الصلاة في المساجد ففي أي مكان كنتم ~~ووليتم وجهكم إلى القبلة التي أمرتم بالتوجه إليها فثم جهته التي أمر بها ، ~~أو فثم ذاته المقدسة ، أي : عالم مطلع على ما يفعل فيه ، {إن الله واسع} ~~بإحاطته بالإشياء ، أو برحمته يريد التوسعة على عباده {عليم} بمصالحهم ~~وأعمالهم في الأماكن كلها. # وعن ابن عمر : أنها نزلت في صلاة المسار على الراحلة حيثما توجهت به ، ~~وقيل : في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة ، فلما أصبحوا ~~تبينوا خطأهم ، وعلى هذا : لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ ، لم يلزمه ~~التدارك. قاله البيضاوي. # الإشارة : اعلم أن الأماكن والجهات ، وكل ما ظهر من الكائنات ، قائمة ~~بأنوار الصفات ، ممحوة بأحدية الذات ، " كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن ~~على ما عليه كان " ؛ إذ لا وجود لشيء مع الله ، {فأينما تولوا فثم وجه ~~الله} ، محق الآثار بإفلاك الأنوار ، وانمحت الأنوار بأحدية الأسرار ، ~~وانفرد بالوجود الواحد القهار ، ولله در القائل : # مذ عرفت الإله لم أر غيرا # وكذا الغير عندنا ممنوع # مذ تجمعت ما خشيت افترقا # فأنا اليوم واصل مجموع # 131 PageV01P152 ~~وقال آخر : # فالكل دون إن حققته # عدم على التفصيل والإجمال # من لا وجود لذاته من ذاته # فوجوده لولاه عين محال ms0104 # وقال صاحب العينية : # تجلى حبيبي في مرائي جماله # ففي كل مرئي للحبيب طلائع # فلما تبدى حسنه متنوعا # تسمى بأسماء فهن مطالع # وقال الششتري : # محبوبي قد عم الوجود # وقد ظهر في بيض وسود # جزء : 1 رقم الصفحة : 131 # قال بعض السلف : (دخلت ديرا جاء وقت الصلاة ، فقلت لبعض النصارى : دلني ~~على بقعة طاهرة أصلي فيها ، فقال لي : طهر قلبك عما سواه ، وقف حيث شئت ، ~~قال : فخجلت منه). ويحكى عن أبي يزيد رضي الله عنه أنه كان يصلي إلى جهة ~~شاء ، ويتلو هذه الآية ، فالوجه عند أهل التحقيق هو عين الذات ، يعني أسرار ~~الذات وأنوار الصفات. قال تعالى : {كل شيء هالك إلا وجهه} أي : كل شيء فان ~~ومستهلك في الحال والاستقبال إلا ذاته المقدسة ، وأنشدوا : # فالعارفون فنوا بأن لم يشهدوا # شيئا سوى المتكبر المتعالي # ورأوا سواه على الحقيقة هالكا # في الحال والماضي والاستقبال # وقلت في تائيتي الخمرية في وصف الخمرة الأزلية : # تنزهت عن حكم الحلول في وصفها # فليس لها في سوى شكله حلت # تجلت عروسا في مرائي جمالها # وأرخت ستور الكبرياء بعزة # فما ظهر في الكون غير بهائها # وما احتجبت إلا لحجب سريرة # ولما قالت اليهود : عزير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله ، ~~وقالت المشركون : الملائكة بنات الله ، رد الله تعالى عليهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 131 PageV01P153 ~~قلت : هذه الجملة معطوفة على قوله : {وقالت اليهود...} الخ ، ومن قرأ بغير ~~واو جعلها مستأنفة ، و{بديع} : بمعنى مبدع ، والإبداع : اختراع الشيء من ~~غير تقدم شيء. وقوله : {كن فيكون} قدره سبيويه : فهو يكون ، وقرأ ابن عامر ~~بنصب المضارع ، ولحنه بعضهم ؛ لأن المنصوب في جواب الأمر لا بد أن يصلح ~~جوابا لشرطه ، تقول : # 132 # اضرب زيدا فيستقيم ، أي : إن تضربه يستقيم. ولا يصلح أن تقول هنا : إن ~~يكن يكن ، وقد يجاب بحمله على المعنى ، والتقدير : إن قلت كن يكن. # يقول الحق جل جلاله : وقالت اليهود والنصارى والمشركون : {اتخذ الله ~~ولدا} تعالى الله عن قولهم ، وتنزه عن ذلك ؛ لأنه يقتضي الجنسية والمشابهة ~~والاحتياج ، والحق منزه عن ذلك. ms0105 بل كل ما استقر في السماوات السبع والأرضين ~~السبع ملكه وعبيده ، فكيف يكون العبد ولدا لمالكه ؟ . وأيضا كل ما ظهر في ~~الوجود كله قانت ، أي : خاضع ومطيع لله ، وعابد له ، ومقهور تحت حكمه ~~ومشيئته ، وذلك مناف لحال البنوة. # وأيضا : كل ما دخل عالم التكوين فهو مبدع ومخترع لله ، ومصنوع من مصنوعات ~~الله ، فلا يصح أن يكون ولدا ، وأيضا : الولد يحتاج إلى صاحبة ومعالجة ~~ومهلة ، والحق تعالى أمره بين الكاف والنون ، بل أسرع من لحظ العيون ، فإذا ~~{قضى أمرا} أي : أراده ، {فإنما يقول له كن فيكون} ، لا يتوقف على لفظة ~~{كن} ، وإنما هو كناية عن سرعة الاقتدار. # قال البيضاوي : واعلم أن السبب في هذه الضلالة أن أرباب الشرائع المتقدمة ~~كانوا يطلقون الأب على الله تعالى ، باعتبار أنه السبب الأول ، حتى قالوا : ~~إن الأب هو الرب الأصغر ، والله تعالى هو الرب الأكبر ، ثم ظن الجهلة منهم ~~أن المراد به معنى الولادة ، فاعتقدوا ذلك تقليدا ، ولذلك كفر قائله ومنع ~~منه مطلقا حسما لمادة الفساد. ه. PageV01P154 # الإشارة : اعلم أنك إذا نظرت بعين البصيرة ، أو بحق البصيرة ، إلى الوجود ~~بأسره ، وجدته ذاتا واحدة ، ونسبته من الحق نسبة واحدة ، أنوار ظاهرة ، ~~وأسرار باطنة ، حكمته ظاهرة ، وقدرته باطنة حسن ظاهر ، ومعنى باطن ، عبودية ~~ظاهرية ، وأسرار معاني الربوبية باطنة ؛ إذا لا قيام للعبودية إلا بأسرار ~~معاني الربوبية ، قال تعالى : {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} ~~[فاطر : 41] ، وقال تعالى : {الله نور السماوات والأرض} [النور : 35] ، ~~وقال في الحكم : " الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة ، فالنفس تنظر إلى ظاهر ~~بهجتها ، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها ". فأهل الفرق يثبتون الأشياء مستقلة ~~مع الله ، وربما تغالى بعضهم فأشركها معه في الألوهية ، فتعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 132 # قال محيي الدين الحاتمي : من رأى الخلق لا فعل لهم فقد فاز ، ومن رآهم لا ~~حياة لهم فقد جاز ، ومن رآهم بعين العدم فقد وصل. ه. قلت : ومن أثبتهم ~~بالله فقد تمكن وصاله ، وأنشدوا : # من أبصر الخلق كالسراب # فقد ترقى عن ms0106 الحجاب # إلى وجود تراه رتقا # بلا ابتعاد ولا اقتراب # 133 # ولم تشاهد به سواه # هناك تهدي إلى الصواب # فلا خطاب به إليه # ولا مشير إلى الخطاب # ه. # ولما قال رافع بن حريملة - من أحبار يهود - للرسول صلى الله عليه وسلم : ~~أسمعنا كلام الله إن كنت رسوله ، أو أرنا آية تصدقك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 132 # قلت : هذه المقالة صدرت من بعض اليهود والمشركين ، قالوا ذلك تعنتا ~~وعنادا ، لا طلبا لليقين ، فلذلك نفى الله عنهم العلم رأسا ، والمقصود في ~~هذه الآيات كلها توبيخ اليهود. PageV01P155 # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين} لا علم عندهم : هلا {يكلمنا الله} حتى ~~نسمع منه أنك رسوله ، {أو تأتينا آية} ظاهرة ، نراها جهرة تدل على رسالتك ، ~~كما كانت لموسى - عليه السلام -. # وهذه المقالة التي صدرت من اليهود ، تعنتا وعنادا ، قد صدرت ممن قبلهم من ~~أسلافهم ، فقالوا : {أرنا الله جهرة} ، ومن النصارى فقالوا : {هل يستطيع ~~ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء} [المائدة : 112] ، ومن المشركين فقالوا ~~: {وقالوا لن نؤمن لك حتىا تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من ~~نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا} [الإسراء : 90 ، 91] الآية. فقد ~~تماثلت قلوبهم في الكفر والعناد ، وتشابهت في العتو والفساد ، قد أوضحنا لك ~~الآيات البينات ، تحقق رسالتك وتقرر اصطفائيتك ، لمن طلب مزيد الإيقان ، ~~وكشف البيان على نعت العيان ، فأعظمها القرآن ، ثم ما أوضحته من شرائع ~~الأحكام ، وما بينته من الحلال والحرام ، ثم ما أخبرت به من الغيوب ، وما ~~كشفته عن القلوب من الكروب ، ثم نطق الجمادات والأحجار ، كحنين الجذع ~~وانقياد كشفته عن القلوب من الكروب ، ثم نطق الجمادات والأحجار ، كحنين ~~الجذع وانقياد الأشجار ، وتسبيح الحصى ، وتسليم الحجر ، وقد نبع الماء من ~~بين أصابعه وانهمر ، إلى ما لا يعد ولا يحصى. # فقد {أرسلناك بالحق} ، أي : متلبسا بالحق ومبينا له ، {بشيرا} لمن صدقتك ~~واتبعك بالنعيم المقيم ، و{نذيرا} لمن خالفك بعذاب الجحيم. فلا تسأل عن ~~حالهم إذا أفضوا إليه ، فإنه أعظم من أن يذكر ، وأفظع من أن يسمع ، إذ لا ~~يمكن ms0107 تفسير حالهم ، ولا يستطيع أحد سماع أهوالهم ، فالله يعصمنا من موارد ~~الردى ، ويوفقنا لاتباع الحق والهدى ، أو لا يسألك ربك عنهم فهو أعلم ~~بحالهم ، وبالله التوفيق. # 134 PageV01P156 ~~الإشارة : طلب الكرامات وظهور الآيات من طبع أهل الجهل والعناد ، وليس هو ~~من شيم أهل الهداية والاسترشاد. فالطريق واضح لمن طلب السبيل ، والحق لائح ~~لمن أبصر الدليل ، فمن كحل عين بصرته بإثمد التوحيد الخاص ، لم يقع بصره ~~إلا على إلا على الحق ، ولا يعرف إلا إياه ، ورأى الأشياء كلها قائمة بالله ~~، بل لا وجود لها مع الله ، ومن فتح الله سمع قلبه لم يسمع إلا من الحق ، ~~ولا يسمع إلا به ، كما قال القائل : أنا بالله أنطق ومن الله أسمع. # جزء : 1 رقم الصفحة : 134 # وقال الجنيد رضي الله عنه : (لي أربعون سنة أناجي الحق ، والناس يرون أني ~~أناجي الخلق). فالخالق محذوفون عند أهل العلم بالتحقيق ، مثبتون عند أهل ~~الجهل والتفريق. يقولون : لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ، مع أنه يكلمهم ~~في كل وقت وساعة ، كذلك قال من شاركهم في الجهل بالله ، مع وضوح الآيات لمن ~~عرف الله. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. # ولما قالت اليهود والنصارى لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعل بيننا ~~وبينك هدنة نتبعك بعدها ، وأضمروا في نفوسهم أنهم لا يتبعونه حتى يتبع ~~ملتهم ، فضحهم الله تعالى. # جزء : 1 رقم الصفحة : 134 # > : الملة هي الشريعة ، وهي ما شرع الله على لسان أنبيائه ورسله ، من ~~أملت الكتاب وأمليته ، إذا قرأته. والهوى : رأى يتبع الشهوة. PageV01P157 # يقول الحق جل جلاله : لرسول صلى الله عليه وسلم : {ولن ترضى عنك اليهود} ~~وتتبع دينك أبدا ، {ولا النصارى} كذلك {حتى تتبع ملتهم} على فرض المحال ، ~~والمقصود قطع رجائه من إسلامهم باختيارهم ؛ لأن اتباعه ملتهم محال ، وكذلك ~~إسلامهم. ولعله في قوم مخصوصين. ثم زاد في التنفير من اتباعهم فقال : {ولئن ~~اتبعت أهواءهم} الباطلة فرضا وتقديرا {بعد الذي جاءك من العلم} بالله ~~وبأحكامه على المنهاج القويم ، {ما لك من الله من ولي} يمنعك منا ، {ولا ~~نصير} ينصرك ms0108 من غيرنا ، أي : لا ولي ولا نصير لك إلا نحن ؛ حيث واليتنا ، ~~وأحببتنا ، وأظهرت ملتنا ، فنحن لك على ما تحب وترضى. # الإشارة : التماس رضى الناس من علامة الإفلاس ، ولن يرضى عنك الناس حتى ~~تتبع أهواءهم ، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما تحققت ما هم فيه ، إنك إذا لمن ~~الظالمين ، فمن التمس رضى الناس وقع في سخط الله ، ومن التمس رضى الله قطع ~~يأسه من الناس ، ولذلك قال بعضهم : كل ما سقط من عين الخلق عظم في عين الحق ~~، وكل ما عظم في # 135 # عين الخلق سقط من عين الحق ، وقال آخر : إن الذي تكرهون مني هو الذي ~~يشتهيه قلبي. ه. # وقال بعض الصالحين : (لقيت بعض الأبدال ، فقلت له : دلني على الطريق ؟ ~~فقال : لا تخالط الناس ؟ فإن مخالطتهم ظلمة ، فقلت : لا بد من مخالطتهم ~~وأنا بين أظهرهم ؟ فقال : لا تعاملهم ، فإن معاملتهم خسران. قلت : لا بد من ~~معاملتهم ؟ فقال : لا تركن إليهم ، فإن في الركون إليهم هلكة ، فقالت : هذا ~~لعله يكون ؟ فقال : يا هذا ، أتخالط البطالين ، وتعامل الجاهلين ، وتركن ~~إلى الهلكى ، وتحب أن يكون قلبك مع الله ؟ هيهات... هذا لا يكون أبدا ، ثم ~~غاب عني ولم أره). # ولما عاتب الله بني إسرائيل ووبخهم استثنى من آمن منهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 135 # قلت : جملة {يتلونه} حال ، و{أولئك} خبر الموصول. PageV01P158 # يقول الحق جل جلاله : {الذين آتيناهم الكتاب} ، كعبد الله بن سلام وأصحابه ~~، حالتهم {يتلونه حق تلاوته} غير محرفين له ، ولا كاتمين ما فيه ، {أولئك} ~~هم الذين {يؤمنون به} حقيقة ، وأما غيرهم ممن حرف وكتم صفة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فقد كفر به ، {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} أي : الكاملون في ~~الخسران ، حيث بخسوا أنفسهم من عز الدارين. # الإشارة : ما قيل في التوراة وأصحابه يقال مثله في القرآن وأهله ؛ فمن ~~آتاه الله القرآن ، وتلاه حق تلاوته ، بحيث جود حروفه وتدبر معانيه ، وعمل ~~بما فيه ، فأولئك هم المؤمنون به حقا ، والفائزن بثمار معانيه حلاوة وذوقا ~~، ومن ترك التدبر في معانيه فقد حرم نفسه ms0109 ثمار حلاوته ، وذلك عين الخسران ~~عند أهل الإيقان. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 135 # قلت : جملة {لا تجزي} : نعت ليوم ، وحذف العائد ، أي : لا تجزي فيه نفس ، ~~قال المرادي : (إذا نعت بالجملة اسم زمان جاز حذف عائده) ثم استدل بالآية. ~~وهل حذف برمته أو بالتدريج ؟ قولان. # 136 # يقول الحق جل جلاله : {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} بأن ~~جعلت الأنبياء تسوسكم ، والملوك منكم يدبرون أموركم ، و{فضلتكم} على عالم ~~زمانكم ، فاشكروا هذه النعم بالإيمان بالرسول الذي أرسلته إليكم ، وخافوا ~~أهوال يوم القيامة ، الذي لا تغنى فيه {نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها} ~~فداء إن أرادت الفداء ، {ولا تنفعها شفاعة} شافع ، ولا يدفع عنها أهوال ذلك ~~اليوم ولي ولا ناصر ، إلا من اتخذ يدا عند الملك القادر ، وبالله التوفيق ، ~~وتقدمت إشارة هذه الآية في الآية الأولى. # ولما أراد الحق تعالى أن ينسخ القبلة ويردها إلى بيت الله الحرام بعد أن ~~كانت إلى بيت المقدس ، ذكر خصوصية من بناه ، وكيفية بنائه ، وفي ضمن ذلك ~~ذكر شرفه ليكون ذلك داعيا إلى الامتثال. # جزء : 1 رقم الصفحة : 136 PageV01P159 ~~قلت : {ابتلى} اختبر ، و{إبراهيم} مفعول ، وفيه أربع لغات ، إبراهام ~~وإبراهوم وإبراهيم وبالقصر ، و{ربه} فاعل ، وقدم المفعول للاهتمام ، وقدم ~~المفعول للاهتمام ، ولئلا يعود الضمير على بعده لفظا ورتبة ، و{عهدي} فاعل ~~، و{الظالمين} مفعول. # يقول الحق جل جلاله : واذكر يا محمد ، أو اذكروا يا بني إسرائيل ، حين ~~اختبر {إبراهيم ربه بكلمات} أن يعمل بها ، وهي : تسليم بدنه للنيران ، ~~وولده للقربان ، وطعامه للضيفان ، أو عشر خصال : خمس في الرأس : المضمضة ، ~~والاستنشاق ، وقص الشارب ، والسواك ، وفرق الرأس : وقيل : وإعفاء اللحية ، ~~وخمس في الجسد : تقليم الظفر ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، والاستنجاء ~~بالماء ، والاختتان ، أو مناسك الحج أو الخصال التي امتحن بها وهي : الكوكب ~~، والقمر ، والشمس ، والنار ، والهجرة ، والذبح ، والأحسن أنها ثلاث : ~~الهجرة من وطنه ، ورمي ولده بمكة ، وذبح الآخرة حين بلغ أن يسعى معه ~~{فأتمهن} أي : وفى بهن ، فلما وفى بهن {قال} الله تعالى له : {إني جاعلك ~~للناس إماما} ، أي ms0110 : قدوة بك في بك في التوحيد ، أو في الأصول والفروع ، إذ ~~لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته ، ومأمور باتباعه. # ولما جعله الله إماما طلب ذلك لأولاده فقال : {ومن ذريتي} فاجعل أئمة ، ~~{قال} الحق تعالى : {لا ينال عهدي} أي : لا يلحق عهدي بالإمامة {الظالمين} ~~منهم ، إذ لا يصلح للإمامة إلا البررة الأتقياء ، لأنها أمانة من الله وعهد ~~، والظالم لا يصلح لها ، وفيه تنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة لا ~~يستحقون الإمامة ، وفيه دليل على عصمة الأنبياء قبل البعثة ، وأن الفاسق لا ~~يصلح للإمامة. قاله البيضاوي. # 137 PageV01P160 ~~الإشارة : إذا أراد الله تعالى أن يجعل وليا من أوليائه إماما يقتدى به ، ~~وداعيا يدعو إليه ، ابتلاه ، فإن صبر ورضي اصطفاه ، ولحضرته اجتباه ، فيكون ~~إماما يقتدى به ، وداعيا يهتدى به ، وهذه سنة الله تعالى في أصفيائه ~~يبتليهم الله تعالى بتسليط الخلق عليهم وأنواع من البلايا ، فإذا نقوا من ~~البقايا ، وتكلمت فيهم المزايا ، أظهرهم للخلق داعين إلى الله ومرشدين إلى ~~طريق الله ، وقد تبقى الإمامة ذريتهم إن ساروا على هديهم ، ومن لم يسلك به ~~هذا المسلك فلا يصلح للإمامة ، وإن توجه إليها كان ناقصا في الدعوة ، ولذلك ~~قال بعضهم : (من ادعى شهود الجمال قبل تأدبه بالجلال ، فارفضه فإنه دجال). ~~ه. وكل من اتصف بشيء من ظلم العباد لا ينال عهد الإمام في طريق الإرشاد ، ~~وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 137 # قلت : {المثابة} : المرجع الذي يثوب الناس إليه كل سنة ، و{اتخذوا} : على ~~قراءة الأمر ، محكي بقول محذوف ، أي : وقلنا اتخذوا ، وعلى قراءة الماضي : ~~معطوف على {جعلنا} ، أي : جعلناه مثابة ، واتخذه الناس مصلى. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر يا محمد {إذ جعلنا البيت} الحرام : أي : ~~الكعبة ، مرجعا للناس يرجعون لزيارته والطواف به كل سنة ، وجعلناه محل أمن ~~، كل من دخله كان آمنا من عقوبة الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فإن الناس ~~يتخطفون من حوله ، وأهله آمنون ، وأمافي الآخرة فلأن الحج يجب ما قبله ، ~~وهذا يدل على شرف ms0111 البيت وحرمته. PageV01P161 # وقلنا لهم : {اتخذوا من مقام إبراهيم} ، وهو الحجر الذي فيه أثر قدميه ، ~~{مصلى} تصلون إليه ، وهو الذي يصلون خلفه ركعتي الطواف ، {وعهدنا} أي : ~~أوحينا {إلى إبراهيم وإسماعيل} ولده ، بأن قلنا لهما : {طهرا بيتي} من ~~الأدناس والأرجاس والأصنام والأوثان ، {للطائفين} به {والعاكفين} أي : ~~المقيمين فيه ، والمصلين فيه الراكعين الساجدين. فكان البيت مطهرا في ~~زمانهما وبعدهما زمانا ، ثم أدخلت فيه الأصنام فطهره نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، وتبقى طهارته حتى يأتي أمر الله ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : القلب هو بيت الرب ، يقول الله تبارك وتعالى لبعض أنبيائه : ~~{طهر لي بيتا أسكنه ، فقال : يا رب أي بيت يسعك ؟ فقال له : لن تسعني أرضي ~~ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن} فإذا تطهر القلب من الأغيار وملئ ~~بالأنوار ، وتمكنت فيه المعارف # 138 # والأسرار ، كان مرجعا وملجأ للعباد ، كل من وصل إليه ، وطاف به ، كان ~~آمننا من الزيغ والعناد ، ومن خواطر السوء سوء الاعتقاد ، ومن دخله والوداد ~~، أمن من الطرد والبعاد ، وكان عند الله من أفضل العباد. ومقام إبراهيم - ~~عليه السلام - هو الاستغراق في عين بحر الشهود ، ورفع الهمة عن ما سوى ~~الملك المعبود. # وهذا المقام هو الذي اتخذه العارفون كعبة لصلاة قلوبهم ، وغاية لمنتهى ~~قصودهم. # عباراتهم شتى ، وحسنك واحد ، # وكل إلى ذلك الجمال يشير # جزء : 1 رقم الصفحة : 138 # وقد عهد الله تعالى إلى أنبيائه وأصفيائه أن يطهروا قلوبهم من الأغيار ، ~~ويرفضوا كل ما سواه من الأكدار ، لتتهيأ بذلك لطواف الواردات والأنوار ، ~~ولعكوف المعارف والأسرار ، وتخضع لهيبتها ظواهر الأشباح ، وتنقاد لجمال ~~بهجتها القلوب والأرواح ، وما ذلك على الله بعزيز. # جزء : 1 رقم الصفحة : 138 PageV01P162 ~~قلت : الإشارة تعود إلى المكان ، أو البلد ، أي : اجعل هذا المكان بلدا ذا ~~أمن ، قال بعضهم : نكر البلد هنا ، وعرفه في سورة إبراهيم ، لان هذا الدعاء ~~وقع قبل أن يكون بلدا ، وفي سورة إبراهيم وقع بعد أن كان بلدا فلذلك عرفه ، ~~وفيه نظر من جهة التاريخ ، وسيأتي تمامه هناك إن شاء الله. # وقوله : {من آمن} : بدل من {أهله} ms0112 ، بدل البعض للتخصيص ، و{من كفر} : ~~معطوف على {من آمن} ، على حذف المضارع ، أي : وارزق من كفر. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ قال إبراهيم} في دعائه لمكة لما أنزل ~~ابنه بها بواد غير ذي زرع ، وتركه في يد الله تعالى : {رب اجعل هذا} المكان ~~{بلدا آمنا} يأمن فيه كل من يأوي إليه ، {وارزق أهله من} أنواع {الثمرات} ، ~~كالحبوب وسائر الفواكه ، {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} {قال} الحق جل ~~جلاله : بل وأرزق أيضا {من كفر} في الدنيا {فأمتعه} زمنا {قليلا} ، أو ~~تمتيعا قليلا ، {ثم} ألجئه {إلى عذاب النار} وبئس المرجع مصيره. # قاس إبراهيم الخليل الرزق على الإمامة ، فنبه سبحانه وتعالى أن الرزق ~~رحمه دنيوية ، تعم المؤمن والكافر ، بخلاف الإمامة ، والتقدم في الدين ، ~~فإنها سبب النعيم الأخروي ، ولا ينالها إلا أهل الإيمان والصلاح. # 139 PageV01P163 ~~الإشارة : دعاء الأنبياء عليهم السلام ، كما يصدق بالحس يصدق بالمعنى ، ~~فيشمل دعاء الخيل القلوب التي هي بلد الإيمان ، والأرواح التي هي معدن ~~الأسرار والإحسان ، فتكون آمنة من طوارق الشيطان ، ومحفوظة من الوقوف مع ~~رؤية الأكوان ، آمنة من الأكدار ، محفوظة من رؤية الإغيار ، فيرزقها الله ~~من ثمرة العلوم ، ويفتح لها من مخازن الفهوم ، من آمن منهم بالشريعة ~~الظاهرة ، وجاهد نفسه في عمل الطريقة الباطنة ، حتى أشرقت عليه أنوار ~~الحقيقة العيانية ، وأما من كفر بطريقة الخصوص ، ووقف مع ظاهر النصوص ، ~~فإنما يمتع بعلم الرسوم الذي حد حلاوته اللسان ، ثم يلجأ إلى عذاب الحجاب ، ~~وسوء الحساب ، ولم يفض إلى حلاوة الشهود والعيان ، التي يمتع بها الجنان ~~حتى يفضي إلى نعيم الجنان ، فيتم النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم ، منحنا ~~الله من ذلك حظا وافرا يمنه وكرمه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 139 # قلت : {القواعد} جمع قاعدة ، وهي الأساس ، وكأنه مأخوذ من العقود بمعنى ~~الثبات ، وأما القواعد من النساء ، فجمع قاعد ، بلا تاء ، لأنه وصف خاص ~~بالنساء ، فلا يحتاج إلى تمييز التاء ، و{ربنا} منصوب على النداء محكي بحال ~~محذوفة ، أي : حال كونهم قائلين ربنا... الخ. # يقول الحق جل جلاله : واذكر وقت رفع ms0113 {إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} ~~، وبنائهما له ، بعد أن درس بالطوفان ، وكان بناء آدم عليه السلام لما أهبط ~~إلى الأرض بإعلام الملائكة ، كان إبراهيم عليه السلام يبني ، وإسماعيل ~~يناوله الحجارة ، فنسب البناء لهما لتعانهما ، وقيل : كانا يبنيان كل في ~~ناحية ، حال كونهما قائلين : {ربنا تقبل منا} علمنا هذا ، {إنك أنت السميع} ~~لدعائنا ، {العليم} بنياتنا وسرائرنا. PageV01P164 # الإشارة : ينبغي للعبد أن يرفع قواعد إسلامه ، ويشيد دعائمه بتحقيق أركانه ~~، كإتقان الشهادتين بتحقيق معانيها ، وإتقان الصلاة بإتقان أركانها الظاهرة ~~والباطنة ، وإتقان الزكاة بإخلاص أدائها ، وإتقان الصيام بتحصيل آدابه ، ~~وإتقان الحج بتحصيل مناسكه بعد وجوبه ، ويرفع أيضا قواعد إيمانه بتحقيق ~~أركانه ، وهي : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وبالقدر ~~خيره وشره ، حلوه ومره ، اعتقادا وذوقا ، ويرفع أيضا قواعد إحسانه ، بتحصيل ~~مراتبه ، كتحقيق المشاهدة ، وهو أن يعبد الله كأنه يراه ، فإن لم يستطع ~~فليعبده كأن الله يراه ، وإن شئت قلت : رفع قواعد الإسلام يكون بتحقيق ~~التوبة والتقوى والاستقامة ، ورفع قواعد الإيمان يكون بتحقيق الإخلاص ~~والصدق والطمأنينة ، # 140 # ورفع قواعد الإحسان يكون بالمراقبة والمشاهدة والمعرفة ، كما قال الساحلي ~~- رحمه الله -. # جزء : 1 رقم الصفحة : 140 # قلت : قال ابن عباس رضي الله عنه : لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بناء ~~البيت ، دعوا بهذا الدعاء ، فقال : {ربنا واجعلنا مسلمين لك} أي : منقادين ~~لأوامرك الظاهرة ولأحكامك القهرية. # واجعل {من ذريتنا أمة} أي : جماعة {مسلمة لك} ؟ علما - بوحي أو إلهام - ~~أنه يكون من ذريتهما من يكفر بالله ، {وأرنا} أي : عرفنا وعلمنا {مناسكنا} ~~في الحج. والنسك في الأصل : غاية العبادة ، وشاع في الحج لما فيه من المشاق ~~والكلفة ، والبعد عن العادة. {وتب علينا} مما لا يليق بحالنا ، فسحنات ~~الأبرار سيئات المقربين ، فلكل مقام ما ينقصه وإن كان كاملا. ولهذا كان ~~عليه الصلاة والسلام يستغفر في الملجس سبعين مرة.إذ ما من مقام إلا وقبله ~~ما فيه نقص ، فإذا ترقى عنه استغفر منه {إنك أنت التواب الرحيم} أي : كثير ~~القبول والإقبال على التائبين. PageV01P165 # {ربنا وابعث فيهم} أي : في الذرية {رسولا منهم} وهو مولانا محمد ms0114 صلى الله ~~عليه وسلم قال - عليه الصلاة والسلام - : " أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة ~~عيسى " ، حال كونه {يتلو عليهم} أي : يبلغهم {آياتك} الدالة على توحيدك ~~وصدق رسالتك ، {ويعلمهم الكتاب} أي : القرآن {والحكمة} أي : الشريعة أو ~~السنة. وقال مالك : هي الفقه في الدين والفهم فيه ، أو نور يضعه في قلب من ~~شاء من عباده ، {ويزكيهم} أي : يطهرهم من لوث المعاصي وكدر الحس ، {إنك أنت ~~العزيز} الغالب في حكمه وسلطانه ، {الحكيم} في صنعه وإتقانه ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : تضمن دعاؤهما عليهما السلام ثلاثة أمور يطلب التماسها والتحقق ~~بها من كل أحد ؛ أولها : الانقياد لله في الظاهر والباطن ، بامتثال أمره ~~والاستسلام لقهره ، حتى يسري ذلك في الأصل إلى فرعه ، وهي غاية المنة ، قال ~~في الحكم : " متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره ، وفي الباطن مستسلما لقهره ~~، فقد أعظم منته عليك ". الثاني : معرفته الطريق ، والسلوك على جادتها ، ~~كارتكاب مشاق الطاعات ، ومعانقة مخالفة الهوى والشهوات ، ورؤية التقصير في ~~ذلك ، وطلب التوبة مما هنالك ، وهذه هي مناسك حج القلوب ، والطريق الموصل ~~إلى عرفة حضرة الغيوب ، والثالث : الظفر بالداعي إلى الله # 141 # والدال عليه ، وهو المعلم الأكبر ، صحبته تطهر من العيوب ، ورؤيته تغني ~~القلوب ، وتدخلها إلى حضرة الغيوب ، ظاهره قائم بوظائف الحكمة ، وباطنه ~~مشاهد لتصاريف القدرة ، وهذا هو القائم بالتربية النبوية. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 141 PageV01P166 ~~قلت : {من} : استفهامية إنكارية ، فيها معنى النفي ، مبتدأ ، و{يرغب} وما ~~بعده خبر ، و{إلا} إبطال لنفيها الذي تضمنته ، و{من سفه} بدل من ضمير ~~{يرغب} على المختار ، و{نفسه} مفعول {سفه} ؛ لتضمنه معنى جهل أو أهلك ، ~~قاله الزجاج ، أو على التمييز ؛ قاله الفراء ؛ لأن الضمير فيه معنى الشيوع ~~الذي في {من} فلم يكسب التعريف ، أو على إسقاط الجار وإيصال الفعل إليه ، ~~كقولهم : ضرب فلان الظهر والبطن. و{إذ} معمول لاصطفيناه ، وأوصى ووصى : ~~لغتان ، إلا أن وصى فيه معنى التكثير. وضمير {بها} يعود على كلمة {أسلمت} ، ~~أو الملة ، و{يعقوب} معطوف على {إبراهيم} ، و{بني} محكي بحال محذوفة ، أي : ~~قائلين يا بني ، أو مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : قال ms0115 يا بني... الخ ، فيوقف ~~على {بينه}. # يقول الحق جل جلاله : {ومن} هذا الذي {يرغب عن ملة إبراهيم} الواضحة ~~{إلا} من جهل قدر {نفسه} وبسخها حقها ؟ أو إلا من خف رأيه وسفهت نفسه ؟ ~~وكيف يرغب عاقل عنها وقد اخترناه أماما {في الدنيا} يقتدي به أهل الظاهر ~~والباطن ؟ {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} لحضرتنا ، والساكنين في جوارنا. # وإنما اخترناه لذلك لأنه حين {قال له ربه} : استسلم لحكمنا ، وانقد ~~لأمرنا ، قال سريعا : {أسلمت} وجهي {لرب العالمين} ، وانقدت بكليتي إليه. ~~{ووصى} بهذه الكلمة أو الملة {إبراهيم} ، عند موته ، {بنيه} ، وكانوا أربعة ~~: إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان. وكذلك حفيده {يعقوب} أوصى بهذه الكلمة بنيه. ~~وكانوا اثني عشر ، على ما يأتي في الأسباط ، قائلين في تلك الوصية : {يا ~~بني إن الله} اختار لكم {الدين} الحنيف الواضح المنيف ، فتمسكوا به ما عشتم ~~ولا تموتن {إلا وأنتم مسلمون} متمسكون به. # الإشارة : ملة أبينا إبراهيم عليه السلام هي رفع الهمة عن الخلق ، وإفراد ~~الوجهة للملك الحق ، ورفض الوسائط والأسباب ، والتعلق برب الأرباب ، وفي ~~ذلك يقول # 142 # الشاعر ، وهو الششتري : PageV01P167 # جزء : 1 رقم الصفحة : 142 # فرفض السوي فرض علينا لأننا # بملة محو الشرك والشك قد دنا # ومن ملته أيضا : ترك التدبير والاختيار ، والاستسلام لأحكام الواحد ~~القهار ، فمن تمسك بهذه الخصال على التمام. ووصى بها نم لقيه من الأنام ، ~~جعله الله في الدنيا إماما يقتدي بأقواله ويهتدي بأنواره ، وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين المقربين مع النبيين والمرسلين ، وأما من رغب عن هذه الملة ~~الحنيفة فقد خسر الدنيا والآخرة. نسأل الله الحفظ بمنه وكرمه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 142 # قلت : {أم} : منقطعة ، والاستفهام فيها للإنكار ، أي : ما كنتم حاضرين ~~حين حضر يعقوب الموت ، وقال لبنيه ما قال ، فكيف تدعون اليهودية عليه ، ~~و{إلها واحدا} بدل من {إله آبائك} ، وفائدته التصريح بالتوحيد ، ونفي ~~التوهم الناشىء عن تكرير المضاف ، لتعذر العطف على المجرور ، والتأكيد ، أو ~~نصب على الاختصاص أو الحال ، وعد إسماعيل من الآباء تغليبا ، أو لأنه كالأب ~~؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام- : " عم الرجل صنو أبيه " وقال ms0116 في العباس : ~~" هذا بقية آبائي " قاله البيضاوي. PageV01P168 # يقوله الحق جل جلاله : في توبيخ اليهود على زعمهم أن اليهودية كانت ملة ~~إبراهيم ، وأن يعقوب عليه السلام أوصى بها عند موته ، فقال : هل كنتم ~~حاضرين عند يعقوب حين حضرته الوفاة حتى أوصى بما زعمتهم ؟ وإنما كانت وصيته ~~أن قال لبنيه : {ما تعبدون من بعدي} أي : أي شيء تعبدونه ؟ أراد به تقريرهم ~~على التوحيد وأخذ ميثاقهم على الثبات عليه ، {قالوا} في جوابه : {نعبد ~~إلهك} المتفق على وجوب وجوده وثبوت ألوهيته الذي هو {إلهك وإله آبائك} قبلك ~~{إبراهيم} وولده {إسماعيل وإسحاق} الذي هو إله واحد. ونحون منقادون لأحكامه ~~، مستسلمون لأمره إلى مماتنا ، فلم يوص يعقوب إلا بما سمعتم ، فانتسابكم يا ~~معشر اليهود إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم ، وإنما تنتفعون بموافقتهم ~~واتباعهم. # فتلك {أمة} أي : جماعة {قد خلت لها ما كسبت} من الخير ، {ولكم ما كسبتم} ~~أنتم ، {ولا تسألون عما كانوا يعملون} فلا تؤاخذون بسيئاتهم ، كما لا ~~تثابون بحسناتهم. وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم لقريش : " لا يأتيني ~~الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ". # 143 # الإشارة : يقال لمن حصر الخصوصية في أسلافه ، ونفاها عن غيرهم : هل حضرتم ~~معهم حين أوصوا بذلك ؟ بل ما كانوا يوصون إلا بإخلاص العبودية ، وتوحيد ~~الألوهية ، ومشاهدة عظمة الربوبية ، فمن حصل هذه الخصال كانت الخصوصية معه ~~أينما كان ، ومن حاد عنها ومال إلى متابعة الهوى انتقلت إلى غيره ، ويقال ~~له : إن أسلافه قد جدوا ووجدوا ، وأنت لا تنتفع بأعمالهم في طريق الخصوصية ~~، {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم...} الآية. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 143 PageV01P169 ~~قلت : الضمير في {قالوا} لأهل الكتاب ، و{أو} للتفصيل ، أي : قالت اليهود : ~~كونوا هودا ، وقالت الصنارى : كونوا نصارى. و{تهتدوا} جواب الأمر ، و{ملة} ~~منصوب بفعل محذوف ، على حذف مضاف ، أي : بل نكون أهل ملة إبراهيم ، أو نتبع ~~او نلزم ملة إبراهيم ، و{حنيفا} حال من المضاف إليه ، لأنه كجزئه ، أي : ~~مائلا عن الباطل ، إلى الحق. # يقول الحق جل جلاله : وقالت اليهود للمسلمين : {كونوا} معنا هودا ms0117 ~~{تهتدوا} ؛ فإن ديننا أقدم ، وقالت النصارى لهم أيضا ، كونوا {نصارى} معنا ~~{تهتدوا} فإن ديننا أصوب ، {قل} لهم يا محمد : {بل} نلزم {ملة إبراهيم} ~~الذي كان مائلا عن الباطل متبعا للحق ، ومشاهدا له وحده. ولم يكن من ~~المشركين كما أشركتم بعزير وعيسى وغيرهما ، تعالى الله عن قولكم علوا كبيرا. # الإشارة : قد سرى هذا الطبع في بعض المنتسبين ، يرغبون الناس في طريقهم ، ~~ويحرصون على اتباعهم والدخول معهم ، وينقصون طريق غيرهم ، وهو وصف مذموم ، ~~بل الواجب أن ينظر الإنسان بعين البصيرة ، فمن وجده يدل على الله ويغيب عما ~~سواه ، ينهض حاله ويدل على الله مقاله ، اتبعه وحط رأسه له ، ولزم ملته ~~وطريقه إينما كان ، وكيفما كان. ومن وجده على غير هذا الوصف ، أعرض عنه ، ~~والتمس غيره ، وليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على الناس ، أو الترغيب ~~في اتباعهم ، بل هم أزهد الناس في شأن الدعاة إلى الله الحرص على الناس ، ~~أو الترغيب في اتباعهم ، بل هم أزهد الناس في الناس ، من أتاهم دلوه على ~~الله ، ومن لقيهم نصحوه في الله ، هم على قدم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وقد قال له الحق تعالى : {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس : ~~99]. {لست عليهم بمسيطر} [الغاشية : 22] ، {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا ~~مؤمنين} [الشعراء : 3] فكان صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يدل على الله وينظر ~~ما يفعل الله. وبالله التوفيق. # 144 PageV01P170 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 144 # قلت : الأسباط : الأحفاد ، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد ~~إسماعيل ، والباء في {بمثل} : يحتمل أن تكون زائدة كقوله تعالى : {جزآء ~~سيئة بمثلها} [يونس : 27] ، أو {مثل} مقحم ، أي : فإن آمنوا بما آمنتم به ، ~~كقوله تعالى : {وشهد شاهد من بنى إسراءيل على مثله} [الأحقاف : 10]. ~~والشقاق : المخالفة ، كأن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر ، ~~و{صبغة الله} : مصدر مؤكد لآمنا ؛ لأن الإيمان ينصبغ في القلوب ، ويظهر ~~أثره على الجوارح ظهور الصبغ على المصبوغ ، ويتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ ~~للثوب. أي : آمنا وصبغنا الله به صبغة. # وهي فطرة الله ms0118 التي فطر الناس عليها ، وعبر عنها بالصبغ للمشاكلة ؛ فإن ~~النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ، ويقولون : هو ~~تطهير لهم ، وبه تحق نصرانيتهم ، فرد الله تعالى عليهم بأن صبغة ، الله ~~أحسن من صبغتهم وقيل : نصب على البدل من {ملة إبراهيم} ، أو على الإغراء ، ~~أي : الزموا صبغة الله. # يقول الحق جل جلاله : {قولوا} يا معشر المسلمين في تحقيق إيمانكم : {آمنا ~~بالله} أي : صدقنا بوجوده متصفا بصفة الكمال ، منزها عن النقائص ، {و} بما ~~{أنزل إلينا} وهو القرآن ، {و} بما {أنزل} من الصحف {إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب} ولد إسحاق ، {والأسباط} أولاد يعقوب عليه السلام وهم : ~~روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وربالون ويشحر ، ودنية بنته ، وأمهم ليا ، ثم ~~خلف على أختها راحيل ، فولدت له يوسف وبنيامين ، وولد له من سريتين : دان ~~ونفتالى وجاد وآشر. # قال ابن حجر : اختلف في نبوتهم ، فقيل : كانوا أنبياء ، وقيل : لم يكن ~~فيهم نبي ، وإنما المراد بأسباط قبائل من بني إسرائيل ، فقد كان فيهم من ~~الأنبياء عدد كثير. ه. وممن صرح بنفي نبوتهم عياض وجمهور المفسرين. انظر : ~~المحشي الفاسي. PageV01P171 # جزء : 1 رقم الصفحة : 145 # وقولوا : آمنا بما أنزل إلى {موسى} وهو التوراة ، {وعيسى} وهو الإنجيل ، ~~وبما {أوتي النبيون} كلهم {من ربهم} من عرفنا منهم ومن لم نعرف ، {لا نفرق ~~بين أحد} # 145 # واحد {منهم} كما فرقت اليهود والنصارى ، فقد آمنا بالله وبجميع أنبيائه ~~{ونحن له مسلمون} أي : منقادون لأحكامه الظاهرة والباطنة. # يقول الحق جل جلاله : {فإن آمنوا} أي : أهل الكتاب إيمانا مثل إيمانكم ، ~~{فقد اهتدوا} إلى الحق والصواب ، وإن أعرضوا عن ذلك فاتركهم حتى نأمرك فيهم ~~، {فإنما هم في شقاق} وخلاف لك ، فلا تهتم بشأنهم ، {فسيكفيكهم الله} أي ~~سيكفيك شرهم وينصرك عليهم ، {وهو السميع} لدعائكم ، {العليم} بإخلاصكم ، ~~فالزموا {صبغة الله} التي صبغتم بها ، هي الإيمان بما ذكرت لكم ؛ فإنه لا ~~أحسن صبغة من صبغة الله ، {و} قولوا : {نحن له عابدون}. PageV01P172 # الإشارة : كما أوجب الله تعالى الإيمان بجميع الرسل في طريق العموم ، كذلك ~~أوجب الله التصديق بكل من ثبتت ms0119 ولايته في طريق الخصوص ، فمن فرق بينهم فقد ~~كفر بطريقهم ، ومن كفر بطريقهم طرد عن بابهم ، ومن طرد عن بابهم طرد عن باب ~~الله ، لأن إسقاطه من الولاية إيذاء له ، ومن آذى وليا فقد آذن الله بالحرب ~~، فالواجب ، على من أراد أن يرد مناهلهم ، أن يصدق بجميعهم ، ويعظم من ~~انتسب إليهم ، حتى تتصبغ في قلبه حلاوة الإيمان ، وتشرق عليه شموس العرفان ~~، فمن فعل هذا فقد اهتدى إلى الحق والصواب ، واستحق الدخول مع الأحباب ، ~~ومن أعرض عن هذا فإنما هو في شقاق ، وربما يخاف عليه من شؤم الكفر والنفاق ~~، فسيكفي الله أولياءه سوء شره ، والله غالب على أمره. قال القشيري : ~~فللقلوب صبغة ، وللأرواح صبغة ، وللسرائر صبغة ، وللظواهر صبغة ، فصبغة ~~الأشباح والظواهر بآثار التوفيق ، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق. ~~ه. وقال الورتجبي : صبغة الله : صفته الخاصة التي خلق آدم عليها ، وأورثت ~~ذلك في أرواح ذريته من الأنبياء والأولياء. ثم قال : وسقاها من شراب الزلفة ~~، وألهمها خصائص علوم الربوبية ، فاستنارت بنور المعرفة ، وخاضت في بحر ~~الربوبية ، وخرجت منها تجليات أسرار الوحدانية ، وتكونت بصبغ الصفات. ه. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 145 # 146 # قلت : الذي يظهر أن {أم} منقطعة ، بمعنى بل ، على قراءة الخطاب والغيبة ؛ ~~لأن المقصود إنكار وقوع الأمرين معا ، لا أحدهما. PageV01P173 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد لأهل الكتاب : أتخاصموننا {في الله} ~~وتقولون : أنتم أولى به منا {وهو ربنا وربكم} ، لا يختص به واحد دون آخر ، ~~{ولنا أعمالنا} نتقرب بها إليه ، {ولكم أعمالكم} تتقربون بها أيضا ، فكيف ~~تختصون به دوننا {ونحن له مخلصون} في أعمالنا وقلوبنا دونكم فإنكم ؛ أشركتم ~~به غيره ، فإن قلتم : إن الإنبياء كلهم منكم وعلى ملتكم فقد كذبتم ، ~~أتقولون {إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب} وأولاده {الأسباط كانوا هودا} ~~على دينكم يا معشر اليهود ، {أو نصارى} على ملتكم يا معشر النصارى. # {قل} لهم يا محمد : {أأنتم أعلم أم الله} وقد نفى الأمرين معا عن إبراهيم ~~فقال : {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما} [آل ~~عمران ms0120 : 67] ، وقال : {ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} [آل عمران ~~: 65] ، وهؤلاء المعطوفون عليه : أتباعه في الدين ، فليسوا يهودا ولا نصارى ~~، فكيف تدعون أنهم كلهم منكم ، وعلى دينكم ، وأنتم تشهدون أنهم لم يكونوا ~~على دينكم ؟ {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} ، وهي شهادة الحق ~~لإبراهيم بالحنيفية ، والبراءة من اليهودية والنصرانية ، أي : لا أحد أظلم ~~منه ، وليس الله تعالى {بغافل عما تعملون} ، بل يجازيكم على النقير ~~والقطمير ، فإن اعتمدتم على نسبكم إليهم فقد اغتررتم. # {تلك أمة} قد مضت ، {لها ما كسبت} لا ينتفع به غيرها ، {ولكم ما كسبتم} ~~لا ينفعكم غيره ، ولا تسألون عن عملهم كما لا يسألون عن أعمالكم ، قال ~~البيضاوي : كرره للمبالغة في التحذير ، والزجر عما استحكم في الطباع من ~~الافتخار بالآباء ، والاتكال عليهم ، وقيل : الخطاب فيما سبق لهم ، وفي هذه ~~الآية لنا ، تحذيرا عن الاقتداء بهم ، وقيل : المراد بالأمة في الأولى ~~الأنبياء ، وفي الثانية أسلاف اليهود والنصارى. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 146 PageV01P174 ~~الإشارة : كل من أقامه الحق في وجهه ، ووجهه إليها ، فهو عامل لله فيها ، ~~قائم بمراد الله منها ، وما اختلفت الأعمال إلى من جهة المقاصد ، وما تفاوت ~~الناس إلى من جهة الإخلاص. فالخلق كلهم عبيد للملك المجيد ، وما وقع ~~الاختصاص إلا من جهة # 147 # الإخلاص. فمن كان أكثر إخلاصا لله كان أولى من غيره بالله ، وبقدر ما يقع ~~للعبد من الصفاء يكون له من الاصطفاء ، فالصوفية والعلماء والعباد والزهاد ~~وأهل الأسباب على اختلاف أنواعهم كلهم عاملون لله ، ليس أحد منهم بأولى من ~~غيره بالله إلا من جهة الإخلاص وإفراد القلب لله ، فمن ادعى الاختصاص بالله ~~من غير هذه الوجهة فهو كاذب ، ومن اعتمد على عمل غيره فهو مغرور ، يقال له ~~: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون}. # ولما أراد الله تعالى أن ينسخ القبلة من جهة الشام ويردها إلى الكعبة ، ~~أخبر أنه سيكرها قوم خفت أحلامهم ، وفسدت بالتقليد الردي عقولهم ، وهم ~~أحبار اليهود والمنافقون والمشركون. # جزء : 1 ms0121 رقم الصفحة : 146 # يقول الحق جل جلاله : {سيقول السفهاء من الناس} الذين لا عقل لهم ولا دين ~~، حين تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة : ما صرفهم {عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها} ، فلو دام عليها لاتبعناه. {قل} لهم يا محمد : {لله المشرق ~~والمغرب} لا يختص ملكه بمكان دون مكان بخاصية ذاتيه تمنع من إقامة غيره ~~مقامه ، بل الأماكن عند الله سواء : والخلق في حقه سواء ، {يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم} ، ويضل من يشاء عن المنهاج القويم " لا يسئل عما يفعل وهم ~~يسئلون " [الأنبياء : 23] ، والصراط المستقيم : ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه ~~المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة ، والكعبة أخرى ، وفائدة تقديم ~~الإخبار به : توطين النفس وإعداد الجواب. قاله البيضاوي. PageV01P175 # قال بعض العارفين : (لي أربعون سنة ما أقامني الحق في شيء فكرهته ، ولا ~~نقلني إلى غيره فسخطته). بخلاف السفهاء من الجهال ، فشأنهم الإنكار عند ~~اختلاف الأحوال ، فمن رأوه تجرد عن الأسباب وانقطع إلى الكريم الوهاب ، ~~قالوا : ما ولاه عن حاله الذي كان عليه ؟ وأكثروا من الاعتراض والانتقاد ~~عليه ، وكذلك من رأوه رجع إلى الأسباب بعد الكمال ، قالوا : قد انحط عن ~~مراتب الرجال. وهو إنما زاد في مراتب الكمال. فالملك كله لله ، يهدي من ~~يشاء إلى الصراط مستقيم ، ويضل من يشاء بعدله الحكيم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 147 # {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا...} قلت : {الوسط} هو العدل الخير الفاضل ، وهو في الأصل اسم للمكان ~~الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب ، ثم استعير للخصال المحمودة ؛ لوقعوها ~~بين طرفي # 148 # إفراط وتفريط ، كالجود بين الإسراف والبخل ، والشجاعة بين التهور والجبن ~~، ثم أطلق على المتصف بها مستويا فيه الواح والجمع ، والمذكر والمؤنث. قاله ~~البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : وكما جعلناكم مهتدين إلى الصراط المستقيم ، وجعلنا ~~قبلتكم أفضل الجهات ، جعلناكم أمة أفضل الأمم ، خيارا عدولا مزكين بالعلم ~~والعمل ، لتصلحوا للشهادة على غيركم ، فتكونوا يوم القيامة {شهداء على ~~الناس} ، ويزكيكم نبيكم فيشهد بعدالتكم. # قال البيضاوي : روي (أن الأمم يوم القيامة ms0122 يجحدون تبليغ الأنبياء ، ~~فيطالبهم الله ببينة التبليغ وهو أعلم بهم ، إقامة للحجة على المنكرين ، ~~فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون ، فتقول الأمم : من أين عرفتم ~~؟ فيقولون : علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق. ~~فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيشهد بعدالتهم). PageV01P176 # وهذه الشهادة ، وإن كانت لهم ، لكن لما كان الرسول كالرقيب المهيمن على ~~أمته عدي بعلى ، وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيدا ~~عليهم. ه. # الإشارة : التفاضل بين الرجال إنما يكون بالعلم والحال ، فمن قوي علمه ~~بالله كان أعظم قدرا عند الله ، والعلم الذي به الشرف عند الله هو العلم ~~بذات الله وبصفاته وأسمائه ، وكذا العلم بأحكام الله إذا حصل معه العلم ~~بالله ، فكلما انكشف الحجاب عن القلب كان أقرب إلى الرب ، وانكشاف الحجاب ~~يكون على قدر التخلية والتحلية ، فبقدر ما يتخلى القلب عن الرذائل ، ويبعد ~~عن القواطع والشواغل ، ويتحلى بأنواع الفضائل ، ينكشف عنه الحجاب ويدخل مع ~~الأحباب ، وبقدر ما يتراكم على القلب من الخواطر والشواغل ، ويدخل عليه من ~~المساوئ والرذائل ، يقع البعد عن الله ، ويطرد العبد عن باب الله ، فلا يدل ~~على كمال العبد كثرة الأعمال ، وإنما يدل على كماله علو الهمة والحال ، ~~وعلو الهمة على قدر اليقين ، وقدر اليقين على قدر المعرفة ، والمعرفة على ~~قدر التوجه والتصفية ، والتوجه تابع للقسمة الأزلية. وذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 148 # ثم إن العلماء بأحكام الله إذا لم يحصل لهم الكشف عن ذات الله يكونون حجة ~~على عباد الله. والعلماء بالله الذين حصل لهم الكشف عن ذات الله حتى حصل ~~لهم الشهود والعيان يكونون حجة على العلماء بأحكام الله. فكما أن الأمة ~~المحمدية تشهد على الناس ، والرسول يشهد عليهم ويزكيهم ، فكذلك العلماء ~~يشهدون على الناس ، والأولياء يشهدون على العلماء ، فيزكون من يستحق ~~التزكية ، ويردون من لا يستحقها ؛ لأن العارفين بالله عالمون بمقامات ~~العلماء أهل الظاهر ، لا يخفى عليهم شيء من أحوالهم ومقاماتهم ، بخلاف ~~العلماء ، لا يعرفون ms0123 مقامات الأولياء ، ولا يشمون لها رائحة ، كما قال ~~القائل : # تركنا البحور الزاخرات وراءنا PageV01P177 ~~فمن أين يدري الناس أين توجهنا # 149 # قال القشيري : (جعل هذه الأمة خيار الأمم ، وجعل هذه الطائفة خيار هذه ~~الأمة فهم خيار الخيار. وكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم في القيامة ؛ ~~فهذه الطائفة هم المدار وهم القطب وبهم يحفظ الله جميع الأمة. وكل من قبلته ~~قلوبهم فهو المقبول ، ومن ردته قلوبهم فهو المردود. فالحكم الصادق لفراستهم ~~، والصحيح حكمهم ، والصائب نظرهم ، عصم جميع الأمة من الاجتماع على الخطأ ، ~~وعصم هذه الطائفة من الخطأ في النظر والحكم والقبول والرد ، ثم إن بناء ~~أمرهم مستند إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكل من لا يكون له اقتداء ~~بالرسول فهو عندهم مردود ، وصاحبه كلا شيء). وبالله التوفيق. # ثم ذكر الحق تعالى حكمة نسخ القبلة ، فقال : # {... وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب علىا عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم (143)} قلت : {جعل} تصييرية ، ~~و{القبلة} مفعول أول ، و{التي} صفة للمفعول الثاني المحذوف ، أي : وما ~~جعلنا القبلة الجهة التي كانت عليها وهي بيت المقدس ، ثم وجهناك إلى الكعبة ~~إلا لنعلم الثابت على الإيمان من غيره ، أو : وما صيرنا القبلة الجهة التي ~~كنت عليها بمكة وهي الكعبة ، فإنه كان - عليه الصلاة والسلام - يصلي إليها بمكة. # وقيل : كان يستقبل بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبينها ، كما قال ابن ~~عباس ، و{إن} مخففة ، واللام فارقة. أي : وإنه ، أي : الأمر والشأن : كانت ~~التحويلة لشاقة على الناس ، والرأفة : شدة العطف ، فهي أبلغ من الرحمة. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 148 PageV01P178 ~~يقول الحق جل جلاله : وما نسخنا حكم القبلة وجعلناها الجهة التي كنت عليها ~~بمكة دون التي كانت بالمدينة ، وهي بيت المقدس ، {إلا لنعلم} علم ظهور ~~وشهادة {من يتبع الرسول} في التحويل إليها {ممن ينقلب على عقبيه} لضعف ~~إيمانه وقلة إيقانه ، فإن التحويلة عن القبلة الأولى والرجوع إلى ms0124 الثانية ~~شاق على النفوس ، إلا من سبقت له الهداية وحفت به الرعاية ، فإنه يدور مع ~~مراد الله أينما دار ، ويتبع رسوله أينما سار. ومن مات قبل التحويل إلى ~~الكعبة فإن الله لا يضيع أجر عمله {وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي : ~~صلاتكم إلى بيت المقدس ؛ {إن الله بالناس لروؤف رحيم}. # الإشارة : الخروج عن العادات وترك الأمور المألوفات كلاهما شاق على ~~النفوس ، إلا على الذين هدى الله ، ولذلك كان خرق الوائد هو الفصل بين ~~الخصوص والعموم ، ومفتاح لمخازن العلوم والفهوم ، فمن لم يخرق عوائد نفسه ~~فلا يطمع أن يدخل حضرة قدسه. " كيف يخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك ~~العوائد ". وهو الميدان الذي # 150 # تحقق به سير السائرين. " لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ". وهو ~~عند شيوخ التربية ميزان يتميز به من يتبع الرسول ويلزم طريقه إلى الوصول ، ~~ممن ينقلب على عقبيه ، فمن رأوه خرق عوائد نفسه ، زهد في ملبسه وجنسه ، ~~تحققوا بدخوله حضرة قدسه ، إلا من سبق له الحرمان والعياذ بالله من الخذلان ~~، ومن رأوه وقف مع العادات ، وركن إلى المألوفات ، ومال إلى الرخص ~~والتأويلات ، علموا أن مقامه مقام أهل الحجاب ، يأخذ أجره من وراء الباب ، ~~ولا نصيب له في الدخول مع الأحباب. # وأيضا عند تخالف الآثار وتنقلات الأطوار ، يظهر الإقرار من الإنكار. أهل ~~الإقرار عارفون في كل حال ، يدورون مع رياح الأقدار حيث سارت ، ويسيرون ~~معها حيث سارت ، وأهل الإنكار جاهلون بالله في كل حال ، معترضون عليها عند ~~اختلاف الأحوال ، نعوذ بالله من الضلال. # جزء : 1 رقم الصفحة : 148 PageV01P179 ~~قلت : التقلب : التردد ، ووليت كذا : جعلته واليا له ، والشطر هنا : الجهة. # يقول الحق جل جلاله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - حين تمنى أن يحول إلى ~~الكعبة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأدعى إلى إسلام العرب ، وهي أقدم ~~القبلتين ، فكان ينظر إلى السماء ، ويقلب وجه فيها انتظارا لنزول الوحي ، ~~وهذا من كمال أدبه - عليه الصلاة والسلام - حيث انتظر ولم يطلب ، فقال له ~~الحق تعالى : {قد نرى} أي : ربما نرى تردد {وجهك ms0125 في السماء} انتظارا للوحي ~~، فلنعطينك ما تمنيت ، ونوجهك إلى قبلة {ترضاها} وتحبها لمقاصد دينية وافقت ~~المشيئة ، واقتضتها الحكمة ، {فول وجهك} أي : اجعله مواليا {شطر} أي : جهة ~~{المسجد الحرام وحيثما كنتم} أيها المؤمنون أي في أي مكان كنتم {فولوا ~~وجوهكم شطره} جهته. # وإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد ، أي : جهته ، دون عين الكعبة ، لأنه - ~~عليه الصلاة والسلام - كان في المدينة ، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة ، فإن ~~استقبال عينها حرج عليه ، بخلاف القريب ، فإنه يسهل عليه مسامته العين. ~~وقيل : إن جبريل - عليه السلام - عينها له بالوحي فسميت قبلة وحي. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر ~~شهرا ، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين ، وقد صلى ~~بأصحابه في مسجد بني # 151 # سلمة ركعتين من الظهر ، فتحول في الصلاة ، واستقبل الميزاب ، وتبادل ~~الرجال والنساء صفوفهم ، فسمي مسجد القبلتين. قاله البيضاوي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 151 PageV01P180 ~~الإشارة : في الآية إشارة إلى أن ترك التصريح من كمال الأدب ، وفي الحكم : ~~" ربما دلهم الأدب على ترك الطلب ، كيف يكون دعاؤك اللاحق سببا في قضائه ~~السابق ؟ ! جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". فإذا تمنيت شيئا وتوقفت على ~~أمر فاصبر وتأدب واقتد بنبيك - عليه الصلاة والسلام - حتى يعطيك ما ترضى ، ~~أو يعوضك منها مقام الرضا. وفي المسألة كلام ، والتحقيق أن ينظر إلى ما ~~ينشرح به صدره في الوقت ، فإن انشرح للدعاء دعا ، وإن انقبض عن الدعاء سكت. ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب ولا علة ولا أسباب. # وإن شئت قلت : قد نرى فكرتك أيها العارف في سماء المعاني ، غائبا في شهود ~~الأواني ، فلنولينك قبلة ترضاها ، وتتلذذ بشهود جمالها وسناها ، وهي الحضرة ~~المطهرة التي هي صلاة القلوب ، فول وجهك ووجهتك إلى تلك الحضرة ، وحيثما ~~كانت فول وجهك شطره ، ودم على صلاة الفكرة والنظرة ، فهي صلاة العارفين ، ~~ومنتهى امل القاصدين ، وبالله التوفيق. # ولما تحولت القبلة إلى الكعبة غضبت اليهود ، حيث ترك قبلتهم ، مكابرة ~~وعنادا ، وقالوا : لو بقي على ms0126 قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي المبعوث في ~~آخر الزمان فنتبعه ، فرد الله عليهم وكذبهم فقال : # {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما ~~يعملون (*) ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ومآ أنت ~~بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك ~~من العلم إنك إذا لمن الظالمين الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين} PageV01P181 ~~قلت : {ولئن} اللام موطئة للقسم ، و{إن} شريطة ، و{أتيت} فعل اشرط ، و{ما ~~تبعوا} جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط. قال في الألفية : # واحذف لدى اجتماع شرط وقسم # جواب ما أخرت فهو ملتزم # يقول الحق جل جلاله : {وإن الذين أوتوا الكتاب} من أحبار اليهود ~~{ليعلمون} أن التحول إلى الكعبة حق {من ربهم} لما يجدون في كتابهم أنه يصلي ~~إلى القبلتين ، وأن عادته تعالى تخصيص كل أمة بشريعة ، {وما الله بغافل عما ~~يعملون} من التعنت # 152 # والعناد ، وإنما يمهلهم ليوم المعاد ، والله لئن أتيتهم بكل حجة وبرهان ~~على صحة التوجه إلى الكعبة {ما تبعوا قبلتك} ؛ لأنهم ما تركوا قبلتك لشبهة ~~تزيلها الحجة ، وإنما خالفوك مكابرة وعنادا. وقد طمعوا أن ترجع إلى قبلتهم ~~، ولست {بتابع قبلتهم} أبدا ، بل لهم قبلتهم ؛ صخرة بيت المقدس ، وللنصارى ~~قبلتهم ؛ مطلع الشمس ، وليس بعضهم {بتابع قبلة بعض} ؛ لتصلب كل حزب بما هو ~~فيه ، وإن كان على خطأ وفساد ؛ لأن مفارقة العوائد نا صعب على النفوس إلا ~~من سبقت له العناية. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 151 # ولئن اتبعت أهواءهم} الباطلة وإراءهم الزائفة فرضا وتقديرا {من بعد ما ~~جاءك من العلم} الواضح والوحي الصحيح {إنك إذا لمن الظالمين} ، لكنك معصوم ~~، فلا يتصور اتباعك لهم أبدا. # {الدين آتيناهم الكتاب} أي : اليهود {يعرفونه} أي : الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - وإن لم يتقدم ذكره لدلالة الكلام عليه أو القرآن أو التحويل ، ~~{كما يعرفون أبناءهم} لا يشكون في صحة رسالته كما لايشكون ms0127 في معرفة ~~أبنائهم. وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : (أنا أعلم به مني بابني ، قال له : ولم ؟ قال : لأني ~~لست أشك في محمد أنه نبي الله. وأما ولدي فلعل والدته قد خانت). PageV01P182 # وبعد حصول هذه المعرفة لهم جحدوه وكتموا صفته ، إلا من عصمة الله بالإيمان ~~كعبد الله بن سلام وأصحابه - فقد كتم فريق منهم الحق وهم أحبارهم ، وهم ~~يعلمون أنه حق حسدا وعنادا. # هذا الذي أنت عليه يا محمد هو {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} أي : ~~من الشاكين في أنه الحق ، أو في كتمانهم الحق عالمين به. والخطاب مصروف ~~للسامعين لا للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه غير متوقع منه ، وإنما المراد ~~تحقيق الأمر ، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر ، أو أمر الأمة باكتساب المعارف ~~المزيحة للشك على الوجه الأبلغ قاله البيضاوي. # الإشارة : مما جرت به سنة الله تعالى في خلقه أن أهل الحقيقة منكورون عند ~~أهل الشريعة ، أو تقول : علماء الباطن منكورون عند علماء الظاهر ، ~~يقابلونهم بالإذاية والإنكار ، مع أنه يعلمون أن الحقيقة حق من ربهم ، وأن ~~علم الباطن حق لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " إن من العلم كهيئة ~~المكنون ، لا يعلمه إلا العماء بالله ، فإذا سمعه أهل الغرة بالله أنكروه ~~عليهم " أو كما قال - عليه الصلاة والسلام- ، وقال صلى الله عليه وسلم : " ~~لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع ". # 153 # {وما الله بغافل عما يعلمون} فجزاؤهم الحرمان عن لذة الشهود والعيان ، ~~فيقال لأهل الباطل : ولئن أتيتهم بكل آية وبرهان ما تبعوا وجهتك التي توجهت ~~إليها ؛ لأنها منوطة بموت النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس ، وخرق العوائد ~~لاكتساب الفوائد ، ومفارقة الأوطان والغيبة عن الأهل والولدان ، وما أنت ~~أيها المريد بتابع وجهتهم التي توجهوا إليها ، ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما ~~ظهر لك من علم التحقيق : إنك إذا لمن الظالمين لنفوسهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 151 PageV01P183 ~~الذين آتيناهم الكتاب من علماء الشريعة يعرفون علم الحقيقة ، كما يعرفون ~~أبناءهم ، أي : يقرون ms0128 به في الجملة وينكرون وجود أهله مخصوصين ، وقد ~~يتحققون به ويكتمون الحق حسدا ، وهم يعلمون وجود خصوصيته ، فيقال للعارف : ~~هذا الذي أنت عليه من سلوك جادة الطريقة ، وعلم التحقيق ، هو الحق من ربك ~~فلا تكونن من الممترين أنك على الحق المبين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 151 # {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ~~إن الله علىا كل شيء قدير ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه ~~للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره...} # قلت : التنوين {لكل} تنوين العوض ، أي ولكل أمة قبلة ، أو لكل قوم من ~~المسلمين جهة وجانب من الكعبة ، و{وجهة} مبتدأ ، والخبر : المجرور قبله. ~~و{هو} مبتدأ ، و{موليها} خبر مقصور ، و(ولى) يتعدى إلى مفعلوين ، وهو هنا ~~محذوف ، أي : موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف ، وهو هنا ~~محذوف ، أي : موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف ، ويحتمل ~~أن يعود على الله تعالى ، أي : الله تعالى موليها إياه ، أي : يجعلها ~~موالية له إن استقبل جهتها. # وقرأ ابن عامر : {هو مولاها} بالبناء للمفعول ، فالنائب ضمير يعود على ~~{هو} ، وهو المفعول الأول ، والثاني : المضاف إليه تخفيفا ، وأصله : ملي ~~إياها ، أي مصروفا إليها. PageV01P184 # يقول الحق جل جلاله : ولكل فريق من المسلمين جهة من الكعبة يستقبلها ~~ويوليها وجهه ، أينما كان وحيثما حل ، فأكثروا من الصلوات ، واستقبلوا ~~الخيرات قبل هجوم هادم اللذات ، {أينما تكونوا} في مشارق الأرض ومغاربها ، ~~يأتكم الممات ، ويأت بكم إلى المحشر حفاة عراة ، ولا ينفعكم حنيئذ إلا صالح ~~عمل قدمتوه ، أو فعل خير أسلفتموه ، {إن الله على كل شيء قدير} ، فلا يعجزه ~~بعث العباد ، ولا جمعهم من أعماق الأرض وأقطار البلاد. وإذاعلمت أن لكل قوم ~~جهة يستقبلونها ، فمن {حيث خرجت} وفي أي # 154 # مكان حللت {فول وجهك شكر المسجد الحرام} ، والله {إنه للحق من ربك} فبادر ~~إلى امثاله ، {وما الله بغافل عما تعملون} من خير ms0129 أو شر ، فيجازي كل واحد ~~على ما أسلف. # جزء : 1 رقم الصفحة : 154 # ثم كرر الحق تعالى الأمر بالتوجه إلى الكعبة لعلة أخرى سيذكرها ، فقال : ~~{ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} وحيثما حللتم {فولوا وجوهكم ~~شطره}. قال البيضاوي : كرر هذا الحكم لتعدد علله ، فإنه تعالى ذكر للتحول ~~ثلاث علل : تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته ، وجرت العادة ~~الإلهية على أن يولي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها ، ~~ودفع حجج المخالفين على ما بينه ، وقرن كل علة بمعلولها ، مع أن القبلة لها ~~شأن ، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة ، فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها ~~مرة بعد أخرى. ه. # ثم ذكر العلة الثالثة وهي دفع الحجج المخالفين ، فقال : # {... لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ~~ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} PageV01P185 ~~قلت : الاستثناء من {الناس} أي : لئلا يكون لأحد من الناس حجة عليكم إلا ~~المعاندين منهم ، و{لأتم} متعلق بمحذوف ، أي : ولإتمام نعمتي عليكم وإرادة ~~اهتدائكم أمرتكم بالتحول ، أو معطوف على محذوف ؛ أي : واخشوني لأحفظكم ~~ولأتم نعمتي عليكم. يقول الحق جل جلاله : وإنما أمرتكم بالتوجه إلى الكعبة ~~دون الخصرة لتدفع حجج الناس ، فإن اليهود ربما قالوا : المنعوت في التوراة ~~قبلته الكعبة ، وهذا يستقبل الصخرة ، أو إن محمدا يخالف ديننا ويستقبل ~~قبلتنا. والمشركون ربما قالوا : يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته ، فأمرتكم ~~باستقبال القبلة دفعا لحجج الناس ، إلا المعاندين منهم فلا ينقطع شغبهم ، ~~فإنهم يقولون : ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه ، وحبا لبلده ، ~~أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ، ويوشك أن يرجع إلى دينهم. # فلا تخافوهم ولا تلتفتوا إلى مطاعنهم ، فإنها لا تضركم ، {واخشوني} أكفكم ~~شرهم ، فإن من خافني خاف منه كل شيء ، ومن لم يخشني خاف من كل شيء ، ~~وأمرتكم أيضا بالتوجه إلى قبلة جدكم {لأتم نعمتي عليكم} بإقرار عين نبيكم ، ~~وإرادة اهتدائكم ، فاشروا ما أوليتكم ، واذكروا ما به أنعمت عليكم أزدكم من ~~فضلي وإحساني ، وأسبغ عليكم إنعامي وامتناني. ms0130 # الإشارة : من حكمة المدبر الحكيم أن دبر ملكه العظيم ، ووجه كل فرقة ~~بوجهه من مصالح عباده ، أفناه فيها وولاه إياها. فقوم اختصهم لمحبته ~~واصطفاهم لحضرته ؛ وهم # 155 PageV01P186 ~~العارفون ، وقوم أقامهم لخدمته وأفناهم في عبادته ؛ وهم العباد والزهاد ، ~~وقوم أقامهم حمل شريعته وتمهيد دينه ؛ وهم العلماء العاملون ، وقم أقامهم ~~لحفظ كتابه رسما وتلاوة وتفهما ؛ وهم القراء والمفسرون ، قال تعالى : {إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر : 9] ، وقوم أقامهم لتسكين الفتن ~~ودفع المظالم والمحن ؛ وهم الحكام ومن يستعان بهم في تلك الوجهة ، وقوم ~~أقامهم لحفظ نظام الحكمة ؛ وهم القائمون بالأسباب الشرعية على اختلاف ~~أنواعها وتعدد فروعها ، وقوم أعدهم لظهور حلمه وعفوه فيهم ؛ وهم أهل ~~المعاصي والذنوب ، وقم أعدم للانتقام وظهور اسمه القهار ؛ وهم أنواع ~~الكفار. # جزء : 1 رقم الصفحة : 154 # فكل وجهة من هؤلاء توجهت لحق شرعي أقامتها القدرة فيه ، وحكم بها القضاء ~~والقدر ، إلا أن القسمين الأخيرين لا تقررهما الشريعة. فلو حسنت المقاصد ~~لكان الكل عمالا لله ، فيقال لهم : {استبقوا الخيرات} بتحسين المقاصد ~~والنيات ، وبادروا إلى الطاعات قبل هجوم هادم اللذات ، أينما تكونوا يجمعكم ~~للحساب ، وتعاينوا جزاء ما أسلفتم من عذاب أو ثواب ، ومن حيث خرجت أيها ~~العارف فول جهتك وكليتك لمسجد الحضرة باستعمال الفكرة والنظرة ، فإنها حق ~~وما سواها باطل ، كما قال الشاعر : # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # وحيثما كنتم أيها العارفون فولوا وجوهكم إلى قبلة تلك الحضرة ، واعبدوا ~~ربكم بعبادة الفكرة ، فإنها صلاة القلوب ، ومفتاح ميادين الغيوب ، وفي ذلك ~~يقول القائل : # يا قبلتي في صلاتي # إذا وقفت أصلي # جمالكم نصب عيني # إليه وجهت كلي PageV01P187 ~~فإذا تحققتم بهذه الحضرة ، وتحصنتم بحصن الشهود والنظرة ، انقطع عنكم حجج ~~خصيم النفس والجنس ، وتنزهتم في رياض القرب والأنس ، إلا الخواطر التي تحوم ~~على القلوب ، فلا تقدح في مشاهدة الغيوب ، فلا تخافوا غيري ، ولا تتوجه ~~همتكم إلا لإحساني وبري ؛ فإني أتم عليكم نعمتي ، وأرشدكم إلى كمال معرفتي ~~، وأتحفكم بنصري ومعونتي. # 156 # جزء : 1 رقم الصفحة : 154 # قلت ms0131 : {كما} متعلق بأتم ، أي : ولأتم نعمتي عليكم في شأن القبلة كما ~~أتممتها عليكم بإرسال الرسول. أو باذكروني ، أي : كما ذكرناكم بالإرسال ، ~~فاذكروني بالمقال والحال. وقدم هنا التزكية على التعليم ، باعتبار القصد ؛ ~~لأن القصد من الإرسال والتعليم هو التطهير ، وأخره في دعوة إبراهيم باعتبار ~~الفعل ، لأن الإرسال والتعليم مقدم على التطهير ، وأعاد العامل في قوله : ~~{ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} إيذانا بأنه جنس آخر شرفا له. PageV01P188 # يقول الحق جل جلاله يا عبادي اذكروا بري وإحساني ، فقد أتممت عليكم نعمتي ~~وآلائي بإسعافكم في تحويل القبلة ، كما أتممتها عليكم بأعظم النعم وأجلها ، ~~وهو إرسال من يعلمكم {رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا} الموصلة إلى حضرتنا ، ~~ويطهركم من المساوئ والعيوب ، {ويعلمكم الكتاب} المشتمل على علم الغيوب ~~ودواء القلوب ، ويعلمكم {الحكمة} وهي الشريعة المطهرة والسنة النبوية ، ~~{ويعلمكم} علوما غيبية لم يكن لكم بها علم ولا معرفة ، {فاذكروني} بالطاعة ~~والإحسان {أذكركم} بالثواب ونعيم الجنان. قال صلى الله عليه وسلم : " من ~~أطاع الله فقد ذكر الله ، وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن. ومن عصي ~~الله فقد نسي الله ، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته ". أو فاذكروني بالجنان ~~أذكركم بنعمة الشهود والعيان ، أو فاذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الحجب ، أو ~~فاذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات في الجنان. قال الصديق رضي ~~الله عنه : (كفى بالتوحيد عبادة ، وكفى بالجنة ثوابا). أو فاذكروني بالشكر ~~أذكركم بالزيادة ، أو فاذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها : قال ~~الأصمعي : (رأيت أعرابيا واقفا يوم عرفة بعرفات ، وهو يقول : إلهي عجت لك ~~الأصوات بضروب اللغات يسألونك الحاجات ، وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلاء ~~إذا نسيني أهل الدنيا). # أو : فاذكروني في الدنيا أذكركم في العقبى ، أو : فاذكروني بالطاعات ~~أذكركم بالمعافاة ، يعني يحييه حياة طيبة. أو : فاذكروني في الخلاء والملأ ~~أذكركم في أفضل # 157 # الملأ ، دليله الحديث : " أنا عند ظن بي فليظن بي ما شاء ، وأنا معه إذا ~~ذكرني ، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ ~~خير من ملئه... " الحديث. # جزء : 1 رقم الصفحة ms0132 : 157 PageV01P189 ~~أو : فاذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء ، أو : فاذكروني ~~بالتسليم والرضا أذكركم بحسن التدبير ولطف القضاء ، {ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه} [الطلاق : 3] أو : فاذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصال ~~والقربة. أو : فاذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة ، أو : فاذكروني ~~بالدعاء أذكركم بالعطاء ، أو : فاذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال ، إلى غير ~~ذلك مما لا ينحصر. # واعلم أن الذكر ثلاثة أنواع : ذكر اللسان فقط وهو ذكر الغافلين ، وذكر ~~اللسان والقلب وهو ذكر السائرين ، وذكر القلب فقط ، وهو ذكر الواصلين ، ~~والذكر هو أفضل الأعمال كما تقتضيه الأحاديث النبوية والآيات القرآنية ، ~~وهو أقرب الطرق الموصلة إلى الله تعالى ، إذا كان بشيخ كامل ، واعلم أن ~~الذكر على أنواع كثيرة من تهليل وتكبير وتسبيح وحمدلة وحسبلة وحوقلة وصلاة ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكل خاصية وثمرة ، وتجتمع في ذكر ~~المفرد ، وهو : الله ، الله. فإن ثمرته الفناء في الذات ، وهي الغاية ~~والمنتهى. انظر ابن جزي. # قال الحق تعالى : واشكروا لي ما أوليتكم من إحساني وبري بأن تنسبوها لي ~~لا لغيري ، ولا تجحدوا إحساني فأسلبكم ما خولتكم من إنعامي. PageV01P190 # الإشارة : كما أنعم الله على الأمة المحمدية بأن بعث فيهم رسولا منهم ~~يعلمهم الشرعية النبوية ، ويطهرهم من شهود الغيرية ، ويعلمهم العلوم ~~اللدنية ، كذلك من الله تعالى على عباده من هذه الأمة في كل زمان ، ببعث ~~شيوخ التربية يطهرون الناس من العيوب ، ويدخلونهم حضرة الغيوب ، ويطلعونهم ~~على شهود القدرة الأزلية والحكمة الإلهية ، ويعلمهم من غرائب العلوم ، ~~ويفتح لهم مخازن الفهوم ، فيطلعون على السر المصون ، ويعلمون ما لم يكونوا ~~يعلمون ، فيقول لهم الحق جل جلاله : اذكروني بأرواحكم وأسراركم ، أذكركم ~~بالغيبة عن رؤية أشباحكم ، اذكروني بالفكرة والنظرة أمتعكم بدوام شهود ~~الحضرة ، واشكروا لي آلائي وبري ، ولا تكفروا بالركون إلى غيري فإني أسلبكم ~~من مزيد معوني ونصري. # ولما أمر عباده بالشكر أمرهم بمقام الصبر لأنه أخوه في ضده ؛ إذ الشكر في ~~النعمة والصبر في البلية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 157 # قلت : {أحياء} و{أموات} خبران عن مبتدأ مضمر ، والابتلاء هو الاختبار ms0133 ، ~~حيثما ورد في القرآن ، ومعناه في حقه تعالى : أنه يظهر في الوجود ما في ~~علمه لتقوم الحجة على العبد ، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا ؛ لأن الله ~~علم ما كان وما يكون ، والصلاة هنا المغفرة والتطهير ، والرحمة : اللطف ~~والإحسان. PageV01P191 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا استعينوا} على نيل رضواني وبري ~~وإحساني {بالصبر} على مشاق الطاعات وترك المعاصي والهفوات ، وبالصلاة التي ~~هي أم العبادات ، ومحل المناجاة ومعدن المصافاة ، فيها تشرق شوارق الأنوار ~~، وتتسع ميادين الأسرار ، وهي معراج أرواح المؤمنين ومناجاة رب العالمين ، ~~فإن تجرعتم مرارة الصبر فإن {الله مع الصابرين} ، وأعظم مواطن الصبر عند ~~مفارقة الأحباب ، وذهاب العشائر والأصحاب ، فإن كان موتهم في الجهاد فلا ~~ينبغي لأجلهم أسف ولا نكاد ؛ لأنهم {أحياء عند ربهم يرزقون} ، وكذلك من ~~ألحق بهم من ذي هدم وغرق وحرق ونفاس وطاعون ، فلا تقولوا لمن يقتل {في سبيل ~~الله} من هؤلاء : هم {أموات} ، {بل} هم {أحياء} حياة روحانية لا بشرية ، ~~{ولكن لا تشعرون} بحياتهم لأنهم مجرد أرواح ، وأنتم لبستم طلسم الأشباح ، ~~فاختفى عنكم مقام الأرواح ، وكذلك أرواح المؤمنين كلهم أحياء. # وإنما خص الشهداء لمزيد بهجة وكرامة. وإجراء رزقهم عليهم دون غيرهم ، ففي ~~الحديث : " أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ورق الجنة " أي : تأكل ~~، وفي حديث آخر : " يخلق الله الشهداء جسوما على صورة طير خضر ، فتكون في ~~حواصلها ، فتسرح بها في الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتنال من خيراتها ~~ونعيمها ، حتى تحشر منها يوم القيامة ". ولا يدخل الجنة أحد غيرهم إلى ~~ميقاتها إلا الصديقون ، وهم العارفون ، فهم أعظم من الجميع ؛ لمزيد تصرف ~~وإدراك وسعة روح وريحان ، وتحقق شهود وعيان ، فهم في نعيم الجنان كالشهداء ~~، لكن الصديقين غير محصورين في حواصل الطيور ، بل لهم هياكل وصور سرحوا بها ~~حيث شاءوا. وكذلك من فوقهم من الأنبياء والرسل ، والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 158 PageV01P192 ~~ثم قال الحق جل جلاله : ولنختبركم يا معشر المسلمين {بشيء} قليل {من الخوف} ~~لهيجان العدو وصولة الكفار ، {والجوع} لغلاء الأسعار وقلة الثمار ، {ونقص ms0134 # 159 # من الأموال} بموت الحيوان وتعذر التجارة أو الخسران ، {والأنفس} بالموت ~~في الجهاد ، {والثمرات} بذهابها بالجوائح. # وعن الشافعي رضي الله عنه : (الخوف خوف الله ، والجوع صوم رمضان ، والنقص ~~من الأموال بالزكوات والصدقات ، ومن الأنفس بالأمراض ، ومن الثمرات موت ~~الأولاد). # وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا مات ولد العبد قال الله للملائكة : ~~أقبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم. فيقول الله تعالى : أقبضتم ثمرة قلبه ؟ ~~فيقولون : نعم. فيقول الله تعالى : ماذا قال ؟ فيقولون : حمدك واسترجع ، ~~فيقول الله تعالى : ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ". {وبشر ~~الصابرين} يا من تتأتى منه البشارة ؛ {الذين إذا أصباتهم مصيبة} في بدن أو ~~أهل أو مال أو صاحب {قالوا إنا لله} ملكا وعبيدا يحكم فينا بما يريد {وإنا ~~إليه راجعون} فيجازينا بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب ~~بشر ، فتغيب مصائب الدنيا في جانبه. # وفي الحديث : " من أصابته مصيبة فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم ~~أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها ، إلا أخلف الله له خيرا مما أصابه " ~~قالت أم سلمة : فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك ، فأبدلني الله برسوله صلى ~~الله عليه وسلم. # {أولئك} الصابرون الراجعون إلى الله {عليهم صلوات} أي : مغفرة وتطهير {من ~~ربهم ورحمة} أي : عطف ولطف {وأولئك هم المهتدون} لكل خير في الدنيا ~~والآخرة. PageV01P193 # الإشارة : يا أيها الذين آمنوا بطريق الخصوص استعينوا على سلوك طريق حضرتنا ~~ومشاهدة أنوار قدسنا بالصبر على ما تكره النفوس ؛ من ترك الحظوظ والشهوات ، ~~والميل إلى العادات والمألوفات ، وبالصلاة الدائمة ، وهي صلاة القلوب ~~بالعكوف في حضرة الغيوب. {إن الله مع الصابرين} بالمعونة والتأييد ، وإشراق ~~أنوار التوحيد ، ولا تقولوا لمن ترونه قتل نفسه بالذل والافتقار ، وخرق ~~العوائد وخلع العذار : إنه قد مات ، بل هو حي لا يموت ، قال الله تعالى : ~~{لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} فإذا ماتت نفس المريد. واستوى ~~عنده الذل والعز والمدح والذم ، والغنى والفقر ، والموت والحياة ، فقد حييت ~~روحه واتسع عليها فضاء الشهود ، وتمتعت بالنظرة إلى ms0135 الملك المعبود ، فلا ~~يزيدها الموت الحسي إلا اتصالا وتمتعا وشهودا ، فهي في الترقي أبدا سرمدا ، ~~ولكن لا تشعرون بما هم فيه في هذه الدار وفي تلك الدار. # جزء : 1 رقم الصفحة : 158 # ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق : والله لنبلونكم يا ~~معشر المريدين بشيء من إذاية الخلق وتضييق الرزق ، وذهاب الأموال ، وضعف ~~الأبدان بالمجاهدة ، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة ؛ ليظهر الصادق في ~~الطلب الثبوت في # 160 # أحكام العبودية ، حتى تشرق عليها أنوار الربوبية ، ومن الكاذب بالرجوع ~~إلى العوائد والشهوات ، والركون إلى الرخص والتأويلات ، {وبشر الصابرين} ~~الثابتين في الطلب ، بالظفر بكل ما أملوا ، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا ، ~~الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية ، وتعلقوا بقوة ~~الربوبية ، فرجعوا إلى الله في كل شيء ، فآواهم إليه من كل شيء ، أولئك ~~عليهم تحنن من ربهم وتقريب ، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب. PageV01P194 # قال ابن جزي : فائدة : ورد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا ؛ ~~وذلك لعظم موقعه في الدين ، قال بعض العلماء : كل الحسنات لها أجر معلوم ~~إلا الصبر ، فإنه لا يحصر أجره ؛ لقوله تعالى : {إنما يوفى الصابرون أجرهم ~~بغير حساب} [الزمر : 10]. وذكر الله للصابرين ثمانيا من الكرامات. # أولها : المحبة ، قال : {والله يحب الصابرين} [آل عمران : 146] ، والثاني ~~: النصر ، قال : {إن الله مع الصابرين} [البقرة : 153] ، والثالث : غرفات ~~الجنة ، قال : {يجزون الغرفة بما صبروا} [الفرقان : 75] والرابع : الأجر ~~الجزيل ، قال : {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} والأربعة الأخرى ~~المذكورة في هذه الآية ، فمنها البشارة قال : {وبشر الصابرين} ، والصلاة ~~والرحمة والهداية قال : {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون}. # والصبر على أربعة أوجه : صبر على البلاء ، وهو منع النفس عن التسخط ~~والهلع والجزع ، وصبر على النعم ، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبر ~~بها ، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها ، وصبر على المعاصي بكف ~~النفس عنها. وفوق الصبر التسليم ، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهرا ، وترك ~~الكراهية باطنا ، وفوق التسليم الرضا بالقضاء ، وهو سرور النفس بفعل الله ، ~~وهو صادر على ms0136 المحبة ، وكل ما يفعل المحبوب. ه. # ولما ذكر الحق تعالى الكعبة ، وأمر بالتوجهة إليها ، ناسب أن يذكر الصفا ~~والمروة ؛ لقربهما منها ومشاركتهما لها في أمر الدين ، وذلك أن الصحابة ~~تحرجوا أن يطوفوا بهما ؛ لأن الصفا كان عليه صنم يقال له إساف ، وعلى ~~المروة صنم يقال له نائلة ، فخافوا أن يكون الطواف بينهما تعظيما لهما ، ~~فرفع الله ذلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 158 PageV01P195 ~~قلت : {الصفا} في أصل الوضع : جمع صفاة ، وهي الصخرة الصلبة الملساء ، يقال ~~: صفاة وصفا ، كحصاة وحصى ، وقطاع وقطا ، ونواة ونوى. وقيل : مفرد ، ~~وتثنيته : # 161 # صفوان ، وجمعه : أصفاء ، و{المروة} ما لان من الحجارة وجمعه مرو ومروات ، ~~كتمرة وتمر وتمرات. والمراد هنا جبلان بمكة ، و{شعائر الله} : أعلام دينه ، ~~جمع شعيرة أو شعارة ، والشعيرة : كل ما كان معلما لقربان يتقرب به إلى الله ~~تعالى ، من دعاء أو صلاة أو أداء فرض أو ذبيحة. # والحج في اللغة : القصد ، والعمرة : الزيارة ، ثم غلبا شرعا في العبادتين ~~والمخصوصتين. # وقرأ الأخوان وخلف : {يطوع} بلفظ المضارع ، مجزوم اللفظ ، وهو مناسب ~~لقوله {أن يطوف} ، أصله : يتطوع ، أدغمت التاء في الطاء لقرب المخرج ، ~~والباقون بلفظ الماضي ، مجزوم المحل ، وهو مناسب لقوله : {فمن حج البيت}. ~~و{الجناح} : الإثم ، من جنح إذا مال ، كأن صاحب الإثم مال عن الحق إلى ~~الباطل ، و{خيرا} : صفة لمصدر محذوف ، أو على إسقاط الخافض. # يقول الحق جل جلاله : {إن} الطواف بين {الصفا والمروة} من معالم دينه ~~ومناسك حجه ، {فمن} قصد {البيت} للحج أو العمرة {فلا جناح عليه أن يطوف} ~~بينهما ، ولا يضره الصنمان اللذان كانا عليهما في الجاهلية ؛ فإن الله محا ~~ذلك بالإسلام ، {ومن تطوع} لله بخير من حج أو عمرة أو صلاة أو غير ذلك ، ~~{فإن الله} يشكر فعله ويجزل ثوابه. واختلف في حكمه ، فقال مالك والشافعي : ~~ركن لا يجبر بالدم ، وقال أبو حنيفة : فرض يجبر بالدم ، وقال أحمد : سنة ، ~~والله تعالى أعلم. PageV01P196 # الإشارة : الصفا والمروة إشارة إلى الروح الصافية والنفس اللينة الطيبة ، ~~فالاعتناء بتطهيرهما وتصفيتهما من معالم الطريق ، وبهما يسلك إلى عين ~~التحقيق ، فمن ms0137 قصد بيت الحضرة لحج الروج بالفناء في الذات ، أو عمرة النفس ~~بالفناء في الصفات ، فلا جناح عليه أن يطوف بهما ؛ ويشرب من كأسهما ، حتى ~~يغيب عن حسهما ، ومن تطوع خيرا ببذل روحه لله ، والغيبة عنها في شهود مولاه ~~، فإن الله يشكر فعله ، وينشر فضله ويظهر خيره ، ويتولى أمره ، والله ذو ~~الفضل العظيم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 161 # 162 # قلت : الضمير في {فيها} : يعود على اللعنة أو النار ، وإضمارها قبل الذكر ~~تفخيما لشأنها ، وتهويلا لأمرها. # يقول الحق جل جلاله في شأن أحبار اليهود حيث كتموا صفة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم : {إن الذين يكتمون} ما أنزلناه عليهم في كتابهم من صفة محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - من الآيات لاواضحات في شأنه ، وبيان صفته وبلده ~~وشريعته ، وما يهدي إلى وجوب اتباعه ، والإيمان به ، {من بعد ما بيناه ~~للناس} في التوراة ، {أولئك} الكاتمون {يلعنهم الله} ويطردهم عن ساحة رحمته ~~، {ويلعنهم} الجن والإنس ، وكل ما يتأتيى منه اللعن كالملائكة وغيرهم. {إلا ~~الذين تابوا} من الكتمان ، وكل ما يجب أن يتاب منه ، {وأصلحوا} ما أفسدوا ~~من الدين بالتدارك ، {وبينوا} ما كتموا {فأولئك أتوب عليهم} وأرحمهم {وأنا ~~التواب الرحيم} أي : المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة ، وأما من مات ~~على الكفر ولم يتب فأولئك {عليهم لعنة الله} ، ومن يعتد بلعنته من ~~{الملائكة والناس أجمعين} خالدين في اللعنة أو في النار {لا يخفف عنهم ~~العذاب} ساعة ، ولا هم يمهلون عنه ، أو لا ينتظرون للاعتذار أو الفداء. PageV01P197 # الإشارة : ما قيل في أحبار اليهود يقال مثله في علماء السوء من هذه الأمة ، ~~الذين ملكتهم جيفة الدنيا ، وأسرهم الهوى ، الذين يقبضون الرشا على الأحكام ~~، فيكتمون المشهور الواضح ، ويحكمون بشهوة أنفسهم ، فأولئك يلعنهم اللاعنون ~~، وفي ذلك يقول ابن المبارك - رحمه الله - : # وهل أفسد الدين إلا الملوك # وأحبار سوء ورهبانها # وباعوا النفوس ولم يربحوا # ولم تغل في البيع أثمانها # لقد رتع القوم في جيفة # يبين لذي العقل إنتانها # جزء : 1 رقم الصفحة : 162 # وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه يقول لعلماء ms0138 وقته : (يا معشر ~~العلماء ، دياركم هامانية ، وملابسكم قارونية ، ومراكبكم فرعونية وولائمكم ~~جالوتية ، فأين السنة المحمدية ؟ ). إلا من تاب وأصلح ما أفسد ، وبين ما ~~كتم ، فأولئك يتوب الله عليهم. # تنبيه : العلم باعتبار وجوب إظهاره وكتمه على ثلاثة أقسام : # قسم يجب إظهاره ، ومن كتمه دخل في وعيد الآية ، وهو علم الشريعة الظاهرة ~~، إذا تعين على المسؤول بحيث لم يوجد من يفتي في تلك النازلة. # وقسم يجب كتمه ، وهو علم سر الربوبية ، أعني التوحيد الخاص ، فهذا لا ~~يجوز إفشاؤه إلا لأهله ، وهو من بذل نفسه وفلسه وخرق عوائد نفسه ، فهذا لا ~~يحل كتمه عن إذا طلبه. # 163 # وقسم يستحب كتمه ، وهو أسرار القدر المغيبات ، فهذا من باب الكرامات ~~يستحب كتمها ولا يجب ، والله تعالى أعلم. # هنا انتهى العتاب لبني إسرائل والكلام معهم ، وابتداؤه من قوله تعالى : ~~{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم...} ، وإنما تخلل الكلام ذكر إبراهيم وبنيه توطئة لنسخ القبلة الذي ~~أنركوه ، فذكر بناء الكعبة وبيان شرفها ، وانجز الكلام إلى ذكر الصفا ~~والمروة لقرب المناسبة والجوار. فلما فرغ من عتابهم دلهم على التوحيد ، ~~وشاركهم في ذلك غيرهم. PageV01P198 # جزء : 1 رقم الصفحة : 162 # قلت : {إلهكم إله واحد} مبتدأ وخبر ، وجملة {لا إله إلا هو} : تقرير لها ~~وتأكيد ، و{الرحمان الرحيم} : خبران آخران ، أو عن مبتدأ مضمر ، وأنث ~~{الفلك} لأنه بمعنى السفينة ، و{من السماء} ابتدائية ، و{من ماء} بيانية ، ~~و{بث} : عطف على {أنزل} أو {أحيا} لأن الحيوانات تنمو بنزول المطر والخصب ، ~~والبث : النشر والتفريق و{تصريف الريح} : هبوبها من الجهات المختلفة. # يقول الحق جل جلاله : {وإلهكم} يا معشر العباد الذي يستحق أن يعبد {إله ~~واحد} لا شريك له ، ولا نظير ، ولا ضد له ولا ند ، {لا إله إلا هو} ، إذ لا ~~يستحق العبادة غيره ، إذ هو {الرحمن} بنعمة الإيجاد {الرحيم} بنعمة الإمداد ~~، فكل ما سواء مكون مخلوق ، إما منعم عليه أو نعمة ، فلم يستحق العبادة غيره. # ثم برهن على وجوده ، وثبوت وحدانيته بثمانية أمور ، فقال : {إن في خلق ~~السماوات} طباقا متفاصلة ms0139 مرفوعة بغير عمد ، وما اشتملت عليه من الكواكب ~~والبروج والمنازل ، وفي {الأرض} وما اشتملت عليه من الجبال والبحار ~~والأنهار والأشجار وأنواع الثمار ، وفي {اختلاف الليل والنهار} بالطول ~~القصر ، أو تعاقبها بالذهاب والمجيء ، {و} في {الفلك التي تجري في البحر} ~~بقدرته مع إمكان رسوبها إلى الأسفل ، متلبسة {بما ينفع الناس} من التجارة ~~وغيرها. وقال البيضاوي : القصد بالاستدلال بالبحر وأحواله ، وتخصيص الفلك ~~بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه ؛ ولذلك قدمه على ذكر المطر ~~والسحاب ، لأن منشأهما منه في الغالب. ه. # 164 PageV01P199 ~~{و} في {ما أنزل الله من السماء من ماء} من غير ظهور مادة سابقة ، بل تبرزه ~~القدرة من عالم الغيب قريب عهد بالله ، ولذلك (كان عليه الصلاة والسلام ~~يتمطر) أي : ينصب وجهه للمطر إذا نزل تبركا به ، {فأحيا} الحق تعالى بذلك ~~المطر {الأرض بعد موتها} ويبسها ، بالنبات والأزهار وأصناف النوار والثمار ~~، وفيما نشر {فيها من كل دابة} من النملة إلى الفيلة ، {و} في {تصريف ~~الرياح} وهبوبها من جهات مختلفة ، وهي الجهات الأربع وما بينها بصفات ~~مختلفة ، ملقحة للشجر وعقيم وصر ، وللنصر والهلاك {و} في {السحاب المسخر} ~~أي : المذلل {بين السماء والأرض} لا يسقط ولا يرتفع ، مع أن الطبع يقتضي ~~أحدهما ، أو مسخر للرياح تقلبه في جو السماء بمشيئة الله {لآيات لقوم ~~يعقلون}. أي : تلك المخلوقات آيات دالة على وحدانيته تعالى وباهر قدرته ، ~~و{لو كان فيهمآ إلا الله لفسدتا} [الأنبياء : 22]. # جزء : 1 رقم الصفحة : 164 # وفي الآية حض على التفكر ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " ويل لمن ~~قرأ هذه الآية فمج بها " ، أي : لم يتفكر فيها دلالة على شرف علم التوحيد ~~العام والخاص. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قال الجنيد : (التوحيد معنى تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه ~~العلوم ، ويكون الله كما لم يزل). قلت : وهذا هو التوحيد الخاص ، أعني ~~توحيد أهل الشهود والعيان : ثم قال : (وأصوله خمسة أشياء : رفع الحدث ، ~~وإثبات القدم ، وهجران الإخوان ، ومفارقة الأوطان ، ونسيان ما علم وجهل). ~~ه. قلت : قوله : (وهجران الإخوان) ، يعني : غير من يستعين بهم على ms0140 السير ، ~~وأما من يستعين بهم فلا يستغني عنهم. # واعلم أن توحيد خلق الله تعالى على ثلاثة درجات : PageV01P200 # الأولى : توحيد العامة : وهو الذي يعصم النفس والمال ، وينجو به من الخلود ~~في النار ، وهو نفي الشركاء والأنداد ، والصاحبة والأولاد ، والأشباه ~~والأضداد. # الثانية : توحيد الخاصة ، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده ، ~~ويشاهد ذلك بطريق الكشف لا بطريق الاستدلال ، فإن ذلك حاصل لكل مؤمن ، ~~وإنما مقام الخاصة يقين في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل ، وثمرة هذا ~~العلم الانقطاع إلى # 165 # الله ، والتوكل عليه وحده ، فلا يرجوا الله ، ولا يخاف أحدا سواه ، إذ ~~ليس يرى فاعلا إلا الله ، فيطرح الأسباب ، وينبذ الأرباب. # الدرجة الثالثة : ألا يرى في الوجود إلا الله ، ولا يشهد معه سواه ، ~~فيغيب عن النظر إلى الأكوان في شهود المكون ، وهذا مقام الفناء ، فإن رد ~~إلى شهود الأثر بالله سمي مقام البقاء. ه. قال بعضه ابن جزي باختصار. # قلت : وفي التحقيق أنهما أنهما مقامان ؛ مقام أهل الدليل والبرهان ، وهو ~~المذكور في الآية ، لأنه هو الذي يطيقه جميع العباد ، ومقام أهل الشهود ~~والعيان ، وهو خاص بالأفراد الذين بذلوا مهجهم في طلب الله ، باعوا أنفسهم ~~وأموالهم في سبيل الله ، فعوضهم الله في الدنيا جنة المعارف ، وزادهم في ~~الآخرة جنة الزخارف. # (أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان) ؛ لأن أهل الشهود ~~والعيان قدسوا الحق تعالى عن أن يحتاج إلى دليل ، فكيف يعرف بالمعارف من به ~~عرفت المعارف ؟ كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه ؟ أيكون لغيره ~~من الظهور ما ليس له ؟ - متى غاب حتى يحتاج إلى دليل عليه ؟ ومتى بعد حتى ~~تكون الآثار هي التي توصل إليه ؟ - ولله در القائل : # جزء : 1 رقم الصفحة : 164 # لقد ظهرت فما تخفى على أحد # إلا على أكمه لا يبصر القمرا # لكن بطنت بما أظهرت محتجبا # وكيف يبصر من بالعزة استترا ؟ # وقال آخر : # ما للحجاب مكان في وجودكم PageV01P201 ~~إلا بسر حروف (انظر إلى الجبل) # أنتم دللتم عليكم منكم ولكم # ديمومة عبرت عن ms0141 غامض الأزل # عرفتم بكم هذا الخبير بكم # أنتم هم يا حياة القلب يا أملي # ولما كانت المحبة تزيد وتنقص باعتبار شهود الوحدانية ، فكلما قوي التوحيد ~~في القلب قويت المحبة ؛ لانحصارها في واحد ، ذكرها بأثر التوحيد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 164 # {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا ~~أشد حبا لله...} # قلت : ويحتمل في وجه المناسبة ، أن يكون الحق تعالى لما ذكر دلائل ~~التوحيد ذكر من أعرض بعد وضوحها فأشرك معه ، ليرتب بعد ذلك ما أعد له من ~~العذاب ، والأنداد : جمع ند وهو المثل ، والمراد هنا الأصنام أو الرؤساء ، ~~والإضافة في {كحب الله} من إضافة المصدر إلى مفعوله ، والحب : ميل القلب ~~إلى المحبوب ، وسأتي في الإشارة إن شاء الله. # 166 # يقول الحق جل جلاله : {ومن الناس من يتخذ من دون الله} أشباها وأمثالا من ~~الأصنام والرؤساء {يحبونهم} ، وينقادون إليهم ، كما يحبون الله تعالى ، ~~فيسوون في المحبة بين الله تعالى العلي الكبير ، وبين المصنوع الذليل ~~الحقير ، {والذين آمنوا} بالله ووحدوه {أشد حبا لله} ؛ لأن المؤمنين لا ~~يلتفتون عن حبوبهم في الشدة ولا في الرخاء ، بخلاف الكفار فإنهم يعبدونهم ~~في وقت الرخاء ، فإذا نزل البلاء التجؤوا إلى الله. قال تعالى : {ثم إذا ~~مسكم الضر فإليه تجئرون} [النحل : 53] الآية ، وأيضا : المؤمنون يعبدون ~~الله بلا واسطة ، والكفار يعبدونه بواسطة أصنامهم {ما نعبدهم إلا ليقربونآ ~~إلى الله زلفى} [الزمر : 3] وأيضا المؤمنونن يعبدون ربا واحدا فاتحدت ~~مبحتهم. PageV01P202 # قال سعيد بن جبير : (إن الله تعالى يأمر يوم القيامة من عبد الأصنام أن ~~يدخلوا النار مع أصنامهم ، فيمتنعون لعلمهم بالخلود فيها ، ثم يقول ~~للمؤمنين بين يدي الكفار : إن كنتم أحبائي فادخلوا ، فيقتحم المؤمنون النار ~~، وينادي منأد من تحت العرش : {والذين آمناو أشد حبا لله}. وفي ذلك يقول ~~ابن الفارض : # جزء : 1 رقم الصفحة : 166 # أحباي أنتم ، أحسن الدهر أم أسا # فكونوا كما شئتم ، أنا ذلك الخل # وقال أيضا : # لو قال تيها : قف على جمر الغضا # لوقفت ممتثلا ، ولم أتوقف # وقال آخر : # ولو عذبتني ms0142 في النار حتما # دخلت مطاوعا وسط الجحيم # إذا كان الجحيم رضاك عني # فما ذاك الجحيم سوى نعيم # الإشارة : المحبة : ميل دائم بقلب هائم ، أو مراقبة الحبيب في المشهد ~~والمغيب ، أو مواطأة القلب لمراد الرب ، أو خوف ترك الخدمة مع إقامة الحرمة ~~، أو استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك ، أو معانقة الطاعة ~~ومباينة المخالفة ، وقال الشبلي : (أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك) ~~والمحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه ، ولا مشيئة له غير ~~مشيئته ، وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : (المحبة أخذة من الله لقلب ~~عبده المؤمن عن كل شيء سواه ، فترى النفس مائلة لطاعته ، والعقل متحصنا ~~بمعروفه ، والروح مأخوذة في حضرته ، والسر مغمورا في مشاهدته ، والعبد ~~يستزيد من محبته فيزداد ، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته ، فيكسي حلل ~~التقريب على بساط القربة ، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم ، فمن أجل ذلك ~~قالوا : أولياء الله عرائس ، ولا يرى العرائس المجرمون... ) الخ كلامه. # 167 # واعلم أن محبة العبد لمولاه سببها شيئان : PageV01P203 # أحدهما : نظر العبد لإحسان الله إليه وضروب امتنانه عليه ، وجبلت القلوب ~~على حب من أحسن إليها ، وهذا هو المسمى بحب الهوى ، هو مكتسب ، لأن الإنسان ~~مغمور بإحسانات الله إليه ، ومتمكن من النظر فيها ، فكلما طالع منة من منن ~~الله التي لا تقبل الحصر ولا العد ، كان ذلك كحبة زرعت في أرض قلبه الطيب ~~الزكي ، فلا يزال يطالع منة بعد منة ، وكل منة أعظم من التي قبلها ، لأنه ~~كلما طالع المنن تنور قلبه وزداد إيمانا ، وكشف من دقائق المنن ما لم يكن ~~يكشف له قبل ، وظهر له خفايا المنن ، وعظمت محبته. # الثاني : كشف الحجب ، وإزالة الموانع عن ناظر القلب ، حتى يرى جمال الحق ~~وكماله ، والجمال محبوب بالطبع ، وهذان هما اللذان قصدت رابعة العدوية - ~~رضي الله عنها - : # أحبك حبين : حب الهوى # وحبا لأنك أهل لذاك # جزء : 1 رقم الصفحة : 166 # فأماالذي هو حب الهوى # فشغلي بذكرك عمن سواك # وأما الذي أنت أهل له # فكشفك للحجب حتى ms0143 أراك # فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي # ولكن لك الحمد في ذا وذاك PageV01P204 ~~وإنما خصصت الحب الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول ، وإن كان أهلا ~~للجميع ؛ لأن هذا منه إليه ، لا كسب للعبد فيه ، والآخر فيه كسب ، وعمل ~~العبد معلول ، وقولها : (فشغلي بذكر عمن سواك) من باب التعبير بالمسبب عن ~~السبب ، والأصل : فثمرته شغلي بذكرك عمن سواك ، فهو مسبب عن المحبة لأنفسنا ~~، وقولها أيضا (كشفك للحجب حتى أراك) ، من باب التعبير بالسبب عن المسبب ، ~~والأصل ، فبسببه كشفك للحجب حتى رأيتك بعيني قلبي. وقولها : (فلا الحمد...) ~~الخ ، إخبار منها بأن الحبين معا منه وإليه وبه في الحقيقة ، لا كسب لها في ~~واحد منهما باعتبار الحقيقة ، بل هو الحامد والمحمود ، وإدراك التفاوت بين ~~المقامين ، - أعني بين المحبة الناشئة عن شهود الإحسان ، والناشئة عن شهود ~~الجمال - ضروري عند كل ذائق ، وأن الثانية أقوى. قاله في شرح الشريشية. # 168 # قال ابن جزي : اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين ؛ أحدهما : المحبة ~~العامة ، التي لا يخلو منها كل مؤمن ، وهي واجبة ، والأخرى : المحبة الخاصة ~~التي ينفرد فيها العلماء الربانيون ، والأولياء والأصفياء ، وهي أعلى ~~المقامات ، وغاية المطلوبات ، فإن سائر مقامات الصالحين : كالخوف والرجاء ~~والتوكل ، وغير ذلك ، مبنية على حظوظ النفس ، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف ~~على نفسه ، والراجي إنما يرجوا منفعة نفسه ، بخلاف المحبة ، فإنها من أجل ~~المحبوب فليست من المعاوضة. PageV01P205 # واعلم أن سبب محبة الله : معرفته ، فتقوى المحبة على قدر المعرفة ، وتضعف ~~على قدر ضعف المعرفة ، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين أو كلاهما إذا اجتمعا ، ~~ولا شك أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال ؛ فالموجب الأول : ~~الحسن والجمال ، والآخر الإحسان والإجمال ، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع ، ~~فإن الإنسان بالضرورة يجب كل ما يستحسن ، ولا جمال مثل جمال الله تعالى ، ~~في حكمته البالغة وصنائعه البديعة ، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار ، التي ~~تروق العقول وتبهج القلوب ، وإنما يدرك جماله تعالى بالبصائر لا بالأبصار. ~~وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ms0144 ، وإحسان الله إلى ~~عباده متواتر ، وإنعامه عليهم باطن وظاهر ، {وإن تعدوا نعمت الله لا ~~تحصوهآ} [إبراهيم : 34] ، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي ، وإلا ~~المؤمن والكافر ، وكل إحسان ينبس إلى غيره فهو في الحقيقة منه وحده ، فهو ~~المستحق للمحبة وحده. # جزء : 1 رقم الصفحة : 166 # واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح ، من ~~الجد في طاعته ، والنشط لخدمته ، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته ، ~~والرضا بقضائه ، والشوق إلى لقائه ، والأنس بذكره ، والاستيحاش من غيره ، ~~والفرار من الناس ، والانفراد في الخلوات ، وخروج الدنيا من القلب ، ومحبة ~~كل ما يحب الله ، وكل من يحب الله ، وإيثار الله على كل ما سواه. # قال الحارث المحاسبي : (المحبة ميلك إلى المحبوب بكليتك ، ثم إيثارك له ~~على نفسك وروحك ، ثم موافقته سرا وجهرا ، ثم علمك بتقصيرك في حبه). # قلت : ظاهره أن المحبة أعلى من المعرفة ، والتحقيق أن المعرفة أعلى من ~~جميع المقامات ؛ لأنها لا تبقى معها بقية من الحجاب أصلا ، بخلاف المحبة ، ~~فإنها تكون بقية الحجاب ، ألا ترى أن المحب يستوحش من الخلق ، والعارف لا ~~يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء. PageV01P206 # قال في الحكم : " إنما استوحش العباد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في ~~كل شيء ، ولو عرفوا الله في كل شيء ما استوحشوا من شيء ". وأيضا. العارف ~~أكمل أدبا من المحب ؛ لأن المعرفة إنما تحصل بعد كمال التهذيب والتدريب ، وقد # 169 # تحصل المحبة قبل كمال التهذيب ، مع أن المعرفة هي غاية المحبة ونهايتها ، ~~والله تعالى أعلم. # ثم ذكر الحق وعيد من أشرك مع الله في عبادته أو محبته ، بعد وضوح برهان ~~وحدانيته ، فقال : # {...ولو يرى الذين ظلمواا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم ~~الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك ~~يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار}. # قلت : {لو} شرطية ، و{ترى} شرطها ، قرأ نافع ms0145 وابن عامر ويعقوب بالخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل سامع ، والباقون بالغيب وإسناده إلى ~~الظالم ، لأنه المقصود بالوعيد والتهديد ، و{إذ} ظرف للرؤية ، وموضع {يرون} ~~خفض بالإضافة ، قرأ ابن عامر بضم الياء ، على البناء للمفعول ، والفاعل ~~الحقيقي هو الله تعالى ، بدليل {يريهم الله} ، والباقون بالفتح على البناء ~~للفاعل ، على حد : {وإذا رءا الذين ظلموا العذاب} [النحل : 85]. و{أن ~~القوة} معمول للجواب المحذوف ، تعظيما لشأنه ، والتقدير : لو ترى يا محمد ، ~~أو يا من يسمع ، الذين ظلموا حين يرون العذاب ، أو يريهم الله العذاب ، ~~لرأيت أمرا فظيعا وخطبا جسيما ، ولعلمت أن القوة لله جميعا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 166 PageV01P207 ~~و{جميعا} حال ، أي : أن القوة ثابتة في حال اجتماعها ، وقرأ أبو جعفر ~~ويعقوب {إن} بالكسر في الموضعين على الاستئناف ، و{إذ تبرأ} بدل من {إذ ~~يرون} ، والأسباب : العهود والوصل التي كانت بينهم في الدنيا يتوادون عليها ~~، وأصل السبب : كل شيء يتوصل به إلى شيء ، ومنه قيل للحبل الذي يصعد به : ~~سبب ، وللطريق : سبب ، قال الشاعر : # ومن هاب أسباب المنية يلقها # ولو رام أسباب السماء بسلم # و{حسرات} : حال ، إن كانت بصرية ، على مذهب أهل السنة ، أو مفعول ثالث إن ~~كانت علمية على مذهب المعتزلة القائلين بعدم تشخص الأعمال. # 170 # يقول الحق جل جلاله : {ولو ترى} يا محمد ، أو كل من يتأتى منه الرؤية ، ~~حال {الذين ظلموا} باتخاذهم الأنداد والأوثان ، بعد وضوح الأدلة وسطوع ~~البرهان ، حيث {يرون العذاب} محيطا بهم ، والزبانية تغلبهم ، والنار ~~تلتقطهم ، لرأيت أمرا فظيعا ، وخطبا جسيما ، ولعلمت {أن القوة لله جميعا} ، ~~أو لو يرى الذين ظلموا العذاب الذي أعد لهم سبب شركهم ، لرأوا أمرا عظيما ، ~~وليتقنوا {أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب}. # وذلك حين يتبرأ المتبعون - وهم الرؤساء - ، من الأتباع - وهم القلة ~~الضعفاء - والحالة أنهم {رأوا العذاب} الفظيع ، {وتقطعت بهم الأسباب} أي : ~~أسباب المودة والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا ، وصارت مودتهم عداوة ، ~~{وقال} حينئذ الضعفاء {الذين اتبعوا} شياطينهم في الكفر والضلال : {لو أن ~~لنا كرة} أي : رجعة للدنيا {فنتبرأ منهم} ms0146 أي : من كبرائهم {كما تبرءوا منا} ~~اليوم. {كذلك} أي : مثل ذلك الإبراء الفظيع {يريهم الله أعمالهم حسرات} ~~وندمات {عليهم} فيدخلون النار على سبيل الخلود ، {وما هم بخارجين من ~~النار}. PageV01P208 # الإشارة : يا من أقبل على مولاه ، وجعل محبة سيده بغيته ومناه ، فلم يشرك ~~في محبة حبيبه سواه ، لو رأيت من ظلم نفسه باتباع هواه ، وأشرك مع الله في ~~محبته سواه ، باتباع حظوظ دنياه ، وذلك حين يرون ما هم فيه من الانحطاط ~~والبعاد ، وما أعد الله لأهل المحبة والوداد من الفوز بالقرب من الحبيب ، ~~ومشاهدة جمال القريب ، لرأيت أمرا عظيما وخطبا جسيما ، ولعلمت أن القوة ~~كلها لله ، قرب من شاء بفضله الأصاغر ، ويقع التفريق بين الأصحاب والعشائر ~~، إلا من اجتمعوا على محبة الحبيب ، وتعاونوا على طاعة القريب المجيب ، ~~{الأخلآء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف : 67]. لا تصحب من لا ~~ينهضك حاله ، ولا يدلك على الله مقاله - فكل من صحب أهل الغفلة أو ركن إلى ~~أهل الدنيا فلا بد أن يرى ذلك حسرات يوم القيامة ، يوم لا ينفع الندم وقد ~~زل القدم. ولله در صاحب العينية رضي الله عنه حيث يقول : # جزء : 1 رقم الصفحة : 166 # وقاطع ممن واصلت أيام غفلة # فما واصل العذال إلا من مقاطع # وجانب جناب الأجنبي لو أنه # لقرب انتساب في المنام مضاجع # فللنفس من جلاسها كل نسبة # ومن خلة للقلب تلك الطبائع # ولما حذر الحق تعالى من الشرك الجلي والخفي ، حذر من متابعة المشركين في ~~التحريم والتحليل بلا حكم شرعي. # 171 # جزء : 1 رقم الصفحة : 166 # قلت : {حلالا} حال ، أو مفعول به ، و{طيبا} نعت له ، و{الخطوات} جمع خطوة ~~، وهي بالفتح - مصدر خطا يخطوا ، وبالضم - اسم لمسافة ما بين القدمين ، ~~ويكسر على خطا ، ويصحح على خطوات ، مثلث الطاء ، أعني : الضم على الإتباع ، ~~كغرفات وقربات ، قال ابن مالك : # والسالم العين الثلاثي اسما أنل # إتباع عين فاءه بما شكل PageV01P209 ~~والسكون على الأصل في المفرد ، والفتح تخفيفا ، قال في الألفية : # وسكن التالي غير الفتح أو # خففه بالفتح فكلا قد رووا # وقرئ ms0147 في المواتر بالضم والإسكان ، وفي الشاذ بالفتح. # قال الخليل : (خطوات الشيطان ، آثاره وطرقه ، يقول : لا تقتدوا به). ه. ~~وأصل السوء : كل ما يسوء صاحبه ويحزنه. والفحشاء : ما قبح من القول والفعل ~~، مصدر فحش كالبأساء والضراء واللأواء. # قال ابن عباس : (الفحشاء : ما فيه حد ، والسوء : ما لا حد فيه) ، وقال ~~مقاتل : (كل مافي القرآن من ذكر الفشحاء فإنه الزنا ، إلا قوله : {الشيطان ~~يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء} فإنه البخل)[البقرة : 268]. قال البيضاوي : ~~السوء والفحشاء : ما أنكره العقل واستقبحه الشرع ، والعطف لاختلاف الوصفين ~~، فإنه سوء لاغتمام العاقل ، به ، وفحشاء باستقباحه إياه ، وقيل : السوء ~~يعم القبائح ، والفحشاء ما تجاوز الحد في القبح. ه. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس كلوا} من جميع ما خلقنا لكم في ~~الأرض من نباتها مما يستطاب أكله ، وحيواناتها إلا ما حرمناه عليكم ، حالة ~~كون ذلك {حلالا} قد انحلت عنه التبعات ، وزالت عنه الشبهات ، {طيبا} مستلذا ~~يستلذه الطبع ، ويستحسنه الشرع ، {ولا تتبعوا} طرق {الشيطان} فتحرموا ~~برأيكم ما أحل الله لكم ، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وبعض الحرث ~~الذي جعلتموه للأصنام ، فإن ذلك من تزيين الشيطان ، وهو {لكم عدو مبين}. ~~ومن شأن العدو الخداع والغرور ، فإنما يأمركم بما يسوء وجوهكم من الذنوب ، ~~وما يرديكم من قبائح المعاصي والعيوب ، {وأن تقولوا على الله} ما لا علم ~~لكم به من تحليل الحرام ، أو تحريم الحلال ، أو ادعاء الولد أو الصاحبة في ~~جانب الكبير المتعال. # 172 PageV01P210 ~~الإشارة : اعلم أن الحق تعالى جعل للبشرية قوتا ونعيما تتنعم به ، وجعل ~~للروح قوتا ونعيما تتلذذ به ، فقوت البشرية الطعام والشراب ، ونعيمها : ~~الملابس والمناكح والمراكب. وقوت الروح : اليقين والعلوم والأنوار ، ~~ونعيمها : الشهود والاستصبار والترقي في المعارف والأسرار ، فكما أن النفس ~~تأكل مما في الأرض حلالا طيبا ، كذلك الروح تأكل مما في الأرض حلالا طيبا ، ~~إلا أن أكل النفس حسي ، وأكل الروح معنوي ، وهو التفكر والاعتبار ، أو ~~الشهود والاستبصار ، وفي ذلك يقول المجذوب رضي الله عنه : # جزء : 1 رقم الصفحة : 172 # الخلق نوار # وأنا رعيت فيهم # هم الحجاب الأكبر # والمدخل ms0148 فيهم # وقال الششتري رضي الله عنه : # عين الزحام هو # المسير لحينا # وكان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه يقول : (من أراد أن يذوق فليذهب ~~إلى السوق). وذلك لأنه مظنة الزحام ، وفيه عند الأقوياء الربح التام ، ~~فيقال لهم : يا أيها الناس الكاملون في الإنسانية ؛ كلوا مما في الأرض ~~بأرواحكم وأسراركم ، شهودا واعتبارا ، حلالا طيبا ، ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان ، فتقفوا مع ظواهر الأكوان ، فتحجبوا عن الشهود والعيان ، فإنه لكم ~~في صورة العدو المبين ، لكنه في الحقيقة يحشوكم إلى الرسوخ والتمكين ، لأنه ~~كلما حرككم بنزغه فزعتم إلى ربكم في دفعه ، حتى يمكنكم من حضرته ، فإنما ~~يأمركم بما يسوء وجوهكم ويغم قلوبكم ، من مفارقة شهود الأحباب ، والوقوف من ~~وراء الباب ، وأن تقولوا على الله ما ليس بحق ولا صواب ، كثبوت السوي ، أو ~~الالتفات إلى الهوى. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 172 PageV01P211 ~~قلت : الضمير في {لهم} يعود على {من يتخذ من دونه الله أندادا} ، أو على ~~{الناس} ، من قوله : {يا أيها الناس} ، أو على {اليهود} المتقدمين قبل ، ~~وألفى : بمعنى وجد ، يتعدى إلى مفعولين ، وهما هنا : {آباءنا} والجار ~~والمجرور ، أي : نتبع في الدين ما وجدنا آباءنا كائنين عليه. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا قيل} لهؤلاء المشركين من كفار العرب : ~~{اتبعوا ما أنزل الله} على سوله من التوحيد ، وترك الأنداد له والأمثال ، ~~وتحريم الحرام وتحليل # 173 # الحلال ، {قالوا بل نتبع} ما وجدنا {عليه آباءنا} من عبادة الأصنام ، ~~وارتكاب المعاصي والآثام ، قال الحق جل جلاله : أيتبعونهم تقليدا وعمى ، ~~ولو كان آباؤهم جهلة {لا يعقلون شيئا} من الدين ، ولا يتفكرون في سبيل ~~المهتدين ؟ ! وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : دعا النبي صلى الله عليه ~~وسلم اليهود إلى الإسلام ، ورغبهم فيه ، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن ~~عوف : بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ، فهم كانوا خيرا وأعلم منا ، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. ه. # الإشارة : وإذا قيل لمن أكب على دنياه ، واتخذ إلهه هواه ، فأشرك في محبة ~~الله سواه : أقلع عن حظوظك وهواك ، وأفرد الوجهه ms0149 إلى مولاك ، واتبع ما أنزل ~~الله من وجوب مخالفة الهوى ومحبة المولى ، قال : بل أتبع ما وجدت عليه ~~الآباء والأجداد ، وأكب عليه جل العباد ، فيقال له : أتتبعهم في متابعة ~~الهوى ، ولو كانوا لا يعقلون شيا من طرق الهدى ؟ وقد قال - عليه الصلاة ~~والسلام - : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " ه.. # جزء : 1 رقم الصفحة : 173 # قلت : {ومثل} الخ ، يحتمل أن يكون على حذف مضاف ، أي : مثل واعظ الذين ~~كفروا ، أو لا يحتاج إلى تقدير. وسأتي بيانه ، ونعق ، كضرب ، ينعق نعقا ~~ونعيقا ، إذا صاح وزجر. PageV01P212 # يقول الحق جل جلاله : {ومثل} واعظ {الذين كفروا} وداعيهم إلى الله {كمثل} ~~الراعي الذي يرعى البهائم ، وينعق عليها ؛ ليزجرها ، أو يدعوها فإذا سمعت ~~النداء رفعت رؤوسها ولم تعقله ، ثم عادت إلى مراعيها ، فلا تسمع من الراعي ~~يزجرها {إلا دعاء ونداء} ، ولا تفقه ما يقول لها ، كذلك الكفار المنهمكون ~~في الكفر ، إذا دعاهم أحد إلى التوحيد لا يلتفتون إليه ، ولا يفقهون ما ~~يقول لهم ، كالبهائم أو أضل. # أو {مثل الذين كفروا} في انهماكهم في التقليد والجهل ، مع من يدعوهم إلى ~~الله {كمثل} بهائم الذي ينعق ويصيح عليها صاحبها فلا تسمع {إلا دعاء ونداء} ~~ولا تفقه ما يقول لها ، أو {مثل الذين كفروا} في دعائهم الأصنام التي لا ~~تسمع ولا تعقل ، كمثل الناعق بغنمه ، فلا ينتفع من نعيقه بشيء ، غير أنه في ~~عناء وتعب من دعائه وندائه ، ثم # 174 # وصفهم بالصمم والبكم والعمى مجازا ، أي : هم {صم} عن سماع الحق فلا ~~يعقلونه ، {بكم} عن النطق به ، {عمي} عن النظر إلى أسبابه ، أو عن الهدي ~~فلا يبصرونه ، {فهم لا يعقلون} شيئا ولا يتدبرون. # الإشارة : إذا تمكن الهوى من القلوب عز دواؤه وشق علاجه ، وعظم على ~~الأطباء عناؤه ، فالمنهمكون في الغفلة لا ينفع فيهم التذكير ، ولا ينجح ~~فيهم التخويف والتحذير ، فالواعظ لهم كالناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا ~~دعاء ونداء ، قد أعماهم الهوى ، وأصمهم عن سماع أسباب الهدي : # إن الهوى ما تولى يصم أو يصم # فلا ms0150 يقلع الهوى من قلوبهم إلا بسابق العناية ، أو هبوب ريح الهداية ، ~~فتثير في قلوبهم خوفا مزعجا ، أو شوقا مقلقا ، أو نورا خارقا {وما ذلك على ~~الله بعزيز} [إبراهيم : 20]. # جزء : 1 رقم الصفحة : 174 # قلت : أصل اضطر : اضترر ، على ومن افتعل ، من الضرر ، أبدلت التاء طاء ~~لقرب مخرج التاء من الطاء ، قال في الألفية : # طا تا افتعال رد إثر مطبق PageV01P213 ~~ثم أدغمت الراء في الراء بعد ذهاب حركتها ، وقرأ أبو جعفر : بكسر الطاء حيث ~~وقع : ووجهه : نقل حركة الراء إلى الطاء ، وأصل البغي : قصد الفساد ، يقال ~~: بغي الجرح بغيا ، إذا ترامى إلى الفساد ، ومنه قيل للزنا : بغاء ، ~~وللزانية : بغي ، وأصل العدوان : الظلم ومجاوزة الحد ، يقال : عدا يعدوا ~~عدوانا وعدوا. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا كلوا} من لذيذ {طيبات ما ~~رزقناكم} وقفو عند ما حل لكم ولا تحرموا برأيكم ما أحللنا لكم ، كما فعل من ~~سلف قبلكم ، # 175 # {واشكروا} نعمة الله عليكم الظاهرة والباطنة {إن كنتم} تخصونه بعبادتكم ، ~~فقد أحللنا لكم جميع ما خلقنا لكم على وجه الأرض التي تقلكم. # {إنما} حرمنا {عليكم} ما فيه ضرركم كالميتة لخبثها ، {والدم} لأنه يقسي ~~قلوبكم ، {ولحم الخنزير} لأنه يورث عدم الغيرة ، وما ذكر عليه غير اسم الله ~~، وهو الذي {أهل به لغير الله} أي : رفع الصوت عند ذبحه لغير الله ، وهو ~~الصنم {فمن اضطر} وألجىء إلى شيء من هذه المحرمات ، {غير باغ} أي : ظالم ~~بأكلها اختيارا ، {ولا عاد} متعد بتعدى الحلال إلى الحرام ، فيأكلها وهو ~~غني عنها {فلا إثم عليه} ، {أو غير باغ} غير قاطع للطريق ، {ولا عاد} : ~~مفارقة للأمة خارج عن الجماعة ، فمن خرج يقطع الرحم ، أو يخيف ابن السبيل ، ~~أو يفسد في الأرض ، أو أبق من سيده ، أو فر من غريمه أو عاصيا بسفره ، ~~واضطر إلى شيء من هذه ، فلا تحل له حتى يتوب ويأكل ، {فإن الله غفور رحيم}. ~~وقال سهل بن عبد الله : {غير باغ} : غير مفارق للجماعة {ولا عاد} : مبتدع ~~مخالف للسنة ، فلم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند ms0151 الضرورات. PageV01P214 # الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان أهل العرفان ، كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم من حلاوة الشهود والعيان ، واشكروا الله الكريم المنان ، إن كنتم ~~تخصونه بالعبادة والإحسان أو : يا أيها الذين آمنوا إيمان أهل الصفاء ، ~~ووقفوا مع الحدود ووقوف أهل الوفاء ، كلوا من طيبات ما رزقناكم من ثمرات ~~بساتين العلوم ، واشكروا لله يزدكم من المواهب والفهوم ، إن كنتم تعبدون ~~الحي القيوم ، إنما حرم عليكم ما يعوقكم عن هذه المواهب ، أو ينزلكم عن ~~منابر تلك المراتب ، كالميل إلى جيفة الدنيا ، أو الركون إلى متابعة الهوى ~~، أو تأخذون منها ما قصد به غير الله ، أو تقبضونها من يد غير الله ، فمن ~~اضطر إلى أخذ شيء من نجاستها ، فأخذ القدر الذي احتاج إليه منها ، دون ~~التشوف إلى ما زاد عليه ، غير قاصد بذلك شهوة ولا متعة ، ثم إثم عليه ، إن ~~الله غفور رحيم. قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه لما تكلم على ~~الغني بالله ، قال : (علامته هو الذي ترك الدنيا للخلق ، حتى لا يكون له ~~فيها حق معهم ، إلا ما فضل عنهم من بعد اضطراره واحتياجه ، ويترك الآخرة ~~لمولاه ، حتى لا يكون له فيها حق إلا النظر في وجه الله ، ويترك أيضا نفسه ~~لله حتى لا يكون فيها حق إلا حق مولاه ، ولا إرادة له إلا ما أراد مولاه ، ~~ويكون كالغصن الرطب أينما مالت به الريح يلين ويميل معها ، ولا ينكر على ~~الخلق حالا من أحوالهم). ه. # 176 # جزء : 1 رقم الصفحة : 175 # قلت : {ما} تعجبية ، مبتدأ ، وهي نكرة ، وسوغ الابتداء معنى التعجب ، ~~وجملة {أصبرهم} خبر ، أي : أي شيء عظيم صيرهم صابرين ، أو استفهامية ، أي : ~~أي شيء حملهم على الصبر على النار ؟ PageV01P215 # يقول الحق جل جلاله : في رؤساء اليهود وعلمائهم ، كانوا يصيبون من سفلتهم ~~الهدايا والخراج ، ويدعون أن النبي المبعوث منهم ، فلما بعث نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم خافوا ذهاب مأكلتهم ورئاستهم ، فأنزل الله : {إن الذين ~~يكتمون ما أنزل الله} في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ms0152 ، ~~ويحرفونها في المعنى وينزعونها {من الكتاب} أي : التوراة ، {ويشترون} بذلك ~~التحريف {ثمنا قليلا} أي : عوضا حقيرا يذهب ويفنى في زمان قليل {أولئك} ~~الذين يكتمون ويأكلون ذلك العوض الحقير - {ما يأكلون في بطونهم} إلا نار ~~جهنم ؛ لأنهم مآلهم وعقوبة أكلهم ، {ولا يكلمهم الله} إهانة وغضبا عليهم ~~حين يكلم أولياءه ويسلم عيلهم ، {ولا يزكيهم} أي : لا يطهرهم من دنس ذنوبهم ~~حتى يتأهلون للحضرة ، {ولهم عذاب أليم} موجع. {أولئك الذين} استبدلوا ~~{الضلالة بالهدى} أي : باعوا الهدى واشتروا به الضلالة ، واستبدلوا {العذاب ~~بالمغفرة} التي كانت لهم لو آمنوا وبينوا ، فما أجرأهم على اقتحام النار ~~باقتحام أسبابها ، أو فما أبقاهم في النار ، أو ما الذي أصبرهم على النار ~~حتى تركوا الحق ومالوا إلى الباطل ؟ ! استفهام توبيخي. # {ذلك} العذاب الذي استحقوه وتجرءوا عليه بسبب أن {الله} تعالى {نزل ~~الكتاب} القرآن ملتبسا {بالحق} ، فاختلفوا فيه ؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ، ~~{وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} أي : لفي خلاف وضلال بعيد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 177 PageV01P216 ~~الإشارة : كل من كتم علمه ، ولم ينشره إلا في مقابلة حظ دنيوي ، صدق عليه ~~قوله تعالى : {ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ~~النار}. روي أن بعض الصحابة كان يقرئ أهل الصفة ، فأهدى له أحدهم قوسا ، ~~فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله : كنت أعلم أهل ~~الصفة فأهدى لي فلان قوسا ، وقال : هو لله ، فقال له - عليه الصلاة والسلام ~~- : " لقد تقلدت قوسا من نار جهنم " أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، وأمره ~~برده. ولعل # 177 # هذا من باب الورع ، فأراد عليه السلام أن يرفع همة ذلك الصحابي ، وإلا ~~فقد ورد في الحديث : " أحق ما أخذتم عليه الأجر كتاب الله ". فمن ملكته ~~نفسه ، وأسره الهوى ، فقد اشترى الضلالة بالهدى ، اشترى الضلالة عن طريق ~~أولياء الله ، بالهدى الذي كان له ملك نفسه وهواه ، وعذاب القطيعة والحجاب ~~، بالمغفرة والدخول مع الأحباب ، فما أصبرهم على غم الحجاب وسوء الحساب ، ~~سبب ذلك اختلاف قلبه ، وتفريق همه ولبه ms0153 ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - ~~: " اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا " أو كما ~~قال : وسببت تفرق القلب وعدم حضوره ، حب الدنيا فقد قال عليه الصلاة ~~والسلام : " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره ، وجعل ~~فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا من قسم له ، ومن كانت الآخرة نيته ~~، جمع الله عليه أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ". ~~والقلب الذي اختلف في فهم الكتاب وتشتت عنه في شقاق بعيد عن الحضرة ؛ لأن ~~عنوان صحة القلب : جمعه على كلام الله وتدبر خطابه والتلذذ بسماعه ، وقد ~~تقدم في أول السورة درجات القراءة : فانظره إن شئت. وبالله التوفيق. PageV01P217 # جزء : 1 رقم الصفحة : 177 # قلت : لما ذكر الحق تعالى التوحيد وبراهينه الذي هو رأس الدين ، وحذر من ~~الشرك وفروعه ، ذكر هنا بقية أركان الدين ، وهي الإيمان والإسلام ، ذكر في ~~هذه الآية قواعد الإيمان وبعض قواعد الإسلام ؛ وهي الصلاة والزكاة ، ثم ذكر ~~بعد ذلك الصيام وأحكامه ، ثم ذكر الحج وأركانه ، ثم ذكر الجهاد والنكاح ~~والطلاق والعدة ، ثم ذكر البيوع ، وما يتعلق بها من الربا ، ثم الشهادات ~~والرهان ، وبها ختم السورة. # لكن الحديث ذو شجون ، والكلام يجر بعضه بعضا ، فقوله : {ليس البر أن ~~تولوا} : اسم ليس وخبرها ، وكلاهما معرفتان ، الأول بأل والثاني بالإضافة ، ~~إذا التقدير : تولية وجوهكم ، فمن رجح تعريف الألف واللام. جعل {البر} ~~اسمها ، و{أن تولوا} # 178 # خبرها ، وبه قرأ الأكثر ، ومن رجح الإضافة جعل {البر} خبرها مقدما ، ~~والمصدر اسمها مؤخرا ، وبه قرأ حمزة وحفص. # وقوله : {ولكن البر} من خفف جعلها عاطفة الجملة ، و{البر} مبتدأ ، و{من ~~آمن} خبر على حذف مضاف ، أي : بر من آمن ؛ إذ لا يخبر بالذات عن المعنى ، ~~أو قصد المبالغة ، ومن شدد نصب بها ، لوقوعها بين جملتين ، وهي استدراكية ، ~~و{على حبه} حال من المال ، و{الصابرين} نصب على المدح ، ولم يعطفه بالرفع ~~لفضل الصبر وشرفه. # يقول الحق جل جلاله : في الرد على أهل الكتاب : {ليس البر} محصورا في شأن ~~القبلة ، {ولكن البر} الذي ms0154 ينبغي أن يعتنى بشأنه هو الإيمان بالله ، وما ~~يجب له من الكمالات ، وباليوم الآخرة وما بعده ، وبالملائكة وما يجب أن ~~يعتقد في شأنهم ، والكتاب المنزل من السماء كالقرآن وغيره ، {والنبيين} وما ~~يجب لهم وما يستحيل في حقهم. PageV01P218 # فالبر هو بر من اعتقد في قلبه هذه الأشياء ، وأظهر على جوارحه ما يصدق صحة ~~اعتقادها ، وذلك كالاتصاف بالسخاء والكرم ، فأعطى المال على محبته له ، أي ~~: مع حبه ، فقد سئل - عليه الصلاة والسلام - : " أن تتصدق وأنت صحيح شحيح ، ~~تأمل الغنى وتخشى الفقر " و{آتى المال} على حب الله ، لا جزاء ولا شكورا ، ~~فأعطى ذلك المال ذوي قرابته المحاويج ، وقدمهم لقوله - عليه الصلاة والسلام ~~- : " صدقتك على المساكين صدقة ، وعلى ذوي القربى اثنتان ؛ صدقة وصلة " ~~وأعطى {اليتامى} لإهمالهم ، وأعطى {المساكين} الذين أسكنهم الفقر في بيوتهم ~~، {وابن السبيل} وهو المسافر الغريب ، كأن الطريق ولدته ، أو الضيف ~~{والسائلين} ألجأتهم الحاجة إلى السؤال. وفي الحديث : " أعط السائل ولو على ~~فرسه " وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : " هدية الله إلى المؤمن السائل على ~~بابه " وأعطى في فك {الرقاب} من الرق أو الأسر. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 178 # وأقام الصلاة} المفروضة ، {وآتى الزكاة} المعلومة. ومن أهل البر أيضا : ~~{الموفون بعهدهم} فيما بينهم وبين الله ، وفيما بينهم وبين الناس {إذا ~~عاهدوا} الله أو عبادة ، فإذا وعدوا أنجزوا ، وإذا حلفوا أو نذروا أوفوا ، ~~وإذا قالوا صدقوا ، وإذا ائتمنوا أدوا ، وأخص من أهل البر {الصابرين في ~~البأساء} كالفقر والذل وإذاية الخلق ، و{الضراء} كالمرض والزمانة ، أو ~~{البأساء} : الأهوال ، و{الضراء} في الأنفس ، والصابرين {حين البأس} أي : ~~الحرب والجهاد ، {أولئك الذين صدقوا} في طلب الحق ، {وأولئك هم المتقون} ~~لكل ما يقطع عن الحق ، أو يشغل عنه. فقد اشتملت هذه # 179 PageV01P219 ~~الآية على كمالات الإنسان بأسرها ؛ لاشتمالها على ما يزين البواطن من ~~الاعتقادات وما يزين الظواهر من المعاملات ، وما يزكي النفوس من الرذائل ~~ويحليها بالمحاسن والكمالات. ولذلك وصف المتصف بها بالصدق والتقى ، اللذين ~~هما أساس الطريقة ومبنى أسرار التحقيق ، وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى ~~سواء الطريق. # الإشارة : ليس ms0155 المطلوب من العبد أن يتوجه إلى الحق بجهة مخصوصة ، كما إذا ~~توجه إليه بالظاهر وأهمل الباطن ، أو توجه بالباطن وأهمل الظاهر ، ولكن ~~المطلوب منه أن يزين باطنه بأنوار الإيمان واليقين ، ويزين ظاهره بسائر ~~وظائف الدين ، ويزكي نفسه من الرذائل ؛ كالشح والبخل والغش والخيانة والكذب ~~والخوف والجزع ، ويحليها بأنواع الفضائل ؛ كالسخاء والكرم والوفاء بالعهد ~~والأمانة ، والصبر والشجاعة ، والعفة والقناعة ، وسائر أنواع الفضائل ، ~~فإذا تخلى عن الرذائل وتحلى بأضدادها من الفضائل استحق الدخول مع الأبرار ، ~~وكان من العارفين الكبار ، أولئك الذين ظفروا بصدق الطلب فنالوا الغاية من ~~كل مطلب ، وأولئك هم المتقون حق التقاة ، فنالوه أعلى الدرجات ، منحنا الله ~~من ذلك الحظ الوافر بمنه وكرمه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 178 PageV01P220 ~~قلت : {عفا} لازم يتعدى بالحرف : بعن إلى الجناية ، وباللام إلى الجاني ، ~~فيقال : عفوت لفلان عن جنايته و{ابتاع} خبر عن مضمر ، أي : فالأمر اتباع ، ~~و{حياة} مبتدأ و{في القصاص} خبره ، و{لكم} خبر ثان ، أو صلة له ، أو حال من ~~الضمير المستكن فيه. وفيه من البلاغة والفصاحة ما لا يخفى ، جعل الشيء مجيء ~~ضده ، وعرف القصاص ونكر الحياة ليدل على التعظيم والتعميم ، أي : ولكم نوع ~~من الحياة عظيم ، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل ، فيكون سبب حياة ~~نفسين ، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل ، والجماعة بالواحد ، فتثور الفتنة ~~بينهم ، فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون ، ويصير ذلك سببا لحياتهم. قاله ~~البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : يا أيها المؤمنون {كتب عليكم القصاص في} شأن ~~{القتلى} في العمد ، فاستسلموا للقصاص ، فالحر يقتل {بالحر} ، ولا يقتل ~~بالعبد. بل يغرم قيمته لسيده ، ودليله قوله - عليه الصلاة والسلام- : " لا ~~يقتل مسلم بكافر ولا حر # 180 # بعبد " والعبد يقتل بالعبد ، إن أراد سيد المقتول قتله ، فإن استحياه خير ~~سيده بين إسلامه وفدائه بقيمة العبد. وكذلك إن قتل الحر خير أولياؤه بين ~~قتله أو استرقاقه ، فإن استحيوه خير سيده بين إسلامه وفدائه بدية الحر ~~العمد ، والأنثى تقتل بالأنثى والذكر ، والذكر يقتل بالأنثى. # وتخصيص الآية بالمساوي ، قال مالك : (أحسن ما سمعت في هذه ms0156 الآية : أنه ~~يراد بها الجنس - أي : جنس الحر - والذكر والأنثى فيه سواء. وأعيد ذكر ~~الأنثى تأكيدا وتهمما بإذهاب أمر الجاهلية). ه. يعني أن (أل) في الحر : ~~للجنس ، تشمل الذكر والأنثى. وأعاد ذكر الأنثى اهتماما برد ما كان يفعله ~~الجاهلية من عدم القود فيها. PageV01P221 # ثم قال الحق جل جلاله : {فمن عفي له من} دم أخيه {شيء} ولو قل ، فقد سقط ~~القتل ، فالواجب اتباع للقاتل بالدية {بالمعروف} من غير تعنيف ولا تعنيت ، ~~و{أداء} من القاتل {بإحسان} من غير مطل ولا بخس. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 180 PageV01P222 ~~ذلك} - الذي شرعت لكم من أمر العفو والدية - {تخفيف من ربكم ورحمة} بكم ، ~~وقد كتب على اليهود القصاص وحده ، وعلى النصارى مطلقا. وخيركم أيها الأمة ~~المحمدية بين أخذ الدية والقصاص. {فمن اعتدى} بعد أخذ الدية وقتل {فله عذاب ~~أليم} في الدنيا والآخرة ، في الدنيا : بأن يقتل لا محالة ؛ لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - : " لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدية ". {ولكم} يا معشر ~~المسلمين {في} تشريع {القصاص حياة} عظيمة في الدنيا ، لانزجار القاتل إذا ~~علم أنه يقتص منه ، وقد كانوا يقتلون الجماعة في الواحد ، فسلموا من القتل ~~بشروع القصاص ، أو في الآخرة ، فإن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤخذ ~~به في الآخرة ، فاعتبروا {يا أولي الألباب} أي : العقول الكاملة ، ما في ~~حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس ، {لعلكم تتقون} الله في ~~المحافظة على القصاص ، والحكم به والإذعان له ، أو تكفون عن القتل خوفا من ~~الله. الإشارة : كما جعل الله القصاص في الجناية الحسية ، جعل القصاص في ~~الجناية المعنوية ، وهي الجناية على النفس بسوء الأدب مع الله ، فكل من صدر ~~منه هفوة أو زلة ، اقتص الحق تعالى منه في دار الدنيا ، إن كانت له من الله ~~عناية ، الكبيرة بالكبيرة والصغيرة بالصغيرة : وتأمل قضية الرجل الذي كان ~~يطوف بالكعبة ، فنظر إلى امرأة ، فلطمته كف من الهوى ، وذهبت عينه ، فقال : ~~آه ، فقيل له : لطمة بنظرة ، وإن زدت زدنا. ه. وقضية أبي تراب النخشبي : ~~قال رضي الله عنه ms0157 : ما تمنت نفسي شهوة من الشهوات إلا مرة واحدة ، تمنيت ~~خبزا وبيضا وأنا في سفر ، فعدلت إلى قرية ، فقام واحد ، وتعلق بي ، وقال : ~~هذا رأيته مع اللصوص ، فضربوني سبعين درة ، ثم عرفني رجل منهم ، وحملني إلى ~~منزله ، وقدم لي خبزا وبيضا ، فقلت في نفسي : كل بعد سبعين درة. # 181 # جزء : 1 رقم الصفحة : 180 PageV01P223 ~~قلت : {إذا حضر} ظرف ، العامل فيه : {كتب} ، أي : توجه إيجاب الوصية عليكم ~~إذا حضر الموت. أو مصدر محذوف يفهم من الوصية ، أي : كتب عليكم الإيصاء إذا ~~حضر الموت ، و{الوصية} نائب فاعل {كتب} ، ولا يصح أن تعمل في {إذا} ؛ ~~لتقدمه عليها ؛ لأن المصدر لا يعمل في ما قبله ، إلا على مذهب الأخفش. ~~اللهم إلا أن يتوسع في الظروف ، وجواب الشرطين محذوف ، أي : إذا حضر الموت ~~، إن ترك خيرا ، فقد كتبت عليه الوصية. والجنف : الميل عن الصواب ، فإن كان ~~خطأ فهو جنف بلا إثم ، وإن كان عمدا فهو جنف إثم. # 182 # يقول الحق جل جلاله : كتب الله {عليكم} أن توصوا للوالدين والأقربين {إذا ~~حضر أحدكم الموت إن ترك} المستحضر {خيرا} أي : مالا : قال سيدنا علي - كرم ~~الله وجهه - : (ألف درهم فصاعدا ، فلا وصية في أقل). وقال النخعي : ~~(خمسمائة درهم لا أقل). وقال الزهري : (تجب فيما قل وكثر) ، وعن عائشة - ~~رضي الله عنها - : (أن رجلا أراد أن يوصي ، فسألته : كم مالك ؟ فقال : ~~ثلاثة آلاف. فقالت : كم عيالك ؟ فقال : أربعة ، فقالت : لا ، إنما قال الله ~~تعالى {إن ترك خيرا} وإن هذا لشيء يسير ، فاتركه لعيالك). PageV01P224 # وتكون تلك الوصية {بالمعروف} ، أي : بالعدل ، فلا يفضل الذكور ، ولا يتجاوز ~~الثلث. فقد حق الله ذلك {حقا} واجبا {على المتقين} ، فمن غيره من الأوصياء ~~أو الشهود {بعدما سمعه} وعلمه ، {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} من ~~الأوصياء أو الشهود ، لأنه هو الذي خالف الشرع وغير دون الميت ، {إن الله ~~سميع عليم} فلا يخفى عليه من بدل أو غير ، فهو حسيبه ومعاقبه ، {فمن خاف} ~~أي : علم {من موص جنفا} أي : ميلا بالخطأ في الوصية ، {أو إثما} تعمدا ms0158 ~~للجنف ، {فأصلح} بين الموصى لهم وبين الورثة ، بأن أجراهم على منهاج الشرع ~~، أو نقص للموصى لهم ، أو زاد لمصلحة رآها {فلا إثم عليه} ؛ لأنه تبديل ~~لمصلحة. والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى ، {إن الله غفور ~~رحيم} فيغفر للمبدل لمصلحة ويرحمه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 182 # وهذه الآية منسوخة في وصية الوالدين : محكمة في الأقربين غير الوارثين ، ~~بقوله - عليه الصلاة والسلام - في الحيدث المشهور : " إن الله أعطى كل ذي ~~حق حقه. فلا وصية لوارث " فإذا كان الوالدان غير وارثين كالكافرين أو ~~العبدين فهي محكمة ، والله تعالى أعلم. PageV01P225 # الإشارة : اعلم أن المريد إذا منع نفسه من الشهوات ، وحفظ قلبه من الخطرات ~~، وصان سره من الغفلات - وأعظم الشهوات حب الرئاسة والجاه ، فإذا قتل نفسه ~~ونزل بها إلى السفليات حتى حضرها الموت ، وانقطع عنها الخواطر والخيالات - ~~فإنها تفيض بالعلوم والواردات ، فالواجب من طريق الجزم أن يفيد تلك العلوم ~~، أو يوصي من يقيدها لينتفع بها الوالدن وهما الأشياخ ، والأقربن وهم ~~الإخوان. فإن الحكمة ترد في حال التجلي كالجبل ، فإن لم يقيدها وأهملها ، ~~رجعت كالجمل ، فإن أهملها رجعت كالكبش ، فإن أهملها رجعت كالطير ، ثم ترجع ~~كالبيضة ثم تذهب. هكذا كان يقول شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه ، ~~وكان شيخه سيدي العربي بن عبد الله يقول له : (إن ورد عليكم وارد فقيده ~~وأعطني منه نسخة). وهكذا كان أشياخنا يأمروننا بتقييد الواردات ، فمن قيد ~~واردا أو سمعه من غيره ، فلا يغيره بمجرد رأيه وهواه. فإن تحقق منه نقصا أو ~~ميلا عن منهاج الطريقة والحقيقة ، فأصلحه ، فلا إثم عليه ، {إن الله غفور رحيم} # 183 # ولما ذكر في الآية المتقدمة قاعدتين من قواعد الإسلام في قوله : {وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة} ، بعد أن ذكر قواعد الإيمان ، ذكر القاعدة الثالثة ، ~~وهي الصيام # جزء : 1 رقم الصفحة : 182 # قلت : {أياما} منصوب على الظرفية ، واختلف في العامل فيه ، والأحسن أنه ~~الصيام ، ولا يضره الفصل ؛ لأن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره ، ~~و{معدودات} نعت له ، و{عدة} مبتدأ ؛ أي : فعليه ms0159 عدة. و{أخر} ممنوع من الصرف ~~للعدل عن الألف واللام والوصف. و{شهر رمضان} إما خبر عن مضمر ، أو مبتدأ ، ~~والخبر : الألف واللام والوصف : و{شهر رمضان} إما خبر عن مضمر ، أو مبتدأ ، ~~والخبر : {فمن شهد} ، أو بدل من {الصيام} ، على حذف مضاف ، أي : صيام شهر رمضان. PageV01P226 # و{رمضان} مصدر رمض إذا احترق ، وأضيف إليه الشهر ، وجعل علما ، ومنع من ~~الصرف للعلمية والألف والنون. وسموه بذلك إما لارتماض القلب فيه من حر ~~الجوع والعطش ، أو لارتماض القلب فيه من حر الجوع والعطش ، أو لارتماض ~~الذنوب فيه ، أو وافق الحر حين نقلوا الشهور عن اللغة القديمة. و{الشهر} ~~ظرف ، لقوله : {شهد} أي : حضر ، وقوله : {ولتكلموا...} الآية ، هذه ثلاث ~~علل لثلاثة أحكام على سبيل الف والنشر المعكوس ، أي : ولتكملوا العدة ~~أمرتكم بقضاء عدة أيام أخر ، ولتكبروا الله عند تمام الشهر أمرتكم بصيام ~~الشهر كله ، ولعلكم تشكرون أردت بكم اليسر دون العسر. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} فرض عليكم {الصيام} كما فرض ~~{على الذين من قبلكم} من الأنبياء وأممهم من لدن آدم ، فلكم فيهم أسوة ، ~~فلا يشق عليكم {لعلكم تتقون} المعاصي ، فإن الصوم يكسر الشهوة. ولذلك قال - ~~عليه الصلاة والسلام- : " من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع ~~فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء ". وذلك الصيام إنما هو في أيام قلائل ~~{معدودات} فلا يهولكم أمره ، {فمن كان منكم مريضا} يشق عليه الصيام ، {أو ~~على سفر} فأفطر فعليه صيام عدة ما أفطر {من # 184 # أيام أخر} بعد تمام الشهر ، {وعلى الذين يطيقونه} بلا مشقة ، إن أرادوا ~~أن يفطروا {فدية} وهي : {طعام مساكين} : مد لكل يوم. وفي قراءة {فدية طعام ~~مسكين} أي : وهي طعام مسكين لكل يوم. وقيل : نصف صاع. {فمن تطوع} بزيادة ~~المد ، أو أطعم مسكينين عن يوم ، {فهو خير له} وأعظم أجرا ، {وإن تصوموا} ~~أيها المطيقون للصيام ، {خير لكم إن كنتم تعلمون} ما في الصيام من الأسرار ~~، والخير المدرار ، ثم نسخ بقوله : {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 184 PageV01P227 ~~وذلك الصيام الذي أمرتم به ms0160 هو {شهر رمضان} المبارك {الذي أنزل فيه القرآن} ~~أي : ابتداء نزوله فيه. أو إلى سماء الدنيا ، حالة كونه {هدى للناس} أي : ~~هاديا لهم إلى طريق الوصول ، وآيات واضحات {من الهدى والفرقان} الذي يفرق ~~بين الحق والباطل. وإن شئت قلت : فيه هدى للناس إلى مقام الإسلام ، ~~{وبينات} ، أي : حججا واضحة تهدي إلى تحقق الإيمان ، وإلى تحقق الفرق بين ~~الحق والباطل ، وهو ما سوى الله ، فيتحقق مقام الإحسان. {فمن} حضر منكم في ~~{الشهر} ولم يكن مسافرا {فليصمه} وجوبا ، وكان في أول الإسلام على سبيل ~~التخيير ؛ لأنه شق عليهم حيث لم يألفوه ، فلما ألفوه واستمروا معه ، حتمه ~~عليهم في الحضور والصحة. {ومن كان مريضا} يشق عليه الصيام ، {أو على} جناح ~~{سفر} بحيث شرع فيه قبل الفجر فأفطر فيه ، فعليه {عدة من أيام أخر} {يريد ~~الله بكم اليسر} والتخفيف ، حيث خفف عنكم ، وأباح الفطر في المرض والسفر ، ~~{ولا يريد بكم العسر} إذ لم يجعل عليكم في الدين من حرج ، وإنما أمركم ~~بالقضاء {لتكلموا العدة} التي أمركم بها ، وهي تمام الشهر ، {ولتكبروا الله ~~على ما هداكم} ، أمركم بصيامه فتكبروا عند تمامه. # ووقت التكبير عند مالك : من حين يخرج إلى المصلى ، بعد الطلوع ، إلى مجيء ~~الإمام إلى الصلاة ، ولفظه المختار : (الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا ~~الله ، الله أكبر ولله الحمد على ما هدانا ، اللهم اجعلنا من الشاكرين) ؛ ~~لجمعه بين التهليل والتكبير والشكر امتثالا لقوله : {ولعلكم تشكرون} على ما ~~أوليناكم من سابغ الإنعام ، وسهلنا عليكم في شأن الصيام. PageV01P228 # الإشارة : كتب عليكم الصيام عن الحظوظ والشهوات ، كما كتب على من سلك ~~الطريق قبلكم من العارفين الثقات ، في أيام المجاهدة والرياضات ، حتى ~~تنزلوا بساحة حضرة المشاهدات ، لعلكم تتقون شهود الكائنات ، ويكشف لكم عن ~~أسرار الذات ، فمن كان فيما سلف من أيام عمره مريضا بحب الهوى ، أو على سفر ~~في طلب الدنيا ، فليبادر إلى تلافي ما ضاع في أيام أخر ، وعلى الأقوياء ~~الذين يطيقون هذا الصيام ، إطعام الضعفاء من قوت اليقين ومعرفة رب ~~العالمين. فمن تطوع خيرا بإرشاد ms0161 العباد إلى ما يقوي يقينهم ، # 185 # ويرفع فهو خير له. وأن تدوموا أيها الأقوياء على صومكم عن شهود السوى ، ~~وعن مخالطة الحس بعد التمكين ، فهو خير لكم وأسلم ، إن كنتم تعلمون ما في ~~مخالطة الحس من تفريق القلب وتوهين الهمم ، إذ في وقت هذا الصيام يتحقق وحي ~~الفهم والإلهام ، وتترادف الأنوار وسواطع العرفان. فمن شهد هذا فليدم على ~~صيامه ، ومن لم يقدر عليه فليبك على نفسه في تضييع أيامه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 184 # واعلم أن الصيام على ثلاث درجات : صوم العوام ، وصوم الخواص ، وصوم خواص ~~الخواص. PageV01P229 # أما صوم العوام : فهو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج ، وما يقوم مقامهما من ~~الفجر إلى الغروب ، مع إرسال الجوارح في الزلات ، وإهمال القلب في الغفلات. ~~وصاحب هذا الصوم ليس له من صومه إلا الجوع ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " ~~من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " ~~وأما صوم الخواص : فهو إمساك الجوارح كلها عن الفضول ، وهو كل ما يشغل ~~العبد عن الوصول ، وحاصله : حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة عن الاشتغال بما ~~لا يعني. وأما صوم خواص الخواص : فهو حفظ القلب عن الالتفات لغير الرب ، ~~وحفظ السر عن الوقوف مع الغير ، وحاصله : الإمساك عن شهود السوى ، وعكوف ~~القلب في حضرة المولى ، وصاحب هذا صائم أبدا سرمدا. فأهل الحضرة على الدوام ~~صائمون ، وفي صلاتهم دائمون ، نفعنا الله بهم وحشرنا معهم. آمين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 184 # يقول الحق جل جلاله : في جواب رجل سأل : هل قريب ربنا فنناجيه ، أو بعيد ~~فنناديه ؟ فنزل : {وإذا سألك عبادي عني}. فقل لهم : {إني قريب} إليهم من ~~أرواحهم لأشباحهم ، ومن وسواس قلوبهم لقلوبهم ، علما وقدرة وإحاطة ، أجيب ~~دعوة الداعي إذا دعان ، سرا أو جهرا ، ليلا أو نهارا ، على ما يليق بحاله ~~في الوقت الذي نريد ، لا في الوقت الذي يريد ، {فليستجيبوا لي} إذا دعوتهم ~~للإيمان والطاعة ، أسلك بهم طريق المعرفة ، {وليؤمنوا بي} إني قريب منهم ~~فيستحيوا مني ، حياء من يرى أني معه حيث ms0162 كان ، {لعلهم يرشدون} إلى سلوك ~~طريقتي ودوام محبتي. # قال البيضاوي : اعلم أنه ، تعالى ، لما أمرهم بصوم الشهر ، ومراعاة العدة ~~على القيام بوظائف التكبير والشكر ، عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير ~~بأحوالهم ، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم ، مجازيهم على أعمالهم ، تأكيدا ~~وحثا عليه. ه. # 186 PageV01P230 ~~الإشارة : قرب الحق تعالى من عباده هو قرب المعاني من المحسوسات ، أو قرب ~~الصفات من الذات ، أو الذات من الصفات ، فإذا تحقق المحو والاضمحلال ، وزال ~~البين ، وثبت الوصال ، لم يبق قرب ولا بعد ولا بين ولا انفصال. قال الشيخ ~~القطب العارف الكبير سيدي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه لأبي الحسن رضي ~~الله عنه : حدد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء وعند كل شيء ، ومع كل شيء ، ~~وقبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، وقريبا من كل شيء ، ومحيطا بكل شيء ، بقرب هو ~~وصفه ، وبحيطة هي نعته ، وعد عن الظرفية والحدود ، وعن الأماكن والجهات ، ~~وعن الصحبة ، والقرب في المسافات ، وعن الدور بالمخلوقات ، وامحق الكل ~~بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن ، " كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن ~~على ما كان عليه كان ". # وقال بعض العارفين : الحق تعالى منزه عن الأين والجهة والكيف والمادة ~~والصورة. ومع ذلك لا يخلو منه أين ولا مكان ، ولا كم ولا كيف ، ولا جسم ، ~~ولا جوهر ولا عرض ، لأنه للطفه سار في كل شيء ، ولنوريته ظاهر في كل شيء ، ~~ولإطلاقه وإحاطته متكيف بكل كيف ، غير متقيد بذلك ، فمن لم يعرف هذا ولم ~~يذقه ولم يشهده فهو أعمى البصيرة ، محروم من مشاهدة الحق تعالى. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 186 # وهذه الإشارات لا يفهمها إلا أهل الذوق من أهل المعاني ، فاصحب الرجال ~~أهل المعاني تذق أسرارهم ، وتفهم إشاراتهم. وإلا فحسبك أن تعتقد كمال ~~التنزيه ، وبطلان التشبيه ، وتمسك بقوله تعالى : {ليس كمثله شىء وهو السميع ~~البصير} [الشورى : 11] ، وسلم للرجال في كل حال. # إن لم تر الهلال فسلم # لأناس رأوه بالأبصار # وإذا تحققت أن الحق قريب منك كفاك لسان الحال عن طلب المقال ، وبالله ~~التوفيق. ms0163 # جزء : 1 رقم الصفحة : 186 # 187 PageV01P231 ~~قلت : الرفث : محرك الجماع ، والفحش كالرفوث ، وكلام النساء في الجماع ، ~~قاله في القاموس ، وقال الأزهري اللغوي : الرفث : كلمة جامعة لكل ما يريد ~~الرجل من امرأته ، وضمنه هنا الإفضاء ، فعداه بإلى. # يقول الحق جل جلاله : في نسخ ما كان في أول الإسلام من تحريم الجماع في ~~رمضان بعد العشاء أو النوم ، ثم إن عمر رضي الله عنه باشر امرأته بعد ~~العشاء ، فندم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذر إليه ، فقام رجال ~~فاعترفوا بما صنعوا بعد العشاء فنزل قوله : {أحل لكم ليلة الصيام} قبل ~~الفجر ، الإفضاء {إلى نسائكم} بالجماع. وعبر بالرفث تقبيحا لما ارتكبوه. # ثم علل التحليل بقوله : {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} ، أي : وإنما أبحت ~~لكم الجماع لقلة صبركم عليهن ، حتى تعانقوهن ويعانقنكم ، فيشتمل بعضكم على ~~بعض ، كاشتمال اللباس على صاحبه ، كما قال الشاعر : # إذا ما الضجيع ثنى عطفها # تثنت فكانت عليه لباسا # جزء : 1 رقم الصفحة : 187 PageV01P232 ~~وهذه الحالة يقل فيها الصبر عن الوقاع ، {علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم} أي تخونونها فتعرضونها للعقاب ، وتحرمونها من الثواب ، {فتاب ~~عليكم} لما تبتم واعترفتم بما اقترفتم ، وعفا عنكم فمحا ذنوبكم ، {فالآن ~~باشروهن}. والمباشرة : إلصاق البشرة بالبشرة ، كناية عن الجماع ، {وابتغوا ~~ما كتب الله لكم} من النسل ، فلا تباشروهن لمجرد قضاء الشهوة ، بل اطلبوا ~~ما قدر الله لكم ، وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد ، لأنه هو المقصود من ~~تشريع النكاح ، وخلق الشهوة ، لا مجرد قضاء الوطر. وفي الحديث : " إذا مات ~~البعد انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم بثه في صدور الرجال ، ~~وولد صالح يدعوا له ". وفي حديث طويل عن عائشة - رضي الله عنهما - في قصة ~~الحولاء - امرأة من الأنصار - ، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ~~ما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل ، إلا لها من الأجر مثل القائم ليلة ~~الصائم نهاره ، والغازي في سبيل الله ، وما من امرأة يأتيها الطلق ، إلا ~~كان لها بكل طلقة عتق نسمة ، وبكل رضعة ms0164 عتق رقبة ، فإذا فطمت ولدها ناداها ~~مناد من السماء : قد كفيت العمل فيما مضى ، فاستأنفي العمل فيما بقي " قالت ~~عائشة - رضي الله عنها - : قد أعطي النساء خيرا كثيرا ، فما لكم يا معشر ~~الرجال ؟ # 188 PageV01P233 ~~فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : " ما من رجل مؤمن أخذ بيد امرأته ~~يراودها ، إلا كتب الله له حسنة ، وإن عانقها فعشر حسنات ، وإن ضاجعها ~~فعشرون حسنة ، وإن أتاها كان خيرا من الدنيا وما فيها ، فإذا قام ليغتسل لم ~~يمر الماء على شعره من جسده إلا محي عنه سيئة ، ويعطى له درجة ، وما يعطى ~~بغسله خيرا من الدنيا وما فيها ، وإن الله تعالى يباهي الملائكة فيقول : ~~انظروا إلى عبدي ؛ قام في ليلة قرة يغتسل من الجنابة ، يتيقن بأني ربه ، ~~اشهدوا أني غفرت له " ه. من الثعلبي. # ثم أباح الحق تعالى الأكل والشرب ، ليلة الصيام إلى الفجر ، فقال : ~~{وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} شبه أول ما ~~يبدوا من الفجر المعترض في الأفق ، بالخيط الأبيض ، وما يمتد معه من غبش ~~الليل ، بالخيط الأسود # ولم ينزل قوله تعالى : {من الفجر} إلا بعد مدة ، فحمله بعض الصحابة على ~~ظاهره ، فعمد إلى خيط أبيض وخيط أسود فجعلهما تحت وسادته ، فجعل يأكل وينظر ~~إليهما ، فلم يتبينا ، ومنهم عدي بن حاتم ، قال : فغدوت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته فضحك ، وقال : " إنك لعريض القفا ، إنما ذلك بياض ~~النهار وسواد الليل " ، والحديث ثابت في البخاري وغيره. واعترضه الزمخشري ~~بأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وذلك لا يجوز ، لما فيه من التكليف ~~بما لا يطاق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 187 PageV01P234 ~~وأجيب بأنه ليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وإنما فيه تأخير البيان ~~لوقت الحاجة ، وهو جائز. وبيان ذلك أنه لما نزل قوله تعالى : {حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون مراد الله منهما ، واستمر عملهم على ذلك ، فكانت الآية مبينة في ~~حقهم لا مجملة. وأما ms0165 عدي بن حاتم فكان بدويا مشتغلا بالصيد ، ولم يكن فيه ~~حنكة أهل الحاضرة ، فحمل الآية على ظاهرها ؛ ولذلك قال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : " إنك لعريض القفا " فنزلت الآية تبين لعدي مراد الله عند ~~الحاجة إلى البيان. مع أن السيوطي ذكر في التوشيح خلاف هذا ؛ ونصه : # قال بعضهم : كأن عديا لم يسمع هذه اللفظة من الآية ؛ لأنها نزلت قبل ~~إسلامه بمدة ، وذلك أن إسلامه كان في السنة التاسعة أو العاشرة ، بعد نزول ~~الآية بمدة ، قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام ، ~~فقال : " صل كذا ، وصم كذا ، فإن غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود ، فأخذ الخيطين... " الحديث. قال له - عليه الصلاة والسلام ~~: " ألم أقل لك من الفجر ؟ " فتبين أن قوله في الحديث : " فأنزل الله من ~~الفجر " من تصرف الرواة. ه. مختصرا ، فهذا صريح في أن الآية نزلت بتمامها ~~مبينة فلم يكن فيها تأخير ، والله تعالى أعلم. # ثم بين تعالى غاية الصوم ، فقال : {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فمن أفطر ~~مع الشك في الغروب ، فعليه الكفارة ، بخلاف الشك في الفجر للاستصحاب. ولما كان # 189 PageV01P235 ~~الاعتكاف من لوازم الصوم ذكر بعض أحكامه بإثره فقال : {ولا تباشروهن} أي : ~~النساء {وأنتم عاكفون في المساجد} ، فالمباشرة للمعتكف حرام ، وتفسد ~~الاعتكاف. كانت المباشرة في المسجد أو خارجه ، وكان الرجل يكون معتكفا ~~فيخرج فيصيب زوجه ثم يرجع ، فنزلت الآية - {تلك حدود الله} قد حدها لكم ، ~~{فلا تقربوها} فضلا عن أن تعتدوها ، {كذلك} أي : مثل هذا البيان التام ، ~~{يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} محارمه. # الإشارة : قد تقدم أن صوم الخواص ، وخواص الخواص ، هو الإمساك عن الفضول ~~، وعن كل ما يقطع عن الوصول. أو الإمساك عن شهود الأغيار ، وعن كل ما يوجب ~~الأكدار. فإن عزمت النفس على هذا الصوم وعقدت النية عليه ، حل لها أن تباشر ~~أبكار العلوم اللدنية الوهبية ، والحقائق العرفانية ، وتفضي إلى ثيبات ~~العلوم الرسمية الكسبية. العلوم اللدنية والوهبية شعارها ، والعلوم الرسمية ~~دثارها. العلوم اللدنية لباس باطنها ms0166 ، والعلوم الرسمية لباس ظاهرها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 187 # قال أبو سليمان الداراني : إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام جالت في ~~الملكوت ، ثم عادت إلى صاحبها بطرائف العلوم ، من غير أن يؤدي إليها عالم ~~علما. ه. PageV01P236 # قال الحق تعالى : {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} بدنس الهفوات ، ~~فمنعكم من مباشرة تلك العلوم الوهبيات ، فلما عقدتم التوبة ، وعزمتم على ~~تركها ، تاب عليكم وعفا عنكم ، فالآن باشروها ، وابتغوا ما كتب الله لكم ، ~~من الوصول إلى معرفته ، والعكوف في حضرة قدسه ، وكلوا من ثمرات تلك العلوم ~~، واشربوا من خمرة الحي القيوم ، حتى يطلع عليكم فجر الكشف والبيان ، وتشرق ~~على قلوبكم شمس نهار العرفان ، فحينئذ تضمحل تلك العلوم ، وتمحي تلك ~~المعالم والرسوم. ولم يبق إلا الاستغراق في مشاهدة الحي القيوم ، فلا ~~تباشروها وأنتم عاكفون في تلك المساجد. فمشاهدة وجه الحبيب تغني عن مطالعة ~~المعالم والمشاهد. تلك حدود الله فلا تقربوها ، أي : لا تقفوا مع تلك ~~العلوم وحلاوة تلك الرسوم ؛ فإنها تمنعكم من مشاهدة الحي القيوم : كذلك يبن ~~الله آياته الموضحة لطريق وصوله للناس ، لعلهم يتقون مشاهد ما سواه. والله ~~تعالى أعلم. # ولما أراد الحق أن يتكلم على الحج قدم الكلام على الأموال ؛ لأنها سبب في ~~وجوبه ، والوصول إليه في الغالب. # 190 # جزء : 1 رقم الصفحة : 187 # قلت : أصل الإدلاء : إرسال الدلو في الماء ليتوصل به إلى أخذ الماء من ~~البئر ، ثم أطلق في كل ما يتوسل به إلى شيء ، يقال : أدلى بماله إلى الحكام ~~، أي : دفعه رشوة ، ليتوصل بذلك إلى أخذ أكثر منه ، وهو المراد هنا ، وفي ~~القاموس : أدلى برحمه : توسل ، وبحجته : أحضرها ، وإليه بماله : دفعه. ومنه ~~: {وتدلوا بها إلى الحكام}. ه. و{تدلوا} معطوف على {تأكلوا} ، منهي عنهما معا. PageV01P237 # يقوله الحق جل جلاله : {ولا تأكلوا} يا معشر المسلمين {أموالكم} أي : أموال ~~بعضكم بعضا ، {بالباطل} أي : بغير حق شرعي ؛ إما بغير حق أصلا كالغضب ~~والسرقة والخيانة والخدع والتطفيف والغش وغير ذلك. أو بحق باطل كما يؤخذ في ~~السحر والكهانة والفأل والقمار والجاه ، وهدية المديان ، وهدية ms0167 القرض ، ~~والضمان ، والرشوة ، والربا ، وغير ذلك مما نهى الشارع عنه. ولا يدخل في ~~ذلك التمائم والعزائم إذا كان بالقرآن أو السنة وغلب الشفاء ، وكذلك لا ~~يدخل أيضا الغبن ، إذا كان البائع عالما بالمبيع. # أو {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} بأن تنفقوها في الملاهي والزنا ~~والشرب واللواط ، وغير ذلك من المحرمات ، ولا {تدلوا} أي : تتوسلوا بها ، ~~أي : بدفعها {إلى الحكام} رشوة {لتأكلوا فريقا من أموال الناس} بأن يحكم ~~لكم بها القاضي ، تأخذونها متلبسين {بالإثم} أي : بالمعصية {وأنتم تعلمون} ~~أنها لغيركم ؛ فإن حكم الحاكم لا يحل حراما. # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال : " إنما أنا بشر مثلكم ، ولعل ~~بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضي له ، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه ~~فإنما له قطعة من النار ". الإشارة : الباطل كل ما سوى الحق ، فكل من كان ~~يأخذ من يد الخلق ولا يشاهد فيهم الحق فإنما يأخذ أموال الناس بالباطل. قال ~~في الحكم : " لا تمدن يديك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم ~~مولاك ، فإذا كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم ". ويحتاج العامل بهذا إلى عسة ~~كبيرة ، وشهود قوي ، حتى يفنى عن نظره مشاهدة الخلق في شهود الملك الحق. ~~وكان بعضهم يطلب من هذا وصفه فيعطي للفقير العطاء ، ويقول : خذ ، لا لك ، ~~فلا يسمع من أحد شيئا ، حتى أعطى لبعض الفقراء ، # 191 PageV01P238 ~~وقال : خذ ، لا لك ، فقال : أقبض لا منك. ه. قلت : الوصول إلى الحكام على ~~شأن الدنيا أو للانتصار للنفس حرام في طريق الخصوص ، بل يصبر حتى يحكم الله ~~بينه وبين خصمه ، وهو خير الحاكمين ، فإن اضطر إلى شيء ولم يجد بدا منه ~~فليوكل ، وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 191 # {يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج...} # قلت : الذي سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة ، فقالا : يا رسول الله : ما ~~بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ، ثم لا يزال يزيد حتى يستوي ، ثم لا يزال ~~ينقص حتى يرجع كالخيط ؟ فقال الحق جل جلاله ms0168 : {يسألونك عن الأهلة} أي : عن ~~حكمة اختلاف الأهلة بالزياة والنقص {قل} لهم يا محمد : {هي مواقيت للناس} ~~يوقتون بها ديونهم ، ويعرفون بها أوقات زرعهم ، وعدد نسائهم وصيامهم ، وهي ~~أيضا مواقيت للحج ، يعرفون بذلك وقت دخوله وخروجه ، فيعرفون الأداء من ~~القضاء ، فلو كانت على حالة واحدة لم يعرفوا ذلك. أجابهم الحق تعالى بغير ~~ما ينتظرون ؛ أشارة إلى أن السؤال عن سر الاختلاف ، ليس فيه منفعة شرعية ، ~~وإنما ينبغي الاهتمام بما فيه منفعة دينية. # قال أهل الهيئة : إن نورة من نور الشمس ، وجرمه أطلس ، فكلما بعد من ~~مسامته الشمس قابله نورها ، فإذا قرب منها لميقابله من نورها إلا بعض جرمه ~~، فإذا دخل تحتها في الفلك كان ظهره كله إليها ، فلم يقابله شيء من نورها ، ~~فإذا خرج منح تحتها قابله بقدر ذلك ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : إذا ظهر هلال السعادة في أفق الإرادة ، وهبت ريح الهداية من ~~ناحية سابق العناية ، دخل وقت حج القلوب إلى حضرة علام الغيوب ، فهلال ~~الهداية للسائرين ، وهم أرباب الأحوال أهل التلوين ، يزداد نوره بزيادة ~~اليقين ، وينقص بنقصانه ، على حسب ضعف حاله وقته ، حتى يتحقق الوصال ، ~~ويرزق صف الكمال. وأنشدوا : # كل يوم تتلون # غير هذا بك أجمل PageV01P239 ~~فصاحب التلوين بين الزيادة والنقصان ، إلى أن تطلع عليه شمس العرفان ، فإذا ~~طلعت شمس العرفان فليس بعدها زيادة ولا نقصان ، وأنشدوا : # طلعت شمس من أحب بليل # واستضاءت فما تلاها غروب # إن شمس النهار تغرب باللي # ل وشمس القلوب ليست تغيب # 192 # بخلاف صاحب التمكين ؛ فإنه أبدا في ضياء معرفته ، متكن في برج سعادته ، ~~لا يلحق شمسه كسوف ولا حجاب ، ولا يستر نورها ظلمة ولا سحاب ، فلو طلب ~~الحجاب لم يجب. قال بعض العارفين : (لو كلت أن أرى غيره لم أستطع ، فإنه لا ~~غير معه حتى أشهده). # جزء : 1 رقم الصفحة : 192 # ثم حذر الحق تعالى مما اتبدعه المشركون في الحج ، فقال : # {... وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا ~~البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (189)} # قلت : كانت ms0169 الأنصار إذا حجوا أو اعتمروا ، يقولون : لا يحول بيننا وبين ~~السماء سقف ، حتى يدخلوا بيوتهم ، فإذا رجعوا تسوروا الجدران ، أو نقبوا في ~~ظهور بيوتهم ، فجاء رجال منهم فدخل من الباب ، فعير بذلك ، فأنزل الحق جل ~~جلاله : {وليس البر} أي : الطاعة ، {بأن تأتوا البيوت من ظهورها} فتتسوروها ~~، أو تنقبوا من أعلاها ، {ولكن البر من اتقى} المحارم وخالف الشهوات. أو : ~~ليس البر بأن تعكسوا مسائلكم بأن تسألوا عما لا نفع لكم فيه ، وتتركوا ~~مسائل العلم التي تنفعكم في العاجل والآجل. {ولكن البر من اتقى} ذلك ، ~~{وأتوا} بيوت العلم من أبوابها ، فتحسنون السؤال وتتأدبون في المقال ، ~~وتقدمون الأهم فالأهم ، والأنفع فالأنفع. {واتقوا الله} فلا تغيروا أحكامه ~~، ولا تعترضوا على أفعاله {لعلكم تفلحون} بتوفيقه وهدايته. PageV01P240 # الإشارة : اعلم أن البيوت التي يدخلها المريد ثلاثة : بيت الشريعة وبيت ~~الطريقة وبيت الحقيقة ، ولكل واحد أبواب فمن أتى البيت من بابه دخل. ومن ~~أتاه من غيره طرد. # فبيت الشريعة له ثلاثة أبواب : الباب الأول : التوبة ، فإذا دخل هذا ~~الباب ، وحقق التوبة بأركانها وشروطها ، استقبله باب الاستقامة ، وهي : ~~متابعة الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله ، فإذا دخله ، وحقق الاستقامة ، ~~استقبله باب التقوى بأقسامها. فإذا حقق التقوى ظاهرا وباطنا ، دخل بيت ~~الشريعة المطهرة ، وتنزه في محاسنه ومعانيه ، ثم يروم دخول بيت الطريقة ، ~~وله ثلاثة أبواب : # الباب الأول : الإخلاص وهو : إفراد العمل لله نم غير حرف ولا حظ ، فإذا ~~حقق الإخلاص استقبله باب التخلية وهي التظهير من العيوب الباطنة ، وهي لا ~~تنحصر ، لكن من ظفر بالشيخ أطلعه عليها ، وعلمه أودتيها ، فإذا حقق التخلية ~~استقبله باب التحلية ، وهي : الاتصاف بأنواع الفضائل كالصبر والحلم والصدق ~~والطمأنينة والسخاء والإيثار ، # 193 # وغير ذلك من أنواع الكمالات. فإذا حقق الإخلاص والتخلية والتحلية فقد حقق ~~بيت الطريقة ، ثم يستقبله بيت الحقيقة. # فأول ما يقرع باب المراقبة ، وهي : حفظ القلب والسر من الخواطر الردية ، ~~فإذا تطهر القلب من الخواطر الساكنة ، استشرف على باب المشاهدة ، وهي : محو ~~الرسول في مشاهدة أنوار الحي القيوم ، أو تلطيف الأواني عند ظهور المعاني ، ~~فإذا ms0170 دخل باب المشاهدة ، وسكن فيها ، استقبله باب المعرفة ، وهي محل الرسوخ ~~والتمكين ، وهي الغاية والمنتهى ، فبيت الحقيقة وهو مسجد الحضرة الربانية. ~~وما بقي بعدها إلا الترقي في المقامات ، وزيادة المعارف والكشوفات أبدا ~~سرمدا ، منحنا الله من ذلك حظا وافرا بمنه وكرمه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 192 PageV01P241 ~~قلت : {التهلكة} : مصدر هلك - بتشديد اللام - قاله ابن عطية. وضمن {تلقوا} ~~معنى تفضوا ، أو تنتهوا ، فعداه بإلى ، أي : ولا تفضوا بأنفسكم إلى ~~التهلكة. ولا يحتاج إلى زيادة الباء. # وسبب نزول الآية : أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~الحديبية ، وصالحوه على أن يرجع في قابل ، فيخلوا له البيت ثلاثة أيام ، ~~فرجع لعمرة القضاء ، وخاف المسلمون ألا يفوا لهم ، فيقاتلوا في الحرم ~~والشهر الحرام ، وكرهوا ذلك ، فنزلت الآية. # يقول الحق جل جلاله : {وقاتلوا في سبيل الله} وإعلاء كلمته {الذين ~~يقاتلونكم} أي : يبدءونكم بالقتال ، {ولا تعتدوا} فتقاتلوهم قبل أن يبدءوكم ~~، {إن الله لا يحب المعتدين} لا ينصرهم ولا يؤيدهم. ثم نسخ هذا بقوله : ~~{وقاتلوا المشركين كآفة...} # 194 # [التوبة : 36] الآية. {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي : وجدتموهم ، ولا ~~تتحرجوا من قتالهم في الحرم ، فإنهم هم الذين صدوكم وبدأوكم بالإذاية ، ~~{وأخرجوهم} من مكة {حيث أخرجوكم} منها ، {والفتنة} أي : الكفر الذي هم فيه ~~، {أشد من القتل} لهم في الحرم ، {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} ابتداء ~~{حتى يقاتلوكم فيه ، فإن قاتلوكم} فيه {فاقتلوهم} فيه ، وفي غيره ، {كذلك ~~جزاء الكافرين} يفعل بهم ما فعلوا بغيرهم ، {فإن انتهوا} عن الشرك وأسلموا ~~{فإن الله غفور} لهم {رحيم} بهم. {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي : شرك ~~{ويكون الدين} خالصا {لله} بحيث لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين واحد ، ~~{فإن انتهوا} عن قتالكم ، فلا تعتدوا ؛ فإن {لا عدوان إلا على الظالمين} إذ ~~لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 194 PageV01P242 ~~القتال الصدر منكم لهم في {الشهر الحرام} في مقابلة الصد الذي صدر منهم لكم ~~في الشهر الحرام ، {والحرمات قصاص} يقتص بعضها من بعض ، فكما انتهكوا حرمة ~~الشهر الحرام ، بمنعكم ms0171 من اليبت ، فانتهكوا حرمتهم بالقتل فيه. {فمن اعتدى ~~عليكم} بالقتال في الأشهر الحرم ، أو في الحرم {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم ، واتقوا الله} فلا تنتصروا لنفوسكم ، {واعلموا أن الله مع المتقين} ~~بالحفظ والتأييد. # {وأنفقوا في سبيل الله} في جهاد عدوكم ، ولا تمسكوا عن الإنفاق فيه ~~فتلقوا {بإيديكم} أي : بأنفسكم {إلى التهلكة} أي : الهلكة فيستولي عليكم عدوكم. # روي عن أبي أيوب الأنصاري (أنه كان على القسطنطينية ، فحمل رجل على عسكر ~~العدو ، فقال قوم : ألقى بيده إلى التهلكة ، فقال أبو أيوب : لا ، إن هذه ~~الآية نزلت في الأنصار ، قالوا - لما أعز الله الإسلام وكثرب أهله - : لو ~~رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها ، فأنزل الله فينا {ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة} ، وأما هذا فهو الذي قال فيه الله تعالى : {ومن الناس ~~من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله} [البقرة : 207]) # أو : ولا تنفقوا كل أموالكم فتتعرضوا للهلكة ، أو الطمع في الخلق ، ولكن ~~القصد ، وهو الوسط. {وأحسنوا} بالتفضل على المحاويج والمجاهدين : {إن الله ~~يحب المحسنين} فيحفظهم ، ويحفظ عقبهم إلى يوم القيامة. PageV01P243 # الإشارة : أعلم أن أعداء الإنسان التي تقطعه عن حضرة ربه أربعة : النفس ~~والشيطان والدنيا والناس. فمجاهدة النفس : بمخالفة هواها ، وتحميلها ما ~~يثقل عليها حتى ترتاض ، ومجاهدة الشيطان : بعصيانه ، والاشتغال بالله عنه ، ~~فإنه يذوب بذكر الله ، ومجاهدة الدنيا : بالزهد فيها ، والقناعة بما تيسر ~~منها ، ومجاهدة الناس : بالغيبة عنهم والإعراض عنهم في الإقبال والإدبار. ~~فيقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه : {وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم} ويصدونكم عن حضرته ، ولا تعتدوا فتشتغلوا بهم عن ذكري ، ~~والإقبال علي ، # 195 # {إن الله لا يحب المعتدين}. بل اقتلوهم حيث تعرضوا لكم فقط ، فإذا ظهرت ~~صورة النفس أدبها ، ثم غاب في الله عنها ، وكذلك بقية القواطع. # وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه يقول : (عداوة العدو حقا هي ~~اشتغالك بمحبة الحبيب حقا ، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة ~~الحبيب ، ونال العدو مراده منك). ه. وأخرجوهم من قلوبكم من حيث أخرجوكم من ~~حضرة ربكم ، يعني : كما أخرجوكم ms0172 من الحضرة في أيام الغفلة ، أخرجوهم من ~~قلوبكم في أيام اليقظة. والفتنة بالاشتغال بهم أشد من القتل لهم ، ولا ~~تقاتلوهم عند مسجد الحضرة وحال الغيبة في الله ، فإن ذلك التفات إلى غير ~~الله ، كمن كان مقبلا عليه حبيبه فجعل يلتفت إلى من يكلمه ويشغله عنه. وذلك ~~في غاية الجفاء ، حتى يقاتلوكم فيه ، ويريدون أن يخرجوكم منه بوسوستهم ، ~~فإن قاتلوكم ، وخطر على بالكم شيء من وسوستهم ، فاقتلوهم بذكر الله ، ~~والتعوذ منهم ، فإن الله يكفيكم أمرهم ، وينهزمون عنكم ، كذلك جزاء ~~الكافرين. فإن انتهوا عنكم ، وانقطع عنكم خواطرهم ، فغيبوا عنهم فإن الله ~~يستركم عنهم ، وقاتلوهم على الدوام حتى لا تكون في قلوبكم فتنة منهم ، ~~ويكون التوجه كله لله ، لا ينازعه شيء مما سواه ، فإن انتهوا عنكم فلا ~~تتعرضوا لهم ؛ فإن ذلك عدوان وظلم ، {فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة ~~: 193]. PageV01P244 # جزء : 1 رقم الصفحة : 194 # فإن جنحت نفسك إلى حرمة الطاعة الظاهرة ؛ كتدريس علم أو جهاد أو غيرها ، ~~وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية ؛ وهي الفكرة والشهود والمعاينة ، ~~فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة ، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ~~ربك القدسية أخرجها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذرة ~~من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. # فمن اعتدى عليكم ، في زمن البطالة ، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما ~~اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول : جوروا على نفوسكم ~~بقدر ما جارت عليكم ه. أي : اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم. وكان ~~أيضا يقول : (جوروا على الوهم قل أن يجور عليكم). ه. واتقوا الله فإن الله ~~يعينكم عليها ، {واعلموا أن الله مع المتقين}. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في ~~سبيل الله ، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. {ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة} فتدبروا لها ، وتختاروا لها ، وتعتنوا بشؤونها ، فإن ذلك غفلة ~~عن ربكم. {وأحسنوا} أي : ادخلوا في مقام الإحسان ؛ بأن تعبدوا لله كأنكم ~~ترونه {إن الله يحب المحسنين} أي : يقربهم إلى حضرته ، ويصطفيهم ms0173 إلى محبته ~~ومعرفته ، خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه. # 196 # جزء : 1 رقم الصفحة : 194 # {وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا ~~رؤوسكم حتىا يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ~~من صيام أو صدقة أو نسك...} # قلت : المشهور في اللغة أن أحصر الرباعي : بالمرض ، وحصر الثلاثي : ~~بالعدو ، وقيل : بالعكس ، وقيل : هما سواء. و{ما استيسر} : خبر أو مبتدأ ، ~~أي : فالواجب ما استيسر ، أو : فعليه ما استيسر. PageV01P245 # يقول الحق جل جلاله : {وأتموا الحج} الذي دخلتم فيه ، {والعمرة} وجوبا ~~كالصلاة والصوم ، ويكون ذلك {لله} لا رياء ولا سمعة ، وإنما خص الحج ~~والعمرة بالحض على الإخلاص ، لما يسرع إليهما من الخلل أكثر من غيرهما ، ~~فمن أفسدهما وجب عليه قضاؤهما ، {فإن أحصرتم} ومنعتم من إتمامهما فتحللوا ~~منهما ، وعليكم {ما استيسر من الهدي} ، وذلك شاة {ولا تحلقوا رؤوسكم} أي : ~~لا تتحللوا {حتى يبلغ الهدي محله} ، أي : حيث يحل ذبحه ، وهو محل الإحصار ~~عند الشافعي ، فيذبح فيه بنية التحلل ويفرق ، ومنى أو مكة عند مالك ، ~~فيرسله فإذا تحقق أنه وصل وذبح حل وحلق. # ويحرم على المحرم إزالة الشعث ، ولبس المخيط بالعضو ، فمن كان {مريضا أو ~~به أذى} صداع أو نحوه ، فحلق رأسه ، أو لبس ثيابه ، فعليه فديه {من صيام} ~~ثلاثة أيام ، {أو صدقة} على ستة مساكين ، مدان لكل مسكين ، {أو نسك} بشاة ~~فأعلى ، فهو مخير بين الثلاثة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إذا عقد المريد مع ربه عقدة ، فالواجب عليه إتمامها حتى يجني ~~ثمرتها ، فإذا عقد عقدة المجاهدة فليجاهد نفسه حتى يجني ثمرتها ، وهي ~~المشاهدة ، وإذا عقد مع الشيخ عقدة الصحبة ، فليلزم خدمته حتى يدخله إلى ~~بيت الحضرة ، ويشهد له بالترشيد. وهكذا كل من عقد مع الله عقدة يجب عليه ~~إتمامها ، فإن أحصر ومنع من إتمامها فليفعل. ما استيسر من ذبح نفسه وحط ~~رأسه ، و{لا يكلف الله نفسا إلا مآءاتاها} [الطلاق : 7] ، ولا ينبغي أن ~~يستعجل الفتح قبل إبانه ، فلعله يعاقب بحرمانه ، فكم من مريد طلب شيخه ms0174 أن ~~يطلعه على سر الربوبية قبل بلوغ محله ، فكان ذلك سببب عطبه ، فيقال له : ~~ولا تحلق رأسك من شهود السوى حتى يبلغ هدي نفسك محلة فيذبح ، فإذا ذبحت ~~النفس وأجهز عليها حلق رأسه حينئذ من شهود السوى ، وفي ذلك يقول الششتري ~~رضي الله عنه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 197 PageV01P246 ~~إن ترد وصلنا فموتك شرط # لا ينال الوصال من فيه فضله # فمن كان مريضا بضعف عزمه ، أو به أذى بعدم نهوض حاله ، بحيث لم تسعفه ~~المقادير في مجاهدة نفسه ، فليشتغل بالنسك الظاهر من صيام أو صدقة أو قراءة أو # 197 # غير ذلك ، حتى يمن عليه العليم الحكيم. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى ~~سواء الطريق. ولما ذكر الحق تعالى هدى الإحصار وفدية الأذى ، ذكر هدى ~~التمتع ، فقال : # {... فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم ~~يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذالك لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} # يقول الحق جل جلاله : فإذا حصل لكم الأمن من المرض أو العدو ، أوردتم ~~الحج {فمن تمتع} منكم {بالعمرة إلى الحج} بأن قدم العمرة في أشهر الحج ، ثم ~~حج من عامه ، فالواجب عليه {ما استيسر من الهدي} ؛ شاة فأعلى ؛ لكونه تمتع ~~بإسقاط أحد السفرين ولم يفرد لكل عبادة سفرا مخصوصا. {فمن لم يجد} الهدي ، ~~ولم يقدر على شرائه ، فعليه {صيام ثلاثة أيام} في زمن {الحج} ، وهو زمن ~~إحرامه إلى وقوفه بعرفة ، فإن لم يصم في ذلك الزمان صام أيام التشويق. ثم ~~يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى مكة أو إلى بلده. فتلك {عشرة} أيام {كاملة} ، ~~ولا تتوهموا أن السبعة بدل من الثلاثة ، فلذلك صرح الحق تعالى بفذلكة ~~الحساب. PageV01P247 # وهذا الهدي أو الصيام إنما يجب على المتمتع ؛ إذا لم يكن ساكنا بأهله في ~~مكة أو ذي طوى ، وأما من كان {أهله حاضري المسجد الحرام} فلا هدى عليه ؛ ~~لأنه يحرم بالحج من مكة فلم يسقط أحد السفرين ، {واتقوا ms0175 الله} في امتثال ~~أوامره ، وخصوصا مناسك الحج ؛ لكثرتها وتشعب فروعها ، ولذلك أفردت بالتأليف ~~، {واعلموا أن الله شديد العقاب} لمن ترك أوامره وارتكب نواهيه ، وبالله ~~التوفيق. # الإشارة : يقول الحق جل جلاله على طريق الإشارة للمتوجهين إليه : فإذا ~~أمنتم من أعدائكم الذين يقطعونكم عن الوصول إلى حضرتنا ، أو أمنتم من ~~الرجوع بعد الوصال ، أو من السلب بعد العطاء ، وذلك بعد التمكين من شهود ~~أسرار الذات ، وأنوار الصفات ، إذ الكريم إذا أعطى لا يرجع ، فإذا حصل لكم ~~الأمن ، فمن تمتع بأنوار الشريعة إلى أسرار الحقيقة فعليه ما استطاع من ~~الهدي والسمت الحسن والخلق الحسن ؛ لأنه إذ ذاك قد اتصف بصفة الكمال وتصدر ~~لتربية الرجال ، فمن لم يجد ذلك فلرجع إلى ما تيسر من المجاهدة حتى يتمكن ~~من ذلك الهدي الحسن والخلق الحسن ، هذا لمن لم يتمكن في الحضرة الأزلية ، ~~وأما من كان مقيما بها ، عاكفا في شهود أنوارها ، فلا كلام عليه ، لأنه قد ~~تولاه مولاه ، وغيبه عن شهود نفسه وهواه ، فأمره كله بالله وإلى الله. ~~جعلنا الله فيهم # 198 # بمنه وكرمه ، لكن لا يغفل عن التقوى ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام : " ~~أنا أعرفكم بالله ، وأنا أتقاكم له " وقالوا : " من علامة النهايات الرجوع ~~إلى البدايات ". والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 197 PageV01P248 ~~قلت : {الحج} : مبتدأ ، على حذف مضاف ، أي : إحرام الحج أو فعل الحج ، ~~و{أشهر} : خبر ، وإذا وقع الزمان خبرا عن اسم معنى ؛ فإن كان ذلك المعنى ~~واقعا في كل ذلك الزمان أو جله ؛ تعين رفعه عند الكوفيين ، وترجح عند ~~البصريين إذا كان الزمان نكرة ، نحو : السفر يوم. إن كان السفر واقعا في ~~جميع ذلك اليوم أو في جله ؛ لأنه باستغراقه إياه صار كأنه هو ، ويصح : ~~السفر يوما ، أو في يوم. وإن كان ذلك المعنى واقعا في بعض ذلك الزمان تعين ~~نصبه أو جره ف (في) ، نحو : السفر يوم الجمعة ، أو في يوم الجمعة وقد يرفع نادرا. # قال في التسهيل : ويغني - أي : ظرف الزمان - عن خبر اسم معنى مطلقا ، فإن ~~وقع في جميعه ، أو ms0176 في أكثره ، وكان نكرة ، رفع غالبا ، ولا يمتنع نصبه ولا ~~جره بفي خلافا للكوفيين. وربما رفع خبر الزمان الموقع في بعضه. ه. ومن ذلك ~~: {الحج أشهر معلومات} فإن جلضها تصلح للإحرام. # يقول الحق جل جلاله : وقت إحرام الحج {أشهر معلومات} : شوال وذو القعدة ~~وذو الحجة ، فمن أحرم قبلها كره عند مالك ، وبطل عند الشافعي ، {فمن فرض} ~~على نفسه {فيهن الحج} فيلزم الأدب والوقار ، ويجانب شهوة النساء ، {فلا} ~~يقع منه {رفث} أي : جماع أو كلام فحش ، {ولا فسوق} أي : ذنوب ، {ولا جدال ~~في} زمان {الحج} ولو مع المكاري أو الخدام ، ولا غيره من أنواع الخصام ؛ ~~فإنه في حضرة الملك العلام. {وما تفعلوا من خير} كحلم وصبر وحسن خلق {يعلمه ~~الله} فاستبقوا الخيرات ، وتزودوا قبل هجوم الممات ، واتقوا الله حق تقاته ~~{فإن خير الزاد التقوى}. أو تزودوا لسفر الحج ، ولا تسافروا كلا على الناس ~~؛ {فإن خير الزاد التقوى} عن الطمع في الخلق ، {واتقون يا أولي الألباب} ، ~~وأفردوني في سركم حتى أفتح لكم الباب ، وأدخلكم مع الأحباب. # 199 PageV01P249 ~~الإشارة : معاملة الأبدان مؤقتة بالأمكان والأزمان ، ومعاملة القلوب أو ~~الأرواح غير مؤقتة بزمان مخصوص ، ولا مكان مخصوص ، فحج القلوب ، الأزمنة ~~كلها له ميقات ، والأماكن كلها عرفات ، حج القلوب هو العلوب هو العكوف في ~~حضرة علام الغيوب ، وهي مسرمدة على الداوم على مر الليالي والأيام ، فكل ~~وقت عندهم ليلة القدر ، وكل مكان عندهم عرفة المشرفة القدر ، وأنشدوا : # جزء : 1 رقم الصفحة : 199 # لولا شهود جمالكم في ذاتي # ما كنت أرضى ساعة بحياتي # ما ليلة القدر المعظم شأنها # إلا إذا عمرت بكم أوقاتي # إن المحب إذا تمكن في الهوى # والحب لم يحتج إلى ميقات # وقال آخر : # كل وقت من حبيبي # قدره كألف حجة # فاز من خلى الشواغل # ولمولاه توجه # فمن فرض على قلبه حج الحضرة فيلتزم الأدب والنظرة ، والسكوت والفكرة ، ~~قال تعالى : {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} [طه : 108] فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال ولا مراء ، إذ مبنى طريقهم على التسليم والرضى ، وما ~~تفعلوا من ms0177 خير فليس على الله بخفي. وتزودوا بتقوى شهود السوى ، {فإن خير ~~الزاد التقوى} ، وجماع التقوى هي مخالفة الهوى ، ومحبة المولى ، فهذه تقوى ~~أولي الألباب ؛ الذين صفت مرآة قلوبهم ، فأبصروا الرشد والصواب ، وبالله ~~التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 199 # {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} PageV01P250 ~~قلت : {أن تبتغوا} : على إسقاط حرف الجر ، أي : في أن تبتغوا ، وسبب نزول ~~الآية : أن عكاظا ومجنة وذا المجاز - أسماء مواضع - كانت أسواقا في ~~الجاهلية يعمرونها في مواسم الحج ، وكانت معايشهم منها ، فلما جاء الإسلام ~~تأثموا وتحرجوا أن يتجروا فيها ، فقال لهم الحق جل جلاله : {ليس عليكم ~~جناح} أي : إثم أو ميل عن الصواب ، في {أن تبتغوا فضلا من ربكم} أي : عطاء ~~ورزقا تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم ، إذا خلصت نيتكم ، وغلب قصد ~~الحج على التجارة. # وها هنا قاعدة ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها : أن العمل إذا تمحض ~~لغير الله فهو سبب المقت والعقاب ، وإذا تمحض الله خالصا فهو سبب القرب ~~والثواب ، وإذا امتزج بشوب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة ~~الباعث ؛ فإن كان باعث الحظ أغلب ، سقط ، وكان إلى العقوبة أقرب ، لكن ~~عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله ، # 200 # وإن كان باعث التقرب أغلب ، حط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ ، وإن تساوي ~~تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه. # ثم قال : ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه ~~وأثيب عليه. ثم قال : والصواب أن يقال : مهما كان الحج هو المحرك الأصلي ، ~~وكان غرض التجارة كالتابع ، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب ، ثم طرد هذا ~~الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة ، يعني : ينظر لغالب الباعث وخلوص ~~القصد ، وكذلك الصوم للحمية والثواب ، ينظر لغالب الباعث. # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 # قلت : وتطرد هذه القاعدة في المعاملات كلها ، وجميع الحركات والسكنات ~~والحرف وسائر الأسباب ، فالخالص من الحظوظ مقبول ، والمتمحض للحظوظ مردود ، ~~والمشوب ينظر للغالب كما تقدم. PageV01P251 # وقد ذكر شيه المشايخ سيدي أبو الحسن الشاذلي ms0178 رضي الله عنه قاعدة أخرى أدق ~~من هذه فقال : إذا أكرم الله عبدا في حركاته وسكناته ، نصب له العبودية لله ~~وستر عنه حظوظ نفسه ، وجعله يتقلب في عبوديته ، والحظوظ عنه مستورة ، مع ~~جري ما قدر له ، ولا يلتفت إليها ؛ لأنها في معزل عنه ، وإذا أهان الله ~~عبدا في حركاته وسكناته ، نصب له حظوظ نفسه ، وستر عنه عبوديته ، فهو يتقلب ~~في شهواته ، وعبودية الله عنه بمعزل ، وإن كان يجري عليه شيء منها في ~~الظاهر ، قال : وهذا باب من الولاية والإهانة. وأما الصديقية العظمى ، ~~والولاية الكبرى ، فالحظوظ والحقوق كلها سواء عند ذوي البصيرة ؛ لأنه بالله ~~فيما يأخذ ويترك. ه. # الإشارة : العبد لا يستغني عن طلب الزيادة ، ولو بلغ من الكمال غاية ~~النهاية ، فالقناعة من الله حرمان ، واعتقاد بلوغ النهاية نقصان ، فليس ~~عليكم جناح أيها العارفون أن تبتغوا فضلا من ربكم زيادة في إيقانكم ، ~~وترقيا في معانيكم ، إذ كمالات الحق لا نهاية لها ، وأسرار الذات لا إحاطة ~~بها ، قال تعالى : {ولا يحيطون به علما} [طه : 110]. والله ولي التوفيق. # ثم ذكر الحق تعالى الوقوف بعرفة ، والرجوع إلى المزدلفة والمشعر الحرام ، فقال : # {...فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما ~~هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضآلين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا ~~الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو ~~أشد ذكرا...} # قلت : {أفضتم} : دفعتم ، وأصل الإفاضة : الدفع بقوة ، من فاض الماء إذا ~~نبع بقوة ، ثم استعمل في مطلق الاندفاع على سبيل المبالغة. و{عرفات} فيه الصرف # 201 PageV01P252 ~~وعدمه ، كأذرعات. وسمى عرفات لقول إبراهيم الخليل عليه السلام لجبريل حين ~~علمه المناسك : قد عرفت : أو لمعرفة آدم حواء فيها. والكاف في {كما هداكم} ~~تعليلية ، و{ما} مصدرية ، أي : واذكروه لأجل هدايته لكم. و{إن كنتم} مخففة ~~، واللام فارقة ، وقوله : {أو أشد} نعت لمصدر محذوف ، أي : أو ذكرا أشد... الخ. # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 # يقول الحق جل جلاله : فإذا وقفتم بعرفة ، وأفضتم منها ، فانزلوا المزدلفة ~~وبيتوا بها ، فإذا صليتم ms0179 الصبح بغلس فقفوا عند {المشعر الحرام} ، وهو جبل ~~في آخر المزدلفة ، واذكروا الله عنده بالتهليل والتكبير والتلبية إلى ~~الإسفار ، هكذا فعل الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، {واذكروه} لأجل ما ~~هداكم إليه من معالم دينه ومناسك حجه ، وغير ذلك من شعائر الدين ، أو ~~فاذكروه ذكرا حسنا هداكم هداية حسنة ، وقد كنتم من قبل هذه الهداية {لمن ~~الضالين}. # وكانت قريش لا تقف مع الناس ترفعا عليهم ، بل تقف بالمزدلفة ، فأمرهم ~~الحق جل جلاله بالوقوف مع الناس ، فقال لهم : {ثم أفيضوا} يا معشر قريش {من ~~حيث أفاض الناس} بأن تقضوا معهم ، وتفيضوا من حيث أفاضوا ، {واستغفروا ~~الله} في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - {إن الله غفور} ~~لكم ، {رحيم} بكم إن تبتم ورجعتم واتبعتم رسولكم. {فإذا قضيتم مناسككم} ~~وفرغتم من حجتكم {فاذكروا الله} ذكرا كثيرا {كذكركم آباءكم} أو ذكرا {أشد ~~ذكرا} منهم ، حيث كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة ، وكانوا إذا ~~فرغوا من حجهم وقفوا بمنى ، بين المسجد والجبل ، فيذكرون مفاخرة آبائهم ، ~~ومحاسن أيامهم ، فأمروا أن يبدلوا ذلك بذكر الله ، وذكر إحسانه إليهم ، ~~وشكر ما أسداه إليهم من مفاخر الدنيا والآخرة ، إن آمنوا واتبعوا رسوله صلى ~~الله عليه وسلم. PageV01P253 # الإشارة : إذا وقفت القلوب على جبل عرفة المعارف ، وتمكنت من شهود جمال ~~معاني تلك الزخارف ، حتى صارت تلك المعاني هي روحها وسرها ، وإليها مآلها ~~ومسيرها ، أمرت بالنزول إلى رض العبودية ، والقيام بوظائف الربوبية ، شكرا ~~لما هداها إليه من معالم التحقيق ، وما أبان لها من منار الطريق ، وإن كانت ~~من قبله لمن الضالين عن الوصول إلى رب العالمين. ثم يؤمرون بمخالطة الناس ~~بأشحباحهم ، وانفرادهم عنهم بأرواحهم ، أشباحهم مع الخلق تسعى ، وأرواحهم ~~في الملكوت ترعى ، فإذا وقع منهم ميل أو سكون إلى حس ؛ فليستغفروا الله {إن ~~الله غفور رحيم}. ثم يقال لهم : فإذا قضيتم مناسككم ، بأن جمعتم بين مشاهدة ~~الربوبية في باطنكم ، والقيام بوظائف العبودية في ظاهركم ، فاذكروا الله ~~على كل شيء ، وعند كل شيء ، وقبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، حتى لا يبقى من ~~الأثر شيء ms0180 ، كما كنتم تذكرون آباءكم وأبناءكم ، في حال غفلتكم ، بل أشد ~~ذكرا وأعظم وأتم ، والله ذو الفضل العظيم. # 202 # ثم بين الحق تعالى مقاصد الناس ، وهممهم في طلبهم وسعيهم ، فقال : # {... # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 # فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم ~~من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولائك ~~لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} PageV01P254 ~~يقول الحق جل جلاله : في بيان مقاصد الناس وهممهم في طلبهم في الحج وغيره : ~~{فمن الناس} من قصرت نيته وانحطت همته ، {يقول ربنا آتنا في الدنيا} ما ~~تشتهيه نفوسنا من حظوظها وشهواتها ، وليس له {في الآخرة من خلاق} أي : نصيب ~~، لأنه عجل نصيبه في الدنيا. " إن الله يرزق العبد على قدر نيته " {ومنهم} ~~من أراد كرامة الدنيا وشرف الآخرة {يقول ربنا آتنا في الدنيا} حالة {حسنة} ~~؛ كالمعرفة ، والعافية ، والمال الحلال ، والزوجة الحسنة ، وجميع أنواع ~~الجمال ، {وفي الآخرة حسنة} ؛ كالنظرة ، والحور العين ، والقصور ، جميع ~~أنواع النعيم ، {وقنا عذاب النار} بالعفو والمغفر ، وقال سيدنا علي - كرم ~~الله وجهه - : (الحسنة في الدنيا : المرأة الصالحة ، وفي الآخرة : الحوراء. ~~وعذاب النار في الدنيا : المرأة السوء) وقال الحسن : (الحسنة في الدنيا : ~~العلم والعبادة ، وفي الآخرة : الجنة). {وقنا عذاب النار} : احفظنا من ~~الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار ، وهذه كلها أمثلة للحالة الحسنة. # {أولئك} الذين طلبوا خير الدارين {لهم نصيب} وحظ من الجزاء الوافر من أجل ~~ما كسبوا من الأعمال الصالحات ، {والله سريع الحساب} يحاسب عباده على ~~كثرتهم ، وكثرة أعمالهم ، في مقدار لمحة. قيل لعلي رضي الله عنه : كيف ~~يحاسب الله عباده في ساعة واحدة ؟ فقال : كما يرزقهم في ساعة واحدة. ه. أو ~~يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب عباده ، فبادروا إلى إغتنام الطاعات ، واكتساب ~~الحسنات ، قبل هجوم الممات. PageV01P255 # الإشارة : الناس ثلاثة : صاحب همة دنية ، وذو همة متوسطة ، وصاحب همة عالية ~~، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية ، وأكب على ~~جمع حطامها الفانية ، فقلب هذا ms0181 خال من حب الحبيب ، فما له في الآخرة من ~~نصيب. وأما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين ، وصلاح ~~الحالين ، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار ، ولم ينس نصيبه ~~من الدنيا ليقضي ما له فيها من الأوطار ، فهذا له في الدنيا حسنة ، وهي ~~الكفاية والغنى ، وفي الآخرة حسنة ، وهي النعمة والسرور والهنا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 # وأما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونين ، وأغمض طرفه عن ~~الالتفات إلى الدارين ، بل علق همته بمولاه ، ولم يقنع بشيء سواه ، قد ولى عن هذه # 203 # الدار مغضيا ، وأعرض عنها موليا ، ولم يشغله عن الله شيء ، يقول بلسان ~~المقال إظهارا لعبودية للكبير المتعال : {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} وهي ~~النظرة والشهود ، ورضا الملك الودود ، {وفي الآخرة حسنة} وهي اللحوق بأهل ~~الرفيق الأعلى ، من المقربين والأنبياء ، في حضرة الشهود المؤبد {في مقعد ~~صدق عند مليك مقتدر}. أتحفنا الله من ذلك بحظ وافر ، بمنه وكرمه ، نحن ~~وأحباءنا أجمعين ، آمين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 200 PageV01P256 ~~يقول الحق جل جلاله : {واذكروا الله في أيام معدودات} وهي ثاني النحر ~~وثالثة ورابعه ، وهي أيام التشريق وأيام منى ، وأما الأيام المعلومات فهي ~~يوم النحر وثانيه وثالثه. والمراد بالذكر : التكبير عند الرمي ، وذبح ~~القرابين ، وخلف الصلوات الخمس ، وغير ذلك ، {فمن تعجل في يومين} بحيث رمى ~~ثاني النحر وثالثه ، ورجع ، {فلا إثم عليه ومن تأخر} لرمى رابع النحر ، وهو ~~ثالث أيام منى ، {فلا إثم عليه} ، والقصد بنفي الإثم : التخيير والرد على ~~الجاهلية ، فإن منهم من أثم المتعجل ، ومنهم من أثم المتأخر. هذا كله {لمن ~~اتقى} الله في حجه ، لم يرفث ، ولم يفسق ، فإنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته ~~أمه ، كما قال الصادق المصدوق ، {واتقوا الله} في جميع أموركم ، فإنه ذكر ~~وشرف لكم ، {واعلموا أنكم إليه تحشرون} فتجازون على ما أسلفتم من خير أو شر. # الإشارة : الأيام المعدودات هي أيام الدنيا ؛ فإنها قلائل معدودة ، وهي ~~كلها كيوم واحد ، وأيام البرزخ يوم ثان ، وأيام البعث وما ms0182 بعده يوم ثالث ، ~~فمن تعجل في يومين ، بحيث طوى في نظره أيام الدنيا وأيام البرزخ ، وسكن ~~بقلبه في يوم القيامة فلا إثم عليه ، وهذا هو صاحب الهمة المتوسطة ، ومن ~~تأخر حتى زهد في الأيام الثالثة ، وعلق همته بمولاه ، ولم يلتفت إلى ما ~~سواه ، فلا إثم عليه في ذلك التأخر ، وإن اتقى شهود السوى ، وعلق عمته ~~بمحبة المولى ، ثم حض سبحانه على هذه التقوى فقال : {واتقوا الله} فلا ~~تشهدوا معه سواه ، {واعلموا أنكم إليه تحشرون} فتروا ما فاز به المتقون. # جزء : 1 رقم الصفحة : 203 PageV01P257 ~~قلت : نزلت الآية في الأخنس بن شريق الثقفي وصهيب بن سنان الرومي ، أما ~~الأخنس فكان رجلا حسن المنظر ، حلو المنطق ، كان يوالي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويدعي الإسلام ، ثم ارتد ، ومر على زرع وحمر للمسلمين فقتلها ~~وأفسد الزرع ، قال ابن عطية : ولم يثبت أنه أسلم. قلت : بل ذكره في القاموس ~~من الصحابة ، فانظره ، ولعله تاب بعد نزول الآية. وأما صهيب الرومي فأخذه ~~المشركون وعذبوه ليرتد ، فقال لهم : إني شيخ كبير ؛ لا أنفعكم إن كنت معكم ~~، ولا أضركم إن كنت عليكم ، فخلوني وما أنا عليه ، وخذوا مالي ، فقبلوه منه ~~، وأتى المدينة فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " ربحت يا أبا ~~يحيى ". وقيل : نزلت في المنافقين ومن نحا نحوهم ، وفيمن باع نفسه لله في ~~الجهاد وتغيير المنكر من المسلمين. و{في الحياة الدنيا} يتعلق بالقول ، ~~و{ألد الخصام} شديده ، وفي الحديث : " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " ~~والخصام : مصدر ، أو جمع خصيم. PageV01P258 # يقول الحق جل جلاله : {ومن الناس} قوم حل اللسان خراب الجنان ، إذا تكلم في ~~شأن الدنيا {يعجبك قوله} فيها لرونقه وفصاحته ، {ويشهد الله} أي : يحلف على ~~أنه موافق لقلبه ، وأن ظاهره موافق لباطنه ، وهو شديد الخصومة والعدواة ~~للمسلمين ، أو أشد الخصوم ، {وإذا تولى} أي : أدبر وانصرف عنك ، {سعى في ~~الأرض} أي : مشى فيها بنية الإفساد {ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل} كما ~~فعل الأخنس ، أو كما فعله أهل الظلم ، فيحبس الله القطر ، فيهلك الحرث ms0183 ~~والنسل بشؤم معاصيهم ، {والله لا يحب الفساد} أي : لا يرتضيه ، فاحذروا ~~غضبه. {وإذا قيل له اتق الله} وارجع عما أنت عليه من الفساد {أخذته العزة} ~~أي : حملته الحمية والأنفة بسبب الإثم الذي ارتكبه ، فلا ينزجر عن غيه. أو ~~حملته الحمية على الإثم الذي يؤمر باتقائه. {فحسبه جهنم} أي : كفته عذابا ~~وعقابا ، وهي علم لدار العقاب ، كالنار ، {ولبئس المهاد} هي : أي : بئس ~~الفراش الذي مهده لنفسه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 204 # ونزل في مقابله ، وهو صهيب ، أو كل من بذل نفسه لله : {ونم الناس من يشري ~~نفسه} أي : يبيعها ويبذلها لله في الجهاد وغيره ، {ابتغاء مرضات الله} ~~والوصول إلى حضرته {والله رؤوف بالعباد} الذين يفعلون مثل هذا ، فيدرأ عنهم ~~المضار ، ويجلب لهم المسار أينما حلوا من الدارين. # الإشارة : الناس على قسمين : قسم زينوا ظواهرهم وخربوا بواطنهم ، وظاهرهم ~~جميل وباطنهم قبيح ، إذا تكلموا في الدنيا أو في الحس ، أعجبك قولهم ، وراقك # 205 PageV01P259 ~~منظرهم ، وإذا تكلموا في الآخرة ، أو في المعنى ، أخذتهم الحبسة والدهشة. ~~وفي بعض الكتب المنزلة : " إن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل ، ~~وقلوبهم أمر من الصبر ، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ، يجترون الدنيا ~~بالدين ، يقول الله تعالى : أبي يغترون ، وعلي يجترئون ؟ حلفت لأسلطن عليهم ~~فتنة تدع الحليم منهم حيران ". وقوله : {يلبسون...} الخ. كناية عن إظهار ~~اللين والسهول ليخدع ويغر الناس ليتوصل إلى حظ نفسه من الدنيا ، ومع ذلك ~~يدعي موافقة ظاهره لباطنه ، وهو شديد الخصومة لأهل الله ، وإذا تولى عنك ~~اشتغل بالمعاصي والذنوب ، ليفسد في الأرض ، ويهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيه ~~، وإذا ذكر : أنف واستكبر ، وأخذته حمية الجاهلية ، فحسبه البعد في نار ~~القطيعة. # والقسم الثاني : قوم زينوا بواطنهم وخربوا ظواهرهم ، عمروا قلوبهم بمحبة ~~الله ، وبذلوا أنفسهم في مرضات الله ، قلوبهم في أعلى عليين ، وأشباحهم في ~~أسفل سافلين ، فأولئك المقربون مع النبيين والمرسلين. قال بعض العارفين : ~~كلما وضعت نفسك أرضا أرضا ، سما قلبك سماء سماء ، وكل ما نقص من حسك زاد في ~~معناك. وفي الحديث : " من تواضع دون ms0184 قدره رفعه الله فوق قدره " وبالله ~~التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 204 # قلت : {السلم} ، بالفتح والكسر : هو الاستسلام والانقياد ، ويبعد هنا ~~تفسيره بالصلح ، و{كافة} : حال من الواو والسلم معا ، كقوله تعالى : {فأتت ~~به قومها تحمله} [مريم : 27]. PageV01P260 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم من ~~أهل الكتاب {ادخلوا في} شرائع الإسلام {كافة} بحيث لا تهملوا شيئا منها ، ~~ولا تلتفتوا إلى غيرها ، نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه ، حيث دخلوا في ~~اسلام ، وأرادوا أن يعظموا السبت ، وتحرجوا من لحوم الإبل. أو في المنافقين ~~حيث أسلموا في الظاهر ، ونافقوا في الباطن ، فقال لهم الحق جل جلاله : {يا ~~أيها الذين آمنوا} في الظاهر ، ادخلوا في الإسلام {كافة} ظاهرا وباطنا. أو ~~في المسلمين يأمرهم بالتمسك بشرائع الإلام كلها ، والبحث عن أحكامها ~~وأسرارها ، {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي : طرقه الدالة على التفريق ~~والتفرق ؛ {إنه لكم عدو مبين} أي : بين العداوة. # 206 # {فإن زللتم} عن طريق الجادة ؛ ففرقتم بين أجزاء الشريعة ، أو التفتم إلى ~~غير شريعتكم ، {من بعد ما جاءتكم} الآيات {البينات} الدالة على صحة الدين ~~ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، {فاعلموا أن الله عزيز} أي : غالب لا ~~يعجزه عقابكم ، {حكيم} في إمهاله إلى وقت معلوم. # الإشارة : أمر الحق جل جلاله جميع بالصلح معه والاستسلام لأحكامه ، بحيث ~~لا يصدر منهم نزاع لأحكامه ، ولا اعتراض على أفعاله ، بل ينظرون ما يبرز من ~~عنصر القدرة ، فيتلقونه بالرضى والتسليم ، أو الصبر والتصبر ، سواء ظهرت ~~هذه الأفعال على أيدي الوسائط أو بلا وسائط ، إذ لا فاعل سواه ، وكل من عند ~~الله ، فإن زللتم واعترضتم ، أو سخطتم ، من بعد ما جاءتكم الآيات البينات ~~الدالة على وحدانية الحق في ذاته وصفاته وأفعاله ، فاعلموا أن الله عزيز ~~حكيم ، لا يعجزه عقوبتكم وإبعادكم ، لكنه من حكمته يمهل ولا يهمل ، والله ~~غالب على أمره ، ومن تاب تاب الله عليه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 206 # قلت : {الظلل} : جمع ظله ، وهي ما أظلك من فوق ، و{الغمام} : السحاب ~~الرفيق الأبيض. PageV01P261 # يقول ms0185 الحق جل جلاله : ما ينتظر هؤلاء الممتنعون من الدخول في شرائع الإسلام ~~- إلا أن تقوم الساعة ، ويأتيهم الله للفصل بين عباده {في ظلل من الغمام} ، ~~بأن يتجلى لعباده على ما يليق بجلاله ؛ إذ تجليات الحق لا تنحصر. وتأتيهم ~~{الملائكة} تحيط بهم {وقضي الأمر} بعذابهم ، {وإلى الله ترجع الأمور} كلها ~~، فهو المتصرف وحده. وقد ذكر المنذري حديث هذا التجلي بطوله ، وذكر فيه ~~النزول والفصل بين عباده ، والمرور على الصراط ، والناس في أنار إيمانهم. ~~وذكره الفاسي في الحاشية بتمامه. ومن كحل عين بصيرته بإثمد التوحيد الخاص ، ~~لم يستصعب عليه فهم هذا الحديث وأمثاله ؛ لسعة دائرة معرفته. والله تعالى أعلم. # الإشارة : في الآية تهديد لأهل الحجاب الذين لم يتحققوا بالصلح مع الله ، ~~بل هم يخاصمون الله في مظاهر خلقه ، ويعترضون على الله في قضائه وحكمه ، ~~فقال لهم الحق جل جلاله : هل ينتظر هؤلاء المنكرون علي في أفعالي ، ~~المعترضون علي في حكمي وإبرامي - إلا أن أتعرف لهم في ظلل من الغمام ، وهو ~~سحب الآثار ، فإذا أنكروني # 207 # أخذتهم الملائكة ، وقضي الأمر بهلاكهم ، وإلى الله ترجع الأمور كلها ، ~~فليلتزم العبد الأدب مع مولاه ، وليسلم الأمور كلها إلى الله ، إذ لا موجود ~~سواه ، فما برز من العباد : كله من الله ، فمن اشتغل بعتابهم فاته الأدب مع ~~الله ، إلا ما أمرت به الشريعة ، فليكن في ذلك كالعبد يؤدب ابن سيده ؛ يده ~~تؤدب وقلبه يعظم ، والله تعالى أعلم وأرحم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 207 # قلت : {كم} خبرية ، أو استفهامية ، محلها نصب بفعل محذوف يقدر مؤخرا ~~للصدرية ، أي : كم آياتنا آتيناهم ، أو رفع بالابتداء ، والعائد محذوف ، أي ~~: آتيناهموه. PageV01P262 # يقول الحق جل جلاله لرسوله - عليه الصلاة والسلام - أو لكل سامع : {سل بني ~~إسرائيل} سؤال تقريع ، وقل لهم : {كم أتيناهم من آية بينة} أي : كثيرا ما ~~آتيناهم من آية واضحة في شأنك ، تدل على صدق رسالتك وعلو شأنك وفخامة أمرك ~~، اعتناء بأمرهم ، ونعمة على من أدرك زمانك منهم. ثم إنهم بدلوا نعمة الله ~~كفرا ، وجحدوا فكتموا تلك النعمة وكفروها ، {ومن يبدل ms0186 نعمة الله} من بعد ~~مجيئها إياه ، {فإن الله شديد العقاب} لمن كفر نعمه وجحد رسله ، نعوذ بالله ~~من السلب بعد العطاء ، ومن كفران النعم ، وحرمان الرضا. # الإشارة : ما قيل لبني إسرائيل ، يقال لمن تحقق بولاية ولي من أولياء ~~الله ، ثم جحدها وكتمها ، وحرم نفسه بركة ذلك الولي ، فمات على مرضه ، ~~فيقال له : {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب}. ~~وعقوبته : أن يلقى الله بقلب سقيم ، فيبعث مع عوام أهل اليمين ، ويحرم درجة ~~المقربين ، التي تلي درجة النبيين والمرسلين. عائذا بالله من الحرمان ، ~~وشؤم عاقبة الخذلان. # ثم ذكر الحق جل جلاله سبب هذا الحرمان ، وهو حب الدنيا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 207 # قلت : {زين} مبني للمفعول ، والفاعل هو الله ، إذ لا فاعل سواه. # يقول الحق جل جلاله : {زين للذين كفروا} من اهل الكتاب وغيرهم ، {الحياة ~~الدنيا} أي : حسنت في أعينهم ، وأشربت محبتها في قلوبهم ، حتى تهالكوا ~~عليها ، واعرضوا عن غيرها ، فلم تتفرغ قلوبهم للتفكر والاعتبار ، ولم تستمع ~~آذانهم للوعظ # 208 PageV01P263 ~~والتذكار ، بل أعمتهم ، وأصمتهم ، وقصروا عليها همتهم ، حتى جعلوا يسخرون ~~ممن أعرض عنها ، كفقراء المسلمين وأهل الصفة ، فكانوا يستهزئون بهم ، حيث ~~رفضوا الدنيا وأقبلوا على الله ، فرفعهم الله في أعلى عليين ، وخفض الكفار ~~في أسفل سافلين. فهم يسخرون منهم في دار الدنيا {والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة} لأنهم في عليين ، والآخرين في أسفل سافلين. أو لأنهم في كرامة ، ~~والآخرون في مذلة. أو لأنهم يسخرون منهم يوم القيامة كما سخروا منهم في ~~الدنيا. # وعبر بالتقوى لأنها سبب رفعهم واستعلائهم. وأما استهزاؤهم بهم لأجل فقرهم ~~، فإن الفقر شرف للعبد ، والبسط في الدنيا على شرفه ؛ فقد يكون استدراجا ، ~~وقد يكون عونا ، فالله {يرزق من يشاء بغير حساب} ، أي : بغير تقدير ، فيوسع ~~في الدنيا استدراجا وابتلاء ، ويقتر على مي يشاء اختبارا وتمحيصا ، {لا ~~يسئل عما يفعل وهم يسئلون} [الأنبياء : 23]. PageV01P264 # الإشارة : اعلم أن عمل أهل الباطن كله باطني قلبي ، بين تفكر واعتبار ، ~~وشهور واستبصار ، أو نقول : بين فكرة ونظرة وعكوف في ms0187 الحضرة ، فلا يظهرون ~~من أعمالهم إلا المهم من الواجبات ، ولذلك قال بعضهم : إذا وصل العمل إلى ~~القلوب استراحت الجوارح ، (ومعلوم أن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال ~~الجبال من أعمال الجوارح) ؛ لأن أعمال القلوب خفية ، لا يطلع عليها ملك ~~فيكتبها ، ولا شيطان فيفسدها ، الإخلاص فيها محقق. وأيضا : " تفكر ساعة ~~أفضل من عبادة ستين سنة ". وسئل - عليه الصلاة والسلام - : " أي الأعمال ~~أفضل ؟ قال : " العلم بالله " قيل : يا رسول الله سألناك عن العمل ؟ فقال : ~~" العلم بالله " ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : " إذا حصل العلم بالله كفى ~~قليل العمل " أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، " فلما خفيت أعمال أهل ~~الباطن سخر منهم أهل الظاهر ، واستصغروا شأنهم ؛ حيث لم يروا عليهم من ~~الأعمال ما رأوا على العباد والزهاد. والذين اتقوا شهود ما سوى الله ، أو ~~كل ما يشغل عن الله ، فوقهم يوم القيامة ؛ لأنهم من المقربين وغيرهم من ~~عوام المسلمين ، والله يرزق من يشاء في الدارين بغير حساب ، أي : بغير ~~تقدير ولا حصر ، فيرزق العلوم ، ويفتح مخازن الفهوم على من توجه إلى مولاه ~~، وفرغ قلبه مما سواه " وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 208 # 209 # قلت : {فبعث} معطوف على محذوف ، أي : فاختلفوا فبعث ، و{بغيا} : مفعول له ~~، و{من الحق} بيان {لما}. # يقول الحق جل جلاله : {كان الناس} في زمن آدم عليه السلام وما قرب منه ~~{أمة واحدة} أي : جماعة واحدة ، متفقة على التوحيد ، والطاعة ، فاختلفوا ~~بعد ذلك في أمر التوحيد ، {فبعث الله النبيين مبشرين} لأهل التوحيد والطاعة ~~بالنعيم المقيم ، {ومنذرين} أي : مخوفين لأهل الكفر والعصيان بالعذاب ~~الأليم. PageV01P265 # {وأنزل معهم الكتاب} أي : جنب الكتب ، فيشمل الكتب السماوية كلها ، متلبسا ~~ذلك الكتاب {بالحق} ، ودالا عليه {ليحكم} الحق تعالى على لسان الرسل {بين ~~الناس} في الأمر الذي {اختلفوا فيه} من أمر التوحيد وغيره. ثم اختلفوا أيضا ~~في الكتب المنزلة ؛ فبعضهم آمن ، وبعضهم كفر بها أو ببعضها ، {وما اختلف ~~فيه} أي : في الكتاب المنزل : {إلا الذين اوتوه} حسدا أو كبرا ؛ فاليهود ~~آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل ، والنصارى آمنوا ms0188 بالإنجيل وكفروا بالتوراة ~~، {من بعد ما جاءتهم} : الآيات الواضحات في صحة ذلك الكتاب الذي كفروا به ، ~~والأمر بالإيمان به. # وإنما وقع ذلك الكفر منهم {بغيا} وحسدا {بينهم} ، فأنزل الله العلم ~~ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته ، فأمرهم أن يتألفوا بالعلم ، فتحاسدوا ، ~~واختلفوا طلبا للرئاسة والجاه ، {فهدى الله الذين آمنوا} بمحمد - عليه ~~الصلاة والسلام - للأمر الذي اختلف فيه أهل الكتاب ، وهو الحق الذي جاءت به ~~الرسل ، فآمنوا بالجميع ، وتآلفوا على طاعة الله {بإذنه} وإرادته ، {والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ، ويضل من يشاء عن طريقه القويم ، {لا يسئل ~~عما يفعل وهم يسئلون} [الأنبياء : 23]. PageV01P266 # الإشارة : الإصل في الأرواح كلها ، الاتفاق والإقرار ، وإنما حصل لها ~~الخلاف والإنكار بعد دخولها في عالم الأشباح ، وهبوطها من عالم الأرواح ، ~~فبعث الله النبيين يذكرون الناس العهد القديم ، فمن سبقت له السعادة حصل له ~~الإقرار ، ومن سبق له الشقاء حصل له الإنكار ، ولذلك قال - عليه الصلاة ~~والسلام- : " كل مولود يولد على الفطرة ، فضأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه " ثم بعث الله الحكما ، وهم العارفون بالله ، يعالجون ما حصل للروح ~~من الجهل والإنكار ، فمن سبقت له العناية آمن بهم ، وصدقهم ، واستسلم ~~بكليته إليهم ، فحصل له الوصول ، وبلغ كل المأمول ، ومن سبق له الحرمان لم ~~يحصل له بهم إيمان ، وبقي دائما في قلبه حيران. # جزء : 1 رقم الصفحة : 209 # وما وقع هذا الإنكار في الغالب إلا من أهل الرئاسة والجاه ، أو من كان ~~عبدا لدنياه وهواه بغيا وحسدا منهم ، فهدى الله الذين آمنوا - وهم أهل ~~الفطرة والنية - لما اختلفوا فيهم من الحق بإذنه ، فحصل لهم التصديق ، ~~ووصلوا إلى عين التحقيق ، {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} وهو طريق ~~الوصول إلى الحضرة القدسية التي كانت مقرا للأرواح # 210 # الزكية ، منها جاءت وإليها عادت. وفي ذلك يقول ابن البنا رضي الله عنه : # وهذه الحقيقة النفسية # موصولة بالحضرة القدسيه # وإنما يعوقها الموضوع # ومن هنا يبتدأ الطلوع # ولما كانت المحبة والهداية إلى أسبابها مقرنتين بالبلاء ذكره الحق تعالى ~~بإثر الهداية. # جزء : 1 رقم الصفحة ms0189 : 209 PageV01P267 ~~قلت : {أم} منقطعة بمعنى بل ، وتتضمن استفهاما إنكاريا ، و" حسب " تتعدى ~~إلى مفعولين ، أي : أظننتم دخول الجنة حاصلا من غير أن يأتيكم ؟ . و{لما} ~~أصلها {لم} زيدت عليها " ما " وهي تدل على توقع منفيها بخلاف لم. و{حتى ~~يقول} يصح فيه النصب {أن} ؛ لأن الزلزلة متقدمة على قول الرسول ، والرفع ~~على حكاية الحال ، أي : وزلزلوا حتى حالتهم حينئذ أن الرسول ومن معه يقولون ~~كذا وكذا. وفائدة الحكاية : فرض ما كان واقعا في الزمان الماضي واقعا في ~~هذا الزمان ، تصورا لتلك الحال العجيبة ، واستحضارا لصورتها في مشاهدة ~~السامع ، وإنما وجب رفعه عند إرادة الحال ؛ لأنه نصبه يؤدي إلى تقدير {أن} ~~، وهي للاستقبال ، والحال ينافيه ، ويصح في موضع " حتى " الداخلة على الحال ~~الفاء السببية. # يقول الحق جل جلاله للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين ، تسلية ~~لهم وتشجيعا لقلوبهم : أظننتم أن تدخلوا الجنة ولما يصبكم مثل ما أصاب من ~~قبلكم من الأنبياء وأممهم ، فقد {مستهم البأساء} في أموالهم بالغصب والنهب ~~والموت {والضراء} وفي أبدانهم بالتقل في الحرب والمرض وأنواع البلاء ، ~~{وزلزلوا} أي : ضربوا بالمحن والشدائد ، وطال عليهم البلاء ، وتأخر عنهم ~~النصر ، حتى أفضى بهم الحال إلى أن قالوا : {متى} يأتينا {نصر الله} ؟ ~~استبطاء لمجيئه مع شدة البلاء. # قال الحق جل جلاله بشارة لهم : {ألا إن نصر الله قريب} فلا تستعجلوا ، ~~{واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال : 46] ، {والعاقبة للمتقين} ~~[الأعراف : 128]. PageV01P268 # الإشارة : الجنة حفت بالمكاره ، ولا فرق بين جنة الزخارف وجنة المعارف ، ~~فمن رام دخول جنة المعارف قبل أن يمسه شيء من المكاره ، فقد رام المحال. ~~قال أبو المواهب : من ادعى شهود الجمال ، قبل تأدبه بالجلال ، فارفضه فإنه ~~دجال. وقال بعض العارفين : [صيحة العدو سوط الله يزجر به قلوب أوليائه لئلا ~~تسكن إلى غيره}. وفي الحكم : " إنما أجرى الأذى عيلهم كي لا تكون ساكنا ~~إليهم ، أراد أن يزعجك عن كل # 211 # شيء حتى لا تكون ساكنا إلى شيء ".وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : " ~~اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا ، وحكمت عليهم بالفقد ms0190 حتى ~~وجدوا}. فتسليط الخلق على أولياء الله في بدايتهم سنة ماضية ، وحكمة إلهية ~~، {ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب : 62]. # جزء : 1 رقم الصفحة : 211 # حتى إذا تخلصوا من البقايا ، وكملت فيهم المزايا ، نشر فضيلهم لعباده ، ~~فأقروهم ليعرفوهم الطريق إلى الله ، ويدلوا العباد على الله ، بعد أن كساهم ~~حينئذ كسوة الجمال وكسوة الجلال ، فبكسوة الجمال يقع الائتلاف عليهم والعطف ~~لهم ، وبكسوة الجلال يقع الامتثال لأمرهم والاستماع لقولهم. والله تعالى أعلم. # ولما أمر الحق تعالى بالنفقة في الجهاد وغيره ، سألوا ما الذي ينفقون ؟ ، ~~فبين الله تعالى لهم المنفق والمحل الذي تدفع فيه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 211 # قلت : {ماذا} إما مفعول {ينفقون} ، أو مبتدأ وخبر بحذف العائد ، أي : ما ~~الذي ينفقونه ، والسائل هو عمرو بن الجموح ، كان ذا مال فقال : يا رسول ~~الله ، ماذا ننفق من أموالنا ، وأين نضعها ؟ فنزلت الآية. PageV01P269 # يقول الحق جل جلاله : {يسالونك} يا محمد {ماذا ينفقون} من أموالهم ؟ {قل} ~~لهم : {ما أنفقتم من خير} أي خير كان ، ذهبا أو فضة أو طعاما أو ثيابا أو ~~حيوانا أو غير ذلك ، فادفعوه للأهم فالأهم ؛ كالوالدين والأقربين ؛ لأن ~~فيهم الصلة والصدقة ، {واليتامى} الذين مات آباؤهم ؛ لهضم حالهم ، ~~{والمساكين} ؛ لضعفهم ، {وابن السبيل} ؛ لغربته واحتياجه إلى ما يبلغه إلى ~~وطنه ، {وما تفعلوا من خير} يجازيكم به الله ، فلا يخفى عليه شيء من ~~أحوالكم ، وهذه النفقة غير الزكاة ، فلا نسخ في الآية. الله تعالى أعلم. # الإشارة : الإنفاق على قسمين : حسي ومعنوي ، والإنفاق الحسي هو بذل ~~الأموال والفلوس ، والإنفاق المعنوي هو بذل الأرواح والنفوس ، فمن بذل ~~أمواله لله عوضه الله جنة الزخارف ، ومن بذل نفسه لله عوضه الله جنة ~~المعارف ، ومن دخل جنة المعارف لا يشتاق إلى جنة الزخارف ، وكما أن لنفقة ~~الأموال محلا تصرف يه ، كما ذكره الحق تعالى هنا ، كذك لنفقة النفوس محل ~~تصرف فيه ؛ وهو خدمة الشيوخ العارفين بالله ، والإخوان الذين يستعين بهم ~~على الوصول إلى الله ، وكذلك من احتاج إليه من اليتامى الذين لا شيخ لهم ، ~~فيرشدهم وينصحهم ، والمساكين الضعفاء الذي ms0191 لا قدرة لهم على مجاهدة نفوسهم ، ~~فيقويهم بحاله أو مقاله ، والغريب الذي انفرد عن الإخوان ، ولم يجد ما يستعين # 212 # به على سيره فيرشده إلى الصحبة والاجتماع بأهل المحبة ، وإلى هذا المنزع ~~أشار الشيخ أبو مدين ري الله عنه : # وبالتغني على الإخوان جد أبدا # حسا ومعنى ، وغض الطرف إن عثرا # ولما ذكر الحق جل جلاله قواعد الإسلام ، وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج ~~، بعد أن أشار إلى كلمة التوحيد بقوله : {وإلهكم إله واحد} [البقرة : 163] ~~، ذكر الجهاد - الذي هو حفظ نظامه - # جزء : 1 رقم الصفحة : 212 PageV01P270 ~~قلت : الكره - بالضم - : اسم لما يشق على النفس ، وبالفتح المصدر. # يقول الحق جل جلاله : فرض عليكم الجهاد ، وهو شاق عليكم ، تكرهه نفوسكم ، ~~وفيه خير كبير لكم ، {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} ، ففي الجهاد نصر ~~دينكم ، وإعلاء كلمة إسلامكم ، والغنيمة والظفر بعدوكم ، والأجر الكبير عند ~~ربكم ، من مات كان شهيدا ، ومن عاش عاش سعيدا ، وكذلك بقية التكاليف ، فإن ~~النفس تكره الإقدام عليها ، وهي مناط صلاحها ، وسبب فلاحها ، {وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شرك لكم} فقد تحبون الراحة وترك الجهاد وفي ذلك ذلكم ، ~~وظهور العدو عليكم ، وفوات الأجر من ربكم ، وحرمان درجة الشهادة عند ربكم. ~~وكذلك جميع المنهيات ؛ فإن النفس تحبها بالطبع ، وتشره إليها ، وهي تفضي ~~بها إلى ذلها وهوانها ، وعبر الحق سبحانه بعسى ؛ لأن النفس إذا ارتاضت ~~انعكس الأمر عليها ، فيخف عليها أمر الطاعة ، ويصعب عليها أمر المخالفة ، ~~{والله يعلم} ما فيه مصلحتكم ، {وأنتم لا تعلمون} ؛ لجهلكم بعواقب أموركم. # الإشارة : الجهاد على قسمين : جهاد أصغر وهو جهاد السيف ، وجهاد أكبر وهو ~~جهاد النفس ، فيجاهدها أولا في القيام بجميع المأمورات ، وترك جميع ~~المنهيات ، ثم يجاهدها ثانيا في ترك العوائد والشهوات ، ومجانبة الرخص ~~والتأويلات ، ثم يجاهدها ثالثا في ترك التدبير والاختيار ، والسكون تحت ~~مجاري الأقدار ، حتى لا تختار إلا ما اختار الحق تعالى لها ، ولا تشتهي إلا ~~ما يقضي الله عليها ، فإن النفس جاهلة بالعواقب ، فعسى أن تكره شيئا وهو ~~خير لها ، وعسى أن تحب شيئا وهو ms0192 شر لها. # فعسى أن تأتيها المسار من حيث تعتقد المضار ، وعسى أن تأتيها المضار من ~~حيث ترجو المسار ، وعسى أن تنفع على أيدي الأعداء ، وعسى أن تضر على أيدي ~~الأحباء ، وعسى أن تكره الموت وهو خير لها ، وعسى أن تحب الحياة وهي شر لها ~~، فالواجب تسليم الأمور إلى خالقها ، الذي هو عالم بمصالحها ، {والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون} # 213 PageV01P271 ~~، وهذا كله قبل تصفيتها وكمالها ، وأما إذا تهذبت وكملت رياضتها ، فالواجب ~~اتباع ما يتجلى فيها ، إذ لا يتجلى فيها إلا الحق ، وهذا هو ثمرة الجهاد ~~الأكبر ، وأما الجهاد الأصغر فلا يحصل شيء من هذا ، فلذلك كان مفضولا عند ~~الجهاد الأكبر ، وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 213 # ولما كان القتال محرما في الأشهر الحرم في أول الإسلام ، ووقع من بعض ~~الصحابة ، فندموا وتحرجوا ، أزال الله ذلك الحرج عنهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 213 # قلت : {قتال} : بدل اشتمال من {الشهر الحرام} ، وقد وقع خبط في عطف ~~{المسجد الحرام} ، والصواب : ما قاله الزمخشري وابن عطية أنه عطف على ~~{السبيل} ؛ إذ هو المتبادر من جهة المعنى أي : وصد عن سبيل الله وعن المسجد ~~الحرام أكبر جرما من قتل السرية في الشهر الحرام ، والقواعد النحوية إنما ~~هي أغلبية. # يقول الحق جل جلاله : {يسألونك} يا محمد {عن الشهر الحرام} أي : عن ~~القتال في الأشهر الحرام ، {قل} لهم : القتال في الشعر الحرام أمره {كبير} ~~، لكن ما وقع من الكفار من صد الناس {عن سبيل الله} أي : منعهم من الإسلام ~~والطاعة ، وكذلك كفرهم بالله وصدهم المسلمين عن {المسجد الحرام} عام ~~الحديبية ، وإخراج المسلمين من مكة التي هي بلدهم - {والفتنة} التي هم فيها ~~من الكفر ، وافتتان الناس عن دينهم - {أكبر} جرما من القتال الذي وقع في ~~الشهر الحرام تأويلا وظنا أنه لم يدخل الشهر الحرام. PageV01P272 # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية وأمر عيلها عبد الله بن جحش في ~~آخر جمادى الآخرة ، فلقوا عمرو بن الحضرمي ، مع أناس من قريش ، بعد غروب ~~الشمس من جمادى الآخرة ، فرموا ms0193 عمرا فقتلوه ، وأخذواو الغنيمة ، فقال لهم ~~عليه الصلاة والسلام : " لم آمركم أن تقتلوا في الشهر الحرام " فندموا ، ~~وبعثت قريش بالعتاب للنبي صلى الله عليه وسلم : كيف تستحل القتال في الشهر ~~الحرام ؟ فنزلت هذه الآية. ثم نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم بقوله ~~تعالى : {وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة} # 214 # [التوبة : 36]. # جزء : 1 رقم الصفحة : 214 # ثم قال الحق جل جلاله في التحذير من الكفار : {ولا يزالون يقاتلونكم حتى ~~يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} ، لكن لا يطيقون ذلك ، {ومن يرتدد منكم عن ~~دينه} ويستمر عليه حتى يموت {وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا} فلا ~~حرمة له ، ولا نصيب له في الفيء والغنيمة ، وفي {الآخرة} فلا يرى لها ثوابا ~~، {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. # ومفهوم الآية : أنه إن رجع قبل الموت لا يحبط عمله ، وهو قول الشافعي. ~~وقال مالك : يحبط أجر كل ما عمل ، ويعيد الحج ، إن تقدم على الردة ، ويقبل ~~منه الإسلام إن رجع ، فإن لم يرجع أمهل ثلاثة أيام ، ثم يقتل. # ولما نزلت الآية في إسقاط الحرج ، ظنوا أنه لا أجر لهم في ذلك الجهاد ، ~~فأنزل الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~أولئك يرجون رحمت الله} أي ثوابه ، {والله غفور} لهم {رحيم} بهم ، فلا يضيع ~~جهادهم في هذه السرية ، وأعاد الموصول لتعظيم شأن الهجرة والجهاد ، وعبر ~~بالرجاء إشعارا بأن العمل غير موجب للثواب ، وإنما هو عبودية ، والأمر بيد ~~الله ؛ إن شاء أثاب وإن شاء عاقب ، {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} ~~[الأنبياء : 23]. PageV01P273 # الإشارة : تعظيم الزمان والمكان يكون بقدر ما يقع فيه من طاعة الملك الديان ~~، فالزمان الذي تهب فيه نفحات القبول والإقبال ، لا ينبغي أن يقع فيه ~~ملاججة ولا قتال ، وهو وقت حضرة الذكر ، أو التذكير ، أو الجلوس مع ~~العارفين أهل الإكسير ، فسوء الأدب فيه أمره كبير ، ومنع القاصدين من وصوله ~~جرمه كبير ، وصد القلوب عن نفحات تلك الحضرة أكبر من كل كبير ، ولا يزال ~~قطاع هذه الطريق يردون من أراد ms0194 سلوكها على التحقيق ، لكن من سبق له التأييد ~~لا يرده عن الحق جبار ولا عنيد ، ومن سبق له الحرمان ، وحكم عليه القضاء ~~بالخذلان ، رجع ولو بعد العيان ، وأنشدوا : # والله ما نشكر خليع # وإن ثمل وإن صحا # وإن ثبت ، سير سريع # وإن شرب حتى امتحا # حتى يقطع في القطيع # ويدور دور الرحا # إن الذين آمنوا وصدقوا بطريق الله ، وهاجروا أهواءهم في مرضاة الله ، ~~وجاهدوا نفوسهم في محبة الله ، أولئك يرجون رحمة الله ، فلا يخيبهم الكريم ~~؛ لأنه غفور رحيم. # ولما كان الخمر حلالا في أول الإسلام ، وكانوا يشربونه ، ويتجرون فيه ، ~~فيتصدقون بثمنه وبثمن القمار ، بين الحق تعالى ذلك ، بعد الأمر بالإنفاق ؛ ~~لئلا يقع التساهل في المعاملة بعلة الصدقة. # 215 # جزء : 1 رقم الصفحة : 214 # {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر ~~من نفعهما...} PageV01P274 ~~قلت : الخمر في اللغة : ما يستر الشيء ويغطيه ، ومنه : خمار المرأة ، وسمي ~~الخمر خمرا لستره العقل. وفي الاصطلاح : ما غيب العقل دون الحواس مع النشوة ~~والطرب. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر خمر وكل خمر ، حرام ~~". والميسر : قال ابن عباس والحسن : كل قمار ميسر ، من شطرنج ونرد ونحوه ، ~~حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب ، إذا كان بالفلوس ، وسمي ميسرا ليسر صاحبه ~~بالمال الذي يأخذه ، وأما إذا كان بغير عوض ، إنما هو لعب فقط ، فلا بأس. ~~قاله ابن عرفة. # يقول الحق جل جلاله : {يسألونك عن} حكم {الخمر والميسر قل} لهم : {فيهما ~~إثم كبير} أي : عظيم لما في المسير من أكل أموال الناس بالباطل ، وما ينشأ ~~عنه من العداوة والشحناء ، وما في الخمر من إذهاب العقل والسباب والافتراء ~~والإذاية ، والتعدي الذي يكون من شاربه. وقرأ حمزة والكسائي : {كثير} ~~بالمثلثة ، أي : آثام كثيرة ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : " لعن الله ~~الخمر ، وبائعها ، ومبتاعها ، والمشتراة له ، وعاصرها ، والمعصورة له ، ~~وساقيها ، وشاربها ، وحاملها ، والمحمولة له ، وآكل ثمنها " فهذه آثام ، ~~وفيها {منافع للناس} أي : منافع دنيوية ؛ ككسب المال بلا تعب ، وإطعام ~~الفقراء من كسبه ، كما كانت تصنع العرب في ms0195 الميسر ، وفي الخمر اللذة ~~والنشوة ، كما قال حسان رضي الله عنه : # ونشربها فتتركنا ملوكا # وأسدا لا ينهنهنا اللقاء # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 216 PageV01P275 ~~وإثمهما أكثر من نفعهما} ؛ لأن منفعتهما دنيوية ، وعقوبة إثمهما أخروية ، ~~وهذه الآية نزلت قبل التحريم. روي أنه لما نزل بمكة قوله تعالى : {ومن ~~ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل : 67] ، أخذ ~~المسلمون يشربونها ، ثم إن عمر ومعاذا في نفر من الصحابة ، قالوا : أفتنا ~~يا رسول الله في الخمر ؛ فإنها مذهبة للعقل ، فنزلت هذه الآية ، فشربها قوم ~~وتركها آخرون ، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا إلى داره ، فشربوا وسكروا ، ~~ثم قام يصلي بهم فقرأ : {قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون : ~~1 ، 2] ؛ من غير نفي ، فنزلت : {... لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى...} ~~[النساء : 43] فاجتنبوها في أوقات الصلاة. ثم دعا عتبان بن مالك سعد بن أبي ~~وقاص في جماعة ، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا ، فأنشد سعد شعرا فيه هجاء ~~الأنصار ، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه ، فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فقال # 216 # عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت {إنما الخمر ~~والميسر...} إلى قوله : {... فهل أنتم منتهون} [المائدة : 90 ، 91] فقال ~~عمر : انتهينا يا رب ه. # ولما شربها بعض الناس بعد التحريم ، كان - عليه الصلاة والسلام - يضرب ~~فيها بالنعال والجريد ، ضربا غير محدود ، وضرب أبو بكر وعمر أربعين ، وأول ~~من حد فيها ثمانين سيدنا عثمان ، لما تهافت الناس فيها. والله تعالى أعلم. PageV01P276 # الإشارة : اعلم أن الحق تعالى جعل للعقل نورا يميز بين الحق والباطل ، بين ~~الضار والنافع ، وبين الصانع والمصنوع ، ثم إن هذا النور قد يتغطى بالظلمة ~~الطينية ؛ وهي نشوة الخمر الحسية. وقد يتغطى أيضا بالأنوار الباهرة من ~~الحضرة الأزلية إذا فاجأته ، فيغيب عن الإحساس في مشاهدة الأنوار المعنوية ~~، وهي أسرار الذات الأزلية ، فلا يرى إلا أسرار المعاني القديمة ، وينكر ~~الحوادث الحسية ، فسمي الصوفية هذه الغيبة خمرة ؛ لمشاركتها للخمر في ~~غيبوبة العقل ، وتغنوا بها في أشعارهم ومواجيدهم ، قال الفارض رضي الله عنه : # شربنا ms0196 على ذكر الحبيب مدامة # سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم # ثم قال : # على نفسه فليبك من ضاع عمره # وليس له منها نصيب ولا سهم # جزء : 1 رقم الصفحة : 216 # وقلت في عينيتي : # ولي لوعة بالراح إذ فيه راحتي # وروحي وريحاني ، وخير واسع # سكرنا فهمنا في بهاء جماله # فغبنا عن الإحساس ، والنور ساطع # والميسر في طريق الإشارة : هو الغني الذي يحصل بهذه الخمرة ، وهو الغني ~~بالله عن كل ما سواه (قل فيهما إثم كبير) أي : في تعاطيهما حرج كبير ، ~~ومنافع للناس بعد تعاطيهما ، فيهما إثم كبير عند طالب الأجور ، ومنافع ~~للناس لمن طلب الحضور ورفع الستور. وأنشدوا : # لو كان لي مسعد يسعدني # لما انتظرت لشرب الراح إفطارا # فالراح شيء شريف أنت شاربه ، # فاشرب ، ولو حملتك الراح أوزارا # يا من يلوم على صهباء صافية # خذ الجنان ، ودعني أسكن النارا # وقال ابن الفارض : # وقالوا : شربت الإثم! كلا ، وإنما # شربت التي في تركها عندي الإثم # 217 # وقال آخر : # طاب شرب المدام في الخلوات # اسقني يا نديم بالآنيات # خمرة تركها علينا حرام ، # ليس فيها إثم ولا شبهات PageV01P277 ~~عتقت في الدنان من قبل آدم # أصلها طيب من الطيبات # أفت لي أيهأ الفقيه وقل لي : # هل يجوز شربها على عرفات ؟ # فيهما إثم كبير عند أهل الحجاب ، ونفع كبير عند ذوي الألباب ، يعني : في ~~الخمرة الأزلية والغنى بالله ، وقوله تعالى : {وإثمهما أكبر من نفعهما} : ~~خطاب على قدر ما يفهم الناس ، لأن إثمهما ظاهر للعوام ، وهو ما يظهر على ~~النشوان من خراب الظاهر ، وصدور الأحوال الغريبة ، ونفعهما خاص عند خوصا ~~الخواص ، لا يفهمه إلا الخواص ، بل يجب كتمه عن غير أهله ، وبالله التوفيق ~~، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # ثم وقع سؤال ثالث عن قدر المنفق ، فأشار إليه الحق جل جلاله بقوله : # {... ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذالك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون في الدنيا والآخرة...} # قلت : {العفو} : ضد الجهد ، وهو السهل ، ويقال للأرض السهلة : عفو ، ~~والمراد : أن ينفق ما تيسر بذله ، ولا يبلغ به الجهد ، وهو خبر ms0197 ، أو مفعول ~~، أي : هو العفو ، أو ينفقون العفو. يقول الحق جل جلاله : {ويسألونك} ما ~~القدر الذي ينفقونه ؟ {قل} لهم : هو {العفو} أي : السهل الذي لا مشقة في ~~إعطائه ، ولا ضرر على المعطي في فقده ، روي أن رجلا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقدر بيضة من الذهب ، فقال : خذها عني صدقة ، فأعرض عنه ، حتى ~~كرر مرارا ، فقال : هاتها ، مغضبا ، فحذفها حذفا لو أصابه لشجه ، فقال : " ~~يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ، ويجلس يتكفف الناس ، إنما الصدقة عن ظهر ~~غنى " قاله البيضاوي مختصرا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 216 # قلت : وهذا يختلف باختلاف اليقين ؛ فقد تصدق الصديق رضي الله عنه بماله ~~كله ، وعمر رضي الله عنه بنصف ماله ، فأقرهما ورد فعل غيرهما ، فدل ذلك على ~~أن العفو يختلف باختلاف الأشخاص ، على حسب اليقين. PageV01P278 # {كذلك يبن الله لكم الآيات} أي : مثل هذا التبيين الذي ذكرنا ، {يبين} لكم ~~الآيات ، حتى لا يترك إشكالا ولا وهما ، {لعلكم تتفكرون} بعقولكم ، وتأخذون ~~بما يعود نفعه عليهكم ، فتتفكرون {في الدنيا} وسرعة ذهابها وتقلبها بأهلها ~~، إذا أقبلت كانت فتنة ، وإذا أدبرت كانت حسرة ، لا يفي طالبها بمقصوده ~~منها ولو ملكها بحذافيرها ، # 218 # ضيقة الزمان والمكان ، عمارتها إلى الخراب ، وشأنها إلى انقلاب ، سريعة ~~الزوال ، وشيكة الانتقال ، فتزهدون فيها وترفعون همتكم عنها. # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " مالي وللدنيا ، إنما مثلي ومثل ~~الدنيا كرجل سافر في يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ، ثم راح وتركها " وفي صحف ~~إبراهيم عليه السلام : " عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، عجبت لمن أيقن ~~بالنار كيف يضحك ، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب - أي : يتعب - عجبت لمن ~~رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ". وأنشدوا : # ألا إنما الدنيا كأحلام نائم # وكل نعيم ليس فيها بدائم # تذكر إذا ما نلت بالأمس لذة # فأفنيتها هل أنت إلا كحالم # وتتفكرون في {الآخرة} ودوام نعيمها ، وسعة فضائها ، وبهجة منظرها ؛ ~~فترغبون في الوصول إليه ، وتتأهبون للقائها ، فتؤثرونها على هذه الدار ~~الفانية. قال بعض الحكماء : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ms0198 ، والآخرة من طين ~~يبقى ، لكان ينبغي للعاقل أن يختار ما يبقى على ما يفنى ، لا سيما والأمر ~~بالعكس ، الدنيا من طين يفنى ، والآخرة من ذهب يبقى ، فلا يختار هذه الدار ~~إلا أحمق خسيس الهمة ، وبالله التوفيق. PageV01P279 # الإشارة : كما نهى الحق جل جلاله عن السرف في الأموال ، نهى عن السرف في ~~الأحوال ، فالسرف ، من حيث هو ، يؤدي إلى الملل والانقطاع ، " أحب العمل ~~إلى الله ما دام عليه صاحبه ، وإن قل " كما في الحديث ، " والله ما رأينا ~~أحدا أسرف في الأحوال إلا مل ، وضعف حاله " ، وفي الحديث : " لا يكن أحدكم ~~كالمنبت " - أي : المنقطع - " لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى " وقال في ~~المباحث : # جزء : 1 رقم الصفحة : 216 # فاحتل على النفس فرب حيله # أنفع في النصرة من قبيله # فلا يزال يسايس نفسه شيئا فشيئا حتى يملكها ، ويظفر بها ، فإذا ظفر بها ~~كانت له شبكة يصطاد بها العلوم والمعارف ، فتتفكر في الدنيا فتراها فانية ~~فترحل عنها ، ثم تتفكر في الآخرة فتراها باقية ، فإذا رامت السكنى فيها ~~رأتها كونا مخلوقا فرحلت إلى خالقها ، فكشف الحق عنها الحجاب ، وأدخلها مع ~~الأحباب ، وأدخلها مع الأحباب ، فغابت عن الكونين في شهود المكون ، فلم يبق ~~لها دنيا ولا آخرة ، بل هي الآن في بهجة ونضرة {إلى ربها ناظرة} ، حققنا ~~الله بهذا المقام العلي. آمين. # ثم سألوا أيضا عن مخالطة اليتامى ، فأجابهم الحق تعالى بقوله : # {... ويسألونك عن اليتامىا قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله ~~يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم} # 219 # قلت : العنت : التعب والمشقة ، أعنتكم : أتعبكم. PageV01P280 # يقول الحق جل جلاله : {ويسألونك عن} مخالطة {اليتامى} أي : خلط مال اليتامى ~~بمال الوصي ، أو القائم به ، فيأكلون جميعا ، {قل} لهم : يفعلون ما هو ~~{إصلاح} لليتيم وأحفظ لماله ، فإن كان خلط مال اليتيم مع مال الوصي أحفظ ~~لماله ، وأوفر ، فهو خير ، فإنما هم إخوانكم في الدين ، وإن كان عزل ما لهم ~~عن مالكم ، وأكله وحده ، اوفر لماله ، فاعتزالهم خير ، {والله يعلم} من ~~قصده الإفساد ، ممن ms0199 قصده الإصلاح ، فيعامل كل واحد بقصده ، {ولو شاء الله} ~~لأمركم بعزلهم وحفظ مالهم مطلقا ، فيحرجكم ، ويشق عليكم ، {إن الله عزيز} ~~غالب ، لا يعجزه شيء ، {حكيم} لا يفعل شيئا إلا لحكمة ومصلحة. # ولما نزل قوله تعالى : {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما...} [النساء ~~: 10] الآية ، تحرج الصحابة من مخالطة اليتامى ، فسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فنزلت الآية. # الإشارة : كل من لا شيخ له في طريق القوم فهو يتيم ، لا أب له ، فإن ادعى ~~شيئا من الخصوصية سمي عندهم لقيطا أو دعيا ، أي ؛ منسوبا إلى غير أبيه ، ~~وما زالت الأشياخ تحذر من مخالطة العوام ، ومن مخالطة المتفقرة الجاهلة ، ~~أعني : الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية ، حتى قالوا : مخالطتهم سم قاتل. ~~وقال بعضهم : يجتنب المريد مخالطة ثلاثة أصناف من الناس : المتفقرة ~~الجاهلين ، والقراء المداهنين ، والجبابرة المتكبرين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 216 PageV01P281 ~~قلت : وكذلك الفروعية المتجمدين على ظاهر الشريعة ، فصحبتهم أقبح من الجميع ~~، ومن ابتلى بمخالطة العوام فلينصحهم ، ويرشدهم إلى مصالح دينهم ، إنما هم ~~إخوان في الدين ، والله يعلم المفسد من المصلح ، فمن خالطهم طمعا في مالهم ~~أو جاههم ، أفسده الله ، ومن خالطهم نصحا وإرشادا أصلحه الله ، ولو شاء ~~الله لأمر الفقراء باعتزالهم بالكلية ، وفي ذلك حرج ومشقة ، ومن حكمته ~~تعالى أن جعلهم حجابا لأهل الحجاب ، ومدخلا لذوي الألباب ، حجابا للضعفاء ، ~~ومدخلا ومشهدا للأقوياء. والله تعالى أعلم. # ولما فرغ الحق جل جلاله من ذكر بعض أمر الجهاد وما يتعلق به ، شرع يتكلم ~~على النكاح. # جزء : 1 رقم الصفحة : 216 # 220 # قلت : بدأ الحق جل جلاله بذكر محل النكاح ، وسيأتي في سورة النساء تمامه ~~في قوله : {حرمت عليكم أمهاتكم...} [النساء : 23] الآية. # يقول الحق جل جلاله : ولا تتزوجوا النساء {المشركات حتى يؤمن} ، ونكاحهن ~~حرام ، بخلاف الكتابيات ، كما في سورة المائدة. ونكاح أمة سوداء {مؤمنة خير ~~من} نحكاح {مشركة ولو أعجبتكم} حسنا وحسبا ومالا ، أو : ولا مرأة مؤمنة أمة ~~كانت أو حرة خير من مشركة ؛ إذ النساء كلهم إماء الله. # روي أنه عليه الصلاة والسلام - بعث ms0200 مرثدا الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا ~~من المسلمين فأتته امرأة يقال لها : عناق ، وكان يهواها في الجاهلية - ~~فقالت : ألا تخلو ؟ فقال : إن الإسلام حال بيننا ، فقالت : هل لك أن تتزوج ~~بي ؟ فقال : نعم ، ولكن أستشير رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاره ، ~~فنزلت الآية. البيضاوي. PageV01P282 # ولا تزوجوا {المشركين} وليتكم ، وهو حرام مطلقا ؛ إذ الرجال قوامون على ~~النساء ، ولا تسلط للكافر على المسلمة ، فلا تنكحوهم {حتى يؤمنوا} ، ~~{ولعبد} أسود مملوك {مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} حسبا ومالا ؛ إذ لا حسب ~~مع الكفر ، وإنما حرم نكاح أهل الكفر ؛ لأنهم {يدعو إلى} الكفر ، وهو سبب ~~{النار} ، والصحبة توجب عقد المحبة ، والطباع تسرق ، فلا يؤمن جانب الكفر ~~أن يغلب على الإيمان ، {والله} تعالى إنما {يدعو إلى} سبب {المغفرة} ~~والتطهير من لوث الكفر والمعاصي {بإذنه} وقدرته ، فلا يأمر إلا بما يقوى ~~عقد الإيمان واليقين ، وينهض إلى الطاعات ، وهو صحبة أهل الإيمان واليقين ، ~~{ويبين آياته} الدالة على جمع عباده إليه {لعلهم يتذكرون} فيها ، ويتعظون ~~بتذكيرها ووعظها. # الإشارة : لا ينبغي للفقير أن يعقد مع نفسه عقد الصحبة والمودة ، أو ينظر ~~إليها بعين الشفقة والرحمة ، ما دامت مشركة بشهود السوى ، أو مائلة بطبعها ~~إلى الهوى ، ولأن تكون عندك نفس مؤمنة بعلم التويد ، خير من نفس مشركة ~~برؤية الغير ، ولو أعجبتك في الطاعة ، وظهور الاستقامة ، فقد تظهر الطاعة ~~والخدمة ، وتبطن مالها فيها من الحظوظ والمتعة ، فليتهمها ما دامت مشركة ، ~~فإذا آمنت ووحدت الله تعالى ، فلم تر معه سواه ، فلا بأس بعقد النكاح معها ~~، فإنها لا تأمره إلا بما يقوي شهودها وتوحيدها. وكذلك لا ينبغي أن يعقد ~~نكاح نفسه ، ويدفعها لمن يشهد السوى ، شيخا أو أخا ، ولو أعجبك طاعته ~~واجتهاده ، ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه ، خير من أن تصحب عالما يرضى ~~عن نفسه ، أولئك أهل النفوس - يدعون إلى نار الشهوات والحظوظ العاجلة أو ~~الآجلة ، والله يدعو إلى التطهير من شهود الأغيار ، والدخول في حضرة ~~الأسرار ، وهذا لا يكون إلا للعارفين الأبرار ؛ الذين تطهروا من الأكدار ، ~~وتخلصوا ms0201 من شهود الأغيار ، كذلك يبين الله آياته الناس - الدالة على ~~وحدانيته - لعلهم يتعظون # 221 PageV01P283 ~~فينزجرون عن متابعة الهوى ، أو رؤية وجود السوى. وبالله التوفيق ، وهو ~~الهادي إلى سواء الطريق. # ولما بين الحق تعالى ما يحرم في النكاح أصالة ، بين ما يحرم فيه عروضا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 220 # قلت : المحيض : مصدر ، كالمقيل والمعيش والمجيء ، وهو الحيض. # يقول الحق جل جلاله : {ويسألونك} يا محمد {عن} قرب النساء بالجماع في زمن ~~{المحيض قل} لهم : {هو أذى} ، أي : مضر ، أو منتن مستقذر ، لا يرضى ذو همة ~~أن يقربه ، {فاعتزلوا} مجامعة {النساء في} زمن {المحيض ولا تقربوهن} ~~بالجماع في المحل {حتى يطهرن} من الدم ، بانقطاعه ، ويغتسلن بالماء ، {فإذا ~~تطهرن} بالماء {فأتوهن من حيث أمركم الله} وهو الفرج ، الذي أمركم باجتنابه ~~في الحيض ؛ إذ هو محل زراعة النطفة. فمن غلبته نفسه حتى وطئء في الحيض ، أو ~~النفاس ، فليبادر إلى التوبة ، {إن الله يحب التوابين} كلما أذنبوا تابوا. # ولا تجب كفارة على الواطئ ، على المشهور. وقال ابن عباس والأوزاعي : (من ~~وطئ قبل الغسل تصدق بنصف دينار ، ومن وطئ في حال سيلان الدم تصدق بدينار). ~~رواه أبو داود حديثا. ومن صبر وتنزه عن ذلك فإن الله {يحب المتطهرين} من ~~الذنوب والعيوب كلها ، وإنما أعاد العامل ؛ لأن محبته للمتنزهين أكثر. # قال البيضاوي : روي أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحائض ؛ ولا ~~يؤاكلونها ، كفعل اليهود والمجوس ، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح ، في ~~نفر من الصحابة ، عن ذلك ، فنزلت. ولعله سبحانه - إنما ذكر " إنما يسألونك ~~" من غير واو ، ثلاثا ، ثم بها ثلاثا ؛ لأن السؤالات الأول كانت في أوقات ~~متفرقة ، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد ؛ فلذلك ذكرها بحرف الجمع. ه. PageV01P284 # ثم بين الحق تعالى كيفية إتيان النساء بعد الطهر ، فقال : {نساؤكم حرث لكم} ~~، أي : مواضع حرثكم ، شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف ، بالبذر ، والأرحام ~~أرض لها ، {فأتوا حرثكم} أي : محل حرثكم ، وهو الفرج ، {أنى شئتم} أي : من ~~أي جهة شئتم. # 222 # روي أن اليهود كانوا يقولون : من ms0202 جامع امرأته من خلفها في قبلها جاء ~~الولد أحول ، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل : إن قريشا ~~كانوا يأتون النساء من قدام ، مستلقية ، والأنصار كانوا يأتوهن من خلف ، ~~باركة ، فتزوج رجل من المهاجرين امراة من الأنصار ، فأراد أن يفعل عادته ، ~~فامتنعت ، وأرادت عادتها ، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فنزلت الآية بالتخيير للرجل ، مع الإتيان في المحل ، وأما الإتيان في الدبر ~~فحرام ، ملعون فاعله ، وقال في القوت : {فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي : في أي ~~وقت شئتم ، ومن أي مكان شئتم ، مع اتحاد المحل. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 222 # ثم حذر الحق تعالى من متابعة شهوة النساء ، والغفلة عن الله ، فقال : ~~{وقدموا لأنفسكم} ما تجدون ثوابه مدخرا عنده ، وهو ذكر الله في مظان الغفلة ~~، قيل : التسمية قبل الوطء وقيل : طلب الولد ، والتحقيق : أنه الحضور مع ~~الحق عند هيجان الشهوة ، قال بعض العارفين : إني لا أغيب عن الله ولو في ~~حالة الجماع. ه. وهذا شأن أهل الجمع ، لا يفترقون عن الحضرة ساعة. وهذه ~~التقوى التي أمر الله بها بقوله : {واتقوا الله} أي : لا تغيبكم عنه شهوة ~~النساء ، {واعلموا أنكم ملاقوه} فترون وبال الغفلة وجزاء اليقظة ، {وبشر ~~المؤمنين} بالقرب من رب العالمين. PageV01P285 # الإشارة : إذا سئلت - أيها العارف - عن النفس في حال جنابتها بالغفلة ، ~~وحال تلبسها بنجاسة حب الدنيا ، فقل : هي أذى ، أي : قذر ونجس ، من قرب ~~منها لطخته بنجاستها ، فلا يحل القرب منه ، أو الصحبة معها ، حتى تطهر من ~~جنابة الغفلة باليقظة ، ومن نجاسة حب الدنيا بالزهد ، ورفع الهمة عنها ، ~~فإذا تطهرت فاتها ، وردها إلى حضرة مولاها ، كما أمرك الله ، {إن الله يحب ~~التوابين} ، وقد تابت ورجعت إلى مولاها ، {ويحب المتطهرين} ، وقد تطهرت من ~~جنابة الغفلة ، وتنزهت عن نجاسة الدنيا برفع الهمة ، فصارت لك أرضا لزراعة ~~حقوق العبودية ، ومنبتا لبذر شهود عظمة الربوبية ، فأتوا حرثكم - أيها ~~العارفون - أنى شئتم ، أي : ازرعوا في أرض نفوسكم من أوصاف العبودية ما ~~شئتم ، وفي أي وقت شئتم. # فبقدر ما تزرعون من ms0203 العبودية تحصدون من الحرية. وبقدر ما تزرع فيها من ~~الذل تحصده من العز ، وبقدر ما تزرع فيها من الفقر تحصده من الغنى ، وبقدر ~~ما تزرع فيها من التواضع تحصده من الشرف والرفعة. # والحاصل : بقدر ما تزرع فيها من السفليات تحصد ضده من العلويات. قال ~~تعالى : {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين (5) ونمكن لهم فى الأرض} [القصص : 5 ، 6]. فإذا تركتها هملا ، ~~أنبتت لك الشوك والحنظل ، {وقدموا لأنفسكم} من أوصاف العبودية ما تجدونه ~~أمامكم من مشاهدة الربوبية ، واتقوا # 223 # الله فلا تشهدوا معه سواه ، واعلموا أنكم ملاقوه حين تغيبون عن وجودكم ~~وتفقدونه ، وبشر المؤمنين الموقنين بشهود رب العالمين. # ولما تكلم الحق جل جلاله على بعض أحكام النكاح ، أراد أن يتكلم على ~~الإيلاء ، وهو الحلف على عدم مس المرأة وجماعها ، وقدم على ذلك النهي عن ~~كثرة الحلف ؛ لأنه هو السبب في الوقوع في الإيلاء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 222 PageV01P286 ~~قل : العرضة : فعلة ، بمعنى مفعولة : أي : معرضا منصوبا ، لأيمانكم تحلفون ~~به كثيرا ، فيصير اسم الجلالة مبتذلا بينكم. و{أن تبروا} : مفعول من أجله. # يقول الحق جل جلاله : {ولا تجعلوا الله} أي : اسم الجلالة ، معرضا ~~{لأيمانكم} ، فتتبذلونه بكثرة الحلف ، فتمتنعون من فعل الخير بسبب الحلف ، ~~كراهة {أن تبروا} أي : تفعلوا فعل البر ، وهو الإحسان ، وكراهة أن {تتقوا} ~~أن تجعلوا بينكم وبين الله وقاية بفعل المعروف ، وذلك أن يحلف الرجل ألا ~~يصل رحمه ، أو لا يسلم على فلان ، او لا يضمن أحدا ، أو لا يبيع بدين ، أو ~~لا يسلف أحدا ، أو لا يتصدق ، فهذه الأمور كلها بر وتقوى ، نهى الله تعالى ~~عن الحلف على عدم فعلها ، أو يحلف ألا يصلح بين الناس ، فيجب على الحالف ~~على ذلك أن يحنث ، ويكفر عن يمينه. ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : " ~~إني لأحلف على يمين فأرى خيرا منها ، فأكفر عن يميني ، وآتي الذي هو خير " ~~وقال لابن سمرة : " إذا حلفت على يمين ، فرأيت غيرها خيرا منها ، فات الذي ~~هو خير ، وكفر عن يمينك ". أو يقول ms0204 الحق جل جلاله {ولا تجعلوا لله} معرضا ~~لأيمناكم ، تحلفون به كثيرا ، نهيتكم عن ذلك ، إرادة أن تكونوا أبرارا ~~متقين ، مصلحين {بين الناس} ؛ فإن الحالف مجترئ على الله ، والمجترئ لا ~~يكون برا متقيا ، ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين ، {والله سميع} ~~لأيمانكم ، {عليم} بنياتكم. # ثم رفع الحق تعالى الحرج عن يمين اللغو الذي لا قصد فيه - فقال : {لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} ، وهو ما يجري على اللسان من غير قصد ، ~~كقول الرجل في مجرى كلامه : لا والله وبلى والله ، قاله ابن عباس وعائشة - ~~رضي الله عنهما - ، وبه قال الشافعي. # وقال أبو هريرة والحسن وابن عباس - في أحد قوليه - : هو أن يحلف على ما ~~يعتقد فيظهر خلافه. وبه قال مالك رضي الله عنه ، والأول أليق بقوله تعالى : {ولكن # 224 PageV01P287 ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أي : بما عقدت عليه قلوبكم ، {والله غفور} ؛ حيث ~~لم يؤاخذكم باللغو ، {حليم} ؛ حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد ، تربصا ~~للتوبة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 224 # الإشارة : يقول الحق جل جلاله : {لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} ، لكن ~~اجعلوه عرضة لتعظيم قلوبكم ومشاهدة لأسراركم ، فإني ما أظهرت اسمي لتبتذلوه ~~في الأيمان والجدال ، وإنما اسمي لتتلقوه بالتعظيم والإجلال ، فمن عظم اسمي ~~فقد عظم ذاتي ، ومن عظم ذاتي جعلته عظيما في أرضي وعند أهل سمواتي ، وجعلته ~~برا تقيا ، من أهل محبتي وودادي ، وداعيا يدعو إلى معرفتي ، ويصلح بيني ~~وبين عبادي ، فمن حلمي ورأفتي : أني لا أؤاخذ بما يجري على اللسان ، وإنما ~~أؤاخذ بما يقصده الجنان. # تنبيه : كثرة الحلف مذموم يدل على الخفة والطيش ، وعدم الحلف بالكلية ~~تعسف ، وخير الأمور أوساطها ، كان عليه الصلاة والسلام يحلف في بعض أحيانه ~~، يقول : " لا ومقلب القلوب " " والذي نفس محمد بيده " والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 224 # قلت : {الإيلاء} : يمين زوج مكلف على عدم وطء زوجته ، أكثر من أربعة ~~أشهر. وآلى : بمعنى حلف ، يتعدى بعلى ، ولكن لما ضمن هنا معنى البعد من ~~المرأة ، عدي بمن ، و{تربص} : مبتدأ ، و{للذين يؤلون} : خبر. PageV01P288 # يقول الحق جل ms0205 جلاله : {للذين} يبعدون {من نسائهم} ويحلفون ألا يجامعوهن ~~أكثر من أربعة أشهر ، غضبا وقصدا للإضرار ، {تربص} أي : تمهل {أربعة أشهر} ~~، لا يطالب فيهن بفيئة ولا حنث ، {فإن فاءوا} أي : رجعوا حلفوا عليه ، ~~وحنثوا وكفروا أيمانهم ، {فإن الله غفور} لما قصدوا من الإضرار ، بالفيئة ~~التي هي كالتوبة ، {رحيم} بهم ؛ حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، {وإن عزموا ~~الطلاق} أي : صمموا عليه ، ولم يرجعوا عما حلفوا عليه ، {فإن الله سميع} ~~لطلاقهم {عليهم} بقصدهم ونيتهم. ومذهب مالك الشافعي : أن القاضي يوقفه : ~~إما أن يرجع بالوطء إن قدر ، أو بالوعد إن عجز ، أو يطلق عليه طلقة رجعية ، ~~عند مالك. ومذهب أبي حنيفة : أنها تبين بمجرد مضي أربعة أشهر ، وأحكام ~~الإيلاء مقررة في كتب الفقه. # الإشارة : لا ينبغي للعبد أن يصرف عمره كله في معاداة نفسه ومجانبتها ، ~~إذ المقصود هو الاستغال بمحبة الحبيب ، لا الاشتغال بعداوة العدو ، ~~فلمجاهدة نفسه # 225 # ومجانبتها حد معلوم ووقت مخصوص ، وهو ما دامت جموحة جاهلة بالله. فإن ~~فاءت ورجعت إلى الله ، وارتاضت لحضرة الله ، وجبت محبتها والاصطلاح معها ؛ ~~لأن النفس بها ربح من ربح ، ومنها خسر من خسر ، من عرف قدرها ، واحتال ~~عليها حتى ردها إلى ربها - ربح ، ومن أهملها وجهل قدرها - خسر ، وكان شيخ ~~شيوخنا يقول : جزاها الله عنا خيرا ؛ والله ما ربحنا إلا منها ، يعني نفسه. ~~وفي بعض الآثار : (من عرف نفسه عرف ربه). وإن عزموا الطلاق ، يعني : العباد ~~والزهاد عزموا ألا يرجعوا إلى أنفسهم أبدا ، فإن الله سميع عليم بقصدهم هل ~~قصدهم طلب الحظوظ أو محبة الحبيب ، وأما العارفون فلا تبقى لهم معادة مع ~~أحد قط ، قد اصطلحوا مع الوجود بأسره ، فمكنهم الله من التصرف في الوجود ~~بأسره. والله ذو الفضل العظيم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 225 PageV01P289 ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرواء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~فيا أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادواا إصلاحا...} # قلت : القرء هو الطهر الذي يكون بعد الحيض ، عند مالك ، وجمع القلة : ~~أقراء ms0206 ، والكثرة : قروء ، واستعمله هنا باعتبار كثرة المطلقات ، و{ثلاثة} : ~~مفعول مطلق ، أو ظرف ، و{بعولتهن} : جمع بعل ، والتاء لتأنيث الجماعة. # يقول الحق جل جلاله : {والمطلقات يتربصن} أي : يمكثن عن التزوج ، ~~{بأنفسهن ثلاثة قروء} أي : أطهار ، وتعتد بالطهر الذي طلقها فيه ، فتحيض ، ~~ثم تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، فإذا رأت الحيضة الثالثة خرجت من العدة ، ~~هذا في غير الحامل ، واما الحامل فعدتها وضع حملها. {ولا يحل لهن أن يكتمن ~~ما خلق الله في أرحامهن} من الولد ؛ استعجالا لإتمام العدة ، أو من الحيض ؛ ~~استبقاء لتمادي العدة ، وتصدق في ذلك كله ، فإن كانت {تؤمن بالله واليوم ~~الآخر} فلا يحل لها أن تكتم ما استؤمنت عليه ، {وبعولتهن} أي : أزواجهن : ~~{أحق بردهن في ذلك} التربص ، إن كان الطلاق رجعيا ، وإلا بانت منه ، وينبغي ~~للزوج أن يراجعها في العدة ، إن أراد بذلك الإصلاح والمودة ، لا الإضرار ~~بها ، وإلا حرم عليه ارتجاعها ، إذ " لا ضرر ولا ضرار " ، كما قال - عليه ~~الصلاة والسلام -. # الإشارة : إذا طلقت النفس ، ووقع البعد منها حتى طهرت ثلاثة : الطهر ~~الأول : من الإصرار على الذنوب والمخالفات ، الطهر الثاني : من العيوب ~~والغفلات ، الطهر الثالث : من الركون إلى العادات الوقوف مع المحسوسات ، ~~دون المعاني وأنوار التجليات - حلت رجعتها والاصطلاح معها ، ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن : من العلوم # 226 PageV01P290 ~~والمعارف والأنوار ، وذلك إذا استشرفت على حضرة الأسرار ، فإنها تفيض ~~بالعلوم والحكم ، أو ما لا يحصى ، فينبغي أن تطلع عليها من يقتدي بشأنها. ~~وبعولتهن أحق بردهن ، والصلح معهن ، بعد تمام تطهيرهن ، إن أرادوا بذلك ~~إصلاحا ، وهو إدخالها في الحضرة ، ونعيمها بالشهود والنظرة. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 226 # ثم ذكر الحق جل جلاله حقوق الزوجية ، فقال : # {... ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم} # يقول الحق جل جلاله : وللنساء حقوق على الرجال ، كما أن للرجال حقوقا على ~~النساء ، فحقوق النساءعلى الرجال : الإنفاق ، والكسوة ، والإعفاف ، وحسن ~~المعاشرة ، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول : إني لأحب أن أتزين ~~للمرأة كما تتزين لي ms0207 ، ويقرأ هذه الآية. # وحقوق الرجل على المرأة : إصلاح الطعام والفراش ، وطاعة زوجها في كل ما ~~يأمرها به من المباح ، وحفظ فرجها ، وصاينة ماله الذي ائتمنت عليه - إلى ~~غير ذلك من الحقوق ، فللنساء حقوق على الرجال {مثل الذي عليهن بالمعروف} من ~~غير ضرر ولا ضرار. ولا تفريط ولا إفراط ، {وللرجال عليهم درجة} أي : فضيلة ~~؛ لأن الرجال قوامون على النساء ، ولهم فضل في الميراث ، والقسمة ، وكثير ~~من الحقوق ، فضلهم الله على النساء : {والله عزيز} لا يعجزه عقاب من خالف ~~أمره ، لكنه يمهل ولا يهمل ، {حكيم} لا يفعل إلا لمصلحة ظاهرة أو خفية. ~~والله تعالى أعلم. PageV01P291 # الإشارة : للنفس حقوق على صاحبها ، كما له حقوق عليها ، قال - عليه الصلاة ~~والسلام - : " إن لنفسك عليك حقا ، ولزوجك عليك حقا ، ولربك عليك حقا ، ~~فأعط كل ذي حق حقه " فالنفس مغرفة للسر ، فإذا تعبت سقط منها السر ، كذلك ~~نفس الإنسان ، إذا تحامل عليها حتى تعللت ، ودخلها الوجع ، تعذر عليها كثر ~~من العبادات ، لا سيما الفكرة ، فلا بد من حفظ البشرية ، وإنا ينبغي قتلها ~~بالأمور التي لا تخل بصحتها ، فعليها طاعتك فيما تأمرها به ، كما عليك ~~حفظها مما تتضرر به. وللرجال الأقوياء عليها تسلط وتصرف ، فهي مملوكة في ~~أيديهم ، وهم غالبون عليها ، والله غالب على أمره ، وهو العزيز الحكيم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 226 # 227 # قلت : {فإمساك بمعروف} : مبتدأ ، والخبر : محذوف ، أي : أحسن أو أمثل. أو ~~خبر ، أي : فالواجب إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. # يقول الحق جل جلاله : {الطلاق} الذي تقع الرجعة بعده - إنما هو {مرتان} ، ~~فإن طلق ثالثة فلا رجعة بعدها ، فإنطلق واحدة أو اثنتين فهو مخير ، فإما أن ~~يمسكها ويرتجعها بحسن المعاشرة ، والقيام بحقوق الزوجية بالمعروف. وإما أن ~~يسرحها حتى تنقضي عدتها {بإحسان} ، من غير إضرار ، ولا تطويل عدة. {ولا يحل ~~لكم} ، أيها الأزواج ، {أن تأخذوا مما أتيتموهن} من الصداق {شيئا} - خلعا - ~~{إلا أن يخافا إلا يقيما حدود الله} بأن ظن الزوج أو الزوجة فساد العشرة ~~بينهما ، وعدم القيام بحقوق الزوجية ، {فإن خفتم} أيها الحكام ، أو من ms0208 ينوب ~~عنهم ، {ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} من العصمة ، ~~فيحل للزوج أن يأخذ منها الفداء ، ولو بجميع ما تملك ، إذا كان الضرر منها ~~أو منهما ، فإن انفرد بضررها ، حرم عليه أخذ الفداء ، وطلقت عليه. PageV01P292 # {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} أي : ~~هذه الأحكام التي ذكرنا من عدد الطلاق وأخذ الخلع على وجهه - هي حدود الله ~~التي حدها لعباده ، فمن تعداها فهو ظالم. # {فإن} طلق الزوج مرة ثالثة {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ، ~~ويدخل بها ، من غير شرط التحليل ، {فإن طلقها} الثاني ، {فلا جناح عليهما ~~أن يتراجعا} بنكاح جديد {إن ظنا أن يقيما} حقوق الزوجية ، وحسن العشرة ، ~~{وتلك} الأحكام المذكورة هي {حدود الله يبينها} الحق تعالى {لقوم يعلمون} ~~أي : يفهمون ويتدبرون الأمور. # جزء : 1 رقم الصفحة : 227 # الإشارة : إذا طلق المريد الدنيا ، ثم رجع إليها ، ثم تاب وتوجه إلى الله ~~، ثم رجع إليها ، ثم تاب وتوجه مرة ثانية ، قبلت توبته ، فإن رجع إيها بعد ~~الطلقة الثانية ، فلا يرجى فلاحه في الغالب ؛ لأنه متلاعب ، قال تعالى : ~~{الطلاق مرتان} فإمساك لها بمعروف بأن يواسي بها من يحتاج إليها ، أو تسريح ~~لها من يده بإحسان من الله إليه ، حتى يدخله في مقام الإحسان ، فإن طلقها ~~مرة ثالثة فلا تحل له أبدا حتى يأخذها من يد الله بالله ، بعد أن كان بنفسه ~~، فكأنه أخذها بعصمة جديدة ، فإن تمكن من الفناء والبقاء ، فلا جناح عليه ~~أن يرجع إليها غنيا بالله عنها. والله تعالى أعلم. # 228 # ثم نهى الحق تعالى عن إمساك الزوجة ، إضرارا ، كما كانت تفعل الجاهلية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 227 # قلت : {ضرارا} : مفعول له ، أو حال ، أي : مضارين. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا طلقتم النساء} فقرب بلوغ أجل عدتهن ~~{فأمسكوهن} بالرجعة متلبسين بالمعروف والإحسان إليها ، {أو سرحوهن} يتزوجن ~~غيركم {بمعروف} لا إضرار فيه ، {ولا تمسكوهن} بنية طلاقهن {ضرارا} أي : ~~لأجل الضرر بتطويل عدتهن {لتعتدوا} عليهن {ومن يفعل ذلك فقد ms0209 ظلم نفسه}. PageV01P293 # نزلت في رجل قال لامرأته : لا آويك ، ولا أدعك تحلين لغيري. فقالت : كيف ؟ ~~فقال : أطلقك ، فإذا دنا مضي عدتك راجعتك ، فشكت ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت الآية. وكان بعضهم يطلق ، ويعتق ، ثم يرجع ، ويقول : كنت ~~أهزأ بذلك وألعب ، فنزل قوله تعالى : {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} أي : ~~مهزوءا بها ، وفي الحديث : " ثلاث هزلهن جد : النكاح ، والطلاق ، والرجعة " ~~{واذكروا نعمة الله عليكم} بالهداية وبعثة الرسول ، {وما أنزل عليكم من ~~الكتاب} فيه ما تحتاجون إليه ظاهرا وباطنا ، {والحكمة} أي : السنة المطهرة ~~، {يعظكم} بذلك ويزكيكم {واتقوا الله} فيما يأمركم به ، وينهاكم عنه ، ~~{واعلموا أن الله بكل شيء عليم} ؛ " يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون " ~~[الأنعام : 3]. # الإشارة : يقال للمريدين المتجردين إذا طلقتم الدنيا ، وآيستم أنفسكم من ~~الرجوع إليها حتى تمكن اليقين من القلب بحيث انقطع الاهتمام بالرزق من ~~القلب ، وزالت عنه الشكوك والأوهام ، فإذا رجعت إليه الدنيا ، فإما أن ~~يمسكها بمعروف بأن تكون في يده لا في قلبه ، أو يسرحها من يده ، بسبب مقام ~~الإحسان الذي عوضه الله عنها ، ولا تمسكوا الدنيا ، أيها الفقراء ، قبل ~~كمال اليقين ، فإنها ضرر لكم ، فقد أخذت الرجال لا سيما الأطفال. {ومن يفعل ~~ذلك فقد ظلم نفسه} ؛ حيث حرمها الوصول ، وتركها في حيرة الأوهام تجول ، ~~فاحذروا لذيذ عاجلها ، لكريه آجلها ، {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} بالرخص ~~والتأويلات ، {واذكروا نعمة الله عليكم} بالعداية إلى الطريق ، {وما أنزل ~~عليكم من الكتاب} : فيه بيان التحقيق {والحكمة} التي هي إصابة عين التوفيق ~~، {واتقوا الله} فلا تركنوا إلى شيء سواه ، فإن مالت قلوبكم إلى شيء من ~~السوى ، أو نزعت إلى محبة الهوى فاعلموا {أن الله بكل شيء عليم} فيبعدكم ~~بعد الوصول. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # 229 PageV01P294 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 229 # قلت : العضل : المنع والتضييق والتعسير ، يقال : أعضلت الدجاجة ، إذا عسر بيضها. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا طلقتم النساء} فانقضت عدتهن {فلا} تمنعوهن ، ~~أيها الأولياء ، من {أن ينكحن أزواجهن} الذي كانوا يملكوهن ثم طلقوا ، أو ms0210 ~~الخطاب الأجانب ، {إذا تراضوا بينهم بالمعروف} أي : بأن كانوا أكفاء لهن ، ~~وبذلوا من المهر ما يناسبهن ، أو كانت رشيدة. {ذلك} الذي ذكرنا لكم - يتعظ ~~به ، ويقف معه ، من كان {يؤمن بالله واليوم الآخر} ؛ لأنه هو الذي ينجع فيه ~~الوعظ وينتفع بالتذكير ، {ذلكم أزكى لكم} أي : أرفع لقدركم ، إن تمسكتم به ~~، {وأطهر} لكم من الذنوب والعيوب ، {والله يعلم} ما فيه صلاحكم ، {وأنتم لا ~~تعلمون}. نزلت الآية في معقل بن يسار ، زوج أخته ثم طلقها زوجها ، وأمهلها ~~حتى انقضت عدتها ، ثم جاء يخطبها ، فقال معقل : تركها حتى ملكت نفسها ، ثم ~~جاء يخطبها ، والله لا أزوجها منه أبدا. والمرأة أرادت أن ترجع إليه ، ~~فنزلت الآية ، فرجع معقل عن قسمه وزوجها. # وفيه دليل أن المرأة لا تزوج نفسها ، خلافا لأبي حنيفة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ينبغي للشيوخ إذا تحققوا من المريدين كمال اليقين ، وظهر عليهم ~~أمارات الرشد ، ألا يمنعوهم من تعاطي الأسباب ، وأخذ ما جاءهم من الدنيا ، ~~بلا استشراف ولا طمع ، فقد يكون ذلك عونا لهم على الدين ، وعمارة لزاوية ~~الذاكرين ، فذلك أزكى لهم وأطهر لقلوبهم ، {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 229 # يقول الحق جل جلاله : ويجب على الوالدات أن {يرضعن أولادهن حولين كاملين} ~~إذا كن في العصمة ، ولا شرف لهن ؛ لجرى العرف بذلك ، أو مطلقات ، ولم # 230 PageV01P295 ~~يقبل الولد غيرهن هذا {لمن أراد أن يتم الرضاعة} ، فإن اتفقا على فطامه ~~قبلهما ، جاز ، كما يأتي. ويجب {على المولود له} وهو الأب ، رزق أمهات ~~أولادة ، {وكسوتهن} ؛ إذ هو الذي ينسب المولود له ، وذلك {بالمعروف} ، لا ~~يكلف الله نفسا إلا ما في وسعها وتطيقه ، فلا {تضار والدة بولدها} ، بحيث ~~ترضعه وهي مريضة ، أو انقطع لبنها. بل يجب على الأب أن يستأجر من يرضعه ، ~~ولا يضار {مولولد له بولده} ، بحيث يكلف من الإنفاق والكسوة فوق جهده. فإن ~~مات الأب وترك مالا - فعلى {الوارث} الكبير {مثل ذلك} من الكسوة والإنفاق ، ~~يجريها من مال الأب ، ويحسبها من حق الصبي ، فإن لم يكن للأب مال - فعلى ms0211 ~~جماعة المسلمين. # {فإن أراد} أي : الأب والمرضعة ، {فصالا} أي : فطاما للصبي قبل تمام ~~الحولين ، {عن تراض منهما وتشاور} بينهما ، {فلا جناح عليهما} ، إن لم يخف ~~على الولد ضعف. {وإن أردتم} ، أيها الأزواج ، {أن تسترضعوا أولادكم} عند ~~غير الأم ، برضاها ، {فلا جناح عليكم} في ذلك {إذا سلمتم} أي : أعطيتم ~~للمراضع ، {ما آتيتم} أي : ما أردتم إيتاءه من الأجرة {بالمعروف} من غير ~~مطل ولا تقتير. والشرط إنما هو على وجه الكمال والإحسان ، {واتقوا الله} ~~فيما كلفتم به من الحقوق ، {واعلموا أن الله} لا يخفى عليه شيء من أموركم ؛ ~~فإنه {بما تعملون بصير}. PageV01P296 # الإشارة : اعلم أن تربية الولاية في قلب المريد ، على نمط تربية الطفل ~~الصغير ، تنبت في قلب المريد وقت عقد الصحبة بينهما ، ثم لا تزال تنمو ، أو ~~الشيخ يرضعه بلبن الإمداد حتى يتم أوان رضاعه ، ولذلك قالوا : الثدي الميتة ~~لا ترضع. ه. يشيرون إلى أن الشيخ الميت لا يربى ، فلا يزال الشيخ يربى ~~الروح ، ويمدها حتى تدخل بلد الإحسان ، وتشتعل فكرتها. وهذا تمام الحولين ~~في حقها ، وهو أوان كمال الحقيقة والشريعة لمن أراد إتمامها ، فتأكل الروح ~~حينئذ من كل شيء ، وتشرب من كل شيء ، وتستمد من الأشياء كلها ، ثم لا يزال ~~يحاذيها بهمته حتى ترشد ، فيطلق لها التصرف ، فتصلح لتربية غيرها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 230 # وعلى الشيخ رزق المريدين من قوت القلوب وكسوتهم ، تقيهم من إصابة الذنوب ~~والعيوب ، إلا ما سبق به القضاء في علم الغيوب ، فليس في طوق أحد دفعه ، لا ~~تكلف نفس إلا وسعها ، فإذا مات الشيخ ، ووصى بمن يرث مقامه ، فعلى الوارث ~~مثل ذلك ، فإن أراد المريد انفصالا عن الشيخ ، وتعمير بلد ، أو تذكير عباد ~~الله ، عن تراض منهما وتشاور من الشيخ ، فلا جناح عليهما ، وإن أردتم ، ~~أيها الشيوخ ، أن تسترضعوا أولادكم بإرسال من يذكرهم ، ويمدهم ، نائبا عنكم ~~، فلا جناح عليكم إذا سلمتم لهم من الإمداد ما يمدهم به ، واتقوا الله في ~~شأن المريدين ، في جبر كسرهم ، وقبول عذرهم ، واعلموا أن الله بما تعملون بصير. # 231 # جزء ms0212 : 1 رقم الصفحة : 230 # قلت : و{الذين يتوفون} : مبتدأ : و{يتربصن} : خبر ، ولا بد من الحذف ليصح ~~الإخبار ، إما من الصدر أو من العجز ، أي : وأزواج الذين يتوفون ، أو الذين ~~يتوفون أزواجهن يتربصن. PageV01P297 # يقول الحق جل جلاله : {والذين} يموتون منكم ، أيها المؤمنون ، ويتركون ~~{أزواجا} ، فلا يتزوجن حتى {يتربصن} أي : يمكثن {بأنفسهن أربعة أشهر} وعشرة ~~أيام ؛ لأن الجنين يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرا ، ولأربعة إن كان أنثى في ~~الغالب ، وزيد عشرة ، استظهارا ، هذا في غير الحامل ، أما الحامل ، فعدتها ~~وضع حملها. {فإذا بلغن أجلهن} أي : انقضت عدتهن ، {فلا جناح عليكم} أيها ~~الأولياء {فيما فعلن في أنفسهن} من التزين والتعرض للنكاح أو التزوج ، ~~{بالمعروف} ، بحيث لا ينكره الشرع من تزين ونكاح ، {والله بما تعملون خبير} ~~فيجازيكم على ما فعلتم. # {ولا جناح عليكم} أيها الخطاب {فيما عرضتم به} للمعتدات {من خطبة النساء} ~~؛ كقول الرجل : إني لراغب في صحبتكم ، وإني أريد أن أتزوج في هذه الساعة. ~~وإنك لنافقة ، أو لا يصلح لك أن تبقى بلا زوج ، ونحو هذا ، {أو أكننتم} أي ~~: أضمرتم {في أنفسكم} في زمن العدة من أمر التزوج دون تصريح ، {علم الله ~~أنكم} ستذكرون النساء المعتدات ، وتتكلمون في نكاحهن ، حرصا وتمنيا ، ~~فعرضوا بذلك ، {ولكن لا تواعدوهن سرا} أي : في الخلوة ، أو لا تواعدوهن ~~نكاحا أو جماعا ، {إلا أن تقولوا قولا معروفا} وهو التعريض بالألفاظ ~~المتقدمة. # ولا تقطعوا {عقدة النكاح} ، وتعزموا على فعله {حتى يبلغ} كتاب المعتدة ~~{أجله} ، وتنقضي العدة ، {واعملوا أن الله يعلم ما في أنفسكم} من الرغبة ~~والحرص ، {فاحذروه} فإن الحرص على الشيء ، والرغبة فيه ، قبل أوانه ، ربما ~~يعاقب صاحبه بحرمانه ، وما قدر لك لا يكون لغيرك ، وما كان لغيرك لا يكون ~~لك ، ولو فعلت ما # 232 # فعلت ، {واعلموا أن الله غفور} لما استعجلتم ؛ فإن الإنسان خلق عجولا ، ~~{حليم} فلا يعاجلكم ولا يفضح سرائركم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 232 PageV01P298 ~~الإشارة : إذا ماتت النفس عن الهوى ، وتركت حظوظا وشهوات ، فلا ينبغي أن ~~يردها إلى ذلك حتى تتربص مدة ، فيظهر عليها آثار الزهد ؛ من ms0213 السكون إلى ~~الله ، والتأنس بمشاهدة الله حتى تغيب عما سواه. فإذا بلغت هذا الوصف فلا ~~جناح على المريد أن يسعفها فيما تفعل بالمعروف ، من غير سرف ولا ميل إلى ~~هوى ، لأن فعلها حينئذ بالله ، ومن الله ، وإلى الله ، {والله بما تعملون ~~خبير} لا يخفى عليه شيء من أمرها ، ولا جناح عليكم ، أيها المريدون ، إن ~~تزكت نفوسكم ، وطهرت من الأغيار قلوبكم ، فيما عرضتم به من خطبة أبكار ~~الحقائق وثيبات العلوم ، أو أكننتم في أنفسكم من المعارف والفهوم ، علم ~~الله أنكم ستذكرون ذلك باللسان قبل أن يصل الذوق إلى الجنان ، فلا تصرحوا ~~بعلوم الحقائق مع كل الخلائق ؛ فإن ذلك من فعل الزنادق ، إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا ، إشارة أو تلويحا ، فعلمنا كله إشارة ، فإذا صار عبارة خفي. # ولا تطلبوا علم الحقائق قبل بلوغ أجله ، وهو موت النفوس ، والزهد في ~~الفلوس ، وكمال التربية ، وتمام التصفية ، {واعملوا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم} من الشرة إليها قبل أوانها ، {فاحذروه} أن يعاقبكم بحرمانها ، ~~{واعلموا أن الله غفور حليم} لا يعاجلكم بحرمان قصدكم ، إن صح مقصدكم ، ~~والله تعالى أعلم ، وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 232 # قلت : {ما} مصدرية ظرفية ، و{أو تفرضوا} معطوف على {تمسوهن} أي : لا تبعة ~~عليكم ولا إثم إن طلقتم النساء قبل البناء ، مدة كونكم لم تمسوهن ولم ~~تفرضوا لهن مهرا ، و{إلا أن يعفون} مبنى ؛ لاتصاله بنون النسوة ، ووزنه : ~~يفعلن كقوله تعالى : {السجن أحب إلى مما يدعننى إليه} [يوسف : 33] ، وقوله ~~: {والقواعد من النسآء التى لا يرجون نكاحا} [النور : 60] ، و{حقا} مفعول مطلق. PageV01P299 # يقول الحق جل جلاله : لا حرج عليكم من إثم أو صداق ، {إن طلقتم النساء} مدة ~~كونكم {لم تمسوهن} بالجماع ، {ولم تفرضوا لهن فريضة} من الصداق ، فطلقوهن ~~حينئذ ، {ومتعوهن} أي : اعطوهن ما يتمتعن به ويجبر كسرهن ، على قدر حال ~~الزوج ؛ # 233 # {على الموسع} أي : الغنى ، {قدره} من المتعة كأمة أو كسوة أو مال يليق ~~بحاله ، {وعلى المقتر} أي : الذي تقتر رزقه ، أي ضيق عليه ، وهو الفقير ، ~~{حقا على المحسنين} أي : حق ذلك عليهم ms0214 حقا. حمل مالك الأمر على الندب ، ~~وحمله غيره على الوجوب ، وهو الظاهر. # وإن طلقتموهن بعد المسيس فالصداق كامل ، {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~وقد فرضتم لهن} صداقا {فنصف ما فرضتم} يجب عليكم ، {إلا أن يعفون} أي : ~~النساء ، عن نصف الصداق ، {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} ، وهو الأب في ~~ابنته البكر ؛ قاله مالك ، أو الزوج بأن يدفعه كاملا ، قاله الشافعي ، {وأن ~~تعفوا} أيها الأولياء عن الزوج ، فلا تقبضوا منه شيئا ، {أقرب للتقوى} ؛ ~~لأن المرأة لم يذهب لها شيء فسلعتها قائمة ، {ولا تنسوا الفضل} والإحسان ~~{بينكم} فتسامحوا يسمح لكم ، {إن الله بما تعملون بصير} لا يخفى عليه شيء ~~من أعمالكم ، فيجازي المحسن بإحسانه ، {والله يحب المحسنين}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 233 PageV01P300 ~~الإشارة : من المريدين من تحصل له الغيبة عن نفسه ، والجذب عنها ، بعد أن ~~يمسها بالمجاهدة والمكابدة ، فحينئذ يمتعها بالشهود والعيان ، وهذه طريق ~~الجادة. ومنهم من تحصيل له الغيبة عن نفسه والجذب عنها قبل أن يمسها ، ~~ويجاهدها ، وهو نادر بالنسبة إلى الأول ، فيقال لهؤلاء الفريق : لا جناح ~~عليكم إن طلقتم أنفسكم ، وغبتم عنها ، من قبل أن تمسوها ، وقبل أن تعرضوا ~~عليها وظائف العبودية. ومتعوهن بالشهود والعيان على قدر وسعكم وقوة شهودكم ~~، على الموسع قدره من لذة الشهود ، وعلى المقتر - أي : المضيق عليه في ~~المعرفة - قدره من لذة الشهود ، حق ذلك حقا على المحسنين الذي حازوا مقام ~~الإحسان ، وفازوا بالشهود والعيان. # وإن حصل لكم جذب العناية ، وطلقتم أنفسكم قبل أن تمسوها ، وقد كنتم وظفتم ~~عليها أورادا من وطائف العبودية ؛ فنصف ما فرضتم ، وهو المهم منها ؛ لأن ~~عبادتها صارت قلبية ، فيكفيها من العبادة القالبية المهم ، إلا أن تقوى على ~~ذلك مع الشهود. أو يأمرها الذي بيده عقدة نكاحها ، وهو الشيخ ، فلا يضرها ~~الاشتغال بها حيث كان بإذن ، وأن تعفوا ، أيها الشيوخ ، عن المريدين في ~~العبادة الحسية ، وتأمروهم بالعبادة القلبية ، أقرب للتقوى الكاملة ، وهي ~~تقوى السوى. والله تعالى أعلم. # ولما ذكر الحق تعالى شأن النساء ، حذر من الاشتغال بهن عن العبادة. # جزء : 1 ms0215 رقم الصفحة : 233 # 234 # يقول الحق جل جلاله : {حافظوا} أيضا على أداء {الصلوات} الخمس في أوقاتها ~~؛ بإتقان شروطها وأركانها وخشوعها وآدابها ، ولا تشتغلوا عنها بشهوات ~~النساء وتشغيب أحكامهن ، ولا بغير ذلك ، وحافظوا أيضا على {الصلاة الوسطى} ~~وهي العصرعند الشافعي ، وهو ظاهر الحديث ، أو الصبح عند مالك ؛ لفضلها ، أو ~~لتوسطها بين صلاتي الليل والنهار. وما من صلاة إلا وقيل فيها الوسطى. وقيل ~~: أخفيت كساعة الجمعة وليلة القدر. PageV01P301 # {وقوموا لله} في الصلاة {قانتين} أي : ساكتين ، وكان ، قبل نزول الآية ، ~~الكلام في الصلاة جائزا ، أو قيل : مطيعين : إذ القنوت في القرآن كله بمعنى ~~الطاعة. {فإن خفتم} من عدو ، أو سبع ، أو سيل ، فصلوا قياما على أرجلكم ~~بالإيماء للسجود ، {أو ركبانا} على خيولكم بالإيماء للركوع والسجود ، {فإذا ~~أمنتم} في الصلاة ، أو بعدها ، فصلوا صلاة أمن ، و{اذكروا الله} في الصلاة ~~، وصلوا {كما علمكم} من الكيفية {ما لم تكونوا تعلمون} قبل ذلك. # الإشارة : حافظوا على الصلوات الحسية قياما بوظائف العبودية ، وعلى ~~الصلاة القلبية قياما بشهود عظمة الربوبية ؛ وهي الصلاة الوسطى لدوامها في ~~كل ساعة ، قيل لبعضهم : هل للقلوب صلاة ؟ قال : نعم ، إذا سجد لا يرفع رأسه ~~أبدا. ه. أي : إذا خضع لهيبة العظمة لم يرفع أبدا ، وفي ذلك يقول الشاعر : # فاسجد لهيبة الجلال # عند التداني # ولتقرأ آية الكمال # سبع المثاني # وأشار بقوله : " آية الكمال " لقوله تعالى : {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~[الفاتحة : 5] ليجمع بين الشريعة والحقيقة ، فسجود القلب حقيقة ، وسجود ~~الجوارح شريعة ، وقوموا لله بآداب العبودية قانيت خاشعين ، فإن خفتم ألا ~~تصلوا إلى ربكم ، قبل انقضاء أجلكم ، فسيروا إليه رجالا أو ركبانا ، خفافا ~~أو ثقالا ، فإذا أمنتم من القطيعة - وذلك بعد التمكين - فاذكروا الله شكرا ~~لأجل ما أطلعكم عليه ، وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ؛ من عظمة الربوبية ، ~~وكمال آداب العبودية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 234 # 235 # قلت : {وصية} : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : عليهم وصية ، ومن نصب ، ~~فمفعول مطلق ، أي : فليوصوا وصية ، و{غير} : حال من الأزواج ، أي : حال ~~كونهن غير مخرجات. PageV01P302 # يقول الحق جل جلاله : {والذين يتوفون منكم} ms0216 ويتركون {أزواجا} بعدهم ، فيجب ~~عليهم أن يوصوا لأزواجهم وصية يتمتعن بها من كسوة ونفقة وسكنى ، إلى تمام ~~{الحول} ما دام الأزواج لم يخرجن من مسكن الزوج ، {فإن خرجن} بأنفسهن ، فلا ~~نفقة ولا كسوة ولا سكنى عليكم أيها الأولياء ، ولا حرج عليكم {فيما فعلن في ~~أنفسهن} من التزين والتعرض للنكاح بعد تمام عدتهن ، على ما هو معروف في ~~الشرع ، والوصية منسوخة بآية الميراث ، وتربص الحول بآية {أربعة أشهر ~~وعشرا} [البقرة : 234] المتقدمة المتأخرة في النزول ، {والله عزيز حكيم} ~~ينسخ ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، باعتبار الحكمة والمصلحة. # الإشارة : والذين يتوفون عن الحظوظ والشهوات ، ويتركون علوما وأسرارا ، ~~ينبغي لهم أن يوصوا بحفظها وتدوينها ، كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي ~~الله عنه إذا استغرف في الكلام وفاضت عليه المواهب ، يقول : (هلا رجل يقيد ~~عنا هذه العلوم). ه ليقع التمتع بها للسائرين والطالبين ، {غير إخراج} لغير ~~أهلها ، فإن قضى الوقت يخروجها ، من غير قصد ، فلا حرج ، إما لغلبة وجد أو ~~هداية مريد ، {والله عزيز حكيم} ، فعزته اقتضت الغيرة على سره : أن يأخذه ~~غير أهله ، وحكمته اقتضت ظهوره في وقته لأهله. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 235 # قلت : إنما كرره لأن الأولى في غير المدخول بها ، إذا طلقت قبل الفرض ، ~~وهذه في المدخول بها ، وعبر أولا بالمحسن : لأن المتعة قبل الدخول لا ~~يعطيها إلا أهل الإحسان ؛ لأن المطلق لم يحصل له تمتع بالزوجة ، بخلاف ~~الثاني ، فمطلق المدخول بها ، التقوى تحمله على الإمتاع. # وقيل : لما نزلت الآية الأولى ، قال رجل من المسلمين : إن أحسنت متعت ~~وإلا تركت ، فنزلت الثانية تأكيدا. وقال : {حقا على المتقين} الشرك ، أي : ~~على كل مؤمن ، وحكمها : الندب ، عند مالك ، على تفصيل ذكره ، في المختصر ، ~~فقال عاطفا على # 236 PageV01P303 ~~المندوب : والمتعة على قدر حاله ، بعد العدة للرجعة ، أو ورثتها ، ككل ~~مطلقة في نكاح لازم ، لا في فسخ ؛ كلعان وملك أحد الزوجين ، إلا من اختلعت ~~، أو فرض لها وطلقت قبل البناء ، ومختارة لعتقها أو لعيبه أو مخيرة أو مملكة. # الإشارة : كل من طلق ms0217 نفسه وخالف هواها تمتع بحلاوة المعاملة مع ربه ، فمن ~~اتصل بشيخ التربية تمتع بحلاوة العبادة القلبية كالشهود والعيان ، ومن لم ~~يتصل بالشيخ تمتع بحلاوة العبادة الحسية. فالآية الأولى في المريدين ~~والواصلين ، وهذه الآية في العباد والزهاد ، ولذلك عبر في الأولى بالمحسنين ~~، وفي الثانية بالمتقين ، والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 236 # قلت : الاستفهام للتعجب والتشويق ، والرؤية قلبية ، والواو للحال ، ~~و{حذر} مفعول من أجله. # يقول الحق جل جلاله : ألم تنظر يا محمد ، بعين الفكر والاعتبار ، {إلى ~~الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} عشرة ، أو ثلاثون ، أو أربعون ، أو سبعون ~~، حذرا من {الموت} في زمن الطاعون. # وكانوا في قرية يقال لها : (داوردان) فلما وقع بها الطاعون ، خرجت طائفة ~~هاربين ، وبقيت أخرى ، فهلك أكثر من بقي ، وسلم الخارجون ، ثم رجعوا ، فقال ~~الباقون : لو صنعنا مثلهم لبقينا ، لئن أصابنا الطاعون مرة ثانية لخرجنا ، ~~فأصابهم من قابل ، فهربوا كلهم ، ونزلوا واديا أفيح ، فناداهم ملك من أسفل ~~الوادي ، وآخر من أعلاه ، أن : موتوا ، فماتوا كلهم أجمعون ، ومرت عليهم ~~مدة ثمانية أيام أو أكثر حتى انتفخوا ، وقيل : صاروا عظاما ، فمر عليهم نبي ~~الله (حزقيل) ، فدعا الله تعالى ، واستشفع فيهم ، فأحياهم الله ، وعاشوا ~~دهرا ، عليهم سيما الموت ؛ لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن ، واستمر في ~~أسباطهم. ه. # قال الأصمعي : لما وقع الطاعون بالبصرة ، خرج رجل منها على حمار معه أهله ~~، وله عبد يسوق حماره ، فأنشأ العبد يقول : # لن يسبق الله على حمار # ولا على ذي مشعة طيار PageV01P304 ~~قد يسبح الله أمام الساري # 237 # فرجع الرجل بعياله. # والآية تدل على أن الفرار من الطاعون حرام في تلك الشريعة ، كما حرم في ~~شرعنا ، وروى عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا ~~سمعتم هذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع ببلد وأنتم فيه فلا ~~تخرجوا منه ". قلت : وقد اختلف الأئمة في حكم الفرار والقدوم : فمنهم من ~~شهر المنع فيهما تمسكا بظاهر الحديث ، ومنهم من شهر الكراهة ، والمختار في ~~الفرار : التحريم ، وفي القدوم : التفصيل ، فمن ms0218 قوي يقينه ، وصفا توحيده ، ~~حل له القدوم ، ومن ضعف يقينه ، بحيث إذا أصابه شيء نسب التأثير لغير الله ~~حرم عليه القدوم. # وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - قلت : يا رسول الله ، ما الطاعون ؟ قال ~~: " غدة كغدة البعير ، المقيم فيه كالشهيد ، والفار منه كالفار من الزحف " ~~قال ابن حجر : كون المقيم فيه له أجر شهيد إنما بشرط أن يعلم أنه لا يصيبه ~~إلا ما كتب الله له ، وأن يسلم إليه أمره ويرضى بقضائه ، وأن يبقى في مكانه ~~ولا يخرج منه بقصد الفرار ، فإذا اتصف الجالس بهذه القيود حصل له أجر ~~الشهادة ، ودخل تحته ثلاث صور ، الأولى : من اتصف بذلك فوقع له الطاعون ~~ومات فهو شهيد. والثانية : من وقع به ولم يمت به فهو شهيد وإن مات بعد ذلك. ~~والثالثة : من لم يقع به أصلا ومات بغيره عاجلا أو آجلا فهو شهيد ، إذا ~~حصلت فيه القيود الثلاثة ، ومن لم يتصف بالقيود الثلاثة فليس بشهيد ، ولو ~~مات بالطاعون ، والله أعلم. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 237 PageV01P305 ~~وأما القدوم من بلد الطاعون إلى البلد السالمة منه فجائز. ولا يمنع من ~~الدخول ، قاله الباجي وابن حجر والحطاب وغيرهم لقوله - عليه الصلاة والسلام ~~- : " لا عدوى ولا طيرة " وأما قوله عليه الصلاة والسلام : " فر من المجذوم ~~فرارك من الأسد " وقوله : " لا يرد ممرض على مصح " فهو محمول على حسم ~~المادة ، وسد الذريعة ؛ لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك ، فيظنه بسبب ~~المخالطة ، فيثبت العدوى التي نفاها الشارع ، هذا المختار في الجمع بين ~~الحديثين. والله تعالى أعلم. وإنما أطلت في المسألة لمس الحاجة ؛ لأن ~~التأليف وقع في زمن الوباء ، حفظنا الله من وبالها. # وقيل : إن الذين خرجوا من ديارهم قوم من بني إسرائيل ، أمروا بالجهاد ، ~~فخافوا الموت بالقتل في الجهاد ، فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك ، فأماتهم ~~الله ؛ ليعرفهم أنهم لا ينجيهم من الموت شيء ، ثم أحياهم ؛ وأمرهم بالجهاد ~~، بقوله : {وقاتلوا في سبيل الله} الآية. وقوله تعالى : {إن الله لذو فضل ~~على الناس} ؛ حيث أنزل بهم رحمته ، ففروا منها ms0219 ، ولم يعاقبهم ، حيث أحياهم ~~بعد موتهم ، {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} إذ لا يفهم النعم في طي النقم إلا ~~القليل ، فيشكروا الله في السراء والضراء. # 238 # الإشارة : ألم تر أيها السامع إلى الذين خرجوا من ديار عوائدهم وأوطان ~~شهواتهم ، وهم جماعة أهل التجريد ، القاصدين إلى صفاء التوحيد ، الغرق في ~~بحر التفريد ، حذرا من موت أرواحهم بالجهل والفرق ، فاصطفاهم الله لحضرته ، ~~وجذبهم إلى مشاهدة ذاته ، فقال لهم الله : موتوا عن حظوظكم ، وغيبوا عن ~~وجودكم ، فلما ماتوا عن حظوظهم ، وغابوا عن وجودهم ، أحياهم الله بالعلم ~~والمعرفة ، {إن الله لذو فضل على الناس} حيث فتح لهم باب السلوك ، وهيأهم ~~لمعرفة ملك الملوك ، {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} حيث تجلى لهم ، وعرفهم به ~~، وهم لا يشعرون ، إلا من فتح الله بصيرتهم ، وقليل ما هم. PageV01P306 # جزء : 1 رقم الصفحة : 237 # يقول الحق جل جلاله : {وقاتلوا} الكفار {في سبيل الله} وإعلاء كلمة الله ~~حتى يكون الدين كله لله ، {واعلموا أن الله سميع} لأقوالكم ودعائكم {عليم} ~~بنياتكم وإخلاصكم ؛ فيجازي المخلصين ، ويحرم المخلطين. # الإشارة : وجاهدوا نفوسكم في طريق الوصول إلى الله ، وأديموا السير إلى ~~حضرة الله ، فحضرة القدوس محرمة على أهل النفوس. قال الششتري : # إن ترد وصلنا فموتك شرط # لا ينال الوصال من فيه فضله # ومجاهدة النفس هو تحميلها ما يثقل عليها ، وبعدها مما يخف عليها ، حتى لا ~~يثقل عليها شيء ، ولا تشره إلى شيء ، بل يكون هواها ما يقضيه عليها مولاها. ~~قيل لبعضهم ، [ما تشتهي ؟ قال : ما يقضي الله]. واعلموا أيها السائرون أن ~~الله سميع لأذكاركم ، عليهم بإخلاصكم ومقاصدكم. # ولما كان الجهاد يحتاج إلى مؤنة التجهيز ، وليس كل الناس يقدر على ذلك ، ~~رغب الحق تعالى الأقوياء بالإنفاق على الفقراء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 238 # قلت : القرض هو القطع ، أطلق على السلف ؛ لأن المقرض يقطع قطعة من ماله ~~ويدفعها للمستلف ، والمراد بها الصدقة ؛ لأن المتصدق يدفع الصدقة فيردها ~~الحق تعالى له بضعف أمثالها ؛ فأشبهت القرض في مطلق الرد. # يقول الحق جل جلاله : من هذا الذي يعامل الله تعالى ms0220 ويقرضه {قرضا حسنا} ~~بأن بتصدق على عباده صدقة حسنة بنية خالصة ، فيكثرها الله تعالى له {أضعافا كثيرة} # 239 PageV01P307 ~~بسبعمائة إلى ما لا نهاية له ، ولا يحمله خوف الفقر على ترك الصدقة ؛ فإن ~~الله تعالى يقبض الرزق عمن يشاء ولو قل إعطاؤه ، ويبسط الرزق على من يشاء ~~ولو كثر إعطاؤه ، بل يقبض على من قبض يده شحا وبخلا ، ويبسط على من بسط يده ~~عطاء وبذلا ، يقول : " يا ابن آدم أنفق أنفق عليك " ، " أنفق ولا تخش من ذي ~~العرش إقلالا ". ونسبة القرض إليه تعالى ترغيب وتقريب للإفهام ، كما قال في ~~الحديث القدسي : " يقول الله تعالى يوم القيامة : يا ابن آدم ، مرضت فلم ~~تعدني ، قال : يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أن عبدي ~~فلانا مرض فلم تعده. أما إنك لو عدته لوجدتني. يا ابن آدم استطعمتك فلم ~~تطعمني. قال : يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما أنه استطعمك ~~عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أمأ علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يا ابن آدم ~~استسقيتك فلم تسقيني. قال. يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ قال : ~~استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ". ~~الإشارة : من هذا الذي يقطع قلبه عن حب الدارين ، ويرفع همته عن الكونين ، ~~فإن الله {يضاعفه له أضعافا كثيرة} بأن يملكه الوجود بما فيه ، " أنت مع ~~الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " ، {والله ~~يقبض ويبسط} فيقبض الوجود تحت حكمك وهمتك ، إن رفعت همتك عنه ، ويبسط يدك ~~بالتصرف فيه ، إن علقت عمتك بخالقه. أو يقبض القلوب بالفقد والوحشة ، ~~ويبسطها بالإيناس والبهجة. أو يقبض الأرواح بالوفاة ، ويبسطها بالحياة. ~~والقبض والبسط عند أهل التصوف : حالتان تتعاقبان على القلوب تعاقب PageV01P308 ~~الليل والنهار ، فإذا غلب حال الخوف كان مقبوضا ، وإذاغلب حال الرجاء كان ~~مبسوطا ، وهذا حال السائرين. أما الواصلون فقد اعتدل خوفهم ورجاؤهم ، فلا ~~يؤثر فيهم قبض ولا بسط ، لنهم مالكوا الأحوال. # جزء : 1 رقم الصفحة : 239 # قال القشيري ms0221 : فإذا كاشف العبد بنعت جماله بسطه ، وإذا كاشفه بنعت جلاله ~~قبضه. فالقبض يوجب إيحاشه ، والبسط يوجب إيناسه ، واعلم أنه يرد العبد إلى ~~حال بشريته ، فيقبضه حتى لا يطيق ذرة ، ويأخذه مرة عن نعوته ، فيجد لحمل ما ~~يرد عليه قدرة وطاقة ، قال الشبلي رضي الله عنه : (من عرف الله حمل ~~السماوات والأرض على شعرة من جفن عينه ، ومن لم يعرف الله - جل وعلا - لو ~~تعلق به جناح بعوضة لضج). وقال أهل المعرفة : [أذا قبض قبض حتى لا طاقة ، ~~وإذا بسط بسط حتى لا فاقة ، والكل منه وإليه]. ومن عرف أن الله هو القابض ~~الباسط ، لم يعتب أحدا من الخلق ، ولا يسكن إليه في إقبال ولا إدبار ، ولم ~~ييأس منه في البلاء ، ولا يسكن إليه في عطاء ، فلا يكون له تدبير أبدا. ه. # 240 # ولكل من القبض والبسط آداب ، فآداب القبض : السكون تحت مجاري الأقدار ، ~~وانتظار الفرج من الكريم الغفار. وآداب البسط : كف اللسان ، وقبض العنان ، ~~والحياء من الكريم المنان. والبسط مزلة أقدام الرجال. قال بعضهم : (فتح علي ~~باب من البسط فزللت زلة ، فحجبت عن مقامي ثلاثين سنة). ولذلك قيل : قف على ~~البساط وإياك والانبساط. # واعلم أن القبض والبسط فوق الخوف والرجاء ، وفوق القبض والبسط : الهيبة ~~والأنس فالخوف والرجاء للمؤمنين ، والقبض والبسط للسائرين ، والهيبة والأنس ~~للعارفين ، ثم المحو في وجود العين للمتمكنين ، فلا هيبة لهم ، ولا أنس ، ~~ولا علم ، ولا حس. # وأنشدوا : # فلو كنت من أهل الوجود حقيقة # لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي # وكنت بلا حال مع الله واقفا PageV01P309 ~~تصان عن التذكار للجن والإنس # جزء : 1 رقم الصفحة : 239 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يا محمد - فتعتبر - {إلى} قصة جماعة {من ~~بني إسرائيل من بعد} موت {موسى} حين طلبوا الجهاد ، وقالوا {لنبي لهم} يقال ~~له : شمويل ، وقيل : شمعون {ابعث لنا ملكا} يسوس أمرنا ونرجع إليه في رأينا ~~؛ إذ الحرب لا تستقيم بغير إمام {نقاتل} معه {في سبيل الله قال} لهم ذلك ~~النبي : {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} أي ms0222 : هل أنتم قريب من ~~التولي والفرار إن كتب عليكم القتال ؟ والمعنى : أتوقع جبنكم عن القتال إن ~~فرض عليكم. والأصل : عساكم أن تجبنوا إن فرض عليكم ، فأدخل {هل} على فعل ~~التوقع ، مستفهما عما هو المتوقع عنده ، تقريرا وتثبيتا. # {قالوا} في جوابه : {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} أي : أي مانع ~~يمنعنا من القتال وقد وجد داعيه ؟ وهو تسلط العدو علينا فأخرجنا من ديارنا ~~وأسر أبناءنا ، وكان الله تعالى سلط عليهم جالوت ومن معه من العمالقة ، ~~كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين ، وذلك لما عصوا وسفكوا ~~الدماء ، فخرب بيت المقدس ، وحرق التوراة ، # 241 # وأخذ التابوت الذي كانوا ينتصرون به ، وسبي نساءهم وذراريهم. روي أنه سبي ~~من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين ، فسألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكا يجاهدون ~~معه ، {فلما كتب عليهم القتال} ويسر لهم ملكا يسوسهم وهو طالوت. جبنوا ~~وتولوا {إلا قليلا منهم} ، وهم من عبر النهر مع طالوت ، {والله عليم ~~بالظالمين} فيخزيهم ويفسد رأيهم... نعوذ بالله من ذلك. PageV01P310 # الإشارة : ترى كثيرا من الناس يتمنون أو لو ظفروا بشيخ التربية ، ويقولون : ~~لو وجدناه لجاهدنا أنفسنا أكثر من غيرنا ، فلما ظهر ، وعرف بالتربية ، تولى ~~ونكص على عقبيه ، وتعلل بالإنكار وعدم الأهلية ، إلا قليلا ممن خصه الله ~~بعنايته {والله يختص برحمته من يشآء} [البقرة : 105] {والله ذو الفضل ~~العظيم} [البقرة : 105] سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث ~~الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 241 # يقول الحق جل جلاله : {وقال لهم نبيهم} شمويل : {إن الله قد بعث لكم} ~~ملكا ، أي : عينه لكم لتقاتلوا معه ، وهو {طالوت} وهو علم عبراني كداود ، ~~{قالوا} تعنتا وتشغيبا : {أنى يكون له الملك علينا} أي من أين يستأهل ~~التملك علينا وليس من دار الملك ؟ لأن المملكة كانت في أولاد يهوذا ، ~~وطالوت من أولاد بنيامين ، والنبوة كانت في أولاد لاوى. وقالوا : {نحن أحق ~~بالملك منه} وراثة ومكنة ، لأن دار المملكة فينا. وأيضا هو فقير {لم يؤت ~~سعة من ms0223 المال} يتقوى به على حرب عدوه ، وكان طالوت فقيرا راعيا أو سقاء أو ~~دباغا. {قال} لهم نبيهم - عليه السلام- : {إن اصطفاه عليكم} رغم أنفكم. قال ~~وهب بن منبه : أوحى الله إلى نبيهم : إذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في ~~القرن فهو ملكهم ، فلما دخل طالوت نش الدهن. # 242 PageV01P311 ~~وقال السدي : أرسل الله إليه عصا ، وقال له : إذا دخل عليك رجل على طول هذه ~~العصا فهو ملكهم ، فكان ذلك طالوت فتبين أن الله تعالى اصطفاه للملك ، ~~{وزاده بسطه في العلم} فكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة وقيل : بالحروب وعلم ~~السياسة. وزاده أيضا بسطه في {الجسم} ، فكان أطول بني إسرائيل يبلغ إلى ~~منكبه. وذلك ليكون أعظم خطرا في القلوب ، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة ~~الحروب ، {والله يؤتي ملكه من يشاء} ؛ لأنه ملك الملوك يضع ملكه حيث شاء ، ~~{والله واسع} فيوسع على الفقير ويغنيه بلا سبب ، {عليم} بمن يليق بالملك ~~بسبب وبلا سبب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 242 # قلت : قال الجوهري : أصل التابوت : تأبوة ، مثل ترقوة وهي فعلوة ، فلما ~~سكنت الواو ، انقلبت هاء التأنيث تاء ، فلغة قريش بالتاء ، ولغة الأنصار ~~بالهاء. # يقول الحق جل جلاله : {وقال لهم نبيهم} لما طلبوا منه الحجة على اصطفاه ~~طالوت للملك : {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} وهو صندوق من خشب الشمشار ~~مموه بالذهب ، طوله ثلاثة أذرع في سعة ذراعين {فيه سكينة من ربكم} أي : فيه ~~ما تسكن إليه قلوبكم وتثبت عند الحرب. وكانوا يقدمونه أمامهم في الحروب فلا ~~يفرون ، وينصرون على عدوهم ، وقيل : كان فيه صور الأنبياء من آدم السلام ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : كان فيه طست من ذهب غسلت به قلوب ~~الأنبياء - عليهم السلام - وهي السكينة - وفي {بقيمة مما ترك آل موسى} وهي ~~رضاض الألواح ، وعصا موسى ، وثيابه ، وعمامة هارون والآل : مقحم فيهما. PageV01P312 # {تحمله الملائكة} قال وهب : لما صار التابوت عند القوم الذين غلبوا بني ~~إسرائيل - فوضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام ، فكانت الأصنام تصبح منكسرة ، ~~فحملوه إلى قرية قوم ، فأصاب أولئك القوم أوجاع ms0224 ، فقالوا : ما هذا إلا لهذا ~~التابوت ، فلنتركه إلى بني إسرائيل ، فأخذوا عجلة فجعلوا التابوت عليها ~~وربطوها ببقرتين ، وأرسلوهما نحو بلاد بني إسرائيل ، فبعث الله ملائكة تسوق ~~البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل ، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر ، ~~وقيل غير ذلك. # وقوله تعالى : {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} يحتمل أن يكون من ~~كلام نبيهم ، أو من كلام الحق تعالى لنبينا - عليه الصلاة والسلام -. # 243 # الإشارة : من شأن غالب النفوس ألا تقبل الخصوصية عند أحد حتى تظهر ~~علامتها ، ولذلك طالب الكفار الرسل بالمعجزات ، وطالب العوام الأولياء ~~بالكرامات ، ويكفي في الولي استقامة ظاهره ، وتحقيق اليقين في باطنه. # قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : " إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان ~~: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان ونعت العيان ، وكرامة العمل على السنة ~~والمتابعة ، وترك الدعاوى والمخادعة ، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما ~~فهو مفتر كذاب ، أو ذو خطأ في العلم والعمل... " الخ كلامه رضي الله عنه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 243 # وقال في العوارف : وقد يكون من لا يكاشف بشيء من معاني القدر أفضل ممن ~~يكاشف بها ، إذا كاشفه الله تعالى بصرف المعرفة ، فالقدرة أثر من القادر ، ~~ومن أهل لقرب القادر لا يستغرب ولا يستكثر شيئا من القدرة ، ويرى القدرة ~~تتجلى من سحب أجزاء عالم الحكمة. فالكرامة إنما تظهر للقلوب المضطربة ~~والنفوس والمتزلزلة ، وأما من سكن قلبه باليقين واطمأنت نفسه بالعيان لم ~~يحتج إلى دليل برهان ؛ إذ الجبال الراسية لا تحتاج إلى دعامة ، والله تعالى أعلم. PageV01P313 # وكل من طالب أهل الخصوصية بالكرامة الحسية ففيه نزعة إسرائيلية ، حيث قالوا ~~لنبيهم بعد أن عين لهم من أكرمه الله بخصوصية الملك : {أنى يكون له لملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه} [البقرة : 247]. ورد الحق تعالى عليهم بقوله : ~~{والله يؤتي ملكه من يشاء}. وما أظهر لهم كرامة التابوت إلا بعد امتناعهم ~~من الجهاد المتعين عليهم رحمة بهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 243 # قلت : قال في القاموس : غرف الماء يغرفه : أخذ بيده ، كاغترفه ، والغرفة ms0225 ~~للمرة ، وبالكسر : هيئة الغرف وبالضام : اسم للمفعول ، كالغرافة ، لأنك ما ~~لم تغرفه لا تسميه غرفة ، ثم قال : والغرفة ، بالضم : العلية. # 244 # يقول الحق جل جلاله : ولما اتفقوا على ملك طالوت تجهز للخروج ، وقال : لا ~~يخرج معه إلا الشباب النشيط الفارغ ليس وراءه غلقة ، فاجتمع ممن اختار ~~ثمانون ألفا ، وقي : ثلاثون ، فلما انفصل عن بلده بالجنود وساروا في ~~البيداء - وكان وقت الحر والقيظ - عطشوا ، وسألوا طالوت أن يجري لهم نهرا ، ~~فقال لهم بوحي ، أو بإلهام ، أو بأمر نبيهم : {إن الله مبتليكم} أي : ~~مختبركم {بنهر} بسبب اقتراحكم ، {فمن شرب منه} كرعا بلا واسطة {فليس مني} ~~أي : من جيشي ، {ومن لم يطعمه} أي : يذقه ، {فإنه مني إلا من اغترف غرفة ~~بيده} فإنها تكفيه لنفسه ولفرسه ، فالاستثناء من الجملة الأولى. PageV01P314 # {فشربوا منه} أي : كرعوا ، وسقطوا على وجوههم ، {إلا قليلا منهم} ثلاثمائة ~~وأربعة عشر ، على عدد أهل بدر ، وقيل : ألفا. روي أن من اقتصر على الغرفة ~~كفته لشربه ودوابه ، ومن لم يقتصر غلب عطشه ، واسودت شفته ولم يقدر أن ~~يمضي. وعن ابن عباس : أن القوم شربوا على قدر يقينهم : فالكفار شربوا شرب ~~الهيم ، وشرب العاصي دون ذلك ، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا ، وبقي بعض ~~المؤمنين لم يشرب شيئا ، وأخذ بعضهم الغرفة ، فأما من شرب فاشتد به العطش ~~وسقط ، وأما من ترك الماء فحسن حاله ، وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. ه. # وحكمة هذ الامتحان : ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون ، إذ لا يقع النصر ~~إلا بهم ، فلما جاوز النهر طالوت ومن بقي معه ممن لم يشرب قال بعضهم لبعض : ~~{لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} ؛ لكثرتهم وقلة عددنا ، {قال الذين ~~يظنون} أي : يتيقنون {أنهم ملاقوا الله} ويتوقعون ثواب الشهادة وهم الخلص ~~من أهل البصيرة : لا تفزعوا من كثرة عددهم {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله} وإرادته ومعونته ، و{كم} للتكثير ، {والله مع الصابرين} بالنصر ~~والمعونة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 244 # الإشارة : قال بعض الحكماء : الدنيا كنهر طالوت ، لا ينجو منها إلا من لم ~~يشرب أو ms0226 اغترف غرفة بيده ، فمن أخذ منها قدر الضرورة كفته ، ونشط لعبادة ~~مولاه ، ومن أخذ فوق الحاجة حبس في سجنها ، وكان أسيرا في يدها. # وقال بعضهم : طالب الدنيا كشارب ماء البحر ، كلما زاد شربه ازداد عطشه. ~~ه. وقال صلى الله عليه وسلم : " من أشرب قلبه حب الدنيا التاط منها بثلاث : ~~بشغل لا ينفد عناه ، وأمل لا يبلغ منتهاه ، وحرص لا يدرك مداه " وقال عيسى ~~عليه السلام : الدنيا مزرعة لإبليس ، وأهلها حراث له ه. وقال علي رضي الله ~~عنه : الدنيا كالحية : لين مسها ، قاتل سمها ، # 245 PageV01P315 ~~فكن أحذر ما تكون منها ، أسر ما تكون بها ؛ فإن من سكن منها إلى إيناس ~~أزاله عنها إيحاش. وقال عليه الصلاة والسلام : " من هوان الدنيا على الله ~~أنه لا يعصى إلا فيها ، ولا ينال ما عنده إلا بتركها " وقال سيدنا علي - ~~كرم الله وجهه- : أول الدنيا عناء ، وآخرها فناء ، حلالها حساب ، وحرامها ~~عقاب ، ومتشابهها عتاب ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن. ه. وقيل ~~: الدنيا تقبل إقبال الطالب ، وتدبر إدبار الهارب ، وتصل وصال الملول ، ~~وتفارق فراق العجول ، خيرها يسير ، وعمرها قصير ، ولذاتها فانية ، وتبعاتها باقية. # وقال عيسى عليه السلام : تعملون للدنيا ، وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ، ~~ولا تعملون للآخرة ، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل. ه. وقيل : أوحى الله ~~إلى الدنيا : من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه. # وكان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات : # نهارك مغرور سهو وغفلة # وليلك نوم ، والأسى لك لازم # تسر بما يفنى ، وتفرح بالمنى # كما سر باللذات في النوم حالم # وشغلك فيها سوف تكره غبه # كذلك في الدنيا تعيش البهائم # وقال آخر : # هي الدار دار الأذى والقذى # ودار الفناء ودار الغير # فلو نلتها بحذافيرها # لمت ولم تقض منا الوطر # أيا من يؤمل طول الخلود # وطول الخلود عليه ضرر # إذا ما كبرت وفات الشباب # فلا خير في العيش بعد الكبر # جزء : 1 رقم الصفحة : 244 PageV01P316 ~~يقول الحق جل جلاله : ولما برز طالوت بمن معه {لجالوت} ، أي : ظهر في ~~البراز ، ودنا بعضهم من ms0227 بعض ، تضرعوا إلى الله واستنصروه ، وقالوا : {ربنا ~~أفرغ علينا صبرا} أي : أصببه علينا صبا ، {وثبت أقدامنا} عند اللقاء لئلا ~~نفر ، {وانصرنا على القوم الكافرين}. وفي دعائهم ترتيب بليغ ؛ سألوا أولا ~~إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر ، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب ~~المسبب عنه ، ثم النصر على العدو المرتب عليها غالبا. PageV01P317 # فهزم الله عدوهم وأجاب دعاءهم بإذنه وقدرته ، {وقتل داود جالوت}. وقصة قتله ~~: أن أصحاب طالوت كان فيهم بنو إيش ، وهو أبو داود عليه السلام ستة أو سبعة ~~، وكان داود صغيرا يرعى غنما ، فلما حضرت الحرب قال في نسفه : لأذهبن لرؤية ~~هذه الحرب ، فمر في طريقه ، بحجر فناداه : يا داود خذني ، فبي تقتل جالوت ، ~~ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها ، وجعلها في مخلاته وسار ، فلما حضر البأس ~~خرج جالوت يطلب البراز ، وكاع الناس عنه ، أي : تأخروا خوفا ، حتى قال ~~طالوت : من بيرز له ويقتله فأنا أزوجه ابنتي ، وأحكمه في مالي ، فجاء داود ~~، فقال له طالوت : اركب فرسي وخذ سلاحي ، ففعل ، وخرج في أحسن شكله ، فلما ~~مشى قليلا رجع ، فقال الناس : جبن الفتى ، فقال داود : إن الله سبحانه لم ~~يقتله ولم يعنى عليه ، لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح ، ولكني أحب أن ~~أقاتله على عادتي. وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع ، فنزل ، وأخذ مخلاته ~~فتقلدها ، وأخذ مقلاعه فخرج إلى جالوت ، وهو شاك في السلاح ، فقال جالوت : ~~أنت يا فتى تخرج إلي! قال : نعم ، قال : هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال : ~~نعم ، وأنت أهون ، قال : لأطعمن لحمك اليوم الطير والسباع ، ثم تدانيا ~~فأدار داود فأخذ مقلاعه وأدخل يده إلى الحجارة ، فروى أنها التأمت ، وصارت ~~حجرا واحدا ، فأخذه ووضعه في المقلاع ، وسمى الله ، وأداره ، ورماه ، فأصاب ~~رأس جالوت فقتله ، وجز رأسه ، وجعله في مخلاته ، واختلط الناس ، وحمل أصحاب ~~طالوت فكانت الهزيمة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 246 # ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت ، فقال : حتى تقتل مائتين من هؤلاء ~~الجراجمة الذين يؤذون الناس يؤذون الناس وتجيئني بسلبهم ، فقتل ms0228 داود منهم ~~مائتين ، وجاء بذلك ، فدفع إليه امرأته وتخلى له على الملك. ولما تمكن داود ~~- عليه السلام - من الملك ، # 247 # أجلى من بقي من قوم جالوت إلى المغرب ، فمن بقيتهم البرابرة من الشلوح ~~وسائر الأرياف. PageV01P318 # فآتي الله داود {الملك والحكمة} وهي النبوة ، وقيل : صنعة الدروع ومنطق ~~الطير {وعلمه مما يشاء} من أنواع العلوم والمعارف والأسرار ، وقد دفع الله ~~بأس الكافرين ورد كيدهم في نحرهم ، {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض} أي : لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ، فينصر المسلمين على ~~الكافرين ، ويكف فسادهم ، لغلبوا وأفسدوا في الأرض. أو : لولا أن الله نصب ~~السلطان ، وأقام الحكام لينصفوا المظلوم من الظالم. ويردوا القوي عن الضعيف ~~، لتواثب الخلق بعضهم على بعض ، وأكل القوي الضعيف فيفسد النظام. أو : لولا ~~أن الله يدفع بالشهود عن الناس في حفظ الأموال والنفوس والدماء والأعراض ، ~~لوقع الفساد في الأرض. # أو : لولا أن الله يدفع بأهل الطاعة والإحسان عن أهل الغفلة والعصيان ، ~~لفسد الأرض بشؤم أهل العصيان. وفي الخبر عنه صلى الله عليه وسلم : " إن ~~الله يدفع بالمصلي من أمتي عمن لا يصلي ، ويمن يزكي عمن لا يزكي ، وبمن ~~يصوم ، عمن لا يصوم ، وبمن يحج ، عمن لا يحج ، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد ، ~~ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين ". وفي حديث آخر ~~: " لولا عباد الله ركع ، وصبية رضع ، لصب عليكم العذاب صبا ". وروى جابر ~~رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليصلح ~~بصلاح الرجل - ولده وولده ولده ، وأهل دويرته ، ودويرات حوله ، ولا يزالون ~~في حفظ الله ما دام فيهم " ه. فهذا من فضل الله على عباده يصلح طالحهم ~~بصالحهم ، ويشفع خيارهم في شرارهم ، ولولا ذلك لعوجلوا بالهلاك ، {ولكن ~~الله ذو فضل على العالمين}. PageV01P319 # {تلك} يا محمد ، {آيات الله} والإشارة إلى ما قص من حديث الألوف ، وتمليك ~~طالوت ، وإتيان التابوت ، وانهزام الجبابرة أصحاب جالوت ، {نتلوها} أي : ~~نقصها عليكم {بالحق} أي : بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه ms0229 أهل الكتاب ~~وأرباب التواريخ ، {وإنك لمن المرسلين} حيث أخبرت بها من غير تعرف ولا ~~استماع ولم يعهد منك تعلم ولا اطلاع ، فلا يشك أنه من عند الخبير العليم ، ~~إلا من طبع الله على قلبه. نعوذ بالله من ذلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 246 # الإشارة : " من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات " ، ~~فإذا برز المريد لجهاد أعدائه من النفس والهوى والشيطان وسائر القطاع ، ~~واستنصر بالله وتبرأ من حوله وقوته ، كان ذلك علامة على نصره وظفره بنفسه ، ~~وكان سببا في نجح نهايته ، فيملكه الله الوجود بأسره ، ويفتح عليه من خزائن ~~حكمته. قال أبو سليمان الداراني " (إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام ، ~~جالت في الملكوت ثم عادت إلى صاحبها بطرائف # 248 # الحكم من غير أن يؤدي عالم علما). وفي الخبر : " من عمل بما علم أورثه ~~الله علم ما لم يعلم ". وكان حينئذ رحمة للعباد ، يدفع الله بوجوده العذاب ~~عمن يستحقه من عباده. # وفي الحديث القدسي : " يقول الله عز وجل : " إذا كان الغالب على عبدي ~~الاشتغال بي جعلت همته ولذته في ذكري ، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، لا ~~يسهو إذا سها الناس ، أولئك كلامهم كلام الأنبياء ، أولئك الأبطال حقا ، ~~أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ذكرتهم فصرفته بهم عنهم " ~~حققنا الله بمحبتهم وجعلنا منهم... آمين. # ولما ذكر في هذه السورة جملة من الأنبياء والرسل ، وشهد لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم أنه من المرسلين ذكر تفضيل بعضهم على بعض في الجملة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 246 PageV01P320 ~~{تلك الرسل فضلنا بعضهم علىا بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس...} # {قلت} : {تلك} : مبتدأ ، و{الرسل} : نعت ، أو بدل منه ، أو بيان ، ~~و{فضلنا} : خبر ، أو {الرسل} خبر ، و{فضلنا} : خبر ثان ، والإشارة إلى ~~الجماعة المذكور قصصها في السورة. # يقول الحق جل جلاله : {تلك الرسل} الذين قصصناهم عليك ، وذكرت لك أنك ~~منهم ، {فضلنا بعضهم على بعض} بخصائص ومناقب لم توجد في غيره. لكن هذا ~~التفضيل إنما ms0230 يكون في الجملة من غير تعيين المفضول ، لأنه تنقيص في حقه وهو ~~ممنوع. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " لا تخيروا بين الأنبياء " " ولا ~~تفضلوني على يونس بن متى " فإن معناه النهي عن تعيين المفضول ، لأنه غيبة ~~وتنقيص ، وقد صرح صلى الله عليه وسلم بفضله على جميع الأنياء بقوله : " أنا ~~سيد ولد آدم ولا فخر " ولكن لا يعين أحدا من الأنبياء بالمفضولية ؛ لئلا ~~يؤدي إلى نقصه ، فلا تعارض ين الحديثين. # {منهم من كلم الله} وهو موسى عليه السلام في جبل الطور ، وسيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم حين كان قاب قوسين أو أدنى ، {ورفع بعضهم درجات} وهو نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه خص بالدعوة العامة ، والحجج المتكاثرة ، ~~والمعجزات المستمرة ، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر ، والفضائل العلمية ~~والعملية الفائتة للحصر. والإبهام لتفخيم شأنه ، كأنه العلم المشهور ~~المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين. وقيل : إبراهيم ، خصه بالخلة التي ~~هي أعلى المراتب. قلت : بل المحبة أعلى منها ، وقيل : إدريس لقوله : ~~{ورفعناه مكانا عليا} [مريم : 57] ، وقيل : أولو العزم من الرسل ، قاله ~~البيضاوي. # 249 PageV01P321 ~~{وآتينا عيسى ابن مريم البينات} أي : الآيات الواضحات ، كإحياء الموتى ، ~~وإبراء الأكمه والأبرص ، {وأيدناه بروح القدس} ، أي : جبريل عليه السلام ~~كان معه أينما سار ، وخصه بالتعيين ؛ فإفراط اليهود والنصارى في تحقيره ~~وتعظيمه ، فردهم إلى الصواب باعتقاده نبوته دون ربوبيته. # جزء : 1 رقم الصفحة : 249 # الإشارة : كما فضل الله الرسل بعضهم على بعض ، كذلك فضل الأولياء بعضهم ~~على بعض ، وإنما يقع التفضيل بكمال اليقين ، والتغلغل في علم التوحيد الخاص ~~، ذوقا وكشفا ، والترقي في المعارف والأسرار ، وذلك بخدمة الرجال وصحبة أهل ~~الكمال ، والتفرغ التام ، والزهد الكامل في النفس والفلس والجنس ، فمنهم من ~~تحصل له المشاهدة وتصحبها المكالمة ، ومنهم من تحصل له المشاهدة دون ~~المكالمة ، ومنهم من تحصل له الكرامات الواضحة ، ومنهم من لا يرى شيئا من ~~ذلك استغناء عنها بكرامة المعرفة. وما قيل في الرسل من عدم تعيين المفضول ، ~~مثله يقال في حق الأولياء ، وإلا وقع في الغيبة الشنيعة ؛ فإن لحوم ~~الأولياء سموم ms0231 ، فليعتقد الكمال في الجميع ، ولا يصرح بتعيين المفضول كما ~~تقدم. والله تعالى أعلم. # ولما ذكر الحق تعالى أحوال الرسل ، وتفاوتهم في العناية ، ذكر أحوال ~~أممهم وتفاوتهم في الهداية ، فقال : # {... ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ~~ولاكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولاكن ~~الله يفعل ما يريد} # قلت : إذا وقع فعل المشيئة بعد {لو} فالغالب حذف مفعوله ، كقوله : {ولو ~~شئنا لرفعناه بها} [الأعراف : 176] ، أي : لو شئنا رفعه لرفعناه بها ، ~~وكقوله : {ولو شاء الله ما اقتتل...} ، أي : لو شاء هدايتهم ما اقتتلوا ، ~~وغير ذلك. PageV01P322 # يقول الحق جل جلاله : ولما بعثت الرسل ، وفضلت بعضهم على بعض ، اختلفت ~~أممهم من بعدهم فاقتتلوا ، وكل ذلك بإرادتي ومشيئتي ، {ولو شاء الله} هداية ~~أممهم {ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم} المعجزات الواضحات في ~~تحقيق رسالتهم وصحة نبوتهم ، {ولكن اختلفوا} بغيا وحسدا ؛ {فمنهم من آمن} ~~بتوفيقه لاتباع دين الأنبياء ، {ومنهم من كفر} بمخالفتهم ، فكان من ~~الأشقياء ، {ولو شاء الله} جمعهم على الهدى {ما اقتتلوا} ، لكن حكمته اقتضت ~~وجود الاختلاف ؛ ليظهر سر اسمه المنتقم والقهار واسمه الكريم والحليم ، ~~{ولكن الله يفعل ما يريد} {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} [الأنبياء : 23]. # 250 # وفي الآية دليل على أن الحوادث كلها بيد الله خيرها وشرها ، وأن أفعال ~~العباد كلها بقدرته تعالى ، لا تأثير لشيء من الكائنات فيها. وهذا يرد قول ~~المعتزلة القائلين بخلق العبد أفعاله ، فما أبعدهم عن الله. نسأل الله ~~العصمة بمنه وكرمه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 249 # الإشارة : اختلاف الناس على الأولياء سنة ماضية وحكمة أزلية ، {ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا} [الأحزاب : 62] ، {ولا يزالون مختلفين} [هود : 118] ، ~~فمن رأيته من الأولياء اتفق الناس على تعظيمه في حياته فهو ناقص أو جاهل ~~بالله ؛ إذ الداخل على الله منكور ، والراجع إلى الناس مبرور ، وهذا هو ~~الغالب ، والنادر لا حكم له ، فلو كان الاتفاق محمودا لكان على الأنبياء ~~أولى ، فلما لم يقع للأنبياء والرسل ، لم يقع للأولياء ms0232 ؛ إذ هم على قدمهم ، ~~وقائمون بالوراثة الكاملة عنهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 249 PageV01P323 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} واجبا أو ~~تطوعا في وجوه الخير ، وخصوصا في الجهاد الذي نحن بصدد الحض عليه ، وقدموا ~~لأنفسكم ما تجدونه بعد موتكم {من قبل أن يأتي يوم} الحساب ، واقتضاء الثواب ~~، يوم ليس فيه {بيع} ولا شراء ، فيكتسب ما يقع به الفداء ، وليس فيه {خلة} ~~تنفع إلا خلة الأتقياء {ولا شفاعة} ترجى {إلا من أذن له الرحمن ورضى له ~~قولا} [طه : 109] فأنفقوا مما خولناكم في سبيل الله ، وجاهدوا الكافرين ~~أعداء الله ، فإن الكافرين {هم الظالمون} ؛ حيث وضعوا عبادتهم في غير محلها ~~، ونسبوا الربوبية لغير مستحقيها ، إذ لا يستحقها إلا الحي القيوم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 250 # قلت : {الله} : مبتدأ ، وجملة {لا إله إلا هو} : خبره ، والضمير المنفصل ~~بدل من المستتر في الخبر ، و{الحي} : إما خبر ثاني ، أو لمبتدأ مضمر ، أو ~~بدل من {الله} ، و{قيوم} فيعول ، مبالغة من القيام ، ومعناه : القائم بنفسه ~~المستغني عن غيره. # يقول الحق جل جلاله : {الله} الواجب الوجود لا يستحق العبادة غيره ، فمن ~~عبد غيره فقد أتى بظلم عظيم {الحي} أي : الدائم بلا أول ، الباقي بلا زوال ~~؛ الذي لا سبيل # 251 # عليه للموت والفناء ، {القيوم} أي : دائم القيام بتدبير خلقه في إيصال ~~المنافع ودفع المضار ، وجلب الأرزاق وأنواع الارتقاء ، {لا تأخذه سنة ولا ~~نوم} السنة : ما يتقدم النوم من الفتور ، والنوم : حالة تعرض للإنسان من ~~استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة ، فتقف الحواس الظاهرة ~~عن الإحساس رأسا. PageV01P324 # وتقديم السنة عليه ، على ترتيب الوجود ، كقوله تعالى : {ولا ينفقون نفقة ~~صغيرة ولا كبيرة} [التوبة : 121] ، وجمع بينهما ؛ لأنه لو اقتصر على نفس ~~السنة عند لتوهم أن النوم يغلبه لأنه أشد ، ولو اقتصر على نفي النوم لتوهم ~~أن السنة تلحقه لخفتها. والمراد تنزيهه تعالى عن آفات البشرية ، وتأكيد ~~كونه حيا قيوما ، فإن من أخذه نعاس أو نوم يكون مؤوف الحياة ، قاصرا في ~~الحفظ والتدبير. ولذلك ترك ms0233 العطف فيه وفي الجمل التي بعده ؛ لأنها كلها ~~مقررة له ، أي : للحي للقيوم. # وقد ورد أنه اسم الله الأعظم ، وقال عليه الصلاة والسلام لفاظمة - رضي ~~الله عنها : " ما منعك أن تسمعي ما أوصيك به تقولين إذا أصبحت وإذا أمسيت ~~يا حي يا قيوم ، برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة ~~عين " رواه النسائي وأخرج مسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال : " قام فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات قال : " إن الله عز وجل لا ينام ، ~~ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه. يرفع إليه عمل الليل قبل عمل ~~النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور " - وفي رواية. النار - " ~~لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ". له ما في السماوات وما ~~في الأرض} هذا تقرير لقيوميته تعالى ، واحتاج على تفرده في الألوهية. ~~والمراد بما بما فيهما : ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور ~~الخارجة عنهما ، المتمكنة فيهما ، من العقلاء وغيرهم ، فهو أبلغ من (له ~~السماوات والأرض وما فيهن) ، يعني : أن الله يملك جميع ذلك من غير شريك ولا ~~منازع ، وعبر ب {ما} تغليبا للغالب. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 251 PageV01P325 ~~من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} هذا بيان لكبرياء شأنه ، وأنه لا يدانيه ~~أحد ليقدر على تغيير ما يريده بشفاعة واستكانة ، فضلا عن أن يعاوقه عنادا ~~أو مناصبة. والاستفهام إنكاري ، أي : لا أحد يشفع عنده لمن أراد تعالى ~~عقوبته ، إلا بإذنه ، وذلك أن المشركين زعموا أن الأصنام تشفع لهم ، فأخبر ~~تعالى أنه لا شفاعة عنده إلا بإذنه ، يريد بذلك شفاعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبعض الأنبياء والأولياء والملائكة. # 252 # {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي : ما قبلهم وما بعدهم ، أو بالعكس ، ~~لأنك تستقبل المستقبل وتستدبر الماضي ؛ وقيل : {يعلم ما بين أيديهم} من ~~الدنيا {وما خلفهم} من الآخرة ، وقيل : عكسه ، لأنهم يقدمون ويخلفون الدنيا ~~وراءهم ، وقيل : يعلم ما قدموه بين أيديهم من خير أو شر ms0234 ، وما خلفهم وما هم ~~فاعلوه ، أو عكسه. والمراد أنه سبحانه أحاط بالأشياء كلها ، فلا يخفى عليه ~~شيء {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} أي : لا يحيطون بشيء من ~~معلوماته تعالى إلا بما شاء أن يطلعهم عليه ، وعطفه على ما قبله ؛ لأن ~~مجموعه يدل على تفرده تعالى بالعلم الذاتي التام ، الدال على وحدانيته ~~تعالى في ذاته وصفاته. # {وسع كرسيه السماوات والأرض} يقال : فلان يسع الشيء سعة إذا احتمله ~~وأطاقه وأمكنه القيام به. ويقال : وسع الشيء الشيء إذا أحاط به وغمره حتى ~~اضمحل في جانبه ، وهذا المعنى هو اللائق هنا. وأصل الكرسي في اللغة : من ~~تركب الشيء بعضه على بعض ، ومنه الكراسة ، لتركب أوراقها بعضها على بعض ، ~~وفي العرف : اسم لما يقعد عليه ، سمي به لتركب خشباته. واختلف فيه فقيل : ~~العرش ، وقيل : غيره. # والصحيح أنه مخلوق عظيم أمام العرش ، فوق السماوات السبع دون العرش. يقال ~~: إن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة. والكرسي في جانب العرش ~~كحلقة في فلاة. وعن ابن عباس : (أن السماوات في الكرسي كدراهم سبعة في ترس) ~~وقيل : كرسيه : علمه. PageV01P326 # قال البيضاوي : هو تصوير لعظمته تعالى وتمثيل مجرد ، كقوله : {وما قدروا ~~الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} ~~[الزمر : 67] ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد. وقيل : كرسيه مجاز عن علمه أو ~~ملكه ، مأخوذ من كرسي العلم والملك ، وقيل : جسم بين يدي العرش محيط ~~بالسموات السبع لقوله - عليه الصلاة والسلام- : " ما السموات السبع ~~والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل ~~تلك الفلاة على تلك الحلقة " ولعله الفلك المشهور بفلك البروج. ه. قلت : ~~وقد اعترض السيوطي في حاشيته عليه. فالله تعالى أعلم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 251 # ولا يؤوده} أي : لا يثقله ولا يشق عليه {حفظهما} أي : حفظ السماوات ~~والأرض. وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لأن حفظهما مستتبع لحفظه ، {وهو العلي} # 253 PageV01P327 ~~أي : المتعالي عن الأشباه والأنداد ، {العظيم} أي : عظيم الشأن ، جليل ~~القدر ، الذي يستحفر كل شيء ms0235 دون عظمته. وهذه الآية مشتملة على أمهات ~~المسائل الإلهية ، فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية ، متصف ~~بالحياة الذاتية ، واجب الوجود لذاته ، موجد لغيره ؛ إذ القيوم هو القائم ~~بنفسه المقيم لغيره ، منزه عن التحيز والحلو ، مبرأ عن التغير والفتور ، لا ~~يناسب الأشباح ، ولا يعتريه ما يعتري الأرواح ، مالك الملك والملكوت ، مبدع ~~الأصول والفروع ، ذو البطش الشديد ، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له. عالم ~~بالأشياء كلها : جليها وخفيها ، وكليها وجزئيها. واسع الملك والقدرة لكل ما ~~يصح أن يملك ويقدر عليه ، لا يشق عليه شاق ، ولا يشغله شأن عن شأن ، متعال ~~عن تناول الأوهام ، عظيم لا تحيط به الأفهام ، ولذلك تفردت عن أخواتها ~~بفضائل رائعة وخواص فائقة ، قال صلى الله عليه وسلم : " أعظم آية في القرآن ~~آية الكرسي " وقال عليه الصلاة والسلام : " من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة ~~مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت " - وفي رواية - " كان الذي يتولى ~~قبض روحه ذو الجلال والإكرام - ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ، ومن ~~قرأها إذا أخذ مضجعه أمن على نفسه وجاره وجار جاره ، والأبيات حوله ". وقال ~~عليه الصلاة والسلام : " ما قرئت هذه الآية في بيت إلا هجرته الشياطين ~~ثلاثين يوما ، ولا يدخله ساحر ولا ساحرة أربعين يوما ، يا علي ؛ علمها ولدك ~~وأهلك وجيرانك ، فما نزلت آية أعظم منها " قاله البيضاوي وأبو السعود ، ~~وتكلم السوطي في بعض هذه الأحاديث. والفضائل يعمل فيها بالضعيف. والله ~~تعالى أعلم. PageV01P328 # الإشارة : يا أيها الذين آمنوا أيمان أهل الخصوصية - {أنفقوا مما رزقناكم} ~~[البقرة : 254] من سعة العلوم ومخازن الفهوم ، من قبل أن يأتي يوم اللقاء ، ~~يوم تسقط فيه المعاملات وتغيب تلك الإشارت ، لا ينفع فيه إلا الدخول من باب ~~الكرم ، فيلقى الله بالله دون شيء سواه ، والجاحدون لهذا هم الظالمون ~~لأنفسهم ، حيث اعتمدوا على أعمالهم فلقوا الله بالصنم الأعظم ، والحي اليوم ~~الكبير المتعال غني عن الانتفاع بالأعمال ، وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 251 # ومن عرف أنه الحي الذي لا يموت توكل عليه. ms0236 قال تعالى : {وتوكل على الحى ~~الذى لا يموت} [الفرقان : 58]. والتعلق به : استمداد حياة الروح بالعلم ~~والمحبة الكاملة. ومن عرف أنه الحي القيوم وثق به ، ونسي ذكر كل شيء بذكره ~~، ولم يشاهد غيره بمشاهدة قيوميته. والتعلق به استمداد معرفة قيوميته حتى ~~يستريح من نكد التدبير ، والتخلق به بأن تكون قائما على ما كلفت به من أهل ~~وولد ونفس ومال ، وكل من تعلق بك من النساء والرجال. # 254 # ولما وصف الحي تعالى نفسه بأوصاف الكمال من الكبرياء ، والعظمة والجلال ~~وكانت شواهد ذلك ظاهرة في خلقه حتى تبين الحق من الباطل. # جزء : 1 رقم الصفحة : 251 # قلت : {الرشد} : مصدر رشد ، بالكسر والضم ، رشدا ورشادا ، و{الغي} : مصدر ~~غوى ، إذا ضل معتقده ، و{الطاغوت} : فعلوت من الطغيان ، وأصله : طغيوت ، ~~فقلبت لام الكلمة لعينها فصار طيغوت ، ثم قلبت الياء ألفا. وهو كل ما عبد ~~من دون الله راضيا بذلك ، و{العروة} : ما تستمسك به اليد عند خوف الزلل ~~كالحبل ونحوه ، ووثوقها : متانتها ، وانفصامها أن تنفك عن موضعها ، وأصل ~~الفصم في اللغة : أن ينفك الخلخال ونحوه ولا يبين ، فإذا بان فهو القصم - ~~بالقاف - وهو هنا استعارة للدين الصحيح. PageV01P329 # يقول الحق جل جلاله : في شأن رجل من الأنصار ، تنصر ولداه قبل البعثة فلما ~~جاء الإسلام قدما إلى المدينة فدعاهما أبوهما إلى الإسلام فامتنعا ، ~~فلزمهما أبوهما وقال : والله لا أدعكما حتى تسلما ، فاختصموا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : {لا إكراه في الدين} ، فهو خبر بمعنى ~~النهي ، أي : لا تكرهوا أحدا على الدخول في الدين. وهو خاص بأهل الكتاب. # قال البيضاوي : إذ الإكراه في الحقيقة هو : إلزام الغير فعلا لا يرى فيه ~~خيرا ، ولكن {قد تبين الرشد من الغي} أي تميز الإيمان من الكفر بالآيات ~~الواضحة ، ودلت الدلائل على أن الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية ، ~~والكفر غي يوصل إلى الشقاوة السرمدية. والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه ~~إلى الإيمان طلبا للفوز بالسعادة والنجاة ، ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء. ه. # {فمن يفكر بالطاغوت} أي : يبعد عنها ويجحد ms0237 ربوبيتها {ويؤمن بالله} أي : ~~يصدق بوحدانيته ، ويقر برسله ، {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي : فقد تسمك ~~بالدين المتين ، لا انقطاع له أبدا ، {والله سميع} بالأقوال ، {عليم} ~~بالنيات ، فإن الدين مشتمل على قول باللسان وعقد بالجنان ، فحسن التعبير ~~بصفة السمع والعلم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قال في الحكم : " لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق ، إنما يخاف ~~عليك من غلبة الهوى عليك ". وقال أحمد بن حضرويه : الطريق واضح ، والحق ~~لائح ، والداعي قد أسمع ، ما التحير بعد هذا إلا من العمى. ه. فطريق السير ~~واضحة لمن سبقت له العناية ، باقية إلى يوم القيامة ، وكل ما سوى الله ~~طاغوت ، فمن أعرض عن السوى ، # 255 # وعلق قلبه بمحبة المولى ، فقد استمسك بالعروة الوثقى ، التي لا انفصام ~~لها على طول المدى ، وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 255 PageV01P330 ~~قلت : الولي : هو المحب الذي يتولى أمور محبوبه ، أو الناصر الذي ينصر ~~محبوبه ، ولا يخذله بأن يكله إلى نفسه. وجملة {يخرجهم} : حال من الضمير ~~المستتر في الخبر ، أو من الموصول أو منها ، أو خبر ثان. # يقول الحق جل جلاله : {الله ولي الذين آمنوا} أي : محبهم ومتولي أمورهم ، ~~{يخرجهم من} ظلمات الكفر والجهل ، ومتابعة الهوى وقبول الوسواس ، والشبه ~~المشكلة في التوحيد - إلى نور الإيمان واليقين ، وصحة التوحيد ، ومتابعة ~~الداعي إلى الله ، {والذين كفروا أولياؤهم} أي : أحباؤهم {الطاغوت} أي : ~~الشياطين ، أو المضلات من الهوى والشيطان وغيرهما ، {يخرجونهم من النور} ~~الذي منحوه بالفطرة الأصلية ، أو يصدونهم من الدخول في الإيمان إلى ظلمات ~~الكفر والجهل ، والتقليد الرديء واتباع الهوى ، {أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} بسبب نياتهم البقاء على الكفر إلى الممات ، ولم يذكر في جانب ~~المؤمنين دخول الجنة ؛ لتكون عبادتهم عبودية ، لا خوفا ولا طمعا. والله ~~تعالى أعلم. PageV01P331 # الإشارة : {الله ولي الذين آمنوا} ؛ حيث تولاهم بسابق العناية ، وكلأهم ~~بعين الرعاية ، يخرجهم أولا من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، ثم من ظلمات ~~الحس ورؤية الأكوان إلى نور المعاني بحصول الشهود والعيان ، فافن عن ~~الإحساس تر عبرا. " الكون كله ms0238 ظلمة ، وإنما أناره ظهور الحق فيه ". أو تقول ~~: الكون كله ظلمة لأهل الحجاب ، وأما عند أهل المعرفة فالكون عندهم كله نور ~~، وإنما حجبه ظهور الحكمة فيه ، " فمن رأى الكون ولم يشهد النور فيه ، أو ~~قبله ، أو بعده ، فقد أعوزه وجود الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب ~~الآثار ". والذين كفروا - وهم الذين سبق لهم الشقاء ، وحكم عليهم بالبعد ~~القدر والقضاء - أولياؤهم الطاغوت ، وهم القواطع : من الهوى والشيطان ~~والدنيا والناس ، {يخرجونهم من النور إلى الظلمات} أي : يمنعونهم من شهود ~~تلك الأنوار السابقة ، إلى الوقوف مع تلك الظلمات المتقدمة ، فهم متعاكسون ~~مع من سبقت لهم العناية ، فما خرج منه أهل العناية وقع فيه أهل الغواية. ~~نسأل الله الحفظ والعافية في الدنيا والآخرة. # 256 # جزء : 1 رقم الصفحة : 256 # قلت : {أن آتاه} : على حذف لام العلة ، و{إذ قال} : ظرف ل {حاج} ، أبو ~~بدل من {آتاه الله}. PageV01P332 # يقول الحق جل جلاله : متعجبا من جهالة النمرود ، والمراد تعجيب السامع : ~~{ألم تر} يا محمد ، {إلى} جهالة {الذي حاج إبراهيم} أي : خاصمه {في ربه} ~~لأجل {أن} أعطاه {الله الملك} ، أي : حمله على ذلك بطر الملك. وذلك أنه لما ~~كسر إبراهيم الأصنام ، سجنه أياما ، وأخرجه من السجن ، وقال له : من ربك ~~الذي تعبد ؟ {قال} له {إبراهيم} عليه السلام : {ربي الذي يحيي ويميت} ، أي ~~: يخلق الأرواح في الأجسام ، ويخرجها عند انقضاء آجالها ، {قال} نمرود : ~~{أنا أحيي واميت} ، فدعا برجلين فقتل أحدهما ، وعفا عن الآخر ، فلما رأى ~~إبراهيم عليه السلام غلطه وتشغيبه عدل له إلى حجة أخرى ، لا مقدور للبشر ~~على الإتيان بمثلها ، فال له : {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها} ~~أنت {من المغرب} ؛ لأنك تدعي الربوبية ، ومن شأن الربوبية أن تقدر على كل ~~شيء ، ولا يعجزها شيء ، {فبهت الذي كفر} أي : غلب وصار مبهوتا ، {والله لا ~~يهدي القوم الظالمين} إلى قبول الهداية ، أو إلى طريق النجاة ، أو إلى محجة ~~الاحتجاج. PageV01P333 # الإشارة : قال بعض الحكماء : للنفس سر ، ظهر على فرعون والنمرود ، حتى صرحا ~~بدعوى الربوبية : قلت : وهذا السر هو ms0239 ثابت للروح في أصل نشأتها ؛ لأنها ~~جاءت من عالم العز والكبرياء. انظر قوله تعالى : {ونفخت فيه من روحى} ~~[الحجر : 29] ، وقال أيضا : {قل الروح من أمر ربى} [الإسراء : 85] أي : سر ~~من أسراره ، فلما ركبت في هذا القلب الذي هو قالب العبودية - طلبت الرجوع ~~إلى أصلها. فجعل لها الحق جل جلاله بابا تدخل منه فترجع إلى أصلها ؛ وهو ~~الذل والخضوع والانكسار والافتقار ، فمن دخل من هذا الباب ، واتصل بمن ~~يعرفه ربه ، رجعت روحه إلى ذلك الأصل ، وأدركت ذلك السر ، فمنها من تتسع ~~لذلك السر وتطيقه ، ومنها من تضيق عن حمله وتبوح به ، فتقتلها الشريعة ، ~~كالحلاج وأمثاله ، ومن طلب الرجوع إلى ذلك الأصل من غير بابه ، ورام إدراكه ~~بالعز والتكبر ، طرد وأبعد ، وهو الذي صدر من النمرود وفرعون وغيرهما ممن ~~ادعى الربوبية جهلا. والله تعالى أعلم. # 257 # ثم ذكر الحق تعالى من أدركته العناية ، وفي قصته برهان على إحياء الموتى ~~الذي احتج إبراهيم - عليه السلام -. # جزء : 1 رقم الصفحة : 257 # قلت : {أو} عاطفة ، و{كالذي} : معطوف على الموصول المجرور بإلى ، أي : ~~ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ، وإلى مثل الذي مر على قرية. وإنما ~~أدخل حرف التشبيه ؛ لأن المنكر للإحياء كثير ، والجاهل بكيفيته أكثر ، ~~بخلاف مدعي الربوبية فإنه قليل. وقيل : الكاف مزيدة ، والتقدير : ألم تر ~~إلى الذي حاج وإلى الذي مر ، و{أنى} : ظرف ليحيي ، بمعنى : متى ، أو حال ~~بمعنى كيف ، و{يتسنه} بمعنى يتغير ، وأصله : يتسنن ، فأبدلت النون الثالثة ~~حرف علة. قال في الكافية : # وثالث الأمثال أبدلنه يا # نحو (تظنى خالد تظنيا) PageV01P334 ~~فصار تسنى ثم حذفت للجازم ، وأتى بهاء السكت ، وقفا ووصل ، كالعوض من ~~المحذوف ، وقيل : من السنة ، وهو التغير ، فالهاء أصلية ، و{لنجعلنك} : ~~معطوف على محذوف ، أي : لتعتبر ولنجعلك آية للناس. # جزء : 1 رقم الصفحة : 258 # يقول الحق جل جلاله : ألم تر يا محمد أيضا إلى مثل الذي {مر على قرية} ، ~~وهو عزير ، حبر بني إسرائيل - وقيل : غيره - مر على بيت المقدس حين خربها ~~بختنصر {وهي خاوية} ساقطة حيطانها {على عروشها} أي : سقفها ms0240 ، وذلك بعد مائة ~~سنة حتى سقطت العروش ، ثم سقطت الحيطان عليها ، فلما رآها خالية ، وعظام ~~الموتى فيها بالية ، {قال} في نفسه : {أنى يحيي هذ الله بعد موتها} أي : ~~متى يقع هذا. اعترافا بالقصور عن معرفة طريق الإحياء ، واستعظاما لقدرة ~~المحيي ، إن كان القائل عزيرا ، أو استبعادا إن كان كافرا ، {فأماته الله ~~مائة عام} أي : ألبثه ميتا مائة عام ، {ثم بعثه} بالإحياء ، فقال له على ~~لسان الملك ، أو بلا واسطة : {كم لبثت} ميتا ؟ {قال لبثت يوما أو بعض يوم} ~~، وذلك أنه مات ضحى وبعث بعد مائة عام قبل غروب الشمس ، فقال قبل النظر إلى ~~الشمس {يوما} ، ثم التفت فرأى بقية منها ، فقال : {أو بعض يوم} على الإضراب ~~، قال له الحق جل جلاله : {بل لبثت مائة عام}. # 258 PageV01P335 ~~وذلك أن عزيرا ذهب ليخترف لأهله فجعل على حماره سلة عنب وجرة عصير. فلما مر ~~بتلك القرية ربط حماره ، وجعل يتعجب من خرابها وخلائها بعد عمارتها ، فقال ~~في نفسه ما قال ، فلطف الله به ، وأراه كيفية الأحياء عيانا ، فأماته مائة ~~عام ، حتى بليت عظام حماره وبقي العصير والعنب كأنه حين جنى وعصر فقال له ~~جل جلاله : {فانظر إلى طعامك} وهو العنب ، {وشرابك} وهو العصير ، {لم ~~يتسنه} ، أي : لم يتغير بمرور الزمان وطول المدة ، {وانظر إلى حمارك} كيف ~~تفرقت أوصاله ، وبليت عظامه ، فعلنا ذلك بك لتشاهد قدرتنا ، {ولنجعلك آية ~~للناس} بعدك ، {وانظر إلى العظام} أي : عظام حمارك ، {كيف ننشرها} ، أي : ~~نحييها ، من نشر الله الموتى : أحياها. أو : {كيف ننشزها} بالزاي - أي : ~~نرفع بعضها ، ونركبه عليه ، {ثم نكسوها لحما}. فنظر إلى العظام ، فقام كل ~~عظم إلى موضعه ، ثم كسى لحما وجلدا ، وجعل ينهق ، {فلما تبين له} ما كان ~~استغربه وأشكل عليه {قال أعلم} عليم اليقين {أن الله على كل شيء قدير} ، أو ~~فلما تبين له الحق ، وهو قدرته تعالى على كل شيء ، قال لنفسه : {أعلم أن ~~الله على كل شيء قدير}. # روي أنه أتى قومه على حماره ، وقال أنا عزير ، فكذبوه ، فقرأ التوراة من ~~حفظه ، ولم ms0241 يحفظها أحد قبله ، فعرفوه بذلك ، وقالوا : هو ابن الله - تعالى ~~عن قولهم - وقيل : لما رجع إلى منزله - وكان شابا - وجد أولاده شيوخا ، ~~فإذا حدثهم بحديث قالوا : حديث مائة سنة. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 258 PageV01P336 ~~الإشارة : في هذه الآية والتي بعدها ، الإشارة إلى الأمر بتربية اليقين ~~والترقي فيه من علم اليقين إلى عين اليقين ، فإن الروح ما دامت محجوبة ~~بالوقوف مع الأسباب والعوائد ، وبرؤية الحس والوقوف مع الوسائط ، لم تخل من ~~طوارق الشكوك وخواطر ، فإذا انقطعت إلى ربها ، وخرقت عوائد نفسها ، كشف لها ~~الحق تعالى عن أستار غيبه ، وأطلعها على مكنونات سره ، وكشف لها عن أسرار ~~الملكوت ، وأراها سنا الجبروت ، فنظرت إلى قدرة الحي الذي لا يموت ، وتمتعت ~~بشهود الذات وأنوار الصفات ، في هذه الحياة وبعد الممات ، فحينئذ ينقطع ~~عنها الشكوك والأوهام ، وتتطهر من طوارق الخواطر ، وتزول عنها الأمراض ~~والأسقام. # قال في الحكم : " كيف تخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد ". # فانظر إلى عزير... ما أراه الحق قدرته عيانا حتى خرق له عوائده فأماته ثم ~~أحياه ، فكذلك أنت أيها المريد ؛ لا تطمع أن تخرق لك العوائد ، فتشاهد قدرة ~~الحق أو ذاته عيانا ، حتى تموت عن حظوظك وهواك ، ثم تحيا روحك وسرك ، ~~فحينئذ تشاهد # 259 # أسرار ربك ، ويكشف الأستار عن عين قلبك. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى ~~سواء الطريق. # ثم ذكر الحق تعالى قصة خليله عليه السلام في طلبه رؤية عين القدرة في ~~إحياء الموتى ، ليترقى من علم اليقين إلى عين اليقين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 258 # قلت : رأى : البصرية ، إنما تتعدى إلى مفعول واحد ، فإذا أدخلت عليها ~~الهمزة تعدت إلى مفعولين. وعلقها هنا عن الثاني الاستفهام ، {وصرهن} أي : ~~أملهن واضممهن إليك. وفيه لغتان : صار يصير ويصور ، ولذلك قرئ بكسر الصاد ~~وضمها ، {سعيا} : أي حال ، أي : ساعيات. PageV01P337 # يقول الحق جل جلاله : واذكر يا محمد ، أو أيها السامع ، حين {قال إبراهيم} ~~عيله السلام : يا {رب أني كيف تحيي الموتى} أي : أبصرني كيفية إحياء الموتى ~~، حتى أرى ذلك عيانا ms0242 ، أراد عليه السلام أن ينتقل من علم اليقين إلى عين ~~اليقين ، وقيل : لما قال للنمرود : {ربي الذي يحيي ويميت} قال له : هل ~~عاينت ذلك ؟ فلم يقدر أن يقول : نعم. وانتقل إلى حجة أخرى ، ثم سأل ربه أن ~~يريه ذلك ؛ ليطمئن قلبه على الجواب ، إن سئل مرة أخرى ، فقال له الحق جل ~~جلاله : {أولم تؤمن} بأني قادر على الإحياء بإعادة التركيب والحياة ؟ وإنما ~~قال له ذلك ، مع علمه بتحقيق إيمانه ؛ لجيبه بما أجاب فيعلم السامعون غرضه ~~، {قال} إبراهيم عليه السلام : {بلى} آمنت أنك على كل شيء قدير ، {ولكن} ~~سألتك {ليطمئن قلبي} ؛ إذ ليس الخبر كالعيان ، وليس علم اليقين كعين اليقين ~~، أراد أن يضم الشهود والعيان إلى الوحي والبرهان. # يقول الحق جل جلاله : {فخذ أربعة من الطير} ؛ طاووسا وديكا وغرابا وحمامة ~~، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمام ، {فصرهن إليك} أي : اضممهن إليك لتتأملها ~~وتعرف أشكالها ، لئلا يلتبس عليك بعد الإحياء أشكالها ، {ثم اجعل على كل ~~جبل منهن جزءا} أي : ثم جزئهن ، وفرق أجزاءهن على الجبال التي تحضرك. قيل : ~~كانت أربعة وقيل : سبعة ، {ثم ادعهن} وقل لهن : تعالين بإذن الله ، {يأتينك ~~سعيا} أي : ساعيات مسرعات ، روي أنه أمر أن يذبحها وينتف ريشها ، ويقطعها ~~ويخلط بعضها ببعض ، ويوزعها على الجبال ، ويمسك رؤوسها عنده ، ثم يناديها ، ~~ففعل ذلك ، فجعل كل جزء يطير إلى الآخر ويلتئم بصاحبه حتى صارت جثثا ، ثم ~~أقبل إليه فأعطى كل طير رأسه فطار في الهواء. فسبحان من لا يعجزه شيء ، ولا ~~يغيب عن علمه شيء ، ثم نبه إلى التفكر # 260 # في عجائب قدرته وحكمته فقال : {واعلم أن الله عزيز} لا يعجزه شيء ، ~~{حكيم} ذو حكمة بالغة فيما يفعل ويذر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 260 PageV01P338 ~~الإشارة : من أراد ان تحيا روحه الحياة الأبدية ، وينتقل من علم اليقين إلى ~~عين اليقين ، فلا بد أن تموت نفسه أربع موتات : # الأولى : تموت عن حب الشهوات والزخارف الدينوية ، التي هي صفة الطاووس. # الثانية : عن الصولة والقوى النفسانية ، التي هي صفة الديك. # الثالثة : عن خسة النفس والدناءة ms0243 وبعد الأمل ، التي هي صفة الغراب. # الرابعة : عن الترفع والمسارعة إلى الهوى المتصف بها الحمام. # فإذا ذبح نفسه عن هذه الخصال حييت روحه ، وتهذبت نفسه ، فصارت طوع يده ، ~~كلما دعاها إلى طاعة أتت إليها مسرعة ساعية. # وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو الحسن الشاذلي بقوله في حزبه الكبير : ~~(واجعل لنا ظهيرا من عقولنا ومهيمنا من أرواحنا ، ومسخرا من أنفسنا ، كي ~~نسبحك كثيرا ، ونذكرك كثيرا ، إنك كنت بنا بصيرا). # ولما كانت حياة الروح متوقفة على أمرين : بذل النفوس ، ودفع الفلوس وقدم ~~الإشارة إلى الأول بقوله : {وقاتلوا في سبيل الله}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 260 # قلت : {مثل الذين} : مبتدأ ، و{كمثل} : خبر ، ولا بد من حذف مضاف ، إما ~~من المبتدأ أو الخبر ، أي : مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة ، أو مثل الذين ~~ينفقون كمثل باذر حبة... الخ. # يقول الحق جل جلاله : في التحريض على النفقة في سبيل الله : {مثل الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله} أي : يتصدقون بها في سبيل الله ، كالجهاد ~~ونحوه ، {كمثل} زارع {حبة أنبتت} له {سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} ، ~~فالمجموع سبعمائة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " الحسبنة بعشر ~~أمثالها ، إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة " وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز ، ~~والمنبت هو الله ، وهذا مثال لا يقتضي الوقوع ، وقد يقع في الذرة والدخن في ~~الأرض الطيبة ، بحيث تخرج الحبة ساقا # 261 PageV01P339 ~~يتشعب إلى سبع شعب ، في كل شعبة سنبلة ، {والله يضاعف} تلك المضاعفة {لمن ~~يشاء} بفضله ، على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه ، وبحسبه تتفاوت الأعمال ~~في مقادير الثواب ، {والله واسع} لا يضيق عليه ما يتفضل به من الثواب ، ~~{عليم} بنية المنفق وقدر إنفاقه. # ثم ذكر شرطين آخرين في قبول النفقة ، فقال : {الذين ينفقون أموالهم في ~~سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى}. المن : أن يعتد بإحسانه ~~على من أحسن إليه ؛ بحيث يقول : أنا فعلت معه كذا ، وكذا إظهارا لميزته ~~عليه. والأذى : أن يتطاول عليه بذلك. ويقول : لولا أنا لم يكن منك شيء ms0244 ، ~~مثلا. فمن فعل هذا فقد ذهبت صدقته هباءا منثورا ، ومن سلم من ذلك ، وأنفق ~~ماله ابتغاء وجه الله ف {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. وقال زيد بن أسلم ~~رضي الله عنه : إذا أعطيت أحدا شيئا وظننت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك ~~عنه. ه. # قيل : إن الآية نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما ؛ أما ~~عثمان فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها. وقال عبد الرحمن ~~بن سمرة : جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة ، فصبها في حجر النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل يده فيها ، ويقلبها ~~ويقول : " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم " زاد في رواية سعيد : فرأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يدعو لعثمان ، ويقول : " يا رب عثمان بن ~~عفان ، رضيت عنه فارض عنه " وأما عبد الرحمن : فإنه أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأربعة آلاف درهم ، صدقة ، وأمسك أربعة آلاف لعياله ، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم : " بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت ". ~~وإنما لم يدخل الفاء في قوله : {لا خوف عليهم} ، مع أن الموصول قد تضمن ~~معنى الشرط ، إيهاما بأنهم أهل لذلك ، وإن لم يفعلوا ، فكيف بهم إذا فعلوا. ~~قاله البيضاوي. PageV01P340 # جزء : 1 رقم الصفحة : 261 # الإشارة : التقرب إلى الله تعالى يكون بالعمل البدني وبالعملي المالي ، ~~وبالعمل القلبي ، أما العمل البدني ، ويدخل فيه العمل اللساني ، فقد ورد ~~فيه التضعيف بعشر وبعشرين وبثلاثين وبخمسين وبمائة ، وبأكثر من ذلك أو أقل ~~، وكذلك العمل المالي : قد ورد تضعيفه إلى سبعمائة ، ويتفاوت ذلك بحسب ~~النيات والمقاصد ، وأما العمل القلبي : فليس له أجر محصور ، قال تعالى : ~~{إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر : 10] ، فالصبر ، والخوف ، ~~والرجاء ، والورع ، والزهد ، والتوكل ، والمحبة ، والرضا ، والتسليم ، ~~والمعرفة ، وحسن الخلق ، والفكرة ، وسائر الأخلاق الحميدة ، إنما جزاؤها : ~~الرضا ، والإقبال والتقريب ، وحسن الوصال. قال تعالى : {ورضوان من الله ~~أكبر} [التوبة : 72] أي : أكبر من الجزاء الحسي الذي هو القصور والحور. # 262 # وأما قوله ms0245 عليه الصلاة والسلام : " تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ". ~~فإنما هو كناية عن الكثرة والمبالغة ، كقوله تعالى : {إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة : 80]. ومثله قول الشاعر : # كل وقت من حبيبي # قدره كألف حجه # أي : سنة. والله تعالى أعلم. # ثم بين الحق تعالى أن حسن الخلق ولين الجانب أفضل من الصدقة المشوبة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 261 # قلت : {قول} : مبتدأ ، و{خير} : خبر ، والمسوغ الصفة. PageV01P341 # يقول الحق جل جلاله : {قول} جميل يقوله الإنسان للسائل في حال رده ، حيث لم ~~يجد ما يعطيه ، {خير} وأفضل عند الله من الصدقة التي يتبعها المن والأذى ، ~~ومثال القول المعروف : الله يرزقنا وإياك رزقا حسنا. والله يغنينا وإياك من ~~فضله العظيم ، وشبه ذلك من غير تعبيس ولا كراهية. {ومغفرة} للسائل والعفو ~~عن جفوته وإلحاحه ، {خير} أيضا {من صدقة يتبعها} من ، أو {أذى} للسائل ، ~~علم الحق جل جلاله أن الفقير إذا رد بغير نوال شق عليه ، فربما أطلق لسانه ~~وأظهر الشكوى فأمر المسؤول بالعفو والتواضع. ولو شاء الحق تعالى لأغنى ~~الجميع ، لكنه أعطى الأغنياء ليظهر شكرهم ، وابتلى الفقراء لينظر كيف صبرهم ~~، {والله} تعالى {غني} عن أنفاق يصحبه من أو أذى ، {حليم} عن معالجة من يمن ~~أو يؤذي بالعقوبة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : يفهم من الآية أن حسن الخلق ، ولين الجانب ، وخفض الجناح ، وكف ~~الأذى ، وحمل الجفاء ، وشهود الصفاء ، من أفضل الأعمال وأزكى الأحوال وأحسن ~~الخلال ، وفي الحديث : " إن حسن الخلق يعدل الصيام والقيام ". وفي قوله : ~~{والله غني حليم} : تربية للسائل والمسؤول ، فتربية السائل : أن يستغني ~~بالغني الكبير عن سؤال العبد الفقير ، ويكتفي بعلم الحال عن المقال ، ~~وتربية المسؤول : أن يحلم عن جفوة السائل فيتلطف في الخطاب ، ويحسن الرد ~~والجواب. قال في شرح الأسماء : والتخلق بهذا الاسم - يعني الحليم - بالصفح ~~عن الجنايات ، والسمح فيما يقابلونه به من الإساءات ، بل يجازيهم بالإحسان ~~، تحقيقا للحلم والغفران. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 262 PageV01P342 ~~قلت : {كالذي} : الكاف في محل نصب على المصدر ، أي : إبطالا كإبطال الذي ~~ينفق ماله ms0246 رئاء الناس. أو حال ، أي : مشبهين بالذي ينفق رئاء. و{رئاء} ~~مفعول له ، والصفوان : الحجر الأملس ، والصلد : البارز الذي لا تراب عليه ، ~~وجمع الضمير في قوله : {لا يقدرون} باعتبار معنى {الذي} ؛ لأن المراد به الجنس. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا} أجر صدقتكم بسبب ~~{المن} بها على المتصدق عليه ، {والأذى} الذي يصدر منكم له ، بأن تذكروا ~~ذلك للناس ، فتكون صدقتكم باطلة ، {كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر} ، فإن أجره يوم القيامة يكون هباء منثورا ، {فمثله} في ~~انتفاعه بصدقته ، وتستره بها في دار الدنيا ، وافتضاحه يوم القيامة ، كحجر ~~أملس {عليه تراب} يستره ، فيظن الرائي أنه أرض طيبة تصلح للزراعة ، {فأصابه ~~وابل} أي : مظر غزير {فتركه صلدا} حجرا يابسا خاليا من التراب ، كذلك ~~المراؤون بأعمالهم ، ينتفعون بها في الدنيا بثناء الناس عليهم وستر حالهم ، ~~فإذا قدموا يوم القيامة وجدوها باطلة ، {لا يقدرون على} الانتفاع ب {شيء ~~مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين} إلى مراشدهم ومصالح دينهم. وفيه ~~تعريض بأن الرياء والمن والأذى من صفة الكافر ، ولا بد للمؤمن أن يتجنب ~~عنها. وبالله التوفيق. PageV01P343 # الإشارة : تصفية الأعمال على قدر تصفية القلوب ، وتصفية القلوب على قدر ~~مراقبة علام الغيوب ، والمراقبة على قدر المعرفة. والمعرفة على قدر ~~المشاهدة. والمشاهدة تحصل على قدر المجاهدة. {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا} [العنكبوت : 69]. وفي الحكم : " حسن الأعمال من نتائج حسن الأحوال ، ~~وحسن الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال " والحاصل أن من لم يتحقق بمقام ~~الفناء لا تخلوا أعماله من شوب الخلل ، ومن تحقق بالزوال لم ير لنفسه نسبة ~~في عطاء ولا منع ، ولا حركة ولا سكون ، ولم ير لغيره وجودا حتى يرجو منه ~~نفعا ولا خيرا. وفي بعض الإشارات : يا من يرائي أمر من من ترائي بيد من ~~تعصيه. ه. وفي تمثيله بالحجر إشارة إلى قساوة قلبه ويبوسه طبعه ، فلا يجرى ~~منه خير قط. والعياذ بالله. # ثم ذكر الحق تعالى ضد هؤلاء ، وهم المخلصون. # جزء : 1 رقم الصفحة : 263 # 264 # قلت : الربوة ms0247 - مثلثة الراء - : المكان المرتفع ، والوابل : المطر الغزير ~~، والطل : المطر الخفيف ، وفي ذلك يقول الراجز : # والطل ما خف من الأمطار # والوابل الغزير ذو أنهمار # و{ابتغاء مرضات الله} و{تثبيتا} : حالان من الوافي في : {ينفقون} ، أو ~~مفعولان له. والتثبيت بمعنى التثبت ، أي : التحقق ، كقوله تعالى : {وتبتل ~~إليه تبتيلا} [المزمل : 8] أي : تبتلا. PageV01P344 # يقول الحق جل جلاله : {مثل الذين ينفقون أموالهم} في سبيل الله {ابتغاء ~~مرضات الله} وتحققا {من أنفسهم} بثواب الله ، أو تحقيقا من أنفسهم بالوصول ~~إلى رضوان الله إن بذلوا أموالهم في طلب رضى الله ، مثل نفقتهم في النمو ~~والأرتفاع {كمثل جنة} أي : بستان {بربوة} بمكان مرتفع ، فإن شجره يكون أحسن ~~منظرا وأزكى ثمرا ، {أصابها وابل} أي : مطر غزير {فآتت أكلها} أي : ثمارها ~~{ضعفين} أي : مثلي ما كانت تثمر في عادتها ، أي : حملت في سنة ما يحمل ~~غيرها في سنتين ، بسبب هذا المطر الذي نزل بها ، {فإن لم يصبها وابل فطل} ~~أي : فيصيبها طل ، أي : مطر قليل يكفيها ؛ لطيب تربتها وارتفاع مكانها ، ~~فأقل شيء يكفيها. # والمراد : أن نفقات هؤلاء ، لإخلاصهم وكمال يقينهم ، كثيرة زاكية عند ~~الله ، وإن كانت قليلة في الحس فهي كثيرة في المعنى. وفي الحديث : " من ~~تصدق ولو بلقمة وقعت في كف الرحمن فيربيها كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله ، ~~حتى تكون مثل الجبل " وفي قوله : {والله بما تعلمون بصير} : تحذير من ~~الرياء ، وترغيب في الإخلاص. الله تعالى أعلم. # الإشارة : تنمية الأعمال على قدر تصفية الأحوال ، وتصفية الأحوال على قدر ~~التحقق بمقامات الإنزال ، أي : على قدر التحقق بالإنزال في مقامات اليقين ، ~~فكل من تحقق بالنزول في مقامات اليقين ، ورسخت قدمه فيها ، كانت أعماله ~~كلها عظيمة ، مضاعفة أضعافا كثيرة ، فتسبيحة واحدة من العارف ، أن تهليلة ~~واحدة ، تعدل الوجود بأسره ، ولا يزنها ميزان ، وكذلك سائر أعمال العارف : ~~كلها عظيمة مضاعفة ؛ لأنها بالله ومن الله وإلى الله ، وما كان بالله ومن ~~الله يطرقه نقص ولا يشوبه خلل ، ولأجل هذا صارت أوقاتهم كلها ليلة القدر ، ~~وأماكنهم كلها عرفات ، وأنفاسهم كلها زكيات ، وصحبتهم كلها نفحات ، ~~ومخالطتهم ms0248 كلها بركات. نفعنا الله بذكرهم وخرطنا في سلكهم. # آمين. # 265 # جزء : 1 رقم الصفحة : 264 PageV01P345 ~~قلت : الإعصار : عمود من ريح فيه عجاجة ، يدور ويرتفع. # يقول الحق جل جلاله : أيتمنى حدكم {أن تكون له جنة} أي : بستان {من نخيل ~~وأعناب} ، هما الغالبان فيه ؛ لكثرة منافعهما ، {تجري من} تحت تلك الأشجار ~~{الأنهار} ؛ إذ من كمال البستان أن يشتمل على الماء البارد والظل الممدود ، ~~و{له فيها} أي : في تلك الجنة {من كل الثمرات} زائدة على على النخيل ~~والأعناب ، ثم {أصابه الكبر} فضعف عن القيام بتلك الجنة ، {وله ذرية ضعفاء} ~~لا يستطيعون القيام بأنفسهم لصغرهم ، فأصاب تلك الجنة {إعصار} أي : ريح ~~شديد {فيه نار فاحترقت} تلك الجنة ، فلا تسأل عن حسرة صاحب هذا البستان ، ~~لخوفه من ضياع نفسه وعياله. وهذا مثال لمن يكثر من أعمال البر ، كالصلاة ~~والصيام والصدقة والحج والجهاد وغير ذلك ، وهذا يعجب به ، ويفتخر ويمن ~~بصدقته أو يؤذي ، فتحبط تلك الأعمال وتذهب ، فيتحسر عليها يوم القيامة ، ~~وهو أحوج ما يكون إليها. أو يعمل بالطاعة في أيام عمره ، فإذا قرب الموت ~~عمل بالمعاصي حتى ختم له بها فحبطت تلك الأعمال ، والعياذ بالله {كذلك يبن ~~الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} فيها فتعتبرون ، وتخلصون في أعمالكم ، ~~وتخافون من سوء عاقبتكم. أعاذنا الله من ذلك. # الإشارة : في الآية تخويف للمريد أن يرجع إلى عوائده ، ويلتفت إلى عوالم ~~حسه ، فيشتغل بالدنيا بعد أن استشرف على جنة المعارف ، تجري على قلبه أنهار ~~العلوم ، فينقض العهد مع شيخه ، أو يسيء الأدب معه ، ولم يتب حتى تيبس ~~أشجار معارفه ، وتلعب به ريح الهوى ، فيحترق قلبه بنار الشهوات. # قال البيضاوي : وأشبههم به من جال سره في عالم الملكوت ، وترقى بفكره إلى ~~جناب الجبروت ، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور ، والتفت إلى ما سوى الحق ~~وجعل سعيه هباء منثورا. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 265 # 266 PageV01P346 ~~قلت : {تيمموا} : أصله : تتيمموا ، أي تقصدوا ، وجملة {تنفقون} : حال مقدرة ~~- من فاعل {تيمموا} ، و{منه} : يصح أن يتعلق ب {تنفقون} أو ب {الخبيث} ، أي ~~؛ ولا ms0249 تقصدوا الخبيث حال كونكم تنفقونه ، أو لا تقصدوا الخبيث تنفقون منه ، ~~و{لستم بآخذيه} : حال أيضا من فاعل {تنفقون}. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} من ~~الأموال في التجارة وغيرها ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~" يا معشر التجار ، أنتم فجار إلا من اتقى وبر وصدق وقال بالمال هكذا وهكذا ~~". وقوله : {من طيبات ما كسبتم} أي : من حلاله ، أو من خياره ، أما في ~~الزكاة فعلى الوجوب ، إذ لا يصح دفع الرديء فيها ، وأما من التطوع فعلى ~~سبيل الكمال ، وأنفقوا أيضا من طيبات {ما أخرجنا لكم من الأرض} من أنواع ~~الحبوب والثمار والفواكه ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " ما من ~~مسلم يغرس غرسا ، أو يزرع زرعا ، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طائر ، إلا ~~كانت له صدقة إلى يوم القيامة " ولا تقصدوا {الخبيث} أي : الرديء من ~~أموالكم ، فتنفقون منه وأنتم {لستم بآخذيه} في ديونكم {إلا أن تغمضوا} ~~بصركم فيه ، وتقبضونه حياء أو كرها أو مسامحة. PageV01P347 # نزلت في قوم كانوا يتصدقون بخبيث التمر وشراره ، فنهوا عنه ، وأدبهم بقوله ~~: {واعلموا أن الله غني} عن إنفاقكم ، وإنما أمركم به منفعة لكم ، {حميد} ~~بقبوله وإثابته ، فهو فعيل بمعنى الفاعل ، مبالغة ، أي : يحمد فعلكم ويشكره ~~لكم ، إن أحسنتم فيه ، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم ، وإن الله طيب لا يقبل إلا ~~طيبا ، لا يكسب عبد مالا من حرام فيتصدق منه فيقبل منه ، ولا ينفق منه ~~فيبارك له فيه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، وإن الله لا ~~يمحو السيىء بالسيىء ولكن يمحو السيىء بالحسن ، وإن الخبيث لا يمحوه الخبي ~~". الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص ، أنفقوا العلوم اللدنية ~~والأسرار الربانية ، من طيبات ما كسبتم ؛ من تصفية أسراركم وتزكية أرواحكم ~~، وأنفقوا أيضا علوم الشريعة وأنوار الطريقة ، مما أخرجنا لكم من أرض ~~نفوسكم التي تزكت بالأعمال الصافية والأحوال المرضية. # جزء ms0250 : 1 رقم الصفحة : 266 # ولا تيمموا العمل الخبيث أو الحال الخبيث ، تريدون أن تنفقوا منه شيئا من ~~تلك العلوم ، فإن ذلك لا يزيد النفس إلا جهلا وبعدا ، فكما أن الحبة لا ~~تنبت إلا في الأرض الطيبة ، كذلك النفس لا تدفن إلا في الحالة المرضية ، ~~فلا تؤخذ العلوم اللدنية من النفس # 267 # حتى تدفن في أرض الخمول ، وأرض الخمول هي الأحوال المرضية ، الموافقة ~~للقواعد الشرعية ، وإليه الإشارة بقوله : {ولستم بآخذيه} أي : لستم بآخذي ~~العلم اللدني من الحال الخبيث ، غلا أن تغيبوا فيه عن حسكم ، ومن غلبه ~~الحال لم يبق عليه مقال. وعليها تتخرج قصة لص الحمام ، فلا يقتدى به لغلبة ~~الحال عليه ، واعلموا أن الله غني حميد ، لا يتقرب إليه إلا بما هو حميد. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 266 PageV01P348 ~~قلت : يقال : وعدته خيرا ووعدته شرا ، هذا إن ذكر الخير أو الشر ، وأما إذا ~~لم يذكر فيقال في الخير : وعدته ، وفي الشر : أوعدته ، قال الشاعر : # وإني وإن أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # و{الفحشاء} هنا : البخل والشح. # يقول الحق جل جلاله : {الشيطان يعدكم} أي : يخوفكم {الفقر} بسبب الإنفاق ~~، ويقول في وسوسته : إن أعطيت مالك بقيت فقيرا تتكفف الناس ، {ويأمركم ~~بالفحشاء} أي : ويأمركم بالبخل والشح ، والعرب تسمي البخيل فاحشا ، وفي ~~الحديث : # " البخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة قريب من النار. ~~والسخي قريب من الله. قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار. ~~ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل " وفي حديث آخر : " إن الله يأخذ بيد ~~السخي كلما عثر " {والله يعدكم} في الإنفاق {مغفرة منه} لذنوبكم ، وسترا ~~لعيوبكم ، {وفضلا} أي : خلفا أفضل مما أنفقتم في الدنيا والآخرة ، {وما ~~أنفقتم من شيء فهو يخلفه} ، {والله واسع} الفضل والعطاء ، {عليم} بما ~~أنفقتم ، ولماذا أنفقتم ، وفيما أخلصتم ، لا يخفى عليه شيء من أموركم. # الإشارة : إذا توجه المريد إلى الله تعالى ، وأراد سلوك طريق التجريد ~~والزهد والانقطاع إلى الله تعالى ، تعرض له الشيطان ، اختبارا منه تعالى ~~وابتلاء ms0251 ، إذ الحضرة # 268 PageV01P349 ~~محروسة بالقواطع ؛ ليظهر الصادق في الطلب من الكاذب ، فيخوفه من الفقر ، ~~ويأمره بالوقوف مع الأسباب والعوائد ، وهي أفحش المعاصي عند الخواص ، إذ إذ ~~الهمة العالية تأنف عن الاشتغال بغير الحضرة الإلهية. والله يعدكم - أيها ~~المتوجهون إليه - مغفرة لذنوبكم ، وسترا لعيوبكم ، فيغطي وصفكم بوصفه ، ~~ونعتكم بنعته ، فيوصلكم بما منه إليكم من الفضل والجود ، لا بما منكم إليه ~~من المجاهدة والمكابدة ، {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد ~~أبدا} [النور : 21] ، {والله واسع} الجود والإحسان ، {عليم} بمن يستحق ~~الفضل والامتنان. # ومن نتائج الزهد والانقطاع : ورود الحكمة على لسان العبد وقلبه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 268 # قال البيضاوي : الحكمة : تحقيق العلم وإتقان العلم. ه. وقيل : هي سرعة ~~الجواب وإصابة الصواب ، وقيل : كل فصل جزل من قول أو فعل. # يقول الحق جل جلاله : {يؤتي} الحق تعالى {الحكمة من يشاء} من عباده ، وهي ~~التفقه في الدين والتبصر في الأمور. قال صلى الله عليه وسلم : {من يرد الله ~~به خيرا يفقهه في الدين ، ويلهمه رشده} وقيل : الحكمة : الإصابة في الرأي. ~~وقيل : الفهم في كتاب الله. وقيل الفهم عن الله. {ومن يؤت الحكمة} أي : ~~أعطيها ، {فقد أوتي خيرا كثيرا} ؛ لأنه حاز خير الدارين ، ولا شك أن من حقق ~~العلم بالله وبأحكامه ، وأتقن العمل بما أمره الله به ، فقد صفا قلبه ، ~~وتطهر سره ، فصار من أولي الألباب ولذلك قال عقبه : {وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب}. PageV01P350 # الإشارة : الحكمة هي : شهود الذات مرتدية بأنوار الصفات ، وهي حقيقة ~~المعرفة ، ومن عرف الله هابه ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " رأس ~~الحكمة مخافة الله " وقيل : هي تجريد السر لورود الإلهام ، وقيل : هي النور ~~المفرق بين الوسواس والإلهام ، وقيل : شهود الحق تعالى في جميع الأحوال. ~~والتحقيق : أن الحكمة هي إبداع الشيء وإتقانه حتى يأتي على غاية الكمال ، ~~ويجري ذلك في العلم والعمل والحال والمعرفة. # وقال القشيري : الحكمة : أن يحكم عليك خاطر الحق لا داعي الباطل ، وأن ~~تحكم قواهر الحق لا زواجر الشيطان. ويقال : الحكمة : صواب الأمر ، ويقال : ~~هي ألا ms0252 تغلب عليك رعونات البشرية ، ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على ~~غيره. ويقال : الحكمة : موافقة أمر الله ، والسفه : مخالفة أمره ، ويقال : ~~الحكمة شهود الحق ، والسفه : شهود الغير. قاله المحشي. # 269 # واعلم أن الصوفية ، في اصطلاحهم ، يعبرون عن أسرار الذات بالقدرة ، وعن ~~أنوار الصفات - وهي ظهور آثارها - بالحكمة. فالوجود كله قائم بين الحكمة ~~والقدرة ، فالقدرة تبرز الأشياء ، والحكمة تسترها. فربط الأشياء واقترانها ~~بأسبابها تسمى عندهم الحكمة ، وإنفاذ الأمر وإظهار يسمى القدرة ، فمن وقف ~~مع الحكمة حجب عن شهود القدرة ، وكان محجوبا عن الله. ومن نفذ إلى شهود ~~القدرة ولم يرتبط مع الأسباب والعوائد كان عارفا محبوبا. فالعارف الكامل هو ~~الذي جمع بين شهود القدرة وإقرار الحكمة ، فأعطى كل ذي حق حقه ، ووفى كل ذي ~~قسط قسطه ، لكن يكون ذلك ذوقا وكشفا ، لا علما وتقليدا. وبالله تعالى ~~التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 269 PageV01P351 ~~قلت : النذر : هو إلزام المكلف نفسه ما لم يجب ، كقوله : لله علي أن أتصدق ~~بكذا ، أو أن أصلي كذا ، أو أن أصوم كذا ، أو إن شفى الله مريضي فعلي كذا ، ~~فمن نطق بشيء من ذلك لزمه ، ومن علق بشيء وحصل ذلك لزمه ما نطق به. و{نعما} ~~أصلها : نعم ما هي ، فأدغمت الميم في الميم ، وفي {نعم} : ثلاث لغات : " ~~نعم " بفتح النون وكسر العين وهي الأصل ، وبسكونها ، وبكسر النون وسكون ~~العين ، فمن قرأ بكسر النون والعين ، فعلى لغة كسر العين ، وأتبع النون ~~للعين ، ومن اختلس ، أشار إلى لغة السكون ، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين ~~، فعلى الأصل وأدغم المثلين ، ومن قرأ بفتح النون وسكون العين فعلى لغة ~~{نعم} بالتفح والسكون ، ثم أدغم ، ولم يعتبر التقاء الساكنين لعروضه ، أو ~~لكون الثاني مشددا سهل ذلك. والله أعلم. # ومن قرأ : {ونكفر} ، بالجزم ، فعطف على محل الجزاء ، ومن قرأ بالرفع ، ~~فعلى الاستئناف ، أي : ونحن نكفر ، أو : فهو يكفر ، على القراءتين. # يقوله الحق جل جلاله : {وما أنفقتم من نفقة} قليلة أو كثيرة ، سرا أو ~~علانية ، في حق أو باطل ، {أو نذرتم من ms0253 نذر} بشرط أو بغير شرط ، في طاعة أو ~~معصية ، {فإن الله يعلمه} ، فيجازيكم عليه ، فمن أنفق في طاعة أو نذر قربة ~~كان من المحسنين ، ومن أنفق في معصية أو نذر معصية كان من الظالمين. {وما ~~للظالمين من أنصار} ينصرونهم من عذاب الله. # 270 PageV01P352 ~~{إن} تظهروا {الصدقات} ، مخلصين فيها ، {فنعما هي} أي : فنعم شيئا إبداؤها ~~، ولا سيما للمقتدى به ، فهو أفضل في حقه ، {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء} ~~خفيه {فهو خير لكم} ؛ لأنه أقرب للإخلاص ، وهذا في التطوع ، تفضل علانيتها ~~بسبعين ضعفا. وأما الفريضة ففيها تفصيل ، فمن خاف على نفسه شوب الرياء أخفى ~~أو نوب ، ومن أمن أظهر. فقد ورد أن علانية الفريضة تفضل سرها بخمسة وعشرين ~~ضعفا ، فإن فعلتم ما أمرتم به في الوجهين ، فقد أحسنتم ، {ونكفر عنكم من ~~سيئاتكم} أي : نستر عنكم بعض ذنوبكم ، وقد ورد في صدقة السر أن صاحبها يظله ~~الله يوم لا ظل إلا ظله {والله بما تعملون خبير} ؛ لا يخف عليه من أسر أو ~~جهر ، ومن أخلص أو خلط ، ففيه ترغيب وترهيب. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 270 # الإشارة : معاملة العبد مع مولاه : إما أن تكون لطلب الأجور ، وإما لرفع ~~الستور ، فالأول يعطي أجره من وراء الباب ، والثاني يدخل مع الأحباب. وأما ~~العامل للدنيا فهو ظالم لنفسه {وما للظالمين من أنصار} ، وفي بعض الآثار : ~~طالب الدنيا أسير ، وطالب الآخرة أجير ، وطالب الحق أمير. # ثم الناس في معاملة الحق على أقسام ثلاثة : قسم يليق بهم الإخفاء ~~والإسرار ، وهم طالبوا الإخلاص من المريدين السائرين. وقسم يليق بهم ~~الإظهار وهم أهل الاقتداء من العلماء المخلصين. وقسم لا يقفون مع ظهور ولا ~~خفاء ، بل مع ما يبرز في الوقت ، وهم العارفون الكاملون. ولذلك قال الشيخ ~~أبو العباس رضي الله عنه : (من أحب الظهور فهو عبد الظهور ، ومن أحب الخفاء ~~فهو عبد الخفاء ، ومن كان عبد الله فسواء عليه أظهره أم أخفاه). # والهداية كلها بيد الله ، ليس لغيره منها شيء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 270 # {ليس عليك هداهم ولاكن ms0254 الله يهدي من يشآء...} PageV01P353 ~~يقول الحق جل جلاله : لنبيه عليه الصلاة والسلام : {ليس عليك} يا محمد ~~{هداهم} أي : لا يجب عليك أن تخلق الهداية في قلوبهم ، وليس من شأنك ذلك ، ~~إنما أنت نذير تدل على الخير ، كالنفقة وغيرها ، وتنهى عن الشر كالمن ~~والأذى ، وإنفاق الخبيث ، وغير ذلك من المساوئ {ولكن الله يهدي من يشاء} ~~بفضله وإحسانه ، فالأمور كلها بيد الله خيرها وشرها ، لكن من جهة الأدب {مآ ~~أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء : 79]. وبالله ~~التوفيق. # الإشارة : ما قيل في الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقال في ورثته من ~~أهل التذكير ، فليس بيدهم الهداية والتوفيق ، وإنما شأنهم الإرشاد وبيان ~~الطريق ، فليس من # 271 # شأن الدعاة إلى الله الحرص على هداية الخلق. وإنما من شأنهم بيان الحق. ~~{إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} [النحل : 37]. والله تعالى أعلم. # ثم رجع الحق تعالى إلى الترغيب في الصدقة والإخلاص فيها ، فقال : {... ~~وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله وما تنفقوا من ~~خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} # قلت : هذه ثلاث جمل كلها تدل على الترغيب في إنفاق الطيب وإخلاص النية. PageV01P354 # يقول الحق جل جلاله : {وما تنفقوا من خير} قليل أو كثير ، فهو {لأنفسكم} لا ~~ينتفع به غيركم ، فإن كان طيبا فلأنفسكم ، وإن كان خبيثا فأجره لكم ، وإن ~~مننتم به أو آذيتم فقد ظلمتم أنفسكم ، وإن أخلصتم فيه فلأنفسكم ، وأيضا ~~إنكم تدعون أنكم {ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} ، فكيف تقصدون الخبيث ، ~~وتجعلونه لوجه الله ؟ وكيف تمنون أو تؤذون بها وهي وجه الله ؟ هذا تكذيب ~~للدعوى ، وكل ما تنفقون من خير قليل أو كثير {يوف إليكم} جزاؤه يوم القيامة ~~بسبعمائة إلى أضعاف كثيرة ، ويخلفه لكم في الدنيا ، {وأنتم لا تظلمون} شيئا ~~من أعمالكم إن أخلصتم أو أحسنتم. وستأتي إشارتها مع ما بعدها. # جزء : 1 رقم الصفحة : 271 # قلت : {للفقراء} : متعلق بمحذوف ، أي : يعطي ذلك للفقراء ، أو اجعلوا ما ~~تنفقونه للفقراء ، والإلحاف ، : هو الإلحاح ms0255 في السؤال ، وهو أن يلازم ~~المسؤول حتى يعطيه ، وهو منصوب على المصدر أو الحال. # يقول الحق جل جلاله : تجعلون ما تنفقونه {للفقراء الذين أحصروا} أي : ~~حبسوا أنفسهم في {سبيل الله} وهو الجهاد ، {لا يستطيعون ضربا في الأرض} أي ~~: ذهابا في الأرض للتجارة أو للأسباب ، بل شغلهم الجهاد والتبتل للعبادة عن ~~الأسباب ، وهم أهل الصفة ، كانوا نحوا من أربعمائة من فقراء المهاجرين ، ~~يسكنون صفة المسجد ، يستغرقون أوقاتهم في العلم والذكر والعبادة ، وكانوا ~~يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عباس رضي الله عنه : " وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوما على ~~أصحاب الصفة ، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلبوهم ، فقال : " أبشروا يا أصحاب ~~الصفة ، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه ، راضيا بما فيه فإنه ، ~~من رفقائي ". # 272 PageV01P355 ~~وقيل : المراد الفقراء مطلقا ، حصرهم الفقر عن الضرب في الأرض للتجارة ، ~~{يحسبهم الجاهل} بهم {أغنياء من التعفف} ، أي : من أجل تعففهم عن السؤال ، ~~{تعرفهم بسيماهم} من الضعف ورثاثة الحال. الخطاب للرسول ، أو لكل أحد {لا ~~يسألون الناس إلحافا} ، أي : لا يسألون ، وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا ، ~~وقيل : نفي للأمرين معا ، ليس لهم سؤال ، فيقع فيه إلحاف ، كقول الشاعر : # على لا حب لا يهتدى بمناره # وليس ثم لا حب ولا منار ، وإنما المراد نفيهما ، وفي الحديث عنه صلى الله ~~عليه وسلم : " من سأل ، وله أربعون درهما ، فقد سأل إلحافا ". {وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم} فيجازي على القليل والكثير ، وهذا ترغيب في ~~الإنفاق ، وخصوصا على هؤلاء. # الإشارة : ما أفلح من أفلح ، وخسر من خسر ، إلا من نفسه وفلسه ، فمن جاد ~~بهما ، أو بأحدهما ، فقد فاز وأفلح وظفر بما قصد ، والجود بالنفس أعظم ، ~~وهو يستلزم الجود بالفلس ، والجود بالفلس ، إن دام ، يوصل إل الجود بالنفس ~~، والمراد بالجود بالنفس : إسلامها للشيخ يفعل بها ما يشاء ، وتكون الإشارة ~~فيها كافية عن التصريح ، ومن بخل بهما أو بأحدهما ، فقد خسر وخاب في طريق ~~الخصوص ، ومصرف ذلك هو الشيخ ms0256 ، أو الفقراء المنقطعون إلى الله ؛ الذي حصروا ~~أنفسهم في سبيل الله ، وهو الجهاد الأكبر. # جزء : 1 رقم الصفحة : 272 PageV01P356 ~~قال في القوت : وكان بعض الفضلاء يؤثر بالعطاء فقراء الصوفية دون غيرهم ، ~~فقيل له في ذلك ، فقال : لأن هؤلاء هممهم الله عز وجل ، فإذا ظهر منهم فاقة ~~تشتت قلب أحدهم ، فلأن أرد همة واحد إلى الله أحب إلي من أن أعطي ألفا من ~~غيرهم ممن همه الدنيا. فذكر هذا الكلام لأبي القاسم الجنيد ، فقال : هذا ~~كلام ولي من أولياء الله. ثم قال : ما سمعت كلاما أحسن من هذا. وبلغني أن ~~هذا الرجل اقتر حاله في أمر الدنيا حتى هم بترك الحانوت ؛ فبعث إليه الجنيد ~~بمال كان صرف إليه ، وقال له : اجعل هذا في بضاعتك ، ولا تترك الحانوت فإن ~~التجارة لا تضر مثلك. ويقال : إن هذا لم يكن يأخذ من الفقراء ثمن ما ~~يبتاعون منه. ه. # وكان عبد الله بن المبارك يصرف مصروفه لأهل العلم ، ويقول : إني لا أعرف ~~بعد النبوة أفضل من العلماء ، فإذا اشتغل قلب أحدهم بالحاجة والعيلة لم ~~يتفرغ للعلم ، ولا # 273 # يقبل على تعليم الناس ، فرأيت أن أكفيهم أمر الدنيا ؛ لأفرغهم للعلم ، ~~فهو أفضل. ه. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 272 # قلت : الموصول مبتدأ ، و{فلهم أجرهم} : خبر ، والفاء للسببية ، ولأن في ~~الموصول معنى الشرط ، وقيل : الخبر محذوف ، أي : ومنهم الذين ينفقون الخ : ~~و{فلهم} : استئناف بياني. # يقول الحق جل جلاله : {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} ~~، ويعمرون أوقاتهم بفعل الخيرات ، {فلهم أجرهم عند ربهم} إذا قدموا عليه ، ~~{ولا خوف عليهم} من لحوق مكروه ، {ولا هم يحزنون} على فوات محبوب ، بل ~~وجدوا الله فأغناهم عن كل شيء. # قيل : نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ؛ تصدق بأربعين ألف دينار ، عشرة ~~بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة بالسر ، وعشر بالعلانية ، أو في علي - كرم ~~الله وجهه - لم يملك إلا أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا ، ودرهم نهارا ، ~~ودرهم سرا ، ودرهم علانية. وهي عامة لمن فعل فعلهما. PageV01P357 # الإشارة : أجر بذل الأموار هو ms0257 إعطاء الثواب من وراء الباب ، والأمن من ~~العذاب وسوء المآب ، وأجر بذل النفوس هو دخول حضرة القدوس ، والأنس ~~بالأحباب داخل الحجاب ، فمن بذل نفسه لله على الدوام ، أمنه من الحجبة في ~~دار السلام ، فلا خوف يلحقهم في الدارين ، ولا يعتريهم حزن في الكونين. ~~وبالله التوفيق. # ولما رغب في الصدقة ، وكانت في الغالب لا يتوصل إليها إلا بتعاطي أسباب ~~المال ، وهو البيع والشراء حذر من الربا ؛ لئلا يتساهل الناس في المعاملة ~~به ، حرصا على الصدقة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 273 # 274 # قلت : {الربا} في الأصل : هو الزيادة ، ربا المال يربو : زاد. وكتبت ~~بالواو مراعاة للأصل ، وهو المصدر ، قال الفراء : إنما كتبوه بالواو لأن ~~أهل الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة ، ولغتهم الربو ، فعلموهم صورة ~~الحروف ، وكذلك قرأها أبو السمال العدوي ، وقرأ الأخوان بالإمالة لمكان ~~الكسرة ، والباقون بالتفخيم. # والربا في اصطلاح الشرع على قسمين : ربا الفضل وربا النساء ، فأما ربا ~~الفضل فهو التفاضل بين الطعامين أو النقدين في المبادلة من الجنس الواحد ، ~~فإن اختلفت الأجناس فلا حرج ، وأما ربا النساء فهو بيع الطعامين أو النقدين ~~بعضهما ببعض بالتأخير ، وهذا حرام ولو اختلفت الأجناس. PageV01P358 # يقول الحق جل جلاله : {الذين يأكلون الربا} أي : يأخذونه ، وإنما خص الأكل ~~لأنه أعظم منافع المال ، {لا يقومون} من قبورهم يوم البعث {إلا كما يقوم} ~~المجنون {الذي يتخبطه الشيطان من} أجل {المس} الذي يمسه يقوم ويسقط ، روي ~~أن بطونهم تكون أمامهم كالبيت الضخم ، يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع ، ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~" لما أسري بي إلى السماء رأيت رجالا بطونهم كالبيوت ، فيها حيات ترى من ~~خارج بطونهم ، فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : أكلة الربا ". ذلك العذاب ~~بسبب أنهم استحلوا الربا ، و{قالوا إنما البيع مثل الربا} فنظموا الربا ~~والبيع في سلك واحد ، وفيه عكس التشبيه. والأصل : إنما الربا مثل البيع ، ~~قصدوا المبالغة ، كأنهم جعلوا الربا أصلا وقاسوا عليه البيع. وذلك أن أهل ~~الجاهلية كان أحدهم إذا حل ms0258 ماله على غريمه يقول الغريم : زدني في الأجل ~~أزدك في المال ، فيفعلان ، ويقولان : سواء علينا الزيادة في أول البيع ~~بالربح أو عند محل الدين ، هو مراضاة فكذبهم الحق تعالى بقوله : {وأحل الله ~~البيع وحرم الربا} ؛ لأن القياس مع وجود النص فاسد ، والفرق ظاهر ؛ فإن من ~~باع درهما بدرهمين ضيع درهما من غير فائدة ، بخلاف من اشترى سلعة بدرهم ، ~~وباعها بدرهمين ، فلعل مساس الحاجة ، والرغبة فيها ، توقع رواجها فيجبر الغبن. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 274 PageV01P359 ~~فمن جاءه موعظة من ربه} كالنهي عن الربا {فانتهى} وترك الربا {فله ما سلف} ~~قبل التحريم ولا يرده ، {وأمره إلى الله} لا إلى أحد منكم ، فلا يتعرض له ، ~~{ومن عاد} إلى تحليل الربا بعد بلوغه النهي {فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} لأنهم كفروا وسفهوا أمر الله. {ويمحق الله الربا} أي : يذهب بركته ~~، ويهلك المال الذي يدخل فيه {ويربي الصدقات} أي : يضاعف ثوابها ويبارك في ~~المال الذي أخرجت منه ، فقد روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : " ~~ما نقص مال من صدقة " " وأنه يربي # 275 # الصدقة حتى تكون مثل الجبل " قال يحيى بن معاذ : (ما أعرف حبة تزن جبال ~~الدنيا إلا الحبة من الصدقة). # {والله لا يحب كل كفار} أي : مصر على تحليل المحرمات ، {أثيم} أي : منهمك ~~في ارتكاب المنهيات ، أي : لا يرتضي حاله ، ولا يحبه كما يحب التوابين. # ثم ذكر مقابله فقال : {إن الذين آمنوا} بالله ، وصدقوا بما جاء من عنده ، ~~{وعملوا} الأعمال {الصالحات وأقاموا الصلاة} أي : أتقنوها {وآتوا الزكاة} ~~أي : أدوها على التمام ، فلهم أجرهم عند ربهم إذا قدموا عليه ، {ولا خوف ~~عليهم} من آت ، {ولا هم يحزنون} على ما فات ، إذ لم يفتهم شيء حيث وجدوا الله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 274 # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا} أي : اتركوا ~~بقايا ما شرطتم على الناس من الربا ، فلا تقبضوها منهم ، {إن كنتم مؤمنين}. ~~فإن دليل الإيمان : امتثال ما أمرتم به ، روي أنه كان لثقيف مال على بعض ~~قريش ms0259 ، فطالبوهم عند الحل بالمال والربا ، فنزلت الآية. PageV01P360 # {فإن لم تفعلوا} وتتركوا ما نهيتم عنه ، {فأذنوا} أي : فاعلموا {بحرب من ~~الله ورسوله} ومن قرأ : {فآذنوا} بالمد ، فمعناه : أعلموا بها غيركم ، روي ~~أنها لما نزلت ، قالت ثقيف : لا يدان لنا بحرب الله ورسوله. {وأن تبتم} من ~~تعاطي الربا واعتقاد حله {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون} الغريم بأخذ ~~الزيادة ، {ولا تظلمون} بنقص رأس مالكم. مفهومه أن لم يتب فليس له شيء ، ~~لأنه مرتد. والله تعالى أعلم. # الإشارة : مدار صفاء المعاملة على تصفية اللقمة ، فمن صفا طعمته صفت ~~معاملته ، ومن صفت معاملته أفضى الصفاء إلى قلبه ، ومن خلط في لقمته تكدرت ~~معاملته ، ومن تكدرت معاملته تكدر قلبه ، ولذلك قال بعضهم : (من أكل الحلال ~~أطاع الله ، أحب أم كره ، ومن أكل الحرام : عصى الله ، أحب أم كره) وكذلك ~~الواردات الإلهية ، لا ترد إلا على من صفا مطعمه ومشربه ، ولذلك قال بعضهم ~~: (من لا يعرف ما يدخل بطنه لا يفرق بين الخواطر الربانية والشيطانية). # 276 # وقال سيدي علي الخواص رضي الله عنه : (اعلم أن المدد الذي لم يزل فياضا ~~على قلب كل إنسان ويتلون بحسب القلب ، والقلب يتلون بحسبه هو بحسب صلاح ~~الطعمة وفسادها). ه. فالذين يأكلون الحرام ؛ كالربا وشبهه ، ولا يقومون إلى ~~معاملتهم للحق إلا كما يقوم المجنون الذي يلعب به الشيطان ، ولا يدري ما ~~يقول ولا ما يقال له ، فقد حرم لذيذ المناجاة وحلاوة خلوص المعاملات ، فإن ~~احتج لنفسه واستعمل القياس لم يرج فلاحه في طريق الخواص ، فمن جاءه موعظة ~~من ربه فانتهى ، وطلب العفاف فقد عفا الله عما سلف. ومن عاد إلى ما خرج عنه ~~؛ من متابعة هواه ، فنار القطيعة مثواه ومأواه. PageV01P361 # ومن شأن الحق جل جلاله مع عباده : أن من طلب الزيادة في حس ظاهره محق الله ~~نور باطنه ، ومن حسم مادة زيادة الحس في ظاهره قوي الله مدد الأنوار في ~~باطنه ، {يمحق الله الربوا ويربى الصدقات} [البقرة : 276] ، أي : يقوي مدد ~~ثواب الصدقات. {والله لا يحب كل كفار أثيم} [البقرة : 276] ، وإنما يحب ms0260 كل ~~مطيع منيب ، وهو من آمن إيمان أهل التحقيق ، وسلك أهل التوفيق. فلا جرم أنه ~~ينخرط في سلك أهل العناية ، ويسلك به مسلك أهل الولاية ، الذين {لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون} [يونس : 62]. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 276 # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} حق تقاته ، واتركوا ما بقي في باطنكم من ~~بقايا الحس وأسبابه ، إن كنتم طالبين إيمان أهل الشهود ، والوصول إلى الملك ~~المعبود. فإن لم تفعلوا ذلك فاعلموا أنكم في مقام البعد من حيث لا تظنون ، ~~معاندون وأنتم لا تشعرون. وإن رجعتم إلى ربكم فلكم رؤوس أموالكم ، وهم نور ~~التوحيد ، لا تنقصون منه ولا تزيدون عليه ، إلا إن أفردتم الوجهة إليه ، ~~وطلبتم الوصول منه إليه ، فإن الله لا يخيب من أمل جوده ، ولا يرد من وقف ~~ببابه ، بمنه وكرمه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 276 # قلت : {كان} : تامة بمعنى حضر ، وقرأ أبي وابن مسعود : {ذا عسرة} فتكون ~~ناقصة ، و{نظرة} : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : فعليكم نظرة ، أو فالواجب ~~نظرة. وهو مصدر بمعنى الإنظار ، وهو الإمهال ، و{ميسرة} : فيه لغتان : ~~الفتح والضم ، وهي مفعلة من اليسر ، فالضم لغة أهل الحجاز ، والفتح لغة ~~تميم وقيس ونجد. # يقول الحق جل جلاله : وإن حضر الغريم وهو معسر ، فعليكم إنظاره ، أي : ~~إمهاله إلى زمان يسره ولا يحل لكم أن تضيقوا عليه ، وتطالبوه بما ليس عنده ~~إن أقام البينة على # 277 PageV01P362 ~~عسره {وأن تصدقوا} عليه برؤوس أموالكم ولا تطالبوه بها {خير لكم إن كنتم ~~تعلمون} ما في ذلك من الخير الجزيل والذكر الجميل. # روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أنظر ~~معسرا ، أو وضع عنه ، أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله " وقال - ~~عليه الصلاة والسلام - : " من أحب أن تستجاب دعوته ، وتكشف كربته ، فلييسر ~~على المعسر " وقال صلى الله عليه وسلم : " من أنظر معسرا كان له بكل يوم ~~صدقة بمثل ما أنظره به " وقد ورد في فضل الدين قوله - عليه الصلاة والسلام ~~: " إن الله مع المدين حتى ms0261 يقضي دينه ، ما لم يكن فيما يكره الله " فكان ~~عبد الله يقول : " إني أكره أن أبيت ليلة إلا والله تعالى معي ، فيأمر ~~غلامه أن يأخذ بدين ". # وقد ورد الترغيب أيضا في الإسراع بقضاء الدين دون مطل ، قال صلى الله ~~عليه وسلم : " من مشى إلى غريمه بحقه ، صلت دواب الأرض ونون الماء ، وكتبت ~~له بكل خطوة شجرة في الجنة ، وذنب يغفر له فإن لم يفعل ومطل فهو معتد " ~~وقال أيضا : " طل الغني ظلم ، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع ". ثم قال ~~تعالى : {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} ، وهو يوم القيامة ، فتأهبوا ~~للمصير إله بالصدقة وسائر الأعمال الصالحة ، {ثم توفى كل نفس} جزاء ما ~~أسلفت ، {وهم لا يظلمون} بنقص ثواب أو تضعيف عقاب. قال ابن عباس : (هذه آخر ~~آية نزل بها جبريل ، فقال : ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة ، ~~وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وعشرين يوما). وقيل : أحدا ~~وثمانين ، وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 277 PageV01P363 ~~الإشارة : وإن كان ذو عسرة من نور اليقين والمعرفة ، فلينظر إلى أهل الغنى ~~بالله ، وليصحبهم ويتعلق بهم ، وهم العارفون ، فإنهم يغنونه بالنظر. وفي ~~بعض الأخبار : إن لله رجالا ؛ من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. ~~ه. ولله رجال إذا نظروا أغنوا ، وفي هذا المعنى يقول صاحب العينية : # فشمر ، ولذ بالأولياء فإنهم # لهم من كتاب الله تلك الوقائع # هم الذخر للملهوف ، والكنز للرجا # ومنهم ينال الصب ما هو طامع # وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه : والله ما بيني وبين الرجل إلا أن ~~أنظر إليه وقد أغنيته. وقال فيه شيخه : نعم الرجل أبو العباس ، يأتيه ~~البدوي يبول على ساقه ، فلا يمسي إلا وقد أوصله إلى ربه. وقال شيخ شيوخنان ~~سيدي العربي بن عبد الله : لو أتاني يهودي أو نصراني ، لم يمس إلا وقد ~~أوصلته إلى الله. ه. وفي كل زمان رجال يغنون بالنظر ، وقد أدركتهم ، ~~وصحبتهم والحمد لله ، والإشارة بقوله : {وأن تصدقوا خير لكم} إلى ms0262 أهل الغنى ~~بالله ، يتصدقون على الفقراء بالنظرة والهمة ، حتى يحصل لهم الغنى بالله. ~~والله تعالى أعلم. # 278 # جزء : 1 رقم الصفحة : 277 PageV01P364 ~~{ياأيها الذين آمنواا إذا تداينتم بدين إلىا أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرىا...} # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} أي : داين ~~بعضكم بعضا في بيع أو سف ، {إلى أجل مسمى} أي : معلوم بالأيام أو الأشهر ، ~~لا بالحصاد أو قدوم الحاج ، ألا في السلم ، {فاكتبوه} ؛ لأنه أوثق وأدفع ~~للنزاع. والجمهور : أن الأمر للاستحباب ، {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} لا ~~يزيد ولا ينقص ، ولا بد أن يكون عدلا حتى يجيء مكتوبه موثوقا به ، {ولا يأب ~~كاتب أن يكتب} أي : ولا يمتنع كاتب من الكتابة {كما علمه الله فليكتب} أي : ~~فليكتب كما علمه الله من كتابه الوثائق ، أو : لا يأب أن ينفع الناس ~~بكتابته كما نفعه الله بتعليمها. {وليملل الذي عليه الحق} أي : وليكن ~~المملي من عليه الحق ؛ لأنه المقر للشهود ، يقال : أملل وأملي ، إذا ذكر ما ~~عنده أو ما عليه ، {وليتق الله ربه} أي : المملي أو الكاتب ، {ولا يبخس منه ~~شيئا} أي : ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئا في الإملاء أو في الكتابة # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 279 PageV01P365 ~~فإن كان الذي عليه الحق سفيها} : ناقص العقل مبذرا ، {أو ضعيفا} شيخا مخبلا ~~، أو صبيا صغيرا ، {أو لا يستطيع أن يمل هو} ، لخرس أو جهل باللغة ، ~~{فليملل} عنه {وليه بالعدل} ، من وصي أو وكيل ، {واستشهدوا} على معاملتكم ~~{شهيدين من رجالكم} المسلمين ، {فإن لم يكونا رجلين} ، بأن تعذر إحضارهما ، ~~{فرجل وأمراتان} فأكثر ، تقوم مقام رجلين {ممن ترضون من الشهداء} لعلمكم ms0263 ~~بعادالتهم ، وإنما شرط تعدد النساء لأجل {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى} أي : إن ضلت إحداهما الشهادة ، ونسيتها ، ذكرتها الأخرى ؛ لأنها ~~ناقصة عقل ودين. # ثم حذر الشهود من الامتناع عن تحمل الشهادة أو أدائها ، فقال : {... ولا ~~يأب الشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأمواا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلىا أجله ~~ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنىا ألا ترتابواا إلا أن تكون تجارة ~~حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدواا إذا # 279 # تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ~~ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} PageV01P366 ~~قلت : السأم هو : الملل ، و{لا يضار} يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل ، وأصله : ~~يضارر بالكسر ، أو للمفعول ، فيكون الأصح بالفتح. يقول الحق جل جلاله : ولا ~~يمتنع {الشهداء} من تحمل الشهادة إذا دعوا إليها ، حيث تعينت عليهم ، وسموا ~~شهداء باعتبار المآل ، وإنما تتعين إذا لم يوجد غيرهم. أو : من أدائها حيث ~~لا ضرر ، {ولا تسأموا أن تكتبوه} أي : ولا تملوا من كتابة الحق إذا تكرر ~~{صغيرا} كان {أو كبيرا} ، فقيدوا ذلك {إلى أجله} ، {ذلكم أقسط عند الله} أي ~~: ذلك الكتاب والتقييد للحقوق ، أكثر قسطا عند الله ؛ لأنه أدفع للنزاع ~~وأحفظ للحقوق ، {وأقوم للشهادة} أي : أثبت لها وأعون على أدائها ، {وأدنى ~~ألا ترتابوا} أي : وأقرب لعدم الريب والشك في جنس الدين وقدره وأجله ، لأنه ~~إذا كتب جنسه وقدره وأجله لم يبق لأحد شك في ذلك ، {إلا أن تكون تجارة ~~حاضرة} لا أجل فيها ، {تديرونها بينكم} أي : تتعاملون فيها نقدا ، {فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها} ؛ لقلة النزاع فيها ، {وأشهدوا إذا تبايعتم} مطلقا ~~بدين أو نقد ؛ لأنه أحوط ، خوفا من الإنكار ، والأوامر في هذه الآية ~~للاستحباب عند الأكثر. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 279 # ولا يضار كاتب ولا شهيد} بالتحريف والتغيير في الكتابة والشهادة ، على ~~البناء للفاعل ، أو : ولا يضارا بأن يعجلا عن مهم ، أو يكلفا الأداء من شقة ~~بعيدة ، أو يمنع من أجرته ، {وإن تفعلوا} ذلك الضرار وما نهيتهم عنه {فإنه ~~فسوق ms0264 بكم} أي : خروج بكم عن حد الاستقامة ، {واتقوا الله} في مخالفة أمره ~~ونهيه ، {ويعلمكم الله} العلوم اللدنية {والله بكل شيء عليم} ؛ فلا يخفى ~~عليه من اتقى الله ممن عصاه. وكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث ، ~~لاستقلالها ، فإن الأولى حث على التقوى والثانية وعد بتعليم العلم ، ~~والثالثة تعظيم لشأنه ، ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية. قاله البيضاوي. PageV01P367 # وأدخل الواو في جوابه الأمر ليقتضي أن تعليمه سبحانه لأهل التقوى ليس هو ~~مسببا عن التقوى ، بل هو بمحض الفضل والكرم ، والتقوى إنما هي طريق موصل ~~لذلك الكرم ، لا سبب فيه " جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 279 # 280 # قلت : {فرهان} : خبر ، أو مبتدأ ، أي : فالمستوثق به رهان ، أو فعليه رهان. # يقول الحق جل جلاله : {وإن كنتم على} جناح {سفر} أي : مسافرين ، {ولم ~~تجدوا كاتبا} يكتب شهادة البيع أو الدين ، فالمستوثق به عروضا من الإشهاد : ~~{رهان مقبوضة}. وليس السفر شرطا في سحة الارتهان ، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام : " رهن درعه عند يهودي بالمدينة في شعير " لكن لما كان السفر مظنة ~~إعواز الكتاب ، ذكره الحق تعالى حكما للغالب. والجمهور على اعتبار القبض ~~فيه ، فإن لم يقبض حتى حصل المانع ، فلا يختص به في دينه ، {فإن أمن بعضكم ~~بعضا} واستغنى بأمانته عن الارتهان ، لوثوقه بأمانته فداينه بلا رهن ، ~~{فليؤد الذي أؤتمن أمانته} أي : دينه ، وسماه أمانة ؛ لائتمانه عليه بلا ~~ارتهان ولا إشهاد ، {وليتق الله ربه} في أداء دينه وعدم إنكاره. PageV01P368 # {ولا تكتموا الشهادة} أيها الشهود ، أو أهل الدين ، أي : شهادتهم على ~~أنفسهم ، {ومن يكتمها} منكم بأن يمتنع من أداء ما تحمل من الشهادة ، أو من ~~أداء ما عليه من الدين ، {فإنه آثم قلبه} حيث كتم ما علمه به ، لأن الكتمان ~~من عمل القلوب فتعلق الإثم به ، ونظيره : " العين زانية وزناها النظر " ، ~~أو أسنده إلى القلب ، مبالغة ؛ لأنه رئيس الأعضاء ، فإذا أثم قلبه فقد أثم ~~كله ، وكأنه قد تمكن الإثم منه فأخذ أشرف أجزائه ، وفاق سائر ذنوبه ، ثم ~~هدد الكاتمين ms0265 فقال : {والله بما تعملون عليم} ؛ لا يخفى عليه ما تبدون وما ~~تكتمون ، روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من كتم شهادة إذا دعي - ~~كان كمن شهد بالزور ". الإشارة : كما أمر الله تعالى بتقييد الديون ~~الدنيوية ، والاعتناء بشأنها ، أمر بتقييد العلوم اللدنية والوردات القدسية ~~والاغتباط بأمرها ، بل هي أولى ؛ لدوام ثمراتها وخلود نتائجها ، فإن الحكمة ~~ترد على القلب من عالم القدس عظيمة كالجبل ، فإن أهملتها ولم تبادر إلى ~~تقييدها ، رجعت كالجمل ، فإن أخرتها رجعت كالطير ، ثم كالبيضة ، ثم تمتحي ~~من القلب ، وفي هذا المعنى قيل : # جزء : 1 رقم الصفحة : 280 # العلم صيد والكتابة قيده # قيد صيودك بالحبال الموثقه # ومن الجهالة أن تصيد حمامة # وتتركها بين الأوانس مطلقه # فإن لم يسحن الكتابة ، فليملله على من يحسنها ، ولا يبخس منه شيئا ، بل ~~يمليه على ما ورد في قلبه ، فإن كان ضعيف العبارة ، فليملل عنه من يحسنها ~~بالعدل ، من غير زيادة ولا نقصان في المعنى ، وليشهد عليها رجال أهل الفن ~~وهم العارفون ، فإن لم يكونوا ، فمن حضر من الفقراء المتمكنين ؛ لئلا يكون ~~في تلك الحكمة شيء من الخلل ؛ لنقصان صاحبها ، أو : وليشهد على ذلك الوارد ~~عدلين ، وهما الكتاب والسنة ، فإن كان موافقا لهما ، قبل ، وإلا رد. # 281 PageV01P369 ~~قال الجنيد رضي الله عنه : إن النكتة لتقع في قلبي فلا أقبلها إلا بشهادة ~~عدلين : الكتاب والسنة. ه. وإن كنتم مستعجلين ، ولم تجدوا كاتبا ، ~~فارتهنوها في قلوب بعضكم بعضا ، حتى تقيد. ومن كتم الواردات عن شيخه أو ~~إخوانه ، فقد أثم قلبه ؛ لأنه نوع من الخيانة في طريق التربية. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 280 # قلت : من قرأ {فيغفر} ؛ بالجزم ، فعلى العطف على الجواب ، ومن قرأ بالرفع ~~فعلى الاستئناف ، أي : فهو يغفر. # يقول الحق جل جلاله : {لله ما في السماوات وما في الأرض} خلقا وملكا ~~وعبيدا ، يتصرف فيهم كيف شاء ؛ يرحم من يشاء بفضله ، ويعذب من يشاء بعدله ، ~~{وإن تبدوا} أي : تظهروا {ما في أنفسكم} من السوء والعزم عليه ، {أو تخفوه} ~~في قلوبكم ، {يحاسبكم ms0266 به الله} يوم القيامة ؛ {فيغفر لمن يشاء} مغفرته ، ~~{ويعذب من يشاء} تعذيبه ، {والله على كل شيء قدير} لا يعجزه عذاب أحد ولا ~~مغفرته. وعبرالحق تعالى بالمحاسبة دون المؤاخذة ، فلم يقل : يؤاخذكم به ~~الله ؛ لأن المحاسبة أعم ، فتصدق بتقرير الذنوب دون المؤاخذة بها ، لقوله - ~~عليه الصلاة والسلام : " يدنو المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عيه ، فيقرره ~~بذنوبه ، فيقول : هل تعرف كذا ؟ فيقول : يا رب ، أعرف ، فيوقفه على ذنبه ~~ذنبا ، ذنبا فيقول الله تعالى : أنا الذي سترتها عليك في الدنيا ، وأنا ~~أغفرها لك اليوم " فلله الفضل والمنة ، وله الحمد والشكر. PageV01P370 # الإشارة : {وإن تبدوا ما في أنفسكم} من الخواطر الردية والطوارق الشيطانية ~~، أو تخفوه في قلوبكم ، حتى يحول بينكم وبين شهود محبوبكم ، {يحاسبكم به ~~الله فيغفر لمن يشاء} فيمحو ظلمته من قلبه ؛ بإلهام التوبة والمبادرة إلى ~~اليقظة ، {ويعذب من يشاء} بتركه مع ظلمة تلك الأغيار ، وخوضه في بحار تلك ~~الأكدار ، فما منع القلوب من مشاهدة الأنوار إلا اشتغالها بظلمة الأغيار ، ~~فرغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار ، فإن أردت أن تكون عين العين ~~، فامح من قلبك نقطة الغين ، وهي نقطة السوى ، ولله در القائل : # إن تلاشى الكون عن عين كشفي # شاهد السر غيبه في بياني # فاطرح الكون عن عيانك وامح # نقطة الغين إن أردت تراني # 282 # واعلم أن الخواطر أربعة : ملكي ورباني ونفساني وشيطاني ، فالملكي ~~والرباني لا يأمران إلا بالخير ، والنفساني والشيطاني لا يأمران إلا بالشر ~~، وقد يأمران بالخير إذا كان فيه دسيسة إلى الشر ، والفرق بين النفساني ~~والشيطاني : أن الخاطر النفساني ثابت لا يزول بتعوذ ولا غيره ، إلا بسابق ~~العناية ، بخلاف الشيطاني : فإنه يزول بذكر الله ، ويرجع مع الغفلة عن ~~الله. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 282 PageV01P371 ~~ولما نزل قوله تعالى : {وإن تبدوا ما في أنفسكم...} الآية. شق ذلك على ~~الصحابة - رضي الله عنهم - فجاء الصديق والفاروق وعبد الرحمن ومعاذ ، وناس ~~من الأنصار ، فجثوا على الركب ، وقالوا : يا رسول الله ، ما نزلت علينا آية ~~أشد من هذه الآية وأنا إن ms0267 أخذنا بما نحدث به أنفسنا هلكنا! فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : " هكذا نزلت " فقالوا : كلفنا من العمل ما لا نطيق ، فقال ~~- عليه الصلاة والسلام : " فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل : {سمعنا ~~وعصينا} [البقرة : 93] ، قولوا : {سمعنا وأطعنا} [البقرة : 285] " ، فقالوا ~~: {سمعنا وأطعنا} ، وذلت بها ألسنتهم ، فأنزل الله التخفيف ، وحكى ما وقع ~~لهم من الإيمان والإذعان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 282 # قلت : من قرأ : {لا نفرق} بالنون ، فعلى حذف القول ، أي : قالوا : لا ~~نفرق ، ومن قرأ بالياء فيرجع إلى الكل ، أي : لا يفرق كل واحد منهم بين أحد ~~من رسله ، و{بين} : من الظروف النسبية ، لا تقع إلا بين شيئين أو أشياء ، ~~تقول : جلست بين زيد وعمرو ، وبين رجلين ، أو رجال ، ولا تقول بين زيد فقط ~~، وإنما أضيف هنا إلى أحد لأنه في معنى الجماعة ، أي : لا نفرق بين آحاد ~~منهم كقوله عليه الصلاة والسلام : " ما أحلت الغنائم لأحد ، سود الرؤوس ، ~~غيركم " و{غفرانك} : مفعول مطلق ، أي : اغفر لنا غفرانك. أو : نطلب غفرانك ~~، فيكون مفعولا به. PageV01P372 # يقول الحق جل جلاله : {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} إيمان تحقيق وشهود ~~{والمؤمنون} كل على قدر إيقان ، {كل} واحد منهم {آمن بالله} على ما يليبق ~~به من شهود وعيان ، أو دليل وبرهان ، وآمن بملائكته وأنهم عباد مكرمون {لا ~~يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم : 6] ، {وكتبه} وأنها ~~كلام الله ، مشتملة على أمر وني ووعد ووعيد وقصص وأخبار ، وما عرف منها ؛ ~~كالتوراة والإنجيل والزبور # 283 # والفرقان ، وجب الإيمان به بعينه ، وما لم يعرف وجب الإيمان به في الجملة ~~، {ورسله} وأنهم بشر متصفون بالكمالات ، منزهون عن النقائص ، كما يليق ~~بحالهم ، حال كون الرسول والمؤمنون قائلين {لا نفرق بين أحد من رسله} أو : ~~{لا يفرق} كل منهم بين أحد من رسله ؛ بأن يصدقوا بالبعض ، دون البعض كما ~~فرقت اليهود والنصارى ، {وقالوا} أي المؤمنين {سمعنا وأطعنا} أي : سمعنا ~~قولك وأطعنا أمرك ، نطلب {غفرانك} يا ربنا {وإليك المصير} بالبعث والنشور ، ~~وهذا إقرار منهم بالبعث الذي هو من تمام أركان الإيمان. ms0268 # جزء : 1 رقم الصفحة : 283 # فلما تحقق إيمانهم ، وتيقن إذعانهم ، خفف الله عنهم بقوله : {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} أي : إلا ما في طاقتها وتسعه قدرتها. وهذا يدل على ~~عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه. أما المحال العادي فجائز ~~التكليف به ، وأما المحال العقلي فيمتنع. إذ لا يتصور وقوعه ، وإذا كلف ~~الله عباده بما يطيقونه ، فكل نفس {لها ما كسبت} من الخير فتوفى أجره على ~~التمام ، {وعليها ما اكتسبت} من الشر ، فترى جزاءه ، إلا أن يعفو ذو الجلال ~~والإكرام. # وعبر في جانب الخير بالكسب ، وفي جانب الشر بالاكتساب ، تعليما للأدب في ~~نسبة الخير إلى الله ، والشر إلى العبد ، فتأمله. PageV01P373 # ثم قالوا في تمام دعائهم : {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ، أي : لا ~~تؤاخذنا بما أدى إلى نسيان أو خطأ من تفريط أو قلة مبالاة ، وفي الحديث : " ~~إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به نفسها " ويجوز أن يراد نفس ~~الخطأ والنسيان ؛ إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلا ، فإن الذنوب كالسموم ، ~~فكما أن تناول السم ويؤدي إلى الهلاك ، وإن كان خطأ - فتعاطي الذنوب لا ~~يبعد أن يفضي إلى العقاب ، وإن لم يكن عزيمة ، لكنه تعالى وعد التجاوز عنه ~~رحمة وفضلا. ويجوز أن يدعو به الإنسان ، استدامة واعتدادا بالنعمة فيه. ~~ويؤيد ذلك مفهوم قوله - عليه الصلاة والسلام - : " رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان " أي : فإن غير هذه الأمة كانوا يؤاخذون به ، فدل على عدم ~~امتناعه. قاله البيضاوي. # ثم قالوا : {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} أي : عهدا ثقيلا يأصر ظهورنا ، أي ~~: يثقله ، فتعذبنا بتركه وعدم حمله ، {كما حملته على الذين من قبلنا} مثل ~~اليهود في تكليفهم بقتل الأنفس في التوبة ، وقطع موضع النجاسة ، وغير ذلك ~~من التكاليف الشاقة ، {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} من التكاليف ~~التي لا تسعها طاقتنا ، وهذا يدل على جواز التكليف بما لا يطاق عادة ، وإلا ~~لما سئل التخلص منه ، {واعف عنا} أي : امح ذنوبنا ، {واغفر لنا} أي : استر ~~عيوبنا ، {وارحمنا} أي ms0269 : تعطف علينا. {اعف عنا} # 284 # الصغائر ، {واغفر لنا} الكبائر ، {وارحمنا} عند الشدائد والحسرات ، {أنت ~~مولانا} أي : سيدنا وناصرنا ، {فانصرنا على القوم الكافرين} ؛ فإن من شأن ~~المولى أن ينصر مواليه على الأعداء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 283 PageV01P374 ~~قال البيضاوي : (روي أنه عليه الصلاة والسلام - لما دعا بهذه الدعوات قيل ~~له : فعلت) : وعنه عليه الصلاة والسلام : " أنزل آيتان من كنوز الجنة ، ~~كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة ، من قرأهما بعد العشاء ~~الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل " وعنه عليه الصلاة والسلام : " من قرأ ~~الأيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وهو يرد قول من استكره أن يقال ~~سورة البقرة ، وقال : ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة ، كما ~~قال - عليه الصلاة والسلام - : " السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط ~~القرآن فتعلموها ؛ فإن تعلمها بركة ، وتركها حسرة ، ولن يستطيعها البطلة. ~~قيل : وما البطلة ؟ قال : السحرة ". الإشارة : يفهم من سر الآية أن من شق ~~عليه أمر من الأمور ، أو عسرت عليه حاجة ، أو نزلت به شدة أبو بلية ، ~~فليرجع إلى الله ، ولينطرح بين يدي مولاه ، وليعتقد أن الأمور كلها بيده ؛ ~~فإن الله تعالى لا يخليه من معونته ورفده ، فيخفف عنه ما نزل به ، أو يقويه ~~على حمله ، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - لما شق عليهم المحاسبة على ~~الخواطر سلموا وأذعنوا لأمر مولاهم ، فأنزل عليهم التخفيف ، وأسقط عنهم في ~~ذلك التكليف ، وكل من رجع في أموره كلها إلى الله قضيت حوائجه كلها بالله. ~~" من علامات النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات ". وقوله تعالى ~~: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ، قيل : هو الحب لله ، فلا يسأل ~~العبد من مولاه من حبه إلا ما يطيقه ، وتأمل قضية الرجل الذي سأل سيدنا ~~موسى عليه السلام أن يرزقه الله حبه ، فلما سأل ربه موسى عليه السلام هام ~~ذلك الرجل ، وشق ثيابه ، وتمزقت أوصاله حتى مات. فناجى موسى رضي الله عنه ~~ربه في شأنه ، فقال : يا موسى ، ألف رجل كلهم سألوني ما سأل ms0270 ذلك الرجل ، ~~فقسمت جزءا من محبتي بينهم ، فنابه ذلك. الجزء. أو كما قال سبحانه. PageV01P375 # وقال بعض الصالحين : حضرت مجلس ذي النون ، في فسطاط مصر ، فحزرت في مجلسه ~~سبعين ألفا ، فتكلم ذلك اليوم في محبته تعالى فمات أحد عشر رجلا في المجلس ~~، فصاح رجل من المريدين فقال : يا أبا الفيض ، ذكرت محبة الله تعالى فاذكر ~~محبة المخلوقين ، فتأوه ذو النون تأوها شديدا ، ومد يده إلى قميصه ، وشقه ~~اثنتين ، وقال : آه! غلقت رهونهم ، واستعبرت عيونهم ، وحالفوا السهاد ، ~~وفارقوا الرقاد ، فليلهم # 285 # طويل ، ونومهم قليل ، أحزانهم لا تنفذ. وهموهم لا تفقد ، أمورهم عسيرة ، ~~ودموعهم غزيرة ، باكية عيونهم ، قريحة جفونهم ، عاداهم الزمان والأهل ~~والجيران. # جزء : 1 رقم الصفحة : 283 # قلت : هذه حالة العباد والزهاد ، أولي الجد والاجتهاد ، غلب عليهم الخوف ~~المزعج ، أو الشوق المقلق ، وأما العارفون الواصلون ؛ فقد زال عنهم هذا ~~التعب ، وأفضوا إلى الراحة بعد النصب ، قد وصلوا إلى مشاهدة الحبيب ، ~~ومناجاة القريب ، فعبادتهم قلبية ، وأعمالهم باطنية ، بين فكرة ونظرة ، مع ~~العكوف في الحضرة ، قد سكن شوقهم وزال قلقهم ، قد شربوا ورووا ، وسكروا ~~وصحوا ، لا تحركهم الأحوال ، ولا تهيجهم الأقوال ، بل هم كالجبال الرواسي ، ~~نفعنا الله بذكرهم ، وجعلنا من حزرهم. آمين. # قوله تعالى : {واعف عنا} ، قال الورتجبي : أي : {واعف عنا} قلة المعرفة ~~بك ، {واغفر لنا} التقصير في عبادتك ، {وارحمنا} بمواصلتك ومشاهدتك. ه. ~~وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وسلام على المرسلين ، ~~والحمد لله رب العالمين. # 286 # جزء : 1 رقم الصفحة : 283 PageV01P376 ### | AUTO سورة آل عمران # جزء : 1 رقم الصفحة : 286 # {الم الله لآ إله إلا هو الحى القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما ~~بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان...} # قلت : فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب ؛ لفقدان موجبه ومقتضيه ~~، فيوقف عليها بالسكون ، كقولهم : واحد ، اثنان. وإنما فتح الميم هنا في ~~القراءة المشهورة ؛ لإلقاء حركة الهمزة عليها. انظر البيضاوي. قال ابن عباس ~~رضي الله عنه : (الألف آلاؤه ، واللام لطفه ، والميم ملكه). # قلت : ولعل كل حرف يشير ms0271 إلى فرقة ممن توجه العتاب إليهم ، فالآلاء لمن ~~أسلم من النصارى ، واللطف لمن أسلم من اليهود ، والملك لمن أسلم من الصحابة ~~- رضوان الله عليهم - ، فقد ملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها. والله تعالى أعلم. # يقول الحق جل جلاله : أيها الملك المعظم ، والرسول المفخم ، بلغ قومك أن ~~الله واحد في ملكه ، ليس معه إله ، ولا يحب أن يعبد معه سواه ؛ إذ لا يستحق ~~أن يعبد إلا الحي القيوم ، الذي تعجز عن إدراكه العقول ومدارك الفهوم ، ~~فائم بأمر عباده ، متصرف فيهم ، على وفق مراده ، فأعذر إليهم على ألسنة ~~المرسلين ، وأنزل عليهم الكتب بيانا # 287 # للمسترشدين ، فنزل {عليك الكتاب} منجما في عشرين سنة ، متلبسا {بالحق} ، ~~حتى {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} ، أو متلبسا بالحجج التي ~~تدفع كل باطل ، أو بالعدل حتى ينتفي به جور كل مائل ، {مصدقا} لما تقدم ~~قبله من الكتب الإلهية ؛ إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار ، فكان ~~شاهدا عليها بالصحة والإبرار. PageV01P377 # {وأنزل التوراة والإنجيل} من قبله هاديا لمن كلف باتباعهما من الأنام ، أو ~~للجميع ، إذا كان شرع من قبلنا شرعا لنا - معشر أهل الإسلام - ، ثم ختم ~~الوحي بإنزال {الفرقان} ، وكلف بالإيمان به الإنس والجان ، فرق به بين الحق ~~والباطل ، واندفع به ظلمة كل كافر وجاهل ؛ وقدم ذكره على الكتب ؛ لعظم شرفه ~~، وختم به آخرا لتأخر نزوله. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 287 # الإشارة : لما أراد الحق جل جلاله أن يشير إلى وحدة الذات وظهور أنوار ~~الصفات ، قدم قبل ذلك رموزا وإشارات ، لا يفهمها إلا من غاص في قاموس بحر ~~الذات ، وغرق في تيار الصفات ، فيستخرج بفكرته من يواقيت العلوم وغوامض ~~الفهوم ، ما تحار فيه الأذهان ، وتكل عنه عبارة اللسان ، فحينئذ يفقهم ~~دقائق الرموز وأسرار الإشارات ، ويطلع على أسرار الذات وأنوار الصفات ، ~~ويفهم أسرار الكتب السماوية ، وما احتوت عليه من العلوم اللدنية ، والمواهب ~~الربانية ، ويشرق في قلبه أنوار الفرقان ، حتى يرتقي إلى تحقيق أهل الشهود ~~والعيان. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. # ثم هدد من ms0272 كفر بالفرقان ، بعد وضوح سواطع البرهان ، فقال : # {... إن الذين كفروا بئايات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام} # قلت : الانتقام والنقمة : عقوبة المجرم. وفعله : نقم ؛ القاف وفتحها. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كفروا بآيات الله} المنزلة على نبيه أو ~~على سائر أنبيائه ، أو الآيات الدالة على وحدانيته ، {لهم عذاب شديد} يوم ~~يظهر نفوذ الوعد والوعيد ، فينتقم الله فيه من المجرمين ، ويتعطف على عباده ~~المؤمنين ، فإن {الله عزيز} لا يغلبه غالب ، ولا يفوته هارب ، {ذو انتقام} ~~كبير ولطف كثير. لطف الله بنا وبجميع المسلمين. آمين. PageV01P378 # الإشارة : ظهور أولياء الله لطف من آيات الله ، فمن كفر بهم حرم بركتهم ، ~~وبقي في عذاب الحجاب وسوء الحساب ، تظهر عليه النقمة والمحنة ، حين يرفع ~~الله المقربين في أعلى عليين ، ويكون الغافلون مع عوام المسلمين ، (ذلك يوم ~~التغابن). والله تعالى أعلم. # 288 # جزء : 1 رقم الصفحة : 287 # يقول الحق جل جلاله : {إن الله لا يخفى عليه شيء} من أمر خلقه ، إيمانا ~~أو كفرانا ، طاعة أو عصيانا ، أحاط علمه بما في السماوات العلي وما في ~~الأرضين السفلى ، كليا كان أو جزئيا ، حسيا أو معنويا ، يعلم عدد الحصى ~~والرمال ، ومكاييل المياه ومثاقيل الجبال ، ويعلم حوادث الضمائر ، وهواجس ~~الخواطر ، بعلم قديم أزلي ، وله قدرة نافذة وحكمة بالغة ، فبقدرة صور النطف ~~في الأرحام كيف شاء سبحانه من نقص أو تمام ، وأتقنها بحكمته ، وأبرزها إلى ~~ما يسر لها من رزقه ، سبحانه من مدبر عليم ، عزيز حكيم ، لا يعجزه شيء ، ~~ولا يخرج عن دائرة علمه شيء ، لا موجود سواه ، ولا نعبد إلا إياه ، وبالله ~~التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # الإشارة : من تحقق أن الله واحد في ملكه ، لا شريك له في ذاته ولا في ~~صفاته ولا في أفعاله ، وأنه أحاط به علما وسمعا وبصرا ، وأن أمره بين الكاف ~~والنون ، {إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس : 82] - كيف يشكو ما نزل ~~به منه إلى أحد سواه ؟ أم كيف يرفع حوائجه إلى غير مولاه ؟ أم كيف يعول هما ~~، وسيده ms0273 من خيره لا ينساه ؟ من دبرك في ظلمة الأحشاء ، وصورك في الأرحام ~~كيف يشاء ، وآتاك كل ما تسأل وتشاء ، كيف ينساك من بره وإحسانه ؟ أم كيف ~~يخرجك عن دائرة لطفه وامتنانه ؟ وفي ذلك يقول لسان الحقيقة : # تذكر جميلي فيك إذ كنت نطفة # ولا تنس تصويري لشخصك في الحشا # وكن واثقا بي في أمورك كلها # سأكفيك منها ما يخاف ويختشى PageV01P379 ~~وسلم لي الأمر واعلم بأنني # أصرف أحكامي وأفعل ما أشا # جزء : 1 رقم الصفحة : 288 # 289 # قلت : {منه} : خبر مقدم ، و{آيات} : مبتدأ ، فيوقف على {الكتاب} ، وقيل : ~~{منه} : نعت لكتاب ، وهو بعيد. # قال البن السبكي : المحكم : المتضح المعنى ، والمتشابه : ما استأثر الله ~~بعلمه ، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه. و{هن أم الكتاب} : جملة ، وحق الخبر ~~المطابقة فيقول : أمهات ، وإنما أفرده على تأويل كل واحد ، أو على أن الكل ~~بمنزلة آية واحدة. والزيغ : الميل عن الحق. و{الراسخون في العلم} : معطوف ~~على {الله} ، أو مبتدأ ؛ إن فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه ، كمدة ~~بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة ، أو بما دل القاطع على أن ظاهره غير مراد. ~~قاله البيضاوي. و{إذ هديتنا} : ظرف مجرور بالإضافة مسبوك بالمصدر ، أي : ~~بعد هدايتك إيانا. # يقول الحق جل جلاله : إن الذي انفرد بالوحدانية والقيومية ، ولا يخفى ~~عليه شيء في العالم العلوي والسفلي {هو الذي أنزل عليك الكتاب} المبين ، ~~فمنه ما هو {آيات محكمات} واضحات المعنى ، لا اشتباه فيها ولا إجمال ، {هن ~~أم الكتاب} أي : أصله ، يرد إليها غيرها ، {و} منه آيات {أخر متشابهات} أي ~~: محتملات ، لا يتضح مقصودها ؛ لإجماله أو مخالفة ظاهر ؛ إلا بالفحص وجودة ~~الفكر ، ليظهر فضل العلماء النقاد ، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبرها ~~وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها ، فينال بها ، وبإتعاب ~~القرائح في استخراج معانيها ، والتوفيق بينها وبين المحكمات ، أعلى الدرجات ~~وأرفع المقامات. PageV01P380 # قال في نوادر الأصول : لما تكلم على المتشابه قسمه على قسمين ؛ منه ما طوى ~~علمه إلا على الخواص ؛ كعلم فواتح السور ، ومنه ما لم يصل إليه أحد من ~~الرسل فمن دونهم ، وهو ms0274 سر القدر ؛ لا يستقيم لهم مع العبودية ، ولو كشف ~~لفسدت العبودية ، فطواه عن الرسل والملائكة ؛ لأنهم في العبودية ، فإذا ~~زالت العبودية احتمولها ؛ أي : أسرار القدر. ه. ولمثل هذا يشير قول سهل : ~~للألوهية سر - لو انكشف لبطلت النبوة ، وللنبوة سر - لو انكشف لبطل العلم ، ~~وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 289 # قلت : فتحصل أن الكتاب العزيز مشتمل على المحكم والمتشابه. وأما قوله ~~تعالى : {كتاب أحكمت ءاياته} [هود : 1] فمعناه : أنها حفظت من فساد المعنى ~~وركاكة اللفظ ، وقوله تعالى : {كتابا متشابها} [الزمر : 23] معناه : أنه ~~يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة اللفظ. # ثم إن الناس في شأن المتشابه على قسمين : {فأما الذين في قلوبهم زيغ} : ~~أي : شك ، أو ميل عن الحق ، كالمبتدعة وأشباههم ، {فيتبعون ما تشابه منه} ، ~~فيتعلقون بظاهره ، أو بتأويل باطل ، {ابتغاء الفتنة} أي : طلبا لفتنة الناس ~~عن دينهم : بالتشكيك والتلبيس ، ومناقضة المحكم بالمتشابه ، {وابتغاء ~~تأويله} على ما يشتهون ليوافق بدعتهم. # 290 PageV01P381 ~~روي عن عائشة - رضي الله عنها- : أن النبي صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه ~~الآية فقال : " إذا رأيتم الذين يسألون عن المتشابه منه ، ويجادلون فيه ، ~~فهم الذين عنا الله تعالى ، فاحذروهم ، ولا تجالسوهم ". {وما يعلم تأويله} ~~على الحقيقة {إلا الله} تعالى ، وقد يطلع عليه بعض خواص أوليائه ، وهم ~~{الراسخون} أي : الثابتون في العلم ، وهم العارفون بالله أهل الفناء ~~والبقاء ، وهم أهل التوحيد الخاص... فقد أطلعهم تعالى على أسرار غيبه ، فلم ~~يبق عندهم متشابه في الكتاب ولا في السنة ، حال كونهم {يقولون آمنا به} ، ~~وصدقنا أنه من كلامه ، {كل من عند ربنا} ؛ المحكم والمتشابه ، وقد فهمنا ~~مراده في القسمين ، وهم أولو الألباب ، ولذلك مدحهم فقال : {وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب} أي : القلوب الصافية من ظلمة الهوى وغبش الحس. # سئل عليه الصلاة والسلام : من الراسخون في العلم ؟ فقال : " من بر يمينه ~~، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، وعف بطنه وفرجه ، فذلك الراسخ في العلم " ~~وقال نافع بن يزيد : الراسخون في العلم : المتواضعون لله ، المتذللون في ~~طلب مرضات الله ، لا يتعظمون ms0275 على من فوقهم ، ولا يحقرون من دونهم. ه. وقيل ~~: الراسخ في العلم : من وجد فيه أربعة أشياء : التقوى بينه وبين الله ، ~~والتواضع بينه وبين الخلق ، والزهد بينه وبين الدنيا ، والمجاهدة بينه وبين ~~نفسه. ه. قلت : ويجمع هذ الأوصاف العارف بالله ، فهو الراسخ في العلم كما تقدم. PageV01P382 # ويقولون أيضا في تضرعهم إلى الله : {ربنا لا تزغ قلوبنا} عن نهج الحق ~~بالميل إلى اتباع الهوى ، {بعد إذ هديتنا} إلى طريق الوصول إلى حضرتك ، ~~{وهب لنا من لدنك رحمة} تجمع قلوبنا بك ، وتضم أرواحنا إلى مشاهدة وحدانيتك ~~، {إنك أنت الوهاب} ؛ تهب للمؤمل فوق ما يؤمل. {ربنا إنك جامع الناس ليوم} ~~الجزاء الذي {لا ريب فيه} ، فاجمعنا مع المقربين ؛ إنك {لا تخلف المعياد} ~~فأنجز لنا ما وعدتنا في ذلك اليوم. وخلف الوعد في حقه تعالى محال. أما ~~الوعد بالخير فلا إشكال ، وأما الوعيد بالشر ، فإن كان في معين فلا يخلفه ، ~~وإن كان في الجملة فيخلفه بالعفو. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 289 # وقال في النوادر أيضا : لما رد الراسخون في العلم علم المتشابه إلى عالمه ~~، حيث قالوا : {آمنا به كل من عند ربنا} ، خافوا شره النفوس لطلبها ؛ فإن ~~العلم لذيذ ، وفتنة تلك اللذة لها عتاب ، ففزعوا إلى ربهم فقالوا : {ربنا ~~لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة} ، علموا أن الرحمة تطفئ ~~تلك الفتنة. ولما كان يوم القيامة ينكشف فيه سر القدر حنوا إليه فقالوا : ~~{ربنا إنك جامع الناس...} الآية. سكنوا نفوسهم لمجيء ذلك اليوم الذي تبطن ~~فيه الحكمة ، وتظهر فيه القدرة. ه. بالمعنى. # 291 PageV01P383 ~~الإشارة : إذ صفت القلوب ، وسكنت في حضرة علام الغيوب ، تنزلت عليها ~~الواردات الإلهية والعلوم اللدنية ، والمواهب القدسية ، فمنها ما تكون ~~محكمات المبنى ، واضحة المعنى ، ومنها ما تكون مجملة في حال ورودها ، وبعد ~~الوعي يكون البيان ، {فإذا قرأناه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بيانه} ~~[القيامة : 18 ، 19]. وقد تكون خارجة عن مدارك العقول. فأما أهل الزيغ ~~والانتقاد فيتعبون المتشابه من تلك الواردات ، ابتغاء فتنة العامة ، وصرفهم ms0276 ~~عن طريق الخاصة ، وابتغاء تأويله ، ليقيم عليه حجة الشريعة ، {وما يعلم ~~تأويله إلا الله} ، أو من تحقق فناؤه في الله ، وهم الراسخون في معرفة الله ~~، يقولون : {آمنا به كل من عند ربنا} ؛ إذ القلوب المطهرة من الهوى لا نطق ~~عن الهوى ، وهم أرباب القلوب يقولون : {ربنا لا تزغ قلوبنا} عن حضرة قدسك ~~{بعد إذ هديتنا} إلى الوصول إليها ، {وهب لنا من لدنك رحمة} تعصمنا من ~~النظر إلى سواك ، {إنك أنت الوهاب}. # ربنا إنك جامع الناس. وهم السائرون إليك ليوم لا ريب في الوصول إليه ، ~~وهو يوم اللقاء ، {إنك لا تخلف الميعاد} فاجمع بيننا وبينك ، وحل بيننا ~~وبين من يقطعنا عنك ؛ {إنك على كل شيء قدير}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 289 # قلت : {الوقود} بالفتح : الحطب ، وبالضم : المصدر ، {كدأب آل فرعون} خير ~~، أي : دأبهم كدأب آل فرعون. والدأب. مصدر دأب ، إذا دام ، ثم نقل إلى ~~الشأن والعادة ، و{كذبوا} : حال بإضمار " قد " ، . أو مستأنف ، تفسير حالهم ~~، أو خبر ؛ إن ابتدأت بالذين من قبلهم. PageV01P384 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كفروا} بما أنزلته ، على نبينا محمد - عليه ~~الصلاة والسلام - ، إذا عاينوا العذاب {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله} ، أي : بدلا من رحمته أو طاعته ، أو بدلا من عذابه ، {شيئا} ~~وأولئك هم حطب جهنم ، فشأنهم كشأن {آل فرعون والذين من قبلهم} ، قد {كذبوا ~~بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم} أي : أهلكهم ، وشدد العقوبة عليهم ، {والله ~~شديد العقاب} لمن أعرض عنه وركن إلى غيره. # الإشارة : كل من جحد أهل الخصوصية ، وفاته حظه من مشاهدة عظمة الربوبية ، ~~حتى حصل له الطرد والبعاد ، وفاته مرافقة أهل المحبة والوداد ، لن تغني عنه ~~- بدلا مما # 292 # فاته - أموال ولا أولاد ، واتصلت به الأحزان والأنكاد ؛ كما قال الشاعر : # من فاته منك وصل حظه الندم # ومن تكن همه تسمو به الهمم # وقال آخر : # من فاته طلب الوصول ونيله # منه ، فقل : ما الذي هو يطلب! # حسب المحب فناؤه عما سوى # محبوبه إن حاضر ومغيب # وقال آخر : # لكل شيء إذا فارقته عوض # وليس لله ms0277 إن فارقت من عوض # وفي الحكم : " ماذا وجد من فقدك ؟ وما الذي فقد من وجدك ؟ لقد خاب من رضي ~~دونك بدلا ، ولقد خسر من بغى عنك متحولا ". فكل من وقف مع شيء من السوى ، ~~وفاته التوجه إلى معرفة المولى ، فهو في نار القطيعة والهوى ، مع النفوس ~~الفرعونية ، وأهل الهمم الدنية. نسأل الله تعالى العافية. # ثم بدأ بعتاب اليهود ، بعد أن قرر شأن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من ~~المحكم والمشابه ، توطئة للكلام معه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 292 PageV01P385 ~~قلت : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر غالبا منصورا ~~بالغنائم والأسارى ، جمع اليهود في سوق بني قينقاع ، وقال لهم : يا معشر ~~اليهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فإنكم تعلمون أني رسول الله حقا ، واحذوا أن ~~ينزل الله بكم من نقمته ما أنزل على قريش يوم بدر ، فقالوا : يا محمد ، لا ~~يغرنك أنك لقيت أغمارا لا علم له علم لهم بالحرب ، لئن قاتلتنا لتعلمن أنا ~~نحن الناس. فأنزل الله فيهم هذه الآية. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد {للذين كفروا} من بني إسرائيل ، أو ~~مطلقا : {ستغلبون} إن قاتلتم المسلمين ، {وتحشرون} بعد الموت والهزيمة {إلى ~~جهنم وبئس المهاد} ما مهدتم لأنفسكم من العذاب ، وقد صدق وعده بقتل قريظة ، ~~وإجلاء بني النضير ، وفتح خيبر ، وضرب الجزية على من عداهم ، فقد غلبوا ~~أينما ثقفوا ، وحشروا إلى جهنم ، إلا من أسلم منهم. # ثم ندبهم للاعتبار بما وقع من النصر للمسلمين يوم بدر فقال لهم : {قد كان ~~لكم} يا معشر اليهود ، {آية} أي : عبرة ظاهرة ، ودلالة على صدق ما أقول لكم : إنكم # 293 # ستغلبون ، {في فئتين} أي : جماعتين {التقتا} يوم بدر ، وهم المسلمون ، ~~وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر ، والمشركون كانوا زهاء ألف ، {فئة تقاتل في ~~سبيل الله} وهم المؤمنون ، {وأخرى كافرة} ، وهم المشركون ، {ترونهم مثليهم} ~~أي : ترون ، يا معشر اليهود ، الكفار مثلي عدد المسلمين رأي تحقيق ، ومع ~~ذلك أيدهم الله بالنصر والمدد حتى نصرهم على عدوهم ، وكذلك يفعل بهم معكم. # والرؤية ، على هذا ، علمية. ومن ms0278 قرأ (بالياء) يكون الضمير راجعا للكفار ، ~~أي : يرى الكفار المسلمين مثليهم ، وذلك بعد أن قللهم الله في أعينهم حتى ~~اجترأوا عليهم ، وتوجهوا إليهم ، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا ، ~~مددا من الله للمؤمنين. PageV01P386 # أو : يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين ، وكانوا ثلاثة أمثالهم ، ~~ليثبتوا لهم ، ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله بقوله : {إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين...} [الأنفال : 65] الآية. {والله يؤيد} أي : يقوي ~~{بنصره من يشاء} نصره ، كما أيد أهل بدر ، {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} ~~المفتوحة. وذلك حين نصر الله قوما لا عدد لهم ولا عدة ، على قوم لهم عدد ~~وعدة ، فلم تغن عنهم من الله شيئا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 293 # الإشارة : إذا توجه القلب إلى مولاه تعرض له جندان ، أحدهما : جند ~~الأنوار ، وهو جند القلب ، والثاني : جند الأغيار ، وهو جند النفس ، فيلتحم ~~بينهما القتال ، فجند الأنوار يريد أن يرتقي بالروح إلى وطنها ؛ وهو حضرة ~~الأسرار ، وجند الأغيار يريد أن يهبط بالنفس إلى أرض الحظوظ والشهوات ، ~~فيحبسها في سجن الأكوان ، فإذا أراد الله تعالى سعادة عبد ، قوي له جند ~~الأنوار ، وضعف عنه جند الأغيار ، فينهزم عنه جند الأغيار ، ويستولي على ~~قلبه جند الأنوار ، فلا تزال انوار تتوارد عليه حتى تشرق عليه أنوار ~~المواجهة ، فيدخل حضرة الأسرار ، وهي حضرة الشهود ، ويتحصن في جوار الملك ~~الودود ، وتناديه ألسنة الهواتف : أيها العارف ، قل للذين كفروا ، وهم جند ~~الأغيار : ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. وإذا أراد الله خذلان ~~عبده ، بعدله ، قطع عنه مدد الأنوار ، وقوي لديه جند الأغيار ، فتستولي ~~ظلمة النفس على نور القلب ، فتحبسه في سجن الأكوان ، وتسجنه في ظلمة هيكل ~~الإنسان ، {والله يؤيد بنصره من يشاء}. ففي التقاء جندي الأنوار والأغيار ~~عبرة لأولي الأبصار. # جزء : 1 رقم الصفحة : 293 # 294 PageV01P387 ~~قلت : {زين} : بحذف الفاعل ، وهو الله ، حقيقة ؛ إذ لا فاعل سواه ، أو ~~الشيطان ، شريعة ؛ إذ هو منديل لمسح أوساخ الأقذار. والقنطار : المال ~~الكثير ، وقيل : مائة ألف دينار ، وقيل : ملء مسك الثور. وروى عنه - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه ms0279 قال : " القنطار : ألف دينار " ، وفي رواية : " ألفا ~~دينار " ، وفي عرفنا اليوم : ألف مثقال. # والمقنطرة : المنضدة بعضها فوق بعض ، وسمي الذهب ذهبا ؛ لذهابه وفنائه ، ~~أو لذهابه بالقلوب عن حضرة الغيوب ، وسميت الفضة فضة ؛ لأنها تنفض أي : ~~تنفرق ، أو تفرق القلوب لمن اشتغل بها. والمسومة : المعلمة أو الراعية أو ~~المطهمة الحسان. # يقول الحق جل جلاله : {زين للناس حب الشهوات} والركون إلى المألوفات ، ~~حتى صرفهم ذلك عن النظر والاعتبار ، أو الشهود والاستبصار ، وذلك لمن وقف ~~مع متعتها ، وغرته شهوة لذتها ، وأما من ذكرته نعيم الجنان ، وأعانته على ~~طاعة الملك الديان ، فلم يقف مع متعتها ، ولا التفت إلى عاجل شهوتها ، بل ~~نزل إليها بالإذن والتمكين ، والرسوخ في اليقين ، فلا يشمله تحذير الآية ؛ ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " حبب إلي من دنياكم ثلاث... " الحديث. # وقال بعض الأولياء : [كل شهوة تحجب القلب عن الله ، إلا شهوة الجماع] ~~يعني الحلال ، وقال الورتجبي : ابتلاهم حتى يظهر الصادق بترك هذه الشهوات ، ~~من الكاذب بالشروع في طلبها ، قيل : من اشتغل بهذه الأشياء قطعته عن طريق ~~الحق ، ومن استصغرها وأعرض عنها ، عوض عليها السلامة منها ، وفتح له الطريق ~~إلى الحقائق. ه. PageV01P388 # ثم بدأ برأس الشهوات فقال : {من النساء} وذلك لمن شغف بهن فصرف عن ذكر الله ~~، أو تناولهن على وجه الحرام. وفي الخبر عنه - عليه الصلاة والسلام - : " ~~ما تركت في الناس بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " وفي خبر آخر : " ~~النظر إلى محاسن المرأة من سهام إبليس " ومن ثم جعلن في القرآن عين الشهوات ~~، قال تعالى : {زين للناس حب الشهوات من النساء}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 294 # وقال بعض العارفين : ما أيس الشيطان من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء. ~~وقال علي رضي الله عنه : أيها الناس ، لا تطيعوا للنساء أمرا ، ولا تدعوهن ~~يدبرن أمر عيش ، فإنهن إن تركن وما يردن أفسدن الملك ، وعصين المالك ، ~~وجدناهن لا دين لهن في خلواتهن ، ولا ورع لهن عن شهواتهن اللذة بهن يسيرة ، ~~والحيرة بهن كثيرة ، فأما صوالحهن ففاجرات ، وأما طوالحهن فعاهرات - أي : ~~زانيات ms0280 - ، وأما المعصومات فهن المعدومات ، يتظلمن وهن الظالمات ، ويتمنعن ~~وهن الراغبات ، ويحلفن وهن الكاذبات ، فاستعيذوا بالله من شرارهن ، وكونوا ~~على وجل من خيارهن ، والسلام. ه. # {والبنين} : قال - عليه الصلاة والسلام - : " إنهم لثمرة القلوب ، وقرة ~~الأعين ، وأنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة " {والقناطير المقنطرة} : أي : ~~المجموعة المنضدة ، # 295 PageV01P389 ~~{من الذهب والفضة. والخيل المسومة} أي : المعلمة : وهي البلق ، أو غيرها ، ~~وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى ~~يضوم القيامة ، الأجر والمغنم ". وعن أنس قال : (لم يكن شيء أحب إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد النساء ، من الخيل). وعن أبي وهب الجشمي قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : " ارتبطوا الخيل ، وامسحوا بنواصيها ، وقلدوها ، ولا ~~تقلدوها الأوتار ، وعليكم بكل كميت أغر محجل ، أو أشقر أغر محجل ، أو أدهم ~~أغر محجل " وعن خباب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: " الخيل ثلاثة : فرس للرحمن ، وفرس للإنسان ، وفرس للشيطان ، فأما فرس ~~الرحمن فما اتخذ لله في سبيل الله ، وقوتل عليه أعداء الله ، وأما فرس ~~الإنسان فما استطرق عليه " - أي : ركب عليه في طريق حوائجه ، " وأما فرس ~~الشيطان فما روهن عليه ، وقومر عليه " وفي البخاري ما يشهد لهذا. # ومما زين للناس أيضا : حب {الأنعام} ، وهي الإبل والبقر والغنم ، إن ~~شغلته عن ذكر الله ، ومنع منها حق الله ، {والحرث} أي : الزراعة والغراسة ، ~~{ذلك} الذي ذكرت {متاع الحياة الدنيا} الفانية الزائلة ، {والله عنده حسن ~~المآب} ، أي : المرجع في دار البقاء التي لا يفنى نعيمها ، ولا تنقطع ~~حياتها إلى أبد الأبد. # الإشارة : كل ما يقطع القلب عن الشهود ، أو يفتره عن السير إلى الملك ~~المعبود ، فهو شهوة ، كائنا ما كان ، أغيارا أو أنوارا ، أو علوما أو ~~أحوالا ، أو غير ذلك ، فالنساء الأغيار ، والبنون الأنوار ، والقناطير ~~المقنطرة من الذهب علوم الطريقة ، والفضة علوم الشريعة ، والخيل المسومة هي ~~الأحوال ، والأنعام الأذكار ، والحرب استعمال الفكرة. فكل من وقف مع حلاوة ~~شيء من هذا ، ولم يفض إلى راحة الشهود والعيان ، فهي في حقه شهوة. ms0281 # جزء : 1 رقم الصفحة : 294 PageV01P390 ~~وبعد أن ذكر الحق تعالى أنواعا من الشهوات ، زهد فيها فقال : {ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} قال أبو هاشم الزاهد رضي الله عنه : ~~وسم الله الدنيا بالوحشة ؛ ليكون أنس المريد بربه دونها ، وليقبل المطيعون ~~بالإعراض عنها ، وأهل المعرفة بالله من الدنيا مستوحشون ، وإلا الله ~~مشتاقون. ه. # وقد تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من شر فتنتها ، غناها وفقرها. وأكثر ~~القرآن مشتمل على ذمها ، وتحذير الخلق منها ، بل ما من داع يدعو إلى الله ~~تعالى إلا وقد حذر منها ، ورغب في الآخرة ، بل هو المقصود بالذات من بيان ~~الشرائع ، وكيف لا - وهي عدوة الله ؛ لقطعها طريق الوصلة إليه ، ولذلك لم ~~ينظر إليها منذ خلقها. وعدوة لأوليائه ؛ لأنها تزينت بزينتها حتى تجرعوا ~~مرارة الصبر في مقاطعتها ، وعدوة لأعدائه ؛ لأنها استدرجتهم بمكرها ، # 296 # واقتنصتهم بشبكتها ، فوثقوا بها ، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها ، كفانا ~~الله شرها بمنه وكرمه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 294 # قلت : {للذين} : خبر ، و{جنات} : مبتدأ ، وهو استئناف لبيان الخيرية ، ~~والرضوان فيه لغتان : الضم والكسر ، كالعدوان والطغيان ، و{الذين يقولون} : ~~بدل من {الذين اتقوا} ، أو خبر عن مضمر ، أو منصوب على المدح ، أو بدل من ~~العباد ، و{الصابرين} وما بعده : نعت الموصول. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : أأخبركم {بخير} من الذي ذكرت لكم من ~~الشهوات الفانية واللذات الزائلة ، وهو ما أعد الله للمتقين عند لقاء ربهم ~~، وهو {جنات تجري من} تحت قصورها الأنهار ؛ من الماء واللبن والعسل والخمر ~~، {خالدين فيها} ، لا كنعيم الدنيا الفاني ، {ولهم فيها أزواج} من الحور ~~العين ، مطهرات من الحيض والنفاس وسائر المستقذرات ، {ورضوان من الله} الذي ~~هو {أكبر} النعم. PageV01P391 # فانظر : كيف ذكر الحق - جل جلاله - أدنى النعيم وأوسطه وأعلاه ؟ فأدناه : ~~متاع الدنيا الذي زين للناس ، وأوسطه : نعيم الجنان ، وأعلاه : رضي الرحمن ~~، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى لأهل ~~الجنة : يا أهل الجنة ، فيقول أهل الجنة : لبيك ربنا وسعديك ، والخير في ~~يديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون ms0282 : مالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط ~~أحدا من العالمين ، فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا ربنا ، ~~وأي شيء أفضل من ذلك ؟ قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بدا ". ~~{والله بصير بالعباد} ؛ لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ، فيثيب المحسن ، ~~ويعاقب المسيء ، أو : {بصير} بأحوال المتقين. # {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار}. وفي ~~ترتيب السؤال على مجرد الإيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة ~~والاستعداد لها. # ثم وصف المتقين بقوله : {الصابرين} على أداء الأمر واجتناب النهي ، وفي ~~البأساء والضراء وحين البأس ، {والصادقين} في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ، ~~فاستوى سرهم # 297 # وعلانيتهم ، {والقانتين} أي : المطيعين ، {والمنفقين} أموالهم في سبيل ~~الله ، {والمستغفرين بالأسحار} ؛ لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة ؛ لأن ~~العبادة حينئذ أشق ، والنفس أصفى ، والروح أجمع ، ولا سيما للمتهجدين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 297 PageV01P392 ~~قيل : إنهم كانوا يصلون إلى السحر ، ثم يستغفرون ويدعون ، وفي الحديث عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله تعالى يقول : إني لأهم بأهل الأرض ~~عذابا ، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي ، وإلى المتهجدين ، وإلى المتحابين في ، ~~وإلى المستغفرين بالأسحار ، صرفت عنهم العذاب ". وقال سفيان : إن لله ريحا ~~يقال لها الصيحة ، تهب وقت السحر ، تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك ~~الجبار. قال : وبلغنا أنه إذا كان أولا لليل ، نادى مناد : ألا ليقم ~~القانتون ، فيقومون يصلون إلى السحر ، فإذا كان وقت السحر ، ينادي مناد : ~~أين المستغفرون بالأسحار ؟ فيستغفر أولئك ، ويقوم آخرون ، ويصلون ، فيلحقون ~~بهم ، فإذا طلع الفجر ، نادى مناد : ألا ليقم الغافلون ، فيقومون من فرشهم ~~كالموتى إذا نشروا من قبورهم. الإشارة : للذين اتقوا شهود السوى عند ربهم ~~جنات المعارف ، تجري من تحتها أنهار العلوم ، وأصناف الحكم ، مطهرة من ~~العلل ، منزهة من الخلل ، تهب عليهم نسيم الرضوان ، تحمل الروح والريحان ، ~~مخلدون في نعيم الشهود والعيان ، والله بصير بعباده المخلصين ، المنزهين من ~~العيوب ، المبررئين من درن الذنوب ، الصابرين على دوام المجاهدة ، ~~والصادقين في طلب المشاهدة ، والقانتين لأحكام العبودية ، والمنفقين أنفسهم ~~ومهجهم في ms0283 طلب مشاهدة أنوار الربوبية ، والمستغفرين من شهود الأغيار ، ~~وخصوصا إذا هب نسيم الأسحار ، فإن كثيرا من العباد والزهاد شغلتهم حلاوة ~~نسيم الأسحار عن مطالعة أسرار الجبار ، وهي أسرار التوحيد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 297 PageV01P393 ~~قلت : {قائما} : حال من {الله} ، وإنما جاز من بعض المعطوفات لعدم اللبس ، ~~كقوله : {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة...} [الأنبياء : 72] ، ولا يجوز : ~~جاء زيد وعمر راكبا ؛ لعدم القرينة ، أو من {هو} ، والعامل الجملة ؛ لأنه ~~حال مؤكدة ، أي : تفرد قائما ، أو حقه قائما ، {بالقسط} أي : العدل ، و{إن ~~الدين} : جملة مستأنفة مؤكدة للأولى ، أي : لا دين مرضى عند الله سوى ~~الإقرار بالشهادة والدخول فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن قرأ ~~بالفتح فهو بدل من {أنه} ، بدل الكل ، إن فسر الإسلام بالإيمان ، وبدل ~~الاشتمال إن فسر بالشريعة. # 298 # يقول الحق جل جلاله : {شهد الله أنه لا إله إلا هو} أي : بين وحدانيته ~~بنصب الدلالئل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها ، أو بتدبيره العجيب ~~وصنعته المتقنة وأموره المحكمة ، وفي ذلك يقول القائل : # يا عجبا كيف يعصى الإله # أم كيف يجحده الجاحد ؟ ! # ولله في كل تحريكة # وتسكينة أبدا شاهد # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # وقيل لبعض العرب : ما الدليل على أن للعالم صانعا ؟ فقال : البعرة تدل ~~على البعير ، وآثار القدم تدل على المسير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ~~ومركز سفلي بهذه الكثافة ، أما يدلان على الصانع الخبير ؟ ! # {و} شهدت {الملائكة} أيضا بالإقرار بالوحدانية والإخبار بها ، {وأولوا ~~العلم} وهم : الأنبياء والعلماء بالله ، بالإيمان بها والاحتجاج عليها ، ~~شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. وفيه دليل شرف أهل العلم وفضلهم ، ~~حيث قرن شهادتهم بشهادته ؛ لأن العلم صفة الله العليا ونعمته العظمى ، ~~والعلماء أعلام الإسلام ، والسابقون إلى دار السلام ، وسرج الأمكنة وحجج ~~الأزمنة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 298 PageV01P394 ~~وعن جابر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ساعة من عالم يتكئ على ~~فراشه ، ينظر في علمه ، خير من عبادة العابد سبعين عاما " وعن معاذ قال : ~~قال النبي صلى الله ms0284 عليه وسلم : " تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، ~~ومدارسته تسبيح ، والبحث فيه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وتذكره في ~~أهله قربة " ثم قال في آخر الحديث في فضل أهل العلم : " وترغب الملائكة في ~~خلتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، وفي صلاتها تستغفر لهم ، وكل رطب ويابس يستغفر ~~لهم. حتى حيتان البحر وهوامه ، وسباع الأرضين وأنعامها ، والسماء ونجومها ، ~~ألا وإن العلم حياة القلوب من العمى ، ونور الأبصار من الظلم ، وقوة ~~الأبدان من الضعف ، يبلغ بالعبد منزل الأحرار ومجالسة الملوك ، والفكر فيه ~~يعدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، وبه يعرف الحلال والحرام ، وبه توصل ~~الأرحام ، العلم إمام والعمل تابعه ، يلهمه بالسعداء ، ويحرمه الأشقياء ". ~~حال كون الحق تعالى {قائما بالقسط} أي : مدبرا لأمر خلقه بالعدل ، فيما حكم ~~وأبرم ، {لا إله إلا هو} ، كرر الشهادة للتأكيد ، ومزيد الاعتبار بأمر ~~التوحيد ، والحكم به ، بعد إقامته الدليل. عليه وقال جعفر الصادق : (الأولى ~~وصف وتوحيد ، والثانية رسم وتعليم). أي : قولوا : {لا إله إلا هو} ، أو ~~ليرتب عليه قوله : {العزيز # 299 # الحكيم} ، فيعلم أنه الموصوف بهما ، وقدم {العزيز} ليتقدم العلم بقدرته ~~على العلم بحكمته. PageV01P395 # {إن الدين عند الله الإسلام} أي : إن الدين المرضى عند الله هو الانقياد ~~لأمر التوحيد والإذعان لمن جاء به. وروي عن أنس رضي الله عنه قال : قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأ هذه الآية عند منامه خلق الله تعالى ~~سبعين ألف خلق يستغفرون الله له إلى يوم القيامة " وهي أعظم شهادة في كتاب ~~الله ، " من قرأها إلى (الحكيم) وقال : وأنا أشهد بما شهد الله به ، ~~وأستودع الله هذه الشهادة ، وهي لي عند الله وديعة ، يقول الحق تعالى : إن ~~لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد ، أدخلوا عبدي الجنة ". ~~الإشارة : صدر الآية يشير إلى الفرق ، وعجزها يشير إلى الجمع ، كما هي ~~عادته تعالى في كتبه العزيز ، يشرع أولا ، ويحقق ثانيا ، فأثبت الحق - جل ~~جلاله - شهادة الملائكة وأولى العلم مع شهادته ؛ لإثبات سر الشريعة ، ثم ~~محاها بقوله : {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} بحكم الحقيقة. فإثبات ms0285 الرسوم ~~شريعة ، ومحوها حقيقة ، فتوحيد أهل الرسوم والأشكال دلالة من وراء الحجاب ، ~~وتوحيد أهل المحو والاضمحلال شهادة من داخل الحجاب ، وتوحيد أهل الرسوم ~~دلالة وبرهان ، وتوحيد أهل المحو شهادة وعيان ، أهل الدليل والبرهان عموم ~~عند أهل الشهود والعيان. إثبات الرسوم إسلام وإيمان ، ومحوها شهود وإحسان ، ~~وكل توحيد لم تظهر ثمرته على الجوارح من الإذعان والانقياد لأحكام العبودية ~~فهو مخدج ، لقوله تعالى : {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران : 19] أي ~~، الانقياد والإذعان ، ظاهرا وباطنا ، لأحكام القهرية والتكليفية ، فمن لا ~~انقياد له لا دين له كاملا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 298 # ثم ذكر من سبق له الخذلان بعد سطوع الدليل والبرهان ، فقال : PageV01P396 # {... وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ~~ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} # قلت : {بغيا} : مفعول له ، علة للاختلاف. # يقول الحق جل جلاله : {وما اختلف} اليهود والنصارى في حقيقة الإسلام ~~والتدين به ، {إلا من بعد ما جاءهم العلم} أي : من بعد ما تمكنوا من العلم ~~بصحته ، وأن الدين عند الله هو الإسلام ، فجحدوه ظلما وحسدا. أو ما اختلف ~~أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام ؛ فأثبته قوم ، وقال قوم : إنه مخصوص ~~بالعرب ، ونفاه آخرون مطلقا ، إلا من بعد ما ثبت لهم بصحته وعموم الدعوة ~~له. أو في التوحيد ؛ فثلث النصارى ، وقالت # 300 # اليهود : عزير ابن الله ، بعد ما صح لهم العلم بالتوحيد فغيروا. وقال ~~الربيع : إن موسى عليه السلام لما حضره الموت ، دعا سبعين حبرا من قومه ، ~~فاستودعهم التوراة ، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت بينهم ~~الفرقة ، وهم : الذين أوتوا الكتاب من أبناء السبعين ، فأراقوا الدماء ووقع ~~بينهم الشر والاختلاف. # وذلك من بعد ما جاءهم العلم ، يعني بيان ما في التوراة ، {بغيا بينهم} أي ~~: طلبا للملك والرئاسة والتحاسد ، فسلط عليهم الجبابرة ، {ومن يكفر بآيات ~~الله} المنزلة على رسوله ، أو الدالة على وحدانيته ، {فإن الله سريع ~~الحساب} ؛ لا يشغله شأن عن شأن ، وفيه تهديد لأهل الاختلاف. # الإشارة : الاختلاف على الصوفية ، والإنكار عليهم ، إن ms0286 كان بغيا وحسدا ~~وخوفا على زوال رئاسة المنكر ، فهذا معرض لمقت الله ، فقد آذن بحرب الله ، ~~وباله سوء الخاتمة ، والعياذ بالله ، وفي ذلك يقول القائل : # هممهم تقضي بحك الوقت # منكرهم معرض للمقت PageV01P397 ~~وإن كان غيره على الشريعة ، وسدا لباب الذريعة ، فهذا معذور أو مأجور إن صح ~~قصده ، وهو منخرط في سلك الضعفاء ، قال تعالى : {يس على الضعفآء ولا على ~~المرضى ولا على الذين لا يجيدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} ~~[التوبة : 91] ، ولا ينكر على الفقير إلا المحرم المجمع على تحريمه ، وليس ~~فيه تأويل ، كالزنى بالمعينة ، واللواط وشبهه ، والمؤمن يلتمس المعاذر ، ~~والمنافق يلتمس العيوب ، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 298 # قلت : {ومن اتبعن} ، عطف على فاعل {أسلمت} ؛ الضمير. # يقول الحق جل جلاله : {فإن حاجوك} في الدين ، وخاصموك فيه ، بعدما أقيمت ~~الحجج على صحته ، {فقل} لهم : أما أنا فقد {أسلمت وجهي لله} ، وانقدت ~~بكليتي إليه ، وتمسكت بدينه القويم ، الذي قامت الحجج على حقيته ، وكذلك من ~~تبعني من المؤمنين. وخص الوجه بالانقياد ؛ لأنه أشرف الأعضاء ومحل ظهور ~~المحاسن ، فإذا انقاد الوجه فقد انقاد الكل. # {وقل للذين أوتوا الكتاب} من اليهود والنصارى ، {والأميين} الذين لا كتاب ~~لهم من المشركين : {أأسلمتم} كما أسلمت : لما وضحت لكم من الحجة ؟ أم أنتم على # 301 # كفركم بغيا وحسدا ؟ والاستفهام معناه الأمر ، كقوله : {فهل أنتم مسلمون} ~~[هود : 14] أي : أسلموا ، {فإن أسلموا فقد اهتدوا} وأنقذاو أنفسكم من ~~الهلاك ، {وإن تولوا} وأعرضوا {فإنما عليك البلاغ} ، ولا يضرك عنادهم ، فقد ~~بلغت ما أمرت به. {والله بصير بالعباد} لا يخفى عليه من أسلم ممن تولى. # روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قرأ عليهم هذه الآية ، فقال لليهود : " ~~أتشهدون أن عزيرا عبد الله ورسوله وكلمته ؟ " فقالوا : معاذ الله ، وقال ~~للنصارى : " أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله ؟ " فقالوا : معاذ الله أن ~~يكون عيسى عبدا. فنزل قوله تعالى : {وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} الآية. PageV01P398 # الإشارة : لا يليق بالفقير ، إذا توجه إليه الإنكار أو المجادلة والاستظهار ~~، إلا السكوت والإقرار ، والاستسلام ms0287 بكليته لأحكام الواحد القهار ، إذ لا ~~يرى فاعلا إلا الله ، فلا يركن إلى شيء سواه. وفي الحكم : " إنما أجرى ~~الأذى عليهم لئلا تكون ساكنا إليهم ، أراد أن يزعجك عن كل شيء ، حتى لا ~~تكون ساكنا إلى شيء ". وقال بعض العارفين : لا تشتغل قط بمن يؤذيك ، واشتغل ~~بالله يرده عنك ، وقد غلط في هذا خلق كثير ، اشتغلوا بمن يؤذيهم ، فطال ~~عليهم الأذى مع الإثم ، ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم. ه. ~~بالمعنى. وبهذا يأمر الشيخ أتباعه ، فإن انقادوا لأحكام الحق ، فقد اهتدوا ~~إلى طريق الوصول ، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ، والهداية بيد السميع ~~البصير. # جزء : 1 رقم الصفحة : 301 # قلت : إنما دخلت الفاء في خبر إن ؛ لتضمن اسمها معنى الشرط ؛ لعموم ~~الموصول وإبهامه ، وهو خاص بإن ، دون ليت ولعل ؛ لأن " إن " لا تغير معنى ~~الابتداء ، وإنما تؤكده. وقيل : الخبر : {أولئك...} الخ. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يكفرون بآيات الله} أي : بحججه الدالة ~~على توحيده ، وصحة نبوة رسله ، أو بكلامه ، وهم اليهود ، {ويقتلون النبيين ~~بغير حق} بل بغيا {ويقتلون الذين يأمرون} بالعدل وترك الظلم من الأحبار ~~{فبشرهم بعذاب أليم} موجع ، {أولئك الذين حبطت أعمالهم} أي : بطلت ، {في ~~الدنيا والآخرة} فلا ينتفعون بها في الدارين ، {وما لهم من ناصرين} ~~يمنعونهم من العذاب. # 302 PageV01P399 ~~وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ قال : " رجل قتل نبيا ، أو رجل أمر ~~بالمنكر ونهى عن المعروف ، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {ويقتلون ~~النبيين بغير حق} الآية ، ثم قال : يا أبا عبيدة ، قتلت بنوا إسرائيل ثلاثة ~~وأربعين نبيا أول النهار في ساعة ، فقام مائة وعشرون من عباد بني إسرائيل ~~فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك ~~اليوم ، فهم الذين ذكرهم في كتابه ، وأنزل الآية فيهم " ه. من الثعلبي. # الإشارة : ذكر في الآية الأولى تشجيع المريدين ، وأمرهم بالصبر والتسليم ~~لإذاية المؤذين ، وذكر هنا وبال المؤذين الجاحدين لخصوصية ms0288 المقربين ، ~~فالأولياء والعلماء ورثة الأنبياء ، فمن آذاهم فله عذاب أليم ، في الدنيا ؛ ~~بغم الحجاب وسوء المنقلب ، وفي الآخرة ؛ بالبعد عن ساحة المقربين ، ~~وبالسقوط إلى درك الأسفلين ، والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 302 # قلت : التنكير في {نصيب} ؛ يحتمل التحقير والتعظيم ، والأول أقرب. وجملة ~~: {وهم معرضون} ؛ حال من {فريق} ؛ يتخصيصه بالصفة. PageV01P400 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يا محمد ، أو من تصح منه الرؤية ، {إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} وهم : اليهود ، تمسكوا بشيء من التوارة ، ولم ~~يعملوا به كله ، كيف {يدعون إلى كتاب الله} القرآن {ليحكم بينهم} فيما ~~اختلفوا فيه من أمر التوحيد وصحة نبوته - عليه الصلاة والسلام - ، فأعرضوا ~~عنه ، أو المراد بكتاب الله : التوراة. قال ابن عباس رضي الله عنه : (دخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة من اليهود ، فدعاهم إلى الله تعالى ، ~~فقال نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد ؟ قال : " على ~~ملة إبراهيم " قالا : إن إبراهيم كان يهوديا ، فقال لهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم : " فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم " فأبيا عليه ، فنزلت ~~الآية). وقيل : نزلت في الرجم ، على ما يأتي في العقود. # {ذلك} الأعراض بسبب اغترارهم وتسهيلهم أمر العقاب ، فقالوا : {لن تسمنا ~~النار إلا أياما معدودات} ؛ أربعين يوما ، قدر عبادتهم العجل ، ثم يخلفهم ~~المسلمون ، {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} بزعمهم الفاسد وطمعهم الفارغ. # 303 # يقول الحق جل جلاله : {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} ، وهذا تهويل ~~لشأنهم ، واستعظام لما يحيق بهم ، {ووفيت كل نفس ما كسبت} من خير أو شر ، ~~{وهم لا يظلمون} أي : لا يبخسون من أعمالهم شيئا ، فلا ينقص من الحسنات ، ~~ولا يزاد على السيئات. وفيه دليل على أن المؤمن لا يخلد في النار. قال ابن ~~عباس : (أول راية ترفع لأهل الموقف ، ذلك اليوم ، راية اليهود ، فيفضحم ~~الله تعالى على رؤوس الأشهاد ، ثم يؤمر بهم إلى النار). # جزء : 1 رقم الصفحة : 303 PageV01P401 ~~الإشارة : ترى كثيرا ممن ينتسب إلى العلم والدين ينطلق لسانه بدعوى ~~الخصوصية ms0289 ، وأنه منخرط في سلك المقربين ، فإذا دعي إلى حق ، أو وقف على عيب ~~من عيوب نفسه ، أعرض وتولى ، وغرته نفسه ، وغلبه الهوى ، فجعل يحتج لنفسه ~~بما عنده من العلم أو الدين ، أو بمن ينتسب إليهم من الصالحين ، فكيف يكون ~~حاله إذا أقبل على الله بقلب سقيم ، ورأى منازل أهل الصفا ، الذين لقوا ~~الله بقلب سليم ، حين ترفع درجاتهم مع المقربين ، ويبقى هو مع عوام أهل ~~اليمين ؟ قال تعالى : {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} [الزمر : ~~47] الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 303 # قلت : {اللهم} منادى مبني على الضم ، حذفت منه الياء المتضمنة للفرق ، ~~وعوضت منها الميم المؤذنة بالجمع ، لئلا يبقى بين الداعي والمدعو فرق ، ~~و{مالك} : نعت لمحل المنادي ؛ لأنه مفعول ، ومنادى ثان عند سيبويه ، لأن ~~الميم عنده تمتع الوصفية. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد في استنصارك على عدوك : {اللهم} يا ~~{مالك الملك} ؛ ملك الدنيا وملك الآخرة ، {تؤتي الملك} والنصر {من تشاء ~~وتنزع الملك ممن تشاء} ، فهب لنا ملك الدارين ، والنصر على الأعداء في كل ~~أين ، وانزع الملك من يد عدونا ، وانقله إلينا وإلى من تبعنا إلى يوم ~~الدين. قال قتادة : (ذكر لنا أن النبي صلى الله عيله وسلم سأل ربه أن يجعل ~~ملك فارس والروم في أمته ، فأنزل الله تعالى هذه الآية). # {وتعز من تشاء} بالإيمان والطاعة {وتذل من تشاء} بالكفر والمعصية ، أو ~~تعز من تشاء بالمعرفة ، وتذل من تشاء بالفكرة ، أو تعز من تشاء بالقناعة ~~والورع ، وتذل من # 304 # تشاء بالحرص والطمع ، أو تعز من تشاء بالتوفيق والإذعان ، وتذل من تشاء ~~بالكسل والخذلان ، {بيدك الخير} كله ، فأعطنا من خيرك الجزيل ، وأجرنا من ~~الشر الوبيل ، فالأمور كلها بيدك. PageV01P402 # قال البيضاوي : ذكر الخير وحده ؛ لأنه المقضي بالذات ، والشر مقضي بالعرض ؛ ~~إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا. أو لمراعاة الأدب في الخطاب ، ~~أو لأن الكلام وقع فيه ، إذ روي أنه عليه الصلاة والسلام - لما خط الخندق ، ~~وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا ، وأخذوا يحفرون ، فظهر فيه ms0290 صخرة عظيمة لم تعمل ~~فيها المعاول ، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ، ~~فجاء عليه الصلاة والسلام ، فأخذ المعول منه ، فضرب به ضربة صدعها ، وبرق ~~منها أضاء ما بين لابتيها ، لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ، فكبر ، وكبر معه ~~المسلمون ، وقال : " أضاءت لي منها قصور الحيرة ، كأنها أنياب الكلاب ، " ~~ثم ضرب الثانية ، فقال : " أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم " ، ثم ~~ضرب الثالثة ، فقال : " أضاءت لي منها قصور صنعاء ، وأخبرني جبريل أن أمتي ~~ظاهرة على كلها ، فأبشروا " ، فقال المنافقون : ألا تعجبون! يمنيكم ويعدكم ~~الباطل ، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ، وأنها تفتح لكم ، وأنتم ~~إنما تحفرون الخندق من الفرق فنزلت ، أي : الآية. ونبه على أن الشر أيضا ~~بيده بقوله : {إنك على كل شيء قدير}. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 304 PageV01P403 ~~ثم استدل على نفوذ قدرته بقوله : {تولج الليل في النهار} أي : تدخل أحدهما ~~في الآخر بالتعقيب ، أو بالزيادة أو النقص ، فيولج الليل في النهار ، إذا ~~طال النهار حتى يكون خمس عشرة ساعة ، وفي الليل تسع ، ويولج النهار في ~~الليل ، إذا طال الليل كذلك ، وفيه دلالة على أن من قدر على ذلك قدر على ~~معاقبة العز بالذل ، والملك بنزعه. {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي} ؛ كالحيوانات من النطف ، وبالعكس ، والنباتات من الحبوب ، وبالعكس ، ~~أو المؤمن من الكافر والعالم من الجاهل ، وبالعكس ، {وترزق من تشاء} من ~~الأقوات والعلوم والأسرار ، {بغير حساب} ، ولا تقدير ولا حصر. اللهم ارزقنا ~~من ذلك الحظ الأوفر ، {إنك على كل شيء قدير}. # روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " يا معاذ ، ~~أتحب أن يقضي الله عنك دينك ؟ " قال : نعم يا رسول الله ، قال : " قل " ~~{اللهم مالك الملك} إلى قوله : {بغير حساب} ، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ~~، تعطي منهما ما تشاء ، وتمنع منهما ما تشاء اقض عني ديني ، فلو كان عليك ~~ملء الأرض ذهبا وفضة لأداه الله عنك ". # 305 # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال ms0291 : الفاتحة ، وآية الكرسي ، و{شهد الله} ~~، و{قل اللهم مالك الملك...} إلى {... بغير حساب} ، لما أراد الله أن ~~ينزلهن ، تعلقن بالعرش وقلن : تهبطنا إلى دار الذنوب فقال الله عز وجل : " ~~وعزتي وجلالي لا يقرؤكن عبد ، دبر كل صلاة مكتوبة ، إلا أسكنته حظيرة القدس ~~، على ما كان فيه ، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة ، ~~وقضيت له في كل يوم سبعين حاجة ، وأعززته من كل عدو ، نصرته عليه... " ~~الحديث. انظر الثعلبي. # الإشارة : من ملك نفسه وهواه فقد ملكه الله ملك الدارين ، ومن ملكته نفسه ~~وهواه فقد أذله الله في الدراين ومن ملك نفسه لله فقد مكنه الله من التصرف ~~في الكون بأسره ، وكان حرا حقيقة ، وفي ذلك يقول الشاعر : PageV01P404 # دعوني لملكهم ، فلما أجبتهم # قالوا : دعوناك للملك لا للملك # ومن أذل نفسه لله فقد أعزه الله ، قال الشاعر : # تذلل لمن تهوى لتكسب عزة # فكم عزة قد نالها المرء بالذل # إذا كان من تهوى عزيزا ولم تكن # ذليلا له ، فاقر السلام على الوصل # جزء : 1 رقم الصفحة : 304 # قال ابن المبارك : (قلت لسفيان الثوري : من الناس ؟ قال : الفقهاء ، قلت ~~: فمن الملوك ؟ قال : الزهادن قلت : فمن الأشراف ؟ قال : الأتقياء ، قلت : ~~فمن الغوغاء ؟ قال : الذين يكتبون الحديث ليستأكلوا به أموال الناس ، قلت : ~~أخبرني ما السفلة ؟ قال : الظلمة). وقال الشبلي : (الملك هو الاستغناء ~~بالمكون عن الكونين). وقال الوراق : (تعز من تشاء بقهر النفس ومخالفة الهوى ~~، وتذل من تشاء باتباع الهوى). قلت : وفي ذلك يقول البرعي رضي الله عنه : # لا تتبع النفس في هواها # إن اتباع الهوى هوان # وقال وهب : " خرج الغنى والعز يجولان ، فلقيا القناعة فاستقرا ". وقال ~~عيسى عليه السلام لأصحابه : أنتم أغنى من الملوك ، قالوا : يا روح الله ؛ ~~كيف ، ولسنا نملك شيئا ؟ قال : أنتم ليس عنكم شيء ولا تريدونها ، وهم عندهم ~~أشياء ولا تكفيهم ه. # قال الشافعي رضي الله عنه : # ألا يا نفس إن ترضي بقوت # فأنت عزيزة أبدا غنيه # دعي عنك المطامع والأماني # فكم أمنية جلبت منيه # وقال آخر : # أفادتني القناعة كل عز ms0292 # وهل عز أعز من القناعه # 306 # فصيرها لنفسك رأس مال # وصير بعدها التقوى بضاعه # تنل عزا وتغنى عن لئيم # وترحل للجنان بصبر ساعه PageV01P405 ~~وقال عليه الصلاة والسلام : " من أصبح آمنا في سربه ، معافى في بدنه ، عنده ~~قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ". تولج ليل القبض في نهار ~~البسط ، وتولج نهار البسط في ليل القبض ، وترزق من تشاء فيهما من العلوم ~~والأسرار ، بغير حساب ولا مقدار ، أو تولج ليل العبودية في نهار الحرية ، ~~وتولج نهار الحرية في ليلة العبودية ، فمن كان في نهار الحرية تاه على ~~الوجود ، ومن كان في ليل العبودية عطل ذله ذل اليهود ، والعبد لا يخلو من ~~هذين الحالين ، يتعاقبان عليه تعاقب الليل والنهار ، والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 304 # قلت : {تقاة} : مصدر تقى ، على وزن فعل ، وله مصدران آخران : تقى وتقية - ~~بتشديد الياء - ، وبه قرأ بعقوب ، وأصله : تقية ، فقلبت الياء ألفا ؛ ~~لتحركها وانفتاح ما قبلها. و{يوم} : ظرف ، والعامل فيه : اذكر ، أو اتقوا ، ~~أو المصير ، أو تود ، و{ما عملت} : مبتدأ ، و{تود} : خبر ، أو معطوف على ~~{ما عملت} الأولى ، و{تود} : # حال. # يقول الحق جل جلاله ، لقوم من الأنصار ، كانوا يوالون اليهود ؛ لقرابة أو ~~صداقة تقدمت في الجاهلية : {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} ، أي : ~~أصدقاء ، إذ الحب إنما يكون في الله والبغض في الله ، أو لا تستعينوا بهم ~~في غزو ولا غيره ، فلا تودوهم {من دون المؤمنين} ؛ إذ هم أحق بالمودة ، ~~ففيهم مندوحة عن مولاة الكفرة ، {ومن يفعل ذلك} الاتخاذ {فليس من} ولاية ~~{الله في شيء} ؛ إذ لا تجتمع ولاية الله مع ولاية عدوه. قال الشاعر : # تود عدوي ثم تزعم أنني # صديقك ، ليس النوك عنك بعازب # 307 # والنوك - بضم النون - : الحمق. PageV01P406 # فلا توالوا الكفار {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي : إلا أن تخافوا من جهتهم ~~ما يجب اتقاؤه ، فلا بأس بمداراتهم ظاهرا ، والبعد منهم بطنا ، كما قال ~~عيسى عليه السلام : (كن وسطا وامش جانبا). وقال ابن مسعود رضي الله عنه : ~~خالطوا الناس وزايلوهم ، وصافحوهم بما يشتهون ، ودينكم ms0293 لا تثلموه. وقال ~~جعفر الصادق : إني لأسمع الرجل يشتمني في المسجد ، فأستتر منه بالسارية ~~لئلا يراني. ه. {ويحذركم الله نفسه} أي : يخوفكم عذابه على موالاة الكفار ~~ومخالفة أمره وارتكاب نهيه ، تقول العرب : احذرنا فلانا : أي : ضرره لا ~~ذاته ، وفي ذكر النفس زيادة تهديد يؤذن بعقاب يصدر منه بلا واسطة ، {وإلى ~~الله المصير} ؛ فيحسر كل قوم من أحب. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 307 PageV01P407 ~~قل إن تخفوا ما في صدوركم} من موالاة أعدائه ، {أو تبدوه يعلمه الله} ؛ فلا ~~يخفى عليه ما تكن الصدور من خير أو شر. وقدم في سورة البقرة الإبداء ، ~~وأخره هنا ؛ لأن المحاسبة لا ترتيب فيها بخلاف العلم ، فإن الأشياء التي ~~تبرز من الإنسان يتقدم إضمارها في قلبه ثم تبرز ، فقد تعلق علم الله تعالى ~~بها قبل أن تبرز ، فلذلك قدم هنا الإخفاء لتقدم وجوده في الصدر ، وأخره في ~~البقرة ، لأن المحاسبة لا ترتيب فيها ، {ويعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض} فلا يخفى عليه شيء ، {والله على كل شيء قدير} ؛ فيقدر على عقوبتكم ~~إن لم تنتهوا ، والآية بيان لقوله : {ويحذركم الله نفسه} ؛ لأن الذات ~~العالية متصفة بعلم محيط بجميع المعلومات ، وبقدرة تحيط بجميع المقدورات ، ~~فلا تجسروا على عصيانه ، فإنه ما من معصية إلا وهو مطلع عليها ، قادر على ~~العقاب عليها يوم القيامة. {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا} بين ~~يديها تنتفع به ، {وما عملت من سوء تود له أن بينها وبينه أمدا بعيدا} ، ~~كما بين المشرق والمغرب ، ولا ينفع الندم وقد زلت القدم. {ويحذركم الله ~~نفسه} ، كرره للتأكيد وزيادة التحذير ، وسيأتي في الإشارة حكمة تكريره ، ~~{والله رؤوف بالعباد} حيث حذرهم مما يضرهم ، وأمرهم بما يقربهم ، فكل ما ~~يصدر منه - سبحانه - في غاية الكمال. # الأشارة : لا ينبغي للمريد الصادق أن يخالط أهل الغفلة ، ولا يتودد معه ؛ ~~فإن ذلك يقطعه عن ربه ، ويصده عن دواء قلبه ، وفي ذلك يقول صاحب العينية : # وقاطع لمن واصلت أيام غفلة # فما واصل العذال إلا مقاطع # وجانب جناب الأجنبي لو أنه # لقرب ms0294 انتساب في المنام مضاجع # فللنفس من جلاسها كل نسبة # ومن خلة للقلب تلك الطبائع # 308 PageV01P408 ~~إلا أن يتقي منهم تقية ، بحيث تلجئه الضرورة إلى مخالطتهم ، فيخالطهم بجسمه ~~ويفارقهم بقلبه ، وقد حذر الصوفية من صحبة أربع طوائف : الجبابرة المتكبرون ~~، والقراء المداهنون ، والمتفقرة الجاهلون ، والعلماء المتجمدون ؛ لأنهم ~~مولعون بالطعن على أولياء الله ، يرون ذلك قربة تقربهم إلى الله. # ثم قال : {ويحذركم الله نفسه} أن تقصدوا معه غيره ، وهذا خطاب للسائرين ~~بدليل تعقيبة بقوله : {وإلى الله المصير} أي : إليه ينتهي السير وإليه يكون ~~الوصال ، ثم شدد عليهم في المراقبة فقال : {إن تخفوا ما في صدوركم} من ~~الميل أو الركون إلى الغير أو الوقوف عن السير ، {أو تبدوه يعلمه الله} ؛ ~~فينقص عنكم المدد بقدر ذلك الميل ، يظهر ذلك يوم الدخول إلى بلاد المشاهدة ~~، {يوم تجد كل نفس} ما قدمت من المجاهدة ، فبقدر المجاهدة تكون المشاهدة. ~~ثم خاطب الواصلين فقال : {ويحذركم الله نفسه} من أن تشهدوا معه سواه ، فلو ~~كلف الواصل أن يشهد غيره لم يتسطع ، إذ لا غير معه حتى يشهده. ويدل على أن ~~الخطاب هنا للواصلين تعقيبه بالمودة والرأفة ، اللائقة بالواصلين المحبوبين ~~العارفين الكاملين. خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه. # ثم لا طريق للوصول إلى هذا كله إلا باتباع الرسول الأعظم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 307 # قلت : قد تقدم الكلام على حقيقة المحبة عند قوله : {يحبونهم كحب الله}. ~~وقال البيضاوي هنا : المحبة ميل النفس إلى الشيء لإدراك كمال فيه ، بحيث ~~يحملها - أي الميل - إلى ما يقربها إليه ، والعبد إذا علم أن الكمال ~~الحقيقي ليس إلا لله ، وأن ما يراه كمالا من نفسه أو غيره فهو من الله ~~وبالله وإلى الله ، لم يكن حبه إلا لله وفي الله ، وذلك يقتضي إرادة طاعته ~~، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة ، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في ~~عبادته ، والحرص على مطاوعته. ه. PageV01P409 # وقوله : {فإن تولوا} : فعل ماض مجزوم المحل ، ولم يدغمه البزي هنا ، على ~~عادته في الماضي ، لعدم موجبه. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد لمن يدعي أنه ms0295 يحب الله ولا يتبع رسوله ~~: {إن كنتم تحبون الله} كما زعمتم ، {فاتبعوني} في أقوالي وأفعالي وأحوالي ~~، {يحببكم الله} أي : يرضى عنكم ويقربكم إليه ، {ويغفر لكم ذنوبكم} أي : ~~يكشف الحجاب عن قلوبكم بغفران الذنوب ومحو العيوب ، فيقربكم من جناب عزه ، ~~ويبوئكم في جوار قدسه ، {والله غفور رحيم} لمن تحبب إليه بطاعته واتباع رسوله. # 309 # {قل أطيعوا الله} فيما يأمركم به وينهاكم عنه ، {والرسول} فيما يسنه لكم ~~ويرغبكم فيه ، {فإن تولوا} وأعرضوا عنه ، فقد تعرضوا لمقت الله وغضبه ~~بكفرهم به ؛ {فإن الله لا يحب الكافرين} أي : لا يرضى عنهم ولا يقبل عليهم ~~، وإنما لم يقل : لا يحبهم ؛ لقصد العموم ، والدلالة على أن التولي عن ~~الرسول كفر ، وأنه بريء من محبة الله ، وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين. PageV01P410 # روي أن نصارى نجران قالوا : إنما نعظم المسيح ونعبده ، حبا لله وتعظيما ~~لله. فقال تعال : {قل} يا محمد : {إن كنتم تحبون الله} تعالى {فاتبعوني}... ~~الآية. ولما نزلت الآية قال عبد الله بن أبي لأصحابه : إن محمدا يجعل طاعته ~~كطاعة الله ، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ، فنزل قوله تعالى : ~~{قل أطيعوا الله والرسول} الآية. وقال - عليه الصلاة والسلام - : " " من ~~أطاعني فقد أطاع الله ، ومن أطاع الإمام فقد أطاعني ، ومن عصاني فقد عصى ~~الله ومن عصى الإمام فقد عصاني ". الإشارة : اتباع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ركن من أركان الطريقة ، وشرط في إشراق أنوار الحقيقة ، فمن لا اتباع ~~له طريق له ، ومن لا طريق له لا وصول له ، قال الشيخ زروق رضي الله عنه : ~~(أصول الطريقة خمسة أشياء : تقوى الله في السر والعلانية ، واتباع النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال ، والإعراض عن الخلق في الإقبال ~~والإدبار ، والرجوع إلى الله في السراء والضرء ، والرضى عن الله في القليل ~~والكثير). # جزء : 1 رقم الصفحة : 309 # فالرسول - عليه الصلاة والسلام - حجاب الحضرة وبوابها ، فمن أتى من بابه ~~؛ بمحبته واتباعه ، دخل الحضرة ، وسكن فيها ، ومن تنكب عنها طرد وأبعد ، ~~وفي ذلك يقول القائل : # وأنت باب الله ، أي امرىء وافاه ms0296 منح غيرك لا يدخل # وقال في المباحث : # تبعه العالم في الأقوال ، # والعابد الزاهد في الأفعال # وفيهما الصوفي في السباق # لكنه قد زاد في الأخلاق # فمن ادعى محبة الله أو محبة رسوله ، ولم يطعهما ، ولم يتخلق بأخلاقهما ، ~~فدعواه كاذبة ، وفي ذلك يقول ابن المبارك : # تعصي الأله وأنت تظهر حبه # خذا محال في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته # إن المحب لمن يحب مطيع PageV01P411 ~~ثم ذكر الحق تعالى بيان نشأة عيسى عليه السلام ، وبيان أصله ونشأة أمه ، ~~توطئة للكلام مع النصارى والرد عليهم في اعتقادهم فيه. وقال البيضاوي : لما ~~أوجب الله طاعة الرسل ، وبين أنها الجالبة لمحبة الله ، عقب ذلك ببيان ~~مناقبهم تحريضا عليها. # 310 # جزء : 1 رقم الصفحة : 309 # قلت : {ذرية} : حال ، أبو بدل من الآلين ، أو من نوح ، أي : أنهم ذرية ~~واحد متشعبة بعضها من بعض. و{إذ قالت} : ظرف لعليم ، أو بإضمار اذكر. ~~و{محررا} : حال ، والتحرير : التخلص ، يقال : حررت العبد ، إذا خلصته من ~~الرق ، وحررت الكتاب ، إذا أصلحته وأخلصته ، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى ~~إصلاح ، ورجل حر ، أي : خالص ، ليس لأحد عليه متعلق ، والطين الحر ، أي : ~~الخالص من الحمأة. وقوله : {وإني سميتها مريم} : عطف على {إني وضعتها} ، ~~وما بينهما اعتراض ، من كلامها على قراءة التكلم ، أو من كلام الله على ~~قراءة التأنيث. PageV01P412 # يقول الحق جل جلاله : {إن الله اصطفى آدم} ؛ بالخلافة والرسالة ، {ونوحا} ؛ ~~بالرسالة والنذارة ، {وآل إبراهيم} ؛ بالنبوة والرسالة ، وهم : إسحاق ، ~~ويعقوب والأسباط ، وإسماعيل ، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. {وآل عمران} ، وهم موسى وهارون - ~~عليهما السلام - وهو عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب ، أو المراد ~~بعمران : عمران بن أشهم بن أموي ، من ولد سليمان عليه السلام ، وهو والد ~~مريم أم عيسى عليه السلام ، وقيل : المراد عمران بن ماثان ، أحد أجداد ~~عمران والد مريم. وإنما خص هؤلاء ؛ لأن الأنبياء كلهم من نسلهم. وقيل : ~~أراد إبراهيم وعمران أنفسهما. " وآل " مقحمة ، كقوله : {وبقية مما ترك ءال ~~موسى وءال هارون} ms0297 [البقرة : 248] أي : موسى وهارون ، فقد فضل الحق - جل ~~جلاله - هؤلاء الأنبياء بالخصائص الجسمانية والروحانية {على العالمين} أي : ~~كلا على عالمي زمانه ، وبه استدل على فضلهم على الملائكة. حال كونهم {ذرية} ~~متشعبة {بعضها من} ولد {بعض} في النسب والدين ، {والله سميع} لأقوال العباد ~~وأعمالهم ، {عليم} بسرائرهم وعلانيتهم ، فيصطفي من صفا قوله وعمله ، وخلص ~~سره ، للرسالة والنبوة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 311 # ثم تخلص لذكر نشأة مريم ، توطئة لذكر ولدها ، فقال : واذكر {إذ قالت ~~امرأة عمران} وهي حنة بنت فاقوذا ، جدة عيسى عليه السلام : {رب إني نذرت لك ~~ما في بطني محررا} لخدمة بيت المقدس ، لا أشغله بشيء ، أو مخلصا للعبادة ، ~~{فتقبل مني # 311 # إنك أنت السميع العليم} ، وكان المحرر عندهم ، إذا حرر ، جعل في الكنيسة ~~يقوم عليها وينكسها ، ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم ، ثم يخير ، فإن أحب ~~أقام أو ذهب حيث شاء ، ولم يكن يحرر إلا الغلمان ؛ لأن الجارية لا تصلح ~~للخدمة ؛ لما يصيبها من حيض ، فحررت أم مريم حملها تدر ما هو. PageV01P413 # وقصة ذلك : أن زكريا وعمران تزوجا أختين ، فتزوج زكريا أشياع بنت فاقوذا ، ~~وتزوج عمران حنة بنت فاقوذا ، فكان عيسى ويحيى ابني الخالة ، وكانت حنة ~~عاقرا لا تلد ، فبينما هي في ظل شجرة ، بصرت بطائر يطعم فرخا. فتحركت لذلك ~~نفسها للولد فدعت الله تعالى ، وقالت : اللهم لك علي ، إن رزقتني ولدا ، أن ~~أتصدق به على بيت المقدس ، يكون من سدنته وخدمه ، فحملت بمريم ، فهلك عمران ~~، وحنة حامل بمريم ، {فلما وضعتها} أي : النذيرة ، أو ما في بطنها ، قالت : ~~{رب إني وضعتها أنثى} ، قالت ذلك تحسرا وتحزنا إلى ربها ، لأنها كانت ترجوا ~~أن تلد ذكرا يصلح للخدمة ، ولذلك نذرته. # قال تعالى : {والله أعلم بما وضعت} ، تعظيما لموضوعها وتنويها بشأنها ، ~~أو من كلامها - على قراءة التكلم - تسلية لنفسها ، أي : ولعل لله فيه سرا ، ~~قال تعالى : {وليس الذكر كالأنثى} أي : وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي ~~وهبت ، أو من كلامها ، أي : وليس الذكر والأنثى سيان فما نذرت. ثم قالت : ~~{وإني سميتها مريم} ms0298 راجية أن يطابق اسمها فعلها ، فإن مريم في نعتهم في ~~العابدة الخادمة ، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن ، وفي الحديث ~~عنه صلى الله عليه وسلم : " حسبك من نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، ~~وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه ~~وسلم ". ثم قالت حنة أم مريم : {وإني أعيذها بك} أي : أحصنها بك {وذريتها ~~من الشيطان الرجيم} أي : المرجوم بالشهب ، أو المطرود ، وفي الحديث : " ما ~~من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه ، إلا مريم وابنها ~~" ومعناه : أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود ، بحيث يتأثر به ، إلا مريم ~~وابنها لمكان الاستعاذة ، قلت : وكذا الأنبياء كلهم ، لا يمسهم لمكان ~~العصمة. والله أعلم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 311 PageV01P414 ~~فتقبلها ربها} أي : رضيها في النذر مكان الذكر ، {بقبول حسن} أي : بوجه حسن ~~، وهو إقامتها مقام الذكر ، وتسلمها للخدمة عقب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح ~~للسدانة ، روي : أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة ، وحملتها إلى المسجد ، ~~ووضعتها عند الأحبار ، وقالت : دونكم هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها ، فأنها ~~كانت ابنة إمامهم ، وصاحب قربانهم ، فإن (بني ماثان) كانت رؤوس بني إسرائيل ~~وملوكهم ، فقال زكريا : أنا # 312 # أحق بها ، عندي خالتها ، فأبوا إلا القرعة ، وكانوا سبعة وعشرين ، ~~فانطلقوا إلى نهر ، فألقوا فيه أقلامهم ، فطفا قلم زكريا - أي : علا - على ~~وجه الماء ، ورسبت أقلامهم ، فأخذها زكريا. # {وأنبتها} الله {نباتا حسنا} أي : رباها تربية حسنة ، فكانت تشب في اليوم ~~ما يشب المولود في العام ، {وكفلها زكريا} أي : ضمها إليه وقام بأمرها. ~~وقرأ عاصم - في رواية ابن عياش - بشد الفاء ، أي : وكفلها الله زكريا ، أي ~~: جعله كافلا لها وحاضنا. روي : أنه لما ضمها إليه بنى لها بيتا ، واسترضع ~~لها ، فلما بلغت ، بنى لها محرابا في المسجد ، وجعل بابه في وسطه لا يرقى ~~إليها إلا بسلم ، ولا يصعد إليها غيره ، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل ~~يوم ، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب. {كلما دخل عليها زكريا المحراب} ~~؛ ليأتيها بطعامها ، {وجد عندها ms0299 رزقا} أي : فاكهة في غير حينها ، يجد فاكهة ~~الشتاء في الصيف ، وبالعكس ، {قال يا مريم أنى لك هذا} أي : من أين لك هذا ~~الرزق الآتي في غير أوانه ، والأبواب مغلقة عليك ؟ {قالت هو من عند الله} ~~فلا يستبعد ، قيل : تكلمت صغيرة ، وقيل : لم ترضع ثديا قط ، خلاف ما تقدم ، ~~وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. PageV01P415 # ثم قالت : {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} أي : بغير تقدير ، أو بغير ~~استحقاق تفضلا منه ، وقوله : {كلما} : يقتضي التكرار ، وفيه إشارة إلى أن ~~زكريا لم يذر تعهدها ، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها ، بل كان يتفقد ~~حالها كل وقت ، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعا ، بل يجوز ~~أن يظهر ذلك عليهم دائما وألا يظهر ، فما كان زكريا معتمدا على ذلك ، فيترك ~~تفقد حالها ، ثم كان يجدد السؤال بقوله : {يا مريم أنى لك هذا} ، لجواز أن ~~يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمسن فإنه لا واجب على الله - ~~سبحانه - قاله القشيري. # جزء : 1 رقم الصفحة : 311 # روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم ~~الطعام ، فقام في منازل أزواجه ، فلم يصب عندهم شيئا ، فأتى فاطمة فقال : " ~~يا بنية ، هل عندك شيء ؟ " فقالت : لا والله ، بأبي أنت وأمي ، فلما خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، بعثت إليها جارتها برغيفين وبضعة لحم ، فبعثت ~~حسنا وحسينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء ، فكشفت له الجفنة ، فإذا ~~الجفنة مملوءة خبزا ولحما ، فبهتت ، وعرفت أنها بركة من الله تعالى ، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : " من أين لك هذا يا بنية ؟ " قالت : {من عند ~~الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} ، فحمد الله تعالى ، وقال : " الحمد ~~لله الذي جعلك شبيهة بسيدة بني إسرائيل ، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا ~~قالت : {هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} " ثم بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه. ms0300 ثم أكل أهل البيت كلهم ، وجميع ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وبقيت الجفنة كما هي ، فأوسعت على ~~الجيران ، وجعل الله فيها بركة وخيرا. انتهى. # 313 PageV01P416 ~~الإشارة : {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} ، ~~إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل ؛ لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس ~~أنواره ، وجددوه بعد خمود أسراره ، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء ، ~~فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية ، بحيث يجدد للناس دينهم ، ~~ويبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق ، فهو ممن اصطفاه ~~الله على عالمي زمانه. وفي الحيدث : " إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من ~~يجدد لهذه الأمة دينها " قال الحريري : (مات الحسن البصري عشية جمعة - أي : ~~بعد زوالها - فلما صلى الناس الجمعة حملوه ، فلم يترك الناس صلاة العصر في ~~مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام ، إلا يوم مات الحسن ، واتبع الناس ~~جنازته ، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر ، قال : وسمعت مناديا ينادي : ~~{إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} ، واصطفى ~~الحسن على أهل زمانه. قلت : والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوف ، وتكلم ~~فيه وهذبه. قال في القوت : وهو إمامنا في هذا العلم - يعني علم التصوف. # وقوله تعالى : {إذ قالت امرأة عمران}... الآية. كل من ذنر نفسه وحررها ~~لخدمة مولاه ، تقبلها الله منه بقبول حسن ، وأنبت فيها المعرفة نباتا حسنا ~~، وكفلها بحفظه ورعايته ، وضمها إليه بسابق عنايته ، ورزقها من طرف الحكم ~~وفواكه العلوم ، مما لا يتحيط به العقول وغاية الفهوم ، فإذا قال لنفسه : ~~من أين لك هذا ؟ {قالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}. ~~وأنشدوا : # جزء : 1 رقم الصفحة : 311 # فلا عمل مني إليه اكتسبته # سوى محض فضل ، لا بشيء يعلل PageV01P417 ~~وقال القشيري : قوله تعالى : {فتقبلها ربها بقبول حسن} ، يقال : من القبول ~~الحسن أنه لم يطرح كلها وشغلها على زكريا ، فكان إذا دخل عليها زكريا ~~ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقا ، ليعلم العالمون أن ms0301 الله - تعالى - لا ~~يلقى شغل أوليائه على غيره ، ومن خدم وليا من أوليائه كان هو في رفق الولي ~~، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء ، يعلم أنه في رفقهم ، لا أن الفقراء تحت ~~رفقه. ه. # قال أهل التفسير : فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير ~~أوانها ، قال : إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها ، قادر ~~على أن يصلح زوجتي ، ويهب لي ولدا على الكبر. فطلب الولد. # جزء : 1 رقم الصفحة : 311 # قلت : {هنالك} : اسم إشارة للبعيد ، والكاف : حرف خطاب ، يطابق المخاطب ~~في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع في الغالب. والمحراب : مفعال ، من ~~الحرب ، وهو الموضع المعد للعبادة ، كالمسجد ونحوه ، سمي به ، لأنه محل ~~محاربة الشيطان. # {والملائكة} : جمع تكسير ، يجوز في فعله التذكير والتأنيث ، وهو أحسن ، ~~تقول : قام الرجال وقامت الرجال ، فمن قرأ : {فنادته الملائكة} ، فعلى ~~تأويل الجماعة ، ومن قرأ : {فناداه} ، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث ، ~~ردا على الكفار. والمراد هنا : جبريل عليه السلام كقوله : {ينزل الملائكة ~~بالروح} [النحل : 2] ، {وإذ قالت الملائكة يا مريم} [آل عمران : 42] ، ~~و{بشر} : فيها لغتان : التخفيف ، وهي لغة تهامة ، تقول : بشر يبشر - بضم ~~الشين في المضارع ، والتشديد ، وهو أفصح ، تقول بشر يبشر تبشيرا. PageV01P418 # يقول الحق جل جلاله : مخبرا عن زكريا عليه السلام : {هنالك} أي : في ذلك ~~الوقت الذي رأى من الخوارق عند مريم ، {دعا زكريا ربه} ، فدخل المحراب ، ~~وغلق الأبواب ، وقال في مناجاته : {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة} ، كما ~~وهبتها لحنة العجوز العاقر ، {إنك سميع الدعاء} أي : مجيبه فاسمع دعائي يا ~~مجيب ، {فنادته الملائكة} ، وهو جبريل ، لأنه رئيس الملائكة ، والعرب تنادي ~~الرئيس بلفظ الجميع ؛ إذ لا يخلو من أصحاب ، {وهو قائم يصلي في المحراب} ~~روي : أنه كان قائما يصلي في محرابه ، فدخل عليه شاب ، عليه ثياب بيض ، ~~ففزع منه ، فناداه ، وقال له : {إن الله يبشرك بيحيى} ، سمي به ؛ لأن الله ~~تعالى أحيا به عقم أمه ، أو لأن الله تعالى أحيا قلبه بمعرفته ، فلم يهم ~~بمعصية قط ، أو لأنه استشهد ، والشهداء أحياء. ms0302 # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 314 # مصدقا بكلمة من الله} وهو عيسى ، لأنه كان بكلمة : كن ، من غير سبب عادي ~~، و{سيدا} أي : يسود قومه يوفوقهم ، و{حصورا} ، أي : مبالغا في حبس النفس ~~عن الشهوات والملاهي. روي أنه مر في صباه على صبيان ، فدعوه إلى اللعب ، ~~فقال : ما للعب خلقت ، أو عنينا ، روي : " أنه كان له ذكر كالقذاة " رواه ~~ابن عباس. وقال في الأساس : (رجل حصور : لا يرغب في النساء). قيل : كان ذلك ~~فضيلة في تلك الشريعة ، بخلاف شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وفي الورتجبي ~~: الحصور : الذي يملك ولا يملك. وقال القشيري : {حصورا} : أي : معتقا من ~~الشهوات ، مكفيا أحكام البشرية ، مع كونه من جملة البشر ، {ونبيا من ~~الصالحين} الذي صلحوا للنبوة وتأهلوا للحضرة. # 315 PageV01P419 ~~ولما سمع البشارة هزه الفرح فقال : يا {رب أنى يكون لي غلام} أي : من أين ~~يكون لي غلام ؟ ! قاله استعظاما أو تعجبا أو استفهاما عن كيفية حدوثه. هل ~~مع كبر السن والعقم ، أو مع زوالهما. {وقد بلغني الكبر} ، وكان له تسع ~~وتسعون سنة ، وقيل : مائة وعشرون ، {وامرأتي عاقر} لا تلد ، ولم يقل : ~~عاقرة ، لأنه وصف خاص بالنساء. قال له جبريل : {كذلك الله يفعل ما يشاء} من ~~العجائب والخوارق ، فيخلق الولد من العاقر والشيخ الفاني ، أو الأمر كذلك ، ~~أي : كما أخبرتك ، ثم استأنف : {الله يفعل ما يشاء}. # ولما تحقق بالبشارة طلب العلامة ، فقال : {رب اجعل لي آية} أعرف بها حمل ~~المرأة ، لاستقبله بالبشاشة والشكر ، {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام} ~~أي : لا تقدر على كلام الناس ثلاثا ، فحبس لسانه عن الكلام دون الذكر ~~والشكر ، ليخلص المدة للذكر والشكر ، {إلا رمزا} بيد أورأس أو حاجب أو عين. ~~{واذكر ربك كثيرا} في هذه المدة التي حبست فيها عن الكلام ، وهو يبين الغرض ~~من الحبس عن الكلام. وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. ~~{وسبح بالعشي} أي : من الزوال إلى الغروب ، أو من العصر إلى جزء الليل ، ~~{والإبكار} ؛ من الفجر إلى الضحى ، وقيل : كانت صلاتهم ركعتين في الفجر ~~وركعتين ms0303 في المغرب ، ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية الأخرى : {فأوحى إليهم ~~أن سبحوا بكرة وعشيا} [مريم : 11]. والله تعالى أعلم. PageV01P420 # الإشارة : الأصلاب الروحانية كالأصلاب الجسمانية ، منها ما تكون عقيمة مع ~~كمالها ، ومنها ما تكون لها ولد أو ولدان ، ومنها ما تكون لها أولاد كثيرة ~~، ويؤخذ من قضية السيد زكريا عليه السلام : طلب الولد ؛ إذا خاف الولي ~~اندراس علمه أو حاله بانقطاع نسله الروحاني ، ولا شك في فضل بقاء النسل ~~الحسي أو المعنوي ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " إذا مات العبد انقطع ~~عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو ولد صالح يدعوا له ، أو علم ينتفع به " ~~وشمل الولد البشري والروحاني ، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي - كرم ~~الله وجهه - : " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ". وقال ~~بعض الشعراء : # جزء : 1 رقم الصفحة : 314 # والمرء في ميزانه أتباعه # فاقدر إذن قدر النبي محمد # وقد سلك هذا المسلك القطب بن مشيش في طلب الولد الروحاني ، حيث قال في ~~تصليته المشهورة : (اسمه ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا). فأجابه الحق ~~تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلي. وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة ~~، ونارى نداء خفيا في صلاة الفكر ، فأجابته الهواتف في الحال ، بلسان الحال ~~أو المقال : إن الله يبشرك بمن يحيي علمك ويرث حالك ، مصدقا بكلمة من الله ~~، وهم أولياء الله ، وسيدا # 316 # وحصورا عن شواغل الحس ، مستغرقا في مشاهدة القرب والأنس ، ينبئ بعلم ~~الغيوب ، ويصلح خلل القلوب ، فإذا استعظم ذلك واستغربه ، قيل له : الأمر ~~كذلك ، (الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، فحسبك ~~الاشتغال بذكر الله ، والغيبة عما سواه. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى ~~سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 314 PageV01P421 ~~يقول الحق جل جلاله : واذكر {إذ قالت الملائكة} أي : جبريل ، أو جماعة ، ~~كلمتها شفاها ؛ كرامة لها. وفيه إثبات كرامة الأولياء ، وليست نبية ؛ ~~للإجماع على أنه تعالى لم يستنبئ امرأة ؛ لقوله : {ومآ أرسلنا قبلك إلا ~~رجالا نوحى إليهم} [الأنبياء : 7] فقالوا لها : {يا ms0304 مريم إن الله اصطفاك} ~~لخدمة بيته ، ولم يقبل قبلك أنثى قط ، وفرغك لعبادته ، وأغناك برزقه عن رزق ~~غيره ، {وطهرك} من الأخلاق الذميمة ، ومما يستقذر من النساء ، {وصطفاك} ~~ثانيا بهدايته لك ، وتخصيصك بتكليم الملائكة ، وبالبشارة بالولد من غير أب ~~، فقد اصطفاك {على نساء العالمين}. # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من ~~النساء إلا مريم ابنة عمران ، وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد " . ~~الحديث. قال ابن عزيز : أي : عالمي دهرها ، كما فضلت خديجة وفاطمة بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على نساء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، بل قال ~~أبو عمر : فاطمة فضلت على جميع النساء ، وهو واضح ، لحديث : سيدة نساء أهل ~~الجنة ، لكن جاء في حديث آخر استثناء مريم. فالله أعلم. # وفي الاستيعاب : عن عمران بن حصين : أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد ~~فاطمة ، وهي مريضة ، فقال : " كيف تجدك يا بنية ؟ " فقالت له : إني لوجعة ، ~~وإنه ليزيدني أني مالي طعام آكله ، فقال : " يا بنية ، أما ترضين أنك سيدة ~~نساء العالمين " ، فقالت : يا أبت ، فأين مريم بنت عمران ؟ قال : " تلك ~~سيدة نساء عالمها ، وأنت سيدة عالمك ، والله لقد زوجتك سيدا في الدنيا ~~والآخرة " ه. من المحشي. PageV01P422 # {يا مريم اقنتي لربك} أي : أطيلي الصلاة شكرا لما اختصك به ، {واسجدي ~~واركعي مع الراكعين} أي : صلي مع المصلين ، وقدم السجود على الركوع ، أما ~~لكونه كذلك في شرعهم ، أو للتنبيه على أن الواو لا ترتب ، أو ليقترن ~~{اركعي} بالراكعين ، للإيذان بأن من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا بمصلين. وقيل ~~: المراد بالقنوت : إدامة الطاعة ، كقوله : {أمن هو قانت ءانآء اليل ساجدا ~~وقآئما} [الزمر : 9] ، وبالسجود ، الصلاة ، لقوله : {وإدبار السجود} ، ~~وبالركوع : الخشوع والإخبات. قاله البيضاوي. وقال # 317 # الأوزاعي : لما قالت لها الملائكة ذلك ، قامت في الصلاة حتى تورمت قدمها ~~وسالت دما وقيحا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 317 # الإشارة : لا يصطفي الله العبد لحضرته إلا بعد تطهيره من الرذائل ، ~~وتحليته بأنواع الفضائل ، وقطعه عن قلبه الشواغل ، والقيام بوظائف العبودية ~~، وبالآداب ms0305 مع عظمة الربوبية ، والخضوم تحت مجاري الأقدار ، والتسليم ~~لأحكام الواحد القهار ، فأنفاس المريد ثلاثة : عبادة ، ثم عبودية ، ثم ~~عبودة ، ثم يترقى إلى مطالعة علم الغيوب. # جزء : 1 رقم الصفحة : 317 # يقول الحق جل جلاله : لحبيبه صلى الله عليه وسلم : {ذلك} القصص الذي ~~أطلعتك عليه ، هو {من} أخبار {الغيب} الذي لم يكن لك به شعور ، وما عرفته ~~إلا بوحينا وإعلامنا ، فلا يشك في نبوتك إلا مطموس أعمى ، {و} أيضا : {ما ~~كنت لديهم} أي : عندهم ، حين كانوا {يلقون أقلامهم} لما اقترعوا ، {أيهم ~~يكفل مريم ، وما كنت لديهم إذ يختصمون} في كفالتها ، فتخبرهم عما شهدت ، بل ~~لم يكن شيء من ذلك ، فتعين أن يكون وحيا حقيقيا ، لأنه عليه الصلاة والسلام ~~- كان أميا لم يطالع شيئا من كتب الأخبار ، ولا جلس إلى من طالعهم من ~~الأحبار ، بإجماع الخاص والعام. والله تعالى أعلم. PageV01P423 # الإشارة : اعلم أن الوحي على أربعة أقسام : وحي منام ، ووحي إلهام ، ووحي ~~أحكام ، ووحي إعلام ، وشاركت الأولياء الأنبياء في ثلاثة : الإلهام والمنام ~~والإعلام ، إن كان بغير الملك ، ومعنى وحي إعلام : هو إطلاع الله النبي على ~~أمور مغيبة ، فإن كان بواسطة الملك ، فهو مختص بالأنبياء ، كما اختصت بوحي ~~الأحكام ، وأما إن كان بالإلهام أو بالمنام أو بالفهم عن الله ، فيكون أيضا ~~للأولياء ، إذ الروح إذا اتصفت وتطهرت من دنس الحس أطلعها الله على غيبه في ~~الجملة ، وأما التفصيل فلا يعلمه إلا علام الغيوب ، والله أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 317 # قلت : {إذ قالت} : بدل من {وإذ قالت} الأولى ، ويبعد إبدالها من {إذ ~~يختصمون} ، و{المسيح} وما بعده : إخبار عن اسمه ، أو {عيسى} : خبر عن مضمر ~~، و{ابن مريم} : صفته ، و{المسيح} : فعيل بمعنى مفعول ، لأنه مسح من ~~الأقذار ، أي : طهر منها ، أو مسح بالبركة ، أو كان مسيح القدم ، لا أخمص ~~له ، أو مسحه جبريل بجناحه من الشيطان. أو بمعنى فاعل ؛ لأنه كان يمسح ~~المرضى فيبرؤون ، أو يمسح عين الأعمى فيبصر ، أو لأنه كان يسيح في الأرض ~~ولا يقيم في مكان ؛ فتكون الميم زائدة. # وأما المسيح الدجال ms0306 فإنه ممسوح إحدى العينين ، أو لأنه يطوف الأرض ~~ويمسحها ، إلا مكة والمدينة ، والحاصل : أن عيسى مسيح الخير ، والدجال مسيح ~~الشر ، ولذلك قيل : إن المسيح يقتل المسيح. و{وجيها} : حال من كلمة ؛ ~~لتخصيصه بالصفة ، و{في المهد وكهلا} : حالان ، أي : طفلا وكهلا ، والمهد : ~~ما يمهد للصبي. و{رسولا} : مفعول لمحذوف ، أي : ونجعله رسولا ، و{مصدقا} : ~~عطف على {رسولا} ، و{لأحل} : متعلق بمحذوف ، أي : وجئتكم لأحل ، أو معطوف ~~على معنى مصدقا ، كقولهم : جئتك معتذرا ، أو لأطيب قلبك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 318 PageV01P424 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر أيضا {إذ قالت الملائكة} في بشارتهم لمريم : ~~{يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} ، أي : بولد يتكون بكلمة من الله ؛ كن ~~فيكون ، وقيل : إنما سمى كلمة ؛ لكونه مظهرا لكلمة التكوين ، متحققا ~~ومتصرفا بها. ولذلك كان يظهر عليه خوارق الأقدار أكثر من غيره من الأنبياء ~~، {اسمه المسيح} ، واسمه {عيسى ابن مريم} ، وإنما قال : {ابن مريم} والخطاب ~~لها ، تنبيها على أنه يولد من غير أب ؛ إذ الأولاد إنما تنسب لأبائها إلا ~~إذا فقد الأب. ثم وصف الولد بقوله : {وجيها في الدنيا والآخرة} أي : شريفا ~~في الدنيا بالنبوة والرسالة ، وفي الآخرة بالشفاعة لمن تبعه. ويكون {من ~~المقربين} إلى الله تعالى في الدارين. # {ويكلم الناس} طفلا {في المهد} على وجه خرق العادة في تبرئة أمه ، ~~{وكهلا} إذا كمل عقله قبل أن يرفع ، أو بعد الرفع والنزول ، لأن الكهولة ~~بعد الأربعين ، # 319 # والتحقيق : أنه بشرها بنبوة عيسى وكلامه في المهد ، معجزة ، وفي الكهولة ~~دعوة قبل الرفع وبعده ، وما قارب يعطي حكمه ، وحال كونه {من الصالحين} ~~لحضرة رب العالمين. PageV01P425 # ولما سمعت البشارة دهشت و{قالت} : يا {رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} ~~، والخطاب لله ، فانية عن الواسطة جبريل ، والاستفهام تعجبا ، أو عن ~~الكيفية : هل يكون بتزوج أم لا ؟ {قال} لها الملك : {كذلك الله يخلق ما ~~يشاء}. أو الأمر كذلك كما تقولين ، لكن {الله يخلق ما يشاء} ؛ لا يحتاج إلى ~~وسائط ولا أسباب ، بل {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} ، {ويعلمه ~~الكتاب} أي ms0307 : الكتابة والخط ، {والحكمة} أي : النبوة ، أو الإصابة في الرأي ~~: {والتوراة والإنجيل}. {و} يجعله {رسولا إلى بني إسرائيل}. وكان أول رسل ~~بني إسرائيل يوسف ، وآخرهم عيسى - عليهما السلام - ، وقال : عليه الصلاة ~~والسلام : " بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي ، أربعة آلاف من بني إسرائيل " ~~فإذا بعث إليهم قال : {أني قد جئتكم بآية من ربكم} أي : بأني قد جئتكم آية ~~من ربكم ، قالوا : وما هي ؟ قال : {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير} ؛ ~~كصورته ، {فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله} ، وكان يخلق لهم صورة الخفاش ، ~~لأنها أكمل الطير ؛ لأن لها ثديا وأسنانا وتحيض وتطير ، فيكون أبلغ في ~~المعجزة ، وكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، فإذا غاب عنهم سقط ميتا ؛ ~~ليتميز فعل الحق من فعل الخلق ، # ثم قال لهم : ولي معجزة أخرى ؛ أني {أبرئ الأكمه} الذي ولد أعمى ، فأحرى ~~غيره {والأبرص} الذي فيه وضح. وخصهما ؛ لأنهما عاهتان معضلتان. وكان الغالب ~~في زمن عيسى الطب ، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. روي : أنه ربما اجتمع عليه ~~من المرضى في اليوم الواحد ألوف ، من أطاف منهم البلوغ أتاه ، ومن لم يطق ~~أتاه عيسى عليه السلام ، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 318 PageV01P426 ~~وأحيي الموتى بإذن الله} لا بقدرتي دفعا لتوهم الألوهية ، فإن الإحياء ليس ~~من طوق البشر. روي أنه أحيا أربعة أنفس : (العازر) ، وكان صديقا له ، ~~فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت ، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام ~~فوجده مات ، فقال لأخته : انطلقي بنا إلى قبره ، وهو في صخرة مطبقة ، فدعا ~~الله تعالى ، # 320 # فقام العازر يقطر ودكه ، فعاش وولده له. و(ابن العجوز) ، مر بجنازته على ~~عيسى عليه السلام فدعا الله تعالى ، فجلس على سريره ، ونزل عن أعناق الرجال ~~، ولبس ثيابه ، وحمل سريره على عنقه ، ورجع إلى أهله ، وبقي حتى ولد له. ~~و(ابنة العاشر) ، كان يأخذ العشور ، قيل له : أتحييها ، وقد ماتت أمس ؟ ~~فدعا الله تعالى ، فعاشت وولد لها. و(سام بن نوح) ، دعا باسم الله الأعظم ، ~~فخرج من قبره ، وقد ms0308 شاب نصف رأسه ، فقال : أقامت الساعة ؟ قال : لا ، لكني ~~دعوت الله فأحياك ، ما لي أرى الشيب في رأسك ، ولم يكن في زمانك ؟ قال : ~~سمعت الصيحة ، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها. قيل : كان يحيي الموتى ~~ب {يا حي يا قيوم}. # {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} ، لما أبرأ الأكمه والأبرص ~~قالوا ، هذا سحر ، أخبرنا بما نأكل وما ندخر ؟ فكان يخبر الرجل بما يأكل في ~~غدائه وعشائه ، وروي أنه لما كان في المكتب ، كان يحدث الغلمان بما يصنع ~~لهم آباؤهم من الطعام ، فيقول للغلام : انطلق... غداء أهلك كذا وكذا ، ~~فيقول أهله : من أخبرك بهذا ؟ قال : عيسى ، فحبسوا صبيانهم عنه ، وقالوا : ~~لا تلعبوا مع هذا الساحر ، فجمعوهم في بيت ، فجاء عيسى يطلبهم ، فقالوا : ~~ليسوا ههنا ، قال : ماذا في البيت ؟ قالوا : خنازير ، قال عيسى : كذلك ~~يكونون ، ففتحوا الباب ، فإذا هم خنازير ، فهموا بقتله ، فهربت به أمه إلى ~~مصر. قاله السدي. PageV01P427 # ثم قال لهم : {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} ، فإن غير المؤمنين لا ~~ينتفع بالمعجزات لعناده ، {ومصدقا لما بين يدي من التوراة} أي : وجئتكم ~~مصدقا للتوراة ، وشاهدا على صحتها ، {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} في ~~شريعة موسى عليه السلام كالشحوم والثروب ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا ~~يدل على أنه ناسخ للتوراة ، ولا يخل بكونه مصدقا له ، كما لا يخل نسخ ~~القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة : بيان لانتهاء العمل بذلك ~~الحكم. ثم قال لهم : {و} قد {جئتكم بآية} واضحة {من ربكم} ، قد شاهدتموها ~~بأعينكم ، فما بقي إلا عنادكم ، {فاتقوا الله وأطيعون}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 318 # ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال : {إن الله ربي وربكم فاعبدوه} ~~ولا تعبدوا معه سواه ، {هذا صراط مستقيم} لا عوج فيه. قال البيضاوي : أي : ~~لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة ، {فاتقوا الله} في المخالفة ~~، {وأطيعون} فيما أدعوكم إليه ، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول ~~المجمل ، فقال : {إن الله ربي وربكم} ؛ أشار إلى استكمال القوة النظرية ~~بالاعتقاد ms0309 الحق الذي غايته التوحيد ، وقال : {فاعبدوه} ؛ إشارة إلى استكمال ~~القوة العملية بملازمة الطاعة ، التي هي الإتيان # 321 PageV01P428 ~~بالأوامر والانتهاء عن المناهي ، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو ~~الطريق المشهود له بالاستقامة ، ونظيره : قوله عليه الصلاة والسلام : " قل ~~آمنت بالله ثم استقم ". الإشارة : كل من انقطع بكليته إلى مولاه ، وصدف عن ~~حظوظه ، وهواه ، وأفنى شبابه في طاعة ربه ، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه ~~، تحققت له البشارة في العاجل والآجل ، وحصل له التطهير من درن العيوب ~~والرذائل ، ورزقه من فواكه العلوم ، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم ، ~~هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها ، فقربها إليه وتولاها ، ~~وبشرها بالاصطفائية والتطهير ، وأمرها شكرا بالجد والتشمير ، ثم بشرها ~~ثانيا بالولد النزيه والسيد النبيه ، روح الله وكلمة الله ، من غير أب ولا ~~سبب ، ولا معالجة ولا تعب ، أمره بأمر الله ، يبئ الأكمه والأبرص ويحيي ~~الموتى بإذن الله ، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع. # قال صلى الله عليه وسلم : " من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ، ورزقه ~~من حيث لا يحتسب ، ومن انطقع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليها ". وقال ~~بعضهم : صدق المجاهدة : الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله ~~في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر ، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى ~~الكبر ، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن ~~الله ، كذلك من انقطع بكليته إلى الله أبرأ القلوب السقيمة بإذن الله ، ~~وأحيا موتى القلوب بذكر الله ، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب ، يدل ~~على طاعة الله ، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله ، يهدي الناس إلى الصراط ~~المستقيم ، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق ، وهو الهادي ~~إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 318 PageV01P429 ~~قلت : {من أنصاري إلى الله} : الجار يتعلق بحال محذوفة ، أي : ذاهبا إلى ~~الله إلى نصر دينه ، أو مضيفا نفسه إلى الله ، أو ملتجئا إلى الله ، أو ~~يتعلق ب {أنصاري} ؛ مضمنا معنى الإضافة ، أي : من يضيف نفسه إلى الله في ms0310 ~~نصره. وحواري الرجل : خاصته ، # 322 # الذي يستعين بهم في نوائبه ، وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام- : " ~~لكل نبي حواري ، وحواريي ، الزبير " وحواريوا عيسى : أصحابه الذين نصروه ، ~~وسموا بذلك لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم. والحور : البياض الخالص ، وكل شيء ~~بيضته فقد حورته ، ويقال للبيضاء من النساء : حوارية. وقيل : كان الحواريون ~~قصارين ، يحورون الثياب ، أي : يبيضونها ، وقيل : كانوا ملوكا يلبسون ~~البياض. # يقول الحق جل جلاله : {فلما أحسن عيسى} من بني إسرائيل {الكفر} ، وتحققه ~~تحقق ما يدرك بالحواس ، بعدما بعث إليهم ، وأرادوا قتله ، فر منهم واستنصر ~~عليهم ، و{قال من أنصاري} ملجئا {إلى الله} ، أو ذاهبا إلى نصر دينه ، {قال ~~الحواريون نحن أنصار الله} أي : أنصار دينه ، {آمنا بالله وأشهد} علينا ~~بأننا {مسلمون} ؛ لتشهد لنا يوم القيامة ، حين يشهد الرسل لقومهم ، {ربنا ~~آمنا بما أنزلت} على نبيك من الأحكام ، {واتبعنا الرسول} عيسى عليه السلام ~~، {فاكتبنا مع الشاهدين} بوحدانيتك ، أو مع الذين يشهدون لأنبيائك بالصدق ، ~~أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم ، أو مع أمة محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - فإنهم شهداء على الناس. PageV01P430 # قال عطاء : سلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى ، وآخر ما دفعته إلى الحواريين ، ~~وكانوا قصارين وصباغين ، فأراد معلم عيسى السفر ، فقال لعيسى : عندي ثياب ~~كثيرة مختلفة الألوان ، وقد علمتك الحرفة فاصبغها ، فطبخ جبا ، واحدا ، ~~وأدخل فيه جميع الثياب ، وقال لها : كوني على ما أريد ، فقدم الحواري ، ~~والثياب كلها في الجب ، فلما رآها قال : قد أفسدتها ، فأخرج عيسى ثوبا أصفر ~~، وأحمر ، وأخضر ، إلى غير ذلك ، فعجب الحواري ، وعلم أن ذلك من الله تعالى ~~، ودعا الناس إليه ، وآمنوا به ، ونصروه ، فهم الحواريون. # جزء : 1 رقم الصفحة : 322 # ولما أخرجه بنو إسرائيل عاد إليهم مع الحواريين ، وصاح فيهم بالدعوة ، ~~فهموا بقتله ، وتواطؤوا عليه ، {ومكروا} أي : دبروا الحيل في قتله ، {ومكر ~~الله} بهم ، أي : استدرجهم حتى قتلوا صاحبهم ، ورفع عيسى عليه السلام ، ~~فالمكر في الأصل : هو حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة. ولا تسند إلى الله إلى ~~على حسب المقابلة والازدواج : كقوله : {يخادعون الله وهو خادعهم} النساء : ~~142] ، وقوله : {الله ms0311 يستهزئ بهم} [البقرة : 15] ، {والله خير الماكرين}. ~~أي : أشدهم مكرا ، وأقواهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب ، أو أفضل ~~المجازين بالعقوبة ؛ لأنه لا أحد أقدر على ذلك منه. # 323 # تنبيه : قيل للجنيد رضي الله عنه : كيف رضي المكر لنفسه ، وقد عابه على ~~غيره ؟ قال : لا أدري ، ولكن أنشدني فلان للطبرانية : # فديتك قد جبلت على هواك # ونفسي ما تحن إلى سواك # > أحبك ، لا ببعضي بل بكلي # وإن يبق حبك لي حراكا # ويقبح من سواك الفعل عندي # وتفعله فيحسن منك ذاك # فقال له السائل : أسألك عن القرآن ، وتجيبني بشعر الطبرانية ؟ قال : ويحك ~~، قد أجبتك إن كنت تعقل. إن تخليته إياهم مع المكرية ، مكر منه بهم. ه. PageV01P431 # قلت : وجه الشاهد في قوله : (وتفعله فيحسن منك ذاك) ، ومضمن جوابه : أن فعل ~~الله كله حسن في غاية الإتقان ، لا عيب فيه ولا نقصان ، كما قال صاحب ~~العينية : # وكل قبيح إن نسبت لحسنه # أتتك معاني الحسن فيه تسارع # يكمل نقصان القبيح جماله # فما ثم نقصان ولا ثم باشع # وتخليته تعالى إياهم مع المكر ، تسبب عنه الرفع إلى السماء ، وإبقاء عيسى ~~حيا إلى آخر الزمان ، حتى ينزل خليفة عن نبينا - عليه الصلاة والسلام - ، ~~فكان ذلك في غاية الكمال والإتقان ، لكن لا يفطن لهذا إلا أهل العرفان. # الإشارة : يجب على المريد الصادق الذي يطلب دواء قلبه ، أن يفر من الوطن ~~الذي يظهر فيه الإنكار ، إلى الوطن الذي يكثر فيه الإقرار ، يفر إلى من ~~يعينه على نصر الدين من الأبرار المقربين ، الذين يجعلهم الله حواري الدين ~~، ففي الحديث الصحيح : " خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال يفر من ~~الفتن " فالمؤمن يفر بدينه من شاهق جبل إلى شاهق جبل حتى يدركه الموت ، وما ~~زالت الأكابر تفر بنفسها إلى شواهق الجبال ، يهربون من حس الدنيا وشغبها ، ~~ولا يرافقون إلا من يستعين بهم على ذكر الله ، وهم أهل التجريد ، الذي ~~اصطفاهم الله لخالص التوحيد ، فروا إلى الله فآواهم الله ، قالوا : {آمنا ~~بالله وأشهد بأنا مسلمون} منقادون لما تريد منا ، {ربنا آمنا ms0312 بما أنزلت} من ~~الأحكام الجلالية والجمالية ، قد عرفناك في جميع الحالات ، {فاكتبنا مع ~~الشاهدين} لحضرتك ، المنعمين بشهود ذاتك ، ومن مكر بنا من القواطع الخفية ~~فغيبنا عنه بشهود أنوارك القدسية ، وانصرنا فإنك خير الناصرين ، ولا تدعنا ~~مع مكر الماكرين يا رب العالمين. # 324 # جزء : 1 رقم الصفحة : 322 PageV01P432 ~~قلت : {إذ قال} : ظرف لمقدر ، أي : اذكر ، أو وقع ذلك إذ قال ، أو لمكروا ، ~~و{متوفيك} أي : رافعك إلي وافيا تاما ، من قولهم : توفيت كذا واستوفيته : ~~قبضته وافيا تاما ، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم ~~الملكوت ، أو منيمك ؛ بدليل قوله تعالى : {وهوا الذي يتوفاكم باليل} ~~[الأنعام : 60] ، روي أنه رفع نائما ، والإجماع على أنه لم يمت ، قال تعالى ~~: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} ، وقوله : {ذلك} مبتدأ ، و{نتلوه} : ~~خبر ، و{من الآيات} : حال ، أو {من الآيات} : خبر ، و{نتلوه} : حال ، أو ~~خبر بعد خبر. # يقول الحق جل جلاله : اذكر {إذ قال الله} لعيسى عليه السلام لما أراد ~~رفعه : {يا عيسى إني متوفيك} ، أي : قابضك إلي ببدنك تاما ، {ورافعك إلي} ~~أي : إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ، {ومطهرك من الذين كفروا} أي : من ~~مخالطة دنس كفرهم ، {وجاعل الذين اتبعوك} ؛ ممن صدق بنبوتك من النصارى ~~والمسلمين ، وقال قتادة والشعبي والربيع : هم أهل الإسلام. ه. فوالله ما ~~اتبعه من ادعاه ربا ، فمن تبع دينه حقا وقد حقق الله فيهم هذا الأمر ، فإن ~~اليهود لم ترفع لهم راية قط ، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا. # ثم قال تعالى : {ثم إلي مرجعكم} بالبعث ، {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه ~~تختلفون} من أمر الدين وأمر عيسى. {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا ~~في الدنيا والآخرة} أي : فأجمع لهم عذابا الآخرة لعذاب الدنيا الذي أصابهم ~~فيها من القتل والسبي. {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم} ~~في الدارين بالنصر # 325 # والعز في الدنيا ، وبالرضا والرضوان في الآخرة ، {والله لا يحب الظالمين} ~~؛ لا يرضى فعلهم ولا يقربهم إليه. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 325 PageV01P433 ~~ذلك} الذي ذكرت لك من نبأ عيسى ms0313 ومريم ومن ذكر قبلهما ، {نتلوه عليك من ~~الآيات} أي : العلامات الدالة على صدقك ، لأنها أخبار عن أمور لم تشاهدها ~~ولم تقرأها في كتاب ، بل هي من {الذكر الحكيم} ، وهو القرآن المبين. # الإشارة : كل ما طهر سره من الأكدار ، وقدس روحه من دنس الأغيار ، ورفع ~~همته عن هذه الدار ، عرج الله بروحه إلى سماء الملكوت ، ورفع سره إلى ~~مشاهدة سنا الجبروت ، وبقي ذكره حيا لا يموت ، وجعل من انتسب إليه في عين ~~الرعاية والتعظيم ، وفي محل الرفعة والتكريم ، قال - عليه الصلاة والسلام - ~~: " هاجروا تكسبوا العز لأولادكم " ، فمن هاجر وطن الحظوظ والشهوات ، ~~والركون إلى العوائد والمألوفات ، عرجت روحه إلى سماء القدس ومحل الأنس ، ~~وتمكن من العز الذي لا يفنى ، ينسحب عليه وعلى أولاده ومن انتسب إليه ؛ إلى ~~أن يرث الأرض ومن عليها ، {وهو خير الوارثين}. هذه سنة الله في خلقه ، ~~لأنهم نصروا دين الله ورفعوا كلمة الله ، فنصرهم الله ، ورفعهم الله ، قال ~~تعالى : {إن تنصروا الله ينصركم} [محمد : 7] ، وقال تعالى : {وجعل كلمة ~~الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا} [التوبة : 40]. وفي الحكم : " إن ~~أردت أن يكون لك عز لا يفنى ، فلا تستعزن بعز يفنى ". والله تعالى أعلم. # وقال القشيري : الإشارة فيه : إني متوفيك عنك وقابضك منك ، ورافعك عن ~~نعوت البشرية ، ومطهرك عن إرادتك بالكلية ، حتى تكون مصدقا لنا بنا ، ولا ~~يكون لك من اختيارك شيء ، وتكون إسبال التولي عليك قائما ، وبهذا الوصف كان ~~يظهر على يده إحياء الموتى ، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة عليه. ~~ه. وقال الورتجبي : متوفيك عن رسم الحدوثية ، ورافعك إلي بنعت الربوبية ، ~~ومطهرك عن شوائب البشرية. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 325 PageV01P434 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن مثل عيسى عند الله} أي : إن شأنه الغريب في كونه ~~وجد من غير أب {كمثل آدم}. ثم فسر شأن آدم فقال : {خلقه من تراب} أي : خلق ~~قالبه من تراب ، {ثم} نفخ فيه الروح ، و{قال له كن فيكون} أي : فكان ، ~~فشأنه أغرب من شأن عيسى ، لأنه وجد من غير أب ولا ms0314 أم ، بخلاف عيسى عليه ~~السلام ، فلا يستغرب حاله ويتغالى فيه إلا من طبع الله على قلبه ، فاستعجز ~~القدرة الإلهية ، {وكان الله على # 326 # كل شيء مقتدرا}. هذا هو {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} أي : الشاكين ~~في مخلوقيته ، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، على طريق التهييج ~~لغيره ، أو لكل سامع. # وسبب نزول الآية : أن وفد نجران قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : مالك ~~تشتم صاحبنا ، فتقول : إنه عبد ؟ قال : أجل ، هو عبد الله ورسوله ، وكلمته ~~ألقاها إلى مريم العذارء البتول ، فغضبوا ، وقالوا : هل رأيت إنسانا قط من ~~غير أب ؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله. فنزلت : {إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~آدم}. أي : فهو أعجب من عيسى ، لكونه بلا واسطة أصلا. روي أن مريم حملت ~~بعيسى وهي بنت ثلاث عشر سنة ، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة ، ورفعه ~~إليه من بيت المقدس ليلة القدر ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وعاشت أمه بعد ~~رفعه ست سنين. PageV01P435 # قال عليه الصلاة والسلام : " أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ؛ لأنه لم يكن ~~بيني وبينه نبي ، فإنه نازل بأمتي وخليفتي فيهم ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، ~~فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، سبط الشعر ، كأن شعره يقطر ، وإن لم ~~يصبه بلل ، يدق الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويفيض المال ، وليسلكن الروحاء ~~حاجا أو معتمرا ، أو ليثنينهما جميعا ، ويقاتل الناس على الإسلام ، حتى ~~يهلك الله في زمانه الملل كلها ، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة ، ~~الكذاب الدجال ، وتقع في الأرض الأمنة ، حتى ترتفع الأسد مع الإبل ، والنمر ~~مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، ويلعب الغلمان بالحيات ، ويلبث في الأرض ~~أربعين سنة ، ثم يتزوج ويولد له ثم يتوفى. ، ويصلي المسلمون عليه " ~~ويدفنونه في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 326 PageV01P436 ~~الإشارة : اعلم أن الحق - جل جلاله - أظهر هذا الآدمي في شكل غريب ، وسر ~~عجيب ، جمع فيه بين الضدين ، وأودع فيه سر الكونين ، نوراني ظلماني ، ~~روحاني جسماني ، سماوي أرضي ، ملكوتي ملكي ، معنوي حسي ، أودع فيه ms0315 الروح ~~نورانية لاهوتية في نطفة ناسوتية ، فوقع التنازع بين الضدين ، فالروح تحن ~~إلى وطنها اللاهوتي ، والنطفة الطينية تحن إلى وطنها الناسوتي ، فمن غلب ~~روحانيته على طينته التحق بالروحانيين ، وكان من المقربين في أعلى عليين ، ~~فصارت همته منصرفة إلى طاعة مولاه ، والارتقاء إلى مشاهدة نوره وسناه ، ~~فانيا عن حظوظه وهواه ، من غلبت طينته على روحانيته التحق بالبهائم أو ~~الشياطين ، وانحط إلى أسفل سافلين ، وكانت همته منصرفة إلى حظوظة وهواه ، ~~غائبا عن ذكر مولاه ، قد اتخذ إلهه هواه. وتأمل قضية السيد عيسى عليه ~~السلام لما لم ينشأ من نطفة أمشاجية ، كيف غلبت روحانيته ، حيث لم تجد ما ~~يجذبها إلى الحضيض الطيني ، فلم يلتفت إلى هذا العالم الظلماني أصلا ، ~~وكذلك الأنبياء حيث طهروا من بقاياها في الأصالة ، والأولياء حيث طهروها ~~بالمجاهدة ، كيف صارت أرواحهم لا تشتاق إلا إلى الأذكار والعلوم # 327 # والأسرار ، فانية في محبة الواحد القهار ، حتى لحقت بوطنها ، ورجعت إلى ~~أصلها ، محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة والمساررة ، هذا هو الحق من ربك ~~فلا تكن من الممترين في إدراك الروح المقام ، إن لم يغلب عليها عالم ~~الصلصال. والله - تعالى - أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 326 # قلت : {أصل} {تعالوا} : تعاليوا ، على وزن تفاعلوا ، من العلو ، فقلبت ~~الياء ألفا ؛ لتحركها ، ثم حذفت ، ومن قرأ بالضم نقل ، وأصل معناها : ارتفع ~~، ثم أطلق على الأمر بالمجيء. والابتهال : التضرع والمبالغة في الدعاء. PageV01P437 # يقول الحق جل جلاله : {فمن} خاصمك يا محمد في شأن عيسى عليه السلام ، وكان ~~الذي خاصم في ذلك السيد والعاقب ، لما قدموا مع نصارى نجران على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : " أسلما " ، قالا : ~~قد أسلمنا قبلك ، قال : " كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما عيسى لله ~~ولدا ، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير " ، قالا : إن لم يكن عيسى ولدا ~~لله فمن أبوه ؟ فقال لهما النبي صلىالله عليه وسلم : ألستم تعلمون أنه لا ~~يكون ولد إلا وهو يشبه أباه ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا حي ~~لا يموت ، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ms0316 ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون ~~أن ربنا قيم كل شيء ، ويحفظه ، ويرزقه ؟ قالوا : بلى ، قال : فهل ملك عيسى ~~شيئا من ذلك ؟ فقالوا : لا. قال : ألستم تلعمون أن الله لا يخفى عليه شيء ~~في الأرض ولا في السماء ؟ قالوا : بلى ، قال : فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما ~~علم ؟ قالوا : لا. قال : فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، وربنا لا ~~يأكل ولا يشرب ولا يحدث ، قالوا : بلى. قال : ألستم تعلمون أن عيسى حملته ~~أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غذي كما يغذى ~~الصبي ، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث ؟ قالوا : بلى. قال : كيف يكون هذا كما ~~زعمتم ؟ فسكتوا " . فأنزل فيهم السورة إلى هنا. # فقال الحق لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : {فمن حاجك فيه} أي : في عيسى ~~من النصارى ، {من بعد ما جاءك من العلم} بعبوديته ، {فقل} لهم : {تعالوا} ~~نتلاعن ، أي : نلعن الكاذب منا ؛ {ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم} أي : يدعون كل واحد منا نفسه وأعزة أهله وألصفهم بقلبه ~~إلى المباهلة ، وإنما قدمهم على # 328 # النفس ؛ لأن الرجل يخاطر بنفسه دونهم ، فكان تقديمهم أبلغ في الابتهال ، ~~{ثم نبتهل} ، أي نجهد في الدعاء على الكاذب ، {فنجعل لعنة الله على ~~الكاذبين}. PageV01P438 # جزء : 1 رقم الصفحة : 328 PageV01P439 ~~فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ، ودعاهم إلى ~~المباهلة ، قالوا : حتى نرجع وننظر في أمرنا ، فقالوا للعاقب - وكان ذا ~~رأيهم - : ما ترى ؟ فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي ~~مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ، والله ما لاعن قوم قط نبيا فعاش ~~كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن ، فوادعوا الرجل : ~~وانصرفوا ، فأتوه وهو محتضن الحسن آخذ بيد الحسين ، وفاطمة تمشي خلفه ، ~~وعلي خلفها ، وهو يقول لهم : " إذا دعوت فأمنوا " ، فقال الأسقف : يا معشر ~~النصارى ، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من ماكنه لأزاله ، ~~فلا تتباهلوا فتهلكوا جميعا إلى يوم القيامة. فقالوا : يا أبا القاسم ، نرى ~~ألا ms0317 نلاعنك ، فقال النبي صلى لله عليه وسلم : " أسلموا يكن لكم ما للمسلمين ~~وعليكم ما عليهم " ، فأبوا ، فقال : " إني أنابذكم " ، فقال : ما لنا بحرب ~~العرب طاقة ، ولكنا نصالحك على ألا تغزونا ولا تردنا عن ديننا ، على أن ~~نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة ، ألفا في صفر ، وألفا في رجب ، وثلاثين درعا ~~من حديد. فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فقال النبي : " والذي ~~نفسي بيده لو تلاعنوا لمسخوا قردة ، وخنازير ، ولأضرم عليهم الوادي نارا ~~ولاستأصل الله نجران وأهله ، ولما حال الحول على النصارى كله حتى هلكوا ". ~~قال الله تعالى : {إن هذا} الذي أوحينا إليك {لهو القصص الحق وما من إله ~~إلا الله} ، خلافا لما يزعم النصارى من التثليث ، {وإن الله لهو العزيز} في ~~ملكه {الحكيم} في صنعه ، فلا أحد يساويه في قدرته التامة ، ولا في حكمته ~~البالغة ، {فإن تولوا} وأعرضوا عن الإيمان ، {فإن الله عليم بالمفسدين} ، ~~الذي يعبدون غير الله. ووضع المظهر موضع الضمير ، ليدل على أن التولي عن ~~الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد للدين ، بل يؤدي PageV01P440 ~~إلى فساد العالم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ينبغي للمريد ، الذي تحقق بخصوصية شخيه ، أن يلاعن من يخاصمه ~~فيه ، ويبعد عنه كل البعد ، ولا يهي له لئلا يركبه ، ويدفع عن شيخه ما ~~استطاع ، فإن هذا من التعظيم الذي هو سبب في سعادة المريد ، ولا يصغي إلى ~~المفسدين الطاعنين في أنصار الدين. قلت : وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم ~~من أهل فاس ، فقال لي : قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم ، فقلت له : لو ~~اتفق أهل السماوات السبع والأرضين السبع ، على أنه من أهل البدعة ، لقلت ~~أنا : إنه من أهل السنة ، لأني تحققت بخصوصيته ، كالشمس في أفق السماء ، ~~ليس دونها سحاب. فالله يرزقنا حسن الأدب معهم والتعظيم إلى يوم الدين. آمين ~~، فمن أعرض عن أولياء الله من المنكرين ؛ {فإن الله عليم بالمفسدين} # 329 # ثم دعاهم إلى التوحيد الذي اتفقت عليه سائر الأديان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 328 # قلت : {سواء} : مصدر ، نعت للكلمة ، والمصادر ms0318 لا تثني ولا تجمع ولا تؤنث ~~، فإذا فتحت السين مددت ، وإذا ضمت أو كسرت قصرت ، كقوله : {مكانا سوى} أي ~~: مستو. وسواء كل شيء : وسطه ، قال تعالى : {فرءاه فى سوآء الجحيم} ~~[الصافات : 55] ، أي : وسطه. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : {يا أهل الكتاب} اليهود والنصارى ، ~~{تعالوا} : هلموا {إلى كلمة سواء} أي : عدل مستوية ، {بيننا وبينكم} ؛ لا ~~يختلف فيها الرسل والكتب والأمم ، هي {ألا نعبد إلا الله} أي : نوحده ~~بالعبادة ، ونقر له بالوحدانية ، {ولا نشكر به شيئا} أي : لا نجعل غيره ~~شريكا له في استحقاق العبادة ، {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} ~~أي : لا نقول عزير ابن الله ، ولا المسيح ابن الله ، ولا نطيع الأحبار فيما ~~أحدثوا من التحريم والتحليل ، لأنهم بشر مثلنا. PageV01P441 # ولما نزل قوله تعالى : {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله...} ~~[التوبة : 31] قال عدي بن حاتم : ما كنا نعبدهم يا رسول الله ، قال : " ~~أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون ، فتأخذون بقولهم ؟ " قال : بلى ، قال : " هو ~~ذاك " {فإن تولوا} وأعرضوا عن التوحيد {فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} ، فقد ~~لزمتكم الحجة ، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم ، وأنتم كافرون بما نطقت به ~~الكتب وتواطأت عليه الرسل. # تنبيه : انظر ما في هذه الآية من المبالغة وحسن التدرج في الاحتجاج ، بين ~~أولا أحوال عيسى وما تطاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية ، ثم ذكر ما ~~يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم ، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة ~~بنوع من الإعجاز ، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد ، عاد عليهم ~~بالإرشاد ، وسلك طريقا أسهل وألزم ، بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى وسائر ~~الأنبياء والكتب ، ثم لما لم يجد ذلك فيهم شيئا ، وعلم أن الآيات والنذر لا ~~تغني عنهم شيئا أعرض عنهم ، وقال : {قولوا اشهدوا بأنا مسلمون}. قاله ~~البيضاوي. # الإشارة : الطرق كثيرة والمقصد واحد ، وهو التوحيد الخاص ، أعني مقام ~~الفناء والبقاء. فالداعون إلى الله كلهم متفقون على الدعوة إلى هذا المقصد ~~، فكل طريق لا توصل إلى هذا المقصد لا عبرة بها ، وكل داع لا يبلغ إلى هذا ms0319 ~~الجمال فهو دجال ، فإن رضي بتعظيم الناس ، ولم يبن طريقه على الأساس ، فليس ~~لصاحبه إلا الإفلاس ، وكل # 330 # من أطاع المخلوق في معصية الله فقد اتخذه ربا من دون الله ، وكل من تولى ~~عن طريق الإرشاد فقد استوجب لنفسه من الطرد والبعاد ، فيقول له الواصلون أو ~~السائرون : {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}. وبالله التوفيق ، وهو ~~الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 330 PageV01P442 ~~ولما قدم وفد نجران المدينة ، التقوا مع اليهود ، فاختصموا في إبراهيم عليه ~~السلام فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد إنا اختلفنا في ~~إبراهيم ودنيه ، فقالت النصارى : كان نصرانيا ، وقالت اليهود : كان يهوديا ~~، وهم أولى الناس به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كلا الفريقين ~~بريء من إبراهيم ، بل كان إبراهيم حنيفا مسلما ، وأنا على دينه ، فاتبعوا ~~دينه الإسلام ". # جزء : 1 رقم الصفحة : 330 # قلت : {ها أنتم} : أصله : أنتم ، دخلت عليه هاء التنبيه ، وقال الأخفش : ~~أصله : أأنتم ، فقلبت الهمزة الأولى هاء ، كقوله : هرقت. وتوجيه القراءات ~~معلوم في محله ، و{أنتم} : مبتدأ ، و{هؤلاء} : خبره ، و{حاججتم} : جملة ~~مبينة للأولى ، أو {حاججتم} : خبر ، و{هؤلاء} : منادى بحذف النداء ، ~~و{حنيفا} : حال ، أي : مائلا عن الأديان إلا دين الإسلام. # يقول الحق جل جلاله : {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} ، ويدعي كل ~~فريق أنه كان على دينه ، {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} ، فكيف ~~يكون يهوديا ، ودينكم إنما حدث بعد إبراهيم بألف سنة ؟ ! وكيف يكون نصرانيا ~~، ودين النصارنية إنما ظهر بعد إبراهيم بألفي سنة ؟ ! {أفلا تعقلون} فتدعون ~~المحال ، {هاأنتم} يا {هؤلاء} الحمقى {حاججتم فيما لكم به علم} من أمر محمد ~~- عليه الصلاة والسلام - ونبوته ، مما وجدتموه في التوراة والإنجيل ، ~~فأنكرتموه عنادا وحسدا ، فلم تجادلون فيما لا علم لكم به ، ولا ذكر في ~~كتابكم من شأن إبراهيم ؟ {والله يعلم} ما خصمتم فيه ، {وأنتم لا تعلمون} ، ~~بل أنتم جاهلون. PageV01P443 # ثم صرح بتكذيب الفريقين فقال : {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن ~~كان حنيفا} مائلا عن العقائد الزائفة ، {مسلما} منقادا لأحكام ربه. ms0320 وليس ~~المراد أنه كان على ملة الإسلام ، وإلا لكان مشترك الإلزام ، لأن دين ~~الإسلام مؤخر أيضا ، فكان إبراهيم إمام الموحدين ، {وما كان من المشركين} ~~كما عليه اليهود والنصارى والمشركون. ففيه تعريض بهم ، ورد لادعائهم أنهم ~~على ملته. # 331 # ثم ذكر من أولى الناس به ، فقال : {إن أولى الناس بإبراهيم} أي : أخصهم ~~به وأقربهم منه ، {للذين اتبعوه} من أمته في زمانه ، {وهذا النبي} محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، {والذين آمنوا} ؛ لموافقتهم له في أكثر الأحكام ، قال صلى ~~الله عليه وسلم : " لكل نبي ولاة من النبيين ، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ~~" يعني إبراهيم عليه السلام ، {والله ولي المؤمنين} أي : ناصرهم على سائر ~~الأديان ، ومجازيهم بغاية الإحسان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 331 # الإشارة : ترى كثيرا من المتفقرة يخصون الكمال بطريقهم ، ويخاصمون في ~~طريق غيرهم ، وهي نزعة أهل الكتاب ، حائدة عن الرشد والصواب ، فأولى بالحق ~~من اتبع السنة المحمدية ، وتخلق بالأخلاق المرضية ، وزهد في الدارين ، ورفع ~~همته عن الكونين ، ورفع حجاب الغفلة عن قلبه ، حتى أشرقت عليه أنوار ربه ، ~~واتصل بأهل التربية النبوية ، فزجوا به في بحار الأحدية ، ثم ردوه إلى مقام ~~الصحو والتكميل ، فيا له من مقام جليل ، فهذه ملة إبراهيم الخليل ، وبها ~~جاء الرسول الجليل حبيب الرحمن ، وقطب دائرة الزمان ، سيد المرسلين ، وإمام ~~العارفين ، ورسول رب العالمين ، صلى الله عليه وسلم دائما إلى يوم الدين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 331 # قلت : {لو} : مصدرية ، أي : تمنوا إضلالكم. PageV01P444 # يقول الحق جل جلاله : لبعض المسلمين - وهم حذيفة وعمار ومعاذ - دعاهم ~~اليهود إلى دينهم وطمعوا فيهم : {ودت طائفة} أي : تمنت طائفة {من أهل ~~الكتاب لو يضلونكم} أي : يفتنونكم عن دينكم ، ويتلفونكم عن طريق الحق ، ~~{وما يضلون إلا أنفسهم} ؛ لأن المسلمين لا يقبلون ذلك منهم ، فرجع الضلال ~~عليهم ، وعاد وباله إليهم ، وتضاعف عذابه عليهم ، {وما يشعرون} أن وباله ~~راجع إليهم. # ثم صرح الحق تعالى بعتابهم ، فقال : {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات ~~الله} المنزلة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتجحدون رسالته ؟ {وأنتم ~~تشهدون} أنها ms0321 من عند الله ، وأنه نبي الله ، وهو منعوت عندكم في التوراة ~~والإنجيل ، والمراد أحبارهم ، أو تشهدون أنه نبي الله بالمعجزات الواضحات. ~~{يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل} بالتحريف وإبراز الباطل في صورة ~~الحق ، حتى كتمتم نعت محمد وحرفتموه ، وأظهرتم موضعه الباطل الذي سولت لكم ~~أنفسكم ؟ {وتكتمون الحق} ؛ نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، {وأنتم تعلمون} ~~أنه رسول الله حقا وأن دينه حق ، أو : وأنتم عالمون بكتمانكم. # 332 # الإشارة : ترى كثيرا من أهل الرئاسة والجاه من أولاد الصالحين ، وممن ~~ينتسب لهم ، إذا رأوا من ظهر بالخصوصية في زمانهم يتمنون إضلالهم وإطفاء ~~أنوارهم ، خوفا على زوال رئاستهم ، {وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون} ، ~~{والله متم نوره ولو كره الكافرون} [الصف : 8] ، وهذه نزعة يهودية سببها ~~الحسد ، والحسود لا يسود ، وبعضهم يتحقق بخصوصية غيرهم ، فيكتمها وهو يشهد ~~بصحتها ، فيقال لهم : {لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} ؟ و{لم تلبسون ~~الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} ؟ # جزء : 1 رقم الصفحة : 332 PageV01P445 ~~قال الحسن والسدي : تواطأ اثنا عشر رجلا من يهود خيبر - يعني من أحبارهم - ~~وقال بعضهم لبعض : ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان لا بالاعتقاد ، ~~واكفروا به آخره ، وقولوا : نظرنا في كتبنا ، وشاورنا علماءنا ، فوجدنا ~~محمدا ليس بذلك ، وظهر لنا كذبه ، وإنما نفعل ذلك حتى نشكك أصحابه. ه. فحذر ~~الله المسلمين من قولهم ، فقال جل جلاله : {وقالت طائفة من أهل الكتاب} ~~يعني : أحبارهم : {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} وأظهروا الدخول في ~~دينهم ، {وجه النهار وكفروا آخره} وقولوا : نظرنا في كتبنا ، وشاورنا ~~علماءنا ، فلم نجد محمدا بالنعت الذي في التوراة ، لعل أصحابه يشكون فيه - ~~لعنهم الله وأضل سعيهم. # وقيل : نزلت في شأن الكعبة ، فإن كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف - من ~~اليهود - قالا لأصحابهما : صلوا معهم إلى الكعبة أول النهار ، ثم صلوا إلى ~~الصخرة آخره ، لعلهم يقولون : هم أعلم منا ، وقد رجعوا ، فيرجعون ، ففضحهم ~~الله وأبطل حيلهم الواهية. # الإشارة : ترى كثيرا من الناس يدخلون في طريق القوم ، ثم تثقل عليهم ~~أعباؤها ، فيخرجون منها ؛ إما ms0322 لضعفهم عن حملها ، أو لكونهم دخلوا مختبرين ~~لها ، أو على حرف أو حيلة لغيرهم ، فإذا رجع أحد منهم قال الناس : لو كانت ~~صحيحة ما رجع فلان عنها ، ويصدون الناس عن الدخول فيها والدوام عليها ، ~~وهذه نزعة إسرائيلية ، قالوا : آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ~~وقد قال عليه الصلاة والسلام : " لتسلكن سنن من قبلكم شبرا ، وذراعا بذراع ~~، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ، قالوا : اليهود والنصارى ؟ قال : نعم ، ~~فمن إذن " وبالله التوفيق. # 333 # جزء : 1 رقم الصفحة : 333 PageV01P446 ~~قلت : يحتمل أن يكون قوله : {أن يؤتى} : مفعولا ب {تؤمنوا} ، و{قل إن الهدى ~~هدى الله} : اعترض ، واللام في " لمن " صلة ، {أو يحاجوكم} : عطف على ~~{يؤتى} ، والتقدير : ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، إلا من كان ~~على دينكم ، ولا تصدقوا أن يحاجوكم عند ربكم ، بل أنتم تحاجون غيركم. فرد ~~الله عليهم {قل إن الهدى هدى الله} ، و{إن الفضل بيد الله}. ويحتمل أن يكون ~~قوله : {أن يؤتى} مفعولا لأجله ، والعامل فيه محذوف ، التقدير : أدبرتم ما ~~دبرتم كراهية أن يؤتى أحد ما أوتيتم ، ومخافة أن يحاجوكم عند ربكم ؟ . # يقول الحق جل جلاله : حاكيا عن اليهود : {و} قالوا {لا تؤمنوا} أي : لا ~~تقروا أو تصدقوا {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} من العلم والحكمة وفلق البحر ~~وسائر الفضائل ، {إلا لمن تبع} دين اليهودية ، وكان على {دينكم} ، ولا ~~تؤمنوا أن {يحاجوكم عند ربكم} ؛ لأنكم أصح دينا منهم. قال الحق جل جلاله : ~~{قل} لهم : {إن الهدى هدى الله} يهدي به من يشاء ، و{إن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء}. # يقول الحق جل جلاله : وقالوا : لا تصدقوا ولا تذعنوا {إلا لمن تبع دينكم} ~~وكان من جلدتكم ، فإن النبوة خاصة بكم. فكذبهم الحق بقوله : {قل إن الهدى ~~هدى الله} ، يخص به من يشاء من عباده ، فكيف تحصرنها فيكم ؟ لأجل {أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم} قلتم ما قلتم ، ودبرتم ما دبرتم ، حسدا وبغيا ، {أو} ~~خوفا أن {يحاجوكم عند ربكم} ، يغلبوكم بالحجة لظهور دينهم ، {قل} يا محمد : ~~{إن الفضل ms0323 بيد الله يؤتيه من يشاء} ؛ فلا ينفع في رده حيلة ولا خدع. PageV01P447 # أو يقول الحق جل جلاله : للمؤمنين ، تثبيتا لهم وتشجيعا لقلوبهم : ولا ~~تصدقوا يا معشر المؤمنين أن يعطي أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين القويم ~~إلا من تبع دينكم الحق ، وجاء به من عند الحق ، ولا تصدقوا {أن يحاجوكم} في ~~دينكم {عند ربكم} أو يقدر أحد على ذلك ، فإن الهدى هدى الله والفضل بيد ~~الله ، {يؤتيه من يشاء والله واسع} الفضل والكرم ، {عليم} بمن يستحق ~~الخصوصية والفضل ، {يختص برحمته من يشاء} كالنبوة وغيرها ، {والله ذو الفضل ~~العظيم} ؛ لا حصر لفضله ، كما لا حصر لذاته. # 334 # الإشارة : يقول الحق - جلت ذاته ، وعظمت قدرته - لأهل الخصوصية : ولا ~~تقروا بالخصوصية إلا لمن كان على دينكم وطريقكم ، وتزيا بزيكم ، وبذل نفسه ~~وفلسه في صحبتكم ، مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الخصوصية ، وهو ليس ~~أهلا لها ، فيأخذها علما ، فإما أن يتزندق أو يتفسق ، أو يحاجوكم بالشريعة ~~فيريق دماءكم ؛ كما وقع للحلاج رضي الله عنه وفي ذلك يقول الشاعر : # جزء : 1 رقم الصفحة : 334 # ومن شهد الحقيقة فليصنها # وإلا سوف يقتل بالسنان # كحلاج المحبة إذ تبدت # له شمس الحقيقة بالتداني # وقال آخر : # بالسر إن باحوا تباح دماؤهم # وكذا دماء البائحين تباح # وقل أيها العارف ، لمن طلب الخصوية قبل شروطها أو أنكر وجودها عند أهل ~~شرطها : إن الهدى هدى الله يهدي به من يشاء - والفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشاء والرحمة - التي هي الخصوصية - في قبضة الله ، يخص بها من يشاء ، ~~{والله ذو الفضل العظيم} ؛ فمن أراد الخصوصية فليطلبها من معدنها ، وهم ~~العارفون بها ، فيبذل نفسه وفلسه لهم حتى يعرفوه بها. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 334 PageV01P448 ~~قلت : الباء في {بقنطار} ، بمعنى على ، و{يؤده} : جواب الشرط مجزوم بحذف ~~الياء ، ومن قرأ بإسكان الضمير فلأنه أقامه مقام المحذوف ، فجزمه عوضا عنه ~~، وقال الفراء : مذهب بعض العرب : يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها ، يقولون ~~: ضربته ضربا شديدا. # يقول الحق جل جلاله : {ومن أهل الكتاب} ms0324 من أسلم وآمن فصار من أهل الإيمان ~~{إن تأمنه} على {قنطار} من المال أو أكثر أداه إليك ، ولم يخن منه شيئا. ~~وفي الحديث : " من ائتمن على أمانة فأداها ، ولو شاء لم يؤدها ، زوجه الله ~~من الحور العين ما شاء " {ومنهم} من بقي على دينه من أهل الخيانة والخسران ~~، {إن تأمنه} # 335 # على {دينار} فأقل {لم يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما} على رأسه ، ~~مبالغا في مطالبته. نزلت في عبد الله بن سلام ، استودعه قرشي ألفا ومائتي ~~أوقية ذهبا ، فأداها إليه ، وفي فنحاص بن عازوراء اليهودي ، استودعه قرشي ~~آخر دينارا ، فجحده. وقيل : في النصارى واليهود ، فإن النصارى : الغالب ~~عليهم الأمانة ، واليهود الغالب عليهم الخيانة. # وذلك الاستحلال بسبب أنهم {قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} أي : ليس ~~علينا في شأن من ليسوا أهل كتاب ، ولم يكونوا على ديننا ، حرج في أخذ مالهم ~~وجحدها ، ولا إثم ، {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} أنهم كاذبون ؛ ~~لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم ، وقالوا : لم يجعل لهم في التوراة حرمة. PageV01P449 # وقيل : عامل اليهود رجلا من قريش ، فلما أسلموا تقاضوهم ، فقالوا : سقط ~~حقكم حيث تركتم دينكم. وقال صلى الله عليه وسلم : " كذب أعداء الله ، ما من ~~شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر ~~والفاجر ". ثم كذبهم الحق - تعالى - فقال : {بلى} ؛ عليهم في ذلك سبيل ، ~~فإن {من أوفى بعهده واتقى} الشرك والمعاصي {فإن الله يحب المتقين} ومن أحبه ~~الله كيف يباح ماله وتسقط حرمته ؟ ! بل من أسقط حرمته فقد حارب الله ورسوله ~~، أو {من أوفى} ، بعهد الله من أهل الكتاب ، فآمن بمحمد - عليه الصلاة ~~والسلام - {واتقى} الخيانة ، وأدى الأمانة ، {فإن الله يحب المتقين}. وأوقع ~~المظهر موقع الضمير العائد إلى " من " ؛ لعمومه ، فإن لفظ المتقين عام يصدق ~~برد الودائع وغيره ، إشعارا بأن التقوى ملاك الأمر وسبب الحفظ. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 335 # الإشارة : قد رأينا بعض الفقراء دخل بلد الحقيقة فسقطت من قلبه هيبة ~~الشريعة ، فتساهل في أموال الناس وسقطت ms0325 لديه حرمة العباد ، حتى لا تثق به ~~في حفظ مال ولا أهل ، فإذا أودعته شيئا أو قارضته لا يؤده إليك إلا ما دمت ~~عليه قائما. وهذه زندقة ونزعة إسرائيلية. لا يرضاها أدنى الناس ، فما بالك ~~بمن يدعي أنه أعلى الناس ، وفي بعض الحكم : [كمال الديانة ترك الخيانة] ، ~~وأعظم الإفلاس خيانة الناس ، وفي الحديث : " ثلاث من كن فيه فهوا منافق ، ~~وإن صلى وإن صام وزعم أنه مؤمن ، إذ حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن ~~خان " فإذا احتج لنفسه الأمارة ، وقال : لا سبيل علينا في متاع العوام ، ~~فقد خلع من عنقه ربقة الإسلام ، واستحق أن يعلو مفرقه الحسام. والله تعالى أعلم. # 336 # جزء : 1 رقم الصفحة : 335 PageV01P450 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يشترون بعهد الله} أي : يستبدلون بالوفاء ~~بعهد الله كالإيمان بالرسول - عليه الصلاة والسلم - الذي أخذ على بني ~~إسرائيل في التوراة وبيان صفته ، وأداء الأمانة ، فكتموا ذلك واستبدلوا به ~~{ثمنا قليلا} ؛ حطاما فانيا من الدنيا ، كانوا يأخذونه من سفلتهم ، فخافوا ~~إن بينوا ذلك زال ذلك عنه ، وكذلك الأيمان التي أخذها الله عليهم لئن ~~أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به ولينصرنه ، فنقضوها ، خوفا من ~~زوال رئاستهم ، فاستبدلوا بالوفاء بها ثمنا فانيا ، {أولئك لا خلاق لهم} أي ~~: لا نصيب لهم ، {في الآخرة ، ولا يكلمهم الله} بما يسرهم ، أو بشيء أصلا ، ~~وإنما الملائكة تسألهم ، {ولا تنظر إليهم يوم القيامة} نظرة رحمة ، بل يعرض ~~عنهم ، غضبا عليهم وهوانا بهم ، {ولا يزكيهم} ؛ لا يطهرهم من ذنوبهم ، أو ~~لا يثني عليهم ، {ولهم عذاب أليم} أي : موجع. # قال عكرمة : نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب ، ~~وغيرهم من رؤساء اليهود ، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من بيان صفته ، فكتموا ذلك وكتبوا غيره ، وحلفوا أنه من ~~عند الله ، لئلا يفوتهم الرشا من أتباعهم. PageV01P451 # وقال الكلبي : إن ناسا من علماء اليهود كانوا ذا حظ من علم التوراة ، ~~فأصابتهم سنة ، فأتوا كعب بن الأشرف ms0326 يستميرونه ، أي : يطلبون منه الميرة - ~~وهو الطعام - ، فقال لهم كعب : هل تعلمون أن هذا الرجل رسول في كتابكم ؟ ~~قالوا : نعم ، أو ما تعلمه أنت ؟ قال : لا ، قالوا : فإنا نشهد أنه عبد ~~الله ورسوله ، قال كعب : لقد قدمتم علي ، وأنا أريد أن أميركم وأكسوكم ، ~~فحرمكم الله خيرا كثيرا ، قالوا : فإنه شبه لنا ، فرويدا حتى نلقاه ، ~~فانطلقوا ، فكتبوا صفة غير صفته ، ثم أتوا نبي الله - عليه الصلاة والسلام ~~- فكلموه ، ثم رجعوا إلى كعب ، فقالوا : قد كنا نرى أنه رسول الله ، ~~فأتيناه فإذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا ، وأخرجوا الذي كتبوه ، ففرح كعب ~~، ومارهم. فنزلت الآية. قلت : انظر الطمع ، وما يصنع بصاحبه والعياذ بالله. # وقيل : نزلت في رجل أقام سلعته في السوق ، وحلف لقد أعطى فيها كذا وكذا ، ~~وقيل : نزلت في الأشعث بن قيس ، كانت بينه وبين رجل خصومة ، فتوجهت اليمين ~~على الرجل ، فأراد أن يحلف. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 337 # الإشارة : قد أخذ الله العهد على الأرواح ألا يعبدوا معه غيره ، ولا ~~يميلوا إلى شيء سواه ، فكل من مال إلى شيء ، أو ركن بالمحبة إلى غير الله ، ~~فقد نقض العهد مع الله ، فلا # 337 # نصيب له في مقام المعرفة ، ولا تحصل له مشاهدة ولا مكالمة حتى يثوب ~~ويتوجه بكليته إلى مولاه. والله - تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 337 PageV01P452 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإن من أهل الكتاب لفريقا} ، وهو كعب بن الأشرف ، ~~وحيي بن أخطب ، ومالك بن الصيف ، وأبو ياسر ، وشعبة بن عامر ، {يلوون} أي : ~~يفتلون {ألسنتهم بالكتاب} أي : التوراة عند قراءته ، فيميلون عن المنزل إلى ~~المحرف ، {لتحسبوه من الكتاب} أي : لتظنوا أن ذلك المحرف من التوراة ، {وما ~~هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله ~~الكذب} فيما نسبوا إليه ، {وهم يعلمون} أنه ليس من عند الله. # قال ابن عباس : نزلت في اليهود والنصارى جميعا ، حرفوا التوراة والإنجيل ~~، وألحقوا به ما ليس منه ، وأسقطوا منه الدين الحنيف ، فبين الله كذبهم ms0327 ، ~~وقيل : في الرجم ، حيث كتموا الرجم ، وألقى قارئ التوراة يده على آية الرجم ~~، وقرأ ما حولها ، فقال له ابن سلام : ارفع يديك ، فإذا آية الرجم تلوح. ~~والله أعلم. # الإشارة : هذه الآية تنسحب على علماء السوء ، الذي يفتون بغير المشهور ، ~~لحظ يأخذونه من الدنيا ، وعلى قضاة الجور الذين يحكمون بالهوى ، ويعتمدون ~~على الأقوال الواهية ، ويقولون هو من عند الله ، وما هو من عند الله. # وكذلك بعض المنتسبين من الفقراء ، يتصنعون إلى العامة ، يطمعون فيما في ~~أيديهم من الحطام ، فيظهرون لهم علوما ومعارف وحكما ، يلوون ألسنتهم بها ~~وقلوبهم خاوية من معناها ، فظاهر حالهم يوهم أن ذلك موافق لقلوبهم ، وأنهم ~~عاملون بذلك ، وباطنهم يكذبهم في ذلك ، {والله يهدى من يشآء إلى صراط ~~مستقيم} [البقرة : 213]. # جزء : 1 رقم الصفحة : 337 # 338 PageV01P453 ~~قلت : البشر : اسم جمع لا مفرد له ، يطلق على الجماعة والواحد. والرباني : ~~هو الذي يربي الناس ويؤدبهم ويهذبهم بالعلم والعمل. وقال ابن عباس : (هو ~~الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) ، والنون فيه للمبالغة ، كلحياني ~~ورقباني. و{ولا يأمركم} بالرفع ، استئناف ، وبالنصب : عطف على {يقول} ، ~~و{لا} مزيدة : أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله ، ثم يأمر بعبادة نفسه ، ~~ويأمر باتخاذ الملائكة أربابا. أو غير مزيدة ، والتقدير : ليس له أن يأمر ~~بعبادته ولا باتخاذ الملائكة أربابا. # يقول الحق جل جلاله : {ما كان} ينبغي {لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم} ~~أي : الفصل بين العباد ، {والنبوة} أي : الوحي بالأحكام ، {ثم يقول} بعد ~~ذلك {للناس كونوا عبادا لي من دون الله} أو مع الله ، أو يرضى أن يعبد من ~~دون الله ، {ولكن} يقول لهم : {كونوا ربانيين} أي : علماء بالله ، فقهاء في ~~دينه ، حلماء على الناس ، تربون الناس بالعلم والعمل والهمة والحال ، بسبب ~~{ما كنتم تعلمون} من كتاب الله {وبما كنتم تدرسون} منه ، أو {بما كنتم ~~تعلمون} الناس من الخير بكتاب الله ، وما كنتم تدرسونه عليهم. ولما مات ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - قال محمد ابن الحنيفة : (مات رباني هذه الأمة). PageV01P454 # {ولا يأمركم} ذلك البشر الذي خصه الله بالنبوة ms0328 ، {أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا} من دون الله ، {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} أي : ~~مناقدون لأحكام الله. قيل : سبب نزول الآية : أن نصارى نجران قالوا : يا ~~محمد ؛ تريد أن نعبدك ونتخذك ربا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " معاذ ~~الله أن نعبد غير الله ، أو نأمر بعبادة غيره " وقيل : إن رجلا قال : يا ~~رسول الله : نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، أفلا نسجد لك ؟ فقال : " ~~لا ينبغي ان يسجد احد لأحد من دون الله ، ولكن أكرموا نبيكم ، واعرفوا الحق ~~لأهله ". الإشارة : ما زال الفقراء يعظمون أشياخهم ، ويبالغون في ذلك حتى ~~يقبلون أرجلهم والتراب بين أيديهم ، ويجتهدون في خدمتهم ، فإذا رءاهم ~~الأشياخ فعلوا ذلك سكتوا عنهم ، لأن ذلك هو ربحهم وسبب فتحهم ، وفي ذلك قال ~~القائل : # جزء : 1 رقم الصفحة : 338 # بذبح النفوس وحط الرؤوس تصفى الكؤوس # لكنهم يرشدونهم إلى الحضرة ، حتى يفنوهم عن شهود الواسطة ، فيكون تعظيمهم ~~وحط رأسهم إنما هو لله لا لغيره ، وحينئذ يكونون ربانيين ، علماء بالله ~~مقربين ، وكان شيخنا يقول : لا تزوروني على أني شيخكم ، ولكن اعرفوا فينا ، ~~وافنوا عن رؤية حسنا ، حتى يكون التعظيم إنما هو لله ربنا. ه. فدلالة ~~الأشياخ للفقراء على التعظيم والأدب ليس ذلك مقصودا لأنفسهم ، وحاشاهم من ~~ذلك. ما كان لبشر أن يؤتيه الله الخصوصية ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من ~~دون الله ، ولكن يقول لهم : كونوا ربانيين عارفين بالله ، حتى يكون تعظيمكم ~~إنما هو لله ، ولا يأمر أيضا بالفرق حتى يتخذوا الأشياء أربابا # 339 # من دون الله ، ولكن يأمر بالجمع حتى يغيبوا عما سوى الله ، وكيف يأمرهم ~~بالفرق ، وهو إنما يدلهم على الجمع ؟ أيأمرهم بالكفر بعد أن كانوا مسلمين. ~~ولله تعالى أعلم. PageV01P455 # جزء : 1 رقم الصفحة : 338 # قلت : اللام في {لما} ، موطئة للقسم ؛ لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستخلاف ، ~~و{ما} : يحتمل الشرطية ، و{لتؤمنن} : جواب القسم ، سد مسد الجواب ، أي : ~~مهما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول الله لتؤمنن به. ويحتمل ~~الموصولية ، و{لتؤمنن} : خبر عنه ، وحذف شرط يدل على ms0329 السياق ؛ أي : للذي ~~آتيناكم من كتاب وحكمة ، ثم إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ومن ~~قرأ بكسر اللام كان تعليلا للأمر بالإيمان بالرسول ، أي : لأجل الذي خصصتكم ~~به إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ، وإذا كان أخذ الله الميثاق ~~على الأنبياء كان على الأتباع أولى ، أو استغنى بذكر الأنبياء عن ذكر ~~أتباعهم ؛ لأنهم في حكمهم. # يقول الحق جل جلاله : واذكر {إذ أخذنا} الميثاق على النبيين من لدن آدم ~~عليه السلام إلى عيسى عليه السلام. وقلنا لهم : والله للذي خصصتكم به {من ~~كتاب وحكمة} ، ثم إن ظهر رسول {مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} أنتم ~~وأممكم ، أو : لأجل الذي خصصتكم به مما تقدم لئن أدركتم محمدا لتؤمنن به ~~ولتنصرنه. قال سيدنا علي - كرم الله وجهه - : (لم يبعث الله نبيا ، آدم ومن ~~بعده ، إلا أخذ عليه العهد في محمد ، وأمره بأخذ العهد على قومه ليؤمنن به ~~، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه). # {قال} الحق جل جلاله لمن أخذ عليهم العهد : {أأقرتم} بذلك وقبلتموه ، ~~{وأخذتم على ذلكم إصري} أي : عهدي وميثاقي ؟ {قالوا أقررنا} وقبلنا ، {قال ~~فاشهدوا} على أنفسكم ، أو ليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ، أو فاشهدوا يا ~~ملائكتي عليهم ، {وأنا معكم من الشاهدين} ، وفيه توكيد وتحذير عظيم ، {فمن ~~تولى بعد ذلك} الإقرار والشهادة ، وأعرض عن الإيمان به ، ونصره بعد ظهوره ، ~~{فأولئك هم الفاسقون} الخارجون عن الإيمان المتمردون في الكفران. PageV01P456 # الإشارة : كما أخذ الله العهد على الأنبياء وأممهم في الإيمان به عليه ~~الصلاة والسلام ، أخذ الميثاق على العلماء وأتباعهم من العامة ، لئن أدركوا ~~وليا من أولياء الله ، حاملا لواء الحقيقة ، مصدقا لما معهم من الشريعة ، ~~ليؤمنن به ولينصرنه ، من تولى # 340 # وأعرض عن الإذعان إليهم فأولئك هم الفاسقون الخارجون عن دائرة الولاية ، ~~محرومون من سابق العناية ، فإن الحقيقة إنما هي لب الشريعة وخلاصتها ، ~~فإنما مثل الحقيقة والشريعة كالروح للجسد ، فالشريعة كالجسد ، والحقيقة ~~كالروح ، فالشريعة بلا حقيقة جسد بلا روح ، والحقيقة بلا شريعة روح بلا جسد ~~، فلا قيام لهذا إلا بهذا ، فنم ms0330 تشرع ولم يتحقق تفسق ، ومن تحقق ولم يتشرع ~~فقد تزندق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق ، ومن خرج عنهما فقد خرج عن دين الله ~~وطلب غيره ، وإليه توجه الإنكار. # جزء : 1 رقم الصفحة : 340 # قلت : {أفغير} : مفعول مقدم ، و{يبغون} : معطوف على محذوف ، أي : أتتولون ~~فتبغون غير دين الله ، وقدم المعمول ؛ لأنه المقصود بالإنكار ، و{طوعا ~~وكرها} : حالان ، أي : طائعين أو كارهين. PageV01P457 # يقول الحق جل جلاله : للنصارى واليهود ، لما اختصموا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وادعوا أن كل واحد على دين إبراهيم ، فقال لهم - عليه الصلاة ~~والسلام : " كلاكما بريء من دينه ، وأنا على دينه ، فخذوا به " ، فغضبوا ، ~~وقالوا : والله لا نرضى بحكمك ولا نأخذ بدينك ، فقال لهم الحق جل جلاله - ~~منكرا عليهم - : أفتبغون غير دين الله الذي ارتضاه لخليله وحبيبه ، وقد ~~انقاد له تعالى {من في السماوات والأرض} طائعين ومكرهين ، فأهل السموات ~~انقادوا طائعين ، وأهل الأرض منهم من انقاد طوعا بالنظر واتباع الحجة أو ~~بغيرها ، ومنهم من انقاد كرها أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام ؛ كنتق الجبل ~~وإدراك الغرق والإشراف على الموت ، أو : " طوعا " كالملائكة والمؤمنين ، ~~فإنهم انقادوا لما يراد منهم طوعا ، {وكرها} كالكفار فانقادوا لما يراد ~~منهم كرها ، وكل إليه راجعون ، لا يخرج عن دائرة حكمه ، أو راجعون إليه ~~بالبعث والنشور. والله تعالى أعلم. # الإشارة : اعلم أن الدين الحقيقي هو الانقياد إلى الله في الظاهر والباطن ~~، أما الانقياد إلى الله في الظاهر فيكون بامتثال أمره واجتناب نهيه ، وأما ~~الانقياد إلى الله في الباطن فيكون بالرضى بحكمه والاستسلام لقهره. فكل من ~~قصر في الانقياد في الظاهر ، أو تسخط من الأحكام الجلالية في الباطن ، فقد ~~خرج عن كمال الدين ، فيقال له : أفغير دين الله تبغون وقد انقاد له {من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها} ، فإما أن تنقاد طوعا أو ترجع إليه كرها. وفي ~~بعض الآثار يقول الله تبارك وتعالى : " من لم يرض بقضائي ولم يصبر على ~~بلائي ، فليخرج من تحت سمائي ، وليتخذ ربا سواي ". وسبب تبرم القلب عن نزول ~~الأحكام القهرية مرضه وضعف ms0331 نور يقينه ، فكل من استنكف عن صحبة الطبيب ، فله ~~من هذا العتاب حظ ونصيب ، فالأولياء حجة الله على # 341 PageV01P458 ~~العلماء ، والعلماء حجة الله على العوام ، فمن لم يستقم ظاهره عوتب على ~~تفريطه في صحبة العلماء ، ومن لم يستقم باطنه عاتبه الله تعالى على ترك ~~صحبة الأولياء ، أعني العارفين. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء ~~الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 341 # قلت : {أنزل} : يتعدى بإلى ؛ لأنه ينتهي إلى الرسل ، ويتعدى بعلى ، لأنه ~~يأتي من ناحية الحلو والاستعلاء ، وفرق بعضهم بين التعبير هنا بعلى وفي ~~البقرة بإلى ، فقال : لأن الخطاب هنا للرسول بالخصوص ، وقد أنزل عليه الوحي ~~مباشرة ، وهناك الخطاب للمسلمين ، وإنما أنزل الوحي متوجها إليهم بالواسطة ~~، ولم يكن عليهم بالمباشرة. والله تعالى أعلم. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد لأهل الكتاب الذين فرقوا في إيمانهم ~~بين الرسل : أما نحن فقد آمنا بالذي {أنزل علينا وما أنزل} على جميع ~~الأنبياء والرسل {لا نفرق بين أحد منهم} كما فرقتم أنتم ، فضللتم ، {ونحن ~~له مسلمون} أي : منقادون لأحكامه الظاهرة والباطنة ، أو مخلصون في أعمالنا ~~كلها ، وقدم المنزل علينا على المنزل على غيرنا ، لأنه عيار عليه ومعرف به. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : ينبغي للفقير أن يبالغ في تعظيم شيخه ، ويسوغ له التغالي في ~~شأنه ما لم يخرجه عن طور البشر ، وما لم يؤد ذلك إلى إسقاط حرمة غيره من ~~الأولياء بالتنقيص أو غيره ، فحرمة الأولياء كحرمة الأنبياء ، فمن فرق ~~بينهم حرم بركة جميعهم. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 341 # قلت : {وشهدوا} : عطف على ما في {إيمانهم} من معنى الفعل ، والتقدير : ~~بعد أن آمنوا وشهدوا. # 342 PageV01P459 ~~يقول الحق جل جلاله : لرجال من الأنصار ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة ، ~~منهم الحارث بن سويد الأنصاري : {ومن} يطلب {غير الإسلام دينا} يتدين به ~~{فلن يقبل منه} أبدا ، {وهو في الآخرة من الخاسرين} ؛ لأنه أبطل الفطرة ~~السليمة التي فطر الناس عليها ، واستبدلها بالتقليد الرديء ، بعد أن عاين ~~سواطع البرهان ، وشهدت نفسه بالحق والبيان ، ولذلك وقع التعجب والاستبعاد ~~من ms0332 هدايته فقال : {كيف يهدي الله قوما كفروا} بعد أن آمنوا ، {وشهدوا أن ~~الرسول حق وجاءهم البينات} أي : المعجزات الواضحات ، فإن الحائد عن الحق ~~بعدما وضح ، منهمك في الضلال ، بعيد عن الرشاد ، فقد ظلم نفسه وبخسها ، ~~{والله لا يهدي القوم القوم الظالمين} الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر ~~، ووضعوا الكفر موضع الإيمان ، ولعل هذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء. # جزء : 1 رقم الصفحة : 342 # يقول الحق جل جلاله : {أولئك} المرتدون عن الإسلام - {جزاؤهم} : أن ~~تلعنهم الملائكة والناس أجمعون ، مؤمنهم وكافرهم ، لأن الكافر يلعن من ترك ~~دين الحق ، وإن كان لا يشعر بمن هو على الحق. {خالدين} في اللعنة ، أو في ~~النار ، لدلالة السياق عليها ، أو في العقوبة. {لا يخفف عنهم العذاب} ساعة ~~، ولا هم يمهلون عنها لحظة. # ثم إن الحارث ندم ، وأرسل إلى قومه أن اسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم ~~، هل لي من توبة ؟ # جزء : 1 رقم الصفحة : 342 # يقول الحق جل جلاله : إلا من تاب من بعد الردة ، فأسلم وأصلح ما أفسد ، ~~{فإن الله غفور} له فيما فعل ، {رحيم} به حيث تاب. # ولمأ نزلت الآية حملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه ، فقال الحارث : إنك ~~ولله فيما علمت لصدوق ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لأصدق منك ، وإن الله ~~- تعالى - لأصدق الثلاثة ، فرجع الحارث إلى المدينة ، فأسلم وحسن إسلامه. PageV01P460 # الإشارة : كل من ابتغى الخصوصية من غير أهلها ، أو ادعاها ولم يأخذها من ~~معدنها ، فلن تقبل منه ، وهو عند القوم من الخاسرين في طريق الخصوص ، فكل ~~من لا شيخ له في هذا الشأن فهو لقيط ، لا أب له ، دعي ، لا نسب له. # 343 # والمراد بأهلها : العارفون بالله ، أهل الفناء والبقاء ، أهل الجذب ~~والسلوك ، أهل السكر والصحو ، الذين شربوا الخمر فسكروا ثم صحوا وتكملوا ، ~~فمعدن الخصوصية عند هؤلاء ، فكل من لم يصحبهم ولم يشرب من خمرتهم ، لا ~~يقتدى به ، ولو بلغ من الكرامة ما بلغ ، وأخسر من صحب أهل هذه الخمرة ، ~~وشهد بأن طريقهم حق ، ثم رجع عنها ، فهذا مغبون ملعون ms0333 عند كافة الخلق ، أي ~~: مطرود عن شهود الحق ، إلا من تاب ورجع إلى صحبتهم والأدب معهم ، فإن الله ~~غفور رحيم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 343 # يقول الحق جل جلاله : إلا من تاب من بعد الردة ، فأسلم وأصلح ما أفسد ، ~~{فإن الله غفور} له فيما فعل ، {رحيم} به حيث تاب. # ولمأ نزلت الآية حملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه ، فقال الحارث : إنك ~~ولله فيما علمت لصدوق ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لأصدق منك ، وإن الله ~~- تعالى - لأصدق الثلاثة ، فرجع الحارث إلى المدينة ، فأسلم وحسن إسلامه. # الإشارة : كل من ابتغى الخصوصية من غير أهلها ، أو ادعاها ولم يأخذها من ~~معدنها ، فلن تقبل منه ، وهو عند القوم من الخاسرين في طريق الخصوص ، فكل ~~من لا شيخ له في هذا الشأن فهو لقيط ، لا أب له ، دعي ، لا نسب له. # 343 PageV01P461 ~~والمراد بأهلها : العارفون بالله ، أهل الفناء والبقاء ، أهل الجذب والسلوك ~~، أهل السكر والصحو ، الذين شربوا الخمر فسكروا ثم صحوا وتكملوا ، فمعدن ~~الخصوصية عند هؤلاء ، فكل من لم يصحبهم ولم يشرب من خمرتهم ، لا يقتدى به ، ~~ولو بلغ من الكرامة ما بلغ ، وأخسر من صحب أهل هذه الخمرة ، وشهد بأن ~~طريقهم حق ، ثم رجع عنها ، فهذا مغبون ملعون عند كافة الخلق ، أي : مطرود ~~عن شهود الحق ، إلا من تاب ورجع إلى صحبتهم والأدب معهم ، فإن الله غفور رحيم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 343 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين} ارتدوا عن الإيمان {ثم ازدادوا} في ~~الكفر ، وقالوا : نتربص بمحمد ريب المنون ، {لن تقبل توبتهم} أي : لا توبة ~~لهم فتقبل ، لأنه سبق لهم الشقاء ، أو لأنهم لا يتوبون إلا عند الغرغرة ، ~~أو {لن تقبل توبتهم} ما داموا على كفرهم. {وأولئك هم الضالون} المنهمكون في ~~الضلالة. # قيل : نزلت في أصحاب الحارث بن سويد المتقدم ، وكانوا أحد عشر رجلا ، لما ~~رجع الحارث قالوا : نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا ، فمتى أردنا الرجعة ~~رجعنا ، فلما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة ، دخل في الإسلام ms0334 بعضهم ، ~~فقبلت توبته ، وبقي من بقي على كفره ، فنزلت الآية فيهم. وقيل : نزلت في ~~اليهود ، كفروا بعيسى بعد إيمانهم بأنبيائهم ، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : نزلت في النصارى كفروا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم بعد إيمانهم بعيسى ، {ثم ازدادوا كفرا} بإصرارهم عليه. وقيل : ~~نزلت في الفريقين معا ، كفرا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم ~~به قبل ظهوره ، {ثم ازدادوا كفرا} بتمردهم فيه ، وتماديهم على المعاصي. ~~والله تعالى أعلم. PageV01P462 # الإشارة : اعلم أن من دخل طريق التربية ، وأخذ في تهذيب نفسه وتطهيرها من ~~المساوئ وأوساخ الحس ، ثم غلبته القهرية ورجع عنها ، فإن تاب قريبا ورجع ~~إليها سهل عليه الرجوع ، ورجى نجحه وقبلت توبته ، وإن استمر على رجوعه عنها ~~حتى ألفت نفسه البطالة ؛ لن ترجى توبته وصار من الضالين ، فمثله كآنية ، ~~فرغت منها لبنا أو عسلا ، وعمرتها بالقطران ، فإن بادرت بإهراقه منها قريبا ~~سهل غسلها ، وإن أمهلتها حتى صبغ فيها عسر غسلها ، وتعذب زوال راحته منها. ~~[فإن مات على رجعته فلا يحشر في الآخرة مع أهل هذه الرفقة ، ولو شفع فيه ~~ألف عارف ، بل من كمال المكر به أن يلقى شبهه في الآخرة على غيره ، حتى ~~يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو ، فلا يخطر بباله أنه يشفع فيه]. قاله ~~القشيري. # 344 # قال المحشي : وما ذكره ربما ينظر إلى قضية الخليل مع أبيه ، حين يلقاه ~~وعليه القترة ، فيريد الشفاعة له ، فيمسخ ذيخا متلطخا - أي : خنزيرا - ~~فينكره ، كما في الحديث الصحيح ، فتذكر واعتبر. ه. وبالله التوفيق ، وهو ~~الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 344 # قلت : {ذهبا} : تمييز ، و{لو افتدى به} : محمول على المعنى ، كأنه قيل : ~~فلن يقبل من أحدهم فدية ، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا ، أو عطف على محذوف ، ~~أي : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو تقرب به في الدنيا ، ولو افتدى ~~به من العذاب في الآخرة. قاله البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كفروا} ، واستمروا على كفرهم حتى ماتوا ، ~~{يقبل} منهم ms0335 فدية ، ولو افتدوا بملء الأرض ذهبا ، بل يحصل لهم الإياس من ~~رحمة الله ، {أولئك لهم عذاب أليم} ؛ فلا ينفعهم فداء منه ولا شفاعة ولا ~~حميم ، {وما لهم من ناصرين} ينصروهم من عذاب رب العالمين. PageV01P463 # قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يجاء بالكافر ، يوم القيامة ، فيقال له : ~~أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا - أكنت مفتديا به ؟ فيقول : نعم ، نعم ، ~~فيقال له : قد سئلت ما هو أيسر من ذلك " يعني : لا إله إلا الله : ثبتنا ~~الله عليها إلى الممات عالمين بها. آمين. # الإشارة : كل من كفر بطريق أهل الخصوصية ، وحرم نفسه من دخول الحضرة ~~القدوسية ، واستمر على كفرانه إلى الممات ، فلا شك أنه يحصل له الندم وقد ~~زلت به القدم ، لأنه مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر ، فإذا حشر مع عوام ~~المسلمين ، وسكن في ربض الجنة مع أهل اليمين ، ثم رأى منازل المقربين في ~~أعلى عليين ، ندم وتحسر ، وقد غلبه القدر ، فلو اشترى المقام معهم بملء ~~الأرض ذهبا ما نفعه ذلك ، فيمكث في غم الحجاب وعذاب القطيعة هنالك ، مقطوع ~~عن شهود الأحباب على نعت الكشف والبيان ، ممنوع عن الشهود والعيان. وبالله ~~التوفيق. # 345 # جزء : 1 رقم الصفحة : 345 # قلت : البر : كمال الطاعة. # يقول الحق جل جلاله : {لن تنالوا} كمال الطاعة والتقرب {حتى تنفقوا مما ~~تحبون} ، أو : لن تنالوا بر الله الذي هو الرضى والرضوان ، {حتى تنفقوا} ~~بعض ما {تحبون} من المال وغيره ، كبذل الجاه في معاونة الناس ، إن صحبه ~~الإخلاص ، وكبذل البدن في طاعة الله ، وبذلك المهج في سبيل الله. ولما نزلت ~~الآية جاء أبو طلحة فقال : يا رسول الله ، إن أحب أموالي إلي بيرحاء - وهو ~~بستان كان خلف المسجد النبوي - وهو صدقة لله ، أرجوا برها وذخرها ، فقال له ~~- عليه الصلاة والسلام - " بخ بخ ؛ ذلك مال رابح - أو رائح - وإني أرى أن ~~تجعلها في الأقربين " فقسمها أبو طلحة في أقاربة. PageV01P464 # وجاء زيد بن حارثة بفرس كان يحبها ، فقال : هذه في سبيل الله ، فحمل عليها ~~رسول الله أسامة ولده ، فقال زيد ms0336 : إنما أردت أن أتصدق بها ، فقال - عليه ~~الصلاة والسلام - : " إن الله تعالى قد قبلها " فدل ذلك على أن الصدقة على ~~الأقارب أفضل. وأعتقت امرأة جارية لا تملك غيرها ، كانت تحبها ، واشترطت ~~عليها أن تقيم معها ، فلما عتقت ، ذهبت ، فقال لها عليه الصلاة والسلام : " ~~دعيها فقد حجبتك عن النار ". وأمر عمر بن الخطاب بشراء جارية من سبي العراق ~~، فلما جيء بها ، ورآها عمر أعجبته غاية ، فقال : إن الله تعالى يقول : {لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ، فأعتقها. وذكر ابن عمر هذه الآية ، ~~فلم يجد عنده أحب من جارية كانت عنده ، يطؤها فأعتقها ، وقال : لولا أني لا ~~أعود في شيء جعلته لله لنكحتها. وكان الربيع يعطي للسائل إذا وقف في بابه ~~السكر ، فإذا قيل له في ذلك ، قال : إن الربيع يحب السكر. # ثم إن الله - تعالى - يقبل الصدقة من المحبوب أو غيره ، ولذلك قال : {وما ~~تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} ؛ فيجازيكم بحسبه. # الإشارة : ليس للفقير شيء أحب من نفسه التي بين جنبيه ، بل عند جميع ~~الناس ، فمن بذل روحه في مرضاة الله نال رضوان الله ومعرفته ، وهو غاية ~~البر ، فمن أذل نفسه لله أعزه الله ، ومن أفقر نفسه لله أغناه الله ، من ~~تواضع لله رفع ، فبذل النفس لله هو تقديمها لشيخ التربية يفعل بها ما يشاء ~~، فكل ما يشير به إليه بادر إليه بلا تردد ، فمن فعل ذلك فقد نال غاية البر ~~، وأنفق غاية ما يحب ، وكل من بذل نفسه بذل غيرها بالأحرى ، إذ ليس أعز ~~منها ، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه : ما لي سوى روحي ، وباذل نفسه # في حب من يهواه ليس بمسرف # جزء : 1 رقم الصفحة : 346 # فلئن رضيت بها فقد أسعفتني # يا خيبة المسعى إذا لم تسعف # 346 PageV01P465 ~~وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي : حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببته ، ~~حتى لا يبقى لك منك شيء. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه : لن تناولا محبة ~~الله حتى تسخوا بأنفسكم لله. ه. # ولما ms0337 قال عليه الصلاة والسلام لليهود : " أنا على ملة إبراهيم " - كما ~~تقدم - قالوا : كيف تكون على ملة إبراهيم ، وأنت تأكل لحوم الإبل وإلبانها ~~؟ ، وكان ذلك حراما على إبراهيم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 346 # قلت : {إسرائيل} : هو يعقوب عليه السلام. # قول الحق جل جلاله : {كل الطعام كان} حلالا على بني إسرائيل ، كما كان ~~حلالا على الأنبياء كلهم ، {إلا ما حرم إسرائيل} أي : يعقوب ، {على نفسه} ، ~~كلحوم الإبل وألبانها ، قيل : كان به عرق النسا ، فنذر : إن شفاه الله لم ~~يأكل أحب الطعام إليه ، وكان ذلك أحب الطعام إليه. وقيل : فعل ذلك للتداوي ~~بإشارة الأطباء ، فترك ذلك بنوه ولم يحرم عليهم في التوراة ، وإنما هو شيء ~~حرموه على أنفسهم. # فالطعام كله كان حلالا على بني إسرائيل وعلى الأنبياء كلهم قبل نزول ~~التوراة ، فلما نزلت التوراة حرم الله عليهم أشياء من الطيبات لظلمهم ~~وبغيهم ، فإن ادعوا أن لحوم الإبل كانت حراما على إبراهيم ، وأن كل ما حرم ~~عليهم كان حراما على إبراهيم وعلى الأنبياء قبله ، فقل لهم : كذبتم ؛ ~~{فأتوا بالتوراة فاتلوها} هل تجدون ذلك فيها ؟ {إن كنتم صادقين} في قولكم : ~~إن كل شيء حرم عليكم كان حراما على إبراهيم ، روي : أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - لما قال لهم ذلك بهتوا ، ولم يجسروا أن يأتوا بالتوراة ، فتبين ~~افتراؤهم على الله ؛ {فمن افترى على الله الكذب} بزعمه أن الله حرم لحوم ~~الإبل وألبانها قبل نزول التوراة ، {من بعد ذلك} البيان وإلزامهم الحجة ، ~~{من بعد ذلك} المكابرون بالباطل بعدما وضح الحق. PageV01P466 # {قل} لهم يا محمد : {صدق الله} فيما أنزل ، وكذبتم فيما قلتم ، فتبين أن ~~ملة إبراهيم هي الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فأسلموا ، ~~واتبعوا {ملة إبراهيم حنيفا} ، فإن ملة الإسلام موافقة لملة إبراهيم ، أو ~~عينها ، فادخلوا فيه وتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف ~~والمكابرة ، وألزمتكم تحريم طيبات أحلها الله لإبراهيم ومن تبعه ، # 347 # وقد خالفتم التوراة التي زعمتم أنكم متمسكون بها ، وأشركتم مع الله عزيرا ~~وغيره ، وقد كان إبراهيم حنيفا مسلما {وما كان من ms0338 المشركين}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 347 # قال البيضاوي : فيه إشارة إلى أن اتباعه - أي : إبراهيم - واجب في ~~التوحيد الصرف والاستقامة في الدين ، والتجنب عن الإفراط والتفريط ، وتعريض ~~بشرك اليهود. ه. الإشارة : إذا تحقق للفقير الإخلاص ، وحصل على التوحيد ~~الخاص ، كان الطعام كله حلالا له ، لأنه يأخذه بالله ، ويتناوله من يد الله ~~ويدفعه لله ، مع موافقة الشريعة ، ولم يغض من أنوار الطريقة ؛ بحيث لا ~~يصحبه شره ولا طمع. وكان عبد الله بن عمر يقول : كل ما شئت ، والبس ما شئت ~~، ما أخطأتك خصلتان : سرف أو مخيلة. ه. # وإنما امتنعت العباد والزهاد من تناول الشهوات المباحات خوفا على أنفسهم ~~أن تجمح بهم إلى تناول أسبابهما ، فتعطلهم عن العبادة ، وكذلك المريدون ~~السائرون ، ينبغي لهم التقلل من تناولها ؛ لئلا يتعلق قلبهم بشيء منها ، ~~فتعطلهم عن السير ، وأما الواصلون العارفون ، فقد تحقق فناؤهم وبقاؤهم ، ~~فهم يأخذون بالله من يد الله ، كما تقدم. والحاصل : أن النفس ما دامت لم ~~تسلم ولم تنقد إلى مشاهدة ربها ، وجب جهادها ومخالفتها ، فإذا أسلمت ~~وانقادت إلى ربها ، وجب الصلح معها وموافقتها فيما يتجلى فيها ، والله ~~تعالى أعلم. PageV01P467 # ولما كانت اليهود لا تحج بيت الله الحرام ، الذي بناه خليل الله إبراهيم ~~عليه السلام ، مع زعمهم أنهم على ملته ، رد الله تعالى عليهم بقوله : {إن ~~أول بيت...} الخ ، وقيل : تفاخر المسلمون واليهود ، فقالت اليهود : بيت ~~المقدس أفضل ؛ لأنه مهاجر الأنبياء ، وقال المسلمون : الكعبة أفضل ؛ لأنه ~~أول بيت وضع في الأرض. # جزء : 1 رقم الصفحة : 347 # قلت : {بكة} : لغة في مكة ، والعرب تعاقب بين الباء والميم ، تقول : ضربة ~~لازم ولازب ، وأغبطت عليه الحمى وأغمطت ، وقيل : {مكة} بالميم : اسم للبلد ~~كله ، وبكة : اسم لموضع البيت ، سميت بذلك ؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة - أي ~~: تدقها - فما قصدها جبار بسوء إلا قصمه الله. و{مباركا} : حال من الضمير ~~في المجرور ، والعامل فيه الاستقرار ، أي : الذي استقر ببكة مباركا ، ~~و{مقام إبراهيم} : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : منها مقام إبراهيم ، أو بدل ~~من {آيات} ، بدل البعض من الكل ، أو عطف بيان ms0339 ، على أن المراد بالآيات : ~~أثر القدم في الصخرة الصماء ، وغوصوها فيها إلى الكعبين ، # 348 # وتخصيصها بهذه المزية من بين الصخور ، وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء ، ~~وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة ، فكان مقام إبراهيم ، وإن كان مفردا ، في ~~قوة الجمع ، ويدل عليه أنه قرئ {آية} : بالتوحيد. # وقيل : {الآيات} : مقام إبراهيم ، وأمن من دخله ، فعلى هذا يكون : {ومن ~~دخله} ، عطفا على {مقام} ، وعلى الأول : استئنافا. و{حج البيت} مبتدأ ، ~~و{لله} : خبر ، والفتح لغة الحجاز ، والكسر لغة نجد ، و{من استطاع} : بدل ~~من {الناس} ، وقيل : فاعل. PageV01P468 # يقول الحق جل جلاله : {إن أول بيت وضع} في الأرض {للناس} للذي استقر بمكة ، ~~وبعده بيت المقدس ، وبينهما أربعون سنة. بنت الأول الملائكة حيال البيت ~~المعمور ، وأمر الله من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت ~~المعمور ، ثم بني الثاني. وقيل : بناهما آدم عليه السلام ثم جدد الأول ~~إبراهيم. حال كونه {مباركا} ؛ لأنه يتضاعف فيه الحسنات ، بكل واحدة مائة ~~ألف ، وتكفر فيه السيئات ، وتنزل في الرحمات ، وتتوارد فيه النفخات. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 348 PageV01P469 ~~فيه آيات بينات} واضحات ، منها : الحجر الذي هو {مقام إبراهيم} ، وهو الذي ~~قام عليه حين رفع القواعد من البيت ، فكان كلما طال البناء ارتفع به الحجر ~~في الهواء ، حتى أكمل البناء ، وغرقت فيه قدمه كأنه طين ، ومنها : أن الطير ~~لا تعلوه ، ومنها : إهلاك أهل الفيل ورد الجبابرة عنه ، ونبع زمزم لهاجر ~~بهمز جبريل عليه السلام ، وحفر عبد المطلب لها بعد دثورها ، وأن ماءها ينفع ~~لما شرب له ، {ومن دخله كان آمنا} من العقاب في الدارين ؛ لدعاء الخليل : ~~{رب اجعل هذا البلد ءامنا} [إبراهيم : 35] ، فكان في الجاهلية كل من فعل ~~جريمة ، ثم لجأ إليه لا يهاج ولا يعاقب ما دام به ، وأما في الإسلام فإن ~~الحرم لا يمنع من الحدود ولا من القصاص ، وقال أبو حنيفة : الحكم باق ، وإن ~~من وجب عليه حد أو قصاص فدخل الحرم لا يهاج ، ولكن يضيق عليه ، فلا يطعم ~~ولا يباع له حتى يخرج. قال - عليه الصلاة ms0340 والسلام : " من مات في أحد ~~الحرمين بعثه الله من الآمنين " وقال أيضا : " من حج هذا البيت - فلم يرفث ~~، ولم يفسق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ". {ولله على الناس حج البيت} ~~فرض عين على {من استطاع إليه سبيلا} بالقدرة على الوصول بصحة البدن ، راجلا ~~أو راكبا مع الزاد المبلغ ، والأمن على النفس والمال والدين. وقيل : ~~الاستطاعة : الزاد والراحة. {ومن} تركه ، و{كفر} به ، كاليهود # 349 # والنصارى ، وكل من جحده ، {فإن الله غني} عنه ، و{عن} حجه ، وعن جميع ~~{العالمين} ، أو عبر بالكفر عن الترك ، تغليظا كقوله : " من ترك الصلاة فقد ~~كفر " روي أنه - عليه الصلاة والسلام - لما نزل صدر الآية - جمع أرباب ~~الملل ، فخطبهم ، وقال : " إن الله كتب عليكم الحج فحجوا " ، فآمنت به ملة ~~واحدة ، وكفرت به خمس ملل ، فنزل {ومن كفر...} الخ. PageV01P470 # الإشارة : قد وضع الله للناس بيتين : أحدهما حسي ، وهو الكعبة ، والآخر ~~معنوي ، وهو القلب ، الذي هو بيت الرب ، فما دام بيت القلب خاليا من نور ~~الرب اشتاق إلى حج البيت الحسي ، فإذا تعمر البيت بنور ساكنه ، صار قبلة ~~لغيره ، واستغنى عن الالتفات إلى غير نور ربه ، بل صار كعبة تطوف به ~~الواردات والأنوار ، وتحفه المعارف والعلوم والأسرار ، ثم يصير قطب دائرة ~~الأكوان ، وتدور عليه من كل جانب ومكان ، فكيف يشتاق هذا إلى الكعبة الحسية ~~، وقد طافت به دائرة الوفود الكونية ؟ ولله در الحلاج رضي الله عنه حيث قال : # جزء : 1 رقم الصفحة : 348 # يا لائمي لا تلمني في هواه فلو # عاينت منه الذي عاينت لم تلم # للناس حج ولي حج إلى سكني # تهدى الأضاحي ، وأهدي مهجتي ودمي # يطوف بالبيت قوم لا بجارحة ، # بالله طافوا فأغناهم عن الحرم # في هذا البيت آيات واضحات ، وهو إشراق شموس المعارف والأنوار ، في فضاه ~~سماء الأرواح والأسرار ، وسطوع أنوار قمر التوحيد في أرض التجريد والتفريد ~~، وظهور أنوار نجوم العلم والحكم ، في أفق سماء ارتفاع الهمم ، فهذا كان ~~مقام إبراهيم ، إما الموحدين ، فمن دخله كان آمنا من الطرد والبعاد إلى يوم ~~الدين ، ومن كفر وجوده ms0341 ؛ فإن الله غني عن العالمين. # قال في الحاشية في قوله : {ومن دخله كان آمنا} ، قيل : وهكذا من دخل في ~~قلب ولي من أوليائه ، فإن قلب العارف حرم المراقبات والمشاهدات. ه. وبالله ~~التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 348 # قلت : {تبغونها} : جملة حالية من الواو ، أي : لم تصدون عن السبيل باغين ~~لها عوجا. والعوج - بالكسر - في الدين والقول والعمل - ، وبالفتح - في ~~الجدار والحائط وكل شخص قائم. # 350 PageV01P471 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد في عتابك لليهود : {يا أهل الكتاب لم ~~تكفرون بآيات الله} السمعية والعقلية الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه ~~وسلم فيما يدعوكم إليه من الإسلام ؟ {والله شهيد على ما تعملون} مطلع على ~~سرها وجهرها ، فيجازيكم عليها ، فلا ينفعكم التحريف ولا الإسرار. # {يا أهل الكتاب لما تصدون} عن طريق الله {من آمن} بها ، وتبع من جاء بها ~~، {تبغونها عوجا} أي : طالبين لها اعوجاجا ، بأن تلبسوا على الناس ، ~~وتوهموا أن فيها عوجا عن الحق ، بزعمكم أن التوراة لا تنسخ ، وبتغيير صفة ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام ، أو بأن تحرشوا بين المسلمين ؛ لتختلف ~~كلمتهم ، ويختل أمر دينهم ، وأنتم شهداء على أنها حق ، وأن الصد عنها ضلال ~~، أو : وأنتم عدول عند أهل ملتكم ، يثقون بأقوالكم ، ويستشهدونكم في ~~القضايا ، {وما الله بغافل عما تعملون} ؛ فلا بد ان يجازيكم على أعمالكم ، ~~فإتنه يمهل ولا يهمل. # كرر الخطاب والاستفهام مرتين ؛ مبالغة في التقريع ونفي العذر ، وإشعارا ~~بأن كل واحد من الأمرين مستبح في نفسه ، مستقل باستجلاب العذاب. ولما كان ~~المنكر عليهم في الآية الأولى : كفرهم ، وهم يجهرون به ، ختم بقوله : ~~{والله شهيد على ما تعملون} ، ولما كان هذه الآية : صدهم المؤمنين عن ~~الإسلام ، وكانوا يخفونه ويحتالون فيه ، قال : {وما الله بغافل عما ~~تعملون}. قاله البيضاوي. # الإشارة : كل من جحد وجود الخصوصية عند أهلها ، وصد القاصدين للدخول فيها ~~، استحق هذا العتاب بلا شك ولا ارتياب. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 350 PageV01P472 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} ، الخطاب ms0342 عام ، والمراد : نفر ~~من الأوس والخزرج ، {إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب} ، وهو شاس بن ~~قيس اليهودي ، كان شيخا كبيرا ، وكان عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين ، ~~مر بنفر من الأوس والخزرج ، جلوسا يتحدثون ، وكان بينهما عداوة في الجاهلية ~~، فغاظه تآلفهم واجتماعهم ، وقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد ، ~~فما لنا معهم قرار ، فأمر شابا من اليهود أن يجلس بينهم ويذكرهم يوم بعاث - ~~وهو يوم حرب كان بينهم في الجاهلية - وينشدهم بعض ما قيل فيه ، وكان الظفر ~~في ذلك اليوم للأوس ، ففعل ، وتنازع القوم # 351 # وتفاخروا وتغاضبوا ، وقالوا : السلاح السلاح ، واجتمع من القبيلتين خلق ~~عظيم ، فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقال : " ~~أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ، بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام ، وقطع به ~~عنكم أمر الجاهلية ، وألف بينكم ؟ " فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من ~~عدوهم ، فألقوا السلاح ، واستغفروا وعانق بعضهم بعضا ، وانصرفوا مع الرسول ~~- صلوات الله عليه وسلامه - فنزلت الآية. PageV01P473 # {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا} من اليهود {يردوكم بعد إيمانكم ~~كافرين} ؛ يبيح بعضكم دماء بعض ، كما كنتم في الجاهلية ، {وكيف تكفرون ~~وأنتم تتلى عليكم آيات الله} الدالة على تحريم الدماء والشحناء ، {وفيكم ~~رسوله} الهادي إلى الصراط المستقيم ، وهو إنكار وتعجب من كفرهم ، بعد ~~اجتماع الأسباب الداعية إلى الإيمان ، الصارفة عن الكفران ، وإنما خاطبهم ~~الله بنفسه بعد ما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب ؛ إظهارا لجلالة قدرهم ~~، وإشعارا بأنهم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم ، دون أهل الكتاب ؛ ~~لبعدهم عن استحقاق مواجهة الخطاب من الكريم الوهاب. {ومن يعتصم بالله} ~~ويتمسك بدينه {فقد هدي إلى صراط مستقيم} لا عوج يفه وأصل الاعتصام : ~~التمتع. # جزء : 1 رقم الصفحة : 351 # ثم حض على التقوى الكاملة والدوام على الإسلام ، تنفيرا من الاستماع لمن ~~يخرج عنها ، قال : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} ، قال عليه ~~الصلاة والسلام : " حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين ، وأن يذكر فلا ~~ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر " ولما نزلت ms0343 قالوا : يا رسول الله ؛ من يقوى على ~~هذا ؟ وشق عليهم ، فنزلت : {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن : 16] ، ~~فنسختها. وقال مقاتل : معناه : (اتقوا الله حق تقاته ، فإن لم تستطيعوا فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون). وعن أنس مالك ، قال : (لا يتقي الله عبد حق تقاته ~~حتى يخزن من لسانه) ، وقيل : ليست بمنسوخة ؛ لأن من جانب ما نهى الله عنه ، ~~وفعل من الطاعة ما استطاع ، فقد اتقى الله حق تقاته ، فمعناها واحد. وسيأتي ~~تحديد ذلك في الإشارة ، إن شاء الله. PageV01P474 # قال البيضاوي : وقيل : معنى {حق تقاته} : أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها ~~، وعن توقع المجازاة عليها ، وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب ~~، {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} أي : لا تكونوا على حالة سوى الإسلام ، إلى ~~أن يردككم الموت. ه. أماتنا الله على حسن الختام ، مع السلامة والعافية على ~~الدوام. # الإشارة : كما نهى الله عن طاعة من يرد عن الإيمان ، نهى عن طاعة من يصد ~~عن مقام الإحسان ، كائنا ما كان ، وكيف يرجع عن مقام التحقيق ، وقد ظهرت ~~معالم الطريق لمن سبقت له العناية والتوفيق!. قال بعضهم : والله ما رجع من ~~رجع إلا من الطريق ، وأما من وصل فلا يرجع أبدا. إذ لا يمكن أن يرجع من عين ~~اليقين إلى علم اليقين ، # 352 # أو من اليقين إلى الظن. ومن أراد الثبات على اليقين فليعتصم بحبل الله ~~المتين ، وهو صحبة العارفين ، فمن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله ، {ومن يعتصم ~~بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم} [آل عمران : 101]. # ثم خاطب أهل الإحسان فقال : {يا أيها الذين آمنوا اقتوا الله حق تقاته} ~~بأن تغيبوا عما سواه ، ولا تموتن إلا وأنتم منقادون لأحكام الربوبية ، ~~قائمون بوظائف العبودية. فهذه الآية خطاب لأهل الإحسان ، و{فاتقوا الله ما ~~استطعتم} [التغابن : 16] : خطاب لأهل افسلام والإيمان ، أو هذه لأهل ~~التجريد ، والثانية لأهل الأسباب ، أو لأهل الباطن ، والثانية لأهل الظاهر ~~، فلكل آية أهل ومحل ، فلا نسخ ولا تعارض. وقال الشيخ أبو العباس رضي الله ~~عنه : من أراد الجمع بين الآيتين فليتق الله ms0344 حق تقاته بباطنه ، وليتق الله ~~ما استطاع بظاهره. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 351 PageV01P475 ~~قلت : أصل الحبل في اللغة : السبب الموصل إلى البغية ، سمى به الإيمان أو ~~القرآن ؛ لأنه يوصل إلى السعادة السرمدية ، و{شفا حفرة} ، وأصله : (شفو) ، ~~فقلبت ألفا في المذكر ، وحذفت في المؤنث ، فقالوا : شفة. # يقول الحق جل جلاله : {واعتصموا} أي : تمسكوا يا معشر المسلمين {بحبل ~~الله} أي : الإيمان ، أو كتاب الله ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " إن هذا ~~القرآن هو حبل الله المتين ، وهو النور المبين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن ~~تمسك به... " الحديث. حال كونكم {جميعا} أي : مجتمعين عليه ، {ولا تفرقوا} ~~تفرقكم الجاهلي ، أو لا تفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب. ~~قال عليه الصلاة والسلام : " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، ~~وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، فقيل : ~~يا رسول الله ، ما هذه الواحدة ؟ فقبض يده وقال : الجماعة ، ثم قرأ : ~~{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ". {واذكروا نعمت الله عليكم} ، ~~التي من جملتها الهداية للإسلام المؤدي إلى التآلف وزوال الغل ، {إذ كنتم ~~أعداء} في الجاهلية ، يقتل بعضكم بعضا ، {فألف بين قلوبكم} بالإسلام ، ~~{فأصبحتم بنعمته إخوانا} متحابين مجتمعين على الأخوة في الله. قال عليه ~~الصلاة والسلام : " لا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد ~~الله إخوانا ، # 353 # المسلم أخوا المسلم لا يظلمه ولا يخذله " الحديث. روي أن الأوس والخزرج ~~كانوا أخوين ، فوقع بين أولادهما العداوة ، وتطاولت الحرب بينهما مائة ~~وعشرين سنة ، حتى أطفأها الله بالإسلام ، وألف بينهم برسول الله عليه ~~الصلاة والسلام - فنزلت فيهم هذه الآية. PageV01P476 # ثم قال لهم : {وكنتم على شفا حفرة من النار} أي : مشرفين على نار جهنم ، إذ ~~لو أدرككم الموت لوقعتم في النار ، {فأنقذكم} الله {منها} برسوله - عليه ~~الصلاة والسلام - : روي أن أعرابيا سمع ابن عباس يقرأ هذه الآية ، فقال ~~الأعرابي : والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها ، فقال ابن عباس ~~رضي الله عنه خذوها من غير فقيه. ه. {كذلك يبين الله ms0345 لكم آياته} أي : مثل ~~هذا النبيين {يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} إلى الخير ، وتزيدون ثباتا فيه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 353 # الإشارة : المذاهب كلها وقع فيها الاختلاف والتفرق في الأصول والفروع ، ~~إلا مذاهب الصوفية فكلها متفقة بداية ونهاية ، إذ بدايتهم مجاهدة ، ~~ونهايتهم مشاهدة ، وإلى ذلك أشار في المباحث ، حث قال : # مذاهب الناس على اختلاف # ومذهب القوم على ائتلاف # وإن وقع الاختلاف في بعض الطرق الموصلة إلى المقصود ، فقد اتفقت في ~~النهاية ، بخلاف أهل الظاهر ، لا تجدهم يتفقون إلا في مسائل قليلة ، لأن ~~مذهبهم مبني على غلبة الظن ، ومذهب القوم مبني على التحقيق ذوقا وكشفا ، ~~وكذلك ائتلفت أيضا قلوبهم وأرواحهم ، إذ كلهم متخلقون بالشفقة والرأفة ~~والمودة والألفة والصفا ؛ لأنهم دخلوا الجنة - أعني جنة المعارف - فتخلقوا ~~بأخلاق أهل الجنة ، قال تعالى : {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين} [الحجر : 47] ، فيقال لهم بعد الفتح : واذكروا نعمة الله عليكم ، ~~إذ كنتم أعداء قبل اتصالكم بالطبيب ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته ~~أخوانا متحابين ، وكنتم على شفا حفرة من نار القطيعة والحجاب {فأنقذكم ~~منها}. مثل هذا البيان يوضح الله آياته ، أي : تجلياته ، لعلكم تهتدون إلى ~~مشاهدة ذاته في أنوار صفاته. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 353 # 354 PageV01P477 ~~قلت : (من) : للتبعيض ؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض ~~الكفاية ؛ إذ لا يصلح له كل أحد ، أو للبيان ، أي ؛ كونوا أمة تأمرون ~~بالمعروف ، كقوله : {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} [آل عمران ~~: 110] الخ ، و{يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} عطف على الخبر ، من عطف ~~الخاص على العام ؛ للإيذان بفضله. # {يقول الحق جل جلاله} : {ولتكن منكم} يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~{أمة} أي : طائفة {يدعون إلى الخير} ، وهو كل ما فيه صلاح ديني ، أو دنيوي ~~إذ كان يؤول إلى الديني ، أو صلاح قلبي أو روحاني ، {ويأمرون بالمعروف} وهو ~~ما يستحسنه الطبع ويرتضيه الشرع ، {وينهون عن المنكر} وهو كل ما ينكره ~~الطبع السليم والشرع المستقيم ، فمن فعل ذلك فأولئك {هم المفلحون} ms0346 ~~المخصوصون بكمال الفلاح. # روي عنه عليه الصلاة والسلام : أنه سئل من خير الناس ؟ فقال : " آمرهم ~~بالمعروف ، وأنهاهم عن المنكر ، وأتقاهم الله ، وأوصلهم للرحم " وقال أيضا ~~: " من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر كان خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله ~~وخليفة كتابه " وقال علي رضي الله عنه : (أفضل الجهاد : الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وشنئان الفاسقين - أي بغضهم - فمن أمر بالمعروف شد ظهر ~~المؤمن ، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق ، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله ~~غضب الله له). وقال أبو الدرداء : (لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ~~أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما ، لا يجل كبيركم ، ولا يرحم صغيركم ، ~~ويدعو عليه خياركم فلا يستجاب لهم ، ويستنصرون فلا ينصرون ، ويستغفرون فلا ~~يغفر لهم). وقال حذيفة : (يأتي على الناس زمان لأن تكون فيه جيفة حمار ، ~~أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر). PageV01P478 # وللمتصدي له شروط : العلم بالأحكام ، ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها ، ~~والتمكن من القيام بها ، ولذلك خاطب الحق تعالى الجميع ، وطلب فعل بعضهم ، ~~إذ لا يصلح للقيام به إلا البعض ، كما هو شأن فرض الكفاية ، إذ هو واجب على ~~الكل ، بحيث لو تركوه لعوقبوا جميعا ، لكنه يسقط بفعل البعض. # جزء : 1 رقم الصفحة : 354 # والأمر بالمعروف يكون واجبا ومندوبا ، على حسب ما يأمر به ، والنهي عن ~~المنكر واجب كله ؛ لأن جميع ما أنكره الشرع حرام. وأما المكروه فليس بمنكر ~~، فيستحب الإرشاد إلى تركه. والأظهر أن العاصي يجب أن ينهى عما يرتكبه هو ؛ ~~لأنه يجب عليه تركه ، فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام : " مروا بالمعروف وإن لم تعملوا بكله ، وانهوا عن المنكر ~~وإن لم تنتهوا عنه كله ". الإشارة : {ولتكن منكم أمة} أي : طائفة ينهض ~~حالهم ويدل على الله مقالهم ، يدعون إلى الخير العظيم ، وهو شهود ذات ~~السميع العليم ، ويأمرون بالمعروف بالهمة # 355 # العلية ، وينهون عن المنكر بالحال القوية ، فكل من رآهم بالصفا ائتمر ~~وانتهى ، وكل من صحبهم بالوفاء أخذ حظه من الغنى بالمكيال الأوفى ، إن لله ~~رجالا من ms0347 نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، فهؤلاء يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر بالحال دون المقال. يحكى أن بعض الشيوخ مر مع أصحابه بقوم ~~يشربون الخمر تحت شجرة فأراد أصحابه أن يغيروا عليهم ، فقال لهم : إن كنتم ~~رجالا فغيروا عليهم بحالكم دون مقالكم ، فتوجهوا إلى الله بهممهم ، فإذا ~~القوم قد كسروا الأواني ، وجاءوا إلى الشيخ تائبين. وكذلك قضية معروف ~~الكرخي مع أصحاب السفينة ، الذي كانوا مشتغلين باللهو واللعب ، فقال له ~~أصحابه : ادع عليهم ، فقال : اللهم كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة ~~، فتابوا على يده جميعا. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. PageV01P479 # جزء : 1 رقم الصفحة : 354 # قلت : {يوم} متعلق بالاستقرار في خبر {أولئك} ، أو باذكر ؛ محذوفة ، ~~وقوله : {أكفرتم} : محكي بقول محذوف جواب {أما} ، أي : فيقال لهم : أكفرتم. # يقول الحق جل جلاله : {ولا تكونوا} كاليهود والنصارى الذين {تفرقوا} في ~~التوحيد والتنزيه ، {واختلفوا} في أحوال الآخرة ، قال عليه الصلاة والسلام ~~: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على ثنتين ~~وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا ~~واحدة. قيل : ومن تلك الواحدة ؟ قال : ما أنا وأصحابي عليه " وهذا الحديث ~~أصح مما تقدم ، والصحابة يروون الحديث بالمعنى ، فلعل الأول نسي بعض ~~الحديث. والله أعلم. # ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع ، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام : " اختلاف أمتي رحمة " ، ولقوله : " من اجتهد وأصاب فله أجران ، ~~ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ". ثم إن أهل الكتاب تفرقوا {من بعد ما جاءهم ~~البينات} أي : الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه ، {وأولئك ~~لهم عذاب عظيم} ، يستقر لهم هذا # 356 PageV01P480 ~~العذاب {يوم تبيض وجوه} المؤمنين المتقين على التوحيد ، {وتسود وجوه} ~~الكافرين المتفرقين فيه ، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين ، أو ~~تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كنايتان ~~عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه ، وقيل : يوسم أهل الحق ببياض الوجوه ~~والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه ، وأهل الباطل بأضداد ms0348 ~~ذلك. {فأما الذين اسودت وجوههم} فيقال لهم يومئذ : {أكفرتم} بمحمد - عليه ~~الصلاة والسلام - بعد ظهوره ، {بعد إيمانكم} به قبل ظهوره ، وهم اليهود أو ~~أهل الردة ، آمنوا في حياته صلى الله عليه وسلم وكفروا بعد موته. أو جميع ~~الكفار ، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم ، ثم كفروا في عالم الشهادة ~~، ويقال لهم أيضا : {ذوقوا العذاب} بسبب ما كنتم {تكفرون}. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 356 # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله} أي : جنته ، {هم فيها خالدون}. ~~وعبر بالرحمة عن الجنة ؛ تنبيها على أن المؤمن ، وإن استغرق عمره في طاعة ~~الله - تعالى - ، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله ، وكان حق الترتيب أن ~~يقدم حلية المؤمنين لتقدم ذكرهم ، لكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية ~~المؤمنين وثوابهم. # {تلك آيات الله} الواردة في وعده ووعيده ، {نتلوها عليك} متلبسة {بالحق} ~~لا شبهة فيها ، فقد أعذر وأنذر ، {وما الله يريد ظلما للعالمين} ؛ إذ لا ~~يحق عليه شيء فيظلم بنقصه ، ولا يمنع من شيء فيظلم بفعله ، كما بينه بقوله ~~: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} ملكا وخلقا وعبيدا ، فيجازي كلا بما ~~وعده ، وأوعده ، {وإلى الله ترجع الأمور} كلها ؛ فيتصرف على وفق مراده ~~وسابق مشيئته ، {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} [الأنبياء : 23]. PageV01P481 # الإشارة : قد نهى الله - تعالى - أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق ، في ~~اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم ، من بعد ما جاءتهم الدلائل ~~الواضحات على طلب جمع القلب على الله ، والتودد في الله ، وصرف النظرة في ~~شهود الله ، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم ، وأي عذاب أعظم من الحجاب ؟ ~~يوم تبيض وجوه العارفين ، فتكون كالشمس الضاحية ، يسرحون في الجنان حيث ~~شاءوا ، وتسود وجوه الجاهلين ؛ لما يعتريها من الندم ، وسوادها باعتبار ~~وجوه العارفين في النقص عنها ، وإن كانت مبيضة بنور الإيمان ، لكن فاتهم ~~نور الإحسان ، فيقال : أكفرتم بالخصوصية في زمانكم ، بعد إيمانكم بها فيمن ~~سلف قبلكم ؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين ، وأما الذين ~~ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء ، ففي رحمة الله ms0349 ، أي : جنة المعارف {فى ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر} [القمر : 55] ، فقد اتضحت الطريق ، وظهرت أعلام ~~التحقيق ، لكن الهداية بيد الله ، كما أن الأمور كلها بيده ، يهدي من يشاء ~~ويضل من يشاء ، {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت : 46]. وبالله التوفيق. # 357 # جزء : 1 رقم الصفحة : 356 # قلت : {كان} : على بابها من الدلالة على المضي ، أي : كنتم في اللوح ~~المحفوظ ، أو في علم الله ، أو فيما بين الأمم المتقدمة ، أو : صلة ، أي : ~~أنتم خير أمة ، و{للناس} : يتعلق بأخرجت ، أو بكنتم ، أي : كنتم خير الناس للناس. # يقول الحق جل جلاله : لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : {كنتم} في ~~سابق علمي {خير أمة} ظهرت {للناس} تجيئون بهم إلى الجنة بالسلاسل. ثم بين ~~وجه فضلهم فقال : {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} وبجميع ~~ما يجب الإيمان به. PageV01P482 # وقد ورد في مدح هذه الأمة المحمدية أحاديث ، منها قوله صلى الله عليه وسلم ~~: " حرمت الجنة على الأنبياء حتى أدخلها أنا ، وحرمت الجنة على الأمم حتى ~~تدخلها أمتي " ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : " أمتي أمة مرحومة ، إذا ~~كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من هذه الأمة رجلا فيقال : هذا فداؤك من ~~النار ". وعن أنس قال : " خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا صوت ~~يجيء من شعب ، فقال : يا أنس : قم فانظر ما هذا الصوت ، فانطلقت فإذا برجل ~~يصلي إلى شجرة ، ويقول : اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~الأمة المرحومة ، المغفور لها ، المستجاب لها ، المتاب عليها ، فأتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته ، فقال : انطلق ، فقل له : إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقرئك السلام ، ويقول لك : من أنت ؟ فأتيت ، فأعلمته ما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ مني السلام على رسول الله صلى لله ~~عليه وسلم ، وقل له : أخوك الخضر يقول لك : ادع الله أن يجعلني من أمتك ~~المرحومة المغفور لها ". وقيل لعيسى ابن مريم : هل بعد هذه الأمة أمة ؟ قال ~~: نعم ، أمة أحمد. قيل : وما أمة أحمد ms0350 ؟ قال : علماء ، حكماء ، أبرار ~~أتقياء ، كأنهم من الفقه أنبياء ، يرضون باليسير من الرزق ، ويرضى الله ~~عنهم باليسير من العمل ، يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 358 PageV01P483 ~~وليس أولها أولى بالمدح من آخرها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " أمتي ~~كالمطر ، لا يدرى أوله خير أو آخره " ؟ وفي خبر آخر عنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : " اشتقت إلى إخواني ، فقال أصحابه : نحتن إخوانك يا رسول الله ، فقال ~~أنتم أصحابي ، إخواني : ناس يأتون بعدي ، يؤمنون بي ولم يروني ، يود أحدهم ~~لو يراني بجميع ما يملك. يعدل عمل أحدهم سبعين منكم. قالوا : منهم يا رسول ~~الله ؟ قال : منكم. قالوا : ولم ذلك يا رسول الله ؟ قال : لأنكم وجدتم على ~~الخير أعوانا ، وهم لا يجدوا عليه أعوانا " أو كما قال - عليه الصلاة ~~والسلام -. # 358 # قلت : التفضيل باعتبار أجور الأعمال ، وأما باعتبار اليقين والمعرفة ، ~~فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء - عليهم السلام - ويدل على هذا قوله - ~~عليه الصلاة والسلام - " يعدل عمل أحدهم " ، ولم يقل إيمان أحدهم. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : كنتم يا معرش الصوفية خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالجمع على ~~الله والغيبة عما سواه ، وتنهون عن كل ما يبعد عن الله ويفرق العبد عن ~~مولاه ، وتؤمنون بالله وبما وعد به الله ، إيمان الشهود والعيان ، الذي هو ~~مقام الإحسان. قال القشيري في رسالته : (قد جعل الله هذه الطائفة صفوة ~~أوليائه ، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه). # وقال الجنيد رضي الله عنه : لو نعلم أن تحت أديم السماء أشرف من هذا ~~العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا ، لسعيت إليه ولو حبوا. ه. وكان كثيرا ما ينشد : # علم التصوف علم ليس يعرفه # إلا أخو فطنة بالحق معروف # وليس يبصره من ليس يشهده # وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف PageV01P484 ~~وقال الشيخ الصقلي : (كل من صدق بهذا العلم فهو من الخاصة ، وكل من فهمه ~~فهو من خاصة الخاصة ، وكل من عبر به وتكلم فيه فهو من النجم الذي لا يدرك ~~والبحر الذي لا ينزف). ms0351 وقال في الإحياء - لما تكلم على معرفة الله والعلم ~~بالله ، قال : (والرتبة العليا في ذلك للأنبياء ، ثم للأولياء العارفين ، ~~ثم للعماء الراسخين ، ثم للصالحين). فقد قدم الأولياء على العلماء. قال ابن ~~رشد : وما قاله القشيري والغزالي متفق عليه. قال : ولا يشك عاقل أن ~~العارفين بالله وما يجب له من الكمال ، أفضل من العارفين بأحكام الله. انظر ~~تمامه في المعيار. وقال في المباحث : # جزء : 1 رقم الصفحة : 358 # حجة من يرجع الصوفية # على سواهم حجة قوية # هم أتبع الناس لخير الناس # من سائر الأنام والأناس # ثم قال : # ثم بشيئين تقوم الحجه # أنهم قطعا على المحجه # ومأ أتوا فيه بخرق العاده # إذ لم تكن لمن سواهم عاده # قد رفضوا الآثام والعيوب # وطهروا الأبدان والقلوب # وبلغوا حقيقة الإيمان # وانتهجوا مناهج الإحسان # 359 # ثم دعا أهل الكتاب إلى الإيمان ، وهون أمرهم ، فقال : # {... ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ~~لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم ~~الذلة أين ما ثقفواا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله ~~وضربت عليهم المسكنة ذالك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبيآء ~~بغير حق ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون} PageV01P485 ~~قلت : الاستثناء في قوله {إلا بحبل} : من أعم الأحوال ، أي : ضربت عليهم ~~الذلة في جميع الأحوال ، إلا متلبسين بذمة من الله وذمة من الناس. يقول ~~الحق جل جلاله : {ولو آمن أهل الكتاب} إيمانا كإيمانكم ، {لكان خيرا لهم} ~~مما هم عليه. وليس أهل الكتاب سواء ، بل {منهم المؤمنين} كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه ، {وأكثرهم الفاسقون} المتمردون في الكفر والفسوق ، فلا يهولكم ~~أمرهم ، فإنهم {لن يضروكم} إلا ضررا يسيرا ؛ كأذى باللسان من عيب وسب ~~وتحريش بينكم ، ولا قدرة لهم على القتال ، {وإن يقاتلوكم} ينهزموا ، ~~و{يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} أبدا عليكم. # وهذه الآية من المغيبات التي وافقها الواقع ، إذ كان كذلك في بني قريظة ~~والنضير وبني قينقاع وخيبر ، فلم ترفع لهم راية أبدا ، بل {ضربت عليهم ~~الذلة} ms0352 والخزي والهوان ، أي : أحاطت بهم إحاطة البيت المضروب على أهله ، أو ~~لزمتهم لزوم الدرهم المضروب لضربه ، فلا تنفك عنهم {أيم ما ثقفوا} ووجدوا ، ~~فلا يأمنون {إلا بحبل من الله} أي : بسبب عهد من الله ، وهو عقد الذمة التي ~~أمر الله بها ، إذا أدوا الجزية للمسلمين ، فلهم حرمة بسبب هذا العقد ، فلا ~~يجوز التعرض لهم في مال ولا دم ولا أهل ، {وحبل من الناس} ، وهو عقد الذمة ~~التي يعقدها مع الكفار إذا كانوا تحت ذمتهم. والحاصل أن الذلة لازمة لهم ~~فلا يأمنون إلا تحت الذمة ، إما من المسلمين وإما من الكفار. {وباءوا بغضب ~~من الله} أي : انقلبوا به مستحقين له ، {وضربت عليهم المسكنة} أي : أحاطت ~~بهم ، فاليهود في الغالب فقراء مساكين ، لأن قلوبهم خاوية من اليقين ، ~~فالفقر والجزع لازم لهم ، ولو ملكوا الدنيا بأجمعها. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 358 PageV01P486 ~~ذلك} الذل والمسكنة والبواء بالغضب بسبب أنهم {كانوا يكفرون بآيات الله} ~~المنزلة على رسوله ، أو الدالة على توحيده ، {ويقتلون الأنبياء بغير حق} بل ~~ظلما وعدوانا ، ذلك الكفر بسبب عصاينهم واعتدائهم حدود الله ، فإن الإصرار ~~على الصغائر يفضي إلى الكبائر ، والإصرار عل الكبائر يؤدي إلى الكفر ؛ لأن ~~المعاصي بريد الكفر ، والعياذ بالله. # 360 # الإشارة : ولو آمن أهل الظاهر بطريق الخصوص ، وحطو رؤوسهم لأهل الخصوصية ~~لكان خيرا لهم ، للتسع عليهم دائرة العلوم ، وتفتح لهم مخازن الفهوم ، منهم ~~من يقر بوجود الخصوصية ، ويعجز عن حمل شروطها ، وأكثرهم ينكرونها ويحتجون ~~لأنفسهم بقول من قال : انقطعت التربية في القرن الثامن ، فيموتون مصرين على ~~الإنكار والعصيان ، فلن يضركم إنكارهم أيها الفقراء ، فإنهم لا قدرة لهم ~~عليكم ، للرعاية التي أحاطت بكم ، إلا أذى بلسانهم ، وعلى تقدير لحوق ضررهم ~~في الظاهر ، فإن الله يغيب ألم ذلك عنكم في الباطن ، كما شاهدناه من بعض ~~الفقراء ، وإن يهددوكم بالقتل والجلاء ، فإن الله لا ينصرهم في الغالب. # قلت : وقد هددونا بالضرب والرفع إلى السلطان والجلاء إلى بر النصارى ، ~~فلم يقدروا على شيء من ذلك ، وقد وقع ذلك لبعض الصوفية زيادة في شرفهم ~~وعزهم ms0353 ، فالمنكر على الصوفية لا يزال في هم وغم وذل ومسكنة ، لخراب باطنه ~~من نور اليقين. فإن الانتقاد على الأولياء جناية واعتقادهم عناية ، فإن ~~استمر على أذاهم كان عاقبته سوء الخاتمة ، فيبوء بغضب من الله سبب اعتدائه ~~على أولياء الله ، " ومن آذى لي وليا فقد أذن بالحرب " رزقنا الله الأدب ~~معهم ، وأماتنا على محبتهم ، آمين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 358 PageV01P487 ~~قلت : {قائمة} أي : مستقيمة ، من أقمت العود فقام ، أو قائمة بأمر الله. ~~و{آناء الليل} : ظرف : واحده : {إني} ، بكسر الهمة وسكون النون ، كنحى ~~وأنحاء ، أو {إني} ، كمعى وأمعاء ، و{لن تكفروه} أي : لن تحرموه ، وعدي ~~{كفر} إلى مفعولين لتضمنه معنى حرم أو منع. # يقول الحق جل جلاله : ليس أهل الكتاب {سواء} في الكفر والعدوان ، بل منهم ~~{أمة} أي : طائفة {قائمة} بالعدل مستقيمة في الدين ، أو قائمة بأمر الله ، ~~أو قائمة في الصلاة {يتلون آيات الله} في تهجدهم {آناء الليل} أي : في ~~ساعاته ، {وهم يسجدون} في صلاتهم ، أو في صلاة العشاء ، لأن أهل الكتاب لا ~~يصلونها ، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أخرها ، ثم خرج ، فإذا الناس ~~ينتظرونها ، فقال : " أبشروا ؛ فإنه ليس من أهل الأرض أحد يصلي في هذه ~~الساعة غيركم ". # 361 PageV01P488 ~~ثم وصفهم بالإيمان فقال : {يؤمنون بالله واليوم الآخرة ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات} ، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه ممن ~~أسلم من اليهود ، فقد وصفهم الله تعالى بخصائص لم توجد في اليهود ، فإنهم ~~منحرفون عن الحق غير متعبدين ، مشركون بالله ملحدون في صفاته ، يصفون اليوم ~~الآخر بغير صفاته ، مداهنون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، متباطئون ~~عن الخيرات ، بخلاف ما وصف به من أسلم منهم ، {وأولئك} الموصوفون بتلك ~~الصفات {من الصالحين} أي : ممن صلحت أحوالهم عند الله ، واستوجبوا رضاءه ~~وثناءه ، وهذه عادة الله مع خلقه ، من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا. ~~ولذلك قال : {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} أي : فلن تحرموا ثوابه. ولن ~~تجحدوا جزاءه ، بل يشكره لكم ويجزيكم عليه ، سمى الحرمان كفرانا كما سمى ~~العطاء ms0354 شكرا. {والله عليهم بالمتقين} ؛ فلا يخفى عليه مقاماتهم في التقوى ، ~~وفيه إشعار بأن التقوى مبدأ الخير وأحسن الأعمال ، وأن الفائزين عند الله ~~هم أهل التقوى. رزقنا الله منها الحظ الأوفر بمنه. آمين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 361 # الإشارة : ليس أهل العلم سواء ، بل منهم من جعله شبكة يصطاد به الدنيا ، ~~يبيع دينه بعرض قليل ، وهم علماء السوء وقضاة الجور ، ومنهم من قرأه لله ~~وعلمه لله ، فأفنى عمره في تعليمه وتقييده ، ومنهم من صرف همته إلى جمعه ~~وتأليفه ، ومنهم من صرف همته إلى العمل به فالتحق بالعباد والزهاد ، {يتلون ~~آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} ومنهم من حرره وحققه ، ثم توجه إلى علم ~~الباطن وصحب العارفين ، فكان من المقربين ، فهؤلاء كلهم {يسارعون في ~~الخيرات وأولئك من الصالحين} ، فيقال لهم : {وما يفعلوا من خير فلن يكفره ~~والله عليم بالمتقين}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 361 PageV01P489 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كفروا} وجحدوا ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولاهم من} عذاب {الله شيئا} ~~{وأولئك أصحاب النار} أي : ملازموها ، كملازمة الرجل لصاحبة ، {هم فيها ~~خالدون}. # الإشارة : إن الذين كفروا بالخصوصية عند أهل زمانهم ، وفاتهم اقتباس ~~أنوارهم ، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا علومهم مما فاتهم من معرفة ~~الله شيئا ، ماذا وجد من فقد الله ؟ وماذا فقد من وجد الله ؟ ! قال الشاعر : # لكل شيء إذا فارقته عوض # وليس لله إن فارقت من عوض # 362 # ولا طريق لمعرفة الحق المعرفة الخاصة - أعني معرفة العيان - إلا صحبة أهل ~~الشهود والعيان ، فكل من أنكرهم كان غايته الحرمان ، ولزمته البطالة ~~والخذلان ، وجرب ، ففي التجريب علم الحقائق ، ومن حرم صحبتهم لا ينفك عن ~~نار القطيعة وعذاب الحجاب ، وعنت الحرص والتعب ، عائذا بالله من ذلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 362 # قلت : في الكلام حذف ، أي : مثل تلف ما ينفقون كمثل إتلاف ربح... الخ ، ~~و{الصر} : البرد الشديد ، أو ريح فيها صوت وبرد ، أو السموم الحارة. # يقول الحق جل جلاله : مثل ما ينفق الكفار ms0355 ، قربة أو مفاخرة وسمعة ، أو ما ~~ينفق سفلة اليهود على أحبارهم ، أو المنافقون ؛ رياء وخوفا ، {كمثل ريح} ~~فيها برد شديد {أصابت حرث قوم} أي : زرعهم ، فأتلفته وأهلكته ، والمراد : ~~تشبيه نفقتهم وأعمالهم في تلفه وضياعه وعدم الانتفاع به ، بحرث كفار ، ~~ضربته ريح فيها برد فاجتاحته ، فأصبح صعيدا زلقا ، ولم تبق فيه منفعة في ~~الدنيا والآخرة ، {وما ظلمهم الله} بأن ضيع أعمالهم من غير سبب ، ولكنهم ~~ظلموا أنفسهم بارتكاب الكفر الذي أحبط أعمالهم. PageV01P490 # الإشارة : كل من لم يحقق مقام الإخلاص ، ولم يصحب أهل التخليص والاختصاص ، ~~لا تنفك أعماله من علل ، ولا أحواله من دخل ، فأعماله فارغة خفيفة ، أقل ~~ريح تقلعها وتسقطها عن درجة الاعتبار ، وما زالت العامة تقول : الصحيح يصح ~~، والخاوي يدريه الريح. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 362 # قلت : بطانة الرجل : خواصه الذين يطلعهم على باطنه وسره ، وسميت بطانة ؛ ~~تشبيها لها بالثوب الذي يلي بطنه كالشعار. قال عليه الصلاة والسلام : " ~~الأنصار شعار # 363 # والناس دثار " وهي اسم تطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. والألو : ~~التقصير ، وأصله : أن يتعدى بالحرف ، تقول : لا آلو في نصحك ؛ أي : لا أقصر ~~فيه. ثم عدي إلى مفعولين ، كقولهم : لا آلوك نصحا ، على تضمن معنى المنع أو ~~النقص. والخبال : الفساد. # و{ما عنتم} : مصدرية ، والعنت : التعب والمشقة ، والأنامل : جمع أنملة - ~~بضم الميم وفتحها - ، والضير والضر واحد. ومضارع الأول : يضير ، والثاني : ~~يضر ، وهو هنا مجزوم ، وأصله : يضرركم ، نقلت حركة الراء إلى الضاد ، وضمت ~~الراء ، إتباعا لحركة الضاد طلبا للمشاكلة. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة} أي : أصدقاء ~~وأصفياء ، تطلعونهم على سركم ، وهم {من دونكم} ليسوا على دينكم ، فإنهم {لا ~~يألونكم خبالا} أي : لا يقصرون جهدهم في إدخال الفساد بينكم بالتخليط ~~والنميمة وإطلاع الكفار على عورتكم. نزلت في رجال من المسلمين ، كانوا ~~يصلون رجالا من اليهود ؛ لما كان بينهم من القرابة والصداقة ، أو في ~~المنافقين ؛ كان يصلهم بعض المسلمين. PageV01P491 # ثم وصفهم بأوصاف توجب التنفير منهم فقال : {ودوا ما عنتم} أي : تمنوا عنتكم ~~وهلاككم وضلالكم ms0356 ، {قد بدت البغضاء من أفواههم} أي : ظهرت أمارة العداوة من ~~أفواههم بالوقيعة في المسلمين ، أو بإطلاع المشركين على عوراتهم ، أو في ~~كلامهم مع المسلمين بالغيظ ، لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم ، {وما ~~تخفي صدورهم} من العداوة والبغضاء ، {أكبر} مما أظهره ، لأن ظهوره منهم ليس ~~عن روية واختيار ، بل من غلبة غيظ واضطرار. {قد بينا لكم} أيها المؤمنون ~~{الآيات} الدالة على مجانبة الكافرين ومولاة المؤمنين ، {إن كنتم تعلقون} ~~ما يبين لكم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 363 # هأنتم} يا هؤلاء المخاطبين {تحبونهم} لما بينكم من المصاهرة والصداقة ، ~~{ولا يحبونكم} لما بينكم من مخالفة الدين ، أو تريدون لهم الإسلام وهم ~~يريدون لكم الكفر ، وأنتم {تؤمنون بالكتاب} أي : بجنس الكتب ، {كله} أي : ~~بالكتب كلها ، وهم لا يؤمنون بكتابكم ، فكيف تحبونهم وهم يكذبون كتابكم ~~ورسولكم ؟ وهم أيضا ينافقونكم ؛ {إذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا} مع ~~أنفسهم {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} لما يرون من ائتلاف المؤمنين ، ولم ~~يجدوا سبيلا إلى التشفي فيكم ، وهذه كناية عن شدة حقدهم ، وإن لم يكن ثم عض ~~في الخارج. # قال لهم الحق جل جلاله : {قل} لهم يا محمد : {موتوا بغيظكم} ؛ فإنما ضرر ~~غيظكم عليكم ، أو دوموا على غيظكم حتى تموتوا عليه ، فإن مادة الإسلام لا ~~تزال تنمو حتى تهلكوا ، {إن الله عليم بذات الصدور} أي : بحقيقة ما في ~~قلوبكم من البغضاء # 364 # والحنق ، أو بما في القلوب من خير أو شر. هو من مقول الرسول لهم ، أو من ~~كلام الله تعالى ، استئناف ، أي : لا تعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم ، ~~فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. PageV01P492 # ومن فرط عداوتهم أنهم {إن تمسسكم حسنة} كنصر وغنيمة {تسوءهم} أي ، تحزنهم ، ~~{وإن تصبكم سيئة} كهزيمة أو قتل أو إصابة عدو منكم او اختلاف بينكم ، ~~{يفرحوا بها وإن تصبروا} على عداوتهم وأذاهم ، وتخافوا ربكم ، {وتتقوا} ما ~~نهاكم عنه ، {لا يضركم كيدهم شيئا} ، بفضل الله وحفظه ، الموعود للصابرين ~~والمتقين ، {إن الله مع الصابرين} [البقرة : 153] ، {إن الله مع الذين ~~اتقوا} [النحل : 128]. ومن كان الحق معه لا يضره ms0357 شيء ، {إن الله بما يعملون ~~محيط} ؛ لا يخفى عليه ما يعمل أهل الكفر من العداوة والحقد ، فيجازيهم عليه. # الإشارة : لا ينبغي لأهل الخصوصية أن يتخذوا بطانة من دونهم من العامة ~~حتى يطلعوهم على سرهم ، فإن الإطلاع على السر ، ولو كان غير الخصوصية ، كله ~~ضعف في العقل ووهن في الرأي ، وفي ذلك يقول القائل : # من أطلع الناس على سره # استحق الكي على جبهته # وأما سر الربوبية فإفشاؤه لغير أهله حرام ، والعامة مضادون لأهل الخصوصية ~~، لا يألونهم خبالا في قلوبهم وتشتيتا لفكرتهم ، إذا صحبوهم يودون أن لو ~~كانوا مثلهم في العنت وتعب الأسباب ، فإذا ظهر بالفقراء نقص أو خلل ظهرت ~~البغضاء من أفواههم ، وما تحفى صدورهم أكبر ، فإن كنتم أيها الفقراء تحبون ~~لهم الخير فإنهم بعكس ذلك ، وإن كنتم تقرون شريعتهم فإنهم لا يؤمنون ~~بحقيقتكم ، بل ينكرونها عليكم ، ومنهم من يتصف بالنفاق ، إذا لقي أهل ~~الخصوصية أظهر التصديق والمحبة ، وإذا خلا مع العامة أظهر العداوة والحنق ، ~~وإن تمسسكم أيها الفقراء حسنة ، كعز وفتح وشهود ومعرفة تسؤهم ، وإن تصبكم ~~سيئة ؛ كمحنة أو بلية ، يفرحوا بها ، وإن تصبروا على أذاهم وجفوتهم ، ~~وتتقوا شهود السوى فيهم ، لا يضركم كيدهم شيئا ؛ {إن الله بما يعملون محيط}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 363 # 365 PageV01P493 ~~يقول الحق جل جلاله : واذكر يا محمد حين {غدوت من أهلك} من منزل عائشة ، ~~الذي نزلت فيه بأحد ، حين خرجت بها ، حال كونك {تبوئ المؤمنين} أي : تهيئ ~~لهم ، {مقاعد للقتال} أي : مواقف وأماكن يقفون فيها للحرب {والله سميع} ~~لأقوالكم ، {عليم} بإخلاصكم. PageV01P494 # قال الواقدي : خرج النبي صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة - رضي الله عنها ~~- ماشيا على رجليه إلى أحد ، فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح. ~~أن رأى صدرا خارجا ، قال : تأخر. وذلك أن المشركين نزلوا بأحد ، يوم ~~الأربعاء ، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ، ~~ودعا عبد الله بن أبي بن سلول - ولم يدعه قط قبلها - فاستشاره ، فقال عبد ~~الله بن أبي وأكثر الأنصار : يا رسول الله ؛ أقم ms0358 بالمدينة ولا تخرج إليهم ، ~~فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ، ولا دخل علينا إلا أصابنا ~~منه ، فكيف وأنت فينا! فدعهم يا رسول الله ، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس ، ~~وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة ، ~~وإن رجعوا رجعوا خاسئين. فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرأي ، وقال ~~بعض أصحابه ، يا رسول الله ؛ اخرج بنا إلى هذه الأكلب ، لا يرون أنا جبنا ~~عنهم وضعفنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني رأيت في منامي بقرا ~~تذبح ، فأولتها ناسا من أصحابي يقتلون ، ورأيت في ذباب سيفي ثلما ، فأولتها ~~هزيمة ، ورأيت أني أدخل يدي في درع حصينة ، فأولتها المدينة. فإن رأيتم أن ~~تقيموا بالمدينة وتدعوهمء فافعلوا " فقال رجال ممن فاتهم بدر ، وأكرمهم ~~الله بالشهادة يوم أحد : اخرج بنا إلى أعدائنا ، وبالغوا ، حتى دخل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولبس لأمته. فلما رأوه قد لبس سلاحه ندموا ، وقالوا : ~~بئس ما صنعنا ، نشير على النبي صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه ، فقاموا ~~واعتذروا إليه. وقالوا : اصنع ما رأيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ~~لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل ". فخرج بعد صلاة الجمعة ، ~~وأصبح بشعب من أحد ، يوم السبت للنصف من شوال ، سنة ثلاث من الهجرة ، ونزل ~~في عدوة من الوادي ، وجعله ظهره وعسكره إلى أحد ، وسوى صفهم كما تقدم ، وأمر PageV01P495 ~~عبد الله بن جبير على الرماة ، وقال : انضحوا عنا بالنبل ، لا يأتونا من ~~خلقنا ، فكان من أمر الله ما كان ، على ما يأتي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 365 # وخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد زهاء ألف ، ووعدهم النصر ~~إن صبروا ، فلما بلغوا الشواط - موضع - انخزل ابن أبي في ثلاثمائة ، وقال : ~~علام نقتل أنفسنا! فتبعهم أبو جابر السلمي ، فقال : أنشدكم الله في نبيكم ~~وأنفسكم. فقال ابن أبي : لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، وهمت بنو حارثة وبنو ~~سلمة بالانصراف معه ، فثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرهم # 366 # نعمته بقوله ms0359 : {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} وناصرهما ، ~~حيث عصمهما من اتباع المنافقين ، قال جابر : (ما يسرنا أنها لم تنزل ، ~~لقوله : {والله وليهما} ) فبنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، ~~{وعلى الله فليتوكل المؤمنون} لا على غيره ، إذ لا ناصر غيره. # الإشارة : من شأن شيوخ التربية أن يدلوا المريدين على محاربة النفوس ~~ومقاتلتها ، ويطلعوهم على دسائسها ومخادعتها ، ليهيئوا لهم بذلك مقاعد ~~لقتالها ، والله مطلع على إخلاصهم ونياتهم ، فمنهم من يمل ويكل ، فيرجع إلى ~~وطن عوائده ، ومنهم من يصبر حتى يفوز بالغنيمة العظمى والسعادة القصوى ، ~~وفي ذلك يقول القائل : # وبالغوا في الجد حتى مل أكثرهم # وعانق المجد من وافى ومن صبرا # قال بعضهم : انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم ، فإن ظفروا بها ~~وصلوا. ه. ومنهم من يلحقه الملل والفشل فيهم بالانصراف والرجوع ، ثم يثبته ~~الله تعالى وينصره ، فيلحق بالصابرين السابقين ، وعمدة المريد في مجاهدة ~~نفسه : التوكل على الله والاعتماد عليه دون شيء سواه ؛ " من علامة النجح في ~~النهايات : الرجوع إلى الله في البدايات ". {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 365 PageV01P496 ~~قلت : {بدر} : بئر بين مكة والمدينة ، كانت لرجل اسمه بدر ، فسميت باسم ~~صاحبها ، وقعت فيها الغزوة التي نصر الله فيها رسوله صلى الله عليه وسلم ، ~~فسميت الغزوة باسم المكان ، وجملة : {وأنتم أذلة} : حال من الكاف ، و{أذلة} ~~: جمع ذليل ، كأعزة ، جمع عزيز. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد نصركم الله} في وقعة بدر {وأنتم أذلة} ليس ~~معكم مراكب ولا كثرة سلاح ، مع قوة عدوكم بالعدة والعدد ، {فاتقوا الله} ~~وأثبتو مع رسوله ، وانتظروا النصر من الله كما عودكم ، {لعلكم} تكونون ~~شاكرين ، لما أنعم به عليكم من العز والنصر ، فيزيدكم منه كما وعدكم. # الإشارة : جعل الله سبحانه وتعالى الأياء كامنة في أضدادها ، فمن أراد ~~العز والنصر فليتحقق بالذل والمسكنة ، ومن أراد الغنى فليتحقق بالفقر ، ومن ~~أراد الرفعة فليتحقق بالضعة وإسقاط المنزلة ، ومن أراد القوة فليتحقق ~~فالضعف ، وهكذا : {تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه}. فاتقوا الله يا معشر ~~المريدين ، واطلبوا الأشياء في أضدادها لتظفروا ms0360 بها ، واشكروا الله على ما ~~أولاكم يزدكم من فضله ونواله. # 367 # جزء : 1 رقم الصفحة : 367 # قلت : {إذا} : ظرف لنصركم ، إذا قلنا : إن الإمداد يوم بدر فقط ، أو بدل ~~من {إذ غدوت} ، إذا قلنا : كان الإمداد يوم أحد بشرط الصبر ، فملا لم ~~يصبروا لم يقع. والتسويم : التعليم. # يقول الحق جل جلاله : ولقد نصركم الله ببدر حين كنت {تقول للمؤمنين} حين ~~رأوا كثرة عدوهم وقلة عدتهم وعددهم : {ألن يكفيكم} في القوة والكثرة ، {أن ~~يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} في السحاب ؟ {بلى} يكفيكم كما ~~وعدكم ، {إن تصبروا} وتثبتوا {وتتقوا} الله {ويأتوكم من فورهم} أي : من ~~سرعتهم {هذا} الوقت ، {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} بلا تراخ ولا ~~تأخير ، {مسومين} أي : معلمين بعمائم بيض إلا جبريل ، فإنه كان عمامته ~~صفراء. أو معلمين أنفسهم أو خيلهم. قيل : كانت مجزوزة الأذناب ، وقيل : ~~كانت بلقا. PageV01P497 # فإن قلت : ما ذكر في الأنفال إلا ألفا ، هنا خمسة آلاف. فالجواب : أن الله ~~تعالى أمدهم أولا بألف ، ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف. قال ~~ابن عباس : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر ، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ~~معنا ، ولا يقاتلون. ه. # الإشارة : كل من توجه لجهاد نفسه في الله ، واشتغل بذكر مولاه ، أمده ~~الله في الباطن بالأنوار والأسرار ، وفي الظاهر بالملائكة الأبرار ، وقد ~~شوهد ذلك في الفقراء أصحابنا ، إذا كانوا ثلاثة رآهم العامة ثلاثين ، ~~وإذاكانوا ثلاثين رأوهم ثلاثمائة ، وقد كنا في سفره سبعين ، فرأونا سبعمائة ~~على ما أخبرونا به ، {والله يؤيد بنصره من يشآء} [آل عمران : 13]. # جزء : 1 رقم الصفحة : 367 # 368 # قلت : {ليس لك من الأمر شيء} : جملة معترضة بين قوله : {أو يكبتهم} وقوله ~~: {أو يتوب عليهم} ، أو تكون {أو} بمعنى {إلا} ، أي : ليس لك من الأمر شيء ~~، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم ، أو يعذبهم فتشفى فيهم. قاله البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : وما جعل الله ذلك الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر ، ~~{ولتطمئن قلوبكم به} فتثبتوا للقتال ، {وما النصر إلا من عند الله} فهو ~~قادر ms0361 على أن ينصركم بلا واسطة ، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم ، ~~حيث قتلهم على أيديكم ، فإن الله عزيز لا يغلب ، حكيم فيما دبر وأبرم ، ~~وإنما نصركم يوم بدر {ليقطع طرفا من الذين كفروا} بقتل بعض وأسر آخرين ، ~~فإنه قتل يومئذ سبعون ، وأسر سبعون ، {أو يكبتهم} أي : يحزنهم ويغيظهم ، ~~والكبت : شدة الغيظ ، {فينقلبوا خائبين} مما أملوا. PageV01P498 # ولما جرح - عليه الصلاة والسلام - في وجهه ، وشج على قرن حاجبه ، وكسرت ~~رباعيته ، هم بالدعاء على الكفار ، بل دعا عليهم ، فأنزل الله : {ليس لك من ~~الأمر شيء} ؛ إنما أنت رسول إليهم ، مأمور بإنذارهم وجهادهم ، وأمرهم بيد ~~مالكم ، إن شاء هداهم وإن شاء عذبهم. وإنما نهاه عن الدعاء عليهم ؛ لعلمه ~~بأن منهم من يسلم ويجاهد في سبيل الله ، وقد كان كذلك ؛ فجلهم أسلموا ~~وجاهدوا ، منهم خالد بن الوليد - سيف الله في أرضه. # ثم عطلف على قوله : {ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم} قوله : {أو ~~يتوب عليهم} إن أسلموا {أو يعذبهم} إن لم يسلموا ، {فإنهم ظالمون} قد ~~استحقوا العذاب بظلمهم ، والأمور كلها بيد الله ، {ولله ما في السماوات وما ~~في الأرض} خلقا وملكا وعبيدا ، {يغفر لمن يشاء} غفرانه ، {ويعذب من يشاء} ~~تعذيبه ، ولا يجب عليه شيء ، {والله غفور رحيم} لعباده ، فلا تبادر بالدعاء عليهم. PageV01P499 # الإشارة : وما جعل الله التأييد الذي ينزله على أهل التجريد ، حين يقابلهم ~~بالابتلاء والتشديد ، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد ، إلا بشارة لفتحهم ~~، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم ، فإن الامتكان على قدر الامتحان ، وكل محنة تزيد ~~مكنة ، وهذه سنة الله في أوليائه ، يسلط عليهم الخلق في بدايتهم ، ويشدد ~~عليهم ابلاء ، حتى إذا طهروا من البقايا ، وكملت فيهم المزايا ، كف عنهم ~~الأذى ، وانقلب الجلال جمالا ، وذلك اعتناء بهم ، ونصرا لهم على أنفسهم ، ~~فإن النصر كله {من عند الله العزيز الحكيم}. وذلك ليقطع عنهم طرفا من ~~الشواغل والعلائق ، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق ، فإن الروح ~~إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم ، فإذا ضيق عليها ، ~~وعكس مرادها ، رحلت إلى ms0362 عالم الملكوت ، والأمر كله بيد الله. ليس لك أيها ~~الفقير من الأمر شيء ، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب والله يفتح الباب. ~~ليس لك أيها الشيخ من الأمر شيء ، إنما أنت مذكر ، وعلى الله البلاغ ، فلا ~~تأس على ما فاتك ، ول # 369 # ا تفرح بما آتاك ، فملكوت السماوات والأرض بيد الله ، {يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء والله غفور رحيم}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 368 # قال القشيري : جرده - أي : نبيه صلى الله عليه وسلم لما به عرفه عن كل ~~غير وسبب ، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء ، ثم قال : ويقال : أقامه في ~~وقت مقاما ؛ رمى بقبضة من التراب ، فأصابت جميع الوجوه ، وقال : {وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال : 17] ، وقال في وقت آخر : {ليس لك من ~~الأمر شىء} [آل عمران : 128]. ه. # يشير إلى أنهما مقامان : نيابة عن الله بالله ، ونيابة الله عن عبده ، ~~والأول بقاء ، والثاني فناء ، قاله المحشي. قتل : الأول في مقام البسط ، ~~والثاني في مقام القبض ، فقد قالوا : إذا بسط فلا فاقة ، وإذا قبض فلا ~~طاعة. والله تعالى أعلم. PageV01P500 # جزء : 1 رقم الصفحة : 368 # قلت : الكظم هو : الكف والحبس ، تقول : كظمت القربة : إذا ملأتها وسددت رأسها. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا} وتزيدوا ~~فيها إذا حل الأجل {أضعافا مضاعفة} ، ولعل التخصيص بحسب الواقع ، إذ كان ~~الرجل يحل أجل دينه ، فيقول للمدين : إما أن تقضي وإما أن تزيد ، فلا يزال ~~يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين ، فنهوا عن ذلك. ورغبهم في ~~التقوى التي هي غنى الدارين. فقال : {واتقوا الله} فيما نهيتكم عنه ، {لعلك ~~تفلحون} في الدارين. ثم خوفهم بالنار إن لم ينتهوا ، فقال : {واتقوا النار ~~التي أعدت للكافرين} ، وفيه إشعار بأن النار موجودة ؛ إذ لا يعد المعدوم ، ~~وأنها بالذات معدة للكافرين ، وبالعرض للعاصين. # قال الورتجبي : في الآية إشارة إلى أن النار لم تعد للمؤمنين ، ولم تخلق ~~لهم ، ولكن خوفهم بها زجرا وعظة ، كالأب البار المشفق على ولده يخوفه ~~بالأسد والسيف ms0363 ، وهو لا يضربه بالسيف ، ولا يلقيه إلى الأسد ، فهذه الآية ~~تلطف وشفقة على عباده. ه. # 370 # {وأطيعوا الله} فيما أمر ونهى ، {والرسول} فيما شرع وسن ، {لعلكم ~~ترحمون}. والتعبير بلعل وعيسى في أمثال هذه : دليل على عون التوصل إلى ما ~~جعل طريقا له. # {وسارعوا} : أي : بادروا {إلى مغفر من ربكم} ؛ كالإسلام والتوبة والإخلاص ~~، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة ، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على ~~الاستئناف. وسارعوا أيضا إلى {جنة عرضها السماوات والأرض} لو وصل بعضها ~~ببعض ، وذكر العرض ؛ للمباغلة في وصفها بالسعة ؛ لأنه دون الطول. قال بعضهم ~~: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول ، وإنما أراد عظمها ، ومعناه : كعرض ~~السماوات السبع والأرضين السبع في ظنكم ، أي : لا تدرك ببيان. {أعدت} أي : ~~هيئت {للمتقين}. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة ، وأنها خارجة عن هذا ~~العالم. PageV01P501 # جزء : 1 رقم الصفحة : 370 # ثم وصف أهلها من المتقين بأوصاف الكمال ، فقال : {الذين ينفقون في السراء ~~والضراء} أي : في حالتي الرخاء والشدة ، وفي الأحوال كلها ، كما هي حالة ~~الأسخياء ، قال صلى الله عليه وسلم : " الجنة دار الأسخياء " وقال أيضا : " ~~السخي قريب من الله ، قريب من الجنة ، قريب من الناس ، بعيد من النار ، ~~والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الجنة ، بعيد ، من الناس ، قريب من النار ، ~~ولجاهل سخي أحب إلى الله من العالم البخيل " وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ~~: " السخاء شجرة في الجنة ، أغصانها في الدنيا ، من تعلق بغصن من أغصانها ~~قادته إلى الجنة ، والبخل شجرة في النار ، أغصانها في الدنيا ، من تعلق ~~ببعض من أغصانها قادته إلى النار ". {والكاظمين الغيظ} أي : الكافين عن ~~إمضائه مع القدرة عليه ، قال عليه الصلاة والسلام " من كظم غيظا وهوا يقدر ~~على إمضائه ؛ ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ". وقال بعض الشعراء : # وإذا غضبت فكن وقورا كاظما # للغيظ ، تبصر ما تقول وتسمع # فكفى به شرفا ، تصبر ساعة # يرضى بها عنك الإله ويرفع # {والعافين عن الناس} أي : عمن ظلمهم ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال عند ذلك : # " إن هؤلاء ms0364 في أمتي قليل ، من عصم الله ، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي ~~مضت " وعن أبي هريرة : أن أبا بكر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس ~~، فجاء رجل فوقع في أبي بكر ، وهو ساكت ، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم ~~، ثم رد أبو بكر بعض الرد ، فغضب عليه الصلاة والسلام - وقام ، فلحقه أبو ~~بكر ، وقال : يا رسول الله ، شتمني وأنت تبتسم ، ثم # 371 PageV01P502 ~~رددت عليه بعض ما قال ، فغضبت وقمت. قال : " حين كنت ساكتا كان معك ملك يرد ~~عليه ، فما تكلمت وقع الشيطان ، فلم أكن لأقعد في مقعد فيه الشيطان ، يا ~~أبا بكر ، ثلاث حق : تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلا أعز الله ~~بها نصره ، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله قلة ، ~~وليس عبد يفتح عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة ". {والله يحب المحسنين} ~~الذين أحسنوا فيما بينهم وبين الله ، وفيما بينهم وبين عباد الله ، و" أل " ~~: يحتمل أن تكون للجنس ، فيعم كل محسن ، أو للعهد ، فتكون الإشارة إلى من ~~تقدم ذكرهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 370 PageV01P503 ~~الإشارة : كل ما يقوي مادة الحس فهو ربا ؛ لأنه يربي الحسن ويقوي مادة ~~الغفلة ، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره ، بل ينبغي أن ~~يفر من موارده ، وهي ثلاثة : مباشرة الحس ، أو الفكر فيه ، أو الكلام مع ~~أهله فيه. والذي يقوي مادة المعنى ثلاثة : صحبة أهل المعنى ، والفكرة في ~~المعاني ، وذكر الله بالقلب. واتقوا الله في مباشرة الحسن {لعلكم تفلحون} ~~بالوصول إلى صف المعاني ، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية ، ~~{وأطيعوا الله والرسول} فيما ندبكم إليه ، {لعلكم ترحمون} بالوصول إلى صفة ~~المعاني ، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية ، {وأطيعوا الله ~~والرسول} فيما ندبكم إليه ، {لعلكم ترحمون} بإحياء قلوبكم وأرواحكم ~~وأرواحكم بأسرار المعاني ، وسارعوا إلى ما يوجب تغطية مساوءكم ، حتى يغطي ~~وصفكم بوصفه ، ونعتكم بنعته ، فيوصلكم بما منه إليكم ، لا بما منكم إليه ، ~~فتدخلوا جنة المعارف ، التي لا نهاية ms0365 لفضاء شهودها ، التي أعدت للمتقين ~~السوى ، الذي يبذلون مهجهم وأموالهم في حال الجلال والجمال ، {والكاظمين ~~الغيظ} ؛ حيث ملكوا أنفسهم وأحوالهم ، {والعافين عن الناس} ؛ لأن الصوفي ~~ماله مباح ودمه هدر. وكان بعض الصوفية يقول : إذا أردت أن تعرف حال الفقير ~~فأغضبه ، وانظر إلى ما يخرج منه. وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه : قطب ~~التصوف : لا تغضب ولا تغضب. ه. # ولعروة بن الزبير - رضي الله عنه : # لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا ، # حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام # ويشتموا فترى الألوان مشرقة ، # لا عفو ذل ، ولكن عفو أحلام. PageV01P504 # {والله يحب المحسنين} الذين حازوا مقام الإحسان ، فعبدوا الله بالشهود ~~والعيان ، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن ~~البصري : (الإحسان : أن يعم إحسانه ، ولا يكون كالشمس والريح والمطر). أي : ~~يخص بلدا دون بلد. وقال سفيان الثوري : (ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن ~~إليك ، وإنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن ~~متاجرة كنفقد السوق ، خذ مني وهات). وقال السري السقطي : (الإحسان : أن ~~تحسن وقت الإمكان ، # 372 # فليس في كل وقت يمكنك الإحسان) ، وأنشدوا : # ليس في كل ساعة وأوان # تتهيأ صنائع الإحسان # فإذا أمكنت فبادر إليها # حذرا من تعذر والإمكان # جزء : 1 رقم الصفحة : 370 PageV01P505 ~~وقال الورتجبي : قوله : {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة...} الخ ، علم ~~الحق - سبحانه - علل الخلق وميلهم إلى منى النفوس ، فدعاهم بطاعته إلى ~~العلتين : المغفرة والجنة ، ودعا الخاصة إلى نفسه ، فقال : {ففروا إلى ~~الله} ، ثم أعلم أن الكل في درك امتحان الجرم ، وأثبت بالآية ذنب الكل ، ~~لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل ، فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق ، كما ~~قال عليه الصلاة والسلام : " لو أن الله عذب الملائكة لحق منه ، فقيل : ~~إنهم معصومون ، فقال عليه الصلاة والسلام : من قلة معرفتهم بربهم " ولذلك ~~دعاهم إلى المغفرة. ه. قال في الحاشية : وقوله : (أثبت بالآية ذنب الكل) ، ~~يعني : شمول قوله : {يغفر لمن يشاء} من في السماوات الصادق بالملائكة ، ~~وإنما تكون المغفرة بعد ذنب ، ولكنه في كل أحد على حسبه ms0366 ، وأما قوله : ~~دعاهم إلى المغفرة ، فكأنه من قوله : {سارعوا إلى مغفرة من ربكم} ، وأن ~~الخطاب يعم من في السماوات أيضا ، وقد يتصور في حق الملائكة الاستناد ~~لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام ، مما هو معرض للخطأ ، وذلك من ~~دواعي المغفرة ، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلاله الله : نقص لا يخلو منه ~~مخلوق ، لاستحالة الإحاطة به علما ، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له ~~أبدا سرمدا. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 370 # يقول الحق جل جلاله : {والذين إذا فعلوا فاحشة} أي : فعلة بالغة في الفحش ~~والقبح ، كالزنى ، {أو ظلموا أنفسهم} بأي ذنب كان ، أو فعلوا كبيرة أو ~~صغيرة ، أو الفاحشة : ما يتعدى للغير ، وظلم النفس ما يخص ، أو الفاحشة ~~بالفعل ، وظلم النفس # 373 PageV01P506 ~~بالقول ، {ذكروا الله} أي : عاقبه وغضبه وعرضه الأكبر ، أو {ذكروا الله} في ~~أنفسهم أن الله سائلهم عنه ، أو كونه رقيبا عليهم ، أو {ذكروا الله} ~~باللسان {فاستغفروا لذنوبهم} بالندم والتوبة ، {ومن يغفر الذنوب إلا الله} ~~أي : لا أحد يغفره إلا الله ، والمراد : وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم ~~المغفرة ، والحث على الاستغفار. # {ولم يصروا على ما فعلوا} أي : لم يدوموا عليها غير مستغفرين ، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم : " ما أصر من استغفر ، ولو عاد في اليوم سبعين مرة " وذلك ~~إذا صحبه الندم ، وقال أيضا : " لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع ~~الإصرار " قال قتادة : إياكم والإصرار ، فإنما هلك المصرون الماضون قدما في ~~معاصي الله تعالى ، لم يتوبوا حتى أتاهم. ه. {وهم يعلمون} أن الإصرار يضر ~~بهم ، أو : وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنب ؛ لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام- : " من أذنب ذنبا ، وعلم أن له ربا يغفر الذنوب ، غفر له وإن لم ~~يستغفر " وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى : " من علم أني ذو قدرة على ~~المغفرة غفرت له ولا أبالي " وفي بعض الكتب المنزلة : " يا ابن آدم ، إنك ~~ما دعوتني ورجوتني لأغفرن لك على ما كان منك ولا أبالي " أو : {وهم يعلمون} ~~أن التوبة تمحق الذنوب. # {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم} ؛ تغطية ms0367 لذوبهم ، {وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها} ، ولا يلزم من إعدادها للتائبين اختصاصهم بها ، كما ~~لا يلزم من إعداد النار للكفار اختصاصهم بها ، ثم مدح أجر التائبين فقال : ~~{ونعم أجر العالمين} ، وانظر هذا الفرق العظيم الذي بين المحسنين وأهل ~~اليمين ، قال في الآية الأولى : {والله يحب المحسنين} وقال في هذه الآية : ~~{ونعم أجر العاملين} ، أهل الآية الأولى من خواص الأحباب ، وأهل هذه يأخذون ~~أجرهم من وراء الباب. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى عين التحقيق. PageV01P507 # جزء : 1 رقم الصفحة : 373 # الإشارة : أهل مقام الإحسان عملهم قلبي ، كالسخاء والعفو وكظم الغيظ ، ~~وأهل اليمين عملهم بدني ، بين طاعة ومعصية وغفلة ويقظة ، إذا فعلوا فاحشة ~~تابوا وستغفروا ، وإذا فعلوا طاعة فرحوا واستبشروا ، أهل مقام الإحسان ~~غائبون عن رؤية أعمالهم ووجودهم ، وأهل اليمين معتمدون على أعمالهم ، إذا ~~فعلوا طاعة قوى رجاؤهم ، وإذا زلوا نقص رجاؤهم ، أهل مقام الإحسان فانون عن ~~أنفسهم باقون بربهم ، وأهل اليمين أنفسهم موجودة وأعمالهم لديهم مشهودة ، ~~أهل مقام الإحسان محبوبون ، وأهل اليمين محبون ، أهل مقام الإحسان فنيت ~~عندهم الرسول والأشكال ، وبقي في نظرهم وجود الكبير المتعال ، وأهل اليمين ~~: الأكوان عندهم موجودة ، وشموس المعارف عن قلوبهم مفقودة ، أهل مقام ~~الإحسان يعبدون الله على نعت الشهود والعيان ، وأهل اليمين يعبدون الله من ~~وراء حجاب الدليل والبرهان ، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود ~~والعيان. # 374 # واعلم أن لمعرفة الشهود والعيان ثمرات ونتائج ، حصرها بعضهم في إحدى عشرة خصلة. # الأولى : الحرية ، ومعناها أن يكون العارف فردا لفرد ، من غير أن يكون ~~تحت رق شيء من الموجودات ، لا من إغراض الدنيا ولا من أغراض الآخرة ، ~~فالحرية عبارة عن غاية التصفية والطهارة. قال بعضهم : ليس بحر من بقي عليه ~~من تصفية نفسه مقدار فص نواة ، المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. # الثانية : الوجود ، وهو الفوز بحقيقة الأشياء في الأصل ، وهو عبارة عن ~~إدراك مقام تضمحل فيه الرسوم ، بالاستغراق في الحقيقة الأزلية. # الثالثة : الجمع الأتم ، وهو الحال الذي يقضي بقطع الإشارات ، والشخوص عن ~~الأمارات والعلامات ، بعد ms0368 صحة التمكين والبراءة من التلوين. # الرابعة : الصحو ، وهو عبارة عن تمكين حال المشاهدة ، واتصالها ، مع برء ~~الروح من لدغات الدهش ، ولا يكمل الصحو إلا بحياة الروح بوارد الجمع ~~الدائم. PageV01P508 # الخامسة : التحقيق ، وهو الوصول إلى المعرفة بالله ، التي لا تدرك بالحواس ~~، لتخليص المشرب من الحق بالحق في الحق ، حتى تسقط المشاهدات ، وتبطل ~~العبارات ، وتفنى الإشارات. # السادسة : البسط ، ونعني به : بسط الروح باسترسال شهود المعاني عند سقوط ~~الأواني ، وفي ذلك يقول ابن الفارض : # فما سكنت والهم يوما بموضع # كذلك لم يسكن مع النغم الغم # السابعة : التلبيس ، وهو تغطية الأسرار بأستار الأسباب ، إبقاء للحكمة ~~وسترا عن العامة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 373 # الثامنة : البقاء ، والمراد به الخروج عن فناء المشاهدة إلى بقاء المعرفة ~~، من غير أفول بخل بشمس المشاهدة ، ولا رجوع إلى شواهد الحس ، إنما هو ~~استصحاب الجمع مع استنئاس الروح بحلاوة المعاني ، فهو كبائن دان. انظر ~~بقيتها في [بغية المسالك]. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 373 # قلت : السدن : الطرق المسلوكة ، وقيل : الأمم. # 375 # يقول الحق جل جلاله : قد مضت {من قبلكم سنن} جرت على الأمم المكذبة ~~لأنبيائها قبلكم ، {ولن تجد لسنة الله تبديلا} ، وهو إمهالي واستدراجي ~~إياهم ، حتى يبلغ الكتاب الذي أجل لهم ، فإذا بلغهم أهلكتهم ، وأدلت ~~الأنبياء وأتباعهم عليهم ، فإذا هلكوا بقيت آثارهم دراسة ، اعتبارا لمن ~~يأتي بعدهم ، {فسيروا في الأرض} وتعرفوا أخبارهم ، وانظروا {كيف كان عاقبة ~~المكذبين} لأنبيائهم قبلكم ، فكذلك يكون شأنكم مع من كذبكم. # {هذا} الذي أمرتكم به من الاعتبار ، {بيان للناس} لمن أراد أن يعتبر من ~~الكفار ، وزيادة هداية واستبصار {للمتقين}. PageV01P509 # ثم سلاهم وبشرهم فقال : {ولا تهنوا} أي : لا تضعفوا عن قتال عدوكم بما ~~أصابكم ، {ولا تحزنوا} على من قتل منكم ، وهم سبعون من الأنصار وخمسة من ~~المهاجرين ، منهم : حمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير - صاحب راية النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن جحش ، وعثمان بن شماس ، وسعد مولى عتبة - ~~رضي الله عنهم -. أو : {لا تحزنوا} لفوات الغنيمة {وأنتم الأعلون} بأن تكون ~~لكم العاقبة ms0369 والنصر ، أو : وحالكم أنكم أعلى منهم شأنا ، فإنكم على الحق ~~وقتالكم لله ، وقتالكم في الجنة ، وهم على الباطل ، وقتالهم للشيطان ، ~~وقتلاهم في النار ، فلا تفشلوا عن الجهاد {إن كنتم مؤمنين} ؛ فإن الإيمان ~~يقتضي قوة القلب بالوثوق بالله والاعتماد عليه ، أو : {إن كنتم مؤمنين} بما ~~وعدتكم من العلو والنصر. والله أعلم. # الإشارة : قد خلت من قبلكم ، أيها المريدون ، سنن الله في أوليائه مع ~~المنكرين عليهم من عوام عباده ، فإنه أبعدهم عن ساحة حضرته ، وحرمهم من ~~سابق عنايته ، حتى ماتوا على البعد ، فاندرست آثارهم وخربت ديارهم ، فسيروا ~~في الأرض وانظروا كيف كان عاقبة المكذبين لأوليائه ، هذا بيان للمعتبرين ، ~~وزيادة هدى وموعظة للمتقين ، فلا تهنوا أيها الفقراء وتضعفوا عن طلب الحق ~~بالرجوع عن طريق الجد والاجتهاد ، لما يصيبكم من أذى أهل العناد ، وأنتم ~~الأعلون بالنصر والتأييد ، ورفع درجاتكم مع خواص أهل التوحيد ، إن كنتم ~~مؤمنين بوعد الملك المجيد ، فمن طلب الله وجده ، وأنجز بالوفاء موعده ، لكن ~~بعد تجرع كؤوس مرارة الصبر ، ودوام الحمد والشكر ، وأنشدوا : # جزء : 1 رقم الصفحة : 375 # لا تحسب تمرا أنت آكله # لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر # 376 # جزء : 1 رقم الصفحة : 375 PageV01P510 ~~قلت : القرح - بالفتح والضم - : الجرح ، وقيل : بالفتح : الجرح ، وبالضم : ~~ألمه ووجعه. والمداولة : المفاعلة من الدولة ، وهي الغلبة ، و{الأيام} : ~~نعت أو خبر ، و{نداولها} : خبر أو حال ، و{ليعلم} : متعلق بمحذوف ، أي : ~~وفعل ما فعل من الادالة ليعلم ، أو عطف على علة محذوفة ، أي : نداولها ~~ليكون كيت وكيت ، وليعلم... الخ ، إيذانا بأن العلة فيه غير واحدة ، وأن ما ~~يصيب المؤمن : فيه من المصالح ما لا يعلم ، و{يعلم الصابرين} : منصوب بأن ، ~~على أن الواو للجمع. # يقول الحق جل جلاله : {إن يمسسكم} في غزوة أحد {قرح} كقتل أو جرح ، {فقد ~~مس القوم} من أعدائكم يوم بدر {قرح مثله} ، فإن كان قتل منكم خمسة وسبعون ~~يوم أحد ، فقد قتل منهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون : أو : {فقد مس القوم} ~~يوم أحد {قرح} مثل ما أصابكم ، فإنكم نلتم منهم وهزمتموهم ، قبل أن تخالفوا ms0370 ~~أمر الرسول - عليه الصلاة - ، كما نالوا منكم يومئذ. {وتلك الأيام نداولها ~~بين الناس} أي : نصرف دولتها بينهم ، فنديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى ، كما ~~قال الشاعر : # فيوم علينا ويوم لنا ، # ويوم نساء ، ويوم نسر # فقد أديل المسلمون على المشركين يوم بدر ، فكانت الدولة لهم ، وأديل ~~المشركون يوم أحد. والمراد بالأيام : أيام الدنيا ، أو أيام النصر والغلبة. ~~وإنما أديل للمشركين يوم أحد ليتميز المؤمنون من المنافقين ، ويظهر علمهم ~~للناس ، وليتخذ الله {منكم شهداء} حين ماتوا في الجهاد ، أكرمهم الله ~~بالشهادة ، ولا تدل إدالة المشركين على أن الله يحبهم ، فإن الله {لا يحب ~~الظالمين}. وإنما أدلهم {ليمحص الله الذي آمنوا} أي : ليطهرهم ويصفيهم من ~~الذنوب ، وأنما أدال المسلمين على المشركين ليمحق الكافرين ويقطع دابرهم. ~~والمحق : نقص الشيء قليلا قليلا. # 377 PageV01P511 ~~ثم عاتب المسلمين فقال : {أم حسبتم} أي : ظننتم {أن تدخلوا الجنة ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم} علم ظهور ، {ويعلم الصابرين} أي : لا تظنوا أن ~~تدخلوا الجنة كما دخلها من قتل منكم ، ولم يقع منكم مثل ما وقع لهم من ~~الجهاد والصبر على القتل والجرح ؛ حتى يقع العلم ظاهرا بجهادكم وصبركم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 377 # ولقد كنتم} قبل خروجكم إلى الجهاد {تمنون الموت} أي : الحرب ؛ لأنه سبب ~~الموت ، وتقولون : ليت لنا يوما مثل يوم بدر ، فلقد لقيتموه وعينتموه يوم ~~أحد {وأنتم تنظرون} من مات من إخوانكم ، فما لكم حين رأيتموه جبنتم ~~وانهزمتم ؟ وهو عتاب لمن طلب الخروج يوم أحد ، ثم انهزم عن الحرب ، ثم ~~تداركهم بالتوبة والعفو ، على ما يأتي إن شاء الله. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إن يمسسكم يا معشر الفقراء قرح ؛ كحبس أو ضرب أو سجن أو حرج أو ~~جلاء ، فقد مس العموم مثل ذلك ، غير أنكم تسيرون به إلى الله تعالى ~~لمعرفتكم فيه ، وهم لا سير لهم لعدم معرفتهم ، أو إن يمسسكم قرح فقد مس ~~القوم المتقدمين من أهل الخصوصية مثل ما أصابكم ، ففيهم أسوة لكم ، وهذه ~~عادة الله في أوليائه ، يديل عليهم حتى يتطهروا ويتخلصوا ، ثم يديل لهم ms0371 ، ~~وإنما أديل عليهم حتى تيطهروا ويتخلصوا ، ثم يديل لهم ، وإنما أديل عليهم ~~أولا ليتطهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا ، وليعلم الصادق في الطلب من ~~الكاذب ، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء ، وليتخذ منهم شهداء إن ماتوا على ~~ذلك ، كالحلاج وغيره ، أو يتخذ منهم شهداء الملكوت إن صبرا حتى ظفروا ~~بالشهود. {والله لا يحب الظالمين} أي : المؤذين لأولياءه ، بل يمقتهم ~~ويبعدهم. PageV01P512 # {وليمحص الله الذي آمنوا} بطريق الخصوص ، أي : يخلصهم من بقايا الحس ، سلط ~~عليهم الناس ، وليمحق المنكرين عليهم بما يصيبهم من إذايتهم ، فإن المنكر ~~على أهل النسبة كمن يدخل يده في الغيران ، فإذا سلم من الأول والثاني ، قال ~~: لا يلحقني منهم شيء ، فإذا أدخل يده في غار آخر لدغته حية فأهلكته. # أم حسبتم يا معشر المريدين أن تدخلوا جنة المعارف ، ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا نفوسهم ، ويعلم الصابرين على إيذاية من آذاهم ، ولقد كنتم تمنون موت ~~نفوسكم وتطلبون ما يعينكم على موتها من قبل أن تلقوا الجلال ، فقد رأيتموه ~~وعاينتموه وأنتم تنظرون ما أصاب الأولياء غيركم ، فما لكم تجزعون منه ~~وتفرون من مواطنه ؟ . وكان شيخ شيوخنا رضي الله عنه يقول : العجب كل العجب ~~، ممن يطلب معرفة الله ، فإذا تعرف إليه أنكره. # 378 # وفي الحكم : " إذا فتح الله لك وجهة من التعرف فلا تبال معها ، وإن قل ~~عملك ، فإنه ما فتحها إلا وهو يريد أن يتعرف إليك فيها ، ألم تعلم أن ~~التعرف هو مورده عليك ، والأعمال أنت مهديها إليه ، وأين ما تهديه إليه مما ~~هو مورده عليك ؟ ". وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 377 # قلت : {كتابا} : مصدر ، أي : كتب الموت كتابا مؤجلا. # يقول الحق جل جلاله : {وما محمد إلا رسول} يصيبه ما أصابهم ، {قد} مضت ~~{من قبله الرسل} ، فسيمضي كما مضوا بالموت أو القتل ، {أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم} بعد تقرر شريعته وظهور براهينه ، عاتبهم على تقدير أن ~~لو صار منهم انقلاب لو مات صلى الله عليه وسلم أو قتل ، أو على صدر من بعض ~~المنافقين وهم ساكتون. PageV01P513 # قال أصحاب المغازي ms0372 : خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد ، ~~في سبعمائة رجل ، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة ، وهم خمسون رجلا ، ~~وقال : انضحوا عنا بالنبل ، لا يأتونا نم خلقنا ، لا تبرحوا مكانكم ؛ كانت ~~لنا أو علينا ، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم ، فجاءت قريش ، وعلى ~~ميمنتهم خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتهم عكرمة ، ومعهم النساء. ثم انتشب ~~القتال فقال عليه الصلاة والسلام : " من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ " فجاء رجال ~~فمنعهم ، حتى جاء أبو دجانة ، فقال : وما حقه يا رسول الله ؟ قال : " تضرب ~~به العدو حتى ينحني " ، وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب ، فأخذه واعتم ~~بعمامة حمراء ، وجعل يتبختر بين الصفين ، فقال عليه الصلاة والسلام : " ~~إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع ". ثم حمل النبي صلى الله عليه ~~وسلم على المشركين فهزموهم ، قال الزبير : (فرأيت هندا وصواحبها هاربات ~~مصعدات في الجبل) ، فلما نظر الرماة إلى القوم قك انكشفوا ، قالوا : ~~الغنيمة الغنيمة فقال لهم بعضهم : لا تتركوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يلتفتوا ، وانطلق عامتهم ، فلما رأى خالد قلة الرماة ، صاح في خيله من ~~المشركين ، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم ، وقتل عبد ~~الله بن جبير ، واختلط الناس ، فقتل بعضهم بعضا ، ورمى عبد الله بن قمئة ~~الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر ، فكسر أنفه ورباعيته ، وشجه في وجهه ، # 379 # جزء : 1 رقم الصفحة : 379 PageV01P514 ~~وكسر البيضة على رأسه ، فذب عنه مصعب بن عمير ، وكان صاحب الراية ، فقتله ~~ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلمن فرجع إلى قومه ، وقال ~~: قد قتلت محمدا ، وصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد مات. وقيل : إنه الشيطان ، ~~فانكفأ الناس ، وجعل الرسول - عليه الصلاة والسلام - يدعو : " إلي عباد ~~الله " ، فانحاز إليه ثلاثون من الصحابة ، وضموه حتى كشفوا عنه المشركين ، ~~وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست ، حتى وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~، وأصيبت عين قتادة بن النعمان ، حتى وقعت على ms0373 وجنتيه ، فردها النبي صلى ~~الله عليه وسلم مكانها ، فعادت أحسن مما كانت. وفشا في الناس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مات - فقال بعض المسلمين : ليت ابن أبي يأخذ لنا أمانا ~~من أبي سفيان. وقال بعض المنافقين : لو كان نبيا ما قتل ، ارجعوا إلى دينكم ~~الأول. فقال أنس بن النضر - عم أنس بن مالك : (إن كان قد قتل محمد فإن رب ~~محمد لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعده ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه ، حتى ~~تمتوا على ما مات عليه). ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك ما صنع هؤلاء - ~~يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني الكفار- ، ثم شد سيفه ~~وقاتل حتى قتل ، رحمة الله عليه. # فأنزل فيما قال المنافقون : {ومن ينقلب على عقبيه} بارتداده {فلن يضر ~~الله شيئا} وإنما يضر نفسه ، {وسيجزي الله الشاكرين} على نعمة الإسلام ~~بالثبات عليه ، كأنس وأضرابه ، {وما كان} ينبغي {لنفس أن تموت إلا بإذن ~~الله} أي : بإرادته ومشيئته ، أو بإذنه لملك في قبض روحه ، والمعنى : أن ~~لكل نفس أجلا مسمى في علمه تعالى وقضائه ، لا تستأخر عنه ساعة ولا تستقدم ، ~~بالتأخر عن القتال ولا بالإقدام عليه ، وفيه تشجيعهم على القتال ووعد ~~للرسول بحفظه وتأخر أجله ؛ فإن الله تعالى كتب أجل الموت {كتابا مؤجلا} ؛ ~~مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر. PageV01P515 # ونزل في الرماة الذين خالفوا المركز للغنيمة : {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته ~~منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤتها منها} الجزاء الجليل ، {وسنجزي الشاكرين} ~~الذين كروا نعم الله ، فلم يشغلهم شيء عن الجهاد في سبيل الله ، بل كان ~~همهم رضي الله ورسوله دون شيء سواه. # الإشارة : ينبغي للمريد أن يستغني بالله ، فلا يركن إلى شيء سواه ، وتكون ~~بصيرته نافذة حتى يغيب عن الواسطة بشهود الموسوط ، فإن مات شيخه لم ينقلب ~~على عقبيه ، فإن تمكن من الشهود فقد استغنى عن كل موجود ، وإن لم يتمكن نظر ~~من يكمله ، فالوقوف من الوسائط وقوف مع النعم دون شهود المنعم ، فلا يكون ~~شاكرا للمنعم حتى لا يحجبه عنه شيء ، ولما مات ms0374 - عليه الصلاة والسلام - دهشت # 380 # الناس ، وتحيرت لوقوفهم مع شهود النعمة ، إلا الصديق ؛ كان نفذ من شهود ~~النعمة إلى شهود المنعم ، فخطب حينئذ على الناس ، وقال : (من كان يعبد ~~محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت). ثم قرأ ~~: {وما محمد إلا رسول...} إلى قوله : {وسنجزي الشاكرين} ، وهم الذين نفذوا ~~إلى شهود المنعم ، ولم يقفوا مع النعمة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 379 # ودخل بعض العارفين على بعض الفقراء فوجده يبكي ، فقال له : ما يبكيك ؟ ~~قال : مات أستاذي ، فقال له العارف : ولم جعلت أستاذك يموت ؟ وهلا جعلته ~~حيا لا يمت. فنبهه على نفاذ بصيرته إلى شهود المنعم دون الوقوف مع النعمة ، ~~فالشيخ الحقيقي هو الذي يغني صاحبه عنه وعن غيره ، بالدلالة على ربه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 379 PageV01P516 ~~قلت : {كأين} : أصله : أي ، دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى {كم} ، وأثبت ~~التنوين نونا على غير قياس ، وقرأ ابن كثير ، {وكائن} ، على وزن فاعل ، ~~ووجهه : أنه قلب الياء قبل الهمزة فصار : كياء ، تحركت الياء وانفتح ما ~~قبلها فصار كائن ، وهما لغتان ، وقد جمع الشاعر بينهما في بيت ، فقال : # كأين أبدنا من عدو بعزنا # وكائن أجرنا من ضعيف وخائف # و{الربيون} : جمع ربة ، أي : الفرقة. أي : معه جموع كثيرة ، وقيل : ~~العلماء الأتقياء ، وقيل : الولاة ، وهو : إما مبتدأ فيوقف على {قتل} ، أو ~~نائب فاعل {قتل} ، أو فاعل على من قرأ بالبناء له ، و{كثير} : نعت له ، ~~كقوله : {والملائكة بعد ذلك ظهير} [التحريم : 4] ؛ لأن فعيلا يخبر به عن ~~المفرد والجمع. # يقول الحق جل جلاله : {وكأين} ؛ وكم {من نبي قتل} في المعركة ومعه جموع ~~كثيرة ، أو ربانيون علماء أتقياء ، فلم يفشلوا ولم يضعفوا ، بل ثبتوا على ~~دينهم وجهاد عدوهم ، أو يقول : كثير من الأنبياء قتل معهم ربانيون كثير ، ~~أي : ماتوا في الحرب فثبت الباقون ، ولم يفتروا ولم يضعفوا عن عدوهم ، ~~ويترجح الأول بما صرخ به الصارخ يوم أحد : إن محمدا قد مات ، فضرب لهم ~~المثل بقوله : {وكأين من نبي قتل} ، ويترجح الثاني بأنه لم ms0375 يقتل نبي قط في ~~المحاربة. # 381 # أو : {وكأين من نبي قاتل} أي : جاهد معه {ربيون كثير} ، وبعدما قتل نبيهم ~~أو جموعهم {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله} أي : فما فتروا : ولم ينكسر ~~جندهم ؛ لأجل ما أصابهم من قتل نبيهم أو بعضهم ، {وما ضعفوا} عن جهاد عدوهم ~~ولا عن دينهم ، {وما استكانوا} أي : خضعوا لعدوهم ، من السكون ؛ لأن الخاضع ~~يسكن لعدوه يفعل به ما يريد ، فالألف إشباع زائد ، أي : فما سكنوا لعدوهم ~~بل صبروا له ، {والله يحب الصابرين} فينصرهم ويعزهم ويعظم قدرهم. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 381 PageV01P517 ~~وما كان قولهم} عند قتل نبيهم مع ثباتهم على دينه ، {إلا أن قالوا ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا} الصغائر ، {وإسرافنا في أمرنا} أي : ما تجاوزنا به الحد ~~في أمر ذنوبنا ، كالكبائر ، {وثبت أقدامنا} في مداحض الحرب ؛ لئلا ننهزم ، ~~{وانصرنا على القوم الكافرين} من أعدائنا ، فهلا فعلتم مثلهم ، وقلتم ذلك ~~يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # {فآتاهم الله} في ثواب الاستغفار واللجوء إلى الله {ثواب الدنيا} وهو ~~النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر ، {وحسن ثواب الآخرة} وهو النعيم الذي لا ~~يفنى ولا يبيد ، وخص ثواب الآخرة بالحسن ؛ إشعارا بفضله ، وأنه المعتد به ~~عنده ، {والله يحب المحسنين} الثابتين على دينهم ، لأنهم أحسنوا فيما بينهم ~~وبين ربهم بحفظ دينه ، فأحبهم الله وقربهم إلى حضرته. # الإشارة : وكم من المريدين والأتباع مات شيخهم أو قتل ، فثبتوا على ~~طريقهم ، فما فشلوا ولا ضعفوا ، ولا خضعوا لمن يقطعهم عن ربهم ، بل صبروا ~~على السير إلى ربهم ، أو الترقي في المقامات ، ومن لم يرشد منهم طلب من ~~يكمل له ، {والله يحب الصابرين} ، فإذا أحبهم كان سمعهم وبصرهم ، كما في ~~الحديث. وما كان حالهم عند موت شيخهم إلا الالتجاء إلى ربهم ، والاستغفار ~~مما بقي من مساوئهم ، وطلب الثبات في مواطن حرب أنفسهم ، فأعطاهم الله عز ~~الدنيا والآخرة عز الدنيا بالإيمان والمعرفة ، وعز الآخرة بدوام المشاهدة ، ~~فكانوا أحباب الله ؛ {والله يحب المحسنين}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 381 PageV01P518 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين ms0376 آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} وهم ~~المنافقون ، لما قالوا للمسلمين عند الهزيمة : ارجعوا إلى دينكم الأول ، ~~ولو كان نبيا ما قتل ، {يردوكم على أعقابكم} راجعين عن إيمانكم ، {فتنقلبوا ~~خاسرين} مفتونين عن دينكم ، فتحبط أعمالكم فتخسروا الدنيا والآخرة ، بل ~~أثبتوا على إيمانكم ، فإن الله {مولاكم} سينصركم ويعزكم ، {وهو خير ~~الناصرين} ، وقيل : إن تسكنوا إلى أبي سفيان # 382 # وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل : عام في مطاوعة الكفرة ~~والنزول على حكمهم ؛ فإنه يجر إلى موافقتهم على دينهم ، لا سيما إن طالت ~~مدة الاستئمان. # قلت : وهذا هو السبب في ارتداد من بقي من المسلمين بالأندلس حتى رجعوا ~~نصارى ، هم وأولادهم ، والعياذ بالله من سوء القضاء. # الإشارة : يا أيها المريدون - وخصوصا المتجردين - إن تطيعوا العامة ، ~~وتركنوا إليهم ، يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بطلب الدنيا وتعاطي ~~أسبابها ، فتزل قدم بعد ثبوتها ، وتنحط من الهمة العالية إلى الهمة السفلى ~~، فإن الطباع تسرق ، والمرء على دين خليله ، بل أثبتوا على التجريد وتحقيق ~~التوحيد ، فإن الله مولاكم {وهو خير الناصرين} ؛ فينصركم ويعزكم ويغنيكم ~~بلا سبب ، كما وعدكم ؛ {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب} [الطلاق : 2 ، 3]. # جزء : 1 رقم الصفحة : 382 # قلت : {الرعب} : الخوف ، وفيه الضم والسكون ، وهكذا كل ثلاثي ساكن الوسط ~~، كالقدس والعسر واليسر ، وشبه ذلك ، و{بما أشركوا} : مصدرية. # يقول الحق جل جلاله : سنقذف {في قلوب الذين كفروا} كأبي سفيان وأصحابه ، ~~{الرعب} والخوف ، حتى يرجعوا عنكم بلا سبب ، بسبب شركهم بالله {ما لم ينزل ~~به سلطانا} ولا حجة على استحقاق العبادة ، {ومأواهم النار} أي : هي مقامهم ~~، {وبئس مثوى الظالمين} أي : قبح مقامهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للتغليظ ~~في العلة. PageV01P519 # الإشارة : فيها تسلية للفقراء ، فإن كل من هم بإذايتهم ألقى الله في قلبه ~~الرعب ، حتى لا يقدر أن يتوصل إليهم بشيء مما أمل فيهم ، وقد رأيتهم هموا ~~بقتلهم وضربهم وحبسهم ، وسعوا في ذلك جهدهم ، وعملوا في ذلك بينات على ~~زعمهم ، توجب قتلهم ، فكفاهم الله أمرهم ، وألقى الرعب في قلوبهم ، ~~فانقلبوا خائبين وماتوا ظالمين ، والله ms0377 ولي المتقين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 382 # 383 # قلت : حسه : إذا قتله وأبطل حسه ، وجواب {إذا} : محذوف ، أي : حتى إذا ~~فشلتم وتنازعتم وعصيتم امتحناكم بالهزيمة ، والواو لا ترتب ، والتقدير : ~~حتى إذا تنازعتم وعصيتم وفشلتم سلبنا النصر عنكم. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد صدقكم الله} ما وعدكم من النصر لو صبرتم ~~واتقيتم ، وذلك حين كنتم {تحسونهم} بالسيف ، وتقتلونهم حتى انهزموا هاربين ~~، بإذنه تعالى وإرادته ، {حتى إذا فشلتم} أي : جبنتم وضعف رأيكم وملتم إلى ~~الغنيمة ، {وتنازعتم} في الثبات مع الرماة حين انهزم المشركون ، فقلتم : ~~الغنيمة الغنيمة ، فما وقوفكم هنا! وقال آخرون : لا تخالفوا أمر الرسول ، ~~ثم تركتم المركز ، {وعصيتم الرسول من بعد ما أراكم ما تحبون} من النصر ~~والغنيمة ، امتحناكم حينئذ بالهزيمة. # فمنكم {من يريد الدنيا} ليصرفها في الآخرة ، وهم الذين خالفوا المركز ~~وذهبوا للغنيمة ، {ومنكم من يريد الآخرة} صرفا ، وهم الثابتون مع عبد الله ~~بن جبير ، محافظة على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، {ثم صرفكم عنهم} ~~حين خالفتم أمر الرسول ، {ليبتليكم} أي : ليختبركم ، فيتبين الصابر من ~~الجازع ، والمخلص من المنافق ، {ولقد عفا عنكم} فلم يستأصلكم بعد المعصية ~~والمخالفة ، لاستحقاقكم ذلك ، أو تجاوز عن ذنبكم وتفضل بالتوبة والمغفرة ، ~~{والله ذو فضل} عظيم {على المؤمنين} ؛ يتفضل عليهم بالمغفرة في الأحوال ~~كلها ، سواء أديل عليهم أو لهم ، فإن الابتلاء أيضا رحمة وتطهير. والله ~~تعالى أعلم. PageV01P520 # الإشارة : يقول للفقراء الذين استشرفوا على بلاد الخصوصية ، ثم فشلوا ~~ورجعوا إلى بلاد العمومية : ولقد صدقكم الله وعده في إدراك الخصوصية لو ~~صبرتم ، فإنكم حين كنتم تجاهدون نفوسكم وتحسونها بسيوف المخالفة ، لمعت لكم ~~أنوار المشاهدة ، حتى إذا فشلتم وتفرقت قلوبكم ، وعصيتم شيوخكم قلت أمدادكم ~~، وأظلمت قلوبكم ، من بعد ما رأيتم ما تحبون من مبادئ المشاهدة ، فملتم إلى ~~الدنيا الفانية ، فمنكم يا معشر المنتسبين من يريد الدنيا ، فصحب العارفين ~~على حرف ، وهو الذي رجع وفشل ، ومنكم من يريد الآخرة وقطع يأسه من الرجوع ~~إلى الدنيا ، وهو الذي ثبت حتى ظفر ، ثم صرفكم عن حصبة العارفين ، يا من ~~أراد ms0378 الدنيا من المنتسبين ، ليبتليكم ، هل صحبتموهم لله أو لغيره ، ولقد ~~عفا عنكم وجعلكم من عوام المسلمين ، ولم يسلب عنكم الإيمان عقوبة لترك صحبة ~~العارفين. أو لقد عفا عنكم إن رجعتم إلى صحبتهم والأدب معهم ، فإن الله {ذو ~~فضل على المؤمنين} حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. وبالله التوفيق. # 384 # وقال الورتجبي : قوله : {منكم من يريد الدنيا} ، أي : منكم من وقع في بحر ~~غني القدم ، واتصف به بنعت التمكين ورؤية النعم في شكر المنعم ، كسليمان ~~عليه السلام. ومنكم من وقع في بحر التنزيه وتقديس الأزلية ، فغلب عليه ~~القدس والطهارة ، فخرج بنعت الفقر ؛ تجريدا لتوحيده وإفراد قدمه من الحدث ، ~~كمحمد صلى الله عليه وسلم حيث قال : " الفقر فخري ". # جزء : 1 رقم الصفحة : 383 # قلت : {إذ} : ظرف لعفا ، أو اذكر. وأصعد : أبعد في الأرض ، وصعد : في ~~الجبل ، فالإصعاد : الذهاب في الأرض المستوية ، والصعود : الارتقاء في ~~العلو. وقرئ بهما معا ؛ لأنهما وقعا معا ، فمنهم من فر ذاهبا في الأرض ، ~~ومنهم من صعد إلى الجبل. # و{لكيلا} : متعلق بأثابكم. PageV01P521 # يقول الحق جل جلاله : ولقد عفا عنكم حين كنتم {تصعدون} عن نبيه - عليه ~~الصلاة والسلام - ، منهزمين عنه ، تبعدون عنه ، {ولا تلوون على أحد} أي : ~~لا يلتفت بعضكم إلى بعض ، ولا ينتظر بعضكم بعضا ، {والرسول} محمد صلى الله ~~عليه وسلم {يدعوكم في أخراكم} أي : في ساقتكم ، يقول : " إلي عباد الله ، ~~أنا رسول الله ، من يكر فله الجنة " ، وفيه مدح للرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالشجاعة والثبات ، حيث وقف في آخر المنهزمين ، فإن الآخر هو موقف الأبطال ~~، والفرار في حقه صلى الله عليه وسلم محال. # {فأثابكم} أي : فجازاكم على ذلك الفرار ، {غما} ؛ وهو ظهور المشركين ~~عليكم وقتل إخوانكم ، بسبب غم أوصلتموه للنبي صلى الله عليه وسلم بعصيانه ~~والفرار عنه ، وقدر ذلك {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} من الغنيمة ، {ولا} ~~على {ما أصابكم} من الجرح والهزيمة ، لأن من استحق العقوبة والأدب لا يحزن ~~على ما فاته ولا على ما أصابه ؛ إذ جريمته تستحق أكثر من ذلك ، يرى ما نزل ~~به بعض ما ms0379 يستحقه ، فيهون عليه أمر ما نزل به أو ما فاته من الخير. # أو يقول : {فأثابكم غما} متصلا {بغم} ؛ فالغم الأول : ما فاتهم من الظفر ~~والغينمة ، والثاني : ما نالهم من القتل والهزيمة ، أو الأول : ما أصابهم ~~من القتل # 385 # والجراح ، والثاني : ما سمعوا من الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ~~، وذلك ليتمرنوا على المحن والشدائد حتى لا يجزعوا من شيء ، وبذلك وصفهم ~~كعب بن زهير في لاميته ، حيث قال : # لا يفرحون إذا نالت رماحهم # وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # فإن المتمرن على المصائب المتعود عليها يهون عليها أمرها ، فلا يحزن على ~~ما أصابه ولا ما فاته ، {والله خبير بما تعملون} وبما قصدتم ، فيجازيكم على ذلك. # جزء : 1 رقم الصفحة : 385 PageV01P522 ~~الإشارة : ما زال الدعاة إلى الله من أهل التربية النبوية يدعون الناس إلى ~~الله ، ويعرفونهم بالطريق إلى الله ، يبنون لهم الطريق إلى عين التحقيق ، ~~والناس يبعدون عنهم ويفرون منهم ، وهم في أخراهم يقولون بلسان الحال أو ~~المقال : يا عباد الله ، هلم إلينا نعرفكم بالله ، وندلكم على الله ، فلا ~~يلوي إليهم أحد ولا يلتفت إليهم بشر ، إلا من سبقت له العناية ، وأراد الحق ~~تعالى أن يوصله إلى درجة الولاية ، " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه ~~إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " ، ~~فأثابهم على الفرار غم الحجاب ، متصلا بغم الأسباب ، فلا يحزنوا على ما ~~فاتهم من المعرفة ؛ إذ لم يعرفوا قدرها ، ولا على ما أصابهم من الغفلة ~~والبطالة ، إذ لم يتفطنوا لها {والله خبير بما تعملون} يا معشر العباد ، من ~~التودد أو العناد. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 385 # قلت : {نعاسا} : بد لمن {أمنة} ، أو هو المفعول ، و{أمنة} : حال منه ، ~~مقدمة ، أو مفعول له ، أي : أنزل عليكم نعاسا لأجل الأمنة ، أو حال من كاف ~~{عليكم} ، أي : أنزل عليكم حال كونكم آمنين. والأمنة : مصدر أمن ، كالعظمة ~~والغلبة. # 386 # يقول الحق جل جلاله : {ثم أنزل عليكم} أيها المؤمنون {من بعد ms0380 الغم} الذي ~~أصابكم بموت إخوانكم ، والإرجاف بقتل نبيكم ، الأمن والطمأنينة ، حتى أخذكم ~~النعاس وأنتم في الحرب. قال أبو طلحة : (غشينا النعاس ونحن في المصاف ، حتى ~~كان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ، ثم يسقط فيأخذه). وقال الزبير رضي ~~الله عنه. لقد رأيتني حين اشتد الخوف ، ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~أرسل الله - تعالى - علينا النوم ، والله إني لأسمع قول معتب ، والنعاس ~~يغشاني ، ما أسمعه إلا كالحلم : {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا}. PageV01P523 # ثم إن هذا النعاس إنما {يغشى طائفة منكم} وهم المؤمنون ، أو : هذه الأمنة ~~إنما تغشى طائفة منكم ، وأما المنافقون فقد {أهمتهم أنفسهم} ، أي : أوقعتهم ~~في الهموم والغموم ، أو ما يهمهم إلا أنفسهم ، يدبرون خلاصها ونجاتها ، فقد ~~طارت قلوبهم من الخوف ، فلا يتصور في حقهم النوم ، {يظنون بالله غير الحق} ~~أي : غير الظن الحق ، لأنهم ظنوا أنه لا ينصر - عليه الصلاة والسلام ، وأن ~~أمره مضمحل ، أو ظنوا أنه قتل ، ظنا كظن الجاهلية ، أهل الشرك ، {يقولون} ~~أي : بعضهم لبعض : {هل لنا من الأمر من شيء} أي : عزلنا عن تدبر أنفسنا ، ~~فلم يبق لنا من الأمر من شيء. قاله ابن أبي ، لما بلغة قتل الخزرج. # {قل} لهم يا محمد : {إن الأمر كله لله} ؛ ليس بيد غيره شيء من التدبير ~~والاختيار ، حال كون المنافقين {يخفون في أنفسهم} من الكفر والنفاق {ما لا ~~يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا} أي : لو كان ~~تدبيرا أو اختيارا ما خرجنا سلسلة المقادير ، رغما على أنفكم ، فلو {كنتم ~~في بيوتكم} آمنين {لبرز الذين كتب عليهم القتل} ، ووصل أجلهم {إلى مضاجعهم} ~~ومصارعهم ، رغما على أنفهم ، فإن الله قدر الأمور ودبرها في سابق أزله ، لا ~~معقب لحكمه ، وإنما فعل ذلك ، وأخرجكم إلى المعركة {ليبتلي الله ما في ~~صدوركم} أي : يختبر ما فيها من الخير أو الشر ، {وليمحص ما في قلوبكم} أي : ~~يكشف ما فيها من النفاق أو الإخلاص ، فقد ظهر خبث سريرتكم ومرض قلوبكم ~~بالنفاق الذي تمكن ms0381 فيه ، {والله عليم بذات الصدور} أي : بخفاياها قبل ~~إظهارها. وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء ، وإنما فعل ذلك ~~ليميز المؤمنين ويظهر حال المنافقين. قاله البيضاوي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 386 PageV01P524 ~~الإشارة : ثم أنزل عليكم أيها الواصلون المتمكنون ، أو من تعلق بكم من ~~السائرين. من بعد غم المجاهدة وتعب المراقبة أمنة في قلوبكم بالطمأنينة ~~بشهود الله ، وراحة في جوارحكم من تعب الخدمة في السير إلى الله ، حتى ~~وصلتم فنمتم في ظل الأمن والأمان ، وسكنتم في جوار الكريم المنان. # 387 # قال بعض العارفين : (إذا انتقلت المعاملة إلى القلوب استراحت الجوارح) ، ~~وهذه الراحة إنما تحصل للعارفين ، أو من تعلق بهم من المريدين ، وطائفة من ~~غيرهم ؛ وهم المتفقرة الجاهلون ، الذين لا شيخ لهم ، قد أهمتهم أنفسهم ، ~~تارة تصرعهم وتارة يصرعونها ، تارة تشرق عليهم أنوار التوجه ، فيقوى رجاؤهم ~~في الفتح ، وتارة تنقبض عنهم فيظنون بالله غير الحق ، ظن الجاهلية ، يقولون ~~: هل لنا من الفتح من شيء ؟ . # قل لهم : {إن الأمر كله لله} ؛ يوصل من يشاء ويبعد من يشاء ، يخفون في ~~أنفسهم من العيوب والخواطر الرديئة ما لا يبدون لك ، فإذا طال عليهم الفتح ~~، وغلب عليهم الفقر ، ندموا على ما فاتهم من التمتع بالدنيا ، يقولون : لو ~~كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا بالذل والفقر والجوع ، قل لهم : ذلك ~~الذي سبق في علم الله ، لا محيد لأحد عنه ، ليظهر الصادق في الطلب من ~~الكاذب ، [كن صادقا تجد مرشدا] ، فلو صدقتم في الطلب لأرشدكم إلى من يوصلكم ~~ويريحكم من التعب. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 386 PageV01P525 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين تولوا منكم} وانهزموا يوم أحد ؛ {يوم التقى ~~الجمعان} جمع المسلمين وجمع الكفار إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان ~~{استزلهم} ، أي : طلب زللهم فأطاعوه ، أي : زين لهم الفرار فأطاعوه ، بسبب ~~بعض {ما كسبوا} من الإثم ، كمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، والحرص ~~على الغنيمة ، وذنوب اقترفوها قبل الجهاد ، فإن المعاصي تجر بعضها بعضا ms0382 ، ~~كالطاعة ، {ولقد عفا الله عنهم} فيما فعلوا من الفرار ؛ لتوبتهم واعتذارهم ~~؛ {إن الله غفور} للذنوب ، {حليم} لا يعاجل بعقوبة المذنب كي يتوب. # الإشارة : إن الذين تولوا منكم يا معشر الفقراء ، ورجعوا عن صحبة الشيوخ ~~، حين التقى في قلبهم الخصمان : خصم يرغبهم في الثبوت ، وخصم يدلهم على ~~الرجوع ، ثم غلب خصم الرجوع فرجعوا ، إنما استزلهم الشيطان بسوء أدبهم ، ~~فإن تابوا ورجعوا ، أقبلوا عليهم ، وقبل الله توبتهم ، وعفا عنهم ، فإنه ~~سبحانه غفور حليم. # 388 # جزء : 1 رقم الصفحة : 388 # قلت : {غزي} : جمع غاز ، كعاف وعفى ، وإنما وضع {إذا} موضع {إذ} ؛ لحكاية ~~الحال ، # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} ~~ونافقوا ، كعبد الله بن أبي ، وأصحابه ، {وقالوا لإخوانهم} في النسب ، أو ~~في المذهب ، أي : قالوا لأجلهم أو في شأنهم ، {إذا ضربوا في الأرض} أي : ~~سافروا للتجارة أو غيرها فماتوا ، {أو كانوا غزى} أي : غازين فقتلوا في ~~الغزو : {لو كانوا عندنا} مقيمين {ما ماتوا وما قتلوا} ، وإنما نطقوا بذلك ~~{ليجعل الله ذلك} القول الناشىء عن الاعتقاد الفاسد {حسرة في قلوبهم} ~~بالاغتمام على ما فات ، والتحسر على ما لم يأت ، {والله} هو {يحيي ويميت} ~~بلا سبب في الإقامة والسفر ، فليس يمنع حذر من قدر ، {والله بما تعملون} ، ~~أيها المؤمنون {بصير} ، ففيه تهديد لهم على أن يماثلوا المنافقين في هذا ~~الاعتقاد الفاسد ، ومن قرأ بالياء فهو تهديد لهم. والله تعالى أعلم. PageV01P526 # الإشارة : لا ينبغي للأقوياء من أهل اليقين أن يتشبهوا بضعفاء اليقين ، ~~كانوا علماء أو صالحين أو طالحين ، حيث يقولون لإخوانهم إذا سافروا لأرض ~~مخوفة أو بلد الوباء. لو جلسوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، وما دروا أن ~~الله قدر الآجال كما قدر الأرزاق وجميع الشؤون والأحوال ، وعين لها أوقاتا ~~محدودة في أزله ، فكل مقدور يبرز في وقته ، " ما من نفس تبديه ، إلا وله ~~قدر فيك يمضيه " ، فما قدره في سابق علمه لا بد أن يكون ، وما لم يقدره لا ~~يكون ، ولا تجلبه حركة ولا سكون. ولله در القائل : # ما لا ms0383 يقدر لا يكون بحيلة # أبدا وما هو كائن سيكون # سيكون ما هو كائن في وقته # وأخو الجهالة متعب محزون # يجري الحريص ولا ينال بحرصه # شيئا ويحظى عاجز ومهين # فدع الهموم ، تعر من أثوابها ، # إن كان عندك بالقضاء يقين # جزء : 1 رقم الصفحة : 389 # هون عليك وكن بربك واثقا # فأخوا الحقيقة شأنه التهوين # 389 # وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يتمثل بهذه الأبيات : # فهون عليك فإن الأمور # بكف الإله مقاديرها # فليس يأتيك مصروفها # ولا عازب عنك مقدورها # وكل من لم يحقق الإيمان بالقدر لا ينفك عن الحسرة والكدر ، ومن أراد ~~النعيم المقيم فليثلج صدره ببرد الرضا والتسليم ، ومن أراد الروح والريحان ~~فعليه بجنات العرفان ، وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواءه الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 389 PageV01P527 ~~قلت : إذا اجتمع القسم والشرط ذكر جواب الأول وأغنى عن الثاني ، فقوله : ~~{لمغفرة} : جواب القسم ، أغنى عن جواب {إن} ، والتقدير : إن قتلتم في سبيل ~~الله غفر الله لكم ، ثم سد عنه {لمغفرة...} الخ ، ومن قرأ : {متم} بكسر ~~الميم ، فهو من : مات يمات ، كهاب يهاب هبت ، وخاف يخاف خفت ، ومن قرأ ~~بالضم : فمن مات يموت ، كقال يقول قلت. # يقول الحق جل جلاله : إن السفر والغزو ليس هما مما يجلب الموت أو يقدم ~~الأجل ، وعلى تقدير : لو وقع ذلك وحضر أجلكم فيه وقتلتم {في سبيل الله} ~~بالسيف ، {أو متم} حتف أنفكم ، لما تنالون من المغفرة والرحمة والروح ~~والريحان {خير مما تجمعون} من حطام الدنيا الفانية لو لم تموتوا ، وعلى أي ~~وجه متم أو قتلتم فلا تحشرون إلا إلى الله ، لا إلى أحد غيره ، فيوفى ~~جزاءكم ويعظم ثوابكم ، وأما البقاء في الدنيا فلا مطمع لأحد فيه ، سافر أو ~~قعد في بيته ، وقدم أولا القتل على الموت وأخره ثانيا ؛ لأن الأول رتب عليه ~~المغفرة والرحمة ، وهما في حق من فتل في الجهاد أعظم ممن مات بغيره ، فقدمه ~~؛ اعتناء به ، وفي الثاني رتب عليه الحشر ، وهو مستو في القتل والموت ، فلا ~~مزية فيه للقتل على الموت. والله أعلم. # الإشارة : ولئن ms0384 قتلتم نفوسكم وبذلتم مهجكم في طلب محبوبكم ، فظفرتم ~~بالوصول إليه قبل موتكم ، أو متم في السير قبل الوصول إلى محبوبكم ، لما ~~تنالون من كمال اليقين # 390 # وشهود رب العالمين ، أو من المغفرة والرحمة التي تضمكم إلى جواره ، خير ~~مما كنتم تجمعون من الدنيا قبل توجهكم إليه ، فإن الموت والحشر مكتوب على ~~كل مخلوق ، فيظهر فوز المجاهدين والمتوجهين ، وغبن القاعدين المستوفين. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 390 # قلت : {فبما} : صلة. والفظ ، الجافي ، يقال : فظ فظاظة وفظوظا ، ورجل فظ ~~، وامرأة فظة ، والفض - بغير المشالة : التفرق ، ويطلق على الكسر ، ومنه : ~~لا يفضض الله فاك. PageV01P528 # يقول الحق جل جلاله : فبرحمة من الله ونعمة كنت سهلا لينا رفيقا ، فحين ~~عصوا أمرك ، وفروا عنك ، ألنت لهم جانبك ، ورفقت بهم ، بل اغتممت من أجلهم ~~مما أصابهم ، {ولو كنت فظا} جافيا سيىء الخلق {غليظ القلب} قاسيه فأغلظت ~~لهم القول ، {لانفضوا من حولك} أي : لتفرقوا عنك ، ولم يسكنوا إليك ، {فاعف ~~عنهم} فيما يختص بك ، {واستغفر لهم} في حق ربك حتى يشفعك فيهم {وشاورهم في ~~الأمر} الذي يصح أن يشاور فيه ؛ تطييبا لخاطرهم ، ورفعا لأقدارهم ، ~~واستخراجا وتمهيدا لسنة المشاورة لغيرهم ، وخصوصا الأمراء. # قال عليه الصلاة والسلام : " ما شقا عبد بمشورة ، وما سعد باستغناء برأي ~~" قال أيضا : " ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار " وقال أيضا - عليه ~~الصلاة والسلام - " إذا كان أمراؤكم خياركم ، وأغنياؤكم أسخياءكم ، وأمركم ~~شورى بينكم ، فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم ~~وأغنياؤكم بخلاءكم ، ولم تكن أموركم شورى بينكم ، فبطن الأرض خير من ظهرها ~~". {فإذا عزمت} على شيء بعد الشورى ، {فتوكل على الله} أي : ثق به وكيلا ، ~~{إن الله يحب المتوكلين} فينصرهم ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم. # الإشارة : ما اتصف به نبينا - عليه الصلاة والسلام - من السهولة والليونة ~~والرفق بالأمة ، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين ، والعلماء الراسخين ~~، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله ، أو إلى أحكام الله ، ولو كانوا فظاظا غلاظا ~~لانفض الناس من حولهم ، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم ، فينبغي لهم ms0385 أن ~~يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس ، # 391 # ويستغفروا لهم ، ويشاوروهم في أمورهم ، اقتداء برسولهم ، فإذا عزموا على ~~إمضاء شيء فليتوكلوا على الله ؛ {إن الله يحب المتوكلين}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 391 PageV01P529 ~~قال الجنيد - رضي الله عنه - : (التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض عمن ~~دونه). وقال الثوري : أن تفني تدبيرك في تدبيره ، وترضى بالله وكيلا ومدبرا ~~، قال الله تعالى : {وكفى بالله وكيلا} [النساء : 81]. وقال ذو النون : ~~(خلع الأرباب ، وقطع الأسباب) وقال الخواص : قطع الخوف والرجاء مما سوى ~~الله تعالى. وقال العرجي : رد العيش إلى يوم واحد ، وإسقاط هم غد. ه. وقال ~~سهل : معرفة معطي أرزاق المخلوقين ، ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون عنده ~~السماء كالصفر والأرض كالحديد ، لا ينزل من السماء قطر ، ولا يخرج من الأرض ~~نبات ، ويعلم أن الله لا ينسى له ما ضمن من رزقه بيه هذين. ه. وقيل : هو ~~اكتفاء العبد الذليل بالرب الجليل ، كاكتفاء الخليل بالخليل ، حين لم ينظر ~~إلى عناية جبريل. وقيل لبهلوان المجنون : متى يكون العبد متوكلا ؟ قال : ~~إذا كان بالنفس غريبا بين الخلق ، وبالقلب قريبا إلى الحق. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله ~~، ومن سره أن يكون أغنى الناس فيكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده ". ~~قال ابن جزي : التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع وحفظها بعد ~~حصولها ، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها ، وهو من أعلى المقامات ، ~~لوجهين : أحدهما : قوله : {إن الله يحب المتوكلين} ، والآخر : الضمان الذي ~~في قوله : {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق : 3] ، وقد يكون واجبا ~~لقوله : {وعلى الله كنتم مؤمنين} [المائدة : 23] ، فجعله شرطا في الإيمان ، ~~ولظاهر قوله : {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران : 122] ؛ فإن الأمر ~~محمول على الوجوب. # واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب : PageV01P530 # الأولى : أن يعتمد العبد على ربه ، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده ~~، الذي لا يشك في نصحيته له وقيامه بمصالحه. الثانية : أن يكون العبد مع ~~ربه كالطفل ms0386 مع أمه ؛ لا يعرف سواها ولا يلجأ إلا إليها. الثالثة : أن يكون ~~العبد مع ربه كالميت بين يدي الغاسل ، قد أسلم إليه نفسه بالكلية. # فصاحب الدرجة الأولى عنده حظ من النظر لنفسه ، بخلاف صاحب الثانية. وصاحب ~~الثانية له حظ من الاختيار ، بخلاف صاحب الثالثة. وهذه الدرجات مبنية على ~~التوحيد الخاص ، الذي تكلمت عليه في قوله : {وإلهكم إله واحد} [البقرة : ~~163] ، فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه. # 392 # فإن قيل : هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا ؟ فالجواب : أن الأسباب ~~على ثلاثة أقسام : # جزء : 1 رقم الصفحة : 391 # أحدها : سبب معلوم قطعا قد أجراه الله ، فهذا لا يجوز تركه ؛ كالأكل لرفع ~~الجوع وللباس لرفع البرد. # الثاني : سبب مظنون : كالتجارة وطلب المعاش ، وشبه ذلك ، فهذا لا يقدح ~~فعله في التوكل ، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن ، ويجوز ~~تركه لمن قوي عليه. # والثالث : سبب موهوم بعيد ، فهذا يقدح فعله في التوكل ، قلت : ولعل هذا ~~مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر ، وشبه ذلك. # ثم فوق التوكل التفويض ، وهو : الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية ، فإن ~~المتوكل له مراد واختيار ، وهو يطلب مراده في الاعتماد على ربه ، وأما ~~المفوض فليس له مراد ولا اختيار ، بل أسند الاختيار إلى الله تعالى ، فهو ~~أكمل أدبا مع الله. ه. وأصله للغزالي ، وسيأتي بقية الكلام عند قوله : ~~{وتوكل على الحي الذى لا يموت} [الفرقان : 58]. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 391 PageV01P531 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن ينصركم الله} كما نصركم يوم بدر ، {فلا غالب لكم} ~~من أحد من الناس ، {وإن يخذلكم} كما خذكم يوم أحد ، {فمن} هذا {الذي ينصركم ~~من بعده} تعالى ، أي : فلا ناصر سواه. وهذا تنبيه على الحث على التوكل ، ~~وتحريض على ما يستوجب به النصر ، وهو الاعتماد على الله ، وتحذير مما ~~يستوجب الخذلان ، وهو مخالفة أمره وعصيان رسوله ، أو الاعتماد على غيره ، ~~ولذلك قال : {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ؛ لما علموا ألا ناصر سواه. # الإشارة : إن ينصركم الله على مجاهدة النفوس ، ودوام السير إلى حضرة ms0387 ~~القدوس ، فلا غالب لكم من النفس ، ولا من الناس ولا من الهوى ولا من ~~الشيطان ، وإن يخلذكم - والعياذ بالله - فمن ذا الذي ينصركم من بعد خذلانه ~~لكم ؟ فليعتمد المريد في سيره على مولاه ، وليستنصر به في قطع حظوظه وهواه ~~، فإنه لا ناصر له سواه. وأنشدوا : # إذا كان عون الله للمرء ناصرا # تهيأ له من كل صعب مراده # وإن لم يكن عون من الله للفتى # فأكثر ما يجني عليه اجتهاده # 393 # وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 393 # قلت : الغلول : السرقة من الغنائم ، فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين ، ~~فمعناه : لا ينبغي له أن يأخذ شيئا من الغنيمة خفية ، والمراد : تبرئة ~~رسوله - عليه الصلاة والسلام - من ذلك. ومن قرأ بضم الياء ففيه وجهان : ~~أحدهما : أن يكون المعنى ، ما كان لنبي أن يخان ، أي : أن تخونه أمته في ~~المغانم ، وكذلك الأمراء ، وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ ~~لبشاعة ذلك مع النبي ؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته ، والثاني : أن يكون المعنى ~~: ما كان لنبي أن ينسب إلى الخيانة ؛ كقوله : {فإنهم لا يكذبونك} [الأنعام ~~: 33] أي : لا ينسبونك إلى الكذب. PageV01P532 # يقوله الحق جل جلاله : {ما كان} ينبغي {لنبي أن يغل} ويأخذ شيئا من الغنيمة ~~خفية ؛ لأن ذلك خيانة والنبوة تنافي ذلك ، والمراد : نزاهة الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - عن ذلك ، كقوله : {ما كان لله أن يتخذ من ولد} [مريم : ~~35] ، ودفع ما توهمه الرماة ، فقد روي أنه - عليه الصلاة والسلام -قال لهم ~~لما تركوا المركز : " ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ؟ ~~" قالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ~~بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم " فنزلت الآية. وقيل إنه - عليه الصلاة ~~والسلام - : بعث طلائع ، فغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقسم على من ~~معه فقط ، فنزلت ، فاسترجع ذلك منهم. وقيل : في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر ، ~~فقال المنافقون : لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ، فنزلت. # ثم ذكر وعيد الغلول ، فقال : {ومن ms0388 يغلل يأت بما غل يوم القيامة} أي : ~~يأتي بالذي غله يحمله على رقبته ، قال عليه الصلاة والسلام : " لا ألقى ~~أحدكم يوم القيامة يجيء على رقبته بعير له رغاء ، أو بقرة له خوار ، أو شاة ~~تيعر " ثم قال : " اللهم هل بلغت ؟ ثلاثا " كما في البخاري. # {ثم توفى كل نفس} جزاء {ما كسبت} تاما ، {وهم لا يظلمون} بنقص ثواب ~~مطيعهم ، ولا يزاد على عقاب عاصيهم وكان اللائق بما قبله أن يقول : ثم يوفى ما # 394 # كسب. لكنه عمم الحكم ؛ ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه ، وأنه ~~إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله ، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى. قاله ~~البيضاوي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 394 PageV01P533 ~~الإشارة : ما قيل في النبي - عليه الصلاة والسلام - يقال في ورثته الكرام ، ~~كالأولياء والعلماء الأتقياء ، فإنهم ورثة الأنبياء ، فيظن بهم أحسن ~~المذاهب ، ويلتمس لهم أحسن المخارج ، لأن الأولياء دلوا على معرفة الله ، ~~والعلماء دلوا على أحكام الله ، وبذلك جاءت الرسل من عند الله ، فلا يظن ~~بهم نقص ولا خلل ، ولا غلول ولا دخل ، فلهم قسط ونصيب من حرمة الأنبياء ، ~~ولا سيما خواص الأولياء ، ومن يظن بهم نقصا أو خللا ، ويغل قلبه على شيء من ~~ذلك ، فسيرى وباله يوم تفضح السرائر ، {ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون} ، فلحوم الأولياء والعلماء سموم قاتلة ، وظن السوء بهم خيانة ~~حاصلة. والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 394 # يقول الحق جل جلاله : {أفمن اتبع رضوان الله} بأن اعتقد في نبيه الكمال ، ~~وأطاعه في وصف الجلال والجمال ، وهم المؤمنون ، حيث نزهوا نبيهم من النقائص ~~، ومن هجس في قلبه شيء بادر إلى التوبة ، ثم اتصف بكمال الخصائص ، هل يكون ~~{كمن باء} بغضب {من الله} ؟ وهم المنافقون ، حيث نافقوا الرسول واتهموه - ~~عليه الصلاة والسلام - بالغلول. # أو يقول : {أفمن ابتع رضوان الله} بالطاعة والانقياد {كمن باء بسخط من ~~الله} بالمعاصي وسوء الاعتقاد {ومأواه جهنم وبئس المصير} أي المنقلب ، ~~والفرق بين المصير والمرجع : أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ، ولا ~~كذلك المرجع. ms0389 قاله البيضاوي. # {وهم درجات عند الله} أي : أهل الرضوان درجات متفاوتة عند الله ، على قدر ~~سعيهم في موجب الرضا ، وأهل السخط درجات أيضا ، على قدر تفاوتهم في العصيان ~~، وهو على حذف مضاف ، أي : ذوو درجات ، {والله بصير بما يعملون} ؛ {فيجازي ~~كلا} على قدر سعيه. PageV01P534 # الإشارة : {فأمن اتبع رضوان الله} بتعظيم الأولياء والعلماء وأهل النسبة ، ~~كمن باء بسخط من الله بإهانة من أمر الله أن يعظم ويرفع ، ومأواه حجاب الحس ~~وعذاب البعد ، {وبئس المصير} ، فأهل القرب درجات على قدر تقربهم إلى ربهم ، ~~وأهل البعد درجات # 395 # في البعد على قدر بعدهم من ربهم ، بشؤم ذنبهم وسوء أدبهم ، والله بصير ~~بأعمالهم وما احتوت عليه قلوبهم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 395 # يقول الحق جل جلاله : {لقد من الله على المؤمنين} حيث {بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم} أي : من جنسهم ، أو من نسبهم ، عربيا مثلهم ، ليفهموا كلامه بسهولة ~~، ويفتخروا به على غيرهم. وتخصيص المؤمنين بالمنة ، وإن كانت نعمته عامة ؛ ~~لزيادة انتفاعهم على غيرهم ؛ لشرفهم وذكرهم به ، حال كونه {يتلو عليهم ~~آياته} ؛ القرآن بعد أن كانوا جاهلية لا يعرفون الوحي ولا سمعوا به ، ~~{ويزكيهم} أي : يطهرهم من دنس الذنوب ودرن العيوب ، {ويعلمهم الكتاب} أي : ~~القرآن ، {والحكمة} أي : السنة ، {وإن كانوا} أي : وإنه ، أي : الأمر ~~والشأن كانوا {من قبل} بعثته {لفي ضلال مبين} أي : ظاهر بين. # الإشارة : لقد من الله على المتوجهين إليه الطالبين لمعرفته ، حيث بعث ~~لهم من يأخذ بأيديهم ، ويطوي مسافة البعد عنهم ، وهم شيوخ التربية ، يتلون ~~عليهم آياته الدالة على كشف الحجاب وفتح الباب ، ويزكيهم من دنس العيوب ~~المانعة لعلم الغيوب ، ثم يزكيهم من درن الحس إلى مشاهدة القرب والأنس ، ~~ويعلمهم الكتاب المشتمل على عين التحقيق ، والحكمة المشتملة على التشريع ~~وبيان الطريق ، فيجمعون لهم ما بين الحقيقة والشريعة ، وقد كانوا قبل ذلك ~~في ضلال مبين عن الجمع بينهما. وهذه المنة عامة في كل زمان ، إذا لا تخلو ~~الأرض من داع يدعو إلى الله ، ومن اعتقد قطعه فقد قطع منة الله ، واستعجز ~~قدرة الله ms0390 ، وسد باب الرحمة في وجه عباد الله ، والعياذ بالله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 395 PageV01P535 ~~قلت : الهمزة - للتفريع ، و{لما} : ظرف ، خافضة لشرطها ، منصوبة بجوابها ، ~~وهي معطوفة على محذوف ، أي : أكان من كان يوم أحد ، ولما أصابتكم مصيبة ، ~~قلتم ما قلتم ، و{قد أصبتم} : جملة حالية. # 396 # يقول الحق جل جلاله : أحين {أصابتكم مصيبة} يوم أحد بقتل سبيعن منكم ، ~~و{قد أصبتم مثليها} يوم بدر فقتلتم سبعين وأسرتم سبعين ، {قلتم أنى هذا} أي ~~: من أين أصابنا هذا البلاء وقد وعدنا النصر ؟ {قل} لهم : {هو من عند ~~أنفسكم} أي : مما اقترفته أنفسكم من مخالفة المركز ، والنصر الموعود كان ~~مشروطا بالثبات والطاعة ، فلما اختل الشرط اختل المشورط ، {إن الله على كل ~~شيء قدير} ؛ فيقدر على النصر بشرط وبغيره ، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب ~~والشروط ؛ لأن هذا العلام قائم بين قدرة وحكمة. # أو : {قل هو من عند أنفسكم} باختياركم الفداء يوم بدر : روي عن علي رضي ~~الله عنه قال : (جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال : ~~خير أصحابك في الأسارى ، إن شاءوا القتل ، وإن شاءوا الفداء ، على أن يقتل ~~منهم عاما مقبلا مثلهم ، قالوا : الفداء ويقتل منا). والله تعالى أعلم. # الإشارة : إذا أصاب المريد شيء من المصائب والبلايا ، فلا يستغرب وقوع ~~ذلك به ، ولا يتبرم منه ، فإنه في دار المصائب والفجائع ، " لا تستغرب وقوع ~~الأكدار ما دمت في هذه الدار ، فإنما أبرزت ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها ~~". وإذا كان أصابته مصيبة في وقت ، فقد أصابته نعم جمة في أوقات عديدة ، ~~فليشكر الله على ما أولاه ، وليصبر على ما ابتلاه ، ليكون صبارا شكورا. # قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه - : (العارف هو الذي عرف إساءاته في ~~إحسان الله إليه ، وعرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه ، ~~فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون). وأيضا : كل ما يصيب المؤمن فمن كسب يده ، ~~ويعفو عن كثير. PageV01P536 # وإن كان المريد وعد بالحفظ والنصر ، فقد يكون ذلك بشروط خفيت عليه ، فلم ~~تحقق فيه ، فيخلف حفظه لينفذ قدر ms0391 الله فيه ، {وكان أمر الله قدرا مقدورا} ~~[الأحزاب : 38]. # وليتميز الصادق من الكاذب والمخلص من المنافق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 396 # قلت : {وقيل لهم تعالوا} : استئناف ، أو معطوف على {نافقوا} ، و{الذين ~~قالوا لإخوانهم} : بدل من الضمير المجرور في {لهم} ، أي وقيل للمنافقين : ~~قاتلوا أو # 397 # ادفعوا ، ثم فسرهم بقوله : وهم {الذين قالوا لإخوانهم...} الخ. أو من ~~الواو في {يكتمون} ، أو منصوب على الذم ، أو مبتدأ ، والخبر : {قل...} على ~~من يجيز إنشاء الخبر ، و{قعدوا} : جملة حالية ، على إضمار قد. # يقول الحق جل جلاله : {وما أصابكم} يا معشر المسلمين يوم أحد {يوم التقى} ~~جمع المسلمين وجمع الكفار ، من القتل والجرح والهزيمة ، {فبإذن الله} ~~وقضائه ، لا راد لإمضائه ، {وليعلم} علم ظهور في عالم الشهادة {المؤمنين} ~~والمنافقين ؛ فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء ، وقد ظهر نفاقهم حيث رجعوا مع ~~عبد الله بن أبي ، وكانوا ثلاثمائة. # وذلك ان ابن أبي كان رأيه ألا يخرج المسلمون إلى المشركين ، فلما طلب ~~الخروج قوم من المسلمين ، فخرج - عليه الصلاة والسلام - كما تقدم ، غضب ابن ~~أبي ، وقال : أطاعهم وعصاني. فرجع ، ورجع مع أصحابه ، فتبعهم أبو جابر عبد ~~الله بن عمرو بن حرام ، وقال لهم : ارجعوا {قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} ~~، أي : كثروا سواد المسلمين ، فقال ابن أبي - رأس المنافقين - : ما أرى أن ~~يكون قتالا ، ولو علمنا أن يكون قتال {لاتبعناكم} ، وكنا معكم. PageV01P537 # قال تعالى : {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} ؛ لظهور الكفر عليهم من ~~كلامهم ، فأمارات الكفر عليهم أكثر من أمارات الإيمان ، أو : هم لأهل الكفر ~~أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، لأن رجوعهم ومقالتهم تقوية للكفار عليهم ~~وتخذيل للمسلمين ، {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} ، فهم يظهرون خلاف ~~ما يبطنون ، لا تواطئ قلوبهم ألسنتم بالإيمان ، وإضافة القول إلى الأفواه ~~تأكيد وتغليظ ، {والله أعلم} منكم {بما تكتمون} من النفاق ؛ لأنه يعلمه ~~مفصلا بعلم واجب ، وأنتم تعلمونه مجملا بأمرات. # جزء : 1 رقم الصفحة : 397 # وهؤلاء المنافقون هم {الذي قالوا} في شأن إخوانهم الذي قتلوا يوم أحد : ~~{لو أطاعونا} وجلسوا في ديارهم {ما ms0392 قتلوا} ، قالوا هذه المقالة وقد قعدوا ~~عن الخروج ، {قل} لهم يا محمد : {فادرءوا} أي : فادفعوا {عن أنفسكم الموت ~~إن كنتم صادقين} أنكم تقدرون أن تدفعوا القتل عمن كتب عليه ، فادفعوا عن ~~أنفسكم الموت وأسبابه حين يبلغ أجلكم ، فإنه أحرى بكم ، فالقعود لا ينجي من ~~الموت إذا وصل الأجل ، فإن أسباب الموت كثيرة ، فقد يكون القعود سببا للموت ~~إن بلغ الأجل ، وقد يكون الخروج سببا للنجاة إن لم يبلغ. والله تعالى أعلم. # الإشارة : وما أصابكم يا معشر الفقراء عند توجهكم إلى الحق فارين من ~~الخلق ، حين استشرفتم على الجمع وجمع الجمع فبإذن الله ؛ فإن الداخل على ~~الله منكور ، والراجع إلى الناس مبرور ، وليظهر الصادق من الكاذب ، فإن ~~محبة الله مقرونة بالبلاء # 398 PageV01P538 ~~والطريق الموصلة إليها محفوفة بالمكاره ، مشروطة بقتل النفوس وحط الرؤوس ، ~~ودفع العلائق ، والفرا من العوائق. فإذا قيل للعوام : قاتلوا أنفسكم في ~~سبيل الله لتدخلوا حضرة الله ، ادفعوا عن أنفسكم العلائق لتشرق عليكم أنوار ~~الحقائق ، قالوا : قد انقطع هذا الطريق واندرست أرباب علم التحقيق ، ولو ~~نعلم قتالا بقي يوصلنا إلى ربنا ، كما زعمتم ؛ لاتبعناكم ودخلنا في طريقكم. ~~وهم للكفر يومئذ أقرب للإيمان ، حيث تحكموا على القدرة الأزلية ، وسدوا باب ~~الرحمة الإلهية ، وإنما يقولون ذلك احتجاجا لنفوسهم ، وأبقاء على حظوظهم ، ~~وليس ذلك من خالص قلوبهم ، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. # وإذا نزل بأهل النسبة نكبة أو بلية ، قالوا لأخوانهم ، الذين دخلوا في ~~طريق القوم ، وقد قعدوا هم مع العوام : لو أطاعونا ولم يدخلوا في هذا الشأن ~~، ما قتلوا أو عذبوا ، فقل لهم أيها الفقير : القضاء والقدر يجري على ~~الجميع ، فادفعوا عن أنفسكم ما تكرهون ، إن كنتم صادقين أن المكاره لا تصيب ~~إلا من توجه لقتال نفسه. والله تعالى. أعلم بأسرار كتابه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 397 # قلت : {ألا خوف عليهم} : بدل من {الذين لم يلحقوا} ، أو مفعول لأجله ، ~~وكرر : {يستبشرون} ؛ ليذكر ما تعلق به من الفضل والنعمة ، أو : الأول بحال ~~إخوانهم ، وهذا بحال أنفسهم. # يقول الحق جل جلاله : {ولا تحسبن} ms0393 أيها الرسول ، أو أيها السامع ، {الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل} هم {أحياء} ؛ لأن الله تعالى جعل أرواحهم في ~~حواصل طير خضر ، يسرحون في الجنة حيث شاءوا عند ربهم ، بالكرامة والزلفى ، ~~يرزقون من ثمار الجنة ونعيمها ، فحالهم حال الأحياء في التمتع بأرزاق الجنة ~~، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين ؛ فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حق يدخلوا ~~الجنة. قاله ابن جزي. # 399 # قلت : شهداء الملكوت - وهم العارفون - أعظم قدرا من شهداء السيوف ، وراجع ~~ما تقدم في سورة البقرة. PageV01P539 # {فرحين بما آتاهم الله من فضله} من الكرامة والزلفى والنعيم الذي لا يفنى ، ~~{ويسبشرون بالذين لم يلحقو بهم من خلفهم} أي : بإخوانهم الذي لم يقتلوا ~~فيلحقوا بهم من بعدهم. وتلك البشارة هي : {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ، ~~أو من أجل {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. # والحاصل : أنهم يستبشرون بما تبين لهم من الكرامة في الآخرة ، وبحال من ~~تركوا من خلفهم من المؤمنين ، وهو أنهم إذا ماتوا أو قتلوا ، كانوا أحياء ، ~~حياة لا يدركها خوف وقوع محذور ، ولا حزن فوات محبوب. فالآية تدل على أن ~~الإنسان غير الهيكل المحسوس ، بل هو جوهر مدرك بذاته ، لا ينفى بخراب البدن ~~، ولا يتوقف على وجود البدن إدراكه وتألمه والتذاذه. ويؤيد ذلك قوله تعالى ~~في آل فرعون : {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} [غافر : 46] ، وما روى ابن ~~عباس من أنه صلى الله عليه وسلم قال : " أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ، ~~ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش " ~~- قال معناه البيضاوي. # جزء : 1 رقم الصفحة : 399 # ولما ذكر استبشارهم بإخوانهم ذكر استبشارهم بما يخصهم فقال : {يستبشرون ~~بنعمة من الله} ؛ وهو ثواب أعمالهم الجسماني ، {وفضل} وهو نعيم أرواحهم ~~الروحاني ، وهو النظر إلى وجهه الكريم ، ويستبشرون أيضا بكونه تعالى {لا ~~يضيع أجر المؤمنين} ، ماتوا في الجهاد أو على فرشهم ، حيث حسنت سريرتهم ~~وكرمت علانيتهم ، قال صلى الله عليه وسلم : " إن لله عبادا يصرفهم عن القتل ~~والزلازل والأسقام ، يطيل أعمارهم في حسن العمل ، ويحسن أرزاقهم ms0394 ، ويحييهم ~~في عافية ، ويميتهم في عافية على الفرش ، ويعطيهم منازل الشهداء " قلت : ~~ولعلهم العارفون بالله ، جعلنا الله من خواصهم ، وسلك بنا مسالكهم. آمين. PageV01P540 # الإشارة : لا تحسبن الذي بذلوا مهجهم ، وقتلوا أنفسهم بخرق عوائدها ، وعكس ~~مراداتها ، في طلب معرفة الله ، حتى ماتت نفوسهم ، وحييت أرواحهم بشهود ~~محبوبهم ، حياة لا موت بعدها ، فلا تظن أيها السامع أنهم أموات ، ولو ماتوا ~~حسا ، بل هم أحياء على الدوام ، وفي ذلك يقول الشاعر : # موت التقي حياة لا فناء لها # قد مات قوم وهم في الناس أحياء # فهم عند ربهم يشاهدونه مدة بقائهم ، يرزقون من ثمار المعارف وفواكه ~~العلوم ، فرحين بما أتحفهم الله به من القرب والسر المكتوم ، ويستبشرون ~~بالذين لم يلحقوا بهم # 400 # في المرتبة ممن تعلق بهم وأنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه من معرفة الحي ~~القيوم ، فلا يلحقهم حينئذ خوف ولا حزن ولا هم ولا غم ، لما سكن في قلبهم ~~من خمرة محبة الحبيب ، والقرب من القريب المجيب ، وفي ذلك يقول ابن الفارض. # وإن خطرت يوما على خاطر امرئ # أقامت به الأفراح ، وارتحل الهم # يسبشرون بنعمة أدب العبودية ، وفضل شهود أسرار عظمة الربوبية ، وأن الله ~~لا يضيع أجر المؤمنين المحبين لطريق المخصوصين ، فإن طريق محبة طريق القوم ~~عناية ، والتصديق بها ولاية ، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق. # ولما رجع أبو سفيان من غزوة أحد ، هو وأصحابه ، حتى بلغوا الروحاء ، ندم ~~وهم بالرجوع ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه للخروج ~~في طلبه ، وقال : " لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس " ، فخرج صلى الله عليه ~~وسلم في سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي على ثمانية أميال من ~~المدينة - وكان بأصحابه القرح ، فتحاملوا على أنفسهم كي لا يفوتهم الأجر ، ~~وألقى الله الرعب في قلوب المشركين ، فذهبوا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 399 # قلت : {الذين} : مبتدأ ، وجملة {للذين أحسنوا} : خبر ، أو صفة للمؤمنين ~~قبله ، أو نصب على المدح. PageV01P541 # يقول الحق جل جلاله : {الذين استجابوا لله والرسول} فأطاعوه فيما ندبهم ~~إليه من اللحوق ms0395 بالمشركين ، إرهابا لهم ، {من بعد ما أصابهم القرح} أي : ~~الجرح ، فتحاملوا على أنفسهم حتى ذهبوا مع نبيهم {للذين أحسنوا منهم} بأن ~~فعلوا ما أمروا به ، {واتقوا} الله في مخالفة أمر رسوله ، {أجر عظيم} يوم ~~يقدمون عليه. # الأشارة : الذين استجابوا لله فيما ندبهم من الوصول إلى حضرته ، وللرسول ~~فيما طلبهم به من اتباع سنته ، فجعلوا قلوبهم محلا لحضرته ، وجوارحهم متبعة ~~لشريعته ، من بعد ما أصابهم في طلب الوصول إلى ذلك قرح وضرب وسجن وإهانة ، ~~فصبروا حتى ظفروا بالجمع بين الحقيقة والشريعة ، للذين أحسنوا منهم بالثبات ~~على السير إلى الوصول إلى الحق ، واتقوا كل ما يردهم إلى شهود الفرق ، أجر ~~عظيم وخير جسيم ، بالعكوف في الحضرة ، والتنعم بالشهود والنظرة. # جزء : 1 رقم الصفحة : 400 # قلت : الموصول بدل من الموصول قبله ، و{يخوف} : يتعدى إلى مفعولين ؛ ~~للتضعيف ، حذف الأول ، أي : يخوفكم أوليائه من الكفار ، أو حذف الثاني ، أي ~~: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج إلى ملاقاة العدو. # وهنا تفسيران : أحدهما : أن يكون من تتمة غزوة أحد ، وهو الظاهر ، ليتصل ~~الكلام بما بعده ، وذلك أن أبا سفيان لما هم بالرجعة ليستأصل المسلمين ، ~~لقيه معبد الخزاعي ، فقال له : إن محمدا خرج يطلبك في جمع لم أر مثله ، ~~فدخله الرعب ، فلقيه ركب من عبد القيس يريد المدينة بالميرة ، فقال لهم : ~~ثبطوا محمدا عن لحوقنا ، ولكم حمل بعير من الزبيب ، فلما لقوا المسلمين ~~خوفوهم ، فقال : {حسبنا الله ونعم الوكيل} ، ومضوا حتى بلغوا حمراء الأسد ~~ثم رجعوا ، فعلى هذا : PageV01P542 # يقول الحق جل جلاله : {الذين قال لهم الناس} وهم ركب عبد قيس حيث قالوا ~~للمسلمين : {إن الناس} يعني أبا سفيان ومن معه ، {قد جمعوا لكم} ليرجعوا ~~ليستأصلوكم {فاخشوهم} وارجعوا إلى دياركم {فزادهم} ذلك {إيمانا} ويقينا ~~وتثبيتا في الدين ، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص ، فيزيد بحسب ~~التوجه إلى الله والتفرغ مما سواه ، وينقص بحسب التوجه إلى الدنيا وشغبها ، ~~ويزيد أيضا بالطاعة والنظر والاعتبار ، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار. # ولما قال لهم الركب ذلك ؛ ليخوفهم ، {قالوا حسبنا الله} أي : كافينا الله ~~وحده ms0396 ، فلا نخاف غيره ، {ونعم الوكيل} أي : نعم من يتوكل عليه العبد ، وهي ~~كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره ، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في ~~النار ، {فانقلبوا} راجيعن من حمراء الأسد ، متلبسين {بنعمة من الله} وهي ~~العافية والسلامة ، {وفضل} وهي زيادة الإيمان وشدة الإيقان ، {لم يمسسهم ~~سوء} من جراحة وكيد عدو ، {واتبعوا رضوان الله} ، الذي هو مناط الفوز بخير ~~الدارين ، {والله ذو فضل عظيم} ، فقد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان ، ~~والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو ~~موجب الرضوان. # جزء : 1 رقم الصفحة : 401 # ثم حذرهم الحق تعالى ممن ثبطهم عن اللحوق بالكافر ، وهو ركب عبد القيس ، ~~تشبيها لهم بالشيطان ، فقال : {إنما ذلكم الشيطان} يخوفكم أولياءه من ~~المشركين ، أو {يخوف أولياءه} القاعدين من المنافقين {فلا تخافوهم} ؛ فإن ~~أمرهم بيدي ، {وخافوا إن كنتم مؤمنين} ؛ فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله ~~على خوف الناس. # 402 PageV01P543 ~~التفسير الثاني : أن يكون الكلام على غزوة بدر الصغرى ، : وذلك أن أبا ~~سفيان لما انصرف من أحد نادى : يا محمد ، موعدنا بدر لقابل ، إن شئت ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : " إن شاء الله تعالى " ، فلما كان العام القابل ، خرج ~~أبو سفيان من أهل مكة ، حتى نزل مر الظهران ، فأنزل الله الرعب في قلبه ، ~~وبدا له أن يرجع ، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي معتمرا ، فقال له : ائت ~~المدينة وأعلمهم أنا في جمع كثير ، وثبطهم عن الخروج ، ولك عندي عشر من ~~الإبل ، فأتى المدينة فأخبرهم ، فكره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~الخروج ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لأخرجن ، ولو ~~وحدي " فرجع الجبان وتأهب الشجعان ، فخرجوا حتى أتوا بدرا الصغرى ، ورجع ~~أبو سفيان إلى مكة ، فسموا جيش السويق ، ووافق المسملون السوق ببدر ، وكانت ~~معهم تجارات فباعوا وربحوا ، وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. # فعلى هذا ، يقول الحق جل جلاله : {الذين استجابوا لله والرسول} ، يعني : ~~في غزوة بدر الصغرى ، لميعاد أبي سفيان ، {من بعد ما أصابهم القرح} ms0397 يعني : ~~في غزوة أحد في العام الأول ، {للذين أحسنوا منهم} بالخروج مع الرسول ، ~~{واتقوا} الله في مخالفته ، {أجر عظيم الذين قال لهم الناس} يعني نعيم بن ~~مسعود ، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم ، كما يقال : فلان يركب الخيل ، ~~وما يركب إلا فرسا ، أو : لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه. ~~{إن الناس قد جمعوا لكم} يعني : أبا سفيان وأهل مكة لما خرج إلى مر ~~الظهران. وقوله : {فانقلبوا بنعمة من الله} أي : عافية وسلامة ، {وفضل} ما ~~أصابوا من التجارة ، وقوله : {إنما ذلكم الشيطان} يعني : نعيما يخوفكم ~~{أولياءه} والباقي ظاهر. PageV01P544 # الإشارة : أهل القوة من المريدين إذا قيل لهم : إن الناس قد جمعوا لكم ~~ليردوكم أو يؤذوكم فاخشوهم ، زادهم ذلك إيمانا وإيقانا ، وتحققوا أنهم على ~~الجادة ، لسلوكهم على منهاج من قبلهم ؛ {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~ءامنا} [العنكبوت : 2] الآية. # جزء : 1 رقم الصفحة : 401 # واكتفوا بعلم الله ونظره وبرعايته ونصره ، فانقلبوا بنعمة الشهود ، وفضل ~~الترقي في عظمة الملك الودود ، لم يمسسهم في باطنهم سوء ولا نقصان ، ~~واستوجبوا من الله الرضى والرضوان ، وإنما ذلكم شيطان يردهم عن مقام الشهود ~~والعيان ، فلا ينبغي لهم أن يخافوا ومطلبهم مقام الإحسان ، الذي تبذل في ~~طلبه الأرواح والأبدان. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 401 # 403 # قلت : حزن يحزن كبلغ يبلغ ، وأحزن يحزن ، كأكرم يكرم ، لغتان ، والأولى أفصح. # يقول الحق جل جلاله : ولا يهولك شأن {الذين يسارعون في الكفر} أي : ~~يبادرون إلى الوقوع فيه ، كالمنافقين او الكفار جميعا ، فلا تخف ضررهم ؛ ~~{إنهم لن يضروا الله شيئا} أي : لن يضروا أولياء الله ، وإنما يرجع ضررهم ~~إلى انفسهم. {يريد الله} - بسبب ما أظهر فيهم من المسارعة إلى الكفر - {ألا ~~يجعل لهم حظا في} ثواب {الآخرة} ؛ لما سبق لهم من الشقاء ، حتى يموتوا على ~~الكفر. وفي ذكر الإرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية ، حتى أراد أرحم ~~الراحمين ألا يكون لهم حظ من رحمته. {ولهم} مع ذلك {عذاب عظيم}. # ثم كرر شأنهم تأكيد فقال : {إن الذين اشتروا الكر بالإيمان} أي ms0398 : ~~استبدلوا الإيمان الذي ينجيهم من العذاب ، لو دخلوا فيه ، بالكفر الذي يوجب ~~العذاب ، {لن يضروا الله ولهم عذاب أليم} موجع ، أو يكون في الكفار أصالة ، ~~وهذا في المرتدين ، والله تعالى أعلم. PageV01P545 # الإشارة : إنكار العوام على الخصوص لا يضرهم ، ولا يغض من مرتبتهم ، بل ~~يزيدهم رفعة وعلوا وعزا وقربا ، قال تعالى : {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير ~~لكم} [النور : 11] ، وسمعت شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول : " كلام ~~الناس في الولي كناموسة نفخت على جبل ". أي : لا يلحقهم من ذلك إلا ما يلحق ~~الجبل من نفخ الناموسة ، يريد الله ألا يجعل لهم من نصيب القرب شيئا ، ولهم ~~عذاب البعد والنصب ، في غم الحجاب وسوء الحساب ، لا سيما من تمكن من ~~معرفتهم ، ثم استبدل صحبتهم بصحبة العوام ، فلا تسأل عن حرمانه التام ، ~~والعياذ بالله. # جزء : 1 رقم الصفحة : 403 # قلت : من قرأ بالتحتية ، فالذين كفروا : فاعل ، و{إن} وما بعدها : سد مسد ~~المفعولين ، ومن قرأ بالفوقية فالذين : مفعول أول ، و{إنما} : سد مسد ~~الثاني ، و{ما} : مصدرية ، والإملال : الإمهال والتأخير. ومنه : {واهجرنى ~~مليا} [مريم : 46]. # يقول الحق جل جلاله : ولا يظنن الذين كفروا أن إمهالي لهم وإمدادهم بطول ~~الحياة ، هو خير لهم ، إنما نمهلهم استدراجا {ليزدادوا} إثما وعقوبة ، ~~{ولهم عذاب مهين} يهينهم ، ويخزيهم يوم يعز المؤمنين. # 404 # الإشارة : إمهال العبد وإطالة عمره ، إن كانت أيامه مصروفة في الطاعة ~~واليقطة ، وزيادة المعرفة ، فإطالتها خير ، والبركة في العمر إنما هي ~~بالتوفيق وزيادة المعرفة ، وفي الحكم : " من بورك له في عمره أدرك في يسير ~~من الزمان ما لا تدركه العبارة ولا تلحقه الإشارة ". وإن كانت أيام العمر ~~مصروفة في الغفلة والبطالة وزيادة المعصية ، فالموت خير منها. وقد سئل - ~~عليه الصلاة والسلام - أي الناس خير ؟ قال : " من طال عمره وحسن عمله ، قيل ~~: فأي الناس شر ؟ قال : من طال عمره وساء عمله " والله تعالى أعلم. PageV01P546 # ولما قال عليه الصلاة والسلام : " إن الله أطلعني على من يؤمن بي ممن يكفر ~~" قال المنافقون : نحن معه ولا يعرفنا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 404 # قلت ms0399 : ماز يميز ، وميز يميز ، بمعنى واحد ، لكن في ميز معنى التكثير. # يقول الحق جل جلاله : لعامة المؤمنين والمنافقين : {ما كان الله} ليترك ~~{المؤمنين على ما أنتم عليه} من الاختلاط ، لا يعرف مخلصكم من منافقكم ، بل ~~لا بد أن يختبركم حتى يتميز المنافق من المخلص ، بالوحي أو بالتكاليف ~~الشاقة ، التي لا يصبر عليها إلا المخلصون ، كبذل الأموال والأنفس في سبيل ~~الله ، ليختبر به بواطنكم ، ويستدل به على عقائدكم ، أو بما ظهر في غزوة ~~أحد من الأقوال والأفعال التي تدل على الإيمان أو النفاق ، {وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب} حتى تعرفوا ما في القلوب من كفر أو إيمان ، أو تعرفوا : ~~هل تغلبون أو تغلبون. {ولكن الله يجتبي} لرسالته {من يشاء} ، فيوحي إليه ~~ويخبره ببعض المغيبات ، أو ينصب له ما يدل عليها ، {فآمنوا بالله} الذي ~~اختص بعلم الغيب الحقيقي ، وآمنوا برسله الذين اختارهم لأسرار الغيوب ، لا ~~يعلمون إلا ما علمهم. # روي أن الكفرة قالوا : إن كان محمد صادقا فليخبرنا : من يؤمن منا ومن ~~يكفر ؟ فنزلت الآية. وقيل : سببها ما تقدم من قول المنافقين ، ووجه ~~المناسبة : هو ما صدر منهم يوم أحد من المقالات التي ميزتهم من المؤمنين. ~~{وإن تؤمنوا} إيمانا حقيقيا {وتتقوا} النفاق والشرك {فلكم أجر عظيم} عند الله. # الإشارة : من سنة الله في المتوجهين إليه إذا كثروا ، وظهرت فيهم دعوى ~~القوى ، أرسل الله عليهم ريح التصفية ، فيثبت الصحيح ، والخاوي تذروه الريح ~~، وما ان الله ليذرهم على ما هم عليه من غير اختبار ، حتى يميز الخبيث من ~~الطيب ، أي : من همته # 405 PageV01P547 ~~الله ومن همته سواه ، وما كان الله ليطلعكم على الغيب حتى يعلموا من يثبت ~~ممن يرجع ، أو يعلموا ما يلحقهم من الجلال والجمال ، وإنما ذلك خاص بالرسل ~~عليهم السلام ، وقد يطلع على شيء من ذلك بعض خواص ورثتهم الكرام ، فالواجب ~~على المريد أن يؤمن بالقدر المغيب ، ولا يستشرف على الاطلاع عليه ؛ " ~~استشرافك على ما بطن فيك من العيوب ، خير من استشرافك على ما حجب عنك من ~~الغيوب ". {وإن تؤمنوا} بمواقع ms0400 القضاء والقدر ، {وتتقوا} القنوط والكدر ، ~~{فلكم أجر عظيم}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 405 # قلت : من قرأ بالخطاب ؛ فالموصول مفعول أول ، و{خيرا} : مفعول ثان ، ~~والضمير للفصل ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا بد من حذف مضاف ، ~~أي : لا تحسبن بخل الذين يبخلون خيرا لهم ، ومن قرأ بالغيب ؛ ف {الذين} : ~~فاعل ، والمفعول الأول محذوف ، لدلالة {يبخلون} عليه ، لا يحسبن البخلاء ~~خيرا لهم ، والطوق : ما يدار بالعنق. # يقول الحق جل جلاله : ولا يظنن {الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} من ~~الأموال ، فلم يؤدوا زكاتهم ، أن بخلهم خير لهم ، {بل هو شر لهم} ؛ ~~لاستجلابه العذاب إليهم ، ثم بينه بقوله : {سيطوقون ما بخلوا به} أي : ~~يلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق للعنق ، وقيل : يطوق به حقيقة ، لقوله ~~عليه الصلاة والسلام : " ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا إذا كان يوم ~~القيامة - مثل له شجاعا أقرع ، له زبيبتان ، يطوقه ، ثم يأخذ بلهزمتيه - أي ~~: شدقيه - يقول : أنا كنزك ، أنا مالك ، ثم تلا هذه الآية : {ولا يحسبن...} ~~" وقيل : يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقا من نار. # والمال الذي بخل به هو لله ، وسيرجع لله ، {ولله ميراث السماوات والأرض} ~~فهو الذي يرث الأرض ومن عليها ، فكيف يبخل العبد بمال الله ، وهو يعلم أنه ~~يرجع لله ، فيموت ويتركه لمن يسعد به! ولله در القائل ، حيث قال : # يا جامع المال كم تضر به PageV01P548 ~~تطمع بالله في الخلود معه # هل حمل المال ميت معه ؟ # أما تاره لغيره جمعه ؟ ! # {والله بما تعملون خبير} لا يخفى عليه منعكم ولا إعطاؤكم ، فيجازي كلا بعمله. # 406 # الإشارة : لا يحسبن الذي يبخلون بما أتاهم الله من فضل الرئاسة والجاه ، ~~أن يبذلوها في طلب معرفة الله ، وبذلها : إسقاطها وإبدالها بالخمول ، والذل ~~لله ، وإسقاط المنزلة بين عباد الله ، فلا يظنون أن بخلهم بذلك خير لهم ، ~~بل هو شر لهم ، سيلزمون وبال ما بخلوا به يوم القيامة ، حين يرون منازل ~~المقربين كالشمس الضاحية في أعلى عليين ، وهم مع عوام أهل اليمين ، محجوبون ~~عن شهود رب العالمين ms0401 ، إلا في وقت مخصوص وحين. # جزء : 1 رقم الصفحة : 406 # قلت : {وقتلهم} : معطوف على {ما} المفعولة أو النائبة عن الفاعل ، على ~~القرائتين رفعا ونصبا ، و{أن الله} : عطف على {ما} أي : ذلك العذاب بسبب ما ~~قدمتم وبأن الله منتف عنه الظلم ، فلا بد أن يعاقب المسيء ويثيب المحسن ، ~~{الذين قالوا إن الله عهد إلينا} : صفة للذين {قالوا إن الله فقير} ، أو ~~بدل منه مجرور مثله. PageV01P549 # يقول الحق جل جلاله : {لقد سمع الله قول} اليهود {الذين قالوا إن الله فقير ~~ونحن إغنياء} وقائله : فنحاص بن عازرواء ، في جماعة منهم ، وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بن قينقاع ، يدعوهم إلى ~~الإسلام ، وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن يقرضوا الله قرضا حسنا ، ~~فدخل أبو بكر رضي الله عنه مدراسهم ، فوجد خلقا كثيرا اجتمعوا إلى فنحاص ، ~~وهو من علمائهم - ومعه حبر آخر اسمه : (أيشع) ، فقال أبو بكر لفنحاص : اتق ~~الله وأسلم ، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله ، قد جاءكم بالحق من عند ~~الله ، اتق الله وأسلم ، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله ، قد جاءكم ~~بالحق من عند الله ، فأسلم وصدق ، وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة ، فقال ~~فنحاص لعنه الله : يا أبا بكر ؛ تزعم ان ربنا يستقرضنا أموالنا ، وما ~~يستقرض إلا الفقير من الغني ، ولو كان غنيا ما استقرض ، فلطمه أبو بكر رضي ~~الله عنه وقال : لولا ما بيننا من العهد لضربت # 407 # عنقك ، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : عليه الصلاة ~~والسلام : - " ما حملك على ما فعلت ؟ " فقال : يا رسول الله ، إن عدو الله ~~قال قولا قولا عظيما ، زعم أن الله فقير ، وهم أغنياء ، فجحد ما قال ، ~~فنزلت الآية ؛ تكذبيا له. # والمعنى : أن الله سمع مقالتهم الشنيعة ، وأنه سيعاقبهم عليها ، ولذلك ~~قال : {سنكتب ما قالوا} أي : سنسطرها عليهم في صحائف أعمالهم ، أو سنحفظها ~~في علمنا ولا نهملها ، لأنها كلمة عظيمة ، فيها الكفر بالله والاستهزاء ~~بكتاب الله وتكذيب لرسول الله صلى الله ms0402 عليه وسلم ، ولذلك نظمت مع قتلهم ~~الأنبياء ، حيث عطفه عليه ، وفيه تنبيه على أن قولهم الشينع ليس هو أول ~~جريمة ارتكبوها ، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد أمثال هذا القول منه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 407 PageV01P550 ~~ثم ذكر عقابهم ، فقال : {ونقول} لهم يوم القيامة : {ذوقوا عذاب الحريق} أي ~~: المحرق ، والذوق : يطلق على إدراك المحسوسات كالمطعومات ، والمعنويات كما ~~هنا ، وذكره هنا ؛ لأن عذابهم مرتب على قولهم الناشئ عن البخل ، والتهالك ~~على المال ، وغالب حاجة الإنسان إليه ، لتحصيل المطاعم ، ومعظم بخله للخوف ~~من فقده. # {ذلك} العذاب بسب ما {قدمت أيديكم} من قتل الأنبياء ، وقولكم هذا ، وسائر ~~معاصيكم ، وعبر بالأيدي ؛ لأن غالب الأعمال بهن ، وبأن {الله ليس بظلام ~~للعبيد} بل يجازي كل عبد بما كسب من خير أو شر ، فأنتم ظلمتم أنفسكم. ثم إن ~~قوما منهم ، وهو كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وفنحاص ووهب بن ~~يهوذا ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ؛ تزعم أن الله ~~بعثك إلينا رسولا ، وإن الله قد عهد إلينا يف التوراة ، ألا نؤمن لرسول ~~يزعم أنه نبي حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن جئتنا به صدقناك ، فأنزل ~~الله فيهم تكذيبا لهم : {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} في التوراة ~~وأوصانا {ألا نؤمن لرسول حتى ياتينا بقربان} ؛ كصدقة أو نسيكة ، {تأكله ~~النار} كما كانت لأنبياء بني إسرائيل. PageV01P551 # وذلك أن القرابين والغنائم كانت حراما على بني إسرائيل ، وكانوا إذا قربوا ~~قربانا ، أو غنموا غنيمة ، فتقبل منهم ، ولم يغل من الغنيمة ، نزلت نار ~~بيضاء من السماء ، فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة ، فيكون ذلك علامة على ~~القبول ، وإذا لم يتقبل بقي على حاله ، وهذا من تعنتهم وأباطيلهم ، لأن أكل ~~القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة ، وسائر المعجزات في ذلك سواء ، ~~فلذلك رد عليهم بقوله : {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} أي : المعجزات ~~الواضحات ، {وبالذي قلتم} من أكل النار القربان ، فكذبتموهم وقتلتموهم ~~كزكريا ويحيى وغيرهما ، {فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} في دعواكم أنه ms0403 ما ~~منعكم من الإيمان إلا عدم ظهور هذه المعجزة ، فما لكم لم تؤمنوا بمن جاء ~~بها حتى قتلتموه ؟ والله تعالى أعلم. # 408 # الإشارة : ما زالت خواص العامة مولعة بالإنكار على خواص الخاصة ، يسترقون ~~السمع منهم ، إذا سمعوا كلمة لم يبلغها علمهم ، وفيها ما يوجب النقص من ~~مرتبتهم ، حفظوها ، وحرفوها ، وأذاعوها ، يريدون بذلك إطفاء نورهم ، وإظهار ~~عوراهم ، والله حفيظ عليهم ، سيكتب ما قالوا وما قصدوا من الإنكار على ~~أوليائه ، ويقول لهم : ذوقوا عذاب البعد والحجاب. وما يتشبثون به في ~~الإنكار عليهم : اقتراحهم الكرامات التي كانت للأولياء قبلهم ، ويقولون : ~~لا نصدق بهم حتى يأتون بما أتى به فلان وفلان ، فقد كان من قبلهم يطعنون ~~فيهم مع ظهور ذلك عليهم ، كما هو سنة الله فيهم. {والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم}. # جزء : 1 رقم الصفحة : 407 # قلت : {الزبر} : جمع زبور ، بمعنى مزبور ، أي : مكتوب ، من زبرت ، أي : ~~كتبت ، وكل كتاب فهو زبور ، وقال امرؤ القيس : # لمن طلل أبصرته فشجاني # كخط زبور في عسيب يمان PageV01P552 ~~يقول الحق جل جلاله : في تسلية رسوله - عليه الصلاة والسلام - من تكذيب ~~اليهود وغيرهم له : {فإن كذبوك} فليس ذلك ببدع ؛ {فقد كذبت رسل} مثلك {من ~~قبلك} جاءوا قومهم بالمعجزات البينات ، وبالكتب المنزلات ، فيها مواعظ ~~زاجرات ، {وبالكتاب المنير} المشتمل على الأحكام الشرعيات. # الإشارة : كما كذبت الأنبياء كذبت الأولياء ، بعد أن ظهر عليها من العلوم ~~الباهرة والحكم الظاهرة والكرامات الواضحة ، وأعظمها المعرفة ، وهذه سنة ~~ماضية ، ولن تجد سنة الله تبديلا. # جزء : 1 رقم الصفحة : 408 # قلت : {زحزح} : بوعد ، والزحزحة : الجذب والإخراج بعجلة. # 409 # يقول الحق جل جلاله : كل نفس منفوسة لا بد أن تذوق حرارة الموت ، وتسقى ~~كأس المنون ، وإنما توفون جزاء أعمالكم يوم القيامة ، يوم قيامكم من القبور ~~، خيرا كان أو شرا. # قال البيضاوي : ولفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الأجور ، أي : ~~توفية بعض الأجور ، ويؤديه قوله صلى الله عليه وسلم : " القبر روضة من رياض ~~الجنة ، أو حفرة من حفر النار " ، {فمن زحزح} أي : بوعد {عن النار ms0404 وأدخل ~~الجنة فقد فاز} بالنجاة ونيل المراد ، وعنه صلى الله عليه وسلم : " من أحب ~~أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ؛ فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم ~~الآخر ، ويأتي ، إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ". {وما الحياة الدنيا} ~~وزخارفها ولذاتها {إلا متاع الغرور} ؛ فإن الغار - وهو المدلس - يظهر ما هو ~~حسن من متاعه ، ويخفي ما هو معيب ، كذلك الدنيا تبتهج لطالبها ، وتظهر له ~~حلاوتها وشهواتها ، حى تشغله عن ذكر الله وعن طاعته ، فيؤثرها على آخرته ، ~~ثم يتركها أحوج ما يكون إليها ، فينقلب نادما متحسرا ، وفي ذلك يقول الشاعر : # ومن يحمد الدنيا لشيء يسره # فسوف للعسر عن قريب يلومها # إذا أدبرت كانت على المرء حسرة PageV01P553 ~~وإن أقبلت كانت كثيرا همومها # الإشارة : النفس ، من حيث هي ، كلها تقبل الموت لمن قتلها وجاهدها ، ~~وإنما وقع التفريط من أربابها ، فمن زحزحها عن نار الشهوات ، وقتلها بسيوف ~~المخالفات ، حتى أدخلها جنات الحضرات ، فقد فاز فوزا عظيما ، وربح ربحا ~~كريما. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 409 # قلت : أصل {تبلون} : تبلوون كتنصرون ، ثم قلبت الواو ألفا ، ثم حذفت ~~لالتقاء الساكنين ، فصار تبلونن ، ثم أكد بالنون ، فاجتمع ثلاث نونات ، ~~حذفت نون الرفع فالتقى ساكنان ؛ الواو ونون التوكيد ، فحركت الواو بالضمة ~~المجانسة ، وهي النائب عن الفاعل. # يقول الحق جل جلاله : والله {لتبلون} أي : لتختبرن {في أموالكم} ؛ بما ~~يصيبها من الآفات ، وما كلفتم به من النفقات ، {وأنفسكم} ؛ بالقتل ~~والجراحات ، والأسر والأمراض وسائر العاهات. {ولتسمعن من الذين أتوا الكتاب ~~من قبلكم} ؛ اليهود # 410 # {ومن الذين أشركوا} ، كفار مكة ، {أذى كثيرا} كقولهم : إن الله فقير ، ~~وهجاء الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، والطعن في الدين ، وإغراء الكفرة ~~على المسلمين ، أو غير ذلك من الأذى ، أعلمهم بذلك قبل وقوعه ، ليتأهبوا ~~للصبر والاحتمال ، حتى لا يروعهم نزولها حين الإنزال. {وتتقوا} الله فيما ~~أمركم به ، {فإن ذلك من عزم الأمور} أي : من معزومات الأمور التي يجب العزم ~~عليها ، أو مما عزم الله على فعلها ، وأوجبه على عباده. والله تعالى أعلم. PageV01P554 # الإشارة : كل من دخل في طريق ms0405 الخصوص بالصدق والعزم على الوصول ، لا بد أن ~~يبتلى ويختبر في ماله ونفسه ، ليظهر صدقه في طلبه ، ولا بد أن يسمع من ~~الناس أذى كثيرا ، فإن صبر ظفر ، وإن رجع خسر ، وهذه سنة الله في عباده : ~~{ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} [محمد : 31] ~~، قال الورتجبي : {لتبلون في أموالكم} ؛ بجمعها ومنها والتقصير في حقوق ~~الله فيها ، {وأنفسكم} ؛ باتباع شهواتها ، وترك رياضتها ، وملازمتها أسباب ~~الدنيا ، وخلوها من النظر في أمر الميعاد ، وقيل : {لتبلون في أموالكم} ؛ ~~بالاشتغال بها أخذا وإعطاء.ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 410 # قلت : الضمير في {نبذوه} : يعود على الكتاب ، أو الميثاق. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} ~~وهم اليهود ، أخذ عليهم العهد ليبينن للناس ما في كتابهم من صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا يكتمونه ، فنبذوا ذلك العهد أو الكتاب {وراء ظهورهم} ؛ ~~فكتموا صفته - عليه الصلاة والسلام - خوفا من زوال رئاستهم ، {واشتروا} ~~بذلك العهد ، أي : استبدلوا به {ثمنا قليلا} من حطام الدنيا ، وما كانوا ~~يأخذونه من سفلتهم ، {فبئس ما يشترون} ، وهي تجر ذيلها على من كتم علما سئل ~~عنه ، قال عليه الصلاة والسلام : " من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار ~~" وعن علي رضي الله عنه : (ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ ~~على أهل العلم أن يعلموا). وقال محمد بن كعب : (لا يحل للعالم أن يسكت على ~~علمه ، ولا الجاهل أن يسكت على جهله). PageV01P555 # الإشارة : أهل العلم إذا تحققوا بوجود الخصوصية عند ولي ، وكتموا ذلك حسدا ~~وخوفا على زوال رئاستهم ، دخلوا في وعيد الآية ؛ لأن العوام تابعون لهم ، ~~فإذا كتموا أو أنكروا تبعوهم على ذلك ، فيحملون أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~، والله تعالى أعلم. # 411 # جزء : 1 رقم الصفحة : 411 # قلت : من قرأ بالخطاب ، فالذين : مفعول أول ، والثاني : محذوف ، أي : ~~بمفازة من العذاب ، أو هو المذكور ، و{تحسبنهم} : تأكيد للفعل الأول ، ومن ~~قرأ بالغيب ، فالذين : فاعل ، والمفعولان : محذوفان ، دل عليهما ذكرهما مع ~~الثاني ، أي : لا يحسبوا أنفسهم ms0406 فائزة. {فلا تحسبنهم} : من قرأ بفتح التاء ~~؛ فالخطاب للرسول - عليه الصلاة والسلام- ، والفعل مبني ، ومن قرأ بالياء ؛ ~~فالخطاب للذين يفرحون ، والفعل معرب ، أي : لا يحسبن أنفسهم بمفازة من ~~العذاب. # يقول الحق جل جلاله : {لا تحسبن} يا محمد {الذين يفرحون بما أتوا} أي : ~~بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق ، {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} من ~~الوفاء بالعهد ، وإظهار الحق ، والإخبار بالصدق ، أنهم فائزون من العذاب ، ~~فلا تظنهم {بمفازة من العذاب} ، بل {لهم عذاب أليم} موجع ، {ولله ملك ~~السماوات والأرض} ؛ إن شاء عذب وإن شاء رحم ، {والله على كل شيء قدير} فلا ~~يعجزه من ذلك شيء ، أو : لا يظن الذي يفرحون بما أتوا ، ويحبون أن يحمدوا ~~بما لم يفعلوا ، فلا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب. # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : (أنها نزلت في المنافقين ، كانوا إذا ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم تخلفوا ، وإذا قدم اعتذروا ، فإذا قبل عذرهم ~~فرحوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا). وما تقدم في التوطئة هو عن ابن ~~عباس. وقال ابن حجر : ولا مانع من أن يتناول الآية كل من أتى بحسنة وفرح ~~بها فرح إعجاب ، وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه. والله تعالى أعلم. PageV01P556 # الإشارة : لا يظن أهل الفرق الذين يسندون الأفعال إلى أنفسهم ، غائبين عن ~~فعل ربهم ، ويحبون أن يحمدهم الناس ويمدحهم بفعل غيرهم ، أنهم فائزون عن ~~عذاب الفرق ، وحجاب العجب ، إذ لا فاعل سوى الحق ، فمن تمام نعمته عليك أن ~~خلق فيك ونسب إليك ، فإن فرح العبد بالطاعة من حيث ظهورها عليه ، وهي عنوان ~~العناية - ورأى # 412 # نفسه فيها كالآلة ، معزولا عن فعلها ، محمولا بالقدرة الأزلية فيها ، فلا ~~بأس عليه ، ويزيد بذلك تواضعا وشكرا ، وإن فرح بها من حيث صدورها منه ، ~~ويتبجح بها على عباد الله ، فهو عين العجب ، وفي الحكم : " لا تفرحك الطاعة ~~من حيث إنها صدرت منك ، وافرح بها من حيث إنها هدية من الله عليك ؛ {قل ~~بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} [يونس : 58] ". # جزء : 1 رقم الصفحة ms0407 : 412 PageV01P557 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن في خلق السماوات والأرض} وأظهارهما للعيان ، ~~لدلائل واضحة على وجود الصانع ، وكمال قدرته ، وعلمه ، لذوي العقول الكاملة ~~الصافية ، الخالصة من شوائب الحس والوهم. قال البيضاوي : ولعل الاقتصار على ~~هذه الثلاثة في هذه الآية ؛ لأن مناط الاستدلال هو التغير ، وهذه متعرضة ~~لجملة أنواعه ، فإنه - أي التغير - إما أن يكون في ذات الشيء ، كتغير الليل ~~والنهار ، أو جزئه ، كتغير الناميات بتبدل صورها ، أو لخارج عنها ، كتغير ~~الأفلاك بتبدل أوضاعها ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " ويل لمن قرأها ~~ولم يتفكر فيها ". الإشارة : الخلق هو الاختراع والإظهار ، فإظهار هذه ~~التجليات الأربعة يدل على الحق - تعالى - تجلى لعباده بين الضدين ، بين ~~النور والظلمة ، بين القدرة والحكمة ، بين الحس والمعنى ، وهكذا خلق من كل ~~زوجين اثنين ، ليقع الفرار من إثنينية حسهما إلى فردية معناهما ، ففروا إلى ~~الله ، فالسماوات والنهار نورانيان ، والأرض والليل ظلمانيان ، ففي ذلك ~~دلالة على وحدة المعاني ، فلا تقف مع الأواني ، وخض بحر المعاني ، لعلك ~~تراني. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 412 # 413 PageV01P558 ~~يقول الحق جل جلاله : في وصف أولي الألباب : هم {الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم} ، أي : يذكرونه على الدوام ، قائمين وقاعدين ومضطجعين ~~، وعنه - صلى الله عليه وسلم - : " من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ~~ذكر الله " وقيل : يصلون على الهيئات الثلاث ، حسب الطاعة لقوله عليه ~~الصلاة والسلام لعمران بن حصين ، وكان مريضا : " صل قائما ، فإن لم تستطع ~~فقاعدا ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنبك وتومئ إيماء ". ~~{ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} استدلالا واعتبارا ، وهو أفضل العبادات ~~قال صلى الله عليه وسلم : " لا عبادة كالتفكر " ؛ لأن المخصوص بالقلب ، ~~والمقصود من الخلق ، وعنه صلى الله عليه وسلم : " بينما رجل مستلق على ~~فراشه فنظر إلى السماء والنجوم ، فقال : أشهد أن لك خالق ، اللهم اغفر لي ، ~~فنظر الله إليه فغفر له " وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله. ~~قاله البيضاوي. وسيأتي مزيد من كلام على التفكر في الإشارة إن شاء ms0408 الله. # فلما تفكروا في عجائب المصنوعات ، قالوا : {ربنا ما خلقت هذا باطلا} أي : ~~عبثا من غير حكمة ، بل خلقته لحكمة بديعة ، من جملتها : ان يكون مبدأ لوجود ~~الإنسان ، وسببا لمعاشه ، ودليلا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك ، لينال ~~الحياة الأبدية ، والسعادة السرمدية في جوارك ، {سبحانك} تنزيها لك من ~~العبث وخلق الباطل ، {فقنا عذاب النار} التي استحقها من أعرض عن النظر ~~والاعتبار ، وأخل بما يقتضيه من أحكام الواحد القهار ، {وما للظالمين من ~~أنصار} يمنعونهم من دخول النار. ووضع المظهر موضع المضمر ؛ للدلالة على أن ~~ظلمهم سبب لإدخالهم النار ، وانقطاع النصرة عنهم في دار البوار. # { # جزء : 1 رقم الصفحة : 413 PageV01P559 ~~ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان} ، وهو الرسول العظيم الشأن ، أو ~~القرآن ؛ قائلا : {أن آمنوا بربكم} ووحدوه ، فأجبنا نداءه وآمنا ، {ربنا ~~فاغفر لنا ذنوبنا} الكبائر ، {وكفر عنا سيئاتنا} الصغائر ، {وتوفنا مع ~~الأبرار} المصطفين الأخيار ، مخصوصين بصحبتهم ، معدودين في زمرتهم ، وفيه ~~تنبيه على أنهم يحبون لقاء الله فأحب الله لقاءهم ، {ربنا وآتنا ما وعدتنا ~~على} تصديق {رسلك} من الثواب ، أو على ألسنة رسلك من الفضل والرحمة وحسن ~~المآب ، سألوا ما وعدوا على الامتثال ، لا خوفا من إخلاف الوعدن بل مخافة ~~ألا يكونوا موعودين لسوء عاقبة ، أو قصور في الامتثال ، أو تعبدا ، أو ~~استكانة. قاله البيضاوي. # 414 # {ولا تخزنا يوم القيامة} أي : لا تهنا بسبب تقصيرنا ، {إنك لا تخلف ~~الميعاد} بإثابة المؤمن وإجابة الداعي ، أو ميعاد البعث والحساب ، وتكرير ~~{ربنا} ؛ للمبالغة في الابتهال ، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها ~~، ففي بعض الآثار : (من حزبه أمر فقال خمس مرات : " ربنا " ، أنجاه الله ~~مما يخاف). قاله البيضاوي. # الإشارة : قدم الحق الذكر على الفكر على ترتيب السير ، فإن المريد يؤمر ~~أول أمره بذكر اللسان ، حتى يفضي إلى الجنان ، فينتقل الذكر إلى القلب ، ثم ~~إلى الروح ، وهو الفكر ، ثم إلى السر ، وهو الشهود والعيان ، وهنا يخرس ~~اللسان ، ويغيب الإنسان في أنوار العيان ، وفي ذلك يقول القائل : # ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني # سري وروحي وقلبي عند ذكراك # حتى ms0409 كأن رقيبا منك يهتف بي : # إياك : ويحك والتذكار! إياك! # أما ترى الحق قد لاحت شواهده # وواصل الكل من معناه معناك # فإذا بلغ العبد هذا المقام - الذي هو مقام الإفراد - اتحدت عنده الأوراد ~~، وصار وردا واحدا ، وهو عكوف القلب في الحضرة بين فكرة ونظرة ، أو إفراد ~~القلب بالله ، وتغيبه عما سواه. PageV01P560 # قال في الإحياء في كتاب الأوراد : الموحد المستغرق الهم بالواحد الصمد ، ~~الذي أصبح وهمومه هم واحد ، فلا يحب إلا الله ، ولا يخاف إلا منه ، ولا ~~يتوقع الرزق من غيره ، ولا ينظر في شيء إلا يرى الله فيه ، فمن ارتفعت ~~رتبته إلى هذه الدرجة ، لم يفتقر إلى ترتيب الأوراد واختلافها ، بل ورده ~~بعد المكتوبات ورد واحد ، وهو حضور القلب مع الله في كل حال ، فلا يخطر ~~بقلبه أمر ، ولا يقرع سمعه قارع ، ولا يلوح لنظره لائح ، إلا كان له فيه ~~عبرة وفكرة ومزيد ، فلا محرك ولا مسكن إلا الله. فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح ~~أن تكون سببا لازديادهم ، فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة ، وهم الذين فروا ~~إلى الله كما قال تعالى : {ففروا إلى الله} ، وتحقق فيهم قوله : {إني ذاهب ~~إلى ربي} ، وهذه الدرجة منتهى درجة الصديقين ، ولا ينبغي أن يغتر المريد ~~بما يسمعه من ذلك ، فيدعيه لنفسه ، ويفتر عن وظائف عباداته ، فذلك علامته ~~ألا يحس في قلبه وسواسا ، ولا يخطر بقلبه معصية ، لا يزعجه هواجم الأحوال ، ~~ولا يستفزه عظائم الأشغال ، وأنى تكون هذه المرتبة!. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 413 # قلت : قوله : [لا يخطر بقلبه معصية] غير لازم ؛ لأن قلب العارف مرسى ~~للتجليات النورانية والظلمانية لكنها تقل ولا تسكن. # وقال في موضع آخر : وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله تعالى ~~والفكر فيه ؛ حبا لجلاله وجماله ، وسار الأعمال تكون مؤكدات. قال : والعامل ~~لأجر الجنة ؛ درجته درجة البله ، وإنه لينالها بعمله ؛ إذ أكثر أهل الجنة ~~البله. ه. وقال في كتاب كيمياء السعادة : وقد غلط من ظن أن وظائف الضعفاء ~~كوظائف الأقوياء ، حتى قال بعض مشايخ الصوفية : من رأني في الابتداء ، قال ms0410 ~~: صار صديقا ، ومن رآني في الانتهاء ، قال : صار زنديقا ، يعني أن الابتداء ~~يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة # 415 PageV01P561 ~~العبادات ، وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن ، فيبقى القلب على الدوام ~~في عين الشهود والحضور ، وتفتر ظواهر الأعضاء ، فيظن أن ذلك تهاون بالعبادة ~~، وهيهات هيهات!! ، فذلك استغراق لمخ العبادات ولبابها وغياتها ، ولكن أعين ~~الخفافيش تكل عن درك نور الشمس. ه. # قال شيخ شيوخنا - سيدي عبد الرحمن العارف - بعد نقل كلام القشيري في هذا ~~المعنى : وما أشار إليه ظاهر في أن أهل القلوب لا يتعاطون كل طاعة. وإنما ~~يتعاطون من الطاعات ما يجمعهم ولا يفرقهم. ولذلك قال الجنيد : أحب للصوفي ~~ألا يقرأ ولا يكتب ؛ لأنه أجمع لهمه ، قال : وأحب للمريد ألا يشتغل بالتكسب ~~وطلب الحديث ؛ لئلا يتغير حاله. ه. قلت : ومن رزقه الله شيخ التربية فما ~~عينه له فهو عين ذكره ، يسير به كيفما كان. # هذا ما يتعلق بحال الذكر الذي قدمه الله تعالى ، وأما التفكر فهو أعظم ~~العبادات وأفضل القربات ، هو عبادة العارفين ومنتهى المقربين. وفي الخبر : ~~" تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ". # وقال الجنيد رضي الله عنه : أشرف المجالس وأعلاها : الجلوس مع الفكرة في ~~ميدان التوحيد ، والتنسم بنسيم المعرفة ، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد ~~، والنظر لحسن الظن بالله تعالى. ثم قال : يا لها من مجالس ، ما أجلها ، ~~ومن شراب ما ألذه ، طوبى لمن رزقه. وقال القشيري رضي الله عنه التفكر نعت ~~كل طالب ، وثمرته : الوصول بشرط العلم ، فإذا سلم الفكر عن الشوائب ورد ~~صاحبه على مناهل التحقيق. ه. PageV01P562 # وسئلت زوجة أبي ذر عن عبادة زوجها ، فقالت : كان نهاره أجمع في ناحية ~~يتفكر. وكذلك زوجة أبي بكر قالت : كان ليله أجمع في ناحية يتفكر. وكذا زوجة ~~أبي الدرداء ، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يقول : طوبى لمن كان قيله ذكرا ~~وصمته تفكرا ، ونظره عبرة. وقال الحسن رضي الله عنه : من لم يكن كلامه حكمة ~~فهو لغو ، ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو ، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو ~~لهو. ه. ms0411 وقال في الحكم : " ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة ~~". وقال أيضا : " الفكرة سراج القلب ، فإذا ذهبت فلا إضاءة له ". وقال أيضا ~~: " الفكرة فكرتان ؛ فكرة تصديق وإيمان ، وفكرة شهود وعيان ، فالأولى ~~لأرباب الاعتبار ، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار ". # جزء : 1 رقم الصفحة : 413 # وفكرة الشهود والعيان هي عبادة العارفين ، ولا يحصر ثوابها في ستين ولا ~~في سبعين ، بل وقت منها يعدل ألف سنة ، كما قال الشاعر : # كل وقت من حبيبي # قدره كألف حجه # 416 # فأوقات هؤلاء كلها ليلة القدر ، ومن لم يبلغ هذا المقام فليبك على نفسه ~~على الدوام ، ومن ظفر بها ونالها حق له الهناء ، وفي أمثاله قال القائل : # هم الرجال وغبن أن يقال لمن # لم يتصف بمعاني وصفهم رجل # حققنا الله بمقامهم ، وسقانا من منالهم ، آمين. # وقوله : {ربنا ما خلقت هذا باطلا} بل هو ثابت بإثباتك ، ممحو بأحدية ذاتك ~~، فالباطل محال ، وكل ما سواه باطل ، كما قرره الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام. وقوله : {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم ~~فآمنا} أي : كنا في الرعيل الأول من أهل الإيمان ، فجعل لنا سبيلا إلى مقام ~~الإحسان ، {ربنا وآتنا ما وعدتنا} وهو الوصول إلى العيان. وبالله التوفيق. # جزء : 1 رقم الصفحة : 413 PageV01P563 ~~قلت : {استجاب} : أخص من أجاب ، لأن استجاب مستلزم لفعل ما طلب منه ، وأجاب ~~يصدق بالوعد ، ويتعدى بنفسه وباللام ، و{بعضكم من بعض} : جملة معترضة. قاله ~~البيضاوي فانظره. # يقول الحق جل جلاله : {فاستجاب لهم ربهم} فيما طلبوه ؛ لأنه لا يرد ~~السؤال ، ولا تخيب لديه الآمال ، ولذلك قال : {أني} أي : بسبب {أني لا أضيع ~~عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} ؛ لأنكم {بعضكم من بعض} ؛ لأن الذكر من ~~الأنثى ، والأنثى من الذكر ، ولأنهما من أصل واحد ، ولفط الاتصال والاتحاد ~~والاتفاق في الدين. # روي " أن أم سلمة قالت : يا رسول الله ، أني أسمع الله يذكر الرجال في ~~الهجرة ولم يذكر النساء ، فنزلت : {من ذكر أو أنثى} [آل عمران : 195] " الخ. # ثم فصل أعمال العمال ، وما أعد لهم من الثواب فقال ms0412 : {فالذين هاجروا} دار ~~الشرك ، وفارقوا الأوطان والأصحاب والعشائر ، {وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في ~~سبيلي} بسبب إيمانهم بالله ، {وقاتلوا} الكفار ، و{قتلوا} أي : ماتوا في ~~الجهاد. وقرئ بالعكس ؛ لأن الواو لا ترتب ، أو قتل بعضهم ، وقاتل الباقون ~~ولم يضعفوا ، {لأكفرن عنهم سيئاتهم} أي : لأمحونها ، {ولأدخلنهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله} أي : أثيبهم من عند الله تفضلا ~~وإحسانا ، {والله عنده حسن الثواب} لا يعجزه شيء. # 417 # الإشارة : لما توجهوا إليه بهممهم العلية ، وعزائمهم القوية ، فقرعوا ~~بابه بدوام ذكره ، والتفكر في عظمة ذاته ، وجميل إحسانه وبره ، وتضرعوا ~~إليه بلسان الذل والانكسار ، وحال الخضوع والاضطرار ، أجابهم ففتح في ~~وجوههم الباب ، وأدخلهم في حضرته مع الأحباب ، لأنه يجيب السؤال ، ولا يخيب ~~الآمال ، بعد أن هاجروا الأوطان ، وفارقوا العشائر والإخوان ، إلا من يزيد ~~بهم إلى الرحمن ، فقاتلوا نفوسهم حتى ماتت فحييت بالوصال ، إلى جوار الكبير ~~المتعال ، قال الشاعر : # إن ترد وصلنا فموتك شرط # لا ينال الوصال من فيه فضله PageV01P564 ~~جزء : 1 رقم الصفحة : 417 # فمحا عن عين بصائرهم سيئات الأغيار ، وطهر قلوبهم من درن الأكدار ، حتى ~~دخلوا جنة المعارف ، التي لا يحيط بوصفها وصف واصف ، تجري من تحتها أنهار ~~العلوم ، وتنفتح منها مخازن الفهوم ، ثوابا من عند الحي القيوم والله تعالى أعلم. # جزء : 1 رقم الصفحة : 417 # قلت : النزل - ويسكن - : ما يقدم للنازل من طعام وشراب وصلة ، وانتصابه : ~~على الحال من {جنات} ، والعامل فيه : الظرف ، أو على المصدر المؤكد ، أي : ~~أنزلوها نزلا. # يقول الحق جل جلاله : {لا يغرنك} أيها السامع أو أيها الرسول ، والمراد : ~~تثبيته على ما كان عليه ، كقوله : {فلا تطع المكذبين} ، أي : دم على ما أنت ~~عليه من عدم اغترارك بظاهر ما ترى عليه الكفار من البسط في الدنيا ، ~~والتقلب فيها بالتجارات والزراعات ، وما هم عليه من الخصب ولين عيش ، فإن ~~ذلك {متاع قليل} بلغة فانية ، ومتعة زائلة ، وظلال آفلة ، وسحابة حائلة. ~~قال صلى الله عليه وسلم : " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم ~~إصبعه في اليم ، فلينظر بم ms0413 يرجع " فلا بد أن يرحلوا عنها قهرا ، {ثم ~~مأواهم} أي : مصيرهم {جهنم وبئس المهاد} ما مهدوا لأنفسهم. # والمعتبر عند الأكياس هو ما أعد الله للمتقين من الناس ، قال تعالى : ~~{لكن الذين اتقوا ربهم} وخافوا عقابه ، {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها} ، هيأ ذلك لهم وأعده {نزلا من عند الله} هذا النزول الذي يقدم ~~للضيف ، وأما ما أعد لهم بعد النزول فلا يعتبر عن لسان ، ولذلك قال : {وما ~~عند الله} من النعيم الذي لا يفنى ، # 418 # جسماني وروحاني ، {خير للأبرار} مما ينقلب إليه الفجار. قيل : حقيقة البر ~~: هو الذي لا يؤذي الذر. PageV01P565 # الإشارة : لا يغرنك أيها الفقير ما ترى عليه أهل الدنيا من اتخاذ المنازل ~~المشيدة ، والفرش الممهدة ، فإن الدنيا متاعها قليل ، وعزيزها قليل ، ~~وغنيها فقير ، وكبيرها حقير ، واعتبر بحال نبيك - عليه الصلاة والسلام. # قال أنس رضي الله عنه : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير ~~مرفل بالشريط - أي : مضفور به - وتحت رأسه وسادة من أدم ، حشوها ليف ، فدل ~~عليه عمر ، وانحرف النبي صلى الله عليه وسلم انحرافة ، فرأى عمر الشريط في ~~جنبه ، فبكى ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك يا عمر " ؟ ~~فقال : مالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا ، وأنت ~~على الحال الذي أرى ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا عمر أما ~~ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة " رواه البخاري. # جزء : 1 رقم الصفحة : 418 # وانظر ما أعد الله للمتقين الأبرار ، الذين صبروا قدر ساعة من نهار ، ~~فأفضوا إلى جوار الكريم الغفار في دار القرآن ، {وما عند الله خير للأبرار} ~~، ولا سيما العارفين الكبار. قال الورتجبي : بين الحق - تعالى - رفعة منزل ~~المتقين في الجنان ، ثم أبهم لطائف العناية بقوله : {وما عند الله خير ~~للأبرار} أي : ما عنده من نعيم المشاهدة ، ولطائف القربة ، وحلاوة الوصلة ، ~~خير مما هم فيه من نعيم الجنة ، وأيضا : صرح في هذه الآية ببيان مراتب ~~الولاية ، لأنه ذكر المتقين ، والتقوى : تقديس الباطن ms0414 عن لوث الطبيعة ، ~~وتنزيه الأخلاق عن دنس المخالفة ، وذلك درجة الأولى من الولاية ، والأبرار ~~أهل الاستقامة في المعرفة ، وبين أن أهل التقوى في الجنة ، والأبرار في ~~الحضرة. ه. # جزء : 1 رقم الصفحة : 418 PageV01P566 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإن من أهل الكتاب} ؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن ~~أسلم من اليهود ، {لمن يؤمن بالله} إيمانا حقيقيا ، {وما أنزل إليكم} من ~~القرآن ، {وما أنزل إليهم} من التوراة ، حال كونهم {خاشعين لله} خاضعين ~~مخبتين وافين بالعهد ، {لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا} ، كما فعل ~~المحرفون من أحبار اليهود ، {أولئك لهم أجرهم عند ربهم} أي : ما وعدوا به ~~من تضعيف أجرهم مرتين ، {إن الله سريع الحساب} ؛ # 419 # فيسرع إلى توفية أجورهم وإكرام منقلبهم ؛ لأن الله عالم بالأعمال وما ~~تستوجبه من النوال ، فلا يحتاج إلى تأمل ولا احتياط ؛ لأنه غني عن التأمل ~~والاحتياط. # وقيل : نزلت في النصارى : أربعين من نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا. وقيل : نزلت في النجاشي ، لما ~~نعاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج - عليه الصلاة والسلام ~~- ، وصلى عليه ، فقال المنافقون : انظروا إلى هذا ، يصلي على علج نصراني ، ~~فنزلت الآية. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد رأينا بعض الفقهاء حصل لهم الإيمان بخصوص أهل زمانهم ، ~~بتحققوا بولايتهم ، ونالوا شيئا من محبتهم ، لكن لم تساعفهم الأقدار في ~~صحبتهم ، فظهرت عليهم آثار أنوارهم ، واقتبسوا شيئا من أسرارهم ، فتنورت ~~سريرتهم ، وكملت شريعتهم ، وأظهر عليهم آثار الخشوع ، وأخذوا حظا من ~~التواضع والخضوع ، متخلقين بالقناعة والورع ، قد ذهب عن قلبهم ما ابتلى به ~~غيرهم من الجزع والهلع ، فلا جرم أن هؤلاء لهم أجرهم مرتين : أجر ما تحملوا ~~من الشريعة لنفع العوام ، وأجبر ما اكتسبوا من محبة القوم ؛ " المرء مع من ~~أحب " وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # 420 # جزء : 1 رقم الصفحة : 419 PageV01P567 ### | AUTO سورة النساء # جزء : 1 رقم الصفحة : 3 # قلت : من قرأ : {والأرحام} بالنصب ، فعطف على لفظ الجلالة ، أي : اتقوا ~~الأرحام أن تقطعوها ، وقرأ حمزة ms0415 بالخفض على الضمير من {به} ؛ كقول الشاعر : # فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا # فاذهب فما بك والأيام من عجب # وجمهور البصريين يمنعون العطف على الضمير إلا بإعادة الجار ، فيقولون : ~~مررت به وبزيد. وقال ابن مالك : # وليس عندي لازما إذ قد أتى # في النظم والنثر الصحيح مثبتا # والنثر الصحيح هو ما قرأ به حمزة ، وهذا هو التوجيه الصحيح ، وأما من جعل ~~الواو للقسم فبعيد. # 3 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس} أي : جميع الخلق ، اتقوا ربكم فيما ~~كلفكم به ، ثم بين موجب التقوى فقال : {الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني آدم ~~، {وخلق منها زوجها} يعني حواء ، من ضلع من أضلاعه ، {وبث} أي : نشر {منهما ~~رجالا كثيرا ونساء} أي : نشر من تلك النفس الواحدة بنين وبنات. قال ~~البيضاوي : واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء ، إذ الحكمة تقتضي أن ~~يكن أكثر ، وذكر : {كثيرا} حملا على الجمع ، وترتيب الأمر بالتقوى على هذه ~~القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى ~~والنعمة الباهرة التي توجب طاعة مولاها. ه. # {واتقوا الله الذي تساءلون به} أي : يسأل بعضكم بعضا فيقول : أسألك بالله ~~العظيم ، {والأرحام} أي : واتقوا الأرحام فلا تقطعوها ، فمن قطعها قعطه ~~الله ، ومن وصلها وصله الله ، كما في الحديث. أو تساءلون به وبالأرحام ، ~~فيقول بعضكم لبعض : أسألك بالرحم التي بيني وبينك ، أو بالقرابة التي بيني ~~وبينك. ثم هددهم على ترك ما أمروا به فقال : {إن الله كان عليكم رقيبا} ~~حافظا مطلعا شهيدا عليكم في كل حال. PageV02P003 # الإشارة : درجهم في آخر السورة في مدارج السلوك حتى زجهم في حضرة ملك ~~الملوك ، وأمرهم أن يتقوا ما يخرجهم عن مشاهدة ظلمة أنوار الربوبية ، ثم ~~دلاهم في أول السورة إلى التنزل لآداب العبودية بشهود آثار القدرة الإلهية ~~، في النشأة الأولية ، ليعلمهم الجمع بين آداب المراقبة ودوام المشاهدة ، ~~أو بين الفناء والبقاء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 3 # وقد تكلم ابن جزي هنا على أحكام المراقبة ، فقال : إذا تحقق العبد بهذه ~~الآية وأمثالها ، استفاد مقام المراقبة ms0416 ، وهو مقام شريف أصله علم وحال ، ثم ~~يثمر حالين. أما العلم : فهو معرفة العبد بأن الله مطلع عليه ، ناظر إليه ~~في جميع أعماله ، ويسمع جميع أقواله ، ويعلم كل ما يخطر على باله. وأما ~~الحال : فهو ملازمة هذا العلم بالقلب ، بحيث يغلب عليه ولا يغفل عنه. ولا ~~يكفي العلم دون هذه الحال ، فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتهما عند أصحاب ~~اليمين : الحياء من الله ، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجد في الطاعات ~~، وكانت ثمرتهما عند المقربين : المشاهدة ، التي توجب التعظيم والإجلال لذي ~~الجلال. وإلى هاتين الثمرتين أشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله " أن ~~تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، فقوله : " أن تعبد الله ~~كأنك تراه " إشاره إلى الثمرة الثانية ، وهي الموجبة للتعظيم ، كمن يشاهد ~~ملكا عظيما فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة ، وقوله : " فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك " إشارة إلى الثمرة الأولى ، ومعناه : إن لم تكن من أهل المشاهدة ~~التي هي مقام المقربين فاعلم أنه يراك ، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام ~~أصحاب اليمين ، # 4 # فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى ، ورأى أن كثيرا من الناس قد ~~يعجزون عنه ، تنزل منه إلى المقام الآخر. PageV02P004 # واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدم قبلها المشارطة والمرابطة ، ويتأخر ~~عنها المحاسبة والمعاتبة ، فأما المشارطة فهي اشتراط العبد على نفسه التزام ~~الطاعة ، وترك المعاصي ، وأما المرابطة فهي معاهدة العبد لربه على ذلك ، ثم ~~بعد المشارطة والمرابطة في أول الأمر تكون المراقبة... الخ. # وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه ، فإن وجد نفسه قد ~~وفى بما عاهد عليه الله يحمد الله ، وإن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة ونقض ~~عهد المراقبة ، عاقب النفس عقابا شديدا بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك ، ثم ~~عاد إلى المشارطة والمرابطة ، وحافظ على المراقبة ، ثم اختبر بالمحاسبة ، ~~وهكذا يكون إلى أن يلقى الله تعالى. انتهى كلامه ، وهو مقتبس من الإحياء. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 3 # قلت : اليتيم : من فقد ms0417 أباه ، ولا يقال فيه اليتيم عرفا إلا قبل البلوغ ، ~~وهو هنا مجاز ، أي : من كان يتيما ، والحوب : الإثم ، ويقال فيه : حوبا ، ~~بالضم والفتح ، مع الواو والألف ، مصدر حاب حوبا وحوبا وحابا. # يقول الحق جل جلاله : {وآتوا} أي أعطوا {اليتامى أموالهم} إذا بلغوا ، ~~وأنس منهم الرشد ، وسماهم يتامى بعد البلوغ اتساعا ؛ لقرب عهدهم بالصغر. ~~حثا على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم ، قبل أن يزول عنهم هذا الاسم ~~إذا أنس فيهم الرشد ، ويدل على هذا ما قيل في سبب نزول الآية ، وهو أن رجلآ ~~من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له ، فلما بلغ طلب مال أبيه ، فمنعه ، ~~فنزلت الآية ، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله ورسوله ، ونعوذ بالله من ~~الحوب الكبير. وقيل : إن العرب كانت لا تورث الصغار مع الكبار ، فأمروا أن ~~يورثوهم ، وعلى هذا يكون اليتيم على حقيقته ، فعلى الأول : الخطاب للأوصياء ~~، وعلى الثاني : للعرب التي كانت لا تورث الصغار. PageV02P005 # ثم قال : {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} أي : لا تتبدلوا الحرام من أموالهم ~~بالحلال من أموالكم ، أو : لا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتعطوا الخبيث ~~مكانها من أموالكم. كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة ~~من ماله ، والدرهم الطيب بالزائف. {ولا تأكلوا أموالهم} مضموما {إلى ~~أموالكم} فتنفقونها معا ، مع أن اليتيم لا يأكل # 5 # كالكبير ، إلا إذا كان المنفق قدر أكله ، أو لمصلحة. {إنه} أي : الأكل ، ~~{كان حوبا كبيرا} أي : إثما عظيما. # الإشارة : أمر الحق جل جلاله أغنياء القلوب ، وهم أكابر الأولياء ~~الراسخون في علم الغيوب ، أن يمنحوا من تعلق بهم من الفقراء والضعفاء ، من ~~الغني بالله الذي منحهم الله ، حتى لا يلتفتوا إلى سواه ، وأن يقبلوا كل من ~~أتى إليهم من العباد ، سواء كان من أهل المحبة والوداد ، أو من أهل ~~المخالفة والعناد ، ولا يتبدلوا الخبيث بالطيب ، بحيث يقبلون من وجدوه طيب ~~الأخلاق ، ويردون من وجدوه خبيث الأخلاق ، فإن هذا ليس من شأن أهل التربية ~~النبوية ، بل من شأنهم أن يقبلوا الناس على السوية ، ويقلبوا فيهم الأعيان ms0418 ~~، فيقبلون العاصي طائعا ، والكافر مؤمنا ، والغافل ذاكرا ، والشحيح سخيا ، ~~والخبيث طيبا ، والمسيء محسنا ، والجاهل عارفا ، وهكذا ؛ لما عندهم من ~~الإكسير ، وهي الخمرة الأزلية ، أي : التي من شأنها أن تقلب الأعيان ، كما ~~قال ابن الفارض رضي الله عنه في وصفها : # جزء : 2 رقم الصفحة : 5 # تهذب أخلاق الندامى فيهتدي # بها لطريق العزم من لا له عزم # ويكرم من لم يعرف الجود كفه # ويحلم عند الغيظ من لا له حلم # وقوله : {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} يعني : حتى تتحققوا بوصول ~~الغني إلى قلوبهم ، فإن تحققتم فخذوا ما بذلوا لكم من أموالهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 5 PageV02P006 ~~قلت : {ما} من شأنها أن تقع على ما لا يعقل ، وهنا وقعت على النساء لقلة ~~عقلهن حتى التحقن بمن لا يعقل و{مثنى وثلاث ورباع} أحوال من {ما} ممنوعة من ~~الصرف للوصف والعدل ، أي : اثنتين اثنتين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا. # يقول الحق جل جلاله : {وإن خفتم} يا معشر الأولياء إلا تعدلوا {في ~~اليتامى} التي تحت حجركم إذا تزوجتم بهن طلبا لمالهن ، مع قلة جمالهن ، ~~فتهجروهن أو تسيئوا عشرتهن ، {فانكحوا ما طاب لكم} من غيرهن ، أو : وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في صداقهن إذا أعجبنكم لمالهن الذي بيدكم وجمالهن ، ~~فانكحوا غيرهن ، ولا تنكحوهن إلا إذا أعطيتموهن صداق أمثالهن. # 6 # قالت عائشة رضي الله عنها : (هي اليتيمة تكون في حجر وليها ، فيرغب في ~~مالها وجمالها ، ويرد أن ينكحها بأدنى صداقها ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن ~~يقسطوا لهن في إكمال الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء). رواه ~~البخاري. # وقال ابن عباس رضي الله عنه : ( إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة وأكثر ~~يعني قبل التحريم فإذا ضاق ماله أخذ من مال يتيمه) ، فقال لهم : إن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى أي : في أموالهن فانكحوا ما طاب لكم من غيرهن ~~{مثنى وثلاث ورباع} أي : اثنتين اثنتين لكل واحد ، أو ثلاثا ثلاثا ، أو ~~أربعا أربعا ، ولا تزيدوا ، فمنع ما كان في الجاهلية من الزيادة على الأربع ~~، وهو مجمع عليه ms0419 بنص الآية ، ولا عبرة بمن جوز تسعا لظاهر الآية ؛ لأن ~~المراد التخيير بين تلك الأعداد ، لا الجمع ، ولو أراد الجمع لقال تسعا ، ~~ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقل بيانا. PageV02P007 # {فإن خفتم ألا تعدلوا} بين الاثنتين أو الثلاث أو الأربع ، فاقتصروا على ~~واحدة ، أو على ما ملكت أيمانكم من قليل أو كثير ؛ إذ لا يجب العدل بينهن ، ~~{ذلك} الاقتصار على الواحدة {أدنى} أي : أقرب {ألا تعولوا} أي : تجوروا أو ~~تميلوا ، أو ألا تجاوزوا ما فرض عليكم من العدل ، أو أدنى ألا يكثر عيالكم ~~فتفتقروا ، وهي لغة حمير. والله تعالى أعلم. # الإشارة : اعلم أن الحق تعالى جعل أولياءه أصنافا عديدة ؛ فمنهم من غلب ~~عليه فيض العلوم ، ومنهم من غلب عليه هجوم الأحوال ، ومنهم من غلب عليه ~~تحقيق المقامات ، قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : كان الجنيد ~~رضي الله عنه قطبا في العلوم ، وكان أبو يزيد رضي الله عنه قطبا في الأحوال ~~، وكان سهل بن عبد الله قطبا في المقامات. ه. أي : كل واحد غلب واحد من ذلك ~~، مع مشاركته للآخر في الباقي ، فينبغي لكل واحد أن يخوض في فنه الذي خصه ~~الله به ولا يتصدى لغيره. فقال لهم الحق جل جلاله من طريق الإشاره : فإن ~~خفتم يا من غلبت عليهم الأحوال أو المقامات ، ألا تقسطوا في يتامى العلوم ~~التي اختص بها غيركم ، فانكحوا ما طاب لكم من ثيبات الأحوال وأبكار الحقائق ~~، كثيرة أو قليلة ، فإن خفتم أن تغلبكم الأحوال ، أو التنزل في المقامات ، ~~ولا تعدلوا فيها ، فالزموا حالة واحدة ومقاما واحدا ، وهو المقام الذي ملكه ~~وتحقق به ، فإن أقرب ألا ينحرف عن الاعتدال ؛ لأن كثرة الأحوال تضر بالمريد ~~كما هو مقرر في فنه. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 6 # 7 PageV02P008 ~~قلت : {نحلة} : مصدر من {آتوهن} ، لأنها في معنى الإيتاء ، يقال : نحله كذا ~~نحلة ونحلا ؛ إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض ولا حكم حاكم ، ~~والضمير في {منه} يعود على الصداق أو على ms0420 " الإيتاء " ، و{نفسا} تمييز ، ~~و{هنيئا مريئا} : صفتان لمصدر محذوف ، أي : أكلا هنيئا ، وهو من هنؤ الطعام ~~ومرؤ ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل الهنيء : ما يلذه الإنسان ، ~~والمريء : ما تحمد عاقبته. # يقول الحق جل جلاله : للأزواج : {وآتوا النساء} التي تزوجتموهن {صدقاتهن ~~نحلة} أي : عطية مبتلة ، لا مطل فيها ولا ظلم ، {فإن طبن لكم عن شيء} من ~~الصداق : وأعطينه لكم عن طيب أنفسهن {فكلوه هنيئا} لاتبعة عليكم فيه ، ~~{مريئا} : سائغا حلالا لا شبهة فيه ، روي أن ناسا كانوا يتحرجون أن يقبل ~~أحدهم من زوجته شيئا ، فنزلت. وقيل : الخطاب للأولياء ، لأن بعضهم كان يأكل ~~صداق محجورته ، فأمروا أن يعطوهن صداقهن ، إلا إن أعطينهم شيئا عن طيب ~~أنفسهن ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : وآتوا النفوس حقوقها من الراحة وقوت البشرية ، نحلة ، ولا ~~تكلفوها فوق طاقتها ، فإن طبن لكم عن شيء من الأعمال أو الأحوال ، بانشراح ~~صدر ونشاط ، فكلوه هنيئا مريئا ، فإن العبادة مع النشاط والفرح بالله أعظم ~~وأقرب للدوام ، وهذا في حق النفوس المطمئنة ، وأما النفوس الأمارة فلا ~~يناسبها إلا قهرية المجاهدة مع السياسة ؛ لئلا تمل ، أو تقول : من أقامه ~~الحق تعالى في حال من الأحوال أو مقام من المقامات فليلزمه ، وليقم حيث ~~أقامه الحق ، ويعطيه حقه ، فإن طاب وقته لحال من الأحوال فليأكله هنيئا ~~مريئا. فالفقير ابن وقته ، ينظر ما يبرز له فيه من رزقه ، فكل ما وجد فيه ~~قلبه فهو رزقه ، فليبادر إلى أكله لئلا يفوته رزقه منه. والله تعالى أعلم ~~بأسرار كتابه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 7 # قلت : {قيما} : مصدر قام قياما وقيما ، وأصله : قواما ، قلبت الواو ياء. PageV02P009 # يقول الحق جل جلاله : للأوصياء : {ولا تؤتوا السفهاء} التي تحت حضانتكم ~~{أموالكم} أي : أموالهم التي في أيديكم ، وإنما أضاف أموال اليتامى لهم حثا ~~على حفظها وتنميتها كأنها مال من أموالهم ، أي : ولا تمكنوا السفهاء من ~~أموالهم التي جعلها الله في أيديكم {قيما} لمعاشهم ، تقومون بها عليهم ، ~~ولكن احفظوها ، واتجروا فيها ، # 8 # واجعلوا رزقهم وكسوتهم فيها باعتبار العادة ، فإن طلبوها منكم فعدوهم ~~وعدا جميلا ms0421 ، {وقولوا لهم قولا معروفا} أي : كلاما لينا بأن يقول له : حتى ~~تكبر وترشد لتصلح للتصرف فيها. وشبه ذلك. وإنما قال : {وارزقوهم فيها} دون ~~" منها " ؛ لأن " فيها " يقتضي بقاءها بالتنمية والتجارة حتى تكون محلا ~~للرزق والكسوة دون " منها " ، وقيل : الخطاب للأزواج ، نهاهم أن يعمدوا إلى ~~ما خولهم الله من المال فيعطوه إلى نسائهم وأولادهم ، ثم ينظرون إلى ~~أيديهم. وإنما سماهن سفهاء استخفافا بعقلهن ، كما عبر عنهن ب " ما " التي ~~لغير العاقل. # وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إنما خلقت النار ~~للسفهاء قالها ثلاثا ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها ". ~~وقالت أمرأة : يا رسول الله : سميتنا السفهاء! فقال : " الله تعالى سماكن ~~في كتابه " يشير إلى هذه الآية. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : ~~(ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم : رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم ~~يطلقها ، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه ، ورجل أعطى سفيها ماله ، ~~وقد قال الله تعالى : {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} ). # قلت : إنما منعوا إجابة الدعاء لتفريطهم في مراسم الشريعة. والله تعالى أعلم. PageV02P010 # الإشارة : لا ينبغي للشيخ أن يطلع المريد على أسرار التوحيد ، وهي أسرار ~~المعاني التي جعلها الله تعالى قائمة بالأشياء ، حتى يكمل عقله ، ويتحقق ~~أدبه ، ويظهر صدقه ، فإذا استعجلها قبل وقتها فليعده وعدا قريبا ، وليقل له ~~قولا معروفا ، فكم من مريد استعجل الفتح قبل إبانه فعوقب بحرمانه ، وكم من ~~مريد اطلع على أسرار الحقيقة قبل كمال خدمته فطرد أو قتل ، ووقتها هو حين ~~تبرز معه فتأخذه الحيرة ، اللهم إلا أن يراه الشيخ أهلا لحملها ؛ لرجحان ~~عقله وكمال صدقه ، فيمكنه منها قبل أن تبرز معه ، ثم يربيه فيها ، وهذا ~~الذي شهدناه من أشياخنا لشدة كرمهم رضي الله عنهم وأرضاهم ورزقنا حسن ~~الأدب معهم ، فأطلق الحق تعالى الأموال بطريق الإشارة على أسرار المعاني ، ~~وأمر الشيوخ أن يرزقوهم منها شيئا فشيئا بالتدريب والتدريج ، وأن يكسوهم ~~بالشرائع ، ويحتمل أن تبقى الأموال على ظاهرها ، ويكون أمر الشيخ أن يمنعوا ~~المريدين ms0422 من أخذ الأموال قبل التمكين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 8 # 9 # قلت : الابتلاء : الاختبار ، و" آنس " : أبصر. والرشد هو كمال العقل بحيث ~~يعرف مصالح نفسه وتدبير ماله من غير تبذير ولا إفساد. و{إسرافا وبدارا} : ~~حالان من " الواو " ، أو مفعولان لأجله ، و{أن يكبروا} مفعول ببدار. PageV02P011 # يقول الحق جل جلاله : للأوصياء : واختبروا {اليتامى} قبل البلوغ بتتبع ~~أحوالهم في تصرفاتهم ، بأن يدفع لهم الدرهم والدرهمان ، فإن ظهر عليه حسن ~~التصرف زادهم قليلا قليلا ، وإن ظهر عليهم التبذير كف عنهم المال ، {حتى ~~إذا بلغوا النكاح} ، وهو البلوغ بعلامته ، {فإن آنستم} أي : أبصرتم {منهم ~~رشدا} ، وهو المعرفة بمصالحه وتدبير ماله ، وإن لم يكن من أهل الدين ~~واشترطه قوم ، {فادفعوا إليهم} حينئذ {أموالهم} من غير تأخير. {ولا تأكلوها ~~إسرافا وبدارا أن يكبروا} أي : لا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم فتزول من ~~يدكم ، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم {ومن كان غنيا فليستعفف} عن أكلها في ~~أجرة قيامه بها ، {ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} بقدر حاجته وأجر سعيه ، ~~وعنه صلى الله عليه وسلم : أن رجلا قال له : إن في حجري يتيما أفآكل من ~~ماله ؟ قال : " بالمعروف ، غير متأثل " مالا ولا واق مالك بماله ". {فإذا ~~دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا} في قبضها منكم {عليهم} ، فإنه أنفى للتهمة ~~وأبعد من الخصومة ، وهو ندب ، وقيل : فرض ، فلا يصدق في الدفع إلا ببينة ، ~~{وكفى بالله حسيبا} أي : محاسبا ، فلا تخالفوا ما أمرتم به ، ولا تجاوزوا ~~ما حد لكم. # وإنما قال : {حسيبا} ولم يقل : " شهيدا " ، مع مناسبته ، تهديدا للأوصياء ~~لئلا يكتموا شيئا من مال اليتامى ، فإذا علموا أن الله يحاسبهم على النقير ~~والقطمير ، ويعاقبهم عليه ، انزجروا عن الكتمان. والله تعالى أعلم. PageV02P012 # الإشارة : ينبغي للشيخ أن يختبر المريد في معرفته وتحقيق بغيته ، فإذا بلغ ~~مبلغ الرجال وتحققت فيه أوصاف الكمال ، بحيث تحقق فناؤه ، وكمل بقاؤه ، ~~وتمت معرفته ، فيكون تصرفه كله بالله ومن الله وإلى الله ، يفهم عن الله في ~~كل شيء ، ويأخذ النصيب من كل شيء ، ولا يأخذ من نصيبه شيئا ، قد تحلى بحلية ~~الورع ، وزال عنه ms0423 الجزع والطمع ، وزال عن قلبه خوف الخلق وهم الرزق واكتفى ~~بنظر الملك الحق ، يأخذ الحقيقة من معدنها ، والشريعة من موضعها ، فإذا ~~تحققت فيه هذه الأمور ، وأنس رشده ، فليطلق له التصرف في نفسه ، وليأمره ~~بتربية غيره ، إن رآه أهلا لذلك ، ولا ينبغي أن يحجر عليه بعد ظهور رشده ، ~~ولا يسرف عليه في الخدمة قبل رشده ، مخافة أن يزول من يده. # جزء : 2 رقم الصفحة : 9 # فإن كان غنيا عن خدمته فليستعفف عنه ، وليجعل تربيته لله اقتداء بأنبياء ~~الله. قال تعالى : {قل لآ أسئلكم عليه أجرا} [الأنعام : 90] # 10 # {ومآ أسئلكم عليه من أجر} [الشعراء : 109] ، وإن كان محتاجا إليها ~~فليستخدمه بالمعروف ، ولا يكلفه ما يشق عليه ، فإذا دفع إليه السر ، وتمكن ~~منه ، وأمره بالتربية أو التذكير فليشهد له بذلك ، ويوصي بخلافته عنه ، كي ~~تطمئن القلوب بالأخذ عنه ، {وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا} [النساء : 45]. # جزء : 2 رقم الصفحة : 9 # قلت : جملة {مما قل..} الخ ، بدل {مما ترك} ، و{نصيبا} : مصدر مؤكد كقوله ~~: {فريضة من الله} [النساء : 11] أي : نصب لهم نصيبا مقطوعا ، أو حال ، أو ~~على الاختصاص ، أعني : نصيبا مقطوعا. # يقول الحق جل جلاله : وإذا مات ميت وترك مالا فللرجال نصيب مما ترك ~~آباءهم وأقاربهم ، وللنساء نصيب مما ترك والدهن وأقاربهن كالإخوة والأخوات ~~، مما ترك ذلك الميت قل أو كثر ، {نصيبا مفروضا} واجبا محتما. PageV02P013 # روي أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي ، وترك امرأة يقال لها : (أم كحة) وثلاث ~~بنات ، فأخذ ابنا عم الميت المال ، ولم يعطيا المرأة ولا بناته شيئا ، وكان ~~أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير ولو كان ذكرا ، ويقولون : إنما ~~يرث من يحارب ويذب عن الموروث ، فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو في مسجد الفضيخ ، فقالت : يا رسول الله ؛ إن أوس بن ثابت مات ، ~~وترك بنات ثلاثا ، وأنا امرأته ، وليس عندي مال أنفقه عليهن ، وقد ترك ~~أبوهن مالا حسنا ، وهو عند سويد وعرفجة ، فدعاهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~، فقالا : يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ms0424 ، ولا يحمل سلاحا ، لا ينكأ ~~عدوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " انصرفوا حتى أرى ما يحدث الله ~~تعالى " ، فانصرفوا. فنزلت الآية. فأثبت الله لهن في الآية حقا ، ولم يبين ~~كم هو فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة : " لا تفرقا من ~~مال أوس شيئا ، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا ، ولم يبين كم هو حتى أنظر ~~ما ينزل الله تعالى " ، فأنزل الله تعالى بعد : {يوصيكم الله في أولادكم} ~~[النساء : 11]... إلى قوله... {الفوز العظيم} [النساء : 13]. فأرسل إليهما ~~: " أن ادفعا إلى أم كحة الثمن ، وإلى بناته الثلثين ، ولكما باقي المال ". ~~الإشارة : كما جعل الله للنساء نصيبا من الميراث الحسي جعل لهن نصيبا من ~~الميراث المعنوي ، وهو السر ، إن صحبت أهل السر ، وكان لها أبو الروحانية ، ~~وهو الشيخ ، فللرجال نصيب مما ترك لهم أشياخهم من سر الولاية ، وللنساء ~~كذلك على قدر ما سبق في القسمة الأزلية ، قليلة كانت أو كثيرة ، نصيبا ~~مفروضا معينا في علم الله # 11 PageV02P014 ~~وقدره ، وقد سواهن الله تعالى مع الرجال في آية السير ، فقال : {إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب : 35] إلى آخر الآية ، ~~فمن صار منهن مع الرجال أدرك ما أدركوا. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 # قلت : الضمير في {منه} : يعود على المقسوم المفهوم من القسمة. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا حضر} معكم في قسمة التركة ذوو القرابة ممن لا ~~يرث ، كالأخوال والخالات والعمات ، {واليتامى والمساكين فارزقوهم} أي : ~~فأعطوهم شيئا من المال المقسوم تطييبا لقلوبهم. فإن كان المال لغيركم ، أو ~~كان الورثة غير بالغين ، فقولوا لهم {قولا معروفا} ، بأن تعلموهم أن المال ~~لغيرنا ، ولو كان لنا لأعطيانكم ، والله يرزقنا وإياكم. # واختلف في هذا الأمر ، هل للندب وهو المشهور أو للوجوب ونسخ بآية ~~المواريث ؟ وقيل : لم ينسخ ، وهي مما تهاون الناس بها. والله تعالى أعلم. # الإشارة : يقول الحق جل جلاله لخواص أحبابه : إذا دارت الكؤوس بخمرة ~~الملك القدوس ، وتعاطيتهم قسمتها بين أرواحكم حتى امتلأت جميع أشباحكم ، ~~وروت منها عروقكم ، وحضر معكم من ليس من أبناء ms0425 جنسكم ، ممن لا يحل شرب ~~خمرتكم ، فإن كان من أهل المحبة والوداد ، أو من له بكم قرابة واستناد ، ~~فلا تحرموه من شراب خمرتكم ، ولا من نفحات نسمتكم ، فإنكم قوم لا يشقى ~~جليسكم ، فارزقوه من ثمار علومكم ، واسقوه من شراب خمرتكم ، وذكروه بالله ، ~~وقولوا له ما يدله على الله ، ويوصله إلى حضرة الله ، وهذا هو القول ~~المعروف ، الذي هو بالنصح موصوف. PageV02P015 # روي أن أبا هريرة رضي الله عنه نادى في سوق المدينة : يا معشر التجار ، ~~اذهبوا إلى المسجد ، فأن تركة محمد تقسم فيه ، لتأخذوا حقكم منها مع الناس ~~قبل أن تنفد ، فذهب التجار إلى المسجد النبوي ، فوجدوه معمورا بالناس ، ~~بعضهم يصلي ، وبعضهم يتلو ، وبعضهم يذكر ، وبعضهم يعلم العلم ، فقالوا : يا ~~أبا هريرة ، ليس هنا ما ذكرت من قسم التركة! فقال لهم : (هذه تركة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، لا ما أنتم عليه من جمع الأموال) أو كما قال رضي الله عنه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 11 # 12 # قلت : هنا شرطية ، تخلص للاستقبال ، وجوابها : {خافوا} ، وحذف مفعول ~~{يخشى} للعموم ، فيصدق بخشية العذاب وخشية العتاب وخشية البعد عن الأحباب ، ~~على حساب حال المخاطبين بهذه الخشية. # يقول الحق جل جلاله : للأوصياء الذين في ولايتهم أولاد الناس : {وليخش} ~~الذين يتولون يتامى الناس ، فليحفظوا مالهم ، وليحسنوا تنميته لهم ولا ~~يضيعوه ، وليخافوا عليهم الضيعة ، كما يخافون على أولادهم ، فإنهم لو ماتوا ~~وتركوا {ذرية ضعافا خافوا عليهم} ، فكما يخافون على أولادهم بعدهم كذلك ~~يخافون على أولاد الناس ، {فليتقوا الله} في شأنهم ، وليحفظوا عليهم ~~أموالهم ، وليرفقوا بهم ويلاطفوهم في الكلام ، كما يحبون أن يلاطف بأولادهم ~~، {وليقولوا} لهم {قولا سديدا} أي : عدلا صوابا بالشفقة وحسن الأدب. # وقيل : الخطاب لمن حضر المريض عند الإيصاء فيقولون له : قدم لنفسك ، أعتق ~~، تصدق ، أعط كذا ، حتى يستغرق ماله ، فنهاهم الحق تعالى عن ذلك ، وقال ~~لهم : كما تخافون الضيعة على أولادكم بعدكم خافوا على أولاد الناس ، ~~فليتقوا الله في أمر المريض بإعطاء ماله كله ، {وليقولوا قولا سديدا} : ~~عدلا ، وهو الثلث ، وقيل : للمؤمنين كلهم عند موتهم ms0426 ، بأن ينظروا للورثة ، ~~فلا يسرفوا في الوصية بمجاوزة الثلث. والله تعالى أعلم. PageV02P016 # الإشارة : أمر الحق جل جلاله أهل التربية النبوية إذا خافوا على أولادهم ~~الروحانيين أن ينقطعوا بعد موتهم ، أن يمدوهم بالمدد الأبهر ، ويدلوهم على ~~الغني الأكبر ، حتى يتركوهم أغنياء بالله ، قد اكتفوا عن كل أحد سواه ، ~~مخافة أن يسقطوا بعد موتهم في يد من يلعب بهم ، فليتقوا الله في شأنهم ، ~~وليدلوهم على ربهم ، وهو القول السديد. # وينسحب حكمها على أولاد البشرية ، فمن خاف على أولاده بعد موته ، فليتق ~~الله وليكثر من طاعة الله ، وليحسن إلى عباد الله ، في أشباحهم وأرواحهم ~~أما أشباحهم فيطعمهم مما خوله الله ، ففي بعض الأثر عنه عليه الصلاة ~~والسلام : " ما أحسن عبد الصدقة في ماله إلا أحسن الله الخلافة على تركته " ~~وأما الإحسان إلى أرواحهم ، فيدلهم على الله ، ويرشدهم إلى طاعة الله ، ~~ويعلمهم أحكام دين الله. فمن فعل هذا تولى الله حفظ ذريته من بعده ، ~~فيعيشون في حفظ ورعاية وعز ونصر ، كما هو مشاهد في أولاد الصالحين ، قال ~~تعالى : {وهو يتولى الصالحين} [الأعراف : 196] ، وتذكر قوله تعالى : {وكان ~~أبوهما صالحا} [الكهف : 82]. # جزء : 2 رقم الصفحة : 12 # وقال القشيري في هذه الآية : إن الذي ينبغي للمسلم أن يدخر لعياله التقوى ~~والصلاح ، لا المال ، لأنه لم يقل فليجمعوا لهم المال ، وليكثروا لهم العقار # 13 # والأسباب ، وليخلفوا العبيد والأثاث ، بل قال : {فليتقوا الله} فإنه ~~يتولى الصالحين. ه المراد منه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 12 # قلت : {ظلما} : تمييز ، أو مفعول لأجله. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} من غير موجب ~~شرعي ، {إنما يأكلون في بطونهم نارا} ، أي : ما يجر إلى النار ويؤول إليها. PageV02P017 # وعن أبي برزة أنه صلى الله عليه وسلم قال : " يبعث الله أقواما من قبورهم ~~تتأجج أفواههم نارا " ، فقيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : " ألم تر أن ~~الله يقول : {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا وسيصلون سعيرا} " أي : يحترقون في نار ، وأي نار!! والصلى : هو الشي ، ~~تقول : صليت ms0427 الشيء : شويته ، وأصليته وصليته ، وذكر البطون مبالغة وتهجين ~~لحالهم. # الإشارة : حذر الحق جل جلاله أهل الدعوى ، الذين نصبوا أنفسهم للشيخوخة ~~، وادعوا مقام التربية ، مع كونهم جهالا بالله ، محجوبين عن شهود أسرار ~~التوحيد ، أن يأخذوا أموال الضعفاء ؛ الذين تعلقوا بهم ؛ لأنهم إنما يدفعون ~~لهم ذلك طمعا في الوصول إلى الله. وهم ليسوا أهلا لذلك ، فإذا أكلوا ذلك ~~فإنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ، وهو تكثيف الحجاب ، وزيادة ~~العنت والتعب ، إن أقبل عليهم الناس فرحوا واستبشروا ، وإن أدبروا عنهم ~~حزنوا وغضبوا ، فأي عذاب أعظم من هذا!!. # فتحصل من أول الآية إلى آخرها ، أن الحق تعالى أمر أهل الغني الأكبر ، ~~وهم الذين أهلهم للتربية النبوية ، بأن سلكوا الطريق وأشرقت عليهم شموس ~~التحقيق على يد شيخ كامل ، بالاستعفاف ، ولا يأخذ إلا قدر الحاجة ، من ~~أموال من انتسب إليهم ، وسد الباب لأهل الدعوى ، لإنه من أكل أموال الناس ~~بالباطل ، لأنه يعطى على وجه لم يوجد في المعطى إليه ، إلا إذا كان وجه ~~الصدقة المحضة ، مع أنه قد يكون غير مستحق لها. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 13 # {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين...} # يقول الحق جل جلاله : {يوصيكم الله} أي : يأمركم ويعهد إليكم ، {في ~~أولادكم} ، أي : في بيان ميراثهم ، ثم فصله فقال {للذكر مثل حظ الأنثيين} ، أي يعد # 13 PageV02P018 ~~كل ذكر بأنثيين ، فإذا ترك ابنا وبنتا ، كانت من ثلاثة للذكر سهمان وللبنت ~~سهم ، وإذا ترك ابنا وبنتين فله قسمتان ، ولكل واحدة قسمة ، وهكذا ، قال ~~ابن جزي : هذه الآية نزلت بسبب سعد بن الربيع ، وقيل : بسبب جابر بن عبد ~~الله ، إذ عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ؛ ورفعت ما كان في ~~الجاهلية من ترك توريث النساء والأطفال. وقيل : نسخت الوصية للوالدين ~~والأقربين. # وإنما قال : {يوصيكم} بلفظ الفعل الدائم ، ولم يقل : أوصاكم ، تنبيها على ~~نسخ ما مضى ، والشروع في حكم آخر ، وإنما قال : {يوصيكم} بالاسم الظاهر ، ~~أي : {الله} ولم يقل : نوصيكم ، لأنه أراد تعظيم الوصية ، فجاء بالاسم الذي ~~هو ms0428 أعظم الأسماء ، وإنما قال : {في أولادكم} ولم يقل : في أبنائكم ؛ لأن ~~الابن يقع على الابن من الرضاعة ، وعلى ابن البنت ، وعلى الابن المتبنى ، ~~وليسوا من الورثة ، فإن قيل : هلا قال : للأنثيين مثل حظ الذكر ، أو للأنثى ~~نصف حظ الذكر ؟ ، فالجواب ، أنه بدأ بالذكر لفضله ، ولأن القصد ذكر حظه ، ~~ولو قال للأنثيين مثل حظ الذكر لكان فيه تفضيل للإناث. ه. # الأشارة : كما أوصى الله تعالى في أولاد البشرية ، أوصى على أولاد ~~الروحانية ، ويقع التفضيل في قسمة الإمداد على حسب التعظيم والمحبة والعطف ~~من الشيخ ، فبقدر ما يقع في قلب الشيخ ، يسري إليه المدد ، فقد يأخذ مثل حظ ~~رجلين أو أكثر ، على حسب ما سبق من القسمة الأزلية. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 13 # ثم ذكر حكم البنات إذا انفردن ، فقال : # {...فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها ~~النصف...} # قلت : أنث الضمير {كن} باعتبار الخبر ، أو يعود على المتروكات ، وما قاله ~~الزمخشري بعيد. ومن قرأ {واحدة} بالرفع ، ففاعل كان التامة ، ومن قرأ ~~بالنصب فخبر كان. PageV02P019 # يقول الحق جل جلاله : فإن كان المتروك من الأولاد {نساء} ليس معهن ذكور ~~{فوق اثنتين} أي : اثنتين فما فوق ، {فلهن ثلثا ما ترك} ، والباقي للعاصب ، ~~وأخذ ابن عباس بظاهر الآية ، فأعطاهما النصف كالواحدة ، والجمهور على خلافه ~~، وأن لفظ {فوق} زائدة كقوله {فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال : 12] ، وقيل ~~: أخذ الثلثين بالسنة ، وإن {كانت} بنتا {واحدة فلها النصف} ، والباقي ~~للعاصب ، وفيه دليل على أن الابن يأخذ جميع المال إذا انفرد ؛ لأن له مثل ~~حظ الأنثيين. # الإشارة : انظر البنت ، إذا انفردت أخذت النصف ، وإذا اجتمعت مع غيرها ~~نقص لها ، كذلك أمداد الأشياخ ، من انفرد عددهم وحده ، أخذ أكثر مما إذا ~~اجتمع مع غيره ، لانجماع نظر الشيخ إليه ، وكان شيخنا رضي الله عنه يقول له ~~شيخه : ما زال يأتيك # 15 # الرجال أي : إخوانك من الفقراء وكان وحده ، فيقول له : الله لا يجعل ~~أحدا يأتي حتى نشبع. وكذلك أيضا ، انفراد العبد بالعبادة ، في وقت الغفلة ms0429 ، ~~مددها أعظم من كونه مع غيره ، كالمجاهد خلف الفارين. وكذلك قال عليه الصلاة ~~والسلام : " طوبى للغرباء " والله تعالى أعلم. # ثم ذكرت ميراث الأبوين ، فقال : # {...ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ~~ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي ~~بهآ أو دين...} # قلت : {السدس} مبتدأ ، و{لأبويه} خبر ، {لكل واحد} ، بدل من {أبويه} ، ~~ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان في السدس ، ولو قال : لأبويه السدس ؛ ~~لأوهم الاشتراك. PageV02P020 # يقول الحق جل جلاله : إذا مات الولد ، وترك أبويه ، فلكل {واحد منهما السدس ~~إن كان له ولد} ذكرا أو أنثى ، واحدا أو متعددا ، للصلب أو ولد ابن ، فكلهم ~~يردون الأبوين للسدس ، {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه} فقط ، {فلأمه ~~الثلث} ، والباقي للأب ، {فإن كان له أخوة} ، أي : أخوان فأكثر ، سواء ~~كانوا أشقاء أو لأب أو لأم ، أو مختلفين ، {فلأمه السدس} ، والباقي للأب ، ~~ولا شيء للأخوة معه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 13 # وأخذ ابن عباس بظاهر الآية. فلم يحجبها للسدس باثنين ، وجعلها كالواحد ، ~~واحتج بأن لفظ الإخوة جمع ، وأقله ثلاثة ، وأجيب بأن لفظ الجمع ، يقع على ~~الاثنين كقوله {وكنا لحكمهم شاهدين} [الأنبياء : 78] ، {إذ تسوروا المحراب} ~~[ص : 21] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم " الاثنان فما فوقهما جماعة " وهذا ~~كله ، بعد إخراج الوصية وقضاء الدين ، وإنما قدم الحق تعالى الوصية على ~~الدين ، مع كون الدين مقدما في القضاء من رأس المال ؛ لأن أرباب الدين ~~أقوياء ، بخلاف الموصى لهم ، فقدمهم اعتناء بهم. # الإشارة : الروح كالأب ، والبشرية كالأم ، وعقد الصحبة مع الشيخ كالولد ، ~~فأن كان الإنسان له صحبة مع شيخ التربية ، يعني له ورد منه ، فالبشرية ~~والروحانية سواء ، إذ كلاهما يتهذبان ويتنوران بالأدب والمعرفة ؛ الأدب ~~للبشرية ، والمعرفة للروحانية ، إذ استمد بالطاعة الظاهر استمد الباطن ، ~~وبالعكس ، وأن لم يكن عقد الصحبة موجودا كان ميراث البشرية من الحس أقوى ~~كميراث الأم مع فقد الولد ، أو تقول : الإنسان مركب من حس ومعنى ، فالحس ~~كالأم ، والمعنى كالأب ، لأن ms0430 المعاني قائمة بالحس ، والروح تستمد منها معا ~~، فهي كالولد بينهما ، فإن كانت الروح حية بوجود المعرفة ، استمدت منهما ~~معا ، وإن كانت ميتة ، كان استمدادها من الحس أكثر ، كموت الولد في ميراث الأم. # 16 PageV02P021 ~~أو تقول : الإنسان بين قدرة وحكمة ، القدرة كالأب ، والحكمة كالأم ، والقلب ~~بينهما كالولد ، فإن وجد القلب استمدت الروح من القدرة والحكمة ، واستوى ~~نظرها فيهما. وإن فقد القلب غلب على الروح ميراث الحكمة ، كفقد الولد في ~~ميراث الأم ، وإن كان للقلب أخوة من الأنوار والأسرار بهما فللروح من ميراث ~~الحكمة السدس ، والباقي كله للقدرة ، ولا يعرف هذا إلا من حقق معرفة القدرة ~~والحكمة ، ذوقا وكشفا ، وإلا.. فليسلم لأهل المعرفة. والله تعالى أعلم. # ثم ذكر الحق تعالى حكمة تقسيم تركة الأب والابن على ما فرض ، وأن ذلك لا ~~يعلمه إلا هو : فقال : # {...آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله ~~كان عليما حكيما} # يقول الحق جل جلاله : قد بينت لكم ما يرث الأب من ابنه ، وما يرث الولد ~~من أبيه ، ولو وكلت ذلك إليكم لأفسدتم القسمة ؛ لأنكم {لا تدرون أيهم أقرب ~~لكم نفعا} للأخر ، هل الأب أقرب نفعا لابنه ، فتعطوه الميراث كله دون ولد ~~الميت ، أو الولد أقرب نفعا لأبيه ، من الأب لابنه ، فتخصونه بالإرث ، ~~ففرضت ميران الأب وميراث الولد ، ولم نكل ذلك إليكم. {فريضة} حاصلة {من ~~الله} ، {إن الله كان عليما} بمصالح العباد {حكيما} بما فرض وقدر. # جزء : 2 رقم الصفحة : 13 # وقال ابن عباس : لا تدرون أيهم أطوع لله عز وجل من الآباء والأبناء ، ~~وأرفعكم درجة يوم القيامة ، لأن الله تعالى يشفع المؤمنين في بعضهم بعضا ، ~~فيشفع الولد في والديه ، إن كان أرفع درجة منهما ، فيرفعهما الله إليه ، ~~ويشفع الوالدين في ولدهما ، إن كانا أرفع درجة منه ، فيرتفع إليهما لتقر ~~بذلك أعينهما ، ه. بالمعنى. PageV02P022 # الإشارة : الإنسان لا تقوم روحانيته إلا ببشريته ، إلا بروحانيته ، فلا ~~يدري أيهما أقرب له نفعا ، لأن البشرية محل للعبودية ، والروحانية محل ~~لشهود عظمة الربوبية ، ولا بد للجمع بينهما ms0431 ، وكذلك الحس ، لا يقوم إلا ~~بالمعنى ، والمعنى لا يقوم إلا بالحس ، فلا تدري أيهما أقرب نفعا لك أيها ~~المريد ، فتؤثره ، وإن كانت المعاني هي المقصودة بالسير ، لكن لا تقوم إلا ~~بوجود الحس ، فلا بد من ملاحظته. # وقال الورتجبي هنا ما نصه : أشكل الأمر من تلك الطائفتين ، أيهم يبلغ ~~درجة الولاية والمعرفة الموجبة مشاهدة الله وقربته ، التي لو وقعت ذرة منها ~~لأحد من هذه الأمة لينجو بشفاعته سبعون الفا بغير حساب ، أي : اخدموا ~~آباءكم وارحموا أولادكم ، فربما يخرج منهم صاحب الولاية ، ليشفع لكم عند ~~الله تعالى ، وحكمة الإبهام ههنا ؛ ليشمل الرحمة والشفقة على الجمهور ، ~~لتوقع ذلك الولي الصادق. ه. # 17 # قلت : فسر الآباء والأبناء بالحسيين ، وتشمل الآية أيضا الآباء والأبناء ~~المعنويين والروحانيين. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 13 # {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بهآ أو ~~دين...} # يقول الحق جل جلاله : {ولكم} أيها الأزواج ، من ميراث أزواجكم {نصف} ما ~~تركن {إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد} وارث ، ذكرا أو أنثى ، مفردا أو ~~متعددا ، من بطنها أو من صلب بنيها أو بني بنيها وإن سفل ، منكم أو من ~~غيركم ، {فلكم الربع مما تركن} ، بعد قضاء الدين وإخراج الوصية. PageV02P023 # {ولهن} أي : الزوجات من ميراث الزوج {الربع} مما ترك {إن لم يكن} له ولد لا ~~حق ، ذكرا أو أنثى ، على وزان ما تقدم في الزوجة ، {فإن كان لكم ولد فلهن ~~الثمن} تنفرد به إن كانت واحدة ، ويقسم بينهن إن تعددن ، ولا ينقص لأهل ~~السهام مما فرض الله لهم إلا ما نقصه العول على مذهب الجمهور ، خلافا لابن ~~عباس ، فإنه لا يقول بالعول. # فإن قيل : لم كرر قوله : {من بعد وصية} مع ميراث الزوج وميراث الزوجة ، ~~ولم يذكره قبل ذلك ms0432 إلا مرة واحدة في ميراث الأولاد والأبوين ؟ فالجواب : أن ~~الموروث في ميراث الزوج هو الزوجة ، والموروث في ميراث الزوجة هو الزوج ، ~~فكل واحدة قضية مستقلة ، فلذلك ذكر مع كل واحدة ، بخلاف الأول ؛ فأن ~~الموروث فيه واحد ، ذكر حكم ما يرث منه أولاده وأبواه ، وهي قضية واحدة ، ~~فلذلك قال فيه : {من بعد وصية} مرة واحدة. قاله ابن جزي. قال البيضاوي : ~~فرض للرجل بحق الزواج ضعف ما للمرأة كما في النسب ، وهكذا قياس كل رجل ~~وامرأة ، إذا اشتركا في الجهة والقرب ، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم ~~والمعتق والمعتقة. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 18 # الأشارة : إذا ماتت النفس ، ولم تبق لها بقية ، وورثت الروح ما كان لها ~~من العلوم الكسبية : النقلية والعقلية ، وأضافته إلى مالها من العلوم ~~الوهبية ، فانقلب الجميع وهبيا ، قال بعض شيوخ أشياخنا : (كنت أعرف أربعة ~~عشر علما ، فلما دخلت علم الحقيقة شرطت ذلك كله ، فلم يبقى إلا الكتاب ~~والسنة) ، أو كما قال : وقال أبو سليمان الداراني : إذا اعتقدت النفوس على ~~ترك الآثام ، جالت في الملكوت ، ثم عادت إلى صاحبها بطرائف العلوم ، من غير ~~أن يؤدي إليها عالم علما. # 18 PageV02P024 ~~فإن بقي للنفس بقية ، نقص ميراث الروح منها ، بقدر البقية ، كما أن الزوج ~~ينقص ميراثه مع الفرع ، وكذلك إذا ماتت الروح بالرجوع عن طريق الجد ، ورثت ~~النفس ما كان لها من العلوم الوهبية ، والمعاني والأسرار القدسية ، فتأكلها ~~، وتردها نقلية حسية ، بعد أن كانت وهبية ذوقية ، فتتحسس المعاني ، وتتكثف ~~الأواني. والعياذ بالله من السلب بعد العطاء ، إلا أن ميراث النفس من الروح ~~أقوى ، فإن بقي للروح شيء من الحياة ، نقص ميراث النفس منها ، كنقص الزوجة ~~مع الفرع من ميراث الزوج ، والله تعالى أعلم. # ثم ذكر ميراث الأخ للأخ ، فقال : # {...وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما ~~السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث من بعد وصية يوصى بهآ أو ~~دين غير مضآر وصية من الله والله عليم حليم} # قلت : الكلالة ms0433 : انقطاع النسل ، بحيث لم يبقى للميت فرع ولا أصل ، لا ذكر ~~ولا أنثى ، وهو مصدر من تكلله النسب ، إذا أحاط به كالإكليل ، لأن ورثته ~~أحاطوا به وليسوا منه. ونظم بعضهم معنى الكلالة ، فقال : # إن امرؤ يسأل عن كلالة # هو انقطاع النسل لآ محاله # لا والد يبقى ولا مولود # قد هلك الأبناء والجدود PageV02P025 ~~فتحتمل أن تطلق هنا على الميت ، أو على الورثة ، أو على الوراثة ، أو على ~~القرابة أو على المال. فإن كانت على الميت ، فإعرابه خبر كان ، و{يورث} صفة ~~، أو {يورث} خبر كان ، و{كلالة} حال من الضمير في {يورث} ، أو " كان " تامة ~~، و{يورث} صفة و{كلالة} حال من الضمير. وإن كانت على الورثة ، فهو خبر كان ~~، على حذف مضاف ؛ أي : ذا كلالة ، وإن كانت الوراثة فهو مصدر في موضع الحال ~~، وإن كانت القرابة ، فهو مفعول من أجله ، أي : يورث من أجل القرابة. وإن ~~كانت للمال ، فهو مفعول ثان ليورث ، وكل من هذه يحتمل أن تكون " كان " تامة ~~أو ناقصة. قاله ابن جزي. و{غير مضار} ، منصوب على الحال ، أو العامل فيه ~~{يوصى} ، و{مضار} أسم فاعل ، ووصية : مصدر ليوصي ، أو مفعول {مضار}. # جزء : 2 رقم الصفحة : 18 # يقول الحق جل جلاله : وإن كان الميث رجلا أو امرأة ، يورثان كلالة ، بحيث ~~لا فرع لهما ولا أصل ، قد انقطع عمود نسبهما ، ولهما أخ أو أخت لأم {فلكل ~~واحد منهما السدس}. {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} ، الذكر ~~والأنثى سواء ، لأن الإدلاء للميت بمحض الأنوثة ، ومفهوم الآية : أنهما لا ~~يرثان مع الأم والجدة ، كما لا يرثان مع البنت وبنت الابن ، إذ ليس حينئذ ~~بكلالة ، وإنما قيدنا الأخ والأخت بكونهما # 19 # للأم لأن الأخ الشقيق أو للأب سيأتي في آخر السورة. والأخت تقدم أن لها ~~النصف ، وأيضا : قد قرأ سعد بن أبي وقاص ، وابن مسعود ، : " وله أخ أو أخت لأم ". PageV02P026 # وهذا كله {من بعد وصية يوصى بها أو دين} حال كونه {غير مضار} في الوصية أو ~~الدين ، كالوصية بأكثر من الثلث ، أو للوارث ، أو ms0434 فرارا منه ، فإن علم أنه ~~قصد الإضرار ، رد ما زاد على الثلث ، واختلف في رد الثلث على قولين. قاله ~~ابن جزي. {وصية من الله} ، أي : نوصيكم وصية ، أو غير مضار وصية من الله. ~~قال ابن عباس : (الإضرار في الوصية من الكبائر). {والله عليم} بمصالح عباده ~~، يقسم المال على حسب المصلحة ، {حليم} لا يعاجل بالعقوبة من خالف حدوده. # الإشارة : اعلم أن الأخوة في الشيخ كالأخوة في النسب ، لأنهم يرضعون من ~~ثدي واحدة ولبن واحد ، فإن مات أحدهم ، ورث أخوه المدد الذي كان يأخذه من ~~شيخه ، وكذا إذا رجع فإنه موت فينقلب المدد إلى أخيه ، ومثاله كماء فرق ~~على قواديس ، فإذا انسدت إحدى القواديس رجع الماء إلى الأخرى ، فإن كانوا ~~أكثر من واحد فهم شركاء في ذلك المدد ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 18 # قلت : توحيد الضمير في {ندخله} مراعاة للفظ {من}. وجمع الحال في {خالدين} ~~مراعاة للمعنى. و{خالدين} و{خالدا} : حال مقدرة من ضمير {ندخله} ، كقولك ، ~~كقولك : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، وليسا صفتين لجنات ونارا ، وإلا ~~لوجب إبراز الضمير ؛ لأنهما جرتا على غير من هما له. PageV02P027 # يقول الحق جل جلاله : {تلك} الأحكام التي شرعناها لكم في أمر الوصايا ~~والمواريث ، هي {حدود الله} حدها لكم لتقفوا معها ولا تتعدوها {ومن يطع ~~الله} فيما أمر به وحده {ورسوله} فيما شرعه وسنه {ندخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز} أي : الفلاح {العظيم} ، {ومن يعص الله} ~~فيما أمر ونهى ، {ورسوله} فيما شرعه ، {ويتعد حدوده} التي حدها ، فتجاوز ~~إلى متابعة هواه ، {ندخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}. وهذا إذا أنكر ~~مشروعيتها فيكون كافرا ، وإلا كان عاصيا في حكم المشيئة ، ومذهب أهل السنة ~~أنه لا يخلد ، وحملوا الآية على الكافر ، أو عبارة عن طول المدة ، كما في ~~قاتل النفس. والله أعلم. # 20 # الإشارة : قد حد الحق جل جلاله لأهل الشريعة الظاهرة حدودا قام ببيانها ~~العلماء ، وحد لأهل الحقيقة وهي سر الولاية حدودا ، قام بها الأولياء ، ~~فمن قام بحدود ms0435 الشريعة الظاهرة كان من المؤمنين الصالحين ، ومن تعداها كان ~~من العاصين الظالمين ، ومن قام بحدود الحقيقة الباطنية ، وصحب أهلها كان ~~المحسنين العارفين المقربين ، ودخل جنة المعارف ، ومن تعد حدود الحقيقة ، ~~أو لم يصحب أهلها كان من عوام أهل اليمين ، وله عذاب الحجاب في غم الحساب ، ~~وقال في الحاشية : في حد حدوده إشارة للعبودية ، في إخراج كل عن نظره ~~واختياره ، ثم انقياده وذلته لحكم ربه ، والوقوف عند حدوده. # وقال الورتجبي : قيل : {تلك حدود الله} أي : الإظهار من الأحوال للمريدين ~~على حسب طاقتهم لها ، فإن التعدي فيها يهلكهم ، وقال أبو عثمان : ما هلك ~~امرؤ لزم حده ولم يتعد طوره. ه. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء ~~الطريق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 20 PageV02P028 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} النساء {اللاتي يأتين الفاحشة} أي : الزنى ، سمي ~~فاحشة لفحش قبحه وبشاعة فعله شرعا ، {من نسائكم} المسلمات ، {فاستشهدوا ~~عليهن} أي : اطلبوا من رماهن بذلك أن يشهدوا {عليهن أربعة منكم} ، أي : من ~~عدول المؤمنين يرونهما كالمرود في المكحلة ، وإنما جعلوا أربعة مبالغة في ~~الستر على المؤمن ، أو ليكون على كل حال واحد اثنان ، {فإن شهدوا} عليهن ~~بذلك {فأمسكوهن في البيوت} ، واجعلوه سجنا لهن {حتى يتوفاهن الموت} أي : ~~يستوفي أجلهن الموت ، أو يتوفاهن ملك الموت ، {أو يجعل الله لهن سبيلا} ~~كتعيين الحد المخلص من السجن ، وكان هذا في أول الإسلام ثم نسخ بما في سورة ~~النور من الحدود ، ويحتمل أن يراد التوصية بإمساكهن بعد أن يجلدن كي لا ~~يعدن إلى الزنى بسبب الخروج والتعرض للرجال. # واكتفى بذكر حدهن ، بما في سورة النور ، وهذا الإمساك كان خاصا بالنساء ~~بدليل قوله {واللذان يأتيانها منكم} أي : الزاني والزانية منكم ، {فآذوهما} ~~بالتوبيخ والتقريع # 21 # {فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} أي : اقطعوا عنهما الأذى ، أو أعرضوا ~~عنهما بالإغماض عن ذكر مساوئهما. # قيل : إن هذه الآية سابقة على الأولى نزولا ، وكان عقوبة الزنى الأذى ثم ~~الحبس ثم الجلد ، وقيل ، الحبس في المساحقات ، والإيذاء في اللواطين ، وما ~~في سورة النور في الزناة. والذي يظهر. أن ms0436 الحكم كان في أول الإسلام في ~~الزنا : الإمساك للنساء في البيوت بعد الإيذاء بالتوبيخ ، فتمسك في بيتها ~~حتى تموت ، أو يجعل الله لها سبيلا بالتزوج بمن يعفها عنه. والإيذاء للرجال ~~بالتعيير والتقريع والتحجيم حتى تتحقق توبته ، ثم نسخ ذلك كله بالحدود ، ~~وهو جلد البكر مائة وتغريبة عاما ورجم المحصن. والله تعالى أعلم. PageV02P029 # الإشارة : ينبغي للعبد ، إذا طغت عليه نفسه ، وأرادت ارتكاب الفواحش ، أن ~~يستشهد عليها الحفظة ، الذين يحفظون عليه تلك المعاصي ، فإن لم تستح ، ~~فليعاقبها بالحبس في سجن الجوع والخلوة والصمت ، حتى تموت عن تلك الشهوات ، ~~أو يجعل الله لها طريقا بالوصول إلى شيخ يغيبه عنها ، أو بوارد قوي من خوف ~~مزعج أو شوق مقلق ، فإن تابت وأصلحت ، أعرض عنها واشتغل بذكر الله ، ثم ~~يغيب عما سواه. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 21 # يقول الحق جل جلاله : {إنما التوبة} التي يستحق {على الله} قبولها فضلا ~~وإحسانا هي {للذين يعملون السوء} أي : المعاصي متلبسين {بجهالة} أي : سفاهة ~~وجهل وسوء أدب ، فكل من اشتغل بالمعصية فهو جاهل بالله ، قد انتزع منه ~~الإيمان حتى يفرغ ، وإن كان عالما بكونها معصية ، {ثم يتوبون} بعد تلك ~~المعصية {من قريب} أي : من زمن قريب ، وهو قبل حضور الموت ؛ لقوله بعد : ~~{حتى إذا حضر أحدهم الموت} ، وقوله عليه الصلاة والسلام : " إن الله يقبل ~~توبة العبد ما لم يغرغر " وإنما جعله قريبا لأن الدنيا سريعة الزوال ، ~~متاعها قليل وزمانها قريب ، {فأولئك يتوب الله عليهم} تصديقا لوعده المتقدم ~~، {وكان الله عليما} بإخلاصهم التوبة ، {حكيما} في ترك معاقبة التائب ، إذ ~~الحكمة هي وضع الشيء في محله. # 22 PageV02P030 ~~وعن الحسن : قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " لما أهبط إبليس قال : ~~وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده ، قال الله تعالى : ~~وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها " وعن أبي سعيد الخدري ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الشيطان قال : وعزتك لا أبرح أغوى ~~عبادك ، ما دامت أرواحهم في أجسادهم. قال الله ms0437 تعالى : وعزتي وجلالي ~~وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ". قال ابن جزي : وإذا تاب ~~العبد توبة صحيحة بشروطها ، فيقطع بقبول توبت عند جمهور العلماء. وقال أبو ~~المعالي : يغلب ذلك على الظن ولا يقعطع. ه. # {وليست التوبة} مقبولة {للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت} ~~أي : بلغت الحلقوم {قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار} فلا توبة ~~لهم ، {أولئك أعتدنا} أي : أعددنا وهيأنا {لهم عذابا أليما} ، قال البيضاوي ~~: سوى الحق تعالى بين من سوف التوبة إلى حضور الموت من الفسقة ، وبين من ~~مات على الكفر في نفي التوبة ؛ للمبالغة في عدم الاعتداد به في تلك الحالة ~~، وكأنه يقول : توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء. وقيل : المراد بالذين ~~يعملون السوء : عصاة المؤمنين ، وبالذين يعملون السيئات : المنافقون ؛ ~~لتضاعف كفرهم ، وبالذين يموتون : الكفار. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 22 # الإشارة : توبة العوام ليست كتوبة الخواص ، إن الله يمهل العوام ترغيبا ~~لهم في الرجوع ، ويعاقب الخواص على التأخير على قدر مقامهم في القرب من ~~الحضرة ، فكلما عظم القرب عظمت المحاسبة على ترك المراقبة ، منهم من يسامح ~~له في لحظة ، ومنهم في ساعة ، ومنهم في ساعتين ، على قدر المقام ، ثم ~~يعاتبهم ويردهم إلى الحضرة. PageV02P031 # وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته : {إنما التوبة على ~~الله} أي : إنما الهداية بعد الذلة ، على الله ؛ لأنه الذي يخلص من قهره ~~بكرمه الفياض وبرحمته التي غلبت غضبه ، كما قال تعالى : {كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة} [الأنعام : 54] ، ونبه على وقوع الذنب بهم قهرا ، ثم تداركهم ~~بالهداية والإنابة ، فضلا على علمه بتربيتهم وتدريجهم لمعرفته بالعلم ~~والحكمة بقوله : {وكان الله عليما حكيما}. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 22 # {يا أيها ألذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة...} # قلت : أصل العضل : التضييق ، يقال : عضلت الدجاجة ببيضها إذا ضاقت ، ثم ~~أطلق عرفا على منع المرأة من التزوج. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} ms0438 لا يحل لكم أن تمنعوا النساء ~~من النكاح لترثوا ما لهن {كرها}. قال ابن عباس : كانوا في الجاهلية إذا مات ~~الرجل ، وله # 23 PageV02P032 ~~امرأة كان قريبه من عصبته أحق بها من نفسها ومن غيره ، فإن شاء تزوجها من ~~غير صداق ، إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها غيره وأخذ ~~صداقها ولم يعطها شيئا ، وإن شاء عضلها وضيق عليها لتفتدى منه بما ورثت من ~~الميت ، أو تموت فيرثها ، وإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقي ولي زوجها ثوبه ~~عليها فهي أحق بنفسها. فكانوا على ذلك في أول الإسلام ، حتى توفي أبو قيس ~~بن الأسلت الأنصاري ، وترك امرأته " كبشة بنت معن الأنصارية " ، فقام ابن ~~له من غيرها فطرح ثوبه عليها ، تم تركها ولم يقربها ، ولم ينفق عليها ، ~~يضارها لتفتدى منه ، فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول ~~الله ؛ إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه ، وقد أضر بي وطول علي ، فلا هو ~~ينفق علي ولا يدخل بي ، ولا يخلي سبيلي ، فقال لها النبي صلى الله عليه ~~وسلم : " اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله " قالت : فانصرفت وسمعت بذلك ~~النساء في المدينة فأتين النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد الفضيخ ، ~~فقلن : يا رسول الله : ما نحن إلا كهيئة كبشة ، غير أنه لا ينكحنا الأبناء ~~، ونكحنا أبناء العم ، فنزلت الآية. فمعنى الآية على هذا : لا يحل لكم أن ~~تجعلوا النساء يورثن عن الرجال كما يورث المال. # وقيل : الخطاب للأزواج الذين يمسكون المرأة في العصمة ليرثوا مالها ، من ~~غير غبطة بها ، وإنما يمسكها انتظارا لموتها ، وقيل : الخطاب للأولياء ~~الذين يمنعون ولياتهم من التزوج ليرثوهن دون الزوج. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 23 PageV02P033 ~~ولا} يحل لكم أيضا أيها الأزواج أن {تعضلوهن} ، أي : تحبسوهن ؛ من غير حاجة ~~لكم فيهن ؛ {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} من الصداق افتداء فيه بإضراره. قال ~~ابن عباس رضي الله عنه : (هي أيضا في الأزواج الذين يمسكون المرأة ويسيئون ~~عشرتها حتى تفتدى بصداقها) ، {إلا أن يأتين بفاحشة ms0439 مبينة} ، كالنشوز وسوء ~~العشرة وعدم العفة ، فيحل له حينئذ حبسها حتى تفتدى منه بصداقها ، فيأخذه ~~خلعا على مذهب مالك. والله تعالى أعلم. # 24 # الإشارة : لا يحل للمريد أن يضيق على نفسه تضييقا يفضي إلى العطب ، ~~فالنفس كالبهيمة : علفها واستخدامها ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " لا ~~يكن أحدكم كالمنبت ، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ". فبعض الناس يسمعون أن من ~~ضيق على نفسه أورثته العلوم ، فيضيق عليها تضييقا فاحشا ليرث ذلك منها كرها ~~، وإنما يمنعها من شهواتها الزائدة على قيام البنية ، إلا أن تأتي بفاحشة ~~مبينة ، بحيث تطغى عليها ، فيضيق عليها بما لا يفضي إلى الهلاك ، وهذا كله ~~إنما ينفعه إذا صح ملكه لها بالعقد الصحيح من الشيخ الكامل ، وإلا كان تعبه ~~باطلا ، كمن يريد أن يرى امرأة غيره أو دابة غيره. والله تعالى أعلم. # ثم أمر الحق تعالى بحسن العشرة مع النساء ، فقال : # {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه ~~خيرا كثيرا} PageV02P034 ~~يقول الحق جل جلاله : وعاشروا النساء {بالمعروف} بأن تلاطفوهن في المقال ~~وتجملوا معهن في الفعال ، أو يتزين لها كما تتزين له. قال الورتجبي : كونوا ~~في معاشرتهن في مقام الأنس وروح المحبة ، وفرح العشق حيث أنتم مخصوصون ~~بالتمكين والاستقامة والولاية ، فإن معاشرة النساء لا تليق إلا في المستأنس ~~بالله ، كالنبي صلى الله عليه وسلم وجميع المستأنسين من الأولياء والأبدال ~~، حيث أخبر صلى الله عليه وسلم عن كمال مقام أنسه بالله ورؤيته لجمال ~~مشاهدته حيث قال : " حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب ، والنساء ، وجعلت قرة ~~عيني في الصلاة ". ثم قال : عن ذي النون : المستأنس بالله يستأنس بكل شيء ~~مليح ووجه صبيح ، وبكل صوت طيب وبكل رائحة طيبة ، ثم قال : عن ابن المبارك ~~: العشرة الصحيحة : ما لا يورثك الندم عاجلا ولا آجلا ، وقال أبو حفص : ~~المعاشرة بالمعروف : حسن الخلق مع العيال فيما ساءك. ه. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 23 # فإن كرهتموهن} فاصبروا {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} ~~إما ولدا صالحا أو عاقبة حسنة ms0440 في الدين. قال ابن عمر : إن الرجل يستخير ~~الله فيخار له فيسخط على ربه ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير ~~له. ه. حكى أن أبا الإمام مالك رضي الله عنه تزوج امرأة فدخل عليها فوجدها ~~سوداء ، فبقي متفكرا ولم يقربها ، فقالت له : هل استخرت ربك ؟ فقال : نعم ، ~~فقالت : أتتهم ربك ، فدخل بها ، فحملت بالإمام مالك صاحب المذهب. وقال صلى ~~الله عليه وسلم : " لا يفرك مؤمن مؤمنة أي : لا يبغضها إن سخط منها خلقا ~~رضي منها آخر " قال الورتجبي : قيل : غيب عنك العواقب ؛ لئلا تسكن إلى ~~مألوف ، ولا تفر من مكروه. PageV02P035 # الإشارة : إذا طهرت النفس من البقايا ، وكملت فيها المزايا ، وانقادت ~~بكليتها إلى مولاها ، وجب الإحسان إليها والصلح معها ومعاشرتها بالمعروف ، ~~فإنما تجب مجاهدتها ما دامت كافرة فإذا أسلمت وانقادت وجب محبتها والإحسان ~~إليها. فإن كرهتها في حال اعوجاجها فجاهدتها ورضتها حتى استقامت كان في ~~عاقبة ذلك خير كثير ، وعادت تأتي إليك بالعلوم اللدنية تشاهد فيها أسرارا ~~ربانية. # قال الورتجبي : كل أمر من الله سبحانه جاء على مخالفة النفس امتحانا ~~واختبارا ، والنفس كارهة في العبودية فإذا ألزمت عليها حقوق الله بنعت ~~الرياضة # 25 # والمجاهدة واستقامت في عبودية الله ، أول ما يطلع على قلبك أنوار جنان ~~القرب والمشاهدة ، قال الله تعالى : {ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي ~~المأوى} [النازعات : 40 ، 41] ، وفي أجواب ظلام المجاهدة للعارفين شموس ~~المجاهدات وأقمار المكاشفات. ه. المراد منه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 23 # قلت : {بهتانا} : حال ، أو على إسقاط الخافض. # يقول الحق جل جلاله : {وإن أردتم} أن تبدلوا زوجا {مكان زوج} أخرى ؛ بأن ~~تطلقوا الأولى وتتزوجوا غيرها ، وقد كنتم أعطيتم {إحداهن قنطارا} أو أقل أو ~~أكثر ، {فلا تأخذوا منه شيئا} بل أدوه لها كاملا. ثم وبخهم على ما كانوا ~~يفعلون في الجاهلية ، فقال : {أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} ، أي : مباهتين ~~وآثمين ، أو بالبهتان والإثم الظاهر ، والبهتان : الكذب الذي يبهت المكذوب ~~عليه ، روي أن الرجل كان إذا أراد أن يتزوج امرأة جديدة ، بهت التي عنده ms0441 ~~بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه في تزوج الجديدة ، ~~فنهوا عن ذلك. PageV02P036 # ثم استعظم ذلك فقال : {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} بالمماسة ~~والجماع حتى تقرر الصداق واستحقته بذلك ، وقد {أخذن منكم ميثاقا غليظا} وهو ~~حسن الصحبة ، أو الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان ، أو تمكينها نفسها ~~منه ، فإنها ما مكنته إلا لوفاء العهد في الصداق ودوام العشرة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إذا كان العبد مشتغلا بجمع دنياه ، عاكفا على حظوظه وهواه ، ثم ~~استبدل مكان ذلك الانقطاع إلى مولاه والاشتغال بذكر الله ، حتى أفضى إلى ~~شهود أنوار قدسه وسناه ، فلا ينبغي أن يرجع إلى شيء خرج عنه لله ، ولا ~~يلتفت إلى ما ترك من أمر دنياه ، فإن الرجوع في الشيء من شيم اللئام وليس ~~من شأن الكرام ، وتأمل ما قاله الشاعر : # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن # إليه بوجه آخر الدهر تقبل # وكيف تأخذ ما خرجت عنه لله ، وقد أفضيت إلى شهود أنوار جماله وسكنى حماه ~~، فاتحد عندك كل الوجود ، وكل شيء عن عين بصيرتك مفقود ، بعد أن أخذ عليك ~~مواثيق العهود ، ألا ترجع إلى ما كان يقطعك عن حضرة الشهود ، وبالله ~~التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # 26 # جزء : 2 رقم الصفحة : 26 # قلت : أوقع {ما} على ما يعقل لقلة عقل النساء ، كما تقدم ، أو مصدرية ، ~~والاستثناء منقطع أو متصل على وجه المبالغه في التحريم ، أي لا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم إلا ما قد سلف لآبائكم إن قدرتم عليه ، فهو كقول الشاعر : # لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن # فلول من قراع الكتائب PageV02P037 ~~يقول الحق جل جلاله : ولا تتزوجوا ما تزوج به {آباؤكم من النساء} بالعقد في ~~الحرائر والوطء في الإماء ، {إلا ما قد سلف} فإن الله قد عفا عنكم بعد فسخه ~~ورده ، {إنه كان فاحشة} عظيمة عند الله ، ما أحله لأحد من الأمم قبلكم ، ~~{ومقتا} أي : ممقوتا فاعله عند الله عند ذوي المروءات من عباد الله ، وكان ~~يسمى ولد الرجل من امرأة أبيه مقيتا ومقتيا. ms0442 {وساء سبيلا} ، وبئس طريقا لمن ~~يريد أن يسلكه بعد التحريم. # فالمراد بالنكاح في الآية : العقد ، فعلى هذا لا تحرم المرأة على الولد ~~إذا زنا بها أبوه على المشهور ، قال في الرسالة : ولا يحرم بالزنا حلال. ه. # الإشارة : ما جرى في آباء البشرية يجري في آباء الروحانية من طريق الأدب ~~لا من طريق الشرع ، فلا ينبغي للمريد أن يتزوج بامرأة شيخه ، مات عنها أو ~~طلقها ، فإن ذلك قبيح ومقت عند أرباب الأدب ، وأما بنت الشيخ فإن قدر على ~~القيام بتعظيمها فلا بأس ، وقد تزوج سيدنا علي كرم الله وجهه بنت سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن السلامة في الترك أكثر. # وهنا إشارة أخرى أرق ، وهي أن يشير بالنساء إلى الأحوال ، فلا ينبغي ~~للفقير أن يتعاطى أحوال الشيخ ، ويفعل مثله. فإن الشيخ في مقام وهو في مقام ~~، فإذا رجع الشيخ إلى الأسباب وتعاطى العلويات ، فلا يقتدى به. إلا أن يدرك ~~مقامه ، وكان شيخ شيخنا يقول : (لا تقتدوا بالأشياخ في أفعالهم ، وإنما ~~اقتدوا بهم في أقوالهم ، فإن أقوالهم لكم ولهم ، وأفعالهم خاصة بهم). إلا ~~ما قد سلف لهم من الأحوال في حال سيرهم ، فخذوها وسيروا من حيث ساروا ، حتى ~~تدركوا ما أدركوا ، وافعلوا ما شئتم. والله تعالى أعلم. # 27 # جزء : 2 رقم الصفحة : 27 PageV02P038 ~~{حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف إن الله كان غفورا رحيما والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم ~~كتاب الله عليكم...} # قلت : {كتاب الله عليكم} : مصدر مؤكد. أي : كتب الله ذلك كتابا ، أو على ~~الإغراء. # يقول الحق جل جلاله : {حرمت عليكم} من النساء أصناف : منها بالنسب ومنها ~~بالرضاع ومنها بالمصاهرة : فأما التي تحرم بالنسب فهي {أمهاتكم} ، وهي الأم ~~، والجدة من الأم ومن الأب ما ms0443 علون ، {وبناتكم} وهي البنت وبنت الابن ، ~~وبنت البنت ما سفلن ، {وأخواتكم} وهي الأخت الشقيقة والتي للأب والأخت للأم ~~، {وعماتكم} وهي أخت الوالد وأخت الجد ما علت ، شقيقة أو لأب أو لأم ، ~~{خالاتكم} وهي أخت الأم وأخت الجدة ما علت ، شقيقة أو لأب أو لأم ، {وبنات ~~الأخ} الشقيق ، أو للأب ، وما تناسل منهم. {وبنات الأخت} ، فيدخل كل ما ~~تناسل من الأخت الشقيقه أو للأب أو للأم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 # والضابط في ذلك : أنه يحرم على الرجل أصوله وإن علت ، وفصوله وإن سفلت ، ~~وفصول أبويه ما سفلت ، وأول فصل من كل أصل متقدم على أبويه. PageV02P039 # ثم ذكر ما يحرم بالرضاع ، فقال : {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة} ذلك تعالى صنفين ، وحرمت السنة كل ما يحرم من النسب. قال صلى الله ~~عليه وسلم " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " فيدخل الأصناف السبعة ، وهي ~~الأم من الرضاع والبنت والأخت والعمة والخالة وبن الأخ وبنت الأخت. # ثم ذكر ما يحرم بالمصاهرة ، فقال : {وأمهات نسائكم} ، وتقدمت زوجة الأب ، ~~وسيأتي حليلة الابن ، {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم} لا مفهوم لهذا ~~القيد ، لكنه جرى مجرى الغالب ، فهي محرمة ، كانت في حجره أم لا ، على قول ~~الجمهور ، وروي عن علي رضي الله عنه أنه أجاز نكاحها إن لم تكن في حجره. ~~وأما قوله : {اللاتي دخلتم بهن} فهو معتبر إجماعا ، فلو عقد على المرأة ولم ~~يدخل بها ، فله طلاقها ويأخذ ابنتها ، ولذلك قال : {فإن لم تكونوا دخلتم ~~بهن فلا جناح عليكم} أن تنكحوهن. # 28 # {وحلائل أبنائكم} وهي التي عقد عليها الابن فحلت له ، فتحرم على الأب ~~بمجرد العقد. والحاصل : أن زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة يحرمن بالعقد ~~، وأما بنت المرأة فلا تحرم إلا بالدخول بأمها ، فالعقد على البنات يحرم ~~الأمهات ، والدخول بالأمهات يحرم البنات. وقوله تعالى : {الذين من أصلابكم} ~~احترز به من زوجة المتبني فلا تحرم حليلته ، كقضية زيد مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. {وأن تجمعوا بين الأختين} ، شقيقتين أو للأب أو للأم ms0444 ، ~~وهذا في النكاح ، وأما في الملك دون الوطء فلا بأس ، أما في الوطء فمنعه ~~مالك والشافعي وأبو حنيفة ، وأجازه الظاهرية ، {إلا ما قد سلف} أي : في ~~الجاهلية ، فقد عفا عنكم ، {إن الله كان غفورا رحيما} ، قال ابن عباس : ( ~~كانت العرب تحرم كل ما حرمت الشريعة إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين ، ~~فلذلك ذكر الحق تعالى : {إلا ما قد سلف} فيهما. PageV02P040 # {و} حرم الله تعالى {المحصنات من النساء} وهن اللاتي في عصمة أزواجهن ، ~~فلا يحل نكاحهن ما دمن في عصمة الزوج ، {إلا ما ملكت أيمانكم} من الغنيمة ، ~~فإذا سبيت الكافرة ، ولها زوج ، جاز لمن ملكها أن يطأها بالملك بعد ~~الاستبراء ، قال في المختصر : وهدم السبي النكاح ، إلا أن تسبى وتسلم في ~~عدتها فهو أحق بها ، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى أوطاس ~~، فأصابوا سبيا من العدو ، ولهن أزواج من المشركين فتأثموا من غشيانهن ، ~~فنزلت الآية مبيحة لذلك ، {كتاب الله عليكم} أي : كتب الله ذلك عليكم كتابا ~~، وهو ما حرم في الآية من النساء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 # الإشارة : اعلم أن الإنسان لا يصير كاملا عارفا حتى يولد ثلاث مرات بعد ~~الأم الحسية ، أولها : خروجه من بطن حب الدنيا الدنية ، ثم من الغفلة ~~والشهوات الجسمانية ، ثم من ضيق الأكوان الظلمانية ، إلى فضاء المشاهدة ~~والمعاينة ، وقال بعض الأولياء : ( ليس منا من لم يولد مرتين) : فاعتبر ~~الأولى والثالثة ، فإذا خرج الإنسان من هذه البطون حرم الله عليه نكاحها ~~والرجوع إليها. # وكذا يحرم عليه الرجوع إلى ما تولد منه من الزلات ، والأحوال الظلمانية ، ~~وما كان ألفه وتواخى معه من البطالات والمألوفات ، وما وجد عليه أسلافه من ~~التعصبات والحميات والرئاسات ، ولا فرق بين ما واجهه من ذلك من قبل الآباء ~~والأمهات ، وكذلك ما ارتضع من ثدي الشهوات من لبان الغفلة ، وتراكم الأكنات ~~، فليبادر إلى تحريمها ، وفطام نفسه عنها ، قبل تحكمها ، كما قال البوصيري ~~رضي الله عنه : # والنفس كالطفل إن تهمله شب # على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم # 29 PageV02P041 ~~وكذا يحرم عليه ms0445 ، صحبة من ارتضع معه في هذا الثدي قبل الفطام ؛ من الأخوة ~~والأخوات ، وكذا أمهات الخطايا ، وهي حب الدنيا والرياسة والجاه ، وكذلك ~~حرمت عليكم ربائب العلائق والعوائق ، لتدخلوا بلاد الحقائق ، فإن لم تكونوا ~~من أهل الحقائق فلا جناح عليكم إذ كنتم من عوام الخلائق ، وكذلك يحرم عليكم ~~ما حل لأبناء جنسكم من تعاطي الأسباب والاشتغال بها عن خدمة رب الأرباب ، ~~وأن تجمعوا بين حب الدنيا ومحبة المولى. قال الشافعي رضي الله عنه : (من ~~ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها ، فقد كذب). إلا ما قد سلف في أيام ~~البطالة ، وكذا يحرم على المريد المتجرد المستشرف على المعاني تعاطى العلوم ~~الظاهرة ، التي دخل بها أهل الظاهر وأفتضوا بكارتها إلا ما ملكه قبل ~~التجريد ، فلا يضره إن غاب عنها في أسرار التوحيد ، والله تعالى أعلم ~~بأسرار غيبه. # ثم ذكر الحق تعالى ما يحل من النساء ، فقال : # {...وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ~~بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما} # قلت : {وأحل} عطف على الفعل العامل في " كتاب الله عليكم " أي : كتب الله ~~عليكم تحريم ما ذكر ، وأحل ما سوى ذلك. ومن قرأ بالبناء للمفعول فعطف على " ~~حرمت ". و{أن تبتغوا} مفعول لأجله ، أي : إرادة أن تبتغوا. أو بدل من {وراء ~~ذلكم} ، و{محصنين} حال من الواو. والسفاح : الزنا ، من السفح وهو الصب ، ~~لأنه يصب المني في غير محله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 PageV02P042 ~~يقول الحق جل جلاله : {وأحل لكم} أن تتزوجوا من النساء ما سوى ذلكم ~~المحرمات ، وما سوى ما حرمته السنة بالرضاع ، كما تقدم ، والجمع بين المرأة ~~وعمتها ، وبين المرأة وخالتها ، فقد حرمته السنة ، وإنما أحل لكم نكاح ~~النساء إرادة أن تطلبوا بأموالكم الحلال ، فتصرفوها في مهور النساء... حال ~~كونكم {محصنين} أي : أعفة متحصنين بها من الحرام ، {غير مسافحين} أي : غير ~~زناة ، تصبون الماء في غير موضعه ، {فما استمتعتم به منهن} أي : من تمتعتم ms0446 ~~به من المنكوحات {فآتوهن أجورهن} أي : مهورهن ، لأن المهر في مقابلة ~~الاستمتاع {فريضة} ، أي : مفروضة مقدرة ، لا جهل فيها ولا إبهام ، {ولا ~~جناح عليكم فيما تراضيتم به} من زيادة على المهر المشروط ، أو نقص منه ، ~~{من بعد الفريضة} ، التي وقع العقد عليها ، {إن الله كان عليما} بمصالح ~~خلقه ، {حكيما} فيما شرع من الأحكام. # 30 # وقيل قوله : {فما استمتعتم به...} إلى آخره. نزل في نكاح المتعة ، التي ~~كانت ثلاثة أيام في فتح مكة ، ثم نسخ بما روي عنه عليه الصلاة والسلام ~~أنه أباحه ، ثم أصبح يقول : " أيها الناس ، إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من ~~هذه النساء ، ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة " وهو النكاح المؤقت ~~بوقت معلوم ، سمي به لأن الغرض منه مجرد الاستمتاع. وتمتعها بما يعطى لها. ~~وجوزه ابن عباس رضي الله عنه ثم رجع عنه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : يقول الحق جل جلاله من طريق الإشارة : إذا خرجتم من بطن ~~الشهوات ، ورفضتم ما كنتم عليه من العوائد والمألوفات ، وزهدتم فيما يشغل ~~فكرتكم من العلوم الرسميات ، حل لكم ما وراء ذلكم من العلوم اللدنية ~~والأسرار الربانية ، التي هي وراء طور العقول ولا تدرك بالطروس ولا بالنقول ~~، وإليها أشار ابن الفارض رضي الله عنه حيث قال : # ولا تك ممن طيشته طروسه # بحيث استخفت عقله واستفزت # فثم وراء النقل علم يدق عن PageV02P043 ~~مدارك غايات العقول السليمه # تلقيته مني وعني أخذته # ونفسي كانت من عطاء ممده # أردنا منكم أن تبتغوا ببذل أموالكم ومهجكم تلك العلوم المقدسة ، والأسرار ~~المطهرة ، متحصنين من دنس الحس والهوى ، غير مباشرين لنجاسة الدنيا ، ولا ~~مصطحبين مع أهلها ، لتتمتعوا بشهود أسرارنا ، وأنوار قدسنا ، فما استمتعتم ~~به من ذلك ، فصونوه من غير أهله ، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ~~إعطائه لأهله ، من بعد حفظه عمن لا يستحقه ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 28 # {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ~~من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فإنكحوهن بإذن ms0447 أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان...} # قلت : الطول : الغنى والسعة ، ويطلق على العلو ، مصدر طال طولا ، وهو ~~مفعول {يستطع} ، أو مصدر له لتقارب معناهما ، و{أن ينكح} بدل منه على ~~الأول ، أو مفعول به على الثاني ، أي : لأن ينكح ، و{محصنات غير مسافحات} ، ~~حالان ، والعامل فيه : {أنكحوهن} ، والخدن : الخليل. # 31 PageV02P044 ~~يقول الحق جل جلاله : {ومن لم يستطع منكم طولا} أي : لم يجد غني يقدر به ~~على نكاح {المحصنات} ، أي : الحرائر {المؤمنات} ، فليتزوج من ما ملكت ~~أيمانكم ، من الإماء المؤمنات دون الكافرات ، فإن أظهرت الإيمان فاكتفوا ~~بذلك ، وعلم الباطن لا يعلمه إلا الله ، {والله أعلم بإيمانكم} فلا يمنعكم ~~من نكاحهن خوف المعرة ، فإنما أنتم جنس واحد ، ودينكم واحد ، {بعضكم من ~~بعض} فلا تستنكفوا من نكاحهن ، {فانكحوهن بإذن أهلهن} ، أي أربابهن ، حتى ~~يعقدوا لكم نكاحهن ، {وآتوهن أجورهن} : أي : مهورهن ، وهن أحق به دون ~~ساداتهن ، على مذهب مالك ، {بالمعروف} من غير مطل ، ولا نقص ، على ما ~~تقتضيه السنة. حال كونهن {محصنات} أي : عفيفات {غير مسافحات} أي : غير ~~زانيات {ولا متخذات أخدان} ، أي : أصحاب يزنون بهن. وكان في الجاهلية من ~~النساء من تتخذ صاحبا واحدا تزني معه خاصة ، ومنها من لا ترد يد لامس. # جزء : 2 رقم الصفحة : 31 # قال ابن جزي : مذهب مالك وأكثر أصحابه أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا ~~بشرطين : أحداهما : عدم الطول ؛ وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة ، والآخر : ~~خوف العنت ؛ وهو الزنا. لقوله بعد هذا : {ذلك لمن خشي العنت منكم} ، وأجاز ~~ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين ، على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر ، ~~واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة ، لقوله : {من فتياتكم المؤمنات} إلا ~~أهل العراق فلم يشترطوه.ه. PageV02P045 # الإشارة : فمن لم يستطع أن ينكح أبكار الحقائق ، لكونه لم يقدر أن يدفع عن ~~قلبه الشواغل والعلائق ، فليتنزل لنكاح العلوم الرسمية والأعمال الحسية ، ~~بأخذها من أربابها ، ويحصنها بالإخلاص في أخذها ، ويقوم بحقها بقدر الإمكان ~~، وهو بذلها لأهلها والصبر على نشرها ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ms0448 ، ~~فإن صح قصده ، وخلص عمله ، قيض الله له وليا من أوليائه يغنيه بالله ، حتى ~~يصير من الأغنياء به ، فيتأهل لنكاح الحرائر ، ويلتحق بأولياء الله الأكابر ~~، {وما ذلك على الله بعزيز} [إبراهيم : 20]. # قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه لما تكلم على ثمرات المحبة ~~قال : فترى النفس مائلة لطاعته ، والعقل متحصنا بمعرفته ، والروح مأخوذة في ~~حضرته ، والسر مغمورا في مشاهدته ، والعبد يستزيد من حبه فيزاد ويفاتح بما ~~هو أعذب من لذيذ مناجاته ، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة ، ويمس أبكار ~~الحقائق وثيبات العلوم. ه. فعلم الحقائق أبكار ، وما يوصل إليه من علوم ~~الطريقة ثيبات حرائر ، وما سواها من علوم الرسوم إماء بالنسبة إلى غيرها ، ~~والله تعالى أعلم. # 32 # ثم ذكر حد الأمة إذا زنت ، فقالت : # {...فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب...} # قلت : أحصن الرجل بفتح الهمزة وضمها : صار محصنا بالفتح والكسر ، وهذا ~~مما اتحد فيه البناء للفاعل والمفعول. وقيل بالفتح ، معناه : أسلم ، وبالضم ~~: تزوج. # يقول الحق جل جلاله : إن الإماء إذا تزوجن {فإن أتين بفاحشة} ، وهو الزنا ~~، فعليهن نصف ما على الحرة من الحد ، وهو خمسون ، لأن حد البكر مائة. ويفهم ~~منه أنها لا ترجم ؛ لأن الرجم لا يتبعض. وكذلك الذكور من العبيد عليهم نصف ~~الحدود كلها ، ولا رجم عليهم ، وسمى الحد عذابا ، كقوله : {وليشهد عذابهما ~~طآئفة من المؤمنين} [النور : 2]. PageV02P046 # الإشارة : بقدر ما يعلو المقام يشدد العقاب ، وبقدر ما يحصل من القرب يطلب ~~الآداب ، فليست المعصية في البعد كالمعصية في القرب ، وليس يطلب من البعيد ~~ما يطلب من القريب ، وانظر إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ~~تعالى لهن : {يا نسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين} [الأحزاب : 30]. وما ذلك إلا لحظوتهن وشدة قربهن من الله. ولذلك كان ~~لا يدخل الحضرة إلا أهل الآداب والتهذيب ، بعد التدريج والتدريب ، وتأمل ~~قضية الجنيد ، حيث قيل له في المنام : مثلك لا يرضى منه هذا ، حيث خطر على ~~قلبه الاعتراض على السائل ms0449 ، غير أن المقربين يعاتبون ، ويردون إلى الحضرة ، ~~وأهل البعد يزيدون بعدا ، ولكن لا يشعرون ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 31 # ثم ذكر شرط تزوج الأمة لعادم الطول ، فقال : # {...ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم يريد ~~الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ~~والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ~~يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} # قلت : العنت : المشقة والضرر ، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم ، ولا سيما ~~بأفحش الفواحش ؛ وهو الزنا ، {يريد الله ليبين لكم} ، أي : لأن يبين ، ~~واللام زائدة في المفعول ، لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإدارة. # 33 PageV02P047 ~~يقول الحق جل جلاله : {ذلك} أي : نكاح الإماء إنما أبحته لمن خشي الوقوع في ~~الزنا ، الذي هو أقبح الفواحش ، فنكاح الأمة ، وإرقاق الولد يباع في ~~الأسواق أخف من الزنا. {وأن تصبروا} عن نكاحهن ، مع التعفف عن الزنا ، {خير ~~لكم} لئلا يرق أولادكم. وعن أنس قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~: " من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر " وقال أبو هريرة : ~~سمعته صلى الله عليه وسلم يقول : " الحرائر صلاح البيت ، والإماء هلاك ~~البيت ". {والله غفور} لكم فيما سلف من المخالفة ، {رحيم} بكم ، حيث رخص ~~لكم عند خوف الإثم نكاح الأمة ، {يريد الله ليبين لكم} شرائع دينكم ، ~~ومصالح أموركم ، {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} أي : مناهج من تقدمكم من أهل ~~الرشد ، كالأنبياء والصالحين ، لتسلكوا مناهجهم ، كحفظ الأموال والأنساب ، ~~وتحريم الأمهات والبنات والأخوات ، فإنهن محرمات على من قبلكم ، {ويتوب ~~عليكم} أي : يغفر ذنوبكم الماضية ، أو يرشدكم إلى التوبة ، أو يمنعكم من ~~المعاصي بالعصمة. {والله عليم} بما أسلفتم وما تستقبلونه من أفعالكم ، ~~{حكيم} بما دبر وأبرم. PageV02P048 # {والله يريد أن يتوب عليكم} كرره توطئة لقوله : {ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا} عن الحق {ميلا عظيما} بموافقتهم على اتباع الشهوات ~~واستحلال المحرمات ، وكأنه تعالى يقول : إنا نريد توبتكم ورشدكم ، والذين ~~يتبعون الشهوات ms0450 يريدون ميلكم وإضلالكم ، والمراد بهم الزناة ؛ لأنهم يودون ~~أن يكون الناس كلهم زناة ، وأما من تعاطى شهوة النكاح في الحلال ، فإنه ~~متبع للحق لا لهم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " تناكحوا تناسلوا ~~فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة " وقد كان سيدنا علي كرم الله وجهه أزهد ~~الصحابة ، وكان له أربع حرائر وسبع جواري سريات ، وقيل : سبع عشرة ، وقيل : ~~المراد بهم اليهود والنصارى ، لأن اليهود يحلون الأقارب من الأب وبنات الأخ ~~وبنات الأخت. وقيل : المجوس. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 31 # يريد الله أن يخفف عنكم} فلذلك شرع لكم الشريعة الحنيفية السمحة السهلة ، ~~ورخص لكم عند المضايق في نكاح الأمة. {وخلق الإنسان ضعيفا} في كل شيء ، ~~لأنه خلق من ضعف ، ويؤول إلى ضعف ، أسير جوعة ، صريع شبعة ، وخصوصا عن شهوة ~~النساء ، فإنه لا يصبر عن الجماع ، ولا يكون في شيء أضعف منه في أمر النساء ~~، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال : (ألا تروني أني لا أقوم إلا ~~رفدا ، ولا آكل # 34 # إلا ما لين لي ، وقد مات صاحبي يعني ذكره منذ زمان ، وما يسرني أني ~~خلوت بامرأة لا تحل لي ، وأن لي ما تطلع عليه الشمس ، مخافة أن يأتيني ~~الشيطان فيحركه ، على أنه لا سمع ولا بصر). PageV02P049 # قال ابن عباس : ثماني آيات في سورة النساء ، هي خير لهذه الأمة مما طلعت ~~عليه الشمس وغربت ، {يريد الله ليبين لكم} [النساء : 26] ، {والله يريد أن ~~يتوب عليكم} [النساء : 27] ، {يريد الله أن يخفف عنكم} [النساء : 28] ، {إن ~~تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه...} [النساء : 31] الآية ، {إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به...} [النساء : 48] الآية ، {إن الله لا يظلم مثقال ذرة...} [النساء ~~: 40] ، {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه...} [النساء : 110] الآية ، {ما يفعل ~~الله بعذابكم...} [النساء : 147] الآية.ه. # الأشارة : إنما ينزل المريد إلى العلوم الرسمية ، أو الأعمال الحسية ، ~~إذا خشي الانمحاق أو الاصطلام في بحر الحقائق ، وإن صبر وتماسك ، حتى يتقوى ~~على حمل أعبائها ، فهو خير له ، لأن الرجوع إلى الحس ، لا يؤمن من الحبس ، ~~والله غفور لمن ms0451 تنزل لعلة ما تقدم ، رحيم حين جعل له الرخصة ، {يريد الله ~~ليبين لكم} سلوك الطريق إلى عين التحقيق ، ويهديكم طرق الوصول ، كما هدى من ~~قبلكم ، ويتوب فيما خطر ببالكم ، من الفترة أو الوقفة ، والله يريد أن ~~يتعطف عليكم ، لترجعوا إليه بكليتكم. وأهل الغفلة المنهمكون في الشهوات ، ~~يريدون ميلكم عن طريق الوصول إلى حضرة ربكم ، يرد الله أن يخفف عنكم ، فلا ~~يحملكم من الواردات إلا ما تطيقه طاقتكم ، لأنكم ضعفاء إلا إن قواكم. اللهم ~~قونا على ما نريد ، وأيدنا فيما تريد ، إنك على كل شيء قدير. # ولما ذكر ما يتعلق بحفظ أموال اليتامى وأموال النساء ، وانجر الكلام إلى ~~ما يتعلق بهن من حدودهن ، وما يحل وما يحرم منهن ، ذكر ما بقي من حفظ أموال ~~الرجال. # جزء : 2 رقم الصفحة : 31 # {ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم...} PageV02P050 ~~قلت : الاستثناء منقطع ، وكان تامة لمن رفع ، وناقصه لمن نصب ، واسمها : ~~ضمير الأموال ، على حذف مضاف ، إلا أن تكون الأموال أموال تجارة. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل} الذي لا تجوزه الشريعة ، كالربا والقمار ، والغصب والسرقة ، ~~والخيانة والكهانة والسحر وغير ذلك {إلا أن تكون} ، أي : لكن إن وجدت ~~{تجارة} صحيحة {عن تراض منكم} أي : اتفاق منكم على البيع ، وبه استدلت ~~المالكية على انعقاد البيع بالعقد ولو لم يحصل تفرق بالأبدان. # 35 # وقال الشافعي : إنما يتم بالتفرق بالأبدان ، لقوله عليه الصلاة والسلام ~~: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وحمله مالك على التفرق بالكلام ، وقال ~~أكثر المفسرين : التخيير ، هو أن يخير كل واحد منهما صاحبة بعد عقد البيع ، ~~وقد ابتاع عمرو بن جرير فرسا ، ثم خير صاحبه بعد البيع ، ثم قال : سمعت أبا ~~هريرة يقول : البيع عن تراض. قال البيضاوي : وتخصيص التجارة من الوجوه التي ~~يحل بها انتقال مال الغير ، لأنها أغلب وأوفق لذوي المروءات ، ويجوز أن ~~يراد بها الانتقال مطلقا. وقيل : المقصود بالنهي : صرف المال فيما لا يرضاه ~~الله تعالى ، وبالتجارة ms0452 : صرفه فيما يرضى. ه. # الإشارة : لا تصرفوا أموالكم ولا أحوالكم في غير ما يقربكم إلى الحق ؛ ~~فإن ما سوى الحق كله باطل ، كما قال الشاعر : # ألا كل شيء ما خلآ الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # إلا أن يكون صرفه في تجارة رابحة ، تقربكم من الحبيب ، وتجلبكم إلى حضرة ~~القريب ، فتلك تجارة رابحة وصفقة نافعة. والله تعالى أعلم. # ثم تكلم على بعض ما يتعلق بحفظ الأبدان ، وسيأتي تمامه في قوله : {وما ~~كان لمؤمن...} [النساء : 92] إلى آخر الآيات ، فقال : # {... # جزء : 2 رقم الصفحة : 35 PageV02P051 ~~ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف ~~نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا} # يقول الحق جل جلاله : {ولا تقتلوا أنفسكم} ، بالخنق أو بالنخع أو بالجرح ~~، الذي يؤدي إلى الموت ، أو بالإلقاء إلى التهلكة. وعن عمرو بن العاص رضي ~~الله عنه قال : ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات السلاسل ~~، فأجنبت في ليلة باردة ، فأشفقت على نفسي وصليت بأصحابي صلاة الصبح ~~بالتيمم. فلما قدمت ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا ~~عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ " قلت : نعم يا رسول الله ، أشفيت إن اغتسلت ~~أن أهلك ، فذكرت قوله تعالى : {لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} ، ~~فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل شيئا). # 36 # أو : ولا تقتلوا إخوانكم في الإسلام ، فإن المؤمنين كنفس واحدة. قال ~~البيضاوي : جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها من حيث ~~إنه سبب قوامها استبقاء لهم. ه. # وإنما نهاكم عن قتل أنفسكم رأفة ، ورحمة بكم ، {إن الله كان بكم رحيما} ، ~~فقد أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم ، وأنتم نهاكم عنه. {ومن يفعل ذلك} القتل. ~~أو جميع ما سبق من المحرمات {عدوانا وظلما} ، أي : إفراطا في التجاوز عن ~~الحد ، وإتيانا بما لا يستحق ، أو تعديا على الغير وظلما على النفس ، ~~بتعريضها للعقاب ، {فسوف نصليه نارا} أي : نحرقه ونشويه فيها. {وكان ذلك ~~على الله يسيرا}. PageV02P052 # وفي ms0453 الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " من قتل نفسه بشيء عذب في نار جهنم ~~خالدا مخلدا فيها " وهو تغليظ ، أو لمن استحل ذلك. وهذا الوعيد الذي ذكره ~~الحق هنا في قتل الإنسان بيده ، أهون مما ذكره في قتل الغير ، الذي يأتي ، ~~لأنه زاد هناك الغصب واللعنة والعذاب العظيم ، أما قول ابن عطية : إنه أجمع ~~المفسرون أن هذه الآية في قتل بعضهم بعضا ، فليس بصحيح ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : ولا تقتلوا أنفسكم باتباع الشهوات وتراكم الغفلات ، فإنه ~~يفوتها الحياة الحقيقية ، وقال الفضيل بن عياض رضي الله عنه : ( لا تغفلوا ~~عن حظ أنفسكم ، فمن غفل عن حظ نفسه ، فكأنما قتلها). وحظ النفس هو تزكيتها ~~وتحليتها بالكمالات ، أو قوتها من العلم اليقين ، والمعرفة وصحة التمكين ، ~~والمراد بالنفس هذا الروح ، وأما ما اصطلحت عليه الصوفية من أن النفس يجب ~~قتلها ، فإن مرادهم بذلك النفس الأمارة ، فإن الروح ما دامت مظلمة بالمعاصي ~~والهوى سميت نفسا ، فإذا تطهرت وتزكت سميت روحا. وهو المراد هنا. سماها ~~نفسا باعتبار ما كانت عليه. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 35 # قلت : المدخل بالضم : مصدر ، بمعنى الإدخال ، وبالفتح : المكان ، ويحتمل ~~المصدر. # يقول الحق جل جلاله : إن تجتنبوا كبائر الذنوب التي تنهون عنها {نكفر ~~عنكم سيئاتكم} الصغائر {وندخلكم مدخلا كريما} وهو الجنة ، أو إدخالا مصحوبا ~~بالكرامة والتعظيم ، واختلف في الكبائر ، هل تعرف بالعد أو بالحد ؟ فقيل : ~~سبع ، وقيل : سبعون ، وقيل : سبعمائة ، وقيل : كل معصية فهي كبيرة. عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال " اجتنبوا السبع # 37 PageV02P053 ~~الموبقات : الإشراك بالله ، والسحر ، وقتل النفس بغير حقها ، وأكل الريا ، ~~وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزحف ، ورمي المحصنات الغافلات المؤمنات ". ~~قال ابن جزي : لا شك أن هذه من الكبائر لنص الشارع عليها ، وزاد بعضهم ~~عليها أشياء ورد النص عليها في الحديث أنها من الكبائر ، منها عقوق ~~الوالدين ، وشهادة الزور ، واليمين الغموس ، والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ~~، والنهبة ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله ، ومنع ابن السبيل ~~الماء ، والإلحاد في البيت الحرام ، والنميمة ، وترك ms0454 التحرز من البول ، ~~والغلول ، واستطالة الرجل في عرض أخيه ، والجور في الحكم. # وقيل في حدها : كل جريمة تؤذن بقلة الدين ورقة الديانة ، وقيل : ذنوب ~~الظاهر صغائر ، وذنوب الباطن كبائر. وقيل : كل ما فيه حق الغير فهو كبائر ، ~~وما كان بينك وبين الله تعالى صغائر ، واحتج هذا بقوله عليه الصلاة ~~والسلام : " ينادي يوم القيامة مناد من بطنان العرش : يا أمة أحمد ، إن ~~الله تعالى يقول : أما ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم ، وبقيت التباعات ، ~~فتواهبوها ، وادخلوا الجنة ". الأشارة : كل ما يبعد العبد عن حضرة ربه فهو ~~من أكبر الكبائر ، فمن اجتنب ذلك واتقى كل ما يشغله عن الله أدخله الله ~~مدخلا كريما ، وهو حضرة الشهود والتلذذ برؤية المعبود ، والترقي في أسرار ~~الحبيب الودود. قال الورتجبي : قال أبو تراب : أمر الله باجتناب الكبائر ، ~~وهي الدعاوى الفاسدة ، والإشارات الباطلة ، وإطلاق اللفظ بغير الحقيقة. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 37 PageV02P054 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولا تتمنوا ما فضل الله به} من الميراث {بعضكم على ~~بعض} ، كتضعيف الذكر على الأنثى ، فللرجال {نصيب مما اكتسبوا} أي : مما ~~أصابوا وأحرزوا في القسمة ، {وللنساء نصيب مما اكتسبن} منه ، قل أو كثر ، ~~فلتقنع بما قسم الله لها ، ولا تعترض على أحكام الشريعة ، ولكن {اسألوا ~~الله من فضله} يعطكم من غير الميراث ، هكذا فسرها ابن عباس. # 38 # وقال مجاهد : قالت أم سلمة : يغزو الرجال ولا نغزو ، فليتنا رجال نغزو ، ~~ونبلغ ما يبلغ الرجال. فنزلت. فيكون المعنى : ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~الرجال على النساء كالغزو وغيره ، فللرجال نصيب مما اكتسبوا من ثواب الجهاد ~~وسائر أعمالهم ، {وللنساء نصيب مما اكتسبن} من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهم ~~وسائر بقية أعمالهن. # والتحقيق أنها عامة في جميع المراتب الدينية والدنيويه لأن ذلك ذريعة إلى ~~التحاسد والتعادي ، ومعربة عن عدم الرضا بما قسم الله له ، وإلى التشهي ~~لحصول الشيء له من غير طلب ، وهو مذموم ؛ لأن تمني ما لم يقدر له ، معارضة ~~لحكمة القدر ، وتمني ما قدر له بكسب ، بطالة وتضييع حظ ، وتمني ما ms0455 قدر له ~~بغير كسب ، ضياع ومحال ، قاله البيضاوي. فللرجال نصيب من أجل ما اكتسبوا من ~~الأعمال ، وتحملوا من المشاق ، فيعطيهم الله على قدر ما اكتسبوا {وللنساء ~~نصيب مما اكتسبن} كذلك ، فلا فائدة في تمني ما للناس ، ولكن {اسألوا الله ~~من فضله} يعطكم مثله ، أو أكثر من خزائنه التي لا تنفذ. {إن الله كان بكل ~~شيء عليما} وهو يعلم ما يستحقه كل إنسان ، فيفضل من شاء بما شاء عن علم ~~وبيان ، ومناسبة الآية حينئذ لما قبلها : أن تجنب الكبائر فضل من الله ~~ونعمة ، وهو أفضل ممن يقع فيها ، لكن لا ينبغي تمني ذلك من غير عمل ، ولكن ~~يسأل الله من فضله حتى يلحقه بأهل العصمة. وبالله التوفيق. PageV02P055 # الإشارة : قد وقع التفضيل في مقامات الأولياء كالأنبياء ، لكن لا ينبغي ~~تعيين الفاضل من المفضول ، لما يؤدي إليه من التنقيص فيؤدي إلى الغيبة ، ~~والتفضيل يقع بزيادة اليقين وصحة التمكين ، والترقي في أنوار التوحيد ~~وأسرار التفريد. يكون أيضا بهداية الخلق على يده ، وظهور إحسانه ورفده ، ~~فإذا رأى العبد أنه لم يبلغ إلى مقام غيره فلا يتمنى ذلك المقام بعينه ، ~~فقد يكون مقامه عند الله في عمله أعظم ، وقد يكون أدون ، فيسيء الأدب ، ~~فالخير كله في العبودية والرضى بأحكام الربوبية ، فللأقوياء نصيب مما ~~اكتسبوا بالقوة والمجاهدة التي خلق الله فيهم ، حكمة وفضلا ، وللضعفاء نصيب ~~مما اكتسبوا قسمة وعدلا ، ولكن يسأل الله من فضله العظيم ، فإن الله بكل ~~شيء عليم ، فقد يعطى بلا سبب ويبلغ بلا تعب. # جزء : 2 رقم الصفحة : 38 # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سلوا الله من فضله فإن ~~الله يحب أن يسأل " وفي حديث أخر : " من لم يسأل الله يغضب عليه " وقال ~~الورتجبي : أمر بالسؤال ونهى عن التمني ؛ لأن السؤال افتقار ، والتمني ، ~~اختيار. ه. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 38 # 39 # قلت : التنوين في " كل " : للعوض ، و{مما ترك} بيان للمعوض منه ، أي : ~~ولكل مال مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي : أي : ورثة ، وهم الذرية ~~والعصبة يرثون من ms0456 ذلك المال ، والوالدان على هذا فاعل ، ويحتمل أن يكون ~~مبتدأ والتنوين عوض عن الميت الموروث ، أي : ولكل ميت جعلنا ورثة يرثون مما ~~ترك ذلك الميت ، وهم الوالدان والأقربون فيوقف على {ترك} ، و{مما} يتعلق ~~بمحذوف ، و{الذين} مبتدأ ، و{فآتوهم} خبر ، دخلت الفاء لما في المبتدأ من ~~العموم. PageV02P056 # يقول الحق جل جلاله : ولكل ميت جعلنا ورثة يرثون {مما ترك} ذلك الميت ، وهم ~~{الوالدان والأقربون} ، أو لكل تركة جعلنا لها {موالي} أي : ورثة يرثون مما ~~ترك الوالدان والأقربون ، {والذين عقدت أيمانكم} وهم موالي الحلف ، كانوا ~~يتحالفون في الجاهلية على النصرة والمؤازرة ، يقول الرجل لآخر : دمي دمك ، ~~وهدمي هدمك ، وثأري ثأرك. فيضرب بعضهم على يد الآخر في عقد ذلك الحلف. ~~فلذلك قال : {عقدت أيمانكم} فكان في أول الإسلام يرث من حليفه السدس ، ~~وإليه أشار بقوله : {فآتوهم نصيبهم} ، ثم نسخ. # وقيل : نزلت في المؤاخاة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~المهاجرين والأنصار ، فكان يرث السدس ، ثم نسخ بقوله {وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال : 75]. وعن أبي حنيفة : لو أسلم رجل على ~~يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث. وقال ابن عباس : آتوهم ~~نصيبهم من النصرة التي تعاقدوا عليه ، فيوفي لهم بها ، فلا نسخ. # {إن الله كان على كل شيء شهيدا} ، هو تهديد لم تعدى الحدود ، ونقض ~~العهود. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ولكل زمان جعلنا أولياء كبراء ، يرثون مما ترك أشياخهم من ~~خصوصية الولاية وسر العناية ، إلى يوم القيامة ؛ فالأرض لا تخلو ممن يقوم ~~بالحجة ويظهر المحجة ، فيقال لهم : والذين عقدت أيمانكم في الصحبة معكم ، ~~فظهر صدقهم ، وبانت خدمتهم ، فآتوهم نصيبهم مما خصكم الله به من سر الولاية ~~ولطف العناية ، {إن الله كان على كل شيء شهيدا} ، لا يخفى عليه من يستحق ~~الخلافة ويرث سر الولاية. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 39 # 40 PageV02P057 ~~قلت : {فالصالحات} مبتدأ ، وما بعده إخبار عنه ، وأتى بالفاء المؤذنة ~~بالنسببية والتفريع ، وكأنه تعالى يقول : الرجال قوامون على النساء ، فمن ~~كانت صالحة قام عليها ms0457 بما تستحقه من حسن المعاشرة ، ومن كانت ناشزة عاملها ~~بما تستحقه من الوعظ وغيره. وكل ما هنا من لفظ (ما) فهي مصدرية. إلا ما قرأ ~~به أبو جعفر : [بما حفظ الله] بالنصب ، فهي عنده موصولة اسمية ، أي : ~~بالأمر الذي حفظ الله ؛ وهو طاعتها لله فحفظها بذلك ، وقيل إنها مصدرية. ~~انظر الثعلبي. # يقول الحق جل جلاله : {الرجال قوامون على النساء} أي : قائمون عليهن قيام ~~الولاة على الرعية ، في التأديب والإنفاق والتعليم ، ذلك لأمرين : أحدهما ~~وهبي ، والآخر كسبي ؛ فالوهبي : هو تفضيل الله لهم على النساء بكمال العقل ~~وحسن التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات ، ولذلك خصوا بالنبوة ، ~~والإمامة ، والولاية ، وإقامة الشعائر ، والشهادة ، في مجامع القضايا ، ~~ووجوب الجهاد والجمعة ونحوهما ، والتعصيب ، وزيادة السهم في الميراث ، ~~والاستبداد بالطلاق. والكسبي هو : {بما أنفقوا من أموالهم} في مهورهن ، ~~ونفقتهن ، وكسوتهن. # فيجب على الزوج أن يقوم العدل في أمر نسائه ، فالمرأة الصالحة القانتة ، ~~أي : المطيعة لزوجها ولله تعالى ، الحافظة للغيب ، أي : لما غاب عن زوجها ~~من مال بيته وفرجها وسر زوجها ، حفظت ذلك بحفظ الله ، أي : بما جعل الله ~~فيها من الأمانة والحفظ ، وبما ربط على قلبها من الديانة ، أو بحفظها حق ~~الله ، فلما حفظت حقوق الله حفظها الله بعصمته ، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام : " احفظ الله يحفظك " فمن كانت على هذا الوصف من النساء فيجب على ~~الزوج حسن القيام بها ، ومقابلتها في القيام بما قابلته من الإحسان ، وعنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال " خير النساء أمرأة إن نظرت إليها سرتك ، وإن ~~أمرتها أطاعتك ، وإن غبت حفظتك في مالها ونفسها " وتلا هذه الآية. PageV02P058 # جزء : 2 رقم الصفحة : 40 # وأما النساء التي {تخافون} أي : تتيقنون {نشوزهن} أي : ترفعهن عن طاعة ~~أزواجهن وعصيانهن ، {فعظوهن} بالقول ، فإن لم ينفع فاهجروهن في المضاجع ، ~~أي : لا تدخلوا معهن في لحاف ، أو لا تجامعوهن ، فإن لم ينفع فاضربوهن ضربا ~~غير مؤلم ولا شائن. قال صلى الله عليه وسلم : " علق السوط حيث يراه أهل ~~البيت " وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت ms0458 : ( كنت رابع نسوة ~~عند الزبير بن العوام ، فإذا غضب على إحدانا ، ضربها بعود المشجب ، حتى ~~ينكسر). والمشجب : أعواد مركبة يجعل عليها الثياب. # 41 # {فإن أطعنكم} يا معشر الأزواج ، أو عقدن التوبة مما مضى ، {فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا} أي : لا تطلبوا عليهن طريقا تجعلونه سبيلا لإيذائهن ، بل ~~اجعلوا ما كان منها من النشوز كأن لم يكن ، ( فإن التائب من الذنب كمن لا ~~ذنب له). وقال ابن عيينة : أي لا تكلفوهن بحبكم. ه. وقال الورتجبي : إذا ~~حصل منهن صورة طاعة الرجال فلا يطلب منهن موافقة الطباع ، فإن ذلك منازعة ~~للقدر. قال تعالى : {لا تبديل لخلق الله} [الروم : 30] ، وذكر حديث " ~~الأرواح جنود مجندة ". ثم هدد الأزواج فقال : {إن الله كان عليا كبيرا} ~~فاحذروه ، فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت ولايتكم ، أو : إنه على علو ~~شأنه ، يتجاوز عن سيئاتكم ، فأنتم أولى بالعفو عن نسائكم ، أو : أنه يتعالى ~~ويكبر أن يظلم أحدا أو ينقص حقه. PageV02P059 # وسبب نزول الآية : أن سعد بن الربيع ، وكان من النقباء ، لطم امرأته حبيبة ~~بنت زيد بن أبي زهير ، وكانت نشزت عليه ، فانطلق أبوها معها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : أفرشته كريمتي فلطمها ، فقال عليه الصلاة ~~والسلام : " لتقتص منه ، " فانصرفت لتقتص منه فقال صلى الله عليه وسلم : " ~~ارجعوا ، هذا جبريل أتاني وأنزل الله هذه الآية : {الرجال قوامون على ~~النساء} " إلى آخرها ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أردنا أمرا ، وأراد ~~الله أمرا ، والذي أراد الله خير " فرفع القصاص. وقيل : نزلت في غيره ممن ~~وقع له مثل هذا من النشوز. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الرجال الأقوياء قوامون على نفوسهم قهارون لها ، بفضل القوة ~~التي مكنهم الله منها ، وبما أنفقوا عليها من المجاهدات والرياضات ، فهم ~~ينظرون إليها ويتهمونها في كل حين ، فإن صلحت وأطاعت وانقادت لما يراد منها ~~من أحكام العبودية ، والقيام بوظائف الربوبية ، عاملوها بالإكرام والإجمال ~~، ورفعوا عنها الآداب والنكال ، وإن نشزت وترفعت أدبوها وهجروها عن مواطن ~~شهواتها ومضاجع نومها ، وضربوها على قدر لجاجها وغفلتها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 40 ms0459 # وكان الشيخ أبو يزيد يأخذ قبضة من القضبان ويذهب إلى خلوته ، فكلما غفلت ~~ضربها ، حتى يكسرها كلها ، وكان بعض أصحابنا يأخذ خشبة ويذهب إلى خلوته ، ~~فكلما غفل ضرب رأسه به ، حتى يأتي رأسه كله مفلول ، وبلغني أن بعض أصحابنا ~~كان يدخل في لحمة رجله سكينا كلما غفل قلبه ، وهذا إغراق ، وخير الأمور ~~أوسطها. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 40 # 42 PageV02P060 ~~قلت : الشقاق : المخالفة والمساورة ، وأضيف إلى الظرف توسعا كقوله : {بل ~~مكر اليل} [سبأ : 32] ، والأصل : شقاقا بينهما ، والضمير في {يريدا} ~~للحكمين ، وفي {بينهما} للزوجين ، وقيل : للحكمين معا ، وقيل : للزوجين معا. # يقول الحق جل جلاله : {وإن خفتم} يا معشر الحكام ، أي علمتم خلافا بين ~~الزوجين ومشاررة ، ولم تدروا الظالم من المظلوم ، {فابعثوا} رجلين أمينين ~~يحكمان بينهما ، يكون أحداهما من أهله والآخر من أهلها ، لأن الأقارب أعرف ~~ببواطن الأحوال ، وأطلب للإصلاح ، فإن بعثهما الحاكم أجنبيين صح ، وكذا إن ~~أقامهما الزوجان. # وما اتفق عليه الحكمان لزم الزوجين من خلع أو طلاق أو وفاق. وقال أبو ~~حنيفة : ليس لهما التطليق إلا أن يجعل لهما ، وإذا اختلفا لم يلزم شيء ، ~~ويستأنفان الحكم ، قال ابن جزي : ومشهور مذهب مالك : أن الحاكم هو الذي ~~يبعث الحكمين ، وقيل : الزوجان ، وجرت عادة القضاء أن يبعثوا امرأة أمينة ~~ولا يبعثوا الحكمين ، قال بعض العلماء : هو تغيير القرآن والسنة الجارية. ه. # فإن بعث الحكمان ، فإن أرادا إصلاحا بين الزوجين ، واتفقا عليه ، وفق ~~الله بينهما ببركة قصدهما ، وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه ~~أصلح الله مبتغاه. {إن الله كان عليما خبيرا} بما في الظواهر والبواطن ، ~~فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق. PageV02P061 # الإشارة : وإن خفتم ، أيها الشيوخ ، على صاحبكم منازعة النفس والروح ؛ ~~فكانت النفس تجمح به إلى أسفل سافلين ، بمتابعة هواها وعصيان مولاها ، ~~والروح تجنح به إلى أعلى عليين ، بجهاد هواها ومشاهدة مولاها ، فابعثوا له ~~واردين قويين ، إما شوق مقلق يرحل الروح إلى مولاها ، أو خوف مزعج يزجر ~~النفس عن هواها. فإن أراد الله بذلك العبد إصلاحا لحاله أرسلهما معا ms0460 متفقين ~~على تخليصه وارتفاعه ، فيتقدم الخوف المزعج ويستدركه الشوق المقلق ، فيلتحق ~~بأهل التحقيق من أهل التوفيق ، وما ذلك على الله بعزيز ، وفي الحكم : " لا ~~يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج ، أو شوق مقلق ". والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 42 # 43 # قلت : الجنب بالضم : البعيد ، يقال فيه : جنب وأجنب وأجنبي ، وسمي ~~الجنب جنبا لأنه يبعد من المسجد وعن الصلاة وعن التلاوة ، و(مختال) أسم ~~فاعل ، وأصله : مختيل ، بالكسر ، من الخيلاء وهو التكبر. # يقول الحق جل جلاله : {واعبدوا الله} أي : وحدوه وأطيعوه {ولا تشركوا به ~~شيئا} جليا أو خفيا في اعتقادكم أو في عبادتكم ، فمن قصد الحج والتجارة ، ~~فقد أشرك مع الله في عبادته ، وأحسنوا بالوالدين إحسانا حسنا ، وهو برهما ~~والقيام بحقهما ، {وبذي القربى} ، أي : القرابة في النسب ، أو الدين ~~{واليتامى} لضعف حالهم ، {والمساكين} لقلة ما بيدهم ، وقد شكى بعض الناس ~~قساوة قلبه ، فقال له عليه الصلاة والسلام : " إن أردت أن يلين قلبك ، ~~فأطعم والمسكين وامسح رأس اليتيم ، وأطعمه ". {والجار ذي القربى} الذي قرب ~~جواره أو نسبه ، {والجار الجنب} الذي بعد مكانه أو نسبه ، وحدد بعضهم ~~الجوار بأربعين دارا من كل ناحية. وقال ابن عباس : الجار ذي القربى : الجار ~~الذي بينك وبينه قرابة ، والجار الجنب : الجار من قوم آخرين. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 43 PageV02P062 ~~قيل يا رسول الله : ما حق الجار على الجار قال : " إن دعاك أجبته ، وإن ~~أصابته فاقة عدت عليه ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن أصابه خير هنأته ، وإن ~~مرض عددته ، وإن أصابته مصيبة عزيته ، وإن توفي شهدت جنازته ، ولا تستعل ~~عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلا بإذنه ، ولا تؤذه بقتار قدرك أي : ~~بخارها إلا أن تغرف له منها ، وإن ابتعت فاكهة فأهد له منها ، فإن لم تفعل ~~فأدخلها سرا ، ولا يخرج ولدك منها بشيء فيغيظ ولده ، " ثم قال : " الجيران ~~ثلاثة : فجار له ثلاثة حقوق : حق الجوار ، وحق القرابة ، وحق الإسلام ، ~~وجار له حقان : حق الجوار ، وحق الإسلام ، وجار له حق واحد : وهو المشرك من ~~أهل الكتاب ". {والصاحب ms0461 بالجنب} ، وهي الرفيق في أمر حسن ، كتعلم وتصرف ~~وصناعة وسفر ، فإنه صحبك بجنبك ، وعن علي كرم الله وجهه ( أنها الزوجة) ، ~~فيتأكد في حقها الإحسان زيادة على المعاشرة بالمعروف ، قال بعضهم : أول قدم ~~في الولاية ؛ كف الأذى وحمل الجفا ، ومعيار ذلك حسن معاشرة الأهل والولد ، ~~وقال عليه الصلاة والسلام : " خيركم خيركم لنسائه ، وأنا خيركم لنسائي " ~~{وابن السبيل} ، وهو الضيف أو المسافر لغرابته ، {وما ملكت أيمانكم} ، من ~~الإماء والعبيد ، وكان آخر كلام النبي عليه الصلاة والسلام : " الصلاة ~~الصلاة وما ملكت أيمانكم ". {إن الله لا يحب من كان مختالا} أي : متكبرا ، ~~يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم ، {فخورا} يتفاخر عليهم ~~بماله وجاهه ، وما خوله الله من نعمه ، فهو جدير أن تسلب منه. # 44 PageV02P063 ~~الإشارة : واعبدوا الله ، أي : بالقيام بوظائف العبودية ، ومشاهدة عظمة ~~الربوبية ، وقال بعض الحكماء : العبودية : ترك الاختيار ، وملازمة الذل ~~والافتقار. وقيل : العبودية أربعة أشياء : الوفاء بالعهود ، والحفظ للحدود ~~، والرضا بالموجود ، والصبر على المفقود ، وعنوان ذلك صفاء التوحيد ، ولذلك ~~قال : {ولا تشركوا به شيئا} أي : لا تروا معه غيره ، كما قال القائل : # مذ عرفت الإله لم أر غيرا # وكذا الغير عندنا ممنوع # وقال آخر : ( لو كلفت أن أرى غيره ، لم أستطع ، فإنه لا غير معه حتى ~~أشهده). فإذا حصلت العبودية في الظاهر ، وتحقق التوحيد في الباطن ، ظهرت ~~عليه مكارم الأخلاق فيحسن إلى الأقارب والأجانب ، ويجود عليهم بالحس ~~والمعنى ، لأن الفتوة من شأن أهل التوحيد ، ومن شيم أهل التجريد ، كما هو ~~معلوم من حالهم ، نفعنا الله بذكرهم ، وخرطنا في سلكهم. آمين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 43 # قال الورتجبي : " الوالدين " : مشايخ المعرفة. ثم نقل عن الجنيد ، أنه ~~قال : أمرني أبي أمرا ، وأمرني السري أمرا. فقدمت أمر السري على أمر أبي ، ~~وكل ما وجدت فهو من بركاته. ه. وذوو القربى هم الأخوة في الشيخ ، ~~{واليتامى} : من قصدهم من المتفقرة الجاهلة ، {والمساكين} : ضعفاء اليقين ~~من العامة ، أمر الله تعالى أهل الخصوصية بالإحسان إليهم والبرور بهم ، وهو ~~أن يقرهم في طريقهم ، وبحوشهم إلى ربهم. PageV02P064 # {والجار ms0462 ذي القربى} وهو جارك في السكنى وأخوك في النسبة ، فيستحق عليك ~~زيادة الإحسان. {والجار الجنب} : من جاورك من العوام فتنصحه وترشده ، ~~{والصاحب بالجنب} : من رافقك في أمر من العوام ، كسفر وغيره ، {وابن ~~السبيل} : من نزل بأهل الخصوصية من الأضياف ، فلهم حق الضيافة عليهم حسا ~~ومعنى ، {وما ملكت أيمانكم} : ما لكم تصرف عليهم الأهل والبنين والإماء ~~والعبيد ، فتقربونهم إلى حضرة الملك المجيد. ثم أمرهم بالتواضع والإقبال ~~على الخاص والعام. فقال : {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا}. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 43 # 45 # قلت : {الذين} بدل من : " من كان " ، أو منصوب على الذم ، أو مرفوع عليه ~~، أي : هم. أو مبتدأ حذف خبره ، أي : نعذبهم عذابا مهينا ، أو أحقاء بكل ~~ملامة ، و{الذين ينفقون} : عطف على الأولى ، أو مبتدأ حذف خبره ، أي : ~~الشيطان قرينهم. والبخل فيه لغتان : البخل والبخل بحركتين. # يقول الحق جل جلاله : {الذين يبخلون} بأموالهم على أقاربهم وجيرانهم ، ~~{ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله} من الغنى ، فيظهرون القلة ~~والعيلة ، أو يكتمون العلم بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ، هم أحقاء بكل ~~لوم وعتاب. {وأعتدنا للكافرين} منهم {عذابا مهينا} يهينهم ويخزيهم ، نزلت ~~في اليهود ، كانوا يقولون للأنصار : لا تنفقوا أموالكم ، فإنا نخشى عليكم ~~الفقر ، وكتموا صفته عليه الصلاة والسلام ووضع الظاهر موضع المضمر كأنه ~~يقول : وأعتدنا لهم ، إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى ، ~~ومن كفر بنعمة الله وأهانها استحق عذابا مهينا. PageV02P065 # {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} طالبا لمدحهم وخوفا من ذمهم ، {ولا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} ، يتحرون بإنفاقهم مراضية ، فالشيطان ~~قرينهم لا يفارقهم ، {ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا} ، فلما كان ~~الشيطان قرينهم زين لهم التهالك على الأموال والرياء في الأعمال ، وإنما ~~أشرك أهل الرياء مع البخلاء في الوعيد من حيث إنهما طرفا تفريط وإفراط ، ~~وهما سواء في القبح واستجلاب الذم. # {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله} أي : ~~لا ملامة عليهم ولا تبعة تحيق بهم ؛ لو ms0463 أخلصوا الإيمان وأنفقوا مما رزقهم ~~الكريم المنان. قال البيضاوي : وفيه تنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر ~~فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا ، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدم ~~الإيمان هاهنا وأخره في الآية الأخرى : لأن القصد بذكره هنا التخصيص ، وثم ~~التقليل. ه. {وكان الله بهم عليما} لا يخفى عليه شيء من أمورهم وقصدهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 45 # الإشارة : قال بعض الصوفية : ( من أقبح كل قبيح صوفي شحيح) ، فالصوفية ~~العارفون رضي الله عنهم الذين هم صفوة العباد متخلقون بأضداد ما وسم به ~~الحق تعالى أهل العناد ، فهم يجودون بأنفسهم وما خصهم الله بهم من العلوم ~~اللدنية والأسرار القدسية ، على من يستحقه من أهل التخلية والتحلية ، ~~ويأمرون الناس بالسخاء ومكارم الأخلاق ، ويتحدثون بما منحهم الملك الخلاق ، ~~ويظهرون الغنى بالله والاكتفاء به عن كل ما سواه ، وإذا بذلوا أموالهم ~~أعطوها لله وبالله ومن الله وإلى الله وابتغاء مرضاة الله ، هجم عليهم ~~اليقين ، وتمكنوا من شهود رب العالمين ، فلا يقرب ساحتهم الشيطان ، ولا ~~يرون في الدارين إلا الملك الديان ، تحبهم ملائكة الرحمن ، ويحن إليهم ~~الأنس والجان. نفعنا الله بمحبتهم ، وخرطنا في مسلكهم ، آمين. # 46 # جزء : 2 رقم الصفحة : 45 PageV02P066 ~~قلت : الذرة : النملة الصغيرة الحمراء. وتطلق على جزء من أجزاء الهباء. ومن ~~نصب {حسنة} فخبر كان. وأنث الضمير باعتبار الخبر. أو لإضافة مثقال إلى ذرة ~~، فاكتسب التأنيث ، ومن رفع فهي تامة ، وحذف نونها على غير قياس ، تشبيها ~~لها بحروف العلة. وضاعف وضعف بمعنى واحد. # يقول الحق جل جلاله : {إن الله لا يظلم} أحدا بحيث ينقص من ثواب عمله ، ~~أو يزيد في عقبا ما يستحقه ، ولو مثقال ذرة. بل يجازي كلا على قدر عمله. ~~فإن كان صالحا ، ولو صغر قدره ، عظم أجره. {فإن تك حسنة يضاعفها} بعشر ~~أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة ، بحسب الإخلاص. قال أبو هريرة رضي ~~الله عنه : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يعطي المؤمن ~~على الحسنة ألفي ألف حسنة " ، ثم تلا {إن الله لا يظلم ms0464 مثقال ذرة} الآية. # {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} ، وخيرا جسيما ، فضلا منه وإحسانا. قال صلى ~~الله عليه وسلم : " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة ، بل يثاب عليها الرزق في ~~الدنيا ويجزيه بها في الآخرة. والكافر يعطيه بها في الدنيا ، فإذا كان يوم ~~القيامة لم يكن له حسنة ". الإشارة : كما أن الحق تعالى لا يظلم طالبي ~~الأجور ، بل يضاعف لهم في زيادة الحور والقصور ، كذلك لا يبخس طالبي القرب ~~والحضور ، ورفع الحجب والستور. بل كلما فعلوا من أنواع المجاهدات ضاعف لهم ~~أنوار المشاهدات. وكلما نقص لهم من الحس ولو مثقال ذرة زادهم في المعنى ~~قدره وأكثر شهودا ونظرة. وكلما يقهر النفس ولو مقدار الفتيل ، شربوا مقداره ~~وأكثر من خمرة الجليل ، وهذا كله مع صحبة المشايخ أهل التربية ، وإلا فلا ~~تزيده مجاهدته إلا حجبا وبعدا عن الخصوصية. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 46 PageV02P067 ~~قلت : {كيف} إذا كان الكلام بعدها تاما أعربت حالا ، كقولك : كيف جاء زيد ؟ ~~وإذا كان ناقصا ، كانت خبرا ، كقولك : كيف زيد ؟ وهي هنا خبر ؟ أي : كيف الأمر # 47 # أذا... الخ. وهي مبنية لتضمنها معنى الاستفهام ، والعامل في {إذا} مضمون ~~المبتدأ ، أو الخبر ، أي : كيف يستقر الأمر أو يكون إذا جئنا ؟ ومن قرأ ~~{تسوى} بالشد ، فأصله تتسوى ، أدغمت الأولى في الثانية ، ومن قرأ {لو تسوى} ~~بالبناء للمفعول فحذف الثانية. # يقول الحق جل جلاله : {فكيف} يكون حال هؤلاء الكفرة واليهود {إذا} قامت ~~القيامة و{جئنا من كل أمة بشهيد} يشهد عليها بخيرها وشرها ، وهو نبيهم الذي ~~أرسل اليهم ، {وجئنا بك} أنت يا محمد {على هؤلاء} الأمة التي بعثت إليهم ~~{شهيدا} عليهم ، أو على صدق هؤلاء الشهداء شهيدا ، تشهد على صدق رسالتهم ~~وتبليغهم ؟ لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك مجامع قواعدهم ، وقيل : {وعلى ~~هؤلاء} الكفرة المستفهم عن حالهم ، وقيل : على المؤمنين لقوله : {لتكونوا ~~شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة : 143]. {يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول} أي : الذين جمعوا بين الكفر والعصيان يتمنون أن ~~{تسوى بهم الأرض} فيكونون ترابا لما يرون من ms0465 هول المطلع ، فإذا شهدت عليهم ~~الرسل بالكفر قالوا : {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام : 23] ، فينطق ~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بشركهم فيفتضحون {ولا يكتمون الله حديثا} واحدا ، ~~لأنهم كلما هموا بالكتمان شهدت عليهم جوارحهم بالكفر والعصيان. # وقيل : إن القيامة مواطن ، في موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا ، وفي ~~موطن يتكلمون ويقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، إلى غير ذلك من اختلاف ~~أحوالهم. والله تعالى أعلم. PageV02P068 # الإشارة : لا بد أن يحصل الندم لمن فاته صحبة أهل الخصوصية ، حتى مات ~~محجوبا عن مشاهدة أسرار الربوبية ، لا سيما إذا انضم إليهم كفرهم بخصوصيتهم ~~والإنكار عليهم ، وذلك حين يكشف له عن مقامهم البهي وحالهم السني ، مصاحبين ~~للمقربين في جوار الأنبياء والمرسلين ، وهو في مقام أهل اليمين ، ثم يعاقب ~~على ما أسر عليه من الكبائر ، وهي معاصي القلوب والضمائر ، وهذا إذا مات ~~على الإسلام ، وإلا فالإنكار على الأولياء شؤمه سوء الخاتمة. والعياذ بالله ~~من ذلك. وقد تقدم أن العارفين بالله يشهدون على العلماء ، والعلماء يشهدون ~~على العموم ، ونبينا عليه الصلاة والسلام يزكي من يحتاج إلى التزكية. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 47 # 48 # قلت : جملة {وأنتم سكارى} : حال ، وسكارى : جمع سكران ، ويجمع على سكارى ~~بالفتح وسكرى بالسكون ، و{لا جنبا} عطف على جملة الحال ، و{جنب} يستوي فيه ~~الواحد والاثنان والجماعة والمذكر والمؤنث ، لأنه يجري مجرى المصدر فلا ~~يثنى ولا يجمع. و{إلا عابري} مستثنى من عام الأحوال ، وأصل الغائط : الموضع ~~المنخفض من الأرض ، ثم أطلق على الواقع فيه مما يخرج من الإنسان. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى} : لا تقوموا إليها وأنتم سكارى من خمر ، أو غلبة نوم ، أو شدة غفلة ~~، {حتى تعلموا ما تقولون} في صلاتكم ، وتتدبروا ما تقرأون فيها ، فالصلاة ~~من غير حضور خاوية ، وعند الخصوص باطلة ، روي أن عبد الرحمن بن عوف صنع ~~مأدبة ، ودعا إليها نفرا من الصحابة ، حين كانت الخمر مباحة ، فأكلوا ~~وشربوا حتى ثملوا ، وجاء وقت صلاة المغرب ، فتقدم أحدهم ليصلي بهم ، فقرأ ms0466 : ~~أعبد ما تعبدون من غير نفي فنزلت الآية قبل تحريم الخمر ، ثم حرمت بآية ~~المائدة. PageV02P069 # ولا تقربوها حالة جنابتكم في آي حال كان ، {إلا عابري سبيل} أي : في وقت ~~سفركم ، حيث لم تجدوا ماء ، بدليل ما يأتي ، فيتيمم ويقرب الصلاة وهو جنب ، ~~وفيه دليل أن التيمم لا يرفع الحدث ، قيل المراد بالصلاة مواضعها ، وهي ~~المساجد فلا يدخلها الجنب إلا مارا ، وبه قال الشافعي رضي الله عنه وقال ~~أبو حنيفة : لا يجوز المرور ، إلا إذا كان فيه الماء والطريق. وقال مالك : ~~لا يدخل إلا بالتيمم ولا يمر به أصلا. # فلا تقربوا الصلاة وأنتم جنب {حتى تغتسلوا}. # {وإن كنتم مرضى} تخافون ضرر الماء ، أو زيادته ، أو تأخر برء ، أو منع ~~الوصول إلى الماء ، {أو على سفر} لم تجدوه فيه ، {أو} كنتم في الحضر محدثين ~~حيث {جاء أحد منكم من الغائط} ، أو البول ، أو بغيره من الأحداث ، {أو ~~لامستم النساء} أي : مست بشرتكم بشرتهن ، بقصد اللذة أو عند وجدانها ، وبه ~~قال مالك. وقال الشافعي : ينقض مطلقا ، قصد أم لا ، وجد أم لا ، ولو بميتة ~~، وقال أبو حنيفة : إن كانت ملامسه فاحشة بحيث يحصل الانتشار نقضت ، وإلا فلا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 48 # وقال ابن عباس والحسن البصري ومحمد بن الحسن : لا تنقض الملامسة مطلقا ، ~~ويقاس على اللمس سائر نواقض الأسباب ، فتحصل أن " أو " تبقى على أصلها من ~~التقسيم ، فتكون الآية نصا في تيمم الحاضر الصحيح ، وبه قال مالك ، ولا ~~يعيد. وقال الشافعي : يصلي بالتيمم ويعيد ، وقال أبو حنيفة : لا يصلي حتى ~~يجد الماء ، ومن قال : " أو " بمعنى الواو فخروج عن الأصل بلا داع. # ثم قيد التيمم في هذه الأحوال بفقد الماء ، فقال : {فلم تجدوا ماء} كافيا ~~، أو لم تقدروا على استعماله ، {فتيمموا} أي : اقصدوا {صعيدا طيبا} أي : ~~ظاهرا ، وهو ما # 49 PageV02P070 ~~صعد على وجه الأرض من جنسها ؛ كتراب ، وهو الأفضل ، وثلج وخضخاض وحجر ومدر ~~، لا شجر وحشيش ومعدن ذهب وفضة ، وما التحق بالعقاقير ، كشب ، وملح ، ~~وكبريت ، وغاسول وشبهه ، فلا يجوز. وقال أبو حنيفة ms0467 : بكل شيء من الأرض وما ~~اتصل بها كشجر وكحل ، وزنيخ ، وشب ونورة ، وجص ، وجوهر ، إلا منخالة الذهب ~~والفضة والرصاص. وقال الشافعي : لا يجوز إلا بالتراب المنبت خاصة ، وبه فسر ~~الطيب ، واشترط علوق التراب بيده ، ولم يشترطه غيره. # ثم علم الكيفية فقال : {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم}. قال مالك : اليد اسم ~~للكف بدليل قطع السارق منه ، فجعل المسح إلى المرفق سنة. وقال الشافعي : ~~فرض ، قياسا على الوضوء ، {إن الله كان عفوا غفورا} فلذلك يسر عليكم ورخص ~~لكم في التيمم. # الإشاره : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا صلاة الحضرة القدسية ، وأنتم ~~سكارى بحب الدنيا الدنية ، حتى يذهب عنكم سكر حبها ، وتعلموا ما تقولون في ~~مناجاة خالقها ، ولا جنبا من جنابة الغفلة ، إلا ما يمر بالخواطر على سبيل ~~الندرة والقلة ، حتى تغتسلوا بماء الغيب ، الذي يحصل به طهارة الجنان ، ~~ويغيب المتطهر به عن رؤية الأكوان. وإليه أشار ابن العربي الحاتمي : كما في ~~طبقات الشعراني ، ونسبها غيره للجنيد رضي الله عنهم أجمعين وهو الأصح ~~بقوله : # توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سر # وإلا تيمم بالصعيد أو الصخر # وقدم إماما كنت أنت إمامه # وصل صلاة الظهر في أول العصر # فهذي صلاة العارفين بربهم # فإن كنت منهم فانضح البر بالبحر PageV02P071 ~~أي : إن لم تقدر على الطهارة الأصلية ؛ وهي الغيبة عن الأحداث الكونية ، ~~فاقصد العبادة الحسية ، وقدم الشريعة أو من قام بها من أهل التربية النبوية ~~أمامك ، بعد أن كان يطلبك من قبل أن تعرفه ، وأجمع ظهر الشريعة لعصر ~~الحقيقة ، فهذه صلاة العارفين ، فإن كنت منهم فانضح بر ظاهرك بحقيقة باطنك ~~، فما كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر. لهذا أشار تعالى بقوله : ~~{وإن كنتم مرضى} بحب الهوى ، {أو على سفر} في عجلة شغل الدنيا ، أو جاء أحد ~~منكم من غائط الحس ، أو لامستم العلوم الرسمية ، وانطبع صور خيالها في ~~قلوبكم ، ولم تجدوا من يسقيكم ماء الغيب ، وهي الخمرة الآزلية ، فاقصدوا ~~الأعمال الحسية ، فلعلها توصلكم إلى الأعمال الباطنية ، {إن الله كان عفوا ~~غفورا} ، وفي الحكم : " كيف يشرق قلب ms0468 صور الأكوان منطبعة في مرآته ؟ أم كيف # 50 # يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته ، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم ~~يتطهر من جنابة غفلاته ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من ~~هفواته ؟ ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 48 # قلت : دخلت الباء على الفاعل في {كفى بالله} ، لتضمنه معنى أكتف بالله وكيلا. # يقول الحق جل جلاله {ألم تر} يا محمد ، أو يا من يسمع ، ببصرك أو بقلبك ~~{إلى} حال {الذين أوتوا نصيبا} يسيرا {من} علم {الكتاب} أي : التوراة ، وهم ~~أحبار اليهود ، {يشترون الظلال} بالهدى ، أي : يستبدلونها بها بعد تمكنهم ~~منها عادة ، {ويريدون أن تضلوا السبيل} أي : الطريق الموصلة إلى الحق ، أي ~~: يتمنون انحرافكم عنها ، فإذا سمعوا عنكم ما يحرفكم عنه فرحوا واستبشروا ، ~~لأنهم انحرفوا عنها فحرفوا كتابهم وبدلوا ، فتمنوا أن تكونوا مثلهم ، ~~فاحذروا ما يتوقع منكم أعداؤكم ، فإن الله أعلم بهم منكم ، فسيكفيكم الله ~~أمرهم ، فثقوا به وتوكلوا عليه ، فكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ، ~~فسيتولى أمركم وينصركم على من عاداكم. وبالله التوفيق. PageV02P072 # الإشارة : من شأن أهل الإنكار ، ولا سيما من سلف له في أسلافه رياسة أو ~~إظهار ، إذا سمعوا بأهل النسبة وقع لهم شيء من الأكدار ، فرحوا واستبشروا ، ~~وودوا لو حادوا كلهم عن سبيل الحق ، والله مطلع على أسرارهم ، وكاف بأسهم ~~وشرهم ، {وكفى بالله وليا} لأوليائه ونصيرا لأحبابه ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 50 # قلت : {من الذين هادوا} : خبر عن محذوف ، أي : منهم قوم يحرفون ، أو بيان ~~للذين قبله ، أو متعلق بأعدائكم. # يقول الحق جل جلاله : من اليهود قوم تمردوا في الكفر ؛ وهم أحبارهم ، ~~{يحرفون الكلم} وهو التوراة {عن مواضعه} أي : يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله # 51 # فيها ، بإزالة لفظه أو تأويله. وقال ابن عباس : (لا يقدر أحد أن يحرف ~~كلام الله ولكن يفسرونه على غير وجهه) ، {ويقولون} لمن دعاهم إليه ، وهو ~~الرسول صلى الله عليه وسلم : {سمعنا} قولك ، {وعصينا} أمرك ، {واسمع} منا ~~{غير مسمع} قولك ، أي : لا نلتفت إليه ، أو ms0469 دعاء بالصمم : أي : لا سمعت ، ~~أو غير مسمع منا مكروها ، نفاقا ، ويقولون له مكان انظرنا : {راعنا} قاصدين ~~بذلك الشتم والسخرية ، من الرعونة ، وقد كان الصحابة يخاطبون به الرسول ~~عليه الصلاة والسلام ومعناه : انظرنا. أو راعنا بقلبك ، فوجد اليهود بها ~~سبيلا إلى الشتم ، فنهاهم الله عن ذلك ، وبقيت اليهود تقولها شتما واستهزاء ~~{ليا بألسنتهم} ، أي : فتلا لها عن معناها ، من الانتظار إلى ما قصدوا من ~~رميه بالرعونة ، {وطعنا في الدين} أي : استهزاء به ، {ولو أنهم قالوا سمعنا ~~وأطعنا} مكان سمعنا وعصينا ، {واسمع} منا فقط ، مكان : واسمع غير مسمع ، ~~{وانظرنا} مكان راعنا ، {لكان} قولهم ذلك {خيرا لهم وأقوم} وأعدل ، {ولكن ~~لعنهم الله} أي : طردهم وأبعدهم بسبب كفرهم ، {فلا يؤمنون إلا} إيمانا ~~{قليلا} لا يعبأ به وهو الإيمان بالبعض والكفر بالبعض من الآيات والرسل. ~~والله تعالى أعلم. PageV02P073 # الإشارة : والله ما ربح من ربح ، إلا بالأدب والتعظيم ، وما خسر من خسر إلا ~~من فقدهما. قال بعضهم : " اجعل عملك ملحا ، وأدبك دقيقا ". وآداب الظاهر ~~عنوان آداب الباطن ، ويظهر الأدب في حسن الخطاب ، ورد الجواب ، وفي حسن ~~الأفعال ، وظهور محاسن الخلال. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 51 # يقول الحق جل جلاله : {ياأيها الذين أوتوا الكتاب} من اليهود {آمنوا بما ~~نزلنا} من القرآن {مصدقا لما معكم} من التوراة {من قبل أن نطمس وجوها} أي : ~~نغير صورها ونمحو تخطيط أشكالها ، فلا تبقى عين ولا أنف ولا حاجب ، {فنردها ~~على} هيئة {أدبارها} من الأقفاء ، أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا ، {أو ~~نلعنهم} أي : نخزيهم بالمسخ ، {كما لعنا أصحاب السبت} ، فمسخناهم قردة ~~وخنازير ، {وكان أمر الله مفعولا} ، لا مرد له ، ولعله كان مشروطا بعدم ~~إيمان بعضهم ، أو يراد بطمس الوجوه ما يكسوها من الذلة والصغار. ويراد ~~باللعن حقيقته ، أي : نلعنهم على لسانك كما لعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم. # 52 PageV02P074 ~~وهذه الآية كانت سبب إسلام كعب الأحبار ، سمعها من بعض الصحابة فأسلم في ~~زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والمسخ جائز على هذه الأمة ، كما وقع ms0470 ~~الأمم السابقة ، بدليل ما في كتاب الأشربة من البخاري أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير ، والخمر ~~والمعازف ، ولينزلن أقوام إلى جنب علم ، يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم ~~لحاجة ، فيقولون : ارجع إلينا غدا ، فيبيتهم الله ، ويضع عليهم العلم ، ~~ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ". الإشارة : حملة الشريعة ~~يخاطبون بالإيمان بأهل الحقيقة ، لأنها لبها وصفاؤها ، فإن امتنعوا من ~~الإيمان بها ومن الإذعان لأهلها ، طمس الله وجوه قلوبهم ، وملأها خوفا ~~وجزعا وحبا للدنيا ، وردها على أدبارها ، فلا تفهم أسرار الكتاب ولا تفقه ~~إشارة الخطاب ، فإن قصروا عن حقوق الشريعة ، وغيروا أحكامها مسخوا قردة ~~وخنازير. وفي نوادر الأصول بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ~~تكون في أمتي قزعة ، فيصير الناس إلى علمائهم ، فإذا هم قردة وخنازير ". ~~قال الترمذي الحكيم : فالمسخ : تغيير الخلقة عن جهتها ، فإنما حل بهم المسخ ~~لأنهم غيروا الحق عن جهته ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، فمسخوا عن أعين الخلق ~~، وقلوبهم عن رؤية الحق. فمسخ الله صورهم وبدل خلقتهم ، كما بدلوا الحق ~~باطلا. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 52 PageV02P075 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الله لا يغفر أن يشرك به} لأنه بت الحكم على خلود ~~عذابه ، لأن الله تعالى غيور لا أحد أغير منه. كما في الحديث ، ومن عادة ~~الملوك إذا خرج أحد من رعيته ونصر غيره لا يقبل منه إلا الرجوع أو الموت. ~~ولا شفاعة تنفع في غير الرجوع عنه. {ويغفر ما دون ذلك} الشرك {لمن يشاء} من ~~الكبائر والصغائر. تاب أم لا. فالعصاة أذا لم يتوبوا في مشيئة الله ، {ومن ~~يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} ؛ ارتكب ما تستحقر دونه الآثام. وهو ~~إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : ولما رأت الصوفية أن الشرك لا يغفر ، ولا يسمح في شيء منه ، ~~جليا أو خفيا ، حققوا إخلاصهم ، ودققوا معاملتهم مع ربهم ، وفتشوا على ~~قلوبهم ، هل بقي فيها # 53 # شيء من محبة غير مولاهم ms0471 ، أو خوف من شيء دونه ، وطهروا توحيدهم من نسبة ~~التأثير لشيء من الكائنات ، فتوجهوا إلى الله في إزالة ذلك عنهم. # قال بعضهم : شربت لبنا فأصابني انتفاخ ، فقلت ضرني ذلك اللبن ، فلما كنت ~~ذات يوم أتلو ، هذه الآية قلت : يا رب ؛ أنا لا أشرك بك شيئا ، فقال لي ~~هاتف : ولا يوم اللبن ، فبادرت إلى التوبة. اه. بالمعنى. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 53 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يا محمد {إلى الذين يزكون أنفسهم} ، وهم ~~اليهود ، قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وقيل : طائفة منهم ، أتوا ~~بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : هل على هؤلآء ذنب ، ~~قال : " لآ ". قالوا : والله ما نحن إلا كهيئتهم ، ما عملنا بالنهار يكفر ~~عنا بالليل ، وما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار ، فنزلت فيهم الآية. وفي ~~معناهم : من زكى نفسه وأثنى عليها قبل معرفتها. PageV02P076 # {بل الله يزكي من يشاء} لأنه العالم بخفيات النفوس وكمائنها ، وما انطوت ~~عليه من قبيح أو حسن ، فيزكي من يستحق التزكية ، ويفضح المدعين ، {ولا ~~يظلمون فتيلا} ، وهو الخيط الذي في شق النواة ، يضرب مثلا لحقارة الشيء ، ~~فأن الله لا يظلم مثقال ذرة ، {انظر كيف يفترون على الله الكذب} في زعمهم ~~أنهم أبناء الله ، أو أنهم مغفور لهم ، {وكفى به} أي : بالافتراء ، {إثما ~~مبينا} أي : ظاهرا لا يخفى على أحد. # الإشارة : قال بعض الصوفية : للنفس من النقائص ما لله من الكمالات ، فلا ~~ينبغي للعبد أن يزكي نفسه ، ولو بلغ فيها من التطهير ما بلغ ، ولا يرضى ~~عنها ولو عملت من الأعمال ما عملت. قال أبو سليمان الداراني : لي أربعون ~~سنة وأنا متهم لنفسي. وفي الحكم " أصل كل معصية وغفلة وشهوة : الرضا عن ~~النفس ، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة : عدم الرضا منك عنها ، ولأن تصحب جاهلا ~~لا يرضى عن نفسه خير من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه ، فأي علم لعالم يرضى ~~عن نفسه ؟ ! وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه ؟ ! ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 53 # 54 # قلت : الجبت في ms0472 الأصل : اسم صنم ، فاستعمل في كل ما عبد من دون الله ، ~~{والطاغوت} : كل باطل من معبود أو غيره ، أو الجبت : السحر ، {والطاغوت} : ~~الساحر ، وبالجملة : هو كل ما عبد أو أطيع من دون الله ، وقال الجوهري : ~~الجبت : اسم لكل صنم ولكل عاص ولكل ساحر وكل مضل ، {والطاغوت} : الشيطان ، ~~وأصله : طغيوت ، فعلوت ، من الطغيان ، ثم قلب فصار طيغوت ، ثم قلبت الياء ألفا. PageV02P077 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من} علم {الكتاب} ، ~~وهم أحبار اليهود {يؤمنون بالجبت والطاغوت} ؛ يقرون بصحة عبادتهما ، ~~{ويقولون للذين كفروا هؤلاء} الكفرة {أهدى من الذين آمنوا} طريقا ، نزلت في ~~اليهود - لعنهم الله - : كانوا يقولون : إن عبادة الأصنام أرضى عند الله ~~مما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : في حيي بن أخطب وكعب بن ~~الأشرف ، خرجا في سبعين راكبا إلى مكة يحالفون قريشا على محاربة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد وقعة أحد ، وينقضون العهد الذي كان بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل كعب على أبي سفيان ، فأحسن مثواه ، ونزلت ~~اليهود في دور قريش. فقال أهل مكة : أنتم أهل كتاب ، ومحمد صاحب كتاب ، ولا ~~نأمن أن يكون هذا مكيدة منكم. فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين ~~الصنمين ، وآمنوا بهما ، ففعلوا ، فذلك قوله تعالى : {يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت}. # ثم قال أبو سفيان لكعب : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ، ونحن أميون لا ~~نعلم ، فأينا أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق ، نحن أو محمد ؟ قال كعب : اعرضوا ~~علي دينكم ، فقال أبو سفيان : نحن ننحر للحجيج الكوماء أي : العظيمة من ~~النوق ونسقي الماء ، ونقري الضيف ، ونفك العاني ، ونصل الرحم ، ونعمر بيت ~~ربنا ، ونطوف به ، ونحن أهل الحرم ، ومحمد فارق دين أبائه ، وقطع الرحم ~~وفارق الحرم ، فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلا. ه. # {أولئك الذين لعنهم الله} وأبعدهم وأسحقهم {ومن يلعن الله فلن تجد له ~~نصيرا} ينصره من عذاب الله. فقد قتل هؤلاء كلهم شر قتلة ، وذهبوا إلى ~~الهاوية. عائذا بالله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 54 ms0473 PageV02P078 ~~الإشارة : قال الورتجبي : وبخ الله تعالى أهل ظاهر العلم الذين اختاروا ~~الرياسة ، وأنكروا على أهل الولاية ، وآثروا صحبة المخالفين ، يقبلون هواجس ~~نفوسهم التي هي الجبت ، ويحظون على آثار الطاغوت ، التي هي إبليس. ه. # قلت : وينسحب التوبيخ على من فضل أهل الظاهر على أهل الباطن ، وفضل ~~العلماء على الأولياء ، ويقولون : هم أهدى منهم سبيلا. هيهات! بينهم من ~~البون ما بين السماء والأرض. # والكلام إنما هو في التفضيل بين العارفين بالله ، الذين جمعوا بين الفناء ~~والبقاء ، وبين العلماء والأتقياء. # 55 # وأما العباد والزهاد والصالحون فلا شك أن العلماء الأتقياء أفضل منهم ، ~~وإليهم أشار صلى الله عليه وسلم بقوله : " فضل العالم على العابد كفضلي على ~~أدناكم " وكذلك الأحاديث التي وردت في تفضيل العلماء. وأما العارفون بالله ~~فهم أعظم العلماء ، لأن علمهم متعلق بذات الله كشفا وذوقا ، وعلماء الظاهر ~~علمهم متعلق بأحكام الله. مفرقون عن الله ، بل هم أشد حجابا من غيرهم عن ~~الله. قال بعض الأولياء : أشد الناس حجابا عن الله : العلماء ثم العباد ثم ~~الزهاد. ه. لأن حلاوة ما هم فيه تمنعهم عن الانتقال عنه ، وقد تقدم الكلام ~~عند قوله : {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران : 110] بأبلغ من هذا. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 54 # قلت : {أم} : منقطعة ، بمعنى بل ، والهمزة للإنكار ، وهو إنكار وجحد لما ~~زعمت اليهود من أن الملك سيصير لهم ، و{إذا} إن فصل بينها وبين المضارع ، ب ~~" لا " ففيها الإهمال والإعمال ، وقد قرىء : (وإذا لا يلبثوا) ، والنقير : ~~النقرة التي في ظهر النواة ، وهو هنا كنابة عن نهاية بخلهم. PageV02P079 # يقول الحق جل جلاله : منكرا على اليهود : أيحصل لهم {نصيب من الملك} ~~والرياسة ؟ هيهات ، لا يكون هذا أبدا ، فكيف يكون لهم الملك وهم أبخل الناس ~~؟ . فإذا أوتوا شيئا من الملك لا يعطون الناس نقيرا ، فما بالك بأكثر ، ~~والملك والنصر ولا يكونان إلا لأجل الكرم والجود والشجاعة ، وإصابة الرأي ~~وحسن التدبير ، وهم بعداء من هذه المكارم. # الإشارة : لا يمكن الله من العز والنصر والتصرف الظاهر أو الباطن إلا أهل ms0474 ~~السخاء والجود ، فمن جاد بماله حتى لا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى ، مكنه ~~الله من العز والتصرف الحسي ، ومن جاد بنفسه وجاهه ، وبذلهما في مرضاة ربه ~~، مكنه الله من العز والنصر والتصرف المعنوي ؛ يتصرف بهمته في الوجود بأسره ~~، من عرشه إلى فرشه ، ويدوم عزه ونصره أبد الأبد. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 55 # 56 # قلت : {أم} بمعنى بل ، و{سعيرا} تمييز. # يقول الحق جل جلاله : توبيخا لليهود على الحسد : {أم يحسدون الناس} ، أي ~~: العرب حيث انتقلت النبوة إليهم ، وقد كانت في أسلافهم ، {على ما آتاهم ~~الله من فضله} ، وهو ظهور النبوة فيهم ، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ~~لأنه اجتمع فيه ما افترق في سائر الناس ، حسدوه على ما آتاه الله من فضله ، ~~من النبوة وغيرها ، وقالوا لعنهم الله : ما له هم إلا النساء ولو كان ~~نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء. # فكذبهم الله تعالى ورد عليهم بقوله : {فقد آتينا آل إبراهيم} وهم : ~~يوسف وداود وسليمان ، {الكتاب والحكمة} أي : النبوة ، {وآتيناهم ملكا ~~عظيما}. فقد اجتمع لداود عليه السلام مائة امرأة. ولسليمان عليه السلام ~~ألف امرأة : ثلاثمائة مهيرة ، أي بالمهر وسبعمائة سرية ، فقال لهم عليه ~~الصلاة والسلام حين نزلت الآية : ألف امرأة عن رجل ، ومائة امرأة عند آخر ~~، أكثر من تسع نسوة ، فسكتوا. PageV02P080 # {فمنهم} أي : اليهود ، {من آمن به} أي : بمحمد عليه الصلاة والسلام كعبد ~~الله بن سلام وأصحابة ، {ومنهم من صد عنه} أي : أعرض عنه ، أو : من آل ~~إبراهيم من آمن بإبراهيم ، {ومنهم من صد عنه} ، ولم يكن في ذلك توهين لقدر ~~إبراهيم ، فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك ، أو : من أسلافهم من آمن بما أوتي ~~آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك ، {ومنهم من صد عنه} ، كما فعلوا مع ~~سليمان وغيره. {وكفى بجهنم سعيرا} لمن كفر بما جاء به أحد من الرسل ، أي : ~~فإن لم يعاجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 56 # ثم بين مآل من كفر ، فقال : {إن ms0475 الذين كفروا بآياتنا} المنزلة على رسلنا ~~، أو الدالة على وحدانيتنا ، {سوف نصليهم نارا} أي : نحرقهم بها ونشويهم ، ~~{كلما نضجت جلودهم} أي : لانت واحترقت {بدلناهم جلودا غيرها} ، قال صلى ~~الله عليه وسلم : " تبدل في ساعة مائة مرة " وقال الحسن : ( تأكلهم النار ~~في كل يوم سبعين ألف مرة ، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم : عودوا فيعودوان ~~كما كانوا). وقال مجاهد : ( ما بين جلده ولحمه دود ، لها جلبة أي حركة ~~وهرير كجلبة حمر الوحش). روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : " غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا ، وضرسه مثل أحد ". ~~وإنما بدلت جلودهم {ليذوقوا} ألم {العذاب} ، أي : يدوم لهم ذلك بخلق جلد ~~آخر مكانه ، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية لا لآلة إدراكها ، فلا محذور ~~، {إن الله كان عزيزا} لا يمتنع عليه ما يريد ، {حكيما} يعاقب على قدر حكمته. # 57 PageV02P081 ~~ثم ذكر مقابل هؤلاء فقال : {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة} مما يستقذر ~~{وندخلهم ظلا ظليلا} أي دائما لا تنسخه شمس ، ولا يصحبه برد ، قدم وعيد ~~الكفار على وعد المؤمنين ، لأن الكلام فيهم ، وذكر المؤمنين بالعرض. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : الحسد خلق مذموم ، لا يتطهر منه إلا الصديقون ، وكل من بقي فيه ~~بقية من الحسد لا يشم رائحة المعرفة ، إذ لو عرف الله لم يجد من يحسد ، وقد ~~قيل : الحسود لا يسود. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أن قال : " الحسد ~~يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " وقال سفيان : ( بلغني أن الله تبارك ~~وتعالى يقول : الحاسد عدو نعمتي ، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي). ~~وأنشدوا : # ألا قل لمن كان لي حاسدا # أتدري على من أسأت الأدب # أسأت على الله في فعله # إذا أنت لم ترض لي ما وهب # جزاؤك منه الزيادة لي # وألا تنال الذي تطلب # وقال آخر : # إن تحسدوني فإني غير لائمكم # قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا # فدام لي ولهم ما كان بي ms0476 وبهم # ومات أكثرنا غيظا بما يجد # جزء : 2 رقم الصفحة : 56 # ثم إن الحسود لا تزول عداواته ، ولا تنفع مداواته ، وهو ظالم يشتكي كأنه ~~مظلوم. ولقد صدق القائل : # كل العداوة قد ترجى إزالتها # إلا عداوة من عاداك من حسد # وقال حكيم الشعراء : # وأظلم خلق الله من بات حاسدا # لمن بات في نعمائه يتقلب # وقال آخر : # أني لأرحم حاسدي لفرط ما # ضمت صدورهم من الأوغار # نظروا صنيع الله في فعيونهم # في جنة وقلوبهم في نار PageV02P082 ~~قال بعض الحكماء : ( الحاسد يضر نفسه ثلاث مضرات : إحداها : اكتساب الذنوب ~~؛ لأن الحسد حرام. الثانية : سوء الأدب مع الله تعالى فإن حقيقة الحسد : ~~كراهية إنعام الله على غيره ، واعتراض على الله في فعله. الثالثة : تألم ~~قلبه وكثرة همه وغمه). عافانا الله من ذلك كله ، فالحاسد لا ينفك عن نار ~~الحجاب وغم الحساب ، والمتطهر منه يدخل جنة الرضى والتسليم في جوار الحبيب ~~، وهو محل الراحة والأمن في الدارين ، وهو الظل الظليل. والله تعالى أعلم. # 58 # جزء : 2 رقم الصفحة : 56 # قلت : " ما " في {نعما} تمميز أو فاعل ، والمخصوص محذوف ، أي نعم شيئا ~~شيء يعظكم به ، أو نعم الذي يعظكم به ذلك الأمر ، وهو رد الأمانات والعدل ~~في الحكومات. # قال زيد بن أسلم وشهر بن حوشب : نزلت الآية في شأن الأمراء. ه. قلت : وأن ~~نزلت في شأن عثمان بن طلحة سادن الكعبة فهي عامة. والمخاطب بذلك أولا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد الأمراء ، أمره الحق تعالى أن يرد ~~المفاتح إلى عثمان ، وذلك أن عثمان أغلق باب الكعبة يوم فتح مكة ، وأبى أن ~~يدفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل الكعبة ، وقال : لو علمت ~~أنه رسول الله ما منعته ، فلوى علي يده ، وأخذها منه ، فدخل رسول الله صلى ~~عليه وسلم وصلى ركعتين ، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ، ويجمع له ~~السدانة والسقاية ، فأمره الله تعالى أن يرده إليه ، فأمر عليا بأن يرده ~~ويعتذر إليه ، وكان ذلك سببا لإسلام عثمان ، ونزل الأمر بأن السدانة في ms0477 ~~أولاده أبدا. PageV02P083 # يقول الحق جل جلاله : {إن الله يأمركم} ، يا معشر الأمراء ، أن تردوا ~~{الأمانات إلى أهلها} من أنفسكم ، أو من رعيتكم فتنصفوا المظلوم من الظالم ~~، حتى يؤدي ما ائتمن عليه من دين ، أو وديعة ، أو غصب ، أو سرقة ، أو غير ~~ذلك من حقوق العباد ، بعضهم من بعض ، وأن تؤدوا الزكاة إلى من يستحقها ، ~~وتصرفوا بيت المال فيمن يستحقه ، لا تظلموا أهلها ، ولا تضيعوا منها شيئا ~~في غير مستحقها. # {و} يأمركم {إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} في من ينفذ عليه ~~حكمكم ، {إن الله نعما يعظكم به} أي : إن الله يعظكم بأمر نعم ما هو ، {إن ~~الله كان سميعا بصيرا} لا يخفى عليه أحكامكم ، ولا ما أخفيتم من أمانات غيركم. # الإشارة : أمر الحق جل جلاله شيوخ التربية أن يؤدوا السر إلى من يستحقه ~~من الفقراء ، إذا تحققوا أهليتهم له ، بحيث تخلوا عن الرذائل ، كالحسد ~~والكبر وغيرهما ، وتحلوا بالفضائل ، كسلامة الصدر وسخاوة النفوس وحسن الخلق ~~، وغير ذلك من أوصاف الكمال ، فإن تحققوا بالتخلية والتحلية ، استحقوا ~~الاطلاع على أسرار الربوبية ، التي هي أمانات عند أهل الخصوصية ، وأمرهم أن ~~يحكموا بين الفقراء بالعدل ، فيمدوا كلا على قدر صدقه وخدمته ، والله تعالى أعلم. # 59 # جزء : 2 رقم الصفحة : 59 # أعاد العامل في قوله : {وأطيعوا الرسول} ، إشارة إلى استقلال الرسول ~~بالطاعة ، ولم يعده في {أولى الأمر} إشارة إلى أنه يوجد منهم من لا تجب ~~طاعته ، ثم بينه بقوله : {فإن تنازعتم في شيء} كأنه قيل : فإن لم يعملوا ~~بالحق فلا تطيعوهم ، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله. قال الطيبي ~~، وسيأتي تحرير ذلك إن شاء الله تعالى. PageV02P084 # يقول الحق جل جلاله : {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله} فيما أمركم به ~~ونهاكم عنه ، {وأطيعوا الرسول} كذلك. {وأولي الأمر منكم} أي : من ولي ~~أمركم. من ولاة العدل كالخلفاء والأمراء بعدهم ، تجب طاعتهم فيما أمروا به ~~من الطاعة دون المعصية إلا لخوف هرج ، قال عليه الصلاة والسلام : " إنما ~~الطاعة في المعروف " ، فأن لم يعدل : وجبت طاعته خوفا من ms0478 الفتنة. وهذا هو ~~الأصح. لقوله عليه الصلاة والسلام : " سيليكم ولاة ، فيليكم البر ببره ، ~~والفاجر بفجوره ، فاستمعوا لهم ، وأطيعوا في كل ما وافق الحق ، فصلوا ~~وراءهم ، فإن أحسنوا فلهم ، وإن أساؤوا فلكم وعليهم " رواه أبو هريرة. # وفي حديث آخر : " لا أن تروا كفرا بواحا ، لكم عليه من الله برهان " أي : ~~فيجب عزلهم. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو وائل فقال : يا ~~رسول الله ؛ أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقنا ويسألون حقهم ؟ . فقال ~~صلى الله عليه وسلم : " اسمعوا وأطيعوا ، فإن عليهم ما حملوا وعليكم ما ~~حملتم ". وقال جابر بن عبد الله والحسن والضحاك ومجاهد : أولو الأمر هم ~~الفقهاء والعلماء ، أهل الدين والفضل ، يعلمون الناس معالم دينهم ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ، دليله. قوله تعالى : {ولو ردوه إلى الرسول ~~وإلى أولى الأمر منهم...} [النساء : 83] الآية. قال أبو الأسود : ليس شيء ~~أعز من العلم ، الملوك حكام على الناس ، والعلماء حكام على الملوك. ه. # {فإن تنازعتم} أنتم وأولو الأمر ، أو بعضكم مع بعض أي : اختلفتم في حكم ~~شيء من أمر الدين فلم تعلموا حكمه ، {فردوه إلى الله} أي : إلى كتاب الله ، ~~{و} إلى {الرسول} في زمانه ، أو سنته بعد موته ، فإن لم يوجد بالنص ~~فبالقياس. فالأحكام ثلاثة : مثبت بالكتاب ، ومثبت بالسنة ، ومثبت بالرد ~~إليهما على وجه القياس. وعن # 60 PageV02P085 ~~إبراهيم بن يسار قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اعملوا بالقرآن : ~~أحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وآمنوا به ولا تكفروا بشيء منه ، وما اشتبه ~~عليكم فردوه إلي الله تعالى وإلى أولى العلم من بعدي ، كيما يخبرونكم به " ~~، ثم قال : " وليسعكم القرآن وما فيه من البيان ؛ فإنه شافع مشفع ، وما حل ~~مصدق " ، وأن له بكل حرف نورا يوم القيامة ". فردوا الأحكام إليه وإلى ~~الرسول ، {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر} فأن الإيمان يوجب ذلك. {ذلك} ~~الرد {خير} لكم {وأحسن تأويلا} من تأويلكم بالرأي من غير رد ، وأحسن عاقبة ~~ومآلا ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 60 # الإشارة : أولو الأمر عند الصوفية ، هم ms0479 شيوخ التربية العارفون بالله ، ~~فيجب على المريدين طاعتهم في المنشط والمكره ، وفي كل ما أمروا به ، فمن ~~خالف أو قال : " لم " لم يفلح أبدا ، ويكفي الإشارة عن التصريح عند الحذاق ~~أهل الاعتناء ، فإن تعارض أمر الأمراء وأمر الشيوخ ، قدم أمر الشيخ إلا ~~لفتنة فادحة ، فإن الشيخ يأمر بطاعتهم أيضا لما يؤدي من الهرج بالفقراء ، ~~فإن تنازعتم يا معشر الفقراء ، في شيء من علم الشريعة أو الطريق ، فردوه ~~إلى الكتاب والسنة. قال الجنيد رضي الله عنه : طريقتنا هذه مؤيدة بالكتاب ~~والسنة ، فمن لم يقرأ القرآن ويتعلم الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن. ه. ~~ويكفي المهم من ذلك ، وهو ما يتوقف عليه أمر عبادته. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 60 # قلت : {رأيت المنافقين} ، وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالنفاق ~~وذما لهم به. وكان القياس : رأيتهم ، و{صدودا} : مصدر ، أو اسم مصدر الذي ~~هو الصد ، والفرق بينه وبين المصدر : أن المصدر اسم للمعنى الذي هو الحدث ، ~~واسم المصدر اسم للفظ المحسوس ، و{يحلفون} حال. و{في أنفسهم} يتعلق بقل ، وقيل PageV02P086 ~~61 # ببليغا. وهو ضعيف ؛ لأن الصفات لا يتقدم عليها معمولها ، اللهم إلا أن ~~يتوسع في الظروف. # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يا محمد {إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك} وهم المنافقون ، {يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت} ، كعب بن الأشرف لفرط طغيانه. وفي معناه كل من يحكم بالباطل ، ~~{وقد أمروا أن يكفروا به} ، ويؤمنوا بالله ويرضوا بحكمه. {ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا} ، بأن يصرفهم عن حكم الله ورسوله. # قال ابن عباس : إن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم اختصما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فحكم لليهودي بالحق ؛ فلم يرض المنافق ، وقال : ~~نتحاكم إلى عمر ، فقال اليهودي : نعم فذهبا إلى عمر رضي الله عنه فقال ~~اليهودي : قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضى بقضائه وخاصم إليك ~~، فقال عمر للمنافق ms0480 : أكذلك ؟ . قال : نعم ، فقال : على رسلكما حتى أخرج ~~إليكما ، فدخل وأخذ سيفه فخرج ، فضرب به عنق المنافق حتى برد ، وقال : هكذا ~~أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ، فنزلت الآية.. وقال جبريل رضي الله ~~عنه : إن عمر فرق بين الحق والباطل. فسمي الفاروق. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 61 PageV02P087 ~~وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين} أي : ~~بعضهم ، {يصدون عنك} غير راضين بحكمك {صدودا} عظيما. {فكيف} يكون حالهم ~~{إذا أصابتهم مصيبة} كقتل عمر المنافق ، بسبب ما قدمت {أيديهم} من عدم ~~الرضى بحكم الله ، {ثم جاؤوك} يطلبون دية صاحبهم ، {يحلفون بالله إن أردنا} ~~بالإنصراف إلى عمر {إلا أحسانا} منه بالخصمين ، {وتوفيقا} بينهما ، قطعا ~~للنزاع بينهما ، قال تعالى : {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} من ~~النفاق ، فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من الله شيئا ، أو يعلم الله ~~ما في قلوبهم من الطمع في الدية ، {فأعرض عنهم} ، أي : عن قبول معذرتهم ولا ~~تمكنهم من طمعهم ، {وقل لهم في أنفسهم} ، أي : خاليا بهم {قولا بليغا} يبلغ ~~إلى قلوبهم ، ويؤثر فيهم ، لينزجروا عن طلب دم صاحبهم ، وإنما أمر أن يعظهم ~~خاليا لأن النصح في ذلك أنجح ، وأقرب للقبول ، ولذلك قيل : من نصحك وحدك ~~فقد نصحك ، ومن نصحك مع الناس فقد فضحك. والله أعلم. # الإشارة : كل من دخل تحت ولاية شيخ التربية ، وجب أن يرد حكوماته كلها ~~إليه ، ويرضى بما قضى عليه ، وترى بعض الفقراء يزعمون أنهم في تربية الشيخ وتحت # 62 # أحكامه ، ثم يتحاكمون إلى حكام الجور وقضاة الزمان في أمر الدنيا وما ~~يرجع إليها ، فهؤلاء قد ضلوا ضلالا بعيدا. إلا أن يتوبوا ويصلحوا ما أفسدوا ~~، بإصلاح قلب الشيخ حتى يجبر كسرهم ، فالمريد الصادق لا يصل إلى الحاكم ، ~~ولو ذهب ماله كله ، فإن كان ولا بد. فليوكل عنه في ذلك. # فيكيف إذا أصابت هؤلاء مصيبة وهي ظلمة القلب ، وفتنة الدنيا بسبب ما قدمت ~~أيديهم من تخطى حكم شيخهم إلى حكم غيره ، ثم جاؤوك يحلفون بالله ما أردنا ~~إلا أحسانا ms0481 وهو حفظ مالنا ، وتوفيقا بيننا وبين خصمنا ، فيجب على الشيخ أن ~~يعرض عن عتابهم ويذكرهم حتى يتوبوا ، فإن تابوا فإن الله غفور رحيم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 61 PageV02P088 ~~قلت : {توابا رحيما} مفعولا (وجد) أن كانت علمية ، أو {توابا} حال ، ~~و{رحيما} بدل منه ، أو حال من ضميره إن فسرت بصادف. # يقول الحق جل جلاله : {وما أرسلنا من رسول} من لدن آدم إلى زمانك ، {إلا ~~ليطاع بإذن الله} وأمره بطاعته ، فمن لم يطعه ولم يرض بأحكامه فهو كافر به. ~~{ولو أنهم} أي : المنافقون حين {ظلموا أنفسهم} بالترافع إلى غيرك ، ~~والتحاكم إلى الطاغوت {جاؤوك} تائبين {فاستغفروا الله} بالتوبة ، {واستغفر ~~لهم الرسول} حين اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا ، {لوجدوا الله} أي : ~~تحققوا كونه {توابا رحيما} ، قابلا لتوبتهم متفضلا عليهم بالرحمة والغفران. ~~وإنما عدل عن الخطاب في قوله : {واستغفر لهم الرسول} ولم يقل : واستغفرت ~~لهم ، تفخيما لشأنه ، وتنبيها على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائبين ~~، وإن عظم جرمهم ، ويشفع لهم ، ومن جلالة منصبه أن يشفع في عظائم الذنوب ~~وكبائرها. # ثم أقسم بربوبيته على نفي إيمان من لم يرض بحكم رسوله ، فقال : {فلا وربك ~~لا يؤمنون} إيمانا حقيقيا {حتى يحكموك} أي : يترافعوا إليك ، راضين بحكمك ، {فيما # 63 # شجر بينهم} أي : اختلط بينهم واختلفوا فيه {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا} ~~أي : ضيقا وشكا {مما قضيت} ، بل تنشرح صدورهم لحكمك ؛ لأنه حق من عند الله. ~~{ويسلموا} لأمرك {تسليما}. أي ينقادوا لأمرك ظاهرا وباطنا. PageV02P089 # {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} ، توبة من ذنوبكم ، كما كتبناه على ~~بني إسرائيل ، أو في الجهاد في سبيل الله ، {أو اخرجوا من دياركم} كما خرج ~~بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر ، {ما فعلوه إلا قليل منهم} وهم ~~المخلصون. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : (لو كتب ذلك علينا أنا أول ~~خارج). قال ثابت بن قيس بن شماس : ( لو أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن أقتل نفسي لفعلت). وكذلك قال عمر وعمار بن ياسر وابن مسعود ms0482 وناس من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : " إن من أمتي رجالا : الإيمان في قلوبهم أثبت من ~~الجبال الرواسي " فهؤلاء من القليل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 63 # وسبب نزول قوله : {فلا وربك...} الخ : قضية الزبير مع حاطب في شراج الحرة ~~، كانا يسقيان به النخل ، فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~عليه السلام : " اسق يا زبير وأرسل إلى جارك " فقال حاطب : لأن كان ابن ~~عمتك. فقال عليه الصلاة والسلام : " اسق يا زبير ، واحبس الماء حتى يبلغ ~~الجدر واستوف حقك " وقيل : نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم ، وهو أليق ~~بالسياق. {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} من طاعة الرسول ، والرضى بحكمه ، ~~{لكان خيرا لهم} في آجلهم وعاجلهم ، {وأشد تثبيتا} في دينهم وقوة في ~~إيمانهم ، أو تثبيتا لثواب أعمالهم ، {وإذا} لو فعلوا ذلك {لآتيناهم من ~~لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما} يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس ، ~~ودوام الأنس ، ويفتح لهم أسرار العلوم ، ومخازن الفهوم ، قال صلى الله عليه ~~وسلم : " من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم " والله تعالى أعلم. PageV02P090 # الإشارة : كما أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته ، أمر ~~بطاعة ورثته بعد مماته ، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام ، ~~والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام ، فالعلماء حكام على العموم ~~، والأولياء حكام على الخصوص ، أعني من تعلق بهم من أهل الإرادة ، فمن لم ~~يرض بحكم العلماء ، ووجد في نفسه حرجا مما قضوا به عليه ، ففيه شبعة من ~~النفاق ، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم ~~، ومن عش تربيتهم ، لأن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحكم ورثته هو ~~حكم الله ، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان. # 64 # فلا يكمل إيمان العبد حتى لا يجد في نفسه حرجا من أحكام الله ، القهرية ~~والتكليفية ، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية ، كيفما كان ، فقرا أو ~~غنى ، ذلا ms0483 أو عزا ، منعا أو عطاء ، قبضا أو بسطا ، مرضا أو صحة ، إلى غير ~~ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرا وباطنا ، وينسلخ من تدبيره ~~واختياره ؛ إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه ، وأرحم به من أمه وأبيه : ~~وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 63 # قلت : {رفيقا} : تمييز لما في {حسن} من معنى التعجب أو المدح ، ولم يجمع ~~؛ لأن فعيلا يحمل على الواحد والجمع ، أو لأنه أريد حسن كل واحد منهم. # يقول الحق جل جلاله : {ومن يطع الله والرسول} ويرضى بأحكامهما ويمتثل ~~أمرهما ويجتنب نهيهما ، {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} ، وهم أكرم ~~الخلق عند الله وأعظمهم قدرا {من النبيين} والمرسلين {والصديقين} وهم من ~~كثر صدقهم وتصديقهم وعظم يقينهم ؛ وهم الأولياء العارفون بالله ، ~~{والشهداء} الذين ماتوا جهادا في سبيل الله ، {والصالحين} وهم العلماء ~~الأتقياء ، ومن صلح حاله من عامة المسلمين. PageV02P091 # قال البيضاوي : قسمهم أربعة أقسام ، بحسب منازلهم في العلم والعمل ، وحث ~~كافة الناس على ألا يتأخروا عنهم ، وهم : الأنبياء الفائزون بكمال العلم ~~والعمل ، المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل. ثم الصديقون الذين صعدت ~~نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات ، وأخرى بمعارج التصفية ~~والرياضات إلى أوج العرفان ، حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما ~~هي عليها. ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد في إظهار الحق ~~، حتى بذلوا مهجهم في أعلاء كلمة الله ، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم ~~في طاعته ، وأحوالهم في مرضاته ، ولك أن تقول : المنعم عليهم هم العارفون ~~بالله ، وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان ، أو واقفين في مقام ~~الاستدلال والبرهان ، والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب ، بحيث ~~يكونون كمن يرى الشيء قريبا ، وهم الأنبياء ، أو لا ، فيكونون كمن يرى ~~الشيء بعيدا ، وهم الصديقون ، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين ~~القاطعة ، وهم العلماء الراسخون الذين هم شهداء الله في أرضه ، وإما أن ~~يكون بأمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم ، وهم الصالحون. انتهى كلامه. # 65 # وفيه نظر من وجهين : أحدهما : أنه أطلق ms0484 على أهل الاستدلال أنهم عارفون ، ~~ولا يقال عند الصوفية فيه عارف ، حتى يترقى عن مقام الاستدلال ، وإلا فهو ~~عالم فقط ، والثاني : أنه جعل الصديقين بمنزلة من يرى الشيء بعيدا ، وأهل ~~الفناء لم يبق لهم بعد ، بل غابوا في القرب حتى امتحى اسمهم ورسمهم. فأي ~~بينونة وأي بعد يبقى للعارف ، لولا فقدان الذوق ، ولكن لكل فن أربابه ، ~~وسيأتي في الإشارة تحقيق ذلك إن شاء الله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 65 PageV02P092 ~~ثم قال جل جلاله : {وحسن أولئك رفيقا} أي : ما أحسنهم رفقا في الفراديس ~~العلى ، فهم يتمتعون فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم ، وإن كانوا أعلى ~~منهم ، فلا يلزم من كونه معهم أن تستوي درجته معهم ، قال في الحاشية : ~~وتعقل مرافقة من دون النبي في المدانات من حاله وكشفه ، بحيث لا يحجب عنه ، ~~وإن كان لا مطمع له في منزلته ، واعتبر برؤية البصائر له وعدم غيبته عنهم ~~وأنسهم به والاستفادة منه ، روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " ~~يزور الأعلون من أهل الجنة الأسفلين ، ولا يزور الأسفلون الأعلين ، إلا من ~~كان يزور في الله في الدنيا ، فذلك يزور الجنة حيث شاء ". روي أن ثوبان ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه ، ~~فسأله عليه الصلاة والسلام عن حاله ، فقال : ما بي وجع ، غير أني إذا لم ~~أرك اشتقت إليك ، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة فخفت ألا ~~أراك هناك ؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين. وإن دخلت الجنة ، كنت في منزل ~~أدون من منزلك ، وأن لم أدخل الجنة فذلك حري ألا أراك أبدا. فنزلت الآية ~~{ومن يطع الله والرسول...} الخ. # {ذلك الفضل من الله} إشارة إلى ما للمطيعين من الأجور ، ومزيد القرب ~~والحضور ، وأنه فضل تفضل على عباده ، {وكفى بالله عليما} بمقادير الأعمال ~~والمقامات. فيجازى كلا على حسب مقامه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : اعلم أن الطاعة التي توجب المعية الحسية في النعيم الحسي ~~الجسماني هي الطاعة الظاهرة الحسية. والطاعة التي توجب المعية المعنوية في ~~النعيم ms0485 الروحاني هي الطاعة الباطنية القلبية. فالمعية الحسية صاحبها مفروق ~~، والمعية المعنوية صاحبها مجموع ، لا يغيب عن حبيبه لحظة. هؤلاء هم ~~الصديقون المقربون. وفوقهم الأنبياء ، وتحتهم الشهداء والصالحون. PageV02P093 # وبيان ذلك أن العلم بالله تعالى : إما أن يكون عن كشف الحجاب وانقشاع ~~السحاب ، أعني سحاب الأثر ، وهم أهل الشهود والعيان. وإما أن يكون من وراء ~~الحجاب ، يأخذون أجرهم من وراء الباب ، يستدلون بالآثار على المؤثر. وهم أهل # 66 # الدليل والبرهان. والأولون إما أن يرتقوا إلى مكافحة الوحي ورؤية ~~الملائكة الكرام. وهم الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام - ، وإما أن ~~يقصروا عن درجة الوحي ويكون لهم وحي إلهام ، وهم الصديقون ؛ أهل الحال ~~والمقام ، فقد اشتركوا في مقام العيان. لكن مقام الحضرة فضاؤه واسع ، ~~والترقي في معارج أسرار التوحيد غير متناه ، فحيث انتهى قدم الولي ابتدأ ~~ترقي النبي ، وأما أهل الحجاب فإما أن يكون علمهم بالله بالبراهين القطعية ~~والدلائل السمعية ، وهم العلماء الراسخون ، وهو مقام الشهداء ، وإما أن ~~يكون علمهم بالرياضات والمجاهدات وتواتر الكرامات ، وهم العباد والزهاد. ~~وهو مقام الصالحين ، ويلتحق بهم عوام المسلمين ، لأن كل مقام من هذه ~~المقامات في درجات ومقامات لا يحصرها إلا العالم بها. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 65 # قلت : الحذر والحذر واحد ، كالشبه والشبه ، وبطأ يستعمل لازما بمعنى ثقل ~~، ومتعديا بالتضعيف أي : بطأ غيره ، و{لمن ليبطئن} اللام الأولى للابتداء ~~، والثانية للقسم ، أي : وإن منكم أقسم بالله لمن ليبطئن. وجملة : {كأن ~~لم يكن} : اعتراضية بين القول والمقول ، تنبيها على ضعف عقيدتهم ، وأن ~~قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه. PageV02P094 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} تأهبوا واستعدوا لجهاد الأعداء ~~، و{خذوا حذركم} منهم ؛ بالعدة والعدد ، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، ~~ولا حجة فيه للقدرية ؛ لأن هذا من الأسباب التي ستر الله بها أسرار القدرة. ~~وقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} ~~[التوبة : 51] وقال عليه الصلاة والسلام : " اعقلها وتوكل " وفي ذلك ~~طمأنينة للقلوب التي لم تطمئن وتشريعا للضعفاء ، فإذا تأهبتم ms0486 واستعددتم ~~{فأنفروا} أي : اخرجوا إلى الجهاد {ثبات} أي : جماعات متفرقة ، سرية بعد ~~سرية ، {أو انفروا جميعا} أي : مجتمعين مع نبيكم ، أو مع أميركم. # {وإن منكم} يا معشر المسلمين {لمن ليبطئن} الناس عن الجهاد ، أول ~~ليتثاقلن ويتخلفن عنه ، وهو عبدالله بن أبي المنافق ، وأشباهه من المنافقين ~~، {فإن أصابتكم # 67 # مصيبة} ؛ كقتل أو هزيمة {قال قد أنعم الله علي} حين تخلفت {إذا لم أكن ~~معهم شهيدا} فيصيبني ما أصابهم. {ولئن أصابكم فضل من الله} ، كنصر وغنيمة ، ~~{ليقولن} لفرط عداوته : {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} ، بالمال ~~والعز. كأن ذلك المنافق ، لم يكن بينكم وبينه مودة ولا مواصلة أصلا ، حيث ~~يتربص الدوائر ، يفرح بمصيبتكم ويتحسر بعزكم ونصركم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 67 PageV02P095 ~~فإن تثاقل هذا عن القتال أو بطأ غيره ، {فليقاتل في سبيل الله} أهل الإخلاص ~~والإيمان {الذين يشرون} ، أي : يبيعون {الحياة الدنيا بالآخرة} ، فيؤثرون ~~الآخرة الباقية على الدنيا الفانية ، {ومن يقاتل في سبيل الله} لإعلاء كلمة ~~الله {فيقتل} شهيدا {أو يغلب} عدوه وينصره الله {فسوف نؤتيه أجرا عظيما} ، ~~وإنما قال تعالى : {فيقتل أو يغلب} تنبيها على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في ~~المعركة ، حتى يعز نفسه بالشهادة ، أو الدين بالظفر والنصر. وألا يكون قصده ~~بالذات القتل ، بل إعلاء الحق وإعزاز الدين. قاله البيضاوي. # الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص ؛ خذوا حذركم من خدع النفوس ~~، لئلا تعوقكم عن حضرة القدوس ، فانفروا إلى جهادها ثبات أو جماعة ؛ " فإن ~~يد الله مع الجماعة ، فالصحبة عند الصوفية شرط مؤكد وأمر محتم. والله ما ~~أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح ، فالنفس الحية لا تموت مع الأحياء ، وإنما ~~تموت مع الأموات ، فهي كالحوت ما دامت في البحر مع الحيتان لا تموت أبدا ، ~~فإذا أخرجتها وعزلتها عن أبناء جنسها ماتت سريعا. كما قال شيخنا رضي الله عنه. # وإن من نفوسكم لمن ليبطئنكم عن السير إلى حضرة قدسكم ، تفر من مواطن ~~الشدة والمحن ، وفي ذلك حياتها لو تعقل وتفطن ، فإن أصابتكم أهل النسبة ~~نكبة ، أو تعرف من ms0487 التعرفات ، ولم يصادفها في ذلك الوقت شيء من تلك النكبات ~~، قال : قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ، ولئن أصابكم بعد ذلك فضل ~~من الله كنفحات ربانية وخمرات أزلية ، قالت : يا ليتني كنت معهم فأفوز كما ~~فازوا ، فليجاهد نفسه في سبيل الله من أراد الظفر بحضرة الله ، يقدمها إلى ~~المكاره ، وهو كل ما يثقل عليها ، ويجنبها الشهوات ، وهو كل ما يخف عليها ، ~~هكذا يسير معها ويقاتلها ، حتى يموت أو يغلبها ويظفر بها. PageV02P096 # قال بضع المشايخ : انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم. فإن ظفروا بها ~~وصلوا.ه. وحينئذ تذهب عنه المتاعب والأنكاد ، وتصير الأزمنة كلها عنده ~~مواسم وأعياد ، ويقال له حينئذ : # لك الدهر طوع والأنام عبيد # فعش كل يوم من أيامك عيد # 68 # ويقال له أيضا : # بدا لك سر طال عنك اكتتامه # ولآح صباح كنت أنت ظلاله # فأنت حجاب القلب عن سر غيبه # ولولاك لم يطبع عليه ختامه # جزء : 2 رقم الصفحة : 67 # إذا غبت عنه حل فيه وطنبت # على موكب الكشف المصون خيامه # وجاء حديث لا يمل سماعه # شهي الينا نثره ونطامه # إذا سمعته النفس طاب نعيمها # وزال عن القلب المعنى غرامه # جزء : 2 رقم الصفحة : 67 # قلت : {ما} مبتدأ. و{لكم} خبر. و{لا تقاتلون} حال ، و{المستضعفين} عطف ~~على اسم الجلالة ، أي : أي شيء حصل لكم حال كونكم غير مجاهدين في سبيل الله ~~وفي تخليص المستضعفين ؟ و{الظالم} نعت للقرية ، وإنما ذكر ولم يؤنث ، لأنه ~~أسند إلى المذكر ، واسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له أجرى مجرى الفعل ، ~~فيذكر ويؤنث باعتبار الفاعل. # يقول الحق جل جلاله : {وما لكم} يا معشر المسلمين {لا تقاتلون في سبيل ~~الله} ، وفي تخليص إخوانكم {المستضعفين} بمكة ، الذين حبسهم العدو أو أسرهم ~~ومنعهم من الهجرة ؛ {من الرجال والنساء والولدان} ، فهم في أيديهم مغللون ~~ممتحنون. قال البيضاوي : وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث وتنبيها على ~~تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان ، وأن دعوتهم أجيبت بسبب ~~مشاركتهم في الدعاء ، حتى تشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية. ms0488 ه. PageV02P097 # ثم ذكر دعاءهم فقال : {الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية} أي : مكة ~~{الظالم أهلها} بالشرك والطغيان حتى تعدى إلى النساء والصبيان. {واجعل لنا ~~من لدنك وليا} يصوننا عن أذاهم ، {ونصيرا} يمنعنا من التخلف عن الهجرة إلى ~~رسولك صلى الله عليه وسلم ، فاستجاب الله دعاءهم بأن يسر لبعضهم الخروج إلى ~~المدينة ، وجعل لمن بقي منهم أعظم ولي وناصر ، بفتح مكة على نبيه صلى الله ~~عليه وسلم ، فتولاهم ونصرهم ، واستعمل عليهم عتاب بن أسيد ، فحماهم وأعزهم ~~حتى صارو أعزاء أهلها ، كما هي عادته سبحانه في إجابة دعاء المضطرين. # 69 # الإشارة : ما لكم يا معشر العباد ، وخصوصا المريدين من أهل الجد ~~والاجتهاد ، لا تجاهدون نفوسكم في طريق الوصول إلى الله ، كي تنالوا بذلك ~~مشاهدة جماله وسناه ، وتخلصوا ما كمن في نفوسكم من الأسرار ، وما احتوت ~~عليه من العلوم والأنوار. فإن قرية البشرية قد احتوت عليها وأسرتها بظلمات ~~شهواتها ، واستضعفتها بتراكم غفلتها وتكثيف حجاب حسها. فمن جاهدها استخلص ~~جواهر تلك العلوم والأسرار من صدفها. وفي ذلك يقول ابن البنا في مباحثه : # جزء : 2 رقم الصفحة : 69 # ولم تزل كل النفوس الأحيا # علامة دراكة للأشيا # وإنما تعوقها الأبدان # والأنفس النزع والشيطان # فكل من أذاقضهم جهاده # أظهر للقاعد خرق العاده # وقال أيضا : # وهي من النفوس في كمون # كما يكون الحب في الغصون # فالرجال : الأسرار والأنوار ، والنساء : العلوم والأذكار ، والولدان : ~~الحكم بنات الأفكار. فكل هؤلاء مستضعفون تحت قهر البشرية الظالم أهلها. ومن ~~الأنفس النزع والشياطين المغوية ، فكل من جاهد هؤلاء القواطع أظهر تلك ~~العلوم والأنوار السواطع ، واستخلص روحه من أسر حجاب الأكوان ، وأفضى إلى ~~فضاء الشهود والعيان. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. PageV02P098 # جزء : 2 رقم الصفحة : 69 # يقول الحق جل جلاله : في مدح المخلصين : {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل ~~الله} ، وابتغاء مرضات الله ، وإعلاء كلمة الله ، {والذين كفروا} ، من أهل ~~مكة وغيرهم ، {يقاتلون في سبيل الطاغوت} وهو الشيطان ، {فقاتلوا} يا أولياء ~~الله {أولياء الشيطان} ولا يهولكم كيده ؛ {إن كيد الشيطان كان ضعيفا} ، ~~وكيد ms0489 الله للكافرين كان قويا متينا ، فلا تخافوا أولياءه ، فأنهم اعتمدوا ~~على أضعف شيء وأوهنه ، وأنتم اعتمدتم على أقوى شيء وأمتنه. # الإشارة : كل ما سوى الله طاغوت ، فمن قصد بجهاده أو عمله رضى الله ~~والوصول إلى حضرته دون شيء سواه ، كان من أولياء الله ، ومن قصد بجهاده أو ~~أعماله حظا دنيويا أو أخرويا خرج من دائرة الولاية ، فإما أن يكون مع عامة ~~أهل الإيمان ، أو من أولياء الشيطان. قال صلى الله عليه وسلم " إنما ~~الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى ، فمن كانت هجرته # 70 # إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا ~~يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه " وقال في الحكم : " لا ~~ترحل من كون إلى كون ، فتكون كحمار الرحى ، يسير والذي ارتحل منه هو الذي ~~ارتحل إليه ، ولكن أرحل من الأكوان إلى المكون ، {وأن إلى ربك المنتهى} ~~[النجم : 42] ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 70 PageV02P099 ~~{ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما ~~كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل ~~والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم ~~في بروج مشيدة...} # قلت : {أو أشد} عطف على الكاف النائبة عن المصدر ، أي : خشية مثل خشية ~~الله أو أشد ، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول ، أي : مثل خشيتهم الله. # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يا محمد {إلى الذين} طلبوا منك فرض الجهاد ~~حرصا على أن يجاهدوا ، فقيل لهم على لسان الرسل : {كفوا أيديكم} عنه إلى ~~أوان فرضه ، واشتغلوا بما أمرتم به من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، {فلما ~~كتب عليهم القتال} دخلهم الخوف {إذا فريق منهم يخشون الناس} أي : الكفار ، ~~أن يقتلوهم مثل خشية عقاب {الله} أو أشد خشية منه. {وقالوا ربنا لم كتبت ~~علينا القتال} في هذا الوقت {لولا} : هلا {أخرتنا إلى أجل قريب} ms0490 نتمتع فيه ~~بحياتنا أو إلى أن نموت بآجالنا. قلت : والظاهر أنهم قالوا ذلك في نفوسهم ، ~~خواطر خطرت لهم ، ولم يفوهوا به ، إن نزلت في الصحابة رضي الله عنهم ، ~~وإن كانت في المنافقين فيمكن أن ينطقوا بها. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 71 # قل متاع الدنيا قليل} وعيشها ذليل ، وأجلها قريب ، {والآخرة خير لمن ~~اتقى} ، وحياتها خير وأبقى ، وستقدمون على مولاكم ، فيكرم مثواكم ، ويوفيكم ~~جزاء أعمالكم ، {ولا تظلمون فتيلا} من ثواب أعمالكم ، ولا تنقصون من أيام ~~أعماركم ، جاهدتم أو قعدتم. PageV02P100 # {أينما تكونوا يدرككم الموت} عند انقضاء آجالكم ، {ولو كنتم في بروج مشيدة} ~~عالية محصنة. فإن كان الموت لا بد منه ففي الجهاد أفضل ، لأنه حياة لا موت ~~بعده. قال الكلبي : نزلت في قوم من الصحابة ، منهم : عبد الرحمن بن عوف ، ~~والمقداد وقدامة بن مظعون وغيرهم ، كانوا يؤذون بمكة ، ويستأذنون النبي صلى ~~الله عليه وسلم في القتال ، فيقول # 71 # لهم : كفوا أيديكم حتى يؤذن فيه لكم ، فلما هاجروا إلى المدينة وأمروا به ~~، كرهه بعضهم كراهية الطبع البشري ، فخطر ببالهم شيء مما حكى الله عنهم. ~~فلما كانوا في عين العناية ومحل القرب والهداية عوقبوا على تلك الخواطر ، ~~ولو كان غيرهم من أهل البعد لسومح له في ذلك ، وقيل : نزلت في قوم من ~~المؤمنين أمروا بالجهاد فنافقوا من الجبن ، وتخلفوا عن الجهاد ، وهذا أليق ~~بما بعده من قوله : {إن تصبهم حسنة}. والله تعالى أعلم. # الإشارة : نرى بعض الفقراء يبطشون إلى مقام التجريد ومجاهدة نفوسهم قبل ~~كمال يقينهم ، فإذا أمروا بذلك ، ورأوا ميادين الحروب واشتعال نيران قتل ~~النفوس ، وأمروا بالصبر على المكاره ، من مواجهة الإنكار ولحوق الذل ~~والافتقار ، جبنوا وكلوا ورجعوا القهقرى ، فيقال لهم : متاع الدنيا قليل ~~وعزيزها ذليل ، وغنيها فقير ، وكبيرها حقير ، وما تنالون من الله في جزاء ~~مجاهدتكم خير وأبقى ، ولا تظلمون فتيلا من مجاهدتكم لنفوسكم ، فلو صبرتم ~~لفزتم بالوصول إلى حضرة ربكم ، فلما جبنتم ورجعتم ، كان جزاؤكم الحرمان ، ~~عما ظفر به أهل العرفان. وفي مثل هؤلاء يقول ابن الفارض رضي الله عنه : # تعرض ms0491 قوم للغرام وأعرضوا # بجانبهم عن صحتي فيه واعتلوا # رضوا بالأماني ، وابتلوا بحظوظهم # وخاضوا بحار الحب ، دعوى ، فما ابتلوا # فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم # وما ظعنوا في السير عنه ، وقد كلوا # ثم حكى مقالتهم الدالة على نفاقهم ، فقال : PageV02P101 # {...وإن تصبهم حسنة يقولوا هاذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هاذه من ~~عندك قل كل من عند الله فما لهاؤلااء القوم لا يكادون يفقهون حديثا مآ ~~أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك...} # جزء : 2 رقم الصفحة : 71 # يقول الحق جل جلاله : في وصف أهل النفاق : وإنهم إن {تصبهم حسنة} كخصب ~~ورخاء ونعمة ظاهرة ، قالو : {هذه من عند الله} ، ونسبوها إلى الله بلا ~~واسطة ، {وإن تصبهم سيئة} كقحط وجوع وموت وقتل ، قالوا للرسول عليه الصلاة ~~والسلام : {هذه من عندك} بشؤم قدومك أنت وأصحابك ، كما قالت اليهود لعنهم ~~الله : منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها. # قلت : بل زكت ثمارها ، ورخصت أسعارها ، وأشرقت أنوارها ، ولاحت أسرارها ، ~~وقد دعا صلى الله عليه وسلم للمدنية بمثل ما دعا إبراهيم لمكة ، وأضعاف ذلك ~~، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسا ومعنى إلى يوم القيامة ، وهذه المقالة ~~قد صدرت ممن كان # 72 # قبلهم ؛ فقد قالوا لسيدنا صالح عليه السلام : {قالوا اطيرنا بك وبمن معك} ~~[النمل : 47] ، وقال تعالى : {وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} ~~[الأعراف : 131] ، {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} [فصلت : 43]. ~~قال تعالى مكذبا لهم : {قل كل من عند الله} ؛ الحسنة بفضله ، والسيئة ~~بعدله. ثم عيرهم بالجهل فقال : {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} ~~؛ فهم كالبهائم أو أضل سبيلا ، أو لا يفقهون القرآن ويتدبرون حديثه ، ولو ~~تدبروا لعلموا أن الكل من عند الله ، وأنه خالق كل شيء ، المقدر لكل شيء. PageV02P102 # ثم علمنا الأدب بنسبة الكمالات إليه سبحانه بلا وساطة ، ونسبة النقائص إلى ~~شؤم ذنوبنا ، فقال : {ما أصابك من حسنة} أي : نعمة {فمن الله} فضلا وإحسانا ~~، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة ، ولذلك ms0492 قال عليه الصلاة ~~والسلام : " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " ، قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ ~~قال : " ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته " {وما أصابك} أيها الإنسان ~~{من سيئة} أي : بلية {فمن نفسك} أي : شؤم ذنبك ، وعنه عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال : " ما من خدش بعود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب ، وما يعفوا ~~الله عنه أكثر " فلا ينافي قوله : {قل كل من عند الله} ؛ فإن الكل منه ~~إيجادا واختراعا ، غير أن الحسنة إحسان ، والسيئة مجازاة وانتقام. كما قالت ~~عائشة رضي الله عنها : " ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب ، حتى الشوكة ~~يشاكها ، وحتى انقطاع شسع نعله ، إلا بذنب ، وما يعفوا الله عنه أكثر ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 71 # وفي مصحف ابن مسعود : ( قالوا : {ما أصابك من حسنة فمن الله} ) الآية. ~~فتكون حينئذ من مقالة المنافقين ، والآيتان كما ترى لا حجة فيها للمعتزلة. ~~والله تعالى أعلم. PageV02P103 # الإشارة : ثلاث خصال لا ينجو منها إلا القليل كما في الحديث : الطيرة ، ~~والحسد ، والظن. فقال عليه الصلاة والسلام : " إذا تطيرت فامض ، وإذا ~~حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تحقق " فيتأكد على المريد أن يتطهر من هذه ~~الخصال ، ويصفي مشربه من التوحيد ، فلا يرى في الوجود إلا مولاه ، ولا ينسب ~~التأثير إلى شيء سواه ، إذا رأى نعمة به أو بغيره ، قال : من الله ، وإذا ~~رأى مصيبة كذلك تأدب مع الله ، فيعتقد في قلبه أنها من قدر الله ، يقول : ~~{قل كل من عند الله} ، وينسب النقص إلى نفسه وهواه ، فالنفس والشيطان ~~مناديل الحضرة ، تمسح فيهما أوساخ الأقدار ، {وربك يخلق ما يشآء ويختار} ~~[القصص : 68]. والله تعالى أعلم. # تم شهد جل جلاله لرسوله بالرسالة ، تحريضا على تعظيمه وحثا على طاعته ، ~~وترهيبا من سوء الأدب معه ، كما صدر من المنافقين ، فقال : # 73 # {... وأرسلناك للناس رسولا وكفىا بالله شهيدا من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله ومن تولىا فمآ أرسلناك عليهم حفيظا} # قلت : إن تعلق الجار بالفعل كان {رسولا} حال مؤكدة ، وإن تعلق بالاسم كان ~~حالا مؤسسة تفيد العموم ؛ أي ms0493 أرسلناك رسولا للناس جميعا ، و{حفيظا} حال من الكاف. PageV02P104 # يقول الحق جل جلاله : {وأرسلناك} يا محمد {للناس رسولا} تعلمهم التوحيد ~~وتدلهم على الأدب ، فالتوحيد محله البواطن ، فلا يرى الفعل إلا من الله ، ~~والأدب محله الظواهر فينسب بلسانه النقص إلى نفسه وهواه. وإذا شهد الحق جل ~~جلاله لرسوله بالرسالة أغنى عن غيره ، {وكفى بالله شهيدا}. وشهادة الحق له ~~بالمعجزات والواضحات ، والبراهين القطعيات ، والدلائل السمعيات ، فإذا ثبتت ~~رسالته وجب على الناس طاعته ، ولذلك قال : {من يطع الرسول فقد أطاع الله} ؛ ~~لأنه مبلغ عن الله لا ينطق عن الهوى. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ~~من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن أحبني فقد أحب الله " فقال بعض المنافقين : ~~ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا ، كما اتخذت النصارى عيسى. فنزل : {من ~~يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى} وأعرض {فما أرسلناك عليهم حفيظا} تحفظ ~~عليهم أعمالهم ، وتحاسبهم عليها ، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب. # جزء : 2 رقم الصفحة : 71 # الإشارة : كما شهد الحق جل جلاله لرسله بالرسالة ، بما أظهر لهم من ~~المعجزات ، شهد لأوليائه بالولاية بما منحهم من الكرامات. والمراد بالكرامة ~~: هي تحقيق العرفان ، ومعرفة الذوق والوجدان ، واستقامة الظواهر والبواطن ، ~~وتهذيب الأخلاق وهداية الناس على يديه إلى العليم الخلاق ، فهذه الكرامة ~~المعتبرة عند المحققين ، فمن أطاعهم فقد أطاع الله ، ومن أعرض عنهم فقد ~~أعرض عن معرفة الله ، ومن أحبهم فقد أحب الله ، ومن أبغضهم فقد أبغض الله ؛ ~~لأنهم نور من أنوار الله ، وعين من عيون الله ، إذا لم يبق فيهم بقية مما ~~سوى الله ، أقدامهم عرى قدم رسول الله ، {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله} [الفتح : 10] فافهم ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 71 PageV02P105 ~~قلت : {طاعة} : خبر ، أي : أمرنا طاعة ، وأصله النصب على المصدر ، ورفع ~~للدلاله على الثبوت ، وبيت الشيء ، دبره ليلا وأضمره في نفسه. # 74 # يقول الحق جل جلاله : في شأن المنافقين : {ويقولون} لك إذا حضروا معك : ~~أمرنا وشأننا {طاعة} لك فيما تأمرنا به ، {فإذا برزوا} أي : خرجوا {من عندك ~~بيت ms0494 طائفة منهم} أي : دبرت ليلا وأخفت من النفاق {غير الذي تقول} لك من ~~قبول الإيمان وإظهار الطاعة ، أو زورت خلاف ما قلت لها من الأمر بالطاعة ، ~~{والله يكتب ما يبيتون} أي : يثبته في صحائفهم فيجازهم عليه ، {فأعرض عنهم} ~~ولا تبال بهم ، {وتوكل على الله} يكفك شرهم ، {وكفى بالله وكيلا} عليهم ، ~~فسينتقم لك منهم. # الإشارة : هذه الخصلة موجودة في بعض العوام ؛ إذا حضروا مع أهل الخصوصية ~~أظهروا الطاعة والإقرار ، وإذا خرجوا عنهم بيتوا الانتقاد والإنكار ، فلا ~~يليق إلا الإعراض عنهم ، والغيبة في الله عنهم ، فإن الله يكفي شرهم ~~بكفالته وحفظه. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 74 # يقول الحق جل جلاله : أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون {القرآن} ، وينظرون ما ~~فيه من البلاغة والبيان ، ويتبصرون في معاني علومه وأسراره ، ويطلعون على ~~عجائب قصصه وأخباره ، وتوافق آياته وأحكامه ، حتى يتحققوا أنه ليس من طوق ~~البشر ، وإنما هو من عند الله الواحد القهار ، {ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} بين أحكامه وآياته ، من تفاوت اللفظ وتناقض ~~المعنى ، وكون بعضه فصيحا ، وبعضه ركيكا ، وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل ، ~~وبعضه توافق أخباره المستقبلة للواقع ، وبعضه لا يوافق ، وبعضه يوافق العقل ~~، وبعضه لا يوافقه ، على ما دل عليه الاستقراء من أن كلام البشر ، إذا طال ~~، قطعا يوجد فيه شيء من الخلل والتناقض. PageV02P106 # قال البيضاوي : ولعل ذكره للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس ~~للتناقض في الحكم ، بل لاختلاف الأحوال من الحكم والمصالح. ه. قال ابن جزي ~~: وإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافا في شيء من القرآن ، فالواجب أن يتهم نظره ~~، ويسأل أهل العلم ويطالع تآليفهم ، حتى يعلم أن ذلك ليس باختلاف. ه. # الإشاره : تدبر القرآن على حساب صفاء الجنان ، فبقدر ما يتطهر القلب من ~~حب الدنيا والهوى تتجلى فيه أسرار كلام المولى ، وبقدر ما يتراكم في مرآة ~~قلبه من صور الأكوان ، يتحجب عن أسرار معاني القرآن ؛ ولو كان من أكابر ~~علماء اللسان. فلما كان القرآن هو دواء لمرض القلوب ، أمر الله ms0495 المنافقين ~~بالتدبر في معاينة ؛ لعل ذلك المرض ينقلع عن قلوبهم ، لكن الأقفال الت على ~~القلوب منعت القلوب من فهم كلام علام الغيوب ، فحلاوة كلام الله لا يذوقها ~~إلا أهل التجريد ، الخائضون في تيار بحار التوحيد ، # 75 # الذين صفت قلوبهم من الأغيار ، وتطهرت من الأكدار ، يتمتعون أولا بحلاوة ~~الكلام ، ثم يتمتعون ثانيا بحلاوة وشهود المتكلم. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 75 # {وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلىا ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم...} # قلت : استنبط الشيء : استخرجه من غيره ، وأصل الاستنباط : إخراج النبط ، ~~وهو الماء ، يخرج من البئر أول ما يحفر ، والجار في {منهم} : إما بيان ~~للموصول ، أي : لعلم المستنبطون الذين هم أولو الأمر ، أو يتعلق ب(علم) ، ~~أي : لعلمه الذين يستخرجونه إلى الناس من أولي الأمر. PageV02P107 # يقول الحق جل جلاله : في ذم المنافقين أو ضعفة المسلمين : {وإذا جاءهم أمر} ~~أي : خبر عن السرايا الذين توجهوا للغزو ، من نصر وغنيمة وأمن أو خوف ، ~~وقتل وهزيمة ، {أذاعوا به} أي : تحدثوا به ، وأشهروه ، وأرجفوا به قبل أن ~~يصل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأكابر الصحابة ، الذين هم أولو ~~الأمر وأهل البصائر ، فيعرفون كيف يتحدثون به ، # ولو ردوا ذلك {إلى الرسول} وأخبروه به سرا ، أو سكتوا حتى يصل إليه ، أو ~~يردوه {إلى أولي الأمر} من أكابر الصحابة ، لعلمه الذين يستخرجونه إلى ~~الناس {منهم} فينقلونه على وجهه ، ويعرفون كيف يتحدثون به من غير إرجاف ولا ~~تخويف ، أو {لعلمه الذين يستنبطونه} وهم أولو الأمر أولا ، ثم يعلم الناس ، ~~فلا يكون فيه إرجاف ولا سوء أدب. أو : وإذا جاءهم أمر من وحي السماء : من ~~تخويف أو تأمين ، أذاعوا به قبل أن يظهره الرسول عليه الصلاة والسلام ، ~~ولو سكتوا وردوا ذلك إلى الرسول حتى يتحدث به للناس ، ويظهره أولو الأمر من ~~أكابر أصحابه ، لعلمه الذين يستخرجون ذلك الوحي من أصله ، وهو الرسول عليه ~~الصلاة والسلام وأكابر أصحابه ، كما فعل عمر رضي الله عنه : إذ سمع أن ~~رسول الله ms0496 صلى الله عليه وسلم طلق نساءه ، فدخل عليه فقال : أطلقت نساءك ؟ ~~قال : " لا " فقال على باب المسجد ، فقال : إن رسول الله صلى عليه وسلم لم ~~يطلق نساءه ، فأنزل الله هذه القصة ، قال : وأنا الذي استنبطته. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : قالت الحكماء : قلوب الأحرار قبور الأسرار ، وهذه الخصلة التي ~~ذمها الله تعالى توجد في كثير من العوام ؛ مهما سمعوا خبرا : خيرا أو شرا ، ~~بادروا إلى إفشائه ، ولا سيما إذا سمعوه على أهل النسبة أو أهل الخصوصية ، ~~وقد توجد في بعض الفقراء ، وهي غفلة ونوع من الفضول ، فالفقير الصادق غائب ~~عن أخبار الزمان وأهله ، وقد ترك الناس وما هم فيه ، وقد تغلب عليه الغيبة ~~في الله حتى تغيب عنه الأيام ، وأما الفقير الذي # 76 PageV02P108 ~~يتسمع الأخبار ويبحث عنها فلا نسبة له في الفقر ، إلا اسم بلا مسمى ، وقد ~~ترى بعض الفقراء ، يبلغ مساوىء إخوانه إلى المشايخ ، وهو سبب الطرف ، ~~والعياذ بالله. وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تبلغوني مساوىء ~~أصحابي " ؛ لأن ذلك يسؤوهم ، والخير كله في إدخال السرور على قلوب المشايخ. # جزء : 2 رقم الصفحة : 76 # وتنسحب الآية على من يفشي أسرار الربوبية ، ويطلع الفقراء على الحقيقة ، ~~ولو ردوا ذلك إلى شيخهم حتى يكون هو الذي يطلعهم لكان أحسن ، لأن الحقيقة ~~إذا أخذت من الشيخ كان فيها سر كبير ، بخلاف ما إذا أخذت من غيره ، إلا إذا ~~كان مأذونا في ذلك فكأنه هو. والله تعالى أعلم. # وقال الورتجبي : قال أبو سيعد الخراز : إن له عبادا يدخل عليهم الخلل ، ~~ولولا ذلك لفسدوا وتعطلوا ، وذلك أنهم بلغوا من العلم غاية ، صاروا إلى علم ~~المجهول ، الذي لم ينصه كتاب ، ولا جاء به خبر ، لكن العقلاء العارفون ، ~~يحتجون له من الكتاب والسنة ، بحسن استنباطهم ومعرفتهم ، قال تعالى : ~~{لعلمه الذين يستنبطونه منهم}.ه. # قلت : ومعنى كلامه : أن الله تعالى أشغل علماء الظاهر بتقرير علم الفرق ~~، ولولا اشتغالهم بذلك لتعطلوا وتبطلوا ، إذ لا قدرة لهم على عمل القلوب من ~~الفكرة والنظرة ، لكن العارفون يقرون لهم ذلك ، ويحتجون ms0497 لهم بما في نشر ~~العلم من الأجور ، من الكتاب والسنة ، لأنهم قاموا بنظام عمل الحكمة ورفعوا ~~علم الشريعة ، ولولا قيامهم بذلك لتعين على أهل الباطن ، فتتشوش عليهم ~~قلوبهم ، وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي الله عنه يقول : ~~جزاهم الله عنا خيرا ؛ رفعوا لنا علم الشريعة ، نحن نغرق في البحر ، ثم ~~نرفع رأسنا فنرى العلم قائما ، ثم نرجع إلى البحر. ه. بالمعنى ، والله ~~تعالى أعلم. # ثم إن الهداية بيد الله ، قوم أقامهم في الفرق ، وقوم هداهم إلى الجمع ، ~~كما قال تعالى : PageV02P109 # {... ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} # يقول الحق جل جلاله : لولا أن الله تفضل عليكم ورحمكم بنبي الرحمة ، ~~وأنقذكم من متابعة الشيطان وعبادة الأوثان ، لبقيتم على كفركم وضلالكم ، ~~ولاتبعتم الشيطان فيما يأمركم به من الكفر والعصيان ، إلا قليلا ممن اهتدى ~~قبل بعثته ، كقس بن ساعدة ، وزيد بن نفيل ، وورقة بن نوفل ، رزقهم الله ~~كمال العقل ؛ فنظروا وتفكروا بعقولهم ؛ # 77 # فوجدوا الله واعتزلوا ما كان يعبد آباؤهم وإخوانهم. أما قس فاعتزل قومه ، ~~وعبد الله وحده ، وكان يخطب على الناس ويأمرهم بالتوحيد ، ويعيب عليهم ~~عبادة الأصنام. وعاش سبعمائة عام. وأما زيد فتعلق بالحنيفية ، دين إبراهيم ~~، حتى مات قبل البعثة. وأما ورقة فأخذ بدين النصرانية التي لم تغير ، ~~وأدرك أول البعثة ، وآمن بالرسول قبل أن يؤمر بالإنذار ، قال عليه الصلاة ~~والسلام : " رأيته في الجنة عليه ثياب خضر " والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 76 # الإشارة : لولا فضل الله عليكم بأن بعث لكم من يدلكم على الله ويعرفكم ~~بالله ، ورحمته بأن أخرجكم من ضيق الفرق ، إلى فضاء الجمع ، لاتبعتم الفرق ~~علما وعملا ، لكن الله تعالى بفضله ورحمته غيبكم عن شهود الفرق بشهود الملك ~~الحق. إلا فرقا قليلا تقيمون به رسم العبودية ، وتظهرون به الآداب مع ~~الربوبية. # قال الورتجبي : الفضل والرحمة منه للعموم ، ومحبته للخصوص ، الذين هم ~~مستثنون بقوله : " إلا قليلا ". ه. قال القشيري : {ولولا فضل الله} مع ~~أوليائه لهاموا في كل واد من الفرقة كأشكالهم في الوقت. ه. ms0498 فخص الإشارة ~~بالأولياء ، وعليه فقوله : {إلا قليلا} أي : إلا تفرقة قليلة تعرض لهم ، ~~تربية لهم ، وإبقاء لرسمهم ومناط تكليفهم. والله تعالى أعلم. قاله في ~~الحاشية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 76 PageV02P110 ~~قلت : {نفسك} : مفعول ثان ، والأول نائب ، أي : لا يكلفك الله إلا نفسك. # يقول الحق جل جلاله : {فقاتل} يا محمد {في سبيل الله} ولو وحدك إن تثبطوا ~~عن الجهاد ، لا نكلفك إلا أمر نفسك ، {و} لكن {حرض المؤمنين} على الجهاد ، ~~إذ ما عليك إلا التحريض. فجاهدوا حتى تكون كلمة الله هي العليا. {عسى الله ~~أن يكف} بجهادكم {بأس الذين كفروا} ويبطل دينهم الفاسد. {والله أشد بأسا} ~~منهم {وأشد تنكيلا} أي : تعذيبا لهم. وقد حقق الله ذلك ففتح الله على نبيه ~~قبائل العرب ، فلم يبق فيهم مشرك ، ثم فتح على الصحابة سائر البلاد ، وهدى ~~الله بهم جميع العباد ، إلا من فر من الكفار إلى شواهق الجبال. # 78 # وإنما أمرتك بالتحريض على الجهاد ، لأن الدال على الخير كفاعله ، وذلك ~~كالشفاعة بين الناس ودلالتهم على إصلاح ذات البين ، فمن {يشفع شفاعة حسنة} ~~بأن ينفع المشفوع له ، بدفع ضرر أو جلب نفع ، ابتغاء وجه الله ، {يكن له ~~نصيب منها} ، أي : حظ كبير من الثواب ؛ لأنه دل المشفوع عنده على الخير ، ~~وأوصل النفع إلى المشفوع له ، فله من الأجر مثل ما لهما ، ومنها : الدعاء ~~بظهر الغيب ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : " من دعا لمسلم بظهر الغيب ~~استجيب له ، وقال له الملك : لك مثل ذلك ". {ومن يشفع شفاعة سيئة} ، يريد ~~بها فسادا بين الناس ؛ كنميمة وزور وإحداث بدعة ، {يكن له كفل} أي : نصيب ~~{منها} أي : من وزرها ، وفي الحديث : " من سن سنة حسنة ، فله أجرها وأجر من ~~عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة " {وكان الله على كل شيء مقيتا} أي : مقتدرا من أقات على ~~الشيء : إذا قدر عليه ، أو شهيدا حافظا فيجازي على قدر الأعمال. # جزء : 2 رقم الصفحة : 78 PageV02P111 ~~ومن هذا أيضا : السلام ، فإنه ms0499 سبب في ثواب الرد ، لذلك ذكره الحق في سلك ~~الدلالة على الخير فقال : {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} بأن تقولوا ~~: وعليكم السلام والرحمة والبركة ، {أو ردوها} بأن تقولوا : وعليكم السلام. # وفي الخبر : " من قال لأخيه المسلم : السلام عليكم ، كتب الله له عشر ~~حسنات ، فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله ، كتب الله له عشرين حسنة ، فإن ~~قال : وبركاته ، كتب الله ثلاثين " ، وكذلك لمن رد ، فإن اقتصر على السلام ~~، فعشر ، وهكذا.. فإن ذكر المسلم الرحمة والبركة ، قال الراد : وعليكم ، ~~فقط ، إذ لم يبق ما يزاد ، ورد السلام واجب على الكفاية ، حيث يكون مشروعا ~~، فلا يرد في الخطبة ، وقراءة القرآن ، والذكر والتفكر ، والاعتبار ، ونظرة ~~الشهود والاستبصار ، لأنه يفتر ويشوش ، وفي الحمام إذا كانوا عراة ، وفي ~~حال الجماع والأكل والشرب وغيرها من المسائل المستثناة. وقد نظمه بعضهم ، فقال : # رد السلآم واجب إلا على # من في الصلاة أو بأكل شغلا # أو شرب أو قراءة أو أدعيه # أو ذكر أو خطبة أو تلبيه # والسلام من تحية أهل الإسلام ، خاص بهم. لذلك استغرب الخضر عليه السلام ~~سلام سيدنا موسى عليه السلام فقال له : " وأنى بأرضك السلام ، وكذلك خليل ~~الله إبراهيم عليه السلام ، إنما أنكر الملائكة حيث سلموا عليه بتحية أهل ~~الإسلام ؛ لأنه كان بين أظهر قوم كفار ، أما سلام أبي ذر على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بتحية أهل الإسلام ، قبل أن يسلم ، فلعله سمعه من بعض ~~الصحابة قبل أن يسلم ، أو إلهام من الله. والله تعالى أعلم. # 79 # {إن الله كان على كل شيء حسيبا} يحاسبكم على التحية وغيرها. وبالله ~~التوفيق. PageV02P112 # الإشارة : فجاهد أيها الإنسان نفسك في سبيل الله ، لا تكلف إلا إصلاحها ~~وتزكيتها ، وحرض من يسمع قولك من المؤمنين على جهاد أنفسهم ، عسى الله أن ~~يكف عنهم القواطع والعلائق ، فيتأهلون لإشراق قلوبهم بأنوار الحقائق ، فإن ~~الله لا يغلبه شيء ، فمن ذكر عباد الله ، ودسهم إلى حضرة الله كان حظه ~~كبيرا عند الله. ومن دلهم على غير الله فقد غشهم وكان مهانا عند الله ، ~~وإذا ms0500 وقع السلام على الفقراء ؛ فإن كانوا سالكين غير مشتغلين بالذكر وجب ~~عليهم الرد بأحسن ، وإذا كانوا ذاكرين أو متفكرين أو سكارى في شهود الحبيب ~~سقط عنهم السلام ، وكذلك إذا سلم عليهم اختبارا وتعنيتا لم يجب الرد. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 78 # قلت : {الله} : مبتدأ ، و{لا إله} : خبر ، أو اعتراض ، و{ليجمعنكم} : خبر ~~، وهو أوفق بالسياق ، و{لا ريب فيه} حال ، أو صفة لمصدر ، أي : جمعا لا ريب فيه. # يقول الحق جل جلاله : {الله لا إله إلا هو} أي : لا مستحق للعبادة إلا هو ~~، والله {ليجمعنكم} أي : ليحشرنك من قبوركم {إلى يوم القيامة} للحساب الذي ~~وعدكم به ، لا شك فيه ، فهو وعد صادق ، {ومن أصدق من الله حديثا} ، أي : لا ~~أحد أصدق من الله حديثا ، لأن الكذب نقص ، وهو على الله محال. # الإشارة : الحق تعالى واحد في ملكه ، فلا يذوق وحدانيته إلا من كان واحدا ~~في قصده وهمه ، فكل من وحد قلبه وقصده وهمته في طلبه ، وانجمع بكليته إليه ~~، جمعه الله لحضرته ، ونعمه بشهود ذاته ، وعدا حقا وقولا صادقا ، لا ريب ~~فيه ولا اشتباه ، إذ لا أحد أصدق من الله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 79 PageV02P113 ~~{فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبواا أتريدون أن تهدوا من ~~أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون ~~سوآء...} # قلت : {فئتين} : حال ، والعامل فيه : الاستقرار في الجر ، وأركس الشيء نكسه. # 80 # يقول الحق جل جلاله : معاتبا الصحابة حين اختلفوا في إسلام بعض المنافقين ~~، فقال : {فما لكم} افترقتم {في} شأن {المنافقين} فرقتين ، ولم تتفقوا على ~~كفرهم ، والحالة أن الله تعالى {أركسهم} ، أي : نكسهم وردهم إلى الكفر ~~بعد أن أظهروا الإسلام بسبب ما كسبوا من الآثام. {أتريدون أن تهدموا من أضل ~~الله} ، وسبق لهم الشقاء في علم الله ؟ ومن يضلل الله فلن تجد له طريقا إلى ~~الهدى. قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( نزلت في قوم كانوا بمكة من ~~المشركين ، فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا ، ثم سافر ms0501 قوم منهم بتجارات إلى ~~الشام ، فاختلف المسلمون ، هل يقتلونهم ليغنموا تجارتهم ، لأنهم لم يهاجروا ~~، أو يتركونهم لأنهم مؤمنون ؟ ). وقيل : في قوم أسلموا ثم اجتووا المدينة ، ~~واستأذنوا رسول الله صلى عليه وسلم في الخروج إلى البدو ، فلما خرجوا لم ~~يزالوا راحلين مرحلة حتى لحقوا بالمشركين ، فاختلف المسلمون في إسلامهم. # ثم حكم بكفرهم فقال {ودوا لم تكفرون} أي : يتمنون كفركم {كما كفروا ~~فتكونون} معهم {سواء} في الضلال والكفر. # جزء : 2 رقم الصفحة : 80 # الإشارة : من دخل في طريق المخصوصين الأبرار ، ثم لم تساعده رياح الأقدار ~~، فلا ينبغي الكلام فيه ، ولا الخوض في شأنه ، لأن أمره بيد ربه ، ( من ~~يهده الله فلا مضل له) ، ومن يضلل فلا ناصر له. وبالله التوفيق ، وهو ~~الهادي إلى سواء الطريق. # ثم نهى عن موالاتهم ، فقال : PageV02P114 # {...فلا تتخذوا منهم أوليآء حتىا يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون ~~إلىا قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلونكم أو ~~يقاتلوا قومهم ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم ~~يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} # قلت : {حصرت} : أي : ضاقت ، والجملة حال من الواو ، بدليل قراءة يعقوب ~~(حصرة). # يقول الحق جل جلاله : {فلا تتخذوا} من هؤلاء الكفرة {أولياء} وأصدقاء حتى ~~يتحقق إيمانهم ، بأن يهاجروا من دار الكفرإلى دار الإسلام {في سبيل الله} ~~وابتغاء مرضات الله ، لا لحرف دنيوي ، {فإن تولوا} عن إظهار الإيمان ~~بالهجرة {في سبيل الله} ، {فخذوهم} أسارى {واقتلوهم حيث وجدتموهم} كسائر ~~الكفرة ، وجانبوهم {ولا # 81 PageV02P115 ~~تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا} أي : لا تستعينوا بهم في جهادكم ، {إلا الذين ~~يصلون إلى قوم بينكم وبينهم} عهد ، و{ميثاق} أي : مهاندة ، فلهم حكم ~~المعاهدين الذين وصلوا إليهم ، ودخلوا معهم في الصلح ، فلا تقتلوهم ولا ~~تأسروهم. وكانت خزاعة وادعت النبي صلى الله عليه وسلم وعقدت معه الصلح ، ~~فجاء بنو مدلج فدخلوا معهم في الصلح ، فنهى الله عن قتالهم ما داموا معهم ، ~~فالقوم الذين بين ms0502 المسلمين وبينهم ميثاق هم خزاعة ، والذي وصلوا إليهم هم ~~بنو مدلج. فالاستثناء على هذا منقطع ، لأن بني مدلج حينئذ كانت مظهرة للكفر ~~لا منافقة ، ويحتمل أن يكون متصلا ، أي : إلا الذين يصلون منهم...الخ ، ~~فتأمل. وكان هذا في أول الإسلام ، ثم نسخ بقوله : {فأقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة : 5] الآية. # ثم ذكر قوما آخرين نهى عن قتالهم ، فقال : {أو جاءوكم} أي : إلا قوما ~~جاؤوكم ، قد {حصرت صدورهم} أي : ضاقت عن {أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم} ~~يعني أنهم كرهوا قتالهم ، وكرهوا قتال قومهم الكفار ، فلا تقتلوهم أيضا ، ~~لأن الله كف شرهم عنكم ، {ولو شاء الله لسلطهم عليكم} بأن قوى قلوبهم وأزال ~~رعبهم {فلقاتلكم} ولم يكفوا عنكم ، {فإن اعتزلوكم} ولم يتعرضوا لكم {وألقوا ~~إليكم السلم} أي : الاستسلام والانقياد {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} أي ~~: طريقا إلى قتالهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 80 PageV02P116 ~~الإشارة : نهى الله تعالى عن مساكنة النفوس وموالاتها ، حتى تهاجر عن مواطن ~~شهواتها إلى حضرة ربها ، فإن تولت عن الهجرة وألفت البطالة والغفلة ~~فليأخذها ليقتلها حيثما ظهرت صورتها ، ولا يسكن إليها أبدا أو يواليها ، ~~إلا إن وصلت إلى حضرة الشيخ ، وأمره بالرفق بها ، أو كفت عن طغيانها ، أو ~~كفى الله أمرها ؛ بجذب أخرجها عن عوائدها ، أو وارد قوى دفع شهواتها ، فإنه ~~يأتي من حضرة قهار ، لا يصادم شيئا إلا دمغه ، وهذه عناية من الرحمن ، ولو ~~شاء تعالى لسلطها على الإنسان يرخى لها العنان ، فتجمح به في ضحضاح النيران ~~، فإن كفت النفس عن شهواتها ، وانقادت إلى حضرة ربها ، فما لأحد عليها من ~~سبيل ، وقد دخلت في حمى الملك الجليل. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 80 # يقول الحق جل جلاله : {ستجدون} قوما {آخرين} منافقين ، وهم أسد وغطفان ، ~~قدموا المدينة ، وأظهروا الإسلام نفاقا ورياء ؛ إذا لقوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالوا : إنا على دينك ، # 82 # يريدون الأمن ، إذا لقوا قومهم ، وقالوا لأحدهم : لماذا أسلمت ومن تعبد ؟ ~~فيقول : لهذا القرد ولهذا العقرب والخنفساء ، {يريدون} بإظهار الإسلام {أن ~~يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا ms0503 إلى الفتنة أركسوا فيها} ، أي : كلما دعوا ~~إلى الكفر رجعوا إليه أقبح رد ، {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم} أي : ~~ولم يلقوا إليكم المسالمة والصلح ، ولم {يكفوا أيديهم} بأن تعرضوا لكم ~~{فاقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي : وجدتموهم ، {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا} ~~، أي : تسلطا {مبينا} ظاهرا ، لظهور كفرهم وثبوت عداوتهم. PageV02P117 # الإشارة : النفوس على ثلاثة أقسام : قسم مطلقة العنان في الجرائم والعصيان ~~، وهي النفوس الأمارة ، وإليها الإشارة بالآية قبلها ، والله أعلم. وقسم ~~مذبذبة ؛ تارة تظهر الطاعة والإذعان ، تريد أن يأمنها صاحبها ، وتارة ترجع ~~إلى الغي والعصيان ، مهما دعيت إلى فتنة وقعت فيها ، فأم لم تنته عن ذلك ، ~~وتكف عن غيها ، فالواجب جهادها وقتلها ؛ حتى تنقاد بالكلية إلى ربها ، وأما ~~النفس المطمئنة فلا كلام معها لتحقق إسلامها ، فالواجب الكف عنها وحبها. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 82 # قلت : {وما كان لمؤمن} النفي هذا بمعنى النهي ، كقوله : {وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله} [الأحزاب : 53] ، و{إلا خطأ} : استثناء منقطع ، و{خطأ} : ~~حال ، أو مفعول من أجله ، أو صفة لمصدر محذوف ، أي : لا يحل له أن يقتل ~~مؤمنا في حال من الأحوال ، لكن إن وقع خطأ فحكمه ما يأتي ، وقيل : متصل. ~~انظر ابن جزي : أو : إلا قتلا خطأ ، و{إلا أن يصدقوا} : حال ، أي : إلا حال ~~تصدقهم ، و{توبة} : مفعول من أجله ، أي : شرع ذلك لأجل التوبة. أو ، مصدر ، ~~أي : تاب عليكم توبة. # يقول الحق جل جلاله : {وما كان} ينبغي {لمؤمن أن يقتل مؤمنا} مثله ، أي : ~~هو حرام عليه ، {إلا} أن يقتله {خطأ} بأن ظنه كافرا ، أو رمى غيره فصادفه. ~~والآية نزلت بسب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد ، وكان الحارث يعذبه على ~~الإسلام ، ثم أسلم الحارث ، وهاجر ، ولم يعلم عياش بإسلامه ، فقتله. # 83 PageV02P118 ~~ثم ذكر حكمه فقال : {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة} أي : فعليه تحرير رقبة ~~{مؤمنة} سالمة من العيوب ، ليس فيها شوب حرية ، تكون من مال القاتل ، {ودية ~~مسلمة} أي : مدفوعة {إلى أهله} وهي على العاقلة كما بين الرسول عليه ~~الصلاة والسلام ms0504 ، وهي عند مالك : مائة من الإبل ، وألف دينار شرعية على ~~أهل الذهب ، وأثنا عشر ألف درهم ، على أهل الورق ، مقسطة على ثلاث سنين ، ~~فإن لم تكن العاقلة فعلى بيت المال ، وتقسم على أهله ، على حسب المواريث ، ~~إلا أن يتصدقوا بالدية على القاتل فتسقط ، أي : تسمع فيها الورثة أو القتيل ~~قبل موته. # {فإن كان} المقتول {من قوم عدو لكم} أي : محاربين لكم ، {وهو} أي : ~~المقتول {مؤمن} فعلى القاتل {تحرير رقبة مؤمنة} ولا دية ؛ لأنهم محاربون ~~فيتقووا بها على المسلمين ، ورأى مالك أن الدية في هذا واجبة لبيت المال ، ~~{وإن كان} المقتول مؤمنا وهو {من قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي : عقد الصلح ~~أو الذمة ، فعلى القاتل {دية مسلمة إلى أهله} ، وعليه أيضا {تحرير رقبة ~~مؤمنة} كفارة لخطئه. فإن كان غير مؤمن فلا كفارة فيه. وفيه نصف دية المسلم ~~، {فمن لم يجد} الرقبة ، أو لم يقدر عليها ؛ فعليه {صيام شهرين متتابعين} ~~عوضا من العتق ، جعل الله ذلك {توبة من الله} على القاتل لتفريطه. {وكان ~~الله عليما} بما فرض ، {حكيما} فيما قدر ودبر. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 83 PageV02P119 ~~الإشارة : اعلم أن الحق جل جلاله قد رغب في إحياء النفوس ، حسا ومعنى ، ~~ونهى عن قتلها حسا ومعنى ، وما ذلك إلى لخصوص محبة له فيها ، ومزيد اعتناء ~~له بشأنها ؛ فليس في الوجود أعز من الله من مظهر هذا الآدمي إن استقام في ~~العبودية لربه ، فهو قلب الوجود ، ومن أجله ظهر كل موجود ، وهو المنظور ~~إليه من هذا العالم السفلي ، والمقصود بالخطاب التكليفي : جزئي وكلي ، فهو ~~المقصود من بيت القصيد ، وهو المحبوب إليه ، دون سائر العبيد ، قال تعالى : ~~{واصطنعتك لنفسي} [طه : 41]. # ومعنى إحيائها حسا : إنقاذها من الهلاك الحسي ، ومعنى إحيائها معنى : ~~إنقاذها من الهلاك المعنوي كالجهل والغفلة ، حتى تحيا بالعلم والإيمان ~~واليقظة ، ومعنى قتلها حسا : إهلاكها ، ومعنى قتلها معنى : إيقاعها في ~~المعاصي والكفر وحملها على ذلك ، وكذلك إهانتها وذلها ، ولذلك قال عليه ~~الصلاة والسلام : " لعن المؤمن كقتله " فأمر من قتله خطأ أن يحيي نفسا ms0505 ~~أخرى من مقابلتها بإخراجها من موت إهانة الرق ، فإن لم يقدر ، فليحيي نفسه ~~بقتل صولتها بالجوع حتى تنكسر ، فتحيا بالتوبة واليقظة ، ويجبر كسر أهل ~~المقتول بالدية المسلمة. # 84 # جزء : 2 رقم الصفحة : 83 # يقول الحق جل جلاله : {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} مستحلا لقتله {فجزاؤه جهنم ~~خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} أي : طرده {وأعد له عذابا عظيما} ، ~~وقولنا : مستحلا لقتله ، هو أحد الأجوبة عن شبهة المعتزلة القائلين بتخليد ~~عصاة المؤمنين في النار. ومن جملتهم : قاتل النفس. PageV02P120 # ومذهب أهل السنة : أنه لا يخلد إلا الكافر ، ويؤيد هذا الجواب سبب نزول ~~الآية ، لأنها نزلت في كافر ، وهو ( مقيس بن ضبابة الكناني) ؛ وجد أخاه ~~هشاما قتيلا في بني النجر وكان مسلما فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأرسل معه رجلا من بني فهر ، وقال له : " ائت بني النجار ، وقل لهم : إن ~~علمتم قاتل هشام فادفعوه لمقيس يقتص منه ، وإن لم تعلموا فادفعوا إليه ~~الدية " فقالوا : سمعا وطاعة ، لم نعلم قاتله ، فجمعوا مائة من الإبل ، ~~فأخذها ، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة ، فوسوس إليه الشيطان ، وقال : أي ~~شيء صنعت ؟ تقبل دية أخيك فتكون عليك سبة ، اقتل الرجل الذي معك فتكون نفس ~~مكان نفس وفضل الدية ، فقتله وأخذ الدية ، فنزلت فيه الآية. # أو يكون الخلود عبارة عن طول المكث ، والجمهور على قبول توبته ، خلافا ~~لابن عباس ، ونقل عنه أيضا قبولها ، ولعله تعالى استغنى عن ذكر التوبة هنا ~~اكتفاء بذكرها في الفرقان ، حيث قال : {ومن يفعل ذلك يلق أثاما} [الفرقان : ~~68] ، ثم قال : {إلا من تاب} [مريم : 60]. وأما من قال : إن تلك منسوخة ~~بهذه فليس بصحيح ؛ لأن النسخ لا يكون في الأخبار. أو فجزاؤه إن جوزي ، ولا ~~بدع في خلف الوعيد لقوله : {ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} [النساء : 48] ؛ ~~لأن الوعيد مشروط بعدم العفو ، لدلائل منفصلة اقتضت ذلك كما هو مشروط بعدم ~~التوبة أيضا ، والحاصل : أن الوعد لا يخلف لأنه من باب الامتنان ، والوعيد ~~يصح إخلافه ، بالعفو والغفران ، كما في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله ms0506 ~~عليه وسلم قال : " من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجزه له لا ~~محالة ، ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء ~~عاقبه " ه. ذكره في القوت. # جزء : 2 رقم الصفحة : 85 PageV02P121 ~~فتحصل أن القاتل لا يخلد على المشهور إلا إذا كان مستحلا ، وهذا أيضا ما لم ~~يقتص منه ، وأما إذا اقتص منه فالصحيح أنه يسقط عنه العقاب ؛ لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : " من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة " ~~وبه قال الجمهور ، وكذلك إذا سامحه ورثة الدم : لأنه حق ورثوه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الإيمان محلة القلوب ، فالقلب هو المتصف بالإيمان حقيقة. ~~فالمؤمن الحقيقي هو القلب ، فمن قتله بتتبع الشهوات ، وتراكم الغفلات ، ~~فجزاؤه نار القطيعة في # 85 # سجن الأكوان ، والبعد عن عرفان الشهود والعيان ، وفي الحكم : " سبب ~~العذاب وجود الحجاب ، وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهة الكريم ". والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 85 # قلت : {السلم} بالقصر : الانقياد والاستسلام ، وبالمد : التحية. وجملة ~~{تبتغون} : حال من الواو ، مشعرة بما هو الحامل على العجلة. PageV02P122 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم} أي : سافرتم وسرتم ~~تجاهدون {في سبيل الله} ، {فتبينوا} الأمور وتثبتوا فيها ولا تعجلوا ، فإن ~~العجلة من الشيطان ، {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم} أي : الانقياد ~~والاستسلام ، أو سلم عليكم تحية الإسلام ، {لست مؤمنا} ؛ إنما فعلت ذلك ~~متعوذا خائفا ، فتقتلونه طمعا في ماله ، {تبتغون عرض الحياة الدنيا} ~~وحطامها الفاني ، {فعند الله مغانم كثيرة} وعدكم بها ، لم تقدروا الآن عليه ~~، فاصبروا وازهدوا فيما تشكون فيه حتى يأتيكم ما لا شهبة فيه ، {كذلك كنتم ~~من قبل} هذه الحال ، كنتم تخفون إسلامكم خوفا من قومكم ، {فمن الله عليكم} ~~بالعز والنصر والاشتهار {فتبينوا} وتثبتوا ولا تعجلوا ، وافعلوا بالداخلين ~~في الإسلام كما فعل الله بكم ، حيث حفظكم وعصمكم ، ولا تبادروا إلى قتلهم ~~ظنا بأنهم إنما دخلوا فيه اتقاء وخوفا ، فإن إبقاء ألف كافر أهون عند الله ~~من قتل مؤمن ، وتكريره تأكيد لتعظيم ms0507 الأمر. ثم هددهم بقوله {إن الله كان ~~بما تعملون خبيرا} مطلعا على قصدكم ، فلا تتهافتوا في القتل ، واحتاطوا فيه. # روي أن سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غزت أهل فدك فهربوا ، وبقي ~~مرداس ثقة بإسلامه ، لأنه كان مسلما وحده ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى ~~عاقول من الجبل ، وصعد عليه ، فلما تلاحقوا وكبروا ، كبر ونزل يقول : لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله ، السلام عليكم ، فقتله أسامة ، واستاق غنمه ، ~~فنزلت الآية. فلما أخبر عليه الصلاة والسلام وجد وجدا شديدا ، وقال ~~لأسامة : " كيف بلا إله إلا الله ، إذا جاءت يوم القيامة ؟ ! " قالها ثلاثا ~~، حتى قال أسامة : ليتني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم استغفر له بعد ، وقال له : # 86 PageV02P123 ~~" اعتق رقبة " وقيل : نزلت في المقداد ، مر برجل في غنمه فأراد قتله ، فقال ~~: لا إله إلا الله ، فقتله وظفر بأهله وماله ، وقيل : القاتل : محلم بن ~~جثامة ، والمقتول : عامر بن الأضبط. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 86 # الإشارة : يستقاد من الآية : الترغيب في خصلتين ممدوحتين وخصوصا عند ~~الصوفية : # الأولى : التأني في الأمور والرزانة والطمأنينة ، وعدم العجلة والخفة ~~والطيش. وفي الحديث : " من تأنى أصاب أو كاد ، ومن استعجل أخطأ أو كاد " ~~ولا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه ، ويفهم عن الله أنه مراد الله في ~~ذلك الوقت. # والثانية : حسن الظن بعباد الله كافة ، واعتقاد الخير فيهم ، وعدم البحث ~~عما اشتمل عليه بواطنهم ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : " أمرت أن أحكم ~~بالظواهر والله يتولى السرائر " وقال لأسامة : " هلا شققت عن قلبه " ، حين ~~قتل من قال : لا إله إلا الله ، أو لغيره. وفي الحديث : " خصلتان ليس ~~فوقهما شيء من الخير : حسن الظن بالله ، وحسن الظن بعباد الله ، وخصلتان ~~ليس فوقهما من الشر شيء : سوء الظن بالله ، وسوء الظن بعباد الله " والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 86 # قلت : {من المؤمنين} : حال من {القاعدين} ، و{غير} بالرفع : صفة للقاعدين ~~، وبالنصب : حال ، وبالجر : بدل من المؤمنين ، و{درجة} : نصب على إسقاط ~~الخافض ، أو على ms0508 المصدر ، لأنه متضمن معنى التفضيل ، أو على الحال ، أي : ~~ذوي درجة. و{أجرا عظيما} : مصدر لفضل ، لأنه بمعنى أجرا ، أو مفعول ثان ~~لفضل ، لأنه بمعنى أعطى ، أي : أعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما ، ~~و{درجات} وما بعده ، كل واحد بدل من {أجرا} ، و{درجات} : نصب على المصدر ، ~~كقولك : ضربته أسواطا ، و{أجرا} : حال ، تقدمت عليها ؛ لأنها نكرة و{مغفرة ~~ورحمة} : على المصدر بإضمار فعلهما. # 87 PageV02P124 ~~يقول الحق جل جلاله : ترغيبا في الجهاد : {لا يستوي القاعدون} عن الجهاد ~~{من المؤمنين} مع المجاهدين في سبيل الله في الدرجة والأجر العظيم. ولما ~~نزلت أتى ابن أم مكتوم وعبد الله بن جحش ، وهما أعميان فقالا : يا رسول ~~الله ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين ، وحالنا على ما ترى ، ونحن ~~نشتهي الجهاد ، فهل من رخصة ؟ فأنزل الله : {غير أولي الضرر} ، فجعل لهم من ~~الأجر ما جعل للمجاهدين ؛ لزمانتهم وحسن نياتهم. # ثم ذكر فضل من خرج من قعد لعذر فقال : {فضل الله المجاهدين بأموالهم} ، ~~مواساة للمجاهدين ، {وأنفسهم} ببذلها في سبيل رب العالمين ، {على القاعدين} ~~لعذر ، {درجة} واحدة ، لمزيد مشقة السفر والغزو والخطر بالنفس للموت ، ~~{وكلا} من القاعدين لعلة والمجاهدين في سبيل الله ، {وعد الله الحسنى} أي : ~~المثوبة الحسنى ، وهي الجنة. {وفضل الله المجاهدين على القاعدين} من غير ~~عذر {أجرا عظيما} وخيرا جسيما. وفي البخاري : " إن لله مائة درجة أعدها ~~للمجاهدين في سبيل الله ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض " الحديث. ~~ثم بينها بقوله {درجات منة} أي : من فضله وإحسانه ، {ومغفرة} لذنوبة ، ~~{ورحمة} تقربه إلى ربه ، {وكان الله غفورا} لما عسى أن يفرط منه ، {رحيما} ~~بما وعد له. # جزء : 2 رقم الصفحة : 87 PageV02P125 ~~الإشارة : لا يستوي القاعد مع حظوظه وهواه ، مشتغلا بتربية جاهه وماله ~~وتحصيل مناه ، غافلا عن السير إلى حضرة مولاه ، مع الذي سل سيف العزم في ~~جهاد نفسه وهواه ، وبذل مهجته وجاهد نفسه في طلب رضاه ، حتى وصل إلى شهود ~~أنوار جماله وسناه ، هيهات هيهات ، لا يستوي الأحياء مع الأموات ، فإن قعد ~~مع نفسه لعذر يظهره ، مع محبته لطريق ms0509 القوم وإقراره لأهل الخصوصية ، فقد ~~فضل الله عليه المجاهدين لنفوسهم بدرجة الشهود ومعرفة العيان للملك الودود ~~، وإن قعد لغير عذر مع الإنكار لأهل الخصوصية ، فقد فضل الله عليه ~~المجاهدين أجرا عظيما ، درجات منه بالترقي أبدا ، ومغفرة ورحمة ، وفي ~~البيضاوي : التفضيل بدرجة في جهاد الكفار ، وبدرجات في جهاد النفس ؛ لأنه ~~الأكبر للحديث والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 87 # 88 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين} تتوفاهم {الملائكة} أي : ملك الموت ~~وأعوانه ، يعني : تقبض أرواحهم ، {ظالمي أنفسهم} بترك الهجرة ومرافقة ~~الكفرة ، {قالوا} أي : الملائكة في توبيخهم : {فيم كنتم} أي : في أي شيء ~~كنتم من أمر دينكم : أعلى الشك أو اليقين ؟ أو : في أي بلد كنتم : في دار ~~الكفر أو الإسلام ؟ {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} فعجزنا عن الهجرة وإظهار ~~الدين خوفا من المشركين ، {قالوا} أي : الملائكة تكذيبا لهم وتبكيتا : {ألم ~~تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} إلى قطر آخر ، كما فعل المهاجرين إلى ~~الحبشة والمدينة ، لكن حبستكم أموالكم ، وعزت عليكم أنفسكم ، {فأولئك ~~مأواهم جهنم} لتركهم الهجرة الواجبة في ذلك الوقت ، ومساعدتهم الكفار على ~~غزو المسلمين ، {وساءت مصيرا} أي : قبحت مصيرا جهنم التي يصيرون إليها. PageV02P126 # نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا ، فخرجوا يوم بدر مع ~~المشركين فرأوا قلة المسلمين ، فقالوا : غر هؤلاء دينهم ، فقتلوا ، فضربت ~~الملائكة وجوهم وأدبارهم ، كما يأتي ، فلا تجوز الإقامة تحت حكم الكفر مع ~~الاستطاعة ، بل تجب الهجرة ، ولا عذر في المقام ، وإن منعه مانع فلا يكون ~~راضيا بحاله مطمئن النفس بذلك ، وإلا عمه البلاء ، كما وقع لأهل الأندلس ، ~~حتى صار أولادهم كفارا والعياذ بالله ، وكذلك لا تجوز الإقامة في موضع تغلب ~~فيه المعاصي وترك الدين. # قال البيضاوي : في الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن في الرجل ~~من إقامة دينه ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " من فر بدينه من أرض ، ~~ولو كان شبرا من الأرض ، استوجب الجنة ، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما ~~الصلاة والسلام " قلت : ويدخل فيه على طريق الخصوص ms0510 من فر من موضع تكثر ~~فيه الشهوات والعوائد ، أو تكثر فيه العلائق والشواغل ، إلى موضع يقل فيه ~~ذلك ، طلبا لصفاء قلبه ومعرفة ربه ، بل هو أولى ، ويكون رفيقا لهما في حضرة ~~القدس عند مليك مقتدر. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 88 # ثم استثنى من تحقق إسلامه وحبسه العذر ، فقال : {إلا المستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان} أي : المماليك والصبيان ، وفيه إشعار بأنهم على ~~صدد وجوب الهجرة ، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة ، فلا محيص عنها ، ~~وأن قومهم يجب أن يهاجروا بهم متى أمكنت الهجرة. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : " كنت أنا أبي وأمي ممن استثنى الله بهذه الآية ". # ثم وصفهم بقوله {لا يستطيعون حيلة} أي : قوة على ما يتوقف عليه السفر ، ~~من ركوب أو غيره ، {ولا يهتدون سبيلا} أي : لا يعرفون طريقا ، ولا يجدون ~~دليلا ، # 89 PageV02P127 ~~{فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم}. وعبر بحرف الرجاء إيذانا بأن ترك الهجرة ~~أمر خطير ، حتى إن المضطر من حقه أن لا يأمن ، ويترصد الفرصة ، ويعلق بها ~~قلبه ، {وكان الله غفورا رحيما} فيعفو ويغفر لمن غلبه العذر. وبالله ~~التوفيق. # الإشارة : كل من لم يتغلغل في علم الباطن ، مات ظالما لنفسه ، أي : باخسا ~~لها ؛ لما فوتها من لذيذ الشهود ، ومعرفة الملك المعبود ، ولا يخلو باطنه ~~من الإصرار على أمراض القلوب ، التي هي من أكبر الذنوب ، فإذا توفته ~~الملائكة على هذه الحالة ، قالت له : فيم كنت حتى لم تهاجر إلى من يطهرك من ~~العيوب ، ويوصلك إلى حضرة علام الغيوب ؟ فيقول : كنت من المستضعفين في علم ~~اليقين ، ولم أقدر على صحبة أهل عين اليقين وحق اليقين ؛ حبسني عنهم حب ~~الأوطان ، ومرافقة النساء والولدان. فيقال له : ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجر فيها إلى من يخلصك من الحجاب ، وينفي عنك الشك والارتياب ؟ فلا جرم ~~أن مأواه سجن الأكوان ، وحرمان الشهود والعيان ، إلا من أقر بوجود ضعفه ، ~~واضطر إلى مولاه في تخليصه من نفسه ، فعسى ربه أن يعطف عليه ، فيوصله إلى ~~عارف من أوليائه ، حتى يلتحق بأحبابه ms0511 وأصفيائه ، وما ذلك على الله بعزيز. # جزء : 2 رقم الصفحة : 88 # قلت : المراغم : المهرب والمذهب. قاله في القاموس. وقال البيضاوي : يجد ~~متحولا ، من الرغام وهو التراب. وقيل : طريقا يراغم قومه بسلوكه فيها ، أي ~~: يفارقهم على رغم أنوفهم ، وهو أيضا من الرغام. PageV02P128 # يقول الحق جل جلاله : {ومن يهاجر في سبيل الله} لإعلاء كلمة الله وإقامة ~~دينه ، {يجد في الأرض} فضاء كثيرا ، ومتحولا كبيرا يتحول إليه ، وسعة بدلا ~~من ضيق ما كان فيه ، من قهر العدو ومنعه من إظهار دينه ، أو سعة في الرزق ، ~~وبسطا في المعيشة ، فلا عذر له في المقام في مكان مضيق عليه فيه في أمر ~~دينه ، {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} وجهاد في سبيله ، {ثم ~~يدركه الموت} قبل وصوله فقد ثبت أجره ، ووجب على الله وجوب امتنان أن ~~يبلغه قصده بعد موته ، {وكان الله غفورا} لما سلف له من عدم المبادرة ، ~~{رحيما} به ، حيث بلغه مأموله. # نزلت في جندع بن ضمرة ، وكان شيخا كبيرا مريضا ، فلما سمع ما نزل في شأن ~~الهجرة قال : والله ما أنا ممن استثنى الله ، ولي مال يبلغني المدينة ، ~~والله لا # 90 # أبيت الليلة بمكة ، اخرجوا بي ، فخرجوا به على سريره حتى أتوا به التنعيم ~~، فأدركه الموت بها ، فصفق بيمينه على شماله ، وقال : اللهم هذه لك وهذه ~~لرسولك ، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك ، فمات حميدا. فقال الصحابة : لو ~~وافى المدينة ، كان أتم أجرا ، وضحك المشركون ، وقالوا : ما أدرك ما طلب. ~~فنزلت : {ومن يخرج من بيته...} الخ. # وقيل : نزلت في خالد بن حزام ، فإنه هاجر إلى أرض الحبشة ، فنهشته حية في ~~الطريق ، فمات قبل أن يصل. والله تعالى أعلم. PageV02P129 # الإشارة : ومن يهاجر من وطن حظوظه وهواه ، طلبا للوصول إلى حضرة مولاه ، ~~يجد في أرض نفسه متسعا للعلوم ، ومفتاحا لمخازن الفهوم ، وسعة الفضاء ~~والشهود ، حتى ينطوي في عين بصيرته كل موجود ، ويتحقق بشهود واجب الوجود. ~~ومن يخرج من بيت نفسه وسجن هيكله إلى طلب الوصول إلى الله ورسوله ، ثم ~~يدركه الموت قبل ms0512 التمكين ، فقد وقع أجره على الله ، وبلغه الله ما كان قصده ~~وتمناه ، فيحشر مع الصديقين أهل الرسوخ والتمكين ، التي تلي درجتهم درجة ~~النبيين ، وكذلك من مات في طلب العلم الظاهر ولم يدركه في حياته ، حشر مع ~~العلماء ، قال عليه الصلاة والسلام : " من جاءه أجله وهو يطلب العلم لم ~~يكن بينه وبين النبيين إلا درجة واحدة " قلت : وهذه الدرجة التي بينه وبين ~~النبوة هي درجة الصديقين المتقدمة قبله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 90 # وكل من مات في طلب شيء من الخير ، أدركه بعد موته بحسن نيته ، كما في ~~الأحاديث النبوية ، قال القشيري : المهاجر في الحقيقة ، من هاجر نفسه وهواه ~~، ولا يصح ذلك إلا بانسلاخه عن جميع مراداته وقصوده ، فمن قصده أي قصد ~~الحق تعالى ثم أدركه الأجل قبل وصوله ، فلا ينزل إلا بساحات وصله ، ولا ~~يكون محط رفقته إلا مكان قربه. ه. وفي بعض الآثار : الهجرة هجرتان : هجرة ~~صغرى ، وهجرة كبرى ، فالصغرى : انتقال الأجسام من وطن غير مرضي إلى وطن ~~مرضي ، والكبرى : انتقال النفوس من مألوفاتها وحظوظها إلى معرفة ربها ~~وحقوقها. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 90 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا ضربتم في الأرض} ، أي : سافرتم للجهاد أو ~~غيره من السفر المباح ، أو المطلوب ، {فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة} الرباعية إلى ركعتين ، ونفي الجناح يقتضي أنها رخصة ، وبه قال ~~الشافعي ، ويؤيده أنه عليه الصلاة والسلام أتم في السفر وأن عائشة رضي ~~الله عنها قالت : يا رسول الله # 91 PageV02P130 ~~قصرت وأتممت ، وصمت وأفطرت ؟ فقال " أحسنت يا عائشة " وأوجبه أبو حنيفة ؛ ~~لقول عمر رضي الله عنه : ( السفر ركعتان ؛ تمام غير قصر ، على لسان نبيكم). ~~ولقول عائشة : (أول ما فرضت الصلاة ركعتان ، فأقرت صلاة السفر ، وزيدت في ~~الحضر). # وقال مالك رضي الله عنه : القصر سنة ؛ لكونه عليه الصلاة والسلام دام ~~عليه في كل سفر ، ولم يتم إلا مرة لبيان الجواز. # وقوله تعالى : {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} طاهره أن الخوف شرط في ~~القصر ، وبه قالت عائشة وعثمان رضي الله عنهما ms0513 ، والجمهور على عدم شرطه ، ~~وإنما ذكره الحق تعالى لكونه غالبا في ذلك الوقت ، فلا يعتبر مفهومه ، أو ~~يؤخذ القصر في الأمن من السنة. ويؤيد هذا حديث يعلى بن أمية ، قلت لعمر بن ~~الخطاب : إن الله يقول : {إن خفتم} ، وقد أمن الناس ؟ . فقال : عجبت مما ~~تعجبت منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " صدقة تصدق به الله ~~عليكم ، فاقبلوا صدقته " وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة ~~وهو آمن. # وليس في الآية ما يدل على تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة ، بل ذكر ~~مطلق السفر ، ولذلك أجاز الظاهرية القصر في كل سفر ، طال أو قصر. ومذهب ~~مالك والشافعي : أن المسافة أربعة برد ، واحتجوا بآثار عن ابن عمر وابن ~~عباس. وقال أبو حنيفة : ستة برد ، وكذلك لم يقيد الحق السفر بمباح ولا غيره ~~، ولذلك أجاز أبو حنيفة القصر في كل سفر. ومنعه مالك في سفر المعصية. ومنعه ~~ابن حنبل في المعصية والمباح. والمراد بالفتنة في قوله : {إن خفتم أن ~~يفتنكم} : الجهاد والتعرض لما يكره ، وعداوة الكفار معلومة. PageV02P131 # الإشارة : وإذا ضربتم في ميادين النفوس ، وتحقق سيركم إلى حضرة القدوس ، ~~فلا جناح عليكم أن تقتصروا على المهم من الصلاة الحسية ، وتدوموا على ~~الصلاة القلبية ، التي هي العكوف في الحضرة القدسية ، إن خفتم أن تشغلكم عن ~~الشهود حلاوة المعاملة الحسية. قال بعض العارفين : اتقوا حلاوة المعاملة ، ~~فإنها سموم قاتلة. وكذلك قال القطب بن مشيش في المقامات كالرضا ، والتسليم ~~: أخاف أن تشغلني حلاوتها عن الله. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 91 # 92 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا كنت فيهم} أيه الرسول {فأقمت لهم الصلاة} ، ~~أي : صلاة الخوف ، وكذلك الأمراء النائبون عنه ، {فلتقم طائفة منهم معك} ، ~~وطائفة تقف وجاه العدو للحراسه ، {وليأخذوا أسلحتهم} أي : المصلون معك ، ~~{فإذا سجدوا فليكونوا} أي : الطائفة الحارسة {من ورائكم} فإذا صلت نصف ~~الصلاة مع الإمام ، قضت في صلبه ما بقي لها وذهبت تحرس. # {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} النصف الباقي ، فإذا سلمت ، ~~قضوا ms0514 ما بقي لهم ، فإذا كانت ثنائية : صلى بالأولى ركعة ، وثبت قائما ساكتا ~~أو قارئا ، ثم تصلي من صلت معه ركعة وتسلم ، وتأتي الثانية فتكبر ، فيصلي ~~بها ركعة ويسلم وتقضي ركعة. واذا كانت رباعية ، أو ثلاثية صلى بالأولى ~~ركعتين ، ثم تقوم الأولى فتصلي ما بقي لها وتسلم وتأتي الثانية فتكبر وتصلي ~~معه ما بقي له ، ثم تقضي ما بقي لها ، هكذا قاله مالك والشافعي. PageV02P132 # وقال أبو حنيفة : يصلي بالأولى ركعة ، ثم تتأخر وهي في الصلاة ، وتأتي ~~الثانية فيصلي بها ركعة ، فإذا سلم ذهبت مكان الأولى قبل سلامها ، فتأتي ~~الأولى فتصلي ركعة ثم تسلم ، وتأتي الثانية فتصلي ركعية ثم تسلم. وفي صلاة ~~الخوف عشرة أقوال على حسب الأحاديث النبوية ، لأنها تعددت منه صلى الله ~~عليه وسلم ، فكل واحد أخذ بحديث ، وما قاله مالك والشافعي هو الذي فعله ~~عليه الصلاة والسلام في غزوة ذات الرقاع. # ثم أمر الطائفة الحارسة بأخذ السلاح ، والحذر من العدو فقال : {وليأخذوا ~~حذرهم وأسلحتهم} ، ثم ذكر علة الحذر فقال : {ود الذين كفروا لو تغفلون عن ~~أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} أي : تمنوا أن ينالوا منكم غرة ~~، فيشدون عليكم شدة واحدة فيستأصلونكم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 92 # روي أن المشركين لما رأوا المسلمين صلوا صلاة الظهر ندموا أن لو كانوا ~~أغاروا عليهم في الصلاة ، ثم قالوا : دعوهم فإن لهم صلاة هي إليهم أحب من ~~آبائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر ، فلما قام النبي عليه الصلاة والسلام ~~لصلاة العصر نزل جبريل بصلاة الخوف. # ثم رخص لهم في وضع السلاح ، لعذر فقال : {ولا جناح عليكم} أي : لا إثم ~~{إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم} منهم ~~بالحراسة. روي أنها نزلت في عبد الرحمن بن عوف ، مرض فوضع سلاحه ، فعنفه ~~أصحابه ، فنزلت الآية. # 93 # ثم هون شأن الكفار بعد أن أمر بالحذر منهم فقال : {إن الله أعد للكافرين ~~عذابا مهينا} في الدنيا والآخرة. # قال البيضاوي : وعد المؤمنين بالنصرة على الكفار ، بعد الأمر بالحذر ، ~~ليقوي قلوبهم ، وليعلموا ms0515 أن الأمر بالحذر ليس لضعفهم وغلبة عدوهم ، بل إن ~~الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبير. ه. PageV02P133 # الإشارة : إذا كنت في جند الأنوار ، وأحدقت بك حضرة الأسرار ، ثم نزلت إلى ~~سماء الحقوق أو أرض الحظوظ فلتقم طائفة من تلك الأنوار معك ، لتحرسك من جيش ~~الأغيار وجند الأكدار ، حتى يكون رجوعك إلى الآثار مصحوبا بكسوة الأنوار ~~وحليلة الاستبصار ، فيكون رجوعك إليها بالله لا بنفسك ، فإذا سجد القلب في ~~الحضرة كانت تلك الأنوار من ورائه والأسرار من أمامه ، {والله من ورآئهم ~~محيط} [البروج : 20] ، ولتأت طائفة أخرى لم تصل هذه الصلاة ؛ لأنها لم تبلغ ~~هذا المقام ، فلتصل معك اقتباسا لأنوارك ، لكن تأخذ حذرها وتستعد من خواطر ~~الأشغال ، كي لا تميل عليهم فتفتنهم عن الحضور مع الكبير المتعال ، فإن كان ~~مريض القلب بالهوى وسائر العلل ، فلا يكلف من الحضور إلا ما يطيقه ، لأن ~~القط لا يكلف بحمل الجمل. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 92 # يقول الحق جل جلاله : فإذا فرغتم من الصلاة {فاذكروا الله} في جميع ~~أحوالكم {قياما وقعودا وعلى جنوبكم} إن أردتم حراسة قلوبكم ، والنصر على ~~عدوكم ، أو إذا أردتم قضاء الصلوات وأداء فرضها ، وأنتم في المعركة ، فصلوا ~~كما أمكنكم {قياما} راجلين أو على خيولكم إيماء ، وحل للضرورة حينئذ مشى ~~وركض وطعن وعدم توجه وإمساك ملطخ ، وتنبيه وتحذير ، هذا للصحيح ، {وقعودا ~~وعلى جنوبكم} ، للمريض أو الجريح ، هكذا قال جمهور الفقهاء في صلاة ~~المسايفة وقال أبو حنيفة : لا يصلي المحارب حتى يطمئن. # {فإذا اطمأننتم} وذهب الخوف عنكم {فأقيموا الصلاة} على هيأتها المعلومة ، ~~واحفظوا أركانها وشروطها ، وأتوا بها تامة ، {إن الصلاة كانت المؤمنين ~~كتابا موقوتا} # 94 # أي : فرضا محدود الأوقات ، لا يجوز إخراجها عن وقتها في شيء من الأحوال. ~~قال البيضاوي : وهذا دليل على أن المراد بالذكر الصلاة ، وأنها واجبة ~~الأداء ، حال المسايفة ، والاضطراب في المعركة ، وتعليل للأمر بالإتيان بها ~~، كيف أمكن. PageV02P134 # الإشارة : إذا فرغتم من الصلاة الحسية ، فاستغرقوا أحواكم في الصلاة ~~القلبية ، حتى تطمئن قلوبكم في الحضرة القدسية ، فإذا اطمأننتم ms0516 في الحضرة ، ~~فأقيموا صلاة الشهود والنظرة ، وهي الصلاة الدائمة ، قال تعالى : {الذين هم ~~على صلاتهم دآئمون} [المعارج : 23]. وقال الورتجبي : إذا كنتم في حالة ~~التمكين وامتلأتم من أنوار ذكره ، فينبغي أن تخرجوا من أبواب الرخص ، ~~والاستراحة في سعة الروح ، وترجعوا إلى مقام الصلاة ، فإن آخر سيركم في ~~ربوبيتي : أول بدايتكم في عبوديتي. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 94 # قلت : الوهن : الفشل والضعف. # يقول الحق جل جلاله : لا تضعفوا في طلب {القوم} ، أي : الكفار ، ~~فتجاهدوهم في سبيل الله ، فإن الحرب دائرة بينهم وبينكم ، قد أصابهم مثل ما ~~أصابكم ، فإن {تكونوا تألمون} ، أي : تتوجعون من الجراح ، {فإنهم يألمون ~~كما تألمون} ، وأنتم ترجون من الله النصر والعز في الدنيا ، والدرجات العلا ~~في الآخرة ، وهم لا يرجون ذلك ، فحقكم أن تكونوا أصبر وأرغب في الجهاد منهم ~~، {وكان الله عليما} بأعمالكم وضمائركم ، {حكيما} فيما يأمركم به وينهاكم. # الإشارة : لا تهنوا عن طلب الظفر بنفوسكم ، ولا تفشلوا عن السير الى حضرة ~~ربكم ، فإن كنتم تألمون حال محاربتها ومخالفة شهواتها ، فإنها تألم مثلكم ، ~~ما دامت لم ترتض في حضرة ربكم ، فإذا ارتاضت وتحلت صار المر عندها حلوا ، ~~وذلك إنما يكون بعد موتها وحياتها ، فدوموا على سياستها ورياضتها ، فإنكم ~~ترجون من الله الوصول ، وبلوغ المأمول ، وهي ترجو الرجوع إلى المألوفات ~~وركوب العادات ، فاعكسوا مراداتها ، حتى تطمئن في حضرة ربها ، فتأمن ~~غوائلها ، فليس بعد الوصول رجوع ، ولا إلى العوائد نزوع ، والله غالب على أمره. # جزء : 2 رقم الصفحة : 94 # قلت : أرى ، هنا عرفانية ، لا علمية. فلذلك لم تتعد إلى ثلاثة. PageV02P135 # يقول الحق جل جلاله : لنبيه عليه الصلاة والسلام حين هم أن يخاصم عن طعمة ~~بن أبيرق ، وذلك أنه سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان ، في جراب دقيق ، ~~فجعل الدقيق يسقط من خرق فيه ، وخبأها عند يهودي ، فالتمس الدرع عند طعمة ، ~~فلم توجد ، وحلف ما أخذها ، وما له بها علم ، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق ~~حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها ، فقال اليهودوي : دفعها إلي طعمة ، ~~وشهد له ناس ، من اليهود ms0517 ، فقال رهط طعمة من بني ظفر : انطلقوا بنا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله أن يجادل عن صاحبنا ، وقالوا : إن لم ~~يفعل هلك وأفتضح ، وبرىء اليهودي ، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اعتمادا على ظاهر الأمر ، ولم يكن له علم بالواقعة ، فنزلت الآية : # {إنا أنزلنا إليكم الكتاب بالحق} أي : ملتبسا بالحق {لتحكم} بما فيه من ~~الحق {بين الناس} بسبب ما {أراك} أي : عرفك {الله} بالوحي ، أو بالاجتهاد ، ~~ففيه دليل على إثبات القياس ، وبه قال الجمهور. وفي اجتهاد الأنبياء خلاف. ~~{ولا تكن للخائنين خصيما} أي : عنهم للبرآء ، أو لأجلهم والذب عنهم. # {واستغفر الله} مما هممت به ، {إن الله كان غفورا رحيما} ، وفيه دليل على ~~منع الوكالة عن الذمي ، وبه قال ابن شعبان. وقال ابن عات : لعله أراد ~~الندب. وقال مالك بن دينار : كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة. ~~والوكالة من الأمانة ، والمصطفى عليه الصلاة والسلام لم يقصد شيئا من ذلك ~~، ولا علم له بالواقعة ، لولا أطلعه تعالى ، فلا نقص في اهتمامه ، ولا درك ~~يلحقه. وبالجملة ، فالآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر في النازلة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 95 PageV02P136 ~~ثم نهاه عن الذب عنهم ، فقال : {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} وهم ~~رهط بن أبيرق السارق ، قال السهيلي : هم بشر وبشير ومبشر وأسير ، {إن الله ~~لا يحب من كان خوانا} أي : كثير الخيانة ، {أثيما} أي : مصرا عليها ، روي ~~أن طعمة هرب إلى مكة ، وارتد ، ونقب حائطا بها ليسرق أهله ، فسقط الحائط ~~عليه فقتله ، ويستفاد من الآية امتناع الجدال عمن علمت خيانته بالأحرى ، أو ~~كان مظنة الخيانة ، كالكافر ونحوه. وكذا # 96 # قال ابن العربي في أحكام القرآن في هذه الآية : إن النيابة عن المبطل ~~المتهم في الخصومة لا تجوز ، بدليل الآية. ه. PageV02P137 # ثم فضح سرهم ، فقال : {يستخفون من الناس} أي : يستترون منهم ، {ولا يستخفون ~~من الله} وهو أحق أن يستحيا منه ويخاف {وهو معهم} لا يخفى عليه شيء ، فلا ~~طرق للنجاة إلا ترك ما يستقبح ، ويؤاخذ عليه سرا وجهرا. ms0518 {إذ يبيتون} أي : ~~يدبرون ويزورون {ما لا يرضى من القول} من رمي البريء ، والحلف الكاذب ، ~~وشهادة الزور ، {وكان الله بما يعملون محيطا} لا يفوته شيء ، {ها أنتم ~~هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا} ودفعتم عنهم المعرة ، {فمن يجادل الله ~~عنهم} أي : من يدافع عنهم عذابه {يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا} ~~يحميهم من عقاب الله ، حين تفضح السرائر ، ولا تنفع الأصحاب ولا العشائر. ~~الإشارة : في الآية عتاب للقضاة والولاة إذا ظهرت صورة الحق بأمارات وقرائن ~~، ثم تجمدوا على ظاهر الشريعة ، حمية أو رشوة ، فإن القضاء جلة فراسة ، ~~وفيها عتاب لشيوخ التربية ، إذا ظهر لهم عيب في المريد ستروه عليه حياء أو ~~شفقة ، ولذلك قالوا : شيخ التربية لا تليق به الشفقة ، غير أنه لا يعين ، ~~بل يذكر في الجملة ، وصاحب العيب يفهم نفسه ، وفيها عتاب للفقراء إذا ~~راقبوا الناس ، وأظهروا لهم ما يحبون ، وأخفوا عنهم ما لا يرضون ، لقوله ~~سبحانه : {يستخفون من الناس...} الآية ، بل ينبغي أن يكونوا بالعكس من هذا ~~، قال بعضهم : إن الذين تكرهون مني ، هو الذي يشتهيه قلبي. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 95 # يقول الحق جل جلاله : {ومن يعمل سوءا} أي : ذنبا قبيحا يسوء به غيره ، ~~{أو يظلم نفسه} بذنب يختص به ، أو من يعمل سوءا بذنب غير الشرك ، أو يظلم ~~نفسه بالشرك ، أو من يعمل سوءا بالكبيرة ، أو يظلم نفسه بالصغيرة ، {ثم ~~يستغفر الله} بالتوبة {يجد الله غفورا} لذنوبه {رحيما} بقبول توبته ، وفيه ~~حث لطعمة وقومه على التوبة والاستغفار. PageV02P138 # الإشارة : ومن يعمل سوءا بالميل إلى الهوى ، أو يظلم نفسه بالالتفات إلى ~~السوى ، أو من يعمل سوءا بالهفوات والخطرات ، أو يظلم نفسه بالغفلات ~~والفترات ، أو من يعمل سوءا بالوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات ، أو يظلم ~~نفسه بالقناعة من الترقي في الدرجات والمقامات ، ثم يستغفر الله من حينه ~~يجد الله غفورا رحيما ، حيث لم يخرجه من حضرته ، ولم يتركه مع غفلته. # 97 # جزء : 2 رقم الصفحة : 97 # يقول الحق جل جلاله : {ومن يكسب إثما} كسرقة ms0519 أو يمين فاجرة ، أو رمى غيره ~~بجريمة ، {فإنما يكسبه على نفسه} لا يتعدى ضررها إلى غيره ، {وكان الله ~~عليما} بسرائر عباده {حكيما} في إمهالهم وسترهم ، {ومن يكسب خطيئة} أي : ~~جريمة تتعدى إلى ضرر غيره ، {أو إثما} يختص بنفسه ، {ثم يرم به بريئا} منه ~~، كما رمى طعمة زيدا اليهودي ، {فقد احتمل بهتانا} وهو أن يبهت الرجل بما ~~لم يفعل ، {وإثما مبينا} أي : ذنبا ظاهرا ، لا يخفى قبحه وبشاعته. # الإشارة : الإثم : ما حاك في الصدر وتلجلج فيه ، ولم ينشرح إليه الصدر ، ~~وضده البر ؛ وهو ما ينشرح إليه الصدر ويطمئن إليه القلب ، فكل من فعل شيئا ~~قد تلجلج قلبه منه ولم يقبله ؛ نقص من نوره ، وأظلم قلبه منه ، وإليه ~~الإشارة بقوله : {ومن يكسب إثما...} الآية ، أي : فإنما يسود به نور نفسه ~~وروحه ، ومن تلبس بذنب أو عيب ، ثم برح به غيره من باب سوء الظن {فقد احتمل ~~بهتانا وإثما مبينا} لأن الواجب على المريد السائر أن يشهد الصفاء من غيره ~~، ويقصر النقص على نفسه ، والواصل يرى الكمال في كل شيء لمعرفته في كل شيء. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 97 # قلت : الجار في قوله : {من شيء} ، في موضع نصب على المصدر ، أي : لا ~~يضرونك شيئا من الضرر. PageV02P139 # يقول الحق جل جلاله : {ولولا فضل الله عليك} بالعصمة ورحمته بالعناية ، ~~{لهمت طائفة منهم} وهم رهط السارق {أن يضلوك} عن القضاء بالحق ، مع علمهم ~~بالقصة ، لكن سبقت العناية ، وحفت الرعاية ، فلم تخرج من عين الهداية. وليس ~~المراد نفي همهم لأنه وقع ، إنما المراد نفي تأثيره فيه ، {وما يضلون إلا ~~أنفسهم} لعوده عليهم ، {وما يضرونك من شيء} ؛ لأن الله عصمك ، وما خطر ~~ببالك من المجادلة عنهم ، كان اعتمادا منك على ظاهر الأمر وإنما أمرت أن ~~تحكم بالظواهر ، والله يتولى السرائر. # 98 # {وأنزل الله عليك الكتاب} أي : القرآن ، {والحكمة} ما نطقت به من الحكم ، ~~{وعلمك ما لم تكن تعلم} من خفيات الأمور ، التي لم تطلع عليها ، أو من أمور ~~الدين والأحكام ، {وكان فضل الله عليك عظيما} ms0520 ولا فضل أعظم من النبوة ، لا ~~سيما وقد فضله على كافة الخلق وأرسله إلى كافة الناس ، وهدى الله على يديه ~~ما لم يهد على يد أحد من الأنبياء قبله ، إلى غير ذلك من الفضائل التي تفوت الحصر. # الإشارة : لولا أن الله تفضل على أوليائه بسابق العناية ، وحفت بهم منه ~~الكلاءة والرعاية ، لأضلتهم العموم عن عين التحقيق ، ولأتلفتهم القواطع عن ~~سلوك الطريق ، لكن من سبقت له العناية لا يصيبه سهم الجناية ، فثبت أقدامهم ~~على سير الطريق ، حتى أظهر لهم معالم التحقيق ، فكشف عن قلوبهم رين الحجاب ~~، حتى فهموا أسرار الكتاب ، ونبع من قلوبهم ينابيع الحكم والأسرار ، ~~واطلعوا على علوم لم يحط بها كتاب ولا دفتر ، فحازوا في الدارين خيرا جسيما ~~، وكان فضل الله عليهم عظيما. # جزء : 2 رقم الصفحة : 98 # قلت : إن كان المراد بالنجوى الكلام الخفي ؛ فالاستثناء منقطع ، وقد يكون ~~متصلا على حذف مضاف ؛ أي : إلا نجوى من أمر... الخ ، وإن كان المراد ~~بالنجوى الجماعة المتناجين ، بالاستثناء متصل. قاله ابن جزي. PageV02P140 # يقول الحق جل جلاله : محرضا على الصمت : {لا خير في كثير} مما يتناجون به ~~في شأن السارق أو غيره ، بل لا خير في الكلام بأسره {إلا من أمر بصدقة} ~~واجبة أو تطوعية ، فله مثل أجره ، {أو معروف} وهو : ما يستحسنه الشرع ، ~~ويوافقه العقل ، كالقرض ، وإغاثة الملهوف ، وتعليم الجاهل ، وإرشاد الضال ، ~~وغير ذلك من أنواع المعروف. أو أمر بإصلاح {بين الناس} ، أي : إصلاحات ذات ~~البين ، كإصلاح بين طعمة واليهودي وغيرهما. قال مجاهد : ( هي عامة للناس) ، ~~يريد أنه لا خير فيما يتناجى في الناس ، ويخوضون فيه من الحديث ، إلا ما ~~كان من أعمال الخير. # {ومن يفعل ذلك} أي : الصدقة ، والمعروف والإصلاح ، {ابتغاء مرضات الله} ~~أي : مخلصا لله {فسوف نؤتيه أجرا عظيما} وخيرا جسيما. قال البيضاوي : بنى ~~الكلام على الأمر ، ورتب الجزاء على الفعل ، ليدل على أنه لما دخل الآمر في ~~زمرة الخيرين كان الفاعل أدخل فيهم ، وأن العمدة والغرض هو الفعل ، واعتبار ~~الأمر من حيث إنه # 99 # وصلة إليه. وقيد الفعل ms0521 بأن يكون لطلب مرضاة الله ؛ لأن الأعمال بالنيات ، ~~وإن من فعل خيرا رياء وسمعة ، لم يستحق بها من الله أجرا ، ووصف الأجر ~~بالعظم تنبيها على حقارة ما فات في جنبه من أغراض الدنيا. ه. # الإشارة : في الآية حث على الصمت ، وهو ركن قوي في طريق التصوف ، وهو أحد ~~الأركان الأربعة ؛ التي هي : العزلة والجوع والسهر ، فهذه طريق أهل البداية ~~، ومن لا بداية له لا نهاية له ، وقالوا : بقدر ما يصمت اللسان ؛ يعمر ~~الجنان ، وبقدر ما كان يتكلم اللسان يخرب الجنان. وقالوا أيضا : إذا كثر ~~العلم قل الكلام ، وإذا قل العلم كثر الكلام ، وقالوا أيضا : من عرف الله ~~كل لسانه. وقيل لبعض العلماء : هل العلم فيما سلف أكثر ، أو اليوم أكثر ؟ ~~قال : العلم فيما سلف أكثر ، والكلام اليوم أكثر. # وفي قوله : {ومن يفعل ذلك...} إشارة إلى أن العمل أشرف من العلم بلا عمل. ~~والله تعالى أعلم. PageV02P141 # جزء : 2 رقم الصفحة : 99 # قلت : المشاقة : المخالفة والمباعدة ، كأن كل واحد من المتخالفين في شق ~~غير شق الآخر. # يقول الحق جل جلاله : {ومن} يخالف {الرسول} ويتباعد عنه {من بعد ما تبين ~~له الهدى} أي : بعد ما تحقق أنه على الهدى ؛ بالوقوف على المعجزات ، فيترك ~~طريق الحق {ويتبع غير سبيل المؤمنين} أي : يسلك غير ما هم عليه ، من اعتقاد ~~أو عمل. {نوله ما تولى} أي : نتركه مع ما تولى ، ونجعله وليا له ، ونخلي ~~بينه وبين ما اختاره من الضلالة ، {ونصله جهنم} أي : ندخله فيها ، ونشويه ~~بها ، {وساءت مصيرا} أي : قبحت مصيرا جهنم التي يصير إليها. والآية تدل على ~~حرمة مخالفة الإجماع ، لأن الله رتب الوعيد الشدد على مشاقة الرسول ، ~~واتباع غير سبيل المؤمنين ، وكل منهما محرم وإذا كان اتباع غير سبيلهم ~~محرما ، كان اتباع سبيلهم واجبا ، انظر البيضاوي. # ثم نزل في طعمة لما ارتد مشركا : {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء} وقيل : كرر للتأكيد تقبيحا لشأن الشرك ، وقيل : أتى شيخ ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ms0522 : إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني ~~لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به ، ولم أتخذ من دونه وليا ، ولم أوقع ~~المعاصي جرأة ، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله # 100 # هربا ، وإني لنادم تائب ، فما ترى حالي عند الله ؟ فنزلت. {ومن يشرك ~~بالله فقد ضل} عن الحق {ضلالا بعيدا} ؛ لإن الشرك أقبح أنواع الضلالة ، ~~وأبعدها عن الثواب والاستقامة ، وإنما ذكر في الآية الأولى. {فقد افترى} ؛ ~~لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب ، ومنشأ شركهم نوع افتراء ، وهو دعوى الشيء ~~على الله. قاله البيضاوي. PageV02P142 # الإشارة : كل من خالف شيخه ، وسلك طريقا غير طريقة ؛ ولاه الله ما تولى ، ~~واستدرجه من حيث لا يشعر ، وقد تؤخر العقوبة عنه فيقول : لو كان هذا فيه ~~سوء أدب مع الله ، لقطع الإمداد وأوجب البعاد ، وقد يقطع عنه من حيث لا ~~يشعر ، ولو لم يكن إلا وتخليته وما يريد. وبالجملة : فالخروج عن مشايخ ~~التربية والانتقال عنهم ، ولو إلى من هو أكمل في زعمه ، بعد ما ظهر له ~~الفتح والهداية على يديه ؛ طرد وبعد ، وإفساد لبذرة الإرادة ، فلا نتيجة له ~~أصلا. والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 100 # قلت : المريد والمارد ؛ هو الذي لا يعلق بخير ، وأصل التركيب للملابسة ، ~~ومنه : صرح ممرد ، وغلام أمرد ، وشجرة مردى ، أي : سقط ورقها. قاله ~~اليضاوي. ه. وقيل : المريد : الشديد العاتي ، الخارج عن الطاعة. # يقول الحق جل جلاله : {إن يدعون} : ما يعبدون {من دونه} تعالى {إلا ~~إناثا} كاللات والعزى ومناة ، فإن ألفاظها مؤنثة عندهم ، أو لأنها جوامد لا ~~تعقل ، فهي منفعلة لا فاعلة ، ومن حق المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل ، أو ~~يريد الملائكة ؛ لأنهم كانوا يعبدونها ، ويزعمون أنها بنات الله ، وما ~~يعبدون في الحقيقة {إلا شيطانا مريدا} عاصيا ، لأنه هو الذي أمرهم بها ، ~~وأغراهم عليها ، وكان يكلمهم من أجوافها. # ثم وصفه بأوصاف توجب التنفير عنه فقال : {لعنه الله} أي : أبعده من رحمته ~~{وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا} أي : مقطوعا فرضته لنفسي ، من قولهم : ~~فرض له في العطاء ، أي ms0523 : قطع ، {ولأضلنهم} عن الحق {لأمنينهم} الأماني ~~الباطلة ، كطول الحياة ، وألا بعث ولا عقاب ، {ولآمرنهم فليبتكن آذان ~~الأنعام} أي : يشقونها # 101 PageV02P143 ~~لتحريم ما أحل الله ، وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب ، ~~وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله ، ونقص كل ما خلق الله كاملا بالفعل أو ~~بالقوة ، {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} ؛ صورة أو صفة ، فيندرج فيه خصاء ~~العبيد والوشم ، والتنمص وهو نتف الحاجب . # زاد البيضاوي : واللواط ، والمساحقة ، وعبادة الشمس القمر ، وتغيير فطرة ~~الله التي هي الإسلام ، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس ~~كمالا ولا يوجب لها من الله زلفى. وعموم اللفظ يقتضي منع الخصاء مطلقا ، ~~لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة ، والجمل الأربع حكاية عما ذكره ~~الشيطان نطقا ، أو أتاه فعلا. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 101 # ثم حذر منه فقال : {ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله} باتباعه فيما ~~أمره به دون ما أمر الله به ، {فقد خسر خسرانا مبينا} واضحا ؛ حيث ضيع رأس ~~ماله ، وأبدل بمكانة من الجنة مكانه من النار. {يعدهم} أي : الشيطان ، ~~أمورا لا تنجز لهم ، {ويمنيهم} أماني لا تعطى لهم ، {وما يعدهم} أي : ~~{الشيطان إلا غرورا} ، وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر ، فكان يوسوس لهم ~~أنهم على الحق وأنهم أولى بالجنة ، إلى غير ذلك من أنواع الغرور ، {أولئك} ~~المغرورون {مأواهم جهنم} أي : هي منزلهم ومقامهم ، {ولا يجدون عنها محيصا} ~~أي : مهربا ولا معدلا. من حاص يحيص : إذا عدل. PageV02P144 # الإشارة : ما أحببت شيئا إلا كنت له عبدا ، فاحذر أن تكون ممن يعبد من دون ~~الله إناثا ، إن كنت تحب نفسك ، وتؤثر هواها على حق مولاها ، أو تكون عبد ~~المرأة أو الخميصة أو البهيمة ، أو غير ذلك من الشهوات التي أنت تحبها ، ~~واحذر أيضا أن تكون من نصيب الشيطان بإيحاشك إلى الكريم المنان ، وفي الحكم ~~: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك ، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". ~~فاشتغل بمحبة الحبيب ، يكفيك عداوة العدو ، فاتخذ الله وليا وصاحبا ، ودع ~~الشيطان جانبا ، غب عن ms0524 الشيطان باستغراقك في حضرة العيان. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 101 # قلت : {وعد الله} مصدر ، مؤكد لنفسه ، أي : وعدهم وعدا ، و{حقا} مؤكد ~~لغيره ، أي : لمضمون الجملة قبله. انظر البيضاوي. # 102 # يقول الحق جل جلاله : {والذين آمنوا} بالله ووحدوه ، {وعملوا} الأعمال ~~{الصالحات} التي كلفوا بها {سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا} وعدهم بذلك وعدا حقا ، {ومن أصدق من الله قيلا} أي : لا أحد ~~أصدق من الله في قوله. والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية ~~الكاذبة لقرنائه ، بوعد الله الصادق لأوليائه ، ترغيبا في تحصيل أسبابه. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : والذين جمعوا بين توحيد عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية ~~سندخلهم جنة المعارف ، تجري من تحتها أنها العلوم ، خالدين فيها أبدا ، ~~وعدا حقا وقولا صدقا. ومن أصدق من الله قيلا ؟ # جزء : 2 رقم الصفحة : 102 # قلت : اسم ليس ضمير الأمر ، أي : ليس الأمر بأمانيكم. PageV02P145 # يقول الحق جل جلاله : {ليس} هذا الوعد الذي ذكرت لأهل الإيمان ينال ~~{بأمانيكم} أي : تمنيكم أيها المسلمون ، ولا بأماني {أهل الكتاب} ، أي : لا ~~يكون ما تتمنون ولا ما يتمنى أهل الكتاب ، بل يحكم الله بين عباده ويجازيهم ~~بأعمالهم. روي أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا ~~قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : ~~نحن أولى منكم ، نبينا خاتم النبيين ، وكتابنا يقضي على الكتب المتقدمة ، ~~فنزلت. وقيل : الخطاب مع المشركين ، وهو قولهم : لا جنة ولا نار ، أو قولهم ~~: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لتكونن خيرا منهم وأحسن حالا. # وأماني أهل الكتاب : قولهم {لن تمسنا النار إلآ أياما معدودات} [آل عمران ~~: 24] ، و{لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة : 111] ، ثم ~~قرر ذلك فقال : {من يعمل سوءا يجز به} عاجلا أو آجلا ؛ لما روي أنه لما ~~نزلت قال أبو بكر : من ينجو مع هذا يا رسول الله ، إن كنا مجزيين بكل سوء ~~عملناه ؟ فقال له عليه الصلاة والسلام " أما تحزن ؟ أما تمرض ؟ أما يصيبك ~~اللأواء ؟ " قال بلى يا رسول الله ms0525 ، قال : " هو ذلك " فكل من عمل سوءا جوزي ~~به ، {ولا يجد له من دون الله وليا} يليه ويدفع عنه ، {ولا نصيرا} ينصره ~~ويمعنه من عذاب الله. # 103 # الإشاره : لا تنال المراتب بالأماني الكاذبة والدعاوي الفارغة ، وإنما ~~تنال بالهمم العالية ، والمجاهدات القوية ، إنما تنال المقامات العالية ~~بالأعمال الصالحة ، والأحوال الصافية ، وأنشدوا : # بقدر الكذ تكتسب المعالي # من أراد العز سهر الليالي # تريد العز ثم تنام ليلا # يغوض البحر من طلب اللآلي # ولما نزل قوله تعالى : {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب...} الآية. ~~قال أهل الكتاب : نحن وأنتم سواء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 103 PageV02P146 ~~الإشارة : {من ذكر أو أنثى} : حال من الضمير في {يعمل} ، وكذا قوله : {وهو ~~مؤمن} و{حنيفا} ، حال من {إبراهيم} ؛ لأنه جزء ما أضيف إليه. # يقول الحق جل جلاله : {ومن يعمل} شيئا {من} الأعمال {الصالحات} وهو المهم ~~من المكلف به ، إذ لا طاقة للبشر على الإتيان بكلها. حال كون العامل {من ~~ذكر أو أنثى} ؛ إذ النساء شقائق الرجال في طلب الأعمال ، والحالة أن العامل ~~{مؤمن} لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال ، فلا ثواب على عمل ليس معه إيمان. ~~ثم ذكر الجواب فقال {فأولئك يدخلون الجنة} أي : يتصفون بالدخول ، أو يدخلهم ~~الله الجنة ، {ولا يظلمون} أي : لا ينقصون من ثواب أعماله {نقيرا} أي : ~~مقداره ، وهو النقرة في ظهر النواة. قال البيضاوي : وإذا لم ينقص ثواب ~~المطيع فبالأخرى ألا يزيد في عقاب العاصي ، لأن المجازي أرحم الراحمين. ه. # {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله} أي : لا أحد أحسن دينا ممن انقاد ~~بكليته إلى مولاه {وهو محسن} أي : موحد أحسن فيما بينه وبين الله ، وفيما ~~بينه وبين عباد الله ، {واتبع ملة إبراهيم حنيفا} بأن دخل في الدين المحمدي ~~الذي هو موافق لملة إبراهيم بل هو عينه ، فمن ادعى أنه على ملة إبراهيم ولم ~~يدخل فيه فقد كذب. # ثم ذكر ما يحث على اتباع ملته ، فقال : {واتخذ الله إبراهيم خليلا} أي : ~~اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله ، وإنما أعاد ذكره ولم ~~يضمر ms0526 ؛ تفخيما له وتنصيصا على أنه الممدوح ، وسمي خليلا لأنه قد تخللت محبة ~~الله في جميع أجزائه. # 104 PageV02P147 ~~روي أن إبراهيم عليه السلام كان يضيف الناس ، حتى كان يسمى أبا الضيفان ، ~~وكان منزله على ظهر الطريق ، فأصاب الناس سنة ، جهدوا فيها ، فحشد الناس ~~إلى باب إبراهيم ، يطلبون الطعام ، وكانت الميرة كل سنة تصله من صديق له ~~بمصر ، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر يسأله الميرة ، فقال ~~لغلمانه : لو كان إبراهيم يريد لنفسه احتملت له ذلك ، ولكنه يريد للأضياف ، ~~وقد أصابنا ما أصاب الناس ، فرجع الرسل إليه ، ومروا ببطحاء لينة ، فملؤوا ~~منها الغرائر حياء من الناس ، وأتوا إبراهيم فأخبروه ، فاهتم إبراهيم لمكان ~~الناس ببابه ، فنام ، وكانت سارة نائمة فاستيقظت ، وقالت : سبحان الله! أما ~~جاء الغلمان ؟ فقالوا : بلى ، فقامت إلى الغرائر فإذا فيها الحورى أي : ~~الخالص من الدقيق فخبزوا وأطعموا ؟ فاستيقظ إبراهيم ، وشم رائحة الخبز ، ~~فقال : يا سارة. من أين هذا ؟ فقالت : من عند خليلك المصري ، فقال : هذا من ~~عند خليلي الله عز وجل ، فحينئذ سماه الله خليلا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 104 # قال الزجاج : ومعنى الخليل : الذي ليس في محبته خل ، أو لأنه رد خلته ، ~~أي : فقره إلى الله مخلصا. ه. # {ولله ما في السماوات وما في الأرض} ملكا وخلقا وعبيدا ، فالملك له ، ~~والعبيد عبيده ، يختار ما يشاء كما يشاء من خلة ومحبة وخدمة ، {وكان الله ~~بكل شيء محيطا} علما وقدرة ، فيجازي كلا على قدر سعيه وقصده. والله تعالى أعلم. PageV02P148 # الإشارة : على قدر المجاهدة والمكابدة تكون المعاينة والمشاهدة ، على قدر ~~البدايات تكون النهايات ، من أشرقت بدايته أشرقت نهايته ، والجزاء على ~~العمل يكون على قدر الهمم ، فمن عمل لجنة الزخارف متع بها ، ومن عمل لجنة ~~المعارف تنعم بها ، {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف : 49] ، فمن انقاد إلى الله ~~بكلتية إلى مولاه فلا أحد أحسن منه عند الله ، ومن تمسك بالملة الحنيفية ، ~~وهي الانقطاع إلى الله بالكلية فقد استمسك بالعروة الوثقى ، وكان في أعلى ~~ذروة أهل التقى ، من تخلق بخلق الحبيب كان أقرب ms0527 إلى الله من كل قريب. ~~وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 104 # 105 # قلت : و{ما يتلى} : عطف على {الله} ، أي : يفتيكم الله ، والمتلو عليكم ~~في الكتاب ، أي في القرآن. {وترغبون أن تنكحوهن} حذف الجار ، وهو في أو عن ~~، ليصدق النهي بالراغب فيها إذا كانت جميلة ، والراغب عنها إذا كانت دميمة ~~، و{المستضعفين} عطف على {يتامى النساء} أي : والذي يتلى في المستضعفين من ~~الولدان ، وهو قوله تعالى : {يوصيكم الله...} الخ ، أو على الضمير في ~~{فيهن} أي : يفتيكم فيهن # 106 # وفي المستضعفين ، و{أن تقوموا} عطف على {المستضعفين} ، أو منصوب بمحذوف ، ~~أي : ويأمركم أن تقوموا...الخ. PageV02P149 # يقول الحق جل جلاله : {ويستفتونك} يا محمد {في} شأن {النساء} من الميراث ~~وغيره ، {قل الله يفتيكم فيهن} ، فيأمركم أن تعطوهن حقهن من الميراث ، {و} ~~يفتيكم أيضا فيهن {ما يتلى عليكم في الكتاب} في أول السورة إذ قال : ~~{للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} ثم بينه في تقسيم ~~الميراث في {يوصيكم الله في أولادكم} ، وقال في اليتامى : {وآتوا اليتامى ~~أموالهم} {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى...} الآية ، فقد أفتاكم في ~~اليتامى {اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} من الصداق {وترغبون أن تنكحوهن} ~~بدون صداق مثلهن ، فأمركم أن تنكحوا غيرهن ، ولا تنكحوهن إلا أن تقسطوا لهن ~~في الصداق ، إذا كانت جميلة ، أو لها مال ، أو ترغبون عن نكاحهن إذا كانت ~~دميمة ، فتعضلوهن لترثوهن ، فلا تفعلوا ذلك ، بل تزوجوها أو زوجوها ، ~~وكانوا في الجاهلية ، إذا كانت اليتيمة ذات مال وجمال ، رغبوا فيها ~~وتزوجوها ، بدون صداقها ، وإن كانت دميمة ولا مال لها رغبوا عنها وعضلوها ، ~~أو زوجوها غيرهم ، فنهى الله تعالى الفريقين معا. # {و} يفتيكم أيضا في {المستضعفين من الولدان} وهم الصغار ، أن تعطوهم حقهم ~~من الميراث مع الكبار ، وكانوا لا يورثونهم ، روي أن عيينة بن حصين أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أخبرنا أنك تورث النساء والصبيان ، وإنما ~~كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة ؟ فقال له صلى الله عليه سلم " كذا ~~أمرت " فنزلت ms0528 الآية. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 105 # و} يفتيكم أيضا ويأمركم {أن تقوموا لليتامى بالقسط} أي : العدل. وهو خطاب ~~للأئمة أن ينظروا لهم بالمصلحة ويستوثقوا حقوقهم ، ويحتاطوا لهم في أمورهم ~~كلها ، ثم وعدهم بالثواب على ذلك فقال : {وما تفعلوا من خير فإن الله كان ~~به عليما} ، فيجازيكم الى قدر إحسانكم. والله تعالى أعلم. PageV02P150 # الإشارة : يستفتونك عن نساء العلوم الرسمية ، وعن يتامى العلوم القلبية ، ~~وهن نتائج الأفكار ، وهي العلوم اللدنية ، والأسرار الربانية ؛ التي هي من ~~علوم الحقيقة ، ولا تليق إلا بالمستضعفين عند الخليفة ، وفي الخبز : " ألا ~~أخبركم بأهل الجنة ؟ هو كل ضعيف متضعف ، لو أقسم على الله لأبره في قسمه ". ~~أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قل الله يفتيكم فيهن فيأمركم أن تأخذوا من ~~العلوم الرسمية ما تتقنون به عبادة ربكم ، وترغبوا في علم الطريقة ، التي ~~هي علم القلوب ، ما تحققون به عبوديتكم ، ومن نتائج الأفكار ما تشاهدون به ~~عظمة ربكم ، ويأمركم أن تقوموا بالعدل في جميع شؤونكم ، فتعطوا الشريعة ~~حقها والطريقة حقها ، وتحفظوا أسرار الحقيقة عن غير مستحقها ، والله لا ~~يضيع أجر المحسنين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 105 # قلت : {امرأة} : فاعل بفعل يفسره ما بعده ، وأصل ( يصالحا) : يتصالحا ، ~~فأدغمت ، و{صلحا} مصدر. وقرأ الكوفيون : {يصلحا} ؛ من الرباعي ، فتنصب ~~{صلحا} على المفعول به ، أو المصدر ، و{بينهما} ظرف ، أو حال منه ، وجملة ~~{الصلح خير} : معترضة ، وكذا : {وأحضرت الأنفس الشح} ، ولذلك اغتفر عدم ~~تجانسهما. # يقول الحق جل جلاله : {وإن امرأة خافت} وتوقعت من زوجها {نشوزا} أي : ~~ترفعا عن صحبتها ، وتجافيا عنها ، كراهية لها ، ومنعا لحقوقها ، {أو ~~إعراضا} عنها ، بأن يترك مجالستها ، ومحادثتها ، {فلا جناح عليهما} أن ~~يتصالحا {بينهما صلحا} بإن تحط له مهرها ، أو من قسمها مع ضرتها ، أو تهب ~~له شيئا تستميله به. PageV02P151 # نزلت في سعد بن الربيع ، تزوج على امرأته شابة ، وآثرها عليها. وقيل : في ~~رجل كبرت امرأته ، وله معها أولاد. فأراد طلاقها ليتزوج ، فقالت له : دعني ~~على أولادي ، وأقسم لي في كل شهرين أو أكثر ، أو لا تقسم. فذكر ذلك النبي ms0529 ~~صلى الله عليه وسلم فقال له : " قد سمع الله ما تقول ، فإن شاء أجابك " ، ~~فنزلت. وقيل : نزلت في سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، لما كبرت ، ~~أراد عليه الصلاة والسلام أن يفارقها ، فقالت : أمسكني في نسائك ولا تقسم ~~لي ، فقد وهبت نوبتي لعائشة ، فإني أريد أن أبعث في نسائك. # ثم رغب في الصلح فقال : {والصلح خير} من المفارقة ، أو من سوء العشرة ~~والخصومة ، أو خير في نفسه ، ولا يكون إلا مع ترك بعض حق النفس من أحد ~~الخصمين ، فلذلك ثقل على النفس فشحت به ، وإليه أشار بقوله : {وأحضرت ~~الأنفس الشح} أي : جعلته حاضرا لديها لا يفارقها ، لأنها مطبوعة عليه ، ~~فالمرأة لا تكاد تسمح للزوج من حقها ، ولا تسخو بشيء تعطيه لزوجها ، والزوج ~~لا يكاد يصبر على إمساكها وإحسان عشرتها إذا كرهها ، {وإن تحسنوا} العشرة ~~{وتتقوا} النشوز # 107 # والإعراض ونقص حق المرأة مع كراهة الطبع لها ، {فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا} لا يخفى عليه إحسانكم ولا نشوزكم ، فيجازي كلا بعمله ، وفي بعض ~~الأثر : من صبرعلى أذى زوجته أعطاه الله ثواب أيوب عليه السلام ، وكذلك ~~المرأة. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 107 PageV02P152 ~~الإشارة : اعلم أن النفس كالمرأة حين يتزوجها الرجل ، فإنها أذا رأت من ~~زوجها الجد في أموره والانقباض عنها ، هابته وانقادت لأمره ، وإذا رأت منه ~~الليونة والسيولة استخفت بأمره وركبته ، وسقطت هيبته من قبلها ، فإذا أمرها ~~ونهاها لم تحتفل بأمره ، وكذلك النفس إذا رأت من المريد الجد في بدايته ~~والصولة عليها ، هابته وانقادت لأمره وكانت له سميعة مطيعة ، وإذا رأت منه ~~الرخو والسهولة معها ، ركبته وصعب عليه انقيادها وجهادها ، فإذا صال عليها ~~وقهرها فأرادت الصلح معه على أن يسامحها في بعض الأمور ، وتساعفه فيما يريد ~~منها ، فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا ، والصلح خير ، فإن دوام ~~التشديد قد يفضي إلى الملل ، وإن تحسنوا معها بعد معرفتها ، وتتقوا الله في ~~سياستها ورياضتها حتى ترد بكم إلى حضرة ربها ، فإن الله كان بما تعملون خبيرا. # جزء : 2 رقم ms0530 الصفحة : 107 # يقول الحق جل جلاله : {ولن تستطيعوا} ، يا معشر الأزواج ، {أن تعدلوا بين ~~النساء} العدل الكامل التام في الأقوال والأفعال والنفقة والكسوة والمحبة ، ~~{ولو حرصتم} على ذلك لضعف حالكم ، وقد خففت عنكم ، وأسقطت الحرج عنكم ، فلا ~~يجب العدل في البيت فقط ، وكان صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ~~ويقول : " اللهم هذه قسمتي فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما لا أملك " ، يعني ~~: ميل القلب ، وكان عمر رضي الله عنه يقول : (اللهم قلبي فلا أملكه ، وأما ~~سوى ذلك فإني أرجو أن أعدل) ، وأما الوطء فلا يجب العدل فيه ، إلا أن تتحرك ~~شهوته ، فيكف لتتوفر لذته للأخرى. PageV02P153 # {فلا تميلوا} إلى المرغوب فيها لجمالها أو شبابها ، {كل الميل} بالنفقة ~~والكسوة والإقبال عليها ، وتدعوا الأخرى {كالمعلقة} التي ليست ذات بعل ولا ~~مطلقة ، كأنها محبوسة مسجونة ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " من كانت ~~له أمرأتان يميل مع إحداهما ، جاء يوم القيامة ، وأحد شقيه مائل " ، {وإن ~~تصلحوا} ما كنتم تفسدون في أمورهن بالعدل بينهن ، {وتتقوا} الجور فيما ~~يستقبل ، {فإن الله كان غفورا رحيما} ، يغفر لكم ما مضى من ميلكم. # 108 # الإشارة : من شأن العبودية : الضعف والعجز ، فلا يستطيع العبد أن يقوم ~~بالأمور التي كلف بها على العدل والتمام ، ولو حرص كل الحرص ، وجد كل الجد ~~، فلا يليق به إلا التحقق بوصفه والرجوع إلى ربه ، فيأتي بما يستطيع ولا ~~يحرص على ما لا يستطيع ، فلا يميل إلى الدعة والكسل كل الميل ، ولا يحرص ~~على ما لا طاقة له به كل الحرص ، فإن التعقيد ليس من شأن أهل التوحيد ، بل ~~من شأنهم مساعفة الأقدار ، والسكون تحت أحكام الواحد القهار ، فلا تميلوا ~~إلى التعمق والتشديد كل الميل ، فتتركوا أنفسكم كالمعلقة ، أي : المسجونة ، ~~وهذا من شأن أهل الحجاب ، يحبسون في المقامات والأحوال تشغلهم حلاوة ذلك عن ~~الله تعالى. فإذا فقدوا ذلك الحال أو المقام سلبوا وأفلسوا. وأهل الغنى ~~بالله لا يقفون مع حال ولا مقام ، هم مع مولاهم ، وكل ما يبرز من عنصر ~~القدرة قبلوه ، وتلونوا بلونه ، وهذا ms0531 مقام التلوين بعد التمكين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 108 PageV02P154 ~~وفي إشارة أخرى : اعلم أن القدرة والحكمة كالزوجين للقلب ، يقيم عند هذه ~~مدة ، وعند هذه أخرى ، فإذا أقام عند الحكمة كان في مقام العبودية من جهل ~~وغفلة وضعف وذلة ، وإذا أقام عند القدرة كان في مقام شهود الربوبية فيكون ~~في علم ويقظة وقوة وعزة. ولا قدرة له على العدل بينهما ، فلا يميل إلى ~~إحداهما كل الميل بل يسير بينهما ، ويعطي كل ذي حق حقه ، بأن يعرف فضلهما ، ~~ويسير بكل واحد منهما. وإن تصلحوا قلوبكم وتتقوا ما يشغلكم عن ربكم ، فإن ~~الله كان غفورا رحيما ؛ يغفر لكم ميلكم إلى إحدى الجهتين والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 108 # {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض...} # يقول الحق جل جلاله : {وإن يتفرقا} أي : يفارق كل واحد منهما صاحبه ، ~~{يغن الله} كل واحد منهما عن صاحبه ، ببدل أو سلو يقوم بأمره من رزق أو ~~غيره ، من سعة غناه وكمال قدرته ، {وكان الله واسعا} قدرته {حكيما} أي : ~~متقنا في أحكامه وأفعاله. ثم بين معنى سعته فقال : {ولله ما في السماوات ~~وما في الأرض} أي : كل ما استقر فيهما فهو تحت حكمه ومشيئته ، قائما بحفظه ~~وتدبيره ، يعطي كل واحد ما يقوم بأمره ويغنيه عن غيره. والله تعالى أعلم. # الإشارة : اعلم أن الروح ما دامت مسجونة تحت قهر البشرية ، محجوبة عن ~~شهود معاني الربوبية ، كانت فقيرة جائعة متعطشة ، تتعشق إلى الأكوان وتفتقر ~~إليها ، وتقف معها ، فإذا فارقت البشرية وانطلقت من سجن هيكلها ، وخرجت ~~فكرتها من سجن # 109 PageV02P155 ~~الأكون ، أغناها الله بشهود ذاته ، وأفضت إلى سعة فضاء الشهود والعيان ، ~~وملكت جميع الأكوان ، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدت ~~المكون كانت الأكوان معك " ، وكذلك البشرية يغنيها الله عن تعب الخدمة ~~وتستريح في ظل المعرفة ، فلما تفرقا أغنى الله كلا من سعة فضله وجوده ، ~~لأنه واسع العطاء والجود ، حكيم في تدبير إمداد كل موجود. # وفي ms0532 قوله : {ولله ما في السماوات وما في الأرض} إشارة إلى أن من كان ~~بالله ، ووصل إلى شهود ذاته ، ملكه الله ما في السماوات وما في الأرض ، ~~فيكون خليفة الله في ملكه {وما ذلك على الله بعزيز} [إبراهيم : 20]. # ولما جرى الكلام على شأن النساء ، وهن حبائل الشيطان ، تشغل فتنتهن عن ~~ذكر الرحمن ، حذر الحق تعالى من فتنتهن ، كما هو عادته تعالى في كتابه عند ~~ذكرهن ، وأمر بالتقوى التي هي حصن من كل فتنة ، فقال : # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 109 # ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا ~~فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفىا بالله وكيلا إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت ~~بآخرين وكان الله علىا ذالك قديرا} # قلت : {من قبلكم} : يتعلق بأوتوا أو بوصينا ، و{إياكم} : عطف على الذين ، ~~و{أن اتقوا} : على حذف الجار ، أي : بأن اتقوا ، أو مفسرة ؛ لأن التوصية في ~~معنى القول ، و{إن تكفروا} على حذف القول ، أي : وقلنا لهم ولكم : {وإن ~~تكفروا...} الخ. PageV02P156 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد وصينا} الأمم المتقدمة الذين أنزلنا عليهم ~~{الكتاب من قبلكم} كأهل التوراة والإنجيل والزبور ، وغيرهم من الأمم ، ~~ووصيناكم أنتم {أن اتقوا الله} بإن تمتثلوا أوامره ، وتجتنبوا نواهيه ، ~~ظاهرا وباطنا ، وقلنا لهم ولكم : {وإن تكفروا} فإن الله غني عن كفركم ~~وشكركم ؛ فقد استقر له {ما في السماوات وما في الأرض} ملكا وعبيدا ، فله ~~فيهما من الملائكة من هو أطوع منكم ، فلا يتضرر بكفركم ، كما لا ينتفع ~~بشكركم وتقواكم ، وإنما أوصاكم رحمة بكم ، لا لحاجة إليكم ، ثم قرر ذلك ~~بقوله : {وكان الله غنيا حميدا} أي : غنيا عن الخلق وعبادتهم ، محمودا في ~~ذاته ، حمد أو لم يحمد. {ولله ما في السماوات وما في الإرض} كرره ثالثا ؛ ~~للدلالة على كونه غنيا حميدا ، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه ، ~~وبما أفاض عليها من الوجود ، وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميدا. ~~قاله البيضاوي. {وكفى بالله وكيلا} أي : # 110 ms0533 # حافظا ومجيرا لمن تعلق به من أهل السماوات والأرض. {إن يشأ يذهبكم أيها ~~الناس} إن لم تتقوه ، ويأت بقوم آخرين ، هم أطوع منكم وأتقى ، {وكان الله ~~على ذلك قديرا} أي : بليغ القدرة لا يعجزه مراد. PageV02P157 # قال البيضاوي : وهذا أي قوله : {إن يشأ يذهبكم...} أيضا تقرير لغناه ~~وقدرته ، وتهديد لمن كفر وخالف أمره ، وقيل : هو خطاب لمن خالف الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من العرب ، وهو معنى قوله : {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} ~~[محمد : 38] لما روي : أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ~~على ظهر سلمان وقال) " إنهم قوم هذا ". الإشارة : التقوى أساس الطريق ~~ومنهاج أهل التحقيق ، عليها سلك السائرون ، وبها وصل الواصلون ، وقد وصى ~~بها الحق تعالى المتقدمين والمتأخرين ، وبها قرب المقربين وشرف المكرمين. ~~ولها خمس درجات : أن يتقي العبد الكفر ؛ وذلك بمقام الإسلام ، وأن يتقي ~~المعاصي والمحرمات ؛ وهو : مقام التوبة ، وأن يتقي الشبهات ؛ وهو مقام ~~الورع ، وأن يتق المباحات ، وهو مقام الزهد ، وأن يتقي شهود السوى والحس ؛ ~~وهو مقام المشاهدة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 109 PageV02P158 ~~ولها فضائل مستنبطة من القرآن ، وهي خمس عشرة : الهداية ؛ لقوله تعالى : ~~{هدى للمتقين} [البقرة : 2] ، والنصرة ؛ لقوله : {إن الله مع الذين اتقوا} ~~[النحل : 128] ، والولاية ؛ لقوله : {والله ولي المتقين} [الجاثية : 19] ~~والمحبة ؛ لقوله {إن الله يحب المتقين} [التوبة : 4] ، وتنوير القلب ؛ ~~لقوله : {يآ أيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال : ~~29] ، والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب ، لقوله : {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق : 2 ، 3] ، وتيسير الأمور ؛ ~~لقوله : {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} [الطلاق : 4] وغفران الذنوب ~~وإعظام الأجر ؛ لقوله : {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} ~~[الطلاق : 5] ، وتقبل الأعمال ؛ لقوله : {إنما يتقبل الله من المتقين} ~~[المائدة : 27] والفلاح ؛ لقوله : {واتقوا الله لعلكم تفلحون} [البقرة : ~~189] والبشرى ؛ لقوله : {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الأخرة} [يونس : ~~64] ، ودخول الجنة ؛ لقوله : {إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم} [القلم : ~~34] والنجاة من النار ؛ لقوله : {ثم ننجي ms0534 الذين اتقوا} [مريم : 72]. ه. من ~~ابن جزي. # ومما ينسب للقطب ابن مشيش رضي الله عنه : # عليك بتقوى الله في السر والجهر # ذا شئت توفيقا إلى سبل الخير # لأن التقى أصل إلى البر كله # فخذه تفز بكل نوع من البر # وخير جميع الزاد ما قال ربنا فكن # يا أخي لله ممتثل الأمر # 111 # جزء : 2 رقم الصفحة : 109 PageV02P159 ~~قلت : {من} : شرطية ، وجوابها محذوف ؛ دل عليه الكلام ، أي : من كان يريد ~~ثواب الدنيا فيلطلبه منه ، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ، أو من كان يريد ~~ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه خاصة ، عند الله ثواب الدنيا والآخرة. # يقول الحق جل جلاله : {من كان يريد ثواب الدينا} والتوسع فيها ، فليطلبه ~~منا ؛ فعند الله ثواب الدارين ، أو من كان يريد ثواب الدنيا ، فليطلب مع ~~ذلك ثواب الآخرة أيضا ، وليقل : {ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة ~~حسنة} [البقرة : 201] ؛ {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} ، فيعطيهما معا ~~لمن طلبهما ، والثاني أنهض من الأول ، وأكمل منهما من أعرض عنهما وطلب ~~مولاه ، {وكان الله سميعا بصيرا} ، لا يخفى عليه مقاصد خلقه ، فيعطي كلا ~~على حسب قصده. # الإشارة : المهم ثلاثة : همة دنية تعلقت بالدنيا الدنية ، وهمة متوسطة ~~تعلقت بنعيم الآخرة ، وهمة عاليه تعلقت بالكبير المتعال. والله تعالى يرزق ~~العبد على قدر همته ، وبالهمم ترفع المقادير أو تسقط ، فمن كانت همته دنية ~~كان دنيا خسيسا ، ومن كانت همته متوسطة ؛ كان قدره متوسطا ، رحل من كون إلى ~~كون ، كحمار الرحا ، يسير ، والذي ارتحل منه هو الذي عاد إليه ، ومن كانت ~~همته عالية كان عالي المقدار ، كبير الشأن حاز الكونين بما فيهما ، وزاد ~~مشاهدة خالقهما ، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 111 PageV02P160 ~~قلت : {شهداء} : خبر ثاني لكان ، أو حال ، {فالله أولى} : علة للجواب ؛ أي ~~: إن يكن المشهود عليه غنيا عليه فلا تمتنعوا من الشهادة عليه تعظيما له ، ~~وإن يكن فقيرا فلا تمتنعوا من الشهادة عليه إشفاقا عليه ، فإن الله أولى ~~بالغني والفقير منكم ، والضمير في {بهما} راجع إلى ما دل عليه ms0535 المذكور ، ~~وهو جنسا الغني والفقير ، لا إليه وإلا لوحد ؛ لأن " أو " لأحد الشيئين. ~~و{أن تعدلوا} : مفعول من أجله ، ومن قرأ : تلوا بضم اللام فقد نقل ضم ~~الواو إلى اللام وحذف الواوين ، وقيل : من الولاية. # 112 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} أي : ~~مجتهدين في إقامة العدل مواظبين على الحكم به ، وكونوا {شهداء لله بالحق} ~~تقيمون شهادتكم لوجه الله ، وابتغاء مرضاته ، بلا طمع أجر ولا عرض ، وهذا ~~إن تعينت عليه ، ولم يكن في تحملها مشقة ، وإلا أبيح له أجر تعبه ، فأدوا ~~شهاداتكم {ولو} كانت {على أنفسكم} بأن تقروا بالحق الذي عليها ، لأن ~~الشهادة بيان الحق ، سواء كان عليها أو على غيرها ، {أو} كانت الشهادة على ~~{الوالدين والأقربين} ، فلا تمنعكم الشفقة والتعظيم من إقامة الشهادة ~~عليهما ، وأحرى غيرهما من الأجانب ، {إن يكن} المشهود عليه {غنيا أو فقيرا} ~~فلا تميلوا عن الشهادة بالحق عليهما ، تعظيما للغني أو شفقة للفقير ، فأن ~~{الله أولى بهما} وبالنظر لهما ، فلو لم تكن الشهادة عليهما صلاحا لهما ما ~~شرعها ، {فلا تتبعوا الهوى} فتميلوا مع الغني أو الفقير ، فقد نهيتكم إرادة ~~{أن تعدلوا} في أحكامكم ، فتكونوا عدولا ، أو كراهية أو تعدلوا عن الحق أي ~~: تميلوا ، {وإن تلووا} ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل {أو تعرضوا} ~~عن أدائها فتكتموها {فإن الله كان بما تعملون خبيرا} ، فيجازي الكاتم ~~والمؤدي. PageV02P161 # قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليقم شهادته على من كانت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يجحد ~~حقا هو عليه ، وليؤده عفوا ، ولا يلجئه إلى السلطان وخصومته ، ليقتطع بها ~~حقه ، وأيما رجل خاصم إلي فقضيت له على أخيه بحق ليس له عليه ، فلا يأخذه ، ~~فإنما أقطع له قطعة من النار ". الإشارة : قد أمر الحق تعالى عباده بإقامة ~~العدل في الأمور كلها ، ونهى عن مراقبة الخلق في الأشياء كلها ، فيتأكد على ~~المريد ألا يراقب أحدا من الخلق ؛ وإنما يراقب الملك الحق ، فيكون قويا في ~~الحق ، يقيمه على نفسه ms0536 وغيره ، فلا تجتمع مراقة الحق مع مراقبة الخلق ، من ~~راقب الحق غاب عن الناس ، ومن راقب الناس غاب عن الحق ، وعاش مغموما من ~~الخلق ، ولله در القائل حيث قال : # جزء : 2 رقم الصفحة : 112 # من راقب الناس مات غما # وفاز باللذات الجسور # وكان شيخ شيخنا رضي الله عنه يقول ( مراقبة الخلق عند أهل الظاهر شيء ~~كبير ، وعدم المراقبة عند الباطن أمر كبير). فإقامة العدل على النفس ؛ ألا ~~يتركها تميل إلى الرخص والتأويلات ، وإقامته على الوالدين تذكيرهما بالله ~~ودلالتهما على الله بلطف ولين ، وإقامته على الأقربين بنصحهم وإرشادهم إلى ~~ما فيه صلاحهم ، كانوا أغنياء أو فقراء ، وإقامته على الأجانب كذلك. وبالله ~~التوفيق. # 113 # جزء : 2 رقم الصفحة : 112 PageV02P162 ~~يقول الحق جل جلاله : مخاطبا من أسلم من اليهود وهو عبدالله بن سلام وأسد ~~وأسيد ابنا كعب ، وثعلبة بن قيس ، وسلام ابن أخت عبدالله بن سلام ، وسلمة ~~ابن أخية ويامين قالوا يا رسول الله ، نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة ~~وعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " آمنوا ~~بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وبكتابه القرآن ، وبكل كتاب قبله " ~~فنزلت الآية. # فقال لهم جل جلاله : {يأ أيها الذين آمنوا} بمحمد ، بعد أن آمنوا بموسى ؛ ~~{آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله} القرآن {والكتاب الذي ~~أنزل من قبل} أي : جنس الكتاب ، فتدخل الكتب المتقدمة كلها ، {ومن يكفر ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} أي : ومن يكفر بشيء من ذلك {فقد ~~ضل ضلالا بعيدا} أي : أخطا خطأ بعيدا لا يكاد يعود إلى الطريق ، فلما نزلت ~~قالوا : يا رسول الله ؛ إن نؤمن بالجميع ، ولا نفرق بين أحد منهم ، كما ~~فرقت اليهود والنصارى. # وقيل : الخطاب للمنافقين ، أي : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمنوا ~~بقلوبكم ، كما آمنتم بألسنتكم ، وقيل : للمؤمنين ، أي : دوموا على إيمانكم ~~، وأثبتوا عليه. # الإشارة : أمر الحق جل جلاله ، أهل الإيمان أن يجددوا إيمانهم ، فيثبتوا ~~على ما هو حاصل ، ويسترشدوا إلى ما ليس بحاصل ، فإن أنوار الإيمان تتزايد ~~وتترادف على ms0537 القلوب بحسب التصفية والنظر ، وبقدر الطاعة والتقرب ، فلا يزال ~~العبد يتقرب إلى الله ، وأنوار التوجه تتوارد عليه ، حتى تشرق عليه أنوار ~~المواجهة ؛ وهي أنوار الشهود ، فشروق الأنوار على قدر صفاء الأسرار ، وورود ~~الإمداد على حسب الاستعداد ، فبقدر التفرغ من الأغيار ترد على القلوب ~~المواهب والأسرار ، وهذا كله لمن صحب العارفين وأخذ عنهم ، وملك زمام نفسه ~~لهم ، وإلا فحسبه الإيمان بالغيب ، ولو عمل ما عمل ، وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 113 # 114 PageV02P163 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا ثم كفروا} ثم تكرر منهم الإيمان ~~والكفر ، ثم أصروا على الكفر وهم المنافقون ، {لم يكن الله ليغفر لهم} ؛ ~~لما سبق لهم من الشقاء ، أو {إن الذين آمنوا} بموسى {ثم كفروا} بعبادة ~~العجل {ثم آمنوا} حين تابوا {ثم كفروا} بعيسى {ثم ازدادوا كفرا} بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ن {لم يكن الله ليغفر لهم} ، وهم اليهود ، والأول أظهر ، ~~لأن الكلام بعده في المنافقين ، فقال تعالى في شأنهم : {لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم سبيلا} أي : طريقا توصلهم إلى الحق ، إذ يستبعد منهم أن ~~يتوبوا ، فإن قلوبهم أشربت الكفر ، وبصائرهم عميت ، لا ينفع علاجها ، لا ~~أنهم لو أخلصوا الإيمان لم ينفعهم ، وقد يكون إضلالهم عقابا لسوء أفعالهم. # ثم ذكر وعيدهم فقال : {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما}. وهم {الذين ~~يتخذون الكافرين أولياء} أي : أحبابا وأصدقاء {من دون المؤمنين} ، وقد كان ~~الكفار قبل ظهور الإسلام لهم الصولة والجاه ، فطلب المنافقون أن ينالوا ~~بولايتهم ومصادقتهم العز منهم ، فرد الله عليهم بقوله : {أيبتغون عندهم ~~العزة} بولايتهم ؟ {فإن العزة لله جميعا} ولرسوله ولأوليائه ، ولا عزة ~~لغيره ؛ إذ لا يعبأ بعزة لا تدوم ويعقبها الذل. # الإشارة : من كان ضعيف الاعتقاد في أهل الخصوصية ، ضعيف التصديق ، تراه ~~تارة يدخل وتارة يخرج ، وتارة يصدق وتارة ينكر ، لا يرجى فلاحه في طريق ~~الخصوص ، فإن ضم إلى ذلك صحبة أهل الإنكار وولايتهم ، فبشره بالخيبة ~~والخسران ، فإن تعزز بعزهم أعقبه الذل والهوان ، والعياذ بالله من الخذلان ~~، فالعز إنما يكون بعز التوحيد والإيمان ms0538 ، وعزة المعرفة والإحسان ، وبصحبة ~~أهل العرفان ، الذين تعززوا بعز الرحمن ، فمن تعزز بعز يفنى مات عزه ، ومن ~~تعزز بعز يبقى دام عزه ، والشبكة التي يصطاد بها العز هو الذل لله ، يظهره ~~بين عباد الله. قال بعضهم : والله ما رأيت العز إلا في الذل. وقال الشاعر : PageV02P164 # جزء : 2 رقم الصفحة : 114 # تذلل لمن تهوى لتكسب عزة # فكم عزة قد نالها المرء بالدل # وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 114 # {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتىا يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم...} # 115 # قلت : {أن} مخفف : نافية ، فاعل نزل ، و{يكفر} و{يستهزأ} ، حالان من ~~الآيات ، وضمير {معهم} : يعود على الكفار المفهوم من {يكفر} ، وضمير {غيره} ~~؛ يعود على الكفر والاستهزاء ، وهما شيء واحد. # يقول الحق جل جلاله : في التحذير من مجالسة أهل الكفر والمعاصي : {وقد ~~نزل عليكم} يا معشر المسلمين في القرآن في سورة الأنعام ، أنه {إذا سمعتم ~~آيات الله} حال كونها {يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم} بل قوموا ~~عنهم ، إن لم تقدروا أن تنكروا عليهم ، والآية التي في سورة الإنعام قوله ~~تعالى : " وإذا رأيت الذين يخوضون فيا آياتنا فأعرض عنهم حتىا يخوضوا في ~~حديث غيره " [الأنعام : 68] الآية. فما داموا في الخوض فاعرضوا عنهم حتى ~~يخوضوا في حديث غير الخوض ، فإن جلستم معهم في حال الخوض فإنكم {إذا مثلهم} ~~في الإثم ، إن لم ترضوا ، أو في الكفر ، إن رضيتم بخوضهم. # نزلت في قوم من المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود ، فيسخرون من ~~القرآن ، ويكذبون به ويحرفونه ، فنهى المسلمين عن مجالستهم ، قال ابن عباس ~~: ودخل في هذه الآية كل محدث في الدين ومبتدع إلى يوم القيامة. ه. PageV02P165 # الإشارة : أولياء الله آيات من آيات الله : فمن استهزأ بهم فقد استوجب ~~المقت من الله ، وكل موطن يقع فيه الإنكار عليهم أو الغض من مرتبتهم ، يجب ~~الفرار منه ، لأنه موطن الغضب ومحل الهلاك والعطب ، فإن لحوم الأولياء سموم ~~قاتلة ، واللعنة على من يقع ms0539 فيهم حاصلة ، فمن جلس مع أهل الخوض من غير عذر ~~، كان من الخائضين ، ومن فر منهم كان من الناجين ، ومن أنكر على من يقع ~~فيهم كان من المجاهدين. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 115 # ثم ذكر وعيد الخائضين ومن رضي بخوضهم ، فقال : # ... {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا الذين يتربصون بكم ~~فإن كان لكم فتح من الله قالواا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالواا ~~ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} # قلت : {الذين} : صفة المنافقين ، أو نصب على الذم ، و{نستحوذ} : تغلب ، ~~استحوذ : غلب ، جاء على أصله ، ولم يعل كاستعاذ والقياس : استحاذ ، يستحيذ ~~، كاستعاذ يستعيذ ، لكنه صحح تنبيها على الأصل. # يقول الحق جل جلاله : {إن الله} سيجمع {المنافقين والكافرين} ، أي : ~~الخائضين والقاعدين معهم ، {في جهنم جميعا} خالدين فيها. {الذين يتربصون # 116 PageV02P166 ~~بكم} أي : ينتظرون بكم الدوائر ، أي : ما يدور به الزمان والدهر عليكم ، ~~وهم المنافقون ، {فإن كان لكم فتح من الله} كالنصر والغنيمة {قالوا} ~~للمؤمنين : {ألم نكن معكم} على دينكم ، فأعطونا مما غنمتم ، {وإن كان ~~للكافرين نصيب} ؛ دولة أو ظهور على المسلمين ، {قالوا} لهم : {ألم نستحوذ ~~عليكم} أي : نغلبكم ونتمكن من قتلكم ، وأبقينا عليكم فمنعناكم من قتل ~~المسلمين لكم ، بأن خذلناهم بتخييل ما ضعفت به عزيمتهم عليكم ، وتوانينا في ~~مظاهرتهم عليكم ، فأشركونا مما أصبتم. وإنما سمي ظفر المسلمين فتحا ، وظفر ~~الكافرين نصيبا ؛ لخسة حظه ، فإنه حظ دنياوي ، استدراجا ومكرا ، بخلاف ظفر ~~المسلمين ، فإنه إظهار الدين ، وإعانة بالغنيمة للمسلمين. # {فالله يحكم بينهم يوم القيامة} ؛ فيدخل أهل الحق الجنة ، ويدخل أهل ~~الخوض النار ، {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} أي : حجة ، أو ~~غلبة في الدنيا والآخرة ، وفيه دليل على عدم صحة ملك الكافر للمسلم ، فيباع ~~عليه إن اشتراه ، ويفسخ نكاحه إن تزوج مسلمة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ( المرء مع من أحب) ؛ من أحب قوما حشر معهم ، فمن أحب أهل ~~الخوض حشر مع الخائضين ، ومن أحب ms0540 أهل الصفا حشر مع المخلصين ، وإن كان ~~مذبذبا يميل مع كل ريح ؛ حشر مع المخلصين ، وهو من خف عقله وضعف يقينه ، إن ~~رأى بأهل النسبة من الفقراء عزا ونصرا وفتحا انحاز إليهم ، وقال : ألم نكن ~~معكم ، وإن رأى لأهل الإنكار من العوام صولة وغلبة رجع إليهم ، وقال : ألم ~~نستحوذ عليكم ونمنعكم من دعاء الصالحين عليكم ، فما لهذه عند الله من خلاق. ~~وفي الحديث : " ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها " فالله يحكم بينهم يوم ~~القيامة ، فيرفع أهل الصفا مع المقربين ، ويسقط أهل الخوض مع الخائضين ، ~~وليس لأهل الخوض من أهل الإنكار سبيل ولا حجة على أهل الصفا من الأبرار ، ~~{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل : 128]. PageV02P167 # جزء : 2 رقم الصفحة : 115 # قلت : جملة : {ولا يذكرون الله} ؛ حال من واو {يراءون} ، وكذلك {مذبذبين} ~~أي : يراءون حال كونهم غير ذاكرين مذبذبين ، أو منصوب على الذم ، والمذبذب ~~المضطرب المتردد. # 117 # يقول الحق جل جلاله : {إن المنافقين يخادعون الله} بإظهار الإيمان وإخفاء ~~الكفر ، {وهو خادعهم} ، أي : مجازيهم على خداعهم ؛ بأن يظهر لهم يوم ~~القيامة ، نورا يمشون به على الصراط ، كما يعطي المؤمنين ، فإذا مضوا به ~~طفىء نورهم وبقي نور المؤمنين ، فينادونهم : {انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا} [الحديد : 13] ، فيتهافتون في النار ، فسمي ~~هذه العقوبة خداعا تسمية للعقوبة باسم الذنب. # وكانوا {إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} أي : متثاقلين ، لا يريدون ~~بها وجه الله ، فإن رءاهم أحد ، صلوا ، وإلا انصرفوا ، فلم يصلوا ، ~~{يراءون} بأعمالهم {الناس} أي : المؤمنين ، {ولا يذكرون الله إلا قليلا} ؛ ~~لأن المرئي لا يذكر إلا بحرة الناس ، وهو أقل أحواله ، أو لا يذكرونه في ~~صلاتهم إلا قليلا ، لأنهم لا يذكرون إلا التكبير والتسليم ، وقال ابن عباس ~~: إنما ذلك لأنهم يفعلونها رياء وسمعة ، ولو أرادوا بذلك وجه الله تعالى ~~لكان كثيرا. وقال قتادة : إنما قل ذكرهم ، لأنه لم يقبل ، فكل ما رد من ~~العمل فهو قليل ، وكل ما قبل فهو كثير. # وكانوا أيضا {مذبذبين} أي : مترددين ومتحيرين بين الكفر ms0541 والإيمان ، {لا ~~إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} أي : لا صائرين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين. ~~قال قتادة : ماهم بمؤمنين مخلصين ، ولا مشركين مصرحين بالشرك ، هكذا سبق في ~~علم الله ، {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} أي : طريقا إلى الهدى ، ومثله ~~قوله تعالى : {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور : 40]. PageV02P168 # الإشارة : كل من أحب أن يرى الناس محاسن أعماله وأحواله ، ففيه شعبة من ~~النفاق وشعبة من الرياء ، وعلامة المرائي : تزيين ظاهرة وتخريب باطنه ، ~~يتزين للناس بحسن أعماله وأحواله ، يراقب الناس ولا يراقب الله ، وكان بعض ~~الحكماء يقول : يقول الله تعالى : " يا مرائي : أمر من ترائى بيد من ~~تعصيه " فمثل هذا أعماله كلها قليلة ، ولو كثرت في الحس كالجبال الرواسي ، ~~وأعمال المخلصين كلها كثيرة ولو قلت في الحس ، وأعمال المرائين كلها قليلة ~~ولو كثرت في الحس. قال في القوت : وصف الله تعالى ذكر المنافقين بالقلة ، ~~لكونه غير خاص ، كما قيل في تفسير قوله تعالى : {ذكرا كثيرا} [الأحزاب : ~~41] أي : خالصا ، فسمي الخالص كثيرا. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 117 # قولى تعالى : {مذبذبين بين ذلك} : هذه صفة أهل الدعوى ، المستشرفين على ~~الحقيقة بالعلم ، ليسوا من الخصوص ولا من العموم ، مترددين بين الفريقين ، ~~ومن يضلل الله عن طريق التحقيق ، فلن تجد له سبيلا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 117 # 118 # قلت : اتخذ ، يتعدى إلى مفعولين ، و{من دون} : حال. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} لا تتشبهوا بالمنافقين ~~فتتخذوا {الكافرين أولياء} وأصدقاء {من المؤمنين} ؛ لأن الله أعزكم ~~بالإيمان والنصر ، فلا تطلبوا العز من أحد سواه ، {أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم سلطانا مبينا} أي : حجة واضحة على تعذيبكم وسببا في عقابكم. # الإشارة : قد تقدم في كثير من الإشارات النهي عن موالاة أهل الإنكار على ~~الأولياء ، وعن مخالطة أهل الدنيا وصحبتهم ، فإن ذلك حجة واضحة على الرجوع ~~إليهم ومصانعتهم ، وهو عين النفاق عند المخلصين. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 118 PageV02P169 ~~قلت : الدرك والدرك لغتان ، كالظعن والظعن ، والنهر والنهر ، والنشر والنشر ms0542 ~~، وهي الطبقة السفلى ، وسميت طبقاتهم دركات ؛ لأنها متداركة متتابعة ، وهي ~~ضد الدرجات ، فالدرجات للعلو ، والدركات للسفل. # يقول الحق جل جلاله : {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} أي : في ~~الطبقة السفلى في قعر جهنم ؛ لإنهم أخبث الكفرة ، حيث ضموا إلى الكفر ~~الاستهزاء بالإسلام وخداع المسلمين. قال ابن مسعود رضي الله عنه : (هم في ~~توابيت من النار مقفلة عليهم في النار ، مطبقة عليهم). وعن ابن عمر رضي ~~الله عنه : ( إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة : المنافقون ، وممن كفر ~~من أصحاب المائدة ، وآل فرعون لقوله : {إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار} وقال في أصحاب المائدة : {فإني أعذبه عذابا لآ أعذبه أحدا من ~~العالمين} [المائدة : 115]. وقال : {ادخلوا ءال فرعون أشد العذاب} [غافر : ~~46] ، {ولن تجد لهم نصيرا} يمنعهم من ذلك العذاب. {إلا الذين تابوا} عن ~~النفاق {وأصلحوا} ما أفسدوا في سرائرهم وأعمالهم في حال النفاق ، {واعتصموا ~~بالله} أي : وثقوا به وتمسكوا به ، دون أحد سواه ، {وأخلصوا دينهم لله} لا ~~يريدون بطاعته إلا وجه الله ، ولا رياء ولا سمعة {فأولئك مع المؤمنين} في ~~الدين. قال الفراء : من المؤمنين ، وقال العتبي : حاد عن كلامهم غيظا عليهم ~~، ولم يقل هم المؤمنون. ه. قلت : إنما قال : {مع المؤمنين} ولم يقل : منهم ~~، لأن التخلص من النفاق صعب ، ولا يكون من المؤمنين ، حتى يتخلص من جميع ~~شعبه ، وهو عزيز ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " # 119 PageV02P170 ~~ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ، من إذا حدث كذب ، ~~وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ". {وسوف يؤت الله المؤمنين} المخلصين ~~{أجرا عظيما} فيساهمونهم فيه إن تابوا وأصلحوا ، فإن الله غني عن عذابهم ، ~~ولذلك قال : {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} أي : لا حاجة له في ~~عذابكم ، فلا يشفى به غيظا ولا يدفع به ضررا ، أو يستجلب به نفعا ؛ لأنه ~~غني عن المنافع ، وإنما يعاقب المصر بكفره ، لأن إصراره عليه كسوء المزاج ~~يؤدي إلى مرض فإن زال بالإيمان والشكر ، ونقى منه قلبه ، تخلص من تبعته. ~~وإنما ms0543 قدم الشكر ؛ لإن الناظر يدرك النعم أولا فيشكر شكرا مبهما ، ثم يمعن ~~النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به. قاله البيضاوي. وقال الثعلبي : فيه تقديم ~~تأخير ، أي إن آمنتم وشكرتم ، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان. {وكان ~~الله شاكرا} لأعمال عباده ، يقبل اليسير ويعطي الكثير ، {عليما} بحقيقة ~~شكرهم وإيمانهم ، ومقدار أعمالهم ، فيضاعفها على قدر تخليصها. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 119 # الإشارة : لا شيء أصعب على النفس من الإخلاص ؛ كلما اجتهد العبد في قطع ~~الرياء ؛ نبت على لون آخر ، فلا يتطهر العبد منها إلا بتحقيق الفناء ~~والغيبة عن السوى بالكلية. كما قال الششتري رضي الله عنه : # طهر العين بالمدامع سكبا # من شهود السوى تزل كل عله PageV02P171 ~~قال بعضهم : [ لا ينبت الإخلاص في القلب ؛ حتى يسقط من عين الناس ، ويسقط ~~الناس من عينه]. والإخلاص من أعمال القلوب ، فلا يطلع عليه إلا علآم الغيوب ~~، فلا يجوز أن يحكم على أحد بالرياء بمجرد ما يرى عليه من الإظهار ، وقد ~~تدخل الرياء مع الإسرار ، وتتخلص من القلب مع الإظهار ، وفي الحكم : " ربما ~~دخل الرياء عليك حيث لا ينظر الخلق إليك ". فإذا تخلص العبد من دقائق ~~الرياء ، وأصلح ما بينه وبين الله واعتصم به دون شيء سواه ، كان مع ~~المخلصين المقربين ؛ فيكون عمله موفورا ، وسعيه مشكورا. وبالله التوفيق. # وقد تكلم في الإحياء على هذه الآية فقال : إنما كان المنافقون في الدرك ~~الأسفل ؛ لأنهم جحدوا بعد العلم ، وإنما تضاعف عذاب العالم في معصيته ؛ ~~لأنه عصى عن علم. قلت : وافهم منه قوله صلى الله عليه وسلم في أبي طالب " ~~ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار " وذلك لاعراضه مع العلم. وقال في ~~الإحياء أيضا : شدد أمر المنافقين ؛ لإن الكافر كفر وأظهر ، والمنافق كفر ~~وستر ، فكان ستره لكفره كفرا آخر ، لأنه استخف بنظر الله إلى قلبه ، وعظم ~~أمر المخلوقين. ه. والحاصل : أن التشديد في الرياء والنفاق ؛ لما في ذلك من ~~تعظيم نظر الخلق على نظر الخالق ، فكان أعظم من الكفر الصريح. ه. من ~~الحاشية. # 120 ms0544 # جزء : 2 رقم الصفحة : 119 # قلت : {إلا من ظلم} : استثناء منقطع ، أي : لكن من ظلم فلا بأس أن يشكو ~~بظالمه ويدعو عليه ، وليس المراد أن الله يحب ذلك منه ، إذ العفو أحسن كما ~~يقوله بعد ، وقرىء : {إلا من ظلم} بالبناء للفاعل ، أي : ولكن الظالم يفعل ~~ما لا يحبه الله. PageV02P172 # يقول الحق جل جلاله : {لا يحب الله الجهر} أي : الإجهار {بالسوء من القول} ~~؛ لأنه من فعل أهل الجفاء والجهل {ألا من ظلم} فلا بأس أن يجهر بالدعاء على ~~ظالمه ، أو بالشكوى به. نظيرها : {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل} [الشورى : 41]. قال مجاهد : هذا في الضيف النازل إذا لم يضف ومنع حقه ~~، أو أسيء قراه ، فقد رخص له أن يذكر ما صنع به. وزعم أن ضيفا تضيف قوما ~~فأساؤوا قراه ، فاشتكاهم ، فنزلت الآية رخصة في شكواه. {وكان الله سميعا} ~~لدعاء المظلوم ، ورده على الظالم ، فلا يحتاج إلى جهره ، {عليما} بالظالم ~~فيعاقبه على قدر جرمه. # ثم رغب في العفو فقال : {إن تبدوا خيرا} : طاعة وبرا كحسن الخلق ولين ~~الجانب ، {أو تخفوه} أي : تفعلوه سرا ، {أو تعفوا عن سوء} بأن لا تؤاخذوا ~~به من أساء إليكم ، وهذا هو المقصود بالذكر ، وإنما ذكر إبداء الخير ~~وإخفاؤه سببا ووسيلة لذكره ، ولذلك رتب عليه {فإن الله كان عفوا قديرا} أي ~~: كثير العفو عن العصاة ، مع كمال قدرته على الانتقام ، فأنتم أولى بذلك ، ~~وهو حث للمظلوم على العفو ، بعدما رخص له في الانتصار ، حملا على مكارم ~~الأخلاق. # الإشارة : اعلم أن الباطن إذا كمل تطهيره وتحقق تنويره ؛ ظهر أثر ذلك على ~~الظاهر من مكارم الأخلاق ، ولين الجانب ، وحسن الخطاب ، وترك العتاب ، فما ~~كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر ؛ وما كمن فيك ظهر على فيك ، وهذه ~~أخلاق الصوفية رضي الله عنهم وأرضاهم وبذلك وصفهم القائل فيهم ، فقال : # هينون لينون أيسار بنو يسر # سواس مكرمة أبناء أيسار # لا ينطقون بغير الحق إن نطقوا # ولا يمارون إن ماروا بإكثار # من تلق منهم تقل هذاك سيدهم # مثل النجوم ms0545 التي يهدى بها السار # جزء : 2 رقم الصفحة : 121 # 121 PageV02P173 ~~ومن شأن الحضرة التهذيب والتأديب ، فلا يبقى معها لغو ولا تأثيم ، لأنها ~~جنة معجلة ، قال تعالى {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثما ، إلا قيلا سلاما ~~سلاما} [الواقعة : 25 ، 26]. # وأيضا أهل الحضرة حصل لهم القرب من الحبيب ، فهم في حضرة القريب على بساط ~~القرب على الدوام ، ولا يتصور منهم الجهر بالكلام ، وهم في حضرة الملك ~~العلام. قال تعالى : {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} [طه : 108] ~~، فرفع الصوت عند الصوفية مذموم شنيع ، يدل على بعد صاحبه كيف ما كان ، ~~وتأمل قضية الصديق حيث قال له عليه الصلاة والسلام : " ما لك تقرأ سرا ؟ ~~" فقال : ( إن الذي نناجيه ليس ببعيد). أو كما قال ، وإنما قال له صلى الله ~~عليه وسلم " ارفع قليلا " ؛ إخراجا له عن مراده ، تربية له. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 121 # قلت : {حقا} : مصدر مؤكد للجملة ، أو صفة لمصدر الكافرين ، أي : كفروا ~~كفرا محققا يقينا. وأصل {أعتدنا} : أعددنا ، أبدلت الدال تاء ؛ لقرب ~~المخرج. PageV02P174 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يكفرون بالله ورسوله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله} بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله ، {ويقولون نؤمن ببعض} ~~الأنبياء {ونكفر ببعض} ، كاليهود ، آمنوا بموسى وعزير والتوراة ، وكفروا ~~بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} ، أي ~~: طريقا وسطا بين الإيمان والكفر ، ولا واسطة ، إذ الحق لا يختلف ، فإن ~~الإيمان بالله إنما يتم برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه ، تفصيلا وإجمالا ، ~~فالكافر بالبعض كالكافر بالكل في الضلال. ولذلك حكم عليهم بصريح الكفر فقال ~~: {أولئك هم الكفرون حقا} أي : هم الكاملون في الكفر حقيقة ، وإنما أكد ~~كفرهم لأنهم تحكموا على الله ، واتخذوا إلههم هواهم ، حيث جعلوا الاختيار ~~لهم دون الله ، وفي ذلك منازعة للقدر ، وتعطيل له ، وهو كفر وشرك ، ثم ذكر ~~وعيدهم فقال : {وأعتدنا} أي : هيأنا {للكافرين} منهم {عذابا مهينا} أي : ~~يخزيهم ويهينهم ، حين يكرم أولياءه ويرفع أقدارهم. جعلنا الله منهم. آمين. # الإشارة : الأولياء على قدم الأنبياء ، فمن فرق ms0546 بينهم حرم بركة جميعهم ~~ومن صدق بجميعهم وعظمهم اقتبس من أنوارهم كلهم ، والله تعالى غيور على ~~أوليائه ، # 122 # كما كان غيورا على أنبيائه ، فطرد من فرق بينهم ، فكذلك يطرد من يقع في ~~بعض أوليائه ويعظم البعض ، لأن البعض هو الكل. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 122 # قلت : {بين} : من الأمور النسبية ، فلا بد أن تدخل على متعدد ، تقول ؛ ~~جلست بين فلان وفلان ، وإنما دخلت هنا على {أحد} ؛ لأنه يقتضي متعددا ~~لعمومه ، لانه رفع في سياق النفي. قاله البيضاوي. PageV02P175 # يقول الحق جل جلاله : {والذين آمنوا بالله} وما يجب له من الكمالات ، ~~{ورسله} وما يجب لهم كذلك ، {ولم يفرقوا بين أحد منهم} بأن آمنوا بجميعهم ، ~~وصدقوا بكل ما جاؤوا به من عند ربهم ، {أولئك سوف نؤتيهم أجورهم} الموعودة ~~لهم ، بأن نجل مقدارهم ، ونرفع مقامهم ، ونبوئهم في جنات النعيم. وتصديره ~~بسوف ؛ لتأكيد الوعد والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر وقته ، ولما ~~كان العبد لا يخلوا من نقص ، رفع الخوف عنهم بقوله : {وكان الله غفورا} لما ~~فرط منهم {رحيما} بهم بتضعيف حسناتهم. # الإشارة : والذين صدقوا بأولياء الله ، وعظموا جميعهم ، واقتبسوا من ~~أنوارهم كلهم ، أولئك سوف نؤتيهم أجورهم ، بأن أنعمهم في جنات المعارف في ~~دار الدنيا ، فإن ماتوا أسكناهم في الفراذيس العلى {في مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر} [القمر : 55]. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 122 # قلت : من قرأ : {لا تعدوا} بالسكون ، فماضيه : عدا ، ومن قرأ بتشدد الدال ~~، فماضيه اعتدى ، وأصله : لا تعتدوا ، فنقلت حركة التاء إلى العين وأدغمت ~~التاء في الدال ، ومن قرأ بالاختلاس أشار إلى الأصل. # يقول الحق جل جلاله : {يسألك أهل الكتاب} ، وهم أحبار اليهود ، {أن تنزل ~~عليهم كتابا من السماء} جملة واحدة ، كما نزل التوراة ، أو كتابا بخط سماوي على # 123 # ألواح كما كانت التوراة ، والسائل هو كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء ~~وغيرهم ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من ~~السماء جملة ، كما أتى به موسى) ، قال تعالى في الرد ms0547 عليهم : {فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك} ؛ وهو رؤية ذات الحق تعالى جهرا حسا. والمعنى : إن ~~استعظمت ما سألوا منك فقد وقع منهم ما هو أعظم من ذلك. PageV02P176 # وهذا السؤال ، وإن كان من آبائهم ، أسند إليهم ؛ لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم ~~تابعين لهديهم ، فما اقترحوا عليكم ليس بأول جهالاتهم وتشغيبهم ؛ بل عرفهم ~~راسخ في ذلك ، فلا تستغرب ما وقع منهم. # ثم فسر سؤالهم بقوله : {فقالوا أرنا الله جهرة} أي : عيانا في الحس ، ~~{فأخذتهم الصاعقة} ، بأن جاءت نار من السماء فأهلكتهم ، فماتوا ثم بعثوا ~~بدعوة موسى عليه السلام وذلك بسبب ظلمهم. وهو تعنتهم وسؤالهم لما أستحيل في ~~تلك الحال التي كانوا عليها. وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقا. وسيأتي في ~~الإشارة تحرير ذلك. # {ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات} على وحدانيته تعالى. وهذه ~~جناية أخرى اقترفها أيضا أوائلهم ، {فعفونا عن ذلك} حيث تابوا ، ولم ~~نعاجلهم بالعقوبة ، {وأتينا موسى سلطانا مبينا} أي : تسلطا ظاهرا عليهم ، ~~حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم ، توبة من اتخاذهم العجل إلها ، وحجة واضحة على ~~نبوته كالآيات التسع. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 123 # ورفعنا فوقهم الطور} حيث امتنعوا من قبول أحكام التوراة ، بسبب ميثاقهم ~~الذي أخذناه عليهم ، وهو التزام أحكام التوراة ، وقلنا لهم على لسان موسى : ~~{ادخلوا الباب سجدا} أي : باب بيت المقدس ، فدخلوا يزحفون على استاههم ~~عنادا واستهزاء ، وقلنا لهم : {لا تعدوا في السبت} على لسان داود عليه ~~السلام ، فاعتدوا فيه بالاصطياد ، فمسخناهم قردة وخنازير ، {وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا} على ذلك كله ، فنقضوا جميع ذلك ، أو ميثاقا غليظا في التوراة ~~؛ لئن أدركوك ليؤمنن بك ، وليبينن صفتك للناس ، فنقضوا وكتموا. والله تعالى أعلم. PageV02P177 # الإشارة : اقتراح الآيات وطلب الكرامات من الأولياء ، سنة ماضية ، لأنهم ~~على قدم الأنبياء عليهم السلام ما يقال لهم إلا ما قيل للأنبياء قبلهم ، ~~فلا تكاد تجد أحدا يصدق بولي حتى تظهر عليه الكرامة ، وهو جهل كبير ؛ لأن ~~الكرامة قد تظهر على من لم تكمل له استقامة ، وقد تكون استدراجا ومكرا. وأي ~~كرامة أعظم من العلوم ms0548 اللدنية والأخلاق النبوية ؟ كما قال شيخنا رضي الله ~~عنه. وقد ظهرت الكرامات على المتقدمين ولم ينقطع الإنكار عليهم. # واعلم أن طلب الرؤية في الدنيا ليس بممتنع ، وإنما عاقب الله بني إسرائيل ~~على طلبها ؛ لأنهم طلبوها قبل إبانها ، طلبوها من غير اتصاف بشروط حصولها ، ~~وهو كمال التهذيب والتطهير من دنس الحس ، فمن كمل تهذيبه وتحقق تطهيره حصل ~~له شهود # 124 # الحق ، حتى لو كلف أن يشهد غيره لم يستطع ، وذلك حين تستولي البصيرة على ~~البصر ، فيشهد البصر ما كانت تشهده البصيرة ، وذلك بعد كمال فتحها. ولذلك ~~قال في الحكم : " شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك ، وعين البصيرة يشهدك ~~عدمك لوجوده ، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق "... الخ كلامه. وهذه المشاهدة ~~لا تحصل إلا لمن اتصل بشيخ التربية ، وإلا فلا مطمع فيها. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 123 # قلت : {فبما} : صلة زيدت للتأكيد ، و{نقضهم} : مصدر مجرور بالباء ، وهي ~~متعلقة بالفعل المحذوف ، أي : بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا ، أو بقوله : ~~{حرمنا عليهم} ، ويكون {فبظلم} على هذا بدلا من قوله : {فبما نقضهم} ، ~~فيكون التحريم بسبب النقض ، وما عطف عليه. والاستثناء في قوله : {إلا اتباع ~~الظن} منقطع ؛ إذ العلم يناقض الظن. PageV02P178 # يقول الحق جل جلاله : فلما أخذنا على بني إسرائيل العهد والميثاق خالفوا ~~ونقضوا ، ففعلنا بهم ما فعلنا ، بسبب نقضهم ميثاقهم ، أو بسبب نقضهم وكفرهم ~~{حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} ، وبسبب كفرهم أيضا {بآيات الله} ؛ القرآن ، ~~أو بما في كتبهم ، {وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم غلف} أي : مغلفة لا ~~تفقه ما تقول. # قال تعالى في الرد عليهم : {بل طبع الله عليها بكفرهم} ، فجعلها محجوبة ~~عن العلم ، بأن خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ ، ~~{فلا يؤمنون إلا قليلا} منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه ، أو إيمانا قليلا ~~لا عبرة به لنقصانه ، {وبكفرهم} أيضا بعيسى عاقبناهم وطبعنا على قلوبهم ، ~~{وقولهم على مريم بهتانا عظيما} أي : نسبتها للزنى وبقولهم : {إن قتلنا ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} أي بزعمه ، ويحتمل أنهم قالوه استهزاء ، ~~ونظيره ms0549 : {إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون} [الشعراء : 27] ، أو يكون ~~استئنافا من الله بمدحه ، أو وضعا للذكر الحسن موضع قولهم القبيح. قاله ~~البيضاوي. # 125 # ثم رد الله تعالى عليهم فقال : {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} روي ~~أن رهطا من اليهود سبوه هو وأمه ، فدعا عليهم ، فمسخوا قردة وخنازير ، ~~فاجتمعت اليهود على قتله ، فقال لهم : يا معشر اليهود ، إن الله يبغضكم ، ~~فغضبوا وثاروا ليقتلوه ، فبعث الله تعالى جبريل فأدخله خوجة فيها كوة في ~~سقفها ، ورفعه الله إلى السماء من تلك الكوة ، فأمر اليهود رجلا منهم يقال ~~له : طيطانوس ، أن يدخل الخوخة ويقتله ، فما دخل الخوخة ، لم ير عيسى ، ~~فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه ، فلما أبطأ عليهم دخلوا عليه ، فطنوه عيسى ~~، فقتلوه وصلبوه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 125 PageV02P179 ~~وقال قتادة : ذكر لنا أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه : أيكم يقذف عليه ~~شبهي فيقتل ؟ فقال رجل : أنا يا رسول الله ، فقتل ذلك الرجل ، ورفع عيسى ~~عليه السلام ، وكساه الريش وألبسه النور ، وقطع عنه ذلة المطعم والمشرب ~~وصار مع الملائكة ، فهو معهم في السماء إنسيا ملكيا ، أرضيا سماويا. # {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه} فقال بعض اليهود : إن كان هذا عيسى ~~فأين صاحبنا ؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى ؟ ويقال : إن الله تعالى ألقى شبه ~~وجه عيسى على صاحبهم ، ولم يلق عليه شبه جسده ، فلما قتلوه ونظروا إليه ، ~~فقالوا : الوجه وجه عيسى والجسد جسد صاحبنا. {ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن} أي : لا علم لهم بقتله ، لكن يتبعون الظن فقط. {وما قتلوه} قتلا ~~{يقينا} كما زعموا بقولهم : إن قتلنا المسيح ، {بل رفعه الله إليه} فهو في ~~السماء الثانية مع يحيى عليه السلام ، {وكان الله عزيزا حكيما} أي : قويا ~~بالنقمة على اليهود ، حكيما فيما حكم عليهم من اللعنة والغضب. والله تعالى أعلم. # الإشارة : نقض عهود الشيوخ من أسباب المقت والبعد عن الله ، وكذلك ~~الإنكار عليهم والطعن فيهم ، وكذلك البعد عن وعظهم وتذكيرهم ، وضد هذا من ~~موجبات القرب والحب من الله ، كحفظ ms0550 حرمتهم ، والوقوف مع أوامرهم ، والذب ~~عنهم حين تهتك حرمتهم ، والدنو منهم ، والسعي في خدمتهم. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 125 # يقول الحق جل جلاله : {وإن من أهل الكتاب} أي : ما من يهودي ولا نصراني ، ~~أي : الموجودين حيث نزوله {إلا ليؤمنن} بعيسى {قبل موته} أي : عيسى ، وذلك ~~حين نزوله من السماء ، روي أنه ينزل من السماء حين يخرج الدجال فيهلكه ، ~~ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن به ، حتى تكون الملة واحدة ، وهي ملة ~~الإسلام ، وتقع # 126 PageV02P180 ~~الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل ، والنمور مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، ~~ويلعب الصبيان بالحيات ، ويلبث في الأرض أربعين سنة ، ثم يتوفى ويصلى عليه ~~المسلمون ويدفنونه. # وقيل الضمير فيه {به} إلى عيسى ، وفي {موته} إلى الكتابي ، أي : وإن من ~~أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى بأنه عبد الله ورسوله ، {قبل موته} أي : ~~قبل خروج نفس ذلك الكتابي إذا عاين الملك ، فلا ينفعه حينئذ إيمانه ، لأن ~~كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل ، ويؤيد هذا ~~قراءة من قرأ : ( ليؤمنن به قبل موتهم) بضم النون ، لأن (أحدا) في معنى ~~الجمع ، وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معالجة الإيمان به من قبل أن يضطر ~~إليه ولم ينفعه إيمانه ، {ويوم القيامة يكون عليه شهيدا} يشهد على اليهود ~~بالتكذيب ، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله. والله تعالى أعلم. # الإشارة : عند الموت تتحقق الحقائق ، ويتميز الحق من الباطل ، ويحصل ~~الندم ولا ينفع حين تزل القدم ، فالمطلوب المبادرة بتحقيق الإيمان ، وتحصيل ~~مقام العرفان ، قبل أن يسقط إلى جنبه ، فينفرد رهينا في قبره بذنبه ، والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 126 PageV02P181 ~~يقول الحق جل جلاله : فبسبب ظلم {من الذين هادوا} ؛ وهو نقضهم الميثاق ، ~~وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء ، {حرمنا عليهم طيبات} كانت {أحلت ~~لهم} كالشحوم ، وكل ذي ظفر ، وغير ذلك من لذيذ الطيبات ، وكانوا كلما ~~ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيئا من الطيبات ، وحرمنا ذلك أيضا عليهم {بصدهم} ~~عن طريق {الله} صدا {كثيرا} ، أي ms0551 : بإعراضهم عنه إعراضا كثيرا ، أو بصدهم ~~عنه ناسا كثيرا كانوا يخذلونهم عن الدخول في دين الله ، وبأخذهم الربا {وقد ~~نهوا عنه} ، فهو محرم عليهم وعلى الأمة المحمدية ، وبأكلهم {أموال الناس ~~بالباطل} كالرشوة وما كانوا يأخذونه من عوامهم ، {وأعتدنا للكافرين منهم} ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم {عذابا أليما} ، دون من تاب وآمن به. # الإشارة : اعلم أن كل غفلة ومعصية وسوء أدب يحرم مرتكبه بسببه من لذيذ ~~الطاعات وحلاوة المشاهدات على قدره ، شعر أو لم يشعر ، وقد يبعده من الحضرة ~~، وهو لا يشعر ، مكرا واستدراجا ، فإذا أصر عليه سلب من مقام الولاية ~~بالكلية ، ولا يزال ينص إيمانه شيئا فشيئا ، حتى يتفلت منه ، والعياذ بالله ~~، وإذا بادر بالتوبة رجى قبوله ، وكل # 127 # يقظة وطاعة وحسن أدب يوجب لصاحبه الزلفى والقرب من الحضرة ، ويزيده في ~~حلاوة المعاملة والمشاهدة على قدره ، فلا يزال يتقرب إليه بنوافل الخيرات ، ~~حتى يحبه فيتولاه ، فيكون سمعه وبصره ، كما في الحديث. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 127 # قلت : {والمؤمنون} عطف على الراسخين ، و{يؤمنون} : حال منهم. و{المقيمين} ~~: نصب على المدح ، لأن العرب إذا تطاولت في مدح شيء أو ذمه خالفوا بين ~~إعراب أوله وأوسطه ، نظيره : {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين} ~~[البقرة : 177]. وقالت عائشة رضي الله عنهما : هو لحن من الكتاب ، وفي مصحف ~~ابن مسعود : {والمقيمون} بالرفع على الأصل. PageV02P182 # يقول الحق جل جلاله : ليس أهل الكتاب كلهم كما ذكرنا ، {لكن الراسخون في ~~العلم منهم} كعبد الله بن سلام ، ومخيريق ، وغيرهما ممن له علم بالكتب ~~المتقدمة ، {والمؤمنون} منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، من وعوامهم حال ~~كونهم {يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} أي : يؤمنون إيمانا كاملا ~~بلا تفريق ، وأخص {المقيمين الصلاة} ، المتقنين لها ، {المؤتون الزكاة} ~~المفروضة ، {والمؤمنون} منهم {بالله واليوم الآخر} ، على صفة ما جاء به ~~القرآن من البعث بالأجسام والحساب وغير ذلك ؛ مما هو مقرر في السنة ، ~~{أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما} ، فتكون الآية كلها في أهل الكتاب. # أو يقول الحق جل جلاله : {لكن الراسخون في العلم} من أهل ms0552 الكتاب ، ~~{والمؤمنون} بمحمد صلى الله عليه وسلم ، من العرب ، {والمقيمين الصلوة} ~~منهم ، {والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا ~~عظيما}. # الإشارة : كل من تحققت توبته بعد عصيانه ، وظهرت يقظته بعد غفلاته ، ورسخ ~~في العلم بالله وبصفاته وأسمائه ؛ التحق بالسابقين ، وحشر مع المقربين ، ~~وكان ممن أوتي أجرا عظيما وخيرا جسيما ، والحمد الله رب العالمين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 127 # قلت : من قرأ {زبورا} بالفتح ، فالمراد به كتاب الزبور ، ومن قرأ بالضم ، ~~فجمع " زبر " ؛ بكسر الزاي وسكون الباء بمعنى مزبورا ، أي : مكتوبا ، أي ~~آتينا داود كتبا متعددة ، و{رسلا} : منصوب بمحذوف دل عليه ، {أوحينا} ، أي ~~: أرسلنا رسلا ، أو يفسره ما بعده ، أي : قصصنا عليك رسلا ، و{رسلا مبشرين} ~~: منصوب على البدل ، أو على المدح ، أو بإضمار أرسلنا ، أو على الحال ~~الموطئة لما بعده ، كقولك : مررت بزيد رجلا صالحا. PageV02P183 # يقول الحق جل جلاله : {إنا أوحينا إليك} يا محمد {كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده} ولم يكن ينزل عليهم الكتاب جملة واحدة ، كما سألك أهل ~~الكتاب تعنيتا ، بل كان ينزل عليهم الوحي شيئا فشيئا ، فأمرك كأمرهم. وقدم ~~نوحا عليه السلام لأنه أبو البشر بعد آدم ، وأول نبي من أنبياء الشريعة ، ~~وأول نذير على الشرك وأول رسول عذبت أمته بدعوته ، وأطول الأنبياء عمرا ، ~~وجعلت معجزته في نفسه ، فإنه عمر ألف سنة ، ولم تنقص له سن ، ولم تنقص له ~~قوه ، ولم تشب له شعرة ، ولم يبالغ أحد في تأخير الدعوة ما بالغ هو عليه ~~السلام ، ولم يصبر أحد على أذى قومه ما صبر هو ، كان يشتم ويضرب حتى يغمى عليه. # ثم قال تعالى : {وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} ~~أي : الأحفاد ، وهم أنبياء بني إسرائيل ، {وعيسى وأيوب وهارون وسليمان} ، ~~وإنما خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيما لهم ، فإن إبراهيم أول ~~أولي العزم منهم ، وآخرهم عيسى عليه السلام ، والباقون أشراف الأنبياء ~~ومشاهيرهم ، {وآتينا داود زبورا} أي : كتاب الزبور ، أو زبورا أي : صحفا ~~متعددة ، وأرسلنا {رسلا قد قصصناهم عليك من قبل} أي : من قبل هذه ms0553 السورة ، ~~أو قبل هذا اليوم ، {ورسلا لم نقصصهم عليك} ، وفي الحديث : " عددهم ~~ثلاثمائة وأربعة عشر " ، {وكلم الله موسى تكليما} حقيقيا ، خص به من بين ~~الأنبياء ، وزاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالرؤية مع الكلام. # جزء : 2 رقم الصفحة : 128 PageV02P184 ~~قال الورتجبي : بادر موسى عليه السلام من بين الأنبياء لسؤال الرؤية ، ~~فأوقفه الحق في مقام سماع كلامه ، ومنعه من مشاهدة رؤيته صرفا ، وتحمل ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أثقال السر بمطايا أسراره ، ولم يسأل مشاهدة ~~الحق جهرا بالانبساط ، فأوصله الله إلى مقام مشاهدته ، ثم أسمعه كلامه بلا ~~واسطة ولا حجاب. قال تعالى : {فأوحى إلى عبده مآ أوحى ما كذب الفؤاد ما ~~رأى} [النجم : 10 ، 11]. ه. وقال ابن عطية : كلامه تعالى لموسى دون تكييف ~~ولا تحديد ، وكما أن الله تعالى موجود لا كالموجودات معلوم لا كالمعلومات ، ~~فكذلك كلامه لا كالكلام. ه. # 129 # ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال : أرسلنا {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد} بعث {الرسل} فيقولون : لولا أرسلت إلينا رسولا ~~ينبهنا ويعلمنا ما جهلنا من أمر توحيدك والقيام بعبوديتك ، فقطع عذر العباد ~~ببعث الرسل ، وقامت الحجة عليهم ، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام : ~~" ما أحد أغير من الله ، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وما أحد ~~أحب إليه المدح من الله ، ولذلك مدح نفسه ، وما أحد أحب إليه العذر من الله ~~تعالى ، ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ". {وكان الله عزيزا} لا يغلب ، فلا ~~يجب عليه شيء ، {حكيما} فيما دبر من النبوة ، وخص كل نبي بنوع من الوحي ~~والإعجاز على ما يليق به في زمانه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل ، العارفون منهم كالرسل ~~منهم ، قال ابن الفارض رضي الله عنه : # فعالمنا منهم نبي ، ومن دعا # إلى الحق منا قام بالرسليه # وعارفنا في وقتنا الأحمدي من # أولي العزم منهم آخذ بالعزيمه # فإنهم يشاركونهم في وحي الإلهام ، ويحصل لهم المكالمة مع المشاهدة ، ~~فيسمعون من الحق كما ينطقون به. كما قال ms0554 الششتري : # أنا بالله أنطق # ومن الله أسمع PageV02P185 ~~فتارة يسمعون كلامه بالوسائط ، وتارة من غير الوسائط ، يعرف هذا أهل الفن ~~من أهل الذوق ، وشأن من لم يبلغ مقامهم : التسليم. # إن لم تر الهلال فسلم # لأناس رأوه بالأبصار # وفي الورتجبي : وإن الله تعالى إذا أراد أن يسمع كلامه أحدا من الأنبياء ~~والأولياء يعطيه سمعا من أسماعه ، فيسمع به كلامه ، كما حكى عليه الصلاة ~~والسلام عنه تعالى ، قال : " فإذا أحببته كنت معه... " ، الحديث. أسمعه ~~كلامه ، وليس هناك الحروف والأصوات ، بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية ، ~~الذي هو منزه عن همهمة الأنفاس وخطرات الوسواس ، وليس في ولاية الأزل من ~~رسوم أهل الآجال شيء ، حتى هناك السامع والمسمع واحد من حيث المحبة ، لا من ~~حيث الجمع والتفرقة. انتهى كلامه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 128 # واعلم أن أهل الجمع لا يشهدون إلا متكلما واحدا ، قد انتفى من نظرهم ~~التعدد والاثنينية ، غير أنهم يفرقون بين كلام القدرة وكلام الحكمة ، كلام ~~القدرة يبرز من غير اختبار ، بل يكون المتكلم به مأخوذا عنه ، غائبا عن ~~اختياره ، وكلام الحكمة معه ضرب # 130 # من الاختبار ، وقد يسمعون كلام القدرة من الهواتف الغيبية ، ومن الجمادات ~~على وجه الكرامة ، وكله بحرف وصوت. نعم ما يقع من الهواتف القلبية ~~والتجليات الباطنية ، قد يكون بلا حرف ولا صوت ، وقد تحصل لهم المكالمة ~~بالإشارة بلا صوت ولا حرف ، فقوله : (بل أسمعه بحرف القدرة وصوت ~~الأزلية...) الخ. إن أراد به التجليات الباطنية فمسلم ، لكن ظاهره أن كلام ~~الحق الذي يسمعه لأنبيائه وأوليائه محصور في ذلك ، وأنه لا يكون إلا بلا ~~حرف ولا صوت. وليس كذلك. PageV02P186 # وقوله : (وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء) الخ ، معناه : لم ~~يبق في ولاية أهل مشاهدة الأزل من رسوم الحوادث شيء. قلت : لكنهم يثبتونها ~~حكمة ، ويمحونها قدرة ومشاهدة ، ولا يلزم من محوها عدم صدور الكلام منها ~~بالحرف والصوت ؛ فإن البشرية لا تطيق سماع كلام الحق بلا واسطة الحكمة ، ~~كما هو معلوم. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 128 # قلت ms0555 : {لكن} : حرف استدراك ، وهو عن مفهوم ما تقدم ، وكأنه قال : إنهم لا ~~يشهدون بوحينا إليك. لكن الله يشهد بذلك. # يقول الحق جل جلاله : في الرد على اليهود لما قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم : لا نشهد لك بما أوحي إليكم. فقال تعالى : {لكن الله يشهد بما أنزل ~~إليك} إن لم يشهدوا به ، {أنزله بعلمه} أي : متلبسا بعلمه الخاص به ، وهو ~~العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ. أو متلبسا بعلمه الذي يحتاج الناس ~~إليه في معاشهم ومعادهم. أو بعلمه المتعلق بمن يستأهل نزول الكتب إليه ، ~~{والملائكة} أيضا يشهدون بذلك. وفيه تنبيه على أن الملائكة يودون أن يعلم ~~الناس صحة دعوى النبوة ، على وجه يستغني عن النظر والتأمل ، وهذا النوع من ~~خواص الملك ، ولا سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك ، سوى التفكر والنظر ، ~~فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوتك ، وشهدوا بها كما عرفت الملائكة ~~وشهدوا. قاله البيضاوي ، وقد يخلق الله العلم في قلب الإنسان من غير تفكر ~~ولا نظر ، بل هداية من المالك القدير. {وكفى بالله شهيدا} لرسوله عن شهادة غيره. # الإشارة : كما شهد الحق تعالى لرسوله بالنبوة والرسالة ، شهد لمن كان على ~~قدمه من ورثته الخاصة بالولاية والخصوصية ، وهم الأولياء العارفون بالله ، ~~وشهادته لهم بما أظهر عليهم من العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، وبما ~~أتحفهم به من الأخلاق النبوية والمحاسن البهية ، وبما أظهر على أيديهم من ~~الكرامات الظاهرة مع الاستقامة الشرعية ، # 131 PageV02P187 ~~لكن لا يدرك هذه الشهادة إلا من سبقت له العناية ، وكان له حظ من الولاية. ~~" سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه! ولم يوصل ~~إليه إلا من أراد أن يوصله إليه " وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 131 # قلت : {خالدين} : حال مقدرة. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كفروا} بما أنزلت على رسولنا من اليهود ~~أو غيرهم ، {وصدوا} الناس عن طريق الله الموصلة إليه ، {قد ضلوا ضلالا ~~بعيدا} ؛ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال ، ولأن المضل يكون أغرق في ~~الضلال وأبعد عن الانقلاع. ms0556 {إن الذين كفروا وظلموا} الناس بصدهم عما فيه ~~صلاحهم وخلاصهم ، أو ظلموا رسول الله بإنكار نبوته وكتمان صفته ، أو ظلموا ~~أنفسهم بالانهماك في الكفر ، {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ، ~~إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا} ، فجرى حكمه السابق ووعده الصادق على أن ~~من مات على الكفر مخلد في النار ، {وكان ذلك على الله يسيرا} لا يصعب عليه ~~ولا يتعاظمه. # الإشارة : إن الذين كفروا بالخصوصية وأنكروا على أهلها ، وصدوا الناس عن ~~القصد إليها والدخول في حزبها ؛ قد ضلوا عن طريق الوصول ضلالا بعيدا ، إذ ~~لا وصول إلى الله إلا على يد أولياء الله ؛ لأنهم باب الحضرة ، فلا بد من ~~الأدب معهم والخضوع لهم. إن الذين كفروا بأولياء الله ، وظلموا أنفسهم ؛ ~~حيث حرموها الوصول ، وتركوها في أودية الخواطر تجول ، لم يكن الله ليستر ~~مساوئهم ويقدس سرائرهم ، ولا ليهديهم طريق المشاهدة ولا كيفية المجاهدة ~~وإنما يمكنهم من طريق التعب والنصب حتى يلقوا الله بقلب سقيم ، والعياذ بالله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 131 # قلت : {فآمنوا خيرا لكم} ، و{انتهوا خيرا لكم} : قال سيبويه : هو منصوب ~~بفعل مضمر ، تقديره : وائتوا خيرا لكم ، وقال الخليل : منصوب بآمنوا ~~وبانتهوا على المعنى. # 132 PageV02P188 ~~أي : اقصدوا. وقال الفراء صفة لمصدر ، أي : آمنوا إيمانا خيرا لكم. وقال ~~بعض الكوفيين : هو خبر كان المحذوفة ، وتقديره : ليكن الإيمان خيرا لكم. # قلت : وهو أظهر من جهة المعنى ، وإن منعه البصريون ، قالوا : لأن {كان} ~~لا تحذف مع اسمها إلا في مواضع مخصوصة ، قال ابن مالك : # ويحذفونها ويبقون الخبر # وبعد إن ، ولو ، كثيرا ذا اشتهر # ولعل هذا الموضع أتى على غير المشهور تنبيها على الجواز. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم} وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، {فأمنوا به} يكن {خيرا لكم} مما أنتم فيه من ~~الضلال ، {وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض} وما تركبتا منه ، ~~ملكا وخلقا وعبيدا ، فهو غني عنكم ، لا يتضرر بكفركم ، كما لا ينتفع ~~بإيمانكم ، {وكان الله عليما} بأحوالكم ، {حكيما} ms0557 فيما دبر لكم. # الإشارة : الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو إتقان مقام ~~الإسلام ، وتصحيح مقام الإيمان ، الذي من أركانه : الإيمان بالقدر خيره ~~وشره ، حلوه ومره ، وتحقيق مقام الإحسان الذي هو مقام الشهود والعيان ، لا ~~يكمل هذا إلا بصحبة أهل العرفان ، الذين صححوا مقام الفناء ، وخرجوا إلى ~~البقاء خاضوا بحار التوحيد ، وانفردوا بأسرار التفريد ، ورسخ فيه مقام ~~الرضى والتسليم ، فتلقوا المقادير كلها بقلب سليم ، فمن لم يصحبهم ويتأدب ~~بآدابهم بقي إيمانه ناقصا ، وحقه العذاب ، فكأن الحق تعالى يقول على لسان ~~الإشارة : قد جاءكم وليي ، وهو خليفة رسولي ، فآمنوا بخصوصيته ، وأذعنوا ~~لأمره وتربيته ، يكن خيرا لكم مما أنتم فيه من المساوىء والأمراض ، لئلا ~~تلقوني بقلب سقيم ، وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 132 # قلت : أصل الغلو : مجاوزة الحد في كل شيء ، يقال : غلا بالجارية لحمها ~~وعظمها ، إذا أسرعت إلى الشباب فجاوزت لداتها ؛ أي : أقرانها ، تغلو غلوا. PageV02P189 # يقول الحق جل جلاله : في عتاب النصارى بدليل ما بعده : {يا أهل الكتاب} ~~الإنجيل {لا تغلوا في دينكم} فتجاوزوا الحد فيه باعتقادكم في عيسى أنه الله ~~، أو ابن # 133 # الله ، قصدوا تعظيمه فغلوا وأفرطوا ، {ولا تقولوا على الله إلا الحق} ، ~~وهو تنزيه عن الصاحبه والولد. # ثم بين الحق فيه فقال : {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} ، لا كما ~~قالت اليهود : ليس برسول ، ولا كما قالت النصارى : إنه الله ، أو ابن الله ~~، وإنما هو عبد الله ورسوله ، {وكلمته ألقاها إلى مريم} أي : أوصلها إليها ~~وحصلها فيها ، وهي كلمة : كن. فتكون بها في رحم أمه فسمى بها ، {وروح منه} ~~وهو نفخ جبريل في جيبها فحملت بذلك النفخ ، وسمي النفخ روحا ؛ لأنه ريح ~~يخرج عن الروح ، فكانت روحه صادرة من روح القدس ، كما قال في آدم : {ونفخت ~~فيه من روحى} [الحجر : 29] ، وقد قال : {إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم} ~~[آل عمران : 59] ، فنفخ جبريل في الحقيقة لما كان بأمر الله صار هو نفخ ~~الحق ؛ لأن الواسطة محذوفة عند المحققين ، فلذلك أضاف روحه إليه كروح آدم ms0558 ~~عليه السلام. # {فأمنوا بالله ورسوله} أي : وحدوا الله في إلوهيته ، {ولا تقولوا ثلاثة} ~~أي : الآلهة ثلاثة : الله ، والمسيح ، ومريم ، {انتهوا} عن التثليث يكن ~~{خيرا لكم إنما الله إله واحد} في ذاته وصفاته وأفعاله ، {سبحانه} أي : ~~تنزيها له أن يكون له ولد ، لأنه لا يجانس ولا يتطرقه الفناء ، {له ما في ~~السماوات وما في الأرض} ، ملكا وخلقا وعبيدا ، والعبودية تنافي البنوة ، ~~{وكفى بالله وكيلا} فلا يحتاج إلى ولد ؛ لأن الولد يكون وكيلا عن أبيه ~~وخليفته ، والله تعالى قائم بحفظ الأشياء كاف لها ، مستغن عمن يعينه أو ~~يخلفه لوجوب بقائه وغناه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 133 PageV02P190 ~~واعلم أن النصارى انقسموا على أربع فرق : نسطورية ، ويعقوبية ، وملكانية ، ~~ومرقوسية ، ومنهم نصارى نجران ، فالنسطورية ، قالوا في عيسى هو ابن الله ، ~~واليعقوبية والملكانية ، قالوا هو الله ، والمرقوسية قالوا : هو ثالث ثلاثة ~~، وكلهم ضالون. # الإشارة : الغلو كله مذموم ، وخير الأمور أوساطها ، وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، ولكن قولوا : عبد ~~الله ورسوله " ، ويرخص للفقير أن يتغالى في مدح شيخه ، ما لم يخرجه عن طوره ~~، أو ينتقص غيره بمدحه ، وفي الإشارة حيث على حفظ مقام التوحيد ، وتنزيهه ~~تعالى عن الأضداد والأنداد. وفي ذلك يقول الشاعر : # أرب وعبد ونفى ضد # قلت له : ليس ذاك عندي # فقال ما عندكم ؟ فقلنا : # وجود فقد وفقد وجد # فإثبات العبودية مستقلة تضاد الربوبية ، ولذلك أنكرها الشاعر ، أي : أثبت ~~ربا وعبدا ، وأنت تقول بنفي الضد عنه وفي الحكم : " الأكوان ثابتة بإثباته ~~ممحوة بأحدية ذاته ". # 134 # ولما قالت نصارى نجران للنبي صلى الله عليه وسلم : إنك تعيب صاحبنا ؟ ~~فقال عليه الصلاة والسلام " ومن صاحبكم ؟ " قالوا : عيسى. قال " وأي شيء ~~أقول ؟ " قالوا : تقول إنه عبد الله. قال لهم عليه الصلاة والسلام : " ~~ليس بعار أن يكون عيسى عبدا " # جزء : 2 رقم الصفحة : 133 # قلت : أصل الاستنكاف : التنحية ، من قولهم : نكفت الدمع ؛ إذا نحيته ~~بإصبعك كي لا يرى أثره عليك ، ثم أطلق على الأنفة ، والاستكبار دون ~~الاستنكاف ، ولذا عطف عليه ؛ لأن الاستنكاف ms0559 ، لا يستعمل إلا حيث لا استحقاق ~~، بخلاف الاستكبار فإنه يكون باستحقاق. قاله البيضاوي. PageV02P191 # يقول الحق جل جلاله : في الرد على النصارى : {لن يستنكف} أي : لن يأنف ~~{المسيح أن يكون عبدا لله} ؛ فإن عبوديته لله شرف يتباهى بها ، وإنما ~~المذلة والاستنكاف في عبوديته لغيره ، {ولا الملائكة المقربون} لا يستنكفون ~~أيضا أن يكونوا عبيدا لله ، بل ما كانوا مكرمين إلا بعبوديتهم لله ، واحتج ~~بالآية من فضل الملائكة على الأنبياء ، لأن المعطوف يقتضي أن يكون أرفع ~~درجة من المعطوف عليه ، حتى يكون عدم استنكاف الملائكة كالدليل على عدم ~~استنكاف المسيح. # والجواب : أن عطف الملائكة إنما أريد به التكثير والمبالغة ، كقولهم : ~~أصبح الأمير اليوم لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس ، والرئيس أفضل من المرؤوس ، ~~والتحقيق في المسألة ؛ أن الأنبياء والرسل أفضل من خواص الملائكة كالمقربين ~~، وخواص الملائكة ؛ وهم المقربون أفضل من خواص البشر كالأولياء ، وخواص ~~البشر أفضل من عوام الملائكة ، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر ، ولذلك ~~قيل : من غلب عقله على هواه كان كالملائكة أو أفضل ، ومن غلب هواه على عقله ~~، كان كالبهائم أو أضل. والله تعالى أعلم. # ثم ذكر وعيد من استنكف عن عبوديته تعالى فقال : {ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} فيجازيهم ؛ {فأما الذين آمنوا وعلموا ~~الصالحات} ولم يستنكفوا عن عبادته {فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، {وأما الذين استنكفوا} عن ~~عبوديته {واستكبروا} عن عبادته {فيعذبهم عذابا أليما} أي : موجعا ، وهو ~~النار وقال القشيري : العذاب # 135 # الأليم : هو ألا يصلوا إليه أبدا بعد ما عرفوا جلاله ، إذ صارت معرفتهم ~~ضرورية أي قهرية فحسراتهم حينئذ على ما فاتهم أشد عقوبة لهم. ه. {ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا}. # جزء : 2 رقم الصفحة : 135 PageV02P192 ~~فإن قلت : هذا التفصيل أعم من المفصل ، لأن الحشر إنما ذكر للمتكبرين ~~والتفصيل أعم ، فالجواب : أن عموم المفصل يفهم من قوة الكلام ، فكأنه قال : ~~فسيحشرهم للمجازاة يوم يجازي عباده جميعا ، {فأما الذين آمنوا...} الخ ms0560 ، ~~نظيره : قولك : جمع الأمير كافة مملكته ، فأما العلماء فأكرمهم ، وأما ~~الطغاة فقطعهم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : العبودية أشرف الحالات وأرفع المقامات ، بها شرف من شرف ، ~~وارتفع من ارتفع ، عند الله ، وما خاطب الله أحباءه إلا بالعبودية ، فقال ~~تعالى : {سبحان الذى أسرى بعبده ليلا} [الإسراء : 1] ، وقال : {واذكر عبدنآ ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب} [ص : 45] ، {واذكر عبدنا داود} [ص : 17] ، {واذكر ~~عبدنا أيوب} [ص : 41] ، {نعم العبد إنه أواب} [ص : 30]... إلى غير ذلك. # وأوصاف العبودية أربعة : الذل ، والفقر ، والضعف ، والجهل. ومقابلها من ~~أوصاف الربوبية أربعة : العز ، والغنى والقوة والعلم ، فبقدر ما يظهر العبد ~~من أوصاف العبودية يمده الحق من أوصاف الربوبية ، فبقدر ما يظهر العبد من ~~الذل يمده من العز ، وبقدر ما يظهر من الفقر يمده بالغنى ، وبقدر ما يظهر ~~من الضعف يمده من القوة ، وبقدر ما يظهر من الجهل يمده من العلم ، تحقق ~~بوصفك يمدك بوصفه ، ولا يتحقق ظهور هذه الأوصاف إلا بين عباده لتمتحق بذلك ~~أوصاف النفس. # جزء : 2 رقم الصفحة : 135 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} وهو الرسول ~~عليه الصلاة والسلام وما اقترن به من المعجزات الواضحات ، {وأنزلنا إليكم} ~~على لسانه {نورا مبينا} وهو القرآن : أو جاءكم برهان من ربكم : المعجزات ~~الطاهرة ، {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} : القرآن العظيم ، أي : جاءكم دليل ~~العقل وشواهد النقل ، فلم يبق لكم عذر ولا علة. PageV02P193 # {فأما الذين آمنوا بالله} أي : وحدوه في ربوبيته ، {واعتصموا} أي : تمسكوا ~~بدينه أو بكتابه ، {فيسدخلهم في رحمة منه} وهي الجنة ، {وفضل} : النظر ~~لوجهه الكريم ، # 136 # قال البيضاوي : {في رحمة} أي : ثواب قدره بإزاء وإيمانه وعمله ، رحمة منه ~~، لا قضاء لحق واجب ، وفضل إحسان زائد عليهما. ه. وقال القشيري : سيحفظ ~~عليهم إيمانهم في المآل عند التوفي ، كما أكرمهم به وبالعرفان في الحال.ه. ~~{ويهديهم إليه} أي : إلى الوصول إليه ، {صراطا مستقيما} أي : يبين لهما ~~الوصول إليه ، وهو طريق السير الذي لا عوج فيه ؛ العلم والعمل والحال ، ~~وقال البيضاوي : هو الإسلام والطاعة في الدنيا ، وطريق الجنة في الآخرة. ه. ms0561 # الإشارة : قد جاءكم من يعرفكم بالله ، ويدلكم على الله ، وهم أولياء الله ~~، ببرهان واضح لا يخفى إلا على من كان خفاشيا ، وأنزلنا إليكم من سر قدسنا ~~، وبحر جبروتنا نورا مبينا ، تشاهدون فيه أسرار الذات وأنوار الصفات ، وهو ~~ما ظهر من التجليات من القبضة الأولية المحمدية ، {فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به} في حال سيرهم إليه {فسيدخلهم في رحمة منه} وهي حضرة القدس ، ~~{وفضل} وهو الترقي في أسرار المعارف إلى ما لا نهاية له ، ويهديهم إلى ~~الوصول إليه ، وهو شهوده في ذلك النور ، طريقا توصل إليه في أقرب زمان. ~~ولعل الآية فيها تقديم وتأخير ، أي : فسيهديهم إليه طريقا مستقيما يسيرون ~~فيه ، حتى يصلوا إليه ، ثم يدخلهم في رحمة حضرته ، وفضل زيادة معرفته. ~~والله تعالى أعلم. # 137 # جزء : 2 رقم الصفحة : 136 PageV02P194 ### | AUTO سورة المائدة # جزء : 2 رقم الصفحة : 137 # {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود...} # أي : بالعهود التي عهدت إليكم أن تحفظوها ، وهي حفظ الأموال ، وحفظ ~~الأنساب ، وحفظ الأديان ، وحفظ الأبدان ، وحفظ اللسان ، وحفظ الأيمان ، ثم ~~مر معها على الترتيب ، فما ذكره هناك مستوفى ، لم يعد منه هنا إلا أصله ، ~~وما بقي هناك في أصل من الأصول الستة كمله هنا ، ولما ذكر فيما تقدم في أول ~~السورة حكم الأموال باعتبار الملك ، ولم يتكلم على ما يحل منها وما يحرم ، ~~تكلم هنا على ذلك ، فقال : # {...أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلىا عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم ~~إن الله يحكم ما يريد} # قلت : إضافة {بهيمة الأنعام} : للبيان ، كثوب خز ، إي : البهيمة من ~~الإنعام ، و{غير محلي الصيد} : حال ، قال الأخفش : من فاعل {أوفوا} ، وفيه ~~معنى النهي ، وقال الكسائي : من ضمير {لكم} ؛ كما تقول : أحل لكم الطعام ~~غير مفسدين فيه ، فإن قلت : الحال قيد لعاملها ، والحلية غير خاصة بوقت ~~حرمة الصيد ؟ قلت : لما كانت الحاجة إليها في ذلك الوقت أكثر ، خص الحلية ~~به ليكون أدعى للشكر ، ويؤخذ عموم الحلية من سورة الحج. # 139 # يقول الحق جل جلاله : {أحلت لكم بهيمة الأنعام} أي : الأنعام ms0562 كلها ، وهي ~~الإبل والبقر والغنم ، {إلا ما يتلى عليكم} بعد في قوله : {حرمت عليكم ~~الميتة والدم...} [المائدة : 3] الآية ، حال كونكم {غير محلي الصيد} في حال ~~الإحرام ، ومعنى الآية في الجملة : أحلت الأنعام كلها إلا ما يتلى عليكم من ~~الميتة وأخواتها ، لكن الصيد في حال الإحرام حرام عليكم ، {إن الله يحكم ما ~~يريد} من تحليل أو تحريم. PageV02P195 # الإشارة : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود التي عقدتموها على نفوسكم في ~~حال سيركم إلى حضرة ربكم ، من مجاهدة ومكابدة ، فمن عقد عقدة مع ربه فلا ~~يحلها ، فإن النفس إذا استأنست بحل العقود لم ترتبط بحال ، ولعبت بصاحبها ~~كيف شاءت ، وأوفوا بالعقود التي عقدتموها مع أشياخكم بالاستماع والاتباع ~~إلى مماتكم ، وأوفوا بالعقود التي عقدها عليكم الحق تعالى ، من القيام ~~بوظائف العبودية ، ودوام مشاهدة عظمة الربوبية ، فإن أوفيتم بذلك ، فقد ~~أحلت لكم الأشياء كلها تتصرفون فيها بهمتكم ؛ لأنكم إذا كنتم مع المكون ~~كانت الأكوان معكم. إلا ما يتلى عليكم مما ليس من مقدوركم مما أحاطت به ~~أسوار الأقدار ، " فإن سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار " ، غير متعرضين ~~لشهود السوى وأنتم في حرم حضرة المولى ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 139 # قلت : الشعائر : جمع شعيرة ، وهي اسم ما أشعر ، أي : جعل علامة على مناسك ~~الحج ومواقفة و{لا يجرمنكم} أي : يحملنكم ، أو يكسبنكم ، يقال : جرم فلان ~~فلانا هذا الأمر ، إذا أكسبه إياه وحمله عليه. والشنآن : هو البغض والحقد ، ~~يقال : بفتح النون وإسكانها ، و{أن صدوكم} مفعول من أجله ، و{أن تعتدوا} ~~مفعول ثان ليحرمنكم. ومن قرأ : ( إن صدوكم) ، بالكسر فشرط ، أغنى عن جوابه ~~: {لا يجرمنكم}. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} أي : لا ~~تستحلوا شيئا من ترك المناسك ، وذلك أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا ~~والمروة ، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى عرفات ، وكان أهل اليمن يرجعون من # 140 PageV02P196 ~~عرفات ، فأمرهم الله ألا يتركوا شيئا من المناسك ، أي : لا تحلوا ترك شعائر ~~الله {ولا} تحلوا {الشهر الحرام} بالقتال أو السبي ms0563 ، وهذا قبل النسخ ، ~~{ولا} تحلوا {الهدي} ، أي : ما أهدي إلى الكعبة ، فلا تتعرضوا له ولو من ~~كافر ، {ولا} تحلوا {القلائد} أي : ذوات القلائد ، وهي الهدي المقلدة ، ~~وعطفها على الهدي للاختصاص ؛ فإنها أشرف الهدي ، أي لا تتعرضوا للهدي ~~مطلقا. والقلائد جمع قلادة ، وهي : ما قلد به الهدي من نعل أو لحاء الشجر ، ~~أو غيرهما ، ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له ، {ولا} تحلوا {آمين} أي : ~~قاصدين البيت الحرام ، أي : قاصدين لزيارته ، {يبتغون فضلا من ربهم ~~ورضوانا} أي : يطلبون رزقا بالتجارة التي قصدوها ، ورضوانا بزعمهم ، لأنهم ~~كانوا كفارا. # وذلك ، أن الآية نزلت في الحطم بن ضبيعة ، وذلك أنه أتى المدينة ، فخلف ~~خيله خارج المدينة ، ودخل وحده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إلام ~~تدعو الناس إليه ؟ فقال له : " إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة " فقال : حسن ، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ، ولعلي ~~أسلم ، فخرج وغار على سرح المدينة فاستاقه ، فما كان في العام المقبل خرج ~~حاجا مع أهل اليمامة ، ومعه تجارة عظيمة ، وقد قلد الهدي ، فقال المسلمون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا الحطم قد خرج حاجا فخل بيننا وبينه ؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " إنه قلد الهدي " ، فقالوا يا رسول الله : هذا ~~شيء كنا نفعله في الجاهلية أي تقيه ، فأبى عليهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، فنزلت الآية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 140 # وقال ابن عباس : كان المشركون يحجون ويهدون ، فأراد المسلمون أن يغيروا ~~عليهم ، فنهاهم الله تعالى بالآية. PageV02P197 # {وإذا حللتم} من الحج والعمرة {فاصطادوا} ، أمر إباحة ؛ لأنه وقع بعد الحظر ~~، {ولا يجرمنكم} أي : لا يحملنكم ، أو لا يكسبنكم {شنآن قوم} أي : شدة ~~بغضكم لهم لأجل {أن صدوكم عن المسجد الحرام} عام الحديبية {أن تعتدوا} ~~بالانتقام منهم ؛ بأن تحلوا هداياهم وتتعرضوا لهم في الحرم. قال ابن جزي : ~~نزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة ، فأردوا أن يستأصلوهم بالقتل ؛ ~~لأنهم كانوا قد صدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية ، فنهاهم الله عن ms0564 ~~قتلهم ؛ لأن الله علم أنهم يؤمنون. ه. ثم نسخ ذلك بقوله : {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة : 5]. # ثم قال تعالى : {وتعاونوا على البر والتقوى} كالعفو ، والإغضاء ، ومتابعة ~~الأمر ، ومجانبة الهوى. وقال ابن جزي : وصية عامة ، والفرق بين البر ~~والتقوى ؛ أن البر عام في الواجبات والمندوبات ، فالبر أعم من التقوى. ه. ~~{ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} كالتشفي والانتقام. قال ابن جزي : الإثم ~~: كل ذنب بين الله وعبده ، والعدوان : على الناس. ه. {واتقوا الله إن الله ~~شديد العقاب} ؛ فانتقامه أشد. # 141 # الإشارة : قد أمر الحق جل جلاله بتعظيم عباده ، وحفظ حرمتهم كيفما ~~كانوا ، " فالخلق كلهم عيال الله ، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله " ، ~~فيجب على العبد كف أذاه عنهم وحمل الجفا منهم ، وألا ينتقم لنفسه ممن آذاه ~~منهم ، ولا يحمله ما أصابه منهم على أن يعتدي عليهم ولو بالدعاء ، بل إن ~~وسع الله صدره بالمعرفة قابلهم بالإحسان ، ودعا لعدوه بصلاح حاله ؛ حتى ~~يأخذ الله بيده ، وهذا مقام الصديقية العظمى والولاية الكبرى ، وهذا غاية ~~البر والتقوى الذي أمر الله تعالى بالتعاون عليه ، والاجتماع إليه ، دون ~~الاجتماع على الإثم والعدوان ، وهو الانتصار للنفس والانتقام من الأعداء ، ~~فإن هذا من شأن العوام ، الذين هم في طرف مقام الإسلام. والله تعالى أعلم. PageV02P198 # جزء : 2 رقم الصفحة : 140 # و} حرم عليكم أيضا : {ما ذبح على النصب} ، وهي أحجار كانت منصوبة حول ~~البيت ، يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة ، وليست بالأصنام ؛ لأن الأصنام ~~مصورة ، والنصب غير مصورة ، وقيل : {على} بمعنى اللام ، أي : وما ذبح للنصب ~~، والمراد كل ما ذبح لغير الله. # {وأن تستقسموا بالأزلام} أي : تطلبوا ما قسم لكم في الأزل من المقادير ~~بالأزلام ، جمع زلم بضم الزاي وفتحها وهي الأقداح على قدر السهام. وكانت ~~في الجاهلية ثلاثة ، قد كتب على أحدها : افعل ، على الآخر : لا تعفل ، وعلى ~~الثالث : مهمل ، فإذا أراد الإنسان أن يعمل أمرا جعلها في خريطة ، وأدخل ~~يده وأخرج أحدها ، فإن خرج له الذي فيه " افعل " ؛ فعل ما أراد ، وإن خرج ~~الذي فيه " لا تفعل " ، تركه. وإن ms0565 خرج المهمل أعاد الضرب ، ويقاس عليه كل ~~ما يدخل في علم الغيب ، كالقريعة والحظ والنصبة والكهانة ، وشبهها. # {ذلكم فسق} ، الإشارة إلى المحرمات المذكورة ، أو إلى الاستقسام بالأزلام ~~، وإنما كان فسقا ؛ لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد الله به ، وفيه تجسس ~~على سر الملك ، وهو حرام ، ولا يعارض ما ثبت جوازه من القرعة ، في أمور ~~مخصوصة كتمييز الأنصبة في القسمة ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقترع ~~بين نسائه " ، وغير ذلك مما تفيد تطييب القلوب ، دون الاطلاع على علم ~~الغيوب. والله تعالى أعلم. PageV02P199 # الإشارة : حرمت عليكم يا معشر المريدين طلب الحظوظ والشهوات ، وما تموت به ~~قلوبكم من الانهماك في الغفلات ، وتناول ما أعطيكم لغير وجه الله ، ~~وقبضتموه من غير يد الله ، بأن نظرتم حين قبضه إلى الواسطة ، وغفلتم عن ~~المعطي حقيقة ، فمقتضى شريعة الخواص : إخراجه عن الملك ، وحرمان النفس من ~~الانتفاع به ، كما وقع لبعض الأولياء ، ولا تتناولوا من الطعام إلا ما ~~ذكيتموه بأن شهدتم فيه المنعم دون الوقوف مع النعمة ، ونزلتم إليه بالإذن ، ~~دون قصد الشهوة والمتعة ، وهذا يحتاج إلى تيقظ كبير ومراقبة قوية. والله ~~يتجاوز عن أمثالنا بحلمه وكرمه. آمين. # ولما حرم الله تعالى هذه الاشياء حصل للمشركين الإياس من موافقة المسلمين ~~لهم في دينهم ، فلذلك ذكره الحق تعالى بإثر تحريمها ، فقال : # {... اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا...} # 143 # يقول الحق جل جلاله : {اليوم} الذي أنتم فيه ، وهو يوم الجمعة ، ويوم ~~عرفة في حجة الوداع ، {يئس الذين كفروا من دينكم} أن يبطلوه ، أو يظهروا ~~عليه بحصول المباينة لهم في أمورهم كلها ، ولظهور الإسلام فيه وكثرة ~~المسلمين ، قيل : إنه وقف معه صلى الله عليه وسلم في هذه الحجة : مائة ألف ~~وأربعة عشر ألفا ، ويحتمل أن يريد باليوم الزمان الحاضر ، وما يتصل به من ~~الأزمنة الآتية ، {فلا تخشوهم} أن يظهروا عليكم ، {واخشون} وحدي ؛ فأمرهم بيدي. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 142 PageV02P200 ~~اليوم أكملت لكم دينكم} بالنصر والإظهار على ms0566 الأديان كلها ، أو بالتنصيص ~~على قواعد العقائد ، والتوقيف على أحوال الشرائع وقوانين الاجتهاد ، ~~{وأتممت عليكم نعمتي} بالهداية والتوفيق ، أو بإكمال الدين ، وبالفتح ~~والتمكين ، بهدم منار الكفر ، ومحو علل الملحدين ، {ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} أي : اخترته لكم من بين الأديان ، الذي لا نرتضي غيره ، ولا نقبل سواه. # الإشارة : إذا حصل المريد على أسرار التوحيد ، وخاض بحار التفريد ، وذاق ~~حلاوة أسرار المعاني ، وغاب عن شهود حس الأواني ، وحصل له الرسوخ والتمكين ~~في ذلك ، أيس منه الشيطان وسائر القواطع ، فلا يخشى أحدا إلا الله ، ولا ~~يركن إلى شيء سواه ، وأمن من الرجوع في الغالب ، إلا لأمر غالب ، {والله ~~غالب على أمره} [يوسف : 21]. ولذلك قال بعضهم : ( والله ما رجع من رجع إلا ~~من الطريق ، وأما من وصل فلا يرجع). # والوصول هو التمكين فيما ذكرنا ، فإذا حصل على كمال المعرفة ، ووقف على ~~عرفة المعارف ، فقد كمل دينه واستقام أمره ، وظهرت أنواره ، وتحققت أسراره ~~، وما بقي إلا الترقي في الأسرار أبدا سرمدا ، والسير في المقامات كسير ~~الشمس في المنازل ، ينتقل فيها من مقام إلى مقام ، بحسب ما يبرز من عنصر ~~القدرة ، فتارة يبرز معه ما يوجب الخوف ، وتارة ما يوجب الرجاء ، وتارة ما ~~يوجب الرضا والتسليم ، وتارة ما يوجب التوكل ، وهكذا يتلون مع كل مقام ~~ويقوم بحقة ، ولا يقف مع مقام ولا مع حال ، لأنه خليفة الله في أرضه ، وقد ~~قال تعالى : {كل يوم هو في شأن} [الرحمن : 29] ، هذا هو التلوين بعد ~~التمكين. والله تعالى أعلم. # {... فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} # قال البيضاوي : هو متصل بذكر المحرمات ، وما بينهما اعتراض مما يوجب ~~التجنب عنها ، وهو أن تناولها فسوق ، وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة ~~التامة والإسلام المرضي. ه. # 144 PageV02P201 ~~يقول الحق جل جلاله : {فمن اضطر} إلى تناول شيء من هذه المحرمات {في مخمصة} ~~أي : مجاعة ، حال كونه {غير متجانف} أي : مائل للإثم وقاصد له ، بأن يأكلها ~~تلذذا أو متجاوزا حد الرخصة ، قيل : هو سد الرمق ، وقال ابن أبي زيد : يأكل ms0567 ~~منها ويتزود ، فإن استغنى عنها طرحها. ه. فإن تناولها للضرورة {فإن الله ~~غفور} له {رحيم} به ؛ حيث أباحها له في تلك الحالة. # الإشارة : قال بعض الحكماء : الدنيا كلها كالميتة ، لا يحل منها للذاكر ~~إلا قدر الضرورة أكلا وشربا وملبسا ومركبا ، حتى يتحقق له الوصول ، فما بقي ~~لأحد حينئذ ما يقول ، وعلامة الوصول : هو الاكتفاء بالله دون الاحتياج لشيء ~~سواه ، إن افتقر اغتنى في فقره ، وإن ذل عز في ذله ، وإن فقد وجد في فقده ، ~~وهكذا في تقلبات الأحوال لا يتضعضع ولا يتزلزل ، ولو سقطت السماء على ~~الأرض. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 142 # {يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم...} # قلت : لم يقل ماذا أحل لنا ؛ لأن {يسألونك} بلفظ الغيبة ، وكلا الوجهين ~~شائع في أمثاله. قاله البيضاوي. PageV02P202 # يقول الحق جل جلاله : {يسألونك} يا محمد عن الذي {أحل لهم} من المآكل ، بعد ~~الذي حرم عليهم من الخبائث ، فقل لهم : {أحل لكم الطيبات} وهو عند مالك : ~~ما لم يدل دليل على تحريمه من كتاب ولا سنة ، وعند الشافعي : ما يستلذه ~~الطبع السليم ولم يفر عنه ، فحرم الخنافس وشبهها ، {و} أحل لكم صيد {ما ~~علمتم من الجوارح} أي : الكواسب ، وهي الكلاب ونحوها ، مما يصطاد به ويكسب ~~الصيد على أهله ، من سباع وذوات أربع ، وطير ، ونحوها ، حال كونكم {مكلبين} ~~أي : معلمين لها الاصطياد ، أي : مؤدبين لها ، {تعلمونهن مما علمكم الله} ~~من الحيل وصدق التأديب ، فإن العلم بها إلهام من الله ، أو مكتسب بالعقل ~~الذي هو منحة من الله لابن آدم. وحد التعليم عند ابن القاسم : أن يفهم ~~الجارح الإشلاء والزجر ، وقيل : الإشلاء ؛ أي : التسلط فقط ، وقيل ؛ الزجر ~~فقط ، وقيل : أن يجيب إذا دعي. # {فكلوا مما أمسكن عليكم} ولم يأكل منه ، لقوله صلى الله عليه وسلم ms0568 : " ~~وإن أكل ، فلا تأكل ؛ فإنما أمسك على نفسه " وهو مذهب الشافعي ، وقال مالك ~~: يؤكل مطلقا لما في # 145 # بعض الأحاديث : " وإن أكل فكل " ، وقال بعضهم : لا يشترط ذلك في سباع ~~الطير ؛ لأن تأديبها إلى هذا الحد متعذر. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 145 # واذكروا اسم الله عليه} أي : على ما علمتم عند إرساله ، ولو لم ير المرسل ~~عليه ، وكذا عند الرمي المحدد ونحوه ، فإن سمي على شيء معين ووجد غيره لم ~~يؤكل ، أو التبس مع غيره ، وإن سمي على ما وجد أكل الجميع ، ولا بد من نية ~~الذكاة عند الإرسال أو الرمي ، واختلف في حكم التسمية ، فقال الظاهرية : ~~أنها واجبة مطلقا ، فإن تركت عمدا أو سهوا لم تؤكل عندهم ، وقال الشافعي : ~~مستحبة ، حملا للأمر على الندب ، فإن تركت عمدا أو سهوا أكلت عنده. PageV02P203 # وجعل بعضهم الضمير في {عليه} ، عائدا على الأكل ، فليس فيها على هذا أمر ~~بالتسمية على الصيد ، ومذهب مالك : أنه إن تركت التسمية عمدا لم تؤكل ، وإن ~~تركت سهوا أكلت ، فهي عنده واجبة بالذكر ساقطة بالنسيان ، وهذا الخلاف جار ~~في الذكاة كلها. # {واتقوا الله} في اجتناب محرماته ، {إن الله سريع الحساب} ، فيؤاخذكم على ~~ما جل ودق. {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم} ~~فيتناول الذبائح وغيرها ، ويعم أهل الكتاب اليهود والنصارى ، واستثنى علي ~~كرم الله وجهه نصارى بني تغلب ، وقال : ( ليسوا على النصرانية ، ولم ~~يأخذوا منها إلا شرب الخمر). ولا يلحق بهم المجوس في ذلك ، وإن ألحقوا بهم ~~في الجزية ، لقوله صلى الله عليه وسلم " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ، غير ألا ~~تنكحوا نساءهم ، ولا تأكلوا ذبائحهم " وكذلك المرتد مطلقا لا تؤكل ذكاته. # قال ابن جزي : وأما الطعام ، فهو على ثلاثة أقسام : أحدها : الذبائح ، قد ~~اتفق العلماء على أنها مرادة في الآية ، فأجازوا أكل ذبائح اليهود والنصارى ~~، واختلفوا فيما هو محرم عليهم في دينهم ، على ثلاثة أقوال : الجواز ، ~~والمنع ، والكراهة ، وهو مبني على : هل هو من طعامهم أم لا ؟ فإن أريد ~~بطعامهم ما ذبحوه ، جازت ، وإن ms0569 أريد ما يحل لهم ، منع والكراهة توسط بين ~~القولين. الثاني : ما لا محاولة لهم فيه ، كالقمح والفاكهة ، فهو جائر لنا ~~اتفاقا. والثالث : ما فيه محاولة كالخبز وتعصير الزيت وعقد الجبن ، وشبه ~~ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فيه ، فمنعه ابن عباس ؛ لأنه رأى أن طعامهم ~~هو الذبائح # 146 # خاصة ، وأجازه الجمهور. لأنه رأوه داخلا في طعامهم ، وهذا إذا كان ~~استعمال النجاسة فيه محتملا ، أما إذا تحققنا استعمال النجاسة فيه ؛ كالخمر ~~والخنزير والميتة ، فلا يجوز أصلا ، وقد صنف الطرطوشي في تحريم جبن النصارى ~~، وقال : إنه ينجس البائع والمشتري والآلة ؛ لأنهم يعقدونه على أنفحه ~~الميتة. ه. # { PageV02P204 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 145 # وطعامكم حل لهم} ، فلا بأس أن تطعموهم من طعامكم ، وتبيعوه لهم ، وأما ما ~~حرم عليهم ، فلا يجوز بيعه منهم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : يسألونك أيها العارف الرباني ماذ أحل للفقراء من الأعمال ~~والأحوال ، قل لهم : أحل لكم الطيبات ، أي : الخالص من الأعمال ، والصافي ~~من الأحوال ، والتلذذ بحلاوة المشاهدة والمكالمة ، وما اصطادت لكم أنفسكم ~~من العلوم اللدنية والأسرار القدسية ، بقدر تزكيتها وتربيتها ، فكلوا مما ~~أمسكن عليكم ، أي : تمتعوا بما أتت به لكم من أبكار الحكم وعرائس الحقائق ، ~~فإن أتت شيء من علوم الحس ، فاذكروا اسم الله عليه ينقلب معاني ، واتقوا ~~الله أن تقفوا مع شيء سواه ، {إن الله سريع الحساب} ؛ فيحاسبكم على الخواطر ~~والطوارق إن لم تعرفوا فيها. اليوم أحل لكم الطيبات ، أي : حين دخلتم بلاد ~~المعاني ورسختم فيها ، أحل لكم التمتع بالمشاهدات والمناجات ، وطعام العلوم ~~الظاهرة حل لكم تتوسعون بها ، وطعامكم حل لهم ، أي : وتذكيركم بما يقدرون ~~عليه حل لهم ؛ لأن العارف الكامل يسير كل واحد على سيره ، ويتلون معه بلونه ~~، يقره في بلده ويحوشه إلى ربه. نفعنا الله بذكره. آمين. # ثم تكلم على ما بقي من حفظ الأنساب ، وهو جواز نكاح الكتابية ؛ إذ لم ~~يتكلم عليه في سورة النساء ، فقال : # {... والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~إذآ ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذيا أخدان ومن يكفر ms0570 ~~بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} PageV02P205 ~~يقول الحق جل جلاله : وأحل لكم {المحصنات} أي : الحرائر {من المؤمنات} دون ~~الإماء ، إلا لخوف العنت ، أو العفيفات دون البغايا ، فإن نكاحها مكروه ، ~~{و} أحل لكم {المحصنات} أي : الحرائر {من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ، ~~فأحل الله نكاح اليهودية والنصرانية الحرتين دون إمائهم ، {إذا أتيتموهن ~~أجورهن} أي : أعطيتموهن مهورهن. فلا يجوز نكاح الكتابية إلا بصداق شرعي. ~~حال كونكم {محصنين} ، أي : متعففيين عن الزنى بنكاحها ، {غير مسافحين} أي : ~~مجاهرين بالزنى ، {ولا متخذي أخدان} أي : أصحاب تسرون معهن بالزنى ، والخدن ~~: الصاحب ، يقع على الذكر # 147 # والأنثى. والمعنى : أحللنا لكم نكاح الكتابيات ، توسعة عليكم لتتعففوا عن ~~الزنى سرا وجهرا. # ولما نزل إباحة الكتابيات قال بعض الناس : كيف أتزوج من ليس على ديني ؟ ~~فأنزل الله : {ومن يكفر بالإيمان} أي : بشرائع الإيمان {فقد حبط عمله وهو ~~في الآخرة من الخاسرين} ، ومن الكفر به إنكاره والامتناع منه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 145 # الإشارة : قد تقدم أن علوم الحقائق أبكار ، لأنها عرائس مخدرة ، مهرها ~~النفوس ، وما سواها من العلوم ثيبات وإماء ؛ لرخص مهرها ، فإذا اتصل العارف ~~بعلوم الحقائق ورسخ فيها ؛ أحل له أن ينكح المحصنات من علوم الطريقة وهي ~~مبادىء التصوف ، أي : التفنن فيها مع أهلها على وجه التركيز أو التعليم ، ~~والمحصنات من علوم الشريعة إذا أعطاها مهرها ؛ من الإخلاص وقصد التوسع بها ~~وتعليمها لأهلها ، وهذه العلوم كلها مشروعة ، والمشتغل بها متوجه إلى الله ~~تعالى ، {قد علم كل أناس مشربهم} [البقرة : 60] ، فمن كفر بها فقد حبط عمله ~~، وهو عند الله من الخاسرين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 145 PageV02P206 ~~قلت : {إذا قمتم} : أردتم القيام ، كقوله : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله} [ النحل : 98] ، حذف الإرادة للإيجاز ، وللتنبيه على أن من أراد ~~العبادة ينبغي أن يبادر إليها ، بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة ، وقوله : ~~{برؤوسكم} الباء للإلصاق ، تقول : أمسكت بثوب زيد ، أي : ألصقت يدي به ، أي ~~: ألصقوا المسح برؤوسكم ، أو للتبعيض ، وهذا سبب الخلاف في مسحه كله أو ~~بعضه ، فقال مالك : واجب كله ms0571 ، وقال الشافعي : أقل ما يقع عليه اسم الرأس ، ~~ولو قل. وقال أبو حنيفة : الربع. # {وأرجلكم} ، من نصب عطف على الوجه ، ومن خفض فعلى الجوار ، وفائدته : ~~التنبيه على قلة صب الماء ، حتى يكون غسلا يقرب من المسح. قاله البيضاوي : ~~ورده في # 148 # المغني فقال : الجوار يكون في النعت قليلا ، وفي التوكيد نادرا ، ولا ~~يكون في النسق ؛ لأن العاطف يمنع من التجاور ، وقال الزمخشري : لما كانت ~~الأرجل بين الأعضاء الثلاثة مغسولات ، تغسل بصب الماء عليها ، كان مظنة ~~الإسراف المذموم شرعا ، فعطف على الممسوح لا لتمسح ، ولكن لينبه على وجوب ~~الاقتصاد في صب الماء عليها ، وجيء فيهما بالغاية إماطة لظن من يظن أنها ~~ممسوحة ؛ لأن المسح لم يضرب له غاية في الشريعة. ه. PageV02P207 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} إذا أردتم القيام {إلى الصلاة} ~~وأنتم محدثون {فاغسلوا وجوهكم} من منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن ، ومن ~~الأذن إلى الأذن ، {وأيديكم إلى المرافق} أي : معها ، {وامسحوا برؤوسكم} أي ~~: جميعها أو بعضها على خلاف ، {وأرجلكم إلى الكعبين} العظمين الناتئين في ~~مفصلي الساقين ، فهذه أربعة فرائض ، وبقيت النية لقوله : {ومآ أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين} [البينة : 5] ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : " ~~إنما الأعمال بالنيات " والدلك ؛ إذا لا يسمى غسلا إلا به ، وإلا كان غمسا ~~، والفور ؛ لأن العبادة إذا لم تتصل كانت عبثا. ولما عطفت بالواو ، وهي لا ~~ترتب ، علمنا أن الترتيب سنة. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 148 # وإن كنتم مرضى} لم تقدروا على الماء {أو على سفر} ولم تجدوه ، أو في ~~الحضر ؛ و{جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} بالجماع أو غيره {ولم ~~تجدوا ماء فتيموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم} أي : جميعه {وأيديكم منه} ، ~~وقيد الحضر بفقد الماء دون السفر ؛ لأن السفر مظنة إعوازه ، فالآية نص في ~~تيمم الحاضر الصحيح للصلوات كلها. قال البيضاوي : وإنما كرره ، يعني مع ما ~~في النساء ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة. ه. PageV02P208 # ثم قال تعالى : {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} حتى يكلفكم بالطهارة في ~~المرض أو ms0572 الفقد من غير انتقال للتيميم ، {ولكن يريد ليطهركم} أي : ينظفكم ~~بالماء أو بدله ، أو يطهركم من الذنوب ، فإن الذنوب تذهب مع صب الماء في كل ~~عضو ، كما في الحديث ، {وليتم نعمته عليكم} بشرعه ، ما هو مطهرة لأبدانكم ، ~~ومكفرة لذنوبكم {ولعلكم تشكرون} نعمه فيزيدكم من فضله. الإشارة : كما أمر ~~الحق جل جلاله بتطهير الظاهر لدخول حضرة الصلاة ، التي هل محل المناجاة ~~ومعدن المصافاة ، أمر أيضا بتطهير الباطن من لوث السهو والغفلات ، فمن طهر ~~ظاهره من الأوساخ والنجاسات ، ولوث باطنه بالوساوس والغفلات ، كان بعيدا من ~~حضرة الصلاة ؛ إذ لا عبرة بحركة الأبدان ، وإنما المطلوب حضور الجنان. # قال القشيري : وكما أن للظاهر طهارة فللسرائر طهارة ، فطهارة الظاهر بماء ~~السماء ، أي : المطر ، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل ، ثم بماء الحياء ~~والوجل ، # 149 # ويجب غسل الوجه عند القيام إلى الصلاة ، ويجب في بيان الإشارة صيانة ~~الوجه عن التبذل للأشكال عن طلب خسائس الأغراض ، وكما يجب مسح الرأس ، يجب ~~صونه عن التواضع لكل أحد أي : في طلب الحظوظ والأعراض وكما يجب غسل ~~الرجلين في الطهارة الظاهرة ، يجب صونها في الطهارة الباطنة عن التنقل ~~فيما لا يجوز. ه. # وقال عند قوله : {وإن كنتم جنبا فاطهروا} : وكما يجب طهارة الأعلى ، أي : ~~الظاهر ، فيقتضي غسل جميع البدن ، فقد يقع للمريد فترة توجب عليه ~~الاستقصاء في الطهارة الباطنية فذلك إذا لم يجد المريد من يفيض عليه صوب ~~همته ، ويغسله ببركات إشارته ، اشتغل بما ينشر له من اقتفاء آثارهم ، ~~والاسترواح إلى ما يجد من سالف سيرتهم ، ومأثور حكياتهم. ه. PageV02P209 # قلت : محصل كلامه أن من سقط على شيخ التربية ، كان كمن وجد الماء فاستعمل ~~الطهارة الأصلية الحقيقية ، ومن لم يسقط على شيخ التربية ، كان كالمستعمل ~~للطهارة الفرعية المجازية ؛ وهي التيمم ، وإلى ذلك أشار الغزالي ، لما سقط ~~على الشيخ ، ولامه ابن العربي الفقيه على التجريد ، فقال : # جزء : 2 رقم الصفحة : 148 # قد تيممت بالصعيد زمانا # والآن قد ظفرت بالماء # من سرى مطبق الجفون وأضحى # فاتحا لا يردها للعماء # ثم قال : لما طلع قمر ms0573 السعادة في ملك الإرادة وأشرقت شمس الوصول على أفق ~~الأصول : # تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل # وملت إلى علياء أول منزل # فنادتني الأوطان أهلا ومرحبا # إلا أيها الساري رويدك فانزل # غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد # لغزلي نساجا فكسرت مغزلي # جزء : 2 رقم الصفحة : 148 # يقول الحق جل جلاله : {واذكروا نعمة الله عليكم} بالهداية والعز والنصر ، ~~{و} اذكروا {ميثاقه الذي واثقكم به} حين بايعتم نبيه في بيعة العقبة وبيعة ~~الرضوان على # 150 # الجهاد وإظهار الدين ، وعلى السمع والطاعة المنشط والمكره ، حين {قلتم} ~~له : {سمعنا وأطعنا} فيما تأمرنا به في عسرنا ويسرنا ، في منشطنا ومكرهنا ، ~~{واتقوا الله} في نقض العهود ، {إن الله عليكم بذات الصدور} أي : خفياتها ، ~~فيجازيكم عليها ، فضلا عن جليات أعمالكم ، والمقصود : الترغيب في الجهاد ~~الذي هو من كمال الدين. PageV02P210 # الإشارة : يقال للفقراء الذين من الله عليهم بصحبة شيوخ التربية ، وأخذوا ~~عنهم العهد ألا يخالفوهم : اذكروا نعمة الله عليكم ، حيث يسر لكم من يسيركم ~~إلى حضرة ربكم ، ويعرفكم به ، وغيركم يقول : إنه معدوم ، أو خفي لا يعرفه ~~أحد ، وهذا الكنز الذي سقطتم عليه ، قل من وجده ، واذكروا أيضا ميثاقه الذي ~~واثقه عليكم ألا تخالفوهم ، ولو أدى الأمر إلى حتف أنفكم. # كان شيخ شيوخنا سيدي العربي بن عبد الله ، يقول : الفقير الصادق ، هو ~~الذي إذا قال له شيخه : ادخل في عين الإبرة ، يقوم مبادرا يحاول ذلك ، ولا ~~يتردد. وقال أيضا : ( صاحبي هو الذي نقتله بشعرة) ، وقد تقرر أن من قال ~~لشيخه : لم ، لا يفلح ، وهذا أمر مقرر في علم التربية ؛ كما في قضية الخضر ~~مع سيدنا موسى عليه السلام . واتقوا الله في اعتقاد مخالفتهم سرا ؛ {إن ~~الله عليم بذات الصدور} فإن الاعتراض سرا أقبح ؛ لانه خيانة ، فليبادر ~~المريد بالتوبة منه ويغسله من قلبه. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 150 # قلت : {وعد} : يتعدى إلى مفعولين ، وحذف هذا الثاني ، أي : وعدهم أجرا ~~عظيما ، دل عليه الجملة بعده. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} ؛ عام أريد به خاص ، وهم ~~أولو ms0574 الأمر منهم ، الذين يلون الحكم بين الناس ، وما تقدم في سورة النساء ~~باق على عمومه ، أي : {كونوا قوامين} على من تحت حكمكم ، راعين لهم ؛ فإنكم ~~مسؤولون عن رعيتكم ، وكونوا مخلصين {لله} في قيامكم وولايتكم ، {شهداء} على ~~أنفسكم بالعدل ، تشهدون عليها بالحق إن توجه عليها ، ولا تمنعكم الرئاسة من ~~الإنصاف في # 151 # الحق ، إن توجه عليكم ، أو على أقاربكم وأصدقائكم ، ولا على عدوكم {ولا ~~يجرمنكم} أي : ولا يحملنكم {شنئان قوم} أي : شدة بغضهم لكم ، {على ألا ~~تعدلوا} فيهم ، فتمنعوهم من حقهم ، أو تزيدوا في نكالهم ، تشفيا وغيظا. PageV02P211 # {اعدلوا هو} أي : العدل {أقرب للتقوى} ، قال البيضاوي : صرح لهم بالأمر ~~بالعدل ، وبين أنه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور ، وبين أنه مقتضى ~~الهوى. فإذا كان هذا العدل مع الكفار ، فما بالك مع المؤمنين ؟ . ه. ~~{واتقوا الله} ؛ ولا تراقبوا سواه ، {إن الله خبير بما تعملون} فيجازي كلا ~~على عمله ، من عدل أو جور. # ثم ذكر ثواب من امتثل ، فقال : {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم مغفرة وأجر عظيم} ، وأفضل الأعمال : العدل في الأحكام. قال عليه الصلاة ~~والسلام : " المقسطون على منابر من نور يوم القيامة " .. الحديث ، هو من ~~السبعة الذين يظلهم الله في ظله. # ثم ذكر وعيد ضدهم ، فقال : {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم} كما هو عادته تعالى ، يشفع بضد الفريق الذي يذكر أولا ، وفاء لحق ~~الدعوة ، وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطيب لقلوبهم. وهذه الآية في مقابلة قوله ~~تعالى : {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ~~أن تحكموا بالعدل} [النساء : 58] وتكميل لها. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 151 PageV02P212 ~~الإشارة : أمر الحق جل جلاله شيوخ التربية أن يعدلوا بين الفقراء في النظرة ~~والإمداد ، ولا يحملهم سوء آدب أحدهم ، أو قلة محبته وصدقه ، أن يبعده أو ~~يمقته ؛ لأن قلوبهم صافية ، لا تحمل الكدر ، فهم يحسنون إلى من أساء إليهم ~~من العوام ، فضلا عن أصحابهم ؛ فهم مأمورون بالتسوية بينهم في التذكير ~~والإمداد. والله تعالى يقسم بينهم ms0575 على قدر صدقهم ومحبتهم ، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم : " إنما أنا قاسم والله معطي " أي : إنما أنا أبين كيفية ~~التوصل إلى الحق ، والله تعالى يتولى إعطاء ذلك لمن يشاء من خلقه ، ~~فالأنبياء والأولياء مثلهم في بيان الطريق بالوعظ والتذكير ، كمن يبين قسمة ~~التركة بالقلم ، والحاكم هو الذي يوصل إلى كل واحد من الورثة ما كان ينوبه ~~في التركة ، كذلك المذكر والمربي ، بين المقامات ، والله يعطي ذلك بحكمته ~~وفضله. والله تعالى أعلم. # 152 # جزء : 2 رقم الصفحة : 151 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} ~~بحفظه إياكم من عدوكم ؛ {إذ هم قوم} أي : حين هم الكفار {أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم} بالقتل ، {فكف أيديهم عنكم} ، ولما كانت مصيبة قتل النبي صلى الله ~~عليه وسلم لو قتل تعم المؤمنين كلهم ، خاطبهم جميعا ، وهي إشارة إلى ما ~~همت به بنو قريظة ، من قتله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه صلى الله عليه ~~وسلم أتى بني قريظة ، ومعه الخلفاء الأربعة ؛ يستعينهم في دية رجلين مسلمين ~~، قتلهما عمرو بن أمية الضمري ، خطأ ، يظنهما مشركين ، فقالوا : نعم يا أبا ~~القاسم ، قد آن لنا أن نعينك فاجلس حتى تطعم ، فأجلسوه ، وهموا بقتله ، ~~فعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه ، فأمسك الله يده ، ونزل ~~جبريل فأخبره ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولحقه أصحابه ، ~~وهذا كان سبب قتلهم في غزوة بن قريظة. PageV02P213 # وقيل : نزلت في قضية غورث ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ببطن ~~نخلة حاصرا لغطفان ، فقال رجل منهم : هل لكم في أن أقتل محمدا فأفتك به ؟ ~~قالوا : وددنا ذلك ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم متقلدا سيفه ، فوجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم نازلا تحت شجرة قد تفرق أصحابه عنه ، وقد علق ~~سيفه في الشجرة ، فسله الأعرابي ، وقال : من يمنعك مني ؟ وفي رواية : وجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم نائما فاستل السيف ، فما استيقظ النبي إلا والسيف ~~في يد الأعرابي ، فقال : من يمنعك من يا ms0576 محمد ؟ فقال : " الله " ، فأسقطه ~~جبريل من يده ، وأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " وأنت ، من يمنعك ~~مني ؟ " فقال : كن خير آخذ ، فعفى عنه عليه الصلاة والسلام . زاد البيضاوي ~~: أنه أسلم. # وقيل نزلت في صلاة الخوف حين هم المشركون أن يغيروا على المسلمين في ~~الصلاة. فالله تعالى أعلم. # ثم قال تعالى : {واتقوا الله} فلا تشهدوا معه سواه ، وتوكلوا عليه يكفكم ~~أمر عدوكم ، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فإنه يكفيكم أمرهم جلبا ودفعا ، ~~من توكل على الله كفاه. # الإشارة : ما جرى على النبي صلى الله عليه وسلم من قصد القتل والإذاية ~~يجري على خواص ورثته ، وهم الأولياء رضي الله عنهم والعلماء الأتقياء ، ~~فقد هم قوم بقتلهم وسجنهم وضربهم ، وإجلائهم من أوطانهم ، فكف الله أيديهم ~~عنهم ، وكفاهم شرهم ، لما صححوا # 153 # التوكل عليه ، وأخلصوا الوجهة إليه ، ومنهم من لحقه شيء من ذلك ، كما لحق ~~بعض الأنبياء عليهم السلام زيادة في شرفهم وكرامتهم ، جمع الله لهم بين ~~مقام الشهادة والصديقية ، {والله ذو الفضل العظيم}. # جزء : 2 رقم الصفحة : 153 # قلت : النقيب : هو كبير القوم والمقدم عليهم ، ينقب عن أحوالهم ويفتش ~~عليها. والخائنة : إما مصدر ؛ كالعاقبة واللاغية ، أو اسم فاعل ، والتاء ~~للمبالغة ، مثل : رواية ونسابة وعلامة. PageV02P214 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} على أن يجاهدوا مع ~~موسى عليه السلام وينصروه ، ويلتزموا أحكام التوراة ، {وبعثنا منهم اثني ~~عشر نقيبا} اخترناهم وقدمناهم ، على كل سبط نقيبا ينقب عن أحوال قومه ، ~~ويقوم بأمرهم ، ويتكفل بهم فيما أمروا به. # روي أن بني إسرائيل لما خرجوا عن فرعون ، واستقروا بأوائل الشام ، أمرهم ~~الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس ، وهي في الأرض المقدسة ، وكان يسكنها ~~الجبابرة الكنعانيون ، وقال : إني كتبتها لكم دارا وقرارا ، فأخرجوا إليها ~~، وجاهدوا من فيها من العدو ، فإني ناصركم. وقال لموسى عليه السلام : خذ من ~~قومك اثني عشر نقيبا ، من كل سبط نقيبا ، يكون أمينا وكفيلا على قومه ~~بالوفاء على ما أمروا به. فاختار موسى النقباء ، فسار بهم حتى إذا دنوا من ~~أرض كنعان ms0577 ، وهي أريحا ، بعث هؤلاء النقباء يتجسسون الأخبار ، ونهاهم أن ~~يحدثوا قومهم بما يرون ، فلما قربوا من الأرض المقدسة رأوا أجراما عظاما ~~وبأسا شديدا ، فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم ، إلا كالب بن يوقنا من سبط ~~يهوذا ويوشع بن نون من سبط إفراثيم بن يوسف ثم {قالوا يا موسى إن فيها ~~قوما جبارين} إلى آخر ما يأتي من قصتهم. وأما ما ذكره الثعلبي هذا ، وغيره ~~، من قصة عوج بن عناق ، فقال القسطلاني : هي باطلة من وضع الزنادقة ، فلا ~~يجوز ذكرها في تفسير كتاب الله الصادق المصدوق. # 154 PageV02P215 ~~{وقال الله} لبني إسرائيل : {إني معكم} بالنصر والمعونة ؛ {لئن أقمتم ~~الصلاة وأتيتم الزكاة وآمنتم برسلي} التي أرسلت بعد موسى {وعزرتموهم} أي : ~~نصرتموهم وقويتموهم ، {وأقرضتم الله قرضا حسنا} بالإنفاق في سبل الخير ، ~~{لأكفرن عنكم سيئاتكم} أي : أستر عنكم ذنوبكم فلا نفضحكم بها ، {ولأدخلنكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك} العهد المؤكد ، المعلق عليه ~~هذا الوعد العظيم ، {فقد ضل سواء السبيل} أي : تلف عن وسط الطريق ، تلفا لا ~~شبهة فيه ولا عذر معه ، بخلاف من كفر قبل أخذ العهد ؛ فيمكن أن تكون له ~~شبهة ، ويتوهم له معذرة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 154 # ثم إن بني إسرائيل نقضوا المواثيق التي أخذت عليهم ، فكفروا وقتلوا ~~الأنبياء ، قال تعالى : {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} أي : طردناهم ~~وأبعدناهم ، أو مسخناهم ، {وجعلنا قلوبهم قاسية} أي : يابسة صلبة لا ينفع ~~فيها الوعظ والتذكير ، أو ردية مغشوشة بمرض الذنوب والكفر. # ثم بين نتيجة قوة قلوبهم فقال : {يحرفون الكلم عن مواضعه} لفظا أو ~~تأويلا. ولا قسوة أعظم من الجرأة على تغيير كتاب الله وتحريفه ، {ونسوا حظا ~~مما ذكروا به} أي : تركوا نصيبا واجبا مما ذكروا به من التوراة ، فلو عملوا ~~بما ذكرهم الله في التوراة ما نقضوا العهود وحرفوا كلام الله من بعد ما ~~علموه ، لكن رين الذنوب والأنهماك في المعاصي ، غطت قلوبهم فقست ويبست ، ~~{ولا تزال} يا محمد {تطلع على خائنة} أي : خيانة {منهم} أو على طائفة خائنة ~~منهم ، لأن الخيانة والغدر من ms0578 عادتهم وعادة أسلافهم ، فلا تزال ترى ذلك ~~منهم {إلا قليلا منهم} لم يخونوا ، وهم الذين أسلموا منهم ، {فاعف عنهم ~~واصفح} حتى يأتيك أمر الله فيهم ، أو إن تابوا وآمنوا ، أو إن عاهدوا ~~والتزموا الجزية ، {إن الله يحب المحسنين} إلى عباده كيفما كانوا. ومن ~~الإحسان إليهم : جبرهم على الإيمان بالسيف وسوقهم إلى الجنة بسلاسل ~~الامتحان. PageV02P216 # الإشارة : قد أخذ الله على هذه الأمة أن يلتزموا أحكام القرآن ، ويحافظوا ~~على مراسم الإسلام والإيمان ويجاهدوا نفوسهم في تحصيل مقام الإحسان ، وبعث ~~من يقوم ببيان شرائع الإسلام والإيمان ، ومن يعرف الطريق إلى مقام الإحسان ~~، وقال الله لهم : {إني معكم} بالنصر والتأييد ، لئن أقمتم شرائع الإسلام ، ~~وحققتم قواعد الإيمان وعظمتم من يعرفكم بطريق الإحسان ، لأغطين مساوئكم ، ~~ولأمحقن دعاويكم ، فأوصلكم بما منى إليكم من الكرم والجود ، ولأدخلنكم جنة ~~المعارف تجري من تحتها أنهار العلوم وأنواع الحكم ، فمن لم يقم بهذا ، أو ~~جحده فقد ضل عن طريق الرشاد ، ومن نقض عهد الشيوخ المعرفين بمقام الإحسان ، ~~فقد طرد وأبعد غاية الإبعاد ، وقسا قلبه ، بعد اللين. وقد ذكرنا في تفسير ~~الفاتحه الكبير معنى النقباء والنجباء وسائر مراتب الأولياء ، وبالله ~~التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # 155 # جزء : 2 رقم الصفحة : 154 # يقول الحق جل جلاله : وأخذنا أيضا عهدا وميثاقا من النصارى ، الذين سموا ~~أنفسهم نصارى ؛ ادعاء لنصرة عيسى عليه السلام ولم يقوموا بواجب ذلك عملا ~~واعتقادا ، أخذناه عليهم بالتزام أحكام الإنجيل ، وأن يؤمنوا بالله وحده لا ~~شريك له ، ولا صاحبة ولا ولد ، وأن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام إن ~~أدركوه ويتبعوه ، {فنسوا حظا مما ذكروا به} أي : نسوا ما ذكرناهم به ، ~~وتركوا حظا واجبا مما كلفوا به ، {فأغرينا} أي : سلطنا {بينهم العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة} ، فهم يقتتلون في البر والبحر ، ويتحاربون إلى ~~يوم القيامة ، فكل فرقة تلعن أختها وتكفرها ، أو بينهم وبين اليهود ، ~~فالعداوة بينهم دائمة ، {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} بالجزاء ~~العقاب. PageV02P217 # الإشارة : يؤخذ من الآية أن من نقض العهد مع الله ؛ بمخالفة ما أمره به أو ms0579 ~~نهاه عنه. أو مع أولياء الله ، بالانتقاد عليهم وعدم موالاتهم ، ألقى الله ~~في قلب عباده العداوة والبغضاء له ، فيبغضه الله ، ويبغضه عباد الله ، ومن ~~أوفى بما أخذه الله عليه من العهد بوفاء ما كلفه به ، واجتناب ما نهاه عنه ~~، وتودد إلى أوليائه ، ألقى الله في قلب عباده المحبة والوداد ، فيحبه الله ~~، ويحبه عباد الله ، ويتعطف عليه أولياء الله ، كما في الحديث : " إذا أحب ~~الله عبدا نادى جبريل ، إن الله يحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل. ثم ينادي ~~في الملائكة : إن الله يحب فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء ، ثم يلقى له ~~القبول في الأرض " .. الحديث. # جزء : 2 رقم الصفحة : 155 # قلت : الضمير في : {به} ، يعود إلى النور والكتاب ، ووحده ؛ لأن المراد ~~به شيء واحد ، لأن النور هو الكتاب المبين ، أو لأنهما جنس واحد. # 156 # يقول الحق جل جلاله : {يا أهل الكتاب} اليهود والنصارى {قد جاءكم رسولنا} ~~محمد صلى الله عليه وسلم {يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} كصفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، وآية الرجم التي في التوراة ، وكبشارة عيسى ~~بأحمد التي في الإنجيل ، {ويعفو عن كثير} مما تخفونه وتحرفونه ، فلم يخبر ~~به ، ولم يفضحكم ، حيث لم يؤمر به ، أو عن كثير منكم ، فلا يؤاخذه بجرمه ~~وسوء أدبه معه. PageV02P218 # {قد جاءكم} يا أهل الكتاب {من الله نور وكتاب مبين} ، عطف تفسير ، فالنور ~~هو الكتاب المبين ، أو النور : محمد عليه الصلاة والسلام والكتاب المبين ~~: القرآن ؛ لأنه الكاشف لظلمات الشك والضلال ، والواضح الإعجاز والبيان ، ~~{يهدي به الله من اتبع رضوانه} أي : من اتبع رضى الله بالإيمان به ، والعمل ~~بما فيه ، {سبل السلام} أي : طريق السلامة من العذاب ، أو طرق الله الموصلة ~~إليه ، {ويخرجهم من الظلمات إلى النور} من ظلمات الكفر ، إلى نور الإسلام ~~{بإذنه} أي : بإرادته وتوفيقه ، {ويهديهم إلى صراط مستقيم} أي : طريق ~~توصلهم إليه لا عوج فيها. # الإشارة : قد أطلع الله علماء الباطن على مقامات علماء الظاهر وأحوالهم ~~وجل مساوئهم ، ولا سيما من كان عالما بالظاهر ثم انتقل إلى علم الباطن ms0580 ، ~~كالغزالي وابن عباد وغيرهما. فقد تكلم الغزالي في صدر الإحياء مع علماء ~~الظاهر ، ففضح كثيرا من مساوئهم. وكذلك ابن عباد في شرح الحكم ، وعفوا عن ~~كثير فهم على قدم رسول الله صلى عليه وسلم وخواص ورثته ، لأنهم حازوا ~~الوراثة كلها ، كما في المباحث : # تبعة العالم في الأقوال # والعابد الزاهد في الأفعال # وفيهما الصوفي في السباق # لكنه قد زاد بالأخلاق # فالولي نور من نور الله ، وسر من أسراره ، يخرج به من سبقت له العناية من ~~ظلمات الحجاب إلى نور الشهود ، ويهدي به من اصطفاه لحضرته تعالى طريق ~~الوصول إليه. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 156 # 157 # يقول الحق جل جلاله : {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} ~~، والقائل بهذه المقالة هي الطائفة اليعقوبية من النصارى ، كما تقدم. وقيل ~~: لم يصرح بهذه المقالة أحد منهم. ولكن لزمهم حيث قالوا بأن اللاهوت حل في ~~ناسوت عيسى مع أنهم يقولون الإله واحد ، فلزمهم أن يكون هو المسيح ، ~~ولزمهم الاتحاد والحلول ؛ فنسب إليهم لازم قولهم ، توضيحا لجهلهم ، وتقبيحا ~~لمعتقدهم. PageV02P219 # ثم رد عليهم بقوله : {قل فمن يملك من الله شيئا} أي : من يمنع من قدرته ~~وإرادته شيئا ، {إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} ~~، وبيان الرد عليهم : أن المسيح مقدور ومقهور ، قابل للفناء كسائر الممكنات ~~، ومن كان كذلك فهو معزول عن الألوهية. ثم أزال شبهتهم بحجة أخرى فقال : ~~{ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما} ، يتصرف فيهما كيف شاء ، {يخلق ما ~~يشاء والله على كل شيء قدير} ؛ فقدرته عامة ؛ فيخلق من غير أصل ؛ كالسماوات ~~والأرض ، ومن أصل ؛ كخلق ما بينهما ، وينشىء من أصل ليس هو جنسه ؛ كآدام ~~وكثير من الحيوانات ، ومن أصل يجانسه ، إما من ذكر وحده ؛ كحواء ، أو من ~~أنثى وحدها : كعيسى ، أو منهما ؛ كسائر الناس. قاله البيضاوي : # الإشارة : قد رمي كثير من الأولياء المحققين بالاتحاد والحلول ؛ كابن ~~العربي الحاتمي ، وابن الفارض ، وابن سبعين ، والششتري والحلاج ، وغيرهم ~~رضي الله عنهم عنهم وهم برءاء منه. وسبب ذلك أنهم ms0581 لما خاضوا بحار التوحيد ~~، وكوشفوا بأسرار التفريد ، أو أسرار المعاني قائمة بالأواني ، سارية في كل ~~شيء ، ماحية لكل شيء ، كما قال في الحكم : " الأكوان ثابتة بإثباته ممحوه ~~بأحدية ذاته " فأرادوا أن يعبروا عن تلك المعاني فضاقت عبارتهم عنها ؛ لأنه ~~خارجة عن مدارك العقول ، لا تدرك بالسطور ولا بالنقول. وإنما هي أذواق ~~ووجدان ؛ فمن عبر عنها بعبارة اللسان كفر وزندق ، وهذه المعاني هي الخمرة ~~الأزلية التي كانت خفية لطيفة ، ثم ظهرت محاسنها ، وأبدت أنوارها وأسرارها ~~، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات ، فمن عرفها وكوشف بها. اتحد عنده الوجود ~~، وأفضى إلى مقام الشهود. وهي منزهة عن الحلول والاتحاد ، إذ لا ثاني لها ~~حتى تحل فيه أو تتحد معه ، وقد أشرت إلى هذا المعنى في تائيتي الخمرية ، ~~حيث قلت : # جزء : 2 رقم الصفحة : 157 # تنزهت عن حكم الحلول في وصفها # فليس لها سوى في شكله حلت PageV02P220 ~~تجلت عروسا في مرائي جمالها # وأرخت ستور الكبرياء لعزتي # فما ظاهر في الكون غير بهائها # وما احتجبت إلا لحجب سريرتي # فمن كوشف بأسرار هذه الخمرة ، لم ير مع الحق سواه. كما قال بعض العارفين ~~: ( لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ؛ فإنه لا غير معه حتى أشهده ). ولو ~~أظهرها الله تعالى # 158 # للكفار لوجدوا أنفسهم عابدة لله دون شيء سواه ، وفي هذا المعنى يقول ابن ~~الفارض على لسان الحقيقة : # فما قصدوا غيره وإن كان قصدهم # سواي وإن لم يظهروا عقد نيه # والنصارى دمرهم الله في مقام الفرق والضلال حملهم الجهل والتقليد الردي ~~على مقالاتهم التي قالوا في عيسى عليه السلام. # جزء : 2 رقم الصفحة : 157 # يقول الحق جل جلاله : {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله} أي : أولاد ~~بنيه ؛ فاليهود يقولون : نحن أولاد عزير ، والنصارى يقولون : نحن أشياع ~~عيسى. أو : فينا أبناء الله ونحن أحباؤه ، أو : نحن مقربون عند الله كقرب ~~الولد من والده. وهذه دعوى ردها عليهم بقوله : {قل} لهم : {فلم يعذبكم ~~بذنوبكم} ، وهل رأيتم والدا يعذب ابنه ، وقد عذبكم في الدنيا بالمسخ والقتل ~~والذل ، وقد اعترفتم أنه ms0582 يعذبكم بالنار أياما معدودة ، {بل أنتم بشر ممن ~~خلق} أي : ممن خلقه الله ، {يغفر لمن يشاء} بفضله ؛ وهو من آمن منهم بالله ~~ورسوله ، {ويعذب من يشاء} بعدله ؛ وهو من مات منهم على كفره ، فأنتم كسائر ~~البشر يعاملكم معاملتهم ، لا مزية لكم عليهم ، {ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما} كلها سواء في كونها ملكا وعبيدا الله سبحانه {وإليه المصير} ~~، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ، فلا فضل لأحد على أحد إلا ~~بالتقى. PageV02P221 # الإشارة : قوله تعالى : {فلم يعذبكم بذنوبكم} أي : فلو كنتم أحباءه لما ~~عذبكم ؛ لأن الحبيب لا يعذب حبيه ، حكي عن الشبلي رضي الله عنه أنه كان إذا ~~لبس ثوبا جديدا مزقه ، فأراد ابن مجاهد أن يعجزه بمحضر الوزير فقال له : ~~أين تجد في العلم فساد ما ينتفع به ؟ فقال له الشبلي : أين في العلم : ~~{فطفق مسحا بالسوق والأعناق} [ص : 33] ؟ فسكت ، فقال له الشبلي : أنت مقرىء ~~عند الناس ، فأين في القرآن : إن الحبيب لا يعذب حبيبه ؟ فسكت ابن مجاهد ، ~~ثم قال : قل يا أبا بكر ، فقرأ له الشبلي قوله تعالى : {وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبنآؤا الله وأحبآؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم} [المائدة : 18] ، ~~فقال ابن مجاهد : كأني والله ما سمعتها قط. ه. # وفي الحديث : " إذا أحب الله عبدا لا يضره ذنب " ، ذكره في القوت. وفي ~~المثل الشائع : ( من سبقت له العناية لا تضره الجناية ). وفي الصحيح " لعل ~~الله اطلع # 159 # على أهل بدر فقال : افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ، وسببه معلوم ، وفي ~~الوقت عن زيد بن أسلم : ( إن الله عز وجل ليحب حتى يبلغ من حبه له أن يقول ~~له : اصنع ما شئت فقد غفرت لك). وفي القصد للشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي ~~الله عنه قال : يبلغ الولي مبلغا يقال له : أصحبناك السلامة ، وأسقطنا عنك ~~الملامة ، فاصنع ما شئت. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 159 # وليس معناه إباحة الذنوب ، ولكنه لما أحبه عصمه أو حفظه ، وإذا قضى عليه ~~بشيء ألهمه التوبة ، وهي ماحية للذنوب ، وصاحبها محبوب ، قال تعالى : {إن ~~الله يحب التوابين}. ms0583 والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 159 PageV02P222 ~~قلت : جملة {يبين} : حال ، أي : جاءكم رسولنا مبينا لكم ، و{على فترة} : ~~متعلق بجاء ، أي : جاءكم على حين فترة وانقطاع من الوحي ، و{أن تقولوا} : ~~مفعول من أجله ، أي : كراهية أن تقولوا. # يقول الحق جل جلاله : {يا أهل الكتاب} ؛ اليهود والنصارى {قد جاءكم ~~رسولنا} محمد صلى الله عليه وسلم {يبين لكم} ما اختلفتم فيه ، أو ما كنتم ~~من أوامر الدين ، أو مطلق البيان. جاءكم {على} حين {فترة من الرسل} وانقطاع ~~من الوحي ، أرسلناه كراهية {إن تقولوا} يوم القيامة : {ما جاءنا من بشير ~~ولا نذير} ، فتعتذروا بذلك ، {فقد جاءكم بشير ونذير} فلا عذر لكم ، {والله ~~على كل شيء قدير} فيقدر على الإرسال من غير فترة ، كما في أنبياء بني ~~إسرائيل ؛ فقد كان بين موسى وعيسى ألف نبي ، وبينهما ألف وسبعمائة سنة ، ~~وعلى الإرسال على الفترة ، كما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. كان ~~بينهما ستمائة سنة ، أو خمسمائة سنة وتسع وستون سنة. قاله البيضاوي : # والذي في الصحيح : أن الفترة ستمائة سنة ، وفي الصحيح أيضا عنه عليه ~~الصلاة السلام : " أنا أولى الناس بعيسى في الأولى والآخرة وليس بيننا نبي ~~" وهو يرد ما حكاه الزمخشري وغيره : أن بينهما أربعة أنبياء : ثلاثة من بني ~~إسرائيل وواحد من العرب ، وهو خالد بن سنان العبسي ؛ لأن النكرة في سياق ~~النفي تعم. قاله المحشي. # 160 PageV02P223 ~~الإشارة : ظهور أهل التربية بعد زمان الفترة ، وخمود أنوار الطريقة وأسرار ~~الحقيقة ، حجة على العباد ، ونعمة كبيرة على أهل العشق والوداد ، من انتكب ~~عنهم لقي الله بقلب سقيم ، وقامت بهم الحجة عليهم عند الملك الكريم ، ومن ~~اتبعهم وحط رأسه لهم فاز بالخير الجسيم ، والنعيم المقيم ؛ حيث لقي الله ~~بقلب سليم ، وقد ظهروا في زماننا هذا بعض اندراس أنوار الطريقة ، وخمود ~~أسرار الحقيقة ، فجدد الله بهم الطريقة ، وأحيا بهم أسرار الحقيقة ، منهم ~~شيخنا أبو المواهب صاحب العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، البحر الفياض ، ~~سيدي محمد بن أحمد البوزيدي الحسني ، وشيخه القطب الواضح ، والجبل الراسخ ، ~~شيخ المشايخ ، مولاي ms0584 العربي الدرقاوي الحسني ، أطال الله بركاتهما للأنام ، ~~فقد تخرج على أيديهما الجم الغفير من الأولياء ، وليس الخبر كالعيان. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 160 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ قال موسى لقومه} : يا بني إسرائيل ~~{اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء} يسوسونكم ، كلما مات نبي خلفه ~~نبي ، فقد شرفكم بهم دون غيركم ، إذ لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل ~~من الأنبياء ، {وجعلكم ملوكا} أي : جعل منكم ملوكا ، وقد تكاثر فيهم الملوك ~~تكاثر الأنبياء ، فكان كل نبي معه ملك ينفذ أحكامه ، فكانت دار النبوة ودار ~~المملكة معلومة ، يخلف بعضهم بعضا في النبوة والملك ، استمر ذلك لهم ، حتى ~~قتلوا يحيى ، وهموا بقتل عيسى ، فنزع الله منهم الملك ، وأنزل عليهم الذل ~~والهوان. # وقيل : لما كانوا مملوكين في أيدي القبط ، فأنقذهم الله وجعلهم مالكين ~~لأنفسهم ، سماهم ملوكا. PageV02P224 # {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} من فلق البحر ، وتظليل الغمام ، ~~وإنزال المن والسلوى ، ونحوها ، أو المراد عالمي زمانهم ، وعن أبي سعيد ~~الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم ~~خادم وامرأة يكتب ملكا " وقال ابن عباس : ( من كان له بيت وخادم وامراة فهو ~~ملك) ، وعن أبي الدرداء قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " من أصبح ~~معافى في بدنه ، آمنا في سربه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا ~~بحذافيرها ، يكفيك منها ، يا ابن آدم ، ما سد جوعتك ، ووار عورتك ، فإن كان بيت # 161 # يواريك فذاك ، وإن كانت دابة فبخ بخ ، فلق الخبز ، وماء الجر وما فوق ~~الإزار حساب عليك ". وقال الضحاك : (كانت منازلهم واسعة ، فيها مياه جارية ~~، فمن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار ، فهو مالك). وقال قتادة : كانوا أول ~~من ملك الخدم ، وأول من سخر لهم الخدم من بني آدم. ه. # الإشارة : كل من رزقه الله من يأخذ بيده ومن يستعين به على ذكر ربه ، ~~فليذكر نعمة الله عليه ، فقد أسبغ الله عليه نعمه ظاهرة وباطنة. وكل من ملك ~~نفسه ms0585 وهواه ، وأغناه الله عما سواه ، فهو ملك من الملوك. وكل من خرجت فكرته ~~عن دائرة الأكوان ، واتصل بفضاء الشهود والعيان ، فقد آتاه الله ما لم يؤت ~~أحدا من العالمين. وقد كنت ذات يوم جالسا في الجامع الأعظم من مدينة تطوان ~~، فانتبعت فإذا مصحف إلى جنبي ، فقال لي الهاتف : انظر تجد مقامك ، فأعرضت ~~عنه ، فأعاد علي الهاتف ثلاث مرات ، فرفعته ، ونظرت ، فإذا في أول الورقة : ~~{وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} ، فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 161 PageV02P225 ~~قلت : {فتنقلبوا} : منصوب بأن في جوب النهي ، أو عطف على المجزوم ، و{ما ~~داموا} : بدل من {أبدا} ؛ بدل بعض ، و{أخي} يحتمل النصب عطف على {نفسي} ، ~~أو رفع عطف على {أن} مع اسمها ، أو مبتدأ حذف خبره ، أو جر عطف على ياء ~~المضاف ، على مذهب الكوفيين. # 162 # يقول الحق جل جلاله : حاكيا عن موسى عليه السلام : {يا قوم ادخلوا ~~الأرض المقدسة} ؛ أرض بيت المقدس ، قدسها الله ، حيث جعلها قرار أنبيائه ~~ومسكن المؤمنين. وفي مدحها أحاديث كثيرة. وقيل : الطور وما حوله ، أو دمشق ~~وفلسطين ، أو الشام ، {التي كتب الله لكم} أي : التي كتب الله في اللوح ~~المحفوظ ، أنها لكم مسكنا إن جاهدتم وأطعتم نبيكم ، {ولا ترتدوا على ~~أدباركم} أي : لا ترجعوا مدبرين هاربين خوفا من الجبابرة ، أو : لا ترتدوا ~~عن دينكم بالعصيان ، وعدم الوثوق بالله ، {فتنقلبوا خاسرين} الدنيا ~~والآخرة. روي أنهم لما سمعوا حالهم من النقباء بكوا ، وقالوا : ليتنا متنا ~~بمصر ، تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر ، ثم {قالوا يا موسى إن ~~فيها قوما جبارين} أقوياء متغالبين ، لا طاقة لنا بمقاومتهم ، وهم قوم من ~~العمالقة ، من بقية قوم عاد ، {وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها} بأمر سماوي ~~، أو يسلط عليهم من يخرجهم من غيرها ، {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} فيها. PageV02P226 # {قال رجلان} ؛ كالب بن يوقنا ، ويوشع بن نون ابن آخت موسى وخادمه {من ~~الذين يخافون} الله ، أو رجلان من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى ، وعليه ~~قراءة {يخافان} بضم الياء ، {أنعم ms0586 الله عليهما} بالإسلام والتثبت ، قالا : ~~{ادخلوا عليهم الباب} أي : باب المدينة ، أي : باغتوهم بالقتال ، {فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون} أي : ظاهرون عليهم ، فإنهم أجسام لا قلوب فيها. ~~يحتمل أن يكون علمهما بذلك من قبل موسى ، أو من قوله تعالى : {التي كتب ~~الله لكم} ، أو من عادته سبحانه في نصر رسله وأوليائه ، وما عهدا من صنيعه ~~تعالى مع موسى من قهر أعدائه. ثم قال : {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} ~~به ، ومصدقين لوعده. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 162 # قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها} ، وهذا من تعنتهم ~~وعصيانهم ، وأشنع منه قولهم : {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ، ~~قالوه استهزاء بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما ، وانظر فضيلة الأمة المحمدية ~~، وكمال أدبها مع نبيها عليه الصلاة والسلام فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال يوم الحديبية لأصحابه حين صد عن البيت : إني ذاهب بالهدي فناحره ~~عند البيت ، فقال المقداد بن الأسود : أما والله ما تقول لك كما قالت بنو ~~إسرائيل لموسى : {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هآهنا قاعدون} ، ولكن نقاتل عن ~~يمينك وشمالك ، ومن بين يديك من خلفك ، ولو خضت البحر لخضناه معك ، ولو ~~تسنمت جبلا لعلوناه معك ، ولو ذهبت بنا إلى برك الغماد لتبعناك ، فلما ~~سمعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تابعوه على ذلك فسر صلى الله عليه ~~وسلم وأشرق وجهه. ه. # ولما سمع موسى مقالة قومه له غضب ، ودعا ربه فقال : {رب إني لا أملك إلا ~~نفسي وأخي} أي : لا أثق إلا بنفسي وأخي ، ولا قدرة لي على غيرهما ، ~~والرجلان المذكوران ، وإن كانا موافقين له ، لكنه لم يوثق عليهما ، لما كبد ~~من تلون قومه ، ثم دعا # 163 PageV02P227 ~~عليهم فقال : {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} أي : احكم بيننا وبينهم ~~بما يستحق كل واحد منا ومنهم ، أو بالتبعيد بيننا وبينهم ، وتخليصنا من ~~صحبتهم. # روي أنه لما دعا عليهم ظهر فوقهم الغمام ، وأوحى الله إليه : يا موسى إلى ~~متى يعصي هذا الشعب ؟ لأهلكنهم جميعا ، فشفع فيهم موسى عليه السلام ms0587 فقال ~~الله تعالى له : قد غفرت لهم بشفاعتك ، ولكن بعد ما سميتهم فاسقين ، ودعوت ~~عليهم ، بي حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة ، وذلك قوله تعالى : {قال ~~فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} يحتمل أن يكون " أربعين " ~~متعلقا بمحرمة ، فيكون التحريم عليهم مؤقتا غير مؤبد فيوافق ظاهر قوله : ~~{التي كتب الله لكم}. # ويؤيد هذا ما روي أن موسى عليه السلام لما خرج من التيه ، سار بمن بقي ~~معه من بني إسرائيل ، ويوشع على مقدمته ، ففتح بيت المقدس ، فبقي فيها ما ~~شاء الله ، ثم قبض. ويحتمل أن يكون " أربعين " متعلقا ب {يتيهون} ، فيكون ~~التحريم مؤبدا ، وعلى هذا لم يبق أحد ممن دخل التيه إلا يوشع وكالب ، ولم ~~يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال له : {اذهب أنت وربك...} ، بل كلهم هلكوا ~~في التيه ، وإنما دخلها أشياعهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 162 PageV02P228 ~~روي أن موسى عليه السلام لما حضره الموت في التيه أخبرهم بأن يوشع بعده نبي ~~، وأن الله أمره بقتال الجبابرة ، فسار بهم يوشع ، وقاتل الجبابرة وكان ~~القتال يوم الجمعة ، فبقيت منهم بقية ، وكادت الشمس أن تغرب ليلة السبت ، ~~فخشي أن يعجزوه ، فقال : اللهم اردد الشمس علي ، وقال للشمس : إنك في طاعة ~~الله وأنا في طاعته ، فوقفت مثل يوم حتى قتلهم ، ثم قتل ملوك الأرمانيين ، ~~وقتل من ملوك الشام أحدا وثلاثين ملكا ، فصارت الشام كلها لبني إسرائيل ، ~~وفرق عماله في تواحيها ، وبقيت بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة يتيهون في ~~الأرض في ستة فراسخ ، بين فلسطين وأيلة ، متحيرين ، يسيرون من الصباح إلى ~~السماء جادين في السير ، فإذا هم بحيث ارتحلوا عنه ، ثم يسيرون بالليل كذلك ~~فيصبحون حيث ارتحلوا ، وكان الغمام يظلهم من الشمس وعمود من نور يطلع ~~بالليل فيضيء لهم ، وكان طعامهم المن والسلوى ، وماؤهم من الحجر الذي يحمله ~~موسى ، واختلف في الكسوة ، فقيل : أبقى الله كسوتهم معجزة لموسى ، وقيل : ~~كساهم مثل الظفر. والأكثر أن موسى وهارون كانا معهم زيادة في درجاتهما ، ~~وكان عقوبة لقومهما وأنهما ماتا فيه ، مات هارون أولا ms0588 ودفنه أخوه في كهف ، ~~وقيل : رفع على سرير في قبة ، ثم مات موسى عليه السلام ودفن بقرب من ~~الأرض المقدسة ، رمية بحجر ، كما في الحديث ، ثم دخل يوشع الأرض المقدسة ~~بعد ثلاثة أشهر. والله تعالى أعلم. # ثم قال تعالى لموسى عليه السلام : {فلا تأس} أي : لا تخزن ، {على القوم ~~الفاسقين} ، خاطبه الحق تعالى بذلك لما ندم على الدعاء عليهم ، فقال له : ~~أنهم أحق بذلك لفسقهم وعصيانهم. # 164 PageV02P229 ~~الإشارة : يقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه من المريدين : ادخلوا الحضرة ~~المقدسة التي كتب الله لكم ، إن دمتم على جهاد أنفسكم ، وصدقتم في طلب ربكم ~~، وبقيتم في تربية شيوخكم ، ولا ترتدوا على أدباركم بالرجوع عن صحبة شيوخكم ~~من الملل مع طول الأمل ، قتنقلبوا خاسرين ، فإن حضرتي محفوفة بالمكاره ، ~~والطريقة الموصلة إليها مرصودة للقواطع والعوائق ، فإن كان ممن لم يكتب له ~~فيها نصيب ، قال : لن ندخلها أبدا ما دام القواطع فيها ، ورجع على عقبيه ، ~~يتيه في مهامه شكوكه وأوهامه ، وإن كان ممن سبقت له العناية وحقت به ~~الرعاية قال : {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} ، فيبادر إلى قتل نفسه ، من غير تأن ولا خوف ولا ~~فزع ، فحضرة التحقيق لا ينالها إلا الشجعان ، ولا يسكنها إلا الأكابر من ~~أهل العرفان وإلى ذلك أشار صاحب العينية بقوله : # جزء : 2 رقم الصفحة : 162 # وإياك جزعا لا يهولك أمرها # فما نالها إلا الشجاع المقارع # وقال الورتجبي في قوله تعالى : {لا أملك إلا نفسي وأخي} : من بلغ عين ~~التمكين ملك نفسه وملك نفوس المريدين ؛ لأنه عرفها بمعرفة الله ، وقمعها من ~~الله بسلطان سائس قاهر ، من نظر إليه يفزع من الله ، ولا يطيق عصيانه ظاهرا ~~وباطنا ، فأخبر عليه السلام عن محل تمكينه وقدرته على نفسه ونفس أخيه ، ~~وأعلمنا أن بينهما اتحادا ، بحيث إنه إذا حكم على نفسه صار نفس أخيه مطمئنة ~~طائعة لله بالانفعال. قال صلى الله عليه وسلم : " المؤمنون كنفس واحدة ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 162 # قلت : الضمير في {عليهم} : لبني إسرائيل ms0589 ؛ لتقدم شأنهم ، ولاختصاصهم بعلم ~~قصة بني ابني آدم ، ولإقامة الحجة عليهم بهمهم ببسط اليد إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # 165 PageV02P230 ~~يقول الحق جل جلاله : {واتل عليهم} أي : على بني إسرائيل ؛ إذ الكلام كان ~~معهم ، أو على جميع الأمة ، أو على جميع الناس ، إذ هو أول الكلام على بقية ~~حفظ الأبدان {نبأ ابني آدم} وهو قابيل وهابيل {بالحق} أي : تلاوة ملتبسة ~~بالحق ، أو نبأ ملتبسا بالحق موافقا لما في كتب الأوائل. # {إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما} وهو هابيل ، {ولم يتقبل من الآخر} وهو ~~قابيل ، وسبب تقريبهما القربان أن آدم عليه السلام كان يولد له من حواء ~~توأمان في كل بطن : غلام وجارية ، إلا شيتا ، فإنه ولد منفردا ، وكان جميع ~~ما ولدته حواء أربعين ، بين ذكر وأنثى ، في عشرين بطنا ، أولهم قابيل ، ~~وتوأمته أقليما ، وآخرهم عبد المغيث ، ثم بارك الله في نسل آدم. قال ابن ~~عباس : لم يمت آدم حتى بلغ ولده ، وولد ولده ، أربعين ألفا ، ورأى فيهم ~~الزنا وشرب الخمر والفساد ، وكان غشيان آدم لحواء بعد مهبطهما إلى الأرض ، ~~وقال ابن إسحق عن بعض العلماء بالكتاب الأول : إن آدم كان يغشى حواء في ~~الجنة ، قبل أن يصيب الخطيئة ، فحملت في الجنة بقابيل وتوأمته ، ولم تجد ~~عليهما وحما ولا غيره ، وحملت في الأرض بهابيل وتوأمته ، فوجدت عليهما ~~الرحم والوصب والطلق والدم. # وكان آدم إذا كبر ولده يزوج غلام هذا البطن بجارية بطن آخر ، فكان الرجل ~~يتزوج أي أخواته شاء إلا توأمته ، لأنه لم يكن نساء يومئذ ، فأمر الله ~~تعالى آدم أن يزوج قابيل لوداء توأمة هابيل ، وينكح هابيل أقليما أخت قابيل ~~، وكانت أحسن الناس ، فرضي هابيل وسخط قابيل ، وقال : أختي أحسن ، وهي من ~~ولادة الجنة ، وأنا أحق بها ، فقال له أبوه : لا تحل لك ، فأبى ، فقال لهما ~~آدم : قربا وقربانا ، فأيكما قبل قربانه فهو أحق بها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 165 PageV02P231 ~~وكان قابيل صاحب زرع ، فقرب حملا من زرع رديء ، وأضمر في نفسه : لا أبالي ~~قبل أو لا ، لا يتزوج ms0590 أختي أبدا ، وكان هابيل صاحب غنم ، فقرب أحسن كبش ~~عنده ، وأضمر في نفسه الرضا لله تعالى ، وكانت العادة حينئذ أن تنزل نار من ~~السماء فتأكل القربان المقبول ، وإن لم يقبل لم تنزل ، فنزلت نار من السماء ~~فأكلت قربان هابيل ، وتركت قربان قابيل ، فحسده ، وقال له : {لأقتلنك} ، ~~حسدا على تقبل قربانه دونه ، فقال له أخوه : {إنما يتقبل الله من المتقين} ~~الكفر ، أي : إنما أوتيت من قبل نفسك بترك التقوى ، لا من قبلي ، فلم ~~تقتلني ؟ # قال البيضاوي : وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ~~، ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظا ، لا في إزالة حظه ، فإن ذلك ~~مما يضره ولا ينفعه ، وأن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متقي. ه. وفيه نظر : ~~فإن تقوى المعاصي ليست شرطا في قبول الأعمال بإجماع أهل السنة ، إلا أن ~~يحمل على تقوى الرياء والعجب. انظر الحاشية. # 166 # ثم قال له أخوه هابيل : {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} أي : لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك به ، ~~أو لم أدفعك عني ، وهل تركه للدفع تورع ، وهو الظاهر أو كان واجبا عندهم ، ~~وهو قول مجاهد ؟ وأما في شرعنا : فيجوز الدفع ، بل يجب ، قاله ابن جزي. ~~وقال البيضاوي : قيل : كان هابيل أقوى منه ، فتحرج عن قتله ، واستسلم له ~~خوفا من الله ، لأن الدفع لم يبح بعد ، أو تحريا لما هو الأفضل. قال صلى ~~الله عليه وسلم : " كن عبد الله المقتول ، ولا تكن عبد الله القاتل " وإنما ~~قال : {ما أنا بباسط} في جواب {لئن بسطت} ؛ للتبري من هذا الفعل الشنيع ، ~~والتحرز من أن يوصف به ، ولذلك أكد النفي بالباء. ه. PageV02P232 # ثم قال له هابيل : {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار} أي ~~: إني أريد بالاستسلام وعدم الدفع أن تنقلب إلى الله ملتبسا بإثمي ، أي : ~~حاملا لإثمي لو بسطت إليك يدي ، وإثمك ببسطك بيدك إلي ، ونحوه قوله صلى ~~الله عليه وسلم : " المستبان ما قالا ms0591 فعلى البادىء منهما ما لم يعتد ~~المظلوم " أو بإثم قتلى وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك ، أو بسائر ~~ذنوبي فتحملها عني بسبب قتلك لي ؛ فإن الظالم يجعل عليه يوم القيامة ذنوب ~~المظلوم ثم يطرح في النار ، ولذلك قال : {وذلك جزاء الظالمين} ، يحتمل أن ~~يكون من كلام هابيل ، أو استئناف من كلام الله تعالى ، أي : جزاؤهم يوم ~~القيامة أن يحملوا أوزار المظلومين ، ثم يطرحون في النار ، كما في حديث ~~المفلس. # جزء : 2 رقم الصفحة : 165 # ولم يرد هابيل بقوله : {إني أريد} ، أنه يحب معصية أخيه وشقاوته ، بل قصد ~~بذلك الكلام أنه إن كان القتل لا محالة واقعا فأريد أن يكون لك لا لي ، ~~والمقصود بالذات : ألا يكون له ، لا أن يكون لأخيه. ويجوز أن يكون المراد ~~بالإثم عقوبته. وإرادة عقاب العاصي جائزة. قاله البيضاوي. # {فطوعت له نفسه قتل أخيه} أي : سهلت له ووسعته ولم تضق منه ، أو طاوعته ~~عليه وزينته له ، {فقتله فأصبح من الخاسرين} دينا ودنيا ، فبقي مدة عمره ~~مطرودا محزونا. قال السدي : لما قصد قابيل قتل هابيل ، راغ هابيل في رؤوس ~~الجبال ، ثم أتاه يوما من الأيام ، فوجده نائما فشدخ رأسه بصخرة فمات ، ~~وقال ابن جريج : لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل ؟ فتمثل له إبليس ، وأخذ طيرا ~~فوضع رأسه على حجر ، ثم شدخه بحجر آخر ، وقابيل ينظر ، فعلمه القتل ، فوضع ~~رأس أخيه على حجر ثم شدخه بحجر آخر. وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة ، وقبره ~~قيل : عند عقبة حراء ، وقال ابن عباس : عند ثور وقال جعفر الصادق : بالبصرة ~~، في موضع المسجد الأعظم. # 167 PageV02P233 ~~الإشارة : قد تضمنت هذه الآية من طريق الإشارة ثلاث خصال ، يجب التحقق بها ~~على كل مؤمن متوجه إلى الله تعالى : أولها : التطهير من رذيلة الحسد ، لاذي ~~هو أول معصية ظهرت في السماء والأرض ، وقد تقدم الكلام عليه في النساء ، ~~الثانية : التطهير من الشرك الجلي والخفي ، والتغلغل في التبري من الذنوب ~~التي توجب عدم قبول الإعمال ، ويتحصل ذلك بتحقيق الإخلاص ، والثالثة : عدم ~~الانتصار للنفس والدفع عنها ms0592 إلا فيما وجب شرعا ، فقد قالوا : ( الصوفي دمه ~~هدر ، وماله مباح) ؛ فلا ينتصر لنفسه ولو بالدعاء ، فإما أن يسكت ، أو ~~يدعوا لظالمه بالرحمة والهداية ، حتى يأخذ الله بيده اقتداء برسوله صلى ~~الله عليه وسلم ، حيث قال " اللهم اعفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 165 # قلت : {ليريه} أي : يعلمه ، وضمير الفاعل يعود على " الله " أو الغراب ، ~~و{كيف} : حال من الضمير في {يواري} والجملة مفعول ثان ليرى ، أي : ليعلمه ~~الله ، أو الغراب ، كيفية مواراة أخيه ، و{يا ويلتا} : كلمة جزع وتحسر ، ~~والألف فيها بدل من ياء المتكلم ، كيا حسرتا ويا أسفا ، و" أصبح " هنا ~~بمعنى صار. # يقول الحق جل جلاله : {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض} أي : يحفر فيها ، ~~{ليريه} أي : الله ، أو الغراب ، {كيف يواري} أي : يستر {سوءة أخيه} أي : ~~جسده ؛ لأنه مما يستقبح أن يرى ، وخصت بالذكر لأنها أحق بالستر من سائر ~~الجسد ، فعلم الله قابيل كيف يصنع بأخيه ؛ لأنه لم يدر ما يصنع به ، إذ هو ~~أول ميت مات من بني آدم ، فتحير في أمره ، فبعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل ~~أحدهما الآخر ، فحفر له بمنقاره ورجليه ، ثم ألقاه في الحفرة وغطاه ~~بالتراب. PageV02P234 # قال قابيل لما رأى ذلك : {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري ~~سوءة أخي} فأهتدي إلى ما اهتدى إليه ، فحفر لأخيه ودفنه {فأصبح من ~~النادمين} على قتله ، لما كابد فيه من التحير في أمره ، وحمله على رقبته ~~سنة أو أكثر ، وتلمذة الغراب له ، # 168 # واسوداد لونه ، وتبري أبويه منه ، إذ روي أنه لما قتله أسود وجهه ، فسأله ~~آدم عن أخيه ، فقال : ما كنت عليه وكيلا. فقال : بل قتلته ؛ فلذلك اسود ~~جسدك ، وتبرأ منه ، ومكث بعد ذلك مائة سنة لم يضحك ، وعدم الظفر بما فعله ~~من أجله. قاله البيضاوي ، فانظره مع ما سيأتي عن الثعلبي. # واختلف في كفره ؛ فقال ابن عطية : الظاهر أنه لم يكن قابيل كافرا ، وإنما ~~كان مؤمنا عاصيا ، ولو كافرا ما تخرج أخوه من قتله ، إذ لا يتحرج من قتل ~~كافر ms0593 ؛ لأن المؤمن يأبى أن يقتل موحدا ، ويرضى بأن يظلم ليجازي في الآخرة. ~~ونحو هذا فعل عثمان رضي الله عنه لما قصد أهل مصر قتله مع عبد الرحمن بن ~~أبي بكر ، لشبهة ، وكانوا أربعة آلاف ، فأراد أهل المدينة أن يدفعوا عنه ، ~~فأبى واستسلم لأمر الله. قال عياض : منعه من الدفع إعلام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأن ذلك سبق به القدر. حيث بشره بالجنة على بلوى تصيبه ، ~~كما في البخاري ، ونقل عن بعض أهل التاريخ : أن شيتا سار إلى أخيه قابيل ، ~~فقاتله بوصية أبيه له بذلك ، متقلدا بسيف أبيه. وهو أول من تقلد بالسيف ، ~~فأخذه أخاه أسيرا وسلسله ، ولم يزل كذلك حتى قبض كافرا. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 168 PageV02P235 ~~قلت : ولعل تحرج أخيه من قتله ؛ لأنه حين قصد قتله لم يظهر كفره ، وظهر بعد ~~ذلك ، فلذلك قاتله أخوه شيت بعد ذلك وأسره ، وذكر الثعلبي : أن قابيل لما ~~طرده أبوه ، أخذ بيد أخته أقليما ، فهرب بها إلى أرض اليمن ، فأتاه إبليس ~~فقال له : إنما أكلت النار قربان هابيل ، لأنه كان يخدم النار ويعبدها ، ~~فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك ، فبنى بيت نار ، وهو أول من عبد ~~النار. ه. فهذا صريح في كفره. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إذا كان الحق جل جلاله يدل العصاة من عباده إذا تحيروا على ما ~~يزيل حيرتهم ، فكيف لا يدل الطائعين إذا تحيروا على ما يزيل شبهتهم ، إذا ~~فزعوا إليه والتجأوا إلى حماه ؟ ! فكل من وقع في حيرة دينية أو دنيوية وفزع ~~إلى الله تعالى ، مضطرا إليه ، فلا شك أن الله تعالى ، مضطرا إليه ، فلا شك ~~أن الله تعالى يجعل له فرجا ومخرجا من أمره ، إما بواسطة أو بلا واسطة. كن ~~صادقا تجد مرشدا ، {فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} [محمد : 21]. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 168 # {من أجل ذالك كتبنا علىا بنيا إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد ~~في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ms0594 جميعا...} # قلت : {من أجل ذلك} : يتعلق بكتبنا ، فيوقف على ما قبله ، وقيل : ~~بالنادمين ، فيوقف على {ذلك} ، وهو ضعيف ، قاله ابن جزي ، وأصل {أجل} : ~~مصدر أجل # 169 # يأجل ، كأخذ يأخذ ، أجلا ، أي : جنا جناية ، استعمل في تعليل الجنايات ، ~~ثم اتسع فيه ، فاستعمل في كل تعليل. PageV02P236 # يقول الحق جل جلاله : {من أجل ذلك} القتل الذي صدر من قابيل لأخيه هابيل ، ~~وما نشأ عنه من التجرؤ على الدماء والمفاسد ، حيث سنه أولا ولم يكن يعرفه ~~أحد ، فاقتدى به من بعده ، {كتبنا على بني إسرائيل} في التوراة الذي حكمه ~~متصل بشريعتكم ، {أنه من قتل نفسا بغير نفس} أي : في غير قصاص ، وبغير فساد ~~في الأرض ، كقطع الطريق والكفر ، {فكأنما قتل الناس جميعا} من حيث إنه هتك ~~حرمة الدماء ، وسن القتل ، وجرأ الناس عليه. # وفي البخاري عن ابن مسعود قال : قال صلى الله عليه وسلم : " لا تقتل نفس ~~مسلمة بغير حق إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه أول من سن ~~القتل " أو من حيث إن قتل الواحد والجميع سواء في استجلاب غضب الله والعذاب ~~العظيم ، أو يكون الناس خصماءه يوم القيامة ؛ لأن هتك حرمة البعض كالكل ؟ # {ومن أحياها} أي : تسبب في حياتها بعفو أو منع من القتل ، أو استقباء من ~~بعض أسباب الهلكة ؛ كإنقاذ الغريق والحريق وشبه ذلك ، {فكأنما أحيا الناس ~~جميعا} ؛ أعطي من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعا ، وفي البخاري : " من ~~أحياها أي من حرم قتلها إلا بحق حيى الناس منه جميعا " قال ابن جزي : ~~والقصد بالآية تعظيم قتل النفس والتشديد فيه ، ليزدجر الناس عنه وكذلك ~~الثواب في إحيائها كثواب إحياء الجميع لتعظيم الأمر والترغيب فيه. ه. فما ~~كتبه الله على بني إسرائيل هو أيضا شرع لنا. قال أبو سعيد : ( والذي لا إله ~~إلا هو دم بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا). # جزء : 2 رقم الصفحة : 169 PageV02P237 ~~وإنما خصهم بالذكر ؛ لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل النفس في كتاب ~~، وغلظ عليهم بسبب طغيانهم ، ولتلوح مذمتهم. ms0595 انظر ابن عطية. وعنه صلى الله ~~عليه وسلم : " من سقى مؤمنا شربة ماء والماء موجود ، فكأنما أعتق سبعين ~~رقبة ، ومن سقى في غير موطنه فكأنما أحيا الناس جميعا ". الإشارة : كل من ~~صد نفسا عن إحياء قلبها وعوقها عن من يعرفها بربها فكأنما قتلها ، ومن قتل ~~نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ؛ لأن المؤمنين كلهم كالجسد الواحد ، كما # 170 PageV02P238 ~~في الحديث ، ومن أحياها بأن أنقذها من الغفلة إلى اليقظة ، ومن الجهل إلى ~~المعرفة ، فكأنما أحيا الناس جميعا ؛ لأن الأرواح جنس واحد ، فإحياء البعض ~~كإحياء الكل. وبهذا يظهر شرف مقدار العارفين ، الدالين على الله ، والدعاة ~~إلى معرفة الله ، الذين أحيا الله بهم البلاد والعباد ، وفي بعض الأثر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن ~~لكم : إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ، ويحببون ~~عباد الله إلى الله ، ويمشون في الأرض بالنصيحة ". وهذه حالة شيوخ التربية ~~: يحببون الله إلى عباده ؛ لأنهم يطهرون القلب من دنس الغفلة حتى ينكشف لها ~~جمال الحق فتحبه وتعشقه ، ويذكرون لهم إحسانه تعالى وآلاءه فيحبونه ، فإذا ~~أحبوه أطاعوه فيحبهم الله ويقربهم ، والله تعالى أعلم. وقال الورتجبي : فيه ~~إشارة لطيفة من الحق سبحانه أن النية إذا وقعت من قبل النفس الأمارة في شيء ~~، وباشرته ، فكأنما باشرت جميع عصيان الله تعالى ؛ لأنها لو قدرت على ~~جميعها لفعلت ، لأنها أمارة بالسوء ، ومن السوء خلقت ، فالجزاء يتعلق ~~بالنية. وكذلك إذا وقعت النيبة من قبل القلب الروحاني في خير ، وباشره ، ~~فكأنه باشر جميع الخيرات ؛ لأنه لو قدر لفعل. قال صلى الله عليه وسلم " نية ~~المؤمن أبلغ من عمله ". وفيه إشارة أخرى أن الله سبحانه خلق النفوس من قبضة ~~واحدة مجتمعة ، بعضها من بعض وصرفها مختلفة ، وتعلقت بضعها من بعض من جهة ~~الاستعداد والخلقة. فمن قتل واحدا منها أثر قتلها في جميع النفوس عالمة ~~بذلك أو جاهلة ، ومن أحيا نفس مؤمن بذكر الله وتوحيده ، ووصف جلاله وجماله ~~، حتى تحب خالقها ، وتحيا بمعرفته ، وجمال مشاهدته ms0596 ، فأثر حياتها وتزكيتها ~~في جميع النفوس ، فكأنما أحيا جميع النفوس. وفيه تهديد لأئمة الضلالة ، وعز ~~وشرف وثناء حسن لأئمة الهدى. انتهى كلامه. PageV02P239 # جزء : 2 رقم الصفحة : 169 # وقوله في النفس الأمارة : ( من السوء خلقت) ، فيه نظر ؛ فإن النفس هي ~~الروح عند المحققين ، فما دامت الطينية غالبة عليها ، وهي مائلة إلى الحظوظ ~~والهوى ، سميت نفسا ، فإن كانت منهمكة سميت أمارة ، وإن خف عثارها ، وغلب ~~عليها الخوف ، سميت لوامة ، فإذا انكشف عنها الحجاب ، وعرفت ربها ، ~~واستراحت من تعب المجاهدة ، سميت روحا ، وإن تطهرت من غبش الحس بالكلية ~~سميت سرا ، وأصلها من حيث هي نور رباني وسر لاهوتي. ولذلك قال تعالى فيها : ~~{قل الروح من أمر ربي} [الإسراء : 85] ، فالسوء عارض لها ، لا ذاتي ، فما ~~خلقت إلا من نور القدس. والله تعالى أعلم. # 171 # ثم عاتب بني إسرائيل على سفك الدماء والإفساد في الأرض ، بعد ما حرم ذلك ~~عليهم في التوراة ، فقال : # {...ولقد جآءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذالك في الأرض ~~لمسرفون} # يقول الحق جل جلاله : {ولقد جاءتهم} أي : بني إسرائيل ، {رسلنا بالبينات} ~~أي : بالمعجزات الواضحات ، {ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} ~~بسفك الدماء وكثرة المعاصي. قال البيضاوي : أي : بعدما كتبنا عليهم هذا ~~التشديد العظيم من أجل إتيان تلك الجناية ، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات ~~الواضحة تأكيدا للأمر وتجديدا للعهد ، كي يتحاموا عنها ، كثير منهم يسرفون ~~في الأرض بالقتل ولا يبالون ، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها ، والإسراف : ~~التباعد عن حد الاعتدال في الأمر. ه. PageV02P240 # الإشارة : قد قيض الله لهذه الأمة المحمدية من يقوم بأمر دينها ، ظاهرفا ~~وباطنا ، وهم ورثته في الظاهر والباطن ، وفي الخبر : علماء أمتي كأنبياء ~~بني إسرائيل ، فلكل زمان رجال يقومون بالشريعة الظاهرة وهم العلماء ، ورجال ~~يقومون بالحقيقة الباطنة ، وهم الأولياء ، فمن قصر في الجهتين قامت عليه ~~الحجة ، ولله الحجة البالغة ، فمن أسرف أو طغى أدبته الشريعة وأبعدته ~~الحقيقة. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 169 # قلت : سبب نزل الآية عند ابن عباس : قوم من اليهود كان ms0597 بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عهد ، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل. وهو مناسب لما ~~قبله ، وقال جماعة : نزلت في نفر من عكل وعرينة ، أظهروا الإسلام بالمدينة ~~، ثم خرجوا وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا إبله ، فبعث في ~~إثرهم ، فأخذوا ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ، فماتوا ، ثم حكمها جار ~~في كل محارب ، والمحاربة عند مالك : هي حمل السلاح على الناس في بلد أو في ~~خارج عنه ، وقال أبو حنيفة : لا يكون المحارب إلا خارج البلد ، {فسادا} : ~~منصوب على العلة ، أو المصدر ، أو على حذف الجار. # 172 # يقول الحق جل جلاله : {إنما جزاء الذين يحاربون الله} حيث حاربوا عباده ، ~~فهو تغليظ ومبالغة ، {و} يحاربون {رسوله} كما فعل العرينيون أو غيرهم ، ~~{ويسعون في الأرض فسادا} بالفساد كإخافة الناس ، ونهب أموالهم. قال ابن جزي ~~: هو بيان للحرابة ، وهي درجات ؛ فأدناها : إخافة الطريق ، ثم أخذ الأموال ~~، ثم قتل النفس. PageV02P241 # فجزاؤهم {أن يقتلوا أو يصلبوا} ، فالصلب مضاف للقتل ، فقيل : يقتل ثم يصلب ~~، إرهابا لغيره ، وهو قول أشهب ، وقيل : يصلب حيا ويقتل في الخشبة ، وهو ~~قول ابن القاسم ، {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} ، فيقطع يده اليمنى ~~ورجله اليسرى ، وإن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى ، وقطع اليد من الرسغ ~~، الرجل من المفصل كالسرقة ، {أو ينفوا من الأرض} أي : ينفوا من بلد إلى ~~بلد ، ويسجنوا فيه حتى تظهر توبتهم. وقال أبو حنيفة : يسجن في البلد بعينه. ~~ومذهب مالك : أن الإمام مخير في المحارب بين ما تقدم ، إلا أنه قال : إن ~~كان قتل فلا بد من قتله ، وإن يقتل فالأحسن أن يؤخذ فيه بأيسر العقاب. # أولئك المحاربون {لهم خزي في الدنيا} : ذل وفضيحة ، {ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم} لعظم ذنوبهم. ظاهره أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفارة للمحاربين ~~بخلاف سائر الحدود. ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب ، وفي الآخرة ~~لمن لم يعاقب ، {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} بأن جاؤوا تائبين ~~{فاعلموا أن الله غفور رحيم} ، فيسقط عنهم حكم ms0598 الحرابة ، واختلف : هل يطالب ~~بما عليه من حقوق الناس كالدماء أم لا ؟ فقال الشافعي : يسقط عنه بالتوبة ~~حد الحرابة ، ولا يسقط حقوق بني آدم ، وقال مالك : يسقط عنه جميع ذلك ، إلا ~~أن يوجد معه مال رجل بعينه ، فيرد إلى صاحبه ، أو يطلبه ولي دم بدم تقوم ~~البينة فيه ، فيقاد به ، وأما الدماء والأموال التي لم يطالب بها ، فلا ~~يتبعه الإمام بشيء منها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 172 # وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة ، يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط ~~الحد ، وإن أسقطت العذاب ، والآية في قطاع المسلمين ؛ لأن توبة المشرك تدرأ ~~عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها. ه. قاله البيضاوي : والله تعالى أعلم. PageV02P242 # الإشارة : فرق كبير بين من يرجع إلى الله بملاطفة الإحسان ، وبين من يقاد ~~إليه بسلاسل الامتحان ، هؤلاء المحاربون لم يرجعوا إلى الله حتى أخذوا ~~وقتلوا وصلبوا أو قطعت أيديهم وأرجلهم. وإن رجعوا إليه اختيارا قبلهم ، ~~وتاب عليهم ورحمهم وتعطف عليهم ، وكذلك العباد : من رجع إلى الله قبل هجوم ~~منيته قبله وتاب عليه ، وإن جد في الطاعة قربه وأدناه ، وإن تقدمت له ~~جنايات ، وقد خرج من اللصوص كثير من الخصوص ، كالفضيل ، وابن أدهم ، ~~وغيرهما ، ممن لا يحصى ، سبقت لهم العناية فلم تضرهم الجناية. وبالله ~~التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # 173 # جزء : 2 رقم الصفحة : 172 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} ، ولا تسلكوا ~~سبيل بني إسرائسيل الذين جاءتهم الرسل ، فعصوا وأفسدوا {وابتغوا إليه ~~الوسيلة} أي : اطلبوا ما تتوسلون به إلى رضوانه ، والقرب من جناب قدسه من ~~الطاعات ، وترك المخالفات ، {وجاهدوا في سبيله} بمحاربة أعدائه الظاهرة ~~والباطنة {لعلكم تفلحون} بالوصول إلى الله والفوز بكرامته. # الإشارة : لا وسيلة أقرب من صحبة العارفين ، والجلوس بين أيديهم وخدمتهم ~~، والتزام طاعتهم ، فمن رام وسيلة توصله إلى الحضرة غير هذه فهو جاهل بعلم ~~الطريق. قال أبو عمرو الزجاجي رضي الله عنه : لو أن رجلا كشف له عن الغيب ، ~~ولا يكون له استاذ لا يجيء منه شيء. # وقال إبراهيم بن شيبان ms0599 رضي الله عنه : لو أن رجلا جمع العلوم كلها ، وصحب ~~طوائف الناس ، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة ، من شيخ أو إمام أو مؤدب ~~ناصح ، ومن لا يأخذ أدبه من آمر له وناه يريه عيوب أعماله ورعونات نفسه ، ~~لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات. ه. PageV02P243 # وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : كل من لا يكون له في هذا ~~الطريق شيخ لا يفرح به. ه. ولو كان وافر العقل منقاد النفس ، واقتصر على ما ~~يلقى إليه شيخ التعليم فقط ، فلا يكمل كمال من تقيد بالشيخ المربي ؛ لأن ~~النفس أبدا كثيفة الحجاب عظيمة الإشراك ، فلا بد من بقاء شيء من الرعونات ~~فيها ، ولا يزول عنها ذلك ، بالكلية ، إلا بالانقياد للغير والدخول تحت ~~الحكم والقهر ، وكذلك لو كان سبقت إليه من الله عناية وأخذه الحق إليه ، ~~وجذبه إلى حضرته ، لا يؤهل للمشيخة ، ولو بلغ ما بلغ ، والحاصل : أن ~~الوسيلة العظمى ، والفتح الكبير ، إنما هو في التحكيم للشيخ ، لأن الخضوع ~~لمن هو من جنسك تأنفه النفس ، ولا تخضع له إلا النفس المطمئنة ، التي سبقت ~~لها من الله العناية. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 173 # 174 # قلت : {لو أن لهم} : الجار متعلق بالاستقرار ، لأنه خير " إن " مقدما ، ~~والضمير في {به} : يعود على ما ومثله ، ووحده باعتبار ما ذكر كقوله : {عوان ~~بين ذلك} [البقرة : 68]. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كفروا} حين يشاهدون العذاب يتمنون الفداء ~~، فلو {أن لهم ما في الأرض جميعا} من الأموال والعقار {ومثله معه ليفتدوا ~~به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم} ولا ينفعهم {ولهم عذاب مقيم} لا خلاص ~~لهم منه ، وهذا كما ترى في الكفار ، وأما عصاة المؤمنين فيخرجون منها ~~بشفاعة نبيهم عليه الصلاة والسلام ولا حجة للمعتزلة في الآية ، خلافا ~~لجهالة الزمخشري. # الإشارة : كل من مات تحت قهر الحجاب ، ونكبته المشيئة عن دخول الحضرة مع ~~الأحباب ، حصل له الندم يوم القيامة ، فلو رام أن يفتدى منه بملء الأرض ~~ذهبا ما تقبل منه ، بل يبقى ms0600 مقيما في غم الحجاب ، معزولا عن رؤية الأحباب ، ~~يتسلى عنهم بالحور والولدان ، وتفوته نظرة الشهود والعيان في كل حين وأوان ~~، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV02P244 # جزء : 2 رقم الصفحة : 174 # قلت : {السارق} : مبتدأ والخبر محذوف عند سيبويه ، وهو الجار والمجرور ، ~~أي : مما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة ، وقال المبرد : الخبر هو جملة : ~~{فاقطعوا} ، ودخلت الفاء لمعنى الشرط ؛ لأن الموصول وهو " أل " فيه معنى ~~الشرط ، ومثله : {الزانية والزانى فأجلدوا} [النور : 2] ، قلت : وهو أظهر ، ~~فإن قلت : ما الحكمة في تقديم المذكر في هذه الآية ، وفي أية الزنا قدم ~~المؤنث ، فقال : {الزانيه والزانى} ؟ فالجواب : أن السرقة في الرجال أكثر ، ~~والزنى في النساء أكثر ، فقدم الأكثر وقوعا. وقدم العذاب هنا على المغفرة ، ~~لأنه قابل بذلك تقدم السرقة على التوبة ، أو لأن المراد به القطع ، وهو ~~مقدم في الدنيا ، {جزاء} و{نكالا} : علة أو مصدر. # يقول الحق جل جلاله : {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} أي : أيمانهما ~~من الرسغ ، بشروط ، منها : ألا يكون مضطرا بالجوع ، على قول مالك ، فيقدم ~~السرقة على الميتة ، إن علم تصديقه. ومنها : ألا يكون السارق أبا أو عبدا ~~سرق مال ولده أو # 175 # سيده. ومنها : أن يكون سرق من حرز ، وأن يكون نصابا ، وهو ربع دينار ، أو ~~ثلاثة دراهم ، أو ما يساويهما عند مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : لا قطع ~~في أقل من عشرة دراهم ، وقال عثمان البتى : يقطع في درهم فما فوق. وفي ~~السرقة أحكام مبسوطة في كتب الفقه. # وعلة القطع : الزجر ، ولذلك قال : {جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم}. فإن قلت : ما الحكمة في قطعها في ربع دينار ، مع أن ديتها أن ~~قطعت ، خمسمائة دينار ؟ قلت : ذل الخيانة أسقطت حرمتها بعد عز الصيانة. ~~فافهم حكمة الباري. PageV02P245 # {فمن تاب من بعد ظلمه} أي : بعد سرقته ، كقوله في سورة يوسف : {كذلك نجزي ~~الظالمين} [يوسف : 75] أي : السارقين ، {وأصلح} بأن رد ما سرق ، وتخلص من ~~التبعات ما استطاع ، وعزم ألا يعود {فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم} ~~، فيتقبل ms0601 توبته ، فلا يعذبه في الآخرة ، وأما القطع : فهل يسقط ، وهو مذهب ~~الشافعي لظاهر الآية ، أو لا يسقط ، وهو مذهب مالك ، لأن الحدود لا تسقط ~~عنده بالتوبة إلا عن المحارب ؟ ... قاله ابن جزي ، تبعا لابن عطية ، وفيه ~~نظر ، فإن مشهور مذهب الشافعي موافق لمالك ، ولعله تصحف عده الشافعي ~~بالشعبي ، كما نقل الثعلبي عنه. والله أعلم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 175 # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} يتصرف فيهما كيف شاء ، فالخطاب ~~للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ، {يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء} ~~قال السدي : يعذب من مات على كفره ، ويغفر لمن تاب من كفره. وقال الكلبي : ~~{يعذب من يشاء} على الصغيرة إذا أقام عليها {ويغفر لمن يشاء} على الكبيرة ~~إذا نزع منها ، {والله على كل شيء قدير} لا يعجزه شيء. الإشارة : كما أمره ~~الحق جل جلاله بقطع سارق الأموال ، أمر بقطع سارق القلوب ، وهو الشيطان ، ~~وجنوده ؛ الخواطر الردية ؛ فإن القلب بيت كنز السر أي : سر الربوبية لأن ~~القلب بيت الرب ، والبصيرة حارسة له ، فإذا طرقه الشيطان بجنوده ، فإن وجد ~~البصيرة متيقظة دفعته وأحرقته بأنوار ذكرها ، وأن وجدها نائمة ؛ فإن كان ~~نومها خفيفا اختلس منها وفطنت له ، وإن كان نومها ثقيلا ؛ بتراكم الغفلات ، ~~خرب البيت ولم تفطن له ، فيسكن فيه بجنوده الخواطر وهي نائمة. فالواجب على ~~الإنسان حفظ قلبه ، قبل أن يسكنه الشيطان ، فيصعب دفعه ، وحفظه بدوام ذكر ~~الله القلبي ، فإن لم يستطع فبدوام اللسان ، فإن لم يستطع فبالنية الصالحة. ~~وربنا المستعان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 175 PageV02P246 ~~{ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالواا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم...} # 176 # قلت : الباء في : {بأفواههم} متعلقة بقالوا. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الرسول لا يحزنك} صنع المنافقين ، {الذين ~~يسارعون في الكفر} أي : يقعون فيه سريعا ، فيظهرونه إن وجدوا فرصة ، ثم ~~بينهم بقوله : {من الذين قالوا آمنا} قالوه {بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} ، ~~فلا يهولنك شأنهم ولا تحتفل بكيدهم ، فإن الله سيكفيك أمرهم. # الإشارة : من شأن ms0602 العارفين بالله تذكير عباد الله ، ثم ينظرون إلى ما ~~يفعل الله ، فلا يحزنون على من لم تنفعه الموعظة ، ولا يفرحون بسبب نجاح ~~موعظتهم ، إلا من حيث موافقة رضا ربهم ، فهم في ذلك على قدم نبيهم ، آخذين ~~بوصية ربهم. والله تعالى أعلم. # ثم رجع إلى عتاب اليهود ، فقال : # {... ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون ~~الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هاذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن ~~يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولائك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب أكالون ~~للسحت فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ~~وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين وكيف يحكمونك وعندهم ~~التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذالك ومآ أولائك بالمؤمنين} PageV02P247 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 176 # قلت : {ومن الذين هادوا} : يحتمل أن يكون عطفا على {الذين قالوا} أي : لا ~~يحزنك شأن المنافقين واليهود ، و{سماعون} : خبر ، أي : هم سماعون ، ويحتمل ~~أن يكون استئنافا ، فيكون {سماعون} : مبتدأ على حذف الموصوف ، و{من} : خبر ~~، أي : ومن الذين هادوا قوم سماعون ، واللام في : {للكذب} : إما مزيدة ~~للتأكيد ، أو لتضمين السماع معنى القبول ، وجملة {لم يأتوك} : صفة لقوم ، ~~وجملة {يحرفون} : صفة أخرى له. # يقول الحق جل جلاله : {ومن الذين هادوا} صنف {سماعون للكذب} أي : كثيروا ~~السماع للكذب والقبول له ، وهم يهود بني قريظة ، {سماعون لقوم آخرين} وهم ~~يهود خيبر ، {لم يأتوك} أي : لم يحضروا مجلسك ، تكبرا وبغضا ، {يحرفون ~~الكلم من بعد مواضعه} أي : يميلونه عن مواضعه الذي وضعه الله فيها ، إما ~~لفظا أو تأويلا : {يقولون} : أي : الذين لم يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~، وهم يهود خيبر : {إن أوتيتم هذا فخذوه} أي : إن أوتيتم هذا المحرف ~~وأفتاكم محمد بما يوافقه فخذوه ، {وإن لم تؤتوه} بأن أفتاكم بغيره ~~{فاحذروا} أن تقبلوا منه. # 177 PageV02P248 ~~وسبب نزولها : أن شريفا من يهود ms0603 خيبر زنى بشريفة منهم ، وكانا محصنين ، ~~وكرهوا رجمهما ، فأرسلوا مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وقالوا لهم : إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا ، وإن ~~أمركم بالرجم فاحذروا أن تقبلوه منه ، فأتوا رسول الله صلى عليه وسلم ~~بالزانيين ، ومعهما ابن صوريا ، فاستفتوه صلى الله عليه وسلم ، فقال لابن ~~صوريا : أنشدك الله الذي لا إله إلا هو ، الذي فلق البحر لموسى ، ورفع ~~فوقكم الطور ، وأنجاكم وأغرق آل فرعون ، والذي أنزل عليكم كتابه ، وأحل ~~حلاله وحرم حرامه ، هل تجد فيهم الرجم على من أحصن ؟ فقال : نعم ، فوثبوا ~~عليه ، فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ، فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب المسجد ، وفي رواية : دعاهم إلى ~~التوراة فأتوا بها ، فوضع ابن صوريا يده على آية الرجم ، وقرأ ما حولها ، ~~فقال له عبدالله بن سلام : ارفع يدك ، فإذا آية الرجم تلوح ، فرجما. وفي ~~القصة اضطراب كثير. ولعل القضية تعددت. # قال تعالى : {ومن يرد الله فتنته} أي : ضلالته أو فضيحته ، {فلن تملك له ~~من الله شيئا} أي : تقدر على دفعها عنه ، {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم} من الكفر والشرك ، {لهم في الدنيا خزي} أي : هوان وذل ؛ بضرب ~~الجزية والخوف من المؤمنين ، {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وهو الخلود في ~~النيران. # جزء : 2 رقم الصفحة : 176 PageV02P249 ~~هم {سماعون للكذب} ، كرر للتأكيد ، وليرتب عليه قوله : {أكالون للسحت} أي : ~~الحرام ، كالرشا وغيرها ، وسمي سحتا ؛ لأنه يسحت البركة ويستأصل المال ، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم " من جمع المال من نهاوش أذهبه الله في نهابر ~~". ثم خير نبيه عليه الصلاة والسلام في الحكم بينهم ، فقال : {فإن جاؤوك} ~~متحاكمين إليك {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} ، وقيل : نسخ بقوله : {وأن احكم ~~بينهم} [المائدة : 49]. والجمهور : أن ما كان من باب التظالم والتعدي فإن ~~الحاكم يتعرض بهم ويبحث عنه ، وأما النوازل التي لا ظلم فيها ، وإنما هي ~~دعاوي ، فإن رضوا بحكمنا فالإمام مخير ، وإن لم يرضوا فلا نتعرض ms0604 لهم ، انظر ~~ابن عطية ، وقال البيضاوي : ولو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه ~~الحكم ، وهو قول الشافعي : والأصح : وجوبه ؛ إذا كان المترافعان أو أحدهما ~~ذميا ، لأنا التزمنا الذب عنهم ، ومذهب أبي حنيفة : يجب مطلقا. ه. # {وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا} ؛ لأن الله عصمك من الناس ، {وإن حكمت ~~فاحكم بينهم بالقسط} أي : العدل الذي أمر الله به {إن الله يحب المقسطين} ، ~~فيحفظهم ويعظم شأنهم. # 178 # {وكيف يحكمونك} وهم لا يؤمنون بك ، {وعندهم التوارة فيها حكم الله} أي : ~~والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم {ثم يتولون من بعد ~~ذاك} ، أو ثم يتولون عن حكمك الموافق لكتابهم من بعد التحكيم ، وفيه تنبيه ~~على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع ، وإنما قصدوا به ما ~~يكون عونا لهم على هواهم ، وإن لم يكن حكم الله في زعمهم ، {وما أولئك ~~بالمؤمنون} بكتابهم ولا بكتابك ؛ لإعراضهم عنه أولا ، وعنك ثانيا ، بل ~~أولئك هم الفاسقون التابعون لأهوائهم. والله تعالى أعلم. PageV02P250 # الإشارة : كل من تعرض للشيخوخة وادعى مقام التربية ، وهو يأمر أصحابه ~~باتباع رخص الشريعة ، والبقاء مع العوائد ، ويقول لهم : {إن أوتيتم هذا ~~فخذوه} ويزعم أنه سنة ، وإن لم تؤتوه ، ولقيتم من يأمركم بقتل النفوس ، وحط ~~الرؤوس ودفع الفلوس ، وخرق العوائد فاحذروه ، فمن كان حاله هذا ، فالآية ~~تجر ذيلها عليه ، لأنه تعرض لفتنة نفسه بحب الجاه وغرور أولاد الناس ، {ومن ~~يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم} من الهوى ، ولا بصيرتهم من شهود السوى ؛ لأن تطهير القلوب مشروط ~~بقتل النفوس ، وقتل النفوس إنما يكون باتباع ما يثقل عليها من خرق عوائدها ~~، كالذل والفقر وغير ذلك من الأعمال الشاقة عليها ، ومن لم يطهر قلبه من ~~الهوى يعش في الدنيا في ذل الحجاب مسجونا بمحيطانه ، محصورا في هيكل ذاته ، ~~وله في الآخرة أشد العتاب ، حيث تعرض لمقام الرجال وهو عنه بمعزل ، ويقال ~~لمن تبعه في اتباع الرخص : {سماعون للكذب أكالون للسحت}. # جزء : 2 ms0605 رقم الصفحة : 176 # قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : من كان من فقراء الزمان يسمع ~~الغناء ، ويأكل أموال الظلمة ، ففيه نزعة يهودية ، قال تعالى : {سماعون ~~للكذب أكالون للسحت}. ه. # فإن جاؤوك أيها العارف ، يستخبرونك ، ويخاصمونك في الأمر بخرق العوائد ، ~~ويزعمون أنهم موافقون للسنة ، {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن ~~يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} ، وهو الأخذ بكل ما يقتل النفوس ، ~~ويجهز عليها ، {إن الله يحب المقسطين} وكيف يحكمونك أو يخاصمونك ، وعندهم ~~القرآن فيه حكم الله بذلك ، قال تعالى : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا} [العنكبوت : 69] ، ولا يكون جهاد النفس إلا بمخالفتها ، وقتلها بترك ~~حظوظها وهواها. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 176 # 179 PageV02P251 ~~قلت : {للذين هادوا} : متعلق بيحكم ، أو بأنزلنا ، أو بهدى ونور ، ~~و{الربانيون} : عطف على {النبيون} ، وهم العباد والزهاد منهم ، والأحبار : ~~علماؤهم ، جمع حبر بكسر الحاء وفتحها ، وهو أشهر استعمالا ؛ للفرق بينه ~~وبين المداد ، و{بما استحفظوا} : سببية متعلق بيحكم ، أو بدل من {بها} ~~والعائد إلى " ما " محذوف ، أي : استحفظوه. # يقول الحق جل جلاله : {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى} أي : ما يهدي إلى ~~إصلاح الظواهر من النواهي والأوامر ، و{نور} تستنير به السرائر ، وتشرق به ~~القلوب والضمائر ، من الاعتقادات الصحيحة والقعائد الراجحة ، والعلوم ~~الدينية والأسرار الربانية. {يحكم بها النبيون} الذين أتوا بعد موسى عليه ~~السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم {الذين أسلموا} إي : انقادوا ~~بكليتهم إلى ربهم ، ولم تبق بقية لغير محبوبهم ، وفيه تنويه بشأن الإسلام ~~وأهله ، وتعريض باليهود ؛ فإنهم بمعزل عن دين الأنبياء واقتفاء هديهم ، حيث ~~لم يتصفوا به ، يحكم بها {للذين هادوا} وعليهم ، وهم اليهود ، {و} يحكم بها ~~أيضا {الربانيون والأحبار} أي : زهادهم وعلماؤهم السالكون طريقة أنبيائهم ، ~~{بما استحفظوا من كتاب الله} أي : بسبب أمر الله تعالى لهم أن يحفظوا كتابه ~~من التضييع والتخريف. {وكانوا عليه شهداء} أي : رقباء ، فلا يتركون من ~~يغيرها أو يحرفها ، ولما طال العهد عليهم حرفوا وغيروا ، بخلاف كتابنا ، ~~حيث تولى حفظه الحق ربنا ، فلا يزال ms0606 محفوظا لفظا ومعنى إلى قيام الساعة ، ~~قال تعالى : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر : 9]. فلله الحمد. PageV02P252 # ثم خاطب الحكام ، فقال : {فلا تخشوا الناس واخشون} أي : فلا تداهنوا في ~~حكوماتكم خشية ظالم أو مراقبة كبير ، فكل كبير في جانب الحق صغير {ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} أي : لا تستبدلوا بالحكم بالحق ثمنا قليلا ؛ ~~كالرشوة والجاه ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله} مستهينا به ومنكرا له ~~{فأولئك هم الكافرون} ؛ لاستهانتهم به. # جزء : 2 رقم الصفحة : 179 # قال ابن عباس : نزلت الثلاثة في اليهود ، الكافرون والظالمون والفاسقون ، ~~وقد روي في هذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقالت جماعة : هي عامة ~~، فكل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم ، إلا أن الكفر ~~في حق المسلمين كفر معصية ، وقال الشافعي : الكافرون في المسلمين ، ~~والظالمون في اليهود ، والفاسقون في النصارى ، وهو أنسب لسياق الكلام ، ~~والله تعالى أعلم. # 180 PageV02P253 ~~الإشارة : قد وصف الله تعالى القرآن بأعظم مما وصف به التوراة. قال تعالى : ~~{قد جآءكم برهان من ربكم وأنزلنآ إليكم نورا مبينا} [النساء : 174] ، فجعل ~~التوراة ظرفا للهداية والنور ، وجعل القرآن نفس النور والهداية. وربانيو ~~هذه الأمة : أولياؤها العارفون بالله ، الذين يربون الناس ويرشدونهم إلى ~~معرفة الشهود والعيان ، وأحبارها : علماؤها. وقال الورتجبي : الرباني الذي ~~نسب إلى الرب بالمعرفة والمحبة والتوحيد ، فإذا وصل إلى الحق بهذه المراتب ~~، واستقام في شهود جلاله وجماله ، صار متصفا بصفات الله جل جلاله ، حاملا ~~أنوار ذاته ، فإذا فنى عن نفسه وبقي بربه ، صار ربانيا ، مثل الحديد في ~~النار ، إذا لم يكن في النار كان مستعدا لقبول النار ، فإذا وصل إلى النار ~~واحمر ، صار ناريا ، هكذا شأن العارف ، فإذا كان منورا بتجلي الرب ، صار ~~ربانيا نورانيا ملكوتيا جبروتيا ، كلامه من الرب إلى الرب مع الرب ، ثم قال ~~: العارف مخاطب من الله في جمع أنفاسه ، وحركاته ، ينزل على قلبه من الله ~~وحي الإلهام ، وربما يخاطبه بنفسه ، ويكلمه بكلامه ، ويحدثه بحديثه ، لقوله ~~عليه الصلاة والسلام : " إن في أمتي محدثين أو مكلمين ms0607 وإن عمر منهم " ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 179 # قلت : من نصب الجميع : فعطف على النفس ، و{قصاص} : خبر إن ، ومن رفع ~~العين : فيحتمل أن يكون مستأنفا مرفوعا بالابتداء ، و{قصاص} : خبر ، من عطف ~~الجمل ، أو يكون عطفا على موضع النفس ؛ لأن المعنى : قلنا لهم : النفس ~~بالنفس ، أو على الضمير المستكن في الخبر ، ومن رفع الجروح فقط ، ما تقدم ~~في العين. PageV02P254 # يقول الحق جل جلاله : {وكتبنا} على بني إسرائيل ، أي : فرضنا وألزمنا عليهم ~~في التوراة {أن النفس} تقتل بالنفس في القتل العمد إن كان المقتول مسلما ~~حرا ، فلا يقتل مسلم بكافر إلا إن قتله غيلة ، ولا حر بعبد ، للحديث ، ~~{والعين} تفقأ {بالعين} ، {والأنف} تجدع {بالأنف} ، {والأذن} تصلم {بالأذن} ~~، {والسن} تقلع {بالسن} ، # 181 # {والجروح قصاص} ؛ يقتص من الجارح بمثل ما فعل ، إلا ما يخاف منه ~~كالمأمومة ، والجائفة ، وكسر الفخذ ، فيعطي الدية ، {فمن تصدق به} أي : ~~بالدم ، بأن عفى عن الجارح أو القاتل فلم يقتص ، {فهو كفارة له} أي للمقتول ~~، يغفر الله ذنوبه ويعظم أجره ، أو كفارة للقاتل أو الجارح ، يعفو الله ~~بذلك عن القاتل ؛ لأن صاحب الحق قد عفا عنه ، أو كفارة للعافي ؛ لأنه مسامح ~~في حقه ، أو من تصدق بنفسه ومكنها من القصاص فهو كفارة له ، اقتص منه أو ~~عفي عنه. # وفيه دليل على أن الحدود مكفرة لا زواجر ، وزعم ابن العربي : أن المقتول ~~يطالب يوم القيامة ، ولو قتل في الدنيا قصاصا ؛ لأنه لم يتحصل للمقتول من ~~قتل قاتله شيء ، وأن القصاص إنما هو ردع ، وأجيب بمنع أنه لم يتحصل له شيء ~~، بل حصلت له الشهادة وتكفير لذنوبة ، كما في الحديث : " السيف محاء ~~للخطايا " ولو كان القصاص للردع خاصة لم يشرع العفو ، قاله ابن حجر ، وفي ~~حديث البخاري : " من أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا ، فهو كفارة له ، ~~وإن ستره الله فهو في المشيئة ". {ومن لم يحكم بما أنزل الله} من القصاص ~~وغيره {فأولئك هم الظالمون} ؛ المتجاوزون حدود الله ، وما كتب الله على بني ~~إسرائيل هو أيضا مكتوب علينا ، لأن ms0608 شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ ، ~~ولا ناسخ هنا ، بل قررته السنة والإجماع. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 181 PageV02P255 ~~الإشارة : القصاص مشروع وهو من حقوق النفس ؛ لأنها تطلبه تشفيا وغيظا ، ~~والعفو مطلوب ومرغب فيه ، وهو من حقوق الله ، هو طالبه منك ، وأين ما تطلبه ~~لنفسك مما هو طالبه منك ؟ ومن شأن الصوفية الأخذ بالعزائم ، واتباع أحسن ~~المذاهب ، قال تعالى : {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر : 18] ، ~~ومن شأنهم أيضا : الغيبة عن حظوظ النفس ، ولذلك قالوا : ( الصوفي دمه هدر ، ~~وماله مباح) ، وقالو أيضا : ( الصوفي كالأرض ، يحرح عليها كل قبيح ، وهي ~~تنبت كل مليح) ، ومن أوكد الأمور عندهم عدم الانتصار لأنفسهم. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 181 # 182 # قلت : {قفينا} : اتبعنا ، مشتق من القفا ؛ كأن مجيء عيسى كان في قفا مجيء ~~النبيين وخلفهم ، وحذف المفعول الأول ، أي : أتبعناهم ، و{بعيسى} مفعول ~~ثاني ، وجملة : {فيه هدى ونور} : حال من {الإنجيل} ، و{مصدقا} : عطف عليه. # يقول الحق جل جلاله : وأتبعنا النبيين المتقدمين وجئنا على إثرهم {بعيسى ~~ابن مريم مصدقا لما بين يديه} أي : ما تقدم أمامه {من التوراة} وتصديقه ~~للتوراة ؛ إما لكونه مذكورا فيها ثم ظهر ، أو بموافقة ما جاء به من التوحيد ~~والأحكام لما فيها ، أو لكونه صدق بها وعمل بما فيها. # {وآتينا الإنجيل فيه هدى ونور} ؛ فالهدى لإصلاح الظواهر بالشرائع ، ~~والنور لإصلاح الضمائر بالعقائد الصحيحة والحقائق الربانية ، {ومصدقا لما ~~بين يديه من التوراة} بتقرير أحكامها ، والشهادة على صحتها ، {وهدى وموعظة ~~للمتقين} أي : وإرشادا وتذكيرا للمتقين ؛ لأنهم هم الذين ينفع فيهم الموعظة ~~والتذكير ، دون المنهمكين في الغفلة ، قد طبع الله على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون. PageV02P256 # ثم أمر الله أهل الإنجيل بالحكم بما فيه ، فقال : {وليحكم أهل الإنجيل بما ~~أنزل الله فيه} من الأحكام ، وقرأ حمزة : {وليحكم} بلام الجر ؛ أي : ~~وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل الإنجيل بما فيه ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون} ؛ الخارجون عن طاعة الحق. قال البيضاوي : والآية تدل ~~على أن الإنجيل مشتملة على الأحكام ، وأن ms0609 اليهودية منسوخة ببعث عيسى عليه ~~السلام ، وأنه كان مستقلا بالشرع ، وحملها على : وليحكموا بما أنزل الله ، ~~فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة خلاف الظاهر. ه. # الإشارة : قد جمع الله في هذه الأمة المحمدية ما افترق في غيرها في ~~الأزمنة المتقدمة ، فعلماؤها وأولياؤها كالأنبياء والرسل ، كلما مات عالم ~~أو ولي قفاه الله بآخر ، أما العلماء فأمرهم متفق وحالهم متقارب ، فمدار ~~أمرهم على تحصيل العلوم الرسمية والأعمال الظاهرية ، وأما الأولياء رضي ~~الله عنهم ، فأحوالهم مختلفة ، فمنهم من يكون على قدم نوح عليه السلام في ~~القوة والشدة ، ومنهم من يكون على قدم إبراهيم عليه السلام في الحنانة ~~والشفقة. ومنهم من يكون على قدم موسى عليه السلام في القوة أيضا ، ومنهم من ~~يكون على قدم عيسى عليه السلام في الزهد والانقطاع إلى الله تعالى ، ومنهم ~~من يكون على قدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو أعظمهم لجمعه ما ~~افترق في غيره ، وكل واحد يؤتيه الله نورا في الباطن يجذب به القلوب إلى ~~الحضرة ، وهدى في الظاهر يصلح به الظواهر في الشريعة. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 182 # قلت : {مهيمنا} أي : شاهدا ، والشرعة والمنهاج : قال ابن عطية : معناهما ~~واحد ، وقال ابن عباس : أي سبيلا وسنة. قلت : والظاهر : أن الشرعة يراد بها ~~الأحكام الظاهرة ، وهي التي تصلح الظواهر ، والمنهاج يراد به علوم الطريقة ~~الباطنية ، وهي التي تصلح الضمائر ، وهو مضمن علم التصوف. PageV02P257 # يقول الحق جل جلاله : {وأنزلنا إليك} يا محمد {الكتاب} أي : القرآن ملتبسا ~~{بالحق مصدقا لما بين يديه} من جنس الكتاب ، أي : مصدقا لما تقدمه من الكتب ~~، بموافقته لهم في الأخبار والتوحيد ، {ومهيمنا عليه} أي : شاهدا عليه ~~بالصحة ، أو راقبا عليه من التغيير في المعنى ، {فاحكم بينهم بما أنزل ~~الله} إليك {ولا تتبع أهواءهم} منحرفا عما جاءك من الحق إلى ما يشتهونه ، ~~لكل نبي {جعلنا منكم شرعة} ظاهرة يصلح بها الظواهر ، {ومنهاجا} أي : طريقا ~~واضحا يسلك منها إلى معرفة الحق ، وهو ما يتعلق بإصلاح السرائر ، واستدل به ~~على أنا غير متعبدين بالشرائع ms0610 المتقدمة. # {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} أي : جماعة واحدة متفقة على دين واحد ، ~~{ولكن} عدد الشرائع وخالف بينها {ليبلوكم} أي : يختبركم فيما آتاكم من ~~الشرائع المختلفة ، أيكم ينقاد ، ويخضع للحق أينما ظهر ، فإن اختلاف ~~الأحوال وتنقلات الأطوار فيه يظهر الإقرار والإنكار ، {فاستبقوا الخيرات} ~~أي : بادروا إلى الانقياد إلى الطاعات واتباع الحق والخضوع لمن جاء به ~~أينما ظهر ، انتهازا للفرصة ، وحيازة لفضل السبق والتقدم ، {إلى الله ~~مرجعكم جميعا} فيظهر السابقون من المقصرين ، {فينبئكم} أي : يخبركم {بما ~~كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين بالجزاء الفاصل بين المحق والمبطل ، ~~والمبادر والمقصر ، واختلاف الشرائع إنما هي باعتبار الفروع ، وأما الأصول ~~كالتوحيد والإيمان بالرسل ، والبعث ، وغير ذلك من القواعد الأصولية ، فهي ~~متفقةح قال عليه الصلاة والسلام : " نحن أبناء علات ، أمهاتنا شتى وأبونا ~~واحد " يعني التوحيد. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 183 PageV02P258 ~~الإشارة : اعلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام جمع الله له ما افترق في ~~غيره ، فذاته الشريفة جمعت المحاسن كلها ظاهرة وباطنة ، وكتابه جمع ما في ~~الكتب كلها فهو شاهد عليها ، وشريعته جمعت الشرائع كلها ، ولذلك كان الولي ~~المحمدي هو أعظم الأولياء. # 184 # واعلم أن الحق جل جلاله جعل لكل عصر تربية مخصوصة بحسب ما يناسب ذلك ، ~~العصر ، كما جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا بحسب الحكمة ، فمن سلك بالمريدين ~~تربية واحدة ، وأراد أن يسيرهم على تربية المتقدمين ، فهو جاهل بسلوك ~~الطريق ، فلو كان السلوك على نمط واحد ما جدد الله الرسل بتجديد الأزمنة ~~والأعصار ، فكل نبي وولي يبعثه الله تعالى بخرق عوائد زمانه ، وهي مختلفة ~~جدا ، فتارة يغلب على الناس التحاسد والتباغض ، فيبعث بإصلاح ذات البين ~~والتآلف والتودد ، وتارة يغلب حب الرياسة والجاه فيربى بالخمول وإسقاط ~~المنزلة ، وتارة يغلب حب الدنيا وجمعها فيربى بالزهد فيها والتجريد ~~والانقطاع إلى الله. وهكذا فليقس ما لم يقل. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 183 # قلت : {وأن احكم} : عطف على الكتاب ، أي : وأنزلنا إليكم الكتاب والحكم ~~بينهم بما أنزل الله ، أو على الحق ، أي : أنزلناه ms0611 بالحق وبالحكم بما أنزل ~~الله ، و{أن يفتنوك} : بدل اشتمال من الضمير ، أي : احذر فتنتهم ، واللام ~~في قوله : {لقوم} : للبيان : أي : هذا الاستفهام لقوم يوقنون ، فإنهم هم ~~الذين يعلمون ألا أحسن حكما من الله. # يقول الحق جل جلاله : لرسوله عليه الصلاة والسلام : {و} أمرناك {أن ~~احكم بينهم} أي : بين اليهود {بما أنزل الله} ، قيل هو ناسخ للتخيير ~~المتقدم ، وقيل : لا ، والمعنى أنت مخير ، فإن أردت أن تحكم بينهم فاحكم ~~بما أنزل الله {ولا تتبع أهواءهم} الباطلة ، التي أرادوا أن يفتنوك بها ، ~~{واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} ، فيصرفوك عن الحكم به. PageV02P259 # روي أن أحبار اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ، ~~فقالوا : يا محمد ، قد عرفت أنا أحبار اليهود ، وأنا إن اتبعناك اتبعتك ~~اليهود كلهم ، وإن بيننا وبين قومنا خصومة ، فنتحاكم إليك ، فتقضي لنا ~~عليهم ، ونحن نؤمن بك ونصدقك ، فأبى ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، وردهم ، فنزلت الآية. # قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : {فإن تولوا} عن الإيمان ، بل ~~وأعرضوا عن اتباعك ، {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} في ~~الدنيا ، ويدخر جلها # 185 # للآخرة ، وقد أنجز الله وعده ، فأجلى بني النضير ، وقتل بني قريظة ، وسبا ~~نساءهم وذراريهم ، وباعهم في الأسواق ، وفتح خيبر ، وضرب عليه الجزية ، ~~{وإن كثيرا من الناس لفاسقون} ؛ خارجون عن طاعة الله ورسوله ، {أفحكم ~~الجاهلية يبغون} أي : يطلبون منك حكم الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى ~~، {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} أي : لا أحد أحسن حكما من الله ~~تعالى عند أهل الإيقان ؛ لأنهم هم الذين يتدبرون الأمر ، ويتحققون الأشياء ~~بأنظارهم ، فيعلمون ألا أحسن حكما من الله عز وجل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 185 # الإشارة : إذا كثرت عليك الخصوم الوهمية أو الواردات القلبية ، والتبس ~~عليك أمرهم ، ولم تدر أيهما تتبع ؟ فاحكم بينهم بالكتاب والسنة ، فمن وافق ~~كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه ، فإن من أمر الكتاب ~~والسنة على نفسه نطق بالحكمة ، وإن وافق ms0612 أكثر من واحد الكتاب أو السنة ، ~~فانظر أثقلهم على النفس ، فإنه لا يثقل عليها إلا ما هو حق ، ولا تتبع ~~أهواء النفوس والخواطر ، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل على قلبك من ~~العلوم والأسرار ، فإن متابعة الهوى يعمي القلب عن مطالعة الأسرار ، إلا إن ~~وافق السنة. PageV02P260 # قيل لعمر بن عبد العزيز : ما ألذ الأشياء عندك ؟ قال : حق وافق هواي. وفي ~~الحديث عنه صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما ~~جئت به " ، وفي الحكم : " يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك ، إنما يخاف عليك ~~من غلبة الهوى عليك ". # فمن تولى عن هذا المنهاج الواضح ، وجعل يتبع الهوى ويسلك طريق الرخص ، ~~فليعلم أن الله أراد أن يعاقبه ببعض سواء أدبه ، حتى يخرج عن منهاج ~~السالكين ، والعياذ بالله ، أو يؤدبه في الدنيا إن كان متوجها إليه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 185 # 186 # قلت : {يقول الذين آمنوا} قرىء بغير واو ؛ استئنافا ، وكأنه جواب عن سؤال ~~، أي : ماذا يقول المؤمنون حينئذ ؟ فقال : يقول... الخ ، وقرىء بالواو ~~والرفع ؛ عطف جملة على جملة ، وقرىء بالواو والنصب ؛ عطف على {فيصبحوا} أو ~~{يأتي}. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء} تنتصرون بهم ، أو تعاشرونهم معاشرة الأحباب ، أو تتوددون إليهم ، ~~وأما معاملتهم من غير مودة فلا بأس ، ثم علل النهي عن موالاتهم فقال : هم ~~{بعضهم أولياء بعض} أي : لأنهم متفقون على خلافكم ، يوالي بعضهم بعضا لا ~~تحادهم في الدين ، وإجماعهم على مضادتكم ، {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} أي ~~: من والاهم منكم فإنه من جملتهم. # قال البيضاوي : وهذا تشديد في وجوب مجانبتهم ، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم " المؤمن والمشرك لا تتراءى نارهما " أو لأن الموالين لهم كانوا ~~منافقين. ه. PageV02P261 # وقال ابن عطية : من تولهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر واستحقاق النقمة ~~والخلود في النار ، ومن تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه ، دون معتقد ولا ~~إخلال بإيمان ، فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم وعليه. ه. وسئل ~~ابن سيرين عن ms0613 رجل أراد بيع داره للنصارى يتخذونها كنيسة ، فتلا هذه الآية : ~~{ومن يتولهم منكم فإنه منهم}. ه. وفي أبي الحسن الصغير : أن بيع غير السلاح ~~للعدو الكافر فسق ، وبيع السلاح له كفر. # قلت : ولعله إذا قصد تقويتهم على حرب المسلمين ، وأما الفداء بالسلاح إذا ~~لم يقبلوا غيره ، فيجوز في القليل دون الكثير ، وأجازه سحنون مطلقا ، إذا ~~لم يرج فداؤه بالمال. انظر الحاشية. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 186 # إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أي : ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار. # {فترى الذين في قلوبهم مرض} وهم النافقون ، {يسارعون فيهم} أي : في ~~موالاتهم ومناصرتهم ، {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} أي : يعتذرون بأنهم ~~يخافون أن تصيبهم دائرة من الدوائر ، بأن ينقلب الأمر وتكون الدولة للكفار. ~~روي أن عبادة بن الصامت قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لي موالي ~~من اليهود ، كثير عددهم ، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم ، فقال ابن ~~أبي : إني امرؤ أخاف الدوائر ، لا أبرأ من ولاية موالي ، فنزلت الآية ، قال ~~تعالى ردا عليه : {فعسى الله أن يأتي بالفتح} لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين ونصرهم ، {أو أمر من عنده} ، يقطع شأفة ~~اليهود ، من القتل والإجلاء ، {فيصبحوا} أي : هؤلاء المنافقون ، {على ما ~~أسروا في أنفسهم} من الكفر والنفاق ، ومن مظاهرة اليهود {نادمين}. # 187 PageV02P262 ~~{ويقول الذين آمنوا} حينئذ أي : حين فتح الله على رسوله وفضح سريرة ~~المنافقين : {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم} ، يقوله ~~المؤمنون بعضهم لبعض ، تعجبا من حال المنافقين وتبجحا بما من الله عليهم من ~~الإخلاص ، أو يقولونه لليهود ؛ لأن المنافقين حلفوا لهم بالمناصرة ، كما ~~حكى تعالى عنهم {وإن قوتلتم لننصرنكم} [الحشر : 11] قاله البيضاوي. وقوله : ~~{حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين}. # يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين ، أو من قول الله تعالى ، شهادة عليهم ~~بحبوط أعمالهم ، وفيه معنى التعجب ، كأنه قال : ما أحباط أعمالهم وما ~~أخسرهم! والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد تقدم مرارا النهي عن موالاة الغافلين ، وخصوصا الفجار منهم ~~، ويلتحق بهم القراء المداهنون ؛ وهم ms0614 فسقة الطلبة ؛ الذين هم على سبيل ~~الشيطان ، والفقراء الجاهلون ؛ وهم من لا شيخ لهم يصلح للتربية ، والعلماء ~~المتجمدون ، فصحبة هؤلاء تقدح في صفاء البصيرة ، وتخمد نور السريرة ، وكل ~~من تراه من الفقراء يميل إلى هؤلاء خشية الدوائر ، ففيه نزعة من المنافقين. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 186 # قلت : {من} : شرطية ، و{يرتد} : فعل الشرط ، فمن قرأه بالتفكيك فعلى ~~الأصل ، ومن قرأه بالإدغام ففتحه تخفيفا. وجملة {فسوف يأتي} : جواب ، ~~والعائد من الجملة محذوف ، أي : فسوف يأتي الله بقوم مكانهم...الخ. و{أذلة} ~~: نعت ثاني لقوم ، جمع ذليل ، وأتى به مع علي ؛ لتضمنه معنى العطف والحنو ، ~~و{لا يخافون} : عطف على يجاهدون ، وجملة : {وهم راكعون} : حال إن نزلت في ~~علي رضي الله عنه ، أو عطف إن كانت عامة. PageV02P263 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} ويرجع ~~عنه بعد الدخول فيه ، فسيأتي الله بقوم مكانهم ؛ {يحبهم} فيثبتهم على دينهم ~~، {ويحبونه} فيجاهدون من رجع عن دينه ، وهم أهل اليمن ، والأظهر أنهم أبو ~~بكر الصديق وأصحابه ، الذين قاتلوا أهل الردة ، ويدل على ذلك الأوصاف التي ~~وصفهم الله بها من الجد في قتالهم ، والعزم عليه ، التي كانت من أوصاف ~~الصديق ، وكذلك قوله : {أذلة على # 188 # المؤمنين أعزة على الكافرين} فقد كان أبو بكر ضعيفا في نفسه ، قويا في ~~ذات الله ، لم يخف في الله لومة لائم ، حين لامه بعض الصحابة في قتالهم. # وفي الآية إخبار بالغيب قبل وقوعه ، فقد ارتد من العرب في أواخر عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق : بنو مدلج ، وكان رئيسهم الأسود العنسي ~~، تنبأ باليمن ، واستولى على بلادهم ، ثم قتله فيروز الديلمي ، ليلة قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من غدها ، وأخبر بموته الرسول عليه الصلاة ~~والسلام فسر المسلمون. وبنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب ، تنبأ باليمامة ، ~~وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلمة رسول الله إلى محمد ~~رسول الله ، أما بعد : فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك ، فأجابه صلى الله ~~عليه وسلم ms0615 : " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ، أما بعد : فإن الأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " ، فحاربه أبو بكر بجند ~~المسلمين ، وقتله وحشي قاتل حمزة ، وبنو أسد قوم طليحة ، تنبأ فبعث إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقاتله ، فهرب إلى الشام ، ثم ~~أسلم وحسن إسلامه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 188 PageV02P264 ~~وفي عهد أبي بكر ، بنو فزارة قوم عيينة بن حصن ، وغطفان قوم قرة بن مسلمة ، ~~وبنو سليم ، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة ، وبعض تميم ، قوم سجاح المتنبئة ~~زوجة مسيلمة ، وكندة قوم الإشعث بن قيس ، وبنو بكر بن وائل بالبحرين ، فكفى ~~الله أمرهم على يديه. وفي مدة عمر رضي الله عنه غسان ، قوم جبلة بن الأيهم ~~، الذي ارتد من اللطمة. فهؤلاء جملة من ارتد من العرب. فأتى الله بقوم ~~أحبهم وأحبوه ، فجاهدوهم حتى ردوهم إلى دينهم. ومحبة الله للعبد : توفيقه ~~وعصمته وتقريبه من حضرته. ومحبة العبد لله : طاعته والتحرز من معصيته ، ~~وسيأتي في الإشارة الكلام عليها. # ثم وصفهم بقوله : {أذلة على المؤمنين} أي : عاطفين عليهم خافضين جناحهم ~~لهم ، {أعزة على الكافرين} شداد متغالبين عليهم ، وهذا كقوله فيهم : {أشدآء ~~على الكفار رحمآء بينهم} [الفتح : 29] ، {يجاهدون في سبيل الله} من ارتد عن ~~دين الله ، {ولا يخافون لومة لائم} لصلابتهم في دين الله ، وفيه إشارة إلى ~~خطأ من لام الصديق في قتال أهل الردة ، وقالوا كيف تقاتل قوما يقولون : لا ~~إله إلا الله ؟ فقال : ( والله لنقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) فلم ~~يلتفت إلى لومهم. {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} ، الإشارة إلى ما خصهم الله ~~به ، من المحبة والأخلاق الكريمة ، {والله واسع} الفضل والعطاء {عليم} بمن ~~هو أهله. # ولما نهى عن موالاة الكفار ذكر من هو أهل للموالاة فقال : {إنما وليكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا} ؛ لم يقل : أولياؤكم بالجمع ، تنبيها لى أن ~~الولاية لله على الأصالة ، ولرسوله وللمؤمنين على التبع ، ثم وصفهم بقوله : ~~{الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} أي : خاضعون لله ، ولعباده ~~متواضعون ms0616 ، منقادون لأحكامه ، # 189 PageV02P265 ~~أو يتصدقون في حال ركوعهم في الصلاة ، حرصا على الخير ومسارعة إليه ، قيل : ~~نزلت في علي كرم الله وجهه ؛ سأله سائل وهو راكع في الصلاة ، فطرح له ~~خاتمه ، وقيل : عامة ، وذكر الركوع بعد الصلاة ؛ لأنه من أشرف أعمالها. # {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا} ، أي يتخذهم أولياء ، {فإن حزب الله ~~هم الغالبون} أي : فإنهم الغالبون ، ووضع الظاهر موضع المضمر ليكون ~~كالبرهان عليه ، فكأنه قال : ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله ، وحزب الله هم ~~الغالبون ، وتنويها بذكرهم وتعظيما لشأنهم ، وتعريضا بمن يوالي غير هؤلاء. ~~فإنه حزب الشيطان ، وأصل الحزب : القوم يجتمعون لأمر حزبهم. قاله البيضاوي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 188 # الإشارة : محبة الحق تعالى لعبده سابقة على محبته له ، كما أن توبته عليه ~~سابقة لتوبته ، قال تعالى : {يحبهم ويحبونه} ، {ثم تاب عليهم ليتوبوا} ~~[التوبة : 118] ، قال أبو يزيد رضي الله عنه : غلطت في ابتداء أمري في ~~أربعة أشياء : توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه ، فما انتهيت ، رأيت ~~ذكره سبق ذكري ، ومعرفته تقدمت معرفتي ، ومحبته أقدم من محبتي ، وطلبه لي ~~من قبل طلبي له. ه. # وفي الحكم : " أنت الذاكر من قبل الذاكرين ، وأنت البادىء بالإحسان من ~~قبل توجه العابدين ، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين ، وأنت ~~الوهاب ثم أنت لما وهبتنا من المستقرضين ". PageV02P266 # ومحبة الله لعبده : حفظه ورعايته ، وتقريبه واصطفاؤه لحضرته ، وقال القطب ~~بن مشيش رضي الله عنه : المحبة أخذة من الله قلب من أحب ، بما يكشف له من ~~نور جماله ، وقدس كمال جلاله ، وشراب المحبة : مزج الأوصاف بالأوصاف ، ~~والأخلاق بالأخلاق ، والأنوار بالأنوار ، والأسماء بالأسماء ، والنعت ~~بالنعوت ، والأفعال بالأفعال. قلت : ومعنى ذلك : غيبة العبد في شهود الحق ، ~~وهو مقام الفناء ، ثم قال رضي الله عنه : والشراب أي : الشرب سقي القلوب ~~والأوصال والعروق من هذا الشراب ، حتى يسكر ، ويكون الشرب بالتدريب بعد ~~التدريب والتهذيب ، أي يكون شرب الخمرة شيئا فشيئا ، ووقتا فوقتا ، حتى ~~يتمكن من شهود المعاني بلا فترة ، فذلك الري ، وذلك بعد كمال التهذيب ، ~~فيسقى كل على قدره ، فمنهم ms0617 من يسقي بغير واسطة ، والله سبحانه يتولى ذلك ~~منه ، ( قلت : وهو نادر ، والغالب عليه الانحراف) ، ومنهم من يسقي من جهة ~~الوسائط ، كالملائكة والعلماء والأكابر من المقربين ، ( قلت : قوله : ~~كالملائكة... تمثيل للوسائط ، فالملائكة ؛ للأنبياء ، والعلماء بالله ~~وأكابر المقربين لغيرهم) ، ثم قال : فمنهم من يسكر بشهود الكأس ، ولو لم ~~يذق بعد شيئا ، فما ظنك بعد بالذوق ، وبعد بالشرب ، وبعد بالري ، وبعد ~~بالسكر بالمشروب ؟ ! ثم الصحو بعد ذلك على مقادير # 190 # شتى ، كما أن السكر أيضا كذلك. انظر بقية كلامه مع شرحه في شرحنا لخمرية ~~ابن الفارض. PageV02P267 # وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه : المحبة لها ثلاث مراتب : بداية ووسط ~~ونهاية ؛ فبدايتها لأهل الخدمة ، كالعباد والزهاد والصالحين والعلماء ~~المجتهدين. ووسطها لأهل الأحوال ، الذين غلب عليهم الشوق حتى صدرت منهم ~~شطحات ورقصات وأحوال غريبة ربما ينكرها أهل ظاهر الشريعة ، فمنهم من يغلب ~~عليه الجذب حتى يصطلم ، ومنهم من يبقى معه شيء من الصحو ، وهؤلاء تظهر ~~عليهم كرامات وخوارق العادات ، ونهايتها لأهل العرفان ، أهل مقام الشهود ~~والعيان ، الذين شربوها من يد الوسائط وسكروا بها ، وصحوا. ه. بالمعنى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 188 # وفي الورتجبي ما حاصله : أن محبتهم بعد المشاهدة ، وإلا لم تكن محبة ~~حقيقة ؛ لان محبة الآلاء والنعماء معلولة ، ولا كذلك هذه ، لأن من رآه عشقه ~~، وكيف يرجع عنه من كان مسلوب القلب بعشقه لجماله ؟ ولذلك لم يرتدوا عن ~~دينهم الذي هو المحبة. ه. # وللمحبة علامات وثمرات ، ذكر بعضها الحق تعالى بقوله : {أذلة على ~~المؤمنين} أي : متواضعين عاطفين عليهم ، {أعزة على الكافرين} ، أي : ~~القواطع ، غالبين عليهم ، {يجاهدون في سبيل الله} أي : أنفسهم وأهواءهم ، ~~{ولا يخافون لومة لائم} ؛ إذ لا يراقبون سوى المحبوب ، وليس للمحبة طريق ~~إلا محض الفضل والكرم. {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} ؛ لكن ~~صحبة المحبوبين عند الله من أسبابها العادية ، وهم أولياء الله الذين هم ~~حزب الله ، فولايتهم والقرب منهم من أسباب القرب والمحبة ، ومن موجبات ~~النظر والغلبة ؛ {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون}. ms0618 # جزء : 2 رقم الصفحة : 188 # قلت : {والكفار} : من نصب عطف على الموصول الأول ، ومن جر فعلى الموصول ~~الثاني. PageV02P268 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزوا ولعبا} من شدة كفرهم ، وعلبة سفههم {من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~كاليهود والنصارى ، {و} لا تتخذوا أيضا {الكفار} من المشركين {أولياء} ~~وأصدقاء ، أو : # 191 # لا تتخذوا من اتخذ دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب ومن المشركين أولياء ، ~~{واتقوا الله} في موالاتهم {إن كنتم مؤمنين} ؛ فإن الإيمان يقتضي الوقوف ~~عند الأمر والنهي. # وكيف توالون من يستهزىء بدينكم ، {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ~~ولعبا} ، روي أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : إشهد أن محمدا ~~رسول الله ، قال : أحرق الله الكاذب. فدخل خادمه ذات ليلة بنار ، وأهله ~~نيام ، فطارت شرارة في البيت ، فأحرقته وأهله). وفي الآية دلالة على ~~مشروعية الأذان من القرآن. ثم قال تعالى : {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} ؛ فإن ~~السفه يؤدي إلى الجهل بالحق والهزء به ، والعقل يقتضي المنع من الجهل ~~والإقرار بالحق وتعظيمه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد حذر الحق جل جلاله من صحبة الأشرار ، ويفهم منه الترغيب في ~~موالاة الأخيار ، وهم الصوفية الأبرار ، ففي صحبتهم سر كبير وخير كثير ، ~~ولابن عباد رضي الله عنه في نظم الحكم : # إن التواخي فضله لا ينكر # وإن خلا من شرطه لا يشكر # والشرط فيه أن تواخي العارفا # عن الحظوظ واللحوظ صارفا # مقاله وحاله سيان # ما دعونا إلا إلى الرحمان # أنواره دائمة السراية # فيك وقد حفت به الرعايه # وفي الحكم : " لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلك على الله مقاله ". ~~وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 191 PageV02P269 ~~قلت : نقم بفتح القاف بالكسر ، بمعنى : عاب وأنكر ، وانتقم إذا كافأه ~~على إنكاره ، ويقال : نقم بالكسر ينقم بالفتح وقرىء به في الشاذ ، و{أن ~~أكثركم} : عطف على {آمنا} أي : ما تعيبون منا إلا أنا مؤمنون وأنتم فاسقون. # يقول الحق جل جلاله : {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا} أي : ما تنكرون ms0619 ~~علينا وتعيبونه منا {إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل} من ~~الكتب كلها ، {وأن أكثركم} خارجون عن هذا الإيمان ، وهذا أمر لا ينكر ولا ~~يعاب ، ونظير هذا في # 192 # الاستثناء العجيب قوله النابغة : # لا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # الإشارة : أهل الخصوصية يقرون أحوال أهل الشريعة كلها ، ولا ينكرون على ~~أهلها شيئا من أمورهم ، وأهل الشريعة ينكرون كثيرا من أحوال أهل الخصوصية ~~ويعيبونها عليهم ، وهي من أفضل القربات إلى الله عندهم ، فيقولون لهم : هل ~~تنقمون منا إلا أن آمنا بشريعتكم ، وأنتم خارجون عن حقيقتنا ورؤية خصوصيتنا ~~، لكن أهل الشريعة معذورون في إنكارهم ، إذ ذاك مبلغهم من العلم ، فإن كان ~~إنكارهم غيره على ما فهموا من الدين فعذرهم صحيح ، وإن كان حسدا أو حمية ~~فهم ممقوتون عند الله. والله تعالى أعلم. # ولما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود ، فقالوا يا ~~محمد : أخبرنا بمن تؤمن من الرسل ، فتلا عليهم : {قل ءامنا بالله} [آل ~~عمران : 84] إلى قوله : {ومآ أوتى موسى وعيسى} [آل عمران : 84] فلما سمعوا ~~ذكر عيسى قالوا : ما رأينا شرا من دينك. # جزء : 2 رقم الصفحة : 192 # قلت : مشاركة اسم التفضيل هنا باعتبار زعمهم واعتقادهم ، وإلا فلا مشاركة ~~بين المسلمين وبينهم في الشر والضلال ، و{مثوبة} : تمييز عن شر ، وضع موضع ~~الجزاء ، وأصل المثوبة : في الخير ، والعقوبة : في الشر ، فوضع هنا المثوبة ~~موضع العقوبة تهكما بهم ، كقوله : PageV02P270 # تحية بينهم ، ضرب وجيع # و{من لعنة الله} : إما خبر ، أي : هو من لعنه الله ، أو بدل من شر ، ولا ~~بد من حذف مضاف ، إما من الأول أو الثاني ، أي : بشر من أهل ذلك الدين من ~~لعنه الله ، أو دين من لعنه الله. # 193 # ومن قرأ : {عبد} بفتح الباء ، ففعل ماض ، صلة لموصول محذوف ، أي : ومن ~~عبد ، و{الطاغوت} : مفعول به ، ومن قرأ بضم الباء ، فاسم للمبالغة ، كيقظ ، ~~أي : كثير اليقظة ، وهو عطف على القردة ، والطاغوت مضاف. # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {هل} ms0620 أخبركم بأقبح من ذلك الدين الذي ~~قلتم ما رأيتم شرا منه ، هو دين {من لعنه الله} ، أو نفس من لعنه الله ، أي ~~: أبعده من رحمته {وغضب عليه} بكفره وعصيانه ، وهم اليهود ، {وجعل منهم ~~القردة والخنازير} أي : مسخ بعضهم قردة وخنازير ، وهم أصحاب السبت ، مسخ ~~شبابهم قردة ، وشيوخهم خنازير ، {و} جعل منهم أيضا من {عبد الطاغوت} ، وهم ~~عباد العجل ، أو الكهنة ، أو كل من أطاعوه في معصية الله ، {أولئك شر ~~مكانا} أي : أقبح مكانا ، أي : أقبح مرتبة وأخس حالا ، جعل مكانهم شرا ، ~~ليكون أبلغ في الدلالة على شريتهم ، {و} هم أيضا {أضل عن سواء السبيل} أي : ~~عن وسط الطريق ، بل حادوا عنه إلى طرق تفريط أو إفراط ، حيث تركوا طريق ~~الإسلام ، الذي هو الصراط المستقيم. # الإشارة : من كان متلطخا بالمعاصي والذنوب ، وباطنه محشو بالمساوىء ~~والعيوب ؛ كالحسد والجاه وحب الدنيا وسائر أمراض القلوب ، ثم جعل يطعن في ~~طريق الخصوص ، يقال له : أنبئك بشر من ذلك ، هو من أبعده الله بسبب المعاصي ~~، والذنوب ، وغضب عليه بسبب أمراض القلوب ، ومسخ قلبه عن مطالعة أنوار ~~الغيوب ، فهذا أقبح مكانا وأضل سبيلا ، فكل من أولع بالطعن على الذاكرين ، ~~يمسخ قلبه بالغفلة والقسوة ، حتى يفضي إلى سوء الخاتمة. والعياذ بالله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 193 PageV02P271 ~~قلت : جملة : {وقد دخلوا} ، وجملة : {وهم قد خرجوا} ، حالان من فاعل ~~{قالوا} ، ودخلت {قد} على دخلوا وخرجوا ؛ تقريبا للماضي من الحال ، ليصح ~~وقوع حالا ؛ أي : ذلك حالهم في دخولهم وخروجهم على الدوام ، وأفادت أيضا ~~لما فيها من التوقع أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم. # يقول الحق جل جلاله : في ذكر مساوىء اليهود : {وإذا جاؤوكم} ودخلوا عليكم ~~، أظهروا الوفاق لكم ، و{قالوا آمنا} بدينكم {و} هم {قد دخلوا} عليكم ~~ملتبسين {بالفكر} في قلوبهم ، {وهم قد خرجوا} أيضا {به} ، فلم ينفع فيهم ~~وعظ ولا تذكير ، بل كتموا النفاق وأظهروا الوفاق ، {والله أعلم بما كانوا ~~يكتمون} ؛ فيفضحهم على رؤوس الأشهاد. # 194 # الإشارة : من سبق له الطرد والإبعاد لا تنفعه خلطة أهل المحبة والوداد ، ~~بل يخرج من ms0621 عندهم كما دخل عليهم ، لا ينفع فيه وعظ ولا تذكير ، ولا ينجح ~~فيه زاجر ولا نذير ، وأما من سبقت له العناية فلا يخرج من عندهم إلا مصحوبا ~~بالهداية والرعاية ، إذا كان في أسفل سافلين في أعلى عليين ؛ لأنهم قوم لا ~~يشقى جليسهم والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 194 # قلت : {لولا} : أذا دخلت على الماضي أفادت التوبيخ ، وإذا دخلت على ~~المستقبل أفادت التحضيض. # يقول الحق جل جلاله : {وترى} يا محمد ، أو يا من تصح منه الرؤية {كثيرا} ~~من اليهود {يسارعون في الإثم} أي : في الذنوب والمعاصي المتعلقة بهم في ~~أنفسهم {والعدوان} المتعلقة بغيرهم ، كالتعدي على أموال الغير وأعراضهم ~~وأبدانهم ، {وأكلهم السحت} : الحرام ؛ كالرشا والربا وغير ذلك ، {لبئس ما ~~كانوا يعملون} أي : قبح عملهم بذلك ، وتناهى في القبح. PageV02P272 # {لولا ينهاهم} أي : هلا ينهاهم {الربانيون} أي : عبادهم ورهبانهم ، ~~{والأحبار} أي : علماؤهم وأساقفتهم ، {عن قولهم الإثم} أي : الكذب ، ~~{وأكلهم السحت} : الحرام ، {لبئس ما كانوا يصنعون} من السكوت عنهم ، وعدم ~~الإنكار عليهم ، عبر أولا بيعلمون وثانيا بيصنعون ؛ لأن الصنع أبلغ ، ولأن ~~الصنع عمل بعد تدريب وتدقيق وتحري أجادته وجودته ، بخلاف العمل ، ولا شك أن ~~ترك التغيير والسكوت على المعاصي من العلماء وأولى الأمر أقبح وأشنع من ~~ومواقعة المعاصي ، فكان جديرا بأبلغ الذم ، وأيضا : ترك التغيير لا يخلوا ~~من تصنع ، فناسب التعبير بيصنعون ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " ~~ما من رجل يجاور قوما فيعمل بالمعاصي بين أظهرهم إلا أوشك الله تعالى أن ~~يعمهم منه بعقاب " وقد قال تعالى : {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة} [الأنفال : 25] ، فالوبال الذي يترتب على ترك الحسبة أعظم من الوبال ~~الذي يترتب على المعصية ، فكان التوبيخ على ترك الحسبة أعظم. # 195 # ثم نعى عليهم مقالاتهم الشنيعة ، التي هي من جملة قولهم الإثم ، فقال : ~~{وقالت اليهود يد الله مغلولة} أي : مقبوضة عن بسط الرزق. روي أن اليهود ~~أصابتهم سنة جدبة بشؤم تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه ~~المقالة الشنيعة ، والذي قالها فنحاص ، ونسبت إلى جملتهم ms0622 ؛ لأنهم رضوا ~~بقوله ، فعل اليد كناية عن البخل ، وبسطها كناية عن الجود ، ومنه : {ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء : 29]. # جزء : 2 رقم الصفحة : 195 PageV02P273 ~~ثم رد عليهم فقال : {غلت أيديهم} ، يحتمل أن يكون دعاء أو خبرا ، ويحتمل أن ~~يكون في الدنيا بالأسر والقبض ، أو في الآخرة بجعل الأغلال فيها إلى عنقهم ~~في جهنم ، قال تعالى : {بل يداه مبسوطتان} ، أي : نعمه مبسوطة على عباده ، ~~سحاء عليهم ، الليل والنهار ، وإنما ثنيت اليدان عنها ، وأفردت في قول ~~اليهود ؛ ليكون أبلغ في الرد عليهم ، ومبالغة في وصفه تعالى بالجود والكرم ~~، كما تقول : فلان يعطي بكلتا يديه ؛ إذا كان عظيم السخاء ، أو كناية عن ~~نعم الدنيا والآخرة ، أو عن ما يعطيه استدارجا وما يعطيه للإكرام. ثم أكده ~~بقوله : {ينفق كيف يشاء} أي : هو مختار في إنفاقه ، يوسع تارة ويضيق تارة ~~أخرى ، على حسب مشيئته ومقتضى حكمته. ولما عميت بصيرتهم بالكفر ، وقست ~~قلوبهم بالذنوب ، كانوا كلما ازدادوا تذكيرا بالقرآن ، زادوا في العتو ~~والطغيان ، كما قال تعالى : {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا} ؛ إذ هو متعصبون بالكفر والطغيان ، ويزدادون طغيانا وكفرا ~~بما يسمعون من القرآن ، كما يزداد المريض مرضا من تناول الغذاء الصالح ~~للأصحاء. PageV02P274 # ومن مساوئهم أيضا : تفريق قلوبهم بالعداوة والشحناء ، كما قال تعالى : ~~{وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} ؛ فلا تتوافق قلوبهم ولا ~~تجتمع آراؤهم ؛ {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} أي : كلما أرادوا حرب ~~الرسول عليه الصلاة والسلام وإثارة شر عليه ، ردهم الله ، وأبطل كيدهم ، ~~بأن أوقع بينهم منازعة كف بها شرهم ، أو : كلما أرادوا حرب عدو لهم هزمهم ~~الله ، فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فسلط ~~عليهم فطرس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط عليهم ~~المسلمون. فكان شأنهم الفساد ، ولذلك قال تعالى فيهم : {ويسعون في الأرض ~~فسادا} أي : الفساد بإثارة الحروب والفتن ، وهتك المحارم ، واجتهادهم في ~~الحيل والخدع للمسلمين ، {والله لا يحب المفسدين} أي : لا يرضى فعلهم ms0623 فلا ~~يجازيهم إلا شرا وعقوبة. # الإشارة : قال الورتجبي : في الآية تحذير الربانيين العارفين بالله ~~وبحقوق الله ، والأحبار العلماء بالله وبعذاب الله لمن عصاه ، وبثواب الله ~~لمن أطاعه ؛ لئلا يسكنوا عن الزجر للمبطلين والمغالطين ، المائلين عن طريق ~~الحق إلى طريق النفس ، وبين تعالى أن من داهن في دينه عذب وإن كان ربانيا. ~~ه. وفي بعض الأثر : " إذا رأى العالم المنكر # 196 # وسكت ، فعليه لعنة الله ". والذي يظهر أن نهي الربانيين يكون بالهمة ~~والحال ، كقضية معروف الكرخي وغيره ونهي الأحبار يكون بالمقال ، وقد تقدم ~~هذا. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 195 # يقول الحق جل جلاله : {ولو أن أهل الكتاب} ؛ اليهود والنصارى ، {آمنوا} ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، {واتقوا} ما ذكرنا من معاصيهم ~~ومساويهم ، {لكفرنا عنهم سيئاتهم} المتقدمة ، ولم نؤاخذهم بها ، ~~{ولأدخلناهم جنات النعيم} مع المؤمنين ، وفيه تنبيه على أن الإسلام يجب ما ~~قبله ولو عظم ، وأن الكتابي لا يدخل الجنة إلا أن يسلم. PageV02P275 # {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} بالإيمان بما فيهما ، وإذاعة علمهما ، ~~والقيام بأحكامهما ، من غير تفريق بينهما ، وآمنوا بما {أنزل إليهم من ~~ربهم} ، يعني بسائر الكتب المنزلة ، ومن جملتها القرآن العظيم ، فإنهم لما ~~كلفوا بالإيمان بها صارت كأنها منزلة عليهم ، فلو فعلوا ذلك {لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم} أي : لوسعنا عليهم أرزاقهم ، وبسطنا عليهم النعم ؛ ~~بأن يفيض عليهم بركات من السماء والأرض ، أو : لأكلوا من فوقهم بكثرة ثمرة ~~الأشجار ، ومن تحت أرجلهم بكثرة الزروع ، أو من فوقهم ما يجنون من ثمار ~~أشجارهم ، ومن تحت أرجلهم ما يتساقط منها ، والمراد : بيان علة قبض الرزق ~~عنهم ، وأن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم ، لا لقصور القدرة عن ذلك. # ولو أنهم أقاموا ما ذكرنا لوسعنا عليهم ، ولحصل لهم خير الدارين ، {منهم ~~أمة مقتصدة} أي : جماعة عادلة غير غالية ولا مقصرة ، وهم الذين آمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ، {وكثير منهم ساء ما يعملون} أي : قبح عملهم ، وفيه ~~معنى التعجب ، أي : ما أسوأ عملهم! ، وهو المعاندة وتحريف الحق والإعراض ~~عنه ms0624 ، والإفراط في العداوة. قاله البيضاوي. قال في الحاشية : وفي الآية ~~شاهد لما ورد من افتراق أهل الكتابين على فرق ، كما أن شاهد افتراق هذه ~~الأمة آية : {وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق} [الأعراف : 181] ، وهذه هي ~~الناجية من هذه الأمة. ه. يعني التي تهدي بالحق إلى الحق ، وتعدل به في ~~جميع الأمور. # الإشارة : كل من حقق الإيمان الكامل والتقوى الكاملة ، وسع الله عليه من ~~أرزاق العلوم ، وفتحت له مخازن الفهوم ، ودخل جنة المعارف ، لم يشتق إلى ~~جنة الزخارف ، وقال الورتجبي : لو كانوا على محل التحقيق في المعرفة لأكلوا ~~أرزاق الله بالله من خزائن # 197 # غيبه ، كأصحابه المن والسلوى والمائدة من السماء ، ويفتح لهم كنوز الأرض ~~وهم على ذلك ، بإسقاط رؤية الوسائط. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 197 PageV02P276 ~~وقال القشيري : لو سلكوا سبيل الطاعات لوسعنا عليهم أسباب المعيشة ، وسهلنا ~~لهم الحال ، إن ضربوا يمنة ، لا يلقون غير اليمن ، وإن ضربوا يسرة ، لا ~~يجدون إلا اليسر. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 197 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الرسول بلغ} جميع {ما أنزل إليك من ربك} ~~غير مراقب أحدا ولا خائف مكروها ، {وإن لم تفعل} ؛ بأن لم تبلغ جميع ما ~~أمرتك وكتمت شيئا منه ، {فما بلغت رسالته} أي : كأنك ما بلغت شيئا من رسالة ~~ربك ؛ لأن كتمان بعضها يخل بجميعها ، كترك بعض أركان الصلاة. وأيضا كتمان ~~البعض يخل بالأمانة الواجبة في حق الرسل ، فتنتقض الدعوة للإحلال بالأمانة ~~، وذلك محال. ولا يمنعك أيها الرسول عن التبليغ خوف الإذاية فإن {الله ~~يعصمك من الناس} بضمان الله وحفظه ، {إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أي : ~~لا يمكنهم مما يريدونه منك. وقد قصده قوم بالقتل مرارا ، فمنعهم الله من ~~ذلك كما في السير عن النبي صلى الله عليه وسلم : " بعثني الله برسالته ، ~~فضقت بها ذرعا ، فأوحى الله لي : إن لم تبلغ رسالتي عذبتك ، وضمن لي العصمة ~~فقويت ". وعن أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ، حتى نزلت ، ~~فأخرج رأسه من قبة أدم ، فقال : " انصرفوا يا أيها ms0625 الناس ؛ فقد عصمني الله ~~من الناس " وظاهر الآية يوجب تبليغ جميع ما أنزل الله. ولعل المراد تبليغ ~~ما يتعلق به مصالح العباد ، وقصد بإنزاله إطلاعهم عليه ، فإن من الأسرار ~~الإلهية ما يحرم إفشاؤه. قاله البيضاوي. # الإشارة : قال الورتجبي : أمره بإبلاغ ما أنزل إليه من الذي يتعلق بأحكام ~~العبودية ، ولم يأمرهم بأنه يعرفهم أسرار ما بينه وبين الله ، وما بين الله ~~وبين أنبيائه وأوليائه. ثم قال : {والله يعصمك} أي : يعصمك أن يوقعك أحد في ~~التمويه الغلط والحيل في طريقك إلي ، وهذا لكونه مختارا بالرسالة ، وحقائق ~~الرسالة في الرسول : ظهور أنوار # 198 PageV02P277 ~~الربوبية في قلبه ، وبيان أحكام العبودية في سره. وقال الأستاذ ، يعني ~~القشيري : يقال في قوله : {والله يعصمك من الناس} أي : حتى لا تغرق في بحر ~~التوهم ، بل تشاهدهم كما هم ؛ وجودا بين طرفي العدم. انتهى نقل الورتجبي. # وقال القشيري أيضا : لا تكتم شيئا مما أوحينا إليك ملاحظة غير ، إذ لا ~~غير في التحقيق إلا رسوما موضوعة ، أحكام القدرة عليها جارية. ثم قال : ~~{والله يعصمك} أي : يعصم ظاهرك من أن يمسك من أذاهم شيء ، فلم يتسلط عليه ~~بعد هذا عدو ، أي : وما وقع له من الشج وغيره كان قبل ذلك ، وقيل : المراد ~~عصمته من القتل ، ثم قال : ونصون سرك عنهم ، حتى لا يقع على إحساسهم. وقال ~~شيخنا السلمي : قيل : يعصمك منهم أن يكون منك إليهم التفات ، أو يكون لك ~~بهم اشتغال. انتهى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 198 # قلت : صدق الباطن ، لا ينفك عنه من أول الأمر ؛ لأنه من ضروريات كونه ~~رسول الله بالله ، وهذا قد يتحقق للمأذون من أتباعه ، فضلا عنه ، والظاهر ~~ما صدر به من عصمة ظاهره ، أو أن يقع خلل في طريقه ؛ بتمويه أو غلط أو حيلة ~~، كما أشار إليه الورتجبي. فلله دره. قاله المحشي الفاسي. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 198 # {قل ياأهل الكتاب لستم علىا شيء حتىا تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليكم من ربكم...} PageV02P278 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : {يا أهل الكتاب} ms0626 ، اليهود والنصارى ، ~~{لستم على شيء} أي : لستم على دين يعتد به ، {حتى تقيموا التوراة والإنجيل ~~وما أنزل إليكم من ربكم} على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن إقامتها ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والإذعان لحكمه ، فإن الكتب الإلهية ~~بأسرها ، أمرت بالإيمان والإذعان ، لمن صدقته المعجزة ، وهي ناطقة بوجوب ~~الطاعة له ، والمراد بإقامة الكتابين : إقامة أصولهما وما لم ينسخ من ~~فروعهما ، لا جميعهما. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ما قيل لأهل الكتاب يقال لهذه الأمة المحمدية على طريق الإشارة ~~، فيقال لهم : لستم على شيء ، يعبأ به من أعمالكم وأحوالكم ، حتى تقيموا ~~كتابكم القرآن ، فتحلوا حلاله ، وتحرموا حرامه ، وتقفوا عند حدوده ، ~~وتمتثلوا أوامره ، وتجتنبوا نواهيه ، وتقيموا أيضا سنة نبيكم ؛ فتقتدوا ~~بأفعاله ، وتتأدبوا بآدابه ، وتتخلقوا بأخلاقه ، على جهد الاستطاعة ، ولذلك ~~قال بعض السلف : ليس علي في القرآن أشد من هذه الآية : {قل يا أهل الكتاب ~~لستم على شيء} الآية. كما في البخاري. # 199 # ثم ذكر عتو اليهود وطغيانهم ، فقال : # {... وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على ~~القوم الكافرين} PageV02P279 ~~يقول الحق جل جلاله : {وليزيدن كثيرا} من اليهود {ما أنزل إليك} من القرآن ~~والوحي {طغيانا وكفرا} على ما عندهم ، فلا تحزن عليهم بزيادة طغيانهم ~~وكفرهم بما تبلغه إليهم ، فإن ضرر ذلك لاحق بهم ، لا يتخطاهم ، قال ابن ~~عباس : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة وسلام بن مشكم وملك ~~بن الصيف ورافع بن حريملة في جماعة من اليهود ، فقالوا : " يا محمد ، ألست ~~تزعم أنك على ملة إبراهيم ، وأنك مؤمن بالتوراة وبنبوة موسى ، وأن جميع ذلك ~~حق ؟ قال : " بلى ، ولكنكم أحدثتم وكتمتم وغيرتم " فقالوا : إنا نأخذ بما ~~في أيدينا فإنه الحق ، ولا نصدقك ولا نتبعك ، فنزلت فيهم هذه الآية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 199 # الإشارة : من شأن أهل المحبة والاعتقاد ، الذين سبقت لهم من الله العناية ~~والوداد ، إذا ازداد على أشياخهم فيض علوم وأنوار وأسرار ؛ زادهم ذلك يقينا ~~وإيمانا وعرفانا ، يجدون حلاوة ذلك في قلوبهم وأسرارهم ms0627 ؛ فيزدادون قربا ~~وشهودا ، وأهل العناد الذين سبق لهم من الله الطرد والبعاد ؛ إذا سمعوا ~~بزيادة علوم وأنوار على أولياء الله ، زادهم ذلك طغيانا وبعدا ، فلا ينبغي ~~الالتفات إليهم ، ولا الاحتفال بشأنهم ، فإن الله كاف شرهم ، وبالله ~~التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 199 # قلت : {والصابئون} : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والصابئون ~~كذلك. انظر البيضاوي وابن هشام. PageV02P280 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم {والذين ~~هادوا والصابئون} : قوم بين النصارى والمجوس ، أو عباد المكواكب ، أو قوم ~~بقوا على دين نوح عليه السلام {والنصارى} : قوم عيسى ، {من آمن} منه ~~{بالله} إيمانا حقيقيا ؛ بلا شرك ولا تفريق ، وآمن باليوم الآخر ، {وعمل ~~صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ، قال ابن عباس : نسخها : {ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران : 85] ، وقيل : إن هؤلاء الطوائف ~~من آمن منهم إيمانا صحيحا فله أجره ، فيكون في حق # 200 # المؤمنين : الثبات عليه إلى الموت ، وفي حق غيرهم : الدخول في الإسلام ، ~~فلا نسخ. وقيل : إنها فيمن كان قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا نسخ ~~أيضا. قاله ابن جزي. # الإشارة : الذي طلب الله من العباد ورغبهم في تحصيله ، وجعله سببا للنجاة ~~من كل هول في الدنيا والآخرة ثلاثة أمور : أحدها : تحقيق الإيمان بالله ، ~~والترقي فيه إلى محل شهود المعبود ، والثاني : تحقيق الإيمان بالبعث وما ~~بعده ، حتى يكون نصب عينيه ، ويقربه كأنه واقع يشاهده ؛ إذ كل آت قريب. ~~والثالث : إتقان العمل إظهارا للعبودية ، وتعظيما لكمال الربوبية ، على قدر ~~الاستطاعة من غير تفريط ولا إفراط ، وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 200 # قلت : المضارع إذا وقع بعد العلم وجب إهمال (إن) معه ، فتكون مخففة ، وإن ~~وقعت بعد الظن يصح فيها الوجهان ، فمن قرأ : {وحسبوا ألا تكون} بالرفع ، ~~فأن مخففة ، ومن قرأ بالنصب فأن مصدرية. والفرق بين العلم والظن ، أن علم ~~العبد إنما يتعلق بالحال ، و(أن) تخلص للاستقبال ، فلا ms0628 يصح وقوعها بعد ~~العلم ، فأهملت وكانت مخففة من الثقيلة ، بخلاف الظن ؛ فيتعلق بالحال ~~والاستقبال ، فصح وقوع (أن) بعده. و{كلما} : ظرف لكذبوا أو يقتلون ، ~~و{كثير} ؛ بدل من فاعل عموا وصموا. PageV02P281 # يقول الحق جل جلاله : {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} أن يعملوا بأحكام ~~التوراة ، {وأرسلنا إليهم رسلا} يجددون العهد ويحثون على الوفاء به ، ثم ~~إنهم طغوا وعتوا ؛ {كلما جاءهم رسول} من عند الله {بما لا تهوى أنفسهم} من ~~الشرائع التي تخالف أهواءهم ومشاق الطاعة ، {فريقا} منهم كذبوهم {وفريقا} ~~يقتلونهم ، أي : كذبوا فريقا كداود وسليمان ، وفريقا قتلوهم بعد تكذيبهم ~~كزكريا ويحيى ، وقصدوا قتل عيسى عليه السلام فليس ما فعلوا معك ببعد منهم ، ~~فلهم سلف في ذلك. # {وحسبوا} أي : ظنوا {ألا تكون فتنة} أي : لا يقع بهم بلاء وعذاب بقتل ~~الأنبياء عليهم السلام ، وتكذيبهم ، {فعموا} عن أدلة الهدى ، أو عن الدين ~~، {وصموا} عن استماع الوعظ والتذكير ، كما فعلوا حيث عبدوا العجل ، {ثم تاب ~~الله عليهم} لما تابوا ، {ثم عموا وصموا} لما قتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء ~~، واستمر على ذلك {كثير منهم} ، وقليل منهم بقوا على العهد {والله بصير بما ~~يعملون} فيجازيهم وفق أعمالهم. # 201 # الإشارة : لقد أخذ الله العهد على جميع بني آدم في شأن حمل الأمانة ، ~~التي حملها أبوهم آدم ، وبعث الأنبياء والأولياء يجددون العهد في حملها ، ~~ويعرفون الناس بشأنها ، وهي المعرفة الخاصة ، التي هي شهود عظمة الربوبية ~~في مظاهر العبودية ، وحملها لا يكون إلا بمخالفة الهودى وخرق عوائد النفوس ~~، ولا يطيقها إلا الخصوص ، فلذلك كثر الإنكار على الأنبياء والأولياء ؛ إذ ~~لم يأت أحد بخرق العوائد إلا عودي وأنكر ، فكلما جاءهم رسول أو ولي بما لا ~~تهوي أنفسهم فريقا منهم كذبوا وفريقا يقتلون ، وظنوا أن الله لا يعاقبهم ~~على ذلك ، ولا تصيبهم فتنة في قلوبهم على ما هنالك ، فعموا عن مشاهدة أنوار ~~الحق ، وصموا عمن يذكرهم بالحق ، وقد تلمع لهم تارة قبس من أنوارهم ، ~~فيتوبون ، ثم يصرون على الإنكار. والله بصير بما يعملون. # جزء : 2 رقم الصفحة : 201 PageV02P282 ~~يقول الحق جل جلاله : {لقد كفر ms0629 الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} ، ~~لما رأوا على يديه من الخوارق ، {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ~~ربي وربكم} المعنى : لقد كفر من اتخذ عيسى إلها مع أنه كان يتبرأ من هذا ~~الاعتقاد ، ويقول لبني إسرائيل : اعبدوا الله خالقي وخالقكم. # والمشهور في الأخبار ، أن النصارى هم الذين اعتقدوا هذا الاعتقاد دون بني ~~إسرائيل ، نعم ، أصل دخول هذه الشبهة على النصارى من يهودي يقال له : بولس ~~، حسدا منه ، وذلك أنه دخل في دينهم ، وفرق أموالهم ، وتأهب للتعبد معهم ، ~~ثم سار إلى بيت المقدس وقطع نفسه تقربا عند قبري مريم وعيسى عليهما السلام ~~في زعمهم ، وكان معه رجلان اسمهما : يعقوب وناسور ، فأخذ يعلمهما ذلك ~~الفساد ويقول لهما : عيسى هو الله أو ابن الله ، فلما قطع نفسه صار الرجلان ~~يفشيان ذلك عنه ، فشاع مذهب الرجلين ، وكان منهما الطائفة اليعقوبية ~~والناسورية. # 202 # ثم هددهم على الشرك فقال ، أي : عيسى : {إنه من يشرك بالله} في عبادته ، ~~أو فيما يختص به من الصفات والأفعال ، {فقد حرم الله عليه الجنة} أي : يمنع ~~من دخولها ؛ لأنها دار الموحدين ، {ومأواه النار} أي : محله النار. لأنها ~~معدة للمشركين ، {وما للظالمين من أنصار} أي : وما لهم أحد ينصرهم من ~~النار. ووضع المظهر موضع المضمر ، تسجيلا على أنهم ظلموا بالإشراك ، وعدلوا ~~عن طريق الحق ، وهو يحتمل أن يكون من تمام كلام عيسى عليه السلام ، أو من ~~كلام الله تعالى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 202 PageV02P283 ~~ثم ذكر تعالى صنفا آخر منهم ، فقال : {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة} أي : أحد ثلاثة ، عيسى وأمه وهو ثالثهم ، أو أحد الأقانيم الثلاثة ، ~~الأب والابن وروح القدس ، يريدون بالأب الذات ، وبالابن العلم ، وبروح ~~القدس الحياة ، لكن في إطلاق هذا اللفظ إيهام وإيقاع للغير في الكفر ، وهذه ~~المقالة أعني التثليث ، هي قوله النسطورية والملكانية ، وما سبق في قوله : ~~{إن الله هو المسيح} قول اليعقوبية ، القائلة بالاتحاد ، وكلهم ضالون مضلون ~~، {وما من إله إلا إله واحد} في ذاته وصفاته وأفعاله ، لا شريك له ms0630 في ~~ألوهيته ، متصلا ولا منفصلا ، {وإن لم ينتهوا عما يقولون} ، ولم يوحدوا ~~{ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} أي : ليمس الذين بقوا منهم على الكفر ~~ولم يتوبوا ، عذاب موجع. # {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} أي : أفلا يرجعون عن تلك العقائد ~~الزائفة والأقوال الفاسدة ، ويستغفرونه بالتوحيد والتوبة عن الاتحاد ~~والحلول ، فإن تابوا غفر الله لهم ، {والله غفور رحيم}. وهذا الاستفهام : ~~تعجب من إصرارهم ، مع كون التوبة مقبولة منهم. PageV02P284 # ثم رد عليهم بقوله : {ما المسيح ابن مريم إلا رسول} بشر {قد خلت من قبله ~~الرسل} ، وخصه الله بآيات ، كما خصهم بها ، فإن كان قد أحيا الله الموتى ~~على يديه ، فقد أحيا العصى ، وجعلها حية تسعى على يد موسى ، بل هو أعجب ، ~~وإن كان قد خلقه الله من غير أب ، فقد خلق آدم من غير أب وأم ، وهو أغرب ، ~~{وأمه صديقة} فقط ، كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق ، {كانا ~~يأكلان الطعام} ويفتقران إليه افتقار الحيوانات ، قال البيضاوي : بين أولا ~~أقصى مالهما من الكمال ، ودل أنه لا يوجب لهما ألوهية ؛ لأن كثيرا من الناس ~~يشاركهما في مثله ، ثم نبه على نقصهما ، وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن ~~يكون من عداد المركبات الكائنة الفاسدة ، أي : القابلة للفساد ، ثم عجب ممن ~~يدعي الربوبية لهما مع أمثال هذه الأدلة الظاهرة ، فقال : {انظر كيف نبين ~~لهم الآيات ثم انظر أنا يؤفكون} أي : كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله ، ~~و{ثم} للتفاوت بين العجبين ، أي : أن بياننا للآيات عجب ، وإعراضهم عنها ~~أعجب. ه. # 203 # ثم أبطل عبادتهم لعيسى عليه السلام فقال : {قل أتعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لكم ضرا ولا نفعا} بل هو عاجز عن صرفه عن نفسه وجلب الخير لها ، فكيف ~~يقدر أن يدفعه عن غيره ؟ وعبر عنه بما ، دون {من} إشارة إلى أنه من جنس ما ~~لا يعقل ، وما كان مشاركا في الحقيقة لجنس ما لا يعقل ، يكون معزولا عن ~~الألوهية ، وإنما قدم الضر ؛ لأن التحرز منه أهم من تحري النفع ، ثم هددهم ~~بقوله : {والله ms0631 هو السميع العليم} بالأقوال والعقائد ، فيجازي عليهما ، إن ~~خيرا فخير ، وإن شرا فشر. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 202 PageV02P285 ~~الإشارة : ينبغي للعبد أن يصفي مشرب توحيده ، ويعتني بتربية يقينة ، بصحبة ~~أهل اليقين ، وهم أهل التوحيد الخاص ، فيترقى من توحيد الأفعال إلى توحيد ~~الصفات ، ومن توحيد الصفات إلى توحيدات الذات ، فنهاية توحيد الصالحين ~~والعلماء المجتهدين تحقيق توحيد الأفعال ، وهو ألا يرى فاعلا إلا الله ، لا ~~فاعل سواه ، وثمرة هذا التوحيد : الاعتماد على الله ، والثقة بالله ، وسقوط ~~خوف الخلق من قلبه ، لأنه يراهم كالآلات ، والقدرة تحركهم ، ليس بيدهم نفع ~~ولا ضرر ، عاجزون عن أنفسهم فكيف عن غيرهم ؟ ونهاية توحيد العباد والزهاد ~~والناسكين المنقطعين إلى الله تعالى توحيد الصفات ، فلا يرون قادرا ولا ~~مريدا ولا عالما ولا حيا ولا سميعا ولا بصيرا ولا متكلما إلا الله ، قد ~~انتفت عنه صفات الحدث وبقيت صفات القدم. وثمرة هذا التوحيد : الانحياش من ~~الخلق والتأنس بالملك الحق ، وحلاوة الطاعات ولذيذ المناجات. ونهاية توحيد ~~الواصلين من العارفين والمريدين السائرين : توحيد الذات ؛ فلا يشهدون إلا ~~الله ، ولا يرون معه سواه. قال بعضهم : لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ، ~~فإنه لا غير معه حتى أشهده. وقال شاعرهم : # مذ عرفت الإله لم أر غيرا # وكذا الغير عندنا ممنوع # مذ تجمعت ما خشيت افتراقا # فأنا اليوم واصل مجموع # وقال في التنوير : أبى المحققون أن يشهدوا مع الله سواه ؛ لما حققهم به ~~من شهود الأحدية وإحاطة القيومية. ه. وفي الحكم : " الأكوان ثابتة بإثباته ~~، ممحوة بأحدية ذاته ". # وهؤلاء هم الصديقون المقربون. نفعنا الله بذكرهم ، وخرطنا في سلكهم. آمين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 202 # يقول الحق جل جلاله : {يا أهل الكتاب} أي : النصارى ، {لا تغلوا في ~~دينكم} وتقولوا قولا {غير الحق} ؛ وهو اعتقادكم في عيسى أنه إله ، أو أنه ~~لغير رشدة ، ولا تفرطوا ، {ولا تتبعوا أهواء قوم} سلفوا قبلكم ، وهم أئمتكم ~~في الكفر ، {قد ضلوا من PageV02P286 ~~204 # قبل} أي : من قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، {وأضلوا} أناسا {كثيرا} ~~؛ حملوهم على ms0632 الاعتقاد الفاسد في عيسى وأمه ، فقلدوهم وضلوا معهم ، {وضلوا ~~عن سواء السبيل} أي : عن قصد السبيل المستقيم ، وهو الإسلام بعد مبعثه صلى ~~الله عليه وسلم ، وقيل : الضلال الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل ، ~~والثاني إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع. قاله البيضاوي. # الإشارة : الغلو كله مذموم كما تقدم ، وخير الأمور أوسطها ، كما تقدم. ~~وقد رخص في الغلو في ثلاثة أمور : أحدها : في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلا بأس أن يبالغ فيه ما لم يخرجه عن طور البشرية ، وهذا غلو ممدوح ، مقرب ~~إلى الله تعالى ، قال في بردة المديح : # دع ما ادعته النصارى في نبيهم # واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم # الثاني : في مدح الأشياخ والأولياء ، ما لم يخرجهم أيضا عن طورهم ، أو ~~يغض من مرتبة بعضهم ، فقد رخصوا للمريد أن يبالغ في مدح شيخه ، ويتغالى فيه ~~، بالقيدين المتقدمين ؛ لأن ذلك يقربه من حضرة الحق تعالى. والثالث : في ~~تعظيم الحق جل جلاله. وهذا لا قيد فيه ولا حصر. حدث عن البحر ولا حرج ، إذا ~~كان ممن يحسن العبارة ويتقن الإشارة ، بحيث لا يوهم نقصا ولا حلولا. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 204 # يقول الحق جل جلاله : {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} أي ~~: لعنهم الله في الزبور على لسان نبيه داود عليه السلام ، {و} لعنهم الله ~~أيضا في الإنجيل على لسان {عيسى ابن مريم} ، فالأول : أهل أيلة ؛ لما ~~اعتدوا في السبت لعنهم داود عليه السلام ، فمسخوا قردة وخنازير ، والثاني ~~أصحاب المائدة ، لما كفروا دعا عليهم عيسى ، ولعنهم ، فمسخوا خنازير ، ~~وكانوا خمسة آلاف رجل ، {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} ؛ ذلك اللعن الشنيع ~~المقتضى للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم. # 205 PageV02P287 ~~{كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} أي : لا ينهى بعضهم بعضا عن معاودة منكر ~~فعلوه ، أو عن منكر أرادوا فعله وتهيأوا له ، أو : لا ينتهون عنه ولا ~~يمتنعون منه ، {لبئس ما كانوا يفعلون} ، وهو تعجيب من سوء فعلهم مؤكد ~~بالقسم. # {ترى كثيرا منهم} ms0633 أي : من اليهود ، {يتولون الذين كفروا} أي : يوالون ~~المشركين بغضا للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، {لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم} أي : لبئس شيئا قدموه ، ليردوا عليه يوم القيامة ، وهو {أن سخط ~~الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} أي : بئس ما قدموا أمامهم ، وهو سخط الله ~~والخلود في النار ، والعياذ بالله ، {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي} أي : ~~نبيهم كما يزعمون ، {وما أنزل إليه} من التوراة وغيره ، {ما اتخذوهم ~~أولياء} ؛ لأن النبي لا يأمر بموالاة الكفار ، ولو آمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وما أنزل إليه كما هو الواجب عليهم ما اتخذوا الكفار أولياء ، ~~{ولكن كثيرا منهم فاسقون} أي : خارجون عن دينهم ، أو خارجون عن الدين الحق ~~الذي لا يقبل غيره ، وهو الإسلام. # الإشارة : ذكر الحق جل جلاله في هذه الآية ثلاثة أمور ، وجعلها سببا للعن ~~والطرد ، وموجبة للسخط والمقت ، أولها : الانهماك في المعاصي والعدوان ، ~~والإصرار على الذنوب والطغيان. والثاني عدم الإنكار على أهل المعاصي ~~والسكوت عنهم والرضا بفعلهم ، والثالث : موالاة الفجار والمودة مع الكفار ، ~~ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أزواجهم أو عشيرتهم ، وفي بعض الأخبار : ( ~~لو أن رجلا قام الليل وصام النهار ، ثم تودد مع الفجار لبعث معهم ، ولو أن ~~رجلا عمل بالمعاصي ما عمل ، ثم أحب الأبرار لحشر معهم) ، أو كما قال صلى ~~الله عليه وسلم ، ويعضده حديث : " المرء مع من أحب " والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 205 # 206 PageV02P288 ~~قلت : القسيس : العالم ، والراهب ، العابد ، و{مما عرفوا} : سببية ، و{من ~~الحق} : بيان أو تبعيض ، وجملة : {لا نؤمن} : حال ، والعامل فيها متعلق ~~الجار ، أي : أي شيء حصل لنا حال كوننا غير مؤمنيين ، و{نطمع} : عطف على ~~{نؤمن} ، أو خبر عن مضمر ، أي : ونحن نطمع. # يقول الحق جل جلاله : {لتجدن أشد الناس عداوة} للمؤمنين ؛ اليهود ~~والمشركين ، لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم ، وانهماكهم في اتباع الهوى ، ~~وركونهم إلى التقليد ، وبعدهم عن التحقيق ، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء ، ~~ومعاداتهم وعدوانهم لا ينقطع إلى الأبد. # {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} ، للين جانبهم ms0634 ، ~~ورقة قلوبهم ، وقلة حرصهم على الدنيا بالنسبة لليهود ، وكثرة اهتمامهم ~~بالعلم والعمل ، وإليه أشار بقوله : {ذلك بأن منهم قسيسين} أي : علماء ، ~~ومن جملة علمهم : علمهم بوصاية عيسى بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ~~{ورهبانا} أي : عبادا ، {وأنهم لا يستكبرون} عن قبول الحق إذا عرفوه ، ~~بخلاف اليهود ؛ لكثرة جحودهم ، وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على ~~العلم والعمل محمود ، وإن كان من كافر. قاله البيضاوي. # {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم {ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع} ؛ من البكاء ، جعل أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها ~~، وإنما يفيض دمعها ، وذلك {مما عرفوا من الحق} حين سمعوه ، أو من بعض الحق ~~، فما بالك لو عرفوا كله ؟ {يقولون ربنا آمنا} بذلك ، أو بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم ؛ {فاكتبنا مع الشاهدين} بأنه حق ، أو بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 206 PageV02P289 ~~نزلت في النجاشي وأصحابه ، حين دعوا جعفرا وأصحابه ، وأحضروا القسيسين ~~والرهبان ، وأمره أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ سورة مريم ، فبكوا وآمنوا ~~بالقرآن. وقيل : نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلا من قومه ، وفدوا من عنده من ~~الحبشة بأمره على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقرأ عليهم سورة {يس} ، ~~فبكوا وآمنوا ، فصدر الآية عام ، فالنصارى كلهم أقرب مودة للمسلمين ، من ~~آمن ، ومن لم يؤمن ، وإنما جاء التخصيص في قوله : {وإذا سمعوا} ، فالضمير ~~إنما يرجع إلى من آمن منهم ، كالنجاشي وأصحابه. وإنما جاء الضمير عاما ؛ ~~لأن الجماعة تحمد بفعل الواحد. انظر ابن عطية. # ولما دخل الإيمان في قلوبهم حين سمعوا القرآن ، عاتبوا أنفسهم على التأخر ~~عن الإيمان فقالوا : {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق} {و} نحن ~~{نطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} ، وهي أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم التي هي أفضل الأمم ، وهذا منهم استفهام إنكار واستبعاد ؛ لانتفاء ~~الإيمان مع قيام الداعي ، وهو الطمع في الانخراط مع # 207 # الصاحلين ، والدخول في مداخلهم ، {فأثابهم ms0635 الله} أي : جازاهم {بما قالوا} ~~واعتقدوا ، {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين} ~~الذين اعتادوا الإحسان في جميع الأمور ، أو الذين أحسنوا النظر وأتقنوا ~~العمل. ثم ذكر ضدهم فقال : {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم} ، شفع بهم حال المؤمنين المصدقين ، جمعا بين الترغيب والترهيب ، ~~ليكون العبد بين خوف ورجاء. والله تعالى أعلم. # الإشارة : أشد الناس إنكارا على الفقراء ، وأشدهم عداوة لهم ، من تقدم في ~~أسلافه رئاسة علم أو جاه أو صلاح أو نسبة شرف ، وأقرب الناس مودة لهم من لم ~~يتقدم له شيء من ذلك ، فالعوام أقرب وأسهل للدخول في طريق الخصوص من غيرهم. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 206 PageV02P290 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله} ~~أي : لا تحرموا ما طاب ولذ مما أحله الله لكم ، {ولا تعتدوا} فتحرموا ما ~~أحللت لكم ، ويجوز أن يراد : ولا تعتدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم ~~، فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم ، داعية إلى القصد ~~بينهما ، والوقوف على ما حد دون التجاوز إلى غيره. روي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وصف القيامة يوما ، وبالغ في إنذارهم ، فرقوا ، واجتمعوا في ~~بيت عثمان بن مظعون ، واتفقوا على ألا يزالوا صائمين قائمين ، وألا يناموا ~~على الفرش ، ولا يأكلوا اللحم والودك ، ولا يقربوا النساء والطيب ، ويرفضوا ~~الدنيا ، ويلبسوا المسوح ، ويسيحوا في الأرض ، ويجبوا مذاكرهم ، فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم " إني لم أومر بذلك ، إن لأنفسكم ~~عليكم حقا ، فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم ~~وأفطر ، وآكل اللحم والدسم ، وآتى النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " ~~ونزلت الآية. # 208 # ثم قال تعالى : {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} أي : كلوا ما حل لكم ~~وطاب مما رزقكم الله ، {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} ؛ فأحلوا حلاله ~~واستعملوه ، وحرموا حرامه واجتنبوه. PageV02P291 # الإشارة : طريقة العباد والزهاد : رفض الشهوات والملذوذات بالكلية ، زهدا ~~وورعا ms0636 وخوفا من اشتغال النفس بطلبها ، فيتعطل وقتهم عن العبادة ، وطريقة ~~المريدين السائرين : رفض ما تتعلق به النفس قبل الحصول ، وتشره إليه رياضة ~~وتعففا ، لئلا تتعلق هممهم بغير الله ، فما جاءهم من غير طلب ولا شره أكلوه ~~وشكروا الله عليه ، ولا يقفون مع جوع ولا شبع. وطريقة الواصلين العارفين : ~~تجنب ما يقبض من غير يد الله ، فإذا أخذتهم سنة حتى غفلوا عن التوحيد ~~فقبضوا شيئا ، مع رؤية الواسطة ، أخرجوه عن ملكهم ، كما وقع لأبي مدين رضي ~~الله عنه ويأخذون ما سوى ذلك قل أو كثر ، ولا يقفون مع أخذ ولا ترك ، وفي ~~الحكم : " لا تمدن يديك إلى الأخذ من الخلائق ، إلا أن ترى أن المعطي فيهم ~~مولاك ، فإن كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 208 # قلت : {في أيمانكم} : يتعلق باللغو ، أو بيؤاخذكم. # يقول الحق جل جلاله : {لا يواخذكم الله باللغو في أيمانكم} وهو ما يصدر ~~من الإنسان بلا قصد ، كقوله : لا والله ، وبلى والله. وإليه ذهب الشافعي ، ~~وقيل : هو الحلف على ما يظن أنه كذلك ولم يكن ، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة ~~، {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان} عليه ، أي : بما جزمتم عليه بالنية ~~والقصد ، {فكفارته} أي : ما عقدتم عليه إذا حلفتم ، ويجوز التكفير قبل ~~الحنث لظاهر الآية. # ثم بين الكفارة ، فقال : {إطعام عشرة مساكين} ، فمن أطعم غنيا لم تجزه ، ~~واشترط مالك أن يكونوا أحرارا ، وليس في الآية ما يدل على ذلك ، ثم بين ~~نوعه فقال : {من أوسط ما تطعمون أهليكم} أي : من وسط طعام أهليكم في القدر ~~أو في الصفة ، أما القدر فقال مالك : يطعم مدا لكل مسكين بمد النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا كان في المدينة المشرفة ، وفي غيرها وسط من الشبع ، ~~وقال الشافعي وابن القاسم : يجزىء المد في كل مكان ، وقال أبو حنيفة : إن ~~غذاهم وعشاهم أجزأه. # 209 PageV02P292 ~~قلت : وهو قول في المدونة لمالك أيضا. وأما الصنف ، فاختلف : هل يطعم من ~~عيش نفسه ، أو من عيش بلده وهو المشهور ؟ # فمعنى الآية على هذا : {من ms0637 أوسط ما تطعمون} أيها الناس {أهليكم} على ~~الجملة {أو كسوتهم} ؛ فيكسو كل مسكين ما نصح به الصلاة ، فالرجل ثوب ، ~~والمرأة قميص وخمار ، {أو تحرير رقبة} مؤمنة على مذهب مالك ؛ لتقييدها بذلك ~~في كفارة القتل. وأجاز أبو حنيفة عتق الكافر ، لإطلاق اللفظ هنا ، واشترط ~~مالك أيضا أن تكون مسلمة من العيوب ، وليس في الآية ما يدل عليه ، فهذه ~~الثلاثة بالتخيير. # {فمن لم يجد} واحدا من هذه الثلاثة ، ولم يقدر على شيء منها ، بحيث لم ~~يفضل له عن قوته وقوت عياله في يومه ما يطعم به ، {فصيام ثلاثة أيام} يستحب ~~تتابعها ، اشترطه أبو حنيفة ؛ لأنه قرىء : ( أيام متتابعات) ، والشاذ ليس ~~بحجة ، {ذلك} المذكور هو {كفارة أيمانكم إذا حلفتم} وحنثتم ، {واحفظوا ~~أيمانكم} أي : صونوا ألسنتكم عن كثرة الحلف ، فيكون الله عرضة لأيمانكم ، ~~أو احفظوها بأن تبروا فيها ولا تحنثوا ، إلا إن كان في الامتناع من الخير ، ~~فالحنث فيها أحسن ، كما في الحديث. أو احفظوها بأن تكفروها إذا حنثتم ، ولا ~~تتهاونوا بها ، {كذلك يبين الله لكم آياته} أي : مثل ذلك البيان يبين لكم ~~أعلام شرائعه {لعلكم تشكرون} نعمة التعليم ، أو نعمه الواجب شكرها ، فإن ~~مثل هذا التبيين يسهل لكم المخرج من ضيق اليمين ، فهو نعمة يجب شكرها. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 209 PageV02P293 ~~الإشارة : ليس التشديد والتعقيد من شأن أهل التوحيد ، إنما شأنهم الاسترسال ~~مع ما يبرز من عنصر القدرة ، ليس لهم وقت دون الوقت الذي هم فيه ، قد حل ~~التوحيد عقدهم ودك عزائمهم ، فهم في عموم أوقاتهم لا يدبرون ولا يختارون ، ~~وإن وقع منهم تدبير أو اختيار رجعوا إلى ما يفعل الواحد القهار ، لا يبطشون ~~إلى شيء ولا يهربون من شيء ، إلا إن كان فيه مخالفة للشرع. ولا يعقدون على ~~ترك شيء من المباحات ولا على فعله ، لأنهم لا يرون لأنفسهم فعلا ولا تركا ، ~~إن صدرت منهم طاعة شهدوا المنة لله ، وإن وقعت منهم زلة أو غفلة تأدبوا مع ~~الله ، وبادروا بالتوبة إلى الله ، وما صدر من الصحابة رضوان الله عليهم ms0638 ~~فلعل ذلك كان حالا غالبة عليهم ، قد أزعجهم وعظ النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وأنهضهم حاله ، فلما رآهم غلب عليهم الحال ردهم إلى حال الاعتدال ، ولعل ~~الحق جل جلاله ، إنما جعل كفارة اليمين جبرا لخلل ذلك التعقيد ، الذي صدر ~~من الحالف مع تفريطه بالحنث ، فكأنه حلف على فعل غيره ، ففيه نوع من التألي ~~على الله. والله تعالى أعلم. # 210 # جزء : 2 رقم الصفحة : 209 # قلت : {رجس} خبر ، وأفرده ؛ لأنه على حذف مضاف ، أي : تعاطي الخمر ، أو ~~خبر عن الخمر ، وخبر المعطوفات محذوف ، أي : كذلك. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إنما} تناول {الخمر} ؛ وهو كل ~~ما غيب العقل ، دون الحواس ، مع النشوة والطرب ، {والميسر} وهو القمار ~~{والأنصاب} وهو ما نصب ليعبد من حجارة أو خشب ، {والأزلام} أي : الاستقسام ~~بها ، وقد تقدم تفسيرها ، {رجس} قذر خبيث تعافه العقول السليمة ، {من عمل ~~الشيطان} أي : من تسويله وتزيينه ، {فاجتنبوه} أي : ما ذكر من تعاطي الخمر ~~، وما بعده ، {لعلكم تفلحون} أي : تفوزون بالرضوان والنعيم المقيم. PageV02P294 # قال البيضاوي : اعلم أن الحق تالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية ، ~~بأن صدر الجملة بإنما ، وقرنها بالأنصاب والأزلام وسماهما رجسا ، وجعلهما ~~من عمل الشيطان ، تنبيها على أن الاشتغال بهما شر محض ، وأمر بالاجتناب عن ~~عينهما ، وجعله سببا يرجى منه الفلاح ، ثم قرر ذلك بأن بين ما فيهما من ~~المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم فقال : {إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} ، وقد وقع ذلك في زمن ~~الصحابة ، وهي كانت سبب تحريمه ، {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} ؛ إنما ~~خص الخمر والميسر بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما ~~المقصودان بالبيان. وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في ~~الحرمة والشرارة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " شارب الخمر كعابد الوثن ". ~~وخص الصلاة من الذكر بالإفراد ؛ للتعظيم والإشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن ~~الإيمان ؛ من حيث إنها عماده ، والفارق بينه وبين الكفر ، ثم أعاد الحث على ~~الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبا ms0639 على ما تقدم من أنواع الصوارف فقال : {فهل ~~أنتم منتهون} ؟ إيذانا # 211 # بإن الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية ، وأن الأعذار قد انقطعت. ه. ~~ولذلك لما سمعها الفاروق رضي الله عنه حين نزلت ، قال : (قد انتهينا يا ربنا). # جزء : 2 رقم الصفحة : 211 PageV02P295 ~~وبهذا الآية وقع تحريم الخمر ، وقد كان حلالا قبلها ، بدليل سكوته صلى الله ~~عليه وسلم على شربها قبل نزول الآية ، فإن قلت : حفظ العقول من الكليات ~~الخمس التي اتفقت الشرائع على تحريمها ؟ قلنا : لا حكم قبل الشرع ، بل ~~الأمر موقوف إلى وروده ، ولما طالت الفترة ، وانقطعت الشرائع عند العرب ، ~~رجعت الأشياء إلى أصلها من الإباحة بمقتضى قوله تعالى : {خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا} [البقرة : 29] ، حتى جاءت الشريعة المحمدية فحرمتها كالشرائع ~~قبلها ، فكانت حينئذ حراما ، ودخلت في الكليات الخمس التي هي : حفظ العقول ~~والأبدان والأموال والأنساب والأديان. # ثم أكد ذلك أيضا بقوله : {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} فيما أمر ونهى ~~{واحذروا} غضبهما إن خالفتم ، {فإن توليتم} أو أعرضتم عن طاعتهما {فاعلموا ~~أنما على رسولنا البلاغ المبين} ؛ لا تضره مخالفتكم ، إنما عليه البلاغ وقد بلغ. # الإشارة : المقصود هو النهي عن كل ما يصد عن الله أو يشغل العبد عن شهود ~~مولاه ، وخص هذه الأربعة ، لأنها أمهات الخطايا ومنبع الغفلة والبلايا ، ~~فالخمر فيه فساد العقل الذي هو محل الإيمان ، والميسر فيه فساد المال وفساد ~~القلب بالعداوة ، والشحناء ، وفساد الفكر لاستعماله في الهوى ، والأنصاب ~~فيه فساد الدين الذي هو رأس المال ، والأزلام فيه الفضول والاطلاع على علم ~~الغيب ، الذي هو سر الربوبية ، وهو موجب للمقت والعطب ، والعياذ بالله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 211 PageV02P296 ~~يقول الحق جل جلاله : {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} أي : إثم ~~{فيما طعموا} من الخمر والميسر قبل التحريم ، {إذا ما اتقوا} أي : إذا ~~اتقوا الشرك ، {وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا} المحرمات {وآمنوا} أي : ~~حققوا مقام الإيمان ، {ثم اتقوا} الشبهات والمكروهات {وأحسنوا} أي : حصلوا ~~مقام الإحسان ، وهو إتقان العبادة ، وتحقيق العبودية ، ومشاهدة عظمة ~~الربوبية ، {والله يحب المحسنين} ms0640 أي : يقربهم ويصطفيهم لحضرته ، روي أنه ~~لما نزل تحريم الخمر ، قالت الصحابة رضي الله عنهم : يا رسول الله ؛ فكيف ~~بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ؟ فنزلت. # ويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة ، أي : الماضي ~~والحال والاستقبال ، أو باعتبارات الحالات الثلاثة. فيستعمل التقوى فيما ~~بينه وبين نفسه بالتزكية # 212 # والتحلية ، وفيما بينه وبين الناس بالكف عن التعرض لهم ، وفيما بينه وبين ~~الله بامتثال أمره واجتناب نهيه والغيبة عن غيره ، ولذلك بدل الإيمان ~~بالإحسان في الكرة الثالثة ، أو باعتبار المراتب الثلاثة ؛ المبدأ والوسط ~~والنهاية ، أو باعتبار ما يتقى ، فإنه ينبغي أن يتقي المحرمات توقيا من ~~العقاب ، ثم يتقي الشبهات تحفظا من الحرام ، ثم يتقي بعض المباحات تحفظا ~~للنفس عن خسة الشره ، وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة ، قال معناه البيضاوي. PageV02P297 # الإشارة : المقامات التي يقطعها المريد ثلاث : مقام الإسلام ، ومقام ~~الإيمان ، ومقام الإحسان ، فما دام المريد مشتغلا بالعمل الظاهر ؛ من صلاة ~~وصيام وذكر اللسان ، سمي مقام الإسلام ، فإذا انتقل لعمل الباطن من تخلية ~~وتحلية وتهذيب وتصفية ، سمي مقام الإيمان ، فإذا انتقل لعمل باطن الباطن من ~~فكرة ونظرة وشهودة وعيان سمي مقام الإحسان ، وهذا اصطلاح الصوفية ؛ سموا ما ~~يتعلق بإصلاح الظواهر : إسلاما ، وما يتعلق بإصلاح القلوب والضمائر ، ~~إيمانا ، وما يتعلق بإصلاح الأرواح والسرائر : إحسانا. وجعل الساحلي في ~~البغية كل مقام مركبا من ثلاثة مقامات ، فالإسلام مركب من التوبة والتقوى ~~والاستقامة ، والإيمان مركب من الإخلاص والصدق والطمأنينة ، والإحسان مركب ~~من مراقبة ومشاهدة ومعرفة. وأطال الكلام في كل مقام ، لكن من سقط على شيخ ~~التربية لم يحتج إلى شيء من هذا التفصيل. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 212 # قلت : {فجزاء} : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : فعليه جزاء ، أو خبر عن ~~مبتدأ محذوف ، أي : فواجبه جزاء ، و{مثل} : صفته ، و{من النعم} : صفة ثانية ~~لجزاء ، أي : فعلية جزاء مماثل حاصل من النعم ، ومن قرأ {مثل} بالجر ، فعلى ~~الإضافة ، من إضافة المصدر إلى المفعول ، أي : فعليه أن يجزي مثل ما قتل ، ~~أو يكون {مثل} مقحمة كما # 213 ms0641 # في قولهم : مثلى لا يقول كذا. وقرىء بالنصب ، أي : فليجزأ جزاء مماثلا. ~~وجملة {يحكم} صفة لجزاء أيضا ، أو حال من ضمير الخبر. PageV02P298 # و{هديا} : حال من ضمير {به} ، أو من جزاء ؛ لتخصيصه بالإضافة أو الصفة فيمن ~~نون ، و{بالغ} : صفة للحال ، أو بدل من مثل باعتبار محله ، أو لفظه فيمن ~~نصبه ، أو {كفارة} عطف على {جزاء} إن رفعته ، وإن نصبت جزاء فهو خبر ، أي : ~~وعليه كفارة ، و{طعام مساكين} : عطف بيان ، أو بدل منه ، أو خبر عن محذوف ، ~~أي : هي طعام ، ومن جر طعاما فبالإضافة للبيان ، كقوله : خاتم فضة ، أو ~~{عدل} عطف على {طعام} فيمن رفعه ، أو خبر فيمن جره ، أي : عليه كفارة طعام ~~، أو عليه عدل ذلك ، و{ليذوق} : متعلق بمحذوف ، أي : فيجب عليه الجزاء أو ~~الطعام أو الصوم ليذوق سوء عاقبة فعله ، و{متاعا لكم} : مفعول من أجله ، ~~و{حرما} : حال ، أي : ما دمتم محرمين ، أو خبر دام على النقص ، ويقال : دام ~~يدوم دمت ، كقال يقول قلت : ودام يدام دمت ، كخاف يخاف خفت. وبه قرىء في الشاذ. # جزء : 2 رقم الصفحة : 213 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم} أي : والله ~~ليختبرنكم {الله بشيء} قليل {من الصيد} يسلطه عليكم ويذلله لكم حتى {تناله ~~أيديكم} بالأخذ {ورماحكم} بالطعن {ليعلم الله} علم ظهور وشهادة تقوم به ~~الحجة ، {من يخافه بالغيب} فيكف عن أخذه حذرا من عقاب ربه ، نزل عام ~~الحديبية ، ابتلاهم الله بالصيد ، كانت الوحوش تغشاهم في رحالهم ، بحيث ~~يتمكنون من صيده ، أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم ، وهم محرمون ، وكان الصيد ~~هو معاش العرب ومستعملا عندهم ، فاختبروا بتركه مع التمكن منه ، كما اختبر ~~بنو إسرائيل بالحوت في السبت. PageV02P299 # وإنما قلله بقوله : {بشيء من الصيد} إشعارا بأنه ليس من الفتن العظام كبذل ~~الأنفس والأموال ، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها ، فمن لم يصبر ~~عنده فكيف يصبر بما هو أشد منه ؟ {فمن اعتدى بعد ذلك} الابتلاء بأن قتل بعد ~~التحريم ، {فله عذاب أليم} في الآخرة ، لأن من لا يملك نفسه من مثل هذه ~~فكيف يملكها ms0642 فيما تكون النفس فيه أميل وعليه أحرص ؟ !. # ثم صرح بالحرمة ، فقال : {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم} أي : محرمون جمع حرم ، والمراد من دخل في الإحرام أو في الحرم ، وذكر ~~القتل ليفيد العموم ، فيصدق بالذبح وغيره ، وما صاده المحرم أو صيد له ميتة ~~لا يؤكل ، والمراد بالصيد المنهي عن قتله : ما صيد وما لم يصد مما شأنه أن ~~يصاد ، وورد هنا النهي عن قتله قبل أن يصاد ، وبعده ، وأما النهي عن ~~الاصطياد فيؤخذ من قوله : {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} ، وخصص ~~الحديث : الغراب والحدأة ، والفأرة والعقرب # 214 PageV02P300 ~~والكلب العقور ، فلا بأس بقتلهم ، في الحل والحرم ، وأدخل مالك في الكلب ~~العقور كل ما يؤذي الناس من السباع وغيرها ، وقاس الشافعي على هذه الخمسة ~~كل ما لا يؤكل لحمه. ثم ذكر جزاء قتله فقال : {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء ~~مثل ما قتل من النعم} أي : فعليه جزاء مثل ما يماثله من النعم ، وهي الإبل ~~والبقر والغنم ، ففي النعامة بدنة ، وفي الفيل ذات سنامين ، وفي حمار الوحش ~~وبقره بقرة ، وفي الغزالة شاة ، فالمثلية عند مالك والشافعي في الخلقة ~~والمقدار ، فإن لم يكن له مثل ؛ أطعم أو صام ، يقوم بالطعام فيتصدق به ، أو ~~يصوم لكل مد يوما ، ومذهب أبي حنيفة أن المثلية : القيمة ، يقوم الصيد ~~المقتول ، ويخير القاتل بين أن يتصدق بالقيمة أو يشتري بها من النعم ما ~~يهديه. وذكر العمد ليس بتقييد عند جمهور الفقهاء ، خلافا للظاهرية ؛ بل ~~المتعمد ، والناسي في وجوب الجزاء سواء ، وإنما ذكره ليرتب عليه قوله : ~~{ومن عاد فينتقم الله منه} ، ولأن الآية نزلت فيمن تعمد ، إذ روي أنهم عرض ~~لهم حمار وحشي ، فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله ، فنزلت الآية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 213 PageV02P301 ~~ولا بد من حكم الحكمين على القاتل لقوله : {يحكم به ذوا عدل منكم} ، فكما ~~أن التقويم يحتاج إلى نظر واجتهاد ، فكذلك تحتاج المماثلة في الخلقة ~~والهيأة إليهما ، فإن أخرج الجزاء قبل الحكم عليه ؛ فعليه إعادته ، إلا ~~حمام مكة ؛ فإنه لا ms0643 يحتاج إلى حكمين ، ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت به ~~الصحابة وفيما لم تحكم ، لعموم الآية. وقال الشافعي : يكتفي في ذلك بما ~~حكمت به الصحابة ، حال كون المحكوم به {هديا} بشرط أن يكون مما يصح به ~~الهدي ، وهو الجذع من الضأن ، والثني مما سواه ، وقال الشافعي : يخرج المثل ~~في اللحم ، ولا يشترط السن ، {بالغ الكعبة} لم يرد الكعبة بعينها ، وإنما ~~أراد الحرم ، وظاهره يقتضي أن يصنع به ما يصنع بالهدي ؛ من سوق من الحل إلى ~~الحرم ، وقال الشافعي وأبو حنيفة : إن اشتراه في الحرم أجزأه. # {أو كفارة طعام مساكين} ؛ مد لكل مسكين ، {أو عدل ذلك صياما} ، يوم لكل ~~مد ، عدد الحق تعالى ما يجب في قتل الصيد ، فذكر أولا الجزاء من النعم ، ~~ثم الطعام ، ثم الصيام ، ومذهب مالك والجمهور : أنها على التخيير ، وهو ~~الذي يقتضيه العطب بأو ، ومذهب ابن عباس أنها مرتبة. وقد نظم ابن غازي ~~الكفارات التي فيها التخيير أو الترتيب ؛ فقال : # خير بصوم ثم صيد وأذى # وقل لكل خصلة : يا حبذا # ورتب الظهار والتمتعا # والقتل ثم في اليمين اجتمعا # 215 # وكيفية التخيير هنا : أن يخير الحكمان القاتل ؛ فإن أراد الجزاء عينوا له ~~ما يهدي ، وإن أراد الإطعام قوموا الصيد بالطعام في ذلك المحل ، فيطعم مدا ~~لكل مسكين ، وإن أراد الصيام صام يوما لكل مد ، وكمل لكسره ، فإذا قوم ~~بعشرة مثلا ونصف مد ، صام أحد عشر يوما. PageV02P302 # ثم ذكر حكمة الجزاء ، فقال : {ليذوق وبال أمره} أي : فعليه الجزاء أو ~~الإطعام أو الصيام ؛ ليذوق عقوبة سوء فعله ، وسوء هتكه لحرمة الإحرام ، ~~{عفا الله عما سلف} في الجاهلية أو قبل التحريم ، {ومن عاد فينتقم الله ~~منه} في الآخرة ، وليس فيه ما يمنع الكفارة على العائد ، كما حكى عن ابن ~~عباس وشريح. {والله عزيز ذو انتقام} ممن أصر على عصيانه. # ثم استثنى صيد البحر فقال : {أحل لكم صيد البحر} وهو ما لا يعيش إلا في ~~الماء ، وهو حلال كله لقوله صلى الله عليه وسلم في البحر : " هو الطهور ~~ماؤه ، الحل ميتته " وقال ms0644 أبو حنيفة : لا يحل منه إلا السمك ، {وطعامه} أي ~~: ما قذفه ، أو طفا على وجهه ؛ لأنه ليس بصيد إنما هو طعام ، وقال ابن عباس ~~: طعامه : ما ملح وبقي ، {متاعا لكم وللسيارة} ، الخطاب بلكم للحاضرين في ~~البحر ، والسيارة : المسافرون في البر ، أي : هو متاع تأتدمون به في البر ~~والبحر ، {وحرم عليكم صيد البر} يحتمل أن يريد به المصدر ، أي الاصطياد ، ~~أو الشيء المصيد ، أو كلاهما ، وتقدم أن ما صاده محرم أو صيد له ، ميتة ، ~~وحد الحرمة : {ما دمتم حرما} فإذا حللتم فاصطادوا ، {واتقوا الله} في ترك ~~ما حرم عليكم ، {والذي إليه تحشرون} فيجازيكم على ما فعلتم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 213 PageV02P303 ~~الإشارة : إذا عقد المريد مع الله عقدة السير والمجاهدة ، قد يختبره الله ~~تعالى في سيره بتيسير الشهوات ، وتسليط العلائق والعوائق ؛ ليعلم الكاذب ~~من الصادق ، فإن كف عنها وأعرض ، هيأ لدخول الحضرة ، وإن انهمك فيها ، ~~واقتنص فيه شبكتها ، بقي مرهونا في يدها ، أسيرا في قبضة قهرها ، فإذا نهض ~~حتى دخل حرم الحضرة قاصدا لعرفة المعارف ، حرم عليه صيد البر ، وهو كل ما ~~يخرج من بحر الحقيقة إلى شهود بر السوى ، فرقا بلا جمع ، كائنا ما كان ، ~~رسوما أو علوما أو أحوالا أو أقوالا ، وحل له صيد البحر وطعامه ، من أسرار ~~أو أنوار أو حقائق ، متاعا لروحه وسره ، وللسيارة من أبناء جنسه ، يطعمهم ~~من تلك الأسرار ، بالهمة أو الحال أو التذكار ، واتقوا الله في الاشتغال ~~بما سواه ، الذي إليه تحشرون ، فيدخلكم جنة المعارف قبل جنة الزخارف. والله ~~تعالى أعلم. # 216 # جزء : 2 رقم الصفحة : 213 # قلت : {البيت الحرام} : عطف بيان على جهة المدح ، و{قياما} : مفعول ثان. # يقول الحق جل جلاله : {جعل الله الكعبة} التي هي {البيت الحرام قياما ~~للناس} أي : سبب انتعاشهم ، يقوم بها أمر معاشهم ومعادهم ، يلوذ به الخائف ~~، ويأمن فيه الضعيف ، ويربح فيه التجار ، ويتوجه إليه الحجاج والعمار ، أو ~~يقوم به أمر دينهم بالحج إليه ، وأمر دنياهم بأمن داخله ، وتجبى ثمرات كل ~~شيء إليه. # قال القشيري : حكم الله سبحانه بأن ms0645 يكون بيته اليوم ملجأ يلوذ به كل ~~مؤمل ، ويستقيم ببركة زيارته كل حائد عن نهج الاستقامة ، ويظفر بالانتقال ~~هناك كل ذي أرب. ه. PageV02P304 # {والشهر الحرام} جعله الله أيضا قياما للناس ؛ والمراد به ذو الحجة ، فهو ~~قيام لمناسك الحج ، وجمع الوجود إليه بالأموال من كل جانب ، أو الجنس ، وهي ~~أربعة : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، لأنهم كانوا يكفون عن القتال ، ~~ويأمن الناس فيها في كل مكان ، {والهدي} ؛ لأنه أمان لمن يسوقه ؛ لأنه لم ~~يأت لحرب ، {والقلائد} ، كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد شيئا من السمر ، ~~وإذا رجع تقلد شيئا من شجر الحرم ؛ ليعلم أنه كان في عبادة ، فلا يتعرض له ~~أحد بشر ، فالقلائد هنا : ما تقلده المحرم من الشجر ، وقيل : قلائد الهدى. # {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} أي : جعل ذلك ~~الأمور ، قياما للناس ؛ لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل الأمور ، فشرع ذلك ~~دفعا للمضار وجلبا للمنافع ، {وأن الله بكل شيء عليم} لا يخفى عليه محل ~~مصالح عباده ومضارهم ، وهو تعميم بعد تخصيص ، ومبالغة بعد إطلاق. # ثم قال تعالى : {اعلموا أن الله شديد العقاب} لمن عصاه ، {وأن الله غفور ~~رحيم} لمن أطاعه وأقبل عليه ، وهو وعيد ووعد لمن انتهك محارمه ولمن حافظ ~~عليها ، أو لمن أصر ورجع ، {ما على الرسول إلا البلاغ} وقد بلغ ، فلم يبق ~~عذر لأحد ، وهو تشديد # 217 # في إيجاب القيام بما أمر ، {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} من تصديق ~~وتكذيب وفعل وعزيمة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 217 PageV02P305 ~~الإشارة : كما جعل الله الكعبة قياما للناس ، يقوم به أمر دينهم ودنياهم ، ~~جعل القلوب ، التي هي كعبة الأنوار والأسرار ، قياما للسائرين ، يقوم بها ~~أمر توحيدهم ويقينهم ، أو أمر سيرهم ووصلوهم. وفي الحديث : " إن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسددت فسد الجسد كله ؛ ألا وهي القلب " ~~وكما جعل الشهر الحرام والهدى والقلائد حرمة لأهلها ، جعل النسبة والتزيي ~~بها حفظا لصاحبها ، من تزيا بزي قوم فهو منهم ، يجب احترامه وتعظيمه لأجل ms0646 ~~النسبة ، فإن كان كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ، ~~وقد أخذ اللصوص بعض الفقراء ، وانتهكوا حرمته ، وأخذوا ثيابه ، فاشتكى ~~لشيخه فقال له : هل كانت عليك مرقعتك ؟ قال : لا ، فقال له : أنت فرطت ؛ ~~والمفرط أولى بالخسارة. ه. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 217 # يقول الحق جل جلاله : {قل لا يستوي الخبيث والطيب} عند الله ، في القلوب ~~والأحوال والأعمال والأموال والأشخاص ، فالطيب من ذلك كله مقبول محبوب ، ~~والرديء مردود ممقوت ، فالطيب مقبول وإن قل ، والرديء مردود ولو جل ، وهو ~~معنى قوله : {ولو أعجبك كثرة الخبيث} ، فالعبرة بالجودة والرداءة ، دون ~~القلة والكثرة ، وقد جرت عادته تعالى بكثرة الخبيث من كل شيء ، وقلة ~~الطيب من كل شيء ، قال تعالى : {وقليل ما هم} [ص : 24] ، {وقليل من عبادى ~~الشكور} [سبأ : 13] ، وفي الحديث الصحيح : " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد ~~فيها راحلة " ، وقال الشاعر : # إني لأفتح عيني حين أفتحها # على كثير ولكن لا أرى أحدا # فأهل الصفا قليل في كل زمان ، ولذلك خاطبهم بقوله : {فاتقوا الله يا أولي ~~الألباب} أي : القلوب الصافية في تجنب الخبيث وإن كثر ، وأخذ الطيب وإن قل ~~، {لعلكم تفلحون} بصلاح الدارين. PageV02P306 # الإشارة : لا عبرة بالأحوال الظلمانية وإن كثرت ، وإنما العبرة بالأحوال ~~الصافية ولو قلت ، صاحب الأحوال الصافية موصول ، وصاحب الأحوال الظلمانية ~~مقطوع ، ما لم يتب # 218 # عنها ، قال بعض الحكماء : (كما لا يصح دفن الزرع في أرض ردية ، لا يجوز ~~الخمول بحال غير مرضية). # والمراد بالأحوال الصافية : هي التي توافق مراسم الشريعة ؛ بحيث لا يكون ~~عليها من الشارع اعتراض ، بأن تكون مباحة في أصل الشريعة ، ولو أخلت ~~بالمروءة عند العوام ، إذ المروءة إنما هي التقوى عند الخواص ، والمراد ~~بالأحوال ، كل ما يثقل على النفس وتموت به سريعا ، كالمشي بالحفا وتعرية ~~الرأس ، والأكل في السوق ، والسؤال ، وغير ذلك من خرق عوائدها ، التي هي ~~شرط في حصول خصوصيتها ، وفي الحكم : " كيف تخرق لك العوائد ؟ وأنت لم تخرق ~~من نفسك العوائد ". وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 218 # قلت : الجملة ms0647 الشرطية صفة الأشياء ، وأشياء سم جمع لشيء ، أصله عند ~~سيبويه : شيئاء ، مثل فعلاء ، قلبت إلى لفعاء ، أي : قلبت لامه إلى فائه ، ~~لثقل اجتماع الهمرتين ، وقال أبو حاتم : أشياء وزنها أفعال ، وهو جمع شيء ، ~~وترك العرف فيه سماع ، وقال الكسائي : لم ينصرف أشياء ، لشبه آخره بآخر ~~حمراء ، انظر ابن عطية. وجملة ( عفا الله عنها) : صفة أخرى لأشياء ، أي : ~~عن أشياء عفا الله عنها ، ولم يكلف بها. PageV02P307 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} ليس لكم ~~فيها نفع ، {إن تبد لكم تسؤكم} أي : إن تظهر لكم وتجابوا عنها تسؤكم ؛ ~~بالأخبار بما لا يعجبكم وبما يشق عليكم ، قيل : سبب نزول الآية : كثرة سؤال ~~الناس له صلى الله عليه وسلم من الأعراب والمنافقين والجهال ، فكان الرجل ~~يقول للنبي عليه الصلاة والسلام ؟ أين ناقتي ؟ وآخر يقول : ماذا ألقى في ~~سفري ؟ ونحو هذا من التعنيت ، حتى صعد المنبر صلى الله عليه وسلم مغضبا ، ~~فقال : " لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أخبرتكم به " فقام رجل فقال : أين ~~أنا ؟ فقال : " في النار " وقام عبد الله بن حذافة وكان يطعن في نسبه فقال ~~: من أبي ؟ فقال : " أبوك حذافة " ، وقال آخر : من أبي ؟ قال : " أبوك سالم ~~مولى شيبة " ، فقام عمر بن الخطاب ، فجثا على ركبتيه ، فقال : رضينا بالله ~~ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا نعوذ بالله من الفتن. فنزلت هذه الآية. # وقيل : سبب نزولها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال : " أيها ~~الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا " فقالوا : يا رسول الله ، أفي كل عام ~~؟ فسكت ، فأعادوا ، فقال : " لا ، # 219 # لو قلت : نعم ، لوجبت ، ولو وجبت لم تطيقوه ، ولو تركتموه لهلكتم ، ~~فأتركوني ما تركتكم " ، قال أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه : إن الله فرض ~~فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، ~~وعفا من غير نسيان عن أشياء ، فلا تبحثوا عنها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 219 PageV02P308 ~~ثم قال تعالى : {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن} أي زمنه {تبد لكم} ms0648 أي : ~~تظهر لكم ، وفيه معنى الوعيد على السؤال ، كأنه قال : لا تسألوا ، وإن ~~سألتم أبدى لكم ما يسؤكم. والمراد بحين ينزل القرآن : زمان الوحي. فلا ~~تسألوا عن أشياء قد {عفا الله عنها} ولم يكلف بها أو عفا الله عما سلف من ~~سؤالكم ، فلا تعودوا إلى مثلها ، {والله غفور حليم} لا يعاجلكم بعقوبة ما ~~فرط منكم ويعفو عن كثير. {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} ؛ ~~حيث لم يأتمروا بما سألوا ، وجحدوا ، وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون ~~أنبياءهم عن أشياء ؛ فإذا أمروا بها تركوها ، فهلكوا. فالكفر هنا عبارة عن ~~ترك ما أمروا به. وقال الطبري : كقوم صالح في سؤالهم الناقة ، وكبني ~~إسرائيل في سؤالهم المائدة. زاد الشلبي : وكقريش في سؤالهم أن يجعل الله ~~الصفا ذهبا. ه. وكسؤالهم انشقاق القمر ، وغير ذلك من تعنياتهم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : مذهب الصوفية مبني على السكوت والتسليم والصدق والتصديق ، ~~مجلسهم مجلس حلم وعلم وسكينة ووقار ، إن تكلم كبيرهم أنصتوا ، كأن على ~~رؤوسهم الطير ، كما كان الصحابة رضي الله عنهم ، ولذلك قالوا : من قال ~~لشيخه : (لم) لم يفلح أبدا. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : إذا جلست ~~مع الكبراء فدع ما تعلم وما لا تعلم ؛ لتفوز بالسر المكنون. ه. # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " إن الله ينهاكم عن قيل وقال ، ~~وكثرة السؤال ، وإضاعة المال " وقال الورتجبي في الآية تحذير المريدين عن ~~كثرة سؤالهم في البداية عن حالات المشايخ. ه. قلت : وعلة النهي : لعله يطلع ~~، بكثرة البحث عن حالهم ، على أمور توجب له نفرة أو غضا من مرتبتهم قبل ~~تربية يقينة ، فالصواب : السكوت عن أحوالهم ، واعتقاد الكمال فيهم ، وكذلك ~~يجب عليه ترك السؤال عن أحوال الناس ، والغيبة عما هم فيه ؛ شغلا بهم هو ~~متوجه إليه ، وإلا ضاع وقته ، وتشتت قلبه ، ولله در القائل : PageV02P309 # ولست بسائل ما دمت حيا # أسار الجيش أم ركب الأمير ؟ # والله تعالى أعلم. # 220 # جزء : 2 رقم الصفحة : 219 # قلت : البحيرة : فعيلة بمعنى مفعولة ، من بحر ، إذا شق ms0649 ، وذلك أن الناقة ~~كانت إذا ولدت عندهم في الجاهلية عشرة أبطن ، شقوا أذنها ، وتركوها ترعى ، ~~ولا ينتفع بها ، وأما السائبة فكان الرجل يقول : إذا قدمت من سفري ، أو ~~برئت من مرضي ، فناقتي سائبة ، فإذا قدم أو برىء سيبها لآلهتهم ، فلا تحلب ~~، ولا تركب ، ولا تمنع من شجر ، وقد يسيبون غير الناقة ، فإذا سيبوا العبد ~~فلا يكون عليه ولاء لأحد ، وإن قال ذلك ، اليوم ، فحمله على العتق ، وولاؤه ~~للمسلمين ، وفعل ذلك اليوم في الحيوان حرام ، كما يفعله جهلة النساء في ~~الديك الأبيض ؛ يحرر حتى يموت ، فإذا فعل ذلك ذبح وأكل. # وأما الوصيلة : فكانوا إذا ولدت الناقة ذكرا وأنثى متصلين ، قالوا : وصلت ~~الناقة أخاها ، فلم يذبحوها ، وأما الحام : فكانوا إذا نتج من الجمل عشرة ~~أبطن ، قالوا : قد حمي ظهره ، فلا يركب ولا يحمل عليه. # يقول الحق جل جلال : في إبطال هذه الأشياء : {ما جعل الله من بحيرة ولا ~~سائبة ولا وصيلة ولا حام} أي : ما شرع الله شيئا من ذلك ، ولا أمر به ، ~~{ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} بتحريم ذلك ، ونسبته إليه ، ~~{وأكثرهم لا يعقلون} ، أي : جلهم لا عقل لهم ، بل هم مقلدون غيرهم في تحريم ~~ذلك ، وتقليد الآباء والرؤساء في تحريم ما أحل الله تعالى شرك ؛ لأنهم ~~نزلوا غير الله منزلته في التحريم والتحليل ، وهو كفر ، {وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} من الحلال والحرام ، {قالوا حسبنا} ~~أي : يكفينا {ما وجدنا عليه آباءنا} ، وهذا بيان لقصور عقولهم وانهماكهم في ~~التقليد ، قال تعالى : أيتبعونهم {ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا ~~يهتدون} سبيلا. PageV02P310 # قال البيضاوي : الواو للحال ، والهمزة دخلت عليها ؛ لإنكار الفعل على هذه ~~الحال ، أي : أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين ؟ والمعنى ~~: أن الاقتداء إنما يصح لمن علم أنه عالم مهتد ، وذلك لا يعرف إلا بالحجة ، ~~فلا يكفي التقليد. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 221 # الإشارة : قد نفى الله تعالى الخصوصية عن أربعة أنفس من أنفس المدعين ، ~~منها : نفس دخلت بحر الحقيقة ms0650 بالعلم ، وتبحرت في علمها دون الحال والذوق ، وأهملت # 221 # مراسم الشريعة حتى سقطت هيبتها من قلبها ، فانسل منها الإيمان والإسلام ~~انسلال الشعرة من العجين. ومنها نفس سائبة أهملت المجاهدة وانسابت في ~~الغفلة ، وأخذت الولاية بالوراثة من أسلافها ، دعوى ، أو ظهرت عليها خوارق ~~، استدراجا ، مع إصرارها على كبائر العيوب ، ومنها : نفس وصلت إلى الأولياء ~~وصحبتهم ، وخرجت عنهم قبل كمال التربية ، وتصدرت للشيخوخة قبل إبانها ، ~~ومنها : نفس حمت ظهرها من التجريد ، ووفرت جاهها مع العبيد ، وادعت كمال ~~التوحيد وأسرار التفريد ، لمجرد مطالعة الأوراق ، من غير صحبة أهل الأذواق ~~، وهؤلاء بعداء من حيث يظنون القرب ، مردودون من حيث يظنون القبول ، ~~والعياذ بالله من الدعوى وغلبة الهوى ، فإذا قيل لهؤلاء : تعالوا إلى من ~~يعرفكم بربكم ، ويخرجكم من سجن نفوسكم ، قالوا : نتبع ما وجدنا عليه ~~أسلافنا ، فيقال لهم : أتتبعونهم ولو كانوا جاهلين بالله ؟ . # جزء : 2 رقم الصفحة : 221 # قلت : {عليكم} : اسم فعل ، وفاعله مستتر فيه وجوبا ، و{أنفسكم} : مفعول ~~به على حذف مضاف ؛ أي : الزموا شأن أنفسكم. قاله الأزهري. PageV02P311 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} : احفظوها ~~والزموا صلاحها ، {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} أنتم ، أي : لا يضركم ضلال ~~غيركم إذا كنتم مهتدين ؛ ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته ، قال صلى ~~الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا ، واستطاع أن يغيره بيده ، فليغير ، ~~فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه " والآية نزلت حيث كان ~~المؤمنون يحرصون على الكفرة ، ويتمنون إيمانهم ، وقيل : كان الرجل إذا أسلم ~~قالوا له : سفهت آباءك ، فلاموه ، فنزلت. # وعن أبي ثعلبة الخشني قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله ~~تعالى : {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} ؟ فقال : " أئتمروا بالمعروف ، ~~وانهوا عن المنكر ، فإذا رأيت دنيا مؤثرة ، وشحا مطاعا ، وإعجاب كل ذي رأي ~~برأيه ، فعليك بخويصة نفسك ، وذر عوامهم ؛ فإن وراءكم أياما ، العامل فيها ~~كأجر خمسين منكم ". وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض الناس ~~تأول الآية على أنه لا يلزم ms0651 معها أمر ولا نهي ، فصعد المنبر ، فقال : (يا ~~أيها الناس : لا تغتروا بقول الله تعالى : # 222 # {عليكم أنفسكم} فيقول أحدكم : علي نفسي ، والله لتأمرن بالمعروف ، ~~ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فليسومنكم سوء العذاب). وعن ~~ابن مسعود رضي الله عنه قال : (ليس هذا بزمان هذه الآية ، قولوا الحق ما ~~قبل منكم ، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم). # قال ابن عطية : وجملة ما عليه أهل العلم في هذا : أن الأمر بالمعروف ~~متعين متى رجى القبول ، أو رجى رد المظالم ، ولو بعنف ، ما لم يخف الآمر ~~ضررا يلحقه في خاصته ، أو فتنة يدخلها عن المسلمين ، إما بشق عصا ، وإما ~~بضرر يلحق طائفة من الناس ، فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم ، حكم واجب أن يوقف ~~عنده. ه. PageV02P312 # ثم هدد من لم ينته ، فقال : {إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم ~~تعملون} وفيه تنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بذنب غيره ، وتسلية عن أمور ~~الدنيا ؛ مكروهها ومحبوبها ، بذكر الحشر وما بعده ، وعن بعض الصالحين أنه ~~قال : ما من يوم إلا يجيئني الشيطان فيقول : ما تأكل ؟ وما تلبس ؟ وأين ~~تسكن ؟ فأقول له : آكل الموت ، وألبس الكفن ، وأسكن القبور. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 222 # الإشارة : في الآية إغراء وتحضيض على الاعتناء بإصلاح النفوس وتطهيرها من ~~الرذائل ، وتحليتها بالفضائل ، قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا} عليكم ~~بإصلاح أنفسكم أولا ، فإذا صلحت فأصلحوا غيركم ، فعلى العبد أن يشتغل بشأن ~~نفسه ولا يلتفت إلى غيره ، حتى إذا كمل تطهيرها ، وفرغ من تأديبها ، فإن ~~أمره الحق جل جلاله بإصلاح غيره على لسان شيخ كامل ، أو هاتف حقيقي ، ~~فليتقدم لذلك ، فإنه حينئذ محمول محفوظ مأذون ، وإلا فعليه بخاصة نفسه ، ~~كما تقدم. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 222 # 223 # قلت : {شهادة} : مبتدأ ، وخبره : {اثنان} ، أي : مقيم شهادة بينكم اثنان ~~، أو حذف الخبر ، أي : أمرتكم شهادة بينكم ، و{اثنان} على هذا : فاعل شهادة ~~، و{إذا} : ظرف لشهادة ، و{حين الوصية} : بدل منه ، ويجوز أن يكون {إذا} : ~~شرطية حذف جوابها ، أي : إذا حضر الموت فينبغي ms0652 أن يشهد حين الوصية اثنان ، ~~و{ذوا عدل} : صفة لاثنان ، أو {آخران} : عطف على {اثنان} ، {إن أنتم} : شرط ~~حذف جوابه ، دل عليه ما تقدم ، أي : إن سافرتم ، فأصابتكم مصيبة الموت في ~~السفر ، فشهادة بينكم اثنان. PageV02P313 # و{تحبسونهما} : قال أبو علي الفارسي : هو صفة لآخران ، واعترض بين الصفة ~~والموصوف قوله : {إن أنتم} إلى قوله : {الموت} ، ليفيدا العد ، {آخران} من ~~غير الملة ، إنما يجوز لضرورة الضرب في الأرض وحلول الموت في السفر. وقال ~~الزمخشري : هو استئناف كلام ، {إن ارتبتم} : شرطية ، وجوابها محذوف ، دل ~~عليه {يقسمان} ، و{لا نشتري} هو المقسم عليه ، وجملة الشرط معترضة بين ~~القسم والمقسم عليه ، والتقدير : إن ارتبتم في صدقهما فأقسما بالله لا ~~نشتري به ، أي : بالقسم ، ثمنا قليلا من الدنيا ، و{الأوليان} : خبر ، فيمن ~~قرأ بالبناء للمفعول ، أو فاعل ، فيمن قرأ بالبناء للفاعل ، ومن قرأ ~~{الأولين} تثنية أول فبدل من الذين ، أو صفة له. قال مكي : ( هذه الآية ~~أشكل آية في القرآن ؛ إعرابا ومعنى). # جزء : 2 رقم الصفحة : 223 PageV02P314 ~~وسبب نزولها : أن تميما الداري وعدي بن بداء وكانا أخوين ، خرجا إلى ~~الشام للتجارة وهما حينئذ نصرانيان ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص ، ~~وكان مسلما ، فلما قدما الشام مرض بديل ، فدون ما معه في صحيفة ، وطرحها في ~~متاعه ، وشد عليها ، ولم يخبرهما بها ، وأوصى إليهما بان يدفعا متاعه إلى ~~أهله ، ومات ، ففتشاه ، وأخذا منه إناء من فضة ، قيمته : ثلاثمائة مثقال ، ~~منقوشا بالذهب ، فجنباه ودفعا المتاع إلى أهله ، فأصابوا الصحيفة ، ~~فطالبوهما بالإناء ، فجحدا ، فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت : {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} إلى قوله : {من الآثمين} ~~فحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد صلاة العصر ، عند المنبر ، ~~وخلا سبيلهما. ثم عثر بعد مدة على الإناء بمكة ، فقيل لمن وجد عنده : من ~~أين لك هذا ؟ قال : اشتريته من تميم الداري وعدي بن بداء ، فرفع بنو سهم ~~الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت : {فإن عثر على أنهما ~~استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما} ، فقام عمرو بن العاص ms0653 والمطلب بن أبي ~~وداعة السهميان ، فحلفا واستحقا الإناء. # ومعنى الآية : يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} ، مما نأمركم ~~به : أن تقع {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} ، وأراد الوصية فيحضر عدلان ~~منكم ، فإن كنتم في سفر وتعذر العدلان منكم ، فليشهد {آخران من غيركم} ممن ~~ليس على دينكم ، # 224 PageV02P315 ~~ثم إن وقع ارتياب في شهادتهما ، {تحبسونهما} بعد صلاة العصر {فيقسمان ~~بالله} ما كتمنا ، ولا خنا ، ولا نشتري بالقسم أو بالله عرضا قليلا من ~~الدنيا ، ولو كان المحلوف له قريبا منا ، {ولا نكتم شهادة الله} {إنا إذا} ~~، إن كتمنا ، {لمن الآثمين}. فإذا حلفا خلي سبيلهما ، {فإن عثر} بعد ذلك ~~{على} كذبهما و{أنهما استحقا إثما} بسبب كذبهما ، {فآخران} من رهط الميت ~~{يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم} المال المسروق ، اللذان هم ~~{الأوليان} أي : الأحقان بالشهادة ، {فيقسمان بالله} فيقولان : والله ~~{لشهادتنا أحق من شهادتهما} ، وأصدق ، وأولى بأن تقبل ، {وما اعتدينا} : ~~وما تجاوزنا فيها الحق ، {إنا إذا لمن الظالمين} ، فإن حلفا غرم الشاهدان ~~ما ظهر عليهما ، وتحليف الشهود منسوخ ، وهذا الحكم خاص بهذه القضية. # قال البيضاوي : الحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين ، فإنه لا يحلف الشاهد ~~، ولا تعارض يمينه يمين الوارث ، وثابت إن كانا وصيين. ه. وكذا شهادة غير ~~أهل الملة منسوخة أيضا ، واعتبار صلاة العصر للتغليظ ، وتخصيص الحلف في ~~الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة. قاله السيوطي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 223 # قال تعالى : {ذلك} أي : تحليف الشهود ، {أدنى} أي : أقرب {أن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها} كما تحملوها من غير تحريف ولا خيانة فيها ، {أو يخافوا ~~أن ترد أيمان بعد أيمانهم} أي : أو أقرب لأن يخافوا أن ترد اليمين على ~~المدعين بعد أيمانهم ، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة ، وإنما جمع ~~الضمير ، لأنه حكم يعم الشهود كلهم ، {واتقوا الله واسمعوا} ما توصون به ، ~~فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم قوما فاسقين ، {والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين} أي : لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة. PageV02P316 # الإشارة : أمر الحق جل جلاله في الآية ms0654 المتقدمة ، بالاعتناء بشأن الأنفس ~~، بتزكيتها وتحليتها ؛ وأمر في هذه الآية بالاعتناء بشأن الأموال ؛ بحفظها ~~، والأمر بالإيصاء عليها ودفعها لمستحقها ؛ إذا كلاهما يقربان إلى رضوان ~~الله ، ويوصلان إلى حضرته ، وقد كان في الصحابة من قربه ماله ، وفيهم من ~~قربه فقره ، وكذلك الأولياء ، منهم من نال الولاية من جهة المال أنفقه على ~~شيخه فوصله من حينه ، ومنهم من نال من جهة فقره أنفق نفسه في خدمة شيخه ، ~~وقد روي أن سيدي يوسف الفاسي أنفق على شيخه قناطير من المال ، قيل : أربعين ~~، وقيل : أقل. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 223 # 225 # قلت : {يوم} : بدل من {الله} ، بدل اشتمال ، أي : اتقوا يوم الجمع ، أو ~~ظرف لاذكر ، و{ماذا} : منصوب على المصدر ، أي : أي إجابة أجبتم. # يقول الحق جل جلاله : واذكر {يوم يجمع الله الرسل} والأمم يوم القيامة ~~{فيقول} للرسل : {ماذا أجبتم} ؟ أي : ما الذي أجابكم به قومكم ، هل هو كفر ~~أو إيمان ، طاعة أو عصيان ؟ والمراد بهذا السؤال توبيخ من كفر من الأمم ، ~~وإقامة الحجة عليهم ، فيقولون له في الجواب : {لا علم لنا} مع علمك ، ~~تأدبوا فوكلوا العلم إليه ، أو علمنا ساقط في جنب علمك ؛ {إنك أنت علام ~~الغيوب} ؛ لأن من علم الخفيات لا تخفي عليه الظواهر والبواطن ، وقرىء بنصب ~~علام ، على أن الكلام قد تم بقوله : {إنك أنت} أي : إنك الموصوف بصفاتك ~~المعروفة ، وعلام نصب على الاختصاص أو النداء. قاله البيضاوي. PageV02P317 # الإشارة : من حجة الله على عباده ، أن بعث في كل أمة نذيرا يدعوا إلى الله ~~، أما عارفا يعرف بالله ، أو عالما يعلم أحكام الله ، ثم يجمعهم يوم ~~القيامة فيسألهم : ماذا أجيبوا ، وهل قوبلوا بالتصديق والإقرار ، أو قوبلوا ~~بالتكذيب والإنكار ؟ فتقوم الحجة على العوام بالعلماء ، وعلى الخواص ~~بالعارفين الكبراء ، أهل التربية النبوية ، فلا ينجو من العتاب إلا من ~~ارتفع عنه الحجاب ، بصحبة العارفين وتعظيمهم وخدمتهم ، إذ لا يتخلص من ~~العيوب إلا من صحبهم وأحبهم وملك نفسه إليهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 225 # قلت : {إذ} : بدل من {يوم يجمع} ، أو ms0655 باذكر ، وجملة {تكلم} : حال من ~~مفعول {أيدتك}. # يقول الحق جل جلاله : واذكر {إذ} يقول الحق جل وعز يوم القيامة : {يا ~~عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} بالنبوة والرسالة ، وعلى أمك بالاصطفائية ~~والصديقية ، وذلك # 226 # حين {أيدتك} أي : قويتك {بروح القدس} ، وهو جبريل عليه السلام كان لا ~~يفارقك في سفر ولا حضر ، أو بالكلام الذي تحيا به الأنفس والأرواح ، الحياة ~~الأبدية. كنت {تكلم الناس في المهد} أي : كائنا في المهد {وكهلا} أي : تكلم ~~في الطفولة والكهولة بكلام يكون سببا في حياة القلوب ، وبه استدل أنه ينزل ~~، لأنه رفع قبل أن يكتهل ، {و} اذكر {إذ علمتك الكتاب} أي : الكتابة ، ~~{والحكمة} : النبوة {والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ~~بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج ~~الموتى بإذني} وتقدم تفسيرها في آل عمران. PageV02P318 # وكرر {بإذني} مع كل معجزة ؛ إبطالا لدعو الربوبية فيه ، إذ قد عزله عن ~~قدرته ومشيئته مع كل معجزة. قال ابن جزي : الضمير المؤنث يعنيي في " فيها ~~" يعود على الكاف ، لأنها صفة الهيئة ، وكذلك المذكور في آل عمران. {فأنفخ ~~فيه} يعود على الكاف ، لأنها بمعنى مثل ، وإن شئت قلت : هو في الموضعين ~~يعود على الموصوف المحذوف الذي وصف به كهيئة ، فتقديره في التأنيث : صورة ، ~~وفي التذكير : شخصا ، أو خلقا وشبه ذلك. ه. # {و} اذكر أيضا {إذ كففت بني إسرائيل عنك} حين هموا بقتلك ، {إذ جئتهم ~~بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} أي : ما هذا الذي ~~جئتنا به إلا سحرا ، أو : قالوا في شأنك حين جئتهم : ما هذا إلا ساحر مبين ~~، {و} اذكر أيضا {إذ أوحيت إلى الحواريين} أي : ألهمتهم ، أو أمرتهم بأن ~~{آمنوا بي وبرسولي} عيسى ، فامتثلوا ، {وقالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} أي ~~: منقادون ومخلصون. # جزء : 2 رقم الصفحة : 226 # الإشارة : قال الورتجبي : من تمام نعمة الله تعالى عليه صيرورة جسمه ~~بنعت روحه في المهد على شبابه بالقوة الإلهية ، بأن نطق بوصف تنزيه الله ~~وقدسه وجلاله ، وربويته وفناء العبودية فيه ، وبقيت ms0656 تلك القدرة فيه إلى ~~كهولته ، حتى عرف عباد الله تنزيه الله وقدس صفات الله وحسن جلال الله ، ~~وهذا معنى قوله تعالى : {تكلم الناس في المهد وكهلا} ، وزاد في وصفه بقوله ~~: {وإذ علمتك الكتاب} ، تجلى بقدرته بيده حتى يخط بغير تعلم. ه. فانظره ، ~~مع ما ورد في التاريخ أنه كان يذهب مع الصبيان للمكتب. # جزء : 2 رقم الصفحة : 226 PageV02P319 ~~قلت : {يا عيسى ابن مريم} : ابن هنا بدل ، ولذلك كتب بالألف ، و{أن ينزل} : ~~مفعول {يستطيع} ، ومن قرأ بالخطاب ، فمفعول بالمصدر المقدر ، أي : سؤال ربك ~~إنزال مائدة ، و{لأولنا وآخرنا} : بدل كل ، من ضمير {لنا} ، لإفادته ~~الإحاطة والشمول كالتوكيد ، و(ذلك) : شرط إبدال الظاهر من ضمير الحاضر ، ~~وأعيدت اللام مع البدل للفصل ، وضمير {لا أعذبه} : نائب عن المصدر ، أي : ~~لا أعذب ذلك التعذيب أحدا. # يقول الحق جل جلاله : واذكر {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل ~~يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} أي : هل يطيعك ربك في هذا الأمر ~~، أم لا ؟ فالاستفهام عن الإسعاف في القدرة ، فهو كقول بعض الصحابة لعبد ~~الله بن زيد : هل تستطيع أن ترينا كيف كان يتوضأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ؟ مع جزمهم بأن عبدالله كان قادرا على تعليمهم الوضوء. فالحواريون ~~جازمون بأن الله تعالى قادر على إنزال المائدة ، لكنهم شكوا في إسعافه ~~على ذلك. # قال ابن عباس : كان الحواريون أعلم بالله من أن يشكو أن الله تعالى يقدر ~~على ذلك ، وإنما معناه ، هل يستطيع لك ؛ أي : هل يطيعك ، ومثله عن عائشة ، ~~وقد أثنى الله تعالى على الحواريين ، في مواضع من كتابه ، فدل أنهم ~~مؤمنون كاملون في الإيمان. PageV02P320 # قال لهم عيسى عليه السلام : {اتقوا الله} من أمثال هذا السؤال واقتراح ~~الآيات ، {إن كنتم مؤمنين} بكمال قدرته وصحة نبوتي ، فإن كمال الإيمان يوجب ~~الحياء من طلب المعجزة ، {قالوا نريد أن نأكل منها} أكلا نتشرف به بين ~~الناس ، وليس مرادهم شهوة البطن ، {وتطمئن قلوبنا} بانضمام علم المشاهدة ~~إلى علم الاستدلال ، أي : نعاين الآية ضرورة ومشاهدة ، فلا تعرض لنا ms0657 الشكوك ~~التي في الاستدلال ، {ونعلم أن قد صدقتنا} علما ضروريا لا يختلجه وهم ولا ~~شك ، {ونكون عليها من الشاهدين} أي : نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس ، ~~أو من الشاهدين للعين ، دون السامعين للخبر ، وليس الخبر كالعيان ، والحاصل ~~: أنهم أرادوا الترقي إلى عين اليقين ، دون الأكتفاء بعلم اليقين. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 227 # قال عيسى ابن مريم} مسعفا لهم لما رأى لهم غرضا صحيحا في ذلك ، روي أنه ~~لبس جبة شعر ، وقام يصلي ويدعو ويبكي ، وقال : {اللهم ربنا أنزل # 228 # علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} أي : لمتقدمنا ~~ومتأخرنا ، يعود علينا وقت نزولها كل عام بالفرح والسرور ، فنتخذه عيدا نحن ~~ومن يأتي بعدنا ، {و} يكون نزولها {آية منك} على كمال قدرتك وصحة نبوتي ، ~~{وارزقنا} المائدة والشكر عليها ، {وأنت خير الرازقين} أي : خير من يرزق ؛ ~~لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض ، ونسبة الرزق إلى غيره مجاز. {قال الله ~~إني منزلها عليكم} كما طلبتم ، {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين} أي : من عالمي زمانهم ، أو مطلقا. PageV02P321 # قال ابن عمر : ( أشد الناس عذابا يوم القيامة : من كفر من أصحاب المائدة ، ~~وآل فرعون ، والمنافقون). روي أنها نزلت سفرة حمراء بين غمامتين ، وهم ~~ينظرون إليها ، حتى سقطت بين أيديهم ، فبكى عيسى وقال : اللهم اجعلني من ~~الشاكرين ، اللهم اجعلها رحمة ، ولا تجعلها مثلة وعقوبة ، ثم قام وتوضأ ~~وصلى وبكى ، ثم كشف المنديل ، وقال : بسم الله خير الرازقين ، فإذا سمكة ~~مشوية ، تسيل دسما وعند ذنبها خل ، وحولها من أنواع البقول ما خلا الكراث ، ~~وخمسة أرغفة ، على واحد منها زيتون ، وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث سمن ، ~~وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد ، قال شمعون : يا روح الله أمن طعام ~~الدنيا أم من طعام الآخرة ؟ قال : ليس منهما ، ولكنه اخترعه الله بقدرته ، ~~كلوا ما سألتم ، واشكروا الله يمددكم ويزدكم من فضله ، فقالوا : يا روح ~~الله ، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى ، فقال : يا سمكة : احيى بإذن الله ~~، فاضطربت ms0658 ، ثم قال لها : عودي ، فعادت كما كانت ، فعادت مشوية ، ثم طارت ~~المائدة ثم عصوا بعدها فمسخوا. # وقيل : كانت تأتيهم أربعين يوما ، غبا ، يجتمع عليها الفقراء والأغنياء ~~والصغار والكبار ، يأكلون ، فإذا فرغوا ، طارت وهم ينظرون في ظلها ، ولم ~~يأكل منها فقير إلا غني مدة عمره ، ولا مريض إلا برىء ولم يمرض أبدا ، ثم ~~أوحى الله إلى عيسى : أن اجعل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياء ~~والأصحاء ، فاضطرب الناس ، فمسخ منهم ثلاثة وثمانون. وقيل : لما وعد الله ~~إنزالها بهذه الشريطة ، استغفروا وقالوا : لا نريد ، فلم تنزل. قلت : ~~المشهور أنها نزلت ، ويحكى أن أرجلها باقية بجزيرة الأندلس. والله تعالى أعلم. # الإشارة : في سؤال الحواريين لسيدنا عيسى عليه السلام قلة آدب من وجهين : ~~أحدهما : خطابه بقوله : {يا عيسى ابن مريم} ؛ وقد كانت هذه الأمة المحمدية ~~تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ، يا نبي الله ، لكمال ~~أدبها ، وبذلك شرفت وعظم قدرها ، # 229 PageV02P322 ~~فالأدب عند الصوفية ركن عظيم ، بل هو روح التصوف وقطب دائرته ، قال بعضهم : ~~( اجعل عملك ملحا ، وأدبك دقيقا) ، والكلام فيه عندهم طويل شهير. # جزء : 2 رقم الصفحة : 227 # والوجه الثاني : ما في قولهم : {هل يستطيع ربك} من بشاعة التعبير ، وسوء ~~اللفظ ، حتى اتهموا بالكفر من أجله ، وقد تقدم تأويله ، وأما سؤالهم ~~المائدة ، فقال بعض الصوفية : هي عبارة عن المعارف والأسرار الربانية التي ~~هي قوت الأرواح السماوية ، فقوت الأشباح الأرضية ما يخرج من الأرض من ~~الأقوات الحسية ، وقوت الأرواح السماوية ما ينزل من السماء من العلوم ~~اللدنية والأسرار الربانية ، ينزل على قلوب العارفين ، ثم يبرز منها إلى ~~قلوب عائلة المستمعين ، ولما طلبوها قبل إبانها وقبل الاستعداد لها ، قال ~~لهم : {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} ، فلما ألحوا في السؤال ، بين الحق لهم ~~أن إنزالها سهل على قدرته ، لكن فيه خطر وسوء عاقبة ، لأن الحقائق قد تضر ~~بالمريد إذا لم يكمل أدبه واستعداده ، فلما بينوا مرادهم من كمال الطمأنينة ~~واليقين ؛ دعا الله تعالى فوعدهم بالإنزال مع دوام الإيمان وكما الإيقان ~~، فمن كفر ms0659 بها ، ولم يعرف قدرها ، عذب بعذاب لم يعذبه أحد من العالمين ، ~~وهو الطرد والبعد من ساحة حضرة رب العالمين. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 227 # قلت : {من دون الله} : صفة لإلهين ، أو صلة {اتخذوني} ، و{أن أعبدوا} : ~~تفسيرية للمأمور به ، أو بدل من ضمير به ، وليس من شرط البدل جواز طرح ~~المبدل منه مطلقا ؛ لئلا يلزم منه بقاء الموصول بلا راجع ، أو عطف بيان له ~~، أو خبر عن مضمر ، أي : هو ، أو معفول به ، أي : أعني ، ولا يجوز إبداله ~~من {ما} ؛ لأن المصدر لا يكون مفعولا للقول ؛ لأنه مفرد ، والقول لا يعمل ~~إلا في الجمل أو ما في معناه. # 230 PageV02P323 ~~{يوم ينفع} ؛ من نصب جعله ظرفا لقال ، أو ظرف ، مستقر خبر {هذا} والمعنى : ~~هذا الذي مر من كلام عيسى ، واقع يوم ينفع ، الخ ، وأجاز ابن مالك أن يكون ~~مبنيا ، قال في ألفيته : # وقبل فعل معرب أو مبتدا # أعرب ، ومن بنا فلن يفندا # ومن رفع ، فخبر ، وهو ظرف متصرف. # يقول الحق جل جلاله : واذكر {إذ قال الله يا عيسى} بعد رفعه إلى السماء ، ~~أو يقول له يوم القيامة ، وهو الصحيح ، بدليل قوله : {قال الله هذا} الخ ، ~~فإن اليوم الذي {ينفع الصادقين صدقهم} هو يوم القيامة ، فيقول له حينئذ : ~~{أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} يريد به توبيخ الكفار ~~الذين عبدوه وتبكيتهم ، وفيه تنبيه على أن من عبد مع الله غيره فكأنه لم ~~يعبد الله قط ، إذ لا عبرة بعبادة من أشرك معه غيره. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 230 # قال} عيسى عليه السلام مبرءا نفسه من ذلك وقد أرعد من الهيبة : {سبحانك} ~~أي : تنزيها لك من أن يكون لك شريك ، {ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} ~~أي : ما ينبغي لي أن أقول ما لا يجوز لي أن أقوله ، {إن كنت قلته فقد ~~علمته} ، وكل العلم إلى الله لتظهر براءته ، لأن الله علم أنه لم يقل ذلك ، ~~{تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} ms0660 أي : تعلم ما أخفيته في نفسي ، كما ~~تعلم ما أعلنته ، ولا أعلم ما تخفيه ، من معلوماتك ، سلك في اللفظ مسلك ~~المشاكلة ، فعبر بالنفس عن الذات. {إنك أنت علام الغيوب} لا يخفى عليك شيء ~~من الأقوال والأفعال. # {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} وهو عبادة الله وحده ، فقلت لهم : {اعبدوا ~~الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا} أي : رقيبا عليهم ، أمنعهم أن يقولوا ذلك ~~أو يعتقدوه. {ما دمت فيهم فلما توفيتني} بالرفع إلى السماء ، أي : توفيت ~~أجلي من الأرض. والتوفي أخذ الشيء وافيا ، فلما رفعتني إلى السماء {كنت أنت ~~الرقيب عليهم} أي : المراقب لأحوالهم {وأنت على كل شيء شهيد} : مطلع عليه ~~مراقب له. PageV02P324 # {إن تعذبهم فأنهم عبادك} وأنت مالك لهم ، ولا اعتراض على المالك في ملكه ، ~~وفيه تنبيه على أنهم استحقوا العذاب ، أي : لأنهم عبادة وقد عبدوا غيرك ، ~~{وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ، فلا عجز ولا استقباح ، فإنك ~~القادر والقوي على الثواب والعقاب بلا سبب ، ولا تعاقب إلا عن حكمة وصواب ، ~~فإن عذبت فعدل ، وإن غفرت ففضل ، وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد ، فلا ~~امتناع فيه لذاته ليمتنع الترديد والتعليق بإن. قاله البيضاوي. # وقال ابن جزي : فيه سؤالان : الأول : كيف قال : {وإن تغفر لهم} وهم كفار ~~، والكفار لا يغفر لهم ؟ فالجواب : أن المعنى تسليم الأمر إلى الله ، وإنه ~~إن عذب أو غفر # 231 # فلا اعتراض عليه ؛ لأن الخلق عباده ، والمالك يفعل ما يشاء ، ولا يلزم من ~~هذا وقوع المغفرة للكفار ، وإنما يقتضي جوازها في حكمة الله وعزته ، وفرق ~~بين الجواز والوقوع ، وأما على قول من قال : إن هذا الخطاب وقع لعيسى عليه ~~السلام حين رفعه الله إلى السماء فلا إشكال ، لأن المعنى : إن لم تغفر بهم ~~التوبة ، وكانوا حينئذ أحياء ، وكل حي معرض للتوبة. # السؤال الثاني : ما مناسبة قوله : {العزيز الحكيم} لقوله : {وإن تغفر ~~لهم} ، والأليق إن قال : فإنك أنت الغفور الرحيم ؟ فالجواب : أنه لما قصد ~~التسليم له والتعظيم ، كان قوله : {فإنك أنت العزيز الحكيم} أليق ، فإن ~~الحكمة تقتضي التسليم ms0661 ، والعزة تقتضي التعظيم ، فإن العزيز هو الذي يفعل ما ~~يريد ، ولا يغلبه غيره ، ولا يمتنع عليه شيء أراده ، فاقتضى الكلام تفويض ~~الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدمها ؛ لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته ~~، وأيهما فعل فهو جميل لحكمته. وقال أبو جعفر بن الزبير : إنما لم يقل ~~الغفور الرحيم ؛ لئلا يكون شفيعا لهم بطلب المغفرة ، فاقتصر على التسليم ~~والتفويض ، دون الطلب ، إذ لا نصيب في المغفرة للكفار. انظر بقية كلامه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 230 PageV02P325 ~~قال التفتازاني : ذكر المغفرة ، يوهم أن الفاصلة : {الغفور الرحيم} ، لكن ~~يعرف بعد التأمل أن الواجب هو العزيز الحكيم ؛ لأنه لا يغفر لمن يستحق ~~العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه ، وهو العزيز ، أي : الغالب ، ثم ~~وجب أن يوصف بالحكمة على سبيل الاحتراس ؛ لئلا يتوهم أنه خارج عن الحكمة. ه. # قال الله تعالى : {هذا} أي : يوم القيامة {يوم ينفع الصادقين صدقهم} أي : ~~هنا ينتفع الصادقون في الدنيا بصدقهم ، ويفتضح الكاذبون على الله بكذبهم. ~~والمراد بالصادقين ؛ أهل التوحيد ، الذين نزهوا الله تعالى عما لا يليق ~~بجلاله وجماله ، فصدقوا فيما وصفوا به ربهم. # ثم ذكر ما وعدهم به ، فقال : {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه} حيث رضوا بأحكامه القهرية والتكليفية ، ~~{ذلك الفوز العظيم لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير} ~~، وهذا تنبيه على تكذيب النصارى ، وفساد دعواهم في المسيح وأمه ، وإنما لم ~~يقل : ومن فيهن ، تغليبا لغير العقلاء ، وإنما غلب غير أولى العقل للإعلام ~~بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية ، وإهانة لهم وتنبيها على أنهم جنس ~~واحد ، فمن يعقل منهم لقصور عقله ونظره كمن لا يعقل ، فيبعد استحقاقهم ~~للألوهية التي تنبىء عن تمام الحكمة وإحاطة العلم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : كل من صدر نفسه للشيخوخة من غير إذن ، وأشار إلى تعظيمه بلسان ~~الحال أو المقال يلحقه العتاب يوم القيامة فيقال له : أأنت قلت للناس ~~عظموني من دون # 232 PageV02P326 ~~الله ؟ فإن كان مقصوده ms0662 بالأمر بالتعظيم الوصول إلى تعظيم الحق تعالى ، ~~والأدب معه في الحضرة دون الوقوف مع الواسطة ، وبذل جهده في توصيل المريدين ~~إلى هذا المقام ، يقول : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ، إلى ~~تمام ما قال السيد عيسى عليه السلام ، فيقال له : {هذا يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم}. وإن كان مقصوده بالتصدر للتعظيم والآمر به ، حظ نفسه ، وفرح بتربية ~~جاهه والإقبال عليه ، افتضح وأهين بما افتضح به الكاذبون المدعون. نسأل ~~الله تعالى الحفظ والرعاية بمنه وكرمه ، وسيدنا محمد رسوله ونبيه صلى الله ~~عليه وسلم ، وعلى آله وصحبه وسلم . # 233 # جزء : 2 رقم الصفحة : 230 PageV02P327 ### | AUTO سورة الأنعام # جزء : 2 رقم الصفحة : 233 # قلت : {ثم الذين كفروا} : عطف على جملة الحمد ؛ على معنى : أن الله حقيق ~~بالحمد على ما خلقه ، نعمة على العباد ، ثم الذين كفروا بربهم الذي رباهم ~~بهذه النعم ، يعدلون به سواه من الأصنام ، يقال : عدلت فلانا بفلان ؛ جعلته ~~نظيره ، أو عطف على " خلق وجعل " : على معنى أنه خلق وقدر ما لا يقدر عليه ~~غيره ، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء. ومعنى {ثم} : استبعاد عدولهم ~~بعد هذا البيان. والباء في " بربهم " متعلقة بكفروا ، على الأول ، وبيعدلون ~~على الثاني ، قاله البيضاوي. # 234 # يقول الحق جل جلاله : {الحمد لله} أي : جميع المحامد إنما يستحقها الله ، ~~إذ ما بكم من نعمة فمن الله. {الذي خلق السماوات} التي تظلكم ، مشتملة على ~~الأنوار التي تضيء عليكم ، ومحلا لنزول الرحمات والأمطار عليكم ، {و} خلق ~~{الأرض} التي تقلكم ، وفيها نبات معاشكم في العادة ، وفيها قراركم في ~~حياتكم وبعد مماتكم ، مشتملة على بحار وأنهار ، وفواكه وثمار ، وبهجة أزهار ~~ونوار ، {وجعل الظلمات} التي تستركم ، راحة لأبدانكم وقلوبكم ، كظلمات ~~الليل الذي هو محل السكون. {و} جعل {النور} الذي فيه معاشكم وقوام أبدانكم ~~وأنعامكم. {ثم الذين كفروا} بعد هذا كله ، {يعدلون} عنه إلى غيره ، أو ~~يعدلون به سواه ، فيسوونه في العبادة معه. # قال البيضاوي : وجمع السماوات دون الأرض وهي مثلهن ؛ لأن طبقاتها مختلفة ~~بالذات ، متفاوتة الآثار ms0663 والحركات ، وقدمها ؛ لشرفها وعلو مكانها. ثم قال ~~أيضا : وجمع الظلمات ؛ لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها ، أو لأن المراد ~~بالظلمة : الضلال ، وبالنور : الهدى. والهدى واحد والضلال متعدد. وتقديمها ~~لتقدم الإعدام على الملكه. ومن زعم أن الظلمة عرض يضاد النور احتج بهذه ~~الآية ، ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمي ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به ~~الجعل. ه. # الإشارة : أثنى الحق جل جلاله على نفسه بإنشاء هذه العوالم ، التي هي ~~محل ظهور عظمته وجلاله وجماله وبهائه. فأنشأ سموات الأرواح ، التي هي مظهر ~~لشروق أنوار ذاته وصفاته ، ومحل لظهور عظمة ربوبيته ، وأنشأ أرض النفوس ، ~~التي هي مظهر لتصرف أقداره ، ومحل لظهور آداب عبوديته ، وتجلى بين الضدين ؛ ~~بين الظلمات والنور ، ليقع الخفاء في الظهور ، كما قال بعض الشعراء : # جزء : 2 رقم الصفحة : 234 # ................ لقد # تكاملت الأضداد في كامل البها PageV02P328 ~~ثم بعدها هذا الظهور التام ، عدل عن معرفته جل الأنام ، إلا من سبقت له ~~العناية من الملك العلام ، وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 234 # قلت : {أجل} : مبتدأ. و{مسمى} : صفته. و{عنده} : خبر ، وتخصيصه بالصفة ~~أغنى عن تقديم الخبر. # يقول الحق جل جلاله : {هو الذي خلقكم من طين} أي : ابتدأ خلقكم منه ، وهو ~~آدم ، لأنه المادة الأولى ، وهو أصل البشر. {ثم قضى أجلا} تنتهون في حياتكم ~~إليه. وهو الموت. {وأجل مسمى} معين للبعث ، لا يقبل التغيير ، ولا يتقدم ~~ولا يتأخر ، # 235 # (عن) استأثر بعلمه ، لا مدخل لغيره فيه بعلم ولا قدرة ، وهو المقصود ~~بالبيان ، {ثم أنتم تمترون} أي : تشكون في هذا الأجل المسمى الذي هو البعث. # و{ثم} : لاستبعاد امترائهم بعد ما ثبت عنه أنه خالقهم ، وخالق أصولهم ~~ومحييهم إلى آجالهم ، فإن من قدر على خلق المواد وجمعها ، وإيداع الحياة ~~فيها وإبقائها ما شاء ، كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيا. قاله ~~البيضاوي. # الإشارة : القوالب من الطين ، والأرواح من نور رب العالمين ، فالطينية ~~ظرف لنور الربوبية ، الذي هو الروح ؛ لأن الروح نور من أنوار القدس ، وسر ~~من أسرار الله ، فمن نظف طينته ولطفها ظهرت عليها أسرار ms0664 الربوبية والعلوم ~~اللدنية ، وكشف للروح عن أنوار الملكوت وأسرار الجبروت ، وانخنست الطينية ، ~~واستولت عليها الروح النورانية ، ومن لطخ طينته بالمعاصي وكثفها باتباع ~~الشهوات ، انحجبت الأنوار واستترت ، واستولت الطينية الظلمانية على الروح ~~النورانية ، وحجبتها عن العلوم اللدنية والأسرار القدسية ، بحكمته تعالى ~~وعدله وظهور قهره. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 235 PageV02P329 ~~قلت : {هو} : مبتدأ ، و{الله} : خبره. و{في السماوات} : خبر ثاني ، أي : ~~وهو الله كائن أو موجود في السماوات وفي الأرض بنوره وعلمه. قال تعالى : ~~{الله نور السماوات والأرض} [النور : 35]. و{يعلم سركم وجهركم} : تقرير له. # يقول الحق جل جلاله : هذا الذي اختص بالحمد وأبدع الكائنات كلها {هو ~~الله} ظاهر {في السماوات وفي الأرض} بنوره وقدرته وعلمه وإحاطته ، فلا شريك ~~معه {يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} من خير أو شر ، فيثيب عليه ويعاقب ~~، ولعله أراد بالسر والجهر ما يظهر من أموال النفس ، وبالمكتسب أعمال ~~الجوارح. فالآية الأولى دليل القدرة التي ختم بها السورة ، والآية الثانية ~~دليل البعث ، والآية الثالثة دليل الوحدة. # الإشارة : قال بعض العارفين : الحق تعالى منزه عن الأين والجهة ، والكيف ~~، والمادة ، والصورة ، ومع ذلك لا يخلو منه أين ، ولا مكان ، ولا كم ، ولا ~~كيف ، ولا جسم ، ولا جوهر ، ولا عرض ، لأنه للطفه سار في كل شيء ، ولنوريته ~~ظاهر في كل شيء ، ولإطلاقه وإحاطته متكيف بكل كيف ، غير متقيد بذلك ، فمن ~~لم يعرف هذا ولم يذقه ولم يشهده ، فهو أعمى البصيرة ، محروم من مشاهدة الحق ~~تعالى. ولابن وفا : # هو الحق المحيط بكل شيء # هو الرحمن ذو العرش المجيد # هو المشهود في الأشهاد يبدو # فيخفيه الشهود عن الشهيد # هو العين العيان لكل غيب # هو المقصود من بيت القصيد # 236 # جميع العالمين له ظلال # سجود في القريب وفي البعيد # وهذا القدر في التحقيق كاف # فكف النفس عن طلب المزيد # جزء : 2 رقم الصفحة : 236 # قلت : {من} الأولى : مزيدة للاستغراق ، والثانية للبتعيض. PageV02P330 # يقول الحق جل جلاله : {وما تأتيهم من آية} دالة على توحيد الله وكمال صفاته ~~، إلا أعرضوا عنها ، أي : الكفار ، أو : ما تأتيهم ms0665 معجزة من المعجزات ~~الدالة على قدرة الله وصدق رسوله ، أو : ما تأتيهم آية من آيات القرآن تدل ~~على وحدانية وكمال ذاته ، {إلا كانوا عنها معرضين} ؛ تاركين للنظر فيها ، ~~غير ملتفتين إليها. # {فقد كذبوا بالحق} وهو القرآن {لما جاءهم} ، وهو كالدليل لما قبله ، ~~لأنهم لما كذبوا بالقرآن وهو أعظم الآيات فكيف لا يعرضون عن غيره من ~~الآيات ؟ ثم هددهم بقوله : {فسوف يأتيهم أنباء} أي : أخبار {ما كانوا به ~~يستهزئون} أي : سيظهر لهم ، عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة ، ما ~~كانوا يستهزئون به من البعث والحساب ، أو عند ظهور الإسلام وارتفاعه. # الإشارة : من سبق له الخذلان لا تنفعه الأدلة وتواتر البرهان ، ولا تزيده ~~ظهور المعجزات أو الكرامات إلا التحاسد وظهور العداوات ، ولا يزيده الدعاء ~~إلى الله والتناد ، إلا الإعراض عنه والبعاد ، نعوذ بالله من الشقاء وسوء ~~القضاء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 236 # قلت : {كم} : خبرية ، مفعول {أهلكنا} ، أي : كثيرا أهلكنا من القرون ، ~~والقرن ؛ مدة من الزمان تهلك أشياخها وتقوم أطفالها ، واختلف في حدها ، قيل ~~: مائة ، وقيل : سبعون ، وقيل : ثمانون ، وقيل القرن : أهل زمان فيه نبي أو ~~فائق في العلم ، قلت المدة أو كثرت ، مشتق من قرين الرجل. والمطر المدرار ~~هو الغزير ، وهي من أمثلة المبالغة ، كمذكار وميناث. # يقول الحق جل جلاله : {ألم يروا} ببصائرهم رؤية اعتبار ، {كم أهلكنا من ~~قبلهم} من أهل عصر {مكناهم في الأرض} أي : جعلناهم متمكنين فيها بالقرار # 237 PageV02P331 ~~والسكنى والطمأنينة فيها ، أو أعطيناهم من القوة والآلات ما تمكنوا بها من ~~أنواع التصرف فيها ؛ فقد {مكناهم ما لم نمكن لكم} يا أهل مكة ، فقد جعلنا ~~لهم من السعة وطول المقام ما لم نجعله لكم ، أو أعطيناهم من القوة والسعة ~~في المال والاستظهار على الناس بالعدة والعدد وتهيؤ الأسباب ما لم نجعله لكم. # {وأرسلنا السماء} أي : المطر أو السحاب {عليهم مدرارا} أي : معزارا على ~~قدر المنفعة بحسب الحاجة ، {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي : أجرينا ~~الأودية من تحت ديارهم وأراضيهم ، فعاشوا في الخصب والريف ، بين الأنهار ~~والثمار ، فعصوا وطغوا ms0666 وبطروا النعمة ، فلم يغن ذلك عنهم شيئا. {فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا} أي : أحدثنا ، {من بعدهم قرنا آخرين} بدلا منهم. والمعنى ~~: أنه تعالى كما قدر أن يهلك من تقدم من القرون ، بعد أن مكنهم في البلاد ~~واستظهروا على العباد ، كعاد وثمود ، وأنشأ بعدهم آخرين عمر بهم بلاده ، ~~يقدر أن يفعل ذلك بكم يا معشر المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم. # الإشارة : النظر والاعتبار يوجب للقلب الرقة والانكسار. وهي عبادة كبرى ~~عند العباد والزهاد. أولي العزم والاجتهاد. وفوقها : فكرة الشهود والعيان ، ~~وهي الفكرة التي تطوي وجود الأكوان. وتغيب الأواني بظهور المعاني ، أو ~~تريها حاملة لها قائمة بها ، فالأولى فكرة تصديق وإيمان ، والثانية فكرة ~~شهود وعيان. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 237 PageV02P332 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولو نزلنا عليك} يا محمد {كتابا} مكتوبا {في قرطاس} ~~أي : رق ، فرأوه بأعينهم ، ولمسوه بأيديهم ، حتى لا يبقى فيه تزوير ، ~~لعاندوا ، ولقال {الذين كفروا منهم} بعد ذلك : {إن هذا إلا سحر مبين} ؛ ~~تعنتا وعنادا ، وتخصيص اللمس ؛ لأن التزوير لا يقع فيه ، فلا يمكنهم أن ~~يقولوا : {إنما سكرت أبصارنا} [الحجر : 15] ، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز ~~، فإنه قد يتجوز فيه فيطلق على الفحص كقوله : {وأنا لمسنا السمآء} [الجن : 8]. # ثم اقترحوا معجزة أخرى ، {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} يكلمنا أنه نبي ، ~~{أو يكون معه نذيرا} أو شهيدا له بالرسالة ، روي أن العاص بن وائل والنضر ~~بن الحارث وزمعة بن الأسود هم الذين سألوا ذلك. قال تعالى : {ولو أنزلنا ~~ملكا} ، كما طلبوا {لقضي الأمر} بهلاكهم ، فإن سنة الله جرت بذلك فيمن ~~قبلهم ؛ مهما اقترحوا آية ، # 238 # فظهرت ثم كفروا ، عجل الله هلاكهم ، {ثم لا ينظرون} أي : لا يمهلون بعد ~~نزولها ساعة. # وعلى تقدير لو أنزلنا عليهم الملك كما اقترحوا فلا يمكن أن يظهر إلا ~~على صورة البشر ليطيقوا رؤيته ، {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} ليتمكنوا ~~من رؤيته ، كما مثل جبريل في صورة دحية ، فإن القوة البشرية لا تقوى على ~~رؤية الملائكة. وإنما رأوهم كذلك الأفراد من الأنبياء ، لامتلاء أسرارهم ~~بالأنوار القدسية ، فإذا ms0667 ظهر على صورة البشر التبس الأمر عليهم فقالوا : ~~إنما هو بشر لا ملك ، فهذا قوله : {وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي : لخلطنا ~~عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم ، أو لفعلنا لهم في ذلك فعلا ~~ملبسا يطرق لهم إلى أن يلبسوا به على أنفسهم وضعفائهم ؛ فإن عادة الله في ~~إظهار قدرته أن تكون مرتدية برداء حكمته ؛ ليبقى سر الربوبية مصونا ، فمن ~~سبقت له العناية خلق الله في قلبه التصديق بها ، حتى علمها ضرورة ، وغيره ~~يلبس الأمر عليه فيها. وبالله التوفيق. PageV02P333 # جزء : 2 رقم الصفحة : 238 # الإشارة : كرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء ، لا تظهر إلا لأهل الصدق ~~والتصديق ، ولا يتحقق بولايتهم إلا من سبق له الوصول إلى عين التحقيق. " ~~سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل ~~إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " ، فأهل الإنكار عليهم لا يرون إلا ما ~~يقتضي البعد عنهم. وأهل الإقرار لا يرون إلا ما يقتضي القرب منهم والمحبة ~~فيهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 238 # قلت : حاق يحيق حيقا ، أي : نزل وأحاط ، و{منهم} : يتعلق بسخروا ، و{ما ~~كانوا} : الموصول اسمي أو حرفي. # يقول الحق جل جلاله : في تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم : {ولقد استهزىء ~~برسل} كثير {من قبلك} فصبروا على أذى قومهم حتى أهلكهم الله ، {فحاق} أي : ~~أحاط {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون} أي : نزل بهم العذاب الذي ~~كانوا يستهزءون به ويستبعدونه ، أو : نزل بهم وبال استهزائهم وهو الهلاك. # الإشارة : كل ما سليت به الرسل تسلى به الأولياء ، فما من ولي صديق إلا ~~ابتلاه الله بتسليط الخلق عليه ؛ حتى ترحل روحه عن هذا العالم لضيقه عليها ~~، وتتمكن من شهود عالم الملكوت ، فإذا طهرت منه البقايا ، وكملت فيه ~~المزايا ، رده إليهم غنيا عنهم ، وغائبا عنهم ، جسمه مع الخلق وقلبه مع ~~الحق. هذه سنة الله في أوليائه ، فكل ولي # 239 # يتسلى بمن قبله في إيذاء الخلق له. غير أن أولياء هذه الأمة إذا كمل ~~مقامهم صاروا على قدم نبيهم ms0668 ، يكونون رحمة للعباد ، من آذاهم لا يعاجل ~~بالعقوبة غالبا ، كما كان نبيهم رحمة للعالمين ، فقال : " اللهم اغفر لقومي ~~فإنهم لا يعلمون " والله تعالى اعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 239 PageV02P334 ~~قلت : قال الزمخشري : فإن قلت : أي فرق بين قوله : {فانظروا} ، وبين قوله : ~~{ثم انظروا} ؟ فالجواب : أنه جعل النظر مسببا على السير في قوله : ~~{فانظروا} ، كأنه قال : سيروا لأجل النظر ، وأما قوله : {قل سيروا في الأرض ~~ثم انظروا} ، فمعناه : إباحة السير للتجارة وغيرها من المنافع ، وإيجاب ~~النظر في الهالكين. ه. ولم يقل : كانت ؛ لأن العاقبة مجاز تأنيثها. # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {سيروا في الأرض} وجولوا في أقطارها ، ~~{ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} قبلكم ، كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~مدين ، كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال ، كي تعتبروا وتنزجروا عن تكذيب ~~محمد عليه الصلاة والسلام . # الإشارة : يقال لأهل التنكير على أهل الذكر والتذكير : سيروا في الأرض ، ~~وانظروا كيف كان عاقبة المنكرين على المتوجهين ، كانت عاقبتهم الخذلان ، ~~وسوء الذكر بعد الموت والخسران كابن البراء وغيره من أهل التنكير. نعوذ ~~بالله من التعرض لمقت الله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 239 # قلت : جملة {ليجمعنكم} : مقطوعة ، جواب لقسم محذوف ، وقيل : بدل من ~~الرحمة ، وهو ضعيف ؛ لدخول النون الثقيلة في غير موضعها. و" إلى " : هنا ، ~~للغاية ، كما تقول : جمعت القوم إلى داري. وقيل : بمعنى " في " و{الذين ~~خسروا} : مبتدأ ، وجملة : {فهم لا يؤمنون} : خبر ، و{له ما سكن} : عطف على ~~{لله} ، وهو إما من السكنى فلا حذف ، أو من السكون ، فيكون حذف المعطوف. أي ~~: ما سكن وتحرك. # يقول الحق جل جلاله : {قل} للمشركين يا محمد : {لمن ما في السماوات ~~والأرض} خلقا وملكا وعبيدا ؟ . {قل} لهم هو : {لله} لا لغيره والقصد بالآية ~~: إقامة البرهان على التوحيد وإبطال الشرك. وجاء ذلك بصيغة الاستفهام ؛ ~~لإقامة الحجة على # 240 PageV02P335 ~~الكفار ، فسأل أولا ، ثم أجاب عن سؤاله بنفسه ؛ لأن الكفار يوافقون على ذلك ~~ضرورة ، فثبت أن الإله الحق هو الذي له ما في السماوات والأرض ، وإنما يحسن ~~أن يكون السائل مجيبا إذا علم ms0669 أن خصمه لا يخالفه في الجواب الذي يقيم به ~~الحجة عليه. # ثم دعاهم إلى الإيمان والتوبة بتلطف وإحسان فقال : {كتب على نفسه الرحمة} ~~؛ {أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} ~~[الأنعام : 54] كما في الآية الأخرى ، والكتابة هنا عبارة عن القضاء السابق ~~، وقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " إن الله كتب كتابا قبل ~~أن يخلق السماوات والإرض فهو عنده " وفيه : " أن رحمتي سبقت غضبي " ، وفي ~~رواية : " تغلب غضبي ". قال البيضاوي : {كتب على نفسه الرحمة} أي : التزمها ~~تفضلا وإحسانا ، والمراد بالرحمة : ما يعم الدارين ، ومن ذلك : الهداية إلى ~~معرفته ، والعلم بتوحيده ، بنصب الأدلة ، وإنزال الكتب والإمهال على الكفر. ه. # ثم ذكر محل ظهور هذه الرحمة ، فقال : والله {ليجمعنكم إلى يوم القيامة} ~~أي : ليجمعنكم من القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيجازي أهل التوبة ~~والإيمان ، ويعاقب أهل الشرك والكفران ، {لا ريب} في ذلك اليوم ، أو في ذلك ~~الجمع ، فيظهر أهل الخسران من أهل الإحسان ، ولذلك قال : {الذين خسروا ~~أنفسهم} بتضييع رأس مالهم ، وهو النظر الصحيح الموجب للإيمان والتوحيد {فهم ~~لا يؤمنون} حتى أدركهم الموت ؛ فلا خسران أعظم من ذلك. ودخلت الفاء في ~~الخبر ؛ للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم ؛ فإن إبطال النظر ، ~~والانهماك في التقليد واتباع الوهم ، أدى بهم إلى الإصرار على الكفر ، ~~والامتناع من الإيمان إلى الممات. فخسروا أولا بتضييع النظر ، فتسبب عنه ~~عدم الإيمان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 240 PageV02P336 ~~ثم تمم جوابه فقال : {وله ما سكن} أي : قل لهم : ما في السماوات والأرض لله ~~، وله أيضا ما سكن {في الليل والنهار} أي : ما استقر فيهما وما اشتملنا ~~عليه ، أو ما سكن فيهما وتحرك ، {وهو السميع} لكل مسموع ، {العليم} بكل ~~معلوم ؛ فلا يخفى عليه شيء في الليل والنهار ، في جميع الأقطار. الإشارة : ~~إذا علم العبد أن الخلق كلهم في قبضة الله ، وأمورهم كلها بيد الله ، أحاط ~~بهم علما وسمعا وبصرا ، لم يبق له على أحد عتاب ، ولا ترتيب خطأ ولا صواب ms0670 ، ~~إلا ما أمرت به الشريعة على ظاهر اللسان. بل شأنه أن ينظر إلى ما يفعل ~~المالك في ملكه. # 241 # فيتلقاه بالقبول والرضى ، وفي الحكم : " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن ~~يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه ". هذا شأن أهل التوحيد ؛ يدورون مع ~~رياح الأقدار حيثما دارت ، غير أنهم يتحننون بقلوبهم إلى رحمة الكريم ~~المنان ، وينهضون بهمتهم إلى مظان السعادة والغفران ، ويرجون منه الجمع ~~عليه في روح وريحان ، وجنة ورضوان ، بمحض فضل منه وإحسان. جعلنا الله منهم ~~بفضله وكرمه. آمين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 240 # قلت : {فاطر} : نعت لله ، ومعناه : خالق ومبدع. قال ابن عباس رضي الله ~~عنه : ( ما كنت أعرف معنى فاطر ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال ~~أحدهما : أنا فطرتها بيدي). وجملة : {وهو يطعم} : حال ، وقرىء بعكس الأول ؛ ~~ببناء الأول للمفعول ، والثاني للفاعل ، على أن ضمير {هو} راجع لغير الله ، ~~وببنائهما للفاعل ؛ على معنى يطعم تارة ، ويمنع أخرى ، كقوله : {يقبض ~~ويبصط} [البقرة : 245] ، وجملة {إن عصيت} : معترضة بين الفعل والمفعول ، ~~والجواب : محذوف دل عليه ما قبله ، أي : إن عصيت فإني أخاف عذاب يوم عظيم. PageV02P337 # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم يا محمد : {أغير الله أتخذ وليا} أي : ~~معبودا أواليه بالعبادة والمحبة ، وأشركه مع الله الذي أبدع السماوات ~~والإرض ، {وهو} الغني عما سواه ، الصمداني ، {يطعم} ولا يحتاج إلى من يطعمه ~~، فهو يرزق ولا يرزق ، وتخصيص الطعام ؛ لشدة الحاجة إليه {قل} لهم : {إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم} ، وأنقاد بكليتي إلى هذا الإله الحقيقي ، العني ~~بالإنطلاق ، وأرفض كل ما سواه ، ممن عمه الفقر ابتداء ودواما. فكان عليه ~~الصلاة والسلام هو أول سابق إلى الدين. ثم قيل له : {ولا تكونن من ~~المشركين} ؛ تنفيرا لغيره من الشرك ، وإلا فهو مبرأ منه عليه الصلاة ~~والسلام . # {قل إني أخاف إن عصيت ربي} بالشرك وغيره {عذاب يوم عظيم} ، وهذه مبالغة ~~أخرى في قطع أطماعهم ، وتعريض لهم بأنهم عصاة ، مستوجبون للعذاب ، {من يصرف ~~عنه} ذلك العذاب ، {يومئد} أي : يوم القيامة ، {فقد رحمه} ms0671 أي : نجاه ، ~~وأنعم عليه ، {وذلك الفوز المبين} أي : وذلك الصرف أو الرحمة هو الفلاح ~~المبين. # 242 # ثم ذكر حجة أخرى على استحقاقه للعبادة والولاية ، فقال : {وإن يمسسك الله ~~بضر} كمرض أو فقر ، {فلا كاشف له إلا هو} ؛ إذ لا يقدر على صرفه غيره ، ~~{وإن يمسسك بخير} ؛ بنعمة ، كصحة وغنى ومعرفة وعلم ، {فهو على كل شيء قدير} ~~، فهو قادر على حفظه وإدامته ، ولا يقدر أحد على دفعه ، كقوله تعالى : {فلآ ~~رآد لفضله} [يونس : 107] ، {وهو القاهر} لجميع خلقه ؛ كلهم في قبضته ، {فوق ~~عباده} بهذه القهرية والغلبة والقدرة ، {وهو الحكيم} في صنعه وتدبيره ، ~~{الخبير} بخفايا أمور عباده ، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم الباطنة ~~والظاهرة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 242 PageV02P338 ~~الإشارة : في الآية حض على محبة الحق ، وولايته على الدوام ، ورفض كل ما ~~سواه ممن عمه الفقر من الأنام ، وفيها أيضا : حث على المسابقة إلى الخيرات ~~، والمبادرة إلى الطاعات ، اقتداء بسيد أهل الأرض والسماوات ، فكان عليه ~~الصلاة والسلام أول من عبد الله ، وأول من توجه إلى مولاه ، قال تعالى : ~~{قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} [الزخرف : 81] ، فلو جاز أن يتخذ ~~ولدا ، لكنت أنا أولى به ، لأني أنا أول من عبده. # قال الورتجبي : {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} أي : أمرني حين كنت ~~جوهر فطرة الكون حيث لم يكن غيري في الحضرة أن أكول أول الخلق في المحبة ~~والعشق والشوق ، وأول الخلق له منقادا بنعت محبتي له ، راضيا بربوبيته ، ~~غير منازع لأمر مشيئته. وقال بعضهم : أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 242 # {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هاذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ...} # قلت : {قل الله شهيد} : يحتمل المبتدأ والخبر ، أو يكون {الله} خبرا عن ~~مضمر ، أو مبتدأ حذف خبره ، و{شهيد} : خبر عمن مضمر ، أي : قل هو الله ، أو ~~الله أكبر شهادة ، وهو شهيد بيني وبينكم ، و{من بلغ} : عطف على مفعول ، " ~~أنذر " ، أي : لأنذركم يا أهل مكة ms0672 ، وأنذر من بلغه القرآن ، وحذف مفعول {بلغ}. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد للذين سألوك من يشهد لك بالنبوة : {أي ~~شيء} عندكم هو {أكبر شهادة} ؟ فإن لم يجيبوا فقل لهم : هو {الله} ؛ فإنه ~~أكبر الشاهدين ، وهو الذي يشهد لي بالنبوة والرسالة ؛ بإقامة البراهين ~~وإظهار المعجزات ، وهو {شهيد بيني وبينكم} ، وكفى به شهيدا. # 243 PageV02P339 ~~{وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به} أي : لأخوفكم به ، إن أعرضتم عنه ، ~~وأبشركم به إن آمنتم به ، واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة ؛ لأنه مصرح ~~به في موضع آخر ، ولأن الأهم هنا هو الإنذار ؛ لغلبة الكفر حينئذ ، وأنذر ~~به أيضا كل من بلغه القرآن من الأحمر والأسود ، والجن والإنس إلى يوم ~~القيامة. وفيه دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت النزول ومن ~~بعدهم ، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه ، وهو نادر ، قال سعيد بن جبير : ( ~~من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم). # الإشارة : في الآية حث على اكتفاء بعلم الله ، والاستغناء به عما سواه ، ~~وعلامة الاكتفاء بعلم الله ثلاث : استواء المدح والذم ، والرضى بالقليل ~~والكثير ، والرجوع إلى الله وحده في السراء والضراء. # واعلم أن الحق تعالى إذا شهد لك بالخصوصية ، ثم اكتفيت بشهادته فأنت من ~~أهل الخصوصية ، وإن لم تكتف بشهادته ، وتطلعت إلى أن يعلم الناس بخصوصيتك ، ~~فأنت كاذب في دعوى الخصوصية. واطلاع الحق تعالى على ثبوت خصوصيتك هو شهادته ~~لك ، فاقنع بعلم الله ، ولا تلتفت إلى أحد سواه ، لئلا ينزعها من قلبك ، ~~حيث لم تقنع بعلم الله فيك. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 243 # ولما أتى قوم من الكفار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا ~~محمد ؛ أما تعلم أن مع الله إلها آخر ؟ أنزل الله تعالى : # {...أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرىا قل لا أشهد قل إنما هو إلاه ~~واحد وإنني بريء مما تشركون} # قلت : الاستفهام للإنكار والتوبيخ. PageV02P340 # يقول الحق جل جلاله : في الإنكار على المشركين : {أئنكم لتشهدون أن مع الله ~~آلهة أخرى} تستحق أن ms0673 تعبد {قل} لهم يا محمد : أنا {لا أشهد} بما تشهدون به ~~، {قل} لهم : {إنما هو إله واحد} ؛ بل أشهد ألا إله إلا هو ، {وإنني بريء ~~مما تشركون} به من الأصنام. # الإشارة : لم يبرأ من الشرك الخفي والجلي إلا أهل الفناء ؛ الذين وحدوا ~~الله في وجوده ، فلم يروا معه سواه ، قال بعض من بلغ هذا التوحيد : ( لو ~~كلفت أن أرى غيره لم أستطع ؛ فإنه لا غير معه حتى أشهده) وقال آخر : محال ~~أن تشهده وتشهد معه سواه. وقال شاعرهم : # مذ عرفت الإله لم أر غيرا # وكذا الغير عندنا ممنوع # إلى غير ذلك من مقالاتهم الدالة على تحقيق وجدانهم. نفعنا الله بذكرهم ~~ومحبتهم. آمين. # 244 # جزء : 2 رقم الصفحة : 243 # يقول الحق جل جلاله : {الذين آتيناهم الكتاب} من اليهود والنصارى ، ~~{يعرفونه} أي : محمدا صلى الله عليه وسلم بحليته المذكورة في التوراة ~~والإنجيل ، {كما يعرفون أبناءهم} أو أشد ، وإنما كتموه ؛ جحدا وخوفا على ~~رياستهم.. {الذين خسروا أنفسهم} من أهل الكتاب ؛ حيث كذبوا وكتموا ، ومن ~~المشركين حيث كفروا وجحدوا ، {فهم لا يؤمنون} ؛ لتضييعهم ما به يكتسب ~~الإيمان من النظر والتفكير والإنصاف للحق ، فقد ظلموا أنفسهم وبخسوها. # {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} ؛ بأن كتم شهادة الحق ، وهي صفة ~~الرسول عليه الصلاة والسلام أو ادعاء الملائكة بنات الله ، وهؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله ، {أو كذب بآياته} ؛ كالقرآن والمعجزات وسموها سحرا ، أي ~~: لا أحد أظلم ممن فعل هذا ، وإنما عبر ب " أو " ، وهم قد جمعوا بين ~~الأمرين ؛ تنبيها على أن كل واحد منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم ~~على النفس ، {إنه} أي : الأمر والشأن {لا يفلح الظالمون} ، فضلا عمن لا أحد ~~أظلم منه. PageV02P341 # الإشارة : أقبح الناس منزلة عند الله ، من تحقق بخصوصية ولي من أولياء الله ~~، ثم كتمها وجحدها ؛ حسدا وعنادا ، وجعل ينكر عليه ، فقد آذن بحرب من الله ~~، فالتسليم عناية ، والانتقاد جناية ، والاستنصاف من شأن الكرام ، والتعصب ~~من شأن اللئام. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 244 # قلت : {لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا} ms0674 ، من قرأ بالرفع والتأنيث : ففتنة ~~اسمها ، و{إلا أن قالوا} : خبرها ، ومن قرأ بالنصب : فخبر مقدم ، والتأنيث ~~لأجل الخبر ، ومن قرأ بالتذكير والنصب ، فخبر مقدم ، و{إلا أن قالوا} : أسمها. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر يا محمد {يوم نحشرهم} أي : المشركين ، ~~{جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم} أي : آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله ، # 245 # {الذين كنتم} تزعمونهم شركاء ، وتودونها وتنتصرون لها ، فيحال بينهم ~~وبينها ، ويتبرأون منها ، كما قال تعالى : {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ~~والله ربنا ما كنا مشركين} أي : لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به ، إلا ~~التبرؤ منه ، بعد الانتصار له والتعصب عليه ، أو : لم يكن جواب اختبارهم ~~إلا التبرؤ من الشرك ، فيكذبون ويحلفون عليه ، مع علمهم بأنه لا ينفع من ~~فرط الحيرة والدهشة. # فإن قلت : كيف يجحدون مع قوله : {ولا يكتمون الله حديثا} [النساء : 42] ~~فالجواب : أن ذلك يختلف باختلاف الطوائف والمواطن ، فيكتم قوم ويقر آخرون ، ~~ويكتمون في موطن ويقرون في موطن آخر ؛ لأن يوم القيامة طويل ، وقال ابن ~~عباس لما سئل عن هذا : ( إنهم جحدوا ، طمعا في النجاة ، فختم الله على ~~أفواههم وتكلمت جوارحهم ، فلا يكتمون حديثا). PageV02P342 # قال تعالى : {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} بنفي الشرك عنها بعد تحققها به ~~ونظيره قوله : {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم} ~~[المجادلة : 18] {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي : غاب عنهم ما كانوا ~~يعبدونه من الشركاء افتراء على الله. # الإشارة : من أحب شيئا فهو عبد له ، ويوم القيامة يتبرأ منه ، ويرى وبال ~~فتنته والاشتغال به ، فينبغي لمن أراد السلامة من الفتنة ، أن يفرد محبته ~~لله ، ويتبرأ من كل ما سواه ، ويفرد وجهته لله ، ولا يشتغل ظاهرا ولا باطنا ~~إلا بما يقربه من الله ويبعده عما سواه وفي الحديث : " تعس عبد الدينار ~~والدرهم والخميصة ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 245 # قلت : {من} : لفظها مفرد ومعناها جمع ، فيجوز في الضمير مراعاة اللفظ ~~فيفرد ، كقوله هنا : {ومنهم من يستمع إليك} ، ويجوز مراعاة المعنى فيجمع ms0675 ، ~~كقوله في يونس : {ومنهم من يستمعون إليك} [يونس : 42] ، والأكنة : الأغطية ~~، جمع كنان ، و{أن يفقهوه} : مفعول له ؛ أي : كراهية أن يفقهوه ، و{حتى} : ~~غاية ، أي : انتهى التكذيب # 246 # حتى وصلوا إليك يجادلونك ، والجملة بعدها : إما في محل جر بها ويجادلونك ~~جواب لها ، و{يقول} : تبيين لها ، وإما لا محل لها ؛ فتكون ابتدائية. ~~والأساطير : جمع أسطورة ، أو أسطار ؛ جمع سطر ، فيكون جمع الجمع. PageV02P343 # يقول الحق جل دجلاله : ومن الكفار {من يستمع إليك} حين تقرأ القرآن ، ~~والمراد : أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم ، ~~اجتمعوا فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ، فقالوا للنضر : ما ~~تقول ؟ فقال : والذي جعلها بيننا وبينه ما أدري ما يقول ، إلا أنه يحرك ~~لسانه ، ويقول أساطير الأولين ، مثل ما جئتكم به. قال السهيلي : حيث ما ورد ~~في القرآن : " أساطير الأولين " فإن قائلها هو النضر بن الحارث ، وكان قد ~~دخل بلاد فارس وتعلم أخبار ملوكهم ، فكان يقول : حديثي أحسن من حديث محمد ، ~~فنزلت فيه وفي أصحابه. # {وجعلنا على قلوبهم أكنة} أي : أغطية ؛ كراهة {أن يفقهوه} ؛ لما سبق لهم ~~من الشقاء ، {و} جعلنا {في آذانهم وقرا} أي : ثقلا وصمما فلا يسمعون معانيه ~~، ولا يتدبرونها. {وإن يروا كل آية} ومعجزة {لا يؤمنوا بها} ؛ لفرط عنادهم ~~، واستحكام التقليد فيهم ، وسبق الشقاء لهم ، فلا يزال التكذيب والشك يعظم ~~فيهم {حتى إذا جاؤوك يجادلونك} أي : حتى ينتهي بهم التكذيب إلى أن يجيؤوك ~~يجادلونك ؛ {يقول الذين كفروا إن} أي : ما {هذا إلا أساطير} أي : أكاذيب ~~{الأولين} ، فإن جعل أصدق الحديث خرافات الأولين غاية التكذيب. # {وهم} أيضا {ينهون عنه} أي : ينهون الناس عن القرآن ، أو عن الرسول ~~والإيمان به ، {وينأون عنه} أي : يبعدون عنه ، فقد ضلوا وأضلوا ، أو ينهون ~~عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينأون عنه ؛ فلا يؤمنون ، كأبي ~~طالب ومن كان معه ، يحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مكة. وفي ~~{ينهون} ضرب من ضروب التجنيس من علم البلاغة. قال تعالى : {وإن} أي : ما ~~{يهلكون} بذلك {إلا أنفسهم وما ms0676 يشعرون} أن ضررهم لا يتعداهم إلى غيرهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 246 # الإشارة : اعلم أن القلب تحجبه عن تدبر كلام الله والتمتع بحلاوته أربعة حجب : PageV02P344 # الأول : حجاب الكفر والشرك ويندفع بالإيمان والإسلام. # والثاني : حجاب المعاصي والذنوب ، وينخرق بالتوبة والانقلاع. # والثالث : حجاب الانهماك في الحظوظ والشهوات واتباع الهوى ، وينخرق ~~بالزهد والورع والتعفف ونوع من الرياضة. # 247 # والرابع : حجاب الغفلة والخوض فيما لا يعني ، والاشتغال بالبطالة ، ~~وينخرق باليقظة والتوجه إلى الحق ، والانقطاع إلى الله بكليته ، فإذا ~~انخرقت هذه الحجب عن القلب ، تمتع بحلاوة القرآن ومناجاة الحق على نعت ~~القرب والمراقبة. # وبقي حجابان آخران ، إذا خرقهما العبد أفضى إلى مشاهدة المتكلم دون واسطة ~~، أولهما : حجاب حلاوة الطاعة والمعاملة الظاهرة ، والوقوف مع المقامات أو ~~الكرامات ، فإنها عند العارفين سموم قاتلة. وثانيهما : حجاب الوهم والوقوف ~~مع ظاهر الحس ، دون الوصول إلى باطنه ، فيقف مع الأواني دون شهود المعاني ، ~~وقد قال الششتري : # لا تنظر إلى الاواني # وخض بحر المعاني # لعلك تراني # وقال الغزالي : الموانع التي تحجب القلب عن الفهم أربعة : الأول : جعل ~~الفهم مقصورا على تحقيق الحروف ؛ بإخراجها من مخارجها ، فهذا يتولى حفظه ~~شيطان وكل بالقراء ، يصرفهم عن معاني كلام الله تعالى. والثاني : أن يكون ~~مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه ، من غير وصول إليه ببصيرة. الثالث : ~~أن يكون مصرا على ذنب ، أو متصفا بكبر ، أو مبتلى بهوى في الدنيا مطاع ، ~~فإن ذلك سبب ظلمة القلب ، وهو كالخبء على المرآة ، فيمنع جلية الحق فيه ، ~~وهو أعظم حجب القلب ، وبه حجب الأكثرون ، الرابع : أن يكون قد قرأ تفسيرا ~~ظاهرا ، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما يتأول عن ابن عباس ، ~~ومجاهد وغيرهما ، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي منهي عنه ، فهذا أيضا من ~~الحجب العظيمة ، فإن القرآن بحر لا ساحل له ، وهو مبذول لمن يغرف منه إلى ~~يوم القيامة ، كل على قدر سعته وصفاء قلبه. ه. بالمعنى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 246 PageV02P345 ~~قلت : {لو} : شرطية ، وجوابها محذوف : أي : لرأيت أمرا فظيعا هائلا ، وإنما ~~حذف في مثل ms0677 هذا ليكون أبلغ ما يقدره السامع. و{لا نكذب} و{نكون} : قرىء ~~بالرفع ، على الاستئناف والقطع عن التمني ، ومثله سيبويه بقولك : ( دعني ~~ولا أعود) أي : وأنا لا أعود ، ويحتمل أن يكون حالا ، أي : غير مكذبين ، أو ~~عطفا على : {نرد} ، وقرىء : بالنصب ؛ على إضمار " أن " بعد واو المعية في ~~جواب التمني. # يقول الحق جل جلاله : {ولو ترى} يا محمد ، أو : يا من تصح منه الرؤية ، ~~حال الكفار {إذ وقفوا على النار} حين يعاينونها أو يطلعون عليها ، أو ~~يدخلونها ، # 248 # فيعرفون مقدار عذابها ، لرأيت أمرا شنيعا وهولا فظيعا ؛ {فقالوا} حينئذ : ~~{يا ليتنا نرد} إلى الدنيا ، {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنون} ، ~~ندموا حين لم ينفع الندم ، وقد زلت بهم القدم ، قال تعالى : {بل بدا لهم} ~~أي : ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم {ما كانوا يخفون من قبل} في دار ~~الدنيا من عيوبهم وقبائح أعمالهم ، أو : بدا لهم حقية الإيمان وبطلان ضده ، ~~عيانا ، لما وقفوا الى التوحيد وعرفوه ضرورة ، وقد كانوا في الدنيا يخفونه ~~ويظهرون الشرك ، عياذا بالله. قال تعالى : {ولو ردوا} إلى الدنيا بعد ~~الوقوف والظهور {لعادوا لما نهوا عنه} من الكفر والمعاصي ؛ لأنهم من قبضة ~~الشقاء ، والعياذ بالله ، {وإنهم لكاذبون} فيما وعدوا من أنفسهم من الإيمان ~~وعدم التكذيب. وفي هذا الإخبار بما لا يكون ، ولو كان كيف يكون ، وهو مما ~~انفرد الله بعلمه. PageV02P346 # الإشارة : يوم القيامة هو محل ظهور حقائق الأشياء على ما هي عليه ، فإن ~~كانت حقا ظهرت حقيقتها وصحتها ، وإن كانت باطلة ، ظهر بطلانها عيانا ، لكن ~~لا تنفع المعرفة حينئذ ، لرفع حجاب الحكمة وظهور القدرة ، فلم يبق غيب ، ~~وإنما المزية في الإيمان بالغيب ، والمعرفة في النكران ، والشهود خلف رداء ~~الكبرياء ، بشهود المعاني خلف الأواني ، فإن ظهرت المعاني فلا إيمان ، ~~وإنما يبقى العيان ، لأهل العيان ، والخيبة لأهل الخذلان. # قال الورتجبي : القوم لم يعرفوا حقائق الكفر في الدنيا ، ولو عرفوه ~~لكانوا موحدين ، فيظهر لهم يوم القيامة حقيقة الكفر ، ولا ينفعهم ذلك ؛ ~~لفوتهم السير في النكرات ، التي معرفتها توجب المعارف ، وذلك المقام في ms0678 ~~آماكن صدورهم ، وهم كانوا يخفونه بمتابعة صورة الكفر وشهوة العصيان بغير ~~اختيارهم ؛ لقلة عرفانهم به ، ولا يكون قلب من العرش إلى الثرى إلا ويطرقه ~~هواتف الغيب ، بإلهام الله الذي يعرف به طرق رضى الحق ، وصاحبه يعلم ذلك ~~ويسمع ويخفيه في قلبه ، لأنه أدق من الشعرة ، وحركته أخفى من دبيب النمل ، ~~ومع ذلك يعرفه من نفسه ، ولكن من غلبت شهوات نفسه عليه ، لا يتبع خطاب الله ~~بالسر ، فأبدى الله لهم ما كانوا يخفونه ، تعييرا لهم وحجة عليهم ، انتهى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 248 # قلت : قوله : ولا يكون قلب... الخ ، حاصل كلامه : أن القلب من حيث هو ~~لابد أن يطرقه الخصم إن حاد عن الحق ، وهو المراد بهواتف الغيب ، لكنه أخفى ~~من دبيب النمل في حق الغافلين. فإن كان القلب حيا متيقظا تتبع ذلك الخصم ؛ ~~حتى يزيله بظهور الحق ، وإن كان ميتا بغلبة الشهوات أخفاه حتى يموت ، ~~فيبدون له ما كان يخفيه من قبل. والله تعالى أعلم. # 249 # جزء : 2 رقم الصفحة : 248 PageV02P347 ~~يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} أي : الكفار في إنكار البعث : {إن هي} أي : ~~الحياة {إلا حياتنا الدنيا} لا حياة بعدها ، {وما نحن بمبعوثين} ، قال جل ~~جلاله : {ولو ترى إذ وفقوا على ربهم} ، كناية عن حبسهم للسؤال والتوبيخ ، ~~أو : وقفوا على قضاء ربهم بين عباده ، وعرفوه حق التعريف ، قال لهم الحق جل ~~جلاله : {أليس هذا} الذي كنتم تنكرونه ، {بالحق قالوا بلى وربنا} إنه لحق ، ~~ولكنا كنا قوما ضالين ، وهو إقرار مؤكد باليمين ، لانجلاء الأمر غاية ~~الجلاء ، قال تعالى لهم : {فذوقوا} أي : باشروا {العذاب بما كنتم تكفرون} ~~أي : بسبب كفركم. # {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} ، حيث فاتهم النعيم ، واستوجبوا العذاب ~~المقيم ، والمراد بلقاء الله : البعث وما يتبعه. فاستمروا على التكذيب {حتى ~~إذا جاءتهم الساعة بغتة} أي : فجأة {قالوا يا حسرتنا} أي : يا هلكتنا {على ~~ما فرطنا} أي : قصرنا {فيها} أي : في الحياة الدنيا ، أو في الساعة ، أي : ~~في شأنها والاستعداد لها ، {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} ، كناية عن ~~تحمل الذنوب ms0679 ، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور ، وقيل : أنهم يحملونها ~~حقيقة ، وقد روي : أن الكافر يركبه عمله ، بعد أن يتمثل له في أقبح صورة ، ~~وأن المؤمن يركب عمله ، بعد أن يتصور له في أحسن صورة. قال تعالى في شأن ~~الكفار : {ألا ساء ما يزرون} أي : بئس شيئا يزرونه ويرتكبونه في الدنيا ~~وزرهم هذا ، الذي يتحملونه على ظهورهم يوم القيامة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 250 PageV02P348 ~~وسبب هذا : الركون إلى دار الغرور ونيسان دار الخلود ، ولذلك قال تعالى ~~بإثره : {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} أي : وما أعمالها إلا لعب ولهو ، ~~تلهي الناس وتشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية ، وما مدة بقائها مع ~~ما يعقبها من الفناء إلا كمدة اللعب واللهو ، إذ لا طائل تحته لمن لم يعمر ~~أوقاتها بطاعة ربه ، {وللدار الآخرة خير للذين يتقون} ؛ لدوامها وخلوص ~~نعيمها وصفاء لذاتها ، {أفلا تعقلون} أي الأمرين خير ، هل دار الخراب ~~والفناء ، أو دار النعيم والبقاء ، وفي قوله : {للذين يتقون} : تنبيه على ~~أن ما ليس من أعمال المتقين كله لعب ولهو. # 250 # الإشارة : إذا كمل نور العقل حصل لصاحبه التمييز بن الحق والباطل ، وبين ~~الضار والنافع ، فنظر بعين اعتباره إلى الدنيا ، فوجدها ذاهبة فانية ، ونظر ~~إلى الآخرة ، فرآها مقبلة باقية دائمة ، فصدف عن الدنيا موليا ، وأعرض عن ~~زهرتها مدبرا ، وأقبل بكليته إلى مولاه ، غائبا عن كل ما سواه ، فجعل الموت ~~وما بعده نصب عينيه ، وخلف الدنيا وراء ظهره أو تحت قدميه. وفي الحكم : " ~~لو أشرق نور اليقين في قلبك ، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها ، ولرأيت ~~الدنيا ، وكسفة الفناء ظاهرة عليها " وقال بعض الحكماء : ( لو كانت الدنيا ~~من ذهب يفنى ، والأخرة من طين يبقى ، لاختار العاقل ما يبقى على ما يفنى ، ~~ولا سيما والأمر بالعكس ، الدنيا من طين يفنى ؛ والآخرة من ذهب يبقى). فلا ~~يختار هذه الدار إلا من لا عقل له أصلا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم ~~: " الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، لها يجمع ms0680 من لا عقل له ~~، وعليها يعادى من لا علم عنده " أو كما قال عليه الصلاة والسلام. # جزء : 2 رقم الصفحة : 250 PageV02P349 ~~قلت : {قد} للتحقيق ، وإنه ضمير الشأن ، وقرأ نافع : " يحزن " ، بضم الياء ~~حيث وقع ، إلا قوله : {لا يحزنهم الفزع الأكبر} [الأنبياء : 103] والباقون ~~: بفتح الياء ، وفيه لغتان : حزن يحزن ، كنصر ينصر ، وأحزن يحزن. والأول ~~أشهر. ومن قرأ : " يكذبونك " بالتشديد ؛ فمعناه : لا يعتقدون كذبك ، وإنما ~~هم يجحدون الحق مع علمهم به ، ومن قرأ بالتخفيف فمعناه : لا يجدونك كاذبا ، ~~يقال : أكذبت الرجل إذا وجدته كاذبا ، وقيل : معناهما واحد ، يقال : كذب ~~فلان فلانا ، وأكذبه ، بمعنى واحد ، وفاعل {جاءك} : مضمر ، أي : نبأ أو ~~بيان ، وقيل : الجار والمجرور. وجواب {فإن استطعت} : محذوف ، أي : فافعل. # يقول الحق جل جلاله : {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} أي : الكفار في ~~جانبك ؛ من أنك شاعر أو كاهن أو مجنون أو كاذب ، . {فإنهم لا يكذبونك} في ~~الحقيقة ، لجزمهم بصحة نبوتك ، ولكنهم يجحدون بآيات الله ، حسدا وخوفا على زوال # 251 # الشرف من يدهم : نزلت في أبي جهل ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~" إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب بما جئت به " وقال الأخنس بن شريق : والله إن ~~محمدا لصادق ، ولكني أحسده الشرف. ووضع {الظالمين} موضع المضمر ؛ للدلالة ~~على أنهم ظلموا لجحودهم ، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم. # ثم سلاه عن ذلك ، فقال : {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا ~~وأوذوا} أي : صبروا على تكذيبهم وأذاهم ، {حتى أتاهم نصرنا} ، فاصبر كما ~~صبروا حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم ، وفيه إيماء بوعد النصر للصابرين ، ولذلك ~~قيل : الصبر عنوان الظفر. {ولا مبدل لكلمات الله} السابقة بنصر الصابرين ، ~~كقوله تعالى : {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ، إنهم لهم المنصورون} ~~[الصافات : 171 ، 172] ، {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} أي : من قصصهم ، وما ~~كابدوا من قومهم حتى نصرهم الله فتأنس بهم وانتظر نصرنا. # { PageV02P350 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 251 # وإن كان كبر} أي : عظم وشق {عليك إعراضهم} عنك وعن الإيمان بما جئت به ، ~~{فإن استطعت أن تبتغي نفقا} أي : سريا ms0681 {في الأرض} فتدخل فيه لتطلع لهم آية ~~، {أو سلما في السماء} لترتقي فيه {فتأتيهم بآية} حتى يعاينوها فافعل ، ~~ولكن الأمر بيدي ، فإنما أنت نذير. # قال البيضاوي : المقصود : بيان حرصه البالغ على إسلام قومه ، وأنه لو قدر ~~أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها ؛ رجاء إسلامهم ، ~~{ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} أي : لو شاء الله جمعهم على الهدى لوفقهم ~~للإيمان حتى يؤمنوا ، ولكن لم تتعلق به مشيئته ، وفيه حجة على القدرية. أو ~~: لو شاء الله لأظهر لهم أية تلجئهم إلى الإيمان ، لكن لم يفعل ؛ لخروجه عن ~~الحكمة ، {فلا تكونن من الجاهلين} أي : من الذين يحرصون على ما لم تجر به ~~المقادير ، أي : دم على عدم كونك منهم ولا تقارب حالهم بشدة التحسر. ه. # وقال في نوادر الأصول : إن الخطاب به تربية له ، وترقية من حال إلى حال ، ~~كما يربى أهل التقريب وينقلون من ترك الاختيار ، فيما ظاهره بر وقربة. ه. # قلت : تشديد الخطاب على قدر علو المقام ، كما هو معلوم من الأب الشفيق أو ~~الشيخ الناصح ، وقد قال لنوح عليه السلام : {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} ~~[هود : 46]. وهذا الخطاب أشد لعلو مقامه صلى الله عليه وسلم. # الإشارة : كل ما سليت به الرسل تسلى به الأولياء ؛ لأنهم ورثتهم الخاصة ، ~~وكل ما أمرت به الرسل تؤمر به الأولياء ، من الصبر وعدم الحرص ، فليس من ~~شأن الدعاة إلى # 252 PageV02P351 ~~الله الحرص على الناس ، ولا الحزن على من أدبر عنهم أو أنكر ، بل هم يزرعون ~~حكمة التذكير في أرض القلوب ، وينظرون ما ينبت الله فيها ، اقتداء بما أمر ~~به الرسول عليه الصلاة والسلام ، وما تخلق به ، فمن أصول الطريقة : ~~الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار ، والرجوع إلى الله في السراء ~~والضراء. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 251 # يقول الحق جل جلاله : {إنما يستجيب} لك ، ويجيب دعوتك إلى الإيمان {الذين ~~يسمعون} سماع تفهم وتدبر ، وهو من كان قبله حيا ، وأما الكفار فهم موتى لا ~~يسمعون ولا يفقهون ms0682 ، {والموتى} ، وهم الكفار الذين ماتت أرواحهم بالجهل حتى ~~ماتوا حسا ، {يبعثهم الله} ، فيظهر لهم حينئذ الحق ، ويسمعون حين لا ينفع ~~الإيمان ، أو يبعثهم الله في الدنيا بالهداية ، أو الموتى حقيقة حسا ، ~~يبعثهم الله للحساب ، {ثم إليه يرجعون} للجزاء. # الإشارة : إنما يستجيب لدعوة الخصوصية ، ويجيبون الدعاة إلى السير لشهود ~~عظمة الربوبية ، الذين سبقت لهم العناية ، وأحيا الله قلوبهم بالهداية ، ~~فيسمعون بسمع القلوب والأرواح ، ويترقون من حضرة عالم الأشباح إلى حضرة ~~عالم الأسرار والأرواح ؛ والموتى بالغفلة والجهل يبعثهم الله ببركة صحبة ~~أهل الله فتهب عليهم نفحات الهداية ؛ لما سبق لهم من سر العناية ، ثم إليه ~~يرجعون فيتنعمون في حضرة الشهود ، في مقعد صدق عند الملك الودود. # جزء : 2 رقم الصفحة : 252 PageV02P352 ~~يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} حين سمعوا ذكر البعث والرجوع إلى الله : ~~{لولا نزل عليه آية من ربه} تدل على ما ادعاه من البعث والرجوع إلى الله ، ~~وعلى أنه رسول من عند الله ، {قل} لهم : {إن الله قادر على أن ينزل آية} ~~خارقة للعوائد ، يرونها عيانا ، وتضطرهم إلى الإيمان ، {ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون} أن إنزالها وبال عليهم ؛ لأنهم إن عاينوها ولم يؤمنوا عوجلوا ~~بالعقاب ، أو : لا يعلمون أن الله قادر على أكثر مما طلبوا ؟ . # وهذا الطلب قد تكرر منهم في مواضع من القرآن ، وأجابهم الحق تعالى بأجوبة ~~مختلفة ، منها : ما يقتضي الرد عليهم في طلبهم الآيات ؛ لأنهم قد أتاهم ~~بآيات ، وتحصيل # 253 # الحاصل لا ينبغي ، كقوله : {قد بينا الأيات} [البقرة : 118} ، {أولم ~~يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} [العنكبوت : 51] ، ومنها : ما ~~يقتضي الإعراض عنهم ؛ لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته. ويحتمل أن ~~يكون منه قوله هنا : {قل إن الله قادر...} الآية. # فإن قيل : كيف طلبوا آية وهم قد رأوا آيات كثيرة ، كانشقاق القمر ، ~~وإخبارهم بالغيب ، وغير ذلك ؟ فالجواب : أنهم لم يعتدوا بما رأوا ؛ لأن سر ~~الربوبية لا يظهر إلا ومعه شيء من أردية القهرية ، وهم قد طلبوا آية ~~يدركونها من غير نظر ولا تفكر ، وهو خلاف الحكمة. PageV02P353 # ثم ذكر دلائل ms0683 قدرته على البعث وغيره ، فقال : {وما من دابة} تدب {في الأرض ~~ولا طائر يطير بجناحيه} في الواء ، {إلا أمم أمثالكم} ؛ مقدرة أرزاقها ، ~~محدودة آجارها ، معدودة أجناسها وأصنافها ، محفوظة ذواتها ، معلومة أماكنها ~~، كلها في قبضة الحق ، وتحت قدرته ومشيئته ، فدل ذلك على كمال قدرته وشمول ~~علمه وسعة تدبيره ، فيدل على قدرته على أن ينزل آية ، وعلى بعثهم وحشرهم ؛ ~~لأنه عالم بما تنقص الأرض منهم ، كما قال تعالى : {ما فرطنا في الكتاب} أي ~~: اللوح المحفوظ ، {من شيء} ؛ فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من جليل ~~ودقيق ، لم يهمل فيه أمر حيوان ولا جماد ، ظاهرا ولا باطنا ، أو القرآن ؛ ~~فإنه قد اشتمل على كل ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلا ومجملا ، حتى قال ~~بعض السلف : ( لو ضاع لي عقال لوجته في كتاب الله) أي : باعتبار العموم ~~وأصول المسائل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 253 # قال تعالى : {ثم إلى ربهم يحشرون} أي : الأمم كلها ، فينصف بعضها من بعض. ~~كما روي أنه يؤخذ للجماء من القرناء وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في ~~هذه الآية : يحشر الخلق كلهم يوم القيامة : البهائم والدواب والطير وكل شيء ~~، فيبلغ من عدل الله تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء ، ثم يقول : كوني ~~ترابا ، فذلك حيث يقول الكافر : {يا ليتني كنت ترابا} [النبأ : 40]. وفي ~~المسألة اضطراب بين العلماء ، والصحيح هو حشرها ، كما قال تعالى : {وإذا ~~الوحوش حشرت} [التكوير : 5] ، وعن ابن عباس رضي الله عنه : ( حشرها موتها). ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد تقدم مرارا أن طلب الكرامات من الأولياء : لقلة الاعتقاد ~~فيهم وقلة الصدق. وأكمل الكرامات : الاستقامة على التوحيد في الباطن ، ~~وتحقيق العبودية في الظاهر. وبالله التوفيق. # 254 # جزء : 2 رقم الصفحة : 253 PageV02P354 ~~يقول الحق جل جلاله : {والذين كذبوا بآياتنا} الدالة على كمال قدرتنا ~~وتحقيق وحدانيتنا ، أو بآياتنا المنزلة على رسولنا ، هم {صم} لا يسمعون مثل ~~هذه الآيات الدالة على ربوبيته وكمال علمه وعظيم قدرته سماعا تتأثر به ~~نفوسهم ، {و} هم أيضا {بكم} لا ينطقون بالحق ، وهم {في ms0684 الظلمات} أي : ~~خائضون في بحر ظلمات الكفر والجهل ، وظلمة العناد ، وظلمة التقليد ، فوصفهم ~~بالصمم والبكم والعمى ، ويؤخذ العمى من قوله : {في الظلمات} ، وهذا كله ~~داخل تحت مشيئته وعلمه السابق ؛ {من يشأ الله يضلله} عدلا ، {ومن يشأ يجعله ~~على صراط مستقيم} ؛ بأن يرشده إلى الهدى ويحمله عليه ، فيتبع الطريق الذي ~~لا عوج فيه. # الإشارة : أولياء الله في أرضه من آيات الله ، فمن كذب بهم بقي في ظلمة ~~الجهل بالله وظلمة حجاب النفس وحجاب الأكوان ، محجوبا بمحيطاته ، محصورا في ~~هيكل ذاته ، قلبه أصم عن تذكر الحقائق ، ولسانه أبكم عن النطق بحكم العلم ~~والأسرار ، لم تسبق له في مشيئة الحق عناية ، ولا هب عليه شيء من رياح ~~الهداية ، عائذا بالله من سوء القضاء ودرك الشقاء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 254 # قال في المشارق : أرأيتك : معناه : الاستخبار والاستفهام ، أي : أخبرني ~~عن كذا ، وهو بفتح التاء في المذكر والمؤنث والواحد والجمع ، تقول : أرأيتك ~~وأرأيتكما وأرأيتكم ، ولم تثن ما قبل علامة المخاطب ولم تجمعه ، فإذا أردت ~~معنى الرؤية أي البصرية ثنيت وجمعت وأنثت ، فقلت : أرأيتك قائما ، ~~وأرأيتك قائمة ، وأرأيتكما وأرأيتموكم وأرأيتيكن. ه. وقال في الإتقان : إذا ~~دخلت الهمزة على " رأيت " امتنع أن يكون من رؤية العين والقلب ، وصار ~~المعنى : أخبرني ، وهو خلاف ما قال في المشارق ، فانظره وانظر الحاشية ~~الفاسية. PageV02P355 # قال البيضاوي : {أرأيتكم} : استفهام تعجب ، والكاف : حرف خطاب ، أكد به ~~الضمير للتأكيد ، لكن لا محل له من الإعراب ، لأنك تقول : أرأيتك زيدا ما ~~شأنه ، فلو # 255 # جعلت الكاف مفعولا كما قاله الكوفيون لعديت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل ، ~~ولزم في الآية أن يقول : أرأيتكموكم ، بل الفعل معلق ، أو المفعول محذوف ، ~~وتقديره : أرأيتكم آلهتكم تنفعكم إذ تدعونها إن أتاكم عذاب الله ، ويدل ~~عليه : {أغير الله تدعون}. ه. وجواب {إن} : محذوف ؛ أي : إن أتاكم عذاب ~~الله أو أتتكم الساعة فمن تدعون ؟ وجواب {إن كنتم} : محذوف أيضا ؛ أي : إن ~~كنتم صادقين في أن غير الله ينفعكم فادعوه ، ثم وصفهم بأنهم لا يدعون حينئذ ~~إلا الله. # يقول الحق جل جلاله : {قل} ms0685 لهم يا محمد : {أرأيتكم} أي : أخبروني {إن ~~أتاكم عذاب الله} في الدنيا كما أتى من قبلكم ، {أو أتتكم الساعة} وأهوالها ~~، {أغير الله تدعون} وتلتجئون إليه في كشف ما نزل بكم {إن كنتم صادقين} أن ~~الأصنام آلهة ، لا ، {بل أياه تدعون} وحده ، {فيكشف ما تدعون إليه} أي : ما ~~تدعونه إلى كشفه ، {إن شاء} أن يتفضل عليكم بالكشف في الدنيا ، وقد لا يشاء ~~، {وتنسون ما تشركون} أي : وتتركون آلهتكم في ذلك الوقت ؛ لما ركز في ~~العقول من أنه قادر على كشف الضر دون غيره ، أو تنسون من شدة الأمر وهوله. # الإشارة : إنما يظهر توحيد الرجال عند هجوم الأحوال ، فإن رجع إلى الله ~~وحده ولم يلتفت إلى شيء سواه ، علمنا أنه من الأبطال ، وإن فزع إلى شيء من ~~السوى ، علمنا أنه من جملة الضعفاء. وعندهم من جملة أصول الطريق : الرجوع ~~إلى الله في السراء والضراء ، فإن رجع إليه أجابه فيما يريد ، وفي الوقت ~~الذي يريد ، وقد لا يريد على حسب إرادة المريد. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 255 PageV02P356 ~~يقول الحق جل جلاله : تخويفا لهذه الأمة : {ولقد أرسلنا إلى أمم} مضت {من ~~قبلك} رسلا فأنذروهم ، فكذبوا وكفروا {فأخذناهم بالبأساء} أي : الشدة ، ~~كالقحط والجوع ، {والضراء} كالأمراض والموت والفتن ، تخويفا لهم {لعلهم ~~يتضرعون} أي : يتذللون ويتوبون من ذنوبهم ، فلم يفعلوا ، {فلولا إذ جاءهم ~~بأسنا تضرعوا} أي : هلا تذللوا حين جاءهم البأس فنرحمهم ، وفيه دليل على ~~نفع التضرع حين الشدائد ، {ولكن قست قلوبهم} أي : صلبت ولم تلن ، {وزين لهم ~~الشيطان ما كانوا يعملون} ؛ فصرفهم # 256 # عن الضرع ، أي : لا مانع لهم من التضرع إلا قساوة قلوبهم ، وإعجابهم ~~بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم. # {فلما نسوا ما ذكروا به} أي : تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء ~~والضراء ، ولم ينزجروا ، {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} من أنواع الرزق وضروب ~~النعم ، مراوحة عليهم بين نوبتي الضراء والسراء ، وامتحانا لهم بالشدة ~~والرخاء ، إلزاما للحجة وازاحة للعلة ، أو مكرا بهم ، لما روي أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : " مكر بالقوم ms0686 ورب الكعبة " {حتى إذا فرحوا} أي : أعجبوا ~~{بما أوتوا} من النعم ، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم ~~والقيام بحقه ، {أخذناهم بغتة} أي : فجأة {فإذا هم مبسلون} متحيرون آيسون ~~من كل خير ، {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} أي : قطع آخرهم ، ولم يبق منهم ~~آحد ، وهي عبارة عن الاستئصال بالكلية ، {والحمد لله رب العالمين} على ~~إهلاكهم ، فإن إهلاك الكفار والعصاة نعم جليلة ، يحق أن يحمد عليها ؛ من ~~حيث إنه خلاص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم. وبالله التوفيق. PageV02P357 # الإشارة : المقصود من إظهار النقم الظاهرة ؛ ما يؤول الأمر إليه من النعم ~~الباطنة ، فإن الأشياء كامنة في أضدادها ، النعمة في النقمة ، والرخاء في ~~الشدة ، والعز في الذل ، والجمال في الجلال ، إن وقع الرجوع إلى الله ~~والانكسار والتذلل. " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". فانكسار القلوب ~~إلى علام الغيوب عبادة كبيرة ، توجب نعما غزيرة ، فإذا قست القلوب ولم يقع ~~لها عند الشدة انكسار ولا رجوع ، كان النازل بلاء ونقمة وطردا وبعدا. فإن ~~ما ينزل بالإنسان من التعرفات منها : ما يكون أدبا وكفارة ، ومنها : زيادة ~~وترقية ، ومنها : ما يكون عقوبة وطردا ، فإن صحبها التيقظ والتوبة ، كان ~~أدبا مما تقدم من سوء الأدب ، وإن صحبه الرضى والتسليم ، ولم يقع ما يوجب ~~الأدب ، كان ترقية وزيادة ، وإن غضب وسخط كان طردا وبعدا. أعاذنا الله من ~~موارد النقم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 256 # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم أيضا : {أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم} أي : أصمكم وأعماكم ، {وختم على قلوبكم} ؛ بأن غطى عليها بما ~~يزول به عقلكم وفهمكم ، {من إله غير الله يأتيكم به} أي : بذلك المأخوذ. ~~{انظر كيف نصرف الآيات} أي : نكررها على جهات مختلفة ، كتصريف الرياح ، ~~تارة من جهة المقدمات العقلية ، وتارة من جهة الترغيب والترهيب ، وتارة ~~بالتنيبة والتذكير بأحوال المتقدمين ، # 257 # {ثم هم يصدفون} أي : يعرضون عنها ولم يلتفتوا إليها ، و{ثم} : لاستبعاد ~~الإعراض بعد تصريف الآيات وظهورها. # و{قل} لهم أيضا : {أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} من غير مقدمة {أو ~~جهرة} بتقديمها ms0687 ، فالبغتة : ما لم يتقدم لهم به شعور ، والجهرة : ما قدمت ~~لهم مخايلة ، وقيل : بغتة بالليل ، وجهرة بالنهار ، {هل يهلك} أي : ما يهلك ~~به هلاك سخط وتعذيب ، {إلا القوم الظالمون} بالكفر والمعاصي. PageV02P358 # الإشارة : إنما خلق الأسماع والأبصار ، لسماع الوعظ والتذكار ، ولنظرة ~~التفكر والاعتبار ، فمن صرفهما في ذلك فقد شكر نعمتهما ، ومن صرفهما في غير ~~ذلك فقد كفر نعمتهما ، ومن كفر نعمتهما يوشك أن تؤخذ منه تلك النعمة ، ~~وكذلك نور العقل ، ما جعله الله في العبد إلا ليعرفه به ، ويعرف دلائل ~~توحيده ، ويتبصر به في أمره. فإذا صرفه في تدبير هواه وشهواته فقد كفر ~~نعمته ، فيوشك أيضا أن يؤخذ منه. # وإذا أنعم الله عليه باستعمال هذه الحواس فيما خلقت لأجله ؛ فليكن على ~~حذر من آخذ ذلك منه أيضا ، فلا يأمن مكر الله ، فإن الأسماع والأبصار ~~والقلوب بيد الله ، يقلبها كيف شاء ، فإن أخذها لن يقدر على ردها ، ولذلك ~~كان العارف لا يزول اضطراره ، ولا يكون مع غير الله قراره ، والعذاب الذي ~~يأتي بغتة ، هو السلب بغتة ، أي : فقد القلب في مرة واحدة ، والذي يأتي ~~جهرة هو فقده شيئا فشيئا ، وسبب هذا الهلاك : هو ظلم العبد لنفسه ، إما ~~بسوء أدب مع الله ، أو نقض عهد الشيوخ العارفين بالله. وبالله التوفيق ، ~~وهو الهادي إلى سواء الطريق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 257 # يقول الحق جل جلاله : {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} للمؤمنين بالنعيم ~~المقيم ، {ومنذرين} للكفار بالعذاب الأليم ، ولم نرسلهم ليقترح عليهم ~~ويتلهى بهم ، {فمن آمن} بهم ، {وأصلح} ما يجب إصلاحه على ما شرع لهم ، {فلا ~~خوف عليهم} من العذاب ، {ولا هم يحزنون} لفوات الثواب ، {والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا يمسهم العذاب} أي : يلحقهم ، جعل العذاب ماسا لهم كأنه ~~الطالب للوصول إليهم ، واستغنى بتعريفه عن توصيفه. وذلك المس {بما كانوا ~~يفسقون} أي : بسبب خروجهم عن التصديق والطاعة. # الإشارة : ما من زمان إلا ويبعث الله أولياء عارفين ، مبشرين لم أطاعهم ~~واتبعهم بطلعة أنوار الحضرة على أسرارهم ، ومنذرين لمن خالفهم بظهور ظلمة ~~الكون على # 258 PageV02P359 ~~قلوبهم وانطباع الأكوان ms0688 في أسرارهم ، فمن آمن بهم وصحبهم فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون ، بدليل قوله : {ألآ إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~[يونس : 62] ، ومن كذب بهم وبما يظهر على أيديهم من أسرار المعارف يمسهم ~~عذاب القطيعة ، بما كانوا يفسقون ، أي : بخروجهم على طاعتهم والإذعان إليهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 258 # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم يا محمد : أنا {لا أقول لكم عندي خزائن ~~الله} فآتيكم منها بكل ما تقترحون علي من المعجزات ، بل خزائن مقدوراته ~~تعالى في علم غيبه ، ليس لي منها إلا ما يظهره منها بقدرته ، {ولا أعلم ~~الغيب} حتى أخبركم بالمغيبات ، بل مفاتيح الغيب عنده ، لا يعلمها إلا هو ، ~~إلا ما يوحى إلي منها ، {ولا أقول لكم إني ملك} فأستغنى عن الطعام والشراب ~~، أو أقدر على ما يقدر عليه الملك ، إن أنا إلا بشر أوحى إلي أن أنذركم ، ~~فأتبع ما يوحى إلي ؛ وأبترأ من دعوى الألوهية والملكية ، وأدعي النبوة التي ~~هي من كمالات البشر. # {قل} لهم : {هل يستوى الأعمى} الذي هو ضال جاهل ، {والبصير} الذي هو مهتد ~~عالم ، أو : هل يستوي مدعي المستحيل ؛ كالألوهية والملكية ومدعي الحق ، ~~كالنبوة والرسالة ، {أفلا تتفكرون} فتميزوا بين أدعاء الحق والباطل ، ~~فتهتدوا إلى اتباع الحق وتجنب الباطل. # الإشارة : ما قالته الرسل للكفار حين اقترحوا عليهم المعجزات ، تقوله ~~الأولياء لأهل الإنكار ، حيث يطلبون منهم الكرامات ، وتقول لهم : إن نتبع ~~إلا ما أمرنا به ربنا وسنه لنا رسولنا ، فمن اهتدى وتبصر فلنفسه ، ومن عمى ~~فعليها. PageV02P360 # وقال الورتجبي بعد قوله : {ولا أقول لكم إني مالك} : تواضع صلى الله عليه ~~وسلم حين أقام نفسه مقام الإنسانية ، بعد أن كان أشرف خلق الله من العرش ~~إلى الثرى ، وأظهر من الكروبيين والروحانيين على باب الله سبحانه ، خضوعا ~~لجبروته ، وخنوعا في أنوار ملكوته ، بقوله : {ولا أقول لكم إني ملك} ، وليس ~~لي اختيار في نبوتي ، {إن اتبع إلا ما يوحى إلي}. هل يكون من هذا وصفه ، ~~بعد كونه بصيرا بنور الله ، ورأفته به ، كالذي عمي عن رؤية إحاطته ms0689 بكل ذرة ~~من العرش إلى الثرى ؟ أفلا تتفكرون أن من ولد من العدم بصيرا بنور القدم ، ~~ليس كمن ولد من العدم أعمى عن رؤية عظمته وجلاله. انتهى كلامه. # 259 # جزء : 2 رقم الصفحة : 259 # قلت : الضمير في {به} : يعود على {ما يوحى} وجملة {ليس} : حال من ضمير ~~{يحشروا}. # يقول الحق جل جلاله : {وأنذر} أي : خوف بما أوحي إليك ، المؤمنين ~~المقصرين في العمل ؛ {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} بالبعث للحساب ، ~~حال كونهم في ذلك الوقت {ليس لهم من دونه ولي} ينصرهم من عذابه ، {ولا ~~شفيع} يرده عنهم بشفاعته ، {لعلهم يتقون} أي : كي يصيروا بإنذارك متقين ، ~~وإنما خص الإنذار هنا بالذين يخافون ؛ لأنه تقدم في الكلام ما يقتضى اليأس ~~من إيمان غيرهم ، فكأنه يقول : أنذر الخائفين ؛ لأنه ينفعهم الإنذار ، ~~وأعرض عمن تقدم ذكرهم من الذين لا يسمعون ولا يعقلون ، أو : أنذر من يتوقع ~~البعث والحساب ، أو يتردد فيه مؤمنا أو كافرا. قاله البيضاوي. # الإشارة : لا ينفع الوعظ والتذكير إلا من سبق له الخوف من الملك القدير ؛ ~~إذ هو الذي ينهضه الخوف المزعج أو الشوق المقلق ، وأما من سودت قلبه ~~الخطايا ، وانطبعت في مرآته صور الأشياء ، فلا ينفع فيه زاجر ولا واعظ ، بل ~~ران على قلبه ما اقترفه من المآثم ، والعياذ بالله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 259 PageV02P361 ~~قلت : {فتطردهم} : جواب النفي ، و{فتكون} : جواب النهي ، أي : ولا تطرد ~~فتكون من الظالمين ، فليس عليكم من حسابهم شيء فتطردهم. # يقول الحق جل جلاله : لنبيه عليه الصلاة والسلام ، حين طلب منه صناديد ~~قريش أن يطرد عنه ضعفاء المسلمين ليجالسوه ، فهم بذلك طمعا في إسلامهم ، ~~فنزلت : {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} أي : يعبدونه بالذكر وغيره ، أو ~~يدعونه بالتضرع والابتهال ، {بالغداة والعشي} أي : على الدوام. وخص الوقتين ~~بالذكر ؛ لشرفهما. وفي # 260 # الخبر : " يا ابن آدم ، اذكرني أول النهار وآخره ، أكفك ما بينهما " وقيل ~~: صلاة الصبح والعصر ، وقيل : الصلاة بمكة قبل فرض الخمس. # قال البيضاوي : بعد ما أمره بإنذار غير المتقين ليتقوا أي : على التفسير ~~الثاني في الآية المتقدمة ms0690 أمره بإكرام المتقين وتقريبهم ، وألا يطردهم ، ~~ترضية لقريش ، روي أنهم قالوا : لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون فقراء ~~المسلمين ، كعمار وصهيب وخباب وبلال وسلمان جلسنا إليك ، فقال : " ما أنا ~~بطارد المؤمنين " قالوا : فأقمهم عنا ، قال : " نعم " [ روي أن عمر قال له ~~: لو فعلت حتى تنظر إلى ما يصيرون ؟ ] قالوا : فاكتب بذلك كتابا ، فدعا ~~بالصحيفة وبعلي ؛ ليكتب ، فنزلت. ه. وفي ذكر سلمان معهم نظر لتأخر إسلامه ~~بالمدينة. PageV02P362 # ثم وصفهم بالإخلاص فقال : {يريدون وجهه} أي : يدعونه مخلصين طالبين النظر ~~لوجهه ، وفيه تنبيه على أن الإخلاص شرط من الأعمال ، ورتب النهي عليه ؛ ~~إشعارا بأنه يقتضي إكرامهم ، وينافي إبعادهم ، ثم علل عدم طردهم فقال : {ما ~~عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم} أي : أنت لا ~~تحاسب عنهم ، وهم لا يحاسبون عنك ، فلأي شيء تطردهم ؟ وقيل : الضمير : ~~للكفار ، أي : أنت لا تحاسب عنهم ، وهم لا يحاسبون عنك ، فلا تهتم بأمرهم ، ~~حتى تطرد هؤلاء من أجلهم ، {فتكون من الظالمين} بطردهم ، لكنه عليه الصلاة ~~والسلام لم يفعل ، فلا ظلم يلحقه في ذلك ؛ لسابق العناية والعصمة. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 260 # وكذلك فتنا بعضهم ببعض} أي : ومثل ذلك الاختبار ، وهو اختلاف أحوال الناس ~~في أمر الدنيا ، {فتنا بعضهم ببعض} أي : ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين ، ~~فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش ؛ بالسبق إلى الإيمان {ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننا} أي : أهؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق ~~دوننا ، ونحن الأكابر والرؤساء ، وهم المساكين والضعفاء ، فنحن أحق منهم به ~~إن كان حقا ، وهذا إنكار منهم لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق ~~إلى الخير ، كقولهم {لو كان خيرا ما سبقونآ} [الأحقاف : 11]. واللام في ~~{ليقولوا} : للعاقبة. قال تعالى في الرد عليهم : {أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين} أي : بمن يقع منهم الإيمان والشكر فيوفقهم ، وبمن لا يقع منه ~~فيخذله. وبالله التوفيق. # 261 # الإشاره : في صحبة الفقراء خير كثير وسر كبير ، وخصوصا أهل الصفاء ~~والوفاء منهم ، وفي ذلك يقول الشيخ أبو مدين رضي الله عنه ms0691 : # ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا # هم السلاطين والسادات والأمرا # فاصحبهمو وتأدب في مجالسهم # وخل حظك مهما خلفوك ورا # إلى آخر كلامه. PageV02P363 # فلا يحصل كمال التربية والتهذيب إلا بصحبتهم ، ولا تصفوا المعاني إلا ~~بمجالستهم والمذاكرة معهم ، والمراد من دخل منهم بلاد المعاني ، وحصل مقام ~~الفناء في الذات ، فالجلوس مع هؤلاء ساعة تعدل عبادة الثقلين سنين ، ومن ~~شأن شيوخ التربية : العطف على الفقراء والمساكين وتقريبهم ، ولا يطردون ~~أحدا منهم ولو عمل ما عمل ، اقتداء بما أمر به نبيهم صلى الله عليه وسلم. ~~بل شأنهم الإقبال على من أقبل إليهم ، عصاة كانوا أو طائعين وإقبالهم على ~~العصاة المذنبين أكثر ، جبرا لكسرهم ، وتألفا لهم ، وسوقا لهم إلى الله ~~بملاطفة الإحسان. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 260 # قلت : من فتح {أنه} ، جعله بدلا من الرحمة ، ومن كسره ؛ فعلى الاستئناف ، ~~و{بجهالة} : حال ، ومن قرأ {فإنه} بالكسر ؛ بالجملة : جواب الشرط ، ومن فتح ~~؛ فخبر عن مضمر ، أي : فجزاؤه الغفران ، أو مبتدأ ؛ فالغفران جزاؤه. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} ؛ وهم الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي ، خصهم بالإيمان بالقرآن ، بعد ما وصفهم ~~بالمواظبة على الطاعة والإحسان ، فإذا أقبلوا إليك {فقل} لهم : {سلام ~~عليكم} ؛ تحية مني عليكم ، أو من الله أبلغه إليكم ، {كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة} أي : حتمها عليه فضلا منه ، وهي {أنه من عمل منكم سوءا} أي : ذنبا ~~{بجهالة} أي : بسفاهة وقلة أدب ، أو جاهلا بحقيقة ما يتبعه من المضار ~~والمفاسد ، {ثم تاب من بعده} أي : من بعد عمل السوء {وأصلح} بالتدارك ~~والندم على إلا يعود إليه ، {فأنه غفور} لذنبه ، {رحيم} به بقبول توبته. # قال البيضاوي : أمره أن يبدأ بالتسليم ، أو يبلغ سلام الله ويبشرهم بسعة ~~رحمته وفضله ، بعد النهي عن طردهم ؛ إيذانا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم ~~والعمل ، ومن كان # 262 PageV02P364 ~~كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد ، ويعز ولا يذل ، ويبشر من الله بالسلامة في ~~الدنيا وبالرحمة في الآخرة ، وقيل : إن قوما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا : إنا أصبنا ذنوبا ms0692 عظاما ، فلم يرد عليهم ، فانصرفوا ، فنزلت. ه. # قال القشيري : أحله محل الأكابر والسادات ، فإن السلام من شأن الجائي إلا ~~في صفة الأكابر ، فإن الجائي والآتي يسكت لهيبة المأتي ، حتى يبتدىء ذلك ~~المقصود بالسؤال ، فعند ذلك يجيب الآتي. ه. # الإشارة : من شأن الأكابر من الأولياء ، الداعين إلى الله ، إكرام من أتى ~~إليهم بحسن اللقاء وإظهار المسرة والبرور ، وخصوصا أهل الانكسار فيؤنسونهم ~~، ويوسعون رجاءهم ، ويفرحونهم بما يسمعون منهم من سعة فضل الله وكرمه. # كان الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه إذا دخل عليه أحد من أهل ~~العصيان كأرباب الدولة والمخزن ، قال إليهم ، وفرح بهم ، وأقبل عليهم ، ~~وإذا أتى إليه أحد من العلماء أو الناسكين لم يعتن بشأنهم ، فقيل له في ذلك ~~، فقال : أهل العصيان يأتوننا فقراء منكسرين من أجل ذنوبهم ، لا يرون ~~لأنفسهم مرتبة ، فأردت أن أجبر كسرهم ، وهؤلاء أهل الطاعة يأتوننا أغنياء ~~معتمدين على طاعتهم ، فلا يحتاجون إلى ما عندنا ، أو كلاما هذا معناه ، ~~ذكره في لطائف المنن. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 262 # قلت : قرىء بتاء الخطاب ، ونصب السبيل ؛ على أنه مفعول به ، وقرىء بتاء ~~التأنيث ورفع السبيل ؛ على أنه فاعل مؤنث ، وبالياء والرفع ؛ على تذكير ~~السبيل ؛ لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث. PageV02P365 # يقول الحق جل جلاله : {وكذلك نفصل الآيات} أي : ومثل ذلك التفصيل الواضح ~~نفصل الآيات ، أي : نشرح آيات القرآن ونوضحها في صفة المطيعين والمجرمين ، ~~والمصرين والأوابين ، ليظهر الحق ، ولتستوضح يا محمد {سبيل المجرمين} ~~فتعاملهم بما يحق لهم من الإبعاد إن بعدوا ، أو الإقبال إن أقبلوا. أو ~~لتتبين طريقهم ويظهر فسادها ببيان طريق الحق. # الإشارة : سبيل المؤمنين من أهل اليمين ، هو التمسك بظاهر الشريعة ~~المحمدية ؛ بامتثال الأمر واجتناب النهي ، والمبادرة إلى التوبة ، إن أخل ~~بأحد الأمرين من غير تحر لما وراء ذلك ، وسبيل المتوجهين من السائرين ~~والواصلين : تصفية القلوب وتهيؤها لإشراق أسرار علم الغيوب ؛ بتخليتها من ~~الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل ؛ لتتهيأ بذلك لطلوع شموس العرفان ، ~~والدخول في مقام الكشف والعيان ، الذي هو مقام الإحسان ، # 263 # وما خرج ms0693 عن هذين السبيلين فهو سبيل المجرمين : إما بالكفر ، وإما ~~بالإصرار على العصيان ، والعياذ بالله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 263 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : {إني نهيت} أي : نهاني ربي {أن أعبد ~~الذين تدعون} أي : تعبدون {من دون الله} ، أو ما تدعونها آلهة ؛ أي : ~~تسمونها بذلك ، وتخضعون لها من دون الله ، {قل} لهم : {لا أتبع أهواءكم} ~~الفاسدة وعقائدكم الزائغة ، {قد ضللت} عن الحق {إذا} أي : إذا اتبعت ~~أهواءكم ، {وما أنا من المهتدين} أي : ما أنا في شيء من الهدى حتى أكون من ~~عدادهم إن اتبعت أهواءكم ، وفيه تعريض بهم ، وأنهم ضالون حائدون عن طريق ~~الهدى ، ليسوا على شيء منها. PageV02P366 # {قل إني على بينة} أي : طريق واضحة {من ربي} توصلني إلى تحقيق معرفته ، ~~واستجلاب رضوانه ، أنا ومن اتبعني ، {و} أنتم {كذبتم به} أي : بربي ؛ حيث ~~أشركتم به وعبدتم غيره ، أو كذبتم بطريقه ؛ حيث أعرضتم عنها ، واستعجلتم ~~عقابه في الدنيا ، {ما عندي ما تستعجلون به} من العذاب أو المعجزات ، {إن ~~الحكم إلا لله} في تعجيل العذاب وتأخيره ، أو في إظهار الآيات وعدم إظهارها ~~، {يقص} القصص {الحق} وهو القرآن ، أي : ينزله علي لأنذركم به ، أو يقضي ~~القضاء الحق من تعجيل ما يعجل وتأخير ما يؤخر ، فيحكم بيني وبينكم إن شاء ، ~~{وهو خير الفاصلين} أي : القاضين. # {قل لو أن عندي} أي : في قدرتي وطوقي {ما تستعجلون به} من العذاب {لقضي ~~الأمر بيني وبينكم} أي : لأهلكتكم عاجلا ؛ غضبا لربي ، وانقطع ما بيني ~~وبينكم ، ولكن الأمر بيد خالقكم الذي هو عالم بأحوالكم ، {والله أعلم ~~بالظالمين} أي : عالم بما ينبغي أن يؤخذ عاجلا ، وبمن ينبغي أن يمهل ، ~~فمفاتح الغيب كلها عنده ، كما سيذكره. # الإشارة : قل ، أيها العارف ، المتوجه إلى الله ، المنقطع كليته إلى ~~مولاه ، الغائب عن كل ما سواه : إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ~~؛ من حب الدنيا ، ومن الرياسة والجاه. قل : لا أتبع أهواءكم ؛ لأني قد ~~اجتمعت أهوائي في محبوب واحد ، حين وصلت إلى حضرته ، وتنعمت بشهود طلعته ، ~~فانحصرت محبتي في محبوب ms0694 واحد ، وفي # 264 # ذلك يقول القائل : # جزء : 2 رقم الصفحة : 264 # كانت لقلبي أهواء مفرقة # فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي # فصار يحسدني من كنت أحسده # وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي # تركت للناس دنياهم ودينهم # شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي # وقال آخر : # تركت للناس ، ما تهوى نفوسهم # من حب دنيا ومن عز ومن جاه # كذاك ترك المقامات هذا وهنا # والقصد غيبتنا عما سوى الله PageV02P367 ~~{قل إني على بينة من ربي} أي : بصيرة نافذة في مشاهدة أسرار ربي ، فقد ~~كذبتم بخصوصيتي ، وطلبتم دلائل ولايتي ، ما عندي ما تستعجلون به من ~~الكرامات ، {إن الحكم إلا لله} ، يقضي القضاء الحق ، فيظهر ما يشاء ، ويخفي ~~من يشاء ، {وهو خير الفاصلين} أي : الحاكمين بين عبادة ، قل لو أن عندي ما ~~تستعجلون به ؛ من نفوذ دعوتي في إظهار كرامتي ، لقضي الأمر بيني وبينكم ، ~~والله أعلم بالمكذبين بأوليائه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 264 # قلت : {مفاتح} : جمع مفتح بكسر الميم مقصور ، من مفتاح ، وهو آلة الفتح ~~، وهو مستعار لما يتوصل به إلى الغيوب ، أو يفتحها ، وهو المخزن. # يقول الحق جل جلاله : {وعنده مفاتح الغيب} أي : علم المغيبات ، لا يعلمها ~~غيره ، إلا من ارتضى من خلقه ، أو : عنده خزائن علم الغيوب لا يعلمها غيره ~~، والمراد بها الخمسة التي ذكرها الحق تعالى في سورة لقمان : {إن الله عنده ~~علم الساعة} [لقمان : 34] الآية ؛ لأنها تعم جميع الأشياء ، وسيأتي الكلام ~~عليها إن شاء الله ، فقد اختص سبحانه بعلم المغيبات {لا يعلمها إلا هو} ؛ ~~فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم ، فيظهرها على ما اقتضته ~~حكمته وتعلقت به مشيئته ، وفيه دليل على أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل ~~وقوعها ، وهو أمر ضروري. # {ويعلم ما في البر والبحر} من عجائب المصنوعات وضروب المخلوقات ؛ على ~~اختلاف أجناسها وأنواعها ، حيها وجامدها ، فيعلم عددها وصفتها وأماكنها ، ~~{وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} كيف تسقط ، على ظهرها أو بطنها ، وما يصل ~~منها إلى الأرض وما يتعلق في الهواء ، وهو مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات ~~، كما تعلق بالكليات ms0695 ، {ولا حبة # 265 PageV02P368 ~~في ظلمات الأرض} من حبوب الثمار وبذور سائر النبات ، والرمل ، وغير ذلك من ~~دقائق الأشياء وجلائلها ، {ولا رطب ولا يابس} من الأشجار والنبات ~~والحيوانات التي فيها الحياة والتي فارقتها ، فهي من جنس اليابس ، {إلا في ~~كتاب مبين} أي : علم الله القديم ، أو اللوح المحفوظ ، فعلى الأول ، يكون ~~بدلا من الاستثناء الأول ، بدل الكل من الكل ، وعلى الثاني : بدل اشتمال. ~~وقرئت بالرفع ، على العطف على محل : {من ورقة} ، أو على الابتداء ، والخبر ~~: {في كتاب مبين}. # الإشارة : مفاتح الغيب هي أسرار الذات وأنوار الصفات ، أو أنوار الملكوت ~~وأسرار الجبروت ، لا يعلمها إلا هو ، فما دام العبد محجوبا بوجود نفسه ، ~~محصورا في هيكل ذاته ، لا يذوق شيئا من هذه الغيوب ، فإذا أراد الحق جل ~~جلاله أن يفتح على عبده شيئا من هذه الغيوب ، غطى وصف عبده بوصفه ، ونعته ~~بنعته ، فغيبه عن وجود نفسه ، فصار هو سمعه وبصره وقلبه وروحه ، فيعلم تلك ~~الأسرار به ، لا بنفسه ، فما علم تلك الأسرار غيره ، ويحيط بأسرار الأشياء ~~كلها ، برها وبحرها ؛ لأنه يصير خليفة الله في أرضه. وقال الورتجبي : غيبه ~~ذاته القدسية ، وهي خزانة أسرار الأزل والأباد ، ومفاتحها : صفاتها الأزلية ~~، لا يعلم صفاته وذاته بالحقيقة إلا هو تعالى بنفسه ، فنفى الغير عن البين ~~، حيث لا حيث ولا بين. انظر تمامه فيه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 265 # يقول الحق جل جلاله : {وهو الذي يتوفاكم} أي : يقبض أرواحكم {بالليل} إذ ~~نمتم ، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي ، {ويعلم ما جرحتم} أي : ~~ما كسبتم من الأعمال {بالنهار} ، وخص الليل بالنوم والنهار بالكسب جريا على ~~المعتاد ، {ثم إذا} توفاكم بالليل {يبعثكم فيه} أي : في النهار ، {ليقضى ~~أجل مسمى} أي : ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا ، وهو أجل ~~الموت ، {ثم إليه مرجعكم} بالموت {ثم ينبئكم بما كنتم تعملون} فيعاتب ~~المسيء ويكرم المحسن. PageV02P369 # روي : أن العبد إذا قبض عرجت الملائكة بروحه إلى سدرة المنتهى ، فيوقف به ~~هناك ، فيعاتبه الحق تعالى على ما فرط منه حتى يرفض عرقا ، ثم ms0696 يقول له : قد ~~غفرت لك ، اذهبوا به ليرى مقعده في الجنة ، ثم يرد إلى السؤال. # 266 # {وهو القاهر فوق عباده} بالقهر والغلبة ، {ويرسل عليكم حفظة} ؛ ملائكة ~~تحفظ أعمالكم ، وهم الكرام الكاتبون ، والحكمة فيه : أن العبد إذا علم أن ~~أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد ، كان أزجر له عن المعاصي ، ثم لا ~~تزال الملائكة تكتب عليه أعماله {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} أي ~~: ملك الموت وأعوانه ، {وهم لا يفرطون} بالتواني التأخير ، ولا يجازون ما ~~حد لهم بالتقديم والتأخير. {ثم ردوا إلى الله} أي : إلى حكمه وجزائه ، أو ~~مشاهدته وقربه ، {مولاهم} الذي يتولى أمرهم ، {الحق} أي : المتحقق وجوده ، ~~وما سواه باطل ، {ألا له الحكم} يومئذ ، لا حكم لغيره فيه ، {وهو أسرع ~~الحاسبين} ؛ يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة ، لا يشغله حساب عن حساب ، ولا ~~شأن عن شأن ، سبحانه لا إله إلا هو. # الإشارة : وهو الذي يتوفاكم ، أي : يخلصكم بليل القبض ، ويعلم ما كسبتم ~~في نهار البسط ، ثم يبعثكم من ليل القبض إلى نهار البسط ، وهكذا ؛ ليقضى ~~أجل مسمى للإقامة فيهما ، ثم إليه مرجعكم بالخروج عنهما ؛ لتكونوا لله لا ~~شيء دونه ، وفي الحكم : " بسطك كي لا يبقيك مع القبض ، وقبضك كي لا يتركك ~~مع البسط ، وأخرجك عنهما ، كي لا تكون لشيء دونه ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 266 # وقال فارس رضي الله عنه : القبض أولا ثم البسط ، ثم لا قبض ولا بسط ؛ لأن ~~القبض والبسط يقعان في الوجود ؛ أي ؛ في وجود النفس ، وأما مع الفناء ~~والبقاء فلا. ه. أي : فلا قبض ولا بسط ؛ لأن العارف الواصل مقبوض في بسطه ، ~~مبسوط في قبضه ، لا تؤثر فيه هواجم الأحوال ؛ لأنه مالك غير مملوك. والله ~~تعالى أعلم. PageV02P370 # ومن علم أن الله قاهر فوق عباده ، انسلخ من حوله وقوته ، وانعزل عن تدبيره ~~واختياره ؛ لإحاطة القهرية به ، ومن تحقق عموم قهاريته تعالى ، علم أنه لا ~~حجاب حسي بينه وبينه ، إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ، ولو كان له ساتر ~~لكان لوجوده حاصر ، وكل حاصر لشيء ms0697 فهو له قاهر ، ( وهو القاهر فوق عباده) ، ~~وإنما المحجوب : العبد عن ربه بوجود وهمه وجهله ، ومن تحقق أن الملائكة ~~تحفظ أعماله استحيا من ارتكاب القبائح ، لئلا تعرض على رؤوس الأشهاد. # جزء : 2 رقم الصفحة : 266 # يقول الحق جل جلاله : {قل من ينجيكم} أي : يخلصكم {من ظلمات البر والبحر} ~~أي : من شدائدهما ، استعير الظلمة للشدة ، لمشاركتهما في الهول ، فقيل لليوم # 267 # الشديد : يوم مظلم ، أو : من الخسف في البر والغرق في البحر ، حال كونكم ~~{تدعونه تضرعا وخفية} أي : جهرا وسرا ، قائلين : {لئن أنجيتنا من هذه} ~~الظلمة ، أي : الشدة ، {لنكونن من الشاكرين} بإقرارنا بوحدانيتك ، {قل الله ~~ينجيكم منها ومن كل كرب} أي : غم سواها ، {ثم أنتم تشركون} أي : تعودون إلى ~~الشرك ولا توفون بالعهد ، وهذا شأن النفس اللئيمة ؛ في وقت الشدة ترجع إلى ~~الحق وتوحده ، وفي وقت السعة تنساه وتشرك معه ، كما قال تعالى : {وإذا مس ~~الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذآ أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون} [الروم : 33]. PageV02P371 # الإشارة : ظلمات البر هو ما يخوض القلب ويظلمه ؛ من أجل ما يدخل عليه من حس ~~الظاهر ، الذي هو بر الشريعة ، وظلمات البحر هو ما يدهش الروح ويحيرها من ~~أجل ما يدهمها من علم الحقائق ، عند الاستشراف عليها ، أو ما يشكل عليها في ~~علم التوحيد ، فإذا رجع إلى الله فيهما ، وتمسك بشيخ كامل في علم الحقائق ~~أنجاه الله منهما ، فإذا شكر الله وأفرد النعمة إليه دامت نجاته ، وإن ~~التفت إلى غيره خيف عليه العود إلى ما كان عليه. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 267 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : {هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا ~~من فوقكم} ، كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل ، {أو من تحت أرجلكم} ، ~~كما أغرق فرعون وخسف بقارون ، وقيل : من فوقكم : بتسليط أكابركم وحكامكم ~~عليكم ، ومن تحت أرجلكم : سفلتكم وعبيدكم ، {أو يلبسكم} أي : يخلطكم {شيعا} ~~أي : فرقا متحزبين على أهواء شتى ، فينشب القتال بينكم ، {ويذيق بعضكم بأس ~~بعض} ، بقتال بعضكم بعضا. ms0698 # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : أنه لما نزلت : {أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم} قال : " أعوذ بوجهك " ، ولما نزلت : {أو من تحت أرجلكم} ~~قال أيضا : " أعوذ بوجهك " ولما نزلت : {أو يلبسكم شيعا} قال : " هذا أهون ~~" ، فقضى الله على هذه الأمة بالقتل والقتال إلى يوم القيامة ، نعوذ بالله ~~من الفتن. # 268 # قال تعالى : {انظر كيف نصرف الآيات} أي : نقبلها بورود الوعد والوعيد ~~{لعلهم يفقهون} ما نزل إليهم. PageV02P372 # {وكذب به قومك} أي : بالعذاب ، أو بالقرآن ، {وهو الحق} أي : الواقع لا ~~محالة ، أو الصدق في أخباره وأحكامه ، {قل لست عليكم بوكيل} أي : وكل إلي ~~أمركم فأمنعكم من التكذيب ، أو أجازيكم ، إنما أنا منذر ، والله هو الحفيظ. ~~{لكل نبأ} أي : خبر بعذاب أو إيعاد به ، {مستقر} أي : وقت استقراره ووقوعه ~~، يعرف عند انقضائه صدقة من كذبه ، {وسوف تعلمون} ما يحل بكم عند وقوعه ~~في الدنيا والآخرة. # الإشارة : الخطاب للمريدين السائرين ، أو الواصلين. خوفهم بأن يحول بينهم ~~وبين شهود عظمته الفوقية والتحتية ، فينزل عليهم عذاب الفرق من جهة العلو ~~أو السفل ، فلا يشهدون إلا الأكوان محيطة بهم ، أو يخالف بين وجوههم ~~ويلبسهم شيعا ، فإذا تفرقت الوجوه تفرقت القلوب غالبا ، والعياذ بالله ، ~~لأن الفتح والنصر مرتب على الجمع ، قال تعالى : {قل يجمع بيننا ربنا ثم ~~يفتح بيننا بالحق} [سبأ : 26]. قال القشيري : فيه إشارة إلى أن الجمع مؤذن ~~بالفتح. ه. فينبغي للمريد أن يشهد الصفاء في الجميع ، ويتودد إلى الجميع ، ~~حتى لا يبقى معه فرق. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 268 # {وإذا رأيت الذين يخوضون فيا آياتنا فأعرض عنهم حتىا يخوضوا في حديث غيره ~~وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرىا مع القوم الظالمين وما على الذين ~~يتقون من حسابهم من شيء ولاكن ذكرىا لعلهم يتقون وذر الذين اتخذوا دينهم ~~لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا...} # قلت : {ولكن ذكرى} : مفعول بمحذوف ، أي : يذكرونهم ذكرى ، أو مبتدأ ، أي ~~: عليهم ذكرى. PageV02P373 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} أي : القرآن ؛ ~~بالتكذيب والاستهزاء بها ms0699 والطعن فيها {فأعرض عنهم} ولا تجالسهم ، بل قم ~~عنهم {حتى يخوضوا في حديث غيره} أي : غير القرآن ، {وإما ينسينك الشيطان} ~~النهي عن مجالستهم ، وجلست نسيانا ، {فلا تقعد بعد الذكرى} أي : بعد أن ~~تذكر النهي ، {مع القوم الظالمين} ، ونسبة النسيان إلى الشيطان أدبا مع ~~الحضرة ، {قل كل من عند الله} [النساء : 78] ، ووضع المظهر موضع المضمر ، ~~أي : معهم ، للدلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق ~~والتعظيم. # {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} أي : ما على المتقين الذين ~~يجالسونهم شيء من حسابهم ، بل عقابهم على الخوض خاص بهم ، {ولكن} عليهم # 269 # {ذكرى} أي : تذكيرهم ووعظهم ومنعهم من الخوض إن قدروا ، وكراهية ذلك إن ~~لم يقدروا ، فيعظونهم {لعلهم يتقون} ، فيجتنبون ذلك الخوض ؛ حياء أو كراهية ~~مساءتهم ، وإنما أبيح للمؤمنين القعود مع الكفار الخائضين ومخالطتهم ؛ لأن ~~ذلك يشق عليهم ، إذ لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش وفي الطواف ، وغير ~~ذلك بخلافه عليه الصلاة والسلام ؛ لأن الله أغناه عنهم به ، فنهاه عن ~~مخالطة أهل الخوض مطلقا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 269 # ثم قال له : {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا} أي : بنوا أمر دينهم ~~على التشهي ، وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع ، عاجلا وآجلا ، كعبادة ~~الأصنام واتخاذ البحائر والسوائب ، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوا بالدخول فيه ~~لعبا ولهوا ، حيث سخروا به ، أي : أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم. ~~ومن جعله منسوخا بآية السيف حمله على الأمر بالكف عنهم ، وترك التعرض لهم ، ~~{وغرتهم الحياة الدينا} وزخرفها ، حتى نسوا البعث وأنكروه ، والعياذ بالله. PageV02P374 # الإشارة : قد تقدم مرارا التحذير من مخالطة أهل الخوض وصحبة العوام ، وكل ~~من ليس من جنس أهل النسبة ، فإن ألجأه الحال إلى صحبتهم فليذكرهم ، ويعظهم ~~، وينهضهم إلى الله بمقاله أو حاله ما استطاع. وبالله التوفيق. # ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتذكير ، فقال : # {... وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن ~~تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ أولائك الذين أبسلوا بما ms0700 كسبوا لهم شراب من حميم ~~وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} # قلت : {تبسل} : تحبس وتسلم للهلكة ، وفي البخاري : " تسبل : تفضح ، ~~أبلسوا : فضحوا وأسلموا ". يقول الحق جل جلاله : لنبيه عليه الصلاة ~~والسلام : {وذكر} بالقرآن الناس ؛ مخافة {أن تسبل نفس بما كسبت} أي : لئلا ~~تحبس كل نفس وترتهن بما كسبت أو تسلم للهلكة ، أو لئلا تفضح على رؤوس ~~الأشهاد بما كسبت ، {ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع} يدفع عنها العذاب ، ~~{وإن تعدل كل عدل} أي : وإن تفد كل فداء {لا يؤخذ منها} أي : لا يقبل منها. # {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} أي : أسلموا للعذاب بسبب أعمالهم القبيحة ~~وعقائدهم الزائغة ، أو افتضحوا بما كسبوا {لهم شراب من حميم} وهو الماء ~~الحار ، # 270 # {وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} ، والمعنى : هم بين ماء مغلى يتجرجر في ~~بطونهم ، ونار تشعل بأبدانهم بسبب كفرهم ، والعياذ بالله. # الإشارة : لا ينبغي للشيخ أو الواعظ أن يمل من التذكير ، ولو رأى من ~~أصحابه غاية الصفاء ، ولا ينبغي للمريد أن يمل من التصفية والتشمير ، ولو ~~بلغ من تصفية نفسه ما بلغ ، أو أظهرت له من الاستقامة ما أظهرت ، قال تعالى ~~: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها}. PageV02P375 # قال أبو حفص النيسابوري رضي الله عنه : من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ، ~~ولم يخالفها في جميع الأحوال ، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه ، كان ~~مغرورا ، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها ، وكيف يصح لعاقل ~~الرضا عن نفسه ؛ والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم ، يقول : {ومآ أبرئ ~~نفسى إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف : 53]. وقال أيضا : منذ أربعين سنة ~~اعتقادي في نفسي أن الله ينظر إلي نظر السخط ، وأعمالي تدل على ذلك. وقال ~~الجنيد رضي الله عنه : لا تسكن إلى نفسك ، وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك. ~~وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه : ( ما رضيت عن نفسي طرفة عين ). ~~إلى غير ذلك من مقالاتهم التي تدل على عدم الرضى عن النفس وعدم القناعة ~~منها بالتصفية التي آظهرت. ms0701 # جزء : 2 رقم الصفحة : 269 # قلت : {ونرد} : عطف على {ندعو} والهمزة للإنكار ، والرد على العقب : ~~الرجوع إلى وراء ، لعلة في المشي ، واستعير للمعاني ، و{كالذي استهوته} : ~~الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في {نرد} أي : كيف نرجع مشبهين بمن ~~استهوته الشياطين ، أو نعت لمصدر محذوف ، أي : ردا كرد الذي...الخ. واستهوى ~~: استفعل ، من هوى في الأرض إذا ذهب ، وقال الفارسي : استهوى بمعنى أهوى ، ~~مثل استزل بمعنى أزل ، و{حيران} : حال من مفعول استهوى. # و{أن أقيموا} : عطف على {لنسلم} ، أو {أمرنا}. {قوله الحق} : مبتدأ ، ~~و{يوم يقول} : خبر مقدم ، أي : قوله الحق حاصل يوم يقول : {كن فيكون} ، ~~وفاعل {يكون} : ضمير فاعل كن ، أي : حين يقول للشيء : كن فيكون ذلك الشيء ، ~~و{يوم ينفخ} : ظرف لقوله : {الملك} ، كقوله : {لمن الملك اليوم} [غافر : 16]. PageV02P376 # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم يا محمد {أندعو من دون الله} أي : نعبد {ما ~~لا ينفعنا ولا يضرنا} من الأصنام الجامدة ، {ونرد على أعقابنا} أي : نرجع ~~إلى الشرك {بعد إذ هدانا الله} وأنقذنا ، ورزقنا الإسلام ، وهذا على ~~الصحابة. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتقدم له شرك ؛ لعصمته ، أي : ~~كيف نرد على أعقابنا ردا {كالذي استهوته الشياطين} ، أي : أضلته مردة الجن ~~عن الطريق المستقيم ، فذهب {في الأرض حيران} ؛ متحيرا ضالا عن الطريق ، {له ~~أصحاب} أي : رفقة {يدعونه إلى الهدى} أي : إلى الطريق المستقيم ، يقولون له ~~: {ائتنا} وكن معنا لئلا تتلف. وهو مثال لمن ترك الإسلام وضل عنه. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 271 # قل} لهم : {إن هدى الله} ، وهو الإسلام ، {هو الهدى} وحده ، وما عداه ~~ضلال. {و} قد {أمرنا لنسلم لرب العالمين} نكون على الجادة من الهدى ، {و} ~~أمرنا {أن أقيموا الصلاة واتقوه} : أي : أمرنا بإقامة الصلاة والتقوى ، روي ~~أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان ، فنزلت ، وعلى هذا ~~أمر الرسول بهذا القول ؛ إجابة عن الصديق تعظيما لشأنه ، وإظهارا للاتحاد ~~الذي كان بينهما. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي : ويبطل هذا قول عائشة : ما ~~نزل في آل أبي بكر ms0702 شيء من القرآن إلا برائتي. ه. قلت : ليس بحجة ؛ لصغر ~~سنها وقت نزول الآية بمكة ، والإسلام يمحو ما قبله. ثم قال جل جلاله : {وهو ~~الذي إليه تحشرون} يوم القيامة ؛ فيظهر من تبع الحق من الباطل. # 272 PageV02P377 ~~{وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق}. أي : قائما بالحق والحكمة ، فهو أحق ~~بالعبادة وحده ، {ويوم يقول كن فيكون قوله الحق} أي : قوله العدل حاصل يوم ~~يقول للبعث والحشر : كن فيكون ، {وله الملك يوم ينفخ في الصور} أي : انفرد ~~الملك له يوم ينفخ في الصور فيقول : لمن الملك اليوم ؟ فلا يجاب ، فيقول : ~~لله الواحد القهار ، {عالم الغيب والشهادة} أي : هو عالم بما غاب وما ظهر ، ~~{وهو الحكيم} في صنعه ، {الخبير} بأمر عباده. الإشاره : إذا توجه العبد إلى ~~مولاه ، وانقطع بكليته إلى الله ، طالبا منه معرفته ورضاه ، قد يمتحن بشيء ~~من شدائد الزمان ؛ كالفاقة وإيذاء الخلق والأحزان ، فيقال اختبارا له : ~~تعلق في دفع ما نزل بك بشيء من السوى ، فيجب عليه أن يقول : {أندعوا من دون ~~الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا} بالالفتات إلى غير ربنا ، ~~بعد إذ هدانا الله إلى توحيده ومعرفته ، ونكون كالذي استهوته الشياطين في ~~الأرض ، حيران بالتفاته إلى غير الكريم المنان ، {قل إن هدى الله} أي : ~~هدايته الخاصة ، وهي الإنقطاع إليه وحده في الشدائد ، {هو الهدى} ، وقد ~~أمرنا بالانقياد بكليتنا إلى ربنا ، وأمرنا إذا حزبنا شيء بإقامة الصلاة ؛ ~~لأنها مفتاح الفرج ، وبالتقوى ؛ لأنها سبب النصر ؛ {إن الله مع الذين ~~اتقوا} ، وآخر أمرنا الموت والحشر إلى ربنا ، والاستراحة إلى الروح ~~والريحان. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 271 # قلت : {آزر} : عطف بيان ، أو بدل من أبيه ، ومنع من الصرف ؛ للعلمية ~~والعجمة. وقرأ يعقوب بالضم على النداء ، وقيل : إن آزر اسم صنم ؛ لأنه ثبت ~~أن اسم أبي إبراهيم تارخ. فعلى هذا يحتمل أن يكون لقب به ؛ لملازمته له ، ~~وقيل : هما علمان له كإسرائيل ويعقوب. PageV02P378 # يقول الحق جل جلاله : {و} أذكر {إذ قال إبراهيم لأبيه آزر} ، حين دعاه إلى ~~التوحيد : {أتتخذ أصناما ms0703 آلهة} تعبدها من دون الله ، وهي لا تنفع ولا تضر ، ~~{إني أراك وقومك في ظلال مبين} : بين الضلالة ، ظاهر الخطأ. # الإشارة : كل من سكن إلى شيء دون الله ، أو مال إليه بالعشق والمحبة ، ~~فهو صنم في حقه ، فإن لم ينزع عن محبته ، ولم يقلع عن السكون إليه ، كان ~~حجابا بينه وبين شهود أسرار التوحيد. وفي الحكم : " ما أحببت شيئا إلا وكنت ~~عبدا له ، وهو لا يحب أن تكون لغيره عبدا ". وفي الحديث : " تعس عبد ~~الدينار والدرهم " .. أي : خاب وخسر ، # 273 # فإذا اطلع الحق تعالى على قلب عبده فرآه مائلا لغيره ، حجب عنه أنوار ~~قدسه ، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه : # لي حبيب إنما هو غيور ، # يطل في القلب كطير حذور ، # إذا رأى شيئا امتنع أن يزور # جزء : 2 رقم الصفحة : 273 # قلت : الملك : ما ظهر في عالم الشهادة من المحسوسات ، والملكوت : ما غاب ~~فيها من معاني أسرار الربوبية ، والجبروت : ما لم يدخل عالم التكوين من ~~أسرار المعاني الأزلية. # يقول الحق جل جلاله : {وكذلك} أي : مثل ذلك التبصر الذي بصرنا به إبراهيم ~~حتى اهتدى للرد على أبيه ، نريه {ملكوت السماوات والأرض} أي : نكشف له عن ~~أسرار التوحيد فيهما ، حتى يشاهد فيهما صانعهما ، ولا يقف مع ظاهر حسهما ، ~~وإنما فعلنا له ذلك {ليكون من الموقنين} بمعرفتنا ، عارفا بأسرار قدسنا. PageV02P379 # ولما كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس ، أراد أن ~~يرشدهم إلى التوحيد من طريق النظر والاستدلال ؛ {فلما جن عليه الليل} أي : ~~ستره بظلامه ، {رأى كوكبا} وهو الزهرة أو المشتري ، {قال هذا ربي} على سبيل ~~التنزل إلى قول الخصم ، وإن كان فاسدا ؛ فإن المستدل على فساد قول يحكيه ~~على ما يقوله الخصم ، ثم يكر عليه بالفساد ؛ لأن ذلك أدعى إلى الحق ، وأقرب ~~إلى رجوع الخصم ، {فلما أفل} أي : غاب ، {قال لا أحب الآفلين} ؛ فضلا عن ~~عبادتهم ؛ فإن التغير بالاستتار والانتقال يقتضي الإمكان والحدوث وينافي ~~الألوهية. # {فلما رأى القمر بازغا} : متبدئا في الطلوع ، {قال هذا ربي فلما أفل قال ~~لئن لم يهدني ms0704 ربي لأكونن من القوم الظالمين}. استعجز نفسه واستعان ربه في ~~درك الحق ، وأنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه ؛ إرشادا لقومه. وتنبيها لهم ~~على أن القمر أيضا ؛ لتغير حاله ، لا يصلح للألوهية ، وأن من اتخذه إلها ، ~~فهو ضال. # 274 # {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي} ، إنما ذكر الإشارة لتذكير الخبر ، ~~وصيانة للرب عن شبهة التأنيث {هذا أكبر} لكبر النور وسطوعه أكثر ، {فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون} من الأجرام المحدثة المحسوسة ، ~~المحتاجة إلى محدث يحدثها ، ومخصص يخصصها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 274 PageV02P380 ~~ولما تبرأ من عبادتها توجه إلى موجدها ومبدعها ، فقال : {إني وجهت وجهي ~~للذي فطر} أي : أبدع {السماوات والأرض} حال كوني {حنيفا} أي : مائلا عن ~~دينكم {وما أنا من المشركين} مثلكم. وإنما احتج بالأفول دون البزوغ ، مع ~~أنه تغير ؛ لأن الأفول أظهر في الدلالة ؛ لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب. ~~ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال. وقيل : ~~إن هذا الاستدلال والاحتجاج كان في حال طفولته قبل التكليف. فقد روي أنه ~~لما ولدته أمه في غار ، خوفا من نمرود ؛ إذ كان يقتل الأطفال ؛ لأن ~~المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي يولد في هذا العصر ، فكان يستدل بما ~~رأى على توحيد ربه ، وهو في الغار ، وهذا ضعيف لأن قوله : {إني بريء مما ~~تشركون} يقتضي المحاججة والمخاصمة لقومه. # وقوله عليه السلام : {هذا ربي} مع قوله : {إني سقيم} [الصافات : 89] ، ~~و{فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء : 63] ، ليس بكذب ؛ للعصمة ، وإنما هو تورية. ~~وفي الحديث : " ليس بكاذب من كاذب ظالما ، أو دفع ضررا ، أو رعى حقا ، أو ~~حفظ قلبا " وفي رواية أخرى : " ليس بكاذب ، من قال خيرا أو نواه " وأما ~~اعتذاره في حديث الشفاعة ؛ فلهول المطلع ، فيقع الحذر من أدنى شيء. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : لما كوشف إبراهيم بعالم الملكوت ، رأى الله في الأشياء كلها ، ~~كما ورد في بعض الأثر : (ما رأيت شيئا إلا رأيت الله فيه). وإنما قال : {لا ~~أحب الآفلين} ؛ حذرا من الوقوف مع الحس دون شهود ms0705 المعنى ، إذ بحر المعاني ~~متصل دائم ليس فيه تغيير ولا انتقال. وإنما تتغير الأواني دون المعاني ، ~~فشمس المعاني مشرقة على الدوام ليس لها مغيب ولا تغير ولا انتقال ، ولذلك قيل : # طلعت شمس من أحب بليل # واستنارت فما تلاها غروب # إن شمس النهار تغرب بالليل # وشمس القلوب ليس لها مغيب PageV02P381 ~~أي : طلعت شمس نهارعرفانهم على ليل وجودهم ، فامتحت ظلمة وجودهم في شهود ~~محبوبهم ، وفي الحكم : " أنا الظواهر بأنوار آثاره ، وأنار السرائر بأنوار ~~أوصافه ، لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر ، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ". # قال الجوزي : لما بدا لإبراهيم نجم العلم ، وطلع قمر التوحيد ، وأشرقت ~~شمس المعرفة قال : {إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي...} الآية. ه. قيل : لما # 275 # نظر إبراهيم عليه السلام بعيون رأسه إلى نور النجم والشمس والقمر الحسي ، ~~نودي في سره : يا إبراهيم ، لا تنظر ببصرك إلى الجهة الحسية ، وانظر ~~ببصيرتك إلى الحقيقة المعنوية ؛ لأن الوجود كله عين الأحدية ، فافهم معاني ~~الأسماء ، ولا تقف مع جرم الأرض والسماء ، فإن الوقوف مع الحس حجاب عن ~~المعنى. فقال إبراهيم : {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين}. ه. وفي ذلك يقول الششتري أيضا : # جزء : 2 رقم الصفحة : 274 # لا تنظر إلى الأواني # وخض بحر المعاني # لعلك تراني # جزء : 2 رقم الصفحة : 274 # {وحآجه قومه قال أتحآجوني في الله وقد هدآن...} # يقول الحق جل جلاله : {وحاجه قومه} أي : خاصموه في التوحيد ، فقال لهم : ~~{أتحاجوني في الله} أي : في وحدانيته ، أو في الإيمان به ، وقد هداني إلى ~~توحيده وأرشدني إلى معرفته ، فلا ألتفت إلى غيره ، ولا أعبأ بمن خاصمني فيه ~~، والأصل : تحاجونني ، فحذف نافع وابن عامر نون الرفع ، وأبقى نون الوقاية ~~، وقيل : العكس ، وأدغم الباقون أحدى النونين في الأخرى. PageV02P382 # الإشارة : مخاصمة العموم لأهل الخصوصية سنة ماضية ؛ {ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا} [الأحزاب : 62] ؛ لأن من أنكر شيئا عاداه ، فأهل الخصوصية يعذرون ~~من أنكر عليهم ؛ لأن ذلك مبلغهم من العلم ، والعامة لا يعذرون أهل الخصوصية ~~؛ لخروجهم عن بلادهم ؛ فلا يعرفون ms0706 ما هم فيه. والله تعالى أعلم. # ولما خاصموا إبراهيم عليه السلام فلم يلتفت إليهم ، خوفوه بأصنامهم ، ~~فقال لهم : # {... ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما ~~أفلا تتذكرون وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل ~~به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم ~~يلبسواا إيمانهم بظلم أولائك لهم الأمن وهم مهتدون} # قلت : الاستثناء في قوله : {إلا أن يشاء} : منقطع. قاله ابن جزي. وظاهر ~~كلام البيضاوي : أنه متصل ، وهو المتبادر ، أي : ولا أخاف ما تشركون في حال ~~من الأحوال # 276 # إلا أن يشاء ربي أن يصيبني بمكروه من جهتها ؛ استدراجا لكم ، وفتنة. وقال ~~الواحدي : لا أخاف إلا مشيئة ربي أن يعذبني. # جزء : 2 رقم الصفحة : 276 # يقول الحق جل جلاله : حاكيا عن خليله إبراهيم : {ولا أخاف ما تشركون به} ~~أي : لا أخاف معبوداتكم أن تصيبني بشيء ؛ لأنها جوامد لا تضر ولا تنفع ، ~~{إلا أن يشاء ربي شيئا} يصيبني بقدره وقضائه ، فإنه يصيبني لا محالة ، لا ~~بسببها ، {وسع ربي كل شيء علما} ، كأنه علة الاستثناء ، أي : لا أخاف إلا ~~ما سبق في مشيئة الله ، لأنه أحاط بكل شيء علما ، فلا يبعد أن يكون في علمه ~~وقدره أن يحيق بي مكروه من جهتها ، {أفلا تتذكرون} فتميزوا بين الصحيح ~~والفاسد ، والقادر والعاجز ؟ . PageV02P383 # {وكيف أخاف ما أشركتم} وهو جامد عاجز لا يتعلق به ضرر ولا نفع ؟ {ولا ~~تخافون أنكم أشركتم بالله} وهو أحق أن يخاف منه كل الخوف ، لأنه القادر على ~~الانتقام ممن أشرك معه غيره ، وسوى بينه وبين مصنوع عاجز ، لا يضر ولا ينفع ~~، فأنتم أحق بالخوف ؛ لأنكم {أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا} أي ~~: لم ينزل بإشراكه كتابا ، ولم ينصب عليه دليلا ، {فأي الفريقين أحق ~~بالأمن} : أهل التوحيد والإيمان ، أو أهل الشرك والعصيان ؟ {إن كنتم ~~تعلمون} ما يحق أن يخاف منه. ثم أجاب عن الاستفهام : الحق تعالى أو خليله ، ~~فقال : {الذين آمنوا ولم يلبسوا} ms0707 أي : يخلطوا {إيمانهم بظلم} أي : بشرك ، ~~بل آمنوا بالله ولم يعبدوا معه غيره ، {أولئك لهم الأمن} في الآخرة ، {وهم ~~مهتدون} في الدنيا. أما الطائع فأمنه ظاهر ، وأما المعاصي فيؤمن من الخلود ~~وتحريم الجنة عليه. # ولما نزلت الآية أشفق منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا ~~: أينا لم يظلم نفسه ؟ لأنهم فهموا عموم الظلم ؛ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : " ليس ما تظنون ، إنما هو ما قال لقمان لابنه : {يا بني لا ~~تشرك بالله إن الشرك لظلم} [لقمان : 13] " وقد كان المشركون يقرون بالصانع ~~ويخلطون معه التصديق بربوية الأصنام ، فقد آمنوا بوجود الصانع ، ولكنهم ~~لبسوا إيمانهم بالشرك ، فلا آمن لهم ولا هداية. وبهذا يرد جهالة الزمخشري ~~في إنكاره الحديث الصحيح ، ولو بقي الظلم على عمومه أي : ولم يخلطوا ~~إيمانه بمعصية لصح ، ويكون المراد بالأمن أمنا خاصا وهداية خاصة ، لكن ما ~~قاله عليه الصلاة والسلام يوقف عنده. # الإشارة : العارف بالله ، المتحقق بوحدانية الله ، لا يسكن خوف الخلق في ~~قلبه ، ولا ينظر إلا إلى ما يبرز من عند ربه ، فإن وعده بالعصمة أو الحفظ ~~لم يترك بذلك التضرع والالتجاء إلى ربه ؛ لسعة علمه تعالى ، وقد يكون ذلك ~~متوقفا على أسباب وشروط ، أخفاها # 277 PageV02P384 ~~الحق تعالى إظهارا لقهريته ، ولذلك قال الخليل عليه السلام : {ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما}. وقال سيدنا شعيب ~~عليه السلام : {وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلآ أن يشآء الله ربنا وسع ربنا ~~كل شىء علما} [الأعراف : 89]. فالعارف لا يزول اضطراره ، ولا يكون مع غير ~~الله قراره ، وأما الأمن من التحويل والانقلاب ، فاختلف فيه ؛ فقال بعضهم : ~~يحصل للولي الأمن ، إذا تحقق بمقام القرب ، وحصل له الفناء والبقاء ، ~~متمسكا بقوله تعالى : {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن}. وقال بعضهم : لا يحصل الأمن إلا للأنبياء عليهم السلام ؛ للعصمة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 276 # قال الورتجبي : مقام الأمن لا يحصل لأحد ، ما دام هو بوصف الحدثية ، وكيف ~~يكون آمنا ms0708 منه وهو في رق العبودية ويعرف نفسه بها ، ويعرف الحق بوصف القدم ~~والبقاء وقهر الجبروت ؟ وقال تعالى : {فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون} [الأعراف : 99]. فإذا رأى الله تعالى بوصف المحبة والعشق والشوق ~~، وذاق طعم الدنو ، واتصف بصفات الحق ، بدا له أوائل الأمن ، لأن في صفة ~~القدم لا يكون علة الخوف والرجاء ، لأن هناك جنة القرب والوصال ، وهم فيها ~~آمنون من طوارق القهر ، وهم مهتدون ما داموا متصفين بصفاته ، وإن كانوا في ~~تسامح من مناقشة الله بدقائق خفايا مكره. ه. PageV02P385 # فظاهر كلامه ، أن المتحقق بمقام الفناء والبقاء ، يحصل له الأمن من الشقاء ~~، وكذلك قال أبو المواهب : من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء. وقال في نوادر ~~الأصول : من حظه من أهل التقريب : الجلال والجمال ، وقد أقيم في الهيبة ~~والأنس ، قد غاب عن خوف العقوبة ، ولكنه يخاف التحويل والهوي والسقوط ، لما ~~ركب في نفوس بني آدم من الشهوات ، فهن أبدا يهوين بصاحبهن عن الله إلى ~~الإخلاد والبطء ، وإنما يسكن خوف التحول إذا خلص إلى الفردانية وتعلق ~~بالوحدانية ؛ لتلاشي الهوى منه والشهوة ؛ بكشف الغطاء ، ولا يذهب خوف ذلك ~~بالكلية عنه ، وإن سكن ؛ لبقاء خيال ذلك في حق غير الأنبياء. وأما هم فلم ~~يبق لهم ظل الهوى ، فبشروا بالنجاة ؛ فلم تغرهم البشرى ؛ لأنهم لم يبق لهم ~~نفوس ، فتستبد وتجور إذا أمنت السقوط ، ومن بعدهم بقي لهم في نفوسهم شيء ~~فمنعوا البشرى ، وأبهم عليهم الأمر ؛ صنعا بهم ؛ ونظرا لهم ، لتكون نفوسهم ~~منقمعة بخوف الزوال. ه. هذا هو الأصل فافهمه. ه. # وحاصل كلامه : أن غير الأنبياء لا ينقطع عنه خوف التحويل ، بل يسكن خوفه ~~فقط ، ولا يبشر بالأمن إلا الأنبياء ، وهو الصواب ، لبقاء قهر الربوبية فوق ~~ضعف العبودية ، قال تعالى : {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام : 18]. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 276 # 278 # قلت : {على قومه} : متعلق بحجتنا ، إن جعل خبرا عن {تلك} ، وبمحذوف ، إن ~~جعل بدله ، أي : وتلك الحجة آتيناها إبراهيم حجة على قومه. ومن قرأ : ~~{درجات} : بالتنوين ؛ فمن نشاء : مفعول ، و{درجات} : تمييز. ms0709 PageV02P386 # يقول الحق جل جلاله : {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} ، إشارة إلى ~~ما تقدم من استدلاله على وحدانيته تعالى بأفول الكوكب والقمر والشمس ، ~~واحتجاجه بذلك على قومه ، وإتيانه إياها : وإرشاده لها وتعليمه إياها ، قال ~~تعالى : {نرفع درجات من نشاء} في العلم والحكمة ، أو في اليقين والمعرفة ، ~~{إن ربك حكيم} في رفعه وخفضه ، {عليم} بحال من يرفعه ويخفضه ، وبحال ~~الاستعداد لذلك. # الإشارة : رفع الدرجات في جنات الزخارف يكون بالعلم والعمل وزيادة ~~الطاعات ، ورفع الدرجات في جنة المعارف يكون بكبر اليقين. والترقي في شهود ~~رب العالمين. وذلك بحسب التبتل والانقطاع ، والتفرغ من شواغل الحس ودوام ~~الأنس. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 278 # قلت : الضمير في {ذريته} لإبراهيم عليه السلام ؛ لأن الحديث عليه ، أو ~~لنوح عليه السلام ؛ لذكر لوط ، وليس من ذرية إبراهيم ، لكنه ابن أخيه فكأنه ~~ابنه ، و{داود} : عطف على {نوح} ؛ أي : وهدينا من ذريته داود ، و{من ~~آبائهم} : في موضع نصب ، عطف على {نوح} ؛ أي وهدينا بعض آبائهم ، والهاء في ~~{اقتده} : للسكت ، فتحذف في الوصل ، ومن أثبتها راعى فيها خط المصحف ، ~~وكأنه وصل بنية الوقف. # يقول الحق جل جلاله : {ووهبنا} لإبراهيم {إسحاق} ابنه ، {ويعقوب} حفيده ، ~~{كلا} منهما {هدينا} {ونوحا} قد هديناه {من قبل} إبراهيم ، وعده نعمة على # 279 # إبراهيم ؛ من حيث إنه أبوه ، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد ، {ومن ذريته} ~~أي : إبراهيم ، {داود} بن أيشا ، {وسليمان وأيوب} بن قوص بن رازح بن عيصو ~~بن إسحاق {ويوسف} بن يعقوب بن إسحاق ، {وموسى وهارون} ابنا عمران بن يصهر ~~بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. {وكذلك نجزي المحسنين} أي : نجزي المحسنين جزاء ~~مثل ما جازينا إبراهيم ؛ برفع درجاته وكثرة أولاده ، وجعل النبوة فيهم. PageV02P387 # {وزكريا} بن آذن بن بركيا ، من ذرية سليمان ، {ويحيى} بن زكريا ، {وعيسى} ~~ابن مريم بنت عمران ، وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت ، ~~{وإلياس} بن نسى فنحاص بن إلعازر بن هارون. وقيل : هو إدريس جد نوح ، وفيه ~~بعد. {كل من الصالحين} الكاملين في الصلاح ، وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز ms0710 ~~مما لا ينبغي. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 279 # وإسماعيل} بن إبراهيم ، قد هدينا أيضا ، وهو أكبر ولد إبراهيم ، وهو ابن ~~هاجر ، {واليسع} بن أخطوب بن العجوز ، وقرىء : " والليسع " بالتعريف ، كأن ~~أصله : ليسع ، و" أل " فيه : زائدة ، لا تفيد التعريف ؛ لأنه علم ، {ويونس} ~~بن متى ، اسم أبيه ، وهو من ذرية إبراهيم ، خلافا للبيضاوي. قال القرطبي : ~~لم يبعث الله نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه. ه. ويونس مثلث النون كيوسف ~~، يعني بتثليث السين. {ولوطا} هو ابن هاران أخى إبراهيم ، فهو ابن أخيه ، ~~وقيل : ابن أخته ، فقد يطلق على العم أب مجازا ، {وكلا فضلنا على العالمين} ~~أي : عالمي زمانهم بالنبوة والرسالة ، فكل واحد فضل على أهل زمانه. # {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} أي : فضلنا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم ، ~~أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ، {واجتبيناهم} أي : ~~اخترناهم للرسالة واصطفيناهم للحضرة ، {وهديناهم إلى صراط مستقيم} ؛ الذي ~~يوصل إلى حضرة قدسنا. {ذلك هدى الله} أي : ذلك الدين الذي دانوا به هو هدى ~~الله {يهدي به} أي : بسببه ، {من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون} ، تحذيرا من الشرك ، وإن كانوا معصومين منه. PageV02P388 # {أولئك الذين آتيناهم الكتاب} أي : جنس الكتب ، {والحكم} أي : الحكمة ، أو ~~الفصل بين العباد ، على ما يقتضيه الحق ، {والنبوة} ؛ الرسالة {فإن يكفر ~~بها هؤلاء} : أهل مكة ، {فقد وكلنا بها} أي : بالإيمان بها والقيام بحقوقها ~~، {قوما ليسوا بها بكافرين} ؛ وهم الأنبياء المذكورون ، وتابعوهم ، وقيل : ~~الصحابة المهاجرون والأنصار ، وهو الأظهر. وقيل : كل مؤمن ، وقيل : الفرس. ~~والأول أرجح ؛ لدلالة ما بعده عليه ، وهو قوله : {أولئك الذين هدى الله} ، ~~الإشارة إلى الأنبياء المذكورين ، {فبهداهم اقتده} أي : اتبع آثارهم ، ~~والمراد بهديهم : ما توافقوا عليه من التوحيد # 280 # وأصول الدين ، دون الفروع المختلف فيها ، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل ~~، ولا يمكن التأسي بهم جميعا ؛ فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام ~~متعبد بشرع من قبله. قاله البيضاوي. # {قل لا أسألكم عليه} أي : التبليغ أو القرآن ، {أجرا} أي : جعلا من جهتكم ~~، كحال الأنبياء قبلي ms0711 ؛ اقتداء بهم فيه ، فهو من جملة ما أمر بالاقتداء بهم ~~فيه ، {إن هو} أي : ما هو ، أي : التبليغ أوالقرآن ، {إلا ذكرى للعالمين} ؛ ~~إلا تذكرة وموعظة لهم. # الإشارة : فضل هؤلاء السادات على أهل زمانهم بما هداهم إليه من أنوار ~~التوحيد وأسرار التفريد ، وبما خصهم به من كمال العبودية والآداب مع عظمة ~~الربوبية. وفي قوله لحبيبه : {فبهداهم اقتده} فتح لباب اكتساب التفضيل ، ~~فكل من اقتدى بهم فيما ذكر شرف على أهل زمانه ، وقد جمع في حبيبه صلى الله ~~عليه وسلم ما افترق فيهم ، وزاد عليهم بالمحبة ورفع الدرجات ، فكان هو سيد ~~الأولين والآخرين ، فكل من اقتدى به في أفعاله وأقواله وأخلاقه نال من ~~السيادة بقدر اقتدائه ، وأمره سبحانه له بالاقتداء بهم ، إنما هو في الآداب ~~، وكان ذلك قبل أن يترقى عنهم إلى مقامه الذي خصه الله به. للأنبياء سيرا ~~وترقيا يليق بهم. كما للأولياء سير وترق يليق بهم. PageV02P389 # جزء : 2 رقم الصفحة : 279 # قال الورتجبي : أمر حبيبه عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بالأنبياء ~~والرسل قبله في آداب الشريعة ، لأن هناك منازل الوسائط ، فإذا أوصله ~~بالكلية إليه ، وكحل عيون أسراره بكحل الربوبية ، جعله مستقلا بذاته ~~مستقيما بحاله ، وخرج عن حد الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة ، وأمره ~~بإسقاط الوسائط ، حتى قال : " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " ، وغير ~~ذلك. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه : أمره بالاقتداء بهم فيما شاركوه فيه ، ~~وإن انفرد عنهم بما خص به. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 279 # يقول الحق جل جلاله : في الرد على اليهود : {وما قدروا الله حق قدره} أي ~~: ما عرفوه حق معرفته في الرحمة والإنعام على العباد بالوحي وغيره ، إذ لو ~~عرفوه لهابوا أن ينكروا بعثة الرسل ، أو ما جسروا على هذه المقالة ، أو ما ~~عظموه حق تعظيمه. حيث كذبوا رسله وأنكروا أن يكون أنزل عليهم كتابا ، إذ لو ~~عظموه حق تعظيمه لصدقوا الرسول الوارد عنه ، وهو معنى قوله : {إذ قالوا ما ~~أنزل الله على بشر من شيء} ، # 281 # والقائلون هم اليهود ، كفنحاص ومالك ms0712 بن الصيف وغيرهما ، قالوا ذلك مبالغة ~~في إنكار إنزال القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فرد الله عليهم بما ~~لا بد لهم من الإقرار به وهو إنزال التوراة على موسى ؛ فقال : {قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} ، فالنور للبواطن ، والهداية ~~للظواهر ، {تجعلونه} أي : التوارة ، {قراطيس} أي : تجزؤونه أجزاء متفرقة ، ~~ما وافق أهواءكم أظهرتموه وكتبتموه في ورقات متفرقة ، وما خالف أهواءكم ~~كتمتموه وأخفيتموه. PageV02P390 # روي أن مالك بن الصيف قاله ، لما أغضبه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " ~~أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى ، هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر ~~السمين ، فأنت الحبر السمين " ، فغضب ، وقال : ما أنزل الله على بشر من شيء ~~، فرد الله عليه بما تقدم. وقيل : القائلون ذلك : المشركون ، وإلزامهم ~~بإنزال التوراة ؛ لأنه كان مشهورا عندهم يقرون به ، ولذلك قالوا : {أو ~~تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم} [الأنعام : 157]. # {وعلمتم} على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {ما لم تعلموا أنتم ولا ~~آباؤكم} ، زيادة على ما في التوراة وبيانا لما التبس عليكم على آبائكم ~~الذين كانوا أعلم منكم. ونظيره : {إن هذا القرءان يقص على بني إسراءيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون} [النمل : 76] أو : وعلمتم من التوراة ما لم تكونوا ~~تعلمتم أنتم ولا آباؤكم قبل إنزاله ، وإن كان الخطاب لقريش ؛ فالذي علموه : ~~ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم من القصص والأخبار. # جزء : 2 رقم الصفحة : 281 # ثم أجاب عن استفهامه بقوله : {قل الله} أي : أنزله الله ، أو الله أنزله. ~~قال البيضاوي : أمره بأن يجيب عنهم ؛ إشعارا بأن الجواب بهذا متعين لا يمكن ~~غيره ، وتنبيها على أنهم بهتوا بأنهم لا يقدرون على الجواب ه. {ثم ذرهم في ~~خوضهم يلعبون} في أباطيلهم. فلا عليك بعد التبليغ وإلزام الحجة ، وأصل ~~الخوض في الماء ، ثم أستعير للمعاني المشكلة ، وللقلوب المتفرقة في أودية ~~الخواطر. PageV02P391 # الإشارة : يفهم من الآية أن من أقر بإنزال الكتب وآمن بجميع الرسل ، فقد ~~قدر الله حق قدره وعظمه حق ms0713 تعظيمه. وهذا باعتبار ضعف العبد وعجزه وجهله ؛ ~~وإلا فتعظيم الحق حق تعظيمه ، ومعرفته حق معرفته ، لا يمكن انتهاؤها ، ولا ~~الوصول إلى عشر العشر منها. قال تعالى {ولا يحيطون به علما} [طه : 110] ، ~~وقال : {كلا لما يقض مآ أمره} [عبس : 23] فلو بقي العبد يترقى في المعرفة ~~أبدا سرمدا ، ما عرف الله حق معرفته ، حتى ينتهي إلى غايتها ، ولو بقي يعبد ~~أبد الأبد ما قام بواجب حقه. # وقوله تعالى : {قل الله} استشهد به الصوفية ، في طريق الإشارة ، على ~~الانفراد والانقطاع إلى الله ، وعدم الالفتات إلى ما عليه الناس من الخوض ~~والاشتغال بالأغيار والأكدار ، والخروج عنهم إلى مقام الصفا ، وهو شهود ~~الفردانية ، والعكوف في أسرار # 282 # الوحدانية. قال ابن عطاء الله لما تكلم على أهل الشهود قال : (لأنهم ~~لله لا لشيء دونه ، {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} ). وقد ينكر عليهم ~~من لم يفهم إشارتهم ، تجمدا ووقوفا مع الظاهر ، وللقرآن ظاهر وباطن لا ~~يعرفه إلا الربانيون. نفعنا الله بهم ، آمين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 281 # يقول الحق جل جلاله : {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} أي : كثير البركة ، حسا ~~ومعنى ، لكثرة فوائده وموم نفعه ، أو : كثير خيره ، دائم منفعته ، قال ~~القشيري : مبارك : دائم باق ، لا ينسخه كتاب ، من قولهم : برك الطير على ~~الماء. ه. {مصدق الذي بين يديه} من الكتب المتقدمة. {ولتنذر} أنت {أم ~~القرى} أي : مكة ، {ومن حولها} من المشرق والمغرب أو لينذر القرآن أم القرى ~~ومن حولها أي : أنزلناه للبركة والإنذار ، وإنما سميت مكة أم القرى ؛ لأنها ~~قبلة أهل القرى وحجهم ومجمعهم ، وأعظم القرى شأنا. وقيل : لأن الأرض دحيت ~~من تحتها أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس. PageV02P392 # {والذين يؤمنون بالآخرة} هم الذين {يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون} ؛ ~~لأن من مصدق بالآخرة ، وخاف عاقبتها ، تحرى لنفسه الصواب ، وتفكر في صدق ~~النجاة ، فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدق بما جاء به ، وحافظ على ~~مراسم الشريعة ، وأهمها : الصلاة ؛ لأنها عماد الدين وعلم الإيمان ، من ~~حافظ عليها حفظ ما سواها ، ومن ضيعها ما سواها. ms0714 # الإشارة : مفتاح القلوب هو كتاب الله ، وهو عنوان السير ، فمن فتح له في ~~فهم كتاب الله ، عند سماعه والتدبر في معانيه ، فهو علامة فتح قلبه ، فلا ~~يزال يزداد في حلاوة الكلام ، حتى يشرف على حلاوة شهود المتكلم من غير ~~واسطة ؛ وذلك غاية السير ، وابتداء الترقي في أنوار التوحيد وأسرار التفريد ~~، التي لا نهاية لها. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 282 # قلت : {كما خلقناكم} : بدل من {فرادى} ، أو حال ثانية ، و{لقد تقطع ~~بينكم} ؛ من قرأ بالرفع ، فهو فاعل ، أي : تقطع وصلكم ، ومن قرأ بالنصب ، ~~فظرف ، على إضمار الفاعل ، أي : تقطع الاتصال بينكم ، أو على حذف الموصول ؛ ~~لقد تقطع ما بينكم. # يقول الحق جل جلاله : {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} فزعم أنه يوحى ~~إليه ، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي ، أو : غير الدين ، كعمرو بن لحي ~~وأمثاله {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} كابن أبي سرح ومن تقدم ، إلا ~~من تاب ، كابن أبي سرح. {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} الذين قالوا : ~~{لو نشآء لقلنا مثل هذا} [الأنفال : 31] كالنضر بن الحارث وأشباهه. PageV02P393 # {ولو ترى إذ الظالمون} من اليهود والكذابين والمستهزئين ، حين يكونون {في ~~غمرات الموت} : شدائده {والملائكة باسطو أيديهم} لقبض أرواحهم ، أو بالضرب ~~لوجوههم وأدبارهم ، قائلين لهم : {أخرجوا أنفسكم} من أجسادكم ؛ تغليظا ~~عليهم ، {اليوم} وما بعده {تجزون عذاب الهون} أي : الهوان ، يريد العذاب ~~المتضمن للشدة والهوان ، وإضافته للهوان لتمكنه فيه. وذلك العذاب {بما كنتم ~~تقولون على الله غير الحق} ، كادعاء النبوة كذبا ، وادعاء الولد والشريك ~~لله ، {وكنتم عن آياته تستكبرون} فلا تستمعون لها ، ولا تؤمنون بها ، فلو ~~أبصرت حالهم ذلك الوقت لرأيت أمرا فظيعا وهولا شنيعا. # يقول الحق سبحانه لهم : {ولقد جئتمونا} للحساب والجزاء ، {فرادى}. ~~متفردين عن الأعوان والأوثان ، أو عن الأموال والأولاد ، وهذا أولى بقوله : ~~{كما خلقناكم أول مرة} أي : على الهيئة التي ولدتم عليها من الانفراد ~~والتجريد حفاة عراة غرلا {وتركتم ما خولناكم} أي : تفضلنا به عليكم من ~~الدنيا فشغلتم به عن الآخرة ، {وراء ظهوركم} ms0715 ، فلم تقدموا منه شيئا ، ولم ~~تحملوا معكم منه نقيرا ، {وما نرى معكم شفعاءكم} أي : أصنامكم {الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركاء} أي : أنهم شركاء مع الله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم ، ~~{لقد تقطع بينكم} أي : تفرق وصلكم وتشتت شملكم ، {وضل} أي : غاب {عنكم ما ~~كنتم تزعمون} أنهم شفعاؤكم ، أو لا بعث ولا حساب الظهور كذبكم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 283 # الإشارة : كل من ادعى حالا أو مقاما ، يعلم من نفسه أنه لم يدركه ولم ~~يتحقق به ، فالآية تجر ذيلها عليه. وفي قوله : {ولقد جئتمونا فرادى...} الخ ~~، إشارة إلى أن # 284 # الدخول على الله والوصول إلى حضرته ، لا يكون إلا بعد قطع الطلاق ~~والعوائق والشواغل كلها ، وتحقيق التجريد ظاهرا وباطنا ؛ إذا لا تتحقق ~~الفردانية إلا بهذا. PageV02P394 # وقال الورتجبي : ولي هنا لطيفة أخرى ، أي : ولقد جئتمونا موحدين بوحدانيتي ~~شاهدين بشهادتي ، بوصف الكشف والخطاب ، كما جئتمونا من العدم في بدء الأمر ~~، حين عرفتكم نفسي بقولي : {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف : 172] بلا ~~إشارة التشبيه وغلط التعطيل ، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم : " كل ~~مولد يولد على الفطرة " ، يعني : على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا ~~علة الاكتساب ، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت : وحاصل كلامه ، أن مجيئهم ~~فرادى ، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها ، حتى ~~رجعت لأهلها ، كما خلقها أول مرة ، أعني : مقدسة من شواهد الحس ، مطهرة من ~~لوث الإغيار ، على فطرة الأزل ، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها ~~الأول ، حين كانت على أصل التطهير ، كأنه قال : ولقد جئتمونا فرادى من الحس ~~وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى : {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} أي : من العلوم الرسمية ، ~~والطاعات البدنية والكرامات الحسية ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن ~~الفاسي العارف : كنت أعرف أربعة عشر علما ، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك ~~كله ، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. ه. وقوله تعالى : {وما نرى ~~معكم شفعاءكم} إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. ms0716 والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 283 # قلت : {ومخرج} : معطوف على {فالق} ، على المختار ؛ لأن {يخرج الحي} واقع ~~موقع البيان له ، و{سكنا} : مفعول بفعل محذوف ، أي : جعله سكنا ، إلا أن ~~يريد بجاعل : الاستمرار ، فحينئذ ينصب المفعول. PageV02P395 # يقول الحق جل جلاله : {إن الله فالق الحب والنوى} أي : يفلق الحب تحت الأرض ~~لخروج النبات منها ، ويفلق النوى لخروج الشجر منها ، {يخرج الحي} أي : كل ~~ما ينمو من الحيوان والنبات ؛ ليطابق ما قبله ، {من الميت} مما لا ينمو كالنطف # 285 # والحب. {ومخرج الميت من الحي} أي : ومخرج الحب والنطف من الحي ، {ذلكم ~~الله} أي : ذلكم المخرج والمحيي المميت هو الله المستحق للعبادة دون غيره ، ~~{فأنى تؤفكون} ؛ تصرفون عنه إلى غيره. # {فالق الإصباح} أي : شاق عمود النهار عن ظلمة الليل ، {وجاعل الليل سكنا} ~~أي : يسكن فيه من تعب النهار للاستراحة ، {و} جعل {الشمس والقمر حسبانا} أي ~~: على أدوار مختلفة ، يعلم بها حساب الأزمنة والليل والنهار ، أو حسبانا ~~كحسبان الرحا يدور بهما الفلك دورة بين الليل والنهار ، {ذلك} التسيير ~~بالحساب المعلوم ، هو {تقدير العزيز العليم} الذي قهرهما بعزته ، وسيرهما ~~على ذلك السير البديع بعلمه وحكمته. # الإشارة : إذا أحب الله عبدا فلق حبة قلبه بعشقه ومحبته ، وفلق نواة عقله ~~بالتبصر في عجائب قدرته ، فلا يزال قلبه يميل إلى حضرته ، وعقله يتشعشع ~~أنواره بازدياد تفكره في عجائب عظمته ، حتى تشرق عليها شمس العرفان ، فيفلق ~~عمود فجرها عن ظلمة ليل وجود الإنسان ، فيصير حيا بمعرفته ، بعد أن كان ~~ميتا بجهله وغفلته ، فيميته عن شهود نفسه ، ثم يحييه بشهود ذاته ، يخرج ~~الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ، جاعل ليل العبودية سكنا ، وشمس ~~العرفان وقمر الإيمان حسبانا ، تدور الفكرة بأنوارهما ، كما يدور الفلك ~~بالشمس والقمر الحسيين ذلك تقدير العزيز العليم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 285 PageV02P396 ~~يقول الحق جل جلاله : {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها} أي : ببعضها ~~{في ظلمات البر والبحر} أي : في ظلمات الليل في البر والبحر ، وأضاف ~~الظلمات إليهما ؛ لملابستها بهما ، أول في مشتبهات الطرق ms0717 في البر والبحر ، ~~وسماها ظلمات على الاستعارة ، {قد فصلنا الآيات} ؛ بيناها {لقوم يعلمون} ~~فإنهم المنتفعون بها. # الإشارة : جعل الحق جل جلاله نجوم العلم يهتدي السائرون بها في مشكلات ~~أمور الشريعة وأمور الحقيقة ، فلبر الشريعة علم يسير به أهله إلى جنته ~~ورضوانه ، ولبحر الحقيقة علم يسير به أهلها الطالبون لها إلى معرفة ذاته ~~وصفاته ، وشهودها في حال جلاله وجماله ، ولله در المجذوب رضي الله عنه ، ~~حيث قال : # العلم مرايا من هند ، والجهل صندوق راشي # من لا قرايش يعرف الله ما هو مبني على شي # 286 # جزء : 2 رقم الصفحة : 286 # قلت : من قرأ (مستقر) بفتح القاف ، فمصدر ، أو اسم مكان ومن قرأه بالكسر ~~، فاسم فاعل ، وعلى كل هو مبتدأ ، حذف خبره ؛ الجار والمجرور ، أي : لكم مستقر. # يقول الحق جل جلاله : {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} آدم عليه السلام ~~{فمستقر ومستودع} أي : فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض ، واستيداع في ~~الأرحام أو تحت الأرض ، أو موضع استقرار واستيداع فيهما ، أو : فمنكم مستقر ~~في الأصلاب أو في الأرض ، أي : قار فيهما ، ومنكم مستودع في الأرحام أو تحت الأرض. # وقيل : الاستقرار : في الأرحام ، والاستيداع : في الصلب ، بدليل قوله : ~~{ونقر في الأرحام ما نشآء} [الحج : 5]. # {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} أي : يفهمون دقائق أسرار القدرة ، ذكر مع ~~النجوم ، {يعلمون} ؛ لأن أمرها ظاهر ، وذكر مع تخليق بني آدم ؛ {يفقهون} ؛ ~~لأن إنشاءهم من نفس واحدة ، وتصريفهم على أحوال مختلفة ، دقيق يحتاج إلى ~~زيادة تفهم وتدقيق نظر. PageV02P397 # الإشارة : بعض الأرواح مستقرها الفناء في الذات ، ومستودعها الفناء في ~~الصفات ، وهم العارفون من أهل الإحسان ، وبعضها مستقرها الفناء في الصفات ، ~~ومستودعها الاستشراف على الفناء في الذات ، وهم أهل الإيمان بالغيب. وقال ~~الورتجبي : بعض الأرواح مستقرها الصفات ، ومستودعها الذات ، بنعت البقاء في ~~الصفات ، والفناء في الذات ، لأن القدم منزه أن يحل فيه الحدث. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 286 # قلت : الضمير في {منه} : يعود على النبات ، و{خضرا} : نعت لمحذوف ، أي : ~~شيئا خضرا ، و{قنوان} : مبتدأ ، و{من النخل} : خبر ، و{من طلعها} ms0718 : بدل ، ~~والطلع : # 287 # أول ما يخرج من التمر في أكمامه ، والقنوان : جمع قنو ، وهو العنقود من ~~التمر ، و{مشتبها} : حال من الزيتون والرمان ، أو من كل ما تقدم من النبات ~~، و{جنات} : عطف على {نبات كل شيء}. و{ينعه} أي : نضجه وطيبه ، يقال : ينعت ~~الثمرة ، إذا أدركت وطابت. # يقول الحق جل جلاله : {وهو الذي أنزل من السماء} أي : السحاب أو جانب ~~السماء ، {ماء فأخرجنا} ، فيه الالتفات من الغيبة إلى التكلم ، {به} أي : ~~بذلك الماء ، {نبات كل شيء} أي : نبت كل صنف من النبات على اختلاف أنواعه ، ~~فالماء واحد والزهر ألوان ، {فأخرجنا منه} أي : من النبات ، شيئا {خضرا} ~~وهو ما يتولد من أصل النبات من الفراخ ، {نخرج منه} أي : من الخضر ، {حبا ~~متراكبا} وهو السنبل ؛ لأن حبه بعضه فوق بعض ، وكذلك الرمان والذرة وشبهها ~~، {ومن النخل من طلعها قنوان دانية} أي : ويخرج من طلع النخل عناقيد ~~متدانية مقريبة من المتناول ، أو ملتفة ، قريب بعضها من بعض ، وإنما اقتصر ~~على المتداني دون العالي ؛ لزيادة النعمة والتمكن من النظر فيه ، دون ضده. PageV02P398 # {و} أخرجنا أيضا بذلك الماء ، {جنات} أي : بساتين ، {من أعناب} مختلفة ~~الألوان والأصناف {و} أخرجنا به {الزيتون والرمان} على اختلاف أصنافها ، ~~{مشتبها وغير متشابه} أي : من النبات والثمار ما يشبه بعضه بعضا ، في اللون ~~والطعم والصورة ، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضا ، وفي ذلك دليل قاطع على ~~الصانع المختار القدير العليم المريد ، ولذلك أمر بالنظر والاعتبار فقال : ~~{انظروا إلى ثمره} أي : انظروا إلى ثمرة كل واحد من ذلك {إذا أثمر} ، {و} ~~انظروا إلى {ينعه} ؛ إذا ينع ، أي : طاب ونضج ، والمعنى : انظروا إلى ثمره ~~أول ما يخرج ضعيفا لا منفعة ، فيه ، ثم ينتقل من طور إلى طور ، حتى يينع ويطيب. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 287 # إن في ذلكم لآيات} دالة على وجود الحكيم ووحدانيته ، فإن حدوث الأجناس ~~المختلفة والأنواع المتفننة ، ونقلها من حال إلى حال ، لا يكون إلا بإحداث ~~قادر ، يعلم تفاصيلها ، ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها ، ولا ~~يعوقه عن فعله ند ms0719 يعارضه ، أو ضد يعانده ، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك فقال ~~: {وجعلوا لله شركاء...} الخ. قاله البيضاوي. # الإشارة : من كحل عينه بإثمد التوحيد ، غرق الكائنات كلها في بحر التوحيد ~~والتفريد ، فكل ما يبرز لنا من المظاهر والمطالع ففيه نور من جمال الحضرة ~~ساطع ، ولذلك قال ابن الفارض رضي الله عنه : # عيني لغير جمالكم لا تنظر # وسواكم في خطري لا يخطر # 288 # وقال الششتري رضي الله عنه : # انظر جمالي شاهدا # في كل إنسان # كالماء يجري نافذا # في أس الإغصان # يسقى بماء واحد # والزهر ألوان # وقال صاحب العينية : # تجلى حبيبي في مرائي جماله # ففي كل مرئى للحبيب طلائع # فلما تبدى حسنه متنوعا # تسمى بأسماء فهون مطالع PageV02P399 ~~فما برز في عالم الشهادة هو من عالم الغيب على التحقيق ، فرياض الملكوت ~~فائضة من بحر الجبروت ، (كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان) ~~، ولا يعرف هذا ذوقا إلا أهل العيان ، الذين وحدوا الله في وجوده ، وتخلصوا ~~من الشرك جليه وخفيه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 287 # قلت : {الجن} : مفعول أول لجعلوا ، و{شركاء} : مفعول ثان ، وقدم لاستعظام ~~الإشراك ، أو {شركاء} : مفعول أول ، و{لله} : في موضع المفعول الثاني ، ~~و{الجن} : بدل من شركاء ، وجملة {خلقهم} : حال ، و{بديع} : خبر عن مضمر ، ~~أو متبدأ وجملة {أنى} : خبره ، وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي : مبدع ~~السماوات ، أو إلى فاعلها : أي : بديع سماواته ، من بدع ؛ إذا كان على نمط ~~عجيب ، وشكل فائق ، وحسن لائق. # يقول الحق جل جلاله : توبيخا للمشركين : {وجعلوا لله شركاء} في عبادته ، ~~وهم {الجن} أي : الملائكة ؛ لاجتنانهم أي : استتارهم ، فعبدوهم واعتقدوا ~~أنهم بنات الله ، # 289 # أو الجن حقيقة ، وهم الشياطين ؛ لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى ، أو ~~: عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم ، فقد أشركوا مع الله ، و{و} الحال أن ~~الله قد {خلقهم} أي : الجن أي : عبدوهم وهم مخلوقون ، أو الضمير للمشركين ، ~~أي : عبدوا الجن ، وقد علموا أن الله قد خلقهم دون الجن لعجزه ، وليس من ~~يخلق كمن لا يخلق. # {وخرقوا له} أي : اختلفوا وافتروا ، أو زوروا برأيهم ms0720 الفاسد له {بنين} ~~كالنصارى في المسيح ، واليهود في عزير ، {وبنات} كقول العرب في الملائكة : ~~إنهم بنات الله تعالى الله عن قولهم قالوا ذلك {بغير علم} أي : بلا دليل ~~ولا حجة ، بل مجرد افتراء وكذب ، {سبحانه وتعالى} أي : تنزيها له ، وتعاظم ~~قدره {عما يصفون} من أن له ولدا أو شريكا. PageV02P400 # وكيف يكون له الولد أو الشريك ، وهو {بديع السماوات والأرض} ؟ . أي : ~~مبدعهما ومخترعهما بلا مثال يحتذيه ، ولا قانون ينتحيه ، والمعنى : أنه ~~تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة : لأنه تعالى منزه عن ~~الأفعال بالمادة. والوالد عنصر الولد ، ومنفصل بانتقال مادته عنه ، فكيف ~~يمكن أن يكون له ولد ؟ . ولذلك قال : {أنى يكون له ولد} أي : من أين ، أو ~~كيف يكون له ولد ، {ولم تكن له صاحبة} يكون منها الولد ، فإن انتفاء ~~الصاحبة مستلزم لانتفاء الولد ، ضرورة استحالة وجود الولد بلا والدة في ~~العادة ، وانتفاء الصاحبة مما لا ريب فيه ، وكيف أيضا يكون له ولد {و} قد ~~{خلق كل شيء} ، فيكف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه ؟ {وهو بكل شيء ~~عليم} أي : أحاط بما من شأنه أن يعلم كائنا ما كان ، فلا تخفى عليه خافية ~~مما كان ، ومما سيكون من الذوات والصفات ، ومن جملتها : ما يجو عليه تعالى ~~وما يستحيل كالولد والشريك. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 289 PageV02P401 ~~ذلكم} المنعوت بما ذكر من جلائل الصفات ، هو {الله} المستحق للعبادة خاصة ، ~~{ربكم} أي ؛ مالك أمركم لا شريك له أصلا ، {خالق كل شيء} ، مما كان وسيكون ~~، ولا تكرار مع ما قبله ؛ لأن المعتبر فيما تقدم خالقيته لما كان فقط ، كما ~~تقتضيه صيغة الماضي ، بخلاف الوصف يصلح للجميع ، وإذا تقرر أنه خالق كل شيء ~~{فاعبدوه} ؛ فإن من كان خالقا لكل شيء ، جامعا لهذه الصفات ، هو المستحق ~~للعبادة وحده ، {وهو على كل شيء وكيل} أي : هو متولي أمور جميع عباده ~~ومخلوقاته ، التي أنتم من جملتها ، فكلوا أمركم إليه ، وتوسلوا بعبادته إلى ~~جميع مآربكم الدنيوية والأخروية ، فإنه يكفيكم أمرها بقدرته وحفظه. الإشارة ~~: كل من خضع لمخلوق في نيل ms0721 حظ دنيوي ، إنسيا أو جنيا ، أو أطاعه في معصية ~~الخالق ، فهو مشرك به مع ربه ، {ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا} ~~[النساء : 116] ، فلذلك عمل الصوفية على مجاهدة نفوسهم في مخالفة الهوى ؛ ~~لئلا تميل بهم إلى شيء من السوى ، وتحرروا من رق الطمع ، وتوجهوا بمهمتهم ~~إلى الحق وحده ، ليتبرأوا من أنواع الشرك كلها ، جليها وخفيها. حفظنا الله ~~بما حفظهم به. آمين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 289 # يقول الحق جل جلاله : {لا تدركه الأبصار} أي : لا تحيط به ، ولا تناله ~~بحقيقته ، وعن ابن عباس : ( لا تدركه في الدنيا ، وهو يرى في الآخرة) ، ~~ومذهب الأشعرية : أن # 291 # رؤية الله في الدنيا جائزة عقلا ، لأن موسى عليه السلام سألها ، ولا يسأل ~~موسى ما هو محال ، وأحالته المعتزلة مطلقا ، وتمسكوا بالآية ، ولا دليل ~~فيها ؛ لأنه ليس الإدراك مطلق الرؤية ، ولا النفي في الآية عاما في الأوقات ~~، فلعله مخصوص ببعض الحالات ، ولا في الأشخاص ؛ فإنه في قوة قولنا : لا كل ~~بصر يدركه ، مع أن النفي لا يوجب الامتناع. قاله البيضاوي. PageV02P402 # ثم قال تعالى : {وهو يدرك الأبصار} أي : يحيط علمه بها ؛ إذ لا تخفى عليه ~~خافية ، {وهو اللطيف الخبير} فيدرك ما لا تدركه الأبصار ، ويجوز أن يكون ~~تعليلا للحكمين السابقين على طريق اللف ، أي : لا تدركه الأبصار لأنه ~~اللطيف ، وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير ، فيكون اللطيف مقابلا للكثيف ، لا ~~يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها. قاله البيضاوي وأبو السعود. # الإشارة : اعلم أن الحق جل جلاله قد تجلى لعباده في مظاهره الأكوان ، ~~لكنه لحكمته وقدرته ، قد تجلى بين الضدين ، بين الأنوار والأسرار ، بين ~~الحس والمعنى ، بين مظهر الربوبية والب العبودية ، فالأنوار ما ظهر من ~~الأواني ، والأسرار ما خفي من المعاني ، فالحس ما يدرك بحاسة البصر ، ~~والمعنى ما يدرك بالبصيرة. فالحس رداء للمعنى ، فمن فتح الله بصيرته استولى ~~نور بصيرته على نور بصره ، فأدرك المعاني خلف رقة الأواني ، فلم تحجبه ~~الأواني عن المعاني ، بل تمتحق في حقه الأواني ، ولا يرى حينئذ إلا ~~المعاني. لذلك قال الحلاج ، لما سئل عن ms0722 المعرفة ، قال : (استهلاك الحس في ~~المعنى). فإذا فني العبد عن شهود حسه بشهود معناه ، غاب وجوده في وجود ~~معبوده ، فشاهد الحق بالحق. فالعارفون لما فنوا عن أنفسهم ، لا يقع بصرهم ~~إلا على المعاني ، فهم يشاهدون الحق عيانا. ولذلك قال شاعرهم : # مذ عرفت الإله لم أر غيرا # وعذا الغير عندنا ممنوع # وقال في الحكم : " ما حجبك عن الحق وجود موجود معه ؛ إذ لا شيء معه ، ~~وإنما حجبك توهم موجود معه ". PageV02P403 # وقوله تعالى : {لا تدركه الأبصار} أي : الأبصار الحادثة ، وإنما تدركه ~~الأبصار القديمة في مقام الفناء. وقال الورتجبي : لا تدركه الأبصار ، إلا ~~بأبصار مستفادة من أبصار جلاله ، وكيف يدركه الحدثان ؟ ووجود الكون عند ~~ظهور سطوات عظمته عدم. ه. أو لا تحيط به ، إذ الإحاطة بكنه الربوبية ~~متعذرة. وعلى هذا حمل الآية في نوادر الأصول ، قال : إدراك الهوية ممتنع ، ~~وإنما يقع التجلي بصفة من صفاته. # جزء : 2 رقم الصفحة : 291 # وقال ابن عبد الملك في شرح مشارق الصغاني ، ناقلا عن المشايخ : إنما ~~يتجلى الله لأهل الجنة ، ويريهم ذاته تعالى ، في حجاب صفاته ، لأنهم لا ~~يطيقون أن يروا ذاته بلا حجاب مرتبة من مراتب الصفات. وقال الورتجبي : ~~التجلي لا يكون بكلية الذات ، ولا بكلية الصفات ، وإنما يكون على قدر ~~الطاقات ، فيستحيل أن يقال : تجلى كل الهوى لذرة واحدة ، وإنما يتجلى لها ~~على قدرها. ه. # وتتفاوت الناس في لذة النظر يوم القيامة على قدر معرفتهم في الدنيا ، ~~وتدوم لهم النظرة على قدر اسغراقهم هنا ، فمن كان هنا محجوبا لا يرى إلا ~~الحس ، كان يوم القيامة كذلك ، إلا في وقت مخصوص ، يغيبه الحق تعالى عن حسه ~~، فيشاهد معاني أسرار الربوبية في مظاهر أنوار صفاته. ومن كان هنا مفتوحا ~~عليه في شهود المعاني ، كان يوم القيامة كذلك ، لا تغيب عنه مشاهدة الحق ساعة. # قال الغزالي في كتاب الأربعين : إذا ارتفع الحجاب بعد الموت انقلبت ~~المعرفة بعينها مشاهدة. # قلت : ومعنى كلامه : أن ما عرفه به هنا من التجليات ، صار بعينه هناك ~~مشاهدة ؛ لأن المعنى هناك غالب على الحس ms0723 ، بخلاف دار الدنيا ، الحس فيها ~~غالب ، إلا لمن غاب عنه واستهلكه. ثم قال : ويكون لكل واحد على قدر معرفته ~~، ولذلك تزيد لذة أولياء الله تعالى في النظر على لذة غيرهم ، ولذلك يتجلى ~~الله تعالى لأبي بكر خاصة ، ويتجلى للناس عامة. PageV02P404 # وقال في الإحياء : ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي على ~~درجات متفاوتة ، ثم ذكر حديث التجلي لأبي بكر المتقدم. ثم قال : فلا ينبغي ~~أن يظن أن غير أبي بكر ، ممن هو دونه ، يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده ~~أبو بكر ، بل لا يجده ، إلا عشر عشره ، إن كانت معرفته في الدنيا عشر عشره ~~، ولما فضل الناس بسر وقر في صدره ، فضل لا محالة بتجل انفرد به. # وقال أيضا : يتجلى الحق للعبد ، تجليا يكون انكشاف تجليه ، بالإضافة إلى ~~ما علمه ، كانكشاف تجلي المرئيات بالإضافة إلى ما تخيله أي : إلى ما وصفه ~~له الواصف. ثم قال : وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية ، ثم قال : ~~المعرفة الحاصلة في الدنيا هي التي تستكمل ، فتبلغ كمال الكشف والوضوح ~~وتنقلب مشاهدة ، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا ~~اختلاف ، إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح. وقال أيضا : وبحر المعرفة لا ~~ساحل له ، والإحاطة بكنه جلاله محال ، وكلما كثرت المعرفة وقويت ؛ كثر ~~النعيم في الآخرة ، وعظم ، كما أنه كلما كثر البذر وحسن ؛ كثر الزرع وحسن ، ~~ولا يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا ، ولا يزرع إلا في صعيد القلب ، ~~ولا حصاد إلا في الآخرة. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 291 # قال شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه : بل الرجال زرعوا اليوم وحصدوا ~~اليوم ، وفي تفسير الأقليشي لقوله : {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة : 6] ~~: ليس لهذه الهداية ما دام العبد في الدنيا نهاية ، حتى إذا حصل في جوار ~~الجبار ، ونظر إلى وجهه # 292 PageV02P405 ~~العظيم ، كان حظه من النعيم بقدر ما هداه في الدنيا لصراطه المستقيم. ه. ~~وقال في نوادر الأصول : في الحديث : " إن من أهل الجنة من ينظر إلى الله عز ~~وجل غدوة وعشيا ms0724 " وروي عن معاذ أنه قال : " صنف من أهل الجنة من ينظر إلى ~~الله عز وجل ، لا يستر الرب عنهم ولا يحتجب " ثم قال : وذكر أن الرضوان آخر ~~ما ينال أهل الجنة ، ولا شيء أكبر منه ، وكل عبد من أهل الجنة حظه من ~~الرضوان هناك فيها على قدر جوده بنفسه على الله في الدنيا. ه. # وقوله تعالى : {وهو اللطيف الخبير} ، قال الورتجبي : هو بلطف ذاته ممتنع ~~عن مطالعة خلقه ، مع علو شأن علمه وإحاطته بجميعهم ، وجودا وعدما ، أي : ~~وإنما يرى بنوره ، لا بالحواس الخفاشية ، فإنها تضعف عن مقاومة شعاعه ، ~~وتنخنس عند انكشاف سبحاته. ه. على نقل الحاشية الفاسية. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 291 # قلت : البصائر : جمع بصيرة ، وهي عين القلب ، كما أن البصر عين البدن ، ~~فالبصيرة ترى المعاني القديمة ، والبصر يرى الحسيات الحادثة. # يقول الحق جل جلاله : {قد جاءكم} أيها الناس {بصائر من ربكم} أي : براهين ~~توحيده ، ودلائل معرفته ، حاصلة من ربكم ، تنفتح بها البصائر ، وتبصر بها ~~أنوار قدسه ، {فمن أبصر} الحق ، وآمن به ، واستعمل الفكر فيه حتى عرفه ، ~~{فلنفسه} أبصر ، ولها نفع ، {ومن عمي} عنها ، ولم يرفع رأسا ، وضل عن الحق ~~، {فعليها} وباله وضرره ، ولا يتضرر بها غيره ، {وما أنا عليكم بحفيظ} أرقب ~~أعمالكم وأجازيكم ، وإنما أنا منذر ، والله هو الحفيظ عليكم ، يحفظ أعمالكم ~~ويجازيكم عليها. PageV02P406 # الإشارة : البصيرة كالبصر ، أدنى شيء يقع فيها يضر بناظرها ، وهي على أقسام ~~: منها ما تكون عمياء ، والعياذ بالله ، وهي التي فسد ناظرها بفساد ~~الاعتقاد ، كبصيرة الكفار ومن قاربهم ، ومنها ما تكون مريضة فقط ، لا تقاوم ~~شعاع شمس التوحيد الخاص ، وهي بصيرة أهل الغفلة ، ومنها ما يخف مرضها فيكون ~~لها شعاع ، تدرك قرب نور الحق منها ؛ وهي بصيرة المتوجهين من العباد ~~والزهاد ونهاية الصالحين. # ومنها ما تكون قريبة البرء والصحة ، قد انفتحت ، لكنها حيرى ؛ لما فاجأها ~~من النور ، وهي بصيرة المريدين السائرين من أهل الفناء ، ومنها ما تكون ~~صحيحة قوية ، قد تمكنت من شهود الأنوار ، ورسخت في بحر الأسرار ، وهي بصيرة ~~العارفين ms0725 المتمكنين في مقام البقاء ، وقد أشار في الحكم إلى الثلاثة فقال : ~~" شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق # 293 # منك ، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده ، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق لا ~~عدمك ولا وجودك ، كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 293 # قلت : تصريف الشيء : إجراؤه على أحوال متعاقبة وجهات مختلفة ، ومنه : ~~تصريف الرياح لهبوبه من جهات مختلفة ، ولما كانت آيات القرآن تنزل على ~~أنواع مختلفة في أوقات متعاقبة ، شبهت بتصريف الرياح على أنحاء مختلفة ، ~~{وليقولوا} : متعلق بمحذوف ، أي : وليقولوا : درست ، صرفنا الآيات ، واللام ~~للعاقبة ، وكذلك : {ولنبينه} : المتعلق واحد. PageV02P407 # يقول الحق جل جلاله : ومثل ذلك التصريف الذي صرفنا من الآيات ، من قوله : ~~{إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام : 95] ، إلى قوله : {قد جآءكم بصآئر ~~من ربكم} [الأنعام : 104] {نصرف الآيات} في المستقبل لتكون عاقبة قوم ~~الشقاء بها بتكذيبهم إياها ، {وليقولوا} لك : {دارست} أهل الكتاب ، وتعلمت ~~ذلك منهم ، وليس بوحي ، أو {درست} هذه الأخبار وعفت ، وأخبرت بها من إملاء ~~غيرك عليك ، كقولهم : أساطير الأولين ، وليكون عاقبة قوم آخرين الاهتداء ، ~~وإليهم الإشارة بقوله : {ولنبينه لقوم يعلمون} أي : وليتضح معناه عند قوم ~~آخرين ، فيهتدوا به إلى معرفتي وتوحيدي ومحل رضواني وكرامتي ، فالخطاب متحد ~~، والأثبر مختلف على حسب السابقة. # الإشارة : ظهور الآيات على يد أهل الخصوصية كالعلوم اللدنية والمواهب ~~الربانية لا يوجب لهم التصديق لجميع الخلق ، فلو أمكن ذلك لكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم أولى به ، بل لا بد من الاختلاف ، فقوم قالوا : هذه ~~العلوم... دارس فيها وتعلمها ، وقوم قالوا : بل هي من عند الله لا كسب فها ~~، قال تعالى : {ولا يزالون مختلفين} [هود : 118]. # جزء : 2 رقم الصفحة : 293 # يقول الحق جل جلاله : {اتبع ما أوحى إليك من ربك} بالدوام على التمسك به ~~، والاهتداء بهديه ، ودم على توحيده ، {لا إله إلا هو} ؛ فلا تصغ إلى من ~~يعبد معه غيره ، {وأعرض عن المشركين} ، فلا تحتفل بأقوالهم ، ولا تلتفت إلى ~~رأيهم ، وهذا محكم ، أو : أعرض عن عقابهم وقتالهم ، وهو منسوخ بآية ms0726 السيف ، ~~{ولو شاء الله ما أشركوا} : # 294 # لكن سبقت مشيئته بإشراكهم ، ولو أراد إيمانهم لآمنوا ، وهو حجة على ~~المعتزلة ، {وما جعلناك عليهم حفيظا} : رقيبا ، {وما أنت عليهم بوكيل} تقوم ~~بأمرهم ، وتلجئهم إلى الإيمان ؛ {إن أنت إلا نذير} [فاطر : 23]. PageV02P408 # الإشارة : الإعراض عن الخلق والاكتفاء بالملك الحق ركن من أركان الطريق ، ~~قال الشيخ زروق رضي الله عنه : أصول الطريقة خمسة أشياء : تقوى الله في ~~السر والعلانية ، واتباع الرسول في الأقوال والأفعال ، والإعراض عن الخلق ~~في الإقبال والإدبار ، والرجوع إلى الله في السراء والضراء ، والرضا عن ~~الله في القليل والكثير. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 294 # يقول الحق جل جلاله : {ولا تسبوا} أصنامهم {الذين} يدعونها آلهة ، ~~ويخضعون لها {من دون الله} أي : ولا تذكروا آلهتهم بسوء ، {فيسبوا الله ~~عدوا} أي : ظلما وتجاوزا عن الحق إلى الباطل ، {بغير علم} أي : على جهالة ~~بالله تعالى ، وبما يجب أن يذكر به من التعظيم ، روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يطعن في آلهتهم ، فقالوا : لتنتهين عن آلهتنا أو لنهجون إلهك ، ~~فنزلت. وقيل : كان المسلمون يسبون آلهتهم ، فنهوا ؛ لئلا يكون سبهم سببا ~~لسب الله تعالى ، واستدل المالكية بهذا على سد الذرائع. قال البيضاوي : ~~وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت لمعصية راجحة وجب تركها ، فإن ما يؤدي إلى ~~الشر شر. ه. وقال ابن العربي : وقاية العرض بترك سنة واجب في الدنيا. ه. # قال تعالى : {كذلك زينا لكل أمة عملهم} من الخير والشر ، نحملهم على ما ~~سبق لهم توفيقا أو تخذيلا ، أو يكون مخصوصا بالشر ، أي : زينا لكل أمة من ~~الكفرة عملهم السوء ؛ كسب الله تعالى وغيره من الكفر ، {ثم إلى ربهم مرجعهم ~~فينبئهم بما كانوا يعملون} من الخير فيجازيهم عليه ، أو من الشر فيعاقبهم عليه. PageV02P409 # الإشارة : العارف الكامل لا ينقص شيئا من مصنوعات الله ، ولا يصغر شيئا من ~~مقدورات الله ، بل يتأدب مع كل شيء ؛ لرؤية صنعة الله في كل شيء ، وكذلك ~~المريد اللبيب ، يتأدب مع كل من ظهر بالخصوصية في زمنه ، كان صادقا أو ~~كاذبا ؛ لئلا ms0727 يؤدي إلى تنقيص شيخه ، حين يذكر غيره بنقص أو غض. وفي الحديث ~~: " لعن الله من يسب والديه " فقالوا : وكيف يسب والديه يا رسول الله ؟ قال ~~" يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه وأمه " أو كما قال صلى الله عليه وسلم. # 295 # جزء : 2 رقم الصفحة : 295 # قلت : {جهد} : مصدر لعامل محذوف ، أي : واجتهدوا جهد أيمانهم ، وهو حال ، ~~أي : وأقسموا جاهدين أيمانهم ، ومن قرأ : {أنها} ؛ بالفتح ، فهو مفعول ~~بيشعركم ، أي : وما يدريكم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون ، وقيل : {لا} : ~~مزيدة ، أي : وما يدريكم أنهم لا يؤمنون إذا رأوها ، وقيل : إن ، هنا ، ~~بمعنى لعل. ومن قرأ بالكسر فهو استئناف ، وتم الكلام في قوله : {وما ~~يشعركم} أي : وما يشعركم ما يكون منهم ، فعلى القراءة بالكسر ، يوقف على : ~~{ما يشعركم} ، وأما على القراءة بالفتح ، فإن كانت أن مصدرية لم يوقف عليه ~~؛ لأنه عامل فيها ، وإن كانت بمعنى : لعل ، فأجاز بعض الناس الوقف ، ومنعه بعضهم. PageV02P410 # يقول الحق جل جلاله : {وأقسموا} أي : المشركون ، {بالله} واجتهدوا في ~~أيمانهم ، {لئن جاءتهم آية} ظاهرة يشهدونها ، {ليؤمنن بها} وبمن جاء بها ، ~~{قل} لهم : {إنما الآيات عند الله} وفي قدرته وإرادته ، يظهرها حيث شاء ، ~~وليس في قدرتي منها شيء ، {وما يشعركم} أي : وما يدريكم أيها المؤمنون ، ~~{أنها إذا جاءت لا يؤمنون} بها ، لما سبق لهم من الشقاء ، وقد كان المؤمنون ~~يتمنون إنزالها طمعا في إيمانهم ، وفي تنبيه على أنه تعالى إنما لم ينزلها ~~؛ لعلمه بأنها {إذا جاءت لا يؤمنون} بها. وقيل : الخطاب للمشركين ، ويتأتى ~~هذا على كسر " إن " ، أو على قراءة ابن عامر وحمزة : {لا تؤمنون} ؛ بتاء ~~الخطاب ، وقرىء : {وما يشعركم} بالغيبة ، فيكون إنكارا لهم على حلفهم. # ثم ذكر سبب عدم إيمانهم فقال : {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} عند نزول الآية ~~، أي : نصرف قلوبهم ونحولها عن الحق ، فلا يفقهون بها ، ونقلب أبصارهم عن ~~النظر والتفكر ، فلا يبصرون بها الحق ، فيصرون عن الإيمان بما أنزل إليك ~~{كما لم يؤمنوا به} أي : بما أنزل من الآيات ، {أول مرة ونذرهم في طغيانهم} ~~أي : في كفرهم وجحدهم ms0728 {يعمهون} أي : يتحيرون ، فلا نهديهم هداية المؤمنين. # الإشارة : سألني بعض العوام ، فقال لي : ليس لكم ولا لأصحابكم كرامات ~~تظهر فيمن آذاكم ، فقد كان أصحاب سيدي فلان وفلان يظهرون الكرامات ، ~~وينفذون في من آذاهم ؟ فقلت له : نحن على دم نبينا صلى الله عليه وسلم ، ~~أرسله الله رحمة للعالمين ، فقد أوذي وضرب ، فلما خيره ملك الجبال في أن ~~يطبق عليهم الأخشبين أي الجبلين قال : " لا ، # 296 PageV02P411 ~~لعل الله تعالى يخرج منهم من يعبد الله " وقال حين أكثروا إيذاءه : " اللهم ~~اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " فالأولياء المحققون : رحمة للعباد ، يتحملون ~~أذاهم ، ويتوجهون لمن آذاهم في الدعاء له بالهداية والتوفيق ، فهم قوم لا ~~يشقى جليسهم ، جالسهم بالإنكار أو بالإقرار ، وقد ظهرت الكرامات على بعض ~~الأولياء ولم ينقطع عنهم الإنكار ، فإن الإيمان أو التصديق بالنبي أو الولي ~~إنما هو محض هداية من الكبير العلي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 296 # قلت : {قبلا} : بكسر القاف ؛ معاينة ، وبضمتين : جمع قبيل ، أي : ضمناء ، ~~وهو حال. # يقول الحق جل جلاله : في الرد على المشركين ، حين أقسموا : لئن رأوا آية ~~ليؤمنن بها ، فقال تعالى : {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة} تشهد لك ~~بالنبوة كما اقترحوا ، {وكلمهم الموتى} كما طلبوا بقولهم : {فأتوا بأبآئنآ} ~~[الدخان : 36] ، وقالوا : إن قصيا كان شيخ صدق ، فابعثه لنا يكلمنا ويشهد ~~لك بما تدعي. # {و} لو {حشرنا عليهم} أي : جمعنا عليهم ، {كل شيء} من الحيوانات ~~والجمادات ، معاينة ، أو ضمناء ، تشهد لك بالرسالة والنبوة ، {ما كانوا ~~ليؤمنوا} بك في حال من الأحوال ، {إلا أن يشاء الله} إيمانهم فيمن لم يسبق ~~له الشقاء ، {ولكن أكثرهم يجهلون} أنهم لو أوتوا بكل آية لم يؤمنوا ، فكيف ~~يقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يعلمون ؟ ، فالجهل بهذا المعنى حاصل ~~لأكثرهم ، ومطلق الجهل حاصل لجميعهم ، أو : ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم ~~لا يؤمنون ، فيتمنون نزول الآية طمعا في إيمانهم. قاله البيضاوي. PageV02P412 # الإشارة : في الآية تسكين لقلوب الأولياء الداعين إلى الله ، حين يرون ~~الخلق قد حادوا عن باب الله ، وتعلقت هممهم بالدنيا الدنية ، وتشتتت قلوبهم ~~، وضاعت عليهم ms0729 أعمارهم ، فيتأسفون عليها ، فإذا تفكروا في هذه الآية ~~وأمثالها سكنوا وردوا أمر عباد الله إلى مشيئته وإرادته ، فلو شاء الله ~~لهدى الناس جميعا ، ولا يزالون مختلفين : {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء ~~الله}. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 296 # 297 # قلت : {شياطين} : بدل من {عدو} ؛ إذ هو بمعنى الجمع ، أو مفعول أول ~~لجعلنا ، و{عدوا} : مفعول ثان ، والضمير في {فعلوه} : للوحي ، أو للعداوة ، ~~و{غرورا} : مفعول له ، أو مصدر في موضع الحال {لتصغى} : عطف على غرورا ، أو ~~متعلق بمحذوف ، أي : فعلنا ذلك لتصغى...الخ. # يقول الحق جل جلاله : في تسلية نبيه عليه الصلاة والسلام : وكما جعلنا ~~لك أعداء من الكفار ، {جعلنا لكل نبي عدوا} من شياطين {الإنس والجن} أي : ~~من مردة الفريقين ، وشياطين الإنس أقبح ؛ لأنه يأتي في صورة ناصح ، لا يدفع ~~بتعوذ ولا غيره. {يوحي} أي : يوسوس ، {بعضهم إلى بعض} ، فيوسوس شياطين الجن ~~إلى شياطين الإنس ، ثم يوسوس شياطين الإنس إلى من يريد الحق اختباره ~~وابتلاءه ، يلقى إليه ذلك الشيطان {زخرف القول} أي : أباطيله ، أي : قولا ~~مزخرفا مزوقا {غرورا} أي : لأجل الغرور ، فإن أراد الله خذلان ذلك العبد ~~غره ذلك الشيطان بزخرف ذلك القول فيتبعه ، وإن أراد توفيقه وزيادته أيده ~~وعصمه ، وكل شيء يقدره وقضائه ، {ولو شاء ربك} هدايتهم ما فعلوا ذلك الوحي ~~، أو ما ذكر من المعاداة للأنبياء ، {فذرهم وما يفترون} على الله من الكفر ~~وغيره ، فلا تهتم بشأنهم. PageV02P413 # وإنما فعلنا ذلك الإيحاء {لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} ~~فيغتروا به ، {وليرضوه} لأنفسهم ، {وليقترفوا ما هم مقترفون} أي : ~~وليكتسبوا من الإثم والكفر ما هم مكتسبون بسبب ذلك الوحي من الجن أو الأنس ~~، وفي الآية دليل لأهل السنة في أن الله خالق الكفر والإيمان ، والطاعة ~~والمعصية ، فالمعصية خلقها وقدرها ، ولم يرضها ، {لا يسئل عما يفعل وهم ~~يسئلون} [الأنبياء : 23]. # الإشارة : كما جعل الله لكل نبي عدوا من شياطين الإنس والجن ؛ جعل ~~للأولياء كذلك ؛ تحويشا لهم إليه ، وتطهيرا لهم من البقايا ليصلحوا لحضرته ~~، قال في الحكم : " إنما أجرى الأذى عليهم كي لا ms0730 تكون ساكنا إليهم ، أراد ~~أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء ". وقال في لطائف المنن : اعلم أن ~~أولياء الله حكمهم في بدايتهم أن يسلط الخلق عليهم ليطهروا من البقايا ، ~~وتكمل فيهم المزايا ، كي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد ، أو يميلوا إليهم ~~باستناد ، ومن آذاك فقد أعتقك من رزق إحسانه ، ومن أحسن إليك فقد استرقك ~~بوجود امتنانه ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من أسدى إليكم نعما ~~فكافئوه ، فإن لم تقدروا فادعوا له " كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان ~~الخلق ، ويتعلق بالملك الحق. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 297 # وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : آذاني إنسان فضقت به ذرعا ، فرأيت ~~يقال لي : من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم. وقال بعضهم : ~~الصيحة من # 298 # العدو ، سوط من الله يزجر بها القلوب إذا ساكنت غيره ، وإلا رقد القلب في ~~ظل العز والجاه ، وهو حجاب عن الله تعالى عظيم. ه. PageV02P414 # وقال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه : ( عداوة العدو حقا : ~~اشتغالك بمحبة الحبيب حقا ، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك ، ~~وفاتتك محبة الحبيب). وقال بعض أشياخ الشعراني في بعض وصاياه له : لا تشتغل ~~قط بمن يؤذيك ، واشتغل بالله يرده عنك ؛ فإنه هو الذي حركه عليك ؛ ليختبر ~~دعواك في الصدق ، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير ، فاشتغلوا بأذى من آذاهم ~~، فدام الآذى مع الإثم ، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم وكفاهم أمرهم. ه. # وهذا كله إنما يكون في البدايات ، كما قال الشاذلي رضي الله عنه : ( ~~اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا).. فإذا تمت أنوارهم وتطهرت ~~من البقايا أسرارهم ، حكمهم في العباد ، وأذلهم لهم ، فيكون العبد المجتبى ~~سيفا من سيوف الله ، ينتصر الله به لنفسه ؛ كما نبه على ذلك في لطائف ~~المنن. وذلك من أسرار عدم مشروعية الجهاد من أول الإسلام ؛ تشريعا لما ~~ذكرنا ، وتحذيرا من الانتصار للنفس ، وعدم تمحض النصرة للحق. وعند الرسوخ ~~في اليقين ، والأمن من ms0731 مزاحمة الصدق غيره ، وقع الإذن في الجهاد ، هذا ~~بالنسبة إلى الصحابة الكرام ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكامل من أول ~~نشأته ، وإنما ذلك تشريع لغيره ، وترفيع لرتبته. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 297 # قلت : {غير} : مفعول ، و{حكما} : حال ، وهو أبلغ من حاكم ، ولذلك لا يوصف ~~به غير العادل ، و{صدقا وعدلا} : تمييز ، أو حال ، أو مفعول به. PageV02P415 # يقول الحق جل جلاله : قل يا محمد : {أفغير الله} أطلب {حكما} يحكم بيني ~~وبينكم ، ويفصل المحق منا من المبطل ، {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب} أي : ~~القرآن المعجز ، {مفصلا} ؛ مبينا قد بين فيه الحق من الباطل ، بحيث انتفى ~~به الالتباس ، فهو الحاكم بيني وبينكم ، فلا أطلب حاكما غيره ، وفيه تنبيه ~~على أن القرآن بإعجازه مغن عن سائر الآيات. {والذين آتيناهم الكتاب} كأحبار ~~اليهود ، {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} ؛ لتصديقه ما عندهم ، وموافقته له ~~في كثير من الأحبار ، {فلا تكونن من الممترين} في أنهم يعلمون ذلك ، أو في ~~أنه منزل من ربك ، والمراد غيره عليه الصلاة # 299 # والسلام ممن يطرقه ارتياب ، والمعنى : أن الأدلة تعاضدت على صحته ، فلا ~~ينبغي لأحد أن يمتري فيه. # {وتمت كلمة ربك} ؛ آيات القرآن ، بلغت الغاية في التمام والكمال ، {صدقا ~~وعدلا} أي : من جهة الصدق والعدل ، صدقا في الأخبار والمواعيد ، وعدلا في ~~الأقضية والأحكام ، فلا أصدق منها فيما أخبرت ، ولا أعدل منها فيما حكمت ، ~~{لا مبدل لكلماته} أي : لا أحد يقدر أن يبدل منها شيئا بما هو أصدق وأعدل ، ~~ولا أن يحرف شيئا منها ، كما فعل بالتوراة ، فهو ضمان من الحق لحفظ القرآن ~~، كما قال : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر : 9] أو : لا ~~نبي ولا كتاب بعدها ينسخها ويبدل أحكامها ، {وهو السميع} لكل ما يقال ، ~~{العليم} بكل ما يضمر ، فمن ألحد أو بدل فالله عليم به. PageV02P416 # الإشارة : من قواعد أهل التصوف : الرجوع إلى الله في كل شيء ، والاعتماد ~~عليه في كل نازل ، والتحاكم إلى الله في كل أمر ، إن توقفوا في حكم رجعوا ~~إلى كتاب الله ms0732 ، فإن لم يجدوه نصا ، رجعوا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فإن لم يجدوه ، استفتوا قلوبهم ، وفي الحديث عنه : " استفت قلبك وإن ~~أفتاك المفتون وأفتوك " وفي بعض الآثار قالوا : يا رسول الله ؛ أرأيت إن ~~اختلفنا بعدك ، ولم نجد نصا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ؟ قال : " ~~ردوه إلى صلحائكم ، واجعلوه شورى بينهم ولا تتعدوا رأيهم " أو كما قال ~~عليه الصلاة والسلام . # جزء : 2 رقم الصفحة : 299 # قلت : {من يضل} : موصولة ، أو موصوفة في محل نصب بفعل دل عليه {أعلم} ، ~~أي : يعلم من يضل ، فإن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعا. أو مبتدأ ~~، والخبر : {يضل} على أن {من} استفهامية ، والجملة : معلق عنها الفعل ~~المقدر ، كقوله تعالى : {لنعلم أي الحزبين أحصى} [الكهف : 12]. # يقول الحق جل جلاله : لرسوله عليه الصلاة والسلام ولمن كان على قدمه : ~~{وإن تطع أكثر من في الأرض} ؛ من الكفار أو الجهال أو من اتبع هواه {يضلوك ~~عن} طريق {الله} ، الموصلة إلى معرفته ، وحلول رضوانه ، فإن الضال لا يأمر ~~إلا بما هو فيه ، # 300 PageV02P417 ~~مقالا أو حالا. والمراد بهم : من لا يقين عندهم ، بل {إن يتبعون إلا الظن} ~~، وهو ما استحسنته عقولهم ، إما تقليدا ، كظنهم أن آباءهم كانوا على الحق ، ~~أو ما ابتدعوه برأيهم الفاسد من العقائد الزائفة والآراء الفاسدة ، {وإن هم ~~إلا يخرصون} أي : يكذبون على الله فيما ينسبون إليه ؛ كاتخاذ الولد ، وجعل ~~عبادة الأوثان وصلة إلى الله ، وتحليل الميتة وتحريم البحائر ، أو يقدرون ~~في عقولهم أنهم على شيء ، وكل ذلك عن تخمين وظن لا يقين فيه ، ثم قال لنبيه ~~: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} أي : هو عالم ~~بالفريقين ، لا يخفى عليه أهل الحق من أهل الباطل. # الإشارة : مخالطة العموم والركون إليهم والمعاملة معهم سموم قاتلة ، قال ~~بعض الصوفية : قلت لبعض الأبدال : كيف الطريق إلى التحقيق والوصول إلى الحق ~~؟ قال : لا تنظر إلى الخلق ، فإن النظر إليهم ظلمة ، قلت : لا بد لي ، قال ~~: لا تسمع كلامهم ؛ فإن كلامهم ms0733 قسوة ، قلت : لا بد لي ، قال : فلا تعاملهم ~~، فإن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة ، قلت : أنا بين آظهرهم ، لا بد لي من ~~معاملتهم ، قال : لا تسكن إليهم ؛ فإن السكون إليهم هلكة ، قلت : هذا لعله ~~يكون ، قال : يا هذا ، تنظر إلى اللاعبين ، وتسمع إلى كلام الجاهلين ، ~~وتعامل البطالين ، وتسكن إلى الهلكى ، وتريد أن تجد حلاوة المعاملة في قلبك ~~مع الله عز وجل!! هيهات ، هذا لا يكون أبدا. ه. PageV02P418 # وفي الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخوف ما أخاف على ~~أمتي ضعف اليقين " وإنما يكون برؤية أهل الغفلة ومخالطة أرباب البطالة ~~والقسوة ، وتربية اليقين وصحته إنما تكتسب بصحبة أهل اليقين واستماع كلامهم ~~، والتودد إليهم وخدمتهم. وفي بعض الأخبار : ( تعلموا اليقين بمجالسة أهل ~~اليقين) ، وفي رواية : " فإني أتعلمه " ، والحاصل : أن الخير كله في صحبة ~~العارفين الراسخين في عين اليقين. أو حق اليقين ، وما عداهم يجب اعتزالهم ، ~~كيفما كانوا ، إلا بقصد الوعظ والتذكير ، ثم يغيب عنهم ، وإلى هذا أشار ابن ~~الفارض رضي الله عنه بقوله : # جزء : 2 رقم الصفحة : 300 # يقول الحق جل جلاله : {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} عند ذبحه ، ولا ~~تتورعوا منه ، {إن كنتم بآياته مؤمنين} ، فإن الإيمان يقتضي استباحة ما أحل ~~الله تعالى ، واجتناب ما حرمه ، {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه} أي : ما يمنعكم منه ، وأي غرض لكم في التحرج عن أكله ؟ . {وقد فصل ~~لكم} في الكتاب ، أو فصل الله لكم {ما حرم عليكم} مما لم يحرم بقوله : ~~{حرمت عليكم الميتة...} [المائدة : 3] الآية {إلا ما اضطررتم إليه} مما حرم ~~عليكم ؛ فإنه حلال حال الضرورة. # {وإن كثيرا ليضلون} بتحليل الحرام وتحريم الحلال {بأهوائهم} أي : بمجرد ~~أهوائهم {بغير علم} ولا دليل ، بل بتشهي أنفسهم ، {إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين} المجاوزين الحق إلى الباطل ، والحلال إلى الحرام ، {وذروا} أي : ~~اتركوا {ظاهر الإثم وباطنه} أي : سره وعلانيته ، أو ما يتعلق بالجوارح ~~والقلب ، {إن الذين يكسبون الإثم} سرا أو علانية ، {سيجزون بما كانوا ~~يقترفون} ؛ يكتسبون. PageV02P419 # ولما أمرهم بأكل الحلال ms0734 نهاهم عن الحرام ، فقال : {ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه} ، بأن ترك التسمية عليه عمدا لا سهوا ؛ كما هو مذهب مالك ~~وأبي حنيفة. وقال الشافعي : تؤكل مطلقا ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " ~~ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه " ، وقال أحمد وداود : لا ~~تؤكل إن تركت مطلقا ، عمدا أو سهوا. # وقال ابن جزي : إنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها مما ذبح ~~للنصب ، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح ~~المسلمين ، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك. وقال عطاء : هذه ~~الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب. ه. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 301 # وإنه} أي : الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه {لفسق} أو : وإنه أي : عدم ~~ذكر اسم الله على الذبيحة ، لفسق ومن تزيين الشياطين ، {إن الشياطين ~~ليوحون} ؛ ليوسوسون {إلى أوليائهم} من الكفار {ليجادلوكم} بقولهم : إنكم ~~تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم # 302 # وتدعون ما قتله الله. وهذا يؤيد أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو ~~الميتة ، {وإن أطعتموهم} في استحلال ما حرمت عليكم ، {إنكم لمشركون} مثلهم ~~، لأن من أحل ما حرم الله فقد كفر ، والجواب عن شبهتهم : أن الذكاة تطهير ~~لخبث الميتة ، مع ضرب من التعبد. PageV02P420 # الإشارة : ليس المراد من التسمية على الطعام أو غيره مجرد اللفظ ، وإنما ~~المراد حضور المسمى ، وهو شهود المنعم في تلك النعمة ؛ لأن الوقت الذي يغلب ~~فيه حظ النفس ، ينبغي للذاكر المتيقظ أن يغلب فيه جانب الحق ، فيكون تناوله ~~لتلك النعمة بالله من الله إلى الله ، وهذا هو المقصود من الأمر بذكر اسم ~~الله ، لأن الاسم عين المسمى في التحقيق ، فإن كان الأكل أو غيره مما شرعت ~~التسمية في أوله ، على هذا التيقظ ، فهو طائع لله وعابد له في أكله وشربه ، ~~وسائر أحواله ، وإن كان غافلا عن هذا ، فأكله فسق ، قال تعالى : {ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} ، سبب ذلك : غلبة الغفلة. ~~والغفلة من ms0735 وحي الشيطان ، {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم}. أو : ولا ~~تنظروا إلى الأشياء بعين الفرق والغفلة ، بل اذكروا اسم الله عليها وكلوها ~~بفكرتكم {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله} عليه من الأشياء ؛ فإنه غفلة ~~وفسق في الشهود ، وقوله تعالى : {وذروا ظاهر الإثم} ؛ هو ما ظهر على ~~الجوارح من الذنوب ، وقوله : {وباطنه} ؛ هو ما كمن في السرائر من العيوب. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 301 # قلت : {كمن} : موصولة ، و{مثله} : مبتدأ ، و{في الظلمات} : خبره ، وقيل : ~~مثل هنا زائدة ، أي : كمن هو في الظلمات ، و{ليس بخارج} : حال من الضمير ~~في الخبر. # يقول الحق جل جلاله : {أو من كان ميتا} بالكفر والجهل {فأحييناه} ~~بالإيمان والعلم ، {وجعلنا له نورا} في قلبه أي : نور الإيمان والعلم ، ~~{يمشي به في الناس} ، فيذكرهم بالله ، ويدلهم على الله ، {كمن مثله} غريق ~~{في الظلمات} في ظلمة الكفر والجهل والتقليد والذنوب ، {ليس بخارج منها} أي ~~: لا يفارق ضلالته بحال. {كذلك} أي : كما زين الإيمان لهؤلاء {زين للكافرين ~~ما كانوا يعملون}. PageV02P421 # قال البيضاوي : مثل به من هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال ، وجعل له نور ~~الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء ، فيميز بين الحق والباطل ، والمحق ~~والمبطل ، ثم قال : والآية نزلت في حمزة وأبي جهل ، وقيل : في عمار وعمر ~~وأبي جهل. ه. ولفظها أعم ، وفي الآية من أنواع البيان : الطباق ؛ في قوله : ~~{ميتا فأحييناه}. # 303 # الإشارة : الروح تكون أولا على الفطرة التي فطرها الله عليها ، من العلم ~~والإقرار بالربوبية ، فإذا بلغت قد تطرأ عليها موتات ، ثم تحيا من كل واحدة ~~على حسب المشيئة ، فقد تموت بالكفر ، ثم تحيا بالإيمان ، وقد تموت بالذنوب ~~والجرائم ، ثم تحيا بالتوبة ، وقد تموت بالحظوظ والشهوات ، ثم تحيا بالزهد ~~والورع والرياضة ، وقد تموت بالغفلة والبطالة ثم تحيا باليقظة والإنابة ، ~~وقد تموت برؤية الحس وسجن الأكوان والهيكل ، ثم تحيا برؤية المعاني وخروج ~~الفكرة إلى فضاء الشهود والعيان ، ثم لا موت بعد هذا إلى أبد الأبد. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 303 # قلت : {جعلنا} بمعنى صيرنا ms0736 ، يتعدى إلى مفعولين ، و{مجرميها} : مفعول أول ~~، مؤخر ، و{أكابر} : مفعول ثان ، وفيه ضعف من جهة الصناعة ؛ لأن أكابر جمع ~~أكبر ، وهو من أفعل التفضيل ، فلا يستعمل إلا بالإضافة ، أو مقرونا بمن. ~~قاله ابن جزي. # قلت : ويجاب بأنه لم يقصد به المفاضلة ، وإنما المراد مطلق الوصف ، أي : ~~جعلناهم كبراء ، فلا يلزم إفراده ولا اقترانه بمن. فتأمله. # يقول الحق جل جلاله : {وكذلك} أي : كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ، ~~ليمكروا فيها بأهلها ، {جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} أي : مجرميها ~~أكابر ، {ليمكروا فيها} بمن فيها ، فيمكروا بالناس فيتبعوهم على ذلك المكر ~~، لأنهم أكابر تصعب مخالفتهم ، فيحملونهم على الكفر والعصيان ، ويخذلونهم ~~عن الإسلام والإيمان ، {وما يمكرون إلا بأنفسهم} ؛ لأن وبال مكرهم راحج ~~إليهم ، {وما يشعرون} بذلك. PageV02P422 # الاشارة : إذا أراد الله بقوم خيرا جعل الخير في أكابرهم : فيجعل أمراءهم ~~عدولا حلماء ، وعلماءهم زهادا أعفاء ، وأغنياءهم رحماء أسخياء ، وصلحاءهم ~~قانعين أغنياء ، وإذا أراد بهم شرا جعل الشر في كبرائهم ، فيجعل أمراءهم ~~فجارا يحكمون بالهوى ، وعلماءهم حراصا جامعين للدنيا ، وأغنياءهم أشحاء ~~قاسية قلوبهم ، وصلحاءهم طماعين في الناس ، منتظرين لما في أيديهم ، ~~فبهؤلاء يصلح الدين إذا صلحوا ، ويفسد إذا فسدوا ، وفي ذلك يقول ابن ~~المبارك رحمه الله : # وهل أفسد الدين إلا الملوك # وأحبار سوء ورهبانها # 304 # وقد تقدم تمامه في تفسير سورة البقرة. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 304 # قلت : {حيث} : مفعول بفعل مقدر ، لا بأعلم ؛ لأن أفعل التفضيل لا ينصب ~~المفعول به ، أي : يعلم حيث يجعل رسالته ، أي : يعلم المكان الذي يصلح ~~للرسالة ، إلا إن أول أفعل بما لا تفضيل فيه ، فينتصب المفعول به ، ويحتمل ~~أن يكون هذا منه ، قال أبو حيان : ويحتمل أن تكون حيث على بابها من الظرفية ~~المجازية ، ويضمن أعلم معنى يتعدى إلى الظرف ، والتقدير : الله أنفذ علما ~~حيث يجعل رسالته. انظر المحشي. PageV02P423 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا جاءتهم} أي : هؤلاء المجرمين الأكابر ، {آية} ~~نزلت على نبي ، {قالوا لن نؤمن} بها {حتى نؤتى} من النبوة {مثل ما أوتي رسل ~~الله} ، فنكون أنبياء مثلهم ms0737 ، والقائل لهذه المقالة أبو جهل ، قال : ~~تزاحمنا : بنو عبد مناف الشرف مع بني هاشم ، حتى إذا صرنا كفرسى رهان ، ~~قالو : منا نبي يوحى إليه ، والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ~~، فنزلت الآية. وقيل : في الوليد بن المغيرة ، قال : أنا أولى بالنبوة من ~~محمد. فرد الله على من قال ذلك بقوله : {الله أعلم حيث يجعل رسالته}. فعلم ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم أهل للرسالة ، فخصه بها ، وعلم أنهم ليسوا ~~بأهل لها ، فحرمهم إياها ، فإن النبوة ليست بمجرد النسب والمال ، وإنما هي ~~بفضائل نفسانية يخص الله بها من يشاء من عباده ، بل بمحض الفضل والكرم ، ~~فيجتبى لرسالته من علم أنه يصلح لها ، وهو أعلم بالمكان الذي فيه يضعها. # ثم ذكر وعيد المنكرين ، فقال : {سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله} أي : ~~ذل وحقارة يوم القيامة ، بعد تكبرهم وارتفاعهم في الدنيا. روي " أنهم ~~يبعثون في صورة الذر ، يطؤهم الناس في المحشر ". {و} يصيبهم {عذاب شديد بما ~~كانوا يمكرون} أي : بسبب مكرهم ، أو جزاء مكرهم. كما تدين تدان. # الإشارة : ما حرم الناس من الخير إلا خصلتان : التكبر والحسد ، فمن طهر ~~قلبه من الحسد ، وتواضع لكل أحد ، نال الرفعة والشرف عند الله في الدنيا ~~والآخرة ، ولا يضع الله سر الخصوصية إلا في قلب طاهر متواضع ، يحط صاحبه ~~رأسه لأقدام الرجال ، ويذل # 305 # نفسه لأهل الصفاء والكمال ، وفي ذلك يقول الشاعر : # جزء : 2 رقم الصفحة : 305 # يا من يلوم خمرة المحبة # قولوا له عني هي حلال # ومن يرد يسقى منها غبا # خد يضع لأقدام الرجال # رأسي حططت بكل شيبه # هم الموالي سقوني زلال PageV02P424 ~~فكما أن الحق تعالى علم حيث يجعل رسالته ، علم حيث يجعل سر ولايته ، وهي ~~النفوس المتواضعة المتطهرة من رذائل النفوس ؛ كالحسد والكبر وسائر الأوصاف ~~المذمومة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 305 # قلت : من قرأ {حرجا} ؛ بالفتح ، فهو مصدر وصف به للمبالغة ، ومن قرأ ~~بالكسر ، فوصف ، أي : شديد الضيق ، ومن قرأ {يصعد} ؛ بالشد والقصر ، فأصله ~~: يتصعد ، أدغم التاء في الصاد ، ومن ms0738 قرأ : {يصاعد} ؛ فأصله : يتصاعد ، ~~فأدغم أيضا. # يقول الحق جل جلاله : {فمن يرد الله أن يهديه} أي : يعرفه طريق الحق ~~ويوفقه للإيمان {يشرح صدره} أي : يوسعه {للإسلام} ، فيتسع له ، ويقبله ، ~~ويغتبط به ، ويبتهج ، فرحا وسرورا. والشرح : كناية عن جعل النفس قابلة للحق ~~، مهيأة لحلوله فيها ، مصفاة عما يمنعها منه ، وإليه أشار النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، حين سئل عنه ، فقال : " نور يقذفه الله في قلب المؤمن ، فينشرح ~~له وينفسح " قالوا : هل لذلك أمارة يعرف بها ؟ قال " نعم ، الإنابة إلى دار ~~الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول ". ثم ذكر ~~ضده ، فقال : {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} ؛ شديد الضيق ، بحيث ~~ينبو عن قبول الحق ، فلا يدخله الإيمان ، ولا ينشرح صدره له ، بل يفر منه ، ~~ويثقل عليه {كأنما يصعد في السماء} أي : يتكلف الصعود فيه. شبهه على وجه ~~المبالغة بمن يحاول ما لا يقدر عليه ، فإن صعود السماء غاية فيما يبعد عن ~~الاستطاعة ، تنبيها على أن الإيمان تمنع عليه كما يمتنع عليه الصعود إلى ~~السماء ، {كذلك} أي : كما # 306 # يضيق صدر الكافر ويبعد قلبه عن الحق ، {يجعل الله الرجس} أي : العذاب ~~والخذلان ، {على الذين لا يؤمنون} ، ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل. PageV02P425 # {وهذا} البيان الذي جاء به القرآن ، أو ما سبق من التوفيق والخذلان ، {صراط ~~ربك} أي : الطريق الذي ارتضاه ، إن قلنا : الإشارة للبيان ، أو عادته ~~وطريقه الذي اقتضته حكمته ، إن قلنا ما سبق من التوفيق والخذلان ، حال كونه ~~{مستقيما} لا عوج فيه ، أو عادلا مطردا لا جور فيه ، {قد فصلنا الآيات} أي ~~: بيناها {لقوم يذكرون} فيعلمون أن الفاعل هو الله وحده ، وأن كل ما يحدث ~~من خير وشر ، أو إيمان وكفر ، بقضائه وخلقه ، فإنه عالم بأفعال العباد ، ~~حكيم عادل فيما يفعل بهم من تقريب أو إبعاد. # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 # الإشارة : فمن يرد الله أن يهديه لسر الخصوصية ونور الولاية يشرح صدره ~~للدخول في طريقها ، ويوفقه لبذل نفسه وروحه في تحصيلها ، ويصبره على حمل ~~لأوائها ، وينهضه إلى ms0739 السير في ميدانها ، بعد أن يسقطه على شيخ كامل عارف ~~بطريقها ، فيحققه بخصوصيته ، ويطلعه على سر ولايته ، حتى يلقى القياد إليه ~~بكليته ، فلا يزال يسايره حتى يقول له : ها أنت وربك. ومن يريد أن يضله ~~عنها يجعل صدره ضيقا عن قبولها ، حرجا عن الدخول فيها ، حتى يثقل عليه حمل ~~أعبائها ، أو ينكر وجود أهلها ، كذلك يجعل الله رجس حجابه على الذين لا ~~يؤمنون بطريق الخصوص ، فإنه طريق مستقيم يوصل إلى حضرة النعيم في الدنيا ~~والآخرة. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 306 PageV02P426 ~~يقول الحق جل جلاله : {لهم دار السلام} التي هي الجنة. والسلام اسم الحق ~~تعالى ، وأضافها إلى نفسه تعظيما لها ، أو دار السلامة من المكاره ، أو دار ~~التحية ؛ {تحيتهم فيها سلام} [إبراهيم : 23 ؛ يونس : 10] ، {عند ربهم} ~~ذخيرة لهم عنده حين يقدمون عليه ، لا يعلم كنهها غيره ، أو في ضمانه ~~وكفالته ، {وهو وليهم} أي : مولاهم وناصرهم في الدارين ، {بما كانوا ~~يعملون} أي : بسبب أعمالهم ، أي : تولاهم بسبب أعمالهم الصالحة ، فيحفظهم ~~في الدنيا ، هم وذريتهم ، ويحفظهم في الآخرة كذلك. # الإشارة : من هداه الله لطريق الخصوصية ، واستعمله في الوصول إليها ، ~~ووصله إلى من يسيره إليها ، فقد دخل دار السلام قبل موته ، فلله جنتان ؛ ~~جنة المعارف وجنة الزخارف ، من دخل جنة المعارف لم يشتق إلى جنة الزخارف ، ~~لأن الله تولاه وأغناه عما سواه. # 307 # جزء : 2 رقم الصفحة : 307 # قلت : {خالدين} : حال مقدرة من الكاف ، والعامل فيه : {مثواكم} ، إن جعل ~~مصدرا ، أو معنى الإضافة ، إن جعل مكانا. PageV02P427 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم نحشرهم} أي : الثقلين ، {جميعا} ونقول ~~: {يا معشر الجن} أي : الشياطين {قد استكثرتم من الإنس} أي : من إغوائهم ~~وإضلالهم ، أو استكثرتم منهم بأن جعلتموهم في أتباعكم ، فحشروا معكم ، ~~{وقال أولياؤهم من الإنس} الذين أطاعوهم في الكفر : {ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض} أي : انتفع الإنس بالجن ، بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها ~~، وانتفع الجن بالإنس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم : وقيل : استمتاع الإنس ~~بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفارز وعند ms0740 المخاوف ، كان الرجل إذا نزل ~~واديا يقول : أعوذ بصاحب هذا الواد ، يعني كبير الجن ، واستمتاعهم بالإنس : ~~اعترافهم بأنهم يقدرون على إجارتهم ، {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} وهو ~~الموت أو البعث والحشر ، وهو اعتراف بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع ~~الهوى ، وتكذيب البعث ، وتحسر على حالهم ، وإظهار للأستكانة والضعف. أقروا ~~بذنبهم لعله ينفعهم. # {قال النار مثواكم} : منزلكم ، {خالدين فيها إلا ما شاء الله} ؛ إلا ~~أوقات ، ينتقلون فيها من النار إلى الزمهرير ، وقيل : ليس المراد ~~بالاستثناء هنا الإخراج ، وإنما هو على وجه الآدب مع الله وإسناد الأمور ~~إليه. وسيأتي في الإشارة تكميله إن شاء الله ، {إن ربك حكيم} في أفعاله ، ~~{عليم} بأعمال الثقلين. # {وكذلك} أي : كما ولينا الشياطين على الكفرة ، {نولي بعض الظالمين بعضا} ~~أي : نكل بعضهم إلى بعض ، أو نجعل بعضا يتولى بعض فيقويهم ، أو : أولياءهم ~~وقرناءهم في العذاب ، كما كانوا قرناء في الدنيا ، وذلك التولي والتسليط ~~{بما كانوا يكسبون} من الكفر والمعاصي. PageV02P428 # الإشارة : ليست الآية خاصة بالكفار ، بل كان عوق الناس عن طريق الخصوص ، ~~واستكثر من العموم ؛ بأن أبقاهم في حزبه ، يقال له : يا معشر أهل الرياسة ~~قد استكثرتم من العموم ، فيقول أهل اليمين من العموم : ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض فتبعناهم في الوقوف مع الحظوظ والعوائد ، وتمتعوا بتكثير سوادهم بنا ~~وتنعيش رياستهم ، مع ما يلحقهم من # 308 # الارتفاق من قبلنا ، فيقول الحق تعالى : نار القطيعة والحجاب مثواكم ~~خالدين فيها ، إلا وقت الرؤية مع عوام الخلق ، وهذه عادته تعالى : يولي بعض ~~الغافلين بعضا بسبب غفلتهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 308 # وفي قوله تعالى : {إلا ما شاء الله} إرشاد إلى استعمال الأدب ، ورد ~~الأمور كلها إلى رب الأرباب ، وعدم التحكيم على غيب مشيئته وعلمه ، وقوفا ~~مع ظاهر الوعد أو الوعيد ، فالأكابر لا يقفون مع وعد ولا وعيد ، كقول عيسى ~~عليه السلام : {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة : 118] ، ~~وكقوله إبراهيم عليه السلام : {ولآ أخاف ما تشركون به إلآ أن يشآء ربي ~~شيئا} [الأنعام : 80] الآية ، وكقوله : {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} ~~[إبراهيم ms0741 : 36] ، وكقول شعيب عليه السلام : {وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلآ ~~أن يشآء الله ربنا} [الأعراف : 89] ، وكاستغفار نبينا صلى الله عليه وسلم ~~للمنافقين قبل نزول النهي ، وبعد نزوله ، {إن تستغفر لهم سبعين مرة...} ~~[التوبة : 80] الآية. وكقوله ، يوم بدر : " إن تهلك هذه العصابة لن تعبد " ~~، مع تقدم الوعد بالنصر ، وكخوف موسى بعد قوله : {لآ تخافآ إنني معكمآ...} ~~[طه : 46] الآية. PageV02P429 # ومنه : خوف الأكابر بعد تأمينهم ؛ لأن ظاهر الوعد والوعيد لا يقضي على باطن ~~المشيئة والعلم ، ومثله يجري في سورة هود في قوله : {إلا ما شآء ربك} [هود ~~: 107] ، وفي سورة يوسف : {وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف : 110] بالتخفيف ، ~~وغير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة ، وانظر الورتجبي. فقد انفرد بمقالة ، ~~بعد حكاية اتفاق مذاهب المسلمين جميعا على عدم غفران الشرك ، ولكن قول عيسى ~~عليه السلام : {وإن تغفر لهم...} الآية ، يشير إلى ما أشار إليه ابن عباس ~~وابن مسعود في قوله تعالى : {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شآء ربك} [هود : 107] قال : تؤمر النار أن تأكلهم وتفنيهم ، ثم يجدد خلقهم ~~، ويرجى من كرم الله ولطفه إدخالهم بعد ذلك الجنة ، قال : وهذا مرجو ، ليس ~~بمعتقد أهل السنة. ه. # قال في الحاشية : وهو يرجع عند التحقيق إلى طرح الأسباب وعدم الوقوف معها ~~، نظرا إلى أن الحق تعالى لا يتقيد في وعيد ولا وعد ، فمن غلبه النظر إليه ~~، سرى إليه الرجاء في عين التخويف ، كما أنه يسري الخوف في عين الرجاء ، ~~لكونه اقتطع من الوقوف مع خصوص وصف ، ولما كانت تلك الحالة هي عين الأدب ~~اللائق بالعبودية مع الله تعالى أرشد تعالى إليها بقوله : {إلا ما شاء ~~الله} ، {إلا ما شآء ربك} [هود : 107] ، وهو حال أهل الحقيقة ، والوقوف مع ~~خصوص الوعد أو الوعيد حال أهل الشريعة. انتهى ببعض اختصار. وقد رد الثعالبي ~~هذه المقالة التي حكاها الورتجبي. # 309 # جزء : 2 رقم الصفحة : 308 # قلت : {ذلك أن لم يكن ربك} : خبر عن مضمر ، وأن على حذف لام العلة ، أي : ~~الأمر ذلك ؛ لأجل أن لم يكن ربك متصفا ms0742 بالظلم. PageV02P430 # يقول الحق جل جلاله : يوم القيامة في توبيخ الكفار : {يا معشر الجن والإنس ~~ألم يأتكم رسل منكم} أي : من مجموعكم ، أو رسل الجن : نذرهم الذين يبلغون ~~لهم شريعة الأنس ؛ إذ ليس في الجن رسل على المشهور. وروى الطبري من طريق ~~الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك ، واحتج بأنا لله تعالى أخبر أن من الجن والإنس ~~رسلا أرسلوا إليهم ، يعني ظاهر هذه الآية. وأجاب الجمهور بأن معنى الآية : ~~أن رسل الإنس رسل من قبل الله أليهم ، ورسل الجن يبلغون كلام رسل الأنس ~~إليهم ، ولهذا قال قائلهم : {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} [الأحقاف : ~~30] الآية ، فالرسالة إلى الجن خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، أي : ~~مع الإنس. # حال كون الرسل الذين أتوكم {يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} ~~يعني يوم القيامة ، قالوا في الجواب : {شهدنا على أنفسنا} بالكفر والعصيان ~~، وهو اعتراف منهم بما فعلوا. # قال تعالى : {وغرتهم الحياة الدنيا} ؛ ألهتهم بزخرفها عن النظر والتفكر ، ~~{وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} ، وهذا ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ ~~رأيهم ، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات الفاتية ، وأعرضوا عن ~~الآخرة بالكلية ، حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم ~~بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد ؛ تحذيرا للسامعين وإرشادا لهم. قاله ~~البيضاوي. # ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال : {ذلك} الإرشال حكمته ل {أن لم يكن ربك ~~مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} أي : إنما أرسل الرسل لئلا يكون ظالما لهم ~~بإهلاكهم بسبب ظلم فعلوه ، وهم غافلون عن الإنذار ، بحيث لم ينذرهم أحد ، ~~أو : لم يكن مهلك # 310 # القرى ملتبسا بظلم حيث أهلكهم من غير إنذار ، ففاعل الظلم ، على الأول : ~~القرى ، وعلى الثاني : الله تعالى ، على تقدير إهلاكهم من غير إنذار. ~~والأول يتمشى على مذهب المعتزلة ، والثاني على مذهب أهل السنة. انظر ابن جزي. # { PageV02P431 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 310 # ولكل} من الإنس والجن {درجات} ؛ مراتب ، {مما عملوا} من أجل أعمالهم ~~بالخير والشر ، فهم متفاوتون في النعيم والعذاب ، وظاهر الآية : أن الجن ~~يثابون ويعاقبون ؛ لأنهم مكلفون ms0743 ، وهو المشهور ، واختلف : هل يدخلون الجنة ~~أم لا ؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء موقوفا : أنهم يكونون ~~ترابا كسائر الحيوانات ، وروي عن أبي حنيفة مثله ، وذهب الجمهور وهو قول ~~الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ، وغيرهم ؛ أنهم يثابون على الطاعة ~~ويدخلون الجنة. ثم اختلفوا ، هل يدخلون مدخل الإنس ، وهو الأكثر ، أو ~~يكونون في ربض الجنة ، وهو عن مالك وطائفته ، أو أنهم أصحاب الأعراف ، أو ~~التوقف عن الجواب ؟ في هذا أربعة أقوال ، والله تعالى أعلم بغيبه. {وما ربك ~~بغافل عما يعملون} فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق عليه من ثواب أو عقاب. # {وربك الغني} عن العباد وعبادتهم ، {ذو الرحمة} يترحم عليهم بالتكليف ، ~~تكميلا ، ويمهلهم على المعاصي حلما ، وليس له حاجة في طاعة ولا معصية ، {إن ~~يشأ يذهبكم} أيها العصاة ، {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} من الخلق ، {كما ~~أنشأكم من ذرية قوم آخرين} ؛ فأنشأكم قرنا بعد قرن ، لكنه أبقاكم رحمة بكم ~~، {إن ما توعدون} من البعث وما بعده ، {لآت} لا محالة ، {وما أنتم بمعجزين} ~~؛ تعجزون قدرة الله الطالب لكم بالبعث والحساب. # الإشارة : كما أن الحق تعالى لم يعذب الكفار إلا بعد إرسال الرسل ، كذلك ~~لا يعاقب أهل الإصرار إلا بعد بعث الأطباء ؛ وهم أهل التربية النبوية ، فكل ~~من لم يصحبهم وينقد إليهم مات مصرا على الكبائر أي : كبائر القلوب وهو لا ~~يشعر ، فيلقى الله بقلب سقيم ، فيعاقبه الحق تعالى على عدم صحبتهم ، ~~ومعاتبته له : بعده عن مشاهدته وعن مقام المقربين ، فإذا رأى مقام المقربين ~~وقربهم من الحضرة ، قال : غرتنا الحياة الدنيا ورخارفها ، وجاهها ورياستها ~~، وشهد على نفسه أنه كان غافلا. PageV02P432 # فحكمة وجود الأولياء في كل قرن ؛ لتقوم الحجة على أهل الغفلة ، فإذا وقع ~~البعد لقوم لم يكن الحق ظالما لهم ، فالدرجات على حسب المقامات ، والمقامات ~~على حسب الأعمال ، وأعمال القلوب هي التي تقرب إلى حضرة علام الغيوب ، بها ~~يقع القرب ، وبالخلو عنها يقع البعد. وعليها دلت الأولياء بعد الأنبياء ، ~~لأن الأنبياء جاؤوا بالشريعة الظاهرة والحقيقة الباطنة ، فمن رأوه أهلا لسر ms0744 ~~الحقيقة دلوه عليها ، فكان من المقربين ، ومن رأوه ضعيفا عنها دلوه على ~~الشريعة ، فكان من أصحاب اليمين. وبالله التوفيق. # 311 # جزء : 2 رقم الصفحة : 310 # قلت : {من تكون} : إما مفعول {تعلمون} ، أو مبتدأ ، وهي إما موصولة أو ~~استفهامية ، والمكانة : التمكن أو الجهة ، يقال : مكان ومكانة كمقام ~~ومقامة. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : {يا قوم اعملوا على مكانتكم} أي : ~~تمكنكم من هواكم وشهواتكم التي أنتم عليها ، أو على ناحيتكم وجهتكم التي ~~أنتم عليها من الكفر والهوى ، والمعنى : اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر ~~والعداوة ، {إني عامل} على ما أنا عليه من المصابرة والثبات على الدين ~~الحق. والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد ، كأن الذي يهدده يريد تعذيبه ~~لا محالة ، فيحمله بالأمر على ما يفضي به إليه ، وتسجيل بأن المهدد لا يأتي ~~منه إلا الشر ، كالمأمور به الذي لا يقدر أن ينقضي عنه. قاله البيضاوي. PageV02P433 # ثم صرح بالتهديد فقال : {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} أي : أينا ~~تكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار ، أي : وهي الدار ~~الآخرة ، أو : فسوف تعرفون الذي تكون له عاقبة سكنى الدار الآخرة والنعيم ~~المقيم ، أو : من تكون له عاقبة هذه الدار بالنصر والظهور على الأديان أنا ~~أو أنتم ، وفيه إنصاف في المقال حال الإنذار ، وحسن الأدب ، وتنبيه على ~~وثوق المنذر لأنه محق. قال تعالى {إنه} ، أي : الأمر والشأن ، {لا يفلح ~~الظالمون} ، والظلم أعلم من الكفر ، ولذلك وضع موضعه ؛ لعمومه. # الإشارة : إذا انكب الناس على الدنيا ، وأخذتهم الغفلة ، وغلب عليهم ~~الهوى ، ثم وقع الوعظ والتذكير من أهل الإنذار ، فقابلوهم بالإبعاد ~~والإنكار ، يقول لهم المذكور والواعظ : {يا قوم اعلموا على مكانتكم إني ~~عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار...} الآية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 311 # يقول الحق جل جلاله : {وجعلوا} أي : مشركو العرب ، {لله مما ذرأ} أي : ~~خلق ، {من الحرث والأنعام نصيبا} ، وهم حي من خولان ، يقال لهم : الأديم ، كانوا # 312 # يجعلون من زروعهم وثمارهم وأنعامهم نصيبا ، {فقالوا هذا لله ms0745 بزعمهم} أي : ~~بدعواهم من غير دليل ، وأكثر ما يستعمل الزعم في الكذب ، {وهذا لشركائنا ~~فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم}. PageV02P434 # روي أنهم كانوا يعينون شيئا من حرث أو نتاج إلى الله ، فيصرفونه إلى ~~الضيفان والمساكين ، وشيئا منها إلى آلهتهم ، فينفقونه على سدنتهم أي : ~~خدامهم ، والقيام بأصنامهم ، ويذبحون عندها ، ثم إذا رأوا ما عينوا لله ~~أزكى وأكثر ، بدلوه لآلهتهم وقالوا : الله غني عنه ، وإذا رأوا ما لآلهتهم ~~أزكى تركوه لها ؛ حبا لآلهتهم ، وإذا هبت ريح فحملت شيئا من الذي لله إلى ~~الذين للأصنام أقروه ، وإن حملت شيئا من الذي للأصنام إلى الذي لله ردوه ، ~~وإذا أصابتهم سنة ، أكلوا نصيب الله وتحاموا نصيب شركائهم ، تعظيما لها. # وفي قوله : {مما ذرأ} : تنبيه على فرط جهالتهم ، فإنهم أشركوا الخالق في ~~خلقه ، جمادا لا يقدر على شيء ، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له ، وفي ~~قوله : {بزعمهم} : تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه ، ولم يأمرهم الله تعالى ~~به. {ساء} أي : قبح ، {ما يحكمون} حكمهم هذا الذي اخترعوه من عند أنفسهم. # الإشارة : مما ينخرط في سلك الآية. وتجر ذيلها عليه ، ما يفعله بعض الناس ~~من التساهل في حقوق الله الواجبة ، والمسارعة إلى حقوق الناس التي ليست ~~بواجبة عليه ، فترى بعض العوام يقدمون مد أبي العباس السبتي ، ويتساهل في ~~الزكاة ، وترى بعض الناس يسارع إلى إطعام الطعام وقرى الأضياف ، وهو لا يفي ~~زكاته. وبعضهم يجعلون للصالحين شيئا من أموالهم لتصلح وتنمو ويعتني بشأنها ~~، وقد لا يعتني بزكاته ولا يخرجها ، وهذا كله شعبة من فعل أهل الشرك ، ~~وعلامة اتباع الهوى. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 312 PageV02P435 ~~قلت : قرأ الجمهور : {زين} ؛ بالبناء للفاعل ونصب قتل ، على أنه مفعول به ، ~~وخفض {أولادهم} بالإضافة ورفع {شركاؤهم} ؛ فاعل {زين} ، فالشركاء على هذه ~~القراءة هم الذين زينوا القتل ، وقرأ ابن عامر : بضم الزاي ؛ على البناء ~~للمفعول ، ورفع {قتل} ؛ على النيابة عن الفاعل ، ونصب {أولادهم} على أنه ~~مفعول بقتل ، وخفض " شركائهم " بالإضافة إلى قتل ، إضافة ms0746 المصدر إلى فاعله ~~، أي : زين لهم أن يقتل شركاؤهم أولادهم ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه ~~بأولادهم ، وهو معمول للمصدر ، # 313 # وهو جائز في العربية ، قال ابن مالك في الألفية : # فصل مضاف شبه فعل ما نصب # مفعولا أو ظرفا أجز ، ولم يعب # وهذا من فصل المفعول ، فهو جائز في السعة ؛ خلافا للزمخشري ومن تبعه ، ~~وقد شنع عليه الشاطبي في حرز الأماني. # يقول الحق جل جلاله : ومثل ذلك التزيين الذي وقع لهم في الحرث والأنعام ، ~~{زين لكثير من المشركين قتل أولادهم} ؛ زين لهم ذلك شركاؤهم من الجن ، أو ~~من السدنة ، وحملوهم عليه ، خوفا من الجوع أو من العار ، وكانوا يقتلون ~~البنات دون البنين ، زينوا لهم ذلك {ليردوهم} أي : ليهلكوهم بالإغواء ، ~~{وليلبسوا عليهم دينهم} أي : ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل ، ~~أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به ، {ولو شاء الله ما فعلوه} أي : ما فعل ~~المشركين ما زين لهم ، أو ما فعل الشركاء التزيين ، أو الفريقان جميع ذلك ، ~~{فذرهم وما يفترون} أي : اتركهم مع افترائهم ، أو : والذي يفترونه من الإفك ~~، وهذا قبل الأمر بالسيف ، ثم نسخ به. PageV02P436 # الإشارة : مما ينخرط في سلك الآية : إهانة البنات وتعظيم البنين ، وقد نهى ~~الشارع عليه الصلاة والسلام عن تخصيص الذكور بالوصية ، وقال للذي أراد أن ~~يفعله : " لا تشهدني على جور " ، وهنا إشارة أرق من هذا ، وهو أن يراد ~~بالأولاد ما تنتجه الفكرة الصافية من العلوم والمواهب ، وقتلها : إهمال ~~الفكرة عن استخراجها حتى ضاعت عليه ، والذي زين له ذلك هو شرك القلب ، ~~واشتغاله برسوم الفرق ، حتى تعطلت الفكرة ، وماتت تلك العلوم من قلبه ، وقع ~~ذلك التزيين بأهل الفرق ليسقطوهم عن درجة المقربين ؛ أهل العلوم اللدنية ~~والأسرار الربانية ، وليلبسوا عليهم دينهم بالخواطر والشكوك ، والأوهام ، ~~ولو شاء الله لهدى الناس جميعا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 313 # قلت : {حجر} : فعل ، بمعنى مفعول ، يستوي فيه الواحد والكثير ، والمذكر ~~والمؤنث ، ومعناه : حرام ، و{افتراء} : حال ، أو مفعول من أجله ، أو مصدر. # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} أيضا : {هذه} الأشياء التي جعلوها ms0747 ~~لأصنامهم ، وهي {أنعام وحرث} ، هي {حجر} أي : حرام محجر ، {لا يطعمها} ، لا ~~يأكلها {إلا من نشاء} ، وهم خدام الأوثان وسدنتها ، والرجال دون النساء. ~~قالوا ذلك {بزعمهم} وافترائهم من غير حجة ، {وأنعام} أخرى {حرمت ظهورها} ؛ وهي # 314 # البحائر والسوائب والحوامي ، {وأنعام} أخرى {لا يذكرون اسم الله عليها} ~~في الذبح ، وإنما يذكرون عليه اسم آلهتهم ؛ {افتراء} على الله ، لأنهم ~~قسموا أموالهم على هذه القسمة ، ونسبوا ذلك إلى الله ؛ افتراء وكذبا ، ~~{سيجزيهم بما كانوا يفترون} أي : بسببه فيعذبهم الله. # الإشاره : ما عاب الله على المشركين إلا الشرك والتحكم على الله ، ~~فالواجب على من أراد السلامة أن يوحد ربه ، وينفرد بكليته إليه ، ويخلص ~~أعماله لله ، ويصرف أمواله في مرضاة الله ، ويقف في أموره كلها عندما حدد ~~له الله ، وبينه رسول الله ؛ يكون من أولياء الله. والله تعالى أعلم. PageV02P437 # جزء : 2 رقم الصفحة : 314 # قلت : {خالصة} : خبر ل {ما} ، وأنثه ؛ حملا على المعنى ، لأن {ما} واقعة ~~على الأجنة ، وذكر {محرم} ؛ حملا على لفظ {ما} ، ويحتمل أن تكون التاء ~~للمبالغة ، ومن قرأ : {تكن} ، بالتأنيث ، فالمراد : الأجنة ، ومن قرأ ~~بالتذكير فراعى لفظ {ما}. # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا ما} استقر {في بطون هذه الأنعام} ، بمعنى : ~~البحائر والسوائب ، من الأجنة ، {خالصة لذكورنا} لا يشاركون فيه ، {ومحرم ~~على أزواجنا} أي : نسائنا ، يعني : أن ما يولد للبحائر والسوائب ، قالوا هو ~~حلال لذكورهم دون نسائهم ، هذا إن ولد حيا ، {وإن يكن ميتة} ؛ بأن ولد ميتا ~~{فهم فيه شركاء} ؛ فالذكور والإناث سواء ، {سيجزيهم وصفهم} أي : سيجزيهم ~~على ما صفوا وافترا على الله من الكذب في التحليل والتحريم ، فهو كقوله : ~~{وتصف ألسنتهم الكذب} [النحل : 62] ، {أنه حكيم} في صنعه ، {عليم بخلقه} ؛ ~~فيجزي كلا على قدر جرمه. # الإشارة : اعلم أن جيفة الدنيا اشترك النساء مع الرجال فيها ، لقوله ~~تعالى : {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} ، والزهد في النساء قليل بالنسبة إلى ~~الرحال ، واعلم أيضا أن الحق تعالى يجازي عبده جزاء موافقا لوصفه ، فإن كان ~~وصفه التعظيم لكل شيء عظمه الله ، ومن كان وصفه التصغير صغره ms0748 الله ، ومن ~~كان وصفه الإحسان أحسن الله إليه ، ومن كان وصفه الإساءة أساء الله إليه ، ~~ومن كان وصفه الفرق فرقه الله ، ومن كان وصفه الجمع جمعه الله ، وهكذا : ~~كما تدين تدان ، كما تقابل الأشياء تقابلك ، قال تعالى : {سيجزيهم وصفهم ~~إنه حكيم عليم}. # 315 # جزء : 2 رقم الصفحة : 315 # قلت : {سفها} : حال أو مصدر ، وكذلك : {افتراء}. PageV02P438 # يقول الحق جل جلاله : {قد خسر الذين قتلوا أولادهم} ؛ يعني : العرب الذين ~~كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي أو الفقر ، {بغير علم} ولا دليل ؛ لخفة ~~عقلهم وجهلهم بأن الله رازق أولادهم كما يرزقهم ، وليسوا هم الرزاقين لهم ، ~~{وحرموا ما رزقهم الله} من البحائر والسوائب ونحوهما ؛ {افتراء على الله} ~~من عند أنفسهم ، {قد ضلوا وما كانوا مهتدين} إلى الحق الصواب. # الإشارة : قد خسر الذين ضيعوا قلوبهم فلم تنتج لهم شيئا من أبكار الحقائق ~~وأسرار العلوم ، بل اشتغلوا بالسفه من القول والفعل ، بغير علم ولا بصيرة ~~نافذة ، وحرموا ما رزقهم الله من العلوم والأسرار ، لو طهروا قلوبهم ، ~~وخربوا ظواهرهم وخرقوا عوائدهم ، لكنهم حكموا على فعل ذلك بالتحريم ، ~~تجمدوا على علم الرسوم وحفظ المروءة ، والمروءة إنما هي التقوى والدين ، ~~كما قال الإمام مالك رضي الله عنه ، قد ضلوا عن طريق الوصول ، وما كانوا ~~مهتدين إلى طريق الخصوص ، ما داموا على ما هم عليه من زي اللصوص. # جزء : 2 رقم الصفحة : 315 # قلت : {مختلفا} : حال مقدرة ؛ لم يكن كذلك عند الإنشاء ، والضمير في ~~{أكله} : يعود على النخل ، والزرع مقيس عليه ، أو للجميع ؛ على تقدير : كل ~~واحد منهما. # يقول الحق جل جلاله : {وهو الذي أنشأ} أي : خلق {جنات} ؛ بساتين مشتملة ~~على كروم أي : دوالي {معروشات} أي : مرفوعة بالعرشان والدعائم ، {وغير ~~معروشات} أي : مبسوطة على وجه الأرض ، قيل : المعروشات : ما غرسه الناس في ~~العمران ، وغير المعروشات : ما أنبته في الجبال والبراري. # {و} أنشأ {النخل والزرع مختلفا أكله} أي : ثمره الذي يؤكل منه ، واختلافه ~~في اللون # 316 PageV02P439 ~~والطعم والرائحة والحجم والهيئة والكيفية ، وذلك دليل على عظمة القادر ~~المريد ، {و} أنشأ {الزيتون والرمان متشابها ms0749 وغير متشابه} أي : تتشابه بعض ~~أفرادهما في اللون والطعم ، ولا يتشابه بعضها. {كلوا من ثمره} أي : من ثمر ~~كل واحد منهما ، {إذا أثمر} وإن لم يطب ، قيل : فائدة الأمر بالأكل : رخصة ~~المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله منه قبل الطيب ، أي : قبل أن تجب ~~زكاته ، وأما إذا طاب فلا بد من التخريص. # {وآتوا حقه يوم حصاده} ؛ يريد : ما كان يتصدق به يوم الحصاد ، لا الزكاة ~~المقدرة ؛ لأنها فرضت بالمدينة ، وكان ذلك واجبا ثم نسخ بالعشر. وقيل : ~~الزكاة حقيقة ، والآية مدنية ، وقيل : مكية ، ولم يعين قدرها إلا بالمدينة ~~، والأمر بإتيانها يوم الحصاد ؛ ليهتم به حينئذ ، حتى لا يؤخر عن وقت ~~الأداء ، خلاف ما يفعله العامة من خزنها مع ماله ، حتى يدفعها في نوائب ~~المخزن ، وليعلم أن الوجوب بالإفراك والطيب ، لا بالتصفية ، ولذلك شرع ~~التخريص ، {ولا تسرفوا} بصرفها في غير محلها ، ولا تتعدوا ما أمرتم به ~~فتجعلوا ما أنشأ الله للأصنام ، أو : لا تسرفوا في التصدق بالكل ، كقوله : ~~{ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء : 29] ، {إنه لا يحب المسرفين} أي : لا ~~يرضى فعلهم. # وهو الذي أنشأ جنات المعارف لمن خرق عوائده ، معروشات بشهود أسرار ~~الحبروت ، وغير معروشات بشهود أنوار الملكوت ، أو معروشات بشهود المعاني مع ~~الأواني ، وغير معروشات بشهود الأواني فقط ، أو معروشات بشهود المؤثر ~~والأثر ، وغير معروشات بشهود المؤثر فقط ، ولكها ترجع لمعنى واحد ، ~~والمعروش أرفع من غيره وأكمل ، والأول : مقام البقاء والصحو ، والثاني : ~~مقام الفناء والسكر ، والنخل والزرع : الحقيقة والشريعة على اختلاف علومهما ~~، والزيتون والرمان : الأعمال والأحوال ، متفقة وغير متفقة ، وثمره : حلاوة ~~الشهود ، فليأكل منها المريد إذا طاب وقته ، ولا تسرفوا في الأحوال ، إنه ~~لا يحب المسرفين. PageV02P440 # جزء : 2 رقم الصفحة : 316 # 317 # قلت : {حمولة وفرشا} : عطف على جنات ، و{ثمانية أزواج} : بدل من حمولة ، ~~و{من الضأن اثنين} : بدل من ثمانية. # يقول الحق جل جلاله : {و} أنشأ أيضا {من الأنعام} أنعاما {حمولة} ؛ ما ~~يحمل الأثقال ، كالكبار منها ، {وفرشا} ؛ ما لا يحمل ، كالصغار لدنوها من ~~الأرض ، أو حمولة للإبل ، وفرشا للغنم ، لأنها ms0750 تفرش للذبح ، ويفرش ما ينسج ~~من صوفها ، {كلوا مما رزقكم الله} أي : كلوا ما أحل الله لكم منها ، {ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان} في التحليل والتحريم من عند أنفسكم ، {إنه لكل عدو ~~مبين} ؛ ظاهر العداوة. # ثم فصلها فقال : {ثمانية أزواج} ؛ ذكر وأنثى من كل صنف ، والصنف : ما معه ~~آخر من جنسه يزاوجه ، ثم بينها فقال : {من الضأن اثنين} ؛ ذكر وأنثى ؛ كبش ~~ونعجة ، {ومن المعز أثنين} ؛ التيس وهو الذكر ، والعنز وهي الأنثى ، {قل} ~~لهم {آلذكرين} أي : ذكر الضأن والمعز ، {حرم أم الأنثيين} منهما ؟ {أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين} من الأجنة ذكرا كان أو أنثى ؟ {نبئوني بعلم} ~~يدل على أن الله تعالى حرم شيئا من ذلك ، {إن كنتم صادقين} في دعوى التحريم عليه. # {ومن الإبل اثنين} ؛ ذكر وأنثى ، {ومن البقر اثنين} كذلك. {قل آلذكرين ~~حرم أم الأنثيين} أم حرم ما {اشتملت عليه أرحام الأنثيين} من الجنين مطلقا ~~؟ وهذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على الله ، وتوبيخ لهم ، حيث ~~حرموا بعض الذكور مرة وبعض الأناث مرة ، فألزمهم تحريم جميع الذكور ، إن ~~كان علة التحريم وصف الذكورة ، أو تحريم جميع الإناث ، إن كانت العلة ~~الأنوثة ، أو تحريم الجميع إن كان المحرم ما اشتملت عليه الأرحام ، ولا وجه ~~للتخصيص ، فالاستفهام للإنكار ، وأكده بقوله : {أم كنتم شهداء} حاضرين حين ~~{وصاكم الله بهذا} التحريم ، ولا طريق لكم إلى معرفة هذا إلا المشاهدة ~~والسماع ، وليس لك شيء من ذلك ، وإنما أنتم مفترون على الله. # { PageV02P441 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 317 # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} ؛ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم ، ~~والمراد : كبراؤهم الأوائل كعمرو بن لحي وأمثاله ، أي : لا أحد أظلم ممن ~~كذب على الله ، {ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} إلى ~~مراشدهم ، أو إلى ما ينفعهم. # الإشارة : ومن الأحوال ما تحمل صاحبها إلى مقام الحرية ، بشهود الربوبية ~~، فيغلب عليه العز والاستظهار ، ومنها ما تحمله إلى مقام العبودية ، فيغلب ~~عليه الذل والإنكسار ، # 318 # وإليه الإشارة بقوله : {حمولة وفرشا} ، فليتمتع المريد بما يظهر ms0751 عليه ~~منهما ، ولا يتبع خطوات الشيطان فيتعدى طوره ، ولا يعرف قدره. # وهذه الأحوال ثمانية أنواع : أربعة سفلية تناسب العبودية ، وأربعة علوية ~~تناسب الربوبية. فالإربعة السفلية : الذل ، والفقر ، والعجز والضعف. ~~والأربع العلوية : العز ، والغنى ، والقدرة ، والقوة. فمن أراد التعلق بهذه ~~الأوصاف فليناد من كوة الذل : يا عزيز من للذليل سواك ؟ ، ومن كوة الفقر : ~~يا غني من للفقير سواك ؟ ، ومن كوة العجز : يا قدير من للعاجز سواك ؟ ومن ~~كوة الضعف : يا قوي من للضعيف سواك ؟ ، ير الإجابة طوع يديه ، ومن أراد ~~التحقيق بها ، فليتحقق بذله يمده بعزه ، وليتحقق بفقره يمده بغناه ، ~~وليتحقق بعجزه يمده بقدرته ، وليتحقق بضعفه يمده بقوته ، " تحقق بوصفك يمدك ~~بوصفه ". وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 317 PageV02P442 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {لا أجد فيما أوحي إلي} في القرآن أو مطلق ~~الوحي ، {محرما} أي : طعاما محرما ، {على طاعم يطعمه} ، أو يطعم منه غيره ، ~~{إلا أن يكون} الطعام {ميتة} ، وفي قراءة بالتاء ؛ لتأنيث الخبر ، {أو} ~~يكون {دما مسفوحا} أي : مصبوبا كدم المنحر ، {أو لحم خنزير فإنه رجس} أي : ~~خبيث ، قيل : إنه يورث عدم الغيرة بالخاصية {أو} يكون {فسقا} ، من صفته : ~~{أهل لغير الله به} أي : ذبح لغير الله ، وذكر عليه اسم الصنم ، وإنما سمي ~~فسقا ؛ لتوغله في الفسق. # والآية تقتضي حصر المحرمات ، فيما ذكر ، وقد جاء في السنة تحريم أشياء لم ~~تذكر هنا ، كلحوم الحمر الإنسية والكلاب ، وغيرها ، فذهب قوم إلى أن السنة ~~نسخت هذا الحصر ، وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب ، فلا تقتضي الحصر ~~، وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذكر : مكروه. # وقال البيضاوي : والآية محكمة ؛ لأنها تدل على أنه لم يجد فيما أوحي إليه ~~إلى تلك الغاية محرما غير هذه ، ولا ينافي ورود التحريم في شيء آخر ، فلا ~~يصح الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد ، ولا على حل الأشياء غيرها ~~، إلا مع الاستصحاب. ه. # 319 # ثم استثنى المضطر ، فقال : {فمن اضطر} إلى تناول شيء من ذلك ، {غير باغ} ~~على مضطر مثله ، {ولا عاد} ms0752 أي : متجاوز قدر الضرورة ، {فإن ربك غفور رحيم} ~~لا يؤاخذه. # الإشارة : الأحوال كلها تتقوت منها الروح ، إلا ما كان غير مباح في الشرع ~~، فلا سير فيه ، والمراد بالأحوال : خرق عوائدها ، بكل ما يثقل عليها ، ~~وأما ما كان محرما في الشرع فلا بركة في تناوله ؛ لأنه رجس ، وأجازه بعض ~~الصوفية محتجا بقضية لص الحمام ، وفيه مقال ، فمن اضطر إلى تناوله ، لغلبة ~~حال عليه ، غير قاصد لمخالفة الشرع ، فإن الله غفور رحيم ، وعليه حمل بعضهم ~~قصة لص الحمام. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 319 PageV02P443 ~~قلت : {الحوايا} هي الأمعاء ، أي : المصارين التي فيها البعر ، وتسمى ~~المباعر ، جمع حوية ، فعيلة ، فوزنها على هذا : فعائل ، فصنع بها ما صنع ~~بهراوا ، وقيل : جمع حاوية ، فوزنها : فواعل ، كقوارب ، وهو عطف على ما في ~~قوله : {إلا ما حملت}. # يقول الحق جل جلاله : {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} ؛ ماله أصبع ، ~~كالإبل والأوز والنعام ، وغيرها من الحيوان ، الذي هو غير منفرج الأصابع ~~وله ظفر ، وقيل : كل ذي مخلب وحافر ، وسمي الحافر ظفرا ؛ مجازا. # {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} كالثروب وشحوم الكلى ، {إلا ما ~~حملت ظهورهما} أي : إلا ما علق من الشحم بظهور البقر والغنم ، فهو حلال ~~عليهم ، لكنهم اليوم لا يأكلونه ، حدثني شيخي الفقيه الجنوي أنه سأل بعض ~~أحبارهم : هل هو حرام في كتابكم ؟ فقال له : لا ، لكنهم قاسوه سدا للذريعة. ~~ه. فلما شددوا شدد الله عليهم ، {أو الحوايا} أي : ما احتوت عليه الأمعاء ~~والحشوة مما يتحوى في البطن من الشحوم ، فهو حلال عليهم {أو ما اختلط بعظم} ~~في جميع الجسد ، فإنه حلال عليهم ، لكنهم شددوا فحرموا الجميع عقوبة من ~~الله {ذلك} التحريم جزاء {جزيناهم} به بسبب بغيهم ، أي : ظلمهم ، {وإنا ~~لصادقون} فيما أخبرنا به من التحريم ، وفي ذلك تعريض بكذب من حرم غير ما ~~حرم الله. # 320 PageV02P444 ~~الإشارة : يؤخذ من الآية أن الذنوب والمعاصي تضيق على العبد لذائذ متعته ، ~~وتقتر عليه طيب رزق بشريته ، وتضيق عليه آيضا حلاوة المعاملة في قلبه ، ~~ولذة الشهود في ms0753 روحه وسره ، لقوله تعالى : {ذلك جزيناهم ببغيهم}. وقال ~~تعالى : {ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء ~~والأرض} [الأعراف : 96] ، وقال في شأن القلب : {إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا} [الأنفال : 29] ، أي : نورا يفرق بين الحق والباطل ، وقال تعالى : ~~{واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة : 282] ، أي : علما لدنيا ، فالمعصية ~~كلها تبعد العبد من الحضرة ، إن لم يتب ، والطاعة كلها تقرب من الحضرة. ~~والتنعم إنما هو على قدر القرب ، ونقصانه على قدر البعد. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 320 # يقول الحق جل جلاله : {فإن كذبوك} يا محمد ، {فقل} لهم : {ربكم ذو رحمة ~~واسعة} يمهلكم على التكذيب ، فلا تغتروا بإمهاله ؛ فإنه يمهل ولا يهمل. ~~ولذلك أعقبه بقوله : {ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} حيث ينزل بهم ، أو ~~ذو رحمة واسعة على المطيعين ، وذو بأس شديد على المجرمين ، فأقام مقامه : ~~{ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} ، لتضمنه التنبيه على إنزال البأس عليهم ~~، مع الدلالة على أنه لازب لا يمكن رده. قاله البيضاوي. وفي ابن عطية : ~~ولكن لا تغتروا بسعة رحمته ، فإن له بأسا لا يرد عن القوم المجرمين. ه. PageV02P445 # الإشارة : يؤخذ من تقديم الرحمة الواسعة على البأس الشديد أن جانب الرجاء ~~أقوى من جانب الخوف ؛ لأن حسن الظن بالله مطلوب من العبد على كل حال ، لأن ~~الرجال وحسن الظن يستوجبان محبة العبد وإيحاشه إلى سيده بخلاف الخوف ، وهذا ~~مذهب الصوفية : أن تغليب الرجاء هو الأفضل في كل وقت ، ومذهب الفقهاء أن ~~حال الصحة ينبغي تغليب الخوف لينزجر عن العصيان ، وحال المرض يغلب الرجاء ؛ ~~إذ لا ينفع حينئذ ، فالصوفية يرون أن العبد معزول عن الفعل ، فليس له قدرة ~~على فعل ولا ترك. وإنما ينظر ما تفعل به القدرة ، فهو كحال المستشرف على ~~الموت. والفقهاء يرون أن العبد له كسب واختيار. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 320 # قلت : {هلم} : اسم فعل ، وهو عند البصريين بسيط ، وعند الكوفيين مركب. ~~انظر البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : {سيقول الذين آشركوا} في الاحتجاج لأنفسهم ms0754 : {لو ~~شاء الله} عدم شركنا {ما أشركنا ولا} أشرك {آباؤنا ولا حرمنا من شيء} من ~~البحائر وغيرها ، فلو لم نكن على حق مرضى عند الله ما أمهلنا ولا تركنا ~~عليه ؛ فإمهاله لنا وتركه لنا على ما نحن فيه دليل على أنه أراده منا. # والجواب عن شبهتهم : أنه خلاف ما أنزل الله على جميع رسله ، والحق تعالى ~~لم يتركهم على ذلك ، بل بعث لهم الرسل يكلفهم بالخروج عنه ، والإرادة خلاف ~~التكليف ، وأيضا : قولهم هذا لم يصدر منهم على وجه الاعتذار ؛ وإنما صدر ~~منهم على وجه المخاصمة والاحتجاج. ولا يصح الاحتجاج بالقدر. والحاصل أنهم ~~تمسكوا بالحقيقة ورفضوا الشريعة ، وهو كفر وزندقة ، إذ لا بد من الجمع بين ~~الحقيقة في الباطن ، والتمسك بما جاءت به الرسل من الشريعة في الظاهر ، ~~وإلا فهو على باطل. PageV02P446 # ولذلك رد الله تعالى عليهم بقوله : {كذلك كذب الذين من قبلهم} الرسل ، ~~فتمسكوا بالحقيقة الظلمانية ، {حتى ذاقوا بأسنا} أي : عذابنا الذي أنزلناه ~~عليهم بتكذيبهم {قل} لهم : {هل عندكم من علم} يدل على أن الله أمركم بالشرك ~~، وتحريم ما أحل ، وأنه رضي ذلك لكم ، {فتخرجوه} أي : فتظهروه {لنا} ، بل ~~{إن تتبعون} في ذلك {إلا الظن} ولا تحقيق عندكم ، {وإن أنتم إلا تخرصون} ؛ ~~تكذبون على الله تعالى ، وفيه دليل على أن الظن لا يكفي في العقائد. # {قل} لهم : {فلله الحجة} على عباده ، {البالغة} ، حيث بعث الرسل مبشرين ~~ومنذرين ، وأمروا بتوحيد الله وطاعته ، فكل من خالفهم قامت الحجة عليه ، ~~هذا باعتبار التشريع الظاهر ، وأما باعتبار باطن الحقيقة ، فالأمور كلها ~~بيد الله ؛ يضل من يشاء بعدله ، ويهدي من يشاء بفضله ، {فلو شاء لهداكم ~~أجمعين} ولكن شاء هداية قوم وضلال آخرين ، {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} ~~[الأنبياء : 23] ، فقول المشركين : {لو شاء الله...} الخ ، حق في نفسه ، ~~لكنهم لم يعذروا ؛ لإهمالهم الشريعة. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 321 # قل هلم} أي : أحضروا ، {شهداءكم} أي : كبراءكم وأئمتكم ، {الذين يشهدون ~~أن الله حرم هذا} ، استحضرهم ليلزمهم الحجة ، ويظهر بانقطاعهم ضلالهم ، ~~وألا متمسك # 322 PageV02P447 ~~لهم في ذلك. ثم ms0755 قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : {فإن شهدوا} بشيء من ذلك ~~، {فلا تشهد معهم} أي : لا تصدقهم وبين لهم فساده ؛ {ولا تتبع أهواء الذين ~~كذبوا بآياتنا} ، والأصل أن يقول : ولا تتبع أهواءهم ، فوضع الظاهر موضع ~~المضمر ، للدلالة على أن مكذب الآية متبع الهوى لا غير ، وأن متبع الحق لا ~~يكون إلا مصدقا لها. {و} تتبع أيضا {الذين لا يؤمنون بالآخرة} ؛ كعبدة ~~الأوثان ، {وهم بربهم يعدلون} ؛ يجعلون له عديلا ومثيلا. الإشارة : اعلم أن ~~الحق جل جلاله كلف عباده في هذا الدار ، بالقيام بوظيفتين : الشريعة ~~والحقيقة ، الشريعة محلها الظواهر ، والحقيقة محلها البواطن ، الشريعة ~~تقتضي التكليف ، والحقيقة تقتضي التعريف ، الشريعة شهود الحكمة ، والحقيقة ~~شهود القدرة ، وجعل الشريعة رداء الحقيقة ولباسا لها ، ثم جعل سبحانه في ~~القلب عينين ، وتسمى البصيرة ، إحداهما تنظر للحكمة فتقوم بالشرائع ، ~~والأخرى تنظر للقرة فتقوم بالحقائق. فقوم فتحوا عين الحقيقة وأعموا عين ~~الشريعة ، وهم أهل الكفر والزندقة ، ولذلك قالوا : {لو شاء الله ما أشركنا} ~~، وقوم فتحوا عين الشريعة وأهملوا عين الحقيقة ، ثم وهم عوام المسلمين من ~~أهل اليمن ، فلذلك طال خصمهم للمقادير الأزلية مع إقرارهم بها ، فإن ~~أنكروها فقد عميت بصيرتهم. # وقوم أحبهم الله ، ففتح لهم عين الحقيقة ، فأسندوا الأفعال كلها إلى الله ~~ولم يروا معه سواه ، فتأدبوا في الباطن مع الأشياء كلها ، وفتح لهم عين ~~الشريعة فقاموا بوظائف العبودية على المنهاج الشرعي ، وهم الأولياء ~~العارفون بالله ، فمن تمسك بالحقائق العلمية دون الشرائع كان زنديقا ، ومن ~~تمسك بالشرائع دون الحقائق كان فاسقا ، ومن تمسك بهما كان صديقا ، فمن رام ~~تمسك بالشرائع ، ولم تسعفه الأقدار ، فإن كان عن سكر وجذب فهو معذور ، وإن ~~كان عن كسل فهو مخذول ، وإن كان عن إنكار لها فهو مطرود معدود من حزب ~~الشيطان ، والعياذ بالله. PageV02P448 # جزء : 2 رقم الصفحة : 321 # قلت : {تعالوا} : أمر من التعالي ، وأصله : أن يقوله من كان في علو لمن ~~كان في سفل ، فاتسع فيه بالتعميم في كل أمر بالقدوم ، و{ألا تشركوا} : فيه ~~تأويلات ؛ أحدها : أن كون مفسرة لا موضع لها ، و{لا} : ناهية ms0756 جزمت الفعل ، ~~أو تكون مصدرية في موضع رفع ، أي : الأمر ألا تشركوا ، و{لا} : نافية حينئذ ~~، أو بدل من {ما} و{لا} : زائدة ، أو على حذف الإغراء ، أي : عليكم إلا ~~تشركوا. # قال ابن جزي : والأحسن أن يكون ضمن {حرم} معنى وصى ، وتكون {أن} مصدرية ، ~~و{لا} نافية ، ولا تفسد المعنى ؛ لأن الوصية في المعنى تكون بتحريم وتحليل ~~وبوجوب وندب ، ويدل على هذا قوله بعد ذلك : {ذلكم وصاكم به} ولا ينكر أن ~~يريد بالتحريم الوصية ؛ لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص ، وتريد به العموم ~~، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص ، فتقدير الكلام على هذا : قل ~~تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم ، ثم أبدل منه ، على وجه التفسير والبيان ، ~~فقال : ألا تشركوا ، ووصاكم بالإحسان بالوالدين ، وهكذا.. فجمعت الوصية ترك ~~الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين ، وما بعد ذلك. انظر بقية كلامه. # وإنما قال الحق سبحانه : {من إملاق} ، وقدم الكاف في قوله {نرزقكم} ، وفي ~~الإسراء قال : {خشية إملاق} [الإسراء : 31] ، وأخر الكاف ؛ لأن ما هنا نزل ~~في فقراء العرب ، فكان الإملاق نازلا بهم وحاصلا لديهم ، فلذلك قال : {من ~~إملاق} ، وقدم الخطاب لأنه أهم. وفي الإسراء نزلت في أغنيائهم ، فكانوا ~~يقتلون خوفا من لحوق الفقر ، لذلك قال : {خشية إملاق} ، وقدم الغيبة فقال : ~~{نحن نرزقهم} ؛ حين نخلقهم وإياكم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 323 PageV02P449 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {تعالوا} أي : هلموا ، {أتل} أي : أقرأ ~~{ما حرم ربكم عليكم} ، واجتمعت عليه الشرائع قبلكم ، ولم ينسخ قط في ملة من ~~الملل ، بل وصى به جميع الملل ، و{ألا تشركوا به شيئا} بل توحدوه وتعبدوه ~~وحده ، {و} أن تحسنوا {بالوالدين إحسانا} ، ولا تسيئوا إليهما ؛ لأن من ~~أساء إليهما لم يحسن إليهما. {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} أي : من أجل ~~الفقر الحاصل بكم ، وكانت العرب تقتل أولادها خوفا من الفقر فنزلت فيهم ، ~~فلا يفهم منه إباحة قتلهم لغيره ، {نحن نرزقكم وإياهم} ، فلا تهتموا بأمرهم ~~حتى تقتلوهم. # {ولا تقربوا الفواحش} ؛ كبار الذنوب {ما ظهر منها} للناس {وما بطن} في ~~خلوة ، أو : ما ظهر منها على ms0757 الجوارح ، وما بطن في القلوب من العيوب ، {ولا تقتلوا # 324 # النفس التي حرم الله إلا بالحق} ؛ كالقود ، وقتل المرتد ، ورجم المحصن. ~~قال صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنى بعد ~~إحصان ، وكفر بعد إيمان ، وقتل نفس بغير نفس " {ذلكم} المتقدم ، {وصاكم به ~~لعلكم تعقلون} ، فتتدبرون فيما ينفعكم وما يضركم. # {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي} بالخصلة التي {هي أحسن} ؛ كحفظه ~~وتثميره. والنهي عن القرب : يعم وجوه التصرف ، وفيه سد الذريعة ؛ لأنه إذا ~~نهى عن القرب كان الأكل أولى ، {حتى يبلغ أشده} وهو البلوغ مع الرشد ، بحيث ~~يعرف مصالح نفسه ويأمن عليه التبذير ، فيدفع له ، {وأوفوا الكيل والميزان ~~بالقسط} ؛ بالعدل والتوفية ، {لا نكلف نفسا إلا وسعها} ؛ إلا ما يسعها ولا ~~يعسر عليها ، ولما أمر بالقسط في الكيل والوزن ، وقد علم أن القسط الذي لا ~~زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج أمر بالوسع في ذلك وعفا عما سواه. PageV02P450 # {وإذا قلتم} في حكومة ونحوها ، {فاعدلوا ولو كان} المقول له في شهادة أو ~~حكومة {ذا قربى} ؛ فيجب العدل في ذلك ، {وبعهد الله أوفوا} أي : ما عهد ~~إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع ، أو ما عاهدتم مع عباده ، {ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تذكرون} ؛ تتعظون به. # {وأن هذا} أي : ما تقدم في السورة كلها ، {صراطي مستقيما فاتبعوه} ؛ لأن ~~السورة بأسرها إنما هي في إثبات التوحيد ، والنبوة ، وبيان الشريعة ، {ولا ~~تتبعوا السبل} ؛ الأديان المختلفة والطرق التابعة للهوى ، فإن مقتضى الحجة ~~واحد ، ومقتضى الهوى متعدد ؛ لاختلاف الطبائع والعادات ، ولذلك تفرقت. ~~والمراد بالطرق : اليهودية والنصرانية وغيرهما من الأديان الباطلة ، ويدخل ~~فيه البدع والأهواء ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا ، ثم ~~قال : " هذا سبيل الله " ، ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله ، ثم قال : " هذه ~~سبل ، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليها " {ذلكم} الاتباع {وصاكم به ~~لعلكم تتقون} الضلال والتفرق عن الحق. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 323 # الإشارة : قد وصى الحق جل جلاله على التخلص ms0758 من الشرك ، جليه وخفيه ، ~~ولا يكون إلا بتحقيق الإخلاص والتوحيد الخاص. وهو مطلب الصوفية ، وبالإحسان ~~بالوالدين الروحانيين والبشريين ، أي : والد الأرواح وهو الشيخ المربي ~~ووالد الأشباح ، ولا بد للمريد من طاعتهما ، إلا أنه يقدم طاعة الشيخ ، كما ~~تقدم عن الجنيد في ( سورة النساء). # 325 PageV02P451 ~~ووصى بعدم قتل الأولاد ، وهم المواهب والعلوم بإهمال القلب في الغفلة ، ~~وعدم قرب الفواحش : الظاهرة الحسية ، والباطنية القلبية ؛ كالحسد ، والكبر ~~، وحب الجاه والدنيا ، وسائر العيوب. وعدم قتل النفس بالانهماك في الهوى ~~والغفلة حتى تموت بالجهل عن المعرفة. وعدم قرب مال اليتيم ، وهو الذي ليس ~~له شيخ ، فإن الغالب عليه عدم المسامحة ، وسيأتي عند قوله تعالى : {قال رب ~~أرني أنظر إليك} [الأعراف : 143] ، إشارة لها أرق من هذه ، وعلى التوفية في ~~الأمور كلها ؛ لأن الصوفي من أهل الصفاء والوفاء ، وعلى الصدق في الأقوال ~~والأفعال والأحوال. وعلى الوفاء بالعهد ، وأعظمها عهد الشيوخ المربين ، ~~وعلى اتباع طريق السلوك الموصلة للحضرة وهي ما عينه الشيوخ للمريدين ، فلا ~~يتعدى نظرهم ولو لحظة. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 323 # قلت : {ثم} : هنا للترتيب الإخباري ، وقال ابن جزي : هذه الوصية قديمة ~~لكل أمة على لسان نبيها ، فصح الترتيب. وقال البيضاوي : {أو} للتفاوت في ~~الرتبة ، كأنه قيل : ذلكم وصاكم به قديما وحديثا ، ثم أعظم من ذلك : أنا ~~آتينا موسى الكتاب... الخ. وهو عطف على {وصاكم} ، و{تماما وتفصيلا} : حالان ~~، أو علتان ، أو مصدران. PageV02P452 # يقول الحق جل جلاله : {ثم} نخبرك أنا {آتينا موسى الكتاب} ؛ التوراة ، ~~{تماما على الذي أحسن} القيام به من بني إسرائيل ، ويدل عليه قراءة : ~~{أحسنوا} ، أي : تماما للنعمة على العاملين به ، أو تماما على موسى الذي ~~أحسن القيام به ، أي : آتيناه الكتاب تفضلا وإتماما للنعمة ؛ جزاء على ما ~~أحسن من طاعة ربه وتبليغ رسالته ، ففاعل أحسن : ضمير موسى. أو : {تماما} أي ~~: إكمالا على ما أحسن الله به إلى عباده ، فالفاعل على هذا : ضمير الله ~~تعالى ، {وتفصيلا} أي : تبيينا {لكل شيء} يحتاجون إليه في الدين. {وهدى} أي ~~: هداية للظواهر ، {ورحمة} للقلوب ، {لعلهم} أي : بني ms0759 إسرائيل ، {بلقاء ~~ربهم} للجزاء ، {يؤمنون} إيمانا صحيحا ، وهو اللقاء بالأجسام والأرواح ، ~~والنعيم أو العذاب للأشباح. الله تعالى أعلم. # الإشارة : كل من أحسن عبادة ربه في الظاهر ، وحقق في الباطن ، أتم الله ~~عليه نعمته بشهود ذاته وأنوار صفاته ، ووهب له علوما لدنية تفصل له ما أشكل ~~، يكون له هداية لزيادة الترقي ، ورحمة يتهيأ بها قلبه لوحي الإلهام ~~والتلقي. وبالله التوفيق. # 326 # جزء : 2 رقم الصفحة : 326 # قلت : {أن تقولوا} : مفعول له ، أي : كراهة أن تقولوا. # يقول الحق جل جلاله : {وهذا} القرآن {كتاب أنزلناه مبارك} كثير النفع ~~{فاتبعوه} في الأصول والفروع ، {واتقوا} الشرك والمعاصي ، {لعلكم ترحمون} ~~ببركة أتباعه ؛ فتحيا به قلوبكم ، وتنتعش به أرواحكم ، وإنما أنزلناه ؛ ~~كراهة {أن تقولوا يوم القيامة} في الحجة : {إنما أنزل الكتاب على طائفتين ~~من قبلنا} ؛ اليهود والنصارى ، وإنما خصهما بالذكر لشهرتهما دون الكتب ~~السماوية ، {وإن كنا} وإنه ، أي : الأمر والشأن ، كنا {عن دراستهم} أي : ~~قراءتهم {لغافلين} أي : كنا غافلين عن قراءة أهل الكتاب ، لا ندري ما هي ~~ولا نعرف مثلها ، أو لم ندرس مثل دراستهم ، ولم نعرف ما درسوا من الكتب ، ~~فلا حجة علينا ، فقد قامت الحجة عليكم بنزول القرآن. PageV02P453 # {أو} كراهة أن {تقولوا} أيضا : {لو أنا أنزل علينا الكتاب} كما أنزل إليهم ~~، {لكنا أهدى منهم} لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا ، ولذلك تلقفنا فنونا من ~~العلم ، كالقصص والأشعار والخطب والأنساب ، مع كوننا أميين ، قال تعالى لهم ~~: {فقد جاءكم بينة من ربكم} وهو القرآن ؛ حجة واضحة تعرفونها ؛ {وهدى ~~ورحمة} لمن تدبره وعمل به ، {فمن أظلم} أي : لا أحد أظلم {ممن كذب بآيات ~~الله} بعد أن عرف صحتها ، {وصدف} ؛ أعرض {عنها سنجزي الذين يصدفون عن ~~آياتنا سوء العذاب} ؛ ألمه وقبحه ، {بما كانوا يصدفون} أي : يعرضون ويصدون عنها. # الإشارة : جعل الله رحمة القلب وحياة الأرواح في شيئين : في التمسك ~~بالقرآن العظيم وتدبر معانيه ، واتباع أوامره واجتناب نواهيه ، وفي التحصن ~~بالتقوى جهد استطاعته ، فبقدر ما يتحقق بهذين الأمرين تقوى حياة قلبه وروحه ~~وسره ، حتى يصل بالحياة السرمدية ، وبقدر ما يخل بهما يحصل ms0760 له موت قلبه ~~وروحه ، والإنسان إنما فضل وشرف بحياة قلبه وروحه ، لا بحياة جسمه ، ولا ~~حجة له أن يقول : كنت مريضا ولم أجد من يعالجني ، ففي كل زمان رجال تقوم ~~الحجة بهم على عباد الله ، فيقال لهم : قد جاءكم بينة من ربكم ، وهو الولي ~~العارف ، وهدى ورحمة لأهل عصره ، لمن تمسك به # 327 # وصحبه ، وأما من أعرض عنه بعد معرفته فلا أحد أظلم منه ، {فمن أظلم ممن ~~كذب بآيات الله وصدف عنها...} الآية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 327 # يقول الحق جل جلاله : {هل ينظرون} أي : ما ينتظر أهل مكة {إلا أن تأتيهم ~~الملائكة} لقبض أرواحهم ، أو بالعذاب ، لأجل كفرهم ، وهم لم يكونوا ينتظرون ~~ذلك ، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظرين ، {أو يأتي ربك} ~~أي : أمره بالعذاب ، {أو يأتي بعض آيات ربك} يعني : أشراط الساعة. PageV02P454 # وعن حذيفة والبراء بن عازب : كنا نتذاكر الساعة ، إذ أشرق علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال : " ما تداكرون " قلنا : نتذاكر الساعة ، فقال : ~~" إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات : الدجال ودابة الأرض ، وخسفا ~~بالمشرق ، وخسفا بالمغرب ، وخسفا بجزيرة العرب ، والدخان ، وطلوع الشمس ~~مغربها ، ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى ، ونارا تخرج من عدن ". {يوم يأتي بعض ~~آيات ربك} ، وهو طلوع الشمس من مغربها ، كما في حديث الصحيحين ، قال ~~الأقليشي : وذلك أن الله تعالى ، إذا أراد طلوعها من مغربها ، حبسها ليلة ~~تحت العرش ، فكلما سجدت وأستأذنت لم يجر لها جواب ، حتى يحبسها مقدار ثلاث ~~ليال ، فيأتيها جبريل عليه السلام فيقول : إن الرب تعالى يأمرك أن ترجعي ~~إلى مغربك فتطلعي منه ، وأنه لا ضوء لك عندنا ولا نور ، فتبكي عن ذلك بكاء ~~يسمعها أهل السبع سماوات ، ومن دونها ، وأهل سرادقات العرش وحملته من فوقها ~~، فيبكون لبكائها مما يخالطهم من خوف الموت ، وخوف يوم القيامة ، قال : ~~فيبيت الناس ينتظرون طلوعها من المشرق ، فتطلع الشمس والقمر خلف أقفيتهم من ~~الغرب ، أسودين مكدرين ، كالقارتين ، ولا ضوء للشمس ولا نور للقمر ، ~~فيتصايح أهل الدنيا ، وتذهل الأمهات عن أولادها ، والأحبة ms0761 عن ثمرة قلوبها ، ~~فتشتغل كل نفس بنفسها ، ولا ينفع التوحيد حينئذ. ه. # وهو معنى قوله تعالى : {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها} ؛ ~~كالمختصر إذا صار الأمر عيانا ، وإنما ينفع الإيمان بالغيب ، وقد فات يومئذ ~~، فلا ينفع الإيمان نفسا {لم تكن آمنت من قبل} ؛ ولا تنفع التوبة من ~~المعاصي وترك الواجبات # 328 # حينئذ ؛ لقوله : {أو كسبت في إيمانها خيرا} أي : لا ينفع نفسا مؤمنة لم ~~تكن كسبت خيرا قبل ذلك اليوم ، حيث كانت فرطت فيه قبل : وينفع اكتسابه بعد. # جزء : 2 رقم الصفحة : 328 PageV02P455 ~~والحاصل : أن طلوع الشمس من مغربها يغلق بعده باب التوبة ؛ فلا يقبل ~~الإيمان من كافر ، ولا التوبة من عاص ، وأما الإيمان المجرد عن العمل ، إذا ~~كان حاصلا قبل ذلك اليوم ، فإنه ينفع على مذهب أهل السنة ، وكذلك العاصي ~~بالبعض ينفعه بعض الذي كان يعمله ، كالزاني مثلا ، إذا كان يصلي ، فتنفعه ~~صلاته ويعاقب على العصيان ، وهكذا ، والمنفي قبوله : إنما هو الخير المتروك ~~قبل ذلك اليوم ، فلا ينفع استدراكه بعد. # ثم قال تعالى : {قل انتظروا} إتيان أحد الثلاثة ؛ الملائكة بعذابكم ، أو ~~أمر الله تعالى بإهلاككم ، أو بعض آياته ، {إنا منتظرون} ذلك ، لنا الفوز ~~وعليكم الويل. # الإشارة : ما ينتظر الغافلون والمنهمكون في اللذات والشهوات والإعراض عن ~~الله إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم فجأة ، فيموتون على الغفلة ، ~~فتنزل بهم الحسرة والندم ، وقد زلت القدم بهم ، أو يأتي أمر الله بطردهم ~~والطبع على قلوبهم ، فلا ينفعهم وعظ ولا تذكير ، أو يأتي بعض آيات ربك ؛ ~~مصيبة أو داهية تثقل قلوبهم عن التوجه إلى الله ، وجوارحهم عن طاعة الله. ~~فالغافل والعاصي بين هذه الثلاثة ، إن لم يقلع ويتب. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 328 PageV02P456 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين فرقوا دينهم} ؛ فآمنوا بالبعض وكفروا ~~بالبعض ، وهم اليهود والنصارى ، وقيل : أهل الأهواء والبدع ، فيكون إخبارا ~~بغيب ، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " افترقت اليهود ~~على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ms0762 ، وستفترق ~~أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة " قيل : يا رسول الله ~~، وما تلك الواحدة ؟ قال : " من كان على ما أنا عليه وأصحابي ". وقرىء : " ~~فارقوا " أي : تركوا دينهم ، {وكانوا شيعا} ؛ جمع شيعة ، أي : فرقا متشيعة ~~، كل فرقة تتشيع لمذهبها وتتشيع إمامها ، أي : تنتسب إليه. {لست منهم في ~~شيء} أي : أنت بريء منهم ، فلست في شيء من السؤال عنهم وعن تصرفهم ، أو عن ~~عقابهم ، وقيل : هو نهي عن التعرض لهم ؛ فيكون منسوخا بآية السيف ، {إنما ~~أمرهم إلى الله} يتولى جزاءهم ، {ثم ينبئهم بما كانوا يعملون} من التفرق ~~فيعاقبهم عليه. # 329 # الإشارة : الافتراق المذموم ، إنما هو في الأصول ؛ كالتوحيد وسائر ~~العقائد ، فقد افترقت المعتزلة وأهل السنة في مسائل منه ، فخرج من المعتزلة ~~اثنان وسبعون فرقة ، وأهل السنة هي الفرقة الناجية ، وأما الاختلاف في ~~الفروع فلا بأس به ، بل هو رحمة لقوله عليه الصلاة والسلام : " خلاف أمتي ~~رحمة " ، كاختلاف القراء في الروايات ، واختلاف الصوفية في كيفية التربية ، ~~فكل ذلك رحمة وتوسعه على الأمة المحمدية ، إذ كل من أخذ بمذهب منها فهو ~~سالم ، ما لم يتبع الرخص. وقال بعضهم : ما دامت الصوفية بخير ما افترقوا ، ~~فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم. ومعنى ذلك : إنما هو في التناصح والإرشاد ~~والنهي بعضهم لبعض عما لا يليق في طريق السير ، فإذا سكت بعضهم عن بعض ؛ ~~مداهنة وحياء فلا خير فيهم ، وأما قلوبهم فلا بد أن تكون متفقة متوددة ، لا ~~بغض فيها ولا تحاسد ، وإلا لم يكونوا صوفية. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 329 PageV02P457 ~~يقول الحق جل جلاله : {من جاء بالحسنة} قولية أو فعلية أو قلبية ، {فله عشر ~~أمثالها} من الحسنات ، فضلا من الله ، وهذا أقل ما وعد من الأضعاف ، وقد ~~جاء الوعد بسبعين وسبعمائة ، وبغير حساب ، ولذلك قيل : المراد بالعشر : ~~الكثرة دون العدد ، {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} ؛ قضية للعدل ، ~~{وهم لا يظلمون} بنفس الثواب وزيادة العقاب. # الإشارة : إنما تضاعف أعمال الجوارح وما كان من قبل النيات ، وأما أعمال ~~القلوب فأجرها ms0763 بغير حساب ، قال تعالى : {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب} [الزمر : 10] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " تفكر ساعة أفضل من عبادة ~~سبعين سنة " وقا الشاعر : # كل وقت من حبيبي # قدره كألف حجه # وقد تقدم هذا في سورة البقرة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 329 # 330 # قلت : {دينا} : بدل من محل ، " صراط " ؛ لأن الأصل : هداني صراطا مستقيما ~~دينا قيما ، و{قيما} : فيعل من القيام ، فهو أبلغ من مستقيم ، ومن قرأ بكسر ~~القاف : فهو مصدر وصف به ؛ للمبالغة ، و{ملة إبراهيم} : عطف بيان الدين ، ~~{وحنيفا} : حال من إبراهيم. # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} ~~بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج والآيات ، {دينا قيما} ؛ مستقيما يوصل ~~من تمسك به إلى جوار الكريم ، في حضرة النعيم ، وهو {ملة إبراهيم} أي : ~~دينه ، حال كونه {حنيفا} : مائلا عما سوى الله ، {وما كان من المشركين} ، ~~وهو تعريض لقريش ، الذين يزعمون أنهم على دينه ، وقد أشركوا بالله عبادة ~~الأوثان. PageV02P458 # الإشارة : قد أخذ الصوفية من هذا الدين القيم ، الذي هدى الله إليه نبيه ~~عليه الصلاة والسلام خلاصته ولبابه ، فأخذوا من عقائد التوحيد : الشهود ~~والعيان على طريق الذوق والوجدان ؛ ولم يقنعوا بالدليل والبرهان ، وأخذوا ~~من الصلاة : صلاة القلوب ، فهم على صلاتهم دائمون من صلاة الجوارح ، على ~~نعت قوله : {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون : 2] ، وأخذوا من الزكاة ~~: زكاة نفوسهم بالرياضة والتأديب وإضافة الكل إليه. ( العبد وما كسب لسيده) ~~، مع أداء الزكاة الشرعية لمن وجبت عليه. وكان الشيخ أبو العباس السبتي رضي ~~الله عنه يعطي تسعة أعشار زرعه ، ويمسك العشر لنفسه. # وأخذوا من الصيام : صيام الجوارح كلها ، مع صيام القلب عن شهود السوى. ~~وأخذوا من الحج : حج القلوب إلى حضرة علام الغيوب ، فالكعبة تشتاق إليهم ~~وتطوف بهم ، كما تقدم في آل عمران ، ومن الجهاد : الجهاد الأكبر ، وهو جهاد ~~النفوس ، وهكذا مراسم الشريعة كلها عندهم صافية خالصة من الشوائب ، بخلاف ~~غيرهم ، فلم يأخذ منها إلا قشرها الظاهر وعمل الأشباح ، فهي صور قائمة لا ~~روح فيها ؛ لعدم الإخلاص والحضور ms0764 فيها. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 330 # قلت : (ربا) : حال من (غير). # 331 # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم يا محمد : {إن صلاتي ونسكي} أي : عبادتي ~~كلها ، وقرباتي أو حجي ، {ومحياي ومماتي} أي : وعملي في حياتي ، وعند موتي ~~من الإيمان والطاعة ، أو الحياة والممات أنفسهما ، {لله رب العالمين لا ~~شريك له} أي : هي خالصة لله لا أشرك فيها غيره ، {وبذلك} أي : بذلك القول ~~والإخلاص ، أمرني ربي ، {وأنا أول المسلمين} ؛ لأن إسلام كل نبي متقدم على ~~إسلام أمته. PageV02P459 # {قل} لهم : {أغير الله أبغي ربا} فأشرك مع الله ، {وهو رب كل شيء} ؛ لأن كل ~~شيء مربوب لا يصلح للربوبية. وهو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم. {ولا ~~تكسب كل نفس} من شرك أو غيره {إلا عليها} وزره ، فلا ينفعني ضمانكم ~~وكفالتكم من عقاب ربي ، وهو رد على الكفار حيث قالوا له : اعبد آلهتنا ونحن ~~نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأخراك ، ثم أوضح ذلك بقوله : {ولا ~~تزر} أي : تحمل نفس {وازرة} أي : آثمة {وزر} نفس {أخرى} أي : لا يحمل أحد ~~ذنوب أحد ، {ثم إلى ربكم مرجعكم} بالبعث والحساب ، {فينبئكم} ، أي : يخبركم ~~{بما كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين ؛ فيبين الرشد من الغي ، والمحق من ~~المبطل. # الإشارة : الإخلاص سر من أسرار الله ، يودعه القلب من أحب من عباده ، وهو ~~أخلاص العبودية لله وحده ، ولا يتحقق ذلك للعبد إلا بعد تحرره من رق الهوى ~~وخروجه من سجن وجود نفسه ، وهذا شيء عزيز. ولذلك قيل : # وقال الشيخ أبو طالب المكي رضي الله عنه : الإخلاص عند المخلصين : إخراج ~~الخلق من معاملة الخالق ، وأول الخلق : النفسن والإخلاص عند المحبين : ألا ~~يعمل عملا لأجل النفس ، وألا يدخل عليه مطالعة العوض ، أو تشوف إلى حظ طبع ~~، والإخلاص عند الموحدين : خروج الخلق من النظر إليهم ، أي : لا يرون مع ~~الله غيره في الأفعال ، وترك السكون إليهم ، والاستراحة إليهم في الأحوال. ه. # 332 # جزء : 2 رقم الصفحة : 331 PageV02P460 ### | AUTO سورة الأعراف # جزء : 2 رقم الصفحة : 332 # إما ms0765 أن تكون مختصرة من المصطفى ، على عادة العشاق ؛ يرمزون إلى ذكر بعض ~~حروف المحبوب ، اتقاء الرقباء ، أي : يا أيها المصطفى المختار لرسالتنا ؛ ~~هذا كتاب أنزل إليك ، وإما أن تشير إلى العوالم الثلاثة : الجبروت والملكوت ~~والملك. وزاد هنا الصاد ، إشارة إلى صدقه فيما يخبر به من علم الغيوب ، ~~ولذلك ذكر هنا جملة من القصص والأخبار. # وقال الورتجبي : كان الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يتكلم مع نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم بقصص الأنبياء ، وما جرى عليهم في الدهور والأعصار ، ~~وشأنه معهم في الأسرار والحقائق والشرائع ، وأراد أن يخصه صلى الله عليه ~~وسلم بشريعته ، وما يكون من طريقته الخاصة إلى حضرته ، ويخبره بما كان وما ~~يكون ، أشار إلى هذه الأشياء بحروف التهجي ، واعلمه سر ذلك بخفي الإشارة ~~ولطيف الخطاب ، وعلم تعالى أنه عليه الصلاة والسلام يعرف بتلك الإشارة ~~مراده من علم سابق ، ونبأ صادق ، وعلم تعالى أن عموم أمته لا تعرف تلك ~~الإشارة ، فعبر عنها بسورة طويلة من القرآن ؛ ليعرفوا مراده سبحانه من ~~خطابه ، وخواص أمته ربما تطلع على سر بعضها ، كالصحابة والتابعين ~~والمتقدمين من العلماء والأولياء ، كأن حروف المقطعات رموز ومعاني سور ~~القرآن ، لا يعرف تلك الرموز إلا الربانيون والأحبار من الصديقين. ه. # 334 # جزء : 2 رقم الصفحة : 334 # قلت : {كتاب} : خبر ، أي : هذا كتاب ، و{أنزل} : صفته ، والحرج : الضيق ، ~~و{لتنذر} : متعلق بأنزل ، أو بلا يكن ، لأنه إذا أيقن أنه من عند الله جسر ~~على الإنذار ، وكذا إذا لم يخفهم ، و{ذكرى} : يحتمل النصب بإضمار فعل ، أي ~~: لتنذر ولتذكر ذكرى ، والجر عطف على {لتنذر} ، أي : للإنذار والتذكير ، ~~والرفع عطف على {كتاب}. # يقول الحق جل جلاله : هذا {كتاب أنزل إليك} من ربك ، {فلا يكن في صدرك ~~حرج منه} أي : ضيق وثقل من أجل تبليغه لمن يكذب به ، مخافة أن تكذب فيه ، ~~أو مخافة أن تقصر على القيام بتبليغه ، أو بحقوقه ، وتوجيه النهي إلى الحرج ~~للمبالغة ، كقولك : لا أرينك ها هنا ، كأنه قال : فلا يحرج صدرك منه ، ~~وإنما أنزلناه إليك لتنذر به من بلغه ms0766 ، {وذكرى للمؤمنين} أي : وتذكيرا ~~وموعظة للمؤمنين ؛ لأنهم هم المنتفعون بمواعظة. PageV02P461 # الإشارة : تذكير أهل الإنكار ووعظهم يحتاج إلى سياسة كبيرة وحلم كبير وصبر ~~عظيم ، لا يطيقه إلا الأكابر من أهل العلم بالله ؛ كالأنبياء والصديقين ، ~~لسعة معرفتهم ، واتساع صدورهم لحمل الجفاء وتحمل الأذى ، ونهيه تعالى لنبيه ~~عليه الصلاة والسلام عن ضيق صدره : تشريع لورثته من بعده ؛ الداعون إلى ~~الله عز وجل وإلا فهو صلى الله عليه وسلم بحر واسع ، لا تكدره الدلاء ، ~~كما قال البوصيري. # فهو البحر والأنام إضاء # والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 334 # قلت : {قليلا} : صفة لمصدر ، أو زمان محذوف ، أي : تتذكرون تذكرا قليلا ، ~~أو زمانا قليلا ، والعامل فيه : تذكرون ، و{ما} : زائدة لتأكيد القلة. # يقول الحق جل جلاله : {اتبعوا} أيها الناس {ما أنزل إليكم من ربكم} من ~~أحكام القرآن والسنة ؛ إذ كله وحي يوحى ، {وما ينطق عن الهوى} [النجم : 3] ~~، {ولا تتبعوا من دونه} أي : الله ، {أولياء} من الجن والإنس يضلونكم عن ~~دينه ، أو : ولا تتبعوا من # 335 # دون ما أنزل إليكم أولياء ، تتبعونهم فيما يأمرونكم به وينهونكم ، ~~وتتركون ما أنزل إليكم من ربكم ، {قليلا ما تذكرون} : تتعظون حيث تتركون ~~دين الله وتتبعون غيره ، بعد كما إنذاره ووضوح تذكاره ، وذلك لانطماس ~~البصيرة وعمي القلوب ، والعياذ بالله. # الإشارة : اتباع الحبيب في أمره ونهيه يدل على صحة دعوى المحبة ، ~~ومخالفته يدل على بطلانها. # تعصي الإله وأنت تظهر حبه # هذا محال في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته # إن المحب لمن يحب مطيع # وجمع المحبة في محبوب واحد يدل على كمالها ، وتفرق المحبة يدل على ضعفها ~~، ولذلك قال الشاعر : # كانت لقلبي أهواء مفرقة # فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي PageV02P462 ~~فلا تجتمع المحبة في محبوب واحد إلا بعد كمال معرفة المحبوب ، وشهود أنوار ~~جماله وكمال أسراره. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 335 # قلت : {كم} : خبرية ، مفعول {أهلكنا} ، وهو على حذف الإرادة ، أي : في ~~الحال أردنا إهلاكها ، و{بياتا أو هم قائلون} : حالان ، أي : بائتين أو ~~قائلين ، وأغني الضمير في {هم} عن واو ms0767 الحال. # يقول الحق جل جلاله : كثيرا من القرى {أهلكناها} لما عصت أمرنا ، وخالفت ~~ما جاءت به رسلنا ، {فجاءها بأسنا} أي : عذابنا {بياتا} أي : ليلا ، كقوم ~~لوط ؛ قلبت مدينتهم ، عاليها سافلها ، وأرسلت عليهم الحجارة بالسحر ، {أو ~~هم قائلون} نصف النهار ، كقوم شعيب ، نزلت عليهم نار فأحرقتهم ، وهو عذاب ~~يوم الظلمة ، وإنما خص الوقتين ؛ لأنهما وقت دعة واستراحة ، فيكون مجيء ~~العذاب فيهما أفظع. # {فما كان دعواهم} أي : دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم بأسنا ، {إلا أن ~~قالوا إنا كنا ظالمين} أي : إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه ، ~~تحسرا ، أو : ما كان دعاؤهم إلا قولهم : {يا ويلنآ إنا كنا ظالمين ، فما ~~زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين} [الأنبياء : 14 ، 15] : ميتين ، ~~فإذا أحييناهم وبعثناهم من قبورهم ، فوالله {لنسألن الذين أرسل إليهم} عن ~~قبول الرسالة وإجابة الرسل ، {ولنسألن المرسلين} عما # 336 # أجيبوا به ، والمراد بهذا السؤال : توبيخ الكفرة وتقريعهم ، وأما قوله ~~تعالى : {ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون} [القصص : 78] ، فالمنفي : سؤال ~~استعلام ؛ لأن الله أحاط بهم علما ، أو الأول في موقف الحساب ، وهذا عند ~~حصول العقاب. PageV02P463 # {فلنقصن عليهم} أي : على الرسل والأمم ، فنقص على الرسل ما قوبلوا به من ~~تصديق أو تكذيب ، وعلى الأمم ما قابلوا به الرسل من تعظيم أو إنكار ، أو ~~فلنقص على الرسل ما علمنا من قومهم حين يقولون : {لا علم لنآ إنك أنت علام ~~الغيوب} [المائدة : 109]. نقص ذلك عليهم {بعلم} وتحقيق ؛ لاطلاعنا على ~~أحوالهم ، وإحاطة علمنا بسرهم وعلانيتهم. {وما كنا غائبين} عنهم ، فيخفى ~~علينا شيء من أحوالهم ، بل كنا حاضرين لديهم ، محيطين بسرهم وعلانيتهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 336 # الإشارة : ما أهلك الله قوما وعذبهم إلا بتضييع الشرائع أو إنكار الحقائق ~~، فمن قام بهما معا كان مصحوبا بالسلامة ، موصوفا بالكرامة في الدارين ، ~~ومن ضيعهما أو أحدهما لحقه الوبال في الدارين ، فإذا لحقه إهلاك لم يسعه ~~إلا الإقرار بالظلم والتقصير ، حيث فاته الحزم والتشمير ، فإذا ندم لم نفعه ~~الندم ، حيث زلت به القدم ، فالبدار البدار إلى التوبة والانكسار ، والتمسك ~~بشريعة النبي المختار ، والتحقق ms0768 بمعرفة الواحد القهار ، وصحبة الصالحين ~~الإبرار ، والعارفين الكبار ، قبل أن تصير إلى قبرك فتجده إما روضة من رياض ~~الجنة ، أو حفرة من حفر النار. # وكما أن الحق تعالى يسأل الرسل عما أجيبوا به ، يسأل خلفاءهم وهم ~~الأولياء والعارفون عما إذا قوبلوا من تعظيم أو إنكار ، فيرفع من عظمهم في ~~أعلى عليين ، ويحط من أنكرهم في محل أهل اليمين. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 336 PageV02P464 ~~الإشارة : ما أهلك الله قوما وعذبهم إلا بتضييع الشرائع أو إنكار الحقائق ، ~~فمن قام بهما معا كان مصحوبا بالسلامة ، موصوفا بالكرامة في الدارين ، ومن ~~ضيعهما أو أحدهما لحقه الوبال في الدارين ، فإذا لحقه إهلاك لم يسعه إلا ~~الإقرار بالظلم والتقصير ، حيث فاته الحزم والتشمير ، فإذا ندم لم نفعه ~~الندم ، حيث زلت به القدم ، فالبدار البدار إلى التوبة والانكسار ، والتمسك ~~بشريعة النبي المختار ، والتحقق بمعرفة الواحد القهار ، وصحبة الصالحين ~~الإبرار ، والعارفين الكبار ، قبل أن تصير إلى قبرك فتجده إما روضة من رياض ~~الجنة ، أو حفرة من حفر النار. # وكما أن الحق تعالى يسأل الرسل عما أجيبوا به ، يسأل خلفاءهم وهم ~~الأولياء والعارفون عما إذا قوبلوا من تعظيم أو إنكار ، فيرفع من عظمهم في ~~أعلى عليين ، ويحط من أنكرهم في محل أهل اليمين. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 336 # قلت : {الوزن} : مبتدأ ، و{يومئذ} : خبره ، و{الحق} : صفته ، أي : الوزن ~~العدل حاصل يومئذ. # يقول الحق جل جلاله : {والوزن} أي : وزن الأعمال ، على نعت الحق والعدل ، ~~حاصل يوم القيامة ، حين يسأل الرسل والمرسل إليهم. والجمهور على أن صحائف ~~الأعمال توزن بميزان له لسان وكفتان ، ينظر إليه الخلائق ؛ إظهارا للمعدلة ~~وقطعا للمعذرة ، كما يسألهم عن أعمالهم ، فتعترف بها ألسنتهم ، وتشهد بها ~~جوارحهم ، ويؤيده ما روي : " أن الرجل يؤتى به إلى الميزان ، فينشر عليه ~~تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل # 337 PageV02P465 ~~مد البصر ، فتخرح له بطاقة فيها كلمة الشهادة ، فتوضع السجلات في كفة ، ~~والبطاقة في كفة ، فتثقل البطاقة ، وتطيش السجلات ". وقيل : توزن الأشخاص ؛ ~~لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ms0769 : " إنه ليأتي العظيم السمين يوم ~~القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة " والتحقيق : أن المراد به ~~الإهانة والتصغير ، وأنه لا يساوي عند الله شيئا ؛ لاتباعه الهوى. # ثم فصل في الأعمال فقال : {فمن ثقلت موازينه} أي : حسناته ، أو الميزان ~~الذي يوزن به حسناته ، وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن ، فعلى ~~الأول هو جمع موزون ، وعلى الثاني جمع ميزان ، فمن رجحت حسناته {فأولئك هم ~~المفلحون} الفائزون بالنجاة والثواب الدائم ، {ومن خفت موازينه فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم} بتضييع الفطرة السليمة التي فطروا عليها ، واقتراف ما ~~عرضها للهلاك ، {بما كانوا بآياتنا يظلمون} حيث بدلوا التصديق بها بالتكذيب ~~، والعمل فيها بالتفريط. نسأل الله تعالى الحفظ. # الإشارة : العمل الذي يثقل على النفس كله ثقيل في الميزان ؛ لأنه لا يثقل ~~عليها إلا ما كان حقا ، والعمل الذي يخف على النفس كله خفيف ؛ لأنه فيه نوع ~~من الهوى ؛ إذ لا يخف عليها إلا ما لها فيه حظ وهوى ، وفي الحكم : " إذا ~~التبس عليك أمران ، فانظر أثقلها على النفس فاتبعه ؛ فإنه لا يثقل عليها ~~إلا بما كان حقا ". وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : والله ما ثقل ميزان ~~عبد إلا باتباعه الحق ، وما خف إلا باتباعه الهوى. قال تعالى : {والوزن ~~يومئذ الحق}. ه. بمعناه ذكره في القوت. وهذا في غير النفس المطمئنة ، وأما ~~هي فلا يثقل عليها شيء ، وقد يثقل عليها الباطل ، ويخف عليها الحق ، لكمال ~~رياضتها. والله تبارك وتعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 337 PageV02P466 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد مكناكم في الأرض} ؛ تتصرفون فيها بالبناء ~~والسكن ، والغرس والحرس والزرع ، وغير ذلك من أنواع التصرفات ، {وجعلنا لكم ~~فيها معايش} : أسبابا تعيشون بها ؛ كالتجارة وسائر الحرف ، {قليلا ما ~~تشكرون} على هذه النعم ، فتقابلون المنعم بالكفر والعصيان ، فأنتم جديرون ~~بسلبها عنكم ، وإبدالها بالنقم ، لولا فضله ورحمته. # 338 # الإشارة : نعمة التمكين في الأرض متحققة في أهل التجريد ، والمنقطعين إلى ~~الله تعالى ، فهم يذهبون في الأرض حيث شاؤوا ، ومائدتهم ممدودة يأكلون منها ~~حيث شاؤوا ، فهم متمكنون من أمر دينهم ؛ لقلة ms0770 عوائدهم ، ومن أمر دنياهم ؛ ~~لأنها قائمة بالله ، تجري عليهم أرزاقهم من حيث لا يحتسبون ، تخدمهم ولا ~~يخدمونها ؛ " يا دنياي اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك ". فمن قصر منهم في ~~الشكر توجه إليه العتاب بقوله : {ولقد مكناكم في الأرض} إلى قوله : {قليلا ~~ما تشكرون} ، ومن تحقق شكره قيل له : {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم في الأرض} [القصص : 5 ، ~~6]. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 338 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد خلقناكم} أي : خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ~~، {ثم صورناكم} أي : صورنا خلقة أبيكم آدم. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق ~~الكل وتصويره ؛ لأنه المادة الأصلية ، أي : ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن ~~خلقنا أباكم آدم ، ثم صورناه ، {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} تعظيما له ، ~~حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم ، واختبارا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع ، ~~{فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} لآدم. PageV02P467 # {قال} له الحق تبارك وتعالى : {ما منعك ألا تسجد} أي : تسجد ، فلا : زائدة ~~، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه ، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود ~~، وقيل : الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه ، فكأنه قال : ما اضطرك إلى ~~ترك السجود {إذ أمرتك}. # وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور ، فأجاب بقوله : {قال أنا خير ~~منه} ، أي : المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه ، ولا يحسن للفاضل أن ~~يسجد للمفضول ، فكيف يحسن أن يؤمر به ، فإبليس هو الذي سن التكبر ، وقال # 339 # بالتحسين والتقبيح العقليين أولا ، وبهذا الاعتراض كفر إبليس ؛ إذ ليس ~~كفره كفر جحود. # ثم بين وجه الأفضلية ، فقال : {خلقتني من نار وخلقته من طين} ، فاعتقد أن ~~النار خير من الطين ، وقد غلط في ذلك ، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار ~~النتائج والثمرات ، لا باعتبار العنصر والمادة فقط ، ولا شك أن الطين ينشأ ~~منه ما لا يحصى من الخيرات ؛ كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 339 # قال البيضاوي : رأى الفضل كله ms0771 باعتبار العنصر ، وغفل عما يكون باعتبار ~~الفاعل ، كما أشار إليه بقوله تعالى : {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى} [ص ~~: 75] أي : بغير واسطة ، وباعتبار الصورة ، كما نبه عليه بقوله تعالى : ~~{ونفخت فيه من روحي} وباعتبار الغاية ، وهو ملاكه ، ولذلك أمر الملائكة ~~بالسجود له ؛ لما تبين لهم أنه أعلم منهم ، وأنه له خواصا ليست لغيره. ه. PageV02P468 # ولما تبين عناده قال له تعالى : {فاهبط منها} أي : من السماء أو من الجنة ، ~~{فما يكون لك} أي : فما يصح لك {أن تتكبر فيها} وتعصى ؛ فإنها موطن الخاشع ~~المطيع ، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة ، فإنه تعالى إنما ~~أنزله وأهبطه ؛ لتكبره لا لمجرد عصيانه ، {فاخرج إنك من الصاغرين} أي : ممن ~~أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم : " من تواضع لله رفعه الله ، ~~ومن تكبر وضعه الله ". ولما تحقق إبليس أنه مطرود ، سأل الإمهال فقال : ~~{أنظرني} أي : أخزني ، {إلى يوم يبعثون} فلا تمتني ، ولا تعجل عقوبتي ، ~~{قال إنك من المنظرين} ؛ يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل ، لكنه محمول على ما ~~في الآية الأخرى : {إلى يوم الوقت المعلوم} [الحجر : 38] ؛ وهو نفخ الصور ~~النخة الأولى ، {قال فبما أغويتني} أي : بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم ~~بأي طريق يمكنني ، بسبب إغوائك إياي ، والله {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} ، ~~وهو الطريق الذي يوصلهم إليك ، فأقعد فيه ، وأردهم عنه ، {ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} ؛ فآتيهم من الجهات الأربع ~~، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه. # قال ابن عباس : {من بين أيديهم} : الدنيا يزينها لهم ، {ومن خلفهم} : ~~الآخرة ينسيها لهم ، {وعن أيمانهم} : الحسنات يثبطهم عنها ، {وعن شمائلهم} ~~: السيئات يزينها في أعينهم. ه. ولم يجعل له سبيلا من فوقهم ، ولا من تحت ~~أرجلهم ؛ لأن # 340 # الرحمة تنزل من أعلى ، فلم يحل بينهم وبينها ، والإتيان من تحت موحش ، ~~وأيضا : السفليات محل للتواضع والخشوع ، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. ~~وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : ( لإن فوق : التوحيد ، وتحت : ~~الإسلام ، ولا يمكن ms0772 أن يأتي من توحيد ولا إسلام). PageV02P469 # ثم قال تعالى : {ولا تجد أكثرهم شاكرين} ؛ مطيعين ، قال بعض الصوفية : ( لو ~~كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس) ؛ فالشكر أعظم المقامات ، وهو ~~الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس ، والشكر : هو إلا يعصى الله بنعمه ، ~~أو : صرف الجوارح كلها في طاعة الله ، أو رؤية المنعم في النعمة ، وإنما ~~قال إبليس ذلك ؛ ظنا لقوله : {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} [سبأ : 20] ، ~~وسيأتي في الإشارة حقيقته. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 339 # قال} تعالى لإبليس : {اخرج منها} ؛ من السماء أو الجنة ، {مذءوما} أي : ~~مذموما ، من ذامه ، أي : ذمه ، {مدحورا} أي : مطرودا. والله {لمن تبعك ~~منهم} في الكفر {لأملان جهنم منكم أجمعين} أي : منك وممن تبعك. PageV02P470 # تنبيه : ذكر الفخر الرازي ، في تفسيره ، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه ~~وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم ، فقال لهم : إني أسلم أن ~~الله خالقي وموجدي ، وهو موجد الخلق ، ولكن لي على حكمته أسئلة : الأول : ~~ما الحكمة في إيجاد خلقه ، لا سيما وكان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند ~~خلقه الآلام ؟ الثاني : ما الفائدة في التكليف ، مع أنه لا يعود عليه نفع ~~ولا ضرر ، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة ~~التكليف ؟ الثالث : هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته ، فلماذا كلفني بالسجود ~~لآدم ؟ الرابع : لما عصيته فلم لعنني وأوجب عقابي ، مع أنه لا فائدة له ولا ~~لغيره منه ، وفيه أعظم الضرر ؟ الخامس : لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول ~~إلى الجنة ووسوسة آدم ؟ السادس : ثم لما فعل ذلك ، فلم سلطني على أولاده. ~~ومكنني من إغوائهم وإظلالهم ؟ السابع : ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ~~ذلك فلم أمهلني ، ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا. ه. ~~قال شارح الأناجيل : فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء : إنك ما عوفتني ~~، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي ، فأنا الله لا إله ~~إلا أنا لا أسأل عما أفعل. # قال الشهرستاني : اعلم أنه لو ms0773 اجتمع الأولون والآخرون ، وحكموا بتحسين ~~العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصا ، أما إذا أجبنا بما أجاب به ~~الحق سبحانه زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. ه. قلت : من تشمرت فكرته ~~بنور المعرفة ، وعرف أسرار الحكمة والقدرة ، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات ~~، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار : # 341 # أما الحكمة في أيجاد خلقهم ؛ فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي : " ~~كنت كنزا لم أعرف ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت خلقا لأعرف بهم " ، وليظهر بهم ~~آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه ~~المنتقم. PageV02P471 # أما فائدة التكليف ؛ فلتقوم الحجة على العبيد ، وليتميز من يستحق الإحسان ~~ممن يستحق العذاب ، فإذا عذبه لم يكن ظالما له ؛ {ولا يظلم ربك أحدا} ~~[الكهف : 49] ، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم ؛ ~~فلأنه ادعى المحبة ، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه ، ولا تصعب ~~إلا في الخضوع للجنس ، أو من دونه ، فأمره بالسجود لمن دونه في زعمه ؛ ~~ليظهر كذبه في دعوى محبته ، وأما لعنه وطرده ؛ فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا ~~الطرد كان في علمه تعالى ، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها ~~بالمسببات ، فكان امتناعه واعتراضه سببا لإظهار ما سبق له في علم الله ، ~~كما كانت وسوسته لآدم سببا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. ~~وأما تمكينه من دخول الجنة ؛ فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه ؛ لأن ~~الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببا. أما تسلطه على أولاده ، فليكون منديلا تمسح ~~به أوساخ الأقدار ؛ إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة ~~الواحد القهار ، ولا فعل لغيره ، لكن الحق تعالى علمنا الأدب ، فخلق ~~الشيطان والنفس والهوى مناديل ، فما كان فيه كما نسبه لله ، وما كان فيه ~~نقص نسبه للشيطان والنفس ؛ أدبا مع الحضرة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 339 PageV02P472 ~~وأما إمهاله ؛ فليدوم هذا المنديل عندهم ، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي ~~تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله : ( معلوم أن العالم لو كان خاليا من ~~الشر لكان ذلك ms0774 خيرا) ، مغالطة ؛ لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين : الخير ~~الشر ، وبهما وقع التجلي والظهور ؛ ليظهر آثار أسمائه تعالى ؛ فإن اسمه ~~المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر ، فيما نفهم ، وليظهر انتقامه وبطشه ~~للعيان ، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك ~~الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله : ( إنك ما عرفتني...) الخ.. يقتضي ~~أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما ~~بيناها. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الأكوان ظاهرها أغيار ، وباطنها أنوار وأسرار ، فمن وقف مع ~~ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار ، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة ~~والإقرار ، ولعل إبليس لم في حال الأمر بالسجود من آدم إلا الأغيار ، ولو ~~رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار. # جزء : 2 رقم الصفحة : 339 # يقول الحق جل جلاله : {ويا آدم اسكن أنت وزوجك} حواء {الجنة فكلا من حيث ~~شئتما} من ثمارها ، {ولا تقربا هذه الشجرة} ؛ التين أو العنب أو الحنطة ، ~~{فتكونا من الظالمين} لأنفسكما بمخالفتكما ، {فوسوس لهما الشيطان} أي : فعل ~~الوسوسة لأجلهما ، وهوة الصوت الخفي ، {ليبدي} أي : ليظهر {لهما ما ووري} ~~أي : ما غطى {عنهما من سوآتهما} أي : عوارتهما ، واللام : للعاقبة ، أي : ~~فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما ، وكانا لا يريانها من أنفسهما ، ~~ولا أحداهما من الآخر. وفيه دليل على أن كشف العورة ، ولو عند الزوج من غير ~~حاجة قبيح مستهجن في الطباع. PageV02P473 # {وقال} لهما : {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا} كراهية {أن تكونا ~~ملكين}. واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء ، وجوابه : أنه كان ~~من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تنقلبن وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما ~~من الغنى عن لطعام والشراب ، فيمكن لهما الخلود في الجنة ، ولذلك قال : {أو ~~تكونا من الخالدين} الذين يخلدون في الجنة. # ويؤخذ من قوله تعالى : {ما نهاكما ربكما} ، أن آدم عليه السلام لم يكن ~~ناسيا للنهي ، وإلا لما ذكره بقوله : {ما نهاكما ربكما} ، وقوله في سورة طه ~~: {فنسي} ، أي : نسي أنه عدو له ms0775 ، ولذلك ركن إلى نصيحته ، وقبل منه حتى ~~تأول أن النهي عن عين الشجرة لا عن جنسهان فأكل من جنسها ؛ رغبة في الخلود ~~، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط. # جزء : 2 رقم الصفحة : 342 # ولم يقصد إبليس إخراجهما من الجنة ، وإنما قصد أسقاطهما من مرتبتهما ، ~~وإبعادهما كما بعد هو ، فلم يلبغ قصده ولا أدرك مراده ، بل ازداد سخينة عين ~~، وغيط نفس ، وخيبة ظن. قال الله تعالى : {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} ~~[طه : 122] ، فصار عليه السلام خليفة لله في أرضه ، بعد أن كان جارا له في ~~داره ، فكم بين الخليفة والجار ؟ # 343 # {وقاسمهما} أي : خلف لهما {إني لكما لمن الناصحين} فما قلت لكما. وذكر ~~قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة ؛ لأنه اجتهد فيه ، ~~أو لأنه أقسم لهما ، وأقسما له أن يقبلا نصيحته. PageV02P474 # {فدلاهما} ، أي : أنزلهما إلى الأكل من الشجرة ، {بغرور} أي : بما غرهما به ~~من القسم ، لأنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا ، {فلما ذاقا الشجرة} ~~أي : وجدا طعمها ، آخذين في الأكل منها ، {بدت لهما سوآتهما} ، وتهافت ~~عنهما ثيابهما ، فظهرت لهما عوراتهما ؛ أدبا لهما. وقيل : كان لباسهما نورا ~~يحول بينهما وبين النظر ، فلما أكلا انكشف عنهما ، وظهرت عورتهما ، {وطفقا} ~~أي : جعلا {يخصفان عليهما من ورق الجنة} أي : أهذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ~~ورقة ليستترا به ، قيل : كان ورق التين. فآدم أول من لبس المرقعه ، ~~{وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو ~~مبين} ؛ هذا عتاب على المخالفة ، وتوبيخ على الاغترار بالعدو. وفيه دليل ~~على ان مطلق النهي للتحريم. # ثم صرحا بالتوبة فقالا : {ربنا ظلمنا أنفسنا} حين صدرناها للمعصية ، ~~وتعرضنا للإخراج من الجنة ، {وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ~~؛ وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها. قال البيضاوي : فيه ~~دليل على أن الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر ، وقالت المعتزلة : لا يجوز ~~المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر ، ولذلك قالوا : إنما قالا ذلك على عادة ~~المقربين في ms0776 تعظيم الصغير من السيئات ، واستحقار العظيم من الحسنات.ه. # {قال اهبطوا} ؛ الخطاب لآدم وحواء وذريتهما ، أو : لهما ولإبليس ، وكرر ~~الأمر له تبعا ؛ ليعلم أنهم قرناء له أبدا. حال كونكم {بعضكم لبعض عدو} أي ~~: متعادين ، {ولكم في الأرض مستقر} أي : استقرار ، {ومتاع} أي : تمتع ، ~~{إلى حين} انقضاء آجالكم ، {قال فيها} أي : في الأرض {تحيون وفيها تموتون ~~ومنها تخرجون} للجزاء ، بالنعيم ، أو بالعذاب الأليم ، على حسب سعيكم في ~~هذه الدار الفانية. # جزء : 2 رقم الصفحة : 342 PageV02P475 ~~الإشارة : قال بعض العارفين : كل ما نهى الله تعالى عنه فهو شجرة آدم ، فمن ~~دخل جنة المعارف ، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة وهي شجرة سوء الأدب ~~أخرج منها ، فإن كان ممن سبقت له العناية ألهم التوبة ، فتاب عليه وهداه ، ~~وأهبطه إلى أرض العبودية ؛ ليكون خليفة الله في أرضه ، فأنعم بها معصية ~~أورثت الخلافة والزلفى. وفي الحكم : " ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب ~~الوصول ". وقال أيضا : " معصية أورثت ذلا وافتقارا ، خير من طاعة أورثت عزا ~~واستكبارا ". وقال بعضهم : كل سوء أدب يثمر لك أدبا فهو أدب. والله تعالى أعلم # 344 # جزء : 2 رقم الصفحة : 342 # قلت : من قرأ : {لباس} ؛ بالرفع ، فهو متبدأ ، والجملة : خبر ، والرابط : ~~الإشارة ، والريش : لباس الزينة ، مستعار من ريش الطير. # يقول الحق جل جلاله : {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا} أي : خلقناه ~~لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة ، ونظيره : قوله تعالى : {وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر : 6] ، وقوله تعالى : {وأنزلنا الحديد} ~~[الحديد : 25]. من صفة ذلك اللباس : {يواري} أي : يستر {سوآتكم} التي قصد ~~إبليس إبداءها ، ويغنيكم عن خصف الورق. روي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت ~~عراة ، ويقولون : لا نطوف في ثياب عصينا الله تعالى فيها ، فنزلت. ولعل ذكر ~~قصة آدم تقدمه لذلك ؛ حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من ~~الشيطان ، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم. قاله البيضاوي. PageV02P476 # {وريشا} أي : ولباسا فاخرا تتجملون به {ولباس} أي : وأنزلنا عليكم لباس ~~{التقوى} ، وهي خشية الله تعالى ، أو الإيمان ، أو السمت الحسن ms0777 ، واستعار ~~لها اللباس ؛ كقولهم : ألبسك الله لباس تقواه ، وقيل : لباس الحرب. ومن قرأ ~~بالرفع ؛ فخبره : {ذلك خير} أي : لباس التقوى خير من لباس الدنيا ؛ لبقائه ~~في دار البقاء دون لباس الدنيا ؛ فإنه فان في دار الفناء ، {ذلك} أي : ~~إنزال اللباس من حيث هو خير {من آيات الله} الدالة على فضله ورحمته ، ~~{لعلهم يذكرون} فيعرفون نعمه ، فيشكرون عليها ، أو يتعظون فينزجرون عن ~~القبائح. # الإشارة : اللباس الذي يواري سوءات العبودية أي : نقائصها هي أوصاف ~~الربوبية ونعوت الألوهية ؛ من عز وغنى ، وعظمة وإجلال ، وأنوار وأسرار ، ~~التي أشار إليها في الحكم بقوله : " لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء ~~مساوئك ، ومحو دعاويك ، لم تصل إليه أبدا ، ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه ~~غطى وصفك بوصفه ، ونعتك بنعته ، فوصلك بما منه إليك ، لا بما منك إليه ". ~~والريش هو بهجة أسرار المعاني التي تغيب ظلمة الأواني ، أو بهجة الأنوار ~~التي تفني الأغيار ، ولباس التقوى هي حفظه ورعايته لأوليائه في الظاهر ~~والباطن مما يكدر صفاءهم أو يطمس أنوارهم. والله تعالى أعلم. # 345 # جزء : 2 رقم الصفحة : 345 PageV02P477 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان} ؛ بأن يشغلكم عما ~~يقربكم إلى الله ، ويحملكم على ما يمنعكم من دخول جنته ، {كما أخرج أبويكم ~~من الجنة} بسبب غروره ، والنهي ، في اللفظ ، للشيطان ، والمراد : نهيهم عن ~~اتباعه. حال كون أبويكم {ينزع} الشيطان {عنهما لباسهما} بسبب غروره لهما ، ~~وإسناد النزع إليه : مجاز ؛ للسببية ؛ {ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم} ، وهو تعليل للنهي. وتحذير من فتنته ، و{قبيله} : ~~جنوده. ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا يقتصي امتناع رؤيتهم ~~وتمثلهم لنا ، وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة ؛ فتحمل الآية على الأكثر ~~والغالب. قال تعالى : {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} ؛ بما ~~أوجدنا بينهم من التناسب ، أو بإرسالهم عليهم ، وتمكينهم من خذلانهم ، ~~وحملهم على ما سولوا لهم ، والآية هي مقصود القصة وفذلكة الحكاية. قاله ~~البيضاوي. # الإشارة : الحكمة في خلق الشيطان هي كونه منديلا تمسح فيه ms0778 أوساخ الأقدار ~~، وكونه يحوش أولياء الله إلى الله ، كلما نخسهم بنزعه فزعوا إلى مولاهم ، ~~فلا يزال بهم كذلك حتى يوصلهم إلى حضرته ، فحينئذ ينقاد إليهم ، ويخدمهم ~~بأولادهم. وفي الحكم : " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك ، فلا تغفل أنت ~~عمن ناصيتك بيده ". # قال محمد بن واسع : تمثل إلى الشيطان في طريق المسجد ، فقال لي : يا ابن ~~واسع ، كلما أردتك وجدت بيني وبينك حجابا ، فما ذلك ؟ قال : أقرأ ، كلما ~~أصبحت : اللهم إنك سلطت علينا عدوا من أعدائنا ، بصيرا بعيوبنا ، مطلعا على ~~عوراتنا ، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم ، اللهم آيسه منا كما آيسته من ~~رحمتك ، وقنطه منا كما قنطته من عفوك ، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بين ~~المشرق والمغرب وفي رواية : كما باعدت بينه وبين جنتك إنك على كل شيء ~~قدير. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 345 PageV02P478 ~~يقول الحق جل جلاله : في وصف المشركين : {وإذا فعلوا فاحشة} أي : فعلة ~~متناهية في القبح ؛ كعبادة الصنم ، وكشف العورة في الطواف ، احتجوا بفعل ~~آبائهم فقالوا : {وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} فاعتذروا بعذرين ~~باطلين : أحدهما : تقليد آبائهم ، والآخر : افتراؤهم على الله ، فأعرض عن ~~الأول ؛ لظهور فساده ، ورد الثاني بقوله : {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} ؛ ~~لأن الله تعالى جرت عادته على الأمر بمحاسن الأفعال ومكارم الخلال. ولا حجة ~~فيه للمعتزلة. انظر البيضاوي. # والآية كأنها جواب سؤالين مترتبين ؛ كأنه قيل لهم : لم فعلتم هذه الفواحش ~~؟ قالوا : وجدنا آباءنا ، فقيل : ومن أين أخذها آباؤكم ؟ قالوا : الله ~~أمرنا بها ، فكذبهم الله بقوله : {إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون} ، أي : أتتقولون على الله ما لا علم لكم به ؛ إنكار ~~يتضمن النهي عن الافتراء على الله. # {قل أمر ربي بالقسط} أي : العدل ، وهو الوسط من كل أمر ، المتجافي عن ~~طرفي الإفراط والتفريط ، وأمر بأن قال : {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} أي : ~~افعلوا الصلاة في كل مكان يمكن في السجود إذا حضرتكم ، ولا تؤخروها حتى ~~تعودوا إلى مساجدكم. والمعنى : إباحة الصلاة في كل موضع ms0779 ، فهو كقوله صلى ~~الله عليه وسلم : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " وقيل : المراد إحضار ~~النية والإخلاص لله في كل صلاة بدليل قوله : {وادعوه} ؛ أي : اعبدوه ~~{مخلصين له الدين} أي : الطاعة ، فلا تعبدوا معه غيره ، فإنكم راجعون إليه ~~، {كما بدأكم تعودون} فيجازيكم على أعمالكم ، فاحتج على البعث الأخروي ~~بالبدأة الأولى ؛ لاشتراكهما في تعلق القدرة بهما ، بل العود أسهل باعتبار ~~العادة ، وقيل : كما بدأكم من التراب ، تعودون إليه ، وقيل : كما بدأكم ~~حفاة عراة غرلا ، تعودون ، وقيل : كما بدأكم مؤمنا وكافرا ، يعيدكم. قاله ~~البيضاوي. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 346 PageV02P479 ~~فريقا هدى} ؛ بأن وفقهم للإيمان ، {وفريقا حق عليهم الضلالة} ؛ بمقتضى ~~القضاء السابق ، أي : خذل فريقا حق عليهم الضلالة ، {إنهم اتخذوا الشياطين ~~أولياء} يطيعونهم فيما يأمرونهم به ، {من دون الله} ، وهذا تعليل لخذلانهم ~~وتحقيق لضلالتهم ، {ويحسبون} أي : يظنون {أنهم مهتدون} ؛ فهم على جهل مركب ~~، وفيه دليل على أن الكافر المخطىء والمعاند : سواء في الذم واستحقاق ~~العذاب ؛ إذ لا يعذر بالخطأ في أمر التوحيد. # الإشارة : تقليد الآباء في المساوىء من أقبح المساوىء ، واحتجاج العبد ~~بتخليته مع هواه هو ممن اتخذ إلهه هواه ، إن الله لا يأمر بالفحشاء ، فإذا ~~قال العبد في حال # 347 # انهماكه : هكذا أحبني ربي ، فهو خطأ في الاحتجاج ؛ بل يجاهد نفسه في ~~الإقلاع ، ويتضرع إلى مولاه في التوفيق ؛ فإن الحق تعالى إنما يأمر بالعدل ~~والإحسان ، ودوام الطاعة والإذعان ، والخضوع لله في كل زمان ومكان ، ~~والتحقق بالإخلاص في كل أوان ، وإفراد المحبة والولاية للكريم المنان. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 346 # يقول الحق جل جلاله : {يا بني آدم خذوا زينتكم} أي : ثيابكم التي تستر ~~عورتكم ، {عند كل مسجد} لطواف أو صلاة ، واحتج به من أوجب ستر العورة في ~~الصلاة ، ومن السنة أن يأخذ الرجل أحسن ثيابه للصلاة ، وقيل : المراد ~~بالزينة : زيادة على الستر ، كالتجمل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب ~~، {وكلوا واشربوا} ؛ أمر إباحة ؛ لما روي أن بني عامر ، في أيام الحج ، ~~كانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتا ، ولا يأكون دسما ؛ يعظمون بذلك ms0780 حجهم ، ~~وهم المسلمون بذلك ، فنزلت. PageV02P480 # {ولا تسرفوا} ؛ بتحريم الحلال ، أو بالتقدم إلى الحرام ، أو بإفراط الطعام ~~والشره إليه ، وقد عد في الإحياء من المهلكات : شره الطعام ، وشره الوقاع ، ~~أي : الجماع ؟ {إنه لا يحب المسرفين} ؛ لا يرتضي فعلهم. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه : ( كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة ) ~~أي : تكبر. وقال علي بن الحسين بن واقد : جمع الله الطب في نصف آية ؛ فقال ~~: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا}. # الإشارة : إنما أمر الحق جل جلاله بالتزين للصلاة والطواف ؛ لأن فيهما ~~الوقوف بين يدي ملك الملوك ، وقد جرت عادة الناس في ملاقاة الملوك : ~~التهيىء لذلك بما يقدرون عليه من حسن الهيئة ؛ لأن ذلك زيادة تعظيم للملك ، ~~وتزيين البواطن بالمحبة والوداد أحسن من تزيين الظواهر وخراب البواطن ؛ " ~~إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم " وملاقاة الملك بالذل والانكسار أحسن من ملاقاته بالتكبر ~~والاستظهار. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 347 # قلت : من قرأ : {خالصة} ؛ بالرفع ، فخبر بعد خبر ، أو خبر عن مضمر ، ومن ~~قرأ بالنصب ، فحال. # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {من حرم زينة الله} ؛ وهي ما يتجمل به ~~من الثياب وغيرها ، {التي أخرج لعباده} من النبات ؛ كالقطن والكتان ، أو ~~الحيوان ؛ كالحرير والصوف والوبر ، والمعادن ؛ كالدروع والحلي ، {و} قل ~~أيضا : من حرم {الطيبات من الرزق} أي : المستلذات من المآكل والمشارب ، ~~ويدخل فيها المناكح ؛ إذ هي من أعظم الطيبات. وفيه دليل على أن الأصل في ~~المطاعم والملابس وأنواع التجملات : الإباحة ؛ لان الاستفهام للإنكار ، وبه ~~رد مالك رحمه الله على من أنكر عليه من الصوفية ، وقال له : اتق الله يا ~~مالك ؛ بلغني أنك تلبس الرقيق ، وتأكل الرقاق ، فكتب إليه بالآية. PageV02P481 # قال تعالى : {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} ، ويشاركهم فيها الكفار ~~، ويوم القيامة تكون {خالصة} لهم دون غيرهم ، {كذلك نفصل الآيات} أي : ~~كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام {لقوم يعلمون} فينزلونها في محلها ~~بخلاف الجهال. # {قل إنما حرم ربي الفواحش} ms0781 ؛ وهي ما تزايد قبحها من المعاصي ، وقيل : ما ~~يتعلق بالفروج ، {ما ظهر منها وما بطن} أي : جهرها وسرها ، أو ما يتعلق ~~بالجوارح الظاهرة والعوالم الباطنية وهي القلوب ، {والإثم} ؛ كقطع الرحم ، ~~أو عام في كل ذنب ، {والبغي} ؛ وهو الظلم ؛ كقطع الطريق والغصب ، وغير ذلك ~~من ظلم العباد ، أو التكبر على عباد الله ؛ وقوله : {بغير الحق} : تأكيد له ~~في المعنى. {وأن تشركوا الله ما لم ينزل به سلطانا} أي : حجة على استحقاق ~~العبادة ، وهو تهكم بالمشركين ، وتنبيه على تحريم ما لم يدل عليه برهان. ~~{وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} من الإلحاد في صفاته ، والافتراء عليه ~~؛ كقولهم : {والله أمرنا} [الأعراف : 28] ، و{لو شآء الله مآ أشركنا} ~~[الأنعام : 148]. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 348 # ولكل أمة أجل} أي : مدة ووقت لنزول العذاب بها إن لم يؤمنوا ، وهو تهديد ~~لأهل مكة ، {فإذا جاء أجلهم} أي : انقرضت مدتهم ، أو دنى وقت هلاكهم ، {لا ~~يستأخرون ساعة} عنه {ولا يستقدمون} أي : لا يتأخرون ولا يتقدمون عنه أقصر ~~وقت ، أو لا يطيقون التقدم والتأخر لشدة الهول ، وجعل بعضهم : {ولا ~~يستقدمون} استئنافا ؛ لأن الأجل إذا جاء لا يتصور التقدم ، وحينئذ يوقف على ~~: {ساعة} ، ثم يقول : ولا هم يستقدمون عنه قبل وصوله. # 349 PageV02P482 ~~الإشارة : قال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه : زينة الله التي أظهر لعباده ~~هي لباس المعرفة ، وهو نور التجلي ، والطيبات من الرزق هي حلاوة الشهود. ه. ~~وهي لمن كمل إيمانه وصدقه في الحياة الدنيا ، وتصفو له إلى يوم القيامة ، ~~فهي حلال على أهل التجريد ؛ يتمتعون بها في الدارين ، وإنما حرم عليهم ما ~~يشغلهم عن ربهم من جهة الظاهر ، وما يقطعهم عن شهوده من جهة الباطن ، وسوء ~~الأدب مع الله ، والتعرض لعباد الله ، والشرك بالله ؛ بأن يشهدوا معه سواه ~~، وأن يقولوا على الله ما يوهم نقصا أو خللا في أنوار جماله وسناه. والله ~~تعالى أعلم. # ثم إن العباد والزهاد وأهل البداية من المريدين السائرين ينبغي لهم أن ~~يزهدوا في زينة الدنيا وطيباتها ؛ لئلا تركن إليها نفوسهم ، فيثبط سيرهم ، ~~وأما الواصلون ms0782 فهم مع الله ، لا مع شيء سواه ، يأخذون من الله بالله ، ~~ويدفعون بالله ، وقد اتسعت دائرة علمهم ، فليسوا مع لباس ولا أكل ولا شرب ~~ولا جوع ولا شبع ، هم مع ما يبرز في الوقت من المقدورات. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 348 # قلت : {إما} : شرط مؤكد بما ذكره بحرف الشك ؛ للتنبيه على أن إتيان الرسل ~~جائز ، غير واجب ، كما ظنه المعتزلة ، وجوابه : {فمن اتقى...} الخ ، وإدخال ~~الفاء في الجواب الأول دون الثاني ؛ للمبالغة في الوعد والمسامحة في ~~الوعيد. قاله البيضاوي. PageV02P483 # يقول الحق جل جلاله : {يا بني آدم} مهما {يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتي} الدالة على توحيدي ومعرفتي ، {فمن اتقى} الشرك والتكذيب ، و{أصلح} ~~فيما بيني وبينه ، منكم ، بالعمل الصالح ، {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. ~~{والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ، ~~فمن كمال الإيمان : أن يقدر الإنسان نفسه أن لو كان في زمان كل رسول ، لكان ~~أول من تبعه ، ولكان من خواص أصحابه ، هكذا يسير بعقله مع كل رسول من زمان ~~آدم عليه السلام إلى مبعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد جعل الله لكل نبي خلفاء يخلفونه في تبليغ أحكامه الظاهرة ~~والباطنة ، وهم العلماء الأتقياء ، والأولياء العارفون الأصفياء ، فمن أراد ~~أن يكون ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فليتبع علماء أهل زمانه في ~~الشريعة ، وأولياء أهل عصره في تربية الحقيقة. وبالله التوفيق. # 350 # جزء : 2 رقم الصفحة : 350 # يقول الحق جل جلاله : {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} ؛ بأن نسب إليه ~~الولد والشريك ، {أو كذب بآياته} التي جاءت بها الرسل من عنده ، أي : لا ~~أحد أظلم منه ، أو تقول على الله ما لم يقله ، وكذب بما قاله ، {أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب} أي : يلحقهم نصيبهم مما كتب في اللوح المحفوظ ؛ ~~من الأرزاق والآجال ، {حتى إذا} انقضت أعمارهم و{جاءتهم رسلنا يتوفونهم} أي ~~: يتوفون أرواحهم ، {قالوا} لهم توبيخا : {أين ما كنتم تدعون من دون الله} ~~أي : أين ms0783 الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله ؛ لتدفع عنكم العذاب ؟ ~~{قالوا ضلوا عنا} ؛ غابوا عنا {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} ، ~~اعترفوا بأنهم كانوا ضالين فيما كانوا عليه ، وندموا حيث لم ينفع الندم ، ~~وقد زلت بهم القدم. PageV02P484 # الإشارة : كل من أعرض عن خصوص أهل زمانه واشتغل بمتابعة حظوظه وهواه ، ينال ~~نصيبه من الدنيا الفانية وما قسم له فيها ؛ فإذا جاءت منيته ندم وتحسر ، ~~وقيل له : أين ما تمتعت به وشغلك عن مولاك ؟ فيقول : قد غاب ذلك وفنى ~~وانقضى ، وكأنما كان برقا سرى ، أو طيف كرى ، والدهر كله هكذا ؛ لمن سدد ~~نظرا ، وعند الصباح يحمد القوم السرى ، وستعلم ، إذا انجلى الغبار ، أفرس ~~تحتك أم حمار. # وقد قال صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه : " لا تخدعنكم زخارف دنيا دنية ~~، عن مراتب جنات عالية ؛ فكان قد كشف القناع ، وارتفع الارتياب ، ولاقى كل ~~امرىء مستقره ، وعرف مثواه ومنقلبه " وفي حديث آخر : " من بدأ بنصيبه من ~~الدنيا فاته نصيبه من الآخرة ، ولم يدرك منها ما يريد ، ومن بدأ بنصيبه من ~~الآخرة ، وصل إليه نصيبه من الدنيا ، وأدرك من الآخرة ما يريد ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 350 # 351 PageV02P485 ~~يقول الحق جل جلاله : {قال} الله تعالى أي : يوم القيامة للكفار ، بواسطة ~~ملك ، أو بغيرها : {ادخلوا في} جملة {أمم} كاانوا من قبلكم ؛ {من الجن ~~والإنس} متفقين معكم في الكفر والضلال ، فادخلوا مصاحبين معهم {في النار}. ~~قال تعالى ، مخبرا عن حالهم : {كلما دخلت أمة} منهم في النار {لعنت أختها} ~~التي ضلت بالاقتداء بها ، {حتى إذا أداركوا} أي : تداركوا وتلاحقوا ، {فيها ~~جميعا قالت أخراهم} ؛ دخولا أو منزلة ، وهم الأتباع السفلة ، {لأولاهم} وهم ~~المتبوعون الرؤساء أي : قالت لأجلهم ؛ لأن الخطاب مع الله لا معهم ، قالوا ~~: {ربنا هؤلاء} الرؤساء {أضلونا} ؛ حيث سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم ، ~~{فآتهم عذابا ضعفا} أي : مضاعفا {من النار} ؛ لأنهم ضلوا وأضلوا. {قال} ~~تعالى : {لكل} واحد منكم {ضعف} أي : عذابا مضعفا ، أما القادة ؛ فلكفرهم ~~وتضليلهم ، وأما الأتباع ؛ فلكفرهم وتقليدهم ، {ولكن لا تعلمون} ما لكم ، ~~أو ما لكل ms0784 فريق منكم. # {وقالت أولاهم لأخراهم} أي : المتبوعون للأتباع : {فما كان لكم علينا من ~~فضل} في الإيمان والتقوى توجب أن يكون عذابنا أشد من عذابكم ، حتى يتضاعف ~~علينا العذاب دونكم ؛ فإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب ، ~~{فذوقوا} أي : باشروا {العذاب بما كنتم تكسبون} ؛ هو من قول القادة ، أو من ~~قول الله تعالى لجميعهم. PageV02P486 # الإشارة : إذا قامت القيامة تحققت الحقائق ، وتميزت الطرائق ، للخاص والعام ~~، فيرتفع المقربون في أعلى عليين ، ويبقى أهل اليمين في أسفل منازل أهل ~~الجنة مع عوام المسلمين ، فيتعلق عوامهم بخواصهم ، فيقولون لهم : أنتم ~~رددتمونا عن صحبة هؤلاء ، وأنتم خذلتمونا عنهم ، ثم يقولون : ربنا هؤلاء ~~أضلونا عن صحبة هؤلاء المقربين ، فآتهم حجابا ضعفا مما لنا ، قال : لكل ضعف ~~من الحجاب ، هم بتضليلهم لكم عن صحبتهم ، وأنتم بتقليدكم لهم ، ولكن لا ~~تعلمون ما أعددت للمقربين حين صبروا على جفاكم ، وتحملوا مشاق طاعتي ~~ومعرفتي ؛ لأن كل آية في الكفر تجر ذيلها على أهل الغفلة من المؤمنين. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 351 # قلت : {سم الخياط} : عين الإبره ، وفي السين : الفتح والكسر والضم ، ~~والخياط : ما يخاط به ، على وزن حزام ، والتنوين في {غواش} : للعوض عن ~~الياء ، عند سيبويه ، وللصرف عند غيره. # 352 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا} عن : الإيمان ~~بها ، {لا تفتح لهم أبواب السماء} ؛ لأدعيتهم وأعمالهم ؛ فلا تقبل ، أو لا ~~تفتح لأرواحهم إذا ماتوا ، بل تغلق دونها إذا وصلت بها الملائكة إليها ، ~~فيطرحونها فتسقط من السماء ، بخلاف أرواح المؤمنين ؛ تفتح لهم أبواب السماء ~~حتى يفضوا إلى سدرة المنتهى. {ولا يدخلون الجنة حتى يلج} أي : يدخل ، ~~{الجمل} وهو البعير {وفي سم الخياط} أي : في ثقب الإبرة ، والمعنى : لا ~~يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبدا ، فلا يدخلون الجنة أبدا ، وقرأ ابن ~~عباس {الجمل} ، بضم الجيم وسكون الميم ، وهو حبل السفينة ، الذي جمع بعضه ~~إلى بعض حتى صار أغلظ ما يكون. PageV02P487 # ثم قال تعالى : {وكذلك نجزي المجرمين} أي : مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي ~~المجرمين ، {لهم من ms0785 جهنم مهاد} أي : فراش ، {ومن فوقهم غواش} أي : أغطية من ~~النار. {وكذلك نجزي الظالمين} عبر عنهم بالمجرمين تارة ، وبالظالمين أخرى ؛ ~~إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات ، اتصفوا بالجرم والظلم ، وذكر مع الحرمان من ~~الجنة : الجرم ، ومع التعذيب بالنار : الظلم ؛ تنبيها على أن الظلم أعظم ~~الإجرام. # الإشارة : أهل التربية النبوية من الشيوخ العارفين : آية من آيات الله ، ~~من كذب بهم ، واستكبر عن الخضوع لهم ، لا تفتح لفكرته أبواب السماء ، بل ~~يبقى مسجونا بمحيطاته ، محصورا في هيكل ذاته ، ولا يدخل جنة المعارف أبدا ، ~~بل يحيط به الحجاب من فوقه ومن أسفله ، فتنحصر روحه في الأكوان ، ولم تفض ~~إلى فضاء الشهود والعيان. # وفي الحكم : " الكائن في الكون ، ولم تفتح له ميادين الغيوب ، مسجون ~~بمحيطاته ، محصور في هيكل ذاته ". وقال أيضا : " وسعك الكون من حيث ~~جثمانيتك ، ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك " ، فكل من لم تثبت له الروحانية ~~: فهو محصور في الكون ، وكل من ثبتت له الروحانية ؛ بأن استولى معناه على ~~حسه ، لم يسعه الكون ، ولم يحصره عرش ولا فرش ، وكذلك الصوفي ؛ لا تظله ~~السماء ولا تقله الأرض ، أي : لا يحصره الكون من حيث فكرته. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 352 # 353 # قلت : جملة {لا نكلف} : معترضة بين المبتدأ والخبر ؛ للترغيب في اكتساب ~~النعيم المقيم ، بما تسعه طاقتهم ، ويسهل عليهم ، و{ما كنا لنهتدي} : اللام ~~لتأكيد النفي ، وجواب " لولا " : محذوف ، أي : لولا هدايته إيانا ما ~~اهتدينا. PageV02P488 # يقول الحق جل جلاله : {والذين آمنوا} بالرسل ، {وعملوا} الأعمال {الصالحات} ~~على قدر طاقتهم ، {لا نكلف نفسا إلا وسعها} أي : ما تسعه طاقتها ، فمن فعل ~~ذلك ف {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غل} أي : ~~نخرج من قلوبهم كل غل وعدواة ، ونطهرها منه ، حتى لا يكون بينهم إلا التودد ~~، فيصيرون أحبابا وإخوانا ، وإما عبر بالماضي ؛ لتحقق وقوعه ، كأنه وقع ~~ومضى ، وكذلك ما يجيء بعدها ، ثم وصف الجنة فقال : {تجري من تحتهم} أي : من ~~تحت قصورهم ، {الأنهار} ؛ من عسل وخمر وماء ولبن ؛ زيادة في لذتهم وسرورهم ms0786 ~~، فالقصور مرتفعة في الهواء ، والأنهار تجري تحتها. # {وقالوا} حينئذ : {الحمد لله الذي هدانا لهذا} أي : لما جزاؤه هذا النعيم ~~من الإيمان في الدنيا والعمل الصالح ، {وما كنا لنهتدي} بأنفسنا {لولا أن ~~هدانا الله} بتوفيقه وإرادته ، {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} فاهتدينا ~~بإرشادهم ، يقولون ذلك اغتباطا وتبجحا بأن ما عملوه في الدنيا يقينا ، صار ~~لهم عين اليقين في الآخرة ، {ونودوا} أي : نادتهم الملائكة ، أو الحق تعالى ~~: {أن تلكم الجنة} أي : هذه الجنة {أورثتموها} أي : أعطيتموها {بما كنتم ~~تعملون} أي : بسبب أعمالكم ، وهذا باعتبار الشريعة ، وأما باعتبار الحقيقة ~~فكل شيء منه وإليه. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " لن يدخل الجنة أحدكم ~~عمله ، قالوا : ولا أنت ، قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته " ~~فالشريعة تنسب العمل للعبد ، والحقيقة تعزله عنه ، وقد آذنت بها الآية قبله ~~بقوله : {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} ، فقد نطقوا بما تحققوا به ~~يوم القيامة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 353 PageV02P489 ~~وقال القشيري : إنما قال : {أورثتموها بما كنتم تعملون} ؛ تسكينا لقلوبهم ، ~~وتطييبا لهم ، وإلا ، فإذا رأوا تلك الدرجات ، علموا أن أعمالهم المشوبة لم ~~تبلغ تلك الدرجات. ه. وعن ابن مسعود أنه قال : (يجوزون الصراط بعفو الله ، ~~ويدخلون الجنة برحمة الله ، ويقتسمون المنازل بأعمالهم). ه. # الإشارة : والذين آمنوا بطريق الخصوص ، وعملوا الأعمال التي تناسبها ، من ~~خرق العوائد واكتساب الفوائد ، والتخلية من الرذائل والتحلية بأنواع ~~الفضائل على حسب الطاقة ؛ أولئك أصحاب جنة المعارف ، هم فيها خالدون في ~~الدنيا والآخرة ، قد نزع الله # 354 # من قلوبهم المساوىء والأكدار ، وطهرها من جملة الأغيار ، حتى صاروا ~~إخوانا متحابين ؛ لا لغو بينهم ولا تأثيم ، تجري من تحت أفكارهم أنهار ~~العلوم ، وتفتح لهم مخازن الفهوم ، فإذا تمكنوا من هذه الحضرة (قالوا الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) ، تحققوا أنهم ~~محمولون بسابق العناية ، محفوفون بعين الرعاية ، فتحققوا بما جاءت به الرسل ~~من عند الله ، وما نالوه على يد أولياء الله من الذوق والوجدان ، وكشف ~~الغطاء عن عين العيان ، منحنا ms0787 الله من ذلك حظا وافرا ، بمنه وكرمه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 353 # قلت : {أن} : في هذه المواضع ؛ مخففة من الثقيلة ، أو : تفسيرية ، وحذف ~~مفعول : {وعد} الثاني ؛ استغناء بمفعول وعد الأول ، أو لإطلاق الوعد ، ~~فيتناول الثواب والعقاب. PageV02P490 # يقول الحق جل جلاله : {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ~~ربنا} من النعيم {حقا فهل وجدتم} أنتم {ما وعد ربكم} من البعث والحساب ~~{حقا} ، إنما قال أهل الجنة ذلك ؛ تبجحا بحالهم ، وشماتة بأصحاب النار ، ~~وتحسيرا لهم ، فأجابهم أهل النار بقولهم : {نعم} ، قد وجدنا ما وعدنا ربنا ~~حقا ، {فأذن مؤذن بينهم} بين الفريقين : {أن لعنة الله على الظالمين} ؛ ~~الكافرين ، {الذين يصدون} الناس {عن سبيل الله} وهي الإسلام ، {ويبغونها} ~~أي : يطلبون بها {عوجا} ، زيغا وميلا عما هو عليه من الاستقامة ، أو ~~يطلبونها أن تكون ذات عوج ، {وهم بالآخرة كافرون} أي : جاحدون. # {وبينهما} أي : بين الفريقين {حجاب} ، أو بين الجنة والنار حجاب ، يمنع ~~دخول أثر أحدهما للأخرى ، {وعلى الأعراف} ؛ وهو السور المضروب بين الجنة ~~والنار ، {رجال} ؛ طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيئاتهم ، كما في ~~الحديث. وقال في الإحياء : يشبه أن يكونوا من لم تبلغهم الدعوة في أطراف ~~البلاد ، فلم تكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية ، فلا وسيلة ~~تقربهم ، ولا جناية تبعدهم ، ولهم السلامة فقط ، لا تقريب ولا تبعيد. ه. # 355 # قلت : لكن سيأتي أنهم يدخلون الجنة. # ثم وصفهم بقوله : {يعرفون كلا} من أهل الجنة والنار ، {بسيماهم} : ~~بعلامتهم التي أعلمهم الله بها ؛ كبياض الوجوه من أهل الجنة ، وسوادها في ~~أهل النار ، أو غير ذلك من العلامات. {ونادوا أصحاب الجنة} ، إذا نظروا ~~إليهم ، فقالوا لهم : {أن سلام عليكم} ، أي : نادوهم بالسلام عليهم ، {لم ~~يدخلوها} أي : الجنة ، {وهم يطمعون} في دخولها. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 355 # وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} أي : التفتوا إليهم على وجه القلة ~~، تعوذوا من حالهم ، {قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} في النار. PageV02P491 # الإشارة : إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العي الكبير ؛ نادوا أهل ~~البطالة ms0788 والتقصير ، فقالوا لهم : قد وجدنا ما وعدنا ربنا ؛ من كشف الحجاب ~~والدخول مع الأحباب ، حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا كما وجدنا نحن ؟ قالوا ~~على وجه الدعوى والغلط : نعم ، فأذن مؤذن بينهم ، بلسان الحال : أن لعنة ~~الله على الظالمين ؛ الذين بقوا مع حظوظ أنفسهم ، ولم يخرقوا شيئا من ~~عوائدهم ، مع تراميهم على مراتب الرجال ، وادعائهم بلوغ غاية الكمال ، ~~الذين يصدون عن طريق الخصوص ويبغونها عوجا ، وهم بالخصلة الآخرة وهي إشراق ~~نور الحقيقة على أهل التربية هم كافرون ، وبينما حجاب كبير ، وهو حجاب ~~الغفلة ، فلا يعرفون أهل اليقظة ، وهم أهل مقام الإحسان ، بل بينهما مفاوز ~~ومهامه ، كما قال الشاعر : # تركنا البحور الزخرات وراءنا # فمن أين يدري الناس أين توجهنا # وعلى الأعراف ؛ وهو البرزخ الذي بين الحقيقة والشريعة ، رجال من أهل ~~الاستشراف ، يعرفون كلا من العوام والخواص بسيماهم ، ونادروا أصحاب الجنة ~~أي : الواصلين إلى جنة المعارف : أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ، ~~لأنهم في حالة السير وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ، أي : نار ~~الحجاب والتعب ، وهم العوام ، قالوا : ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 355 # 356 # قلت : {ما أغنى} استفهامية أو نافية ، و{ما كنتم} : مصدرية ، و{ادخلوا} : ~~محكى بقول محذوف ، أي : قيل لهم ادخلوا...الخ. PageV02P492 # يقول الحق جل جلاله : {ونادى أصحاب الأعراف رجالا} من رؤساء الكفرة ، ~~{يعرفونهم بسيماهم} ؛ بعلامة فيهم من سوء حالهم ، {قالوا} لهم : {ما أغنى ~~عنكم جمعكم} أي : كثرتكم ، أو جمعكم للمال ، شيئا أو أي شيء أغنى عنكم ~~جمعكم ، {وما كنتم تستكبرون} ؟ أي : واستكباركم ؟ {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ~~ينالهم الله برحمة} وهم ضعفاء المسلمين الذين كانت الكفرة تستحقرهم في ~~الدنيا ، ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة ، قد قيل لهم : {ادخلوا الجنة لا ~~خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}. أو تقول الملائكة لأهل الأعراف : {ادخلوا ~~الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} ، بعد أن حبسوا على الأعراف حتى ~~أبصروا الفريقين وعرفوهم ، وقالوا لهم ما قالوا ، تفضل الله عليهم ، فقيل ~~لهم : ادخلوا الجنة. # وقيل : لما عير أصحاب الأعراف ms0789 أهل النار ، أقسموا أي : أهل النار أن ~~أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة ، فقال لهم الله تعالى : {أهؤلاء الذين ~~أقسمتم لا ينالهم برحمة ادخلوا} يا أهل الأعراف {الجنة}. والله تعالى أعلم. # الإشارة : أصحاب الأعراف : قوم من الصالحين حصل لهم محبة القوم ، ليسوا ~~من عوام أهل اليمين ولا من خواص المقربين ، فإذا نظروا إلى أهل الطعن على ~~الفقراء المتوجهين ، والترفع عليهم ، قالوا لهم : ما أغنى عنكم جمعكم ~~واستكباركم ، أهؤلاء الذين كنتم تطعنون عليهم ، وأقسمتم أنهم ليسوا على شيء ~~؟ قد قيل لهم : ادخلوا جنة المعارف لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ، وأنتم ~~حصل لكم الخيبة ، والحرمان ، والأسر في أيدي النفوس ، والحصر في سجن ~~الأكوان. عائذا بالله من ذلك. # جزء : 2 رقم الصفحة : 356 # 357 # قلت : {هدى ورحمة} : حال من مفعول {فصلناه} ، {فيشفعوا} : جواب الاستفهام ~~، {أو نرد} ؛ بالنصب : عطف عليه ، وبالرفع : استئناف ، فعلى الأول : ~~المسؤول أحد الأمرين ؛ إما الشفاعة أو الرد ، وعلى الثاني : المسؤول ~~الشفاعة فقط. PageV02P493 # يقول الحق جل جلاله : {ونادى} ، يوم القيامة ، {أصحاب النار أصحاب الجنة أن ~~أفيضوا} أي : صبوا {علينا من الماء} ، وفيه دليل على أن الجنة فوق النار ، ~~أو : صبوا علينا مما رزقكم الله ؛ من سائر الأشربة ، ليلائم قوله {أفيضوا} ~~، أو : من الطعام ؛ على حذف الفعل ، أي : أو أعطونا مما رزقكم الله ، ~~{قالوا إن الله حرمهما على الكافرين} ، أي : منعهما عنهم ، {الذين إتخذوا ~~دينهم لهوا ولعبا} ؛ كتحريم البحائر والسوائب ، والتصدية حول البيت ، ~~والطواف به ؛ عريانا ، وغير ذلك مما أحدثوه ، واللهو : صرف القلب إلى ما لا ~~يحصل به نفع أخروي. واللعب : طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به ؛ لخلوه عن ~~منفعة دينية ، {وغرتهم الحياة الدنيا} ؛ بأن أنستهم القيامة ، {فاليوم ~~ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} ، والكاف : أي : ننساهم ؛ لأجل نسيانهم ~~لقاء يومهم هذا ، فلم يخطروه ببالهم ، ولم يستعدوا له ، {وما كانوا بآياتنا ~~يجحدون} أي : نهملهم لأجل إهمالهم الاستعداد للقاء ، وإهمالهم آياتنا حتى ~~جحدوا أنها من عند الله. # {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} أي : بينا معانيه من العقائد ~~والأحكام والمواعظ ، مفصلة ms0790 {على علم} ، أي : عالمين بوجه تفصيله حتى جاء في ~~غاية الإتقان ، {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} فإنهم المنتفعون بهدايته ورحمته ~~دون غيرهم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 357 PageV02P494 ~~هل ينظرون} أي : ما ينتظر الكفار به {إلا تأويله} ، أي : ما يؤول إليه أمره ~~؛ من تبين صدقه ، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ، بقيام الساعة وما ~~بعدها ، {يوم يأتي تأويله} ؛ بظهور ما نطق به ، {يقول الذين نسوه من قبل} ، ~~ولم يؤمنوا به : {قد جاءت رسل ربنا بالحق} أي : قد تبين أنهم جاؤوا بالحق ، ~~وحصل لهم اليقين حيث لم ينفع ، ثم طلبوا من يشفع فيهم فقالوا : {فهل لنا من ~~شفعاء فيشفعوا لنا} اليوم ، {أو نرد} أي : وهل نرد إلى الدنيا {فنعمل غير ~~الذي كنا نعمل} فنستبدل الكفر بالإيمان ، والعصيان بالطاعة والإذعان ، أو : ~~فيشفعوا لنا في أحد الأمرين : إما السلامة من العذاب ، أو الرد إلى الدنيا ~~فنستبدل الكفر بالإيمان. قال تعالى : {قد خسروا أنفسهم} ؛ أي : بخسوها بسوء ~~أعمالهم وكفرهم ، {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي : غاب عنهم افتراؤهم فلم ~~ينفعهم. # الإشارة : إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العلي الكبير ، وأفاض ~~عليهم من ماء غيبه ، حتى امتلأت قلوبهم وأسرارهم ، فأثمر لهم العلوم ~~اللدنية والأسرار الربانية ؛ ناداهم أهل البطالة والتقصير : أفيضوا علينا ~~من الماء الذي سقاكم الله منه ، أو مما رزقكم من العلوم والمعارف. قالوا : ~~إن الله حرمهما على البطالين ؛ الذين اتخذوا طريق القوم # 358 PageV02P495 ~~لهوا ولعبا ، وغرتهم الحياة الدنيا فقبضتهم في شبكتها ، فيقول تعالى : ~~فاليوم ننساهم من لذيذ مشاهدتي ، وحلاوة معرفتي ، كما نسوا لقائي بشهود ~~ذاتي ، وأنكروا على أوليائي وأهل معرفتي ، وجحدوا وجود التربية وحجروا على ~~قدرتي ، ولقد جئناهم بكتاب فصلنا فيه كل شيء ؛ فقلنا فيه : {ما ننسخ من ~~ءاية أو ننسها نأت بخير منهآ أو مثلهآ} [البقرة : 106] إلى يوم القيامة ، ~~هل ينظرون إلا تأويله ؟ يوم يأتي تأويله بظهور درجات المقربين ، في أعلى ~~عليين ، حينئذ يحصل لهم اليقين بوجود المقربين ، أو بالتربية النبوية في كل ~~زمان وحين ، فيطلب الشفاعة في اللحوق بهم ، أو يرد إلى ms0791 العمل بعملهم.. ~~هيهات! قد بعثر ما في القبور ، وحصل ما في الصدور ، فخسر المبطلون ، وفاز ~~المجتهدون السابقون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 357 # قلت : {حثيثا} أي : سريعا ؛ صفة لمصدر محذوف ، أي : طلبا حثيثان أو حال ~~من الفاعل ، أي : حاثا ، و{مسخرات} حال فيمن نصب ، وخبر فيمن رفع ، و{تضرعا ~~وخفية} : مصدران ، حالان من الواو ، وكذلك {خوفا وطمعا}. # يقول الحق جل جلاله : {إن ربكم} الذي يستحق أن تعبدوه ، وهو {الله} وحده ~~{الذي خلق السماوات والأرض} أي : أظهرهما {في ستة أيام} أي : مقدار ستة ~~أيام من أيام الدنيا ؛ إذ لم يكن ثم شمس ، ولو شاء خلقهن في لمحة ، والعدول ~~إليه ؛ لتعليم خلقه التأني والتثبت. # {ثم استوى على العرش} استواء يليق به ، والعرش : جسم عظيم محيط بالأكوان. ~~سمي به ؛ لارتفاعه ، وللتشبيه بسرير الملك ، فالأكوان في جوفه ممحوقة ؛ فقد ~~استولى عليها ومحقها ، كذلك أسرار معاني الربوبية الأزلية قد استولت عليه ~~وحقته ، فيمكن أن يكون الحق تعالى عبر بالاستواء عن هذا الاستيلاء ، وسيأتي ~~في الإشارة تمامه إن شاء الله. PageV02P496 # وقال القشيري : ثم استوى على العرش ، أي : توحد بجلال الكبرياء بوصف ~~الملكوت ، وملوكنا إذا أرادوا التجلي والظهور للحشم والرعية ؛ برزوا لهم ~~على سرير ملكهم في إيوان مشاهدتهم. فأخبر الحق سبحانه وتعالى بما يقرب من ~~فهم الخلق ، # 359 # بما ألقى إليهم من هذه الكلمات ، بأنه استوى على العرش ، ومعناه : اتصافه ~~بعز الصمدية وجلال الأحدية ، وانفراده بنعت الجبروت وجلاء الربوبية ، وتقدس ~~الجبار عن الأقطار ، والمعبود عن الحدود. ه. # {يغشي الليل النهار} أي : يغطي نور النهار بظلمة الليل ، {يطلبه حثيثا} ~~أي : يعقبه سريعا ؛ كالطالب له ، لا يفصل بينهما شيء ، {و} خلق {الشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره} أي : بقضائه وتصريفه ، ومن عجائب تسخيرها أن ~~جعلها مقرونة بأمور غيبية ، دالة على ظهور شيء منها. # جزء : 2 رقم الصفحة : 359 # والنهي عن النظر في النجوم أو تصديق المنجمين ؛ إنما هو لمن اعتقد ~~التأثير لها مستقلة بنفسها ، أو تصديقهم في تفصيل ما يخبرون به ؛ لأنهم ~~إنما يقولون ذلك عن ظن وتخمين ms0792 وجهل ، فإن علم النجوم كان معجزة لبعض ~~الأنبياء ، ثم اندرس ذلك العلم ، فلم يبق إلا ما هو مختلط ، لا يتميز فيه ~~الصواب من الخطأ ، فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار يخلق الله تعالى بها ~~في الأرض ، وفي النبات والحيوان شيئا ، يعني في الجملة ليس قادحا في الدين ~~، بل هو الحق ، ولكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل : قادر ~~في الدين ، فالكواكب ما خلقت عبثا ، ولهذا نظر عليه الصلاة والسلام إلى ~~السماء وقرأ قوله تعالى : {ربنا ما خلقت هذا باطلا...} [آل عمران : 191] ~~الآية. انظر الإحياء للغزالي. PageV02P497 # ثم قال تعالى : {إلا له الخلق والأمر} أي : الإيجاد والتصرف بالأمر والنهي ~~، {تبارك الله رب العالمين} أي : تعاظم في ألوهيته ، وتعالى في ربوبيته ، ~~وتفرد في وحدانيته. قال البيضاوي : ( وتحقيق الآية والله أعلم أن الكفرة ~~كانوا متخذين أربابا ، فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد وهو الله تعالى ~~؛ لأنه الذي له الخلق والأمر ، فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم ، ~~وتدبير حكيم ؛ فأبدع الأفلاك العلوية ، والأجرام السفلية ، ثم بعد تمام خلق ~~عالم الملك أخذ في تدبيره ؛ كالملك الجالس على عرشه وسريره لتدبير مملكته ، ~~فدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب ، وتكوير ~~الليالي والأيام ، فله الخلق والأمر. وكذلك قال في آية السجدة بعد ذكر ~~الخلق : {ثم استوى على العرش يدبر الأمر} [يونس : 3 ، السجدة : 4] ، فرب ~~الخلائق : من هذا صفته ، لا غيره ، انتهى المعنى. # ثم أمرهم بأن يدعوه ، متذللين مخلصين ، فقال : {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} ~~أي : ذوي تضرع وخفاء ؛ فإن الإخفاء دليل الإخلاص ، {إنه لا يحب المعتدين} ~~المتجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره ، ونبه على أن الداعي ينبغي ألا ~~يطلب ما لا يليق به ؛ كرتبة الأنبياء ، وقيل : الاعتداء في الدعاء ، هو ~~الصياح به ، والتشدق ، أو اختراع دعوة لا أصل # 360 PageV02P498 ~~لها في الشرع ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " سيكون قوم يعتدون في ~~الدعاء ، وحسب المرء أن يقول : اللهم إني أسألك الجنة وما يقرب إليها من ~~قول وعمل. ثم قرأ {إنه لا يحب المعتدين} ms0793 ". {ولا تفسدوا في الأرض} بالكفر ~~والمعاصي ، {بعد إصلاحها} ببعث الأنبياء ، وشرع الأحكام ، أو : ولا تفسدوا ~~في الأرض بالمعاصي الموجبة لفساد العالم بالقحط والفتن ، بعد إصلاحها ~~بالخصب والأمان ، {وادعوه خوفا وطمعا} أي : خوفا من الرد لقصور الأعمال ، ~~وطمعا في القبول بالفضل والكرم ؛ {إن رحمة الله قريب من المحسنين} ~~المخلصين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 359 # قال البيضاوي : هو ترجيح للطمع ، وتنبيه على ما يتوصل به إلى الإجابة ، ~~وتذكير قريب ؛ لأن الرحمة بمعنى الترحم ، أو لأنه صفة محذوف ؛ أي : أمر ~~قريب ، أو على تشبيه فعيل الذي هو بمعنى مفعول ، أو للفرق بين القريب من ~~النسب ، والقريب من غيره. ه. قلت : والأحسن أنه إنما ذكره ؛ لأن المراد ~~بالرحمة هنا : سر الخصوصية ، وهو مذكر ، فراعى معنى اللفظ ، كأنه قال : إن ~~سر الولاية وهي الخصوصية قريب من المحسنين. والله تعالى أعلم. PageV02P499 # الإشارة : قوله تعالى : {في ستة أيام} : قال الورتجبي : في كل يوم من هذه ~~الأيام : ظهور صفة من صفاته الست : أولها : العلم ، والثاني : القدرة : ~~والثالث : السمع ، والرابع : والبصر ، والخامس : الكلام ، والسادس : ~~الإرادة ، كملت الأشياء بظهور أنوار الصفات الستة ، ولما أتمها صارت ~~الحدثان ؛ كجسد آدم بلا روح ، فتجلى من صفته السابعة. وهي حياته القديمة ~~الأزلية الباقية ، المنزهة عن همهمة الأنفاس والمشابهة والقياس فقامت ~~الأشياء بصفاته القائمة بذاته ، ويكون إلى الأبد ؛ لحياتها بروح حياته ، ~~المقدسة عن الاتصال والانفصال. قلت : وهي المعبر عنها بالمعاني القائمة ~~بالأواني. ثم قال : وفي أدق الإشارة : السماوات : الأرواح ، والأرض : ~~الأشباح ، والعرش : القلوب ، بدأ بكشف الصفات للأرواح ، وبدأ بكشف الأفعال ~~للأشباح ، ثم بدأ بكشف الذات للقلوب ؛ لأن مناظر القلوب للغيوب ، والغيوب ~~من القلوب محل تجلي استواء القدم ، استوى قهر القدم ، بنعت الظهور للعدم ، ~~أي : فتلاشى العدم ، ثم استوى تجلي الصفات على الأفعال ، واستوى تجلي الذات ~~على الصفات ، فاستوى بنفسه لنفسه ، المنزه عن المباشرة بالحدثان والاتصال ~~والانفصال عن الأكوان. # 361 # قلت : أي : إذ لا حدثان ولا أكوان ؛ لأنها لما قرنت بالقدم تلاشت ، وما ~~بقي إلا نعت القدم. # ثم قال : خص السماوات والأرض بتجلي الصفات ، وخص العرش ms0794 بتجلي الذات. قلت ~~: لأن المعاني المستولية على العرش باقية على أصلها ، وهي أسرار الذات لم ~~تترد برداء الكبرياء ، وهو حجاب الحس الظاهر ، بخلاف المعاني القائمة ~~بالأواني ، وهي أنوار الصفات ، تجلت مرتدية بحجاب القهرية ، فقيل لها : ~~تجلي الصفات. PageV02P500 # ثم قال : السماوات والأرض جسد العالم ، والعرش قلب العالم ، والكرسي دماغ ~~العالم ، خص الجميع بالأفعال والصفات ، وخص العرش بظهور الذات ؛ لأنه قلب ~~الكل ، وهو غيب الرحمن وعلمه وحكمته ، رأيته في المكاشفة أنوارا شعشعانيا ، ~~بلا جسم ولا مكان ولا صورة ، يتلألأ ، فسألت عن ذلك ، فقيل لي : هذا عالم ~~يسمى عرشا. انتهى. # جزء : 2 رقم الصفحة : 359 # قلت : وأقرب من هذا كله : أن العرش قد استولى على ما في جوفه من العوالم ~~، حتى صارت في وسطه كلا شيء ، ومعاني أسرار الربوبية ، وهي العظمة الأصلية ~~قد استولت عليه ، وأحاطت به ، ومحت وجوده ، فعبر الحق جل جلاله عن ~~استيلاء هذه العظمة التي هي أسرار الربوبية على العرش بالاستواء. وإلى ~~هذا أشار في الحكم العطائية بقوله : " يا من استوى برحمانيته على عرشه ، ~~فصار العرش غيبا في رحمانيته ، كما صارت العوالم غيبا في عرشه ، محقت ~~الآثار بالآثار ، ومحوت الآثار وهي العرش وما احتوى عليه بمحيطات أفلاك ~~الأنوار " وهي أسرار الذات المحيطات بالآثار من العرش إلى الفرش ، فعبر عن ~~المعاني المستولية على العرش بالرحمانية ؛ لأن الرحمانية صفة الذات ، ~~والصفة لا تفارق الموصوف ، فافهم. # قلت : ومن كحل عينه بإثمد توحيد الذات لا يستعبد أن يكون الحق جل جلاله ~~يتجلى بتجل خاص من أسرار ذاته وأنوار صفاته ، يستوي بتلك العظمة على العرش ~~، كما يتجلى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده ، إذ تجلياته لا تنحصر ، بل ~~كل ما ظهر في عالم الشهادة فإنما هو نور من تجلي ذاته وصفاته. وهذا القدر ~~كاف لمن شم شيئا من أسرار التوحيد ، وقد تكلم ابن جزي هنا على الخوف ~~والرجاء ، وأطال فيهما ، ولكنه يجنح لتصوف أهل الظاهر ، وقد تقرر في محله. # وقوله تعالى : {إن رحمة الله قريب من المحسنين} : هو تقييد لقوله : {يختص ~~برحمته من يشاء} ؛ فالمختص ms0795 بالرحمة هم المحسنون. انظر لفظ الحكم. والله ~~تعالى أعلم. # 363 PageV02P501 ~~جزء : 2 رقم الصفحة : 359 # قلت : (نشرا) : حال من الرياح ، وهو جمع نشور ، بمعنى ناشر ، ومن قرأ ~~بسكون الشين ، فهو تخفيف منه ، ومن قرأ بفتح النون ، فمصدر في موضع الحال ، ~~بمعنى : ناشرات ، أو مفعول مطلق ؛ فإن الإرسال والنشر متقاربان ، ومن قرأه ~~بالباء وسكون الشين فهو جمع بشير ، مخفف ، و(أقلت) : مشتق من القلة ؛ لأن ~~الحامل للشيء يستقله ، و(ثقالا) : جمع ؛ لأن السحاب جمع بمعنى السحائب. # يقول الحق جل جلاله : {وهو الذي يرسل الرياح} أو الريح (نشرا) أي : تنشر ~~السحاب ، وتفرقه إلى الأرض التي أراد الله أن تمطر ، أو بشارة بالمطر ، ~~{بين يدي رحمته} أي : قبل نزول المطر ، فهي قدامه ؛ فإن الصبا تثير السحاب ~~، والشمال تجمعه ، والجنوب تذره ، والدبور تفرقه. قاله البيضاوي. # {حتى إذا أقلت} أي : حملت {سحابا ثقالا} بالماء ؛ لأنها تحمل الماء فتثقل ~~به ، {سقناه} أي : السحاب بما اشتمل عليه من الماء ، {لبلد ميت} أي : ~~لإحيائه أو لسقيه بعد يبسه ، كأنه ميت ، {فأنزلنا به} أي : بالبلد ، أو ~~بالسحاب ، أو بالسوق ، أو بالريح ، {الماء} الذي في السحاب ، {فأخرجنا به} ~~أي : الماء ، {من كل الثمرات} من كل أنواعها وأصنافها ، {كذلك نخرج الموتى} ~~من القبور ، أي : كما نحيي البلد بإحداث القوة النامية فيه وتطريتها بأنواع ~~النبات والثمرات {كذلك نخرج الموتى} من الأجداث ونحييها برد النفوس إلى ~~مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى الحسية. قاله البيضاوي. # وقال ابن جزي : هو تمثيل لإخراج الموتى من القبور بإخراج الزرع من الأرض ~~، وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع منها : {كذلك النشور} [فاطر : 9] ، ~~و{كذلك الخروج} [ق : 11]. ه. {لعلكم تذكرون} ؛ فتعلمون أن من قدر على ذلك ~~قدر على إحياء الموتى ، إذ لا فرق. PageV02P502 # {والبلد الطيب} أي : الأرض الكريمة والتراب الجيد {يخرج نباته} بسهولة ، ~~حسنا قويا نضرا ، {بإذن ربه} أي : بمشيئته وقدرته ، {والذي خبث} من الأرض ؛ ~~كالحرة والسبخة ، {لا يخرج إلا نكدا} ؛ قليلا عديم النفع ، أو عسيرا بمشقة ~~، {كذلك نصرف الآيات} ؛ نكررها ونرددها {لقوم يشكرون} نعمة الله ، فيتفكرون ~~فيها ، ويعتبرون بها. ms0796 # 363 # قال البيضاوي : والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها ، ولمن لم يرفع ~~إليها رأسا ولم يتأثر بها ، ومثله في البخاري في حديث طويل. وقال ابن عباس ~~وغيره : هو ضرب مثل للمؤمن والكافر. وقال ابن جزي : يحتمل أن يكون المراد ~~ما يقتضيه ظاهر اللفظ ، فتكون متممة للمعنى الذي قبلها في المطر ، وأن تكون ~~تمثيلا للقلوب ؛ فالطيب : قلب المؤمن ، والخبيث : قلب الكافر ، وقيل : هما ~~للفهم والبليد. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 363 # الإشارة : وهو الذي يرسل رياح الهداية ، تنشر سحاب الواردات الإلهية ~~والنفحات الربانية ، بين يدي معرفته ، أو تبشر بها قبل وصولها ، حتى إذا ~~أقلت سحابا ثقالا بالعلوم اللدنية ، سقناه لقلب ميت بالجهل والهوى ، ~~فأنزلنا مما فيه من ماء ذلك الأمطار ، فأخرجنا به من ثمرت العلوم وأزهار ~~الحكم ونوار اليقين. وفي الحكم : " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته ، فليس ~~المقصود من السحابة الأمطار ، وإنما المقصود وجود الأثمار ". {كذلك نخرج ~~الموتى} أي : نحيي القلوب الموتى بالجهل ، {لعلكم تذكرون}. والبلد الطيب ، ~~وهو القلب الطيب ، إذا هبت عليه هذه الواردات ، ونزلت فيه أمطار النفحات ، ~~يخرج نباته من العلوم والمعارف بإذن ربه ، والذي خبث من القلوب لا يخرج ما ~~فيه إلا نكدا أي : ضعيفا ؛ لعدم تأثره بالواردات والمواعظ. # وقال الورتجبي : ذكر سبحانه القلب الذي هو بلد الله الذي مطر عليه من ~~بحر امتنانه ، ويخرج نبات ألوان الحالات والمقامات. ثم قال : وكل قلب بذره ~~الهوى فنباته الشهوات. ه. PageV02P503 # جزء : 2 رقم الصفحة : 363 # قلت : {أو عجبتم} : الهمزة للإنكار ، والواو للعطف ، والمعطوف عليه محذوف ~~، أي : أكذبتم وعجبتم ، و{في الفلك} : يتعلق بأنجينا ، أو بمن معه ، أو حال ~~من الموصول. # 364 # يقول الحق جل جلاله : {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه} ، وهو نوح بن لمك بن ~~متوشلخ بن أدريس ، نبىء بعده ، بعث ابن خمسين سنة أو أربعين ، وعاش ألفا ~~وثلاثمائة سنة ، {فقال يا قوم اعبدوا الله} وحده {ما لكم من إله غيره} ~~يستحق أن يعبد ، {إني أخاف عليكم} ، إن لم تؤمنوا وتوحدوا الله {عذاب يوم ~~عظيم} وهو يوم القيامة ، أو ms0797 يوم نزول الطوفان. # {قال الملأ} أي : الأشراف {من قومه} ؛ لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم ، ~~قالوا له : {إنا لنراك في ضلال مبين} أي : في خطأ بين عن الحق ، {قال يا ~~قوم ليس بي ضلالة} أي : ليس بي شيء من الضلال ، بالغ لهم في النفي كما ~~بالغوا له في الإثبات ، وعرض لهم به ، وتلطف لهم في القول ، {ولكني رسول من ~~رب العالمين} أي : لست في ضلال كما اعتقدتم ، ولكني في غاية من الهدى ؛ ~~لأني رسول من رب العالمين ، {أبلغكم رسالات ربي} كما أمرني ، {وأنصح لكم} ~~جهدي ، {وأعلم من الله ما لا تعلمون} من صفاته الجلالية والجمالية ومن ~~رحمته وعذابه ، أو من قدرته وشدة بطشه ، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم ~~لكم بها ، وجمع الرسالات ؛ لاختلاف أوقاتها ، أو لتنوع معانيها ، كعلم ~~العقائد والمواعظ والأحكام. PageV02P504 # ثم قال لهم : {أو عجبتم} أي : أكذبتم وعجبتم من {أن جاءكم ذكر} أي : تذكير ~~ووعظ {من ربكم} {على} لسان {رجل منكم} أي : من جملتكم ، أو من جنسكم ؛ ~~كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون : {ولو شآء الله لأنزل ملآئكة ما ~~سمعنا بهذا في ءابآئنا الأولين} [المؤمنون : 24] ، قال القشيري : عجبوا من ~~كون شخص رسولا ، ولم يعجبوا من كون الصنم شريكا لله ، هذا فرط الجهالة ~~وغاية الغواية. ه. وحكمة إرساله ؛ كونه جاءكم {لينذركم} عاقبة الكفر ~~والمعاصي ، {ولتتقوا} الله بسبب تلك الإنذار ، {ولعلكم ترحمون} بتلك التقوى ~~، وفائدة حرف الترجي ؛ التنبه على أن التقوى غير موجب للترحم بذاته ، وإنما ~~هو أي : الترحم فضل من الله ، وأن المتقي ينبغي ألا يعتمد على تقواه ، ~~ولا يأمن من عذاب الله. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 364 # فكذبوه فأنجيناه والذين معه} هو ومن آمن به ، وكانوا أربعين رجلا وأربعين ~~امرأة ، وقيل : عشرة ، وقيل : ثمانية ، حملناهم {في الفلك} أي : السفينة ، ~~{وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان ؛ {إنهم كانوا قوما عمين} أي : عمي ~~القلوب ، غير مستبصرين ، وأصله : عميين ، مخفف. قاله البيضاوي. # الإشارة : الشريعة المحمدية : سفينة نوح عليه السلام ، فمن ركب بحر ~~الحقائق وحاد عنها ؛ حال بينه وبينها الموج فكان من ms0798 المغرقين في بحر ~~الزندقة والكفر ، ومن تمسك بها في ذلك كان من الناجحين الفائزين. # 365 # جزء : 2 رقم الصفحة : 364 # قلت : {أخاهم} : عطف على نوح ، و{هودا} : عطف بيان أو بدل ، وكذلك {أخاهم ~~صالحا} وما بعده ؛ حيث وقع. PageV02P505 # يقول الحق جل جلاله : {و} أرسلنا {إلى} قبيلة {عاد أخاهم} أي : واحد من ~~قبيلتهم ، كقولهم : يا أخا العرب ، فإنه هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود ~~بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ، وقيل : هو هود بن شاح بن أرفخشذ بن ~~سام بن نوح ، فهو ابن عم أبي عاد ، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله ~~، وأعرف بحاله ، وأرغب في أتباعه ، ثم وعظهم فقال : {يا قوم اعبدوا الله} ~~وحده ؛ {ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} عذاب الله ، {قال الملأ الذين ~~كفروا من قومه} ، كان قومه أحسن من قوم نوح ، إذ كان من أشرافهم من آمن به ~~؛ كمرثد بن سعد ، ولذلك قيد الملأ بمن كفر ، بخلاف قوم نوح ؛ لم يكن أحد ~~منهم آمن به ، فأطلق الملأ ، قالوا لهود عليه السلام : {إنا لنراك في ~~سفاهة} أي : متمكنا في خفة العقل ، راسخا فيها ، حيث فارقت دين قومك ، ~~{وإنا لنظنك من الكاذبين} في ادعاء الرسالة. # {قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي ~~وأنا لكم ناصح أمين} ، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي ، أو أنهم كانوا قد ~~عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال : {أو عجبتم} من {أن جاءكم ذكر ~~من ربكم على رجل منكم لينذركم} ، تقدم تفسيرها. # 366 # قال البيضاوي : وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما ~~أجابوا به والإعراض عن مقالتهم : كمال النصح والشفقة ، وهضم النفس ، وحسن ~~المجادلة ، وهكذا ينبغي لكل ناصح ، وفي قوله : {وأنا لكم ناصح أمين} : ~~تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 366 PageV02P506 ~~ثم قال لهم : {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} في مساكنهم ، أو ~~خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكا ، فإن شداد ms0799 بن عاد ممن ملك معمورة ~~الأرض ، من رمل عالج إلى بحر عمان ، خوفهم أولا من عقاب الله ، ثم ذكرهم ~~بإنعامه ؛ {وزادكم في الخلق بسطة} أي : قامة وقوة ، فكانوا عظام الأجساد ، ~~فكان أصغرهم : ستين ذراعا ، وأطولهم : مائة ذراع. {فاذكروا آلاء الله} أي : ~~نعمه ، تعميم بعد تخصيص ، {لعلكم تفلحون} أي : لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى ~~شكرها المؤدي إلى الفلاح ، ومن شكرها : الإيمان برسولهم. # {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا} من الأصنام ، ~~استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم ؛ انهماكا ~~في التقليد ، وحبا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية ، ولذلك قال لهم هود ~~عليه السلام : {قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب} ، بعد أن قالوا : {فأتنا ~~بما تعدنا} من العذاب {إن كنت من الصادقين} فيه. {قال قد وقع} أي : وجب ~~{عليكم من ربكم رجس} ؛ عذاب {وغضب} إرادة الانتقام ، {أتجادلونني في أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم} أي : أتجادلونيي في عبادة مسميات أسماء ، ففي ~~الكلام حذف. وأراد بقوله : {سميتموها أنتم وآباؤكم} أي : جعلتم لها أسماء ، ~~فدل ذلك على أنها محدثة ، فلا يصح أن تكون آلهة ، أو سميتموها آلهة من غير ~~دليل ، وهو معنى قوله : {ما نزل الله بها من سلطان} أي : حجة تدل على ~~استحقاقها للعبادة ، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها ، أو في تسميتها ~~آلهة ، والمراد بالاسم على الأول المسمى ، وعلى الثاني : التسمية. قاله ~~ابن جزي : {فانتظروا} نزول العذاب ، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد ، ~~{إني معكم من المنتظرين} نزوله. PageV02P507 # قال تعالى : {فأنجيناه والذين معه برحمة منا} عليهم. قال القشيري : لا رتبة ~~فوق رتبة النبوة ، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة ، وقد أخبر سبحانه : أنه ~~نجى هودا برحمته ، وكذا نجى الذين آمنوا معه برحمته ، ليعلم أن النجاة لا ~~تكون باستحقاق العمل ، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة ، فما نجا من ~~نجا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. ه. # {وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا} أي : استأصلناهم ، {وما كانوا مؤمنين} ~~، تعريض بمن آمن منهم ، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا ms0800 وبين من هلك : هو ~~الإيمان. # 367 # روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام ، فبعث الله إليهم هودا فكذبوه ، وزادوا ~~عتوا ، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ، وكان الناس حينئذ ، ~~مسلمهم ومشركهم ، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله ~~الفرج ، فجهزوا إليه " قيل بن عنز " ، ومرثد بن سعد ، في سبعين من أعيانهم ~~، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة ؛ أولاد عمليق بن لاود بن سام ، وسيدهم : ~~معاوية بن بكر ، فلما قدموا عليه ، وهو بظاهر مكة ، أنزلهم وأكرمهم ، ~~وكانوا أخواله وأصهاره ، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر ، وتغنى عليهم ~~الجرادتان قينتان له فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك ، واستحيا أن ~~يكلمهم فيه ؛ مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم ، فعلم المغنيتين بيتين من ~~الشعر ، وأمرهما أن تغنيا به وهما : # جزء : 2 رقم الصفحة : 366 # ألا قيل ويحك ، قم ، فهينم # لعل الله يسقينا الغماما # فيسقي أرض عاد ، إن عادا # قد امسوا لا يبينون الكلاما PageV02P508 ~~فلما غنيتا به أزعجهم ذلك ، فقال مرثد : والله لا يسقون بدعائكم ، ولكن إن ~~أطعتم نبيكم ، وتبتم إلى الله ، سقيتم ، فقالوا لمعاوية : أحبسه عنا ، لا ~~يقدمن معنا مكة ؛ فإنه قد أتبع دين هود ، وترك ديننا ، ثم دخلوا مكة ، فقال ~~قيل : اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم ، فأنشأ الله سحابات ثلاثا ؛ بيضاء ~~وحمراء وسوداء ، ثم ناداه مناد من السماء : يا قيل ؛ اختر لنفسك ولقومك. ~~فقال : اخترت السوداء ؛ فإنها أكثرهن ماء ، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث ، ~~فاستبشروا بها ، وقالوا : هذا عارض ممطرنا ، فجاءتهم ، فيها ريح عقيم ، ~~فأهلكتهم ، روي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء ، كأنها ~~جراد ، فاستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام ، شدخت رؤوسهم إلى الحجارة حتى ~~هلكوا جميعا ، ونجا هو والمؤمنون معه ، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. ~~قاله البيضاوي وغيره. # وهاهنا بحث ؛ وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في ~~الصحيح ، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها ، وهود كان قبل إبراهيم ~~، والبيت حينئذ خرب ، كان خربه الطوفان ، فكيف يتوجهون إليه وهو ms0801 لم يكن ؟ . # ويمكن الجواب : بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد ~~الطوفان ؛ لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره ، ~~فكانوا يتبركون به ، وفي بعض التواريخ : أن العماليق بنوه قبل إبراهيم ، ~~فكانوا يطوفون به ويتبركون ، ثم هدم ، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. ~~وبهذا إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال : إن هودا ~~تعدد ، فغير سديد. # الإشارة : قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين ، بهما النجاة من ~~كل هول وشر ، والفوز بكل خير ، وهما : التوحيد والتقوى ، وهي الطاعة لله ~~ولرسوله فيما # 368 # جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي ، ~~والتقوى : حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية ، وهاتان الخصلتان ~~هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم. PageV02P509 # جزء : 2 رقم الصفحة : 366 # قلت : {آية} : حال ، والعامل فيها : الإشارة ، و{بيوتا} : حال من الجبال. # يقول الحق جل جلاله : {و} أرسلنا {إلى ثمود} ؛ قبيلة أخرى من العرب ، ~~سموا باسم أبيهم الأكبر : ثمود بن غابر بن إرم بن سام ، وقيل : سموا به ؛ ~~لقلة ما بهم من التثميد ، وهو الماء القليل ، وكانت مساكنهم الحجر ، بين ~~الحجاز والشام إلى وادي القرى ، وقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين ~~إلا أن تكونوا باكين ؛ مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". أرسلنا إليهم ~~{أخاهم صالحا} ، وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. ~~وقال وهب بن منبه : بعث الله صالحا حين راهق الحلم. وقال الكواشي : أنه مات ~~ابن ثمان وخمسين سنة ، وأقام في قومه ينذرهم عشرين. ه. # {قال يا قوم اعبدوا ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم} ؛ معجزة ~~ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي ، وهي : {هذه ناقة الله لكم آية} ؛ لأنها جاءت من عند # 369 # الله بلا وسائط وأسباب ، على ما سيأتي ، {فذروها} أي : اتركوها ، {تأكل ~~في أرض الله} العشب ، {ولا تمسوها بسوء} ، نهى ms0802 عن المس ، الذي هو مقدمة ~~الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى ؛ مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر. قاله ~~البيضاوي. {فيأخذكم} إن مستموها بسوء {عذاب أليم} ، وهو الهلاك بالصيحة. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 369 # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم} أي : هيأ لكم القرار {في ~~الأرض} أي : أرض الحجاز ، {تتخذون من سهولها قصورا} أي : تبنون مما انبسط ~~منها قصورا ، فالسهل ضد الجبل ، {وتنحتون الجبال بيوتا} أي : تنجرون بيوتا ~~من الجبال ، وكانوا يسكنون القصور في الصيف والجبال في الشتاء. {فاذكروا ~~آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} بالمعاصي والكفر. PageV02P510 # {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} عن الإيمان ، {للذين استضعفوا} أي : ~~للذين استضعفوهم واستذلوهم أعني لمن آمن منهم : {أتعلمون أن صالحا مرسل ~~من ربه} ؟ ، قالوه على وجه الاستهزاء ، {قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون} ، ~~لم يقولوا في الجواب : نعم ؛ تنبيها على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل ~~أو يخفى على ذي رأي ، وإنما الكلام فيمن آمن ومن كفر ؛ فلذلك قال : {قال ~~الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون} ؛ على المقابلة ، ووضعوا {آمنتم ~~به} موضع {أرسل به} ؛ ردا لما جعلوه معلوما مسلما. # {فعقروا الناقة} ؛ نحروها ، أسند إلى جميعهم فعل بعضهم كما يأتي ؛ لأنه ~~كان برضاهم ، {وعتوا عن أمر ربهم} أي : استكبروا عن امتثال أمره ، وهو ما ~~بلغهم صالح بقوله : {فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء} ، {وقالوا ~~يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة} أي : صيحة ~~جبريل ، {فأصبحوا في دارهم جاثمين} ؛ باركين على ركبهم ، ميتين. روي : أنهم ~~بعد عاد عمروا بلادهم وخلفوهم ، وكثروا ، وعمروا أعمارا طوالا لا تفي بها ~~الأبنية ، فنحتوا البيوت من الجبال ، وكانوا في خصب وسعة ، فتعوا وأفسدوا ~~في الأرض ، وعبدوا الأصنام ، فبعث الله إليهم صالحا من أشرافهم فأنذرهم ، ~~فسألوه آية ، فقال لهم : أي آية تريدون ؟ فقالوا : اخرج معنا إلى عيدنا ~~فتدعو إلهك وندعو آلهتنا ، فمن استجيب له اتبع ، فخرج معهم ، فدعوا أصنامهم ~~فلم تجبهم ، ثم أشار سيدهم " جندع بن عمرو " إلى صخرة منفردة يقال ms0803 لها : " ~~الكاثبة " ، قال له : أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء ، فإن ~~فعلت صدقناك ، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم : لئن فعلت ذلك لتؤمنن ؟ قالوا : ~~نعم ، فصلى ، ودعا ربه ، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها ، فانصدعت عن ~~ناقة عشراء ، جوفاء وبراء كما وصفوا ، وهم ينظرون ، ثم أنتجت ولدا مثلها في ~~العظم ، فآمن به جندع # 370 PageV02P511 ~~في جماعة ، ومنع الناس من الإيمان : ذؤاب بن عمرو ، والحباب صاحب أصنامهم ، ~~ورباب كاهنهم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 369 # فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر ، وترد الماء غبا ، فما ترفع رأسها من ~~البئر حتى تشرب كل ما فيها ، ثم تنفحج ، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء ~~أوانيهم ، فيشربون ويدخرون ، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم ~~إلى بطنه ، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره ؛ فشق ذلك عليهم ، فزينت ~~عقرها لهم " عنيزة أم غنم " وصدقة بنت المختار ، فعقروها واقتسموا لحمها ، ~~وعاقرها : الأحمر ، واسمه قدار " استعان برجل آخر ، فلما شربت أختبأ لها في ~~جانب تل ، فضربها صاحبه بالسهم ، وعقرها قدار بسيفه ، واقتسموا لحمها ، ~~فرقى ولدها جبلا اسمه : قارة ، فرغى ثلاثا ، ودخل صخرة أمه ، فقال لهم صالح ~~عليه السلام : أدركوا الفصيل ، عسى أن يرفع عنكم العذاب ، فلم يقدروا عليه ~~حيث دخل الصخرة بعد رغائه ، فقال لهم صالح عليه السلام : تصبح وجوهكم غدا ~~مصفرة ، وبعد غد محمرة ، واليوم الثالث مسودة ، ويصبحكم العذاب ، فلما رأوا ~~العلامات طلبوا أن يقتلوه ، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة ~~اليوم الرابع : تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع ، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت ~~قلوبهم فهلكوا. # {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين} ، ظاهره : أن توليته عنهم بعد أن أبصرهم جاثمين ؛ ولعله خاطبهم ~~به بعد هلاكهم ، كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر ، ~~وقال لهم : " قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ " ~~أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم. قاله البيضاوي. PageV02P512 # الإشارة : كل ما قص علينا الحق جل جلاله من قصص الأمم الماضية ms0804 ، فالمراد ~~به : تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم ، فالواجب على من أراد ~~السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير ~~زيادة ولا نقصان ، ويتحرى في ذلك جهده ؛ يقصد بذلك رضا الله ورسوله. {ومن ~~يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم} [آل عمران : 101] ، ومن سلك الطريق ~~المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم. # 371 # جزء : 2 رقم الصفحة : 369 # قلت : {شهوة} : مفعول له ، أو مصدر في موضع الحال. # يقول الحق جل جلاله : {و} أرسلنا {لوطا إذ قال لقومه} ، ؛ واعظا لهم : ~~{أتأتون الفاحشة} أي : اللواط ؛ توبيخا وتقريعا على تلك الفعلة المتناهية ~~في القبح ، {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} أي : ما فعلها أحد قبلكم ، ~~وبخهم على أمرين : إتيان الفاحشة ، واختراعها أولا ، ثم قال لهم : {إنكم ~~لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} ، وصفهم بالشهوة البهيمية ، وفيه تنبيه ~~على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة : طلب الولد وإبقاء ~~النوع لا قضاء الوطر ، {بل أنتم قوم مسرفون} أي : عادتكم السرف في كل شيء ، ~~حتى تجاوزتم ما أحل الله لكم من النساء إلى ما حرم عليكم من إيتان الذكور ، ~~وهو إضراب عن الإنكار إلى الإخبار بحالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها ~~؛ وهي اعتياد الإسراف في كل شيء ، أو عن الإنكار عليها إلى الذم لم على ~~جميع معايبهم ، أو عن محذوف ، مثل : لا عذر لكم فيه ، بل أنتم قوم عادتكم ~~الإسراف. قاله البيضاوي. # {وما كان جواب قومه} له حين وعظهم ، {إلا أن قالوا أخرجوهم} أي : لوط ومن ~~آمن به ، {من قريتكم} أي : ما أجابوه بشيء يصلح للجواب ، لكن قابلوا نصحه ~~بالأمر بإخراجه من قريتهم ، والاستهزاء بهم ، حيث قالوا : {إنهم أناس ~~يتطهرون} من الفواحش. PageV02P513 # قال تعالى : {فأنجيناه وأهله} أي : من آمن معه ، {إلا امرأته} فإنها كانت ~~تسر الكفر ؛ {كانت من الغابرين} أي : الباقين في ديارهم فهلكوا وهلكت معهم. # {وأمطرنا عليهم مطرا} أي : نوعا عجيبا من المطر ، بينه بقوله : {وأمطرنا ~~عليهم حجارة من سجيل} [الحجر ms0805 : 74] {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين}. # روي أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر عمه إبراهيم إلى الشام ، ونزل ~~بالأردن ، وكان هاجر هو معه ، أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم ، ليدعوهم إلى ~~الله ، وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة ، فلم ينتهوا عنها ، فقلع جيريل ~~مدينتهم ، وجعل عاليها سافلها ، # 372 # وأمطر الحجارة على ما قربهم من القرى ، وسيأتي في سورة هود بقية قصتهم ، ~~إن شاء الله. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 372 # الإشارة : إنما أهلك الله قوم لوط حيث آثروا شهوة نفوسهم على عبودية ربهم ~~، وغلبهم الطبع البهيمي على مقتضى العقل الصافي ، وقد تقدم الغزالي : إن ~~الشره إلى الوقاع من جملة المهلكات. فعلى المريد أن يصفي قصده ، ولا ينزل ~~إلى أرض الحظوظ إلا بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين ، ولا ينزل بالشهوة ~~والمتعة. وقد قال عليه السلام : " المؤمن يأكل بشهوة أهله " فلا يأتي ما ~~أحل الله له من متعة النساء إلا قياما بحق الغير وطلبا للنسل. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 372 # يقول الحق جل جلاله : {و} أرسلنا {إلى مدين أخاهم شعيبا} ، ومدين : قبيلة ~~من أولاد مدين بن إبراهيم ، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم ~~الخليل ، على # 373 # ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام ، ~~وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء ؛ لحسن مراجعته قومه. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 373 PageV02P514 ~~قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم} يريد ~~المعجزة التي كانت له ، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي ~~البينة على الموعظة. وقال في الكشاف : ومن معجزات شعيب : ما روي من محاربة ~~عصا موسى التنين ، حين دفع إليه غنمه ، وولادة الغنم الدرع خاصة ، حين وعده ~~أن يكون له الدرع من أولادها ، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع ، ~~وغير ذلك من الآيات. ه. وفيه نظر ؛ لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه ، وإنما ~~كانت إرهاصات لموسى عليه السلام ، وفي حديث البخاري : " ما ms0806 بعث الله نبيا ~~إلا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا ، وأرجو أن ~~أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول ~~، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها ؛ لظاهر ~~الحديث. # ثم قال لهم : {فأوفوا الكيل والميزان} ، وكانوا مطففين ، أي : فأوفوا ~~المكيال الذي هو آلة الكيل ، أي : كبروها ؛ بدليل قوله : {والميزان} الذي ~~هو الآلة ، ويحتمل أن يريد بهما المصدر ، أي الكيل والوزن. # {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي : لا تنقصوهم حقوقهم ، وإنما قال : ~~{أشياءهم} ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير ، ~~والقليل والكثير ، وقيل : كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. {ولا ~~تفسدوا في الأرض} بالكفر والظلم ، {بعد إصلاحها} بإقامة الشرائع وظهور ~~العدل ، {ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} أي : ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم ~~عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه ، ومعنى الخيرية : الزيادة ~~مطلقا ؛ إذ لا خير فيما هم فيه ، أو : في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع ~~المال. قاله البيضاوي. PageV02P515 # {ولا تقعدوا بكل صراط} أي : طريق {توعدون} من أراد الإيمان بالعقوبة ، ~~وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد ، يقولون لمن يريد شعيبا : إنه كذاب ~~فلا يفتنك عن دينك ؛ ويوعدون من آمن ، وقيل : كانوا يقطعون الطريق. # {وتصدون عن سبيل الله} أي : تصدون الناس عن طريق الله ، وهو الإيمان به ~~وبرسوله ، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق ، وقوله : {من آمن به} ؛ من ~~أراد الإيمان به ، أو من آمن حقيقة ؛ كانوا يصدونه عن العمل ، {وتبغونها ~~عوجا} أي : وتطلبون لطريق الله عوجا بإلقاء الشبه فيها ، أو بوصفها للناس ~~بأنها معوجة. {واذكروا إذ # 374 # كنتم قليلا} عددهم وعددكم {فكثركم} بالبركة في النسل والمال ، {وانظروا ~~كيف كان عاقبة المفسدين} من الأمم قبلكم ، فاعتبروا بهم. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 373 # وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا} أي ~~: تربصوا {حتى يحكم الله بيننا} أي : بين الفريقين بنصر المحقين على ~~المبطلين ، فهو وعد للمؤمنين ووعيد ms0807 للكافرين ، {وهو خير الحاكمين} ؛ إذ لا ~~معقب لحكمه ، ولا حيف فيه. # {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} في جوابه عن وعظه : {لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} أي : ليكونن أحد الأمرين ؛ ~~إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر ، وشعيب عليه السلام لم يكن في ~~ملتهم قط ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقا ، لكنهم ~~غلبوا الجماعة على الواحد ؛ فخوطب هو وقومه بخطابهم ، وعلى ذلك أجرى الجواب ~~في قوله : {قال أو لو كنا كارهين}. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية : وعاد : ~~قد يكون بمعنى صار ، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال ، قلت : ويؤيده ما في حديث ~~الجهنميين : " قد عادوا حمما " أي : صاروا. PageV02P516 # ثم قال شعيب عليه السلام : {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد ~~إذ نجانا الله منها} أي : إن رجعنا إلى مثلكم بعد الخلاص منها ، فقد ~~اختلقنا على الله الكذب ، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. {وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} خذلاننا وارتدادنا ، وفيه تسليم للإدارة ~~المغيبة ، والعلم المحيط ، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت : ~~هو معصوم فلا يصح فيه العود ؟ قاله أدبا مع الربوبية ، واستسلاما لقهر ~~الألوهية ، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على ~~دينك " {وسع ربنا كل شيء علما} أي : أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون ~~منا ومنكم ، {على الله توكلنا} في أن يثبتنا على الإيمان ، ويخلصنا من ~~الإشراك. {ربنا افتح بيننا} أي : احكم بيننا {وبين قومنا بالحق} بالعدل ، ~~بتمييز المحق من المبطل ، {وأنت خير الفاتحين} أي الفاصلين. # {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا} وتركتم دينكم {إنكم ~~إذا} أي : إذا اتبعتموه {لخاسرون} ؛ لاستبدالكم ضلالته بهداكم ، أو لفوات ~~ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. {فأخذتهم الرجفة} أي : الزلزلة. وفي سورة الحجر. # 375 # {الصيحة} ، ولعلها كانت من مبادئها ، {فأصبحوا في دارهم} أي : في مدينتهم ~~{جاثمين} باركين ميتين. # {الذين كذبوا شعيبا ms0808 كأن لم يغنوا فيها} أي : استؤصلوا كأنهم لم يقيموا ~~فيها ساعة. {الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} دينا ودنيا ، بخلاف ~~الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا ؛ فإنهم الرابحون ، ولأجل التنبيه على هذا ~~والمبالغة فيه كرر الموصول ، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. {فتولى ~~عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم} ، قاله بعد هلاكهم ، ~~تأسفا عليهم ، ثم أنكر على نفسه فقال : {فكيف آسى على قوم كافرين} ليسوا ~~أهلا للحزن عليهم ، لاستحقاقهم ما نزل بهم. PageV02P517 # جزء : 2 رقم الصفحة : 373 # الإشارة : يؤخذ من قوله : {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أن إقامة ~~الشرائع ، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها ، وخصبها وعافيتها ، ~~وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله : ~~{ولا تقعدوا بكل صراط...} الآية ، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على ~~الله من أفضل القربات عند الله ، وأعظم الوسائل إلى الله. # ويؤخذ من قوله : {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله} أن ~~الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد ، ولعل الله تعالى علق ذلك الوعد أو ~~الوعيد بشروط وأسباب أخفاها ، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره ، ولا يكون ~~مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية : " يا عبدي لا تأمن مكري وإن ~~أمنتك ، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 373 # يقول الحق جل جلاله : {وما أرسلنا في قرية من نبي} أي : رسول {إلا أخذنا ~~أهلها بالبأساء والضراء} أي : بالبؤس والضر ، كالقحط والأمراض ، {لعلهم ~~يضرعون} # 376 # أي : يتضرعون ويتذللون ، {ثم بدلنا مكان} الحالة {السيئة} الحالة ~~{الحسنة} أي : أعطيناهم ، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة ، السلامة ~~والسعة ، {حتى عفوا} : كثروا عددا وعددا ، يقال : عفا النبات : إذا كثر ، ~~ومنه : " اعفو اللحى " {وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء} ؛ كفرا لنعمة ~~الله عليهم ، ونسيانا لذكره ، واعتقادا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس ~~بين السراء والضراء ، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا ، {فأخذناهم بغتة} ~~: فجأة {وهم لا يشعرون} بنزول ms0809 العذاب. PageV02P518 # {ولو أن أهل القرى} المتقدمة في قوله : {وما أرسلنا في قرية من نبي} وقيل : ~~مكة وما حولها. وقيل : مطلقا ، {آمنوا واتقوا} مكان كفرهم وعصيانهم ، ~~{لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} ؛ لوسعنا عليهم الخير ، ويسرناه لهم ~~من كل جانب. وقيل : المراد : المطر والنبات. {ولكن كذبوا} بالرسل ، وكفروا ~~النعم ، {فأخذناهم بما كانوا يكسبون} من الكفر والمعاصي. # {أفأمن أهل القرى} أي : أبعد ذلك أمن أهل القرى {أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نائمون} ؟ أي : ليلا ، في حال نومهم. {أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا} أيضا {ضحى} ؛ ضحوة النهار {وهم يلعبون} من فرط الغفلة ، أو يشتغلون ~~بما لا ينفعهم ، {أفأمنوا مكر الله} وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم ~~بغتة ؟ {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} الذين خسروا أنفسهم ، بترك ~~النظر والاعتبار ، حتى هلكوا ، فلم ينفعهم حينئذ الندم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 376 # الإشارة : إظهار المحن والمنن وتعاقبهما على الإنسان ، حكمتها : الرجوع ~~إلى الله ، وتضرع العبد إلى مولاه ، فمن فعل ذلك كان معتمدا عليه في ~~الحالتين ، مغترفا من بحر المنة بكلتا اليدين ، ومن نزلت به المحن ثم ~~أعقبته لطائف المنن ، فلم يرجع إلى مولاه ، ولا شكره على ما خوله من نعماه ~~، بل قال : هذه عادة الزمان ؛ يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان ، فهذا ~~عبد منهمك في غفلته ، قد اتسعت دائرة حسه ، وانطمست بصيرة قدسه ، يصدق عليه ~~قوله تعالى : {أولئك كالأنعام بل أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف : 179]. # وقال القشيري في قوله تعالى : {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا...} الآية ~~: أي : لو آمنوا بالله واتقوا الشرك {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} ~~بأسباب العطاء ، فإن سبق بخلافه القضاء فأبواب الرضا ، والرضا أتم من ~~العطاء. ويقال : ليس العبرة بالنعمة ؛ العبرة بالبركة في النعمة. ه. # 377 PageV02P519 ~~قوله تعالى : {ولكن كذبوا} أي : شكوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان ~~والتقوى حتى يتركوا الأسباب ، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ ~~أبو العباس المرسي رضي الله عنه : للناس أسباب ، وسببنا الإيمان والتقوى ، ~~ثم تلا هذه الآية : {ولو أن أهل القرى ms0810 آمنوا واتقوا...} الآية ، وقد تقدم ~~عند قوله : {الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام : 82]. ما ~~يتعلق بالأمن من مكر الله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 376 # الإشارة : إظهار المحن والمنن وتعاقبهما على الإنسان ، حكمتها : الرجوع ~~إلى الله ، وتضرع العبد إلى مولاه ، فمن فعل ذلك كان معتمدا عليه في ~~الحالتين ، مغترفا من بحر المنة بكلتا اليدين ، ومن نزلت به المحن ثم ~~أعقبته لطائف المنن ، فلم يرجع إلى مولاه ، ولا شكره على ما خوله من نعماه ~~، بل قال : هذه عادة الزمان ؛ يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان ، فهذا ~~عبد منهمك في غفلته ، قد اتسعت دائرة حسه ، وانطمست بصيرة قدسه ، يصدق عليه ~~قوله تعالى : {أولئك كالأنعام بل أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف : 179]. # وقال القشيري في قوله تعالى : {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا...} الآية ~~: أي : لو آمنوا بالله واتقوا الشرك {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} ~~بأسباب العطاء ، فإن سبق بخلافه القضاء فأبواب الرضا ، والرضا أتم من ~~العطاء. ويقال : ليس العبرة بالنعمة ؛ العبرة بالبركة في النعمة. ه. # 377 PageV02P520 ~~قوله تعالى : {ولكن كذبوا} أي : شكوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان ~~والتقوى حتى يتركوا الأسباب ، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ ~~أبو العباس المرسي رضي الله عنه : للناس أسباب ، وسببنا الإيمان والتقوى ، ~~ثم تلا هذه الآية : {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا...} الآية ، وقد تقدم ~~عند قوله : {الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام : 82]. ما ~~يتعلق بالأمن من مكر الله. # جزء : 2 رقم الصفحة : 376 # قلت : {أن لو نشاء} : " أن " مخففة ، وهي وما بعدها : فاعل {يهد} أي : أو ~~لم يتبين لهم قدرتنا على إهلاكهم لو نشاء ذلك ؟ وإنما عدى " يهدي " باللام ~~؛ لأنه بمعنى يتبين ، و{نطبع} : استئناف ، أي : ونحن نطبع على قلوبهم. # يقول الحق جل جلاله : {أو لم يهد} أي : يتبين {للذين يرثون الأرض من بعد ~~أهلها} أي : يخلفون من قبلهم ويرثون ديارهم وأموالهم ، {أن لو نشاء ~~أصبناهم} أي : أهلكناهم {بذنوبهم} بسبب ذنوبهم ، كم أهلكنا من قبلهم ، لكن ~~أمهلناهم ولم نهملهم ، {و} نحن {نطبع على قلوبهم} ms0811 بالغفلة والانهماك في ~~العصيان ، {فهم لا يسمعون} سماع تدبر واعتبار. # {تلك القرى} ، التي قصصنا عليك آنفا ، {نقص عليك من أنبائها} من أخبارها ~~، أي : بعض أخبارها ، ولها أبناء غيرها لا نقصها عليك {ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات} : بالمعجزات ، {فما كانوا ليؤمنوا} عند مجيئهم ، بها {بما كذبوا ~~من قبل} مجيئها ، يعني : أن ظهور المعجزات لم ينفعهم ، بل الشي الذي كذبوا ~~به قبل مجيئها ، وهو التوحيد وتصديق الرسل ؛ استمروا عليه بعد مجيئها. # أو : {فما كانوا ليؤمنوا} مدة عمرهم بما كذبوا به أولا ، حيث جاءتهم ~~الرسل ، فلم تؤثر فيهم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة. {كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين} فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر. PageV02P521 # {وما وجدنا لأكثرهم} أي : لأكثر أهل القرى {من عهد} ، بل جلهم نقصوا ما ~~عهدناهم عليه من الإيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج ، {وإن وجدنا ~~أكثرهم} أي : علمناهم {لفاسقين} ، و" إن " مخففة ، واللام : فارقة. # 378 # الإشارة : ينبغي لمن فتح الله بصيرته أن ينظر بعين الاعتبار فيمن سلف ~~قبله ، كيف تركوا الدنيا ورحلوا عنها ، ولم يأخذوا منها إلا ما قدموا ~~أمامهم ؟ قدموا على ما قدموا ، وندموا على ما خلفوا ، ولم ينفعهم الندم وقد ~~زلت بهم القدم ، فالدهر خطيب يسمع القاصي والقريب ، وهو ينادي بلسان فصيح ، ~~عادلا عن الكتابة إلى التصريح ، قائلا : أما حصل لكم الإنذار ؟ أما كفاكم ~~ما تشاهدون في الاعتبار ؟ أين من سلف قبلكم ؟ . أو ما كانوا أشد منكم أو ~~مثلكم ؟ قد نما ذكرهم وعلا قدرهم ، وخسف بعد الكمال بدرهم ، فكأنهم ما ~~كانوا ، وعن قريب مضوا وبانوا ، أفضوا إلى ما قدموا ، وانقادوا قهرا إلى ~~القضاء وسلموا ، فيا أيها الغافلون ، أنتم بمن مضى لاحقون ، ويا أيها ~~الباقون ؛ أنتم إليهم تساقون ، قضاء مبرم ، وحكم ملزم ، ليس عند محيد لأحد ~~من العبيد. # جزء : 2 رقم الصفحة : 378 # يقول الحق جل جلاله : {ثم بعثنا} من بعد الرسل المتقدمين {موسى} بن عمران ~~{بآياتنا} : بمعجزاتنا الدالة على صدقه ، {إلى فرعون وملئه فظلموا بها} أي ~~: طغوا بسببها ، وزادوا عتوا على عتوهم ، {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} ~~كيف غرقوا عن ms0812 آخرهم ، وأكلهم البحر. PageV02P522 # الإشارة : إذا أراد الله تعالى أن يهلك قوما بعث إليهم من يذكرهم ، فإذا ~~زادوا في العتو والطغيان عاجلهم بالعقوبة. ذكر الشعراني : أن مدينة بالمشرق ~~صنعوا وليمة يتنزهون فيها ، فخرجوا إلى بستان ، فلما صنعوا الطعام دخل ~~عليهم فقير ، فقال : أعطوني ، فأعطوه ، ثم قال : أعطوني فزادوه ، ثم قال ~~أعطوني ، فجروه حتى أخرجوه ، فأرسل عليهم من أخرجهم من تلك المدينة وخربها ~~، فهي خربة إلى اليوم. سبحان المدبر الحكيم الواحد القهار!. # جزء : 2 رقم الصفحة : 378 # قلت : من قرأ : (علي) ؛ بشد الياء ، فحقيق : مبتدأ ، و(علي) : متعلق به ، ~~و(ألا أقول) : خبره ، أي : حقيق علي قول الحق. ومن قرأ : {على} ؛ بالتخفيف ~~، فحقيق : صفة لرسول ، و(على) : حرف جر ، و(ألا أقول) : مجرور ، أي : إني ~~رسول حقيق على قول الحق ، وعداه بعلى ؛ لتضمنه معنى حريص ، أو تكون (على) ~~بمعنى الباء أي : حقيق # 379 # بقول الحق ، وقد يبقى على أصله لأمن الالتباس ؛ والمعنى : حقيق على قول ~~الحق أنا أكون أنا قائله ، لا يرضى إلا مثله ناطقا به. انظر البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق} ~~واجب {على أن لا أقول على الله إلا الحق} ؛ لأنني معصوم من النطق بغيره ، ~~فإن كذبتني فقد {جئتكم ببينة من ربكم} أي : بمعجزة واضحة ، تدل على صدقي ، ~~وهي العصا : {فأرسل معي بني إسرائيل} أي : فخل سبيلهم ، حتى يرجعوا معي إلى ~~الأرض المقدسة : التي هي وطن آبائهم ، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في ~~الأعمال الشاقة ؛ وذلك أنه لما توفي يوسف عليه السلام غلب عليهم فرعون ~~واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى ، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف ~~مصر واليوم الذي دخله موسى رسولا إلى فرعون : أربعمائة عام. # جزء : 2 رقم الصفحة : 379 PageV02P523 ~~قلت : يقال : أرجأ ، بالهمز ، يرجىء بمعنى آخر ؛ فمن قرأ بالهمزة فعلى ~~الأصل ، ومن قرأه بغير الهمزة فيحتمل أن يكون بمعنى المهموز ، وسهلت الهمزة ~~، أو يكون بمعنى الرجاء ، أي : أطعمه ، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان ، وأما ~~إسكانها فلغة ؛ أجرى فيها الوصل مجرى الوقف. ms0813 وقد تتبع البيضاوي توجيه ~~القراءات ، فانظره إن شئت. # يقول الحق جل جلاله : {قال} فرعون لموسى عليه السلام : {إن كنت جئت بآية} ~~من عند من أرسلك ، كما ذكرت ، {فأت بها} وأحضرها ليثبت بها صدقك {إن كنت من ~~الصادقين} في دعواك ، {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} أي : ظاهر أمره ، لا ~~يشك في أنه ثعبان ، وهي الحية العظيمة. # روي أنه لما ألقاها صار ثعبانا أشعر ، فاغرا فاه ، بين لحييه ثمانون ~~ذراعا ، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر ، ثم توجه نحو ~~فرعون ، فهرب منه وأحدث ، وانهزم الناس مزدحمين ، فمات منهم خمسة وعشرون ~~ألفا ، وصاح فرعون : يا موسى ، أنشدك الذي أرسلك خذه ، وأنا أومن بك ، ~~وأرسل معك بني إسرائيل ، فأخذه فعاد عصا. قاله البيضاوي. # 380 # ثم أظهر له معجزة أخرى : {ونزع يده} من جيبه ، أو من تحت إبطه ، {فإذا هي ~~بيضاء للناظرين} أي : بيضاء بياضا خارجا عن العادة ، يجتمع عليها النظارة ، ~~أو بيضاء للنظار ، لا أنها كانت بيضاء في خلقتها ، بل كانت شديدة الأدمة ~~كلون صاحبها. روي أنه كان شديد الأدمة فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه ، ثم ~~نزعها ، فإذا هي بيضاء نورانية ، غلب شعاعها شعاع الشمس. PageV02P524 # {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم} ، قيل : هو وأشراف قومه ، على ~~سبيل المشاورة في أمره ، فحكى عنه في سورة الشعراء ، وعنهم هنا ، أو قاله ~~هو ووافقوه عليه ، كعادة جلساء الملوك مع أتباعهم. {يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم} بالحيل ، أو بالقتال ، أو بإخراج بني إسرائيل ، وكانوا خداما لهم ، ~~فتخرب البلد من بعدهم ، لأنهم خدامها وعمارها. قال فرعون : {فماذا تأمرون} ~~أي : تشيرون علي أن أفعل ؟ {قالوا أرجه} أي : أخره {وأخاه} أي : أخرهما حتى ~~تنظر في أمرهما ، وقيل : أمروه بسجنهما ، {وأرسل في المدائن} أي : مدائن ~~عمالتك {حاشرين} يحشرون لك السحرة ، {يأتوك بكل ساحر عليم}. # جزء : 2 رقم الصفحة : 380 # قلت : من قرأ : (أإن) بهمزتين ، فهو اسم استفهام ، ومن قرأ بهمزة واحدة ، ~~فيحتمل أن يكون خبرا ، كأنهم قالوا : لا بد لنا من أجر ، أو ms0814 استفهاما حذفت ~~منه الهمزة ، والتنكير للتعظيم ، واستأنف الجملة ، كأنها جواب عن سائل قال ~~: فماذا قالوا إذ جاؤوا ؟ قالوا : إن لنا لأجرا...الخ ، و(إنكم) : عطف على ~~ما سد مسده نعم ، من تمام الجواب ، كأنه قال : نعم نعطيكم الأجر ونقربكم. # يقول الحق جل جلاله : {وجاء السحرة فرعون} بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم ، ~~{قالوا} لما وصلوا إليه : {إن} أئن {لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين} لموسى ~~؟ {قال نعم} إن لكم أجرا {وإنكم لمن المقربين} إلي. فأنعم لهم بالأجر ، ~~وزادهم التقريب منه والجاه عنده ؛ تحريضا لهم. واختلف في عدد السحرة ~~اختلافا متباينا ، من سبعين رجلا إلى سبعين ألفا ، وكل ذلك لا أصل له في ~~صحة النقل. # 381 PageV02P525 ~~ولما خرجوا إلى الصحراء لمقابلته {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون ~~نحن الملقين} ؛ خيروا موسى مراعاة للأدب ، وإظهارا للجلادة ، ولكن كانت ~~رغبتهم في أن يلقوا قبله ، ولذلك عبروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم ~~بالجملة الاسمية ، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك ~~أسعفهم ، {قال ألقوا} أسعفهم كرما ومسامحة وازدراء بهم ، {فلما ألقوا سحروا ~~أعين الناس} ، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر ، {واسترهبوهم} أي : ~~خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر ، {وجاؤوا بسحر عظيم} في فنه. روي ~~أنهم ألقوا حبالا غلاظا ، وخشبا طوالا ، كأنها حيات ، ملأت الوادي ، وركب ~~بعضها بعضا. # {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك} ، فألقاها ، فصارت ثعبانا عظيما ، على ~~قدر الجبل ، وقيل : إنه طال حتى جاوز النيل ، {فإذا هي تلقف} أي : تبتلع ~~{ما يأفكون} ما يزورونه من إفكهم وكذبهم ، روي أنها لما ابتلعت حبالهم ~~وعصيهم ، وكانت ملأت الوادي ، فابتلعتها بأسرها ، أقبلت على الحاضرين ، ~~فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم ، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت ~~، فقال السحرة : لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 381 # فوقع الحق} أي : ثبت بظهور أمره ، {وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك ~~وانقلبوا صاغرين} أي : صاروا أذلاء مبهوتين ، أو انقلبوا إلى المدينة ~~مقهورين. # جزء : 2 رقم الصفحة ms0815 : 381 # يقول الحق جل جلاله : {وألقى السحرة} على وجوهم {ساجدين} لما عرفوا الحق ~~وتحققوا به ، فآمنوا ؛ لأن الحق بهرهم ، واضطرهم إلى السجود بحيث لم ~~يتمالكوا ، أو ألهمهم الله ذلك وحملهم عليه ، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد ~~بهم كسف موسى ، وينقلب الأمر عليه. PageV02P526 # {قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} أبدلوا الثاني من الأول ؛ لئلا ~~يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. {قال فرعون آمنتم به} أي : بالله أو بموسى ، ~~{قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه} أي : إن هذه لحيلة صنعتموها أنتم ~~وموسى {في المدينة} ؛ في # 382 # مصر ، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد ؛ {لتخرجوا منها أهلها} أي : ~~القبط ، وتخلص لكم ولبني إسرائيل ، {فسوف تعلمون} عاقبة ما صنعتم. # ثم فصل ما هددهم به ، فقال : {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} من كل شق ~~عضو ، كيد ورجل من كل واحد {ثم لأصلبنكم أجمعين} تفضيحا لكم وتنكيلا ~~لأمثالكم ، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك ، ولكن روي عن ابن عباس وغيره أنه ~~فعله. قيل : إنه أول من سن ذلك أي : القطع من خلاف فشرعه الله للقطاع ~~تعظيما لجرمهم ، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله. # {قالوا} أي : السحرة لما خوفهم : {إنا إلى ربنا منقلبون} بالموت ، فيكرم ~~مثوانا ، فلا نبالي بوعيدك ، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء ، فهان عليهم وعيده ~~، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون ، فيحكم بيننا وبينك ، {وما تنقم منا} أي : ~~وما تعيب علينا {إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا} ، وهو لا يعاب عند ~~العقلاء ، لأنه خير الأعمال ، وأصل المناقب ومحاسن الخلال ، ثم فزعوا إلى ~~الله فقالوا : {ربنا أفرغ علينا صبرا} أي : اصبب علينا صبرا يغمرنا ، كما ~~يفرغ الماء على الشيء فيغمره ، {وتوفنا مسلمين} ثابتين على الإسلام. قال ~~البيضاوي : قيل إنه فعل بهم ذلك ، وقيل : إنه لم يقدر عليه ، لقوله : ~~{أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص : 35]. ه. وقد تقدم قول ابن عباس ~~وغيره. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 382 PageV02P527 ~~الإشارة : انظر من سبقت له العناية ، هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله ~~فأمسوا أولياء الله ، فكم من خصوص ms0816 تخرج من اللصوص ، وانظر أيضا صبرهم ~~وثباتهم على دينهم ، وعدم مبالاتهم بعدوهم ، هكذا ينبغي أن يكون من مراده ~~مولاه ، لا يلتفت إلى شيء سواه ، وعند هذه التصرفات يفتضح المدعون ويثبت ~~الصادقون ، عند الامتحان يعز المرء أو يهان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 382 # يقول الحق جل جلاله : {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه} أي : ~~تتركهم يخالفون دينك {ليفسدوا في الأرض} أي : يخربوا ملكك بتغيير دينك ~~ودعوتهم إلى مخالفتك ، {ويذرك وآلهتك} أي : يترك موسى دينك ومعبوداتك التي ~~تعبد ، قيل : # 383 # كان يعبد الكواكب ، وقيل : صنع لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها تقربا ~~إليه. ولذلك قال : {أنا ربكم الأعلى} [النازعات : 24]. قال فرعون في جوابهم ~~: {سنقتل أبناءهم} أي : ذكورهم {ونستحي نساءهم} أي : بناتهم ، كما كنا نفعل ~~من قبل ، ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ، ولا يتوهم أنه ~~المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه. {وإنا فوقهم ~~قاهرون} غالبون ، وهم مقهورون تحت أيدينا. # {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} ، قاله تسكينا لهم حين سمعوا ~~قول فرعون وما هددهم به ، ثم قال لهم : {إن الأرض لله يورثها من يشاء من ~~عباده} وسيورثها لكم إن صبرتم وآمنتم. {والعاقبة للمتقين} ، فتكون العاقبة ~~لكم إن اتقيتم ، وهو وعد لهم بالنصر والعز ، وتذكير بما وعدم من إهلاك ~~القبط وتوريثهم ديارهم وملكهم. PageV02P528 # {قالوا} أي : بنوا إسرائيل : {أوذينا من قبل أن تأتينا} بقتل الأبناء ، ~~{ومن بعد ما جئتنا} بإعادته ، فلم يرتفع عنا الذل بمجيئك ، {قال عسى ربكم ~~أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض} ، تصريحا بما كنى عنه أولا ، لما رأى ~~أنهم لم يتسلوا بذلك ، ولعله أتى بحرف الطمع ، أي : الترجي ؛ لعدم جزمه ~~بأنهم المستخلفون بأعيانهم ، أو أولادهم ، وقد روي أن مصر إنما فتح لهم في ~~زمن داود عليه السلام ، قاله البيضاوي. {فينظر كيف تعملون} أي : فإذا ~~استخلفكم يرى ما تعملون من شكر أو كفران ، أو طاعة أو عصيان ، فيجازيكم على ~~حسب ما يوجد منكم من كفر أو إحسان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 383 # الإشارة : ما وقع ms0817 للأنبياء مع قومهم وقع مثله لأشياخ هذه الأمة وفقرائها ~~مع أهل زمانهم ، ولما كثرت الأحوال من الفقر أو خرق العوائد ، وظهروا ~~بتخريب ظواهرهم ، وقعت بهم الشكاية إلى السلطان ، وقالوا له : هؤلاء يخربون ~~ملكك ، فآل على نفسه إن مكنه الله منهم لا يترك منهم أحدا ، فكفى الله بأسه ~~، فاستعانوا بالله وصبروا ، واشتغلوا بذكر الله ، وغابوا عمن سواه ، فكانت ~~العاقبة للمتقين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 383 # قلت : عبر في جانب الحسنة بإذاء المفيدة للتحقيق ، وعرف الحسنة ؛ لكثرة ~~وقوعها ، وعبر في جانب السيئة بإن المفيدة للشك ، ونكر السيئة لندورها. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} أي : بالجدب والقحط ~~لقلة الأمطار والمياه ، {ونقص من الثمرات} بكثرة العاهات ، {لعلهم يذكرون} أي : # 384 # لكي ينتبهوا أن ذلك من شؤم كفرهم ومعاصيهم ، ويتعظوا ، وترق قلوبهم ~~بالشدائد ، فيفزعوا إلى الله ، ويرغبوا فيما عنده. PageV02P529 # {فإذا جاءتهم الحسنة} ، من الخصب والسعة والرخاء ، {قالوا لنا هذه} أي : ~~قالوا : هذه لنا ولسعودنا ، ونحن مستحقون له. {وإن تصبهم سيئة} : جدب وبلاء ~~{يطيروا بموسى ومن معه} أي : يتشاءموا بهم ، ويقولون : ما أصابتنا إلا ~~بشؤمهم ، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة ؛ فإن الشدائد ترقق القلوب ~~، وتذلل العرائك أي : الطبائع ، وتزيل التماسك ، سيما بعد مشاهدة الآيات ، ~~وهي لم تؤثر فيهم ، بل زادوا عندها عتوا وانهماكا في الغي. # قال تعالى : {ألا إنما طائرهم عند الله} أي : سبب طائرهم وشرهم عنده ، ~~وهو حكمه ومشيئه ، أو سبب شؤمهم عند الله ، وهو أعمالهم المكتوبة عنده ، ~~فإنها التي ساقت إليهم ما يسؤوهم. قال ابن جزي : أي : حظهم ونصيبهم الذي ~~قدر لهم من الخير والشر عند الله ، وهو مأخوذ من زجر الطير ، ثم سمى به ما ~~يصيب الإنسان ، ومقصود الآية : الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم. ه ~~، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن ما يصيبهم من الله تعالى بلا واسطة ، أو من ~~شؤم أعمالهم. # الإشارة : هذه الخصلة جارية أيضا في هذه الأمة ، أعني التطاير ، ترى ~~العوام إذا نزل بهم بلاء أو شدة قالوا : بظهور هؤلاء وقع بنا ما ms0818 وقع ، ولقد ~~سمعت ممن حكى لي هذه المقالة عن العامة وقت ابتداء ظهور الفقراء ، وذلك ~~أنهم آذوهم أذى شديدا ، فأرسل الله عليهم كثرة الأمطار كادت أن تكون طوفانا ~~، فقالوا : ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذه المرقعات التي ظهرت ، ولم يدروا ~~أن ذلك منهم لإذايتهم أهل الله. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 384 # 385 # قلت : {مهما} : اسم شرط جازم ، و{تأتنا} : شرطها ، وجملة {فما نحن} : ~~جوابها ، قيل : مركبة ، وأصلها : " ما " الشرطية ، ضمت إليها " ما " ~~الزائدة ، نحو : أينما ، ثم قلبت الألف هاء ، والمشهور : أنها بسيطة ، ~~ومحلها : رفع بالابتداء ، أو نصب بفعل يفسره : " تأتنا " والضمير في : " به ~~" عائد على " مهما ". PageV02P530 # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} أي : فرعون وقومه : {مهما تأتنا به من آية} ~~، وإنما سموها آية على زعم موسى ، لا لاعتقادهم ، ولذلك قالوا : {لتسحرنا ~~بها} أي : لتسحر بها أعيينا وتشبه علينا ، {فما نحن لك بمؤمنين}. وهذا من ~~عظيم عتوهم وانهماكهم في الكفر. # قال تعالى : {فأرسلنا عليهم الطوفان} وهو مطر شديد نزل بهم مع فيض النيل ~~، حتى هدم بيوتهم وكادوا يهلكون ، وامتنعوا من الزراعة ، وقيل : الطاعون ، ~~وقيل : الجدري ، وقيل الموتان ، {والجراد} وهو المعروف ، أكل زروعهم ~~وثمارهم ، حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم ، {والقمل} قيل : أولاد ~~الجراد قبل نبات أجنحتها ، وقيل : البراغيث ، وقيل السوس ، والتحقيق : أنه ~~صغار القراد ، دخل ثيابهم وشعورهم ولحاهم ، وقرىء : " القمل " بفتح القاف ~~وهو القمل المعروف ، دخل ثيابهم وامتلأت منها ، {والضفادع} ، وهي المعروفة ~~، كثرت عندهم حتى امتلأت بها فروشهم وأوانيهم ، وإذا تكلم أحدهم وثب الضفدع ~~إلى فيه. {والدم} صارت مياههم دما ، فكان يستسقي من البئر القبطي ~~والإسرائيلي في إناء واحد ، فيخرج ما يلي القبطي دما ، وما يلي الإسرائيلي ماء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 385 PageV02P531 ~~قال البيضاوي : روي أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة ، لا يقدر أحد أن ~~يخرج من بيته ، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم ، وكانت بيوت ~~بني إسرائيل متصلة ببيوتهم ، فلم يدخل فيها قطرة ، وركب على أرضهم فمنعتهم ~~من الحرث والتصرف فيها ، ودام ذلك عليهم ms0819 أسبوعا ، فقالوا لموسى عليه السلام ~~: أدع لنا ربك بما عهد عندك يكشف عنا ونحن نؤمن بك ، فدعا الله فكشف عنهم ، ~~ونبت لهم من الكلأ والزرع والثمار ما لم يعهد مثله ، ولم يؤمنوا ، فبعث ~~الله عليهم الجراد فأكلت زرعهم وثمارهم ، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف ~~والثياب ، ففزعوا إليه ثانيا ، فدعا ، وخرج إلى الصحراء ، وأشار بعصاه نحو ~~المشرق والمغرب ، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها ، فلم يؤمنوا ، فسلط ~~عليهم القمل وأكل ما أبقاه الجراد ، فكان يقع في أطعمتهم ويدخل في ثيابهم ~~وجلودهم فيمصها ، ففزعوا إليه فرفع عنهم ، فقالوا : قد تحققنا الآن أنك ~~ساحر ، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا ينكشف ثوب ولا طعام إلا وجدت ~~فيه ، وكانت تملأ مضاجعهم ، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وأفواههم عند التكلم ~~، ففزعوا وتضرعوا ، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم ، ثم نقضوا ~~العهد ، فأرسل # 386 # الله عليهم الدم ، فصارت مياههم دما ، حتى يجتمع القبطي مع الإسرائيلي ~~على الماء ، فيكون ما يلي القبطي دما ، وما يلي الإسرائيلي ماء ، ويمص ~~الماء من فم الإسرائيلي فيصير دما في فيه ، وقيل : سلط عليهم الرعاف. ه. # {آيات} أي : حال كون ما تقدم آيات {مفصلات} ، مبينات ، لا تشكل على عاقل ~~أنها آيات الله ونقمته. قيل : كان بين كل واحدة منها شهر ، وامتداد كل ~~واحدة منها شهر ، وامتداد كل واحدة أسبوعا ، وقيل : إن موسى ثبت فيهم ، بعد ~~ما غلب السحرة ، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل ، {فاستكبروا} عن ~~الإيمان {وكانوا قوما مجرمين} أي : عادتهم الإجرام. PageV02P532 # {ولما وقع عليهم الرجز} يعني : العذاب المفصل ، أو الطاعون الذي أرسله ~~عليهم بعد ذلك ، {قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي : بعهده عندك ~~، وهو النبوة ، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. ~~والمعنى : ادع الله متوسلا إليه بما عهد عندك من النبوة والجاه ، أو بدعائك ~~إليه ووسائلك ، {لئن كشفت عنا الرجز} : العذاب {لنؤمنن لك} أي : أقسمنا ~~بعهد الله لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك {ولنرسلن معك بني إسرائيل} ms0820 كما طلبت ~~، قال تعالى : {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه} إلى حد من الزمان ~~هم بالغوه ثم يهلكون ، وهو وقت الغرق أو الموت ، وقيل : إلى أجل عينوه ~~لإيمانهم ، {إذا هم ينكثون} ؛ جواب " لما " أي : فلما كشفنا عنهم جاؤوا ~~بالنكث من غير تأمل ولا توقف ، {فانتقمنا منهم} أي : فأردنا الانتقام منهم ~~، {فأغرقناهم في اليم} أي : البحر الذي لا يدرك قعره أو لجته ، {بأنهم} أي ~~: بسبب أنهم {كذبوا بآياتنا} التي أرسلناها عليهم. {وكانوا عنها غافلين} أي ~~: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 385 # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} بالاستعباد وذبح الأبناء {مشارق ~~الإرض ومغاربها} يعني : أرض الشام ، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة ~~والعمالقة ، وتمكنوا من نواحيها {التي باركنا فيها} بالخصب وسعة العيش ، ~~وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي : ومصر. PageV02P533 # {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل} أي : نفذت ومضت واستقرت ، والكلمة ~~هنا : ما قضى في الأزل من إنقاذهم من عدوهم ، وقيل : قوله : {ونريد أن نمن ~~على الذين استضعفوا في الأرض} [القصص : 5] وكانت حسنى ؛ لما فيها من النصر ~~والعز ، {بما صبروا} أي : بسبب صبرهم على الشدائد {ودمرنا} أي : خربنا {ما ~~كان يصنع فرعون وقومه} من القصور والعمارات ، {وما كانوا يعرشون} من ~~البنيان المرتفع كصرح هامان ، أو ما كانوا يرفعون من الكروم في البساتين ~~على العرشان ، فالأول من العرش والثاني من العريش. # 387 # الإشارة : قد جرت عادة الله في خلقه أن يظهر الخواص من عباده ، فينكروا ~~أو يستضعفوا ، حتى إذا طهروا من البقايا وتمكنوا من شهود الحق ، من الله ~~عليهم بالعز والنصر والتمكين ، فمنهم من يمكن من التصرف في الحس والمعنى ، ~~ويقره الوجود بأسره ، ومنهم من يمكن من التصرف في الكون بهمته ، ولكنه تحت ~~أستار الخمول ، لا يعرفه إلا من اصطفاه لحضرته ، وهذا من شهداء الملكوت ، ~~ضن به الحق تعالى فلم يظهره لخلقه. والله تعالى أعلم وأحكم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 385 # يقول الحق جل جلاله : {وجاوزنا ببني إسرائيل} أي : قطعنا بهم {البحر} ms0821 ، ~~روي أنهم عبروه يوم عاشوراء ، بعد مهلك فرعون ، فصاموه شكرا ، {فأتوا على ~~قوم} أي : مروا على قوم من العمالقة ، وقيل : من لخم ، {يعكفون على أصنام ~~لهم} أي : يقيمون على عبادتها ، قيل : كانت تماثيل البقر ، وذلك أول شأن ~~عبادة العجل ، وهؤلاء القوم ، قيل : هم الجبارون الذين أمر موسى بقتالهم ~~بعد وصوله إلى الشام ، ولما رأهم بنو إسرائيل {قالوا يا موسى اجعل لنا ~~إلها} أي : مثالا نعبده {كما لهم آلهة} يعبدونها ، {قال} لهم موسى عليه ~~السلام : {إنكم قوم تجهلون} ، وصفهم بالجهل المطلق ، وأكده بإن ؛ لبعد ما ~~صدر منهم ، بعد ما رأوا من الآيات الكبرى. PageV02P534 # قال البيضاوي : ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن من الله ~~تعالى عليهم بالنعم الجسام ، وآراهم من الآيات العظام ، تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عما كان يرى منهم ويلقى من التشغيب ، وإيقاظا للمؤمنين ~~حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم. ه. وذكر في " القوت " أن ~~يهوديا قال لعلي رضي الله عنه : كيف اختلفتم وضربتم وجوه بعضكم بالسيف ، ~~ونبيكم قريب عهد بكم ؟ فقال : أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم : ~~{اجعل لنا إلها كما لهم آلهة}. ه. # ثم قال لهم موسى رضي الله عنه : {إن هؤلاء متبر} : مدمر هالك {ما هم فيه} ~~يعني : أن الله تعالى يهدم دينهم الذي هم فيه ، ويحطم أصنامهم ويجعلها ~~رضاضا. {وباطل} مضمحل {ما كانوا يعملون} من عبادتها ، وإن قصدوا بها التقرب ~~إلى الله # 388 # تعالى ، وإنما بالغ في هذا الكلام تنفيرا وتحذيرا عما طلبوا. {قال أغير ~~الله أبغيكم} أطلب لكم {إلها} أي : معبودا {وهو فضلكم على العالمين} أي : ~~والحال أنه قد خصكم بنعم لم يعطها غيركم ، وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم حيث ~~قابلوا تخصيص الله لهم بما استحقوه تفضلا ، بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء ~~من مخلوقاته وأبلده ، وهو البقر. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 388 # وإذ أنجيناكم من آل فرعون} أي : واذكروا صنعه معكم في هذا الوقت حيث ~~نجاكم من فرعون ورهطه {يسومونكم} أي : يذيقونكم ms0822 {سوء العذاب} ، ثم بينه ~~بقوله : {يقتلون أبناءكم} ذكورهم {ويستحيون نساءكم} أي : بناتكم ، {وفي ~~ذلكم بلاء من ربكم عظيم} أي : وفي ذلك القتل امتحان عظيم ، أو في ذلك ~~الإنجاء نعمة عظيمة وامتنان عظيم. PageV02P535 # الإشارة : من جاوز بحر التوحيد وحاد عنه ، ولم يغرق فيه ، لا يخلو من طلب ~~شرك جلي أو خفي ؛ لأن النفس ما دامت لم تغرق في بحر الوحدة ، ولم تسبها ~~جمال المعاني ، قطعا تميل إلى شيء من جمال الحس ، لأن الروح في أصلها عشاقة ~~، إن لم تعشق جمال الحضرة تعشق جمال الحس ، ومن ركن إلى شيء مما سوى الله ~~فهو شرك عند الموحدين من المحققين ، ويؤخذ من الآية أن شكر النعم هو تلخيص ~~التوحيد ، وانفراد الوجهة إلى الله تعالى ؛ لأن بني إسرائيل لما أنعم الله ~~عليهم بالإنجاء وفلق البحر قابلوا ذلك بطلب الشرك ، فسقطوا من عين الله ~~واستمر ذلهم إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 388 # يقول الحق جل جلاله : {وواعدنا موسى} ؛ لإنزال الكتاب {ثلاثين ليلة} من ~~ذي القعدة ، {وأتممناها بعشر} من ذي الحجة ، {فتم ميقات ربه} بالغا {أربعين ~~ليلة} ، روي أنه عليه السلام وعد بني إسرائيل ، بمصر ، أن يأتيهم بعد مهلك ~~فرعون بكتاب الله تعالى ، فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما هلك فرعون ~~سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين ، فلما أتم أنكر خلوف فيه فتسوك ، فقالت ~~الملائكة : كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك ، فأمره الله تعالى أن ~~يزيد عليه عشرا ، ثم أنزل عليه التوراة. # {وقال موسى لأخيه هارون} ، عند ذهابه إلى الطور للمناجاة : {أخلفني في ~~قومي} أي : كن خليفتي فيهم {وأصلح} ما يجب أن يصلح من أمورهم ، أو كن # 389 # مصلحا ، {ولا تتبع سبيل المفسدين} أي : لا تتبع سبيل من يسلك الإفساد ، ~~ولا تطع من دعاك إليه. PageV02P536 # الإشارة : كل من انقطع إلى الله تعالى بكليته واعتزل عن الخلق ، وأخلى قلبه ~~عما سوى الحق ، حصلت له المناجاة والمكالمة ، كما وقعت للكليم عليه السلام ~~، وكل ما منحه الله للأنبياء يكون منه نصيب للأولياء من هذه ms0823 الأمة ، والله ~~تعالى أعلم. وفي الحديث : " من أخلص أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من ~~قلبه على لسانه ". قال بعض الحكماء : والسر في ذلك أن الله تعالى أمر بطينة ~~آدم فخمرت في الماء أربعين يوما ، فتربى فيها أربعون حجابا ، فلولا تلك ~~الحجب ما استطاع المقام في الأرض ، فمن أيده الله على زوالها تشبه بالملأ ~~الأعلى ، وخرقت له العوائد ، وأشرق النور من قلبه. ولهذا المعنى بقي داود ~~عليه السلام ساجدا أربعين يوما ، فقبلت توبته ، ومكث إبراهيم عليه السلام ~~في نار النمرود أربعين يوما ، فاتخذه الله خليلا ، وكان بعد ذلك يقول : ما ~~رأيت أحلى من تلك الأيام ، فمن أخلص في عبادته وأزال تلك الحجب عن قلبه كان ~~ربانيا. قال تعالى : {ولكن كونوا ربانين} [آل عمران : 79]. انظر الشطيبي. # ويؤخذ من الآية أن الشيخ إذ أراد أن يسافر من زاويته ينبغي له أن يخلف ~~خليفة عنه ليقوم له بنظام الزاوية ، إذ لا خير في قوم ليس فيهم من يعظهم في ~~الله. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 389 # يقول الحق جل جلاله : {ولما جاء موسى لميقاتنا} الذي وقتنا له {وكلمه ~~ربه} من غير واسطة كما يكلم الملائكة. وفيما روي : أنه كان يسمع ذلك الكلام ~~من كل جهة ، وفيه تنبيه على أن سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام ~~المحدثين. قاله البيضاوي. وقال الورتجبي : أي أسمع عجائب كلامه كليمه ~~ليعرفه بكلامه ؛ لأن كلامه مفاتيح كنوز الصفات والذات. ه. وقال ابن جزي : ~~لما سمع موسى كلام الله طمع في # 390 # رؤيته ، فسألها ، كما قال الشاعر : # وأبرح ما يكون الشوق يوما # إذا دنت الديار من الديار PageV02P537 ~~{قال رب أرني أنظر إليك} أي : أرني نفسك أنظر إليك ، بأن تكشف الحجب عني ، ~~حتى أنظر إلى ذاتك المقدسة من غير واسطة ، كما أسمعتني كلامك من غير واسطة. ~~قال البيضاوي : وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة ؛ لأن طلب ~~المستحيل من الأنبياء محال ، وخصوصا ما يقتضي الجهل بالله ، ولذلك رده ~~بقوله تعالى : {لن تراني} دون لن أرى ولن أريك ، ولن ms0824 تنظر إلي ، تنبيها على ~~أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على حال في الرائي ، لم توجد فيه بعد ، وجعل ~~السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا : {أرنا الله جهرة} [النساء : 153] خطأ ، ~~إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبههم ، كما فعل بهم حين ~~قالوا : {أجعل لنآ إلها} [الأعراف : 138] ، والاستدلال بالواجب على ~~استحالتها أشد خطأ ، إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته أياه على أنه لا يراه ~~أبدا ، وألا يراه غيره أصلا ، فضلا عن أن يدل على استحالتها. ودعوى الضرورة ~~فيه مكابرة وجهالة بحقيقة الرؤية. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 390 PageV02P538 ~~وهو تعريض بالزمخشري ورد عليه ، فإنه أطلق لسانه في أهل السنة عفا الله ~~عنه . والتحقيق : أن رؤيته تعالى برداء الكبرياء وهي أنوار الصفات جائرة ~~واقعة ، وأما رؤية أسرار الذات وهي المعاني الأزلية ، التي هي كنه ~~الربوبية فغير جائزة ؛ إذ لو ظهرت تلك الأسرار لتلاشت الأكوان واضمحلت ، ~~ولعل هذا المعنى هو الذي طلب سيدنا موسى عليه السلام ، فلذلك قال له : {لن ~~تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه} عند تجلي هذه الأسرار له ، ~~{فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل} أي : أظهر له شيئا من أنوار الربوبية ~~التي هي أسرار المعاني الأزلية ، {جعله دكا} أي : مدكوكا مفتتا ، والدك ~~والدق واحد ، وقرأ حمزة : " دكاء " بالمد ، أي : أرضا مستوية ، ومنه : ناقة ~~دكاء لا سنم لها. {وخر موسى صعقا} مغشيا عليه من هول ما رأى ، {فلما أفاق ~~قال} تعظيما لما رأى : {سبحانك تبت إليك} من الجرأة والإقدام على السؤال ~~بغير إذن ، وقال بعضهم : تبت إليك من عدم الاكتفاء بقوله : {لن تراني} حتى ~~نظر إلى الجبل ، {وأنا أول المؤمنين} أنك لا ترى بلا واسطة نور الصفات ، أو ~~أول أهل زماني إيمانا. الإشارة : رؤية الحق جائزة واقعة عند الصوفية في ~~الدارين ، ولكن لا ينالها في هذه الدار إلا خواص الخواص ، ويعبرون عنها ~~بالشهود والعيان ، ولا يكون ذلك إلا بعد الفناء ، وفناء الفناء بعد موت ~~النفس وقتلها ، ثم الغيبة عن حسها ورسمها ، تكون بعد التهذيب والتدريب ~~والتربية على ms0825 يد شيخ كامل ، لا يزال يسير به ويقطع به في المقامات ، ويغيبه ~~عن نفسه ورؤية وجوده ، حتى يقول له : ها أنت وربك ، وذلك أن الحق جل # 391 PageV02P539 ~~جلاله تجلى لعباده بأسرار المعاني خلف رداء الأواني ، وهو حس الأكوان ، ~~فأسرار المعاني لا يمكن ظهورها إلا بواسطة الأواني ، أو تقول : أسرار الذات ~~لا تظهر إلا في أنوار الصفات ، فلو ظهرت أسرار الذات بلا واسطة لاضمحلت ~~الأشياء واحترقت ، كما في الحديث : " حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات ~~وجهه ما أنتهى إليه بصره من خلقه ". فالمراد بالنور نور الصفات ، وهو ~~الأواني الحاملة للمعاني ، لو كشف ذلك النور حتى تظهر أسرار الذات لأحرقت ~~كل شيء أدركه بصره. والواسطة عند المحققين هي عين عين الموسوط ، فلا يزال ~~المريد يفنى عن عين الواسطة في شهود الموسوط حتى يغيب عن الواسطة بالكلية ، ~~أو تقول : لا يزال يغيب عن الأواني بشهود المعاني حتى تشرق شمس العرفان ، ~~فتغيب الأواني في ظهور المعاني ، فيقع العيان على فقد الأعيان ، " كان الله ~~ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان " ، " ما حجبك عن الحق وجود موجود ~~معه ، إذ لا شيء معه ، وإنما حجبك توهم موجود معه ". # جزء : 2 رقم الصفحة : 390 # والحاصل : أن الحق تعالى تكون رؤيته أولا بالبصيرة دون البصر ، لأن ~~البصيرة تدرك المعاني ، والبصر يدرك الحسيات ، فإذا انفتحت البصيرة استولى ~~نورها على نور البصر ، فلا يرى البصر حينئذ إلا ما تراه البصيرة. قال بعض ~~العارفين : هذه المزية العظمى وهي رؤية الحق تعالى في الدنيا على هذا ~~الوجه : خاص بخواص الأمة المحمدية دون سائر الأمم وراثة عن نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم ، فإنه خص بالرؤية دون غيره من الأنبياء. وإلى ذلك أشار ابن ~~الفارص في تائيته ، مترجما بلسان الحقيقة المحمدية ، حيث قال : # ودونك بحرا خضته ، وقف الألي # بساحله ، صونا لموضع حرمتي # ولا تقربوا مال اليتيم إشارة # لكف يد صدت له ، إذ تصدت # وما نال شيئا منه غيري سوى فتى # على قدمي في القبض والبسط ما فتى PageV02P540 ~~قال شارحه القاشاني : أراد بهذا ms0826 البحر : الرؤية التي منع منها موسى عليه ~~السلام ، وخص بها محمد عليه الصلاة والسلام وأفراد من أتباعه. ثم قال : ~~ورد في الخبر : أنه لما أفاق موسى عليه السلام من صعقته قيل له : ليس ذلك ~~لك ، ذلك ليتيم يأتي من بعدك ، ثم قال : سبحانك تبت إليك عما تعديت لما ليس ~~لي ، وأنا أول المؤمنين بتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بهذا المقام. ه. # وقيل في قوله : {فلما تجلى ربه للجبل} أي : جبل العقل ، بحيث طمس نوره ~~بنور شمس العرفان ، وخر موسى صعقا ، أي : ذهب وجوده في وجود محبوبه ، وحصل له # 392 # الزوال في مكان الفناء والسكر ، فلما أفاق ورجع إلى البقاء تمسك بمقام ~~العبودية والأدب مع الربوبية فقال : {سبحانك تبت إليك} من رؤية جبل الحس ~~قبل شهود نور المعنى ، وأنا أول المؤمنين بأن نور المعاني خلف رداء الأواني ~~، لا يدرك إلا بعد الصعقة ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 390 # قلت : الرشد والرشد : لغتان ، قرىء بهما. # يقول الحق جل جلاله : {قال يا موسى إني اصطفيتك} اخترتك {على الناس} ~~الموجودين في زمانك ، وهارون ، وإن كان نبيا ، كان مأمورا باتباعه ، ولم ~~يكن كليما ولا صاحب شرع. فقد اصطفيتك على أهل زمانك {برسالتي} لك إليهم ، ~~ومن قرأ بالجمع فالمراد : أوقات التبليغ بأنواع الأحكام أو أسفار التوراة ، ~~{و} خصصتك {بكلامي} ، وقد شاركه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع زيادة ~~الرؤية ، {فخذ ما آتيتك} أي : أعطيتك من الرسالة والتكليم ، وأقنع بهما ولا ~~تطلب غير ذلك ، {وكن من الشاكرين} على هذه النعمة ، وفيه نوع تأديب له. روي ~~أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة ، وأعطاه التوراة يوم النحر. PageV02P541 # قال تعالى : {وكتبنا له في الألواح من كل شيء} يحتاجون إليه {موعظة} أي : ~~تذكيرا {وتفصيلا لكل شيء} يتوقفون عليه في الأحكام والوعظ. واختلف في ~~الألواح : هل كانت سبعة أو عشرة أو اثنين ، وهل كانت من زمرد أو زبرجد أو ~~ياقوت أحمر ، أو خشب ، أو صخرة صماء ، شقها الله تعالى لموسى عليه السلام ~~فقطعها بيده ، وكان فيها التوراة. # قال ms0827 تعالى لموسى عليه السلام : {فخذها} أي : الألواح أو الرسالة {بقوة} ~~أي : بجد واجتهاد ، {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} بأحسن ما فيها ، فإن فيها ~~ما هو حسن وأحسن منه ؛ كالقصاص مع العفو ، أو بواجباتها ، فإن الواجب أفضل ~~من المندوب ، وهذا كقوله في كتابنا : {واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم} ~~[الزمر : 55] ، ويجوز أن # 393 # يراد بالأحسن : البالغ في الحسن مطلقا ، لا بالإضافة إلى غيره ، كقولهم : ~~الصيف أحر من الشتاء ، فيكون الأمر بأخذ كل ما فيها لأنه بالغ الحسن ، ثم ~~بشرهم بخراب ملك عدوهم ، فقال : {سأريكم دار الفاسقين} أي : دار فرعون ~~وقومه خاوية على عروشها ، أي : أريكم كيف أقفرت منهم لما هلكوا ، وقيل : ~~منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم ، لتعتبروا بها ، وقيل : جهنم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 393 # وقرأ ابن عباس : " سأورثكم " بالثاء المثلثة ، كقوله : {وأورثناها بنى ~~إسرآءيل} [الشعراء : 59]. # {سأصرف عن آياتي} المنصوبة في الآفاق والأنفس الدالة على قدرتنا ~~ووحدانيتنا من عجائب المصنوعات فلا يتفكرون فيها ، أو القرآن وغيره من ~~الكتب ، أصرف عنها {الذين يتكبرون في الأرض} بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون ~~فيها ، ولا يعتبرون ، ولا يؤمنون بها ، عقوبة لهم على تكبرهم ، وقيل : ~~الصرف : منعهم من إبطالها وإطفاء نورها ، وإن اجتهدوا ، كما فعل فرعون ~~وغيره ، فعاد عليهم بإعلائها وإظهار نورها ، وذلك التكبر صدر منهم {بغير ~~الحق} أي : تكبروا بما ليس بحق ، وهو دينهم الباطل. PageV02P542 # {وإن يروا كل آية} منزلة أو معجزة {لا يؤمنوا بها} لعنادهم ، واختلال نظرهم ~~، بسبب انهماكهم في الهوى وحب الجاه ، {وإن يروا سبيل الرشد} أي : طريق ~~الصواب والحق {لا يتخذوه سبيلا} لاستيلاء الشيطان عليهم ، {وإن يروا سبيل ~~الغي} أي : الظلال {يتخذوه سبيلا} أي : يسلكونه ويتبعونه ، لأن سجيتهم ~~الضلال ، {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} أي : ذلك الصرف ~~بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم الآيات. {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي ~~: وبلقائهم الدار الآخرة ، أو : ما وعد الله في الآخرة ، {حبطت أعمالهم} لا ~~ينتفعون بها ، {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} أي : لا يجزون إلا مقدار ~~أعمالهم {ولا يظلم ربك أحدا} ms0828 [الكهف : 49]. # الإشارة : كل من أقامه الله في مقام من المقامات ، أو حال من الأحوال ، ~~كيفما كان ، يقال له : خذ ما آتيتك ، واقنع بما أوليتك ، وكن من الشاكرين ~~عليه ، وإلا سلبناك ما أعطيناك ، فالرضا بالقسمة واجب ، وطلب باب الفضل ~~والكرم لازب ، والأمر مبهم ، والعواقب مغيبة ، ومنتهى المقام على التعيين ~~لا يعلم إلا بعد الموت. وقوله تعالى : {فخذها بقوة} أي : بجد واجتهاد. قال ~~في الإحياء : الأخذ بالجد أن يكون القارىء متجردا لله عند قراءته ، منصرف ~~الهمة إليه عن غيره ، وهو يشير للحضور. # وقول تعالى : {يأخذوا بأحسنها} قال الورتجبي : يأخذون بأبينها لهم ، وهي ~~المحكمات التي توجب العبودية ، ويأخذون بمتشابهها التي هي وصف الصفات بحسن ~~الاعتقاد والتسليم فيها ، لأن علومها وحقائقها لا تكشف إلا للربانيين. قال ~~تعالى : {وما # 394 # يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم...} [آل عمران : 7] الآية. ه. ~~وقوله تعالى : {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض}. قال القشيري : ~~سأحرم المتكبرين بركة الاتباع ، حتى لا يتلقوا الآيات التي يكاشفون بها ~~بالقبول ، ولا يسمعوا ما يخاطبون به بسمع الإيمان. ه. PageV02P543 # جزء : 2 رقم الصفحة : 393 # قلت : {عجلا} : مفعول أول لاتخذ ، و{جسدا} : بدل منه ، وحذف الثاني أي : ~~" إلها " لدلالة أوله ، و{له خوار} : نعت له. # يقول الحق جل جلاله : {واتخذ قوم موسى من بعده} أي : من بعد ذهابه ~~للميقات ، {من حليهم} التي كانوا استعاروها من القبط ، حين هموا بالخروج من ~~مصر ، وإضافتها إليهم ؛ لأنها كانت تحت أيديهم ، فصنع لهم منها السامري ~~{عجلا جسدا} بلا روح ، فألقى في جوفه من تراب أثر فرس جبريل ، فصار {له ~~خوار} ، فقال لهم : {هذا إلهكم وإله موسى} ، فعكفوا على عبادته ، واتخذوه إلها. # قال تعالى : {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} أي : ألم يروا ، ~~حين اتخذوه إلها ، أنه لا يقدر على كلام ، ولا على إرشاد سبيل ، كآحاد ~~البشر ، حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقوى والقدر ، وهذا تقريع على فرط ~~ضلالتهم وإخلالهم بالنظر. قال تعالى : {اتخذوه} إلها {وكانوا ظالمين} في ~~اتخاذه ، وضعوا الأشياء في غير محلها ، أي : كانت عادتهم الظلم ms0829 ، فلم يكن ~~اتخاذ العجل بدعا منهم. # {ولما سقط في أيديهم} ؛ كناية عن اشتداد ندمهم ، فإن النادم المتحسر يعض ~~يده غما ، فتصير يده مسقوطا فيها. أو يسقط رأسه ، أي : يطأطئها لبعض يده. ~~وقال الدمياميني : العرب تضرب الأمثال بالأعضاء ، ولا تريد أعيانها ، تقول ~~للنادم : يسقط في يده ، وفي الذليل : رغم أنفه. ه. أي : ولما ندموا على ما ~~فعلوا ، {ورأوا} أي : علموا {أنهم قد ضلوا} باتخاذ العجل ، {قالوا لئن لم ~~يرحمنا ربنا ويغفر لنا} بالتجاوز عن خطيئتنا ، {لنكونن من الخاسرين} دنيا وأخرى. # الإشارة : كل من ركن إلى شيء وعكف على محبته من دون الله فهو في حقه عجل ~~يعبده من دون الله ، " ما أحببت شيئا إلا وكنت عبدا له ، وهو لا يحب أن ~~تكون عبدا لغيره ". عافانا الله من ذلك. # 395 # جزء : 2 رقم الصفحة : 395 PageV02P544 ~~الإشارة : {بئسما} : " ما " نكرة موصوفة : تمييز ، تفسير للضمير المستكن في ~~(بئس) ، والمخصوص : محذوف ، أي : بئس شيئا خلفتموني خلافتكم هذه ، و{ابن ~~أم} : منادى مضاف ، منصوب بفتحة مقدرة قبل ياء المتكلم ، وأصله : ابن أمي ، ~~فحذفت الياء ، وفتحت الميم تخفيفا. # يقول الحق جل جلاله : {ولما رجع موسى} من ميقاته {إلى قومه غضبان} على ~~قومه ، {أسفا} أي : حزينا عليهم حيث ضلوا ، {قال} لهم ، أو لأخيه ومن معه ~~من المؤمنين : {بئسما خلفتموني من بعدي} أي : من بعد انطلاقي إلى المناجاة ~~، {أعجلتم أمر ربكم} أي : أسابقتم قضاء ربكم ووعده ، واستعجلتم إتياني قبل ~~الوقت الذي قدر فيه ، أو أعجلتم عقوبة ربكم وإهلاكه لكم حيث عبدتم غيره. # {وألقى الألواح} ؛ طرحها من شدة الغضب حمية للدين ، روي أن التوراة كانت ~~سبعة أسفار في سبعة ألواح ، فلما ألقاها انكسرت ، فرفع ستة أسباعها ، وكان ~~فيها تفصيل كل شيء ، وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام ، {وأخذ برأس أخيه} ~~: بشعر رأسه {يجره إليه} ؛ توهما في أنه قصر في زجرهم ، وهارون كان أكبر ~~منه بثلاث سنين ، وكان حمولا لينا ، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل ، ولما ~~رأى هارون ما يفعل به أخروه {قال ابن أم} ؛ ذكر الأم ليرققه ، وكان شقيقا ~~له ms0830 ، {إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني} حين أنكرت عليهم ، فقد بذلت ~~جهدي في كفهم ، وقهروني حتى قاربوا قتلي ، فلم أقصر ، {فلا تشمت بي ~~الأعداء} ؛ فلا تفعل بي ما يشمتون بي ، أي : يستشفون بي لأجله ، {ولا ~~تجعلني مع القوم الظالمين} معدودا في عدادهم بالمؤاخذة ، أو نسبة التقصير. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 396 # قال} موسى : {رب أغفر لي} ما صنعت بأخي ، {ولأخي} ؛ إن فرط في كفهم ، ~~{وأدخلنا في رحمتك} بمزيد الإنعام علينا ، {وأنت أرحم الراحمين} فأنت أرحم ~~منا على أنفسنا. # 396 PageV02P545 ~~قال تعالى : {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم} ؛ وهو ما أمرهم ~~من قتل أنفسهم ، أو الطاعون الذي سلط عليهم ، {وذلة في الحياة الدنيا} وهي ~~ضرب الجزية والهوان إلى يوم القيامة ، {وكذلك نجزي المفترين} على الله ، ~~ولا فرية أعظم من فريتهم ، حيث {قالوا هذا إلهكم وإله موسى} ، ولعله لم ~~يفتر أحد مثلها قبلهم ولا بعدهم ، حيث جعلوا البقر إلههم وإله الرسول ، ~~نسأل الله الحفظ. # ثم ذكر توبتهم ، فقال : {والذين عملوا السيئات} من الكفر والمعاصي ، {ثم ~~تابوا من بعدها} ؛ من بعد السيئات {وآمنوا} واشتغلوا بما يقتضيه الإيمان من ~~الأعمال الصالحات ، {إن ربك من بعدها} من بعد التوبة {لغفور رحيم} وإن عظم ~~الذنب ؛ كجريمة عبدة العجل وكثر ؛ كجرائم بني إسرائيل. # الإشارة : الغضب لله وبالله ، والأسف على دين الله ، من أمارة الغيرة على ~~دين الله ، لكن صاحب هذا المقام مالك نفسه ، يظهر الغلظة ويبطن الرحمة ، ~~قياما بشهود الحكمة والقدرة ، وأما ما صدر من سيدنا موسى عليه السلام ~~فتشريع لأهل التشريع ، لئلا يقع التساهل في تغيير المناكر. وساق الإمام ~~الهروي هذه الآية في منازل السائرين في باب المراد ، وهو المخصوص من ربه ~~بما لم يرده هو ولا خطر بباله ، والإشارة بذلك إلى الضنائن الذين ورد فيهم ~~الخبر : " إن لله ضنائن من خلقه ، ألبسهم النور الساطع ، وغذاهم في رحمته ، ~~وفعل بهم وفعل... " أورده الإمام أو نعيم في الحلية. # وحاصله : أن المرادين هم قوم مخصوصون ، ملطوف بهم ، محمول عنهم ، ومنه : ~~{وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب ms0831 إلا رحمة من ربك} [القصص : 86] فقد خص ~~عليه الصلاة والسلام بما لم يخطر على باله قبل النبوة. PageV02P546 # قال الهروي : والمراد : ثلاث درجات : الدرجة الأولى : أن يعصم العبد وهو ~~مستشرف للجفا ؛ اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ ، وسد مسالك المعاطب ~~عليه ، إكراما ، والدرجة الثانية : أن توضع عن العبد عوارض النقص ، ويعافيه ~~من سمة اللائمة ، ويملكه عواقب الهفوات ، كما فعل لسليمان عليه السلام في ~~قتل الخيل ؛ حمله على الريح الرخاء ، فأغناه عن الخيل ، وكما فعل لموسى ~~عليه السلام ؛ حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه لم يعتب عليه كما عتب على ~~آدم ونوح وداود ويونس عليهم السلام . ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 396 # قال شارحه الإمام عبد المعطي السكندري : وهذه الدرجة أتم في الحمل على ~~الأعمال وركوب الأهوال ، والتلطف في تعليم الإقبال مما قبلها ، فإن ما ~~قبلها منع من # 397 # الشهوات وصيانة عن الآفات ؛ جبرا وقهرا وحفظا ، وهذا حفظ عنها ؛ بإظهار ~~صفح برفق وإكرام ولطف ، فتقوى المحبة في القلب ، فيحمل ذلك على سرعة ~~الموافقة ، ومتى عرف العبد تقصيره في حق مولاه ، ورأى مع ذلك تجاوزه عنه ، ~~وإحسانه إليه ، فضلا عن ترك مؤاخذته بما جناه ، انغرس في قلبه محبته ، وقوى ~~بذلك نشاطه ، وخفت عليه الأعمال ، وقويت منه الأحوال ، فكلاهما محفوظ معان ~~، إلا أن الأول قهر مع تعلقه ، وهذا إكرام ولطف بعد جريان هفوته ، ثم ذكر ~~الدرجة الثالثة ، فانظره. ه. بنقل المحشي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 396 PageV02P547 ~~يقول الحق جل جلاله : {لما سكت} أي : سكن {عن موسى الغضب} ؛ لما كان الغضب ~~هو الحامل له على ما فعل صار كأنه كان يأمره به ويغريه عليه ، حتى عبر عن ~~سكونه بالسكوت ، أي : لما سكن غضبه {أخذ الألواح} التي ألقاها ، {وفي ~~نسختها} أي : وفيما نسخ فيها ، أي : كتب {هدى ورحمة} أي : بيان للحق وإرشاد ~~إلى الصلاح والخير ، {للذين هم لربهم يرهبون} أي : للذين يخافون ربهم ~~ويهابونه ؛ هم المنتفعون بها ، ودخلت اللام في المفعول ؛ لضعف العامل ~~بتأخره. # الإشارة : الغضب لأجل النفس يفسد الإيمان ، كالحنظل مع العسل ، ولذلك قال ~~عليه الصلاة ms0832 والسلام للذي قال له : أوصني ، قال : " لا تغضب " ، ثم كرر ~~عليه : أوصني ، قال : " لا تغضب " ، ثلاثا ، لأن الغضب المفرط يغطي نور ~~العقل ، فيصدر من صاحبه أمور منكرة ، قد يخرج بها عن الإيمان بالكلية ، وقد ~~يؤدي إلى قتل نفسه والعياذ بالله ، والغضب معيار الصوفية ؛ قال بعضهم : إذا ~~أردت أن تعرف الرجل فغضبه وانظر ما يخرج منه ، إلى غير ذلك مما ورد فيه ، ~~فإن كان غضبه لله أو بالله فلا كلام عليه ، وهو حال الأنبياء وأكابر ~~الأولياء رضي الله عنهم . # جزء : 2 رقم الصفحة : 397 # {واختار موسىا قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو ~~شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ إن هي إلا فتنتك تضل ~~بها من تشآء وتهدي من تشآء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ~~واكتب لنا في هاذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنآ إليك...} # 398 PageV02P548 ~~يقول الحق جل جلاله : {واختار موسى قومه} من قومه {سبعين رجلا} يعتذرون عن ~~قومهم في عبادة العجل ، {لميقاتنا} الذي وقتنا لهم يأتون إليه ، وقيل : إن ~~الله تعالى أمره به بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل ، فاختار من كل سبط ~~ستة ، فزاد على السبعين اثنان ، فقال : يتخلف منكم رجلان ، فتشاجروا ، فقال ~~: إن لمن قعد أجر من خرج ، فقعد كالب ويوشع ، وذهب معه الباقون ، فلما دنوا ~~من الجبل غشية غمام ، فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجدا ، فسمعوه يكلم موسى ~~، يأمره وينهاه ، ثم انكشف الغمام ، فأقبلوا إليه ، وقالوا : {لن نؤمن لك ~~حتى نرى الله جهرة} [البقرة : 55] ، {فأخذتهم الرجفة} أي : الصعقة ، أو ~~رجفة الجبل ، عقابا لهم على قولهم ، فصعقوا منها ، يحتمل أن تكن رجفة موت ~~أو إغماء. والأول أظهر ؛ لقوله : {ثم بعثناكم من بعد موتكم} [البقرة : 56]. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 # فلما أخذتهم الرجفة قال} موسى : {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} ، تمنى ~~هلاكهم وهلاكه قبل ذلك الوقت ، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه ، إن ~~رجع إليهم دون هؤلاء السبعين ، ربما قالوا : عرضهم للهلاك ، أو ms0833 يكون قال ~~ذلك على وجه الاستسلام والانقياد للقضاء ، أي : لو شئت أن تهلكنا من قبل ~~ذلك لفعلت ، فإنا عبيدك وتحت قهرك تفعل بنا ما تشاء ، أو يكون قاله على وجه ~~التضرع والرغبة ، أي : لو ئشت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت ، لكنك عافيتنا ~~وأنقذتنا وأغرقت عدونا ، فافعل بنا الآن كما عودتنا ، وأحيي هؤلاء الذي ~~أمتهم ، إذ ليس ببعيد من عميم إحسانك ، {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} من ~~العناد والتجاسر على طلب الرؤية ، أو بما فعل السفهاء من عبادة العجل. PageV02P549 # {إن هي إلا فتنتك} أي : ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك ، حتى طمعوا في الرؤية ، ~~أو فتنتك لهم بأن أجريت الصوت من العجل حتى افتتنوا به ، وهذا اعتراف ~~بالقدر ، ورجوع إلى قوله : {فإنا قد فتنا قومك من بعدك...} [طه : 85] الآية ~~، ولذلك قيل : إنه قال له تعالى : نعم هي فتنتي يا حكيم الحكماء. ه. أي : ~~ما هذه الأمور كلها التي صدرت من بني إسرائيل إلا فتنتك {تضل بها من تشاء} ~~ضلالته ، باتباع المخايل ، {وتهدي من تشاء} هدايته ، فيقوي بها إيمانه ، ~~وهو اعتذار عن فعل السفهاء فإنه كان بقضاء الله ومشيئته. # {أنت ولينا} القائم بأمرنا ، أو ناصرنا من الوقوع في أسباب المهالك ، ~~{فاغفر لنا} ما قارفنا من الذنوب ، {وارحمنا} أي : اعصمنا من الوقوع في ~~مثله ، {وأنت خير الغافرين} ؛ تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة ، {واكتب لنا في ~~هذه الدنيا حسنة} أي : حالة حسنة من حسن معيشة وتوفيق طاعة ، {وفي الآخرة} ~~حسنة ؛ نعيم الجنة ، {إنا هدنا إليك} أي : تبنا إليك ، من هاد يهود : إذا ~~رجع ، أي : رجعنا إليك بالتوبة مما سلف منا. # 399 # الإشارة : السلامة من العطب هو في مقام الهيبة والأدب ، ولذلك قيل : قف ~~بالبساط ، وإياك والانبساط. وأما مقام الإدلال فلا يصح إلا من أكابر ~~الأنبياء ، والأولياء المحققين بمقام المحبوبة ، المتحفين بغاية الخصوصية ، ~~ومنه قول سيدنا موسى عليه السلام : {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} ، كما ~~قال في الإحياء. والإدلال : هو انبساط يثور من مقام الأنس والتحقق بالمحبة ~~الخاصة ، ولا يتفق إلا من محبوب مأخوذ عنه ، ليس عليه بغية ms0834 من نفسه ، ولا ~~شعور بوجوده وأنانيته ، وإلا رد في وجهه وكان سبب عطبه. ومن الإدلال : ما ~~وقع لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه في حزبه الكبير ، من قوله : وليس من ~~الكرم إلا تحسن إلا لمن أحسن إليك...الخ. وقد وقع لغيره من المحبوبين. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 PageV02P550 ~~ثم أجاب الحق سبحانه وتعالى سؤال موسى عليه السلام في قوله : {واكتب لنا ~~في هذه الدنيا حسنة} فقال : # {...قال عذابيا أصيب به من أشآء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذيا أنزل ~~معه أولائك هم المفلحون} # يقول الحق جل جلاله : في جواب سيدنا موسى عليه السلام : {قال عذابي أصيب ~~به من أشاء} ممن أخذته الرجفة وغيرهم ، {ورحمتي وسعت كل شيء} في الدنيا ~~للمؤمنين والكافرين ، وفي الآخرة مخصوصة بالمؤمنين ، {فسأكتبها} كتابة خاصة ~~لا تليق بكم يا بني إسرائيل ، إنما تليق بالأمة المحمدية الموسومة بالآداب ~~المرضية ، الذين {يتقون} الكفر والمعاصي ، وإن وقعت هفوة بادروا إلى التوبة ~~، {ويؤتون الزكاة} ، خصصها بالذكر لأنها كانت أشق عليهم. {والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون} فلا يكفرون بشيء منها ، بل يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء ، ~~وليس ذلك لغيرهم. ولذلك خصهم الله بهذه الرحمة ؛ فنصرهم على جميع الأمم ، ~~وأعلى دينهم على جميع الأديان ، ومكن لهم ما لم يمكن لغيرهم. PageV02P551 # {الذين يتبعون الرسول} صلى الله عليه وسلم {النبي الأمي} وهو نبينا ومولانا ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، وكونه أميا شرف له ، إذ الكتابة وسيلة للعلوم ، ~~وقد أعطي منها ما لم يعط أحد من العالمين ، من غير تعب تعلمها ، ولارتفاع ~~الارتياب في نبوته صلى الله عليه وسلم ، فهي من جملة معجزاته ؛ قال تعالى : ~~{وما كنت تتلوا من قبله من كتاب...} [العنكبوت : 48] الآية. قال بعضهم : # 400 # لما قال الله تعالى ms0835 : {ورحمتي وسعت كل شيء} طمع فيها كل أحد ، حتى إبليس ~~، فلما قال : {فسأكتبها للذين يتقون} يئس إبليس ، وبقيت اليهود والنصارى ، ~~فلما قال : {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} يئس اليهود والنصارى. ه. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 # الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} اسما وصفة ، ونص ما في ~~التوراة على ما في صحيح البخاري ، عن عبد الله بن سلام : " يا أيها النبي ~~إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، ~~سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجازي بالسيئة ~~السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ؛ ~~بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، فيفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، ~~وقلوبا غلفا ". ومما في التوراة أيضا ، وهو مما أجمع عليه أهل الكتاب ، وهو ~~باق في أيديهم إلى الآن ؛ أن الملك قد نزل على إبراهيم ، فقال له : في هذا ~~العام يولد لك غلام اسمه إسحاق ، فقال إبراهيم : يا رب ليت إسماعيل يعيش ~~يخدمك ، فقال الله لإبراهيم : ذلك لك ، قد استجيب لك في إسماعيل ، وأنا ~~أباركه ، وأنميه ، وأكثره ، وأعظمه بما ذماذ ، وتفسيره : محمد صلى الله ~~عليه وسلم. PageV02P552 # ومن ذلك مما في التوراة أيضا : أن الرب تعالى جاء من طور سيناء ، وطلع ~~على " ساغين " ، وظهر من جبل فاران ، ويعني طور سيناء : موضع مناجاة موسى ، ~~وساغين موضع عيسى ، وفاران هي مكة ، موضع مولد نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، وفي التوراة أيضا : أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة ، تراءى ~~لها ملك ، فقال لها : يا هاجر ، أين تريدين ، ومن أين أقبلت ؟ فقالت : أهرب ~~من سيدتي سارة ، فقال لها : يا هاجر ، ارجعي إلى سارة ، وستحملين وتلدين ~~ولدا اسمه إسماعيل ، وهو يكون عين الناس ، وتكون يده فوق الجميع ، وتكون يد ~~الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 # وهذا الذي وعدها الملك إنما ظهر بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهور ~~دينه وعلو مكانه ، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره من أولاده ، لكن الأصل ms0836 ~~يشرف بشرف فرعه ، وفي التوراة أيضا : أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام ~~: قد أجبت دعاءك في إسماعيل ، وباركت عليه ، وسيلد اثني عشر عظيما ، وأجعله ~~لأمة عظيمة. وفي بعض كتبهم : لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود ، ~~وامتلأت الأرض من حمده ، لأنه ظهر بخلاص أمته. ه. ونص ما في الإنجيل : أن ~~المسيح قال للحواريين : إني ذاهب عنكم ، وسيأتيكم الفارقليط ، الذي لا ~~يتكلم من قبل نفسه ، إنما يقول كما يقال له. ه. والفارقليط بالعبرانية : ~~اسم محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل معناه : الشافع المشفع. # 401 PageV02P553 ~~وعن شهر بن حوشب في قصة إسلام كعب الأحبار ، وهو من اليمن من حمير : أن ~~كعبا أخبره بأمره ، وكيف كان ذلك ، وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، قبل ظهوره ، قال كعب : وكان أبي من أعلم الناس ~~بالتوراة وكتب الأنبياء ، ولم يكن يدخر عني شيئا مما كان يعلم ، فلما حضرته ~~الوفاة دعاني فقال : يا بني ، قد علمت أني لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت ~~أعلم ، إلا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث ، وقد أطل زمانه ، ~~فكرهت أن أخبرك بذلك ، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكاذبين ~~فتتبعه ، وقد قطعتهما من كتابي ، وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى ، وطينت ~~عليهما ، فلا تتعرض لهما حتى يخرج هذا النبي ، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما ~~، فإن الله تعالى يزيدك بهذا خيرا ، فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إلي من ~~أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين ، فإذا فيهما : " محمد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، خاتم النبيين لا نبي بعده ، مولده بمكة ، ومهاجره ~~طيبة ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ~~ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ، ويعفو ويغفر ويصفح ، أمته الحمادون ، الذين ~~يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال ، وتذلل ألسنتهم بالتكبير ، وينصر الله ~~نبيهم على كل من ناوأه ، يغسلون فروجهم بالماء ، ويتأزرون على أوساطهم ، ~~وأناجيلهم في صدورهم ، ويأكلون قربانهم في بطونهم ms0837 ، ويؤجرون عليها ، ~~وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب ، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة ~~من الأمم ، وهم السابقون المقربون ، والشافعون المشفع فيهم " ثم أسلم على ~~يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 PageV02P554 ~~يقول الحق جل جلاله : في بقية أوصاف نبينا عليه الصلاة والسلام : {يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات} مما حرم على اليهود ؛ ~~كالشحوم وغيرها ، {ويحرم عليهم الخبائث} كالدم والحم الخنزير وسائر الخبائث ~~، أو كالربا والرشوة وغيرهما من المحرمات. قال ابن جزي : مذهب مالك أن ~~الطيبات هي الحلال ، وأن الخبائث هي الحرام. ومذهب الشافعي : أن الطيبات هي ~~المستلذات ، إلا ما حرمه الشرع منها ، كالخمر والخنزير ، وأن الخبائث هي ~~المستقذرات كالخنافس والعقارب. ه. # {ويضع عنهم إصرهم} أي : الثقل الذي عليهم ، وهو مثال لما كلفوا به أي : ~~بنو إسرائيل في شرعهم من المشقات ؛ كقتل الأنفس في التوبة ، وقطع موضع ~~النجاسة من الثوب ، وتعيين القصاص في العمد والخطأ. {والأغلآل التي كانت ~~عليهم} ؛ عبارة عما منعت منه شريعتهم ، كتحريم الشحوم ، وتحريم العمل يوم ~~السبت وشبه ذلك. {فالذين # 402 # آمنوا به وعزروه} أي : منعوه وحفظوه من عدوه ، حتى لا يقوى عليه ، أو ~~عظموه بالتقوية حتى انتصر ، وأصله : المنع ، ومنه التعزير ، {ونصروه} حتى ~~أظهروا دينه في حياته وبعد مماته ، {واتبعوا النور الذي أنزل معه} وهو ~~القرآن ، وإنما سماه نورا ؛ لأنه بإعجازه ظاهر أمره ومظهر غيره ، أو لأنه ~~كاشف للحقائق مظهر لها. {أولئك هم المفلحون} الفائزون بالرحمة الأبدية ، ~~وهذا آخر جواب سيدنا موسى عليه السلام. # الإشارة : قوله تعالى {ورحمتي وسعت كل شيء} ، قال القشيري : لم يعلقها ~~بالمشيئة يعني : كما قال في العذاب لأنها نفس المشيئة ، ولأنها قديمة ، ~~والإرادة لا تتعلق بالقديم ، فلما كان العذاب من صفات الفعل علقه بالمشيئة ~~، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات. ويقال في قوله تعالى : {وسعت كل شيء} : ~~مجال لآمال العصاة ؛ لأنهم ، وإن لم يكونوا من جملة المطيعين العابدين ~~والعارفين ، فيهم " شيء ". ه. PageV02P555 # قلت : وبهذا العموم تشبث إبليس في قضية له مع سهل ، وذلك أنه ms0838 لما تراءى له ~~، ضحك ، فقال له : كيف تضحك وقد أبلست من رحمة الله ؟ فقال له : قال تعالى ~~: {ورحمتي وسعت كل شيء} وأنا شيء فسكت سهل ، ثم تذكر تما الآية ، فقال : ~~قال تعالى : {فسأكتبها للذين يتقون} ، فهي مقيدة لا مطلقة ، فقال له : ~~التقوى فعل العبد ، والرحمة صفة الرب ، ولا يتغير وصف الحق بفعل العبد ، ~~فعجز سهل. # قلت : والجواب : أن إبليس جاء من جهة الفرق ، ولو نظر للجمع لوجد الرحمة ~~وصفه ، والتقوى فعله ، وفعله يغير وصفه ، والكل منه وإليه. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 PageV02P556 ~~وقال الورتجبي : جميع الخلائق مستغرقون في بحر الرحمة ، لأن إيجاد الحق ~~إياهم ، على أي : وصف كانوا ، عين رحمته ، حيث دخلوا تحت نظره وسلطانه ~~وربوبيته ، ومباشرة قدرته فيهم ، ثم إن الخلق بالتفاوت في الرحمة فالجمادات ~~مستغرقة في نور فعله ، وهي الرحمة الفعلية ، والحيوانات مستغرفة في نور ~~صفاته ، وهي الرحمة الصفاتية ، والعقلاء من الجن والإنس والملائكة مستغرقون ~~في نور ذاته ، وهي الرحمة القديمة الذاتية من جهة تعريفهم ربوبيته ~~ووحدانيته ، وهم من جهة الأجسام وما يجري عليها ، في الرحمة العامة ، ومن ~~جهة الأرواح وما يجري عليها ، في الرحمة الخاصة ، وهم فيها بالتفاوت ، ~~فبعضهم في رؤية العظمة ذابوا ، وبعضهم في رؤية القدم والبقاء تاهوا ، ~~وبعضهم في رؤية الجلال والجمال عشقوا وطاشوا ، ومن خرج من مقام الرحمة إلى ~~أصل الصفة ، ومن الصفة إلى أصل الذات استغرق في الراحم ، وفنى عن الرحمة ، ~~فصار رحمة للعالمين ، وهذا وصف نبينا عليه الصلاة والسلام ، لأنه وصل ~~بالكل إلى الكل ، فوصفه برحمة الكل بقوله : {ومآ أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين} [الأنبياء : 107] ، ثم خص رحمته الخاصة الصفاتية ، بعد أن عم ~~الكل برحمته العامة للمنفردين بالله عن غير الله ، القانتين بعظمته في عظمة ~~الذين بذلوا وجوههم لحق ربوبيته عليهم بقوله : {فسأكتبها للذين يتقون...}. ه. # 403 # قال في الحاشية : واعتبر قوله : {فسأكتبها} ، فإنه يقتضي كون الرحمة ~~السابقة مطلقة ، والتغيير طارىء ، والطارىء لا ينافي الذات. ه. PageV02P557 # قلت : فتكون على هذا الرحمة التي وسعت كل شيء رحمة عامة ، إذ لا يخلو ms0839 مخلوق ~~من رحمته في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فالخلق كلهم مرحومون إيجادا ~~وإمدادا ، وأما في الآخرة فما من عذاب إلا والله أشد منه في قدرته ، ~~والرحمة التي كتبت للمتقين رحمة خاصة ، ويدل على هذا ما في القوت على قوله ~~: {فسأكتبها للذين يتقون} ، قال : معناه خصوص الرحمة وصفوها لا كلها ، إذ ~~لا نهاية للرحمة ، لأنها صفة الراحم الذي لا حد له ، ولأنه لم يخرج من ~~رحمته شيء ، كما لم يخرج من حكمته وقدرته شيء. ه. # وقال السيوطي : فسأكتبها في الآخرة ، ووجه تخصيصها في الآخرة بالمؤمنين : ~~تمحضها هنالك من غير شوب بضد ، ولا كذلك في الدنيا ، وإن كانت غالبة ، ~~والكافر عمته في الدنيا عموما ظاهرا ، وسلب منها في الآخرة بحسب الظاهر ، ~~وإن لم يخل عنها في الجملة ، لأن عضبه تعالى لا حد له لولا رحمته. # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 # وحاصله : أنه لم تفي جهنم بغضبه ، لأنه لا يفي المتناهي بغير المتناهي ~~ورحمته عمت الكافر في الدنيا لإمهاله وبسط نعمه عليه ، وفي الإمهال فسحة في ~~الحال وأمل الإقلاع في المآل ، وقد يتفق كثيرا ، أي : الإقلاع ، فلا يتعين ~~أن يكون الإمهال استدراجا ، على أنه إنما يتجلى تجليا أوليا ذاتيا برحمة ~~مطلقة من غير تفصيل ، إذ لا تعدد في الذات ، وإنما يظهر التفصيل بالصفات ، ~~وإن كان يسري إليها من الذات ، ولكن الرحمة تظهر أولا من الذات ، مع قطع ~~النظر عن الصفات ؛ لظهورها ، ولا تظهر النقمة إلا من الصفات ، وهي خفية في ~~تجلي الذات المطلق ، ولذلك قال : {ورحمتي وسعت كل شيء} ، وعلق العذاب على ~~المشيئة ، فخص به دونها. ه. من الحاشية مع زيادة بيان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 398 # 404 PageV02P558 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا} ؛ الأحمر والأسود ، والعرب والعجم ، والإنس والجن ، خص بهذه الدعوة ~~العامة ، وإنما بعثت الرسل إلى قومها خاصة. فادع الناس أيها الرسول إلى ~~الله تعالى ، {الذي له ملك السماوات والأرض} يتصرف فيهما كيفما شاء ، {لا ~~إله إلا هو} ؛ لأن من ملك ms0840 العالم كان هو الإله لا غير ، {يحيي ويميت} ؛ ~~لعموم قدرته ونفوذ أمره ، {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن ~~بالله وكلماته} أي : ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل قبله من كتبه ووحيه. ~~وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة ، أي : ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل قبله ~~من كتبه ووحيه. وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة ، أي : لم يقل : فآمنوا ~~بالله وآمنوا ؛ لإجراء هذه الصفات عليه ، الداعية إلى الإيمان به وأتباعه ، ~~ولذلك قال : {واتبعوه لعلكم تهتدون} إلى طريق الحق والرشد ، جعل رجاء ~~الاهتداء آثر الأمرين ؛ تنبيها على أن من صدقه ، ولم يتابعه بالتزام شرعه ~~فهو يعد في خطط الضلالة. قاله البيضاوي. # الإشارة : لا غنى للمريد عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولو بلغ ~~ما بلغ ، لقوله تعالى : {واتبعوه لعلكم تهتدون} ، وغاية الاهتداء غير ~~متناهية ، لأن آدب العبودية مقرون مع عظمة الربوبية ، فكما أن الترقي في ~~مشاهدة الربوبية لا نهاية له ، كذلك أدب العبودية لا نهاية له ، ولا تعرف ~~كيفية الأدب إلا بواسطة تعليمه عليه الصلاة والسلام ، فواسطة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا تفارق العبد ، ولو عرف ما عرف ، وبلغ ما بلغ. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 404 PageV02P559 ~~يقول الحق جل جلاله : {ومن قوم موسى} ، يعني بني إسرائيل ، {أمة} طائعة ~~{يهدون} الناس بكلمة الحق ، أو متلبسين {بالحق} ؛ وهم الذين ثبتوا حين ~~افتتن الناس بعباده العجل ، والأحبار الذين تمسكوا بالتوراة من غير تحريف ، ~~أو الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، {وبه} أي : بالحق {يعدلون} في ~~أحكامهم وقضاياهم. قال البيضاوي : أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة ~~القرآن ؛ تنبيها على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل أمر ~~مستمر. ه. # الإشارة : في كل أمة ، وفي كل عصر ، أمة صالحة ، يبصرون الناس بالحق ، ~~ويدعون إلى الله ، فمنهم من يهدي إلى تزيين الظواهر بالشرائع ، وهم العلماء ~~الأتقياء ، ومنهم من يهدي إلى تنوير السرائر بالحقائق ، وهم الصوفية ~~الأولياء ، المحققون بمعرفة الله. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 404 # قلت : {أسباطا} ms0841 : بدل لا تمييز ؛ لأن تمييز العدد يكون مفردا ، والتمييز ~~محذوف ، أي : فرقة أسباطا. وقال الزمخشري : يصح تمييزا ؛ لأن كل قبيلة ~~أسباط لا سبط. ه. فكأنه قال : وقطعناهم اثنتي عشر سبطا سبطا. والسبط في بني ~~إسرائيل كالقبيلة عند العرب ، و{أمما} : بدل بعد بدل على الأول ، وعلى ~~الثاني بدل من أسباط. PageV02P560 # يقول الحق جل جلاله : {وقطعناهم} أي : بني إسرائيل : فرقناهم {أثنتي عشر ~~أسباطا} ؛ أثني عشر سبطا ، {أمما} : متميزة ، كل سبط أمة مستقلة ، {وأوحينا ~~إلى موسى إذ استسقاه قومه} في التيه ، {أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست} ؛ ~~انفجرت ، إلا أن الانبجاس أخف من الانفجار ، أي : فضرب فانبجست ، وحذفه ~~للإيماء إلى أن موسى لم يتوقف في الامتثال ، وأن ضربه لم يكن مؤثرا يتوقف ~~عليه الفعل ذاته ، بل سبب عادي وحكمة جارية ، والفعل إنما هو القدرة ~~الإلهية ، أي : نبعت {منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس} ؛ كل سبط ~~{مشربهم وظللنا عليهم الغمام} لتقيهم من حر الشمس ، {وأنزلنا عليهم المن ~~والسلوى} ، وقلنا لهم : {كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون} سبق في سورة البقرة ، وكذلك الإشارة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 405 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكروا {إذ قيل} لبني إسرائيل : {اسكنوا هذه ~~القرية} ؛ بيت المقدس ، {وكلوا منها حيث شئتم وقولوا} : أمرنا {حطة وادخلوا ~~الباب سجدا} سجود أنحناء ، {نغفر لكم خطيئاتكم} التي سلفت ، {سنزيد ~~المحسنين} ؛ وعد بالغفران والزيادة عليه ، وإنما أخرج الثاني مخرج ~~الاستئناف ، يعني : سنزيد ، ولم يقل : وسنزيد ؛ للدلالة على أنه تفضل محض ، ~~ليس في مقابلة ما أمروا به ، {فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل ~~لهم} ؛ قالوا : حبة في شعرة ، مكان حطة ، لأنهم حملوا # 406 # الحطة ؛ على الحنطة. {فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون} قد ~~مر تفسيره ، وإشارته ، في سورة البقرة. PageV02P561 # تنبيه : وقع اختلاف كثير في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين سورة ~~البقرة ، في {انفجرت} و{انبجست} ، وقوله : {وإذ قلنا ادخلوا} و{إذا قيل لهم ~~اسكنوا} ، وقوله هنا : {وكلوا} ، وهناك {فكلوا}. فقال الزمخشري : لا بأس ~~باختلاف ms0842 العبارتين ، إذا لم يكن هناك تناقض. ووجه بعضهم الفرق بأن ما في ~~هذه السورة سيق في محل الغضب والعقاب على عبادة العجل ، وما في سورة البقرة ~~سيق في محل الامتنان ، فلذلك عبر هنا بانبجست ؛ لأنه أقل من انفجرت ، وعبر ~~هنا بقيل ؛ مبنيا للمجهول ؛ تحقيرا لهم أن يذكر نفسه لهم ، وعبر هنا ~~بالسكنى ؛ لأنه أشق من الدخول ويستلزمه ، وعبر هنا بالواو ؛ لأن السكنى ~~تجامع الأكل ، بخلاف الدخول ، فإن الأكل مسبب عنه ، فعبر بالفاء ، وزاد في ~~البقرة الواو في : {سنزيد} ، كأنه نعمة أخرى ، بخلاف هذا ، وزاد هنا {منهم} ~~؛ لتقدم ذكرهم في قوله : {وإذ قيل لهم} ، وعبر هنا بالظلم ؛ لأنه أعم من ~~الفسق وغيره. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 406 # قلت : {إذ يعدون} : بدل من {القرية} ، بدل اشتمال ، أو منصوب بكانت ، أو ~~بحاضرة و{إذ تأتيهم} : منصوب بيعدون ، و{سبتهم} : مصدر مضاف للفاعل ، يقال ~~: سبت اليهود سبتا : إذا عظم يوم السبت وقطع شغله فيه ، و{شرعا} : حال ، ~~ومعناه : ظاهرة قريبة منهم ، يقال : شرع منه فلان إذا دنا منه. # يقول الحق جل جلاله : {واسألهم عن القرية} أي : اليهود ، سؤال تقرير ~~وتوبيخ على تقديم عصيانهم وعما هو من معلومهم ، الذي لا يعلم إلا بتعليم أو ~~وحي ، وقد تحققوا أنك أمي ، فيكون ذلك معجزة وحجة عليهم ، {عن القرية} أي : ~~عن خبرها وما وقع لها ، {التي كانت حاضرة البحر} قريبة منه ، وهي " إيلة " ~~، قرية بين مدين والطور ، # 407 PageV02P562 ~~على شاطىء البحر ، وقيل : مدين ، وقيل : طبرية ، {إذ يعدون في السبت} : ~~يتجاوزون حدود الله بالاصطياد في يوم السبت ، وكان حراما عليهم لاشتغالهم ~~عنه بالعبادة ، {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا} : ظاهرة على وجه الماء ~~، دانية منهم ، {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} بل تغوص كلها في البحر ، {كذلك} ~~أي : مثل هذا البلاء الشديد {نبلوهم بما كانوا يفسقون} أي : بسبب فسقهم. ~~وقيل " كذلك " : متصل بما قبله ، أي : لا تأتيهم مثل ذلك الإتيان الذي ~~تأتيه يوم السبت. # ثم افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق : فرقة عصت بالصيد يوم السبت ، وفرقة نهت ~~عن ذلك واعتزلت ms0843 القوم ، وفرقة سكتت واعتزلت فلم تنه ولم تعص. {وإذ قالت أمة ~~منهم} ، وهي التي لم تنه ولم تعص. لما رأت مهاجرة الناهية وطغيان العاصية : ~~{لم تعظون قوما الله مهلكهم} بالموت بصاعقة ، {أو معذبهم عذابا شديدا} في ~~الآخرة ؟ {قالوا} : نهينا لهم {معذرة إلى ربكم} أي : عذرا إلى الله تعالى ، ~~حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر ، {ولعلهم يتقون} فينزجرون عن ~~العصيان ، إذ اليأس منهم لا يحصل إلا بالهلاك. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 407 # فلما نسوا ما ذكروا به} أي : تركوا ما وعظوا به ترك الناسي ، {أنجينا ~~الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا} ؛ بالاعتياد ومخالفة أمر الله ، ~~{بعذاب بئيس} : شديد ، من بؤس يبؤس بؤسا ، وقرىء (بيئس) على وزن ضيغم ، و" ~~بئس " بالكسر والسكون ، كحذر ، وبيس بتخفيف الهمزة ، ومعناها واحد ، أي : ~~بما عاقبناهم بالمسخ ، {بما كانوا يفسقون} أي : بسبب فسقهم. PageV02P563 # قال ابن عباس : لا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة ؟ وقال عكرمة : لم تهلك ؛ ~~لأنها كرهت ما فعلوه. ورجع إليه ابن عباس وأعجبه ، لأن كراهيتها تغيير ~~المنكر في الجملة ، مع قيام الفرقة الناهية به ؛ لأنه فرص كفاية. قال تعالى ~~: {فلما عتوا عما نهوا عنه} ؛ تكبرا عن ترك ما نهوا عنه ، {قلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين} أذلاء صاغرين. قال البيضاوي : {قلنا لهم كونوا} ، وهو كقوله : ~~{إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل : 40] ، والظاهر ~~يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك ، فمسخهم قردة ~~وخنازير ، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى. # روي أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين ، كرهوا مساكنتهم ، فقسموا ~~القرية بجدار فيه باب مطروق ، فأصبحوا يوما ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين ~~، فقالوا : إن لهم شأنا ، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة ، فلم يعرفوا أنسباءهم ~~، ولكن القردة تعرفهم ، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم ، وتدور باكية ~~حولهم ، ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام. ه. # 408 # الإشارة : المسخ على ثلاثة أقسام : مسخ الأشباح ، ومسخ القلوب ، ومسخ ~~الأرواح ، فمسخ الأشباح هو الذي وقع لبني إسرائيل ، قيل ms0844 : إنه مرفوع عن هذه ~~الآمة ، والصحيح : أنه يقع في آخر الزمان ، ومسخ القلوب يكون بالانهماك في ~~الذنوب ، والإصرارعلى المعاصي ، وعلامته : الفرح بتيسير العصيان ، وعدم ~~التأسف على ما فاته من الطاعة والإحسان ، ومسخ الأرواح : الانهماك في ~~الشهوات ، والوقوف مع ظواهر الحسيات ، أو تكثيف الحجاب ، والوقوف مع ~~العوائد والأسباب ، دون مشاهدة رب الأرباب. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 407 PageV02P564 ~~قلت : {تأذن} : أعلم ، وهي تفعل ، وهي من الإيذان بمعنى الإعلام ، كتوعد ~~وأوعد ، أو : عزم ، لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله ، وأجرى مجرى ~~القسم كعلم الله وشهد الله ، ولذلك أجيب باللام القسمية. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكروا {إذ تأذن ربك} أي : أعلم وأظهر ذلك في ~~عالم الشهادة ، {ليبعثن} على بني إسرائيل ، أيك ليسلطن {عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب} ؛ كالإذلال وضرب الجزية ، وقد بعث الله ~~عليهم بعد سليمان عليه السلام بختنصر ، فخرب ديارهم ، وقتل مقاتلتهم ، وسبى ~~نساءهم وذراريهم ، وضرب الجزية على من بقي منهم ، وكانوا يؤدونها إلى ~~المجوس ، حتى بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ففعل بهم ما فعل ، ~~في بني قريظة والنضير وخبير ، ثم ضرب الله عليهم الجزية إلى آخر الدهر ، ~~{إن ربك لسريع العقاب} فعاقبهم في الدنيا ، {وإنه لغفور رحيم} لمن تاب وآمن ~~، وإنما أكد هنا الخبر باللام دون ما في آخر الأنعام ، لأن ما هنا في ~~اليهود ، وما في آخر الأنعام في المؤمنين ، فأكد ما هنا باللام ، فقال : ~~{لسريع العقاب} ؛ زيادة في توبيخهم ونكالهم. # الإشارة : مواطن الذل والهوان هو الانهماك في المخالفة والعدوان ، وقد ~~ينسحب ذلك في الذرية إلى آخر الزمان ، فإن الله تعالى يقول : أنا الملك ~~الودود ، أعاقب الأحفاد بمعاصي الجدود ، ومواطن العز والحرمة والأمان : هو ~~الطاعة والتعظيم والإحسان ، ينسحب ذلك على الأحفاد ، إلى منتهى الزمان ، ~~فإن الله تعالى يحفظ الأولاد ببركة الأجداد. وقد تذاكر بعض التابعين ما ~~يكون في آخر الزمان من الفتن والفساد ، فقال # 409 # بعضهم : يا ليتني كنت عقيما أو لم أتزوج ، فقال له من هو أكبر منه : ألا ms0845 ~~أدلك على ما يحفظ الله عقبك ؟ قال : نعم ، دلني ، قال : قوله تعالى : ~~{وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا...} [النساء : 9] الآية. وبالله ~~التوفيق. PageV02P565 # جزء : 2 رقم الصفحة : 409 # قلت : {أمما} : مفعول ثان لقطعنا ، أو حال ، وجملة {منهم الصالحون} : صفة ~~، وجملة {يأخذون} : حال من فاعل ورثوا ، و{يقولون} عطف على {يأخذون} ، أو ~~حال ، والفعل من {سيغفر} : مسند إلى الجار والمجرور ، أو إلى مصدر {يأخذون} ~~، و{أن لا يقولوا} : عطف بيان من {ميثاق الكتاب} ، أو تفسير له ، أو متعلق ~~به ، أي : لأن لا يقولوا ، و{درسوا} : عطف على {ألم يؤخذ} من حيث المعنى ، ~~أي : ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ولم يدرسوا ما فيه ، أو حال ، أي : وقد ~~درسوا ، و{الذين يمسكون} : مبتدأ ، وجملة : {إنا لا نضيع أجر المصلحين} : ~~خبر ، والرابط : ما في المصلحين من العموم ، فوضع موضع الضمير ؛ تنبيها على ~~أن الإصلاح كالمانع من التضييع ، أو حذف العائد ، أي : منهم ، ويحتمل أن ~~يكون عطفا على {الذين يتقون} أي : خير للمتقين والذين يتمسكون بالكتاب. # يقول الحق جل جلاله : {وقطعناهم} أي : فرقناهم {في الأرض أمما} : فرقا ، ~~ففي كل بلد من البلدان فرقة منهم ، فليس لهم إقليم يملكونه ، تتمة لإذلالهم ~~، حتى لا تكون لهم شوكة قط ، {منهم الصالحون} وهو من تمسك بدين التوراة ، ~~ولم يحرف ، ولم يفرق ، أو من آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في زمانه ~~وبعده ، {ومنهم دون ذلك} أي : ومنهم ناس دون ذلك ، أي : منحطون عن الصلاح ، ~~وهم كفرتهم وفسقتهم ، {وبلوناهم} أي : اختبرناهم {بالحسنات والسيئات} أي : ~~بالنعم والنقم ، {لعلهم يرجعون} ؛ ينتبهون فينزجرون عما هم عليه. # {فخلف من بعدهم خلف} أي : فخلف ، من بعد الأولين ، خلف ، أي : بدل سوء ، ~~وهو مصدر نعت به ، فالخلف ، بالسكون ، شائع في الشر ، يقال : جعل الله منك # 410 PageV02P566 ~~خلفا صالحا. والمراد بالخلف في الآية : اليهود الذين أدركوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، {ورثوا الكتاب} ؛ التوراة ، من أسلافهم ، يقرؤونها ويقفون على ~~ما فيها ، {يأخذون عرض هذا الأدنى} ؛ حطام هذا الشيء الحقير ، من الدنو ، ~~أو من الدناءة ، وهو ما كانوا يأخذون من ms0846 الرشا في الأحكام ، وعلى تحريف ~~الكلام ، {ويقولون سيغفر لنا} ؛ لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه ، ~~اغترارا وحمقا. # { # جزء : 2 رقم الصفحة : 410 # وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} أي : يرجون المغفرة ، والحال أنهم مصرون على ~~الذنب ، عائدون إلى مثله ، غير تائبين منه ، {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب} ~~أي : في الكتاب ، وهو التوراة ، {أن لا يقولوا على الله إلا الحق} ، وهو ~~تكذيب لهم في قولهم : {سيغفر لنا} ، والمراد : توبيخهم على القطع بالمغفرة ~~مع عدم التوبة ، والدلالة على أنه افتراء على الله وخروج عن ميثاق الكتاب ، ~~{ودرسوا ما فيه} أي : وقد درسوا ما فيه ، وعلموا ما أخذ عليهم فيه من ~~المواثيق ، ثم تجرأوا على الله ، {والدار الآخرة خير للذين يتقون} مما يأخذ ~~هؤلاء من العرض الفاني. {أفلا يعقلون} فيعلموا ذلك ، ولا يستبدلوا الأدنى ~~الحقير المؤدي إلى العقاب بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب ، ومن قرأ ~~بالخطاب فهو لهم ، من باب التلوين في الكلام. # {والذين يمسكون بالكتاب} أي : يتمسكون بالتوراة ، {وأقاموا الصلاة} ~~المفروضة عليهم ، {إنا لا نضيع أجر المصلحين} منهم. وهذا فيمن مات قبل ظهور ~~الإسلام ، أو : والذين يمسكون بالقرآن ، {وأقاموا الصلاة} مع المسلمين ، ~~{إن لا نضيع أجر المصلحين}. PageV02P567 # الإشارة : تفريق النسب في البلدان ، إن كان في الذل والهوان ، فهو من شؤم ~~المخالفة والعصيان ، وإن كان مع العز وحفظ الحرمة ، فقد يكون لقصد الخير ~~والبركة ، أراد الله أن ينمي تلك البلاد ، بنقل ذلك إليها ، كأولاد ~~الصالحين والعلماء وأهل البيت. ويؤخذ من قبوله : {وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون} ، أن العبد مأمور بالرجوع إلى الله في السراء ~~والضراء ، في السراء بالحمد والشكر ، وفي الضراء بالتسليم والصبر. # ويؤخذ من مفهوم قوله : {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} ، أن من عقد التوبة ~~وحل عقدة الإصرار غفر له ما مضى من الأوزار. وفي قوله : {ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب...} الآية ، تحذير لعلماء السوء. وقوله : {والذين يمسكون ~~بالكتاب...} الآية ، أي : والذين يمسكون بظاهر الكتاب وأقاموا صلاة الجوارح ~~، {إنا لا نضيع أجر المصلحين} مع عامة أهل اليمين ، والذين يمسكون بباطن ~~الكتاب وأقاموا ms0847 صلاة القلوب التي هي العكوف في الحضرة حضرة الغيوب إنا ~~لا نضيع أجر المصلحين لقلوبهم ، # 411 # وهو شهود رب العالمين مع المقربين ، في حضرة الأنبياء والمرسلين ، جعلنا ~~الله منهم وفي حزبهم ، آمين. # جزء : 2 رقم الصفحة : 410 # قلت : جملة {خذوا} : محكية ، أي : وقولنا لهم : خذوا. PageV02P568 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ نتقنا} أي : قلعنا ورفعنا {الجبل فوقهم} ~~أي : فوق بني إسرائيل ، {كأنه ظلة} أي : سقيفة ، والظلة : كل ما أظلك ، ~~{وظنوا} أي : تيقنوا {أنه واقع بهم} أي : ساقط عليهم بسبب عصيانهم ؛ لأن ~~الجبل لا يثبت في الجو ؛ لأنهم كانوا يوعدون به ، وإنما عبر بالظن ؛ لأنه ~~لم يقع بالفعل حين الظن ، وسبب نتق الجبل أنهم امتنعوا من أحكام التوراة ، ~~فلم يقبلوها ؛ لثقلها ، فرفع الله الطور فوقهم ، وقيل لهم : إن قبلتم ما ~~فيها وإلا ليقعن عليكم ، فقلنا لهم حين الرفع : {خذوا ما آتيناكم} من ~~الأحكام {بقوة واذكروا ما فيه} بالعمل به ، ولا تتركوه كالمنسى ، {لعلكم ~~تتقون} قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق. # الإشارة : من لم ينقد إلى الله بملاطفة الإحسان ، قيد إليه بسلاسل ~~الامتحان ، عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل. # جزء : 2 رقم الصفحة : 411 # قلت : {من ظهورهم} : بدل من {بني آدم} ، أي : من ظهور بني آدم ، ~~و{ذريتهم} : مفعول به ، و{بلى} : حرف جواب ، يجاب بها عن الهمزة إذا دخلت ~~على منفي ، فخرجت عن الاستفهام إلى التقرير ، وهو حمل المخاطب على الإقرار ~~بما بعد النفي ، نحو : {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح : 1] ، فيجاب ببلى ، أي : ~~شرحت ، وكذا نظائرها ، ومنه : {إلست بربكم...} الآية. # 412 PageV02P569 ~~وقد يجاب بها الاستفهام المجرد عن النفي ، كما في الحديث : " أترضون أن ~~تكونوا ربع أهل الجنة ؟ قالوا : بلى " ولكنه قليل ، فلا يقاس عليه ، بل ~~يوقف على ما سمع ، والكثر : أنها جواب للنفي ، ومعناها : إثبات ما نفي ، ~~ورفع النفي ، لا إثباته وتقريره ، بخلاف " نعم " ؛ فإنها تقرر ما قبلها من ~~إثبات أو نفي ، ولذا قال ابن عباس : (ولو قالوا : نعم ، لكفروا) ، وقد تقدم ~~الفرق بينهما في سورة البقرة ، ثم الكثير : مراعاة صورة النفي ms0848 ، فيجاب ببلى ~~، وقد ينظر للمعنى وما يفيده الاستفهام الإنكاري من نفيه للنفي ، فيصير ~~الكلام إيجابا ، فيصح الجواب بنعم في الجملة ، لكن لما كان محتملا امتنع في ~~الآية : انظر المغني. وقوله : {أن تقولوا} : مفعول من أجله. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكروا {إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم} ؛ من ~~ظهور بني آدم {ذريتهم} ؛ وذلك أن الله تعالى لما خلق آدم ، وأهبطه إلى ~~الأرض ، أخرج من صلبه نسيم بنيه ، بعضهم من صلب بعض ، على نحو ما يتوالدون ~~، قرنا بعد قرن كالذر ، وكان آدم بنعمان ، وهو جبل يواجه عرفة ، وقال لهم ~~حين أخرجهم : {ألست بربكم} ؟ فأقروا كلهم ، و{قالوا بلى} أنت ربنا ، ~~{شهدنا} بذلك على أنفسنا ، لأن الأرواح حينئذ كانت كلها على الفطرة ، علامة ~~دراكة ، فلما ركبت في هذا القالب نسيت الشهادة ، فبعث الله الأنبياء والرسل ~~يذكرون الناس ذلك العهد ، فمن أقر به نجا ، ومن أنكره هلك ، ويحتمل أن يكون ~~ذلك من باب التمثيل ، وأن أخذ الذرية من الظهر عبارة عن أيجادهم في الدنيا ~~، وأما إشهادهم فمعناه : أن الله نصب لبني آدم الأدلة على ربوبيته ، وشهدت ~~بها عقولهم ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم ، وقال : {ألست بربكم} ؟ وكأنهم ~~قالوا بلسان الحال : أنت ربنا. # جزء : 2 رقم الصفحة : 412 PageV02P570 ~~والأول هو الصحيح ؛ لتواتر الأخبار به ، فقوله : {شهدنا} : هو من تمام ~~الجواب ، فهو تحقيق لربوبيته وأداء لشهادتهم بذلك ، فينبغي أن يوقف عليه ، ~~وقيل : إن {شهدنا} : من قول الله أو الملائكة ، فيوقف على {بلى} ، لكنه ضعيف. # ثم ذكر حكمة هذا الأخذ ، فقال : {إن تقولوا} أي : فعلنا ذلك كراهة أن ~~تقولوا {يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} ، أو كراهية أن تقولوا : {إنما ~~أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} فاقتدينا بهم ، {أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون} ، يعني : آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك ، ولا بد من حذف كلام هنا ~~لتتم الححجة ، والتقدير : أخذنا ذلك العهد في عالم الأرواح ، وبعثنا الرسل ~~يجددونه في عالم الأشباح ، كراهة أن تقولوا : إنا كنا عن هذا غافلين ، ويدل ~~على هذا قوله تعالى : {وما كنا ms0849 معذبين حتى نبعث رسولا...} # 413 # [الإسراء : 15] الآية. وقوله : {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة} [النساء : 165] ، ولا يكفي مجرد الإشهاد الروحاني في قيام الحجة ~~؛ لأن ذلك العهد نسيته الأرواح حين دخلت في عالم الأشباح ، فلا تهتدي إليه ~~إلا بدليل يذكرها ذلك. # قال البيضاوي : والمقصود من إيراد هذا الكلام ها هنا : إلزام اليهود ~~مقتضى الميثاق العام ، بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم ، والاحتجاج ~~عليهم بالحجج السمعية والعقلية ، ومنعهم من التقليد ، وحملهم على النظر ~~والاستدلال ، كما قال تعالى : {وكذلك نفصل الآيات} الدالة على وحدانيتنا ~~سمعا وعقلا ، {ولعلهم يرجعون} عن التقليد واتباع الباطل. PageV02P571 # الإشارة : أخذ الحق جل جلاله العهد على الأرواح أن تعرفه وتوحده مرتين ، ~~أحدهما : قبل ظهور الكائنات ، والثاني : بعد ظهورها. والأول أخذه عليها في ~~معرفة الربوبية ، والثاني تجديدا له مع القيام بآداب العبودية. قال بعضهم : ~~أخذ الأول على الأرواح يوم المقادير ، وذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة ، ثم أخذ الثاني على النفوس بعد ظهورها في عالم الأشباح ، كما نبهت ~~عليه الآية والأحاديث. # وقال ابن الفارض في تائيته : # وسابق عهد لم يحل مذ عهدته # ولا حق عقد جل عن حل فتره # قال القاشاني : أراد بالعهد السابق : ما أخذه الله على الأرواح ~~والإنسانية المستخرجة من صلب الروح الأعضم ، الذي هو آدم الكبير ، في صور ~~المثل ، قبل تعلقها بالأشباح ، وهو عقد المحبة بين الرب والمربوب ، في قوله ~~سبحانه : {وإذ أخذ ربك...} الآية. وبالعهد اللاحق : ما أخذه عليهم بواسطة ~~الأنبياء ، من عقد الإسلام بعد التعلق بالأبدان ، وهو توكيد للعهد الأول ، ~~وتوثيقه بالتزام أحكام الربوبية والتزامها. ه. وقال في الحاشية : كلام ابن ~~الفارض ينظر إلى العهد الأول ، الروحاني ، وكلام غيره ينظر إلى الثاني ~~النفساني ، وهو ظاهر الآية. ه. قلت : وفيه نظر ، فإن كلام ابن الفارض مشتمل ~~على الهدين معا ، الروحاني في الشطر الأولى ، والنفساني في الشطر الثاني. # جزء : 2 رقم الصفحة : 412 # والحاصل مما تقدم : أن العهد أخذ على الأرواح ثلاث مرات ، أحدها : حين ~~استخرجت من صلب الروح الأعظم الذي هو آدم الكبير ms0850 ، وهو معنى القبضة ~~النورانية ، التي آخذت من عالم الجبروت. والثاني : حينن استخرجت من صلب آدم ~~الأصغر ، كالذر ، والثالث : حيث دخلت في عالم الأشباح ، على ألسنة الرسل ، ~~ومن ناب عنهم ، فالمذكور في الآية هو الثاني ، وهو أحسن من حمل القاشاني ~~الآية على الأول. # 414 PageV02P572 ~~فالحاصل : أن الأخذ الأول كان على الأرواح مجردة عن مادة التطوير والتمثيل ~~، بإقرارها إقرار النفوس ، لا إقرار الألسنة ، والأخذ الثاني كان على ~~الأرواح بعد خروجها من الوجود العلمي إلى الوجود العيني ، فتطورت الأرواح ~~بصفاتها الذاتية ، من سمع وبصر ولسان وغيرها ، في عالم المثال ، بصور ~~مقالية ؛ لتبصر بها ظهور الرب ، وتسمع خطابه ، وتجيب سؤاله ، بإقرارها ~~حينئذ إقرار الألسنة ، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية. وأما العهد الذي أخذه ~~عليها ، فلا بد من انضمامه إلى الأولين في قيام الحجة ، كما تقدم. # فالموجدات ثلاث : علمي ، ثم خيالي مثالي ، ثم نوعي حسي. فأخذ على كل واحد ~~عهد ؛ من الأولين بلا واسطة ، والثالث بواسطة الرسل. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 412 # قلت : أتبعه الشيطان : أدركه ، يقال : أتبع القوم : لحقهم ، ومنه : ~~{فأتبعهم فرعون وجنوده} [يونس : 90] ، أي : لحق بني إسرائيل. قاله في ~~الأساس. # يقول الحق جل جلاله : {واتل عليهم} ؛ على اليهود {نبأ} أي : خبر {الذي ~~آتيناه آياينا} ؛ علما بكتابنا ، {فانسلخ منها} ؛ بأن كفر بها ، وأعرض ، ~~{فأتبعه الشيطان} فأدركه {فكان من الغاوين}. قال عبد الله بن مسعود : هو ~~رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين ، داعيا إلى الله ، ~~فرشاه الملك ، وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى ، ويتابع الملك على دينه ~~، ففعل وأضل الناس على ذلك. PageV02P573 # وقال ابن عباس : هو رجل من الكنعانيين ، اسمه : " بلعم " ، كان عنده الاسم ~~الأعظم ، فلما أراد موسى قتل الكنعانيين ، وهم الجبارون ، سألوه أن يدعو ~~على موسى باسم الله الأعظم ، فأبى ، فألحوا عليه حتى دعا ألا يدخل المدينة ~~، ودعا موسى عليه. فالآيات التي أعطيها ، على هذا : اسم الله الأعظم ، وعلى ~~قول ابن مسعود : هو ما علمه موسى من الشريعة. قيل : كان عنده من صحف ~~إبراهيم. وقال ms0851 عبد الله بن عمرو بن العاص : هو أمية بن أبي الصلت الثقفي ، ~~وكان قد أوتي علما وحكمة ، وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر ، ثم رجع عن ذلك ~~ومات كافرا ، وكان قد قرأ الكتب ، وخالط الرهبان ، # 415 # وسمع منهم أن الله تعالى مرسل رسولا في ذلك الزمان ، فرجا أن يكون هو ، ~~فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده ، وقال : ما كنت لأؤمن لرسول ~~من ثقيف. # قال تعالى : {ولو شئنا لرفعناه} إلى منازل الأبرار {بها} أي : بسبب تلك ~~الآيات وملازمتها ، {ولكنه أخلد إلى الأرض} أي : مال إلى الدنيا وحطامها ، ~~أي : أخلد إلى أرض الشهوات ، {واتبع هواه} في إيثار الدنيا واسترضاء قومه ، ~~أو صيانة رئاسته وجاهه. قال البيضاوي : وكان من حقه أن يقول : ولكنه أعرض ~~عنها ، فأوقع موقعه : {أخلد إلى الأرض واتبع هواه} مبالغة وتنبيها على ما ~~حمله عليه ، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. ه. {فمثله} أي : فصفته التي هي ~~مثل في الخسة ، {كمثل الكلب} أي : كصفته في أخس أحواله ، وهو {إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث} أي : يلهث دائما ، سواء حمل عليه بالزجر والطرد ، أو ~~ترك ولم يتعرض له ، بخلاف سائر الحيوانات ؛ لضعف فؤاده ، واللهث : إدلاع ~~اللسان من التنفس الشدد ، والمراد : لازم اللهث ، وهو نفي الرفع ووضع ~~المنزلة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 415 PageV02P574 ~~قال ابن جزي : اللهث : هو تنفس بسرعة ، وتحريك أعضاء الفم ، وخروج اللسان ، ~~وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات عند الحر والتعب ، وهي حالة دائمة للكلب ، ~~ومعنى " إن تحمل عليه " : أن تفعل معه ما يشق عليه ، من طرد أو غيره ، أو ~~تتركه دون أن تحمل عليه ، فهو يلهث على كل حال. ووجه تشبيه ذلك الرجل به ~~أنه إن وعظته فهو ضال ، وإن لم تعظه فهو ضال ، فضلالته على كل حال. ه. وقال ~~الواحدي : وذلك أنه زجر في المنام عن الدعاء على موسى ، فلم ينزجر ، وترك ~~عن الزجر ، فلم يهتد. ه. وقيل. ه. أن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره ، فصار ~~مثل الكلب ، وصورته ولهثه حقيقة. ه. وفعل ms0852 به ذلك حين دعا على موسى عليه ~~السلام. وفي ابن عطية : ذكر " المعتمد " أن موسى قتله. # قال تعالى : {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} ؛ صفتهم كصفة الكلب في ~~لهثه وخسته ، أو كصفة الرجل المشبه به ، لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا ، وإن ~~تركوا لم يهتدوا. أو شبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات فلم تنفعهم ، كما أن ~~الرجل لم ينفعه ما عنده من الآيات. وقال الواحدي : يعني : أهل مكة كانوا ~~متمنين هاديا يهديهم ، فلما جاءهم من لا يشكون في صدقه كذبوه ، فلم يهتدوا ~~لما تركوا ، ولم يهتدوا أيضا لما دعوا بالرسول ، فكانوا ضالين عن الرسول في ~~الحالتين. ه. # {فاقصص القصص} المذكور على اليهود ، فإنها نحو قصصهم ، {لعلهم يتفكرون} ~~تفكرا يؤدي إلى الاتعاظ ، فيؤمنوا به ، فإن هذه القصص لا توجد عند من لم ~~يقرأ إلا بوحي ، فيتيقنوا نبوتك. {ساء} أي : قبح {مثلا} مثل {القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا} ؛ حيث شبهوا بالكلاب اللاهثة ، {وأنفسهم كانوا يظلمون} ~~بتعريضها للهلاك. # 416 # قال البيضاوي : إما أن يكون داخلا في الصلة ، معطوفا على {الذين كذبوا} ، ~~بمعنى : الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم ، أو منقطعا عنها ، ~~بمعنى : وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم ، فإن وباله لا يتخطاها ولذلك قدم ~~المفعول. ه. PageV02P575 # {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} ، هو تصريح بأن ~~الهدى والضلال بيد الله تعالى ، وأن هداية الله يخص بها بعضا دون بعض ، ~~وأنها مستلزمة للاهتداء ، والإفراد في الأول والجمع في الثاني ؛ لاعتبار ~~اللفظ والمعنى ، تنبيها على أن المهتدين كواحد ؛ لاتحاد طريقهم ، بخلاف ~~الضالين. والاقتصار في الإخبار عمن هداه الله بالمهتدي : تعظيم لشأن ~~الاهتداء ، وتنبيه على أنه ، في نفسه ، كمال جسيم ، ونفع عظيم ، لو لم يحصل ~~له غيره لكفاه ، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها. قاله ~~البيضاوي. # جزء : 2 رقم الصفحة : 415 # الإشارة : في الحديث : " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه ~~" والعلم النافع هو الذي تصحبه الخشية والمراقبة والتعظيم والإجلال ، ويوجب ~~لصاحبه الزهد والسخاء والتواضع والأنكسار ، وهو علم التوحيد الخاص ، الذي ~~هو ms0853 مشاهدة الحق. وقال الورتجبي في قوله : {آتيناه آياتنا فانسلخ منها} : ~~ذكر أنه تعالى أعطاه أياته ، ولو أعطاه قرب مشاهدته ما انسلخ منه ، لأن من ~~رآه أحبه ، ومن أحب استأنس به واستوحش مما سواه ، فمن ذلك تبين أنه كان ~~مستدرجا بوجدان آياته ، وتصديق ذلك ما أخبر سبحانه من ارتداده عن دينه ، ~~واشتغاله بهواه وعداوة كليمه بقوله : {فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} ، ~~ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت إلى غيره ، مكر به في الأزل ، فكان مكره مستداما ~~إلى الأبد ، فالكرامات الظاهرة عارضه للامتحان بين الأزل والأبد ، وعند ~~الأصل القديم لا يعتبر العرض الطارىء. ه. PageV02P576 # وقال في الإحياء : إن بلعم أوتي كتاب الله تعالى فأخلد إلى الشهوات ، فشبه ~~بالكلب ، أي : سواء أوتي الحكمة أو لم يؤتها فهو يلهث إلى الشهوات. ه. وفي ~~ذكر قصته تحذير لعلماء هذه الأمة وصلحائها. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله ~~عنه : من أخلدت نفسه إلى أرض الشهوات ، وغلبته عن النهوض إلى الطاعات ، ~~فدواؤه في حرفين ، أحدهما : أن يذكر منة الله عليه بنعمة الإيمان والإسلام ~~، ويقيد هذه النعمة بالشكر ، لئلا تفلت من يده ، والثاني : أن يتوجه إلى ~~الله بالتضرع والاضطرار ، آناء الليل والنهار ، وفي رمضان راجيا الإجابة ، ~~قائلا : اللهم سلم سلم. فإن أهمل هاتين الخصلتين فالشقاوة لازمة له. ه. ~~بالمعنى لطول العهد به. وبالله التوفيق. # 417 # جزء : 2 رقم الصفحة : 415 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد ذرأنا} ؛ خلقنا {لجهنم كثيرا من الجن والإنس} ~~؛ كتبنا عليهم الشقاء في سابق الأزل ، فهم من قبضة أهل النار ، كما قال : " ~~هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي ". ثم ذكر علامتهم ~~فقال : {لهم قلوب لا يفقهون بها} المواعظ والتذكير ؛ للأكنة التي جعلت ~~عليها ، {ولهم أعين لا يبصرون بها} دلائل وحدانيتنا وكمال قدرتنا ، فلا ~~ينظرون بها نظر اعتبار ، {ولهم آذان لا يسمعون بها} الآيات والمواعظ ، سماع ~~تأمل وتدبير ، {أولئك كالأنعام} في عدم التفقه والاستبصار ، أو في أن هممهم ~~ومشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش ، مقصورة عليها ، فهممهم في بطونهم ~~وفروجهم ، {بل هم أضل} ms0854 من الأنعام ، لأنها تطلب منافعها وتهرب من مضارها ، ~~وهؤلاء يقدمون على النار معاندة ، وأيضا : الأنعام رفع عنها التكليف فلا ~~تعذب ، يخلاف الكافر ، وأيضا : البهائم تقبل الرياضة والتأديب لما يراد بها ~~، والكافر عاص على الدوام ، {أولئك هم الغافلون} الكاملون في الغفلة ~~المنهمكون فيها. PageV02P577 # الإشارة : النار على قسمين : حسية ومعنوية ، كما أن الجنة كذلك ، فالنار ~~الحسية لتعذيب الأشباح ، والنار المعنوية لتعذيب الأرواح ، والجنة الحسية ~~لنعيم الأشباح ، والمعنوية لنعيم الأرواح. النار الحسية معلومة. والنار ~~المعنوية هي نار القطيعة وغم الحجاب ، وأهلها هم أهل الغفلة ، وهم كثير من ~~الجن والإنس ، ليس لهم قلوب تجول في معاني التوحيد ، وليس لم أعين تنظر ~~بعين الاعتبار ، وليس لهم آذان تسمع المواعظ والتذكار ، إن هم إلا كالأنعام ~~، غير أن الله تعالى تفضل عليهم برسم الإسلام. والجنة الحسية هي جنة ~~الزخارف ، والجنة المعنوية هي جنة المعارف ، وأعدها الله لقلوب تجول في ~~الأنوار والأسرار ، ولأعين تنظر بعين الأعتبار والاستبصار ، حتى تشاهد ~~أنوار الواحد القهار ، ولآذان تسمع المواعظ والتذكار ، وتعي ما تسمع من ~~الحكم والأسرار ، وبالله التوفيق. # 418 # جزء : 2 رقم الصفحة : 418 # يقول الحق جل جلاله : {ولله الأسماء الحسنى} تسعة وتسعين ، {فادعوه بها} ~~أي : سموه بها. قال ابن جزي : أي : سموه بأسمائه ، وهذا إباحة لإطلاق ~~الأسماء على الله سبحانه ، فأما ما ورد منها في القرآن والحديث فيجوز ~~إطلاقه على الله إجماعا ، وأما ما لم يرد ، وفيه مدح ولا تتعلق به شبهة ، ~~فأجاز أبو بكر بن الطيب إطلاقه على الله ، ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري ~~وغيره ، ورأوا أن أسماء الله تعالى موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث. ~~وقد ورد في حديث الترمذي عدتها ، أعني : تعيين التسعة والتسعين. # واختلفت أهل الحديث : هل هي مرفوعة أو موقوفة على أبي هريرة ؟ والذي في ~~الصحيح : " إن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل ~~الجنة " وهل الإحصاء بالحفظ أو بالعلم أو بالتخلق أو بالتعلق أو بالتحقق ؟ ~~أقوال. قلت : كونها موقوفة بعيد جدا ؛ إذ ليس هذا مما يقال بالرأي. PageV02P578 # وسبب نزول الآية : إن ms0855 أبا جهل سمع بعض الصحابة يقرأ ، فيذكر الله مرة ، ~~والرحمن أخرى ، فقال : يزعم محمد أن الإله واحد ، وها هو يعبد آلهة كثيرة ، ~~فنزلت الآية مبينة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمى واحد ، {الحسنى} : مصدر ~~وصف به ، أو تأنيث أحسن ، وحسن أسماء الله هي أنها صفة مدح وتعظيم وتحميد ، ~~وقيل : الدعاء بها : التوسل بكل واحد منها. # قال تعالى : {وذروا} أي : اتركوا {الذين يلحدون} أي : يميلون {في أسمائه} ~~عن الكمال ؛ إما بتعطيلها ، أو إنكار شيء منها ، وإما بزيادة فيها ، مما ~~يوهم نقصا أو فسادا. # قال القشيري : الإلحاد : هو الميل عن القصد ، وذلك على وجهين : بالزيادة ~~والنقصان ؛ فأهل التمثيل زادوا فألحدوا ، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا. ه. ~~قال البيضاوي : أي : اتركوا تسمية الزائغين فيها ، الذين يسمونه بما لا ~~توقيف فيه ، إذ ربما يوهم معنى فاسدا ، كقولهم : يا أبا المكارم ، يا أبيض ~~الوجه ، أو لا تبالوا بإنكارهم ما سمى به نفسه ، كقولهم ؛ ما نعرف إلا ~~رحمان اليمامة ، أو : وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام ، ~~واشتقاقها منه ؛ كاللات من الله ، والعزى من العزيز ، فلا توافقوهم عليه ، ~~أو أعرضوا عنهم ولا تحاوروهم. ه. # 419 # قال ابن جزي : قيل : معنى {ذروا} : اتركوهم فلا تجادلوهم ولا تتعرضوا لهم ~~، فالآية ، على هذا ، منسوخة بالقتال ، وقيل : معنى {ذروا} للوعيد والتهديد ~~، كقوله : {وذرني والمكذبين} [المزمل : 11] ، وهو الأظهر. ه. قلت : وهو ~~أليق بقوله بعده : {سيجزون ما كانوا يعملون} من الإلحاد وغيره. # جزء : 2 رقم الصفحة : 419 PageV02P579 ~~الإشارة : قال القشيري بعد كلام : ويقال إن الله سبحانه وقف الخلق بأسمائه ~~، فهم يذكرونها قالة ، وتعزز بذاته ، والعقول وإن صفت لا تهجم على حقائق ~~الإشراف ؛ إذ الإدراك لا يجوز على الحق ، فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة ~~بنقاب الحيرة عن التعرض للإدراك ، وطلبه في أحوال الرؤية. والحق سبحانه ~~عزيز باستحقاق نعوت التعالي متفرد. ه. # قلت : وأسماء الله الحسنى كلها تتجلى في مظاهر الإنسان ، وتتوارد عليه ~~انفرادا واجتماعا ، وقد تجتمع في واحد إذا كان عارفا ، كلها بحيث يتخلق بها ~~، غير أن تجلياتها تختلف عليه ، تارة ملكا قدوسا ، وتارة رحمانيا ms0856 رحيما ، ~~وهكذا. وقد تقدم بيان كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها ، في شرحنا : ~~الفاتحة الكبير ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 419 # يقول الحق جل جلاله : {وممن خلقنا} أي : ومن جملة ما خلقنا : {أمة} : ~~طائفة {يهدون} الناس {بالحق} ويحملونهم عليه ، {وبه يعدلون} في حكوماتهم ~~وقضاياهم. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " هذه الآية لكم ، ~~وقد تقدم مثلها لقوم موسى ". قال البيضاوي : ذكر ذلك بعدما ما بين أنه خلق ~~للنار طائفة ضالين ، ملحدين عن الحق ، للدلالة على أنه خلق أيضا للجنة أمة ~~، هادين بالحق ، عادلين في الأمر ، واستدل به على صحة الإجماع ، لأن المراد ~~منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تزال ~~من أمتي طائفة على الحق ، إلى أن يأتي أمر الله " إذ لو اختص بعهد الرسول ~~أو غيره لم يكن لذكره فائدة ، فإنه معلوم. ه. # الإشارة : هذه الأمة التي خلقها الله لهداية خلقه ، وهي اطائفة التي لا ~~تزال على الحق ، وهي مؤلفة من العلماء الأتقياء على اختلاف أصنافهم وعلومهم ~~، ومن الأولياء العارفين ، بالعلماء يهدون إلى التمسك بالشرائع وإتقانها ، ~~والأولياء العارفون يهدون إلى # 420 PageV02P580 ~~التحقق بالحقائق وأذواقها ، فالعلماء داعون إلى أحكام الله ، والعارفون ~~داعون إلى معرفة ذات الله ، العلماء لإصلاح الظواهر ، والأولياء لإصلاح ~~البواطن ، ولا يقوم هذا إلا بهذا ، فالظاهر من غير باطن فسق ، والباطن من ~~غير ظاهر إلحاد ، وسيأتي عند قوله : {فلولا نفر من كل فرقة...} [التوبة : ~~122] الآية ، تمثيل منزلتهم عند الله ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 420 # قلت : أصل الاستدراج : الاستصعاد ، أو الاستنزال درجة بعد درجة ، ومعناه ~~: نسوقهم إلى الهلاك شيئا فشيئا. # يقول الحق جل جلاله : {والذين كذبوا بآياتنا} ، وألحدوا في أسمائنا ، ~~{سنستدرجهم} أي : ندرجهم إلى الهلاك شيئا فشيئا ، {من حيث لا يعلمون} ما ~~نريد بهم ، وذلك أن تتواتر النعم عليهم ، فيظنوا أنها لطف من الله بهم ، ~~فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغي ، حتى تحق عليه كلمة العذاب. {وأملي لهم} ~~أي : وأمهلهم ، أي : وأمدهم بالأموال والبنين والعدة والعدد ms0857 ، حتى نأخذهم ~~بغتة ، {إن كيدي متين} أي : أخذي شديد ، وإنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان ~~وباطنه خذلان. # الإشارة : قال الشيخ زروق رضي الله عنه : الاستدراج : هو كمون المحنة في ~~عين المنة ، وهو من درج الصبي ؛ إذا أخذ في المشي شيئا بعد شيء ، ومنه : ~~الدرج الذي يرتقي عليه إلى العلو ، كذلك المستدرج هو الذي تؤخذ منه النعمة ~~شيئا بعد شيء وهو لا يشعر. قال تعالى : {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}. ه. ~~فالاستدراج ليس خاصا بالكفار ، بل يكون في المؤمنين ؛ خواصهم وعوامهم. # قال في الحكم : " خف من وجود إحسانه إليك ، ودوام إساءتك معه ، أن يكون ~~ذلك استدراجا لك ؛ {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} ". وقال سهل بن عبدالله ~~رضي الله عنه : نمدهم بالنعم ، وننسيهم الشكر عليها ، فإذا ركنوا إلى ~~النعمة وحجبوا عن المنعم : أخذوا. PageV02P581 # وقال ابن عطاء رضي الله عنه : كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة ، ~~وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه : ~~الخوف من الاستدراج بالنعم من صفة المؤمنين ، وعدم الخوف منه مع الدوام على ~~الإساءة من صفة الكافرين. يقال : من أمارات الاستدراج : ركوب السيئة ~~والاغترار بزمن المهلة ، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة ، وهذا من ~~المكر الخفي. قال تعالى : {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} أي : لا يشعرون ~~بذلك ، وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء ، وليسوا # 421 # كذلك ، يستدرجهم في ذلك شيئا فشيئا ، حتى يأخذهم بغتة ، كما قال تعالى : ~~{فلما نسوا ما ذكروا به} ؛ إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم ، بعدما رأوا من ~~الشدة ، {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أي : فتحنا عليهم أسباب العوافي وأبواب ~~الرفاهية ، {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} من الحظوظ الدنيوية ، ولم يشكروا ~~عليها برجوعهم منها إلينا ، {أخذناهم بغتة} أي : فجأة ، {فإذا هم مبلسون} ~~[الأنعام : 44] ؛ آيسون قانطون من الرحمة. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 421 # قلت : {وما خلق} : عطف على {ملكوت} ، و{أن عسى} : مخففة ، و{أن يكون} : ~~مصدرية ، أو عطف على {ملكوت} أيضا. # يقول الحق جل جلاله : {أو لم يتفكروا} في أمر محمد صلى الله ms0858 عليه وسلم ؛ ~~حتى يتحققوا أنه {ما بصاحبهم من جنة} ؛ يعني : نبينا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أمر بالإنذار صعد الصفا ، فدعاهم ، ~~فخذا فخذا ، يحذرهم بأس الله تعالى ، فقال قائلهم : إن صاحبكم لمجنون ، بات ~~يصوت إلى الصباح ، فنزلت. PageV02P582 # {إن هو إلا نذير مبين} أي : بين الإنذار واضح أمره ، لا يخفى على ناظر. {أو ~~لم ينظروا} نظر استدلال {في ملكوت السماوات والأرض} أي : في عظمتهما وما ~~اشتملتا عليه من العجائب ، {وما خلق الله من شيء} أي : وينظروا فيما خلق ~~الله من شيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها ، لتدلهم على كمال قدرة صانعها ~~ووحدة مبدعها ، وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها ، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. # {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} أي : أو لم ينظروا أيضا في اقتراب ~~أجلهم وتوقع حلول الموت بهم ، فيسارعوا إلى طلب الحق ، والتوجه إلى ما ~~ينجيهم من عذابه ، قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب. {فبأي حديث بعده} أي : ~~بعد القرآن ، {يؤمنون} إن لم يؤمنوا به ، وهو النهاية في البيان ؟ كأنه ~~إخبار عنهم بالطبع على القلوب والتصميم على الكفر ، بعد إلزام الحجة ~~والإرشاد إلى النظر ، وقيل : هو متعلق بقوله : {وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم} ؛ كأنه قيل : لعل أجلهم قد اقترب ، فما لهم لا يبادرون بالإيمان # 422 # بالقرآن ، وماذا ينتظرون بعد وضوحه ؟ وإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه ~~يريدون أن يؤمنوا به ؟ !.. قاله البيضاوي. # ثم بين أن أمرهم بيده ، فقال : {من يضلل الله فلا هادي له} أصلا ، ولا ~~يقدر أحد عليه ، {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} : يتحيرون. ومن قرأ بالياء ~~فمناسب لقوله : {من يضلل} ، ومن جزمه فعطف على محل : {فلا هادي له} ؛ لأنه ~~جواب الشرط. # جزء : 2 رقم الصفحة : 422 PageV02P583 ~~الإشارة : قد أرشد الحق تعالى عباده إلى التفكر والاعتبار ، وقد تقدم ~~الكلام عليه في " آل عمران " ، وقد علم هنا أهل الاستدلال كيفيته ؛ وهو أن ~~ينظر الإنسان في آمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما ظهر على يديه من ms0859 ~~المعجزات وخوارق العادات ، وأعظمها القرآن العظيم ، ثم ما أتى به من العلوم ~~اللدنية والأسرار الربانية ، وما نطق به من الحكم العجيبة ، وما أخبر به من ~~قصص الأمم الدارسة والشرائع المتقدمة ، مع كونه أميا لم يقرأ ولم يكتب ، ~~ولم يجالس أحدا ممن له خبرة بذلك ، فتطلع عليه شمس المعرفة به حتى لا ~~يخالطه وهم ، ولا يخطر بساحته خاطر سوء ، ثم يتفكر في عجائب ملكوت السماوات ~~والأرض ، وما اشتملتا عليه من ضروب المصنوعات ، وعجائب المخلوقات ، فيتحقق ~~بوجود الصانع القادر على كل شيء ، هذا إن لم يجد شيخا يخرجه من سجن الدليل ~~، وإن وجده استغنى عن هذا بإشراق شمس العرفان ، والخروج إلى فضاء الشهود ~~والعيان. # جزء : 2 رقم الصفحة : 422 # قلت : إنما سميت القيامة ساعة : لسرعة حسابها ، أو وقوعها ، لقوله : {ومآ ~~أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} [النحل : 77]. # يقول الحق جل جلاله : {يسألونك} أي : قريش ، {عن الساعة} أي : قيام الناس ~~من قبورهم للحساب ، {أيان مرساها} أي : متى إرساؤها ، أي : ثبوتها ووقوعها ~~؟ {قل إنما علمها عند ربي} ؛ استأثر بعلمها ، لم يطلع عليها ملكا مقربا ، ~~ولا نبيا مرسلا {لا يجليها لوقتها} أي : لا يظهرها عند وقت وقوعها ، {إلا ~~هو} ، والمعنى إن إخفاءها يستمر إلى وقت وقوعها ، {ثقلت في السماوات ~~والأرض} ؛ عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها ، وكأنه إشارة إلى ~~الحكمة في إخفائها. أو ثقلت على السماوات والأرض أنفسهما ؛ لتبدلهما وتغير ~~حالهما ، {لا تأتيكم إلا بغتة} : فجأة على غفلة ، كما # 423 PageV02P584 ~~قال صلى الله عليه وسلم " إن الساعة تهيج بالناس ، والرجل يصلح حوضه ، ~~والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يقوم سلعته في سوقه ، والرجل يخفض ميزانه ~~ويرفعه " والمراد : النفخ في الصور للصعق ، لأن الساعة مرتبة عليه وقريبة منه. # {يسألونك كأنك حفي عنها} أي : عالم بها ، من حفى على الشيء : إذا سأل عنه ~~، فإن من بالغ في السؤال عن الشيء ، والبحث عنه ، استحكم علمه فيه ، أي : ~~يسألونك عن وقت قيامها ، كأنك بليغ في السؤال عنها فعلمتها ، وليس كما ~~يزعمون ، وأما قوله : {فيم أنت من ذكراهآ} [النازعات ms0860 : 43] : فقيل : معناه ~~: التعجب عن كثرة اهتمامه بالسؤال ، أي : في أي شغل أنت من ذكراها والسؤال ~~عنها ؟ ولا يعارض ما هنا ؛ لأنه استغنى عن ذلك بتلك الآية ، وبعدها نزلت ~~هذه ، والله أعلم. # وقيل : " عنها " : يتعلق ب {يسألونك} ، أي : يسألونك عنها كأنك حفي بهم ، ~~أي : شفيق بهم ، قيل : إن قريشا قالوا : إن بيننا وبينك قرابة ، فقل لنا : ~~متى الساعة ؟ فقال له الحق تعالى : {قبل إنما علمها عند الله} ؛ لا يعلمها ~~غيره ، وكرره ؛ لتكرر " يسألونك ". {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن علمها ~~عند الله لم يؤته أحدا من خلقه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 423 PageV02P585 ~~الإشارة : إذا أشرق نور اليقين في القلب صارت الأمور المستقبلة حاصلة ، ~~والغائبة حاضرة ، والآجلة عاجلة ، فأهل اليقين الكبير قدموا ما كان آتيا ، ~~فحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا ، ووزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليهم ، ~~وجازوا الصراط بلسوكهم المنهاج المستقيم ، ودخلوا جنة المعارف قبل حصول جنة ~~الزخارف ، فالموت في حقهم إنما هو انتقال من حال إلى حال ، ومن مقام إلى ~~مقام ، ومن دار الغرور إلى دار الهناء والسرور. وفي الحكم : " لو أشرق لك ~~نور اليقين في قلبك ، لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها ، ولرأيت ~~محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها ". قال الشيخ ابن عباد رضي الله ~~عنه : نور اليقين تتراءىء به حقائق الأمور على ما هي عليه ، فيحق به الحق ، ~~ويبط به الباطل ، والآخرة حق ، والدنيا باطل ، فإذا أشرق نور اليقين في قلب ~~العبد أبصر به الآخرة التي كانت غائبة عنه حاضرة لديه ، حتى كأنها لم تزل ، ~~فكانت أقرب إليه من أن يرتحل إليها ، فحق بذلك حقها عنده ، وأبصر الدنيا ~~الحاضرة لديه ، قد انكسف نورها وأسرع إليها الفناء والذهاب ، فغابت عن نظره ~~بعد أن كانت حاضرة ، فظهر له بطلانها ، حتى كأنها لم تكن ، فيوجب له هذا ~~النظر اليقيني الزهادة في الدنيا والتجافي في زهرتها ، والإقبال على الآخرة ~~، والتهيؤ لنزول حضرتها ، ووجدان العبد لهذا هو علامة انشراح صدره بذلك ~~النور. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن النور ms0861 إذا دخل القلب انشرح ~~له الصدر وانفسح " ، وقيل يا رسول الله : هل لذلك من علامة # 424 # يعرف بها ؟ قال : " نعم. التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار ~~الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله " أو كما قال صلى الله عليه وسلم . PageV02P586 # وعند ذلك تموت شهواته وتذهب دواعي نفسه ، فلا تأمره بسوء ، ولا تطالبه ~~بارتكاب منهي ، ولا تكون لهم همة إلا المسارعة إلى الخيرات ، والمبادرة ~~لاغتنام الساعات والأوقات ، وذلك لاستشعاره حلول الأجل ، وفوات صالح العمل ~~، وإلى هذا الإشارة بحديثي حارثة ومعاذ رضي الله عنهما . روى أنس بن مالك ~~رضي الله عنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إذ استقبله ~~شاب من الأنصار ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " كيف أصبحت يا حارثة ~~؟ " قال : أصبحت مؤمنا بالله حقا ، قال : " انظر ما تقول ، فإن لكل قول ~~حقيقة ؟ " فقال : يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت ~~نهاري ، وكأني بعرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، ~~وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها ، فقال : " أبصرت فالزم ، عبد نور ~~الله الإيمان في قلبه.. " إلى آخر الحديث. # جزء : 2 رقم الصفحة : 423 # وروى أنس رضي الله عنه أيضا : أن معاذ بن جبل دخل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يبكي ، فقال له : " كيف أصبحت يا معاذ ؟ " فقال : أصبحت ~~بالله مؤمنا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن لكل قول مصداقا ، ولكل ~~حق حقيقة ، فما مصداق ما تقول ؟ " فقال : يا نبي الله ، ما أصبحت صباحا قط ~~إلا ظننت أني لا أمسي ، ولا أمسيت قط إلا ظننت إني لا أصبح ، ولا خطوت خطوة ~~قط إلا ظننت أني لا أتبعها أخرى ، وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى ~~كتابها ، معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله ، وكأني أنظر إلى ~~عقوبة أهل النار وثواب أهل الجنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ~~عرفت فالزم " انظر بقية كلامه رضي الله عنه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 423 PageV02P587 ~~قلت : {وما مسني ms0862 السوء} : عطف على " استكثرت " ، أي : لو علمت الغيب ~~لاستكثرت الخير واحترست من السوء ، أو استئناف ، فيوقف على ما قبله ، ويراد ~~حينئذ بالسوء : الجنون ، والأول أحسن ؛ لاتصاله بما قبله ، و{لقوم} : يجوز ~~أن يتعلق ببشير ونذير ، أي : أبشر المؤمنين وأنذرهم ، وخصهم بالبشارة ~~والنذارة لانتفاعهم بهما ، ويجوز # 425 # أن يتعلق بالبشارة وحدها ، فيوقف على {نذير} ، ويكون المتعلق بنذير محذوف ~~، أي : نذير للكافرين ، والأول أحسن. قاله ابن جزي. # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم يا محمد : أنا {لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا} أي : لا أجلب لها نفعا ولا أدفع عنها ضررا ، {إلا ما شاء الله} من ذلك ~~، فيعلمني به ، ويوقفني عليه ، وهو إظهار للعبودية والتبري من ادعاء العلم ~~بالغيوب ، {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} أي : لو ~~كنت أعلم ما يستقبلني من الأمور المغيبة ؛ كشدائد الزمان وأهواله ، ~~لاستعددت له قبل نزوله باستكثار الخير والاحتراس من الشر ، حتى لا يمسني ~~سوء ، {إن أنا إلا نذير وبشير} أي : ما أنا إلا عبد مرسل بالإنذار والبشارة ~~{لقوم يؤمنون} ؛ فإنهم المنتفعون بهما ، أو نذير لمن خالفني بالعذاب الأليم ~~، وبشير لمن تبعني بالنعيم المقيم. # الإشارة : العبودية محل الجهل وسائر النقائص ، والربوبية محل العلم وسائر ~~الكمالات ، فمن آداب العبد أن يعرف قدره ، ولا يتعدى طوره ، فإن ورد عليه ~~شيء من الكمالات فهو وارد من الله عليه ، وإن ورد عليه شيء من النقائص فهو ~~أصله ومحله ، فلا يستوحش منه ، وكان شيخنا يقول : إن علمنا فمن ربنا ، وإن ~~جهلنا فمن أصلنا وفصلنا. أو كلام هذا معناه ، فالاستشراف إلى الاطلاع على ~~علم الغيوب من أكبر الفضول ، وموجب للمقت من علام الغيوب. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 425 PageV02P588 ~~يقول الحق جل جلاله : {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} ؛ آدم عليه السلام ، ~~{وجعل منها زوجها} أي : خلق من ضلعها زوجها حواء ، سلها منه وهو نائم ، ~~{ليسكن إليها} ؛ ليستأنس بها ، ويطمئن بها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه. # {فلما تغشاها} أي : جامعها حين ركبت فيه الشهوة ، {حملت حملا خفيفا} ms0863 أي : ~~خف عليها ، ولم تلق منه ما تلقى بعض الحبالى من حملهن من الأذى والكرب ، أو ~~حملا خفيفا ، يعني النطفة قبل تصورها ، {فمرت به} أي : ذهبت وجاءت به ، ~~مخففة ، واستمرت إلى حين ميلاده ، {فلما أثقلت} أي : ثقل حملها وصارت به ~~ثقيلة لكبره في بطنها ، {دعوا الله ربهما} آدم وحواء ، قائلين : {لئن ~~آتيتنا} ولدا {صالحا} أي : سويا سالما في بدنه ، تام الخلقة ، {لنكونن} لك ~~{من الشاكرين} على هذه النعمة المجددة. # 426 # {فلما آتاهما} ولدا {صالحا} كما سألا ، جعل أولادهما {له شركاء فيما ~~آتاهما} ، فسموا عبد العزى وعبد مناف وعبد الدار. فالآية إخبار بالغيب في ~~أحوال بني آدم ممن كفر منهم وأشرك ، ولا يصح في آدم وحواء هذا الشرك ؛ ~~لعصمة الأنبياء ، وهذا هو الصحيح. وقد يعاتب الملك الأب على ما فعل أولاده ~~، كما إذا خرجوا عن طاعته فيقول له : أولادك فعلوا وفعلوا ، على عادة ~~الملوك. # وقيل : لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة الرجل ، فقال لها : وما يدريك ~~ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب ، وما يدريك من أين يخرج ؟ فخافت من ذلك ، ثم ~~قال لها : إن أطعتيني ، وسميته عبد الحارث ، فسأخلصه لك ، وكان اسم إبليس ~~في الملائكة : الحارث ، وإن عطيتني قتلته ، فأخبرت بذلك آدم ، فقال لها : ~~إنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة ، فلما ولدت مات الولد ، ثم حملت مرة أخرى ~~، فقال لها إبليس مثل ذلك ، فعصته ، فلما ولدت مات الولد ، ثم حملت مرة ~~ثالثة ، فسمياه عبد الحارث ؛ طمعا في حياته فقوله : {جعلا له شركاء فيما ~~آتاهما} أي : في التسمية لا غير ، لا في عبادة غير الله. PageV02P589 # جزء : 2 رقم الصفحة : 426 # والقول الأول أصح ، لثلاثة أوجه : أحدها : أنه يقتضي براءة آدم وحواء من ~~الشرك ، قليله وكثيره ، وذلك هو حال الأنبياء عليه السلام . والثاني : أن ~~جمع الضمير في قوله : {فتعالى الله عما يشركون} ، يقتضي أن الشرك وقع من ~~أولادهما ، لا منهما. الثالث : أن هذه القصة تفتقر إلى نقل صحيح ، وهو غير ~~موجود. انظر : ابن جزي. # الإشارة : قال الورتجبي : في قوله {ليسكن إليها} ms0864 : لم يجد آدم عليه ~~السلام في الجنة إلا سنا تجلى الحق ، فكاد أن يضمحل بنور التجلي ، لتراكمه ~~عليه ، فعلم الله سبحانه أنه لا يتحمل أثقال التجلي ، وعرف أنه يذوب في ~~نور حسنه ، وكل ما في الجنة مستغرق في ذلك النور ، فيزيد عليه ضوء الجبروت ~~والملكوت ، فخلق منه حواء ليسكن آدم إليها ، ويستوحش بها سويعات من سطوات ~~التجلي ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : " كلميني ~~يا حميراء " ثم قال : وقال بعضهم : خلقها ليسكن آدم إليها ، فلما سكن إليها ~~غفل عن مخاطبة الحقيقة ، بسكونه إليها ، فوقع فيما وقع من تناول الشجرة. ه. ~~فكل من سكن إلى غير الله تعالى كان سكونه بلاء في حقه ، يخرجه من جنة ~~معارفه. والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 426 # 427 # يقول الحق جل جلاله : {أيشركون} مع الله أصناما جامدة ، لا يخلقون شيئا ~~{وهم يخلقون} ، فهي مخلوقة غير خالقة. والله تعالى خالق غير مخلوق ، {ولا ~~يستطيعون لهم نصرا} أي : لا يقدرون أن ينصروا من عبدهم ، {ولا أنفسهم ~~ينصرون} فيدفعون عنها ما يعتريها ، فهي في غاية العجز والذلة ، فكيف تكون ~~آلهة ؟ . PageV02P590 # {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم} أي : وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا ~~تجيبكم ، فلا تهتدي إلى ما دعيت إليه ؛ لأنها جمادات ، أو : وإن تدعوهم إلى ~~أن يهدوكم إلى الحق لا تجيبكم ، {سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} عن ~~دعائهم ، فالدعاء في حقهم وعدمه سواء ، وإنما لم يقل : أم صمتم ؛ ليفيد ~~الاستمرار على عدم إجابتهم : لأن الجملة الاسمية تقتضي الاستمرار. # ثم قال تعالى : {إن الذين تدعون من دون الله} أي : تعبدونهم وتسمونهم ~~آلهة من دون الله ، هم {عباد أمثالكم} من حيث أنها مسخرة مملوكة ، فكيف ~~يعبد العبد مع ربه ، {فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} في أنها ~~تستحق أن تعبد ، والأمر للتعجيز ؛ لأن الأصنام لا تقدر أن تجيب فلا تستحق ~~أن تعبد. # ثم عاد عليهم بالنقض فقال : {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبشطون بها ~~أم لهم أعين يبصرون بها أم ms0865 لهم آذان يسمعون بها} ، ومعناه : أن الأصنام ~~جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة ، ومن كان كذلك لا يكون إلها ، فإن من ~~وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة. وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام ~~؛ لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي ، ولا تبطش ، ولا تبصر ، ولا تسمع ~~، فلزمتهم الحجة ، والهمزة في قوله : {ألهم} : للاستفهام مع التوبيخ ، ~~و{أم} ، في المواضع الثلاثة : تضمنت معنى الهمزة ومعنى بل ، وليس عاطفة. ~~قاله ابن جزي : {قل ادعوا شركاءكم} ؛ استعينوا بهم في عداوتي ، {ثم كيدون ~~فلا تنظرون} أي : لا تؤخرون ، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي وكيدي ، ~~ومفهوم الآية : الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 427 PageV02P591 ~~الإشارة : كل ما سوى الله قد عمه العجز والتقصير ، فليس بيده نفع ولا ضر ، ~~وفي الحديث : " لو اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا ~~بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء ~~قدره الله عليك " أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، فالخلق كلهم في قبضة ~~القهر ، مصروفون بقدرة الواحد القهار ، ليس لهم أرجل يمشون بها ، ولا أيد ~~يبطشون بها ، ولا أعين يبصرون بها ، ولا آذان يسمعون بها ، # 428 # وإنما هم مجبورون في قوالب المختارين ، فلا تركن إليهم أيها العبد في شيء ~~، إذ ليس بيدهم شيء ، ولا تخف منهم في شيء ، إذ لا يقدرون على شيء. قال ابن ~~جزي : وفيها أي : في الآية إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده ~~، وأن غيره لا يقدر على شيء. # جزء : 2 رقم الصفحة : 427 # يقول الحق جل جلاله : قل لهم أيضا يا محمد : {إن وليي الله} أي : هو ~~ناصري وحافظني منكم ، فلا تضرونني ولو حرصتم أنتم وآلهتكم ، {الذي نزل ~~الكتاب} أي : القرآن ، {وهو يتولى الصالحين} أي : ومن عادته تعالى أن يتولى ~~الصالحين من عباده فضلا عن أنبيائه ، فلا أخافكم بعد أن تولى حفظي منكم. # الإشارة : قال القشيري : من قام بحق الله تولى أموره على وجه الكفاية ، ~~فلا يحوجه ms0866 إلى أمثاله ، ولا يدع شيئا من أحواله إلا أجراه على ما يريد بحسن ~~إفضاله ، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبد راضيا بما يفعله ، فروح الرضا على ~~الأسرار أتم من راحة العطاء على القلوب. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 428 PageV02P592 ~~يقول الحق جل جلاله : في إتمام الرد على المشركين : {والذين تدعون من دونه} ~~أي : تعبدونها من دونه ، {لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون} ، فلا تبال ~~بهم أيها الرسول ، {إن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا} ، يحتمل أن يريد ~~الأصنام ، فيكون تحقيرا لها ، وردا على عبدها ؛ فإنها جماد موات لا تسمع ~~شيئا ، أو يريد الكفار ، ووصفهم بأنهم لا يسمعون ، يعني : سمعا ينتفعون به ~~، لإفراط نفورهم ، أو لأن الله طبع على قلوبهم ، {وتراهم} أي : الأصنام ، ~~{ينظرون إليك وهم لا يبصرون} ؛ لأنهم مصورورن بصورة من ينظر ، فقوله : ~~{وتراهم ينظرون إليك} : مجاز ، {وهم لا يبصرون} حقيقة ، لأن لهم صورة ~~الأعين ، وهم لا يرون بها شيئا ، هذا إن جعلنا وصفا للأصنام ، وإن كان وصفا ~~للكفار فقوله : {وتراهم ينظرون إليك} حقيقة ، {وهم لا يبصرون} مجاز ، لأن ~~الأبصار وقع منهم في الحس ، لكن لما لم ينفعهم ؛ لعمى قلوبهم ، نفاه عنهم ~~كأنه لم يكن. # قال المحشي : شاهدوا بأبصار رؤوسهم ، لكنهم حجبوا عن الرؤية ببصائر ~~أسرارهم وقلوبهم ، فلم يعتد برؤيتهم. ه. # 429 # الإشارة : في الآية تحويش للعبد إلى الأعتماد على الله واستنصاره به جميع ~~أموره ، فلا يركن إلى شيء سواه ، ولا يخاف إلا من مولاه ، إذ لا شيء مع الله. PageV02P593 # وقوله تعالى : {وتراهم ينظرون إليك...} الآية. قال المحشي : يقال : رؤية ~~الأكابر ليست بشهود أشخاصهم ، لكن لما يحصل للقلوب من مكاشفة الغيوب ، وذلك ~~على مقدار الاحترام وحضور الإيمان. ه. يعني : أن النظر إلى الأكابر ، من ~~العارفين بالله ، ليست مقصودة لرؤية أشخاصهم ، وإنما هي مقصودة لفيضان ~~أمدادهم ، وذلك على قدر التعظيم والاحترام ، وصدق المحبة والاحتشام ، فكل ~~واحد من الناظرين إليهم يغرف على قدر محبته وتعظيمه. روي أن بعض الملوك زار ~~قبر أبي يزيد البسطامي ، فقال : هل هنا أحد ممن أدرك الشيخ أبا ms0867 يزيد ~~البسطامي ؟ فأتى بشيخ كبير ، فقال : أنت أدركته ، فقال : ما سمعته يقول ؟ ~~فقال : سمعته يقول : (من رآني لا تأكله النار). فقال الملك : هذا لم يكن ~~للنبي عليه الصلاة والسلام ؛ فقد رآه كثير من الكفار فدخلوا النار ، فكيف ~~يكون لغيره ؟ فقال له الشيخ : يا هذا ، الكفار لم يروه صلى الله عليه وسلم ~~على أنه رسول الله ، وإنما رأوه على أنه محمد بن عبد الله ، فسكت. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 429 # يقول الحق جل جلاله : لنبيه صلى الله عليه وسلم : {خذ العفو} أي : اليسر ~~من أخلاق الناس ولا تبحث عنها ، أو : خذ من الناس ، في أخلاقهم وأموالهم ~~ومعاشرتهم ، ما سهل وتيسر مما لا يشق عليهم ؛ لئلا ينفروا. فهو كقول الشاعر : # خذ العفو مني تستديمي مودتي... PageV02P594 # أو : خذ في الصدقات ما سهل على الناس من أموالهم وهو الوسط ، ولا تأخذ ~~كرائم أموالهم مما يشق عليهم ، أو تمسك بالعفو عمن ظلمك ولا تعاقبه ، وهذا ~~أوفق لتفسير جبريل الآتي ، {وأمر بالعرف} أي : المعروف ، وهو أفعال الخير ، ~~أو العرف الجاري بين الناس. واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعرف الذي ~~يجري بين الناس. {وأعرض عن الجاهلين} أي : لا تكافىء السفهاء على قولهم أو ~~فعلهم ، واحلم عليهم. ولما نزلت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل ~~عنها ، فقال : " لا أدري حتى أسأل ، # 430 # فعرج ، ثم رجع فقال : يا محمد ، إن الله يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من ~~حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ". وعن جعفر الصادق : ( أمر الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم فيها بمكارم الأخلاق وهي على هذا ثابتة الحكم ، وهو الصحيح. وقيل : ~~كانت مداراة للكفار ، ثم نسخت بالقتال. PageV02P595 # {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} ؛ ينخسنك منه نخس ، أي : وسوسة تحملك على ~~خلاف ما أمرت به ؛ كاعتراء غضب ، ومقابلة سفيه ، {فاستعذ بالله} والتجىء ~~إليه ؛ {إنه سميع عليم} يسمع استعاذتك ، ويعلم ما فيه صلاح أمرك ، ~~فالاستعاذة عند تحريك النفس مشروعة ، وفي الحديث : أن رجلا اشتد غضبه ، ~~فقال صلى الله عليه وسلم : " إني لأعلم كلمة لو قالها ms0868 لذهب عنه ما به ؛ ~~أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". الإشارة : كل ما أمر به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم تؤمر به أمته ، وخصوصا ورثته من الصوفية ، فهم مطالبون بالتخلق ~~بأخلاقه صلى الله عليه وسلم أكثر من غيرهم ، لأن غيرهم لم يبلغ درجتهم. ~~وقال الورتجبي : {خذ العفو} : أي : فاعف عنهم من قلة عرفانهم حقك ، {وأمر ~~العرف} أي : تلطف عليهم في أمرك ونهيك لهم ، فإنهم ضعفاء عن حمل وارد أحكام ~~شرائعك وحقائقك ، {وأعرض عن الجاهلين} الذي ليس لهم استعداد النظر إليك ، ~~ولا يعرفون حقوقك ، فإن منكر معجزات أنبيائي وكرامات أوليائي لا يبلغ إلى ~~درجة القوم. قال بعض المشايخ حين ذكر أهل الظاهر : دع هؤلاء الثقلاء. ه. ~~فوصف علماء الظاهر بالثقلاء ؛ لثقل ظهورهم بعلم الرسوم ، فلم ينهضوا إلى ~~حقائق العلوم ودقائق الفهوم ، وفي تائية ابن الفارض : # جزء : 2 رقم الصفحة : 430 # وجز مثقلا لو خف طف موكلا # بمنقول أحكام ومعقول حكمه # قال شارحه : أمره بالمجاوزة عن المثقلين بأثقال العلوم الظاهرة ، من ~~الفقهاء ، والمتكلمين بأحكام المنقولات ، والفلاسفة الموكلين بالمعقولات ~~والحكمة ، ووصف مثقلا بأنه : لو خف طفا ، أي : لأنه لو كان خفيفا بوضع ~~الأثقال عنه كان طفيفا ، لا يرى لنفسه قدرا ، واللازم منتف فالملزوم مثله. ه. # جزء : 2 رقم الصفحة : 430 # 431 PageV02P596 ~~قلت : الطيف بسكون الياء : مصدر طاف به الخيال يطيف طيفا ، أو مخفف ؛ من ~~طيف ؛ كهين ولين وميت. ومن قرأ {طائف} : فاسم فاعل ، والمراد به : لمة ~~الشيطان ووسوسته. وحذف مفعول {تذكروا} ؛ للعموم على ما يأتي في المعنى. ~~وقوله : {فإذا هم مبصرون} : أتى بإذا الفجائية ؛ ليقتضي سرعة تيقظهم ، ~~وبالجملة الاسمية ولم يقل : تذكروا فأبصروا ؛ ليفيد أنهم كانوا على البصرى ~~، وإنما السنة طرقتهم ثم رجعوا عنها. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين اتقوا} الشرك والمعاصي ، {إذا مسهم طائف ~~من الشيطان} أي : لمة منه ، كما في الحديث : " إن للشيطان لمة وللملك ~~لمة... " الخ ، فإذا أخذتهم تلك السنة وغفلوا {تذكروا} عقاب الله وغضبه ، ~~أو ثواب الله وإنعامه ، أو مراقبته والحياء منه ، أو مننه وإحسانه ، أو ~~طرده وإبعاده ، أو ms0869 حجبه وإهماله ، أو عدواة الشيطان وإغواءه ، كل على قدر ~~مقامه ، فلما تذكروا ذلك {فإذا هم مبصرون} بسبب ذلك التذكر ، أي : فإذا هم ~~على بصيرة من ربهم التي كانوا عليها قبل المس ، أو : فإذا هم مبصرون مواقع ~~الخطأ ومكائد الشيطان فيحترزون منها ، ولا يعودون إليها بخلاف المنهمكين في ~~الغفلة ، كما قال تعالى : {وإخوانهم يمدونهم في الغي} أي : وإخوان الشياطين ~~، الذين لم يتقوا ، يمدونهم ، أي : ينصرونهم ، ويكونون مددا لهم في الضلال ~~والغي ؛ بالتزيين والحمل عليه ، {ثم لا يقصرون} ؛ لا يمسكون عن إغوائهم حتى ~~يوردوهم النار ، أو : لا يقصر الكفار عن غيهم وضلالهم حتى يهلكوا. # الإشارة : البصيرة حارسة للقلب ، الذي هو بيت الرب ، فإذا نامت طرقها ~~الشيطان ، فإن كان نومها خفيفا أحست به وطردته ، وهذه بصيرة المتقين ، ~~الذين ذكرهم الله تعالى بقوله : {إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} ، وإذا ~~كان نومها ثقيلا سرق الشيطان ما فيها ، ولم تفطن به ، وهذه بصيرة الغافلين ~~، الذين هم أخوان الشياطين. PageV02P597 # قال القشيري : إنما يمس المتقين طيف الشيطان في ساعات غفلتهم عن ذكر الله ، ~~ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسهم طائف الشيطان ، فإن الشيطان ~~لا يقرب قلبا في حال شهوده الله ؛ لأنه يخنس عند ذلك ، ولكل عازم فترة ، ~~ولكل عالم هفوة ، ولكل عابد شدة ، ولكل قاصد فترة ، ولكل سائر وقفة ، ولكل ~~عارف جحبة. قال عليه الصلاة والسلام : " الحدة تعتري خيار أمتي " فأخبر ~~بأن خيار الأمة ، وإن جلت رتبتهم ، لا يتخلصون عن حدة تعتريهم في بعض ~~أحوالهم ، فتخرجهم عن دوام الحلم. ه. وكأنه يشير إلى أن طائف الشيطان يمس ~~الواصلين والسائرين ، وهو كذلك بدليل أول الآية في # 432 # قوله : {وإما ينزغنك...} الآية ، ومسه للسائر أو الواصل زيادة به ، ~~وترقية له ، وتحويش له إلى ربه ، والله تعالى أعلم. # جزء : 2 رقم الصفحة : 431 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا لم تأتهم} أي : الكفار ، {بآية} ؛ بمعجزة مما ~~اقترحوا ، أو من القرآن حين يتأخر الوحي ، {قالوا لولا} ؛ هلا {اجتبيتها} ~~أي : تخيرتها وطلبتها من ربك ، أو هلا اخترعتها وتقولتها من نفسك كسائر ms0870 ما ~~تقرأ ؟ {قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي} فلا أطلب منه آية ، {فمن شآء ~~فليؤمن ومن شآء فليكفر} [الكهف : 29] ، أو : لا أخترع القرآن من عند نفسي ، ~~بل أتبع ما يوحى إلي من ربي. # {هذا} القرآن {بصائر} للقلوب {من ربكم} ، أي : من عند ربكم ، بها تبصر ~~الحق وتدرك الصواب ، {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} ؛ وإرشاد أو طمأنينة لقلوب ~~المؤمنين. # الإشارة : قد تقدم مرارا ما في طلب الآيات من ضعف اليقين ، وعدم الصدق ~~بطريق المقربين ، وإنما على الأولياء أن يقولوا : {هذا بصائر من ربكم وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون} بطريق المخصوصين. وبالله التوفيق. # جزء : 2 رقم الصفحة : 432 PageV02P598 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإذا قرىء القرآن} ، مطلقا ، {فاستمعوا له وأنصتوا} ~~؛ لكي تعتبروا وتتدبروا ، فإنما نزل لذلك ، وهل على الوجوب أو الاستحباب ~~وهو الراجح ؟ قولان : وقيل : الاستماع المأمور به لقراءة الإمام في الصلاة ~~، وقيل : في الخطبة ، والأول الراجح ، لوجهين : أحدهما : عموم اللفظ ، ولا ~~دليل على تخصيصه ، والثاني : أن الآية مكية ، والخطبة إنما شرعت بالمدينة ، ~~وقوله تعالى : {لعلكم ترحمون} أي : بسبب ما تكتسبه القلوب من الرقة والخشية ~~عند استماع القرآن ، قال بعضهم : الرحمة أقرب شيء إلى مستمع القرآن ؛ لهذه ~~الآية. قاله ابن جزي. # الإشارة : الاستماع لكلام الحبيب أشهى للقلوب من كل حبيب ، لا سيما لمن ~~سمعه بلا واسطة ، فكل واحد ينال من لذة الكلام على قدر حضوره مع المتكلم ، ~~وكل واحد ينال من لذة شهود المتكلم على قدر الحجاب عن المستمع ، والله ~~تعالى أعلم. # 433 # جزء : 2 رقم الصفحة : 433 # يقول الحق جل جلاله : لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن تبعه : {واذكر ربك ~~في نفسك} أي : في قلبك ؛ بحركة لسان القلب ، أو في نفسك ؛ سرا بحركة لسان ~~الحس ، {تضرعا وخيفة} أي : متضرعا وخائفا ، {ودون الجهر من القول} أي : ~~متكلما كلاما فوق السر ودون الجهر ، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص ، ولا ~~حجة فيه لمن منع الذكر جهرا ؛ لأن الآية مكية حين كان الكفر غالبا ، فكانوا ~~يسبون الذكر والمذكور ، ولما هاجر المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى ~~المدينة ms0871 ، جهر الصحابة بالتكبير والذكر. فالآية منسوخة. انظر : الحاوي في ~~الفتاوى للإمام السيوطي. فقد أجاب عن الآية بأجوبة. PageV02P599 # فقوله : {بالغدو والآصال} أي : في الصباح والعشي ، حين تتيقظ من نومك ~~الشبيه بالبعث ، وحين تريد النوم الشبيه بالموت ، وقيل : المراد صلاة العصر ~~والصبح ، وقيل : صلاة المسلمين ، قبل فرض الخمس ، وقيل : للاستغراق ، وإنما ~~خص الوقتين ؛ لأنهما محل الاشتغال ، فأولى غيرهما. {ولا تكن من الغافلين} ~~عن ذكر الله. # {إن الذين عند ربك} ؛ يعني ملائكة الملأ الأعلى ، {لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه} ؛ ينزهونه عما لا يليق به ، {وله يسجدون} أي : يخصونه بالعبادة ~~والتذلل ، لا يشركون به غيره ، وهو تعريض بالكفار ، وتحريض للمؤمنين على ~~التشبه بالملأ الأعلى ، ولذلك شرع السجود عند قراءتها. وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : " إذا قرأ ابن آدم السجدة ، فسجد ، اعتزل الشيطان يبكي ، ~~يقول : يا ويله ، أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود فعصيت ~~فلي النار ". الإشارة : اعلم أن الذكر على خمسة أقسام : ذكر اللسان فقط ؛ ~~لعوام المسلمين ، وذكر اللسان مع القلب ، لخواص الصالحين وأول المتوجهين ، ~~وذكر القلب فقط ؛ للأقوياء من السائرين ، وذكر الروح ؛ لخواص أهل الفناء من ~~الموحدين ، وذكر السر ؛ لأهل الشهود والعيان من المتمكنين ، وفي قطع هذه ~~المقامات يقع السير للسائرين ، فيترقى من مقام ، إلى مقام ، حتى يبلغ إلى ~~ذكر السر ، فيكون ذكر اللسان في حقه غفلة. # جزء : 2 رقم الصفحة : 434 # وفي هذا المقام قال الواسطي رضي الله عنه : الذاكرون في حال ذكره أشد ~~غفلة من التاركين لذكره ؛ لأن ذكره سواه. وفيه أيضا قال الغزالي : ذكر ~~اللسان يوجب كثرة # 434 # الذنوب. وقال الشاعر : # ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني # سري ، وقلبي ، وروحي ، عند ذكراك # حتى كأن رقيبا منك يهتف بي : # إياك ، ويحك ، والتذكار إياك # أما ترى الحق قد لآحت شواهده PageV02P600 ~~وواصل الكل من معناه معناك # وقوله تعالى : {إن الذين عند ربك}... الآية ، قال القشيري : أثبت لهم ~~عندية الكرامة ، وحفظ عليهم أحكام العبودية ؛ كي لا ينفك حال جمعهم عن نعت ~~فرقهم وهذه سنة الله تعالى مع خواص عباده ، يلقاهم ms0872 بخصائص عين الجمع ، ~~ويحفظ عليهم حقائق عين الفرق ، لئلا يخلوا بآداب العبودية في أوان وجود ~~الحقيقة. ه. # 435 # جزء : 2 رقم الصفحة : 434 PageV02P601 ### | AUTO سورة الأنفال # جزء : 3 رقم الصفحة : 3 # يقول الحق جل جلاله : {يسألونك عن} قسمة {الأنفال} وهي الغنائم ، سميت ~~الغنيمة نفلا لأنها عطية من الله تعالى ، وزيادة فضل ، كما يسمى ما يشترط ~~الإمام للشجاع المقتحم خطرا ، نفلا ؛ لأنه عطية له زيادة على سهمه ، وكما ~~سمى يعقوب عليه السلام نافلة ؛ لأنه عطية زائدة على ولد إبراهيم عليه ~~السلام ، حيث كان حفيده ، ثم أجابهم الحق تعالى فقال : {قل الأنفال لله ~~والرسول} أي : أمرها إلى الله ورسوله ، يقسمها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حيث يأمره الله تعالى ، وفي الوضع الذي يعينه له. # وسبب نزولها : اختلاف المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم ، هل في المهاجرين ~~لفقرهم ، أو في الأنصار لنصرهم ، أو فيهما معا. قال ابن جزي : وذلك أنهم ~~كانوا يوم بدر ثلاث فرق : فرقة مع النبي صلى الله عليه وسلم في العريش ~~تحرسه وتؤنسه ، وفرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم # 3 # وأسروهم ، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا ، فلما انجلت ~~الحرب واجتمع الناس ، ورأت كل فرقة أنها بالغنيمة من غيرها ، اختلفوا فيما ~~بينهم. فنزلت الآية.ه. # وقيل : شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان له غناء أن ينفله ، ~~فتسارع شبابهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين ، ثم طلبوا نفلهم ، وكان المال ~~قليلا ، فقال الشيخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات : كنا رداءا لكم ، ~~وفئة تنحازون إلينا ، فلا تختصوا بشيء دوننا ، فنزلت ، فقسمها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء. ولهذا قيل : لا يلزم الإمام الوفاء ~~بما وعد ، وهذا قول الشافعي رضي الله عنه. PageV03P003 # وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر قتل أخي عمير ، ~~وقتلت سعيد بن العاص ، وأخذت سيفه وأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~واستوهبته منه ، فقال : " ليس هذا لي ، ولكن ضعه في القبض ". فطرحته ، وفي ~~قلبي ما لا يعلمه إلا ms0873 الله من قتل أخي وأخذ سلبي ، فما جاوزتها إلا قليلا ~~حتى نزلت سورة الأنفال ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " سألتني ~~السيف وليس لي ، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه ". {فاتقوا الله} في المشاجرة ~~والاختلاف ، {وأصلحوا ذات بينكم} أي أصلحوا الحال التي بينكم بالمواساة ~~والمواددة وسلامة الصدور ، ولمساعدة فيما رزقكم الله ، وتسليم أمره إلى ~~الله تعالى ورسوله ، {وأطيعوا الله ورسوله} فيما يأمركم به {إن كنتم ~~مؤمنين} ؛ فإن الإيمان يقتضي الاستماع والاتباع ، أو إن كنتم كاملي الإيمان ~~؛ فإن كمال الإيمان يقتضي التمسك بهذه الخصال الثلاث : امتثال الأوامر ، ~~واجتناب النواهي ، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان. # جزء : 3 رقم الصفحة : 3 # ثم ذكر شروط كمال الإيمان ، فقال : {إنما المؤمنون} الكاملون في الإيمان ~~: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ؛ خافت واقشعرت لذكره ؛ استعظاما له ~~وهيبة من جلاله ، وقيل : هو الرجل يهم بالمعصية فقال له اتق الله ، فينزع ~~عنها خوفا من عقابه ، {وإذا تليت عليهم آياته} القرآنية {زادتهم إيمانا} أي ~~: يقينا وطمأنينة بتظاهر الأدلة التي اشتملت عليها ، أو بالعمل بموجبها. ~~وهو دليل على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، بناء على أن العمل ~~داخل فيه ، والتحقيق : أن العمل خارج عنه ، لكن نوره يتقوى به وينقص ~~بنقصانه أو بالمعصية وسيأتي في الإشارة الكلام عليه. PageV03P004 # ومن أوصاف أهل الإيمان : التوكل على الله والاعتماد عليه ، كما قال : {وعلى ~~ربهم يتوكلون} وقد تقدم في " آل عمران " الكلام على التوكل ، ثم وصفهم ~~بإقامة الدين فقال : {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} في الواجب ~~والتطوع. # 4 # {أولئك هم المؤمنون حقا} ؛ لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم ~~أعمال القلب ، من الخشية والإخلاص والتوكل ، ومحاسن أعمال الجوارح التي هي ~~العيار عليها ، كالصلاة والصدقة ، {لهم درجات عند ربهم} أي كرامات وعلو ~~منزلة ، أو درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم ، {ومغفرة} لما فرط من ذنوبهم ، ~~{ورزق كريم} أعده لهم في الجنة ، لا ينقطع مدده ، ولا ينتهي أمده ، بمحض ~~الفضل والكرم. PageV03P005 # الإشارة : الانفال الحقيقة هي المواهب التي ترد على القلوب ، من حضرة ~~الغيوب ؛ من العلوم ms0874 اللدنية والأسرار الربانية ، لا تزال تتوالى على القلوب ~~، حتى تغيب عما سوى المحبوب ، فيستغني غناء لا فقر معه أبدا ، وهذه غنائم ~~خصوص الخصوص ، وغنائم الخصوص : هي القرب من الحبيب ، ومراقبة الرقيب ، ~~بكمال الطاعة والجد والاجتهاد ، وهذه غنائم العباد والزهاد ، وغنائم عوام ~~أهل اليمين : مغفرة الذنوب ، والستر على العيوب ، والنجاة من النار ، ~~ومرافقة الأبرار ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من قال ~~عند نومه : أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ~~، غفر الله ذنوبه ، وإن كانت مثل زبد البحر ، وعدد أيام الدنيا ". قال ~~الشيخ زروق : وهذه هي الغنيمة الباردة ، وهذه الأمور بيد الله وبواسطة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو معنى قوله {قل الأنفال لله والرسول} ثم دل على ~~موجباتها فقال : {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم...} الآية ، وقوله تعالى : ~~{زادتهم إيمانا} : اعلم أن الإيمان على ثلاثة أقسام : إيمان لا يزيد ولا ~~ينقص وهو إيمان الملائكة ، وإيمان يزيد وينقص ، وهو إيمان عامة المسلمين ، ~~وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرسل ، ومن كان على قدمهم من ~~العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين ، ومن تعلق بهم من المريدين ~~السائرين ، بالطاعة والمعصية ؛ لتيقظهم وكمال توحيدهم ، وفي الحكم : " ~~وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول " وقال أيضا : " معصية أورثت ذلا ~~وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 3 # قلت : {كما أخرجك} خبر عن مبتدأ محذوف ، أي : هذه الحال ، وهي عزلهم عن ~~تولية الأنفال في كراهتهم لها ، كحال إخراجك في الحرب في كراهتهم لها ، أو حالهم # 5 PageV03P006 ~~في كراهية ما رأيت من تنفيلك للغزاة ، مثل حالهم في كراهية خروجك ، أو صفة ~~لمصدر الفعل المقدر في قوله : {لله والرسول} أي : الأنفال تثبت لله وللرسول ~~صلى الله عليه وسلم ، مع كراهتهم ، ثباتا مثل ثبات إخراجك ربك من بيتك ، ~~يعني المدينة ؛ لأنها مسكنه أو بيته منها ، وجملة : {وإن فريقا} حال من ~~أخرجك ، أي : أخرجك في حال كراهية فريق من المؤمنين. # يقول الحق جل ms0875 جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم : قد كره أصحابك قسمتك ~~للأنفال كما كرهوا إخراجك {ربك من بيتك بالحق} لقتال العدو ، والحال أن ~~{فريقا من المؤمنين لكارهون} خروجك لذلك ، وتلك الكراهية من قبل النفس وطبع ~~البشرية ، لا من قبل الإنكار في قلوبهم لأمر الله ورسوله ، فإنهم راضون ~~مستسلمون ، غير أن الطبع ينزع لحظه ، والعبد مأمور بمخالفته وجهاده. PageV03P007 # وذلك الفريق الذي كره خروجك للقتال {يجادلونك في الحق} أي : يخاصمونك في ~~إيثارك الجهاد لإظهار الحق ، حيث أرادوا الرجوع للمدينة ، وقالوا : إنا لم ~~نخرج لقتال ، قالوا ذلك {بعد ما تبين} لهم أنهم منصرون أينما توجهوا ، ~~بإعلام الرسول لهم ، لكن الطبع البشري ينزع إلى مواطن السلامة {كأنما ~~يساقون إلى الموت وهم ينظرون} أي : يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت ~~، وهو يشاهد أسبابه ، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم ، إذ روي أنهم كانوا ~~رجالة ، وما كان فيهم إلا فارسان ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يخرج لقصد الجهاد ، وإنما لملاقاة عير قريش ، لما سمع أنها قدمت من ~~الشام ، وفيها تجارة عظيمة ، ومعها أربعون راكبا ، فيهم أبو سفيان ، وعمرو ~~بن العاص ، ومخرفة بن نوفل ، وعمروبن هشام ، فأراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يتعرض لها ويأخذها غنيمة ، حيث أخبره جبريل بقدومها من الشام ، ~~فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين ، فأعجبهم تلقيها ، لكثرة ~~المال وقلة الرجال ، فلما خرجوا ، بلغ الخبر أبا سفيان ، فسلك بالعير طريق ~~الساحل ، واستأجر من يذهب إلى مكة يستنفرها ، فلما بلغهم خروج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لعيرهم ، نادى أبو جهل فوق الكعبة : يا أهل مكة ، ~~النجاء ، النجاء على كل صعب وذلول ، عيركم وأموالكم إن أصابها محمد لن ~~تفلحوا بعدها أبدا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 5 PageV03P008 ~~وقد رأت ، قبل ذلك بثلاث ليال ، عاتكة بنت المطلب ، رؤيا ؛ وهو أن رجلا ~~تمثل على جبل قبيس فنادى : يا آل لكع ، اخرجوا إلى مصارعكم ، ثم تمثل على ~~الكعبة ، فنادى مثل ذلك ، ثم أخذ حجرا فضرب به ، فلم يبق بيت في مكة ms0876 إلا ~~دخلة شيء من ذلك الحجر ، فحدثت بها العباس ، وبلغ ذلك أبا جهل ، فقال : أما ~~ترضى رجالهم أن يتنبؤوا حتى تتنبأ نساؤهم ؟ لنتربص ثلاثا ، فإن لم يظهر ما ~~تقول لنكتبن عليكم يا بني هاشم أنكم أكذب بيت في العرب ، فلما مضت ثلاث ~~ليال جاء رسول أبي سفيان ليستنفرهم. # 6 PageV03P009 ~~فخرج أبو جهل بجموع أهل مكة ، ومضى بهم إلى بدر ، وهو ماء كانت العرب تجتمع ~~عليه لسوقهم يوما في السنة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي ~~ذفران ، فنزل عليه جبريل بالوعد بإحدى الطائفتين : إما العير وإما قريش ، ~~فاستشار فيه أصحابه ، فقال بعضهم : ما خرجنا لقتال ولا تهيأنا له ، وردد ~~عليهم وقال : إن العير قد مضت على ساحل البحر ، وهذا أبو جهل قد أقبل ، ~~فقالوا : يا رسول الله ، عليك بالعير ودع العدو ، فغضب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فقام أبو بكر وعمر فأحسنا ، ثم قام سعد بن عبادة فقال : انظر ~~في أمرك ، وامض ، فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف رجل من الأنصار ، ثم قام ~~المقداد بن عمرو فقال : امض يا رسول الله لما أمرك ربك ، فإنا معك حيثما ~~أحببت ، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل : {فاذهب أنت وربك فقتلا إنا ههنا ~~قاعدون} [المائدة : 24] ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أشيروا علي أيها الناس " ، ~~يريد الأنصار ؛ لأنهم كانوا عددهم ، وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم ~~برءاء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم ، فتخوف ألا يروا نصرته إلا على عدو ~~دهمه بالمدينة ، فقام سعد بن معاذ وقال : لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ فقال ~~: أجل ، فقال : قد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق فأعطيناك ~~على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت ~~، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف ~~منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقي بنا عدونا ، وإنا لصبر عند الحرب ، صدق ~~عند اللقاء ، ولعل ms0877 الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة PageV03P010 ~~الله ، فنشطه قوله ، ثم قال : " سيرواعلى بركة الله ، وأبشروا ؛ فإن الله ~~قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ". ثم مضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأصحابه آخر مياه من مياه بدر ، فبني ~~له هناك عريش ، فجلس فيه هو وأبو بكر ، فلما انتشب القتال أخذ قبضة من تراب ~~فرمى بها وجوه القوم ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم تبق عين من الكفار إلا وقع ~~فيها شيء منها ، ونزلت الملائكة في العنان ، أي : السماء ، فقتل منهم سبعون ~~، وأسر سبعون ، وقيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من غزوة ~~بدر ، قيل له : عليك بالعير ، فقال العباس وقد أعطاك ما وعدك ، فكره بعضهم ~~قوله ، ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصورا فرحا مسرورا ، وقد ~~أنجزه الله ما وعده. الإشارة : من حكمته تعالى الجارية في عبادة أن كل ما ~~يثقل على النفوس ويشق عليها في بدايته تكون عاقبته الفتح والنصر ، والهناء ~~والسرور ، فكل ما تكرهه النفوس فغايته حضرة القدوس ، وما تحقق سير السائرين ~~إلا بمحاربة نفوسهم ومخالفة عوائدهم. وفي الحديث عنه صلىالله عليه وسلم ، ~~قال لابن عباس في حديث طويل : " وفي الصبر على ما تكره خير كثير " والله ~~تعالى أعلم. # 7 # جزء : 3 رقم الصفحة : 5 # قلت : {وإذ} : ظرف لاذكر ، محذوفة ، و{أنها لكم} : بدل اشتمال من {إحدى ~~الطائفتين} ؛ والشوكة : الحدة ، مستعارة من واحد الشوك ، وسميت الحرب شوكة ~~لحدة سلاحها. PageV03P011 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكروا {إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين} ؛ قريشا ~~أو عيرهم ، وعدكم {أنها لكم وتودون} ؛ وتتمنون {أن غير ذات الشوكة} أي : ~~ذات الحرب {تكون لكم} وهي العير ، فإنها لم يكن فيها إلا أربعون رجلا ، ~~وتكرهون ملاقاة النفير لكثرة عددهم وعددهم ، {ويريد الله أن يحق الحق} أي : ~~يظهر الحق ، وهو الإسلام ، بقتل الكفار وهلاكهم في تلك الغزوة ، {بكلماته} ~~أي : بإظهار كلماته العليا ، أو بكلماته التي أوحى بها في هذه الحال ، أو ~~بأوامره للملائكة بالأمداد ms0878 ، أو بنفود كلماته الصادقة بهلاكهم ، {ويقطع ~~دابر الكافرين} أي : يستأصلهم ويقطع شوكتهم. # ومعنى الآية : أنكم تريدون أن تصيبوا مالا ولا تلقوا مكروها ، والله يريد ~~إعلاء الدين وإظهار الحق ، وما يحصل لكم من فوز الدارين ، وإنما فعل ما فعل ~~من سوقكم إلى القتال ؛ {ليحق الحق ويبطل الباطل} أي : ليظهر الدين ويبطل الكفر. # قال البيضاوي : وليس بتكرار ؛ لأن الأول لبيان المراد ، وما بينه وبين ~~مرادهم من التفاوت ، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول صلى الله عليه ~~وسلم على اختيار ذات الشوكة وقصره عليها. ه. وقال ابن جزي : ليس تكرار ~~للأول ؛ لأن الأول مفعول يريد ، هذا تعليل لفعل الله تعالى ، ويحتمل أن ~~يريد بالحق الأول الوعد بالنصرة ، وبالحق الثاني الإسلام ، فيكون المعنى : ~~أنه نصرهم ليظهر الإسلام ، ويؤيد هذا قوله : {ويبطل الباطل} أي : يبطل ~~الكفر ، {ولو كره المجرمون} ذلك ، فإن الله لا بد أن يظهر دينه على الدين ~~كله ، ولو كره الكافرون. PageV03P012 # الإشارة : وعد الله المتوجهين إليه بالوصول إلى سر الخصوصية ، وهي الولاية ~~، لكن بعد المجاهدة والمحاربة للنفوس ؛ لأن الحضرة لا يدخلها إلا أهل ~~التهذيب والتدريب ، وترى كثيرا من الناس يتمنون أن تكون لهم من غير حرب ولا ~~قتال ، ويريد الله أن يحق الحق بكشف الحجب عن القلوب ، حتى لا يشاهدوا إلا ~~الحق ، ويبطل الباطل ، وهو السوي ، ولا يكون في العادة إلا بعد موت النفوس ~~وتهذيبها وتطهيرها بالرياضة على شيخ # 8 # عارف. قال الششتري مترجما عن لسان الحقيقة : # جزء : 3 رقم الصفحة : 8 # أن ترد وصلنا فموتك شرط # لا ينال الوصال من فيه فضله # جزء : 3 رقم الصفحة : 8 # قلت : {إذ} : بدل من {إذ يعدكم} أو متعلق بقوله : {ليحق الحق} أو باذكر. # يقول الحق جلاله : واذكروا حين كنتم {تستغيثون ربكم} وتدعون بالغوث ~~والنصر ، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما علموا ألا محيص لهم عن ~~القتال أخذوا يقولون : ربنا انصرنا على عدوك ، يا غياث المستغيثين أغثنا. # وعن عمر رضي الله عنه : أنه نظر إلى المشركين وهم ألف ، وإلى أصحابه وهم ~~ثلاثمائة ، فاستقبل القبلة ومد ms0879 يديه يدعوه : " اللهم أنجز لي ما وعدتني ، ~~اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض " ، فما زال كذلك حتى سقط ~~رداؤه ، فقال أبو بكر ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ".وقد ~~تقدم أن الأنبياء وكبراء الأولياء لا يقفون مع ظاهر الوعد والوعيد لسعة ~~دائرة علمهم ، بل لا يزول اضطرارهم ، ولا يكون مع غير الله قرارهم ، ولعل ~~ذلك الوعد يكون متوقفا على شروط أخفاها الحق تعالى ؛ لتظهر قهريته وانفراده ~~بالعلم المحيط. PageV03P013 # ولما استغاثوا بالله وأظهروا الحاجة إليه أجابهم فقال : {فاستجاب لكم أني ~~ممدكم} ؛ مقويكم ومكثركم {بألف من الملائكة مردفين} يتبع بعضهم بعضا ، ~~ويتبع المؤمين ، فكانوا خلفهم ردءا لهم ، فمن قرأ بفتح الدال فهو اسم مفعول ~~، ومن قرأه بالكسر فاسم فاعل ، وصح معنى القرءتين ، لأن الملائكة المنزلين ~~يتبع بعضهم بعضا ، فمنهم تابعون ومتبوعون ، ومن قرأ بالفتح فالمراد مردفين ~~بالمؤمنين ، فكانوا مقدمة الجيش ، ومن قرأ بالكسر فالمراد مردفين للمؤمنين ~~تابعين لهم ، فكانوا ساقة للجيش. # ثم ذكر حكمة الإمداد بقوله : {وما جعله الله} أي : الإمداد {إلا بشرى} أي ~~: بشارة بالنصر ، {ولتطمئن به قلوبكم} فيزول ما بها من الوجل لقلتكم ، {وما ~~النصر إلا من عند الله} ؛ لا يتوقف على سبب ، {إن الله عزيز} لا يغلب ~~{حكيم} في تدبير الأسباب وترتيبها رداء للقدرة الأزلية ، فإمداد الملائكة ، ~~وكثرة العدد ، والتأهب ، وسائط ، # 9 # لا تأثير لها ، فلا تحسبوا النصر منها ، ولا تيأسوا منه بفقدها ، فحكم ~~الأزل جل أن يضاف إلى العلل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 9 # الإشارة : إظهار الفاقة الابتهال لا يقدح في صحة التوكل على ~~الكبيرالمتعال ، بل هو شرف للإنسان ، وتقريب من الكريم المنان ، بل من شأن ~~العارف الكامل الرجوع إلى الله في كل شيء ، والتعلق به في كل حال ، ولو ~~وعده بالنصر أو الإجابة ، لا يقطع عنه السؤال ، عبودية وتملقا بين يدي ~~الحبيب. PageV03P014 # وقد اختلف الصوفية : أي الحالين أشرف : هل الدعاء والتضرع ؟ أو السكوت ~~والرضى تحت مجاري الأقدار ؟ وقال بعضهم : يجب أن يكون العبد صاحب دعاء ~~بلسانه ، صاحب رضى بقلبه ، ليجمع بين الأمرين. ms0880 قال القشيري : والأولى أن ~~يقال : إن الأوقات مختلفة ، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل ، وفي بعض الأحوال ~~السكوت أفضل ، وإنما يعرف ذلك في الوقت ؛ لأن علم الوقت يحصل في الوقت ، ~~فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء ؛ فالدعاء منه أولى ، وإذا وجل إشارة ~~إلى السكوت فالسكوت أتم. ه. وقد تقدم في آل عمران إشارة الإمداد. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 9 # قلت : (إذا) بدل ثان من (إذ يعدكم) ، أو متعلق بالنصر ، لما في (عند ~~الله) من معنى الفعل ، أو بإضمار اذكروا ، ومن قرأ بضم الياء ، فهو من أغشى ~~، أي : غطى ، ومن قرأ بالتشديد ، فهو من غشي المضعف ، وكلاهما يتعدى إلى ~~مفعولين ، الكاف الأول والنعاس الثاني ، ومن قرأ بالفتح والتخفيف ، فهو من ~~غشى يغشى ؛ المتعدي إلى واحد و(وأمنة) : مفعول من أجلة. # يقول الحق جل جلاله : واذكروا {إذ يغشيكم} ، أي : حين كان يغشيكم ~~{النعاس} وأنتم في القتال ، حين ينزل عليكم الأمن من العدو بعد شدة الخوف ، ~~وذلك لأجل الأمن الذي نزل من الله عليكم بعد شدة خوفكم. قال ابن مسعود رضي ~~الله عنه : النعاس عند حضور القتال علامة أمن من العدو. # 10 PageV03P015 ~~ثم ذكرهم بمنة أخرى ، فقال : {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} من ~~الحدث والجنابة ، {ويذهب عنكم رجز الشيطان} أي : وسوسته وتخويفه إياهم من ~~العطش ، روي أنهم نزلوا في كثيب رمل دهس ، تسوخ فيه الأقدام على ماء قليل ، ~~وناموا فاحتلم أكثرهم ، فوسوس إليهم الشيطان ، وقال : كيف تنصرون وأنتم ~~تصلون محدثين مجنبين ، وتزعمون أنكم أولياء الله فيكم رسوله ؟ فأشفقوا ، ~~فأنزل الله المطر ، فمطروا ليلا حتى جرى الوادي ، فاتخذوا الحياض على عدوته ~~، وسقوا الركاب ، واغتسلوا وتوضؤوا ، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو ، ~~حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الدهوسة ، وهذا معنى قوله : {وليربط على ~~قلوبكم ويثبت به الأقدام} أي ؛ وليربط على قلوبكم بالوثوق على لطف وزوال ما ~~وسوس إليهم الشيطان ، وذهاب الكسل عنها. {ويثبت به الأقدام} حتى لا تسوخ في ~~الرمل ، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في مداحض الحرب. # واذكروا أيضا : {إذ ms0881 يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} أي : أثبت أقدامكم ~~حين أوحي إلى الملائكة أني معكم في نصر المؤمنين وتثبيتهم {فثبتوا الذين ~~آمنوا} بتكثير عددهم ، أو بالبشارة لهم ، أو بمحاربة أعدائهم ، على قول من ~~قال : إنهم باشروا القتال. {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} والجزع حتى ~~لا يثبتوا لقتالكم ، يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة ، أو استئناف ؛ ~~إخبارا للمؤمنين عما يفعله بعدوهم عاجلا وآجلا. ثم قال للملائكة أو ~~للمؤمنين : {فاضربوا فوق الأعناق} أي : أعاليها التي هي المذابح والرؤوس ، ~~{واضربوا منهم كل بنان} أي : أصابعهم ، أي : جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 10 PageV03P016 ~~الإشارة : كان شيخ شيخنا يشير على الفقراء ، إذا كثرت عليهم الخواطر ~~والهواجس ، بالنوم ، ويقول ؛ من تشوش خاطره فليرقد حتى يشبع من النعاس ، ~~فإنه يجد قلبه ؛ لأن النعاس أمنة من الله يذهب به رجز الشيطان وثقله ، ~~ويربط على القلوب في الحضرة ؛ لأنه زوال ، وإذا زال العبد ظهر الحق وزهق ~~الباطل. # وقوله تعالى : {وينزل عليكم من السماء ماء} : هو ماء الغيب الذي يطهر ~~القوب من شهود السوى ، ويذهب به رجز الشيطان ، وهي ظلمة الأكوان ، التي ~~تنعقد في القلب من حب الهوى الذي هو من تزيين الشيطان ، ويثبت به الأقدام ، ~~حتى تثبت عند مصادمة أنوار الحضرة ، التي هي تجلي الذات ، فلا يثبت لها إلا ~~الشجعان والأبطال وأكابر الرجال. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 10 # قلت : (ذلكم) : مبتدأ حذف خبره ، أي : ذلكم العقاب أو العذاب ، أو خبر ، ~~أي : الأمر ذلكم ، أو منصوب بمضمر يفسره فذوقوه ، و(الكافرون) : عطف على ~~(ذلكم) ، أو نصب على المفعول معه ، وقرئ بالكسر ؛ استئنافا. # يقول الحق جل جلاله : {ذاك} الضرب لأعناق الكفار ، أو الأمر به {بأنهم} ؛ ~~بسبب أنهم {شاقوا} أي : خالفوا {الله ورسوله} ، وصاروا كأنهم في شق وهو في ~~شق ؛ مبالغة في المخالفة والمباعدة ، {ومن يشاقق الله ورسوله} ويبعد عنهما ~~{فإن الله شديد العقاب} لكم من خالفه أو خالف رسوله ، وهو تقرير للتعليل ، ~~أو وعيد بما أعد الله لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم ms0882 في الدنيا ، {ذلكم} ~~العذاب {فذوقوه} وباشروا مرارته ، {وأن للكافرين عذاب النار} ، والمعنى : ~~ذوقوا ما عجل لكم من النقمة في الدنيا مع ما يحل عليكم في الآخرة من عذاب ~~النار ، ووضع الظاهر موضع المضمر ؛ للدلالة على أن الكفر سبب العذاب العاجل ~~والآجل. PageV03P017 # الإشارة : مخالفة الله ورسوله توجب الطرد والبعاد ، وموافقة الله ورسوله ~~توجب القربة والوداد ، وهذا الموافقة التي توجب للعبد المحبة والوداد تحصل ~~بخمسة أشياء : امتثال أمره ، واجتناب نهيه ، والإكثار من ذكره ، الاستسلام ~~لقهره ، والاقتداء بنبيه صلىالله عليه وسلم والتأدب بآدابه ، والتخلق ~~بأخلاقه ، وبأضداد هذه الأشياء يحصل للعبد المخالفة التي توجب طرده وبعده ، ~~وهي مخالفة أمره ، وارتكاب نهيه ، والغفلة عن ذكره ، والتسخط عند نزول قهره ~~، وعدم الاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم ؛ بارتكاب البدع المحرمة ~~والمكروهة ، حتى يفضى به الحال إلى المشاققة والمباعدة ، {ومن يشاقق الله ~~ورسوله فإن الله شديد العقاب} بالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 11 # قلت : (زحفا) : مصدر ، وزحف الصبي إذا دب على مقعده قليلا قيلا ، سمى به ~~الجيش المقابل للقتال ؛ لأنه يندفع للقتال شيئا فشيئا ، ونصبه على الحال من ~~فاعل " لقيتم " أو " من الذين كفروا " و(متحرفا) و(متحيزا) : حالان ، ~~و(إلا) ملغاة ، ووزن متحيز : متفيعل ، لا متفعل ، وإلا كان متحوزا ؛ لأنه ~~من حاز يحوز. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا} ~~زاحفين لهم ، # 12 PageV03P018 ~~تدبون إليهم ويدبون إليكم ، تريدون قتالهم متوجهين إليهم ، {فلا تولوهم ~~الأدبار} بالانهزام عنهم ، فإنه حرام ، وهو من الكبائر ، ويفيد بألا يكون ~~الكفار أكثر من ثلثي المسلمين ، فإن زادوا على ثلثي المسلمين حل الفرار ، ~~وأن يكون المسلمون مسلحين ، وإلا جاز الفرار ممن هو بالسلاح دونه ، {ومن ~~يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال} ، وهو أن يكر راجعا أمام العدو ليرى ~~عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه ، وهو من مكائد الحرب ، {أو متحيزا إلى فئة} ~~أي : منحازا إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم ، فإن كانت الجماعة حاضرة ~~في الحرب ، أو قريبة فالتحيز إليها جائز باتفاق ، واختلف في التحيز إلى ~~المدينة ، والإمام والجماعة إذا ms0883 لم يكن شيء من ذلك حاضرا. # ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : أنا فئة لكل مسلم. وروي ~~عن ابن عمر : أنه كان في سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وففروا ~~إلى المدينة ، فقلت : يا رسول الله ، نحن الفرارون ، فقال : " أنتم ~~الكرارون ، وأنا فئتكم ". فمن فر من الجهاد بالشرط المتقدم {فقد باء بغضب ~~من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} ، ومن هذا يفهم أنه من الكبائر. قال ~~البيضاوي : وهذا إذا لم يزد العدو على الضعف لقوله {الئن خفف الله عنكم...} ~~[الأنفال : 66] الآية ، وقيل : الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرون معه في ~~الحرب. ه. PageV03P019 # الإشارة : يقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه بالمجاهدة والمكابدة : إذا ~~لقيتم أعداءكم من القواطع ؛ كالحظوظ ، والشهوات ، وسائر العلائق ، فاثبتوا ~~حتى تظفروا ، ولا ترجعوا وتولوهم الأدبار فيظفروا بكم ، إلا متحيزا لقتال ؛ ~~بإيثار بعض الرخص ، ليقوى على ما هو أشد منها مشقة عليها ، أو متحيزا إلى ~~جماعة من أكابر العارفين ، فإنهم يغنونه بالمشاهدة عن المجاهدة ، إذا ملكهم ~~زمام نفسه ، وفعل كل ما يشيرون به عليه ، فإن ذلك يفضي به إلى الراحة بعد ~~التعب ، والمشاهدة بعد المجاهدة ، إذا لا تجتمع المجاهدة في الظاهر مع ~~مشاهدة الباطن عند أهل الذوق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 12 # قال القشيري بعد كلامه على الآية : فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على ~~خدمهم من نعمهم ، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هممهم ؛ ~~يجبرون كسرهم وينوبون عنهم ، ويساعدونهم بحسن إرشادهم ، ومن أهمل مريدا وهو ~~يعرف صدقه ، أو خالف شيخا وهو يعرف فضله ، وحقه ، فقد باء من الله بسخط ، ~~والله تعالى حسيبه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه. ه. # 13 # جزء : 3 رقم الصفحة : 12 # يقول الحق جل جلاله : فلم تقتلوا الكفار بحولكم وقوتكم وذلتكم ، وقلة ~~عدتكم وعددكم ، وكثرة عدوكم وعدتهم ، {ولكن الله قتلهم} بواسطة مباشرتكم ، ~~حيث أيدكم وسلطكم عليهم ، وإمداد الملائكة لكم ، وإلقاء الرعب في قلوب عدوكم. PageV03P020 # قال البيضاوي : روي أنه لما أطلت قريش من العقنقل اسم جبل قال رسول الله ~~صلى ms0884 الله عليه وسلم : " هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها ، يكذبون رسولك ، ~~اللهم إني أسألك ما وعدتني " ، فأتاه جبريل ، وقال له : خذ قبضة من تراب ~~فارمهم بها ، فلما التقى الجمعأن تناول كفا من الحصباء فرمى بها في وجوههم ~~، وقال : " شاهت الوجوه " فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه ، فانهزموا. وردفهم ~~المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر ، فيقول ~~الرجل : قتلت وأسرت ، فنزلت الآية ، وإلغاء جواب شرط محذوف ، تقديره : إن ~~افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم ، ولكن الله قتلهم ، {وما رميت} يا محمد رميا ~~توصها إلى أعينهم. ولم تقدر عليه {إذ رميت} أي : حين ألقيت صورة الرمي ، ~~{ولكن الله رمى} ، أتى بما هو غاية الرمي ، فأوصلها إلى أعينهم جميعا ، حتى ~~انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم. ه. فالرمي ، حقيقة ، إنما وقع من الله ~~تعالى ، وإن ظهر حسا من النبي صلى الله عليه وسلم. # وإنما فعل ذلك ليقطع طرفا من الكفار ، ويحد شوكتهم ، {وليبلي المؤمنين ~~منه بلاء حسنا} أي : ليختبر المؤمنين منه اختبارا حسنا ، ليظهر شكرهم على ~~هذه النعمة ، أو لينعم عليهم نعمة عظيمة ؛ بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات ~~، {إن الله سميع} لاستغاثتهم ودعائهم ، {عليم} بنياتهم وأحوالهم. {ذلكم} أي ~~: البلاء الحسن ، أو القتل ، أو الرمي ، واقع لا محالة ، أو الأمر ذلكم ، ~~{وأن الله موهن كيد الكافرين} أي : مضعف كيد الكافرين ، ومبطل حيلهم ، أي : ~~المقصود بذلك القتل أو الرمي إبلاء المؤمنين ، وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم. PageV03P021 # الإشارة : يقول الحق جل جلاله للمريدين المتوجهين لحضرة محبوبهم : فلم ~~تقتلوا نفوسكم بمجاهدتكم ؛ إذ لا طاقة لكم عليها ، ولكن الله قتلها بالنصر ~~والتأييد ، حتى حييت بمعرفته ، ويقول الشيخ : وما رميت القلوب بمحبتي ~~ومعرفتي ، ولكن الله رمى تلك القلوب بشيء من ذلك ، وإنما أنت واسطة وسبب من ~~الأسباب العادية ، لا تأثير لك في شيء من ذلك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 14 # حكي أن الحلاج ، لما كان محبوسا للقتل ، سأله الشبلي عن المحبة ، فقال : الغيبة # 14 # عما سوى المحبوب ، ثم قال : يا شبلي ، ألست تقرأ كتاب الله ؟ فقال الشبلي ~~: بلى ، فقال : قد قال الله ms0885 لنبيه عليه الصلاة والسلام : {وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى} ، يا شبلي ؛ إذ رمى الله قلب عبده بحبة من حبه ، نادى ~~عليه مدى الأزمان بلسان العتاب. ه. والمقصود بذلك : تخصيص أوليائه المقربين ~~بالمحبة والمعرفة والتمكين ، وتوهين كيد الغافلين المنكرين لخصوصية ~~المقربين. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 14 # يقول الحق جل جلاله لكفار مكة على جهة التهكم : {إن تستفتحوا} أي : ~~تطلبواالفتح ، أي : الحكم على أهدى الفئتين وأعلى الجندين وأكرم الحزبين ~~{فقد جاءكم} الحكم كما طلبتم ، فقد نصر الله أعلى الجندين وأهدى الفئتين ~~وأكرم الحزبين ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه ، {وإن تنتهوا} عن ~~الكفر ومعاداة الرسول ، {فهو خير لكم} ؛ لتضمنه سلامة الدارين وخير ~~المنزلين ، {وإن تعودوا} لمحاربته {نعد} لنصره ، {ولن تغني} ؛ تدفع {عنكم ~~فئتكم} ؛ جماعتكم {شيئا} من المضار {ولو كثرت} فئتكم ، إذ العبرة بالنصرة ~~لا بالكثره ، {وإن الله مع المؤمنين} بالنصر والمعونة. PageV03P022 # ومن قرأ بالفتح ؛ فعلى حذف الجار ، أي : ولأن الله مع المؤمنين ، وقيل : ~~الخطاب للمؤمنين ، والمعنى : إن تستنصروا فقد جاءكم النصر ، وإن تنتهوا عن ~~التكاسل في القتال ، والرغبة عما يختاره الرسول ، فهو خير لكم ، وإن تعودوا ~~إليه نعد عليكم الإنكار ، أو تهييج العدو ، ولن تغني ، حينئذ عنكم كثرتكم ؛ ~~إذ لم يكن الله معكم بالنصر ، فإنه مع الكاملين في إيمانهم. قال البيضاوي. # الإشارة : إن تستفتحوا أيها المتوجهون ، أي ؛ تطلبوا الفتح من الله في ~~معرفته ، فقد جاءكم الفتح ، حيث صح توجهكم وتركتم حظوظكم وعلائقكم ، لأن ~~البدايات مجلاة النهايات ، من وجد ثمرة عمله عاجلا فهو علامة القبول آجلا ، ~~وإن تنتهوا عن حظوظكم وعوائقكم فهو خير لكم ، وبه يقرب فتحكم ، وإن تعودوا ~~إليها نعد إليكم بالتأديب والإبعاد ، ولن تغني عنكم جماعتكم شيئا في دفع ~~التأديب ، أو البعد ولو كثرت ، وأن الله مع المؤمنين الكاملين في الإيمان ؛ ~~بالنصر والرعاية. # 15 # جزء : 3 رقم الصفحة : 15 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله} فيما أمركم به ~~ونهاكم عنه ، {ورسوله} فيما ندبكم إليه من الجهاد وغيره ، {ولا تولوا} أي : ~~تعرضوا ms0886 عن الرسول {وأنتم تسمعون} القرآن يأمركم بالتمسك به ، والاقتداء ~~بهديه. والمراد بالآية : النهي عن الإعراض عن الرسول. وذكر طاعة الله إما ~~هو للتوطئة والتنبيه على أن طاعة الله في طاعة الرسول ، لقوله : {من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله} [النساء : 80] ، ثم أكد النهي بقوله : {ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا} بآذاننا ، كالكفرة والمنافقين ، ادعوا السماع ، {وهم ~~لا يسمعون} سماعا ينتفعون به ، فكأنهم لا يسمعون رأسا. PageV03P023 # الإشارة : لما غلب عليه الصلاة والسلام بقي خلفاؤه في الظاهر والباطن ؛ وهم ~~العلماء الأتقياء ، والعارفون الأصفياء. فمن تمسك بهم ، واستمع لقولهم ، ~~فقد تمسك بالرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عنه صلى ~~الله عليه وسلم ، فمن تمسك بما جاءت به العلماء ، فاز بالشريعة المحمدية ، ~~وكان من الناجين الفائزين. ومن تمسك بالأولياء العارفين ، واستمع لهم ، ~~وتبع إرشادهم ، فاز بالحقيقة الربانية ، وكان من المقربين. ومن سمع منهم ~~الوعظ والتذكير ، ثم صرفه عن نفسه إلى غيره ، يصدق عليه القوله تعالى {ولا ~~تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} وكان من شر الدواب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 15 # يقول الحق جل جلاله : {إن شر الدواب عند الله} ؛ وهو كل من يدب على وجه ~~الأرض ، {الصم} عن سماع الحق ، {البكم} عن النطق به ، {الذين لا يعقلون} ~~الحق ولا يعرفونه ، عدهم من البهائم ثم جعلهم شرها ؛ لإبطالهم ما ميزوا به ~~وفضلوا لأجله ، وهو استعمال العقل فيما ينفعهم من التفكر والاعتبار. قال ~~ابن قتيبة : نزلت هذه الآية في بني عبد الدار ، فإنهم جدوا في القتال مع ~~المشركين ، يعني يوم بدر ، وحكمها عام. # {ولو علم الله فيهم خيرا} ؛ سعادة كتبت لهم ، أو انتفاعا بالآيات ، ~~{لأسمعهم} سماع تفهم ، {ولو أسمعهم} ، مع كونه قد علم الأخير فيهم ، ~~{لتولوا} عنه ، ولم ينتفعوا به ، وارتدوا بعد التصديق والقبول ، {وهم ~~معرضون} عنه لعنادهم ، وقيل : إنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يحيي لهم قصي بن كلاب ، ويشهد له بالرسالة ، حتى يسمعوا منه ذلك ، فأنزل ~~الله : {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} كلامه بعد إحيائه ، {ولو ms0887 أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون} ، لسبق الشقاوة في حقهم. # 16 PageV03P024 ~~الإشارة : اعلم أن الأمر الذي شرف به الآدمي وفضل غيره هو معرفة خالقه ، ~~واستعمال العقل فيما يقربه إليه ، وسماع الوعظ الذي يزجره عن غيه ، فإذا ~~فقد هذا كان كالبهائم أو أضل ، ولله در ابن البنا ، حيث يقول في مباحثه : # واعلم أن عصبة الجهال # بهائم في صور الرجال # واعلم أيضا أن بعض القلوب لا تقبل علم الحقائق ، فأشغلها بعلم الشرائع ، ~~ولو علم فيها خيرا لأسمعها تلك الأسرار ، ولو أسمعها ، مع علمه بعدم قبولها ~~، لتولت عنها وأعرضت ؛ لضيق صدرها وعدم التفرغ لها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 16 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله} أي : أجيبوا ~~فيما دعاكم إليه ، {وللرسول} فيما دلكم عليه من الطاعة والإحسان ، {إذا ~~دعاكم لما يحييكم} من العلوم الدينية ؛ فإنها حياة القلب ، كما أن الجهل ~~موته ، أو {إذا دعاكم لما يحييكم} الحياة الأبدية ، في النعيم الدائم ، من ~~العقائد والأعمال ، أو من الجهاد ، فإنه سبب بقائكم ؛ إذ تركتموه لغلبكم ~~العدو وقتلكم ، أو الشهادة ، لقوله تعالى : {أحياء عند ربهم يرزقون} [آل ~~عمران : 169] ، ووحد الضمير في قوله : {إذا دعاكم} باعتبار ما ذكر ، أو لأن ~~دعوة الله تسمع من الرسول. # وفي البخاري : أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا أبي بن كعب ، وهو في ~~الصلاة ، فلم يجب ، فلما فرغ أجاب ، فقال له صلى الله عليه وسلم : " ما ~~منعك أن تجيبني " فقال : كنت أصلي ، فقال : " ألم تسمع قوله : {استجيتوا ~~لله وللرسول} " فاختلف فيه العلماء ، فقيل لأن إجابته صلى الله عليه وسلم ~~لا تقطع الصلاة ، فيجيب ، ويبقى على صلاته ، وقيل : إن دعاءه كان لأمر لا ~~يقبل التأخير ، وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله ، كإنقاذ أعمى وشبهه. PageV03P025 # ثم قال تعالى : {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} ؛ فينقله من ~~الإيمان إلى الكفر ، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن اليقين إلى الشك ومن الشك ~~إلى اليقين ، ومن الصفاء إلى الكدر ، ومن الكدر إلى الصفاء. وقيل البيضاوي ~~: هو تمثيل لغاية قربه من العبد ؛ كقوله تعالى : {ونحن أقرب ms0888 إليه من حبل ~~الوريد} [ق : 16] ، وتنبيه على أنه مطلع على # 17 # مكنونات القلوب ، مما عسى أن يغفل عنها صاحبها ، أو حث على المبادرة إلى ~~إخلاص القلوب وتصفيتها ، قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره ، ~~أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه ؛ فيفسخ عزائمه ، ويغير مقاصده ، ~~ويحول بينه وبين الكفر ، إن أراد سعادته ، وبينه وبين الإيمان ، إن قضى ~~شقاوته. ه. {و} اعلموا أيضا {أنه إليه تحشرون} ؛ فيجازيكم بأعمالكم ~~وعقائدكم. # الإشارة : قد جعل الله ، من فضله ورحمته ، في كل زمان وعصر ، دعاة يدعون ~~الناس إلى ما تحيا به قلوبهم ، حتى تصلح لدخول حضرة محبوبهم ، فهم خلفاء عن ~~الله ورسوله ، فمن استجاب لهم وصحبهم حيي قلبه ، وتطهر سره ولبه ، ومن تنكب ~~عنهم ماتت روحه في أودية الخواطر والأوهام. # جزء : 3 رقم الصفحة : 17 PageV03P026 ~~وقوله تعالى : {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} ؛ حيلولة الحق تعالى ~~بين المرء وهو تغطيته وحجبه عن شهود أسرار ذاته وأنوار صفاته ، بالوقوف مع ~~الحس ، وشهود الفرق بلا جمع ، ويعبر عنه أهل الفن بفقد القلب ، فإذا قال ~~أحدهم : فقدت قلبي ، فمعناه : أنه رجع لشهود حسه ووجود نفسه ، ووجدان القلب ~~هو احتضاره بشهود معاني أسرار الذات وأنوار الصفات ، فيغيب عن نفسه وحسه ، ~~وعن سائر الأكوان الحسية ، وفقدان القلب يكون بسبب سوء الأدب ، وقد يكون ~~بلا سبب ؛ اختبارا من الحق تعالى ، هل يفزع إليه في فقدان أو يبقى مع حاله. ~~وقد تكلم الغزالي على القلب فقال ، في أول شرح عجائب القلب من الإحياء : إن ~~المطيع بالحقيقة لله هو القلب ، وهو العالم بالله ، وهو الساعي إلى الله ، ~~والمتقرب إليه ، المكاشف بما عند الله ولديه ، وإنما الجوارح أتباع ، ~~والقلب هو المقبول عند الله ، إذا سلم من غير الله ، وهو المحجوب عن الله ~~إذا صار مستغرقا في غير الله وهو المطالب والمخاطب ، وهو المعاتب والمعاقب ~~، وهو الذي يسعد بالقرب من الله ، فيفلح إذا زكاه ، ويخيب ويشقى إذا دنسه ~~ودساه. ثم قال : وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه ، وإذا عرف ms0889 نفسه ~~فقد عرف ربه ، وإذا جهله فقد جهل نفسه ، وإذا جهل نفسه ، جهل ربه ، ومن جهل ~~قلبه فهو لغيره أجهل ، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل بينهم ~~وبين أنفسهم ، فإن الله يحول بين المرء وقلبه ، وحيلولته بأن يمنعه عن ~~مشاهدته ومراقبته ، ومعرفة صفاته ، وكيفية تقلبه بين أصبعين من أصابع ~~الرحمن ، إلى أعلى عليين ، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين ، ومن لم ~~يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ، ويترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه ، ~~فهو ممن قال الله تعالى فيهم : {نسوا الله فأنساهم أنفسهم} [الحشر : 19] ~~الآية.ه. # وقد أنشد من وجد قلبه ، وعرف ربه ، وغنى بما وجد ، فقال : # 18 # أنا القرآن والسبع المثاني # وروح الروح لا روح الأواني PageV03P027 # فؤادي عند معلوم مقيم # تناجيه وعندكم لساني # فلا ننظر بطرفك نحو جسمي # وعد عن التنعيم الأواني # فأسراري تراءت مبهمات # مسترة بأنوار المعاني # فمن فهم الإشارة فليصنها # وإلا سوف يقتل بالسنان # كحلاج المحبة إذ تبدت # له شمس الحقيقة بالتداني # جزء : 3 رقم الصفحة : 17 # قلت : دخلت النون في (لا تصيبن) ؛ لأنه في معنى النهي ، على حد قوله : ~~{لا يحطمنكم سليمان} [النمل : 18] انظر البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : {واتقوا فتنة} ، إن نزلت {لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة} ، بل تعم الظالم وغيره ، ثم يبعث الناس على نيتهم ، وذلك كإقرار ~~المنكر بين أظهركم ، والمداهنة في الأمر بالمعروف ، واقتراف الكبائر ، ~~وظهور البدع ، والتكاسل في الجهاد ، وعن الفرائض ، وغير ذلك من أنواع ~~الذنوب ، وفي الحديث : " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليعمنكم ~~الله بعذابه " أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة رضي الله عنها : ~~أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : " نعم ، إذا كثر الخبث ". قال القشيري. في ~~معنى الآية : احذروا أن ترتكبوا زلة توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها ، بل ~~يعم شؤمها من تعاطاها ومن لم يتعاطاها. وغير المجرم لا يؤخذ بجرم من أذنب ، ~~ولكن قد ينفرد واحد بجرم فيحمل أقوام من المختصين بفاعل هذا الجرم ، كأن ~~يتعصبوا له إذا أخذ بحكم ذلك الجرم ، فبعد ألا يكونوا ظالمين يصيرون ms0890 ظالمين ~~بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم ؛ فتكون فتنة لا تختص بمن كان ظالما في الحا ~~ل ، بل تصيب أيضا ظالما في المستقبل ؛ بسبب تعصبه لهذا الظالم ، ورضاه به. ~~ه. وسيأتي تمامه في الإشارة. # 19 PageV03P028 ~~وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وطلحة والزبير ، ~~وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل.ه. قال تعالى ؛ {واعلموا أن الله شديد ~~العقاب} لمن ارتكب معاصيه وتسبب في فتنة غيره. # الإشارة : في القشيري ، لما تكلم على تفسير الظاهر ، قال : وأما من جهة ~~الإشارة فإن العبد إذا باشر زلة بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة ، وهي ~~العقوبة المعجلة ، ونصيب النفس من الفتنة العقوبة ، والقلب إذا حصلت منه ~~فتنة ، وهو همه بما لا يجوز ، تعدت فتنته إلى السر وهي الحجبة. وكذلك ~~المقدم في شأنه ، إذا فعل ما لا يجوز ، انقطعت البركات التي كانت تتعدى منه ~~إلى متبعيه وتلامذته ، فكان انقطاع تلك البركات عنهم نصيبهم من الفتنة ، ~~وهم لم يعملوا ذنبا ، ويقال : إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر ~~أصابتهم فتنة بتركهم الإنكار عليهم فيما فعلوا من الإجرام. # جزء : 3 رقم الصفحة : 19 # ثم قال : ويقال : إن الزاهد إذا انحط إلى رخصة الشرع في اخذ الزيادة من ~~الدنيا بما فوق الكفاية وإن كانت من وجه حلال تعدت فتنته إلى من يتخرج ~~على يديه من المبتدئين ، فيحمله على ما رأى منه على الرغبة في الدنيا ، ~~وترك التقلل ، فيؤديه إلى الانهماك في أودية الغفلة في الأشغال الدنيوية ، ~~والعابد إذا جنح إلى سوء ترك الأوراد تعدى ذلك إلى ما كان ينشط في المجاهدة ~~به ، ويتوطن الكسل ، ثم يحمله الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات ~~فيصير كما قيل : # إن الشباب والفراغ والجدة # مفسدة للمرء أي مفسده PageV03P029 ~~فهذا يكون نصيبهم من الفتنة ، والعارف إذا رجع إلى ما فيه حظ له ، نظر إليه ~~المريد فتتداخله فتنة فترة فيما هو به من الصدق المنازلة ، فيكون ذلك نصيبه ~~من فتنة العارف. وبالجملة : إذا غفل الملك ، وتشاغل عن سياسة رعيته ، تعطل ~~الجند والرعية ms0891 ، وعظم فيهم الخلل والبلية ، وفي معناه أنشدوا : # رعاتك ضيعوا بالجهل منهم # غنيمات فساستها ذئاب # انتهى كلامه رضي الله عنه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 19 # يقول الحق جل جلاله : {واذكروا إذ أنتم قليل} أي ؛ اذكروا هذه النعمة ، حيث # 20 # كنتم بمكة وأنتم قليل عددكم مع كثرة عدوكم ، {مستضعفون في الأرض} أي : ~~أرض مكة ، يستضعفكم قريش ويعذبونكم ويضيقون عليكم ، {تخافون أن يتخطفكم ~~الناس} أي : قريش ، أو من عداهم ، {فآواكم} إلى المدينة ، وجعلها لكم مأوى ~~تتحصنون بها من أعدائكم ، {وأيدكم} أي : قواكم {بنصره} على الكفار ، أو ~~بمظاهرة الأنصار ، أو بإمداد الملائكة يوم بدر ، {ورزقكم من الطيبات} ؛ من ~~الغنائم ، {لعلكم تشكرون} هذه النعم. # والخطاب للمهاجرين ، وقيل : للعرب كافة ؛ فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس ~~والروم ، يخافون أن يتخطفهم الناس من كثرة الفتن ، فكان القوي يأكل الضعيف ~~منهم ، فآواهم الله إلى الإسلام ، فحصل بينهم الأمن والأمان ، وأيدهم بنصره ~~، حيث نصرهم على جميع الأديان ، وأعزهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ورزقهم ~~من الطيبات ، حيث فتح عليهم البلاد ، وملكوا ملك فارس والروم ، فملكوا ~~ديارهم وأموالهم ، ونكحوا نساءهم وبناتهم ، لعلهم يشكرون. PageV03P030 # الإشارة : التذكير بهذه النعمة يتوجه إلى خصوص هذه الأمة ، وهم الفقراء ~~المتوجهون إلى الله ، فهم قليل في كل زمان ، مستضعفون في كل أوان ، حتى إذا ~~تمكنوا وتهذبوا ، وطهروا من البقايا من عليهم بالنصر والعز والتأييد ، كما ~~وعدهم بقوله : {ونريد أن نمن على الذين فى الأرض...} [القصص : 5] الآية ، ~~والغالب عليهم شكر هذه النعم ، لما خصهم به من كمال المعرفة. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 20 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله} ؛ بتضييع ~~أوامره ، وارتكاب نواهيه ، {والرسول} ؛ بمخالفة أمره وترك سنته ، أو ~~بالغلول في الغنائم ، أو بأن تبطنوا خلاف ما تظهرون. # قيل : نزلت في أبي لبابة في قصة بني قريظة. روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~حاصرهم إحدى وعشرين ليلة ، فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير ، على ~~أن يصيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من الشام ، فأبى إلا أن ينزلوا على ~~حكم ms0892 سعد بن معاذ ، فأبوا وقالوا : أرسل لنا أبا لبابة ، وكان مناصحا لهم ؛ ~~لأن عياله وماله في أيديهم ، فبعثه إليهم ، فقالوا : ما ترى ؟ هل ننزل على ~~حكم سعد ؟ فأشار إلى حلقه ، أنه الذبح ، فقال أبو لبابة : فما زالت قدماي ~~حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله ، فنزل وشد نفسه إلى سارية في المسجد ، ~~وقال : والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت ، أو يتوب الله علي ، فمكث # 21 PageV03P031 ~~سبعة أيام حتى خر مغشيا عليه ، ثم تاب الله فقيل له ؛ تيب عليك فحل نفسك ، ~~فقال : لا والله أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي ~~يحلني ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله ، فقال صلى الله عليه وسلم ~~هو الذي يحلني ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله ، فقال : إن من ~~تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أنخلع من مالي ، ~~فقال صلى الله عليه وسلم : " يجزيك الثلث أن تتصدق به ". ثم قال تعالى : ~~{وتخونوا أماناتكم} فيما بينكم ، أو فيما أسر الرسول إليكم من السر فتفشوه ~~، {وأنتم تعلمون} أن الخيانة ليست من شأن الكرام ، بل هي من شأن اللئام ، ~~كما قال الشاعر : # لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة # فالسر عند خيار الناس مكتوم # أو : وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 21 # واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} ؛ لأنه سبب الوقوع في الإثم والعقاب ~~، أو محنة من الله ليبلوكم فيها ، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة ، كما فعل ~~أبو لبابة. {وأن الله عنده أجر عظيم} لمن آثر رضا الله ومحبته عليهم ، ~~وراعى حدود الله فيهم ، فعلقوا هممكم بما يؤديكم إلى أجره العظيم ، ورضاه ~~العميم ، حتى تفوزوا بالخير الجسيم. # الإشارة : خيانة الله ورسوله تكون بإظهار الموافقة وإبطان المخالفة ، ~~بحيث يكون ظاهره حسن وباطنه قبيح ، وهذا من أقبح الخيانة ، وينخرط فيه ~~إبطان الاعتراض على المشايخ وإظهار الوفاق ، فمن فعل ذلك فسيف الشريعة فوق ~~رأسه ، إذا كان سالكا غير مجذوب ، لأن من أفشى سر ms0893 الملك استحق القتل ، وكان ~~خائنا ، ومن كان خائنا لا يؤمن على السر ، فهو حقيق أن ينزع منه ، إن لم ~~يقتل أو يتب ، ولله در القائل : # سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي PageV03P032 ~~ولا أنثر الدر النفيس على البهم # فإن قدر الله الكريم بلطفه # ولا أهلا للعلوم وللحكم # بذلت علومي واستنفدت علومهم # وإلا فمخزون لدي ومكتتم # جزء : 3 رقم الصفحة : 21 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله} ، كما أمركم ، ~~{يجعل لكم فرقانا} ؛ نورا في قلوبكم ، تفرقون به بين الحق والباطل ، والحسن ~~والقبيح. قال ابن # 22 # جزي : وذلك دليل على أن التقوى تنور القلب ، وتشرح الصدر ، وتزيد في ~~العلم والمعرفة. ه. أو : نصرا يفرق بين المحق والمبطل ؛ بإعزاز المؤمنين ~~وإذلال الكافرين ، أو مخرجا من الشبهات ، أو نجاة مما تحذرون في الدارين من ~~المكروهات ، أو ظهورا يشهر أمركم ويثبت صيتكم ، من قولهم : فرقان الصبح ، ~~أي نوره ، {ويكفر عنكم سيئاتكم} أي : يسترها ، فلا يفضحكم يوم القيامة ، ~~{ويغفر لكم} ؛ يتجاوز عن مساوئكم ، أو يكفر صغائركم ويغفر كبائركم ، أو ~~يكفر ما تقدم ويغفر ما تأخر ، {والله ذوالفضل العظيم} ، ففضله أعظم من كل ~~ذنب ، وفيه تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان ، لا أن ~~تقواهم أو جبت ذلك عليه ، كالسيد إذا ما وعده عبده أن يعطيه شيئا في مقابلة ~~عمل امره به ، مع أنه واجب عليه لا محيد له عند. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الفرقان الذي يلقيه الله في قلوب المتقين من المتوجهين هو نور ~~الواردات الإلهية ، التي ترد على القلوب من حضرة الغيوب ، وهي ثلاثة أقسام ~~: وارد الانتباه : وهو نور يفرق به بين الغفلة واليقظة ، وبين البطالة ~~والنهوض إلى الطاعة ، فيترك غفلته وهواه ، وينهض إلى مولاه ، ووارد الإقبال ~~: وهو نور يفرق به بين الوقوف مع ظلمة الحجاب وبين السير إلى شهود الأحباب ~~، ووارد الوصال : وهو نور يفرق به بين ظلمة الأكوان ، ونور الشهود ، أو بين ~~ظلمة سحاب الأثر وشهود شمس العرفان. PageV03P033 # وإلى هذه الواردات الثلاثة أشار في الحكم ms0894 بقوله : " إنما أورد عليك الوارد ~~لتكون به عليه واردا ، أورد عليك الوارد ليسلمك من يد الأغيار ، ويحررك من ~~رق الآثار ، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك ". # جزء : 3 رقم الصفحة : 22 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر ، يا محمد ، نعمة الله عليك بحفظه ورعايته ~~لك {إذ يمكر بك الذين كفروا} من قريش ، حين اجتمعوا في دار الندوة ~~{ليثبتوك} أي : يحبسوك في الوثاق والسجن {أو يقتلوك} بسيوفهم ، {أو يخرجوك} ~~من مكة. # وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~، خافوا على أنفسهم ، واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره ، فدخل ~~عليهم إبليس في صورة شيخ ، وقال : أنا من نجد ، سمعت اجتماعكم فأردت أن ~~أحضركم ، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا ، فقال أبو البحتري : أرى أن تحبسوه في ~~بيت ، وتسدوا منافذه ، غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه فيها ، حتى يموت ، ~~فقال الشيخ : بئس الرأي ، يأتيكم من يقاتلكم من قومه ، ويخلصه من # 23 # أيديكم. فقال هشام بن عمرو : أرى أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم ، ~~فلا يضركم ما صنع ، فقال الشيخ : بئس الرأي ، يفسد قوما غيركم ويقاتلكم ~~بهم. فقال أبو جهل : أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما ، وتعطوه سيفا ، ~~فتضربوه ضربة واحدة ، فيتفرق دمه في القبائل ، فلا يقوى بنو هاشم على حرب ~~قريش كلهم ، فإن طلبوا العقل عقلناه. فقال الشيخ : صدق هذا الفتى ، فتفرقوا ~~على رأيه ، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر ، وأمره ~~بالهجرة فبيت عليا رضي الله عنه على مضجعه ، وخرج مع أبي بكر إلى الغار ، ~~ثم سافر مهاجرا إلى المدينة. PageV03P034 # قال تعالى : {ويمكرون ويمكر الله} ؛ برد مكرهم عليهم ، أو مجازاتهم عليه ، ~~أو بمعاملة الماكرين معهم ، بأن أخرجهم إلى بدر ، وقلل المسلمين في أعينهم ~~، حتى تجرأوا على قتالهم ، فقتلوا وأسروا ، {والله خير الماكرين} ؛ إذ لا ~~يؤبه بمكرهم دون مكره ، وإسناد أمثال هذا مما يحسن للمزاوجة ، ولا يجوز ~~إطلاقها ابتداء ؛ لما فيه من إيهام الذم. قاله البيضاوي. # الإشارة : وإذ يمكر ms0895 بك أيها القلب الذين كفروا ، وهم القواطع من العلائق ~~والحظوظ والشهوات ، ليحبسوك في سجن الأكوان ، مسجونا بمحيطاتك ، محصورا في ~~هيكل ذاتك ، أو يقتلوك بالغفلة والجهل وتوارد الخواطر والأوهام ، أو يخرجوك ~~من حضرة ربك إلى شهود نفسك ، أو من صحبة العارفين إلى مخالطة الغافلين ، أو ~~من حصن طاعته إلى محل الهلاك من موطن معصيته ، أو من دائرة الإسلام إلى ~~الزيغ والإلحاد ، عائذا بالله من المحن ، والله خير الماكرين ، فيرد كيد ~~الماكرين ، وينصر أولياءه المتوجهين والواصلين ، وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 23 # قلت : " إذا " : ظرفية شرطية ، خافضة لشرطها ، معمولة لجوابها ، أي قالوا ~~وقت تلاوة الآيات : لو نشاء... لخ. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا تتلى عليهم آياتنا} القرآنية {قالوا قد ~~سمعنا} ما تتلوه علينا {لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين} ~~أي : اخبارهم المسطورة أو أكاذيبهم المختلقة. قال البيضاوي ؛ وهذا قول ~~النضر بن الحارث ، وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم ، ~~فإنه كان قاصهم ، أي : يقص عليهم أخبار فارس والروم ، فإذا سمع القرآن يقص ~~أخبار الأنبياء قال : لو شئت لقلت مثل هذا ، أو قول الذين ائتمروا # 24 PageV03P035 ~~في شأنه : وهذا غاية مكائدهم ، وفرط عنادهم ، إذ لو استطاعوا ذلك لسارعوا ~~إليه ، فما منعهم أن يشاؤوا وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين ، ثم قارعهم ~~بالسيف ، فلم يعارضوا ، مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا ، خصوصا في باب ~~البيان ؟ ه. بالمعنى. # الإشارة : هذه المقالة بقيت سنة في أهل الإنكار على أهل الخصوصية ، إذا ~~سمعوا منهم علوما لدنية ، أو أسرارا ربانية ، أو حكما قدسية ، قالوا : لو ~~نشاء لقلنا مثل هذا ، وهم لا يقدرون على كلمة واحدة من تلك الأسرار ، وهذا ~~الغالب على المعاصرين لأهل الخصوصية ، دون من تأخر عنهم ، فإنهم مغرورون ~~عنده {ولن تجد لسنت الله تحويلا} [فاطر : 43]. # جزء : 3 رقم الصفحة : 24 # قلت : " الحق " : خبر كان. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ قالوا اللهم إن كان هذا} الذي أتى به ~~محمد {هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} ms0896 ؛ كأصحاب لوط ، {أو ~~ائتنا بعذاب أليم} ، قيل : القائل هذا هو النضر بن الحارث ، وهو أبلغ في ~~الجحود. روي أنه لما قال : {إن هذا أساطير الأولين} ، قال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم : " ويلك إنه كلام الله " فقال هذه المقالة. والذي في صحيحي ~~البخاري ومسلم : أن القائل هو أبو جهل ، وقيل : سائر قريش لما كذبوا الني ~~صلى الله عليه وسلم دعوا على أنفسهم ، زيادة في تكذيبهم وعتوهم. وقال ~~الزمخشري : ليس بدعاء ، وإنما هو جحود ، أي : إن كان هو الحق فأمطر علينا ، ~~لكنه ليس بحق فلا تستوجب عقابا. بالمعنى. # الإشارة : قد وقعت هذه المقالة لبعض المنكرين على الأولياء ، فعجلت ~~عقوبته ، ولعل ذلك الولي لم تتسع دائرة حلمه ومعرفته ، وإلا لكان على قدم ~~نبيه صلى الله عليه وسلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 24 # 25 PageV03P036 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما كان الله ليعذبهم وأنت} موجود {فيهم} ، ونازل ~~بين أظهرهم ، وقد جعلتلك رحمة للعالمين ، خصوصا عشيرتك الأقربين ، {وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون} قيل : كانوا يقولون : غفرانك اللهم ، فلما تركوه ~~عذبوا يوم بدر ، وقيل : وفيهم من يستغفر ، وهو من بقي فيهم من المؤمنين ، ~~فلما هاجروا كلهم عذبوا ، وقيل : على الفرض والتقدير ، أي : ما كان الله ~~ليعذبهم لو آمنوا واستغفروا. # قال بعض السلف : كان لنا أمانان من العذاب : النبي صلى الله عليه وسلم ~~والاستغفار ، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم ذهب الأمان الواحد وبقي ~~الآخر ، والمقصود من الآية : بيان ما كان الموجب لإمهاله لهم والتوقف على ~~إجابة دعائهم ، وهو وجوده صلى الله عليه وسلم أو من يستغفر فيهم. # ثم قال تعالى : {وما لهم ألا يعذبهم الله} أي : وأي شيء يمنع من عذابهم ؟ ~~وكيف لا يعذبون {وهم يصدون} الناس {عن المسجد الحرام} ؟ أي : يمنعون ~~المتقين من المسجد الحرام ، ويصدون رسوله عن الوصول إليه. {وما كانوا ~~أولياءه} المستحقين لولايته مع شركهم وكفرهم ، وهو رد لما كانوا يقولون : ~~نحن ولاة البيت الحرام ؛ فنصد من نشاء وندخل من نشاء. قال تعالى : {إن ~~أولياؤه إلا المتقون} أي : ما المستحقون لولايته ms0897 إلا المتقون ، الذين يتقون ~~الشرك والمعاصي ولا يعبدون فيه إلا الله ، ويعظمونه ، حق تعظيمه. {ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون} أن لا ولاية لهم عليه ، وإنما الولاية لأهل الإيمان ، ~~وكأنه نبه بالأكثر على أن منهم من يعلم ذلك ويعاند أو أراد به الكل ، كما ~~يراد بالقلة العدم. قاله البيضاوي. PageV03P037 # الإشارة : قد جعل الله رسوله صلى الله عليه وسلم أمانا لأمته ما دام حيا ، ~~فلما مات صلى الله عليه وسلم بقيت سنته أمانا لأمته ، فإذا أميتت سنته ~~أتاهم ما يوعدون من البلاء والفتن ، وكذلك خواص خلفائه ، وهم العارفون ~~الكبار ، فوجودهم أمان للناس. فقد قالوا : إن الإقليم الذي يكون فيه القطب ~~لا يصيبه قحط ولا بلاء ، ولا هرج ولا فتن ؛ لأنه أمان لذلك الإقليم ، خلافة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 25 # يقول الحق جل جلاله : {وما كان صلاتهم} التي يصلونها في بيت الله الحرام ~~، ويسمونها صلاة ، أو ما يضعون موضعها ، {إلا مكاء} أي : تصفيرا بالفم ، ~~كما يفعله الرعاة ، {وتصدية} أي : تصفيقا باليد ، الذي هو من شأن النساء ، ~~مأخوذ من الصدى ، وهو صوت الجبال والجدران. قال ابن جزي : كانوا يفعلون ذلك ~~إذا صلى المسلمون ، # 26 # ليخلطوا عليهم صلاتهم. # وقال البيضاوي : روي أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة ، الرجال والنساء ، ~~مشبكين بين أصابعهم ، يصفرون فيها ويصفقون ، وقيل : كانوا يفعلون ذلك إذا ~~أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ، يخلطون عليه ، ويرون أنهم يصلون ~~أيضا ، ومساق الآية : تقرير استحقاقهم العذاب المتقدم في قوله : {وما لهم ~~ألا يعذبهم الله} ، أو عدم ولايتهم للمسجد ، فإنها لا تليق بمن هذه ~~صلاته.ه. # قال تعالى : {فذوقوا العذاب} الذي طلبتم ، وهو القتل والأسر يوم بدر ، ~~فاللام للعهد ، والمعهود : (أو ائتنا بعذاب أليم) ، أو عذاب الآخرة ، {بما ~~كنتم تكفرون} أي : بسبب كفركم اعتقادا وعملا. # الإشارة : وما كان صلاة أهل الغفلة عند بيت قلوبهم إلا ملعبة للخواطر ~~والهواجس ، وتصفيقا للوسواس والشيطان ، وذلك لخراب بواطنهم من النور ، حتى ~~سكنتها الشياطين واستحوذت عليها ، والعياذ بالله ، فيقال لهم : ذوقوا ms0898 عذاب ~~الحجاب والقطيعة ، بما كنتم تكفرون بطريق الخصوص وتبعدون عنهم. والله تعالى أعلم. PageV03P038 # جزء : 3 رقم الصفحة : 26 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا} بذلك {عن ~~سبيل الله} ، ويحاربون الله ورسوله. قيل : نزلت في أصحاب العير ؛ فإنه لما ~~أصيب قريش ببدر قيل لهم : أعينوا بهذا المال على حرب محمد ، لعلنا ندرك منه ~~ثأرنا ، ففعلوا ، وقيل : في المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثني عشر رجلا من ~~قريش ، يطعم كل واحد منهم ، كل يوم ، عشر جزر ، وقيل : في أبي سفيان ، ~~استأجر ليوم أحد ألفين من العرب ، وأنفق عليهم أربعين أوقية. # قال تعالى : {فسينفقونها} بتمامها ، {ثم تكون عليهم حسرة} يتأسفون على ~~إنفاقها من غير فائدة ، فيصير إنفاقها ندما وغما ، لفواتها من غير حصول ~~المقصود ، وجعل ذاتها # 27 # تصير حسرة ، وهي عاقبة إنفاقها ؛ مبالغة. قال البيضاوي : ولعل الأول ~~إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال ، وهو إنفاق بدر ، والثاني عن إنفاقها فيما ~~يستقبل ، وهو إنفاق غزوة أحد ، ويحتمل أن يراد بهما واحد ، على أن مساق ~~الأول لبيان غرض الإنفاق ، ومساق الثاني لبيان عاقبته ، وهو لم يقع بعد. ه. ~~قلت : وهذا الأخير هو الأحسن. # ثم ذكر وعيدهم فقال : {والذين كفروا} أي ؛ الذين ثبتوا على الكفر منهم ؛ ~~إذ أسلم بعضهم ، {إلى جهنم يحشرون} ؛ يضمون ويساقون ، {ليميز الله الخبيث ~~من الطيب} ؛ الكافرين من المؤمنين ، أو الفساد من الصلاح ، أو ما أنفقه ~~المشركون في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أنفقه المسلمون في ~~نصرته ، أي : حشرهم إليه ليفرق بين الخبيث والطيب ، {يجعل الخبيث بعضه على ~~بعض فيركمه} أي : يجمعه ، أو يضم بعضه إلى بعض ، حتى يتراكمون من فرط ~~ازدحامهم ، {فيجعله في جهنم} كله ، {أولئك هم الخاسرون} الكاملون في ~~الخسران ، لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم ، والإشارة تعود على الخبيث ؛ لأنه ~~بمعنى الفريق الخبيث ، أو على المنفقين ليصدوا عن سبيل الله. والله تعالى أعلم. PageV03P039 # الإشارة : كل من أنفق ماله في لهو الدنيا ، وفرجتها ، من غير قصد حسن ، بل ~~لمجرد الحظ والهوى ، تكون عليه حسرة وندامة ، تنقضي لذاته ms0899 وتبقى تبعاته ، ~~وهو من كفران نعمة المال ، فهو معرض للزوال ، وإن بقي فهو استدراج ، وعلامة ~~إنفاقه في الهوى : أنه أتاه فقير يسأله درهما منعه ، وينفق في النزهة ~~والفرجة الثلاثين والأربعين ، فهذا يكون إنفاقه حسرة عليه ، والعياذ بالله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 27 # يقول الحق جل جلاله : {قل للذين كفروا} ؛ كقريش وغيرهم : {إن ينتهوا} عن ~~الكفر ومعاداة الرسول بالدخول في الإسلام ، {يغفر لهم ما قد سلف} من ذنوبهم ~~، ولو عظمت ، {وإن يعودوا} إلى الكفر وقتاله {فقد مضت سنت الأولين} أي : ~~مضت عادتي مع الذين تحزبوا على الأنبياء بالتدمير والهلاك ، كعاد وثمود ~~وأضرابهم ، وكما فعل بهم يوم بدر ، فليتوقعوا مثل ذلك ، وهو تهديد وتخويف. # الإشارة : قل للمنهمكين في الذنوب والمعاصي : لا تقنطوا من رحمتي ، فإني ~~لا يتعاظمني ذنب أغفره ، فإن تنتهوا أغفر لكم ما قد سلف ، وأنشدوا : # يستوجب العفو الفتى ، إذا اعترف # بما جنى ، وما أتى ، وما اقترف # لقوله : (قل للذين كفروا # إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) # 28 # وللشافعي رضي الله عنه : # فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي # جعلت الرجا مني لعفوك سلما # تعاظمني ذنبي ، فلما قرنته # بعفوك ربي ، كان عفوك أعظما # فما زلت ذا جود وفضل ومنة # تجود وتعفو منه وتكرما # فإن لم ينته المنهمك في الهوى فقد مضت سنة الله فيه ؛ بالطرد والإبعاد ، ~~ويخاف عليه سوء الختام ، والعياذ بالله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 28 PageV03P040 ~~يقول الحق جل جلاله : وقاتلوا من لم ينته عن كفره {حتى لا تكون فتنة} ، أي ~~: حتى لا يوجد منهم شرك ، فهو كقوله عليه السلام : " أمرت أن أقاتل حتى ~~يقولوا : لا إله إلا الله ". {ويكون الدين كله لله} بحيث تضمحل الأديان ~~الباطلة ويظهر الدين الحق ، {فإن انتهوا} عن الكفر وأسلموا ، {فإن الله بما ~~يعملون بصير} ؛ فيجازيهم على انتهائهم ، وقرأ يعقوب بتاء الخطاب ؛ على معنى ~~: {فإن الله بما تعملون} يا معشر المسلمين ؛ من الجهاد ، والدعوة إلى ~~الإسلام ، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، {بصير} فيجازيهم ، ~~ويضاعف أجوركم بمن أسلم على أيديكم. # {وإن تولوا} ، ولم ينتهوا عن ms0900 كفرهم ، {فاعلموا أن الله مولاكم} ؛ ناصركم ~~، فثقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم ، {نعم المولى} ؛ فلا يضيع من تولاه ، ~~{ونعم النصير} ؛ فلا يغلب من نصره. # الإشارة : يؤمر المريد بجهاد القواطع والعلائق والخواطر ، حتى لا يبقى في ~~قلبه فتنة بشيء من الحس ، ويكون القلب كله لله ، فإن انتهت القواطع فإن ~~الله بصير به ، يجازيه على جهاده ، ومجازاته : إدخال الحضرة المقدسة ، مع ~~المقربين ، وإن لم ينته فليستمر على مجاهداته وانقطاعه إلى ربه ، وليستنصر ~~به في مجاهدته ، فإن الله مولاه وناصره ، وهو نعم # 29 # المولى ونعم النصير. # جزء : 3 رقم الصفحة : 29 # قلت : (فأن لله) : مبتدأ حذف خبره ، أي : فكون خمسة لله ثابت ، أو خبر ، ~~أي : فالواجب كون خمسه لله. PageV03P041 # يقول الحق جل جلاله : {واعلموا أنما غنمتم من شيء} مما أخذتموه من الكفار ؛ ~~قهرا بالقتال ، لا الذي هربوا عنه بلا قتال ، فكله للإمام فيء ، يأخذ حاجته ~~ويصرف باقيه في مصالح المسلمين ، ولا الذي طرحه العدو خوف الغرق ، فلواجده ~~، بلا تخميس ، وكذا ما أخذه من كان ببلاد العرب على وجه التلصيص ، فأما ما ~~أخذه بالقتال : فلله {خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل} ؛ الجمهور على أن ذكر الله للتعظيم كقوله : {والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه} [التوبة : 62] ، وإنما المراد : قسم الخمس على الخمسة الباقية. # واختلف العلماء في الخمسة ، فقال مالك : الرأي للإمام ، يلحقه ببيت الفيء ~~، ويعطي من ذلك البيت لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه ، كما ~~يعطي منه اليتامى والمساكين ، وغيرهم ، وإنما ذكر من ذكر على جهة التنبيه ~~عليهم ، لأنهم من أهم ما يدفع إليهم. وقال الشافعي : يعطي للخمسة المعطوفة ~~على (الله) ، ولا يجعل لله سهما مختصا ، وإنما ذكر ابتداء تعظيما ، لأن ~~الكل ملكه ، وسهم الرسول يأخذه الإمام ، يصرفه في المصالح ، فيعطي للأربعة ~~المعطوفة على الرسول ، ويفضل أهل الحاجة. قال مالك : لا يجب التعميم ، فله ~~أن يعطي الأحوج ، وإن حرم غيره ، ومبني الخلاف : هل اللام لبيان المصرف أو ~~للاستحقاق ، كما في آية الزكاة. # وقال أبو حنيفة : على ثلاثة أسهم ، لليتامى والمساكين وابن السبيل ms0901 ، قال ~~: وسقط الرسول وذوو القربى بوفاته عليه الصلاة والسلام. وقال أبو العالية : ~~يقسم على ستة ، أخذا بظاهر الآية ، ويصرف سهم الله إلى الكعبة ، وسهم ~~الرسول في مصالح المسلمين ، وسهم ذوي القربى لأهل البيت الذين لا تحل لهم ~~الزكاة ، ثم يعطى سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل. # قال البيضاوي : وذوو القربى : بنو هاشم ، وبنو المطلب ، لما روي : أنه ~~صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذوي القربى عليهما ، فقال عثمان وجبير بن مطعم ~~: هؤلاء إخوانك بنو هاشم لا ننكر # 30 PageV03P042 ~~فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم ، أرأيت إخواننا من بني المطلب ، أعطيتهم ~~وحرمتنا ، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " إنهم ~~لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام " وشبك بين أصابعه. وقيل : بنو هاشم ~~وحدهم. قلت : وهو مشهور مذهب مالك وقيل : جميع قريش.ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 30 # ثم قال تعالى : {إن كنتم آمنتم بالله} ، أي : إن كنتم آمنتم بالله ~~فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء ، فسلموه إليه ، واقنعوا بالأخماس الأربعة ، ~~{وما} وكذا إن كنتم آمنتم بما {أنزلنا على عبدنا} محمد صلى الله عليه وسلم ~~من القرآن ، في شأن الأنفال ، ومن النصر والملائكة ، {يوم الفرقان} ؛ يوم ~~بدر ، فإنه فرق فيه بين الحق والباطل ، {يوم التقى الجمعان} ؛ المسلمون ~~والكفار ، {والله على كل شيء قدير} ؛ فيقدر على نصر القليل على الكثير ، ~~بالإمداد بالملائكة ، وبلا إمداد ، ولكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والوسائط ~~، والله حكيم عليم. الإشارة : واعلموا أنما غنمتم من شيء من العلوم اللدنية ~~، والمواهب القدسية ، والأسرار الربانية ، بعد مجاهدة العلائق والعوائق ، ~~حتى صار دين القلب كله لله ، فلله خمسه ؛ فناء ، وللرسول ؛ بقاء ، ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ؛ تعظيما وآدابا. يعني : أن العلم ~~بالله يقتضي بهذه الوظائف : الفناء في الله ، بالغيبة عما سواه ، وشهود ~~الداعي الأعظم ، وهو رسول الله ، والأدب مع عباد الله ، ليتحقق الأدب مع ~~الله. ثم تعالى أعلم بأسرار كتابه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 30 PageV03P043 ~~قلت : (إذ) : بدل من (يوم الفرقان) ، أو ظرف لالتقى ، أو لاذكر ، محذوفة ، ~~والعدوة مثلث العين : شاطئ الوادي و(الدنيا) ms0902 أي : القربى ، نعت له ، ~~و(القصوى) : تأنيث الأقصى ، وكان قياسه : قلب الواو ياء ، كالدنيا والعليا ~~؛ تفرقة بين الاسم والصفة ، فجاء # 31 # على الأصل ، كالقود ، وسمع فيه : " القصيا " على الأصل ، وهو شاذ. ~~و(الركب) : مبتدأ ، و(أسفل) : ظرف خبره. # يقول الحق جل جلاله : واذكروا {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} أي ؛ بعدوة ~~الوادي القريبة من المدينة ، {وهم} أي : كفار قريش ، {بالعدوة القصوى} أي : ~~البعيدة منها ، {والركب} أي : العير التي قصدتكم ، {أسفل منكم} أي : في ~~مكان أسفل منكم ، يعني الساحل ، ثم جمع الله بينكم على غير ميعاد ، {ولو ~~تواعدتم} لهذا الجمع ، أنتم وهم للقتال ، ثم علمتم حالكم وحالهم {لاختلفتم ~~في الميعاد} ؛ هيبة منهم ؛ لكثرتهم وقلتكم ، لتتحققوا أن ما اتفق لكم من ~~الفتح والظفر ليس إلا صنيعا من الله تعالى خارقا للعادة ، فتزدادوا إيمانا ~~وشكرا ، {ولكن} الله جمع بينكم من غير ميعاد ؛ {ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا} ؛ سابقا في الأزل ، وهو نصر أوليائه وقهرا أعدائه في ذلك اليوم ، ~~لا يختلف عنه ساعة.>> {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} ، أي : ~~قدر ذلك الأمر العجيب ليموت من يموت عن بينة عاينها ، ويعيش من يعيش عن حجة ~~شاهدها ، لئلا يكون له حجة ومعذرة ، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة ، فكل ~~من عاينها ولم يؤمن قامت الحجة عليه. أو ليهلك بالكفر من هلك عن بينة وحجة ~~قائمة عليه ، ويحيى بالإيمان من حي به عن بينة من ربه ، {وإن الله لسميع ~~عليم} بكفر من كفر وإيمان من أمن ، فيجازي كلا على فعله. ولعل الجمع بين ~~صفة السمع والعلم ؛ لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 31 PageV03P044 ~~واذكر أيضا {إذ يريكهم الله في منامك قليلا} ، كان صلى الله عليه وسلم قد ~~رأى الكفار في نومه قليلا ، فأخبر بذلك أصحابه ، فقويت نفوسهم وتجرؤوا على ~~قتالهم ، وكانوا قليلا في المعنى ، {ولو أراكهم كثيرا} في الحس {لفشلتم} ~~لجبنتم ، {ولتنازعتم في الأمر} ؛ في أمر القتال ، وتفرقت آراؤكم ، {ولكن ~~الله سلم} أي : أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع ؛ {إنه عليم بذات الصدور} ~~أي : يعلم ms0903 ما يكون فيها من الخواطر وما يغير أحوالها. # {و} اذكر أيضا {إذ يريكموهم} أي : يريكم الله الكفار ، {إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا} ، حتى قال ابن مسعود لمن إلى جنبه : أتراهم سبعين ؟ فقال : ~~أراهم مائة ، تثبتا وتصديقا لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم ، {ويقللكم في ~~أعينهم} ، حتى قال أبو جهل : إن محمدا وأصحابه أكله جزور بفتح الهمزة ~~والكاف جمع آكل ، أي : قدر ما يكفيهم جذور في أكلهم. قال البيضاوي : ~~قللهم في أعينهم قبل التحام القتال ؛ ليجترئوا عليهم ولا يستعدوا لهم ، ثم ~~كثرهم حين رأوهم مثليهم ؛ لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم ، وهذا من ~~عظائم آيات الله في تلك الوقعة ، فإن البصر ، وإن كان قد يرى الكثير قليلا ~~والقليل كثيرا ، # 32 # لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد ، وإنما يتصور ذلك بصد الله ~~الأبصار عن إبصار بعض ، مع التساوي في المرئي. ه. PageV03P045 # وإنما فعل ذلك في الجهتين ؛ {ليقضي الله أمرا كان مفعولا} أي : ليظهر الله ~~أمرا كان سبق به القضاء والقدر ، فكان مفعولا في سابق العلم ، لا محيد عنه ~~، ومن شأن الحكمة إظهار الأسباب والعلل ، كما أن من شأن القدرة إبراز ما ~~سبق في الأزل ، وإنما كرره ؛ لاختلاف الفعل المعلل به ؛ لأن الأول علة ~~لالتقائهم من غير ميعاد ، وهنا لتقليلهم في أعين الكفرة ، أو للتنبيه على ~~أن المطلوب من العبد هو النظر إلى سابق القدر ، ليخف عليه ما يبرز منه من ~~الشدائد والأهوال ، ولذلك قال أثره : {وإلى الله ترجع الأمور} ، وإذا كانت ~~الأمور كلها راجعة إلى الله تعالى فلا يسع العبد إلا الرضا والتسليم لكل ما ~~يبرز منها ، فكل ما يبرز من عند الحبيب حبيب. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الأرواح والأسرار بالعدوة القريبة من بحر الحقائق ، ليس بينها ~~وبينه إلا إظهار أدب العبودية ، وهو الذي بين بحر الحقيقة والشريعة ، ~~والأنفس وسائر القواطع بالعدوة القصوى منه ، والقلب ، الذي هو الركب ~~المنازع فيه ، بينهما ، أسفل من الروح ، وفوق مقام النفس ، الروح تريد أن ~~تجذبه إليها ليسكن الحضرة ، والنفس وجنودها تريد أن تميله إليها ms0904 ليسكن وطن ~~الغفلة معها ، والحرب بينهما سجال تارة ترد عليه الواردات الإلهية ، التي ~~هي جند الروح ، فتنزل عليه بغتة من غير ميعاد ، فتجذبه إلى الحضرة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 31 PageV03P046 ~~وتارة ترد عليه الخواطر والهواجس الردية فتحطه إلى أرض الحظوظ بغتة ، ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا في سابق علمه ، فإذا أراد الله عناية عبد قلل عنه مدد ~~الأغيار ، حتى يراها كل شيء ، وقواه بمدد الأنوار حتى يغيب عنه كل شيء ~~فتذهب عنه ظلمة الأغيار وإذا أراد الله خذلان عبد قطع عنه مدد الأنوار ، ~~وقوى عليه مدد الأغيار ، حتى ينحط إلى الدرك الأسفل من النار ، والعياذ ~~بالله من سوء القضاء والقدر ، وإليه الإشارة بقوله : {ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة} الآية. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 31 # قلت : (بطرا ورئاء) : مصدران في موضع الحال ، أي : بطرين ومراءين ، أو ~~مفعول لأجله ، و(ويصدون) : عطف على (بطرا) ؛ على الوجهين ، أي : صادين ، أو للصد. # 33 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها آمنوا إذا لقيتم فئة} ؛ جماعة من الكفار ~~عند الحرب {فاثبتوا} للقائهم ، ولا تفروا ، {واذكروا الله} في تلك الحال ~~سرا داعين له ، مستظهرين بذكره ، متوجهين لنصره ، معتمدين على حوله وقوته ، ~~غير ذاهلين عنه بهجوم الأحوال وشدائد الأهوال ؛ إذ لا يذكر الله تعالى في ~~ذلك الحال إلا الأبطال من الرجال {لعلكم تفلحون} بالظفر وعظيم النوال. قال ~~البيضاوي : وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي ألا يشغله شيء عن ذكر الله ، وأن ~~يلتجئ إليه عند الشدائد ويقبل عليه بشراشره ، فارغ البال ، واثقا بأن لطفه ~~لا ينفعك عنه في جميع الأحوال. ه. PageV03P047 # {وأطيعوا الله ورسوله} فيما يأمركم به وينهاكم عنه ؛ فإن الطاعة مفتاح ~~الخيرات ، {ولا تنازعوا} باختلاف الآراء كما فعلتم في شأن الأنفال ، ~~{فتفشلوا} وتجبنوا ، {وتذهب ريحكم} أي : ريح نصركم بانقطاع دولتكم ، شبه ~~النصر والدولة بهبوب الريح ؛ من حيث إنها تمشي على مرادها ، لا يقدر أحد أن ~~يردها ، وقيل : المراد بها الريح حقيقة ، فإن النصرة لا تكون إلا بريح ~~يبعثه الله من ناحية ms0905 المنصور تذهب إلى ناحية المخذول. وفي الحديث : " نصرت ~~بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور ". {واصبروا إن الله مع الصابرين} بالمعونة ~~والكلاءة والنصر. # {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم} ، يعني : أهل مكة ، خرجوا {بطرا} أي ~~: فخرا وشرا {ورئاء الناس} ؛ ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة ، وذلك أنهم ~~لما بلغوا الجحفة أتاهم رسول أبي سفيان ، يقول لهم : ارجعوا فقد سلمت عيركم ~~، فقال أبو جهل : لا والله حتى نأتي بدرا ، ونشرب بها الخمور ، وتغني علينا ~~القيان ، ونطعم بها من حضرنا من العرب ، فتسمع بنا سائر العرب ، فتهابنا ، ~~فوافوها ، ولكن سقوا بها كأس المنايا ، وناحت عليهم النوائح ؛ مما نزل بهم ~~من البلايا ، فنهى الله المؤمنين أن يكون أمثالهم بطرين مراءين ، وأمرهم أن ~~يكونوا أهل تقوى وإخلاص ، لأن النهي عن الشيء امر بضده. {ويصدون عن سبيل ~~الله} أي : خرجوا ليصدوا الناس عن طريق الله ، باتباع طريقهم ، {والله بما ~~يعملون محيط} فيجازيهم عليه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 33 # الإشارة : خاطب الله المتوجهين إليه ، السائرين إلى حضرته ، وأمرهم ~~بالثبوت ودوام السير ، وبالصبر ولزوم الذكر عند ملاقاة القواطع والشواغب ، ~~وكل ما يصدهم عن طريق الحضرة ، وذلك بالغيبة عنه والاشتغال بالله عنه ، ~~وعدم الإصغاء إلى خوضه وتكديره ، فمن صبر ظفر ، ومن دام على السير وصل ، ~~وأمرهم ايضا بطاعة الله ورسوله ، ومن يدلهم على # 34 PageV03P048 ~~الوصول إليه ، ممن هو خليفة عنه في أرضه ، وأمرهم بعدم المنازعة والملاججة ~~، فإن التنازع يوجب تفرق القلوب والأبدان ، ويوجب الفشل والوهن ، ويذهب ~~بريح النصر والإعزاز ، كما أن الوفاق يوجب النصر ودوام العز. # ونهاهم عن التشبه بأهل الخوض والتكدير ، ممن أولع بالطعن والتنكير ، بل ~~يكونون على خلافهم مخلصين في أعمالهم وأحوالهم ، دالين على الله ، داعين ~~إلى طريق الله ، يحببون الله إلى عباده ، ويحببون عباد الله إلى الله ، ~~وهذه صفة أهل الله. نفعنا الله بذكرهم. آمين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 33 # يقول الحق جل جلاله : {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} السيئة ، ومن جملتها ~~: خروجهم إلى حربك ؛ بأن وسوس لهم ، {وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني ~~جار لكم} قيل : قال ms0906 لهم ذلك مقالة نفسانية ، بأن ألقي في روعهم ، وخيل ~~إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون ، لكثرة عددهم وعددهم ، وأوهمهم أن ~~اتباعهم إياه في ذلك قربة مجيرة لهم من المكاره. # {فلما تراءت الفئتان} أي : تلاقي الفريقان ، ورأى بعضهم بعضا ، {نكص على ~~عقبيه} ؛ رجع القهقري ، أي : بطل كيده ، وعاد ما خيل لهم أنه مجير لهم سبب ~~هلاكهم ، {وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله} ، أي : ~~تبرأ منهم وخاف عليهم ، وأيس من حولهم ، لما رأى إمداد المسلمين بالملائكة. PageV03P049 # وقيل : إن هذه المقالة كانت حقيقة لسانية. روي أن قريشا لما اجتمعت على ~~المسير إلى بدر ، ذكرت ما بينهم وبين بني كنانة من العداوة ، فهموا بالرجوع ~~عن المسير ، فمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني ، وقال : لا ~~غالب لكم اليوم وإني جار لكم ، وإني مجيركم من بني كنانة ، فلما رأى ~~الملائكة تنزل نكص على عقبيه ، وكانت يده في يد الحارث بن هشام ، فقال له : ~~إلى أين ؟ أتخذلنا في هذه الحالة ؟ فقال : إني أرى ما لا ترون ، ودفع في ~~صدر الحارث ، فانطلق وانهزموا ، فلما بلغوا مكة ، قالوا : هزم الناس سراقة ~~، فبلغه ذلك ، فقال : والله ما شعرت بسيركم حتى بلغني هزيمتكم! فلما أسلموا ~~علموا أنه الشيطان. # وعلى هذا ، يحتمل أن يكون معنى قوله : {إني أخاف الله} أي : أخاف أن ~~يصيبني مكروها من الملائكة ، أو يهلكني ، ويكون هذا الوقت هو الوقت الموعود ~~، إذ رأى فيه ما # 35 # لم ير قبله. والأول : ما قاله الحسن ، واختاره ابن حجر. وقال الورتجبي : ~~أي : إني أخاف عذاب الله ، وذلك بعد رؤية البأس ، ولا ينفع ذلك ، ولو كان ~~متحققا في خوفه ما عصى الله طرفة عين. ه. # وذكر ابن حجر عن البيهقي ، عن علي كرم الله وجهه ، قال : هبت ريح شديدة ~~، فلم أر مثلها ، ثم هبت ريح شديدة ، وأظنه ذكر ثالثة ، فكانت الأولى جبريل ~~، والثانية : ميكائيل ، والثالثة : إسرافيل ، وكان ميكائيل عن يمين النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وفيها أبو بكر ، وإسرافيل عن يساره ، وأنا فيها. وعن ms0907 ~~علي ايضا : قيل لي ولأبي بكر يوم بدر : مع أحدكما جبريل ، ومع الآخر ~~ميكائيل وإسرافيل ملك عظيم يحضر لصف ويشهد القتال. انتهى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 35 # وقوله تعالى : {والله شديد العقاب} ، يجوز أن يكون من كلام إبليس ، وأن ~~يكون مستأنفا. PageV03P050 # الإشارة : عادة الشيطان مع العوام أن يغريهم على الطعن والإنكار على أولياء ~~الله ، وإيذائهم لهم ، فإذا رأى غيرة الله على أوليائه نكص على عقبيه ، ~~وقال : إني منكم بريء ؛ إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف الله ، والله شديد ~~العقاب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 35 # يقول الحق جل جلاله : واذكروا {إذ يقول المنافقون} من أهل المدينة ، أو ~~نفر من قريش كانوا أسلموا وبقوا بمكة ، فخرجوا يوم بدر مع الكفار ، منهم : ~~قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو القبس بن الفاكه بن المغيرة ، والحارث بن ~~ربيعة بن الأسود ، وعلي بن أمية بن خلف ، {و} هم {الذين في قلوبهم مرض} أي ~~: شك ؛ لم تطمئن قلوبهم ، بل بقي فيها شبهة ، قالوا : {غر هؤلاء دينهم} أي ~~: اغتر المسلمون بدينهم ، فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به ، فخرجوا وهم ~~ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف. فأجابهم الحق تعالى بقوله : {ومن يتوكل ~~على الله فإن الله عزيز} أي : غالب لا يذل من استجار به ، وإن قل ، {حكيم} ~~يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل ، ويعجز عن دركه الفهم. # الإشارة : إذا عظم اليقين في قلوب أهل التقى أقدموا على أمور عظام ، ~~تستغرب العادة إدراكها ، أو يغلب العطب فيها ، فيقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض : غر هؤلاء طريقتهم ، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز لا يغلب ~~، ولا يغلب من انتسب إليه ، وتوكل في أموره عليه ، حكيم فلا يخرج عن حكمته ~~وقدرته شيء ، أو عزيز لا يذل من استجار به ، ولا يضيع من لاذ به ، والتجأ ~~إلى ذماره ، حكيم لا يقصر عن تدبير من توكل # 36 # على تدبيره ، قاله في الإحياء. ثم قال : وكل ما ذكر في القرآن من التوحيد ~~هو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار ، والتوكل على الواحد ms0908 القهار. ه. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 36 PageV03P051 ~~قلت : جواب (لو) محذوف أي : لرأيت أمرا عظيما ، و(الملائكة) : فاعل (يتوفى) ~~فلا يوقف على ما قبله ، ويرجحه قراءة ابن عامر بالتاء ، ويجوز أن يكون ~~الفاعل ضمير (الله) ، و(الملائكة) مبتدأ ، و(يضربون) : خبر ، والجملة : حال ~~من (الذين كفروا) ، والرابط : ضمير الواو ، وعلى هذا فيوقف على ما قبله ، ~~وعلى الأول (يضربون) : حال من الملائكة ، (وذوقوا) : عطف على (يضربون) على ~~حذف القول ، أي : ويقولون ذوقوا. و(ذلك) : مبتدأ ، (بما قدمت) : خبر ، و(أن ~~الله) : عطف على " ما " ؛ للدلالة على أن مقيدة بانضمامه إليه. انظر ~~البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : {ولو ترى} يا محمد ، أو يا من تصح منكم الرؤية ، ~~حال {الذين كفروا} حين تتوفاهم {الملائكة} ببدر ، أو مطلقا ، وهم {يضربون ~~وجوههم وأدبارهم} ، أو حين يتوفاهم الله ويقبض أرواحهم ، حال كونهم ~~الملائكة يضربون وجوههم وظهورهم ، أو أستاههم ، لرأيت أمرا فظيعا. {و} ~~يقولون لهم : {ذوقوا} أي : باشروا {عذاب الحريق} يوم القيامة ؛ بشارة لهم ~~بما يلقون من العذاب في الآخرة. وقيل : تكون معهم مقامع من حديد ، كلما ~~ضربوا التهبت النار منها ، {ذلك} العذاب إنما وقع بكم {بما} ؛ بسبب {قدمت ~~أيديكم} أي : بما كسبتم من الكفر والمعاصي ، {وأن الله ليس بظلام للعبيد} ؛ ~~حتى يعذب بلا سبب ، أو يهمل العباد بلا جزاء. # الإشارة : قد ذكر الحق جل جلاله حال الكاملين في العصيان في هذه الآية ، ~~وذكر في سورة النحل الكاملين في الطاعة بقوله : {الذين تتوفاهم الملائكة ~~طيبين} [النحل : 32] الآية ، وسكت عن المخلطين ، ولعلهم يرون طرفا من هذا ~~أو طرفا من هذا ، والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 36 # قلت : (كدأب) : خبر عن مضمر ، أي : دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون ، وهو ~~عملهم وطريقتهم ، التي دأبوا فيها ، أي : داموا عليها (ذلك) ؛ مبتدأ ، ~~و(بأن الله) : خبر ، وقال سيبويه : خبر ، أي : الأمر ذلك ، والفاء سببية. PageV03P052 # يقول الحق جل جلاله : عادة هؤلاء الكفرة العاصين المعاصرين لك ، في ~~استمرارهم على الكفر والمعاصي ، كعادة {آل فرعون والذين} مضوا {من قبلهم} ، ~~ثم فسر دأبهم فقال : {كفروا بآيات الله} ms0909 الدالة على توحيده ، المنزلة على ~~رسله ، {فأخذهم الله بذنوبهم} كما أخذ هؤلاء ، {إن الله قوي شديد العقاب} ؛ ~~لا يغلبه في دفعه شيء. # {ذلك} العذاب الذي حل بهم ، بسبب ذنوبهم وكفرهم ؛ لأن {الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم} فيبدلها بالنقمة ، {حتى يغيروا ما بأنفسهم} أي : حتى ~~يبدلوا ما بأنفسهم ، من حال الشكر إلى حال الكفر ، أو من حال الطاعة إلى ~~حال المعصية ، كتغيير قريش حالهم : من صلة الرحم ، والكف عن التعرض لإيذاء ~~الرسول ومن تبعه ، بمعاداة الرسول ، والسعي في إراقة دم من تبعه ، والتكذيب ~~بالآيات والاستهزاء بها. إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعثة ، {وأن الله ~~سميع} لما يقولون : {عليم} بما يفعلون. # دأبهم في ذلك التغيير {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون} لما بدلوا وغيروا ، ولم يشكروا ما ~~بأيديهم من النعم ، {وكل} من الفرق المكذبة {كانوا ظالمين} ؛ فأغرقنا آل ~~فرعون ، وقتلنا صناديد قريش ؛ بظلمهم وما كنا ظالمين. # الإشارة : إذا أنعم الله على قوم بنعم ظاهرة أو باطنة ، ثم لم يشكروا ~~الله عليها ، بل قابلوها بالكفران ، وبارزوا المنعم بالذنوب والعصيان ، ~~فاعلم أن الله تعالى أراد أن يسلبهم تلك النعم ، ويبدلها بأضدادها من النقم ~~، فمن شكر النعم فقد قيدها بعقالها ، ومن لم يشكرها فقد تعرض لزوالها. ~~فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود ، فمن أعطي ولم يشكر ، سلب منها ولم يشعر ~~، والشكر ؛ ألا يعصى الله بنعمه ، كما قال الجنيد رضي الله عنه. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 37 PageV03P053 ~~قلت : (فهم لا يؤمنون) : جملة معطوفة على جملة الصلة ، والفاء للتنبيه على ~~أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف ، (والذين عاهدت) : بدل بعض من ~~(الذين كفروا) ، و(فشرد) : جواب (إما) ، والتشريد : تفريق على اضطراب. # يقول الحق جل جلاله : {إن شر الدواب عند الله} منزلة {الذين كفروا} ، ~~تحقق كفرهم ، وسبق به القدر ، {فهم لا يؤمنون} أبدا ؛ لما سبق لهم من ~~الشقاء. نزلت في القوم مخصوصين ، وهم بنو قريظة ، {الذين عاهدت منهم} أي : ~~أخذت عليهم العهد ألا يعاونوا ms0910 عليك الكفار ، {ثم ينقصون عهدهم في كل مرة} ~~أي : يخونون عهدك المرة بعد المرة ، فأعانوا المشركين بالسلاح يوم أحد ، ~~وقالوا : نسينا ، ثم عاهدهم ، فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق ، وركب كعب ~~بن الأشرف في ملأ منهم إلى مكة ، فحالفوا المشركين على حرب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتل مقاتلتهم ~~سبا ذراريهم ، {وهم لا يتقون} شؤم الغدر وتبعته ، أو : لا يتقون الله في ~~الغدر ونصرته للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم. # قال تعالى لنبيه الصلاة والسلام : {فإما تثقفنهم} أي : مهما تصادفهم ~~وتظفر بهم {في الحرب فشرد بهم} أي : فرق عنك من يناصبك بسبب تنكيلهم وقتلهم ~~، أو نكل بهم {من خلفهم} ؛ بأن تفعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم ؛ {لعلهم ~~يذكرون} أي : لعل من خلفهم يتعظون فينزجروا عن حربك. # {وإما تخافن من قوم} معاهدين {خيانة} أي : نقص عهد بأمارات تلوح لك ، ~~{فانبذ إليهم} أي : فاطرح إليهم عهدهم {على سواء} أي : على عدل وطريق قصد ~~في العداوة ، ولا تناجزهم بالحرب قبل العلم بالنبذ ، فإنه يكون خيانة منك ، ~~أو على سواء في العلم بنقض العهد ، فتستوي معهم في العلم بنقض العهد ، {إن ~~الله لا يحب الخائنين} أي : لا يرضى فعلهم ، وهو تعليل للأمر بالنبذ والنهي ~~عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال. # { PageV03P054 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 38 # ولا تحسبن} ، يا محمد ، {الذين كفروا سبقوا} قدرتنا ، ونجوا من نكالنا ؛ ~~{إنهم لا يعجزون} أي : لا يفوتون في الدنيا والآخرة ، فلا يعجزون قدرتنا ، ~~أو لا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم ، بل الله محيط بهم أينما حلوا. والله ~~تعالى أعلم. # 39 # الإشارة : شرف الإنسان وكماله في خمسة أشياء : الإيمان بالله ، وبسائر ما ~~يتوقف الإيمان عليه ، والوفاء بالعهود ، والوقوف مع الحدود ، والرضى ~~بالموجود ، والصبر على المفقود. # وقال القشيري في قوله تعالى : {فإما تثقفهم في الحرب...} الآية ، أي : إن ~~صادفت واحدا من هؤلاء الذين دأبهم نقص العهد ، فاجعلهم لمن يأتي بعدهم ، ~~لئلا يسلكوا طريقهم ، فيستوجبوا عقوبتهم. كذلك من فسخ عقده مع الله بقلبه ، ~~برجوعه إلى ms0911 رخص التأويلات ، ونزول إلى السكون مع العادات ، يجعله الله ~~نكالا لمن بعده ، بحرمان ما كان خوله وتنغيصه عليه. ثم قال عند قوله : ~~{وإما تخافن من قوم خيانة} ، يريد إذا تحققت خيانة قوم منهم ، فصرح بأن لا ~~عهد بينك وبينهم ، فإذا حصلت الخيانة زال سمت الأمانة ، وخيانة كل أحد على ~~ما يليق بحاله. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 38 # يقول الحق جل جلاله : {وأعدوا لهم} ، أي : لناقضي العهد ، أو لمطلق ~~الكفار ، {ما استطعتم من قوة} ، أي : ما قدرتم عليه من كل ما يتقوى به في ~~الحرب. وعن عقبة ابن عامر ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~على المنبر : " ألا إن القوة الرمي " قالها ثلاثا ، ولعله عليه الصلاة ~~والسلام خصه بالذكر ؛ لأنه أعظم القوى ، {و} أعدوا لهم أيضا {من رباط ~~الخيل} اي : من الخيل المربوطة للجهاد ، وهو اسم للخيل التي تربط في سبيل ~~الله ، بمعنى مفعول ، أو مصدر ، أو جمع ربيط ؛ كفصيل وفصال. PageV03P055 # والمراد : الحث على استعداد الخيل العتاق التي تربط وتعلف بقصد الجهاد ، ~~وهو من جملة القوة ، فهو من عطف الخاص على العام ، للاعتناء بأمر الخيل لما ~~فيها من الإرهاب. ولذلك قال : {ترهبون به} أي : تخوفون بذلك الأعداء ، أو ~~بما ذكر من الخيل المربوطة ، {عدو الله وعدوكم} يعني كفار مكة ، {وآخرين من ~~دونهم} أي : من غيرهم من الكفرة ، كفارس والروم وسائر الكفرة ، {لا ~~تعلمونهم} ، أي ؛ لا تعرفونهم اليوم ، {الله يعلمهم} ، وسيمكنكم منهم ، ~~فتقاتلونهم وتملكون ملكهم ، {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله} ، في شأن ~~الاستعداد ، وغيره مما يستعان به على الجهاد ، {يوف إليكم} جزاؤه ، # 40 # {وأنتم لا تظلمون} بتضييع عمل أو نقص أجر ، بل يضاعفه لكم أضعافا كثيرة ، ~~بسبعمائة أو أكثر. والله تعالى أعلم. # الإشارة : وأعدوا لجهاد القواطع والعلائق التي تعوقكم عن الحضرة ، ما ~~استطعتم من قوة ، وهو العزم على السير من غير التفات ، ومن رباط القلوب في ~~حضرة الحق ، ترهبون به عدو الله ، وهو الشيطان ، وعدوكم ، وهي النفس ، ~~وآخرين من دونهم : الحظوظ واللحوظ وخفايا خدع النفوس ، لا ms0912 تعلمونهم ، الله ~~يعلمهم ؛ كالرياء والشرك الخفي ، فإنه يدب دبيب النمل ، وما تنفقوا من شيء ~~يوف إليكم أضعافا مضاعفة ، بالعز الدائم والغنى الأكبر ، وأنتم لا تظلمون. PageV03P056 # وقال الورتجبي : أعلم الله المؤمنين والعارفين استعداد قتل أعداء الله ، ~~وسمى آلة القتال بقوة ، وتلك القوة قوة الإلهية التي لا ينالها العارف من ~~الله إلا بخضوعه بين يديه ، بنعت الفناء في جلاله ، فإذا كان كذلك يلبسه ~~الله لباس عظمته ونور كبريائه وهيبته ، ويغريه إلى الدعاء عليهم ، ويجعله ~~منبسطا ، حتى يقول في سره : إلهي خذهم ، فيأخذهم بلحظة ، ويسقطهم صرعى بين ~~يديه بعونه وكرمه ، ويسلي قلب وليه بتفريجه من شرور معارضيه ومنكريه ، وذلك ~~سهم رمى نفوس الهمة عن كنانة الغيرة ، كما رمى نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى منكريه حين قال : " شاهت الوجوه " وهذا الرمي من الله بقوله : {وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 40 # سمعت أن ذا النون المصري رضي الله عنه كان في غزو ، وغلب المشركون على ~~المؤمنين ، فقيل له : لو دعوت الله ، فنزل عن دابته وسجد ، فهزم المشركون ~~في لحظة ، وأخذوا جميعا ، وأسروا ، وقتلوا. وأيضا : وأعدوا : أي اقتبسوا من ~~الله قوة من قوى صفاته لنفوسكم حتى يقويكم في محاربتها. قال أبو علي ~~الروذباري ، في قوله : {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} ، فقال : القوة هي ~~الثقة بالله ، قيل ظاهر الآية : إنه الرمي بسهام القسي. وفي الحقيقة : رمي ~~سهام الليالي في الغيب ؛ بالخضوع والاستكانة ، ورمي القلب إلى الحق ؛ ~~معتمدا عليه ، راجعا إليه عما سواه. ه. PageV03P057 # ثم بين أن المعول على الله ونصرته ، لا على السلاح والآلات بقوله : {هو ~~الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} ، أي : قواك بقوته الأزلية ، ونصرك بنصرته ~~الأبدية ، ووفق المؤمنين بإعانتك على عدوك. ثم بين سبحانه أن نصرة المؤمنين ~~لم تكن إلا بتأليفه بين قلوبهم ، وجمعهم على محبة الله ومحبة رسوله ، بعد ~~تباينها بتفريقة الهموم في أودية الامتحان ، بقوله : {وألف بين قلوبهم}. ~~وقال القشيري : الإشارة بقوله : {ترهبون} : إلى أنه لا يجاهد على رجاء ~~غنيمة ينالها ، أو إشفاء صدر عن ms0913 قضية حقد ، بل قصده أن تكون # 41 # كلمة الله هي العليا. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 40 # سمعت أن ذا النون المصري رضي الله عنه كان في غزو ، وغلب المشركون على ~~المؤمنين ، فقيل له : لو دعوت الله ، فنزل عن دابته وسجد ، فهزم المشركون ~~في لحظة ، وأخذوا جميعا ، وأسروا ، وقتلوا. وأيضا : وأعدوا : أي اقتبسوا من ~~الله قوة من قوى صفاته لنفوسكم حتى يقويكم في محاربتها. قال أبو علي ~~الروذباري ، في قوله : {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} ، فقال : القوة هي ~~الثقة بالله ، قيل ظاهر الآية : إنه الرمي بسهام القسي. وفي الحقيقة : رمي ~~سهام الليالي في الغيب ؛ بالخضوع والاستكانة ، ورمي القلب إلى الحق ؛ ~~معتمدا عليه ، راجعا إليه عما سواه. ه. # ثم بين أن المعول على الله ونصرته ، لا على السلاح والآلات بقوله : {هو ~~الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} ، أي : قواك بقوته الأزلية ، ونصرك بنصرته ~~الأبدية ، ووفق المؤمنين بإعانتك على عدوك. ثم بين سبحانه أن نصرة المؤمنين ~~لم تكن إلا بتأليفه بين قلوبهم ، وجمعهم على محبة الله ومحبة رسوله ، بعد ~~تباينها بتفريقة الهموم في أودية الامتحان ، بقوله : {وألف بين قلوبهم}. ~~وقال القشيري : الإشارة بقوله : {ترهبون} : إلى أنه لا يجاهد على رجاء ~~غنيمة ينالها ، أو إشفاء صدر عن قضية حقد ، بل قصده أن تكون # 41 # كلمة الله هي العليا. ه. PageV03P058 # جزء : 3 رقم الصفحة : 40 # يقول الحق جل جلاله : {وإن جنحوا للسلم} أي : وإن مالوا للصلح {فاجنح ~~لها} أي ؛ فصالحهم ، ومل إلى المعاهدة معهم ، وتوكل على الله ؛ فلا تخف ~~منهم أن يكونوا أبطنوا خداعا ؛ فإن الله يعصمك من مكرهم ؛ {ولا يحيق المكر ~~السيئ إلا بأهله} [فاطر : 42] ، {إنه هو السميع} لأقوالهم ، {العليم} ~~بأحوالهم. # {وإن يريدوا أن يخدعوك} بعد الصلح {فإن حسبك الله} أي : فحسبك الله ~~وكافيك شرهم ، {هو الذي أيدك} أي : قواك ونصرك {بنصره} ؛ تحقيقا ، ~~{وبالمؤمنين} ؛ تشريفا ، أو {بنصره} قدرة ، {وبالمؤمنين} حكمة ، والقدرة ~~والحكمة منه وإليه ، فلا دليل عليه للمعتزلة حيث نسبوا الفعل للعبد ، ~~وقالوا : العطف يقتضي المغايرة. # {وألف بين قلوبهم} مع ما كان فيها من ms0914 زمن الجاهلية من المعصية والضغائن ~~والتهالك على الانتقام ، حتى لا يكاد يأتلف فيهم قلبان ، ثم صاروا كنفس ~~واحدة ، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم. قال تعالى : {لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا} ، في إصلاح ما بينهم ، {ما ألفت بين قلوبهم} ؛ لتناهي عداوتهم ~~إلى حد لو أنفق منفق في # إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة بينهم ، ~~{ولكن الله ألف بينهم} بقدرته البالغة ؛ فإنه المالك للقلوب يقبلها كيف ~~يشاء. {إنه عزيز} تام القدرة ، لا يعصي عليه ما يريده ، {حكيم} يعلم كيف ~~ينبغي أن يفعل ما يريده. # قيل : إن الآية نزلت في الأوس والخزرج ، كان بينهم إحن وضغائن لا أمد لها ~~، ووقائع هلكت فيها ساداتهم ، فأنساهم الله ذلك ، وألف بينهم بالإسلام ، ~~حتى تصادقوا وصاروا أنصار الدين. وبالله التوفيق. PageV03P059 # الإشارة : وإن مالت النفس وجنودها إلى الصلح مع صاحبها ؛ بأن ألقت السلاح ، ~~ومالت إلى فعل كل ما فيه خير وصلاح ، وعقدت الرجوع عن هواها ، والدؤوب على ~~طاعة مولاها ، فالواجب عقد الصلح معها ، وتصديقها فيما تأمر به أو تنهى عنه ~~، مما يرد عليها ، مع التوكل على مولاها ، فإن خدعت بعد ذلك ، أو رجعت إلى ~~مألوفها ، فالله يكفي # 42 # أمرها ، ويقوي صاحبها على درها ، إما بسبب شيخ كامل ، أو أخ صالح ، فإن ~~الصحبة فيها سر كبير ، لا سيما مع أهل الصفاء ، الذين صفت قلوبهم ، وألف ~~الله بينهم بالمحبة والوداد ، وحسن الظن والاعتقاد ، وإما بسابق عناية ~~ربانية وقوة إلهية. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 42 # قلت : (حسبك) : مبتدأ ، و(الله) : خبر ، ويصح العكس ، و(من اتبعك) : إما ~~عطف على (الله) ، أي : كفاك الله والمؤمنون ، أو في محل نصب على المفعول ~~معه ، أو في محل جر ؛ عطف على الضمير ، على مذهب الكوفيين ، أي : حسبك وحسب ~~من اتبعك الله ، والأول : أصح. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي حسبك الله} أي : كافيك الله ، فلا ~~تلتفت إلى شي سواه ، أي : لما مننت عليك بائتلاف قلوب المؤمنين في نصرتك ، ~~فلا تلتفت إليهم في محل التوحيد ، فإني ms0915 حسبك وحدي بغير معاونة الخلق ، ~~فينبغي أن تفرد القدم عن الحدوث في سيرك مني إلي ، وأنا حسب المؤمنين عن كل ~~ما دوني ، وإن كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا ، ولا ينبغي في حقيقة التوحيد ~~النظر إلى غيري ، إنما أيدتك بواسطة المؤمنين ، وذكرتهم معي ؛ تشريفا لأمتك ~~، وسترا لقدرتي ، وإظهار لكمال حكمتي ، وإلا فقدرتي لا يفوتها شيء ، ولا ~~تتوقف على شيء ؛ " جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". # قال البيضاوي : نزلت الآية تأييدا في غزوة بدر ، وقيل : أسلم مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ، ثم أسلم عمر رضي الله ~~عنه. فنزلت. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في إسلامه. PageV03P060 # الإشارة : ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب به ورثته الكرام ، من ~~الاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه ، وتصحيح عقد التوحيد ، ~~والاعتماد على الكريم المجيد. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 42 # 43 # قلت : التحريض : هو الحث على الشيء والمبالغة في طلبه ، وهو من الحرض ، ~~الذي هو الإشفاء على الهلاك. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي حرض المؤمنين} أي : حثهم {على ~~القتال} أي : الجهاد. ثم أمرهم بالصبر والثبات للعدو بقوله : {إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين ~~كفروا} ، وهذا خبر بمعنى الأمر ، أي : يقاتل العشرون منكم المائتين ، ~~والمائة الألف ، وليثبتوا لهم ، ولا يصح أن يكون خبرا محضا ؛ إذ لو كان ~~خبرا محضا لما تخلف في الواقع ، ولو في جزئية ؛ إذ خبره تعالى لا يخلف. # قال الفخر الرازي : حسن هذا التكليف لما كان مسبوفا بقوله : {حسبك الله ~~ومن اتبعك من المؤمنين} ؛ فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا ~~التكليف سهلا ؛ لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على ~~إذايته.ه. # وإنما كان القليل من المؤمنين يقاوم الكثير من الكفار {بأنهم} ؛ بسبب ~~أنهم {قوم لا يفقهون} ، أي : لأنهم جهلة بالله واليوم الآخر ، فلا يثبتون ~~ثبات المؤمنين ، رجاء الثواب والترقي في الدرجات ، قتلوا أو ms0916 ماتوا ، بخلاف ~~الكفار ؛ فلا يستحقون من الله إلا الهوان والخذلان. PageV03P061 # ولما كلفهم بهذا في أول الإسلام ، وشق ذلك عليهم ، خفف عنهم فقال : {الآن ~~خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} ؛ فلا يقاوم الواحد منكم العشرة ، ولا ~~المائة الألف ، {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله} ؛ أمرهم بمقاومة الواحد لاثنين. وقيل : كان فيهم ~~قلة ، فلما كثروا خفف عنهم ، وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة ~~؛ للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد ، والضعف : ضعف البدن ، لا ضعف القلب. # قال بعض الصحابة رضي الله عنهم : لما نزل التخفيف ذهب من الصبر تسعة ~~أعشار ، وبقي العشر. ولذلك قال تعالى هنا : {والله مع الصابرين} أي : ~~بالنصر والمعونة ، فكيف لا يغلب من يقاومهم ولو كثر عدده ؟ . # جزء : 3 رقم الصفحة : 43 # الإشارة : ينبغي لأهل التذكير أن يحرضوا الناس على جهاد نفوسهم ، الذي هو ~~الجهاد الأكبر ، وإنما كان أكبر ؛ لأن العدد الحسي يقابلك وتقابله ، بخلاف ~~النفس فإنها جاءت تحت الرماية خفية عدو حبيب ، فلا يتقدم لجهادها إلا ~~الرجال ، فينبغي للشيوخ أن يحضوا المريدين على جهادها ، ويهونوا لهم شأنها ~~، فإن النفس لا يهول أمرها إلا قبل رمي اليد فيها ، فإذا رميت يدك فيها ~~بالعزم على قتلها ضعفت ولانت ، وسهل علاجها ، وإذا خفت منها ، وسوفت لها ، ~~طالت عليك وملكتك ، ولا بد في جهادها من شيخ يريك # 44 # مساوئها ، ويعينك بهمته على قتلها ، وإلا بقيت في العنت معها ، والشغل ~~بمعاناتها حتى تموت بلا حصول نتيجة جهادها ، وهي المعرفة بسيدها وخالقها. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 43 PageV03P062 ~~يقول الحق جل جلاله : {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} يقبضها {حتى يثخن} أي ~~: يبالغ {في الأرض} ؛ بالقتل حتى يذل الكفر ويقل حزبه ، ويعز الإسلام ~~ويستولي أهله. {تريدون} بقبض الأسارى {عرض الدنيا} ؛ حطامها بأخذ الفداء ~~منهم ، {والله يريد الآخرة} أي : يريد لكم ثواب الآخرة ، الذي يدوم ويبقى ، ~~أو يريد سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه ، {والله عزيز} يغلب ~~أولياءه على أعدائه ms0917 ، {حكيم} يعلم ما يليق بكمال حالهم ويخصهم بها ، كما ~~أمر بالإثخان ، ومنع من أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين ، وخير بينه ~~وبين المن لما تحولت الحال ، وصارت الغلبة للمؤمنين. PageV03P063 # روي أنه عليه الصلاة والسلام أتي يوم بدر بسبعين أسيرا ، فيهم العباس وعقيل ~~بن أبي طالب ، فاستأذن فيهم ؛ فقال أبو بكر رضي الله عنه : قومك وأهلك ، ~~استبقهم ، لعل الله يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك. وقال عمر ~~رضي الله عنهم : اضرب أعناقهم ، فإنهم أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء ~~، فمكني من فلان لنسيب له ومكن عليا وحمزة من أخويهما ، فلنضرب أعناقهم ~~فلم يهو ذلك رسول الله صلى عليه وسلم ، وقال : " إن الله ليلين قلوب رجال ~~حتى تكون ألين من كل لين ، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من ~~الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم " ، قال : {فمن تبعنى فإنه منى ~~ومن عصانى فإنك غفور رحيم} [إبراهيم : 36] ، ومثلك يا عمر مثل نوح ، قال : ~~{رب لا تذر علىالأرض من الكفرين ديارا} [نوح : 26]. فخير أصحابه ، فأخذوا ~~الفداء ، فنزلت ، فدخل عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، فإذا هو وأبو بكر يبكيان ، فقال : يا رسول الله : أخبرني ، فإن أجد بكاء ~~بكيت ، وإلا تباكيت ؟ فقال : " أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض ~~علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة " لشجرة قريبة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 45 # والآية دليل على أن الأنبياء عليهم السلام يجتهدون ، وأنه قد يكون ~~الخطأ ، ولكن # 45 PageV03P064 ~~لا يقرون عليه. قاله البيضاوي. قال القشيري : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر منهم الفداء ، وكان ذلك جائزا لوجوب العصمة ، ولكن قتلهم كان أولى. ~~ه. وقال ابن عطية : إنما توجه العتاب للصحابة على استبقاء الرجال دون قتلهم ~~، لا على الفداء ؛ لأن الله تعالى قد كان خيرهم ، فاختاروا الفداء على أن ~~يقتل منهم سبعين ، كما تقدم في سورة آل عمران. ثم قال : والنبي عليه الصلاة ~~السلام خارج عن ذلك الاستبقاء. انظر تمامه في الحاشية. # فإن ms0918 قلت : إذا كان الحق تعالى خيرهم فكيف عاتبهم ، وهم لم يرتكبوا محظورا ~~؟ فالجواب : أن العتاب تابع لعلو المقام ، فالخواص يعاتبون على المباح ، إن ~~كان فعله مرجوحا ، والحق تعالى إنما عاتبهم على رغبتهم في أمر دنيوي ، وهو ~~الفداء ، حتى آثروا قتل أنفسهم على أخذه ، ويدل عليه قوله : {تريدون عرض ~~الدنيا} ، وهذا إنما كان في بعضهم ، وجلهم إنما اختاروا الفداء استبقاء ~~لقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم. # ثم قال تعالى في تمام عتابهم : {لولا كتاب من الله سبق} أي : لولا حكم ~~الله سبق إثباته في اللوح المحظوظ ، وهو ألا يعاقب المخطئ في اجتهاده ، أو ~~أنه سيحل لكم الغنائم ، أو ما سبق في الأزل من العفو عنكم ، {لمسكم فيما ~~أخذتم} ؛ من الفداء أو من الأسارى ، {عذاب عظيم}. روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال ، حيث نزلت : " لو نزل العذاب ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ ~~" ؛ وذلك لأنه أيضا أشار بالإثخان. PageV03P065 # ثم أباح لهم الغنائم وأخذ الفداء فقال : {فكلوا مما غنمتم} من الكفار ، ومن ~~جملته : الفدية ، فإنها من الغنائم ، {حلالا طيبا} أي : أكلا حلالا ، ~~فائدته : إزاحة ما وقع في نفوسهم بسبب تلك المعاتبة ، أو حرمتها على ~~المتقدمين. روي أنه لما عاتبهم أمسكوا عنها حتى نزلت : {فكلوا مما غنمتم} ، ~~ووصفة بالطيب ؛ تسكينا لقلوبهم ، وزيادة في حليتها. وفي الحديث عنه صلى ~~الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لي لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : أحلت لي ~~الغنائم ، ونصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأعطيت ~~الشفاعة ، وخصصت بجوامع الكلم " أو كما قال عليه الصلاة والسلام. # ثم قال تعالى : {واتقوا الله} في مخالفته ؛ {إن الله غفور رحيم} أي : ~~يغفر لكم ما فرط ، ويرحمكم بإباحة ما حرم على غيركم ؛ توسعة عليكم. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 45 # الإشارة : ما ينبغي للفقير المتوجه أن يكون له أتباع يتصرف فيهم ويستفيد ~~منهم ، عوضا عن الدنيا ، حتى يبالغ في قتل نفسه وتموت ، ويأمن عليها الرجوع ~~إلى وطنها من # 46 # حب الرئاسة والجاة ، أو جمع المال ms0919 ، والتمتع بالحظوظ ، فإن تعاطي ذلك قبل ~~موت نفسه كان ذلك سبب طرده ، وتعجيل العقوبة له ، حتى إذا تداركه الله ~~بلطفه ، وسبقت له عناية من ربه ، فيقال له حينئذ : لولا كتاب من الله سبق ~~لمسك فيما أخذت عذاب عظيم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 45 # قلت : (أسرى) : جمع أسير ، ويجمع على أسارى. وقرئ بهما ، و(خيرا مما) : ~~اسم تفضيل ، وأصله : أخير ، فاستغنى عنه بخير ، وكذلك شر ؛ أصله : أشر ، ~~قال في الكافية : # وغالبا أغناهم خير وشر # عن قولهم : أخير منه وأشر PageV03P066 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} الذين ~~أخذتم منهم الفداء : {إن يعلم الله في قلوبكم خيرا} من الفداء. # روي أنها نزلت في العباس رضي الله عنه ؛ كلفه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يفدي نفسه ، وابني أخويه : عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ، ~~فقال : يا محمد ، تركتني أتكفف قريشا ما بقيت ، فقال له عليه الصلاة ~~والسلام : وأين الذهب الذي دفعته لأم الفضل وقت خروجك ، وقلت لها : لا أدري ~~ما يصيبني في وجهي هذا ، فإن حدث بي حدث فهو لك ، ولعبد الله ، وعبيد الله ~~، والفضل ، وقثم ، قال له وما يدريك ؟ قال : أخبرني به ربي تعالى ، قال : ~~فأشهد أنك صادق ، وأن لا اله إلا الله ، وأنك رسول الله ، والله لم يطلع ~~عليه أحد إلا الله ، ولقد دفعته إليها في سواد الليل. # قال العباس : فأبدلني الله خيرا من ذلك ، أعطاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من المال الذي قدم من البحرين ما لم أقدر على حمله ، ولي الآن عشرون ~~عبدا ، إن أدناهم يضرب أي : يتجر في عشرين ألفا ، وأعطاني زمزم ، ما أحب ~~أن لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفره من ربكم ، يعني : ~~الموعود بقوله تعالى : {ويغفر لكم والله غفور رحيم}. # {وإن يريدوا} ؛ الأسارى {خيانتك} ؛ بنقض ما عهدوك به ، {فقد خانوا الله ~~من قبل} ؛ بالكفر والمعاصي {فأمكن منهم} وأمكنك من ناصيتهم ، فقبضوا وأسروا ببدر ، # 47 # {والله عليم} لا يخفى عليه شيء ، {حكيم} فيما دبر ms0920 وأمضى. PageV03P067 # الإشارة : يقال للفقراء المتوجهين إلى الله ، الذين بذلوا أموالهم ومهجهم ، ~~وقتلوا نفوسهم في طلب محبوبهم : إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ، كصدق وإخلاص ~~، يؤتكم أفضل مما أخذ منكم ، من ذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس. وهو ~~الغناء الأكبر ، والسر الأشهر ، الذي هو الفناء في الله ، والغيببة عما ~~سواه ، وثمرته : المشاهدة التي تصحبها المكالمة ، وهذا هو الإكسير والغنا ~~الكبير ، فكل من باع نفسه في طلب هذا فقد ربحت صفقته ، وزكت تجارته ، مع ~~غفران الذنوب ، وتغطية المساوئ والعيوب. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 47 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا وهاجروا} أوطانهم في الخروج مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لنصرة الدين بالجهاد ، {وجاهدوا بأموالهم} ~~فصرفوها في الإعداد للجهاد ، كالكراع والسلاح ، وأنفقوها على المجاريح ، ~~{وأنفسهم في سبيل الله} ؛ بمباشرة القتال ، {والذين آووا} رسول الله ومن ~~هاجر معه ، وواسوهم بأموالهم {ونصروا} دين الله ورسوله ، {أولئك بعضهم ~~أولياء بعض} في التعاون والتناصر ، أو في الميراث. # وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب ، حتى نسخ ~~بقوله : {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأحزاب : 6]. # ثم ذكر من لم يهاجر فقال : {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم ~~من شيء} ؛ لا في النصرة ، ولا في الميراث ، {حتى يهاجروا} إليكم ، {وإن ~~استنصروكم} على المشركين {في} إظهار {الدين فعليكم النصر} أي : فواجب عليكم ~~نصرهم وإعانتهم ، لئلا يستولي الكفر على الإيمان ، {إلا على قوم} كان ~~{بينكم وبينهم} عهد {ميثاق} ، فلا تنقضوا عهدهم بنصرهم. فإن الخيانة ليست ~~من شأن أهل الإيمان ، {والله بما تعملون بصير} لا يخفى عليه من أوفى ومن نقص. # {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} في الميراث. ويدل بمفهومه ، على منع # 48 PageV03P068 ~~التوراث والمؤازرة بينهم وبين المسلمين. {إلا تفعلوه} أي : إلا تفعلوه ما ~~أمرتم به من موالاة المؤمنين ونصرتهم ، أو نصرة من استنصر بكم ممن لم يهاجر ~~، {تكن فتنة في الأرض} ؛ باستيلاء المشركين على المؤمنين ، {وفساد كبير} ~~بإحلال المشركين أموال المؤمنين وفروجهم ، أو : إلا تفعلوا ما أمرتم به من ~~حفظ الميثاق ، تكن فتنة في ms0921 الأرض ، فلا يفي أحد بعهد أبدا ، وفساد كبير ~~بنهب الأموال والأنفس. # جزء : 3 رقم الصفحة : 48 # الإشارة : أهل التجريد ، ظاهرا وباطنا ، هم الذين آمنوا وهاجروا حظوظهم ، ~~وجاهدوا نفوسهم بسيوف المخالفة وآووا من نزل أو التجأ إليهم من إخوانهم أو ~~غيرهم ، أو آووا أشياخهم وقاموا بأمورهم ، ونصروا الدين بالتذكير والإرشاد ~~والدلالة على الله ، أينما حلوا من البلاد ، أولئك بعضهم أولياء بعض في ~~العلوم والأسرار ، وكذلك في الأموال. فقد قال بعض الصوفية : (الفقراء : لا ~~رزق مقسوم ، ولا سر مكتوم). وهذا في حق أهل الصفاء من المتحابين في الله. # والذين آمنوا ولم يهاجروا هم أهل الأسباب من المنتسبين ، فقد نهى الله عن ~~موالاتهم في علوم الأسرار وغوامض التوحيد ؛ لأنهم لا يطيقون ذلك ؛ لشغل ~~فكرتهم الأسباب أو بالعلوم الرسمية ، نعم ، إن وقعوا في شبهة أو حيرة ، وجب ~~نصرهم بما يزيل إشكالهم ، لئلا تقع بهم فتنة أو فساد كبير في اعتقادهم. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 48 # قال البيضاوي : لما قسم المؤمنين ثلاثة أقسام ، أي : مهاجرين ، وأنصار ، ~~ومن آمن ولم يهاجر بين أن الكاملين في الإيمان منهم هم الذين حققوا ~~إيمانهم ، بتحصيل مقتضاه من الهجرة ، والجهاد ، وبذل المال ، ونصرة الحق ، ~~ووعد لهم الوعد الكريم ، فقال : {لهم مغفرة ورزق كريم} ؛ لا تبعة له ، ولا ~~فتنة فيه. ثم ألحق بهم في الأمرين من يلتحق بهم ويتسم بسمتهم فقال : PageV03P069 # {والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجهدوا معكم فأولئك منكم...} # أي : من جملتكم أيها المهاجرين والأنصار. ه. # ثم نسخ الميراث المتقدم ، فقال : # {... وأولوا الأرحام بعضهم أولىا ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم}. # 49 # يقول الحق جل جلاله : {وأولوا الأرحام} من قرابة النسب ، {بعضهم أولى ~~ببعض} في التوارث من الأجانب ، وظاهره : توريث ذوي الأرحام ، كالخال والعمة ~~وسائر ذوي الأرحام ، وبه قال أبو حنيفة ، ومنعه مالك ، ورأى أن الآية ~~منسوخة بآية المواريث التي في النساء ، أو يراد بالأولية : غير الميراث ، ~~كالنصرة وغيرها. وقوله : {في كتاب الله} أي : في القرآن ، أو اللوح ~~المحفوظ. {إن الله بكل شيء عليم} ms0922 من أمر المواريث وغيرها ، أو عليم بحكمة ~~إناطتها بنسبة الإسلام والمظاهرة أولا ، بالقربة ثانيا ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : الناس ثلاثة : عوام ، وخواص ، وخواص الخواص. فالعوام : هم ~~الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية. والخواص : هم الذين صحبوا شيخ التربية ، ~~ولم ينهضوا إلى مقام التجريد. وخواص الخواص : هم الذين صحبوا شيخ التربية ~~وتجردوا ظاهرا وباطنا ، خربوا ظواهرهم ، وعموا بواطنهم ، وهم الذين خاضوا ~~بحار التوحيد ، وذاقوا أسرار التفريد. وهم الذين أشار المجذوب إلى مقاومهم ~~بقوله : # يا قارئين علم التوحيد # هنا البحور الي تغبي # هذامقام أهل التجريد # الواقفين مع ربي # فأهل التجريد ، كالمهاجرين والأنصار ، وأهل الأسباب من أهل النسبة ، كمن ~~لم يهاجر من الصحابة ، ومن تجرد بعد ودخل معهم ، والتحق بهم. قال تعالى ؛ ~~قا ل تعالى ؛ {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} ، ~~ومن لا نسبة له كمن لا صحبة له ، وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء ~~الطريق. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد ، وآله ، وصحبه ، وسلم تسليما ، ~~وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. # 50 # جزء : 3 رقم الصفحة : 49 PageV03P070 ### | AUTO سورة التوبة # جزء : 3 رقم الصفحة : 50 # قلت : (براءة) : خبر عن مضمر ، أي : هذه براءة و(من) : ابتدائية ، متعلقة ~~بمحذوف ، أي : واصلة من الله ، و(إلى الذين) : متعلقة به أيضا ، أومبتدأ ~~لتخصيصها بالصفة ، و(إلى الذين) : خبر. # يقول الحق جل جلاله : هذه {براءة} أي : تبرئة {من الله ورسوله} واصلة # 51 # {إلى الذين عاهدتم من المشركين} ، فقد تبرأ الله ورسوله من كل عهد كان ~~بين المشركين والمسلمين ، لأنهم نكثوا أولا ، إلا أناسا منهم لم ينكثوا ، ~~وهم بنو ضمرة وبنو كنانة ، وسيأتي استثناؤهم. قال البيضاوي : وإنما علقت ~~البراءة بالله وبرسوله ، والمعاهدة بالمسلمين ؛ للدلالة على أنه يجب عليهم ~~نبذ عهود المشركين إليهم ، وإن كانت صادرة بإذن الله واتفاق الرسول ؛ ~~فإنهما برئا منها. ه. # وقال ابن جزي : وإنما أسند العهد إلى المسلمين ؛ لأن فعل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لازم للمسلمين ، وكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين ، وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد عقد العهد مع المشركين ms0923 إلى آجال محدودة ، فمنهم من ~~وفى ، فأمر الله أن يتم عهده إلى مدته ، ومنهم من نقص أو قارب النقض ، وجعل ~~له أجل أربعة أشهر ، وبعدها لا يكون له عهد. ه. وإلى ذلك أشار بقوله : ~~{فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} آمنين لا يتعرض لكم أحد ، وبعدها لا عهد بيني ~~وبينكم. وذكر الطبري : أنهم أسلموا كلهم في هذه المدة ولم يسح أحد. ه. PageV03P071 # وهذه الأربعة الأشهر : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، لأنها ~~نزلت في شوال ، وقيل : هي عشرون من ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وربيع ~~الأول ، وعشر من الآخر ، لأن التبليغ كان يوم النحر ؛ لما روي (أنها لما ~~نزلت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه راكبا العضباء ~~ليقرأها على أهل الموسم ، وكان قد بعث أبا بكر رضي الله عنه أميرا على ~~الموسم ، فقيل : لو بعثت بها إلى أبي بكر ؟ فقال : " لا يؤدي عني إلا رجل ~~مني " فلما دنا علي رضي الله عنه ، سمع أبو بكر الرغاء ، فوقف وقال : هذا ~~رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقف ، فلما لحقه قال : أمير أو ~~مأمور ؟ قال : مأمور ، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر رضي الله عنه ، ~~وحدثهم عن مناسكهم ، وقام علي كرم الله وجهه يوم النحر ، عند جمرة العقبة ~~، فقال : يا أيها الناس ، إني رسول رسول الله إليكم ، فقالوا : بماذا ؟ ~~فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية من أول السورة ، ثم قال : أمرت بأربع : ~~ألا يقرب البيت بعد هذا مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا ~~نفس مؤمنة ، وأن يتم كل ذي عهد عهده). # جزء : 3 رقم الصفحة : 51 # ولعل قوله صلى الله عليه وسلم : " ولا يؤدي عني إلا رجل مني " خاص بنقض ~~العهود ، لأنه قد بعث كثيرا من الصحابة ليؤدوا عنه ، وكانت عادة العرب ألا ~~يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل منها. قاله البيضاوي مختصرا. # ثم قال تعالى لأهل الشرك : {واعلموا أنكم غير معجزي الله} أي : لا ~~تفوتونه ، وإن # 52 # أمهلكم ، {وأن الله مخزي ms0924 الكافرين} في القتل والأسر في الدنيا ، والعذاب ~~المهين في الآخرة. PageV03P072 # الإشارة : وقد وقع التبرؤ من أهل الشرك مطلقا ، أما الشرك الجلي فقد تبرأ ~~منه الإسلام والإيمان ، وأما الشرك الخفي فقد تبرأ منه مقام الإحسان ، ولا ~~يدخل أحد مقام الإحسان حتى لا يعتمد على شيء ، ولا يستند إلى شيء ، إلا على ~~من بيده ملكوت كل شيء ، فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب ، ويرفض النظر إلى ~~العشائر والأصحاب ، حتى لا يبقى في نظره إلا الكريم الوهاب ، فمن أصر على ~~شوكه الجلي أو الخفي فإن الله يمهل ولا يهمل ، فلا بد أن يلحقه وباله : إما ~~خزي في الدنيا ، أو عذاب في الآخرة ، كل على ما يليق به. # وقال القشيري : إن قطع عنهم الوصلة فقد ضرب لهم مدة على وجه المهلة ، ~~فأمنهم في الحال ؛ ليتأهبوا لتحمل مقاساة البراءة فيما يستقبلونه في المآل. ~~والإشارة فيه : أنهم إن أقلعوا في هذه المهلة عن الغي والضلال ، وجدوا في ~~المآل ما فقدوا من الوصال. وإن أبوا إلا التمادي في ترك الخدمة والحرمة ، ~~انقطع ما بينه وبينهم من الوصلة. ه. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 51 # قلت : (وأذان) : مبتدأ ، أو خبر ، على ما تقدم في براءة ، وهو فعال بمعنى ~~إفعال ؛ كالعطاء بمعنى الإعطاء ، أي : وإعلام من الله ورسوله واصل إلى ~~الناس ، ورفع " رسوله " ؛ إما عطف على ضمير برئ ، أو على محل " إن " واسمها ~~، أو مبتدأ حذف خبره ، أي : ورسوله كذلك. # يقول الحق جل جلاله : {وأذان من الله ورسوله} واصل إلى الناس ، ويكون ~~{يوم الحج الأكبر} وهو يوم النحر ؛ لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله ، ولأن ~~الإعلام كان فيه. ولما روي أنه عليه الصلاة والسلام وقف يوم النحر ، عند ~~الجمرات ، في حجة الوداع فقال : " هذا يوم الحج الأكبر " ، وقيل : يوم عرفة ~~؛ لقوله عليه الصلاة والسلام # 53 # : " الحج عرفة " ووصف الحج بالأكبر ؛ لأن العمرة تسمى الحج الأصغر. PageV03P073 # وذلك الإعلام بأن {الله بريء من المشركين ورسوله} عليه الصلاة والسلام ~~كذلك. قال البيضاوي ؛ ولا تكرار ؛ فإن قوله : {براءة من الله} : إخبار ~~بثبوت البراءة ms0925 ، وهذا إخبار بوجوب الإعلام بذلك ، ولذلك علقه بالناس ولم ~~يخص بالمعاهدين. ه. {فإن تبتم} يا معشر الكفار ورجعتم عن الشرك ، {فهو} أي ~~: الرجوع {خير لكم} ، {وإن توليتم} أي : أعرضتم عن التوبة وأصررتم على ~~الكفر {فاعلموا أنكم غير معجزي الله} ؛ لا تفوتونه طلبا ، ولا تعجزونه هربا ~~في الدنيا ، {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} في الآخرة. # ولما أمر بنقض عهود الناكثين استثنى من لم ينقض فقال : {إلا الذين ~~عاهدتم} أي : لكن الذين عاهدتم {من المشركين} ، وهم بنو ضمره وبنو كنانة ، ~~{ثم لم ينقضوكم شيئا} من شروط العهد ، ولم ينكثوا ، ولم يقتلوا منكم ولم ~~يضروكم قط ، {ولم يظاهروا عليكم أحدا} أي : لم يعاونوا عليكم أحدا من ~~أعدائكم ، {فأتموا إليهم عهدهم إلى} تمام {مدتهم} ، وكانت بقيت لهم من ~~عهدهم تسعة أشهر. ولا تجروهم مجرى الناكثين ؛ {إن الله يحب المتقين} ، وهو ~~تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى. قاله البيضاوي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 53 # الإشارة : من أعظم شؤم الشرك : إن الله ورسوله تبرآ من أهله مرتين : خاصة ~~وعامة ، فيجب على العبد التخلص منه خفيا أو جليا ، ويستعين على ذلك بصحبة ~~أهل التوحيد الخاص ، حتى يخلصوه من أنواع الشرك كلها ، فإن صدر منه شيء من ~~ذلك فليبادر بالتوبة وأصر على شركه ، كان ذلك هوانه وخزيه ، وبالله ~~التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 53 PageV03P074 ~~يقول الحق جل جلاله : {فإذا انسلخ الأشهر} أي : انقضى الأشهر ، {الحرم} وهي ~~الأربعة التي امهلهم فيها ، فمن قال : إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم ، فهي الحرم المعروفة ، زاد فيها شوال ، ونقص رجب ، وسميت حرما ؛ ~~تغليبا للأكثر ، ومن قال : إنها ذو الحجة إلى ربيع الثاني ، فسميت حرما ؛ ~~لحرمتها ومنع القتال فيها حينئذ. وغلط من # 54 # قال : إنها الأشهر الحرم المعلومة ؛ لإخلاله بنظم الكلام ومخالفته ~~للإجماع ؛ لأنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم. انظر البيضاوي. # فإذا انقضت الأربعة التي أمهلتهم فيها {فاقتلوا المشركين} الناكثين {حيث ~~وجدتموهم} من حل أو حرم ، {وخذوهم} أسارى ، يقال للأسير : أخيذ ، ~~{واحصروهم} ؛ واحبسوهم {واقعدوا لهم كل مرصد} ؛ كل ممر ms0926 وطريق ؛ لئلا ~~ينبسطوا في البلاد ، {فإن تابوا} عن الشرك وآمنوا ، {وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة} ؛ تصديقا لتوبتهم وإيمانهم ؛ {فخلوا سبيلهم} أي ؛ فدعوهم ولا ~~تتعرضوا لهم بشيء من ذلك. # وفيه دليل على ان تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله ، بل يقاتل ؛ ~~كما فعل الصديق رضي الله عنه بأهل الردة. والآية : في معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة... " الحديث. # {أن الله غفور رحيم} ، هو تعليل لعدم التعرض لمن تاب ، أي : فخلوهم ؛ لأن ~~الله قد غفر لهم ، ورحمهم بسبب توبتهم. # الإشارة : فإذا انقضت ايام الغفلة والبطالة التي احترقت النفس فيها ، ~~فاقتلوا النفوس والقواطع والعلائق حيث وجدتموهم ، وخذوا أعداءكم من النفس ~~والشيطان والهوى ، واحصروهم ، واقعدوا لهم كل مرصد يتعرضون فيه لكم ، فإن ~~أذعنوا ، وانقادوا ، وألقوا السلاح ، فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 54 # قلت : " أحد " : فاعل يفسره : " استجارك ". PageV03P075 # يقول الحق جل جلاله : {وإن} أتاك {أحد من المشركين} المأمورين بالتعرض لهم ~~، حيثما وجدوا ، {استجارك} ؛ يطلب جوارك ، ويستأمنك ، {فأجره} أي : فأمنه ؛ ~~{حتى يسمع كلام الله} ويتدبره ، ويطلع على حقيقة الأمر ، لعله يسلم ، {ثم ~~أبلغه مأمنه} أي : موضع أمنه إن لم يسلم ، ولا تترك أحدا يتعرض له حتى يبلغ ~~محل أمنه ؛ {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} أي : ذلك الأمر الذي أمرتك به بسبب ~~أنهم قوم لا علم لهم بحقيقة الإيمان ، ولا تدعوهم إليه ، فلا بد من إيجارهم ~~، لعلهم يسمعون ويتدبرون ؛ فيكون ذلك سبب إيمانهم. # 55 # الإشارة : وإن استجارك أيها العارف أحد من عوام المسلمين ممن لم يدخل ~~معكم بلاد الحقائق ، وأراد أن يسمع شيئا من علوم القوم ، فأجره حتى يسمع ~~شيئا من علومهم وأسرارهم ، فلعل ذلك يكون سببا في دخوله في طريق القوم. ولا ~~ينبغي للفقراء أن يطردوا من يأتيهم من العوام ، بل يتلطفوا معهم ، ويسمعوهم ~~ما يليق بحالهم ؛ لأن العوام لا علم لهم بما للخواص ، فإن اطلعوا على ما ~~خصهم الله به من العلوم دخلوا معهم ، إن سبق ms0927 لهم شيء من الخصوصية. # وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه : لا ينبغي لأهل الخصوصية ~~أن يدخلوا بلد العموم إلا في جوار أحد منهم ، وإلا أنكرته البلد ؛ لأن ~~البلد أم تغير على غير أبنائها ، ولا ينبغي أيضا للعموم أن يدخلوا بلد ~~الخصوص إلا في جوار رجل منهم ، وإلا أنكرته البلد. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 55 # قلت : (إلا الذين) : محله النصب على الاستثناء ، أو جر على البدل من ~~المشركين ، أو رفع على الانقطاع ، أي : لكن الذين عاهدتم فما استقاموا لكم ~~، و(الإل) : القرابة والحلف ، وحذف الفعل في قوله : (كيف وإن يظهروا عليكم) ~~؛ للعلم به بما تقدم ، أي : كيف يكون لهم عهد والحال أنهم إن يظهروا ~~عليكم... الخ. PageV03P076 # يقول الحق جل جلاله : في استبعاد العهد من المشركين والوفاء به : {كيف يكون ~~للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} ؟ مع شدة حقدهم وعداوتهم للرسول ~~وللمسلمين ، مع ما تقدم لهم من النقض والخيانة فيه ، {إلا الذين عاهدتم عند ~~المسجد الحرام} قيل : هم المستثنون قبل. وقال ابن اسحاق : هي قبائل بني بكر ~~، كانوا دخلوا وقت الحديبية ، في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبين قريش ، فلم يكن نقض إلا قريش وبنو الديل من بني بكر ، فأمر ~~المسلمون بإتمام العهد لمن لم يكن نقض. وقال ابن عباس : هم قريش ، وقال ~~مجاهد : خزاعة ، وفي القولين نظر ؛ لأن قريشا وخزاعة كانوا أسلموا # 56 # وقت الأذان ؛ لأنهم أسلموا في الفتح ، والأذان بعده بسنة. # قال تعالى في شأن من استثنى : {فما استقاموا لكم} على العهد ولم يغدروا ، ~~{فاستقيموا لهم} على الوفاء ، أي : تربصوا بهم وانتظروا أمرهم ، فإن ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، {إن الله يحب المتقين} الذين إذا عاهدوا وفوا ~~، وإذا قالوا صدقوا. # ثم كرر استبعاد وفائهم فقال : {كيف} يصح منهم الوفاء بعهدكم {و} هم {إن ~~يظهروا عليكم} ويظفروا بكم في وقعة {لا يرقبوا} أي : لا يراعوا {فيكم إلا} ~~؛ قرابة أو حلفا ، وقيل : ربوبية ، أي : لا يراعون فيكم عظمة الربوبية ولا ~~يخافون عقابه ، {ولا ذمة} أي ms0928 : عهدا ، أو حقا يعاب على إغفاله ، {يرضونكم ~~بأفواههم} ؛ بأن يعدوكم بالإيمان والطاعة ، والوفاء بالعهد ، في الحال ، مع ~~استبطان الكفر والغدر ، {وتأبى} أي : تمنع {قلوبهم} ما تفوه به أفواههم ، ~~{وأكثرهم فاسقون} متمردون ، لا عقيدة تزجرهم ، ولا مروءة تردعهم ، وتخصيص ~~الأكثر ؛ لما في بعض الكفرة من التمادي على العهد ، والتعفف عما يجر إلى ~~احدوثة السوء. قاله البيضاوي. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 56 PageV03P077 ~~اشتروا بآيات الله} أي : استبدلوا بها {ثمنا قليلا} أي : عرضا يسيرا ، وهو ~~اتباع الأهواء والشهوات ، {فصدوا عن سبيله} ؛ دينه الموصل إليه ، أو بيته ~~بصد الحجاج عنه. {إنهم ساء ما كانوا يعملون} أي : قبح عملهم هذا ، أو ساء ~~ما كانوا يعملون من كونهم {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} ؛ فيكون تفسيرا ~~لعملهم السوء ، لا تكريرا. وقيل : الأول في الناقضين العهد ، وهذا خاص ~~بالذين اشتروا ، وهم اليهود ، أو الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطمعهم. # وقوله تعالى ؛ {في مؤمن} : فيه إشارة إلى أن عداوتهم إنما هي لأجل ~~الإيمان فقط ، وقوله أولا : {فيكم} ، كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك للإحن ~~التي وقعت بينهم ، فزال هذا الاحتمال بقوله : {في مؤمن}. قاله ابن عطية : # {وأولئك هم المعتدون} في الشرارة والقبح. {فإن تابوا} عن الكفر ، ~~{وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} ؛ لهم ما لكم وعليهم ما ~~عليكم ، {ونفصل الآيات لقوم يعلمون} ، حث على تأمل ما فصل من أحكام ~~المعاهدين وخصال التائبين. قاله البيضاوي. # الإشارة : لا ينبغي للخواص أن يثقوا بمحبة العوام ، ولا يغتروا بما ~~يسمعون من عهودهم ، فإن محبتهم على الحروف ، مهما رأوا خلاف ما أملوا من ~~حروفهم ، وأطماعهم ، نكثوا وأدبروا ، فللعارف غنى بالله عنهم. وفي ذلك يقول ~~سيدنا علي كرم الله وجهه : # 57 # ما الفخر إلا لأهل العلم ، إنهم # على الهدى لمن استهدى أدلاء # وقدر كل امرئ ما كان يحسنه # والجاهلون لأهل العلم أعداء # جزء : 3 رقم الصفحة : 56 PageV03P078 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإن نكثوا أيمانهم} أي : نقضوها {من بعد عهدهم} أي : ~~من بعد ما أعطوكم من العهود على الوفاء بها ، {وطعنوا في ms0929 دينكم} بصريح ~~التكذيب وتقبيح الأحكام ، {فقاتلوا أئمة الكفر} أي : فقاتلوهم لأنهم أئمة ~~الكفر ، فوضع أئمة الكفر موضع الضمير ؛ للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي ~~الرئاسة والتقدم في الكفر ، فهم أحقاء بالقتل ، وقيل : المراد رؤساء ~~المشركين ، والتخصيص : إما لأن قتلهم أهم وهم أحق به ، أو للمنع من ~~مراقبتهم ، {إنهم لا أيمان لهم} على الحقيقة ، وإلا لم يقدروا أن ينكثوها ، ~~واستشهد به الحنفية على أن يمين الكافر لا تلزم ، وهو ضعيف ؛ لأن المراد ، ~~نفي الوثوق عليها ، لا أنها ليست بأيمان. قاله البيضاوي. قلت : وما قالته ~~الحنفية هو مذهب المالكية ، إذا حنث في حال الكفر ، ثم أسلم ، فلا يلزمه ~~شيء. وقرأ ابن عامر بكسر الهمزة ، أي : لا أيمان لهم صحيحا يعصم دماءهم. # {لعلهم ينتهون} أي : ليكن غرضكم في مقاتلتهم أن ينتهوا عما هم عليه ، كما ~~هي طريقة أهل الإخلاص لا إيصال الإذاية لهم ، أو مقابلة عداوة. # ثم حض على قتالهم فقال : {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} التي حلفوها ~~للرسول صلىالله عليه وسلم وللمؤمنين على ألا يعاونوا عليهم ، فعاونوا بني ~~بكر على خزاعة ، {وهموا بإخراج الرسول} حين تشاوروا في أمره بدار الندوة ~~على ما مر ، {وهم بدؤوكم أول مرة} بالمعاداة والمقاتلة ؛ لأنه عليه الصلاة ~~والسلام بدأهم بالدعوة ، وإلزام الحجة بالكتاب والتحدي به ، فعدلوا عن ~~معارضته إلى المعاداة والمقاتلة ، فما يمنعكم أن تعارضوهم وتصادموهم ، ~~{أتخشونهم} أي : أتهابون قتالهم حتى تتركوا أمري ، {فالله أحق أن تخشوه إن ~~كنتم مؤمنين} ؛ فإن قضية الإيمان ألا يخاف إلا منه. # 58 PageV03P079 ~~ثم وعدهم بالنصر فقال : {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم} ؛ يهنهم ~~بالقتل والأسر ، {وينصركم عليهم} ، فيمكنكم من رقابهم ، ويملككم أموالهم ~~ونساءهم ، {ويشف صدور قوم مؤمنين} ، يعني : بني خزاعة شفوا صدورهم من بني ~~بكر ؛ لأنهم كانوا أغاروا عليهم وقتلوا فيهم. وقيل : بطونا من اليمن قدموا ~~مكة وأسلموا ، فلقوا من أهلها أذى شديدا ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فقال : " أبشروا ، فإن الفرج قريب ". {ويذهب غيظ قلوبهم} ؛ بما ~~لقوا منهم حين أغاروا عليهم ، وقد أوفى الله بما وعدهم ؛ بفتح مكة ms0930 وهوازن. # جزء : 3 رقم الصفحة : 58 # والآية من المعجزات. قاله البيضاوي. وهذا يقتضي أن هذا التخصيص كان قبل ~~الفتح ، فيلتئم مع ما بعده ، ويبعد اتسامه مع ما قبله من البراءة ، ونبذ ~~العهد والإعلام بذلك ؛ لكونه بعد الفتح ، والله أعلم. قاله المحشي. ويمكن ~~الجواب بأن يكون صدر السورة بعد الفتح ، وبعضها ؛ من قوله : (وإن أحد من ~~المشركين... ) إلخ نزل قبل الفتح ، فإن الآيات كانت تنزل متفرقة فيقول صلى ~~الله عليه وسلم : " اجعلوا هذه الآية في محل كذا ". والله تعالى أعلم. # ثم أخبر تعالى بأن بعض المشركين يتوب من كفره بقوله : {ويتوب الله على من ~~يشاء} هدايته ، فيهديه للإيمان ، ثم يتوب عليه ، وقد كان ذلك في كثير منهم. ~~{والله عليم} بما كان يكون ، {حكيم} لا يفعل ولا يحكم إلا على وفق حكمته. PageV03P080 # الإشارة : من رجع عن طريق القوم ، ونقض عهد الأشياخ ، ثم طعن في طريقهم ، ~~لا يرجى فلاحه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، أعني في طريق الخصوص ؛ لأنه ~~جمع بين نقض العهد والطعن على الأولياء ، وقد قال تعالى : " من آذى لي وليا ~~فقد آذنني بالحرب " ومن رجع عنها ؛ لضعف ووهن ، مع بقاء الاعتقاد والتسليم ~~، فربما تقع الشفاعة منهم فيلحق بهم ، بخلاف الأول ، فقد تقدم عن القشيري ، ~~في سورة آل عمران ، أنهم يريدون الشفاعة فيه ، فيخلق الله صورة على مثله ، ~~فإذا رأوها تركوا الشفاعة فيه ، فيبقى مع عوام أهل اليمين. فانظره. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 58 # قلت : " أم " : منقطعة ، بمعنى الهمزة ؛ للإنكار والتوبيخ على الحسبان ، ~~والخطاب # 59 # للمؤمنين أو المنافقين ، والوليجة : البطانة والصحبة. # يقول الحق جل جلاله : {أم حسبتم} أي : أظننتم {أن تتركوا} من غير اختبار ~~، {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} أي : ولم يتبين الخلص منكم ، وهم ~~الذين جاهدوا ، من غيرهم ، والمراد : علم ظهور ، أي : أظننتم أن تتركوا ولم ~~يظهر منكم المجاهد من غيره ، قال البيضاوي : نفى العلم ، وأراد نفي المعلوم ~~؛ للمبالغة ، فإنه كالبرهان عليه من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه. ~~ه. بل يختبركم حتى يظهر الذين ms0931 جاهدوا منكم. # {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} ؛ بطانة ، أي : ~~جاهدوا وأفردوا محبتهم لله ولرسوله وللمؤمنين ، ولم يتخذوا من دونهم بطانة ~~، أي أصحاب سر يوالونهم ويبثون إليهم أسرارهم ، بل اكتفوا بمحبة الله ومودة ~~رسول الله والمؤمنين ، دون موالاة من عاداهم ، والتعبير ب (لما) : يقتضي أن ~~ظهور ذلك متوقع ، {والله خبير بما تعملون} : تهديد لمن يفعل ذلك. PageV03P081 # الإشارة : إفراد المحبة لله ولأولياء الله من أعظم القربات إلى الله ، ~~وأقرب الأمور الموصلة إلى حضرة الله ، والالتفات إلى أهل الغفلة ؛ بالصحبة ~~والمودة ، من أعظم الآفات والأسباب المبعدة عن الله ، والعياذ بالله. وفي ~~الحديث : " المرء على دين خليله " و" المرء مع من أحب " و" من أحب قوما حشر ~~معهم " إلى غير ذلك من الآثار في هذا المعنى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 59 # يقول الحق جل جلاله : {ما كان للمشركين} أي : ما صح لهم {أن يعمروا مساجد ~~الله} أي : شيئا من المساجد ، فضلا عن المسجد الحرام ، وقيل : هو المراد ، ~~وإنما جمع ؛ لأنه قبلة المساجد وإمامها ، فأمره كأمرها ، ويدل عليه قراءة ~~من قرأ بالتوحيد ، أي : ليس لهم ذلك ، وإن كانوا قد عمروه تغلبا وظلما ، ~~حال كونهم {شاهدين على أنفسهم بالكفر} ؛ بإظهار الشرك وتكذيب الرسول ، أي : ~~ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متباينين : عمارة بيت الله ، وعبادة غير ~~الله ، {أولئك حبطت أعمالهم} في الدنيا والآخرة ؛ لما قارنها من الشرك ~~والافتخار بها ، {وفي النار هم خالدون} ؛ لأجل كفرهم. # {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة} ، أي : # 60 # إنما تستقيم عمارتها بهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية ، ومن ~~عمارتها : تزيينها بالفرش ، وتنويرها بالسرج ، وإدامة العبادة والذكر ودروس ~~العلم فيها ، وصيانتها مما لم تبن له ؛ كحديث الدنيا. PageV03P082 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى : " إن بيوتي في أرضي ~~المساجد وإن زواري فيها عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ، ثم زارني في ~~بيتي ، فحق على المزور أن يكرم زائره " ووقف عبد الله بن مسعود على جماعة ~~في المسجد ms0932 يتذاكرون العلم فقال : بأبي وأمي العلماء ، بروح الله ائتلفتم ، ~~وكتاب الله تلوتم ، ومسجد الله عمرتم ، ورحمة الله انتظرتم ، أحبكم الله ، ~~وأحب من أحبكم. ه. # وإنما لم يذكر الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لما علم أن الإيمان ~~بالله قرينه وتمامه الإيمان به ، ولدلالة قوله : " وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة " عليه. قال البيضاوي. # {ولم يخش} في أموره كلها {إلا الله} ، فهذا الذي يصلح لعمارة بيت الله ، ~~{فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} ، وعبر بعسى ، قطعا لأطماع المشركين في ~~الاهتداء والانتفاع بأعمالهم ، وتوبيخا لهم على القطع بأنهم مهتدون ؛ فإن ~~كان اهتداء هؤلاء ، مع كمالهم ، ودائرا بين عسى ولعل ، فما ظنك بأضدادهم ؟ ~~، ومنعا للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم فيتكلوا عليها. وفي الحديث عنه صلى ~~الله عليه وسلم : " من رأيتموه يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان " ثم تلا الآية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 60 # الإشارة : مساجد الحضرة محرمة على أهل الشرك الخفي والجلي ، لا يدخل ~~الحضرة إلا قلب مفرد ، فيه توحيد مجرد ، لا يعمر مساجد الحضرة ألا قلب ~~مطمئن بالله ، غائب عما سواه ، قد رفض الركون إلى الأسباب ، وأفراد الوجهة ~~لمسبب الأسباب ، قطع الشواغل والعلائق حتى أشرقت أنوار الحقائق. وإنما يعمر ~~مساجد حضرة القدوس من آمن بالله واليوم الآخر ، وأقام صلاة القلوب ، وآتى ~~زكاة النفوس ، ولم يراقب أحدا من المخلوقين ، فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين إلى حضرة رب العالمين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 60 PageV03P083 ~~قلت : السقاية والعمارة : مصدران ، فلا يشبهان بالجثة ، فلا بد من حذف ، أي ~~: أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن ، أو جعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن. # يقول الحق جل جلاله : {أجعلتم} أهل {سقاية الحاج ، و} أهل {عمارة المسجد ~~الحرام} من أهل الشرك المحبطة أعمالهم ، {كمن آمن بالله واليوم الآخر} من ~~أهل الإيمان ، {وجاهد في سبيل الله} ؛ لإعلاء كلمة الله ، المثبتة أعمالهم ~~، بل {لا يستوون عند الله} أبدا ؛ لأن # 62 # أهل الشرك الذين حبطت أعمالهم في أسفل سافلين ، إن لم يتوبوا ، وأهل ~~الإيمان والجهاد في أعلى عليين. # ونزلت الآية في علي كرم الله وجهه ms0933 والعباس وطلحة بن شيبة ، افتخروا ، ~~فقال طلحة : أنا صاحب البيت ، وعندي مفاتحه ، وقال العباس : أنا صاحب ~~السقاية ، وقال علي رضي الله عنه : لقد أسلمت وجاهدت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فبين الله تعالى أن الإيمان والجهاد أفضل ، ووبخ من افتخر بغير ~~ذلك فقال : {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي : الكفرة الذين ظلموا أنفسهم ~~بالشرك ، ومعاداة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وداموا على ذلك ، وقيل : ~~المراد بالظالمين : الذين يسوون بينهم وبين المؤمنين. # ثم أكد بقوله : {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة} ، وأعلى رتبة ، وأكثر كرامة ، {عند الله} ، ممن لم ~~يستجمع هذه الصفات ، أو من أهل السقاية والعمارة عندكم ، {وأولئك هم ~~الفائزون} بكل خير ، الظافرون بنيل الحسنى والزلفى عند الله ، دون من عداهم ~~ممن لم يفعل ذلك. PageV03P084 # ثم زاد في كرامتهم فقال : {يبشرهم ربهم برحمة منه} أي : تقريب ، وعطف منه ~~{ورضوان وجنات لهم فيها} أي : في الجنان {نعيم مقيم} ؛ دائم ، لا نفاد له ~~ولا انقطاع. وتنكير المبشر به ؛ إشعار بأنه وراء التعيين والتعريف ، حال ~~كونهم {خالدين فيها أبدا} ، أكد الخلود بالتأبيد ؛ لأنه قد يطلق على طول ~~المكث ، {إن الله عنده أجر عظيم} يستحقر دونه مشاق الأعمال المستوجبة له ، ~~أو نعيم الدنيا ؛ إذ لا قدر له في جانب نعم الآخرة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 61 # الإشارة : لا يستوي من قعد في وطنه مع عوائده وأسبابه ، راكنا إلى عشائره ~~وأحبابه ، واقفا مع هواه ، غافلا عن السير إلى مولاه ، مع من هاجر وطنه ~~وأحبابه ، وخرق عوائده هو أسبابه ، وجاهد نفسه وهواه ، سائرا إلى حضرة ~~مولاه ، لا يستوون أبدا عند الله ؛ لأن هؤلاء مقربون عند الله ، والآخرون ~~في محل البعد عن الله ، ولو كثر علمهم وعملهم عند الله ، شتان بين من همته ~~القصور والحور ، وبين من همته الحضور ورفع الستور ، يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان ، وجنات المعارف لهم فيها نعيم لأرواحهم ، وهو الشهود والعيان ، لا ~~يحجب عنهم طرفة عين ، إن الله عنده إجر عظيم ، لا يخطر على قلب بشر ms0934 لا ~~حرمنا الله من ذلك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 61 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم} ؛ ~~الذين بقوا على كفرهم {أولياء} ؛ توالونهم بالمحبة والطاعة ، {إن استحبوا ~~الكفر} واختاروه على الإيمان. نزلت في شأن المهاجرين ؛ فإنهم لما أمروا ~~بالهجرة قالوا : إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا ، وذهبت تجارتنا ~~، وبقينا ضائعين. وقيل : نزلت فيمن ارتد ولحق بمكة ، فنهى الله عن ~~موالاتهم. {ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} ؛ بوضعهم الموالاة في غير ~~موضعها. PageV03P085 # {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم} أي : أصحابكم ، أو أقرباؤكم ~~، {وأموال اقترفتموها} ؛ اكتسبتموها ، {وتجارة تخشون كسادها} أي : فوات وقت ~~إنفاقها ، {ومساكن ترضونها} ؛ لحسنها وسعتها ، فإن كان ذلك {أحب إليكم من ~~الله ورسوله} أي : من الإيمان بالله وصحبة ورسوله ، {وجهاد في سبيله} ، ~~فآثرتم ذلك ، وتخلفتم عن الإيمان والهجرة ، {فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} ~~أي : بعقوبة عاجلة أو آجلة ، أو بنصر وفتح على المؤمنين ، كفتح مكة وغيرها ~~، والمراد بالمحبة : الاختيارية دون الطبيعة ؛ فإنها لا تدخل تحت التكليف ، ~~والتحفظ عنها ؛ لأن حب الأوطان والعشائر طبيعي ، والحب المكلف به اختياري ، ~~بحيث يجاهد نفسه في إبدال الطبيعي بالاختياري. # ثم هدد من وقف مع حب الأوطان بقوله : {والله لا يهدي القوم الفاسقين} لا ~~يرشدهم ولا يوفقهم. وفي الآية تهديد عظيم ، وقل من تحفظ عنه. قاله ~~البيضاوي. # الإشارة : الهجرة من أوطان الغفلة واجبة ، ومفارقة الأصحاب والعشائر ؛ ~~الذين لا يوافقون العبد على النهوض إلى الله فريضة ، فيجب على المريد أن ~~يهاجر من البلد التي لا # 63 PageV03P086 ~~يجد فيها قلبه ، ولا يجد فيها من يتعاون به على ربه ، كائنة ما كانت ، وما ~~رأينا وليا قط أنتج في بلده ، إلا القليل ، فلما هاجر صلى الله عليه وسلم ~~من وطنه إلى المدينة. وحينئذ نصر الدين ، بقيت سنة في الأولياء ، لا تجد ~~وليا يعمر سوقه إلا في غير بلده ، ويجب عليه أيضا أن يعتزل من يشغله عن ~~الآباء والأبناء والأزواج والعشائر ، وكذلك الأموال والتجارات التي تشغل ~~قلبه عن الله ، بعد أن يقيم في أولاده حقوق ms0935 الشريعة ، فاللبيب هو الذي يجمع ~~بين الحقيقة والشريعة ، فلا يضيع من يعول ، ولا يترك حق من يتعلق به من ~~الزوجة أو غيرها ، ويذكر الله مع ذلك ، فيخالطهم بحسه ، ويفارقهم بقلبه ، ~~فإن لم يستطع وأراد دواء قلبه فليخير الزوجة ، ويوكل من ينوب عنه في القيام ~~بحقوق العيال ، حتى يقوى قلبه ويتمكن مع ربه ، {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق : 2 3]. # جزء : 3 رقم الصفحة : 63 # ولإبراهيم بن أدهم رضي الله عنه : # هجرت الخلق طرا في رضاكا # وأيتمت البنين لكي أراكا # فلو قطعتني إربا فإربا # لما حن الفؤاد إلى سواكا # وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 63 # قلت : {ويوم حنين} : عطف على {مواطن} ، أو منصوب بفعل مضمر ، وهذا أحسن ؛ ~~لأن قوله : {إذ أعجبتكم كثرتكم} خاص بيوم حنين. انظر : ابن جزي. PageV03P087 # يقول الحق جل جلاله : في تذكيرهم بالنعم : {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} ~~أي : في مواقف الحرب ومداحضها في مواضع كثيرة ، {و} نصركم أيضا {يوم حنين} ~~، وهي غزوة كانت بعد فتح مكة ، متصلة بها ، في موضع يقال له : حنين ، سمي ~~باسم رجل كان يسكنه ، وهو واد بين مكة والطائف ، حارب فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمون ، وكانوا اثنى عشر ألفا : عشرة آلاف من الذين ~~حضروا فتح مكة ، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء ، قاتلوا هوازن وثقيف ومن ~~انضم إليهم من قبائل العرب. وكانوا ثلاثين ألفا ، فلما التقوا مع # 64 # بعض المشركين قال بعض المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة ، إعجابا بكثرتهم ~~، واقتتلوا قتالا شديدا ، فأدرك المسلمين إعجابهم ، واعتمادهم على كثرتهم ، ~~فانهزموا حتى وصل جلهم إلى مكة ، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مركزه ، ليس معه إلا عمه العباس ، آخذا بلجامه ، وابن عمه أبو سفيان بن ~~الحارث ، وناهيك شهادة على تناهي شجاعته صلى الله عليه وسلم ، فقال العباس ~~وكان صيتا : صح بالناس ، فنادى : يا عباد الله ، يا أصحاب الشجرة ، يا ~~أصحاب سورة البقرة ، فكروا عنقا واحدا ، يقولون : لبيك ms0936 لبيك ، ونزلت ~~الملائكة ، فالتقوا مع المشركين ، فقال عليه الصلاة والسلام : " هذا حين ~~حمي الوطيس " ، ثم أخذ كفا من تراب فرماهم ، وقال : " شاهت الوجوه " ، ثم ~~قال : " انهزموا ورب الكعبة " ، فانهزموا. PageV03P088 # فأشار تعالى إلى مقالتهم معاتبا لهم عليها بقوله : {إذ أعجبتكم كثرتكم فلم ~~تغن عنكم شيئا} أي : فلم تغن تلك الكثرة عنكم شيئا من الإغناء ، أو من أمر ~~العدو. وهذه المقالة صدرت من غير النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم ؛ لأنه ~~معصوم من الإعجاب ، وإن ثبت أنه قال ذلك فليس على وجه الإعجاب ، بل على وجه ~~الإخبار ، وعلى ذلك جرى الحكم في المذهب : من حرمة الفرار عند بلوغ اثني ~~عشر ألفا ، وكان المسلمون يومئذ اثني عشر ألفا بالطلقاء ؛ وهم مسلمة الفتح ~~: وكانوا ألفين ، وسموا بالطلقاء ؛ لمن النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ، ~~يقال لمن أطلق من أسر : طليق ، وجمعه على طلقاء نادر ؛ لأنه يشترط في فعيل ~~، الذي يجمع على فعلاء ، أن يكون بمعنى فاعل ، كظريف وشريف ، لا بمعنى ~~مفعول ، كدفين ودفنى ، وسخين وسخنى ، منه. طليق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 64 # ثم قال تعالى : {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} ؛ برحبها ، أي : ضاقت على ~~كثرة اتساعها ، فلم تجدوا فيها مكانا تطمئن إليه نفوسكم من الدهش ، {ثم ~~وليتم مدبرين} ؛ هاربين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، {ثم أنزل الله ~~سكينته} أي : طمأنينته {على رسوله وعلى المؤمنين} بعد انهزامهم ، فرجعوا ~~وقاتلوا ، أو على من بقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يفروا. وإعادة ~~الجار ؛ للتنبيه على اختلاف حالهما. # {وأنزل جنودا} من الملائكة {لم تروها} بأعينكم ، وكانوا خمسة آلاف ، أو ~~ثمانية ، أو ستة عشر ، على اختلاف الأقوال. {وعذب الذين كفروا} بالقتل ~~والأسر والسبي ، {وذلك جزاء الكافرين} أي : ما فعل بهم هو جزاء كفرهم في ~~الدنيا ، {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} منهم ، بالتوفيق للإسلام ، ~~{والله غفور رحيم} يتجاوز # 65 # عنهم ويتفضل عليهم بالتوفيق والهداية. PageV03P089 # روي أن أناسا منهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا ، ~~وقالوا : يا رسول الله ms0937 ، أنت خير الناس وأبرهم ، وقد سبي أهلونا وأولادنا ، ~~وأخذت أموالنا وقد سبي يومئذ ستة آلاف نفس ، وأخذ من الإبل والغنم ما لا ~~يحصى ، فقال : " اختاروا ، إما سبيكم ، وإما أموالكم ". فقالوا ما كنا نعدل ~~الأحساب شيئأ ، فمن كان بيده سبي فطابت نفسه أن يرده فشأنه ، ومن لا ، ~~فليعطنا ، وليكن قرطا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مثله " ، فقالوا : رضينا ~~وسلمنا ، فقال : " إني لا أدري ، لعل فيكم من لا يرضى ، فارجعوا حتى يرفع ~~إلي عرفاوكم أمركم " فرفعوا إليه أمرهم ، وقالوا : قد رضوا ، فرد السبي ~~إليهم ، وقسم الأموال في المؤلفة قلوبهم ، ترغيبا في تسكين قلوبهم للإسلام. ~~والغزوة مطولة في كتب السيرة ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : لقد نصركم الله ، يا معشر المريدين ، على جهاد نفوسكم وتيسير ~~أموركم ، في مواطن كثيرة ، إذا رجعتم إلى ربكم ، واعتزلتم من حولكم وقوتكم ~~في جميع أموركم ، فمن علامة النجاح في النهاية الرجوع إلى الله في البداية ~~، ما تعذر مطلب أنت طالبه بربك ، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك ، فمن رجع ~~إلى نفسه ، أو استند إلى عقله وحدسه ، لم تغن عنه شيئا ، وضاقت عليه الأرض ~~بما رحبت ، ورجع من حيث جاء ، فإن انتبه ، ورجع إلى ربه ، أنزل سكينة عليه ~~، وأيده باليقين ، ورجا أن يدرك أمله من رب العالمين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 64 PageV03P090 ~~قال الورتجبي : قوله تعالى : {ثم أنزل الله سكينتة على رسوله} ، سكينته ~~عليه الصلاة والسلام زيادة أنوار كشف مشاهدة الله ، له ، حين خاف من مكر ~~الأزل ، فأراه الله اصطفائيته الأزلية ، وأمنة من مكره ، لا أنه ينظر من ~~الحق إلى نفسه طرفة عين ، لكن إذا غاب في بحر القدم لم ير للحدث اثرا ، ~~ورأى الحدثان متلاشية في فيض العظمة ، ففزع منه به ، فآواه الله منه إليه ، ~~حتى سكن به عنه.ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 64 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} أي : عين ~~الخبث ، مبالغة في خبثهم ، إما لخبث باطنهم بالكفر ، أو لأنهم لا يتطهرون ~~من النجاسات ، ولا يتوقون منها ، فهم ملابسون لها غالبا. وعن ms0938 ابن عباس رضي ~~الله عنه : أن أعيانهم نجسة كالكلاب. قاله البيضاوي. {فلا يقربوا المسجد ~~الحرام} ، وهو نص على منع المشركين وهم عبدة الأوثان من المسجد الحرام ، ~~وهو مجمع عليه ، وقاس مالك # 66 # على المشركين جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ، وقاس على المسجد الحرام ~~سائر المساجد ، ومنع جميع الكفار من جميع المساجد. # وجعلها الشافعي عامة في الكفار ، خاصة بالمسجد الحرام ، فمنع جميع الكفار ~~من دخول المسجد الحرام خاصة ، وأباح دخول غيره ، وقصرها أبو حنيفة على موضع ~~النهي ، فمنع المشركين خاصة من دخول المسجد الحرام وأباح لهم سائر المساجد ~~، وأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره. قاله ابن جزي. # قوله تعالى : {بعد عامهم هذا} يعني : سنة تسع من الهجرة ، حين حج أبو بكر ~~بالناس ، وقرأ علي رضي الله عنه عليهم سورة براءة. PageV03P091 # {وإن خفتم عيلة} أي : فقرأ بسبب منع المشركين من الحرم ، وكانوا يجلبون لها ~~الطعام ، فخاف الناس قلة القوت منها ، إذا انقطع المشركون عنهم ، فوعدهم ~~الله بالغنى بقوله : {فسوف يغنيكم الله من فضله} ؛ من عطائه وتفضله بوجه ~~آخر. وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدرارا ، وأسلمت العرب كلها ، ~~وتمادى جلب الطعام إلى مكة ، ثم فتح عليهم البلاد ، وجلبت لهم الغنائم ، ~~وتوجه الناس إليهم من أقطار الأرض ، وما زال كذلك إلى الآن. # وقيده بالمشيئة ؛ لتنقطع الآمال إلى الله ، ولينبه على أنه متفضل في ذلك ~~وإن الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض ، وفي عام دون عام ، {إن الله عليم} ~~بأحوالكم ، {حكيم} فيما يعطي ويمنع. # الإشارة : بيوت الحضرة وهي القلوب المقدسة لا ينبغي أن يدخلها شيء من ~~شرك الأسباب ، أو الوقوف مع رفق الأصحاب ، أو الركون إلى معلوم حتى يفرد ~~التعلق بالحي القيوم ، ولا ينبغي أيضا أن يدخلها شيء من نجاسة حس الدنيا ~~وأكدارها وأغيارها ، فيجب على أربابها الفرار من مواطن الكدر ، والعزلة عن ~~أربابها ؛ لئلا يدخل فيها شيء من نجاستها ، فتموت بعد حياتها ، وكان عيسى ~~عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه : (لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم ، ~~قالوا : من الموتى يا روح ms0939 الله ؟ قال : المحبون للدنيا الراغبون فيها). فإن ~~خفتم علية ؛ بالفرار منهم واعتزال نجاستهم ، فسوف يغنيكم الله من فضل غيبه ~~إن شاء في الوقت الذي يشاء ، إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ~~والله تعالى أعلم # جزء : 3 رقم الصفحة : 66 # قال القشيري : {إنما المشركون نجس} أي : لأنهم فقدوا طهارة الأسرار ، ~~فبقوا في مزابل الظنون والأوهام ، فمنعوا قربان المساجد التي هي مساجد ~~القرب ، وأما المؤمنون فطهرهم عن التدنس بشهود الأغيار ، فطالعوا الحق ~~فردوا فيما ينشيه من الأمر ويمضيه من الحكم. ه. # 67 PageV03P092 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 66 # يقول الحق جل جلاله للمؤمنين : {قاتلوا} أهل الكتاب من اليهود والنصارى ~~{الذين لا يؤمنون بالله} على ما يجب له ، لإشراكهم عزير وعيسى ، ولتجسيمهم ~~، {ولا باليوم الآخر} ؛ لأنهم ينكرون المعاد الجسماني ، فإيمانهم في ~~الجانبين كلا إيمان {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} محمد صلى الله عليه ~~وسلم ؛ لأنهم يحلون الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير ، وغير ذلك مما حرمته ~~الشريعة المحمدية ، {ولا يدينون دين الحق} أي : لا يدخلون في الإسلام ، ~~الذي هو الدين الحق ، الناسخ لسائر الأديان ومبطلها. # ثم بين الذين أمر الله بقتالهم بقوله : {من الذين أوتوا الكتاب} ؛ وهم ~~اليهود والنصارى ، وحين نزلت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوة تبوك ~~لقتال النصارى ، ووصل إلى أوائل بلد العدو ، فصالح أهل أدرج وأيلة ، ~~وغيرهما ، على الجزية وانصرف ، ذلك امتثال للآية. # قال تعالى : {حتى يعطوا الجزبة} أي : ما تقرر عليهم أن يعطوه ، وقدرها ~~عند مالك : أربعة دنانير على أهل الذهب ، وأربعون درهما على أهل الورق ، ~~يؤخذ ذلك من كل رأس ، واتفق العلماء على قبول الجزية من اليهود والنصارى ، ~~ويلحق بهم المجوس ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ~~" لأن لهم شبهة كتاب ، فألحقوا بهم. واختلفوا في قبولها من عبدة الأوثان ؛ ~~قال مالك : تؤخذ من كل كافر إلا المرتد ، ولا تؤخذ من النساء والصبيان ~~والمجانين. # وقوله تعالى : {عن يد} أي : يباشر إعطاءها بيده ، لا يبعثها مع أحد ، أو ~~لا يمطل بها ms0940 ، كقولك : يدا بيد ، أو عن استسلام وانقياد ، كقولك : ألقى ~~فلان بيده. {وهم صاغرون} ؛ أذلاء محقرون. وعن ابن عباس رضي الله عنه : تؤخذ ~~الجزية من الذمي ، وتوجأ عنقه ، أي : تصفع. PageV03P093 # الإشارة : يؤمر المريد بقتل نفسه وحظوظه وهواه ، وأعظمها : حب الدنيا ~~والرئاسة والجاه ، ولا يزال يخالف هواها ، ويعكس مراداتها ، ويحملها ما ~~يثقل عليها ، حتى تنقاد # 68 # إليه بالكلية ، بحيث لا يثقل عليه شيء ، ويستوي عندها العز والذل ، ~~والفقر والغنى ، والمدح والذم ، والمنع والعطاء ، والفقد والوجد ، فإن ~~استوت عندها الأحوال فقد أسلمت وأعطت ما يجب عليها ، فيجب حفظها ورعايتها ، ~~وتصديقها فيما يرد عليها. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 68 # قلت : (عزيز) : مبتدأ ، و(ابن الله) : خبر ، فمن نونه جعله مصروفا ؛ لأنه ~~عنده عربي ، ومن حذف تنوينه : إما لمنعه من الصرف ؛ للعلمية والعجمية عنده ~~، وإما لالتقاء الساكنين ؛ تشبيها للنون بحروف اللين ، وهو ضعيف ، والأول أحسن. # يقول الحق جل جلاله : {وقالت اليهود عزير ابن الله} ، قال ابن عباس : هذه ~~المقالة قالها أربعة منهم ، وهم : سلام بن مشكم ، ونعمان أو لقمان بن أوفى ~~، وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف. وقيل : لم يقلها إلا فنحاص ، ونسب ذلك ~~لجميعهم ؛ لسكوتهم عنه. قال البيضاوي : إنما قال ذلك بعضهم من متقدميهم ، ~~أو ممن كانوا بالمدينة ، وإنما قالوا ذلك ؛ لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة ~~بختنصر من يحفظ التوراة ، وهو أي عزير لما أحياه الله بعد مائة عام ، ~~أملى عليهم التوراة حفظا ، فتعجبوا من ذلك ، وقالوا : ما هذا إلا أنه ابن ~~الله ، والدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية قرئت عليهم فلم يكذبوا ~~مع تهالكهم على التكذيب. ه. # {وقالت النصارى المسيح ابن الله} ، هو أيضا قول بعضهم ، وإنما قالوه ~~استحالة أن يكون الولد بلا أب ، أو لما كان يفعل من إبراء الأكمه والأبرص ~~وإحياء الموتى ، وتقدم الرد عليهم ، وسبب إدخال هذه الشبهة عليهم ، في سورة ~~المائدة. # قال تعالى : {ذلك قولهم بأفواههم} من غير دليل ولا برهان ، بل قالوا به # 69 PageV03P094 ~~من عندهم {يضاهئون} أي : يشابهون في هذه المقالة {قول ms0941 الذين كفروا من قبل} ~~، يعني : قدماءهم ، على معنى أن الكفر قديم فيهم. قال ابن جزي : فإن كان ~~الضمير لليهود والنصارى ، أي المتقدمين ، فالإشارة بقوله : (الذين كفروا من ~~قبل) للمشركين من الغرب ، إذ قالوا : الملائكة بنات الله ، وهم أول كافر ، ~~أو للصابئين ، أو لأمم تقدمت ، وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ؛ من اليهود والنصارى ، فالذين كفروا من قبل هم أسلافهم ~~المتقدمون. ه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 69 # قاتلهم الله} أي : أهلكهم ودمرهم ؛ لأن من قاتله الله هلك ، فيكون دعاء ، ~~أو تعجبا من شناعة قولهم ، {أنى يؤفكون} أي : كيف يصرفون عن الحق إلى ~~الباطل. # {اتخذوا أحبارهم} أي : علماءهم {ورهبانهم} ؛ عبادهم {أربابا من دون الله} ~~؛ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله ، وتحليل ما حرم الله ، وفي السجود لهم ~~، {والمسيح ابن مريم} ؛ بأن جعلوه ابن الله ، {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا} وهو الله الواحد الحق ، وأما طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام ~~وسائر من أمر بطاعته ، فهو في الحقيقة طاعة الله ، {لا إله إلا هو} ؛ تقرير ~~للتوحيد ، {سبحانه عما يشركون} ؛ تنزيها له عن أن يكون معه شريك. PageV03P095 # {يريدون أن يطفئوا} أي : يخمدوا {نور الله} ؛ القرآن أو الإسلام بجملته ، ~~{بأفواههم} كقولهم فيه : سحر ، وشعر ، وغير ذلك ، وفيه إشارة إلى ضعف ~~حيلتهم فيما أرادوا ، {ويأبى الله} ؛ لا يرضى {إلا أن يتم نوره} بإعلاء ~~التوحيد وإظهار الإسلام ، وإعزاز القرآن وأهله ، {ولو كره الكافرون} ذلك ، ~~فإن الله لا محالة يتم نوره ، ويظهر دينه. {هو الذي أرسل رسوله} محمدا صلى ~~الله عليه وسلم {بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} ، الضمير في " ~~يظهره ". للدين الحق ، أو للرسول صلى الله عليه وسلم. واللام في " الدين ". ~~للجنس ، أي : على سائر الأديان فينسخها ، أو على أهلها فيخذلهم ، وقد أنجز ~~وعده ، وأظهر دينه ورسوله على الأديان كلها ، حتى عم المشارق والمغارب ، ~~{ولو كره المشركون} ذلك الإظهار ، فيظهره الله رغما من أنفهم. وقيل : يتحقق ~~ذلك عند نزول عيسى عليه السلام ، حتى لا يبقى دين إلا دين الإسلام ، والله ~~تعالى أعلم. ms0942 # الإشارة : من انطمس نور بصيرته نسب لله ما لا يليق بكمالاته ، ومن لم ~~تنهضه سوابق العناية وقف مع الوسائط ولم ينفذ إلى شهود الوسائط ، وقد عير ~~الله قوما وقفوا مع الوسائط فقال : {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله} ، وقال ، في شأن الواسطة العظمى ؛ غيرة على القلوب أن تقف مع غيره : ~~{ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران : 128] ، {إنمآ أنت نذير} [هود : 12] ، ~~ودخل بعض العارفين على إنسان وهو يبكي ، فقال : # 70 # وما يبكيك ؟ فقال له : مات أستاذي ، فقال له ذلك العارف : ولم جعلت ~~أستاذك من يموت ؟ . # فالوسائط ؛ كالأنبياء والأولياء ، إنما هم موصلون إلى الله ، دالون عليه ~~، فمن وقف معهم ولم ينفذ إلى الله فقد اتخذه ربا عند الخواص. # جزء : 3 رقم الصفحة : 69 PageV03P096 ~~وقال الورتجبي على هذه الآية : عير الحق تعالى من بقي في رؤية المقتدى به ~~دون رؤية الحق ، وإن كان وسيلة منه ، فإن في إفراد القدم من الحدوث ، النظر ~~إلى الوسائط ، وهو شرك ، وتصديق ذلك تمام الآية ؛ {وما أمروا إلا ليعبدوا ~~إلها واحدا}. غيره الوحدانية ما أبقت في البين غيرا من الشواهد والآيات ~~وجميع الخلق. قال الله تعالى : {قل الله ثم ذرهم} [الأنعام : 91]. ولما رأى ~~صلى الله عليه وسلم غيره القدم على شأن استهلاك الغير زجر من مدحه وتجاوز ~~في المدح فقال : " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ". ثم قال الورتجبي : ~~قال بعضهم في هذه الآية : سكنوا إلى أمثالهم ، فطلبوا الحق من غير مظانه ، ~~وطرق الحق واضحة لمن كحل بنور التوفيق ، وبصر سبل التحقيق ، ومن أعمي عن ~~ذلك كان مردودا عن طريق الحق إلى طرق الضالين من الخلق ، وقد وقع أنهم ~~معيرون وموبخون بقلة عرفانهم أهل الحقائق ، وركونهم إلى أهل التقليد ، ~~وسقطوا عن منازل أهل التوحيد في التفريد ، وهكذا شأن من اقتدى بالزواقين من ~~أهل السالوس المتزينين بزي المشايخ والعارفين المتحققين ، وتخلف خلف ~~الجامعين للدنيا ، الذين يقولون : نحن أبناء المشايخ ونحن رؤساء الطريقة ، ~~يضحك الله الدهر من جهلهم حيث حيث علموا أن الولاية بالنسب ، حاشا أن من لم ms0943 ~~يذق طعم وصال الله ، وقلبه معلق بغير الله ، هو من أولياء الله. قال الجنيد ~~: إذا أراد الله بالمريد خيرا هداه إلى صحبة الصوفية ، ووقاه من صحبة ~~القراء. ولو اشتغلوا بشأنهم وجمع دنياهم ، ولم يتعرضوا لأولياء الله ، ولم ~~يقصدوا إسقاط جاههم ، لكفيهم شقاوتهم ، لا سيما ويطعنون على الصديقين ~~العارفين. قال الله في شأنهم : {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} ، كيف تطفأ بتراب حسبانهم أنوار ~~شموس الصفات ، التي من جباه وجوههم ، ولئالئ خدودهم ، وأصلها ثابت في أفلاك ~~الوحدانية وسماوات القيومية ، ويزيد نورهم على PageV03P097 ~~نور ؛ لأنه تعالى بلا نهاية ولا منتهى لصفاته. # قوله تعالى : {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} : إن الله سبحانه سن ~~سنة أزلية : ألا يجد أحد سبيله إلا من يقيض له أستاذا عارفا بالله ، وبسر ~~دينه وربوبيته ، فيدله إلى منهاج عبوديته ، ومعارج روحه وقلبه ، إلى مشاهدة ~~ربوبيته ، ويكون هو واسطة بينه وبين الله ، وإن كان الفضل بيد الله ، يؤتيه ~~من يشاء بغير علة ولا سبب ، جعله واسطة للتأديب لا للتقريب ، وصيره شفيعا ~~للجنايات ، لا شريكا في الهدايات ، هداه نور القرآن ، # 71 # وبينه حقيقة البيان ، مع إظهار البرهان. قيل : جعل الله الوسائط طريقا ~~لعباده إليه ، وبعثهم أعلاما على الطرق ونورا يهتدى بهم ، وعرفهم سبل الحق ~~وحقيقة الدين ، قال الله تعالى : {أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} ، انتهى كلامه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 69 # قلت : (يحمى عليها) : الجار والمجرور : نائب الفاعل ، وأصله : يوم تحمى ~~النار الشديدة الحمى عليها ، فجعل الإحماء للنار ؛ مبالغة ، ثم حذفت النار ~~، وأسند الفعل إلى الجار والمجرور ؛ تنبيها على المقصود ، فانتقل من صيغة ~~التأنيث إلى صيغة التذكير. PageV03P098 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل} ؛ يأخذونها بالرشا في الأحكام ، وسمى أخذ ~~المال أكلا ؛ لأنه الغرض الأعظم منه ، {ويصدون عن سبيل الله} أي : يعوقون ~~الناس عن الدخول في دينه ، {والذين يكنزون الذهب والفضة} أي : يدخرونها ~~{ولا ينفقونها} أي : الأموال المفهومة من الذهب ms0944 والفضة ، أو الكنوز ، أو ~~الفضة ، واكتفى بذكرها عن الذهب ؛ إذ الحكم واحد ، {فبشرهم بعذاب أليم} ؛ ~~وهو الكي بها ، وهذا الحكم يحتمل أن يرجع لكثير من الأحبار والرهبان ، ~~فيكون مبالغة في وصفهم ، بالحرص على المال وجمعه ، وأن يراد به المسلمون ~~الذين يجمعون الأموال ، ويقتنونها ولا يؤدون حقها ، ويكون اقترانه بأكلة ~~الرشا من أهل الكتب ؛ للتغليظ. ويدل عليه : أنه لما نزلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، ذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إن ~~الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم ". وقوله عليه ~~الصلاة والسلام : " ما أدى زكاته فليس بكنز ". وقال أبو ذر وجماعة من ~~الزهاد : كل ما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز ، وحمل الآية عليه. # ثم ذكر وعيدهم فقال : {يوم يحمى عليها} أي : على الأموال المكنوزة ، {في نار # 72 # جهنم} أي : يوم توقد النار ذات الحمى الشديد عليها ، حتى تكون صفيحة ~~واحدة ، {فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} ، خصهم بالعذاب ، لأنهم كانوا ~~يعرضون عن السائل ، ويولون ظهره ، فيعرضون عنه بجباههم وجنوبهم. أو لأنها ~~أشرف الأعضاء ، لاشتمالها على الدماغ والقلب والكبد. أو لأنها أصول الجهات ~~الأربع ، التي هي مقادم الإنسان ؛ مؤخره وجنبتاه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 72 PageV03P099 ~~يقال لهم : {هذا ما كنزتم لأنفسكم} أي : لمنفعتها ، وكان عين مضرتها وسبب ~~تعذيبها ، {فذوقوا ما كنتم تكنزون} أي : وبال كنزكم ، أو ما كنتم تكنزونه. ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما ~~من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له ~~صفائح من نار ، فأحمي عليها من نار جهنم ، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره ، ~~كلما بردت أعيدت له ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضي بين ~~العباد فيرى سبيله : إما إلى الجنة وإما إلى النار ". رواه مسلم بطوله. # قال ابن عطية : روي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : قد ذم ~~الله تعالى كسب الذهب والفضة ، فلو علمنا أي ms0945 المال خير حتى نكسبه ؟ فقال ~~عمر : أنا أسأل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله ، فقال : " لسان ~~ذاكر ، وقلب شاكر ، وزوجة تعين المرء على دينه ". وروي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ، لما نزلت الآية : " تبا للذهب والفضة ". فحينئذ أشفق ~~أصحابه ، وقالوا ما تقدم. ه. لابن حجر. # من خير ما يتخذ الإنسان # في دنياه كيما يستقيم دينه # قلب شكور ، ولسان ذاكر ، # وزوجة صالحة تعينه # وهو نظم لهذا الحديث ، وقد تكلم عليه في المجامع وشرحه. قاله المحشي. # الإشارة : هذه الآية تغبر في وجوه علماء السوء ، الذين يتساهلون في أكل ~~الدنيا بالعلم ، كقبض الرشا ، وقبض ما فوق أجرته في الأحكام ، فترى بعض ~~قضاة الجور يقبضون المثاقيل على إنزال يده على الحكم ، مع أنه واجب عليه ، ~~حيث تعين عليه بنصب الإمام له ، وتجر ذيلها على أغنياء الدنيا ، الذين ~~يجمعون الأموال ويكنزونها ، فترى أحدهم ينفق في نزهته وشهوة نفسه الأموال ~~العريضة ، وإذا أتاه فقير يسأله درهما أو درهمين ، تمعر وجهه ، وتغير لونه ~~، فبشرهم بعذاب أليم. وبالله التوفيق. # 73 # جزء : 3 رقم الصفحة : 72 PageV03P100 ~~قلت : (عند الله) : معمول لعدة ؛ لأنها مصدر ، و(في كتاب الله) : صفة لاثني ~~عشر ، و(يوم) : متعلق بالثبوت المقدر في الخبر ، أي : ثابتة في كتاب الله ~~يوم خلق الأكوان والزمان. وقوله : (منها) : أي : الأشهر ، ثم قال : (فيهن). ~~وضابط الضمير إن عاد على الجماعة المؤنثة ، حقيقة أو مجازا ، إن كانت أكثر ~~من عشرة ، قلت : منها وفيها ، وإن كانت أقل من عشرة ، قلت : منهن وفيهن ، ~~قال تعالى : {يأكلهن} [يوسف : 46] وقال هنا : (فيهن). انظر الإتقان. ~~و(كافة) : حال من الفاعل أو المفعول. # يقول الحق جل جلاله : {إن عدة الشهور} في كل سنة {عند الله} ؛ في علم ~~تقديره ، {اثنا عشر شهرا} : أولها المحرم ، وآخرها ذو الحجة. وأول من جعل ~~أولها المحرم : عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # وهذه العدة ثابتة {في كتاب الله} ؛ اللوح المحفوظ ، أو في حكمه ، أو ~~القرآن ، {يوم خلق السموات والأرض} ، هذا أمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق ~~الله الأجرام والأزمنة ، {منها} ms0946 أي : الأشهر {أربعة حرم} ، واحد فرد ، وهو ~~رجب ، وثلاثة سرد : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، {ذلك الدين القيم} أي : ~~تحريم الأشهر الحرم هو الدين القويم ، دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ~~وتمسكت به العرب حتى غيره بعضهم بالنسيء ، {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} ؛ بهتك ~~حرمتها والقتال فيها ، ثم نسخ بقوله : {وقاتلوا المشركين كافة} أي : في ~~الأزمنة كلها ؛ {كما يقاتلونكم كافة} ؛ لأنهم ، إن قاتلتموهم فيها قاتلوكم ~~فهذا نسخ لتحريم القتال في الأشهر الحرم. # وقال عطاء : لا يحل للناس أن يغزوا في الأشهر الحرم ، ولا في الحرم ، إلا ~~أن يبدئوا بالقتال ، ويرده غزوه صلى الله عليه وسلم حنينا والطائف في شوال ~~وذي القعدة. {واعلموا أن الله مع المتقين} بالنصر والمعونة ، وفيه بشارة ~~وضمان لهم بالنصر بسبب تقواهم. PageV03P101 # الإشارة : أهل الفهم عن الله : الأزمنة كلها عندهم حرم ، والأمكنة كلها ~~عندهم حرام ، فهم يحترمون أوقاتهم ويغتنمون ساعاتهم لئلا تضيع. قال الحسن ~~البصري : أدركت أقواما كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهيمكم ~~، يقول : كما لا يخرج أحدكم دينارا ولا درهما إلا فيما يعود عليهم نفعه ، ~~كذلك لا يحبون أن يخرجوا ساعة من أعمارهم إلا فيما يعود عليهم نفعة وقال ~~الجنيد رضي الله عنه : الوقت إذا فات لا يستدرك ، # 74 # وليس شيء أعز من الوقت. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 74 # وكل جزء يحصل له من العمر غير خال من عمل صالح ، يتوصل به إلى ملك كبير ~~لا يفنى ، ولا قيمة لما يوصل إلى ذلك ؛ لأنه في غاية الشرف والنفاسة ، ~~ولأجل هذا عظمت مراعاة السلف الصالح لأنفسهم ، ولحظاتهم ، وبادروا إلى ~~اغتنام ساعاتهم وأوقاتهم ، ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير ، ولم ~~يقنعوا من أنفسهم لمولاهم إلا بالجد والتشمير ، وإلى هذه الإشارة بقوله : ~~(فلا تظلموا فيهن أنفسكم) ؛ بتضييعها في غير ما يقرب إلى الله. ثم أمر ~~بجهاد القواطع ، التي تترك العبد في مقام الشرك الخفي ، وبشرهم بكونه معهم ~~بالنصر والتأييد ، والمعونة والتسديد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 74 # قلت : (النسيء) : التأخير ، يقال بالهمزة وبقلبها ياء. PageV03P102 # يقول الحق جل جلاله : {إنما ms0947 النسيء} ، وهو تأخير حرمة الشهر الحرام إلى شهر ~~آخر ، وذلك أن العرب كانوا أصحاب حروب وإغارات ، وكانت محرمة عليهم في ~~الأشهر الحرم ، فيشق عليهم تركها ، فيجعلونها في شهر حرام ، ويحرمون شهرا ~~آخر بدلا منه ، وربما أحلوا المحرم وحرموا صفر ، حتى يكملوا في العام أربعة ~~أشهر محرمة ، وإنما ذلك {زيادة في الكفر} ؛ لأنه تحريم ما أحل الله ، ~~وتحليل ما حرم الله ، وهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم ، {يضل به الذين كفروا} ~~عن الحق ، ضلالا زائدا على ضلالهم ، أو يضلهم الله بذلك ، {يحلونه عاما} أي ~~: يحلون الشهر الحرام عاما ، ويجعلون مكانه آخر ، {ويحرمونه عاما} ، ~~فيتركونه على حرمته ، فكانوا تارة ينسئون وتارة يتركون. # قيل : أول من أحدث ذلك : جناده بن عوف الكناني ؛ كان يقوم على جمل في ~~الموسم فينادي : إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ، ثم ينادي من قابل : ~~إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه ، فتتبعه العرب. # ثم حرموا شهرا آخر مكان المحرم {ليواطئوا} ؛ ليوافقوا {عدة ما حرم الله} ~~، وهي الأربعة الحرم ، {فيحلوا ما حرم الله} عليهم من القتال في الأشهر ~~الحرم ، {زين لهم سوء أعمالهم} أي : خذلهم وأضلهم ، والمزين حقيقة : الله ، ~~أو الشيطان ؛ حكمة وأدبا. {والله لا يهدي القوم الكافرين} إلى طريق الرشد ، ~~ما داموا على غيهم ، حتى يسلكوا سبيل نبيه صلى الله عليه وسلم. # 75 PageV03P103 ~~الإشارة : إنما تأخير التوبة واليقظة ، وترك السير إلى مقام التصفية ~~والترقية ، زيادة في البعد والقسوة ، يضل به الذين هجروا طريق التربية ~~والتصفية ، عن مقام أهل الإحسان والمعرفة ، فتارة يحلون المقام مع النفس ~~الأمارة ، ويقولون : قد انقطعت التربية ، وعدم الطبيب الذي يداويها ويخرجها ~~عن وصفها ، وتارة يحرمون المقام معها والاشتغال بحظوظها وهواها ، ويقولون : ~~البركة لا تنقطع ، والمدد لا ينعدم ، ليوافقوا بين الأمر بمجاهدتها في قوله ~~: {والذين جاهدوا فينا} ، وبين من قال : قد انقطعت التربية ، زين له سواء ~~أعمالهم ، والله لا يهدي القوم الكافرين إلى السير والوصول إلى ربهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 75 # قلت : (اثاقلتم) ، أصله : تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء ، وجلبت الهمزة ~~للساكن ، وقرئ ms0948 على الأصل ، وضمن الإخلاد ، فعدي بإلى. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في ~~سبيل الله} ؛ للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، {اثاقلتم} أي : ~~تباطأتم وأخلدتم {إلى الأرض} كسلا وفشلا ، وكان ذلك في غزوة تبوك ، أمروا ~~بها بعد رجوعهم من الطائف ، في وقت عسر ، وحر ، وبعد الشقة ، وكثرة العدو ، ~~فشق عليهم ذلك ، {أرضيتم بالحياة الدنيا} وكدرها ، {من الآخرة} ، بدل ~~الآخرة ونعيمها ، {فما متاع الحياة الدنيا} أي : التمتع بها في جانب الآخرة ~~، {إلا قليل} ؛ مستحقر ، لسرعة فنائه ومزجه بالكدر. PageV03P104 # {إلا تنفروا} مع رسوله إلى ما استنفرتم إليه ، {يعذبكم عذابا إليما} في ~~الدنيا والآخرة ، في الدنيا : بالإهلاك بأمر فظيع ، كقحط وظهور عدو ، وغير ~~ذلك من المهلكات ، وفي الآخرة : بعذاب النار. {ويستبدل} مكانكم {قوما ~~غيركم} في الدنيا ، يكونون مطيعين لله ورسوله ، كأهل اليمن ، وأمثالهم ، ~~{ولا تضروه شيئا} ؛ إذ لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئا ، فإنه الغني عن ~~كل شيء ، في كل وقت. وقيل : الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الله ~~وعده بالعصمة والنصرة ، ووعده حق ، {والله على كل شيء قدير} لا يعجزه شيء ، ~~فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد ، كما فعل معه في الغار ~~والهجرة ، على ما ياتي. # الإشارة : ما لكم إذا قيل لكم : انفروا إلى من يعرفكم بالله ، ويعلمكم كيف # 76 # تجاهدون نفوسكم في طلب مرضاة الله ، اثاقلتم وأخلدتم إلى أرض الحظوظ ~~والشهوات ، أرضيتم بالحياة الدنيا الدنية ، بل الحياة الأبدية ، في الحضرة ~~القدسية ؟ أرضيتم بحياة الأشباح بدل حياة الأرواح ؟ فما متاع الحياة الدنيا ~~الفانية في جانب الحياة الأبدية في الحضرة العلية ، إلا نزر قليل حقير ذليل ~~، إلا تنفروا لجهاد نفوسكم ، يعذبكم عذابا أليما ، بغم الحجاب ، وشدة التعب ~~والنصب ، وتوارد الخواطر والهموم ، وترادف الأكدار والغموم ، ويستبدل قوما ~~غيركم يكونون عارفين بالله ، مرضيين عند الله ، راضين عن الله ، والله على ~~كل شيء قدير. # جزء : 3 رقم الصفحة : 76 PageV03P105 ~~قلت : " إن " : شرط ، وجوابه محذوف ، دل عليه قول : {فقد نصره الله} أي : ~~إن ms0949 لم تنصروه فسينصره الله ، الذي نصره حين أخرجه الذين كفروا ، حال ثاني ~~اثنين ، فدل بنصره في الماضي على نصره في المستقبل ، وإسناد الإخراج إلى ~~الكفرة ؛ لأن همهم بإخراجه أو قتله كان سببا لإذن الله له في الخروج ، و(إذ ~~هما) : بدل من (أخرجه) ؛ بدل البعض ، و(إذ يقول) : بدل ثان ، و(كلمة الله) ~~: مبتدأ ، و(العليا) : خبر ، وقرأ يعقوب : بالنصب ؛ عطفا على {كلمة الذين ~~كفروا} ، والأول : أحسن ؛ للإشعار بأن كلمة الله عالية في نفسها ، فاقت ~~غيرها أم لا. # يقول الحق جل جلاله : {إلا تنصروه} ؛ تنصروا محمدا ، وتثاقلتم عن الجهاد ~~معه ، فسينصره الله ، كما نصره حين {أخرجه الذين كفروا} من مكة ، حال كونه ~~{ثاني اثنين} أي : لم يكن معه إلا رجل واحد ، وهو الصديق ، {إذ هما في ~~الغار} ؛ نقب في أعلى غار ثور ، وثور جبل عن يمين مكة ، على مسيرة ساعة. ~~{إذ يقول لصاحبه} : أبي بكر رضي الله عنه : {لا تحزن إن الله معنا} بالعصمة ~~والنصرة. # روي أن المشركين طلعوا فوق الغار يطلبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~حين فقدوه من مكة ، فأشفق أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ~~عليه الصلاة والسلام : " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " فأعماهم الله عن ~~الغار ، فجعلوا يترددون حوله فلم يروه. وقيل : لما دخل الغار # 77 # بعث الله حمامتين ، فباضتا في أسفله ، والعنكبوت نسجت عليه. PageV03P106 # {فأنزل الله سكينته} أي : أمنه الذي تسكن إليه القلوب ، {عليه} أي : على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو على صاحبه ، {وأيده بجنود لم تروها} ، يعني ~~الملائكة ، أنزلهم ليحرسوه في الغار ، أو يوم بدر وأحد وغيرهما ، فتكون على ~~هذا : الجملة معطوفة على : {فقد نصره الله}. {وجعل كلمة الذين كفروا} وهي ~~الشرك ، أو دعوى الكفر ، {السفلى وكلمة الله} التي هي التوحيد ، أو دعوة ~~الإسلام ، {هي العليا} ؛ حيث خلص رسوله صلى الله عليه وسلم من بين الكفار ، ~~ونقله إلى المدينة ، ولم يزل ينصره حتى ظهر التوحيد وبطل الكفر ، {والله ~~عزيز} ؛ غالب على أمره ، {حكيم} في أمره وتدبيره. # جزء : 3 رقم الصفحة : 77 # الإشارة ms0950 : ما قيل في حق الرسول صلى الله عليه وسلم يقال في حق ورثته ، ~~الداعين إلى الله بعده ؛ من العارفين بالله ، فيقال لمن تخلف عن صحبة ولي ~~عصره وشيخ تربية زمانه : إلا تنصروه فقد نصره الله وأعزه ، وأغناه عن غيره ~~، فمن صحبه فإنما ينفع نفسه ، فقد نصره الله حين أنكره أهله وأبناء جنسه ، ~~كما هي سنة الله في أوليائه ، لأن الداخل على الله منكور ، والراجع إلى ~~الناس مبرور ، فمن دخل مع الخصوص قطعا أنكرته العموم ، فنخرجه ثاني اثنين ~~هو وقبله ، فيأوي إلى كهف الأنس بالله ، والوحشة مما سواه ، فيقول لقلبه : ~~لا تحزن إن الله معنا ، فينزل الله عليه سكينة الطمأنينة والتأييد ، وينصره ~~باجناد أنوار التوحيد والتفريد ، فيجعل كلمة أهل الإنكار السفلى ، وكلمة ~~الداعين إلى الله هي العليا ، والله عزيز حكيم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 77 # قلت : (يهلكون) : حال من فاعل (يحلفون) ، أو بدل منه. قال في القاموس : ~~(الشقة) بالضم والكسر : البعد والناحية يقصدها المسافر ، والسفر ، البعيد ~~والمشقة. ه. PageV03P107 # يقول الحق جل جلاله : {انفروا} للجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، حال ~~كونكم {خفافا} ؛ نشاطا ، {وثقالا} ؛ كسالى لمشقته ، أو (خفاقا) لمن قل ~~عياله ، (وثقالا) لمن كثر عياله ، أو خفافا لمن كان فقيرا ، وثقالا لمن كان ~~غنيا ، أو خفافا ركبانا ، وثقالا مشاة ، أو خفافا بلا سلاح ، وثقالا ~~بالسلاح ، أو خفافا شبابا ، وثقالا شيوخا ، أو خفافا أصحاء ، وثقالا مرضى. ~~ولذلك قال ابن أم مكتوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أعلي الغزو يا ~~رسول الله ؟ قال : " نعم " حيث نزل : {ليس عليكم جناح} [النور : 61]. ~~{وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} # 78 # أي : بما أمكن ؛ إما بهما أو بأحدهما ، {ذلكم خير لكم} ، من تركه ، {إن ~~كنتم تعلمون} ما في ذلك من الأجر العظيم والخير الجسيم ، أي : لو علمتم ذلك ~~ما قعدتم خلف سرية. # ثم عاتب من أراد التخلف ، فقال : {لو كان عرضا قريبا} من الدنيا ، {وسفرا ~~قاصدا} ؛ متوسطا أو قريبا ، {لاتبعوك} أي : لو كان ما دعوا إليه أمرا ~~دنيويا ، كغنيمة كبيرة ، أو سفرا متوسطا ، لاتبعوك ولوافقوك ms0951 على الخروج ، ~~{ولكن بعدت عليهم الشقة} أي : المسافة التي تقطع بمشقة ، وذلك أن الغزوة ~~أي : تبوك كانت إلى أرض بعيدة ، وكانت في شدة الحر ، وطيب الثمار ، فشقت ~~عليهم. {وسيحلفون بالله} أي : المتخلفون إذا رجعت من تبوك ، معتذرين ، ~~يقولون : {لو استطعنا} الخروج {لخرجنا معكم} ، لكن لم تكن لنا استطاعة من ~~جهة العدة والبدن وهذا إخبار بالغيب قبل وقوعه. {يهلكون أنفسهم} بوقوعها في ~~العذاب ، {والله يعلم إنهم لكاذبون} في ذلك ؛ لأنهم كانوا مستطيعين الخروج ~~، وإنما قعدوا كسلا وجبنا ، والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 78 PageV03P108 ~~الإشارة : انفروا إلى الجهاد أنفسكم وقطع علائقكم وعوائقكم ، لكي تستأهلوا ~~لدخول حضرة ربكم ، وسافروا إلى من يعينكم ويقوي مدد أجناد أنواركم ، وهم ~~المشايخ العارفون ، فسيروا إليهم خفافا وثقالا ، ونشاطا وكسالا ، والغالب ~~أن النفس يشق عليها ما يكون سببا في قتلها فلا ينفر إليها خفافا أول مرة ~~إلا النادر. # ثم أمر ببذل الأموال والمهج في طريق الوصول إلى حضرة الله ، وعاتب من ~~تخلف عن ذلك وطلب الراحة والبقاء في وطن نفسه. قال القشيري : أمرهم بالقيام ~~بحقه ، والبدار إلى أداء أمره على جميع أحوالهم ، {خفافا} أي : في حال حضور ~~قلوبكم ، فلا يمسكم نصب المجاهدات ، {وثقالا} أي : إذا رددتم إليكم في ~~مقاساة نصب المكابدات. فإن البيعة أخذت عليكم في المنشط والمكره. ه. ومثله ~~عند الورتجبي عن أبي عثمان قال : خفافا وثقالا ؛ في وقت النشاط والكراهية ، ~~فإن البيعة على هذا وقعت ، كما روى عن جرير بن عبد الله أنه قال : بايعنا ~~رسول الله على المنشط والمكره. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 78 # يقول الحق جل جلاله : لنبيه عليه الصلاة والسلام ؛ ملاطفا له في الكلام : # 79 # {عفا الله عنك لم أذنت لهم} ، لم بادرت إلى الإذن إلى المنافقين في ~~التخلف ، واستكفيت بالإذن العام في قولنا : {فأذن لمن شئت منهم} [النور : ~~62] ، فإن الخواص من المقربين لا يكتفون بالإذن العام ، بل يتوقفون إلى ~~الإذن الخاص. ولذلك عوتب يونس عليه السلام. والمعنى : لأي شيء أذنت لهم في ~~القعود حين استأذنوك واعتذروا لك بأكاذيب ؟ وهلا ms0952 توقفت {حتى يتبين لك الذين ~~صدقوا} في الاعتذار ، {وتعلم الكاذبين} فيه. PageV03P109 # قال ابن عطية : قوله : {الذين صدقوا} يريد : في استئذانك ، وأنك لو لم تأذن ~~لهم لخرجوا معك ، وقوله : {وتعلم الكاذبين} يريد : أنهم استأذنوك يظهرون لك ~~أنهم يقفون عند حدك ، وهم كذبة ، قد عزموا على العصيان ، أذنت أو لم تأذن. ~~ه. قال ابن جزي : كانوا قد قالوا : استأذنوه في القعود ، فإن إذن لنا قعدنا ~~، وإن لم يأذن قعدنا ، وإنما كان يظهر الصادق من الكاذب لو لم يأذن لهم ، ~~فحينئذ كان يقعد العاصي والمنافق ، ويسافر المطيع الصادق. ه. # {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بالله واليوم ~~الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي : ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك ~~في أن يجاهدوا ، بل الخلص منهم يبادرون إليه ، ولا يوقفونه على الإذن فيه ، ~~فضلا عن أن يستأذنوا في التخلف عنه ، {والله عليم بالمتقين} ؛ فيثيبهم ~~ويقربهم ، وهي شهادة لهم بالتقوى وعدة لهم بثوابه. # {إنما يستأذنك} في التخلف {الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر} ، وخصص ~~ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ؛ إشعارا بأن الباعث على الجهاد والوازع ~~عنه : الإيمان وعدم الإيمان بهما ، {وارتابت قلوبهم} أي : شكت في الإيمان ~~والبعث ، {فهم في ريبهم يترددون} : يتحيرون. ونزلت الآية في عبد الله بن ~~أبي والجد بن قيس ، وأمثالهما من المنافقين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 79 PageV03P110 ~~الإشارة : لا ينبغي للعارفين بالله ؛ الداعين إلى الله ، أن يأذنوا لمن ~~استأذنهم في التخلف عن الجهاد الأكبر ، ويرخصون له في البقاء مع النفس ~~والهوى ، وجمع حطام الدنيا ، شفقة ورحمة ؛ لأن الشفقة في هذا المعنى لا ~~تليق بأهل التربية ، فقد قالوا : الشفقة والرطوبة لا تليق بشيوخ التربية ، ~~بل لا يليق بهم إلا الأمر بما تموت به النفوس ، وتحيا به الأرواح ، وإن كان ~~فيه حتفهم. وقد قالوا أيضا : إذا كان الشيخ يحرش على المريد ، ويقدمه ~~للمهالك في نفسه أو ماله أو جاهه ، فهو دليل على أنه يحبه وينصحه ، وإذا ~~كان يرخص له في أمورنفسه ، ويأمره بالمقام معها ، فهو غير ناصح له. # وأما الإذن في ms0953 التجريد وعدمه : فإن رآه أهلا له ؛ لنفوذ عزمه ، فيجب عليه ~~أن يأمره به ، وإن رآه لا يليق به ؛ لعوارض قامت به ؛ منعه منه ، حتى ينظر ~~ما يفعل الله به ، وسأل رجل القطب ابن مشيش ، فقال له : يا سيدي ؛ استأذنك ~~في مجاهدة نفسي ؟ فقال له : {لا # 80 # يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 79 # قلت : {ما زادوكم إلا خبالا} قال بعضهم : هو استثناء منقطع ، أي : ما ~~زادوكم شيئا ، لكن خبالا يحدثونه في عسكركم بخروجهم. قال ذلك : لئلا يلزم ~~أن الخبال واقع في عسكر المسلمين ، لكن خروجهم يزيد فيه. وفيه نظر ؛ لأن ~~الاستثناء المفرغ لا يكون منقطعا ، ويمكن هنا أن يكون متصلا ؛ لأن غزوة ~~تبوك خرج فيها كثير من المنافقين ، فحصل الخبال ، فلو خرج هؤلاء المستأذنون ~~في التخلف ، القاعدون ، لزاد الخبال بهم. # وقوله : (ولأوضعوا) أي : أسرعوا ، والإيضاع : الإسراع ، (وخلالكم) : ظرف ~~، أي : لأسرعوا بينكم بالمشي بالنميمة ، وجملة : (يبغونكم) : حال من فاعل " ~~أوضعوا ". PageV03P111 # يقول الحق جل جلاله : {ولو أرادوا} ؛ أراد المنافقون {الخروج} إلى الغزو ~~معكم ، وكانت لهم نية في ذلك {لأعدوا له عدة} أي : لاستعدوا له أهبته قبل ~~أوانه. فما فعلوا ، {ولكن} تثبطوا ؛ لأنه تعالى كره {انبعاثهم} ، أي : ~~نهوضهم للخروج ، {فثبطهم} أي : حبسهم وكسر عزمهم ، كسلا وجبنا ، {وقيل} لهم ~~: {اقعدوا مع القاعدين} من النساء والصبيان وذوي الأعذار ، وهو ذم لهم ~~وتوبيخ. والقائل في الحقيقة هو الله تعالى ، وهو عبارة عن قضائه عليهم ~~بالقعود ، وبناه للمجهول تعليما للأدب. قال البيضاوي : هو تمثيل لإلقاء ~~الله كراهة الخروج في قلوبهم ، أو وسوسة الشيطان بالأمر بالقعود ، أو حكاية ~~قول بعضهم لبعض ، أو إذن الرسول لهم. ه. # {لو خرجوا فيكم} ما زادكم خروجهم شيئا {إلا خبالا} ؛ فسادا وشرا. ~~والاستثناء من أعم الأحوال ، فلا يلزم أن يكون الخبال موجودا ، وزاد ~~بخروجهم ، أو إذا وقع خبال بحضور بعضهم معكم ما زادكم هؤلاء القاعدون ~~بخروجهم إلا خبالا ms0954 زائدا على ما وقع. {ولأوضعوا} أي : لأسرعوا {خلالكم} أي ~~: فيما بينكم ، فيسرعون في المشي بالنميمة والتخليط والهزيمة والتخذيل ، ~~{يبغونكم الفتنة} أي : حال كونهم طالبين لكم الفتنة ، # 81 # بإيقاع الخلل بينكم ، قلوبكم ورأيكم ، فيذهب ريح نصركم ، {وفيكم} قوم ~~{سماعون لهم} ؛ فيقبلون قولهم ، إما بحسن الظن بهم ، أو لنفاق بهم ، فيقع ~~الخلل بسبب قبول قولهم ، أو فيكم سماعون لأخباركم فينقلونه إلى غيركم ، ~~{والله عليم بالظالمين} ؛ فيعلم ضمائرهم ، وما ينشأ عنهم ، وسيجازيهم على فعلهم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 81 PageV03P112 ~~لقد ابتغوا الفتنة} أي : تشتيت أمرك وتفريق أصحابك {من قبل} أي : من قبل ~~هذا الوقت ، كرجوعهم عنك يوم أحد ، ليوقعوا الفشل في الناس ، {وقلبوا لك ~~الأمور} أي : دبروها من كل وجه ، فدبروا الحيل ، ودوروا الآراء في إبطال ~~امرك ، فأبطل الله سعيهم ، {حتى جاء الحق وظهر أمر الله} أي : علا دينه ، ~~{وهم كارهون} أي : على رغم أنفهم ، والآيتان تسلية للرسول صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين على تخلفهم ، وبيان ما ثبطهم الله لأجله وكره انبعاثهم له ، ~~وهتك أستارهم ، وكشف أسرارهم ، وإزاحة اعتذارهم. انظر البيضاوي. # الإشارة : الناس على ثلاثة أقسام : قسم أقامهم الحق تعالى لخدمة أنفسهم ~~وحظوظهم ؛ عدلا. وقسم أقامهم الحق تعالى لخدمة معبودهم ؛ فضلا. وقسم اختصهم ~~بالتوجه إلى محبوبهم ؛ رحمة وفضلا. # فالأولون : أثقلهم بكثرة الشواغل والعلائق ، ولو أرادوا الخروج منها ~~لأعدوا له عدة بالتخفيف والزهد ، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ، وقيل : ~~اقعدوا مع القاعدين ، أقامهم لإصلاح عالم الحكمة ، وأما أهل الخدمة : فرآهم ~~لم يصلحوا لصريح معرفته ، فشغلهم بخدمته ، ولو أرادوا الخروج من سجن الخدمة ~~إلى فضاء المعرفة لأعدوا له عدة ؛ بصحبة أهل المعرفة الكاملة. وأما أهل ~~التوجه إلى محبته وصريح معرفته فلم يشغلهم بشيء ، ولم يتركهم مع شيء ، بل ~~اختصهم بمحبته ، وقام لهم بوجود قسمته ، {يختص برحمته من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم} [آل عمران : 74]. وكل قسم لو دخل مع من فوقه على ما هو عليه ~~، لأفسده ، وما زاده إلا خبالا وشرا. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 81 # 82 PageV03P113 ~~يقول الحق جل جلاله : {ومنهم ms0955 من يقول ائذن لي} في القعود ، {ولا تفتني} ؛ ~~ولا توقعني في الفتنة ، أي : في العصيان والمخالفة ، بأ تأذن لي ، وفيه ~~إشعار بأنه لا محالة متخلف ، أذن أو لم يأذن ، أو في الفتنة ؛ بسبب ضياع ~~المال والعيال ؛ إذ لا كافل لهم بعدي ، أو في الفتنة بنساء الروم ، كما قال ~~الجد بن قيس : قد علمت الأنصار أني مولع بالنساء ، فلا تفتني ببنات بني ~~الأصفر ، ولكني أعينك بمال ، واتركني. # قال تعالى : {ألا في الفتنة سقطوا} أي : إن الفتنة التي سقطوا فيها ، وهي ~~فتنة الكفر والنفاق ، لا ما احترزوا عنه ، {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} ، ~~أي : دائرة بهم يوم القيامة ، أو الآن ؛ لأن إحاطة أسبابها بهم كوجودها ، ~~ومن أعظم أسبابها : بغضك وانتظارهم الدوائر بك. # {إن تصبك حسنة} ؛ كنصر أو غنيمة في بعض غزواتك ، {تسؤوهم} ؛ لفرط حسدهم ~~وبغضهم ، {وإن تصبك} في بعضها {مصيبة} ؛ ككسر أو شدة كيوم أحد ، {يقولوا قد ~~أخذنا أمرنا من قبل} أي : يتبجحوا بتخلفهم أو انصرافهم ، واستحمدوا رأيهم ~~في ذلك ، {ويتولوا} عن متحدثهم ومجمعهم ، أو عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، {وهم فرحون} مسرورون بما صنعوا من التخلف عن الجهاد. # الإشارة : ومن ضعفاء اليقين من يستأذن المشايخ في البقاء مع الأسباب ~~وفتنة الأموال ، ويقول : لا تفتني بالأمر بالتجريد ، فإني لا أقدر عليه ، ~~ويرضى بالسقوط في فتنة الأسباب والشواغل ، فإن ضم إلى ذلك الإنكار على أهل ~~التجريد ، بحيث إذا رأى منهم نكبة أو كسرة من أجل التجريد ، والخروج عن ~~عوائد الناس وما هم عليه ، فرح ، وإذا رأى منهم نصرا وعزا انقبض ، ففيه ~~خصلة من النفاق ، والعياذ بالله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 82 PageV03P114 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم يا محمد : {لن يصيبنا} من حسنة أو مصيبة ، ~~{إلا ما كتب الله لنا} في اللوح الحفوظ ، لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم ~~، {هو مولانا} ؛ متولي أمرنا وناصرنا ، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي : ~~وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم ؛ رضا بتدبيره ؛ لأن مقتضى الإيمان ألا يتوكل ~~إلا على الله ؛ إذ لا فاعل سواه ، {قل} لهم : {هل تربصون} أي : تنتظرون ms0956 ~~{بنا إحدى الحسنيين} أي : إلا # 83 # إحدى العاقبتين اللتين كل منهما حسنى : إما النصر وإما الشهادة ، {ونحن ~~نتربص بكم} أيضا إحدى العاقبتين السوأتين : إما {أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده} بقارعة من السماء ، {أو بأيدينا} أي : أو بعذاب بأيدينا ، وهو القتل ~~على الكفر ، {فتربصوا} ما هو عاقبتنا ، {إنا معكم متربصون} ما هو عاقبتكم. # الإشارة : ثلاثة أمور توجب للعبد الراحة من التعب ، والسكون إلى رب ~~الأرباب ، وتذهب عنه حرارة التدبير والاختبار ، وظلمة الأكدار والأغيار : ~~أحدها : تحقيق العلم بسبقية القضاء والقدر ، حتى يتحقق بأن ما أخطأه لم يكن ~~ليصيبه ، وما أصابه لم يكن ليخطئه ، قال تعالى : {قل لن يصينا إلا ما كتب ~~الله لنا} ، {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} ، وليتأمل قول الشاعر : # ما لا يقدر لا يكون بحيلة # أبدا ، وما هو كائن سيكون # سيكون ما هو كائن في وقته # وأخو الجهالة متعب مخزون PageV03P115 ~~وقد ورد عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال : سبع آيات : من قرأها أو ~~حملها معه ؛ لو انطبقت السماء على الأرض ؛ لجعل الله له فرجا ومخرجا من ~~أمره ، فذكر هذه الآية : {قل لن يصيبنا} ، وآية في سورة يونس : {وإن يمسسك ~~الله بضر...} [يونس : 107] الآية ، وآيتان في سورة هود : {وما من دآبة...} ~~[هود : 6] ، الآية ، {إني توكلت على الله ربي وربكم...} [هود : 56] ، الآية ~~، وقوله تعالى : {وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو ~~السميع العليم} [العنكبوت : 60] ، {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك ~~لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} [فاطر : 2] ، و{ولئن ~~سألتهم} .. في الزمر إلى قوله {عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر : 38] ، ~~ونظمها بعضهم فقال : # جزء : 3 رقم الصفحة : 83 # عليك بقل وإن ، وما ، إني ، في هود # وكأين ، ما يفتح ، ولئن ؛ مكملا # وإنما أشار رضي الله عنه إلى معنى الآيات لا إلى لفظها ؛ لأنها كلها تدل ~~على النظر لسابق القدر ، والتوكل على الواحد القهار. # الأمر الثاني : تحقق العبد برأفته تعالى ورحمته ، وأنه لا يفعل به إلا ~~ما هو في غاية ms0957 الكمال في حقه ، إن كان جمالا فيقتضي منه الشكر ، وإن كان ~~جلالا فيقتضي منه الصبر ، وفيه غاية التقريب والتطهير وطي المسافة بينك ~~وبين الحبيب. وفي الحكم : " خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك ، وترد فيه ~~إلى وجود ذلتك ، إن أردت بسط المواهب عليك ، فصحح الفقر والفاقة لديك ، ~~الفاقة أعياد المريدين ". إلى غير ذلك من كلامه في هذا المعنى. # الأمر الثالث : تحققه بخالص التوحيد ؛ فإذا علم أن الفاعل هو الله ولا ~~فاعل سواه ؛ # 84 # رضي بفعل حبيبه ، كيفما كان ، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه : # أحباي أنتم أحسن الدهر أم أسا PageV03P116 ~~فكونوا كما شئتم أنا ذلك الخل # وكما قال صاحب العينية : # تلذ لي الآلام إذ كنت مسقمي # وإن تختبرني فهي عندي صنائع # تحكم بما تهواه في فإنني # فقير لسلطان المحبة طائع # فهذه الأمور الثلاثة ، إذا تفكر فيها العبد دام حبوره وسروره ، وسهلت ~~عليه شؤونه وأموره. # وقوله تعالى : {قل هل تربصون بنا...} الآية ، مثله يقول أهل النسبة لأهل ~~الإنكار : هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ، إما حسن الختام بالموت على ~~غاية الإسلام ، يموت المرء على ما عاش عليه ، وإما الظفر بمعرفة الملك ~~العلام على غاية الكمال والتمام ، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعقوبة من ~~عنده ؛ بسبب إذايتكم ، أو بدعوة من عندنا إذا أذن لنا. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 83 # {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين} # ثم ذكر سبب إبطال عملهم وصدقاتهم ، فقال : # {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالىا ولا ينفقون إلا وهم كارهون} # قلت : (أن تقبل) : بدل من ضمير (منعهم) ، أو على حذف الجار ، و(إلا أنهم ~~كفروا) : فاعل ، أي : وما منع قبول نفقاتهم ، أو من قبول نفقاتهم ، إلا ~~كفرهم بالله وبرسوله ، ويحتمل أن يكون الفاعل ضميرا يعود على الله تعالى ~~و(إنهم) مفعول من أجله. PageV03P117 # يقول الحق جل جلاله : {وما منعهم} ؛ وما منع المنافقين من قبول نفقاتهم ~~وأعمالهم {إلا أنهم كفروا بالله ms0958 وبرسوله} ؛ إلا كفرهم بالله وبرسوله ، أو : ~~ما منعهم الله من قبول نفقاتهم إلا لأجل كفرهم بالله وبرسوله ، وكونه {لا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} ؛ متثاقلين ، {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} أي ~~: لا يعطون المال إلا في حال كراهيتهم للإعطاء ؛ لأنهم لا يرجون ثوابا ولا ~~يخافون بتركها عقابا ، فهم يعطون ذلك رياء ونفاقا. # الإشارة : لا يتقبل الله إلا عمل المخلصين ، إما إخلاص العوام ؛ لقصد ~~الثواب وخوف العقاب ، أو إخلاص الخواص ؛ لإظهار العبودية وإجلال الربوبية ، ~~وعلامة الإخلاص : وجود النشاط والخفة حال المباشرة للعمل ، أو قبلها ~~والغيبة عنه بعد الوقوع ، # 85 # والله أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 85 # يقول الحق جل جلاله : {فلا تعجبك} ، أيها الناظر إلى المنافقين ، كثرة ~~{أموالهم ولا أولادهم} ؛ فإن ذلك استدراج ووبال لهم {إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} ؛ بسبب ما يكابدون في جمعها وحفظها من ~~المتاعب ، وما يرون فيها من الأمراض والمصائب ، أو ما ألزموا به من أداء ~~زكاتها ، مع كونهم لا يرجون خلفها {وتزهق أنفسهم وهم كافرون} ؛ فلا يستوفون ~~التمتع بها في الدنيا ؛ لقصر مدتها ، ولا يجدون ثواب ما أعطوا منها ؛ لعدم ~~إيمانهم. وأصل الزهوق : الخروج بصعوبة ، لصعوبة خروج أرواحهم ، والعياذ بالله. PageV03P118 # الإشارة : ينبغي لمريد الآخرة ألا يستحسن شيئا من الدنيا ، التي هي مدرجة ~~الاغترار ، بل ينبغي له أن ينظر إليها وإلى إهلها بعض الغض والاحتقار ، حتى ~~ترتفع همته إلى دار القرار ، وينبغي لمريد الحق تعالى ألا يحقر شيئا من ~~مصنوعاته ، ولا يصغر شيئا من تجلياته ، إذ ما في الوجود إلا تجليات العلي ~~الكبير ، إما من مظاهر اسمه الحكيم ، أو اسمه القدير ، فيعطي الحكمة حقها ~~والقدرة حقها ، ويتلون مع كل واحدة بلونها ، وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 85 # قلت : الفرق : الخوف ، و(مدخلا) : أصله : متدخلا ، مفتعل من الدخول ، ~~قبلت التاء دالا وأدغمت. # يقول الحق جل جلاله : {ويحلفون} لكم {بالله إنهم لمنكم} أي : من جملة ~~المسلمين ، {وما هم منكم} ؛ لكفر قلوبهم ، {ولكنهم قوم يفرقون} : يخافون ~~منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين ، فيظهرون الإسلام تقية وخوفا ms0959 {لو ~~يجدون ملجأ} أي : حصنا يلتجئون إليه ، {أو مغارات} ؛ غيرانا ، {أو مدخلا} ؛ ~~ثقبا أو جحرا ينجحرون فيه. وقرأ يعقوب : " مدخلا " ؛ بضم الميم وسكون الدال ~~، أي : دخولا ، أو مكانا يدخلون فيه ، {لولوا إليه وهم يجمحون} أي : يسرعون ~~إسراعا لا يردهم شيء كالفرس الجموح. # الإشارة : قد يتطفل على القوم من ليس منهم ، فيظهر الوفاق ويبطن النفاق ، ~~كحال أهل النفاق ، فينبغي أن يستر ويحلم عليه ، كما فعل عليه الصلاة ~~والسلام بالمنافقين ، # 86 # تلطف معهم في حياتهم ، والله يتولى سرائرهم ، بالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 86 # قلت : (لو) : شرطية ، و(أنهم) : قال سيبويه : مبتدأ ، والخبر محذوف : ولو ~~رضاهم ثابت أو موجود... الخ. وقال غيره : فاعل بفعل محذوف ؛ ولو ثبت رضاهم ~~، وجواب (لو) : محذوف ، أي : ولو أنهم رضوا لكان خيرا لهم. PageV03P119 # يقول الحق جل جلاله : {ومنهم} ؛ ومن المنافقين {من يلمزك} أي : يعيبك ، ~~ويعترض عليك {في} قسم {الصدقات} ، {فإن أعطوا منها رضوا} وفرحوا ، {وإن لم ~~يعطوا منها} شيئا {إذا هم يسخطون}. والآية نزلت في ابن أبي ؛ رأس المنافقين ~~، قال : ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ، ويزعم أنه ~~يعدل. وقيل : في ذي الخويصرة رأس الخوارج ، كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقسم غنائم حنين ، فاستعطف قلوب أهل مكة ، فآثرهم بالعطاء ، فقال : ~~اعدل يا رسول الله ، فقال : " ويلك ، إن لم أعدل فمن يعدل ؟ ". قال تعالى : ~~{ولو أنهم رضوا ما أتاهم الله ورسوله} أي : بما أعطاهم الرسول من الغنيمة ، ~~وذكر الله ؛ للتعظيم ، وللتنبيه على أن ما فعله الرسول عليه الصلاة ~~والسلام كان بأمر الله ووحيه ، فكأنه فعله هو. {وقالوا حسبنا الله} أي : ~~كفانا فضله ، {سيؤتينا الله من فضله ورسوله} صدقة أو غنيمة أخرى ، فيؤتينا ~~أكثر مما أتانا ، {إنا إلى الله راغبون} في أن يغنينا من فضله وجوده. فلو ~~فعلوا هذا لكان خيرا لهم من اعتراضهم عليك ، الموجب لهم المقت والعذاب. # الإشارة : لا يكون المؤمن كاملا حتى يستوي عنده المنع والعطاء ، والفقد ~~والوجد ، والفقر ، والغنى والعز والذل. وأما إن كان في حالة العطاء والوجد ~~يفرح ms0960 ، وفي حالة المنع والفقد يسخط ، فلا فرق بينه وبين أهل النفاق ، إلا ~~من حيث التوسم بالإيمان ، ولو أنه رضي بما قسم الله له ، واكتفى بعلمه ، ~~ورغب الله في زيادته من فضله ، لكان خيرا له وأسلم. والله تعالى أعلم ~~وأحكم.. # 87 # جزء : 3 رقم الصفحة : 87 PageV03P120 ~~يقول الحق جل جلاله : {إنما} تدفع {الصدقات} الواجبة أي : الزكاة لهؤلاء ~~الثمانية ، وهذا يرجح أن لمزهم كان في قسم الزكاة لا في الغنائم ، واختصاص ~~دفع الزكاة بهؤلاء الثمانية مجمع عليه ، واختلف : هل يجب تعميمهم ؟ فقال ~~مالك : ذلك إلى الإمام ، إن شاء عمم وإن شاء خصص ، وإن لم يلها الإمام ؛ ~~فصاحب المال مخير ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد ، وأفتى به بعض الشافعية ، ~~وقال الشافعي : يجب أن تقسم على هذه الأصناف بالسواء ، إن وجدت. # أولها : الفقير : وهو من لا شيء له ، وثانيها : المسكين : وهو من له شيء ~~لا يكفيه. فالفقير أحوج ، وهو مشتق من فقار الظهر ، كأنه أصيب فقاره ، ~~والمسكين من السكون ، كأن العجز أسكنه. ويدل على هذا قوله تعالى : {أما ~~السفينة فكانت لمسكين} [الكهف : 79]. فسماهم مساكين مع ملكهم السفينة ، ~~وأنه صلى الله عليه وسلم سأل المسكنة ؛ وقيل بالعكس ، لقوله تعالى : {أو ~~مسكينا ذا متربة} [البلد : 16] وقيل : هما سواء. {والعاملين عليها} أي : ~~الساعين في تحصيلها وجمعها ، ويدخل فيهم الحاشر والكاتب والمفرق ، ولا بأس ~~أن يعلف خيلهم منها ، ويضافون منها بلا سرف. {والمؤلفة قلوبهم} قال مالك : ~~هم كفار ظهر ميلهم للإسلام ، فيعطوا ترغيبا في الإسلام. وقيل قوم أسلموا ~~ونيتهم ضعيفة ، فيعطوا ليتمكن الإسلام في قلبهم ، وحكمهم باق ، وقيل : ~~أشراف يترقب بإعطائهم إسلام نظائرهم. # {وفي الرقاب} أي : في فك الرقاب ، يشترون ويعتقون ، {والغارمين} ، أي : ~~من عليهم دين ، فيعطى ليقضي دينه ، ويشرط أن يكون استدانة في غير فساد ولا ~~سرف ، وليس له ما يبيع في قضائه. {وفي سبيل الله} يعني : الجهاد ، فيعطى ~~منها المجاهدون وإن كانوا أغنياء ، ويشتري منها آلة الحرب ، ولا يبنى منها ~~سور ولا مركب. {وابن السبيل} وهو الغريب المحتاج لما يوصله لبلده ، ولم يجد ~~مسلفا ، إن كان ms0961 مليا ببلده ، وإلا أعطي مطلقا. PageV03P121 # فرض الله ذلك {فريضة من الله} أي : حقا محدودا عند الله. قال ابن جزي : ~~ونصبه على المصدر يعني : لفعل محذوف كما تقدم فإن قيل : لم ذكر مصرف ~~الزكاة في تضاعيف ذكر المنافقين ؟ فالجواب : أنه خص مصرف الزكاة في تلك ~~الأصناف ؛ ليقطع طمع المنافقين فيها ، فاتصلت هذه الآية في المعنى بقوله : ~~{ومنهم من يلمزك # 88 # في الصدقات...} ه. {والله عليم حكيم} ؛ يضع الأشياء في مواضعها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 88 # الإشارة : إنما النفحات والمواهب للفقراء والمساكين ، الذين افتقروا من ~~السوى ، وسكنوا في حضرة شهود المولى. وفي الحكم. " ورود الفاقات أعياد ~~المريدين ، ربما وجدت من المزيد في الفاقة ما لا تجده في الصوم والصلاة ، ~~الفاقات بسط المواهب. إن أردت بسط المواهب عليك فصحح الفقر والفاقة لديك. ~~{إنما الصدقات للفقراء والمساكين}. وقال الهروي : الفقر صفة مهجورة ، وهو ~~ألذ ما يناله العارف ، لكونها تدخله على الله ، وتجلسه بين يدي الله ، وهو ~~أعم المقامات حكما ؛ لقطع العوائق ، والتجرد من العلائق ، واشتغال القلب ~~بالله. وقيل : الفقير الصادق لا يملك ولا يملك. وقال الشبلي : الفقير لا ~~يستغني بشيء دون الله. وقال الشيخ ابن سبعين رضي الله عنه : الفقير هو الذي ~~لا يحصره الكون. ه. يعني : لخروج فكرته عن دائرة الأكوان ، وقال القشيري : ~~الفقير الصادق عندهم : من لا سماء تظله ، ولا أرض تقله ، ولا سهم يتناوله ، ~~ولا معلوم يشغله ، فهو عبد الله بالله.ه. PageV03P122 # وقال السهروردي في عوارفه : الفقر أساس التصوف ، وبه قوامه ، ويلزم من وجود ~~التصوف وجود الفقر ؛ لأن التصوف اسم جامع لمعاني الفقر والزهد ، مع زيادة ~~أحوال لا بد منها للصوفي ، وإن كان فقيرا زاهدا. وقال بعضهم : نهاية الفقر ~~بداية التصوف ؛ لأن التصوف اسم جامع لكل خلق سني ، والخروج من كل خلق دنيء ~~، لكنهم اتفقوا ألا دخول على الله إلا من باب الفقر ، ومن لم يتحقق بالفقر ~~لم يتحقق بشيء مما أشار إليه القوم. # وقال أبو إسحاق الهروي أيضا : من أراد ان يبلغ الشرف كل الشرف ؛ فليختر ~~سبعا على سبع ، فإن الصالحين ms0962 اختاروا حتى بلغوا سنام الخير. واختاروا الفقر ~~على الغنى ، والجوع على الشبع ؛ والدون على المرتفع ، والذل على العز ، ~~والتواضع على الكبر ، والحزن على الفرح ، والموت على الحياة. ه. وقال بعضهم ~~: إن الفقير الصادق ليحترز من الغنى ؛ حذرا أن يدخله ؛ فيفسد عليه فقره ، ~~كما يحترز الغنى من الفقر ؛ حذرا أن يفسد عليه غناه. # قال بعض الصالحين : كان لي مال ، فرأيت فقيرا في الحرم جالسا منذ أيام ، ~~ولا يأكل ولا يشرب وعليه أطمار رثة ، فقلت : أعنيه بهذا المال ؛ فألقيته في ~~حجره ، وقلت : استعن بهذا على دنياك ، فنفض بها في الحصباء ، وقال لي : ~~اشتريت هذه الجلسة مع ربي بما ملكت ، وأنت تفسدها علي ؟ ثم انصرف وتركني ~~ألقطها. فوالله ما رأيت أعز منه لما بددها ، ولا أذل مني لما كنت ألقطها. ه. # وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيء ؛ اصبح حزينا ، وإذا لم يصبح عنده شيء ؛ أصبح # 89 PageV03P123 ~~فرحا مسرورا ، فقيل له : إنما الناس بعكس هذا ، فقال : إني إذا لم يصبح ~~عندي شيء فلي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ، وإذا أصبح لي شيء لم ~~يكن لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. ه. وجمهور الصوفية : ~~يفضلون الفقير الصابر على الغني الشاكر ، ويفضلون الفقر في الجملة على ~~الغني ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام اختاره ، وما كان ليختار المفضول. وشذ ~~منهم يحيى بن معاذ الواعظ وأحمد بن عطاء. # جزء : 3 رقم الصفحة : 88 # قال القشيري : كان ابن عطاء يفضل الغنى على الفقر ، فدعا عليه الجنيد ~~فأصيب عقله ثلاثين سنة ، فلما رجع إليه عقله قال : إنما أصابني ما أصابني ~~بدعاء الجنيد. وتكلم يحيى بن معاذ ، ففضل الغنى على الفقر ، فأعطاه بعض ~~الأغنياء ثلاثين ألف درهم ، فدعا بعض المشايخ عليه ، فقال : لا بارك الله ~~له فيها ، فخرج عليه اللص فنهبه إياها. ه. وحكي عن أبي يزيد البسطامي : أنه ~~قال : أسري بروحي ، فرأيت كأني واقف بين يدي الله ، فسمعت قائلا يقول : يا ~~أبا يزيد ، إن أردت القرب منا فأتنا بما ليس عندنا ، فقلت : يا مولاي وأي ~~شيء ms0963 ليس عندك ، ولك خزائن السماوات والأرض ؟ فسمعت : يا أبا يزيد ، ليس ~~عندي ذل ولا فقر فمن أتاني بهما بلغته. ه. # وقال في الإحياء : الفقر المستعاذ منه : فقر المضطر ، والمسؤول هو : ~~الاعتراف بالمسكنة والذلة والافتقار إلى الله عز وجل. ه. قلت : والأحسن أن ~~المستعاذ منه هو : فقر القلوب من اليقين ، فيسكنها الجزع والهلع ، والفقر ~~المسؤول هو : التخفيف من الشواغل والعلائق ، والله تعالى أعلم. PageV03P124 # وقد تكلم القشيري هنا على أخذ الزكاة وتركها ، فقال : من أهل المعرفة من ~~رأى أن أخذ الزكاة المفروضة أولى ، قالوا : لأن الله سبحانه جعل ذلك ملكا ~~للفقير ، فهو أحل له من المتطوع به. ومنهم من قال : الزكاة المفروضة لأقوام ~~مستحقة ، ورأوا الإيثار على الإخوان أولى ، فلم يزاحموا أرباب السهمان ، ~~وتحرجوا من أخذ الزكاة ، ومنهم من قال : إن ذلك وسخ الأموال ، وهو لأصحاب ~~الضرورات. وقالوا : نحن آثرنا الفقر اختيارا... فلم يأخذوا الزكاة ~~المفروضة. ه. # وقوله تعالى : (والعاملين عليها) : هم المستعدون للمواهب بالتفرغ ~~والتجريد ، و(المؤلفة قلوبهم) على حضرة محبوبهم ، والجادون في فك الرقاب من ~~الجهل والغفلة ؛ وهم أهل التذكير ، الداعون إلى الله ، (والغارمين) أي : ~~الدافعون أموالهم ومهجهم في رضى محبوبهم ، فافتقروا فاستحقوا حظهم من ~~المواهب والأسرار ، و(في سبيل الله) أي : المجاهدون أنفسهم في مرضاة الله. ~~(وابن السبيل) : السائحين في طلب معرفة الله. والله تعالى أعلم. # 90 # جزء : 3 رقم الصفحة : 88 # قلت : (قل أذن خير) : من قرأ بالإضافة ؛ ف (لكم) : متعلق بالاستقرار ، أي ~~: هو أذن خير كائن لكم. ومن قرأ بالتنوين ؛ ف (خير) : خبر عن " أذن " ؛ خبر ~~ثان ، ومن قرأ : " ورحمة " ؛ بالرفع فعطف على (أذن خير) ، ومن قرأ بالجر ، ~~فعطف على " خير " ، المجرور. # يقول الحق جل جلاله : {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون} فيه : {هو أذن} ~~يسمع كل ما يقال له يصدقه ؛ حقا كان أو باطلا ، فإذا حلفنا له أنا لم نقل ~~شيئا صدقنا. والقائل لهذه المقالة : قيل : هو نبتل بن الحارث ، وكان من ~~مردة المنافقين : وقيل : عتاب بن قشير ، في جماعة ، قالوا : محمد أذن سامعه ~~، نقول ما شئنا ، ثم نأتيه ms0964 فيصدقنا فيما نقول. قال البيضاوي : سمي بالجارحة ~~للمبالغة ؛ كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة السماع ، كما سمي الجاسوس ~~عينا. ه. PageV03P125 # قال تعالى في الرد عليهم : {قل أذن خير لكم} أي : هو لكم سماع خير وحق ، ~~فيسمع الخير والحق ويبلغه لكم ، أو قل : هو أذن خير لكم من كونه غير أذن ؛ ~~لأن كونه أذنا يقبل معاذيركم ؛ ولو كان غير أذن لكذبكم وفضحكم. وفي ~~(الوجيز) أي : مستمع خير وصلاح ، لا مستمع شر وفساد. # قال البيضاوي : وهو تصديق لهم بأنه أذن ، لكن لا على الوجه الذي ذموا به ~~يعني من تنقصه بقلة الحزم والانخداع بل من حيث إنه يسمع الخير ويقبله. ثم ~~فسر ذلك بقوله : {يؤمن بالله} ؛ يصدق بالله وبما له من الكمالات ، {ويومن ~~للمؤمنين} ؛ ويصدقهم ؛ لما يعلم من خلوصهم ، واللام مزيدة ؛ للتفرقة بين ~~إيمان التصديق وإيمان الإذعان والأمان ، {ورحمة للذين آمنوا منكم} أي : هو ~~رحمة لمن أظهر الإيمان منكم ، بحيث يقبله ولا يكشف سره. وفيه تنبيه على أنه ~~ليس يقبل قلولكم ؛ جهلا بكم ، بل رفقا بكم وترحما عليكم ، قاله البيضاوي. # وفي ابن عطية : وخص الرحمة بالذين آمنوا ؛ إذ هم الذين نجوا بالرسول ~~وفازوا. وفي الوجيز : وهو رحمة لهم ، لأنه كان سبب إيمانهم. ه. فظاهره أن ~~الإيمان الصادر منهم كان حقيقيا ، وهو حسن خلاف ظاهر. قال البيضاوي : أي : ~~هو رحمة لمن وفقه الله للإيمان منكم. # {والذين يؤذون رسول الله} بأي نوع من الإيذاء ، {لهم عذاب أليم} موجع ~~بسبب إذايته. # 91 PageV03P126 ~~الإشارة : تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ومدحه وذكر محاسنه ، من أجل ~~القربات وأعظم الطاعات ؛ لأن تعظيمه ناشئ عن محبته ، ومحبته عقد من عقود ~~الإيمان ، لا يتم الإيمان إلا بها ، والإخلال بهذا الجانب من أعظم المعاصي ~~عند الله ، ولذلك قبح كفر المنافقين واليهود ، الذين يؤذون جانب النبوة ، ~~وما عابه به المنافقون في هذه الآية هو عين الكمال عند أهل الكمال. قال ~~القشيري : عابوه بما هو أماره كرمه ، ودلالة فضله ، فقالوا : إنه ؛ لحسن ~~خلقه ، يسمع ما يقال له ، وقد قال صلى الله عليه ms0965 وسلم : " المؤمن غر كريم ~~والمنافق خب لئيم ". قالوا : من الفاضل ؟ قالوا : الفطن المتغافل ، وأنشدوا : # جزء : 3 رقم الصفحة : 91 # وإذا الكريم أتيته بخديعة # فرأيته فيما تروم يسارع # فاعلم بأنك لم تخادع جاهلا # إن الكريم بفضله يتخادع # وكل ولي يتخلق بهذا الخلق السني ؛ الذي هو التغافل والانخداع في الله ، ~~وكان عبد الله بن عمر يقول : (من خدعنا في الله انخدعنا له). ورأى سيدنا ~~عيسى عليه السلام رجلا يسرق ، فقال له : سرقت يا فلان ؟ فقال : والله ما ~~سرقت ، فقال عليه السلام : (آمنت بالله وكذبت عيني). فمن أخلاق الصوفي أن ~~يؤمن بالله ، ويؤمن للمؤمنين ، كيفا كانوا ، ورحمة للذين آمنوا ، فمن آذى ~~من هذا وصفه فله عذاب أليم. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 91 PageV03P127 ~~قلت : إنما وحد الضمير في (يرضوه) إما لأن رضى أحدهما رضى الآخر ، فكأنهما ~~شيء واحد ، أو لأن الكلام إنما هو في إيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام ~~وإرضائه ، فذكر الله تعظيما لجانب الرسول ، أو لأن التقدير : والله أحق أن ~~يرضوه ، ورسوله كذلك ؛ فهما جملتان. والضمير في (أنه من يحادد) : ضمير ~~الشأن : و(فأن) : إما تأكيد لأن الأولى ، وجملة (فله) : جواب ، أو تكون ~~بدلا منها ، أو في موضع خبر عن مبتدأ محذوف ، أي : فحق ، أو واجب له نار جهنم. # 92 # يقول الحق جل جلاله : {يحلفون بالله} أي : المنافقون ، {لكم} أيها ~~المؤمنون ، حين يعتذرون في التخلف عن الجهاد وغيره ، {ليرضوكم} أي : لترضوا ~~عنهم وتقبلوا عذرهم ، {والله ورسوله أحق أن يرضوه} بالطاعة والوفاق ، ~~واتباع ما جاء به ، {إن كانوا مؤمنين} صادقين في إيمانهم. {ألم يعلموا أنه} ~~أي : الأمر والشأن ، {من يحادد الله ورسوله} يعاديهما ، ويخالف أمرهما {فأن ~~له} ؛ فواجب أن له {نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي} أي : الهول {العظيم} ، ~~والهلاك الدائم ، والعياذ بالله. # الإشارة : من أرضى الناس بسخط الله أسخطهم عليه وسخط عليه ، ومن اسخط ~~الناس في رضي الله أرضاهم عليه ، ورضي عنه ، فمن أقر منكرا ؛ حياء أو خوفا ~~من الناس ، فقد أسخط مولاه ، ومن انكر منكرا ، ولم يراقب أحدا فقد أرضى ~~مولاه ms0966 ، ومن راقب الناس لم يراقب الله ، ومن راقب الله لم يراقب الناس ، ~~{والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين}. وتأمل قول الشاعر : # من راقب الناس مات غما # وفاز باللذات الجسور # وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 92 # قلت : الضمائر في " عليهم " ، و" تنبئهم " ، و" قلوبكم " ، تعود على ~~المنافقين ؛ خلافا للزمخشري في الأولين ، فقال : يعود على المؤمنين ، وتبعه ~~البيضاوي. PageV03P128 # يقول الحق جل جلاله : {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم} أي : في شأنهم ، ~~{سورة} من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم ، {تنبئهم} أي : تخبرهم ، ~~أي : المنافقين ، {بما في قلوبهم} من الشك والنفاق ، وتهتك أستارهم ، ~~وكانوا يستهزئون بأمر الوحي والدين ، فقال تعالى لنبيه عليه الصلاة ~~والسلام : {قل} لهم : {استهزئوا} ؛ تهديدا لهم ، {إن الله مخرج ما تحذرون} ~~من إنزال السورة فيكم ، أو ما تحذرون من إظهار مساوئكم. # {ولئن سألتهم} عن استهزائهم ، {ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} فيما بيننا. ~~روي أن ركبا من المنافقين مروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في غزوة ~~تبوك ، فقالوا : انظروا إلى هذا # 93 # الرجل ، يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه ، هيهات هيهات! فأخبر الله نبيه ~~، فدعاهم فقال : " قلتم : كذا وكذا ؟ " فقالوا : لا ، والله ، ما كنا في ~~شيء من أمرك ، ولا من أمر أصحابك ، ولكنا كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ، ~~ليقصر بعضنا على بعض السفر. # قال تعالى : {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} ، توبيخا لهم على ~~استهزائهم بما لا يصلح الاستهزاء به ، {لا تعتذروا} أي : لا تشتغلوا ~~باعتذاراتكم الكاذبة ؛ {قد كفرتم بعد إيمانكم} أي : قد أظهرتم الكفر بإيذاء ~~الرسول والطعن عليه ، بعد إظهار إيمانكم الكاذب. {إن نعف عن طائفة منكم} ؛ ~~بتوبتهم وإخلاصهم ، حيث سبق لهم ذلك ؛ كان منهم رجل اسمه مخشي ، تاب ومات ~~شهيدا. أو لكفهم عن الإيذاء ، {نعذب طائفة بأنهم كانوا} في علم الله ~~{مجرمين} ؛ مصرين على النفاق ، أو مستمرين على الإيذاء والاستهزاء. والله ~~تعالى أعلم. PageV03P129 # الإشارة : الاستهزاء بالأولياء والطعن عليهم من أسباب المقت والبعد من الله ~~، والإصرار على ذلك شؤمه سوء الخاتمة ، وترى بعض ms0967 الطاعنين عليهم يحذر منهم ~~أن يكاشفوا بأسراهم ، وقد يطلع الله أولياءه على ذلك ، وقد لا يطلعهم ، ~~وبعد أن يطلعهم على ذلك لا يواجهوهم بكشف أسرارهم لتخلقهم بالرحمة الإلهية. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 93 # قلت : قال في الأساس : ومن المجاز : نسيت الشيء : تركته ، (نسوا الله ~~فنسيهم. قال في المشارق : ونسي بمعنى ترك ، معناه مشهور في اللغة ، ومنه : ~~(نسوا الله فنسيهم) أي : تركوا أمره فتركهم. وقوله : (كالذين من قبلكم) : ~~خبر ، أي : أنتم كالذين ، أو مفعول بمحذوف ، أي : فعلتم مثل فعل من قبلكم. # يقول الحق جل جلاله : {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} أي : متشابهة في # 94 # الكفر والبعد عن الإيمان ، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم في النفاق والكفر ، ~~وهو نفي لأن يكونوا مؤمنين. وقيل : إنه تكذيب لهم في حلفهم بالله : {إنهم ~~لمنكم} وتقرير لقوله : وهو قوله : {يأمرون بالمنكر} ؛ كالكفر والمعاصي ، ~~{وينهون عن المعروف} ؛ كالإيمان والطاعة ، {ويقبضون أيديهم} عن الإعطاء ~~المبار ، وهو كناية عن البخل والشح. {نسوا الله} أي : غفلوا ، أي : أغفلوا ~~ذكره ، وتركوا طاعته ، {فنسيهم} ؛ فتركهم من لطفه ورحمته وفضله ، {إن ~~المنافقين هم الفاسقون} ؛ الكاملون في التمرد والفسوق عن دائرة الخير. # {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار} أي : المهاجرين بالكفر ، {نار ~~جهنم خالدين فيها} أي : مقدرين الخلود. قال ابن جزي : الأصل في الشر أن ~~يقال : أوعد ، وإنما يقال فيه : " وعد " إذا صرح بالشر. ه. {هي حسبهم} أي : ~~جزاؤهم عقابا وعذابا ، وفيه دليل على عظم عذابها ، {ولعنهم الله} ؛ أبعدهم ~~من رحمته ، وأهانهم ، {ولهم عذاب مقيم} لا ينقطع ، وهو العذاب الذي وعدوه ، ~~أو ما يقاسونه من تعب النفاق ، والخوف من المؤمنين. PageV03P130 # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 94 # كالذين من قبلكم} أي : أنتم كالذين من قبلكم ، أو فعلتم مثل فعل الذين من ~~قبلكم ، {كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا} ، وهو بيان لتشبيههم ~~بهم ، وتمثيل حالهم بحالهم ، {فاستمتعوا بخلافكم} أي : نصيبهم من ملاذ ~~الدنيا وحظوظها ، فأملوا بعيدا وبنوا مشيدا ، فرحلوا عنه وتركوه ، فلا ما ~~كانوا أملوا أدركوا ، ولا إلى ما فاتهم رجعوا ، {فاستمتعتم} أنتم {بخلاقكم} ms0968 ~~أي : بنصيبكم مما خلق الله لكم وقدره لكم في الأزل ، {كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم} ، ثم تركوا ورحلوا عنه ، كذلك ترحلون أنتم عنه وتتركونه. # قال البيضاوي : ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المخدجة من الشهوات ~~الفانية ، والتهائهم بها عن النظر في العاقبة ، والسعي في تحصيل اللذائذ ~~الحقيرة ؛ تمهيدا لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء آثارهم. ه. # {وخضتم} في الباطل {كالذي خاضوا} أي : كخوضهم ، أو كالخوض الذي خاضوه ، ~~وقيل : كالذين خاضوا فيه ، فأوقع الذم على الجميع. {أولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة} أي : لم يستحقوا عليها ثوابا في الدارين ، {وأولئك هم ~~الخاسرون} ؛ الكاملون في الخسران ، خسروا الدنيا والآخرة. # الإشارة : ينبغي لأهل الإيمان الكامل أن يتباعدوا عن أوصاف المنافقين ؛ ~~فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويمدون أيديهم بالعطاء والإيثار ، ~~ويذكرون الله على سبيل # 95 # الاستهتار ، حتى يذكرهم برحمته. ويتشبهون بمن قبلهم من الصالحين الأبرار ~~، فقد استمتعوا بلذيذ المناجاة ، وحلاوة المشاهدات ، وبلطائف العلوم ~~والمكاشفات ، أولئك الذين ثبتت لهم الكرامة من الله في الدنيا والآخرة ، ~~وأولئك هم الفائزون. # جزء : 3 رقم الصفحة : 94 PageV03P131 ~~يقول الحق جل جلاله : في شأن المنافقين : {ألم يأتهم نبأ} : خبر {الذين من ~~قبلهم} ، كيف دمرهم الله وأهلكهم ، حيث خالفوا رسلهم ، {قوم نوح} ؛ أغرقهم ~~بالطوفان ، {و} وقوم {عاد} ؛ أهلكهم بالريح ، {وثمود} ؛ أهلكهم بالصيحة ، ~~{وقوم إبراهيم} ؛ أهلك نمرود ببعوض ، وأهلك أصحابه به ، أرسل عليهم سحابة ~~من البعوض فخرطتهم ، ودخلت بعوضة في دماغه فأكلت دماغه ، حتى هلك ، {وأصحاب ~~مدين} ، وهم قوم شعيب ، أهلكوا بالنار يوم الظلة ، {والمؤتفكات} ؛ مدائن ~~قوم لوط ، ائتفكت بهم ، أي انقلبت ، فصار عاليها سافلها ، وأمطروا حجارات ~~من سجيل. {أتتهم رسلهم} أي : كل واحدة منهن أتاها رسول {بالبيات} ؛ ~~بالمعجزات الواضحة ، {فما كان الله ليظلمهم} أي : لم يكن من عادته ما يشابه ~~ظلم الناس ، كالعقاب بلا جرم. {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ؛ حيث عرضوها ~~للعقاب بالكفر والتكذيب. # الإشارة : ينبغي للمؤمن المشفق على نفسه أن يتحرى مواطن الهلكة ، ~~فيجتنبها بقدر الإمكان ؛ فينظرها ما فعل الله بأهل المخالفة والمعاصي ، ~~فيهرب منها بقدر إمكانه ، وينظر ما فعل بأهل طاعته وطاعة ms0969 رسوله من النصر ~~والعز في الدارين ، فيبادر إليها فوق ما يطيق ، ويعظم الرسل ، ومن كان على ~~قدمهم ممن حمل الأمانة بعدهم ، ويشد يده على صحبتهم وخدمتهم ؛ فهذا يسعد ~~سعادة الدارين. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 95 # 96 PageV03P132 ~~يقول الحق جل جلاله : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء} أي : أصدقاء ~~{بعض} ، هذا في مقابلة قوله : {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} ، وحض ~~المؤمنين بالوصف بالولاية ، {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ؛ ضد ما ~~فعله المنافقون ، {ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} ؛ ضد قوله : {ويقبضون ~~أيديهم} ، {ويطيعون الله ورسوله} في سائر الأمور ، ضد قوله : {نسوا الله ~~فنسيهم} ، {أولئك سيرحمهم الله} لا محالة ؛ لأن السين مؤكدة للوقوع ، {إن ~~الله عزيز} ؛ غالب على كل شيء ، ولا يمتنع عليه ما يريده ، {حكيم} يضع ~~الأشياء مواضعها. PageV03P133 # ثم ذكر ما أعد لهم فقال : {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة} أي : تستطيبها النفس ، أو يطيب فيها ~~العيش. وفي الحديث : " إنها قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر ". ~~وفي حديث آخر : " إن في الجنة غرفا ظاهرها من باطنها من ظاهرها ، أعدها ~~الله لمن أطعم الطعام ، وألان الكلام ، وبذل السلام ، وتابع الصيام ، وصلى ~~بالليل والناس نيام ". وذلك {في جنات عدن} ، أي : إقامة وخلود. وعنه عليه ~~الصلاة والسلام : " جنات عدن : دار الله ، التي لم ترها عين ، ولا تخطر ~~على قلب بشر ، لا يسكنها غير ثلاث : النبيون ، والصديقون ، والشهداء. يقول ~~الله تعالى : {طوبى لمن دخلك} قاله البيضاوي. ثم قال : ومرجع العطف فيها ~~أي : في قوله : {ومساكن طيبة} يحتمل أن يكون لتعدد الموعود لكل واحد له ، ~~أي : فكل مؤمن ومؤمنة له جنات ومساكن ، أو للجميع ؛ على سبيل التوزيع ، أي ~~: فالجنات والمساكن معدة للجميع ، ثم يقسمونها على حسب سعيهم في الدنيا ، ~~أو إلى تغاير وصفه أي : الموعود فكأنه وصفه أولا بأنه جنس ما هو أبهى ~~الأماكن التي يعرفونها ؛ لتميل إليه طبائعهم أول ما يقرع أسماعهم ، ثم وصفه ~~بأنه محفوف بطيب العيش ، معرى عن شوائب الكدرات التي لا تخلو عن شيء منها ~~أماكن الدنيا ms0970 ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ثم وصفه بأنه دار ~~إقامة وثبات في جوار رب العالمين ، لا يعتريهم فيها فناء ولا تغيير. # جزء : 3 رقم الصفحة : 96 PageV03P134 ~~ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال : {ورضوان من الله أكبر} ؛ لأنه المبدأ ~~لكل سعادة وكرامة ، والمؤدي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء. وعنه صلى الله ~~عليه وسلم : " إن الله تعالى يقول لأهل الجنة : هل رضيتم ؟ " فيقولون : وما ~~لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول : أنا أعطيكم أفضل ~~من ذلك. قالوا : أي شيء أفضل من ذلك ؟ قال : # 97 # " " أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا " {ذلك} أي : الرضوان ، أو ~~جميع ما تقدم ، {هو الفوز العظيم} الذي تستحقر دونه الدنيا وما فيها. ه. # الإشارة : قد أعد الله لأهل الإيمان الحقيقي ؛ الذين بذلوا مهجهم ~~وأموالهم في مرضاته ، جنات المعارف ، تجري من تحت أفكارهم أنهار العلوم ~~والحكم ، ومساكن طيبة ، وهي : عكوف أرواحهم في الحضرة ، متلذذين بحلاوة ~~الفكرة والنظرة ، في محل المشاهدة والمكالمة ، والمساررة والمناجاة ، ~~ورضوان من الله ، الذي هو نعيم الأرواح ، أكبر من كل شيء ؛ لأن نعيم ~~الأرواح أجل وأعظم من نعيم الأشباح ، حتى أن المقربين ليضحكون على أهل ~~اليمين ، حين يرونهم يلعبون مع الولدان والحور ، كما ذكر الغزالي. وأما ~~المقربون فيشاركونهم في ذلك ، ويزيدون عليهم بلذة الشهود. # قال القشيري ، عند قوله تعالى : {إن أصحب الجنة اليوم في شغل فكهون} [يس ~~: 55] : إنه لا تنافي بين اشتغالهم بلذاتهم مع أهليهم وبين شهود أمرهم ، ~~كما أنهم اليوم مستلذون بمعرفته بأي حالة هم فيها ، ولا يقدح اشتغالهم ~~بحظوظهم في معارفهم. انتهى لفظه ، وهو حسن. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 96 PageV03P135 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي جاهد الكفار} بالسيف ، {والمنافقين} ~~باللسان ؛ بإلزام الحجة وبإقامة الحدود ؛ ما لم يظهر عليهم ما يدل على ~~كفرهم ، فإن ظهر عليهم ذلك فحكمهم كحكم الزنديق ، فيقتل على المشهور. ~~{واغلظ عليهم} بالقول والفعل ، إن استوجبوا ذلك ، ولا تراقبهم ، {ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير} أي : المرجع ، مصيرهم. # {يحلفون بالله ms0971 ما قالوا} ، روي : أنه صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة ~~تبوك شهرين ، ينزل عليه القرآن ، ويعيب المختلفين فقال الجلاس بن سويد : ~~لئن كان ما يقول محمد في إخواننا # 98 # حقا لنحن شر من الحمير ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فاستحضره ، ~~فحلف بالله ما قال ، فنزلت ، فتاب الجلاس ، وحسنت توبته. # قال تعالى : {ولقد قالوا كلمة الكفر} ، يعني : ما تقدم من قول الجلاس ، ~~أو قول ابن أبي : سمن كلبك يأكلك ، أو : {لئن رجعنا إلى المدينة}... الآية. ~~{كفروا بعد إسلامهم} ؛ وأظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام ، ولم يقل بعد ~~إيمانهم ، لأنهم يقولون بألسنتهم : آمنا ، ولم يدخل في قلوبهم ، {وهموا بما ~~لم ينالوا} من قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو : أن خمسة عشر منهم ~~توافقوا عند مرجعه من تبوك ، أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي ، إذا وصل إلى ~~العقبة بالليل ، فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها ، وحذيفة خلفها ~~يسوقها ، فبينما هم كذلك إذ سمع حذيفة تقعقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح ، ~~فقال : إليكم إليكم إليكم يا أعداء الله ، فهربوا. أو : هموا بإخراجه من ~~المدينة ، أو إخراج المؤمنين ، أو هموا بأن يتوجوا عبد الله بن أبي ، وإن ~~لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم ينالوا شيا من ذلك. PageV03P136 # {وما نقموا} أي : وما عابوا وكرهوا {إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} ~~الذين حقهم أن يشكروا عليه ، وذلك أن اكثر أهل المدينة كانوا محاويج ، في ~~ضنك من العيش ، فلما قدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم ~~، وقتلأ للجلاس مولى ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدينه اثنى عشر ~~ألفا ، فأعطيت له ، فاستغنى. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 98 # فأن يتوبوا يك خيرا لهم} ، وهذا حمل الجلاس على التوبة ، والضمير يعود ~~على الرجوع المفهوم من التوبة ، {وإن يتولوا} عنك ؛ بالإصرار على النفاق ، ~~{يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة} ؛ بالقتل والنار ، {وما لهم ~~في الأرض من ولي ولا نصير} ينجيهم من العذاب. # الإشارة : كفار الخصوصية على القسمين : قسم أظهروا الإنكار على ms0972 أهلها ، ~~وقسم أبطنوه وأظهروا الوفاق ، ففيهم شبه بأهل النفاق ، فينبغي الإعراض عن ~~الجميع ، والاشتغال بالله عنهم ، وهو جهادهم والإغلاظ عليهم ، فعداوة العدو ~~حقا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا. وقد تصدر عنهم في جانب أهل الخصوصية ~~مقالات ثم ينكرونها ، وقد يهموا بما لم ينالوا من إذايتهم وقتلهم ، لو ~~قدروا. والله يتولى الصالحين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 98 PageV03P137 ~~يقول الحق جل جلاله : {ومنهم من عاهد الله} قال : {لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين} ، وهو ثعلبة بن حاطب ، أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال : ادع الله يرزقني مالا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~: " يا ثعلبة ، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " فراجعه ، وقال : ~~والذي بعثك بالحق ، لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، فدعا له ، ~~فاتخذ غنما ، فنمت كما تنمو الدود ، حتى ضاقت بها المدينة ، فنزل واديا ، ~~وانقطع عن الجماعة والجمعة ، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل : ~~كثر ماله حتى لا يسعه واد ، فقال : " يا ويح ثعلبة ". فبعث له مصدقين لأخذ ~~الصدقات ؛ فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ، ومروا بثعلبة فسألاه الصدقة ، ~~وأقرآه الكتاب الذي فيه الفرائض ، فقال : ما هذه صدقة ، ما هذه إلا أخت ~~الجزية ، فارجعا حتى أرى رأيي ، فنزلت فيه الآية ، فجاء ثلعلبة بالصدقة ، ~~فقال : إن الله منعني أن أقبل منك ، فجعل يحثو التراب على رأسه ، فقال له ~~صلى الله عليه وسلم : " هذا منك ؛ فقد أمرتك فلم تطعني " فقبض الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، فجاء بها إلى أبي بكر ، فلم يقبلها ، ثم جاء بها إلى عمر ~~في خلافته ، فلم يقبلها منه ، وهلك في زمن عثمان ، بعد أن لم يقبلها منه. PageV03P138 # وهذا معنى قوله : {فلما آتاهم من فضله بخلوا به} أي : منعوا حق الله منعه ، ~~{وتولوا} عن طاعة الله {وهم معرضون} أي : وهم قوم عادتهم الإعراض عنها ، ~~{فأعقبهم} أي : فأردفهم {نفاقا في قلوبهم} ؛ عقوبة على العصيان بما هو أشد ~~منه ، أو فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقا متمكنا في قلوبهم وسوء اعتقاد. ~~قال البيضاوي ms0973 : ويجوز أن يكون الضمير للبخل ، والمعنى : فأورثهم البخل ~~نفاقا متمكنا في قلوبهم {إلى يوم يلقونه} ، أي : يلقون الله بالموت ، ~~والمراد : يلقون جزاءه أو عقابه. وذلك {بما أخلفوا الله ما وعدوه} أي : ~~بسبب إخلافهم ما وعده من التصدق والصلاح ، {وبما كانوا يكذبون} أي : ~~وبكونهم كاذبين فيه ؛ فإن خلف الوعد متضمن للكذب ، مستقبح من الوجهين. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 99 # ألم يعلموا} أي : المنافقون ، أو من عاهد الله ، {أن الله يعلم سرهم} أي ~~: ما أسروا في أنفسهم من النفاق ، {ونجواهم} ؛ ما يتناجون فيه ، فيما بينهم ~~، من المطاعن وتسمية الزكاة جزية ، {وأن الله علام الغيوب} ؛ فلا يخفى عليه ~~شيء من ذلك ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : في الحكم العطائية : " من تمام النعمة عليك : أن يرزقك ما ~~يكفيك ، # 100 # ويمنعك ما يطغيك ". وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : " خير الرزق ما يكفي ، وخير الذكر الخفي ". وقال ~~صلى الله عليه وسلم : " ما طلعت شمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان ، يسمعان ~~الخلائق : أيها الناس ، هلموا إلى ربكم ، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ". ~~وقال بعض العارفين : كل من لا يعرف قدر ما زوي عنه في الدنيا ، ابتلى بأحد ~~وجهين : إما بحرص مع فقر يتقطع به حسرات ، أو رغبة في غنى تنسيه شكر ما ~~أنعم به عليه. PageV03P139 # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس الغنى بكثرة العرض ، ~~إنما الغنى غنى النفس " وغنى النفس عن الدنيا : شرف الأولياء المختارين ، ~~وعز أهل التقوى المؤمنين المحسنين. ولقد صدق قول الشاعر : # غنى النفس ما يغنيك عن سد خلة # فإن زدت شيئا عاد ذلك الغنى فقرا # وقد قيل : من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى الله عيني قلبه. وقالت ~~الجارية المجنونة لعبد الواحد بن زيد : يا عبد الواحد ، اعلم أن العبد إذا ~~كان في كفاية ، ثم مال إلى الدنيا ، سلبه الله حلاوة الزهد ، فيظل حيرانا ~~والها ، فإن كان له عند الله تعالى نصيب ، عاتبه وحيا في سره ، فقال : عبدي ms0974 ~~؛ أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي ، وإجعلك دليلا لأوليائي وأهل ~~طاعتي في أرضي ، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني ؛ فورثتك بذلك ~~الوحشة بعد الأنس ، والذل بعد العز ، والفقر بعد الغنى ، عبدي ؛ ارجع إلى ~~ما كنت عليه ، أرجع بك إلى ما كنت تعرفه. ه. وقد تقدمت الحكاية. وفي بعض ~~الكتب : إن أهون ما أصنع بالعالم ، إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة ~~مناجاتي. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 99 # قلت : (الذين) : مبتدأ حذف خبره ، أي : منهم الذين ، أو خبر عن مبتدأ ، ~~أو منصوب على الذم ، أو بدل من ضمير سرهم. وأصل المطوعين : المتطوعين ، ~~فأدغمت التاء في الطاء ، (وجهدهم) : مصدر جهد في الأمر : بالغ فيه. # 101 PageV03P140 ~~يقول الحق جل جلاله : ومنهم {الذين يلمزون} أي : يعيبون {المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات} ، روي أنه صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة ، فجاء ~~عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم ، وقال : كان لي ثمانية آلاف ، فأقرضت ~~ربي أربعة ، وأمسكت لعيالي أربعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ~~بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت ". فبارك الله له حتى صالحته إحدى ~~زوجتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم. وتصدق عاصم بن عدي بثمانية أوسق ~~تمرا ، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع تمر ، فأمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن ينثره على تمر الصدقات ، فلمزهم المنافقون ، وقالوا : ما أعطي عبد ~~الرحمن عاصم إلا رياء ، ولقد كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ، ~~فنزلت الآية. # ونزلت في أبي عقيل : {والذين لا يجدون إلا جهدهم} ؛ إلا طاقتهم ، ~~{فيسخرون منهم} ؛ يستهزئون بهم. قال تعالى : {سخر الله منهم} ؛ جازاهم على ~~سخريتهم ، كقوله : {الله يستهزئ بهم} [البقرة : 15] ، {ولهم عذاب أليم} على كفرهم. # {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} ، يريد به التساوي بين الأمرين في عدم ~~الإفادة ، كما نص عليه بقوله : {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم} ، روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من خيار المسلمين سأل ~~رسول الله صلى ms0975 الله عليه وسلم ، في مرض أبيه ، أن يستغفر له ، ففعل ، فنزلت ~~: {سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} [المنافقون ~~: 6] ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام فهم من السبعين العدد المخصوص ، ~~وقال : ولو علمت أني إن زدت على السبعين ، غفر له ، لزدت ، فبين له أن ~~المراد به التكثير ، دون التحديد ، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين ~~والسبعمائة في التكثر ؛ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد ، فكأنه بأسره ~~قاله البيضاوي. # { PageV03P141 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 101 # ذلك} أي : عدم قبول استغفارك بسبب أنهم {كفروا بالله ورسوله} أي : ليس ~~لبخل منا ، ولا تقصير في حقك ، بل لعدم قابليتهم ؛ بسبب الكفر الصارف عنها. ~~{والله لا يهدي القوم الفاسقين} ؛ المتمردين في كفرهم ، وهو كالدليل على ~~الحكم السابق ، فإن مغفرة الكافر بالإقلاع عن الكفر ، والإرشاد إلى الحق ، ~~والمنهمك في كفره ، المطبوع عليه ، لا ينقلع ولا يهتدي ، والتنبيه على عذر ~~الرسول في استغفاره ، وهو عدم يأسه من إيمانهم ، ما لم يعلم مطبوعون على ~~الضلالة ، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم ؛ لقوله : {ما كان للنبي والذين ~~ءامنوا أن يستغفروا للمشركين} .. الآية [التوبة : 113] قاله البيضاوي. # الإشارة : من نصب الميزان على المؤمنين فيما يصدر منهم ، أو على الصالحين ~~أو الأولياء فيما يظهر عليهم ، حتى يسخر منهم ، سخر الله منه ، وأبعده من ~~رحمته ، فلا تنفع فيه شفاعة الشافعين ولا استغفار المستغفرين. وفي بعض ~~الأخبار : " من تتبع عورة أخيه # 102 # المؤمن تتبع الله عورته حتى يفضحه ، ولو في جوف بيته ". ومن اشتغل بإذاية ~~الأولياء ، ولم يتب ، مات على سوء الخاتمة ، وذلك جزاء من حارب الله ~~والعياذ بالله . # جزء : 3 رقم الصفحة : 101 # قلت : (خلاف رسول الله) : منصوب على الظرفية ، أي : بعده ، يقال : أقام ~~خلاف الحي ، أي : بعدهم ، وقيل : مصدر خالف ، فيكون مفعولا لأجله ، أو حال. PageV03P142 # يقول الحق جل جلاله : {فرح المخلفون} أي : الذين خلفهم الله عن الغزو ، ~~وأقعدهم عنه ، ولذلك عبر بالمخلفين دون المتخلفين ، فرحوا {بمقعدهم خلاف ~~رسول الله} أي : بعده في غزوة تبوك ، {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل ms0976 الله} ؛ إيثارا للراحة والدعة على طاعة الله ورسوله. وفيه تعريض ~~بالمؤمنين الذين آثروا عليها تحصيل رضاه ؛ ببذل الأموال والمهج ، وأما ~~المنافقون فآثروا الراحة وقعدوا ، {وقالوا لا تنفروا في الحر} ، قاله بعضهم ~~لبعض ، أو قالوه للمؤمنين تثبيطا لهم. قال ابن جزي : قائل هذه المقالة رجل ~~من بني سليم ، ممن صعب عليه السفر إلى تبوك في الحر. ه. {قل نار جهنم أشد ~~حرا} ، وقد آثرتموها بهذه المخالفة ، {لو كانوا يفقهون} أن مآلهم إليها ، ~~أو كيف هي ؟ ... ما اختاروا بإيثار الدعة على الطاعة. # {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون} ، وهو إخبار عما ~~يؤول إليه حالهم في الدنيا والآخرة ، أي : سيضحكون قليلا ، ويبكون كثيرا ؛ ~~لما يرون من سوء العاقبة ، وأتى به على صيغة الأمر ؛ للدلالة على أن حتم ~~واجب وقوعه. قال ابن جزي : أمر بمعنى الخبر ، فضحكهم القليل في الدنيا مدة ~~بقائهم فيها ، وبكاؤهم الكثير في الآخرة ، أي : سيضحكون قليلا في الدنيا ، ~~ويبكون كثيرا في الآخرة ، وقيل : هو بمعنى الأمر ، أي : يجب أن يكونوا ~~يضحكون قليلا ويبكون كثيرا في الدنيا ، لما وقعوا فيه. . # {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم} أي : فإن ردك الله من الغزو إلى المدينة ~~، وفيها طائفة من المتخلفين يعني منافقيهم وكانوا اثنى عشر رجلا ممن تخلف ~~من المنافقين ، وإنما لم يقل : إليهم ؛ لأن منهم من تاب من النفاق ، وندم ~~على التخلف ، {فاستأذنوك للخروج} معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك ، {فقل لن ~~تخرجوا معي # 103 PageV03P143 ~~أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} ؛ عقوبة لهم ، وفيها خزي وتوبيخ لهم ، {إنكم ~~رضيتم بالقعود أول مرة} ، يعني : عن تبوك ، وهو تعليل لعدم خروجهم معه في ~~المستقبل ، {فاقعدوا مع الخالفين} أي : المتخلفين ، أي : لعدم تأهلهم ~~للجهاد كالنساء والصبيان. # جزء : 3 رقم الصفحة : 103 # الإشارة : من قل إيقانه ، وضعف نور إيمانه ، فرح ببقائه ، مع متابعة هواه ~~وتيسير أمور دنياه ، وكره ارتكاب مشاق المجاهدة ، واقتحام حر المخالفة ~~والمكابدة ، وثبط من رآه يروم تلك الوجهة ، ويريد أن يتأهب لدخول ميدان تلك ~~الحضرة ؛ فسنندم قريبا ، حين يفوز الشجعان بحضرة الوصال ms0977 ، ويتأهلون لمشاهدة ~~الكبير المتعال ، ولا ينفع الندم وقد زلت القدم ، وإنما الصبر عند الصدمة ~~الأولى. {والسابقون السابقون أولائك المقربون في جنات النعيم} [الواقعة : ~~10 12]. # جزء : 3 رقم الصفحة : 103 # قلت : (أبدا) : ظرف لمات ، أي : مات في مدة لا حياة بعدها ؛ فإنا حياة ~~الكافر للتعذيب ، وهي كلا حياة. # يقول الحق جل جلاله : لنبيه صلى الله عليه وسلم : {ولا تصل على أحد} من ~~المنافقين إذا مات على كفره ، بحيث (مات أبدا) أي : موتة لا حياة بعدها. ~~نزلت في عبد الله بن أبي رأس المنافقين ، فإنه لما مرض ، دعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فسأله أن يستغفر له ويكفنه في ثوبه الذي يلي جسده ، ويصلي ~~عليه ، فلما مات أرسل قميصه ليكفن فيه ، وذهب ليصلي عليه ، فنزلت. وروي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدم للصلاة عليه جذبه جبريل بثوبه ، ~~وتلا عليه الآية فانصرف ، ولم يصل عليه. وقيل : صلى عليه ثم نزلت. وفي ~~البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدم للصلاة عليه جذبه عمر ~~، فقال : كيف تصلي عليه وقد نهاك ربك عن الصلاة على المنافقين ؟ فقال : " ~~إنما خيرني... " الحديث. PageV03P144 # قال البيضاوي : وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه ، ونهى عن الصلاة عليه ؛ ~~لأن الضنة بالقميص كانت مخلة بالكرم ، ولأنه كان مكافأة لإلباس العباس ~~قميصه حين أسر ببدر ، والمراد من الصلاة : الدعاء للميت والاستغفار له ، ~~وهو ممنوع في حق الكافر ، ولذلك رتب النهي على قوله : (مات أبدا) ؛ يعني : ~~الموت على الكفر ، فإن إحياء الكافرين # 104 # للتعذيب ، دون التمتع ، فكأنه لم يحيى. ه. # واستدل ابن عبد الحكم ، بهذه الآية ، على وجوب الصلاة على المؤمنين ، ~~وقرر اللخمي وجه الدليل منها بطريق النهي عن الشيء أمر بضده ؛ لأن ضد النهي ~~عن الصلاة أمر بها. وأبطله المازوي قائلا : وإنما هو من دليل الخطاب ، ~~ومفهوم المخالفة ، وبيان عدم صحة كونها من باب النهي عن الشيء ، أن شرط ذلك ~~اتحاد متعلق الأمر والنهي ، كقولك لزيد : لا تسكن ، ومعناه تحرك ، ~~ومتعلقهما هنا مختلف ، فمتعلق النهي : المنافقون ms0978 ، ومتعلق الأمر : ~~المؤمنون. وكذا رد كونها دالة مفهوم المخالفة. انظر الحاشية الفاسية. # ثم قال تعالى : {ولا تقم على قبره} أي : ولا تقف على قبره للدفن ، أو ~~الزيادة ، ثم علل النهي فقال : {إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا} ، والحال ~~أنهم {فاسقون} ؛ خارجون عن دائرة الإسلام. # جزء : 3 رقم الصفحة : 104 # ثم نهى عن الاغترار بمالهم فقال : {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد ~~الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} ، وقد تقدم ، وإنما ~~كرره ؛ للتأكيد ، وهو حقيق به ؛ فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد ، ~~والنفوس مجبولة على حبهما ، فكرر النهي عن الاعترار بهما ، ويجوز أن تكون ~~هذه فريق آخر غير الأول. والله تعالى أعلم. PageV03P145 # الإشارة : إذا حصل للعبد القرب من الحبيب قربت منه الأشياء كلها ، ورغبت في ~~خلته الملائكة والجن والإنس والروحانيون ، فإذا مات صلت على جسده أجناد ~~الأرض ، وعلى روحه أجناد السماء ، وفرحن بقدومه الملائكة والروحانيون ، ~~وربما شفعه الله في أهل عصره أجمعين ، وإذا حصل للعبد البعد من ربه بعدت ~~عنه الأشياء كلها ، ورفضت جسده وروحه الجن والإنس والملائكة ، فلا يصل عليه ~~أحد ، ولا يقف على قبره بشر ، فالحذر الحذر من كل ما يبعد من حضرة الحبيب ~~من المخلفات والإصرار على الزلات ، فإنه بريد الكفر ، الذي هو البعد الكبير ~~والعياذ بالله . والبدار البدار إلى ما يقرب من الحبيب ، من أنواع الطاعات ~~، والمسارعة إلى الخيرات ، وسائر الأخلاق الحسنة والشيم المستحسنة. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 104 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا أنزلت سورة} ، أو بعضها ، في شأن الجهاد ~~قائله : {ان آمنوا بالله} وحده ، {وجاهدوا مع رسوله} صلى الله عليه وسلم ، ~~{استأذنك} في التخلف {أولو الطول منهم} أي : أولو الغنى والسعة ، {وقالوا ~~ذرنا نكن مع القاعدين} ؛ الذين قعدوا لعذر ، {وضوا بأن يكونوا مع الخوالف} ~~؛ مع النساء ، جمع خالفة ، وقد يقال : الخالفة ؛ للذي لا خير فيه. {وطبع ~~على قلوبهم} بالكفر والنفاق ، {فهم لا يفقهون} ما في الجهاد وموافقة الرسول ~~من السعادة ، وما في التخلف عنه من الشقاوة. PageV03P146 # {لكن الرسول والذين آمنوا ms0979 معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي : إن تخلف هؤلاء ~~ولم يجاهدوا ، فقد جاهد من هو خير منهم ، {وأولئك لهم الخيرات} ؛ منافع ~~الدارين : النصر والغنيمة في الدنيا ، والجنة والكرامة في الآخرة ، وقيل : ~~الحور ، لقوله {فيهن خيرات حسان} [الرحمن : 70] ، و{وأولئك هم المفلحون} ؛ ~~الفائزون بالمطالب البهية والمراغب السنية. {أعد الله لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم} ؛ بيان لبعض الخيرات ~~الأخروية. # الإشارة : إذا ظهر الدعاة إلى الله يشوقون الناس إلى حضرة الله ؛ ترى من ~~صرف عنه عنان العناية ، ولم يضرب له مع السابقين بسهم الهداية ، يميل إلى ~~التقاعد إلى وطن الراحة ، والميل إلى ما ألفه من سيئ العادة ، يستأذن أن ~~يتخلف مع النساء والصبيان ، ويتنكب طريق الأقوياء من الشجعان ، فإن تخلف ~~هذا مع عوام الضعفاء فقد تقدم لهذا الأمر من يقوم به من الأقوياء ، اختارهم ~~الله لحضرته ، وقواهم على مكافحة مشاهدته ومحبته ، جاهدوا نفوسهم في معرفة ~~محبوبهم ، وبذلوا أموالهم ومهجهم في الوصول إلى مطلوبهم ، {وأولئك لهم ~~الخيرات وأولئك هم المفلحون}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 105 # قلت : (المعذرون) : أصله : المعتذرون ، نقلت حركة التاء إلى العين ، ~~وأدغمت التاء في الذال. وقرأ يعقوب : " المعذرون " : اسم مفعول ، من أعذر ، ~~إذا بالغ في العذر. # يقول الحق جل جلاله : {وجاء المعذرون عن الأعراب} يعتذرون في التخلف عن ~~الغزو ؛ {ليؤذن لهم} في القعود ، قيل : هم أسد وغطفان ؛ استأذنوا في التخلف ~~، معتذرين بالجهد وكثرة العيال. قيل : كاذبين ، وقيل : صادقين. وقيل : هم ~~رهط عامر بن الطفيل ، قالوا : إن غزونا معك غارت طيئ على أهالينا ومواشينا ~~، وقيل : نزلت في قوم من غفار. # 106 PageV03P147 ~~{وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} من غير هؤلاء ، وهم قوم لم يجاهدوا ولم ~~يعتذروا في تخلفهم ، فكذبوا في دعواهم الإيمان بالله ورسوله ، يقال : كذبت ~~فلانا بالتخفيف ، أي : أخبرته بالكذب. ثم ذكر وعيدهم فقال : {سيصيب الذين ~~كفروا منهم عذاب أليم} ؛ في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار. # الإشارة : المتخلفون عن طريق الخصوص على ثلاثة أقسام : # قسم : أقروا بها ، وعرفوا صحتها ، ثم شحوا بأنفسهم وبخلوا بأموالهم ، ~~فاعتذروا في التخلف عنها ms0980 بأعذار باطلة ، هؤلاء لا حجة لهم عند الله ، وقوم ~~أقبح منهم ، لم يلتفتوا إلى من جاء بها ولم يرفعوا بذلك رأسا. قال تعالى في ~~مثلهم : {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 106 # قلت : جواب " إذا " يحتمل أن يكون (تولوا) ، وجملة (قلت) : حال من الكاف ~~في (أتوك) ، أي : أتوك قائلا لا أجد... الخ ، ويحتمل أن يكون الجواب : " ~~قلت " ، و(تولوا) استئناف لبيان حالهم حينئذ ، و(من الدمع) : للبيان ، وهي ~~مع المجرور ، في محل نصب على التمييز ، فهو أبلغ من تفيض دمعها ؛ لأنه يدل ~~على أن العين صارت دمعا فياضا ، و(حزنا) : علة ، أو حال ، أو مصدر لفعل دل ~~عليه ما قبله ، (ألا يجدوا) : متعلق به ، أي : حزنا على ألا يجدوا ما ~~ينفقون ، و(إنما السبيل) راجع لقوله : (ما على المحسنين من سبيل). # يقول الحق جل جلاله : {ليس على الضعفاء} ؛ كالهرمى ، {ولا على المرضى} ؛ ~~كالزمنى ومن أضناه المرض ، {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} في الغزو ~~{حرج} أي : لا حرج على هؤلاء في التخلف عن الغزو ، {إذا نصحوا الله ورسوله} ~~بالإيمان والطاعة في السر والعلانية. قيل : نزلت في بني مقرن ، وهم ستة ~~إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ، # 107 # وقيل في عبد الله بن مغفل. PageV03P148 # {ما على المحسنين من سبيل} أي : ليس عليهم جناح ، ولا إلى معاتبتهم سبيل ، ~~وإنما وضع المحسنين موضع المضمر ؛ للدلالة على أنهم منخرطون في سلك ~~المحسنين ، غير معاتبين في ذلك ، {والله غفور رحيم} بالمسيء فكيف بالمحسنين ~~؟ {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} معك إلى الغزو ، وهم البكاؤون ؛ ~~سبعة من الأنصار : معقل بن يسار ، وصخر بن خنساء ، وعبد الله بن كعب ، ~~وسالم بن عمير ، وثعلبة بن غنمة ، وعبد الله بن مغفل ، وعلية بن زيد. أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف ~~المرقوعة والنعال المخصوفة ، نغزو معك ، فقال : لا أجد ، فتولوا وهم يبكون. ~~وقيل : هم بنو مقرن ، وقيل : أبو موسى وأصحابه ، وعليه اقتصر البخاري. # { # جزء : 3 ms0981 رقم الصفحة : 107 # قلت لا أجد ما أحملكم عليه} ؛ وليس عندي ما أحملكم عليه ، {تولوا} عنك ~~{وأعينهم تفيض من الدمع} أي : يفيض دمعها ؛ {حزنا} على {ألا يجدوا ما ~~ينفقون} في غزوهم. # زاد البخاري : فلما رجع أبو موسى وأصحابه ، أتي عليه الصلاة والسلام ~~بنهب إبل ، فدعاهم وحملهم عليها ، فقالوا : يا رسول الله ، إنك حلفت ألا ~~تحملنا ، فخفنا أن نكون أغفلناك يمينك ، فقال : " ما أنا حملتكم ، ولكن ~~الله حملكم ، وإني والله ، ما أحلف على يمين فأرى خيرا منها إلا كفرت عن ~~يميني وأتيت الذي هو خير ". أو كما قال عليه الصلاة والسلام. PageV03P149 # قال تعالى : {إنما السبيل} أي : الحرج والمعاتبة {على الذين يستأذنونك} في ~~القعود ، {وهم أغنياء} ؛ واجدون للأهبة ، {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} ؛ ~~كالنساء والصبيان ، وهو استئناف لبيان ما هو السبب لاستثنائهم من غير عذر ، ~~وهو رضاهم بالدناءة ، والانتظام في جملة النساء والصبيان ؛ إيثار للدعة ~~والكسل ، {وطبع الله على قلوبهم} بالكفر والغفلة ؛ حتى غفلوا عن وخامة ~~العاقبة ، {فهم لا يعلمون} ما يؤول إليه حالهم من الندم والأسف. الإشارة : ~~كل من لم ينهض إلى صحبة الخصوص ؛ الذين جعلهم الله أدوية القلوب ، توجه ~~العتاب إليه يوم القيامة ، إذ لا يخلو من لم يصحبهم من عيب أو نقص أو خاطر ~~سوء ، حتى ربما يلقى الله بقلب سقيم. # قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : من لم يتغلغل في عملنا هذا ، مات # 108 # مصرا على الكبائر وهو لا يشعر. وقال الغزالي : دواء القلوب واجب عينا على ~~كل مسلم ، فكل من قصر في ذلك عوقب يوم القيامة ، إلا من حبسه عذر صحيح : من ~~مرض مزمن ، أو كبر سن ، أو فقر مدلق. قال تعالى : {ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} ، فإن ~~أحبوا أولياء الله ، وصدقوهم وعظموهم ، ودلوا الناس على صحبتهم ، فهؤلاء ~~محسنون ، {ما على المحسنين من سبيل والله غفور} لضعفهم ، {رحيم} بهم. PageV03P150 # وقال الورتجبي : (إذا نصحوا لله ورسوله) أي : إذا عرفوا عباد الله طريق ~~الله ms0982 ، والأسوة بسنة رسول الله. ه. وقد قال الحواريون : يا روح الله ، ما ~~النصيحة لله ؟ قال : تقديم حق الله على حق الناس. ه. ولا حرج أيضا على من ~~لم يجد ما ينفق على الأشياخ من الأموال ، فإن من أعطى نفسه كفته عن إعطاء ~~المال. قال تعالى : {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} إلى حضرة {قلت لا ~~أجد ما أحملكم عليه} ؛ فإن بذل الأموال مع المهج أنهض من أحدهما ، {تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} ؛ ليتحببوا به في قلوب ~~المشايخ. قال بعض المشايخ : أردنا أن نجعل من يسوق مع من لا يسوق على حد ~~سواء ، فلم يعتدلوا. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 107 # وقوله تعالى : {حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} ، ليس حزنهم على فوات الدنيا ، ~~وإنما حزنهم على تخلفهم عن رسول الله ، وعن صحبة أهل الكمال. وقال القشيري ~~: شق عليهم أن يكون على قلب الرسول عليه الصلاة السلام منهم ، أوبسببهم ، ~~شغل ، فتمنوا أن لو أزيحت علتهم ، لا ميلا إلى الدنيا ؛ ولكن لئلا يعود إلى ~~قلب الرسول من فعلهم كراهة ، ولقد قيل : # من عف خف على الصديق لقاؤه # واخو الحوائج وجهه مملول. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 107 # 109 # قلت : مفعول (نبأ) الثاني : محذوف ، أي : نبأنا جملة من أخباركم ، ~~و(جزاء) : مصدر لمحذوف ، أي : يجازون جزاء أو علة ، أي : للجزاء بما كسبوا. # يقول الحق جل جلاله : {يعتذرون إليكم} يعني : المنافقين ، {إذا رجعتم ~~إليهم} من تبوك ، {قل} لهم : {لا تعتذروا} بالمعاذير الكاذبة ؛ لأنه {لن ~~نؤمن لكم} أي : لن نصدقكم فيها ؛ لأنه {قد نبأنا الله من أخباركم} ؛ أعلمنا ~~بالوحي ، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، ببعض أخباركم ، وهو ما في ضما ~~ئركم من الشر والفساد. PageV03P151 # {وسيرى الله عملكم ورسوله} : هل تتوبون من الكفر ، أم تثبتون عليه ؟ وكأنه ~~استتابة وإمهال للتوبة ، {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة} وهو الله ، ~~والأصل : ثم تردون إليه ؛ فوضع هذا الوصف موضع الضمير ؛ للدلالة على أنه ~~مطلع على سرهم وعلانيتهم ، لا يعزب عن علمه شيء من ms0983 ضمائرهم وأعمالهم ، ~~{فينبئكم} أي : يخبركم {بما كنتم تعملون} ؛ بالتوبيخ والعقاب عليه. # {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم} من غزوكم ؛ {لتعرضوا عنهم} أي : ~~عن عتابهم ، {فأعرضوا عنهم} ؛ لا توبخوهم ؛ {إنهم رجس} ؛ لخبث قلوبهم لا ~~ينفع فيهم التأنيب ، فإن المقصود من العتاب : التطهير بالحمل على الإنابة ، ~~وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير ، فهو علة للإعراض وترك المعاتبة ، {ومأواهم ~~جهنم} أي : منقلبهم إليها ، والمعنى : أن النار كفتهم عتابا ، فلا تتكلفوا ~~عتابهم ، وذلك {جزاء بما كانوا يكسبون} من الكفر والنفاق. # {يحلفون لكم لترضوا عنهم} بحلفهم ، فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم ~~من الستر والإرفاق ، وإشراكهم في الغنائم ، {فإن ترضوا عنهم} بذلك {فإن ~~الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} أي : فإن رضاكم لا يستلزم رضى الله ، ~~ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط الله وبصدد عقابه ، أو إن أمكنهم ~~أن يلبسوا عليكم لا يمكنهم أن يلبسوا على الله ؛ فإنه يهتك سترهم وينزل ~~الهوان بهم. والمقصود من الآية : النهي عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم ~~، بعد الأمر بالإعراض عنهم وعدم الالتفات نحوهم. قاله البيضاوي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 109 # الإشارة : قد يظهر لهذه الطائفة منافقون ، إذا ظهر على أهل الله عز أو ~~نصر جاؤوا يعتذرون عن تخلفهم عنه ، ويحلفون أنهم على محبتهم ؛ فلا ينبغي ~~الاغترار بشأنهم ، ولا مواجهتهم بالعتاب ؛ بل الواجب الإعراض عنهم والغيبة ~~في الله عنهم ، فسيرى الله عملهم ورسوله ، ثم يردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئهم بما كانوا يعملون. # 110 PageV03P152 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 109 # يقول الحق جل جلاله : {الأعراب} ، وهم سكان البادية ، قال ابن عزيز : ~~يقال : رجل أعرابي ، إذا كان بدويا. وإن لم يكن من العرب ، ورجل عربي ، إذا ~~كان منسوبا إلى العرب ، وإن لم يكن بدويا. أهل البوادي من المنافقين هم ~~{أشد كفرا ونفاقا} من أهل الحاضرة ، وذلك لتوحشهم وقساوتهم ، وعدم مخالطتهم ~~لأهل العلم وقلة استماعهم للكتاب ، {وإجدر} أي : أحق {ألا يعلموا حدود ما ~~أنزل الله على رسوله} من الشرائع وفرائضها وسننها ، لبعدهم عن مجالس العلم ~~، {والله عليم حكيم} ؛ يعلم كل واحد من ms0984 أهل الوبر والمدر ، حكيم فيما يدبر ~~من إسكان البادية ، أو الحاضرة ، ويختار لكم واحد بحكمته البالغة ما يليق ~~به ، وسيأتي بقية الكلام على سكنى الحاضرة أو البادية في الإشارة ، إن شاء الله. # {ومن الأعراب من يتخذ} أي : يعد {ما ينفق} من الزكاة وغيرها في سبيل الله ~~، {مغرما} أي : غرامة وخسرانا ؛ إذ لا يحتسبه عند الله ، ولا يرجوا عليه ~~ثوابا ، وإنما ينفقه لرياء أو تقية ، فيثقل عليه ثقل المغرم الذي ليس بحق ، ~~{ويتربص بكم الدوائر} أي : دوائر الزمان ونوبه ، أو ينتظر بكم مصائب الزمان ~~، لينقلب الأمر عليكم ؛ فيتخلص من الإنفاق الذي كلف به. # جزء : 3 رقم الصفحة : 111 PageV03P153 ~~قال تعالى : {عليهم دائرة السوء} ، وهو دعاء عليهم بنحو ما يتربصونه أي : ~~عليهم يدور من الدهر ما يسوؤهم أو جعل الله دائرة السوء نازلة بهم. قال ابن ~~عطية : كل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز وجل فإنما هو بمعنى إيجاب ~~الشيء ؛ لأن الله تعالى لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته ، ومن هذا قوله ~~: {ويل لكل همزة لمزة} [الهمزة : 1] ، {ويل للمطففين} [المطففين : 1] ، وهي ~~كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى. ه. أو إخبار عن وقوع ما يتربصونه ~~عليهم. قال البيضاوي : الدوائر في الأصل : مصدر أضيف إليه السوء ؛ للمبالغة ~~، كقولك : رجل صدق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : " السوء " هنا ، وفي الفتح ~~بضم السين. ه. {والله سميع} لما يقولونه عند الإنفاق {عليم} بما يضمرونه من ~~الرياء وغيره. # 111 PageV03P154 ~~ثم ذكر ضدهم ، فقال : {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ~~ينفق} أي : يعد ما ينفقه من الزكاة وغيرها {قربات عند الله} ؛ تقربهم إليه ~~زلفى ؛ لإخلاصهم فيها. {وصلوات الرسول} أي : ويتخذ ما ينفق سبب صلوات ~~الرسول ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو للمتصدقين ، ويقول : اللهم ~~صل على فلان ، ويستغفر لهم. ولذلك سن للمصدق عليه أن يدعو للمتصدق عند أخذ ~~صدقته ، ولكن ليس له أن يصلي عليه ، كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ~~ذلك منصبه ، فله أن يتفضل به على غيره. {ألا إنها} ms0985 أي : نفقاتهم ، {قربة ~~لهم} تقربهم إلى حضرة ربهم ، وهذا شهادة من الله لصحة معتقدهم وكمال ~~إخلاصهم ، {سيدخلهم الله في رحمته} ، وعد من الله لهم بإحاطة الرحمة بهم ، ~~أو سيدخلهم في جنته التي هي محل رحمته وكرامته ، والسين لتحقيق وقوعه. {إن ~~الله غفور رحيم} ؛ يغفرما فرط من الخلل ، ويتفضل برحمته على ما نقص عن ~~درجات الكمال. قيل : إن الآية الأولى نزلت في أسد وغطفان وبني تميم ؛ فهم ~~الذين يتخذون ما ينفقون مغرما. والثانية نزلت في عبد الله ذي البجادين ~~وقومه ؛ فهم الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : قد ورد الترغيب في سكنى المدن ؛ لأنها محل العلم وسماع الوعظ ، ~~وفيها من يستعان بهم على الدين ، وورد الترغيب أيضا في سكنى الجبال ~~والفرارا بالدين من الفتن ، وخصوصا في آخر الزمان. ولهذا اختار كثير من ~~الصحابة والتابعين سكنى البوادي ؛ كأبي ذر ؛ وسلمة بن الأكوع ، وغيرهما ~~رضي الله عنهم . # جزء : 3 رقم الصفحة : 111 PageV03P155 ~~والتحرير في المسألة : أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والمقاصد ، فمن كان ~~مراده تحقيق الشريعة ، وتحرير مسائل العلم الظاهر ، والقيام بوظائف الدين ، ~~ولم يجد في البادية من يعينه على ذلك ؛ فسكنى المدن أفضل له ، ومن كان ~~مراده تصفية قلبه وتحقيق علم الطريقة ، وتهيئة القلب لإشراق أنوار الحقيقة ~~، فالاعتزال في البوادي ، وقرون الجبال ، أوفق له ، إن وجد من يستعين بهم ~~على ذلك ؛ لأن شواغل المدن ، وعوائدها كثيرة ، وقد كثرت فيها الحظوظ ~~والأهوية ؛ فلا يجد فيها إلا من هو مفتون بدنيا أو مبتلى بهوى ، بخلاف أهل ~~البادية ، هذه العوائد فيهم قليلة ، وجل أهلها على الفطرة. # وأيضا : هم مفتقرون إلى من يسوسهم بالعلم أكثر من غيرهم ، فمن تصدى ~~لتعليمهم وتذكيرهم لا يعلم قدره إلا الله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي ~~الله عنه : أرحم الناس بالناس من يرحم من لا يرحم نفسه. أي : من يرحم ~~الجاهل الذي لا يرحم نفسه ؛ بأن يعلمه ما ينفع به نفسه ويرحمها. وقال ~~الغزالي في الإحياء : يجب على العلماء أن يبعثوا من يعلم ms0986 الناس في البوادي ~~؛ فإن أخلوا بذلك الأمر عاقبهم الله ، فمن تعرض لتعليمهم قام بهذا الواجب. ~~والله تعالى أعلم. وأما يذكر حديثا : " أمتي في المدن ، وقليل في البادية " # 112 # فلم يصح ، بل قال عليه الصلاة والسلام للرجل الذي أراد أن ينتقل إلى ~~المدينة : " اعبد الله حيثما كنت ، فإن الله لن يترك من أعمالك شيئا " ~~وكذلك قوله : إذا إراد الله بعبد خيرا نقله من البادية إلى الحاضرة ؛ لم ~~أقف عليه حديثا. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 111 # قلت : (السابقون) : مبتدأ ، (والذين اتبعوهم) : عطف عليه ، وجملة (رضي ~~الله عنهم) : خبر. PageV03P156 # يقول الحق جل جلاله : {والسابقون الأولون} إلى الإسلام {من المهاجرين} ؛ ~~وهم الذين صلوا إلى القبلتين ، أو الذين شهدوا بدرا ، أو الذين أسلموا قبل ~~الهجرة ، {و} من {الأنصار} ؛ وهم أهل بيعة العقبة الأولى ، وكانوا سبعة ، ~~أو أهل العقبة الثانية ، وكانوا سبعين ، أو الذين أسلموا حين قدم عليهم ~~مصعب بن عمير. # {والذين اتبعوهم بإحسان} ؛ اللاحقين بالسابقين من الفريقين ، أو من الذين ~~اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة ، {رضي الله عنهم} بقبول طاعتهم ~~وارتضاء أعمالهم ، {ورضوا عنه} بما نالوا من نعمه الدينية والدنيوية ، ~~{وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} وقرأ ابن كثير : " من تحتها " ، كما ~~هي في مصحف أهل مكة. {خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} أي : الفلاح ~~الدائم الكبير. # الإشارة : لكل زمان سابقون ، قد شمروا عن ساق الجد والاجتهاد ، ورفضوا كل ~~ما يقطعهم عن محبوبهم من العشائر والأولاد ، قد خرقوا عوائد أنفسهم ، ~~فأبدلوا العز بالذل ، والجاة بالخمول ، والغنى بالفقر ، والرفعة بالتواضع ، ~~والرغبة بالزهد ، وشغل الظاهر بالتفرغ ؛ ليتفرغ بذلك الباطن. وسافروا في ~~طلب محبوبهم ، وصحبوا المشايخ ، وخدموا الإخوان ، حتى ارتفعت عنهم الحجب ~~والأستار ، وتمتعوا بمشاهدة الكريم الغفار ؛ فتهيؤوا لتذكير العباد ، وحيث ~~بهم الأقطار والبلاد. وفي مثلهم يقول الشاعر : # تحيا بكم كل أرض تنزلون بها # كأنكم في بقاع الأرض أمطار # وتشتهي العين فيكم منظرا حسنا # كأنكم في عيون الناس أقمار # {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعلمون}. # جزء : 3 ms0987 رقم الصفحة : 112 PageV03P157 ~~يقول الحق جل جلاله : {وممن حولكم} ، يا أهل المدينة ، {من الأعراب ~~منافقون} ساكنون حولكم ، وهم : جهينة ، ومزينة ، وأسلم ، وغفار ، وأشجع ، ~~كانوا نازلين حول المدينة ، أما أسلم وغفار فتابوا ، ودعا لهم عليه الصلاة ~~والسلام فقال : " أسلم سالمها الله ، وغفار غفر الله لها " وأما الباقي ~~فأسلم بعضهم. # قال تعالى : {ومن أهل المدينة} قوم {مردوا} أي : استمروا {على النفاق} ، ~~واجترؤوا عليه ، وتمرنوا وتمهروا فيه ، {لا تعلمهم} أي : لا تعرفهم يا محمد ~~بأعيانهم ، وهو بيان لمهارتهم وتنوقهم في تحري مواقع التهم إلى حد قد خفي ~~عليك حالهم ، مع كمال فطنتك وحذق فراستك ، {نحن نعلمهم} ، ونطلع على ~~أسرارهم إن قدروا أن يلبسوا عليك فلا يقدرون أن يلبسوا علينا ، {سنعذبهم ~~مرتين} بالفضيحة والقتل ، أو بأحدهما وعذاب القبر ، أو بأخذ الزكاة ونهك ~~الأبدان في الحرب ، أو بإقامة الحدود وعذاب القبر ، أو بتسليط الحمى عليهم ~~مرتين في السنة ، {ثم يردون إلى عذاب عظيم} بعد الموت ، وهو عذاب النار. # الإشارة : قد جعل الله سبحانه بحكمته وقدرته ، في كل عصر وأوان بحرين : ~~بحرا من النور وبحرا من الظلمة ، من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام ~~الساعة ، فلا بد في كل عصر من نور وظلمة ، وإيمان وكفران ، ونفاق وإخلاص ، ~~وصفاء وخوض ، فأهل النور نورهم في الزيادة إلى قرب قيام الساعة ، وأهل ~~الظلمة كذلك إذ لا تعرف الأشياء إلا بأضدادها ، ولا يظهر شرف النور إلا ~~بوجود الظلمة ، ولا شرف الصفاء إلا بوجود الخوض ، ولا فضل العلم إلا بوجود ~~الجهل ، وهكذا جعل الله من كل زوجين اثنين ، ليقع الفرار إلى الواحد الحق ، ~~فمن رام انفراد احدهما في الوجود فهو جاهل بحكمة الملك الودود. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 112 PageV03P158 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} قوم {آخرون اعترفوا بذنوبهم} ؛ وهو التخلف عن ~~الجهاد ، ولم يعتذروا عن تخلفهم بالأعذار الكاذبة ، وهم طائفة من المتخلفين ~~لما بلغهم ما نزل في المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد ، وقالوا : ~~لا نحل أنفسنا حتى يحلنا # 114 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0988 فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ~~المسجد ، فصلى فيه ركعتين ، على عادته ، فرآهم وسأل عنهم ، فذكر له سببهم ، ~~فنزلت الآية فأطلقهم. # {خلطوا عملا صالحا} بعمل سيء {وآخر سيئا} بعمل صالح ، خلطوا العمل الصالح ~~الذي هو إظهار الندم والاعتراف بالذنب ، بآخر سيئ وهو التخلف وموافقة أهل ~~النفاق ، أو خلطوا عملا صالحا ، وهو ما سبق لهم من الجهاد مع الرسول ، ~~وغيره من الأعمال ، بآخر سيئ ، وهو تخلفهم عن تبوك. {عسى الله أن يتوب ~~عليهم} أي : يقبل توبتهم المدلول عليها بقوله : {اعترفوا بذنوبهم} ، ~~والرجاء في حقه تعالى واجب. {إن الله غفور رحيم} يتجاوز عن التائب ويتفضل عليهم. # قال بعضهم : ما في القرآن آية أرجى لهذة الأمة من هذه الآية. وقال ~~القشيري : قوله : {وآخر سيئا} بعد قوله : {عملا صالحا} دليل على أن الزلة ~~لا تحبط ثواب الطاعة ؛ إذ لو أحبطته لم يكن العمل صالحا ، وهو كذلك. انتهى. ~~قلت : وما ذكره من عدم الإحباط هو مذهب أهل السنة ، خلافا للمعتزلة ، ولا ~~يعارضه حديث مسلم : " أن رجلا قال : والله لا يغفر الله لفلان ، وإن الله ~~قال : من الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان ، وإني غفرت له ، وأحبطت عملك " أو ~~كما قال ؛ لأن هذا الرجل كان من بني إسرائيل ، ولعل شرعهم مخالف لشرعنا ؛ ~~لأن هذه الأمة المحمدية قد وضع الله عنها أثقال بني إسرائيل ، فهي ملة سمحة ~~، ولعل هذا الرجل أيضا كان قانطا من رحمة الله ومكذبا بها ، فهو كافر. انظر ~~الحاشية الفاسية. PageV03P159 # الإشارة : الناس ثلاثة : سابقون ومخلطون ومنهمكون. فالسابقون فائزون ، ~~والمخلطون راجون ، والمنهمكون هالكون ، إلا من تاب وعمل صالحا ، فالسابقون ~~هم الذين غلب إحسانهم على إساءتهم ، وصفاؤهم على كدرهم ، إن هفوا رجعوا ~~قريبا ، فقد تمر عليهم السنين الطويلة ، ولا يكتب عليهم ملك الشمال شيئا ؛ ~~وذلك ليقظتهم ، لا لعصمتهم ، والمخلطون هم الذين يكثر سقوطهم ورجوعهم ، عسى ~~الله أن يتوب عليهم. والمنهمكون هم المصرون على الفواحش ، فإن سبقت لهم ~~عناية رجعوا ، وإن لم تسبق لهم عناية فهم معرضون لنقمة الله وحلمه ، والله ~~تعالى أعلم. # 115 ms0989 # جزء : 3 رقم الصفحة : 114 # يقول الحق جل جلاله : لنبيه عليه الصلاة والسلام : {خذ من أموالهم} التي ~~عرضوها عليك {صدقة} ، وهو الثلث ، فأخذ عليه الصلاة والسلام من أموالهم ~~الثلث ، وترك لهم الثلثين ، أو : خذ من أموالهم صدقة ، وهي الزكاة المفروضة ~~، والضمير لجميع المسلمين. من صفة تلك الصدقة : {تطهرهم} أنت يا محمد بها ~~من الذنوب ، أو حب المال المؤدي بهم إلى البخل ، الذي هو أقبح الذنوب. وقرئ ~~بالجزم ؛ جواب الأمر. # {وتزكيهم} أي : تنمي بها حسناتهم ، أو ترفعهم {بها} إلى درجات المخلصين ، ~~{وصل عليهم} أي : ترحم عليهم ، وادع لهم بالرحمة ، فكان عليه الصلاة ~~والسلام يقول لمن أتاه بصدقته : " اللهم صل على آل فلان ". فأتى أبو أوفى ~~بصدقته فقال : " اللهم صل على آل أبي أوفى ". {إن صلاتك سكن لهم} ؛ تسكن ~~إليها نفوسهم ، وتطمئن بها قلوبهم ، لتحققهم بقبول دعائه عليه الصلاة ~~والسلام. قال القشيري : انتعاشهم بهمتك معهم أتم من استقلالهم بأموالهم. ه. ~~وجمع الصلوات ؛ لتعدد الموعد لهم ، وقرأ الأخوان وحفص بالتوحيد. {والله ~~سميع عليم} ؛ أي : سميع باعترافهم عليم بندامتهم. PageV03P160 # {إلم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} إذا صحت ، والضمير إما للتوب ~~عليهم ، والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتذار بصدقتهم ، أو ~~لغيرهم ، والمراد به التحضيض على التوبه ، {و} أنه هو الذي {يأخذ الصدقات} ~~؛ يقبلها قبول من يأخذ شيئا ليؤدي بدله ، {وأن الله هو التواب الرحيم} أي : ~~من شأنه قبول توبة التائبين ، والمتفضل عليهم بجوده وإحسانه. # الإشارة : أخذ المشايخ من أموال الفقراء سبب في غناهم ، واتساع حالهم حسا ~~ومعنى ، وقد قالوا : إذا أراد الله أن يغني فقيرا سلط عليه وليا يأخذ ماله ~~، أو أمره شيخه بإعطاء ماله ، فإن ذلك عنوان على غناه. وقد ذكر ذلك شيخ ~~أشياخنا سيدي علي الجمل العراني في كتابه. وقد رأيت في مناقب شرفاء وزان : ~~أن الشيخ مولاي التهامي أرسل إلى أخيه مولاي الطيب ، وكان من خواص تلامذته ~~، أن يدفع إليه جميع ماله ليصنع به كسرة للمرابطين ، فأرسل له جميع ما يملك ~~، حتى كسوة الدار وأثاث البيت ، فكان ms0990 ذلك سببا في فيضان ماله ، فلا تجد ~~مدينة ولا قبيلة إلا وفيها ملك من أملاك مولاي الطيب ، حتى إلى # 116 # بلاد الجزائر وما والاها ، وذلك بسبب شيخه له. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 116 # يقول الحق جل جلاله : {وقل اعملوا} ما شئتم من خير أو شر ، {فسيرى الله ~~عملكم} ؛ فإنه لا يخفى عليه ؛ خيرا كان أو شرا ، {و} سيرى ذلك أيضا {رسوله ~~والمؤمنون} ، فيظهر لهم ما يبدو منكم ، فإن الطول يفضح صاحبه. {وستردون إلى ~~عالم الغيب والشهادة} ، بالموت ، {فينبئكم بما كنتم تعملون} ؛ فيخبركم بما ~~عملتم ؛ بالمجاوزة عليه. PageV03P161 # الإشارة : كل من ظهر بدعوى أو تعرض لمقام من المقامات يقال له : {وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} ؛ فإن كان إمره مبنيا على أساس ~~الإخلاص والتقوى ثبت وانتهض ، وشعشع نوره ، وإن كان مبنيا على أساس ، افتضح ~~وكسف نوره ، وسيرد الجميع إلى عالم الغيب والشهادة ، فيجازي كلا بعلمه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 116 # قلت : الإرجاء هو التأخر ، يقال : أرجاه بالهمز وتركه : أخره. # يقول الحق جل جلاله : {وآخرون} من المتخلفين ، تخلفوا من غير عذر ، ولم ~~يعتذروا بشيء ، {مرجون} أي : مؤخرون {لأمر الله} في شأنهم ؛ {إما} أن ~~{يعذبهم} على تخلفهم عن الجهاد مع رسوله ، {وإما} أن {يتوب عليهم} حيث ~~تابوا وندموا ، والترديد باعتبار العباد ، وفيه دليل على أن كلا الأمرين ~~بإرادته تعالى ، {والله عليم} بأحوالهم ، {حكيم} فيما فعل بهم. # والمراد بهؤلاء الثلاثة : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن ~~الربيع ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ألا يسلموا عليهم ولا ~~يكلموهم ، فلما رأوا ذلك أخلصوا نياتهم ، وفوضوا أمرهم إلى الله ، فرحمهم ، ~~وسيأتي تمام قصتهم وتوبة الله عليهم بعد ، إو شاء الله. # الإشارة : وآخرون مؤخرون عن صحبة المشايخ العارفين ، حتى ماتوا مفروقين ، ~~إما أن يعذبهم على ما أصروا من المساوئ والذنوب ، وإما أن يتوب عليهم بفضله ~~وكرمه ، إنه # 117 # عليم لا يخفى عليه ما أسروا ، حكيم فيما قضى عليهم من أمر الحجاب بعدله ~~وقضائه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 117 PageV03P162 ~~قلت : قرأ ms0991 نافع وابن عامر : بغير واو ؛ مبتدأ حذف خبره ، أي : معذبون ، أو ~~في : (لا تقم فيه أبدا) ، أو في قوله : (لا يزال) ، أو صفة لقوله : ~~(وآخرون) ، على من يقول : إن " المرجون " غير الثلاثة المخلفين ، بل في ~~المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنيانهم مسجد الضرار. وهو قرأ ~~بالواو فعطف على قوله : (آخرون) ، أو مبتدأ حذف خبره ، أي : وممن وصفنا : ~~الذين ، أو منصوب على الذم ، و(ضرارا) وما بعده : علة ، وأصل (هار) : هائر ~~، فأخرت الهمزة ، ثم قلبت ياء ، ثم حذفت ؛ لالتقاء الساكنين. # يقول الحق جل جلاله : {و} منهم {الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا} أي : ~~لأجل المضارة بالمؤمنين والكفر الذي أسروه ، وهو تعظيم أبي عامر الكافر ، ~~{وتفريقا بين} جماعة {المؤمنين} الذين كانوا يصلون في مسجد قباء. # روي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي فيه ، فأتاهم فصلى فيه ، فحسدتهم إخوانهم ؛ بنو ~~غنم بن عوف ، فبنوا مسجدا على قصد أن يؤمهم فيه أبو عامر الراهب ، إذا قدم ~~من الشام ، فلما أتموه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : إنا ~~قد بنينا مسجدا لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة ، فصل لنا فيه حتى نتخذه ~~مصلى ، وكان ذلك قبل خروجه لتبوك ، فقال لهم : " إني على جناح سفر ، وإذا ~~قدمنا ، إن شاء الله ، صلينا فيه ". فلما قدم أتوه ، فأخذ ثوبه ليقوم معهم ~~، فنزلت الآية ، فدعا مالك بن الدخشم ، ومعن بن عدي ، وعامر بن السكن ، ~~فقال : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه ؛ ففعلوا ، ~~واتخذوا مكانه كناسة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 118 # ثم أشار إلى قصدهم الفاسد ، فقال : {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله} ؛ أي ~~: واتخذوه انتظارا ليؤمهم فيه من حارب الله ورسوله ، يعني : أبا عامر ~~الراهب ، فإنه قال # 118 PageV03P163 ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك ~~معهم ، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين ، فانهزم مع هوازن ، ثم هرب إلى الشام ~~؛ ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله صلى ms0992 الله عليه وسلم ، فمات ~~بقنسرين طريدا وحيدا. وكان أهل المدينة يسمونه قبل الهجرة : الراهب ، فسماه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق. # وقوله : {من قبل} : متعلق بحارب ، أي : حارب من قبل هذا الوقت ، أو ~~باتخذوا ، أي : اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف ؛ لأنه قبيل ~~غزوة تبوك. {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى} أي : ما أردنا ببنيانه إلا ~~الخصلة الحسنى ، وهي الصلاة والذكر والتوسعة على المسلمين. {والله يشهد ~~إنهم لكاذبون} في حلفهم. # ثم نهاه عن الصلاة فيه فقال : {لا تقم فيه أبدا} للصلاة ؛ إسعافا لهم ، ~~{لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} من أيام وجوده ، {أحق أن تقوم فيه} أي : ~~أولى بأن تصلى فيه ، وهو مسجد قباء ، أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أيام مقامه بقباء ، حين هاجر من مكة ، من الاثنين إلى الجمعة ، وهذا أوفق ~~للقصة. وقيل : مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لقول أبي سعيد : سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عنه ؟ فقال : " مسجدكم هذا ، مسجد المدينة " {فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا} ، كانوا يستنجون بالماء ، ويجمعون بين الماء والحجر ~~، أو يتطهرون من المعاصي والخصال المذمومة ، طلبا لمرضات الله تعالى ، أو ~~من الجنابة ، فلا ينامون عليها ، {والله يحب المطهرين} ؛ يرضى عنهم ، ~~ويدنيهم من جنابه إدناء المحب لحبيبه. PageV03P164 # وقيل : لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه المهاجرون ، حتى ~~وقف على باب مسجد قباء ، فإذا الأنصار جلوس ، فقال : " أمؤمنون أنتم " ~~فسكتوا ، فأعادها ، فقال عمر : إنهم مؤمنون وأنا معهم ، فقال عليه الصلاة ~~والسلام : " أترضون بالقضاء " فقالوا : نعم ، قال : " أتصبرون على البلاء " ~~قالوا : نعم ، قال : " أتشكرون في الرخاء " قالوا : نعم ، فقال عليه الصلاة ~~والسلام : " مؤمنون ورب الكعبة " فجلس ، ثم قال : " يا معشر الأنصار ، إن ~~الله عز وجل قد أثنى عليكم ، فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط " ~~فقالوا : يا رسول الله ، نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ، ثم نتبع الأحجار ~~الماء. فقال : {رجال يحبون أن يتطهروا} ". # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 118 # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان} ms0993 ؛ بإنه قصد به وجه الله ، ~~وابتغاء مرضاته ، فحسنت النية في أوله ، {خير أم من أسس بنيانه على} قصد ~~الرياء والمنافسة ، فكأنه بنى على {شفا} أي : طرف {جرف} : حفرة {هار} أي : ~~واه ضعيف ، أشرف على السقوط ، أو ساقط ، {فانهار به في نار جهنم} أي : طاح ~~في جهنم ، وهذا ترشيح للمجاوز ، فإنه لما شبهه بالجرف وصفه بالانهيار ، ~~الذي هو من شأن الجرف ، وقيل : إن # 119 # ذلك حقيقة ، وإنه سقط في جهنم ، وإنه لم يزل يظهر الدخان في موضعه إلى ~~قيام الساعة. # والاستفهام للتقرير ، والذي أسس على التقوى والرضوان : هو مسجد قباء ، أو ~~المدينة ، على ما تقدم ، والذي أسس على شفا جرف هار هو مسجد الضرار ، ~~وتأسيس البناء على التقوى هو تحسين النية فيه ، وقصد وجه الله ، وإظهار ~~شرعه ، والتأسيس على سفا جرف هار هو فساد النية وقصد الرياء ، والتفريق بين ~~المؤمنين ، وذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البالغ. قاله ابن جزي : {والله ~~لا يهدي القوم الظالمين} إلى ما فيه صلاح ونجاه. PageV03P165 # {لا يزال بنيانهم} أي : مبنيهم ، مصدر بمعنى المفعول ، {الذي بنوا ريبة} أي ~~: شكا ونفاقا {في قلوبهم} ، والمعنى : أن بناءهم هذا لا يزال سبب شكهم ~~وتزايد نفاقهم ، فإنه حملهم على ذلك ، ثم لما هدمه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم رسخ ذلك في قلوبهم وازداد ، بحيث لا يزول رسمه من قلوبهم ، {إلا أن ~~تقطع} بالموت ، بحيث لا يبقى لها قابلية الإدراك ، أو لا يزال بنيانهم ريبة ~~، أي : شكا في الإسلام بسبب بنيانه ، لاعتقادهم صواب فعلهم ، أو غيظا بسبب ~~هدمه ، {والله عليم} بنياتهم ، {حكيم} فيما أمر من هدم بنيانهم. الإشارة : ~~من أراد أن يؤسس بنيان أعماله وأحواله على التقوى والرضوان ، فليؤسسه على ~~الإخلاص والنية الحسنة ، ومتابعة السنة المحمدية ، فإنها لا تنهدم أبدا ، ~~ومن أراد أن يؤسسها على شفا جرف هار فليؤسسها على الرياء والسمعة ، وقصد ~~الكرامات وطلب الأعواض ، فإنها تنهدم سريعا ولا تدوم ، فما كان لله دام ~~واتصل ، وما كان لغير الله انقطع وانفصل. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 118 # قلت : جملة (يقاتلون) : حال ms0994 من (المؤمنين) ؛ بيانا للشراء ، أو استئنافا ~~؛ لبيان ما لأجله الشراء ، وقيل : " يقاتلون " : بمعنى الأمر ، و(وعدا) : ~~مصدرا لما دل عليه الشراء ، فإنه في معنى الوعد ، أي : وعدهم وعدا حقا لا ~~خلف فيه. # يقول الحق جل جلاله : {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم # 120 # الجنة} أي : عوضهم في بذل مهجهم وأموالهم في سبيله الجنة ونعيمها ، ومن ~~جملته : النظر إلى وجهه الكريم. قال بعضهم : فانظر... ما أكرمه سبحانه ، ~~فإن أنفسنا هو خلقها ، وأموالنا هو رزقها ، ثم وهبها لنا ، ثم اشتراها منا ~~بهذا الثمن الغالي ، فإنها لصفقة رابحة. ه. PageV03P166 # ثم بين وجه الشراء فقال : {يقاتلون في سبيل الله} لإعلاء كلمة الله ، ~~{فيقتلون} الكفار ، {ويقتلون} شهداء في سبيل الله. وقرأ الأخوان بتقديم ~~المبني للمفعول ؛ لأن الواو لا ترتب ، وأن فعل البعض قد يسند إلى الكل ، أي ~~: فيموت بعضهم ويجاهد الباقي. وعد ذلك لهم {وعدا عليه حقا} ؛ لا خلف فيه ، ~~مذكورا ذلك الوعد {في التوراة والإنجيل والقرآن} أي : إن الله بين في ~~الكتابين أن الله اشترى من أمة محمد أنفسهم وأموالهم بالجنة ، كما بينه في ~~القرآن ، أو كل أمة أمرت بالجهاد ووعدهم هذا الوعد. {ومن أوفى بعهده من ~~الله} ؟ هومبالغة في الإنجاز ، أي : لا أحد أوفى منه بالعهد ، {فاستبشروا ~~ببيعكم الذي بايعتم به} أي : فافرحوا به غاية الفرح ، فإنه أوجب لكم أعظم ~~المطالب ، كما قال : {وذلك هو الفوز العظيم}. قال بعضهم : ناهيك من بيع ، ~~البائع فيه رب العلا ، والثمن جنة المأوى ، والواسطة محمد المصطفى صلى الله ~~عليه وسلم. # الإشارة : قد اشترى الحق جل جلاله منا أنفسنا وأموالنا بالجنة ، فمن باع ~~نفسه لله ؛ بأن خالف هواها وخرق عوائدها ، وسعى في طلب مولاها ، عوضه جنة ~~المعارف ، معجلة ، وزاده جنة الزخارف ، مؤجلة. ومن باع ماله ؛ بأن أنفقه في ~~مرضاة الله ، وبخل بنفسه ، عوضه جنة الزخارف ، مؤجلة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 120 # قال في الإحياء في باب الذكر وفضيلته : وأنه يوجب الأنس والحب ، فإذا ~~حصل الأنس بذكر الله انقطع عن غير الله ، وما سوى هو الذي يفارقه ms0995 عند الموت ~~، فلا يبقى معه في القبر أهل ، ولا مال ، ولا ولد ، ولا ولاية ، ولا يبقى ~~معه إلا ذكر الله ، فإن كان في أنس به تمتع به ، وتلذذ بانقطاع العوائق ~~الصارفة عنه ، إذ ضرورات الحاجات في الحياة تصد عن ذكر الله ، ولا يبقى بعد ~~الموت عائق ، فكأنه خلى بينه وبين محبوبه ، فعظمت غبطته وتخلص من السجن ~~الذي كان ممنوعا فيه ، عما به أنسه. PageV03P167 # ثم قال : ولأجل شرف ذكر الله عظمت رتبة الشهادة ؛ لأن المطلوب هو الخاتمة ، ~~ومعنى الخاتمة : وداع الدنيا كلها ، والقدوم على الله ، والقلب مستغرق ~~بالله ، منقطع العلائق عن غيره ، والحاضر صف القتال قد تجرد قلبه لله ، ~~وقطع طعمه من حياته ، حبا لله وطمعا في مرضاته ، وحالة الشهيد توافق معنى ~~قولك : (لا إله إلا الله) ، فإنه لا مقصود له سوى الله. ه. فما يجده أهل ~~التملق من لذيذ الحلاوة في مناجاتهم ، وأهل الشهود في حال غيبتهم في ~~محبوبهم ، ليس هو من نعيم الدنيا ، بل من نعيم الجنة ، قدمه الله لأوليائه ، # 121 # وهو معنى جنة المعارف المعجلة ؛ عوضا لمن باع نفسه لله. # قال بعض العارفين : النفوس ثلاثة : نفس معيبة ، لا يقع عليها بيع ولا ~~شراء ، وهي نفس الكافر ، ونفس تحررت ؛ لا يصح بيعها ، وهي نفس الأنبياء ~~والمرسلين ، لأنها خلقت مطهرة من البقايا ، ونفس يصح بيعها وشراؤها ، وهي ~~نفس المؤمن ، فإذا باعها لله ، واشتراها الحق تعالى منه ، وقع عليها ~~التحرير ، وذلك حين تحرر من رق الأكوان ، وتتخلص من بقايا الأثر. # وقال بعض أهل التحقيق : اشترى الله تعالى أعز الأشياء بأجل الأشياء ، ~~وإنما اشترى الأنفس دون القلوب ؛ لأن القلب حر لا يقع عليه البيع ؛ لأنه ~~لله ؛ فلا يباع ولا يشتري ، أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ~~القلب بيت الرب ". أي : لأنه محل مناجاته ، ومعدن معرفته ، وخزانة سره ، ~~فليس للشيطان عليه من سبيل. قال تعالى : {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} ~~[الإسراء : 65]. وأما النفس فإنها مملوكة تباع وتشتري. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 120 # قلت : (التائبون) : خبر ، أي : هم التائبون ms0996 ، أو مبتدأ حذف خبره ، أي : ~~التائبون في الجنة وإن لم يجاهدوا ، لقوله تعالى : {وكلا وعد الله الحسنىا} ~~[النساء : 95] ، أو خبره ما بعده ، أي : التائبون عن الكفر ، على الحقيقة ، ~~وهم الجامعون لهذه الخصال. PageV03P168 # يقول الحق جل جلاله : في وصف البائعين أنفسهم وأموالهم : هم {التائبون} عن ~~الكفر والمعاصي والهفوات والغفلات ، {العابدون} لله ، مخلصين له الدين ، ~~{الحامدون} لله في السراء والضراء وعلى كل حال ، {السائحون} أي : الصائمون ~~، لقوله عليه الصلاة والسلام : " سياحة أمتي الصوم " شبه بها من حيث إنه ~~يعوق عن الشهوات ، أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا ~~الملكوت والجبروت. أو السائحون للجهاد ، أو لطلب العلم ، أو لزيادة المشايخ ~~والإخوان. # {الراكعون الساجدون} في الصلاة ، {الآمرون بالمعروف} أي : بكل ما هو ~~معروف محمود ، كالإيمان والطاعة ، {والناهون عن المنكر} أي : كل ما هو منكر ~~في الشرع ، كالكفر والمعاصي ، {والحافظون لحدود الله} أي : لكل ما حده ~~الشارع وعينه من الحقائق والشرائع. قال البيضاوي : وعطف قوله : {والناهون ~~عن المنكر} دون ما قبله ؛ للدلالة # 122 # على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة ، كأنه قال : الجامعون بين ~~الوصفين ، وعطف أيضا قوله : {والحافظون لحدود الله} ؛ للتنبيه على أن ما ~~قبله مفصل الفضائل ، وهذا مجملها ، وقيل : للإيذان بأن التعداد قد تم ~~بالسابع ، من حيث إن السبعة هو العدد التام ، والثامن ابتداء لعدد آخر ~~معطوف عليه ، ولذلك سمى واو الثمانية. ه. بالمعنى. # {وبشر المؤمنين} الموصوفين بهذه الفضائل ، ووضع المؤمنين موضع ضميرهم ؛ ~~للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك ، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك ، ~~وحذف المبشر به للتعظيم ، كأنه قيل : وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام ~~وتعبير الكلام. قاله البيضاوي. PageV03P169 # الإشارة : قد جمعت هذه الآية معارج الترقي من البداية إلى النهاية ، فأول ~~المقامات : التوبة ، فإذا تابت النفس ورجعت عن هواها قصدت السير إلى حضرة ~~مولاها ، فاشتغلت بالعبادة الظاهرة ، التي هي عمل الشريعة ، فإذا ظهر عليها ~~أمارات التوفيق ، ولاحت لها أنوار التحقيق ، حمدت الله وشكرته ؛ تقييدا ~~لتلك النعمة ، ثم تسيح فكرتها في ميادين الغيوب من الملكوت إلى ms0997 الجبروت ، ~~ثم ترد إلى مراسم الشريعة ، إذ منتهى الكمال : التزام الشرائع ، فتركع ~~وتسجد البشرية ، أدبا في عالم الأشباح ، ويركع القلب ويسجد في مسجد الحضرة ~~في عالم الأرواح ، فحينئذ تصلح للوعظ والتذكير ، فتأمر بالمعروف وتنهى عن ~~المنكر الظاهرين ؛ لأهل التشريع ، والباطنين ؛ لأهل التحقيق ، فالأول يسمى ~~وعظا وتذكيرا ، والثاني يسمى تربية وترقية ، ولا يقبل ذلك إلا ممن وقف مع ~~الحدود ، ووفى بالعهود ، فيبشر حينئذ بالسعادة العظمى والمقام الأسنا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 122 # قال القشيري : لقوله تعالى : {السائحون} أي : الصائمون ، ولكن عن شهود ~~غير الله ، الممتنعون عن خدمة غير الله ، المكتفون من الله بالله ، ويقال : ~~السائحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الأعتبار ؛ طلبا للاستبصار ، ~~ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغربها ؛ بالتفكر في جوانبها ومناكبها ، ~~والاستبدال بتغيرها على منشئتها ، والتحقق بحكم خالقها بما يرون من الآيات ~~التي فيها ، ويسيحون بأسراهم في الملكوت ، فيجدون روح الوصال ، ويعيشون ~~بنسيم الأنس ؛ بالتحقيق بشهود الحق. انتهى PageV03P170 ~~وانظر الورتجبي ؛ فقد جعل وصف الإيمان يحمل على التوبة ، ثم التوبة الصادقة ~~تستدعي العبادات والمجاهدات المؤدية للعبودية ، فإذا تمت له نعمة للعبودية ~~اقتضت حمد الله تعالى ، فيحمده تعالى معترفا بعجزه عن القيام بحمده ؛ كما ~~في حديث : " أنت كما أثنيت على نفسك " ثم الحمد والذكر يقتضي حبس النفس عن ~~مألوفاتها حين عاين حمى هلال جماله في سماء الإيقان. ألا ترى كيف قال عليه ~~الصلاة والسلام : " صوموا # 123 # لرؤيته " ولا يكون فطره إلا على حلاوة مشاهدته لقوله : " وأفطروا لرؤيته ~~" فالسائحون طيارون بقلوبهم في أقطار الغيب ، وذلك يقتضي الخضوع بنعت ~~الفناء عند مشاهدة العظمة ، فيركع شوقا لجماله ، وخضوعا لجلاله ، وعند ~~ركوعه وخضوعه تحيط به أنوار الصفات ، فيسجد لكل الجهات ؛ {فأينما تولوا فثم ~~وجه الله} [البقرة : 115]. وهذا السجود يقتضي الغربة ، والغربة تقتضي ~~المشاهدة ، والمشاهدة تصير شاهدها متصفا بصفاتها ، فمن وقع في نور أسماء ~~الله وصفاته صار متصفا بوصف الربوبية ، متمكنا في العبودية ، فيحكم بحكم ~~الله ، ويعدل بعدل الله ، فيصفهم الله بهذه النعوت ، قال : (الآمرون ~~بالمعروف) الداعون الخلق إلى الحق ، والناهون لهم عن متابعة الشهوات ms0998 ، ~~والحافظون لحدود الله ، القائمون في مقام العبودية بعد كشف صفات الربوبية ~~لهم ، فلا يتجاوزون عن حد العبودية ، وإن ذاقوا طعم حلاوة الربوبية ؛ لأنهم ~~في محل التمكين على أسوة مراتب النبي صلى الله عليه وسلم ، مع كماله ، قال ~~: " أنا العبد لا إله إلا الله ". انتهى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 122 PageV03P171 ~~يقول الحق جل جلاله : {ما كان} ينبغي {للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين} الذين ماتوا على الشرك ، {ولو كانوا أولي قربى} أي : من قرابتهم ~~، {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} ؛ لموتهم على الشرك. روي أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال لأبي طالب ، لما حضرته الوفاة : " قل : " لا إله ~~إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله ". فأبى ، فقال : " والله لأستغفرن ~~لك ما لم أنه عنك " فكان يستغفر له حتى نزلت الآية. وقيل : إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأنه ، فنزلت ، وقيل : إن المسلمين ~~أرادوا أن يستغفروا لآبائهم ، فنزلت ، وفيه دليل على جواز الاستغفار ~~لأحيائهم ؛ إذ لم يتحقق أنهم أصحاب الجحيم ، فإنه طلب توفيقهم للإيمان. # ثم رفع إيهام النقض باستغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه الكافر ، فقال : ~~{وما كان # 124 # استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} ، وقيل : إنه صلى الله ~~عليه وسلم قال في شأن عمه : " لأ ستغفرن لك ، كما استغفر إبراهيم لأبيه " ~~فنزلت : {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه}. والموعدة التي وعدها إياه قوله : ~~{لأستغفرن لك ومآ أملك لك من الله من شيء} [الممتحنة : 4]. أي : لأطلبن ~~المغفرة لك بالتوفيق للإيمان ، فإنه يجب ما قبله. # والمعنى : لا حجة لكم في استغفار إبراهيم لأبيه ، فإن ذلك لم يكن إلا ~~لوعد تقدم بقوله : {لأستغفرن لك...} الخ. {فلما تبين له أنه عدو لله} ؛ بأن ~~مات على الكفر ، أو أوحى إليه بأنه لن يؤمن ، {تبرأ منه} ؛ بأن قطع ~~استغفاره له ، {وإن إبراهيم لأواه} أي : لكثير التأوه ، وهو كناية عن فرط ~~ترحمه ، أو كثير الدعاء ، أو مؤمن ، أو فقيه ، أو كثير الذكر لله ، أو كثير ~~التأوه من خوف الله ، {حليم} ؛ صبور على ms0999 الأذى ، والجملة : لبيان ما حمله ~~على الاستغفار. PageV03P172 # الإشارة : الشفاعة لا تكون فيمن تحقق غضب الله عليه ، فإن ذلك من سوء الأدب ~~، كالدعاء بالمحال ، وأما من لم يتحقق غضبه عليه فالشفاعة فيه مرغب فيها. ~~قال عليه الصلاة والسلام : " اشفعوا تؤجروا " والاستغفار شفاعة. وقد ورد في ~~الخبر : " من استغفر للمؤمنين والمؤمنات خمسا وعشرين مرة كتب من الأبدال ". ~~والشفقة مطلوبة ، ما لم يظهر مراد الله من خلقه ، فإن برز من عنصر القدرة ~~شيء من القهريات ، فالتسليم لمراده تعالى أحسن ، فالله ارحم بعباده منك ~~أيها الشفيق ، وسيأتي عند قوله تعالى : {يإبراهيم أعرض عن هاذآ إنه قد جآء ~~أمر ربك} [هود : 76] وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 124 # يقول الحق جل جلاله : {وما كان الله ليضل قوما} ؛ أي : يسميهم ضلالا ، ~~ويؤاخذهم مؤاخذتهم ، {بعد إذ هداهم} للإسلام ، {حتى يبين لهم ما يتقون} أي : حتى # 125 # يبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه ، فإن خالفوا بعد البيان ، أضلهم وآخذهم إن ~~لم يتوبوا. قال البيضاوي : وكأنه بيان عذر الرسول في قوله لعمه : " ~~لأستغفرن لك ، ولمن استغفر لأسلافه المشركين قبل المنع ". وقيل : إنه في ~~قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر ، ولم يعلموا بالنسخ والمنع. ~~وفي الجملة : دليل على أن الغافل غير مكلف. ه. وقال ابن جزي : نزلت في قوم ~~من المسلمين استغفروا للمشركين من غير إذن ، فخافوا على أنفسهم من ذلك ، ~~فنزلت الآية تأنيسا لهم ، أي : ما كان الله ليؤاخذهم بذلك قبل أن يبين لكم ~~المنع من ذلك. ه. {إن الله بكل شيء عليم} ؛ فيعلم أمرهم قبل النهي وبعده. # {إن الله له ملك السموات والأرض} ، يتصرف فيهما وفي ساكنهما كيف يشاء ، ~~{يحيي} من يريد إبرازه لعالم الشهادة ، {ويميت} من يريد رده لعالم الغيب ، ~~أو يحيي قلوبا بالإيمان والمعرفة ، ويميت قلوبا بالكفر والغفلة. {وما لكم ~~من دون الله من ولي ولا نصير}. PageV03P173 # قال البيضاوي : لما منعهم من الاستغفار للمشركين ، ولو كانوا أولي قربى ، ~~وتضمن ذلك وجوب التبري منهم رأسا ، بين لهم أن الله تعالى مالك كل موجود ، ~~ومتولي أمره ms1000 والغالب عليه ، ولا يتأنى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه ، ~~ليتوجهوا إليه ويتبرؤوا مما عداه ، أمره حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ~~ويذرون سواه. ه. # الإشارة : وما كان الله ليضل قوما عن السير إلى حضرته ، أو الترقي في ~~العلوم والمعارف بعد الوصول ، حتى يبين لهم ما يتقون من سوء الأدب على لسان ~~الشارع أو المشايخ ، فإذا تبين لهم ذلك ثم ارتكبوه وأصروا عليه ، أضلهم ، ~~وأتلفهم عن الوصول إلى حضرة قدسه ، فإن كل طاعة وحسن أدب يقرب من الحضرة ، ~~وكل معصية وسوء أدب يبعد عن الحضرة ، وقد قالوا : من أساء الأدب على البساط ~~، طرد إلى الباب ، ومن أساء الأدب في الباب ، طرد إلى سياسة الدواب. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 125 # قلت : في " كاد " ضمير الشأن ، ويرتفع بها قلوب. # 126 # يقول الحق جل جلاله : {لقد تاب الله على النبي} أي : برأه وطهره من ~~الذنوب ، كقوله : {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح : 2] ، ~~{و} تاب على {المهاجرين والأنصار} مما عسى أن يكون ارتكبوه ؛ إذ لا يخلو ~~العبد من ذنب أو عيب. وقيل : هو حض على التوبة ، وإظهار لفضلها ، بأنها ~~مقام الأنبياء والصالحين ، وقيل : تاب عليهم من نقص المقامات التي ترقوا ~~عنها ، إلى ما هو أكمل منها ، فما من أحد إلا وله مقام يستنقص بالنسبة إلى ~~ما فوقه. # وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : ذكر توبة من لم يذنب ؛ لئلا ~~يستوحش من أذنب ، لأنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، والمهاجرين والأنصار ~~، ولم يذنبوا ، ثم قال : {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} ، فذكر من لم يذنب ~~ليؤنس من قد أذنب ، فلو قال أولا : لقد تاب على الثلاثة لتفطرت أكبادهم. ه. PageV03P174 # ثم وصفهم بقوله : {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} ، يعني : حين محاولة غزوة ~~تبوك. والساعة هنا بمعنى الحين والوقت. والعسرة : الشدة والضيق ، أي : ~~الذين خرجوا معه وقت العسرة والضيق ، فقد كانوا في عسرة الظهر ، يعتقب ~~العشرة على بعير واحد ، وفي عسرة الزاد ؛ حتى قيل : إن الرجلين كانا ~~يقتسمان تمرة ms1001 واحدة. {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} عن الثبات على ~~الإيمان ، أو عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، لما رأوا من الشدة ~~والضيق وشدة الحر ، {ثم تاب عليهم} ؛ كرره للتأكيد ، وللتنبيه على أنه تاب ~~عليهم لأجل ما كابدوا من العسر ، {إنه بهم رؤوف رحيم} ؛ حيث قبلهم ، وتاب ~~عليهم ، وتاب على الثلاثة : وهم كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن ~~الربيع ، تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر ولا نفاق ، ولا قصد للمخالفة ، ~~فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عتب عليهم ، وأمر الناس ألا يكلمهم ~~، وأن يعتزلوا نساءهم ، فقبلوا على ذلك خمسين ليلة ، ثم أنزل الله توبتهم. ~~وقد وقع حديثهم في البخاري ومسلم وكتب السير. # جزء : 3 رقم الصفحة : 126 # ومعنى قوله : {الذين خلفوا} أي : تخلفوا عن الغزو. وقال كعب بن مالك : ~~خلفوا عن قبول العذر ، وليس بالتخلف عن الغزو ، ويقوي ذلك كونه جعل : {حتى ~~إذا ضاقت عليهم الأرض} غاية للتخلف ، أي : خلفوا عن قبول العذر ، وأخروا ~~{حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أي : برحبها وسعتها ، وذلك لإعراض ~~الناس عنهم بالكلية ، وهو مثل لشدة الحيرة. {وضاقت عليهم أنفسهم} ؛ من فرط ~~الوحشة والغم ، {وظنوا} أي : علموا {أن لا ملجأ من الله} أي : من سخطه {إلا ~~إليه} أي : إلا إلى استغفاره والرجوع إليه ، {ثم تاب عليهم} ؛ بالتوفيق ~~بالتوبة ، {ليتوبوا} يإظهارها والدوام عليها ، وليعدوا من التوابين ، {إن ~~الله هو التواب} لمن تاب ، ولو عادوا في اليوم سبعين مرة ، {الرحيم} ؛ ~~متفضل عليهم بالنعم التي لا تحصى. # 127 PageV03P175 ~~قال الورتجبي : التوبة توبتان : توبة العبد ، وتوبة الله ، توبة العبد : ~~الرجوع من الزلات إلى الطاعات ، وتوبة الله : رجوعه إلى العبد بنعت الوصال ~~، وفتح باب المآب ، وكشف النقاب عن الاحتجاب ، وطلب العتاب. # إذا مرضنا أتيناكم نعودكم # وتذنبون فنأتيكم ونعتذر # انظر لطف الله بنبيه وأصحابه ، كيف تاب لأجلهم مكان توبتهم ، رجع إليهم ~~قبل رجوعهم إليه ، ليسهل عليهم طريق الرجوع إليه ، فرجوعه إلى نبيه بكشف ~~المشاهدة ، ورجوعه إليهم بكشف القربة ، فتوبته للنبي صلى الله ms1002 عليه وسلم من ~~غيبته عن المشاهدة ؛ باشتغاله بأداء الرسالة ، وتوبة القوم من غيبتهم عن ~~ملاحظة الحضرة ، فلما ذاقوا الجنايات ، واحتجبوا عن المشاهدات ؛ أدركهم فيض ~~الوصال ، وانكشف لهم أنوار الجمال ، وهكذا سنة الله في الأنبياء والأولياء ~~، إذا ذابوا في مقام الامتحان ، وبقوا في الحجاب عن مشاهدة الرحمن ، تمطر ~~عليهم وبل سحاب الكرم ، ويلمع لأبصار أسرارهم نور شرف القدم ، فيؤنسهم بعد ~~إياسهم ، ويواصلهم بعد قنوطهم. قال تعالى : {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما ~~قنطوا ا} [الشورى : 28] ، وقال تعالى : {حتىا إذا استيأس الرسل...} [يوسف : ~~110] الآية. ثم قال عن بعضهم : توبة الأنبياء في مشاهدة الخلق في وقت ~~الإبلاغ ؛ إذ الأنبياء لا يغيبون عن الحضرة ، بل لا يحضرون في مواضع الغيبة ~~؛ لأنهم في عين الجمع أبدا. ه. # قال المحشي : وحاصلة : توبة الله المذكورة وهبية ، وهي في كل أحد على حسب ~~ما يليق بمقامه ، وإنما يليق بمقام الرسل ترقيته عن مقام إلى أعلى ، أو من ~~شعور بخلق ؛ لأجل الإبلاغ ، إلى الغيبة عن ذلك ، وكذلك أبدا كأهل الجنة. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 126 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} ؛ بالمحافظة على ~~ما أمركم به ، والانكفاف عما نهاكم عنه ، {وكونوا مع الصادقين} في إيمانهم ~~وأقوالهم وأفعالهم وعهودهم. PageV03P176 # قال ابن جزي : ويحتمل أن يريد به صدق اللسان ؛ إذ كان هؤلاء قد صدقوا ولم ~~يعتذروا بالكذب ، فنفعهم الله بذلك ، ويحتمل أن يريد أعم من صدق اللسان ؛ ~~وهو الصدق في الأقوال والأعمال والمقاصد والعزائم ، والمراد بالصادقين : ~~المهاجرين ، لقوله في الحشر : {للفقرآء المهجرين} .. إلى قوله : {أولائك هم ~~الصادقون} [الحشر : 8]. وقد احتج بها أبو بكر الصديق على الأنصار يوم ~~السقيفة ، فقال : (نحن الصادقون ، وقد أمركم الله أن تكونوا معنا) ؛ أي : ~~تابعين لنا. ه. زاد السهيلي : ولما استحق الصادقون أن تكون # 128 # الخلافة فيهم ، استحق الصديق أن تكون الخلافة له ، ما دام حيا ؛ إذ كان ~~صديقا. ه. # الإشارة : الصدق سيف حازم ، ما وضع على شيء إلا قطعه ، ويكون في الأقوال ~~، وهو صيانتها من الكذب ، ولو ادى إلى التلف. ms1003 وفي الأفعال ، وهو صيانتها من ~~الرياء وطلب العوض. وفي الأحوال ، وهو تصفيتها من قصد فاسد ، كطلب الشهرة ، ~~أو إدراك مقام من المقامات ، أو ظهور كرامات ، أو غير ذلك من المقاصد ~~الدنية. قال القشيري : الصادقون هم السابقون الأولون ، كأبي بكر وعمر ~~وغيرهما ، والصدق : استواء السر والعلانية ، وهو عزيز ، وكما يكون في ~~الأقوال يكون في الأحوال ، وهو أتم. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 128 # 113 # قلت : (ولا يرغبوا) : منصوب بالعطف ، أو مجزوم بالنهي ، والوادي : أصله : ~~فاعل ، من ودي ، إذا سأل ، وهو منقوص ، وهو في اللغة : كل متفرج بين جبال ~~وآكام يكون منفذا للسيل. # يقول الحق جل جلاله : {ما كان} يصح {لأهل المدينة} ، ولا لمن {حولهم من ~~الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} في غزوة ولا سرية ولا غيرهما ، وهي نهي ~~بصيغة النفي ؛ للمبالغة ، {لا} ينبغي لهم أن {يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} ؛ ~~بأن يصونوها من اقتحام المشقات والمتاعب التي تحملها نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم ، حيث قعدوا عنه ، ولم يكابدوا معه ما كابده من الأهوال. PageV03P177 # روي أن أبا خيثمة دخل بستانه ، بعد خروجه عليه الصلاة والسلام لتبوك ، ~~وكانت له امرأة حسناء ، فرشت له في الظل ، وبسطت له الحصير ، وقربت إليه ~~الرطب والماء البارد ، فنظر فقال : ظل ظليل ، ورطب يانع ، وماء بارد ، ~~وامرأة حسناء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح ، والريح ما هذا بخير ~~فقام ، فرحل ناقته ، وأخذ سيفه ورمحه ، ومر كالريح ، فمد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق ، فإذا براكب يقطع السراب ، فقال : كن أبا ~~خيثمة ، فكأنه ، ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستغفر له. # 129 # ثم علل النهي بقوله : {ذلك} ؛ إشارة إلى النهي عن التخلف المفهوم من ~~الكلام ، {بأنهم} ؛ أي : بسبب أنهم {لا يصيبهم} في سفرهم {ظمأ} من حر العطش ~~، أو عطش ، {ولا نصب} تعب ، {ولا مخمصة} ؛ مجاعة ، {في سبيل الله} ، {ولا ~~يطؤون} يدرسون بأرجلهم أو بأبدوابهم {موطئا} ؛ مكانا {يغيظ الكفار} أي : ~~يغيظهم ذلك الوطء ، {ولا ينالون من عدو نيلا} ؛ كالقتل ، والأسر ، والنصب ، ~~وكل ms1004 ما ينكبهم ، {إلا كتب لهم به عمل صالح} ، أي : إلا استوجبوا به ثوابا ~~جزيلا. وذلك مما يوجب النهوض إلى الغزو معه صلى الله عليه وسلم ؛ فإن {الله ~~لا يضيع أجر المحسنين} على إحسانهم ، وهو تعليل لقوله : {إلا كتب لهم...} الخ. # جزء : 3 رقم الصفحة : 113 # وفيه تنبيه على أن الجهاد إحسان ، إما في حق الكفار ؛ فلأنه سعى في ~~تكميلهم بأقصى ما يمكن ، كضرب المداوي للمجنون ، وإما في حق المؤمنين ؛ ~~فلأنه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم على الإسلام. قاله البيضاوي. PageV03P178 # {ولا ينفقون نفقة صغيرة} في امر الجهاد ، ولو علاقة سيف ، {ولا كبيرة} ؛ ~~مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة ، {ولا يقطعون واديا} في ~~سيرهم ، وهو كل منفرج ينفذ فيه السبيل ، {إلا كتب لهم} ذلك ، ولم يضع منه ~~شيء ، {ليجزيهم الله} بذلك {أحسن ما كانوا يعملون} ، أي : جزاء أحسن ~~أعمالهم ، أو أحسن جزاء أعمالهم. قاله البيضاوي. # الإشارة : لا ينبغي للفقراء أن يتخلفوا عن أشياخهم إذا سافروا لحج أو غزو ~~أو تذكير أو زيادة ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، فيقعدون في الراحة ~~والدعة ؛ وشيخهم في التعب والنصب ؛ لأن ما يصيبهم من مشاق السفر زيادة في ~~ترقيهم ومعرفتهم ، وتقوية لمعانيهم ، إلى غير ذلك من فوائد السفر ، فهو في ~~حق السائرين أمر مؤكد ، فكما سار البدن في عالم الشهادة سار القلب في عالم ~~الغيب ، كما هو محبوب. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 113 # يقول الحق جل جلاله : {وما كان المؤمنون} يستقيم لهم ان ينفروا {كافة} ؛ ~~جميعا لنحو غزو ، أو طلب علم ، كما لا يستقيم لهم أن يقعدوا جميعا ، فإنه ~~بخل ، ووهن للإسلام. قال ابن عباس : هذه الآية في البعوث إلى الغزو ~~والسرايا ، أي : لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا ، وإنما يجب ذلك ~~إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، ولذلك # 130 # عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه. فالآية الأولى في الخروج معه ~~صلى الله عليه وسلم ، وهذه في السرايا التي كان يبعثها ، وقيل : ناسخة لكل ms1005 ~~ما ورد من الأمر بخروج الجميع ، فهي دليل على أن الجهاد فرض كفاية. PageV03P179 # {فلولا} : فهلا {نفر من كل فرقة} ؛ جماعة كبيرة ، كقبيلة أو بلدة ، {طائفة} ~~قليلة منها ؛ {ليتفقهوا في الدين} ، اما إذا خرجوا للغزو ؛ فإنه لا يخلو ~~الجيش من عالم أو عارف يتفقهون ، مع أن مشاق السفر تشحذ الأذهان ، وترقق ~~البشرية ، فتستفيد الروح حينئذ علوما لدنية ، وأسرارا ربانية ، من غير تعلم ~~، وهذا هو العلم الذي يصلح للإنذار. # قال في الإحياء : التفقه : الفقه عن الله ؛ بإدراك جلاله وعظمته ، وهو ~~العلم الذي يورث الخوف والخشية والهيبة والخشوع ، ويحمل على التقوى ~~وملازمتها ، وهذا مقتضى الآية. فإن معرفة صفاته تعالى المخوفة والمرجوة هو ~~الذي يحصل به الانذار ، لا الفقه المصطلح عليه.ه. وأما إذا وقع الخروج لطلب ~~العلم فالتفقه ظاهر. # ثم قال تعالى : {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} ، أي : وليجعلوا غاية ~~سعيهم ومعظم غرضهم من التفقه إرشاد القوم وإنذارهم. وتخصيصه بالذكر ؛ لأنه ~~أهم ، وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية ، وأنه ينبغي أن ~~يكون غرض المتعلم فيه أن يستقيم ويقيم ، لا الترفع على الناس والتبسط في ~~البلاد. قاله البيضاوي. وقوله : {لعلهم يحذرون} ، أي : لعلهم يخافون مما ~~حذروا منه. PageV03P180 # قال البيضاوي : قد قيل : للآية معنى آخر ، وهو أنه لما نزل في المتخلفين ما ~~نزل ؛ تسابق المؤمنون إلى نفير ، وانقطعوا عن التفقه ، فأمروا ان ينفر من ~~كل فرقة طائفة إلى الجهاد ، ويبقى أعقابهم يتفقهون ، حتى لا ينقطع التفقه ~~الذي هو الجهاد الأكبر ؛ لأن الجدال بالحجة هو الأصل ، المقصود من البعثة ، ~~فيكون الضمير في {ليتفقهوا} ، {ولينذروا} : للفرق البواقي بعد الطوائف ~~النافرة للغزو ، وفي {رجعوا} : للطوائف النافرة ، أي : لينذروا البواقي من ~~قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم حصلوا أيام غيبتهم من العلوم.ه. وتقدير ~~الآية على هذا : فلولا نفر من كل فرقة طائفة ، وجلس طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ، ولينذروا قومهم الخارجين للغزو إذا رجعوا إليهم من غزوهم. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 130 # الإشارة : قال القشيري : لو اشتغل الكل بالتفقه في الدين لتعطل عليهم ~~المعاش ، ولمنعهم الكافر ms1006 عن درك المطلوب ، فجعل ذلك فرضا على كفاية. ويقال ~~: المسلمون على مراتب : فعوامهم كالرعية للملك ، وكتبة الحديث كخزنة الملك ~~، وأهل القرآن كحفاظ الدفاتر ، ونفائس الأموال. والفقهاء بمنزلة الوكلاء ؛ ~~إذ الفقيه يوقع الحكم عن الله. وعلماء الأصول كالقواد وامراء الجيوش. ~~والأولياء كأركان الباب. وأرباب القلوب وأصحاب # 131 # الصفاء كخواص الملك وجلسائه. فشغل قوما بحفظ أركان الشرع ، وآخرين بإمضاء ~~الأحكام ، وآخران بالرد على المخالفين ، وآخران بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ، وجعل قوما مفردين لحضور القلب ؛ وهم أصحاب الشهود ، وليس لهم شغل ~~، يراعون مع الله أنفاسهم ، وهم أصحاب الفراغ ، لا يستفزهم طلب ، ولا يهزهم ~~أمر ، فهم بالله لله ، بمحو ما سوى الله ، واما الذين يتفقهون في الدين فهم ~~الداعون إلى الله ، وإنما يفهم الخلق عن الله بمن كان يفهم عن الله. ه. PageV03P181 # قوله : وأما الذين يتفقهون... الخ ، الداعون إلى الله على الحقيقة هم ~~العارفون بالله ، وهم أصحاب الشهود ، الذين وصفهم قبل ، وأما الفقهاء في ~~الدين فإنما يدعون إلى أحكام الله ، وتعلم دينه دون معرفة ذاته وصفاته ؛ ~~فدعواهم ضعيفة التأثير ، فلا ينهض على أيديهم ما ينهض على أيدي العارفين. # وقال الورتجبي ، في قوله تعالى : {ليتفقهوا في الدين} : قال المرتعش : ~~السياحة والأسفار على ضربين : سياحة لتعلم احكام الدين وأساس الشريعة ، ~~وسياحة لآداب العبودية ورياضة الأنفس ، فمن رجع عن سياحة الأحكام قام ~~بلسانه يدعو الخلق إلى ربه ، ومن رجع من سياحة الأدب والرياضة قام في الخلق ~~يهديهم لأخلاقه وشمائله. وسياحة هي سياحة الحق ، وهي رؤية أهل الحق والتأدب ~~بآدابهم ، فهذا بركته تعم البلاد والعباد.ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 130 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار} ، أي : جاهدوا الأقرب فالأقرب بالتدريج ، كما أمر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بإنذار عشيرته الأقربين ، فإن الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح. ~~وقيل : هم يهود حوالي المدينة ، كقريظة والنضير وخيبر ، وقيل : الروم ~~بالشام ؛ وهو قريب من المدينة ، وكانت أرض العرب قد عمها الإسلام ، وكانت ~~العراق حينئذ بعيدة. {وليجدوا فيكم غلظة} ؛ شدة وصبرا على قتالهم ، ~~{واعلموا أن ms1007 الله مع المتقين} بالإعانة والنصر والحراسة. # الإشارة : ينبغي لأهل الوعظ والتذكير أن يبدأوا بالأقرب فالأقرب على ~~التدريج ؛ قال الرفاعي رضي الله عنه : إذا أراد الله أن يرقي عبدا إلى ~~مقامات الرجال ؛ كلفه بأمر نفسه أولا ، فإذا أدب نفسه واستقامت معه ، كلفه ~~بأهله ؛ فإن أحسن إليهم وساسهم ، كلفه بأهل بلده ، فإن أحسن إليهم وساسهم ، ~~كلفه جهة من البلاد ، فإن هو نصحهم ، وساسهم ، # 132 PageV03P182 ~~وأصلح سريرته مع الله ، كلفه رتبة ما بين السماء والأرض ، فإن لله خلقا لا ~~يعلمهم إلا الله ، ثم لا يزال يرتفع من سماء حتى يرتفع ويصل إلى محل القطب ~~الغوث ، وهناك يطلعه الله على بعض غيبه. انتهى. # والغلطة التي تكون في المذكر ، إذا رأى منكرا ، أو ذكر له وأراد النهي ~~عنه. وأما في الترغيب والإرشاد فينبغي أن يغلب جانب اللطافة واللين. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 132 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا ما أنزلت سورة} من القرآن ، {فمنهم} ؛ فمن ~~المنافقين {من يقول} ؛ إنكارا واستهزاء : {أيكم زادته هذه} السورة {إيمانا} ~~، كما يزعم أصحاب محمد : ان القرآن يزيدهم إيمانا ، فلا زيادة فيه ، ولا ~~دليل أنه من عند الله. قال تعالى في الرد عليهم : {فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا} ؛ لتنوير قلوبهم ، وصفاء سرائرهم ، فتزيدهم إيمانا وعلما ؛ ~~لما فيها من الإنذار والإخبار ، ولانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى ~~إيمانهم ، {وهم يستبشرون} بنزولها ؛ لأنها سبب لزيادة إيمانهم ، وارتفاع ~~درجاتهم ، بخلاف قلوب المنافقين ؛ فلظلمانيتها وخوضا لم تزدهم إلا خوضا ، ~~كما قال تعالى : # {واما الذين في قلوبهم مرض} ؛ كفر وشك ، {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} أي : ~~كفرا بها ، مضموما إلى الكفر بغيرها ، الذي كان حاصلا فيهم ، {وماتوا وهم ~~كافرون} أي : وتحكم ذلك في قلوبهم حتى ماتوا عليه. # {أو لا يرون} أي : المنافقون ، {أنهم يفتنون} أي : يبتلون ويختبرون ~~بأصناف البليات ، كالأمراض والجوع ، أو الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات ، أو يفضحون بكشف سرائرهم. يفعل ~~ذلك بهم {في كل عام مرة أو مرتين ، ثم لا يتوبون} : لا ينتهون ms1008 من نفاقهم ~~وكفرهم ، {ولا هم يذكرون} ؛ يعتبرون. # {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض} ، يريدون الهرب ، يقولون : {هل # 133 PageV03P183 ~~يراكم من أحد} إذا قمتم ، فإن لم يرهم أحد قاموا وانصرفوا. قال البيضاوي : ~~تغامزوا بالعيوب ، إنكارا لها وسخرية ، أو غيظا ؛ لما فيها من عيوبهم. ه. ~~قال ابن عطية : المعنى : إذا ما أنزلت سورة فيها فضيحتهم ، نظر بعضهم إلى ~~بعض على جهة التقرير ، يفهم من تلك النظرة : التقرير : هل معكم من ينقل ~~عنكم ؟ هل يراكم من أحد حين تدبرون أمركم ؟ وقوله : {ثم انصرفوا} ؛ أي : عن ~~طريق الاهتداء ، وذلك أنهم حينما بين لهم كشف أسرارهم ، يقع لهم لا محالة ~~تعجب وتوقف ونظر ، فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة لهم ، فهم إذ يصممون على ~~الكفر ، ويرتكبون فيه ، كأنهم انصرفوا عن تلك الحال ، التي كانت مظنة النظر ~~والاهتداء. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 133 # والتحقيق : أن معنى {انصرفوا} : قاموا عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ~~؛ مخافة الفضيحة. {صرف الله قلوبهم} عن الإيمان ؛ دعاء عليهم ، أو إخبار ، ~~فيستوجبون ذلك ؛ {بأنهم} بسبب أنهم {قوم لا يفقهون} ؛ لا يفهمون عن الله ؛ ~~ولا عن رسوله عليه الصلاة والسلام ، أو لا يفقهون سوء فهمهم أو عدم ~~تدبرهم. # الإشارة : زيادة الإيمان عند سماع القرآن يكون على حسب التصفية والتطهير ~~من الأغيار ، فبقدر ما يصفوا القلب من الأغيار يكشف له عن أسرار القرآن. ~~قال بعضهم : كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة ، فجاهدت نفسي وطهرتها ، ~~فصرت كأني أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، يتلوه على أصحابه ، ثم رفعت ~~إلى مقام فوقه ، فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل يلقيه على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، ثم من علي الله بمنزلة أخرى ، فأنا الآن أسمعه من المتكلم ~~به ، فعندما وجدت له نعيما لا أصبر عليه. ه. بلفظه. PageV03P184 # مثل هذا يزيده القرآن إيقانا ، ويستبشر قلبه عند سماعه ، وأما من كان مريض ~~القلب بحب الدنيا ، مغمورا بالشكوى والأوهام والخواطر ؛ فلا يزيده القرآن ~~إلا بعدا ؛ حيث لم يتدبر فيه ، ولم يعمل بمقتضاه ، وإذا ms1009 حضر مثل هذا الغافل ~~مجلس وعظ أو تذكير أو ذكر لم يطق الجلوس ، بل نظر : هل يراه من أحد ؟ ثم ~~انصرف ، صرف الله قلبه عن حضرة قدسه ؛ لعدم فهمه عن ربه. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 133 # قلت : " عزيز " : صفة " الرسول " ، و" عنتم " : فاعله ، و" ما " : مصدرية ~~، أي : عزيز # 134 # عليه عنتكم ، أو عزيز : خبر مقدم ، و" ما عنتم " مبتدأ ، والعنت : المشقة ~~والتعب. # يقول الحق جل جلاله : مخاطبا العرب ، أو قريش ، أو جميع بني آدم : {لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم} ؛ محمد صلى الله عليه وسلم ، أي : من قبيلتكم ، بحيث ~~تعرفون حسبه وصدقه وأمانته ، وتفهمون خطابه ، أو من جنسكم من البشر. وقرأ ~~ابن نشيط : بفتح الفاء ، أي : من اشرافكم. قال صلى الله عليه وسلم : " إن ~~الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى بني ~~هاشم من قريش ، واصطفاني من بني هاشم ، فأنا مصطفى من مصطفين " {عزيز عليه} ~~، أي : شديد شاق عليه {ما عنتم} أي : عنتكم ومشقتكم ولقاؤكم المكروه في ~~دينكم ودنياكم. {حريص عليكم} أي : على إيمانكم وسعادتكم وصلاح شأنكم ، ~~{بالمؤمنين} منكم ومن غيركم {رؤوف رحيم} أي : شفيق بهم ، قدم الأبلغ منهما ~~؛ لأن الرأفة شدة الرحمة ؛ للفاصلة. وسمى رسوله هنا باسمين من أسمائه تعالى. PageV03P185 # {فإن تولوا} عن الإيمان بك ، بعد هذه الحالة المشهورة ، التي من الله عليهم ~~بها ، {فقل حسبي الله} أي : كافيني أمركم ؛ فإن قلت ذلك يكفيك شأنهم ويعنيك ~~عليهم ، أو فإن أعرضوا فاستعن بالله وتوكل عليه ، فإنه كافيك ، {لا إله إلا ~~هو} ؛ فلا يتوكل إلا عليه ، {عليه توكلت} ؛ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه ، ~~{وهو رب العرش العظيم} ، أي : الملك العظيم ، أو الجسم الأعظم المحيط ، ~~الذي تنزل منه الأحكام والمقادير. # وعن أبي : آخر ما نزل هاتان الآيتان. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " ~~ما نزل القرآن علي إلا آية آية ، وحرفا حرفا ، ما خلا سورة براءة " و{قل هو ~~الله أحد} فإنهما أنزلتا علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة ". قاله ~~البيضاوي وهاتان الآيتان أيضا مما ms1010 وجدتا عند خزيمة بن ثابت ، بعد جمع ~~المصحف ، فألحقتا في المصحف ، بعد تذكير الصحابة لهما وإجماعهم عليهما. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 134 # الإشارة : ينبغي لورثته عليه الصلاة والسلام الداعين إلى الله ، أن ~~يتخلقوا بأخلاقه صلى الله عليه وسلم ، فيشق عليهم ما ينزل بالمؤمنين من ~~المشاق والمكاره ، وييسرون ولا يعسرون عليهم ، ويحرصون على الخير للناس ~~كافة ، ويبذلون جهدهم في إيصاله إليهم ، ويرحمونهم ويشفقون عليهم ، فإن ~~ادبروا عنهم استغنوا بالله وتوكلوا عليه ، وفرضوا أمرهم إليه ، من غير أسف ~~ولا حزن. # وقال الورتجبي : قوله تعالى : {عزيز عليه ما عنتم} ، اشتد عليه مخالفتنا ~~مع الحق ، ومتابعتنا هوانا واحتجابنا عن الحق. قال بعضهم : شق عليه ركوبكم ~~مراكب الخلاف. قال سهل : شديد عليه غفلتكم عن الله وهو طرفة عين. ثم قال في ~~قوله تعالى : {فإن تولوا فقل حسبي الله...} الآية : سلى قلبه بإعراضهم عن ~~متابعته ، مع كونه حريصا على هدايتهم ، # 135 # أي : ففي الله كفاية عن كل غير وسوى. # قال القشيري : أمره أن يدعو الخلق إلى التوحيد ، ثم قال له : فإن أعرضوا ~~عن الإجابة فكن بنا ، بنعت التجريد. ويقال : قال له : {يا أيها النبي حسبك ~~الله} ، ثم أمره أن يقول : حسبي الله. قوله تعالى : {حسبك} : عين الجمع ، ~~وقوله : {حسبي الله} فرق ، بل هو الجمع ، أي : قل ، ولكن بنا تقول ، فنحن ~~المتولون عنك وأنت مستهلك في عين التوحيد ؛ فأنت بنا ، ومحو عن غيرنا. ه. # وبالله التوفيق. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # 136 # جزء : 3 رقم الصفحة : 134 PageV03P186 ### | AUTO سورة يونس # جزء : 3 رقم الصفحة : 136 # قلت : (عجبا) خبر كان ، واسمها : (أن أوحينا) ، ومن قرأ بالرفع فالأمر ~~بالعكس ، أو كان تامة ، واللام متعلقة بعجبا ، وهو مصدر للدلالة على أنهم ~~جعلوه أعجوبة لهم ، يتوجهون نحوه بإنكارهم واستهزائهم. # قال في المغني : المصدر الذي ليس في تقدير حرف الموصول وصلته لا يمنع ~~التقديم عليه ، على أن السعد قال في المطول : إن معمول المصدر إذا كان ظرفا ~~أو شبهة ، الأظهر أنه جائز التقديم ، قال تعالى : {فلما ms1011 بلغ معه السعي} ~~[الصافات : 102] ، {ولا تأخذكم بهما رأفة} [النور : 2] مثل هذا كثير في ~~الكلام ، وليس كل ما أول بشيء حكمه حكم ما أول به ، مع أن الظرف مما يكفيه ~~رائحة الفعل ؛ لأن له شأنا ليس لغيره ؛ لتنزله من الشيء منزلة نفسه ؛ ~~لوقوعه فيه وعدم انفكاكه عنه ، ولهذا اتسع في الظروف ما لم يتسع في غيرها. ه. PageV03P187 # يقول الحق جل جلاله : أيها الرسول المجتبى المختار {تلك} الآيات التي تنزل ~~عليك هي {آيات الكتاب الحكيم} ، الذي اشتمل على الحكم الباهرة والعبر ~~الظاهرة ، أو المحكم الذي لم ينسخ منه شيء بكتاب آخر بعده ، أو كلام حكيم. ~~{أكان للناس} أي : كفار قريش وغيرهم {عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم} ولم يكن ~~من عظمائهم ؟ والاستفهام للإنكار ، والرد على من استبعد النبوة ، أو تعجب ~~من أن يبعث الله رجلا من وسط الناس. # 137 # قيل : كانوا يقولون : العجب أن الله تعالى لم يجد رسولا يرسله إلى الناس ~~إلا يتيم أبي طالب. وهذا من فرط حماقتهم ، وقصور نظرهم على الأمور العاجلة ~~، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوة. # هذا.. وأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه ~~، إلا في المال ، وخفة الحال أعون شيء في هذا الباب ، ولذلك كان أكثر ~~الأنبياء قبله كذلك أي خفافا من المال وقيل : تعجبوا من أنه بشرا رسولا ، ~~كما سبق في سورة الأنعام. قاله البيضاوي. # ثم فسر الوحي المذكور فقال : {أن أنذر الناس} أي : أوحينا إليه بأن أنذر ~~الناس أي : خوفهم من غضب ربهم ، {وبشر الذين آمنوا} ، عمم الإنذار ، ليس من ~~أحد إلا وفيه ما ينبغي أن ينذر منه ، وخصص البشارة إذ ليس للكفار ما يصح أن ~~يبشروا به ، قاله البيضاوي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 137 # أي : بشر المؤمنون بأن {لهم قدم صدق عند ربهم} أي : سابقة ومنزلة رفيعة ، ~~سميت قدما لأن السبق يكون بها ، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد ، ~~وأضيفت إلى الصدق لتحققها وللتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول ~~والنية. قال ابن جزي : أي : عمل صالح قدموه ، وقال ابن ms1012 عباس : السعادة ~~السابقة لهم في اللوح المحفوظ. ه. وقال ابن عطية : والصدق في هذه الآية ~~بمعنى الصلاح ، كما تقول : صدق ورجل سوء. ه. PageV03P188 # {قال الكافرون إن هذا} الكتاب ، أو ما جاء به الرسول ، {لسحر مبين} أي : ~~بين ظاهر ، وقرأ ابن كثير والكوفيون : {لساحر} ، على أن الإشارة إلى الرسول ~~، وفيه اعتراف بأنهم صادفوا من الرسول أمورا خارقة للعادة ، معجزة لهم عن ~~المعارضة ، وكلامهم هذا يحتمل أن يكون تفسيرا لما ذكره قبل من تعجبهم ، ~~أويكون مستأنفا. # الإشارة : تعجب الناس من أهل الخصوصية سنة ماضية ، فكما خفي عن أعين ~~الكفار سر النبوة ، خفي عن أعين الخفافيش سر الخصوصية ، فلا يطلع عليها إلا ~~من سبق له قدم صدق عند ربه ، فسبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية ~~؛ فلم يدل عليها إلا من أراد أن يوصله إلى مشاهدة عظمة الربوبية. # قال في لطائف المنن : فأولياء الله أهل كهف الإيواء ، فقليل من يعرفهم ، ~~وسمعت الشيخ أبا العباس رضي الله عنه يقول : معرفة الولي أصعب من معرفة ~~الله ، فإن الله تعالى معروف بكماله وجماله ، ومتى تعرف مخلوقا مثلك يأكل ~~كما تأكل ، ويشرب كما تشرب ؟ ، وإذا أراد الله أن يعرفك بولي من أوليائه ~~طوى عنك وجود بشريته ، وأشهدك وجود خصوصيته. ه. # 138 # جزء : 3 رقم الصفحة : 137 # يقول الحق جل جلاله : {إن ربكم} الذي يستحق العبادة وحده هو {الله} الذي ~~أظهر الكائنات من العدم إلى الوجود ، وبه رد على من أنكر النبوة ، كأنه ~~يقول : إنما أدعوكم إلى عبادة الله الذي خلق الأشياء ، فكيف تنكرون ذلك وهو ~~الحق المبين ؟ ثم فصل ذلك فقال : {الذي خلق السماوات والأرض} التي هي أصول ~~الكائنات ، {في} مقدار {ستة أيام} من أيام الدنيا ، ولم يكن حينئذ ليل ولا ~~نهار ، والجمهور : أن ابتداء الخلق يوم الأحد ، وفي حديث مسلم : يوم السبت ~~، وأنه خلق الأرض ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، ثم دحا الأرض ~~بعد ذلك. {ثم استوى على العرش} استواء يليق به ، كاستواء الملك على سريره ~~ليدير أمر مملكته ، ولذلك رتب عليه : {يدبر ms1013 الأمر} ، وقد تقدم الكلام عليه ~~في الأعراف. PageV03P189 # قال البيضاوي : يدبر أمر الكائنات على ما تقتضيه حكمته ، وسبقت به كلمته ، ~~بتحريك أفلاكها ، وتهيئ أسبابها ، والتدبير : النظر في عواقب الأمور لتجيء ~~محمودة العاقبة. ه. # {ما من شفيع} تقبل شفاعته {إلا من بعد إذنه} له في الشفاعة ، وهو تقرير ~~لعظمته وعزة جلاله ، ورد على من يزعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله ، وفيه ~~إثبات الشفاعة لمن أذن له ، كالأنبياء والعلماء الأتقياء. {ذلكم الله} أي : ~~الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية هو {الله ربكم} لا غير ؛ ~~إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك ، {فاعبدوه} : أفردوه بالعبادة {أفلا ~~تذكرون} أي : تتفكرون أدنى تفكر ، فتعرفون أنه المستحق للربوبية والعبادة ، ~~لا ما تعبدون من الأصنام. # {إليه مرجعكم} بالبعث {جميعا} فيجازيكم على أعمالكم ، ويعاقبكم على شرككم ~~، {وعد الله حقا}. مصدر مؤكد لنفسه ؛ لأن قوله : {إليه مرجعكم} وعد من ~~الله. {إنه يبدأ الخلق} بإظهاره في الدنيا {ثم يعيده} بعد إهلاكه في ~~الآخرة. {ليجزي # 139 # الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ، تعليل للعودة ؛ وهي البعثة ، وقوله : ~~{بالقسط} أي : بالعدل ؛ بأن يعدل في جزائهم ، فلا يظلم مثقال ذرة ، أو ~~بعدلهم وقيامهم على العمل في أمورهم ، أو بإيمانهم ؛ لأنه العدل القويم ، ~~كما أن الشرك ظلم عظيم. وهو الأوجه لمقابلة قوله : {والذين كفروا لهم شراب ~~من حميم وعذاب أليم} بسبب كفرهم وشركهم الذي هو الظلم العظيم لكنه غير ~~النظم للمبالغة في استحقاقهم العذاب والتنبيه على أن المقصود بالذات من ~~الإبداء والإعادة هو الإثابة ، وأما العقاب فإنما هو الواقع بالعرض ، وأنه ~~تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ، ولذلك لم يعينه ، وأما ~~عقاب الكفرة ، فإنه إنما ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشوم أفعالهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 139 PageV03P190 ~~والآية كالدليل لقوله : {إليه مرجعكم جميعا} ، فإنه لما كان المقصود من ~~الإبداء والإعادة مجازاة الله المكلفين على أعمالهم ، كان مرجع الجميع إليه ~~لا محالة ، ويؤيده قراءة من قرأ : " أنه يبدأ " بالفتح ، أي : لأنه ، ويجوز ~~أن يكون منصوبا بما نصب " وعد الله ". قاله البيضاوي. # الإشارة : تقدم بعض إشارة ms1014 هذه الآية في الأعراف ، وقال الورتجبي هنا : ~~جعل العرش مرآة تجلي قدسه ومأوى أرواح أحبابه لقوله : {ثم استوى...} الآية ~~، ثم قال : ثم دعاهم إلى عبادته بعد معرفته بقوله : {فاعبدوه}. وقال ~~القشيري : {ذلكم الله ربكم} تعريف ، وقوله : {فاعبدوه} تكليف ، فحصول ~~التعريف بتحقيقه ، والوصول إلى ما ورد به التكليف بتوفيقه. ه. وقال في قوله ~~: {إليه مرجعكم جميعا} : الرجوع يقتضي ابتداء ، والأرواح قبل حصولها في ~~الأشباح كان لها في مواطن التسبيح والتقديس إقامة ، والغائب إذا رجع إلى ~~وطنه من سفره فلقدومه أثر عند محبيه وذويه ، وأنشدوا : # أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا # أنا ذاك لا أنساك ما هبت الصبا. ه. PageV03P191 # وفي الإحياء : كل من نسي الله أنساه لا محالة نفسه ، ونزل إلى رتبة ~~البهائم ، وترك الترقي إلى أفق الملأ الأعلى ، وخان في الأمانة التي أودعها ~~له تعالى ، وأنعم بها عليه ، وكان كافرا لنعمته ، ومتعرضا لنقمته ؛ فإن ~~البهيمة تتخلص بالموت ، وأما هذا فعنده أمانة سترجع لا محالة إلى مودعها ~~، فإليه مرجع الأمانة ومصيرها ، وتلك الأمانة كالشمس الزاهرة ، وإنما هبطت ~~إلى هذا القالب الفاني وغربت فيه ، وستطلع هذه الشمس عند خراب هذا القالب ~~من مغربها ، وتعود إلى بارئها وخالقها ، إما مظلمة منكسة ، وإما زاهرة ~~مشرقة ، والزاهرة المشرقة غير محجوبة عن حضرة الربوبية ، والمظلمة أيضا ~~راجعة إلى الحضرة ؛ إذ المرجع ومصير الكل إليه ، إلا أنها ناكسة رؤوسها عن ~~جهة أعلى عليين ، إلى جهة أسفل سافلين ، ولذلك قال تعالى : {ولو ترىا إذ ~~المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم} [السجدة : 12] فبين أنهم عند ربهم منكسون ~~منحوسون ، قد انقلبت وجوههم إلى # 140 # اقفيتهم ، وانتكست رؤوسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل ، وذلك حكم الله تعالى ~~فيمن حرمه توفيقه ، ولم يهده طريقه فنعوذ بالله من الضلال والنزول في منازل ~~الجهال. ه. # قلت : ظاهر كلامه : أن الروح لا ترجع إلى وطنها وتتصل بحضرة ربها إلا بعد ~~خراب هذا البدن ، والحق إنها ترجع لأصلها ، وتتصل بحضرة ربها مع قيام هذا ~~البدن ؛ إذا كمل تطهيرها وتمت تصفيتها من بقايا الحس ، وانقطع عنها علائق ~~هذا ms1015 العالم الجسماني ، فتتصل حينئذ بالعالم الروحاني ، مع قيام العالم ~~الجسماني ، كما هو مقرر عند أهل التحقيق ، والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 139 PageV03P192 ~~قلت : " ضياء " : مفعول ثان ، أي : ذات ضياء ، وهو مصدر كقيام ، أو جمع ضوء ~~كسياط ، والياء منقلبة عن الواو ، وفي رواية عن ابن كثير بهمزتين في كل ~~القرآن على القلب ، بتقديم اللام على العين ، والضمير في " قدره " للشمس ~~والقمر ، كقوله : {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة : 26] ، أو للقمر فقط. # يقول الحق جل جلاله : {هو الذي جعل الشمس ضياء} أي : ذات ضوء وإشراق أصلي ~~، {والقمر نورا} أي : ذا نور عارض ، مقتبس من نور الشمس عند مقابلته إياها ~~، ولذلك يزيد نوره وينقص ، فقد نبه سبحانه بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ~~ذاتها ، والقمر نورا بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها ، فالنور أعم من ~~الضياء ، والضياء أعظم من النور. {وقدره منازل} أي : قدر سير كل واحد منهما ~~منازل ، أو القمر فقط ، وخصصه بالذكر لسرعة سيره ، ومعاينة منازله ، وإناطة ~~أحكام الشرع به. ولذلك علله بقوله : {لتعلموا عدد السنين والحساب} أي : ~~حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي في معاملتكم وتصرفاتكم : # {ما خلق الله ذلك} الذي تقدم من أنواع المخلوقات {إلا بالحق} أي : ملتبسا ~~بالحق ، مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة ، لا عبثا عاريا عن الحكمة ، أو ~~ما خلق ذلك إلا ليعرف فيها ، فما نصب الكائنات لتراها ، بل لترى فيها ~~مولاها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : الحق الذي خلق الله ~~به كل شيء كلمة " كن ". قال سبحانه : {ويوم # 141 # يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك} [الأنعام : 73]. ه. وهو بعيد هنا. # {نفصل الآيات لقوم يعلمون} فإنهم المنتفعون بالنظر فيها والاعتبار بها. PageV03P193 # ثم بين وجه الاعتبار فقال : {إن في اختلاف الليل والنهار} أي : تعاقبهما ~~بالذهاب والمجيء ، أو بالزيادة والنقصان ، {وما خلق الله في السموات ~~والأرض} من أنواع الكائنات وضروب المخلوقات ، {لآيات} دالة على وجود الصانع ~~ووحدته ، وكمال علمه وقدرته ، {لقوم يتقون} الله ، ويخشون العواقب ، فإن ~~ذلك يحملهم على التفكر والتدبر ، بخلاف المنهمكين ms1016 في الغفلة والمعاصي ، ~~الذين أشار إليهم بقوله : # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 141 # إن الذين لا يرجون لقاءنا} أي : لا يتوقعونه ، أو : لا يخافون بأسه ~~لإنكارهم البعث ، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها ، {ورضوا بالحياة الدنيا} ~~: قنعوا بها بدلا من الآخرة لغفلتهم عنها ، {واطمأنوا بها} أي : سكنوا ~~إليها مقصرين هممهم على لذائذها وزخارفها ، وسكنوا فيها سكون من يظن أنه لا ~~ينزعج عنها. {والذين هم عن آياتنا} المتقدمة الدالة على كمال قدرتنا ، ~~{غافلون} : لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون ؛ لانهماكهم في الغفلة والذنوب. # قال البيضاوي : والعطف إما لتغاير الوصفين ، والتنبيه على أن الوعيد على ~~الجمع بين الذهول عن الآيات رأسا ، والانهماك في الشهوات ، بحيث لا تخطر ~~الآخرة ببالهم أصلا ، وإما لتغاير الفريقين ، والمراد بالأولين : من أنكر ~~البعث ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، وبالآخرين من ألهاه حب العاجل عن التأمل ~~في الآجل والإعداد له. ه. # {أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} أي : بما واظبوا عليه وتمرنوا به ~~من المعاصي. قال ابن عطية : وفي هذه اللفظة رد على الجبرية ، ونص على تعلق ~~العقاب بالتكسب. ه. PageV03P194 # الإشارة : هو الذي جعل شمس العيان مشرقة في قلوب أهل العرفان ، لا غروب لها ~~مدى الأزمان ، وجعل قمر توحيد الدليل والبرهان نورا يهتدي به إلى طريق ~~الوصول إلى العيان ، وقدر السير به منازل وهي مقامات اليقين ومنازل ~~السائرين ينزلون فيها مقاما مقاما إلى صريح المعرفة ، وهي التوبة والخوف ، ~~والرجاء والورع ، والزهد والصبر ، والشكر والرضى والتسليم والمحبة ، ~~والمراقبة والمشاهدة. ما خلق الله ذلك إلا بالحق ، ليتوصل به إلى الحق. إن ~~في اختلاف ليل القبض ونهار البسط على قلب المريد لآيات دالة له على السير ، ~~لقوم يتقون السوى ، أو شواغل الحس. # إن الذين لا يرجون الوصول إلينا لقصر همتهم ، ورضوا بالحياة الدنيا ~~وشهواتها ، واطمأنوا بها لم يرحلوا عنها ، إذ لا يتحقق سير السائرين إلا ~~بمجاهدة تركها والرحيل # 142 # بالقلب عنها ، والذين هم عن آياتنا غافلون ؛ لانهماكهم في الهوى والحظوظ ~~، أولئك مأواهم نار القطيعة وغم الحجاب ، بما كانوا يكسبون من الاشتغال ~~بالحظوظ والشهوات. وبالله التوفيق. ms1017 # جزء : 3 رقم الصفحة : 141 # قلت : (تجري) : جملة استئنافية ، أو خبر ثان لإن ، أو حال من الضمير ~~المنصوب في {يهديهم}. و(دعواهم) : مبتدأ ، و(سبحانك) : مقول للخبر أي : ~~قولهم سبحانك. والتحية مأخوذة من تمني الحياة والدعاء بها ، حياة تحية ، ~~ويقال للوجه : محيا لوقوع التحية عند رؤيته ، و(آخر) : مبتدأ ، و(أن الحمد ~~لله) : خبر ، وأن مخففة. PageV03P195 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم} أي : ~~يسددهم {بإيمانهم} ؛ بسبب إيمانهم إلى الاستقامة والنظر ، أو إلى سلوك سبيل ~~يؤدي إلى الجنة ، أو إلى إدراك الحقائق العرفانية ، كما قال عليه الصلاة ~~والسلام " من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم " أو لما يشتهونه في ~~الجنة ، {تجري من تحتهم الأنهار} الأربعة ، {في جنات النعيم} ، {دعواهم ~~فيها} أي : دعاؤهم فيها : {سبحانك اللهم} أي : اللهم إنا نسبحك تسبيحا. ~~وروي : أن هذه الكلمة هي ثمر أهل الجنة ، فإذا اشتهى احدهم شيئا قال : ~~سبحانك اللهم ، فينزل بين يديه. رواه ابن جريج وسفيان بن عيينة. # {وتحيتهم فيها سلام} أي : ما يحيي به بعضهم بعضا ، أو تحية الملائكة ~~إياهم ، أو تسليم الله تعالى عليهم فيها سلام ، {وآخر دعواهم أن الحمد لله ~~رب العالمين} أي : وخاتمة دعائهم في كل موطن حمده تعالى وشكره. والمعنى : ~~أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمته وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال ، ~~وقدسوه عند مشاهدته عن كل تماثيل وخيال ، فحياهم بسلام من عنده ، وعندما ~~منحهم سلامه واحل عليهم رضوانه ، وأدام لهم كرامته وجواره ، وأراهم وجهه ، ~~حمدوه بما حمد به نفسه ، فكانت بدايتهم بالتنزيه والتعظيم ، وخاتمة دعائهم ~~في كل موطن حمده وشكره على ما مكنهم فيه ، من رؤية وجهه الكريم ، ودوام ~~النعيم المقيم ، وسمي دعاء لأنه يستدعي المزيد من فضله. قاله المحشي. # الإشارة : إن الذين استكملوا الإيمان ، وأخلصوا الأعمال ، يهديهم ربهم ~~إلى من يوصلهم إلى جنة حضرته ببركة إيمانهم ، تجري من تحت أفكارهم أنهار ~~العلوم ، في جنات # 143 PageV03P196 ~~مشاهدة طلعته ، والتنعم بأنوار معرفته ، فإذا عاينوا ذلك أدهشتهم الأنوار ، ~~فبادروا إلى التنزيه والتقديس ، فيجيبهم الحق تعالى بإقباله عليهم بأنوار ms1018 ~~وجهه ، وأسرار ذاته ، فيحمدونه ويشكرونه على ما أولاهم من سوابغ نعمته ، ~~والسكون في جوار حضرته ، منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر ، آمين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 143 # قلت : (استعجالهم) : نصب على المصدر ، أي : استعجالا مثل استعجالهم ~~بالخير. قال البيضاوي : وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعارا بسرعة إجابته ~~لهم في الخير ، حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم. ه. (فنذر) : عطف على فعل ~~محذوف دلت عليه الشرطية ، كأنه قيل : ولكن لا نعجل ولا نقضي بل نمهلهم ~~فنذر.. الخ. # يقول الحق جل جلاله : {ولو يعجل الله الناس الشر} حيث يطلبونه ، كقولهم : ~~{فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال : 32] {ائتنا ~~بما تعدنآ} [الأعراف : 77] {استعجالهم بالخير} ؛ كما يعجل الله لهم الخير ~~حين يسألونه {لقضي إليهم أجلهم} أي : لأميتوا وأهلكوا من ساعتهم ، وقرأ ابن ~~عباس ويعقوب : " لقضى " بالبناء للفاعل ، أي : لقضى الله إليهم أجلهم ، ~~ولكن من حلمه الله تعالى وكرمه يمهلهم إلى تمام أجلهم ، {فنذر الذين لا ~~يرجون لقاءنا} استدراجا وإمهالا {في طغيانهم يعمهون} : يتحيرون. والعمه : ~~الخبط في الضلال ، وهذا التفسير أليق بمناسبة الكلام ، وقيل : نزلت في دعاء ~~الإنسان على نفسه وماله بالشر ، أي : لو عجل الله للناس الشر كما يحبون ~~تعجيل الخير لهلكوا سريعا ، فهو كقوله : {ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير} ~~[الإسراء : 11] ويكون قوله : {فنذر...} الخ استئنافا. والله تعالى أعلم. PageV03P197 # الإشارة : من حلمه تعالى وسعة جوده أنه لا يعامل عبده بما يستحقه من العقاب ~~، ولا يعاجله بما يطلبه إن لم يكن فيه سداد وصواب ، حكي أن رجلا قال لبعض ~~الأنبياء عليهم السلام : قل لربي : كم أعصيه وأخالفه ولم يعاقبني ، فأوحى ~~الله إلى ذلك النبي : ليعلم أني أنا وأنت أنت. ه. بل من عظيم كرمه تعالى ~~أنه قد يعامل السائرين بعكس ما يستحقونه في جانب المخالفة ؛ فقد تهوى بهم ~~أنفسهم إلى مقام الخفض فيرتفعون ، وإلى مقام البعد فيقتربون ، وهذا في قوم ~~سبقت لهم العناية ، فلم تضرهم الجناية ، وحفت بهم الرعاية ، فلم تستهوهم ~~الغواية ، إذا صدرت منهم المخالفة ندموا وانكسروا. والغالب فيمن # 144 # كانت ms1019 تحت جناح الأولياء الكبار أن يسلك به هذا المسلك العظيم وما ذلك على ~~الله بعزيز. # جزء : 3 رقم الصفحة : 144 # قلت : (لجنبه) : متعلق بحال محذوفة ، أي : مضطجعا لجنبه ، و(كأن) مخففة. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا مس الإنسان الضر} في بدنه أو ماله أو أحبابه ~~، {دعانا} لإزالته مخلصا فيه ، وتضرع إلينا حال كونه مضطجعا {لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما} ، وفائدة الترديد تقسم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف ~~المضار ، {فلما كشفنا عنه ضره مر} أي : مضى على طريقه واستمر على كفره ، ~~ولم يشكر الله على دفعه ، أو مر عن موقف الدعاء ، ولم يرجع إليه. {كأن لم ~~يدعنا} أي : كأنه لم يدعنا {إلى} كشف {ضر مسه} قط : {نسي ما كان يدعوا إليه ~~من قبل} [الزمر : 8] {كذلك زين للمسرفين} أي : مثل هذا التزيين زين ~~للمسرفين {ما كانوا يعلمون} من الانهماك في الشهوات ، والإعراض عن شكر ~~المنعم عند المسرات وذهاب العاهات. # وفي الآية تهديد لمن تشبه بهذه الحالة ، بل الواجب على العبد دوام ~~التجائه إلى ربه ، والشكر له عند ظهور إجابته وإسدال عافيته. PageV03P198 # الإشارة : من حسن الأدب ؛ السكون تحت مجاري الأقدار ، والتسليم لأحكام ~~الواحد القهار ، " فليس الشأن ترزق الطلب ، إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب " ~~، وحسن الأدب : هو الفهم عن الله ؛ فإذا شرح صدرك للدعاء ، فادع ولا تكثر ، ~~فإن المدعو قريب ، ليس بغافل فينبه ، ولا ببعيد فتنادي عليه ، فإذا دعوته ~~وأجابك فاشكره ، وإن أخر عنك الإجابة فاصبر ؛ فقد ضمن الإجابة فيما يريد ، ~~لا فيما تريد ، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 144 # 145 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم} يا أهل مكة ، {لما ~~ظلموا} بالكفر وتكذيب الرسل ، {وجاءتهم رسلهم بالبينات} : بالمعجزات ~~الواضحات ، الدالة على صدقهم ، {وما كانوا ليؤمنوا} أي : ما استقام لهم أن ~~يؤمنوا ، لما سبق لهم من الشقاء ولفساد استعدادهم ، أو ما كانوا ليؤمنوا ~~بعد أن هلكوا لفوات محله ، {كذلك} أي : مثل ذلك الجزاء وهو إهلاكهم بسبب ~~تكذيبهم الرسل وإصرارهم عليه ms1020 ، بحيث تحقق أنه لا فائدة في إمهالهم {نجزي ~~القوم المجرمين} أي : نجزي كل مجرم ، أو نجزيهم ، ووضع المظهر موضع المضمر ~~؛ للدلالة على كمال جرمهم ، وأنهم أعلام فيه. قال البيضاوي. # {ثم جعلناكم} يا أمة محمد {خلائف في الأرض من بعدهم} من بعد إهلاكهم ، ~~فقد استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها ، استخلاف من يختبر {لننظر} ~~أي : لنظهر ما سبق به العلم ، فيتبين في الوجود ، {كيف تعملون} ، أخيرا أم ~~شرا ؟ فنعاملكم على مقتضى أعمالكم. # وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : " إنما جعلنا خلفا لينظر ~~كيف عملنا ، فأروا الله حسن أعمالكم في السر والعلانية " وكان أيضا يقول : ~~" قد استخلفت يا ابن الخطاب ، فانظر كيف تعمل ". PageV03P199 # الإشارة : ما هلك من هلك إلا لإخلاله بالشرائع أو بالحقائق ، فالشرائع ، ~~صيانة للأشباح ، والحقائق صيانة للأرواح ، فمن قام بالشرائع كما ينبغي صان ~~نفسه من الآفات الدنيوية والأخروية ، ومن قام بالحقائق على ما ينبغي ، صان ~~روحه من الجهل بالله في هذه الدار ، وفي تلك الدار ومن قام بهما معا صان ~~جسمه وروحه ، وكان من المقربين ، ومن قام بالشرائع دون الحقائق صان جسمه ~~وترك روحه معذبة في هذه الدار بالخواطر والوساوس والأوهام ، وفي تلك الدار ~~بالبعد والمقام مع العوام. ومن قام بالحقائق دون الشرائع فإن كان دعوى عذب ~~جسمه وروحه لزندقته ، وإن كان حقا عذب جسمه هنا بالقتل ، كما فعل بالحلاج ، ~~والتحق بالمقربين في تلك الدار. # ويقال لأهل كل عصر : ولقد أهلكنا القرون من قبلكم بالبعد وغم الحجاب ، ~~لما ظلموا بالوقوف مع الحظوظ والشهوات ، وجاءتهم رسلهم التي توصلهم إلى ~~ربهم وهم أولياء زمانهم الآيات الواضحة على صدقهم ، ولو لم يكن إلا هداية ~~الخلق على يديهم فأنكروهم ، وما كانوا ليؤمنوا بهم لما سبق لهم من البعد ، ~~ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ، لننظر كيف تعملون مع شيوخ التربية في ~~زمانكم ، هل تنكرونهم أو تقرونهم ، والله تعالى أعلم. # 146 # جزء : 3 رقم الصفحة : 145 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا تتلى عليهم} يعني كفار قريش {آياتنا بينات ~~قال الذين لا ms1021 يرجون لقاءنا} من المشركين {ائت بقرآن غير هذا} أي : بكتاب ~~آخر ليس فيه ما نستبعده من البعث والحساب ، والعقاب بعد الموت ، أو ما ذكره ~~من سب آلهتنا ، وعيب ديننا ، أو اجعل هذا الكلام الذي من قبلك على اختيارنا ~~، فأحل ما حرمته ، وحرم ما أحللته ؛ ليكون أمرنا واحدا وكلمتنا متصلة ، ~~{أوبدله} بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى. PageV03P200 # {قل} لهم يا محمد : {ما يكون} : ما يصح {لي أن أبدله من تلقاء نفسي} : من ~~قبل نفسي ، وإنما اكتفى بالجواب المذكور عن التبديل ؛ لاستلزام امتناعه ~~امتناع الإتيان بقرآن آخر ، قل لهم : {إن} أي : ما {أتبع إلا ما يوحى إلي} ~~، لا أقدر أن أقول شيئا من عندي. قال البيضاوي : هو تعليل لما يكون ، فإن ~~المتبع لغيره في أمر لم يستبد بالتصرف فيه بوجه ، وجواب للنقض بنسخ بعض ~~الآيات لبعض ، ورد لما عرضوا له بهذا السؤال من أن القرآن كلامه واختراعه ، ~~ولذلك قيد التبديل في الجواب وسماه عصيانا فقال : {إني أخاف إن عصيت ربي ~~عذاب يوم عظيم} يوم القيامة ، وفيه إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا ~~الاقتراح. ه. # {قل لو شاء الله ما} أرسلني إليكم ، ولا {تلوته عليكم ولا أدراكم} أي : ~~أعلمكم {به} على لساني. وفي قراءة ابن كثير : ولأدراكم ، بلام التأكيد ، أي ~~: لو شاء الله ما تلوته عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري. # والمعنى أنه الحق لا شك فيه ، لو لم أرسل به أنا لأرسل به غيري. وحاصل ~~المعنى : أن الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتي ، حتى أجعله على نحو ما تشتهون. ~~ثم قرر ذلك بقوله : {فقد لبثت فيكم عمرا} منذ أربعين سنة {من قبله} أي : من ~~قبل نزول هذا القرآن ، لا أتلوه ولا أعلم منه شيئا ، وفيه إشارة إلى القرآن ~~معجز خارق للعادة ، فأن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يدرس فيها علما ، ~~ولا يشاهد عالما ، ولم ينشد قريضا أي : شعرا ولا خطبة ، ثم قرأ عليهم ~~كتابا أعجزت فصاحته كل منطيق ، وفاق كل منظوم ومنثور ، واحتوى على قواعد ~~علمي الأصول والفروع ، وأعرب ms1022 عن أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين على ما هي ~~عليه ، علم انه معلم به من عند الله. قاله البيضاوي. # 147 # فكل من له عقل سليم أدرك حقيته ، ولذلك قرعهم بقوله : {أفلا تعقلون} أي : ~~أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر ، فتعلموا أنه ليس من طوق البشر ، بل ~~هو من عند الحكيم العليم الواحد القهار. PageV03P201 # جزء : 3 رقم الصفحة : 147 # الإشارة : إذا ظهر أهل التربية الداعون إلى الله بطريق صعبة على النفوس ، ~~يسيرون الناس عليها ، كخرق العوائد وتخريب الظواهر والتجريد ، قال من لا ~~يرجو الوصول إلى الله لغلبة الهوى عليه : ائتونا بطريق غير هذا لنتبعكم ~~عليه ، يكون سهلا على النفوس ، موافقا لعوائدنا ، أو بدلوا هذا بطريق أسهل ~~، وأما هذا الذي أتيتم به ، فلا نقدر عليه ، وربما رموه بالبدعة ، فيقولون ~~لهم : ما يكون لنا أن نبدله من تلقاء أنفسنا ، إن نتبع إلا ما سلك عليه ~~أشياخنا وأشياخهم ، فما ربونا به نربي به من تبعنا ، فإن خالفنا طريقهم ~~خفنا من عقاب الله ، حيث غششنا من اتبعنا ، ولقد مكثنا معكم قبل صحبة ~~أشياخنا سنين ، فلم تروا علينا شيئا من ذلك حتى صحبناهم ، فدل ذلك على أنه ~~موروث عن أشياخهم وأشياخ أشياخهم ، أفلا تعقلون ؟ . # جزء : 3 رقم الصفحة : 147 PageV03P202 ~~يقول الحق جل جلاله : {فمن أظلم} لا أحد أظلم {ممن افترى على الله كذبا} ~~بأن تقول على الله ما لم يقل ، وهذا بيان لبراءته ، مما اتهموه به من ~~اختراعه القرآن ، وإشارة إلى كذبهم على الله في نسبة الشركاء له والولد ، ~~{أو كذب بآياته} فكفر بها ، فلا أظلم منه {إنه} أي : الأمر والشأن {لا يفلح ~~المجرمون} أي : لا يظفرون ببغيتهم ، ولا تنجح مساعيهم ؛ لإشراكهم بالله. ~~كما قال تعالى : {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم} من الجمادات ~~التي لا تقدر على ضر ولا نفع ، والمعبود ينبغي أن يكون مثيبا ومعاقبا ، حتى ~~تكون عبادته لجلب نفع أو دفع الضر. {ويقولون هؤلاء} الأوثان {شفعاؤنا عند ~~الله} تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا ، أو في الآخرة إن يكن بعث ، ~~وكأنهم ms1023 كانوا شاكين فيه ، وهذا من فرط جهالتهم ، حيث تركوا عبادة الموجد ~~للأشياء ، الضار النافع ، إلى عبادة ما يعلم قطعا أنه لا يضر ولا ينفع. {قل ~~أتنبئون الله} أتخبرونه {بما لا يعلم} وجوده {في السماوات ولا في الأرض} ~~وهو أن له شريكا فيهما يستحق أن يعبد. وفيه تقريع وتهكم بهم. # 148 # قال ابن جزي : هو رد عليهم في قولهم بشفاعة الأصنام ، والمعنى : أن شفاعة ~~الأصنام ليست بمعلومة لله الذي هوعالم بما في السماوات والأرض ، وكل ما ليس ~~بمعلوم له فهو عدم محض ، ليس بشيء ، فقوله : {أتنبئون الله} تقرير لهم على ~~وجه التوبيخ والتهكم ، أي : كيف تعلمون الله بما لا يعلم. ه. قال ابن عطية ~~: وفي التوقيف على هذا أعظم غلبة لهم ، إذ لا يمكنهم إلا أن يقولوا : لا ~~نفعل ، ولا نقدر أن نخبر الله بما لا يعلم. # ثم نزه نفسه عن ذلك فقال : {سبحانه وتعالى} أي : تنزيها له وتعاظم {عما ~~يشركون} أي : إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم معه. وقرأ الأخوان : ~~بالتاء ، أي : عما تشركون أيها الكفار. PageV03P203 # الإشارة : في هذه الآية زجر كبير لأهل الدعوى ، الذين ادعوا الخصوصية ~~افتراء ، ولأهل الإنكار الذين كذبوا من ثبتت خصوصيته ، وتسجيل عليهم ~~بالإجرام ، وبعدم النجاح والفلاح ، وفيها أيضا : زجر لمن اعتمد على مخلوق ~~في جلب نفع أو دفع ضر ، أو اغتر بصحبة ولي يظن أنه يشفع له مع إصراره ، ~~وعظيم أوزاره. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 148 # يقول الحق جل جلاله : {وما كان الناس إلا أمة واحدة} موحدين ، على الفطرة ~~الأصلية ، أو متفقين على الحق ، وذلك في عهد آدم ، إلى أن قتل قابيل أخاه ~~هابيل ، أو بعد الطوفان إلى زمان اختلافهم ، أو الأرواح حيث استخرجهم ~~واستشهدهم ، فاتفقوا على الإقرار ، ثم اختلفوا ، في عالم الأشباح باتباع ~~الهوى والأباطيل ، أو ببعثة الرسل فتبعتهم طائفة وكفرت اخرى. {ولولا كلمة ~~سبقت من ربك} في اللوح المحفوظ ، بتأخير الحكم ، أو العذاب الفاصل بينهم ~~إلى يوم القيامة ، فإنه يوم الفصل والجزاء ، {لقضي بينهم} عاجلا {فيما فيه ~~يختلفون} بإهلاك المبطل ms1024 وإبقاء المحق. # الإشارة : اختلاف الناس على الأولياء كاختلافهم على الأنبياء ، أمر سبق ~~به الحكم الأزلي لا محيد عنه ، فمن طلب اتفاقهم عليه فهو جاهل بالله وبطريق ~~أهل الله. والله تعالى أعلم. # 149 # جزء : 3 رقم الصفحة : 149 PageV03P204 ~~{يقول الحق جل جلاله : } {ويقولون} ؛ يقول الكفار : {لولا} ؛ هلا {أنزل ~~عليه آية} ظاهرة {من ربه} تدل على صدقه ، يعاينها الناس كلها ، فتلجئهم إلى ~~الإيمان به ، وهذا الأمر على هذا الوجه لم يكن لنبي قط ، إنما كانت الآية ~~تظهر معرضة للنظر ، فيهتدي بها قوم ، ويكفر بها آخرون ، {فقل} لهم : {إنما} ~~علم {الغيب لله} مختص به ، فلم أطلع عليه حتى أعلم وقت نزولها ، ولعله علم ~~ما في نزولها من الضرر لكم فصرفها عنكم ، {فانتظروا} نزول ما اقترحتموه ، ~~{إني معكم من المنتظرين} لذلك ، وهذا وعد قد صدقه الله بنصرته عليه الصلاة ~~والسلام وأخذهم ببدر وغيره ، أو من المنتظرين لما يفعل الله بكم لعنادكم ~~وجحودكم الآيات. # الإشارة : ما زالت العامة تطلب من مشايخ التربية الكرامات ، فجوابهم ما ~~قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : {قل إنما الغيب لله} فانتظروا ما ~~يظهر على أيديهم من الهداية والإرشاد ، وإحياء البلاد والعباد بذكر الله ، ~~وهذا أعظم الكرامة ، فإن إخراج الناس عن عوائدهم وعن دنياهم خارق للعادة ، ~~سيما في هذا الزمان الذي احتوت فيه الدنيا على القلوب ، فلا ترى عالما ولا ~~صالحا ولا منتسبا إلا وهو مغروق في بحر ظلماتها ، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون. # جزء : 3 رقم الصفحة : 149 # قلت : (جاءتها) " إذا " وجملة (دعوا) : بدل من " ظنوا " بدل اشتمال ؛ لأن ~~دعاءهم من لوازم الظن. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا أذقنا الناس رحمة} ، كصحة وعافية وخصب ، {من ~~بعد ضراء مستهم} ، كمرض أو قحط {إذا لهم مكر في آياتنا} بالطعن فيها ، ~~والاحتيال في دفعها ، فقد قحط أهل مكة حتى أكلوا الجلود والميتة ، ثم رحمهم ~~بالغيث ، فطعنوا في آياته # 150 # بالتكذيب ، وكادوا رسوله عليه الصلاة والسلام - {قل الله أسرع مكرا} ~~منكم ، فقد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدكم ، ووصف مكر الله بالسرعة وإن ms1025 ~~كان الاستدراج يمهلهم ؛ لأنه متيقن واقع لا محالة ، وكل آت قريب. PageV03P205 # {إن رسلنا} الحفظة {يكتبون ما تمكرون} فنجازيكم عليه. قال البيضاوي : هو ~~تحقيق للانتقام ، وتنبيه على أن ما يدبرون في إخفائه لم يخف على الحفظة ~~فضلا أن يخفى على الله. وعن يعقوب : " يمكرون " بالياء ليوافق ما قبله. ه. ~~قال ابن جزي : هذه الآية للكفار ، وتتضمن النهي لمن كان كذلك عن غيرهم ، ~~والمكر هنا : الطعن في آيات الله وترك شكره ، ومكر الله الموصوف بالسرعة هو ~~عقابه لهم ، سماه مكرا مشاكلة لفعلهم ، وتسمية للعقوبة باسم الذنب. ه. # فنزول الرحمة بعد الشدة آية تدل على كمال قدرته. وقد ورد أنه لما نزل بهم ~~القحط التجأوا إليه صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا محمد ؛ إنك جئت تأمر ~~بمكارم الأخلاق ، وإن قومك قد هلكوا ، فادع الله يغيثنا ، فدعا ، فنزل ~~عليهم الغيث ، فكانت معجزة له عليه الصلاة والسلام . # جزء : 3 رقم الصفحة : 150 # ثم ذكر آية أخرى فقال : {هو الذي يسيركم} يقدرته {في البر والبحر حتى إذا ~~كنتم في الفلك} : السفن ، {وجرين بهم} بمن فيهم ، عدل عن الخطاب إلى الغيبة ~~للمبالغة ، كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم ، ففيه التفات. ومقتضى ~~القياس : وجرين بكم {بريح طيبة} : لينة الهبوب ، {وفرحوا بها} لسهوله السير ~~بها ، {جاءتها ريح عاصف} أي : شديد الهبوب ، {وجاءهم الموج من كل مكان} من ~~كل جهة لهيجان البحر حينئذ ، {وظنوا أنهم أحيط بهم} أي : أهلكوا ، أو سدت ~~عليهم مسالك الخلاص ، كمن أحاط به العدو. PageV03P206 # قال ابن عطية : ركوب البحر وقت حسن الظن به للجهاد والحج متفق على جوازه ، ~~وكذا لضرورة المعاش بالصيد ويتصرف للتجر ، وأما ركوبه لطلب الدنيا ~~والاستكثار فمكروه عند الأكثر. قلت : ما لم يكن لبلد تجري فيه أحكام الكفار ~~على المسلمين وإلا حرم. ثم قال : وأما ركوبه وقت ارتجاجه فممنوع ، وفي ~~الحديث : " من ركب البحر في ارتجاجه فقد برئت منه الذمة " وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : " البحر لا أركبه أبدا " وعن علي كرم الله وجهه أنه قال ~~: لولا هذا الآية ، لضربت عنق من ms1026 يركب البحر. فقال ابن عباس : إني لأعلم ~~كلمات من قالهن عند ركوب البحر وأصابه عطب فعلي ديته ، قيل : وما هي ؟ قال ~~: اللهم يا من له السماوات خاشعة ، والأرضون السبع خاضعه ، والجبال الراسية ~~طائعة ، أنت خير حفظا وأنت أرحم الراحمين ، {وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالىا عما # 151 # يشركون} [الزمر : 67] صلى الله على محمد النبي المصطفى ، وعلى أهل بيته ، ~~وأزواجه وذريته ، وعلى جميع النبيين والمرسلين ، والملائكة المقربين ، ~~{وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم} [هود : 41]. ~~قال بعض الفضلاء : جربته فصح. ه. PageV03P207 # ثم قال تعالى في وصف الكفار عند إحاطة البحر بهم : {دعوا الله مخلصين له ~~الدين} من غير إشراك ؛ لتراجع الفطرة ، وزوال المعارض من شدة الخوف ، ~~قائلين : {لئن أنجيتنا من هذه} الشدة {لنكونن من الشاكرين} ، {فلما أنجاهم} ~~إجابة لدعائهم {إذ هم يبغون في الأرض} بالكفر والمعاصي ، {بغير الحق} أي : ~~سارعوا إلى ما كانوا عليه من البغي والفساد في الأرض بغير حق ، واحترز ~~بقوله : {بغير الحق} عن تخريب المسلمين ديار الكفرة ، وإحراق زروعهم ، وقلع ~~أشجارهم ، فإنها إفساد بحق. قاله البيضاوي : قلت : وفي كونه بغيا نظر ، ~~والأظهر أن قوله : {بغير الحق} تأكيد لا مفهوم له. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 150 # يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} فإن وباله عائد عليكم ، أو على ~~أبناء حنسكم ، وذلك {متاع الحياة الدنيا} تتمتعون به ساعة ، {ثم إلينا ~~مرجعكم} في القيامة {فننبئكم بما كنتم تعملون} بالجزاء عليه. # الإشارة : وإذا أذقنا الناس حلاوة المعرفة والعلم ، بعد ضرر الجهل ~~والغفلة ، إذا لهم مكر في آياتنا وهم الأولياء والمشايخ ، الذين فتح الله ~~بسببهم عليهم بالطعن عليهم والانتقال عنهم ، كما يفعله بعض المريدين ، أو ~~جل طلبة العلم ، بنسيان مشايخهم ونسيان العهد إليهم ، قل الله أسرع مكرا ~~بهم ، فيريهم أن الأمداد باقية ، تجري عليهم استدراجا ، ثم يحبس ذلك عنهم ~~فتيبس أشجار معانيهم ، وتظلم قلوبهم. PageV03P208 # ثم قال تعالى : {هو الذي يسيركم} إليه في بر الشريعة ، وبحر الحقيقة ، فيقع ~~السير بينهما ms1027 ، فإذا كانت الشريعة أقوى نقص له منها وزاد في حقيقته ، وإذا ~~قويت حقيقته نقص له منها إلى شريعته ، هكذا حتى تعتدلا ، فتكمل تربيته ، ~~فإذا ركبوا سفن الأفكار وساروا بأرواحهم في تيار البحار ، فخاضوا بأفكارهم ~~بحار التوحيد وأسرار التفريد ، وجرت أفكارهم في عالم الملكوت بريح طيبة ~~وهي ريح السلوك جاءتها ريح عاصف ، وهي الواردات الإلهية ، تأتي من حضرة ~~القهار ، لا تصادم شيئا إلا دمغته ، فإذا خافوا على نفوسهم صدمات الجذب او ~~المحو ؛ دعوا الله مخلصين له الدين ، فلما ردهم إلى السلوك اشتغلوا برياضة ~~نفوسهم بالمجاهدة والمكابدة ، فبغوا عليها كما بغت عليهم في أيام غفلتهم. ~~وبالله التوفيق. # 152 # جزء : 3 رقم الصفحة : 150 # يقول الحق جل جلاله : {إنما مثل الحياة الدنيا} في سرعة تقضيها ، وذهاب ~~نعيمها بعد إقبالها ، واغترار الناس بها ، {كماء أنزلناه من السماء فاختلط} ~~أي : اشتبك {به نبات الأرض} حتى اختلط بعضه ببعض ، {مما يأكل الناس ~~والأنعام} من الزرع والبقول والحشيش ، {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} أي : ~~زينتها وبهجتها بكمال نباتها ، {وازينت} أي : تزينت بأصناف النبات وأشكالها ~~وألوانها المختلفة ؛ كعروس أخذت من ألوان الثياب والحلي فتزينت بها. PageV03P209 # {وظن اهلها} أي : أهل الأرض {أنهم قادرون عليها} متمكنون من حصدها ورفع ~~غلتها ، {أتاها أمرنا} أي : بعض الجوائح ، كالريح والمطر ، {ليلا أو نهار ~~فجعلناها} أي : زرعها {حصيدا} : شبيها بما حصد من أصله ، {كأن لم تغن} : ~~كأن لم تقم {بالأمس} ، أو كأن يغن زرعها ، أي : لم ينبت. والمراد : تشبيه ~~الدنيا في سرعة انقضائها بنبات اخضر ثم صار هشيما ، {كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يتفكرون} ويتدبرون عواقب الأموار ، فيعلمون أن الدنيا سريعة الزوال ، وشيكة ~~التغير والانتقال ، فيزهدون فيها ويجعلونها مزرعة لدار السلام ، التي هي ~~دار البقاء. # وهي التي دعا إليها عبادة بقوله : {والله يدعو إلى الدار السلام} أي : ~~السلامة من الفناء وجميع الآفات ، أو دار الله الذي هو السلام. وتخصيص هذا ~~الاسم للتنبيه على ذلك ، أو دار يسلم الله والملائكة فيها على من يدخلها ، ~~وهي الجنة ، {ويهدي من يشاء} توفيقه {إلى صراط مستقيم} ، التي توصل إليها ms1028 ~~وإلى رضوانه فيها ، وهو الإسلام والتدرع بلباس التقوى ، وفي تعميم الدعوة ~~وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير الإرادة ، وأن المصر على ~~الضلالة لم يرد الله رشده. قاله البيضاوي. # الإشارة : ما ذكر الحق تعالى في هذا الآية هو مثال لمن صرف همته إلى ~~الدنيا ، وأتعب نفسه في جمعها ، فبنى وشيد وزخرف وغرس ، فلما أشرف على ~~التمتع بذلك اختطفته المنية ، فلا ما كان أمل أدرك ، ولا إلى ما فاته من ~~العمل الصالح رجع. # جزء : 3 رقم الصفحة : 153 # وفي بعض خطبه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " أما رأيتم المؤاخذين على ~~الغرة ، المزعجين بعد الطمأنينة ، الذين أقاموا على الشبهات ، وجنحوا إلى ~~الشهوات ، حتى أتتهم # 153 PageV03P210 ~~رسل ربهم ، فلا ما كانوا أملوا أدركوا ، ولا ما فاتهم رجعوا ، قدموا على ما ~~قدموا ، وندموا على ما خلفوا ، ولم ينفع الندم وقد جف القلم ". وقال أيضا ~~صلى الله عليه وسلم : " لا تخدعنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات عالية ، ~~فكأن قد كشف القناع ، وارتفع الارتياب ولاقى كل امرئ مستقره ، وعرف مثواه ~~ومنقلبه ". وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال : شهدت مجلسا من مجالس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أتاه رجل أبيض ، حسن الشعر واللون ، فقال : ~~السلام عليك يا رسول الله ، قال : " وعليك السلام ". قال : يا رسول الله ، ~~ما الدنيا ؟ فقال : " حلم النائم ، وأهلها مجازون ومعاقبون ". قال : يا ~~رسول الله ، فما الآخرة ؟ . قال : " الأبد ، فريق في الجنة ، وفريق في ~~السعير " قال : يا رسول الله ، فما الجنة ؟ قال " ترك الدنيا بنعيمها أبدا ~~" ثم قال : فما خير الأمة ؟ قال " الذي يعجل بطاعة الله " قال : فكيف يكون ~~الرجل فيها ؟ أي في الدنيا قال " متشمرا كطالب قافلة " قال : وكم القرار ~~بها ؟ قال " كقدر المتخلف عن القافلة " قال : فكم بين الدنيا والآخرة ؟ قال ~~" كغمضة عين ". ثم ذهب الرجل فلم ير ، فقال صلى الله عليه وسلم : " هذا ~~جبريل أتاكم يزهدكم في الدنيا ". وقال الورتجبي عند قوله : {والله يدعو إلى ~~دار السلام} : الله تعالى يدعو العباد من هذه الدار الفانية ms1029 إلى الدار ~~الباقية ، لئلا يفتتنوا بزخرفها وغرورها ، وليصلوا إلى جواره ، ونعيم ~~مشاهدته. ه. PageV03P211 # قال المحشي : قلت : وذلك أن أعلى اللذات التحقق بصفات الربوبية ، وهي ~~محبوبة للقلب والروح بالطبع ، لما فيه من المناسبة لها. ولذلك قال {قل ~~الروح من أمر ربي} [الإسراء : 85] ، ثم المناسب إنما هو بقاء لا فناء وعز ~~لا ذل فيه ، وغنى لا فقر فيه ، وكمال لا نقص فيه ، وأمن لا خوف فيه ، وهذا ~~كله من أوصاف الربوبية ، وحق كل عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له ، ولا ~~يكون ذلك في الدنيا لانصرافها وشوبها بآلام مكدرات ، وإنما ذلك في الآخرة ~~ولكن الشيطان بتلبيسه وحسده يدعو إلى ما لا يدوم من العاجلة ، متوسلا بما ~~في الطبع من العجلة ، والله يدعو إلى الملك الحقيقي ، وذلك بالزهد في ~~العاجل والراحة منه عاجلا ، ليكون ملكا في الدنيا ، وبالقرب من الله ~~والرغبة في التحقق به وبأوصافه ليكون ملكا في الآخرة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 153 # وفي الطيبي : قيل لابن أدهم : ما لنا ندعو فلا نجاب ؟ فقال : لأنه دعاهم ~~فلم تجيبوه ، ثم قرأ : {والله يدعو إلى دار السلام} {ويستجيب الذين آمنوا} ~~[الشورى : 26]. ه. # 154 # جزء : 3 رقم الصفحة : 153 PageV03P212 ~~يقول الحق جل جلاله : {للذين أحسنوا} فيما بينهم وبين ربهم بتوحيده وعبادته ~~، وفيما بينهم وبين عباده بكف أذاهم وحمل جفاهم ، لهم {الحسنى} أي : ~~المثوبة الحسنى ، وهي الجنة وزيادة ، وهي النظر إلى وجهه الكريم ، أو ~~الحسنى : ما يثيب به على العمل ، والزيادة : ما يزيد على ما يستحق العبد ~~تفضلا كقوله {ويزيدهم من فضله} [النساء : 173] ، أو الحسنى : مثل حسناتهم ، ~~والزيادة : التضعيف بعشر أمثالها إلى سبعمائة أو أكثر ، {ولا يرهق وجوههم : ~~} لا يغشاها {قتر} : غبرة فيها سواد تغبر الوجه {ولا ذلة} أي : هوان ، ~~والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار ، أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من خزي ~~وسوء حال ، {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} : دائمون ، لا زوال لهم ~~عنها ، ولا انقراض لنعيمها ، بخلاف الدنيا وزخرفها فقد تقدم مثالها. # الإشارة : للذين أحسنوا بالانقطاع إلى الله والزهد فيما ms1030 سواه الحسنى ، ~~وهي المعرفة ، وزيادة ، وهي الترقي في المقامات ، والعروج في سماء ~~المشاهدات ، والازدياد من الأسرار والمكاشفات ، وترادف المناجاة والمكالمات ~~ولا يغشى وجوههم قتر ولا ذلة ، بل وجوههم بنور البقاء مستبشرة ، وهم خالدون ~~في نعيم الفكرة والنظرة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 154 # 155 # قلت : (والذين) : مبتدأ على حذف مضاف ، أي : جزاء الذين كسبوا ، (وجزاء) ~~: خبر ، أو على تقدير " لهم " أو معطوف على (للذين أحسنوا) على مذهب من ~~يجوز : في الدار زيد والحجرة عمرو. أو (جزاء) : مبتدأ ، و(بمثلها) : خبر ، ~~والجملة حينئذ كبرى. ومن قرأ (قطعا) بفتح الطاء فجمع قطيع ، وهو مفعول ثان ~~، و(مظلما) : حال من الليل ، ومن قرأ (قطعا) بالسكون فمصدر ، و(مظلما) نعت ~~له ، أو حال منه أو من الليل. PageV03P213 # يقول الحق جل جلاله : {والذين كسبوا السيئات} كالكفر والشرك ، وما يتبعهما ~~من المعاصي ، جزاؤهم {سيئة بمثلها} لا يزاد عليها ، فلا تضاعف سيئاتهم ، ~~عدلا منه سبحانه ، {وترهقهم ذلة} أي : هوان عند حشرهم للنار ، {ما لهم من ~~الله من عاصم} يعصمهم من عذاب الله وغضبه ، {كأنما أغشيت وجوههم قطعا من ~~الليل مظلما} ، أي : يحشرون مسودة وجوههم ، كأنما أكسيت وجوههم قطعا كثيرة ~~من الليل المظلم ، أو قطعا مظلما من الليل {أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون}. # قال البيضاوي : هذا مما يحتج به الوعيدية يعني المعتزلة في تخليد ~~العصاة. والجواب : أن الآية في الكفار ؛ لاشتمال السيئات على الكفر والشرك ~~، ولأن الذين أحسنوا يتناول الكثير من أهل القبلة ، فلا يتناوله قسيمه. ه. # الإشارة : جزاء المعاصي البعد والهوان ، وتسويد وجوه القلوب والأبدان ، ~~كما أن جزاء الطاعة التقريب والإبرار ، وتنوير وجوه القلوب والأسرار ~~والإحسان ، وفي ذلك يقول ابن النحوي في منفرجته : # ومعاصي الله سماجتها # تزدان لذي الخلق السمج # ولطاعته وصباحتها # أنوار صباح منبلج # قيل لبعض الصالحين : ما بال المجتهدين من أحسن الناس خلقا ؟ قال : لأنهم ~~خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره. ه. نعم ، إن صحب المعصية توبة وانكسار ~~، وصحب الطاعة عز واستكبار ، انقلبت حقيقتهما ، فقد تقرب المعصية وتبعد ~~الطاعة. وفي الحكم : " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة ms1031 أورثت عزا ~~واستكبارا ، وقال أيضا : " وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". # جزء : 3 رقم الصفحة : 155 # قلت : (مكانكم) : مفعول ، أي : الزموا مكانكم ، و(أنتم) تأكيد للضمير ~~المنتقل إليه ، و(شركاؤكم) عطف عليه. PageV03P214 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم نحشرهم جميعا} يعني فريق الحسنى ، ~~وفريق النار ، {ثم نقول للذين أشركوا} الزموا {مكانكم} من الخزي والهوان ، ~~حتى تنظروا ما يفعل بكم ، {أنتم شركاؤكم} معكم ، تمثيل حينئذ معهم ، ~~{فزيلنا} : فرقنا {بينهم} وقطعنا الوصل التي كانت بينهم ، {وقال شركاؤهم} ، ~~ينطقها الله تعالى تكذيبا لهم فتقول : {ما كنتم إيانا تعبدون} ، وإنما ~~عبدتم في الحقيقة أهواؤكم ؛ لأنها الأمارة لكم بالإشراك. وقيل : المراد ~~بالشركاء : الملائكة والمسيح. # {فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم} ، فإنه العالم بحقيقة الحال ، {إن كنا} ~~أي : إنه الأمر والشأن كنا {عن عبادتكم لغافلين} ، لم نأمركم بها ولم ~~نرضها. قال ابن عطية : # 156 # وظاهرة هذه الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى ، ~~بدليل القول لهم : {مكانكم أنتم وشركاؤكم}. ودون فرعون ، ومن عبد من الجن ، ~~بدليل قوله : {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} ، وهؤلاء لم يغفلوا قط عن عبادة ~~من عبدهم. ه. # {هنالك تبلو} : في ذلك المقام تبلو {كل نفس ما أسلفت} أي : تختبر ما قدمت ~~من الأعمال خيرا أو شرا ؛ فتعاين نفعه وضرره ، وقرأ الأخوان : " تتلوا " من ~~التلاوة ، أي : تقرأه في صحائف أعمالها ، أو من التلو ، أي : تتبع عملها ~~فتقودها إلى الجنة أو النار. والمعنى : تفعل بها فعل المختبر لحالها المعرف ~~لسعادتها وشقاوتها ، فتعرف ما أسلفت من أعمالها ، {وردوا إلى النار} : إلى ~~جزائه إياها بما أسلفوا ، {مولاهم الحق} أي : متولي أمورهم على الحقيقة ، ~~لا ما اتخذوه مولى بافترائهم ، {وضل} أي : ضاع وغاب {عنهم ما كانوا يفترون} ~~من أن آلهتهم تشفع لهم ، أو كانوا يدعون أنها آلهة. PageV03P215 # الإشارة : من أحب شيئا كان عبدا له ، ومن عبد شيئا حشر معه. روي : أن ~~الدنيا تبعث على صورة عجوز شمطاء زرقاء ، تنادي : أين أولادي وأحبابي ؟ ثم ~~تذهب إلى جهنم فيذهبون معها. فمن عبد دنياه وهواه وقف موقف الهوان ms1032 ، ومن ~~أحب مولاه ولم يحب معه شيئا سواه ، وقف موقف العز والتقريب في مواطن ~~الإحسان. فهناك تفضح السرائر ، وتكشف الضمائر ، وتظهر مقامات الرجال ، ~~ويفتضح من أسر النقص وادعى الكمال فيرتفع المقربون إلى شهود مولاهم الحق ، ~~ويبقى المدعون مع حظوظهم في حجاب الحس والخلق. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 156 # يقول الحق جلاله : {قل} لهم : {من يرزقكم من السماء} بإنزال الأمطار ، ~~وإنبات الحبوب ، فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية ، أو من كل ~~واحد منهما ؛ توسعة عليكم ، أو من السماء لأهل التوكل ، {و} من {الأرض} ~~لأهل الأسباب. وقل لهم أيضا : {أمن يملك السمع والأبصار} أي : من يستطيع ~~خلقهما وتسويتهما ، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتهما ، وسرعة انفعالهما ~~من أدنى شيء ، أو من أمرهما بيده ، إن شاء ذهب بهما ؟ وقل لهم أيضا : {ومن} ~~يقدر أن {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} ، فيخرج الحيوان من ~~النطفة من الحيوان ؟ وهكذا. # 157 PageV03P216 ~~وقل لهم أيضا : {ومن يدبر الأمر} أي : ومن يلي تدبير العالم ، من عرشه إلى ~~فرشه ؟ وهو تعميم بعد تخصيص ، {فسيقولون الله} ، لا محيص لهم عن الإقرار ~~بسواه ؛ إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك ؛ لفرط وضوحه. {فقل أفلا ~~تتقون} عقاب الله وغضبه ؟ بسبب إشراككم معه ما لا يشاركه في شيء من ذلك ، ~~{فذلكم الله ربكم الحق} أي : المتولي لهذه الأمور هو ربكم ، الذي يستحق أن ~~تعبدوه ، الثابت ربوبيته ، لأنه هو الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم ~~، دون من تعبدوه ، الثابت ربوبيته ، لأنه هو الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ~~ودبر أموركم ، دون من تعبدونه من الأوثان. {فماذا بعد الحق إلا الضلال} أي ~~: ليس بعد الحق إلا الضلال ، فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله وقع في ~~الضلال. # قال ابن عطية : حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في ~~هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى وكذلك هو الأمر في نظائرها ، وهي ~~مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد ، لأن الكلام فيها إنما هو في ~~تقرير ms1033 وجود ذات كيف هي ، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال تعالى فيها : ~~{لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة : 48]. ه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 157 # فأنى تصرفون} عن الحق إلى الضلال. # {كذلك حقت كلمة ربك من الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} أي : كما حق الحق في ~~الاعتقادات ؛ {كذلك حقت} أي : وجبت وثبتت {كلمة ربك} في اللوح المحفوظ ~~{أنهم لا يؤمنون} ، وذلك في قوم مخوصين. قال البيضاوي : أي : كما حقت ~~الربوبية لله ، أو أن الحق بعده الضلال ، أو أنهم مصروفون عن الحق ، كذلك ~~حقت كلمة الله وحكمه ، {على الذين فسقوا} : تمردوا في كفرهم ، وخرجوا عن حد ~~الإصلاح {أنهم لا يؤمنون} ، وهو بدل من الكلمة ، أو تعليل لها ، والمراد ~~بها العدة بالعذاب. وقرأ نافع وابن عامر : " كلمات " بالجمع هنا ، وفي آخر ~~السورة ، وفي غافر. ه. PageV03P217 # الإشارة : قل من يرزقكم من سماء الأرواح علوم الأسرار والحقائق. ومن أرض ~~النفوس علوم الشرائع والطرائق ؟ أمن يملك السمع والابصار فيصرفهما إلى سماع ~~الوعظ والتذكار ، ونظر التفكر والاعتبار ؛ ليلتحق صاحبهما بالمقربين ~~والأبرار ، وقدم السمع لأنه أنفع لإيصال النفع إلى القلب من البصر. أم من ~~يخرج الحي من الميت ، فيخرج العارف من الجاهل ، والذاكر من الغافل ، أو ~~يخرج القلب الحي من الميت ؛ بحيث يحييه بالمعرفة بعد الجهل ؟ ومن يدبر ~~الأمر لخواص عباده ؟ أي : تدبيرا خاصا ، بحيث يقوم لهم بتدبير شؤونهم ، حيث ~~لم يدبروا معه. فمن لم يدبر دبر له ، فالفاعل لهذه الأمور هو الحق # 158 # المنفرد بالوجود ، فكل ما سواه باطل ، كما قال القائل : # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # قال صلى الله عليه وسلم : " أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل ~~شيء... " الخ. فكل من صرف عن شهود الحق إلى نظر السوى فهو في ضلال. قال ~~تعالى : {فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} ، لكن من حقت عليه كلمة ~~الشقاء لا يؤمن بأهل الفناء والبقاء ، فلا يزال في تعب وشقاء ؛ إذ لا طريق ~~إلى شهود الحق وإفراده بالوجود إلا بصحبة أهل ms1034 الفناء والبقاء ، الموصوفين ~~بالكرم والجود ، واعلم أن كل من لم يصل إلى مقام الشهود ، فهو ضال عندهم في ~~مذهبهم ، وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 157 # قلت : من قرأ (يهدي) بفتح الهاء ، فأصله : يهتدي ، نقلت حركة التاء إلى ~~الهاء ، وأدغمت في الدال. ومن قرأ بكسر الهاء فعلى التقاء الساكنين ، حين ~~سكنت التاء لتدغم. ومن كسر الياء فعلى الاتباع ، ومن قرأ بالاختلاس فإشارة ~~إلى عروض الحركة ، ومن قرأ : " يهدي " بالسكون ، فمعناه يهدي غيره. PageV03P218 # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {هل من شركائكم من يبدأ الخلق} بإظهاره ~~للوجود {ثم يعيده} بالبعث. فإن قلت كيف يحتج عليهم بالإعادة ، وهم لا ~~يعترفون بها ؟ فالجواب : أنها لظهور برهانها وتواتر أخبارها كأنها معلومة ~~عندهم ، فلو أنصفوا ونظروا لأقروا بها ، ولذلك أمر الرسول بأن ينوب عليهم ~~في الجواب ، فقال : {قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده} : لأن لجاجهم وجحودهم لا ~~يتركهم يعترفون بها ، ولذلك قال لهم : {فأنى تؤفكون} : تصرفون عن سواء ~~السبيل ، و{قل} لهم أيضا : {هل من شركائكم من يهدي إلى الحق} بنصب الدلائل ~~، وإرسال الرسل ، والتوفيق للنظر والتدبر ؟ {قل الله يهدي للحق}. قال ~~البيضاوي : وهدى كما يعدى بإلى ؛ لتضمنه معنى الانتهاء ، يعدى باللام ~~للدلالة على منتهى غاية الهداية. انظر تمامه. # {أفمن يهدي إلى الحق} وهو الحق {أحق أن يتبع أمن لا يهدي} إلى شيء ، فأولى # 159 # ألا يهدي غيره {إلا أن يهدى} ؟ أي : إلا أن يهديه غيره ، وهي معبوداتهم ، ~~كالملائكة والمسيح وعزير ، فلا يستطيعون أن يهدوا أنفسهم إلا أن يهديهم ~~الله. وحمل ابن عطية الآية على الأصنام ، وقال : معنى قوله : {أمن لا يهدي ~~إلا أن يهدى} هي عبارة عن أنها لا تنتقل إلا أن تنقل. قال : ويحتمل أن يكون ~~ما ذكره الله من تسبيح الجمادات ؛ هو اهتداؤه. ويحتمل أن يكون الاستثناء في ~~اهتدائها إشارة إلى مناكرة الكفار يوم القيامة حسبما مضى في هذه السورة. ه. ~~{فما لكم كيف تحكمون} أي : أي شيء حصل لعقولكم ، فكيف تحكمون بشيء يقتضي ~~العقل بطلانه بأدنى تفكر ؟ . # الإشارة : في الآية تحريض على ms1035 رفع عن السوى ، إلى من بيده البدء والإعادة ~~، والإرشاد والهداية ، إلا من جعل على يديه الإرشاد والهداية ، وهم ~~الأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء ، فالخضوع إليهم خضوع إلى الله على ~~الحقيقة ، واتباعهم اتباع لله على الحقيقة ، وكل من تبع غيرهم فإنما يتبع ~~الظن والهوى دون الحق. PageV03P219 # جزء : 3 رقم الصفحة : 159 # يقول الحق جل جلاله : {وما يتبع} أكثر المشركين في اعتقادهم {إلا ظنا} ~~مستندا إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة ، كقياس الغائب على الشاهد ، والخالق ~~على المخلوق ، بأدنى مشاركة موهوبة. والمراد بالأكثر الجميع ، أو من ينتسب ~~منهم إلى تمييز ونظر ، ولم يرضى بالتقليد الصرف ، {إن الظن لا يغنى من ~~الحق} ؛ من علم التحقيق {شيئا} ، أو {من} الاعتقاد {الحق شيئا} من الإغناء. ~~قال البيضاوي : وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب ، وأن ~~الاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز. ه. وعدم الاكتفاء بالظن إنما هو في ~~الأصول ، وأما الفروع فالظن فيها كاف. {إن الله عليم بما يفعلون} هذا وعيد ~~لهم على اتباعهم الظن ، وإعراضهم عن النظر والاستدلال ، وعلى عدم اتباعهم ~~من يدلهم على الحق. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الناس على قسمين : أهل تصديق وإيمان ، وأهل شهود وعيان. فأهل ~~التصديق والإيمان هم عامة أهل اليمين ، وهم أكثر المسلمين من العلماء ~~الصالحين ، يستندون في معرفتهم بالله إلى الدليل والبرهان ، فتارة يقوى ~~عندهم الدليل فيترقون عن اتباع الظن إلى الجزم والتصميم ، وتارة يضعف ~~فيرجعون إلى اتباع الظن الراجح. # وأما أهل الشهود والعيان ، فقد غابت عنهم الأكوان في شهود المكون ، ~~فصاروا يستدلون بالله على وجوه غيره ، فلا يجدونه ، حتى قال بعضهم : لو ~~كلفت أن أرى غيره # 160 # لم أستطع فإنه لا غير معه حتى اشهده ، محال أن تشهده وتشهد معه سواه. ~~وقال شاعرهم : # مذ عرفت الإله لم أر غيرا # وكذا الغير عندنا ممنوع # مذ تجمعت ما خشيت افتراقا # فأنا اليوم واصل مجموع # وقال آخر : # عجبت لمن ينبغي عليك شهادة # وأنت الذي أشهدته كل شاهد PageV03P220 ~~وقال في الحكم : " شتان بين من يستدل به أو يستدل عليه ، المستدل به عرف ms1036 ~~الحق لأهله ، فأثبت الأمر من وجود أصله ، والاستدلال عليه من عدم الوصول ~~إليه ، وإلا... فمتى غاب حتى يستدل عليه ، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي ~~التي توصل إليه! ". # ولا مطمع لأحد في التطهير من الظنون والأوهام إلا بصحبة شيخ كامل عارف ~~بالله ، فيلقي إليه نفسه ، فلا يزال يسير به ، حتى يقول له : ها أنت وربك ، ~~فحينئذ ترتفع عنه الشكوك والظنون والأوهام ، ويبلغ في مشاهدة الحق إلى عين ~~اليقين وحق اليقين. وأما قول الجنيد رضي الله عنه : (أدركت سبعين صديقا ، ~~كلهم يعبدون الله على الظن والوهم ، حتى الشيخ أبا يزيد ، ولو أدرك صبيا من ~~صبياننا لأسلم على يديه). فقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : ~~معنى كلامه : أنهم ظنوا وتوهموا أنهم بلغوا إلى مقام النهاية ، بحيث لا ~~مقام فوق ذلك ، ولو أدرك أحدهم صبيا لنبههم على أن ما فاتهم أكثر مما ~~أدركوا ولانقادوا له. ه. بالمعنى. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 160 # قلت : " تصديق " : مصدر ، والعامل فيه " كان " محذوفة ، أو " أنزل " ، و" ~~لا ريب " : خبر ثالث لها ، و" من رب العالمين " : خبر آخر ، أي : كائنا من ~~رب العالمين ، أو متعلق بتصديق أو بتفصيل ، و" لا ريب " : اعتراض ، أو ~~بالفعل المعلل بهما وهو " نزل " ويجوز أن يكون حالا من " الكتاب " ، أو ~~من الضمير في " فيه " ، : و" أم " : منقطعة بمعنى بل مع الاستفهام الإنكاري ~~، و" كيف " خبر كان. # 161 PageV03P221 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} أي : صح ~~له أن يفترى من الخلق ، إذ لا قدرة له على ذلك ، {ولكن} كان {تصديق الذي ~~بين يديه} من الكتب ، أو : ولكن أنزله تصديقا لما سلف قبله من الكتب ~~الإلهية ، المشهود على صدقها ؛ لأنه مطابق لها ، فلا يكون كذبا ، كيف وهو ~~لكونه معجزا عيار عليها ، شاهد على صحتها ؟ {وتفصيل الكتاب} أي : وأنزله ~~تفصيل ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع ، التي تضمنها الكتاب ، {لا ريب ~~فيه} : لا ينبغي أن يرتاب فيه ؛ لما احتفت به من شواهد الحق ، وارتياب ms1037 ~~الكفار فيه كلا ريب. كائنا {من رب العالمين} ، أول نزل منه. # {أم} : بل {يقولون افتراه} محمد من عند نفسه ؟ {قل فأتوا} أنتم {بسورة ~~مثله} في البلاغة وحسن النظم ، وجودة المعنى ، فإنكم مثلي في العربية ~~والفصاحة ، {وادعوا من استطعتم} : من قدرتم عليه من الجن والإنس ، يعينكم ~~على ذلك ، {من دون الله} فإنه وحده قادر على ذلك ، {إن كنتم صادقين} أنه مفترى. # {بل كذبوا} أي : سارعوا إلى التكذيب {بما لم يحيطوا بعلمه} وهو القرآن ، ~~بحيث لم يستمعوه ، ولم يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه ، حتى يعلموا ~~أحق هو أم لا ، أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علما ، من ذكر البعث والجزاء ، ~~وسائر ما يخالف دينهم ، {ولما يأتهم تأويله} أي : ولم يقفوا بعد على تأويله ~~، ولم تبلغ أذهانهم معانيه ، أو لم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار ~~بالغيوب ، حتى يتبين لهم أنه صدق أو كذب ، والمعنى : أن القرآن معجز من جهة ~~اللفظ والمعنى ، ثم إنهم فاجؤوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ، ويتصفحوا معناه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 161 PageV03P222 ~~ومعنى التوقع في {لما} : أنه قد ظهر بالآخرة إعجازه ؛ لما كرر عليهم التحدي ~~؛ فزادوا أذهانهم في معارضته ؛ فتضاءلت دونها ، أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر ~~به طبق ما أخبر مرارا فلم يقلعوا عن التكذيب تمردا وعنادا. قاله البيضاوي. ~~قال ابن جزي : لما يأتهم ما فيه من الوعيد لهم ، أي : وسيأتيهم يوم القيامة ~~أو قبله. {كذلك كذب الذين من قبلهم} أنبياءهم ، {فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين} ، فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم. # {ومنهم} من المكذبين {من يؤمن به} أي : يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ~~ولكن يعاند ، أو من يؤمن به ويتوب عن كفره ، {ومنهم من لا يؤمن به} في نفسه ~~لفرط غباوته وقلة تدبره ، أو لا يؤمن فيما يستقبل فيموت على كفره ، {وربك ~~أعلم بالمفسدين} : بالمعاندين أو المصرين. # الإشارة : إذا تطهرت القلوب من الأغيار ، وتصفت من الأكدار ، أوحى إليها ~~بدقائق العلوم والأسرار ، وما كان لتلك العلوم أن تفترى من دون الله ms1038 ؛ ولكن ~~تكون تصديقا لما # 162 # قبلها من علوم القوم وأسرارها ، التي يهبها الله لأوليائه ، وفيها تفصيل ~~طريق السير ، وما أوجبه الله على المريدين من الآداب ، وشروط المعاملة ، ~~فمن طعن في ذلك فليأت بشيء من ذلك من عند نفسه ، ويستعن على ذلك بأبناء ~~جنسه ، بل كذب بما لم يحط به علمه ، ولم يبلغه عقله وفهمه ، فإن كشفت عند ~~الله الحقائق ظهر تأويل ما ينطق به أهل الحقائق ، ومن الناس من يؤمن بهذه ~~الأسرار ، ومنهم من لا يؤمن بها ويطعن على أهلها ، حتى ربما رموهم بالزندقة ~~لأجلها ، وربك أعلم بالمفسدين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 161 PageV03P223 ~~قلت : " من " الموصولة لفظها مفرد ، معناها واقع على الجمع أو غيره ، فإن ~~عاد الضمير عليها جاز فيه مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ ، فقوله : {ومنهم من ~~يستمعون} راعى جانب المعنى ، وقوله : {ومنهم من ينتظر} راعى جانب اللفظ ، ~~فإن راعى أولا اللفظ جاز أن يرجع إلى مراعاة المعنى ، كقوله : {ومنهم من ~~يستمع إليك حتىا إذا خرجوا} [محمد : 16] وأما إن راعى أولا المعنى فلا يرجع ~~إلى مراعاة اللفظ ، لأن مراعاة المعنى أقوى. أنظر الإتقان. # يقول الحق جل جلاله : {وإن كذبوك} ؛ كذبك قومك بعد إلزام الحجة لهم {فقل} ~~لهم : {لي عملي ولكم عملكم} أي : فتبرأ منهم وقل لهم : لي جزاء عملي ، ولكم ~~جزاء عملكم ، حقا كان أو باطلا ، {أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون} ، لا تؤاخذهم بعملي ، ولا أؤاخذ بعملكم ، ولأجل ما فيه من إيهام ~~الإعراض عنهم وتخلية سبيلهم قيل : إنه منسوخ بآية السيف. # {ومنهم من يستمعون إليك} إذا قرأت القرآن ، أو علمت الشرائع ، ولكن لا ~~يقبلون ، كالأصم الذي لا يسمع أصلا ، {أفأنت تسمع الصم} تقدر على إسماعهم ~~{ولو كانوا لا يعقلون} أي : ولو انضم إلى مصممهم فقد عقولهم ، فهو احرى في ~~عدم الاستماع. # قال البيضاوي : وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام هو فهم المعنى ~~المقصود منه ، ولذلك لا توصف به أي : بالاستماع البهائم ، وهو لا يتأتى ~~إلا باستعمال العقل وتدبره. وعقولهم لما كانت مؤوفة أي : قاصرة بمعارضة ~~الوهم ms1039 ومشايعة الإلف والتقليد بعدت أفهامهم عن فهم الحكم والمعاني الدقيقة ~~، فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما # 163 # ينتفع به البهائم من كلام الناعق. ه. PageV03P224 # {ومنهم من ينظر إليك} أي : يعاينون دلائل نبوتك ، ولكن لا يصدقون ، كأنهم ~~عمي عنها ، {أفأنت تهدي العمي} : تقدر على هدايتهم {ولو كانوا لا يبصرون} ~~أي : وإن انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة ، فإن المقصود من الإبصار هو ~~الاعتبار والاستبصار ، والعمدة في ذلك البصيرة ، فإذا فقدت فلا اعتبار ولا ~~استبصار ، ولذلك يحدس الأعمى المتبصر ، ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق. ~~والآية كالتعليل للأمر بالتبري. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 163 # إن الله لا يظلم الناس شيئا} بسلب حواسهم وعقولهم ، {ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون} بإفسادهم وإهمالها ، وتفويت منافعها عليهم. وفيه دليل على أن للعبد ~~كسبا ، وأنه ليس مسلوب الاختيار بالكلية ، كما زعمت الجبرية ، ويجوز ان ~~يكون وعيدا لهم ، بمعنى : أن ما يحيق يوم القيامة من العذاب عدل من الله ، ~~لا يظلمهم به ، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه. قاله البيضاوي. # الإشارة : إذا رأى أهل الوعظ والتذكير قوما غرقوا في بحر الهوى ، وأخذتهم ~~شبكة الدنيا واستتحوذت عليهم الغفلة ، فذكروهم وبذلوا جهدهم في نصحهم ، فلم ~~يقلعوا ، فليتبرؤوا منهم ، وليقولوا : نحن براء مما تعملون ، وأنتم بريئون ~~مما نعمل. ومنهم من يستمع إلى وعظك أيها الواعظ ، ولكن لا يتعظ ، أفأنت ~~تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من يشاهد كرامتك وخصوصيتك ولكن لا ~~يهتدي ، فأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ؟ {إن الله لا يظلم الناس ~~شيئا} ، بل في كل زمان يبعث من يذكر ويداوي أمراض القلوب ، {ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون} ، حيث حادوا عنهم ، وأساؤوا الظن بهم ، وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 163 PageV03P225 ~~قلت : {كأن لم يلبثوا} : حال ، أي : نحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة. ~~أو صفة ليوم ، والعائد محذوف ، أي : كأن لم يلبثوا قبله ، أو لمصدر محذوف ، ~~أي : حشرا كأن لم يلبثوا قبله. وجملة : {يتعارفون} : حال أخرى مقدرة ، أو ~~بيان لقوله : {كأن لم يلبثوا} ، أو لتعلق الظرف ، والتقدير : يتعارفون يوم ms1040 ~~نحشرهم : " وإما " : شرط ، و{نرينك} فعله ، {أو نتوفينك} : عطف عليه. ~~{فإلينا} جواب {نتوفينك} ، وجواب الأول # 164 # محذوف ، أي : إن أريتك بعض عذابهم في الدنيا فذاك ، وإن توفيناك قبل ذلك ~~فإلينا مرجعهم. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم نحشرهم} ونجمعهم للحساب ، فتقصر ~~عندهم مدة لبثهم في الدنيا وفي البرزخ ، {كأن لم يلبثوا إلا ساعة من ~~النهار} يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا ، أو في القبور ؛ لهول ما يرون ، حال ~~كونهم {يتعارفون بينهم} أي : يعرف بعضهم بعضا ، كأن لم يتفارقوا إلا قليلا ~~، وهذا في أول حشرهم ، ثم ينقطع التعارف ؛ لشدة الأمر عليهم لقوله {ولا ~~يسأل حميم حميما يبصرونهم} [المعارج : 10] # {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} خسرانا لا ربح بعده {وما كانوا مهتدين} ~~إلى طريق الربح أصلا ، أو إلى طريق توصلهم إلى معرفة الله ورضوانه ، لترك ~~استعمال ما منحوه من العقل فيما يوصل إلى الإيمان بالله ورسله ، فاستكسبوا ~~جهالات أدت بهم إلى الردى والعذاب الدائم. # {وإما نرينك} أي : مهما نبصرنك {بعض الذي نعدهم} من العذاب في حياتك ، ~~كما أراه يوم بدر. {أو نتوفينك} قبل أن نريك {فإلينا مرجعهم} فنريكه في ~~الآخرة ، {ثم الله شهيد على ما يفعلون} ، فيجازيهم عليه حينئذ ، فالترتيب ~~إخباري. # وقال البيضاوي ، تبعا للزمخشري : ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها ، ~~وهو العقاب ، ولذلك رتبها على الرجوع بثم ، أو مؤد شهادته على أفعالهم يوم ~~القيامة. ه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 164 PageV03P226 ~~ولكل أمة} من الأمم الماضية {رسول} يبعثه إليهم ، يدعوهم إلى الحق ، {فإذا ~~جاء رسولهم} بالمعجزات " فكذبوه " {قضي بينهم بالقسط} : بالعدل ، فأنجى ~~الرسول ومن تبعه ، وأهلك المكذبين {وهم لا يظلمون} ، حيث أعذر إليهم على ~~ألسنة الرسل. وقيل معناه : لكل أمة يوم القيامة رسول تنسب إليه. كقوله : ~~{يوم ندعوا كل أناس بإمامهم} [الإسراء : 71] فإذا جاء رسلهم الموقف ليشهد ~~عليهم بالكفر أو الإيمان {قضي بينهم} بإنجاء المؤمنين وعقاب الكافرين ، ~~كقوله {وجيء بالنبيين والشهدآء وقضي بينهم} [الزمر : 69]. # {ويقولون متى هذا الوعد} الذي تعدنا ، استبعادا له واستهزاء به ، {إن ~~كنتم صادقين} فيه ، وهو خطاب منهم للنبي صلى الله ms1041 عليه وسلم. # الإشارة : أهل الغفلة إذا بعثوا أو ماتوا ندموا على ما فوتوا ، وقصر بين ~~أعينهم ما عاشوا في البطالة والغفلة ، كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من ~~نهار. فالبدار البدار أيها الغافل إلى التوبة واليقظة ، قبل أن تسقط إلى ~~جنبك فتنفرد رهينا بذنبك. # 165 # فأما أهل اليقظة وهم العارفون بالله فقد حصل لهم اللقاء ، قبل يوم ~~اللقاء ، قد خسر الوصول من كذب بأهل الوصول ، وما كان أبدا ليهتدي إلى ~~الوصول إلا بصحبة أهل الوصول. وإما نرينك أيها العارف بعض الذي نعدهم من ~~الوصول لمن تعلق بك ، أو نتوفينك قبل ذلك ، فإلينا مرجعهم فنوصلهم بعدك ~~بواسطة أو بغيرها. ولكل أمة رسول يبعثه الله يذكر الناس ويدعوهم إلى الله ، ~~فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط ، فيوصل من تبعه ويبعد من انتكبه. والله ~~تعالى أعلم بأسرار كتابه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 164 PageV03P227 ~~قلت : قدم في الأعراف النفع ، وهنا الضر ؛ لأن السؤال في الأعراف عن مطلق ~~الساعة المشتملة على النفع والضر ، وهنا السؤال عن العقاب الذي وعدهم به ، ~~بدليل قوله : {قل أرأيتم أتاكم عذابه}. وقوله : {إلا ما شاء الله} منقطع ، ~~ويصح الاتصال ، وقوله : {ماذا يستعجل منه المجرمون} وضع المظهر موضع المضمر ~~، أي : ماذا تستعجلون منه ؟ .. والجملة الاستفهامية جواب الشرط ، كما يقال ~~: إن أتيتك ماذا تعطيني ؟ ، أو محذوف ، أي : إن أتاكم ألكم منه منعة أو به ~~طاقة فماذا تستعجلون منه ؟ # وقال الواحدي : الاستفهام للتهويل والتفظيع ، أي : ما أعظم ما تستعجلون ~~منه ، كما تقول : أعلمت ماذا تجني على نفسك ؟ . {أثم إذا ما وقع} ، دخلت ~~همزة التقرير على " ثم " العاطفة ، أي : إن استعجلتم ثم وقع بكم العذاب ~~آمنتم به حين لا ينفعكم. # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا} ، فكيف ~~أملك لكم ما تستعجلون من طلب العذاب ؟ {إلا ما شاء الله} : لكن ما شاء الله ~~من ذلك يكون ، أو : لا أملك إلا ما ملكني ربي بمشيئته وقدرته ، {لكل أمة ~~أجل} مضروب إلى هلاكهم ، {إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون} عنه {ساعة} ms1042 ، {ولا} ~~هم {يستقدمون} عنه فلا تستعجلوا ، فسيحين وقتكم وينجز وعدكم ، {قل أرأيتم ~~إن أتاكم عذابه} الذي تستعجلون {بياتا} أي : وقت بيات واشتغال بالنوم ، {أو ~~نهارا} حين يشتغلون بطلب معاشكم ، {ماذا يستعجل منه المجرمون} ؟ أي : شيء ~~من العذاب يستعجلونه وكله مكروه # 166 # لا يلائم الاستعجال ؟ وهو متعلق بأرأيتم ، لأنه في معنى أخبروني ، و" ~~المجرمون " ، وضع موضع المضمر ؛ للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا ~~من مجيء العذاب ، لا أن يستعجلوه. قاله البيضاوي. PageV03P228 # {أثم إذا ما وقع آمنتم به} أي : أثم تؤمنون إذا وقع العذاب وعاينتموه ، حين ~~لا ينفعكم إيمانكم ، {الآن} أي : فيقال لكم الآن آمنتم حين فات وقته ، {وقد ~~كنتم به تستعجلون} تكذيبا واستهزاء ، {ثم قيل للذين ظلموا} بعد هلاكهم : ~~{ذوقوا عذاب الخلد} أي : العذاب المؤلم الذي تخلدون فيه ، {هل تجزون إلا ما ~~كنتم تكسبون} من الكفر والمعاصي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 166 # الإشارة : لا يشترط في الولي أن يكاشف بالأمور المغيبة حتى يحترز من ~~المكاره أو يجلب المنافع ، إذ لم يكن ذلك للنبي ، فكيف يكون للولي ؟ بل هو ~~معرض للمقادير الجارية على الناس ، يجري عليه ما يجري عليهم ، نعم.. باطنه ~~محفوظ من السخط أو القنط ، يتلقى كل ما يلقى إليه بالرضا والتسليم. فمن شرط ~~ذلك فيه فهو محروم من بركة أولياء زمانه. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 166 # قلت : (أحق) : مبتدأ ، والضمير فاعله سد مسد الخبر ، و(إي) : حرف جواب ، ~~بمعنى نعم ، وهو من لوازم القسم ، لذلك يوصل بواوه ، فيقال : إي والله ، ~~ولا يقال " إي " وحده. # يقول الحق جل جلاله : {ويستنبئونك} أي : يستخبرونك {أحق هو} أي : ما تقول ~~من الوعد أو ادعاء النبوة ، قيل : قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة. {قل} لهم ~~: {إي وربي إنه لحق} أي : العذاب الموعود لحق ، أو ما ادعيته من النبوة ~~لثابت ، والأول أرجح لقوله : {وما أنتم بمعجزين} : بفائتين العذاب الموعد. # {ولو أن لكل نفس ظلمت} بالشرك أو التعدي على الغير {ما في الأرض} من ~~خزائنها وأموالها {لافتدت به} : لجعلته فدية لها من العذاب ms1043 ، {وأسروا ~~الندامة} أي : أخفى رؤساء هؤلاء الكفار الندامة خوف الشماتة والتعيير من ~~سفلتهم ، {لما رأوا العذاب} ، أو جميعهم ، لأنهم بهتوا بما عاينوا ، مما لم ~~يحتسبوا من فظاعة الأمر وهوله ، فلم يقدروا أن ينطقوا ، وقيل : أظهروها ، ~~من قولهم : أسر الشيء : أظهره ، ومنه : أسارير PageV03P229 ~~167 # الوجه ، {وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} ، ليس تكرارا ؛ لأن الأول ~~قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم ، والثاني في جزاء المشركين على شركهم. قاله ~~البيضاوي. # الإشارة : كثير من الناس من يستخبر عن شيخ التربية ، أحق وجوده أم لا ؟ ~~إي وربي إنه لحق ، ولا يخلو منه زمان ، إذ القطب والعدد الذي يقوم الوجود ~~بهم لا ينقطع ، والقطبانية لا تدرك من غير تربية أصلا ، وما أنتم بفائتين ~~عنه إن طلبتموه بصدق الاضطرار. ولو أن لكم نفس ظلمت نفسها حيث بقيت بعيبها ~~وغم حجابها حتى لقيت مولاها ما في الأرض جميعا لافتدت به من البعد وغم ~~الحجاب ، وفوات القرب من الأحباب ، وقد قضى بين الخلائق بالحق ، فارتفع ~~المقربون الذين لقوا الله بقلب سليم ، وانحط الغافلون ، الذين لقوا الله ~~بقلب سقيم ، وندموا على ترك صحبة من يخلصهم من عيبهم ، فإن كانت لهم رئاسة ~~علم أو صلاح أضمروا ذلك عمن قلدهم ، {ولا يظلم ربك أحدا}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 167 # 168 # يقول الحق جل جلاله : {ألا إن لله ما في السموات والأرض} خلقا وملكا ~~وعبيدا ، يتصرف فيهم تصرف المالك في ملكه ، فلا يتطرقه ظلم ولا جور. ويحتمل ~~أن يكون تقريرا لقدرته على الإثابة والعقاب ، {ألا إن وعد الله حق} أي : ما ~~وعد به من الثواب والعقاب ، لا خلف فيه ، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} لقصور ~~عقولهم ، فلا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ، {هو يحيي ويميت} يحيي من ~~يريد إظهاره للدنيا ، ويميت من يريد نقله للآخرة ، {وإليه ترجعون} بالموت ~~والنشور ؛ لأن من قدر على الإيجاد والإعدام في الدنيا قدرعليها في العقبى ؛ ~~لأن القادر لذاته لا تزول قدرته ، والمادة القابلة بالذات للحياة والموت ~~قابلة لهما أبدا ه. من البيضاوي. PageV03P230 # الإشارة : ما وعد به الحق سبحانه القاصدين ms1044 إليه من الوصول والمعرفة به حق ، ~~إن وفوا بشرطه ، وهو صحبة من يوصل إليه ، مع الصدق والتعظيم ، وإخلاص القصد ~~، هو يحيي قلوبا بمعرفته ، ويميت قلوبا بالغفلة والجهل به ، وإليه ترجعون ، ~~فيظهر العارف من الجاهل والذاكر من الغافل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 168 # قلت : (بفضل الله) يتعلق بمحذوف ، يفسره ما بعده ، أي : ليفرحوا بفضل ~~الله ، أو بقوله : " فليفرحوا ". وكرر قوله : (فبذلك) تأكيدا والفاء بمعنى ~~الشرط ، كأنه قال : إن فرحوا بشيء فبهما فليفرحوا. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم} يعنى ~~القرآن العظيم ، {وشفاء لما في الصدور} من الشك والجهل ، {وهدى ورحمة ~~للمؤمنين} هداية في بواطنهم بأنوار التحقيق ، ورحمة في ظواهرهم بآداب ~~التشريع. # قال البيضاوي : قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية ، الكاشف عن محاسن ~~الأعمال وقبائحها ، والراغبة في المحاسن ، والزاجرة عن القبائح ، والحكمة ~~النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد ، وهدى إلى ~~الحق واليقين ، ورحمة للمؤمنين ؛ حيث أنزلت عليهم فنجوا من ظلمات الضلال ~~بنور الإيمان ، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان. ~~والتنكير فيها للتعظيم. ه. # {قل بفضل الله وبرحمته} أي : بمطلق الفضل والرحمة ، {فبذلك فليفرحوا} لا ~~بغيره ، أو الفضل : الإسلام ، والرحمة : القرآن. وقرأ يعقوب بتاء الخطاب ، ~~وروي مرفوعا ، ويؤيده قراءة من قرأ : " فافرحوا " ، {هو خير مما يجمعون} من ~~حطام الدنيا ، فإنها إلى الزوال ، وقرأ ابن عامر : " تجمعون " بالخطاب ، ~~على معنى : فبذلك فليفرح المؤمنون ، فهو خير مما تجمعون أيها المخاطبون. PageV03P231 # الإشارة : قد جعل الله في خواص أوليائه موعظة للناس بما يسمعون منهم من ~~التذكير والإرشاد وشفاء لما في الصدور ، لما يسري منهم إلى القلوب من ~~الإمداد ، وما يكتسبه من صحبهم من أنوار التحقيق ، وهدى إلى صريح العرفان ~~وإشراق أنوار الإحسان ، ورحمة بسكون القلوب والطمأنينة بذكر علام الغيوب ، ~~قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، ففضل الله : أنوار الإسلام والإيمان ~~، ورحمته : أنوار الإحسان ، أو فضل الله : أحكام الشريعة ، ورحمته : ~~الطريقة والحقيقة ، أو فضل الله : حلاوة المعاملة ، ورحمته : حلاوة ~~المشاهدة ، أو فضل الله : استقامة ms1045 الظواهر ، ورحمته : استقامة البواطن ، أو ~~فضل الله : محبته ، ورحمته : معرفته. إلى غير ذلك مما لا ينحصر ، ولم يقل : ~~فبذلك فلتفرح يا محمد ؛ لأن فرحه صلى الله عليه وسلم بالله ، لا بشيء دونه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 168 # قلت : (ما أنزل) : نصب بأنزل أو بأرأيتم ؛ لأنه بمعنى اخبروني. # يقول الحق جل جلاله : {قل أرأيتم} : أخبروني {ما أنزل الله لكم من رزق} ~~بقدرته ، وإن سترها بالأسباب العادية ، وقوله : {لكم} دل على أن المراد منه ~~: ما حل ، ولذلك وبخ على التبعيض بقوله : {فجعلتم منه حراما وحلالا} ~~كالبحائر وأخواتها ، {وقالوا ما في بطون هاذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم ~~علىا أزواجنا} [الأنعام : 139]. # {قل} لهم : {آلله أذن لكم} في التحريم والتحليل ، فتقولون ذلك عنه ، {أم ~~على الله تفترون} في نسبة ذلك إليه ؟ . {وما ظن الذين يفترون على الله ~~الكذب يوم القيامة} ، أي شيء ظنهم يفعل بهم ، أيحسبون أنه لا يجازيهم عليه ~~؟ وفيه تهديد عظيم لهم ، {إن الله لذو فضل على الناس} ، حيث أنعم عليهم ~~بالعقل ، وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وشرع لهم الأحكام ، {ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون} هذه النعمة. PageV03P232 # قال ابن عطية : ثنى بإيجاب الفضل على الناس في الإمهال لهم مع الافتراء ~~والعصيان ، والإمهال داعية إلى التوبة والإنابة ، ثم استدرك من لا يرى حق ~~الإمهال ولا يشكره ، ولا يبادر فيه على جهه الذم لهم ، والآية بعد هذا تعم ~~جميع فضل الله ، وجميع تقصير الخلق في شكره ، لا رب غيره. ه. # الإشارة : الوقوف مع حدود الشريعة ، والتمسك بالسنة النبوية قولا وفعلا ، ~~وأخذا وتركا ، والاهتداء بأنوار الطريقة تخلية وتجلية ، هو السير إلى أسرار ~~الحقيقة ، فمن تخطى شيئا من ذلك فقد حاد عن طريق السير. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 169 # قلت : الضمير في {منه} يعود على القرآن ، وإن لم يتقدم ذكره ؛ لدلالة ما ~~بعده عليه ، كأنه قال : وما تتلو شيئا من القرآن ، وقيل : يعود على الشأن ، ~~والأول أرجح ؛ لأن الإضمار قبل الذكر تفخيم للشيء. قاله ابن جزي. قلت : ~~والأحسن أن يعود على الله تعالى ؛ لتقدم ذكره قبل ms1046 ، ومن قرأ : {ولا أصغر} ، ~~{ولا أكبر} بالفتح فعطف على {مثقال} ممنوع من الصرف ، أو مبني مع " لا " ، ~~ومن قرأ بالرفع فعطف على موضعه ، أو مبتدأ ، و{إلا في كتاب} : خبر. # 170 PageV03P233 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما تكون في شأن} أي : أمر من الأمور ، والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد هو وجميع الخلق ، ولذلك قال في آخرها. ~~{ولا تعملون من عمل} ، ومعنى الآية : إحاطة علم الله تعالى بكل شيء ، {وما ~~تتلو منه من قرآن} أي : وما تتلو شيئا من القرآن ، أو وما تتلو من الله من ~~قرآن ، أي : تأخذه عنه. {ولا تعملون من عمل} أي عمل كان ، وهو تعميم للخطاب ~~بعد تخصيصه بمن هو رأسهم ، ولذلك ذكر الحق تعالى ، حيث خص بالذكر ما فيه ~~فخامة وتعظيم ، وذكر حيث عمم ما يتناول الجليل والحقير ، أي : لا تعلمون ~~شيئا {إلا كنا عليكم شهودا} : رقباء مطلعين عليه ظاهرا وباطنا ، {إذ تفيضون ~~فيه} : حين تخوضون فيه وتندفعون إليه ، يقال : أفاض الرجل في الأمر : إذا ~~أخذ فيه بجد واندفع إليه ، ومنه {فإذآ أفضتم من عرفات} [البقرة : 198] ، ~~{وما يعزب عن ربك} أي : ما يغيب عنه {مثقال ذرة} : ما يوازن نملة ، {في ~~الأرض ولا في السماء} والمراد : لا يغيب عنه شيء في الوجود بأسره ، وخصهما ~~لأن العامة لا تعرف غيرهما. قال في الكشاف : فإن قلت : لم قدم هنا الأرض ~~بخلاف سورة سبأ ؟ فالجواب : أن السماء قدمت في سبأ لأن حقها التقديم ، ~~وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادة على أهل الأرض. ه. {ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين} أي : اللوح المحفوظ ، أو علمه تعالى المحيط ، ~~المبين للأشياء على ما هي عليه. # الإشارة : هذه الآية وأمثالها هي أصل المراقبة عند القوم ، وهي على ثلاثة ~~أقسام : مراقبة الظواهر ، ومراقبة القلوب ، ومراقبة السرائر. فالأولى ~~للعوام ، والثانية للخواص ، والثالثة لخواص الخواص. # جزء : 3 رقم الصفحة : 170 PageV03P234 ~~فأما مراقبة الظواهر : فهي اعتقاد العبد أن الله يراه ، ومطلع عليه في كل ~~مكان ، فينتج له الحياء من الله ، فيستحيي أن يسيء الأدب ms1047 معه وهو بين يديه ~~، وفي بعض الأخبار القدسية : " إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم ، فالخلل في ~~إيمانكم ، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم ؟ ~~". وقال عليه الصلاة والسلام " أفضل الناس إيمانا من يعلم أن الله معه في ~~كل مكان " أو كما قال صلى الله عليه وسلم : وروي أن عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنه مر براعي غنم ، فقال له : أعطنا شاة من غنمك ، فقال له : ليست لي. ~~فقال له : لصاحبها أكلها الذئب ، فقال له الراعي : وأين الله ؟ !. وروي أن ~~رجلا خلا بجارية فراودها على المعصية ، وقال لها : لا ترانا إلا الكواكب ، ~~فقال له : وأين مكوكبها ؟ . # وأما مراقبة القلوب فهي : تحقيق العبد أن الله مطلع على قلبه ، فيستحي منه أن # 171 # يجول فيما لا يعني ، أو يدبر ما لا يفيد ولا يجدي ، أو يهم بسوء أدب ؛ ~~فإن جال في ذلك استغفر وتاب. # وأما مراقبة السرائر فهي : كشف الحجاب عن الروح ، حتى ترى الله أقرب ~~إليها من كل شيء ، فتستحي أن تجول فيما سواه من المحسوسات ، فإن فعلت بادرت ~~إلى التوبة والاستغفار ، فالتوبة لا تفارق أهل المراقبة مطلقا ، وقد تقدم ~~في أول سورة النساء بعض الكلام على المراقبة ، فمن لم يحكم أمر المراقبة ، ~~لم يذق أسرار المشاهدة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 170 # قلت : " الذين آمنوا " : صفة للأولياء ، أو منصوب على المدح ، أو مرفوع ~~به على تقدير : " هم " أو مبتدأ ، و" لهم البشرى " : خبر ، # يقول الحق جل جلاله : {ألا إن أولياء الله} الذين يتولونه بالطاعة ، وهو ~~يتولاهم بالكرامة {لا خوف عليهم} من لحوق مكروه ، {ولا هم يحزنون} بفوات مأمول. PageV03P235 # ثم فسرهم بقوله : {الذين آمنوا وكانوا يتقون} ، فمن جمع بين الإيمان ~~والتقوى فهو ولي أعني الولاية العامة وسيأتي بقية الكلام في الإشارة إن ~~شاء الله ، {لهم البشرى في الحياة الدنيا} وهو ما بشر به المتقين في كتابه ~~، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من الحفظ والعز والكفاية ، والنصر في ~~الدنيا وما يثيبهم به في الآخرة ، أو ما يريهم من ms1048 الرؤيا الصالحة يراها أو ~~ترى له. روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو محبة الناس للرجل ~~الصالح ، أو ما يتحفهم به من المكاشفات ، أو التوفيق لأنواع الطاعات ، أو ~~بشرى الملائكة عند النزع ، أو رؤية المقعد قبل خروج الروح ، {وفي الآخرة} ~~هي الجنة أو تلقي الملائكة إياهم عند الحشر بالبشرى والكرامة. # {لا تبديل لكلمات الله} أي : لا تغيير لأقواله ، ولا اختلاف لمواعيده ، ~~واستدل ابن عمر بالآية على أن القرآن لا يقدر أحد أن يغيره ، {ذلك هو الفوز ~~العظيم} الإشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين ، أو لانتفاء الخوف والحزن ~~عنهم مع ما بشروا به ، والله تعالى أعلم. # 172 PageV03P236 ~~الإشارة : الولاية على قسمين : ولاية عامة ، وولاية عرفية خاصة ، فالولاية ~~العامة ، هي التي ذكرها الحق تعالى : فكل من حقق الإيمان والتقوى ؛ فله من ~~الولاية على قدر ما حصل منها ، والولاية الخاصة خاصة بأهل الفناء والبقاء ، ~~الجامعين بين الحقيقة والشريعة ، بين الجذب والسلوك مع الزهد التام والمحبة ~~الكاملة ، وصحبة من تحققت ولايته. فقد سئل عليه الصلاة والسلام عن أولياء ~~الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فقال : " الذين نظروا إلى باطن ~~الدنيا ، حين نظر الناس إلى ظاهرها ، واهتموا بآجل الدنيا حين اهتم الناس ~~بعاجلها ؛ فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ، وتركوا منها ما عملوا أن ~~سيتركهم ، فما عارضهم من نائلها عارض إلا رفضوه ، ولا خادعهم من رفعتها ~~خادع إلا وضعوه ، خلقت الدنيا في قلوبهم فما يجددونها وخربت بينهم فما ~~يعمرونها ، وماتت في صدروهم فما يحيونها بل يهدمونها ، فيبنون بها آخرتهم ، ~~ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم ، نظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم ~~المثلات ، فما يرون أمانا دون ما يرجون ، ولا خوفا دون ما يجدون ". وفي ~~حديث آخر : قيل : يا رسول الله من أولياء الله ؟ قال : " المتحابون في الله ~~" وقال القشيري رضي الله عنه : علامة الولي ثلاث : شغله بالله ، وفراره إلى ~~الله ، وهمه الله. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 172 # وقال أبو سعيد الخراز رضي الله عنه : إذا أراد الله أن ms1049 يوالي عبدا من ~~عباده فتح عليه باب ذكره ، فإذا اشتد ذكره فتح عليه باب القرب ، ثم رفع إلى ~~مجلس الأنس ، ثم أجلسه على كرسي التوحيد ، ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار ~~الفردانية ، وكشف له عن الجلال والعظمة ، فإذا عاين ذلك بقي بلا هو ، ~~فحينئذ يفني نفسه ويبرأ من دعاويها. ه. PageV03P237 # فأنت ترى كيف جعل الفناء هو نهاية السير والوصول إلى الولاية ، فمن لا فناء ~~له لا محبة له ، ومن لا محبة له لا ولاية له. وإلى ذلك أشار ابن الفارض رضي ~~الله عنه ، في تائيته بقوله : # فلم تهوني ما لم تكن في فانيا # ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي # وقوله تعالى : {الذين أمنوا} أي : إيمان الخصوص ، {وكانوا يتقون} ما سوى ~~الله ؛ فلا يطمئنون إلى شيء سواه ، {لهم البشرى في الحياة الدنيا} ، حلاوة ~~الذوق والوجدان ، مع مقام الشهود والعيان ، {وفي الآخرة} بإدراك ما لا عين ~~رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر ببال من المعارف والأسرار ، فمن أدرك هذا ~~فليوطن نفسه على الإنكار. # جزء : 3 رقم الصفحة : 172 # 173 # قلت : (إن) : استئناف ، ومن قرأ بالفتح فعلى إسقاط لام العلة. # يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : {ولا يحزنك قولهم} ~~في جانب الربوبية ، أو جانبك بالطعن والشتم والتهديد ، فالعاقبة لك بالنصر ~~والعز ؛ فإن الله يعز أولياءه ، {إن العزة لله جميعا} أي : إن الغلبة لله ~~جميعا ، لا يملك غيره منها شيئا ، فهو يقهرهم وينصرك عليهم ، {هو السميع} ~~لأقوالهم ، {العليم} بمكائدهم فيجازيهم عليها. # الإشارة : الداخل على الله منكور ، فكل من رام الخصوصية فليعول على الطعن ~~والإنكار ، وليتسل بما تسلى به النبي المختار ، ولينتظر العز والنصر من ~~الواحد القهار ، فإن الأمر كله بيده. # جزء : 3 رقم الصفحة : 173 # قلت : (وما يتبع) : يحتمل الاستفهام ، فتكون منصوبة بيتبع ، أي ، أي شيء ~~يتبعون ما يتبعون ؟ إلا الظن ، ويحتمل النفي ، أي : ما يتبع الذين يدعون ~~الشركاء يقينا ؛ إن يتبعون إلا الظن ، أو تكون " إن " تأكيدا لها ، و" إلا ~~الظن " إبطال لنفي " ما ". PageV03P238 # يقول الحق جل جلاله ms1050 : {ألا إن لله من في السماوات ومن في والأرض} من ~~الملائكة والثقلين ملكا وعبيدا ، فلا يصلح أحد منهم للألوهية ، وإذا كان ~~هؤلاء الذين هم أشرف الممكنات لا تصلح للربوبية ، فأحرى الجامدات التي ~~يدعونها آلهة ، {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} أي : أي شيء ~~يتبعون ، تحقيرا لهم ، أو ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء يقينا ، ~~{إن يتبعون إلا الظن} وما سولت لهم أنفسهم ، {وإن هم إلا يخرصون} : يكذبون ~~فيما ينسبون إلى الله ، أو يحزرون ويقدرون أنها شركاء تقديرا باطلا ، بل ~~الواجب أن يعبدوا من عمت قدرته ونعمه على خلقه ، ولذلك قال : {هو الذي جعل ~~لكم الليل لتسكنوا فيه} راحة لأبدانكم ، {والنهار مبصرا} طلبا لمعاشكم ، ~~وفيه تنبيه على كمال قدرته وعظيم نعمته ، ليدلهم على تفرده باستحقاق ~~العبادة {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} سماع تدبر واعتبار. # الإشارة : كل من ركن إلى شيء دون الله ، محبة أو خوفا أو طمعا فيه ، فقد ~~أشرك مع الله ، ولم يتبع إلا الظن والوهم ، وفي الحكم : " ما قادك شيء مثل ~~الوهم ، أنت حر مما أنت آيس ، وعبد لما أنت فيه طامع ، فكيف يترك العبد ~~سيده الذي بيده ملك السماوات والأرض ، ويتعلق بعبد مثله حقير ؟ . يترك ~~الملك الكبير ويتعلق بالعبد الصغير ". هو الذي # 174 # جعل ليل القبض لتسكنوا فيه عن التعلق بالغير ، ونهار البسط لتبصروا في ~~انتشاركم الحقائق العرفانية والأسرار الربانية ، إن كنتم تسمعون به ومنه ، ~~فتنزهونه عما لا يليق به. # جزء : 3 رقم الصفحة : 174 # قلت : (عندكم) : متعلق بالاستقرار ، و(من سلطان) فاعل به ؛ لأن المجرور ~~والظرف إذا نفى يرفع الفاعل بالاستقرار ، و(متاع) : خبر ، أي : ذلك متاع... الخ. PageV03P239 # يقول الحق جل جلاله : {قالوا} أي : المشركون ، ومن تبعهم : {اتخذ الله ~~ولدا} أي : تبناه كالملائكة وغيرهم ، {سبحانه} أي : تنزيها له عما يقول ~~الظالمون ، فإن التبني لا يصح إلا ممن يتصور منه الولد ، {هو الغني} عن كل ~~شيء ، مفتقر إليه كل شيء ، والولد مسبب عن الحاجة ، والحق تعالى {له ما في ~~السماوات وما في والأرض} ملكا وعبيدا ms1051 ، فلا يفتقر إلى اتخاذ الولد ، وهو ~~الغني بالإطلاق ، لا يحتاج إلى من يعينه ، واجب الوجود لا يفتقر إلى من ~~يخلفة في ملكه. {إن عندكم} أي : ما عندكم {من سلطان} أي : برهان {بهذا} ، ~~بل افتريتموه من عندكم ، {أتقون على الله ما لا تعلمون} ، وهو توبيخ وتقريع ~~على اختلاقهم وجهلهم ، وفيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة ، ~~وأن العقائد لا بد فيها من قاطع ، وأن التقليد فيها غير سائغ. قاله ~~البيضاوي. # قلت : والتحقيق أن إيمان المقلد صحيح ، وأن تقليد الأنبياء والرسل والكتب ~~السماوية صحيح مكتف عن الدليل. # ثم هدد أهل الشرك فقال : {قل إن الذين يفترون على الله الكذب} باتخاذ ~~الولد وإضافة الشريك إليه ، {لا يفلحون} : لا ينجون من النار ، ولا يفوزون ~~بالجنة ، إنما ذلك الافتراء {متاع في الدنيا} يقيمون به رئاستهم في الكفر ، ~~فيتمتعون به قليلا ، أو لهم تمتع في الدنيا مدة أعمارهم ، {ثم إلينا ~~مرجعهم} بالموت ، فيلقون الشقاء المؤبد ، {ثم نذيقهم العذاب الشديد بما ~~كانوا يكفرون}. # الإشارة : إظهار الكائنات من الغيب إلى الشهادة كلها على حد سواء في ~~الاختراع والافتقار ، ليس بعضها أقرب من بعض ، وأما قوله : عليه الصلاة ~~والسلام : " الخلق عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله ". فمعناه ~~أنهم في حفظه وكفالته مفتقرون # 175 # إليه في إيصال المادة ، كافتقار الولد إلى أبيه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 175 PageV03P240 ~~وأما قرب العبد من ربه بطاعته فمعناه قرب محبة ورضا ، لا قرب مسافة أو نسب ~~؛ إذ أوصاف العبودية غير مجانسة لأوصاف الربوبية ، بل هي بعيدة منها مع شدة ~~قربها ، ولذلك قال في الحكم : " إلهي ما أقربك مني وما أبعدني عنك... " الخ ~~، وقد تشرق على العبد أنوار الربوبية فتكسوه حتى يغيب عن حسه ورسمه فلا يرى ~~إلا أنوار ربه ، فربما تغلبه الأنوار ، فيدعي الاتحاد أو الحلول ، وهو ~~معذور عند أهل الباطن لسكره ، وقد رفع التكليف عن السكران ، فإذا صحى وبقي ~~على دعواه قتل شرعا. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 175 # قلت : (وشركاءكم) : مفعول معه ، أو بفعل ms1052 محذوف ، أي : اعزموا أمركم ~~وأجمعوا شركاءكم ومن قرأ : " اجمعوا " بهمزة وصل فشركاءكم : معطوف ، و" غمة ~~" : خفيا ، وفي الحديث : " فإن غم عليكم فاقدروا له ". # يقول الحق جل جلاله : {واتل عليهم نبأ نوح} أي : خبره مع قومه ، قيل : ~~اسمه عبد الغفار ، وسمي نوحا لكثرة نوحه من هيبة ربه ، {إذ قال لقومه يا ~~قوم إن كان كبر} أي : عظم وشق {عليكم مقامي} أي : كوني بين أظهركم ، ~~وإقامتي بينكم مدة مديدة أذكركم بالله ، أو قيامي عليكم لوعظكم ، أو نفسي ~~ووجودي بينكم ، {وتذكيري} لكم {بآيات الله} أدعوكم بها إلى الله ، {فعلى ~~الله توكلت} : وثقت به ، فلا أبالي ببعدكم عني وتخويفكم إياي ، {فأجمعوا ~~أمركم} أي : اعزموا عليه ، {وشركاءكم} مع شركائكم ، أو وأمر شركائكم ، أو ~~أجمعوا أمركم واتفقوا عليه وأجمعوا شركاءكم. والمعنى : أنه أمرهم بالعزم ~~والإجماع على قصده ، والسعي في إهلاكه ، على أي وجه يمكنهم ؛ لشدة ثقته ~~بالله وعدم مبالاته بهم. PageV03P241 # {ثم لا يكن أمركم} في قصد إهلاكي {عليكم غمة} : مستورا خفيا ، بل اجعلوه ~~ظاهرا مكشوفا تتمكنون فيه ، لأن من يكتم أمرا ويخفيه لا يقدر أن يفعل ما ~~يريد ، أو ثم لا يكن حالكم عليكم غما ، أي : لا يلحقكم غم إذا أهلكتموني ~~وتخلصتم من ثقل مقامي # 176 # وتذكيري. {ثم اقضوا} أي : انفذوا قضاءكم {إلي} فيما تريدون. وقرأ السري ~~بن ينعم : " أفضوا " بالفاء وقطع الهمزة ، أي : انتهوا إلي بشركم ، {ولا ~~تنظرون} : ولا تمهلون. # {فإن توليتم} : أعرضتم عن تذكيري ، {فما سألتكم من أجر} يوجب توليكم ~~وإعراضكم لثقله عليكم. واتهامكم إياي لأجله ، أو يفوتني إذا توليتم عني ، ~~{إن أجري} : ما ثوابي على الدعوة والتذكير {إلا على الله} لا تعلق لي بشيء ~~دونه ، آمنتم أو توليتم ، {وأمرت أن أكون من المسلمين} المنقادين لحكمه ، ~~لا أخالف أمره. ولا أرجو غيره. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 176 # فكذبوه} : فأصروا على تكذيبه بعد إلزامهم الحجة ، وتبين ان توليهم ليس ~~إلا لعنادهم وتمردهم فلا جرم حقت عليهم كلمة العذاب ، فهلكوا بالغرق ، ~~{فنجيناه ومن} آمن {معه في الفلك} ، وكانوا ثمانين ، {وجعلناهم خلائف} ~~عمروا الأرض بعد الهالكين وخلفوهم ms1053 فيها ، ولم يعقب منهم إلا أولاد نوح عليه ~~السلام ، {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان ، {فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين} ، تعظيم لما جرى عليهم ، وتحذير لمن كذب الرسول ، وتسلية له. ~~والله تعالى أعلم. PageV03P242 # الإشارة : لا يكون الرجل كامل اليقين حتى يسقط من قبله خوف المخلوقين ، فلا ~~يبالي بهم ولو أجمعوا على كيده ، إذ ليس بيدهم شيء ، وإنما أمرهم بيد الله ~~، ويقول لهم كما قال نوح عليه السلام : {فأجمعوا أمركم وشركاءكم}. وكما قال ~~هود عليه السلام {فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي ~~وربكم} [هود : 55 56]. وفي الحديث : " لو اجتمع الخلق كلهم على أن يضروك ~~بشيء لم يضروك إلا بشيء قدره الله عليك ، جفت الأقلام وطويت الصحف ". وقال ~~أيضا صلى الله عليه وسلم " لا يكمل إيمان العبد حتى يكون الناس عنده ~~كالأباعد ". يعني لا يهابهم ولا يراقبهم. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 176 # قلت : (بما كذبوا به) ذكر هنا الرابط ، وحذفه في سورة الأعراف ، إشارة ~~إلى جواز الأمرين ، وإليه أشار في الألفية ، بقوله : # كذا الذي جر بما الموصول جر # ك " مر بالذي مررت فهو بر " # يقول الحق جل جلاله : {ثم بعثنا من بعده} : من بعد نوح عليه السلام ~~{رسلا} ؛ كهود وصالح وإبراهيم وغيرهم {إلى قومهم} ، كل رسول إلى قومه ، ~~{فجاؤوهم بالبينات} : بالمعجزات الواضحات المثبتة لدعواهم ، {فما كانوا ~~ليؤمنوا} ؛ فما استقام # 177 # لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر ، ولسبق شقاوتهم ، فما آمنوا {بما ~~كذبوا به من قبل} مجيئهم المعجزات ، يعني أنهم طلبوا المعجزات ليؤمنوا ، ~~فلما جاءتهم استمروا على تكذيبهم ، {كذلك نطبع على قلوب المعتدين} فلا تنفع ~~فيهم معجزة ولا تذكير ، وفيه دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله ، مع ~~إثبات كسب العبد لقيام عالم الحكمة الذي هو رداء لتصرف القدرة . والله ~~تعالى أعلم. PageV03P243 # الإشارة : كما بعث الله في كل أمة رسولا يذكرهم ويدعوهم إلى الله ، بعث ~~الله في كل عصر وليا عارفا ، يدعو الخلق إلى معرفة الله وتوحيده الخاص ، ~~فمن سبقت له العناية آمن به من غير طلب ms1054 آية ، ومن سبق له الخذلان لا يصدق ~~به ولو راى ألف برهان. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 177 # الحق جل جلاله : {ثم بعثنا} ، من بعد هؤلاء الرسل {موسى وهارون إلى فرعون ~~وملئه بأياتنا} التسع ، {فاستكبروا} عن اتباعها ، {وكانوا قوما مجرمين} ~~معتادين الإجرام ، فلذلك تهاونوا برسالة ربهم ، واجترؤوا على ردها ، {فلما ~~جاءهم الحق من عندنا} وعرفوه ، وهو بعثه موسى عليه السلام ؛ لتظاهر ~~المعجزات على يديه ، القاهرة المزيحة للشك ، {قالوا} من فرط تمردهم : {إن ~~هذا} الذي جئت به {لسحر مبين} : ظاهر. # {قال} لهم {موسى للحق لما جاءكم} إنه سحر ، فكيف يقدر السحرة على مثله ؟ ~~{أسحر هذا} : أيتوهم أحد أن يكون هذا سحرا ؟ {ولا يفلح الساحرون} أي : لو ~~كان سحرا لاضمحل ، ولم يبطل سحر السحرة ، والعالم بأن الساحر لا يفلح لا ~~يستعمل السحر ، فهذا كله من كلام موسى عليه السلام ، أو من تمام قولهم ؛ إن ~~جعل قوله : " أسحر هذا " محكيا لقولهم ، كأنهم قالوا : أجئتنا بالسحر لتطلب ~~به الفلاح ولا يفلح الساحرون ، والأول أرجح. # {قالوا أجئتنا لتلفتنا} ؛ لتصرفنا {عما وجدنا عليه آباءنا} من عبادة ~~الأصنام ، {وتكون لكما الكبرياء في الأرض} : الملك فيها ، سمي كبرياء ~~لاتصاف الملوك # 178 # بالتكبر ، {وما نحن لكما بمؤمنين} : بمصدقين. PageV03P244 # الإشارة : السحر على قسمين : سحر يسحر القلوب إلى حضرة الرحمن ، وسحر ~~يسحرها إلى حضرة الشيطان ، فالسحر الذي يسحر إلى حضرة الرحمن : هو ما جاءت ~~به الأنبياء والرسل ، وقامت به الأولياء بعدهم من الأمور التي تقرب إلى ~~حضرة ، إما ما يتعلق بالظواهر ، كتبيين الشرائع ، وإما ما يتعلق بالبواطن ، ~~كتبيين الطرائق والأمور التي تشرق بها أسرار الحقائق ، وأما السحر الذي ~~يسحر إلى حضرة الشيطان : فكل ما يشغل عن ذكر الرحمن ، ولذلك قال عليه ~~السلام : " اتقوا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت ". # جزء : 3 رقم الصفحة : 178 # قلت : (ما جئتم به) موصوله على من قرأ : " السحر " بلا استفهام ، ومن قرأ ~~بالاستفهام ف " ما " مبتدأ و(جئتم) خبرها ، و(السحر) : بدل منه ، أو خبر ~~لمحذوف ، أي : أهو السحر ؟ أو مبتدأ حذف خبره ، أي : السحر هو. # يقول ms1055 الحق جل جلاله : {وقال فرعون} لما أراد معارضة موسى عليه السلام : ~~{ائتوني بكل ساحر} ، في قراءة الأخوين " سحار " {عليم} : حاذق في فنه ، ~~{فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون} ، {فلما ألقوا} حبالهم ~~وعصيهم ، فانقلبت حيات في أعين الناس ، يركب بعضها بعضا ، {قال} لهم {موسى ~~ما جئتم به السحر} أي : الذي جئتم به هو السحر ، لا ما سماه فرعون وقومه ~~سحرا من معجزات العصا. وقرأ البصري : " آلسحر " أي : أي شيء جئتم به السحر ~~هو ؟ {إن الله سيبطله} : سيمحقه ، أو سيظهر بطلانه ، {إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين} لا يثيبه ولا يديمه ، وفيه دليل على أن السحر تمويه لا حقيقة له ~~، {ويحق الله الحق بكلماته} السابقة الأزلية ، أو بأوامره وقضاياه ، {ولو ~~كره المجرمون} ذلك. PageV03P245 # الإشارة : الأكوان كلها عند اهل التحقيق شعوذة سحرية ، خيالية كخيال السحر ~~الذي يظهره المشعوذ ، تظهر ثم تبطن ، وليس في الوجود حقيقة إلا الواحد ~~الأحد الفرد الصمد ، فهي ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، وهي أيضا ~~أشبه شيء بالظلال ، والظلال لا وجود لها من ذاتها ، وإنما تابعة لشواخصها ، ~~ولذلك قالوا : ظلال الأشجار لا تعرق السفن عن التسيار ، فظلال الأكوان ~~وأجرامها لا تعوق سفن الأفكار عن التسيار في بحار معاني الأسرار ، بل تغيب ~~عن ظلال حسها إلى فضاء شهود معانيها ، فالعارف لا يحجبه عن الله # 179 # شيء ؛ لنفوذه إلى شهود أسرار الربوبية في كل شيء ، والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 179 # قلت : الضمير في " ملئهم " يعود على فرعون ، وجمعه على ما هو المعتاد في ~~ضمير العظماء ، أو باعتبار آل فرعون ، كما يقال : ربيعة ومضر ، أو على ~~الذرية ، أو على " قومه " و(ان يفتنهم) بدل من فرعون ، أو مفعول بخوف ، ~~وأفرد ضمير الفاعل ، فلم يقل : أن يفتنوهم ؛ للدلالة على أن الخوف من الملأ ~~كان بسبب فرعون. # يقول الحق جل جلاله : {فما آمن لموسى} أي : صدقه في أول مبعثه {إلا ذرية} ~~: إلا شباب وفتيان {من قومه} : من بني إسرائيل ، آمنوا {على خوف من فرعون ~~وملئهم} أي : مع خوف من ms1056 فرعون وقومه ، أو على خوف من فرعون وملأ بني ~~إسرائيل ؛ لأن الأكابر من بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من الإيمان ~~خوفا من فرعون ، وهذا أرجح. خافوا {أن يفتنهم} : يعذبهم حتى يردهم عن دينهم ~~، {وأن فرعون لعال في الأرض} : لغالب فيها ، {وإنه لمن المسرفين} في الكفر ~~والعتو حتى ادعى الربوبية ، واسترق أسباط الأنبياء. # الإشارة : أهل التصديق بأهل الخصوصية قليل في كل زمان ، وإيذاء المنتسبين ~~لهم سنة جارية في كل أوان ، فكل زمان له فراعين يؤذون المنتسبين ، والعاقبة ~~للمتقين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 179 PageV03P246 ~~يقول الحق جل جلاله : {وقال موسى} لقومه ، لما رأى خوفهم من فرعون : {يا ~~قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا} أي : ثقوا به واعتمدوا عليه ، ولا ~~تبالوا بغيره ، {إن كنتم مسلمين} مستسلمين لقضاء الله أو منقادين لأحكامه ، ~~قائمتين بطاعته ، بعد تحصيل الإيمان به ، وقال لهم ذلك مع علمه بإيمانهم ~~وإسلامهم ؛ إنهاضا لهم وتحريضا على الصبر ، كما تقول : إن كنت رجلا فافعل كذا. # {فقالوا على الله توكلنا} لأنا مؤمنون مخلصون ، {ربنا لا تجعلنا فتنة} أي : موضع # 180 # فتنة {للقوم الظالمين} أي : لا تسلطهم علينا فيفتنونا ، {ونجنا برحمتك من ~~القوم الكافرين} أي : من كيدهم ، أو شؤم مشاهدتهم. وفي تقديم التوكل على ~~الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي أن يتوكل أولا لتجاب دعوته ؛ لأنه يتسبب ~~في نجاح أمره ، ثم يدعو. والله تعالى أعلم. # الإشارة : التوكل هو ثمرة الإيمان ونتيجته ، فكلما قوي الإيمان واشتدت ~~أركانه قوي التوكل وظهرت أسراره. وكلما ضعف الإيمان ضعف التوكل ، فالتوغل ~~في الأسباب نتيجة ضعف الإيمان ، والتقلل منها نتيجة صحة التوكل والإيقان ، ~~والتوكل : أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يدك. قال تعالى : {ما عندكم ~~ينفد وما عند الله باق} [النحل : 96] والتوكل قد يوجد مع الأسباب ، ومع ~~التجريد أنفع ، وقد تقدم الكلام عليه في آل عمران. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 180 # يقول الحق جل جلاله : {وأوحينا إلى موسى وأخيه ان تبوءا} أي : اتخذا ~~{لقومكما بمصر بيوتا} للصلاة والعبادة ، قيل : أراد الإسكندرية ، وهي من ~~مصر ms1057 ، {واجعلوا} أنتما وقومكما {بيوتكم} التي تسكنون فيها {قبلة} : مصلى ~~ومساجد. وروي أن فرعون أخافهم ، وهدم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة ، فأمروا ~~بإخفائها وجعلها في بيوتهم ، وتكون متوجهة نحو القبلة يعني مكة وكان موسى ~~يصلي إليها. PageV03P247 # فإن قلت : لم خص موسى وهارون بالخطاب في قوله : {أن تبوءا} ثم خوطب بها بنو ~~إسرائيل في قوله : {واجعلوا بيوتكم} ؟ فالجواب : أن التبوء واتخاذ المساجد ~~مما يتعاطاه رؤوس القوم للتشاور ، بخلاف جعل البيوت قبلة فمما ينبغي أن ~~يفعله كل أحد. # {وأقيموا الصلاة} في تلك البيوت ، أمروا بذلك أول مرة لئلا تظهر عليهم ~~الكفرة ويفتنونهم عن دينهم ، {وبشر المؤمنين} بالنصر والعز في الدنيا ، ~~وبالجنة في العقبى. # الإشارة : اتخاذ الأماكن للعبادة والعزلة مطلوب عند القوم ، وفي الحكم : ~~" ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة " ، وأصلهم في ذلك : ~~اعتزاله صلى الله عليه وسلم في غار حراء في مبدأ الوحي ، فالخلوة للمريد لا ~~بد منها في ابتداء أمره ، فإذا قوي نوره ، ودخل مقام الفناء ؛ صلح له حينئذ ~~الخلطة مع الناس ، بحيث يكون جسده مع الخلق وقلبه مع # 181 # الحق ، فإن لله رجالا أشباحهم مع الخلق تسعى ، وأرواحهم في الملكوت ترعى. ~~وقال بعضهم : الجسد في الحانوت والقلب في الملكوت ، فإذا رجع إلى البقاء لم ~~يختر حالا على حال ؛ لأنه مع الله على كل حال ، وهذا من أقوياء الرجال. ~~نفعنا الله بهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 181 # قلت : اللام في (ليضلوا) لام كي ، متعلقة بآتيت محذوفة ، أو بالمذكورة ، ~~ولفظ (ربنا) تكرار ، أو تكون لام الأمر ، فيكون دعاء عليهم بلفظ الأمر ، ~~بما علم من قرائن أحوالهم أنه لا يكون غيره. {فلا يؤمنوا} : جواب الدعاء أو ~~عطف على (ليضلوا). PageV03P248 # يقول الحق جل جلاله : {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة} : ما ~~يتزين به من الملابس والمراكب ، ونحوها ، {وأموالا} : أنواعا من المال {في ~~الحياة الدنيا} استدراجا ، {ربنا} آتيتهم ذلك {ليضلوا عن سبيلك} طغيانا ~~وبطرا بها ، وصرفها في غير محلها ، أو ربنا اجعلهم ضالين في سبيلك ، كقول ~~نوح عليه السلام {ولا تزد ms1058 الظالمين إلا ضلالا} [نوح : 24] لما أيس من ~~إيمانهم ، {ربنا اطمس على أموالهم} أي : أهلكها وامحقها ، {واشدد على ~~قلوبهم} بالقسوة ، واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان ، {فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم} أي : إن تطمس على أموالهم وتشدد على قلوبهم لا يؤمنوا ~~إلا قهرا. # وفي الآية دليل على جواز الدعاء على الظالم بالمعصية ، أو الكفر ، وقد ~~فعله سعد بن أبي وقاص على الذي شهد فيه بالباطل ، ووجه جوازه مع استلزامه ~~وقوع المعاصي : أنه لم يعتبر من حيث تاديته إلى المعاصي ، ولكن من حيث ~~تأديته إلى نكاية الظالم وعقوبته ، وهذا كما قيل في تمني الشهادة أنه مشروع ~~، وإن كان يؤدي إلى قتل الكافر للمسلم ، وهو معصية ووهن في الدين ، ولكن ~~الغرض من تمنى الشهادة ثوابها ، لا نفسها. # {قال} تعالى : {قد أجيبت دعوتكما} يعني موسى وهارون ، وكان يؤمن على دعاء ~~أخيه ، {فاستقيما} أي : اثبتا على ما أنتما عليه من الاستقامة والدعوة ~~وإلزام الحجة ، ولا تستعجلا ، فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته ، روي أنه ~~مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة ، {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} : ~~طريق الجهلة في استعجال الأشياء قبل # 182 # وقتها ، أو في عدم الوثوق والاطمئنان بوعدنا ، وقرأ ابن ذكوان : " ولا ~~تتبعان " بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين ، وهو قليل ، قال ابن مالك : # جزء : 3 رقم الصفحة : 182 # ولم تقع خفيفة بعد الألف PageV03P249 ~~ويحتمل أن تكون نون الرفع ، و" لا " نافية ، أي : والأمر لا تتبعان سبيل ~~الذين لا يعلمون. # الإشارة : دعاء الأولياء على الظالم مشروع بعد الإذن الإلهامي على ما ~~يفهمونه ، وقد مكث الشيخ أبو الحسن سنين لم يدع على ابن البراء حتى كان سنة ~~في عرفة ، فقال : الآن أذن لي في الدعاء على ابن البراء... الخ فإن لم يكن ~~إذن فالصبر أولى ، بل الأولى الدعاء له بالهداية ، حتى يأخذ الله بيده ؛ ~~وهذا مقام الصديقين ، فإذا وقع الدعاء مطلقا وتأخرت الإجابة فلا يستعجل ، ~~فيكون تبع سبيل الذين لا يعلمون ، وفي الحكم : " لا يكن تأخر أمد العطاء مع ~~الإلحاح في الدعاء موجبا ms1059 ليأسك ، فقد ضمن لك الإحابة فيما يختار لك لا فيما ~~تختار أنت لنفسك ، وفي الوقت الذين يريد ، لا في الوقت الذي تريد " ، وقال ~~أيضا : " لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه ؛ لئلا يكون ~~ذلك قدحا في بصيرتك ، وإخمادا لنور سريرتك " وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 182 # قلت : (فأتبعهم) أي : تبعهم ، يقال : تبع وأتبع لغتان. # يقول الحق جل جلاله : {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} أي : جوزناهم في ~~البحر يبسا ؛ حتى بلغوا الشط الآخر حافظين لهم. روي أن بني إسرائيل حين ~~جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف ، وكان يعقوب عليه السلام قد دخل مصر في نيف ~~وسبعين من ذريته ، فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور. # {فأتبعهم} : فأدركهم {فرعون وجنوده} ، روي أنهم كانوا ثمانمائة ألف أدهم ~~، سوى ما يناسبها من أواسط الخيل. تبعهم {بغيا وعدوا} : باغين وعادين ~~عليهم. مستمرا على بغيه {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه} أي : بأنه {لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} ، فآمن حين لا ينفع ~~الإيمان بمعانية الموت ، ومن قال بصحة # 183 # إيمانه فغلط ، كالحاتمي فإنه قال في الفصوص : إنه من الناجين ، وذلك من ~~جملة هفواته. PageV03P250 # قال تعالى لفرعون : {الآن} أي : أتؤمن الآن ، وقد أيست من نفسك ، {وقد عصيت ~~قبل} مدة عمرك {وكنت من المفسدين} : الضالين المضلين ، {فاليوم ننجيك} أي : ~~ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ونجعلك طافيا على وجه الماء ، أو ~~نلقيك على نجوة من الأرض ليراك الناس ، فيتحققوا بغرق من معك حال كونك ~~{ببدنك} عاريا عن الروح ، أو عريانا بلا لباس ، أو بدرعك ، وكانت له دروع ~~من ذهب يعرف بها ، وكان مظاهرا بينها. # {لتكون لمن خلفك آية} : لمن وراءك علامة يعرفون أنك من الهالكين ، ~~والمراد : بنو إسرائيل ؛ إذ كان نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك ~~حتى كذبوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بغرقه ، إلى أن عاينوه منطرحا على ~~ممرهم من الساحل ، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل امرك ، فيكون ~~ذلك ms1060 عبرة ونكالا للطغيان ، أو حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من ~~عظيم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور ، بعيد عن مظان الربوبية ، أو آية ~~تدل على كمال قدرته وإحاطة علمه وحكمته ، فإن إفراده بالإلقاء إلى الساحل ~~دون غيره ؛ يفيد أنه مقصود لإزاحة الشك في أمره. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 183 # وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} ؛ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون ~~بها ، والإخبار بهذا الأخذ الذي وقع في قعر البحر من أعلام النبوة ؛ إذ لا ~~يمكن أن يخبر بها إلا علام الغيوب الذي لا يخفى عليه شيء ، ولا يخلو منه ~~مكان. والله تعالى أعلم. # الإشارة : كل من دخل بحر التوحيد علما وهو فرعون برؤية نفسه ، ولم يصحب ~~من يغيبه عنها غرق في بحر الزندقة والدعوى ، فإن رجع إلى الإيمان بعد ~~معاينة الهلاك بسيف الشريعة قيل له : الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ؟ ~~فإن تاب حقيقة رجى له النجاة ، وإن قتل كان آية ونكالا لمن خلفه. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 183 # 184 PageV03P251 ~~قلت : (مبوأ) : ظرف بمعنى منزل. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد بوأنا} أي : أنزلنا {بني إسرائيل مبوأ صدق} ~~أي : منزل صدق ، أي : منزلا صالحا مرضيا يصدق فيه ظن قاصده وساكنه ، فما ظن ~~فيه من الكمالات وجدها صدقا وحقا ، والمراد به : الشام وقراها ، {ورزقناهم ~~من الطيبات} من اللذائذ ، وكانوا متفقين على دينهم ، وعلى ظهور دين الإسلام ~~، {فما اختلفوا} في أمر دينهم {حتى جاءهم العلم} ؛ بأن قرؤوا التوارة ~~وعلموا أحكامها ، ثم طغوا وعصوا ، أو في أمر محمد صلى الله عليه وسلم إلا ~~من بعد ما علموا صدقه بنعوته ، وتظاهر معجزاته ، {إن ربك يقتضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ، فيميز المحق من المبطل بالإنجاء ~~والإهلاك. # الإشارة : قد يمد الله عباده بأنواع النعم ، ثم يبعث لهم من يذكرهم بأيام ~~الله ، ويعرفهم به ، فإذا اختلفوا عليه ظهر الشاكر من غيره ، فيغير عليهم ~~تلك النعم ، فيوصل إليه أهل التصديق والاستماع والاتباع ، ويبعد أهل ~~الإنكار والابتداع. وبالله التوفيق.> ms1061 # جزء : 3 رقم الصفحة : 184 # يقول الحق جل جلاله : {فإن كنت} يا محمد {في شك مما أنزلنا إليك فاسأل ~~الذين يقرؤون من قبلك} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، والمراد به : من ~~وقع له شك ، فإن الملك إذا إراد أن يعرض بأحد ؛ خاطب كبير القوم وهو يريد ~~غيره ، فهو كقول العامة : الكلام مع السارية وافهمي يا جارية. PageV03P252 # وأما النبي صلى الله عليه وسلم فهو بعيد من الشك ؛ لأنه عين اليقين ، وهو ~~الذي علم الناس اليقين ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لما نزلت " لا ~~أشك ولا أسأل " والمراد بالذين يقرؤون الكتاب : من أسلم منهم ، كعبد الله ~~بن سلام وغيره ، أو فإن كنت أيها المستمع في شك مما أنزلنا إليك على لسان ~~فاسأل... الخ ، وفيه تنبيه على أن من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع ~~إلى حلها ، بالرجوع إلى أهل اليقين إن كانت في التوحيد ، أو إلى أهل العلم ~~إن كانت في الفروع. # قال ابن عطية : الخواطر التي لا ينجو منها أحد ، هي خلاف الشك الذي يحال ~~فيه على الاستشفاء بالسؤال. ه. أي : فإنها معفو عنها. # 185 # ثم قال تعالى : {لقد جاءك الحق من ربك} واضحا لا مدخل للمرية فيه بالآيات ~~القاطعة {فلا تكونن من الممترين} : الشاكين بالتزلزل على ما أنت عليه من ~~الجزم واليقين ، {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين} ~~، وهذا كله يجري على ما تقدم من أنه لكل سامع. وقال البيضاوي : هو من باب ~~التهييج والتثبيت ، وقطع الأطماع عنه ، كقوله {فلا تكونن ظهيرا للكافرين} ~~[القصص : 86]. ه. PageV03P253 # الإشارة : لا تنقطع عن العبد الأوهام والشكوك والخواطر ، حتى يدخل مقام ~~الإحسان ، ويكاشف بمقام الشهود والعيان ، بالغيبة عن حس الأكوان ، بسطوع ~~أنوار المعاني عند غيبة الأواني ، ومن غاب عن حس نفسه غاب عنه حس جميع ~~الأكوان ؛ وذلك بصحبة أهل العرفان ، الذين سلكوا الطريق حتى أفضوا إلى عين ~~التحقيق ، فزاحت عنهم الشكوك والأوهام ، وانحلت عنهم الشبه ، وزالت عن ~~قلوبهم الأسقام ، واطلعوا على تاويل المتشابه من القرآن ، فبصحبة هؤلاء ~~ترتفع الخواطر ms1062 والشكوك ، ويرتفع العبد إلى حضرة ملك الملوك ، فجلوس ساعة مع ~~هؤلاء تعدل عبادة سنين. وفي بعض الآثار : (تعلموا اليقين بمجالسة أهل ~~اليقين) قلت : وقد من الله علينا بمعرفتهم وصحبتهم ، بعد أن تحققنا ~~بخصوصيتهم ، فلله الحمد وله الشكر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 185 # يقول الحق جل جلاله : : {إن الذين حقت} أي : ثبتت {عليهم كلمة ربك} بأنهم ~~لا يؤمنون ، أو بأنهم مخلدون في العذاب {لا يؤمنون} أبدا ؛ إذ لا يكذب ~~كلامه ولا ينتقض قضاؤه ، {ولو جاءتهم كل آية} وعاينوها فإن السبب الأصلي ~~لإيمانهم هو تعلق إرادته تعالى ، وقد أراد خلافه ، فلا يؤمنوا {حتى يروا ~~العذاب الأليم} وحينئذ لا ينفعهم ، كما لم ينفع فرعون ، وبالله التوفيق. # الإشارة : من انتكبه التوفيق لا يصدق بأهل التحقيق ، ولو رأى منهم ألف ~~كرامة ، فلا تنفك عنه الشكوك والأوهام ؛ حتى يفضي إلى شرب كأس الحمام ، ~~فيلقى الله بقلب سقيم ، وربما مات على الشك ، فيلحقه العذاب الأليم ، عائذا ~~بالله من ذلك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 185 # 186 PageV03P254 ~~قلت : (فلولا) : تحضيضية ، و(إلا قوم يونس) : استثناء منقطع ، ويجوز ~~الاتصال ؛ فيكون الاستثناء من معنى النفي الذي تضمنه حرف التحضيض ؛ لأن ~~المراد بالقرى : أهلها ، كأنه قال : ما آمن أهل قرية من القرى الماضية ~~فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ، ويؤيده قراءة الرفع. و" يونس " : عجمي مثلث النون. # يقول الحق جل جلاله : {فلولا كانت} هلا وجدت : {قرية} من القرى التي ~~أهلكناها {آمنت} قبل معاينة العذاب ، ولم تؤخر الإيمان إلى نزوله كما فعل ~~فرعون ، {فنفعها} حينئذ {إيمانها} بأن يقبله الله منها ؛ فيكشف عنها العذاب ~~، {إلا} لكن {قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} ~~، فرفعنا عنهم العذاب حين آمنوا بعد أن ظهرت مخايله ، فنجوا {ومتعناهم إلى ~~حين} : إلى تمام آجالهم. # روي أن يونس عليه السلام بعث إلى أهل نينوى من الموصل ، فكذبوه وأصروا ~~على تكذيبه ، فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث ، فلما دنا الموعد وأغامت السماء ~~غيما أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم ، فهابوا ، فطلبوا يونس فلم ~~يجدوا فأيقنوا صدقه ، فلبسوا المسوح وبرزوا ms1063 إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم ~~وصبيانهم ، ودوابهم ، وفرقوا بين كل والدة وولدها ، فحن بعضها إلى بعض وعلت ~~الأصوات والضجيج ، وأخلصوا التوبة والإيمان ، وتضرعوا إلى الله تعالى ، ~~فرحمهم وكشف العذاب عنهم ، وكان يوم عاشوراء ويوم الجمعة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ينبغي للعبد أن يعتني بتربية إيمانه وتقوية إيقانه قبل فوات ~~إبانه ، وهو انصرام أجله. وتربيته تكون بصحبة أهل اليقين ، فإن لم يعثر بهم ~~فبمطالعة كتبهم ، والوقوف على أخبارهم ومناقبهم ، مع دوام التفكر والاعتبار ~~، والإكثار من الطاعة والخضوع والافتقار ، والتمسك بالذل والانكسار ، قال ~~تعالى في بعض الأخبار : " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " وبالله ~~التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 186 PageV03P255 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولو شاء ربك} هداية الخلق كلهم {لآمن من في الأرض ~~كلهم جميعا} بحيث لا يتخلف عنه أحد ، لكن حكمته اقتضت وجود الخلاف ، فمن ~~رام اتفاقهم على الإيمان فقد رام المحال ، ولذلك قال : {أفأنت تكره الناس} ~~بالقهر على ما لم يشأ الله منهم {حتى يكونوا مؤمنين} كلهم. # 187 # قال البيضاوي : وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء ، وإيلاؤها حرف ~~الاستفهام الإنكاري ، وتقديم الضمير على الفعل ، للدلالة على أن خلاف ~~المشيئة مستحيل ، فلا يمكنه تحصيله بالإكراه فضلا عن الحث والتحريض عليه ، ~~إذ روي أنه عليه الصلاة والسلام كان حريصا على إيمان قومه ، شديد ~~الاهتمام به ، فنزلت ، ولذلك قرره بقولة : {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن ~~الله} ؛ بمشيئته وألطافه وتوفيقه ؛ فلا تجهد نفسك في هداها ، فإنه إلى الله ~~تعالى. {ويجعل الرجس} : العذاب أو الخذلان فإنه سببه {على الذين لا يعقلون} ~~: لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات ، أو لا يعقلون دلائل القرآن ~~وأحكامه ؛ لما على قلوبهم من الطبع ، ويؤيده الأول قوله : {قل انظروا...} ~~الخ. ه. # الإشارة : في الآية تسلية لأهل التذكير حين يرون الناس لم ينفع فيهم ~~تذكيرهم ، وفيها تأديب لمن حرص على هداية الناس كلهم ، أو يتمنى أن يكونوا ~~كلهم خصوصا ، فإن هذا خلاف حكمته تعالى. قال تعالى {ولا يزالون مختلفين} ~~[هود : 118] فالداعون إلى الله لا يكونون حرصا على الناس أبدا ، بل ms1064 يدعون ~~إلى الله ، ويذكرون بالله ، وينظرون ما يفعل الله اقتداء بنبي الله ، بعد ~~أن علمه الله كيف يكون مع عباد الله ، والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 187 PageV03P256 ~~قلت : (ماذا) إن كانت استفهامية علقت (انظروا) عن العمل ، وإن كانت موصولة ~~فمفعول به ، و(ما تغني الآيات) : يحتمل الاستفهام في محل نصب بتغني ، أو ~~النفي. (ثم ننجي) معطوف على محذوف دل عليه : (إلا مثل أيام) أي : فكانت ~~عادتنا معهم أن نهلك المكذبين ، ثم ننجي رسلنا ومن آمن معهم ، و" كذلك " ~~مصدر معمول لننجي ، و(حقا) اعتراض بينهما ، وهو مصدر لفعل محذوف ، أي : مثل ~~ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين يحق ذلك حقا ، وعلى هذا يوقف على : (الذين ~~آمنوا) ، ثم يبتدأ بقوله : (كذلك حقا...) الخ. وقيل : خبر عن (الذين آمنوا) ~~أي : والذين آمنوا مثلهم في الإنجاء ، وهو ضعيف. # يقول الحق جل جلاله : {قل} للمشركين الذين طلبوا منك الآية : {انظروا ~~ماذا في السماوات والأرض} من الآيات والعبر ، وعجائب الصنع ليدلكم على ~~وحدانية الله تعالى ، وكمال قدرته ، ثم بين أن الآيات لا تفيد من سبق عليه ~~الشقاء ، فقال : {وما تغني الآيات # 188 # والنذر عن قوم لا يؤمنون} في علم الله وحكمه ، ثم هددهم بالهلاك فقال : ~~{هل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} أي : مثل وقائعهم ونزول ~~العذاب بهم ؛ إذ لا يستحق غيره ، فهو من قولهم : أيام العرب ، لوقائعها. # {قل} لهم : {فانتظروا} هلاككم {إني معكم من المنتظرين} لذلك ، أو ~~فانتظروا هلاكي إني معكم من المنتظرين هلاككم ، {ثم ننجي رسلنا} أي : ~~عادتنا أن ننجي رسلنا {والذين آمنوا} معهم من ذلك الهلاك ، {كذلك حقا علينا ~~ننج المؤمنين} من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نهلك المجرمين ؛ حقا ~~واجبا علينا كما هي عادتنا مع من تحبب إلينا بالإيمان والطاعة. PageV03P257 # الإشارة : أمر الحق جل جلاله أهل النظر والاستبصار بأن ينظروا ماذا في ~~السماوات والأرض من الأسرار والأنوار ، أمرهم أن يشاهدوا أسرار الذات ~~وأنوار الصفات ، دون الوقوف مع الأجرام الحسيات ، أمرهم أن ينظروا المعاني ~~خلف رقة الأواني ، لا أن يقفوا ms1065 مع الأواني ، وإليه أشار ابن الفارض في ~~خمريته ، حيث قال : # جزء : 3 رقم الصفحة : 188 # ولطف الأواني في الحقيقة تابع # للطف المعاني ، والمعاني بها تسمو # فالأكوان كلها أواني حاملة للطف المعاني ، وأصل الأواني ، تحسست وتكثفت ~~فمن لطف الأواني وذوبها بفكرته رجعت معاني ، واتصلت المعاني بالمعاني ، ~~وغابت حينئذ الأواني ، ولا يعرف هذا إلا من صحب أهل المعاني ، وهم أهل ~~الفناء والبقاء ، ومن لم يصحبهم فحسبه الوقوف مع الأجرام الحسية ، ويستعمل ~~فكرة التصديق والإيمان ، وهي عبادة التفكر والاعتبار والأولى فكرة أهل ~~الشهود والاستبصار ، وفي أمثالهم قال الشاعر : # هم الرجال وغبن أن يقال لمن # لم يتصف بمعاني وصفهم رجل # وقد ذكر في الحكم هذه الإشارة فقال " أباح لك أن تنظر ما في المكونات ، ~~وما أباح لك أن تقف مع ذوات المكونات ، (قل انظروا ماذا في السماوات) فتح ~~لك باب الأفهام ، ولم يقل : انظروا السماوات ؛ لئلا يدلك على وجود الأجرام ". # ومن سبق له في العلم القديم الخذلان لا يخرج عن دائرة الأكوان ، فلا يؤمن ~~بوجود أهل الشهود والعيان ، فما ينتظر مثل هذا إلا ما نزل بأمثاله ، من ~~هجوم الحمام قبل خروجه من سجن الأجرام ، فإنه لا ينجو من سجن الأكوان إلا ~~من صحب أهل العرفان ، الذين أفضوا إلى فضاء الشهود والعيان وقليل ما هم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 188 PageV03P258 ~~قلت : (وأن اقم) : عطف على (أن أكون) وإن كان بصيغة الأمر ؛ لأن الغرض وصل ~~" أن " بما يتضمن معنى المصدر يدل معه عليه ، وصيغ الأفعال كلها كذلك ، ~~سواء الخبر منها والطلب ، والمعنى ، وأمرت بالإيمان والاستقامة. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد لأهل مكة أو لجميع الناس : {يا أيها ~~الناس إن كنتم في شك من ديني} ؛ بأن شككتم في صحته حتى عبدتم غير الله ، ~~{فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم} فهذا ~~خلاصة ديني اعتقادا وعملا ، فاعرضوها على العقل السليم ، وانظروا فيها بعين ~~الإنصاف ، لتعلموا صحتها ، وهو أني لا أعبد ما تخلقونه وتعبدونه ، ولكن ~~أعبد خالقكم ، الذي هو يوجدكم ويتوفاكم. وإنما ms1066 خص التوفي بالذكر لأنه أليق ~~بالتهديد ، انظر البيضاوي. {وأمرت أن أكون من المؤمنين} بالله وحده ، الذي ~~دل عليه العقل ونطق به الوحي. # {وأن أقم وجهك للدين حنيفا} ؛ مائلا عن الأديان الفاسدة ، أي : أمرت ~~بالاستقامة بذاتي كلها في الدين والتوغل فيه ، بأداء الفرائض والانتهاء عن ~~القبائح ، أو : أن أقيم وجهي في الصلاة باستقبال القبلة. وقيل لي : {ولا ~~نكونن من المشركين} بالله في شيء ، {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا ~~يضرك} بنفسه ولا بدعوته ، {فإن فعلت} ودعوته {فإنك إذا من الظالمين} ، وهو ~~تنفير وتحذير للغير من الميل إليه. # ثم بين من يستحق العبادة والدعاء ، وهو الله تعالى فقال : {وإن يمسسك ~~الله} أي : يصيبك {بضر فلا كاشف له} : لا رافع له {إلا هو} أي : الله ، ~~{وإن يردك بخير فلا راد} : لا دافع {لفضله} الذي أرادك له. # قال البيضاوي : ولعله ذكر الإرادة مع الخير ، والمس مع الضر ، مع تلازم ~~الأمرين للتنبيه على أن الخير مراد بالذات ، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد ~~الأول ، ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من ~~الخير لا لاستحقاق لهم عليه ، ولم يستثن لأن مراد الله لا يمكن رده. ه. # { PageV03P259 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 189 # يصيب به} بذلك الخير {من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} ، فتعرضوا ~~لخيره بالتضرع والسؤال ، ولا يمنعكم من ذلك ما اقترفتم من العصيان والزلل ، ~~فإنه غفور رحيم. # 190 # الإشارة : ينبغي لمن تمسك بطريق الخصوص ، وانقطع بكليته إلى مولاه ، أن ~~يقول لمن خالفه في ذلك : إن كنتم في شك من ديني من طريقي فلا أعبد ما ~~تعبدون من دون الله ، من متابعة الهوى والحرص على الدنيا ، ولكن أعبد الله ~~الذي يتوفاكم ، وأمرت أن أكون من المؤمنين ، وأن اقيم وجهي للدين حنيفا ~~مائلا عن دينكم ودنياكم ، كما قال القائل : # تركت للناس دنياهم ودينهم # شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي # قال آخر : # تركت للناس ما تهوى نفوسهم # من حب دنيا ومن عز ومن جاه # كذاك ترك المقامات هنا وهنا # والقصد غيبتنا ms1067 عما سوى الله # {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} ، وهو ما سوى الله ، فليس ~~بيد أحد ضر ، ولا نفع ، ولا جلب ولا دفع ، قال في الحكم : " لا ترفعن إلى ~~غيره حاجة هو موردها عليك ، فكيف يرفع إلى غيره ما كان هو له واضعا ؟ ! من ~~لا يستطيع أن يرفع حاجته عن نفسه ؛ فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعا ؟ ! ". # قال بعضهم : من اعتمد على غير الله فهو في غرور ؛ لأن الغرور ما لا يدوم ~~، ولا يدوم شيء سواه ، وهو الدائم القديم ، لم يزل ولا يزال ، عطاؤه وفضله ~~دائمان ، فلا تعتمد إلا على من يدوم عليك منه الفضل والعطاء ، في كل نفس ~~وحين وأوان وزمان. ه. PageV03P260 # وقال وهب بن منبه : أوحى الله إلى داود عليه السلام : " يا داود أما وعزتي ~~وجلالي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي ، أعلم ذلك من نيته ~~فتكيده السماوات السبع ومن فيهن ، والأرضون السبع ومن فيهن ، إلا جعلت له ~~منهن فرجا ومخرجا ، أما وعزتي وجلالي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني ، ~~أعلم ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات من يده ، وأسخطت الأرض من تحته ~~ولا أبالي في أي واد هلك " ه. # وقال بعضهم : قرأت في بعض الكتب : أن الله عز وجل يقول : " وعزتي وجلالي ~~، وجودي وكرمي ، وارتفاعي فوق عرشي في علو مكاني ، لأقطعن آمال كل مؤمل ~~لغيري بالإياس ، ولأكسونه ثوب المذلة بين الناس ، ولأنحينه من قربي ، ~~ولأقطعنه من وصلي ، أيؤمل غيري في النوائب ، والشدائد بيدي ، وأنا الحي ، ~~ويرجى غيري ويقرع بالكفر باب غيري ، وبيدي مفاتح الأبواب ، وهي مغلقة وبابي ~~مفتحوح لمن دعاني ، ومن ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به دونها ؟ ومن ذا الذي ~~رجاني بعظيم جرمه فقطعت رجاءه مني ؟ ومن ذا الذي قرع بابي فلم أفتح له ؟ ~~جعلت آمال خلقي بيني وبينهم متصلة ، فقطعت بغيري ، وجعلت رجاءهم مدخورا لهم ~~عندي ، فلم يرضوا بحفظي ، وملأت سماواتي بمن لا يملون # 191 PageV03P261 ~~تسبيحي من ملائكتي ، وأمرتهم ألا يغلقوا الأبواب بيني وبين ms1068 عبادي ، فلم ~~يثقوا بقولي ، ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد ~~غيري ؟ فما لي أراه بآماله معرضا عني ؟ وما لي أراه لاهيا إلى سواي ، ~~أعطيته بجودي ما لم يسألني ثم انتزعته منه فلم يسألني رده. وسأل غيري ، ~~أفتراني أبدا بالعطية قبل المسألة ثم أسأل فلا أجيب سائلي ؟ أبخيل أنا ~~فيبخلني خلقي ؟ أليس الدنيا والآخرة لي ؟ أوليس الجود والكرم لي ؟ أوليس ~~أنا محل الآمال ؟ فمن ذا الذي يقطعها دوني ؟ وما عسى أن يؤمل المؤملون لو ~~قلت لأهل سمواتي وأهل أرضي : أملوني ، ثم أعطيت كل واحد منهم من الفكر مثل ~~ما أعطيت الجميع ، ما انتقص ذلك من ملكي عضو ذرة ، وكيف ينقص ملك كامل أنا ~~فيه ؟ . فيا بؤس القانطين من رحمتي ، ويا بؤس من عصاني ولم يراقبني ، وثب ~~على محارمي ولم يستح مني ". # جزء : 3 رقم الصفحة : 189 # يقول الحق جل جلاله : {قل أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم} الرسول أو ~~القرآن ، {فمن اهتدى} بالإيمان والمتابعة {فإنما يهتدي لنفسه} ؛ لأن نفعه ~~لها ، {ومن ضل فإنما يضل عليها} ؛ لأن وبال الضلال عليها ، {وما أنا عليكم ~~بوكيل} أي : موكل عليكم ، فأقهركم على الإيمان ، وإنما أنا بشير نذير. وهو ~~منسوخ بآية السيف. {واتبع ما يوحى إليك} بالامتثال والتبليغ ، {واصبر حتى ~~يحكم الله} بينك وبين عدوك ، بالأمر بالقتال ، ثم بالنصر والعز ، {وهو خير ~~الحاكمين} إذا لا يمكن الخطأ في حكمه ، لاطلاعه على السرائر كاطلاعه على ~~الظواهر. PageV03P262 # الإشارة : يا أيها الناس قد جاءكم من يعرفكم بالحق من ربكم ، فمن اهتدى ~~بمعرفته واتباعه نفع نفسه ، حيث أخرجها من غم الحجاب ، وشفاها من سقم الشك ~~والارتياب ، ومن ضل عن معرفته فوباله عليه ، حيث ترك نفسه في أودية الخواطر ~~تجول ، وحرمها من الله حقيقة الوصول. ويقال : للعارف إذا اعرض الخلق عنه ، ~~ولم ينفع فيهم تذكيره ووعظه : اتبع ما يوحى إليك من وحي الإلهام ، فإنه حق ~~في حق الخصوص ؛ إذ لا يتجلى في قلوبهم إلا ما هو حق ، حيث تطهرت من خواطر ~~الخلق. واصبر حتى ms1069 يحكم الله بإرسال ريح الهداية ، وهو خير الحاكمين. وبالله ~~التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. # 192 # جزء : 3 رقم الصفحة : 192 PageV03P263 ### | AUTO سورة هود # جزء : 3 رقم الصفحة : 192 # قلت : (كتاب) : خبر ، أي : هذا كتاب. و(أحكمت) : صفة. و(من لدن) : خبر ~~ثان ، أو خبر " كتاب " إن جعل مبتدأ ، أو صفة له ، إن كان خبرا. و(ألا ~~تعبدوا) : " أن " مفسرة ، أو مصدرية في موضع مفعول لأجله ، أو بدل من ~~الآيات أو مستأنف. و(أن استغفروا) : عطف عليه. و(حين) : متعلق بمحذوف ، أي ~~: ألا إنهم يثنونها حين يستغشون... الخ. و(يعلم) : استئناف لبيان النقض عليهم. # يقول الحق جل جلاله : أيها الرسول المصطفى ، هذا الذي تقرؤه {كتاب أحكمت ~~آياته} ؛ أتقنت ، ونظمت نظما محكما ، لا يعتريه خلل من جهة اللفظ ولا ~~المعنى ، أو # 193 # أحكمت من النسخ بشريعة أخرى ، أو أحكمت بالحجج والبراهين ، أو جعلت حكيمة ~~؛ لأنها مشتملة على أمهات الحكم العلمية. {ثم فصلت} ؛ بينت لاشتمالها على ~~بيان العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار. أو فصلت سورة سورة ؛ ليسهل ~~حفظها. وفصلت بالإنزال نجما نجما ، في أزمنة مختلفة. أو فصل فيها لخص ما ~~يحتاج إليه من الأحكام. و(ثم) : للتفاوت في الحكم ؛ لأن الأحكام صفة ذاتية ~~، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له. نزل ذلك في الكتاب {من لدن حكيم خبير} ~~، ولذلك كان محكما مفصلا بالغا في ذلك الغاية ؛ لأن الحكيم الخبير لا يخفى ~~عليه ما يخل بنظم الكلام. # قائلا ذلك الكتاب : ألا تعبدوا معه غيره. وقال في القوت : {كتاب أحكمت ~~آياته} يعني : بالتوحيد ، {ثم فصلت} أي : بالوعد والوعيد. ثم قال : {من لدن ~~حكيم} أي : بالإحكام للأحكام ، {خبير} بالتفصيل للحلال والحرام. {ألا ~~تعبدوا إلا الله} ؛ هذا هو التوحيد الذي أحكمه. {إنني لكم منه نذير} ~~بالعذاب ، {وبشير} بالثواب لمن آمن به. هذا هو الوعد والوعيد. قاله ~~البيضاوي : {إنني لكم منه} أي : من الله ، {نذير وبشير} بالعقاب على الشرك ~~والثواب على التوحيد. {وأن استغفروا ربكم} : عطف على " ألا تعبدوا " ، {ثم ~~توبوا إليه} ؛ ثم توصلوا إلى مطلبكم بالتوبة ؛ فإن المعرض عن طريق الحق لا ~~بد له ms1070 من رجوع. وقيل : استغفروا من الشرك ، ثم توبوا إليه بالطاعة ، ويجوز ~~أن يكون " ثم " : للتفاوت بين الأمرين. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 193 PageV03P264 ~~قال ابن جزي : {استغفروا ربكم} مما تقدم من الشرك والمعاصي ، ثم ارجعوا ~~إليه بالطاعة والاستقامة.ه. وقال الواحدي : {استغفروا ربكم} من ذنوبكم ~~السابقة ، {ثم توبوا إليه} من المستأنفة متى وقعت. ه. {يمتعكم متاعا حسنا} ~~؛ يحييكم حياة طيبة بالأرزاق والنعم والخيرات ، فتعيشوا في أمن ودعة. {إلى ~~أجل مسمى} ؛ تمام أجلكم ، فلا يستأصلكم بالعذاب ، أو يمتعكم بالرجاء فيه ~~والرضا بقضائه ؛ لأن الكافر قد يمتع بالأرزاق في الدنيا ؛ استدراجا ، ~~{ويؤت} في الآخرة {كل ذي فضل} ؛ عمل صالحا ، {فضله} أي : جزاء فضله ، فيوفي ~~ثوابه عمله ، أو يعطي كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة. وهو ~~وعد للمؤمن التائب بخير الدارين. # {وإن تولوا} أي : وإن تتولوا عما أمرتكم به ، {فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير} ؛ يوم القيامة ، أو يوم الشدة بالقحط والجوع ، وقد نزل بهم حتى أكلوا ~~الجيف. أو يوم بدر {إلى الله مرجعكم} أي : رجوعكم في ذلك اليوم الكبير ، أو ~~بالموت ، {وهو علىا كل شيء قدير} ؛ فيقدر على بعثهم وعذابهم أشد العذاب. ~~وكأنه تقرير لكبر اليوم. # {ألا أنهم يثنون صدورهم} ؛ يلوونها عن الحق وينحرفون عنه ، أو يعطفونها ~~على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو يولون ظهورهم إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ؛ لئلا يروه من شدة البغض والعداوة ، {ليستخفوا منه} أي ~~: من الرسول عليه الصلاة والسلام أو : من الله بسرهم ، # 194 # فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل : إنها نزلت في طائفة من المشركين ، ~~قالوا : إن أرخينا ستورنا ، واستغشينا ثيابنا ، وطوينا صدورنا على عداوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم ذلك ؟ والحاصل : أن الإثناء إن كان عن ~~الحق فالضمير في : (منه) ، يعود على الله ، وإن كان عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فالضمير يعود عليه ؛ وفي البخاري عن ابن عباس : أنها نزلت فيمن ~~كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء. PageV03P265 # وقوله : {ألا حين يستغشون ثيابهم} ms1071 : يحتمل أن يكون عند النوم ، فيكون ~~الإثناء عن الحق ، أو عن الله ، أو عند مواجهة الرسول ، فيكون الإثناء عن ~~رؤيته عليه الصلاة والسلام ، أو عن سماع القرآن. قال تعالى : {يعلم ما ~~يسرون} في قلوبهم ، {وما يعلنون} بأفواههم فقد استوى في علمه سرهم ~~وعلانيتهم ، فكيف يخفى عليه أمرهم واستخفاؤهم منه ؟ {إنه عليم بذات الصدور} ~~أي : بالأسرار صاحبة الصدور ، أو بحقائق الصدور وما احتوت عليه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 193 # الإشارة : يقول الحق جل جلاله : هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات ، ~~ثم فصلت ببيان الصفات ، أو : أحكمت بتبيين الحقائق ، ثم فصلت بتبيين ~~الشرائع : أو أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف ، ثم فصلت ~~ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف ، أو : أحكمت ببيان أسرار الملكوت ~~، ثم فصلت ببيان أحكام الملك. ثم بين ما يتعلق بالذات فقال : {ألا تعبدون ~~إلا الله} وبين ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال : {وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه} ، أو : بين ما يتعلق بالحقائق ، ثم ما يتعلق بالشرائع ، وهكذا. ~~فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعا حسنا ؛ بشهود ذاته ، والتنزه ~~في أنوار صفاته ، إلى أجل مسمى ، وهو : النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر ~~، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود ، فمن تولى عن هذا خاف من ~~عذاب يوم كبير ، وهو : غم الحجاب ، والتخلف عن الأحباب. ثم عاتب أهل الشهود ~~حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة ، بقوله : {ألا إنهم ~~يثنون صدورهم...} ، الآية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 193 PageV03P266 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما من دابة في الأرض} أي : كل ما يدب عليها ؛ عاقلا ~~أو غيره ، {إلا على الله رزقها} ؛ غذاؤها ومعاشها ؛ لتكلفه إياه بذلك ؛ ~~تفضلا وإحسانا. وإنما أتى بعلى التي تقتضي الوجوب ؛ تحقيقا لوصوله ، ~~وتهييجا على التوكل وقطع الوساوس فيه ، {ويعلم مستقرها ومستودعها} ؛ ~~أماكنها في الحياة والممات ، أو الأصلاب # 195 # والأرحام. أو : مستقرها في الأرض بعد وجودها ، ومستودعها : موادها قبل ~~إيجادها. أو بالعكس : مستقرها : موادها في العلم قبل الظهور ، ومستودعها ~~إقامتها في الدنيا ms1072 بعد الوجود. {كل} واحد من الدواب على اختلاف أجناسها ~~وأصنافها {في كتاب مبين} ؛ مذكور في اللوح المحفوظ ، أو في العلم القديم ~~المبين للأشياء ، قال البيضاوي : وكأنه أريد بالآية كونه عالما بالمعلومات ~~كلها ، وبما بعدها بيان كونه قادرا على الممكنات بأسرها ، تقريرا للتوحيد ~~ولما سبق من الوعد والوعيد. ه. # الإشارة : هم الرزق ، وخوف الخلق ، من أمراض القلوب ، ولا ينقطعان عن ~~العبد حتى يكاشف بعلم الغيوب وهو التوحيد الخاص ؛ أعني : الرسوخ في الشهود ~~والعيان. وإنما يضر العبد ما كان ساكنا ، وأما الخواطر التي تلمع وتذهب ، ~~فلا تضر ؛ لأن الإنسان خلق ضعيفا. PageV03P267 # واعلم ان الرزق على قسمين : رزق الأرواح ، ورزق الأشباح. فرزق الأرواح ~~معنوي ، وهو : قوت الروح من المعرفة وعلم اليقين. ورزق الأشباح حسي ، وهو : ~~الطعام والشراب. وقد تكفل الله بالأمرين معا ، وأمر بالتسبب فيهما ، قياما ~~برسم الحكمة. فالتكفل حقيقة ، والتسبب شريعة ، فالعامة اشتغلوا بالتسبب في ~~الرزق الحسي والبحث عنه ، ولم يعبأوا بالرزق المعنوي ، ولا عرفوه ؛ من شدة ~~إعراضهم عنه ، مع أنهم لو فقدوا الرزق المعنوي لماتت أرواحهم. والخاصة ~~اشتغلوا بالتسبب في الرزق المعنوي والبحث عنه ، ولم يعبأوا بالرزق الحسي من ~~شدة إعراضهم عنه ، مع أنهم لو فقدوا الرزق الحسي لهلكت أشباحهم. وخاصة ~~الخاصة يتسببون في الرزق الحسي والمعنوي ، وليس هم مع إرادتهم في واحد ~~منهما ، وإنما هم أبدا مع إرادة مولاهم راتعين أبدا ، حيث دفعتهم إرادة ~~سيدهم في الحسي أو في المعنوي من غير تبرم ولا التفات لغيره ، كما قال ~~القائل : # آراني كالآلات وهو محركي # أنا قلم والاقتدار أصابع # جزء : 3 رقم الصفحة : 195 # العامة قد حجبوا عن الله بإرادتهم للرزق الحسي ، حيث صار الرزق الحسي هو ~~حظ النفوس. صاروا مع حظ نفوسهم لا غير ، والخاصة وجدوا الله في طلبهم للرزق ~~المعنوي ، لأنه حق الله ، لا حظ للنفس فيه ، لأجل ذلك لما كانوا لله كان ~~الله لهم. وخاصة الخاصة ليس هم مع إرادتهم في شيء ، بل هم بالله في الأحوال ~~كلها لا بنفوسهم. قد انمحت إرادتهم في إرادة الله ، فصارت إرادتهم إرادة ms1073 ~~الله ، وفعلهم فعله. وهذا المقام يقال له : التمكين بالتلوين. ه. قاله شيخ ~~شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي الله عنه في كتابه ، نفعنا الله بهم ~~جميعا. قوله تعالى : {ويعلم مستقرها ومستودعها} أي : يعلم مستقرها في العلم ~~، ومستودعها في العمل ، أو مستقرها في الحال ، ومستودعها في المقام ، أو ~~مستقرها في # 196 PageV03P268 ~~الفناء ، ومستودعها في البقاء ، أو مستقرها في التلوين ومستودعها في ~~التمكين ، أو مستقرها في عالم الأشباح ، ومستودعها في عالم الأرواح. ~~وأنشدوا : # كل شيء سمعته أو تراه # فهو للقبضتين يشير # ضع قميصي عن العيون ترى ما # غاب عنك فقد أتاك البشير # فالمراد بالقبضتين : الحس والمعنى ، وإن كانا في الأصل قبضة واحدة ، لكن ~~لما تجلت بالضدين سماها قبضتين. فالحس رداء للمعاني. وسماه هنا قميصا ؛ ~~لأنه يستر كالرداء ، فإذا رفع القميص عن عيون البصيرة رأت ما غاب عنها من ~~أنوار الملكوت وأسرار الجبروت ، وهذا معنى قوله : ضع قميصي عن العيون. ~~إلخ... ورفع حجاب المعنى عن البصيرة هو بشير الولاية وعنوانها. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 195 # يقول الحق جل جلاله : {وهو الذي خلق السماوات والأرض} وما بينهما وما ~~فيهما {في} مقدار {ستة أيام} من أيام الدنيا ، أو خلق العالم العلوي ~~والسفلي في مقدار ذلك. وجمع السماوات دون الأرض ؛ لاختلاف العلويات بالأصل ~~والذات دون السفليات. {وكان عرشه على الماء} قيل : لم يكن بينهما حائل ، ~~وكان موضوعا على متن الماء. واستدل به على إمكان الخلاء ، وعلى أن الماء ~~أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم. وقيل : كان الماء على متن الريح. ~~والله أعلم بذلك. قاله البيضاوي. PageV03P269 # قلت : الخلاء هو الفضاء الخارج عن دائرة الأكوان. وهو عند المتكلمين من ~~جملة الممكنات ، ووجه الاستدلال من الآية على إمكانه : أن العرش والماء لما ~~كانا محصورين لزم أن يكون ما خرج عنهما خلاء ، وكل ما سوى الله فهو ممكن. ~~وعند الصوفية : هو أسرارالذات الأزلية الجبروتية ، كما أن الأكوان هي أنوار ~~الصفات الملكوتية ، ولا شيء معه ، {سبحانه وتعالى عما يشركون}. ونقل بعض ~~أهل التاريخ : أن الله تعالى ms1074 خلق بعد العرش ياقوته صفراء ، ذكروا من عظمتها ~~وسعتها ، ثم نظر إليها ، فذابت من هيبته ، فصارت ماء ، فكان العرش مرتفعا ~~فوقها ، ثم اضطرب ذلك الماء ، فعلته زبدة ، خلق منها الأرض ، ثم ارتفع من ~~الماء دخان خلق منه السماوات. ه. # خلق ذلك {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} أي : ليختبركم اختبارا تقوم به الحجة ~~عليكم ، {أيكم احسن عملا} بالزهد في هذا العالم الفاني ، وتعلق الهمه ~~بالعالم الباقي # 197 # قال البيضاوي : أي : يعاملكم معاملة المبتلى لأحوالكم ، كيف تعملون ؟ فإن ~~جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم ، وما تحتاج إليه أعمالكم ، ودلائل ~~وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها. ثم قال : فالمراد بالعمل ما يعم عمل ~~القلب والجوارح. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " أيكم أحسن عقلا وأروع عن ~~محارم الله وأسرع في طاعة الله ". والمعنى : أكمل علما وعملا. ه. PageV03P270 # قال المحشي : ويتجه كون المعنى : أيكم أكثر شكرا لله على تمهيد تلك المنافع ~~والمصالح. والشكر يشمل الطاعات القلبية والبدنية. ويحتمل أنه كآية : {وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات : 56]. وأن بقاء الدنيا وخلقها ~~إنما هو للتكليف ، فإذا لم يبق في الأرض من يعبد الله انقضت الدنيا ، وجاءت ~~الساعة ، كما تقتضيه الأحاديث الصحاح والمتبادر ما قدمناه ، وحاصله : أنه ~~خلق الأشياء من أجل ابن آدم ، ولتدله على خالقه فيجني بها ثمار معرفته ~~تعالى ، ويعترف بشكره ، وإفراد عبادته. وقد جاء : " خلقت الأشياء من أجلك ~~وخلقتك من أجلي ". # جزء : 3 رقم الصفحة : 197 # قلت : فيكون المعنى : هو الذي أظهر الوجود من عرشه إلى فرشه ، ليختبركم ~~أيكم أحسن عملا بالاشتغال بالله ، والعكوف في حضرته دون الوقوف مع ظاهر ~~الكون ، والاشتغال بحسه ، مع كونه خلق من أجله. ثم قال : وقوله تعالى : ~~{لئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت...} الآية ، هو : تنبيه على أن الإنكار ~~الكفار للبعث بعد إقرارهم بأن الله تعالى خالق العالم ، الذي هو أعظم من ~~البعث ، تناقض منهم ؛ لأن إقرارهم بقدرته على الأكبر ، ثم إنكارهم لما هو ~~أيسر تناقض. ه. أي : ولئن ذكرت لهم البعث بعد الموت لقالوا ما هذا إلا سحر ms1075 ~~ظاهر. أي : ما البعث أو القول به ، أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في ~~الخديعة أو البطلان. وقرأ حمزة ساحر أي : القائل بهذا. والله تعالى أعلم. PageV03P271 # الإشارة : في صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم : " كان الله ولا شيء ~~معه ، وكان عرشه على الماء " الحديث. فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الحق جل ~~جلاله كان في أزله لا شيء معه ، ثم أظهر الأشياء من نوره بنوره لنوره ، فهو ~~الآن على ما كان عليه. وعن أبي رزين : قلنا : يا رسول الله! أين كان ربنا ~~قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : " كان في عماء ما فوقه هواء ، وما تحته هواء ، ~~وخلق عرشه على الماء ". والعماء هو : الخفاء ، قال تعالى : {فعميت عليهم ~~الأنبآء} [القصص : 66] ، أي : خفيت. ويقال للسحاب عماء ؛ لأنه يخفى ما فيه. ~~وقال الششتري : في المقاليد : كان في عمى ، ما فوقه هواء ، وما تحته هواء. ~~هي الوحدة المصمتة # 198 # الصمدية ، البحر الطامس الذي هو الأزل والأبد ، فلم يكن موجود غير الوجود ~~هو هو.ه. # والحاصل : أن الحق جل جلاله كا في سابق أزله ذاتا مقدسة ، لطيفة خفيفة عن ~~العقول ، نورانية متصفة بصفات الكمال ، ليس معها رسوم ولا أشكال ، ثم أظهر ~~الحق تعالى قبضة من نوره حسية معنوية ؛ إذ لا ظهور للمعنى إلا بالحس ، فقال ~~لها : كوني محمدا ، فمن جهة حسها محصورة ، ومن جهة معناها لا نهاية لها ، ~~متصلة ببحر المعاني الأزلي ، الذي برزت منه ، وما نسبتها من ذلك البحر من ~~جهة حسها إلا كخردلة في الهواء. وقد أشار ابن الفارض إلى وصف هذه الخمرة ~~الأزلية وهو تفسير للعماء المذكور قبل فقال : # صفاء ولا ماء ، ولطف ولا هوا # ونور ولا نار ، وروح ولا جسم # تقدم كل الكائنات حديثها # قديما ولا شكل هناك ، ولا رسم # جزء : 3 رقم الصفحة : 197 # وقامت بها الأشياء ثم لحكمة # بها احتجبت عن كل من لا له فهم PageV03P272 ~~فالأشكال والرسوم متفرعة من تلك القبضة المحمدية ، والقبضة متدفقة من بحر ~~الجبروت الذي لا نهاية له ، فهي حقيقة ، وما ظهر تحديدها إلا من ms1076 جهة حسها. ~~فهي كثلجة في بحر ، ماؤها الباطن متصل في البحر ، وظاهرها محدود محصور. ~~فالأشكال كلها غريقة في بحر الجبروت. ولذلك قال صاحب العينية : # هو العرش الكرسي والمنظر البهي # هو السدرة التي إليها المراجع # وقال أيضا : # هو الموجد الأشياء وهو وجودها # وعين ذوات الكل وهو الجوامع # فأوصافه والاسم والأثر الذي # هو الكون عين الذات والله جامع # فالأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، فالحق تعالى كما كان لا ~~شيء معه ، فهو الآن كما كان. إذ التغير في حقه تعالى محال ، ولا يعلم هذه ~~الأسرار إلا من صحب أهل الأسرار ، وحسب من لم يصحبهم التسليم. كما رمزوا ~~وأشاروا إليه : # وإن لم تر الهلال فسلم # لأناس رأوه بالأبصار # وقوله تعالى : {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} أي : ليظهر منكم من يقف مع ~~الأكون ، ومن ينفذ إلى شهود المكون. وهو الذي حسن عمله ، وارتفعت همته. ~~ولئن قلت أيها العامي : إنكم تحيون بالمعرفة من بعد موت قلوبكم بالجهل ~~والغفلة إن صحبتموني ، ليقولن أهل الإنكار : إن هذا إلا سحر مبين. # 199 # جزء : 3 رقم الصفحة : 197 # قلت : (يوم) : معمول لخبر ليس ، وهو دليل جواز تقديمة إن كان ظرفا. # {يقول الحق جل جلاله : } {ولئن أخرنا عنهم العذاب} الموعود في الدنيا ، ~~أو في الآخرة ، {إلى أمة} أي : أوقات معدودة قلائل ، {ليقولن} ؛ استهزاء : ~~{ما يحسبه} ؟ أي : ما يمنعه من الوقوع الآن ؟ {ألا يوم يأتيهم} وينزل بهم ~~كيوم بدر ، أو يوم القيامة {ليس مصروفا عنهم} ليس مدفوعا عنهم حين ينزل بهم ~~، {وحاق} ؛ نزل وأحاط {بهم ما كانوا به يستهزئون} ، وضع الماضي الاستقبال ؛ ~~تحقيقا للوقوع ، ومبالغة في التهديد. PageV03P273 # الإشارة : إمهال العاصي بإهمال له ؛ فإن الله تعالى يمهل ولا يهمل. فإمهاله ~~إما استدراج ، أو انتظار لتوبته ، فليبادر بالتوبة قبل الفوات ، وبالعمل ~~الصالح قبل الممات. فما أبعد ما فات ، وما أقرب ما هو آت ، وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 199 # قلت : (ولئن) : شرط وقسم ، ذكر جواب القسم ، واستغنى به عن جواب الشرط. # يقول الحق جل جلاله : {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة} أي : أعطيناه نعمة ms1077 ~~يجد لذتها. {ثم نزعناها منه} أي : سلبنا تلك النعمة منه {إنه ليؤوس} ؛ قنوط ~~، حيث قل رجاؤه من فضل الله ؛ لقلة صبره ، وعدم ثقته بربه ، {كفور} : مبالغ ~~في كفران ما سلف له من النعم ، كأنه لم ير نعمة قط. {ولئن أذقناه نعماء بعد ~~ضراء مسته} ؛ كصحة بعد سقم ، وغنى بعد فقر ، أو علم بعد جهل ، {ليقولن ذهب ~~السيئات}. أي : المصائب التي مستني ، {عني} ، ونسي مقام الشكر. {إنه لفرح} ~~أي : بطر متعزز بها ، {فخور} على الناس ، متكبر بها ، مشغول بذلك عن شكرها ~~، والقيام بحقها. قال البيضاوي : وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على ان ما ~~يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة ، ~~وأنه يقع في الكفر والبطر بأدنى شيء ؛ لأن الذوق : إدراك المطعم ، والمس ~~مبدأ الوصول إليه. ه. # 200 # {إلا الذين صبروا} على الضراء ؛ إيمانا بالله ، واستسلاما لقضائه ، ~~{وعملوا الصالحات} شكرا لآلائه ، سابقها ولاحقها ، {أولئك لهم مغفرة} ~~لذنوبهم ، {وأجر كبير} أقلة الجنة ، وغايته النظرة. والاستثناء من الإنسان ~~؛ لأن المراد به الجنس. ومن حمله على الكافر لسبق ذكرهم جعله منقطعا. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : ينبغي للعبد أن يكون شاكرا للنعم ، صابرا عند النقم ، واقفا مع ~~المنعم دون النعم. إن ذهبت من يدة نعمة رجى رجوعها ، وإن أصابته نقمة انتظر ~~انصرافها. والحاصل : ان يكون عبدا لله في جميع الحالات. PageV03P274 # حكي أن سيدنا موسى عليه السلام قال : يا رب دلني على عمل إذا عملته رضيت ~~عني. قال : إنك لا تطيق ذلك ، فخر ساجدا متضرعا ، فقال : يا ابن عمران ؛ إن ~~رضاي في رضائك بقضائي. ه. وقال ابن عباس رضي الله عنه أول شيء كتبه الله في ~~اللوح المحفوظ : أنا الله لا إله إلا أنا ، محمد رسولي ، فمن استسلم لقضائي ~~، وصبر على بلائي ، وشكر نعمائي ، كتبته صديقا ، وبعثته مع الصديقين ، ومن ~~لم يستسلم لقضائي ، ولم يصبر على بلائي ، ولم يشكر نعمائي ، فليتخذ ربا ~~سوائي. ه. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ثلاث من رزقهن خير ~~الدنيا والآخرة : الرضا بالقضاء ، والصبر ms1078 على الأذى ، والدعاء في الرخاء. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 200 # يقول الحق جل جلاله : لنبيه صلى الله عليه وسلم : {فلعلك تارك بعض ما ~~يوحى إليك} ، فلا تبلغه وهو ما فيه تشديد على المشركين ، مخافة ردهم ~~واستهزائهم به. ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه. فالعصمة مانعة من ذلك. ~~فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك شيئا من الوحي إلا بغله ، ولكن الحق ~~تعالى شجعه وحرضه على التبليغ في المستقبل. ولو قوبل بالإنكار. # ثم قال له : {وضائق به صدرك} ؛ أي : ولعله يعرض لك في بعض الأحيان ضيق في ~~صدرك ، فلا تتلوه عليهم مخافة {أن يقول لولا أنزل عليه كنز} ينفقه ~~للاستتباع # 201 # كالملوك ، أو يستغني به عن طلب المعاش ، {أو جاء معه ملك} يشهد له ، ~~والقصد تسليته صلى الله عليه وسلم عن قولهم ، حتى يبلغ الرسالة ولا يبالي ~~بهم. وإنما قال : {ضائق} ؛ ليدل على اتساع صدره صلى الله عليه وسلم ، وقلة ~~ضيقه في الحال. {إنما أنت نذير} ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك ، ولا ~~عليك ردوا أو اقترحوا ، فلا يضيق صدرك بذلك. {والله تعالى على كل شيء وكيل} ~~فتوكل عليه ، فإنه عالم بحالهم ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم. PageV03P275 # {أم} ؛ بل {يقولون افتراه} أي : ما يوحى إليه ، {قل} لهم : {فأتوا بعشر سور ~~مثله} في البيان وحسن النظم. تحداهم أولا بعشر سور ، فلما عجزوا سهل الأمر ~~عليهم وتحداهم بسورة. وتوحيد المثل باعتبار كل واحد. {مفتريات} ؛ مختلفات ~~من عند أنفسكم ، إن صح أني اختلقته من عند نفسي ؛ فإنكم عرب فصحاء مثلي. ~~{وادعوا من استطعتم من دون الله} للمعاونه على المعارضة ، {إن كنتم صادقين} ~~أنه مفترى. {فإن لم يستجيبوا لكم} ؛ فإن عجزوا عن الإتيان ، {فاعلموا} أيها ~~الرسول المؤمنون {إنما أنزل بعلم الله} ؛ بإذنه ، أو بما لا يعلمه إلا الله ~~من الغيوب. والمعنى : دوموا على إيمانكم ، وزيدوا يقينا فيه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # قال البيضاوي : وجمع الضمير ؛ إما لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو ~~لأن المؤمنين كانوا يتحدونهم ، فكان أمر الرسول عليه الصلا ة والسلام ms1079 ~~متناولا لهم من حيث إنه يجب اتباعه عليهم في كل أمر إلا خصه الدليل. أو ~~للتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم. ولذلك رتب عليه ~~قوله : {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} ؛ ملتبسا بما لا يعلمه إلا الله ، ~~لأن العالم والقادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره. {وأن لا إله إلا هو} ؛ ~~لظهور عجز آلهتهم. {فهل أنتم مسلمون} ؟ ثابتون على الإسلام ، راسخون مخلصون ~~فيه ، إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقا. PageV03P276 # ويجوز أن يكون الكل خطابا للمشركين ، والضمير في {يستجيبوا} لمن استطعتم ، ~~أي : فإن لم يستجيبوا لكم ، أي : من استعنتم به على المعارضة لعجزهم ، وقد ~~عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة ، {فاعلموا} أنه نظم لا يعلمه إلا الله ~~وأنه منزل من عنده ، وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق ، فهل أنتم داخلون في ~~الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة ؟ وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ ؛ لما ~~فيه معنى الطلب ، والتنبيه على قيام الموجب ، وزوال العذر. ه. وقال في ~~الوجيز : فإن لم يستجيبوا لكم ؛ من تدعون إلى المعاونة ، ولا تهيأ لكم ~~المعارضة ، فقد قامت عليكم الحجة ، {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} أي : ~~أنزل والله عالم بإنزاله ، وعالم أنه من عنده ، {فهل أنتم مسلمون} ؟ ~~استفهام ، معناه الأمر ، كقوله {فهل أنتم منتهون} [المائدة : 91]. ه. # الإشارة ينبغي لأهل الوعظ والتذكير أن يعمموا الناس في التذكير ، ولا ~~يفرقوا بين # 202 # أهل الصدق ، وأهل التنكير. يل ينصحوا العباد كلهم ، ولا يتركوا تذكيرهم ، ~~ومخافة الرد عليهم ، ولا تضيق صدورهم بما يسمعون منهم ، اقتداء بنبيهم صلى ~~الله عليه وسلم ، وقد قال لقمان لابنه حين أمره بالتذكير {واصبر علىا مآ ~~أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان : 17] ، فإن طلبوا من المذكر الدليل ~~فليقل : إنما أنا نذير ، والله على كل شيء وكيل : فإن قالوا : هذا الذي ~~تذكر كلنا نعرفه ، فليقل : فأتوا بسورة من مثله ، أو بعشر سور من مثله. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 201 # قلت : " ما صنعوا فيها " : الضمير يعود على الدنيا ، والظرف يتعلق ~~بصنعوا. أو يعود ms1080 على الآخرة ، ويتعلق الظرف بحبط ، أي : حبط في الآخرة ما ~~صنعوا من الأعمال في الدنيا. PageV03P277 # يقول الحق جل جلاله : {من كان يريد} بعمله {الحياة الدنيا وزينتها} ، فكان ~~إحسانه وبره رياء وسمعة ، {نوف إليهم أعمالهم فيها} أي : نوصل إليهم جزاء ~~أعمالهم في الدنيا ، من الصحة والرئاسة ، وسعة الأرزاق ، وينالون ما قصدوا ~~من حمد الناس ، وإحسانهم وبرهم ، {وهم فيها لا يبخسون} لا ينقصون شيئا من ~~أجورهم ، فيحتمل : أن تكون الآية نزلت في أهل الرياء من المؤمنين الذين ~~يراؤون بأعمالهم ؛ كما ورد في حديث الغازي والغني القارئ المرائين ، وأنهم ~~أول من تسعر بهم جهنم. ويحتمل أن تكون نزلت في الكفار ، وهو أليق بقوله : ~~{أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} ؛ لأنهم استوفواما تقضيه صور ~~أعمالهم الحسنة ، وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة. {وحبط ما صنعوا فيها} أي ~~: في الدنيا فكل ما صنعوا في الدنيا من الإحسان حبط يوم القيامة ؛ لأنهم لم ~~يريدوا به وجه الله. والعمدة في انتظار ثواب الأعمال هو الإخلاص ، {وباطل ~~ما كانوا يعملون} ؛ لأنه لم تتوفر فيه شروط الصحة التي من جملتها الإخلاص. # الإشارة : في الحديث " من كان الدنيا همه : فرق الله عليه أمره ، وجعل ~~فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له. ومن كانت الآخرة نيته ~~: جمع الله عليه أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي صاغرة ". قلت ~~: ومن كان الله همه كفاه هم الدارين. فطالب الدنيا أسير ، وطالب الآخرة # 203 # أجير وطالب الحق أمير. فارفع همتك أيها العبد عن دار الفانية ، وعلق قلبك ~~بالدار الباقية ، ثم ارفعها إلى شهود الذات العالية ، ولا تكن ممن قصر همته ~~على هذه الدار فتكن ممن ليس له في الآخرة إلا النار. وحصن أعمالك بالإخلاص ~~، وإياك وملاحظة الناس ؛ فتبوأ بالخيبة والإفلاس ، وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 203 PageV03P278 ~~قلت : (أفمن كان) : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : كمن كان يريد الدنيا ~~وزينتها. # يقول الحق جل جلاله : {أفمن كان على بينة} ، طريقة واضحة {من ربه} وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ms1081 ، كمن ليس كذلك ، ممن همه الدنيا ؟ ! ~~والمراد بالبينة : ما أدرك صحته العقل والذوق ، أي : على برهان واضح من ربه ~~، وهو الدليل العقلي ؛ والأمر الجلي. أو برهان من الله يدله على الحق ~~والصواب فيما ياتيه ويذره ، {ويتلوه} ؛ ويتبع ذلك البرهان الذي هو دليل ~~العقل ، {شاهد منه} أي : من الله يشهد بصحته ، وهو : القرآن ، لأنه مصباح ~~البصيرة والقلب ؛ فهو يشهد بصحة ما أدركه العقل من البرهان. # {ومن قبله} أي : من قبل القرآن ، {كتاب موسى} يعني : التوارة ، فإنها ~~أيضا متلوة شاهدة بما عليه الرسول ومن تبعه من البينة الواضحة. أو البينة : ~~القرآن ، والشاهد : جيريل عليه السلام ، أو علي كرم الله وجهه ، أو ~~الإنجيل ، وهو حسن ، لقوله : {ومن قبله كتاب موسى} ؛ فإن التوراة قبل ~~الإنجيل. قال ابن عطية : وهنا اعتراض ؛ وهو أن الضمير قي " قبله " عائدا ~~على القرآن ، فلم لم يذكر الإنجيل وهو قبله وبينه وبين كتاب موسى ؟ ~~فالانفصال عنه : أنه خص التوراة بالذكر ؛ لأن الملتين متفقتان على أنها من ~~عند الله ، والإنجيل قد خالف فيها. فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على ~~الكتابين أولى. وهذا كقول الجن {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسىا} ~~[الاحقاف : 30]. وقول النجاشي : " إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاه ~~واحدة " ، . ه. وإذا فسرنا الشاهد بالإنجيل سقط الاعتراض. PageV03P279 # ثم وصف التوراة بقوله : {إماما}. أي : مؤتما به في الدين ، لأجله ، {ورحمة} ~~على المنزل عليهم. {أولئك} أي : من كان على بينة من ربه ، {يؤمنون به} أي : ~~بالقرآن ، {ومن يكفر به من الأحزاب} : كأهل مكة ، ومن تحزب منهم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، {فالنار موعده} يدخلها لا محالة ، {فلا تك في ~~مرية} ؛ شك {منه} أي : من # 204 # ذلك الموعد ، أو القرآن ، {إنه الحق من ربك} الثابت وقوعه ، {ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون} ؛ لقلة نظرهم ، وإخلال فكرتهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 204 # الإشارة : لا يكون العبد على بينة من ربه حتى يتحقق فيه أمران ، أولهما : ~~التوبة النصوح ، والثاني : الزهد التام. فإذا تحقق فيه الأمران كان بينة من ~~ربه. وهي ms1082 درجات ؛ أولها : بينة ناشئة عن صحيح النظر ولاعتبار ، وهي لقوم ~~نظروا في الحجج والبراهين العقلية والدلائل السمعية ، فأدركوا وجود الحق من ~~طريق الإيمان بالغيب ، وهم : أهل الدليل والبرهان. وثانيها : بينة ناشئة عن ~~الرياضات والمجاهدات والاعتزال في الخلوات ، فخرقت لهم العوائد الحسيات ~~فرأوا كرامات وخوارق عادات ، فأدركوا وجود الحق على وجه التحقيق والبيان ، ~~مع رقة الحجاب والوقوف بالباب. وهم : العباد ، والزهاد ، والصالحون من أهل ~~الجد والاجتهاد. وثالثها : بينة ناشئة عن الذوق والوجدان ، والمكاشفة ~~والعيان ، وهي لقوم دخلوا في تربية المشايخ ، فتأدبوا وتهذبوا ، وشربوا ~~خمرة غيبتهم عن حسهم ورسمهم ؛ فغابوا عن الأكوان بشهود المكون. فهم يستدلون ~~بالله على غيره. قدسوا الحق أن يحتاج إلى دليل ، وهؤلاء هم الأفراد وخواص ~~العباد ، وإليهم أشار الشاعر بقوله : # الطرق شتى وطريق الحق مقفرة # والسالكون طريق الحق أفراد # لا يعرفون ولا تدرى مسالكهم # فهم على مهل يمشون قصاد # والناس في غفلة عما يراد بهم # فجلهم عن سبيل الحق رقاد PageV03P280 ~~وقال في القوت : {أفمن كان على بينة من ربه} أي : من شهد مقام الله عز وجل ~~بالبيان ، فقام له بشهادة الإيقان ، فليس هذا كمن زين له سوء عمله ، واتبع ~~هواه ، فآثره على طاعة مولاه. بل هذا قائم بشهادته ، متبع لشهيده ، مستقيم ~~على محبة معبوده ه. وقال الورتجبي : تقدير الآية على وجه الاستفهام : أفمن ~~كان على بينة من ربه ؛ كمن هو في الضلالة والجهالة ؟ أفمن كان على معرفة من ~~ربه ، وولاية وسلامة وكرامة ، وكل عارف إذا شاهد الحق سبحانه بقلبه وروحه ، ~~وعقله وسره ، فأدرك فيض أنوار جماله ، وقربه ، يؤثر ذلك في هيكله حتى يبرز ~~من وجهه نور الله الساطع ، ويراه كل صاحب نظر ، قال تعالى : {ويتلوه شاهد ~~منه} ، والبينة : بصيرة المعرفة ، والشاهد : بروز نور المشاهدة منه. وأيضا ~~: البينة : كلام المعرفة. والشاهد : الكتاب والسنة. ثم قال عن الجنيد : ~~البينة : حقيقة يؤيدها ظاهر العلم. ه. # والحاصل : أن البينة أمر باطني ، وهي : المعرفة ، إما بالبرهان ، أو ~~بالعيان ، والشاهد الذي يتلو هو العلم الظاهر ، فيتفق ما أدركه العقل أو ~~الذوق مع ما أفاده ms1083 النقل ، فتتفق الحقيقة مع الشريعة. كل في محله ، الباطن ~~منور بالحقائق ، والظاهر مؤيد بالشرائع. وهذا # 205 # غاية المطلوب والمرغوب. رزقنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنه وكرمه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 204 # قلت : (مثلا) : تمييز. # يقول الحق جل جلاله : {ومن أظلم} أي : لا أحد أظلم {ممن افترى على الله ~~كذبا} ؛ بأن أسند إليه ما لم يقله ، وكذب بما أنزله ، أو نسب لله ما لا ~~يليق بجلاله. {أولئك يعرضون على ربهم} يوم القيامة ، بأن يحسبوا في الموفق ~~، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد ، {ويقول الأشهاد} من الملائكة ~~والنبيين ، أو كل من شهد الموقف : {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة ~~الله على الظالمين} وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ ، لظلمهم بالكذب على ~~الله ، ورد الناس عن طريق الله. PageV03P281 # {الذين يصدون عن سبيل الله} ؛ عن دينه ، {ويبغونها عوجا} ؛ يصفونها ~~بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعرجوا عنها بالردة والكفر ، ~~أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. {وهم بالآخرة هم كافرون} أي : والحال أنهم ~~كافرون بالبعث. وتكرير الضمير ؛ لتأكيد كفرهم واختصاصهم به. # {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض} أي : ما كانوا ليعجزوا الله في الدنيا ~~أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك ، واخرهم ليوم الموعود ، ليكون أشد وأدوم. ~~{وما كان لهم من دون الله من أولياء} يمنعونهم من العقاب ، {يضاعف لهم ~~العذاب} بسبب ما اتصفوا به ، كما ذكره بقوله : {ما كانوا يستطيعون السمع ~~وما كانوا يبصرون} ؛ لتصاممهم عن الحق ، وبغضهم أهله. {أولئك الذين خسروا ~~أنفسهم} حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله ، {وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون} من أن الأصنام تشفع لهم ، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا ، ~~فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. {لا جرم} لا شك ، أو لا بد # 206 # {أنهم في الآخرة هم الأخسرون} : فلا أحد أكثر خسرانا منهم ؛ حيث حرموا ~~النعيم المخلد ، واستبدلوا بالعذاب المؤبد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 206 # ثم ذكر ضدهم فقال : {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا} أي : ~~اطمأنوا أو خشعوا ، أو تابوا {إلى ms1084 ربهم أولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون} ~~؛ دائمون. PageV03P282 # {مثل الفريقين} المتقدمين ؛ فريق الكافر وفريق المؤمن : {كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع} ، فمثل الكافر كمن جمع بين العمى والصمم ، ومثل المؤمن ~~كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات ، ويجوز أن يكون شبه الكافر ~~بمن هو أعمى فقط ، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما ، فهو تمثيل للكافرين ~~بمثالين ، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي : يجوز أن يراد به تشبيه الكافر ~~بالأعمى ؛ لتعاميه عن آيات الله ، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله ، ~~وتأبيه عن تدبره معانيه. أو تشبيه المؤمن بالسميع والبصير ؛ لأن أمره بالضد ~~، فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين ~~العمى والصمم ، والمؤمن بالجامع بين ضديهما ، والعاطف لعطف الصفة على الصفة ~~، كقوله : فالأدب الصابح فالغانم ، فهذا من بيان اللف والطباق. ه. {هل ~~يستويان} : هل يستوي الفريقان ؟ {مثلا} ؛ أي : جهة التمثيل ، بل لا استواء ~~بينهما ، {أفلا تذكرون} ؛ تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم. # الإشارة : كل من ترامى على مراتب الرجال ، أو ادعى مقاما من المقامات وهو ~~لم يدركه ، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه ، يفضح يوم القيامة على رؤوس ~~الأشهاد ، ويقال له : {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم...} الآية. فكل آية في ~~الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بينة من ~~ربه ، فمن ادعى مقاما من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادى عليه الآية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 206 # قلت : من قرأ : إني ؛ بالكسر ، فعلى إرادة القول ، ومن قرأ بالفتح ، فعلى ~~إسقاط الخافض ، أي : بأني ، و(بادي الرأي) : ظرف ل(اتبعك) ، على حذف مضاف ~~أي : وقت حدوث أول رأيهم. وهو من البدء أي : الحدوث ، أو من البدو ، أي : ~~الظهور. أي : # 207 # اتبعوك في ظاهر الرأي دون التعمق في النظر. PageV03P283 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} فقال لهم : {إني لكم} ، ~~أو بأني لكم {نذير مبين} أي : بين ظاهر ، أو أبين لكم موجبات العذاب ، ووجه ~~الخلاص منه ، قائلا : {ألا تعبدوا إلا الله} ، ولا تعبدوا معه ms1085 غيره ، {إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم أليم} ؛ مؤلم ، وهو في الحقيقة صفة للعذاب ، ووصف به ~~زمانه على طريقة [جد جده ، ونهاره صائم] ؛ للمبالغة. # {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا} ؛ لا مزية لك ~~علينا تخصك بالنبوءة ووجوب الطاعة ، {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} ~~؛ أخساؤنا وسقاطنا ؛ جمع ارذل. {بادي الرأي} ؛ من أول الرأي من غير تفكر ~~ولا تدبر ، أي : اتبعك هؤلاء بادي الرأي من غير ترو. أو ظاهرا رأيهم خفيفا ~~عقلهم ، وإنما استرذلوهم ، لأجل فقرهم ، جهلا منهم ، واعتقادا أن الشرف هو ~~المال والجاه. وليس الأمر كذلك. بل الشرف إنما هو بالإيمان والطاعة ، ~~ومعرفة الحق. وقيل : إنهم كانوا حاكة وحجامين. وقيل : أراذل في أفعالهم ، ~~لقوله {وما علمي بما كانوا يعملون} [الشعراء : 112] ، ثم قالوا : {وما نرى ~~لكم} أي : لك ولمتبعيك {علينا من فضل} يؤهلكم للنبوءة ، واستحقاق المتابعة. ~~{بل نظنكم كاذبين} ؛ أنت في دعوى النبوءة ، وهم في دعوى العلم بصدقك. فغلب ~~المخاطب على الغائبين. # الإشارة : تكذيب الصادقين سنة ماضية ، وأتباع الخصوص موسومون بالذلة ~~والقلة ، وهم أتباع الرسل والأولياء وهم أيضا جل أهل الجنة ؛ لأن المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم قال " أهل الجنة كل ضعيف مستضعف ". وقالت الجنة : ما لي ~~لا يدخلني إلا سقط الناس " فقال لها الحق تعالى : " أنت رحمتي أرحم بك من ~~أشاء " حسبما في الصحيح. # جزء : 3 رقم الصفحة : 207 # قلت : " أنلزمكموها " : يصح في الضمير الثاني الوصل والفصل ؛ لتقدم الأخص. PageV03P284 # يقول الحق جل جلاله : {قال} نوح لقومه : {يا قوم أرأيتم} : أخبروني ، {إن ~~كنت على بينة من ربي} ؛ على طريقة واضحة من عند ربي ، أو حجة واضحة شاهدة ~~بصحة دعواي ، {وآتاني رحمة من عنده} النبوة ، {فعميت} ؛ خفيت {عليكم} فلم # 208 # تهتدوا إليها ، {أنلزمكموها} ؛ أنكرهكم على الاهتداء بها {وأنتم لها ~~كارهون} لا تختارونها ولا تتأملون فيها. ولم يؤمر بالجهاد ، بل تركهم حتى ~~نزل بهم العذاب. # الإشارة : طريقة أهل التذكير الذين هم على بينة من ربهم أنهم يذكرون ~~الناس ، ولا يكرهون أحدا على الدخول في طريقهم ، إذا عميت عليهم ms1086 ، والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 208 # يقول الحق جل جلاله : ، حاكيا عن نوح عليه السلام : {ويا قوم لا أسألكم ~~عليه} ؛ على التبليغ المفهوم من السياق ، {مالا} : جعلا انتفع به ، {وإن ~~أجري إلا على الله} ؛ فإنه المأمول منه. ثم طلبوا منه طرد الضعفاء ليجالسوه ~~، فقال لهم : {وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم} فيخاصموني إن ~~طردتهم ، أو : إنهم ملاقوه فيفوزون بقربه ، فكيف أطردهم ؟ {ولكني أراكم ~~قوما تجهلون} لقاء ربكم ، أو بأقدارهم ، أو تسفهون عليهم فتدعوهم أرذال ، ~~أو قوما جهالا استحكم فيكم الجهل وشختم فيه ، فلا ينفع فيكم الوعظ ~~والتذكير. {ويا قوم من ينصرني من الله} : من يدفع انتقامه عني {إن طردتهم} ~~وهم بتلك الصفة الكاملة من الإيمان والخوف منه ؟ {أفلا تذكرون} فتعلموا أن ~~التماس طردهم ، وتوقيف الإيمان عليه ليس بصواب. PageV03P285 # الإشارة : قال القشيري : قوله تعالى : {لا أسألكم عليه مالا} ، فيه تنبيه ~~للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء أن يتأدبوا بأنبيائهم ، وألا يطلبوا من ~~الناس شيئا في بث علومهم ، ولا يرتفقوا منهم بتعليمهم ، والتذكير لهم ، وما ~~ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكر بها من الدين ، ويعظ بها المسلمين فلا ~~يبارك الله فيما يسمعون به عن الله ، ولا ينتفعون به ، ويحصلون به على سخط ~~من الله. ه. # قلت : هذا إن كان له تشوف وتطلع بذلك ، بحيث لو لم يعط لم يعلم ، أو لم ~~يذكر. وأما إن كان يعلم ويذكر لله ، ثم يتصدق عليه لله ، فلا بأس به إن شاء ~~الله. وما زالت الأشياخ والأولياء يقبضون زيارات الفقراء ، وكل من يأتيهم ~~ويذكرونهم ويعرفونهم بالله ، لأن ذلك ربح للمعطي وتقريب له ، وما ربح الناس ~~إلا من فلسهم ونفسهم ؛ بذلوها لله ، فأغناهم الله. وقد تقدم عند قوله {خذ ~~من أموالهم صدقة...} [التوبة : 103] بعض الكلام على هذا المعنى ، والله ~~تعالى أعلم. # 209 # جزء : 3 رقم الصفحة : 209 # يقول الحق جل جلاله : قال نوح لقومه : {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} ~~حتى أنفق منها متى شئت ، فأستغني عن مباشرة الأسباب ، بل ما أنا إلا بشر ms1087 ، ~~أو لا أدعي ما ليس لي فتنكروا قولي ، أي : لا أفوه لكم ، ولا أتعاطى غير ما ~~ألهمني الله له ، فلست أقول : عندي خزائن الله ، أي : القوة التي توجد بها ~~الأشياء بعد عدمها. أو : عندي خزائن الله التي يتنزل منها الأشياء ، كالريح ~~والمياه ونحوها ، كما قال تعالى {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} [الحجر : ~~21] فتبرأ عليه السلام من هذه الدعوى. PageV03P286 # ثم قال : {ولا أعلم الغيب} أي : ولا أقول : إني أعلم الغيب ، فأعلم من ~~أصحابي ما يسترونه عني في نفوسهم ، فسبيلي قبول ما ظهر منهم. أو : لا أعلم ~~أنهم اتبعوني في بادي الرأي عن غير بصيرة وعقد قلب {ولا أقول إني ملك} حتى ~~تقولوا : ما نزال إلا بشرا مثلنا. {ولا اقول للذين تزدري أعينكم} أي : ~~تحتقرهم. من زريت على الرجل : قصرت به. قلبت تاؤه دالا ؛ لتجانس الزاي ~~للتاء ، والمراد بهم ضعفاء المؤمنين ، أي : لا أقول في شأن من احتقرتموهم ، ~~لفقرهم : {لن يؤتهم الله خيرا} ؛ فإن ما أعد الله لهم في الآخرة خير مما ~~آتاكم في الدنيا. {والله اعلم بما في أنفسكم} من خير أو غيره ، {إني إذا} ~~أي : إن قلت شيئا من ذلك ، {لمن لظالمين}. # قال البيضاوي : وإسناده إلى الأعين ؛ للمبالغة ، والتنبيه على أنهم ~~استرذلوهم بادي الرأي من غير روية ، مما عاينوه من رثاثة حالهم ، وقلة ~~منالهم ، دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم. وقال أيضا : وإنما استرذلوهم ~~لفقرهم ؛ لأنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الأحظ بها ~~أشرف عندهم ، والمحروم منها أرذل. ه. # الإشارة : لا يشترط في وجود الخصوصية ظهور الكرامة ؛ فقد تظهر الكرامة ~~على من لم تكمل له الاستقامة ، فلا يشترط فيه الاطلاع على خزائن الغيوب ، ~~وإنما يشترط فيه التطهير من نقائص العيوب ، لا يشترط فيه الإنفاق من الغيب ~~، وإنما يشترط فيه الثقة بما ضمن له في الغيب. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 209 # قلت : {إن اردت} : شرط حذف جوابه ؛ لتقدم ما يدل عليه ، وكذا (إن كان ~~الله يريد أن يغويكم) ، والتقدير : إن كان يريد أن يغويكم ms1088 لا ينفعكم نصحي ~~إن أردت ان أنصح لكم. أي : فكذلك. فهو من تعليق الشرط ، كقولك : إن دخلت ~~الدار ، إن كلمت زيدا ، فأنت طالق. فلا تطلق إلا بهما ، ثم استأنف : (هو ربكم). PageV03P287 # يقول الحق جل جلاله : {قالوا يا نوح قد جادلتنا} : خاصمتنا {فأكثرت جدالنا} ~~: خصامنا ومخاطبتنا ، {فأتنا بما تعدنا} من العذاب ، {إن كنت من الصادقين} ~~في الدعوى والوعيد ، فإن مناظرتك ووعظك لا يؤثر فينا. {قال} نوح عليه ~~السلام : {إنما يأتيكم به الله} دوني {إن شاء} عاجلا أو آجلا ، {وما أنتم ~~بمعجزين} بدفع العذاب عنكم ، أو الهرب منه حتى تعجزوا القدرة الإلهية ، ~~{ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم} ، وأراد الله {ان يغويكم} ، فإن ~~النصح مع سابق الشقاء عنت. وهذا جواب لما أوهموا من أن جداله كلام لا طائل ~~تحته ، وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإغواء ، وأن خلا ف ~~مراد الله تعالى محال. ولذلك قيل : مراد الله من خلقه ما هم عليه. ثم قال : ~~{هو ربكم} ؛ خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته. {وإليه ترجعون} فيجازيكم على ~~أعمالكم. # الإشارة : ينبغي لأهل الوغظ والتذكير أن لا يملوا ولو أكثروا إذا ~~قابلهم الناس بالبعد والإنكار ، وليقولوا : ولا ينفعكم نصحنا إن أردنا ان ~~ننصحكم {إن كان الله يريد أن يغويكم...} الآية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 210 # يقول الحق جل جلاله : {أم يقولون} ؛ أي : كفار قريش : هذا الذي يقرؤه ~~محمد علينا ، ويقصه من خبر من قبلنا {افتراه} من عنده. {قل} لهم : {إن ~~افتريته} ؛ تقديرا {فعلي إجرامي} ؛ اي : وباله علي دونكم ، {وأنا بريء مما ~~تجرمون} ؛ مما ترتكبون من الإجرام بتكذيبكم وكفركم. # الإشارة : ينبغي لمن قوبل بالتكذيب والإنكار أن يكتفي بعلم الله ، ويقول ~~لمن كذبه ما قال نبيه صلى الله عليه وسلم لمن كذبه : {إن افتريته فعلي ~~إجرامي...} الآية. وفي الحكم : " متى آلمك عدم إقبال الناس عليك ، أو ~~توجههم بالذم إليك ، فارجع إلى علم الله فيك ، فإن كان لا يقنعك علمه ~~فمصيبك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم ". # 211 PageV03P288 ~~قال الشيخ زروق ms1089 رضي الله عنه : وذلك لأن عدم قناعتك بعلمه يصيبك في قلبك ~~ودينك ، وأذاهم يصيبك في عرضك وبدنك ودنياك ، وأيضا : أذاهم يردك إليه ، ~~فهو فائدتك ، وعدم القناعة بعلمه يردك إليهم ، فهو مصيبة توجب ثلاثا ، هي ~~علامة عدم القناعة بعلمه : أولها : التصنع والمراءاة ، والثاني : طلب رضاهم ~~بما أمكن في جميع الحالات. الثالث : إظهار علمه وعمله وحاله ، ليعلموا ~~برتبته. # والقناعة بعلمه علامتها ثلاث : أولها قصد الإخلاص في كل ، بحيث لا يبالي ~~أين رآه الخلق ، وكيف رأوه. الثاني : طلب رضاه بالعمل بطاعته ، وترك ما لا ~~يرضيه ، رضوا بذلك أو سخطوا. الثالث : الاكتفاء بعلمه فيما يجري عليه من ~~حكمه وحكمته ، قال إبراهيم التيمي رضي الله عنه لبعض أصحابه : ما يقول ~~الناس في ؟ فقال : يقولون إنه مرائي ، فقال : الآن طاب العمل. قال بشر ~~الحافي : اكتفى والله بعلم الله. فلم يحب أن يدخل مع علم الله غيره ، ~~وقال أيضا : سكون النفس لقبول المدح لها أشد عليها من المعاصي. وقال أحمد ~~بن أبي الحواري رضي الله عنه : من أحب أن يعرف بشيء من الخير ، أو يذكر به ~~، فقد أشرك مع الله في عبادته ؛ لأن من عمل على المحبة لا يحب أن يرى عمله ~~غير محبوبه. # وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : لا تنشر علمك ، ليصدقك الناس ، ~~وانشر علمك ليصدقك الله. وإن كان لام العلة موجودا ، فعلة تكون بينك وبين ~~الله من حيث أمرك ، خير لك من علة تكون بينك وبين الناس ، من حيث نهاك. ~~ولعلة تردك إلى الله خير لك من علة تقطعك عن الله. ه. المراد منه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 211 PageV03P289 ~~يقول الحق جل جلاله : {وأوحي إلى نوح انه لم يؤمن من قومك} بعد هذا {إلا من ~~قد آمن} قبل ، وكان هذا الوحي بعد ان مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ~~يدعوهم إلى الله تعالى : فكان الرجل منهم يأتيه بابنه ، ويقول : يا بني لا ~~تصدق هذا الشيخ ، فهكذا عهد إلي أبي وجدي. فلما نزل الوحي وأيس من إيمانهم ~~دعا عليهم. وقال له تعالى {رب ms1090 لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح : ~~26]. قال له تعالى : {فلا تبتئس} : تحزن وتغتم {بما # 212 # كانوا يفعلون} من التكذيب والإيذاء ، أقنطه أولا من إيمانهم ، ونهاه أن ~~يغتم لأجلهم. # ثم أمره بصنع السفينة ، فقال : {واصنع الفلك بأعيننا} ؛ بحفظنا ورعايتنا ~~، أو بمرأى منا ومسمع غير محتاج إلى آلة حفظ وحرس ، {ووحينا} إليك ، كيف ~~تصنعها ، روي أنه لما جهل صنعها أوحى الله إليه : أن اصنعها على مثال جؤجؤ ~~الطائر. وروي أيضا : انها كانت مريعة الشكل ، طويلة في السماء ، ضيقة ~~الأعلى ، وأن المراد منها إنما كان الحفظ ، لا سرعة المشي ، والأول أرجح : ~~أعني : على صورة ظهر الطائر. قال في الأساس : عملت سفينة نوح عليه السلام ~~من ساج ، وهو خشب أسود ، رزان ، لا تكاد الأرض تبليه ، من الهند. ه. وفي ~~رواية أخرى : صنعها نوح عليه السلام ، وجبريل يصف له ، فكان أسفلها كأسفل ~~السفن وأعلاها كالسقف ، وداخلها كالبيت ، ولها أبواب في جوانبها. ه. # ثم إن نوحا عليه السلام لما تحقق هلاك قومه ، رق عليهم ، فهم ان يراجع ~~الله في شأنهم ، فقال له تعالى : {ولا تخاطبني} ؛ ولا تراجعني {في الذين ~~ظلموا} ، ولا تدع باستدفاع العذاب عنهم ؛ {إنهم مغرقون} : محكوم عليهم ~~بالغرق لا محالة. فلا سبيل إلى كفه. PageV03P290 # {ويصنع الفلك} ، حكي ما وقع بصيغة الحال ؛ استحضارا لتلك الحال العجيبة ، ~~{وكلما مر عليه ملأ} : جماعة {من قومه سخروا منه} : استهزؤوا به : لأنه كان ~~يعمل السفينة في برية بعيدة من الماء. أو أن عزته تنفي صنعته ، فكان يضحكون ~~منه ، ويقولون له : صرت نجارا بعد أن كنت نبيا. {قال} لهم : {إن تسخروا منا ~~فإنا نسخر منكم كما تسخرون} ، فنسخر منكم حين يأخذكم في الدنيا الغرق ، وفي ~~الآخرة الحرق. {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} ، وهو : الغرق ، والحرق ~~بعده. {ويحل} أي : ينزل {عليه عذاب مقيم} : دائم ، وهو النار يوم القيامة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 212 # الإشارة : إذا تحقق الولي بإعراض الخلق عنه ، وأيس منهم أن يتبعوه ، فلا ~~يحزن ، ولا يغتم منهم ، ففي الله غنى عن كل شيء ، وليس يغني عنه ms1091 شيء. وفي ~~إعراض الخلق راحة لقلب الولي ولبدنه ، فإذا سخروا منه فليقل في نفسه : إن ~~تسخروا منا اليوم ، فنسخر منكم حين تحقق الحقائق ، فيرتفع المقربون ، ~~وينسفل الباطلون ، وكان شيخ أشياخنا سيدي علي العمراني رضي الله عنه كثيرا ~~ما يقول : ليت القيامة قامت ، حتى يظهر الرجال من غيرهم. أو ما هذا معناه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 212 # قلت : (حتى) : غاية لقوله : (ويصنع الفلك) ، أو ابتدائية. و(اثنين) مفعول ~~باحمل ، و(أهلك) : عطف عليه. # يقول الحق جل جلاله : {حتى إذا جاء أمرنا} بغرقهم ، أو أمرنا للأرض ~~بالفوران وللسحاب بالإرسال ، {وفار التنور} ؛ نبع الماء منه وارتفع كالقدر ~~تفور. والتنور : تنور الخبز ، ابتدأ منه النبوع ، على خرق العادة ، أرادت ~~ابنته أن تسجره ففار الماء في النار ، روي أنه كان تنور آدم ، خلص إلى نوح ~~فكان يوقد فيه ، وقيل : كان في الكوفة في موضع مسجدها. وقيل : في الهند ، ~~وقيل : التنور : وجه الأرض. قاله ابن عباس. PageV03P291 # فلما فار بالماء {قلنا احمل فيها} ؛ في السفينة ، {من كل زوجين اثنين} ؛ من ~~كل نوح من الحيوان ؛ ذكرا وأنثى روي أن نوحا عليه السلام وقف على باب ~~السفينة ، وحشر إليه الوحوش ، فكان الذكر يقع في يمينه ، والأنثى في شماله ~~، وهو يدخل في السفينة. وآخر ما دخل الحمار ، فتمسك الشيطان بذنبه ؛ فزجره ~~نوح فلم ينعق ، فدخل معه ، فجلس عند مؤخر السفينة. وروي أن نوحا عليه ~~السلام آذاه نتن الزبل والعذرة ، فأوحى الله إليه : أن امسح على ذنب الفيل ~~، فخرج من انفه خنزير وخنزيرة ، فكفياه أمر ذلك الأذى. وروي أن الفأر آذى ~~الناس فاوحى الله إليه : أن امسح على جبهة الأسد ففعل ، فعطس فخرج منه هر ~~وهرة. فكفياه أمر الفأر. انظر ابن عطية. # {و} احمل أيضا {أهلك} أي : امرأتك وبنيك ونساءهم ، {إلا من سبق عليه ~~القول} : أنه من المغرقين يريد : ابنه كنعان وأمه واعلة ، فإنهما كانا ~~كافرين. {و} احمل {من آمن} بك. قال تعالى : {وما آمن معه إلا قليل} ، قيل : ~~كانوا تسعة وسبعين : زوجته المسلمة ، وبنوه الثلاثة : حام وسام ويافث ، ~~ونساؤهم ، واثنان وسبعون رجلا ms1092 وامرأة من غيرهم. وفي بعض الآثار : أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال " سام أبو العرب ، ويافث أبو الروم ، وحام أبوالحبش ~~". قاله ابن عطية : وسيأتي خلافه في سورة الصافات. وهو الراجح. وقال ~~البيضاوي : روي ان نوحا عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين ، وكان طولها ~~ثلاثمائة ذراع ، وعرضها خمسين ، وسمكها ثلاثين. وجعل لها ثلاثة بطون. فحمل ~~في أسفلها الدواب والوحش ، وفي وسطها الإنس ، وفي أعلاها الطير. ه. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 213 # الإشارة : حتى إذا جاء أمرنا بكمال الطهارة من العيوب ، وفار تنور القلب ~~بعلم الغيوب وجرت سفينة الفكرة في بحار التوحيد ، وأسرار التفريد ، قلنا : ~~احمل فيها من كل زوجين اثنين ؛ علم الشريعة والحقيقة ، وعلم الحكمة القدرة ~~، وعلم الحس والمعنى ، # 214 PageV03P292 ~~وعلم الأشباح والأرواح ، وعلم الملك والملكوت. وتحمل من تمسك بها من أهل ~~المحبة والوداد ، إلا من سبق عليه القول بالمكث في مقام البعاد ، وتحمل من ~~آمن بخصوصيتها من العباد ، فتقربه من مسلك التوفيق والتسديد ، حين يمن الحق ~~تعالى عليها بالقرب من أهل المحبة والوداد. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 213 # قلت : (مجريها ومرساها) : مشتقان من الجري والإرسال ، أي : الثبوت ، وهما ~~إما ظرفان زمانيان ، أو مكانيان ، وإما مصدران ، والعامل فيهما : ما في ~~(بسم الله) من معنى الفعل. وإعراب " بسم الله " : إما حال مقدرة من الضمير ~~في " اركبوا " ، أي : اركبوا متبركين بسم الله ، أو قائلين : بسم الله ، ~~وقت إجرائها وإرسائها. أو (مجراها ومرساها) : مبتدأ ، و(بسم الله) : خبر : ~~فيوقف على (فيها) ؛ أي : إجراؤها وإرساؤها حاصل بسم الله. # يقول الحق جل جلاله : وقال نوح لمن كان معه : {اركبوا} في السفينة وسيروا ~~فيها. روي أنهم ركبوا أول يوم من رجب ، وقيل : يوم العاشر منه ، واستوت على ~~الجودي يوم عاشوراء ، {بسم الله مجريها ومرساها} أي : متبركين بسم الله وقت ~~إجرائها ، أو قائلين بسم الله وقت إجرائها وإرسائها ، روي : أنه عليه ~~السلام كان إذا أراد أن يجري السفينة قال : بسم الله ، فتجري ، وإن أراد أن ~~يوقفها قال : بسم الله ، فتوقف. {أن ربي لغفور ms1093 رحيم} ، فلولا مغفرته لما ~~فرط منكم ، ورحمته إياكم ، لما أنجاكم. فركبوا مسلمين وساروا. # {وهي تجري بهم في موج كالجبال} ، والموج : ما يرتفع من الماء عند اضطرابه ~~، أي : كل موجة من الطوفان كالجبال في تراكمها وارتفاعها ، وما قيل من أن ~~الماء أطبق ما بين السماء والأرض ، وكانت السفينة تجري في جوفه ، لم يثبت. ~~وكيف يكون الموج كالجبال ؟ والمشهور أنه علا شوامخ الجبال ، خمسة عشر ذراعا ~~، وإن صح ذلك فلعل ارتفاع الموج كالجبال كان قبل التطبيق. PageV03P293 # {ونادى نوح ابنه} ، كان كنعمان. وقيل : كان لغير رشدة ، وهو خطأ ؛ لأن ~~الأنبياء عصمت من أن تزني أزواجهم. والمراد بالخيانة في قوله {فخانتاهما} ~~[التحريم : 10]. في الدين. {وكان في معزل} ؛ في ناحية ، عزل نفسه فيها عن ~~أبيه ، أو عن دينه ، فقال له # 215 # أبوه : {يا بني اركب معنا} في السفينة ، {ولا تكن مع الكافرين} في الدين ~~أو في الأعتزال عنا ، وكان يظنه مؤمنا ، لإخفاء كفره. {قال سآوي إلى جبل ~~يعصمني} ؛ يمنعني {من الماء} ، فلا أغرق ، {قال لا عاصم اليوم من أمر الله ~~إلا من رحم ربي} أي : إلا الراحم ، وهو الله فلا عاصم إلا أرحم الراحمين. ~~أو : {لا عاصم} ؛ لا ذو عصمة إلا من رحم الله ، فلا معصوم إلا من رحمه ~~الله. فالاستثناء حينئذ متصل. أو : لا عاصم اليوم من أمر الله لكن من رحمه ~~الله فهو المعصوم. أو : لا ذو عصمة لكن الراحم يعصم من شاء ، والاستثناء منقطع. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 215 PageV03P294 ~~وحال بينهما الموج} ؛ بين نوح وابنه ، {فكان من المغرقين} ؛ فصار من ~~المهلكين بالماء. روي أنه صنع بيتا من زجاج ، وحمل معه طعامه وشرابه ، وصعد ~~على وجه الماء فسلط الله عليه البول حتى غرق في بوله ، والله تعالى أعلم ~~بشأنه. الإشارة : إذا دخل العارف في بحر الفناء ، وغاب عن حسه ورسمه ، ~~واتصل معناه ببحر معاني الأسرار ، جرت سفينة فكرته في بحر الذات وأنوار ~~الصفات ، فقال لأصحابه : اركبوا فيها ، بسم الله مجريها ومرساها ، إن ربي ~~لغفور رحيم ، حيث غطى وصفكم بوصفه ، ونعتكم بنعته. فوصلكم بما ms1094 منه إليه ، ~~لا بما منكم إليه ، فصارت سفن الأفكار تجري بهم في موج كالجبال ، وهي تيار ~~بحر الذات. فالخمرة الأزلية الخفية الصافية بحر لا ساحل له ، وما ظهر من ~~أنوار الصفات أمواجه. فأنوار الآثار هي أمواج البحار ، وما عظم من أمواجه ~~يسمى التيار ، ولذلك قيل : العارفون يغرقون في بحر الذات ، وتيار الصفات ، ~~فتراهم إذا غرقوا في بحر الأسرار وتيار الأنوار ، وساروا فيها بمدد أسرارهم ~~، تلاطمت عليهم أمواجه. وهي تجري بهم في موج كالجبال ، فلا عاصم اليوم من ~~أمر الله إلا من رحم ، فآواه إلى جبل السنة المحمدية فكان من الناجين. # وآخرون حال بيهم الموج ، فكانوا من المغرقين ، فالتبس الأمر عليهم ، ~~فقالوا بالحلول والاتحاد ، أو نفي الحكمة والأحكام. وهذا في حق من ركب بلا ~~رئيس ماهر ، وإلا رده إلى سفينة النجاة ، وهي : التمسك بالشريعة المحمدية ~~في الظاهر ، والتحقق بالحقيقة الأصلية. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 215 # قلت : (بعدا) : منصوب على المصدر ، أي : أبعدوا بعدا. # يقول الحق جل جلاله : {وقيل} أي : قال الله : {يا ارض ابلعي ماءك} الذي خرج # 216 # منك ، فانفتحت أفواها ، فرجع إليها ما خرج منها ، {ويا سماء أقلعي} : ~~أمسكي عن الإمطار. روي أنها أمطرت من كل موضع. فبقي ما نزل منها بحارا على ~~وجه الأرض. PageV03P295 # قال البيضاوي : نوديا بما ينادى به أولو العلم ، وأمرا بما يؤمنون به ، ~~تمثيلا لكمال قدرته ، وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما ، بالأمر المطاع ، ~~الذي يأمر المنقاد لحكمه ، المبادر إلى امتثال أمره ، مهابة من عظمته ، ~~وخشية من أليم عقابه. والبلع : النشف ، والإقلاع : الإمساك. ه. # {وغيض الماء} ؛ نقص ولم ينشف ما خرج منها ، {وقضي الأمر} : وأنجز ما وعد ~~من إهلاك الكافرين ، وإنجاء المؤمنين ، {واستوت} : استقرت السفينة {على ~~الجودي} ؛ جبل بالموصل. وقيل : بالشام. وتقدم أنه نزل يوم عاشوراء ، فصامه ~~شكرا. وبقي ستة أشهر على الماء. {وقيل بعدا للقوم الظالمين} ؛ هلاكا لهم. ~~يقال بعد ، إذا بعد بعدا بعيدا ، بحيث لا يرجى عوده ، ثم استعير للهلاك. ~~وخص بدعاء السوء. # والآية كما ترى في غاية الفصاحة ؛ لفخامة لفظها وحسن نظمها ms1095 ، والدلالة ~~على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. وإيراد الأخبار على البناء ~~للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل ، وأنه متعين في نفسه ، مستغن عن ذكره ، إذ ~~لا يذهب الوهم إلى غيره ؛ للعلم به ، فإن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها ~~سوى الواحد القهار. قاله البيضاوي. # فإن قلت : قد عم الغرق الدنيا كلها ، مع أن دعوة نوح عليه السلام لم تكن ~~عامة ، وقد قال تعالى : {وما كنا معذبين حتىا نبعث رسولا} [الإسراء : 15] ؟ ~~فالجواب : أن الكفر قد كان عم الموجودين في ذلك الزمان ، مع تمكنهم من ~~النظر والاستدلال على الصانع وتوحيده ، ومع قدرتهم على الإتيان إلى نوح في ~~أمر الشرائع ، فقصروا في الجهتين. وأيضا : لم تكن الأرض كلها معمورة بالناس ~~، فكل من كان موجودا سمع بدعوة نوح فجحدها. والله تعالى أعلم. وانظر ابن ~~عطية عند قوله : {واصنع الفلك}. والله تعالى أعلم. PageV03P296 # الإشارة : إذا توالت على القلب الواردات الإلهية السماوية ، والأحوال ~~النفسانية المزعجة ، خيف على العقل الاختطاف والاصطدام ، فقيل : يا أرض ~~النفس ابلعي ماءك واسكني ، ويا سماء الواردات أقلعي ، وغيض الماء ، أي : ~~نقص هيجان الحال ، وقضي الأمر بالاعتدال ، واستوت سفينة الفكرة على جبل ~~العقل ، فحاز الشرف والكمال ؛ لكونه برزخا بين بحرين ، يعطي الحقيقة حقها ~~والشريعة حقها ، فيعطي كل ذي حق حقه ، ويوفى كل ذي قسط قسطه. وقيل : بعدا ~~لمن تخلف عن هذا المقام ، وظلم نفسه بإلقائها في سجن الهوى وغيهب الظلام. ~~والله تعالى أعلم. # 217 # جزء : 3 رقم الصفحة : 216 # قلت : (وإن وعدك) : عطف على (إن ابني). و(أنت أحكم) : حال من الكاف. ~~و(إني أعظك) : مفعول من أجله ، أي : كراهية أن تكون من الجاهلين. # يقول الحق جل جلاله : {ونادى نوح ربه} بعد تعميم الغرق ، أي : أراد ~~النداء بدليل عطف قوله : {فقال رب إن ابني من أهلي} ، فإنه هو النداء ، أو ~~تكون فصيحة ، جوابا عن مقدر ، كأن قائلا قال : ماذا في ندائه ؟ فقال : إن ~~ابني من أهلي وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ، {وإن وعدك الحق} لا يتطرقه ~~الخلف ، فما باله غرق ؟ {وأنت أحكم الحاكمين} ؛ لأنك ms1096 أعلمهم وأعدلهم ، فلم ~~أعرف وجه حكمك عليه بالغرق. أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم ، فلم أفهم ~~حكمة غرقه. PageV03P297 # {قال} تعالى : {يا نوح إنه ليس من أهلك} ؛ لأنه خالفك في الدين ، ولا ولاية ~~بين الكافر والمؤمن ، {إنه عمل غير صالح} أي : ذو عمل فاسد. جعل ذاته نفس ~~العمل ؛ مبالغة. وقرأ الكسائي ويعقوب : (عمل) بلفظ الماضي. أي : عمل عملا ~~فاسدا. استحق به البعد عنك. أو : إنه أي سؤالك عمل غير صالح. ويقوي هذا ~~قراءة ابن مسعود : " إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم ، وقراءة ~~الجماعة : {فلا تسألن ما ليس لك به علم} أصواب هو أم لا ، حتى تقف على ~~كنهه. وإنما سمي نداءه سؤالا ؛ لتضمنه معنى السؤال ، بذكر الوعد واستنجازه ~~واستفسار المانع. # ثم وعظه بقوله : {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} أي : إني أعظك ؛ كراهة ~~أن تكون من الجاهلين الذين يسألون ما لا يوافق القدر. وقد استثنيته بقولي : ~~{إلا من سبق عليه القول}. وليس فيه وصفه بالجهل ، بل وعظه لئلا يقع فيه ، ~~والحامل له على السؤال ، مع أنه استثنى له ؛ غلبة الشفقة على الولد ؛ مع ~~كونه لم يتحقق أنه ممن سبق عليه القول. # {قال} نوح : يا {رب إني أعوذ بك أن أسألك} في المستقبل {ما ليس لي به ~~علم} ؛ ما لا علم لي بصحته. {وإلا تغفر لي} ما فرط مني من السؤال ، ~~{وترحمني} بالتوبة ، تفضلا وإحسانا ، وبالتوفيق والعصمة في المستقبل ، {أكن ~~من الخاسرين} بسوء أدبي معك. # 218 # الإشارة : قال الورتجبي : أدب نبيه نوحا عليه السلام بأن لا يسأل إلا ما ~~وافق القدر. كل دعاء لم يوافق مراده تعالى في سابق علمه لم يؤثر في مراد ~~الداعي. وقوله : {إنه عمل غير صالح} أي : ليس عمله على موافقة السنة ، ثم ~~وعظه ، وقال : {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} ، الجاهل : من جهل قدر الله ~~، أي : أنزهك عن سوء الأدب في السؤال ، على غير قاعدة مرادك. ه. وقال في ~~الحكم : " ليس الشأن وجوب الطلب ، وإنما الشأن أن ترزق حسن الأدب ". # جزء ms1097 : 3 رقم الصفحة : 218 PageV03P298 ~~قلت : " تلك " : مبتدأ. و" من أنباء " : خبر. و" نوحيها " : خبر ثان ، و" ~~ما كنت تعلمها " : خبر ثالث ، أو حال من الهاء ، أي : حال كونها مجهولة ~~عندك وعند قومك. # يقول الحق جل جلاله : {قيل يا نوح اهبط} من السفينة إلى عمارة الأرض ~~{بسلام منا} ، أي : متلبسا بسلامة من المكاره ، من جهة حفظنا ورعايتنا. أو ~~مسلما عليك. {وبركات عليك} ؛ وزيادات في نسلك حتى تصير آدما ثانيا ، ~~فالبركة هي : الخير النامي. أو : مباركا عليك ، {وعلى أمم ممن معك} أي : هم ~~الذين معك ، أو ناشئة ممن معك ، فقد تشعبت الأمم ممن معه من ذريته. والمراد ~~: المؤمنون ، بدليل قوله : {وأمم سنمتعهم} في الدنيا ، ونوسع عليهم فيها ، ~~{ثم يمسهم منا عذاب أليم} في الآخرة ، وهم الكفار ممن نشأ من ذريته. وقيل : ~~هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب ، والعذاب : ما نزل بهم في الدنيا. # {تلك} القصة ، أو خبر نوح عليه السلام ، هي : {من أنباء الغيب} أي : بعض ~~أخبار الغيب {نوحيها إليك} ؛ لا طريق إلى معرفتها إلا الوحي ، {ما كنت ~~تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} الوقت لولا إيحاؤنا إليك بها ، فهي من ~~دلائل نبوتك ؛ لأنك لم تغب عنهم ، ولم تخالط غيرهم ، فتعين أنه من عند ~~الله. فإن كذبوك {فاصبر إن العاقبة للمتقين} وأنت أعظمهم. فالعاقبة لك في ~~الدنيا بالنصر والعز ، وفي الآخرة بالرفيق الأعلى. أو فاصبر على مشاق ~~التبليغ مع إذاية قومك ، كما صبر نوح عليه السلام. إن العاقبة للمتقين ~~بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة. # الإشارة : يقال للمريد إذا تمكن من الفناء ، وارتفعت فكرته عن عالم ~~الأكوان : اهبط إلى مقام البقاء ؛ لتقوم بآداب العبودية بعد مشاهدة عظمة ~~الربوبية ، انزل إلى سماء # 219 PageV03P299 ~~الحقوق ، أو أرض الحظوظ بالإذن والتمكين ، والرسوخ في اليقين ، لا بقصد ~~متابعة الشهوة والمتعة. اهبط بسلام منا ؛ أي : بسلامة من الرجوع أو الشقاء. ~~وبركات عليك وعلى من تبعك. ولذلك قيل : من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء. ~~وأمم قد ضلوا عن متابعتك ، سنمتعهم في الدنيا بمتابعة الهوى ، ثم يمسهم ms1098 منا ~~عذاب الحجاب وسوء الحساب. تلك الواردات الإلهية نوحيها إليك ، ما كنت ~~تعلمها أيها العارف من قبل هذا ، أنت ولا من تبعك ، فاصبر ؛ فإن الجمال ~~مقرون بالجلال ، والعاقبة للمتقين. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 219 # قلت : " أخاهم " : عطف على نوح في قوله : (ولقد أرسلنا نوحا) ، و(هودا) : بدل. # يقول الحق جل جلاله : {و} أرسلنا {إلى} قبيلة {عاد أخاهم هودا قال يا قوم ~~اعبدوا الله} وحده ، {ما لكم من إله غيره} يستحق أن يعبد ، {إن أنتم إلا ~~مفترون} على الله ، باتخاذ الأوثان آلهة. {يا قوم لا أسألكم عليه} : على ~~التبليغ {أجرا} حتى يثقل عليكم ، أو تتهموني لأجله {إن أجري إلا على الذي ~~فطرني} ؛ خلقني. بهذا خاطب كل رسول قومه ؛ إزاحة للتهمة ، وتمحيصا للنصيحة ~~، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع. {أفلا تعقلون} : أفلا تستعملون ~~عقولكم ؛ فتعرفوا المحق من المبطل ، والصواب من الخطأ. # {ويا قوم استغفروا ربكم} من الشرك ، {ثم توبوا إليه} ، ثم ارجعوا إليه ~~بطاعته فيما أمر ونهى. أو : ثم توبوا من المعاصي ؛ لأن التوبة من الذنوب لا ~~تصح إلا بعد الإيمان ، والتطهير من الشرك ، {يرسل السماء عليكم مدرارا} أي ~~: كثير الدر ، أي النزول ، {ويزدكم قوة إلى قوتكم} : يضاعف قوتكم ، ويزدكم ~~فيها. وإنما دعاهم إلى الله ، ووعدهم بكثرة المطر ، وأعقم أرحام نسائهم ~~ثلاثين سنة ؛ فوعدهم هود عليه السلام على الإيمان والتوبة بالأمطار وتضاعف ~~القوة بالتناسل. قاله البيضاوي. PageV03P300 # وقال ابن جزي : وفي الآية دليل على أن التوبة والاستغفار سبب لنزول المطر. ~~روي : أن عادا كان المطر قد حبس عنهم ثلاث سنين ، فأمرهم بالتوبة ~~والاستغفار ، # 220 # ووعدهم على ذلك بالمطر. ه. {ولا تتولوا} : ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه ، ~~{مجرمين} ؛ مصرين على إجرامكم. # الإشارة : في تكرير القصص والأخبار وعظ وتذكير لأهل الاعتبار ، وزيادة ~~إيقان لأهل الاستبصار ، وتهديد وتخويف لأهل الإصرار ، وحث على المبادرة إلى ~~التوبة والاستغفار. وقوله تعالى : {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} ، ~~أي : استغفروا ربكم من الشرك الخفي ، ثم توبوا إليه من النظر إلى وجودكم ، ~~ورؤية أعمالكم ، يرسل سحاب الواردات ms1099 الإلهية والعلوم الإلهامية على قلوبكم ~~وأسراركم ، مدرارا ، ويزدكم قوة في شهود الذات إلى قوتكم في شهود الصفات ، ~~ولا تتولوا عن شهوده بشهود أثره ، مجرمين معدودين في زمرة المجرمين المصرين ~~على الكبائر ، وهم لا يشعرون. # جزء : 3 رقم الصفحة : 220 # وقال الورتجبي : استغفروا من النظر إلى غيري ، وتوبوا إلي من نفوسكم ، ~~ورؤية طاعتكم وأعواضها ، يرسل سماء القدم على قلوبكم مدرار أنوار تجليها ، ~~ويزدكم ، أي : يزد قوة أرواحكم في طيرانها. انظر تمامه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 220 # قلت : (إن نقول إلا اعتراك) : الاستثناء مفرغ ، و" اعتراك " : مقول لقول ~~محذوف ، أي : ما نقول إلا قولنا اعتراك ، و(ما من دابة) : " ما " نافية ، ~~و" من " صلة و" دابة " مبتدأ مجرور بمن الزائدة ، وجملة (إلا هو آخذ) : خبر. PageV03P301 # يقول الحق جل جلاله : قالوا يا هود ما جئتنا ببينة ؛ بمعجزة واضحة تدل على ~~صدق دعواك ، وهذا كذب منهم وجحود ؛ لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من ~~المعجزات. وفي الحديث " ما من نبي إلا أوتي من المعجزات ما مثله آمن عليه ~~البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إلي ، فأرجوا أن أكون أكثرهم ~~تابعا يوم القيامة ". كما في الصحيح. ويحتمل أن يريدوا : ما جئتنا بآية ~~تضطر إلى الأيمان بك ، وإن كان قد أتاهم # 221 # بآية نظرية. ولم يذكر في القرآن معجزة معينة لهود عليه السلام ، مع ~~الاعتقاد أنه لم يخل من معجزة ؛ لما في الحديث. # ثم قالوا : {وما نحن بتاركي آلهتنا} ؛ بتاركي عبادتهم {عن قولك} أي : ~~بسبب قولك أو صادرين عن قولك ، {وما نحن لك بمؤمنين} أبدا ، وهو إقناط له ~~عن الإجابة والتصديق. {إن نقول إلا اعتراك} ؛ أصابك {بعض آلهتنا بسوء} ؛ ~~بجنون ؛ لما سببتها ، ونهيت عن عبادتها ، ولذلك صرت تهذو وتتكلم بالخرافات. # {قال} هود عليه السلام : {إني أشهد الله} على براءتي من شرككم ، {واشهدوا ~~أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني} أي : اقصدوا كيدي وهلاكي ، {جميعا} ، ~~أنتم وشركاؤكم ، {ثم لا تنظرون} ؛ لا تؤخرون ساعة. وهذا من جملة معجزاته ، ~~فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة ، والفتاك العطاش إلى ms1100 إراقة دمه ~~، بهذا الكلام ، ليس إلا لتيقنه بالله ، ومنعهم من إضراره ليس إلا لعصمته ~~إياه. ولذلك عقبه بقوله : {إني توكلت على الله ربي وربكم} ، فهو تقرير له. ~~والمعنى : أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني ؛ فإني متوكل على الله ، ~~واثق بكلاءته ، وهو مالكي ومالككم ، لا يحيق بي ما لم يرده ، ولا تقدرون ~~على ما لم يقدره. # جزء : 3 رقم الصفحة : 221 PageV03P302 ~~ثم برهن عليه بقوله : {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} : إلا وهو مالك لها ~~، قادر عليها ، يصرفها على ما يريد بها. والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. قاله ~~البيضاوي. وقال ابن جزي : أي : هي في قبضته وتحت قهره ، وهذه الجملة تعليل ~~لقوة توكله على الله ، وعدم مبالاته بالخلق. ه. {إن ربي صراط مستقيم} أي : ~~إنه على الحق والعدل ، ولا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم. وقال في القوت ~~: أخبر عن عدله في محله ، وقيام حكمته ، وأنه وإن كان آخذا بنواصي العباد ~~في الخير والشر ، والنفع والضر ؛ لاقتداره ، فإن ذلك مستقيم في عدله ، ~~وصواب من حكمه. ه. # {فإن تولوا} أي : فإن تتولوا وتعرضوا عما جئتكم به ، {فقد أبلغتكم ما ~~أرسلت به إليكم}. أي : فقد أديت ما علي من الإبلاغ ، فلا تفريط مني ، ولا ~~عذر لكم ؛ فقد جاءكم النذير ، وقامت الحجة عليكم ، وما بقي إلا هلاككم. ~~{ويستخلف ربي قوما غيركم} يسكنون دياركم ، ويعمرون بلادكم ، فإن عتوا وطغوا ~~سلك بهم مسلككم ، {ولا تضرونه} بتوليكم عن الإيمان به ، {شيئا} من الضرر. ~~أو لا تضرونه شيئا إذا أهلككم واستخلف غيركم ، {إن ربي على كل شيء حفيظ} ؛ ~~رقيب فلا يخفى عليه أعمالكم ، ولا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه ، ~~فلا يمكن أن يضره شيء. قاله البيضاوي. # الإشارة : ما يقال للأولياء إلا ما قيل للرسل ، فإذا توجه العبد إلى ~~مولاه ، وسقط # 222 # على من هو أهل للتربية ، وترك ما كان عليه قبل من الانتساب إلى غيره ، ~~وخرق عوائد نفسه ، أو إصابة شيء من المكاره ، قال الناس : ما اعتراه إلا ~~بعض الصالحين بسواء ، فيقول لهم : إني أشهد ms1101 الله ، واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون من دونه. فإن أجمعوا على إضراره أو قتله قال لهم : فكيدوني جميعا ثم ~~لا تنظرون. PageV03P303 # {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} ، وأنتم ~~دواب مقهورون تحت قبضة الحق ، {إن ربي على صراط مستقيم} ؛ لا ينتقم إلا من ~~أهل الانتقام ، " من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب " ، فإن ذكرهم بالله ~~ودلهم على الطريق ، فكذبوه وأعرضوا عنه ، قال : عسى أن يذهب بكم ، ويستخلف ~~قوما غيركم ، يكونون متوجهين إليه أكثر منكم ، ولا تضرونه شيئا. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 221 # قلت : إنما قال هنا وفي قصة شعيب : (ولما) ، بالواو ، وفي قصة صالح ولوط ~~: (فلما) ، بالفاء ؛ لأن قصة صالح ولوط ذكرهما بعد الوعيد ، في الفاء التي ~~تقتضي التسبب ، كما تقول : وعدته فما جاء الوعيد كان.. الخ ، بخلاف قصة هود ~~وشعيب لم يتقدم ذلك فيهما ، فعطف بالواو ، قاله الزمخشري. # يقول الحق جل جلاله : {ولما جاء أمرنا} : عذابنا ، أو أمرنا بالعذاب ، ~~{نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا} ، وكانوا أربعة آلاف ، {ونجيناكم ~~من عذاب غليظ} ، وهو ريح السموم ، وكانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم ~~فتقطع أمعاءهم. والتكرير ؛ لبيان ما نجاهم منه ، وإعلاما بأنه عذاب غليظ ، ~~وتعديدا للنعمة في نجاتهم. ويحتمل أن يريد النجاة الأولى : من عذاب الدنيا ~~، وهو الريح الذي نزل بقومهم ، وبالنجاة الثانية : عذاب الآخرة ، وهو ~~العذاب الغليظ ، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح. # {وتلك عاد} ؛ الإشارة إلى القبيلة ، أو إلى قبورهم وآثارهم ؛ تهويلا ~~وتهديدا ، {جحدوا بآيات ر بهم} ؛ كفروا بها ، {وعصوا رسله} ، والجمع إما ~~لأن من عصى رسولا فكأنما عصى الكل ؛ لأنهم متفقون في الدعوة ، مع أنهم ~~أمروا بطاعة كل رسول. وإما على إرادة الجنس كقولك : فلان يركب الخيل ، وإن ~~يركب إلا فرسا واحدا. {واتبعوا أمر # 223 PageV03P304 ~~كل جبار عنيد} يعني : كبراءهم الطاغين ، والعنيد : الطاغي ، والمعنى : ~~عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم ، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما ~~يرديهم ، {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ms1102 ويوم القيامة} أي : جعلت اللعنة ~~تابعة لهم في الدارين ؛ في الدنيا أهلكتهم ، وفي الآخرة أحرقتهم. # {ألا إن عادا كفروا ربهم} ؛ جحدوه ، أو كفروا نعمه. وفيه تشنيع لكفرهم ~~وتهويل لأمرهم ، بالإتيان بحرف التنبيه ، وتكرار اسم عاد ؛ {ألا بعدا لعاد} ~~أي : هلاكا لهم ، دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا ؛ للدلالة على أنهم كانوا ~~مستحقين له ، مستوجبين لما نزل بهم ؛ بسبب ما حكي عنهم. وإنما كرر " ألا " ~~وأعاد ذكرهم ؛ تفظيعا لأمرهم ، وحثا على الاعتبار بحالهم. ثم بينهم بقوله : ~~{قوم هود}. فهو عطف بيان لعاد ، وفائدته : تمييزهم عن عاد الثانية التي هي ~~عاد إرم ، والإيمان إلى استحقاقهم للبعد ، بما جرى بينهم وبينه. قاله ~~البيضاوي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 223 # الإشارة : من أراد سلامة الدارين والظفر بقرة العين ، فليتمسك بالإيمان ~~بالله ، وبكل رسول أتى من عند الله ، وليتبع من يدعو إلى الله. وهم أهل ~~المحبة والوداد ، السالكون مناهج الرشاد والسداد. وليتجنب كل جبار عنيد ، ~~وهو : كل من يحول بينك وبين الله ، ويغفلك عن ذكر الله. وقوله تعالى : (ألا ~~بعدا لعاد) وأخواتها ، فيها تخويف لأهل القرب والوصال. # قال في الإحياء : ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ، ليست لغيرهم ، ~~وبعض مخاوفهم أشد من بعض ، فأولها : خوف الإعراض ، وأشد منه : خوف الحجاب ، ~~وأشد منه خوف الإبعاد ، وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين ، ~~أنه سمع : (ألا بعدا لعاد) ، (ألا بعدا لمدين) ، وإنما تعظم هيبة البعد ~~وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه ، وتنعم به. ثم قال : ثم خوف الوقوف وسلب ~~المزيد ، فإنا قدمنا : أن درجات القرب لا نهاية لها. ه. PageV03P305 # جزء : 3 رقم الصفحة : 223 # قلت : قال الشطيبي : صالح : هو ابن عبيد بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح. # 224 # وثمود هم أولاد ثمود بن عوص بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. ه. وفيه نظر ؛ ~~فقد ذكر البيضاوي في سورة الأعراف أن بين صالح ونوح تسعة أجداد ، فانظره. # يقول الحق جل جلاله : {و} أرسلنا {إلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم ~~اعبدوا ms1103 الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض} كونكم من الأرض ؛ لأنه ~~خلق آدم منها ، والنطف التي هي مواد نسله أصها منها ، {واستعمركم} ؛ عمركم ~~{فيها} وجعلكم تعمرونها بعد من مضى قبلكم ، ثم تتركونها لغيركم. أو ~~استبقاكم فيها مدة أعماركم ، ثم ترحلون عنها. {فاستغفروه ثم توبوا إليه ، ~~أن ربي قريب} من كل شيء {مجيب} لمن دعاه. # {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} أي : كنا نرجو أن ننتفع بك ؛ ~~لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد ، فتكون لنا سيدا ، أو مستشارا في ~~الأمور ، وإن توافقنا على ديننا ، فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا ~~منك ؛ {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} قبلنا لتصرفنا عن ديننا ، {وإننا ~~لفي شك مما تدعونا إليه} من التوحيد ، والتبري من الأوثان. {مريب} : موقع ~~في الريبة ؛ مبالغة في الشك ، {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة} ؛ طريقة ~~واضحة {من ربي} وبصيرة نافذة منه ، {وآتاني منه رحمة} : نبوة ، {فمن ينصرني ~~من الله} ؛ من يمنعني من عذابه {إن عصيته} وأطعتكم في ترك التبليغ ، ~~وموافقتكم في الدين الفاسد ، {فما تزيدونني} باستتباعكم {غير تخسير} بترك ~~ما منحني الله به ، والتعرض لغضبه ، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير ~~تخسير لكم ؛ لأنه يجركم إلى الخسران. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 224 PageV03P306 ~~الإشارة : كل من وجهه الحق تعالى يدعو إلى الله فإنما يدعو إلى خصلتين : ~~إفراد الحق بنعوت الألوهية ، والقيام بوظائف العبودية ؛ شكرا لنعمة الإيجاد ~~، وتوالي الإمداد. فقول صالح عليه السلام : {اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره} ، هذا إفراد الحق بالربوبية ، وقوله : {هو أنشأكم من الأرض} ، هذه ~~نعمة الإيجاد. وقوله : {واستعمركم فيها} هي : نعمة الإمداد ، وقوله : ~~{فاستغفروه ثم توبوا إليه} ، وهو القيام بوظائف العبودية ؛ شكرا لتلك ~~النعمتين. وفي قوله : {إن ربي قريب مجيب} : ترهيب وترغيب. # وقوله تعالى : {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} : يؤخذ من ~~الآية : أن شعاع الخصوصية ، وآثارها ، تظهر على العبد قبل شروق أنوارها ، ~~وهو جار في خصوص النبوة والولاية ms1104 ، فلا تظهر على العبد في الغالب حتى ~~يتقدمها آثار وأنوار ، من مجاهدة أو أنس ، أو اضطرار أو انكسار ، أوعرق ~~طيب. والله تعالى أعلم. وكل من واجهه منهم تكذيب أو إنكار يقول : {أرأيتم ~~إن كنت على بينة من ربي...} الآية. وبالله التوفيق. # 225 # جزء : 3 رقم الصفحة : 224 # قلت : " آية " : نصبت على الحال ، والعامل فيها : معنى الإشارة. و(لكم) : ~~حال منها ، تقدمت عليها لتنكيرها. و(من خزي يومئذ) حذف المعطوف ، أي : ~~ونجيناهم من خزي يومئذ ، ومن قرأ بكسر الميم أعربه ، ومن قرأ بالفتح بناه ؛ ~~لاكتساب المضاف البناء من المضاف إليه. قاله البيضاوي. وقال في الألفية : # وابن ، أو اعرب ما كإذ قد أجريا # واختر بنا متلو فعل بنيا # وقبل فعل معرب أو مبتدأ # أعرب ، ومن بنى فلن يفندا # وثمود : اسم قبيلة ، يصح فيه الصرف باعتبار الحي أو الأب الأكبر ، وعدمه ~~باعتبار القبيلة. وقد جاء بالوجهين في هذه الآية. PageV03P307 # يقول الحق جل جلاله : قال صالح لقومه بعد ظهور آية الناقة ، وقد تقدم في ~~الأعراف قصتها : {هذه ناقة الله لكم آية} تدل على صدقي ، {فذروها تأكل في ~~أرض الله} ؛ أي : ترعى نباتها وتشرب ماءها ، {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب ~~قريب} : عاجل ، لا يتأخر عن مسكم لها بالسوء إلا ثلاثة أيام. {فعقروها} ~~وقسموا لحمها ؛ {فقال} لهم : {تمتعوا} : عيشوا {في داركم} ؛ منازلكم {ثلاثة ~~ايام} ؛ الأربعاء والخميس والجمعة. وقيل : عقروها يوم الأربعاء ، وتأخروا ~~الخميس والجمعة والسبت ، وهلكوا يوم الأحد. {ذلك وعد غير مكذوب} فيه " ، بل هو حق. # {فلما جاء أمرنا} : عذابنا ، أو أمرنا بهلاكهم ، {نجينا صالحا والذين ~~آمنوا معه} ، قيل : كانوا ألفين وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل أربعة آلاف ، ~~وقال كعب : كان قوم صالح أربعة عشر ألفا ، سوى النساء والذرية ، ولقد كان ~~قوم عاد مثلهم ست مرات. انظر القرطبي. قلت : وقول كعب : كان قوم صالح... ~~الخ ، لعله يعني الجميع : من آمن ومن لم يؤمن ، فآمن ألفان وثمانمائة ، ~~وهلك الباقي. وكذا هود ، أسلم أربعة آلاف ، وهلك الباقي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 226 # قال تعالى : فنجينا {صالحا} ومن معه {برحمة منا} ؛ ونجيناهم ms1105 {من خزي # 226 # يؤمئذ} وهو : هلاكهم بالصيحة ، أو من هوان يوم القيامة ، {إن ربك هو ~~القوي العزيز} ؛ القادر على كل شيء ، الغالب عليه ، {وأخذ الذين ظلموا ~~الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين} ؛ باركين على ركبهم ميتين ، {كأن لم ~~يغنوا} : يعيشوا ، أو يقيموا {فيها} ساعة ، {ألا إن ثمود كفروا ربهم} ؛ ~~جحدوه ، {ألا بعدا لثمود} ؛ هلاكا وسحقا لهم. PageV03P308 # الإشارة : ما رأينا أحدا ربح من ولي وهو يطلب منه إظهار الكرامة ، بل إذا ~~أراد الله أن يوصل عبدا إليه كشف له عن سر خصوصيته ، بلا توقف على كرامة. ~~وقد يظهرها الله له بلا طلب ؛ تأييدا له ، وزيادة في إيقانه ، فإن طلب ~~الكرامة ، وظهرت له ، ثم أعرض عنه ، فلا أحد أبعد منه. قال تعالى ، في حق ~~من رأى المعجزة ثم أعرض : {ألا بعدا لثمود}. وبالله التوفيق # جزء : 3 رقم الصفحة : 226 # قلت : " سلاما " : منصوب على المصدر ، أي : سلمنا سلاما. ويجوز نصبه ~~بقالوا ؛ لتضمنه معنى ذكروا. (قال سلام) : إما خبر ، أي : أمرنا سلام ، أو ~~جواب سلام ، وإما مبتدأ ، أي : عليكم سلام. وكسر السين : لغة ، وإنما رفع ~~جوابه ليدل على ثبوت سلامة ؛ فيكون قد حياهم بأحسن مما حيوه به. (فما لبث ~~أن جاء) ؛ . " ما " : نافية و" أن جاء " : فاعل " لبث ". ونكر وأنكر بمعنى ~~واحد. والإيجاس : الإدراك أو الإضمار. و(من وراء إسحاق يعقوب) : من قرأ ~~بالنصب فبفعل دل عليه الكلام ، أي : ووهبنا لها يعقوب. ومن رفعه فمبتدأ ، ~~أي : ويعقوب مولود من بعده. و(شيخا) : حال ، والعامل فيه : الإشارة ، أي : ~~أشير إليه شيخا. و(أهل البيت) : نصب على المدح والاختصاص ، أو على النداء. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم} ، وهم الملائكة ، وقيل : ~~ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل : تسعة جاؤوه {بالبشرى} ؛ بالولد. ~~فلما دخلوا عليه {قالوا سلاما} أي : سلمنا عليك سلاما ، أو ذكروا سلاما ، ~~{قال سلام} أي : عليكم سلام ، {فما لبث} أي : أبطأ ، {أن جاء بعجل حنيذ} ؛ ~~مشوي بالرضف ، أي : بالحجر المحمي. وقيل : حنيذ بمعنى يقطر ودكه. كقوله : ~~{بعجل سمين} [الذاريات : 26] ، فامتنعوا # 227 PageV03P309 ~~من أكله ، {فلما رأى أيديهم لا تصل ms1106 إليه} ؛ لا يمدون إليه أيديهم ، {نكرهم} ~~أي : أنكر ذلك منهم ، {وأوجس} : أدرك ، أو أضمر {منهم خفية} أي : خوفا ، ~~خاف أن يريدوا به مكروها ؛ لامتناعهم من طعامه ، وكان من عادتهم إذا مس من ~~يطرقهم طعامهم أمنوه ، وإلا خافوه. # والظاهر أنه أحسن بأنهم ملائكة ونكرهم ؛ لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر ~~أنكره الله عليه فأمنوه ، وقالوا : {لا تخف إنا} ملائكة {أرسلنا إلى قوم ~~لوط} لنعذبهم ، وإنما لم نأكل طعامك ؛ لأنا لا نأكل الطعام. {وامرأته ~~قائمة} من وراء ستر تسمع محاورتهم ، أو على رؤوسهم للخدمة ، {فضحكت} سرورا ~~بزوال الخيفة ، أو بهلاك أهل الفساد ، أو بإصابة رأيها ، فإنها كانت تقول ~~لإبراهيم : اضمم إليك لوطا ، فإني لأعلم أن العذاب نازل بهؤلاء القوم. وقيل ~~: معنى ضحكت : حاضت. يقال : ضحكت الشجرة : إذا سال صمغها. وقيل : ضحكت ~~سرورا بالولد الذي بشرت به. فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، أي : فبشرناها ~~فضحكت ، وهو ضعيف. # جزء : 3 رقم الصفحة : 227 PageV03P310 ~~قال تعالى {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} ولد ولدها. وتوجيه ~~البشارة إليها ؛ لأنه من نسلها ، ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد ، ~~{قالت يا ويلتا} ؛ يا عجبا ، وأصله في الشر ، فأطلق على كل أمر فظيع. وقرئ ~~بالياء على الأصل ، أي : يا ويلتي {أألد وأنا عجوز} ابنة تسعين ، أو تسع ~~وتسعين {وهذا بعلي} : زوجي ، وأصله : القائم بالأمر ، {شيخا} ؛ ابن مائة أو ~~مائة وعشرين سنة ، {إن هذا لشيء عجيب} يتعجب منه ؛ لكونه نشأ الولد من ~~هرمين. وهو استغرب من حيث العادة ، لا من حيث القدرة ، ولذلك قالوا : ~~{أتعجبين من أمر الله} ؛ منكرين عليها ، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت ~~النبوة ، ومهبط الوحي ومظهر المعجزات. وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ~~ببدع ، ولذلك قالوا : {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} أي : بيت ~~إبراهيم ، فلا تستغرب ما يظهر منهم من خوارق العادات ، ولا سيما من نشأت ~~وشابت في ملاحظة الآيات ، {إنه} تعالى {حميد} ؛ فاعل ما يستوجب به الحمد ، ~~أو محمود على كل حال {مجيد} ؛ كثير الخير والإحسان. أو ممجد بمعنى العلو ~~والشرف التام. قال ابن عطية ms1107 هنا : إن في الآية دليلا على ان الذبيح إسماعيل ~~لا إسحاق. وفيه نظر. وسيأتي في سورة الصافات ما هو الحق ، إن شاء الله تعالى. # الإشارة : من شأن أهل الكرم والامتنان : المبادرة إلى من أتاهم بالبر ~~والإحسان ؛ إما بقوت الأرواح ، أو بقوت الأشباح. من أتاهم لقوت الأرواح ~~بادروه بإمداد الروح من اليقين والمعرفة ، ومن أتاهم لقوت الأشباح بادروه ~~بالطعام والشراب ، كلا ما يليق به ، ومن # 228 PageV03P311 ~~شأن الضيف اللبيب المبادرة إلى أكل ما قدم إليه ، من غير اختبار ، إلا ~~لمانع شرعي أو عادي. ومن شأن أهل التحقيق والتصديق ألا يتعجبوا مما يظهر من ~~القدرة من الخوارق ؛ إذ القدرة صالحة لكل شيء ، حاكمة على كل شيء ، هي تحكم ~~على العادة ، لا العادة تحكم عليها. وهذا شأن الصديقين ؛ لا يتعجبون من شيء ~~؛ ولا يستغربون شيئا ، ولذلك توجه الإنكار إلى سارة من الملائكة ، ولم ~~يتوجه إلى مريم ؛ حيث سألت ؛ استفهاما ، ولم تتعجب ، ووصفت بالصديقية دون ~~سارة. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 227 # قلت : " لما " : حرف وجود لوجود ، تفتقر للشرط والجواب. فشرطها : " ذهب " ~~، وجوابها : محذوف أي : جعل يجادلنا. والتأوه : التفجع والتأسف ، ومنه قول ~~الشاعر : # إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه آهة الرجل الحزين # يقول الحق جل جلاله : {فلما ذهب عن إبراهيم الروع} ، وهو ما أوجس في نفسه ~~من الخيفة ، {وجاءته البشرى} بدل الروع ، جعل {يجادلنا} أي : يخاصم رسلنا ~~{في} شأن {قوم لوط} ، ويدفع عنهم ، قال : {إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن ~~فيها} [العنكبوت : 32] ، {إن إبراهيم لحليم} ، غير عجول من الانتقام إلى من ~~أساء اليه. {أواه} ؛ كثير التأوه والتأسف على الناس ، {منيب} ، راجع إلى ~~الله. والمقصود من ذلك : بيان الحامل له على المجادلة ، وهي : رقة قلبه ~~وفرط ترحمه. قال تعالى على لسان الملائكة : {يا إبراهيم أعرض عن هذا} ، ~~الجدال ؛ {إنه قد جاء أمر ربك} بهلاكهم ، ونفذ قضاؤه الأزلي فيهم ، ولا مرد ~~لما قضى ، {وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} ؛ غير مصروف بجدال ولا دعاء ، ولا ~~غير ذلك. PageV03P312 # الإشارة : قال الورتجبي : قوله تعالى {إن أبراهيم ms1108 لحليم أواه} ؛ حليم بأنه ~~كان لا يدعو على قومه ، بل قال {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم} [إبراهيم : 36] وتأوه زفرة قلبه من الشوق إلى جمال ربه ، هكذا وصف ~~العاشقين. ثم قال : ومجادلته كمال الانبساط ، ولم يكن جهلا ، ولكن كان ~~مشفقا ، بارا كريما ، رأى مكانة نفسه في محل الخلة والاصطفائية القديمة ، ~~وهو تعالى يحب غضب العارفين ، وتغير المحبين ، ومجادلة # 229 # الصديقين ، وانبساط العاشقين حتى يحثهم على ذلك. # وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لما أسري بي رأيت ~~رجلا في الحضرة يتذمر ، فقلت لجبريل : من هذا ؟ فقال : أخوك موسى يتذمر على ~~ربه أي : يجترئ عليه انبساط فقلت : وهل يليق له ذلك ؟ فقال : يعرفه ؛ ~~فيتحمل عنه " ثم قال : ولا يجوز الانبساط إلا لمن كان على وصفهم. ه. قال في ~~الصحاح : يتذمر على فلان : إذا تنكر له وأوعده. قاله المحشي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 229 # والحاصل أن إبراهيم عليه السلام حملته الشفقة والرحمة ، حتى صدر ، منه ما ~~صدر مع خلته واصطفائيته ، فالشفقة والرحمة من شأن الصالحين والعارفين ~~المقربين ، غير أن العارفين بالله مع مراد مولاهم ، يشفقون على عباد الله ، ~~ما لم يتعين مراد الله ، فالله أرحم بعباده من غيره. ولذلك قال لخليله ، ~~لما تعين قضاؤه : {يا أبراهيم أعرض عن هذا}. فالشفقة التي تؤدي إلى معارضة ~~القدر لا تليق بأهل الأقدار ، وفي الحكم " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن ~~يحدث في الوقت غير ما أظهره الله ". ولهذا قالوا : الشفقة لا تليق ~~بالأولياء. PageV03P313 # قال جعفر الصادق رحمه الله : ست خصال لا تحس بستة رجال : لا يحسن الطمع ~~في العلماء ، ولا العجلة في الأمراء ، ولا الشح في الأغنياء ، ولا الكبر في ~~الفقراء ، ولا الشفقة في المشايخ ، ولا اللؤم في ذوي الأحساب. وقولنا : ~~الشفقة لا تليق بالأولياء ، يعني إذا تعين مراد الله ، أو إذا ظهرت المصلحة ~~في عدمها ، كأمر الشيخ المريد بما تموت به نفسه ، فإذا كان الشيخ يحن على ~~الفقراء في هذا المعنى لا تكمل تربيته. والله تعالى ms1109 أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 229 # 230 # قلت : (سيء) : مبني للمفعول ، صلة : سوئ ، نقلت حركة الواو إلى السين بعد ~~ذهاب حركتها ، ثم قلبت الولو ياء. و(ذرعا) : تمييز محول عن الفاعل ، أي : ~~ضاق ذرعه ، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه ، وعجزه عن ~~مقاومته. و(لو أن لي بكم قوة) : إما للتمني فلا جواب له ، أو محذوف ، أي : لدفعت. # وفي(أسر) لغتان : قطع الهمزة من الإسراء ، ووصلها من السرى ، وقرئ بهما ~~معا ، و(إلا امرأتك) الرفع ؛ بدل من (أحد) ، وبالنصب ؛ منصوب بالاستثناء من ~~(فأسر بأهلك). ومنشأ القراءتين : هل أخرجها معه ، فالتفتت أم لا ؟ فمن رفع ~~ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها ، وهما روايتان. PageV03P314 # يقول الحق جلاله : {ولما جاءت رسلنا} ، وهم الملائكة المتقدمون ، {لوطا سيء ~~بهم} ساءه مجيئهم ؛ لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه ، فظن أنهم بشر ، ~~فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة ، ولا يقدر على مدافعتهم ، {وضاق ~~بهم ذرعا} أي : ضاق صدره بهم ، {وقال هذا يوم عصيب} : شديد من عصبه : إذا ~~شده ، وروي أن الله تعالى قال لهم : لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط ~~أربع شهادات ، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله ، قال لهم : أما بلغكم ~~أمر هذه القرية ؟ قالوا : وما أمرهم ؟ قال : أشهد بالله أنها شر قرية في ~~الأرض عملا. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله ، ولم يعلم بذلك أحد ، فخرجت ~~امرأته فأخبرتهم ، {وجاءه قومه يهرعون} ؛ يسرعون {إليه} كأنهم يدفعون إليه ~~دفعا ، لطلب الفاحشة من أضيافه. {ومن قبل} ذلك الوقت {كانوا يعملون ~~السيئات} ؛ الفواحش ، كاللواطة ، وغيرها ، مستمرين عليها مجاهرين بها ، حتى ~~لم يستحيوا وجاؤوا يهرعون إليها. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 230 # قال يا قوم هؤلاء بناتي} تزوجوهن ، وكانوا يطلبونهن قبل ، فلا يجيبهم ~~لخبثهم ، وعدم كفاءتهم ، لا لحرمة المسلمات على الكفار ، فإنه شرع طارئ ؛ ~~قال ابن جزي : وإنما قال لهم ذلك ؛ ليقي أضيافه ببناته. قيل : إن اسم بناته ~~، الواحدة : ريثا ، والأخرى : غوثا. ه. ولم يذكر الثالثة ، فعرضهن عليهم ، ~~وقال : {هن أطهر لكم} ms1110 ؛ أحل لكم ، أو أقل فحشا ، كقولك : الميتة أطيب من ~~المغضوب ، {فاتقوا الله} بترك الفواحش ، {ولا تحزون} ؛ لا تفضحوني {في ~~ضيفي} ؛ في شأنهم ، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. {أليس منكم رجل رشيد} ؛ ~~عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. PageV03P315 # {قالوا لقد علمت ما لنا من بناتك من حق} ؛ من حاجة ، {وإنك لتعلم ما نريد} ~~وهو إتيان الذكران ، {قال لو أن لي} ؛ ليت لي {بكم قوة} طاقة على دفعكم ~~بنفسي ، {أو آوي إلى ركن شديد} ؛ أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرة يحمونني منكم ~~، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته ، قال صلى الله عليه وسلم " رحم ~~الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن # 231 # شديد " يعني : الله تعالى. # روي أنه أغلق بابه دون أضيافه ، وأخذ يجادلهم من وراء الباب ، فتسوروا ~~الجدار ، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب ، {قالوا يا لوط إنا رسل ~~ربك لن يصلوا إليك} : لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا ، فهو عليك ودعنا ~~وإياهم. فخلاهم ، فلما دخلوا ضرب. جبريل عليه السلام بجناحيه وجوههم ، فطمس ~~أعينهم ، وأعمالهم ، فخرجوا يقولون : النجاء ؛ النجاء في بيت لوط سحرة ، ~~فقالت الملائكة للوط عليه السلام : {فأسر بأهلك} ؛ سر بهم {بقطع من الليل} ~~: بطائفة منه ، {ولا يلتفت منكم أحد} : لا يتخلف ، أو لا ينظر إلى ورائة ؛ ~~لئلا يرى ما يهوله. والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط ، وإن كان في اللفظ ~~مسندا إلى أحد. # {إلا امرأتك} ، اسمها : واهلة ، أي : فلا تسر بها ، أو : ولا ينظر أحد ~~منكم إلى ورائه إلا امرأتك ؛ فإنها تنظر. روي أنها خرجت معه ، فلما سمعت ~~صوات العذاب التفتت وقالت : يا قوماه ؛ فأدركها حجر فقتلها ، ولذلك قال : ~~{أنه مصيبها ما أصابهم} من العذاب ، {إن موعدهم} وقت {الصبح} في نزول ~~العذاب بهم ، فاستبطأ لوط وقت الصبح ، وقال : هلا عذبوا الأن ؟ فقالوا : ~~{أليس الصبح بقريب}. # {فلما جاء أمرنا} ؛ عذابنا ، أو أمرنا به ، {جعلنا} مدائنهم {عاليها ~~سافلها} ، روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم ، ورفعها إلى ~~السماء ، حتى سمع أهل السماء نباح ms1111 الكلاب ، وصياح الديكة ، ثم قلبها بهم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 230 PageV03P316 ~~وأمطرنا عليهم} ؛ على المدائن ، أي : أهلها ، أو على ما حولها. روي أنه من ~~كان منهم خارج المدائن أصابته الحجارة من السماء ، وأما من كان في المدائن ~~، فهلك لما قلبت. فأرسلنا عليهم : {حجارة من سجيل} : من طين طبخ بالنار ، ~~أو من طين متحجر كقوله : {حجارة من طين} [الذاريات : 33] ، وأصلها : سنكين ~~، ثم عرب ، وقيل : إنه من أسجله إذا أرسله ، أي : من مثل الشيء المرسل ، ~~وقيل : أصله من سجين ، أي جهنم ، ثم أبدلت نونه لاما ، {منضود} : مضموم ~~بعضه فوق بعض ، معدا لعذابهم ، أو متتابع يتبع بعضه بعضا في الإرسال ، كقطر ~~الأمطار. # {مسومة} أي : معلمة للعذاب ، وقيل : معلمة ببياض وحمرة ، أو بسيما تتميز ~~به عن حجارة الأرض ، أو باسم من يرمي به ؛ فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى ~~به ، وقوله : {عند ربك} ، أي : في خزائن علمه وقدرته ، {وما هي من الظالمين ~~ببعيد} بل هي قريبة من كل ظالم. # 232 PageV03P317 ~~قال ابن جزي : الضمير للحجارة ، والمراد بالظالمين : كفار قريش ، فهذا ~~تهديد لهم ، أي : ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم ؛ لأجل كفرهم ، وقيل : ~~الضمير للمدائن ، أي : ليس مدائنهم ببعيد منهم ؛ أفلا يعتبرون بها. كقوله : ~~{ولقد أتوا على القرية التيا أمطرت مطر السوء} [الفرقان : 40]. وقيل : ~~الظالمين على العموم. ه. وقال البيضاوي : وعنه عليه الصلاة والسلام : " ~~أنه سأل جبريل ، فقال " يعني : ظالمي أمتك ، ما من ظالم منهم ؛ إلا هو معرض ~~لحجر يسقط من ساعة إلى ساعة " ه. الإشارة : الاعتناء بشأن الأضياف ، وحفظ ~~حرمتهم : من شأن الكرام ، والاستخفاف بحقهم ، والتجاسر عليهم ، من فعل ~~اللئام. وفي الحديث : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " ~~والإسراع إلى الفواحش من علامة الهلاك ، لا سيما اللواط والسفاح. والإيواء ~~إلى الله والاعتصام به من علامة الفلاح ، والبعد عن ساحة أهل الفساد من شيم ~~أهل الصلاح ، وكل من اشتغل بالظلم والفساد فالرمي بالحجارة إليه بالمرصاد. # جزء : 3 رقم الصفحة : 230 # قلت : " مفسدين " : حال مؤكده لمعنى عاملها ، وهو : " لا تعثوا ". وفائدة ~~ذكره : إخراج ما ms1112 يقصد به الإصلاح ، كما فعله الخضر عليه السلام. PageV03P318 # يقول الحق جل جلاله : {و} أرسلنا {إلى مدين أخاهم شعيبا} ، أراد أولاد مدين ~~بن إبراهيم عليه السلام أو أهل مدين ، وهي بلده ، فسميت باسمه ، {قال يا ~~قوم اعبدوا الله} وحده ؛ {ما لكم من إله غيره ولا تنقضوا المكيال والميزان} ~~، وكانوا مطففين. أمرهم أولا بالتوحيد ؛ فإنه رأس الأمر ، ثم نهاهم عما ~~اعتادوا من : البخس المنافي للعدل ، المخل بحكمة المعاوضة ، ثم قال لهم : ~~{إني اراكم بخير} ؛ بسعة كرخص الأسعار ، وكثرة الأرزاق ، فينبغي أن تشكروا ~~عليها ، وتتعففوا بها عن البخس ، لا أن تنقضوا الناس حقوقهم ، أو بسعة ~~ونعمة ، فلا تزيلوها بما أنتم عليه ؛ فإن من لم يشكر النعم فقد تعرض ~~لزوالها ، {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} ؛ يوم القيامة ، فإنه محيط بكل ~~ظالم ، أو عذاب الاستئصال في الدنيا ، ووصف اليوم بالإحاطة ، وهي صفة ~~العذاب ؛ لاشتماله عليه. # 233 # {ويا قوم أوفوا الميكال والميزان بالقسط} ؛ بالعدل من غير زيادة ولا ~~نقصان. صرح بالأمر بالاستيفاء بعد النهي عن ضده ؛ مبالغة ، وتنبيها على ~~أنهم لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف ، بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو ~~بالزيادة ، حيث لا يتأتى دونها ، وقد تكون الزيادة محظورة ، ولذلك أمرهم ~~بالعدل في قوله : (بالقسط) ، بلا زيادة ولا نقصان. # {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} لا تنقصوهم حقهم ، وهو تعميم بعد تخصيص ، ~~فإنه أعم من أن يكون في الميزان والمكيال وفي غيره ، وكذا قوله : {ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين} ؛ فإن العثو وهو الفساد يعم تنقيص الحقوق وغيره ~~من أنواع الفساد. وقيل : المراد بالبخس : المكس ، كأخذ العشور في المعاملات ~~، والعثو : السرقة وقطع الطريق والغارة ، وأكد بقوله : {مفسدين} وفائدته : ~~إخراج ما يقصد به الإصلاح ، كما فعل الخضر عليه السلام ، وقيل : معناه : ~~مفسدين أمر دينكم ومصالح آخرتكم. قاله البيضاوي. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 233 PageV03P319 ~~بقية الله} ؛ أي : ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عن الحرام ، {خير ~~لكم} مما تجمعون بالتطفيف ، {إن كنتم مؤمنين} ؛ فإن الإيمان يقتضي الاكتفاء ~~بالحلال عن الحرام. أو إن كنتم مؤمنين فالبقية خير لكم ms1113 ، فإن خيريتها تظهر ~~باعتبار الثواب والنجاة من العذاب ، وذلك مشروط بالإيمان ، أو : إن كنتم ~~مصدقين لي في قولي لكم. وقيل : البقية : الطاعة ، كقوله {والباقيات ~~الصالحات} [الكهف : 46]. وقرئ : " تقية الله " ؛ أحفظ عليكم أعمالكم ، ~~وأجازيكم عليها ، إنما أنا نذير وناصح مبلغ ، وقد أعذرت حين أنذرت. أو : ~~أحفظكم عن القبائح وأمنعكم منها. أو : لست بحافظ عليكم نعم الله إن سبلت ~~عنكم بسوء صنيعكم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : كما أمر الحق تعالى بالوفاء في الموازين أمر بالوفاء في ~~الأعمال والأحوال والمقامات. ولذلك قيل للجنيد في النوم : أفضل ما يتقرب به ~~إلى الله عمل خفي ، بميزان وفي ، فالوفاء في الأعمال : إتقانها في الظاهر ، ~~باستيفاء شروطها وآدابها ، وإخلاصها في الباطن مع حضور القلب فيها. والوفاء ~~في الأحوال : ألا تخرج عن قواعد الشريعة ، بأن لا تكون محرمة ولا مكروهة ، ~~وأن يقصد بها موت النفوس وحياة الأرواح ، والوفاء في المقام : ألا ينتقل عن ~~مقام إلى غيره حتى يتحقق بالمقام الذي أنزل فيه. وفيه خلاف بين الصوفية : ~~هل يصح الانتقال عن مقام قبل التحقق به ، ثم يحققه في المقام الذي بعده ، ~~أم لا ؟ . # والمقامات التي ينزل فيها المريد : التوبة ، الخوف ، الرجاء ، والورع ، ~~والزهد ، والتوكل ، والصبر ، والرضى ، والتسليم ، والمحبة ، والمراقبة ، ~~والمشاهدة بالفناء ثم البقاء ، أو الإسلام ، ثم الإيمان ، ثم الإحسان. فلا ~~ينتقل من مقام إلى ما بعده حتى يحقق المقام # 234 PageV03P320 ~~الذي هو فيه ، ذوقا وحالا. وقيل : يجوز أن ينتقل إلى ما بعده إذا كان ذا ~~قريحة فتحقق له ما قبله. والله تعالى أعلم. وطريق الشاذلية مختصرة ، تطوي ~~عن المريد هذه المقامات ، فينزل في أول قدم في مقام الإحسان ، شعر أم لا ، ~~ثم يحصل الفناء ثم البقاء ، إن وجد شيخا كاملا تربى على يد شيخ كامل ، وإلا فلا. # وقول الجنيد رضي الله عنه : (عمل خفي) ، اعلم أن الخفاء على ثلاثة أقسام ~~: خفاء عوام الصالحين ، وهو : إخفاء الأعمال عن الناس مخافة الرياء. وخفاء ~~المريدين ، وهو : الإخفاء عن ملاحظة الخلق ومراقبتهم ، ولو كانوا بين ~~أظهرهم ، فإخفاؤهم قلبي لا قالبي. وخفاء العارفين الواصلين ms1114 ، وهو : الإخفاء ~~عن رؤية النفس ، فهم يغيبون عن أنفسهم ووجودهم ، في حال أعمالهم ، فليس لهم ~~عن نفوسهم إخبار ، ولا مع غير الله قرار. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 233 # قلت : " تأمرك أن نترك " : على حذف مضاف ، أي : تأمرك بتكليف أن نترك ؛ ~~لأن الرجل لا يؤمر بفعل غيره. و(أن نفعل) : عطف على (ما) ؛ أي : أو نترك ~~فعلنا في أموالنا ما نشاء. # يقول الحق جل جلاله : {قالوا يا شعيب أصلواتك} التي تكثر منها هي التي ~~{تأمرك} أن تأمرنا {أن نترك ما يعبد آباؤنا} من الأصنام ، وندخل معك في ~~دينك المحدث ، أجابوا به ما أمرهم به من التوحيد بقوله : {ما لكم من إله ~~غيره} ، على وجه التهكم والاستهزاء بصلواته. وكان كثير الصلاة ، ولذلك ~~جمعوها وخصوها بالذكر. وقرأ الأخوان وحفص بالإفراد المراد به الجنس. PageV03P321 # ثم أجابوه عن نهيهم عن التطفيف وأمرهم بالإيفاء ، فقالوا : {أو} نترك {أن ~~نفعل في أموالنا ما نشاء} من البخس وغيره ؟ وقيل : كانوا يقطعون الدراهم ~~والدنانير ، فناهم عن ذلك.. {إنك لأنت الحليم الرشيد} ، تهكموا به وقصدوا ~~وصفه بضده ، من خفة العقل والسفه ؛ لأن العاقل عندهم هو الحرص على جمع ~~الدنيا وتوفيرها ، وهو الحمق عند العقلاء ، أو إنك موسوم بالحلم والرشد ؛ ~~فلا ينبغي لك أن تنهانا عن تنمية أموالنا والتصرف فيها. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الإنكار على من أمر بالخروج عن العوائد والتقلل من الدنيا من ~~طبع أهل الكفر والجهل ، وكذلك رميه بالحمق والسفه. فلا تجد الناس اليوم ~~يعظمون إلا من أقرهم # 235 # على توفير دنياهم ورئاستهم. والتكاثر منها ، وأما من زهدهم فيها وأمرهم ~~بالقناعة ، فإنهم يرفضونه ، ويحمقونه. وهذا طبع من طبع الأمم الخالية ، ~~الجاهلة بالله ، وبما أمر به ، وفي الحديث : " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا ~~بشبر ، وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 235 # قلت : جواب " إن كنت " : محذوف ، أي : فهل ينبغي أن أخون في وحيه وأخالفه ~~في أمره. PageV03P322 # يقول الحق جل جلاله : {قال} شعيب لقومه : {يا قوم أرأيتم إن كنتم على ms1115 بينة ~~من ربي} ، وهي النبوة والعلم والحكمة ، {ورزقني منه} ؛ من عنده ، وبإعانته ~~، بلا كد في تحصيله ، {رزقا حسنا} : حلالا ، إشارة إلى من آتاه من المال ~~الحلال. فهل يسع لي بعد هذا الإنعام ، الجامع للسعادات الروحانية ~~والجسمانية ، أن أخون في وحيه ، وأخالفه في أمره ونهيه ، حتى لا أنهاكم عن ~~عبادة الأوثان ، والكف عن العصيان ، والأنبياء لا يبعثون إلا بذلك ، وهذا ~~منه اعتذار لما أنكروا عليه من الأمر بالخروج عن عوائدهم ، وترك ما ألفوه ~~من دينهم الفاسد ، أي : كيف أترك ما أمرني به ربي من تبليغ وحيه ، وأنا على ~~بينة منه ، وقد أغناني الله عنكم وعن غيركم. ولذلك قال إثره : {وما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} أي : وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه ؛ لأستبد ~~به دونكم ، فتتهموني إن أردت الاستبداد به. يقال : خالفني فلان إلى كذا : ~~إذا قصده ، وأنت مول عنه ، وخالفني عنه : إذا ولى عنه وأنت قاصده. {إن أريد ~~إلا صلاح ما استطعت} أي : ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري لكم بالمعروف ، ~~ونهيي لكم عن المنكر جهد استطاعتي. # قال البيضاوي : ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن ، وهو التنبيه ~~على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة : أهمها ~~وأعلاها : حق الله تعالى. وثانيها : حق النفس ، وثالثها : حق الناس. ه. قلت ~~: فحق الله : كونه على بينة من ربه ، وحق النفس : تمكينه من الرزق الحسن. ~~وحق الناس : نصحهم من غير طمع ، ولا حظ. # 236 PageV03P323 ~~ثم قال : {وما توفيقي إلا بالله} ؛ وما توفيقي لإجابة الحق ، والصواب إلا ~~بهدايته ومعونته ، {عليه توكلت} ؛ فإنه القادر على كل شيء ، وما عداه عاجز ~~بل معدوم ، ساقط عن درجة الاعتبار. وفيه إشارة إلى محض التوحيد ، الذي هو ~~أقصى مراتب العلم بالله. {وإليه أنيب} ؛ أرجع في جميع أموري. {ويا قوم لا ~~يجرمنكم} : لا يكسبنكم {شقاقي} : معاداتي ، {أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم ~~نوح} من الغرق ، {أو قوم هود} من الريح ، {أو قوم صالح} من الصيحة ، ~~والمعنى : لا تخالفوني فيجركم ذلك إلى ms1116 الهلاك كما هلك الأمم قبلكم ، {وما ~~قوم لوط منكم ببعيد} ؛ زمانا ولا مكانا ، فإن لم تعتبروا بمن قبلكم ، ~~فاعتبروا بهم ؛ إذ هم ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوئ ، فلا يبعد عنكم ~~ما أصابهم. وإنما أفرد " بعيد " ؛ لأن المراد : وما إهلاكهم ، أو وما هم ~~بشيء بعيد. {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} عما أنتم عليه ؛ {إن ربي رحيم} ~~؛ عظيم الرحمة للتائبين {ودود} ؛ متودد إليهم ، فاعل بهم من اللطف والإحسان ~~ما يفعل البليغ بمن يوده ، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار. ~~قاله البيضاوي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 236 # الإشارة : قد تضمنت خطبة شعيب عليه السلام ست خصال ، من اجتمعت فيه فاز ~~بسعادة الدارين : الأولى : فتح البصيرة ، ونفوذ العزيمة ، وتنوير القلب ~~بمعرفة الله ، حتى يكون على بينة من ربه. # الثانية : تيسير الرزق الحلال ، من غير تعب ولا مشقة ، يستعين به على ~~طاعة ربه ، ويقوم به بمؤنة أمره. # الثالثة : السعي في إصلاح عباد الله وإرشادهم ، ودعاؤهم إلى الله من غير ~~طمع ولا حرف ، ويكون حاله يصحح مقاله ، فلا يترك ما أمر به ، ولا يفعل ما ~~نهى عنه. # الرابعة : الاعتماد على الله والرجوع إليه في توفيقه وتسديده ، وفي أمر ~~دنياه ودينه ، بحيث لا يرجو إلا الله ، ولا يخاف إلا منه. PageV03P324 # الخامسة : الحذر والتحذير من مخالفة ما جاءت به الرسل من عند الله ، ~~والتمسك بما أمروا به من طاعة الله ، والاعتذار بمن هلك قبله ممن خالف أمر الله. # السادسة : تحقيق التوبة والانكسار ، والإكثار من الذكر والاستغفار. فذلك ~~سبب المودة من الكريم الغفار. ولأجل هذه الخطبة سمي شعيب خطيب الأنبياء. ~~والله تعالى أعلم. # 237 # جزء : 3 رقم الصفحة : 236 # قلت : " سوف تعلمون " : ذكره هنا بغير فاء ، وفي الأنعام بالفاء ، لأن ~~الكلام في سورة الأنعام مع الأمة المحمدية ، فأتى بالفاء لمطلق السببية ، ~~وهنا مع قوم شعيب عليه السلام ، فحذفها ؛ لأنه أبلغ في التهويل. فكأن ~~الجملة بيانية لجواب سائل قال : فما يكون بعد ذلك ؟ فقال : سوف تعلمون... الخ. # يقول الحق جل جلاله : {قالوا يا شعيب ما نفقه} ؛ ما ms1117 نفهم {كثيرا مما ~~تقول} من أمر التوحيد ، وترك التبخيس ، وما ذكرت من الدليل عليها ؛ وذلك ~~لانهماكم في الهوى ، وقصور عقلهم وعدم تفكرهم. وقيل : قالوا ذلك استهانة ~~بكلامه ، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم. ثم قالوا : {وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا} ؛ لا قوة لك تمتنع بها منا إن أردنا بك سوءا ، أو : نراك ~~ناحل البدن ، أو : ضرير البصر. وضعفه ابن عطيه. {ولولا رهطك} أي : قومك ، ~~الذين هم باقون على ما ملتنا ، وكونهم في عزة عندنا ، {لرجمناك} : لقتلناك ~~بالحجارة. أو بأصعب وجه ، {وما أنت علينا بعزيز} ؛ فتمنعنا عزتك من رجمك. PageV03P325 # قال البيضاوي : وهذا ديدن السفيه المحجوج ، يقابل الحجج والآيات بالسب ~~والتهديد. وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت ~~العزة ، وأن المانع لهم من إيذائه عزة قومه. ولذلك قال : {يا قوم أرهطي أعز ~~عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا} ، وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء ~~الظهر ، بإشراككم به ، والإهانة لرسوله. وهو يحتمل الإنكار والتوبيخ والرد ~~والتكذيب. والظهري : منسوب إلى الظهر ، والكسر من تغيير البناء. ه. قال ابن ~~جزي : فإن قيل : إنما وقع الكلام فيه وفي وهطه ، بأنهم هم الأعزة دونه ، ~~فكيف طابق جوابه كلامهم ؟ فالجواب : أن تهاونهم به ، وهو رسول الله ، تهاون ~~الله. فلذلك قال : {أرهطي أعز عليكم من الله}. ه. # {إن ربي بما تعملون محيط} فلا يخفى عليه شيء منها ، فيجازي عليها ~~بتمامها. {ويا قوم اعملوا على مكانتكم} : على حالتكم من تمكنكم في الدنيا ، ~~وعزتكم فيها ، {إني عامل} على حالي ، {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} ، ~~يهينه في الدنيا والآخرة ، {و} سوف تعلمون {من هو كاذب} مني ومنكم ، ~~{وارتقبوا} ؛ وانتظروا ما # 238 # أقول لكم ، {إني معكم رقيب} : مرتقب لذلك. وهو فعيل بمعنى فاعل ، كالصريح ~~والرفيع. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 238 # الإشارة : لا يفقه المواعظ والتذكير إلا أهل الإيمان والتنوير. وأما ~~القلب القاسي بالكفر والمعاصي فلا يسمع إلا ما تسمعه البهائم من الناعق ~~والراعي. فبقدر ما يرق القلب يتأثر بالمواعظ ، وبقدر ما يغلظ باتباع الحظوظ ms1118 ~~والهوى ؛ يغيب عن تدبر المواعظ. وسبب تنوير القلب ورقته : قربه من الله ، ~~وتعظيمه لحرمات الله ، وتعظيم من جاء من عند الله من أنبيائه ورسله ، ~~وورثتهم القائمين بحجته ، كالأولياء والعلماء الأتقياء. وسبب ظلمة القلب ~~وقساوته : بعده من الله ، وإهانته لحرمات الله ، واتخاذه أمره ظهريا ، وجعل ~~ذكره نسيا منسيا. وبالله التوفيق. PageV03P326 # جزء : 3 رقم الصفحة : 238 # يقول الحق جل جلاله : {ولما جاء أمرنا} : عذابنا لقوم شعيب ، {نجينا ~~شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا} ، لا بعمل استحقوا به ذلك ؛ إذ كل من ~~عنده ، {وأخذت الذين ظلموا الصيحة} قيل : صاح بهم جبريل فهلكوا ، {فأصبحوا ~~في ديارهم جاثمين} : ميتين. وأصل الجثوم : اللزوم في المكان. {كأن لم يغنوا ~~فيها} كأن لم يقيموا فيها ساعة ، {ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود} ، شبههم ~~بهم ؛ لأن عذابهم كان أيضا بالصيحة ، غير أن صيحة ثمود كانت من فوق ، وصيحة ~~مدين كانت من تحت ، على ما قيل ، ويدل عليه : التعبير عنهما بالرجفة في آية ~~أخرى. والرجفة في الغالب إنما تكون من ناحية الأرض. وفي البيضاوي خلاف هذا ~~، وهو غير جيد. # قال قتادة : بعث الله شعيبا إلى أمتين : أصحاب الأيكة ، وأصحاب مدين ، ~~فأهلك أصحاب الأيكة بالظلة ، على ما يأتي ، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل ~~صيحة ؛ فهلكوا أجمعين. قيل : وآمن بشعيب من الفئتين : تسعمائة إنسان. وكان ~~أهل الأيكة أهل غيطة وشجر ، وكان شجرهم الدوم وهو شجر المقل. # الإشارة : سبب النجاة من الهلاك في الدارين : توحيد الله ، وتعظيم من جاء من عند # 239 # الله. وسبب الهلاك : الإشراك بالله ، وإهانة من عظمه الله. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 239 PageV03P327 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} ؛ بمعجزاتنا الدالة على ~~صدقه ، {وسلطان مبين} ؛ وتسلط ظاهر على فرعون ، أو برهان بين على نبوته. ~~قال البيضاوي : والفرق بينهما : أن الآية تعم الأمارة والدليل القاطع ، ~~والسلطان يخص بالقاطع ، والمبين يخص بما فيه جلاء. ه. أرسلناه {إلى فرعون ~~وملئه} ؛ جماعته ، {فاتبعوا أمر فرعون} أي : اتبعوا أمره بالكفر بموسى ، أو ~~: فما اتبعوا موسى الهادي إلى الحق ، المؤيد ms1119 بالمعجزات القاهرة الباهرة ، ~~واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلالة والطغيان ، الداعي إلى ما لا يخفى ~~فساده على من له أدنى مسكة من العقل ؛ لفرط جهالتهم ، وعدم استبصارهم ، ~~{وما أمر فرعون برشيد} أي : ليس أمره برشد وصواب ، وإنما هو غي وضلال. # {يقدم قومه يوم القيامة} إلى النار ، كما يتقدم في الدنيا إلى الضلال ، ~~{فأوردهم} : أدخلهم {النار} ذكره بلفظ الماضي ؛ مبالغة في تحققه ، ونزل ~~النار لهم منزلة الماء ، فسمى إتيانها موردا ثم قال : {وبئس الورد المورود} ~~أي : بئس المورد الذي وردوه ، فإن المورد إنما يراد لتبريد الأكباد ، ~~وتسكين العطش ، والنار بضد ذلك. والآية كالدليل على قوله : {وما أمر فرعون ~~برشيد} ؛ فإن من هذا عاقبته لم يكن في أمره رشد ، أو تفسير له ، على أن ~~المراد بالرشيد : ما يكون مأمون العاقبة حميدها. قاله البيضاوي. {وأتبعوا ~~في هذه لعنة ويوم القيامة} أي : تتبعهم اللعنة في الدارين {بئس الرفد ~~المرفود} : بئس العون المعان ، أو العطاء المعطى. فالرفد : العطاء ، ~~والإرفاد : المعونة ، ومنه : رفادة قريش ، أي : معونتهم للفقراء في الحج ~~بالطعام. والمخصوص بالذم محذوف ، أي : رفدهم ، وهو اللعنة في الدارين. PageV03P328 # الإشارة : إذا أردت أن تعرف قدر الرجل في مرتبة الخصوصية ؛ فاسأل عن إمامه ~~الذي يقتدى به ، فإن كان من أهل الخصوصية فصاحبه من الخصوص ، إن دامت صحبته ~~معه ، وإن كان من العموم فصاحبه من العموم. والمراد بالخصوصية : تحقيق مقام ~~الفناء ، ودخول بلاد المعاني. فكل من لم يحصل مقام الفناء ، ولم يشهد إلا ~~المحسوسات فهو من العوام ، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ ، ولو رأى من ~~الكرامات أمثال الجبال. فمن # 240 # صحب مثل هذا الذي لم يفن عن نفسه ، ولم يخرج عن دائرة حسه ، لم يخرج من ~~العمومية ؛ لأن نفسه فرعونية. قال تعالى : {وما أمر فرعون برشيد} ، وفي ~~الخبر : " المرء على دين خليله " وقال الشاعر : # جزء : 3 رقم الصفحة : 240 # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدي # والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 240 # قلت : (ذلك) : مبتدأ. و(من أنباء) : خبر ، و(نقصه) : خبر ms1120 ثان. وجملة : ~~(منها قائم وحصيد) : استئنافية لا حالية ؛ لعدم الرابط. # يقول الحق جل جلاله : {ذلك} النبأ الذي أخبرناك به في هذه السورة ، هو ~~{من أنباء القرى} الماضية المهلكة ، {نقصه عليك} ، ونخبرك به ؛ تهديدا ~~لأمتك وتسلية لك. {منها} ما هو {قائم} البناء باقي الأثر ، {و} منها {حصيد} ~~أي : محصود عافي الأثر ، كالزرع المحصود. أو : منها ما هو ساكن بقوم آخرين ~~، قائم العمارة بغير من هلك ، ومنها ما هو دارس عفى أثره ، واندرست أطلاله. PageV03P329 # قال تعالى : {وما ظلمناهم} بإهلاكنا إياهم ، {ولكن ظلموا أنفسهم} بأن ~~عرضوها له ؛ بارتكابهم ما يوجب هلاكهم ، فعبدوا معي غيري ، {فما أغنت عنهم} ~~: ما نفعتهم ، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب ، {آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء} من ذلك العذاب ، {لما جاء أمر ربك} ؛ حين جاءهم عذابه {وكذلك ~~أخذ ربك} أي : مثل ذلك الأخذ الوبيل أخذ ربك {إذا أخذ القرى وهي ظالمة} فلا ~~يمهلها ، وقد يمهلها ثم يأخذها. فكل ظالم معرض لذلك. وفي الحديث عنه صلى ~~الله عليه وسلم " إن الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ : ~~{وكذلك أخذ ربك...} الآية. فالآية تعم قرى المؤمنين ؛ حيث عبر بظالمة دون ~~كافرة. قاله ابن عطية. {إن أخذه أليم شديد} ؛ وجيع عظيم ، غير مرجو # 241 # الخلاص منه ، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. # {إن في ذلك} الذي نسرده عليك من قصص الأمم الدارسة ، {لآية} ؛ لعبرة {لمن ~~خاف عذاب الآخرة} فيعتبر به ويتعظ ؛ لعلمه بأن ما خاق بهم أنموذج مما أعد ~~الله للمجرمين في الآخرة. وأما من أنكر الآخرة فلا ينفعه هذا الوعظ ~~والتذكير ؛ لفساد قلبه ، وموت روحه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # ذلك} أي : يوم القيامة الذي وقع التخويف به ، {يوم مجموع له الناس} : ~~محشورون إليه أينما كانوا. وعبر باسم المفعول دون الفعل ؛ للدلالة على ~~الثبوت والاستقرار ، ليكون أبلغ ؛ لأن " مجموع " أبلغ من " يجمع ". {وذلك ~~يوم مشهود} أي : تشهده أهل السماوات وأهل الأرض ؛ لفصل القضاء ، ويحضره ~~الأولون والآخرون ، لاقتضاء الثواب والعقاب. فاليوم مشهود فيه ، فحذف الظرف ~~اتساعا.. {وما ms1121 نؤخره إلا لأجل معدود} أي : إلا لانتهاء مدة معدودة في علم ~~الله ، لا يتقدم ولا يتأخر عنها ، قد اختص الله تعالى به. والله تعالى أعلم. PageV03P330 # الإشارة : التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار ؛ لأنه يزهد في الدنيا ~~الفانية ، ويشوق إلى دار الباقية ، ويرقق القلب ، ويستدعي مخافة الرب ، ~~فلينظر الإنسان بعين الاعتبار في الأمم الخالية ، والقرون الماضية ، ~~والأماكن الدارسة ؛ كيف رحل أهلها عن الدنيا أحوج ما كانوا إليها ، وتركوها ~~أحب ما كانت إليهم ؟ وفي بعض الخطب الوعظية : أين الفراعين المتكبرة ، وأين ~~جنودها المعسكرات ؟ أين الأكاسير المنكسرة ؟ وأين كنوزها المقنطرات ؟ أين ~~ملكوك قيصر والروم ؟ وأين قصورها المشيدات ؟ أين ملوك عدن ؟ أهل الملابس ~~والحيجان ؟ وأين ملوك اليمن ، أهل العمائم والتيجان ؟ قد دارت عليهم والله ~~الأقدار الدائرات ، وجرت عليهم برياحها العاصفات ، وأسكنتهم تحت أطباق ~~الرجام المنكرات ، وصيرت أجسامهم طعمة للديدان والحشرات ، وأيمت منهم ~~الزوجات ، وأيتمت منهم البنين والبنات. أفضوا إلى ما قدموا ، وانقادوا قهرا ~~إلى القضاء وسلموا. فلا ما كانوا أملوا أدركوا ، ولا إلى ما فاتهم من العمل ~~الصالح رجعوا. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 241 # 242 # قلت : (يوم يأتي) : العامل في الظرف : " لا تكلم " ، أو : اذكر ، مضمر. ~~والضمير في " يأتي " : يعود على اليوم. وقال الزمخشري : يعود على " الله " ~~؛ لعود الضمير عليه في قوله : (إلا بإذنه) ، وضمير " منهم " على أهل الموقف ~~المفهوم من قوله : (لا تكلم نفس). # يقول الحق جل جلاله : {يوم يأتي} ذلك اليوم المشهود ، وهو : يوم الجزاء ~~{لا تكلم} ؛ لا تتكلم {نفس} بما ينفع وينجي في جواب أو شفاعة {إلا بإذنه} ~~تعالى ، وهذا كقوله : {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحما} [النبأ : 38] ، ~~وهذا موقف ، وقوله {هاذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات : ~~35 38] ، في موقف آخر. والمأذون فيه هي الجوابات الحقية ، أو الشفاعات ~~المرضية ، والممنوع منه هي الأعذار الباطلة. PageV03P331 # ثم قسم أهل الموقف ، فقال : {فمنهم شقي} وجبت له النار بمقتضى الوعيد ؛ ~~لكفره وعصيانه. {و} منهم {سعيد} وجبت له الجنة بمقتضى الوعد ؛ لإيمانه ~~وطاعته. {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها ms1122 زفير وشهيق} ، الزفير : إخراج ~~النفس ، والشهيق : رده. ويستعملان في أول النهيق وآخره. أو الزفير : صوت ~~المحزون ، والشهيق : صوت الباكي. أو الزفير من الحلق ، والشهيق من الصدر. ~~والمراد بهما : الدلالة على شدة الكرب والغم ، وتشبيه حالهم بمن استولت ~~الحرارة على قلبه ، وانحصرت فيه روحه ، أو تشبيه حالهم بأصوات الحمير. قاله ~~البيضاوي. # {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} أي سماوات النار وأرضها. وهي ~~دائمة أبدا ، ويدل عليه قوله تعالى : {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} ~~[إبراهيم : 48] ، أو يكون عبارة عن التأبيد : كقوله العرب : ما لاح كوكب ~~وما ناح الحمام ، وشبه ذلك بما يقصد به الدوام ، وهذا أصح. # جزء : 3 رقم الصفحة : 242 PageV03P332 ~~وقوله : {إلا ما شاء ربك} ، للناس هنا كلام واختلاف. وأحسن ما قيل فيه ؛ ما ~~ذكره البقاعي ، قال : والذي ظهر لي والله أعلم أنه لما تكرر الجزم ~~بالخلود في الدارين ، وأن الشرك لا يغفر ، والإيمان موجب للجنة ، فكان ربما ~~يظن أنه لا يمكن غير ذلك ، كما ظنه المعتزلة ، لا سيما إذا تأمل القطع في ~~مثل قوله : {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء : 48] ، مع تقييد غيره ~~بالمشيئة في قوله : {ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} جاء هذا الاستثناء معلما ~~أن الأمر فيه إلى الله كغيره من الأمور ، له أن يفعل في كلها ما يشاء ، وإن ~~جزم القوم فيه ، لكنه لا يقع غير ما أخبره به ، وهذا كما تقول : اسكن هذه ~~الدار عمرك ألا ما شاء زيد ، وقد لا يشاء زيد شيئا. فكما أن التعليق بدوام ~~السماوات والأرض غير مراد الظاهر ، كذلك الاستثناء فلا يشاء الله قطع ~~الخلود لأحد من الفريقين ، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد ~~المنة. ه. # 243 PageV03P333 ~~وقال الجلال السيوطي ، في " البدور السافرة في أمور الآخرة " : اعلم أن ~~للعلماء في هذا الاستثناء أقوالا ، أشبهها بالصواب : أنه ليس باستثناء ، ~~وإنما " إلا ". بمعنى " سوى " كما تقول : لي عليك ألف درهم إلا ألفان ، ~~التي لي عليك ، أي : سوى الألفين ، والمعنى : خالدين فيها قدر مدة السماوات ~~والأرض في الدنيا سوى ms1123 ما شاء ربك من الزيادة عليها ، فلا منتهى له. وذلك ~~عبارة عن الخلود. والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض : التقريب إلى ~~الأذهان بذكر المعهود أولا. ثم أردفه بما لا إحاطة للدهر به ، والجري على ~~عادة العرب في قولهم في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده : لا آتيك ما دامت ~~السماوات والأرض. ه. ومثله لابن عطية. قال : ويؤيده هذا التأويل قوله بعد : ~~{عطاء غير مجذوذ} أي : غير مقطوع ، وهذا قول الفراء ، فإنه يقدر الاستثناء ~~المنقطع بسوى ، وسيبويه بلكن. ه. وقال الورتجبي : قال ابن عطاء : {إلا ما ~~شاء ربك} من الزوائد لأهل الجنة من الثواب. ومن الزوائد لأهل النار من ~~العقاب. ه. {إن ربك فعال لما يريد} من غير حجر ولا اعتراض. # {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك} كما تقدم. {عطاء غير مجذوذ} : غير مقطوع ، وهو تصريح بأن الثواب ~~غير مقطوع ، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء تعليم الأدب فقط. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : السعادة على قسمين : سعادة الظاهر ، وسعادة الباطن. والشقاو ة ~~كذلك. أما سعادة الظاهر ففي الدنيا بالراحة من التعب ، وفي الآخرة بالنجاة ~~من العذاب. وأما سعادة الباطن ففي الدنيا براحة القلب من كد الهموم ~~والأحزان ، واليقين والاطمئنان ، في حضرة الشهود والعيان ، وفي الآخرة ~~بدوام النظر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وشقاوة الظاهر باتصال الكد ~~والتعب. وشقاوة الباطن بالبعد عن الله ، وافتراقه عن حضرة مولاه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 242 PageV03P334 ~~قال في نوادر الأصول : الشقاوة : فراق العبد من الله ، والسعادة اندساسه ~~إليه. ه. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير : والسعيد من ~~أغنيته عن السؤال منك ، والشقي حقا من حرمته مع كثرة السؤال لك. # قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته عليه : ومدار السعادة ~~: الجمع على الله والغيبة عمن سواه ، فيفنى العبد عن وجوده ، ويبقى بربه ، ~~فيشغله استغراقه في شهوده عن الشعور بغيريته ، وينمحي عنه أمل شيء يرجى ، ~~أو خوف شيء يتقى ، فليس له عن ms1124 سوى الحق إخبار ، ولا مع غيره قرار. وعندما ~~حل بهذه الحضرة ، وظفر بقرة عينه ، وحياة روحه ، وسر حياته ، لا يتصور منه ~~سول ، ولا فوات مأمول ، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدته ~~كانت الأكوان معك " ، " اشتاقت الجنة إلى علي وعمار وسلمان # 244 # وصهيب وبلال " كما في الأثر. نعم ، إن رد إليه تصور منه الدعاء على وجه ~~العبودية ، وأداء الأمر وإظهار الفاقة ، لا على وجه الاقتضاء والسببية. " ~~جل حكم الأزل أن ينضاف إلى الأسباب والعلل ". PageV03P335 # ثم قال : وعلى ما تقرر في السعادة ، فالشقاوة : احتجاب العبد بوجوده عن ~~شهوده ، فلا ينفك عن أمل ، ولا عن خوف عطب. فيستحثه الطبع للسؤال جلبا أو ~~دفعا. وهو في ذلك في شقاء ، سواء أعطى أو منع ؛ لفقده قرة عينه وراحة قلبه ~~، لأسره في طبعه ، ومكابدة أمره وهلعه. كما قال تعالى : {إن الإنسان خلق ~~هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين} [المعارج : 19 ~~22] ، فلم يستثن من كد الطبع ومكابدته غير أهل الصلاة الدائمة ، وهم أهل ~~الوجهة لله ، المواجهين بعناية الله ، المتحققين بذكر الله. وقد ورد : " هم ~~القوم لا يشفى جليسهم " فضلا عنهم. وعلى الجملة : فالمراد بالسعادة ~~والشقاوة في كلامه أي الشاذلي الباطنة لا الظاهرة ، والقلبية لا ~~القالبية. وإن كان قد تطلق على ذلك أيضا ، لكن لكل مقام مقال. وقد قال ~~تعالى : {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقىا} [طه : 123]. # قال في نوادر الأصول : تابع القرآن قد أجير من شقاء العيش في الدنيا ؛ ~~لراحة قلبه من غموم الدنيا وظلماتها ، وسيره في الأمور بقلبه في راحة ؛ ~~لأنه منشرح الصدر واسعه ، وبدنه في راحة ؛ لأنه ميسر عليه أمور الدنيا ، ~~تهيأ له في يسر ؛ لضمان الله ، واكتنافه له. وكذا يجار في الآخرة من شقاء ~~العيش في سجون النيران. أعاذنا الله من ذلك. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 242 PageV03P336 ~~يقول الحق جل جلاله : {فلا تك} يا محمد {في مرية}. في شك {مما يعبد هؤلاء} ~~المشركون ، أي : لا تشك في فساد ما هم فيه ، بعد ما أنزل ms1125 عليك من حال الناس ~~، وتبيين ما لأهل السعادة الموحدين ، مما لأهل الشقاء المشركين ، {ما ~~يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل} ، وهو تعليل للنهي ، أي : ما يعبدون ~~عبادة إلا كعبادة آبائهم. أو ما يعبدون شيئا إلا مثل ما عبد آباؤهم من ~~الأوثان ؛ تقليدا من غير برهان ، وقد بلغك ما لحق آبائهم من العذاب ~~فسيلحقهم مثل ذلك ؛ لاتفاقهم في سبب الهلاك. {وإنا لموفوهم نصيبهم} حظهم من ~~العذاب ، كآبائهم ، {غير منقوص} من نصيبهم شيء. فالتوفية لا تقتضي التمام ، ~~تقول : وفيته حقه ، وتريد وفاء بعضه. والله تعالى أعلم. # 245 # الإشارة : فلا تكن أيها العارف في مرية مما يعبد هؤلاء العوام ، من جمع ~~الدنيا ، والتكاثر منها ، وصرف الهمة إلى تحصيلها ، واستعمال الفكر في ~~أسباب جمعها ، وانهماك النفس في حظوظها وشهواتها. ما يعبدون إلا كما يعبد ~~آباؤهم من قبل ، ممن سلك هذا المسلك الذميم ، وإنا لموفوهم نصيبهم غير ~~منقوص بانحطاط درجتهم عن درجة المقربين. قال بعض الحكماء : دار الدنيا ~~كأحلام المنام ، وسرورها كظل الغمام ، وأحدثها كصوائب السهام ، وشهواتها : ~~كمشرب الشمام ، وفتنتها كأمواج الطوام. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 245 # قلت : {وإن كلا لما ليوفينهم} : إن : مخففة عاملة ، والتنوين في (كلا) ~~عوض عن المضاف. و" ما " : موصولة ، واللام : لام الابتداء ، و{ليوفينهم} : ~~جواب لقسم محذوف ، وجملة القسم وجوابه : صلة " ما " ، أي : وإن كل الفريقين ~~للذين ، والله ليوفينهم ربك أعمالهم. ومن قرأ : " لما " ؛ بالتشديد ، فعلى ~~أن (إن) نافية ، و" لما " بمعنى إلا ، وقيل : غير هذا. PageV03P337 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا موسى الكتاب} : التوراة ، {فاختلف فيه} ؛ ~~فآمن به قوم وكفر به قوم ، كما اختلف هؤلاء في القرآن ، {ولولا كلمة سبقت ~~من ربك} وهي : كلمة الإنظار إلى يوم القيامة ، {لقضي بينهم} بإنزال ما ~~يستحقه المبطل من الهلاك ، ونجاة المحق. {وإنهم} أي : قوم موسى ، أو كفار ~~قومك ، {لفي شك منه} أي : التوراة ، أو من القرآن ، {مريب} : موقع في ~~الريبة ، {وإن كلا} من الفريقين المختلفين ، المؤمنين والكافرين ، للذين ~~{ليوفينهم ربك} جزاء أعمالهم ، ولا يهمل منه شيئا {إنه بما يعملون خبير} ~~فلا ms1126 يفوته شيء منه وإن خفي. # الإشارة : الاختلاف على الأنبياء والأولياء سنة ماضية. ولولا أن الله ~~سبحانه حكم في سابق علمه أنه لا يفضح الضمائر إلا يوم تبلى السرائر ، لفضح ~~أسرار البطالين. وأظهر منار الذاكرين من السائرين أو الواصلين. لكنه سبحانه ~~أخر ذلك بحكمته وحلمه ، إلى يوم الدين. والله تعالى أعلم. # 246 # جزء : 3 رقم الصفحة : 246 # قلت : (ومن تاب) : عطف على فاعل (استقم) ؛ للفصل ، (فتمسكم) : جواب ~~النهي. ويقال : ركن يركن : كعلم يعلم ، وركن يركن : كدخل يدخل ، و(ثم لا ~~تنصرون) : مستأنف لا معطوف ، و(طرفي) : منصوب على الظرفية. و(زلفا) ، كقربة ~~، أزلفه : قربة. # يقول الحق جل جلاله : {فاستقم} يا محمد {كما أمرت} ، {و} ليستقم {من تاب ~~معك} من الكفر وآمن بك. وهي شاملة للاستقامة في العقائد ، كالتوسط بين ~~التشبيه والتعطيل ، بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين ، وفي الأعمال ؛ من ~~تبليغ الوحي ، وبيان الشرائع كما أنزل ، والقيام بوظائف العبادات من غير ~~تفريط ولا إفراط. وهي في غاية العسر. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " ~~شيبتني هود " قاله البيضاوي. PageV03P338 # قال المحشي الفاسي : واللائق أن إشفاقه عليه الصلاة والسلام من أجل أمته ~~لا من أجل نفسه ؛ لأجل نفسه ؛ لأجل عصمته ، وإنما أشفق عليهم لتوعد اللعن ~~لهم بقوله : {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف : 16]. ه. قلت : ولا ~~يعبد أن يكون أشفق عليه الصلاة والسلام من صعوبة استقامته التي تليق به ، ~~فبقدر ما يعلو المقام يطلب بزيادة الأدب ، وبقدر ما يشتد القرب يتوجه ~~العتاب. ولذلك كان الحق تعالى يعاتبه على ما لا يعاتب عليه غيره. وقد قالوا ~~: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد تقدم كلام الإحياء في قوله : {ألا ~~بعدا لعاد} [هود : 60]. # ثم قال تعالى : {ولا تطغوا} ؛ ولا تخرجوا عما حد لكم ، {إنه بما تعملون ~~بصير} ، فيجازيكم على النقير والقطمير ، وهو تهديد لمن لم يستقم ، وتعليل ~~للأمر والنهي. {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} : لا تميلوا إليهم أدنى ميل ؛ ~~فإن الركون : هو الميل اليسير ، كالتزيي بزيهم ، وتعظيم ذكرهم ، وصحبتهم من ~~غير تذكيرهم ووعظهم. {فتمسكم النار} ؛ لركونهم إليهم. قال الأوزاعي : ما من ~~شيء ms1127 أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملا. ه. وقال سفيان : في جهنم واد ~~لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. ه. وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : " من دعا لظالم بالبقاء أي بأن قال : بارك الله في عمرك فقد # 247 # أحب أن يعصى الله في أرضه " وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية ~~، هل يسقى شربة ماء ؟ فقال : لا. فقيل له : يموت ؟ ! فقال : دعه يموت. ه. ~~وهذا إغراق ولعله في الكافر المحارب ، والله أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 247 PageV03P339 ~~قال البيضاوي : وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما موجبا للنار ، ~~فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم ، ثم الميل إليهم ، ثم ~~بالظلم نفسه ، والانهماك فيه. ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم ~~والتهديد عليه. وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها ؛ ~~للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل ؛ فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد ~~طرفي إفراط أو تفريط ، ظلم على نفسه أو غيره ، بل ظلم في نفسه. ه. # {وما لكم من دون الله من أولياء} ؛ من أنصار يمنعون العذاب عنكم ، {ثم لا ~~تنصرون} : ثم لا ينصركم الله إن سبق في حكمه أنه يعذبكم. # ولما كان الركون إلى الظلم ، أو إلى من تلبس به فتنة ، وهي تكفرها الصلاة ~~، كما في الحديث ، أمر بها أثره ، فقال : {وأقم الصلاة طرفي النهار} غدوة ~~وعشية ، {وزلفا من الليل} ؛ ساعات منه قريبة من النهار. والمراد بالصلاة ~~المأمور بها : الصلوات الخمس. فالطرف الأول : الصبح ، والطرف الثاني : ~~الظهر والعصر ، والزلف من الليل : المغرب والعشاء ، {إن الحسنات يذهبن ~~السيئات} ؛ يكفر بها قال ابن عطية : لفظ الآية عام في الحسنات خاص في ~~السيئات ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " ما اجتنبت الكبائر " ثم قال : وروي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الجمعة إلى الجمعة كفارة ، ~~والصلوات الخمس ، ورمضان إلى رمضان كفاره لما بينهما ما اجتنبت الكبائر " ~~انظر تمامه في الحاشية. PageV03P340 # قال ابن جزي : روي أن رجلا قبل امراة ms1128 ، قلت : هو نبهان التمار ، فذكر ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصلاة ، فنزلت الآية ، فقال صلى الله ~~عليه وسلم : " أين السائل ؟ " فقال : ها أنا ذا ، فقال : " قدغفر الله لك ~~بصلاتك معنا " فقال الرجل : ألي خاصة ، أو للمسلمين عامة ؟ فقال : " ~~للمسلمين عامة " والآية على هذا مدنية. وقيل : إن الآية كانت قبل ذلك ، ~~وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلا بها. والآية على هذا مكية ~~كسائر السورة ، وإنما تذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت ~~الكبائر. ه. قلت : وقيل : تكفر مطلقا ؛ اجتنبت الكبائر أم لا ، وهو الظاهر ~~، لأنه إذا حصل اجتناب الكبائر كفرت بلا سبب ؛ لقوله # 248 # تعالى {إن تجتنبوا كبآئر...} [النساء : 31] الآية. وقوله عليه الصلاة ~~والسلام : " ما اجتنبت الكبائر " معناه : أن الصلوات والجمعة مكفرة لما عدا ~~الكبائر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 247 # والحاصل : أن من اجتنب الكبائر كفرت عنه الصغائر بلا سبب ؛ لنص الآية. ~~ومن ارتكب الكبائر والصغائر وصلى ، كفرت الصغائر دون الكبائر ، وبهذا تتفق ~~الآية مع الحديث. والله تعالى أعلم. # قال ابن عطية في قوله تعالى : {إن الله اشترىا...} [التوبة : 111] الآية ~~: الشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد. وقد روي : " أن الله يتحمل عن ~~الشهيد مظالم العباد ، ويجازيهم عنه ". ختم الله لنا بالحسنى. انتهى. # {ذلك} أي : ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد ، وأمر الاستقامة ، أو القرآن كله ~~، {ذكرى للذاكرين} : عظة للمتقين. وخص الذاكرين ، لمزيد انتفاعهم بالوعظ ، ~~لصقالة قلوبهم. وفي الخبر : " لكل شيء مصقلة ، ومصقلة القلوب ذكر الله ". ~~{واصبر} على مشاق الاستقامة ، ودوامها {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} وهم ~~: أهل الاستقامة ظاهرا وباطنا. PageV03P341 # الإشارة : الاستقامة على ثلاثة أقسام : استقامة الجوارح ، واستقامة القلوب ~~، واستقامة الأرواح والأسرار. أما استقامة الجوارح فتحصل بكمال التقوى ، ~~وتحقيق المتابعة للسنة المحمدية. وأما استقامة القلوب فتحصل بتطهيرها من ~~سائر العيوب ، كالكبر والعجب ، والرياء ، والسمعة ، والحقد والحسد ، وحب ~~الجاه والمال ، وما يتفرع عن ذلك من العداوة والبغضاء ، وترك الثقة بمجيء ~~الرزق ، وخوف سقوط المنزلة ، من قلوب الخلق ، والشح والبخل ، وطول الأمل ، ~~والأشر والبطر ، والغل والمباهاة ms1129 ، والتصنع والمداهنة ، والقسوة والفظاظة ~~والغلظة ، والغفلة ، والجفاء ، والطيش ، والعجلة ، والحمية ، وضيق الصدر ، ~~وقلة الرحمة. إلى غير ذلك من أنواع الرذائل. # فإذا تطهر القلب من هذه العيوب اتصف بأضدادها من الكمالات : كالتواضع لله ~~، والخشوع بين يديه ، والتعظيم لأمره ، والحفظ لحدوده ، والتذلل لربوبيته ، ~~والإخلاص في عبوديته ، والرضى بقضائه ، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ~~ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة ، واللين والرفق ، وسعة الصدر والحلم ~~، والاحتمال والصيانة ، والنزاهة والأمانة ، والثقة والتأني ، والوقار ، ~~والسخاء والجود ، والحياء ، والبشاشة والنصيحة. إلى غير ذلك من الكمالات. # وأما استقامة الأرواح والأسرار ، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله ~~تعالى ، وعدم الالتفات إلى غيره حالا كان أو مقاما أو كرامة ، أو غير ذلك : ~~كما قال الششتري رضي الله عنه : # 249 # فلا تلتفت في السير غيرا ، وكل ما # سوى الله غير ، فاتخذ ذكره حصنا # جزء : 3 رقم الصفحة : 247 # وكل مقام لا تقم فيه إنه # حجاب ، فجد السير واستنجد العونا # ومهما ترى كل المراتب تجتلي # عليك فحل عنها ، فعن مثلها حلنا # وقل : ليس لي في غير ذاتك مطلب # فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنا PageV03P342 ~~وقوله تعالى : {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} : هو نهي عن صحبة الغافلين ~~والميل إليهم. قال بعض الصوفية : قلب لبعض الأبدال : كيف الطريق إلى ~~التحقيق ، والوصول إلى الحق ؟ قال : لا تنظر إلى الخلق ؛ فإن النظر إليهم ~~ظلمة ، قلت : لا بد لي ، قال : لا تسمع كلامهم ؛ فإن كلامهم قسوة : قلت : ~~لا بد لي ، قال : لا تعاملهم ؛ لأن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة ، قلت : أنا ~~بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم ؟ قال : لا تسكن إليهم ؛ فإن السكون إليهم ~~هلكة. قلت : هذا لعله يكون ؟ قال : يا هذا ، أتنظر إلى اللاعبين ، وتسمع ~~كلام الجاهلين ، وتعامل البطالين ، وتسكن إلى الهلكى ، وتريد أن تجد حلاوة ~~الطاعة ، وقلبك مع غير الله عز وجل!! هيهات! هذا ما لا يكون أبدا. ه. ونقل ~~الورتجبي عن جعفر الصادق : ولا تركنوا إلى نفوسكم فإنها ظلمة. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 247 # قلت : (لولا) : تحضيضة ، ويقترن بها هنا ms1130 معنى التفجع والتأسف ، كقوله : ~~{ياحسرة على العباد} و" إلا قليلا " منقطع ، ولا يصح اتصاله ، إلا إذا جعل ~~استثناء من النفي اللازم للتحضيض. أي : ما كان في القرون الماضية أولو بقية ~~إلا قليل. يقال : فلان من بقية القوم ، أي : خيارهم ، وإنما قيل فيه " بقية ~~" ؛ لأن الشرائع والدول تقوى أولا ثم تضعف. فمن ثبت في وقت الضعف على ما ~~كان في أوله ، فهو بقية الصدر الأول. قاله ابن عطية. وقوله : " بظلم " : ~~حال من " ربك " ؛ أي : ما كان ربك ليهلك القرى ظالما لهم ، أو متعلق بيهلك. PageV03P343 # يقول الحق جل جلاله : {فلولا} فهلا {كان من القرون من قبلكم} ؛ كقوم نوح ~~وعاد وثمود ومن تقدم ذكرهم ، {اولوا بقية} من الرأي ، والعقل ينكرون عليهم ~~، أي : فهلا وجد فيهم من فيه بقية من العقل والحزم والثبوت ، {ينهون عن ~~الفساد في الأرض} ، لكن قليلا ممن أنجينا منهم كانوا كذلك ، فأنكروا على ~~أهل الفساد ، واعتزلوهم في دينهم ؛ فأنجيناهم. وفي هذا تحريض على النهي عن ~~المنكر والأمر بالمعروف ، وأنه سبب النجاة # 250 # في الدارين. {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} : ما أنعموا فيه من ~~الشهوات ، واهتموا بتحصيل أسبابها ، وأعرضوا عما وراء ذلك ، {وكانوا ~~مجرمين} كافرين. قال البيضاوي : كأنه أراد أن يبين ما كان السبب لاستئصال ~~الأمم الماضية : وهو : فشو الظلم فيهم ، واتباع الهوى ، وترك النهي عن ~~المنكرات مع الكفر. ه. # {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} أي : متلبسا بظلم ، {وأهلها مصلحون} ، ~~فيعذبهم بلا جرم ، أي : ما كان ليعذبهم ظالما لهم بلا سبب. أو ما كان ليهلك ~~القرى بشرك وأهلها مصلحون فيما بينهم ، لا يضمون إلى شركهم فسادا وبغيا ، ~~وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه. ومن ذلك قدم الفقهاء ، عند تزاحم ~~الحقوق ، وحقوق العباد ، وقال بعضهم : [الذنوب ثلاثة : ذنب لا يغفره الله ، ~~وهو الشرك ، وذنب لا يعبأ الله به ، وهو ما كان بينه وبين عباده ، وذنب لا ~~يتركه الله ، وهو حقوق عباده]. وقالوا : قد يبقى الملك مع الشرك ولا يبقى ~~مع الظلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 250 PageV03P344 ~~الإشارة : أولو البقية الذين ms1131 ينهون عن الفساد في الأرض هم : أهل النور ~~المخزون المستودع في قلوبهم من نور الحق ، إذا قابلوا منكرا دمغوه بالحال ~~أو المقال ، وإذا قالوا فسادا أصلحوه ، وإذا قالوا فتنة أطفؤوها. وإذا ~~قابوا بدعة أخمدوها ، واجهوا ضالا أرشده ، أو غافلا ذكروه ، أو طالبا ~~للوصول وصلوه ، يمشون في الأرض بالنصيحة ، لا يخافون في الله لومة لائم. ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده لئن شئتم ~~لأقسمن لكم : إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ، ~~ويحببون عباد الله إلى الله ، ويمشون في الأرض بالنصيحة " أما كونهم يحببون ~~الله إلى عباده ، فلأنهم يذكرون لهم آلاءه وإحسانه وبره. والنفس تحب بالطبع ~~من أحسن إليها. وأما كونهم يحببون عباد الله إلى الله ؛ فلأنهم يردونهم عن ~~غيهم وحظوظهم ، التي تبعدهم عن ربهم. فإذا رجعوا إليه أحبهم. # وسئل ذو النون المصري رضي الله عنه عن وصف الأبدال ، فقال : سألت عن ~~دياجي الظلام ؛ لأكشف لك عنهم ، وهم قوم ذكروا الله بقلوبهم ، تعظيما لربهم ~~؛ لمعرفتهم بجلاله ، فهم حجج الله تعالى على خلقه ، ألبسهم الله تعالى ~~النور الساطع من محبته ، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته ، وأقامهم ~~مقام الأبطال لإرادته ، وأفرغ عليهم من مخافته ، وطهر أبدانهم بمراقبته ، ~~وطيبهم بطيب أهل معاملته ، وكساهم حللا من نسج مودته ، ووضع على رؤوسهم ~~تيجان مبرته ، ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب ، فهي متعلقة بمواصلته ، ~~فهممهم إليه ثائرة ، وأعينهم بالغيب ناظرة ، قد أقامهم على باب النظر من ~~رؤية ، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته ، ثم قال لهم : إن أتاكم عليل ~~من فقدي فداووه ، أو مريض من فراقي فعالجوه ، أو خائف مني فانصروه ، أو من ~~آمن مني # 251 PageV03P345 ~~فحذروه ، أو راغب في مواصلتي فمنوه ، أو راحل نحوي فزودوه ، أو جبان في ~~متاجرتي فشجعوه ، أو آيس من فضلي فرجوه ، أو راج لإحساني فبشروه ، أو حسن ~~الظن بي فباسطوه ، أو محب لي فواصلوه ، أو معظم لقدرتي فعظموه ، أو مسيء ~~بعد إحساني فعاتبوه ، أو مسترشد فأرشدوه. ه. ms1132 # جزء : 3 رقم الصفحة : 250 # قلت : الاستثناء من ضمير " يزالون ". # يقول الحق جل جلاله : {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} ، متفقين على ~~الإيمان أو الكفران ، لكن مقتضى الحكمة وجود الاختلاف ؛ ليظهر مقتضيات ~~الأسماء في عالم الشهادة ؛ فاسمه : الرحيم يقتضي وجود من يستحق الكرم ~~والرحمة ، وهم : أهل الإيمان. واسمه : المنتقم والقهار يقتضي وجود من يستحق ~~الاتنقام والقهرية ، وهم أهل الكفر والعصيان. قال البيضاوي : وفيه دليل ~~ظاهر على أن الأمر غير الإرادة ، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد ، ~~وأن ما أراد يجب وقوعه. ه. # {ولا يزالون مختلفين} ؛ بعضهم على الحق ، وهم أهل الرحمة والكرم ؛ وبعضهم ~~على الباطل ، وهم أهل القهرية والانتقام. أو مختلفين في الأديان والملل ~~والمذاهب ، {إلا من رحم ربك} ؛ إلا ناسا هداهم الله من فضله ، فاتفقوا على ~~ما هو أصل الدين والعمدة فيه ، كالتوحيد والإيمان بجميع الرسل وبما جاؤوا ~~به ، وهم المؤمنون. # وقوله : {ولذلك خلقهم} ؛ إن كان الضمير للناس ، فالإشارة إلى الاختلاف ، ~~واللام للعاقبة ، أي : ولتكون عاقبتهم الاختلاف خلقهم ، وإن كان الضمير ~~يعود على " من " ، فالإشارة إلى الرحمة ، أي : إلا من رحم ربك وللرحمة ~~خلقه. {وتمت كلمة ربك} الأزلية على ما سبق له الشقاء ، أي : نفذ قضاؤه ~~ووعيده في أهل الشقاء ، أو هي قوله للملائكة : {لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} ؛ أي من أهل العصيان منهما ، لا من جميعهما. PageV03P346 # الإشارة : الاختلاف بين الناس حكم أزلي ، لا محيد عنه. وقد وقع بين أهل ~~الحق وبين أهل الباطل. فقد اختلف هذه الأمة في الأصول والفروع. أما الأصول ~~فأهل توحيد الدليل وقع بينهم تخالف في صفات الحق ، كالمعتزلة والقدرية ~~والجهمية والجبرية مع أهل السنة. وأما الفروع فالاختلاف بينهم شهير. فقد ~~كان في أول الإسلام اثنا عشر مذهبا. ولا تجد علما من علوم إلا وبين أهله ~~اختلاف ، إلا أهل التوحيد الخاص ، وهم : # 252 # المحققون من الصوفية ، فكلهم متفقون في الأذواق والوجدان ، وإن اختلفت ~~طرقهم ، وكيفية سيرهم. فهم متفقون في النهايات ، التي هي معرفة الشهود ~~والعيان ، على طريق الذوق والوجدان ، وفي ذلك ms1133 يقول ابن البنا رحمه الله : # جزء : 3 رقم الصفحة : 252 # مذاهب الناس على اختلاف # ومذاهب القوم على ائتلاف # وأما قول من قال : [ما زالت الصوفية بخير ما اختلفوا ، فإذا اتفقوا فلا ~~خير فيهم] ، فالمراد بالاختلاف : تغيير بعضهم على بعض ، عند ظهور نقص أو ~~عيب أو ذنب. فإذا اتفقوا وسكت بعضهم عن بعض فلا خير فيهم. وقوله عليه ~~الصلاة والسلام : " خلاف أمتي رحمة " المراد : الاختلاف في الفروع كاختلاف ~~المذاهب ؛ ففي ذلك رخصة لأهل الاضطرار ؛ لأن من قلد عالما لقي الله سالما. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 252 # قلت : " وكلا " مفعول " نقص " ، و" ما نثبت به " : بدل ، أو " ما " مفعول ~~" نقص " ، و" كلا " : مصدر. أي : ونقص. # علك كلا من الاقتصاص ما نثبت به فؤادك. PageV03P347 # يقول الحق جل جلاله : وكل نبأ {نقص عليك} من أخبار الرسل ، ونخبرك به {ما ~~نثبت به فؤادك} ، ليزيدك يقينا وطمأنينة ، وثباتا بما تسمع من أخبارهم ، ~~وما جرى لهم مع قومهم ، وما لقوا من الأذى منهم ، فتتسلى بهم ، وتثبت على ~~أداء الرسالة ، واحتمال أذى الكفار. {وجاءك في هذه} السورة ، أو الأنباء ~~المقتصة عليك ، {الحق} أي : ما هو حق ، {وموعظة وذكرى للمؤمنين} فيتحملون ، ~~ويصبرون لما يواجههم من الأذى والإنكار. # الإشارة : ذكر أحوال الصالحين ، وسيرهم وكراماتهم ؛ جند من جنود القلب ، ~~وذكر أشعارهم ومواجيدهم جند من جنود الروح ، وقد ورد : أن عند ذكرهم تنزل ~~الرحمة ، أي : رحمة القلوب باليقين والطمأنينة. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 252 # 253 # يقول الحق جل جلاله : {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم} : حالهم ~~، {إنا عاملون} على حالنا ، {وانتظروا} وقوع ما نزل بمن قبلكم ممن خالف ~~رسوله ؛ فإنه نازل بكم ، {إنا منتظرون} ما وعدنا ربنا من النصر والعز. # {ولله غيب السموات والأرض} لا يعلمه غيره ؛ فلا يعلم غيب العواقب ، ووقت ~~وقوع المواعد إلا هو. {وإليه يرجع الأمر كله} فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك ~~إليه ، {فاعبدوه وتوكل عليه} ؛ فإنه كافيك أمرهم وأمر غيرهم. وفي تقديم ~~العبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع التوكل ms1134 العابد دون البطال. ~~{وما ربك بغافل عما تعملون} أنت وهم ، فيجازي كلا ما يستحقه. أو عما يعمل ~~الكافرون ، فيمهلهم ولا يهملهم. PageV03P348 # الإشارة : {فاعبده وتوكل عليه} : يقول تعالى : يا عبدي ؛ قم بخدمتي أقم لك ~~بقسمتي ، قف ببابي وانتسب لجنابي ؛ أكفك شؤونك ، وتكن من أحبابي. أأدعوك ~~لداري ، وأمنعك من وجودي إبراري ، أأكلفك بخدمتي ، ولا أقوم لك بقسمتي ، ~~فثق بي كفيلا ، واتخذني ، وكيلا ، أعطك عطاء جزيلا ، وأمنحك فخرا جليلا. ~~قال القشيري : ويقال : إن التوكل : سكون القلب بضمان الرب. ويقال : سكون ~~الجأش في طلب المعاش ، ويقال : الاكتفاء بوعده عند عدم نقده ، أو الا كتفاء ~~بالوعد عند فقد النقد. وسيأتي تمامه في سورة الفرقان ، إن شاء الله. وبالله ~~التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما. # 254 # جزء : 3 رقم الصفحة : 253 PageV03P349 ### | AUTO سورة يوسف # جزء : 3 رقم الصفحة : 254 # قلت : (قرآنا) : حال ، و(عربيا) : نعت له ، و(لعلكم) : يتعلق بأنزلناه أو ~~بعربيا. و(أحسن) : مفعول (نقص) ، و(بما أوحينا) : مصدرية ، ويجوز أن يكون ~~(هذا القرآن) : مفعول (نقص) ، و(أحسن القصص) : مصدر. # يقول الحق جل جلاله : أيها الرسول المجتبى ، والمحبوب المنتقى {تلك} ~~الآيات التي تتلى عليك هي {آيات الكتاب} المنزل عليك من حضرة قدسنا ، ~~{المبين} أي : الظاهر صدقه ، الشهير شأنه. أو الظاهر أمره في الإعجاز ~~والبلاغة ، الواضح معانيه في الفصاحة ، والبراعة. أو المبين للأحكام ~~الظاهرة والباطنة. أو البين لمن تدبره أنه من عند الله. أو المبين لمن سأل ~~تعنتا من أحبار اليهود سؤالهم ؛ إذ روي أنهم قالوا لكبراء المشركين : سلوا ~~محمدا : لم انتقل يعقوب من الشام ؟ وعن قصة يوسف. فنزلت السورة. # {إنا أنزلناه} أي : الكتاب ، {قرآنا} أي : مقروءا ، أو مجموعا ، {عربيا} ~~بلغة العرب ، {لعلكم تعقلون} أي : أنزلناه بلغتكم كي تفهموه وتستعملوا ~~عقولكم في معانيه ؛ فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص ، ولم ~~يخالط من يعلم ذلك ، معجز ؛ إذ لا يتصور إلا بالإيحاء. # {نحن نقص عليك أحسن القصص} ؛ أحسن الاقتصاص ؛ لأنه اقتص على أبدع ~~الأساليب ، أو أحسن ما يقص ؛ لاشتماله على العجائب والحكم ms1135 والآيات والعبر ، {بما # 255 # أوحينا إليك هذا القرآن} مشتملا على هذه السورة التي فيها قصة يوسف ، ~~التي هي من أبدع القصص ، {وإن كنت من قبله لمن الغافلين} عن هذه القصة ، لم ~~تخطر ببالك ، ولم تقرع سمعك. قال البيضاوي : وهو تعليل لكونه موحى ، و" إن ~~" هذه : مخففة واللام هي الفارقة. ه. # الإشارة : ما نزل القرآن بلسان عربي مبين إلا لنعقل عظمة ربنا ونعرفه ، ~~وذلك لا يكون إلا بعد استعمال العقول الصافية ، والأفكار المنورة ، في ~~الغوص على درر معانيه. فحينئذ تطلع على أنوار التوحيد وأسرار التفريد ، ~~وعلى أنوار الصفات ، وأسرار الذات ، وعلى توحيد الأفعال وتوحيد الصفات ، ~~وتوحيد الذات. وقال تعالى : {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام : 38] ، ~~لكن لا يحيط بهذا إلا أهل التجريد ، الذين صفت عقولهم من الأكدار ، وتطهرت ~~من الأغيار ، وملئت بالمعارف والأسرار. قال تعالى : {ليدبرواا آياته ~~وليتذكر أولو الألباب} [ص : 29]. وهم : أهل العقول الصافية المتفرغة من ~~شواغل الحس. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 255 PageV03P350 ~~قلت : (إذ قال) : معمول لاذكر ، أو بدل من (أحسن القصص) ؛ إن جعل مفعولا ، ~~بدل اشتمال ، و(يا أبت) : أصله : يا أبي ، عوض من الياء تاء التأنيث ؛ ~~لتناسبهما في الزيادة ، ولذلك قلبت في الوقف هاء ، في قراءة ابن كثير وأبي ~~عمر ويعقوب. وإنما أعاد العامل في " رأيتهم " ؛ لطول الكلام ، وجمع الشمس ~~والقمر والكواكب جمع العقلاء ؛ لوصفهم بصفاتهم. # يقول الحق جل جلاله : {إذ قال يوسف لأبيه} يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم : ~~{يا أبت إني رأيت} في النوم {أحدا عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ~~ساجدين}. وقد ذكر البيضاوي حديثا في تفسير هذه الكواكب فانظره. قيل : إن ~~يوسف عليه السلام كان نائما في حجر أبيه ، فنظر فيه ، وقال في نفسه : أترى ~~هذا الوجه أحسن ام الشمس أم القمر ؟ فإذا بيوسف قد انتبه من نومه ، وقال : ~~{يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا...} الخ ، فلما قص الرؤيا على أبيه بكى ، ~~فقال يوسف : لم تبكي يا أبتي ؟ قال : يا بني لم # 256 # يسجد مخلوق لمخلوق إلا عند المحنة ، والبلاء ms1136 ، ألا ترى الملائكة لما ~~أسجدهم الله لآدم ، كيف ابتلي بالخروج من الجنة ؟ ثم قال له : يا بني ، ~~الشمس والقمر أنا وخالتك وكانت أمه قد ماتت والإحدى عشر كوكبا إخوتك. ه. # {قال يا بني} ، وهو تصغير ابن صغر للشفقة أو لصغر السن ، وكان ابن ثنتي ~~عشرة سنة ، {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} ؛ فيحتالوا لإهلاكك ~~حيلة. فهم يعقوب عليه السلام من رؤياه أن الله يصطفيه لرسالته ، ويفوقه على ~~إخوته ، فخاف عليه حسدهم. ومن خاف من شيء سلط عليه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 256 PageV03P351 ~~والرؤيا تختص بالنوم ، والرؤية ، بالتاء بالبصر. قال البيضاوي : وهي انطباع ~~الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك ، المصادفة منها إنما ~~يكون باتصال النفس بالملكوت ؛ لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير ~~البدن أدنى فراغ. انظر تمامه فيه. وأخرج الحاكم في المستدرك ، والطبراني في ~~الأوسط ، عن ابن عمر قال : لقي عمر عليا رضي الله عنهما فقال : يا أبا ~~الحسن ، الرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ، ومنها ما يكذب ، قال : نعم. سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلي نوما ~~إلا عرج بروحه إلى السماء. فالتي لا تستيقظ إلا عند العرش فتلك الرؤيا التي ~~تصدق ، والتي تستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب " ه. فمنها ما تكون ~~واضحة المعنى لا تحتاج إلى تعبير ، ومنها ما تكون خفية تحتاج إلى تعبير. ~~والمعبر يحتاج إلى علم وفراسة وزيادة إلهام ، فعلم التعبير علم مستقل ، وقد ~~أعطى الله منه ليوسف عليه السلام حظا وافرا. ولما قال يعقوب لابنه : {لا ~~تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} قال : يا أبت ، الأنبياء لا يكيدون ~~، قال له : {إن الشيطان للإنسان عدو مبين} ؛ ظاهر العداوة ؛ لأجل ما فعل ~~بآدم وحواء ، فلا يألوا جهدا في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم ، حتى يحملهم ~~على الكيد. قيل : لم يسمع كلام يوسف في رؤياه إلا خالته أم شمعون فقالت ~~لإخوته : التعب عليكم ، والإقبال على يوسف. فحركهم ذلك حتى فعلوا ما فعلوا. ~~وقيل ms1137 : أخبرت بذلك ولدها شمعون ، فأخبر شمعون إخوته ، فخلوا به وقالوا له : ~~إنك لم تكذب قط. فأخبرنا بما رأيت في نومك ، فأبى ، فأقسموا عليه ، ~~فأخبرهم. فوقعوا فيما فعلوا به. PageV03P352 # ثم قال له : {وكذلك} أي : وكما اجتباك لهذه الرؤية الدالة على شرف وعز ~~وكمال نفس ، {يجتبيك ربك} للنبوة والملك ، أو لأمور عظام ، {ويعلمك} أي : ~~هو يعلمك {من تأويل الأحاديث} ؛ من تعبير الرؤيا ؛ لأنها أحاديث الملك إن ~~كانت صادقة ، وأحاديث الشيطان إن كانت كاذبة. أو يعلمك من تأويل غوامض علوم ~~كتب الله ، وسنن الأبياء وحكم الحكماء. {ويتم نعمته عليك} بالنبوة ، أو بأن ~~يجمع لك بين نعمة الدنيا ، # 257 # ونعمة الآخرة ، {وعلى آل يعقوب} يريد : سائر بنيه. ولعله استدل على ~~نبوتهم بضوء الكواكب ، {كما أتمها على أبويك من قبل} ؛ من قبلك ، أو من قبل ~~هذا الوقت. فأتمها على إبراهيم بالرسالة والخلة والإنجاء من النار ، وإسحاق ~~بالرسالة والإنقاذ من الذبح ، وهم : {إبراهيم وإسحاق} ، فهما عطف بيان ~~لأبويك {إن ربك عليم} بمن يستحق الاجتباء ، {حكيم} لا يخلو فعله من حكمة ، ~~نعمة كانت أو نقمة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 256 # الإشارة : البداية مجلاة النهاية ، يوسف عليه السلام نزلت له أعلام ~~النهاية في أول البداية. وكذلك كل من سبق له شيء من العناية ، لا بد تظهر ~~أعلامه في أول البداية ؛ " من أشرقت بدايته أشرقت نهايته ". من كانت بالله ~~بدايته كانت إليه نهايته. # وأوصاف النهاية تأتي على ضد أوصاف البداية ؛ فكمال العز في النهاية لا ~~يأتي إلا بعد كمال الذل في البداية. وتأمل قول الشاعر : # تذلل لمن تهوى لتكسب عزة # فكم عزة قد نالها المرء بالذل PageV03P353 ~~وتأمل قضية سيدنا يوسف عليه السلام ؛ ما نال العز والملك حتى تحقق بالذل ، ~~والملك وكمال الغنى في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الفقر في البداية ، ~~وكمال العلم لا يأتي إلا بعد إظهار كمال الجهل ، وكمال القوة لا يأتي إلا ~~بعد كمال الضعف.. وهكذا جعل الله تعالى بحكمته الأشياء كامنة في أضدادها ؛ ~~" تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه ". فالاجتباء يكون بعد الابتلاء ، وإتمام ~~النعم يكون ms1138 بعد تقديم النقم ، وذلك لتكون أحلى وأشهى ، فيعرف قدرها ويتحقق ~~منه شكرها ، وهذا السر في تقديم أهوال يوم القيامة على دخول الجنة ؛ ليقع ~~نعيمها في النفس كل موقع. ولا فرق بين جنة الزخارف ، وجنة المعارف. (حفت ~~الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات). والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 256 # قلت : (يوسف) : عجمي ، وفي سينه ثلاث لغات : الضم وهو الأشهر والفتح ، ~~والكسر. # يقول الحق جل جلاله : {لقد كان في يوسف وإخوته} أي : في قصصهم {آيات} ؛ ~~دلائل قدرة الله وحكمته ، وعلامة نبوتك حيث أخبرت بها من غير تعلم. ففي ذلك ~~آيات {للسائلين} أي : لمن سأل عن قصتهم. والمراد بإخوته : علاته العشرة ، ~~والعلات : أبناء أمهات لأب واحد ، فكانوا إخوته لأبيه ، وهم : يهوذا ، ~~وروبيل ، وشمعون ، ولاوي ، وريالون ، ويشجر ، ودينة من بنت خالته ليا ، ~~تزوجها يعقوب أولا ، فلما توفيت تزوج # 258 # راحيل ، فولدت له بنيامين ، ويوسف. وقيل : جمع بينهما ، ولم يكن الجمع ~~حينئذ محرما. وأربعة آخرون من سريتين ، وهم : دان ، وتفثالى ، وجاد ، وآشر. PageV03P354 # {إذ قالوا ليوسف وأخوه} بنيامين ، وخص بالإضافة ؛ لأنه شقيقه ، {أحب إلى ~~أبينا منا ونحن عصبة} أي : والحال أنا جماعة أقوياء ، فنحن أحق بالمحبة ؛ ~~لأنهما لا كفاءة فيهما. والعصبة : العشرة ففوق : {إن أبانا لفي ضلال} ؛ خطأ ~~{مبين} ؛ ظاهر ؛ لتفضيل المفضول. روي أنه كان أحب إليه ؛ لما كان يرى فيه ~~من مخايل الخير ، وكان إخوته يحسدونه ، فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة ، ~~بحيث لم يصبر عنه ، فتناهى حسدهم حتى حملهم على التعرض لقلته. وهكذا شأن ~~الحسد يبلغ بصاحبه امرا عظيما. # الإشارة : كان يعقوب عليه السلام لا يفارق يوسف ليلا ولا نهارا. وهكذا ~~شأن المحبين. وأنشدوا : # ولي كبد يسري إليهم سلامه # بجمر تلظى ، والفؤاد ضرامه # وأجفان عين لا تمل من البكا # وصب تشكى للحبيب غرامه # فأنتم سروري ، أنتم غاية المنى # وقلبي إليكم والغرام زمامه # فوالله ما أحببت ما عشت غيركم # لأن اشتياقي لا يحل اكتتامه. ه. # قال الجنيد رضي الله عنه : رأيت غلاما حسن الوجه يعنف كهلا حسنا ، فقلت : ~~يا غلام ، لم تفعل هذا ؟ قال ms1139 : لأنه يدعي أنه يهواني ، ومنذ ثلاث ما رآني ، ~~قال : فوقعت مغشيا علي ، فلما أفقت ما قدرت على النهوض ، فقيل لي في ذلك ، ~~فقلت : ينبغي للمحب ألا يفارق باب محبوبه على أي حال. وأنشدوا : # جزء : 3 رقم الصفحة : 258 # لازم الباب إن عشقت الجمالا # واهجر النوم إن أردت الوصالا # واجعل الروح منك أول نقد # لحبيب أنواره تتلالا # قلت : فالحبيب غيور ؛ لا يحب أن يرى في قلب حبيبه غيره. فإذا رأى فيه ~~شيئا أخرجه منه ، وفرق بينه وبينه ؛ غيرة منه واعتناء به ، وهو السر في ~~افتراق يوسف من أبيه. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 258 # يقول الحق جل جلاله : قال إخوة يوسف لما حركهم الحسد {اقتلوا يوسف} ؛ # 259 PageV03P355 ~~قيل : إنما قاله شمعون ودان ، ورضي به الآخرون ، {أو اطرحوه أرضا} ؛ أي : ~~في أرض بعيدة يأكله السباع ، أو يلتقطه أحد ، فإن فعلتم {يخل لكم وجه ~~أبيكم} أي : يصف إليكم وجه أبيكم ؛ فليقبل بكليته عليكم ، ولا يلتفت عنكم ~~إلى غيركم ، ولا ينازعكم في محبته أحد ، {ولا تكونوا من بعده} ؛ من بعد ~~يوسف ، أو الفراغ من أمره ، أو قتله ، أو طرحه ، {قوما صالحين} تائبين إلى ~~الله عما جنيتم ، مع محبة أبيكم. أو صالحين في أمور دنياكم ، فإنها تنتظم ~~لكم بخلو وجه أبيكم لكم ، {قال قائل منهم} هو يهوذا ، وكان أحسنهم فيه رأيا ~~، وقيل : روبيل : {لا تقتلوا يوسف} ؛ فإن القتل عظيم ، {وألقوه في غيابه ~~الجب} : في قعره ، سمي به لغيبته عن أعين الناظرين. ومن قرأ بالجمع ، فكان ~~بتلك الجب غيابات ، {يلتقطه} : يأخذه {بعض السيارة} أي : الذين يسيرون في ~~الأرض ، {إن كنتم فاعلين} ما يفرق بينه وبين أبيه ولا بد ، أو كنتم فاعلين ~~بمشورتي. # الإشارة : إن أردت أن يخلو لك وجه قلبك فيخلو لك وجه حبيبك ، حتى تشاهده ~~عيانا وتعرفه إيقانا ، فاقتل كل ما يميل إليه قلبك ويعشقه من الهوى ، واطرح ~~عن عين بصيرتك رؤية السوى ، ترى من أنوار وجهه ، وأسرار محاسنه ، ما تبتهج ~~به القلوب والأسرار ، وتتنزه في رياض محاسنه البصائر والأبصار ، وأنشدوا : # إن تلاشى ms1140 الكون عن عين كشفي # شاهد القلب غيبه في بيان # فاطرح الكون عن عيانك وامح # نقطة الغين إن أردت تراني # جزء : 3 رقم الصفحة : 259 # قلت : (تأمننا) : اجتمع نونان ، فيجوز الإدغام ، وبه قرأ أبو جعفر ، وقرأ ~~الجماعة بالإشمام. وقوله : (يرتع ويلعب) : جواب الأمر ، فمن قرأ بكسر العين ~~فجزمه بحذف الياء ، وهو من رعي الإبل ، ومن قرأ بالإسكان فهو من الرتع ، ~~وهي الإقامة في الخصب # 260 PageV03P356 ~~والنعم ، والتاء على هذا أصلية. ووزن الفعل : يفعل ، ووزنه على الأول يفتعل ~~، قال ابن عطية : فيرتع على قراءة نافع من رعي الإبل ، أي : يتدرب في رعي ~~الإبل وحفظ المال. قال أبو علي : وقراءة ابن كثير : (نرتع) بالنون (ويلعب) ~~بالياء ، فنزعها حسن ؛ لإسناد النظر في المال والرعاية إليهم ، واللعب إلى ~~يوسف لصباه ، وقرأ أبو عمر وابن عامر : (نرتع ونلعب) ؛ بالنون فيهما ، ~~وإسكان العين والباء ، من الرتوع ، وهو الإقامة في الخصب والمرعي في أكل ~~وشرب ، وقرأ عاصم والأخوان : (يرتع ويلعب) بإسناد ذلك كله إلى يوسف. ه. قلت ~~: وكذا قرأ نافع ، غير أنه يكسر العين وهم يسكنون. # (ونحن عصبة) : حال ، والرابط الواو ، والعصبة : الجماعة من العشرة إلى فوق. # يقول الحق جل جلاله : قال إخوة يوسف لأبيهم : {يا أبانا ما لك لا تأمنا ~~على يوسف} أي : لم تخافنا عليه ؟ {وإنا له لناصحون} نشفق عليه ، ونريد له ~~الخير. أرادوا أن يستنزلوه عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم. قلت : ~~قد نصحوه في الحقيقة حيث تسببوا في ملكه وعزه. روي أنهم لما قالوا له : ~~(مالك...) الخ ، اهتزت أركانه ، واصفر لونه ، واصطكت أسنانه ، وتحركت ~~جوانبه ، كأنه علم بما في قلوبهم بالفراسة. ثم قالوا : {أرسله معنا غدا ~~يرتع} : يتسع في أكل الفواكه ونحوها. أو يتعلم الرعاية ، {ويلعب} بالاستباق ~~والانتضال ، {وإنا له لحافظون} أن يناله مكروه # {قال} يعقوب : {إني ليحزنني أن تذهبوا به} لشدة مفارقته علي ، وقلة صبري ~~عنه ، {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} : لاشتغالكم بالرتع واللعب ~~، أو لقلة اهتمامكم به ، وإنما خاف عليه من الذيب ، لأن الأرض كانت مذأبة ، ~~وقيل ms1141 : رأى في المنام أن الذئاب أحدقت بيوسف ، فكان يخافه ، وإنما كان ~~تأويلها : إحداق إخوته به حين أرادوا قتله. {قالوا لئن أكله الذئب ونحن ~~عصبة} : جماعة ، {إنا إذا لخاسرون} : مغبرنون من القوة والحزم ، أو مستحقون ~~بأن يدعى عليهم بالخسارة. PageV03P357 # جزء : 3 رقم الصفحة : 260 # الإشارة : لم يسمح يعقوب عليه السلام بفراق حبيبه ساعة ، وكذلك العبد لا ~~ينبغي أن يغفل عن سيده لحظة ؛ لأن الغفلة فراق ، والذكر انجماع ، والعبد لا ~~صبر له عن سيده. وأنشدوا : # فلأبكين على الفراق كما بكى # سفا لفرقة يوسف يعقوب # ولأدعونك في الظلام كما دعا # عند البلية ربة أيوب # وأنشدوا أيضا في ذم الغفلة : # غفلت عن الأيام يا أخي فانتبه # وشمر فإن الموت لا شك واقع # على أي شيء هو حزنك قائم # جنود المنايا تأتيك فانهض وسارع # قيل : إن بعض الصالحين رأى أستاذه في المنام ، فقال له : يا أستاذ ، أي ~~الحسرات عندكم أعظم ؟ قال : حسرة الغافلين ، وأنشدوا : # تيقظ إلى التذكارفالعمر قد مضى # وحتى متى ذا السكر من غفلة الهوى # ورأى ذو النون المصري بعض الصالحين في المنام ، فقال له : ما فعل الله بك ؟ # 261 # قال : أوقفني بين يديه ، وقال : يا مدعي ، ادعيت محبتي ثم غفلت عني. ~~وأنشدوا : # تغافلت عن فهم الحقيقة بالهوى # فلا أذن تصغي ولا عين تذرف # ضعفت ولكن في أمانيك قوة # فيا تابع اللذات كم تتخلف # ورأى عبد الله بن مسلمة والده في النوم ، فقال له : يا أبت ، كيف ترى ~~حالك ؟ فقال له : يا ولدي عشنا غافلين. وأنشدوا : # غفلت وحادي الموت يحدوك للبلا # وجسمك يا مغرور أصبح معتلا # وحتى متى يا صاح بابك مغلق # أتاك نذير الموت والعمر قد ولى # وقيل : ما أصاب يعقوب ما أصابه في ولده إلا من أجل خوفه عليه ، وغفلته عن ~~استيداعه ربه ، ولو استودعه ربه لحفظه. لكن لا ينفع حذر من قدر. (وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا). # جزء : 3 رقم الصفحة : 260 PageV03P358 ~~قلت : (لما) حرف وجود لوجود ، يطلب الشرط والجواب ، وجوابها هنا محذوف ، أي ~~: فعلوا به ما فعلوا. وقيل : جوابها : (أجمعوا) ms1142 ، وقيل : (أوحينا) على ~~زيادة الواو فيهما. وجملة : (وهم لا يشعرون) : حال من (تنبئنهم) ، فيكون ~~خطابا ليوسف عليه السلام ، أو من (أوحينا) ؛ أي : وهم لا يشعرون حين أوحينا ~~إليه. فيكون حينئذ الخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، و(صبر جميل) : ~~مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : مثل. أو : خبر عن مبتدأ ، أي : أمري صبر جميل. ~~و(على قميصه) : في موضع نصب على الظرف ، أي : فوق قيمصه. أو : حال من الدم ~~؛ إن جوز تقديمها على المجرور. # يقول الحق جل جلاله : فلما ذهبوا بيوسف معهم {وأجمعوا} أي : عزموا {أن ~~يجعلوه في غيابات الجب} ؛ وهو بئر بأرض الأردن ، أو بين مصر ومدين ، أو على ~~ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب. # قال الفراء : كان حفره شداد بن عاد. فانظره. قال السدي : ذهبوا بيوسف وبه ~~عليهم كرامة ، فلما برزوا في البرية أظهروا له العداوة ، وجعل أخوه يضربه ~~فيستغيث بالآخر # 262 # فيضربه ، فجعل لا يرى منهم رحيما. فضربوه حتى كادوا يقتلونه ، فجعل يصيح ~~: يا أبتاه ، يا يعقوب ، لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء. ه. وكان إخوته ~~سبعة من خالته الحرة ، والباقون من سريتين له ، كما تقدم. # وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان يعقوب عليه السلام ينظر إلى يوسف عليه ~~السلام حتى غاب عنه ، وعن نظره ، فلما علموا أنهم غيبوه عنه ، وضعوه في ~~الأرض وجروه عليها ، ولطموا خده ، فجرد شمعون سكينه وأراد ذبحه ، فتعلق ~~بذيل روبيل وضربه ، وكذلك جيمع إخواته ؛ إذا لجأ لواحد منهم طرده ، فضحك ~~عند ذلك يوسف عليه السلام فقال له يهوذا : ليس هذا موضع الضحك يا يوسف ، ~~فقال : من تعزز بغير الله ذل ، ظننت أنه لا يصيبني وأنا بينكم مكروه لما ~~رأيت من قوتكم وشدتكم ، فسلطكم الله علي بشؤم تلك الفكرة ؛ حتى لا يكون ~~التوكل إلا عليه والتعزز إلا به. ه. بالمعنى. PageV03P359 # جزء : 3 رقم الصفحة : 262 # وقال الفراء : كانت زينب بنت يعقوب عليه السلام أخت يوسف وكانت رأت في ~~منامها كان يوسف وضع بين الذئاب وهم ينهشون ، فانتبهت فازعة ، ومضت إلى ~~أبيها باكية ، فقالت : يا أبت ms1143 ، أين أخي يوسف ؟ قال : أسلمته إلى إخواته ، ~~فمضت خلفه حتى لحقت به ، فأمسكته ، وتعلقت بذيله ، وقالت : لا أفارقك اليوم ~~يا أخي أبدا ، فقال لها إخوتها : يا زينب ، أرسليه من يدك ، فقالت : لا ~~أفعل ذلك أبدا ؛ لأني لا أطيق فراق أخي ، فقالوا : بالعشي نرده إليك ~~ويأتيك. ثم أقبل يوسف عليه السلام يقبل رأسها ويديها ، ويقول لها : يا ~~أختاه دعيني أسير مع إخوتي أرتع وألعب ، فذهب ، وجلست تشيعه بعينها ، ~~ودموعها تتناثر مما رأت ؛ خوفا عليه. ه. # فلما غابوا به عنها فعلوا به ما تقدم ، وهموا بقتله ، فقال لهم يهوذا : ~~أما عاهدتموني ألا تقتلوه ؛ فأتوا به إلى البئر فدلوه فيها فتعلق بشفيرها ، ~~فربطوا يده ، ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ، ويحتالوا به على أبيهم ، فقال : ~~يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به ، فقالوا : ادع الأحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر يلبسوك ويؤنسوك. فلما بلغ نصفها ألقوه ، وكان فيها ماء ، فسقط ، ثم ~~آوى إلى الصخرة كانت فيها فقام عليها يبكي ، فجاءه جبريل بالوحي ، كما قال ~~: {وأوحينا إليه...} الخ. وكان ابن سبع عشرة سنة ، وقيل : كان مراهقا. وقال ~~ابن عطية : كان ابن سبع سنين ، وأوحي إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى ~~عليهما السلام . # وفي القصص : أن إبراهيم عليه السلام ، حين ألقي في النار ، جرد من ثيابه ~~، فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق ~~، وإسحاق إلى يعقوب ، فجعله في تميمة علقها على يوسف ، فأخرجه جبريل وألبسه يوسف. # ثم قال له فيما أوحي إليه : {لتنبئنهم} أي : لتحدثنهم {بأمرهم هذا} ؛ بما فعلوا # 263 PageV03P360 ~~بك ، {وهم لا يشعرون} أنك يوسف ، لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم ، وطول العهد ~~المغير للحال والهيئات. وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر ، حين دخلوا عليه ~~ممتارين ، فعرفهم وهم له منكرون ، إلى أن قال لهم : {هل علمتم ما فعلتم ~~بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون} [يوسف : 89]. وفي رواية : أوحى إليه : يا يوسف ~~لا تحزن على ما أصابك ، فإنك تصل إلى ملك كبير ، ويقف إخوتك بين يديك. بشره ~~بما يؤول إليه أمره ، أيناسا ms1144 وتطبيبا لقلبه. وقيل : {وهم لا يشعرون} متصل ~~بقوله : {وأوحينا} أي : آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 262 # وجاؤوا أباهم عشاء} آخر النهار ، وقرئ {عشي} بضم العين والقصر ، جمع أعشى ~~، أي : عشي من البكاء. فجاؤوا إليه {يبكون} أي : متباكين. روي أنه لما سمع ~~بكاءهم فزع وقال : يا بني ، أين يوسف ؟ فقالوا : {يا أبانا إنا ذهبنا ~~نستبق} ؛ أي : نتسابق بأقدامنا في العدو ، أو الرمي {وتركنا يوسف عند ~~متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا} : بمصدق لنا ، {ولو كنا صادقين} ؛ ~~لسوء ظنك ، وفرط محبتك ليوسف. # {وجاؤوا على قميصه} : فوق قميصه {بدم كذب} ، أي : ذي كذب بمعنى مكذوب فيه ~~؛ لأنهم ذبحوا جديا ولطخوا قميصه بدمه. روي أنه لما سمع بخبر يوسف صاح ودعا ~~بقميصه فأخذه ، وألقاه على وجهه ، وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص ، وقال : ~~ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا! أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه. PageV03P361 # وفي رواية أخرى : أنه لما رأى صحة القميص ضحك ، فقالوا له : الضحك والبكاء ~~من فعل المجانين! فقال : أما بكائي فعلى يوسف لما رأيت الدم ، وأما ضحكي ، ~~فإني لما رأيت صحة القميص رجوت أن الحديث غير صحيح ، ولذلك {قال بل سولت ~~لكم أنفسكم أمرا} أي : سهلت لكم ، وهونت في أعينكم أمرا عظيما حتى أقدمتم ~~عليه. وقيل : لما سمع مقالهم غشي عليه إلى الصباح ، وهم يبكون بأجمعهم ، ~~ويقولون بينهم : بئس ما فعلناه بيوسف ووالده ، وأي عذر لنا عند الله. فلما ~~أفاق نظر إلى أولاده ، وقال : هكذا يا أولادي كان ظني فيكم ، بئس ما فعلتم ~~، وبئس ما سولت لكم أنفسكم {فصبر جميل} أي : فأمري صبري جميل. وفي الحديث : ~~" الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق " {والله المستعان على ما ~~تصفون} أي : على احتمال ما تصفونه من هلاك ابني يوسف. وهذه الجريمة كانت ~~قبل استنبائهم ، إن صح أنهم تنبأوا. وقد تقدم في سورة البقرة الخلاف في ~~نبوة الأسباط فراجعه. # الإشارة : في هذه الآية رجاء كبير لأهل العصيان ، وبشارة وتأنيس لمن أراد مقام # 264 # الإحسان بعد ms1145 الإساءة والغفلة والنسيان ، وذلك أن هؤلاء السادات فعلوا ~~بيوسف عليه السلام ما فعلوا ، فلما تابوا بعد هذا الفعل العظيم اجتباهم ~~الحق تعالى ، وتاب عليهم ، وقربهم حتى صاروا أنبياء ، على حد قول بعض ~~العلماء. ولذلك قيل : [كم من خصوص خرجوا من اللصوص ، وكم من عابد ناسك خرج ~~من ظالم فاتك]. وفي الحكم : " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته ، وأن ~~يخرجه من وجود غفلته ، فقد استعجز القدرة الإلهية ، وكان الله على كل شيء ~~مقتدرا ". وللشافعي رضي الله عنه : # جزء : 3 رقم الصفحة : 262 # فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي # جعلت الرجا مني لعفوك سلما # تعاظمني ذنبي فلما قرنته # بعفوك ربي كان عفوك أعظما PageV03P362 ~~وهذا إنما يكون بالتوبة النصوح ، والنهوض التام ، والمجاهدة الكبيرة ، كما ~~فعل إبراهيم بن أدهم ، والفضل بن عياض ، والشيخ أبو يعزى ، وغيرهم ممن ~~كانوا لصوصا فصاروا خصوصا. قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من لم يغلب ~~نفسه وهواه فليس له حظ في عقباه " وأنشدوا : # جنينا على النفس التي لك رشدها # بطبع الهوى فيها وتيه من الحجا # جزى الله خيرا من أعد لدائه # دواء التقى فاستعمل الخوف والرجا # جبان وترجوا أن تلقب فارسا # متى شابه العضب اليماني دملجا # وفيها أيضا : تنويه بمقام الصابرين وعاقبة المتقين ، فإن يعقوب عليه ~~السلام ، لما استعمل الصبر الجميل ، جمع الله شمله بولده مع ما أعد له من ~~الثواب الجزيل. ويوسف عليه السلام ، لما صبر على ما أصابه من المحن ؛ عوضه ~~العز الدائم بترادف المنن. وفي الخبر : " أعلى الدرجات درجات الصابرين ". ~~لكل عمل ثواب محدود ، وثواب الصابرين غير محدود ولا معدود. قيل : إن الله ~~تعالى أعطى لكل صابر قصرا في الجنة مسيرة الشمس أربعين يوما ، من درة بيضاء ~~معلقة في الهواء ، ليس تحته دعامة ، ولا فوقه علاقة ، وله أربعة آلاف باب ، ~~يدخل من كل باب سبعون ألف ملك ، يسلمون على صاحبه ولا ترجع النوبة إليهم ~~أبدا. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 262 # 265 # قلت : (بضاعة) : حال من المفعول ، أي : وأخفوه مبضعا به للتجارة. ~~و(لنعلمه) : عطف على محذوف ms1146 ، أي : مكناه في الأرض ليتصرف فيها بالعدل ~~ولنعلمه. إلخ. و(دراهم) : بدل من (ثمن). قال الهروي : الأشد : من خمسة عشر ~~إلى أربعين سنة. وهو جمع شدة ، مثل : نعمة وأنعم ، وهي : القوة والجلادة في ~~البدن والعقل. ه. PageV03P363 # يقول الحق جل جلاله : {وجاءت سيارة} ؛ رفقة تسير من مدين إلى مصر ، فنزلوا ~~قريبا من الجب ، وكان ذلك بعد ثلاث من إلقائه فيه. {فأرسلوا واردهم} الذي ~~يرد الماء ، ويستقي لهم ، وهو : مالك بن ذعر الخزاعي ، {فأدلى دلوه} أرسلها ~~في الجب ليملأها ، فتعلق بها يوسف ، فلما رآه ، {قال يا بشرى هذا غلام} ؛ ~~نادى البشرى ، بشارة لنفسه ، أو لقومه ، كأنه قال : تعال هذا أوانك. وقيل : ~~اسم لصاحبه ، ناداه ليعينه على إخراجه فأخرجوه ، {وأسروه} أي : أخفاه ~~الوارد ، وأصحابه عن الرفقة ، وقالوا : دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه بمصر ، ~~حال كونه {بضاعة} ؛ أي : متاعا مبضعا به للتجارة ، أي : يباع ويتجر بثمنه. ~~{والله عليم بما يعملون} لم يخف عليه اسرارهم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 265 PageV03P364 ~~وشروه} أي : باعه السيارة من الرفقة ، أو إخوته ، فيكون الضمير راجع لهم. ~~روي أن يهوذا كان يأتيه كل يوم بالطعام ، فأتاه يومئذ فلم يجده فيها ، ~~وأخبر إخوته فأتوا الرفقة ، وقالوا : هذا غلامنا فاشتروه ، وسكت يوسف خوفا ~~من أن يقتلوه. أو اشتروه من إخوته ؛ لأن شرى قد يستعمل بمعنى اشترى. ~~فاشتراه الرفقة منهم {بثمن بخس} ؛ أي : مبخوس ، لزيفه أو نقصانه ، {دراهم ~~معدودة} قليلة ، فإنهم يزنون ما بلغ الأوقية ، ويعدون ما دونها. قيل : كان ~~عشرين درهما. وقيل : اثنين وعشرين. روي أن الذي اشتراه منهم مالك بن ذعر ~~المتقدم ، وكان صعلوكا ، فسأل يوسف أن يدعو له فدعا له فصار غنيا. روي أنه ~~قال لهم : بكم تبيعونه ؟ فقالوا له : إن اشتريته بعيوبه بعناه لك. فقال : ~~وما عيوبه ؟ فقالوا : سارق كذاب ، يرى الرؤيا الكاذبة. فقال لهم : بكم ~~تبيعونه لي مع عيوبه ؟ ويوسف عليه السلام ينظر إليهم ولا يتكلم ، وهو يقول ~~في نفسه : ما أظنه يقوم بثمني ؛ لأنهم يطلبون أموالا كثيرة. قال لهم مالك : ~~معي دراهم قليلة تعد ولا توزن ، فقالوا له ms1147 : هاتها. فاشتراه منهم بتلك ~~الدراهم المعدودة. قال ابن عباس : كانت سبعة عشر درهما ، جعل له ذلك جزاء ~~لما قوم نفسه ، وظن أنهم يطلبون في الأموال. ه. {وكانوا فيه من الزاهدين} : ~~الراغبين عنه. يحتمل أن يكون الضمير لإخوته ، وزهدهم فيه ظاهر. أو يكون ~~للرفقة فإن بائعين كانوا بائعين فزهدهم فيه لأنهم التقطوه والملتقط للشيء ~~متهاون به خائف من انتزاعه ، وإن كانوا مبتاعين فلأنهم اعتقدوا أنه آبق. # 266 PageV03P365 ~~قال الفراء : لما اشتراه منهم مالك ، قال لهم : اكتبوا لي كتابا بخطكم ~~بأنكم بعتم مني هذا الغلام بكذا وكذا ، فكتبوا له ذلك ، فلما أراد الرحيل ~~قالوا له : اربطه لئلا يهرب ، فلما هم بربطه قال له يوسف : خلني أودع ~~ساداتي ؛ فلعلي لا ألقاهم بعد هذا اليوم. فقال له مالك : ما أكرمك من مملوك ~~، حيث يفعل بك هذا وأنت تتقرب منهم. فقال له يوسف : كل أحد يفعل ما يليق به ~~، فقال له : دونك ، فقصدهم وهم قيام صفا واحدا ، فلما دنا منهم بكوا وبكى ~~يوسف عليه السلام ، ثم قالوا : والله لقد ندمنا يا يوسف على ما فعلنا ، ~~ولولا الخشية من والدنا لرددناك. ه. ثم ذهبوا به إلى مصر فباعوه ، فاشتراه ~~العزيز الذي كان خزائن مصر. واسمه : " قطفير " ، وكان الملك يومئذ " ريان ~~بن الوليد العلقمي " ، وقد آمن بيوسف ، ومات في حياته. # {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته} راعيل ، أو زليخا ، {أكرمي مثواه} ؛ ~~اجعلي مقامه عندنا كريما ، والمعنى : أحسني تعهده ، {عسى أن ينفعنا} في ~~ضياعنا وأموالنا ، نستظهر به في مصالحنا ، {أو نتخذه ولدا} أي : نتبناه ، ~~وكان عقيما ، لما تفرس فيه من الرشد. ولذلك قيل : (أفرس الناس عزيز مصر ، ~~وابنة شعيب التي قالت : {ياأبت استأجره} [القصص : 26] ، وأبو بكر حين ~~استخلف عمر). # جزء : 3 رقم الصفحة : 265 # قال البيضاوي : روي أنه اشتراه العزيز وهو ابن تسع عشرة سنة ، ولبث في ~~منزله ثلاث عشرة سنة ، واستوزره الريان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وتوفي ~~وهو ابن مائة وعشرين سنة. واختلف فيما اشتراه به من جعل شراء غير الأول ، ~~فقيل : عشرون دينارا ، وزوجا نعل ms1148 ، وثوبان أبيضان. وقيل : ملؤه أي وزنه ~~فضة ، وقيل : ذهبا. ه. وقيل : مسكا وحريرا. PageV03P366 # {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} أي : وكما مكنا محبته في قلب العزيز ، أو كما ~~مكناه في منزله ، أو كما أنجيته ، وعطفنا عليه العزيز مكناه في الأرض ، ~~ليتصرف فيها بالعدل ، {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} ؛ أي : من تأويل كتب ~~الله المتقدمة ، أو من تأويل الأحكام الحادثة بين الناس ليحكم فيها بالعدل ~~، أو من تعبير المنامات ، ليستعد لها قبل حلولها. أي : كان القصد في إنجائه ~~وتمكينه : إقامته العدل ، وتيسير أمور الناس ، وليعلم معاني كتب الله ~~وأحكامه فينفذها ، {والله غالب على أمره} : لا يرده شيء ، ولا ينازعه فيما ~~يريد جبار ، ولا عنيد ، أو غالب على أمر يوسف ، فيدبر أمره بالحفظ والرعاية ~~، والنصر والعز في عاقبة أمره ، خلاف ما أراد به إخوته ، {ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون} أن الأمر كله بيده ، أو لا يفهمون لطائف صنعه ، وخفايا لطفه. # {ولما بلغ أشده} ؛ منتهى اشتداد جسمه ، وكمال عقله. وتقدم تفسير الهروي له ، # 267 # وحده. وقيل : ما بين الثلاثين والأربعين ، {آتيناه حكما} : حكمة ، وهي ~~النبوة. أو العلم المؤيد بالعمل. أو حكما بين الناس بالعدل. {وعلما} يعني : ~~علم تأويل الأحاديث ، أو علما بأسرار الربوبية ، وكيفية آداب العبودية. ~~{وكذلك نجزي المحسنين} إذا كمل عقلهم ، وتوفر آدابهم ، وكمل تهذيبهم ، ~~آتيناهم الحكمة وكمال المعرفة. وفيه تنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك ~~جزاء على إحسانه وإتقانه عمله في عنفوان شبابه. # الإشارة : من ظن انفكاك لطف الله عن قدره ؛ فذلك لقصور نظره ، لا سيما ~~لطفه بالمتوجهين إليه ، أو العارفين به الواصلين لحضرته. فكل ما ينزل بهم ~~فإنما هو أقدار جارية ، وأمداد سارية ، وأنوار بهية ، وألطاف خفية ، تسبق ~~لهم الأنوار قبل نزول الأقدار ، فلا تحول حول قلوبهم الأكدار ، ولا تغير ~~قلوبهم رؤية الأغيار ، عند نزول شدائد الأقدار ، يحفظ عليهم أسرار التوحيد ~~، وينزل عليهم أنوار التأييد ، عند نزول القضاء الشديد ، والبلاء العتيد ، ~~ولابن الفارض رضي الله عنه : PageV03P367 # أحبائي أنتم ، أحسن الدهر أم أسا # فكونوا كما شئتم أنا ذلك الخل # جزء : 3 رقم ms1149 الصفحة : 265 # وقال صاحبه العينية : # تلذ لي الآلام إذ كنت مسقمي # وإن تختبرني فهي عندي صنائع # تحكم بما تهواه في فإنني # فقير لسلطان المحبة طائع # وقد جرت عادة الله تعالى أن يعقب الجلال بالجمال ، والمحن بالمنن ، والذل ~~بالعز ، والفقر بالغنى ، فبقدر ما تشتد المحن تأتي بعدها مواهب المنن ، ما ~~ينزل من الجلال يأتي بعده الجمال ، سنة الله في خلقه ، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا. لا راد لما قضى ، ولا معقب لما به حكم وأمضى. # قال تعالى : {والله غالب على أمره} : قال بعض المفسرين : هذه الآية هي ~~قطب هذه السورة ، ثم قال : أراد آدم البقاء في الجنة ، وما أراد الله ذلك ، ~~فكان الأمر مراد الله. وأراد إبليس أن يكون رأس البررة الكرام ، وأراد الله ~~أن يكون إمام الكفرة اللئام ، فكان الأمر كما أراد الله. وأراد النمرود ~~هلاك إبراهيم عليه السلام ، ولم يرده الله ، فكان الأمر كما أراد الله. ~~وأراد فرعون هلاك موسى عليه السلام ، فأهلكه الله ، ونجى موسى ، . وأراد ~~داود أن يكون الملك لولده ميشا ، وأراد الله أن يكون لسليمان عليه السلام ، ~~فكان كما أراد الله. وأرد أبو جهل هلاك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونبوة الوليد بن المغيرة ، فأهلك الله أبا جهل ونبأ محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. وأراد المنذر بن عاد البقاء في الدنيا ، فأهلكه الله وخرب ملكه. ~~وأراد إرم العاتي ، الذي بنى ذات العماد ، يحاكي بها الجنة ، أن يسكنها ~~خالدا فيها ، فكذبه الله ، وحال بينه وبينها ، وغيبها عنه حتى مات بحسرتها. ه. # 268 # جزء : 3 رقم الصفحة : 265 PageV03P368 ~~قلت : المراودة : المطالبة ، من راد يرود : إذا جاء وذهب لطلب الشيء ، ومنه ~~الرائد. و(هيت) : اسم فعل معناه : تعال ، أو أقبل ، مبني على الفتح كأين ، ~~واللام للتبيين ، كالتي في سقيا لك ، وقرأ ابن كثير : بالضم ، تشبيها بحيث ~~، ونافع وابن عامر بالفتح ، وهي لغة فيه. وقرئ : " هئت " بالهمز ؛ كجئت ، ~~من هاء يهيء : إذا تهيأ. و(معاذ الله) : مصدر لمحذوف ، أي : أعوذ بالله ~~معاذا. و(إنه) : ضمير الشأن. و(لولا) : حرف امتناع ، وجوابها محذوف ، أي ms1150 : ~~لخالطها ، ولا يجوز أن يكون (وهم بها) : جوابها ؛ لأن حكمها حكم الشرط ، ~~فلا يتقدم عليها جوابها. قاله البيضاوي. # قلت : وبهذا يرد على من وقف على (همت به) ، كالهبطى ، ومن تبعه ، إلا أن ~~يحمل على أنه ابتداء كلام مع حذف الجواب. واستحسنه البعض ؛ ليكون هم يوسف ~~خارجا عن القسم ، (وكذلك) : في موضع المصدر ، أي : ثبتناه مثل ذلك التثبيت ~~لنصرف.. الخ ، و(المخلصين) بالفتح : اسم مفعول من : أخلصه الله. وبالكسر : ~~اسم فاعل بمعنى أخلص دينه لله. # يقول الحق جل جلاله : {وراودته} للفاحشة ، أي : تمحلت وطلبت منه أن ~~يوافقها {التي هو في بيتها} ؛ وهي زليخا. وترك التصريح بها ؛ استهجانا. ~~فراودته عن نفسه ، {وغلقت الأبواب} ، قيل : كانوا سبعة. والتشديد للتكثير ، ~~أو للمبالغة في الإيثاق ، {وقالت هيت لك} أي : أقبل وبادر ، أو تهيأت لك. ~~روي أنها تزينت بأحسن ما عندها ، وقالت : تعالى يا يوسف ، {قال معاذ الله} ~~؛ أي : أعوذ بالله معاذا ، {إنه} أي : الشأن ، {ربي أحسن مثواي} ؛ سيدي ~~أحسن إقامتي وتربيتي ، إذ قال لك أكرمي مثواي ، فما جزاؤه أن أخونه في أهله ~~، أو أنه تعالى ربي أحسن منزلي ؛ بأن عطف علي قلب سيدي ، # 269 # ولطف بي في أموري ، فلا أعصيه ، {إنه لا يفلح الظالمون} ؛ المجاوزون ~~الإحسان إلى الإساءة ، أو الزناة ؛ فإن الزنى ظلم على الزاني والمزني بأهله. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 269 PageV03P369 ~~ولقد همت به وهم بها} ، قال ابن جزي : أكثر الناس الكلام في هذه الآية ، ~~حتى ألفوا فيها التآليف ، فمنهم مفرط ومفرط ؛ وذلك أن منهم من جعل هم ~~المرأة وهم يوسف من حيث الفعل الذي أرادته. وذكروا من ذلك روايات من جلوسه ~~بين رجليها ، وحله للتكة ، وغير ذلك مما لا ينبغي أن يقال به ؛ لضعف نقله ~~ولنزاهة الأنبياء عن مثله ، ومنهم من قال : همت به لتضربه على امتناعه ، ~~وهم بها ليقتلها أو يضربها ؛ ليدفعها. وهذا بعيد يرده قوله : {لولا أن رأى ~~برهان ربه}. ثم قال : والصواب إن شاء الله : أنها همت به من حيث مرادها ، ~~وهم بها كذلك ، لكنه لم يعزم على ذلك ، ولم يبلغ ms1151 إلى حد ما ذكر من حل التكة ~~، بل كان همه خطرة خطرت على قلبه ، ولم يتابعها ، ولكنه بادر إلىالتوبة ~~والإقلاع عن تلك الخطرة ، حتى محاها من قلبه ، لما رأى برهان ربه. ولا يقدح ~~هذا في عمة الأنبياء ؛ لأن الهم بالذنب لبس بذنب ، ولا نقص في ذلك ؛ لأن من ~~هم بذنب ثم تركه كتب له حسنة. ه. PageV03P370 # قلت : وكلامه حسن ؛ لأن الخطرات لا طاقة للبشر على تركها ، وبمجاهدة ~~مخالفتها فضل البشر على جنس الملائكة ، وقال البيضاوي : والمراد بهمه : ميل ~~الطبع ، ومنازعة الشهوة ، لا القصد الاختياري ، وذلك مما لا يدخل تحت ~~التكليف ، بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل ، لمن يكف نفسه عن الفعل عند ~~قيام هذا الهم أو مشارفته ، كقوله : قتلته لو لم أخف الله. ه. ومثله في ~~تفسير الفخر ، وأنه مال إليها بمقتضى الطبع ، ومنع منه بصارف العصمة ، ~~كالصائم يشتاق الماء البارد ويمنعه منه صومه. ومثله أيضا في لطائف المنن : ~~همت به هم إرادة ، وهم بها هم ميل لا هم إرادة. قال المحشي الفاسي : وفيه ~~نظر ؛ لأن ذلك لا يتصور في النفوس المطمئنة. وإنما ذلك شأن أرباب التلوين ~~والمجاهدة ، دون أهل التمكين والمشاهدة ، وخصوصا الأنبياء ؛ إذ صارت نفوسهم ~~مشاكلة للروح ، مندرجة فيها ، ولذلك صارت مطمئنة ، وميلها حينئذ إنما يكون ~~للطاعة ، وأما غير الطاعة ، فهي بمنزلة القذر والنتن تشمئز منه ، ولا يتصور ~~بحال ميلها إليه. ثم أطال الكلام في ذلك. # قلت : أما تفسير الهم بالميل فلا يليق بالنفس المطمئنة. وأما تفسيره ~~بالخاطر فيتصور في المطمئنة وغيرها. وإنما سماه الله تعالى هما في حق يوسف ~~عليه السلام ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لعلو منصبهم ، وشدة قربهم من ~~الحضرة ، يشدد عليهم في مطالبة الأدب ، فيجعل الخاطر في حقهم هما وظنا. كما ~~قال تعالى : {حتىا إذا استيأس الرسل وظنواا أنهم قد كذبوا} [يوسف : 110] ~~فيمن خفف الذال ، أو كما قال تعالى في حق يونس عليه # 270 # السلام : {فظن أن لن نقدر عليه} [الأنبياء : 87] ؛ على أحد التفاسير. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 269 PageV03P371 ~~ثم قال تعالى : {لولا ms1152 أن رأى برهان ربه} لخالطها. والبرهان الذي رأى : قيل ~~: ناداه جبريل : يا يوسف تكون في ديوان الأنبياء ، وتفعل فعل السفهاء. وقيل ~~: رأى يعقوب عاضا على أنامله ، يقول : إياك يا يوسف والفاحشة. وقيل : تفكر ~~في قبح الزنى فاسبتصر. وقيل : رأى زليخا غطت وجه صنمها حياء منه ، فقال : ~~أنا أولى أن أستحي من ربي. {كذلك} أي : مثل ذلك التثبيت ثبتناه ؛ {لنصرف ~~عنه السوء} ؛ خيانة السيد ، {والفحشاء} ، الزنى ؛ {إنه من عبادنا المخلصين} ~~الذين أخلصناهم لحضرتنا. أو من الذين أخلصوا وجهتهم إلينا. # {واستبقا الباب} أي : تسابقا إلى الباب ، وابتدرا إليه ، وذلك أن يوسف ~~عليه السلام فر منها ؛ ليخرج حيث رأى البرهان ، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج ~~، {وقدت قميصه من دبر} أي : شقت قميصه من خلف لما اجتذبته لترده. والقد ~~الشق طولا ، والقط : الشق عرضا ، {وألفيا سيدها} : وصادفا زوجها {لدى ~~الباب} ؛ وفيه إطلاق السيد على الزوج ، وإنما أفرد الباب هنا ، وجمعه في ~~قوله : {وغلقت الأبواب} لأن المراد هنا الباب البراني الذي هو المخرج من ~~الدار. {قالت} لزوجها : {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب ~~أليم} ؟ قالته إيهاما أنها فرت منه ؛ تبرئة لساحتها عند زوجها ، وإغراء له ~~عليه ؛ انتقاما لنفسها لما امتنع منها. {قال هي راودتني عن نفسي} : طالبتني ~~بالمواقعة بها. قال ذلك تبرئة لساحته ، ولو لم تكذب عليه ما قاله. PageV03P372 # {وشهد شاهد من أهلها} ، قيل : ابن عمها. وقيل : ابن خالها صبيا في المهد. ~~وكونه من أهلها أوجب للحجة عليها ، وأوثق لبراءة يوسف. وكونه لم يتكلم قط ، ~~ثم تكلم كرامة ليوسف عليه السلام ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " تكلم ~~في المهد أربعة : ابن ماشطة ابنة فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريج ، وعيسى ~~" وذكر مسلم في صحيحه في قصة الأخدود : " أن امرأة أتي بها لتطرح في ~~النار ، ومعها صبي يرضع ، فقال لها : يا أمه اصبري ، لا تجزعي. فأنك على ~~الحق ". وعد بعضهم عشرة تكلموا في المهد ، فذكر إبراهيم عليه السلام ، ~~ويحيى بن زكريا ، ومريم ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وطفلا في زمنه ~~عليه ms1153 السلام ، وهو : مبارك اليمامة ، وقد نظمهم السيوطي ، وزاد واحدا ، فقال : # تكلم في المهد النبي محمد # ويحيى وعيسى والخليل ومريم # وصبي جريج ثم شاهد يوسف # وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم # جزء : 3 رقم الصفحة : 269 # وطفل عليه مر بالأمة التي # يقال لها تزني ولا تتكلم # 271 # وماشطة في عهد فرعون طفلها # وفي زمن الهادي المبارك تختم # وذكر ابن وهب عن أبي لهيعة قال : بلغني أن المولود فيما تقدم كان يولد في ~~الليل ، فيصبح يمشي مع أمه. ه. وضعف ابن عطية كون شاهد يوسف صبيا بالحديث " ~~لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة " ، وبأنه لو كان الشاهد صبيا لكان الدليل نفس ~~كلامه ، دون أن يحتاج إلى الاستدلال بالقميص. ه. وقد يجاب بأن الحصر ~~باعتبار بني إسرائيل ، مع أن الوحي يتزايد شيئا فشيئا ، فأخبر بثلاثة ، ثم ~~أخبر بآخرين ، وبأن الاستدلال وقع بهما تحقيقا للقضية. PageV03P373 # ثم ذكر الحق تعالى ما قاله الشاهد ، فقال : {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت ~~وهو من الكاذبين} ؛ لأنه يدل على أنها قدت قميصه من قدامه بالدفع عن نفسها. ~~أو لأنه أسرع خلفها فعثر بذيله فانقد جيبه. {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت ~~وهو من الصادقين} ؛ لأنها جذبته إلى نفسها حين فر منها. والجملة الشرطية ~~محكية بالقول ، أي : قال : إن كان... إلخ. وتسميتها شهادة ؛ لأنها أدت ~~مؤداها. والجمع بين " إن " و" كان " على تأويل : إن يعلم أنه كان ، ونحوه ، ~~ونظيره : قولك : إن أحسنت إلي فقد أحسنت إليك من قبل. فإن معناه : إن تمنن ~~علي بإحسانك امنن عليك بإحساني. ومعناه : إن ظهر أنه كان قميصه... الخ. # {فلما رأى} زوجها قميص يوسف {قد من دبر قال إنه} أي : قولك : {ما ~~جزاء...} الخ. {من كيدكن} ؛ من حيلتكن. والخطاب لها ولأمثالها ولسائر ~~النساء. {إن كيدكن عظيم} ؛ لأن كيد النساء ألطف وأعلق بالقلب ، وأشد تاثيرا ~~من النفس والشيطان ؛ لأنهن يواجهن به الرجال ، والنفس والشيطان يوسوسان ~~مسارقة. ثم التفت العزيز إلى يوسف وقال : {يوسف} اي : يا يوسف. وحذف النداء ~~؛ إشارة إلى تقريبه وملاطفته ، {أعرض عن ms1154 هذا} الأمر واكتمه ، ولا تذكره ، ~~{واستغفري} يا زليخا {لذنبك إنك كنت من الخاطئين} ؛ من القوم المذنبين من ~~خطأ ؛ إذا أذنب متعمدا. والتذكير للتغليب. قاله البيضاوي. # الإشارة : إذا أراد الله أن يصافي عبده بخصوصية النبوة ، أو الولاية ، ~~كلأه بعين الرعاية ، وجذبه إليه بسابق العناية ؛ فإذا امتحنه أيده بعصمته ، ~~وسابق حفظه ورعايته ، ولا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية ؛ فالشهوة ~~في البشر أمر طبيعي وبمجاهدتها ظهر شرفه. لكن النفس المطمئنة لا تحتاج في ~~دفعها إلى كبير مجاهدة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 269 PageV03P374 ~~والنفس اللوامة لا بد في دفعها من المكابدة والمجاهدة ؛ فالهواجم والخواطر ~~ترد على القلوب كلها ، لكن النفس المطمئنة لها قوة على دفعها ، وقد تتصرف ~~فيها بإمضاء ما قدره الله الواحد القهار عليها. {وكان أمرالله قدرا ~~مقدورا}. وذلك كمال في حقهم لا # 272 # نقصان ؛ إذ بذلك تتميز قهرية الربوبية من ضعف العبودية ، فما ظهرت كمالات ~~الربوبية إلا بظهور نقائص العبودية. أما الإصرار على العيوب فلا يوجد مع ~~الخصوصية مطلقا ، وأما هجومها على العبد من غير إصرار فيكون مع وجود خصوصية ~~النبوة والولاية ، وقد تقع بها الزيادة إن صحبها الانكسار والإنابة. وفي ~~الحكم : " ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". والله تعالى أعلم. # واعلم أن ما امتحن به الصديق عليه السلام مع العصمة ، قد وقع مثله كثيرا ~~في هذه الأمة المحمدية مع الحفظ والامتناع ؛ ذكر الرصاع في كتاب التحفة : ~~أن بعض الطلبة كان ساكنا في مدرسة فاس ، فخرجت امرأة ذات يوم إلى الحمام ~~بابنتها ، فتلفت البنت وبقيت كذلك إلى الليل ، فرأت بابا خلفه ضوء ، فأتت ~~إليه ، فوجدت فيه رجلا ينظر في كتاب ، فقالت : إن لم يكن الخير عند هذا فلا ~~يكون عند أحد. فقرعت الباب ، فخرج الرجل فذكرت له قصتها ، وأنها خافت على ~~نفسها ، فرأى أنه تعين عليه حفظها ، فأدخلها وجعل حصيرا بينه وبينها ، وبقي ~~كذلك ينظر في كتابه ، فإذا بالشيطان زين له عمله ، فحفظه الله ببركة العلم ~~، وفأخذ المصباح ، وجعل يحرك أصابعه واحدا بعد واحد حتى أحرقها ، والبنت ~~تنظر إليه ms1155 وتتعجب. ثم خرج ينظر إلى الليل فوجده ما زال ، فأحرق أصابع اليد ~~الأخرى ، ثم لاح الضوء ، فقال : اخرحي ، فخرجت إلى دارها سالمة ، فذكرت ~~القضية لوالديها ، فأتى أبوها إلى مجلس العلم ، وذكر القصة للشيخ ، فقال ~~للحاضرين : أخرجوا أيديكم وأمنوا على دعائي لهذا الرجل ، فأخرجوا أيديهم ، ~~وبقي رجل ، فعلم الشيخ أنه صاحب القضية ، فناداه ، فأخبره ، فذكر أنه زوجه ~~الأب منها. ه. مختضرا. PageV03P375 # فمن ترك شيئا لله عوضه الله مثله ، أو أحسن منه. وكذلك فعل الحق تعالى ~~بيوسف عليه السلام قد زوجه زليخا على ما يأتي إن شاء الله. # وحدثني شيخي مولاي العربي رضي الله عنه ، أنه وقف على حكايات تناسب هذا ؛ ~~وهو أن رجلا صالحا تعلق قلبه بابنة الملك ، فلما رأى نفسه أنه لا يقدر على ~~تزوجها تطلف حتى دخل عليها في قبتها ليلا ، فوجدها نائمة على فراشها ملقى ~~على وجهها رداؤها ، وشمعة تشعل عند رأسها ، وأخرى عند رجلها ، وطعام موضوع ~~عندها. فكشف عن وجهها فرأى من الجمال ما أبهر عقله ؛ فجعل يتردد في نفسه ، ~~ويخاصمها على فعل الفاحشة ، فبينما هو كذلك إذ أبصر لوحا فوق رأسها مكتوبا ~~فيه : {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق : 2] ، فتاب الله تعالى عليه ، ~~وزجر نفسه عن هواها ، فوضع يده في ذلك الطعام ليأكل منه ، وترك فيه ؟ أثرا ~~، فلما أفاقت البنت رأت أثر اليد في الطعام ، فسألت أهل الدار ، فكلهم ~~قالوا : ما دخل عليك أحد منا ، فتيقنت أن رجلا دخل عليها ، وكان يخطبها ~~كثير ممن له الرئاسة والجاه ، فخافت على نفسها من أن يطرقها أحد منهم ~~فيغضبها ، فقالت # 273 # لأبيها : لا بد أن تروجني ، فقال في نفسه : والله لا أزوجها إلا لرجل ~~صالح ، فخرج مختفيا إلى المدرسة ، فأتى بعض الناس ، فقال : سمعت هنا برجل ~~صالح ، فأردت أن أزوره ، فأشار إلى ذلك الرجل الذي دخل على بنته ، ثم سأل ~~ثانيا ، وثالثا ، فلكهم أشار إليه ، فأتى إليه فقال له : إن لي بنتا جميلة ~~خطبها مني كثير من الناس ، فأردت أن أزوجكها ، فجهزها بما يليق بها ، ~~وزوجها إياه. ه. ms1156 # جزء : 3 رقم الصفحة : 269 PageV03P376 ~~وذكر ابن عرضون : إن رجلا كان بالقيروان من العلماء الأتقياء ، يقال له ~~شقران ، وكان جميل الصورة فهوته امرأة ، فأرسلت إلى عجوز ، وأسرت إليها ~~أمره على أن توصله إليها ، فأتت إليه العجوز ، وقالت : عندي ابنة مريضة ، ~~وأرادت أن توصي ، وعسى أن تصل إليها ، وتدعو لها ، فلبس ثيابه ، ومشى معها ~~إلى أن وصلت إلى الدار فأدخلته ، فوجد صبية جميلة ، فقالت له : هلم ، فقال ~~: إني أخاف الله رب العالمين. فقالت له العجوز : هيهات شقران ، والله لئن ~~لم تفعل لأصيحن ، وأقول : إنك دخلت علينا عارضتنا ، فقال لها : إن كان ولا ~~بد فدعيني حتى أدخل الحجرة ، فقالت له : افعل ما بدا لك ، فدخل الحجرة ، ~~فقال : اللهم إنها ما هوت مني إلا صورتي فغيرها ، فخرج من الحجرة وقد ظهر ~~عليه الجذام. فلما رأته ، قالت : اخرج فحرج سالما. وهذه الحكاية مشهورة ~~ببلاد القيروان. ه. # قلت : وقد نزل بنا في حال شبابنا كثير مما يشبه هذا ، فحفظنا الله بمنه ~~وكرمه وحسن رعايته. فلله المنة والحمد ، لا أحصي ثناء عليه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 269 # قلت : (نسوة) : اسم جمع لامرأة. وتأنيثه غير حقيقي ، ولذلك جرد فعله من ~~التاء. و(في المدينة) متعلق بقال ، أي : أشعن الخبر في المدينة ، أو : صفة ~~لنسوة ، فيتعلق بالاستقرار. و(حبا) : تمييز. و(حاش لله) : قال أبو علي ~~الفارسي : هي هنا فعل ، والدليل # 274 # على ذلك من وجهين ، أحدهما : أنها دخلت على لام الجر ، ولا يدخل حرف على ~~حرف. والآخر : أنها حذف منها الألف ، على قراءة الجماعة ، والحروف لا يحذف ~~منها شيء ، وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل ، والفاعل بحاش ضمير يوسف ، ~~أي : بعد يوسف عن الفاحشة لخوف الله. PageV03P377 # وقال الزمخشري : حاش ، وضع موضع المصدر ، كأنه قال : تنزيها لله. وحذف منه ~~التنوين ؛ مراعاة لأصله من الحرفية. وقال البيضاوي : هو حرف يفيد معنى ~~التنزيه في باب الاستثناء ، فوضع موضع التنزيه. واللام للبيان ، كما في ~~قولك : سقيا لك. ه. و(ليكونن) : نون التوكيد الخفيفة كتبت بالألف ؛ لشبهها ~~بالتنوين. # يقول الحق جل جلاله : {وقال نسوة في المدينة} ms1157 : مصر ، وكانوا خمسا : زوجة ~~الحاجب ، والساقي ، والخباز ، والسجان ، وصاحب الدواب. قلن : {امرأة العزيز ~~تراود فتاها} : خادمها {عن نفسه} أي : تطلب مواقعه غلامها إياها ، {قد ~~شغفها حبا} ؛ قد دخل شغاف قلبها حبه ، وهو غلافه ، {إنا لنراها في ضلال ~~مبين} ؛ في خطأ عن الرشد بين ظاهر. {فلما سمعت بمكرهن} ؛ باغتيابهن. وسماه ~~مكرا ؛ لأنهن أخفينه كما يخفي الماكر مكره. وقيل : كانت استكتمتهن سرها ~~فأفشينه. فلما بلغها إفشاؤه {أرسلت إليهن} تدعوهن. قيل : دعت أربعين امرأة ~~فيهن الخمس. {وأعتدت} : أعدت {لهن متكأ} ؛ ما يتكئن عليه من الوسائد ~~ونحوها. وقيل : المتكأ : طعام ، فإنهم كانوا يتكئون للطعام عند أكله ، وقرئ ~~في الشاذ : " متكا " ، بسكون التاء وتنوين الكاف ، وهو الأترج. {وآتت كل ~~واحدة منهن سكينا} ليقطعن به. وهذا يدل على أن الطعام كان مما يقطع ~~بالسكاكين كالأترج. وقيل : كان لحما. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 274 PageV03P378 ~~قالت اخرج عليهن} ، فأسعفها ؛ لأنه كان مملوك زوجها ، فخرج عليهن ، {فلما ~~رأينه أكبرنه} : عظمن شأنه وجماله الباهر ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : " رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر " وقيل : كان يرى ~~تلألؤ وجهه على الجدران. {وقطعن أيديهن} ، جرحنها بالسكين ؛ لفرط الدهشة ، ~~اشتغلن بالنظر إليه ، وبهتن من جماله حتى قطعن أيديهن ، وهن لا يشعرن ، كما ~~يقطع الطعام. {وقلن حاش لله} ؛ تنزيها له عن صفات العجز عن أن يخلق مثله. ~~أو تنزيها له أن يجعل هذا بشرا. اعتقدوا أن الكمال خصاص بالملائكة ، وكونه ~~في البشر في حيز المحال ، أو تعجبا من قدرته على خلق مثله. {ما هذا بشرا} ؛ ~~لأن هذا الجمال غير معهود للبشر. {إن هذا إلا ملك كريم} على الله ؛ لأن ~~الجمع بين الجمال الرائق ، والكمال الفائق ، والعصمة البالغة ، من خواص ~~الملائكة. # {قالت} لهن : {فذلكن الذي لمتنني فيه} ؛ توبيخا لهن على اللوم ، أي : فهو ~~ذلك الغلام الكنعاني ، الذي لمتنني في الافتتان به قبل أن ترونه. ولو كنتن ~~رأيتنه لعذرتنني ، # 275 # {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} : فامتنع طلبا للعصمة. أقرت لهن حين عرفت ~~أنهن يعذرنها ؛ كي يعاونها على إلانة عريكته ، {ولئن ms1158 لم يفعل ما آمره} به ~~{ليسبحن وليكونا من الصاغرين} الأذلاء ، وهو من صغر ، بالكسر يصغر صغارا. ~~فقلن له : أطع مولاتك. PageV03P379 # {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} من فعل الفاحشة ؛ بالنظر إلى ~~العاقبة. وإن كان مما تشتهيه النفس. لكن رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا. ~~قيل : إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا ، وإنما كان اللائق به أن يسأل الله ~~العافية ، فالاختيار لنفسه أوقعه في السجن ، ولو ترك الاختيار لكان معصوما ~~من غير امتحان بالسجن ، كما كان معصوما وقت المراودة ، {وإلا تصرف عني} : ~~وإن لم تصرف عني {كيدهن} من تحبيب ذلك إلي ، وتحسينه عندي بالتثبيت على ~~العصمة ، {أصب إليهن} ؛ أمل إلى جانبهن بطبعي ومقتضى شهوتي ، {وأكن من ~~الجاهلين} ؛ من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه ، فإن الحكيم لا يفعل ما ~~هو قبيح. أو من الذين لا يعملون بما يعلمون ، فإنهم جهال ، وكلامه هذا : ~~تضرع إلى الله تعالى ، واستغاثة به. # {فاستجاب له ربه} : أجاب دعاءه الذي تضمنه كلامه ، {فصرف عنه كيدهن} حيث ~~ثبته على العصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن ، وآثرها على اللذة الفانية ؛ ~~{إنه هو السميع} لدعاء الملتجئين إليه ، {العليم} بإخلاصهم أو بما يصلح بهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 274 # الإشارة : الحب إذا كان على ظاهر القلب ، ولم يخرق شغافه ، كان العبد مع ~~دنياه ، وآخرته ، بين ذكر ، وغفلة. فإذا دخل سويداء القلب ، وخرق شغافه نسي ~~العبد دنياه وأخراه ، وغاب عن نفسه وهواه ، وضل في محبة مولاه. ولذلك قيل ~~لعاشقة يوسف : {إنا لنراها في ضلال مبين} أي : في استغراق في المحبة حتى ضل ~~عنها ما دون محبوبها. ومنه قوله تعالى : {ووجدك ضآلا فهدىا} [الضحى : 7] أي ~~: وجدك ضالا في محبته ، فهداك إلى حضرى مشاهدته ومقام قربه ، فكان قاب ~~قوسين أو أدنى. وعلامة ودخول المحبة شغاف القلب أربعة أشياء : الاستيحاش ، ~~والإيناس ، وذكر الحبيب مع الأنفاس ، وحضوره مع الحواضر والوسواس. وأنشدوا : # تالله ما طلعت شمس ولا غربت # إلا وذكرك مقرون بأنفاسي PageV03P380 ~~ولا جلست إلى قوم أحدثهم # إلا وأنت حديثي بين جلاسي # ولا شربت لذيذ الماء ms1159 من ظمإ # إلا رأيت خيالا منك في الكاس # إن كان للناس وسواس يوسوسهم # فأنت والله وسواسي وخناسي # لولا نسيم بذكراكم أفيق به # لكنت محترقا من حر أنفاسي # 276 # وقال آخر : # خيالك في وهمي ، وذكرك في فهمي # ومثواك في قلبي ، فأين تغيب ؟ # قوله تعالى : {فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن...} الآية : أدهشتهم طلعة ~~يوسف ، وجماله الباهر ، وزليخا لما استمرت معه لم تفعل شيئا من ذلك. كذلك ~~المريد إذا استشرف على أنوارالحضرة وجمالها ، أدهشته وحيرته ، فلولا ~~التأييد الإلهي ما أطاقها ، فإذا صبر على صدماتها ، واستمر مع تجليات ~~أنوارها ذهب دهشه. واطمأن قلبه بشهود محبوبه من وراء أردية العز والكبرياء ~~، وهذه هي الطمأنينة الكبرى والسعادة العظمى. # وقوله تعالى : {قال رب السجن أحب إلي} ، هكذا ينبغي للعبد أن يكون ؛ ~~يختار ما يبقى على ما يفنى ؛ فرب شهوة ساعة أورثت حزنا ، ورب صبر ساعة ~~أورثت نعيما جزيلا. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 274 # قلت : (ليسجننه) : مفسر للفاعل ، أي : ظهر له سجنه ؛ إذ الجملة لا تكون ~~فاعلا على المشهور ، وجوزه بعضهم مستدلا بالآية. وقيل : محذوف ، أي : بدا ~~لهم رأي ليسجننه. وقال الإمام القصار ، الفاعل هو القسم المفهوم من اللام ~~الموطئة له ، أي : بدا لهم قسمهم ليسجننه. PageV03P381 # يقول الحق جل جلاله : {ثم بدا لهم} أي : ظهر للعزيز وأهله ، {من بعد ما ~~رأوا الآيات} الدالة على براءة يوسف ؛ كشهادة الصبي ، وقد القميص ، وقطع ~~الأيدي ، واستعصامه منهن ، فظهر لهم سجنه. وأقسموا {ليسجننه حتى حين} حتى ~~يظهر ما يكون منه ؛ ليظن الناس أنها محقة فيما ادعت عليه. فخدعت زوجها حتى ~~وافقها على سجنه. وروي أنه لما أدخل السجن ندمت زليخا على سجنه ، وعيل ~~صبرها على فراقه ، فأرسلت إلى السجان ليطلقه ، فأبى ، فلبث فيه سبع سنين. # {ودخل معه السجن فتيان} أي : فسجنوه واتفق أنه دخل معه في ذلك اليوم رجلان # 277 # آخران ، من عبيد الملك : ساقيه وخبازه ، اتهما أنهما أرادا أن يسماه ، ~~{قال أحدهما} وهو الساقي : {إني أراني} في المنام {أعصر خمرا} أي : عنبا. ~~وسماه خمرا : باعتبار ما يؤول إليه. روي ms1160 أنه قال : رأيت كأن الملك دعاني ~~وردني إلى قصره ، فبينما أنا أدور في القصر ، وإذا بثلاثة عناقيد من العنب ~~، فعصرتها ، وحملت ذلك إلى الملك لأسقيه له. # {وقال الآخر} وهو الخباز : {إني أراني أحمل فوق راسي خبزا تاكل} : تنهش ~~{الطير منه} ، قال : رأيت كأن العزيز دعاني ، وأخرجني من السجن ، ودفع لي ~~طيفورة عليها خبز ، فوضعتها على رأسي ، والطير تأكل منه. {نبئنا بتأويله ~~إنا نراك من المحسنين} ؛ من الذين يحسنون تأويل الرؤيا. وإنما قالا له ذلك ~~؛ لأنهما رأياه في السجن يعظ الناس ويعبر رؤياهم ، أو من المحسنين إلى أهل ~~السجن ، كان عليه السلام ، إذا رأى محتاجا طلب له ، وإذا رأى مضيقا وسع ليه ~~؛ فقالا له : فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 277 PageV03P382 ~~قال لا يأتيكما طعام ترزقانه} في النوم ، {إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما} تأويله في الدنيا. أو : لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة ؛ ~~لتأكلاه إلا أخبرتكما به ، ما هو ؟ وما لونه ؟ وما صفته ؟ وكم هو ؟ قبل أن ~~يأتيكما ، إخبارا بالغيب ، فيأتيهما كذلك ؛ معجزة. وصف نفسه بكثرة العلم ~~والمكاشفة ؛ ليكون وسيلة إلى دعائهما إلى التوحيد. # ثم قال لهما : {ذلكما مما علمني ربي} بالوحي والإلهام. وليس ذلك من قبيل ~~التكهن أو التنجيم. روي أنهما قالا له : من أين لك هذا العلم ، وأنت لست ~~بكاهن ولا منجم ؟ فقال لهما : {ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة} ؛ طريقة ~~{قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} أي : علمني ذلك لأني تركت ملة ~~أهل الكفر ، {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} ، وإنما قال ذلك ؛ ~~تمهيدا للدعوة ، وإظهارا أنه من بيت النبوة ؛ لتقوى رغبتهما في الاستماع ~~إليه ، والوثوق به. {ماكان لنا} : ما صح لنا معشر الأنبياء {أن نشرك بالله ~~من شيء} أي شرك كان ، {ذلك} التوحيد {من فضل الله علينا} بالوحي {وعلى ~~الناس} ببعثنا إليهم ، وإرشادنا إياهم وتثبيتهم عليه ، {ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون} هذا الفضل ؛ فيعرضون عنه. أو من فضل الله علينا بالوحي والإلهام ، ~~وعلى الناس بنصب الدلائل وإنزال ms1161 الآيات. ولكن أكثرهم لا ينظرون إليها ، ولا ~~يستدلون بها ، فيوحدون خالقها ، فهم كمن كفر النعمة ولم يشكرها. # الإشارة : جرت عادة الحق تعالى في خلقه أنه لا يأتي الامتكان إلا بعد ~~الامتحان ، ولا يأتي السلوان إلا بعد الأشجان ، ولا يأتي العز إلا بعد الذل ~~، ولا يأتي الوجد إلا بعد الفقد. فبقدر ما يضيق على البشرية تتسع ميادين ~~الروحانية ، وبقدر ما تسجن النفس وتحبس عن هواها ، تتسع الروح في مشاهدة ~~مولاها. # 278 PageV03P383 ~~وقوله تعالى : {ودخل معه السجن فتيان} : إشارة إلى أن امتحانه بالسجن كان ~~لتكميل حقيقته وشريعته ، فمن رأى أنه يحمل الطعام فإشارة إلى حمل لواء ~~الشريعة ، ومن رأى أنه يعصر خمرا فإشارة إلى تحقيق خمرة الحقيقة ، فيكون من ~~أهل مقام الإحسان ، ولذلك قال : {إنا نراك من المحسنين} ، ثم ذكر نتيجة ~~مقام الإحسان هو التوحيد الخاص فقال : {ما كان لنا ان بشرك بالله من ~~شيء}. وذكر أن ذلك ناله من باب الكرم لا من باب العمل ، فقال : {ذلك من فضل ~~الله علينا وعلى الناس}. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 277 # قلت : الإضافة في (صاحبي السجن) : على معنى (في) ؛ كقولك : # يا سارق الليلة أهل الدار PageV03P384 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا صاحبي السجن} أي : ساكنيه ، أو يا صاحبي فيه ؛ ~~{أأرباب متفرقون} : متعددون ، {خير أم الله الواحد} المتوحد في الألوهية ، ~~{القهار} : الغالب على أمره ، لا يقاومه غيره ، {ما تعبدون} أنتم ومن على ~~دينكم من أهل مصر ، {من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} أي : ما ~~تعبدون إلا مسميات أسماء من الحجارة ، والخشب ، سميتموها آلهة من غير حجة ~~تدل على استحقاقها للعبادة. والمعنى : سميتم آلهة ما لا يستحق الألوهية ، ~~ثم عبدتموها. {ما أنزل الله بها} أي : بعبادتها {من سلطان} : من حجة ولا ~~برهان. {إن الحكم} في أمر العبادة {إلا لله} ؛ لأنه المستحق لها دون غيره ، ~~من حيث أنه الواجب لذاته ، الموجد للكل ، هو المالك لأمره ، {أمر} على لسان ~~أنبيائه {ألا تعبدوا إلا إياه} ولا تعبدوا معه سواه {ذلك الدين القيم} ~~القويم الذي لا عوج ms1162 فيه ، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} دلائل توحيده ، ~~فيتخبطون في جهالتهم. قال البيضاوي : وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام ~~الحجة ، بين لهم أولا : رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة ، ~~ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة ، ويعبدونها لا تستحق الألوهية ، ثم دل على ~~ما هو الحق القويم ، والدين المستقيم ، الذي لا يقتضي العقل غيره ، ولا ~~يرتضي العلم دونه. ه. # الإشارة : كل من لم يجمع قلبه على مولاه ، واتبع حظوظه وهواه ، فله أرباب ~~متفرقون بقدر ما يميل إليه قلبه من هذا العرض الفاني. قال ابن عطية : وقد ~~ابتلي بأرباب # 279 # متفرقين من يخدم أبناء الدنيا ، ويؤملهم. ه. وفي الحديث : " خاب من رجى ~~غير الله وضل سعيه ، وطاب وقت من وثق بالله " ولله در القائل : # حرام على من وحد الله ربه # وأفرده أن يجتدي أحدا رفدا # جزء : 3 رقم الصفحة : 279 # فيا صاحبي قف بي على الحق وقفة # موت بها وجدا وأحيا بها وجدا PageV03P385 ~~وخل ملوك الأرض تجهد جهدها # فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى # جزء : 3 رقم الصفحة : 279 # قلت : (منهما) : يتعلق بظن ، والظن يحتمل أن يكون بمعنى اليقين ؛ لأن ~~قوله : (قضي الأمر) يقتضي ذلك ، أو يبقى على بابه. # يقول الحق جل جلاله : قال يوسف : {يا صاحبي السجن} المستفتيان عن الرؤيا ~~، {أما أحدكما} وهو الساقي ، {فيسقي ربه خمرا} كما كان يسقيه قبل ، ويعود ~~إلى ما كان عليه ، {وأما الآخر فيصلب فتأكل الطيرمن رأسه} ، فقالا : كذبنا ~~ما رأينا شيئا ، فقال : {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} ، سبق به القضاء في ~~الأزل ، وهو ما يؤول إليه أمركما ، ولذلك وحده ولم يقل : قضي أمراكما. روي ~~أنه لما دعاهما إلى التوحيد أسلم الساقي وأبى الخباز ، فأخرج بعد ثلاث وصلب. # {وقال للذي ظن أنه ناج منهما} يوسف ، أي : تيقن ، أو غلب على ظنه أنه ناج ~~منهما ، إما عن وحي ، على الأول ، أو باجتهاد بسبب الرؤيا : {اذكرني عند ~~ربك} ؛ عند سيدك ، وهو الملك ، وقل له : غلام سجن ظلما ، لعله يخلصني. قال ~~ابن عطية : يحتمل أن ms1163 يذكره بعلمه ومكانته ، ويحتمل أن يذكره بمظلمته ، وما ~~امتحن به بغير حق. أو يذكره بهما. ه. وقال الورتجبي : يحتمل أن قوله : ~~{اذكرني عند ربك} : عرف له طريقتي مع الله حتى يعرفني أني رسول الله ، ~~ويطيعني في طاعة الله ، وينجو بذلك من عذابه ، ويصل إلى ثوابه ، ويأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر ، وليوحد الله تعالى ، ويتخلص من كيد الشيطان ، ~~وما معه من الإنسان. ه. # {فأنساه الشيطان ذكر ربه} أي : فأنسى الساقي أن يذكر يوسف لربه. أو أنسي ~~يوسف ذكر الله حتى استغاث بغير ، فأدبه ، {فلبث في السجن} ، وفي الحديث عنه ~~صلى الله عليه وسلم : # 280 PageV03P386 ~~" رحم الله أخي يوسف ، لو لم يقل : اذكرني عند ربك ، لما لبث في السجن سبعا ~~بعد الخمس ". روي أن جبريل عليه السلام أتاه بعد المقالة ، فقال له : من ~~أخرجك من الجب ، وخلصك من القتل ، وعصمك من الفاحشة ؟ فقال : الله. فقال : ~~كيف تعتصم بغيره ، وتثق بالمخلوق ، وترفع قصتك إليه ، وتترك ربك ؟ ! قال : ~~يا جبريل ؛ كلمات جرت على لساني ، وأنا تائب لا أعود لمثلها. ه. والاستعانة ~~بالمخلوق ، وإن كانت جائزة شرعا ، لكنها لا تليق بمقام الأقوياء. {فلبث في ~~السجن بضع سنين} البضع : من الثلاث إلى التسع. ؟ روي أن يوسف عليه السلام ~~سجن خمس سنين أولا ، ثم سجن بعد المقالة سبع سنين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 280 # الإشارة : النسيان والغفلة التي لا تثبت في القلب ، والخواطر التي ترد ~~وتذهب من أوصف البشرية التي لا تنافي الخصوصية ، إذ لا انفكاك للعبد عنها. ~~قال تعالى : {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون} [الأعراف : 201] فالطيف لا ينجو منه أحد ؛ لأنه من جملة أوصاف ~~العبودية التي بها تعرف كمالات الربوبية. وقد قال تعالى في حق سيد العارفين ~~: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله} [الأعراف : 200] ؛ فالعصمة ~~التي تجب للأنبياء إنما هي مما يوجب نقصا أن غضا من مرتبتهم. وهذه الأمور ~~إنما توجب كمالا ؛ لأنها بها يتحقق كمال العبودية التي هي شرف العبد. فافهم ~~وسلم ، ولا تنتقد ، فإن هذه الأمور ms1164 لا يفهمها إلا العارفون بالله ، دون ~~غيرهم من أهل العلم الظاهر. PageV03P387 # وقال الورتجبي : إن يوسف عليه السلام لم يعلم وقت إيمان الملك ، ولم يأت ~~وقت دخوله في الإسلام ، فأنساه الشيطان ذكر ربه ، في سابق حكمه ، على تقدير ~~وقت إيمان الملك ، فلبث في السجن إلى وقت إيمان الملك ، فنسيان يوسف : ~~احتجابه عن النظر إلى قدره السابق. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 280 # 281 # قلت : يقال : عبرت الرؤيا بالتخفيف عبارة ، وهو أفصح من عبرت بالتشديد ~~تعبيرا. واللام للبيان ، أو لتقوية العامل ؛ لضعف الفعل بتأخيره عن مفعوله. ~~والأصل : تعبرون الرؤيا. وأصل (ادكر) اذتكر ، فقلبت التاء دالا مهملة ، ~~وأدغمت المعجمة فيها فبقيت دالا. وإليه أشار ابن مالك بقوله : # في ادان وازداد وادكر دالا بقي # و(دأبا) حال ، أي : دائبين ، أو مصدر بإضمار فعله ، أي : تدأبون دأبا. ~~وفيه لغتان : السكون ، والفتح. # يقول الحق جل جلاله : {وقال الملك} ؛ وهو ملك مصر الذي كان العزيز وزيرا ~~له ، واسمه : " ريان بن الوليد ". وقيل : " مصعب بن الريان " ، وكان من ~~الفراعنة روي أن يوسف عليه السلام لما لبث في السجن سبع سنين سجد ، وقال : ~~إلهي ، خلصني من السجن ، فكلما دعا يوسف أمنت الملائكة ، فاتفق في الليلة ~~التي دعا فيها يوسف أن رأى الملك تلك الرؤيا التي ذكرها بقوله : {إني أرى} ~~في المنام {سبع بقرات سمان} خرجن من نهر يابس ، وسبع بقرات عجاف مهازيل ~~خرجن بأثرهن فابتلعت المهازيل السمان ، {وسبع سنبلات خضر} قد انعقد حبها ، ~~{و} سبعا ، {أخر يابسات} قد أدركت ، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن ~~عليها. فلما رأى ذلك انتبه مرعوبا ، وجمع ندماءه ، ودعا المفسرين ، فقال : ~~{يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي} ؛ اعبروها ، {إن كنتم للرؤيا تعبرون} أي : ~~إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 281 PageV03P388 ~~قالوا} : هذه {أضغاث أحلام} ؛ تخاليطها ، جمع ضغث ، وأصله : ما جمع من ~~أخلاط النبات وحزم ، فاستعير للرؤيا الكاذبة. وإنما جمعوا {أحلام} ؛ ~~للمبالغة في وصف الحلم بالكذب. ثم قالوا : {ومن نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين} ، والمعنى : ليس لها تأويل عندنا ؛ لأنها أكاذيب الشيطان ، وإنما ~~التأويل ms1165 للمنامات الصادقة. # {وقال الذي نجا منهما} من صاحبي السجن ، وهو الساقي ، وكان حاضرا ، ~~{وادكر بعد أمة} أي : وتذكر بعد جماعة من السنين ، وهي سبع سنين ، {أنا ~~أنبئكم بتأويله فأرسلون} إلى من عنده علمها ، أو إلى السجن. روي أنه لما ~~سمع مقالة الملك بكى ، فقال الملك : ما لك تبكي ؟ قال : أيها الملك ؛ إن ~~رؤياك هذه لا يعبرها إلا الغلام العبراني الذي في السجن ، فتغير وجه الملك ~~، وقال : إني نسيته ، وما ذكرته منذ سبع سنين ، ما خطر لي ببال. فقال ~~الساقي : وأنا مثلك ، فقال لهم الملك : وما يدريك أنه يعبر الرؤيا ؟ فحدثه ~~بأمره ، وأمر الساقي فقال له : امض إليه وسله ، فقال : إني والله أستحي منه ~~؛ لأنه أوصاني ونسيت ، فقال له : لا تستح منه ؛ لأنه يرى الخير والشر من ~~مولاه فلا يلومك. فأتاه. # 282 # فقال : {يوسف} أي : يا يوسف ، {أيها الصديق} : المبالغ في الصدق. وإنما ~~وصفه بالصديقية لما جرب من أحواله ، وما رأى من مناقبه ، مع ما سمع من ~~تعبير رؤياه ورؤيا صاحبه ، {افتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات} أي : أفتني في رؤيا ذلك واعبرها لي ، {لعلي أرجع ~~إلى الناس} أي : أعود إلى الملك ومن عنده ، أو إلى أهل البلد ؛ إذ قيل : إن ~~السجن كان خارجا البلد. {لعلهم يعلمون} تأويلها. أو يعلمون فضلك ومكانتك. ~~وإنما لم يجزم بعلمهم ؛ لأنه ربما اخترم دونه ، أو لعلهم لا يفهمون ما يقول لهم. PageV03P389 # {قال} في تعبيرها : {تزرعون سبع سنين دأبا} أي : على عادتكم المستمرة من ~~الخصب والرخاء. {فما حصدتم فذروه} : اتركوه {في سنبله} ؛ لئلا تأكله السوس ~~، وهي نصيحة خارجة عن عبارة الرؤيا ، {إلا قليلا مما تأكلون} في تلك السنين ~~، أي : لا تدرسوا منه إلا ما تحتاجون إلى أكله خاصة ، وذلك أن أرض مصر لا ~~يبقى فيها الطعام عامين. فعلمهم حيلة يبقى بها السنين المخصبة إلى السنين ~~المجدبة ، وهو أن يتركوه في سنبله غير مدرس ؛ فإن الحبة إذا بقيت في غشائها ~~حفظت بإذن الله. # {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد} ms1166 أي : ذات شدة وجوع {يأكلن ما قدمتم لهن} ~~أي : يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن. أسند الأكل إلى السنين مجازا ؛ تطبيقا ~~بين المعبر والمعبر به ، {إلا قليلا مما تحصنون} أي : مما تخزنون وتخبئون ~~للزراعة والبذر. {ثم يأتي من بعد ذلك عام يغاث الناس} أي : يغيثهم الله ~~بالفرج من القحط ، أو يغاث بالمطر ، لكن مصر إنما تسقى من النيل. {وفيه} ~~أيضا {يعصرون} العنب والزيتون ؛ لكثرة الثمار. أو يعصرون الضروع لحلب اللبن ~~؛ لأجل الخصب. وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات السمان والسنبلات ~~الخضر بسنين مخصبة. والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، وابتلاع العجاف السمان ~~بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة. ولعله علم ما في السنة ~~الثامنة من الخصب والرخاء بالوحي ، أو بأن انتهاء الجدب لا يكون إلا بالخصب ~~، وبأن سنة الله الجاربة أن يوسع على عباده بعد ما ضيق علهيم ، لقوله : ~~{فإن مع العسر يسرا} [الشرح : 5]. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 281 PageV03P390 ~~الإشارة : الروح في أصل نشأتها علامة داركة ، تكاشف بالأمور قبل وقوعها ، ~~إذا غابت عن إحساسها الذي حجبها عن ذلك العلم ، ولو كانت من كافر إذا غاب ~~عن حسها بنوم ، أو اصطلام ، عقل. فمن طهرها من دنس الشرك بالتوحيد ، وغيبها ~~عن شواغل الحس بالتفرغ والتجريد ، رجعت إلى أصلها ، وفاضت عليها العلوم ~~التي كانت لها قبل التركيب في القالب الحسي ، علما وكشفا. ولا شيء أنفع لها ~~في الرجوع من السهر والجوع. وفي أسرار كثيرة حسية ، ومعنوية ، وبسببه جمع ~~الله شمل يوسف بأبيه # 283 # وإخوته. وبه أيضا ملك الله يوسف ونصره ومكنه في الأرض حتى ملك مصر ~~وأهلها. ولذلك قال نبينا عليه الصلاة والسلام - : " اللهم إعني عليهم أي ~~على قريش بسبع كسبع يوسف " وذكر الغزالي في الإحياء ، في أسرار الجوع ، ~~أربعين خصلة. وفي بعض الأثر : (أن الله تعالى عذب النفس بأنواع من العذاب ، ~~ومع كل عذاب يقول لها : من أنا ؟ فتقول هي : ومن أنا ؟ حتى عذبها بالجوع ، ~~فقالت : أنت ربي سبحانك الواحد القهار). والممدوح منه ؛ هو المتوسط دون ~~إفراط ms1167 ولا تفريط ، كما قال البوصيري. # واخش الدسائس من جوع ومن شبع # فرب مخمصة شر من التخم # وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 281 PageV03P391 ~~يقول الحق جل جلاله : ولما جاء الرسول من عند يوسف بالتعبير ، وسمعه الملك ~~، تعجب منه ، واستعظم علمه وعقله ، وقال : لا ينبغي لمثل هذا أن يسجن ، ~~{ائتوني به فلما جاءه الرسول} ليخرجه ، {قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن} : ما شأنهن حتى قطعن أيديهن ، وهل رأين مني ~~ميلا إليهن. وإنما تأنى في الخروج ، وقدم سؤال النسوة ، والفحص عن حاله ؛ ~~ليظهر براءة ساحته ، وليعلم الملك أنه سجن ظلما ، فلا يقدر الحاسد أن يتوسل ~~به إلى تقبيح أمره. وفيه دليل على أنه ينبغي أن يتقي مواضع التهم ، ويجتهد ~~، في نفيها ، وفي الحديث : " من كان يؤمن بالله واليوم االآخر # 284 # فلا يقفن مواقف التهم ". وفيه دليل على حلمه وصبره ، وعدم اهتباله بضيق ~~السجن ؛ إذ لم يجب الداعي ساعة دعي بعد طول سجنه. ومن هذا المعنى تواضع معه ~~نبينا صلى الله عليه وسلم حيث قال " لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت ~~الداعي " ولم يذكر امرأة العزيز كرما ، ومراعاة للأدب ، ورعيا لذمام زوجها ~~، وسترا لها. بل ذكر النسوة اللاتي قطعن أيديهن. # جزء : 3 رقم الصفحة : 284 PageV03P392 ~~ثم قال : {إن ربي بكيدهن عليم} حين قلن لي : أطع مولاتك. وفي عبارته تعظيم ~~لكيدهن ، والاسشهاد عليه بعلم الله ، وبراءته مما قذف به ، والوعيد لهن على ~~كيدهن. ثم جمع الملك النسوة ، وكن ستا أو سبعا ، مات منهن ثلاث ويوسف في ~~السجن ، وبقي أربع ومعهن امرأة العزيز ، و{قال} لهن : {ما خطبكن} ؛ ما ~~شأنكن {إذ راودتن} أي : حين راودتن {يوسف عن نفسه} ، وأسند المراودة إلى ~~جميعهن ؛ لأن الملك لم يتحقق أن امرأة العزيز هي التي راودته وحدها. {قلن ~~حاش لله} ؛ تنزيها لله أن يعجز عن خلق عفيف مثله ، أو تنزيها ليوسف أن ~~يعصيه ؛ لأجل خوف الله. وهذا تبرئة ليوسف ولهن ، أو لهن فقط. وتكون تبرئة ~~يوسف في قولهن : {ما علمنا عليه من سوء} ms1168 : من ذنب. # {قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق} : أي : تبين ووضح ، أو ثبت واستقر ، ~~{أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} في قوله : {راودتني عن نفسي} فلما ~~رجع إليه الرسول ، وذكر ما قالته النسوة ، وما أقرت به امرأة العزيز ، قال ~~: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} أي : فعلت ذلك التثبت والتأني في الخروج ~~ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته {بالغيب} في حال غيبته ، أو بظهر الغيب ~~وراء الأستار والأبواب المغلقة ، بل تعففت عنها. {وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين} أي : لا ينفذه ولا يسدده. أو لا يهدي الخائنين ليكدهم. وأوقع ~~الفعل على الكيد ؛ مبالغة. وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها زوجها ، ~~وتوكيد لأمانته. روي عن ابن عباس أنه لما قال : {لم أخنه بالغيب} قال جبريل ~~عليه السلام : ولا حين هممت. فقال : {وما أبرئ نفسي} لا أنزهها في عموم ~~الأحوال ، أو لا أزكيها على الدوام. قاله تواضعا وإظهارا للعبودية ؛ ~~وتنبيها على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه ، ولا العجب بحاله ، بل إظهارا ~~لنعمة العصمة والتوفيق. PageV03P393 # ثم قال : {إن النفس لأمارة بالسوء} بحيث إنها مائلة بالطبع إلى الشهوات ، ~~فتهم بها ، وتستعمل القوى والجوارح في نيلها في كل الأوقات ، {إلا ما رحم ~~ربي} : إلا وقت # 285 # رحمة ربي بالعصمة والحفظ ، أو : إلا ما رحم الله من النفوس فيعصمها من ~~ذلك. وقيل : الاستثناء منقطع ، أي : لكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة ، ~~{إن ربي غفور رحيم} ، يغفرما همت به النفوس ، ويرحم من يشاء بالعصمة. أو ~~يغفر للمستغفر ذنبه المعترف على نفسه ، ويرحمه بالتقريب بعد تعرضه للإبعاد. # وقيل : إن قوله تعالى : {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} إلى هنا ، هو من ~~كلام زليخا. والأول أرجح. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 284 # وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} أي : أجعله خاصتي وخلاصتي ، أو ~~أجعله خالصا لنفسي. قال أولا : {ائتوني به} فقط ، فلما تبين له حاله وظهر ~~كماله ، قال : {ائتوني به أستخلصه لنفسي} روي أنه لما أراد ان يخرجه أرسل ~~إليه بخلعة يأني فيها ، وكان بين السجن ms1169 والبلد : أربعة فراسخ ، فقال يوسمف ~~: لا أخرج من السجن حتى لا يبقى فيه أحد ، فأمر الملك بخروج جميع من فيه. ~~فلما خرج من السجن اغتسل وتنظف ، ولبس ثيابا جددا ، فلما دخل على الملك ، ~~قال : اللهم إني أسألك من خيره ، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره. ثم سلم عليه ~~ودعا له بالعبرانية ، فقال : ما هذا اللسان ؟ . فقال : لسان آبائي. وكان ~~الملك يعرف سبعين لسانا ، فكلمه بها ، فأجابه بجميعها ، فتعجب منه ، فقال : ~~أحب أن أسمع رؤياي ، فحكاها ، ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها فأجلسه ~~على السرير ، وفوض إليه أمره. وهذا معنى قوله تعالى : {فلما كلمه قال إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين} أي : فلما أتوا به وكلمه وشاهد منه الرشد والدعاء ، ~~{قال إنك اليوم} عندنا {مكين} أي : في مكانه ومنزلة ، {أمين} : مؤتمن على ~~كل شيء ، ثم فوض إليه أمر المملكة. PageV03P394 # وقيل : توفي قطفير أي : العزيز فنصبه منصبه ، وزوجه من زليخا بعد أن شاخت ~~، وافتقرت ، فدعا الله تعالى فرد عليها جمالها وشبابها ، فوجدها عذراء وولد ~~منها إفراثيم وميشا. ثم قال له الملك : ما ترى نصنع في هذه السنين المخصبة ~~؟ . {قال اجعلني على خزائن الأرض} أي : أرض مصر ألى أمرها. والخزائن : كل ~~ما يخزن فيه طعام ومال وغيرهما. {إني حفيظ} لها ممن لا يستحقها ، {عليم} ~~بوجوه التصرف فيها. قال البيضاوي : ولعله عليه السلام لما رأى أنه يستعمله ~~في أمره لا محالة ، آثر ما تعم فوائده وعوائده ، وفيه دليل على جواز طلب ~~التولية ، وإظهار أنه مستعد لها ، والتولي من يد الكافر ، إذا علم أنه لا ~~سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به. وعن مجاهد : ان الملك ~~أسلم على يديه. ه. قلت : وقد تقدم عن الورتجبي ما يدل عليه. # وقال ابن عطية : وطلب يوسف للعمل إنما هو حسبة منه عليه السلام ؛ لرغبته أن # 286 # يقع العدل ، ونحو هذا هو دخول أبي بكر رضي الله عنه في الخلافة ، مع نهيه ~~المستشير له من الأنصار عن أن يتأمر على اثنين. فجائز للفاضل أن يعمل ويطلب ~~العمل إذا رأى ألا ms1170 عوض منه.ه. وفي " الاكتفاء في أخبار الخلفاء " : أن عمر ~~أراد أبا هريرة على العمل ، فامتنع ، فقال له : أوليس يوسف خيرا منك ، وقد ~~طلب العمل ؟ فقال : يوسف نبي ابن نبي ، وأنا ابن أميمة ، فأنا أخاف ثلاثا ~~واثنين : أن أقول بغير علم ، وأقضي بغير عدل ، وأن يضرب ظهري ، ويشتم عرضي ~~، ويؤخذ مالي. ه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 284 PageV03P395 ~~وكذلك مكنا ليوسف} أي : ومثل ذلك الصنع الجميل الذي صنعنا بيوسف مكناه {في ~~الأرض} ؛ أرض مصر ، {يتبوأ منها حيث يشاء} : ينزل من بلادها حيث يريد هو ، ~~أو ينزل منها حيث نريد ، {نصيب برحمتنا من نشاء} في الدنيا والآخرة ، {ولا ~~نضيع أجر المحسنين} ، بل نوفي أجورهم عاجلا وآجلا. ويوسف أفضلهم في زمانه ، ~~فمكنه الله من أرض مصر ، حتى ملكها بأجمعها ؛ وذلك أنه لما فوض إليه الملك ~~اجتهد في جمع الطعام وتكثير الزراعات ، حتى دخلت السنون المجدبة ، وعم ~~القحط مصر والشام ، ونواحيهما ، وتوجه الناس إليه ، فباعهم في السنة الأولى ~~بالدراهم والدنانير حتى لم يبق لهم منها شيء ، ثم في السنة الثانية بالحلي ~~والحلل ، ثم في السنة الثالثة بأمتعة البيوت ، هم في الرابعة بالدواب ، ثم ~~في الخامسة بالرباع والعقار ، ثم في السادسة بأولادهم ، ثم في السابعة ~~برقابهم حتى استرقهم جيمعا ، ثم عرض الأمر على الملك ، فقال : الرأي رأيك. ~~فأعتقهم ورد إليهم أموالهم. # قال تعالى : {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} الشرك والفواحش ~~، فهو أحق بالرغبة وأولى بالطلبة. وقال ابن جزي في قوله : {نصيب برحمتنا من ~~نشاء} : الرحمة هنا المراد بها الدنيا ، وكذلك الأجر في قوله : {ولا نضيع ~~أجر المحسنين} ؛ بدليل قوله بعد ذلك : {ولأجر الآخرة خير} فأخبر تعالى أن ~~رحمته في الدنيا يصيب بها من يشاء من مؤمن وكافر ، وطائع وعاص ، وأن ~~المحسنين لا بد من أجرهم في الدنيا. فالأول في المشيئة ، والثاني واقع لا ~~محالة. ثم أخبر أن أجر الآخرة خير من ذلك كله {للذين آمنوا وكانوا يتقون} ، ~~وفيه إشارة إلى أن يوسف عليه السلام جمع الله له بين الدنيا والآخرة. ه. PageV03P396 # الإشارة : في الآية ms1171 ثلاث فوائد : الأولى : مدح التأني في الأمور ، ولو كانت ~~جلالية ؛ لأنه يدل على كمال العقل والرزانة ، وطمأنينة القلب. وذم العجلة ؛ ~~لأنها من خفة العقل والطيش ، وعدم الصبر والاحتمال. يؤخذ ذلك من تأني يوسف ~~عليه السلام في السجن بعد طول مدته. وفي الحديث " التأني من الله ، والعجلة ~~من الشيطان ". # 287 # الثانية : عدم تزكية النفس ، ودوام اتهامها ، ولو بلغت من التصفية ما ~~بلغت. وقد تقدم في قوله تعالى : {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ} [الأنعام : ~~70] ، وقال بعض الصوفية : وكيف يصلح لعاقل أن يزكي نفسه والكريم بن الكريم ~~بن الكريم بن الكريم يقول : {إنا النفس لأمارة بالسوء} ، والنفوس ثلاثة : ~~أمارة ، ولوامة ، ومطمئنة. وزاد بعضهم : اللهامة من قوله تعالى : {فألهمها ~~فجورها وتقواها} [الشمس : 8].. # جزء : 3 رقم الصفحة : 284 # الثالثة : تسلية أهل البلاء ، إذا صحبهم الإحسان والتقوى ، وبشارتهم ~~بالعز بعد الذل ، والغنى بعد الفقر ، والنصر والتمكين في الأرض بعد ~~الاستضعاف والهوان ، يؤخذ ذلك من قوله : {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ ~~منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين}. وفي ذلك يقول ~~الشاعر : # وكل عبد أراد الله عزته # فهو العزيز ، وعز الله يغشاه # قد لاح عز له في الأرض منتشر # فهو الحبيب لمن ناداه لباه # يا حسنه ومتى قد طال مطلبه # تاج البرية والرحمن صفاه # جزء : 3 رقم الصفحة : 284 PageV03P397 ~~يقول الحق جل جلاله : {وجاء إخوة يوسف} إلى مصر للميرة ، {فدخلوا عليه ~~فعرفهم وهم له منكرون} ، إنما أنكروه ؛ لبعد العهد ولتغير سنه ، ولأنهم ~~فارقوه في سن الحداثة ، ولتوهمهم أنه هللك ، أو لقلة تأملهم في حاله ؛ لشدة ~~هيبتهم إياه ، أو لأنه كان ملثما. روي أنهم دخلوا عليه في قصر ملكه وهو في ~~هيئة عظيمة من الملك ، والتاج على رأسه ، فقال لهم بعد أن عرفهم : من أنتم ~~، وما أمركم ، وما جاء بك إلى بلادي ، ولعلكم عيون ؟ فقالوا : معاذ الله ، ~~نحن بنو أب واحد ، وهو شيخ صديق ، نبي من الأنبياء ، اسمه يعقوب. قال : كم ~~أنتم. قالوا : كنا اثني عشر ، فذهب أحدنا إلى البرية ، فهلك. ms1172 فقال : فكم ~~أنتم ها هنا ؟ قالوا : عشرة. قال : فأين الحادي عشر ؟ قالوا : عند أبيه ~~يتسلى به عن الهالك ، قال : فمن يشهد لكم ؟ قالوا : لا يعرفنا ها هنا من ~~يشهد لنا. قال : فدعوا عندي بعضكم رهينة ، وائتوني بأخ لكم من أبيكم حتى ~~أصدقكم ، فاقترعوا ؛ فأصابت شمعون. # 288 # وهذا معنى قوله : {ولما جهزهم بجهازهم} أعطاهم ما اشتروا منه الطعام ، ~~وأوقر ركابهم ؛ {قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم} وهو : بنيامين بكسر الباء ~~على وزن إسرائيل ، قاله في القاموس. وقيل : كان يوسف عليه السلام يعطي لكل ~~نفس حملا ، ولا يزيد عليه ، فسألوه حملا زائدا لأخيهم من أبيهم ؛ فأعطاهم ، ~~وشرط عليهم أن يأتوا به ؛ ليعلم صدقهم. ثم قال لهم : {ألا ترون أني أوفي ~~الكيل وأنا خير المنزلين} للأضياف. قال لهم ذلك ؛ ترغيبا في رجوعهم ، وقد ~~كان أحسن ضيافتهم غاية الإحسان. # جزء : 3 رقم الصفحة : 288 PageV03P398 ~~روي أنه عليه السلام نادى صاحب المائدة ، وقال له : لا تنزل هؤلاء بدار ~~الغرباء ، ولا بدار الأضياف ، ولكن أدخلهم داري ، وانصب لهم مائدة كما ~~تنصبها لي ، واحفظهم وأكرمهم. فسأله عنهم ، فلم يجب ، فبسط لهم الفرش ~~والوسائد ، فلما جن الليل أمر أن توضع بين أيديهم الموائد ، والشماع ، ~~والمجامر ، وهم ينظرون من كوة إلى دار الأضياف ، وقد بلغ بهم الجهد ، ~~فكانوا يعطونهم قرصة شعير لكل أحد من الغرباء ، وهم يرون ما بين أيديهم من ~~الإكرام والطعام ، وقد بلغ الحمل من الطعام ألفا ومائتي دينار. فقال بعضهم ~~لبعض : إن هذا الملك أكرمنا بكرامة ما أكرم بها أحدا من الغرباء! فقال ~~شمعون : لعل الملك سمع بذكر آبائنا فأكرمنا لأجلهم. وقال آخر : لعله أكرم ~~فقرنا وفاقتنا. ويوسف عليه السلام ينظر إليهم من كوة ويسمع كلامهم ، ويبكي. ~~ثم قال لولده ميشا : اشدد وسطك بالمنطقة واخدم هؤلاء القوم ، فقال له : من ~~هم با أبت ؟ فقال : هم أعمامك يا بني ، قال : يا أبت هؤلاء الذين باعوك ؟ ~~قال : نعم ، باعوني حتى صرت ملك مصر ، ما تقول يا بني ، أحسنوا أو أساؤوا ؟ ~~قال : بل أحسنوا فما أقول لهم ؟ قال : لا ms1173 تكلمهم ، ولا تفش لهم سرا حتى ~~يأذن الله بذلك ، فبقوا في الضيافة ثلاثا أو أكثر ، ثم جهزهم ، وأرسلهم ، ~~وشرط عليم أن يأتوا بأخيه بنيامين. قال لهم : {فإن لم تأتوني به فلا كيل ~~لكم عندي ولا تقربون}. أي : لا تدخلوا دياري ولا تقربوا ساحتي ، {قالوا ~~سنراود عنه أباه} أي : سنجهد في طلبه منه ، {وإنا لفاعلون} ذلك ، لا نتوانى ~~فيه ، {وقال لفتيته} ؛ لغلمانه الكيالين ، وقرأ الأخوان وحفص : {لفتيانه} ، ~~بجمع الكثرة : {اجعلوابضاعتهم} أي : ثمنهم الذي اشتروا به ، {في رحالهم} ؛ ~~في أوعيتهم. فامر أن يجعل بضاعة كل واحد في رحله ، وكانت نعالا وأدما. ~~وإنما فعل ذلك يوسف تكرما وتفضلا عليهم ، وترفقا أن يأخذ ثمن الطعام منهم ، ~~وخوفا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به إليه. PageV03P399 # {لعلهم يعرفونها} أي : لعلهم يعرفون هذه اليد والكرامة في رد البضاعة إليهم ~~، فيرجعون إلينا. فليس الضمير للبضاعة ؛ لأن ميز البضاعة لا يعبر عنه بلعل ~~، وإنما المعنى : لعلهم يعرفون لها يدا وتكرمة ويرون حقها {إذا انقلبوا إلى ~~أهلهم لعلهم يرجعون} ، أي : # 289 # لعل معرفتهم بهذه الكرامة تدعوهم إلى الرجوع. وقصد بذلك استمالتهم ~~والإحسان إليهم. أو : لعلهم يعرفون البضاعة ، ولا يستحلون متاعنا فيرجعون ~~به إلينا ، وضعف هذا ابن عطية : فقال : وقيل : قصد يوسف برد البضاعة أن ~~يتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع الثمن. وهذا ضعيف من وجوه. ثم ~~قال : ولسرورهم بالضاعة ، وقولهم : {هذه بضاعتنا ردت إلينا} ، يكشف أن يوسف ~~لم يقصد هذا ، وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم كما تقدم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 288 # الإشارة : قوله : {فعرفهم وهم له منكرون} ، كذلك أهل الخصوصية من أهل ~~مقام الإحسان ، يعرفون مقامات أهل الإيمان ومراتبهم ، وأهل مقام الإيمان ~~ينكرونهم ولا يعرفون مقامهم ، كما قال القائل : # تركنا البحور الزجرات وراءنا # فمن أين يدري الناس أين توجهنا # فكلما علا بالولي المقام خفي عن الأنام ، ولا يعرف مراتب الرجال إلا من ~~دخل معهم ، وشرب مشربهم ، وإلا فهو جاهل بهم. وقوله تعالى : {فإن لم تأتوني ~~به فلا كيل لكم عندي} : كذلك الحق جل جلاله ms1174 يقول لعبده : ائتني بقلبك ، ~~فإن لم تأتني به فلا أقبل طاعتك ، ولا تقرب إلى حضرتي. قال النبي صلى الله ~~عليه السلام : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ، وإنما ينظر ~~إلى قلوبكم ونياتكم " أو كما قال عليه الصلاة والسلام . # وقوله تعالى : {سنراود عنه أباه} : كذلك ينبغي للعبد أن يحتال على قلبه ~~حتى يرده إلى ربه ؛ وذلك بقطع العلائق ، والفرار من الشواغل والعوائق ، حتى ~~تشرق عليه أنوار الحقائق. PageV03P400 # وقوله تعالى : {اجعلوا بضاعتهم في رحالهم}... الآية. كذلك ينبغي للواعظ ~~والمذكر أن يبشر الناس ، وينمي بضاعتهم ، وهو : الإيمان والمحبة لله ~~ومعرفته ، ويجعلها في قلوبهم بحسن وعظه ، ونور حاله ، فيكون ممن ينهض الناس ~~حاله ، ويدل على الله مقاله. ولا يقنط الناس ويفلسهم من الإيمان والمحبة ، ~~بل ينبغي أن يجمع بين التبشير والتحذير ، والترغيب والترهيب ، ويغلب جانب ~~الترغيب بذكر إحسان الله وآلائه.. لعلهم يعرفون ذلك إذا انقلبوا إلى ~~أسبابهم ، لعلهم يرجعون إلى الله في غالب أحوالهم. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 288 # قلت : (نكتل) : أصله : نكتيل ، بوزن نفتعل ، من الكيل ، قلبت الياء ألفا ~~؛ لتحرك ما قبلها ، ثم حذفت للساكنين. و(حفظا) : تمييز ، ومن قرأ بالألف ~~فحال ، كقوله : لله دره فارسا. أو تمييز ، وهو أرجح. و(ما نبغي) : ~~استفهامية ، أو نافية. و(نمير أهلنا) : عطف على محذوف ، أي : ردت فنستظهر ~~بها ونمير... الخ. قال في القاموس : مار يمير ؛ بالكسر : جلب الطعام. ه. ~~و(إلا أن يحاط) : استثناء مفرغ من أعم الأحوال ، أي : لتأتنني به على كل ~~حال إلا حال الإحاطة بكم. # يقول الحق جل جلاله : {فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا ~~الكيل} أي : حكم بمنعه بعد هذا ، إن لم نذهب بأخينا بنيامين ، {فأرسل معنا ~~أخانا نكتل} أي : نرفع المانع من الكيل ، ونكتل ما نحتاج إليه. وقرأ ~~الأخوان بالياء : {يكتل} لنفسه ، فنضم اكتياله إلى اكتيالنا ، {وإنا له ~~لحافضون} من أن يناله مكروه. {قال هل آمنكم عليه} أي : ما آمنكم عليه {إلا ~~كما أمنتكم على أخيه من قبل} ، وقد قلتم في يوسف : {وإنا له لحافظون} ، ~~{فالله ms1175 خير حافظا} ؛ فأثق به ، وأفوض أمري أليه ، {وهو أرحم الراحمين} ، ~~فأرجو أن يرحمني بحفظه ، ولا يجمع علي مصيبتين. PageV03P401 # {ولما فتحوا متاعهم} : أوعيتهم ، {وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ~~ما نبغي} أي : ما نطلب ، فهل من مزيد على هذه الكرامة ، أكرمنا وأحسن ~~مثوانا ، وباع منا ، ورد علينا متاعنا ، ولا نطلب وراء ذلك إحسانا. أو : ما ~~نتعدى في القول ، ولا نزيد على ما حكينا لك من إحسانه. أو : ما نبغي على ~~أخينا ، ولا نكذب على الملك. {هذه بضاعتنا ردت إلينا} ، وهو توضيح وبيان ~~لقولهم : {ما نبغي} ، أي : ردت إلينا فنتقوى بها. {ونمير أهلنا} : نسوق لهم ~~الميرة وهو : الطعام حين نرجع إلى الملك ، {ونحفظ أخانا} من المكاره في ~~ذهابنا وإيابنا.. {ونزداد كيل بعير} بزيادة حمل بعير أخينا ، إذ كان يوسف ~~عليه السلام لا يعطي إلا كيل بعير لكل واحد. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 290 # ذلك كيل يسير} أي : ذلك الطعام الذي أتيناه به شيء قليل لا يكفينا حتى ~~نرجع ويزيدنا كيل أخينا ، أو ذلك الحمل الذي يزيدنا لبعير أخينا كيل قليل ~~عنده ، يسهل عليه لا يتعاظمه ، فلا يمنعنا منه. كأنهم استقلوا ما كيل لهم ؛ ~~فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى # 291 # الملك ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم. وقيل : إنه من كلام يعقوب عليه ~~السلام ، والمعنى : أن حمل بعير شيء قليل لا يخاطر لمثله بالولد. # {قال لن أرسله معكم} ؛ لأني رأيت منكم ما رأيت ، {حتى تؤتون موثقا من ~~الله} ؛ حتى تعطوني ما أثق به من عهد الله ، وتحلفوا لي الأيمان الموثقة ~~{لتأتنني به} في كل حال ، {إلا أن يحاط بكم} ؛ إلا أن تغلبوا ، ولا تطيقوا ~~الإتيان به. أو : إلا أن تهلكوا جميعا ويحيط الموت بكم {فلما آتوه موثقهم} ~~؛ عهدهم وحلفوا له ، {قال} أبوهم : {الله على ما نقول} من طلب الموثق ~~وإتيان الولد {وكيل} أي : مطلع رقيب ، لا يغيب عنه شيء. PageV03P402 # ثم وصاهم {وقال} لهم : {يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة}. وكانت في ذلك العهد خمسا : باب الشام ، وباب المغرب ms1176 ، وباب اليمن ~~، وباب الروم ، وباب طيلون. فقال لهم : ليدخل كل أخوين من باب ، خاف عليهم ~~العين ؛ لأنهم أهل جمال وأبهة ، مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة ؛ فإذا ~~دخلوا كبكبة واحدة أصابتهم العين. ولعل لم يوصهم بذلك في المرة الأولى ؛ ~~لأنهم كانوا مجهولين حينئذ ، وللنفس آثار من العين ، وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام : " العين حق تدخل الرجل القبر والجمل القدر ". وكان عليه الصلاة ~~والسلام يتعوذ منها ، بقوله : " اللهم إني أعوذ بك من كل نفس هامة ، وعين ~~لامة " يؤخذ من الآية والحديث : التحصن منها قياما برسم الحكمة. والأمر كله ~~بيد الله. ولذلك قال يعقوب عليه السلام : {وما أغني عنكم من الله من شيء} ~~مما قضي عليكم بما أشرت به عليكم ، والمعنى : أن ذلك لا يدفع من قدر الله ~~شيئا ، فإن الحذر لا يمنع القدر ، {إن الحكم إلا لله} فما حكم به عليكم لا ~~ترده حيلة ، {عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} أي : ما وثقت إلا به ، ~~ولا ينبغي أن يثق أحد إلا به. وإنما كرر حذف الجر ؛ زيادة في الاختصاص ؛ ~~ترغيبا في التوكل على الله والتوثق به. # الإشارة : روي أن إخوة يوسف لما رجعوا عنه صاروا لا ينزلون منزلا إلا ~~أقبل عليهم أهل ذلك المنزل بالكرامات والضيافات ، فقال شمعون : لما قدمنا ~~إلى مصر ما التفت إلينا أحد ، فلما رجعنا صار الناس كلهم يكرموننا ؟ فقال ~~يهوذا : الآن أثر الملك عليكم ، ونور حضرته قد لاح عليكم. ه. قلت : وكذلك ~~من قصد حضرة العارفين لا يرجع إلا محفوفا بالأنوار ، معمورا بالأسرار ، ~~مقصودا بالكرامة والإبرار. # 292 PageV03P403 ~~قوله تعالى : {فأرسل معنا أخانا...} إلخ ؛ قال الأستاذ القشيري : المحبة ~~غيور ؛ لما كان ليعقوب تسل عن يوسف برؤية بنيامين ، أبت المحبة إلا أن تظهر ~~سلطانها بالكمال فغارت على بنيامين أن ينظر إليه يعقوب بعين يوسف. ه. قلت : ~~وكذلك الحق تعالى غيور أن يرى في قلب حبيبه شيئا غيره ، فإذا رأى أزاله عنه ~~، وفرق بينه وبين ذلك الشيء ، حتى لا يحب شيئا سوى محبوبه. هذا مما يجده ~~أهل الأذواق في قلوبهم. # جزء : 3 ms1177 رقم الصفحة : 290 # وقوله تعالى في وصية يعقوب : {لا تدخلوا من باب واحد} ، فيه إشارة إلى أن ~~الدخول على الله لا يكون من باب واحد بحيث يلتزم المريد حالة واحدة وطريقة ~~واحدة ؛ كالعزلة فقط ، أو الخلطة فقط ، أو الصمت على الدوام ، أو ذكر الاسم ~~على الدوام. بل لا بد من التلوين قبل التمكين وبعده ؛ فالعزلة على الدوام : ~~مقام الضعف ، والخلطة من غير عزلة بطالة. بل لا يكون عارفا حتى يعرف الله ، ~~ويكون قلبه معه في العزلة والخلطة ، والصمت والكلام ، والقبض والبسط ، ~~والفقد والوجد ، ويترقى من ذكر الاسم إلى الفكرة والنظرة ، كما هو عند أهل الفن. # وقوله تعالى : {عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} ، فيه تهييج على ~~مقام التوكل ، وحث على الثقة بالله في جميع الأمور. وفي ذلك يقول الشاعر : # توكل على الرحمن في كل حاجة # وثق بالله ، دبر الخلق أجمع # وضع عنك هم الرزق ؛ فالرب ضامن # وكف عن الكونين والخلق أربع # قوله : " والخلق أربع " أراد العالم العلوي والسفلي ، والدنيا والآخرة. ~~وكلها أكوان مخلوقة يجب كف البصر والبصيرة عن الميل إليها ، والوقوف معها. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 290 PageV03P404 ~~قلت : (ما كان) : جواب " لما " ، و(إلا حاجة) : استثناء منقطع. و(جزاؤه) : ~~مبتدأ ، و(من) : شرطية أو موصولة ، وخبرها : (فهو جزاؤه) ، والجملة : خبر ~~جزاء الأول. أو (جزاؤه) : مبتدأ و(من) خبر ، على حذف مضاف ، أي : جزاؤه أخذ ~~من وجد في رحله ، وتم الكلام ، و(فهو جزاؤه) : جملة مستقلة تقريرية لما قبلها. # يقول الحق جل جلاله : {ولما دخلوا من حيث أمرهم ابوهم} أي : من أبواب ~~متفرقة في البلد ، {ما كان يغني عنهم} أي : ما أغنى عنهم رأي يعقوب ~~واتباعهم له {من الله من شيء} مما قضى عليهم ، فاتهموا بالسرقة وظهرت عليهم ~~، فأخذ بنيامين الذي كان الخوف عليه ، وتضاعفت المصيبة على يعقوب ، {إلا ~~حاجة} : لكن حاجة {في نفس يعقوب} يعني : شفقته عليهم ، وتحرزه من أن يعانوا ~~، {قضاها} ؛ أظهرها ووصى بها. {وإنه لذو علم لما علمناه} بالوحي ونصب ~~الدليل. ولذلك قال : {وما أغنى عنكم من الله من شيء} ؛ فلم ms1178 يغتر بتدبيره ، ~~ففيه تنزيه ليعقوب عن الوقوف مع الأسباب والعوائد ، ورفع إيهام وقوفه مع ~~عالم الحكمة. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} سر القدر ؛ وأنه لا ينفع منه الحذر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 293 # قال ابن عطية : قوله : {ما كان يغني عنهم من الله من شيء} ، معناه : ما ~~درأ عنهم قدرا ؛ لأنه لو قضي أن تصيبهم عين لأصابتهم ، مفترقين أو مجتمعين. ~~وإنما طمع يعقوب عليه السلام أن تصادف وصيته القدر في سلامتهم. ثم أثنى ~~الله عز وجل على يعقوب بأنه لقن مما علمه الله من هذا المعنى ، واندرج ~~غيره في ذلك العموم ، وقال : إن أكثر الناس ليس كذلك. ه. PageV03P405 # {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه} أي : ضم إليه بنيامين على الطعام ، أو ~~في المنزل. روي أنه أضافهم ، فأجلسهم اثنين اثنين ، فبقي بنيامين وحيدا ~~فبكى ، وقال : لو كان يوسف حيا لجلس معي ، فأجلسه معه على مائدته ، ثم قال ~~: لينزل كل اثنين بيتا ، وهذا لا ثاني له فيكون معي ، فبات عنده ، وقال له ~~: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك ؟ قال : من يجد إذا مثلك ، ولكن لم ~~يلدك يعقوب ولا راحيل ، {قال إني أنا أخوك} وعرفه بنفسه ، {فلا تبتئس} ولا ~~تحزن {بما كانوا يعملون} في حقنا من الأذى ، أو : لا تحزن بما يعمله فتياني ~~، ولا تبالي بما تراه في تحيلي في أخذك. # {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية} ، التي هي الصواع ، {في رحل أخيه} ، # 294 # وهي إناء يشرب بها الملك ، ويأكل فيها ، وكان من فضة ، وقيل : من ذهب. ~~وقيل : كان صاعا يكال به. وقصد بجعله في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه ~~؛ إذ كان شرع يعقوب أن من سرق استعبده المسروق منه. {ثم أذن مؤذن} بعد أن ~~انصرفوا : {أيتها العير إنكم لسارقون} ، والخطاب لإخوة يوسف ، وإنما استحل ~~رميهم بالسرقة مع علمه بانهم أبرياء ؛ لما في ذلك من المصلحة في المآل ، ~~وبوحي لا محالة ، وإرادة من الله تعالى عنتهم بذلك ، يقويه قوله تعالى : ~~{كذلك كدنا ليوسف} ، ويمكن من أن يكون فيه تورية ، وفيها ms1179 مندوحة عن الكذب ، ~~أي : إنكم لسارقون يوسف من أبيه ، حين باعوه. # {قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون} أي : أي شيء ضاع منكم ؟ والفقد : غيبة ~~الشيء عن الحس. {قالوا نفقد صواع الملك} الذي يكيل به ، أو يشرب فيه ، ~~{ولمن جاء به حمل بعير} من الطعام ، {وأنا به زعيم} كفيل أؤديه إلى من رده. ~~وفيه دليل على جواز الجعل ، وضمان الجعل قبل تمام العمل. قاله البيضاوي. PageV03P406 # {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين} فيما مضى ، ~~استشهدوا بعلمهم بديانتهم على براءه أنفسهم ؛ لما عرفوا منهم من الديانة ~~والأمانة في دخولهم أرضهم ، حتى كانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم ؛ لئلا ~~تنال زرع الناس ، {قالوا فما جزاؤه} أي : السارق ، {إن كنتم كاذبين} في ~~ادعاء البراءة. {وقالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} ؛ يحبس في سرقته ، ~~ويسترق للمسروق منه ، وهذا كان قصد يوسف عليه السلام ، وهي كانت شريعة ~~يعقوب. وكانت أيضا شريعتنا في أول الإسلام ثم نسخ بالقطع. ثم قالوا : {كذلك ~~نجزي الظالمين} بالسرقة. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 293 # فبدأ} المؤذن أو يوسف ؛ لأنهم ردوا إلى مصر ، أي : بدأ في التفتيش ، ~~{بأوعيتهم قبل وعاء أخيه} بنيامين ، تقية للتهمة ، {ثم استخرجها} ؛ أي : ~~السقاية ، أو الصواع ؛ لأنه يذكر ويؤنث ، {من وعاء أخيه} {كذلك} ، أي : مثل ~~ذلك الكيد {كدنا ليوسف} أي : علمناه الحيلة بالوحي في أخذ أخيه ، {ما كان ~~ليأخذ اخاه في دين الملك} ملك مصر ؛ لأن دينه كان الضرب وتغريم ضعف ما أخذ ~~دون الاسترقاق. {إلا أن يشاء الله} أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك. أو : لكن ~~أخذه بمشيئة الله وإرادته. {نرفع درجات من نشاء} بالعلم والعمل ، كما رفعنا ~~درجته ، {وفوق كل ذي علم عليم} أرفع درجة منه. # قال البيضاوي : واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته ؛ إذ لو كان ذا علم ~~لكان فوقه من هو أعلم منه أي : لدخوله تعالى في عموم الآية والجواب : أن ~~المراد كل ذي علم من الخلق ؛ لأن الكلام فيهم ، ولأن العليم هو الله تعالى. ~~ومعناه : الذي ms1180 له العلم البالغ ، ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا : فوق كل ~~العلماء عليم ، وهو مخصوص. ه. # قلت : وقد ورد ثبوت العلم له تعالى في آيات وأحاديث. كقوله تعالى : ~~{أنزله بعلمه} [النساء : 166] # 295 PageV03P407 ~~{أنزل بعلم الله} [هود : 14] ، " وإني على علم من علم الله علمنيه " إلى ~~غير ذلك مما هو صريح في الرد عليهم. الإشارة : يؤخذ من قوله تعالى : {ولما ~~دخلوا من حيث أمرهم أبوهم} : امتثال أمر الأب فيما يأمر وينهى. ولا فرق بين ~~أب البشرية وأب الروحانية وهو الشيخ ، فامتثال أمره واجب على المريد ، ~~ولو كان فيه حتف أنفه ، وأمره مقدم على أمر الأب كما تقدم في سورة النساء. ~~وقد قالوا : أركان التصوف ثلاث : الاجتماع ، والاستماع ، والاتباع. وقوله ~~تعالى : {ما كان يغني عنهم من الله شيء إلا حاجة...} الخ : فيه الجمع بين ~~مراعاة القدرة والحكمة ، فالقدرة تقتضي التفويض ؛ إذ لا فعل لغير الله ، ~~والحكمة تقتضي الحذر ، واستعمال الأسباب ؛ لأن الحكمة رداء للقدرة. فالكمال ~~هو الجمع بينهما ؛ سترا لأسرار الربوبية ، فالباطن ينظر لتصريف القدرة ، ~~والظاهر يستعمل أستار الحكمة. # وقوله تعالى : {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه...} الآية. ~~هذا من فعل أهل التصريف بالله ، المأخوذين عنهم ، لا يدخل تحت قواعد الشرع ~~؛ لأن فاعله مفعول به ، أو ناظر بنور الله إلى غيب مشيئة الله ، كأفعال ~~الخضر عليه السلام. قال الورتجبي : إن الله سبحانه إذا خص نبيا ، أو وليا ~~أإلبسه صفاته بتدريج الحال ؛ ففي كل حالة له يكسوه نورا من صفته ، فمن جملة ~~صفاته : كيد الأزل ومكر الأبد ، فكسى علم كيده قلب يوسف ، حتى كاد برؤية ~~كيد الله الأزلي ، فعرفه فيه اسرار لطف صنائعه ، وعلم حقائق أفعاله وقدرته. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 293 PageV03P408 ~~وقوله : {نرفع درجات من نشاء} : أي بالعلم بالله ؛ كالكشف عن أسرار ذاته ~~وأنوار صفاته ، والتخلق بمعاني أسمائه ، والتحقق بمقامات اليقين ، ومنازل ~~السائرين. وهذه درجات المقربين ، وليس فوقها إلا درجة الأنبياء والمرسلين. ~~أو بالعلم بأحكام الله وشرائعه ؛ كالعلم بأحكام العبادات والعادات ، وسائر ~~المعاملات. وهذه درجات عامة أهل اليمين من العلماء ms1181 الأتقياء والصالحين ، ~~ومنتهى درجاتهم هي ابتداء درجات العارفين المقربين ، ثم الأنبياء ~~والمرسلين. {وفوق كل ذي علم عليم} ، ومنتهى العلم إلى الله العظيم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 293 # 296 # قلت : معنى الشرط والجواب : إن ثبت أن بنيامين يسرق فقد سرق أخ له ، أي : ~~سرقته كسرقة اخيه ، و(مكانا) : تمييز. # يقول الحق جل جلاله : قال إخوة يوسف ، لما ظهرت السرقة عليهم : {إن يسرق} ~~بنيامين {فقد سرق أخ له} أخوه يوسف {من قبل} ، فهذا الأمر إنما صدر من ابني ~~راحيل ، لا منا ، قصدوا بذلك رفع المضرة عن أنفسهم ، ورموا بها يوسف وشقيقه ~~، وهذه السرقة التي رموه بها ؛ قيل : كانت ورثت عمته من أبيها منطقة ، ~~وكانت تخص يوسف وتحبه ، فلما شب ، أراد يعقوب انتزاعه منها ، فشدت المنطقة ~~على وسطه ، ثم اظهرت ضياعها ، ففتش عليها ، فوجدت مشدودة على وسطه ، فصارت ~~أحق به في حكمهم وقيل : كان لجده من أمه صنم من ذهب ، فسرقه وكسره ، وألقاه ~~في الجيف. وقيل : كان في البيت عناق أو دجاجة فأعطاها السائل. PageV03P409 # {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} أي : أخفى هذه الإجابة ، ولم يكذبهم ~~فيها. أو : الحزازة التي وجد في نفسه من قولهم : {فقد سرق أخ له من قبل} ؛ ~~أي : أسر كراهية مقالتهم. أو : المقالة التي يفسرها قوله : {قال أنتم شر ~~مكانا} ؛ أي : قال في نفسه خفية : أنتم شر مكانا ، أي : انتم أقبح منزلة في ~~السرقة بسرقتكم أخاكم ، أو بسوء صنيعكم بما فعلتم معي. {والله أعلم بما ~~تصفون} ، وقد علم سبحاته أن الأمر ليس كما تصفون ، فهو إشارة إلى كذبهم ~~فيما نسبوا إليه من السرقة. # {قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا} في السن ، أو القدر ، ذكروا ~~حاله ؛ استعطافا له ، وكانوا أعلموه بشدة محبة أبيه فيه ، {فخذ أحدنا ~~مكانه} ؛ فإن أباه ثكلان ، أي : حزين على أخيه الهالك ، يستأنس به ، {إنا ~~نراك من المحسنين} إلينا ، فأتمم إحسانك ، أو من المتعودين الإحسان فلا ~~تغير إحسانك. {قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} فإن أخذ ~~غيره ظلم ، فلا آخذ ms1182 أحدا مكانه ؛ {إنا إذا لظالمون} في مذهبكم ؛ لأن الله ~~أمرنا باسترقاق السارق ؛ فاسترقاق غيره ظلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 296 # الإشارة : النفس الأمارة من شأنها الانتصار ، ودفع النقائص عنها والعار. ~~والنفس المطمئنة من شأنها الاكتفاء بعلم الله ، والرضا بما يجري به القضاء ~~من عند الله ، فإذا اختلجها شيء من الانتصار أسرته ، ولم تخرجه إلى حالة ~~الإظهار. # قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : آداب الفقير المتجرد أربعة ~~أشياء : الحرمة للأكابر ، والرحمة للأصاغر ، والانتصاف من نفسه ، وعدم ~~الانتصار لها. ه. فالفقير إذا انتصر لنفسه فقد نقض العهد مع ربه ، فيجب ~~عليه التوبة. وقالوا : [الصوفي دمه هدر ، وعرضه وماله مباح]. يعني : أنه لا ~~ينتصر لنفسه ، فكل من آذاه لا يخاف من جانبه ؛ فكأنه مباح ، مع كونه حراما ~~بالشريعة ، بل هو أشد حرمة من غيره. والله تعالى أعلم. # 297 PageV03P410 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 296 # قلت : (نجيا) : حال ، أي : انفردوا عن الناس مناجين. وإنما أفرده ؛ لأنه ~~مصدر ، أو بزنته. و(من قبل ما) : يحتمل أن تكون مزيدة ومصدرية مرفوعة ~~بالابتداء ، أي : تفريطكم في يوسف واقع من قبل هذا. قاله ابن جزي. وفيه نظر ~~؛ فإن الظرف المقطوع لا يقع خبرا ، أو منصوبة بالعطف على مفعول (تعلموا) ، ~~أي : لم تعلموا أخذ ميثاق أبيكم ، وتفريطكم في يوسف قبل هذا. # يقول الحق جل جلاله : {فلما استيأسوا} ؛ أي يئسوا {منه} من يوسف أن ~~يجيبهم إلى ما دعوه إليه من أخذ أحدهم مكان أخيهم ، {خلصوا} أي : تخلصوا من ~~الناس ، وانفردوا عنهم {نجيا} متناجين ، يناجي بعضهم بعضا : كيف وقع للصاع ~~؟ وكيف يتخلصون من عهد أبيهم ؟ ثم فسر تلك المناجاة : {قال كبيرهم} في السن ~~، وهو رويبيل ، أو في الرأي ، وهو شمعون ، وقيل يهوذا : {ألم تعلموا أن ~~أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله} ؛ عهدا وثيقا ، وحلفتم له لتأتن بابنه ~~إلا أن يحاط بكم ؟ فكيف تصنعون معه ، {ومن قبل} هذا {فرطتم في يوسف} ~~واعتذرتم بالأعذار الكاذبة ؟ {فلن أبرح الأرض} ؛ فلن أفارق أرض مصر {حتى ~~يأذن لي أبي} في الرجوع ، {أو يحكم الله لي} ms1183 : أو يقضي لي بالخروج منها ، ~~أو بتخليص أخي منهم قهرا ، {وهو خير الحاكمين} ؛ لأن حكمه لا يكون إلا بالحق. # روي أنهم كلموا العزيز في إطلاقه ، فقال رويبيل ، وقيل : يهوذا : أيها ~~الملك ، لتتركن أخانا أو لأصيحن صيحة تضع منها الحوامل ، ووقف شعر جسده ، ~~فخرجت من ثيابه ، فقال يوسف لابنه الصغير ، واسمه نائل : قم إلى جنبه ومسه ~~، فمسه ، وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم لا يسكن غضبه إلا إذا مسه أحد من آل ~~يعقوب ، فلما مسه ولد يوسف عليه السلام سكن غضبه ، فقال : من هذا ؟ إن في ~~هذا البلد لبذرا من بذر يعقوب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 PageV03P411 ~~وقيل : إنهم هموا بالقتال ، وقال يهوذا لإخواته : تفرقوا في أسواق مصر ، ~~وأنا أصيح صيحة تشق مراريهم ، فإذا سمعتم صوتي ، فاخربوا يمينا وشمالا ، ~~فلما غضب ، وأراد أن # 298 # يصيح مسه ولد يوسف فسكن ، فلما لم يسمعوا صوته أتوا إليه فوجدوا قد سكن ~~غضبه ، فقال : إن هنا بذرا من آل يعقوب. # ثم قال لهم : {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا أن ابنك سرق} على ما ~~شهدنا من ظاهر الأمر ، {وما شهدنا إلا بما علمنا} بأن رأينا الصاع استخرج ~~من وعائه. {وما كنا للغيب حافظين} أي ما كنا لباطن الأمر حافظين ، فلا ندري ~~أسرق ، أو أحد دسه في وعائه ؟ أو ما كنا حين أعطيناك العهد حافظين للغيب ، ~~عالمين بالقدر المغيب ، وأنك تصاب به كما أصبت بأخيه. {واسأل القرية التي ~~كنا فيها} ؛ وهي القرية التي لحقهم فيها المنادي ، أي : أرسل إليهم عن ~~القصة إن اتهمتنا. " {و} سل أيضا {العير} : أهل العير ، {التي أقبلنا فيها} ~~، والعير : جماعة الإبل. {وإنا لصادقون} فيما أخبرناك به. هذا تمام وصية ~~كبيرهم. فلما رجعوا إلى أبيهم ، وقالوا له ما قال لهم كبيرهم. # {قال} لهم أبوهم : {بل سولت لكم أنفسكم أمرا} أي : زينت لكم أمرا ~~فصنعتموه ، وإلا فمن أين يدري الملك أن السارق يؤخذ في السرقة ، إذ ليست ~~بشريعته ، {فصبر جميل} أي : فأمري صبر جميل ، {عسى الله أن يأتيني بهم ~~جميعا} ؛ بيوسف وبنيامين ، وأخيهما الذي ms1184 بقي بمصر ؛ {إنه هو العليم} بحالي ~~وحالهم ، {الحكيم} في تدبيره. روي أن عزرائيل دخل ذات يوم على يعقوب ~~عليهما السلام فقال له يعقوب : جئت لقبض روحي ، أو لقبض روح أحد من أولادي ~~وأهلي ؟ قال : إنما جئت زائرا ، فقال له : أقسمت عليك بالله إلا ما أخبرتني ~~، هل قبضت روح يوسف ؟ فقال : لا ، بل هو حي سوي ، وهو ملك وله خزائن ، ~~وجنود وعبيد ، وعن قريب يجمع الله شملك به. ه. PageV03P412 # الإشارة : فلما استيأس القلب من الدنيا ، والرجوع إليها ، وقطع يأسه من ~~حظوظها وهواها ، خلصت له المناجاة وصفت له أنوار المشاهدات ، وأنواع ~~المكالمات ، والقلب هو كبير الأعضاء وملكها ، فيقول لها : ألم تعلموا أن ~~الله قد أخذ عليكم موثقا ألا تعصوه ولا تخالفوه ، ومن قبل هذا وهو زمان ~~البطالة ، قد فرطتم في عبادته ، فلن أبرح أرض العبودية حتى يأذن لي في ~~العروج إلى سماء شهود عظمة الربوبية ، أو يحكم لي بالوصال ، وهو خير ~~الحاكمين. فإن وقعت من الجوارح هفوة فيقال لها : ارجعوا إلى أبيكم وهو ~~القلب فقولوا : إن ابنك سرق ، أي : تعدى وأخذ ما ليس له من الهوى فيما ظهر ~~لنا ، وما شهدنا إلا بما علمنا ، فرب معصية في الظاهر طاعة في الباطن ، ~~واسأل البشرية التي كنا فيها والخواطر التي أقبلنا على المعصية فيها ، ~~فيقول القلب : بل زينت لكم أنفسكم أمر الهوى ، فدواؤكم الصبر الجميل ، ~~والتوبة للعظيم الجليل ، عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ، فنصرفهم في طاعة ~~الله ومرضاته. والله تعالى أعلم بأسرار حكم كتابه ، فعلم الإشارة يقبل مثل ~~هذا وأكثر. وإياك والانتقاد ؛ فقد قالوا في باب الإشارة أرق من هذا وأغرب. ~~وبالله التوفيق. # 299 # جزء : 3 رقم الصفحة : 298 # قلت : يا أسفي ، ويا ويلتي ، ويا حسرتي ، مما عوض فيه الألف عن ياء ~~المتكلم. والأسف : أشد الحزن. وقيل : شدة الحسرة. و(كظيم) : إما بمعنى ~~مفعول ، كقوله : (وهو مكظوم) ؛ أي : فهو مملوء غيظا على أولاده ، ممسك له ~~في قلبه ، تقول : كظم السقاء ؛ إذا شد على ملئه. أو بمعنى فاعل ؛ كقوله : ~~{والكاظمين الغيظ} [آل عمران : 134] ؛ من كظم ms1185 البعير جرته ؛ إذا ردها في ~~جوفه. و(تفتأ) : من النواقص اللازم للنفي ، وحذفه هنا لعدم الإلباس ؛ لأنه ~~لو كان مثبتا لأكد باللام والنون. والحرض : المريض المشرف على الهلاك ، وهو ~~في الأصل مصدر ، ولذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. والبث : أشد الحزن. PageV03P413 # يقول الحق جل جلاله : {وتولى} يعقوب عن أولاده ، أي : أعرض {عنهم} لما لم ~~يصدقهم ، كراهة إما صادف منهم ، ورجع إلى تأسفه {وقال يا أسفا} أي : يا شدة ~~حزني {على يوسف}. وإنما تأسف على يوسف دون أخويه لأن محبته كانت أشد ؛ ~~لإفراط محبته فيه ، ولأن مصيبته سبقت عليهما. {وابيضت عيناه} من كثرة ~~البكاء {من الحزن} ، كأن العبرة محقت سوادها ، وقيل : ضعف بصره ، وقيل : ~~عمي. وقد روي أنه : " حزن يعقوب حزن سبعين ثكلى ، وأعطي أجر مائة شهيد ، ~~وما ساء ظنه بالله قط ". # وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع. ولعل أمثال ذلك لا يدخل ~~تحت التكليف ، فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ، وقد بكى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال : " القلب يحزن ، والعين تدمع ، ولا نقول إلا ما يرضي ~~ربنا ، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون ". {فهو كظيم} أي : مملوء غيظا ~~على أولاده ؛ لما فعلوا. أو كاظم غيظه ، ماسك له ، لم يظهر منه شيئا ، ولم ~~يشك لأحد. # {قالوا تالله تفتؤا} : لا تزال {تذكر يوسف} تفجعا عليه ، {حتى تكون حرضا} ~~: مشرفا على الهلاك ، {أو تكون من الهالكين} : من الميتين. {قال إنما أشكو ~~بثي} أي : # 300 # شدة همي {وحزني} الذي لا صبر عليه ، {إلى الله} لا إلى أحد منكم ولا ~~غيركم ؛ فخلوني وشكايتي ، فلست ممن يجزع ويضجر ؛ فيستحق التعنيف ، وإنما ~~أشكو إلى الله ، ولا تعنيف فيه ؛ لأن فيه إظهار الفقر ، والعجر بين يديه ، ~~وهو محمود. {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي : أعلم من لطف الله ورأفته ~~ورحمته ، ما يوجب حسن ظني وقوة رجائي ، وأنه لا يخيب دعائي ، ما لا تعلمون. ~~أو : وأعلم من طريق الوحي من حياة يوسف ما لا تعلمون ؛ لأنه رأى ملك الموت ~~فأخبره بحياته ، كما تقدم. ms1186 وقيل : علم من رؤيا يوسف أنه لا يموت حتى تخر له ~~إخوته سجدا. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 300 PageV03P414 ~~يا بني اذهبوا} إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم ، {فتحسسوا من يوسف وأخيه} ~~أي : تعرفوا من خبرهما ، وتفحصوا عن حالهما. والتحسس : طلب الشيء بالحواس. ~~وإنما لم يذكر الولد الثالث ؛ لأنه بقي هناك اختيارا. وفي ذكر يوسف دليل ~~على أنه كان عالما بحياته. {ولا تيأسوا من روح الله} : لا تقنطوا من فرجه ~~وتنفيسه ، أو من رحمته ، وقرئ بضم الراء ، أي : من رحمته التي يحيي بها ~~العباد ، أي : ولا تيأسوا من حي معه روح الله ؛ فكل من بقي روحه يرجى ، أي ~~: ويوسف عندي ، فمن معه روح الله فلا تيأسوا من رجوعه. {إنه} أي : الشأن ~~{لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} بالله وصفاته ؛ لأن العارف لا ~~يقنط من رحمته في شيء من الأحوال. وإنما جعل اليأس من صفة الكافر ؛ لأن ~~سببه تكذيب بالربوبية ، أو جهل بصفة الله وقدرته ، والجهل بالصفة جهل ~~بالموصوف ، فالإياس من رحمة الله كفر. # وأما الحديث الرجل الذي قال : (إذا مت فاحرقوني ، ثم اذروني في البحر ~~والبر في يوم رائح ، فلئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد من ~~الناس) ، حسبما في الصحيح ، فليس فيه اليأس ولا تعجيز القدرة ، لكن لما ~~غلبه الخوف المفرط لم يتأمل ولم بضبط حاله ؛ إما لحقه من الخوف وغمره من ~~الدهش ، دون عقد ولا إصرار على نفي الرحمة واليأس منها. ويدل على ذلك قوله ~~: (لما قال له الرب تعالى : ما حملك على هذا ؟ قال : مخافتك ، فغفر له). ~~ولم يقل اليأس من رحمتك. انظر المحشي الفاسي. # الإشارة : لم يتأسف يعقوب عليه السلام على فقد صورة يوسف الحسية ، إنما ~~تأسف على فقد ما كان يشاهد فيه من جمال الحق وبهائه ، في تجلي يوسف وحسن ~~طلعته البهية ، وفي ذلك يقول ابن الفارض : # عيني لغير جمالكم لا تنظر # وسواكم في خاطري لا يخطر PageV03P415 ~~فلما فقد ذلك التجلي الجمالي حزن عليه ، وإلا فالأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام أولى بالغنى بالله ms1187 عما سواه. فإذا حصل للقلب الغنى بالله لم يتأسف ~~على شيء ، ولم يحزن على شيء ؛ لأنه حاز كل شيء ، ولم يفته شيء. " ماذا فقد ~~من وجده ، وما الذي وجد من # 301 # فقده ". ولله در القائل : # أنا الفقير إليكم والغني بكم # وليس لي بعدكم حرص على أحد # وهذا أمر محقق ، مذوق عند العارفين ؛ أهل الغنى بالله. وقوله : {إنما ~~أشكو بثي وحزني إلى الله} : فيه رفع الهمة عن الخلق ، والاكتفاء بالملك ~~الحق ، وعدم الشكوى فيما ينزل إلى الخلق... وهو ركن من أركان طريق التصوف ، ~~بل هو عين التصوف. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 300 # قلت : (من يتق ويصبر) : من قرأ بالياء : أجرى الموصول مجرى الشرط ؛ ~~لعمومه وإبهامه ، فعطف على صلته بالجزم ، ومنه قول الشاعر : # كذلك الذي يبغي على الناس ظالما # تصبه على رغم عواقب ما صنع PageV03P416 ~~يقول الحق جل جلاله : {فلما دخلوا عليه} على يوسف حين رجعوا إليه مرة ثالثة ~~، {قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} شدة الجوع {وجئنا} إليك {ببضاعة ~~مزجاة} : رديئة ، أو قليلة ، أو ناقصة ، تدفع وترد من أزجيته ، دفعته. ومنه ~~{يزجي سحابا} [النور : 43] قيل : كانت دراهم زيوفا وقيل : الصنوبر وحبة ~~الخضراء. وقيل : سويق المقل أي : الدوم. وقيل : عروضا. {فأوف لنا الكيل} : ~~أتممه لنا ، {وتصدق علينا} بالمسامحة ، وقبول المزجاة ، أو بالزيادة على ~~ثمننا. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالا على الأنبياء قبل نبينا صلى الله ~~عليه وسلم ، وهو خلاف المشهور. أو برد أخينا ، {إن الله يجزي المتصدقين} ~~أحسن الجزاء. والتصدق : التفضل مطلقا ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في ~~القصر : " هذه صدقة تصدق الله عليكم بها ، فاقبلوا صدقته ". روي أن يعقوب ~~عليه السلام لما أرسلهم أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف # 302 # وأخيه ، أرسل معهم كتابا ونصه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من يعقوب ~~الحزين إلى عزيز مصر ، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا ، يا من أعتز بعز ~~الله ، فالله يعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي ~~، وقطع الحزن أوصالي ، وإني ناه إلى ms1188 الإقراح ، دائم البكاء والصياح ، وإني ~~من نطفة آباء كرام ، فكيف يتولد اللصوص مني وأنا من الخصوص! وقد أخبرت أنك ~~وضعت الصاع بالليل في رحل ولدي الأصغر ، وإني حزين عليه كما كنت حزينا على ~~أخيه الفقيد ، حزنا دائما سرمدا شديدا. وإن كنت أفجعتني في الآخرة ؛ فإن ~~قلبي لا محالة طائر. ثم ختمه بالسلام. # جزء : 3 رقم الصفحة : 302 PageV03P417 ~~فلما دفعوه ليوسف قرأه. وبكى بكاء شديدا ، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه ~~وبكى أيضا. ثم نزل عن سريره ، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا يكتبوه لمالك ~~بن ذعر لما باعوه بخطوط شهادتهم ، كان أخذه من مالك حين باعه. فلما قرأوه ~~تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم ، وبهتوا ، فقال لهم : {هل علمتم ما فعلتم ~~بيوسف وأخيه} ؛ من إيذاء يوسف ، وتفريقه من أبيه ، ومضرة أخيه من بعده ، ~~فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه ، أي : هل علمتم قبحة فتبتم منه ؟ قاله نصحا ~~وتحريضا لهم على التوبة. {إذ أنتم جاهلون} أي : فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين ~~قبح ذلك. وإنما سماهم جاهلين ؛ لأن فعلهم حينئذ فعل الجهال ، أو لأنهم ~~حينئذ كانوا صبيانا طياشين ، فعرفوه حينئذ على ظن ، فقالوا : {أئنك لأنت ~~يوسف} ؟ بالاستفهام التقريري. وقرأ ابن كثير على الإيجاب. قيل : عرفوه ~~بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم. وقيل : تبسم فعرفوه بثناياه. وقيل : ~~رفع التاج عن رأسه فعرفوه بشامة كانت في رأسه بيضاء ، وكانت لسارة يعقوب مثلها. # {قال} لهم : {أنا يوسف وهذا أخي} من أبي وأمي. ذكره تعريفا لنفسه به ، ~~وتفخيما لشأنه ، وإدخالا له في المنة بقوله : {قد من الله علينا} بالسلامة ~~والكرامة والعز. {إنه من يتق} الله {ويصبر} على بلواه ، وعلى طاعته وتقواه ~~{فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ، وضع المحسنين موضع المضمر ؛ تنبيها على ~~أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى. فمن اتقى الله وصبر فهو محسن... PageV03P418 # {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا} بحسن الصورة وكمال السيرة ، أو فضلك ~~علينا رغما على أنفنا ، {وإن كنا لخاطئين} أي : والحال أن شأننا أنا كنا ~~مذنبين فيما فعلنا معك. {قال لا تثريب} : لا عتاب {عليكم اليوم} ms1189 أي : لا ~~عقوبة عليكم في هذا اليوم. ثم دعا لهم فقال : {يغفر الله لكم} ، فيوقف على ~~اليوم. وقيل : يتعلق بيغفر ، فيوقف على ما قبله ، وهو بعيد ؛ لأنه تحكم على ~~الله ، وإنما يصلح أن يكون دعاء ، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء ، فكأنه ~~أسقط حق نفسه بقوله : {لا تثريب عليكم اليوم} ، ثم دعا الله أن يغفر لهم ~~الله حقه. قاله ابن جزي ، وصدر به البيضاوي. وبه تعلم ضعف وقف الهبطي. # 303 # ثم قال في تمام دعائه : {وهو أرحم الراحمين} ؛ فإنه يغفر الصغائر ~~والكبائر ، ويتفضل على التائب. # قال البيضاوي : ومن كرم يوسف عليه السلام أنهم لما عرفوه أرسلوا له ، ~~وقالوا : إنك تدعوننا بالبكرة والعشي إلى الطعام ، ونحن نستحي منك لما فرط ~~منا فيك ، فقال لهم : إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى ، ويقولون ~~: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ، ولقد شرفت بكم ، وعظمت في ~~أعينهم حيث إنكم إخوتي ، وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 302 PageV03P419 ~~الإشارة : من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار ، فليدخل من باب الذل ~~والانكسار. وفي الحكم : " ما طلب لك شيء مثل الاضطرار ، ولا أسرع بالمواهب ~~مثل الذلة والافتقار ". فإذا قرعت الباب ، ورمت الدخول مع الأحباب ، فقل ~~بلسان التضرع والانكسار : يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر ، وهو البعد ~~والغفلة ، وجئنا ببضاعة مزجاة ؛ عمل مدخول ، وقلب معلول ، فأوف لنا ما ~~أملناه من الجزاء المأمول ، وتفضل علينا بالقبول والوصول ، وقل : اليوم ~~نغفر لكم ونغطي مساوءكم ، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان ، لا بما منكم ~~إلينا الطاعة والإذعان. هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم ، واستقلوا ~~بضاعتهم ، وأحضروا شكايتهم ، سمح لهم وقربهم ، وكشف لهم عن وجهه الجميل ، ~~ومنحهم العطاء الجزيل ، فما ظنك بالرب العظيم الجليل ، الذي هو أرحم ~~الراحمين ، ومحل أمل القاصدين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 302 # قلت : جواب (لولا) : محذوف ، أي : لولا أن تفندون لقلت إنه قريب ، أو ~~لصدقتموني. # يقول الحق جل جلاله : قال يوسف لإخوته لما عرفوه ، وأزال ما بينه وبينهم ~~من ms1190 الوحشة ، وقد أخذ قميصه : {اذهبوا بقميصي هذا} ، روي أن هذا القميص كان ~~لإبراهيم # 304 # الذي لبسه حين كان في النار ، وقيل : ألبسه له جبريل حين خرج من النار ، ~~وكان من ثياب الجنة ، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب ، ثم كان دفعه ليوسف ، فكان ~~عنده في حفاظ من قصب ، وكان في عنقه في الجب ، وأمره جبريل بإرساله ، وقال ~~: إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل واحد. وبهذا تتبين الغرابة في ~~أن وجد يعقوب ريحة من بعد ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة ، ~~ويجده كل أحد. ه. # قلت : وما قاله لا ينهض ؛ لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى ~~على حاله دائما ؛ لأنه من أسرار الغيب ، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل ~~القرب ، كنور الحجر الأسود ، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم. PageV03P420 # ثم قال لهم اذهبوا به : {فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا} أي : يرجع بصيرا ، ~~علم ذلك بوحي ، أو تجربة من القميص ، {وأتوني بأهلكم أجمعين} ؛ نسائكم ~~وذراريكم وأموالكم. # {ولما فصلت العير} من مصر ، وخرجت من عمارتها ، {قال أبوهم} لمن حضره : ~~{إني لأجد ريح يوسف} ؛ أوجده الله ، ريح ما عبق من قميصه حين أقبل إليه به ~~يهوذا من ثمانين فرسخا ؛ لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس ، ويوسف بمصر ، ~~{لولا أن تفندون} ؛ تنسبوني إلى الفند ، وهو : نقصان عقل يحدث من هرم. ~~ولذلك لا يقال عجوز مفندة ؛ لأن نقصان عقلها ذاتي. أي : لولا أن تحمقوني ~~لقلت إنه قريب ، أو لصدقتموني في ذلك ، أو لولا أن تلوموني ، وتردوا علي ~~قولي لقلت إنه ريح يوسف. {قالوا} أي : الحاضرون : {تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم} أي : إنك لفي خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف ، وإكثار ذكره ، ~~وتوقع لقائه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 304 # فلما أن جاء البشير} أي : المبشر ، وهو يهوذا. روي أنه قال : كنت أحزنته ~~بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه ، اليوم أفرحه بحمل هذا إليه. وفي رواية عنه ~~قال : إني ذهبت إليه بقميص الترحة ms1191 ، فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. فلما ~~وصل إليه {ألقاه على وجهه} ؛ طرح البشير القميص على وجه يعقوب ، أو : القاه ~~يعقوب بنفسه على وجهه ، {فارتد بصيرا} بقدرة الله وبركة القميص. {قال ألم ~~أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعملون} من حياة يوسف ، وإنزال الفرج. PageV03P421 # {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين} ، وقد اعترفنا بذنوبنا ~~، وسألنا المغفرة. {قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم} ، أخره ~~إلى السحر ، أو إلى صلاة الليل ، أو إلى ليلة الجمعة ، تحريا لوقت الإجابة ~~، أو إلى أن يتحلل لهم من يوسف ، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة ، ويؤيده ~~ما روي أنه لما اجتمع به ، وتحلل منه ، استقبل يعقوب القبلة قائما يدعو ، ~~ويوسف خلفه يؤمن ، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين ، # 305 # حتى نزل جبريل وقال : إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك ، وعقد مواثيقهم ~~بعدك على النبوة. وهو إن صح ، دليل نبوتهم ، وأن ما صدر منهم كان قبل ~~نبوتهم ، قاله البيضاوي. # الإشارة : اعلم أن الحق جل جلاله جعل للبشرية عينين حسيين : تبصر بهما ~~الحسيات ، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول : يسمى البصر ~~، والثاني : البصيرة : فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة ، والأخرى تبصر ~~أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمة الكفر ، فتغطيهما معا ، وهو : عمى ~~البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي ، واتباع الحظوظ والهوى ، فتعمى عين ~~الحقيقة ، وجلباب العصمة على عين الشريعة ، فيرجع القلب بصيرا. ولا بد من ~~صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص ، ويقول : اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على ~~وجه بصيرتكم ، تأتي بصيرة عارفة ، فإذا قرب منها هذا القميص هب عليها نسيم ~~الوصال ، وهاج عليها الوجد والحال. وأنشدت بلسان المقال : # سويداء قلبي أصبحت حرما لكم # تطوف بها الأسرار من عالم اللطف # وسائل ما بين المحبين أصبحت # تجل عن التعريف والرسم والعرف # رسائل جاءتنا برؤيا جنابكم # عوارف عرف فاق كل شذا عرف # جزء : 3 رقم الصفحة : 304 PageV03P422 ~~يقول الحق جل جلاله : {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه}. قبل هذا ~~الكلام محذوفات ، وهي : فرحل يعقوب ms1192 بأهله حتى بلغوا إليه ، ولما دخلوا على ~~يوسف... الخ. # روي أن يوسف عليه السلام وجه إليه رواحل وأموالا ليتجهز إليه بمن معه ، ~~وأرسل إليه مائة وثمانين كسوة من رفيع الثياب والعمائم لإخواته ، وقميصان ~~مذهبان للإناث ، فلما وصلت إلى يعقوب لبس ، وألبس أولاده. وركبوا المراكب ، ~~وخرجوا من أرض كنعان يريدون مصر ، فلما قربوا ، أمر يوسف عليه السلام ~~العساكر أن تخرج معه للقائهم ، فأول # 306 # من لقيهم ثلاثون ألف فارس ، كلهم يسجدون بين يدي يعقوب ، وهو يتعجب من ~~عظم تلك الأجناد ، ويضحك من نصر الله تعالى ، وعزه لا بنه. ثم لقيهم البغال ~~، والجواري لنساء إخوته وأولادهم. ثم لقيهم أربعون ألف شيخ من الوزراء ~~والكبراء. ثم استقبلهم يوسف عليه السلام مترجلا ماشيا على قدميه ، متواضعا ~~لأبيه ، في مائة ألف ، كلهم على أرجلهم ، معهم الملك " ريان " ثم سلم يوسف ~~عليه السلام والملك على أبيه ، ثم اقبلا يبكيان ، وبكى إخوته وضج الناس ~~بالبكاء ، ثم ضم إليه أبويه ، وقيل : أباه وخالته ، {وقال ادخلوا ان شاء ~~الله آمنين} ، ثم حمل يعقوب عليه السلام في هودج من الذهب ، ويوسف عليه ~~السلام ، وإخوته يمشون بين يديه مترجلين حتى دخلوا مصر ، ثم أتوا إلى قصر ~~مملكته. PageV03P423 # قال ابن عباس : فجلس يوسف عليه السلام على سريره ، وأبوه عن يمينه ، وخالته ~~عن شماله ، وإخوته بين يديه ، فخروا له سجدا ؛ لأنها كانت في ذلك الزمان ~~يعني تحيتهم على الملوك روي أنهم قالوا في سجودهم : سبحان مولف الشتات بعد ~~الإياس ، سبحان كاشف الضر بعد البأس. فقال يوسف لأبيه : {يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل...} الخ هكذا ذكر القصة صاحب الزهرالأنيق في قصة يوسف ~~الصديق. وهذا معنى قوله : {فلما دخلوا على يوسف} بلده ومملكته {آوى إليه ~~أبويه} ؛ أي : اعتقهما ، وسلم عليهما ، وضمهما إليه. قيل : الأبوين حقيقة. ~~وقيل : أباه وخالته ، ونزل الخالة منزلة الأم تنزيل العم منزلة الأب في ~~قوله : {نعبد إلاهك وإلاه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} [البقرة : 133]. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 306 # وقال ادخلوها مصر إن شاء الله آمنين} من القحط وأصناف المكاره. والمشيئة ms1193 ~~متعلقة بالدخول المكيف بتلك الهيئة لا بالأمن. وقال ابن جزي : راجعة إلى ~~الأمن. قال البيضاوي : وكان أولاد يعقوب الذين دخلوا مصر اثنين وسبعين رجلا ~~، وامرأة ، وكانوا حين خرجوا مع موسى ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وتسعين ~~رجلا سوى الذرية والهرمى. ه. # {ورفع أبويه على العرش} ، أي : حين دخلوا قصر مملكته ، {وخروا له سجدا} ؛ ~~تحية وتكرمة ؛ فإن السجود كان عندهم يجري مجرى التحية. وقيل : معناه : خروا ~~لأجله سجدا لله ؛ شكرا. وقول البيضاوي : الرفع مؤخر عن الخرور ، فيه نظر ؛ ~~لما تقدم عن صاحب الزهر الأنيق ، ولا داعي إلى الخروج عن الظاهر إلا بنص صريح. # قال ابن عطية : واختلف في هذا السجود ؛ فقيل : كان المعهود عندنا من وضع ~~الوجه بالأرض ، وقيل : بل دون ذلك ؛ كالركوع البالغ ونحوه ، مما كان سيرة ~~تحيتهم للملوك في ذلك الزمان. وأجمع المفسرون أن ذلك السجود ، كيفما كان ، ~~إنما كان تحية لا عبادة. # 307 PageV03P424 ~~قال قتادة : هذه كانت تحية الملوك عندهم ، وأعطى الله هذه الأمة السلام ~~تحية أهل الجنة. ثم قال : قال أبو عمرو الشيباني : تقدم يوسف يعقوب عليه ~~السلام في المشي في بعض تلك المواطن ، فهبط جبريل فقال : أتتقدم أباك ؟ إن ~~عقوبتك لذلك ألا يخرج من نسلك نبي. ه. قال المحشي الفاسي : وما أظن لهذا ~~صحة ، وقد كان في ذريته " يوشع بن نون " عليه السلام ، ويوسف المذكور في ~~سورة الطول على قول. وفي البيضاوي : وكان عمر يوسف مائة عشرين سنة ، وقد ~~ولد له من راعيل : إفراثيم وميشا ، وهو جد يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب. ~~ه. قلت : المذكورفي قصة أيوب أن زوجه رحمة إنما كانت ابنة إفراثيم بن يوشع ~~لابنته. # ثم قال : {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} ؛ التي رأيتها أيام الصبا ، ~~وهي : رؤيا أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون لي ، {قد جعلها ربي حقا} : ~~صدقا. وكان بين رؤياه وبين صدق تأويلها ثمانون عاما ، وقيل : أربعون ، وهو ~~الأصح. {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} ، ولم يذكر الجب ؛ لئلا يخجل ~~إخوته ولأنه خرج من الجب إلى الرق ، ومن ms1194 السجن إلى الملك ، فالنعمة هنا ~~أوضح. {وجاء بكم من البدو} : من البادية ؛ لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل ~~البدو ، فعد عليهم من النعم انتقالهم للحاضرة ؛ لأنها محل الراحة. {من بعد ~~أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} : أفسد بيننا وحرش ، من نزغ الدابة إذا ~~نخسها. {إن ربي لطيف لما يشاء} أي : لطيف التدبير لما يشاء من الأمور ؛ إذ ~~ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ، ويتسهل دونها ، {إنه هو العليم} بوجوه ~~المصالح والتدابير ، {الحكيم} الذي يفعل كل شيء في وقته ، على وجه تقتضيه ~~الحكمة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 306 PageV03P425 ~~روي أن يوسف عليه السلام طاف بأبيه عليهما السلام في خزائنه ، فلما أدخله ~~خزانة القرطاس ، قال : يا بني ، ما أغفلك ، عندك هذه القراطيس وما كتبت لي ~~على ثماني مراحل ، قال : أمرني جبريل ، قال : أو ما تسأله ؟ قال : أنت أبسط ~~مني ، سله ، فقال جبريل : أمرني ربي بذلك ؛ لقولك(إني أخاف أن يأكله الذئب) ~~، فهلا خفتني. ه. قاله البيضاوي : وزاد في القوت : لم خفت عليه الذئب ولم ~~ترجني ؟ ولم نظرت إلى غفلة إخوته ، ولم تنظر إلى حفظي له ؟ فهذا على معنى ~~قول يوسف عليه السلام للساقي : (اذكرني عند ربك) ، فهذا مما يعتب على ~~الخصوص من خفي سكونهم ، ولمح نظرهم إلى ما سوى الله عز وجل. ه. # الإشارة : ما أحلى الوصال ، بعد الفراق ، وما ألذ شهود الحبيب على ~~الاشتياق ، فبقدر طول البين يعظم قدر الوصال ، وبقدر حمل مشاق الطلب يظفر ~~بالمأمول. فجد أيها العبد في طلب مولاك ، وغب في سيرك إليه عن حظوظك وهواك ~~، تظفر بالوصل الدائم في عزك وعلاك ، وتتصل بكل ما كنت تأمله من مطالبك ~~ومناك. وأنشدوا : # 308 # وإن امرؤ أمسى بقربك نازلا # فأهلا به ، حاز الفضائل كلها # وألبسته حلي المحاسن فاكتسى # حلل الرضا فازداد قربا ما انتهى # وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 306 # قلت : (فاطر) : نعت المنادي ، أو منادى بنفسه. # يقول الحق جل جلاله : حاكيا عن يوسف عليه السلام : {رب قد آتيتني من ~~الملك} أي : من بعض الملك ، وهو ملك مصر ، {وعلمتني من ms1195 تأويل الأحاديث} ؛ ~~الكتب المتقدمة ، أو تأويل الرؤيا. و" من " : للتبعيض فيهما ؛ إذ لم يعط ~~ملك الدنيا كلها ، ولا أحاط بالعلم كله. {فاطر السماوات والأرض} : مبدعهما ~~ومنشئهما ، {أنت وليي في الدنيا والآخرة} : أنت ناصري ومتولي أمري في ~~الدارين ، {توفني مسلما} : اقبضني ملسما ؛ {وألحقني بالصالحين} من آبائي ، ~~أو جماعة الصالحين في الرتبة والكرامة ، أو بالصالحين لحضرة قدسك. PageV03P426 # روي أن يعقوب عليه السلام أقام معه أربعا وعشرين سنة ، ثم توفي ، فنقله ~~يوسف عليه السلام إلى الشام ليدفن مع أبويه. هكذا ذكر بعض المفسرين. وقال ~~في الزهر الأنيق : بقي يعقوب عليه السلام بمصر أربعين سنة في أطيب وقت ، ~~وأكمل عافية ، ثم أوحى الله إلى جبريل : أن انزل إلى يعقوب ، وقال له : ~~يرحل إلى الأرض المقدسة ، عند قبور آبائه ، يجاورهم حتى ألحقه بهم. فنادى ~~يعقوب عليه السلام يوسف وأولاده ، وقال لهم : قد أمرني ربي بمجاورة أبي ؛ ~~ليقبض روحي هناك ، ثم ودعهم وخرج إلى الأرض المقدسة فزار قبور آبائه فبكى ، ~~فرأى في المنام إبراهيم على كرسي ، وإسماعيل عن يمينه ، وإسحاق عن يساره ، ~~وهم يقولون : ألحق بنا يا يعقوب ، فانتبه ، ثم قالم فوجد قبرا محفورا تخرج ~~منه رائحة المسك ، فقال : لمن هذا ؟ قال له ملك عنده : هو لمن يتمنى سكناه ~~، فقال : أنا ، فقبض روحه ملك الموت ، ثم نزل جبريل وميكائيل عليهما ~~السلام وكفناه وصليا عليه ، ودفناه. # قال كعب الأحبار : توفي يعقوب وهو ابن مائتي سنة ، ولما وصل نعيه يوسف ~~بكى ، وبكى معه إخوته. ه. قلت : ظاهره أنهم لم يحضروا موته. وهو خلاف قوله ~~تعالى : {أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه} [البقرة : 133] ، ~~إلا أن يؤول بمعنى : # 309 # قرب ، فتكون وصيته وقعت حين أراد الرجوع إلى الشام ، وهو خلاف الظاهر. PageV03P427 # ثم أن يوسف تاقت نفسه إلى الملك المخلد ، فتمنى الموت ، فقال : {رب قد ~~آتيتني من الملك....} الخ. روي أنه عاش بعد قوله هذا مدة ، ثم ماتت زليخا ، ~~ولم يتزوج بعدها ، وعاش بعدها أربعين يوما ، ثم اشتاق إلى اللقاء واللحوق ~~بآبائه ، فتوفاه الله طيبا طاهرا ، فتخاصم ms1196 أهل مصر في مدفنه ، حتى هموا ~~بالقتال ، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر أي : رخام فيدفعوه في النيل ~~بحيث يمر عليه الماء ، ثم يصل إلى مصر ؛ ليكونوا شرعا فيه. وفي رواية : ~~أنهم دفنوه في ضفة النيل ؛ فخصبت وجدبت الأولى ، فجعلوه في صندوق ، ودفنوه ~~في النيل ؛ فاخضرت الجهتان ، ثم نقله موسى عليه السلام إلى مدفن آبائه. ~~وكان عمره : مائة وعشرين سنة ، وقد تقدم ذكر أولاده الثلاثة : إفراثيم ، ~~وميشا ، ورحمة امرأة أيوب ، وتقدم البحث فيها ، وذكر في الزهر الأنيق أنه ~~ولد له من زليخا عشرة أولاد ، فانظره. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 309 # الإشارة : إذا كان العبد في زيادة من الأعمال ، وفي الترقي إلى مقامات ~~الكمال ، فلا بأس أن يتمنى البقاء في هذه الدار ؛ لزيادة الزاد إلى دار ~~القرار ، وإذا كان في نقصان من الأعمال ، أو خاف النقصان بعد الكمال ، فلا ~~بأس بطلب الرحيل والانتقال ؛ كما طلبه الصديق عليه السلام بعد الملك التام. ~~وكما فعل عمر رضي الله عنه حين انتشرت رعيته ، وخاف التقصير في سيرته. وقد ~~تقدم في سورة البقرة تفصيل ذلك ، ولقد أحسن الشاعر في التحذير ، من ~~الاغترار بزخرف هذه الدار ، فقال : # هو الحمام فلا تبعد زيارته # ولا تقل : ليتني منه على حذر # يا ويح من غره دهر فسر به # لم يخلص الصفو إلا شيب بالكدر # انظر لمن باد تنظر آية عجبا # وعبرة لأولي الأبصار والبصر # بادوا فعادوا حديثا ، إن ذا عجب # ما أوضح الرشد لولا غفلة النظر PageV03P428 ~~تنافس الناس في الدنيا وقد علموا # أن الزمان إذا فكرت ذو غير # واعمل لأخراك لا تبخل بمكرمة # ومهد العذر ؛ ليس العين كالأثر # جزء : 3 رقم الصفحة : 309 # قلت : (ذلك) : مبتدأ ، و(من أنباء الغيب) : خبر. و(نوحيه) : حال. # يقول الحق جل جلاله : ذلك أي : خبر يوسف وقصته ، هو {من أنباء} أخبار ~~{الغيب} التي لم يكن لك بها علم ، وإنما علمته بالوحي الذي {نوحيه إليك} ~~فأخبرتهم به. {وما كنت لديهم} أي : وما حضرت عندهم ، {إذ أجمعوا أمرهم} : ~~حين عزموا أمرهم على أن ms1197 يجعلوه في غيابة الجب ، {وهم يمكرون} به ، وبأبيه ؛ ~~ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدا من ~~الأحبار فتعلمت ذلك منه ، فتحققوا أنه وحي من عند الله ، ولكن جحدوا ؛ {وما ~~أكثر الناس ولو حرصت} على إيمانهم ، وبالغت في إظهار الآيات لهم ، ~~{بمؤمنين} ؛ لعنادهم وتصميمهم على الكفر ، {وما تسألهم عليه} على تبليغ هذا ~~النبأ ، أو القرآن ، {من أجر} ؛ كما يفعله حملة الأخبار من الأحبار. {إن هو ~~إلا ذكر} : عظة من الله ، {للعالمين} من الجن والإنس. PageV03P429 # {وكأين} : كثيرا {من آية في السماوات والأرض} الدالة على وجود صانعها ~~وتوحيده ، وكمال قدرته وتمام حكمته ، {يمرون عليها} ويشاهدونها ، {وهم عنها ~~معرضون} : لا يتفكرون فيها ، ولا يعتبرون. {وما يؤمن أكثرهم بالله} أي : ~~وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم ، بوجوده ، وخالقيته للأشياء ، وأنه ~~الرزاق المميت. {إلا وهم مشركون} بعبادة الأصنام ، أو باتخاذ الأحبار ~~والرهبان أربابا ، أو بنسبة التبني إليه ، أو الوقوف مع الأسباب ، أو غير ~~ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أربابا ، أو بنسبة التبني إليه ، أو ~~بالوقوف مع الأسباب ، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل : نزلت ~~في مشركي مكة ، وكانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا ~~تملكه وما ملك : وقيل : في أهل الكتاب. {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية} : عقوبة ~~تغشاهم وتشملهم ، {من عذاب الله} المرسل على الأمم المتقدمة ، {أو تأتيهم ~~الساعة بغته} : فجأة ، {وهم لا يشعرون} بإتيانها ، غير مستعدين لها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 310 # الإشارة : قوله تعالى : {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} : مثله يقال ~~لأهل الوعظ والتذكير ، الداعين إلى مقام الخصوصية ، وما أكثر الناس ولو ~~حرصت على هدايتهم ، بمهتدين إلى مقام الخصوصية ؛ لأن أهل الخصوصية أفراد ~~قليلون في كل زمان ؛ قال تعالى : {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ : 13]. ~~وتقدم في سورة هود ما يتعلق بقوله : {وما تسألهم عليه من أجر}. # 311 PageV03P430 ~~وقوله تعالى : {وكأين من آية...} الخ ، فيه ذم الغفلة ، والإعراض عن التفكر ~~والاعتبار ؛ فإن الحق جل جلاله ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف ms1198 بها ، ~~وتظهر فيها أسرار ذاته ، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن : فما نصبت ~~الكائنات لتراها ، ولكن لترى فيها مولاها ؛ فمراد الحق منك أن تراها بعين ~~من لا يراها ؛ تراها من حيث ظهوره فيها ، ولا تراها من حيث كونيتها. قال : ~~ولنا في هذا المعنى : # ما أثبت لك المعالم إلا # لتراها بعين من لا يراها # فارق عنها رقي من ليس يرضى # حالة دون أن يرى مولاها. ه. # وقوله تعالى : {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} : لا ينجو من ~~الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص ، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملة ~~بشهود المكون ، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار ، وتطهرت سرائرهم من لوث ~~الأكدار ، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار ، فلم يعتمدوا على الوسائط ~~والأسباب ، برؤية مسبب الأسباب ، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب ، فإن ~~التفتوا إلى غيره ، غفلة ، أدبهم ، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبدا. ~~جعلنا الله منهم ، وخرطنا في سلكهم آمين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 310 # قلت : (أدعوا) : حال من الياء. و(على بصيرة) : حال ثان ، و(أنا ومن ~~اتبعني) : الضمير تأكيد للمستكن في (أدعو) ، أو في (على بصيرة) ، أو مبتدأ ~~خبره : (على بصيرة) ، مقدم. PageV03P431 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : {هذه سبيلي} : طريقي الذي جئت به من ~~عند ربي ؛ وهي الدعوة إلى التوحيد ، والتاهب ليوم المعاد. ثم فسرها بقوله : ~~{أدعو إلى الله} ، أول حال كوني داعيا إلى الله ، أي : إلى توحيده ومعرفته ~~والأدب معه ، {على بصيرة} : حجة واضحة ، وبينة من ربي ، لا عن تقليد أو ~~عمى. أدعو إلى الله {أنا ومن اتبعني} ؛ فمن كان على قدمي فهو يدعو أيضا إلى ~~الله علي بصيرة وبينة من ربه ، {وسبحان الله} : وأنزهه عن الشركاء والأنداد ~~، {وما أنا من المشركين} به شركا جليا ولا خفيا ، بل مخلصا موحدا. # الإشارة : لا يصلح العبد أن يكون داعيا إلى الله حتى يكون على بصيرة من ~~ربه ، بحيث لا يبقى فيه تقليد بحت ، ولا يختلجه شك ولا هم. والدعاة إلى ~~الله على ثلاث مراتب : فمنهم من يدعو ms1199 على بصيرة الإسلام ؛ وهم الدعاة إلى ~~معرفة أحكام الله وشرائعه ، # 312 # ومنهم من يدعو على بصيرة الإيمان ، وهم الدعاة إلى معرفة صفات الله تعالى ~~وكمالاته ، ومعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز على طريق البرهان ~~الواضح. ومنهم من يدعو إلى الله على بصيرة الإحسان ، وهم الدعاة إلى معرفة ~~الذات العلية على نعت الشهود والعيان ، من طريق الذوق والوجدان ؛ وهم ~~العارفون بالله ، أهل النور المخرق ، بحيث كل من واجههم خرق النور إلى ~~باطنه. وهذه الدعوة الحقيقية والبصيرة النافذة ، وأهل هذا المقام هم اهل ~~التربية النبوية ، فدعوة هؤلاء أكثر نفعا ، وأنجح تأثيرا ؛ في زمن يسير ؛ ~~يهدي الله على أيديهم الجم الغفير. PageV03P432 # قال في نوادر الأصول : الداعي إلى الله على بصيرة أي معاينة هو الذي قلبه ~~عند الله ، وعلى بصيرة في الطريق ، ومحل القلوب في تلك المراتب ؛ ناطقا ~~بالله ، عن الله ، فلذلك يلج آذان المستمعين ، مع الكسوة التي تخرق كل حجاب ~~، وهو نورالله ، لأنه خرج من قلب مشحون بالنور ، فخرق كل حجاب قد تراكم على ~~قلوب المخلطين ، فخلصها إلى نور التوحيد فأنارها ؛ بمنزلة جمرة وصلت النفخة ~~إليها ، فالتهبت نارا ، فاضاءت البيت. وهذا سبيل الناطق عن الله. ثم قال : ~~وكيف يجوز الدعاء إلى الله لمن ليس عند الله ، وهو لله ، وإنما قلبه عند ~~نفسه ولنفسه ، مشغول بنهمته وشهواته وأحواله ، وإنما هذا لمن تفرغ من نفسه ~~، واشتغل بالله. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 312 # قلت : (نوحى) : نعت لرجال ، وكذا (من أهل القرى) : نعت ثان ، و(حتى) : ~~غاية لمحذوف ، أي : وما أرسلنا إلا رجلا يوحى إليهم فأوذوا مثلك ، ودام ~~عليهم ، حتى إذا استيأسوا جاءهم نصرنا. # يقول الحق جل جلاله : {وما أرسلنا من قبلك} يا محمد {إلا رجالا} بشرا لا ~~ملائكة ، وهو رد لقولهم : {لو شآء ربنا لأنزل ملائكة} [فصلت : 14] ، وقيل : ~~معناه : نفي استنباء النساء. وصفة أولئك الرجال : {يوحى إليهم} كما أوحي ~~إليك ، فتميزوا بالوحي عن غيرهم ، وهم {من أهل القرى}. وهم المدن والأمصار ~~، والمداشر الكبار ؛ لأنهم أحلم وأعلم ، بخلاف أهل العمود فإنهم أهل جفاء ~~وجهالة. ms1200 قال الحسن : (لم يبعث الله نبيا من أهل البادية ، ولا من النساء ~~ولا من الجن). # 313 # قال ابن عطية : والتبدي مكروه إلا في الفتن ، وحين يفر بالدين ، لحديث : ~~" يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها سعف الجبال... " الحديث. وفي ~~ذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع. ه. PageV03P433 # قلت : والفتنة تتنوع بتنوع المقامات ؛ ففتنة أهل الظاهر : تعذر إقامة ~~الشريعة لكثرة الهرج والفتن ، وفتنة أهل الباطن : تعذر جمع القلب بالله ؛ ~~لكثرة الحس ، وتعرض الشواغل والعلائق. فمن وجد ذلك في الحواضر فلينتقل إلى ~~البوادي ، إن وجد من يعينه على الدين. والغالب أن الحواضر في هذا الزمان ~~يغلب فيها العوائد والشهوات ، وتعتري فيها الشواغل والشواغب ، بخلاف ~~البادية. فإذا كان عليه الصلاة والسلام أذن لسلمة : خوف فتنة الظاهر ، ~~فأولى خوف فتنة الباطن ؛ لأنه إذا فسد القلب فسد الجسد كله. # ثم قال ابن عطية : وقال صلى الله عليه وسلم : " لا تعرب في الإسلام " ~~وقال : " من بدا جفا " وعن معاذ بن جبل أنه قال : (الشيطان ذئب الإنسان ، ~~كذئب الغنم ؛ يأخذ الشاة القاصية ؛ فإياكم والشعاب ، وعليكم بالمساجد ، ~~والجماعات ، والعامة). # جزء : 3 رقم الصفحة : 313 # ثم قال : ويعترض هذا ببدو يعقوب ، وينفصل عن ذلك بوجهين : أحدهما : أن ~~ذلك البدو لم يكن في أهل العمود ، بل بتقر في منازل وربوع ، والثاني : إنما ~~جعله بدوا بالإضافة إلى مصر ، كما هي بنات الحواضر الصغار بدو بالإضافة إلى ~~الحواضر الكبار.ه. # قلت : فالتعرب المنهي عنه هو اعتزال الرجل وحده في جبل أو شعب ، وإما إن ~~تقرر في جماعة يقيمون الدين ، ويجتمعون عليه ، فليس بتعرب ولا بدو. ويدل ~~عليه جواب ابن عطية الأول عن يعقوب عليه السلام. والحاصل : أن أهل القلوب ~~بفتشون على مصالح قلوبهم ، فأينما وجدوها فهي حاضرتهم. وقد ظهر في البوادي ~~أكابر من الأولياء ، ربما لم يظهروا في الحواضر. والله تعالى أعلم. PageV03P434 # ثم قال تعالى : {أفلم يسيروا} أي : كفار مكة ، {في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم} من المكذبين لرسلهم : كيف هلكوا وتركوا آثارهم ~~يشاهدونها ms1201 خرابا دارسة ، فيحذروا تكذيبك ، ليؤمنوا ويتأهبوا للدار الآخرة ؛ ~~{ولدار الآخرة} أي : ولدار الحياة الآخرة {خير للذين اتقوا} الشرك والمعاصي ~~، {أفلا تعقلون} ، وتستعملون عقولكم لتعلموا أنها خير. أو : أفلا يعقلون ~~الذين يسيرون في الأرض ليعلموا أن الدنيا # 314 # فانية ، والدار الآخرة خير ؛ لأنها باقية. # فإن أبيتم وكذبتم نبيكم فقد كذب من قبلكم رسلهم ، وآذوهم ، وتأخر نصرهم ، ~~{حتى إذا استيأس الرسل} من النصر ، أو من إيمان قومهم ؛ لانهماكهم في الكفر ~~، وتماديهم من غير وازع ، {وظنوا} أي : تيقنوا {أنهم قد كذبوا} أي : أن ~~قومهم كذبوهم فيئسوا من إيمانهم. أو : ظنوا أن من آمن بهم قد كذبوهم ؛ لطول ~~البلاء وتأخر النصر. وأما قراءة (كذبوا) ؛ بالتخفيف ؛ فمعناه : وظنوا أنهم ~~قد كذب عليهم في وعد النصر.. وأنكرت عائشة رضي الله عنها هذه الرواية ، ~~وقالت : معاذ الله ؛ لم تكن الرسل تظن بربها ذلك. كما في البخاري. # وقد يجاب بأن ذلك كانت خواطر وهواجس من وسواس النفس ، يمر ولا يثبت ، وهو ~~من طبع البشر ، لا يدخل تحت التكليف. وسماه ظنا ؛ مبالغة في طلب المراقبة ، ~~كما تقدم في قوله : {ولقد همت به وهم بها}. وقال ابن جزي ، على هذه القراءة ~~: الضميران يعودان على المرسل إليهم ، أي : ظن الأتباع أن الرسل قد كذبوا ~~عليهم في دعوى الرسالة ، أو في مجيء النصر لما اشتد عليهم البلاء ، وتأخر ~~عنهم النصر. # فلما يئسوا {جاءهم نصرنا فنجي من نشاء} نجاته : وهو : النبي والمؤمنون. ~~وإنما لم يعينهم ؛ للدلالة على أنهم الذين يستأهلون نجاتهم بالمشيئة ~~القديمة ، لا يشاركهم فيها غيرهم ، {ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} إذا ~~نزل بهم. وفيه بيان المستثنين بالمشيئة ، كأنه قال : ولا نشاء نجاة ~~المجرمين. PageV03P435 # جزء : 3 رقم الصفحة : 313 # الإشارة : قد وجد كثير من الأولياء بالمدن والحواضر ، وكثير منهم في ~~القرى والمداشر. وفضل الله يؤتيه من يشاء ، لا يختص بمكان ولا زمان ، غير ~~أن جلهم جمعوا بين علم المدن وتفرغ البوادي ، يعني : جمعوا بين شريعة المدن ~~وحقيقة البوادي ؛ لأن أهل المدن شريعتهم قوية ، وحقيقتهم ضعيفة. والبوادي ~~بالعكس ؛ لكثرة العلائق في المدن ms1202 وخفتها في البوادي ، والحقيقة تحتاج إلى ~~تفرغ كبير وتفكر كثير ، والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى : {وظنوا أنهم قد كذبوا} بالتخفيف ، معناه : أنهم لم يقفوا ~~مع ظاهر الوعد ؛ لسعة علمهم ؛ لأن ذلك الوعد قد يكون في علم الغيب متوقفا ~~على شروط خفية لا يعلمها ذلك النبي أو الولي ، ليتحقق انفراده تعالى بالعلم ~~الحقيقي ، والقهرية الغالبة. فلذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم ، ولا ~~يكون مع غير الله قرارهم. # وقال الورتجبي : إنهم استغرقوا في قلزوم الأزلية ، وغابوا تحت بحار ~~الديمومية ، ولم يروا الحق من كمال استغراقهم في الحق. فلما لم يروه ناداهم ~~لسان غيره قهر القدم : # 315 # أين أنتم ؟ غبتم عنه وعن الحقيقة ، فتطلع أنوار الحقيقة عليهم ، ويأخذ ~~لطفها عن شبكات امتحان القهر. وهذا دأب الحق مع الأنبياء والأولياء حتى لا ~~يسكنوا إلى ما وجدوا منه ، بل يفنوا به عن كل ماله إليهم. ه. # قال المحشي الفاسي : وحاصل ما أشار إليه : أن قراءة التخفيف تشير إلى ~~أخذهم عن الوقوف مع الوعد ، والسكون إليه ، غيبة في الحق عن مقتضى وعده ، ~~لا تكذيبا لوعده ، بل ذلك احوال غالبة آخذة عن الصفة ، غيبة في الموصوف. ~~وهذا حال الصوفي كما يعرف ذلك أهله. وهو صحيح في نفسه ولكنه بعيد عن مرمى ~~الآية ؛ فإن صاحب الغيبة لا يوصف بظن خلاف الوعد ، وإن كان غائبا عنه. ~~وأقرب منه ما ذكره الترمذي الحكيم : من أن ذلك كان لظن فقد شرط في الموعود ~~أوجب عدم القطع لوقوع الوعد. والله أعلم. PageV03P436 # وقد قال في الحكم : " لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود ، وإن تعين زمنه ~~". يعني أنه قد يتخلف لفقد شرط ؛ كما في قضية الجرو الذي تخلف جبريل من ~~أجله. أو لعدم تحقيق الوقت ؛ لأن تعيينه كان من قبل أنفسهم من غير وحي ، ~~فلما تأخر ظنوا ذلك بأنفسهم. والله تعالى أعلم. ه. # والحاصل : أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لما تأخر عنهم النصر هجس في ~~أنفسهم تخلف الوعد ؛ خوفا أن يكون متوقفا على شرط لم يعلموه ، أو جعلوا له ~~وقتا فهموه من أمارات ms1203 ، فلما تأخر عنه ظنوا أنه قد تخلف. وأما قضية الجرو ~~الذي أشار إليهم : فكان جبريل عليه السلام وعد نبينا صلى الله عليه وسلم أن ~~يأتيه في وقت مخصوص ، فدخل جرو البيت ، فلم ينزل في ذلك الوقت ، فلما نزل ~~بعد ذلك ، قال : " إنما تخلفنا عن الوقت ؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه ~~كلب " كما في الصحيح. # جزء : 3 رقم الصفحة : 313 PageV03P437 ### | AUTO سورة الرعد # جزء : 3 رقم الصفحة : 315 # 316 # {بسم الله الرحمن الرحيم * الامار...} # قيل : معناه : أنا أعلم ، الله أعلم وأرى. وقيل : مختصرة من لفظ المرسل ، ~~على عادة رمز المحبين. أو إشارة إلى العوالم الأربعة : فالألف لوحدة ~~الجبروت ، واللام لتدفق أنوار المكوت ، والميم لحس عالم الملك والراء ~~لسريان أمداد الرحموت. # {... تلك آيات الكتاب والذيا أنزل إليك من ربك الحق ولاكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون}. قلت : (تلك) مبتدأ. و(آيات) : خبر ، و(الذي أنزل) : مبتدأ ، ~~و(الحق) : خبر ، والجملة الثانية كالحجة على الجملة الأولى. # يقول الحق جل جلاله : أيها المرسل المعظم ، والحبيب المفخم ، {تلك} ~~الآيات التي تتلوها على الناس هي {آيات الكتاب} المنزل من حضرة قدسنا. {و} ~~الكتاب أي : القرآن {الذي أنزل إليك من ربك} هو {الحق} الذي لا ريب فيه ، ~~{ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} ؛ لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه. # الإشارة : لو صفت القلوب من الأكدار ، وملئت بالمعارف والأنوار ؛ لفهمت ~~أسرار الكتاب ، وجواهر معانيه ، ولأدركت معرفة الحق من كلامه ؛ لأن الكلام ~~صفة المتكلم ، ولكن أكثر الناس اشتغلوا بمتابعة الهوى ، فصرفوا عن فهم ~~الكلام ، وفاتهم معرفة المتكلم. # 318 # جزء : 3 رقم الصفحة : 316 # 319 # قلت : (رواسي) : جمع راسية ، من رسى الشيء : ثبت ، و(جنات من أعناب وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان) من خفض عطف على (أعناب) ، ومن رفع عطف على (جنات) ~~، و(صنوان) نعت تابع ، و(غير) : عطف عليه. # يقول الحق جل جلاله : {وهو الذي مد الأرض} ؛ بسطها طولا وعرضا ؛ لتثبت ~~عليها الأقدام وتتقلب عليها الحيوان والأنام ، {وجعل فيها رواسي} : جبالا ~~ثوابت لتستقر وتثبت ، فلا تميد كالسفينة ، {و} جعل فيها {أنهارا} مطرده ~~دائمة الجري ، من غير نفاد ولا ms1204 فتور. ضمها إلى الجبال ؛ لأنها أسباب ~~لتولدها في العادة. {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} أي : وجعل فيها ~~صنفين اثنين من كل الثمرات ؛ فكل ثمرة فيها صنفان ؛ أحمر وأسود ، أو حلو ~~وحامض ، وقد خلق من كثير من الثمرات أصنافا كثيرة ؟ فالجواب : أن ذلك زيادة ~~في الاعتبار ، وأعظم في الدلالة على القدرة بذكر الاثنين ؛ لأن دلالة ~~غيرهما من باب أولى. ه. # {يغشى الليل النهار} ، أي : يجعل الليل غشاء على النهار ولباسا له ، ~~فيصير الجو مظلما بعدما كان مضيئا. {إن في ذلك لآيات} ؛ دلائل وجوده وباهر ~~قدرته {لقوم يتفكرون} فيها ؛ فإن وجودها وتخصيصها في هذا الشكل العجيب ، ~~دليل على وجود صانع حكيم ، دبر أمرها ، وهيأ أسبابها. PageV03P438 # {وفي الأرض قطع متجاورات} ؛ قريب بعضها من بعض ، مع اختلاف أوصافها ، بعضها ~~طيبة وبعضها سبخة ، وبعضها رخوة وبعضها صلبة ، وبعضها يصلح للزرع دون الشجر ~~، وبعضها بالعكس ، وبعضها معادن مختلفة. ولولا تخصيص قادر مخصص لتلك ~~الأفعال ، على وجه دون وجه ، لم يكن الحكم كذلك ؛ لاشتراك تلك القطع في ~~الطبيعة الأرضية ، وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية ~~، من حيث إنها متضامة متشاركة في السبب والأوضاع. قاله البيضاوي : {وجنات ~~من أعناب وزرع ونخيل} ؛ أي : وفي الأرض أيضا بساتين فيها أنواع من الأعناب ~~والزروع والنخيل ، من صفة تلك النخيل : {صنوان} أي : نخلات كثيرة متفرعة من ~~أصل واحد ، {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} أي : في الثمر ~~المأكول ؛ قدرا وشكلا ، وطعما ، ورائحة ولونا ، مع اتفاق الماء الذي تسقى ~~به. وذلك مما يدل أيضا على الصانع القادر الحكيم ؛ فإن إيجادها ، مع اختلاف ~~الأصول والأسباب ، لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار. وفيه رد على الطبائعيين. ~~{إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} : يستعملون عقولهم بالتفكر # 320 # والاعتبار ، فيدركون عظمة الواحد القهار. # جزء : 3 رقم الصفحة : 319 PageV03P439 ~~الإشارة : ذكر أولا سماء الأرواح ، وما يناسبها من أنوار التوحيد وأسرار ~~التفريد ، وذكر هنا أرض النفوس ، وما يلائمها من جبال العقول وأنهار العلوم ~~، فقال : وهو الذي مد أرض النفوس ، وجعل ms1205 فيها جبالا من العقول الشامخة ، ~~حتى أدركت الصانع ، وتحققت بوجوده ووحدانيته ، بالدلائل الواضحة ، ~~والبراهين القطعية ، وأنبع منها أنهارا من العلوم الرسمية ؛ والرقائق ~~الوعظية. وجعل فيها من كل صنف ؛ من ثمار ما جنت بمجاهدتها صنفين اثنين : ~~قبضا وبسطا منعا ووجدا ، ذلا وعزا ، فقرا وغنى. يغشيانها غشاء الليل للنهار ~~؛ فإذا كان ليل القبض غشيه نهار البسط ، فيزيله ، وإذا كان المنع ، غشية ~~الوجد ، وإذا كان الذل غشيه العز ، وإذا كان الفقر غشيه الغنى ، وهكذا. ~~ودوام حال من قضايا المحال. # وفي أرض النفوس أيضا قطع متجاورة ، مع اختلاف ألوانها وطبائعها ، وعلومها ~~ومعارفها ، ومواجدها وألسنتها. وفيها أيضا جنات المعارف إن اتصلت بطبيب ~~عارف من أعناب الحقائق الناشئة عن خمرة الأزل ، وزرع الشرائع الناشئة عن ~~الكسب والتحصيل ، ونخيل الأذواق والوجدان ، صنوان وغير صنوان يعني من ~~تعتريه الأحوال ، ومن لا تعتريه لكمال رسوخه ، تسقى بخمره واحدة ، وهي ~~الخمرة الأزلية ، على أيدي الوسائط ، أو بلا وسائط ، وهو نادر. ونفضل بعضها ~~على بعض في الأذواق والوجدان ؛ فترى العارفين بعضهم قطب في الأحوال ، ~~وبعضهم قطب في المقامات ؛ كان الجنيد رضي الله عنه قطبا في العلوم ، وكذا ~~الشاذلي والجيلاني والغزالي ، وأمثالهم. وكان الشيخ أبو زيد قطبا في ~~الأحوال ، وكان سهل التستري قطبا في المقامات. والأولياء كلهم لا يخرجون عن ~~هذا التقسيم ، كل واحد وما يغلب عليه ، مع مشاركته لغيره في الثلاث. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 319 PageV03P440 ~~قلت : (فعجب) : خبر ، و(قولهم) : مبتدأ ، و(أئذا كنا...) الخ محكي به. ~~واختلف القراء هنا ، وفي مواضع من القرآن ، فمنهم من قرأ بالاستفهام في ~~الأول دون الثاني ، ومنهم بالعكس ، ومنهم من قرأ بالاستفهام فيهما. فمن قرأ ~~بالاستفهام في الأول دون الثاني فإنما القصد هو الثاني ؛ لأنهم إنما أنكروا ~~كون الإنسان يصير ترابا ثم يبعث ، وأما كونهم يصيرون ترابا فلا إنكار عندهم ~~فيه. ومن قرأ بالاستفهام في الثاني فعلى الأصل ، ومن قرأ بالاستفهام فيهما ~~فزيادة تأكيد. والعامل في (إذا) محذوف دل عليه : # 321 # {لفي خلق جديد} أي : أنجدد إذا... الخ. # يقول الحق جل جلاله : {وإن ms1206 تعجب} يا محمد من إنكارهم البعث {فعجب قولهم} ~~أي : فقولهم حقيق بأن يتعجب منه ، فإن من قدر على إنشاء ما قص عليك من ~~عجائب السماوات والأرض ، وأنواع الثمار على اختلاف أصنافها وألوانها ، كانت ~~الإعادة أيسر شيء عليه ، فالآيات المعدودة ، كما هي دالة على وجود المبدأ ، ~~فهي دالة على إمكان الإعادة ، لأنها دالة على كمال قدرته تعالى. ثم فسر ~~قولهم في الإنكار قالوا : {أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} أي : أنجدد ~~إذا متنا ، وكنا ترابا ، {أولئك} القائلون ذلك ، أو المنكرون البعث ، ~~{الذين كفروا بربهم} ؛ لأنهم كفروا صفة القدرة ، {وأولئك الأغلال في ~~أعناقهم} أي : مقيدون بالضلال ، قد أحاط بهم الشقاء ، ولا يرجى خلاصهم. أو ~~: يغلون يوم القيامة. {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} لا ينفكون عنها. ~~وتوسط ضمير الفصل ؛ التخصيص الخلود بالكفار ، ففيه رد على المعتزلة. والله ~~تعالى أعلم. PageV03P441 # الإشارة : إنكار بعث الأرواح من غفلاتها وجهلها ، كإنكار بعث الأشباح بعد ~~موتها ، يتعجب من الأول كما يتعجب من الثاني ؛ فالقدرة صالحة ، فمن قدر على ~~بعث الأشباح بعد موتها الحسي قدر على بعث الأرواح بعد موتها المعنوي : " من ~~استغرب أن ينقذه الله من شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته ، فقد استعجز ~~القدرة الإلهية ؛ {وكان الله على كل شيء مقتدرا} " ، وقد أحيا الله أرواحا ~~كثيرة كانت ميتة بالجهل والمعاصي ، فصارت عارفة بالله ، من خواص أولياء ~~الله من كانوا لصوصا فصاروا خصوصا ، ومنهم من كانوا كفارا فصاروا أبرارا. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 321 # قلت : " المثلات " : جمع مثلة ، كسمرة ، وهي العقوبة القظيمة ، التي تجعل ~~الإنسان مثلا لمن بعده. وفيها لغات وقراءات شاذة. و(على ظلمهم) : حال ، ~~والعامل فيه : المغفرة. # يقول الحق جل جلاله : {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} أي : بالنقمة قبل ~~العافية ، طلبوا نزول العذاب الذي أوعدهم به ؛ استهزاء ، {وقد خلت} : مضت ~~{من قبلهم المثلات} : عقوبات أمثالهم من المكذبين ، أو المصيبات الدواهي ، ~~حتى صاروا مثلا لمن بعدهم. فما لهم لم يعتبروا ، ولم يخافوا حلول مثلها ~~عليهم ؟ {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} أي : مع ظلمهم ms1207 أنفسهم بالكفر ~~والمعاصي ، فسترهم وأمهلهم # 322 # في الدنيا. فالمغفرة هنا لغوية ، وقيل : يغفر لهم بالتوبة. وقيل : بلا ~~قيد التوبة ، بل بمجرد الحلم. قال البيضاوي : وفيه جواز العفو قبل التوبة ، ~~فإن التائب ليس على ظلمه ، ومن منع ذلك خص الظلم بالصغائر المكفرة باجتناب ~~الكبائر. ه. {وإن ربك لشديد العقاب} لمن يريد تعذيبه ، أو للكفار. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد ~~العيش ، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد " قاله البيضاوي. PageV03P442 # الإشارة : ترى بعض المستهزئين بالأولياء يؤذيهم بلسانه ، أو بغيره ، ويقول ~~: إن كان بيده ما يفعل يفعله بي ، والله تعالى يقول : " من آذى لي وليا فقد ~~آذنته بالحرب " ولكن الحق تعالى يمهل ولا يهمل ؛ {وإن ربك لذو مغفرة للناس ~~على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب}. # جزء : 3 رقم الصفحة : 322 # (وسارب) : عطف على جملة (من هو) أي : ومن هو سارب ، ليكمل التقسيم أربعة ~~: من أسر ، ومن جهر به ، ومن استخفى ، ومن سرب ؛ أي : برز. انظر ابن جزي. ~~و(المتعال) : منقوص ، يجوز في الوقف عليه حذف الياء وإثباتها ، كذلك : هاد ~~، وواق ، وشبهه ، غير أن الراجح في المعرف بأل الإثبات ، وفي المنون : ~~الحذف. قال ابن مالك : # وحذف يا المنقوص ذي التنوين ما # لم ينصب : أولى من ثبوت فاعلما # وغير ذي التنوين بالعكس ، وفي # نحو مر : لزوم رد اليا اقتفي # وأثبتها ابن كثير في الجميع ، ووافقه يعقوب في المعرف بأل ، وحذفها غيره مطلقا. # جزء : 3 رقم الصفحة : 323 # يقول الحق جل جلاله : {ويقول الذين كفروا} من أهل مكة : {لولا} : هلا ~~{أنزل عليه آية} أي : معجزة واضحة {من ربه} كما أوتي موسى وعيسى. ولم ~~يعتدوا بالآيات المنزلة عليه ؛ كانشقاق القمر وانقياد الشجر ، وتسليم الحجر ~~، وأعظمها : القرآن العظيم. وذلك عناد منهم. قال تعالى : {إنما أنت منذر} ؛ ~~مرسل إليهم لتنذرهم كغيرك من الرسل # 323 PageV03P443 ~~وما عليك إلا الإتيان بما تصح به نبوتك من جنس المعجزات ، لا مما يقترح ~~عليك. {ولكل قوم هاد} ؛ رسول يهديهم إلى الحق والصواب ، مخصوص بمعجزات من ~~جنس ms1208 ما هو الغالب عليهم ؛ ففي زمن موسى عليه السلام كان الغالب عليهم السحر ~~، فأوتي بالعصا تنقلب حية ؛ ليبطل سحرهم ، وفي زمن عيسى عليه السلام كان ~~الغالب عليهم الطب ، فأوتي إبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى الذي ~~يعجزون عن مثله ، وفي زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان الغالب عليهم ~~البلاغة والفصاحة ، بها كانوا يتباهون ويتناضلون ، فأوتي القرآن العظيم ، ~~أعجز ببلاغته البلغاء والفصحاء. أو : لكل قوم هاد ، يقدر على هدايتهم ، وهو ~~الله تعالى ، أي : إنما عليك الإنذار ، والله هو الهادي لمن يشاء ، أو : ~~ولكل قوم واعظ ومذكر من نبي أو ولي. روي أنها لما نزلت قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " أنا المنذر وأنت يا علي الهادي ". ثم أردف ذلك ما يدل على ~~كمال علمه وقدرته ، وشمول قضائه وقدره ؛ تنبيها على أنه تعالى قادر على ~~إنزال ما اقترحوه ، وإنما لم ينزله ؛ لعلمه بأن اقتراحهم كان عنادا لا ~~استرشادا. أو ان وقت الإنزال لم يحضر ، فقال : {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} ~~هل هو ذكر أو أنثى ، أو تام أو ناقص ، أو حسن أو قبيح. وهو من الخمس التي ~~اختص بها. {وما تغيض الأرحام وما تزداد} أي : ما تنقص في الجثة بمرض الجنين ~~او إسقاطه ، وما تزداد بنمو الجنين إلى أمده أو أكثر. قال البيضاوي : مدة ~~الحمل عندنا اربع سنين ، وخمس عند مالك ، وسنتان عند أبي حنيفة. روي أن ~~الضحاك ولد لسنتين ، وهرم بن حيان لأربع سنين. وأعلى عدده لا حد له. قلت : ~~يعني مع تحققه وقيل : المراد نقصان دم الحيض وزيادته. ه. {وكل شيء عنده ~~بمقدار} : بقدر محدود ، ووقت مخصوص ، لا يجاوزه ، ولا ينقص عنه ، فالحق ~~تعالى خص كل حادث بوقت مخصوص معين ، وهيأ له أسبابا تسوقه إليه على ما ~~تقتضيه حكمته. PageV03P444 # {عالم الغيب والشهادة} أي : الغائب عن الحس ، والظاهر فيه {الكبير} : ~~العظيم الشأن ، الذي يصغر كل شيء دون عظمته وكبريائه ، {المتعال} : ~~المستعلي عن سمة الحوادث ، أو : المستعلي بقدرته على كل شيء. {سواء منكم من ~~أسر القول} في نفسه {ومن ms1209 جهر به} لغيره ، {ومن هو مستخف بالليل} : طالب ~~للخفاء مستترا بظلمة الليل ، {و} من هو {سارب بالنهار} أي : بارز فيه. فقد ~~أحاط الله بذلك ، علما وسمعا وبصرا. فالآية مقرره لما قبلها من كمال علمه ~~وشموله. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 323 # له معقبات} أي : لمن أسر أو جهر ، أو استخفى أو برز ، {معقبات} : ملائكة ~~تعتقب في حفظه ، اي : يعقب بعضها بعضا ، اثنان بالليل واثنان بالنهار ، أو ~~: لأنهم يعقبون # 324 # أقواله وافعاله فيكتبونها. أو : جماعة من الملائكة وكلهم الله بحفظ ~~الآدمي ، يعقب بعضهم بعضا ، وهو مناسب لقوله : {يحفظونه من أمر الله} أي : ~~يحرسونه من الآفات التي تنزل من امر الله وإرادته. أو : يحفظونه من عقوبة ~~الله وغضبه. إذا أذنب أمهلوه واستغفروا له. أو : يراقبون أحواله من أجل أمر ~~الله ، إذ أمرهم الله بذلك ، أو يكون صفة للمعقبات ، أي : له معقبات من أجل ~~أمر الله ، حيث أمرهم بحفظه. وقيل : الضمير في {له} : يعود إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، المتقدم في قوله : {إنما أنت منذر} ، فتكون نزلت فيمن ~~اراد غدر النبي صلى الله عليه وسلم سرا ، على ما يأتي في الآية الآتية. ~~والله تعالى أعلم. PageV03P445 # الإشارة : قد تقدم مرارا حال من طلب الكرامة من الأولياء ، وأنه جاهل بهم ، ~~ولا يعرفهم ما دام يلتمس الكرامة منهم. وأي كرامة أعظم من الاستقامة ، ~~والمعرفة بالله ، على نعت الشهود والعيان ؟ !. وقوله تعالى : {ولكل قوم ~~هاد} أي : ولكل عصر عارف بالله ، يهدي الناس إلى حضرة الله ، وهم ورثة ~~الهادي الأعظم والنبي الأفخم ، نبينا عليه الصلاة والسلام أولهم سيدنا ~~علي كرم الله وجهه ؛ للحديث المتقدم ، لأنه أول من ظهر علم التصوف وأفشاه ~~، ثم أخذ عنه الحسن البصري وهذبه ، ثم حبيب العجمي ، ثم داود الطائي ، ثم ~~معروف الكرخي ، ثم سري السقطي ، ثم إمام الطريقة : أبو القاسم الجنيد ، ثم ~~انتشر في الأرض ، فلكل عصر رجال يحملون لواء الحقيقة ويهدون الناس إلى لباب ~~الشريعة. وهم العارفون بالله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يبعث ~~الله على رأس كل مائة سنة من ms1210 يجدد لهذه الأمة أمر دينها " أي : يجدد ~~الطريقة بعد دروسها ، ويحيي الحقيقة بعد خمود أنوارها ، ويظهر الشريعة بعد ~~خفاء أعلامها. وقد يكون واحدا ومتعددا. وقد بعث الله في رأس هذه المائة ~~الثالثة عشر ، أربعة ، أحيا الله بهم الحقيقة ، وأظهر بهم أنوار الشريعة ، ~~يمشون في الأرض بالنصيحة ، ويهدون الناس إلى رب العالمين ، والله ولي ~~المتقين ، وشهرتهم تغني عن تعيينهم ، وتقدم اثنان في العقود. # وقوله تعالى : {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} : ما تحمل كل نفس من العلوم ، ~~وما تحمل كل روح من الأسرار. وما تغيض الأرحام ، أي : القلوب ، فقد تنقص ~~أنوارها بمباشرة الأغيار ، وقد تزداد بالتفرغ أوصحبة العارفين الكبار. وكل ~~شيء عنده بمقدار ، فالفتح له وقت معلوم ، وحد محدود ، والمراتب والمقامات ~~مقسومة محدودة في الأزل ، كل أحد ياخذ ما قسم له. وقوله تعالى : {سواء منكم ~~من أسر القول...} إلخ ، فيه تحقيق المراقبة وتشديد المحاسبة على الخواطر ~~والقلوب. والله تعالى أعلم. # 325 PageV03P446 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 323 # قلت : (وإذا) : ظرف ، والعامل فيه : ما دل عليه الجواب ، أي : لا يرد ما ~~قضى إذا أراد إنفاده. و(خوفا وطعما) : منصوبان على العلة بتقدير المضاف ، ~~أي : إرادة الخوف والطمع ؛ ليتحد الفاعل ، أو بتأويل : يجعلكم ترون البرق ~~خوفا وطمعا. و(الثقال) : نعت للسحاب ، وجمعه ؛ لأن السحاب جنس بمعنى الجمع. ~~وجملة : {وهم يجادلون} : إما استئنافية ، أو حال من الموصول ، و(المحال) : ~~المكر والخديعة. من محل بفلان إذا كاده وعرضه للهلاك ، ومنه تحمل : إذا ~~تكلف استعمال الحيلة ، فالميم أصلية ، ووزنه : فعال ، وقيل : مشتق من ~~الحيلة ، فالميم زائدة ، ووزنه : مفعل ، وأصله : محيل. # يقول الحق جل جلاله : {إن الله لا يغير ما بقوم} من النعم والعافية إلى ~~النقمة والبلية {حتى يغيروا} هم {ما بأنفسهم} من الطاعة وترك المعصية ، إلى ~~ارتكاب الذنوب. فلا يسلب النعم عن قوم إلا بارتكاب ذنب ، ولو من البعض إذا ~~سكت الكل. {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} أي فلا راد له ولا معقب ~~لحكمه ، {وما لهم من دونه من وال} أي : ليس لهم من يلي أمرهم ، ويدفع ms1211 عنهم ~~السوء الذي قضاه الله عليهم ، وأراد نزوله بهم ؛ لأن وقوع خلاف مراد الله ~~تعالى محال. PageV03P447 # {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} أي : خوفا مما ينشأ عن البرق من الصواعق ~~والأمور الهائلة ، وطمعا في نزول الغيث الذي يكون معه غالبا ، {وينشئ} أي : ~~يخلق {السحاب} ؛ الغيم المسحب ، {الثقال} : المثقل بالمطر الحاملة له ، ~~{ويسبح الرعد بحمده} أي : متلبسا بحمده. أو : يدل الرعد بنفسه على وحدانيته ~~تعالى وكمال قدرته ملتبسا بالدلالة على كمال فضله ، ونزول رحمته. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ؛ فقال : " ملك ~~موكل بالسحاب ، له مخاريق من نار يسوق السحاب ". {و} تسبح أيضا {الملائكة ~~من خيفته} أي : من خوفه وإجلاله ، {ويرسل الصواعق} ؛ نار تنزل من السماء ~~وقت ضرب الرعد ، {فيصيب بها ما يشاء} فيهلكه {وهم يجادلون في الله} أي : ~~الكفار ، حيث يكذبون رسوله فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة ، والتفرد ~~بالألوهية ، وبعث الناس وحشرهم للمجازاة ، {وهو شديد المحال} أي : # 326 # شديد المكر بأعدائه ، الذين أرادوا أن يمكروا بنبيه عليه الصلاة والسلام . # جزء : 3 رقم الصفحة : 326 # روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة وفدا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قاصدين لقتله ، فأخذ عامر بالمجادلة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليشغله ، ودار أربد من خلفه ؛ ليضربه بالسيف ، فتنبه له الرسول عليه ~~الصلاة والسلام وقال : " اللهم اكفنيهما بما شئت " ، فأرسل الله على أربد ~~صاعقة فقتلته ، ورمي عامر بغدة ، فمات في بيت امرأة سلولية ، فكان يقول : ~~غدة كغدة البعير ، وموت في بيت امرأة سلولية! فنزلت الآية من أولها ، وهو ~~قوله : {له معقبات... } إلخ ، على قول. PageV03P448 # الإشارة : من جريان حكمته تعالى في خلقه أنه لا يسلب النعم عنهم إلا بسوء ~~أدب منهم ، كل على قدر مقامه ، فالنعم الظاهرة يسلبها بترك الطاعة الظاهرة ~~، أو بالمخالفة الظاهرة ، والنعم الباطنة يسلبها بترك المراقبة الباطنة أو ~~المشاهدة الباطنة ، فلكل مقام حقوق وآدب ؛ فمن أخل بحقوق مقام نقص له منه ، ~~إلا أن يتوب. وقد يسيء ms1212 الأدب فتؤخر العقوبة عنه ، فيظن أنه لم يسلب. ولو لم ~~يكن إلا ترك المزيد. وقد يبعد ، وهو لا يشعر ، ولو لم يكن إلا وتركه وما ~~يريد. كما في الحكم : " إن الله لا يغير ما في القلوب من أنوار الشهود ~~والعيان ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من حسن الأدب بسوء الأدب ". وهذا ما لم ~~يتحقق له مقام المحبوبية والتمكن مع الله في المعرفة. وإلا فالرعاية ~~والعناية محفوفة بقلبه ، فقد يبلغ الولي إلى مقام يقال له : افعل ما شئت ~~فقد غفرت لك ، كما وقع لأهل بدر ، وارجع ما تقدم عند قوله : {أولائك لهم ~~الأمن وهم مهتدون} [الأنعام : 82] وقد يغير الله قلب عبده اختبارا له ، ~~فيسلبه حلاوة المعاملة أو المعرفة ، فإن هو اضطرب وتضرع رد له حاله ، وإن ~~لم يضطرب ولم يفزع إلى الله لم يرد له شيئا. وإليه الإشارة بقوله : {وإذا ~~اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له...} الآية. # هو الذي يريكم برق لمعان أنوار المشاهدة ، عند الاستشراف على الحضرة ~~القدسية ، خوفا من الرجوع ؛ لعدم إطاقة ذلك النور ، وطمعا في الوصول إلى ~~التمكين ، فلا يزال تترادف عليه البروق حتى يستمر ذلك كبرق متصل ، وهي ~~أنوار المواجهة ، وينشئ سحاب الواردات ثقالا بالعلوم والأسرار ، ويرسل ~~الصواعق تصعق وجود الحس عن أسرار المعاني ، فيصيب بها من يشاء ممن سبقت له ~~العناية. وأهل الإنكار والتكذيب بطريق الخصوص يجادلون في الله بتكذيب ~~أوليائه وإنكار هذه الأنوار ، وهو شديد المحال ، فيمكر بهم ويتركهم في مقام ~~البعد ، وهم لا يشعرون. # 327 PageV03P449 ~~جزء : 3 رقم الصفحة : 326 # يقول الحق جل جلاله : {له دعوة الحق} ؛ لأنه الذي يحق أن يدعى فيجيب ، ~~دون غيره ؛ فإنما له الدعاء الباطل ؛ لأنه يدعى فلا يسمع ولا يجيب. أو : له ~~دعوة الحق ، وهي كلمة التوحيد ؛ " لا إله إلا الله ، فمن دعا إليها فقد دعا ~~إلى الحق. والأول أرجح ؛ لمناسبة قوله : {والذين يدعون من دونه لا يستجيبون ~~لهم بشيء} ، أي : والأصنام الذين يدعونهم من دونه لا يستجيبون لهم بشيء ، ~~مما طلبوا ، أو : والمشركون الذين يدعون أصناما من دون ms1213 الله لا يستجيبون ~~لهم بشيء ، فحذف المفعول ؛ للدلالة عليه ، فلا يستجيبون لهم {إلا كباسط ~~كفيه إلى الماء} ؛ إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء يشير إليه ، ~~{ليبلغ فاه} ؛ أي : يطلب منه أن يصعد إليه ويبلغ فاه {وما هو ببالغه} أي : ~~ليس الماء ببالغ فاه ، لأنه جماد لا يشعر بدعائه ، ولا يقدر على إجابته من ~~حيث هو ، شبه إجابة الأصنام لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفه ، ~~وأشار إليه بالإقبال إلى فيه ، ولا يبلغ فاه أبدا ؛ لأنه جماد لا يسمع ولا ~~يعقل ، وكذلك الأصنام لا تسمع ولا تجيب من بسط إليها يده ليطلب منها ؛ ~~لأنها خشب وأحجار. {وما دعاء الكافرين} للأصنام ، {إلا في ضلال} وخسران وضياع. # ثم ذكر الحقيق بالعبادة والطلب ، فقال : {ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها} يحتمل أن يكون السجود حقيقة ، فالملائكة والمؤمنون ~~يسجدون طوعا في الشدة والرخاء يسجدون كرها في الشدة والضرورة. أو يكون ~~مجازا ؛ وهو : انقيادهم لما أراد منهم ، شاؤوا أو كرهوا. {و} تسجد أيضا ~~{ظلالهم} ؛ بانقيادها لله تعالى في طولها وقصرها ، وميلها من جانب إلى جانب ~~، {بالغدو والآصال} ، أي : طرفي النهار. وخص هذان الوقتان وإن كان سجودهما ~~دائما ؛ لأن الظلال إنما تعظم وتكبر فيهما. وقال الواحدي : كل شخص مؤمن أو ~~كافر ظله يسجد لله تعالى ، ونحن لا نقف على كيفية ذلك. ه. PageV03P450 # وقال القشيري : ذلك سجود شهادة ، لا سجود عبادة ، فإن امتنع من إقامة ~~الشهادة قوم قالة فقد شهد كل جزء منهم من حيث البرهان والدلالة ، فكل مخلوق ~~من عين وأثر ، حجر ومدر أو غير ذلك ؛ فمن حيث البرهان لله ساجد ، ومن حيث ~~البيان للواحد شاهد. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 328 # وقال أبو حيان : عن الفراء : الظل في الأصل مصدر ، ثم أطلق على الخيال ~~الذي يظهر للجرم طوله بسبب انخفاض الشمس ، وقصره بسبب ارتفاعها ، فهو منقاد ~~لله تعالى # 328 # في طوله وميله من جانب. ثم قال : والحاصل أنها جارية على مقتضى إرادته ~~تعالى ومشيئته ، من الامتداد والتقلص ، والفيء والزوال. ه. # وقيل ms1214 : لا يعلم تسبيح الجماد والنبات والحيوان البهيمي وسجودها ؛ إلا من ~~كاشفه الله تعالى بحقيقة ذلك من نبي أو ملك أو صديق. واما حمدها لله تعالى ~~وتسبيحها بلسان الحال فيعلمه العلماء. قاله المحشي الفاسي. # الإشارة : كل من تعلق في نوائبه بغير الله ، أو ركن في حوائجه إلى غير ~~مولاه ، فهو كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ، وليس بواصل إليه ، ولا ببالغ ~~قصده ومناه ، بل دعاؤه في تلف وخسران ، وجزاؤه الخيبة والحرمان. فالواجب ~~على العبد أن يقصر حوائجه على مولاه ، وينقاد إليه بكليته في حال الطوع ~~والإكراه. إما أن ينقاد إليه بالإحسان ، أو بسلاسل الامتحان. " عجب ربك من ~~قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل ". # جزء : 3 رقم الصفحة : 328 PageV03P451 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد للمشركين : {من رب السماوات والأرض} أي ~~: خالقهما ، ومدبر أمرهما ، {قل} لهم : هو {الله} لا خالق سواه ، ولا مدبر ~~غيره ، أجاب عنهم بذلك ، إذ لا جواب لهم سواه ؛ لأنهم يقرون به ، ولكنهم ~~يشركون به ، فأبطل ذلك بقوله : {قل أفاتخذتم من دونه أولياء} ؛ أصناما ~~جامدة تتولونها بالمحبة والنصرة والدفع ، وهم جوامد {لا يملكون لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا} أي : لا يقدرون أن يجلبوا لأنفسهم نفعا ، ولا يدفعون عنهم ~~ضرا ، فكيف يقدرون أن ينفعوا غيرهم ممن عبدهم ، أو يدفعون عنه ضرا ؟ !. وهو ~~دليل على ضلالهم وفساد رأيهم ، في اتخاذهم الأصنام أولياء ، وجاء أن يشفعوا لهم. # {قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي : الكافر الجاهل ، الذي عميت بصيرته ~~بالجهل والشرك ، والمؤمن الموحد الذي انفتحت بصيرته بالإيمان والعلم. أو ~~المعبود الغافل عن عبادة من عبده ، والعالم بأسرار عباده. {أم هل تستوي ~~الظلمات والنور} ؛ الكفر والإيمان ، أو الجهل والعلم. {أم} : بل {جعلوا لله ~~شركاء} من صفتهم ، {خلقوا كخلقه فتشابه} ؛ التبس {الخلق عليهم} فلم يدروا ~~ما خلق الله مما خلق أصنامهم ، # 329 # وهذا كله داخل الإنكار. والمعنى : هل خلق شركاؤهم خلقا كخلق الله ، ~~فالتبس الخلق عليهم ، فلم يميزوا خلق الله من خلق أصنامهم ، حتى ظنوا أنها ~~تستحق أن تعبد مع الله ، أو يطلب منها حوائج دون ms1215 الله ؟ !. PageV03P452 # ثم أبطل ذلك بقوله : {قل الله خالق كل شيء} ، قال البيضاوي : والمعنى أنهم ~~ما اتخذوا له شركاء خالقين مثله حتى يتشابه الخلق عليهم ، فيقولوا : هؤلاء ~~خلقوا كما خلق الله ، واستحقوا العبادة كما استحقها ، ولكنهم اتخذوا شركاء ~~عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق ، فضلا عما يقدر عليه الخالق.ه. ~~{قل الله خالق كل شيء} ؛ لا خالق غيره فيشاركه في العبادة. جعل الخلق موجب ~~الخلق موجب العبادة ، ولازم استحقاقها ، ثم نفاه عما سواه ؛ ليتحقق انفراده ~~بالربوبية والقهرية كما أفاد قوله : {وهو الواحد} في الألوهية ، {القهار} ~~بتصريف أحكام الربوبية. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 329 # الإشارة : إذا علم العبد أن ربه قائم بأمر خلقه ، مدبر لشأن ملكه ، من ~~عرشه إلى فرشه ، جعل حوئجة كلها وقفا عليه ، وانحاش بكليته إليه ، ورفع ~~همته عن خلقه ، إذ ليس بيدهم ضر ولا نفع ، ولا جلب ولا دفع ، بل هم عاجزون ~~عن إصلاح أنفسهم ، فكيف يقدرون أن ينفعوا غيرهم ؟ ! وفي الحكم العطائية : " ~~لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك فيكف يرفع إلى غيره ما كان هو له ~~واضعا ، من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه : فكيف يستطيع أن يكون لها من ~~غيره رافعا ". وقال بعض العارفين من المكاشفين رضي الله عنهم : قيل لي في ~~نوم كاليقظة ، أو يقظة كالنوم : لا تبدين فاقة فأضاعفها عليك ، مكافأة لسوء ~~أدبك ، وخروجك عن حد عبوديتك. إنما ابتليتك بالفاقة لتفزع بها إلي ، وتتضرع ~~بها لدي ، وتتوكل فيها علي. سبكتك بالفاقة لتصير ذهبا خالصا ، فلا تزيفن ~~بعد السبك ، وسمتك بالفاقة وحكمت لنفسي بالغنى ، فإن وصلتها بي وصلتك ~~بالغنى ، وإن وصلتها بغيري قطعت عنك مواد معونتي ، وحسمت أسبابك من أسبابي ~~، طردا لك عن بابي. فمن وكلته إلي ملك ، ومن وكلته إليه هلك. ه. PageV03P453 # وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : آيست من نفع نفسي لنفسي ، ~~فكيف لا آيس من نفع غيري لها ، ورجوت الله لغيري فكيف لا أرجو لنفسي ؟ . ه. ~~فالبصير من اعتمد في أموره على مولاه. والأعمى من ركن ms1216 في حوائجه إلى سواه. ~~فأنوار التفويض والتسليم لا تستوي مع ظلمات الشرك والتدبير. {قل هل يستوي ~~الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور}. بالله التوفيق. # 330 # جزء : 3 رقم الصفحة : 329 # قلت : (جفاء) : حال. و(الحسنى) : مبتدأ ، و(للذين) : خبر مقدم. و(الذين ~~لم يستجيبوا) : مبتدأ و(لو أن) : خبر ، أو (الذين) : متعلق بيضرب ، ~~و(الحسنى) : نعت لمصدر محذوف ، و(الذين) : معطوف على (الذين) الأولى ، أي : ~~يضرب الأمثال للذين استجابوا الحسنى وللذين لم يستجيبوا ، ثم استانف قوله : ~~لو أن... إلخ. # يقول الحق جل جلاله : {أنزل من السماء} أي : السحاب ، أو ناحية السماء ، ~~{ماء} ؛ مطرا {فسالت} به {أودية} : أنهار ، جمع واد ، وهو الموضع الذي يسيل ~~الماء فيه بكثرة ، فاتسع واستعمل للماء الجاري فيه. {بقدرها} أي : بقدر ~~صغرها وكبرها ، كل يسيل على قدره ، أو بقدر ما قسم في قسمة الله تعالى ، ~~وعلم أنه نافع غير ضار ، {فاحتمل السيل زبدا} أي : رفعه على وجه الماء ، ~~وهو ما يحمله السيل من غذاء ونحوه ، أو ما يطفو على الماء من غليانه ، ~~{رابيا} : عاليا على وجه الماء ، {ومما توقدون عليه في النار} من الذهب ~~وفضة ، وحديد ورصاص ونحاس وغيره ، {ابتغاء} أي : لطلب {حلية} كالذهب والفضة ~~، {أو متاع} كالحديد والنحاس يصنع منه ما يتمتع به ؛ من الأواني وآلات ~~الحرب والحرث. والمقصود بذلك : بيان منافعها ، فكل واحد منهما له {زبد ~~مثله} أي : مثل زبد الماء ، وهو خبثه الذي تخرجه النار عند سبكه. PageV03P454 # {كذلك يضرب الله الحق والباطل} ؛ فمثل الحق وهو العلم بالله وبأحكامه ~~كمثل الأمطار الغزيرة ، ومثل القلوب التي سكن فيها ، وجرت حكمه على ألسنة ~~أهلها ؛ كالأودية والأنهار والخلجان ، كل يحمل منه على قدره ، وسعة صدره ، ~~ومثل الباطل الذي دمغه وذهب به ؛ كالزبد وخبث الحديد والنحاس ، أو الذهب ~~والفضة. وسيأتي في الإشارة تكميله إن شاء الله. وروي مثل هذا عن ابن عباس. ~~وإنكار ابن عطية له جمود ، وتذكر حديث البخاري : " مثل ما بعثني الله به من ~~الهدى... " الحديث ، فإنه يشهد لذلك التأويل. وتقدم له بنفسه في قوله : ~~{أأرباب متفرقون} [يوسف : 39] ما يشير إلى تفسير ms1217 أهل الإشارة والرموز. ~~وراجع ما تقدم لنا في خطبة الكتاب يظهر لك الحق والصواب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 331 # قال البيضاوي : مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء ، ~~فتسيل به # 331 # الأودية على قدر الحاجة والمصلحة ، فتنفع به أنواع المنافع ، ويمكن في ~~الأرض ، فيثبت بعضه في منابعه ، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون ~~والآبار ، وبالفلز الذي ينتفع به في صوغ الحلي ، واتخاذ الأمتعة المختلفة ، ~~ويدوم ذلك مدة متطاولة. والباطل ، في قلة نفعه وسرعة ذهابه ، بزبدهما ، ~~وبين ذلك بقوله : {فأما الزبد فيذهب جفاء} ، أي : مرميا به ، من جفاه : رمى ~~به وأبعده ، أي : يرمى به السيل والفلز المذاب. ه. {وأما ما ينفع الناس} ~~كالماء ، وخالص الذهب أو الحديد ، {فيمكث في الأرض} لينتفع به أهلها. {كذلك ~~يضرب الله الأمثال} لإيضاح المشكلات المعنوية ، بالمحسوسات المرئية. PageV03P455 # {للذين استجابوا لربهم} بالإيمان والطاعة ، {الحسنى} أي : المثوبة الحسنى ، ~~أو الجنة. {والذين لم يستجيبوا له} من الكفرة {لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به} من هول ذلك المطلع. أو : يضرب الأمثال للذين ~~استجابوا الاستجابة الحسنى ، والذين لم يستجيبوا له. ثم بين مثال غير ~~المستجيبين بقوله : {لو أن لهم...} إلخ. {أولئك لهم سوء الحساب} ؛ أقبحة ~~وأشده ، وهو أن يناقش فيه ، بأن يحاسب العبد على كل ذنب ، ولا يغفر منه شيء ~~، {ومأولهم} : مرجعهم {جهنم وبئس المهاد} ؛ الفراش والمستقر ، والمخصوص ~~محذوف ، أي : هذا. # الإشارة : قد اشتملت الآية على أمثلة : مثال للعلم النافع ، ومثال للعمل ~~الخالص ، وللحال الصافي. فمثل الحق تعالى العلم النافع بالمطر النازل من ~~السماء ، فإنه تحيا به الأرض ، وتجري به الأودية والعيون والآبار ، ويحبس ~~في الخلجان والقدور لنفع الناس ، وتتطهر به الأرض من الخبث ؛ لأنه ترمى به ~~السيول ، فيذهب جفاء ، كذلك العلم النافع تحيا به النفوس بعد الموت بالجهل ~~والشك ، وتحيا به الأرواح بعد موتها بالغفلة والحجاب ، وتمتلئ به القلوب ~~على قدر وسعها وسعتها ، وعلى قدر ما قسم لهم من علم اليقين ، أو عين اليقين ~~، أو حق اليقين ، وتتطهر به النفوس من ms1218 البدع وسائر المعاصي. # ومثل العمل الخالص الذي تصفى من الرياء والعجب وسائر العلل ، بالحديد ~~المصفى من خبثه ؛ لتصنع منه السيوف والآلات ، أو النحاس المصفى لتصنع منه ~~الأواني ، وغيرها مما ينفع به الناس. # جزء : 3 رقم الصفحة : 331 PageV03P456 ~~ومثل الحال الصافي من العلل بالذهب المصفى أو الفضة ، إذا صفيت وذهب خبثها ~~؛ ليصنع بهما الحلي والحلل ؛ ليتزين بها أهلها ، فأشار إلى المثال الأول ~~وهو ا لعلم بقوله : {أنزل من السماء ماء} إلخ. وأشار إلى الحال بقوله : ~~{ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية} ، وأشار إلى العمل بقوله : {أو ~~متاع زبد مثله}. وقدم الحال لشرفه ، ومثله بالذهب والفضة ؛ لزيادة الرغبة ~~فيه ؛ لأنه ثمرة العمل ، ومرجعه إلى الوجدان والأذواق ، وهو عزيز لا يجده ~~إلا المقربون. # 332 # والحاصل : أن المراتب أربعة : العلم ، والعمل ، والحال ، والمقام. وإنما ~~لم يضرب الحق تعالى مثلا للمقام ؛ لأن النزول فيه لا يكون إلا بعد التصفية ~~، فليس فيه علة ، يحتاج إلى التصفية منها. فمقامات اليقين كلها يجري فيها ~~العلم ، والعمل ، والحال ، والمقام. فالتوبة مثلا : يتعلق العلم بمعرفة ~~حقيقتها وفضليتها ، ثم يسعى في العمل بالمجاهدة والرياضة حتى يذهب زبده ~~وخبثه ، حتى يذوق حلاوة الاستقامة مع بقية الخوف من السقوط ، وهذا هو الحال ~~، ثم تطمئن النفس ، وترسخ التوبة النصوح ، وهذا هو المقام. وكذلك الصبر ، ~~يتعلق به العلم أولا ثم يسعى في مرارة استعماله حتى يذوق حلاوة الشدة ~~والفاقة ثم يرسخ فيه ، وهكذا يجري في المقامات كلها... وهي اثنا عشر مقاما ~~: التوبة ، والخوف ، والرجاء ، والورع ، والزهد ، والصبر ، والشكر ، والرضى ~~، والتسليم ، والمحبة ، والمراقبة ، والمشاهدة ، وهي : بروج شمس المعرفة ، ~~وقمر التوحيد. وكذلك معرفة الشهود والعيان : يتعلق العلم أولا بأسرار ~~التوحيد ، ثم يعمل في خرق عوائد نفسه حتى تموت ، فيشرق عليها أنوار التوحيد ~~، غير أنها تظهر وتخفى ، ثم يصير الشهود مقاما ، رسوخا وتمكينا. PageV03P457 # وقد أشار الحكم إلى بعض هذا فقال : " حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال ، وحسن ~~الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال ". وكل واحد من الثلاثة يحتاج إلى تصفية ~~حتى يذهب زبده وخبثه ؛ فتصفية العلم بالإخلاص والتحقيق ، فيذهب ms1219 عنه قصد ~~الرئاسة والجاه ، أو التوصل إلى الدنيا ، ويذهب به الشكوك والأوهام ؛ فهذا ~~زبده. وتصفية العمل بالإخلاص في أوله ، والإتقان والحضور في وسطه ، ~~والكتمان في آخره ، فيذهب عنه الرياء والعجب به ، والتوصل به إلى حفظ ~~نفساني. وتصفية الحال بصحة القصد وإفراد الوجهة ، وإذا هاج عليه الوارد ملك ~~نفسه وأمسكها ، فيذهب به قصد الظهور ، وطلب المراتب الدنيوية والكرامات ~~الحسية ، التي هي من حظ النفس وتشتيت القلب ، إن لم يفرد وجهته لله ، ~~وانحلال عزمه وخمود نوره ، إن لم يمسك نفسه عند هواجم الحال. فهذا زبد ~~الحال الذي يذهب عنه بمجاهدة النفس ، ويمكث في أرض القلوب صفاء اليقين ~~والمعرفة وخالص العمل في مقام العبودية. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 331 # 333 # قلت : (أولئك..) الخ : جملة خبر الموصولات ، إن رفعت بالابتداء ، وإن ~~جعلت صفات لأولي الألباب : فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات. و(جنات) ~~: بدل من (عقبى الدار). و(من صلح) : عطف على الواو بفصل المفعول ، و(سلام ~~عليكم) : محكي بحال محذوفة ، أي : قائلين سلام عليكم ، وحذف الحال إذا كان ~~قولا كثير مطرد. PageV03P458 # يقول الحق جل جلاله : {أفمن يعلم انما أنزل إليك من ربك} هو {الحق} فيستجيب ~~له ، وينقاد له {كمن هو أعمى} عمى القلب ، لا يستجيب ولا يستبصر ؟ أنكر ~~الحق جل جلاله على من اشتبه عليه الحق من الباطل ، بعدما ضرب المثل ، فإن ~~الأمور المعنوية ، إذا ضرب لها الأمثال المحسوسة ، صارت في غاية الوضوح لا ~~تخفى إلا على الخفاشة ، الذين انطمس نور قلوبهم بالكفر أو المعاصي. ولذلك ~~قال : {إنما يتذكر أولو الألباب} ؛ ذوو العقول الصافية والقلوب المنورة ، ~~التي تطهرت من كدر العوائد والشهوات ، ولم تركن إلى المألوفات والمحسوسات. # ثم وصفهم بقوله : {الذين يوفون بعهد الله} ؛ ما عقدوه على نفوسهم من ~~معرفة عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية ، حين قالوا : {بلى}. {ولا ~~ينقضون الميثاق} ؛ ما أوثقوه على نفوسهم ، وتحملوه من المواثيق التي بينهم ~~وبين الله ، وبينهم وبين عباد الله. وهو تعميم بعد تخصيص ؛ تأكيدا على ~~الوفاء بالعهود. {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} من الرحم ms1220 ، وموالاة ~~المؤمنين ، وحضور مجالس الصالحين ، والعلماء العاملين ، والاقتداء بقولهم ~~والاهتداء بهديهم. {ويخشون ربهم} : غضبه ، وعذابه ، أو إبعاده وطرده ، ~~{ويخافون سوء الحساب} : مناقشته ، فيحاسبون أنفسهم قبل ان يحاسبوا. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 333 PageV03P459 ~~والذين صبروا} على مشاق الطاعة وترك المخالفة ، أو على ما تكرهه النفوس ، ~~ويخالفه الهوى. فعلوا ذلك {ابتغاء وجه ربهم} ؛ طلبا لرضاه ، أو لرؤية وجهه ~~وشهود ذاته ، لا فخرا ورياء ، وطلبا لحظ نفساني. {وأقاموا الصلاة} المفروضة ~~، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها ، وحضور السر فيها ، {وأنفقوا مما ~~رزقناهم} من الأموال فرضا ونفلا ، {سرا وعلانية} ؛ إن تحقق الإخلاص ، وإلا ~~تعين الإسرار. أو سرا لمن لا يعرف بالمال ، وجهرا لمن يعرف به ؛ لئلا يتهم ~~، أو ليقتدى به. {ويدرءون بالحسنة السيئة} أي : يدفعون الخصلة السيئة ~~بالخصلة الحسنة ، فيجازون الإساءة بالإحسان ؛ امتثالا لقوله تعالى : {ادفع ~~بالتي هي أحسن السيئة} [المؤمنون " 96] ، أو : يدفعون الشرك بقول : " لا ~~إله إلا الله " ، أو يفعلون الحسنات فيدرؤون بها السيئات ، كقوله {إن ~~الحسنات يذهبن السيئات} # 334 # [هود : 114]. قيل : نزلت في الأنصار. وهي عامة. # ثم ذكر جزاءهم ، فقال : {أولئك لهم عقبى الدار} أي : عاقبة دار الدنيا ~~وما يؤول إليه أهلها. وهي : الجنة التي فسرها بقوله : {جنات عدن} أي : ~~إقامة ، {يدخلونها} مخلدين فيها. والعدن : الإقامة ، وقيل : هي بطنان الجنة ~~، أي : مداخلها لا ربضها ، فيدخلونها {ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم} أي : يلحق بهم من صلح من أهلهم ، وإن لم يبلغوا في العمل مبلغهم ~~، بتعا لهم وتعظميا لشأنهم ، أو بشفاعتهم لهم. وهو دليل على أن الدرجة تعلو ~~بالشفاعة ، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقرب بعضهم من بعض لما بينهم من ~~القرابة والوصلة في دخول الجنة ؛ زيادة في أنسهم لكن يقع التفاوت في ~~الدرجات والنعيم والقرب ، على قدر اجتهادهم في التحقق بتلك الصفات ، ~~والدؤوب عليها. والتقييد بالصلاح يدل على أن مجرد الانتساب لا ينفع من غير عمل. PageV03P460 # {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} من أبواب المنازل ، أو من أبواب الفتوح ~~والتحف ، قائلين : {سلام عليكم} ؛ بشارة بدوام السلامة ، هذا {بما صبرتم} ، ~~أو سلامة لكم بسبب صبركم. ms1221 {فنعم عقبى الدار} التي سكنوها ورحلوا عنها دارهم هذه. # الإشارة : أفمن تصفت مرآة قلبه من الأكدار والأغيار ، حتى أبصرت أمطار ~~العلوم والأسرار النازلة من سماء الملكوت على النبي المختار ، فتضلع منها ~~حتى امتلأ منها قلبه وسره ، ونبع بأنهار العلوم لسانه وفكره ، كمن هو أعمى ~~القلب والبصيرة ، فلم يرفع بذلك رأسا ؟ إنما ينتفع بتلك العلوم أولو القلوب ~~الصافية التي ذهب خبثها ، فصفت علومها وأعمالها وأحوالها من زبد المساوئ ~~والعيوب ، الذين دخلوا تحت تربية المشايخ ، فأوفوا بعهودهم ، وواصلوهم ، ~~وخافوا ربهم أن يبعدهم من حضرته ، أو يناقشهم الحساب ؛ فحاسبوا أنفسهم على ~~الأنفاس والأوقات ، وصبروا على دوام المجاهدات ، حتى أفضوا إلى فضاء ~~المشاهدات ، وأقاموا صلاة القلوب وهي العكوف في حضرة الغيبوب وأنفقوا مما ~~رزقهم من سعة العلوم ومخازن الفهوم ، ويقابلون الإساءة بالإحسان ؛ لأنهم ~~أهل مقام الاحسان. أولئك لهم عقبى الدار ؛ وهي العكوف في حضرة الكريم ~~الغفار ، تدخل على أبواب قلوبهم المواهب والأسرار ، تقول بلسان الحال : ~~سلام عليكم بما صبرتم في مجاهدتكم ، فنعم عقبى الدار. # جزء : 3 رقم الصفحة : 333 # 335 PageV03P461 ~~يقول الحق جل جلاله : {والذين ينقضون عهد الله...} الذي اخذه عليهم في عالم ~~الذر ، حيث قال : {ألست بربكم قالوا بلىا} [الأعراف : 172] ، ثم كفروا به ~~بعد بعث الرسل المنبهين عليه. أو ينقضون العهود فيما بينهم وبين عباد الله ~~، أن أعطوا ذلك من أنفسهم ، {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} من الأرحام ، ~~أو ممن يدل على الله من الأنبياء ، والعلماء الأتقياء ؛ فإن الله أمر ~~بوصلهم ، {ويفسدون في الأرض} بالظلم والمعاصي ، وتهييج الفتن ، {أولئك لهم ~~اللعنة} : البعد والطرد من رحمة الله ، {ولهم سوء الدار} : سوء عاقبة الدار ~~، وهو العذاب والهوان ، حيث اغتروا في الدنيا بسعة الأرزاق ، وظنوا أن ذلك ~~من علامة إقبال الحق. # ولم يدروا أن الله {يبسط الرزق لمن يشاء} ، ولو كان من أهل الشقاء ، ~~{ويقدر} يضيقه على من يشاء ، ولو كان من أهل السعادة والعناية ، {وفرحوا ~~بالحياة الدنيا} واطمأنوا بها ، وقنعوا بنعيمها الفاني ، {وما الحياة ~~الدنيا} في جنب الآخرة {إلا متاع} ؛ إلا متعة لا ms1222 تدوم ، كعجالة الراكب وزاد ~~الراعي. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " ما لي وللدنيا إنما مثلي ~~ومثل الدنيا كراكب سافر في يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ، ثم راح عنها ~~وتركها " والمعنى : أنهم أشروا بما نالوا من الدنيا ، ولم يصرفوها فيما ~~يستوجبون به نعيم الآخرة ، واغتروا بما هو في جنبه نزر قليل النفع ، سريع ~~الزوال. قاله البيضاوي. PageV03P462 # الإشارة : لا شيء أفسد على المريد من نقض عهود المشايخ ، والرجوع عن صحبتهم ~~؛ فإنه لما دخل في حماهم انقبض عنه الشيطان والدنيا والهوى ، وأسفوا عليه ، ~~فإذا رجع إليهم ، واتصلوا به ، فعلوا به ما لم يفعلوا بغيره ؛ كمن هرب من ~~عدوه ثم اتصل به. وتنسحب عليه الآية من قوله : {والذين ينقضون عهد الله} ~~إلى قوله : {أولئك لهم اللعنة} ؛ أي : البعد عن الحضرة ، {ولهم سوء الدار} ~~وهو : غم الحجاب والبقاء من وراء الباب. فإذا رجعت إليه الدنيا يقال له : ~~{الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} ؛ فلا تغتر ولا تفرح بالعرض الفاني ، فما ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع قليل ، ثم التحسر الوبيل. # جزء : 3 رقم الصفحة : 335 # يقول الحق جل جلاله : {ويقول الذين كفروا} من أهل مكة : {لولا أنزل عليه ~~آية} ظاهرة {من ربه} كما أنزلت على من قبله فنؤمن حينئذ ؟ {قل} لهم : {إن ~~الله يضل من يشاء} بعد ظهور الآيات والمعجزات. وليس الإيمان والهداية بيد ~~العبد في الحقيقة. # 336 # {ويهدي إليه من أناب} أي : من أقبل ورجع عن عناده من غير احتياج إلى ~~معجزة. قال البيضاوي : وهو جواب ، يجري التعجب من قولهم ، كأنه قال : قل ~~لهم ما أعظم عنادكم! {إن الله يضل من يشاء} ممن كان على صفتكم ، فلا سبيل ~~إلى اهتدائه ، وإن نزلت كل آية ، ويهدي إليه من أناب لما جئت به ، بل بأدنى ~~منه من الآيات. ه. # الإشارة : تقدم مرارا أن من سبقت له من عند الله عناية الخصوصية ، لم ~~يتوقف على ظهور آية. ومن لم يسبق له شيء في الخصوصية لا ينفع فيه ألف آية. ~~فالله يضل من يشاء عن دخول ms1223 حضرته ، ولو رأى من أولياء زمانه ما رأى ، ويهدي ~~إلى حضرته من أناب ، ورجع بلا سبب. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 336 PageV03P463 ~~قلت : الموصول : بدل ممن أناب ، أو خبر عن مضمر ، أي : هم. والموصول الثاني ~~بدل ثان ، أو مبتدأ ، وجملة (طوبى) : خبر ، وهي فعلى ، من الطيب ، كبشرى من ~~البشارة ، قلبت ياؤها واوا ؛ لضم ما قبلها ، ومعناها : أصبت خيرا وطيبا. ~~وقيل : شجرة في الجنة. وسوغ الابتداء بها : ما فيها من معنى الدعاء. # يقول الحق جل جلاله : في وصف من سبقت له الهداية واتصفت بالإنابة : هم ~~{الذين آمنوا} بالله وبرسوله إيمانا تمكن من قلوبهم ، واطمأنت إليه نفوسهم ~~؛ فإذا حركتهم الخواطر والهواجم ، أو فتن الزمان وأهواله {تطمئن قلوبهم ~~بذكر الله} ، وترتاح بذكر الله ؛ أنسا به ، واعتمادا عليه ورجاء منه ، أو ~~بذكر رحمته بعد القلق من خشيته ، أو بذكر آلائه ، ودلائله الدالة على وجوده ~~ووحدانيته ، أو بكلامه القرآن ، الذي هو أقوى المعجزات. قاله البيضاوي. ~~وقال في القوت : معنى تطمئن بذكر الله : تهش وتستأنس به. قال شيخ شيوخنا ~~سيدي عبد الرحمن الفاسي بعد كلام : والحاصل أن المراد من الطمأنينة : ~~السكون إلى المذكور ، والأنس به. ووجود الروح والفرح والانشراح ، والغنى به. ه. # قال تعالى : {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} لا بغيره ، فلا تسكن إلا إليه ~~، ولا تعتمد إلا عليه ؛ فإن سكنت إلى غيره ذهب نورها ، وعظم قلقها. {الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم} أي : لهم عيش طيب وحياة طيبة. أو الجنة ، ~~أو شجرة فيها ، {وحسن مآب} أي : مرجع يرجعون إليه بعد الموت. # الإشارة : الطمأنينة على قسمين : طمأنينة إيمان وطمأنينة شهود وعيان. قوم ~~اطمأنوا إلى غائب موجود ، وقوم إلى آخر مشهود. قوم اطمأنوا بوجود الله من ~~طريق الإيمان على # 337 # نعت الدليل والبرهان ، وقوم اطمأنوا بشهود الله من طريق العيان على نعت ~~الذوق والوجدان. وهذه ثمرة الإكثار من ذكر الله. PageV03P464 # قال الشيخ الشاذلي رضي الله عنه : حقيقة الذكر : ما اطمأن بمعناه القلب ، ~~وتجلى في حقائق سحاب أنوار سمائه الرب. ه. وقال الورتجبي : إن كان الإيمان ~~من ms1224 حيث الاعتقاد ، فطمأنينة القلب بالذكر ، وإن كان من حيث المشاهدة ~~فطمأنينة القلوب بالله وكشف وجوده. ه. فطمأنينة الإيمان لأهل التفكر ~~والاعتبار من عامة أهل اليمين. وطمأنينة العيان لأهل الشهود والاستبصار من ~~خاصة المقربين. أهل الأولى يستدلون بالأشياء على الله ، وأهل الثانية ~~يستدلون بالله على الأشياء ؛ فلا يرون إلا مظهر الأشياء. وشتان بين من ~~يستدل به أو يستدل عليه ؛ المستدل به عرف الحق لأهله ، وأثبت الأمر من وجود ~~أصله ، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه ، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه ~~، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه ؟ !. كما في الحكم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 337 # وقال في المناجاة : " إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ ~~!. أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك ، حتى يكون هو المظهر لك ؟ ! متى غبت ~~حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل ~~إليك ؟ !. # وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : " كيف يعرف بالمعارف من به عرفت ~~المعارف ؟ ! أم كيف يعرف بشيء من سبق وجوده كل شيء ؟ أي : وظهر بكل شيء ". ~~وفي ذلك يقول الشاعر : # عجبت لمن يبغي عليك شهادة # وأنت الذي أشهدته كل شاهد # وقال آخر : # لقد ظهرت فما تخفى على أحد # إلا على أكمه لا يبصر القمرا # لكن بطنت بما أظهرت محتجبا # وكيف يبصر من بالعزة استترا PageV03P465 ~~وأهل طمأنينة الإيمان على قسمين ؛ باعتبار القرب والبعد : فمنهم من يطمئن ~~بوجود الحق على نعت القرب والأنس ، وهم أهل المراقبة من الزهاد والصالحين ، ~~والعلماء العابدين المجتهدين ، وهم متفاوتون في القرب على قدر تفرغهم من ~~الشواغل والعلائق ، وعلى قدر التخلية والتحلية. ومنهم من يطمئن إليه على ~~نعت البعد من قلبه ، وهم أهل الشواغل والشواغب ، والعلائق والعوائق. وعلامة ~~القرب : وجود حلاوة المعاملة ، كلذيذ المناجاة ، والأنس به في الخلوات ، ~~ووجود حلاوة القرآن والتدبر في معانيه ، حتى لا يشبع منه من كل أوان. ~~وعلامة البعد : فقد الحلاوة المذكورة ، وعدم الأنس به في الخلوة ، وفقد ~~الحلاوة القرآن ، ولو كان من أعظم ms1225 علماء اللسان. # 338 # وأهل طمأنينة الشهود على قسمين أيضا : فمنهم من تشرق عليه أنوار ، وتحيط ~~به الأسرار ، فيغرق في الأنوار وتطمس عنه الآثار ، فيكسر ويغيب عن الأثر في ~~شهود المؤثر ، ويسمى عندهم هذا المقام : مقام الفناء. ومنهم من يصحو من ~~سكرته ، ويفيق من صعقته ، فيشهد المؤثر ، لا يحجبه جمعه عن فرقه ، ولا فرقة ~~عن جمعه ، ولا يضره فناؤه عن بقائه ، ولا بقاؤه ، عن فنائه ، يعطي كل ذي حق ~~حقه ، ويوفي كل ذي قسط قسطه ، وهو مقام البقاء ، ولا يصح وجوده إلا بعد ~~وجود ما قبله ، فلا بقاء إلا بعد الفناء ، ولا صحو إلا بعد السكر. ومن ~~ترامى على هذا المقام أعني مقام البقاء من غير تحقيق مقام السكر والفناء ~~فهو لم يبرح عن مقام أهل الحجاب. PageV03P466 # واعلم أن طمأنينة الإيمان تزيد وتنقص ، وطمأنينة العيان ، إن حصلت ، تزيد ~~ولا تنقص. فمواد أسباب زيادة طمأنينة الإيمان أشياء متعددة ، فمنهم من تزيد ~~طمأنينته بالتفكر والاعتبار. إما في عجائب المصنوعات وضروب المخلوقات ، ~~فيطمئن إلى صانع عظيم القدرة باهر الحكمة. وإما بالنظر في معجزات الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ، وباهر علمه ، وعجائب حكمه وأسراره ، وإخباره بالأمور ~~الغيبية السابقة والآتية ، مع كونه نبيا أميا. فإذا تحقق معرفة الرسول فقد ~~تحقق بمعرفة الله ، واطمأن به ؛ لأنه الواسطة العظمى ، بين الله وبين ~~عباده. ومنهم من تزيد طمأنينته بموالاة الطاعات وتكثير القربات ، كالذكر ~~وغيره. ومنهم من تزيد طمأنينته بزيادة الأولياء أحياء أو ميتين. ومادة ~~الأحياء أكثر ، ونور طمأنينتهم أبهر ، لا سيما العارفين ، وفي الأثر : ~~تعلموا اليقين بمجالسة أهل اليقين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 337 # وأما طمأنيته أهل الشهود : فزيادتها باعتبار زيادة الكشف وحلاوة الشهود ، ~~والترقي في العلوم والأسرار ، والاتساع في المقامات إلى ما لا نهاية له ، ~~في هذه الدار الفانية وفي الدار الباقية ، ففي كل نفس يجدد لهم كشوفات ~~وترقيات ومواهب وتحف ، على قدر توجههم وتحققهم. حققنا الله بمقامهم ، ~~وأتحفنا بما أتحفهم. آمين PageV03P467 ~~ولا بد في تحصيل طمأنينة الشهود من صحبة شيخ عارف طبيب ماهر ، يقدح عين ~~البصيرة حتى ms1226 تنفتح ؛ فما حجب الناس عن شهود الحق إلا طمس البصيرة ؛ فإذا ~~اتصل بشيخ عارف كحل عين بصيرته أولا بإثمد على اليقين ، فيدرك شعاع نور ~~الحق قريبا منه ، ثم يكحل عينه ثانيا بإثمد عين اليقين ، فيدرك عدمه لوجود ~~الحق ، أي : يغيب عن حسه بشهود معناه القائم به. ثم يكحل عينه بإثمد حق ~~اليقين ، فيدرك وجود الحق بلا واسطة قدرة وحكمة ، معنى وحسا ، لا يتحجب ~~بأحدهما عن الآخر. وإلى هذا أشار في الحكم بقوله : " شعاع البصيرة يشهدك ~~قرب الحق منك ، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده ، وحق البصيرة يشهدك وجود ~~الحق ، لا عدمك ولا وجودك. وكان شيء معه ، وهو الآن على ما كان عليه. # 339 # جزء : 3 رقم الصفحة : 337 # قلت : (كذلك) : مفعول مطلق بأرسلناك ، أي : مثل ذلك الإرسال المتقدم ~~أرسلناك. وقال ابن جزي : الكاف تتعلق بالمعنى الذي في قوله : {يضل من يشاء ~~ويهدي إليه من أناب}. ه. أي : كما أن الإضلال والهداية بيده كذلك اختصاصك ~~بالرسالة إلى أمة... إلخ ، وجملة : (وهم يكفرون) : حال من ضمير (عليهم) أي ~~: لتتلو عليهم في حال كفرهم لعلهم يؤمنون. و(متاب) : مفعل ، من التوبة. PageV03P468 # يقول الحق جل جلاله : قد أرسلنا قبلك رسلا فأنذروا وبشروا قومهم ، {كذلك ~~أرسلناك} أي : مثل ذلك الإرسال أرسلناك في أمة ، أو كما هدينا من أناب ~~إلينا اختصصناك برسالتنا ، {في أمة قد خلت} ؛ مضت {من قبلها} أي : تقدمها ~~{أمم} أرسل إليهم رسلهم ؛ فليس ببدع إرسالك إلى هذه الأمة الأمية ، {لتتلو ~~عليهم الذي أوحينا إليك} : لتقرأ عليهم الكتاب ، الذي أوحينا إليك ، ~~والحالة أنهم {يكفرون بالرحمن} أي : بالبليغ الرحمة التي أحاطت بهم نعمته ، ~~ووسعت كل شيء رحمته ، فلم يشكروا ما أنعم به عليهم ، وخصوصا إرسالك إليهم ، ~~وإنزال القرآن عليهم ، الذي هو مناط المنافع الدينية والدنيوية. قيل : نزلت ~~في أبي جهل ، وقيل : في قريش حين قالوا : لا نعرف الرحمن ، والمعنى : ~~أرسلناك إليهم رحمة لتتلوا عليهم ما هو مناط الرحمة ، {وهم يكفرون بالرحمن} ~~، والحال : أنهم يكفرون ببليغ الرحمة. {قل هو ربي} أي : الرحمن خالقي ~~ومتولي أمري ، {لا إله إلا ms1227 هو} ، لا مستحق للعبادة غيره ، {عليه توكلت} في ~~أموري ، ومن جملتها نصري عليكم. {وإليه متاب} ؛ مرجعي في أموري كلها ، لا ~~أرجع إلى أحد غيره ، ولا أتعلق بشيء سواه. # الإشارة : قد بعث الله في كل عارفا بالله يحيي به الدين ، ويعرف الطريق ~~إلى رب العالمين ؛ فالأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة ، غير أنهم تارة يخفون ، ~~لفساد الزمان ، وتارة يظهرون ؛ رحمة للأنام. فإذا وقع الإنكار عليهم ، أو ~~استغرب وجودهم ، يقال لهم : كذلك أرسلنا في كل أمة نذيرا ، وداعيا ، ~~فإرسالكم أنتم وإظهاركم ليس ببدع ، لتعلموا الناس ما أوحي إليكم من طريق ~~الإلهام ؛ فإظهاركم رحمة ، وهم يكفرون هذه النعمة. فاعتمدوا على الرحمن ، ~~وثقوا بالواحد المنان ، وراجعوا إليه في كل حال وشأن. فمن توكل عليه كفاه ، ~~ومن التجأ إليه حماه. # 340 # جزء : 3 رقم الصفحة : 340 # جواب (لو) : محذوف ، أي : لم يؤمنوا ؛ لسابق الشقاء ، أو : لكان هذا ~~القرآن ، وسيأتي بيانه. PageV03P469 # يقول الحق جل جلاله : {ولو أن قرآنا} أنزل عليك ، من صفته : {سيرت به ~~الجبال} أي : زعزعت عن مقارها ، {أو قطعت به الأرض} : تصدعت وتشققت من خشية ~~الله عند قراءته ، أو : تشققت فجعلت أنهارا وعيونا ، {أو كلم به الموتى} ؛ ~~فتجيب من قبورها جهرا ، لما آمنوا ؛ لعنادهم وغلبة الحسد عليهم. فهذا كقوله ~~تعالى {ولو أننا نزلنآ إليهم الملاائكة وكلمهم الموتىا وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبلا ما كانوا ليؤمنوا} [الأنعام : 111] ، أو : ولو أن قرآنا بهذه الصفة : ~~من تسيير الجبال ، وتقطيع الأرض ، وتكليم الموتى ، لكان هذا القرآن ؛ لأنه ~~الغاية في الإعجاز ، والنهاية في التذكير والإنذار ، والأرل أرجح ؛ لمناسبة ~~ما قبله وما بعده. # روي أن قريشا قالوا : يا محمد ، إن سرك أن نتبعك فسير بقرآنك الجبال عن ~~مكة ، حتى تتسع لنا فنتخذها بساتين وقطائع. أو سخر لنا به الريح لنركبها ، ~~فنتجر بها إلى الشام. أو ابعث لنا قصي بن كلاب فإنه شيخ صدق ، أو غيره من ~~آبائنا ، فيكلمونا فيك ، ويشهدوا لك بما تقول. فنزلت الآية. PageV03P470 # {بل لله الأمر جميعا} ؛ ليس لي منه شيء ، فهو القادر على الإتيان بما ~~اقترحتموه من ms1228 الآيات ، إلا أن الإرادة لم تتعلق بذلك ؛ لأنه علم أنه لا ~~ينجع فيكم شيء من ذلك ؛ لفرط عنادكم ، فإذا رأيتموها قلتم : {إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} [الحجر : 15] ، وبين ذلك قوله : {أفلم ييأس ~~الذين آمنوا} من إيمانهم مع رأوا من أحولهم ، وفرط عنادهم ، علما منهم {أن ~~لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} ، أو : {أفلم ييأس} أي : يعلم {الذين ~~آمنوا} أن الهداية بيد الله ، ومشيئته ، فلو شاء لهدى الناس جميعا ، وكون " ~~ييأس " بمعنى " علم " : لغة هوازن ؛ فقد علموا بما أعلمهم أن الله لا يهدي ~~من يضل. وقد قرأ علي وابن عباس وجماعة : " أفلم يتبين الذين آمنوا " ، وهو ~~يقوي تفسير ييأس بيعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 341 # قال البيضاوي : وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم ، لأنه مسبب عن العلم ، فإن # 341 # الميئوس منه لا يكون إلا معلوما. ولذلك علقه بقوله : {أن لو يشاء الله ~~لهدى الناس جميعا} ؛ فإن معناه نفي هدى بعض الناس ؛ لعدم تعلق المشيئة ~~باهتدائهم ، وهو على الأول يتعلق بمحذوف تقديره : أفلم ييأس الذين آمنوا ~~من إيمانهم ؛ علما منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا. أو : بآمنوا ، ~~على حذف الجار ، أي : بأن الله... الخ. ه. PageV03P471 # {ولا يزال الذين كفروا} من قريش والعرب ، {تصيبهم بما صنعوا} من الكفر ~~والمعاصي ، {قارعة} داهية تقرعهم ؛ تقلقهم ، وتصيبهم في أنفسهم وأولادهم ~~وأموالهم. أو غزوات المسلمين إليهم ، إما أن تنزل بهم {أو تحل قريبا من ~~دارهم} فيفزعون منها وتتطاير إليهم شررها. وقيل : نزلت في كفار مكة ، فإنهم ~~لا يزالون مصابين بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لا يزال ~~يبعث السرايا ، فتغير حواليهم وتختطف أموالهم. وعلى هذا يجوز أن يكون ضمير ~~{تحل} خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم أي : تحل بجيشك قريبا من دراهم ، ~~{حتى يأتي وعد الله} بالموت أو بالبعث أو فتح مكة. {إن الله لا يخلف ~~الميعاد} ؛ لامتناع الخلف في وعده تعالى. # الإشارة : لو أن عارفا بالله سير الجبال عن أماكنها وفجر الأرض عيونا ، ~~وكلمه الموتى لما آمن بخصوصيته إلا من ms1229 سبقت له عناية الخصوصية. فلو شاء ~~الله لهدى الناس إلى معرفته جميعا. لكن الحكمة اقتضت وجود الخلاف ، قال ~~تعالى : {ولا يزالون مختلفين} [هود : 118] ، فمن لم يهتد إلى معرفتهم لا ~~يزال تطرقه قوارع الشكوك والأوهام ، وخواطر السوء ، أو تحل قريبا من قلبه ، ~~إن لم تتمكن فيه ، حتى يأتي وعد الله بحضور موته ، فقد يتداركه اللطف ~~والرعاية ، وقد يتسع الخرق عليه فيموت على الشك ، والعياذ بالله. بخلاف من ~~صحب أهل الطمأنينة واليقين ، ولا يموت إلا على اليقين ؛ لأن همة الشيوخ قد ~~حلقت عليه ، والعناية قد حفت به. والله ولي المتقين. # قال أبو الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : (والله لا يكون الشيخ شيخا حتى ~~تكون يده مع الفقير أينما ذهب) ، والمراد باليد : الهمة والحفظ. ووقت الموت ~~أولى بالحضور ، وقد شاهدنا ذلك من إخواننا ممن حضره الموت منهم ، أخبر أنه ~~يرى شيخه حاضرا معه. فلله الحمد والمنة. # جزء : 3 رقم الصفحة : 341 PageV03P472 ~~يقول الحق جل جلاله : في تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم : {لقد استهزئ ~~برسل من قبلك} فأوذوا وأهينوا ، {فأمليت للذين كفروا} : أمهلتهم في دعة ~~ورغد عيش ، مدة من الزمان ، # 342 # {ثم أخذتهم} بالهلاك والاستئصال ، {فكيف كان عقاب} ؟ أي : عقابي إياهم ، ~~وهو تهويل لما نزل بهم ، وتخويف لغيرهم من المستهزئين بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم والمقترحين عليه الآيات. # الإشارة : الاستهزاء بأهل الخصوصية في بدايتهم سنة ماضية ، ويتسلون بمن ~~سلف من خصوص الأنبياء والأولياء. وما هدد به الكفار يهدد به أهل الإنكار. ~~بالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 342 # قلت : (أفمن) مع صلته : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : أفمن هو رقيب على كل ~~شيء أحق أن يعبد أم غيره. أو كمن ليس كذلك ؟ !. # يقول الحق جل جلاله : {أفمن هو قائم على كل نفس} ؛ أي : حفيظ رقيب على ~~عمل كل نفس {بما كسبت} من خير أو شر ، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ، ولا ~~يفوت عنده شيء من جزائهم أحق أن يعبد أم غيره ؟ أو كمن ليس كذلك ممن هو ~~جماد لا يسمع ، ولا يعقل!!. ms1230 {وجعلوا لله شركاء} بعد هذا البيان التام ، ~~{قل} لهم : {سموهم} أي : اذكروا أسماءهم ، فلا تجدون إلا أسماء إناث ؛ ~~كاللات والعزى ومناة ، أو أسماء أحجار وخشب ؛ فبأي وجه تستحق أن تعبد ، ~~وتشرك مع الله في ألوهيته ؟ . # {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} ؛ بل أتخبرونه بما لا يعلم وجوده في ~~الأرض ، وهذا تهكم بهم ، كأنهم علموا استحقاق الأصنام العبادة ، ولم يعلمها ~~الحق تعالى ، وهو محال. والمعنى : أن الله لا يعلم لنفسه شركاء وإذا لم ~~يعلمهم فليسوا بشيء ، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم ؟ {أم} تسمونهم شركاء ، ~~{بظاهر من القول} ، من غير حقيقة واعتبار معنى ، كتسمية الخبث مسكا ، ~~والبول عطرا. PageV03P473 # {بل زين للذين كفروا مكرهم} أي : انخداعهم وغرورهم حتى توهموا الباطل حقا ، ~~أو مكرهم بالإسلام وكيدهم لأهله ، {وصدوا عن السبيل} أي : وصدوا الناس عن ~~طريق الحق ، حيث منعوهم من الإسلام ، ومن قرأ بضم الصاد مبنيا للمفعول ~~فمعناه : صدهم الشيطان عن طريق الحق وضلوا عنه. {ومن يضلل الله فما له من ~~هاد} أي : من يخذله الله فليس له من يوقفه غيره. {لهم عذاب في الحياة ~~الدنيا} بالقتل والأسر ، وسائر # 343 # ما يصيبهم من المصائب ، {ولعذاب الآخرة أشق} ؛ لشدته ودوامه ، {وما لهم ~~من الله} اي : من عذابه {من واق} يقيهم ويعصمهم منه. # الإشارة : كل من تحقق أن الله قائم عليه استحيا منه أن يسيء الأدب بين ~~يديه ، يقول الله تعالى في بعض الأخبار : " إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم ، ~~فالخلل في إيمانكم ، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون ~~الناظرين إليكم ؟ " وكل من وقف مع الأسباب واعتمد عليها ، أو طمع في الخلق ~~وركن إليهم ، فقد جعل لله شركاء ، فيقال له : سم هؤلاء تجدهم حقا عاجزين ، ~~لا قدرة لهم على شيء ، ولا ينفعوك بشيء إلا ما قسم الله لك في الأزل. بل ~~زين لضعفاء اليقين مكرهم ، حتى انخدعوا وافتتنوا برؤية الأسباب ، أي : ~~كفروا كفرا دون كفر ؛ بأن شكوا في الرزق والشك في الرزق شك في الرزاق ، ~~وصدوا عن طريق اليقين ، الغنى برب العالمين ، لهم عذاب ms1231 في الحياة الدنيا ~~بالذل والحرص والحرمان. # جزء : 3 رقم الصفحة : 343 # قال بعض العارفين : لو قيل للطمع : من أبوك ؟ لقال : الشك في المقدور ، ~~ولو قيل له : ما حرفتك ؟ لقال : الذل والهوان ، ولو قيل له : ما غايتك ؟ ~~لقال : الحرمان. وفي الحكم : " ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع ". وقال ~~الشاعر : # العبد حر ما قنع # والحر عبد ما طمع PageV03P474 ~~ولعذاب الآخرة أشق ؛ حيث يسقط بضعف يقينه عن درجة المقربين على سبيل الدوام ~~، وما لهم من الله من واق يقيهم من غم الحجاب ، وعدم اللحوق بالأحباب الذين ~~ترقوا إلى القرب من الحبيب. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 343 # قلت : (مثل الجنة) : مبتدأ. قال سيبويه : الخبر محذوف ، أي فيما يتلى ~~عليكم صفة الجنة. وقال الفراء : الخبر هو : (تجري...) إلخ ، وعلى قول ~~سيبويه يكون (تجري) : حالا من العائد المحذوف ، أي : التي وعدها المتقون ~~حال كونها تجري... إلخ. والمراد بالمثل هنا : الصفة ، لا ضرب المثل. ~~و(ظلها) : مبتدأ حذف خبره ، وظلها كذلك ، والأكل بضم الهمزة ، ويجوز فيه ضم ~~الكاف وإسكانها ، وأما الأكل بالفتح فمصدر. # يقول الحق جل جلاله : صفة الجنة التي وعدها المتقون هي غرف وقصور {تجري ~~من تحتها الأنهار} من ماء وخمر وعسل ولبن ، {أكلها دائم} ؛ ما يؤكل من ~~ثمارها وأنواع أطعمتها لا ينقطع ، {وظلها} دائم ، لا ينسخ بالشمس كظلال ~~الدنيا ، {تلك} الجنة # 344 # الموصوفة بهذه الأوصاف هي {عقبى الذين اتقوا} الشرك والمعاصي ، وهي مآلهم ~~وعاقبة استقرارهم ، {وعقبى الكافرين النار} لا محيد عنها ، وهي مآلهم ~~وإليها رجوعهم. وفي ترتيب العقبيين إطماع للمتقين ، وإقناط للكافرين. # الإشارة : مثل جنة المعارف التي وعدها المتقون لكل ما يشغل عن الله هي ~~حضرة مقدسة ، يتنعم فيها أسرار العارفين ، تجري من تحت قلوبهم أنهار العلوم ~~والحكم ، لذتها وقوت الأرواح فيها دائم ، وهي الفكرة في ميادين أنوار ~~التوحيد ، وجولان الروح في فضاء أسرار التفريد ، وظل روحها وريحانها دائم ، ~~وهو : سكون القلب إلى الله ، وفرح الروح بشهود الله. وإليه أشار ابن الفارض ~~بقوله ، رحمه الله ، في صف خمرتها : # وإن خطرت يوما ms1232 على خاطر امرئ # أقامت به الأفراح وارتحل الهم PageV03P475 ~~تلك عقبى الذين أتقوا السوى ، وعقبى المنكرين لوجود أهل هذه الجنة نار ~~القطعية والبعد. أعاذنا الله من ذلك. # جزء : 3 رقم الصفحة : 344 # قلت : (حكما) : حال من ضمير (أنزلناه). # يقول الحق جل جلاله : في حق من سبقت له السعادة : {والذين آتيناهم ~~الكتاب} ؛ كعبد الله بن سلام ومخيريق وأصحابهما ، ومن أسلم من النصارى ، ~~وهم : ثمانون رجلا : أربعون بنجران ، وثمانية باليمن ، واثنان وثلاثون من ~~الحبشة. أو : كل من آمن من أهل الكتاب ، فإنهم كانوا {يفرحون} بما يوافق ~~كتبهم. ثم ذكر ضدهم فقال : {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} أي : ومن كفرتهم ~~الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة والشحناء ؛ ككعب ~~بن الأشرف وأصحابه من اليهود ، والعاقب والسيد وأشياعهما من النصارى ، {من ~~ينكر بعضه} ، وهو ما يخالف شرائعهم التي نسخت به ، أو ما يوافق ما حرفوا منها. # {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به} ، وهو جواب للمنكرين ، أي : قل ~~لهم : إنما أمرت فيما أنزل إلي أن أعبد الله وأوحده ، وهو العمدة في ~~الأديان كلها ، فلا سبيل لكم إلى إنكاره. وأما إنكاركم ما يخالف شرائعكم ~~فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام ؛ لأنها تابعة ~~للمصالح والعوائد وتتجدد بتجددها. {إليه # 345 # أدعو} لا إلى غيره ، {وإليه مآب} أي : وإليه مرجعي بالبعث لا إلى غيره. ~~وهذا هو القدر المتفق عليه من الشرائع ، وهو الأمر بعبادة الله وحده ، ~~والدعاء إليه ، واعتقاد المآب إليه ، وهو الرجوع بالبعث يوم القيامة ؛ فلا ~~يخالف ما قبله من الشرائع ، فلا معنى للإنكار حينئذ. PageV03P476 # {وكذلك أنزلناه} أي : ومثل هذا الإنزال المشتمل على أصول الدين المجمع ~~عليها ، {أنزلناه حكما عربيا} أي : يحكم في القضايا والوقائع ، بما تقتضيه ~~الحكمة ، مترجما بلسان العرب ؛ ليسهل عليهم فهمه وحفظه. {ولئن اتبعت ~~أهواءهم} التي يدعونك إليها ؛ كتقرير دينهم ، والصلاة إلى قبلتهم بعدما ~~حولت عنها ، {بعد ما جاءك من العلم} بنسخ ذلك ، {ما لك من الله من ولي} ~~ينصرك ، {ولا واق} يقيك عتابه. وهو حسم لأطماعهم ms1233 ، وتهييج للمؤمنين على ~~الثبات في دينهم. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 345 # الإشارة : الفرح بما أنزل من عند الله هو مقدمات الفرح بالله ، فإذا رفعت ~~أكنة الغفلة عن القلب تلذذ بسماع الخطاب من وراء الباب ، وذلك أمارة القرب. ~~وهذا مقام أهل المراقبة من المحبين. فإذا جد في السير رفعت عنه الحجب ~~والأستار ، وواجهته الأنوار والأسرار ، فيكاشف بأسرار الذات وأنوار الصفات ~~، فيتلذذ بشهود المتكلم ، فيسمع حينئذ الكلام من المتكلم به بلا واسطة. ~~وهذا مقام أهل الشهود من المحبين المقربين. (ومن الأحزاب) ، وهم أهل ~~الرئاسة والجاه ، من ينكر وجود بعض هذه المقامات ؛ تعصبا وحمية. أو ينسبها ~~لنفسه غلطا وجهلا ، فيقول له من تحقق بهذا المقام : إنما أمرت أن أعبد الله ~~ولا أشرك به ، إليه أدعو وإليه مآب. ويغيب عنه بالاشتغال بالله ، وبالدعاء ~~إليه ، فإن غفل واشتغل به ، أو ركن إلى قوله ، قيل له : ولئن اتبعت أهواءهم ~~بعد ما جاءك من العلم ؛ ما لك من الله من ولي ولا واق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 345 PageV03P477 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد ارسلنا رسلا من قبلك} يا محمد ، {وجعلنا لهم ~~أزواجا} كثيرة : كداود عليه السلام ؛ كان له مائة امرأة ، وابنه كان له ألف ~~، على ما قيل ، وغيرهما من الأنبياء والرسل. {و} جعلنا لهم منهن {ذرية} ، ~~وأنت يا محمد منهم ؛ فليس ببدع أن يكون الرسول بشرا ، يتزوج النساء ، ~~ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر ، إلا # 346 # أنه لا يشغله ذلك عن أداء الرسالة ، ونصيحة الأمة ، وإظهار شريعة الدين ، ~~والقيام بحقوق رب العالمين. ولما أجابهم بشبهتهم قالوا : أظهر لنا معجزة ~~كما كانت لهم ، كالعصا وفلق البحر ، وإحياء الموتى ؟ فإنزل الله {وما كان ~~لرسول} ؛ ما صح له ولم يكن في وسعه {أن يأتي بآية} تقترح عليه ، ويظهرها ~~{إلا بإذن الله} وإرادته ؛ فإنه القادر على ذلك. {لكل أجل} من آجال بني آدم ~~وغيرهم ، {كتاب} يكتب فيه وقت موته ، وانتقاله من الدنيا. # {يمحو الله ما يشاء} من ديوان الأحياء ، فيكتب في الأموات ، {ويثبت} من ~~لا يموت. قيل : إن هذا ms1234 الكتاب يكتب ليلة القدر ، أو ليلة النصف من شعبان ، ~~ويجمع بينهما بأن الكتابة تقع ليلة النصف ، وإبرازه للملائكة ليلة القدر ، ~~{وعنده أم الكتاب} أي : الأصل المنسوخ منه كتب الآجال ، وهو اللوح المحفوظ ~~، أو العلم القديم. وهذا التفسير يناسب اقتراح الآيات ؛ لأنهم إذا أجيبوا ~~بظهور الآية ولم يؤمنوا ، عوجلوا بالهلاك ، وذلك له كتاب محدود. قال ~~الورتجبي : بين الحق سبحانه أن أوان إتيان الآية بأجل معلوم في وقت معروف ~~، بقوله : {لكل أجل كتاب} أي : لكل مقدور في الأزل في قضية مرادة وقت معلوم ~~في علم الله ، لا يأتي إلا في وقته. ه. PageV03P478 # أو : {لكل أجل} أي : عصر وزمان ، {كتاب} فيه شريعة مخصوصة على ما يقتضيه ~~استصلاحهم. {يمحو الله ما يشاء} : ينسخ ما يستصوب نسخه من الشرائع ، ~~{ويثبت} ما تقتضي الحكمة عدم نسخه. {وعنده أم الكتاب} وهو : اللوح المحفوظ ~~؛ فإنه جامع للكائنات. وهذا يترتب على قوله : {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} ، ~~وهو ما لا يوافق شريعتهم. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي : {يمحو الله ما ~~يشاء} ما يستصوب نسخه ، {ويثبت} ما تقتضيه حكمته ، فلا ينكر مخالفته ~~للشرائع في بعض الأحكام مع موافقته للحكم ، وهو الأصول الثابتة في أصول ~~الشرائع ، ولذا قال : {وعنده أم الكتاب} أي : لا يبدل. ه. وقريب منه ~~للبيضاوي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 346 # وقيل : إن المحو والإثبات عام في جميع الأشياء. قال ابن جزي : وهذا ترده ~~القاعدة المتقررة بأن القضاء والقدرلا يتبدل ، وعلم الله لا يتغير. ه. قلت ~~: أما القضاء المبرم ، وهو : علم الله القديم الذي استأثر الله به ، فلا شك ~~أنه لا يتبدل ولا يغير ، وأما القضاء الذي يبرز إلى علم الخلائق من ~~الملائكة وغيرهم ، فيقع فيه المحو والإثبات ، وذلك أن الحق تعالى قد يطلعهم ~~على بعض الأقضية ، وهي عنده متوقفة على أسباب وشروط يخفيها عنهم بقهريته ، ~~ليظهر اختصاصه بالعلم الحقيقي ، فإذا أراد الملائكة أن ينفذوا ذلك الأمر ~~محاه الله تعالى ، وأثبت ما عنده في علم غيبه ، وهو أم الكتاب ، حتى قال ~~بعضهم : إن اللوح الكحفوظ له جهتان : جهة تلي ms1235 عالم الغيب ، وفيه القضاء ~~المبرم ، وجهة تلي عالم الشهادة ، وفيه القضاء الذي يرد ويمحى ؛ لأنه قد ~~تكتب فيه أمور ، وهي متوقفة على شروط # 347 PageV03P479 ~~وأسباب في علم الغيب ، لم تظهر في هذه الجهة التي تلي عالم الشهادة ، فيقع ~~فيها المحو والإثبات ، وبهذا يندفع إشكالات كقوله في الحديث : " لا يرد ~~القضاء إلا الدعاء ، وصلة الرحم تزيد في العمر ". وقول ابن مسعود ، وعمر ~~رضي الله عنهما : اللهم إن كنت كتبتنا في ديوان الشقاء فامحنا ، واكتبنا ~~في ديوان السعادة ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. ه. أي : إن كنت أظهرت شقاوتنا ~~فامحها ، وأظهر سعادتنا ؛ فإنك تمحو ما تشاء...إلخ. وفي ابن عطية ما يشير ~~إلى هذا ، قال : وأصوب ما يفسر به أم الكتاب ، أنه كتاب الأمور المجزومة ~~التي سبق القضاء فيها بما هو كائن ، وسبق ألا تبدل ، ويبقى المحو والتثبيت ~~في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتمحى وتثبت. قال نحوه قتادة. ه. # الإشارة : قوله تعالى : {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك...} الآية ، قد أثبت ~~تعالى لأهل خصوصية النبوة والرسالة الأزواج والذرية ، وكان ذلك كمالا في ~~حقهم. وكذلك أهل خصوصية الولاية ، تكون لهم أزواج وذرية ، ولا يقدح في ~~مرتبتهم ، بل يزيد فيها ، وذلك بشرط أن يقع ذلك بعد التمكين ، أو يكون في ~~صحبة شيخ عارف كامل عند أمره ونهيه ، يكون فعل ذلك بإذنه ، فإذا كان هذا ~~الشرط فإن التزوج يزيد صاحبه تمكينا من اليقين. # قال الورتجبي في هذه الآية : أعلم تعالى ، بهذه الآية ، الجهال أنه إذا ~~شرف وليا أو صديقا بولايته ومعرفته لم يضر به مباشرة أحكام البشرية من ~~الأهل والولد ، ولم يكن بسط الدنيا له قدحا في ولايته. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 346 PageV03P480 ~~وقال الغزالي في الإحياء ، في الترغيب في النكاح : قال تعالى في وصف الرسل ~~ومدحهم : {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} ، فذكر ذلك ~~في معرض الامتنان وإظهار الفضل ، ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء ، فقال ~~تعالى : {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} ~~[الفرقان : 74] الآية ms1236 ، ويقال : إن الله تعالى لم يذكر في كتابه من ~~الأنبياء إلا المتأهلين. وقالوا : إن يحيىعليه السلام قد تزوج فلم يجامع. ~~قيل : إنما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السنة ، وقيل : لغض البصر. وأما عيسى ~~عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض ، ويولد له. # وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم : " النكاح سنتي ، فمن أحب فطرتي ~~فليستن بسنتي " وقال # 348 # أيضا صلى الله عليه وسلم : " تناكحوا تكاثروا ؛ فإني أباهي بكم الأمم يوم ~~القيامة ، حتى السقط " وقال أيضا : " من رغب عن سنتي فليس مني ، وإن من ~~سنتي النكاح ، فمن أحبني فليستن بسنتي " وقال صلى الله عليه وسلم : " من ~~ترك التزوج مخافة العيلة فليس منا " وقال صلى الله عليه وسل : م " من نكح ~~لله وأنكح لله استحق ولاية الله ". ثم قال : وقال ابن عباس لابنه : لا يتم ~~نسك الناسك حتى يتزوج. وكان ابن مسعود يقول : لو لم يبق من عمري إلا عشرة ~~أيام لأحببت أن أتزوج ، لا ألقى الله عزبا. وكان معاذ رضي الله عنه مطعونا ~~وهو يقول : زوجوني ، لا ألقي الله عزبا. وكان ماتت له زوجتان بالطاعون. ~~وكان عمر يكثر النكاح ، ويقول : لا أتزوج إلا للولد ، وكان لعلي رضي الله ~~عنه أربع نسوة ، وسبع عشرة سرية ، وهو أزهد الصحابة. فدل أن تزوج النساء لا ~~يدل على الرغبة في الدنيا. PageV03P481 # قال سفيان : كثرة النساء ليس من الدنيا. واستدل بقضية علي رضي الله عنه قال ~~: وكان أزهد الصحابة. وروي أن بشر الحافي رئي في المنام ، فقيل له : ما فعل ~~الله بك ؟ فقال : رفعت إلى منازلي في الجنة فأشرفت على مقامات الأنبياء ، ~~ولم أبلغ منازل المتأهلين. وفي رواية : قال لي : ما كنت أحب أن تلقاني عزبا ~~، قال الرائي : فقلت له : ما فعل أبو نصر التمار ؟ قال : رفع فوقي بسبعين ~~درجة ؛ بصبره على بنياته وعياله. وقد قيل : فضل المتأهل على العزب كفضل ~~المجاهد على القاعد ، وركعة من متأهل أفضل من سبعين ركعة من عزب. ه. كلام ~~الغزالي باختصار. # جزء : 3 رقم الصفحة : 346 # وقوله تعالى : {يمحو الله ms1237 ما يشاء ويثبت} ، من جملة ما يقع فيه المحو ~~والإثبات الواردات الإلهية التي ترد على القلوب من تجليات الغيوب ؛ فإن ~~القلب إذا تطهر من الأكدار ، وصفا من الأغيار ، كان كل ما يتجلى فيه من ~~الغيوب فهو حق ، إلا أنه ينسخ بعضها بعضا ؛ فقد يخبر الولي بأمر ، يكون أو ~~لا يكون على حساب ما تجلى في قلبه ، ثم يمحو الله ذلك ، ويثبت في قلبه ~~خلافه. أو يظهر في الوجود خلاف ما أخبر ، وليس بكذب في حقه ، ولكن الحق ~~تعالى يظهر لخلقه أمورا من مقدوراته ، متوقفا وجودها على أسباب # 349 # وشروط أخفاها الحق تعالى عن خلقه ، ليظهر عجزهم عن إحاطة علمه ، فالنسخ ~~إنما يقع في فعله لا في أصل علمه. # قال الأستاذ القشيري : المشيئة لا تتعلق إلا بالحدوث ، والمحو والإثبات ~~لا يكون إلا من أوصاف الحدوث ، فصفات ذات الحق سبحانه ؛ من كلامه وعلمه ، ~~لا يدخل تحت المحو والإثبات ، إنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله. ه. ~~وقال سهل رضي الله عنه : {يمحو الله ما يشاء ويثبت} الأسباب ، {وعنده أم ~~الكتاب} ؛ القضاء المبرم. ه. PageV03P482 # وقال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن الفاسي : {وعنده أم الكتاب} : العلم ~~الأول الثابت الذي لا يطرأ عليه تغيير ولا تبديل ، ولا يقبل النسخ ~~والتحريف. ومطالعته : بالفناء عن الحقيقة الخلقية ، والبقاء بالأنوار ~~الصمدانية ، والأنفاس الرحمانية. قال في القوت : والمحبة من أشرف المقامات ~~، ليس فوقها إلا مقام الخلة ، وهو مقام في المعرفة الخاصة ، وهي : تخلل ~~أسرار الغيب ، فيطلع على مشاهدة المحبوب ، بان يعطى إحاطة بشيء من علمه ~~بمشيئته ، على مشيئته التي لا تتقلب ، وعلمه القديم الذي لا يتغير. وفي هذا ~~المقام : الإشراف على بحار الغيوب ، وسرائر ما كان في القديم وعواقب ما ~~يدب. ومنه : مكاشفة العبد بحاله ، وإشهاده من المحبة مقامه ، والإشراف على ~~مقامات العباد في المآل ، والاطلاع عليهم في تقلبهم في الأبد ؛ حالا ومآلا. ه. # قلت : هذا الاطلاع إنما هو إجمالي لا تفصيلي ، وقد يقع فيه المحو ~~والإثبات ؛ لأنه من جملة المعلومات التي دخلت عالم التكوين ، التي يقع فيها ~~التبديل ms1238 والتغيير. # ثم قال صاحب القوت : وقد قال أحسن القائلين : {ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شآء} [البقرة : 255] ، والاستثناء واقع على إعطاء الإحاطة بشيء من ~~شهادة علمه ، بنور ثاقب من وصفه ، وشعاع لائح من سبحاته ، إذا شاء ، وذلك ~~إذا أخرجت النفس من الروح ، فكان روحانيا ، خروج الليل من النهار. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 346 # 350 # قلت : (إما) : شرطية ، اتصلت ما الزائدة بأن الشرطية ؛ للتأكيد ، والجواب ~~: (فإنما...) إلخ. أو : فلا تحتفل فإنما... إلخ ، و(لا معقب) : في موضع ~~الحال ، أي : يحكم نافذا حكمه ، كقوله : جاء زيد لا سلاح معه ، أي : خاسرا. ~~و(من عنده) : عطف على (بالله). PageV03P483 # يقول الحق جل جلاله : لنبيه صلى الله عليه وسلم ؛ تسكينا له : {وإما نرينك ~~بعض الذي نعدهم} من العذاب الذي استعجلوه ، {أو نتوفينك} قبل أن ترى ذلك ، ~~فلا تحتفل بشأنهم ، {فإنما عليك البلاغ} للرسالة لا غير ، {وعلينا الحساب} ~~: المجازاة. والمعنى : كيفما دار الحال در معه ، أريناك بعض ما أوعدناهم في ~~حياتك ، أو توفيناك قبله ، فلا تهتم بإعراضهم ، ولا تستعجل بعذابهم ؛ فإنا ~~فاعلون ذلك لا محالة ، وهذا طلائعه ، فقد فتحنا عليك كثيرا من بلادهم ~~ونقصناها عليهم. # {أو لم يروا أنا نأتي الأرض} أي : أرض الكفرة ، {ننقصها من أطرافها} بما ~~نفتحه على المسلمين منها ، فيخافون أن نمكنك من أرضهم ، وتنزل بساحتهم ، ~~منصورا عليهم ، فإذا نزلت بساحتهم ، ولم يخضعوا لك ، فساء صباح المنذرين. ~~وقيل : الأرض جنس ، ونقصها بموت الناس ، وهلاك الثمرات ، وخراب البلاد ، ~~وشبه ذلك. وذلك مقدمات العذاب الذي حكم به عليهم ، {والله يحكم لا معقب ~~لحكمه} : لا راد له. والمعقب : الذي يعقب الشيء بالأبطال ، ومنه قيل لصاحب ~~الدين : معقب ؛ لأنه يعقب غريمه للاقتضاء ، والمعنى : أنه حكم للأسلام ~~بالإقبال ، وعلى الكفرة بالإدبار ، وذلك كائن لا يمكن تغييره. {وهو سريع ~~الحساب} فيحاسبهم عما قليل في الآخرة ، وبعدما عذبهم بالقتل والإجلاء في ~~الدنيا. PageV03P484 # {وقد مكر الذين من قبلهم} بأنبيائهم ، وبمن تبعهم ، {فلله المكر جميعا} ، ~~إذ لا يؤبه بمكر دون مكره ، فإنه القادر على ما هو المقصود منه ودون غيره. ~~سمى العقوبة ms1239 باسم الذنب ؛ للمشاكلة ، {يعلم ما تكسب كل نفس} فينفذ جزاؤها. ~~{وسيعلم الكافر} أي : جنس الكافر ، بدليل قرأءة : " الكفار " ، {لمن} هي ~~{عقبى الدار} أي : لمن تكون العاقبة في الدارين ، دار الفناء ، ودار البقاء ~~، هل لأهل الإسلام المعد لهم دار السلام ؟ أو للكفار المعد لهم دار البوار ~~؟ . قال البيضاوي : وهذا كالتفسير لمكر الله بهم ، واللام تدل على أن ~~المراد بالعقبى العاقبة المحمودة ، مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت. ه. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 # ويقول الذين كفروا} من رؤساء اليهود : {لست مرسلا} ، ولم نجد لك ذكرا في ~~كتابنا ، ولا ما يشهد لك عندنا. قال تعالى : {قل} لهم : {كفى بالله شهيدا ~~بيني وبينكم} ؛ فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها ~~منكم ، ولا من غيركم. {و} يشهد لي أيضا : {من عنده علم الكتاب} الأول ؛ ~~العلم الحقيقي ، كعبد # 351 # الله بن سلام ، ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين علموا صفته صلى الله ~~عليه وسلم من التوراة والإنجيل ، وعلماء المؤمنين الذين عندهم علم القرآن ، ~~وما احتوى عليه من النظم المعجز ، والعلوم الغيبية الدالة على نبوته صلى ~~الله عليه وسلم. أو علم اللوح المحفوظ إلا هو ، شهيدا بيننا. ويؤيده قراءة ~~من قرأ : " ومن عنده " ؛ بكسر الميم. وعلم الكتاب ، على الأول : مرفوع ~~بالظرف ؛ فإنه معتمد على الموصول. ويجوز أن يكون مبتدأ ، والظرف خبره. وهو ~~متعين على الثاني. قاله البيضاوي. PageV03P485 # الإشارة : قد قال تعالى في الحديث القدسي : " من آذى لي وليا فقد آذن ~~بالحرب " وجرت عادة الله تعالى أن ينتقم لأوليائه ، ويغار عليهم ، ولو بعد ~~حين ، فإذا أوذي أحدهم ، واستعجل ذلك يقول له الحق تعالى ما قال لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم : {فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك} قبل ذلك ، فليس ~~الأمر بيدك ، فإنما عليك بلاغ ما جاء به نبيك ؛ من نصح العباد ، وإرشادهم ~~إلى معالم دينهم ، وتصفية بواطنهم ، وعلينا الحساب ؛ فنجازي من أقبل ومن ~~أدبر. ومن جملة الانتقام : حبس الأمطار ، ونقص الثمار ، وتخريب البلاد ، ~~وكثرة موت العباد ، فتنقص الأرض من ms1240 أطرافها. أفلم يعتبروا بذلك ، ويقصروا ~~عن مكرهم بأولياء الله ؟ . # وقد مكر الذين من قبلهم بأولياء زمانهم ، فلم يغنوا شيئا ، فمكر الله بهم ~~، وخذلهم عن طاعته ، وسيعلم أهل الإنكار لمن تكون عاقبة الدار. ويقول الذين ~~كفروا بخصوصية ولي من أولياء الله : لست وليا. فيقول لهم : كفى بالله شهيدا ~~بيني وبينكم ، ومن عنده علم الخصوصية ، وهم : السادات الصوفية ، فلا يعرف ~~الولي إلا ولي مثله ، ولا يعرف أهل الخصوصية إلا من له الخصوصية. وبالله ~~التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. # 352 # جزء : 3 رقم الصفحة : 350 PageV03P486 ### | AUTO سورة إبراهيم # جزء : 3 رقم الصفحة : 352 # {بسم الله الرحمان الرحيم * الار...} # الألف : آلاؤه ، واللام : لطفه ، والراء : رحمته. فكأنه يقول : بآلائنا ~~ولطفنا ورحمتنا أنزلنا إليك كتابنا ، ولذلك رتب عليه قوله : # {... كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلىا ~~صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل ~~للكافرين من عذاب شديد الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن ~~سبيل الله ويبغونها عوجا أولائك في ضلال بعيد} قلت : (كتاب) : خبر ، أي : ~~هذا كتاب ، و(بإذن) : متعلق بتخرج ، أو حال من فاعله ، أو مفعوله. و(إلى ~~صراط) : بدل من (النور). (الله الذي) ؛ من رفعه فعلى الابتداء ، والموصول ~~خبره ، أو خبر عن محذوف ، ومن خفضه فبدل من (العزيز) ، و(الذين يستحبون) : ~~صفة للكافرين أو نصب ، أو رفع على الذم. # يقول الحق جل جلاله : أيها الرسول المحبوب ، هذا {كتاب أنزلناه إليك ~~لتخرج الناس} بدعائك إياهم إلى العمل به ، {من الظلمات إلى النور} ؛ من ~~ظلمات الضلال والجهل إلى نور الهداية والعلم ، {بإذن ربهم} ؛ بتوفيقه ~~وهدايته وتسهيله ، {إلى صراط العزيز الحميد} أي : لتخرجهم إلى نور العلم ~~الذي هو سلوك طريق العزيز الحميد ، التي توصل إلى رضوانه ومعرفته. وفي ذكر ~~الوصفين إشارة إلى أنه لا يذل سالكه ، ولا يخيب سائله ، بل تحمد عاقبته. # ثم ذكر الموصوف بهما بقوله : {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} ~~أي : الموصوف بالعزة والحمد هو الله الذي استقر له ما ms1241 في السماوات وما في ~~الأرض ملكا # 353 # وعبيدا. ثم ذكر وعيد من كفر بكتابه أو به ، فقال : {وويل للكافرين} ~~بكتابه ، ولم يخرجوا به من ظلمات كفرهم ، {من عذاب شديد} ، والويل : كلمة ~~عذاب تقال لمن استحق الهلاك ، أي : هلاك لهم من أجل عذاب شديد يلحقهم. وقيل ~~: واد في جهنم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 353 PageV03P487 ~~ثم ذكر وجه استحقاقهم العذاب بقوله : {الذين يستحبون الحياة الدنيا} ؛ ~~يختارونها {على الآخرة} ، فإن من أحب شيئا اختاره وطلبه ، {ويصدون} الناس ~~{عن سبيل الله} ؛ بتعويقهم عن الإيمان ، {ويبغونها عوجا} أي : ويبغون لها ~~زيغا ، ونكوبا عن الحق ، ليتوصلوا للقدح فيها ، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى ~~الضمير ، {أولئك في ضلال بعيد} أي : في تلف بعيد عن الحق ؛ بحيث ضلوا عن ~~الحق ، وبعدوا عنه بمراحل. والبعد في الحقيقة : للضال ، ووصف به فعله ؛ ~~للمبالغة. # الإشارة : قد أخرج صلى الله عليه وسلم أمته من ظلمات عديدة إلى نوار ~~متعددة ؛ أولها : ظلمة الكفر والشرك إلى نور الإيمان والإسلام ، ثم من ظلمة ~~الجهل والتقليد إلى نور العلم والتحقيق ، ثم من ظلمة الذنوب والمعاصي إلى ~~نور التوبة والاستقامة ، ثم من ظلمة الغفلة والبطالة إلى نور اليقظة ~~والمجاهدة ، ثم من ظلمة الحظوظ والشهوات إلى نور الزهد والعفة ، ثم من ظلمة ~~رؤية الأسباب ، والوقوف مع العوائد ، إلى نور شهود المسبب ، وخرق العوائد ، ~~ثم من ظلمة الوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات إلى نور شهود المعبود ، ثم ~~من ظلمة الوقوف مع حس الأكوان الظاهرة إلى شهود أسرار المعاني الباطنة ، ~~فيغيب عن الأكوان بشهود المكون ، وهذا آخر ظلمة تبقى في النفس ، فتصير ~~حينئذ روحا وسرا من أسرار الله ، ويصير صاحبها روحانيا ربانيا عارفا بالله ~~، ولا يبقى حينئذ إلا التراقي في شهود الأسرار ابدا سرمدا. وهذا محل ~~القطبانية والتهيؤ للتربية النبوية ، ويصير وليا محمديا ، يخرج الناس من ~~هذه الظلمات إلى هذه الأنوار. PageV03P488 # وأما من لم يبلغ هذا المقام ، فإنه له الإخراج من أحد هذه الأشياء ؛ ~~فالغزاة والمجاهدون يخرجون من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، والعلماء ~~يخرجون من ظلمة الجهل إلى نور ms1242 العلم ، والعباد والزهاد يخرجون من صحبهم من ~~الذنوب إلى التوبة والاستقامة. وأما ما بقي من الظلمات فلا يخرج منها إلا ~~الربانيون الروحانيون. أهل التربية النبوية ، بإذن ربهم ، يدلهم على صراط ~~العزيز الحميد ، الموصل إلى العز المديد. وويل لمن أنكر هؤلاء ، واشتغل ~~بمتابعة حظوظه وهواه ، واستحب حياة دنياه على أخراه ، أولئك في ضلال عن ~~حضرة الحق ببعيد. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 353 # 354 # يقول الحق جل جلاله : {وما أرسلنا من رسول} قبلك {إلا بلسان قومه} ، وأنت ~~بعثناك بلسان قومك. وإنما قال : بلسان قومه ، ولم يقل بلسان أمته ؛ لأن ~~الأمة قد تكون أوسع من قومه ، كما في الحق نبينا عليه الصلاة والسلام فقد ~~بعث إلى العرب والعجم والجن والإنس ، فقومه الذين يفهمون عنه : يترجمون إلى ~~من لا يفهم ، فتقوم الحجة عليهم. وكذلك إعجاز القرآن يدركه أهل الفصاحة ~~والبلاغة ، فإذا وقع العجز عن معارضته منهم قامت الحجة على غيرهم ، كما ~~قامت الحجة في معجزة موسى عليه السلام بعجز السحرة ، وفي معجزة عيسى بعجز ~~الأطباء. # ثم بين الحكمة ، في كون الداعي لا يكون إلا بلسان قومه ، بقوله : {ليبين ~~لهم} ما أمروا به ؛ فيفهمونه عنه بسرعة ، ثم ينقلونه ويترجمونه لغيرهم ، ~~فتقوم الحجة عليهم ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته أولا ~~؛ فإذا فهموا عنه بلغوا إلى غيرهم. قال البيضاوي : ولو نزل على من بعث إلى ~~أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقل ذلك بنوع من الإعجاز ، لكن ادى إلى ~~اختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلم الألفاظ ومعانيها ، والعلوم ~~المتشبعة منها ، وما في إتعاب القرائح وكد النفس من القرب المقتضية لجزيل ~~الثواب. ه. PageV03P489 # فالرسل عليهم الصلاة والسلام إنما عليهم البيان بلسانهم ، والهداية بيد ~~ربهم ، ولذلك قال تعالى : {فيضل الله من يشاء} إضلاله ، فيخذله عن الإيمان ~~، {ويهدي من يشاء} بالتوفيق له ، {وهو العزيز} الغالب على أمره ، فلا يغلب ~~على مشيئته ، {الحكيم} في صنعه ، فلا يضل ولا يهدي إلا لحكمة أرادها. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : ما بعث الله وليا داعيا إلا بلسان قومه ، وقد ms1243 يخرق له العادة ، ~~فيطلعه على جميع اللغات ، كما قال المرسي رضي الله عنه : من بلغ هذا المقام ~~لا يخفى عليه شيء. وذلك من باب الكرامة ؛ كما كان صلى الله عليه وسلم يخاطب ~~كل قوم بلغتهم ؛ معجزة له صلى الله عليه وسلم ؛ فقد اتسع علمه عليه الصلاة ~~والسلام فأحاط بحقائق الأشياء وأسمائها ومفهوماتها ، وأصول اللغة ، ~~وفروعها ، فعلم ما علمه سيدنا آدم عليه السلام ، أو أكثر ، وإلى ذلك أشار ~~القطب ابن مشيش في تصليته المشهورة ، وبقوله : " وتنزلت علوم آدم فإعجز ~~الخلائق ". وقال البوصيري في همزيته : # جزء : 3 رقم الصفحة : 354 # لك ذات العلوم من عالم الغي # ب ومنها لآدم الأسماء # جزء : 3 رقم الصفحة : 354 # قلت : (أن أخرج) : إما تفسيرية لا محل لها ، أي : وقلنا : أن أخرج ؛ لأن ~~في الإرسال معنى القول ، أو على إسقاط الخافض ، أي : بأن أخرج ، فإن صيغ ~~الأفعال سواء في الدلالة على المصدر ، فيصح أن توصل بها " إن " الناصبة. PageV03P490 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد ارسلنا موسى بأياتنا} ؛ كاليد والعصا ، وسائر ~~معجزاته التسع ، وقلنا له : {أن أخرج قومك} ؛ بني إسرائيل ، وفرعون وملأه ؛ ~~{من الظلمات إلى النور} من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، أما فرعون وملؤه ~~فظاهر ، وأما بنو أسرائيل فقد كان فرعون فتن جلهم ، وأضلهم مع القبط ، ~~فكانوا أشياعا متفرقين ، لم يبق لهم دين. فإن قلت : إذا كان موسى عليه ~~السلام مبعوثا إلى القبط ، فلم لم يرجع إليهم بعد خروجه عنهم إلى الشام ؟ ~~فالجواب : أنه لما بلغهم الرسالة قامت الحجة عليهم ، فيجب عليهم أن يهاجروا ~~إليه للدين. # ثم أمره بالتذكير فقال : {وذكرهم بأيام الله} : بوقائعه التي وقعت على ~~الأمم الدارجة قبلهم ، وأيام العرب : حروبها. أو ذكرهم بنعم الله وآلائه ، ~~وبنقمه وبلاءه ؛ فالأيام تطلق على المعنيين. {إن في ذلك لآيات لكل صبار} في ~~بلائه ، {شكور} لنعمائه ، وإنما خصه ؛ لأنه إذا سمع ما نزل على من قبله من ~~البلاء ، وأفيض عليهم من النعماء ، اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر ~~والشكر. وقيل : المراد لكل مؤمن ، وإنما عبر بذلك ؛ تنبيها على أن ms1244 الصبر ~~والشكر عنوان الإيمان. قاله البيضاوي. # {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم} : حين أنجاكم {من ~~آل فرعون} : رهطه ، {يسومونكم} : يولونكم {سوء العذاب} : أقبحه يستعبدونكم ~~ويكلفونكم مشاق الأعمال ، {ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم} ، قال ~~البيضاوي : المراد بالعذاب هنا غير المراد به في سورتي البقرة والأعراف ؛ ~~لأنه هناك مفسر بالتذبيح والقتل ، ومعطوف عليه هنا ، فهو هنا إما جنس ~~العذاب ، أو استعبادهم واستعمالهم بالأعمال الشاقة. ه. {وفي ذلكم} الامتحان ~~{بلاء} أي : ابتلاء {من ربكم عظيم} ؛ اختبركم به حتى أنقذكم منه ، ليعظم ~~شكركم ، أو : في ذلك الإنجاء بلاء ، أي : نعمة # 356 # واختبار عظيم ، لينظر كيف تعملون في شكر هذه النعمة. PageV03P491 # جزء : 3 رقم الصفحة : 355 # ولذلك قال لهم موسى عليه السلام : {وإذ تأذن ربكم} أي : آذن ، بمعنى أعلم ~~، كتوعد وأوعد ، غير أن تأذن أبلغ من آذن ؛ لما في تفعل من التكلف ~~والمبالغة ، أي أعلمكم ، وقال : والله {لئن شكرتم} يا بني إسرائيل ما أنعمت ~~به عليكم من الإنجاء وغيره ، بالإيمان والعمل الصالح ، وبالإقرار باللسان ، ~~وإفراد النعمة للمنعم بالجنان ، {لأزيدنكم} نعمة على نعمة. وهذ الخطاب ، ~~وإن كان لبني إسرائيل ، يعم جميع الخلق ، والزيادة إما من خير الدنيا ، أو ~~ثواب الآخرة. وشكر الخواص يكون على السراء والضراء ؛ فتكون الزيادة في ~~الضراء ، إما في ثواب أو في التقريب. ثم ذكر ضده فقال : {ولئن كفرتم} ما ~~أنعمت به عليكم ، وقابلتموه بالكفر والعصيان ، {أن عذابي لشديد} ؛ فأعذبكم ~~به على كفركم. قال البيضاوي : ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض ~~بالوعيد. ه. فصرح بوصول الزيادة إليهم ، ولم يقل : أعذبكم عذابا شديدا ، بل ~~عظم عذابه في الجملة. # {وقال موسى} ، في شأن من لم يشكر : {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا} ~~من الثقلين ، {فإن الله لغني} عن شكركم ، {حميد} : محمود على ألسنة خلقه ، ~~من الملائكة وغيرهم. فكل ذرة من المخلوقات ناطقة بحمده ؛ حالا أو مقالا ، ~~فهو غني أيضا عن حمدكم ، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم ؛ حيث حرمتموها مزيد ~~الإنعام ، وعرضتموها لشديد الانتقال. وبالله التوفيق. PageV03P492 # الإشارة : ذكر الحق تعالى ms1245 في هذه الآية مقامين من مقامات اليقين : الصبر ~~والشكر ، ومدح من تخلق بهما واستعملهما في محلهما ، فيركب أيهما توجه إليه ~~منهما ، ويسير بهما إلى ربه. فالصبر عنوان الظفر ، وأجره لا ينحصر ، والشكر ~~ضامن للزيادة ، قال بعض العارفين : (لم يضمن الحق تعالى الزيادة في مقام من ~~المقامات إلا الشكر) ، فدل أنه أفضل المقامات وأحسن الطاعات ، من حيث إنه ~~متضمن للفرح بالله ، وموجب لمحبة الله. ولا شك أن مقام الشكر أعلى من مقام ~~الصبر ؛ لأن الشاكر يرى المنن في طي المحن ، فيتلقى المهالك بوجه ضاحك ؛ ~~لأنه لا يكون شاكرا حقيقة حتى يشكر في السراء والضراء ، ولا يشكر في الضراء ~~حتى يراها سراء ، باعتبار ما يواجه به في حال الضراء من الفتوحات القبية ، ~~والمواهب اللدنية ، فتنقلب النقمة نعمة. بخلاف مقام الصبر ، صاحبه يتجرع ~~مرارة الصبر ؛ لأنه لم يترق إلى شهود المبلى في حال بلائه ، ولو ترقى إلى ~~شهوده للذت لديه البلايا ، كما قال صاحب العينية : # تلذ لي الآلام ؛ إذ كنت مسقمي # وإن تختبرني فهي عندي صنائع # جزء : 3 رقم الصفحة : 355 # لكن هذه الأحوال تختلف على العبد باعتبار القوة والضعف ؛ فتارة تجده قويا يتلقى # 357 # المهالك بوجه ضاحك ، وتارة تصادفه الأقدار ضعيفا ؛ فلا يبقى معه إلا ~~الصبر وتجرع مرارة البلاء ، والعياذ بالله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ~~رضي الله عنه في كتاب القصد : " رأيت كأني مع النبيين والصديقين ، فأردت ~~الكون معهم ، ثم قلت : اللهم اسلك بي سبيلهم مع العافية مما ابتليتهم ، ~~فإنهم أقوى ونحن أضعف منهم ، فقيل لي : قل : وما قدرت من شيء فأيدنا كما ~~أيدتهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 355 # قلت : (شك) : فاعل بالمجرور ، و(فاطر) : نعت له. PageV03P493 # يقول الحق جل جلاله : حاكيا عن نبيه موسى عليه السلام في تذكير قومه ، أو ~~من كلامه ؛ تذكيرا لهذه الأمة {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم} : ما جرى ~~عليهم حين عصوا أنبياءهم ؛ {قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم} كقوم شعيب ~~، وأمم كثيرة {لا يعلمهم إلا الله} ؛ لكثرة عددهم ، واندراس آثارهم. ولذلك ~~قال ابن مسعود : كذب ms1246 النسابون. {جاءتهم رسلهم بالبينات} ؛ بالمعجزات ~~الواضحات ، {فردوا أيديهم في أفواههم} ؛ ليعضوا عليها ؛ غيظا مما جاءت به ~~الرسل كقوله {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} {آل عمران : 119}. أو : وضعوها ~~عليها ؛ تعجبا منهم ، أو : استهزاء بهم ، كمن غلب عليه الضحك. أو إسكاتا ~~للأنبياء ، وأمرا لهم بإطباق الأفواه ، أو : ردوها في أفواه الأنبياء ، ~~يمنعونهم من التكلم ، أو : ردوا أيديهم ، أي : نعم الأنبياء عليهم ، وهي : ~~مواعظهم والشرائع التي أتوهم بها من عند الله ، ردوها في أفواه الأنبياء ~~حيث كذبوها ، ولم يعملوا بها ، كما تقول لمن لم يمتثل أمرك : ترك كلامي في ~~فمي وذهب. {وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به} على زعمكم ، {وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا إليه} من التوحيد والإيمان ، {مريب} : موقع في الريبة ، أو : ذي ~~ريبة ، وهو : قلق النفس بحيث لا تطمئن إلى شيء. # فإجابهم الرسل عن دعواهم الشك في الربوبية ، {قالت رسلهم أفي الله شك} : ~~أفي وجوده شك ، أو في ألوهيته ، أو في وحدانيته شك ؟ قال البيضاوي : أدخلت ~~همزة الإنكار على الظرف ؛ لأن الكلام في المشكوك فيه ، لا في الشك ، أي : ~~إنما ندعوكم إلى الله ، وهو لا يحتمل الشك ؛ لكثرة الأدلة ، وظهور دلالتها ~~عليه. ه. وأشار إلى ذلك بقوله : # 358 PageV03P494 ~~{فاطر السماوات والأرض} أي : خالقهما ومبدعهما على هذا الشكل الغريب ، ~~والإتقان العجيب ؛ إذ لا يصدر إلا من إله عظيم القدرة ، باهر الحكمة ، واحد ~~في ملكه ؛ {لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء : 22] ، وهو ~~{يدعوكم} إلى الإيمان والتوحيد ببعثه إيانا ، والتصديق بنا ، {ليغفر لكم من ~~ذنوبكم} إن آمنتم ، أي : يغفر لكم بعض ذنوبكم ، وهو ما تقدم قبل الإسلام ، ~~ويبقى ما يذيب بعده في المشيئة ، أو : ما بينكم وبينه دون المظالم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 358 # والجمهور : أنه يغفر للكافر ما سلف مطلقا ، وقيل : " من " : زائدة ، على ~~غير مذهب سيبويه. قال البيضاوي : وجيء بمن ، في خطاب الكفرة ، دون المؤمنين ~~في جميع القرآن ، تفرقة بين الخاطبين ، ولعل المعنى فيه أن المغفرة ، حيث ~~جاءت في خطاب الكفار ، مرتبة على الإيمان ، وحيث جاءت في خطاب المؤمنين ~~مشفوعة ms1247 بالطاعة ، والتجنب عن المعاصي ، ونحو ذلك ، فيتناول الخروج عن ~~المظالم. ه. {ويؤخركم إلى أجل مسمى} : إلى وقت سماه الله ، وجعله آخر ~~أعماركم. وقال الزمخشري تبعا للمعتزلة : يؤخركم إن آمنتم إلى آجالكم ، وإن ~~لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت ، وهذا على قولهم بالأجلين. وأهل ~~السنة يأبون هذا ، فإن الأجل عندهم واحد محتوم ، والله تعالى أعلم. PageV03P495 # الإشارة : التفكر والاعتبار أفضل عبادة الأبرار ، وفي الحديث : " تفكر ساعة ~~أفضل من عبادة سبعين سنة " فيتفكر العبد فيما سلف قبله من القرون الماضية ~~والأمم الخالية ، كيف رحلوا عن ديارهم المشيدة ، وفروشهم الممهدة ، ~~واستبدلوها بضيق القبور ، وافتراش التراب تحت الجنوب ، وجاءهم الموت وهم ~~غافلون ، وتجرعوا كأسها وهم كارهون ، فلا ما كانوا أملوا أدركوا ، ولا إلى ~~ما فاتهم رجعوا قدموا على ما قدموا ، وندموا على ما خلفوا ، ولم ينفع الندم ~~وقد جف القلم ، فيوجب هذا التفكر الانحياش إلى الله ، والمسارعة إلى طاعة ~~الله ، والزهد في هذه الدار الفانية ، والتأهب للسفر إلى الدار الباقية ؛ ~~فيفوز فوزا عظيما. وفي تكذيب الصادقين تسلية للعارفين ، وللمتوجهين من ~~المريدين ، إذا قوبلوا بالإيذاء والتكذيب ، وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 358 # يقول الحق جل جلاله : وقال الذين كفروا لرسلهم : {إن أنتم إلا بشر مثلنا} ~~لا فضل لكم علينا ، فلم تختصمون بالنبوة دوننا ، ولو شاء الله أن يبعث رسلا ~~إلى البشر لأرسلهم من جنس أفضل ، كالملائكة ، أو : ما أنتم إلا بشر ، ~~والبشر لا يكون رسولا. قال ابن جزي : يحتمل أن يكون استبعادا لتفضيل بعض ~~البشر على بعض بالنبوة ، أو يكون إحالة لنبوة البشر ، والأول أظهر ؛ لطلبهم ~~البرهان بقولهم : {فأتونا بسلطان مبين} ، ولقول الرسل : {ولكن الله يمن على ~~من يشاء من عباده}. ه. ثم قالوا للرسل : {تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آباؤنا} من الأصنام بهذه الدعوى ، {فأتونا بسلطان مبين} : ببرهان بين يدل ~~على فضلكم ، واستحقاقكم لهذه المرتبة التي هي مرتبة النبوة ، كأنهم لم ~~يعتبروا ما جاؤوا به من البينات والحجج ، فاقترحوا عليهم آية أخرى ، تعنتا ~~ولجاجا. PageV03P496 # {قالت لهم رسلهم إن نحن} : ما نحن {إلا ms1248 بشر مثلكم ولكن الله يمن على من ~~يشاء من عباده} بالنبوة والرسالة ، فمن علينا بذلك ، وإن كنا بشرا مثلكم ، ~~سلموا لهم مشاركتهم في الجنس ، وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله ~~ومنه عليهم. وفيه دليل على ان النبوة مواهب عطائية لا كسبية. ثم أجابوا عما ~~اقترحوا بقولهم : {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} ، فليس لنا ~~الإتيان بآيات ، ولا في قدرتنا أن نأتيكم بما اقترحتموه ، وإنما هو أمر ~~متعلق بمشيئة الله ، يخص من يشاء بها ، على ما تقتضيه حكمته وسابق إرادته. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 # وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ، فلنتوكل نحن عليه ، في الصبر على معاناتكم ~~ومعاداتكم. عمموا الأمر بذكر المؤمنين ؛ للإشعار بأن الإيمان موجب للتوكل ، ~~وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا ، ألا ترى قولهم : {وما لنا ألا نتوكل على ~~الله} أي : أي عذر لنا في ترك التوكل على الله ؟ {وقد هدانا سبلنا} أي : ~~طرقنا التي نعرفه بها ، فنوحده ، ونعلم أن الأمور كلها بيده ، {ولنصبرن على ~~ما آذيتمونا} : على أذاكم حتى يحكم الله بيننا ، وهو جواب عن قسم محذوف ، ~~أكدوا به توكلهم ، وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم. {وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون} أي : فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم ، ~~المسبب عن إيمانهم. قاله البيضاوي تبعا للزمخشري. # قال ابن جزي : إن قيل : لم كرر الأمر بالتوكل ؟ فالجواب عندي : أن قوله : ~~{وعلى الله فليتوكل المتوكلون} راجع إلى ما تقدم من طلب الكفار : {فأتونا ~~بسلطان مبين} أي : حجة ظاهرة ، فتوكل الرسل في ورود ذلك إلى الله. وأما ~~قوله : {فليتوكل المتوكلون} فهو راجع إلى قولهم : (ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا) أي : نتوكل على الله في دفع أذاكم. ه. وهو حسن ، لكن التعبير ~~بالمتوكلين يقتضي أن التوكل حاصل ، والمطلوب الدوام # 360 PageV03P497 ~~عليه ، وقد يقال : إنما عبر ثانيا بلفظ المتوكلين ؛ كراهية إعادة اللفظ ~~بعينه ، أي : من كان متوكلا على الله فإنه الحقيق بذلك. وقال في القوت : أي ~~: ليتوكل عليه في كل شيء من توكل عليه في شيء. وهذا أحسن وجوهه. قال في ~~الحاشية : والوجه ms1249 الآخر : وعليه فليتوكل ، في توكله من توكل عليه من ~~الأشياء ؛ لأن الوكيل في كل شيء واحد ، فينبغي أن يكون التوكل في كل شيء ~~واحد. ه. # الإشارة : سر الخصوصية مستور بأوصاف البشرية ، ولا فرق بين خصوصية النبوة ~~، والولاية. سترها الحق تعالى غيرة عليها أن يعرفها من لا يعرف قدرها ؛ فلا ~~يطلع عليها إلا من سبقت له من الله العناية ، وهبت عليه ريح الهداية. وفي ~~الحكم : " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية ، وظهر بعظمة ~~الربوبية في إظهار العبودية. وقال أيضا : " سبحان من لم يجعل الدليل على ~~أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله ~~إليه ". قال في لطائف المنن : فأولياء الله أهل كهف الإيواء ، فقليل من ~~يعرفهم ، ولقد سمعت شيخنا أبا العباس المرسي رضي الله عنه يقول : معرفة ~~الولي أصعب من معرفة الله ؛ فإن الله معروف بكماله وجماله ، وحتى متى تعرف ~~مخلوقا مثلك ، يأكل كما تأكل ، ويشرب كما تشرب ؟ قال فيه : وإذا أراد الله ~~أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته ، وأشهدك وجود خصوصيته. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 PageV03P498 ~~قلت : ومعنى " طوى عنك وجود بشريته " هو : عدم الوقوف مع أوصافها اللازمة ~~للنقائص ، بل تنفذ منها إلى شهود خصوصيته ، التي هي محل الكمالات. فأوصاف ~~البشرية الذاتية للبشر لا تزول عن الولي ، ولا عن النبي كالأكل والشرب ، ~~والنوم والنكاح ، والضعف والفقر ، وغير ذلك من نعوت البشر ؛ لأنها في حقهم ~~رداء وصون لستر خصوصيتهم ؛ صيانة لها أن تتبدل بالإظهار ، وينادى عليها ~~بلسان الاشتهار ، ولذلك اختفوا عن كثير من الخلق. وإلى هذا أشار في الحكم ~~بقوله : لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم البشرية ". # وقال صاحب كتاب (أنوار القلوب) : لله سبحانه عباد ضن بهم عن العامة ، ~~وأظهرهم الخاصة ، فلا يعرفهم إلا شكل ، أو محب لهم ، ولله عباد ضن بهم عن ~~الخاصة والعامة ، ولله عباد يظهرهم في البداية ويسترهم في النهاية ، ولله ~~عباد يسترهم في البداية ويظهرهم في النهاية ، ولله عباد لا يظهر حقيقة ما ~~بينه وبينهم ms1250 إلى الحفظة فمن سواهم ، حتى يلقوه بما أودعهم منه في قلوبهم ، ~~وهم شهداء المكلوت الأعلى ، والصفح الأيمن من العرش ؛ الذين يتولى الله قبض ~~أرواحهم بيده ، فتطيب اجسادهم به ، فلا يعدوا عليها الثرى ، حتى يبعثوا بها ~~مشرقة بنور البقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. ه. # 361 # وقال أبو يزيد رضي الله عنه : أولياء الله تعالى عرائس ، ولا يرى العرائس ~~إلا من كان محرما لهم ، وأما غيرهم فلا. وهم مخبؤون عنده في حجاب الأنس ، ~~لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة. ه. وجميع ما أجاب به الأنبياء قومهم ~~يجيب به الأولياء من أنكر عليهم ، من قوله : {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون ~~أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا} ، من التعلق بالأسباب والانهماك في الحظوظ ~~، ومتابعة الهوى ، وحب الدنيا ، ومن قولهم : {فأتونا بسلطان مبين} إلى تمام ~~ما أجابوا به. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 359 PageV03P499 ~~قلت : (واستفتحوا) : معطوف على (أوحى) ؛ إن كان الضمير للرسل ، واستئناف إن ~~كان للكفار. و(يسقى) : معطوف على محذوف ، أي : يلقى فيها ويسقى ، و(صديد) : ~~عطف بيان لماء ، و(يتجرعه) : صفة لماء ، أو حال من ضمير (يسقى). # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين كفروا لرسلهم} ؛ تخويفا لهم : والله ~~{لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا} ، حلفوا ليكونن أحد الأمرين ؛ إما ~~إخراج الرسل من ديارهم ، أو عودهم إلى ملتهم ، والعود هنا بمعنى الصيرورة ؛ ~~لأنهم لم يكونوا على ملتهم ، كما تقدم في قصة شعيب عليه السلام. ويجوز أن ~~يكون الخطاب لكل رسول ، ولمن آمن معه ، فغلب الجماعة على الواحد ، وقال ~~الذين كفروا في كل عصر لكل رسول أتاهم : لنخرجنك ، أو لتعودن في ملتنا. ~~{فأوحى إليهم ربهم} أي : إلى رسلهم ، مجتمعين أو متفرقين على القولين ~~وقال في إيحائه : والله {لنهلكن الظالمين} فتخلى بلادهم ، {ولنسكننكم الأرض ~~من بعدهم} أي : أرضهم وديارهم ، لقوله : {وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ا} [الأعراف : 137]. {ذلك} الميراث والإسكان ~~{لمن خاف مقامي} أي : قيامه للحساب بين يدي في القيامة ، أو قيامي على ~~عبادي ، وحفظي لأعمالهم ، واطلاعي ms1251 على سرهم وعلانيتهم. أو خاف عظمة ذاتي ~~وجلالي ، {وخاف وعيد} أي : وعيدي بالعذاب ، أو عذابي الموعود للكفار. # {واستفتحوا} أي : استفتح الرسل : طلبوا من الله الفتح على أعدائهم ، أو ~~القضاء بينهم وبين أعاديهم ، كقوله : {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} ~~[الأعراف : 89] ؛ واستفتح # 362 PageV03P500 ~~الكفرة واستنصروا على غلبة الرسل ، على نحو قول أبي جهل في غزوة بدر : ~~اللهم ، أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا يعرف ، فأحنه الغداة ، أي : أهلكه. ~~أو : استفتح الفريقان معا ، فكل واحد منهما سأل الله أن يهلك المبطل وينصر ~~المحق. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن : بكسر التاء ؛ على الأمر للرسل ~~بطلب الفتح. {وخاب} : خسر {كل جبار} : متكبر على الله ، {عنيد} : معاند ~~للحق ولمن جاء به. وهذا هو الفتح الذي فتح لهم ، وهو : خيبة المتكبرين ~~وفلاح المؤمنين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 362 PageV03P501 ~~ثم ذكر مآل خيبهم بقوله : {من ورائه جهنم} أي : أمامه وبين يديه ، فإنه ~~مرصد بها ، واقف على شفيرها في الدنيا ، مبعوث إليها بعد الموت فيلقى فيها ~~، {ويسقى من ماء صديد} ، وهو ما يسيل من جلود الكفارمن القيح والدم. ~~{يتجرعه} : يتكلف جرعه ، أي : زهوقه في حلقه. روي : " أن الكافر يؤتى ~~بالشربة منه فيتكرهها ، فإذا أدنيت منه شوت وجهه ، وسقطت فيها فروة رأسه ، ~~فإذا شربها قطعت أمعاءه ". فيتجرعه {ولا يكاد يسيغه} أي : لا يقارب أن ~~يسيغه ، أي : يبتلعه بصعوبة فكيف يسيغه ، بل يكلف به ويطول عذابه ثم يبتلعه ~~؛ لأن نفي " كاد " يقتضي الوقوع. والسوغ : جواز الشراب على الحلق بسهولة ، ~~وهذا بخلافه. {ويأتيه الموت} أي : أسباب الموت {من كل مكان} ؛ من أجل ~~الشدائد التي تحيط به من جميع الجهات. أو : من كل مكان من جسده حتى من أصول ~~شعره وإبهام رجليه. {وما هو بميت} فيستريح ، {ومن ورائه} : من بين يديه ~~{عذاب غليظ} أي : يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه ، وقيل : هو ~~الخلود في النار ، وقيل : حبس الأنفاس في الأجساد. قاله الفضيل بن عياض. ~~وقيل : قوله : {واستفتحوا} : كلام منقطع عن قصة الرسل ، بل نزل في أهل مكة ~~حين استفتحوا ms1252 بطلب المطر في السنة التي أخذتهم بدعوة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ، فخيب الله رجاءهم ولم يسقهم ، وأوعدهم أن يسقيهم بدلا من سقياهم ~~المطر صديد أهل النار. قال معناه البيضاوي. PageV03P502 # الإشارة : ما خوفت الكفار به ، رسلهم خوفت به العوام فقراءهم وأولياءهم ، ~~قال التجيبي ، في الإنالة ، لما تكلم على خفاء الأولياء ، قال : ومعلوم أن ~~العصمة لم تثبت إلا للنبيين والرسل عليهم الصلاة والسلام وأن غيرهم يصيب ~~ويخطئ ، ويذنب ويتوب ، لكن لمن سطرت مناقب الرجال ، وكراماتهم ، ولم تذكر ~~سيئاتهم ، وطال العهد بهم ، ظن أكثر الخلق أن ليس لهم سيئات ، وقد كان لهم ~~في أزمانهم المحب والمبغض ، والمسلم والمنتقد. ثم قال : فمن يرضى يقول أحسن ~~ما يعلم ، ومن يسخط يقول أقبح ما يعلم ، وقد رأى أولئك في أزمانهم من الأذى ~~والتنقص ، وإساءة الظن بهم ما كان يقصر عنه صبر غيرهم ، وقد أخرج أبو زيد ~~البسطامي من بسطام مرارا ، ورفع الشبلي والخواص والنوري # 363 # للسلطان ، وتستر الجنيد بالفقه حين ضيق على الفقراء ، وقبض على الحلاج ، ~~وضرب ، ومثل به ، على أنه ساحر زنديق. ه. المراد منه. # قلت : وقد وقع بنا في مدينة تطوان أيام التجريد أمثال هذا ، فقد خوفنا ~~بالضرب مرارا ، وسجنا وأخرجنا من زاويتنا ، وقال لنا محتسبهم : والله ~~لنخرجنكم من مدينتنا ، ونركبكم في سفينة إلى بر النصارى ، فقلت له : حبا ~~وكرامة ، ولعلنا نذكرهم الله حتى يسلموا ، ولما وصل الخبر بهذه المقالة إلى ~~شيخنا ، كتب لنا بهذه الآية : {وقال الذين كفروا لرسلهم...} الخ. وكل آية ~~في الكفار تجر ذيلها على من تشبه بهم ، وإن كان مسلما. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 362 # قلت : (مثل) : مبتدأ ، والخبر محذوف عند سيبويه ، أي : فيما يتلى عليكم ~~مثلهم. وقال الفراء : الخبر ما بعده ، وهو جملة : (أعمالهم كرماد) ، أو ~~(أعمالهم) : بدل ، والخبر : (كرماد) ، وعلى قول سيبويه تكون جملة : ~~(أعمالهم) : مستأنفة لبيان مثلهم. PageV03P503 # يقول الحق جل جلاله : {مثل} أعمال {الذين كفروا بربهم} ؛ في عدم الانتفاع ~~بها وذهابها : {كرماد اشتدت به الريح} في الهوى بسرعة {في يوم عاصف} : شديد ~~ريحه. والعصف ms1253 : اشتداد الريح. وصف به زمانه ؛ للمبالغة ، كقولهم : نهاره ~~صائم ، وليله قائم. شبه صنائعهم ؛ من الصدقة ، وصلة الرحم ، وإغاثة الملهوف ~~، وعتق الرقاب ، ونحو ذلك من مكارمهم ؛ في حبوطها لبنائها على غير أساس من ~~الإيمان بالله ، والتوجه بها إليه بغبار طارت به الريح العاصفة {في يوم ~~عاصف ، لا يقدرون} يوم القيامة {مما كسبوا} من أعمالهم {على شيء} من ~~الانتفاع بها ؛ لحبوطها ، وتلاشيها ، فلا يقدرون منها على شيء ، ولا يجدون ~~ثوابها ، وحيل بينهم وبين النفع ، كما حالت الرياح بينك وبين ما تنسفه ، ~~فهو كما قيل : فذلكة التمثيل. {ذلك} ؛ إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم ~~محسنون ، {هو الضلال البعيد} أي : هو الغاية في البعد عن طريق الحق. # الإشارة : العمل الذي يثبت لصاحبه هو الذي يصحبه الإخلاص في أوله ، ~~والإسرار في آخره ، والتبري فيه من الحول والقوة ، وفي الحديث عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : " إن الإبقاء على العمل أشد من العمل ، وإن الرجل ~~ليعمل العمل فيكتب له عمل صالح ، معمول به في السر ، يضعف أجره بسبعين ضعفا ~~، فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويعلنه ، فيكتب علانيته ، ويمحى ~~تضعيف أجره كله ، ثم لا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويحب أن # 364 # يحمد عليه ، فيمحى من العلانية ، ويكتب رياء ، فاتقى الله امرؤ صان دينه ~~، وإن الرياء شرك " وراه البيهقي. PageV03P504 # وبهذا تظهر فضيلة عمل القلوب ، كعبادة التفكر والاعتبار ، أو الشهود ~~والاستبصار ، أو نية صالحة وهدى صالح ، أو زهد في القلب ، وورع وصبر ، وشكر ~~وحلم ، وغير ذلك من أعمال القلوب ، التي لا يطلع عليها ملك فيكتبه ، ولا ~~شيطان فيفسده ، بل يتولى جزاءه أكرم الأكرمين. ولذلك قيل : ذرة من أعمال ~~القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. وقال عليه الصلاة والسلام : ~~" تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة " ولهذا أمر به أي : بالتفكير . # جزء : 3 رقم الصفحة : 364 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يا محمد ، أو أيها السامع {أن الله خلق ~~السماوات والأرض بالحق} ؛ لتدل على الحق ، أو بالوجه الذي يحق ان تخلق ~~لأجله ms1254 ، وهو التعريف بخالقها ، وبقدرته الباهرة التي تقدر على الإيجاد ~~والإعدام ، ولذلك قال : {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} ، أي : إن يشأ ~~يعدمكم ويستبدل مكانكم خلقا آخر. فإن من قدر على إيجاد صورهم ، وما تتوقف ~~عليه مادتهم ، قادر على أن يبدلهم بخلق آخر ؛ {وما ذلك على الله بعزيز} أي ~~: بمتعذر ، أو ممتنع ؛ لأن قدرته عامة التعلق ، لا تختص بمقدور دون آخر ، ~~ومن كان هذا شأنه كان حقيقا بأن يفرد بالعبادة والقصد ؛ رجاء لثوابه ، ~~وخوفا من عقابه يوم الجزاء ، الذي أشار إليه بقوله : {وبرزوا لله...} إلخ. PageV03P505 # الإشارة : ألم تر أن الله خلق سماوات الأرواح ، لشهود الحق في مقام التعريف ~~، وأرض النفوس لعبادة الحق في مقام التكليف. الأرواح مستقرها سماء الحقائق ~~، والأشباح مقرها أرض الشرائع. عالم الأرواح محل التعريف ، وعالم الأشباح ~~محله التكليف. والأرواح لا تنفك عن الأشباح في الصورة الخلقية ، غير أنها ~~تعرج عنها بالتصفية والذكر ، حتى تترقى إلى عالم الأرواح ، فلا تشهد إلا ~~الأرواح في محل الأشباح ؛ وهذا من أعظم أسرار الربوبية ، التي يطلع عليها ~~العارفون بالله ، فإذا أطلعهم الله على هذا المقام ، كوشفوا بأسرار الذات ~~العلية ، وبعالم الأرواح الذي هو مظهر أرواح الأنبياء والرسل ، فلا يغيبون ~~عن الله ساعة ، ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن مقام أرواح ~~الأنبياء والأولياء. وفي هذا المقام قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله ~~عنه : لي ثلاثون سنة ، ما غاب عني الحق طرفة عين. وقال أيضا : لو غاب عني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ما عددت نفسي من المسلمين. # 365 # وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي الله عنه : مما من الله به ~~علي أني ما ذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خطر على قلبي إلا وجدتني ~~بين يديه... الخ كلامه. نفعنا الله بهم. # وأهل هذا المقام موجودون في كل زمان ، فإن القادر في زمانهم هو القادر في ~~زماننا ، وفي قوله تعالى : {إن يشأ يذهبكم...} الآية ، إشارة إلى هذا ، أي ~~: إن يشأ يذهبكم عن شهود أنفسكم ms1255 ، ويأت بخلق جديد ، تشاهدون به أسرار ربكم ~~، وما ذلك على الله بعزيز. قال أبو المواهب التونسي رضي الله عنه : حقيقة ~~الفناء محو واضمحلال ، وذهاب عنك وزوال. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 365 PageV03P506 ~~قلت : (تبعا) : جمع تابع ، أو مصدر نعت به ؛ للمبالغة على حذف مضاف ، أي : ~~كنا لكم ذا تبع ، و(من عذاب الله من شيء) : من ، الأولى ؛ لبيان ، والثانية ~~: زائدة ، هذا المختار. وعليه الصلاة والسلام و(محيص) : إما مصدر ، أو اسم مكان. # يقول الحق جل جلاله : {وبرزوا لله} أي : لأمر الله {جميعا} ، فيبرزون من ~~قبورهم يوم القيامة حفاة عراة ، لفصل القضاء ، أو : برزوا لله على ظنهم ؛ ~~فإنهم كانوا يرتكبون الفواحش خفية ، ويظنون أنها تخفى على الله ، فإذا كان ~~يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم. وإنما عبر بالماضي ؛ لتحقق وقوعه. ~~فيقول حينئذ {الضعفاء} وهم : الأتباع ، لضعف رأيهم عندهم ، {للذين ~~استكبروا} وهم الرؤساء الذين استتبعوهم وغووهم : {إنا كنا لكم تبعا} في ~~الكفر ، وتكذيب الرسل ، والإعراض عن نصحهم ، {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب ~~الله من شيء} أي : فهل أنتم دافعون عنا شيئا من عذاب الله ؟ . # {قالوا} ، أي : رؤساؤهم ، في جوابهم واعتذارهم : {لو هدانا الله ~~لهديناكم} أي : لو هدانا الله للإيمان ، ووفقنا إليه لهديناكم ولكن ضللنا ~~فأضللناكم ، أي : اخترنا لكم ما اخترنا لأنفسنا ، ولو هدانا الله لطريق ~~النجاة من العذاب لهديناكم وأغنيناه عنكم ، لكن سد دوننا طريق الخلاص ، ~~{سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} ، أي : مستو علينا الجزع والصبر ، {ما لنا من ~~محيص} : من مهرب ومنجى ، ويحتمل أن يكون قوله : {سواء علينا...} إلخ ، من ~~كلام الفريقين معا ، ويؤيده ما روي أنهم يقولون : تعالوا نجزع ، فيجزعون ~~خمسمائة عام ، فلا ينفعهم ، فيقولون : تعالوا نصبر ، فيصبرون كذلك ، ثم ~~يقولون : {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}. نسأل الله العصمة ~~بمنه وكرمه. # 366 PageV03P507 ~~الإشارة : إذا ترقى العارفون ، ومن تعلق بهم ، عن عالم الأشباح إلى عالم ~~الأرواح ، وبرزوا لشهود الله في كل شيء ، وقبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، وعند ~~كل شيء ، وتنزهوا في حضرة الأسرار ، ورفعوا يوم القيامة ms1256 مع المقربين ~~الأبرار ، بقي ضعفاء اليقين ؛ الذين تعوقوا عن صحبتهم ، في غم الحجاب ، ~~وتعب الحس والخواطر ، مسجونين في سجن الأكوان ، فيقولون لمن عوقهم عن صحبة ~~العارفين من أهل الرئاسة والجاه : إنا كنا لكم تبعا ، فهل تمنعون شيئا مما ~~نحن فيه من غم الحجاب ، وسقوط الدرجة ؟ فيقولون : لو هدانا الله لصحبتهم ~~لهديناكم. فإذا نظروا يوم القيامة إلى ارتفاع درجاتهم ضجوا ، وفزعوا على ما ~~فاتهم ، فلا ينفعهم ذلك ؛ فما لهم من محيص عن تخلفهم عن مقام المقربين. روي ~~أن أهل عليين إذا أشرفوا على الأسلفين تشرق منازلهم من أنوار وجوههم. ~~وسيأتي إن شاء الله الحديث عند قوله : {فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة ~~أعين} [السجدة : 17]. # جزء : 3 رقم الصفحة : 366 # قلت : (إلا أن دعوتكم) : الاستثناء منقطع ، ويجوز الاتصال ، و(بما ~~أشركتمون) : مصدرية ، أو موصولة اسمية ، و(من قبل) : يتعلق بأشركتمون ، ~~وعلى الثاني : بكفرت. PageV03P508 # يقول الحق جل جلاله : {وقال الشيطان} ، أي إبليس الأقدم {لما قضي الأمر} أي ~~: أمر الحساب ، وفزغ منه ، ودخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار. روي ~~أنه ينصب له منبر من نار ، فيقوم خطيبا في النار على أهل النار ، يعني على ~~الأشقياء من الثقلين ، فيقول في خطبته : {إن الله وعدكم وعد الحق} ، أي : ~~وعدا حقا أنجزه لكم ، وهو وعد البعصث والجزاء ، {ووعدتكم} وعد الباطل ، وهو ~~: ألا بعث ولا حساب ، وإن كان واقعا شيء من ذلك فالأصنام تشفع لكم ، ~~{فأخلفتكم} ، أي : فظهر خلاف ما وعدتكم ، جعل تبين خلف وعده كالإخلاف منه ، ~~مجازا. {وما كان لي عليكم من سلطان} ؛ من تسلط ، فألجئكم إلى الكفر ~~والمعاصي ، {إلا أن دعوتكم} ؛ إلا دعائي إياكم بتسويل وتزيين ، {فاستجبتم ~~لي} ، وهو ليس من جنس التسلط ، لكنه تهكم بهم ، على طريقة قوله : # 367 # تحية بينهم ضرب وجيع # ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا ، أي : ما تسلطت عليكم بالقهر ، لكن ~~دعوتكم فأسرعتم إجابتي ، {فلا تلوموني} ؛ فإن من اشتهر بالعداوة لا يلام ~~على أمثال ذلك ، {ولوموا أنفسكم} ؛ حيث أطعتموني حين دعوتكم ، ولم تطيعوا ~~ربكم لما دعاكم. ولا حجة للمعتزلة في الآية ms1257 على أن العبد يخلق أفعاله ؛ لأن ~~كسب العبد مقدر في ظاهر الأمر ، لقيام عالم الحكمة ، وهو رداء لعالم القدرة ~~، فالقدرة تبرز ، والحكمة تستر ، وهو ما يظهر من اختيار العبد ، ولا اختيار ~~له في الحقيقة ؛ قال تعالى {ولو شآء ربك ما فعلوه} [الإنسان : 30 ، التكوير ~~: 29] {وما تشآءون إلا أن يشآء ا} [الأنعام : 112]. PageV03P509 # ثم قال لهم : {ما أنا بمصرخكم} : بمغيثكم من العذاب ، {وما أنتم بمصرخي} : ~~بمغيثي ، {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} ، أي : إني كفرت اليوم بإشراككم ~~إياي من قبل هذا اليوم في دار الدنيا ، بمعنى : تبرأت منه واستنكرته ، ~~كقوله تعالى {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} [فاطر : 14]. أو : أني كفرت ~~بالله الذي أشركتموني معه في طاعته من قبل ، حين امتنعت من السجود. والأول أظهر. # جزء : 3 رقم الصفحة : 367 # قال تعالى : {إن الظالمين لهم عذاب أليم}. ويحتمل أن يكون من تتمة خطبة ~~الشيطان ، قال البيضاوي : وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين ، وإيقاظ لهم ، ~~حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم. ه. # الإشارة : ينبغي لك أيها العبد الصالح الناصح لنفسه ان تصغي بسمع قلبك ~~إلى هذه المقالة ، التي تصدر من الشيطان عند فوات الأوان ، فتبادر إلى خلاص ~~نفسك ما دمت في قيد حياتك ، قبل حلول رمسك ، قبل أن تزل بك القدم ، حيث لا ~~ينفعك الندم ، فتحاسب نفسك ، وتتدبر في عواقب أمرك ، وتصحح عقائد توحيدك ، ~~وتعمل جهدك في طاعة ربك ، وتجتنب مواقع غرور الشيطان ، وتعتمد على فضل ~~الكريم المنان ، وتجعل الموت نصب عينيك ، وما هو مستقبل تجعله حاصلا ، وما ~~هو متوقع تجعله واقعا ؛ فكل ما هو آت قريب ، و{إن ما توعدون لآت ومآ أنتم ~~بمعجزين} [الأنعام : 134]. وفي الحكم : " لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت ~~الآخرة أقرب من أن ترحل إليها ، ولرأيت محاسن الدنيا وكسفة الفناء ظاهرة ~~عليها ". وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 367 # قال تعالى : {إن الظالمين لهم عذاب أليم}. ويحتمل أن يكون من تتمة خطبة ~~الشيطان ، قال البيضاوي : وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين ، وإيقاظ لهم ، ~~حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم. ه. PageV03P510 # الإشارة : ينبغي ms1258 لك أيها العبد الصالح الناصح لنفسه ان تصغي بسمع قلبك إلى ~~هذه المقالة ، التي تصدر من الشيطان عند فوات الأوان ، فتبادر إلى خلاص ~~نفسك ما دمت في قيد حياتك ، قبل حلول رمسك ، قبل أن تزل بك القدم ، حيث لا ~~ينفعك الندم ، فتحاسب نفسك ، وتتدبر في عواقب أمرك ، وتصحح عقائد توحيدك ، ~~وتعمل جهدك في طاعة ربك ، وتجتنب مواقع غرور الشيطان ، وتعتمد على فضل ~~الكريم المنان ، وتجعل الموت نصب عينيك ، وما هو مستقبل تجعله حاصلا ، وما ~~هو متوقع تجعله واقعا ؛ فكل ما هو آت قريب ، و{إن ما توعدون لآت ومآ أنتم ~~بمعجزين} [الأنعام : 134]. وفي الحكم : " لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت ~~الآخرة أقرب من أن ترحل إليها ، ولرأيت محاسن الدنيا وكسفة الفناء ظاهرة ~~عليها ". وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 367 # 368 # يقول الحق جل جلاله : {وأدخل الذين آمنوا} ، أي : أدخلهم الله على أيدي ~~الملائكة {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} ، فيدخلونها {بإذن ~~ربهم} ؛ بأمره ، فيأذن للملائكة أن تدخلهم حين يقضي بينهم. {تحيتهم فيها ~~سلام} أي : تحييهم الملائكة ، أو الخدام ، حين يتلقونهم يسلمون عليهم ، ~~ويهنئونهم ، على ما في الحديث. # الإشارة : في ذكر هذه الآية بعد خطبة الشيطان تنبيه على وجه الخلاص منه ، ~~حتى لا يكون من أهل خطبته ، وهو تصحيح الإيمان وتقوية مواده ، وهو ما ذكرنا ~~قبل في مواد طمأنينة أهل الإيمان ، وإن أسعده الله بصحبة عارف رقاه إلى ~~شهود العيان ، فلا يكون للشيطان ولا لغيره عليه سلطان ، لتحقيق عبوديته ، ~~وارتقائه إلى شهود عظمة ربوبيته ؛ قال تعالى : {إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان} [الحجر : 42] ، وهم الذين رسخت في قلوبهم شجرة الإيمان ، وارتفعت ~~أغصانها إلى الرحمن. # جزء : 3 رقم الصفحة : 368 PageV03P511 ~~قلت : (كلمة طيبة) : يجوز أن يكون مفعولا بمحذوف ، أي : جعل كلمة ، وتكون ~~الجملة تفسيرية لضرب المثل ، وأن تكون (كلمة) : بدلا من (مثلا) ، و(شجرة) : ~~صفة لها ، أو خبر عن مضمر ، أي : هي شجرة. # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يا محمد ، أو أيها السامع ، {كيف ضرب الله ~~مثلا} لأهل " لا إله ms1259 إلا الله " ، وهم : أهل التوحيد ، الذين رسخ التوحيد ~~في قلوبهم ، وعبروا عنه بألسنتهم. فمثال الكلمة الطيبة التي نطقوا بها ، ~~ورسخ معناها في قلوبهم {كشجرة طيبة} : كالنخلة مثلا ، {أصلها ثابت} في ~~الأرض ، غائص بعروقه فيها ، {وفروعها في السماء} ؛ أي : أعلاها. أي : يريد ~~الجنس ، أي : فروعها وأفنانها في السماء ، {تؤتي أكلها} : تعطى ما يؤكل من ~~ثمرها {كل حين} وقته الله لإثمارها ، فقيل : سنة ، وبه قال ابن عباس وجماعة ~~من المفسرين والفقهاء ، واستدلوا بها على من حلف لا يكلم أخاه حينا لزمه ~~سنة ، وعن ابن عباس أيضا والضحاك وغيرهما : {كل حين} ؛ أي : غدوة وعشية ، ~~ومتى أريد جناها ، قلت : وهذا هو الظاهر. # واختلف في هذه الشجرة الطيبة ، التي ضرب الله بها المثل لكلمة الإخلاص ، ~~فقيل : غير معينة ، وقيل : النخلة ، وبه قال الجمهور. قال الشطيبي : وقيل : ~~جوزة الهند ، فإنها # 369 # ثابت الأصل ، متصلة النفع ، يكون طعمها أولا لبنا ، ثم عسلا ، ثم تنعقد ~~طعاما ، ويصنع بلبنها ما يصنع بلبن المواشي ، ثم يكون كالخل ، ثم كالخمر ، ~~ثم كالزيت ، كل هذا قبل عقد الطعم ، وأما النخلة فهي : ستة أشهر طلع رخص ، ~~وستة أشهر رطب طيب ، فنفعه متصل. وقال ابو حنيفة : إنه ببلاد اليمن نوع من ~~التمر ، يقال له : الباهين ، يطعم السنة كلها. ه. قلت : وقد ذكر ابن مقشب ~~جوزة الهند ، ووصفها كما قال الشطيبي ، وقوله : " في النخلة ستة أشهر... " ~~الخ ، فيه نظر ، وصوابه : ثلاثة ، فإن المعاينة ترده. # جزء : 3 رقم الصفحة : 369 PageV03P512 ~~والمشبه بهذه الشجرة : المؤمن الكامل الدائم نفعه ، المتصل علمه ، أوقاته ~~معمورة بذكر الله ، أو تذكير عباد الله ، وحركاته وسكناته في طاعة الله ، ~~حيث أراد بها وجه الله ، فكل حين وساعة يصعد منه عمل إلى الله. # ثم قال تعالى : {ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} ؛ لأن في ضربها ~~زيادة إيضاح وإفهام وتذكير ؛ فإنه تصوير للمعاني وتقريبها من الحس ، لتفهم سريعا. # ثم ذكر ضدها فقال : {ومثل كلمة خبيثة} ؛ كلمة الكفر {كشجرة} كمثل شجرة ؛ ~~{خبيثة} ؛ كالحنظلة مثلا ، {اجتثت} : استؤصلت ، وأخذت جثتها ، وقلعت {من ~~فوق الأرض} ، أي : قطعت من فوق ms1260 الأرض ؛ لأن عروقها قريبة منه ، {ما لها من ~~قرار} استقرار. وهذا في مقابلة قوله : {أصلها ثابت}. قال البيضاوي : واختلف ~~في الكلمة والشجرة ؛ ففسرت الكلمة الطيبة بكلمة التوحيد أي : (لا إله إلا ~~الله) ، ودعوة الإسلام والقرآن ، والكلمة الخبيثة بالإشراك بالله تعالى ، ~~والدعاء إلى الكفر ، وتكذيب الحق. ولعل المراد بهما ما يعم ذلك ، فالكلمة ~~الطيبة : ما أعرب عن حق ، أو دعا الى صلاح ، والكلمة الخبيثة : ما كان على ~~خلاف ذلك ، وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة ، وروي ذلك ، مرفوعا ، وبشجرة في ~~الجنة ، والخبيثة بالحنظلة ، ولعل المراد بهما أيضا ما يعم ذلك. ه. PageV03P513 # {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} وهو : لا إله إلا الله ، أو كل ما ~~يثبت في القلب ، ويتمكن فيه من الحق ، بالحجة الواضحة ، {في الحياة الدنيا} ~~مدة حياتهم ، فلا يزالون إذا افتتنوا في حياتهم ، أو عند موتهم ، وهي حسن ~~الخاتمة ، {وفي الآخرة} عند السؤال ، فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في ~~القبر ، وعند الموقف ، فلا تدهشهم أهوال القيامة. روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال : " ثم تعاد روحه في جسده ، فيأتيه ملكان ، ~~فيجلسانه في قبره ، ويقولان له : من ربك ، وما دينك ، ومن نبيك ؟ فيقول : ~~ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. فينادي مناد من ~~السماء : أن صدق عبدي " فذلك قوله تعالى : {يثبت الله الذين أمنوا بالقول ~~الثابت}. قلت : والقدرة صالحة لهذا كله. قال الغزالي : هو أشبه شيء بحال ~~النائم. # 370 # {ويضل الله الظالمين} الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتقليد ، فلا يهتدون ~~إلى الحق ، ولا يثبتون في مواقف الفتن. {ويفعل الله ما يشاء} ؛ من تثبيت ~~بعض ، وإضلال آخرين ، من غير اعتراض عليه ، ولا تعقيب لحكمه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 369 PageV03P514 ~~الإشارة : الكلمة الطيبة ، هي كلمة التوحيد ، والشجرة الطيبة هي شجرة ~~الإيمان ، وأصلها هو : التوحيد الثابت في القلب ، وفروعها : الفرائض ~~والواجبات ، وأغصانها : السنن المؤكدات ، وأوراقها : المندوبات والمستحبات ~~، وأزهارها : الأحوال والمقامات ، وأذواقها : الوجدان وحلاوة المعاملات ، ~~وانتهاء طيب أثمارها : العلوم وكشف أسرار الذات ، الذي هو مقام الإحسان ، ~~وهي معرفة الشهود ms1261 والعيان. فمن لم يبلغ هذا المقام لم يجن ثمرة شجرة ~~إيمانه. ومن نقص شيئا من هذه الفروع نقص بقدرها من شجرة إيمانه ، إما من ~~فروعها ، أو من أغصانها ، أو من ورقها ، أو من حلاوة أذوقها ، أو من عرف ~~أزهارها ، أو من طيب ثمرتها. ومعلوم أن الشجرة إذا نبتت بنفسها في الخلاء ، ~~ولم تلقح كانت ذكاره ، تورق ولا ثمر ، فهي شجرة إيمان من لا شيخ له يصلح ~~للتربية ، فإن الفروع والأوراق كثيرة ، والثمار ضعيفة ، أي ريح هاج عليها ~~أسقطها. وراجع ما تقدم في إشارة قوله تعالى : {وابتغواا إليه الوسيلة} ~~[المائدة : 35]. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 369 PageV03P515 ~~يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يا محمد {إلى الذين بدلوا} شكر {نعمة الله ~~كفرا} ؛ بأن وضعوا الكفر مكان الشكر ، أو : بدلوا نفس النعمة كفرا ؛ فإنهم ~~لما كفروها سلبت منهم ، فصاروا تاركين لها محصلين للكفر مكانها ؛ كأهل مكة ~~، خلقهم الله من نسل إسماعيل عليه السلام ، وأسكنهم حرمه ، وجعلهم خدام ~~بيته ، ووسع عليهم أبواب رزقه ، وعطف عليهم قلوب خلقه ، وتمم شرفهم ببعثة ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، فكفروا ذلك ، فقحطوا ، وجاعوا حتى أكلوا ~~الميتة ، وأسروا وقتلوا يوم بدر ، وصاروا كذلك مسلوبي النعمة ، موصوفين ~~بالكفر ؛ وعن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما : أنها نزلت ~~في الأفجرين من قريش : بني المغيرة ، وبني أمية ؛ فأما بنو المغيرة ~~فكفيتموهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. {وأحلوا قومهم} : من ~~أطاعهم في الكفر والتبديل ، أي : أنزلوهم {دار البوار} : دار الهلاك ، ~~بحملهم على الكفر معهم ، ثم فسرهم بقوله : {جهنم يصلونها} : يحترقون فيها ، ~~و{بئس القرار} ؛ وبئس المستقر جهنم. # 371 # ثم بين كفرهم ، فقال : {وجعلوا لله أندادا} : أشباها وأمثالا ، يعبدونها ~~معه ، {ليضلوا عن سبيله} ؛ عن طريق التوحيد ، أي : لتكون عاقبتهم الضلال أو ~~الإضلال ، على القراءتين ، أي : ليضلوا في أنفسهم ، أو ليضلوا غيرهم. وليس ~~الضلال كان غرضهم في اتخاذ الأنداد ، ولكن لما كان نتيجته وعاقبته جعل ~~كالغرض. {قل تمتعوا} بشهواتكم الدنيوية ، فإنها فانية ، أو بعبادتكم ~~الأوثان ، فإنها من ms1262 قبيل الهوى والأمر للتهديد. وفي التهديد بصيغة الأمر ~~إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب ؛ لإفضائه إلى المهدد به ، وان الأمرين ~~كائنان لا محالة ، فلا بد من وقوع تمتعهم ، ولا بد من إفضائهم إلى النار. ~~ولذلك علقه بقوله : {فإن مصيركم إلى النار} ، وأن المخاطب ، لانهماكه فيه ، ~~كالمأمور به من آمر مطاع. قاله البيضاوي. PageV03P516 # الإشارة : ظهور أهل التربية في زمان الغفلة والجهل نعمة عظيمة ، لكن لا ~~يعرفها إلا من سقط عليها ، ومن أنكرها ، وسد بابها ، وعوق الناس عن الدخول ~~في طريقها ، فقد بدل نعمة الله كفرا ، وأحل الناس من تبعه دار البوار ، ~~وهي : الإقبال على الدنيا ، والانهماك في الغفلة ، وخراب الباطن من نور ~~اليقين ، وكثرة الخواطر والوساوس ، والحرض والجزع والهلع ، وغير ذلك من ~~أمراض القلوب. وأي عذاب المؤمن أشد من هذا في الدنيا ؟ ويسقط في الآخرة عن ~~درجة المقربين ، ومن لم يصحب أهل التوحيد الخالص لا يخلو من عبادة أنداد ~~وأشباه ؛ بمحبته لهم والركون إليهم. ومن أحب شيئا فهو عبد له. قال الشيخ ~~أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه ذات يوم : إنا لا نحب إلا الله ، ولا نحب ~~معه شيئا سواه. فقال له بعض الحاضرين : قال جدك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : " النفس مجبولة على حب من أحسن إليها " فقال له الشيخ : إنا لا نرى ~~الإحسان إلا من الله ، ولا نرى معه غيره. ه. بالمعنى. # جزء : 3 رقم الصفحة : 371 # قلت : (يقيموا) : جواب شرط مقدر ، يتضمنه قوله : (قل) ، تقديره : إن تقل ~~لهم أقيموا يقيموا ، ومعمول القول ، على هذا ، محذوف. وفيه تنبيه على أنهم ~~لفرط مطاوعتهم للرسول عليه الصلاة والسلام ، بحيث لا ينفك فعلهم عن أمره ~~، وأنه كالسبب الموجب له ، أي : مهما قلت أقاموا وأنفقوا. وقيل جزم بإضمار ~~لام الأمر. ولا يصح أن يكون جواب الأمر من غير حذف ؛ لأن أمر المواجهة لا ~~يجاب بلفظ الغيبة. انظر البيضاوي : وقال ابن عطية : إلا إن ضمن (قل) معنى : ~~بلغ أو أد ، فيصح أن يكون (يقيموا) : جواب أمره. و(سرا وعلانية) : حالان ، ~~أو ظرفان ، ومن قرأ : " لا ms1263 بيع " بالبناء فقد بنى " لا " مع # 372 # اسمها بناء للتركيب ، ومن قرأ بالرفع فقد أهملها. PageV03P517 # يقول الحق جل جلاله : {قل لعبادي الذين آمنوا} ، خصهم بالإضافة إليه ؛ ~~تشريفا لم ، وتنويها بقدرهم ، وتنبيها على أنهم الذين قاموا بحقوق ~~العبودية. قل لهم يا محمد : {يقيموا الصلاة} التي هي عنوان الإيمان ، ~~بإتقان شروطها وأركانها وآدابها ، {وينفقوا مما رزقناهم} من الأموال ، فرضا ~~ونفلا ، {سرا وعلانية} أي : مسرين ومعلنين ، أو في سر وعلانية ، والأحب : ~~إعلان الواجب ، وإخفاء المتطوع به ، إلا في محل الاقتداء لأهل الإخلاص. {من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره ، أو ما ~~يفدي به نفسه ، {ولا خلال} : ولا مخاللة ومودة تنفع في ذلك اليوم ، حتى ~~ينفع الخليل خليله ، وإنما العمل الصالح ، كالإنفاق لوجه الله ، وإقام ~~الصلاة ، وغير ذلك. # الإشارة : قد مدح الله هاتين الخصلتين : الصلاة والإنفاق ، وأمر بهما في ~~مواضع من القرآن ؛ لأنهما عنوان الصدق ، أحدهما ، عمل بدني ، والآخر : عمل ~~مالي. أما الصلاة فإنها طهارة للقلوب ، واستفتاح لباب الغيوب ، وهي محل ~~المناجاة ومعدن المصافاة ، تتسع فيها ميادين الأسرار ، وتشرق فيها شوارق ~~الأنوار ، كما في الحكم. وفي بعض الأخبار : (إن العبد إذا قام إلى الصلاة ~~رفع الله الحجب بينه وبينه ، وواجهه بوجهه ، وقامت الملائكة من لدن منكبيه ~~إلى الهواء ، يصلون بصلاته ، ويؤمنون على دعائه ، وإن المصلي لينثر عليه ~~البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه ، ويناديه مناد : لو يعلم المناجي من ~~يناجي ما انفتل). وإن أبواب السماء لتفتح للمصلي. وإن الله تعالى يباهي ~~ملائكته بصفوف المصلين. وفي التوراة : يا ابن آدم لا تعجز ان تقوم بين يدي ~~مصليا باكيا ، فأنا الذي اقتربت من قلبك ، وبالغيب رأيت نوري. ه. فكانوا ~~يرون أن تلك المراقبة والبكاء ، وتلك الفتوح التي يجدها المصلي في قلبه من ~~دنو الرب من القلب. # جزء : 3 رقم الصفحة : 372 PageV03P518 ~~وأما الصدقة فإنها برهان على إيمان صاحبها ، وفي الحديث : " الصدقة برهان " ~~فهي تدل على خروج حب الدنيا من القلب ، وعلى اتصاف صاحبها بمنقبة السخاء ، ~~التي هي أفضل ms1264 الخصال ، وفي الحديث : " السخي قريب من الله ، قريب من الناس ~~قريب من الجنة ، بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، ~~بعيد من الجنة ، قريب من النار ، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل ". # جزء : 3 رقم الصفحة : 372 # قلت : (الله) : مبتدأ ، و(الذي) ، وما بعده : خبر ، و(رزقا لكم) : مفعول ~~أخرج ، و(من الثمرات) : بيان له ، حال ، ويجوز العكس ، ويجوز أن يراد ~~بالرزق : المصدر ، فينصب على العلة أو المصدر ؛ لأن (أخرج) فيها معنى " رزق ~~" ، و(دائبين) : حال ، والدؤوب : الدوام على عمل واحد ، و(من كل ما ~~سألتموه) : يحتمل أن تكون " ما " مصدرية ، أو موصولة ، أو موصوفة. # يقول الحق جل جلاله : {الله الذي خلق السماوات والأرض} من أجلكم ، السماء ~~تظلكم ، والأرض تقلكم ، {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم} ، تعيشون به وتتفكهون منه. ويشمل الملبوس ، كالقطن ، والكتان ، وشبه ~~ذلك {سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره} : بمشيئته وقدرته ، إلى حيث ~~توجههم مع أسباب حكمته ، تغطية لقدرته ، وهو ما يتوقف عليه جريها وإرساؤها ~~، من الجبال والقلاع ، {وسخر لكم الأنهار} مطردة لانتفاعكم بالسفن والشرب ، ~~وسائر منافعها ، فجعلها معدة لا نتفاعكم وتصرفكم. وقيل : تسخير هذه الأشياء ~~: تعليم كيفية اتخاذها والانتفاع بها. PageV03P519 # {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} ؛ متماديين في الطلوع والغروب ، يدأبان في ~~سيرهما وإنارتهما ، وإصلاح ما يصلحانه من المكونات ، بقدرة خالقهما ، {وسخر ~~لكم الليل والنهار} يتعاقبان لسكناتكم ومعايشكم. {وآتاكم من كل ما سألتموه} ~~أي : وآتاكم بعض جميع ما سألتموه ، وهو ما يليق بكم ، وما سبق لكم في ~~مشيئته وعلمه. قال البيضاوي : ولعل المراد بما سالتموه : ما كان حقيقيا بأن ~~يسأل ؛ لاحتياج الناس إليه ، سئل أو لم يسأل. ه. وقرأ الضحاك وابن عباس : " ~~من كل " ؛ بالتنوين ، أي : وآتاكم من كل شيء احتجتم إليه ، وسألتموه بلسان ~~الحال. ويجوز على هذا أن تكون " ما " نافية ، في موضع الحال ، أي : وآتاكم ~~من كل شيء غير سائليه. # {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} : لا تحصوها ، ولا تطيقوا عد أنواعها ، ~~فضلا عن أفرادها ، فإنها غير متناهية ؛ فمنها ظاهرة ms1265 ، ومنها باطنة ، ~~كالهداية والمعرفة. قال طلق بن حبيب : إن حق الله أثقل من أن يقوم به ~~العباد ، ونعمة أكثر من أن يحصيها العباد ، ولكن أصبحوا توابين ، وأمسوا ~~توابين. ه. وقال أبو الدرداء : من لم ير نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه ، ~~فقد قل علمه ، وحضر عذابه. ه. {إن الإنسان لظلوم} ؛ بظلم النعمة # 374 # لما غفل عن شكرها ، أو بظلم نفسه لما عرضها للحرمان ، بارتكاب المعاصي ، ~~{كفار} : شديد الكفران ، وقيل : ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة ~~يجمع ويمنع. قاله البيضاوي. # جزء : 3 رقم الصفحة : 373 PageV03P520 ~~الإشارة : الله الذي أنزل من سماء الملكوت علوما وأسرارا ، تحيا به القلوب ~~والأرواح ، فأخرج به من أرض النفوس ، ثمرة اليقين والطمأنينة ، رزقا ~~لأرواحكم. وسخر لكم فلك الفكرة تجري في بحر التوحيد ، وفضاء التفريد بأمره. ~~وسخر لكم أنهار العلوم ، منها ما هو علم الرسوم لأصلاح الظواهر ، ومنها ما ~~هو علم الحقائق لإصلاح الضمائر. وسخر لكم شمس العرفان وقمر الإيمان ، ~~دائبين ، يستضيء بقمر التوحيد في السير إلى معرفة أنوار الصفات ، وبشمس ~~العرفان إلى أسرار الذات. وسخر لكم ليل القبض لتسكنوا فيه ، ونهار البسط ، ~~(لا تدرون أيهم أقرب نفعا). وآتاكم من كل ما سألتموه حين كمل تهذيبكم ، وصح ~~وصلكم ، فيكون أمركم بأمر الله. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ؛ إذ نعمة ~~الإيجاد ونعمة الإمداد لا حد لهما في هذه الدار وفي تلك الدار ، ففي كل نفس ~~يمدهم بمدد جديد ، ومع هذا كله يغفل العبد عن هذه النعم!! إن الإنسان لظلوم ~~كفار ، وشكرها : نسبتها لمعطيها ، وحمد الله عليها. وفي الحكم : " لا تدهشك ~~واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك ؛ فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك ". # قال سهل بن عبد رضي الله عنه : ما من نعمة إلا والحمد أفضل منها ، ~~والنعمة التي ألهم بها الحمد أفضل من الأولى ، لأن الشكر يستوجب المزيد. ~~وفي أخبار داود عليه السلام أنه قال : إلهي ، ابن آدم ليس فيه شعرة إلا ~~وتحتها نعمة ، وفوقها نعمة ، فمن أين يكافئها ؟ فأوحى الله تعالى إليه : يا ~~داود ms1266 ، إني أعطي الكثير وأرضى باليسير ، وإن شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من ~~نعمة فمني. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 373 # 375 PageV03P521 ~~قلت : قال هنا : {اجعل هذا البلد} بالتعريف ، وقال في سورة البقرة {بلدا} ~~[البقرة : 126] بالتنكير ، قال البيضاوي : الفرق بينهما أن المسؤول في ~~الأول أي : في التعريف إزالة الخوف وتصييره أمنا ، وفي الثانية جعله من ~~البلاد الآمنة. ه. وفرق السهيلي : بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة ~~حين نزول آية إبراهيم ، لأنها مكية ؛ فلذلك قال فيه : " البلد " ؛ بلام ~~التعريف التي للحضور ، بخلاف آية البقرة ، فإنما هي مدينة ، ولم تكن مكة ~~حاضرة حين نزولها ، فلم يعرفها بلا تعريف الحضور. ه. قال ابن جزي : وفيه ~~نظر ؛ لأن ذلك كان حكاية عن إبراهيم عليه السلام ، ولا فرق بين كونه ~~بالمدينة أو بمكة. ه. # قلت : لا نظر فيه ؛ لأن الحق تعالى لم يحك لنا قصص الأنبياء بألفاظهم ، ~~وإنما ترجم عنها بلسان عربي ، فينزل على رعاية مقتضى الحال. ولذلك اختلفت ~~الألفاظ في قصص الأنبياء ، لأن كل قصة تنزل على ما يقتضيه المقام والحال ، ~~من تعريف وتنكير ، واختصار وإطناب. وقد ذكر أبو السعود في سورة الأعراف ما ~~يؤيد هذا ، فانظره. والله تعالى أعلم. PageV03P522 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد} يعني : ~~مكة ، {آمنا} لمن فيها من أغدرة الناس عليها ، أو من الخسف والعذاب ، أو من ~~الطاعون والوباء ، {واجنبني} أي : امنعني واعصمني ، {وبني} من بعدي ، من ~~{أن نعبد الأصنام} أي : اجعلنا منهم من جانب بعيد. قال البيضاوي : وفيه ~~دليل على أن العصمة للأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم ، وهو بظاهره لا ~~يتناول أحفاده وجميع ذريته ، وغم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل لم يعبدوا ~~الصنم ، محتجا به ، وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها ، وسمونها الدوار ، ~~ويقولون : البيت حجر ، وحيثما نصبت حجرا فهو بمنزلته. ه. قال ابن جزي : ~~و{بني} يعني : من صلبه ، وفيهم أجيبت دعوته ، وأما أعقاب بنيه فعبدوا ~~الأصنام. ه. وقد قال في الإحياء : عنى إبراهيم عليه السلام بالأصنام ، ~~الذهب والفضة ms1267 ، بمعنى : حبهما والأغترار بهما ، والركون إليهما. قال عليه ~~الصلاة والسلام : " تعس عبد الدينار والدرهم... " الحديث ؛ لأن رتبة ~~النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعتقد الألوهية في شيء من الحجارة. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 375 # قلت : الظاهر أن يبقى اللفظ على ظاهره ، في حقه وفي حق بنيه. أما في حقه ~~فلسعة علمه وعدم وقوفه مع ظاهر الوعد ، كما هو شأن الأكابر ، لا يزول ~~اضطرارهم ، ولا يكون مع غير الله قرارهم ، وهذا كقوله : {ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا} [الأنعام : 80]. وتقدم هذا المعنى مرارا. ~~وأما في حق بنيه فإنما قصد العموم في نسله لكن لم يجب إلا فيما كان صلبه ؛ ~~فإن دعاء الأنبياء عليهم السلام لا يجب أن يكون كله مجابا ، فقد يجابون ~~في أشياء ، ويمنعون من أشياء. وقد سأل نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته ~~أشياء ، فأجيب # 376 # في البعض ، ومنع البعض ، كما في الحديث. PageV03P523 # ثم قال إبراهيم عليه السلام : {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} أي : إن ~~الأصنام أتلفت كثيرا من الخلق عن طريق الحق ، فلذلك سألت منك العصمة ، ~~واستعذت بك من إضلالهن ، وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية ، كقوله ~~{وغرتهم الحياة الدنيا} [الأنعام : 70]. {فمن تبعني} على ديني {فإنه مني} ؛ ~~لا ينفك عني في أمر الدين ، {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} ، تقدر أن تغفر له ~~ابتداء ، أو بعد التوفيق للتوبة. وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره ، ~~حتى الشرك ، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره ، قاله البيضاوي. قال ابن ~~جزي : {ومن عصاني} ؛ يريد : بغير الكفر ، أو عصاه بالكفر ثم تاب منه ، فهو ~~الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة ، ولكنه ذكر اللفظ بالعموم ؛ لما كان فيه ~~عليه السلام من التخلق بالرحمة للخلق ، وحسن الخلق. ه. # {ربنا إني أسكنت من ذريتي} أي : بعض ذريتي ، وهو : إسماعيل عليه السلام ، ~~أو : أسكنت ذرية من ذريتي ، وهو إسماعيل ومن ولد منه ؛ فإن إسكانه متضمن ~~لإسكانهم ، {بواد غير ذي زرع} يعني : وادي مكة ، لأنها حجرية لا تنبت ، ~~والوادي ms1268 : ما بين الجبلين ، وإن لم يكن فيه ماء. ولم يقل : ولا ماء ، ولعله ~~علم بوحي أنه سيكون فيه الماء ، {عن بيتك المحرم} الذي حرمه على الجبابرة ~~من التعرض له والتهاون به ، أو : لم يزل محترما تهابه الجبابرة ، أو منع ~~منه الطوفان ، فلم يستأصله ويمح أثره. وهذا الدعاء وقع منه أول ما قدم ، ~~ولم يكن موجودا ، فلعله قال ذلك باعتبار ما كان ، أي : عند أثر بيتك المحرم ~~، أو باعتبار ما يؤول إليه من بنائه وعمارته واحترامه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 375 PageV03P524 ~~وقصة إنزاله ولده بمكة : أن هاجر كانت مملوكة لسارة ، وهبها لها جبار من ~~الجبابرة ؛ وذلك أن إبراهيم عليه السلام دخل مدينة ، وكان فيها جبار يغصب ~~النساء الجميلات ، فأخذها ، وأدخلها بيتا ، فلما دخل عليها دعت عليه ، فسقط ~~، ثم قالت : يا رب إن مات قتلوني فيه ، فقام ، فلما دنا منها ، دعت عليه ، ~~فسقط ، فقال في الثالثة : ما هذه إلا شيطانة ، أخرجوها عني ، وأعطوها هاجر ~~، فعصمها الله منه ، وأخدمها هاجر ، ثم وهبتها لإبراهيم ، فوطئها فحملت ~~بإسماعيل ، فلما ولدته غارت منها فتعب إبراهيم معها ، ثم ناشدته ، سارة أن ~~يخرجها من عندها ، فركب البراق ، وخرج بها تحمل ولدها حتى أنزلها مكة ، تحت ~~دوحة ، قريبا من موضع زمزم ، فلما ولي تبعته ، وهي تقول : لمن تتركنا في ~~هذه البلاد ، وليس بها أنيس ؟ ثم قالت : " أألله أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، ~~قالت : إذا لا # 377 # يضيعنا. فرجعت تأكل من مزود ، تم تركها لها ، وتشرب من قربة ماء ، فما ~~فرغ الماء نشف اللبن ، وجعل الولد يتخبط من العطش ، فجعلت تطوف من الصفا ، ~~وكان جبلا صغيرا قريبا منها ، وتذهب إلى المروة ، وتسعى بينهما ، لعلها ترى ~~أحدا ، فلما بلغت سبعة أطواف وسمعت صوتا في الهواء ، فقالت : أغث إن كان ~~معك غياث ، فتبدى جبريل بين يديها حتى وصل إلى موضع زمزم ، فهمز بعقبه ففار ~~الماء. فلما رأته دهشت ، وخافت عليه يذهب ؛ فجعلت تحوطه ، وتقول : زم زم ، ~~فانحصر الماء. قال صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله أم إسماعيل ، لو تركته ~~، كان عينا معينا " فشربت ms1269 ، ودر لبنها. PageV03P525 # ثم إن جرهم رأوا طيورا تحوم ، فقالوا : لا طيور إلا على الماء. فقصدوا ~~الموضع ، فوجدوها مع ابنها ، وعندها عين ، فقالوا لها : أتشركيننا في مائك ~~، ونشركك في ألباننا ؟ ففعلت. وفي حديث البخاري : " قالوا لها : أتحبين أن ~~نسكن معك ؟ قالت : نعم ، ولكن لا حق لكم في الماء " فرحلوا إليها ، وسكنوا ~~معها ، ثم زوجوا ولدها منهم. وحديث إتيان إبراهيم يتعاهد ابنه ، وبنائهما ~~الكعبة ، مذكور في البخاري والسير. # ثم قال : {ربنا ليقيموا الصلاة} أي : ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من ~~كل مرتفق ومرتزق ، إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم. وتكرير النداء ~~وتوسيطه ، للإشعار بأنها المقصود بالذات من إسكانهم ثمة. والمقصود من ~~الدعاء : توفيقهم لها ، وقيل : اللام للأمر ، وكأنه طلب منهم الإقامة ، ~~وسأل من الله أن يوفقهم لها. {فاجعل أفئدة من الناس} أي : اجعل أفئدة من ~~بعض الناس ، {تهوي إليهم} أي : تسرع إليهم شوقا ومحبة ، و" من " : للتبعيض ~~، ولذلك قيل : لو قال : أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم ، ولحجت ~~اليهود والنصارى. وقيل : للبيان ، أي : أفئدة ناس. {وارزقهم من الثمرات} مع ~~كونهم بواد لا نبات فيه ، {لعلهم يشكرون} تلك النعمة ، فأجاب دعوته ، فجعله ~~حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء ، حتى أنه يوجد فيه الفواكه الربيعية ~~والصيفية والخريفية ، في يوم واحد. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 375 # ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} أي : تعلم سرنا ، كما تعلم علانيتنا. ~~والمعنى : إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ، وأرحم منا بأنفسنا ، فلا حاجة لنا ~~إلى الطلب ، لكننا ندعوط إظهارا لعبوديتك ، وافتقارا إلى رحمتك ، واستجلابا ~~لنيل ما عندك. قاله البيضاوي : أي : فيكون مناسبا لحاله في قوله : " علمه ~~بحالي يغني عن سؤالي ". وقيل : ما نخفي من وجد الفرقة ، وما نعلن من التضرع ~~إليك والتوكل عليه. وتكرير النداء ؛ للمبالغة في التضرع # 378 PageV03P526 ~~واللجوء إلى الله تعالى. {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في ~~السماء} ؛ لأن علمه أحاط بكل معلوم. " من " : للاستغراق. # الإشارة : ينبغي للعبد أن يكون إبراهيميا ، فيدعو بهذا الدعاء على طريق ~~الإشارة ، فيقول : رب اجعل هذا القلب ms1270 آمنا من الخواطر والوساوس ، واجنبني ~~وبني ، أي : بعدني ومن تعلق بي ، أن نعبد الأصنام ، التي هي الدنانير ~~والدراهم ، وكل ما يعشق من دون الله ، {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} ~~فتلفوا في حبها والحرص عليها ، فلا فكرة لهم إلا فيهما ، ولا شغل لهم إلا ~~جمعهما ، فمن تبعني في الزهد فيهما ، والغنى بك عنهما ، فإنه مني ، ومن ~~عصاني ، واشتغل بمحبتهما وجمعهما ، {فإنك غفور رحيم}. وقوله : {ربنا إني ~~أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} فيه : تعليم اليقين لمن طلب تربية اليقين. ~~قال الورتجبي : فيه إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم ، ~~ونعم التربية ذلك فأعلمنا بسنته القائمة الحنيفية السمحة السهلة ، الخليلية ~~الحبيبية ، الأحمدية المصطفوية صلوات الله عليهما أن العارف الصادق ينبغي ~~له ألا يكون معوله على الأملاك والأسباب في حياته وبعد وفاته لتربية ~~عياله ، فإنه تعالى حسبه ، وزاد في تربيتهم بأن يؤدبهم بإقامة الصلاة ~~إظهارا للعبودية ، وإخلاصا في المعرفة ، وطلبا للمشاهدة ، ومناجاة في ~~القربة بقوله : {ربنا ليقيموا الصلاة} الخ. PageV03P527 # وقال القشيري : أخبر عن صدق توكله وتفويضه ، أي : أسكنت قوما من ذريتي بواد ~~غير ذي زرع ، عند بيتك المحرم. وإنما رد الرفق لهم في الجوار فقال : {عند ~~بيتك المحرم} ، ثم قال : {ليقيموا الصلاة}. أي : أسكنتهم لإقامة حقك ، لا ~~لطلب حظوظهم. ويقال : اكتفى بأن يكونوا في ظلال عنايته ، عن أن يكونوا في ~~ظلال نعيمهم ، ثم قال : قوله : {بواد غير ذي زرع} أي : أسكنتهم هذا الوادي ~~، ولا متعلق من الأغيار لقلوبهم ، ولا متناول لأفكارهم وأسرارهم ، فهم ~~مطروحون ببابك مقيمون بحضرتك ، جار فيهم حكمك ، إن راعيتهم كفيتهم ، وكانوا ~~أعز خلق الله ، وإن أقصيتهم وأوبقتهم كانوا أضعف وأذل خلقك. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 375 # وقوله تعالى : {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} : قال القشيري : ~~ليشتغلوا بعبادتك ، فأفرد قوما يقومون لهم بكفايتهم ، وارزقهم من الثمرات ، ~~فإن من قام بحق الله قام الله بحقه. فاستجاب الله دعاءه فيهم ، فصارت ~~القلوب من أهل كل بر وبحر كالمجبولة على محبة ذلك البيت ، ومحبة أولئك ~~المصلين من سكانه. وقال ms1271 الورتجبي : سأل أن يجعلهم مرادي جلاله وجماله ، ~~ويجعلهم آية الصادقين والعاشقين ، بقوله : {فاجعل أفئدة من الناس تهوي ~~إليهم} ، تميل بوصف الإرادة والمحبة لك ، والاقتداء بهم في إقامة سنتك ، ~~وألبسهم لباس أنوارك ، وألق في قلوب خلقك محبتهم بمحبتك. ه. ومعنى # 379 # قوله : مرادي جلاله وجماله : أي : مظهرا لجلاله وجماله ، يعشقهم البر ~~والفاجر ، والكامل والناقص ، فقد ظهر فيهم الجلال والجمال. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 375 # قلت : (لسميع الدعاء) : من إضافة أمثلة المبالغة إلى مفعوله ، أي : لسميع ~~دعاء من دعاءه. و(من ذريتي) : عطف على مفعول " اجعل " ، أي : اجعلني وبعض ~~ذريتي مقيمين للصلاة. PageV03P528 # يقول الحق جل جلاله : حاكيا عن خليله عليه السلام : {الحمد لله الذي وهب لي ~~على الكبر} أي : مع كبر سني عن الولد ، {إسماعيل وإسحاق} ، روي أنه ولد له ~~إسماعيل لتسع وتسعين سنة ، وإسحاق لمائة وثنتي عشرة سنة ، وقيل : غير ذلك. ~~وإنما ذكر كبر سنه ؛ ليكون أعظم في إظهار النعمة ، وإظهارا لما فيه من ~~الآية ، ولذلك قال : {إن ربي لسميع الدعاء} أي : يجيب من دعاه ، من قولك : ~~سمع الملك كلامي ، إذا اعتنى به. وفيه إشعار بأنه تقدم بأنه تقدم منه سؤال ~~الولد ، فسمع منه ، وأجابه حين وقع اليأس منه ، ليكون من أجل النعم ~~وأجلاها. # ثم طلب الاستقامة له ولولده بقوله : {رب اجعلني مقيم الصلاة} أي : متقنا ~~لها ، مواظبا عليها ، {ومن ذريتي} فاجعل من يقيمها. والتبعيض ؛ لعلمه ~~بالوحي أن من ولده من لا يقيمها ، أو باستقرار عادته في الأمم الماضية أن ~~منهم من يكون كفارا. {ربنا وتقبل دعاء} أي : استجب ، أو تقبل عبادتي. {ربنا ~~اغفر لي ولوالدي} ، وكان هذا الدعاء قبل النهي ، أو قبل تحقق موتهما على ~~الكفر ، أو يريد آدم وحواء. {وللمؤمنين يوم يقول الحساب} أي : يثبت ويتحقق ~~وجوده ، مستعار من القيام على الرجل ، كقولهم : قامت الحرب على ساق. أو ~~يقوم إليه أهله ، فحذف المضاف ، أي : يقوم أهل الحساب إليه ، وأسند إليه ~~قيامهم ؛ مجازا. # الإشارة : إتيان النسل البشري ، أو الروحاني ، من أجل النعم وأكملها على ~~العبد ، وفي الحديث : " إذا ms1272 مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث ، صدقة جارية ~~، أو علم بثه في صدور الرجال ، أو ولد صالح يدعو له بعد موته " والولد ~~الروحاني أتم ، لتحقق استقامته في الغالب. وطلب ذلك محمود كما فعل الخليل ~~وزكريا ، وغيرهما ، وقد مدح الله من فعل ذلك بقوله : {والذين يقولون ربنا ~~هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} [الفرقان : 74]. # 380 PageV03P529 ~~وقرة عين في الذرية : أن يكونوا على الاستقامة في الدين ، وسلوك منهاج ~~الصالحين. وكل ما أتوا به من الطاعة والإحسان فللوالدين حظ ونصيب من ذلك ، ~~ولا فرق بين الولد الروحاني والبشري ، وفي ذلك يقول الشاعر : # جزء : 3 رقم الصفحة : 380 # والمرء في ميزانه أتباعه # فاقدر إذن قدر النبي محمد # والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 380 # قلت : (يوم يأتيهم) : مفعول ثان لأنذر ، ولا يصح أن يكون ظرفا. و(نجب ~~دعوتك) ؛ جواب الأمر. # يقول الحق جل جلاله : {ولا تحسبن} أيها السامع ، أن {الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون} ، أو أيها الرسول ، بمعنى : دم على ما أنت عليه من أن الله مطلع ~~على أفعالهم ، لا تخفى عليه خافية ، غير غافل عنهم. وهو وعيد بأنه معاقبهم ~~على قليله وكثيره لا محالة. وقيل : إنه تسلية للمظلوم ؛ وتهديد للظالم ؛ ~~فالحق تعالى يمهل ولا يهمل. {إنما يؤخرهم} ، أي : يؤخر عذابهم {ليوم تشخص ~~فيه الأبصار} ، أي : تحد فيه النظر ، من غير أن تطرف ؛ من هول ما ترى. # {مهطعين} : مسرعين إلى الداعي ؛ مذلة واستكانة ، كإسراع الأسير والخائف ~~ونحوه ، أو مقبلين بأبصارهم ، لا يطرفون ؛ هيبة وخوفا ، {مقنعي رؤوسهم} ~~رافعيها إلى السماء كرفع الإبل رأسها عند رعيها أعالي الشجر. وذلك من شدة ~~الهول ، أو من أجل الغل الذي في عنقه ، كقوله {إنا جعلنا فيا أعناقهم ~~أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون} [يس : 8]. وقال الحسن في هذه الآية : ~~وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. ه. {لا يرتد إليهم ~~طرفهم} ، بل تقف أعينهم شاخصة لا تطرف ، أو : لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا ~~إلى أنفسهم ، {وأفئدتهم هواء} : خلاء ، محترقة ، فارغة من الفهم ، لا ms1273 تعي ~~شيئا ؛ لفرط الحيرة والدهشة. ومنه يقال للأحمق وللجبان : قلبه هواء ، # 381 PageV03P530 ~~أي : لا رأي فيه ولا قوة. وقيل : خالية من الخير ، خاوية من الحق. # {وأنذر الناس} يا محمد ، أي : خوفهم هذا اليوم ، وهو : {يوم يأتيهم ~~العذاب} ، يعني يوم القيامة ، أو يوم الموت ؛ فإنه أول مطلع عذابهم ، ~~{فيقول الذين ظلموا} بالشرك والتكذيب : {ربنا أخرنا إلى أجل قريب} أي : أخر ~~العذاب عنا ، وردنا إلى الدنيا ، وأمهلنا إلى أجل قريب ، {نجب دعوتك} حينئذ ~~{ونتبع الرسل} ونظيره : {لولاا أخرتنيا إلىا أجل قريب فأصدق وأكن من ~~الصالحين} [المنافقون : 10]. قال تعالى لهم : {أو لم تكونوا أقسمتم من قبل} ~~أنكم باقون في الدنيا ، {ما لكم من زوال} عنها بالموت ولا بغيره ، ولعلهم ~~أقسموا بطرا وغرورا. أو دل عليه حالهم ؛ حيث بنوا مشيدا ، وأملوا بعيدا. أو ~~أقسموا أنهم لا ينقلون إلى دار أخرى ، وأنهم إذا ماتوا لا يزالون عن تلك ~~الحالة ، ولا ينقلون إلى دار الجزاء ، كقوله : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم ~~لا يبعث الله من يموت} [النحل : 38]. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 381 PageV03P531 ~~وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بالكفر والمعاصي ، من الأمم السالفة ~~كعاد وثمود ، {وقد تبين لكم كيف فعلنا بهم} بما تشاهدون من آثارهم الدارسة ~~، وديارهم الخربة ، وما تواتر عندكم من أخبارهم ، {و} قد {ضربنا لكم ~~الأمثال} من أحوالهم ، أي : بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب ~~، أو بينا لكم صفات ما فعلوا ، وما فعل بهم ، التي هي في الغرابة كالأمثال ~~المضروبة. الإشارة : كما أمهل ، سبحانه الظالمين إلى دار الشدائد والأهوال ~~، أمهل عباده الصالحين إلى دار الكرامة والنوال ؛ لأن هذه الدار لا تسع ما ~~أراد أن يعطيهم من الخيرات ؛ لأنها ضيقة الزمان والمكان ، فقد أجل مقدارهم ~~أن يجازيهم في دار لا بقاء لها ، وتلك الدار باقية لا نفاذ لها ، ففيها ~~يتمحض الجمال والجلال. فبقدر ما ينزل على أهل الجلال من الأهوال ينزل على ~~أهل الجمال من الكرامة والنوال. وتأمل ما تمناه أهل الجلال حين نزلت بهم ~~الأهوال من قولهم : {ربنا أخرنا إلى اجل قريب نجب ms1274 دعوتك ونتبع الرسل} ، ثم ~~بادر إلى إجابة الداعي ، واتباع الرسول الهادي ، في كل ما جاء به من ~~الأوامر والنواهي ، واعتبر بمساكن الذين ظلموا أنفسهم ، كيف فعل بهم الزمان ~~؟ وكيف غرتهم الأماني وخدعهم الشيطان ، حتى أسكنهم دار الذل والهوان ؟ فشد ~~يدك على الطاعة والإحسان والشكر لله على الهداية لنعمة الإسلام ، والإيمان ~~، وعلق قلبك بمقام الإحسان ؛ فإن الله يرزق العبد على قدر نيته ، وبالله ~~التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 381 # قلت : (وإن كان مكرهم) ؛ " إن " نافية ، واللام للجحود ، ومن قرأ " لتزول ~~" ؛ بفتح اللام ، فإن مخففة ، واللام فارقة ؛ و(يوم تبدل) : بدل من (يوم ~~يأتيهم) ، أو ظرف للانتقام ، أو مقدر باذكر ، أو (بمخلف وعده). ولا يجوز ان ~~ينتصب بمخلف ؛ لأن ما قبل " إن " لا يعمل فيما بعدها. و(السماوات) : عطف ~~على (الأرض) ، أي : وتبدل السماوات. PageV03P532 # يقول الحق جل جلاله : {وقد مكروا} بك يا محمد {مكرهم} الكلي ، واستفرغوا ~~جهدهم في إبطال الحق وتقرير الباطل ، {وعند الله مكرهم} اي : مكتوب عنده ~~فعلهم ، فيجازيهم عليه. أو عند الله ما يمكرهم به جزاء لمكرهم ، وإبطالا له ~~، {وإن كان مكرهم} في العظم والشدة ، {لتزول منه الجبال} الثوابت لو زالت ؛ ~~تقديرا ، أو ما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، أي : الشرائع والنبوات ~~الثابتة كالجبال الواسي. والمعنى على هذا تحقير مكرهم ؛ لأنه لا تزول منه ~~تلك الجبال الثابتة الراسخة ، أو : وإن مكرهم لتزول منه الجبال من شدته ، ~~ولكن الله عصم ووقى. وقيل : الآية متصلة بما قبلها ، أي وسكنتم في مساكن ~~الذين ظلموا أنفسهم ، ومكروا مكرهم في إبطال الحق. # {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} ، يعني : وعد النصر على الأعداء ، وقدم ~~المفعول الثاني ، والأصل : مخلف رسله وعده ، فقدم الوعد ؛ ليعلم أنه لا ~~يخلف الوعد أصلا على الإطلاق ، ثم قال : {رسله} ؛ ليعلم أنه لم يخلف وعد ~~أحد من الناس ، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه ؟ ! فقدم الوعد أولا بقصد ~~الإطلاق ، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص. {إن الله عزيز} : غالب لا يماكر ، ~~قادر لا يدافع ، {ذو انتقام} لأوليائه من أعدائه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 382 # يظهر ms1275 ذلك {يوم تبدل الأرض غير الأرض} ، أاذكر {يوم تبدل الأرض غير الأرض} ~~، فتبدل أرض الدنيا يوم القيامة بأرض بيضاء عفراء ، كقرصة النقي ، كما في ~~الصحيح. {و} تبدل {السماوات} بأن تنشق وتطوى كطي السجل للكتب ، ويبقى # 383 # العرش بارزا ، وهو سماوات الجنة. PageV03P533 # قال البيضاوي : والتبديل يكون في الذات ، كقوله : بدلت الدراهم بالدنانير ، ~~وعليه قوله : {بدلناهم جلودا غيرها} [النساء : 56] ، وفي الصفة ، كقولك : ~~بدلت الحلقة خاتما ، إذا أذبتها وغيرت شكلها. وعليه قوله {يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات} [الفرقان : 70]. والآية تحتملها ، فعن علي رضي الله عنه : ~~تبدل أرضا من فضة وسماوات من ذهب ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي تلك ~~الأرض ، وإنما تغير صفاتها ، ويدل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تبدل الأرض غير الأرض فتبسط ، وتمد ~~مد الأديم العكاظي ، " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " قال ابن عطية : وأكثر ~~المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها ، ولا سفك ~~فيها دم ، وليس فيها معلم لأحد. وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ~~المؤمن في وقت التبديل في ظل العرش ". وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: " الناس ، وقت التبديل ، على الصراط " وروي أنه قال : " الناس حينئذ ~~أضياف الله ؛ فلا يعجزهم ما ". وفي سراج المريدين لابن العربي : أن الله ~~خلق الأرض مختلفة محدودبة ؛ ويخلقها يوم القيامة مستوية ، لا ترى فيها عوجا ~~ولا أمتا ، متماثلة بيضاء كخبرة النقى ، كما في الصحيح ، وأما تبديل ~~السماوات فليس في كيفيتها حديث ، وإنما هو مجهول. وفي حديث مسلم : " أين ~~يكون الناس يوم تبدل الأرض ؟ قال : هم على الصراط " قال : يحتمل أنه الصراط ~~المعروف ، ويحتمل أنه اسم لموضع غيره ، تستقر الأقدام عليه ، وكأنه الأظهر ~~؛ للحديث الآخر. وقد سألته عائشة وضي الله عنها أين يكون الناس يوم تبدل ~~الأرض ؟ قال صلى الله عليه وسلم " هم في الظلمة دون الجسر ". والجسر : ~~الصراط. ه. PageV03P534 # أما تبديل الأرض : فظاهر الآيات أنها قبل البعث والحشر ، فلا يقع البعث ~~والحشر ms1276 ، إلا على الأرض المبدلة ؛ كقوله {ويوم نسير الجبال وترى الأرض ~~بارزة وحشرناهم} [الكهف : 47] ، وقوله {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي ~~نسفا فيذرها قاعا صفصفا} [طه : 105 106].. ثم قال {يومئذ يتبعون الداعي} ~~[طه : 108]. وقوله {إذا وقعت الواقعة} [الواقعة : 1] ، ثم قال : {إذا رجت ~~الأرض رجا وبست الجبال بسا} [الواقعة : 4 5] إلى غير ذلك من الآيات. ~~والأرواح حينئذ أضياف الله ، أو في ظل # 384 # العرش ، أو دون الجسر ، حيث يعلم الله. وأما تبديل السماوات فظاهر ~~الأخبار أنه وقت وقوف الناس في المحشر ، حيث تشقق السماء بالغمام وتنزل ~~الملائكة تنزيلا. والله تعالى أعلم. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 382 # وبرزوا لله الواحد القهار} ، أي : وبرزوا من أجداثهم ؛ لمحاسبة الواحد ~~القهار ، أو لمجازاته. وتوصيفه بالوصفين ؛ للدلالة على أنه في غاية الصعوبة ~~، كقوله {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [غافر : 16] ، وأن الأمر إذا ~~كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره ، ولا مستجار ، {وترى ~~المجرمين يومئذ مقرنين} : قرن بعضهم إلى بعض {في الأصفاد} : في القيود ، أو ~~الأغلال ، كل واحد قرن مع صاحبه ، على حسب مشاركتهم في العقائد والأعمال ، ~~كقوله {وإذا النفوس زوجت} [التكوير : 7] : أو قرنوا مع الشياطين ، أو مع ما ~~اكتسبوا من العقائد الزائفة والأهوية الفاسدة ، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى ~~رقابهم بالأغلال. فقوله : {في الأصفاد} : متعلق بمقرنين ، أو حال من ضميره. ~~والصفد : القيد أو الغل. PageV03P535 # {سرابيلهم} : قمصانهم ، والسربال : القميص ، {من قطران} ، وهو الذي يهنأ به ~~الإبل ، أي : تدهن به. وللنار فيه اشتعال شديد ، فلذلك جعل قميص أهل النار. ~~قال البيضاوي : وهو أسود منتن ، تشتعل فيه النار بسرعة ، يطلى به جلود أهل ~~النار ، حتى يكون طلاؤه لهم كالقميص ، ليجتمع عليهم لذغ القطران ووحشة لونه ~~ونتن ريحه ، مع إسراع النار في جلودهم. على أن التفاوت بين القطرانين ~~كالتفاوت بين النارين. ه. # {وتغشى وجوههم النار} ، أي : تكسوها وتأكلها ؛ لأنهم لم يتوجهوا بها إلى ~~الحق ، ولم يخضعوا بها إلى الخالق ، كما تطلع على أفئدتهم ؛ لأنها فارغة من ~~المعرفة والنور ، مملوءة بالجهالات والظلمة. ونظيره قوله : {أفمن يتقي ~~بوجهه سواء ms1277 العذاب يوم القيامة} [الزمر : 24] ، وقوله تعالى : {يوم يسحبون ~~في النار علىا وجوههم} [القمر : 48]. # فعل ذلك بهم ؛ {ليجزي الله كل نفس ما كسبت} من الإجرام ، أو ما كسبت ~~مطلقا ؛ لأنه إذا بين أن المجرمين معاقبون لأجرامهم ؛ علم أن المطيعين ~~يثابون لطاعتهم. ويتعين ذلك إذا علق اللام ببرزوا. {إن الله سريع الحساب} ، ~~فيحاسب الناس في ساعة واحدة ؛ لأنه لا يشغله حساب عن حساب ، فكل شخص يظهر ~~له أنه واقف بين يديه ، يحاسب في وقت حساب الآخر ؛ لأن ذلك وقت خرق ~~العوائد. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 382 # هذا} القرآن ، أو ما فيه من الوعظ والتذكير ، أو ما وصفه من قوله {ولا ~~تحسبن الله غافلا...} [إبراهيم : 42] إلخ ، {بلاغ للناس} ؛ أي : كفاية لهم ~~عن غيره في الوعظ وبيان الأحكام ، يقال : أعطيته من المال ما فيه بلاغ له ، ~~أي : كفاية ، أو بلاغ ؛ أي : تبليغ لهم ، كقوله : {إن عليك إلا البلاغ} ~~[الشورى : 48] {وما على الرسول إلا البلاغ} [النور : 54]. # 385 PageV03P536 ~~وقوله : {ولينذروا به} : عطف على محذوف ، أي : لينصحوا به ، ولينذروا به ، ~~أو متعلق بمحذوف ، أي : ولينذروا به أنزلناه ، {وليعلموا أنما هو إله واحد} ~~بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى ، أو المنبهة ~~على ما يدل عليه. {وليذكر} أي : ليتعظ به {أولو الألباب} أي : القلوب ~~الصافية بالتدبر في أسرار معانيه وعجائب علومه وحكمه ، فيرتدعوا عما يرديهم ~~، ويتذرعوا بما يحظيهم. واعلم أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي ~~الغاية والحكمة في إنزال الكتاب : تكميل الرسل للناس ، واستكمالهم القوة ~~النظرية التي منتهى كمالها التوحيد ، وإصلاح القوة العملية التي هي التدرع ~~بكمال التقوى. جعلنا الله من الفائزين بغايتها. قال معناه البيضاوي. ~~الإشارة : قد مكر أهل الغفلة بالأولياء ، قديما وحديثا ، واحتالوا على ~~إطفاء نورهم ، فأبى الله إلا نصرهم وعزهم ؛ {إن الله عزيز ذو انتقام} ~~فينتقم لهم وينصرهم. ووقت نصرهم هو حين يتحقق فناؤهم عن الرسول والأشكال ، ~~فتبدل الأرض عندهم غير الأرض والسماوات ؛ فتنقلب كلها نورا مجموعا ببحر ~~الأنوار ، وبمحيطات أفلاك الأسرار ، فتذهب ظلمة الأكوان بتجلي نور المكون ~~{الله نور ms1278 السماوات والأرض} [النور : 35]. وبرزوا من سجن الأكوان لشهود ~~الواحد القهار. # وقال الورتجبي : يريد أن أرض الظاهر وسماء الظاهر ، تبدل من هذه الأوصاف ~~، وظلمة الخلقية ، إلا أنها منورة بنور جلال الحق عليها ، وأنها صارت مشرق ~~عيان الحق للخلق حين بدا سطوات عزته ، بوصف الجبارية والقهارية بقوله ~~{وأشرقت الأرض بنور ربها} [الزمر : 69] وهناك يا أخي يدخل الوجود تحت أذيال ~~العدم ؛ من استيلاء قهر أنوار القدم ، قال : {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص ~~: 88]. وقيل : فأين الأشياء إذ ذاك ؟ قال : عادت إلى مصادرها. وقال : متى ~~كانوا شيئا حتى صاروا لا شيء ؟ ! لأنهم أقل من البهاء في الهواء في جنب ~~الحق. ه. PageV03P537 # جزء : 3 رقم الصفحة : 382 # وترى المجرمين ، وهم الغافلون ، مقرنين في قيود الأوهام ، والشكوك ، ~~مسجونين في محيطات الأكوان ، سرابيلهم ظلمة الغفلة ، تغشى وجوههم نار ~~القطيعة ، لا تظهر عليها بهجة المحبين ، ولا أسرار العارفين. فعل ذلك بهم ؛ ~~ليظهر فضيلة المجتهدين. هذا بلاغ للناس ، ولينذوا به وبال الغفلة والحجاب ، ~~وليتحقق أولو الألباب أن الوجود إنما هو للواحد القهار. وبالله التوفيق ، ~~وهو الهادي إلى سواء الطريق. # 386 # جزء : 3 رقم الصفحة : 382 PageV03P538 ### | AUTO سورة الحجر # جزء : 3 رقم الصفحة : 386 # قلت : رب : حرف جر ، تدل على التقليل غالبا. وفيها ثماني لغات : التخفيف ~~، والتثقيل مع ضم الراء وفتحها بالتاء ، وتدخل عليها (ما) فتكفها عن العمل ~~، ويجوز دخولها حينئذ على الفعل ، ويكون ماضيا ، أو منزلا منزلته في تحقيق ~~وقوعه ، وقد تدخل على الجملة الاسمية ؛ كقول الشاعر : # ربما الجامل المؤبل فيهم # وعناجيج بينهن المهار # وجملة : (إلا ولها) : صفة لقرية ، والأصل ألا يدخلها الواو ، كقوله {إلا ~~لها منذرون} [الشعراء : 208] ، لكن لما شابهت صورة الحال دخلت عليها ؛ ~~تأكيدا لوصفها بالموصوف. # يقول الحق جل جلاله : أيها الرسول المعظم ، {تلك} الآيات التي تتلوها هي ~~{آيات الكتاب} الذي أنزلناه إليك ، {و} آيات {قرآن} عربي {مبين} ؛ واضح ~~البيان ، مبينا للرشد والصواب ، فمن تمسك به وآمن بما فيه كان من المسلمين ~~الناجين ، ومن كان تنكب عنه وكفر به كان من الكافرين الهالكين ، وسيندم حين ~~لا ينفع ms1279 الندم ، كما قال # 387 # تعالى : {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} : متمسكين بما فيه حتى ~~يكونوا من الناجين. وهذا التمني قيل : يكون عند الموت ، وقيل : في القيامة ~~، وقيل : إذا خرج العصاة من النار ، وهذا أرجح ؛ لحديث في ذلك. ومعنى ~~التقليل فيه : أنه تدهشهم أهوال يوم القيامة ، فإن حانت منهم إفاقة في بعض ~~الأوقات تمنوا أن لو كانوا مسلمين. PageV03P539 # قال تعالى : {ذرهم} : دعهم اليوم {يأكلوا ويتمتعوا} بدنياهم {ويلههم الأمل} ~~: ويشغلهم توثقهم بطول الأعمار ، واستقامة الأحوال ، عن الاستعداد للمعاد ، ~~{فسوف يعلمون} سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاؤهم. والأمل للتهديد ، والغرض : ~~حصول الإياس من إيمانهم ، والإيذان بأنهم من أهل الخذلان ، وأن نصحهم بعد ~~هذا تعب بلا فائدة. وفيه إلزام الحجة لهم. وفيه التحذير عن إيثار التنعم ، ~~وما يؤدي إليه طول الأمل من الهلاك عاجلا وآجلا ، ولذلك قال تعالى بعد : ~~{وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} أي : أجل مقدر كتب في اللوح ~~المحفوظ ، {ما تسبق من أمة أجلها} ؛ أي : أجل هلاكها ، {وما يستأخرون} عنه ~~ساعة ، وتذكير الضمير في {يستأخرون} ؛ للحمل على المعنى ، لأن الأمة واقعة ~~على الناس. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 387 # الإشارة : انظر هذا التهديد العظيم ، والخطر الجسيم لمن تمتع بدنياه ، ~~وعكف على حظوظه وهواه : {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}. ~~ولله در القائل : # تفكرت في الدنيا وفي شهواتها # ولذاتها حتى أطلت التفكرا # وكيف يلذ العيش من هو سالك # سبيل المنايا رائحا أو مبكرا # فلا خير في الدنيا ولا في نعيمها # لحر مقل كان أو مكثرا # جزء : 3 رقم الصفحة : 387 PageV03P540 ~~يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} ؛ أي : كفار قريش : {يا أيها الذين نزل عليه ~~الذكر} في زعمه ، أو قالوه تهكما ، {إنك لمجنون} أي : إنك لتقول قول ~~المجانين ، حين تدعي أنه ينزل عليك الذكر ، أي : القرآن. {لو ما} : هلا ~~{تأتينا بالملائكة} ليصدقوك فيما تدعي ، أو يعضدوك على الدعوى ، أو للعقاب ~~على تكذيبنا {إن كنت من الصادقين} في دعواك ، قال تعالى : {ما ننزل ~~الملائكة} ؛ لعذابهم أو لغيره {إلا بالحق} ms1280 من الوحي ، والمصالح التي يريدها ~~الله ، لا باقتراح مقترح ، أو اختبار كافر ، أو : إلا تنزيلا ملتبسا بالحق ~~، أي : بالوجه الذي قدره في الأزل ، واقتضته الحكمة الإلهية ، وهو أنه لا ~~تنزل إلا # 388 # باستئصال العذاب ، وقد سبق في العلم القديم أن من ذريتهم من سبقت كلمتنا ~~له بالإيمان ، أو يراد بالحق : العذاب ، ويؤيده قوله : {وما كانوا إذا ~~منظرين} ؛ أي : ولو نزلت الملائكة لعوجلوا ، وما كانوا ، إذا نزلت ، مؤخرين ~~عن العذاب ساعة. # ثم رد إنكارهم نزول الذكر واستهزاءهم فقال : {إنا نحن نزلنا الذكر} ؛ أي ~~: القرآن ، وأكده بأن وضمير الفصل ، وحفظه بعد نزوله ، كما قال : {وإنا له ~~لحافظون} من التحريف ، والزيادة ، والنقص ، بأن جعلناه معجزا ، مباينا ~~لكلام البشر ، لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان. قال القشيري : نزل ~~التوراة ، ووكل حفظها إلى بني إسرائيل ، بما استحفظوا من كتاب الله ، ~~فحرفوا وبدلوا ، وأنزل القرآن ، وأخبر أنه حافظه ، فلا جرم أنه كتاب عزيز ، ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ويقال : إنه أخبر أنه حافظ ~~القرآن ، وإنما يحفظه بقرائه ، فقلوب القراء هي خزائن كتابه ؛ وهو لا يضيع ~~حفظة كتابه ، فإن في ذلك تضييع كتابه. ه. PageV03P541 # وقال ابن عطية على قوله {ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه} [البقرة : 75] ذهبت ~~جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم ، وأن ذلك ممكن في ~~التوراة ؛ لأنهم استحفظوها ، وغير ممكن في القرآن ؛ لأن الله تعالى ضمن ~~حفظه. ه. # الإشارة : كل ما جاء في القرآن من الإنكار على الرسل على أيدي الكفرة ~~وتنقصيهم ، والاستهزاء بهم ، ففيه تسلية لمن بعدهم من الأولياء. وكذلك ما ~~ذكره الحق تعالى من مقالات أهل الجهل في جانبه ؛ كقوله : {لقد سمع الله قول ~~الذين قالواا إن الله فقير} [ آل عمران : 181] ، وقوله : {وقالت اليهود يد ~~الله مغلولة} [المائدة : 64] ، إلى غير ذلك من مقالات أهل الجهل ، فكأن ~~الحق تعالى يقول : لو سلم أحد من الناس ، لسلمت أنا وأنبيائي ، الذين هم ~~خاصة خلقي ، فليكن بي وبرسلي أسوة لمن أوذي من أوليائي. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة ms1281 : 388 # يقول الحق جل جلاله : في تسلية رسوله عليه الصلاة والسلام {ولقد أرسلنا ~~من قبلك} رسلا {في شيع} : فرق {الأولين} أي : القرون الماضية ، جمع شيعة ، ~~وهي : الفرقة المتفقة على طريق واحد ، وتتشيع لمذهب أو رجل ، من شاعه إذا ~~تبعه ، أي : نبأنا رجالا فيهم ، وجعلناهم رسلا إليهم ، فكذبوهم واستهزؤوا ~~بهم ، فكانوا : {ما يأتيهم # 389 # من رسول إلا كانوا به يستهزئون} كما يفعل بك هؤلاء المجرمون. PageV03P542 # {كذلك نسلكه} أي : ندخل الاستهزاء {في قلوب المجرمين}. والسلك : إدخال ~~الشيء كالخيط في المخيط ، وفيه دليل على أنه تعالى يخلق الباطل دليل على ~~أنه تعالى يخلق الباطل في قلوبهم. وإذا سلك في قلوبهم التكذيب {لا يؤمنون ~~به} أبدا. أو : نسلكه ، أي : القرآن ؛ مستهزءا به ، أي : مثل ذلك السلك ~~نسلك الذكر في قلوب المجرمين ؛ مكذبا غير مؤمن به ، ثم هددهم على عدم ~~الإيمان به ، فقال : {وقد خلت سنة الأولين} أي : تقدمت طريقتهم على هذه ~~الحالة من الكفر والاستهزاء ، حتى هلكوا بسبب ذلك ، أو مضت سنته في الأولين ~~بإهلاك من كذب الرسل منهم ، فيكون وعيدا لأهل مكة. # {ولو فتحنا عليهم} أي : على هؤلاء المقترحين المعاندين من كفار قريش ، ~~{بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون} : يصعدون إليها ، ويرون عجائبها طول ~~نهارهم ، لكذبوا ، أو فظلت الملائكة يعرجون فيها وهم يشاهدونهم لقالوا ؛ من ~~شدة عنادهم وتشكيكهم في الحق : {إنما سكرت} : حيرت {أبصارنا} ، فرأينا ~~الأمر على غير حقيقته ؛ من أجل السكر الذي أصابنا بالسحر. # ويحتمل أن يكون مشتقا من السكر بفتح السين ، وهو السد ، أي : سدت أبصارنا ~~، ومنعنا من الرؤية الحقيقية. {بل نحن قوم مسحورون} ؛ سحرنا محمد ، كما ~~قالوا عند ظهور غيره من الآيات. قال البيضاوي : وفي كلمتي الحصر والإضراب ~~دلالة على جزمهم بأن ما يرونه لا حقيقة له ، بل هو باطل خيل ما خيل لهم ~~بنوع من السحر. ه. وذلك من فرط عنادهم ، وشقاوتهم. والعياذ بالله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 389 PageV03P543 ~~الإشارة : هذا كله من قبيل التسلية لأهل الخصوصية ، إذا قوبلوا بالإنكار ~~والاستهزاء ، فيرجعون إلى الله ، والاكتفاء بعلمه ، والاشتغال بالله عنه. ms1282 ~~وقد قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه : عداوة العدو حقا هي ~~اشتغالك بمحبة الحبيب ، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك ، ~~وفاتتك محبة الحبيب. وقال الولي الصالح سيدي أبو القاسم الخصاصي رضي الله ~~عنه لبعض تلامذته : لا تشتغل قط بمن يؤذيك ، واشتغل بالله يرده عنك ، فإنه ~~هو الذي حركه عليك ، ليختبر دعواك في الصدق. وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير ~~اشتغلوا بإيذاء من آذاهم ، فدام الأذى مع الإثم ، ولو أنهم رجعوا إلى الله ~~لردهم عنهم ، وكفاهم أمرهم. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 389 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد جعلنا في السماء بروجا} ؛ اثني عشر برجا ، ~~وهي : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد والسنبلة ، والميزان ~~، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت ، والبرج عبارة عن قطعة في ~~الفلك تقطعها الشمس في شهر ؛ فتقطع البروج كلها في سنة ، ستة يمانية ، وستة ~~شمالية ، وهي مختلفة الهيئات والخواص ، على ما دل عليه الرصد والتجربة. وكل ~~ذلك بقدرة المدبر الحكيم. قال تعالى : {وزيناها} بالأشكال والهيئات البهية ~~{للناظرين} المعتبرين ؛ ليستدلوا بها على قدرة مبدعها ، وتوحيد صانعها. ~~{وحفظها من كل شيطان رجيم} : مرجوم ، فلا يقدر أن يصعد إليها ليسترق السمع ~~منها ، أو يوسوس أهلها ، أو يتصرف في أمرها ، أو يطلع على أحوالها. PageV03P544 # {إلا من استرق السمع} أي : حفظناها من الشياطين ، إلا من استرق منها. ~~والاستراق : الاختلاس ، روي أنهم يركبون بعضهم بعضا حتى يصلوا إلى السماء ، ~~فيسمعون أخبار السماء من الغيب ، فيخطف الجن الكلمة قبل الرمي فيلقيها إلى ~~الكهنة ، ويخلط معها مائة كذبة ، كما في الصحيح. روي عن ابن عباس : أنهم ~~كانوا لا يحجبون عن السماوات ، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث ~~سماوات ، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من كلها بالشهب. وقيل : ~~الاستثناء منقطع ، أي : ولكن من استرق السمع ، {فأتبعه} لحقه {شهاب مبين} ؛ ~~ظاهر للمبصرين. والشهاب : شعلة نار يقتبسها الملك من النجم ، ثم يضرب به ~~المسترق ، وقيل : النجوم هي التي تضرب بنفسها ، فإذا أصابت الشيطان فتلته ~~أو خبلته فيصير غولا. # جزء ms1283 : 3 رقم الصفحة : 390 # ثم ذكر معجزة الأرض فقال : {والأرض مددناها} : بسلطناها ، {وألقينا فيها ~~رواسي} ؛ جبالا ثوابت ، {وأنبتنا فيها} ؛ في الأرض ، أو فيها أو في الجبال ~~{من كل شيء موزون} ؛ مقدر بمقدار معين تقتضيه حكمته. فالوزن مجاز ، أو ما ~~يكون يوزن حقيقة كالعشب النافعة ، أو كالذهب والفضة وسائر الأطعمة. {وجعلنا ~~لكم فيها معايش} تعيشون بها من المطاعم والملابس ، {و} خلقنا لكم {من لستم ~~له برازقين} من الولدان والخدمة والمماليك ، وسائر ما تظنون أنكم ترزقونهم ~~كاذبا ؛ فإن الله يرزقكم وإياهم. # قال البيضاوي : وفذلكة الآية : الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار معين ، # 391 PageV03P545 ~~مختلفة الأحزاء في الوضع ، محدثة فيها أنواع النباتات والحيوانات المختلفة ~~خلقة وطبيعة ، مع جواز ألا تكون كذلك ؛ على كمال قدرته ، وتناهي حكمته ، ~~والتفرد في ألوهيته ، والامتنان على العباد بما أنعم في ذلك ليوحدوه ~~ويعبدوه. ثم بالغ في ذلك فقال : {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} أي : وما من ~~شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه ، فضرب الخزائن ~~مثلا لاقتداره أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يجوج إخراجها إلى ~~كلفة واجتهاد. ه. قال ابن جزي : {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} ؛ قيل : ~~المطر ، واللفظ أعم من ذلك ، والخزائن : المواضع الخازنة ، وظاهر هذا أن ~~الأشياء موجودة قد خلقت. ه. {وما ننزله} أي : نبرزه من عالم الغيب إلى عالم ~~الشهادة ، {إلا بقدر معلوم} : بمقدار محدود في وقت معلوم اقتضته الحكمة ~~وتعلقت به المشيئة ، لا يزيد ولا ينقص على ما سبق به العلم. # {وأرسلنا الرياح لواقح} : حوامل للماء في أوعية السحاب ، يقال : لقحت ~~الناقة والشجرة إذا حملت ، فهي لاقحة ، وألقحت الريح الشجر فهي ملقحة. ~~ولواقح : جمع لاقحة ، أي : حاملة ، أو جمع ملقحة على حذف الميم الزائدة ، ~~فهي على هذا ملقحة للسحاب أو الشجر ، ونظيره : الطوائح ، بمعنى المطيحات في قوله : # ومختبط مما تطيح الطوائح PageV03P546 ~~والرياح أربعة : صبا ، ودبور ، وجنوب ، وشمال. والعرب تسمي الجنوب الحامل ~~واللاقحة ، وتسمى الشمال الحائل والعقيم. وفي البخاري : " نصرت بالصبا ، ~~وأهلكت عاد بالدبور ". وروي أبو هريرة رضي ms1284 الله عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : " الريح الجنوب من الجنة ، وهي اللواقح التي ذكر الله ، وفيها منافع ~~للناس " وفي الحديث : " الريح من نفس الرحمن " والإضافة هنا إضافة خلق إلى ~~خالق ، كما قال : {من روحي} [الحجر : 29]. ومعنى نفس الرحمن ، أي : من ~~تنفيسه وإزالة الكرب والشدائد ، فمن التنفيس بالريح : النصر بالصبا ، وذر ~~الأرزاق بها ، وجلب الأمطار ، وغير ذلك مما يكثر عده. قاله ابن عطية. # 392 # والمختار في تفسير اللواقح : أنها حاملة للماء ، قوله : {فأنزلنا من ~~السماء ماء فأسقيناكموه} أي : جعلنا لم سقيا. يقال : سقى وأسقى بمعنى واحد ~~عند الجمهور. {وما أنتم له بخازنين} : بممسكين له في الجبال ، والغدران ، ~~والعيون ، والآبار ، فتخرجونه متى شئتم ، بل ذلك من شأن المدبر الحكيم ، ~~فإن طبيعة الماء تقتضي الغور ، فوقوفه دون حد لا بد له من مسبب مخصص ، ~~وجريه بلا انتهاء لا يكون إلا بقدرة السميع العليم ، الذي لا تتناهى قدرته. ~~أو : {وما أنتم له بخازنين} ؛ بقادرين متمكنين من إخراجه وقت الاحتياج ~~إليه. نفى عنهم ما أثبته لنفسه بقوله : {عندنا خزائنه}. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 390 # وإنا لنحن نحيي ونميت} أي : نحيي من نريد إحياءه بإيجاد الحياة فيه ، ~~ونميت من نريد إماتته بإزالة الحياة منه. وقد أول الحياة بما يعم الحيوان ~~والنبات. وتكرير الضمير ؛ للدلالة على الحصر. {ونحن الوارثون} : الباقون ~~إذا مات الخلائق كلهم. PageV03P547 # {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} أي : علمنا من تقدم ؛ ~~ولادة ، ومن تأخر ، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد ، أو من ~~تقدم إلى الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة ، ومن تأخر ، لا يخفى علينا شيء ~~من أحوالكم. وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته ، فإن ما يدل ~~على كمال قدرته دليل على كمال علمه. وقيل : رغب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الصف الأول ، فازدحموا عليه ، فنزلت ، وقيل : إن امرأة حسناء كانت ~~تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه ، فتقدم بعض القوم ؛ لئلا ينظر إليها ، ~~وتأخر بعض ؛ ليبصرها ، فنزلت. قاله البيضاوي : # {وإن ربك هو ms1285 يحشرهم} لا محالة للجزاء ، كأن هذا هو الغرض من ذكر العلم ~~بالمتقدمين والمتأخرين ؛ لأنه إذا أحاط بهم علما لم تصعب عليه إعادتهم ~~وحشرهم. {إنه حكيم} باهر الحكمة ، {عليم} ؛ واسع العلم والإحاطة بكل معلوم. ~~قال البيضاوي : وفي توسيط الضمير يعني في قوله : {هو يحشرهم} ؛ للدلالة ~~على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غيره ، وتصدير الجملة بأن ؛ لتحقيق ~~الوعيد والتنبيه على أن ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل ~~الأشياء يدل على صحة الحكم. ه. # الإشارة : ولقد جعلنا في سماء قلوب العارفين بروجا ، وهي المقامات التي ~~ينزلون فيها بشموس عرفانهم ، وهي : التوبة ، والخوف ، والرجاء ، والورع ، ~~والزهد ، والصبر ، والشكر ، والرضى ، والتسليم ، والمحبة ، والمراقبة ، ~~والمشاهدة. وزيناها للناظرين ؛ أي : السائرين حتى يقطعوها جملة محمولين ~~بعناية الجذب ، حتى يحلو لهم ما كان مرا على غيرهم ، وحفظنا سماء قلوبهم من ~~طوارق الشيطان ، إلا ما كان طيفا خياليا لا يثبت ، بل يتبعه شهاب الذكر ~~فيحرقه ، وأرض النفوس مددناها لقيام رسم العبودية ، وظهور عالم الحكمة ~~وآثار القدرة ، وألقينا فيها جبال العقول الرواسي ، لتعرف الرب من المربوب الذي # 393 PageV03P548 ~~اقتضته الحكمة. وأنبتنا فيها من العلوم الرسيمة والعقلية ، ما قدر لها في ~~العلم المكنون ، وجعلنا لكم فيها من علم اليقين ، وحق اليقين ما تتقوت به ~~قلوبكم ، وتعيش به أرواحكم وأسراركم ، وتعولون به من لستم له برازقين من ~~المريدين السائرين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 390 # سئل سهل رضي الله عنه عن القوت ، فقال : هو الحي الذي لا يموت ، فقيل : ~~إنما سألناك عن القوام. فقال : القوام هو العلم ، فقيل : سألناك عن الغذاء ~~، فقال : الغذاء هو الذكر ، فقيل : سألناك عن طعام الجسد ، فقال : ما لك ~~وللجسد ، دع من تولاه أولا يتولاه آخرا ، إذا دخلت عليه علة رده إلى صانعه ~~، أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها. وأنشدوا : # يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته # وتطلب الربح مما فيه خسران # عليك بالنفس فاستكمل فضيلتها # فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان # واستكمال فضيلة النفس هو تزكيتها وتحليتها حتى تشرق عليها أنوار العرفان ~~، وتخرج من ms1286 سجن الأكوان. وبالله التوفيق. ثم قال تعالى : {وإن من شيء} من ~~الأرزاق المعنوية والحسية ، أو العلوم اللدنية ، والفتوحات القدسية {إلا ~~عندنا خزائنه} ؛ فمن توجه بكليته إلينا فتحنا له خزائن غيبنا ، وأطلعناه ~~على مكنون سرنا شيئا فشيئا ، {وما ننزله إلا بقدر معلوم}. وقال الورتجبي : ~~علم الإشارة في الآية : دعوة العباد إلى حقائق التوكل ، وهي : قطع الأسباب ~~، والإعراض عن الأغيار ، قيل : كان الجنيد رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية ~~: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} ، قال : فأين تذهبون ؟ . وقال حمدون : قطع ~~أطماع عبيده سواه بقوله : {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} ، فمن رفع بعد هذا ~~حاجته إلى غيره ، فهو لجهله ولؤمه. ه. PageV03P549 # وأرسلنا رياح الهداية لواقح ، تلقح الطمأنينة والمعرفة في قلوب المتوجهين ، ~~وتلقح اليقين والتوفيق في قلوب الصالحين ، وتلقح الإيمان والهداية في قلوب ~~المؤمنين ، فأنزلنا من ساء الغيب ماء العلم اللدني ، فأسقيناكموه على أيدي ~~وسائط الشيوخ ، أو بلا واسطة ، وما أنتم له بخازنين ، بل يفيض على قلوبكم ~~عند غلبة الحال ، أو لهداية مريد ، أو عند الاحتياج إليه عند استفتاح ~~القلوب ، وإنا لنحن نحيي قلوبا بالمعرفة واليقين ونميت قلوبا بالجهل والكفر ~~، ونحن الوارثون ؛ لبقاء انوارنا على الأبد. ولقد علمنا المستقدمين منكم ~~إلى حضرة قدسنا بالاستعداد ، وإعطاء الكلية من نفسه ، ولقد علمنا ~~المستأخرين عنها بسبب ضعف همته ، وإن ربك هو يحشرهم ؛ فيقرب قوما لسبقهم ، ~~ويبعد آخرين لتأخرين. إنه حكيم عليم. # 394 # جزء : 3 رقم الصفحة : 390 # قلت : قال في الصحاح : الحمأ المسنون : المنتن المتغير. وسنة الوجه : ~~صورته ، ثم قال : والمسنون : المصور ، وقد سننته أسنه سنا إذا صورته ، ~~والمسنون : المملس. وفي القاموس : الحمأ المسنون : المنتن ، ورجل مسنون ~~الوجه : مملسه ، حسنه ، سهله. أو في وجهه وأنفه طول. وسنن الطين : عمله ~~فخارا. ه. وفي ابن عطية : هو من سننت السكين والحجر : إذا أحكمت تلميسه. ~~انطر بقية كلامه. وموضع {من حمأ} : نعت لصلصال ، أي : كائن من حمأ. ~~و(الجان) : منصوب بمحذوف يفسره ما بعده. PageV03P550 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد خلقنا الإنسان} ؛ أي : أصله ، وهو آدم ، {من ~~صلصال} أي ms1287 : طين يابس يصلصل. أي : يصوت إذا نقر فيه وهو غير مطبوخ ، فإذا ~~طبخ فهو فخار ، {من حمأ} : من طين أسود {مسنون} : متغير منتن ، من سننت ~~الحجر على الحجر إذا حككته به ؛ فإن ما يسيل بينهما يكون منتنا ، ويسمى ~~سنينا. أو مسنون : مصور ، أو مصبوب ليتصور ، كالجواهر المذابة تصب في ~~القوالب ، من السن ، وهو الصب ، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان ~~أجوف ، فيبس حتى إذا نقر صلصل ، ثم غير ذلك طورا بعد طور حتى سواه ونفخ فيه ~~من روحه. # {والجان} وهو : إبليس الأول ، ومنه تناسلت الجن {خلقناه من قبل} أي : من ~~قبل خلق الأنسان ، {من نار السموم} : من نار الحر الشديد النافذ في المسام ~~، ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة ، كما لم يمتنع خلقها في ~~الجواهر المجردة ؛ فضلا عن الأجساد المؤلفة ، التي الغالب فيها الجزء ~~الناري ، فإنها أقبل منها لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي. وقوله : ~~{من نار} : لاعتبار الغالب ، كقوله : {خلقكم من تراب} [فاطر : 11]. ومساق ~~الآية كما هو للدلالة على قدرة الله تعالى ، وبيان بدء خلق الثقلين ، فهو ~~للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر ، وهو قبول ~~المواد للجمع والإحياء. قاله البيضاوي. PageV03P551 # الإشارة : اعلم أن الخمرة الأزلية ، حين تجلت في مرائي جمالها ، تلونت في ~~تجليها ، فتجلت نورانية ونارية ، ومائية وترابية ، وسماوية ، وهوائية ، إلى ~~غير ذلك من ألوان تجلياتها ، فكانت الملائكة من النور ، والجن من النار ، ~~والآدمي من التراب ، إلا أن الادمي فيه روح نورانية سماوية ، فاجتمع فيه ~~الضدان : النور الظلمة ؛ فشرف قدره في الجملة ، فاستحق الخلافة ، فإذا غلبت ~~روحانيته على جسمانيته فضل على جميع التجليات ، وما مثاله إلا كالمرآة التي ~~خلفها الطلاء ، فينطبع فيه الوجود بأسره ، إذا صقلت مرآة قلبه ، فتكون ~~معرفته بالحق أجلى وأنصع من معرفة غيره ؛ لأن المرآة التي خلفها # 395 # الطلاء يتجلى فيها ما يقابلها أكثر من غيرها. وأيضا بشرية الآدمي ~~كالياقوتة السوداء إذا صقلت كانت أعظم اليواقيت. وسيأتي بقية الكلام عند ~~قوله تعالى : {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء : 70] إن شاء الله. ms1288 # جزء : 3 رقم الصفحة : 395 # قلت : (وإذ قال) : ظرف لاذكر ، وقوله : {فقعوا} : امر ، من وقع ، يقع ، ~~قع ، فهو مما حذفت فاؤه. وقوله : (فسجد) معطوف على محذوف ، أي : فخلقه ، ~~وأمر الملائكة فسجدوا. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر يا محمد {إذ قال ربك للملائكة} ، قبل خلق ~~آدم : {إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون} ، وصفه لهم بذلك ليظهر صدق من ~~يمتثل أمره ، قال تعالى : {فإذا سويته} : عدلت خلقته وهيأتها لنفخ الروح ~~فيها ، {ونفخت في من روحي} ؛ حين جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي ، وأصل ~~النفخ : إجراء الروح في تجويف جسد آخر. ولما كان الروح يتعلق أولا بالبخار ~~اللطيف المنبعث من القلب ، وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسري في تجاويف ~~الشرايين إلى أعماق البدن ، جعل تعلقه بالبدن نفخا. قاله البيضاوي. وأضاف ~~الروح إلى نفسه إضافة ملك إلى مالك ، اي : من الروح الذي هو لي ، وخلق من خلقي. PageV03P552 # فإذا نفخت فيه {فقعوا} : فأسقطوا {له ساجدين فسجد الملائكة} حين أكمل خلقته ~~، وأمرهم بالسجود ، وقيل : اكتفى بالأمر الأول ، {كلهم أجمعون} ، أكد ~~بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص ، {إلا إبليس أبى} : امتنع {أن ~~يكون مع الساجدين} ، قال البيضاوي : إن جعل الاستثناء منقطعا اتصل به قوله ~~: {أبى} ؛ أي : لكن إبليس أبى أن يسجد ، وإن جعل متصلا كان قوله : {أبى} : ~~استئنافا ، على أنه جواب # 396 # سائل قال : هلا سجد ؟ فقال : أبى.. الخ. قلت : والأحسن : أن يقدر السؤال ~~بعد قوله : {إلا إبليس أبى} أي : وما شأنه ؟ فقال : أبى أن يكون مع ~~الساجدين. # جزء : 3 رقم الصفحة : 396 # قال تعالى : {يا إبليس ما لك} ؛ أي شيء عرض لك ، {ألا تكون مع الساجدين} ~~لآدم ؟ {قال لم أكن لأسجد} أي : لا يصح مني ، بل ينافي حالي أن أسجد {لبشر} ~~جسماني كثيف ، وأنا روحاني لطيف ، وقد {خلقته من صلصال من حمإ مسنون} ، وهو ~~أخس العناصر ، وخلقتني من نار وهي أشرفها. استنقص آدم من جهة الأصل ، وغفل ~~عن الكمالات التي خصه الله بها ، منها : أنه خلقه بيديه بلا واسطة ، أي : ~~بيد القدرة والحكمة ، بخلاف ms1289 غيره ، ومنها : أنه خصه بالعلوم التي لم توجد ~~عند غيره من الملائكة ، ومنها : أنه نفخ فيه من روحه المضافة إلى نفسه ، ~~ومنها : أنه جعله خليفة في أرضه... إلى غيره ذلك من الخواص التي تشرف بها ~~فاستحق السجود. PageV03P553 # قال له تعالى لما امتنع واستكبر : {فاخرج منها} أي : من السماء ، أو من ~~الجنة ، أو من زمرة الملائكة ، {فإنك رجيم} : مطرود من الخير والكرامة ؛ ~~فإن من يطرد يرجم بالحجر ، أو شيطان يرجم بالشهب ، فهو وعيد يتضمن الجواب ~~عن شبهته ، أي : ليس الشرف بالأصل ، إنما الشرف بالطاعة والقرب. {وإن عليك ~~اللعنة} : الطرد والإبعاد {إلى يوم الدين} ؛ يوم الجزاء ، ثم يتصل باللعن ~~الدائم. وقيل : إنما حد اللعن لأنه أبعد غاية يضربها الناس ، أو لأنه يعذب ~~فيه بما ينسى اللعن ، فيصير كأنه زال عنه ذلك اللعن. # {قال رب فأنظرني} : أخرني {إلى يوم يبعثون} ، أراد أن يجد فسحة في ~~الإغواء ، ونجاة من الموت ، إذ لا موت بعد وقت البعث ، فأجابه إلى الأول ~~دون الثاني ، {قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} : المعين فيه ~~أجلك عند الله ، وانقراض الناس كلهم ، وهو النفخة الأولى عند الجمهور. # وهذه المخاطبة ، وإن لم تكن بواسطة ، لا تدل على منصب إبليس ؛ لأن خطاب ~~الله له على سبيل الإهانة والإذلال. قاله البيضاوي. وجزم ابن العربي ، في ~~سراج المريدين ، بأن كلام الحق تعالى إنما كان بواسطة ، قال : لأن الله لا ~~يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس ، فكيف يكلم من تولى إضلالهم. ه. وتردد ~~المازري في ذلك وقال : لا قاطع في ذلك ، وإنما فيه ظواهر ، والظاهر لا تفيد ~~اليقين. ثم قال : وأما قوله : {ما منعك أن تسجد} : فيحتمل أن يكون بواسطة ~~أو بغيرها ، تقول العرب : كلمت فلانا مشافهة ، بالكلام ، وتارة بالبعث. ه. ~~قلت : الظاهر أنه كلمه بلا واسطة من وراء حجاب ، كلام عتاب وإهانة ، كما ~~يوبخ الكفار يوم القيامة ، مع أن الواسطة محذوفة عند المحققين ، وإن وجدت صورة. # ثم قال : {رب بما أغويتني} أي : بسبب إغوائك لي ، {لأزينن لهم في الأرض} ، # 397 PageV03P554 ~~وقيل : الباء ms1290 للقسم ، أي : بقدرتك على إغوائي ، لأزينن لهم المعاصي والكفر ~~في الدنيا ، التي هي دار الغرور. قال ابن عطية : قوله : {رب} : مع كفره ، ~~يخرج على أنه يقر بالربوبية والخلق ، وهذا لا يدفع في صدر كفره. وقال ، على ~~قوله : {لم أكن لأسجد} : ليس هذا موضع كفره عند الحذاق ؛ لأن إبايته إنما ~~هي معصية فقط ، أي : وإنما كفره لاعتراضه لأمر الحق واستكباره. وأما قوله ~~وتعليله فإنما يقتضي أن آدم مفضول ، وقد أمره أن يسجد لمن هو أفضل منه ، ~~فرأى أن ذلك جور ، فقاس وأخطأ ، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها الله ~~تعالى المالك للجميع. ه. مختصرا. وقال المازري : أما كفر إبليس فمقطوع به ؛ ~~لقوله : {واستكبر وكان من الكافرين} [البقرة : 34] ثم قال : ويؤكده قوله : ~~{رب بما أغويتني} ، وقوله : {لأملأن جهنم منك...} الآية [ص : 85] ، وغير ~~ذلك من ظواهر ما يدل على كفره. # جزء : 3 رقم الصفحة : 396 PageV03P555 ~~وأما : هل حدث هذا الكفر بعد إيمان سابق ، أو لم يزل كافرا منذ كان ؟ فهذا ~~لا يحصله إلا نص قرآن ، أو خبر متواتر ، أو إجماع أمة ، وهي المحصلة للعلم ~~، وهذه الثلاثة مفقودة هنا. ه. قلت : والظاهر أن كفره لم يظهر إلا بعد ~~الأمر بالسجود لآدم ، وإنما سبق به العلم القديم ، وكان قد أظهر الإيمان ~~والعبادة والله تعالى أعلم. وقوله : {ولأغوينهم أجمعين} ؛ أي : لأحملنهم ~~على الغواية أجمعين ، {إلا عبادك منهم المخلصين} ؛ الذين أخلصتهم لطاعتك ، ~~وطهرتهم من الشهوات ، فلا يعمل فيهم كيدي. ومن قرأ بالكسر فمعناه : الذين ~~أخلصوا دينهم لله ، وتحصنوا بالإخلاص في سائر أعمالهم. {قال} تعالى : {هذا ~~صراط علي مستقيم} ؛ الإشارة إلى نجاة المخلصين ، أو إلى العبادة والإخلاص ، ~~أي : هذا الطريق الذي سلكه أهل الإخلاص في عبوديتهم هو طريق وارد علي ، ~~وموصل إلى جواري ، لا سبيل لك على أهله ؛ لأنه مستقيم لا عوج فيه. وقيل : ~~الإشارة إلى انقسام الناس إلى غاو ومخلص ، أي : هذا أمر إلي مصيره ، والنظر ~~فيه لي ، علي أن أراعيه وأبينه ، مستقيم لا انحراف فيه. وقرأ الضحاك ومجاهد ~~والنخعي ، وغيرهم : " علي ؛ بكسر اللام والتنوين ، من ms1291 العلو والشرف ، ~~والإشارة حينئذ إلى الإخلاص ، أي : هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال ~~أنت بإغوائك أهله يا إبليس. # الإشارة : إنما يصعب الخضوع للجنس أو لمن دونه ، في حق من يغلب حسه على ~~معناه ، وفرقه على جمعه وأما من غلب معناه على حسه ، حتى رأى الأشياء ~~الحسية أواني حاملة للمعاني ، أي : لمعاني أسرار الربوبية ، بل رآها أنوارا ~~بارزة من بحر الجبروت ، لم يصعب عليه الخضوع لشيء من الأشياء ؛ لأنه يراها ~~قائمة بالله ، ولا وجود لها مع الله ، فلا يخضع حينئذ إلا لله ، فالملائكة ~~- عليهم السلام - نفذت بصيرتهم ، فرأوا آدم عليه السلام عليه قبلة للحضرة ~~القدسية ، فغلب عليهم شهود المعاني دون الوقوف مع الأواني ، فخضعوا # 398 PageV03P556 ~~لآدم صورة ، ولله حقيقة. وإبليس وقف مع الحس ، وحجب بالفرق عن الجمع ، فلم ~~ير إلا حس آدم معناه ، فامتنع عن السجود ، وفي الحكم العطائية : " فمن رأى ~~الكون ، ولم يشهد الحق فيه ، أو عنده ، أو قبله ، أو بعده ، أو معه ، فقد ~~أعوزه وجود الأنوار ، وحجبت عنه شموس المعارف بحب الآثار ". ولهذا المعنى ~~صعب الخضوع للأشباح ؛ لغلبة الفرق على الناس ، إلا من سبقت له العناية ، ~~فإنه يخضع مع الفرق ؛ محبة لله ، حتى يفتح الله عليه في مقام الجمع ، فيخضع ~~لله وحده. والتوفيق لهذا ، والسير على منهاجه أعني الخضوع لمن يوصل إلى ~~الله هو الصراط الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله : {هذا صراط علي مستقيم}. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 396 # قلت : (إلا من اتبعك) : يحتمل ان يكون منقطعا ، ويريد بالعباد : الخصوص ~~من أهل الإيمان والإخلاص ، أي إن عبادي المخلصين لا تسلط لك عليهم ، لكن من ~~اتبعك من الغاوين فهو من حزبك. ويحتمل الاتصال ، ويريد بالعباد جيمع الناس ~~، أي : إن عبادي كلهم ليس لك عليهم سلطان ، إلا من اتبعك من أهل الغواية. ~~فإنك تتسلط عليه بالوسوسة والتزيين والتحريض فقط ، فيتبعك ؛ لقوله يوم ~~القيامة {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} [إبراهيم : ~~22]. وعلى الاتصال يكون المستثنى منه أكثر من المستثنى ، وإلا تناقض مع ms1292 ~~قوله : {لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين}. قال أبو المعالي : كون ~~المستثنى أكثر من المستثنى منه ليس معروفا في كلام العرب. انظر ابن عطية ~~والبيضاوي. PageV03P557 # و{منهم} : حال من جزء مقدم ، أي : لكل باب جزء حاصل منهم مقسوم ، أو من ~~المستكن في الظرف لا من مقسوم ، لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفها. ~~و{إخوانا} : حال من الضمير المضاف إليه ؛ لأنه جزء ما أضيف إليه ، والعامل ~~فيه : الاستقرار ، أو معنى الإضافة ، وكذا : {على سرر متقابلين} ، ويجوز أن ~~يكون صفتين لإخوان ، أو حالين من ضميره. # يقول الحق جل جلاله : {إن عبادي} المتحققين بالعبودية لي ، المخلصين في ~~أعمالهم ، {ليس لك} يا إبليس {عليهم سلطان} أي : غلبة وتسلط بالغواية ~~والإضلال ، # 399 # {إلا من اتبعك من الغاوين} الذين سبقت لهم الغواية ، وتنكبتهم العناية. ~~{وإن جهنم لموعدهم} : لموضع إبعاد الغاوين أو المتبعين لك {أجمعين} ، {لها ~~سبعة أبواب} يدخلون فيها لكثرتهم ، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في ~~المتابعة ، وفي كل طبقة باب يسلك منه إليها ، فأعلاها : جهنم ، وهي ~~للمذنبين من الموحدين ، ثم لظى لليهود ، ثم الحطمة للنصارى ، ثم السعير ~~للصابئين ، ثم سقر للمجوس ، ثم الجحيم للمشركين ، وكبيرهم أبو جهل ، ثم ~~الهاوية ، وهي الدرك الأسفل ، للمنافقين ، وعبر في الآية عن النار ؛ جملة ، ~~بجهنم ؛ إذ هي أشهر منازلها وأولها ، وهو موضع العصاة الذين لا يخلدون ، ~~ولهذا روي أن جهنم تخرب وتبلى ، يعني : حين يخرج العصاة منها. وقيل : أبواب ~~الطبقات السبع كلها من جهنم ، ثم ينزل من كل باب إلى طبقته التي تفضى إليه. ~~قاله ابن عطية. # جزء : 3 رقم الصفحة : 399 PageV03P558 ~~قال البيضاوي : ولعل تخصيص العدد بالسبعة ، لانحصار مجامع المهلكات في ~~الركون إلى المحسوسات ، ومتابعة القوة الشهوية والغضبية. ه. فالقوة الشهوية ~~محلها ست وهي : السمع والبصر والشم واللسان والبطن والفرج. والقوة الغضبية ~~في البطش باليد والرجل ، فالمعاصي المهلكات جلها من هذه السبع ، وملكها ~~القلب ، إذا صلح صلحت ، وإذا فسد فسدت. كما تقدمت للطبقات ، قال تعالى : ~~{لكل باب منهم} أي : من الأتباع {جزء مقسوم} أفراد له ، لا يدخل إلا منه ، ~~ولا ms1293 يسكن إلا في طبقته. وقد تقدم أهل كل طبقة ، من عصاة الموحدين إلى ~~المنافقين. # ثم شفع بضدهم ، على عادته سبحانه وتعالى في كتابه ، فقال : {إن المتقين} ~~للكفر والفواحش ، أو لمتابعة إبليس ، {في جنات وعيون} ، لكل واحد جنة وعين ~~، أو لكل واحد جنات وعيون ، يقال لهم عند دخولهم : {ادخلوها} ، وقرأ رويس ~~عن يعقوب : " أدخلوها " ؛ بضم الهمزة وكسر الخاء ، على البناء للمفعول ، ~~فلا يكسر حينئذ التنوين ، أي : تقول الملائكة لهم : ادخلوها ، أو قد أدخلهم ~~الله إياها. {بسلام} أي : سالمين من المكاره والآلام ، أو مسلما عليكم ~~بالتحية والإكرام ، {آمنين} من الآفة والزوال. # {ونزعنا ما في صدورهم من غل} أي : من حقد وعداوة كانت في الدنيا ، وعن ~~علي رضي الله عنه : (أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم) ، أو من ~~التحاسد على درجات ومراتب القرب. # قلت : أما التحاسد على مراتب القرب فلا يكون ؛ لاستغناء كل أحد بما لديه ~~، وأما التأسف والندم على فوات ذلك بالتفريط في الدنيا فيحصل ، ففي الحديث ~~: " ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت لهم لم يذكروا الله فيها ~~" ولا يحصل التحسر # 400 PageV03P559 ~~حتى يرى ما فاته باعتبار وقوفه. قال ابن عطية : ذكر هنا نزع الغل من قلوب ~~أهل الجنة ، ولم يذكر له موطنا ، وجاء في بعض الحديث أن ذلك على الصراط ، ~~وجاء في بعضها : أن ذلك على أبواب الجنة ، وفي بعضها : ان الغل يبقى على ~~أبوابها كمعاطن الإبل. ثم قال : وجاء في بعض الأحاديث : أن نزع الغل إنما ~~يكون بعد استقراهم في الجنة. والذي يقال في هذا : أن الله ينزعه في موطن من ~~قوم وفي موطن من آخرين. ه. # قلت : والذي جاء في الأحاديث الواردة في أخبار الآخرة : ان أهل الجنة ، ~~إذا قربوا منها وجدوا على بابها عينين ، فيغتسلون في إحداهما ، فتنقلب ~~إجسادهم على صورة آدم عليه السلام ، ثم يشربون من الأخرى فتطهر قلوبهم من ~~الغل والحسد ، وسائر الأمراض ، وهو الشراب الطهور. قاله القشيري في قوله ~~تعالى {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} [الإنسان : 21] : يقال : يطهرهم من محبة ms1294 ~~الأغيار ، ويقال : ويطهرهم من الغل والغش والدعوى... الخ ما ياتي إن شاء ~~الله تعالى. والله تعالى أعلم ، وسترى وتعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 399 # ثم قال تعالى : {إخوانا} ، أي : لما نزعنا ما في صدورهم من الغل صاروا ~~إخوانا متوددين ، لا تباغض بينهم ولا تحاسد ، {على سرر متقابلين} ؛ يقابل ~~بعضهم بعضا على الأسرة ، لا ينظر أحد في فناء صاحبه. وقال شيخ شيوخنا سيدي ~~عبد الرحمن الفاسي : المتجه أن المقابلة معنوية ، وهي عدم إضمار الغل ~~والإعراض ، سواء اتفق ذلك حسا أم لا ، ومن أضمر لأخيه غلا فليس بمقابله ، ~~ولو كان وجهه إلى وجهه ، بل ذلك أخلاق نفاق ، ولذلك شواهد بذمه لا بمدحه. ~~ه. {لا يمسهم فيها نصب} أي : تعب ، {وما هم منها بمخرجين} ، لأن تمام ~~النعمة لا يكون إلا بالخلود والدوام فيها. أكرمنا الله بتمام نعمته ، ودوام ~~النظر إلى وجهه آمين. PageV03P560 # الإشارة : لا ينقطع عن العبد تسلط الشيطان حتى يدخل مقام الشهود والعيان ، ~~حين يكون عبدا خالصا لله ، حرا مما سواه ، وذلك حين ينخرط في سلك القوم ، ~~ويزول عنه لوث الحدوث والعدم ، فيفنى من لم يكن ، ويبقى من لم يزل ، وذلك ~~بتحقيق مقام الفناء ، ثم الرجوع إلى مقام البقاء. قال الشيخ أبو المواهب ~~رضي الله عنه : من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء ؛ وذلك أن العبد حين يتصل ~~بنور الله ، ويصير نورا من أنواره ، يحترق به الباطل ويدمغ ، فلا سبيل ~~للأغيار عليه. ولذلك قال بعضهم : نحن قوم لا نعرف الشيطان ، فقال له القائل ~~: فكيف ، وهو مذكور في كتاب الله تعالى ، قال تعالى {إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا} [فاطر : 6] ؟ . فقال : نحن قوم اشتغلنا بمحبة الحبيب ، ~~فكفانا عداوة العدو. وحين يتحقق العبد بهذا المقام ينخرط في سلك قوله تعالى ~~: {إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل..} الآية ، وهذا لا ينال إلا بالخضوع لأهل النور ، حتى يوصلوه إلى نور ~~النور ، فيصير قطعة من نور غريقا في بحر النور. # 401 # جزء : 3 رقم الصفحة : 399 # يقول الحق جل ms1295 جلاله : {نبىء} : أخبر ، {عبادي أني أنا الغفور الرحيم} لمن ~~آمن بي ، وصدق رسلي ، {وأن عذابي هو العذاب الأليم} لمن كفر بي ، وجحد رسلي ~~، أو بعضهم. قال البيضاوي : هي فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد ، وتقرير له ~~، وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين متقى الذنوب بأسرها ، ~~كبيرها وصغيرها ، وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب أي : لم ~~يقل وأنا المعذب المؤلم ترجيح الوعد. ه. PageV03P561 # وذكر ابن عطية ان سبب نزولها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى ~~جماعة من أصحابه ، عند باب بني شيبة في الحرم ، فوجدهم يضحكون ، فزجرهم ~~ووعظهم ، ثم ولى ، فجاءه جبريل عن الله ، فقال : يا محمد أتقنط عبادي ؟ ~~وتلى عليه الآية ، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وأعلمهم. ~~ه. ثم قال : ولو لم يكن هذا السبب لكان ما قبلها يقتضيها ؛ إذ تقدم ذكر ما ~~في النار وذكر ما في الجنة ، فأكد تعالى تنبيه الناس بهذه الآية. ه. # قيل : وهذه الآية أبلغ ما في القرآن في إثارة الخوف والرجاء من الآي التي ~~لا تشبهها في الإجمال ؛ لما فيها من التصريح ، ثم الرجاء فيها أغلب ؛ لأجل ~~التقديم ، مع ذكره في آية الرجاء ، لصفاته العلية وأسمائه الحسنى ، وذلك ~~يؤذن بالتهمم به وترجيحه ، وهو مذهب الصوفية في حال الحياة والممات. # الإشارة : الخوف والرجاء يتعاقبان على الإنسان ، فتاره يغلب عليه الخوف ، ~~وتارة يغلب عليه الرجاء. هذا قبل الوصول ، وأما بعد الوصول فالغالب عليهم ~~الاعتدال ، قال في التنبيه : أما العارفون الموحدون فإنهم على بساط القرب ~~والمشاهدة ، ناظرون إلى ربهم ، فانون عن أنفسهم ، فإذا وقعوا في ذلة ، أو ~~أصابتهم غفلة ، شهدوا تصريف الحق تعالى لهم ، وجريان قضائه عليهم. كما أنهم ~~إذا صدرت منهم طاعة ، أو لاح منهم لائح من يقظة ، لم يشهدوا في ذلك أنفسهم ~~، ولم يروا فيها حولهم ولا قوتهم ؛ لأن السابق إلى قلوبهم ذكر ربهم ، ~~فأنفسهم مطمئنة تحت جريان أقداره. وقلوبهم ساكنة بما لاح لهم من أنواره ، ~~ولا فرق عندهم بين الحالين ؛ لأنهم غرقى في ms1296 بحار التوحيد ، قد استوى خوفهم ~~ورجاؤهم ، فلا ينقص من خوفهم ما يجتنبونه من العصيان ، ولا يزيد في رجائهم ~~ما يأتون من الإحسان. ه. قلت : بل طرق الرجاء عندهم أرجح كما تقدم ؛ لأن ~~الرجاء ناشئ عن # 402 # غلبة المحبة ، وهي غالبة. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 402 PageV03P562 ~~قلت : (سلاما) : مفعول بمحذوف ، أي : سلمنا سلاما ، أو نسلم عليكم سلاما. ~~والضيف يطلق على الواحد والجماعة ، والمراد هنا : جماعة من الملائكة ، ~~و(تبشرون) : قرئ بشد النون ؛ بإدغام نون الرفع في نون الوقاية ، وبالتخفيف ~~؛ بحذف إحدى النونين ، وبالفتح على أنها نون الرفع. و(يقنط) : بالفتح ~~والكسر ، يقال : قنط كضرب وعلم. # يقول الحق جل جلاله : {ونبئهم} أي : وأخبر عبادي {عن ضيف إبراهيم} حين ~~بشروه بالولد ، وأعلموه بعذاب قوم لوط ، لعلهم يعتبرون فيرجون رحمته ~~ويخافون عذابه. أو : ونبئهم أن من اعتمد منهم على كفره وغوايته ، فالعذاب ~~لاحق به في الدنيا ، كحال قوم لوط. ثم ذكر قصتهم من أولها فقال : {ونبئهم ~~عن ضيف إبراهيم} ، وذلك حين {دخلوا عليه} ، وهم أربعة : جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وعزرائيل ، {فقالوا سلاما} أي : نسلم عليكم سلاما ، قال : سلام ، ~~ثم أتاهم بعجل حنيذ ، فلما قربه إليهم ، قالوا : إنا لا نأكل طعاما إلا ~~بثمن ، فقال إبراهيم : إن له ثمنا ، قالوا : وما ثمنه ؟ قال : تذكرون اسم ~~الله على أوله ، وتحمدونه على آخره ، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال : حق ~~لهذا ان يتخذه ربه خليلا ، فلما رأى أنهم لا يأكلون فزع منهم. ومن طريق آخر ~~: أن جبريل مسح بجناحه العجل ، فقام يدرج حتى لحق بأمه في الدار. ه. هكذ ~~ذكر القصة المحشي الفاسي عن ابن حجر. # فلما أحس إبراهيم عليه السلام بالخوف منهم {قال إنكم منكم وجلون} : ~~خائفون ؛ إما لامتناعهم من أكل طعامه ، أو لأنهم دخلوا بغير إذن ، أو في ~~غير وقت الدخول. والوجل : اضطراب النفس لتوقع مكروه. {قالوا لا توجل} : لا ~~تخف ، ثم عللوا نهيه عن الخوف فقالوا : {إنا نبشرك بغلام} وهو إسحاق ، ~~لقوله {فبشرناها بإسحاق} [هود : 71] ، {عليم} إذا بلغ أوان العلم. {قال ~~أبشرتموني علىا أن مسني الكبر} ms1297 أي : أبشرتموني بالولد # 403 PageV03P563 ~~مع أني قد كبر سني ، وكان حينئذ من مائة سنة وأكثر ، {فبم تبشرون} ؟ أي : ~~فبأي أعجوبة تبشرون ؟ أو فبأي شيء تبشرون ؟ فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه ~~عادة بشارة بغير شيء. قال ذلك على وجه التعجب من ولادته في كبره. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 403 # قالوا بشرناك بالحق} : باليقين الثابت الذي لا محالة في وقوعه ، فلا ~~تستبعده ، ولا تشك فيه ، {فلا تكن من القانطين} : من الآيسين ، فإن الله ~~تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين ، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر. ~~وكان استعجاب إبراهيم باعتبار العادة ، دون القدرة ؛ ولذلك {قال ومن يقنط ~~من رحمة ربه} أي : لا ييأس من رحمة ربه {إلا الضالون} : أي : المخطئون طريق ~~المعرفة ، فلا يعرفون سعة رحمته تعالى ، وكمال قدرته ، قال القشيري : أي : ~~من الذي يقنط من رحمة الله إلا من كان ضالا ، فكيف أخطأ ظنكم بي ، فتوهمتم ~~أني أقنط من رحمة ربي ؟ . ه. وفيه دليل على تحريم القنوط ؛ قال تعالى : ~~{إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف : 87]. # {قال فما خطبكم أيها المرسلون} أي : ما شانكم الذي أرسلتم لأجله سوى ~~البشارة ؟ ولعله علم ان كمال المقصود ليس هو البشارة فقط ، لأنهم كانوا ~~عددا ، والبشارة لا تحتاج إلى عدد ، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ~~ومريم. أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال ؛ لأزالة الوجل ، ولو كانت تمام ~~المقصود لابتدروه بها. ثم أجابوه : {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} ؛ ~~يعني : قوم لوط ؛ لأن شأنهم الإجرام بفعل الفاحشة ، {إلا آل لوط} أي : لكن ~~آل لوط لم نرسل إلى عذابهم ؛ إذ ليسوا مجرمين : أو أرسلنا إلى قوم أجرموا ~~كلهم ، إلا آل لوط ، لنهلك المجرمين وننجي آل لوط ، ويدل عليه قوله : {إنا ~~لمنجوهم أجمعين} من العذاب الذي يهلك به قوم لوط. PageV03P564 # قال ابن جزي : قوله : {إلا آل لوط} : يحتمل أن يكون استثناء من قومه ، ~~فيكون منقطعا ؛ لوصف القوم بالإجرام ، ولم يكن آل لوط مجرمين. ويحتمل أن ~~يكون استثناء من الضمير في {مجرمين} ms1298 ؛ فيكون متصلا ، كأنه قال : إلى قوم ~~أجرموا كلهم آل لوط فلم يجرموا ، قوله : {إلا امرأته} ؛ استثناء من آل لوط ~~، فهو استثناء من استثناء. قيل : وفيه دليل على أن الأزواج من الآل ؛ لأنه ~~استثنى امرأته من آله. وقال الزمخشري : إنما هو استثناء من الضمير المجرور ~~في قوله : {إنا لمنجوهم} ، وذلك هو الذي يقتضيه المعنى. ه. أي : إنا ~~لمنجوهم من العذاب {إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} ؛ الباقين في ~~العذاب مع الكفرة ؛ لتهلك معهم ، وقرأ أبو بكر عن عاصم : " قدرنا " ~~بالتخفيف ، وهما لغتان ، يقال : قدر الله وكذا وقدره ، قال البيضاوي : ~~وإنما علق ، والتعليق من خواص أفعال القلوب ؛ لتضمنه معنى العلم ، ويجوز أن ~~يكون (قدرنا) : أجرى مجرى قلنا ؛ لأن التقدير بمعنى القضاء قول ، وأصله : ~~جعل الشيء على مقدار غيره ، وإسناد التقدير إلى إنفسهم ، # 404 # وهو فعل الله تعالى ؛ لما لهم من القرب والاختصاص. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 403 # قلت : وفيه إشارة إلى حذف الوسائط ، كما هو توحيد المحققين. والله تعالى أعلم. # الإشارة : لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية ، فالوجل والخوف ~~والفرح والحزن والتعجب والاستعظام للأشياء الغريبة ، كل ذلك من وصف البشر ، ~~يقع من الخصوص وغيرهم ، لكن فرق بين خاطر وساكن ، فالخصوص تهجم عليهم ولا ~~تثبت ، بخلاف العموم. PageV03P565 # ويؤخذ من الآية : أن صحبة الخصوص لا تنفع إلا مع الاعتقاد والتعظيم ، فإن ~~امرأة نبي الله لوط كانت متصلة به حسا ، ومصاحبة له ، ولم ينفعها ذلك ، حيث ~~لم يكن لها فيه اعتقاد ولا تعظيم. وكذلك صحبة الأولياء : لا تنفع إلا مع ~~صدق والتعظيم. وقول ابن عطاء الله : سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه ~~إلا من حيث الدليل عليه. ولم يوصل إليهم إلا من اراد أن يوصله إليه " : ~~مقيد بوصول التعظيم والاعتقاد ، والاستماع والاتباع. والله تعالى أعلم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 403 # قلت : (وقضينا إليه ذلك الأمر) ، القضاء هنا بمعنى القدر السابق ، وضمنه ~~معنى أوحينا ، فعداه بإلى. و(أن دابر) : بدل من الأمر ، وفي ذلك تفخيم ~~الأمر وتعظيم له ، و(مصبحين) : حال من " هؤلاء " ، أو ms1299 من ضمير مقطوع ، ~~وجمعه ؛ للحمل على المعنى ؛ لأن دابر بمعنى دوابر ، أي : قطعنا دوابرهم حال ~~كونهم داخلين في وقت الصباح. و(لعمرك) : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : قسمي ~~، قال ابن عزيز : عمر وعمر واحد ، ولا يقال في القسم إلا مفتوحا ، وإنما ~~فتح في القسم فقط ؛ لكثرة الاستعمال. # 405 # يقول الحق جل جلاله : {فلما جاء آل لوط المرسلين} ، وهم أضياف إبراهيم ، ~~فلما دخلوا عليه ولم يعرفهم ، {قال إنكم قوم منكرون} لا نعرفهم. أو تنكركم ~~نفسي ؛ مخافة أن تطرقوني بشيء ، {قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} أي ~~: ما جئناك بما تنكرنا لأجله ، بل جئناك بما يسرك ، وهو : قطع الفاحشة من ~~بلدك ، وإتيان العذاب لعدوك الذي توعدناهم ، فكانوا يمترون فيه ويشكون في ~~إتيانه ، {وأتيناك بالحق} ؛ باليقين الثابت ، وهو إتيان العذاب لا محالة ، ~~{وإنا لصادقون} فيما أخبرناك به. PageV03P566 # {فأسر بأهلك} : فاذهب بهم {بقطع من الليل} أي : فاخرح بهم في طائفة من ~~الليل ، قيل : آخره ، {واتبع أدبارهم} أي : كن خلفهم في ساقتهم ، حتى لا ~~يبقى منهم أحد ، أو : أمره بالتأخر عنهم ؛ ليكونوا قدامه ، فلا يشتغل قلبه ~~بهم لو كانوا خلفه ؛ لخوفه عليهم ، أي : ليسرع بهم ، ويطلع على أحوالهم. ~~{ولا يلتفت منكم أحد} خلفه ، لينظر ما وراءه فيرى من الهول ما لا يطيقه ، ~~أو : ولا ينصرف أحد منكم ، ولا يتخلف لغرض فيصيبه ما أصابهم. وقيل : نهوا ~~عن الالتفاف ليوطنوا أنفسهم على الهجرة. {وامضوا حيث تؤمرون} أي : إلى حيث ~~أمركم الله ، وهو الشام أو مصر ، وقال بعضهم : " ما من نبي هلك إلا لحق ~~بمكة ، وجاور بها حتى مات ". # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 405 # وقضينا} : أوحينا {إليه ذلك الأمر} ، وهو هلاك قومه ، ذكره مبهما ثم فسره ~~بقوله : {أن دابر هؤلاء مقطوع} وهو كناية عن استئصالهم ، والمعنى : أنهم ~~يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد ، حال كونهم وقت العذاب {مصبحين} : ~~داخلين في الصباح. # {وجاء أهل المدينة} ، وهي سدوم ، {يستبشرون} بأضياف لوط ؛ طمعا فيهم في ~~فعل الفاحشة ، والظاهر : أن هذا المجيء إليه ، وما جرى له معهم من المحاورة ~~، كان قبل ms1300 الإعلام بهلاكهم ، كما تقدم في هود. وانظر ابن عطية : فلما جاؤوه ~~يراودونه عن ضيفه {قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون} ؛ بهتك حرمة ضيفي ، فإن ~~من فضح ضيفه فقد فضح هو ، ومن أسيء إلى ضيفه فقد أسيء إليه ، {واتقوا الله} ~~في ركوب الفاحشة ، {ولا تخزون} : ولا تهينوني بإهانتهم. والخزي هو الهوان ، ~~أو : ولا تخجلون فيهم ، من الخزاية وهو الحياء. PageV03P567 # {قالوا أو لم ننهك عن العالمين} ؛ عن أن تجير منهم أحدا ، أو تحول بيننا ~~وبينهم ، وكانوا يتعرضون لكل أحد ، وكان لوط عليه السلام يمنعهم ويزجرهم ~~عنه بقدر وسعه. وذكر السدي : إنهم إنما كانوا يفعلون الفاحشة بالغرباء ، ~~ولا يفعلونها بعضهم ببعض ، فكانوا يعترضون الطرق. ه. أو : أو لم ننهك عن ~~ضيافة العالمين وإنزالهم ؟ {قال هؤلاء بناتي} تزوجوهن إياكم ، وقد كان ~~يمنعهم قبل ذلك لكفرهم ، فأراد أن يقي أضيافه بهن. # 406 # ولعله لم يكن حراما في شريعته ، أو يريد بالبنات نساء القوم ؛ فإن نبي كل ~~أمة بمنزلة أبيهم ، {إن كنتم فاعلين} قضاء الوطر ، أو : ما أقول لكم من ~~التزويج ، فابوا ، ولجوا في عملهم. # قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : {لعمرك} : لحياتك يا محمد ، ~~أقسم بحياته عليه الصلاة والسلام لشرف منزلته عنده. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : " ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وما أقسم بحياة أحد إلا بحياته ، فقال : {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} ~~قال القرطبي : وإذا أقسم الله بحياة نبيه فإنما أراد التصريح لنا أنه يجوز ~~لنا أن نخلف بحياته. وقد قال الإمام أحمد فيمن أقسم بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم : ينعقد به يمينه ، وتجب الكفارة بالحنث ، واحتج بكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم أحد ركني الشهادة. قال ابن خويز منداد : هذا إذ استدل من جوز ~~الحلف به عليه الصلاة والسلام ، بأن أيمان المسلمين جرت من عهده صلى الله ~~عليه وسلم حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا جاء صاحبه قال له : احلف ~~لي بما حوى هذا القبر ، وبحق ساكن هذا القبر ، يعني ms1301 النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ه. # جزء : 3 رقم الصفحة : 405 PageV03P568 ~~قلت : ومذهب مالك أنه لا ينعقد يمين بغير الله ، وصفاته ، وأسمائه. وقيل : ~~إن قوله تعالى : {لعمرك} : هو من قول الملائكة للوط ، أو لحياتك يا لوط ، ~~{إنهم لفي سكرتهم يعمهون} أي : لفي غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت ~~عقولهم وتمييزهم بين الخطأ والصواب ، يتحيرون. والغلمة : شهوة الوقاع. ~~والعمه : الحيرة ، أي : إنهم لفي عماهم يتحيرون ، فكيف يسمعون نصح من نصحهم ~~؟ والضمائر لقوم لوط ، وقيل : لقريش ، والجملة : اعتراض. # قال تعالى : {فأخذتهم الصيحة} ، يعني : صيحة هائلة مهلكة. قال ابن عطية : ~~هذه الصيحة صيحة الرجعة ، وليست كصيحة ثمود. ه. وقيل : صاح بهم جبريل ~~فأهلكتهم الصيحة ، {مشرقين} : داخلين في وقت شروق الشمس ؛ فاتبدئ هلاكهم ~~بعد الفجر مصبحين ، واستوفى هلاكهم مشرقين. {فجعلنا عاليها} أي : عالي ~~المدينة ، أو قراها ، {سافلها} ، فصارت منقلبة بهم. # روي أن جبريل عليه السلام اقتلع المدينة بجناحيه ورفعها ، حتى سمعت ~~الملائكة صراخ الديكة ونباح الكلاب ، ثم قلبها وأرسل الكل فمن كان داخل ~~المدينة أو القرى مات ، ومن كان خارجا عنها أرسلت عليه الحجارة ، كما قال ~~تعالى : {وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل} : من طين متحجر مطبوخ بالنار. وقد ~~تقدم في سورة هود مزيد بيان لهذا. {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} : المتفكرين ~~المعتبرين المتفرسين في الأمور ، الذين يثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة ~~الشيء بسمته ، {وإنها} أي : المدينة أو # 407 # القرى ، {لبسبيل مقيم} : لفي طريق ثابت يسلكه الناس ، ويمرون به ، ويرون ~~آثارها. {إن في ذلك لآية} : لعبرة {للمؤمنين} بالله ورسله ؛ فإنهم هم ~~المهتدون للتفكر والاعتبار ، دون من غلبت عليه الغفلة والاغترار ، كحال ~~الكفار والفجار. والله تعالى أعلم. PageV03P569 # الإشارة : ما بعث الله داعيا يدعو إليه إلا وكان أول ما يدعوهم إليه بعد ~~الإيمان ، الخروج من العوائد والحظوظ النفسانية ، وما هلك من هلك من الأمم ~~إلا بالبقاء معها ، وعدم الخروج عنها ، وما نجى من نجى إلا بالخروج عنها. ~~وكذلك في طريق الخصوصية : ما بعث الله وليا مربيا إلا وكان أول ما يأمر : ~~بخرق العوايد ؛ لاكتساب الفوائد ، فلا ms1302 طريق لخصوصية الولاية إلا منها. وفي ~~الحكم : " كيف تخرق لك العوائد ، وأنت لم تخرق من نفسك العوائد ". فمن تربى ~~في الرئاسة والجاه فلا مطمع له في الخصوصية حتى يبدلهما بالخمول والذل ، ~~وكذلك من تعود جمع الدنيا واحتكارها ، فلا بد من الزهد فيها والخروج عنها ، ~~وكذلك سائر العوائد النفسانية ، والحظوظ الجسمانية ، فمن جاور قوما منهمكين ~~فيها ، ولم يجد من يساعده على خرقها ، فليهاجر منها ، ويقال له : فأسر ~~بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ، ولا يلتفت منكم أحد إلى الرجوع ، إلا ~~بعد الرسوخ والتمكين في معرفة الحق تعالى ، ولميض حيث يجد من ينهض معه إلى ~~الله في نقل عوائدها وعوائقها. # جزء : 3 رقم الصفحة : 405 # وقوله تعالى : {وجاء أهل المدينة يستبشرون} : هذه عادة أهل الغفلة ، إن ~~جاءهم من يجدون فيه موافقة هواهم ، هرعوا إليه مستبشرين ، وإن جاء من ~~ينصحهم ويأمرهم بالخروج عن أهوائهم أدبروا عنه ، ومقتوه ، وربما أخرجوه من ~~بلدهم ، قال تعالى في أمثالهم : {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}. وبالله ~~التوفيق # جزء : 3 رقم الصفحة : 405 # قلت : " إن " مخففة ، واللام فارقة. PageV03P570 # يقول الحق جل جلاله : {وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين} ، وهم قوم شعيب ، ~~كانوا يسكنون غيضة. وهي الأيكة. والأيكة : الشجر الملتف ، قيل : كانت من ~~الدوح ، وقيل : من السدر ، فكانوا يسكنون فيها ، ويرتفقون بها معايشهم ، ~~فبعث الله لهم شعيبا عليه السلام ، فكفروا به ، فسلط الله عليهم الحر سبعة ~~أيام ، ثم رأوا سحابة فخرجوا فاستظلوا تحتها ، فاضطرمت عليهم نارا ؛ ~~فاحترقوا. قال تعالى : {فانتقمنا منهم} بالهلاك بالحر ، {وإنهما} يعني : ~~سدوم مدينة قوم لوط ، والأيكة قرية شعيب. وقيل : الأيكة ومدين ؛ لأن شعيبا ~~عليه السلام كان مبعوثا إليهما ، وكان ذكر أحدهما مغن عن الآخر ، # 408 # {لبإمام مبين} : لبطريق واضح يسلك منه إلى الشام ، فيعتبر كل من وقف ~~بآثارهم. والإمام : ما يؤتم به ، ويوصل إلى المقصود من طريق أو غيره. وقيل ~~: {وإنهما} أي : لوط وشعيب ، على طريق من الشرع واضح. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ما أهلك الله قوما إلا كانوا عبرة لمن بعدهم ، فالعاقل يبحث عن ~~سبب هلاكهم ms1303 ، فيعمل جهده في التحرز منه ، والغافل منهمك في غفلته ، لا يلقى ~~لذلك بالا ، حتى يأتيه ما يوعد. وبالله التوفيق. # جزء : 3 رقم الصفحة : 408 # قلت : (بيوتا) : مفعول (ينحتون) ، بمعنى : يتخذون ، أو يصنعون. و(آمنين) ~~: حال من فاعل (ينحتون). PageV03P571 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين} ؛ هم قوم ثمود ، ~~والحجر : واديهم الذي يسكنونه ، وهو بين المدينة والشام ، كذبوا صالحا عليه ~~السلام ، ومن كذب واحدا من الرسل فكأنما كذب الجميع ؛ لأنهم جاؤوا بأمر ~~متفق عليه ، وهو التوحيد أو يراد به الجنس ، كما تقول : فلان يركب الخيل ، ~~وإنما يركب فرسا واحدا ، أو يراد به صالح ومن معه من المؤمنين ؛ لموافقتهم ~~له فيما يدعو له. {وآتيناهم آياتنا} يعني : الناقة ، وما كان فيها من ~~العجائب ، كسقيها وشربها ودرها ، أو ما نزل على نبيهم من الكتب ، أو ما نصب ~~لهم من الأدلة. {فكانوا عنها معرضين} : لم ينظروا فيها ، ولم يعتنوا ~~بأمرها. # {وكانوا ينحتون} : يصنعون ، والنحت : النقر بالمعاول في الحجر والعود ~~وشبهه ، فكانوا يتخذون {من الجبال} ؛ بالنقر فيها ، {بيوتا} يسكنونها ~~{آمنين} من الانهدام ، ونقب اللصوص ، وتخريب الأعداء ؛ لوثوقها. أو من ~~العذاب ؛ لفرط غفلتهم ، أو حسبانهم أن الجبال تحميهم منه. {فأخذتهم الصيحة ~~مصبحين} : داخلين في وقت الصباح ، {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} من بناء ~~البيوت الوثيقة ، واستكثار الأموال والعدد. # الإشارة : من علامة الغفلة عن الله : الإنكار على أولياء الله ، والإعراض ~~عما خصهم الله تعالى به من الآيات وخوارق العادات ، كالعلوم اللدنية ~~والمواهب القدسية ، وكمال المعرفة ، والرسوخ في اليقين ، وشهود رب العالمين ~~مع الأشغال بعمارة هذه الدار ، ونسيان دار القرار ؛ كأنه أمن من الموت ؛ من ~~شدة الاغترار. وسبب ذلك : عدم التفكر # 409 # والاعتبار. # جزء : 3 رقم الصفحة : 409 PageV03P572 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما} من الكائنات ~~{إلا بالحق} أي إلا خلقا ملتبسا بالحق ، وهو الدلالة على كمال قدرتنا وباهر ~~حكمتنا ، فمن كمال القدرة : إهلاك أهل الفساد ، ودفع شرورهم وإبطال فسادهم ~~، ومن باهر حكمته أنه لم يهلكهم إلا بسبب عتوهم وفسادهم. فالحكمة رداء ~~للقدرة ms1304 ، وترتيبها على أسباب وشروط يدل على باهر الحكمة. ومن مقتضيات ~~الحكمة : ترتيب الجزاء على العمل ، بحيث لا يهمل عملا ، فأهل الإكرام يترتب ~~إكرامهم وإنعامهم على عملهم الصالح ، واعتقادهم الصحيح ، وما قاسوه من ~~المجاهدة والمكابدة. وأهل الانتقام يترتب منهم على عملهم الفاسد ، ~~واعتقادهم الباطل ، وعلى ما قالوا في الدنيا ، التي هي مزرعة الآخرة ، من ~~الدعة والحظوظ الفانية ، ولذلك رتب عليه قوله : # {وإن الساعة لآتية} فيجازي فيها من يستحق الإكرام ، ويعاقب من يستحق ~~الانتقام ، وينتقم لك فيها ممن يكذبونك ، {فاصفح} اليوم {الصفح الجميل} ولا ~~تعجل بالانتقام ، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم. وكان هذا قبل الأمر ~~بالقتال. {أن ربك هو الخلاق} الذي خلقك وخلقهم ، وبيده أمرك وأمرهم ، ~~{العليم} بحالك وبحالهم ، فهو الحقيق بأن تنكل عليه حتى يحكم بينك وبينهم. ~~أو : هو الخلاق لأشباحكم وأرواحكم ، العليم بما هو الأصلح لكم في وقت ، وقد ~~علم أن الصفح اليوم أصلح. والخلاق أبلغ من الخالق باعتبار اللغة ، وأفعال ~~الله تعالى كلها عظيمة كثيرة. PageV03P573 # الإشارة : ما نصبت لك الكائنات لتراها بعين الفرق ، بل لترى فيها مولاها ~~بعين الجمع. وما جعل لك هذه الدار لتتخذها دار القرار ، وإنما جعلها قنطرة ~~ومعبرا لدار القرار. إنما جعل لك الدنيا الفانية مزرعة للدار الباقية. وإن ~~الساعة لآتية ، فاصبر في هذه الدار اللمحة اليسيرة على شدائد الزمان ، ~~وجفوة الإخوان ، واصفح الصفح الجميل ، حتى ترد النعيم الباقي ، والجزاء ~~الجزيل. وتخلق بأخلاق الحليم الكريم ، إن ربك هو الخلاق العليم ، فلا قدرة ~~لك على شيء إلا بقدرة السميع العليم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 409 # قلت : السبع المثاني : هي الفاتحة عند الجمهور ، و(من المثاني) : للبيان ~~، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و(أنزلنا) : نعت لمفعول ~~النذير ، أي : أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل ~~: صفة لمصدر محذوف يدل عليه : (ولقد آتيناك) ؛ فإنه بمعنى أنزلنا إليك ~~إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين ، وهم ، على هذا ، أهل الكتاب. و(عضين) ~~: جمع عضة. وأصله : عضوة ، من عضوت الشيء : فرقته ، حذفت لامه ، وعوض منها ~~هاء التأنيث ، فجمع على عضين ms1305 ، كعزة وعزين. وقيل : أصله : عضة ؛ من عضهته : ~~رميته بالبهتان ، قال في الصحاح : عضهه عضها : رماه بالبهتان. وقد أعضهت ، ~~أي : جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول ~~مع صلته نعت للمقتسمين. PageV03P574 # يقول الحق جل جلاله : لنبيه عليه الصلاة والسلام : {ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني} ، وهي فاتحة الكتاب ؛ لأنها سبع آيات ، وتثنى أي تكرر في كل ~~صلاة ، فالمثاني من التثنية ، وقيل : من الثناء ؛ لأن في الثناء على الله ~~تعالى ، وقيل : السبع المثاني هي السبع الطوال ، وهي البقرة وآل عمران ، ~~والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت ~~البسلمة بينهما. وكونها مثاني ؛ لتثنية قصصها ، أو ألفاظها ، وقيل : هي ~~الحواميم السبع. {و} آتيناك {القرآن العظيم} ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. # { # جزء : 3 رقم الصفحة : 410 # لا تمدن عينيك} : لا تطمح ببصرك طموح راغب {إلى ما متعنا به أزواجا منهم} ~~أي : أصنافا من الكفار ، من زهرة الحياة الدنيا ، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ~~ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر : " من أوتي القرآن ، فرأى أن أحدا أوتي من ~~الدنيا أفضل مما أوتي ، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي : لا تنظر ~~إلى ما متعنا به في الدنيا ، ومعنى الآية : تزهيد في الدنيا ، كأنه يقول : ~~قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم ؛ فلا تنظر إلى الدنيا ، فإن الذي ~~أعطيناك أعظم منها. ه. # 411 PageV03P575 ~~وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات ، فرأى سبع قوافل ليهود ~~بني قريظة والنضير ، فيها أنواع البر ، والطيب والجواهر ، وسائر الأمتعة ، ~~فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها ، ولأنفقناها في سبيل ~~الله ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام : " قد أعطيتم سبع آيات هي خير من ~~هذه السبع القوافل ". {ولا تحزن عليهم} : لا تتأسف على كفرهم ؛ حيث أنذرتهم ~~فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو : حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها ، ولم ~~يصرفوها في مرضاة الله ، {وأخفض جناحك للمؤمنين} ؛ أي : تواضع وألن جانبك ~~للمؤمنين ، وارفق بهم. والجناح ، هنا ، استعارة. {وقل إني انا النذير ~~المبين} : البين الإنذار ms1306 ، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن ~~لم تؤمنوا. وفي الحديث : " أنا النذير ، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب ~~الله نازل بكم إن لم تؤمنوا " وفي الحديث : " أنا النذير ، والموت مغير ، ~~والقيامة الموعد " أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، وفي حديث آخر : " أنا ~~النذير العريان " وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم ، تجرد من ثيابه ، ~~ثم أنذر قومه ليصدقوه ، أي : وقل : إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. # {كما أنزلنا على المقتسمين} ، أي : مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين ، ~~وهم أهل الكتاب ، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض ، فاقتسموا قسمين. ~~والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية ، أو تسليط عدوهم عليهم. ~~وقيل : هم كفار قريش ؛ اقتسموا أبواب مكة في الموسم ، فوقف كل واحد منهم ~~على باب ، وكانوا اثني عشر رجلا ، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه ~~الصلاة والسلام ، يقول أحدهم : هو ساحر ، والآخر : هو شاعر ، فأهلكهم الله ~~يوم بدر. وقيل : هم الرهط الذين اقتسموا ، أي : تقاسموا ليبيتوا صالحا ، ~~فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه ، فشدخهم. # جزء : 3 رقم الصفحة : 410 PageV03P576 ~~أو : آتيناك القرآن ، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين ، ~~وهم اليهود ، {الذين جعلوا القرآن عضين} ، أي : أجزاء متفرقة ، وقالوا فيه ~~أقوالا مختلفة ، فقالوا ؛ عنادا وكفرا : بعضه موافق للتوراة والأنجيل ، ~~وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين : هم كفارقريش ، حيث اقتسموا ~~أبواب مكة ، فقد جعلوا القرآن عضين ؛ إجزاء متفرقة ، فقد قسموه إلى شعر ~~وسحر وكهانة وأساطير الأولين ، أو جعلوه بهتانا متعددا ، على تفسير العضة ~~بالبهت. وفي الحديث : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة ~~والمستعضهة " أي : الباهتة ، والمستبهتة : الطالبة له. # قال تعالى في وعيد المقتسمين : {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} ~~من التقسيم والتكذيب ، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي ، وفي البخاري ~~: " لنسألنهم # 412 # عن لا إله إلا الله ". فإن قيل : كيف يجمع بين هذا وبين قوله {فيومئذ لا ~~يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن} [الرحمن : 39] فالجواب : أن السؤال المثبت هو ~~على وجه الحساب ms1307 والتوبيخ ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض ؛ ~~لأن الله تعالى يعلم الأعمال ، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل : في القيامة ~~مواطن وخوارق ، فموطن يقع فيه السؤال ، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. PageV03P577 # قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : {فاصدع بما تؤمر} : فاجهر ، وصرح به ~~، وأنفذه ، من صدع بالحجة : إذا تكلم بها جهارا. أو : فرق بما تؤمر به ، ~~بين الحق والباطل ، وأصله : الشق والإبانة ، و{ما} : مصدرية ، أو موصولة ، ~~والعائد محذوف ، أي : بما تؤمر به من الشرائع. {وأعرض عن المشركين} فلا ~~تلتفت إلى ما يقولون ، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. ~~{إنا كفيناك المستهزئين} بك ، وبما أنزلنا إليك ، بأن أهلكنا كل واحد منهم ~~بمصيبة تخصه ، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وكانوا خمسة ~~من أشراف قريش : الوليد بن المغيرة ، والعاصي بن وائل ، وعدي بن قيس ، ~~والأسود بن المطلب ، والأسود بن يغوث ، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، والاستهزاء به ، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : " ~~أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم ، فلم ~~ينعطف لأخذه ، تعظما ، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل : خدش بأسفل رجله ~~فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص ؛ فدخلت فيها شوكة ، فانتفخت حتى ~~صارت كالرحى ، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى ~~الأسود بن عبد يغوث ، وهو قاعد في أصل شجرة ، فجعل ينطح رأسه بالشجرة ، ~~ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل : استسقى بطنه فمات ، ولعله جمع بينهما. ~~وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة ، بدل عدي بن قيس ، ~~الحارث بن الطلاطلة ، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 410 PageV03P578 ~~وقيل : هم الذين قتلوا ببدر ؛ كأبي جهل ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ~~، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح ؛ لأن الله تعالى كفاه ~~أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل ؛ لتحققه ، أي ~~: إنا ms1308 سنكفيك المستهزئين {الذين يجعلون مع الله إلها آخر} يعبدونه من دون ~~الله {فسوف يعلمون} عاقبة أمرهم في الدارين. # ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال : {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} في ~~جانبنا ؛ من الشرك والطعن في القرآن ، والاستهزاء بك ، فلا تعبأ بهم ، ولا ~~تلتفت إليهم. # 413 # {فسبح بحمد ربك} أي : فنزه أنت ذاتنا وصفتنا ، مكان مقالتهم فينا ؛ فإن ~~مثلك منزهنا لا غير ، {وكن من الساجدين} ؛ أي : المصلين ، أو : فافرغ إلى ~~الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. {وكن من الساجدين} ؛ من ~~المصلين ، يكفك ويكشف الغم عنك ، وعنه صلى الله عليه وسلم : " أنه كان إذا ~~حزبه أمر فزع إلى الصلاة " ، أو : فنزهه عما يقولون ، حامدا له على أن هداك ~~للحق ، وكن من الساجدين له شكرا. # {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} أي : الموت ، فإنه متيقن لحاقه ، وليس ~~اليقين من أسماء الموت ، وإنما العلم به يقين ، لا يمتري فيه ، فسمي يقينا ~~؛ تجوزا. أو : لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى : ~~فاعبده ما دمت حيا ، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال : " إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال ، وأكون من ~~التاجرين ، وإنما أوحى إلي أن : سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ، واعبد ربك ~~حتى يأتيك اليقين " أو كما قال عليه الصلاة والسلام. PageV03P579 # الإشارة : يقال للعايد ، أو الزاهد : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم ، تتمتع بحلاوته ، وبالتجهد بتلاوته ، ففيه كفايتك وغناك ، فلا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا ، الراغبين فيها ، المشتغلين ~~بها عن عبادة خالقها. قيل : لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم : " ~~إياكم والنظر في أبناء الدنيا ، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا ، ولا ~~تكثروا الجلوس مع أهل الثروة ، فتميلوا لزينة الدنيا ؛ فوالله لو كانت ~~الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء " وقال صلى ~~الله عليه وسلم : " من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة ، ~~وذهب ms1309 ثلثا دينه " هذا إن تواضع بجسمه فقط ، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. # جزء : 3 رقم الصفحة : 410 # ويقال للعارف : ولقد آتيناك شهود المعاني ، وغيبناك عن حس الأواني ، حتى ~~شهدت المتكلم بالسبع المثاني ، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك ~~بالفناء ، عن الوسائط ، في شهود الموسوط ، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. # ويقال له : لا تمدن عينيك إلى شهود الحس ، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من ~~أهل الحس ، الواققين مع شهود الحس ؛ فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة ~~بالأواني ، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث ~~رايتهم منهمكين في الحس ؛ فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس ~~، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك ، وقل : إني أنا النذير ~~المبين من الاشتغال بالبطالة ، # 414 # والغفلة ، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين ، الذين جعلوا القرآن ~~عضين ؛ اجزاء متفرقة ؛ فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا ~~واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به ، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها ، ~~والانقطاع إلى الله عنها ، والتجريد عن أسبابها ، رفضوه. فوربك لنسألنهم ~~أجمعين عما كانوا يعملون. PageV03P580 # فاصدع ، أيها العارف الواعظ يما تؤمر ؛ من الأمر بالزهد ، والانقطاع إلى ~~الله ، ولرفض كل ما يشغل عن الله ، ولا تراقب أحدا في ذات الله ، وأعرض عن ~~المشركين ، الذين أشركوا في محبة الله سواه ، وشهدوا الأكوان موجودة مع ~~الله ، وهي ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، فلا وجود لها في الحقيقة ~~مع الله. فإن استهزؤوا بك ، وصغروا أمرك ، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله ~~عنهم ، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. (فسبح بحمد ربك) أي : نزهه عن شهود ~~السوى معه ، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. (وكن من الساجدين) ~~لله شكرا ، وقياما برسم العبودية ، أو : كن من الساجدين بقلبك في حضرة ~~القدس ، حتى يأتيك اليقين. # وفي الورتجبي ، في قوله : (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك) ، قال : واسى الحق ~~حبيبه بما سمع من أعدائه ، وقال له : أنت بمرأى منا ، يضيق ms1310 صدرك ؛ من ~~لطافتك ، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا ، مما لا يليق بتنزيهنا ، فنزه أنت ~~صفتنا مكان مقالتهم فينا ، فإن مثلك منزهنا لا غير ، وكن من الساجدين حتى ~~ترانا بوصف ما علمت منا ، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا ، فإذا ~~كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. # وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق # 415 # جزء : 3 رقم الصفحة : 410 PageV03P581 ### | AUTO سورة النحل # جزء : 4 رقم الصفحة : 3 # يقول الحق جل جلاله : {أتى أمر الله} أي : البعث والحساب. وعبر بالماضي ؛ ~~لتحقق وقوعه ، أو : ثبت أمره وقضاؤه ، وقد جف القلم بما يكون لا عن سؤال ~~واستعجال ، وتدبير من الخلق ، ولو كان كذلك لنافى انفراده بتدبير ملكه ، ~~ولذلك نزه نفسه بقوله : {سبحانه وتعالى عما يشركون}. أو : إهلاك الله إياهم ~~يوم بدر ، وكانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول من قيام الساعة ، وإهلاكهم ~~ونصره عليهم ، استهزاء وتكذيبا ؛ ولذلك قال : {فلا تستعجلوه} ، والمعنى : ~~أن الأمر الموعود به بمنزلة الماضي ، لتحقق وقوعه من حيث إنه واجب الوقوع ؛ ~~فلا تستعجلوا وقوعه ، فإنه لا خير لكم فيه ، ولا خلاص لكم منه. # وروي لما نزل قوله : {أتى أمر الله} ، وثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قائما ، ورفع الناس رؤوسهم ، فلما قال : {فلا تستعجلوه} ، سكن. وكان ~~المشركون يقولون : إن صح ما يقول محمد من قيام الساعة ، فالأصنام تشفع لنا ~~وتخلصنا ، فقال تعالى : {سبحانه وتعالى عما يشركون} أي : تنزه وجل عن أن ~~يكون له شريك ، فيدفع ما أراد بهم. ه. # وقرأ الأخوان بالخطاب ، على وفق قوله : {فلا تستعجلوه} ، والباقون بالغيب ~~، على تلوين الخطاب ، أو على أن الخطاب للمؤمنين ، أي : أتى أمر الله أيها ~~المؤمنون فلا تستعجلوه ، سبحانه وتعالى عما يشركه به المشركون. أو : لهم ~~ولغيرهم. والله تعالى أعلم. # 3 PageV04P003 ~~الإشارة : إذا أشرق نور اليقين في صميم القلوب تحقق وقوع ما وعد الله به من ~~أمر الغيوب ، فصار الماضي آتيا ، والمستقبل واقعا. وفي الحكم : " لو أشرق ~~نور اليقين في قلبك ، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها ، ولرأيت ms1311 الدنيا ~~وكسفة الفناء ظاهرة عليها ". وكذلك المقادير المستقبلة والمواعيد الغيبية ، ~~كلها عند أهل اليقين محققة الوقوع ، واجبة الحصول ، ينتظرون وقوعها في ~~مواقيتها ، شيئا فشيئا ، ويتلقونها بالمعرفة والأدب ؛ فإن كانت جلالية ~~فبالرضى والتسليم ، وإن كانت جمالية فبالحمد والشكر ، هكذا نظرهم دائما إلى ~~ما يبرز من عنصر القدرة ، ليس لهم وقت دون ما هم فيه ، ولا أمل دون ما ~~أقامهم الحق تعالى فيه ، ليس لهم عن أنفسهم إخبار ، ولا مع غير الله قرار ، ~~ولا يستعجلون ما تأخر وقوعه من أقداره ، ولا يشركون مع الله في تدبيره ~~واختياره. قد هجم عليهم اليقين ، فهم ، في عموم أوقاتهم ، مستغرقون في شهود ~~المحبوب ، غائبون عن كل مرغوب ومطلوب ، سوى شهود وجه المحبوب ، جعلنا الله ~~منهم بمنه وكرمه. آمين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 3 # قلت : {أن أنذروا} : مفسرة ، بمعنى أي ؛ لأن الوحي فيه معنى القول. أو ~~مصدرية في موضع الجر ، بدلا من الروح ، أو النصب بنزع الخافض ، أو مخففة من ~~الثقيلة. وقوله : {لا إله إلا أنا} جرى على المعنى ، ولم يجر على اللفظ ، ~~وإلا لقال : لا إله إلا الله. انظر ابن عطية. قال المحشى الفاسي : وسر ذلك ~~هنا : التصريح بالمقصود ، وأن الإله الواحد هو المتكلم لا غيره ، كما قيل ~~في قوله : {إنما هو إله واحد فإياى فارهبون} [النحل : 51] ، أي : ولم يقل : ~~فإياه فارهبوا ، بل نقل الكلام من الغيبة إلى التكلم ؛ مبالغة في الترهيب ، ~~وتصريحا بالمقصود ، كأنه قال : فأنا ذلك الإله الواحد ، فإياي فارهبون لا ~~غير. ه. # قلت : وكأنه قال هنا : ينزل الملائكة بالوحي أن أعلموا أنه لا يعبد إلا ~~إله واحد ، وأنا ذلك الواحد. PageV04P004 # يقول الحق جل جلاله : تحقيقا لما وعدهم به ، وأن ذلك الوعد ، مع دنوه وقربه ~~بالوحي ، فلا خلف فيه ، فقال : {ينزل الملائكة} أي : جبريل ، جمعه ؛ تعظيما ~~، أو : لأنه قد ينزل معه غيره من الملائكة ، فيحضرون الوحي ؛ حرسا له. أو : ~~لأنه قد ينزل بالوحي غيره من الملائكة ، كما في صحيح مسلم : " إن سورة ~~الحمد نزل بها ملك لم ينزل إلى # 4 # الأرض قبل ذلك " وقال ms1312 عليه الصلاة والسلام : " إن إسرافيل وكل بي في ثلاث ~~سنين ، فكان يأتيني بالكلمة والكلمتين ، ثم كان جبريل يأتيني بالقرآن في كل ~~وقت " وروي أن خالد بن سنان كان نبيا ، وكان يأتيه بالوحي مالك خازن النار ~~، وكان بعد عيسى عليه السلام ، ولم يبق في النبوة إلا عشرين يوما ، ثم مات ~~، فلقصر مدته لم يعد نبيا ، بعد عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وإنما كانت فترة خمسمائة عام. وذكر ابن العربي أن ذا القرنين كان ينزل عليه ~~ملك ، يقال له : رفائيل ، فكان يلقي إليه الوحي ، ويطوي له الأرض. هكذا نقل ~~الشطيبي عنه في اللباب ، فانظره. # وقوله : {بالروح} أي : بالوحي ، أو القرآن ؛ فإنه سبب حياة القلوب ~~والأرواح الميتة بالجهل والحجاب ، أو سبب حياة الدين بعد موته واندراسه ~~بالكفر ؛ فإن الوحي يقوم في الدين مقام الروح من الجسد. ينزل ذلك {من أمره} ~~أي : من أجل أمره وبيان شأنه ، أو بأمره وإذنه ، {على من يشاء من عباده} أن ~~يصطفيه للرسالة ، قائلا لهم : {أن أنذروا} : خوفوا أهل الشرك ، أو أعلموا ~~عبادي {أنه} أي : الأمر والشأن ، {لا إله إلا أنا فاتقون} ؛ بترك الكفر ~~والمعاصي ، أي : اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية ، بأن توحدوه ، وتطيعوه فيما ~~أمر به. # جزء : 4 رقم الصفحة : 4 PageV04P005 ~~قال البيضاوي : والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة ، وأن حاصله ~~: التنبيه على التوحيد ، الذي هو القوة العلمية ، والأمر بالتقوى الذي هو ~~أقصى كمالات القوة العملية. وأن النبوة عطائية - أي : لا كسبية- ، والآيات ~~التي بعدها دليل على وحدانيته ، من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد ~~لأصول العالم وفروعه ، على وفق الحكمة والمصلحة ، ولو كان له شريك لقدر على ~~ذلك ، فيلزم التمانع. ه. # الإشارة : قوله تعالى : {بالروح} : قال الورتجبي : الوحي الإلهي ، سماه ~~بالروح ؛ لأن كلامه صدر من ذاته ، وهو حياة قلوب الصديقين من المكلمين ~~والمحدثين ، وهو سبب حياة قلوب المؤمنين ، يحييهم بعلمه من موت الجهالة. ه. # وقال القشيري في قوله : {على من يشاء من عباده} : على الأنبياء بالوحي ~~والرسالة ، وعلى أسرار أرباب التوحيد ، وهم ms1313 المحدثون بالتعريف والعلم. ~~فالتعريف للأولياء من حيث الإلهام والخواطر ، أي : الواردات. وإنزال ~~الملائكة على قلوبهم غير ممنوع ، ولكنهم لا يؤمرون أن يتكلموا بذلك ، ولا ~~يحملون الرسالة إلى الخلق. ه. # قلت : وكأنه ينظر إلى قوله - عليه الصلاة والسلام - : " علماء أمتي ~~كأنبياء بني إسرائيل " ، فهم يشاركون الأنبياء في الوحي الإلهامي ، ولا ~~يبلغون ذلك إلا لمن صدقهم وتبعهم في طريقهم. والله تعالى أعلم. # 5 # جزء : 4 رقم الصفحة : 4 # قلت : {والأنعام} : منصوب بمحذوف ، يفسره : {خلقها} ، أو معطوف على " ~~الإنسان " و{خلقها لكم} : بيان لما خلقت لأجله ، وما بعده تفصيل له. و{منها ~~تأكلون} : إنما قدم المعمول ؛ للمحافظة على رؤوس الآي ، أو : لأن الأكل ~~منها هو المعتمد عليه في المعاش ، وأما الأكل من غيرها من سائر الحيوانات ~~المأكولات فعلى سبيل التداوي والتفكه. قاله البيضاوي. قلت : ولعله ، عند ~~مالك ، للاختصاص ، أي : منها تأكلون لا من غيرها ؛ إذ لا يؤكل عنده غيرها ~~من البهائم الإنسية. PageV04P006 # وقوله : {لكم} : يحتمل أن يتعلق بما قبلها أو بما بعدها ، ويختلف الوقف ~~باختلاف ذلك. {إلا بشق} : فيه لغتان : الكسر والفتح ، بمعنى التعب والكلفة ~~، وقيل : المفتوح مصدر شق الأمر عليه ، أي : صعب ، والمكسور بمعنى : النصف ~~، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. {والخيل} : عطف على " الأنعام ". و{زينة} : ~~مفعول من أجله ، عطف على موضع " لتركبوها " : أي : للركوب والزينة ، أو ~~مفعول مطلق ، أي : لتتزينوا بها زينة. # يقول الحق جل جلاله : {خلق السماوات والأرض} : أوجدهما {بالحق} أي : ~~ملتبسا بالحق ؛ لتدل على وحدانية الحق ، وكمال قدرته وباهر حكمته ، حيث ~~أوجدهما على مقدار مخصوص ، وشكل بديع ، وأوضاع مختلفة ، وهيئات متعددة. أو ~~: خلقهما بقضائه وتدبيره الحق ، لا بمشاركة وتدبير أحد معه ، ولا بمعاونة ~~شريك ولا ظهير ، ولذلك نزه نفسه بقوله : {تعالى عما يشركون} ، كما نزه نفسه ~~، ابتداء ، لما نفى الاستعجال ؛ لأنه من تدبير الخلق أيضا والصدور عن رأيهم ~~، وفي معناه : تنزيل الوحي على ما يشاء لا على ما يشاء غيره ؛ لانفراده ~~أيضا في ملكه. وفي إبرازه ذلك ، على ما يخالف آراء الخلق ، أدل دليل على ~~وحدانيته في ملكه ، وإنما وضع كل شيء ms1314 ودبره ؛ دلالة على وحدانيته وهدايته ~~لخلقه إليه. # 6 # ثم شفع بخلق الإنسان فقال : {خلق الإنسان} أي : جنسه {من نطفة} : من ماء ~~مهين يخرج من مكان مهين ، {فإذا هو خصيم مبين} : مجادل ، كثير الجدل ~~والخصام ، مبين لحجته ، أو : خصيم : مكافح لخالقه ، قائل : {من يحيي العظام ~~وهي رميم}. روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم ، ~~فقال : يا محمد ، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم ؟ فقال : " نعم " فنزلت. ~~فعلى الأول : تكون الآية عامة لكل إنسان ، وعلى الثاني : خاصة بالكافر. ~~والأول أظهر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 6 PageV04P007 ~~ولما ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد ، فقال : {والأنعام} وهي : الإبل ~~والبقر والغنم ، {خلقها} : أوجدها {لكم فيها دفء} ؛ ما يدفأ به فيقي البرد ~~، يعني : ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب ، {و} لكم فيها أيضا ~~{منافع} أخر ؛ كنسلها وظهورها. وإنما عبر بالمنافع ؛ ليتناول عوضها. {ومنها ~~تأكلون} أي : تأكلون ما يؤكل منها ؛ من اللحوم والشحوم والألبان. {ولكم ~~فيها جمال} أي : زينة وبهجة {حين تريحون} ؛ تردونها من مراعيها إلى مراحها ~~بالعشي ، {وحين تسرحون} ؛ تخرجونها إلى المرعى بالغداة ؛ فإن الأفنية ~~والمشارع والطرق تتزين بها في الذهاب والرواح ، ويجل أهلها في أعين ~~الناظرين إليها. وقدم الإراحة ؛ لأن الجمال فيها أظهر ؛ لأنها تقبل ملأى ~~البطون ، حاملة الضروع ، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. # {وتحمل أثقالكم} : أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها {إلى بلد} بعيد ، {لم ~~تكونوا بالغيه} عليها ، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم ، {إلا بشق الأنفس} ~~؛ إلا بكلفة ومشقة فديحة ، أو : إلا بذهاب شقها ، أي : نصف قوتها من التعب. ~~{إن ربكم لرؤوف رحيم} ؛ حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل ، والركوب عليها ، ~~وأنعم عليكم بالكل من لحومها وألبانها. PageV04P008 # {و} خلق لكم {الخيل والبغال والحمير لتركبوها} ، {و} تتزينوا بها {زينة} ، ~~أو للركوب والزينة. قال البيضاوي : وتغيير النظم - أي : حيث لم يقل : ~~وللزينة - ؛ لأن الزينة بفعل الخالق ، والركوب من فعل المخلوق - أي : ~~باعتبار الحكمة - ، ولأن المقصود خلقها للركوب ، وأما التزين بها فحاصل ~~بالعرض. وقرئ بغير واو ، فيحتمل ms1315 أن يكون علة لركوبها ، أو مصدرا في موضع ~~الحال من الضمير ، أي : متزينين ، أو متزينا بها. واستدل به على حرمة ~~لحومها ، ولا دليل فيه ؛ إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه ، غالبا ، ~~ألا يقصد منه غيره أصلا ، ويدل عليه أن الآية مكية. وعامة المفسرين ~~والمحدثين أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. ه. {ويخلق ما لا تعلمون} مما لا ~~يحيط البشر بعلمها ؛ من عجائب المخلوقات ، وضروب المصنوعات ، مما يؤكل ومما ~~لا يؤكل ، وما خلق في الجنة والنار ، مما لا يخطر على قلب بشر. # 7 # {وعلى الله قصد السبيل} أي : وعلى الله بيان السبيل القصد ، أي : الطريق ~~الموصل إلى المقصود. أو : على الله تقويم طريق الهدى ؛ بنصب الأدلة وبعث ~~الرسل ، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي : السبيل القصد ، أي : القاصد ~~المستقيم الموصل إلى المطلوب ؛ كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل ~~عنه. والمراد من السبيل : الجنس ، ولذلك أضاف إليه المقصد ، وقال : {ومنها ~~جائر} عن القصد ، أو عن الله ، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم. والسبيل ~~بمعنى الطريق ، يذكر ويؤنث ، وأنث هنا. وتغيير الأسلوب - أي : حيث لم يقل : ~~قصد السبيل والجائر - ؛ لأنه ليس بحق على الله أن يبين طريق الضلالة ، ولأن ~~المقصود ، بالأصالة ، بيان سبيله ، وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما ~~جاء بالعرض. {ولو شاء لهداكم أجمعين} أي : ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم ~~إلى قصد السبيل ، هداية مستلزمة للاهتداء. قاله البيضاوي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 6 PageV04P009 ~~الإشارة : هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نصبت للآدمي ، وخلقت من ~~أجله ، السماوات تظله ، والأرض تقله ، والحيوانات تخدمه وتنفعه ، يتصرف ~~فيها ؛ خليفة عن الله في ملكه. فالواجب عليه شكر هذه النعم ، وألا يقف معها ~~، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى ، في بعض كلامه بلسان الحال ~~أو المقال : " يا ابن آدم ، خلقت الأشياء من أجلك ، وخلقتك من أجلي ، فلا ~~تشتغل بما خلق لأجلك عما خلقت لأجله " والواجب عليه أيضا من طريق الخصوص : ~~ألا يقف مع حس أجرامها ، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ms1316 ومظهرها ؛ لئلا ~~يبقى مسجونا بمحيطاته ، محصورا في هيكل ذاته ، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر ~~المعاني ، المحيط بالأواني ، والمفني لها ، بصحبة شيخ كامل ، يخرجه من سجن ~~الأكوان إلى فضاء شهود المكون. وبالله التوفيق. # وقوله : {وعلى الله قصد السبيل} : اعلم أن الحق - جل جلاله - بين طريق ~~الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه ، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل ~~شهوده وعيانه ، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء ، ~~ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى ~~نعيم الأشباح ، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم ~~الأرواح ، وهو النعيم الأكبر ؛ قال تعالى : {ورضوان من الله أكبر} [التوبة ~~: 72]. فالرضوان على قسمين : قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدل ~~الحجاب ، وهم أهل الشرائع ، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب ~~، وهم أهل الحقائق ، وهم المقربون ، نفعنا الله بهم ، وخرطنا في سلكهم. آمين. # 8 # جزء : 4 رقم الصفحة : 6 PageV04P010 ~~قلت : {لكم منه شراب} : يحتمل أن يتعلق بأنزل ، أو يكون في موضع خبر {شراب} ~~، أو صفة لماء ؛ و{مواخر} : جمع ماخرة ، يقال : مخرت السفينة الماء مخرا : ~~شقته ، وقيل : المخر : صوت جرى الفلك في البحر من هبوب الريح. وقيل : معناه ~~: تجيء وتذهب بريح واحدة. و{لتبتغوا} : عطف على " لتأكلوا " ، و{أن تميد} : ~~مفعول من أجله ، أي : كراهة أن تميد بكم. و{أنهارا وسبلا} : مفعول بمحذوف ، ~~أي : وخلق أو وجعل أنهارا ، وقيل : معطوف على " رواسي " ؛ لأن ألقى ، فيه ~~معنى الجعل ، و{علامات} : عطف على {أنهارا وسبلا} ، أو نصب على المصدر ، أي ~~: ألقى ذلك ؛ لعلكم تعتبرون ، وعلامات دالة على وحدانيته. # يقول الحق جل جلاله : {هو الذي أنزل من السماء} أي : السحاب ، أو جانب ~~السماء ، {ماء} : مطرا {لكم منه شراب} تشربونه بلا واسطة ، أو بواسطة ~~العيون والأنهار والآبار ؛ لأنه يحبس فيها ، ثم يشرب منها ، لقوله : {فسلكه ~~ينابيع فى الأرض} [الزمر : 21] ، وقوله : {فأسكناه فى الأرض} [المؤمنون : ~~18] ، {ومنه شجر} أي : ومنه يكون شجر ، يعني : الشجر الذي ترعاه المواشي ، ~~وقيل : كل ما نبت على الأرض فهو شجر ، {فيه تسيمون} : ترعون مواشيكم ، من ~~أسام الماشية ms1317 : رعاها ، وأصلها : السومة ، التي هي العلامة ؛ لأنها تؤثر ~~بالرعي علامات. # {ينبت لكم به الرزع} وقرأ أبو بكر بالنون ؛ على التفخيم ، {والزيتون ~~والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} أي : ومن بعض كل الثمرات ؛ إذ لم ينبت في ~~الأرض كل ما يمكن من الثمار. قال البيضاوي : ولعل تقديم ما يسام فيه على ما ~~يؤكل منه ؛ لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية - يعني اللحم - ، ومن ~~هذا : تقديم الزرع ، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. ه. # 9 PageV04P011 ~~{إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} ، فيستدلون على وجود الصانع وباهر قدرته ، ~~فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض يابسة ، ويصل إليها نداوة تنفذ فيها ، ~~فينشق أعلاها ، ويخرج منه ساق الشجر ، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها ، ثم ~~ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار ، والأكمام والثمار ، ويشتمل كل منها على ~~أجسام مختلفة الأشكال والطبائع ، مع اتحاد المواد ، علم أن ذلك ليس إلا ~~بفعل فاعل مختار ، مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد ، ولعل وصل الآية به ؛ ~~لذلك. قاله البيضاوي باختصار. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 9 # وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم} ؛ بأن هيأها لمنافعكم ، ~~{مسخرات بأمره} ، أي : مذللات لما يريد منها ، وهو حال من الجميع ، أي : ~~نفعكم بها حال كونها مسخرات لله ، منقادة لحكمه ، أو لما خلقن له ، {إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون} أي : لأهل العقول السليمة الصافية من ظلمة الغفلة ~~والشهوات ، وإنما جمع هنا ، دون ما قبله وما بعده ؛ لأن الأولى راجعة إلى ~~إنزال المطر ، وهو متحد ، والثالثة راجعة إلى ما ذرأ في الأرض ، وهو متحد ~~في الجنس والهيئة ، بخلاف العوالم العلوية ، فإنها مختلفة في الجنس ~~والهيئة. وقال البيضاوي : جمع الآية وذكر العقل ؛ لأنها تتضمن أنواعا من ~~الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة ، غير محوجة إلى استيفاء فكر ، كأحوال ~~النبات. ه. # {وما ذرأ} أي : وسخر لكم ما ذرأ ، فهو عطف على الليل ، أي : سخر لكم ما ~~خلق لكم في الأرض من حيوانات ونبات ، {مختلفا ألوانه} ؛ أبيض وأسود ، أحمر ~~وأصفر ، مع اتحاد المادة ، فالماء واحد والزهر ألوان ، {إن في ذلك لآية ~~لقوم ms1318 يذكرون} ؛ يتذكرون أن اختلافها في الألوان والطبائع ، والهيئات ~~والمناظر ، ليس إلا بصنع صانع حكيم. PageV04P012 # {وهو الذي سخر البحر} : ذلله بحيث هيأه للتمكن من الانتفاع به ؛ بالركوب ~~فيه ، والاصطياد ، والغوص ، {لتأكلوا منه لحما طريا} هو السمك ، ووصفة ~~بالطراوة ؛ لأنه أرطب اللحوم ، فيسرع إليه الفساد ، فيسارع إلى أكله طريا ، ~~ولإظهار قدرته في خلقه ؛ عذبا طريا في ماء زعاق أجاج ، واحتج به مالك على ~~أن من حلف ألا يأكل لحما حنث بأكل السمك ، وأجيب بأن مبني الأيمان على ~~العرف ، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ؛ ألا ترى أن الله سمى الكافر دابة ، ~~ولا يحنث من حلف ألا يركب دابة بركوبه. قاله البيضاوي. ويجاب بالاحتياط ؛ ~~فالحنث يقع بأدنى شيء ، بخلاف البر ، لا يقع إلا بأتم الأشياء. # 10 # {وتستخرجوا منه حلية} ؛ كاللؤلؤ والمرجان ، {تلبسونها} ؛ يلبسها نساؤكم ، ~~وأسند اللباس إليهم ؛ لأن لباس النساء تزين للرجال ، فكأنه مقصود لهم ، ~~{وترى الفلك} : السفن {مواخر فيه} ؛ جواري فيه تمخر الماء ، أي : تشقه ، أو ~~تصوت من هبوب الريح ، {ولتبتغوا من فضله} : من سعة رزقه ؛ بركوبه للتجارة ، ~~أو : وترى الفلك جواري فيه ؛ لتركبوها ، ولتبتغوا من سعة رزقه. قال ابن ~~عطية : فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح. ه. {ولعلكم تشكرون} أي ~~: تعرفون نعم الله فتقوموا بشكرها. ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر ؛ لأنه أقوى ~~في باب الإنعام ؛ من حيث جعل المهالك سببا للانتفاع ، وتحصيل المعاش. قاله ~~البيضاوي. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 9 PageV04P013 ~~وألقى في الأرض رواسي} ؛ جبالا رواسي أرست الأرض ؛ كراهة {أن تميد بكم} ؛ ~~تميل وتضطرب ؛ لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة ، ~~وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر ، فلما خلقت الجبال تقاومت ~~جوانبها ؛ بثقلها نحو المركز ، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل ~~: لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي : تتحرك - فقالت الملائكة : ما يستقر ~~أحد على ظهرها ، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. {وأنهارا} أي : وجعل فيها ~~أنهارا تطرد ؛ لسقي الناس والبهائم ، وسائر المنافع ، وذكره بعد الجبال ؛ ~~لأن الغالب انفجارها منها ، {وسبلا} أي : وجعل فيها طرقا {لعلكم ms1319 تهتدون} ~~لمقاصدكم ، أو لمعرفة ربكم ، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة ، على ~~صانعها. {و} جعل فيها {علامات} : معالم يستدل بها السابلة على معرفة الطرق ~~؛ من الجبال ، والمناهل ، والرياح ، وغير ذلك ، {وبالنجم هم يهتدون} إلى ~~الطرق بالليل ، في البراري والبحار ، والمراد بالنجم : الجنس ، بدليل قراءة ~~: " وبالنجم " ؛ بضمتين ؛ على الجمع. وقيل : المراد : الثريا ، والفرقدان ~~وبنات نعش ، والجدي. والضمير لقريش ؛ لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة ، ~~مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم ، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب ، ~~وتقديم النجم ، وإقحام الضمير ؛ للتخصيص ، كأنه قيل : وبالنجم خصوصا ، ~~هؤلاء خصوصا يهتدون ، يعني : قريشا ، فالاعتبار بذلك ، والشكر عليهم ألزم ~~لهم وأوجب عليهم. ه. وأصله للزمخشري. # الإشارة : هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء ، أي : علما لدنيا تحيا به ~~القلوب ، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب. لكم منه شراب ، خمرة تحيا بها ~~الأرواح ، وتغيب عن حضرة الأشباح ، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل ، ~~تثمر بالأذواق ، فيه تسيمون ، أي : في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم ، ~~ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم ، فمن وقف مع حلاوة العمل ، أو المقامات ~~أو الكرامات ، بقي محجوبا عن # 11 PageV04P014 ~~ربه ، وعليه نبه صاحب البردة بقوله : # وراعها ، وهي في الأعمال سائمة # وإن هي استحلت المرعى فلا تسم # وقال في الحكم : " ربما وقفت القلوب مع الأنوار ، كما حجبت النفوس بكثائف ~~الأغيار ". # وقال الششتري : # وقد تحجب الأنوار للعبد مثل ما # تبعد من إظلام نفس حوت ضغنا # ينبت بذلك العلم طعام نفوسكم من قوت الشريعة ، ومصباح قلوبكم من عمل ~~الطريقة ، وثمرة الأعمال في عوالم الحقيقة ، وفواكه العلوم من مخازن ~~الفهوم. وسخر لكم ليل القبض ، ونهار البسط ؛ لتسكنوا فيه ؛ لما خصكم فيه من ~~مقام التسليم والرضا ، ولتبتغوا من فضله ؛ من فيض العلوم وكشف الغطاء ، ~~فتشرق حينئذ شمس العرفان ، ويستنير قمر الإيمان ، وتطلع نجوم العلم ، كل ~~مسخر في محله ، لا يستتر أحد بنور غيره ، وهذا مقام أهل التمكين ، يستعملون ~~كل شيء في محله. وما ذرأ لكم في أرض نفوسكم من أنواع العبادات وأحوال ~~العبودية ، متلونة باعتبار الأزمنة والأمكنة ، وهو الذي ms1320 سخر بحر المعاني ؛ ~~لتأكلوا منه لحما طريا ؛ علما جديدا لم يخطر على قلب بشر ، وتستخرجوا منه ~~جواهر ويواقيت من الحكم ، تلبسونها وتتزين قلوبكم وألسنتكم بها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 9 # وترى الفلك ، أي : سفن الفكرة ، فيه مواخر ؛ عائمة في بحر الوحدة ، بين ~~أنوار الملكوت وأسرار الجبروت ؛ لتبتغوا من فضله ، وهي معرفة الحق بذاته ~~وأسمائه وصفاته ، ولعلكم تشكرون ، فتقيدوا هذه النعم الجسام ؛ لئلا تزول. ~~وألقى في أرض البشرية جبال العقول ؛ لئلا يلعب بها ريح الهوى ، وأجرى عليها ~~أنهارا من العلوم حين انزجرت عن هواها ، وجعل لها طرقا تهتدي بها إلى معرفة ~~ربها ، فتهتدي أولا إلى نجم الإسلام ، ثم إلى قمر توحيد البرهان ، ثم إلى ~~شهود شمس العرفان. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 9 # 12 PageV04P015 ~~قلت : {وما يشعرون أيان يبعثون} ، الضمير الأول للأصنام ، والثاني للكفار ~~الذين عبدوهم ، وقيل : للأصنام فيهما ، وقيل : للكفار فيهما ، و{لا جرم} : ~~إما أن يكون بمعنى لا شك ، أو لا بد ، أو تكون " لا " نفيا لما تقدم. و" ~~جرم " : فعل ، بمعنى وجب ، أو حق ، و{أن الله} : فاعل بجرم. # {يقول الحق جل جلاله} : {أفمن يخلق} كل شيء ، ويقدر على كل شيء ، {كمن لا ~~يخلق} شيئا ، ولا يقدر على شيء ، بل هو أعجز من كل شيء ؟ وهو إنكار على من ~~أشرك مع الله غيره ، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته ، وباهر ~~حكمته ، بذكر ما تقدم من أنواع المخلوقات وبدائع المصنوعات ، وكان حق ~~الكلام : أفمن لا يخلق كمن يخلق ، لكنه عكس ؛ تنبيها على أنهم ، بالإشراك ~~بالله ، جعلوه من جنس المخلوقات العجزة ، شبيها بها. والمراد بمن لا يخلق ، ~~كل ما عبد من دون الله ، وغلب أولي العلم منهم ، فعبر بمن ، أو يريد ~~الأصنام ، وأجراها مجرى أولي العلم ؛ لأنهم سموها آلهة ، ومن حق الإله أن ~~يعلم ، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق. {أفلا تذكرون} ؛ فتعرفوا فساد ذلك ؛ ~~فإنه لظهوره كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات. # ولما ذكر أنواعا من المخلوقات على وجه الاستدلال على وحدانيته - وفي ~~ضمنها : تعداد النعم على ms1321 خلقه - أعقبها بقوله : {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها} أي : لا تطيقوا عدها ، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. ثم أعقبها ~~بقوله : {إن الله لغفور رحيم} ؛ تنبيها على أن العبد في محل التقصير ، لولا ~~أن الله يغفر له تقصيره في أداء شكر نعمه ، ويرحمه ببقائها مع تقصيره في شكرها. PageV04P016 # {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} من عقائدكم وأعمالكم ، وهو وعيد لمن كفر ~~النعم وأشرك مع الله غيره ، سرا أو علانية ، ثم قال تعالى : {والذين تدعون} ~~أي : والأصنام الذين تعبدونهم {من دون الله لا يخلقون شيئا} ؛ لظهور عجزهم. ~~لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق ، بين أنها لا تخلق شيئا ؛ ~~ليتحقق نفي الألوهية عنها ؛ ضرورة. ثم علل عجزها ، وعدم استحقاقها للألوهية ~~بقوله : {وهم يخلقون} أي : وهم مخلوقون مفتقرون في وجودهم إلى التخليق ، ~~والإله لا بد أن يكون واجب الوجود. # جزء : 4 رقم الصفحة : 12 # وهم ، أيضا ، {أموات غير أحياء} أي : لم تكن لهم حياة قط ، ولا تكون ، ~~وذلك أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة ، ثم مات. والإله ينبغي أن يكون حيا ~~بالذات لا يعتريه الممات. {وما يشعرون أيان يبعثون} أي : لا يعلمون وقت ~~بعثهم ، أو بعث عبدتهم ، فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه من عبدهم ، والإله ~~ينبغي أن يكون عالما بالغيوب ، قادرا على الجزاء لمن عبده ؟ وفيه تنبيه على ~~أن البعث من توابع التكليف. قاله البيضاوي. # 13 # قال ابن جزي : نفى عن الأصنام صفة الربوبية ، وأثبت لهم أضدادها ؛ وهي ~~أنهم مخلوقون غير خالقين ، وغير أحياء ، وغير عالمين وقت البعث ، فلما قام ~~البرهان على بطلان ربوبيتهم ، أثبت الربوبية لله وحده ، فقال : {إلهكم إله ~~واحد}. ه. وهو تصريح بما أقام عليه الحجج والبراهين بما تقدم. PageV04P017 # ثم ذكر سبب إصرارهم على الكفر - وهو إنكار البعث والتكبر - فقال : {فالذين ~~لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} أي : فالمنكرون للبعث قلوبهم ~~منكرة لوحدانيته تعالى ، وهم مستكبرون عن اتباع الرسل فيما جاؤوا به ، ~~والخضوع لهم ؛ لأن المؤمن بالآخرة يكون طالبا للدلائل ، متأملا فميا يسمع ، ~~فينتفع ms1322 به ، خاضعا للحق ، متبعا لمن جاء به ، بخلاف الكافر ، يكون حاله ~~بالعكس ؛ منهمكا في الغفلة ، متبعا للهوى ، ينكر بقلبه ما لا يعرف إلا ~~بالبرهان ، اتباعا للأسلاف ، وتقليدا لهم ، وركونا إلى المالوف. # قال تعالى : تهديدا لمن هذا وصفه : {لا جرم} : لا بد ، أو لا شك ، أو حق ~~{أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} ، فيجازيهم عليه ؛ {إنه لا يحب ~~المستكبرين} مطلقا ، فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده واتباع رسوله. ~~ومفهومه : أنه يحب المتواضعين الخاضعين للحق ، ولمن جاء به ، وهم المؤمنون. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد تضمنت الآية ثلاث خصال من خصال أهل التوحيد : الأولى : رفع ~~الهمة عن الخلق ، وتعلقها بالخالق في جميع المطالب والمآرب ؛ إذ لا يترك ~~العبد من هو خالق كل شيء ، قادر على كل شي ، دائم لا يموت ، ويتعلق بعبد ~~عاجز ضعيف ، لا يقدر على نفع نفسه ، فكيف ينفع غيره ؟ {أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق أفلا تذكرون} ، {والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~أموات غير أحياء}. وأنشدوا في هذا المعنى : # حرام على من وحد الله ربه # وأفرده أن يحتذي أحدا رفدا # فيا صاحبي قف بي على الحق وقفة # أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا # جزء : 4 رقم الصفحة : 12 # وقل لملوك الأرض تجهد جهدها # فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى PageV04P018 ~~والخصلة الثانية : تذكر البعث وما بعده ، وتقريبه وجعله نصب العين ؛ إذ ~~بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية ، والاستعداد والتأهب للدار الباقية ~~، وبه تلين القلوب ، وتتحقق بعلم الغيوب ، وبه يحصل الخضوع للحق ، والتعظيم ~~لمن جاء به. بخلاف من أنكره ، أو استبعده ، قال تعالى : {فالذين لا يؤمنون ~~بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون}. # الخصلة الثالثة : التواضع والخضوع لله ، ولمن دعا إلى الله ، وهو سبب ~~المحبة من الله ، ورفع الدرجات عند الله ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " من ~~تواضع لله رفعه ، ومن تكبر وضعه الله " # 14 # وقال أيضا : " من تواضع دون قدره ، رفعه فوق قدره " بخلاف المتكبر ؛ فإنه ~~ممقوت عند الله ، مطرود عن باب الله ؛ قال تعالى ms1323 : {إنه لا يحب ~~المستكبرين}. وفي الحديث : " لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من خردل ~~من كبر " ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، " والتكبر : بطر الحق وغمط ~~الناس " ، أي : جحد الحق ، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 12 # قلت : {ماذا} ، يجوز أن يكون اسما واحدا مركبا منصوبا ب {أنزل} ، وأن ~~تكون (ما) : استفهامية في موضع رفع بالابتداء ، و(ذا) : بمعنى " الذي " : ~~خبر ، وفي أنزل ضمير محذوف ، أي : ما الذي أنزله ربكم ؟ واللام في ~~{ليحملوا} : لام العاقبة والصيرورة ، أي : قالوا : هو أساطير الأولين ؛ ~~فأوجب ذلك أن يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم ، وقيل : لام الأمر ، و{بغير ~~علم} : حال من المفعول في {يضلونهم} ، أو من الفاعل ، و{تشاقون} : من قرأه ~~بالكسر ؛ فالمفعول : ضمير المتكلم ، وهو الله تعالى ، ومن قرأه بالفتح ؛ ~~فالمفعول محذوف ، أي : تشاقون المؤمنين من أجلهم. و{ظالمي أنفسهم} : حال من ~~ضمير المفعول في : " تتوفاهم ". PageV04P019 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا قيل لهم} أي : كفار قريش : {ماذا أنزل ربكم} ~~على رسوله محمد - عليه الصلاة والسلام - ؟ {قالوا} : هو {أساطير الأولين} ~~أي : ما سطره الأولون وكتبوه من الخرافات. وكان النضر بن الحارث قد اتخذ ~~كتب التواريخ ، ويقول : إنما يحدث محمد بأساطير الأولين ، وحديثي أجمل من ~~حديثه. والقائل لهم # 15 # هم المقتسمون ، وتسميته ، حينئذ ، منزلا ؛ إما على وجه التهكم ، أو على ~~الفرض والتقدير ، أي : على تقدير أنه منزل ، فهو أساطير لا تحقيق فيه. ~~ويحتمل أن يكون القائل لهم المؤمنين ، فلا يحتاج إلى تأويل. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 15 # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة} أي : قالوا ذلك ؛ ليضلوا الناس ، ~~فكان عاقبتهم أن حملوا أوزار ضلالهم كاملة ، {ومن أوزار الذين يضلونهم} : ~~وبعض أوزار ضلال من كانوا يضلونهم - وهو حصة التسبب في الوقوع في الضلال - ~~حال كونهم {بغير علم} أي : يضلون من لا يعلم أنهم ضلال. وفيه دليل على أن ~~الجاهل في العقائد غير معذور ؛ إذ كان يجب عليه أن يبحث عن الحق وأهله ، ~~وينظر في دلائله وحججه. # قال البيضاوي : {بغير علم} : حال من المفعول ؛ أي : يضلون من ms1324 لا يعلم ~~أنهم ضلال ، وفائدتها : الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم ؛ إذ كان عليهم أن ~~يبحثوا ، ويميزوا بين المحق والمبطل. ه. وقال المحشي : ففيه ذم تقليد ~~المبطل ، وأن مقلده غير معذور ، بخلاف تقليد المحق الذي قام بشاهد صدقه ~~المعجزة ، أو غير ذلك ، كدليل العقل والنقل فيما تعتبر دلالته. ه. # قلت : ويجوز أن يكون حالا من الفاعل ، أي : يضلون في حال خلوهم من العلم ~~، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال. # قال تعالى في شأن أهل الإضلال : {ألا ساء ما يزرون} ، أي : بئس شيئا ~~يزرونه فعلهم هذا. PageV04P020 # {قد مكر الذين من قبلهم} أي : دبروا أمورا ليمكروا بها الرسل ، {فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد} أي : قصد ما دبروه من أصله ، فهدمه ، {فخر عليهم السقف ~~من فوقهم} ، وصار ما دبروه ، وبنوه من المكر ، سبب هلاكهم ، {وأتاهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون} ؛ لا يحتسبون ولا يتوقعون ، وهو على سبيل التمثيل. وقال ~~ابن عباس وغيره : المراد به نمرود بن كنعان ، بنى الصرح ببابل ، سمكه خمسة ~~آلاف ذراع ؛ ليترصد أمر السماء ، فبعث الله ريحا فهدمته ، فخر عليه وعلى ~~قومه ، فهلكوا ، وقيل : إن جبريل عليه السلام هدمه ، فألقى أعلاه في البحر ~~، وانجعف من أسفله. # {ثم يوم القيامة يخزيهم} : يذلهم ويعذبهم بالنار ، {ويقول أين شركائي} ، ~~أضافها إلى نفسه ؛ استهزاء ، أو حكاية لإضافتهم إياها إليه في الدنيا ؛ ~~زيادة في توبيخهم ، أي : أين الشركاء {الذين كنتم تشاقون فيهم} : تعادون ~~المؤمنين في شأنهم ، أو تشاقونني في شأنهم ؛ فإن مشاقة المؤمنين كمشاقته ، ~~أو تحاربون وتخارجون ، فتكونون في شق والحق # 16 # في شق ، {قال الذين أوتوا العلم} ؛ وهم الأنبياء والعلماء الذين كانوا ~~يدعونهم إلى التوحيد ، فيشاققونهم ويتكبرون عليهم ، أو الملائكة : {إن ~~الخزي اليوم والسوء} : الذلة والعذاب {على الكافرين}. وفائدة قولهم ذلك لهم ~~: إظهار الشماتة وزيادة الإهانة ، وحكايته ، ليكون لطفا لمن سمعه من ~~المؤمنين ، فيزيد حذرا وحزما في الطاعة ، وقال الواحدي : إن الخزي اليوم ~~والسوء عليهم لا علينا. ه. أي : فيقولونه ؛ اعترافا واستبشارا بإنجاز ما ~~وعدهم الله ، كما قالوا : الحمد لله الذي هدانا لهذه الهداية. # جزء ms1325 : 4 رقم الصفحة : 15 PageV04P021 ~~ثم وصفهم بقوله : {الذين تتوفاهم الملائكة} ؛ تقبض أرواحهم {ظالمي أنفسهم} ~~؛ بأن عرضوها للعذاب المخلد ، {فألقوا السلم} أي : استسلموا ، وألقوا ~~القياد من أنفسهم ، حين عاينوا الموت ، قائلين : {ما كنا نعمل من سوء} : من ~~كفر وعدوان ، يحتمل أن يكون قولهم ذلك قصدوا به الكذب ؛ اعتصاما به ، ~~كقولهم : {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام : 23] ، أو يكونوا أخبروا ~~على حساب اعتقادهم في أنفسهم ، فلم يقصدوا الكذب ، ولكنه كذب في نفس الأمر. ~~قال الحسن : هي مواطن ، فمرة يقرون على أنفسهم ، كما قال تعالى : {وشهدوا ~~علىا أنفسهم أنهم كانوا كافرين} [الأنعام : 130] ، ومرة يجحدون كهذه الآية ~~، فتجيبهم الملائكة بقولهم : {بلى} قد كنتم تعملون السوء والعدوان ، {إن ~~الله عليم بما كنتم تعملون} فهو يجازيكم عليه. وقيل : إن قوله : {فألقوا ~~السلم} إلى آخر الآية ، راجع إلى شرح حالهم يوم القيامة ، فيتصل في المعنى ~~بقوله عز وجل : {أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم} إلخ ، فيكون الراد ~~عليهم بقوله : {بلى) ، هو الله تعالى ، أو : أولو العلم ، ويقوي هذا قوله ~~بعده {فادخلوا أبواب جهنم} ؛ لأن دخولها لا يكون إلا بعد البعث والحساب ، ~~لا بعد الموت ؛ إذ لا يكون بعد الموت إلا العرض عليها غدوا وعشيا ، والمراد ~~بدخول أبوابها ، أي : التي تفضي إلى طبقاتها ، التي هي بعضها على بعض ، ~~وأبوابها كذلك ، كل صنف يدخل من بابه المعد له ، {خالدين فيها فلبئس مثوى} ~~أي : مقام {المتكبرين} جهنم. الإشارة : وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار : ~~ماذا أنزل ربكم ، على قلوب أولياء زمانكم ؛ من المواهب وأسرار الخصوصية ؟ ~~قالوا : أساطير الأولين ، ثم عوقوا الناس عن الدخول في طريقهم ؛ لتطهير ~~قلوبهم ، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ؛ حيث ماتوا مصرين على الكبائر ~~وهم لا يشعرون. ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم ، ~~بل جهلا وعنادا PageV04P022 ~~وحسدا ، ألا ساء ما يزرون. # قلت : الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف : علماء السوء ، وفقراء ~~السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة - ، وقراء السوء ؛ لأن هؤلاء هم المقتدى ~~بهم ، والمنظور إليهم ، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا ، وقصروا في الدين ms1326 ، ~~تبعوهم على ذلك ؛ فضلوا معهم ، فقد ضلوا وأضلوا ، وإذا أنكروا على أولياء ~~الله ، ومكروا بهم ، اقتدوا بهم في # 17 # ذلك فيتولى الله حفظ أوليائه ، ويهدم مكرهم ؛ قال تعالى : {فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد}... الآية ، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته ، ~~وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا ، يقال لهم : {بلى ~~إن الله عليم بما كنتم تعملون} ، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب ، فبئس ~~مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 15 # قلت : {خيرا} : منصوب بفعل محذوف ، أي : أنزل خيرا ، فهو مطابق للسؤال ؛ ~~لأن المؤمنين معترفون بالإنزال ، بخلاف قوله : {أساطير الأولين} ؛ فهو ~~مرفوع على الخبر ؛ لأنهم لا يقرون بالإنزال ، فلا يصح تقدير فعله. وإنما ~~عدلوا بالجواب عن السؤال ؛ لإنكارهم له ، وقالوا : هو أساطير الأولين ولم ~~ينزله الله. و{للذين} : خبر ، و{حسنة} : مبتدأ ، والجملة : بدل من {خيرا} ، ~~أو تفسير الخير الذي قالوه ، والظاهر أنه استئناف من كلام الحق. {جنات عدن} ~~: يحتمل أن يكون هو المخصوص بالمدح ، فيكون مبتدأ ، وخبره فيما قبله ، أو ~~خبر ابتداء مضمر ، أو مبتدأ ، وخبره : {يدخلونها} ، أو محذوف ، أي : لهم ~~جنات عدن. و{طيبين} : حال من مفعول " توفاهم ". PageV04P023 # يقول الحق جل جلاله : {وقيل للذين اتقوا} الشرك ، وهم المؤمنون : {ماذا ~~أنزل ربكم قالوا خيرا} ، أي : أنزل خيرا ، مقرين بالإنزال ، غير مترددين ~~فيه ولا متلعثمين عنه ، على خلاف الكفرة ؛ لما ذكر الحق تعالى مقالة الكفار ~~الذين قالوا : أساطير الأولين ، عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، وأوجب لكل فريق ما يستحق من العقاب أو الثواب ، ~~روي أن العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بأخبار النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، فإذا جاء الوفد ، وسأل المقتسمين ، من الكفار ، قالوا له : ~~أساطير الأولين ، وإذا سال المؤمنين : ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا : خيرا. ~~فنزلت الآية في شأن الفريقين. # ثم ذكر جزاء المؤمنين فقال : {للذين أحسنوا في هذه الدنيا} بالإيمان ~~والطاعة ، {حسنة} أي : حالة حسنة ؛ من النصر ، والعز ، والتمكين في البلاد ~~، مع الهداية للمعرفة والاسترشاد. {ولدار الآخرة خير} ms1327 أي : ولثواب الآخرة ~~خير مما قدم لهم في الدنيا ؛ لدوامه ، وصفائه ، وعظيم شأنه ، وعن أنس قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يظلم # 18 # المؤمن حسنة ، يثاب عليها الرزق في الدنيا ، ويجازى بها في الآخرة " ~~{ولنعم دار المتقين} دار الآخرة ، حذفت ، لتقدم ذكرها ، أو هي : {جنات عدن ~~يدخلونها} على الأبد ، {تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون} من ~~أنواع المشتهيات ؛ حسية ومعنوية ، وفي تقديم الظرف في قوله : {فيها} ؛ ~~تنبيه على أن الإنسان لا يجد جميع ما يريد إلا في الجنة. قاله البيضاوي. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 18 PageV04P024 ~~كذلك يجزي الله المتقين} الذين قالوا خيرا وفعلوا خيرا ، وأحسنوا في دار ~~الدنيا حتى ماتوا على الإحسان ، كما قال : {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} ~~: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي ؛ لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم ، ~~وقيل : فرحين ؛ لبشارة الملائكة إياهم بالجنة ، أو طيبين بقبض أرواحهم ؛ ~~لتوجه نفوسهم بالكلية إلى الحضرة القدسية. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية : ~~{طيبين} : عبارة عن صلاح حالهم ، واستعدادهم للموت. وهذا بخلاف ما قال في ~~الكفرة : {ظالميا أنفسهم} [النساء : 97 ؛ والنحل : 28] ، والطيب لا خبث معه ~~، ومنه قوله تعالى : {طبتم فادخلوها} [الزمر : 73]. ه. # وقال الترمذي الحكيم : {طيبين} أي : مستعدين للقاء ، يسلم عليهم ، ويقال ~~لهم : ادخلوا الجنة بلا هول ولا حساب ، بخلاف غير المستعد للقاء ، فإنما ~~يسلم عليه ، ويقال له : ادخل الجنة بعد أهوال القبر وأهوال القيامة. ه. ~~وهذا معنى قوله : {يقولون سلام عليكم} ؛ لا يلحقكم بعد مكروه. وهذا لأجل ~~الاستعداد كما تقدم. ثم تقول لهم : {ادخلوا الجنة} بعد بعثكم ، أو بأرواحكم ~~في عالم البرزخ ، إن كانوا من الشهداء أو الصديقين ، {بما كنتم تعملون} في ~~دار الدنيا. PageV04P025 # فإن قلت : كيف التوفيق بين الآية وبين الحديث : " لن يدخل أحدكم الجنة ~~بعمله ، قالوا : ولا أنت ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته " ؟ ~~فالجواب : أن الهداية لصالح العمل ، والتوفيق له ، هو برحمة الله أيضا ، ~~فالعمل الصالح رحمة من رحمات الله ، فما دخل أحد الجنة إلا برحمته ، فرجعت ~~الآية إلى الحديث. ms1328 ومقصد الحديث : نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل ، ~~كما ذهب إليه فريق من المعتزلة. وهنا جواب آخر صوفي ؛ وهو الجمع بين ~~الحقيقة والشريعة ، فنسبة العمل إلى العبد شريعة ، ونفيه عنه ، بإجراء الله ~~ذلك عليه ، حقيقة. فالآية سلكت مسلك الشريعة في نسبة العمل للعبد ؛ فضلا ~~ونعمة ؛ " من تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك ". والحديث سلك مسلك ~~الحقيقة ؛ لأن الدين كله دائر بين حقيقة وشريعة ، فإذا شرع القرآن حققته ~~السنة ، وإذا شرعت السنة حققها القرآن. والله تعالى أعلم. # 19 # الإشارة : وقيل للذين اتقوا التقوى الكاملة : ماذا أنزل ربكم من المقادير ~~؟ قالوا : خيرا ، فكل ما ينزل بهم من قدر الله وقضائه ، جلاليا كان أو ~~جماليا ، جعلوه خيرا ، وتلقوه بالرضا والتسليم. يقولون : إذا كنت أنت ~~المبتلي فافعل ما شئت ، لا يتضعضعون ولا يسأمون ، ولا يشكون لأحد سوى ~~محبوبهم ؛ لأن الشكوى تنافي دعوى المحبة ، كما قال الشاعر : # جزء : 4 رقم الصفحة : 18 # إن شكوت الهوى فما أنت منا # احمل الصد والجفا يا معنا # تدعي مذهب الهوى ثم تشكو # أين دعواك في الهوى قل لي أينا ؟ # لو وجدناك صابرا لهوانا # لأعطيناك كل ما تتمنى PageV04P026 ~~وإنما قالوا ، في كل ما ينزل بهم : خيرا ، أو جعلوه لطفا وبرا ؛ لما يجدون ~~في قلوبهم ، بسببه ، من المزيد والألطاف ، والتقريب وطي مسافة النفس ، ما ~~لا يجدونه في كثير من الصلاة والصيام سنين ؛ لأن الصلاة والصيام من أعمال ~~الجوارح ، وما يحصل في القلب من الرضا والتسليم ، وحلاوة القرب من الحبيب ، ~~من أعمال القلوب ، وذرة منها خير من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. # وفي الخبر : " إذا أحب الله عبد ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، وإن رضي ~~اصطفاه " وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عجبا لأمر ~~المؤمن ، إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء ~~شكر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر ، فكان خيرا له " وفي البخاري ~~ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما يصيب المؤمن من وصب ms1329 ، ~~ولا نصب ، ولا سقم ، ولا حزن ، حتى الهم يهمه ، إلا كفر له من سيئاته " ~~وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه ، ~~إلا حط به عنه سيئاته كما تحط الشجرة ورقها " وروي عن عيسى عليه السلام أنه ~~كان يقول : لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده ~~وماله ؛ لما يرجو بذلك من كفارة خطاياه. ه. فتحصل أن ما ينزل بالمؤمن كله ~~خير ، فإذا سئل : ماذا أنزل ربكم ؟ قال خيرا. # ثم قال تعالى : {للذين أحسنوا في هذه الدنيا} ؛ أي : بالرضا عني في جميع ~~الأحوال ، والاشتغال بذكري في كل حال ، لهم في الدنيا {حسنة} : حلاوة ~~المعرفة ، # 20 PageV04P027 ~~ودوام المشاهدة ، {ولدار الآخرة خير} ؛ لصفاء المشاهدة فيها ، واتصالها بلا ~~كدر ؛ إذ ليس فيها من شواغل الحس ما يكدرها ، بخلاف الدنيا ؛ لأن أحكام ~~البشرية لا ينفك الطبع عنها ، كغلبة النوم ، وتشويش المرض وغيره ، بخلاف ~~الجنة ، ليس فيها شيء من الكدر ، ولذلك مدحها بقوله : {ولنعم دار المتقين}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 18 # ثم قال : {كذلك يجزي الله المتقين} لكل ما يشغل عن الله ؛ الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين ، طاهرين ، مطهرين من شوائب الحس ، ودنس العيوب ، طيبة ~~نفوسهم بحب اللقاء ، قد طيبوا أشباحهم بحسن المعاملة ، وقلوبهم بحسن ~~المراقبة ، وأرواحهم بتحقيق المشاهدة. تقول لهم الملائكة الكرام : سلام ~~عليكم ، ادخلوا جنة المعارف إثر موتكم ، وجنة الزخارف إثر بعثكم ؛ بما كنتم ~~تعملون من تطهير أجسامكم من الزلات ، وتطهير قلوبكم من الغفلات ، وتطهير ~~أرواحكم من الفترات. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 18 # يقول الحق جل جلاله : {هل ينظرون} أي : ما ينظر هؤلاء الكفرة ، الذين ~~قالوا فيما أنزل الله من الوحي : هو أساطير الأولين ، {إلا أن تأتيهم ~~الملائكة} ؛ لقبض أرواحهم ، {أو يأتي أمر ربك} : قيام الساعة ، أو العذاب ~~المستأصل لهم في الدنيا ، {كذلك} أي : مثل ذلك التكذيب والشرك ، {فعل الذين ~~من قبلهم} ، فأصابهم ما أصابهم ، {وما ظلمهم الله} بإهلاكهم ، {ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون} ؛ لكفرهم ومعاصيهم ، المؤدية إلى عذابهم. {فأصابهم} جزاء ~~{سيئات ما ms1330 عملوا} من الكفر والمعاصي ، وهو العذاب ، {وحاق} أي : وأحاط {بهم ~~ما كانوا به يستهزئون} أي : نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به. والحيق ~~لا يكون إلا في الشر. # 21 PageV04P028 ~~{وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شيء} ؛ كالبحائر والسوائب والحوامي. قالوا ذلك على ~~وجه المجادلة والمخاصمة ، والاحتجاج على صحة فعلهم ، أي : إن فعلنا هو ~~بمشيئة الله ، فهو صواب ، ولو شاء الله ألا نفعله ما فعلناه. والجواب : أن ~~الاحتجاج بالقدر لا يصح في دار التكليف ، وقد بعث الله الرسل بالنهي عن ~~الشرك ، وتحريم ما أحل الله ، ونحن مكلفون باتباع الشريعة ، لا بالنظر إلى ~~فعل الحقيقة من غير شريعة ؛ فإنه زندقة ؛ فالشريعة رداء الحقيقة ، فمن خرق ~~رداء الشريعة ، وتمسك بالحقيقة وحدها ، فقد استحق العقاب ، ولذلك قال تعالى ~~: {كذلك فعل الذين من قبلهم} ؛ فأشركوا بالله ، وحرموا ما أحل الله ، وردوا ~~رسله. {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} أي : الإبلاغ الموضح للحق ؛ فمن ~~تمسك بما جاؤوا به فهو على صواب ، ومن أعرض عنه فهو على ضلال ، ولا ينفعه ~~تمسكه بالحقيقة من غير اتباع الشريعة. والحقيقة هي أنه لا يقع في ملكه إلا ~~ما يريد ، طاعة كان أو معصية ، كفرا أو إيمانا ، لكن الأمر غير تابع ~~للإرادة ، ونحن مكلفون باتباع الأمر فقط. # جزء : 4 رقم الصفحة : 21 PageV04P029 ~~ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم الماضية ، جعلها سببا ~~لهدى من أراد اهتداءه ، وزيادة الضلال لمن أراد إضلاله ، كالغذاء الصالح ، ~~فإنه ينفع المزاج السوي - أي : المعتدل - ويقويه ، ويضر المزاج المنحرف ~~ويعييه ، فقال : {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} قائلا : {أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت} ؛ أي : يأمر بعبادة الله وحده واجتناب ما سواه ، {فمنهم ~~من هدى الله} ؛ وفقهم للإيمان وأرشدهم إليه ، {ومنهم من حقت عليه الضلالة} ~~؛ فلم يوفقهم ، ولم يرد إرشادهم ؛ فليس كل من تمسك بشيء وأمهل فيه يدل أنه ~~على صواب ، كما ظن المشركون ، بل النظر إلى ما جاءت به ms1331 الرسل من الشرائع ، ~~وكلها متفقة على وجوب التوحيد وإبطال الشرك. ثم أمرهم بالنظر والاعتبار ~~بحال من أشرك وكذب الرسل ، فقال : {فسيروا في الأرض} يا معشر قريش ، ~~{فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} ؛ كعاد وثمود وغيرهم ، لعلكم تعتبرون. # ثم نهى نبيه عن الحرص عليهم فقال : {إن تحرص} يا محمد {على هداهم فإن ~~الله لا يهدي من يضل} أي : من يريد إضلاله وقضى بشقائه ؛ وهو الذي حقت عليه ~~الضلالة ، وقرأ غير الكوفيين بالبناء للمفعول ، وهو أبلغ ، أي : فإن الله ~~لا يهدي من يضله ، أي : لا يهدي غير الله من يريد الله إضلاله. {وما لهم من ~~ناصرين} ؛ ليس لهم من ينصرهم ؛ يدفع العذاب عنهم. # الإشارة : هل ينظر من عكف على دنياه ، وأكب على متابعة حظوظه وهواه ، إلا ~~أن تنزل الملائكة لقبض روحه ، فيندم حيث لا ينفع الندم ، وقد زلت به القدم ~~، فيتمنى ساعة # 22 PageV04P030 ~~تزاد في عمره فلا يجدها ، أو يأتي أمر ربك ؛ أمر يحول بينه وبين العمل ~~الصالح كمرض مزمن ، أو فتنة مضلة. كذلك فعل من قبله ، اغتر بدنياه حتى ~~اختطف لأخراه. وما ظلمهم الله ، بل بعث الرسل وأخلفهم بأهل الوعظ والتذكير ~~، فحادوا عنهم ، فأصابهم جزاء سيئات ما عملوا من الغفلة والبطالة ، وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزئون ، من وبال التقصير ، وفوات مقام أهل الجد ~~والتشمير. # وقال الذين أشركوا في محبة الله سواه ؛ من الحظوظ وزهرة الدنيا : لو شاء ~~الله ما فعلنا ذلك ، محتجين بالقدر ، مع الإقامة على البطالة والخذلان. ~~كذلك فعل من قبلهم من أهل الغفلة ، فهل على الرسل وخلفائهم إلا البلاغ ~~المبين ؟ فقد حذروا من متابعة الدنيا ، وبلغوا أن الله غيور لا يحب من أشرك ~~معه غيره في محبته ، فقد بعث في كل أمة وعصر نذيرا ، يأمر بعبادة الله وحده ~~، واجتناب كل ما سواه ؛ فمنهم من هداه الله ، فاختاره لحضرته ، فلم يحب ~~سواه. ومنهم من حقت عليه الضلالة عن مقام الخصوص ، فبقي في مقام البعد ؛ ~~مكذبا بطريق الخصوص. فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ؛ كان ~~عاقبتهم الحرمان ولزوم الخذلان. ms1332 ويقال للعارف المذكر لمثل هؤلاء : {إن تحرص ~~على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل}... الآية. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 21 # قلت : {وأقسموا} : عطف على {وقال الذين أشركوا} ؛ إيذانا بأنهم ، كما ~~أنكروا التوحيد ، أنكروا البعث ، مقسمين عليه ؛ زيادة في القطع على فساده ، ~~فرد الله عليهم بأبلغ رد ، فقال : {بلى}. # 23 # قاله البيضاوي. وتقدم الكلام على " بلى " ، في البقرة والأعراف ، و{وعدا} ~~: مصدر مؤكد لنفسه ، وهو ما دل عليه {بلى} ؛ فإن {يبعث} وعد ، أي : بلى ، ~~وعدهم ذلك وعدا حقا ، ونصب ابن عامر ، فيكون عطفا على {نقول} ، أو جوابا للأمر. PageV04P031 # يقول الحق جل جلاله : {وأقسموا} أي : المشركون ، {بالله جهد أيمانهم} أي : ~~أبلغها وأوكدها ، {لا يبعث الله من يموت} ، فرد الله عليهم بأبلغ رد ، فقال ~~: {بلى} يبعثهم ؛ {وعدا عليه} إنجازه {حقا} ، لا يخلف ؛ لامتناع الخلف في ~~وعده ، أو : لأن البعث مقتضى حكمته ؛ لتنزيه فعله عن العبث ، {ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون} أنهم يبعثون ، إما لعدم علمهم بأنه من موجبات الحكمة ، ~~التي جرت عادته بمراعاتها ، وإما لقصور نظرهم باعتبار المألوف ، ووقوفهم مع ~~العوائد ، فتوهموا امتناعه ، وقالوا : {أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد} ~~[الرعد : 5] ، ولم ينظروا إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء. # ثم بين حكمة البعث ، فقال : {ليبين لهم} أي : يبعثهم ؛ ليبين لهم {الذي ~~يختلفون فيه} ؛ وهو الحق من الباطل ؛ فإن الناس مختلفون في أديانهم ~~ومذاهبهم ؛ فيبعثهم الله ؛ ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه ، فيظهر من كان ~~على الحق ممن كان على الباطل ، {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} ~~فيما كانوا يزعمون ؛ من عدم البعث ، وتمسكهم بالحق ، وهو إشارة إلى السبب ~~الداعي إلى البعث ، المقتضي له من حيث الحكمة ، وهو التمييز بين الحق ~~والباطل ، والمحق والمبطل. # ثم بين كمال قدرته الموجبة للبعث وغيره فقال : {إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون} ، فأمره بين الكاف والنون ، فإذا كان إيجاد ~~الأشياء من العدم بلفظ " كن " ، فأولى إعادتها. وكون أمره بين الكاف والنون ~~كناية عن السرعة ، وإلا فلا يحتاج إلى لفظ " كن ms1333 " ، بل مهما أراد شيئا ، ~~أظهره ؛ أقرب من لحظ العيون ، وإنما جاءت العبارة على قدر ما تفهم العقول ، ~~وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما تعسفه ابن عطية وغيره ؛ من كون القول في الأزل ، ~~وإظهاره فيما لا يزال - يعني : في وقت إظهاره - ؛ فإن الكلام إنما خرج مخرج ~~الاستعارة أو المجاز ، فلا يتوقف إيجاد الأشياء على " كن ". والله تعالى أعلم. PageV04P032 # جزء : 4 رقم الصفحة : 23 # الإشارة : ترى بعض الجهال يقسمون بالله جهد أيمانهم : أن الله لا يفتح ~~على فلان ، لما يرون فيه من الجهل والغباوة ، أو من الطغيان والمعاصي ، فلا ~~يبعث الله روحه بإحيائها بعد موتها ، وتلفها في عالم الحس ، مع أن القدرة ~~صالحة ؛ قال في الحكم : " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته ، وأن يخرجه من ~~وجود غفلته ، فقد استعجز القدرة الإلهية ، وكان الله على كل شيء مقتدرا ". ~~فإن سبقت له العناية يقل الحق تعالى في شأنه : بلى ، يبعثه ، ويحيي روحه ~~بالمعرفة واليقين ، وعدا عليه حقا ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدرته ~~عامة. فكم من جاهل غبي يخرج منه عالم ولي ، وكم من خصوص خرجوا من اللصوص ، ~~والله يختص برحمته من يشاء. يبعثهم ؛ ليبين لهم الذي يختلفون فيه ؛ من نفوذ ~~قدرته تعالى وعموم تعلقها ، وليعلم الذين كفروا بطريق الخصوص أنهم كانوا ~~كاذبين فيما زعموا ؛ {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}. # 24 # جزء : 4 رقم الصفحة : 23 # قلت : {الذين صبروا} : نعت للذين هاجروا ، أو على تقدير : (هم) ، أو نصب ~~على المدح. # يقول الحق جل جلاله : {والذين هاجروا في الله} أي : طلب رضا الله ، أو : ~~في نصر دينه ، أو : طلب معرفته ، {من بعد ما ظلموا} ؛ من بعد ما ظلمهم ~~الكفار بالإيذاء والتضييق ، وهم : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~المهاجرون. ظلمهم قريش وضيقوا عليهم ، فهاجر بعضهم إلى الحبشة ، وبعضهم إلى ~~المدينة. قال ابن عطية : الجمهور أنها نزلت في الذين هاجروا إلى أرض الحبشة ~~؛ لأن الآية مكية ، وهجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية. ه. # قلت : والمختار : العموم ، ويكون ms1334 من جملة الإخبار بما سيقع ، أو : هم ~~المحبوسون المعذبون بمكة ، بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وهم ~~بلال ، وصهيب ، وعمار ، وخباب ، وأبو جندل بن سهيل ؛ أو : كل من هاجر من ~~بلده ؛ لإقامة دينه. PageV04P033 # {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} أي : لننزلنهم في الدنيا بقعة حسنة ، وهي ~~المدينة ، أو منزلة حسنة ، وهي العز والتمكين في البلاد ، وكل أمل بلغه ~~المهاجرون ، أو حياة حسنة ، وهي الاستقامة والمعرفة. {ولأجر الآخرة أكبر} ~~مما يعجل لهم في الدنيا ؛ من سعة الأموال ، وتعظيم الشأن والحال ، وهو ~~النعيم الدائم. وعن عمر رضي الله عنه : أنه كان ، إذا أعطى رجلا من ~~المهاجرين عطاءه من قسم الغنائم ، يقول له : (خذ ، بارك الله لك فيه ، هذا ~~ما وعدك الله في الدنيا ، وما ادخر لك في الآخرة أفضل). والضمير في قوله : ~~{لو كانوا يعلمون} لكفار قريش ، أي : لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء ~~المهاجرين خير الدارين لوافقوهم. أو للمهاجرين ، أي : لو علموا أن أجر ~~الآخرة خير مما عجل لهم لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. # ثم وصفهم بالصبر والتوكل فقال : {الذين صبروا} على الشدائد ، كأذى الكفرة ~~، ومفارقة الوطن ، ونزول الفاقة ، {وعلى ربهم يتوكلون} فيما نزل بهم ، ~~منقطعين إلى الله ، مفوضين إليه الأمر كله ، فآواهم إليه ، وكفاهم كل مؤونة ~~، ورزقهم من حيث لا يحتسبون. # الإشارة : والذين هاجروا حظوظهم وهواهم وكل ما نهى الله عنه ؛ ابتغاء ~~مرضات الله ، أو فارقوا أوطانهم وديارهم في طلب معرفة الله ، كما فعل كثير ~~من الصوفية ، فقل أن # 25 # تجد وليا إلا وهاجر من بلده ؛ لإقامة دينه وجبر قلبه ، وإفراغ سره لربه ، ~~من بعد ما ظلموا بإيذاء الخلق - كما هو سنة الله في خواصه - لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة ، وهي معرفة الشهود والعيان في الباطن ، واستقامة الدين ~~والعافية في الظاهر. هذا في الدنيا ، ولأجر الآخرة أكبر وأكبر ؛ إذ فيه ما ~~لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. الذين صبروا على مجاهدة ~~النفوس ، وحط الرؤوس ، ودفع الفلوس ، أو على ضروب الفاقات ، ونزول البليات ~~، وركوب الأهوال والآفات ، إذ لا ms1335 يأتي الجمال إلا بعد الجلال ، ولا تأتي ~~الحلاوة إلا بعد المرارة : PageV04P034 # جزء : 4 رقم الصفحة : 25 # لا تحسب المجد تمرا أنت آكله # لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا # وعلى ربهم يتوكلون ، أي : مفوضين في أمورهم كلها لله ، ليس لهم مع الله ~~اختيار ، ولا لهم عن أنفسهم إخبار ، بل هم كالميت بين يدي الغاسل. حققنا ~~الله من هذا المقام بالحظ الأوفر... آمين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 25 # قلت : {بالبينات} : يتعلق بأرسلنا الذي في أول الآية ، على التقديم ~~والتأخير ، أي : وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات ، فاسألوا أهل الذكر ، أو ~~بأرسلنا ؛ مضمرا ، وكأنه جواب سائل قال : بم أرسلوا به ؟ فقال : بالبينات ، ~~أو : صفة لرجال ، أي : رجالا ملتبسين بالبينات ، أو : بيوحى. انظر ~~البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : في الرد على قريش ، حيث قالوا : الله أعظم من أن ~~يكون رسوله بشرا : وما أرسلنا من قبلك يا محمد {إلا رجالا} بشرا ، {يوحى ~~إليهم} كما يوحى إليك. فليس ببدع أن يكون الرسول بشرا ، بل جرت السنة ~~الإلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرا يوحى إليه على ألسنة الملائكة ~~؛ إذ لا يطيق كل البشر رؤية الملائكة ولا التلقي منهم. فإن شككتم {فاسألوا ~~أهل الذكر} : أهل الكتاب ، أو علماءهم الأحبار ، أي : الذين لم يسلموا ، ~~لأنهم لا يتهمون في شهادتهم ، من حيث إنهم مدافعون في صدر ملة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، وأنتم إلى تصديق من لم يؤمن من أهل الكتاب أقرب من ~~تصديقكم المؤمنين منهم ، فاسألوهم ؛ ليخبروكم : هل كانت الرسل ملائكة أو ~~بشرا ، {إن كنتم لا تعلمون} ذلك. # 26 PageV04P035 ~~قال البيضاوي : وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكا ~~للدعوة العامة. وأما قوله : {جاعل الملائكة رسلا} [فاطر : 1] ؛ فمعناه : ~~رسلا إلى الأنبياء. وقيل : لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة ~~الرجال. ورد بما روي أنه عليه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ~~على صورته التي هو عليها مرتين. وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا ~~يعلم. ه. ومفهوم قوله : " الدعوة العامة " أن الدعوة الخاصة ms1336 ؛ كالأنبياء - ~~عليهم السلام- ، فإن الله يبعث إليهم الملك ليعلمهم أمر دينهم. # ثم قال تعالى : {بالبينات والزبر} أي : أرسلناهم بالمعجزات والكتب. ~~{وأنزلنا إليك الذكر} أي : القرآن ؛ لأنه تذكير ووعظ ، {لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} من الأحكام ، مما أمروا به ونهوا عنه ، ومما تشابه عليهم منه. ~~والتبيين أعم من أن ينص على المقصود ، أو يرشد إلى ما يدل عليه ، كالقياس ~~ودليل العقل. قاله البيضاوي. قال ابن جزي : يحتمل أن يريد : لتبين القرآن ~~بسردك نصه وتعليمه ، أو لتبين معانيه بتفسير مشكله ، فيدخل في هذا ما سنته ~~السنة من الشريعة. ه. {ولعلهم يتفكرون} في عجائبه وأسراره ، فيخوضون بسفن ~~أفكارهم في تيار بحر معانيه وأنواره ، فينتبهون للحقائق والشرائع. # جزء : 4 رقم الصفحة : 26 PageV04P036 ~~الإشارة : كما لم يبعث الله في الدعوة العامة - وهي دعوة الرسالة - إلا ~~رجالا من البشر ، كذلك لم يبعث الله في الدعوة الخاصة - وهي دعوة الولاية ~~إلى سر الخصوصية - إلا رجالا من البشر أحياء ، يربون التربية النبوية ~~العرفية ، فلا يصلح للتربية النساء ؛ لقلة عقلهن ، ولا الجن ؛ لانحرافه عن ~~الاعتدال الذي في البشر ، ولا الميت ؛ لعدم وجود بشريته ؛ فإن بشرية الحي ~~تمد البشرية ، والروحانية تمد الروحانية. فلا تتهذب البشرية إلا بشهود ~~بشرية الشيخ ، ولا تصفى الروحانية إلا بالقرب من روحانية الشيخ. ولذلك ~~قالوا : الثدي الميتة لا ترضع. وقولنا : " التربية العرفية " ؛ أعني : ~~بالصحبة العرفية ، وأما التربية الغيبية ، على وجه خرق العادة ، كطيران ~~الشيخ إلى المريد ، أو المريد إلى الشيخ ، فلا تجد صاحب هذه التربية إلا ~~منحرفا لإحدى الجهتين ، إما إلى الحقيقة أو إلى الشريعة ، بخلاف التربية ~~العرفية ، فلا يكون صاحبها ، في الغالب ، إلا معتدلا كاملا. # وقوله تعالى : {فاسألوا أهل الذكر} ؛ هم العارفون بالله ، فإذا أشكل ~~علينا أمر من أمر القلوب ؛ كأسرار التوحيد ، وأمر الخواطر ، رجعنا إليهم ؛ ~~لأنهم أهل الذوق والكشف ، يجيبون سائلهم بالهمة والحال ، حتى يقلعوا عروق ~~ما أشكل على السائل ، إن أتاهم متعطشا لهفانا ، وكذا ما أشكل في أمر الدنيا ~~، من فعل تريد أن تفعله أو تتركه ، فينبغي الرجوع إليهم ؛ لأنهم ينظرون ~~بنور الله ، فلا ms1337 ينطقهم الله إلا بما هو حق سبق به القدر. وأما أمور الدين ~~، فإن كان له علم بالشريعة الظاهرة فالرجوع إليه ، وإن لم يكن له علم ~~بالظاهر ، فالعلماء قائمون بهذا الأمر. # 27 # وقوله تعالى : {إن كنتم لا تعلمون} ؛ يفهم منه أن من كان من أهل الفهم عن ~~الله ، يأخذ العلم عن الله بإلهام أو تجل حقيقي ، فلا يحتاج إلى سؤالهم ، ~~حيث صفت مرآة قلبه ، وقد يكون الولي ذاكرا ، باعتبار قوم ، وغير ذاكر ، ~~باعتبار آخرين ، الذين هم أنهض منه حالا ، وأصوب مقالا. والله تعالى أعلم. PageV04P037 # جزء : 4 رقم الصفحة : 26 # قلت : {مكروا السيئات} : صفة لمحذوف ، أي : المكرات السيئات ، والتخوف ، ~~قيل : معناه : التنقص ، وهو أن تنقصهم شيئا فشيئا. روي أن أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم توقف في معناها ، فقال على المنبر : ما ~~تقولون فيها ؟ فسكتوا ، فقام شيخ من هذيل ، فقال : هذه لغتنا ، التخوف : ~~التنقص. فقال : هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ فقال : نعم. قال شاعرنا أبو ~~كثير يصف ناقته : # تخوف الرحل منها تامكا قردا # كما تخوف عود النبعة السفن # فقال عمر : عليكم بديوانكم ؛ لا تضلوا ، قالوا : وما ديواننا ؟ قال : شعر ~~الجاهلية ؛ فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ه. # يقول الحق جل جلاله : {أفأمن الذين مكروا} المكرات السيئات برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين ، حيث قصدوا رد دينه ، وصدوا الناس عن طريقه ~~، {أن يخسف الله بهم الأرض} كما خسف بقارون ، {أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون} أي : بغتة من حيث لا يظنون ، كما فعل بقوم لوط ، {أو يأخذهم في ~~تقلبهم} ؛ في متاجرهم ومسايرهم في طلب معاشهم ، {فما هم بمعجزين} ؛ بفائتين ~~قدرتنا حتى نعجز عن أخذهم ، {أو يأخذهم على تخوف} : على تنقص ، بأن ينقص ~~أموالهم وأنفسهم ، شيئا فشيئا ، حتى يهلكوا جميعا ، من غير أن يهلكهم جملة ~~واحدة. وعليه يترتب قوله : {فإن ربكم لرؤوف رحيم} حيث لم يهلكهم دفعة واحدة ~~، أو : على تخوف : على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم ، فيتخوفوا ، فيأتيهم ~~العذاب وهم متخوفون. وهو قسيم قوله : {وهم لا يشعرون} ms1338 ، وقوله : {فإن ربكم ~~لرؤوف رحيم} أي : حيث لم يعاجلكم بالعقوبة. والله تعالى أعلم. # 28 # الإشارة : ما خوف به أهل المكر بالأنبياء والرسل ، يخوف به أهل المكر ~~بالأولياء والمنتسبين ، وقد تقدم هذا مرارا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 28 PageV04P038 ~~قلت : الاستفهام للإنكار ، و{من شيء} : بيان ل " ما ". والضمير في {ظلاله} ~~يعود على {ما} ، أو على {شيء}. و{سجدا} : حال من الظلال ، وكذا جملة : {وهم ~~داخرون} ، وجمعه بالواو ؛ لأنه من صفة العقلاء. وقال الزمخشري : هما حالان ~~من الضمير في {ظلاله} ؛ إذ هو بمعنى الجمع ؛ لأنه يعود على قوله : {من شيء} ~~، فعلى الأول يكون السجود من صفة الظلال ، وعلى الثاني يكون من صفة ~~الأجرام. و{من دابة} : يحتمل أن يكون بيانا ل {ما في السماوات وما في ~~الأرض} معا ؛ لأن كل حيوان يصح أن يوصف بأنه يدب ، ويحتمل أن يكون بيانا ل ~~{ما في الأرض} خاصة ، فعلى الأولى : يكون عطف الملائكة عليه ، من عطف الخاص ~~على العام ؛ تشريفا لهم ، وعلى الثاني : من عطف المباين. # يقول الحق جل جلاله : {أولم يروا} أي : أهل المكر والخدع بالرسل ~~والمؤمنين ، {إلى ما خلق الله من شيء} ؛ من الأجرام والأشكال ؛ كالجبال ~~والأشجار والبحار ؛ ليظهر لهم كمال قدرته وقهره ، فيخافوا سطوته وبطشه ، ~~حتى لا يمكروا بخواصه. حال كون ما خلق من الأجرام {يتفيؤا} أي : يميل ~~{ظلاله عن اليمين والشمائل} أي : يرجع الظل من جانب إلى حانب ، أي : يميل ~~عن الأيمان والشمائل ، وذلك أن الظل من وقت طلوع الشمس إلى الزوال يكون إلى ~~جهة ، ومن الزوال إلى الغروب يكون إلى جهة أخرى. ثم يمتد الظل ويعم بالليل ~~إلى طلوع الشمس. والتفيؤ : من الفيء ، وهو : الظل الذي يرجع بعكس ما كان ~~غدوة. وقال رؤبة بن العجاج : يقال بعد الزوال : ظل وفيء ، ولا يقال قبله ~~إلا ظل. ففي لفظ " يتفيأ " ، هنا ، تجوز. PageV04P039 # وقال في سلوة الأحزان : فاء الظل : معناه : رجع بعكس ما كان من بكرة إلى ~~الزوال ؛ وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى الزوال ، إنما هي في نسخ الظل ~~العام قبل طلوعها ، فإذا زالت ms1339 ، ابتدأ رجوع الظل العام ، ولا يزال ينمو حتى ~~تغيب الشمس فيعم. والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله تعالى فيها فيئا ؛ ~~لأنه لا مذهب له ، ولا تكون الفيأة إلا بعد ذهاب الظل ، ولا ذهاب لظل الجنة ~~، فلا يتعقل له فيأة. ه. # 29 # واستعمال اليمين والشمال ، في غير الإنسان ، تجوز ؛ فإنهما في الحقيقة ~~خاص بالإنسان. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 29 # حال كون تلك الأجرام ، أو الظلال {سجدا لله} ، قيل : حقيقة. قال الضحاك : ~~إذا زالت الشمس سجد كل شيء قبل القبلة ، من نبات أو شجر ، ولذلك كان ~~الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت. وقال مجاهد : إنما تسجد الظلال ، لا ~~الأشخاص. وقيل : هو عبارة عن الخضوع والطاعة ، وميلان الظلال ودورانها ~~بالسجود ، كما يقال للمشير برأسه نحو الأرض ، على جهة الخضوع : ساجدا ، ثم ~~استشهد لذلك. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : والمتجه : أنه ~~خضوع وطاعة للمشيئة وانقياد ، لا حقيقة ؛ لأنه لا يقال فيه ، كذلك : أو لم ~~يروا ، وإنما يرى الانقياد. وخص الظل ؛ لأنه مشهود ذلك فيه ، ولو حاول ~~صاحبه عدمه أو ضده ، لم يستطع ، بخلاف الأفعال الاختيارية ، فإن الجبر فيها ~~غير محسوس ، فظهر سر الإشارة للظلال. والله أعلم. ه. PageV04P040 # قال البيضاوي : المراد من السجود : الاستسلام ، سواء كان بالطبع أو ~~الاختيار ، يقال : سجدت النخلة ، إذا مالت لكثرة الحمل ، وسجد البعير ، إذا ~~طأطأ رأسه ليركب. أو {سجدا} : حال من الظلال {وهم داخرون} : حال من الضمير ~~، والمعنى : ترجع الظلال ، بارتفاع الشمس وانحدارها ، بتقدير الله تعالى ، ~~من جانب إلى جانب ، منقادة إلى ما قدر لها من التفيؤ ، أو واقعة على الأرض ~~، ملتصقة بها ، على هيئة الساجد ، والأجرام في أنفسها أيضا داخرة ، أي : ~~صاغرة منقادة لأفعال الله. ه. # {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض} أي : ينقاد لإرادته ، وتأثير ~~قدرته ؛ طبعا ، ولتكليفه وأمره ؛ طوعا ؛ ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات ~~والأرض. وقوله : {من دابة} : بيان لهما ؛ لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية ، ~~سواء كان في أرض أو سماء ، {والملائكة} ؛ عطف على المبين به ، عطف خاص على ms1340 ~~عام ، أو عطف المجردات على الجسمانيات ، وبه احتج من قال : إن الملائكة ~~أرواح مجردة. قاله البيضاوي. قلت : وهو خلاف الجمهور. بل الملائكة : أجسام ~~لطيفة نورانية متحيزة ، لها مادة نورانية وتشكيل مخصوص ، غير أن الله تعالى ~~أعطاها قوة التشكيل ؛ لأنها قريبة من أسرار المعاني الأزلية. وعبر الحق ~~تعالى ب " ما " ؛ ليشمل العقلاء وغيرهم. # ثم قال تعالى في وصف الملائكة : {وهم لا يستكبرون} عن عبادته ، {يخافون ~~ربهم من فوقهم} ؛ هو تقرير وبيان ؛ لنفي الاستكبار عنهم ، أي : يخافون عظمة ~~ربهم من فوقهم ؛ إذ هم محاطون بأفلاك أسرار الجبروت ، مقهورون تحت القدرة ~~والمشيئة أو : يخافون عذاب ربهم أن يرسل عليهم من فوقهم ، أو : يخافون ربهم ~~وهو من فوقهم # 30 # بالقهر والغلبة. والجملة : حال من الضمير في {يستكبرون} ، أو بيان له ~~وتقرير ؛ لأن من خاف ربه لم يستكبر عن عبادته ، {ويفعلون ما يؤمرون} من ~~الطاعة وتدبير الأمور التي أمرهم بتدبيرها. وفيه دليل على أن الملائكة ~~مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء. قاله البيضاوي. PageV04P041 # جزء : 4 رقم الصفحة : 29 # الإشارة : كل ما دخل تحت عالم التكوين لزمته العبودية ، وأحاطت به ~~القهرية ، فلا بد من الخضوع لأحكام الواحد القهار ، تكليفية كانت أو ~~تعريفية ، فمن لم ينقد لها بملاطفة الإحسان ، قيد بسلاسل الامتحان. وبهذا ~~امتاز الخصوص من العموم ، فالخصوص علموا أن سلسلة الأقدار في عنقهم ، تجرهم ~~إلى مراد ربهم ، فاستسلموا لها ، وانقادوا ، وخضعوا ، وتأدبوا لها ، ~~فاستحقوا التقريب والاصطفائية. والعموم جهلوا هذه السلسلة ، أو علموها ، ~~ولم يقدروا على الاستسلام لها ؛ فاستحقوا البعد من حضرة الحق ؛ إذ لا ~~يدخلها إلا أهل التهذيب والتأديب. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 29 # قلت : {إلهين اثنين} ، إلهين : مفعول أول ، واثنين : تأكيد ، والثاني : ~~محذوف ، أي : معبودين لكم ، وفائدة التأكيد : التنبيه على أن المقصود هو ~~النهي عن الإثنينية ؛ تنبيها على أن الإثنينية تنافي الألوهية ، كما ذكر ~~الواحد في قوله : {إنما هو إله واحد} ؛ إثبات الوحدانية دون الإلهية. قاله ~~البيضاوي. وعبارة صاحب المطول : لفظ إلهين حامل لمعنى الجنسية - أعني : ~~الإلهية - ومعنى العدد - أعني : الإثنينية - وكذا لفظ " الله ms1341 " حامل لمعنى ~~الجنسية والوحدة ، والغرض المسوق له الكلام في الأول : النهي عن اتخاذ ~~الاثنين من الإله ؛ لا إثبات جنسه ، فوصف الإلهين باثنين وإله بواحد ؛ ~~إيضاحا لهذا الغرض وتفسيرا له. ه. ويحتمل أن يكون " اثنين " مفعولا أولا ، ~~و" إلهين " مفعولا ثانيا. PageV04P042 # وقوله : {فإياي} : مفعول بفعل محذوف ، أي : ارهبوا ، ولا يعمل فيه (ارهبون) ~~؛ لأنه أخذ مفعوله ، وهو : ياء المتكلم ، و{واصبا} : حال من {الدين}. و{ما ~~بكم} : إما شرطية ، أو موصولة متضمنة معنى الشرط ؛ باعتبار الإخبار دون ~~الحصول ؛ فإن استقرار النعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنها من الله ، لا ~~سببا لحصولها منه ؛ لأن جواب الشرط يكون مسببا عن فعله ، واستقرار النعمة ~~بهم ليس سببا في حصولها من الله ، وإنما هو # 31 # سبب في الإخبار بأنها من الله. فتأمله. وأصله للبيضاوي ، والجملة : يحتمل ~~أن تكون استئنافية ، أو حالية ، فيتصل الكلام بما قبله ، أي : كيف تتقون ~~غير الله ، والحال أن ما بكم من نعمة فمنه وحده ؟ واللام في {ليكفروا} : ~~لام الأمر على وجه التهديد ، كقوله بعد : {فتمتعوا} فعلى هذا يبتدأ بها ، ~~وقيل : هي لام العاقبة ، فعلى هذا توصف بما قبلها ؛ لأنها في الأصل لام كي ~~، وهو بعيد. # يقول الحق جل جلاله : {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} ، بأن تعبدوا ~~الله تعالى ، وتعبدوا معه الأصنام ، {إنما هو إله واحد} لا شريك له ولا ~~ظهير ، ولا معين ولا وزير ، {فإياي فارهبون} ، عدل من الغيبة إلى التكلم ؛ ~~مبالغة في الترهيب ، وتصريحا بالمقصود ، كأنه قال : فأنا ذلك الإله الواحد ~~، فإياي فارهبون ، لا غيري ، {وله ما في السماوات والأرض} ؛ خلقا وملكا ~~وعبيدا ، {وله الدين} أي : الطاعة والانقياد {واصبا} : لازما ، أو : واجبا ~~وثابتا ؛ لما تقرر أنه الإله وحده ، والحقيق بأن يرهب منه فلا يدان لأحد ~~إلا هو. وقيل : {وله الدين} أي : الجزاء {واصبا} أي : دائما ، فلا ينقطع ~~ثوابه لمن آمن ، ولا عقابه لمن كفر. {أفغير الله تتقون} مع أنه ليس بيد ~~غيره نفع ولا ضر ؟ ! # جزء : 4 رقم الصفحة : 31 PageV04P043 ~~كما قال : {وما بكم من نعمة فمن الله} أي : وأي شيء اتصل ms1342 بكم من نعمة فهو ~~من الله وحده ، {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} أي : فلا تتضرعون عند ~~الشدة إلا إليه ، ولا تستغيثون إلا به. والجؤار : رفع الصوت في الدعاء ~~والاستغاثة ، {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} وهم : ~~كفاركم ، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم ، وفي الرخاء يرجعون إليها. فعلوا ~~ذلك ؛ {ليكفروا بما آتيناهم} من نعمة الكشف عنهم ، كأنهم قصدوا بشركهم ~~كفران النعمة ، أو يكون تهديدا ، أي : ليكفروا ما شاؤوا فسوف يعلمون ، ~~كقوله : {فتمتعوا} بكفركم {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم. # الإشارة : قال في التنوير : أبى المحققون أن يشهدوا غير الله ؛ لما حققهم ~~به من شهود القيومية ، وإحاطة الديمومية. ه. فمن فتح الله بصيرته ، لم يشهد ~~مع الحق سواه ؛ إذ الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، فما حجبك ~~عن الحق وجود موجود معه ؛ إذ لا شيء معه ، وإنما حجبك توهم موجود معه ". ~~فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان ، ووقع على عين الشهود ~~والعيان. فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 31 # كما قال : {وما بكم من نعمة فمن الله} أي : وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو ~~من الله وحده ، {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} أي : فلا تتضرعون عند ~~الشدة إلا إليه ، ولا تستغيثون إلا به. والجؤار : رفع الصوت في الدعاء ~~والاستغاثة ، {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} وهم : ~~كفاركم ، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم ، وفي الرخاء يرجعون إليها. فعلوا ~~ذلك ؛ {ليكفروا بما آتيناهم} من نعمة الكشف عنهم ، كأنهم قصدوا بشركهم ~~كفران النعمة ، أو يكون تهديدا ، أي : ليكفروا ما شاؤوا فسوف يعلمون ، ~~كقوله : {فتمتعوا} بكفركم {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم. PageV04P044 # الإشارة : قال في التنوير : أبى المحققون أن يشهدوا غير الله ؛ لما حققهم ~~به من شهود القيومية ، وإحاطة الديمومية. ه. فمن فتح الله بصيرته ، لم يشهد ~~مع الحق سواه ؛ إذ الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، فما حجبك ~~عن الحق وجود موجود معه ؛ إذ لا شيء ms1343 معه ، وإنما حجبك توهم موجود معه ". ~~فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان ، ووقع على عين الشهود ~~والعيان. فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 31 # كما قال : {وما بكم من نعمة فمن الله} أي : وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو ~~من الله وحده ، {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} أي : فلا تتضرعون عند ~~الشدة إلا إليه ، ولا تستغيثون إلا به. والجؤار : رفع الصوت في الدعاء ~~والاستغاثة ، {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} وهم : ~~كفاركم ، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم ، وفي الرخاء يرجعون إليها. فعلوا ~~ذلك ؛ {ليكفروا بما آتيناهم} من نعمة الكشف عنهم ، كأنهم قصدوا بشركهم ~~كفران النعمة ، أو يكون تهديدا ، أي : ليكفروا ما شاؤوا فسوف يعلمون ، ~~كقوله : {فتمتعوا} بكفركم {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم. # الإشارة : قال في التنوير : أبى المحققون أن يشهدوا غير الله ؛ لما حققهم ~~به من شهود القيومية ، وإحاطة الديمومية. ه. فمن فتح الله بصيرته ، لم يشهد ~~مع الحق سواه ؛ إذ الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، فما حجبك ~~عن الحق وجود موجود معه ؛ إذ لا شيء معه ، وإنما حجبك توهم موجود معه ". ~~فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان ، ووقع على عين الشهود ~~والعيان. فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 31 PageV04P045 ~~قلت : الضمير في {يجعلون} للكفار ، وفي {يعملون} لهم ، أو للأصنام. و{لهم ~~ما يشتهون} : يجوز أن يكون {ما يشتهون} مبتدأ ، وخبره : {لهم} ، وأن يكون ~~مفعولا بفعل مضمر ، أي : ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون ، وأن يكون معطوفا على ~~البنات ، وهذا منعه البصريون ؛ لاتحاد الفاعل والمفعول ، وهو الواو ، وضمير ~~لهم في الغيبة ، فلا يقال : زيد ضربه ، وإنما يقال : ضرب نفسه ، ولا يقال : ~~أنا ضربتني ، ويجوز ذلك في أفعال القلوب. وقال البيضاوي : ولا يبعد تجويزه ~~في المعطوف ، كما في الآية. # يقول الحق جل جلاله : {ويجعلون} أي : كفار العرب {لما لا يعلمون} ~~إلاهيتهم ببرهان ولا حجة ms1344 ، وهم الأصنام. أو : لما لا علم لهم من الجمادات ~~التي يعبدونها ، {نصيبا مما رزقناهم} من الزرع والأنعام ، بقولهم : هذا لله ~~وهذا لشركائنا ، {تالله لتسألن} ؛ سؤال توبيخ وعتاب {عما كنتم تفترون} من ~~أنها آلهة بالتقرب إليها ، أو عما كنتم تفترون على الله من أنه أمركم بذلك. # {ويجعلون لله البنات} ؛ من قولهم : الملائكة بنات الله ، وكانت خزاعة ~~وكنانة يقولون ذلك. {سبحانه} ؛ تنزيها له عن ذلك ، {ولهم ما يشتهون} أي : ~~ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون ، وهم البنون ، والمعنى : أنهم يجعلون لله ~~البنات التي يكرهونها - وهو منزه عن الولد - ، ويختارون لأنفسهم ما يشتهون ~~من الذكور. {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} أي : أخبر بولادتها عنده ، {ظل} أي ~~صار {وجهه مسودا} : متغيرا تغير مغتم ؛ من الكآبة والحياء من الناس ، {وهو ~~كظيم} : ممتلئ غيظا ، {يتوارى} ؛ يختفي {من القوم} أي : من قومه ؛ حياء ~~منهم ، {من سوء ما بشر به} ؛ من قبح المبشر به ، متفكرا في نفسه ، {أيمسكه ~~على هون} أي : يتركه ، عنده ، على ذل وهوان ، {أم يدسه في التراب} أي : ~~يخفيه فيه ويئده ، وهي : الموؤودة ، وتذكير الضمير ؛ للفظ " ما " ، {ألا ~~ساء} : بئس {ما يحكمون} حكمهم هذا ؛ حيث نسبوا لله تعالى البنات ، التي هي ~~عندهم بهذا المحل. # { PageV04P046 ~~جزء : 4 رقم الصفحة : 32 # للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} أي : صفة السوء ، وهي : الحاجة إلى ~~الولد المنادية بالموت ، واستبقاء الذكور ؛ استظهارا بهم ، وكراهة البنات ~~ووأدهن خشية الإملاق ، {ولله المثل الأعلى} أي : الصفة العليا ، وهو الوجوب ~~الذاتي والغنى المطلق ، والجود الفائق ، والنزاهة عن صفات المخلوقين ، ~~والوحدانية في الذات والصفات والأفعال. وقال الأزهري : المثل الأعلى ، أي : ~~التوحيد والخلق والأمر ، ونفى كل إله # 33 # سواه. ويترجم عن هذا كله بقول : " لا إله إلا الله ". ه. {وهو العزيز} في ~~ملكه ، {الحكيم} في صنعه ، أي : المنفرد بكمال القدرة والحكمة ، فالقدرة ~~مظهرة للأشياء في أوقاتها ، والحكمة تسترها برداء أسبابها وشروطها. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : ينبغي لأهل التوحيد الكامل أن يتنزهوا عن شبهة الشرك في ~~أعمالهم وأموالهم ، فلا يشركون فيما رزقهم الله ، من الأموال ، أحدا من ~~المخلوقين ، يجعلون لهم ms1345 نصيبا في أموالهم ، على قصد الحفظ ، أو إصلاح ~~النتاج ، كما تفعله العامة مع الصالحين ، فإن ذلك مما يقدح في صفاء التوحيد ~~؛ إذ لا فاعل سواه. وقوله تعالى : {وإذا بشر أحدهم بالأنثى...} الآية ، فيه ~~ذم وتهديد لمن يكره البنات ، وينقبض من زيادتهن ؛ لأن فيه نزغة من فعل ~~الجاهلية ، بل ينبغي إظهار البسط والبرور بهن أكثر من الذكور ، ولا شك أن ~~النفقة عليهن أكثر ثوابا من الذكور ، وفي الحديث : " من ابتلي بهذه البنات ~~، فأحسن إليهن ، كن له حجابا من النار " إلى غير ذلك من أحاديث كثيرة ترغب ~~في الإحسان إليهن. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 32 PageV04P047 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} أي : بكفرهم ومعاصيهم ~~الصادرة من بعضهم ، {كما ترك عليها} أي : على الأرض {من دابة} : نسمة تدب ~~عليها ، بشؤم ظلمهم. وعن ابن مسعود : (كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن ~~آدم). وقيل : لو هلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء ، {ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى} سماه لأعمارهم ، أو لعذابهم ، {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون} عنه ~~{ساعة ولا يستقدمون} عليه ، بل يهلكون ، أو يعذبون حينئذ لا محالة ، ~~فالحكمة في إمهال أهل الكفر والمعاصي ؛ لئلا يعم العذاب ، كقوله : {واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة} [الأنفال : 25] ، و(لعل الله تعالى ~~يخرج من أصلابهم من يوحد الله}. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إن الله يهم أن ينزل إلى أهل الأرض عذابا ؛ لما يرى فيهم من ~~كثرة الظلم والفجور ، فإذا رأى حلق الذكر ومجالس العلم رفع عنهم العذاب. ~~وفي بعض الأخبار : " لولا شيوخ ركع ، وصبيان رضع ، وبهائم رتع ، لصب عليكم ~~العذاب صبا ". # 34 # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # قلت : {أن لهم الحسنى} : بدل من {الكذب} ، ومن قرأ {مفرطون} ؛ بالكسر ، ~~فاسم فاعل من الإفراط ، وهو : تجاوز الحد ، ومن قرأها بالفتح ؛ فاسم مفعول ~~، من أفرط في طلب الماء ، إذا قدمه. ومن قرأ بالتشديد ؛ فمن التفريط. PageV04P048 # يقول الحق جل جلاله : {ويجعلون لله ما يكرهون} لأنفسهم من البنات ، ~~والشركاء في الرئاسة وأراذل الأموال ، {وتصف ألسنتهم الكذب} ms1346 مع ذلك ، وهو ~~{أن لهم الحسنى} عند الله ، وهي الجنة. وهذا كقوله : {ولئن رجعت إلىا ربيا ~~إن لي عنده للحسنىا} [فصلت : 50]. قال تعالى : {لا جرم أن لهم النار} أي : ~~لا شك ، أو حقا أن لهم النار ، {وأنهم مفرطون} ؛ مقدمون إليها ، أو متركون ~~فيها ، أو مفرطون في المعاصي والظلم ، متجاوزون الحد في ذلك. أو مفرطون في ~~الطاعة ؛ من التفريط. # الإشارة : الواجب في حق الأدب أن ما كان من الكمالات ينسب إلى الله تعالى ~~، كائنا ما كان ، وما كان من النقائص ينسب إلى العبد ، وإن كان ، في ~~الإيجاد والاختراع ، كل من عند الله ، وهو بهذا الاعتبار في غاية الحسن. # كما قال صاحب العينية رضي الله عنه : # وكل قبيح إن نسبت لحسنه # أتتك معاني الحسن فيه تسارع # يكمل نقصان القبيح جماله # فما ثم نقصان ولا ثم باشع # جزء : 4 رقم الصفحة : 34 # قلت : {وهدى ورحمة} : معطوفتان على " لتبين " ، وانتصبا على المفعولية من ~~أجله ، أي : لأجل البيان والهدى والرحمة. # يقول الحق جل جلاله : {تالله لقد أرسلنا} رسلا {إلى أمم من قبلك} يا محمد ~~، {فزين لهم الشيطان أعمالهم} السوء ، فرأوها حسنة ، فأسروا على قبائحها ، ~~وكذبوا الرسل ، فصبروا حتى نصروا. فاصبر كما صبروا ، حتى تنصر كما انتصروا. ~~فكان عاقبة من اتبع الشيطان الهلاك والوقوع في العذاب ، {فهو وليهم} أي : ~~متولي أمورهم # 35 PageV04P049 ~~{اليوم} في الدنيا ، {ولهم عذاب أليم} في الآخرة ، أو : فهو وليهم يوم ~~القيامة ، على أنه حكاية حال آتية ، أي : لا ولي لهم غيره في ذلك اليوم ، ~~وهو عاجز عن نصر نفسه ، فكيف ينصر غيره ؟ {وما أنزلنا عليك الكتاب} : ~~القرآن {إلا لتبين لهم} : للناس {الذي اختلفوا فيه} ؛ من التوحيد ، والقدر ~~، وأحوال المعاد ، وأحكام الأفعال ، {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} به ، فإنهم ~~المنتفعون بإنزاله. # الإشارة : كل من وقف دون الوصول إلى مشاهدة الحق ، فهو مزين له في عمله ، ~~مستدرج به وهو لا يشعر ، وحظه يوم القيامة الندم والأسف. وفي ذلك يقول أبو ~~المواهب : # من فاته منك وصل حظه الندم # ومن تكن همه تسمو به الهمم # وناظر في ms1347 سوى معناك حق له # يقتص من جفنه بالدمع وهو دم # والسمع إن جال فيه من يحدثه # سوى حديثك أمسى وقره الصمم # فهذه علامات الوصول إلى الحق ، بحيث ترتفع همته إلى حضرة الحق ، ويصرف ~~نظره في معاني أسرار التوحيد ، وسمعه فيما يقرب إلى صريح التفريد ، ومن لم ~~يبلغ هذا المقام ، لم ينقطع عنه تزيين الشيطان ، فيزين له عمله ، فيقف معه. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 35 # يقول الحق جل جلاله : {والله أنزل من السماء ماء ؛ مطرا {فأحيا به الأرض ~~بعد موتها} ؛ أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها ، فكانت هامدة غبراء ، غير ~~منبتة ، شبيهة بالميت ، فصارت ، بعد إنزال المطر ، مخضرة مهتزة رابية شبيهة ~~بالحي. {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} سماع تدبر وإنصاف ؛ فإن هذه الآية ~~ظاهرة ، تدرك بأدنى تنبيه وسماع ، غير محتاجة إلى كثرة تفكر واعتبار. # الإشارة : والله أنزل من سماء الغيوب ماء العلوم النافعة ، فأحيا به أرض ~~النفوس الميتة بالغفلة والجهل ، فصارت مبتهجة بأنوار التوحيد وأسرار ~~التفريد ، وفي ذلك يقول الشاعر : # إن عرفان ذي الجلال لعز PageV04P050 ~~وضياء وبهجة وسرور # وعلى العارفين أيضا بهاء # وعليهم من المحبة نور # فهنيئا لمن عرفك إلهي # هو والله دهره مسرور # 36 # جزء : 4 رقم الصفحة : 36 # قلت : سقى وأسقى : لغتان ، على المشهور. والضمير في {بطونه} : للأنعام ، ~~وذكره باعتبار ما ذكر ، كقوله : {كلا إنها تذكرة فمن شآء ذكره} [عبس : 11 ، ~~12] ، أو : باعتبار الجنس ، وعده سيبويه في المفردات المبنية على : أفعال ، ~~كأخلاق وأكباش ، فهو ، عنده ، اسم جمع ، كقولم ورهط ، فلفظه مفرد ومعناه ~~جمع ، فذكره هنا ؛ مراعاة للفظه ، وأنثه ، في سورة المؤمنين ؛ مراعاة ~~لمعناه. ومن قال : إنه جمع " نعم " ، جعل الضمير للبعض ؛ فإن اللبن لبعضها ~~دون جميعها. # و{من} في قوله : " مما " ؛ للتبعيض ، و{من بين فرث} ؛ لابتداء الغاية ، ~~و{من ثمرات} : يتعلق بمحذوف ، أي : ونسقيكم من ثمرات النخيل ، يدل عليه ~~{نسقيكم} الأول. و{تتخذون} : استئناف لبيان الإسقاء ، أو يكون {ثمرات} : ~~عطفا على {مما في بطونه} ، أو يتعلق {من ثمرات} بتتخذون ، أي : تتخذون من ~~ثمرات النخيل سكرا. وكرر {منه} للتأكيد ، أو ms1348 يكون {تتخذون} : صفة لمحذوف ، ~~أي : شيء تتخذون منه سكرا. PageV04P051 # يقول الحق جل جلاله : {وإن لكم} أيها الناس ، {في الأنعام} وهي : الإبل ~~والبقر والغنم ، {لعبرة} ظاهرة تدل على كمال قدرته ، وعجائب حكمته ، وهي ~~أنا {نسقيكم مما في بطونه} أي : بعض ما استقر في بطونه من الغذاء ، {من بين ~~فرث} ؛ وهو ما في الكرش من القذر ، {ودم} ؛ وهو ما تولد من لباب الغذاء ، ~~{لبنا خالصا} من روائح الفرث ، صافيا من لون الدم. والمعنى : أن الله يخلق ~~اللبن متوسطا بين الفرث والدم يكتنفانه ، ومع ذلك فلا يغير له لونا ولا ~~طعما ولا رائحة. وعن ابن عباس : " إن البهيمة إذا اعتلفت ، وانطبخ العلف في ~~كرشها ، كان أسفله فرثا ، وأوسطه لبنا ، وأعلاه دما). ثم وصفه بقوله : ~~{سائغا للشاربين} ؛ سهل المرور في حلقهم ، حتى قيل : لم يغص أحد قط من ~~اللبن. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 37 # و} نسقيكم ، أيضا ، {من ثمرات النخيل والأعناب} أي : من عصيرهما. ثم بين ~~كيفية الإسقاء فقال : {تتخذون منه} أي : مما ذكر {سكرا} يعني : الخمر ، ~~سميت بالمصدر ، ونزل قبل تحريم الخمر ، فهي منسوخة بالتحريم. وقيل : هي على ~~وجه المنة # 37 PageV04P052 ~~بالمنفعة التي في الخمر ، ولا تعرض فيها لتحليل الخمر ولا تحريم ، وهذا هو ~~الصحيح. وفي دعوى النسخ نظر ؛ لأن النسخ إنما يكون في الأحكام المشروعة ~~المقررة ، وهنا ليس كذلك ، إنما فيه امتنان واعتبار فقط. {و} تتخذون من ~~ثمراتها {رزقا حسنا} ؛ كالتمر ، والزبيب ، والدبس - وهو ما يسيل من الرطب - ~~، والخل ، والرب ، وقيل : السكر : المائع من هاتين الشجرتين ؛ كالخل ، ~~والرب ، والرزق الحسن : العنب والتمر. {إن في ذلك لآية} دالة على كمال ~~قدرته تعالى ، {لقوم يعقلون} ؛ يستعملون عقولهم بالتأمل ، والنظر في ~~الآيات. الإشارة : كما استخرج الحق ، جل جلاله ، من بين فرث ودم لبنا خالصا ~~سائغا للشاربين ، استخرج مذهب أهل السنة ، القائلين بالكسب ، من بين مذهب ~~الجبرية ومذهب المعتزلة ، بين قوم أفرطوا ، وقوم فرطوا. واستخرج أيضا مذهب ~~الصوفية - أعني : المحققين منهم - من بين الواقفين مع ظاهر الشريعة ~~والمتمسكين ms1349 بمجرد الحقيقة ، بين قوم تفسقوا وقوم تزندقوا ، بين قوم وقفوا ~~مع عالم الحكمة ، وقوم وقفوا مع شهود القدرة من غير حكمة ، وهو ، إن لم يكن ~~عن غلبة سكر ، كفر. واستخرج ، أيضا ، مذهب أهل التربية من بين سلوك محض ~~وجذب محض ، فاهل السلوك المحض محجوبون عن الله ، وأهل الجذب المحض غائبون ~~عن طريق الله ، وأهل التربية برزخ بين بحرين ، الجذب في بواطنهم ، والسلوك ~~على ظواهرهم. ولا يعرف هذا إلا من شرب مشربهم ، قد أخذوا من ثمرات نخيل ~~الشرائع وأعناب الحقائق ، سكرا في قلوبهم ، بشهود محبوبهم ، ورزقا حسنا ؛ ~~معرفة في أسرارهم ، وعبودية في ظواهرهم ، فصاروا جامعين بين جذب الحقائق ~~وسلوك الشرائع ، كل واحد في محله. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 37 PageV04P053 ~~قلت : {أن اتخذي} : مفسرة للوحي الذي أوحي إلى النحل ، أو مصدرية ، أي : ~~بأن اتخذي. و{من} : للتبعيض في الثلاثة مواضع ، {ثم كلي} : عطف على ~~{اتخذي}. و{من} : للتبعيض ؛ لأنها لا تأكل من جميع الشجر ، وقيل : من كل ~~الثمرات التي تشتهيها ، فتكون للبيان. و{ذللا} : حال من السبل ، أو من ~~الضمير في {اسلكي}. # يقول الحق جل جلاله : {وأوحى ربك إلى النحل} أي : ألهمها ، وقذف في ~~قلوبها ذلك. والوحي على ثلاثة أقسام : وحي إلهام ، ووحي منام ووحي أحكام. ~~وقال الراغب : # 38 # أصل الوحي : الإشارة السريعة ، إما بالكلام ؛ رمزا ، وإما بصوت مجرد عن ~~التركيب ، أو بإشارة ببعض الجوارح ، والكناية. ويقال للكلمة الإلهية التي ~~تلقى إلى الأنبياء : وحي ، وذلك أضرب ؛ إما برسول مشاهد ، وإما بسماع كلام ~~من غير معاينة ، كسماع موسى كلام الله ، وإما بإلقاء في الروع ، وإما ~~بإلهام ، نحو : {وأوحينآ إلىا أم موسىا} [القصص : 7] ، وإما تسخير ، كقوله ~~: {وأوحى ربك إلى النحل} ، أو بمنام ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " انقطع ~~الوحي ، وبقي المبشرات ؛ رؤيا المؤمن " ثم بين ما أوحي إليها فقال : {أن ~~اتخذي} ، أو بأن اتخذي {من الجبال بيوتا} تأوين إليها ، كالكهوف ونحوها ، ~~{ومن الشجر} بيوتا ، كالأجباح ونحوها ، {ومما يعرشون} أي : يهيئون ، أو ~~يبنون لك الناس من الأماكن ، وإلا لم تأو إليها. وذكرها بحرف التبعيض ؛ ~~لأنها لا ms1350 تبنى في كل جبل ، وكل شجر ، وكل ما يعرش ؛ من كرم أو سقف ، ولا في ~~كل مكان منها. وإنما سمي ما تبنيه ، لتتعسل فيه ، بيتا ؛ تشبيها ببناء ~~الإنسان ؛ لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة ، التي لا يقوى عليها حذاق ~~المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة. ولعل ذكره : للتنبيه على ذلك. قاله ~~البيضاوي. قلت : وليس للنحل فعل في الحقيقة ، وإنما هو صنع العليم الحكيم ~~في مظاهر النحل. PageV04P054 # ثم قال لها : {ثم كلي من كل الثمرات} التي تشتهيها ، حلوها ومرها. قيل : ~~إنها ترعى من جميع النوار إلا الدفلة. {فاسلكي} أي : ادخلي {سبل ربك} ؛ ~~طرقه في طلب المرعى ، أو : فاسلكي ؛ راجعة إلى بيوتك ، سبل ربك ، لا تتوعر ~~عليك ولا تلتبس. وأضافها إليه ؛ لأنها خلقه وملكه. {ذللا} : مطيعة منقادة ~~لما يراد منك ، أو اسلكي طرقه ؛ مذللة مسخرة لك ، فلا تعسر عليك وإن توعرت ~~، ولا تضل عن العود منها وإن بعدت. قال مجاهد : لم يتوعر على النحل قط طريق. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 38 # يخرج من بطونها شراب} وهو العسل ، عدل عن خطاب النحل إلى خطاب الناس : ~~لأنه محل الإنعام عليهم ، والمقصود من خلق النحل وإلهامه ؛ لأجلهم. وسماه ~~شرابا ؛ لأنه مما يشرب. وظاهر الآية أن العسل يخرج من بطون النحل ، وهو ~~ظاهر كلام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تحقيره للدنيا ، قال : ~~(أشرف لباس ابن آدم فيها نفثة دود ، وأشرف شراب فيها رجيع نحلة - أو قيء ~~نحلة- ، وأشرف لذة فيها مبال في مبال). وجمهور الناس على أن العسل يخرج من ~~أفواه النحل. قاله ابن عطية. قلت : والذي ألفيناه ، ممن يتعاطاهم ، أنه ~~يخرج من دبرهم. # 39 # وقوله : {مختلف ألوانه} أي : أبيض ، وأحمر ، وأسود ، وأصفر ، بحسب اختلاف ~~سن النحل ، ومراعيها. وقد يختلف طعمه ورائحته باختلاف مرعاه. ومنه قول ~~عائشة للنبي - عليه الصلاة والسلام - : (جرست نحله العرفط) وهو نبت منتن ~~الرائحة ، شبهت رائحته برائحة المغافير. PageV04P055 # ثم قال تعالى : {فيه شفاء للناس} ؛ إما بنفسه ، كما في الأمراض البلغمية ، ~~أو مع غيره ، كما في سائر الأمراض ، إذ قلما ms1351 ما يكون معجون إلا والعسل جزء ~~منه. قاله البيضاوي. قال السيوطي : قيل : لبعضها ، كما دل عليه تنكير شفاء ~~، أو لكلها بضميمة إلى غيره - أقول : وبدونها ، بنية - وقد أمر به صلى الله ~~عليه وسلم من استطلق بطنه ، رواه الشيخان. ه. قال ابن جزي : لأن أكثر ~~الأدوية مستعملة من العسل ؛ كالمعاجن ، والأشربة النافعة من الأمراض. وكان ~~ابن عمر يتداوى به من كل شيء ، فكأنه أخذه من العموم. وعلى ذلك يدل الحديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أن رجلا جاء إليه فقال : أخي يشتكي بطنه ، ~~فقال : " اسقه عسلا " ، فذهب ثم رجع ، فقال : قد سقيته فما نفع ، قال : " ~~فاذهب فاسقه عسلا ، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك " ، فسقاه فشفاه الله عز وجل ". # {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} ؛ فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم ~~الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر ، علم ، قطعا ، أنه لا بد له من قادر ~~مدبر حكيم ، يلهمها ذلك ويحملها عليه ، وهو الحق تعالى. # الإشارة : إنما كان العسل فيه شفاء للناس ؛ لأن النحل ترعى من جميع العشب ~~، فتأخذ خواص منافعها. وكذلك العارف الكامل يأخذ النصيب من كل شيء ، ويعرف ~~الله في كل شيء ، فإذا كان بهذه المنزلة ، كان فيه شفاء للقلوب ، كل من ~~صحبه ، بصدق ومحبة ، شفاه الله ، وكل من رآه ، بتعظيم وصدق ، أحياه الله. ~~وقد قالوا في صفة العارف : هو الذي يأخذ النصيب من كل شيء ، ولا يأخذ ~~النصيب منه شيئا ، يصفو به كدر كل شيء ، ولا يكدر صفوه شيء ، قد شغله واحد ~~عن كل شيء ، ولم يشغله عن الواحد شيء... إلى غير ذلك من نعوته. وقال ~~الورتجبي : قال أبو بكر الوراق : النحلة لما تبعت الأمر ، وسلكت سبيلها على ~~ما أمرت به ، جعل لعابها شفاء للناس ، # 40 PageV04P056 ~~كذلك المؤمن ، إذا اتبع الأمر ، وحفظ السر ، وأقبل على مولاه ، جعل رؤيته ~~وكلامه ومجالسته شفاء للخلق ، ومن نظر إليه اعتبر ، ومن سمع كلامه اتعظ ، ~~ومن جالسه سعد. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 38 # يقول الحق جل جلاله : {والله خلقكم} : أظهركم إلى عالم ms1352 الشهادة ، {ثم ~~يتوفاكم} : يردكم إلى عالم الغيب عند انتهاء آجالكم ، {ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر} أي : أخسه ، يعني : الهرم والخرف ، الذي يشابه الطفولية في ~~نقصان القوة والعقل. وقيل : هو خمس وتسعون سنة ، وقيل : خمس وسبعون سنة ، ~~والتحقيق : أن ذلك لا ينضبط بسن. {لكي لا يعلم بعد علم شيئا} ؛ ليصير إلى ~~حالة شبيهة بحالة الطفولية ، في نقصان العقل والنسيان وسوء الفهم. وليس ~~المراد نفي العلم بالكلية ، بل عبارة عن قلة العلم ؛ لغلبة النسيان. وقيل : ~~المعنى : لئلا يعلم زيادة على علمه شيئا. قال عكرمة : (من قرأ القرآن لم ~~يصر بهذه المنزلة). # قلت : جاء في بعض الأحاديث ما يقتضي تخصيص القارئ للقرآن بالمتبع له ، ~~وأنه الذي يمتعه الله بعقله حتى يموت ، وهو الذي يشهد له الحس ، أي : ~~الوجود في الخارج ، بالصدق ، لوجود الخرف في كثير ممن يحفظه. قاله في ~~الحاشية. # {إن الله عليم قدير} أي : عليم بمقادير الأشياء وأوقاتها ، قدير على ~~إيجاد الأشياء وإعدامها ، عند انتهاء آجالها ، فيميت الشاب النشط عند تمام ~~أجله ، ويبقى الهرم الفاني إلى انقضاء أجله. قال البيضاوي : وفيه تنبيه على ~~أن تفاوت أعمار الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم ، ركب أبنيتهم ، وعدل ~~أمزجتهم ، على قدر معلوم ، ولو كان في ذلك بمقتضى الطبائع لم يقع التفاوت ~~إلى هذا المبلغ. ه. PageV04P057 # الإشارة : الخلق والتوفي هو من جملة الظهور والبطون ، عند أهل التوحيد ~~الخاص ، والرد إلى أرذل العمر لا يلحق العارفين بالله. وقد قيل ، في ~~استثناء قوله : {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر : 3] من الرد إلى ~~أسفل سافلين : إن الصالح لا يدركه الخرف وإن أدركه الهرم. وذلك دليل على ~~سعادته ، وعدم تشويه صورته في الآخرة ، والله تعالى قادر على وقاية أوليائه ~~مما يشين به أعداءه عاجلا. وفي الحديث : " إذا قرأ الرجل القرآن ، واحتشى ~~من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي : امتلأ - وكانت هناك غزيرة - ~~يعني : فقه نفس ومعرفة - ، كان خليفة من خلفاء الأنبياء ". # 41 # جزء : 4 رقم الصفحة : 41 PageV04P058 ~~يقول الحق جل جلاله : {والله فضل بعضكم على بعض في ms1353 الرزق} ، فمنكم غني ~~ومنكم فقير ، ومنكم ملوك مستغنون عن غيرهم ، ومنكم مماليك محتاجون إلى ~~غيرهم ، {فما الذين فضلوا} ؛ وهم الموالي ، أي : السادات ، {برادي رزقهم} : ~~بمعطي رزقهم {على ما ملكت أيمانهم} : على مماليكهم ، أي : ليس الموالي ~~بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها ، شركة بينهم وبين مماليكهم ، {فهم} ~~أي : المماليك {فيه سواء} مع ساداتهم. وهو احتجاج على وحدانيته تعالى ، ~~وإنكار ورد على المشركين ، فكأنه يقول : أنتم لا تسوون بين أنفسكم وبين ~~مماليككم في الزرق ، ولا تجعلونهم شركاء لكم ، بل تأنفون من ذلك ، فكيف ~~تجعلون عبيدي شركاء لي في ألوهيتي ؟ ! وهذا كقوله : {ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم فيه سوآء ~~تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} [الروم : 28]. ويحتمل أن يكون ذما وعتابا لمن لا ~~يحسن إلى مملوكه ، حتى يرد ما رزقه الله عليه ، كما في الحديث : " أطعموهم ~~مما تأكلون ، وألبسوهم مما تلبسون ". {أفبنعمة الله يجحدون} ، حيث يجعلون ~~له شركاء ، فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم ، ويجحدوا أنه ~~من عند الله ، أو حيث أنكروا هذه الحجج ، بعد ما أنعم الله عليهم بإيضاحها ~~، أو حيث بخسوا مماليكهم مما يجب لهم من الإنفاق. على التفسير الثاني. PageV04P059 # الإشارة : والله فضل بعضكم على بعض في أرزاق العلوم ، والأسرار والمواهب ، ~~فمنكم غني بالله ، ومنكم فقير منه في قلبه ، ومنكم عالم به ومنكم جاهل ، ~~ومنكم قوي اليقين ومنكم ضعيف ، فما الذين فضلوا بالعلوم اللدنية والأسرار ~~الربانية برادي تلك العلوم على الجهلة وضعفاء اليقين ، بأن يطلعوهم على ~~أسرار الربوبية قبل استحقاقها - فإن ذلك بخس بحقها - حتى يرونهم أهلا لها ؛ ~~بأن يبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم ، ويملكون لهم رقابهم يتصرفون فيها تصرف ~~المالك في مملوكه ، فحينئذ يشاركونهم فيما منحهم الله من أرزاق العلوم ~~وأسرار الفهوم ، وقد قيل : لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ، ولا ~~تمنعوها أهلها فتظلموهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 42 # سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي # ولا أنثر الدر النفيس على البهم # 42 # فإن قدر الله الكريم بلطفه # ولاقيت ms1354 أهلا للعلوم وللحكم # بذلت علومي واستفدت علومهم # وإلا فمخزون لدي ومكتتم # فمن منح الجهال علما أضاعه # ومن منع المستوجبين فقد ظلم # جزء : 4 رقم الصفحة : 42 # قلت : الحفدة : جمع حافد ، وهو الخديم المسرع في الخدمة ، والحفد في ~~اللغة : الخدمة ، ومنه في القنوت : " وإليك نسعى ونحفد " ، أي : نسرع في ~~خدمتك. وسموا أولاد الأولاد حفدة ؛ لأنهم يسرعون في خدمة جدهم ، حين كبر ~~ولزم الدار ، وقيل : هم البنات ؛ لأنهن يخدمن الدار. PageV04P060 # يقول الحق جل جلاله : {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} ؛ حيث خلق حواء من ~~ضلع آدم ، وسائر النساء من نطفة الرجال ، والنساء خلقهن لكم ، لتتأنسوا بهن ~~، ولتتمتعوا بهن في الحلال ، وليكون أولادكم مثلكم. {وجعل لكم من أزواجكم ~~بنين} من صلبكم {وحفدة} ؛ أولاد أولادكم أو بناتكم ؛ فإن البنات يخدمن في ~~البيوت أشد الخدمة ، أو الأصهار من قبل النساء ، أو الخدم ، {ورزقكم من ~~الطيبات} ؛ من اللذائذ والمشتهيات ؛ كأنواع الثمار والحبوب والفواكه ، ~~والحيوان ؛ أكلا وركوبا وزينة ، أو الحلالات ، و" من " : للتبعيض ؛ فإن ~~طيبات الدنيا أنموذج من نعيم الآخرة. {أفبالباطل يؤمنون} وهو أن الأصنام ~~تنفعهم ؛ لأن الأصنام باطلة لا حقيقة لوجودها ، وإضافة النفع لها : كفر ~~بنعمة الله ، ولذلك قال : {وبنعمة الله هم يكفرون} ؛ حيث أضافوها إلى ~~أصنامهم ، أو حيث حرموا منها ما أحله الله لهم كالبحائر والسوائب. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : والله جعل لكم من أنفسكم المطهرة أصنافا من العلوم اللدنية. ~~قال أبو سليمان الداراني : (إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام ، جالت في ~~الملكوت ، ثم عادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة ، من غير أن يؤدي إليها ~~عالم علما). وجعل لكم من تلك العلوم بنين روحانيين ، وهو التلامذة ، يحملون ~~تلك العلوم ، وحفدة : من ينقل ذلك عنهم إلى يوم القيامة ، ورزقكم من ~~الطيبات ، وهي حلاوة المعرفة عند العارفين ، وحلاوة الطاعات عند المجتهدين. ~~أفبالباطل - وهو ما سوى الله - يؤمنون ، فيقفون مع الوسائط والأسباب ، ~~ويغيبون عن مسبب الأسباب ، وبنعمة الله - التي هي شهود الحق بلا وسائط - هم ~~يكفرون. # 43 # جزء : 4 رقم الصفحة : 43 PageV04P061 ~~قلت : {رزقا} : مفعول بيملك ، فيحتمل أن ms1355 يكون مصدرا ، أو اسما لما يرزق ، ~~فإن كان مصدرا ، فشيئا مفعول به ؛ لأن المصدر ينصب المفعول ، وإن كان اسما ~~، فشيئا بدل منه. وجمع الضمير في {يستطيعون} ، وأفرده في {يملك} ؛ لأن {ما} ~~مفردة ؛ لفظا ، واقعة على الآلهة ، فراعى أولا اللفظ ، وفي الثاني المعنى. # يقول الحق جل جلاله : {ويعبدون من دون الله} أي : غيره {ما لا يملك لهم ~~رزقا من السماوات} ؛ بالمطر {والأرض} ؛ بالنبات ، فلا يرزقونهم من ذلك ~~{شيئا ولا يستطيعون} : لا يقدرون على شيء من ذلك ؛ لعجزهم ، وهم الأصنام ، ~~{فلا تضربوا لله الأمثال} ؛ لا تجعلوا له أشباها تشركونهم به ، أو تقيسونهم ~~عليه ، فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال ، {إن الله يعلم} ألا مثل له ، أو ~~فساد ما يقولون عليه من القياس ، {وأنتم لا تعلمون} ذلك ، ولو علمتموه لما ~~تجرأتم عليه ، فهو تعليل للنهي ، أي : إنه يعلم كنه الأشياء ، وأنتم لا ~~تعلمون ، فدعوا رأيكم ، وقفوا عندما ما حد لكم. # الإشارة : كل من ركن إلى شيء دون الحق تعالى ، أو اعتمد عليه في إيصال ~~المنافع أو دفع المضار ، تصدق عليه الآية ، وتجر ذيلها عليه ، فلا تجعلوا ~~لله أمثالا تعتمدون عليهم وتركنون إليهم ، فالله يعلم من هو أولى بالاعتماد ~~عليه والركون إليه ، وأنتم لا تعلمون ذلك ، أو تعلمون ولا تعملون ، ولقد ~~قال من علم ذلك وتحقق به : # حرام على من وحد الله ربه # وأفرده أن يجتدي أحدا رفدا # فيا صاحبي قف على الحق وقفة # أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا # وقل لملوك الأرض تجهد # فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى PageV04P062 ~~قال سهل رضي الله عنه : " ما من قلب ولا نفس إلا والله مطلع عليه في ساعات ~~الليل والنهار ، فايما نفس أو قلب رأى فيه حاجة إلى غيره ، سلط عليه إبليس ~~". وقال الأستاذ أبو علي الدقاق رضي الله عنه : من علامة المعرفة : ألا ~~تسأل حوائجك ، قلت أو كثرت ، إلا من الله سبحانه ، مثل موسى عليه السلام ؛ ~~اشتاق إلى الرؤية ، فقال : رب أرني أنظر إليك ، واحتاج مرة إلى رغيف ، فقال ~~: رب إني لما أنزلت إلي ms1356 من خير فقير. ه. وقال في التنوير : اعلم ، رحمك ~~الله ، أن رفع الهمة عن المخلوقين ، وعدم التعرض لهم ، أزين لهم من الحلي ~~للعروس ، وهم أحوج إليه من الماء لحياة النفوس... الخ كلامه رضي الله عنه. # 44 # جزء : 4 رقم الصفحة : 44 # قلت : {عبدا} : بدل من {مثلا} ، و{من} : نكرة موصوفة ، أي : عبدا مملوكا ~~، وحرا رزقناه منا رزقا حسنا ، وقيل : موصولة. و{سرا وجهرا} : على إسقاط ~~الخافض ، وجمع الضمير في {يستوون} ؛ لأنه للجنسين ، و{رجلين} : بدل من : ~~{مثلا}. # يقول الحق جل جلاله : {ضرب الله مثلا} لضعف العبودية ، وعظمة الربوبية ، ~~ثم بينه فقال : {عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} ، وهذا مثال للعبد ، {ومن ~~رزقناه} أي : وحرا رزقناه {منا رزقا حسنا فهو} يتصرف فيه كيف يشاء ، {ينفق ~~منه سرا وجهرا} ، وهذا : مثال للرب تبارك وتعالى ، مثل ما يشرك به من ~~الأصنام بالمملوك العاجز عن التصرف رأسا ، ومثل لنفسه بالحر المالك الذي له ~~مال كثير ، فهو يتصرف فيه ، وينفق منه كيف شاء. PageV04P063 # وقيل : هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق. وتقييد العبد بالمملوك ؛ ~~للتمييز من الحر ؛ فإنه أيضا عبد لله. وبسلب القدرة عن المكاتب والمأذون في ~~التصرف ، فإن الأصنام إنما تشبه العبد القن الذي لا شوب حرية فيه ، بل هي ~~أعجز منه بكثير ، فكيف تضاهي الواحد القهار ، الذي لا يعجزه مقدور ؟ ولذلك ~~قال : {هل يستوون} ؟ أي : العبيد العجزة ، والمتصرف بالإطلاق. {الحمد لله} ~~على بيان الحق ووضوحه ؛ لأنها نعمة جليلة يجب الشكر عليها ، أو الحمد كله ~~لله لا يستحقه غيره ، فضلا عن العبادة ؛ لأنه مولى النعم كلها. {بل أكثرهم ~~لا يعلمون} أي : لا علم لهم : فيضيفون النعم إلى غيره ويعبدونه لأجلها ، أو ~~لا يعلمون ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون به. # ثم ضرب الله مثلا آخر فقال : {وضرب الله مثلا} ، ثم بينه بقوله : {رجلين ~~أحدهما أبكم} ؛ ولد أخرس ، لا يفهم ولا يفهم ، {لا يقدر على شيء} من ~~الصنائع والتدابير ؛ لنقصان عقله ، {وهو كل} أي : ثقيل عيال {على مولاه} ~~الذي يلي أمره ، {أينما يوجهه} : يرسله في حاجة أو أمر {لا ms1357 يأت بخير} ؛ ~~بنجح وكفاية مهم. وهذا مثال للأصنام. {هل يستوي هو} أي : الأبكم المذكور ، ~~{ومن يأمر بالعدل} ؛ ومن هو # 45 # منطيق متكلم بحوائجه ، ذو كفاية ورشد ، ينفع الناس ويحثهم على العدل ~~الشامل لمجامع الفضائل ، {وهو على صراط مستقيم} أي : وهو في نفسه على طريق ~~مستقيم ، لا يتوجه إلى مطلب إلا ويحصله بأقرب سعي ؟ # جزء : 4 رقم الصفحة : 45 # وهذا مثال للحق تعالى ، فضرب هذا المثل لإبطال المشاركة بينه وبين ~~الأصنام ، وقيل : للكافر والمؤمن. والأصوب : كون المثلين معا في الله مع ~~الأصنام ؛ لتكون الآية من معنى ما قبلها وما بعدها في تبيين أمر الله ، ~~والرد على أمر الأصنام. والله تعالى أعلم. PageV04P064 # الإشارة : الحق تعالى موصوف بكمالات الربوبية ، منعوت بعظمة الألوهية ، ~~وعبيده موسومون بنقائص العبودية ، وقهرية الملكية. فمن أراد أن يمده الله ~~في باطنه بكمالات الربوبية ؛ من قوة وعلم ، وغنى وعز ، ونصر وملك ، فليتحقق ~~في ظاهره بنقائص العبودية ؛ من ذل ، وفقر ، وضعف ، وعجز ، وجهل. فبقدر ما ~~تجعل في ظاهرك من نقائص العبودية يمدك في باطنك بكمالات الربوبية ؛ " تحقق ~~بوصفك يمدك بوصفه " ، والتحقق بالوصف إنما يكون ظاهرا بين خلقه ، لا منفردا ~~وحده ؛ إذ ليس فيه كبير مجاهدة ؛ إذ كل الناس يقدرون عليه ، وإنما التحقق ~~بالوصف - الذي هو ضامن للمدد الإلهي - هو الذي يظهر بين الأقران. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 45 # قلت : {أمهات} : جمع أم ، زيدت فيه الهاء ؛ فرقا بين من يعقل ومن لا يعقل ~~، قاله ابن جزي. والذي لغيره حتى ابن عطية : إنما زيدت ؛ لمبالغة والتأكيد. ~~وقرئ بضم الهمزة ، وبكسرها ؛ اتباعا للكسرة قبلها. # يقول الحق جل جلاله : {ولله غيب السماوات والأرض} أي : يعلم ما غاب فيهما ~~، كان محسوسا أو غير محسوس ؛ قد اختص به علمه ، لا يعلمه غيره. ثم برهن على ~~كمال قدرته فقال : {وما أمر الساعة} أي : قيام القيامة ، في سرعته وسهولته ~~، {إلا كلمح البصر} ؛ كرد البصر من أعلى الحدقة إلى أسفلها ، {أو هو أقرب} ~~: أو أمرها أقرب منه ؛ بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة ، بل أقل ؛ لأن ~~الحق ms1358 تعالى يحيي الخلائق دفعة واحدة ، في أقل من رمشة عين ، و" أو " ~~للتخيير ، أو بمعنى بل. {إن الله على كل شيء قدير} ؛ فيقدر على أن يحيي ~~الخلائق دفعة ، كما قدر أن يوجدهم بالتدريج. # 46 PageV04P065 ~~ثم دل على قدرته فقال : {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} ؛ ~~جهالا ، {وجعل لكم السمع} أي : الأسماع {والأبصار والأفئدة} أي : القلوب ، ~~فتكتسبون ، بما تدركون من المحسوسات ، العلوم البديهية ، ثم تتمكنون من ~~العلوم النظرية بالتفكر والاعتبار ، ثم تدركون معرفة الخالق {لعلكم تشكرون} ~~نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ، أظهركم أولا من العدم ، ثم أمدكم ثانيا بضروب ~~النعم ، طورا بعد طور ، حتى قدمتم عليه. # وقدم في جميع القرآن نعمة السمع على البصر ؛ لأنه أنفع للقلب من البصر ، ~~وأشد تأثيرا فيه ، وأعم نفعا منه في الدين ؛ إذ لو كانت الناس كلهم صما ، ~~ثم بعثت الرسل ، فمن أين يدخل عليهم الإيمان والعلم ؟ وكيف يدركون آداب ~~العبودية وأحكام الشرائع ؟ إذ الإشارة تتعذر في كثير من الأحكام ، وإنما ~~أفرده ، وجمع الأبصار والأفئدة ؛ لأن متعلق السمع جنس واحد ، وهي الأصوات ، ~~بخلاف متعلق البصر ، فإنه يتعلق بالأجرام والألوان ، والأنوار والظلمات ، ~~وسائر المحسوسات ، وكذلك متعلق القلوب ؛ معاني ومحسوسات ، فكانت دائرة ~~متعلقهما أوسع مع متعلق السمع. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 46 # الإشارة : ما غاب في سماوات الأرواح من علوم أسرار الربوبية ، وفي أرض ~~النفوس من علوم أحكام العبودية ، هو في خزائن الله ، يفتح منهما ما شاء على ~~من يشاء ؛ إذ أمره تعالى بين الكاف والنون. وما أمر الساعة ، التي يفتح ~~الله فيها الفتح على عبده ، بأن يميته عن نفسه ، ثم يحييه بشهود طلعة ذاته ~~، إلا كلمح البصر أو هو أقرب. لكن حكمته اقتضت الترتيب والتدريج ، فيخرجه ~~إلى هذا العالم جاهلا ، ثم يفتح سمعه للتعلم والوعظ ، وبصره للنظر ~~والاعتبار ، وقلبه للشهود والاستبصار ، حتى يصير عالما عارفا بربه ، من ~~الشاكرين الذين يعبدون الله ، شكرا وقياما برسم العبودية. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 46 # 47 PageV04P066 ~~قلت : {مسخرات} : حال من {الطير} ، و{سكنا} : مصدر وصف به ، أي ms1359 : شيئا سكنا ~~، أو : فعل ؛ بمعنى مفعول. و{أثاثا} : مفعول بمحذوف ، أي : وجعل من أوبارها أثاثا. # يقول الحق جل جلاله : {ألم يروا} ، وفي قراءة : {ألم تروا} ؛ بتوجيه ~~الخطاب لعامة الناس ، {إلى الطير مسخرات} : مذللات للطيران بما خلق لها من ~~الأجنحة والأسباب المواتية ، {في جو السماء} ؛ في الهواء المتباعد من ~~الأرض. {ما يمسكهن} فيه {إلا الله} ؛ فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها ، ولا ~~علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها ، {إن في} تسخيره {ذلك} لها {لآيات} ؛ ~~لعبرا ودلالة على قدرته تعالى ؛ إذ لا فاعل سواه ؛ فإن إمساك الطيران في ~~الهواء هو على خلاف طباعها ، لولا أن القدرة تحملها ، ففيه آيات {لقوم ~~يؤمنون} ؛ لأنهم هم المنتفعون بها. # {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} : موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم ، ~~كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر. و" من " للبيان ، أي : جعل لكم سكنا ، أي ~~: موضعا تسكنونه ، وهو بيوتكم ، {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا} ، هي ~~القباب المتخذة من الأدم ، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر ~~، فإنها ، من حيث إنها نابتة على جلودها ، كأنها من جلودها ، {تستخفونها} ~~أي : تجدونها خفيفة ، يخف عليكم حملها وثقلها {يوم ظعنكم} أي : سفركم ، ~~وفيه لغتان : الفتح والسكون ، {ويوم إقامتكم} : حضوركم ، أو نزولكم ، {و} ~~جعل {من أصوافها} أي : الغنم ، {وأوبارها} أي : الإبل ، {وأشعارها} أي : ~~المعز ، {أثاثا} : متاعا لبيوتكم ؛ كالبسط والأكسية ، {ومتاعا} تمتعون به ~~{إلى حين} ؛ إلى مدة من الزمان ، فإنها ، لصلابتها ، تبقى مدة مديدة ، أو : ~~إلى مماتكم ، أو : إلى أن تقضوا منها أوطاركم ، أو : إلى أن تبلى. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 47 PageV04P067 ~~والله جعل لكم مما خلق} من الشجر والجبال والأبنية ، وغيرها ، {ظلالا} ~~تتقون بها حر الشمس ، {وجعل لكم من الجبال أكنانا} ؛ جمع : كن ، ما تكنون ، ~~أي : تستترون به من الحر والبرد ، كالكهوف والغيران والبيوت المجوفة فيها ، ~~{وجعل لكم سرابيل} جمع : سربال ؛ ثيابا من الصوف والكتان والقطن وغيرها ، ~~{تقيكم الحر} والبرد ، وخص الحر بالذكر ، اكتفاء بأحد الضدين ، أو لأن ~~وقاية الحر كانت أهم عندهم. {وسرابيل تقيكم بأسكم} : حربكم ، كالطعن ~~والضرب. وهي : الدروع ، وتسمى : الجواشن ms1360 ، جمع جوشن ، وهو الدرع ، {كذلك} ؛ ~~كإتمام هذه النعم ؛ بخلق هذه الأشياء المتقدمة ، {يتم نعمته عليكم} في ~~الدنيا ؛ بخلق ما تحتاجون إليه ، {لعلكم} يا أهل مكة {تسلمون} أي : تنظرون ~~في نعمه ، فتؤمنون به ، أو تنقادون لحكمه. وفي قراءة : بفتح التاء ، أي : ~~تسلمون من العذاب بالإيمان ، أو تنظرون فيها ، فتوحدون ، وتسلمون من الشرك ~~، أو من الجراح ؛ بلبس الدروع. # 48 # {فإن تولوا} : أعرضوا ، ولم يقبلوا منك ، أو لم يسلموا. {فإنما عليك} يا ~~محمد {البلاغ المبين} أي : الإبلاغ البين ، فلا يضرك إعراضهم حيث بلغتهم. # {يعرفون نعمت الله} أي : يقرون بأنها من عنده ، {ثم ينكرونها} بإشراكهم ~~وعبادتهم غير المنعم بها ، وبقولهم : إنها بشفاعة آلهتنا ، أو بسبب كذا ، ~~أو بإعراضهم عن حقوقها. وقيل : نعمة الله : نبوة نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، عرفوها بالمعجزات ، ثم أنكروها ؛ عنادا. {وأكثرهم الكافرون} ؛ ~~الجاحدون ؛ عنادا. وذكر الأكثر ؛ إما لأن بعضهم لم يعرف الحق ؛ لنقصان عقله ~~، أو لتفريطه في النظر ، أو لم تقم عليه الحجة ؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف ، ~~أو كان فيهم من داخله الإسلام ، ومن أسلم بعد ذلك. وإما لأنه أقام الأكثر ~~مقام الكل ، كقوله : {بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل : 75]. قال بعضه ~~البيضاوي. PageV04P068 # الإشارة : قال الورتجبي : بين الحق تعالى قدرته في إمساكه أطيار الأرواح في ~~هواء الملكوت وسماء الجبروت ، حتى ترفرفت بأجنحة العرفان والإيقان ، على ~~سرادق مجده وبساط كبريائه ، مسخرات بأنوار جذبه ، ما يمسكهن إلا الله ، ~~بكشف جماله لها ، أمسكها به عن قهر سلطانه وسبحات جلاله ، حتى لا تفنى - أي ~~: تتلاشى - في بهائه. ه. # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا - وهي العبودية - ، تسكنون فيها وتأوون ~~إليها ، بعد طيران الفكرة في جو أنوار الملكوت ، وميادين أسرار الجبروت. أو ~~الحضرة تسكن فيها قلوبكم ، فتصير معشش أرواحكم ، إليها تأوون ، وفيها ~~تسكنون. وجعل لكم منازل تنزلون فيها عند السير إلى حضرة ربكم ، وهي ~~المقامات التي يقطعها المريد ، ينزل فيها ويرتحل عنها. وجعل لكم من أردية ~~الأكوان وألوانها واختلاف أصنافها ، تمتعا بشهود أنوار مكونها فيها ، إلى ~~انطوائها وظهور أضدادها بقيام الساعة ، فتظهر القدرة وتبطن ms1361 الحكمة ، ويظهر ~~المعنى ويبطن الحس. # جزء : 4 رقم الصفحة : 47 # والله جعل لكم مما خلق من الأكوان ظلالا ، والظلال لا وجود لها من ذاتها ~~، فكذلك الأكوان لا وجود لها مع الحق ، وإنما هي ظلال. والظلال ليست ~~بموجودة ولا مفقودة. وجعل لكم من جبال العقل أكنانا ، تستترون بنوره من جذب ~~الاصطلام ؛ بمواجهة أنوار الحضرة. وجعل لكم سرابيل الشرائع تقيكم حر ~~الحقيقة ، وسرابيل الحقائق تقيكم بأس سهام الأقدار ، فإن من عرف الله ؛ ~~حقيقة ؛ هان عليه ما يواجه به من المكاره. وفي هذا المعنى أنشد بعضهم : # نلبس عمام من الماء # ونشدها شد مائل # ونلبس من الثلج برنس # إذا حمت القوائل # ونشعل من الريح قنديل # ومن الضباب فتائل # 49 PageV04P069 ~~والمراد بعمامة الماء : كناية عن الحقيقة ؛ لأنها كالماء لحياة النفوس. ~~وميل شدها : كناية عن قوتها ، وتكبيرها ؛ على الشريعة. والمراد ببرنس الثلج ~~: برد التشريع ، فإذا قويت الحقيقة ، وخاف من الاحتراق ، نزل إلى برد ~~التشريع. والمراد بالريح : هبوب نسيم الواردات الإلهية ، يشعل منها قنديل ~~الفكرة - التي هي سراج القلب - ، فإذا ذهبت فلا إضاءة له ، وهذه حالة ~~السائر ، وأما الواصل فقد سكن النور في قلبه ، فلا يحتاج إلى سراج غيره ~~تعالى. وفي ذلك يقول الشاعر : # كل بيت أنت ساكنه # غير محتاج إلى سرج # وجهك المحمود حجتنا # يوم يأتي الناس بالحجج # والمراد بالضباب : وجود السوى ، فإنه يحترق عند اشتعال الفكرة. والله ~~تعالى أعلم. وباقي الآية ظاهر إشارته. ثم ذكر وعيد من أعرض عن هذه النعم ، ~~التي هي دلائل قدرته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 47 # قلت : {تبيانا} : حال من الكتاب ، وهو مصدر ، قال في القاموس : والتبيان ~~: مصدر شاذ. وفي ابن عطية : والتبيان : اسم ، لا مصدر. والمصادر في مثله ~~مفتوحة ، كالترداد والتكرار. ه. وقال في الصحاح : لم يجيء على الكسر إلا ~~هذا ، والتلقاء. ه. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم نبعث من كل أمة} من الأمم {شهيدا} أي ~~: رسولا يشهد لها أو عليها ، بالإيمان أو بالكفر ، وهو يوم القيامة ، {ثم ~~لا يؤذن للذين كفروا} في الاعتذار ؛ إذ لا عذر لهم. ms1362 أو : في الرجوع إلى ~~الدنيا. وعبر بثم ؛ لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع من الاعتذار ، مع ما ~~فيه من الإقناط الكلي. {ولا هم يستعتبون} : لا يطلب منهم العتبى ، أي : ~~الرجوع إلى ما يرضي الله. والمعنى : أنهم لا يؤذن لهم في الاعتذار عما ~~فرطوا فيه مما يرضي الله ، ولا يطلب منهم الرجوع إلى # 50 # تحصيله. {وإذا رأى الذين ظلموا} : كفروا {العذاب} : جهنم {فلا يخفف عنهم} ~~العذاب {ولا هم ينظرون} ؛ يمهلون عنه إذا رأوه. PageV04P070 # {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم} : أوثانهم التي دعوها شركاء الله ، أو ~~الشياطين الذين شاركوهم في الكفر ؛ بالحمل عليه ، {قالوا ربنا هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك} أي : نعبدهم ونطيعهم من دونك. وهو اعتراف ~~بأنهم كانوا مخطئين في ذلك. {فألقوا إليهم القول} قالوا لهم : {إنكم ~~لكاذبون} أي : أجابوا بالتكذيب في أنهم شركاء الله ، أو أنهم عبدوهم حقيقة ~~، وإنما عبدوا أهواءهم ؛ كقوله : {كلا سيكفرون بعبادتهم} [مريم : 82] ، ~~وقوله : {ما كانواا إيانا يعبدون} [القصص : 63] ، أو لأنهم ، لما كانوا غير ~~راضين بعبادتهم ، فكأن عبادتهم لم تكن لهم. {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} ~~أي : الاستسلام ، أي : استسلموا لحكمه {يومئذ} ، بعد أن تكبروا عنه في ~~الدنيا ، ولا ينفع يومئذ ، {وضل عنهم} أي : غاب وضاع وبطل {ما كانوا ~~يفترون} من أن آلهتهم تنصرهم وتشفع لهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 50 # الذين كفروا وصدوا} الناس {عن سبيل الله} ؛ بالمنع من الإسلام ، والحمل ~~على الكفر ، {زدناهم عذابا} ؛ بصدهم ، {فوق العذاب} المستحق بكفرهم. قال ~~ابن مسعود : " عقارب ، أنيابها كالنخل الطوال ، تلسعهم ". وعن عبيد بن عمير ~~: عقارب كالبغال الدلم - أي : السود جدا - ، والأدلم : الشديد السواد. وذلك ~~العذاب {بما كانوا يفسدون} أي : بكونهم مفسدين ؛ بصدهم عما فيه صلاح ~~العالم. PageV04P071 # {و} اذكر أيضا : {يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم} ؛ يعني : ~~نبيهم ؛ فإن نبي كل أمة بعث منها. {وجئنا بك} يا محمد {شهيدا على هؤلاء} ؛ ~~على أمتك ، أو على هؤلاء الشهداء ، {ونزلنا عليك الكتاب} : القرآن {تبيانا} ~~؛ بيانا بليغا {لكل شيء} من أمور الدين على التفصيل ، أو الإجمال ؛ ~~بالإحالة ms1363 على السنة أو القياس. {وهدى} من الضلالة ، {ورحمة} بنور الهداية ~~لجميع الخلق. وإنما حرم المحروم ؛ لتفريطه ، {وبشرى} بالجنة ، وغيرها ، ~~{للمسلمين} الموحدين خاصة. وبالله التوفيق. # الإشارة : قد بعث الله في كل دهر وعصر شهيدا يشهد على أهله ، ويكون حجة ~~عليهم يوم القيامة ، وهم صنفان : صنف يشهد على من فرط في أحكام الشريعة ، ~~وهم : العلماء الأتقياء ، وصنف يشهد على من فرط في أسرار الحقيقة ، وهم : ~~الأولياء الكبراء ، أعني : العارفين بالله ، فمن فرط في شيء منهما قامت ~~عليه الحجة ؛ فإذا اعتذر لا ينفه ، وإذا طلب الرجوع لا يجده ، وإذا أحاط به ~~عذاب الحجاب لا ينفك عنه. وكل من أحب شيئا من دون الله ، تبرأ منه يوم ~~القيامة ، وكل من أنكر الخصوصية على أولياء زمانه ، وصد الناس عنه ؛ تضاعف ~~عذابه ، وكثف حجابه يوم القيامة. والله تعالى أعلم. # 51 # جزء : 4 رقم الصفحة : 50 # يقول الحق جل جلاله : {إن الله يأمر بالعدل} أي : التوحيد ، أو الإنصاف ، ~~أو فعل الفرائض ، {والإحسان} ، وهو : فعل المندوبات. وذلك في حقوق الله ~~تعالى ، وفي حق عباده ، أو العدل في الأحكام ، كل واحد فيما ولي فيه ؛ " ~~كلكم راع ". والإحسان إلى عباد الله برهم وفاجرهم. قال ابن عطية : العدل : ~~هو فعل كل مفروض ؛ من عقائد وشرائع ، وسير مع الناس في أداء الأمانات ، ~~وترك الظلم ، والإنصاف ، وإعطاء الحق. والإحسان هو : فعل كل مندوب إليه. PageV04P072 # وقال البيضاوي : {إن الله يأمر بالعدل} : بالتوسط في الأمور ؛ اعتقادا ، ~~كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك ، والقول بالكسب ، المتوسط بين محض ~~الجبر والقدر ، وعملا ، كالتعبد بأداء الواجبات ، المتوسط بين البطالة ~~والترهب ، وخلقا ، كالجود المتوسط بين البخل والتبذير ، والإحسان : إحسان ~~الطاعات ، وهو إما بحسب الكمية ، كالتطوع بالنوافل ، أو بحسب الكيفية ، كما ~~قال - عليه الصلاة والسلام - : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم ~~تكن تراه فإنه يراك> " {وإيتاء ذي القربى} : وإعطاء الأقارب ما يحتاجون ~~إليه ، وهو تخصيص بعد تعميم ؛ للمبالغة. # {وينهى عن الفحشاء} : عن الإفراط في متابعة القوة الشهوية ، كالزنى ؛ ~~فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها ، {والمنكر} : ما ينكر على متعاطيه في ms1364 ~~إيثاره القوة الغضبية ، {والبغي} : الاستعلاء والاستيلاء على الناس ، ~~والتجبر عليهم ، فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية ، ولا يوجد من ~~الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام ، صادر بتوسط إحدى هذه القوى ~~الثلاث ، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه : " هي أجمع آية في القرآن ~~للخير والشر ". وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون ، فلو لم يكن في القرآن غير ~~هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء ، وهدى ورحمة للعالمين ، ولعل ~~إيرادها عقب قوله : {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} ؛ للتنبيه عليه. ه. # وفي القوت : هي قطب القرآن. ه. وعن عثمان بن مظعون : أنه قال : لما نزلت ~~هذه الآية ؛ قرأتها على أبي طالب ، فعجب ، وقال : آل غالب ، اتبعوه تفلحوا ~~، فوالله إن الله أرسله ليأمر بمكارم الأخلاق. ه. قال ابن عطية : {وإيتاء ~~ذي القربى} : لفظ يقتضي صلة الرحم ، ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة ، ~~وتركه مبهما أبلغ ؛ لأن كل من وصل في ذلك إلى غاية - وإن علت - يرى أنه ~~مقصر ، وهذا المعنى المأمور به # 52 PageV04P073 ~~في جانب ذي القربى داخل تحت العدل والإحسان ، لكنه تعالى خصه بالذكر ؛ ~~اهتماما به وحضا عليه. ه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 52 # يعظكم} بما ذكر من التمييز بين الأمر والنهي ، والخير والشر ، {لعلكم ~~تذكرون} : تتعظون فتنهضون إلى ما أمرتكم به وندبتكم إليه ، وتنكفوا عما ~~نهيتكم عنه وحذرتكم منه. الإشارة : {إن الله يأمر بالعدل} ؛ بالتوسط في ~~الأمور كلها ، كالتوسط في السير والمجاهدة ؛ فإن الإسراف يوقع في الملل ، ~~قال - عليه الصلاة والسلام- : " لا يكن أحدكم كالمنبت ؛ لا أرضا قطع ، ولا ~~ظهرا أبقى " وقال صلى الله عليه وسلم أيضا : " إن الله لا يمل حتى تملوا " ~~والله ما رأيت أحدا أسرف في الأحوال فوصل إلى ما قصد ، إلا النادر ، وخير ~~الأمور أوسطها. ويأمر بالإحسان ، وهو : مقام الشهود والعيان. {وإيتاء ذي ~~القربى} ؛ قرابة الدين ، وهم : الإخوان في الله ، ما يستحقونه من النصح ~~والإرشاد ، {وينهى عن الفحشاء} : الركون لغير الله ، {والمنكر} : التكبر ~~على عباد الله ، {والبغي} : ظلم أحد من خلق الله ، من ms1365 الفيل إلى الذرة. # وقال في الإحياء : بين التبذير والإقتار المذمومين وسط ، وهو المحمود ~~المأمور به ، والواجب منه شيئان : واجب بالشرع ، وواجب بالمروءة. والسخي هو ~~الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة ، فإن منع واحدا منهما فهو بخيل ~~، كالذي يمنع أداء الزكاة ، ويمنع أهله وعياله النفقة ، أو يؤديها لا بطيب ~~نفسه ، بل بتكلف ، ومشقة. وكالذي يتيمم الخبيث من ماله ، ولا يعطي من أطيبه ~~وأوسطه ، فهذا كله بخل. وأما واجب المروءة فهو : ترك المضايفة والاستقصاء ~~في المحقرات ، وذلك يختلف ؛ فيستقبح من الغني ما لا يستقبح من الفقير ، ~~ويستقبح من الرجل مع أقاربه ما لا يستقبح مع الأجانب ، وكذلك الجار ~~والمماليك والضيف. ه. PageV04P074 # وقال الورتجبي : إن الله تعالى دعا عباده إلى الاتصاف بصفته ، منها : العدل ~~والإحسان والشفقة والرحمة ، والقدس ، والطهارة عما لا يليق به. فهو العادل ~~والمحسن ، والرحمن الرحيم ، غير ظالم جائر ، وهو منزه عن جميع العلل ، فمن ~~كسي أنوار هذه الصفات ، بنعت الذوق والمباشرة ، واستحلى تربيتها يخرج عادلا ~~محسنا ، رؤوفا رحيما ، طاهرا مطهرا ، صادقا مصدقا ، وليا ، حبيبا محبوبا ، ~~مريدا مرادا ، مراعى محفوظا ، يعدل بنفسه فيدفعها عن الشك والشرك ، ورؤية ~~الغير وطلب العوض في العبودية ، ويأخذ منها الإنصاف بينها وبين عباد الله ، ~~ويحسن إلى من أساء إليه ، ويعبد الله بوصف الرؤية وشهود غيبه ، ويراعي ذوي ~~القرابة ، في المعرفة والمحبة ؛ من المريدين والصادقين ، ويرحم الجهال من ~~المسلمين ، وينهى نفسه عن مباشرة فواحش الأنانية ، ومباشرة الهوى والشهوة ، ~~ويدفعها عن الظلم ؛ باستكباره عن العبودية ، ويأمرها بإذعانها عند تراب أقدام # 53 # أولياء الله ؛ لتكون مطمئنة في عبودية الحق ، ذاكرة لسلطان ربوبيته ، ~~وقهر جبروته وملكوته وإحاطته بكل ذرة ، وفناء الخليقة في حقيقته. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 52 # قلت : {وقد جعلتم} : حال ، و{أنكاثا} : حال من الغزل ، وهو : جمع نكث - ~~بالكسر - بمعنى منكوث ، أي : منقوض. و{أن تكون} : مفعول من أجله ، ~~و{تتخذون} : جملة حالية من ضمير " تكونوا ". PageV04P075 # يقول الحق جل جلالة : {وأوفوا بعهد الله} ؛ كالبيعة للرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - وللأمراء ، والأيمان ، والنذور ، وغيرها ، {إذا عاهدتم} الله على ~~شيء من ms1366 ذلك ، {ولا تنقضوا الأيمان} ؛ أيمان البيعة ، أو مطلق الأيمان ، ~~{بعد توكيدها} ؛ بعد توثيقها بذكر الله ، أو صفته ، أو أسمائه ، {وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا} ؛ شاهدا ورقيبا ، بتلك البيعة ؛ فإن الكفيل مراع لحال ~~المكفول رقيب عليه ، {إن الله يعلم ما تفعلون} في نقض الأيمان والعهود. وهو ~~تهديد لمن ينقض العهد ، وهذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير ، وأما ما ~~كان تركه أولى فيكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير ، كما في بها خير ، ~~وأما ما كان تركه أولى فيكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير ، كما في ~~الحديث. # {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها} : أفسدته {من بعد قوة} أي : إبرام وإحكام ~~؛ {أنكاثا} أي : طاقات ، أي : صيرته طاقات كما كان قبل الغزل ، بحيث حلت ~~إحكامه وإبرامه ، حتى صار كما كان ، والمراد : تشبيه الناقض بمن هذا شأنه ، ~~وقيل : هي " ريطة بنت سعد القرشية " ؛ فإنها كانت خرقاء - أي : حمقاء - ~~تغزل طول يومها ثم تنقضه ، فكانت العرب تضرب به المثل لمن قال ولم يوف ، أو ~~حلف ولم يبر في يمينه. # 54 # {تتخذون أيمانكم دخلا بينكم} أي : لا تكونوا متشبهين بامرأة خرقاء ، ~~متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم. وأصل الدخل : ما يدخل الشيء ، ولم يكن ~~منه ، يقال : فيه الدخل والدغل ، وهو قصد الخديعة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 54 PageV04P076 ~~تفعلون ذلك النقض ؛ لأجل {أن تكون أمة هي أربى من أمة} : بأن تكون جماعة ~~أزيد عددا وأوفر مالا ، من جماعة أخرى ، فتنقضون عهد الأولى لأجل الثانية ؛ ~~لكثرتها. نزلت في العرب ، كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى ، فإذا جاءها ~~قبيلة أقوى منها ، غدرت الأولى ، وحالفت الثانية. وقيل : الإشارة بالأربى ~~هنا إلى كفار قريش ؛ إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين ، فحذر من بايع على ~~الإسلام أن ينقضه لما يرى من قوة كفار قريش. # {إنما يبلوكم} : يختبركم {الله به} ؛ بما أمر من الوفاء بالعهد ؛ لينظر ~~المطيع منكم والعاصي. أو : بكون أمة هي أربى ، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء ~~بعهد الله وبيعة رسوله ، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم ، وقلة المؤمنين ~~وضعفهم ؟ {وليبينن لكم يوم القيامة ms1367 ما كنتم فيه تختلفون} في الدنيا ؛ حين ~~يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} ؛ ~~أهل دين واحد متفقين على الإسلام ، {ولكن يضل من يشاء} بعدله ، {ويهدي من ~~يشاء} بفضله ، {ولتسألن يوم القيامة} ؛ سؤال تبكيت ومجازاة ، {عما كنتم ~~تعملون} في الدنيا ؛ لتجازوا عليه. # {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم} ، كرره ؛ تأكيدا ؛ مبالغة في قبح المنهي ~~عنه من نقض العهود ، {فتزل قدم} عن محجة الإسلام {بعد ثبوتها} : استقامتها ~~عليه ، والمراد : أقدامهم ، وإنما وحد ونكر ؛ للدلالة على أن زلل قدم واحد ~~عظيم ، فكيف بأقدام كثيرة ؟ {وتذوقوا السوء} : العذاب في الدنيا {بما صددتم ~~عن سبيل الله} أي : بصدكم عن الوفاء بعهد الله ، أو بصدكم غيركم عنه ؛ فإن ~~من نقض البيعة ، وارتد ، جعل ذلك سنة لغيره ، {ولكم عذاب عظيم} في الآخرة. PageV04P077 # {ولا تشتروا بعهد الله} أي : لا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بأخذكم {ثمنا قليلا} : عرضا يسيرا من الدنيا ، بأن تنقضوا العهد ~~لأجله. قيل : هو ما كانت قريش يعدونه لضعفاء المسلمين ، ويشترطون لهم على ~~الارتداد ، {إنما عند الله} من النصر والعز ، وأخذ الغنائم في الدنيا ، ~~والثواب الجزيل في الآخرة ، {هو خير لكم} مما يعدونكم ، {إن كنتم تعلمون} ~~ذلك فلا تنقضوا ، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز. # {ما عندكم} من أعراض الدنيا {ينفذ} ؛ ينقضي ويفنى ، {وما عند الله} من ~~خزائن رحمته ، وجزيل نعمته {باق} لا يفنى ، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد ؛ ~~طمعا في العرض الفاني ، {وليجزين الذين صبروا} على الوفاء بالعهود ، أو على ~~الفاقات وأذى # 55 # الكفار ، أو مشاق التكاليف ، {أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} بما يرجح ~~فعله من أعمالهم ، كالواجبات والمندوبات ، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 54 PageV04P078 ~~الإشارة : الوفاء بالعهود ، والوقوف مع الحدود ، من شأن الصالحين الأبرار ، ~~كالعباد والزهاد ، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين ~~: فلا يقفون مع شيء ، ولا يعقدون على شيء ، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في ~~كل وقت وحين ، ليس لهم عن أنفسهم ms1368 إخبار ، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع ~~المقادير كيفما تلونت ، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال ~~تعالى : {كل يوم هو في شأن} [الرحمن : 29] ، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة ~~من السر المكنون ؛ فمن عقد معهم عقدا ، أو أخذ منهم عهدا ، فلا يعول على ~~شيء من ذلك ؛ إذ ليست أنفسهم بيدهم ، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصا في ~~حقهم ، بل هو كمال ؛ لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم ، ~~ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم ، وإلا فحسبه ~~التسليم ، وطرح الميزان عنهم ، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 54 # يقول الحق جل جلاله : {من عمل صالحا} ؛ بأن صحبه الإخلاص ، وتوفرت فيه ~~شروط القبول ، {من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} ؛ إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في ~~استحقاق الثواب ، وإنما المتوقع عليها تحقيق العقاب ، {فلنحيينه حياة طيبة} ~~في الدنيا ، بالقناعة والكفاية مع التوفيق والهداية. قال البيضاوي : يعيش ~~عيشا طيبا ، فإنه ، إن كان موسرا ، فظاهر ، وإن كان معسرا يطيب عيشه ~~بالقناعة ، والرضا بالقسمة ، وتوقع الأجر العظيم ، بخلاف الكافر ، فإنه ، ~~إن كان معسرا فظاهر ، وإن كان موسرا لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يهنأ ~~بعيشه ، وقيل : في الآخرة ، أي : في الجنة. ه. {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون} من الطاعة ، فيجازيهم على الحسن بجزاء الأحسن. وبالله ~~التوفيق. PageV04P079 # الإشارة : الحياة الطيبة إنما تتحقق بكمالها عند أهل التجريد ؛ حيث انقطعت ~~عنهم الشواغل في الظاهر ، والعلائق في الباطن ، فاطمأنت قلوبهم بالله ، ~~وسكنت أرواحهم في حضرة الله ، وتحققت أسرارهم بشهود الله ، فدام سرورهم ، ~~واتصل حبورهم بحلاوة معرفة محبوبهم ، وهذه نتيجة شرب الخمرة الأزلية ، كما ~~قال ابن الفارض في مدحها : # وإن خطرت يوما على خاطر امرىء # أقامت به الأفراح وارتحل الهم # 56 # هذا في الخطور ، فما بالك بالسكون ودوام الحضور ؟ وقال أيضا في شأنها : # فما سكنت والهم يوما بموضع # كذلك لا يسكن مع النغم الغم # وإنما تحقق لهم هذا الأمر العظيم ؛ لرسوخ قدمهم في مقام الإحسان ms1369 ، ~~وسكونهم في جنة العرفان ، فهب عليهم نسيم الرضا والرضوان ، وترقت أرواحهم ~~إلى مقام الروح والريحان ، فقلوبهم بحار زاخرة لا تكدرها الدلاء ، وأرواحهم ~~أنوار ساطعة لا يؤثر فيها ليل القبض والابتلاء ، وأسرارهم بأنوار المواجهة ~~مشرقة ، فدام سرورها بكل ما يبرز من عنصر القضاء. والحاصل : أن أهل هذا ~~المقام عندهم من الإكسير والقوة ما يقلبون به الأعيان ، فيقلبون الشريات ~~خيريات ، والمعاصي طاعات ، والإساءة إحسانا ، والجلال جمالا... وهكذا ، ~~فأنى تغير قلوب هؤلاء الأكدار ؟ وأنى تنزل بساحتهم الأغيار ، وهم في حضرة ~~الكريم الغفار ؟ نفعنا الله بذكرهم ، وخرطنا في سلكهم ، آمين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 56 PageV04P080 ~~يقول الحق جل جلاله : {فإذا قرأت القرآن} ؛ أردت قراءته ، كقوله : {إذا ~~قمتم إلى الصلاة} [المائدة : 6] ، {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} أي : ~~فسل الله أن يعيذك من وسواسه ؛ لئلا يوسوسك في القراءة ، فيحرمك حلاوة ~~التلاوة ؛ فإنه عدو لا يحب لابن آدم الربح أبدا ، والجمهور على أنه مستحق ~~عند التلاوة ، وعن عطاء : أنه واجب. ومذهب مالك : أنه لا يتعوذ في الصلاة. ~~وعند الشافعي وأبي حنيفة : يتعوذ في كل ركعة ؛ تمسكا بظاهر الآية ؛ لأن ~~الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرره ، وأخذ مالك بعمل أهل المدينة في ترك ~~التعوذ في الصلاة. وهو تابع للقراءة في السر والجهر ، وعن ابن مسعود : قرأت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم ، فقال : " قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". ثم قال تعالى : ~~{إنه ليس له سلطان} أي : تسلط وولاية {على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} ~~أي : لا تسلط له على أولياء الله المؤمنين به ، والمتوكلين عليه ، فإنهم لا ~~يطيعون أوامره ، ولا يصغون إلى وساوسه ، إلا فيما يحتقر ، على ندور وغفلة. ~~{إنما سلطانه} أي : تسلطه {على الذين يتولونه} : يحبونه ويطيعونه ، # 57 # {والذين هم به} أي : بالله ، أو : بسبب الشيطان ، {مشركون} ؛ حيث حملهم ~~على الشرك فأطاعوه. # الإشارة : الاستعاذة الحقيقية من الشيطان هي : الغيبة عنه في ذكر الله أو ~~شهوده ، فلا ينجح في دفع الشيطان إلا الفرار منه إلى الرحمن. قال تعالى : ~~{ففرواا ms1370 إلى الله} [الذاريات : 50]. فإن الشيطان كالكلب ، كلما اشتغلت ~~بدفعه قوي نبحه عليك ، فإما أن يخرق الثياب ، أو يقطع الإهاب ، فإذا رفعت ~~أمره إلى مولاه كفه عنك. وقد قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه : ~~عداوة العدو حقا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا ، وأما إذا اشتغلت بعداوة ~~العدو ، فاتتك محبة الحبيب ، ونال مراده منك. ه. PageV04P081 # فالعاقل هو الذي يشتغل بذكر الله باللسان ، ثم بالقلب ، ثم بالروح ، ثم ~~بالسر ، فحينئذ يذوب الشيطان ولا يبقى له أثر قط ، أو يذعن له ويسلم شيطانه ~~، فإنما حركه عليك ؛ ليوحشك إليه. وفي الحكم : " إذا علمت أن الشيطان لا ~~يغفل عنك ، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". فإذا تعلقت بالقوي المتين ، ~~هرب عنك الشيطان اللعين. وسيأتي مزيد كلام إن شاء الله عند قوله تعالى : ~~{إن الشيطان لكم عدو...} [فاطر : 6] الآية. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 57 # قلت : {والله أعلم بما ينزل} : معترض بين الشرط ، وهو : {إذا} وجوابه ، ~~وهو : {قالوا} ؛ لتوبيخ الكفار ، والتنبيه على فساد سندهم. و{هدى وبشرى} : ~~عطف على : " ليثبت ". # يقول الحق جل جلاله : {وإذا بدلنا آية مكان آية} ؛ بأن نسخنا الأولى ؛ ~~لفظا أو حكما ، وجعلنا الثانية مكانها ، {والله أعلم بما ينزل} من المصالح ~~، فلعل ما يكون في وقت ، يصير مفسدة بعده ، فينسخه ، وما لا يكون مصلحة ~~حينئذ ، يكون مصلحة الآن ، فيثبته مكانه. فإذا نسخ ، لهذه المصلحة ، ~~{قالوا} أي : الكفرة : {إنما أنت مفتر} : كذاب متقول على الله ، تأمر بشيء ~~ثم يبدو لك فتنهى عنه ، قال تعالى : {بل أكثرهم لا يعلمون} حكمة النسخ ولا ~~حقيقة القرآن ، ولا يميزون الخطأ من الصواب. # 58 # {قل نزله روح القدس} يعني : جبريل. والقدس : الطهر والتنزيه ؛ لأنه روح ~~منزه عن لوث البشرية. نزله {من ربك} ملتبسا {بالحق} : بالحكمة الباهرة ، أو ~~مع الحق في أمره ونهيه وإخباره ، أو أنزله حقا ، {ليثبت الذين آمنوا} على ~~الإيمان ؛ لأنه كلام الله ، ولأنهم إذا سمعوا الناسخ والمنسوخ ، وتدبروا ما ~~فيه من رعاية المصالح ، رسخت عقائدهم ، واطمأنت قلوبهم. {و} أنزله {هدى ~~وبشرى للمسلمين} المنقادين لأحكامه ، أي ms1371 : نزله ؛ تثبيتا وهداية وبشارة ~~للمسلمين. PageV04P082 # {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} يعنون : غلاما نصرانيا اسمه : جبر ~~، وقيل : يعيش. قيل : كانا غلامين ، اسم أحدهما : جبر ، والآخر يسار ، ~~وكانا يصنعان السيوف ، ويقرآن التوراة والإنجيل ، فكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يجلس إليهما ، ويدعوهما إلى الإسلام ، فقالت قريش : هذان هما اللذان ~~يعلمان محمدا ما يقول. قال تعالى في الرد عليهم : {لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي} أي : لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه ، وينسبون إليه ~~تعليم القرآن ، أعجمي ، {وهذا} القرآن {لسان عربي مبين} ؛ ذو بيان وفصاحة. ~~قال البيضاوي : والجملتان مستأنفتان ؛ لإبطال طعنهم ، وتقريره يحتمل وجهين ~~؛ أحدهما : أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم ، والقرآن عربي ~~تفهمونه بأدنى تأمل ، فكيف يكون ، - أي : القرآن - ما تلقفه منه ؟ وثانيهما ~~: هب أنه تلقف منه المعنى باستماع كلامه ، لكن لم يتلقف منه اللفظ ؛ لأن ~~ذلك أعجمي وهذا عربي ، والقرآن ، كما هو معجز باعتبار المعنى ، معجز ~~باعتبار اللفظ ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا ~~بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة ، فكيف يعلم جميع ذلك من غلام ~~سوقي ، سمع منه ، بعض أوقات ، كليمات عجمية ، لعله لم يعرف معناها ؟ ! ~~فطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 58 # الإشارة : كما وقع النسخ في وحي أحكام ، يقع في وحي إلهام ؛ فقد يتجلى في ~~قلب الولي شيء من الأخبار الغيبية ، أو يأمر بشيء يليق ، في الوقت ، ~~بالتربية ، ثم يخبر أو يأمر بخلافه ؛ لوقوع النسخ أو المحو ، فيظن من لا ~~معرفة له بطريق الولاية أنه كذب ، فيطعن أن يشك ، فيكون ذلك قدحا في بصيرته ~~، وإخمادا لنور سريرته ، إن كان داخلا تحت تربيته. والله تعالى ىأعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 58 PageV04P083 ~~قلت : {من كفر} : شرطية مبتدأ ، وكذلك {من شرح}. و{فعليهم غضب} : جواب عن ~~الأولى والثانية ؛ لأنهما بمعنى واحد ، ويكون جوابا للثانية ، وجواب الأولى ~~: محذوف يدل عليه جواب الثانية. وقيل : {من كفر} : بدل من {الذين ms1372 لا ~~يؤمنون} ، أو من المبتدأ في قوله : {أولئك هم الكاذبون} ، أو من الخبر. ~~و{إلا من أكره} : استئناف من قوله : {من كفر}. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين لا يؤمنون} ؛ لا يصدقون {بآيات الله} ، ~~ويقولون : هي من عند غيره ، {لا يهديهم الله} إلى سبيل النجاة ، أو إلى ~~اتباع الحق ، أو إلى الجنة. {ولهم عذاب أليم} في الآخرة. وهذا في قوم علم ~~أنهم لا يؤمنون ، كقوله : {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} [يونس : ~~96]. وقال ابن عطية : في الآية تقديم وتأخير ، والمعنى : إن الذين لا ~~يهديهم الله لا يؤمنون بالله. ولكنه قدم وأخر ؛ تهمما بتقبيح أفعالهم. ه. # قال البيضاوي : هددهم على كفرهم ، بعد ما أماط شبهتهم ، ورد طعنهم فيه ، ~~ثم قلب الأمر عليهم ، فقال : {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله} ؛ لأنهم لا يخافون عذابا يردعهم عنه ، {وأولئك هم الكاذبون} على ~~الحقيقة ، أو الكاملون في الكذب ؛ لأن تكذيب آيات الله ، والطعن فيها ، ~~بهذه الخرافات أعظم الكذب. وأولئك الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ~~ولا مروءة. أو الكاذبون في قولهم : {إنما أنت مفتر} ، {إنما يعلمه بشر}. ه. ~~والكلام كله مع كفار قريش. # ثم ذكر حكم من ارتد عن الإيمان ؛ طوعا أو كرها ، فقال : {من كفر بالله من ~~بعد إيمانه} فعليهم غضب من الله ، {إلا من أكره} على التلفظ بالكفر ، أو ~~على الافتراء على الله ، {وقلبه مطمئن بالإيمان} ؛ لم تتغير عقيدته ، {ولكن ~~من شرح بالكفر صدرا} أي : فتحه ووسعه ، فاعتقده ، وطابت به نفسه ، {فعليهم ~~غضب من الله ولهم عذاب عظيم} ؛ إذ لا أعظم من جرمه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 59 PageV04P084 ~~روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه - وهما ياسر وسمية - على الارتداد ، ~~فربطوا سمية بين بعيرين ، وطعنوها بحربة في قلبها ، وقالوا : إنك أسلمت من ~~أجل الرجال ، فماتت - رحمة الله عليها - وقتلوا ياسرا زوجها ، وهما أول ~~قتيلين في الإسلام. وأعطاهم # 60 # عمار بلسانه ما أرادوا ؛ مكرها ، فقيل : يا رسول الله ؛ إن عمارا كفر ، ~~فقال : " كلا ، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ms1373 ، واختلط الإيمان ~~بلحمه ودمه " فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ، فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ، ويقول : " ما لك ، إن عادوا لك فعد ~~لهم بما قلت ". وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه. وإن كان ~~الأفضل أن يجتنب عنه ، إعزازا للدين ، كما فعل أبواه. لما روي أن مسيلمة ~~أخذ رجلين ، فقال لأحدهما : ما تقول في محمد ؟ فقال : رسول الله. وقال : ما ~~تقول في ؟ فقال : أنت أيضا ، فخلى سبيله ، وقال للآخر : ما تقول في محمد ؟ ~~فقال : رسول الله ، فقال : ما تقول في ؟ فقال : أنا أصم ، فأعاد عليه ثلاثا ~~، فأعاد جوابه ، فقتله ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال : " أما ~~الأول فقد أخذ برخصة الله ، وأما الآخر فقد صدع بالحق ، فهنيئا له " ه. ~~قاله البيضاوي. PageV04P085 # قال ابن جزي : وهذا الحكم فيمن أكره على النطق بالكفر ، وأما الإكراه على ~~فعل وهو كفر ، كالسجود للصنم ، فاختلف ؛ هل يجوز الإجابة إليه أو لا ؟ ~~فأجازه الجمهور ، ومنعه قوم. وكذلك قال مالك : لا يلزم المكره يمين ، ولا ~~طلاق ، ولا عتاق ، ولا شيء فيما بينه وبين الله ، ويلزمه ما كان من حقوق ~~الناس ، ولا تجوز له الإجابة إليه ؛ كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله. ه. ~~وذكر ابن عطية أنواعا من الأمور المكره بها ، فذكر عن مالك : أن القيد ~~إكراه ، والسجن إكراه ، والوعيد المخوف إكراه ، وإن لم يقع ، إذا تحقق ظلم ~~ذلك المتعدي ، وإنفاذه فيما يتوعد به. ثم ذكر خلافا في الحنث في حق من حلف ~~؛ للدرء عن ماله ، لظالم ، بخلاف الدرء عن النفس والبدن ، فإنه لا يحنث ، ~~قولا واحدا ، إلا إذا تبرع باليمين ، ففي لزومه خلاف. وانظر المختصر في ~~الطلاق. # ثم علل نزول العذاب بهم ، فقال : {ذلك} الوعيد {بأنهم استحبوا الحياة ~~الدنيا على الآخرة} أي : بسبب أنهم آثروها عليها ، {وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين} ، الذين سبق لهم الشقاء ، فلا يهديهم إلى ما يوجب ثبات الإيمان ~~في قلوبهم ، ولا يعصمهم من الزيغ. {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ms1374 وسمعهم ~~وأبصارهم} ؛ فغابت عن إدراك الحق والتدبر فيه ، {وأولئك هم الغافلون} ~~الكاملون في الغفلة ، حتى أغفلتهم الحالة الزائفة عن التأمل في العواقب. ~~{لا جرم} : لا شك {أنهم في الآخرة هم الخاسرون} ؛ حيث ضيعوا أعمارهم ، ~~وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد. قاله البيضاوي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 59 # الإشارة : من سبق له البعاد لا ينفعه الكد والاجتهاد ، ومن سبقت له ~~العناية لا تضره الجناية. ففي التحقيق : ما ثم إلا سابقة التوفيق. فمن كان ~~في عداد المريدين السالكين ، # 61 PageV04P086 ~~ثم أكره على الرجوع إلى طريق الغافلين ، {فمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ، ~~أي : بالتصديق بطريق الخصوص ، وهو مصمم على الرجوع إليها ؛ فلا بأس عليه أن ~~ينطق بلسانه ، ما يرى أنه رجع إليهم. فإذا وجد فسحة فر بدينه. وكذلك إذا ~~أخذه ضعف أو فشل وقت القهرية ، ثم أنهضته العناية ، ففر إلى الله ، التحق ~~بأولياء الله ، وأما من شرح صدره بالرجوع عن طريق القوم ، وطال مقامه مع ~~العوام ، فلا يفلح أبدا في طريق الخصوص ، والتحق بأقبح العوام ، إلا إن بقي ~~في قلبه شيء من محبة الشيوخ والفقراء ، فلعله يحشر معهم ، ودرجته مع ~~العوام. قال القشيري : إذا علم الله صدق عبده بقلبه ، وإخلاصه في عقده ، ثم ~~لحقته ضرورة في حاله ، خفف عنه حكمه ، ورفع عنه عناءه ، فإذا تلفظ بكلمة ~~الكفر ؛ مكرها ، وهو بالتوحيد محقق ، عذر فيما بينه وبين ربه. وكذلك الذين ~~عقدوا بقلوبهم ، وتجردوا لسلوك طريق الله ، ثم اعترضت لهم أسباب ، فاتفقت ~~لهم أعذار ، فنفذ ما يوجبه الحال ، وكان لهم ببعض الأسباب اشتغال ، أو إلى ~~شيء من العلوم رجوع ، لم يقدح ذلك في حجة إرادتهم ، ولا يعد ذلك منهم شكا ~~وفسخا لعهودهم ، ولا تنتفي عنهم سمة الفيئة إلى الله. ه. # قلت : هذا إن بقوا في صحبة الشيوخ ، ملازمين لهم ، أو واصلين إليهم ، ~~وأما إن تركوا الصحبة ، أو الوصول ، فلا شك في رجوعهم إلى العمومية. PageV04P087 # ثم قال في قوله : {ولكن من شرح بالكفر صدرا} : من رجع باختياره ، ووضع قدما ~~في غير طريق الله ، بحكم هواه ، فقد ms1375 نقض عهد إرادته لله ، وفسخ عقد قصده ~~إلى الله ، وهو مستوجب الحجبة ، إلى أن تتداركه الرحمة. ه. قال شيخ شيوخنا ~~، سيدي عبد الرحمن الفاسي ، ما نصه : وفي مكاتبة لشيخنا العارف أبي المحاسن ~~يوسف بن محمد : فإن اختلفت الأشكال ، وتراكمت الفتن والهوال ، وتصدعت ~~الأحوال ، ربما ظهر على العارف وصف لم يكن معهودا ، وأمر لم يكن بالذات ~~مقصودا ، فيكون معه قصور في جانب الحق ، لا في جانب الحقيقة ، فلا يضر ، إن ~~رجع في ذلك لمولاه ؛ فرارا ، وإلى ربه ؛ اضطرارا. {ففروا إلى الله}. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 59 # قلت : {إن} الثانية : تأكيد ، والخبر للأول. # يقول الحق جل جلاله : {ثم إن ربك للذين هاجروا} من دار الكفر إلى المدينة ~~{من بعد ما فتنوا} أي : عذبوا على الإسلام ؛ كعمار بن ياسر ، وأشباهه ؛ من ~~المعذبين # 62 # على الإسلام. هذا على قراءة الضم. وقرأ ابن عامر : " فتنوا " ؛ بفتح ~~التاء ، أي : فتنوا المسلمين وعذبوهم ، فتكون فيمن عذب المسلمين ، ثم أسلم ~~وهاجر وجاهد ، كعامر بن الحضرمي ، أكره مولاه جبرا حتى ارتد ، ثم أسلما ~~وهاجرا ثم جاهدا ، وصبرا على الجهاد وما أصابهم من المشاق ، {إن ربك من ~~بعدها} ؛ من بعد الهجرة والجهاد والصبر ، {لغفور رحيم} أي : لغفور لما مضى ~~قبل ، رحيم ؛ يجازيهم على ما صنعوا بعد. # الإشارة : من نزلت به قهرية ، أو حصلت له فترة ، حتى رجع عن طريق القوم ، ~~ثم تاب وهاجر من موطن حظوظه وهواه ، وجاهد نفسه في ترك شواغل دنياه ، ~~واستعمل السير إلى من كان يدله على الله ؛ {إن ربك من بعدها لغفور رحيم} ؛ ~~يغفر له ما مضى من فترته ، ويلحقه بأصحابه وأبناء جنسه. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 62 # قلت : {يوم} : منصوب باذكر ، أو بغفور رحيم. PageV04P088 # يقول الحق جل جلاله : واذكر {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} ؛ عن ذاتها ، ~~وتسعى في خلاصها ، لا يهمها شأن غيرها ؛ {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه} [عبس : 34-36] ، {وتوفى كل نفس} جزاء {ما عملت} على التمام ~~، {وهم لا يظلمون} : لا ينقصون من أجورهم مثقال ms1376 ذرة. # الإشارة : النفس التي تجادل عن نفسها ، وتوفى ما عملت من خير أو شر ، ~~إنما هي النفس الأمارة أو اللوامة. وأما النفس المطمئنة بالله ، الفانية في ~~شهود ذات الله ، لا ترى وجودا مع الله ؛ فلا يتوجه عليها عتاب ، ولا يترتب ~~عليه حساب ؛ إذ لم يبق لها فعل تحاسب عليه. وعلى تقدير وجوده فقد حاسبت قبل ~~أن تحاسب ، بل هي في عداد السبعين ألفا ، الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، ~~وهم المتوكلون. أو تقول : هي في عداد من يلقى الله بالله ، فليس لها شيء ~~سوى الله ، فحجته ، يوم تجادل النفوس ، هو الله. كما قال الشاعر : # وجهك المحمود حجتنا # يوم يأتي الناس بالحجج # وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 62 # قلت : {قرية} : بدل من : {مثلا}. # يقول الحق جل جلاله : {وضرب الله مثلا} ، ثم فسره بقوله : {قرية} : مكة ، ~~وقيل : غيرها. {كانت آمنة} من الغارات ، لا تهاج ، {مطمئنة} لا تحتاج إلى ~~الانتقال عند الضيق أو الخوف ، {يأتيها رزقها} : أقواتها {رغدا} : واسعا ~~{من كل مكان} من نواحيها ، {فكفرت بأنعم الله} ؛ بطرت بها ، أو بنبي الله ، ~~سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} ، ~~استعار الذوق لإدراك أثر الضرر ، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع ~~والخوف ، أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا حتى صارت كالحقيقة ، ~~وأما اللباس فقد يستعيرونه لما يشتمل على الشيء ويستره ؛ يقول الشاعر : # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا # غلقت لضحكته رقاب المال PageV04P089 ~~فقد استعار الرداء للمعروف ، فإنه يصون عرض صاحبه صون الرداء ؛ لما يلقى ~~عليه ، والمعنى : أنهم لما كفروا النعم أنزل الله بهم النقم ، فأحاط بهم ~~الخوف والجوع إحاطة الثوب بمن يستتر به ، فإن كانت مكة ، فالخوف من سرايا ~~النبي صلى الله عليه وسلم وغاراته عليهم ، وإن كان غيرها ، فمن كل عدو ، ~~وذلك بسبب ما كانوا يصنعون من الكفر والتكذيب. # {ولقد جاءهم رسول منهم} ، يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ، والضمير ~~لأهل مكة. عاد إلى ذكرهم بعد ذكر مثلهم. {فكذبوه فأخذهم العذاب} : الجوع ~~والقحط ، ووقعة بدر ، {وهم ظالمون} ؛ ملتبسون ms1377 بالظلم ، غير تائبين منه. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : ضرب الله مثلا ؛ قلبا كان آمنا مطمئنا بالله ، تأتيه أرزاق ~~العلوم والمواهب من كل مكان ، فكفر نعمة الشيخ ، وخرج من يده قبل كماله ، ~~فأذاقه الله لباس الفقر بعد الغنى بالله ، والخوف من الخلق ، وفوات الرزق ، ~~بعد اليقين ؛ بسبب ما صنع من سوء الأدب وإنكار الواسطة ، ولو خرج إلى من هو ~~أعلى منه ؛ لأن من بان فضله عليك وجبت خدمته عليك ، ومن رزق من باب لزمه. ~~وهذا أمر مجرب عند أهل الذوق بالعيان ، وليس الخبر كالعيان ، هذا إن كان ~~أهلا للتربية ، مأذونا له فيها ، جامعا بين الحقيقة والشريعة ، وإلا انتقل ~~عنه إلى من هو أهل لها ، وبالله التوفيق. # 64 # جزء : 4 رقم الصفحة : 63 # قلت : {الكذب} : مفعول بتقولوا ، و{هذا حلال وهذا حرام} : بدل منه ، أي : ~~لا تقولوا الكذب ، وهو قولكم : {هذا حلال وهذا حرام} ، و{ما} في قوله : ~~{لما تصف} ؛ ويجوز أن ينتصب الكذب ب {تصف} ، ويكون " ما " مصدرية. ويكون ~~قوله : {هذا حلال وهذا حرام} معمولا لتقولوا ، أي : لا تقولوا : هذا كذا ~~وهذا كذا ؛ لأجل وصف ألسنتكم الكذب. PageV04P090 # يقول الحق جل جلاله : {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} ، أمرهم بأكل ما ~~أحل لهم ، وشكر ما أنعم عليهم ، بعد ما زجرهم عن الكفر ، وهددهم عليه ، بما ~~ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم ؛ صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها ~~الفاسدة. قاله البيضاوي : {واشكروا نعمت الله} ؛ لتدوم لكم {إن كنتم إياه ~~تعبدون} فلا تنسبوا نعمه إلى غيره ، كشفاعة الأصنام وغيرها. {إنما حرم ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن الله غفور رحيم} ، تقدم تفسيرها في البقرة والمائدة. قال ~~البيضاوي : أمرهم بتناول ما أحل لهم ، وعدد عليهم محرماته ، ليعلم أن ما ~~عداها حل لهم. ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم بقوله : ~~{ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} لما لم يحله الله ~~ولم يحرمه ، كما قالوا : {ما في بطون هاذه الأنعام خالصة ms1378 لذكورنا ومحرم ~~علىا أزواجنا...} [الأنعام : 139] الآية. ه. تقولون ذلك ؛ {لتفتروا على ~~الله الكذب} بنسبة ذلك إليه. {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} ~~أبدا ؛ لأنهم تعجلوا فلاح الدنيا بتحصيل أهوائهم ، فحرموا فلاح الآخرة ، ~~ولذلك قال : {متاع قليل} أي : لهم تمتع في الدنيا قليل ، يفنى ويزول. {ولهم ~~عذاب أليم} في الآخرة. # 65 # {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} في سورة الأنعام بقوله ~~{وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام : 146] الآية ، {وما ظلمناهم} ~~بالتحريم ، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ؛ حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. ذكر ~~الحق تعالى ما حرم على المسلمين ، وما حرم على اليهود ؛ ليعلم أن تحريم ما ~~عدا ذلك افتراء على الله. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 65 PageV04P091 ~~الإشارة : يقول الحق - جل جلاله - ، لمن بقي على العهد ؛ من شكر النعم ؛ ~~بالإقرار بفضل الواسطة : {فكلوا مما رزقكم الله} من قوت اليقين وفواكه ~~العلوم ، {واشكروا نعمة الله} إن كنتم تخصونه بالعبادة وإفراد الوجهة. إنما ~~حرم عليكم ما يشغلكم عنه ، كجيفة الدنيا والتهارج عليها ، ونجاسة الغفلة ، ~~وما يورث القساوة والبلادة ، وقلة الغيرة على الحق ، وما قبض من غير يد ~~الله ، أو ما قصد به غير وجه الله ، إلا وقت الضرورة فإنها تبيح المحذور. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 65 # يقول الحق جل جلاله : {ثم إن ربك للذين عملوا السوء} ؛ كالشرك ، ~~والافتراء على الله ، وغير ذلك ، {بجهالة} أي : ملتبسين في حال العمل ~~بجهالة ، كالجهل بالله وبعقابه ، وعدم التدبر في عواقبه ؛ لغلبة الشهوة ~~عليه ، {ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} عملهم ، {إن ربك من بعدها} أي : ~~التوبة ، أو الجهالة ، {لغفور} لذلك السوء ، {رحيم} بهم ؛ يثيبهم على ~~الإنابة. # الإشارة : كل من أساء الأدب ، ثم تاب وأناب ، التحق بالأحباب. قال بعضهم ~~: " كل سوء أدب يثمر أدبا فهو أدب ". والتوبة تتبع المقامات ؛ فتوبة العوام ~~: من الهفوات ، وتوبة الخواص : من الغفلات ، وتوبة خواص الخواص : من ~~الفترات عن شهود الحضرات. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 65 # 66 # يقول الحق جل ms1379 جلاله : {إن إبراهيم كان أمة} أي : إماما قدوة ؛ قال تعالى ~~: {إني جاعلك للناس إماما} [البقرة : 124] ، قال ابن مسعود : " الأمة : ~~معلم الناس الخير " ، أو أمة وحده ، اجتمع فيه ما افترق في غيره ، فكان ~~وحده أمة من الأمم ؛ لكماله واستجماعه لخصال الكمال التي لا تكاد تجتمع إلا ~~في أشخاص كثيرة ، كقول الشاعر : # وليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد PageV04P092 ~~وهو رئيس الموحدين ، وقدوة المحققين ، جادل فرق المشركين ، وأبطل مذاهبهم ~~الزائفة بالحجج الدامغة. ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين. أو : لأنه ~~كان وحده مؤمنا وسائر الناس كفارا. قاله البيضاوي. وكان {قانتا لله} ؛ ~~مطيعا قائما بأوامره ، {حنيفا} ؛ مائلا عن الباطل ، {ولم يك من المشركين} ، ~~وأنتم يا معشر قريش تزعمون أنكم على دينه ، وأنتم مشركون. # وكان {شاكرا لأنعمه} ، لا يخل بشكر قليل منها ولا كثير. ولذلك ذكرها بلفظ ~~جمع القلة ، {اجتباه} : اختاره للنبوة والرسالة والخلة. {وهداه إلى صراط ~~مستقيم} ؛ التي توصل إلى حضرة النعيم ، ودعا إليها ، {وآتيناه في الدنيا ~~حسنة} ؛ بأن حببناه إلى كافة الخلق ، ورزقناه الثناء الحسن في الملل كلها ، ~~حتى إن أرباب الملك والجبابرة يتولونه ويثنون عليه. ورزقناه أولادا طيبة ، ~~وعمرا طويلا في الطاعة والمعرفة ، ومالا حلالا. {وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين} لحضرتنا ، المقربين عندنا ، الذين لهم الدرجات العلا ؛ كما سأله ~~ذلك بقوله : {وألحقني بالصالحين} [الشعراء : 83]. # {ثم أوحينا إليك} يا محمد {أن اتبع ملة إبراهيم} ؛ دينه ومنهاجه في ~~التوحيد ، والدعوة إليه بالرفق ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، كل واحد بحسب ~~فهمه. وكان {حنيفا} ؛ مائلا عما سوى الله ، {وما كان من المشركين} ، بل كان ~~قدوة الموحدين. كرره ؛ ردا على اليهود والنصارى والمشركين في زعمهم أنهم ~~على دينه مع إشراكهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 66 # الإشارة : كل من تمسك بطاعة الله ظاهرا ، أو مال عما سوى الله باطنا ، ~~وشكر الله دائما ، ودعا الناس إلى هذا الأمر العظيم : كان وليا إبراهيميا ، ~~محمديا ، خليلا حبيبا ، مقربا ، قد اجتباه الحق تعالى إلى حضرته ، وهداه ~~إلى صراط مستقيم ، وعاش في الدنيا سعيدا ، ومات شهيدا ، وألحق ms1380 بالصالحين. ~~جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. # 67 PageV04P093 ~~جزء : 4 رقم الصفحة : 66 # يقول الحق جل جلاله : {إنما جعل السبت} أي : فرض تعظيمه وإفراده للعبادة ~~، {على الذين اختلفوا فيه} على نبيهم ، وهم : اليهود ؛ أمرهم موسى عليه ~~السلام أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة ، فأبوا وقالوا : نريد يوم السبت ؛ ~~لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السماوات والأرض ، فألزمهم الله السبت ، وشدد ~~عليهم فيه. وقيل : لما أمرهم بيوم الجمعة ، قبل بعضهم ، وأبى أكثرهم ، ~~فاختلفوا فيه. وقيل : اختلافهم : هو أن منهم من حرم الصيد فيه ، ومنهم من ~~أحله ، فعاقبهم الله بالمسخ. والتقدير على هذا : إنما جعل وبال السبت - وهو ~~المسخ - ، {على الذين اختلفوا} ؛ فأحلوا فيه الصيد تارة ، وحرموه أخرى ، أو ~~أحله بعضهم ، وحرمه بعضهم ، وذكرهم هنا ؛ تهديدا للمشركين ، كذكر القرية ~~التي كفرت بأنعم الله ، {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون} ؛ فيجازي كل فريق بما يستحقه ، فيثيب المطيع ، ويعاقب العاصي. # الإشارة : الاختلاف على الأكابر ؛ كالشيوخ والعلماء ، والتقدم بين أيديهم ~~بالرأي والكلام ، من أقبح المساوئ ، وسوء الأدب يوجب لصاحبه العطب ؛ كالقطع ~~عن الله ، والبعد من ساحة حضرته. قال بعضهم : إذا جالست الكبراء ؛ فدع ما ~~تعلم لما لا تعلم ؛ لتفوز بالسر المكنون. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 67 PageV04P094 ~~يقول الحق جل جلاله : {ادع} يا محمد الناس {إلى سبيل ربك} ؛ إلى طريقه ~~الموصل إليه ، وهو : الإسلام والإيمان ، والإحسان ؛ لمن قدر عليه ، ~~{بالحكمة} ؛ بسياسة النبوة ، أو بالمقالة المحكمة ، وهو الدليل الموضح للحق ~~المزيح للشبهة ، {والموعظة الحسنة} ؛ مواعظ القرآن ورقائقه ، أو الخطابات ~~المقنعة والعبر النافعة ، {وجادلهم} أي : جادل معاندتهم {بالتي هي أحسن} ؛ ~~بالطرق التي هي أحسن طرق المجادلة ؛ من الرفق واللين ، وإيثار الوجه الأيسر ~~، والمقدمات التي هي أشهر ؛ فإن ذلك أنفع في تليين لهبهم ، وتبيين شغبهم ، ~~فالأولى : لدعوة خواص الأمة الطالبين للحق. والثانية : لدعوة عوامهم ، ~~والثالثة : لدعوة معاندهم. # 68 # قال ابن جزي : الحكمة هي : الكلام الذي يظهر جوابه ، والموعظة : هي : ~~الترغيب والترهيب. والجدال هو : الرد على الخصم. وهذه الأشياء الثلاثة ~~يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان ms1381 والخطابة والجدل ، وهذه الآية تقتضي ~~مهادنة نسخت بالسيف. وقيل : إن الدعاء بهذه الطريقة ، من التلطف والرفق ، ~~غير منسوخ ، وإنما السيف لمن لا تنفعه هذه الموعظة من الكفار ، وأما العصاة ~~فهي في حقهم محكمة إلى يوم القيامة باتفاق. ه. # {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} أي : إنما عليك ~~البلاغ والدعوة. وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فليس من شأنك ~~، بل الله أعلم بالضالين والمهتدين ، وهو المجازي للجميع. PageV04P095 # الإشارة : الدعاء بالحكمة هو الدعاء بالهمة والحال ، يكون من أهل الحق ~~والتحقيق ؛ لأهل الصدق والتصديق. والدعاء بالموعظة الحسنة هو الدعاء ~~بالمقال من طريق الترغيب والتشويق ، يكون لأهل التردد في سلوك الطريق. ~~والدعاء بالمجادلة الحسنة هو الدعاء بالوعظ والتذكير. وذكر بيان الطريق ، ~~وفضيلة علم التحقيق ، يكون لأهل الإنكار ؛ إن وصلوا إلى أهل التحقيق. ~~والحاصل : أن الدعاء بالحكمة ؛ لأهل المحبة والتصديق. والدعاء بالموعظة : ~~لأهل التردد في الطريق. والدعاء بالمجادلة : لأهل الإنكار ؛ حتى يعرفوا ~~الحق من الباطل. وإن شئت قلت : الدعاء بالحكمة هو للعارفين الكبار ، ~~والدعاء بالموعظة الحسنة هو لأهل الوعظ والتذكار من الصالحين الأبرار ، ~~والدعاء بالمجادلة الحسنة هو للعلماء الأخيار. وقد تجتمع في واحد ؛ إن جمع ~~بين الظاهر والباطن. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 68 # ولما أمره بالدعوة العامة أمره بالصبر العام ؛ لأن الدعوة لا تنفك عن ~~الأذى ، فيحتاج صاحبها إلى صبر كبير. # جزء : 4 رقم الصفحة : 68 # يقول الحق جل جلاله : {وإن عاقبتم} من آذاكم {فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ~~أي : إن صنع بكم صنيع سوء فافعلوا مثله ، ولا تزيدوا عليه. والعقوبة ، في ~~الحقيقة ، إنما هي في الثانية. وسميت الأولى عقوبة ؛ لمشاكلة اللفظ. وقال ~~الجمهور : إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب ، لما بقر المشركون ~~بطنه يوم أحد ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لئن أظفرني الله بهم ~~لأمثلن بسبعين منهم " فنزلت # 69 # الآية ، فكفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه ، وترك ما أراد من ~~المثلة. ولا خلاف أن المثلة حرام ، وقد وردت أحاديث بذلك. ms1382 ومقتضى هذا : أن ~~الآية مدنية. ويحتمل أن تكون الآية عامة ، ويكون ذكرهم حمزة على وجه ~~المثال. وتكون ، على هذا ، مكية كسائر السورة. PageV04P096 # واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال ، ثم ائتمن عليه ، هل يجوز خيانته ، ~~في القدر الذي ظلمه فيه ؟ فأجاز ذلك قوم ؛ لظاهر الآية ، ومنعه مالك ؛ ~~لقوله صلى الله عليه وسلم : " أد الأمانة لمن ائتمنك ، ولا تخن من خانك " ~~قاله ابن جزي. # {ولئن صبرتم} ، ولم تعاقبوا من أساء إليكم ، {لهو} أي : الصبر {خير ~~للصابرين} ؛ فإن العقوبة مباحة ، والصبر أفضل من الانتقام ، ويحتمل أن يريد ~~بالصابرين هنا العموم ، أو يريد المخاطبين ، كأنه قال : فهو خير لكم. # ثم صرح بالأمر لرسوله به ؛ لأنه أولى الناس به ؛ لزيادة علمه بالله ، ~~فقال : {واصبر وما صبرك إلا بالله} ؛ إلا بتوفيقه وتثبيته. روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال لأصحابه : " أما أنا فأصبر كما أمرت ، فماذا تصنعون ؟ " ~~قالوا : نصبر كما ندبنا. {ولا تحزن عليهم} ؛ على الكافرين ؛ حيث لم يؤمنوا ~~؛ حرصا عليهم. أو على المؤمنين ؛ لأجل ما فعل بهم. {ولا تك في ضيق مما ~~يمكرون} أي : لا يضيق صدرك بمكرهم ، ولا تهتم بشأنم ، فأنا ناصرك عليهم. ~~والضيق - بفتح الضاد مخففا - من ضيق ؛ كميت وميت. وقرئ بالكسر ، وهو مصدر. ~~ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين ، معا ، لضاق. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 69 # إن الله مع الذين اتقوا} الكفر والمعاصي ، {والذين هم محسنون} في أعمالهم ~~، فهو معهم بالولاية والنصر والرعاية والحفظ. أو مع الذين اتقوا الله ~~بتعظيم أمره. والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه. أو مع الذين اتقوا ما ~~يقطعهم عن الله ، والذين هم محسنون بشهود الله كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " فهو معهم بالمحبة والوداد ؛ " ~~فإذا أحببته كنت له ". والله تعلى أعلم. PageV04P097 # الإشارة : من شأن الصوفية : الأخذ بالعزائم ، والتمسك بالأحسن في كل شيء ، ~~متمثلين لقوله تعالى : {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر : 18]. ~~ولذلك قالوا : الصوفي : دمه هدر ، وماله مباح ؛ لأنه لا ينتصر لنفسه ، بل ~~يدفع بالتي هي أحسن السيئة. ms1383 فالصبر دأبهم ، والرضى والتسليم خلقهم. # وحقيقة الصبر هي : حبس القلب على حكم الرب ، من غير جزع ولا شكوى. ~~ومواطنه أربعة : الطاعة ، والمعصية ، والنعمة ، والبلية. فالصبر على الطاعة ~~: بالمبادرة # 70 # إليها ، وعن المعصية : بتركها ، وعلى النعمة : بشكرها ، وأداء حق الله ~~فيها ، وعلى البلية : بالرضى وعدم الشكوى بها. # وأقسام الصبر ستة : صبر في الله ، وصبر لله ، وصبر مع الله ، وصبر بالله ~~، وصبر على الله ، وصبر عن الله. أما الصبر في الله : فهو الصبر في طلب ~~الوصول إلى الله ، بارتكاب مشاق المجاهدات والرياضات. وهو صبر الطالبين ~~والسائرين. وأما الصبر لله : فهو الصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات ~~ونزول البليات ، يكون ذلك ابتغاء مرضاة الله ، لا لطلب أجر ولا نيل حظ. وهو ~~صبر المخلصين. وأما الصبر مع الله : فهو الصبر على حضور القلب مع الله ، ~~على سبيل الدوام ؛ مراقبة أو مشاهدة. فالأول : صبر المحبين ، والثاني : صبر ~~المحبوبين. PageV04P098 # وأما الصبر بالله : فهو الصبر على ما ينزل به من المقادير ، لكنه بالله لا ~~بنفسه ، وهو صبر أهل الفناء من العارفين المجذوبين السالكين. وأما الصبر ~~على الله : فهو الصبر على كتمان أسرار الربوبية عن غير أهلها ، أو الصبر ~~على دوام شهود الله. وأما الصبر عن الله : فهو الصبر على الوقوف بالباب عند ~~جفاء الأحباب ، فإذا كان العبد في مقام القرب واجدا لحلاوة الأنس ، مشاهدا ~~لأسرار المعاني ، ثم فقد ذلك من قلبه ، وأحس بالبعد والطرد - والعياذ بالله ~~- فليصبر ، وليلزم الباب حتى يمن الكريم الوهاب ، ولا يتزلزل ، ولا يتضعضع ~~، ولا يبرح عن مكانه ، مبتهلا ، داعيا إلى الله ، راجيا كرم مولاه ، فإذا ~~استعمل هذا فقد استعمل الصبر ؛ قياما بأدب العبودية. وهو أشد الصبر وأصعبه ~~، لا يطيقه إلا العارفون المتمكنون ، الذين كملت عبوديتهم ، فكانوا عبيدا ~~لله في جميع الحالات ، قربهم أو أبعدهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 69 # روي أن رجلا دخل على الشبلي رضي الله عنه ، فقال : أي صبر أشد على الصابر ~~؟ فقال له الشبلي : الصبر في الله ، قال : لا ، قال : الصبر لله ، قال : لا ~~، قال : الصبر مع الله ، قال : لا ms1384 ، فقال له : وأي شيء هو ؟ فقال : الصبر ~~عن الله. فصاح الشبلي صيحة عظيمة ، كادت تتلف فيها روحه. ه. لأن الحبيب لا ~~يصبر عن حبيبه. لكن إذا جفا الحبيب لا يمكن إلا الصبر والوقوف بالباب ، كما ~~قال الشاعر : # إن شكوت الهوى فما أنت منا # أحمل الصد والجفا يا معنا # وقال رجل لأبي محمد الحريري رضي الله عنه : كنت على بساط الأنس ، وفتح ~~على طريق البسط ، فزللت زلة ، فحجبت عن مقامي ، فكيف السبيل إليه ؟ دلني ~~على الوصول إلى ما كنت عليه. فبكى أبو محمد وقال : يا أخي ، الكل في قهر ~~هذه الخطة ، لكني أنشدك أبياتا لبعضهم ، فأنشأ يقول : # قف بالديار فهذه آثارهم # تبكي الأحبة حسرة وتشوقا # 71 # كم قد وقفت بربعها مستخبرا # عن أهله أو سائلا أو مشفقا PageV04P099 ~~فأجابني داعي الهوى في رسمها # فارقت من تهوى فعز الملتقى # ومن هذا المعنى قضية الرجل الذي بقي في الحرم أربعين سنة يقول : لبيك. ~~فيقول له الهاتف : لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك. فقيل له في ذلك ، ~~فقال : هذه بابه ، وهل ثم باب أخرى أقصده منها ؟ فقبله الحق تعالى ، ولبى ~~دعوته. وكذلك قضية الرجل الذي قيل له ، من قبل الوحي : إنك من أهل النار ؛ ~~فزاد في العبادة والاجتهاد. فهذا كله يصدق عليه الصبر عن الله. لكن لا يفهم ~~كماله إلا من كملت معرفته ، وتحقق بمقام الفناء ، فحينئذ قد يسهل عليه أمره ~~؛ لكمال عبوديته ، كما قال القائل : # وكنت قديما أطلب الوصل منهم # فلما أتاني العلم وارتفع الجهل # تيقنت أن العبد لا طلب له # فإن قربوا فضل وإن بعدوا عدل # وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم # وإن ستروا فالستر من أجلهم يحلو # وأما من لم تكمل معرفته ، فقد ينكره ويذمه ، كالعباد والزهاد والعشاق ، ~~فإنهم لا يطيقونه ، فإما أن يختل عقلهم ، أو يرجعون إلى الانهماك في ~~البطالة. والله تعالى أعلم. وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 72 # جزء : 4 رقم الصفحة : 69 PageV04P100 ### | AUTO سورة الإسراء # جزء : 4 رقم الصفحة : 72 # قلت : {سبحان} : مصدر غير متصرف ms1385 ، منصوب بفعل واجب الحذف ، أي أسبح ~~سبحان. وهو بمعنى التسبيح ، أي : التنزيه ، وقد يستعمل علما له ، فيقطع عن ~~الإضافة ويمنع الصرف ، كقول الشاعر : # قد أقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # و{ليلا} : منصوب على الظرفية لأسرى. وفائدة ذكره ، مع أن السرى هو السير ~~بالليل ، ليفيد التقليل ، ولذلك نكره ، كأنه قال : أسرى بعبده مسيرة أربعين ~~ليلة في بعض الليل ، وذلك ابلغ في المعجزة. ويقال : أسرى وسرى ، رباعيا ~~وثلاثيا. # يقول الحق جل جلاله : {سبحان الذي أسرى بعبده} وهو : نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، أي : تنزيها له عن الأماكن والحدود والجهات ، إذ هو أقرب من كل ~~شيء إلى كل شيء. وإنما وقع الإسراء برسوله - عليه الصلاة والسلام - ليقتبس ~~أهل العالم العلوي ، كما اقتبس منه أهل العالم السفلي ، فأسرى به {ليلا من ~~المسجد الحرام} بعينه ؛ لما روي أنه - عليه # 73 # الصلاة والسلام - قال : " بينما أنا في المسجد الحرام في الحجر ، عند ~~البيت ، بين النائم واليقظان ، إذ أتاني جبريل بالبراق ". أو : من الحرم ؛ ~~لما روي أنه كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء ، فأسري به ، وسماه ~~مسجدا ؛ لأن الحرم كله مسجد. قاله البيضاوي. قلت : والظاهر أنه وقع مرتين : ~~مرة بجسده من البيت ، ومرة بروحه من بيت أم هانئ. والله تعالى أعلم بما كان. PageV04P101 # قال في المستخرج من تفسير الغزنوني وغيره : قيل : كان رؤيا صادقة ، وقيل : ~~أسرى بروحه ، وهو خلاف القرآن ، وإن أسند إلى عائشة - رضي الله عنها - ، ~~والجمهور على ما رواه عامة الصحابة ، دخل كلام بعضهم في بعض ، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أتاني جبريل عليه السلام ، وإذا دابة فوق ~~الحمار ودون البغل ، خطوها مد بصرها ، فمر بي بين السماء والأرض إلى بيت ~~المقدس ، فنشر لي رهط من الأنبياء ، فصليت بهم. وإذا أنا بالمعراج ، وهو ~~أحسن ما رأيت ، فعرج بي ، فرأيت في سماء الدنيا رجلا أعظم الناس وجها ~~وهيكلا ، فقيل : هذا أبوك آدم ، وفي السماء الثانية شابين ، فقيل : هما ~~يحيى وعيسى ، وفي الثالثة رجلا أفضل الناس حسنا ms1386 ، فقيل : أخوك يوسف ، وفي ~~الرابعة إدريس ، وفي الخامسة هارون ، وفي السادسة موسى ، وفي السابعة ~~إبراهيم - صلوات الله على جميعهم -. فانتهيت إلى سدرة المنتهى ، فغشيتها ~~ملائكة ، كأنهم جراد من ذهب ، فرأيت جبريل عليه السلام يتضاءل كأنه صعوة - ~~أي : عصفور - فتخلف ، وقال : وما منا إلا له مقام معلوم ، فجاوزت سبعين ~~حجابا ، ثم احتملني الرفرف إلى العرش ، فنوديت : حي ربك. فقلت : لا احصي ~~ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ". فلما أخبر بما رأى كذبه أهل مكة ، ~~ولو كان في النوم ما أنكره المشركون. وقيل : كانا معراجين ، بمكة والمدينة ~~، في النوم واليقظة. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 73 PageV04P102 ~~قلت : وقوع المعراج بالمدينة غريب. قال المهدوي : مرتبة الإسراء بالجسم إلى ~~تلك الحضرات العلية خاصة بنبينا ، لم يكن لغيره من الأنبياء. وعده السيوطي ~~من الخصائص. قال ابن جزي : وحجة الجمهور : أنه لو كان مناما ، لم تنكره ~~قريش ، ولم يكن في ذلك ما يكذب ، ألا ترى أن أم هانئ قالت له - عليه الصلاة ~~والسلام- : (لا تخبر بذلك أحدا). وحجة من قال إنه كان مناما : قوله تعالى : ~~{وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} [الإسراء : 60] ، وإنما يقال : الرؤيا ، في ~~المنام ، ويقال ، فيما يرى بالعين : # 74 # رؤية ، وقوله ، في آخر حديث الإسراء : " فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام ~~" ، ثم قال : وقد يجمع بينهما بأنه وقع مرتين. ه. # وقوله تعالى : {إلى المسجد الأقصى} هو : بيت المقدس ؛ لأنه لم يكن حينئذ ~~وراءه مسجد ، {الذي باركنا حوله} ببركات الدين والدنيا ؛ لأنه مهبط الوحي ~~ومتعبد الأنبياء ، ومحفوف بالأنهار والأشجار والثمار. أسرينا به ؛ {لنريه ~~من آياتنا} الدالة على عجائب قدرتنا ، ونكشف له عن أسرار ذاتنا ، فأطلعه ~~الله على عجائب الملكوت ، وأراه سنا الجبروت. روى عكرمة عن ابن عباس : أنه ~~قال : قد رأى محمد ربه ، قلت : أليس الله يقول : {لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار} [الأنعام : 103] ، قال : ويحك ، ذلك إذا تجلى بنوره الذي هو ~~نوره ، وقد رأى ربه مرتين. ه. قلت : معنى كلامه : أنه إذا تجلى بنوره ~~الأصلي ، من غير واسطة ، لا يمكن إدراكه ، وأما إذا تجلى بواسطة ms1387 المظهر ~~فإنه يمكن إدراكه ، والحاصل : أن الحق تعالى إنما يتجلى على قدر الرائي ، ~~لا على قدره ؛ إذ لا يطيقه أحد. وسيأتي ، في الإشارة ، بقية الكلام عليه ، ~~إن شاء الله. {إنه هو السميع البصير} أي : السميع لأقوال حبيبه في حال ~~مناجاته ، البصير بأحواله ، فيكرمه ويقربه على حسب ذلك. PageV04P103 # الإشارة : قال بعض الصوفية : إنما قال تعالى : {بعبده} ، ولم يقل : بنبيه : ~~ولا برسوله ؛ ليدل على أن كل من كملت عبوديته كان له نصيب من الإسراء. غير ~~أن الإسراء بالجسد مخصوص به - عليه الصلاة والسلام - ، وأما الإسراء بالروح ~~فيقع للأولياء ؛ على قدر تصفية الروح ، وغيبتها عن هذا العالم الحسي ، ~~فتعرج أفكارهم وأرواحهم إلى ما وراء العرش ، وتخوض في بحار الجبروت ، ~~وأنوار الملكوت ، كل على قدر تخليته وتحليته. وإنما خص الإسراء بالليل ؛ ~~لكونه محل فراغ المناجاة والمواصلات ، ولذلك رتب بعثه مقاما محمودا على ~~التهجد بالليل في هذه السورة. قاله المحشي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 73 # وقوله تعالى : {سبحان الذي أسرى} ، قال الورتجبي : أي : تنزه عن إشارة ~~الجهات والأماكن في الفوقية ، وما يتوهم الخلق ؛ من أنه إذ أوصل عبده إلى ~~وراء الوراء ، أنه كان في مكان ، أي : لا تتوهموا برفع عبده إلى ملكوت ~~السماوات ، أنه رفع إلى مكان ، أو هو في مكان ، فإن الأكوان والمكان أقل من ~~خردلة في وادي قدرته ، أي : في بحر عظمته ؛ ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة ~~والسلام : " الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة " والعندية والفوقية منه ، ~~ونزه نفسه عن أوهام المشبهات ، حيث توهموا أنه أسرى به إلى المكان ، أي : ~~سبحان من تنزه عن هذه التهمة. ه. وقال القشيري : أرسله الحق تعالى ؛ ليتعلم ~~أهل الأرض منه العبادة ، ثم رقاه إلى السماء ليتعلم منه الملائكة - عليهم ~~السلام - آداب العبادة ، قال تعالى : {ما زاغ البصر وما طغىا} [النجم : 17] ، وما # 75 # التفت يمينا ولا شمالا ، ما طمع في مقام ، ولا في إكرام ، تحرر عن كل طلب ~~وأرب ، تلك الليلة. ه. PageV04P104 # قلت : ولذلك أكرمه الله تعالى بالرؤية ، التي منع منها نبيه موسى عليه ~~السلام ، حيث ms1388 وقع منه الطلب " ربما دلهم الأدب على ترك الطلب " ، وقال ~~الورتجبي : أسرى به عن رؤية فعله وآياته ، إلى رؤية صفاته ، ومن رؤية صفاته ~~إلى رؤية ذاته ، وأشهده مشاهد جماله ، فرأى الحق بالحق ، وصار هنالك موصوفا ~~بوصف الحق ، فكان صورته روحه ، وروحه عقله ، وعقله قلبه ، وقلبه سره ، فرأى ~~الحق بجميع وجوده ؛ لأن وجوده فان بجميعه ، فصار عينا من عيون الحق ، فرأى ~~الحق بجميع العيون ، وسمع خطابه بجميع الأسماع ، وعرف الحق بجميع القلوب. ه. # وقال ، في قوله تعالى : {إلى المسجد الأقصى} : سبب بداية المعراج بالذهاب ~~إلى المسجد الأقصى ، لأن هناك الآية الكبرى ؛ من بركة أنوار تجليه لأرواح ~~الأنبياء وأشباحهم ، وهناك بقربه طور سيناء ، وطور زيتا ، والمصيصة ، ومقام ~~إبراهيم وموسى وعيسى ، وفي تلك الجبال مواضع كشوف الحق ، ولذلك قال : ~~{باركنا حوله} ، انظر تمامه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 73 # قلت : {ذرية} : منادى ، أي : يا ذرية من حملنا مع نوح ، والمراد : بني ~~إسرائيل. وفي ندائهم بذلك : تلطف وتذكير بالنعم ، وقيل : مفعول أول بتتخذوا ~~، أي : لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلا ، فتكون كقوله : {ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا} [آل عمران : 80]. PageV04P105 # يقول الحق جل جلاله : {وآتينا موسى الكتاب} التوراة {وجعلناه} أي : التوراة ~~{هدى لبني إسرائيل} ، وقلنا : {ألا تتخذوا من دوني وكيلا} تفوضون إليه ~~أموركم ، وتطيعونه فيما يأمركم. بل فوضوا أموركم إلى الله ، واقصدوا ~~بطاعتكم وجه الله ، يا {ذرية من حملنا مع نوح} ، فاذكروا نعمة الإنجاء من ~~الغرق ، وحمل أسلافكم في سفينة نوح ، {إنه كان عبدا شكورا} ؛ يحمد الله ~~ويشكره في جميع حالاته. وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره ، ~~وحث للذرية على الاقتداء به. والله تعالى أعلم. # الإشارة : المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو ، إفراد الوجهة إلى ~~الحق ، ورفع الهمة عن الخلق ، حتى لا يبقى الركون إلا إليه ، ولا الاعتماد ~~إلا عليه ، وهو # 76 # مقتضى التوحيد. قال تعالى {لا إلاه إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل : 9]. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 76 # يقول الحق جل جلاله : {وقضينا إلى ms1389 بني إسرائيل} أي : أخبرناهم وأوحينا ~~إليهم {في الكتاب} ؛ التوراة ، وقلنا : والله {لتفسدن في الأرض مرتين} الخ. ~~أو : قضينا عليهم {في الكتاب} ؛ اللوح المحفوظ ، {لتفسدن في الأرض مرتين} ~~الخ. أو : قضينا عليهم {في الكتاب} : اللوح المحفوظ ، {لتفسدن في الأرض ~~مرتين} أي : إفسادتين ، أولاهما : مخالفة أحكام التوراة وقتل أشعياء ، وقيل ~~: أرمياء. وثانيتهما : قتل زكريا ويحيى ، وقصد قتل عيسى عليه السلام ، ~~{ولتعلن علوا كبيرا} ؛ ولتستكبرن عن طاعة الله ، أو لتظلمن الناس وتستعلون ~~عليهم علوا كبيرا. PageV04P106 # {فإذا جاء وعد} ؛ عقاب {أولاهما} أي : أول مرتي الإفساد ؛ بأن أفسدوا في ~~الأرض المرة الأولى {بعثنا عليكم عبادا لنا} ؛ بختنصر وجنوده {أولي بأس ~~شديد} ؛ ذوي قوة وبطش في الحرب شديد ، {فجاسوا} ؛ فترددوا لطلبكم {خلال ~~الديار} ؛ وسطه ؛ للقتل أو الغارة ، فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم ، وحرقوا ~~التوراة ، وخربوا المسجد. وفي التذكرة للقرطبي : أنه سلط عليهم في المرة ~~الأولى بختنصر ، فسباهم ، ونقل ذخائر بيت المقدس على سبعين ألف عجلة ، ~~وبقوا في يده مائة سنة. ثم رحمهم الله تعالى وأنقذهم من يده ، على يد ملك ~~من ملوك فارس ، ثم عصوا ، فسلط عليهم ملك الروم قيصر. ه. قال تعالى : {وكان ~~وعدا مفعولا} أي : وكان وعد عقابهم وعدا مقضيا لا بد أن يفعل. # {ثم رددنا لكم الكرة} أي : الدولة والغلبة {عليهم} أي : على الذين بعثوا ~~عليكم ، فرجع الملك إلى بني إسرائيل ، واستنقذوا أسراهم ، فقيل : على يد " ~~بهمن بن إسفنديار " ؛ ملك فارس ، فاستنقذهم ، ورد أسراهم إلى الشام ، وملك ~~دانيال عليهم ، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر ، وقيل : على يد ~~داود عليه السلام حين قتل # 77 # جالوت. قال تعالى : {وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} أي : ~~عددا مما كنتم. والنفير : من ينفر مع الرجل من قومه ، وقيل : جمع نفر ، وهم ~~: المجتمعون للذهاب إلى الغزو. # جزء : 4 رقم الصفحة : 77 PageV04P107 ~~ثم قال تعالى لهم : {إن أحسنتم} بفعل الطاعة والعمل الصالح ، {أحسنتم ~~لأنفسكم} ؛ لأن ثوابه لها ، {وإن أسأتم فلها} ؛ فإن وبالها عليها. وذكر ~~باللام للازدواج. {فإذا جاء وعد الآخرة} أي : وعد عقوبة المرة الأخيرة ، ~~بأن أفسدوا ms1390 في المرة الآخرة ، بعثنا عليكم عبادا لنا آخرين ، أولي بأس شديد ~~{ليسؤوا وجوهكم} ، يجعلوها تظهر فيها آثار السوء والشر ، كالكآبة والحزن ، ~~كقوله : {سيئت وجوه الذين كفروا} [الملك : 27] {وليدخلوا المسجد} ؛ بيت ~~المقدس {كما دخلوه أول مرة وليتبروا} ؛ وليهلكوا {ما علوا} عليه {تتبيرا} ؛ ~~إهلاكا ، أو مدة علوهم. قال البيضاوي : وذلك بأن الله سلط عليهم الفرس مرة ~~أخرى ، فغزاهم ملك بابل ، اسمه " حردون " ، وقيل : " حردوس " ، قيل : دخل ~~صاحب الجيش مذبح قرابينهم ، فوجد دما يغلي ، فسأل عنه ، فقالوا : دم قربان ~~لم يقبل منا. فقال : ما صدقتموني ، فقتل عليه ألوفا منهم ، فلم يهدأ الدم. ~~ثم قال : إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا ، فقالوا : دم يحيى ، فقال : ~~لمثل هذا ينتقم منكم ربكم ، ثم قال : يا يحيى ، قد علم ربي وربك ما أصاب ~~قومك ، فاهدأ بإذن الله ، قبل ألا أبقي منهم أحدا ، فهدأ. ه. # وقال السهيلي في كتاب " التعريف والإعلام " : المبعوث في المرة الأولى هم ~~أهل بابل ، وكان إذ ذاك عليهم " بختنصر " ، حين كذبوا أرمياء وجرحوه ~~وحبسوه. وأما في المرة الأخيرة : فقد اختلف فيمن كان المبعوث عليهم ، وأن ~~ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا. فقيل : بختنصر ، وهذا لا يصح ؛ لأن قتل ~~يحيى كان بعد رفع عيسى ، وبختنصر كان قبل عيسى بزمان طويل. ه. وقول الجلال ~~السيوطي : وقد أفسدوا في الأولى بقتل زكريا ، فبعث عليهم جالوت وجنوده ، ~~ولا يصح ؛ لأنه يقتضي أن داود تأخر عن زكريا ، وهو باطل. PageV04P108 # ثم قال تعالى لبني إسرائيل : {عسى ربكم أن يرحمكم} بعد المرة الأخرى ويجبر ~~كسركم ، {وإن عدتم عدنا} إلى عقوبتكم ، وقد عادوا بتكذيب نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، وقصد قتله ، فعاد إليهم بتسليطه عليهم ، فقتل من بني ~~قريظة سبعمائة في يوم واحد ، وسبى ذراريهم ، وباعهم في الأسواق ، وأجلى بني ~~النضير ، وضرب الجزية على الباقين. هذا في الدنيا ، {وجعلنا جهنم للكافرين} ~~منهم ومن غيرهم {حصيرا} ؛ محبسا ، لا يقدرون على الخروج منها ، أبد الآباد. ~~وقيل : بساطا كبسط الحصير ، كقوله : {لهم من جهنم مهاد} [الأعراف : 41]. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم ms1391 الصفحة : 77 # الإشارة : قد قضى الحق جل جلاله ما كان وما يكون في سابق علمه ، فما من ~~نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه. فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته ، ~~إذا أصبح # 78 # نظر ما يفعل الله به. فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها ، وأبهم على ~~عباده أمرها ، فلو ظهرت لبطل سر التكليف. ولذلك لما سئل عنه سيدنا علي - ~~كرم الله وجهه - قال للسائل : (بحر عميق لا تطيقه) ، فأعاد عليه السؤال ، ~~فقال : (طريق مظلم لا تسلكه) ؛ لأنه لا يفهم سر القضاء والقدر ، إلا من دخل ~~مقام الفناء والبقاء ، وفرق بين القدرة والحكمة ، وبين العبودية والربوبية ~~، فإذا تحقق العارف بالوحدة ، علم أن الحق تعالى أظهر من خلقه مظاهر أعدهم ~~للإكرام ، وأظهر خلقا أعدهم للانتقام ، وأبهم الأمر عليهم ، ثم خلق فيهم ~~كسبا واختيارا فيما يظهر لهم ، وكلفهم ؛ لتقوم الحجة عليهم ، وتظهر صورة ~~العدل فيهم. {ولا يظلم ربك أحدا}. فالقدرة تبرز ما سبق في الأزل ، والحكمة ~~تستر أسرار القدر. لكن جعل للسعادة علامات كالتوفيق والهداية للإيمان ، ~~وللشقاوة علامات ؛ كالخذلان والكفران. نعوذ بالله من سوء القضاء وحرمان ~~الرضا. آمين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 77 PageV04P109 ~~قلت : " وأن الذين " : إما عطف على " أن " الأولى ، أو على " ويبشر " ~~بإضمار يخبر. # يقول الحق جل جلاله : {إن هذا القرآن يهدي للتي} ؛ للطريق التي {هي أقوم} ~~الطرق وأعدلها ، {ويبشر المؤمنين الذين يعملون} الأعمال {الصالحات أن لهم ~~أجرا كبيرا} وهو : الخلود في النعيم المقيم ، وزيادة النظر إلى وجهه ~~الكريم. {و} يخبر {أن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا} أي : أعددنا {لهم ~~عذابا أليما} ، أو : ويبشر المؤمنين ببشارتين : ثوابهم ، وعقاب أعدائهم. # الإشارة : لا شك أن القرآن يهدي إلى طريق الحق ؛ إما إلى طريق توصل إلى ~~نعم جنانه ، أو إلى طريق توصل إلى شهوده ودوام رضوانه ، فالأولى طريق ~~الشرائع والأحكام ، والثانية طريق الحقائق والإلهام ، لكن لا يدرك هذا من ~~القرآن إلا من صفت مرآة قلبه بالمجاهدة والذكر الدائم ، ولذلك أمر شيوخ ~~التربية المريد بالاشتغال بالذكر المجرد ، حتى يشرق قلبه بأنوار المعارف ، ~~ويرجع من ms1392 الفناء إلى البقاء ، ثم بعد ذلك يمر بالتلاوة ، ليذوق حلاوة ~~القرآن ، ويتمتع بأنواره وأسراره ، وقد أنكر بعض من لا معرفة له بطريق ~~التربية على الفقراء هذا الأمر - أعني : ترك التلاوة في بدايتهم - ؛ محتجا ~~بهذه الآية ، ولا دليل فيها عليهم ، لأن كون القرآن يهدي للتي هي أقوم يعني ~~: التمسك والتدبر في معانيه ، # 79 # دليل فيها عليهم ؛ لأن كون القرآن يهدي للتي هي أقوم يعني : التمسك ~~والتدبر في معانيه ، ولا يصح ذلك على الكمال إلا بعد تصفية القلوب ، كما هو ~~مجرب ، ولا ينكر هذا إلا من لا ذوق له في علوم القوم ، وربما يذكر وجود ~~التربية من أصلها ، ويسد الباب في وجوه الناس ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 79 PageV04P110 ~~قلت : {دعاءه} : مفعول مطلق. والإضافة في قوله : {آية الليل} و{آية النهار} ~~: بيانية ، أي : فمحونا الآية التي هي الليل ، وجعلنا الآية التي هي النهار ~~مبصرة. وإذا أريد بالآيتين السشمس والقمر ؛ تكون للتخصيص ، أي : وجعلنا ~~نيري الليل والنهار آيتين ، أو : وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين... الخ ، ~~و{كل شيء} : منصوب بفعل مضمر ، يفسره ما بعده ، وكذا : {وكل إنسان} و{يلقاه ~~منشورا} : صفتان لكتاب. # يقول الحق جل جلاله : {ويدع الإنسان} على نفسه وولده وماله {بالشر} عند ~~الغضب والقنط. {دعاءه بالخير} ؛ مثل دعائه بالخير. وهو ذم له يدل على عدم ~~صبره ، وربما وافق وقت الإجابة فيهلك ، {وكان الإنسان عجولا} ؛ يسارع إلى ~~كل ما يخطر بباله ، لا ينظر عاقبته. ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر ، ~~وبالدعاء استعجاله بالعذاب ؛ استهزاء ، كقول النضر بن الحارث : اللهم انصر ~~خير الحزبين ؛ {اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السمآء} [الأنفال : 32] الآية. وقيل : المراد بالإنسان : آدم عليه السلام ، ~~فإنه لما انتهى الروح إلى سرته ذهب ليقوم ، فسقط ، وهو بعيد. فإذا نزلت ~~بالإنسان قهرية فلا يقنط ولا يستعجل ، فإن وقت الفرج محدود ، فالليل ~~والنهار مطيتان ، يقربان كل بعيد ، ويبليان كل جديد ، ويأتيان بكل موعود. # ولذا قال تعالى إثره : {وجعلنا الليل والنهار آيتين} دالتين على كمال ~~قدرتنا ، وباهر ms1393 حكمتنا ، يتعاقبان على الإنسان ، يقربان له كل بعيد ، ~~ويأتيان له بكل موعود. {فمحونا آية الليل} أي : فمحونا الآية التي هي الليل ~~؛ بأن جعلناها مظلمة ، لتسكنوا فيه ، {وجعلنا آية النهار مبصرة} أي : مضيئة ~~مشرقة لتبتغوا ؛ من فضله ، أو : وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين ، وهما : ~~الشمس والقمر ، {فمحونا آية الليل} ، وهو القمر ؛ بأن جعلناه أطلس ، لا # 80 PageV04P111 ~~نور فيه من ذاته ، بل نوره مستمد من نور الشمس ، {وجعلنا آية النهار} ، وهي ~~الشمس {مبصرة} للناس ، أو مبصرا فيها بالضوء الذاتي ، {لتبتغوا فضلا من ~~ربكم} ؛ لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم ، {ولتعلموا} ؛ باختلافهما ~~وبحركتهما ، {عدد السنين والحساب} ؛ وحساب الأوقات من الأشهر والأيام ، في ~~معاملتكم وتصرفاتكم ، {وكل شيء} تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا {فصلناه ~~تفصيلا} ؛ بيناه تبيينا لا لبس فيه ، أو : وكل شيء يظهر في الوجود ، فصلناه ~~وقدرناه في اللوح المحفوظ تفصيلا ، فلا يظهر في عالم الشهادة إلا ما فصل في ~~عالم الغيب. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 80 # وكل إنسان ألزمناه طائره} أي : حظه وما قدر له من خير وشر ، فهو لازم {في ~~عنقه} ؛ لا ينفك عنه. ويقال لكل ما لزم الإنسان : قد لزم عنقه. وإنما قيل ~~للحظ المقدر في الأزل من الخير والشر : طائر ؛ لقول العرب : جرى لفلان ~~الطائر بكذا من الخير والشر ، على طريق الفأل والطيرة ، فخاطبهم الله بما ~~يستعملون ، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو ملزم لأعناقهم ، ~~لا محيد لهم عنه ، كالسلسلة اللازمة للعنق ، يجر بها إلى ما يراد منه. ~~ومثله : {ألآا إنما طائرهم عند الله} [الأعراف : 131] ، وقال مجاهد : " ما ~~من مولود يولد إلا في عنقه ورقة ، مكتوب فيها شقي أو سعيد ". أو : وكل ~~إنسان ألزمناه عمله ؛ يحمله في عنقه ، {ونخرج له يوم القيامة كتابا} مكتوب ~~فيه عمله ، وهو صحيفته. {يلقاه منشورا} ، ويقال له : {اقرأ كتابك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا} ؛ محاسبا ، لا تحاسبك إلا نفسك ، أو : رقيبا وشهيدا ~~علىعملك ، أو : لا يعد عليك أعمالك إلا نفسك. والله تعالى أعلم. PageV04P112 # الإشارة : ينبغي للإنسان أن يكون داعيا بلسانه ، مفوضا لله ms1394 في قلبه ، لا ~~يعقد على شيء من الحظوظ والمآرب ، فقد يدعو بالخير في زعمه ، وهو شر في نفس ~~الأمر في حقه ، وقد يدعو بالشر وهو خير. وقد تأتيه المضار من حيث يرتقب ~~المسار ، وقد تأتيه المسار من حيث يخاف الضرر ؛ {والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون}. فالتأني والسكون من علامة العقل ، والشرة والعجلة من علامة الحمق. ~~فما كان من قسمتك لا بد يأتيك في وقته المقدر له ، وما ليس من قسمتك لا ~~يأتيك ، ولو حرصت كل الحرص. فكل شيء سبق تفصيله وتقديره ، فمن وجد خيرا ~~فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 80 # 81 # يقول الحق جل جلاله : {من اهتدى} وآمن بالله وبما جاءت به الرسل {فإنما ~~يهتدي لنفسه} ؛ لأن ثواب اهتدائه له ، لا ينجي اهتداؤه غيره ، {ومن ضل} عن ~~طريق الله {فإنما يضل عليها} ؛ لأن إثم إضلاله على نفسه ، لا يضر به غيره ~~في الآخرة ، {ولا تزر} أي : لا تحمل نفس {وازرة} ؛ آثمة {وزر} نفس {أخرى} ~~أي : ذنوب نفس أخرى ، بل إنما تحمل وزرها ، إلا من كان إماما في الضلالة ، ~~فيحمل وزره ووزر من تبعه ، على ما يأتي في آية أخرى : {وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت : 13]. # ومن كمال عدله تعالى : أنه لا يعذب حتى ينذر ويعذر على ألسنة الرسل ، كما ~~قال تعالى : {وما كنا معذبين} أحدا في الدنيا ولا في الآخرة {حتى نبعث ~~رسولا} يبين الحجج ويمهد الشرائع ، ويلزمهم الحجة. PageV04P113 # وفيه دليل على أن لا حكم قبل الشرع ، بل الأمر موقوف إلى وروده ، فمن بلغته ~~دعوته ، وخالف أمره ، واستكبر عن أتباعه ، عذبناه بما يستحقه. وهذا أمر قد ~~تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام - عليهم السلام - ~~في جميع الأمم ، قال تعالى : {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} [النحل : 36] ، ~~{وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر : 24] ، فإن دعوتهم إلى الله قد ~~انتشرت ، وعمت الأقطار ، واشتهرت ، انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي ~~بعد إسماعيل عليه السلام : {ما سمعنا ms1395 بهاذا فى الملة الآخرة} [ص : 7] ؛ ~~فإنه يفهم منه أنهم سمعوه في الملة الأولى ، فمن بلغته دعوة أحد منهم ، ~~بوجه من الوجوه فقصر ، فهو كافر مستحق للعذاب. فلا تغتر بقول كثير من الناس ~~بنجاة أهل الفترة ، مع إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن آباءهم ، الذين ~~مضوا في الجاهلية ، في النار ، وأن ما يدحرج من الجعل ، خير منهم ، إلى غير ~~ذلك من الأخبار. قاله البقاعي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 81 # وقال الإمام أبو عبد الله الحليمي - أحد أجلاء الشافعية ، وعظماء أئمة ~~الإسلام - في أول منهاجه ، في باب : " من لم تبلغه الدعوة " : وإنما قلنا : ~~إن من كان منهم عاقلا مميزا إذا رأى ونظر ، إلا أنه لا يعتقد دينا فهو كافر ~~؛ لأنه ، وإن لم يكن سمع دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا شك أنه ~~سمع دعوة أحد من الأنبياء قبله ، على كثرتهم وتطاول أزمان دعوتهم ، ووفور ~~مدد الذين آمنوا واتبعوهم ، والذين كفروا بهم وخالفوهم ، فإن الخبر قد يبلغ ~~على لسان المخالف ، كما يبلغ على لسان الموافق ، وإذا سمع آية دعوة كانت ~~إلى الله تعالى ، فترك أن يستدل بعقله ، كان معرضا عن الدعوة فكفر ، والله ~~أعلم. وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين ، ولا بدعوة نبي ، ولا عرف أن في ~~العالم من يثبت إلها ، # 82 PageV04P114 ~~وما نرى أن ذلك يكون ، فأمره على الاختلاف ، يعني : عند من يوجب الإيمان ~~بمجرد العقل ، ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل. ه. # وقال الزركشي ، في آخر باب النيات ، من شرحه على المنهاج : وقد أشار ~~الشافعي إلى عسر تصور عدم بلوغ الدعوة ، حيث قال : وما أظن أحدا إلا بلغته ~~الدعوة ، إلا أن يكون قوم من وراء النهر. وقال الدميري : وقال الشافعي : ~~ولم يبق أحد لم تبلغه الدعوة. انتهى ؛ على نقل شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن ~~الفاسي رضي الله عنه. # ثم قال تعالى : {وإذا أردنا أن نهلك قرية} أي : تعلقت إرادتنا بإهلاكها ؛ ~~لإنفاذ قضائنا السابق ، ودنا وقت إهلاكها ، {أمرنا مترفيها} ؛ منعميها ، ~~بمعنى رؤسائها ؛ بالطاعة على لسان رسول بعثناه ms1396 إليهم ، ويدل على ذلك ما ~~قبله وما بعده ، فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة ، لقوله : {ففسقوا فيها} ؛ ~~خرجوا عن أمرنا. وقيل : أمرناهم : ألهمناهم الفسق وحملناهم عليه ، أو : ~~جعلنا لهم أسباب حملهم على الفسق ؛ بأن صببنا عليهم من النعم ما أبطرهم ، ~~وأفضى بهم إلى الفسوق ، {فحق عليها القول} ؛ وجب عليها كلمة العذاب السابق ~~بحلوله ، أو بظهور معاصيهم. {فدمرناها تدميرا} ؛ أهلكناها بإهلاك أهلها ~~وتخريبها. {وكم أهلكنا} أي : كثيرا أهلكنا {من القرون} أي : الأمم {من بعد ~~نوح} ؛ كعاد وثمود وأصحاب الأيكة ، {وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا} ؛ ~~عالما ببواطنها وظواهرها ، فيعاقب عليها أو يعفو. وبالله التوفيق. PageV04P115 # الإشارة : من اهتدى إلى حضرة قدسنا فإنما يهتدي لينعم نفسه بأسرار قدسنا ، ~~ومن ضل عنها فإنما يضل عليها ؛ حيث حرمها لذيذ المعرفة. فإن كان في رفقة ~~السائرين ، ثم غلبه القضاء ، فلا يتعدى وبال رجوعه إلى غيره ، بل ما كان ~~يصل إليه من المدد يرجع إلى أصحابه ، وما كنا معذبين أحدا ؛ بإسدال الحجاب ~~بيننا وبينه ، حتى نبعث من يعرف بنا ، ويكشف الحجاب بيننا وبين من يريد ~~حضرتنا. والمراد بالحجاب : حجاب الوهم ؛ بإثبات حس الكائنات ، فلو انهتك ~~حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان ، ولو أشرق نور الإيقان لغطى وجود ~~الأكوان. وإذا أردنا أن نتلف قلوبا أمرنا أربابها بالتنعم بالحظوظ والشهوات ~~، فخرجوا عن طريق المجاهدة والرياضة ، فحق عليها القول بغم الحجاب ، ~~فدمرناها تدميرا ، أي : تركناها تجول في أودية الخواطر والشكوك ، فتلفت ~~وهلكت ، نعوذ بالله من شر الفتن ودرك المحن. # جزء : 4 رقم الصفحة : 81 # قلت : {لمن نريد} : بدل من ضمير {له} ؛ بدل بعض من كل. و{كلا} : مفعول ~~{نمد} ، و{هؤلاء} : بدل منه. و{كيف} : حال ، و{درجات} و{تفضيلا} : تمييز. # يقول الحق جل جلاله : {من كان يريد} بعمله الدنيا {العاجلة} ، مقصورا ~~عليها همه ، {عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} التعجيل له. قيد المعجل ~~والمعجل له بالمشيئة والإرادة ؛ لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه ، ولا كل ~~واحد جميع ما يهواه. قاله البيضاوي : {ثم جعلنا له} في الآخرة {جهنم ~~يصلاها} ؛ يدخلها ويحترق بها ms1397 ، حال كونه {مذموما مدحورا} ؛ مطرودا من رحمة ~~الله. والآية في الكفار ، وقيل : في المنافقين ، الذين يغزون مع المسلمين ~~لقصد الغنائم. والأصح : أنها تعم كل من اتصف بهذا الوصف. PageV04P116 # {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها} ؛ عمل لها عملها اللائق بها ، وهو : ~~الإتيان بما أمر به ، والانتهاء عما نهى عنه ، لا التقرب بما يخترعون ~~بآرائهم. وفائدة اللام في قوله : " لها " : اعتبار النية والإخلاص. والحال ~~أن العامل {مؤمن} إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب ، فإنه العمدة ، ~~{فأولئك} الجامعون للشروط الثلاثة {كان سعيهم مشكورا} عند الله ، مقبولا ~~مثابا عليه ؛ فإن شكر الله هو الثواب على الطاعة. # {كلا نمد} أي : كل واحد من الفريقين نمد بالعطاء مرة بعد أخرى ، {هؤلاء} ~~المريدين للدنيا ، {وهؤلاء} المريدين للآخرة ، نمد كلا {من عطاء ربك} في ~~الدنيا ، {وما كان عطاء ربك} فيها {محظورا} ؛ ممنوعا من أحد ، لا يمنعه في ~~الدنيا مؤمن ولا كافر ، تفضلا منه تعالى. {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} ~~في الرزق والجاه ، {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} من الدنيا ، فينبغي ~~الاعتناء بها دونها ، والتفاوت في الآخرة حاصل للفريقين ، فكما تفاوتت ~~الدرجات في الجنة تفاوتت الدركات في النار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 83 # وسبب التفاوت : زيادة اليقين ، والترقي في أسرار التوحيد لأهل الإيمان ، ~~أو الانهماك في الكفر والشرك لأهل الكفران. ولذلك قال تعالى : {لا تجعل مع ~~الله إلها آخر} تعبده. والخطاب لكل سامع ، أو للرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~والمراد أمته ، {فتقعد} ؛ فتصير حينئذ {مذموما مخذولا} ؛ جامعا على نفسك ~~الذم من الملائكة والمؤمنين ، والخذلان من الله. ومفهومه : أن الموحد يكون ~~ممدوحا منصورا في الدارين. # 84 PageV04P117 ~~الإشارة : قال صلى الله عليه وسلم : " من كانت الدنيا همه ، فرق الله عليه ~~أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له. ومن كانت ~~الآخرة نيته ، جمع الله عليه أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي ~~صاغرة " ، واعلم أن الناس على قسمين ؛ قوم أقامهم الحق لخدمته ، وهم : ~~العباد والزهاد ، وقوم اختصهم بمحبته ، وهم : العارفون بالله ؛ أهل الفناء ms1398 ~~والبقاء ، قال تعالى : {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك ~~محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} ؛ في الكرامات والأنوار ، وفي ~~المعارف والأسرار. وفضل العارفين على غيرهم كفضل الشمس على سائر الكواكب ، ~~هذا في الدنيا ، {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} ، يقع ذلك بالترقي في ~~معارج أسرار التوحيد ، وبتفاوت اليقين في معرفة رب العالمين. وقال القشيري ~~في تفسير الآية : منهم من لا يغيب عن الحضرة لحظة ، ثم يجتمعون في الرؤية ، ~~ويتفاوتون في النصيب لكل. وليس كل أحد يراه بالعين الذي يراه به صاحبه. ~~وأنشدوا : # لو يسمعون كما سمعت حديثها # خروا لعزة ركعا وسجودا # وقال الورتجبي : فضل العابدين بعضهم على بعض في الدنيا بالطاعات ، وفضل ~~العارفين بعضهم على بعض بالمعارف والمشاهدات ، فالعباد في الآخرة في درجات ~~الجنان متفاوتون ، والعارفون في درجات وصال الرحمن متفاوتون. وقال القشيري ~~أيضا : من كانت مشاهدته اليوم على الدوام ، كانت رؤيته غدا على الدوام ، ~~ومن لا فلا. ه. وقد تقدم تفاوت الناس في الرؤية بأبسط من هذا ، عند قوله ~~تعالى : {لا تدركه الأبصار} [الأنعام : 103]. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 83 # 85 PageV04P118 ~~قلت : {قضى} ، هنا ، بمعنى حكم وأوجب وأمر ، لا بمعنى القضاء ؛ إذ لو كان ~~كذلك لما عبد غير الله. وفي مصحف ابن مسعود : " ووصى ربك ألا تعبدوا ". ~~و(أن) : مفسرة ، أو مصدرية ، أي : بأن لا تعبدوا ، و{إما} : إن الشرطية ~~دخلت علهيا " ما " المؤكدة. و{فلا تقل} : جوابها. وتوحيد ضمير الخطاب في ~~{عندك} ، وفيما سبق - مع أن ما سبق ضمير الجمع - ؛ للاحتراز عن التباس ~~المراد ، فإن المقصود نهي كل أحد عن تأفيف والديه ونهرهما. ولو قوبل الجمع ~~بالجمع ، أو بالتثنية ، لم يحصل هذا المرام. # و" أف " : اسم فعل ، معناها : قول مكروه ، يقال عند الضجر ونحوه. قال ~~الهروي : أي : لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم ، ويقال لكل ما يضجر منه ~~ويستثقل : أف له. وقال في القاموس : أف ، يؤف ، ويئف : تأفف من كرب أو ضجر. ~~وأف : كلمة تكره ، وأفف تأفيفا ، وتأفف ، قالها ، ولغتها أربعون ، ثم ms1399 ~~ذكرها. وحركتها للبناء ، وتنوينها للتنكير. # يقول الحق جل جلاله : {وقضى ربك} ؛ أمر أمرا مقطوعا به ، ب {ألا تعبدوا ~~إلا إياه} ؛ لأن غاية التعظيم لا يكون إلا لمن له غاية العظمة ونهاية ~~الإنعام ، وهو الله وحده ، {و} أحسنوا {بالوالدين إحسانا} ؛ لأنهما السبب ~~الظاهر في وجود العبد ، وبهما قامت نعمة الإمداد من التربية والحفظ في ~~مظاهر الحكمة ، وإلا فما ثم إلا تربية الحق تعالى ، ظهرت في مظاهر الوالدين ~~، لكن أمر بشكر الواسطة ؛ " من لم يشكر الناس لم يشكر الله ". PageV04P119 # ثم أمر ببرهما ، فقال : {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} أي : مهما ~~بلغ زمن الكبر ، وهما عندك في كفالتك ، هما أو أحدهما ، {فلا تقل لهما أف} ~~أي : فلا تضجر فيما يستقذر منهما ويستثقل من مؤنتهما ، ولا تنطق بأدنى كلمة ~~توجعهما ، فأحرى ألا يقول لهما ما فوق ذلك. فالنهي عن ذلك يدل على المنع من ~~سائر أنواع الإيذاء ؛ قياسا بطريق الأخرى. وقال في الإحياء : الأف : وسخ ~~الظفر ، والتف : وسخ الأذن ، أي : لا تصفهما بما تحت الظفر من الوسخ ، ~~فأحرى غيره ، وقيل : لا تتأذ بهما كما يتأذى بما تحت الظفر. ه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 85 # ولا تنهرهما} ؛ ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ ، فإن كان لإرشاد ديني ~~فبرفق ولين. {وقل لهما قولا كريما} ؛ جميلا لينا لا غلظ فيه ، {واخفض لهما ~~جناح الذل} ؛ ألن لهما جانبك الذليل ، وتذلل لهما وتواضع. استعار للذل ~~جناحا ، وأضافه إليه ؛ مبالغة ؛ فإن الطير إذا تذلل أرخى جناحه إلى الأرض ، ~~كذلك الولد ، ينبغي أن يخضع لأبويه ، ويلين جانبه ، ويتذلل لهما غاية جهده. ~~وذلك {من الرحمة} أي : من إفراط الرحمة لهما والرقة والشفقة عليهما. {وقل ~~رب ارحمهما} أي : وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية ، ولا تكتف برحمتك ~~الفانية ، وإن كانا كافرين ؛ لأن من الرحمة # 86 # أن يهديهما للإسلام ، فقل اللهم ارحمهما {كما ربياني صغيرا} أي : رحمة ~~مثل رحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري ، وفاء بعهدك للراحمين. ~~فالكاف في محل نصب ؛ على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي : رحمة مثل تربيتهما ، ~~أو ms1400 مثل رحمتهما لي ، على أن التربية رحمة. ويجوز أن يكون لهما الرحمة ~~والتربية معا ، وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين والآخر في الآخر ، كما يلوح ~~له التعرض لعنوان الربوبية ، كأنه قيل : رب ارحمهما ، وربهما كما ربياني ~~صغيرا. ويجوز أن يكون الكاف للتعليل ، كقوله : {واذكروه كما هداكم} [البقرة ~~: 198]. PageV04P120 # ولقد بالغ الحق تعالى في التوصية بالوالدين ؛ حيث شفع الإحسان إليهما ~~بتوحيده سبحانه ، ونظمهما في سلك القضاء بعبادته ، ثم ضيق في برهما حتى لم ~~يرخص في أدنى كلمة تتفلت من المتضجر ، وختمها بأن جعل رحمته التي وسعت كل ~~شيء مشبهة بتربيتهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رضا الله ~~في الوالدين ، وسخطه في سخطهما " وروي : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : إن أبوي بلغا من الكبر إلى أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر ~~، فهل قضيتهما حقهما ؟ قال : " لا ؛ فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان ~~بقاءك ، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما " وروي أن شيخا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال : إن ابني هذا له مال كثير ، ولا ينفق علي من ماله شيئا ، ~~فنزل جبريل وقال : إن هذا الشيخ أنشأ في ابنه أبياتا ، ما قرع سمع بمثلها ، ~~فاستنشدها ، فأنشدها الشيخ ، فقال : # غذوتك مولودا ومنتك يافعا # تعل بما أجري عليك وتنهل # إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت # لسقمك إلا باكيا أتململ # جزء : 4 رقم الصفحة : 85 # كأني أنا المطروق دونك بالذي # طرقت به دونى وعيني تمهل # فلما بلغت السن والغاية التي # إليها مدى ما كنت فيك أؤمل # جعلت جزائي غلظة وفظاظة # كأنك أنت المنعم المتفضل # فليتك إذ لم ترع حق أبوتي # فعلت كما الجار المجاور يفعل PageV04P121 ~~ومن تمام برهما : زيارتهما بعد موتهما ، والدعاء لهما ، والتصدق عليهما ، ~~ففي الحديث : " إنما الميت في قبره كالغريق ، ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو ~~أخيه أو صديقه ، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها " وروى مالك ~~في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال : (كان يقال : إن الرجل ليرفع بدعاء ms1401 ~~ولده من بعده ، وأشار بيده نحو السماء) ، وهو مرفوع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم : من طريق أبي هريرة قال : " إن الله ليرفع العبد # 87 # الدرجة ، فيقول : يا رب ، أنى لي بها ؟ ! فيقول : باستغفار ابنك لك " ، ~~وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم : هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به ، ~~بعد موتهما ؟ فقال : " نعم... الصلاة عليهما - أي : الترحم والاستغفار لهما ~~- ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام ~~صديقهما ". قال تعالى : {ربكم أعلم بما في نفوسكم} من قصد البر إليهما ، ~~واعتقاد ما يجب لهما من التوقير. وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة ~~واستثقالا ، {إن تكونوا صالحين} ؛ قاصدين للصلاح ، أو طائعين لله ، {فإنه ~~كان للأوابين} : التوابين ، أو الرجاعين إلى طاعته ، {غفورا} لما فرط منهم ~~عند حرج الصدر ؛ من إذاية ظاهرة أو باطنة ، أو تقصير في حقهما. ويجوز أن ~~يكون عاما لكل تائب ، ويندرج فيه الجاني على أبويه اندراجا أوليا. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : كل ما أوحى الله تعالى به في حق والدي البشرية ، يجري مثله في ~~والد الروحانية ، وهو الشيخ ، ويزيد ؛ لأنه أوكد منه ؛ لأن أب البشرية كان ~~السبب في خروجه إلى دار الدنيا ، معرضا للعطب أو السلامة ، وأب الروحانية ~~كان سببا في خروجه من ظلمة الجهل إلى نور العلم والوصلة ، وهما السبب في ~~التخليد في النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد. وقد تقدم في سورة النساء تمام ~~هذه الإشارة. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 85 PageV04P122 ~~يقول الحق جل جلاله : {وآت ذا القربى حقه} أي : أعط ذا القربة حقه ؛ من ~~البر ، وصلة الرحم ، وحسن المعاشرة. وقال أبو حنيفة : إذا كانوا محاويج ~~فقراء : أن ينفق عليهم. وقيل : الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤتى ~~قرابته من بيت المال ، {و} آت {المسكين} حقه {وابن السبيل} ؛ الغريب ، من ~~برهما والإحسان إليهما ، {ولا تبذر تبذيرا} ؛ بصرف المال فيما لا ينبغي ، ~~وإنفاقه على وجه السرف. قال ابن عزيز : التبذير # 88 # في النفقة : الإسراف فيها ، وتفريقها في غير ms1402 ما أحل الله. ه. وأصل ~~التبذير : التفريق. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد ، وهو ~~يتوضأ : " ما هذا السرف " ؟ فقال : أو في الوضوء سرف ؟ فقال : " نعم ، وإن ~~كنت على نهر جار ". {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي : أمثالهم في ~~الشر ؛ فإن التضييع والإتلاف شر. أو : على طريقتهم ، أو : أصدقاؤهم ~~وأتباعهم ؛ لأنهم يطيعونهم في الإسراف ، روي أنهم كانوا ينحرون الإبل ~~ويتياسرون عليها - أي : يتقامرون - من الميسر ، وهو القمار - ويبذرون ~~أموالهم - في السمعة ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ، وأمرهم بالإنفاق في ~~القرابات. {وكان الشيطان لربه كفورا} ؛ مبالغا في الكفر ، فينبغي ألا يطاع. # {وإما تعرضن عنهم} أي : وإن أعرضت عما ذكر من ذوي القربى والمسكين وابن ~~السبيل ؛ حياء من الرد ، حيث لم تجد ما تعطيهم ، {ابتغاء رحمة من ربك ~~ترجوها} أي : لطلب رزق تنتظره يأتيك لتعطيهم منه ، {فقل لهم قولا ميسورا} ؛ ~~فقل لهم قولا لينا سهلا ، بأن تعدهم بالعطاء عند مجيء الرزق ، وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا سأله أحد ، ولم يجد ما يعطيه ، أعرض عنه ، حياء منه. ~~فأمر بحسن القول مع ذلك ، مثل : رزقنا الله وإياكم ، والله يغنيكم من فضله ~~، وشبه ذلك # جزء : 4 رقم الصفحة : 88 PageV04P123 ~~ثم أمره بالتوسط في العطاء ، فقال : {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} أي : ~~لا تمسكها عن الإنفاق كل الإمساك ، {ولا تبسطها كل البسط} ، وهو استعارة ~~لغاية الجود ، فنهى الحق تعالى عن الطرفين ، وأمر بالتوسط فيهما ، كقوله : ~~{إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا...} [الفرقان : 67] الآية. {فتقعد ملوما ~~محسورا} أي : فتصير ، إذا أسرفت ، ملوما عند الله وعند الناس ؛ بالإسراف ~~وسوء التبذير ، محسورا : منقطعا بك ، لا شيء عندك. وهو من قولهم : حسر ~~السفر بالبعير : إذا أتعبه ، ولم يبق له قوة. وعن جابر رضي الله عنه : بينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، أتاه صبي ، فقال له : إن أمي تستكسيك ~~الدرع الذي عليك ، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه ، وقعد عريانا ، وأذن بلال ~~، وانتظره للصلاة ، فلم يخرج ، فأنزل الله : {ولا تجعل يدك} الآية. ثم سلاه ~~بقوله ms1403 : {إن ربك يبسط الرزق} ؛ يوسعه {لمن يشاء ويقدر} ؛ يضيقه على من ~~يشاء. فكل ما يصيبك من الضيق فإنما هو لمصلحة باطنية ، {إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا} ؛ يعلم سرهم وعلانيتهم ، فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ؛ ~~فيرزقهم على حسب مصالحهم ، ويضيق عليهم على قدر صبرهم. والحاصل : أنه يعطي ~~كل واحد ما يصلح به ، والله أعلم. # 89 PageV04P124 ~~الإشارة : أمر الحق - جل جلاله - رسوله صلى الله عليه وسلم ، وخلفاءه ممن ~~كان على قدمه ، أن يعطوا حق الواردين عليهم من قرابة الدين والنسب ، ~~والمساكين والغرباء ، من البر والإحسان حسا ومعنى ؛ كتعظيم ملاقاته ، ~~وإرشادهم إلى ما ينفع بواطنهم ، والإنفاق عليهم ، من أحسن ما يجد ، حسا ~~ومعنى ، وخصوصا الإخوان في الله. فكل ما ينفق عليهم فهو قليل في حقهم ، ولا ~~يعد سرفا ، ولو أنفق ملء الأرض ذهبا. قال في القوت : دعا إبراهيم بن أدهم ~~الثوري وأصحابه إلى طعام ، فأكثر منه ، فقال له سفيان : يا أبا إسحاق ؛ أما ~~تخاف أن يكون هذا سرفا ؟ فقال إبراهيم : ليس في الطعام سرف. ه. قلت : هذا ~~إن قدمه إلى الإخوان الذاكرين الله ؛ قاصدا وجه الله ، وأما إن قدمه ؛ ~~مفاخرة ومباهاة دخله السرف. قاله في الحاشية الفاسية ، ومثله في تفسير ~~القشيري ، وأنه لا سرف فيما كان لله ، ولو أنفق ما أنفق. بخلاف ما كان ~~لدواعي النفس ولو فلسا. ه. وأما الخروج عن المال كله فمذموم ، إلا من قوي ~~يقينه ، كالصديق ، ومن كان على قدمه. وكذلك الاستقراض على الله ، واشتراؤه ~~بالدين من غير مادة معلومة ، إن كان قوي اليقين ، وجرب معاملته مع الحق ، ~~فلا بأس بفعل ذلك ؛ وإلا فليكف ؛ لئلا يتعرض لإتلاف أموال الناس فيتلفه ~~الله. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 88 PageV04P125 ~~قلت : {خشية} : مفعول من أجله ؛ لأن الخشية قلبية ، بخلاف الإملاق ، فإنه ~~حسي ؛ فجر بمن في سورة الأنعام. وهذه الآية في أغنياء العرب ، الذين كانوا ~~يخشون وقوع الفقر ، وما في " الأنعام ". وهذه الآية في أغنياء العرب ، ~~الذين كانوا يخشون وقوع الفقر ، وما في " الأنعام " نزلت في فقرائهم ، ~~الذين كان الفقر واقعا ms1404 بهم ، ولذلك قدم هناك كاف الخطاب ، وأخره هنا ، ~~فتأمله. و" خطا " يقال : خطئ خطأ ، كأثم إثما. وقرأ ابن عامر : " خطأ " ، ~~بفتحتين ، فهو إما اسم مصدر أخطأ ، أو لغة في خطئ ، كمثل ومثل ، وحذر وحذر. ~~وقرأ ابن كثير : " خطاء " ؛ بالمد ، إما لغة ، أو مصدر خاطأ. انظر ~~البيضاوي. # 90 # يقول الحق جل جلاله : {ولا تقتلوا أولادكم} مخافة الفاقة المستقبلة ، وقد ~~كانوا يقتلون البنات - وهو الوأد - مخافة الفقر ، فنهاهم ، عن ذلك ، وضمن ~~لهم أرزاقهم ، فقال : {نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ} ؛ إثما {كبيرا} ~~؛ لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع وإيلام الروح. {ولا تقربوا الزنا} ~~، نهى عن مقاربته بالمقدمات. كالعزم والنظر وشبهه ، فأحرى مباشرته ، {إنه ~~كان فاحشة} أي : فعلة ظاهرا فحشها وقبحها ، {وساء سبيلا} ؛ قبح طريقا طريقه ~~، وهو غصب الأبضاع ؛ لما فيه من اختلاط الأنساب وهتك محارم الناس ، وتهييج الفتن. PageV04P126 # {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} ؛ إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد ~~إيمان ، وزنى بعد إحصان ، وقتل مؤمن معصوم ؛ عمدا ، كما في الحديث. ويلحق ~~بها أشياء في معناها : كالحرابة ، وترك الصلاة ، ومنع الزكاة. {ومن قتل ~~مظلوما} أي : غير مستوجب للقتل {فقد جعلنا لوليه} أي : الذي يلي أمره بعد ~~وفاته ، وهو الوارث ، {سلطانا} ؛ تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل بأخذ الدية ~~، أو القصاص ، وقوله : {مظلوما} : يدل على أن القتل عمد ؛ لأن الخطأ لا ~~يسمى ظلما. أو : جعلنا له حجة غالبة ، {فلا يسرف في القتل} ؛ بأن يقتل من ~~لا يحق قتله ، أو بالمثلة ، أو قتل غير القاتل ، {إنه} أي : الولي {كان ~~منصورا} ؛ حيث وجب القصاص له ، وأمر الولاة بمعونته. أو : إنه ، أي : ~~المقتول ، كان منصورا في الدنيا ؛ بثبوت القصاص ممن قتله ، وفي الآخرة ~~بالثواب. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 90 # ولا تقربوا مال اليتيم} فضلا عن أن تتصرفوا فيه {إلا بالتي هي أحسن} ؛ ~~إلا بالطريقة التي هي أحسن ، كالحفظ والتنمية ، {حتى يبلغ أشده} ؛ حتى يتم ~~رشده ، ثم يدفع له ، فإن دفعه لمن يتصرف فيه بالمصلحة فلا بأس ، {وأوفوا ~~بالعهد} إذا عاهدتم الله أو الناس ، {إن العهد ms1405 كان مسؤولا} أي : مطلوبا ~~الوفاء به ، فيطلب من المعاهد ألا يضيعه ، أو : مسؤولا عنه ، فيسأل عنه ~~الناكث ويعاتب عليه ، أو : يسأل العهد نفسه لم نكثت ، تبكيتا للناكث ، ~~{وأوفوا الكيل إذا كلتم} ولا تبخسوا فيه ، {وزنوا بالقسطاس المستقيم} ؛ ~~بالميزان السوي. والقسطاس : لغة رومية ، ولا يقدح ذلك في عربية القرآن ؛ ~~لأن غير العربي ، إذا استعملته العرب ، فأجرته مجرى كلامهم في الإعراب ~~والتعريف # 91 # والتنكير ، صار عربيا. قاله البيضاوي. {ذلك خير وأحسن تأويلا} أي : أحسن ~~عاقبة ومآلا. والله تعالى أعلم. PageV04P127 # الإشارة : ولا تقتلوا ما أنتجته الأفكار الصافية من العلوم ؛ بإهمال القلوب ~~في طلب رزق الأشباح ، خشية لحوق الفقر ، فإن الله ضامن لرزق الأشباح ~~والأرواح. ولا تميلوا إلى الحظوظ ، التي تخرجكم عن حضرة الحق ؛ فإن ذلك من ~~أقبح الفواحش. ولا تقتلوا النفس بتوالي الغفلة والجهل ، التي حرم الله ~~قتلها وإهمالها ، وأمر بإحيائها بالذكر والعلم ، ومن قتل بذلك مظلوما ؛ ~~بحيث غلبته نفسه ، ولم تساعده الأقدار ، فقد جعلنا لعقله سلطانا ، أي : ~~تسلطا عليها ؛ بمجاهدتها وقتلها وردها إلى مولاها ، فلا يسرف في قتلها ، بل ~~بسياسة وحيلة ، كما قال القائل : # واحتل على النفس فرب حيله # أنفع في النصر من قبيله # إنه كان منصورا ، إن انتصر بمولاه ، وآوى بها إلى شيخ كامل ، قد فرغ من ~~تأديب نفسه وهواه. وقد تقدم باقي الإشارة في سورة الأنعام وغيرها. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 90 # قلت : قفا الشيء يقفوه : تبعه. والضمير في " عنه " : يجوز أن يعود لمصدر ~~" لا تقف " ، أو لصاحب السمع والبصر. وقيل : إن " مسؤولا " مسند إلى " عنه ~~" كقوله تعالى : {غير المغضوب عليهم ولا الضآلين} [الفاتحة : 7] ، والمعنى ~~: يسأل صاحبه عنه ، وهو خطأ ؛ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم. قاله ~~البيضاوي. # قال ابن جزي : الإشارة في " أولئك " : إلى السمع والبصر والفؤاد ، وإنما ~~عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك ؛ لأنها حواس لها إدراك ، والضمير ~~في " عنه " : يعود على " كل " ، ويتعلق " عنه " بمسؤولا. ه. وضمير الغائب ~~يعود على المصدر المفهوم من " مسؤولا ". و{مرحا} : مصدر في موضع الحال. ~~و{مكروها} : نعت لسيئة ، أو بدل ms1406 منها ، أو خبر ثان لكان. # 92 PageV04P128 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولا تقف} ؛ تتبع {ما ليس لك به علم} ، فلا تقل ما لا ~~تحقيق لك به ؛ من ذم الناس ورميهم بالغيب. فإذا قلت : سمعت كذا ، أو رأيت ~~كذا ، أو تحقق عندي كذا ، مما فيه نقص لأحد ، فإنك تسأل يوم القيامة عن سند ~~ذلك وتحقيقه. وهذا معنى قوله : {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤولا}. قال البيضاوي : ولا تتبع ما لم يتعلق علمك به ؛ تقليدا ، أو رجما ~~بالغيب. واحتج به من منع اتباع الظن ، وجوابه : أن المراد بالعلم هو ~~الاعتقاد الراجح المستفاد من سند ، سواء كان قطعيا أو ظنيا ؛ إذ استعماله ~~بهذا المعنى شائع. وقيل : إنه مخصوص بالعقائد. وقيل : بالرمي وشهادة الزور ~~، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم : " من قفا مؤمنا بما ليس فيه ، حبسه ~~الله في ردغة الخبال ، حتى يأتي بالمخرج " {إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك} أي : كل هذه الأعضاء الثلاثة {كان عنه مسؤولا} ؛ كل واحد منها مسؤول ~~عن نفسه ، يعني : عما فعل به صاحبه. ه. مختصرا. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 92 PageV04P129 ~~ولا تمش في الأرض مرحا} أي : ذا مرح ، وهو : التكبر والاختيال ، {إنك لن ~~تخرق الأرض} ؛ لن تجعل فيها خرقا ؛ لشدة وطأتك {ولن تبلغ الجبال طولا} ؛ ~~تتطاول عليها ؛ عزا وعلوا ، وهو تهكم بالمختال ، وتعليل للنهي ، أي : إذا ~~كنت لا تقدر على هذا ، فلا يناسبك إلا التواضع والتذلل بين يدي خالقك ، {كل ~~ذلك} المذكور ، من قوله : {لا تجعل مع الله إلها آخر} إلى هنا ، وهي : خمس ~~وعشرون خصلة ، قال ابن عباس : (إنها المكتوبة في ألواح موسى) ، فكل ما ذكر ~~{كان سيئة عند ربك} أي : خصلة قبيحة {مكروها} أي : مذموما مبغوضا. والمراد ~~بما ذكر : من المنهيات دون المأمورات. {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} ؛ ~~التي هي علم الشرائع ، أو معرفة الحق لذاته ، والعلم للعمل به. {ولا تجعل ~~مع الله إلها آخر} ، كرره ، للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه ، ~~وأنه رأس الحكمة وملاكها ، ومن عدمه لم تنفعه علومه ms1407 وحكمه ، ولو جمع أساطير ~~الحكماء ، ولو بلغت عنان السماء. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~والمراد : غيره ممن يتصور منه ذلك. ورتب عليه ، أولا : ما هو عاقبة الشرك ~~في الدنيا ، وهو : الذم والخذلان ، وثانيا : ما هو نتيجته في العقبى. فقال ~~: {فتلقى في جهنم ملوما} ؛ تلوم نفسك ، وتلومك الملائكة والناس ، {مدحورا} ~~؛ مطرودا من رحمة الله. # ثم قبح رأيهم في الشرك ، فقال : {أفأصفاكم ربكم بالبنين} ، وهو خطاب لمن ~~قال : الملائكة بنات الله. والهمزة للإنكار ، أي : أفخصكم ربكم بأفضل ~~الأولاد ، وهم # 93 PageV04P130 ~~البنون ، {واتخذ من الملائكة إناثا} ؛ بنات لنفسه ، {إنكم لتقولون قولا ~~عظيما} أي : عظيم النكر والشناعة ، لا يقدر قدره في إيجاب العقوبة ؛ لخرمه ~~لقضايا العقول ، بحيث لا يجترئ عليه أحد ؛ حيث تجعلونه تعالى من قبيل ~~الأجسام المتجانسة السريعة الزوال ، ثم تضيفون إليه ما تكرهونه ، وتفضلون ~~عليه أنفسكم بالبنين ، ثم جعلتم الملائكة ، الذين هم أشرف الخلق ، أدونهم ، ~~تعالى الله عن قولكم علوا كبيرا. # الإشارة : ينبغي للإنسان الكامل أن يكون في أموره كلها على بينة من ربه ، ~~فيحكم على ظاهره الشريعة المحمدية ، وعلى باطنه الحقيقة القدسية ، فإذا ~~تجلى في باطنه شيء من الواردات أو الخواطر فليعرضه على الكتاب والسنة ، فإن ~~قبلاه أظهره وفعله ، وإلا رده وكتمه ، كان ذلك الأمر قوليا أو فعليا ، أو ~~تركا او عقدا ؛ فقد انعقد الإجماع على أنه لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على ~~أمر حتى يعلم حكم الله فيه ، وإليه الإشارة بقوله : {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم} ، فإن لم يجد نصا في الكتاب أو السنة فليستفت قلبه ، إن صفا من خوض ~~الحس ، وإن لم يصف فليرجع إلى أهل الصفاء ، وهم أهل الذكر. قال تعالى : ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل : 43] ، ولا يستفت أهل ~~الظنون ، وهم أهل الظاهر ، قال تعالى : {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} ~~[يونس : 36]. # جزء : 4 رقم الصفحة : 92 PageV04P131 ~~وقال القشيري في تفسير الآية هنا : {ولا تقف ما ليس لك به علم} أي : جانب ~~محاذاة الظنون ، وما لم يطلعك الله عليه ، فلا ms1408 تتكلف الوقوف عليه من غير ~~برهان. فإذا أشكل عليك شيء في حكم الوقت ، فارجع إلى الله ، فإن لاح لقلبك ~~وجه من التحقيق فكن مع ما أريد ، وإن بقي الحال على حد الالتباس فكل علمه ~~إلى الله ، وقف حيثما وقفت. ويقال : الفرق بين من قام بالعلم ، ومن قام ~~بالحق : أن العلماء يعرفون الشيء أولا ، ثم يعملون بعلمهم ، وأصحاب الحقائق ~~يجري ، بحكم التصريف عليهم ، شيء ، ولا علم لهم به على التفصيل ، وبعد ذلك ~~يكشف لهم وجهه ، فربما يجري على لسانهم شيء لا يدرون وجهه ، ثم بعد فراغهم ~~من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه من شواهد العلم ؛ إذ يتحقق ذلك ~~بجريان الحال في ثاني الوقت. انتهى. قلت : وإلى هذا المعنى أشار في الحكم ~~العطائية بقوله : " الحقائق ترد في حال التجلي مجملة ، وبعد الوعي يكون ~~البيان ، {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} ". # قوله تعالى : {ولا تمش في الأرض مرحا} ، ورد في بعض الأخبار ، في صفة مشي ~~الصوفية : أنهم يدبون على أقدامهم دبيب النمل ، متواضعين خاشعين ، ليس فيه ~~إسراع مخل بالمروءة ، ولا اختيال مخل بالتواضع. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 92 # 94 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد صرفنا} ؛ بينا {في هذا القرآن} من الأمثال ~~والعبر ، والوعد والوعيد ؛ {ليذكروا} ؛ ليتعظوا به ، {وما يزيدهم} ذلك {إلا ~~نفورا} عن الحق وعنادا له. # الإشارة : من شأن القلوب الصافية : إذا سمعت كلام الحبيب فرحت واهتزت ، ~~أو خشعت واقشعرت من هيبة المتكلم ، كل على ما يليق بمقامه ، ومن شأن القلوب ~~الخبيثة المكدرة : نفورها من كلام الحق ؛ إذ الباطل لا يقاوم الحق ، ولا ~~يطيق مواجهته. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 94 PageV04P132 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : {لو كان معه} في الوجود {آلهة} تستحق ~~أن تعبد ، {كما تقولون} أيها المشركون ، أو كما يقول المشركون أيها الرسول ~~، {إذا لابتغوا} ؛ لطلبوا {إلى ذي العرش سبيلا} ؛ طريقا يقاتلونه. وهذا ~~جواب عن مقالتهم الشنعاء. والمعنى : لطلبوا إلى من هو ملك الملك طريقا ~~بالمعاداة ، كما تفعل الملوك بعضهم مع بعض. وهذا كقوله ms1409 : {إذا لذهب كل إلاه ~~بما خلق ولعلا بعضهم علىا بعض} [المؤمنون : 91]. وقيل : لابتغوا إليه سبيلا ~~بالتقرب إليه والطاعة ؛ لعلمهم بقدرته ، وتحققهم بعجزهم ، كقوله : {أولائك ~~الذين يدعون يبتغون إلىا ربهم الوسيلة} [الإسراء : 57]. ثم نزه نفسه عن ذلك ~~فقال : {سبحانه} ؛ تنزيها له {وتعالى} ؛ ترافع {عما يقولون} من الشركاء ، ~~{علوا} ؛ تعاليا {كبيرا} لا غاية وراءه. كيف لا ؛ وهو تعالى في أقصى غاية ~~الوجود! وهو الوجوب الذاتي ، وما يقولونه ؛ من أن له تعالى شركاء وأولادا ، ~~في أبعد مراتب العدم ، أعني : الامتناع ؛ لأنه من خواص المحدثات الفانية. # {يسبح له السماوات السبع} أي : تنزهه ، {والأرض ومن فيهن} كلها تدل على ~~تنزيهه عن الشريك والولد ، {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ؛ ينزهه عما هو من ~~لوازم الإمكان ، وتوابع الحدوث ، بلسان الحال ، حيث تدل بإمكانها وحدوثها ~~على الصانع القديم ، الواجب لذاته. قاله البيضاوي. وظاهره : أن تسبيح ~~الأشياء حالي لا مقالي ، والراجح أنه مقالي. ثم مع كونه مقاليا لا يختص ~~بقول مخصوص ، كما قال الجلال السيوطي ، أي : تقول : سبحان الله وبحمده. بل ~~كل أحد يسبح بما يناسب حاله. وإلى # 95 PageV04P133 ~~هذا يرشد كلام أهل الكاشف ، حتى ذكر الحاتمي : أن من لم يسمعها مختلفة ~~التسبيح لم يسمعها ، وإنما سمع الحالة الغالبة عليه. وورد في الحديث : " ما ~~اصطيد حوت في البحر ، ولا طائر يطير ، إلا بما ضيع من تسبيح الله تعالى " ~~وفي الحديث أيضا : " ما تطلع الشمس فيبقى خلق من خلق الله ، إلا يسبح الله ~~بحمده ، إلا ما كان من الشيطان وأعتى بني آدم ". ومذهب أهل السنة : عدم ~~اشتراط البنية للعلم والحياة ، فيصح الخشوع من الجماد ، والخشية لله ~~والتسبيح منه له. وقد قال ابن حجر على حديث حنين الجذع : فيه دلالة على أن ~~الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كالحيوان ، بل كأشرف الحيوان ، وفيه ~~تأييد لمن يحمل قوله : {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} على ظاهره. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 95 # وقال ابن عطية : اختلف أهل العلم في هذا التسبيح ؛ فقالت فرقة : هو تجوز ~~، ومعناه : أن كل شيء تبدو فيه ms1410 صفة الصانع الدالة عليه ، فتدعو رؤية ذلك ~~إلى التسبيح من المعتبر. وقالت فرقة : قوله : {من شيء} : لفظه عموم ، ~~ومعناه الخصوص في كل حي ونام ، وليس ذلك في الجمادات الميتة. فمن هذا قول ~~عكرمة : الشجرة تسبح ، والاسطوانة لا تسبح. قال يزيد الرقاشي للحسن - وهما ~~في طعام ، وقد قدم الخوان- : أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد ؟ فقال : قد كان ~~يسبح مدة. يريد أن الشجرة ، في زمان نموها واغتذائها ، تسبح. وقد صارت ~~خوانا أو نحوه ، أي : صارت جمادا. وقالت فرقة : هذا التسبيح حقيقة ، وكل ~~شيء ، على العموم ، يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه ، ولو كان ~~التسبيح ما قاله الآخرون ؛ من أنه أثر الصنعة ، لكان أمرا مفهوما ، والآية ~~تنطق بأنه لا يفقه ، وينفصل عنه ؛ بأن يريد بقوله : {لا تفقهون} : الكفار ~~والغفلة ، أي : أنهم يعرضون عن الاعتبار ؛ فلا يفقهون حكمة الله في ~~الأشياء. ه. PageV04P134 # قال شيخ شيوخنا ؛ سيدي عبد الرحمن العارف : وربما يدل للعموم تسبيح الحصى ~~في يده - عليه الصلاة والسلام - ، وكذا حنين الجذع ومحبة أحد ، وكذا تسبيح ~~الطعام. وأما التخصيص بالناميات ؛ من نبات غير يابس ، وحجر متصل بموضعه ، ~~فهو خصوص تسبيح بالاستمداد إلى الحياة ، ولا ينتفي مطلق الاستمداد ؛ لأن ~~الجماد يستمد الوجود وبقاءه من الله ، فهو عام ، وقد قال تعالى : {ياجبال ~~أوبي معه} [سبأ : 10] ، وتدبر حنين الجذع. ه. وسيأتي في الإشارة بقية كلام ~~عليه ، وقال البيضاوي أيضا في قوله : {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أيها ~~المشركون ؛ لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم التسبيح. ويجوز أن يحمل ~~التسبيح على المشترك من اللفظ والدلالة ؛ لإسناده إلى ما يتصور منه # 96 # اللفظ ، وإلى ما لا يتصور منه ، وعليهما ، أي : ويحمل - عند من جوز إطلاق ~~اللفظ على معنييه. ه. # {إنه كان حليما} ؛ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة ، مع ما أنتم عليه من ~~موجباتها ؛ من الإعراض عن النظر في الدلائل الواضحة ، الدالة على التوحيد ، ~~والانهماك في الكفر والإشراك ، {غفورا} لمن تاب منكم. وبالله التوفيق. # الإشارة : كل ما دخل عالم التكوين من العرش إلى الفرش ، أو ما قدر وجوده ~~من غيرهما ؛ كله ms1411 قائم بين حس ومعنى ، بين عبودية وربوبية ، بين قدرة وحكمة. ~~فالحس محل العبودية ، فيه تظهر قهرية الربوبية ، والمعنى هو أسرار الربوبية ~~القائمة بالأشياء ، فالأشياء كلها تنادي بلسان معناها ، وتقول : سبحانه ما ~~أعظم شأنه ، ولكن لا يفقه هذا التسبيح إلا من خاض بحار التوحيد ، وغاص في ~~أسرار التفريد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 95 PageV04P135 ~~فالأشياء ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، قائمة من حيث حسها ، ممحوة ~~من حيث معناها ، ولا وجود للحس من ذاته ، وإنما هو رداء لكبرياء ذاته. وفي ~~الحديث ، في وصف أهل الجنة : " وليس بينهم وبين أن ينظروا إلى الرحمن إلا ~~رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " فمن خرق حجاب الوهم ، وفنى عن دائرة ~~الحس في دار الدنيا ، لم يحتجب الحق تعالى عنه في الدارين طرفة عين. فتحصل ~~أن الأشياء كلها تسبح من جهة معناها بلسان المقال ، ومن جهة حسها بلسان ~~الحال ، وتسبيحها كما ذكرنا. ولا يذوق هذا إلا من صحب العارفين الكبار ، ~~حتى يخرجوه عن دائرة حس الأكوان إلى شهود المكون. وحسب من لم يصحبهم ~~التسليم ، كما قال القائل : # إذا لم تر الهلال فسلم # لأناس رأوه بالأبصار # والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 95 # 97 # قلت : {أن يفقهوه} : مفعول من أجله ، أي كراهة أن يفقهوه ، و{نفورا} : ~~مصدر في موضع الحال. والضمير في {به} : يعود على " ما " ، أي : نحن أعلم ~~بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء والسخرية. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا قرأت القرآن} الناطق بالتنزيه والتسبيح ، ~~ودعوتهم إلى العمل بما فيه ؛ من التوحيد ، ورفض الشرك ، وغير ذلك من ~~الشرائع ، {جعلنا} بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على دواعي الحكم الخفية {بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة} ، خص الآخرة بالذكر من بين سائر ما كفروا به ~~؛ دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان به ، وتمهيدا لما سينقل عنهم من ~~إنكار البعث ، أي : جعلنا بينك وبينهم {حجابا} يمنعهم عن فهمه والتدبر فيه ~~، {مستورا} عن الحس ، خفيا ، معنويا ، وهو الران الذي يسبح على قلوبهم من ~~الكفر ، والانهماك في الغفلة. أو : ذا ستر ، كقوله : {وعده ms1412 مأتيا} [مريم : ~~61] ، أي : آتيا ، فهو ساتر لقلوبهم عن الفهم والتدبر. PageV04P136 # نفى عنهم فقه الآيات ، بعد ما نفى عنهم فقه الدلالات المنصوبة في الأشياء ؛ ~~بيانا لكونهم مطبوعين على الضلالة ، كما صرح به في قوله : {وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة} ؛ أغطية تكنها ، وتحول بينها وبين إدراك الحق وقبوله. فعلنا ~~ذلك بهم ؛ كراهة {أن يفقهوه} ، {و} جعلنا {في آذانهم وقرا} ؛ ثقلا وصمما ~~يمنعهم من استماعه. ولما كان القرآن معجزا من حيث اللفظ والمعنى ، أثبت ~~لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ. قاله البيضاوي. # {وإذ ذكرت ربك في القرآن وحده} أي : واحدا غير مشفوع به آلهتهم ، {ولوا ~~على أدبارهم نفورا} ؛ هربا من استماع التوحيد ، والمعنى : وإذا ذكرت في ~~القرآن وحدانية الله تعالى ، فر المشركون عن ذلك ؛ لما في ذلك من رفض ~~آلهتهم وذمها. قال تعالى : {نحن أعلم بما يستمعون به} أي : بالأمر الذي ~~يستمعون به ؛ من الاستهزاء ، وكانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء ، ~~{وإذ هم نجوى} أي : ونحن أعلم بغرضهم ، حين هم جماعة ذات نجوى ، يتناجون ~~بينهم ويخفون ذلك. ثم فسر نجواهم بقوله : {إذ يقول الظالمون} ، وضع ~~الظالمين موضع الضمير ؛ للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا محض ظلم ، أي : ~~إذ يقولون : {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} ؛ مجنونا قد سحر حتى زال عقله. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 97 # انظر كيف ضربوا لك الأمثال} ، مثلوك بالساحر ، والشاعر ، والكاهن ، ~~والمجنون ، {فضلوا} عن الحق في جميع ذلك ، {فلا يستطيعون سبيلا} إلى الهدى ~~، أو إلى الطعن فيما جئت به بوجه ؛ فهم يتهافتون ، ويخبطون ، كالمتحير في ~~أمره لا يدري ما يفعل. ونزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه من الكفار. # 98 PageV04P137 ~~{وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} ، أنكروا البعث ، ~~واستبعدوا أن يجعلهم خلقا جديدا ، بعد فنائهم وجعلهم ترابا. والرفات : الذي ~~بلي ، حتى صار غبارا وفتاتا. و" أئذا " : ظرف ، والعامل فيه : ما دل عليه ~~قوله : {لمبعوثون} ، لا نفسه ؛ لأن ما بعد " إن " والهمزة ، لا يعمل فيما ~~قبله ، أي : أنبعث إذا كنا عظاما... الخ. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد تقدم ms1413 في سورة " الأنعام " تفسير الأكنة التي تمنع من فهم ~~القرآن والتدبر فيه ، والتي تمنع من الشهود والعيان ، فراجعه ، إن شئت. وفي ~~الآية تسلية لمن أوذي من الصوفية فرمي بالسحر أو غيره. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 97 # قلت : {قريبا} : خبر كان ، أو ظرف له ؛ على أن " كان " تامة ، أي : عسى ~~أن يقع في زمن قريب. و{أن يكون} : إما : اسم " عسى " وهي تامة ، أو خبرها ، ~~والاسم مضمر ، أي : عسى أن يكون البعث قريبا ، أو : عسى أن يقع في زمن ~~قريب. و{يوم يدعوكم} : منصوب بمحذوف ؛ اذكروا يوم يدعوكم. أو : بدل من " ~~قريب " ؛ على أنه ظرف. انظر أبا السعود. و{بحمده} : حال من ضمير {تستجيبون} ~~، أي : منقادين له ، حامدين له ، لما فعل بكم. PageV04P138 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد لمن أنكر البعث : {كونوا حجارة أو حديدا ~~أو خلقا} آخر {مما يكبر} أي : يعظم {في صدوركم} عن قبول الحياة ، فإنكم ~~مبعوثون ومعادون لا محالة ، أي : لو كنتم حجارة أو حديدا ، أو شيئا أكبر ~~عندكم من ذلك ، وأبعد من الحياة ، لقدرنا على بعثكم ؛ إذ القدرة صالحة لكل ~~ممكن. ومعنى الأمر هنا : التقدير ، وليس للتعجيز ، كما قال بعضهم. انظر ابن ~~جزي ، {فسيقولون من يعيدنا} إلى الحياة مرة أخرى ، مع ما بيننا وبين ~~الإعادة ، من مثل هذه المباعدة ؟ {قل الذي فطركم أول مرة} ولم تكونوا شيئا ~~؛ لأن القادر على البدء قادر على الإعادة ، بل هي أهون ، {فسينغضون} ؛ ~~يحركون {إليك رؤوسهم} ؛ تعجبا واستهزاء ، {ويقولون} ؛ استهزاء : {متى هو} ~~أي : البعث ، {قل عسى أن يكون قريبا} ، فإن كل ما هو آت قريب. # 99 # واذكروا {يوم يدعوكم} ؛ يناديكم من القبور على لسان إسرافيل ، ~~{فتستجيبون} أي : فتبعثون من القبور {بحمده} ؛ بأمره ، أو ملتبسين بحمده ، ~~حامدين له على كمال قدرته ، عند مشاهدة آثارها ، ومعاينة أحكامها ، كما قيل ~~: إنم يقومون ينفضون التراب عن رؤوسهم ، ويقولون : سبحانك اللهم وبحمدك ، ~~{وتظنون إن لبثتم} ؛ ما لبثتم في الدنيا {إلا قليلا} ؛ لما ترون من الهول ، ~~أو تستقصرون مدة لبثكم في القبور ، كالذي مر على قرية. والله تعالى ms1414 أعلم. PageV04P139 # الإشارة : من كان قلبه أقسى من الحجارة والحديد ، واستغرب أن ينقذه الله من ~~شهوته ، وأن يخرجه من وجود جهالته وغفلته ، فقل لهم : كونوا حجارة أو حديدا ~~، أو خلقا أكبر من ذلك ، فإن الله قادر على أن يحيي قلوبكم بمعرفته ، ~~ويلينها بعد القساوة ، بسبب شرب خمرته. فسيقولون : من يعيدنا إلى هذه ~~الحالة ؟ قل : الذي فطركم على توحيده أول مرة ، حين أقررتم بربوبيته ، يوم ~~أخذ الميثاق. فسينغضون إليك رؤوسهم ؛ تعجبا واستغرابا ، ويقولون : متى هو ~~هذا الفتح ؟ ! قل : عسى أن يكون قريبا ؛ يوم يدعوكم إلى حضرته بشوق مقلق ، ~~أو خوف مزعج ، بواسطة شيخ عارف ، أو بغير واسطة ، فتستجيبون بحمده ومنته ، ~~وتظنون إن لبثتم في أيام الغفلة إلا قليلا ؛ فتلين قلوبكم ، وتطمئن نفوسكم ~~، وتنشرح صدوركم ، وتحسن أخلاقكم ، فلا تخاطبون العباد إلا بالتي هي أحسن. # جزء : 4 رقم الصفحة : 99 # يقول الحق جل جلاله : {وقل لعبادي} المؤمنين : {يقولوا} للمشركين الكلمة ~~{التي هي أحسن} ولا تخاشنوهم ، {إن الشيطان ينزغ بينهم} ؛ يهيج بينهم ~~الجدال والشر ، فلعل المخاشنة لهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد. وكان ~~هذا بمكة ، قبل الأمر بالقتال ، ثم نسخ. وقيل : في الخطاب من المؤمنين ~~بعضهم لبعض ، أمرهم أن يقولوا ، فيما بينهم ، كلاما لينا حسنا. {إن الشيطان ~~ينزغ بينهم} العداوة والبغضاء ؛ {إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} ؛ ~~ظاهر العداوة. # يقولون لهم في المخاطبة الحسنة : {ربكم أعلم إن يشأ يرحمكم} بالتوبة ~~والإيمان ، {أو إن يشأ يعذبكم} بالموت على الكفر. وهذا تفسير للكلمة التي ~~هي أحسن ، وما بينهما اعتراض ، أي : قولوا هذه الكلمة ونحوها ، ولا تصرحوا ~~بأنهم من أهل النار ؛ فإنه يثير الشر ، مع أن ختام أمرهم غيب. {وما أرسلناك ~~عليهم وكيلا} ؛ # 100 PageV04P140 ~~موكولا إليك أمرهم ، فتجبرهم على الإيمان ، وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا ، ~~فدارهم ، ومر أصحابك باحتمال الأذى منهم. روي أن المشركين أفرطوا في ~~إيذائهم ؛ فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ، وقيل : شتم رجل ~~عمر رضي الله عنه ، فهم به ، فأمره الله بالعفو. # {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض} وبأحوالهم ، فيختار منهم لنبوته ~~وولايته ms1415 من يشاء. وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيا ، وأن ~~يكون العراة الجياع أصحابه. {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} بالفضائل ~~النفسانية ، والتفرغ من العلائق الجسمانية ، لا بكثرة الأموال والأتباع ، ~~حتى يستبعدوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لقلة ماله ، وضعف أصحابه ~~؛ فإن سيدنا داود عليه السلام كان مثله في قلة ماله وأتباعه ، ثم قواه ~~بالملك والنبوة. ولذا قال : {وآتينا داود زبورا} ؛ وقيل : هو إشارة إلى ~~تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه مذكور في الزبور ، وهو أنه ~~خاتم الأنبياء ، وأمته خير الأمم ، وأنهم يرثون الأرض بالفتح عليهم ؛ قال ~~تعالى : {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون} [الأنبياء : 105]. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 100 # الإشارة : من أوصاف الصوفية - رضي الله عنهم - أنهم هينون لينون كلفة ~~حرير ، لا ينطقون إلا بالكلام الحسن ، ولا يفعلون إلا ما هو حسن ، ويفرحون ~~ولا يحزنون وينبسطون ولا ينقبضون. من رأوه مقبوضا بسطوه ، ومن رأوه حزينا ~~فرحوه ، ومن رأوه جاهلا أرشدوه بالتي هي أحسن. وهم متفاوتون في هذا الأمر ، ~~مفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والولاية ، فكل من زاد في الأخلاق الحسنة ~~زاد تفضيله عند الله. وفي الحديث : " إن الرجل ليدرك ؛ بحسن الخلق ، درجة ~~الصائم النهار ، القائم الليل " وبالله التوفيق. PageV04P141 # جزء : 4 رقم الصفحة : 100 # قلت : {أولئك} : مبتدأ ، و{الذين يدعون} : صفته ، و{يبتغون} : خبره. ~~وضمير " يدعون " : للكفار ، وفي " يبتغون " : للآلهة المعبودين ، وقيل : ~~الضمير في " يدعون " و" يبتغون " : للأنبياء المذكورين قبل في قوله : ~~{فضلنا بعض النبيين على بعض} ، والوسيلة : ما يتوسل به ويتقرب إلى الله ، ~~و{أيهم} : بدل من فاعل {يبتغون} ، و" أي " : # 101 # والوسيلة : ما يتوسل به ويتقرب إلى الله ، و{أيهم} : بدل من فاعل ~~{يبتغون} ، و" أي " : موصولة ، أي : يبتغي من هو أقرب إليه تعالى -الوسيلة ~~- ، فكيف بمن دونه ؟ أو ضمن معنى يبتغون : يحرصون ، أي : يحرصون أيهم يكون ~~إليه تعالى أقرب ؟ # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {ادعوا الذين زعمتم} أنهم آلهة تعبدونهم ~~{من دونه} كالملائكة ms1416 والمسيح وعزير ، أو كالأصنام والأوثان ، {فلا يملكون} ~~؛ لا يستطيعون {كشف الضر عنكم} ، كالمرض والفقر والقحط ، {ولا تحويلا} لذلك ~~عنكم إلى غيركم ، قال تعالى : {أولئك الذين يدعون} أنهم آلهة ، هم في غاية ~~الافتقار إلى الله والتوسل إليه ، كلهم {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} أي : ~~التقرب بالطاعة ، ويحرصون {أيهم أقرب} إلى الله من غيره ، فكيف يكونون آلهة ~~؟ أو : أولئك الذين يدعونهم آلهة ، يطلبون إلى ربهم الوسيلة بالطاعة ، ~~يطلبها أيهم أقرب ، أي : الذي هو أقرب ، فكيف بغير الأقرب ؟ {ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه} كسائر العباد ، فكيف يزعمون أنهم آلهة ؟ {إن عذاب ربك كان ~~محذورا} ؛ مخوفا ، أي : حقيقا بأن يحذره كل أحد ، حتى الرسل والملائكة. ~~أعاذنا الله من جميعه. رمين. PageV04P142 # الإشارة : كل ما دخل عالم التكوين لزمته القهرية والعبودية ، فهو عاجز عن ~~إصلاح نفسه ، فكيف يصلح غيره ؟ ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه ، فكيف يدفع عن ~~غيره ؟ فارفع همتك ، أيها العبد ، إلى مولاك ، وأنزل حوائجك كلها به دون ~~أحد سواه ، فكل ما سواه مفتقر إليه ، والفقير المضطر لا ينفع نفسه ، فكيف ~~ينفع غيره ؟ والله يتولى هداك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 101 # يقول الحق جل جلاله : {وإن من قرية} أي : أهلها ، {إلا نحن مهلكوها قبل ~~يوم القيامة} ؛ بالموت والاستئصال ، {أو معذبوها عذابا شديدا} ؛ بالقتل ~~وغيره ، {كان ذلك في الكتاب} ؛ في اللوح المحفوظ {مسطورا} ؛ مكتوبا. وقال ~~في المستخرج : وإن من قرية إلا نحن مهلكوها ؛ الصالحة بالإفناء ، والطالحة ~~بالبلاء ، أو معذبوها بالسيف ؛ إذا ظهر فيهم الزنى والربا. ه. قال ابن جزي ~~: روي أن هلاك مكة بالحبشة ، والمدينة بالجوع ، والكوفة بالترك ، والأندلس ~~بالخيل. ثم قال : وأما هلاك قرطبة وأشبيلية وطليطلة وغيرها ، فبأخذ الروم ~~لها. ه. قلت : قد استولى العدو على الأندلس كلها فهو خرابها. أعاد الله ~~عمارتها بالإسلام. آمين. # وقال في حسن المحاضرة : وأخرج الحاكم في المستدرك عن كعب قال : الجزيرة ~~آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية - والجزيرة أرض بالبصرة ، وموضع باليمامة ~~، لا جزيرة الأندلس - ثم قال : ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة : ~~والكوفة آمنة من # 102 PageV04P143 ~~الخراب حتى ms1417 تخرب مصر ، ولا تكون الملحمة حتى تخرب الكوفة ، ولا تفتح مدينة ~~الكفر حتى تكون الملحمة ، ولا يخرج الدجال حتى تفتح مدينة الكفر. قال : ~~وأخرج الديلمي في مسند الفردوس ، وأورده القرطبي في التذكرة من حديث حذيفة ~~مرفوعا : يبدو الخراب في أطراف الأرض ، حتى تخرب مصر ، ومصر آمنة من الخراب ~~حتى تخرب البصرة ، وخراب البصرة من العراق ، وخراب مصر من جفاف النيل ، ~~وخراب مكة من الحبشة ، وخراب المدينة من الجوع ، وخراب اليمن من الجراد ، ~~وخراب الأبلة من الحصار ، وخراب فارس من الصعاليك ، وخراب الترك من الديلم ~~، وخراب الديلم من الأرمن ، وخراب الأرمن من الخرز ، وخراب الخرز من الترك ~~، وخراب الترك من الصواعق ، وخراب السند من الهند ، وخراب الهند من الصين ، ~~وخراب الصين من الرمل ، وخراب الحبشة من الرجفة ، وخراب العراق من القحط. ه. # قلت : وسكت عن المغرب ، ولعله المعني بقوله عليه الصلاة والسلام : " لا ~~تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله " زاد في رواية : ~~وهم أهل المغرب ، ورجحه صاحب المدخل ، قال : لأنهم متمسكون بالسنة أكثر من ~~المشرق. والله تعالى أعلم بغيبه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 102 # الإشارة : القرية محل تقرر السر ، وهو القلب ، فإما أن يهلكه الله بالتلف ~~والضلال ، وإما أن يعذبه عذابا شديدا ؛ بالمجاهدات والمكابدات ، ثم ينعمه ~~نعيما كبيرا بالمشاهدات والمناجاة. كان ذلك في الكتاب مسطورا ، فريق في ~~الجنة وفريق في السعير. # جزء : 4 رقم الصفحة : 102 PageV04P144 ~~قلت : {أن نرسل} : مفعول " منعنا " ، و{إلا أن كذب} : فاعل. يقول الحق جل ~~جلاله : وما صرفنا عن إرسال الآيات التي اقترحتها قريش بقولهم : اجعل لنا ~~الصفا ذهبا ، إلا تكذيب الأولين بها ، فهلكوا ، وهم أمثالهم في الطبع ، ~~كعاد وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوها ، فيهلكوا أمثالهم ، كما مضت به سنتنا ~~، وقد قضينا في أزلنا ألا نستأصلهم ؛ لأن فيهم من يؤمن ، أو يلد من يؤمن. # 103 # ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة فقال : {وآتينا ثمود ~~الناقة} بسبب سؤالهم ، {مبصرة} ؛ بينة ذات إبصار ، أو بصائر واضحة الدلالة ~~، يدركها كل من يبصرها. {فظلموا بها} ms1418 ؛ فكفروا بها ، أو : فظلموا أنفسهم ~~بسبب عقرها ، فهلكوا ، {وما نرسل بالآيات} المقترحة {إلا تخويفا} من نزول ~~العذاب المستأصل ، فإن لم يخافوا نزل بهم ، أو : وما نرسل بالآيات غير ~~المقترحة ، كالمعجزات وآيات القرآن ، إلا تخويفا بعذاب الآخرة ؛ فإن أمر من ~~بعث إليهم مؤخر إلى يوم القيامة. قاله البيضاوي. # قال في الحاشية : ومقتضى حديث الكسوف ، وقوله فيه : " ذلك يخوف بهما ~~عبادة " : أن التخويف لا يختص بالخوارق ، بل يعم غيرها ، مما هو معتاد نفيه ~~، ويأتي غبا. وفي الوجيز : (بالآيات) أي : العبر والدلالات. وفي الورتجبي : ~~الآيات هي : الشباب والكهولة والشيبة ، وتقلب الأحوال بك ، لعلك تعتبر بحال ~~، أو تتعظ بوقت. ه. # الإشارة : إمساك الكرامات عن المريد السائر أو الولي : رحمة واعتناء به ، ~~فلعله ؛ حين تظهر له ، يقف معها ويستحسن حاله ، أو يزكي نفسه ويرفع عنها ~~عصا التأديب ، فيقف عن السير ، ويحرم الوصول إلى غاية الكمال ، وفي الحكم : ~~" ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها ، إلا نادته هواتف الحقيقة : ~~الذي تطلب أمامك ". وقال الششتري رضي الله عنه : # ومهما ترى كل المراتب تجتلي # عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا # وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب # فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى PageV04P145 ~~ولما نزه تعالى نفسه في أول السورة عن الجهة ، التي توهمها قضية الإسراء ، ~~صرح هنا بأنه محيط بكل مكان وزمان ، لا يختص بمكان دون مكان. # جزء : 4 رقم الصفحة : 103 # يقول الحق جل جلاله : {وإذ قلنا لك} فيما أوحينا إليك {إن ربك أحاط ~~بالناس} علما وقدرة ، وأسرارا وأنوارا ، كما يليق بجلاله وتجليه ، فلا يختص ~~بمكان ولا زمان ، بل هو مظهر الزمان والمكان ، وقد كان ولا زمان ولا مكان ، ~~وهو الآن على ما عليه كان ، {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} في قضية ~~الإسراء ، قال ابن عباس : " هي رؤيا عين " حيث رأى أنوار جبروته في أعلى ~~عليين ، وشاهد أسرار ذاته أريناك ذلك في ذلك المكان {إلا فتنة للناس} ؛ ~~اختبارا لهم ، من يصدق بذلك ولا يكيف ، ومن يجحده من الكفرة. ومن يقف مع ~~ظاهره ، فيقع في ms1419 التجسيم والتحييز ، ومن تنهضه السابقة إلى # 104 # التعشق ؛ فيجاهد نفسه حتى تعرج روحه إلى عالم الملكوت ، فتكاشف بإحاطة ~~أسرار الذات بكل شيء. # وإنما خص الحق تعالى إحاطته بالناس ، مع أنه محيط بكل شيء ، كما في الآية ~~الأخرى : {ألآ إنه بكل شيء محيط} [فصلت : 54] ؛ لأنهم المقصودون بالذات من ~~هذا العالم ، وما خلق إلا لأجلهم. فاكتفى بالإحاطة بهم عن إحاطته بكل شيء. PageV04P146 # ثم قال تعالى : {والشجرة الملعونة في القرآن} وهي : شجرة الزقوم ، أي : ما ~~جعلناها إلا فتنة للناس. وذلك أن قريشا لما سمعوا أن في جهنم شجرة الزقوم ، ~~سخروا من ذلك ، فافتتنوا بها ، حيث أنكروها ، وكفروا بالقرآن ، وقالوا : ~~كيف تكون شجرة في النار ، والنار تحرق الشجر ؟ ! وقفوا مع الإلف والعادة ، ~~ولم ينفذوا إلى عموم تعلق القدرة. ومن قدر على حفظ وبر السمندل منها ، وهو ~~يمشي فيها ، قدر على أن يخلق في النار شجرة ، ولم تحرقها. وقال أبو جهل : ~~ما أعرف الزقوم إلا التمر بالزبد. فإن قيل : أين لعنت شجرة الزقوم في ~~القرآن ؟ فالجواب : أن المراد لعنة آكلها ، وقيل : إن اللعنة هنا بمعنى ~~الإبعاد ، وهي في أصل الجحيم. # قال تعالى : {ونخوفهم} بأنواع التخويف ، أو بالزقوم ، {فما يزيدهم إلا ~~طغيانا كبيرا} ؛ عنوا مجاوزا للحد. # الإشارة : الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته. فإذا انمحت ~~الأكوان ثبتت وحدة المكون. " كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ما كان ~~عليه " ، من قامت به الأشياء ، وهو وجودها ونور ذاتها ، ومحيط بها ، كيف ~~تحصره ، أو تحيزه ، أو تحول بينه وبين موجوداته ؟ قيل لسيدنا علي - كرم ~~الله وجهه - : يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين كان ربنا قبل ~~خلق الأشياء ؟ فتغير وجهه ، وسكت ، ثم قال : قولكم : أين ؟ يقتضي المكان ، ~~وكان الله ولا زمان ولا مكان ، وهو الآن على ما عليه كان. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 104 # وقال الشيخ الشاذلي : (قيل لي : يا علي ؛ بي قل ، وعلي دل ، وأنا الكل). ~~وفي الحديث : " لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر ، بيده الليل والنهار " ~~، ولا يفهم هذا على ms1420 التحقيق إلا أهل الذوق ، بصحبة أهل الذوق. وإلا فسلم ~~تسلم ، واعتقد التنزيه وبطلان التشبيه. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى ~~سواء الطريق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 104 PageV04P147 ~~قلت : {طينا} : منصوب على إسقاط الخافض ، أو : حال من الراجع إلى الموصول ، ~~و{أرأيتك} : الكاف للخطاب ، لا موضع لها. وتقدم الكلام عليه في سورة ~~الأنعام. و{هذا} : مفعول " أرأيت " ، و{جزاء} : مصدر ، والعامل فيه : " ~~جزاؤكم " ، فإن المصدر ينصب بمثله أو فعله أو وصفه ، وقيل : حال موطئة ~~لقوله : " موفورا ". # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس} امتنع ، و{قال أأسجد لمن خلقت طينا} أي : من طين ؛ فهو أصله من ~~الطين ، وأنا أصلي من النار ، فكيف أسجد له وأنا خير منه ؟ ! ثم {قال} ~~إبليس : {أرأيتك هذا الذي كرمت علي} أي : أخبرني عن هذا الذي كرمته علي ؛ ~~بأمري بالسجود له ، لم كرمته علي ؟ {لئن أخرتن} أي : والله لئن أخرتن {إلى ~~يوم القيامة لأحتنكن} ؛ لأستأصلن ؛ من احتنكت السنة أموالهم ؛ أي : ~~استأصلتها. أي : لأهلكن {ذريته} ؛ بالإغواء والإضلال ، {إلا قليلا} ؛ أو : ~~لأميلنهم وأقودنهم ، مأخوذ من تحنيك الدابة ، وهو أن يشد على حنكها بحبل ~~فتنقاد. أي : لأقودنهم إلى عصيانك ، إلا قليلا ، فلا أقدر أن أقاوم شكيمتهم ~~؛ لما سبق لهم من العناية. # قال ابن عطية : وحكم إبليس على ذرية آدم بهذا الحكم ؛ من حيث رأى الخلقة ~~مجوفة مختلفة الأجزاء ، وما اقترن بها من الشهوات والعوارض ؛ كالغضب ونحوه ~~، ثم استثنى القليل ؛ لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في طاعة ~~الله. ه. قلت : إنما يحتاج إلى هذا : من وقف مع ظاهر الحكمة في عالم الحس ، ~~وأما من نفذ إلى شهود القدرة في عالم المعاني : فلا. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 105 PageV04P148 ~~قال} تعالى : {اذهب} ؛ امض لما قصدته ، وهو طرد وتخلية لما بينه وبين ما ~~سولت له نفسه. {فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم} ؛ التفت إلى الخطاب ، وكان ~~الأصل أن يقال : جزاؤهم ، بضمير الغيبة ؛ ليرجع إلى {من تبعك} ، لكنه غلب ~~المخاطب ؛ ليدخل إبليس معهم ، فتجازون على ما فعلتم {جزاء ms1421 موفورا} ؛ وافرا ~~مكملا ، لا نقص فيه. {واستفزز} ؛ استخفف ، أو اخدع {من استطعت منهم} أن ~~تستفز {بصوتك} ؛ بدعائك إلى الفساد ، {وأجلب عليهم} أي : صح عليهم ، من ~~الجلبة ، وهي : الصياح ، {بخيلك ورجلك} ؛ أي : بأعوانك ؛ من راكب وراجل ، ~~قيل : هو مجاز ، أي : افعل بهم جهدك. وقيل : إن له من الشياطين خيلا ~~ورجالا. وقيل : المراد : بيان الراكبين في طلب المعاصي ، والماشين إليها ~~بأرجلهم. {وشاركهم في الأموال} ؛ # 106 # بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام ، والتصرف فيها على ما لا ينبغي ، ~~كإنفاقها في المعاصي ، {والأولاد} ؛ بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب ~~الحرام ، كالزنى وشبهه من فساد الأنكحة ، وكتسمية الولد عبد شمس وعبد ~~الحارث وعبد العزى. وقال في الإحياء : قال يونس بن زيد : بلغنا أنه يولد مع ~~أبناء الإنس من أبناء الجن ، ثم ينشأون معهم. قال ابن عطية : وما أدخله ~~النقاش ؛ من وطء الجن ، وأنه يحبل المرأة من الإنس ، فضعيف كله. ه. قال في ~~الحاشية : وضعفه ظاهر ، والآية مشيرة لرده ؛ لأنها إنما أثبتت المشاركة في ~~الولد ، لا في الإيلاء ، فإنه لم يرد ، ولو قيل به لكان ذريعة لفساد كبير ، ~~ولكان شبهة يدرأ بها الحد ، ولا قائل بذلك. وانظر الثعالبي الجزائري ؛ فقد ~~ذكر حكاية في المشاركة في الوطء عمن اتفق له ذلك ، فالله أعلم. وأما عكس ~~ذلك ؛ إيلاء الإنسي الجنية ، فأمر لا يحيله العقل ، وقد جاء الخبر به في ~~أمر بلقيس. قاله المحشي الفاسي. PageV04P149 # {وعدهم} بأن لا بعث ولا حساب ، أو المواعد الباطلة ؛ كشافعة الآلهة. ~~والاتكال على كرامة الآباء ، وتأخير التوبة ، وطول الأمل ، {وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا} وباطلا. والغرور : تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب. قاله ~~البيضاوي. # الإشارة : ينبغي لك أيها الإنسان أن تكون مضادا للشيطان ، فإذا امتنع من ~~الخضوع لآدم فاخضع أنت لأولاد آدم ؛ بالتواضع واللين ، وإذا كان هو مجتهدا ~~في إغواء بني آدم بما يقدر عليه ، فاجتهد أنت في نصحهم وإرشادهم ، وتعليمهم ~~ووعظهم وتذكيرهم ، بقدر ما يمكنك ، واستعمل السير إليهم بخيلك ورجلك ، حتى ~~تنقذهم من غروره وكيده. وإذا كان هو يدلهم على الشرك الجلي والخفي ms1422 ، في ~~أموالهم وأولادهم ، فدلهم أنت على التوحيد ، والإخلاص ، في اعتقادهم ~~وأعمالهم وأموالهم. وإذا كان يعدهم بالمواعد الكاذبة ، فعدهم أنت بالمواعد ~~الصادقة ؛ كحسن الظن بالله ، إن صحبه العمل بما يرضيه. فإن فعلت هذا كنت من ~~عباد الله الذين ليس له عليهم سلطان. # جزء : 4 رقم الصفحة : 105 # 107 # قلت : {أفأمنتم} : الهمزة للتوبيخ ، والفاء للعطف على محذوف ، أي : ~~أنجوتم من البحر فأمنتم. # يقول الحق جل جلاله : {إن عبادي} المخلصين ، الذين يتوكلون علي في جميع ~~أمورهم ، {ليس لك عليهم سلطان} أي : تسلط وقدرة على إغوائهم ؛ حيث التجأوا ~~إلي ، واتخذوني وكيلا ؛ {وكفى بربك وكيلا} ؛ حافظا لمن توكل عليه ، فيحفظهم ~~منك ومن أتباعك. # ثم ذكر ما يحث على التعلق به ، والتوكل عليه في جميع الأحوال الدينية ~~والدنيوية ، فقال : {ربكم الذي يزجي} ؛ يجري {لكم الفلك} ويسيرها {في البحر ~~لتبتغوا من فضله} بالتجارة والربح ، وجلب أنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم ~~، {إنه كان بكم رحيما} في تسخيرها لكم ؛ حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه في ~~سيرها ، وسهل عليكم ما يعسر من أسباب معاشكم ومعادكم. PageV04P150 # {وإذا مسكم الضر في البحر} يعني : خوف الغرق ، {ضل} ؛ غاب عنكم {من تدعون} ~~؛ من تعبدون من الآلهة. أو : من تستغيثون به في حوادثكم ، {إلا إياه} وحده ~~، فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه ، ولا تدعون ، لكشفه ، إلا إياه ، فكيف ~~تعبدون غيره ، وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلا إياه ؟ {فلما نجاكم} من ~~الغرق {إلى البر أعرضتم} عن التوحيد ، أو عن شكر النعمة ، {وكان الإنسان ~~كفورا} بالنعم ، جحودا لها ، إلا القليل ، وهو كالتعليل للإعراض. # {أفأمنتم} أي : أنجوتم من البحر ، وأمنتم {أن يخسف بكم جانب البر} ؛ بأن ~~يقلبه عليكم وأنتم عليه ، أو يخسف بكم في جوفه ، كما فعل بقارون ، {أو يرسل ~~عليكم حاصبا} أي : ريحا حاصبا ، يرميكم بحصباء كقوم لوط ، {ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا} ؛ حافظا لكم منه ، فإنه لا راد لفعله. {أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة ~~أخرى} ؛ بأن يخلق فيكم دواعي تحملكم إلى أن ترجعوا لتركبوا فيه ؛ {فيرسل ~~عليكم قاصفا من الريح} أي : ريحا ms1423 شديدة ، لا تمر بشيء إلا قصفته ، أي : ~~كسرته ، {فيغرقكم} ، وعن يعقوب : " فتغرقكم " ؛ على إسناده إلى ضمير الريح. ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بنون التكلم في الخمسة. يفعل ذلك بكم {بما ~~كفرتم} ؛ بكفركم ، أي : بسبب إشراككم ، أو كفرانكم نعمة الإنجاء ، {ثم لا ~~تجدوا لكم علينا به تبيعا} ؛ مطالبا يتبعنا بثأركم ، كقوله : {ولا يخاف ~~عقباها} [الشمس : 15] ، أو : لا تجدوا نصيرا ينصركم منه. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 107 # الإشارة : العباد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ، هم الذين أضافهم إلى ~~نفسه ؛ بأن اصطفاهم لحضرة قدسه ، وشغلهم بذكره وأنسه ، لم يركنوا إلى شيء ~~سواه ، ولم يلتجئوا إلا إلى حماه. فلا جرم أنه يحفظهم برعايته ، ويكلؤهم ~~بسابق عنايته. فظواهرهم قائمة بآداب العبودية ، وبواطنهم مستغرقة في شهود ~~عظمة الربوبية. فلما قاموا بخدمة # 108 PageV04P151 ~~الرحمن ، حال بينهم وبين كيد الشيطان ، وقال لهم : ربكم الذي يزجي لكم فلك ~~الفكرة في بحر الوحدة ؛ لتبتغوا الوصول إلى حضرة الأحدية ، إنه كان بكم ~~رحيما. ثم إذا غلب عليكم بحر الحقيقة ، وغرقتم في تيار الذات ، غاب عنكم كل ~~ما سواه ، وطلبتم منه الرجوع إلى بر الشريعة ، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ~~عن شهود السوى ، وجحدتم وجوده ، لكن القلوب بيد الرحمن ، يقلبها كيف شاء ؛ ~~فلا يأمن العارف من المكر ، ولو بلغ ما بلغ ، ولذلك قال : أفأمنتم أن يخسف ~~بكم جانب البر ؛ فتغرقون في الحس ، وتشتغلون بعبادة الحس ، أو يرسل عليكم ~~حاصبا : واردا قهاريا ، يخرجكم عن حد الاعتدال ، أم أمنتم أن يعيدكم في بحر ~~الحقيقة ، تارة أخرى ، بعد الرجوع للبقاء ، فيرسل عليكم واردا قهاريا ~~يخرجكم عن حد الاعتدال ، ويحطكم عن ذروة الكمال ، ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 107 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد كرمنا بني آدم} قاطبة ، برهم وفاجرهم ، أي : ~~كرمناهم بالصورة الحسنة ، والقامة المعتدلة ، والتمييز بالعقل ، والإفهام ~~بالكلام ، والإشارة والخط ، والتهدي إلى أسباب المعاش والمعاد ، والتسلط ~~على ما في الأرض ، والتمتع به ، والتمكن من الصناعات ، وغير ذلك مما لا ~~يكاد يحيط به ms1424 نطاق العبارة. ومن جملته : ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه ؛ ~~من أن كل حيوان يتناول طعامه بفيه ، إلا الإنسان يرفعه إليه بيده ، وأما ~~القرد فيده بمنزلة رجله ؛ لأنه يطأ بها القاذورات ؛ فسقطت حرمتها. PageV04P152 # {وحملناهم} أي : بني آدم ، {في البر والبحر} ؛ على الدواب والسفن ؛ فيمشون ~~محمولين في البر والبحر. يقال : حملته حملا : إذا جعلت له ما يركب. ~~{ورزقناهم من الطيبات} ؛ من فنون النعم ، وضروب المستلذات مما يحصل بصنعهم ~~وبغير صنعهم ، {وفضلناهم} بالعلوم والإدراكات ، مما ركبنا فيهم {على كثير ~~ممن خلقنا} وهم : من عدا الملائكة - عليهم السلام -. {تفضيلا} عظيما ، فحق ~~عليهم أن يشكروا هذه النعم ولا يكفروها ، ويستعملوا قواهم في تحصيل العقائد ~~الحقية ، ويرفضوا ما هم عليه من الشرك ، الذي لا يقبله أحد ممن له أدنى ~~تمييز ، فضلا عمن فضل على من عدا الملأ الأعلى ، والمستثنى جنس الملائكة ، ~~أو الخواص منهم ، ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس ؛ عدم تفضيل جنس بني آدم على ~~الملائكة ، عدم تفضيل بعض أجزائه ؛ كالأنبياء والرسل ، فإنهم أفضل من خواص ~~الملائكة ، وخواص الملائكة - كالمقربين # 109 # مثلا - أفضل من خواص بني آدم ، كالأولياء ، والأولياء أفضل من عوام ~~الملائكة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد كرم الله هذا الآدمي ، وشرفه على خلقه ؛ بخصائص جعلها فيه ، ~~منها : أنه جعله نسخة من الوجود ، فيه ما في الوجود ، وزيادة ، قد انطوت ~~فيه العوالم بأسرها ، من عرشها إلى فرشها ، وإلى هذا المعنى أشار ابن البنا ~~، في مباحثه ، حيث قال : # يا سابقا في موكب الإبداع # ولاحقا في جيش الاختراع # اعقل فانت نسخة الوجود # لله ما أعلاك من موجود # أليس فيك العرش والكرسي # والعالم العلوي والسفلي # جزء : 4 رقم الصفحة : 109 # ما الكون إلا رجل كبير # وأنت كون مثله صغير # وقال آخر : # إذا كنت كرسيا وعرشا وجنة # ونارا وأفلاكا تدور وأملاكا # وكنت من السر المصون حقيقة # وأدركت هذا بالحقيقة إدراكا # ففيم التأني في الحضيض تثبطا PageV04P153 ~~مقيما مع الأسرى أما آن إسراكا # ومنها : أنه جعله خليفة في ملكه ، وجعل الوجود بأسره خادما له ، ومنتفعا ~~به ، الأرض تقله ms1425 ، والسماء تظله ، والجهات تكتنفه ، والحيوانات تخدمه ، ~~والملائكة تستغفر له ، إلى غير ذلك مما لا يعلمه الخلق. قال تعالى : {وسخر ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية : 13]. # ومنها : أن جعل ذاته مشتملة على الضدين : النور والظلمة ، الكثافة ~~واللطافة ، الروحانية والبشرية ، الحس والمعنى ، القدرة والحكمة ، العبودية ~~وأسرار الربوبية ، إلى غير ذلك. ولذلك خصه بحمل الأمانة. # ومنها : أنه جعله قلب الوجود ، هو المنظور إليه من هذا العالم ، وهو ~~المقصود الأعظم من إيجاد هذا الكون ، فهو المنعم دون غيره ، إن أطاع الله ، ~~ألا ترى قوله تعالى : {وترى الملائكة حآفين من حول العرش} [الزمر : 75] ، ~~فنعيم الجنان خاص بهذا الإنسان ، أو : من التحق به من مؤمني الجان. وقال ~~الورتجبي : كرامة الله تعالى لبني آدم سابقة على كون الخلق جميعا ؛ لأنها ~~من صفاته ، واختياره ، ومشيئته الأولية. أوجد الخلق برحمته ، وخلق آدم ~~وذريته بكرامته ، الخلق كلهم في حيز الرحمة ، وآدم وذريته في حيز الكرامة. ~~الرحمة للعموم ، والكرامة للخصوص. خلق الكل لآدم وذريته ، وخلق آدم وذريته ~~لنفسه ، ولذلك قال : {واصطنعتك لنفسي} [طه : 41] ، جعل آدم خليفته ، وجعل ~~ذريته خلفاء أبيهم ، الملائكة والجن في خدمتهم ، والأمر والنهي والخطاب ~~معهم ، والكتاب أنزل إليهم ، والجنة والنار والسماوات والأرض والشمس والقمر ~~والنجوم ، # 110 PageV04P154 ~~وجميع الآيات ، خلق لهم. والخلق كلهم طفيل لهم ، ألا ترى الله يقول لحبيبه ~~صلى الله عليه وسلم : " لولاك ما خلقت الكون " ؟ ولهم كرامة الظاهر ، وهي : ~~تسوية خلقهم ، وظرافة صورهم ، وحسن نظرتهم ، وجمال وجوههم ، حيث خلق فيها ~~السمع والأبصار والألسنة ، واستواء القامة ، وحسن المشي ، والبطش ، وإسماع ~~الكلام ، والتكلم باللسان ، والنظر بالبصر ، وجميع ذلك ميراث فطرة آدم ، ~~التي صدرت من حسن اصطناع صورته. الذي قال : {خلقت بيدي} [ص : 75] ، فنور ~~وجوههم من معادن نور الصفة ، وأنوار الصفات نورت آدم وذريته ، فتكون نورا ~~من حيث الصفات والهيئات ، والحسن والجمال ، متصفون متخلقون بالصفات الأزلية ~~، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : " خلق آدم على صورته " ، من حيث التخلق ~~لا من حيث التشبيه. انظر تمامه. والحاصل أنه فضلهم بالخلق والخلق ، وذلك ~~يجمع محاسن الصورة الظاهرة والباطنة. ms1426 ه. قاله المحشي الفاسي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 109 # قلت : يجوز في {أعمى} - الثاني - : أن يكون وصفا كالأول ، وأن يكون من ~~أفعل التفضيل ، وهو أرجح ؛ لعطف " وأضل " عليه ، الذي هو للتفضيل. وقال ~~سيبويه : لا يجوز أن يقال : هو أعمى من كذا ، وإنما يقال : هو أشد عمى ، ~~لكن إنما يمتنع ذلك في عمى البصر ، لا في عمى القلب. قاله ابن جزي. # يقول الحق جل جلاله : واذكر {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} ؛ بنبيهم. فيقال ~~: يا أمة فلان ، يا أمة فلان ، احضروا للحساب. أو : بكتاب أعمالهم ، فيقال ~~: يا صاحب الخير ويا صاحب الشر ، فهو مناسب لقوله : {فمن أوتي...} الخ. PageV04P155 # وقال محمد بن كعب القرظي : بأسماء أمهاتهم ، فيكون جمع " أم " ، كخف وخفاف ~~، لكن في الحديث : " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم " ، ~~ولعل ما قاله القرظي مخصوص بأولاد الزنا. وفي البيضاوي : قيل : بأمهاتهم ، ~~والحكمة في ذلك : إجلال عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين ، وألا يفتضح أولاد ~~الزنى. ه. # وقال أبو الحسن الصغير : قيل لأبي عمران : هل يدعى الناس بأمهاتهم يوم ~~القيامة أو بآبائهم ؟ قال : قد جاء في ذلك شيء أنهم يدعون بأمهاتهم فلا ~~يفتضحوا. وفي # 111 # البخاري - باب يدعى الناس بآبائهم - ، وساق حديث ابن عمر : " ينصب لكل ~~غادر لواء يوم القيامة. يقال : هذه غدرة فلان ابن فلان " ، فظاهر الحديث ~~أنهم يدعون بآبائهم ، وهو الراجح ، إلا فيمن لا أب له. والله تعالى أعلم. # ثم قال تعالى : {فمن أوتي كتابه بيمينه} أي : فمن أوتي صحيفة أعماله ، ~~يومئذ ، من أولئك المدعوين بيمينه ؛ إظهارا لخطر الكتاب ، وتشريفا لصاحبه ، ~~وتبشيرا له من أول الأمر ، {فأولئك يقرؤون كتابهم} المؤتى لهم. والإشارة ~~إلى " من " : باعتبار معناها ؛ لأنها واقعة على الجمع ؛ إيذانا بأنهم حزب ~~مجتمعون على شأن جليل ، وإشعارا بأن قراءتهم لكتبهم يكون على وجه الاجتماع ~~، لا على وجه الانفراد ؛ كما في حال الدنيا. وأتى بإشارة البعيد ؛ إشعارا ~~برفع درجاتهم ، أي : أولئك المختصون بتلك الكرامة ، التي يشعر بها الإيتاء ~~المذكور ، يقرأون كتابهم {ولا يظلمون فتيلا} ؛ ولا ينقصون من أجور أعمالهم ~~المرسومة في صحيفتهم ms1427 أدنى شيء ، فإن الفتيل - وهو : قشر النواة - مثل في ~~القلة والحقارة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 111 PageV04P156 ~~ثم ذكر أهل الأخذ بالشمال فقال : {ومن كان في هذه} الدنيا ، التي فعل بهم ~~ما فعل من فنون التكريم والتفضيل ، {أعمى} ؛ فاقد البصيرة ، لا يهتدي إلى ~~رشده ، ولا يعرف ما أوليناه من نعمة التكرمة والتفضيل ، فضلا عن شكرها ~~والقيام بحقوقها ، ولا يستعمل ما أودعنا فيه ؛ من العقل والقوى ، فيما خلق ~~له من العلوم والمعارف ، {فهو في الآخرة أعمى} كذلك ، لا يهتدي إلى ما ~~ينجيه مما يرديه ؛ لأن النجاة من العذاب والتنعم بأنواع النعم الأخروية ~~مرتب على العمل في الدنيا ، ومعرفة الحق ، ومن عمي عنه في الدنيا فهو في ~~الآخرة أشد عمى عما ينجيه ، {وأضل سبيلا} عنه ؛ لزوال الاستعداد الممكن ~~لسلوك طريق النجاة. وهذا بعينه هو الذي أخذ كتابه بشماله ، بدلالة ما سبق ~~من القبيل المقابل ، ولعل العدول عن التصريح به إلى ذكره بهذا العنوان ؛ ~~للإشعار بالعلة الموجبة له ، فإن العمى عن الحق والضلال هو السبب في الأخذ ~~بالشمال ، وهذا كقوله في الواقعة : {وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين} ~~[الواقعة : 92] ، بعد قوله : {وأمآ إن كان من أصحاب اليمين} [الواقعة : ~~90]. والله تعالى أعلم. # الإشارة : يدعو الحق تعالى ، يوم القيامة ، الأمم إلى الحساب بأنبيائها ~~ورسلها ، ثم يدعوهم ، ثانيا ، للكرامة بأشياخها وأئمتها التي كانت تدعوهم ~~إلى الحق على الهدي المحمدي. فيقال : يا أصحاب فلان ، ويا أصحاب فلان ، ~~اذهبوا إلى الجنة ، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. وهذا في حق أهل ~~الحق والتحقيق ، الدالين على سلوك # 112 PageV04P157 ~~الشريعة ، والتمسك بأنوار الحقيقة ؛ ذوقا وكشفا ، فكل من تبعهم وسلك ~~منهاجهم ، كان من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، وهم : ~~أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأما من لم يكن من حزبهم ، ~~ولم يدخل تحت تربيتهم ، فإن استعمل عقله وقواه فيما ينجيه يوم القيامة ؛ ~~كان من الذين يؤتون كتابهم بيمينهم ، ولا يظلمون فتيلا. ومن أهمل عقله ~~واستعمل قواه في البطالة والهوى ، كان من القبيل الذي عاش في ms1428 الدنيا أعمى ، ~~ويكون في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ، والعياذ بالله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 111 # قلت : {وإن} : مخففة من الثقيلة في الموضعين ، واسمها : ضمير الشأن ، ~~واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، أي : إن الشأن قاربوا أن يفتنوك. ~~و{سنة} : مفعول مطلق ، أي : سن الله ذلك سنة. # يقول الحق جل جلاله : {وإن كادوا} أي : كفار العرب ، {ليفتنونك عن الذي ~~أوحينا إليك} ؛ من أمرنا ونهينا ، ووعدنا ووعيدنا ، {لتفتري علينا غيره} ؛ ~~لتقول ما لم أقل لك ، مما اقترحوا عليك. نزلت في ثقيف ، إذ قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب : ~~لا نعشر ، ولا نحشر ، ولا نحني في صلاتنا ، وكل ربا لنا فهو لنا ، وكل ربا ~~علينا فهو موضوع ، وأن تمتعنا باللات سنة ، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة ، ~~فإذا قالت العرب : لم فعلت ؟ فقل : الله أمرني بذلك. فأبى عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وخيب سعيهم. فالآية ، على هذا ، مدنية. وقيل : في ~~قريش ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : لا نمكنك من استلام الحجر ، حتى ~~تلم بآلهتنا ، وتمسها بيدك. وقيل : قالوا : اقبل بعض أمرنا ، نقبل بعض أمرك ~~، والآية ، حينئذ ، مكية كجميع السورة. PageV04P158 # {وإذا لاتخذوك خليلا} أي : لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليا وحبيبا ، ~~ولخرجت من ولايتي ، {ولولا أن ثبتناك} على ما أنت عليه من الحق ؛ بعصمتنا ~~لك ، {لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} من الركون ، الذي هو أدنى ميل ، أي : ~~لولا أن # 113 # عصمناك ، لقاربت أن تميل إليهم ؛ لقوة خدعهم ، وشدة احتيالهم. لكن عصمتنا ~~منعتك من المقاربة. وهو صريح في أنه - عليه الصلاة والسلام - ما هم ~~بإجابتهم ، مع قوة الداعي إليها ، ولا قارب ذلك. وهو دليل على أن العصمة ~~بتوفيق الله وحفظه ، قاله البيضاوي. وفيه رد على ابن عطية ، حيث قال : قيل ~~: إنه هم بموافقتهم ، لكن كان ذلك خطرة ، والصواب : عدم ذلك ؛ لأن التثبيت ~~والعصمة مانع من ذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 113 # وقد أجاد القشيري في ذلك ، ونصه : ضربنا عليك ms1429 سرادقات العصمة ، وآويناك ~~في كنف الرعاية ، وحفظناك عن خطر اتباع هواك ، فالزلل منك محال ، والافتراء ~~في نعتك غير موهوم ، ولو جنحت لحظة إلى جانب الخلاف لتضاعفت عليك شدائد ~~البلاء ؛ لكمال قدرك وعلو شأنك ؛ فإن كل من هو أعلى درجة فذنبه - لو حصل - ~~أشد تأثيرا. {ولولا أن ثبتناك...} الآية : لو وكلناك ونفسك ، ورفعنا عنك ظل ~~العصمة ، لقاربت الإلمام بشيء مما لا يجوز من مخالفة أمرنا ، ولكنا أفردناك ~~بالحفظ ، بما لا تتقاصر عنك آثاره ، ولا تغرب عن ساحتك أنواره. {إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} ، هبوط الأكابر على قدر صعودهم. ه. PageV04P159 # {إذا} أي : لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون {لأذقناك ضعف} عذاب {الحياة} ~~{وضعف} عذاب {الممات} ، أي : مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة ؛ لأن ~~خطأ الخطير أخطر. وكأن أصل الكلام : عذابا ضعفا في الحياة ، وعذابا ضعفا في ~~الممات ، أي : مضاعفا ، ثم حذف الموصوف ، وأقيمت الصفة مقامه ، ثم أضيفت ~~إضافة موصوفها. وقيل : الضعف من أسماء العذاب. وقيل : المراد بضعف الحياة : ~~عذاب الآخرة ؛ لأن حياته دائمة ، وبضعف الممات : عذاب القبر. {ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا} يدفع عنك العذاب. # {وإن كادوا} أي : كاد أهل مكة {ليستفزونك} ؛ ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم ~~{من الأرض} التي أنت فيها. وهي : أرض مكة ، {ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون ~~خلافك إلا قليلا} ؛ إلا زمنا قليلا. وقد كان كذلك ، فإنهم أهلكوا ببدر بعد ~~هجرته صلى الله عليه وسلم ، وقيل : نزلت في اليهود ؛ فإنهم حسدوا مقام ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فقالوا : الشام مقام الأنبياء ، فإن ~~كنت نبيا فالحق بها حتى نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة ، فقالوا : الشام مقام الأنبياء ، فإن كنت نبيا فالحق بها حتى ~~نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم ، فخرج من مرحلة ، فنزلت ، ~~فرجع صلى الله عليه وسلم ، ثم قتل منهم بني قريظة ، وأجلى بني النضير بقليل ~~، {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا} أي : عادته تعالى : أن يهلك من أخرجت ~~رسلهم من بين أظهرهم ، فقد سن ms1430 ذلك في خلقه ، وأضافها إلى الرسل ؛ لأنها سنت ~~لأجلهم. {ولا تجد لسنتنا تحويلا} أي : تغييرا وتبديلا. # 114 PageV04P160 ~~الإشارة : من شأن العارف الكامل أن يأخذ بالعزائم ، ويأمر بما يقتل النفوس ~~، ويوصل إلى حضرة القدوس ، وهو كل ما يثقل على النفوس ، فإن أتاه من يفتنه ~~ويرده إلى الهوى ، حفظته العناية ، واكتنفته الرعاية ، فيقال له : وإن ~~كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ؛ وحي إلهام ، لتفتري علينا غيره ، ~~فتأمر بالنزول إلى الرخص والتأويلات وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك ؛ ~~بالحفظ والرعاية ، لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ، وهي : خواطر تخطر ولا ~~تثبت. إذا لأذقناك ضعف الحياة ، وهو : الذل والحرص والطمع. وضعف الممات ، ~~وهو : السقوط عن مقام المقربين ، أهل الروح والريحان. وإن كادوا ليستفزونك ~~من أرض العبودية ، ليخرجوك منها إلى إظهار الحرية ؛ من العز والجاه ، وإذا ~~لا يلبثون خلافك ممن اتبعك إلا قليلا ؛ لأن من رجع إلى مباشرة الدنيا والحس ~~قل مدده ، فيقل انتفاعه ، فلا يتبعه إلا القليل. هذه سنة الله في أوليائه ، ~~ولن تجد لسنة الله تحويلا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 113 # قلت : الدلوك : الميل. واشتقاقه من الدلك ؛ لأن من نظر إليها حينئذ يدلك ~~عينه. واللام للتأقيت بمعنى : عند. و{قرآن} : عطف على {الصلاة} ، أو منصوب ~~بفعل مضمر ، أي : اقرأ قرآن لفجر ، أو على الإغراء. # يقول الحق جل جلاله : {أقم الصلاة لدلوك} أي : عند زوال {الشمس} ، وهو ~~إشارة إلى إقامة الصلوات الخمس ، فدلوك الشمس : زوالها ؛ وهو إشارة إلى ~~الظهر والعصر ، وغسق الليل : ظلمته ، وهو إشارة إلى المغرب والعشاء ، ~~{وقرآن الفجر} ؛ صلاة الصبح ، وإنما عبر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر ؛ لأن ~~القرآن يقرأ فيها أكثر من غيرها ؛ لأنها تصلي بسورتين طويلتين ، ثم مدحها ~~بقوله : {إن قرآن الفجر كان مشهودا} ؛ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ، ~~أو : يشهده الجم الغفير من المصلين ، أو فيه شواهد القدرة ؛ من تبدل الظلمة ~~بالضياء ، والنوم ، الذي هو آخو الموت ، بالانتباه. PageV04P161 # ثم أمر بقيام الليل فقال : {ومن الليل} أي : بعض الليل {فتهجد به} أي : ~~اترك الهجود ، الذي هو النوم فيه ، للصلاة بالقرآن ، {نافلة ms1431 لك} أي : فريضة ~~زائدة لك على الصلوات الخمس ، أو فريضة زائدة لك ؛ لاختصاص وجوبها بك ، أو ~~نافلة زائدة لك على الفرائض ؛ غير واجبة. وكأنه ، لما أمر بالفرائض ، أمر ~~بعدها بالنوافل. وتطوعه - عليه الصلاة والسلام - ؛ لزيادة الدرجات ، لا ~~لجبر خلل أو تكفير ذنب ؛ لأنه مغفور # 115 # له ما تقدم وما تأخر. و" من " : للتبعيض ، والضمير في " به " : للقرآن. ~~والتهجد : السهر ، وهو : ترك الهجود ، أي : النوم. فالتفعل هنا للإزالة ؛ ~~كالتأثم والتحرج ، لإزالة الإثم والحرج. # ثم ذكر ثوابه في حقه - عليه الصلاة والسلام - فقال : {عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا} عندك وعند جميع الناس ، وهي : الشفاعة العظمى. وفيه تهوين ~~لمشقة قيام الليل. روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : " المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " وقال ابن ~~عباس رضي الله عنه : مقاما محمودا يحمده فيه الأولون والآخرون ، ويشرف فيه ~~على جميع الخلائق ، يسأل فيعطى ، ويشفع فيشفع. وعن حذيفة : يجمع الناس في ~~صعيد واحد ، فلا تتكلم فيه نفس إلا بإذنه ، فأول مدعو محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، فيقول : " لبيك وسعديك. والشر ليس إليك ، والمهدي من هديت ، وعبدك ~~بين يديك ، وبك وإليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، تباركت وتعاليت ، ~~سبحانك رب البيت " ثم يأذن له في الشفاعة. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 115 PageV04P162 ~~وقال ابن العربي المعافري في أحكامه : واختلف في وجه كون قيام الليل سببا ~~للمقام المحمود على قولين ، فقيل : إن البارئ تعالى يجعل ما يشاء من فضله ~~سببا لفضله ، من غير معرفة منا بوجه الحكمة. وقيل : إن قيام الليل فيه ~~الخلوة به تعالى ، والمناجاة معه دون الناس ، فيعطي الخلوة به والمناجاة في ~~القيامة ، فيكون مقاما محمودا ، ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم. وأجلهم ~~فيه ؛ درجة : نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فيعطى من المحامد ما لم يعط ~~قبل ، ويشفع فيشفع. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : وقد يقال : ~~إن ذلك مرتب على قوله : {أقم الصلاة...} الآية ، ولا يخص بقيام ms1432 الليل ، ~~والصلاة ، مطلقا مفاتحة للدخول على الله ومناجاة له ، ولذلك جاء في حديث ~~الشفاعة افتتاحه بأن " يخر ساجدا حامدا ، فيؤذن حينئذ بالشفاعة ". ومن ~~تواضع رفعه الله. ه. # الإشارة : قوم اعتنوا بإقامة صلاة الجوارح ، وهم : الصالحون الأبرار ، ~~وقوم اعتنوا بإقامة صلاة القلوب ، التي هي الصلاة الدائمة ، وهم العارفون ~~الكبار ، وقوم اعتنوا بسهر الليل في الركوع والسجود ، وهم العباد والزهاد ~~والصالحون ، أولو الجد والاجتهاد. وقوم اعتنوا بسهره في فكرة العيان ~~والشهود ، وهم المقربون عند الملك الودود. الأولون يوفون أجرهم على التمام ~~بالحور والولدان ، والآخرون يكشف لهم الحجاب ويتمتعون بالنظر على الدوام ، ~~الأولون محبون ، والآخرون محبوبون ، الأولون يشفعون في أقاربهم ومن تعلق ~~بهم ، والآخرون قد يشفع واحد منهم في أهل عصره. وما ذلك على الله بعزيز. # 116 # جزء : 4 رقم الصفحة : 115 PageV04P163 ~~يقول الحق جل جلاله : {وقل} يا محمد : {رب أدخلني} في الأمور كلها {مدخل ~~صدق} ؛ بأن أدخل فيها بك لا بنفسي ، {وأخرجني} منها {مخرج صدق} كذلك ، ~~مصحوبا بالفهم عنك ، والإذن منك في إدخالي وإخراجي. وقيل : أدخلني قبري ~~مدخل صدق راضيا مرضيا ، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق ، أي : إخراجا ~~مرضيا ملقى بالكرامة. فيكون تلقينا للدعاء بما وعده من البعث ، المقرون ~~بالإقامة للمقام المحمود ، التي لا كرامة فوقها. وقيل : المراد : إدخال ~~المدينة ، والإخراج من مكة. وقيل : إدخاله - عليه الصلاة والسلام - مكة ؛ ~~ظاهرا عليها ، وإخراجه منها ؛ آمنا من المشركين. وقيل : إدخاله الغار ، ~~وإخراجه منه سالما. وقيل : إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة ، وإخراجه ~~منه مؤديا حقه. وقيل : إدخاله في كل ما يلائمه من مكان أو أمر ، وإخراجه ~~منه بالحفظ والرعاية ، بحيث يدخل بالله ويخرج بالله. وهو الراجح كما ~~قدمناه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 117 PageV04P164 ~~واجعل لي من لدنك} أي : من مستبطن أمورك ، {سلطانا نصيرا} أي حجة ظاهرة ، ~~تنصرني على من يخالفني ويعاديني ، أو : عزا ناصرا للإسلام ، مظهرا له على ~~الكفر. فأجيبت دعوته - عليه الصلاة والسلام - بقوله : {فإن حزب الله هم ~~الغالبون} [المائدة : 56] ، {ليظهره على الدين كله} [التوبة : 33] ، {وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ms1433 ليستخلفنهم في الأرض...} [النور : ~~55] الآية ، وبقوله : {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون} [الصافات : 171 ، 172] الآية. وذلك حين يظهر الحق ، ويزهق ~~الباطل ، كما قال : {وقل جاء الحق} أي : الإسلام أو الوحي ، {وزهق الباطل} ~~؛ ذهب ، وهلك الكفر والشرك ، وتسويلات الشيطان ؛ {إن الباطل} كائنا ما {كان ~~زهوقا} أي : شأنه أن يكون مضمحلا غير ثابت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح ، وحول البيت ثلاثمائة ~~وستون صنما ، فجعل يطعن بمخصرة كانت بيده في عين كل واحد ، ويقول : " جاء ~~الحق وزهق الباطل " ، فينكب لوجهه ، حتى ألقى جميعها ، وبقي صنم خزاعة فوق ~~الكعبة ، وكان من صفر ، فقال : " يا علي ، ارم به " ؛ فصعد إليه ، ورمى به ~~، فكسره. ه. # 117 PageV04P165 ~~الإشارة : إذا تمكن العارفون من شهود حضرة القدس ومحل الأنس ، وصارت معشش ~~قلوبهم ؛ كان نزولهم إلى سماء الحقوق وأرض الحظوظ بالإذن والتمكين ، ~~والرسوخ في اليقين. فلم ينزلوا إلى سماء الحقوق بسوء الأدب والغفلة ، ولا ~~إلى أرض الحظوظ بالشهوة والمتعة ، بل دخلوا في ذلك بالله ولله ، ومن الله ~~وإلى الله ، كما في الحكم. ثم قال : {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج ~~صدق} ؛ ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني ، وانقيادي إليك إذا ~~أخرجتني. {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} ينصرني ولا ينصر علي ، ينصرني ~~على شهود نفسي ، حتى أغيب عنها وعن متعتها وهواها ، ويفنيني عن دائرة حسي ، ~~حتى تتسع علي دائرة المعاني عندي ، وأفضي إلى فضاء الشهود والعيان ، فحينئذ ~~يزهق الباطل ، وهو ما سوى الله ، ويجيء الحق ، وهو وجود الحق وحده ، فأقول ~~حينئذ : {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} ، وإنما أثبته ~~الوهم والجهل ، وإلا فلا ثبوت له ؛ ابتداء وانتهاء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 117 # قلت : {من} : للبيان ، قدمت على المبين ؛ اعتناء ، فالقرآن كله شفاء. ~~وقيل : للتبعيض ، والمعنى : أن منه ما يشفي من المرض الحسي ، كالفاتحة وآية ~~الشفاء ، ومن المرض المعنوي ، كآيات كثيرة. PageV04P166 # يقول الحق جل جلاله : {وننزل من القرآن ما هو شفاء} لما ms1434 في الصدور ، ومن ~~سقام الريب والجهل ، وأدواء الأوهام والشكوك ، {ورحمة للمؤمنين} به ، ~~العالمين بما احتوى عليه من عجائب الأسرار وغرائب العلوم ، المستعملين ~~أفكارهم وقرائحهم في الغوص على درره ويواقيته ، أي : وننزل ما هو تقويم ~~دينهم واستصلاح نفوسهم ، ورفع الأوهام والشكوك عنهم ، كالدواء الشافي للمرض ~~، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " من لم يستشف بالقرآن لا شفاه الله " ~~{ولا يزيد الظالمين} ؛ الكافرين المكذبين ، الواضعين الأشياء في غير محلها ~~، مع كونه في نفسه شفاء من الأسقام ، {إلا خسارا} ؛ إلا هلاكا بكفرهم ~~وتكذيبهم به. ولا يفسر الخسران هنا بالنقصان ؛ فإن ما بهم من داء الكفر ~~والضلال حقيق بأن يعبر عنه بالهلاك ، لا بالنقصان المنبئ عن حصول بعض مبادئ ~~الإسلام ، فهم في الزيادة في مراتب الهلاك ، من حيث إنهم ، كلما جددوا ~~الكفر والتكذيب بالآيات النازلة ازدادوا بذلك هلاكا. # 118 # وفيه إيماء إلى أن ما بالمؤمنين من الشبه والشكوك المعترية لهم في أثناء ~~الاهتداء والاسترشاد ، بمنزلة الأمراض ، وما بالكفرة ؛ من الجهل والعناد ~~بمنزلة الموت والهلاك ، وإسناد زيادة الخسران إلى القرآن ، مع أنهم هم ~~المزدادون في ذلك بسوء صنيعهم ؛ باعتبار كونه سببا لذلك ، حيث كذبوا به ، ~~وفيه تعجيب من أمره ؛ حيث جعله مدار الشفاء والهلاك. قاله أبو السعود. PageV04P167 # الإشارة : لا يحصل الاستشفاء بالقرآن إلا بعد التصفية والتطهير للقلب ، ~~بالتخلية والتحلية ، على يد شيخ كامل ، عارف بأدواء النفوس ، حتى يتفرغ ~~القلب من الأغيار والأكدار ، ويذهب عنه وساوس النفوس وخواطر القلوب ؛ ~~ليتفرغ لسماع القرآن والتدبر في معانيه. وأما إن كان القلب محشوا بصور ~~الأكوان ، مصروفا إلى الخواطر والأغيار ، لا يذوق له حلاوة ، ولا يدري ما ~~يقول ، فلا يهتدي لما فيه من الشفاء ، إذ لا يستشفي بالقرآن إلا من له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد. ولأجل ذلك كان من شأن شيوخ التربية أن يأمروا ~~المريد بالذكر المجرد ، حتى تشرق عليه أنواره ، وتذهب به عنه أغياره. ~~وحينئذ يأمره بتلاوة القرآن ؛ ليذوق حلاوته ، فإذا كمل تطهيره ، تمتع ~~بحلاوة شهود المتكلم ، فيسمعه من الحق بلا واسطة ، وهو المراد بالرحمة ~~المذكورة بعد ms1435 الشفاء. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 118 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا أنعمنا على الإنسان} : بالصحة والعافية ~~والنعمة ، {أعرض} عن ذكرنا ، فضلا عن القيام بالشكر ، {ونأى} أي : تباعد ~~{بجانبه} ؛ لوى عطفه وبعد بنفسه. فالنأي بالجانب : أن يلوي عن الشيء عطفه ~~ويوليه عرض وجهه ، فهو تأكيد للإعراض. أو عبارة عن التكبر ؛ لأنه من ديدن ~~المستكبرين ، {وإذا مسه الشر} ؛ من فقر ، أو مرض ، أو نازلة من النوازل ، ~~{كان يؤوسا} ؛ شديد اليأس من روحنا وفرجنا. وفي إسناد المس إلى الشر ، بعد ~~إسناد الإنعام إلى ضمير الجلالة ؛ إيذان بأن الخير مراد بالذات ، والشر ليس ~~كذلك. وهذا الوصف المذكور هنا هو وصف للإنسان باعتبار بعض أفراده ممن هو ~~على هذا الوصف ، ولا ينافيه قوله تعالى : {وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض} ~~[فصلت : 51] ، ونظائره ؛ فإن ذلك في نوع آخر من جنس الإنسان. وقيل : أريد ~~به الوليد بن المغيرة. # 119 PageV04P168 ~~قال تعالى : {قل كل} أي : كل واحد منكم وممن هو على خلافكم {يعمل على ~~شاكلته} ؛ على طريقته التي تشاكل حاله من الهدى والضلالة ، {فربكم أعلم بمن ~~هو أهدى سبيلا} أي : فربكم ، الذي يراكم على هذه الأحوال والطرق ، أعلم بمن ~~هو أسد طريقا وأبين منهاجا. وقد فسرت الشاكلة أيضا بالطبيعة والعادة والدين ~~والنية. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ينبغي للمؤمن المشفق على نفسه أن يمعن النظر في كلام سيده ، ~~فإذا وجده مدح قوما بعمل ، بادر إلى فعله ، أو بوصف ، بادر إلى التخلق به ، ~~وإذا وجده ذم قوما ، بسبب عمل ، تباعد عنه جهده ، أو بوصف تطهر منه ~~بالكلية. وقد ذم الحق تعالى هنا من بطر بالنعمة وغفل عن القيام بشكرها ، ~~ومن جزع عند المصيبة وأيس من ذهابها ، فليكن المؤمن على عكس هذا ، فإذا ~~أصابته مصيبة أو بلية تضرع إلى مولاه ، ورجى فضله ونواله ، وإذا أصابته ~~نعمة دنيوية أو دينية أكثر من شكرها ، وشهد المنعم بها في أخذها وصرفها ، ~~ولا سيما نعمة الإيمان والمعرفة ، وتصفية الروح من غبش الحس والوهم ، حتى ~~ترجع لأصلها ، الذي هو سر من أسرار الله. ms1436 # جزء : 4 رقم الصفحة : 119 # يقول الحق جل جلاله : {ويسألونك عن الروح} أي : عن حقيقة الروح ، الذي هو ~~مدبر البدن الإنساني ، ومبدأ حياته. روي أن اليهود قالوا لقريش : سلوه عن ~~أصحاب الكهف ، وعن ذي القرنين ، وعن الروح ، فإن أجاب عنها كلها أو سكت ~~فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي. فبين لهم القصتين وأبهم ~~أمر الروح ، وهو مبهم في التوراة ، فقال : {قل الروح من أمر ربي} ، أظهر في ~~مقام الإضمار ؛ إظهارا لكمال الاعتناء بشرفه ، أي : هو من جنس ما استأثر ~~الله بعلمه من الأسرار الخفية ، التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر. {وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا} لا يمكن تعلقه بأمثال هذه الأسرار. PageV04P169 # روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك ، قالوا : نحن مختصون بهذا ~~الخطاب ، قال عليه الصلاة والسلام : " بل نحن وأنتم ". فقالوا : ما أعجب ~~شأنك ، ساعة تقول : {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة : 269] ، ~~وتارة تقول هذا ، فنزلت : {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} [الكهف : ~~109] الآية. {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام...} [لقمان : 27] الآية. ~~وهذا من ركاكة عقولهم ؛ فإن من الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير ما تسعه ~~الطاقة البشرية ، بل ما نيط به المعاش والمعاد ، وذلك بالإضافة إلى ما لا ~~نهاية له من متعلقات علمه سبحانه ، قليل ينال به خير : كثير في نفسه. # 120 # وقال ابن حجر : أخرج الطبراني عن ابن عباس أنهم قالوا : أخبرنا عن الروح ~~، وكيف تعذب الروح في الجسد ، وإنما الروح من الله ؟ . ه. قلت : يجاب بأنها ~~لما برزت لعالم الشهادة لحقتها العبودية ، وأحاطت به القهرية. وقال القشيري ~~: أرادوا أن يغالطوه فيما به يجيب ، فأمره أن ينطق بأمر يفصح عن أقسام ~~الروح ، لأن ما يطلق عليه لفظ " الروح " يدخل تحت قوله : {قل الروح من أمر ~~ربي} ، ثم قال : وفي الجملة : الروح مخلوقة ، والحق أجرى العادة بأن يخلق ~~الحياة للعبد ، ما دام الروح في جسده ، والروح لطيفة تقرب للكثافة في ~~طهارتها ولطافتها. وهي مخلوقة قبل ms1437 الأجساد بألوف من السنين. وقيل : إن ~~أدركها التكليف ، كان للروح صفاء التسبيح ، ضياء المواصلة ، ويمن التعريف ~~بالحق. ه. وقيل : المراد بالروح خلق عظيم روحاني من أعظم الملائكة ، وقيل ~~جبريل عليه السلام ، وقيل : القرآن. ومعنى {من أمر ربي} ؛ من وحيه وكلامه ، ~~لا من كلام البشر. والله تعالى أعلم بمراده. # جزء : 4 رقم الصفحة : 120 PageV04P170 ~~الإشارة : قد أكثر الناس الكلام في شأن الروح ، فرأى بعضهم أن الإمساك عنها ~~أولى ؛ لأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لم يجب عنها. وبين الحق تعالى ~~أنها من أمر الله وسر من أسراره. ورأى بعضهم أن النهي لم يرد عن الخوض فيها ~~صريحا ، فتكلم على قدر فهمه. فقال بعضهم : حقيقة الروح : جسم لطيف مشتبك ~~بالبدن اشتباك الماء بالعود الأرطب ، وقال صاحب (الرموز في فتح الكنوز) على ~~حديث : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " قد ظهر لي من سر هذا الحديث ما يجب ~~كشفه ويستحسن وصفه ، وهو : أن الله ، سبحانه ، وضع هذا الروح في هذه الجثة ~~الجثمانية ، لطيفة لاهوتية ، في كثيفة ناسوتية ، دالة على وحدانيته تعالى ~~وربانيته ، ووجه الاستدلال من عشرة أوجه : # الأول : أن هذا الهيكل الإنساني لما كان مفتقرا إلى محرك ومدبر ، وهذا ~~الروح هو الذي يدبره ويحركه ، علمنا أن هذا العالم لا بد له من محرك ومدبر. ~~الثاني : لما كان مدبر الجسد واحدا ؛ علمنا أن مدبر هذا العالم واحد لا ~~شريك له في تدبيره وتقديره. قال تعالى {لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا} ~~[الأنبياء : 22] ، الثالث : لما كان لا يتحرك هذا الجسم إلا بتحريك الروح ~~وإرادته ؛ علمنا أنه لا يتحرك بخير أو شر إلا بتحريك الله وقدرته وإرادته. ~~الرابع : لما كان لا يتحرك في الجسد شيء إلا بعلم الروح وشعورها ، لا يخفي ~~على الروح من حركة الجسد شيء ، علمنا أنه تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~الأرض ولا في السماء. الخامس : لما كان هذا الجسد لم يكن فيه شيء أقرب إلى ~~الروح من شيء ؛ علمنا أنه تعالى قريب إلى كل شيء ، ليس شيء أقرب إليه من ms1438 ~~شيء ، ولا شيء أبعد إليه من شيء ، لا بمعنى قرب المسافة ؛ لأنه منزه عن ~~ذلك. السادس : لما كان الروح موجودا قبل الجسد ، ويكون موجودا بعد عدمه ؛ ~~علمنا أنه تعالى موجود قبل خلقه ، ويكون موجودا بعد عدمهم ، ما زال ، ولا ~~يزال ، وتقدس عن الزوال. السابع : لما # 121 PageV04P171 ~~كان الروح في الجسد لا تعرف له كيفية ؛ علمنا أنه تعالى مقدس عن الكيفية. ~~الثامن : لما كان الروح في الجسد لا تعرف له كيفية ولا أينية ، بل الروح ~~موجود في سائر الجسد ، ما خلا منه شيء في الجسد. كذلك الحق سبحانه موجود في ~~كل مكان ، وتنزه عن المكان والزمان التاسع : لما كان الروح في الجسد لا يحس ~~ولا يجس ولا يمس ، علمنا أنه تعالى منزه عن الحس والجس والمس. العاشر : لما ~~كان الروح في الجسد لا يدرك بالبصر ، ولا يمثل بالصور ، علمنا أنه تعالى لا ~~تدركه الأبصار ، ولا يمثل بالصور والآثار ، ولا يشبه بالشموس والأقمار ، ~~{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى : 11]. ه. وحديث : " من عرف ~~نفسه... " الخ ، قال النووي : غير ثابت ، وقال السمعاني : هو من كلام يحيى ~~بن معاذ الرازي. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 120 PageV04P172 ~~وسئل أبو سعيد الخراز عن الروح ، أمخلوقة هي ؟ قال : نعم. ولولا ذلك لما ~~أقرت بالربوبية حتى قالت : " بلى ". قلت : لما انفصلت عن الأصل كستها أردية ~~العبودية ، فأقرت بالربوبية. وقال الورتجبي : الروح : شعاع الحقيقة ، يختلف ~~آثارها في الأجساد. قال : ومن خاصيتها أنها تميل إلى كل حسن ومستحسن ، وكل ~~صوت طيب ، وكل رائحة طيبة ؛ لحسن جوهرها وروح وجودها ، ظاهرها غيب الله ، ~~وباطنها سر الله ، مصورة بصورة آدم. فإذا أراد الله خلق آدمي أحضر روحه ، ~~فصور صورته بصورة الروح ؛ فلذلك قال عليه الصلاة والسلام ؛ إشارة وإبهاما : ~~" خلق الله آدم على صورته " ه. قلت : يعني : أن إظهار الروح من بحر الجبروت ~~، في التجلي الأول ، كان على صورة آدم ، ثم خلق آدم على صورة الروح الأعظم ~~، وهو التجلي الأول من بحر المعاني ، فكانت أول التجليات من ذات الرحمن ، ~~فقال في ms1439 حديث آخر : " إن الله خلق آدم على صورة الرحمن " والله تعالى أعلم. ~~وقيل : الصوت الطيب روحاني ، ولتشاكله مع الروح ، صار يهيج الروح ويحثها ~~للرجوع لأصلها ، إذا كان صاحبها له ذوق سليم ، يسمع من صوت طيب كريم. سمع ~~أبو يزيد نغمة ، فقال : أجد النغم نداء منه تعالى. وقيل : إن الروح لم تدخل ~~في جسد آدم إلا بالسماع ، فصارت لا تخرج من سجنه إلا بالسماع. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 120 # 122 # قلت : قال ابن جزي : هذه الآية متصلة المعنى بقوله : {وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا} أي : في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك ، فلا يبقى ~~عندكم شيء من العلم. ه. {إلا رحمة} : يحتمل أن يكون متصلا ، أي : لا تجد من ~~يتوكل برده إلا رحمة ربك. أو منقطعا ، أي : لو شئنا لذهبنا بالقرآن ، لكن ~~رحمة من ربك تمسكه من الذهاب ، و{لا يأتون} : جواب القسم ؛ الدال عليه ~~اللام الموطئة ، وسد مسد جواب الشرط. ولولا اللام لكان جوابا للشرط ، ولم ~~يجزم ؛ لكون الشرط ماضيا ، كقول زهير : # فإن أتاه خليل يوم مسألة PageV04P173 ~~يقول لا غائب ما لي ولا حرم # و{إلا كفورا} : استثناء مفرغ منصوب بأبى ؛ لأنه في معنى النفي ، أي : ما ~~رضي أكثرهم إلا الكفر به. # يقول الحق جل جلاله : {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} أي : بالقرآن ~~الذي هو منبع العلوم التي أوتيتموها ، ومقتبس الأنوار ، فلا يبقى عندكم من ~~العلم إلا قليلا. والمراد بالإذهاب : المحو من المصاحف والصدور. وعن ابن ~~مسعود رضي الله عنه : (أول ما تفقدون من دينكم : الأمانة ، وآخر ما تفقدون ~~الصلاة ، وليصلين قوم ولا دين لهم. وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم ~~منه شيء. فقال رجل : كيف ذلك ، وقد أثبتناه في قلوبنا ، ودوناه في مصاحفنا ~~، وعلمناه أبناءنا ، وأبناؤنا يعلمه أبناءهم ؟ ! فقال : يسري عليه ، ليلا ، ~~فيصبح الناس منه فقراء ، ترفع المصاحف ، وينزع ما في القلوب). {ثم} إن ~~رفعناه {لا تجد لك به} أي : القرآن {علينا وكيلا} أي : من يتوكل علينا ~~استرداده مسطورا محفوظا ، {إلا رحمة من ربك} ؛ فإنها ms1440 إن تأتك لعلها تسترده ~~، أو : لكن رحمة من ربك أمسكته ؛ فلم يذهب. {إن فضله كان عليك كبيرا} ، ~~كإرسالك للناس كافة ، وإنزال الكتاب عليك ، وإنعامه في حفظك ، وغير ذلك مما ~~لا يحصى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 122 # ثم نوه بقدر الكتاب الذي أنزله فقال : {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} ، ~~واتفقوا {على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} المنعوت بما لا تدركه العقول من ~~النعوت الجليلة في البلاغة ، وحسن النظم ، وكمال المعنى ، {لا يأتون بمثله} ~~أبدا ؛ لما تضمنه من العلوم الإلهية ، والبراهين الواضحة ، والمعاني ~~العجيبة ، التي لم يكن لأحد بها علم ، ثم جاءت فيه على الكمال ، ولذلك ~~عجزوا عن معارضته. وقال أكثر الناس : إنما عجزوا عنه ؛ لفصاحته ، وبراعته ، ~~وحسن نظمه. ووجوه إعجازه كثيرة. وإنما خص الثقلين بالذكر ، لأن # 123 PageV04P174 ~~المنكر كونه من عند الله منهما ، لا لأن غيرهما قادر على المعارضة. وإنما ~~أظهر في محل الإضمار ، ولم يقل : لا يأتون به ؛ لئلا يتوهم أن له مثلا ~~معينا ، وإيذانا بأن المراد نفي الإتيان بمثل ما ، أي : لا يأتون بكلام ~~مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة ، وفيهم العرب العاربة ، أرباب ~~البراعة والبيان. فلا يقدرون على الإتيان بمثله {ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} ~~أي : ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا. وهو عطف على مقدر ، ~~أي : لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض ، ولو كان... الخ. ومحله ~~النصب على الحالية ، أي : لا يأتون بمثله على كل حال مفروض ، ولو على هذه ~~الحالة. # ثم قال تعالى : {ولقد صرفنا} أي : كررنا ورددنا على أنحاء مختلفة ، توجب ~~زيادة تقرير وبيان ، ووكادة رسوخ واطمئنان ، {للناس في هذا القرآن} المنعوت ~~بما ذكر من النعوت الفاضلة ، {من كل مثل} ؛ من كل معنى بديع ، هو ، في ~~الحسن والغرابة واستجلاب الأنفس ، كالمثل ؛ ليتلقوه بالقبول ، أو بينا لهم ~~كل شيء محتاجون إليه من العلوم النافعة ، والبراهين القاطعة ، والحجج ~~الواضحة. وهذا يدل على أن إعجاز القرآن هو بما فيه من المعاني والعلوم ، ~~{فأبى أكثر الناس إلا كفورا} ؛ إلا جحودا وامتناعا من قبوله. ms1441 وفيه من ~~المبالغة ما ليس في نفي مطلق الإيمان ؛ لأن فيه دلالة على أنهم لم يرضوا ~~بخصلة سوى الكفور والجحود ، وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة ~~الإباء. وبالله التوفيق. # الإشارة : كما وقع التخويف بإذهاب خصوصية النبوة والرسالة ، يقع التخويف ~~بإذهاب خصوصية الولاية والمعرفة العيانية ، فإن القلوب بيد الله ، يقلبها ~~كيف يشاء. والخصوصية أمانة مودعة في القلوب ، فإذا شاء رفعها رفعها ، ولذلك ~~كان العارف لا يزول اضطراره. وما زالت الأكابر يخافون من السلب بعد العطاء ~~، ويشدون أيديهم على الأدب ؛ لأن سوء الأدب هو سبب رفع الخصوصية ، والعياذ بالله. PageV04P175 # جزء : 4 رقم الصفحة : 122 # قال القشيري : سنة الحق مع خيار خواصه ؛ أن يديم هم شهود افتقارهم إليه ؛ ~~ليكونوا في جميع الأحوال منقادين بجريان حكمه ، ثم قال : والمراد والمقصود ~~: إدامة تفرد سر حبيبه به ، دون غيره. ه. وأما سلب الأولياء بعضهم لبعض فلا ~~يكون في خصوصية المعرفة بعد التمكين ، إذ لا مانع لما أعطى الكريم ، وإنما ~~يكون في خصوصية التصريف وسر الأسماء ، إذا كان أحدهما متمكنا فيه ، وقابل ~~من لم يتمكن ، قد ينجذب إلى القوى بإذن الله ، وقد يزال منه إذا طغى به. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 122 # قلت : من قرأ " كسفا " ؛ بالتحريك : فهو جمع. ومن قرأ بالسكون : فمفرد. ~~و{قبيلا} : حال من " الله ". وحذف حال الملائكة ؛ لدلالة الأول عليه. و{أن ~~يؤمنوا} : مفعول ثان لمنع. و{إلا أن قالوا} : فاعل " منع ". # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} أي : كفار قريش ، عند ظهور عجزهم ، ووضوح ~~مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي ، وغيره من المعجزات الباهرة ، معللين بما لا ~~يمكن في العادة وجوده ، ولا تقتضي الحكمة وقوعه ، من الأمور الخارقة للعادة ~~، كما هو ديدن المبهوت المحجوج ، قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام - في ~~جمع من أشرافهم : إن مكة قليلة الماء ، ففجر لنا فيها عينا من ماء ، وهو ~~معنى قوله تعالى : {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض} ؛ أرض مكة {ينبوعا} ~~؛ عينا لا ينشف ماؤها. وينبوع : يفعول ، من نبع الماء إذا خرج. PageV04P176 # {أو تكون لك جنة} أي ms1442 : بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة ، {من نخيل ~~وعنب فتفجر الأنهار} أي : تجريها بقوة ، {خلالها} ؛ في وسطها {تفجيرا} ~~كثيرا ، والمراد : إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها ، أو إدامة إجرائها ~~، كما ينبئ عنه " الفاء " ، {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا} ؛ قطعا ~~متعددة ، أو قطعا واحدا ، و{كما زعمت} : يعنون بذلك قوله تعالى : {إن نشأ ~~نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء} [سبأ : 9] ، {أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا} أي : مقابلا ؛ نعاينه جهرا ، أو ضامنا وكفيلا يشهد بصحة ~~ما تدعيه ، {أو يكون لك بيت من زخرف} أي : ذهب. وقرئ به. وأصل الزخرفة : ~~الزينة ، {أو ترقى في السماء} أي : في معارجها ؛ فحذف المضاف. {ولن نؤمن ~~لرقيك} أي : لأجل رقيك فيها وحده {حتى تنزل} منها {علينا كتابا} فيه تصديقك ~~، {نقرؤه} نحن ، من غير أن يتلقى من قبلك. وعن ابن عباس رضي الله عنه : قال ~~عبد الله بن أمية لرسول صلى الله عليه وسلم - وكان ابن عمته - : لن أؤمن لك ~~حتى تتخذ إلى السماء سلما ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر ، حتى تأتيها ، وتأتي ~~معك بصك منشور ، معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول. ه. ثم أسلم ~~عبد الله بعد ذلك. ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج. ~~ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من # 125 # الآيات ، ما زادهم ذلك إلا مكابرة. وإلا فقد يكفيهم بعض ما شهدوا من ~~المعجزات ، التي تخر لها صم الجبال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 124 PageV04P177 ~~قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : {قل} ؛ تعجبا من شدة شكيمتهم. ~~وفي رواية " قال " : {سبحان ربي} ؛ تنزيها له من أن يتحكم عليه أو يشاركه ~~أحد في قدرته. أو تنزيها لساحته - سبحانه - عما لا يليق بها ، من مثل هذه ~~الاقتراحات الشنيعة ، التي تكاد السماوات يتفطرن منها ، أو عن طلب ذلك ، ~~تنبيها على بطلان ما قالوه ، {هل كنت إلا بشرا} لا ملكا ، حتى يتصور مني ~~الرقي في السماء ونحوه ، {رسولا} ؛ مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة ، ~~كسائر الرسل. وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما ms1443 يظهره الله على أيديهم ، حسبما ~~يلائم حال قومهم ، ولم يكن أمر الآيات إليهم ، ولا لهم أن يتحكموا على ربهم ~~بشيء منها. # {وما منع الناس} أي : الذين حكيت أباطيلهم ، {أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى} ~~أي : الوحي ، وهو ظرف لمنع ، أو يؤمنوا ، أي : وما منعهم وقت مجيء الوحي ~~المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان ، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك ، {إلا ~~أن قالوا} أي : إلا قولهم : {أبعث الله بشرا رسولا} ، منكرين أن يكون ~~الرسول من جنس البشر. وليس المراد أن هذا القول صدر من بعضهم ؛ فمنع بعضا ~~آخر منهم ، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل ، المستتبع بهذا المقول ~~منهم. وإنما عبر عنه بالقول ؛ إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من ~~غير روية ، ولا مصداق له في الخارج. وقصر المانع من الإيمان فيما ذكر ، مع ~~أن لهم موانع شتى ، إما لأنه معظمها ، أو لأنه المانع بحسب الحال ، أعني : ~~عند سماع الجواب بقوله تعالى : {هل كنت إلا بشرا رسولا} ؛ إذ هو الذي ~~يتشبثون به حينئذ ، من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية. PageV04P178 # {قل} لهم من قبلنا ؛ تثبيتا للحكمة ، وتحقيقا للحق المزيح للريب : {لو كان} ~~أي : لو وجد واستقر {في الأرض} ؛ بدل البشر {ملائكة يمشون مطمئنين} قارين ~~ساكنين فيها ، {لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} يهديهم إلى الحق ؛ ~~لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه. وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق ~~المفاوضة مع الملائكة ؛ لأنها منوطة بالتناسب والتجانس ، فبعث الملائكة ~~إليهم مناقض للحكمة التي يدور عليها أمر التكوين والتشريع. وإنما يبعث ~~الملك إلى الخواص ، المختصين بالنفوس الزكية ، المؤيدة بالقوة القدسية ، ~~فيتلقون منهم ويبلغون إلى البشر. # {قل كفى بالله} وحده {شهيدا} على أني أديت ما علي من مواجب الرسالة ، ~~وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد. فهو شهيد {بيني وبينكم} ، وكفى ~~به شهيدا ، ولم يقل : بيننا ؛ تحقيقا للمفارقة ، وإبانة للمباينة ، {إنه ~~كان بعباده} من الرسل والمرسل إليهم ، {خبيرا بصيرا} ؛ محيطا بظواهر ~~أعمالهم وبواطنها ، فيجازيهم على ذلك. وهو # 126 # تعليل للكفاية. وفيه تسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - وتهديد ms1444 للكفار ~~، والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 124 # الإشارة : طلب الكرامات من الأولياء جهل بطريق الولاية ، وسوء الظن بهم ، ~~إذ لا يشترط في تحقيق الولاية ظهور الكرامة ، وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب ~~بينهم وبين محبوبهم ، حتى عاينوه وشاهدوه حقا ، وارتفعت عنهم الشكوك ~~والأوهام ، وصار شهود الحق عندهم ضروريا ، ووجود السوى محالا ضروريا ، فلا ~~كرامة أعظم من هذه ؟ وكلامنا مع العارفين ، وأما الصالحون والعباد والزهاد ~~فهم محتاجون إلى الكرامة ؛ ليزداد إيقانهم ، وتطمئن نفوسهم ؛ إذ لم يرتفع ~~عنهم الحجاب ، ولم تنقشع عنهم سحابة الأثر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 124 PageV04P179 ~~قلت : {على وجوههم} : حال من ضمير " نحشرهم ". و{عميا} الخ : حال أيضا من ~~ضمير " وجوههم ". و{مأواهم} : استئناف ، وكذا : {كلما} الخ. # يقول الحق جل جلاله : {ومن يهد الله} إلى الحق الذي جاء من قبله على أيدي ~~الرسل ، {فهو المهتد} إليه ، وإلى ما يؤدي إليه من الثواب ، أو فهو المهتدي ~~إلى كل مطلوب ، {ومن يضلل} أي : يخلق فيه الضلال ، كهؤلاء المعاندين ، {فلن ~~تجد لهم أولياء من دونه} ينصرونهم من عذابه ، أو يهدونهم إلى طريقه ، ~~ويوصلونهم إلى مطالبهم الدنيوية والأخروية. ووحد الضمير أولا في قوله : ~~{فهو المهتد} : مراعاة للفظ " من " ، وجمع ثانيا في {لهم} ؛ مراعاة لمعناها ~~: تلويحا بوحدة طريق الحق ، وتعدد طرق الضلال. # {ونحشرهم} ، فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ؛ إيذانا بكمال الاعتناء ~~بأمر الحشر ، أي : ونسوقهم {يوم القيامة على وجوههم} أي : كابين عليها ؛ ~~سحبا ، كقوله {يوم يسحبون في النار علىا وجوههم} [القمر : 48] ، أو : مشيا ~~إلى المحشر بعد القيام ، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~كيف يمشون على وجوههم ؟ قال : " الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن ~~يمشيهم على وجوههم " حال كونهم {عميا وبكما وصما} ؛ لا يبصرون # 127 # ما يقر أعينهم ، ولا ينطقون بما يقبل منهم ، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ، ~~لما كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالآيات والعبر ، ولا ينطقون بالحق ولا ~~يستمعونه. ويجوز أن يحشروا ، بعد الحساب ، من الموقف إلى النار ، مؤوفي ~~القوى والحواس. وأن يحشروا كذلك ، ثم تعاد ms1445 إليهم قواهم وحواسهم ، فإن ~~إدراكاتهم بهذه المشاعر في بعض المواطن مما لا ريب فيه. PageV04P180 # {مأواهم جهنم} ؛ هي مسكنهم ، {كلما خبت} ؛ خمدت {زدناهم سعيرا} ؛ توقدا ، ~~أي : كلما سكن لهبها ، وأكلت جلودهم ولحومهم ، ولم يبق فيهم ما تتعلق به ~~النار وتحرقه ، زدناهم توقدا ؛ بأن بدلناهم جلودا غيرها فعادت ملتهبة ~~ومسعرة. ولعل ذلك عقوبة على إنكارهم البعث مرة بعد مرة ، ليروها عيانا ، ~~حيث لم يعلموها برهانا ، كما يفصح عنه قوله : {ذلك} أي ذلك العذاب {جزاؤهم ~~بأنهم} ؛ بسبب أنهم {كفروا بآياتنا} العقلية والنقلية ، الدالة على وقوع ~~الإعادة دلالة واضحة. {وقالوا} ؛ منكرين البعث أشد الإنكار : {أئذا كنا ~~عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} أي : أنوجد خلقا جديدا بعد أن صرنا ~~ترابا ؟ و" خلقا " : إما مصدر مؤكد من غير لفظه ، أي : لمبعوثون مبعثا ~~جديدا ، أو حال ، أي : مخلوقين مستأنفين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 127 # الإشارة : من يهده الله إلى صريح المعرفة وسر الخصوصية فهو المهتد إليها ~~، يهديه أولا إلى صحبة أهلها ، فإذا تربى وتهذب أشرقت عليه أنوارها. ومن ~~يضلله عنها ، فلا ينظر ولا يهتدي إلى صحبة أهلها ، فيحشر يوم القيامة ~~محجوبا عن الله ، كما عاش محجوبا. يموت المرء على ما عاش عليه ، ويبعث على ~~ما مات عليه ، لا يبصر أسرار الذات في مظاهر النعيم ، ولا ينطق بالمكالمة ~~مع الرحمن الرحيم ، ولا يسمع مكالمة الحق مع المقربين ؛ وذلك بسبب إنكاره ~~لأهل التربية في زمانه ، وقال : لا يمكن أن يبعث الله من يحيي الأرواح ~~الميتة بالجهل ؛ بالمعرفة الكاملة. وفيه إنكار لعموم القدرة الأزلية ، ~~وتحجير على الحق. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 127 # 128 # قلت : {وجعل} : عطف على " قادر " ؛ لأنه في قوة قدر ، أو استئناف. و{لو ~~أنتم} : الضمير : فاعل بفعل يفسره ما بعده ، كقول حاتم : # لو ذات سوار لطمتني PageV04P181 ~~وفائدة ذلك الحذف والتفسير ؛ للدلالة على الاختصاص والمبالغة. وقيل في ~~إعرابه غير هذا. # يقول الحق جل جلاله : {أو لم يروا} أي : أو لم يتفكروا ولم يعلموا {أن ~~الله الذي خلق السماوات والأرض} من غير مادة ، مع عظمها ، {قادر ms1446 على أن ~~يخلق مثلهم} في الصغر والحقارة. على أن المثل مقحم ، أي : على أن يخلقهم ~~خلقا جديدا ؛ فإنهم ليسوا أشد خلقا منهم ، ولا الإعادة بأصعب من الإبداء ، ~~{وجعل لهم} أي : لموتهم وبعثهم {أجلا} محققا {لا ريب فيه} وهو : القيامة. ~~{فأبى الظالمون إلا كفورا} ؛ إلا جحودا ، وضع الظاهر موضع الضمير ؛ تسجيلا ~~عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه. # {قل} لهم : {لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي} ؛ خزائن رزقه وسائر نعمه ~~التي أفاضها على كافة الموجودات ، {إذا لأمسكتم} ؛ لبخلتم ، {خشية الإنفاق} ~~؛ مخافة النفاد بالإنفاق ، إذ ليس في الدنيا أحد إلا وهو يختار النفع لنفسه ~~، ولو آثر غيره بشيء فإنما يؤثره لغرض يفوقه ، فهو إذا بخيل بالإضافة إلى ~~وجود الله سبحانه ، إلا من تخلق بخلق الرحمن ؛ من الأنبياء وأكابر الصوفية. ~~{وكان الإنسان قتورا} ؛ مبالغا في البخل ؛ لأن مبني أمره على الحاجة والضنة ~~بما يحتاج إليه ، وملاحظة العوض فيما يبذل. يعني : أن طبع الإنسان ومنتهى ~~نظره : أن الأشياء تتناهى وتفنى ، وهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية ~~الفقر ، وكذلك يظن أن قدرة الله تقف دون البعث ، والأمر ليس كذلك ، بل ~~قدرته لا تتناهى ، فهو يخترع من الخلق ما يشاء ، ويخترع من الأرزاق ما يريد ~~، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته. وبهذا النظر تتصل الآية بما قبلها. انظر ابن عطية. PageV04P182 # قلت : ويمكن أن تتصل في المعنى بقوله : {أبعث الله بشرا رسولا} ، فكأن الحق ~~تعالى يقول لهم : لو كانت بيدكم خزائن رحمته ، لخصصتم بالنبوة من تريدون ، ~~لكن ليست بيدكم ، ولو كانت بيدكم ؛ تقديرا ، لأمسكتم خشية الإنفاق ؛ لأن ~~طبع الإنسان البخل وخوف الفقر ، فهو كقوله تعالى : {أم عندهم خزآئن رحمة ~~ربك العزيز الوهاب} [ص : 9] ، بعد قوله : {وعجبواا أن جآءهم منذر منهم} [ص ~~: 4]. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 128 # الإشارة : الحق تعالى قادر على أن يخلق ألف عالم في لحظة ، وأن يفنى ألف ~~عالم في لحظة ، فلا يعجزه شيء من الممكنات. وكما قدر أن يحيي الإنسان بعد موته # 129 # الحسي ؛ هو قادر على أن يحييه بعد موته المعنوي ms1447 بالجهل والغفلة ، على حسب ~~ما سبق له في المشيئة ، وجعل لذلك أجلا لا ريب فيه ، فلا يجحد هذا إلا من ~~كان ظالما كفورا. قل لمن يخصص الولاية بنفسه ، أو بأسلافه ، وينكر أن يفتح ~~الله على قوم كانوا جهالا : لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم ~~الخصوصية عندكم ؛ خشية أن ينفد ما عندكم ، وكان الإنسان قتورا ، لا يحب ~~الخير إلا لنفسه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 128 # الإشارة : الحق تعالى قادر على أن يخلق ألف عالم في لحظة ، وأن يفنى ألف ~~عالم في لحظة ، فلا يعجزه شيء من الممكنات. وكما قدر أن يحيي الإنسان بعد موته # 129 # الحسي ؛ هو قادر على أن يحييه بعد موته المعنوي بالجهل والغفلة ، على حسب ~~ما سبق له في المشيئة ، وجعل لذلك أجلا لا ريب فيه ، فلا يجحد هذا إلا من ~~كان ظالما كفورا. قل لمن يخصص الولاية بنفسه ، أو بأسلافه ، وينكر أن يفتح ~~الله على قوم كانوا جهالا : لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم ~~الخصوصية عندكم ؛ خشية أن ينفد ما عندكم ، وكان الإنسان قتورا ، لا يحب ~~الخير إلا لنفسه. PageV04P183 # جزء : 4 رقم الصفحة : 128 # قلت : قال في الأساس : ثبره الله : أهلكه هلاكا دائما ، لا ينتعش بعده ، ~~ومن ثم يدعو أهل النار : واثبوراه. وما ثبرك عن حاجتك : ما ثبطك عنها. وهذا ~~مثبر فلانة : لمكان ولادتها ، حيث يثبرها النفاس. وفي القاموس : الثبر : ~~الحبس والمنع ، كالتثبير والصرف عن الأمر وعن الحبيب ، واللعن والطرد. ~~والثبور : الهلاك والويل والإهلاك. ه. و{إذا جاءهم} : إما متعلق بآياتنا ، ~~أو بقلنا محذوف. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} ؛ واضحات الدلالة ~~على نبوته ، وصحة ما جاء به من عند الله. وهي : العصا ، واليد ، والجراد ، ~~والقمل ، والضفادع ، والدم ، والطوفان ، والسنون ، ونقص الثمرات. وقيل : ~~انفجار الماء من الحجر ، ونتق الطور ، وانفلاق البحر ، بدل الثلاث. وفيه ~~نظر ؛ فإن هذه الثلاث لم تكن لفرعون ، وإنما كانت بعد خروج سيدنا موسى عليه ~~السلام. وعن صفوان بن عسال : أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه ms1448 وسلم عنها ~~فقال : " ألا تشركوا به شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تسحروا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تمشوا ~~ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ، ولا تقذفوا المحصنة ، ولا تفروا من الزحف ، ~~وعليكم ، خاصة اليهود ، ألا تعدوا في السبت " فقبل اليهودي يده ورجله - ~~عليه الصلاة والسلام. # 130 PageV04P184 ~~قلت : ولعل الحق تعالى أظهر لهم تسعا ، وكلفهم بتسع ، شكرا لما أظهر لهم ، ~~فأخبر - عليه الصلاة والسلام - السائل عما كلفهم به ؛ لأنه أهم ، وسكت عما ~~أظهر لهم ؛ لأنه معلوم. وإنما قبل السائل يده ؛ لموافقته لما في التوراة ، ~~وقد علم أنه ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي ، وقوله عليه ~~الصلاة والسلام : " وعليكم ، خاصة اليهود ، ألا تعدوا " ، حكم مستأنف زائد ~~على الجواب ، ولذلك غير فيه سياق الكلام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 130 # قال تعالى : {فسل بني إسرائيل} أي : سل ، يا محمد ، بني إسرائيل ~~المعاصرين لك عما ذكرنا من قصة موسى ؛ لتزداد يقينا وطمأنينة ، أو : ليظهر ~~صدقك لعامة الناس ، أو : قلنا لموسى : سل بني إسرائيل من فرعون ، أي : ~~اطلبهم منه ؛ ليرسلهم معك ، أو سل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك. ~~ويؤيد هذا : قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فسال " ؛ على صيغة ~~الماضي ، بغير همز ، وهي لغة قريش. {إذ جاءهم} أي : آتينا موسى تسع آيات ~~حين جاءهم بالرسالة ، أو قلنا له : سل بني إسرائيل حين جاءهم بالوحي. {فقال ~~له فرعون} حين أظهر له ما آتيناه من الآيات ، وبلغة ما أرسل به : {إني ~~لأظنك يا موسى مسحورا} أي : سحرت فتخبط عقلك. # {قال} له موسى : {لقد علمت} يا فرعون ، {ما أنزل هؤلاء} الآيات التي ظهرت ~~على يدي {إلا رب السماوات والأرض} ؛ خالقهما ومدبرهما ، ولا يقدر عليها ~~غيره ، حال كونها {بصائر} ؛ بينات تبصرك صدقي ، ولكنك تعاند وتكابر ، وقد ~~استيقنتها أنفسكم ، فجحدتم ؛ ظلما وعلوا ، {وإني لأظنك يا فرعون مثبورا} أي ~~: مهلكا مقطوعا دابرك ، أو مغلوبا مقهورا ، أو مصروفا عن الخير. قابل موسى ~~عليه السلام قول فرعون : {إني لأظنك يا موسى ms1449 مسحورا} بقوله : {وإني لأظنك ~~يا فرعون مثبورا} ؛ وشتان ما بين الظنين ؛ ظن فرعون إفك مبين ، وظن موسى حق ~~اليقين ؛ لأنه بوحي من رب العالمين ، أو من تظاهر أماراته. PageV04P185 # {فأراد فرعون أن يستفزهم} أي : يستخفهم ويزعجهم {من الأرض} ؛ أرض مصر ، ~~{فأغرقناه ومن معه جميعا} ؛ فعكسنا عليه علمه ومكره ، فاستفززناه وقومه من ~~بلده بالإغراق. {وقلنا من بعده} من بعد إغراقه {لبني إسرائيل اسكنوا الأرض} ~~التي أراد أن يستفزكم هو منها. أو أرض الشام. وهو الأظهر ، إذ لم يصح أن ~~بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بالسكنى. وانظر عند قوله : {وأورثناها بنيا ~~إسرائيل} [الشعراء : 59] {فإذا جاء وعد الآخرة} أي : الحياة الآخرة ، أو ~~الدار الآخرة ، أي : قيام الآخرة ، {جئنا بكم لفيفا} ؛ مختلطين إياكم ~~وإياهم ، ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم. واللفيف : الجماعات من ~~قبائل شتى. والله تعالى أعلم. # 131 # الإشارة : لا ينفع في أهل الحسد والعناد ظهور معجزة ولا آية ، ولا يتوقف ~~عليها من سبقت له العناية ، لكنها تزيد تأييدا ، وطمأنينة لأهل اليقين ، ~~وتزيد نفورا وعنادا ، لأهل الحسد من المعاندين. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 130 # قلت : تقديم المعمول ، هو {بالحق} : يؤذن بالحصر. و{قرآنا} : مفعول ~~بمحذوف يفسره ما بعده. # يقول الحق جل جلاله : في شأن القرآن : {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} أي : ~~ما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحق ، المقتضي لإنزاله ، وما نزل إلا بالحق ~~الذي اشتمل عليه من الأمر والنهي ، والمعنى : أنزلناه حقا مشتملا على الحق. ~~أو : ما أنزلناه من السماء إلا محفوظا بالرصد من الملائكة ، وما نزل على ~~الرسول إلا محفوظا من تخليط الشياطين. ولعل المراد : عدم اعتراء البطلان له ~~أولا وآخرا. {وما أرسلناك إلا مبشرا} للمطيعين بالثواب ، {ونذيرا} للعاصين ~~بالعقاب ، وهو تحقيق لحقية بعثه - عليه الصلاة والسلام - إثر تحقيق حقية ~~إنزال القرآن. PageV04P186 # {وقرآنا فرقناه} أي : أنزلناه مفرقا منجما في عشرين سنة ، أو ثلاث وعشرين. ~~قال القشيري : فرق القرآن ؛ ليهون حفظه ، ويكثر تردد الرسول عليه من ربه ، ~~وليكون نزوله في كل وقت ، وفي كل حادثة وواقعة ؛ دليلا على أنه ليس مما ~~أعانه عليه ms1450 غيره. ه. {لتقرأه على الناس على مكث} ؛ على مهل وتؤدة وتثبت ؛ ~~فإنه أيسر للحفظ ، وأعون على الفهم ، {ونزلناه تنزيلا} على حسب ما تقتضيه ~~الحكمة والمصلحة ، والحوادث الواقعة. # {قل} للذين كفروا : {آمنوا به أو لا تؤمنوا} ، فإن إيمانكم لا يزيده ~~كمالا ، وامتناعكم منه لا يزيده نقصانا. أو : أمر باحتقارهم وعدم الاكتراث ~~بهم ، كأنه يقول : سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا ؛ لأنكم لستم بحجة ، وإنما ~~الحجة لأهل العلم ، وهم : المؤمنون من أهل الكتاب ، الذين أشار إليهم بقوله ~~: {إن الذين أوتوا العلم من قبله} أي : العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة ~~من قبل تنزيله ، وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة ، وتمكنوا من التمييز ~~بين الحق والباطل ، والمحق والمبطل ، {إذا يتلى عليهم} # 132 # القرآن {يخرون للأذقان} أي : يسقطون على وجوههم {سجدا} ؛ تعظيما لأمر ~~الله ، أو شكرا لإنجازه ما وعد في تلك الكتب ؛ من نعتك ، وإظهارك ، وإنزال ~~القرآن عليك. والأذقان : جمع ذقن ، وهو : أسفل الوجه حيث اللحية. وخصها ~~بالذكر ؛ لأنها أول ما تلقى في الأرض من وجه الساجد. والجملة : تعليل لما ~~قبلها من قوله : {آمنوا به أو لا تؤمنوا} ؛ من عدم المبالاة. والمعنى : إن ~~لم تؤمنوا فقد آمن من هو أعلى منكم وأحسن إيمانا منكم. ويجوز أن يكون ~~تعليلا لقل ، على سبيل التسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - ، كأنه يقول ~~: تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة ، ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 132 PageV04P187 ~~ويقولون} في سجودهم : {سبحان ربنا} عن خلف وعده ؛ {إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا} أي : إن الأمر والشأن كان وعد ربنا مفعولا لا محالة ، {ويخرون ~~للأذقان} كرره ؛ لاختلاف السبب ، فإن الأول : لتعظيم الله وشكر إنجاز وعده. ~~والثاني : لما أثر فيهم من مواعظ القرآن ، {يبكون} : حال ، أي : حال كونهم ~~باكين من خشية الله ، {ويزيدهم} القرآن {خشوعا} ، كما يزيدهم علما بالله تعالى. # الإشارة : وبالحق أنزلناه ، أي بالتعريف بأسرار الربوبية ، وبالحق نزل ؛ ~~لتعليم آداب العبودية. أو : بالحق أنزلناه ، يعني : علم الحقيقة ، وبالحق ~~نزل علم الشريعة والطريقة. وما أرسلناك إلا مبشرا لأهل الإخلاص بالوصول ~~والاختصاص ، ونذيرا لأهل الخوض ms1451 بالطرد والبعد. وقرآنا فرقناه ، لتقرأه ~~نيابة عنا ، كي يسمعوه منا بلا واسطة ، عند فناء الرسوم والأشكال ، ونزلناه ~~، للتعريف بنا تنزيلا ، قل آمنوا به ؛ لتدخلوا حضرتنا ، أو لا تؤمنوا ، فإن ~~أهل العلم بنا قائمون بحقه ، خاشعون عند تلاوته ، متنعمون بشهودنا عند ~~سماعه منا. وبالله التوفيق. # ولما كان القرآن مشتملا على أسماء كثيرة من أسماء الله الحسنى ، وكان ~~عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه : " يا الله ، يا رحمن " ، قالوا : إنه ~~ينهانا عن عبادة إليهن ، وهو يدعو إلها آخر. وقالت اليهود : إنك لتقل ذكر ~~الرحمن ، وقد أكثر الله تعالى ذكره في التوراة ، فأنزل الله ردا على ~~الفريقين. # {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنىا...} ~~قلت : " أي " شرطية ، و{ما} : زائدة ؛ تأكيدا لما في " أيا " من الإبهام ، ~~وتقدير المضاف : أي الأسماء تدعو به فأنت مصيب. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا ممد للمؤمنين : {ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن} ؛ نادوه بأيهما شئتم ، أو سموه بأيهما أردتم. والمراد : إما ~~التسوية بين # 133 PageV04P188 ~~اللفظين ؛ فإنهما عبارتان عن ذات واحد ، وإن اختلف الاعتبار ، والتوحيد ~~إنما هو للذات ، الذي هو المعبود بالحق ، وإما أنهما سيان في حسن الإطلاق ~~والوصول إلى المقصود ، فلذلك قال : {أيا ما تدعو} ؛ أي اسم تدعو به تصب ، ~~{فله الأسماء الحسنى} فيكون الجواب محذوفا ، دل عليه الكلام. وقيل : ~~التقدير أيا ما تدعو به فهو حسن ، فوضع موضعه : {فله الأسماء الحسنى} ؛ ~~للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه ؛ إذ حسن جميع الأسماء يستدعي حسن ~~ذينك الاسمين ، وكونها حسنى ؛ لدلالتها على صفات الكمال من الجلال والجمال ~~؛ إذ كلها راجعة إلى حسن ذاتها ، وكمالها ؛ جمالا وجلالا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 132 PageV04P189 ~~قال في شرح المواقف : ورد في الصحيحين : " إن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة ~~إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة " ، وليس فيها تعيين تلك الأسماء. لكن ~~الترمذي والبيهقي عيناها. وهي الطريقة المشهورة ، ورواية الترمذي : " الله ~~الذي لا إله إلا هو ، الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ~~، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارئ المصور ، الغفار ~~القهار ms1452 ، الوهاب الرزاق ، الفتاح العليم ، القابض الباسط ، الخافض الرافع ، ~~المعز المذل ، السميع البصير ، الحكم العدل ، اللطيف الخبير ، الحليم ~~العظيم ، الغفور الشكور ، العلي الكبير ، الحفيظ المقيت ، الحسيب الجليل ، ~~الكريم الرقيب ، المجيب ، الواسع الحكيم ، الودود المجيد ، الباعث الشهيد ، ~~الحق الوكيل ، القوي المتين ، الولي الحميد ، المحصي المبدئ المعيد ، ~~المحيي المميت ، الحي القيوم ، الواجد الماجد ، الواحد ، الأحد الصمد ، ~~القادر المقتدر ، المقدم المؤخر ، الأول الآخر ، الظاهر الباطن ، الوالي ~~المتعالي ، البر التواب ، المنتقم العفو الرؤوف ، مالك الملك ذو الجلال ~~والإكرام ، المقسط الجامع ، الغني المغني المانع ، الضار النافع ، النور ~~الهادي ، البديع الباقي ، الوارث ، الرشيد ، الصبور ". وقد ورد التوقيف ~~بغيرها ، أما في القرآن ؛ فكالمولى ، والنصير والغالب ، والقاهر والقريب ، ~~والرب والأعلى ، والناصر والأكرم ، وأحسن الخالقين ، وأرحم الراحمين ، وذي ~~الطول ، وذي القوة ، وذي المعارج ، وغير ذلك. وأما في الحديث ، فكالمنان ، ~~والحنان ، وقد ورد في رواية ابن ماجة أسماء ليست في الرواية المشهورة ؛ ~~كالقائم ، والقديم ، والوتر ، والشديد ، والكافي ، وغيرها. # وإحصاؤها : إما حفظها ؛ لأنه إما يحصل بتكرار مجموعها وتعدادها مرارا ، ~~وإما ضبطها ؛ حصرا وعلما وإيمانا وقياما بحقوقها ، وإما تعلقا وتخلقا ~~وتحققا. وقد ذكرنا في # 134 PageV04P190 ~~شرح الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها. وفي ابن حجر : أن ~~أسماء الله مائة ، استأثر الله بواحد ، وهو الاسم الأعظم ، فلم يطلع عليه ~~أحدا ، فكأنه قيل : مائة لكن واحد منها عند الله. وقال غيره : ليس الاسم ~~الذي يكمل الماءة مخفيا ، بل هو الجلالة. وممن جزم بذلك البيهقي ، فقال : ~~الأسماء الحسنى مائة ، على عدد درجات الجنة ، والذي يكمل المائة : " الله " ~~، ويؤيده قوله تعالى : {ولله الأسمآء الحسنى} [الأعراف : 180]. فالتسعة ~~والتسعون لله ؛ فهي زائدة عليه وبه تكمل المائة. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 132 # قلت : ولعله ذكر اسما آخر يكمل التسعة والتسعين. وإلا فهو مذكور في ~~الرواية المتقدمة من التسعة والتسعين. والله تعالى أعلم. # الإشارة : {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} ، قال الورتجبي : إن الله ~~سبحانه دعا عباده إلى معرفة الاسمين الخاصين ، الذين فيهما أسرار جميع ~~الأسماء والصفات والذات ، والنعوت والأفعال ؛ فالله اسمه ، وهو اسم عين جمع ~~الجمع ، والرحمن اسم ms1453 عين الجمع ؛ فالرحمن مندرج تحت اسمه : " الله " ؛ لأنه ~~عين الكل ، وإذا قلت : الله ؛ ذكرت عين الكل. ثم قال : وإذا قال " الله " ؛ ~~يفنى الكل ، وإذا قال : " الرحمن " ؛ يبقى الكل ، من حيث الاتصاف والاتحاد ~~، فالاتصاف بالرحمانية يكون ، والاتحاد بالألوهية يكون. ثم قال : عن ~~الأستاذ : من عظيم نعمه سبحانه على أوليائه : أنه ينزههم بأسرارهم في رياض ~~ذكره ؛ بتعداد أسمائه الحسنى ، فيتنقلون من روضة إلى روضة ، ومن مأنس إلى ~~مأنس ، ويقال : الأغنياء تنزههم في بساتينهم ، وتنزههم في منابت رياحينهم. ~~والفقراء تنزههم في مشاهد تسبيحهم ، ويستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من ~~كشوفات جلاله وجماله. ه. قلت : والعارفون تنزههم في مشاهدة أسرار محبوبهم ، ~~وما يكشف لهم من روض جماله وجلاله. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 132 PageV04P191 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولا تجهر} بقراءة صلاتك ، بحيث تسمع المشركين ، فإن ~~ذلك يحملهم على السب واللغو فيها ، {ولا تخافت} أي : تسر {بها} ؛ حتى لا ~~تسمع من خلفك من المؤمنين ، {وابتغ بين ذلك سبيلا} ؛ واطلب بين المخافتة ~~والإجهار طريقا قصدا ، فإن خير الأمور أوسطها. والتعبير عن ذلك بالسبيل ~~باعتبار أنه طريق يتوجه إليه المتوجهون ، ويؤمه المقتدون ليوصلهم إلى ~~المطلوب. روي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يخفت ، ويقول : أناجي ربي ، وقد ~~علم حاجتي. وعمر رضي الله عنه كان يجهر ، # 135 # ويقول : أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان. فلما نزلت ، أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبا بكر أن يجهر قليلا ، وعمر أن يخفض قليلا. PageV04P192 # وقيل : المعنى : {ولا تجهر بصلاتك} كلها ، {ولا تخافت بها} بأسرها ، {وابتغ ~~بين ذلك سبيلا} ؛ بالمخافتة نهارا والجهر ليلا. وقيل : {بصلاتك} ؛ بدعائك. ~~وذهب قوم إلى أنها منسوخة ؛ لزوال علة السب واللغو ؛ بإظهار الدين وإخفاء ~~الشرك وبطلانه ؛ فالحمد لله على ذلك كما قال تعالى : {وقل الحمد لله الذي ~~لم يتخذ ولدا} كما يزعم اليهود والنصارى وبنو مدلج ؛ حيث قالوا : عزير ابن ~~الله ، والمسيح ابن الله ، والملائكة بنات الله. تعالى الله عن قولهم علوا ~~كبيرا ، {ولم يكن له شريك في الملك} ؛ في الألوهية ؛ كما تقول الثنوية ~~القائلون بتعدد ms1454 الآلهة. {ولم يكن له ولي من الذل} أي : لم يكن له ناصر ~~ينصره {من الذل} أي : لم يذل فيحتاج إلى ولي يواليه ؛ ليدفع ذلك عنه. وفي ~~التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة ؛ إيذان بأن المستحق للحمد من ~~هذه نعوته ، دون غيره ؛ إذ بذلك يتم الكمال ، وما عداه ناقص حقير ، ولذلك ~~عطف عليه : {وكبره تكبيرا} عظيما ، وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في ~~التنزيه والتمجيد ، واجتهد في العبادة والتحميد ، ينبغي أن يعترف بالقصور ~~عن حقه في ذلك. روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أفصح الغلام من بني ~~عبد المطلب علمه هذه الآية : (وقل الحمد لله...) الخ. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 135 PageV04P193 ~~الإشارة : الإجهار بالذكر والقراءة والدعاء ، مباح لأهل البدايات ، لمن وجد ~~قلبه في ذلك ، وأما النهي الذي في الآية فمنسوخ ؛ لأن الصحابة ، حين هاجروا ~~من مكة ، رفعوا أصواتهم بالقراءة والتكبير. لكن المداومة عليه من شأن أهل ~~البعد عن الحضرة ، وأما أهل القرب فالغالب عليهم السكوت أو المخافتة ؛ قال ~~تعالى : {وخشعت الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا} [طه : 108]. وأما أمر ~~الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي بكر رضي الله عنه بالإجهار قليلا ، وعمر ~~بالخفض قليلا ؛ فإخراج لهم عن مرادهم ؛ تربية لهم. وختم السورة بآية العز ؛ ~~إشارة إلى أن من أسرى بروحه ، أو بجسده إلى الملأ الأعلى كان عاقبته العز ~~والرفعة في الدارين. # 136 # جزء : 4 رقم الصفحة : 135 PageV04P194 ### | AUTO سورة الكهف # جزء : 4 رقم الصفحة : 136 # قلت : {قيما} : حال من الكتاب ، والعامل فيه : " أنزل " ، ومنعه الزمخشري ~~؛ للفصل بين الحال وذي الحال ، واختار أن العامل فيه مضمر ، تقديره : جعله ~~قيما ، و" لينذر " : يتعلق بأنزل ، أو بقيما. والفاعل : ضمير الكتاب ، أو ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، و" بأسا " : مفعول ثان ، وحذف الأول ، أي : ~~لينذر الناس بأسا ، كما حذف الثاني من قوله : {وينذر الذين قالوا...} الخ ؛ ~~لدلالة هذا عليه ، و{من علم} : مبتدأ مجرور بحرف زائد ، أو فاعل بالمجرور ؛ ~~لاعتماده على النفي ، و" كلمة " : تمييز. # يقول الحق جل جلاله : {الحمد لله} ms1455 أي : الثناء الجميل حاصل لله ، والمراد ~~: الإعلام بذلك ؛ للإيمان به ، أو الثناء على نفسه ، أو هما معا. ثم ذكر ~~وجه استحقاقه له ، فقال : {الذي أنزل على عبده الكتاب} أي : الكتاب الكامل ~~المعروف بذلك من بين سائر الكتب ، الحقيق باختصاص اسم الكتاب ، وهو جميع ~~القرآن. رتب استحقاق الحمد على إنزاله ؛ تنبيها على أنه أعظم نعمائه ، وذلك ~~لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد ، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش ~~والمعاد. # 137 # وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد ، مضافا إلى ضمير ~~الجلالة تنبيه على بلوغه صلى الله عليه وسلم إلى معاريج العبادة وكمال ~~العبودية أقصى غاية الكمال ، حيث كان فانيا عن حظوظه ، قائما بحقوقه ، ~~خالصا في عبوديته لربه. # {ولم يجعل له} أي : للكتاب {عوجا} ؛ شيئا من العوج ، باختلاف في اللفظ ، ~~وتناقض في المعنى ، وانحراف في الدعوة. قال القشيري : صانه عن التناقض ~~والتعارض ، فهو كتاب عزيز من رب عزيز ، ينزل على عبد عزيز. # قيما : مستقيما متناهيا في الاستقامة ، معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط ، ~~فهو تأكيد لما دل عليه نفي العوج ، مع إفادته كون ذلك من صفاته الذاتية ، ~~حسبما تنبئ عنه الصيغة. أو قيما بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد ، على ~~ما ينبئ عنه ما بعده من الإنذار والتبشير ، فيكون وصفا له بالتكميل ، بعد ~~وصفه بالكمال ، أو : قيما على ما قبله من الكتب السماوية ، وشاهدا بصحتها ~~ومهيمنا عليها. {لينذر} : ليخوف الله تعالى به ، أو الكتاب ، والأول أولى ؛ ~~لتناسب المعطوفين بعده ، أي : أنزل الكتاب لينذر بما فيه الذين كفروا ~~{بأسا} : عذابا {شديدا من لدنه} أي : صادرا من عنده ، نازلا من قبله ، في ~~مقابلة كفرهم وتكذيبهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 137 PageV04P195 ~~ويبشر} بالتشديد والتخفيف ، {المؤمنين} : المصدقين به ، {الذين يعملون} أي ~~: العمال {الصالحات} التي تنبث في تضاعيفه {أن لهم} أي : بأن لهم في مقابلة ~~إيمانهم وأعمالهم {أجرا حسنا} ، هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى ، ~~{ماكثين فيه} أي : في ذلك الأجر {أبدا} على سبيل الخلود. والتعبير بالمضارع ~~في الصلة - أعني : الذين يعملون - ؛ للإشعار بتجدد ms1456 الأعمال الصالحات ~~واستمرارها ، وإجراء الموصول على الموصوف بالإيمان ؛ إيماء بأن مدار قبول ~~الأعمال هو الإيمان. # وتقديم الإنذار على التبشير ؛ لإظهار كمال العناية بزجر الكفار عما هم ~~عليه ، مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية. وتكرير الإنذار بقوله تعالى : ~~{وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} : متعلق بفرقة خاصة ، ممن عمه الإنذار ~~السابق ، من مستحقي البأس الشديد ؛ للإيذان بكمال فظاعة حالهم ، لغاية ~~شناعة كفرهم وضلالهم ، أي : وينذر ، من بين سائر الكفرة ، هؤلاء المتفوهين ~~بمثل هذه القولة العظيمة ، وهم كفار العرب الذين قالوا : الملائكة بنات ~~الله ، واليهود القائلون : عزير ابن الله ، والنصارى القائلون : المسيح ابن الله. # {ما لهم به من علم} أي : ما لهم باتخاذه الولد شيء من علم أصلا ؛ لضلالهم ~~وإضلالهم ، {ولا لآبائهم} الذين قلدوهم ، فتاهوا جميعا في تيه الجهالة ~~والضلالة ، أو : ما لهم علم بما قالوا ، أصواب أم خطأ ، بل إنما قالوه ؛ ~~رميا بقول عن عمى وجهالة ، من غير فكر ولا روية ، كقوله تعالى : {وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم} [الأنعام : 100]. # 138 PageV04P196 ~~أو : ما لهم علم بحقيقة ما قالوا ، وبعظم رتبته في الشناعة ، كقوله تعالى : ~~{وقالوا اتخذ الرحمان ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه} ~~[مريم : 88-90] ، وهو الأنسب لقوله : {كبرت كلمة} أي : عظمت مقالتهم هذه في ~~الكفر والافتراء ؛ لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب ~~كبريائه ؛ لما فيه من التشبيه والتشريك ، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد ~~يعينه ويخلفه. فما أقبحها مقالة {تخرج من أفواههم} أي : يتفوهون بها من غير ~~حقيقة ولا تحقيق لمعناها ، {إن يقولون إلا كذبا} : ما يقولون في ذلك إلا ~~قولا كذبا ، لا يكاد يدخل فيه إمكان الصدق أصلا. # الإشارة : من كملت عبوديته لله ، وصار حرا مما سواه ، بحيث تحرر من رق ~~الأكوان ، وأفضى إلى مقام الشهود والعيان ، أنزل الله على قلبه علم التحقيق ~~، وسلك به منهاج أهل التوفيق ، منهاجا قيما ، لا إفراط فيه ولا تفريط ، ~~محفوظا في باطنه من الزيغ والإلحاد ، وفي ظاهره من الفساد والعناد ، قد ~~تولى الله أمره وأخذه عنه ms1457 ، فهو على بينة من ربه فيما يأخذ ويذر. فإن أذن ~~له في التذكير وقع في مسامع الخلق عبارته ، وجليت إليهم إشارته ، فبشر ~~وأنذر ، ورغب وحذر ، يبشر أهل التوحيد والتنزيه بنعيم الجنان ، وبالنظر إلى ~~وجه الرحمن ، وينذر أهل الشرك بعذاب النيران ، وبالذل والهوان ، نعوذ بالله ~~من موارد الفتن. # جزء : 4 رقم الصفحة : 137 # قلت : {أسفا} : مفعول من أجله لباخع ، أو حال ، أي : متأسفا ، وجواب " إن ~~" : محذوف ، أي : إن لم يؤمنوا فعلك باخع نفسك. PageV04P197 # يقول الحق جل جلاله : {فلعلك} يا محمد {باخع} : مهلك {نفسك} وقاتلها بالغم ~~والأسف على تخلف قومك عن الإيمان وفراقهم عنك ، {على آثارهم} إذا تولوا عنك ~~، عندما تدعوهم إلى الله. شبهه ، لأجل ما تداخله من الوجد على توليتهم ، ~~بمن فارقته أعزته ، وهو يتحسر على آثارهم ، ويبخع نفسه وجدا عليهم. {إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث} أي : القرآن الذي عبر عنه في صدر السورة بالكتاب ، صدر ~~ذلك منك {أسفا} أي : بفرط الحزن والتأسف عليهم. # 139 # ثم علل وجه إدبارهم عن الإيمان ، وهو اغترارهم بزهرة الدنيا ، فقال : ~~{إنا جعلنا ما على الأرض} ؛ من الأشجار والأزهار والثمار ، وما اشتملت عليه ~~من المعادن ، وأنواع الملابس والمطاعم ، والمراكب والمناكح ، {زينة لها} أي ~~: مبهجة لها ، يستمتع بها الناظرون ، وينتفعون بها مأكلا وملبسا ، ونظرا ~~واعتبارا ، حتى إن الحيات والعقارب ؛ من حيث تذكيرها بعذاب الآخرة ، من ~~قبيل المنافع ، بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيث دلالته على الصانع ، ~~وكذلك الأزواج والأولاد ، بل هم من أعظم زينتها ، داخلون تحت الابتلاء. ~~جعلنا ذلك {لنبلوهم} : لنختبرهم ، حتى يظهر ذلك للعيان ، {أيهم أحسن عملا} ~~، أيهم أزهد فيها ، وأقبلهم على الله بالعمل الصالح ؛ إذ لا عمل أحسن من ~~الزهد في الدنيا ؛ إذ هو سبب للتفرغ لأنواع العبادة ، بدنية وقلبية. # قال أبو السعود : وحسن العمل : الزهد فيها ، وعدم الاكتراث بها ، ~~والقناعة باليسير منها ، وصرفها على ما ينبغي ، والتأمل في شأنها ، وجعلها ~~ذريعة إلى معرفة خالقها ، والتمتع بها حسبما أذن الشرع ، وأداء حقوقها ، ~~والشكر على نعمها ، لا جعلها وسيلة إلى الشهوات ، والأغراض الفاسدة ، كما ms1458 ~~يفعله الكفرة وأهل الأهواء... انظر بقية كلامه. PageV04P198 # {وإنا لجاعلون ما عليها} ؛ عند تناهي الدنيا ؛ {صعيدا جرزا} أي : ترابا ~~يابسا ، لا نبات فيه ، بعدما كان يتعجب من بهجته النظار ، ويتشرف بمشاهدته ~~الأبصار ، فلا يغتر بما يذهب ويفنى إلا من لا عقل له ، فلا تستغرب إدبارهم ~~، إذ لا عقل لهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 139 # ويحتمل أن يكون تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ من حيث إنه أرشده إلى ~~شهود تدبير الحق ، فيسلو ، بذلك عن إعراضهم ؛ لغيبته في المصور المدبر عن ~~الصور ، وعن الزينة في المزين فالكون مظهر الصفات ومرآتها ، ويغيب في الذات ~~- التي هي معدنها - بإفناء الظاهر ، وإفناء الأفعال ، كما نبه عليه بقوله : ~~{وإنا لجاعلون...} الخ. # الإشارة : الخصوصية - من حيث هي - لها بداية ونهاية ، فمن شأن أهل ~~بدايتها : الحرص على الخير لهم ولعباد الله ، فيتمنون أن الناس كلهم خصوص ~~أو صالحون ، فإذا رأوا الناس أعرضوا عنها تأسفوا عليهم ، وإذا أقبلوا عليهم ~~فرحوا من أجلهم ، زيادة في الهداية لعباد الله ، فإذا تمكنوا منها ورسخت ~~أقدامهم فيها ، وحصل لهم الفناء الأكبر ، لم يحرصوا على شيء ، ولم يتأسفوا ~~من فوات شيء ، لهم ولغيرهم. وقد يتوجه العتاب لهم على الحرص في بدايتهم ؛ ~~تكميلا لهم ، وترقية إلى المقام الأكمل. # وقوله تعالى : {إنا جعلنا ما على الأرض...} الخ ، هو حكمة تخلف الناس عن ~~الخصوصية ، حتى يتميز الطالب لها من المعرض عنها ، فمن أقبل على زينة ~~الدنيا وزهرتها ، فاتته الخصوصية ، وبقي من عوام الناس ، ومن أعرض عنها وعن ~~بهجتها ، وتوجه بقلبه إلى الله ، كان من المخصوصين بها ، المقربين عند الله. # 140 # وهذا هو أحسن الأعمال التي اختبر الله به عباده بقوله : {لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا} ، وفي الحديث : " الدنيا مال من لا مال له ، لها يجمع من لا عقل ~~له. وعليها يعادي من لا علم عنده " وفي الزهد والترغيب أحاديث كثيرة مفردة ~~بالتأليف ، وبالله التوفيق. PageV04P199 # جزء : 4 رقم الصفحة : 139 # قلت : {أم} : منقطعة مقدرة ببل ، التي هي للانتقال من حديث إلى حديث ، لا ~~للإبطال ، والهمزة : للاستفهام عند الجمهور ، وبمعنى ms1459 " بل " ، فقط ، عند ~~غيرهم ، و{عجبا} : خبر كان ، و{من آياتنا} : حال منه ، و{إذ أوى} : ظرف ~~لعجبا ، لا لحسبت ، أو مفعول اذكر ، أي : اذكر هذا الوقت العجيب ، وهو حين ~~التجأ الفتية إلى الكهف ، و{لنا} و{من أمرنا} : يتعلق ب {هيئ} ، و{أي ~~الحزبين} : معلق لنعلم عن المفعولين ؛ لما فيه من معنى الاستفهام ، وهو ~~مبتدأ ، و" أحصى " : خبره ، وهو فعل ماض ، و{أمدا} : مفعوله. # و{لما لبثوا} : حال منه ، أو مفعول " أحصى " ، واللام زائدة ، و{ما} : ~~موصولة ، و{أمدا} : تمييز ، وقيل : {أحصى} : اسم تفضيل ، من الإحصاء بحذف ~~الزوائد ، و{أمدا} : منصوب بفعل دل عليه أحصى ، أي : يحصى كقوله : # وأضرب منا بالسيوف القوانسا # لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به ، إجماعا ، ويجوز أن يكون تمييزا بعد ~~اسم التفضيل. # يقول الحق جل جلاله : {أم حسبت} أي : ظننت يا محمد ، والمراد : حسبان ~~أمته {أن أصحاب الكهف} ، وهو الغار الواسع في الجبل. واختلف في موضعه ؛ فقيل : # 141 # بقرب فلسطين ، وقيل : بالأندلس بمقربة من لوشة في جهة غرناطة. وذكر ابن ~~عطية أنه دخل كهفهم ، وفيه موتى ، ومعهم كلبهم ، وعليهم مسجد ، وقريب منه ~~بناء يقال له الرقيم ، قد بقي موضع جدرانه ، وفي تلك الجهة آثار يقال لها : ~~مدينة " دقيوس " ، والله أعلم. وقال ابن جزي : ومما يبعد ذلك ما روي أن ~~معاوية مر عليهم ، وأراد الدخول إليهم ولم يدخل ، هيبة ، ومعاوية لم يدخل ~~الأندلس قط ، وأيضأ : فإن الموتى في لوشة يراهم الناس ، ولا يدرك أحد الرعب ~~الذي ذكر الله في أهل الكهف. ه. PageV04P200 # والمشهور : أن الرقيم هو اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم ، وكان جعل ~~ذلك الكتاب في خزانة الملك ، وهو لوح من رصاص أو حجر ، أمر بكتب أسمائهم ~~فيه لما شكا قومهم فقدهم. وقيل : اسم كلبهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 141 # أي : أظننت أنهم {كانوا} في قصتهم {من} بين {آياتنا عجبا} أي : كانوا ~~عجبا دون باقي آياتنا ، ليس الأمر كذلك. والمعنى : أن قصتهم ، وإن كانت ~~خارقة للعادة ، ليست بعجيبة ، بالنسبة إلى سائر الآيات التي من تعاجيبها ما ~~ذكر من خلق الله تعالى على الأرض ، من الأجناس والأنواع ms1460 الفائتة الحصر من ~~مادة واحدة ، بل هي عندها كالنزر الحقير. وقال القشيري : أزال موضع ~~الأعجوبة من أوصافهم ، بما أضاف إلى نفسه بقوله : {من آياتنا} ، وقلب ~~العادة من قبل الله غير مستنكر ولا مبتدع. ه. # ثم ذكر أول قصتهم ، فقال : {إذ أوى الفتية} : جمع فتى ، وهو الشاب الكامل ~~، أي : اذكر حين التجأ الفتية إلى الكهف ، هاربين بدينهم ، خائفين على ~~إيمانهم من كفار قومهم ، ورأسهم " دقيانوس " ، على ما يأتي في قصتهم. ~~{فقالوا} ؛ حين دخلوا الغار : {ربنا آتنا من لدنك} ؛ من مستبطن أمورك ~~وخزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن أعين العادات ، {رحمة} خاصة تستوجب الرفق ~~والأمن من الأعداء ، {وهيئ} : أصلح {لنا من أمرنا} الذي نحن عليه من مفارقة ~~الكفار ومهاجرتهم ، {رشدا} : هداية نصير بها راشدين مهتدين ، أو : اجعل ~~أمرنا كله رشدا وصوابا ، كقولك : لقيت منك أسدا ، فتكون من باب التجريد ، ~~أو : إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب ، وأصل التهيئة : إحداث هيئة الشيء. PageV04P201 # {فضربنا على آذانهم} أي : أنمناهم ، شبه الإنامة الثقيلة المانعة من وصول ~~الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها ، وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك ~~سائر المشاعر لها في الحجب عن الشعور عند النوم ؛ لأنها تحتاج إلى الحجب ~~أكثر ، إذ هي الطريقة للتيقظ غالبا. والفاء في {فضربنا} : مثلها في قوله : ~~{فاستجبنا له} [الأنبياء : 90] ، بعد قوله : {إذ نادى} ، فإن الضرب المذكور ~~، وما ترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال ، والبعث ، وغير ذلك ، ~~إيتاء رحمة لدنية خفية عن أبصار المستمسكين بالأسباب العادية ؛ استجابة ~~لدعوتهم ، أي : فاستجبنا لهم وأنمناهم ، {في الكهف # 142 # سنين عددا} أي : ذوات عدد ، أو تعد عددا ، أو معدودة ، ووصف السنين بذلك ~~: إما للتكثير ، وهو الأنسب بكمال القدرة ، أو التقليل ، وهو الأليق بمقام ~~إنكار كون القصة عجبا من سائر الآيات العجيبة ؛ فإن مدة لبثهم كبعض يوم ~~عنده تعالى. # {ثم بعثناهم} ؛ أيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت ، {لنعلم} علم ~~مشاهدة ، أي : ليتعلق علمنا تعلقا حاليا كتعلقة أولا تعلقا استقباليا ، {أي ~~الحزبين} : الفريقين المختلفين في مدة لبثهم المذكور في قوله : {قالوا ~~لبثنا يوما...} الخ ، {أحصى} أي : أضبط ms1461 {لما لبثوا} : للبثهم ، {أمدا} أي : ~~غاية ، فيظهر بذلك عجزهم ، ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير ، ويتعرفوا حالهم ~~وما صنع الله بهم ، من حفظ أبدانهم وأديانهم ، فيزدادوا يقينا بكمال قدرته ~~وعلمه ، وليتيقنوا به أمر البعث ، ويكون ذلك لطفا بمؤمني زمانهم ، وآية ~~بينة لكفارهم ، وعبرة لمن يأتي بعدهم ، فهذه حكم إيقاظهم بعد نومهم ، والله ~~عليم حكيم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 141 PageV04P202 ~~الإشارة : عادته تعالى فيمن انقطع إليه بكليته ، وآوى إلى كهف رعايته ، ~~وآيس من رفق مخلوقاته ، أن يكلأه بعين عنايته ، ويرعاه بحفظ رعايته ، ويغيب ~~سمع قلبه عن صوت الأكدار ، ويصون عين بصيرته عن رؤية الأغيار ، حين انحاشوا ~~إلى حمى رحمته المانع ، وتظللوا تحت ظل رشده الواسع. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 141 # قلت : {بالحق} : إما صفة لمصدر محذوف ، أو حال من ضمير " نقص " ، أو من " ~~نبأهم " ، أو صفة له ، على رأي من يرى حذف الموصول مع بعض صلته ، أي : نقص ~~قصصا ملتبسا بالحق ، أو نقصه متلبسين بالحق ، أو نقص نبأهم ملتبسا بالحق ، ~~أو نبأهم الذي هو ملتبس بالحق. و{إذ قاموا} : ظرف لربطنا ، {وشططا} : صفة ~~لمحذوف ، أي : قولا شططا ، أي : ذا شطط ، وصف به ؛ للمبالغة. و{هؤلاء} : ~~مبتدأ ، وفي اسم الإشارة تحقير لهم ، و{قومنا} : عطف بيان له. و{اتخذوا} : ~~خبر ، و{ما يعبدون} : موصول ، عطف على الضمير المنصوب ، أو مصدرية ، أي : ~~وإذ اعتزلتموهم ومعبوديهم إلا الله ، أو عبادتهم إلا عبادة الله ، وعلى ~~التقديرين : فالاستثناء متصل على تقدير أنهم كانوا مشركين # 143 # يعبدون الله والأصنام. ومنقطع ؛ على تقدير تمحضهم بعبادة الأوثان ، ويجوز ~~أن تكون {ما} نافية ؛ على أنه إخبار من الله - تعالى - عن الفتية بالتوحيد ~~، معترض بين " إذ " وجوابه العامل فيها. # يقول الحق جل جلاله : {نحن نقص عليك نبأهم} ، والنبأ : الخبر الذي له شأن ~~وخطر ، قصصا ملتبسا {بالحق} : بالصدق الذي لا يطرقه كذب ولا ريبة. PageV04P203 # وخبرهم ، حسبما ذكر محمد بن إسحاق : أنه قد مرج أهل الإنجيل ، وظهرت فيهم ~~الخطايا ، وطغت ملوكهم ، فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت ، وكان من بالغ في ~~ذلك وعتا عتوا كبيرا : " دقيانوس " ؛ فإنه غلا فيه ms1462 غلوا كبيرا ، فجاس خلال ~~الديار والبلاد ؛ بالعبث والفساد ، وقتل من خالفه ممن تمسك بدين المسيح ، ~~وكان يتتبع الناس فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان ، فمن رغب في ~~الحياة الدنيا الدنية : تبعه وصنع ما يصنع ، ومن آثر عليها الحياة الأبدية ~~: قتله وقطع آرابه ، وعلقها بسور المدينة وأبوابها. فلما رأى الفتية ذلك ، ~~وكانوا عظماء مدينتهم ، وكانوا بني الملوك ، قاموا فتضرعوا إلى الله تعالى ~~، واشتغلوا بالصلاة والدعاء ، فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوان الجبار ، ~~فأحضروهم بين يديه ، فقال لهم ما قال ، فخيرهم بين القتل وبين عبادة ~~الأوثان ، فقالوا : إن لنا إلها ملأ السماوات والأرض عظمة وجبروتا ، لن ~~ندعو من دونه أحدا ، ولن نقر بما تدعونا إليه أبدا ، فاقض ما أنت قاض ، ~~فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرة ، وأخرجهم من عنده. زاد في رواية : ~~وضمنهم أهلهم ، وخرج إلى مدينة (نينوى) ؛ لبعض شأنه ، وأمهلهم إلى رجوعه ؛ ~~ليتأملوا في أمرهم ، وإلا فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 143 PageV04P204 ~~فأجمعت الفتية على الفرار والالتجاء إلى الكهف الحصين ، فأخذ كل منهم من ~~بيت أبيه شيئا ، فتصدقوا ببعضه ، وتزودوا بالباقي ، فأووا إلى الكهف. وفي ~~رواية : أنهم مروا بكلب فتبعهم ، على ما يأتي في شأنه ، فجعلوا يصلون في ~~ذلك الكهف آناء الليل وأطراف النهار ، ويبتهلون إلى الله - سبحانه - ~~بالأنين والجؤار ، ففوضوا أمر نفقتهم إلى " يمليخا " ، فكان إذا أصبح يضع ~~عنه ثيابه الحسان ، ويلبس ثياب المساكين ، ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم ، ~~ويتحسس ما فيها من الأخبار ، ويعود إلى أصحابه ، فلبثوا على ذلك إلى أن قدم ~~الجبار المدينة فطلبهم ، وأحضر آباءهم ، فاعتذروا بأنهم عصوهم ونهبوا ~~أموالهم ، وبذروها في الأسواق ، وفروا إلى الجبل. فلما رأى " يمليخا " ما ~~رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي ، ومعه قليل من الزاد ، فأخبرهم بما ~~شهد من الهول ، ففزعوا إلى الله - عز وجل - وخروا له سجدا ، ثم رفعوا ~~رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم ، فبينما هم كذلك إذ ضرب الله على آذانهم ~~فناموا ، ونفقتهم عند رؤوسهم. فخرج " دقيانوس " في طلبهم بخيله ورجله ms1463 ، ~~فوجدهم قد دخلوا الكهف ، فأمر بإخراجهم فلم يطق أحد منهم أن يدخله ، فلما ~~ضاق بهم ذرعا ، # 144 # قال قائل منهم : أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم ؟ قال : بلى. قال : فابن ~~عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا ؛ جوعا وعطشا ، ففعل فكان شأنهم ما قص الله ~~تعالى ، إذ قال : PageV04P205 # {إنهم فتية} ، استئناف بياني ، كأن سائلا سأل عن حالهم ، فقال : إنهم فتية ~~شبان كاملون في الفتوة {آمنوا بربهم} ، فيه التفات إلى ذكر الربوبية التي ~~اقتضت تربيتهم وحفظهم ، {وزدناهم هدى} ؛ بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه ، ~~وأظهرنا لهم من مكنونات محاسننا ما آثروا به الفناء على البقاء. وفيه ~~التفات إلى التكلم ؛ لزيادة الاعتناء بشأنهم ، {وربطنا على قلوبهم} أي : ~~قويناهم ، حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان ، والنعيم ~~والإخوان ، واجترأوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر ، والرد على ~~دقيانوس الجبار ؛ {إذ قاموا} أي : انتصبوا لإظهار شعار الدين ، قال مجاهد : ~~خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعاد. فقال أكبرهم : إني لأجد في نفسي ~~شيئا ، إن ربي هو رب السماوات والأرض ، فقالوا : نحن أيضا كذلك ، فقاموا ~~جميعا {فقالوا ربنا رب السماوات والأرض} ، وعزموا على التصميم بذلك. وقيل : ~~قاموا بين يدي الجبار من غير مبالاة به ، حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام ~~، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى : {هؤلاء...} الخ : منقطعا صادرا ~~عنهم ، بعد خروجهم من عنده. # جزء : 4 رقم الصفحة : 143 # ثم قالوا : {لن ندعو من دونه إلها} ، لا استقلالا ولا اشتراكا ، ولم ~~يقولوا : ربا ؛ للتصميم على الرد على المخالفين ، حيث كانوا يسمون أصنامهم ~~آلهة ، وللإشعار بأن مدار العبودية على وصف الألوهية. {لقد قلنا إذا شططا} ~~: قولا ذا شطط ، وهو الجور والتعدي ، أي : لقد جرنا وأفرطنا في الكفر ، ~~وقلنا قولا خارجا عن حد المعقول ، إن دعونا إلها غير الله جزما. {هؤلاء ~~قومنا} قد {اتخذوا من دون آلهة} ، فيه معنى الإنكار ، {لولا} : هلا {يأتون ~~عليهم} : على ألوهيتهم {بسلطان بين} : بحجة ظاهرة ، {فمن أظلم} أي : لا أحد ~~أظلم {ممن افترى على الله كذبا} بنسبة الشريك إليه ms1464 ؛ فإنه أظلم من كل ظالم. PageV04P206 # {وإذ اعتزلتموهم} أي : فارقتموهم {و} فارقتم {ما يعبدون إلا الله فأووا إلى ~~الكهف} : فالتجئوا إليه ، والمعنى : وإذا اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا ~~فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا ، {ينشر لكم ربكم} : يبسط لكم ويوسع عليكم {من ~~رحمته} في الدارين ، {ويهيئ لكم من أمركم} الذي أنتم بصدده من الفرار ~~بالدين ، {مرفقا} : ما ترتفقون به ، أي : تنتفعون ، وجزمهم بذلك ؛ لنصوع ~~يقينهم ، وقوة وثوقهم بفضل الله. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد وصف الله - تعالى - أهل الكهف بخمسة أوصاف هي من شعار ~~الصوفية ؛ الإيمان ، الذي هو الأساس ، وزيادة الاهتداء بتربية الإيقان إلى ~~الوصول إلى # 145 # صريح العرفان ، وربط القلب في حضرة الرب ، والقيام في إظهار الحق أو ~~لداعي الوجد ، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحد من الخلق. # وقال الورتجبي في قوله تعالى : {وزدناهم هدى} : أي : زدناهم نورا من ~~جمالي ، فاهتدوا به طرق معارف ذاتي وصفاتي ، وذلك النور لهم على مزيد ~~الوضوح إلى الأبد ؛ لأن نوري لا نهاية له. وقال عند قوله : {إذ قاموا} : قد ~~استدل بهذه الآية بعض المشايخ على حركة الواجدين في وقت السماع والذكر ؛ ~~لأن القلوب إذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حركها أنواع الأذكار وما ~~يرد عليها من فنون السماع. والأصل قوله : {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا} ، ~~نعم هذا المعنى إذا كان القيام قياما بالصورة ، أي : الحسية في القيام ~~الحسي ، وإذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية ، والربط من جهة النقل من ~~محل التلوين إلى محل التمكين ، فالاستدلال بها في السكون في الوجد أحسن ، ~~إذا كان الربط بمعنى التسكين والقيام بمعنى الاستقامة. ه. PageV04P207 # قلت : الحاصل : أنا إذا حملنا القيام على الحسي ففيه دليل لأهل البداية على ~~القيام في الذكر والسماع. وإذا حملناه على القيام المعنوي ، وهو النهوض في ~~الشيء ، أو الاستقامة عليه كان فيه دلالة لأهل النهاية على السكون وعدم ~~التحرك ، وكأنه يشير إلى قضية الجنيد في بدايته ونهايته. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 143 # وقال ابن لب : قد اشتهر الخلاف بين العلماء في القيام لذكر الله - تعالى ~~- وقد ms1465 أباحته الصوفية ، وفعلته ودامت عليه ، واستفادوه من كتاب الله تعالى ~~من قوله - عز وجل - في أصحاب الكهف : {إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات ~~والأرض} ، وإن كانت الآية لها محامل أخرى سوى هذا. ه. قلت : وقوله تعالى : ~~{الذين يذكرون الله قياما وقعودا} [آل عمران : 191] : صريح في الجواز. # وقال في القوت : وقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يظهر التأوه ~~والوجد ، فقال من كان معه : أتراه يا رسول الله مرائيا ؟ فقال : " لا ، بل ~~أواه منيب " ، وقال لآخر : أظهر صوته بالآية : " أسمع الله عز وجل ولا تسمع ~~" ، فأنكر عليه بما شهد فيه ، ولم ينكر على أبي موسى قوله : (لو علمت أنك ~~تسمع لحبرته لك تحبيرا) ؛ لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به ، ولذا كل من ~~كان له حسن قصد ، ونية خير ، في إظهار عمل ، فليس من السمعة والرياء في شيء ~~؛ لتجرده من الآفة الدنيوية ، وهي الطمع والمدح. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 143 PageV04P208 ~~قلت : {تزاور} أصله : تتزاور ، فأدغمت التاء في الزاي. وقرأ الكوفيون ~~بحذفها ، وابن عامر ويعقوب : " تزور " كتمرد ، كلها من الزور بمعنى الميل. ~~و{ذات اليمين} : ظرف بمعنى الجهة. وجملة : {وهم في فجوة} : حال ، و{ذراعيه} ~~: مفعول " باسط " ؛ لأنه حكاية حال ، أي : يبسط ، و{فرارا} : مصدر ؛ لأنه ~~عبارة عن معنى التولية ، أو حال ، أي : لوليت فارا ، و{رعبا} : مفعول ثان ~~لملئت ، أو تمييز. # يقول الحق جل جلاله : في بيان حالهم بعدما أووا إلى الكهف : {وترى الشمس ~~إذا طلعت تزاور} أي : تنتحي وتميل {عن كهفهم} الذي أووا إليه ، والخطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب. وليس المراد ~~الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقا ، بل الإنباء بكون الكهف بحيث لو رأيته ترى ~~الشمس إذا طلعت تميل عن كهفهم {ذات اليمين} أي : جهة ذات يمين الكهف ، عند ~~الداخل إلى قعره ، {وإذا غربت} أي : وتراها إذا غربت {تقرضهم} أي : تقطعهم ~~وتتعدى عنهم {ذات الشمال} أي : جهته وجانبه الذي يلي المشرق. وكان ذلك ~~بتصريف الله تعالى على منهاج خرق العادة ؛ كرامة لهم. وقيل : كان باب ms1466 الكهف ~~شماليا يستقبل بنات نعش ، {وهم في فجوة منه} : في موضع واسع منه ، وذلك ~~موقع لإصابة الشمس ، ومع ذلك ينحيها الله عنهم. # {ذلك من آيات الله} أي : ما صنع الله بهم من ميل الشمس عنهم عند طلوعها ~~وغروبها ، من آيات الله العجيبة الدالة على كمال علمه وقدرته ، وفضيلة ~~التوحيد وكرامة أهله عنده سبحانه. قال بعضهم : هذا قبل سد دقيانوس باب ~~الكهف ، قلت : كان قبل السد وبعد هدم السد ؛ لأنه هدم بعد ، فما قام أهل ~~الكهف حتى وجدوه مهدوما. وظاهر الآية يرجح من قال : إنه من باب خرق العادة. PageV04P209 # {من يهد الله فهو المهتد} الذي أصاب الفلاح. والمراد : إما الثناء عليهم ، ~~والشهادة بإصابة المطلوب ، والإخبار بتحقيق ما أملوه من نشر الرحمة وتهيئة ~~المرافق ، أو التنبيه على أن أمثال هذه الآية كثيرة ، ولكن المنتفع بها هو ~~من وفقه الله وهداه للاستبصار بها ، {ومن يضلل} أي : يخلق فيه الضلال ؛ ~~بصرف اختياره إليه ، {فلن تجد له} ، ولو بالغت في التتبع والاستقصاء ، ~~{وليا} : ناصرا {مرشدا} ، يهديه إلى ما ذكر من الفلاح. والجملة معترضة بين ~~أجزاء القصة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 146 # ثم قال : {وتحسبهم} بالفتح والكسر ، أي : تظنهم {أيقاظا} ، لانفتاح ~~أعينهم ، أو لكثرة تقلبهم ، وهو جمع " يقظ " ؛ بظم القاف وكسرها ، {وهم ~~رقود} أي : نيام ، # 147 # {ونقلبهم} في رقودهم {ذات اليمين} أي : جهة تلي أيمانهم ، {وذات الشمال} ~~أي : جهة تلي شمائلهم ؛ لكي لا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم. قال ابن ~~عباس رضي الله عنه : لو لم يتقلبوا لأكلتهم الأرض. قيل : كانوا يتقلبون ~~مرتين في السنة. وقيل : مرة يوم عاشوراء. وقيل : في تسع سنين. # {وكلبهم باسط ذراعيه} ، حكاية حال ماضية أي : يبسط ذراعيه ، وهو من ~~المرفق إلى رأس الأصابع. {بالوصيد} أي : بموضع من الكهف ، وقيل : بالفناء ~~من الكهف ، وقيل : العتبة. وهذا الكلب ، قيل : هو كلب مروا به فتبعهم ، ~~فطردوه مرارا ، فلم يرجع ، فأنطقه الله ، فقال : يا أولياء الله لا تخشوا ~~إصابتي ؛ فإني أحب أحباء الله ، فناموا حتى أحرسكم. وقيل : هو كلب راع مروا ~~به فتبعهم على ms1467 دينهم ، ومر معه كلبه ، ويؤيده قراءة : (وكالبهم) أي : وصاحب ~~كلبهم ، وقيل : هو كلب صيد لهم أو زرع ، واختلف في لونه ؛ قيل أحمر ، وقيل ~~: أصفر ، وقيل : أصهب. PageV04P210 # {لو اطلعت عليهم} أي : لو عاينتهم وشاهدتهم. والاطلاع : الإشراف على الشيء ~~بالمعاينة والمشاهدة ، {لوليت منهم فرارا} : هربا بما شاهدت منهم ، {ولملئت ~~منهم رعبا} ، أي : خوفا يملأ الصدور برعبه ، لما ألبسهم الله من الرهبة ، ~~أو لعظم أجرامهم وانفتاح أعينهم ، وكانت منفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن ~~يتكلم. وعن معاوية : أنه غزا الروم فمر بالكهف ، فقال : لو كشف لنا عن ~~هؤلاء فنظرنا إليهم ، فقال ابن عباس رضي الله عنه : ليس لك ذلك ؛ قد منع ~~الله تعالى من هو خير منك ، حيث قال : {لو اطلعت عليهم...} الآية ، فلم ~~يسمع ، وقال : ما أنتهي حتى أعلم علمهم ، فبعث ناسا ، وقال : اذهبوا ~~فانظروا ، ففعلوا ، فلما دخلوا بعث الله ريحا فأحرقتهم. ه. # الإشارة : للصوفية - رضي الله عنهم - تشبه قوي بأهل الكهف ، في الانقطاع ~~إلى الله ، والتجرد عن كل ما سواه ، والانحياش إلى الله ، والفرار من كل ما ~~يشغل عن الله ، والتماس الرحمة الخاصة من الله ، وطلب التهيئة لكل رشد ~~وصواب ، ولهذا المعنى ختم الشيخ القطب ابن مشيش تصليته المشهورة بما دعوا ~~به ، حين أووا إلى كهف الإيواء ؛ تشبها بهم في مطلق الانقطاع والفرار من ~~مواطن الحس. ولذلك لما تشبهوا بهم حفظهم الله - أي : الصوفية - ممن رام ~~أذاهم ، وغيبهم عن حس أنفسهم ، وأشهدهم عجائب لطفه وقدرته ، ومن تمام ~~التشبه بهم : أنك قل أن تجد فرقة تسافر منهم إلا ويتبعهم كلب يكون معهم ، ~~حتى شهدت ذلك في جل أسفارنا مع الفقراء ؛ تحقيقا لكمال التشبيه. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 146 PageV04P211 ~~يقول الحق جل جلاله : {وكذلك} أي : وكما أنمناهم وحفظنا أجسادهم من البلاء ~~والتحلل ، وكان ذلك آية دالة على كمال قدرتنا ، {بعثناهم} من النوم ~~{ليتساءلوا بينهم} أي : ليسأل بعضهم بعضا ، فيترتب عليه ما فصل من الحكم ~~البالغة ، أو : ليتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم ، فيزدادوا يقينا على كمال ~~قدرة الله ، ويستبصروا أمر البعث ms1468 ، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم. # {قال قائل منهم} هو رئيسهم ، واسمه : " مكسليمنيا " : {كم لبثتم} في ~~منامكم ؟ لعله قال ذلك ؛ لما رأى من مخالفة حالهم ، لما هو المعتاد في ~~الجملة ، {قالوا} أي : بعضهم : {لبثنا يوما أو بعض يوم} ، قيل : إنما قالوا ~~ذلك ؛ لأنهم دخلوا الكهف غدوة ، وكان انتباههم آخر النهار ، فقالوا : ~~{لبثنا يوما} ، فلما رأوا أن الشمس لم تغرب بعد قالوا : {أو بعض يوم} ، ~~وكان ذلك إخبارا عن ظن غالب ، فلم يعزوا إلى الكذب. # {قالوا} أي : بعض آخر منهم ، بما سنح له من الأدلة ، ولما رأى من طول ~~أظافرهم وشعورهم : {ربكم أعلم بما لبثتم} أي : أنتم لا تعلمون مدة لبثكم ، ~~وإنما يعلمها الله - سبحانه - ، وهذا رد منهم على الأولين بأجمل ما يكون من ~~حسن الأدب ، {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة} ، أعرضوا عن البحث عن ~~المدة ، وأقبلوا على ما يهم في الوقت ، والورق : الفضة ، مضروبة أو غير ~~مضروبة ، ووصفها باسم الإشارة يقتضي أنها كانت معينة ليشتري بها قوت ذلك ~~اليوم ، وحملها دليل على أن التزود لا ينافي التوكل ، وقد كان نبينا صلى ~~الله عليه وسلم يتزود لغار حراء ليتعبد فيه. ثم قالوا : {فلينظر أيها} أي : ~~أي أهلها {أزكى طعاما} أي : أحل وأطيب ، أو أكثر وأرخص ، {فليأتكم برزق ~~منه} أي : من ذلك الأزكى طعاما ، {وليتلطف} : وليتكلف اللطف في دخول ~~المدينة وشراء الطعام ، لئلا يعرف ، {ولا يشعرن بكم أحدا} ؛ ولا يخبر بكم ~~ولا بمكانكم أحدا من أهل المدينة ، أو : لا يفعل ما يؤدي إلى ذلك. PageV04P212 # جزء : 4 رقم الصفحة : 148 # ثم علل النهي بقوله : {إنهم إن يظهروا عليكم} : يطلعوا عليكم ، أو يظفروا ~~بكم ، والضمير : للأهل المقدر في " أيها " ، أي : إن أهل المدينة إن يظفروا ~~بكم {يرجموكم} إن ثبتم على ما أنتم عليه ، {أو يعيدوكم في ملتهم} أي : ~~يصيروكم إليها ويدخلوكم فيها ؛ كرها ، كقوله تعالى : {أو لتعودن في ملتنا} ~~[إبراهيم : 13] ، وقيل : كانوا على ملتهم ثم خالفوهم للحق. {ولن تفلحوا ~~إذا} ؛ إن دخلتم فيها ، ولو بالكره والجبر ، {أبدا} ، لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة ms1469 ، وفيه من التشديد والتحذير ما لا يخفى. # 149 # الإشارة : وكذلك بعثنا من توجه إلينا من نوم الغفلة والجهالة ليتساءلوا ~~بينهم ؛ ليتعرفوا ما أنعم الله به عليهم من اليقظة والنجاة من البطالة ، ~~فإذا انتبهوا من نوم الغفلة ، استصغروا أيام البطالة ؛ لأن أيام الغفلة ~~قليلة أمدادها ، وإن كثرت آمادها ، وفي الحكم : " رب عمر اتسعت آماده ، ~~وقلت أمداده " ، بخلاف زمان اليقظة ، فإنه كثيرة أمداده ، وإن قلت آماده ، ~~فهو طويل ؛ معنى ، وإن قل ؛ حسا ، ولذلك قال في الحكم أيضا : " ورب عمر ~~قليلة آماده ، كثيرة أمداده ". وقال أيضا : " من بورك له في عمره : أدرك في ~~يسير من الزمان من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه ~~الإشارة ". # فإن توقفوا على قوت أشباحهم التمسوا أطيبه وأزكاه وأحله ، فإن أكل الحلال ~~ينور القلوب وينشط الأعضاء للطاعة ، وتلطفوا في أخذه من غير مزاحمة ولا حرص ~~ولا تعب ، فإن أطلعهم الله على سره المكنون من أسرار ذاته بالغوا في إخفائه ~~، حتى لا يشعروا به أحدا من خلقه ، غير من هو أهل له ؛ لأنهم ، إن أظهروه ~~لغيرهم ، رجموهم أو أعادوهم إلى ملتهم ، بأن يقهروهم إلى الرجوع عن طريق ~~القوم ، ولن يفلحوا إذا أبدا. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 148 PageV04P213 ~~قلت : {إذ يتنازعون} : ظرف لقوله : {أعثرنا} ، لا ليعلموا ، أي : أعثرنا هم ~~عليهم حين يتنازعون بينهم... الخ ، و{رجما} : حال ، أي : راجمين بالغيب ، ~~أو مفعول مطلق ، أي : يرجمون رجما. # يقول الحق جل جلاله : {وكذلك} أي : وكما أنمناهم وبعثناهم لازدياد يقينهم ~~{أعثرنا عليهم} : أطلعنا الناس عليهم {ليعلموا} أي : ليعلم القوم الذين ~~كانوا في ذلك الوقت {أن وعد الله} أي : وعده بالبعث والثواب والعقاب {حق} ~~صادق لا خلف فيه ، أو : ثابت لا مرد له ؛ لأن نومهم وانتباههم كحال من يموت ~~ثم يبعث ، {وأن الساعة} أي : القيامة ، التي هي عبارة عن وقت بعث الخلائق ~~جميعا ؛ للحساب والجزاء ، {لا ريب فيها} : لا شك في قيامها ، فإن من شاهد ~~أنه جل وعلا توفى نفوسهم وأمسكها ثلاثمائة سنة وأكثر ، حافظا لأبدانها من ~~التحلل والفساد ms1470 ، ثم أرسلها كما كانت ، لا يبقى معه # 150 # ريب ، ولا يختلجه شك ، في أن وعده تعالى حق ، وأنه يبعث من في القبور ، ~~ويجازيهم بأعمالهم. # وكان ذلك الإعثار {إذ يتنازعون} : حين كانوا يتنازعون {بينهم أمرهم} ، في ~~أمر البعث مختلفين فيه ؛ ففرقة أقرت ، وفرقة جحدت ، وقائل يقول : تبعث ~~الأرواح فقط ، وآخر يقول : تبعث جميع الأجسام بالأرواح ، قيل : كان ملك ~~المدينة حينئذ رجلا صالحا ، ملكها ثمانيا وعشرين سنة ، ثم اختلف أهل مملكته ~~في البعث كما تقدم ، فدخل الملك بيته وغلق الباب ، ولبس مسحا وجلس على رماد ~~، وسأل ربه أن يظهر الحق ، فألقى الله - عز وجل - في نفس رجل من ذلك البلد ~~الذي فيه الكهف ، أن يهدم بنيان فم الكهف ، فهدم ما سد به " دقيانوس " باب ~~الكهف ؛ ليتخذه حظيرة لغنمه ، فعند ذلك بعثهم الله - تعالى - فجرى بينهم من ~~التقاول ما جرى. PageV04P214 # روي أن المبعوث لما دخل المدينة ؛ ليشتري الطعام ، أخرج دراهمه ، وكانت على ~~ضرب (دقيانوس) ، فاتهموه أنه وجد كنزا ، فذهبوا به إلى الملك ، فقص عليه ~~القصة ، فقال بعضهم : إن آباءنا أخبرونا أن فتية فروا بدينهم من (دقيانوس) ~~، فلعلهم هؤلاء ، فانطلق الملك وأهل المدينة ؛ من مسلم وكافر ، فدخلوا ~~عليهم وكلموهم ، ثم قالت الفتية للملك : نودعك الله ونعيذك به من الإنس ~~والجن ، ثم رجعوا إلى مضاجعهم ، فماتوا ، فألقى الملك عليهم ثيابه ، وجعل ~~لكل منهم تابوتا من ذهب ، فرآهم في المنام كارهين للذهب ، فجعلها من الساج ~~، وبنى على باب الكهف مسجدا. وقيل : لما انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى : ~~مكانكم حتى أدخل أولا ؛ لئلا يفزعوا ، فدخل ، فعمي عليهم المدخل ، فبنوا ~~ثمة مسجدا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 150 # وقيل : المتنازع فيه : أمر الفتية قبل بعثهم ، أي : أعثرنا عليهم حين ~~يتذاكرون بينهم أمرهم ، وما جرى بينهم وبين دقيانوس من الأحوال والأهوال ، ~~ويتلقون ذلك من الأساطير وأفواه الرجال. وعلى التقديرين : فالفاء في قوله : ~~{فقالوا ابنوا} فصيحة ، أي : أعثرنا عليهم فرأوا ما رأوا ، ثم ماتوا ، فقال ~~بعضهم : {ابنوا عليهم} : على باب كهفهم {بنيانا} ؛ لئلا يتطرق إليهم الناس ~~، ففعلوا ذلك ؛ ضنا بمقامهم ms1471 ومحافظة عليهم. # ثم قالوا : {ربهم أعلم بهم} ، كأنهم لما عجزوا عن إدراك حقيقة حالهم ؛ من ~~حيث النسبة ، ومن حيث العدد ، ومن حيث بعد اللبث في الكهف ، قالوا ذلك ؛ ~~تفويضا إلى علام الغيوب. أو : يكون من كلامه سبحانه ؛ ردا لقول الخائضين في ~~حديثهم من أولئك المتنازعين ، {قال الذين غلبوا على أمرهم} ، وهو الملك ~~والمسلمون ، وكانوا غالبين في ذلك الوقت : {لنتخذن عليهم مسجدا} ، فذكر في ~~القصة أنه جعل على باب الكهف مسجدا يصلي فيه. # 151 PageV04P215 ~~ثم وقع الخوض في عهد نبينا - عليه الصلاة والسلام - بين نصارى نجران حين ~~قدموا المدينة ، فجرى بينهم ذكر أهل الكهف وبين المسلمين في عددهم ، كما ~~قال تعالى : {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} ، وهو قول اليعقوبية من النصارى ~~، وكبيرهم السيد ، وقيل : قالته اليهود ، {ويقولون خمسة سادسهم كلبهم} ، هو ~~قول النسطورية منهم ، وكبيرهم العاقب ، {رجما بالغيب} : رميا بالخبر من غير ~~اطلاع على حقيقة الأمر ، أو ظنا بالغيب من غير تحقيق ، {ويقولون سبعة ~~وثامنهم كلبهم} ، وهو ما يقوله المسلمون بطريق التلقي من هذا الوحي ، وعدم ~~نظمه في سلك الرجم بالغيب ، وتغيير سبكه ؛ بزيادة الواو المفيدة لزيادة ~~تأكيد النسبة فيما بين طرفيها ، يقضي بصحته. # قال تعالى : {قل} يا محمد ؛ تحقيقا للحق ، وردا على الأولين : {ربي أعلم ~~بعدتهم} أي : ربي أقوى علما بعدتهم ، {ما يعلمهم} أي : ما يعلم عددهم {إلا ~~قليل} من الناس ، قد وفقهم الله تعالى للاطلاع عليهم بالدلائل أو بالإلهام. ~~قال ابن عباس رضي الله عنه : " أنا من ذلك القليل " ، قال : حين وقعت الواو ~~انقطعت العدة ، وأيضا حين سكت عنه تعالى ولم يقل : رجما بالغيب ، علم أنه ~~حق. وعن علي - كرم الله وجهه - : أنهم سبعة ، أسماؤهم : يمليخا ، وهو الذي ~~ذهب بورقهم ، ومكسيلمينيا ، وهو أكبرهم والمتكلم عنهم ، ومشلينا ، وفي ~~رواية الطبري : ومجسيسيا بدله ، وهؤلاء أصحاب يمين الملك ، وكان عن يساره : ~~مرنوش ودبرنوش وجشاذنوس ، وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره ، والسابع : ~~الراعي الذي تبعهم حين هربوا من دقيانوس ، واسمه : كفشططيوش. وذكر ابن عطية ~~عن الطبري غير هؤلاء ، وكلهم عجميون ، قال : والسند في معرفتهم ms1472 واه. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 150 PageV04P216 ~~الإشارة : عادة الحق تعالى في أوليائه أن يخفيهم أولا عن أعين الناس ، رحمة ~~بهم ؛ إذ لو أظهرهم في البدايات ؛ لفتنوهم وردوهم إلى ما كانوا عليه ، حتى ~~إذا تخلصوا من البقايا ، وتمكنوا من معرفة الحق وشهوده ، أعثر عليهم من ~~أراد سعادته ووصوله إلى حضرته ؛ ليعلموا أن وعد الله بإبقاء العدد الذين ~~يحفظ الله بهم نظام العالم في كل زمان حق ، وأن خراب العالم بانقراضهم ، ~~وقيام الساعة لا ريب فيه. وفي الآية تنبيه على ذم الخوض بما لا علم للعبد ~~به ، ومدح من رد العلم إلى الله في كل شيء. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 150 # قلت : {إلا أن يشاء} : استثناء مفرغ من النهي ، أي : لا تقولن في حال من ~~الأحوال ، إلا حال ملابسة بمشيئته تعالى على الوجه المعتاد ، وهو أن تقول : ~~إن شاء الله ، أو : في وقت من الأوقات ، إلا وقت إن شاء الله. # يقول الحق جل جلاله : {فلا تمار} أي : لا تجادل {فيهم} ؛ في شأن أهل ~~الكهف {إلا مراء ظاهرا} قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم ، من غير زيادة عليه ~~، مع تفويض العلم إلى الله ، فلا تصرح بجهلهم ، ولا تفضح خطأهم ، فإنه يخل ~~بمكارم الأخلاق ، {ولا تستفت فيهم} : في شأنهم {منهم} ؛ من الخائضين {أحدا} ~~؛ فإن فيما أوحي إليك لمندوحة عن ذلك ، مع أنهم لا علم لهم بذلك. PageV04P217 # {ولا تقولن لشيء} أي : لأجل شيء تعزم عليه : {إني فاعل ذلك} الشيء {غدا} : ~~فيما يستقبل من الزمان مطلقا ، فيصدق بالغد وما بعده ؛ لأنه نزل حين قالت ~~اليهود لقريش : سلوه عن الروح ، وعن أصحاب الكهف ، وعن ذي القرنين. فسألوه ~~صلى الله عليه وسلم فقال : " غدا أخبركم " ، ولم يستثن ، فأبطأ عليه الوحي ~~، حتى شق عليه ، وكذبته قريش ، ثم نزلت السورة بعد أربعة عشر يوما ، أو ~~قريبا منها ، على ما ذكره أهل السير ، أي : لا تقل إني فاعل شيئا في حال من ~~الأحوال إلا متلبسا بمشيئته على الوجه المعتاد ، وهو أن تقول : إن شاء ms1473 الله ~~، أو في وقت من الأوقات ، إن شاء الله أن تقوله ، بمعنى : أن يأذن لك فيه ، ~~فإن النسيان بمشيئته تعالى. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 152 # واذكر ربك} بقولك : إلا أن يشاء الله ؛ مستدركا له ، {إذا نسيت} : إذا ~~فرط منك نسيان ثم ذكرته. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه : ولو بعد سنة ~~ما لم يحنث. ولذلك جوز تأخير الاستثناء. وعامة الفقهاء على خلافه ، إذ لو ~~صح ذلك لما تقرر طلاق ولا عتاق ، ولم يعلم صدق ولا كذب ، وقال القرطبي : ~~هذا في تدارك الترك والتخلص من الإثم ، وأما الاستثناء المغير للحكم فلا ~~يكون إلا متصلا به ، ويجوز أن يكون المعنى : واذكر ربك ؛ بالتسبيح ~~والاستغفار ؛ إذا نسيت الاستثناء ؛ مبالغة في الحث عليه ، أو : اذكر ربك ~~إذا اعتراك نسيان ؛ لتستدرك ما فات ، وحمل على أداء الصلاة المنسية عند ~~ذكرها. وسيأتي في الإشارة بقية الكلام عليها. # 153 PageV04P218 ~~{وقل عسى أن يهدين ربي} : يوفقني {لأقرب من هذا} أي : لنبأ أقرب وأظهر من ~~نبأ أصحاب الكهف ، من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي ، {رشدا} أي : ~~إرشادا للناس ودلالة على ذلك. وقد فعل عز وجل ذلك ؛ حيث آتاه من البينات ما ~~هو أعظم وأبين لقصص الأنبياء ، المتباعدة أيامهم ، والإخبار بالغيوب ~~والحوادث النازلة في الأعمار المستقبلة إلى قيام الساعة. أو : لأقرب رشدا ~~وأدنى خيرا من المنسي ، أي : عسى أن يدلني على ما هو أصلح لي من الذي نسيته ~~؛ إذ يجوز أن يكون نسيانه خيرا له من ذكره ؛ إذ فيه إظهار قهريته تعالى ، ~~وغناه عن خلقه ، وعدم مبالاته بإدبار من أدبر وإقبال من أقبل ، أو : الطريق ~~الأقرب من هذا الذي هدى إليه أهل الكهف ؛ رشدا وصوابا ، وقد فعل ذلك حيث ~~هداه إلى الدين القيم الذي أظهره على الأديان كلها ، ولو كره المشركون. # {ولبثوا في كهفهم} ؛ أحياء ، مضروبا على آذانهم ، {ثلاث مائة سنين ~~وازدادوا تسعا} ، روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال : عند أهل الكتاب ~~أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية ، والله تعالى ذكر السنة القمرية ، والتفاوت ~~بينهما في كل ms1474 مائة ثلاث سنين ، فيكون ثلاث مائة سنة وتسع سنين. ه. {قل الله ~~أعلم بما لبثوا} أي : الزمان الذي لبثوا فيه. {له غيب السماوات والأرض} أي ~~: ما غاب فيهما ، وخفي من أحوال أهلها ، {أبصر به وأسمع} أي : ما أسمعه وما ~~أبصره. دل بصيغة التعجب على أن سمعه تعالى وبصره خارج عما عليه إدراك ~~المدركين ؛ لأنه تعالى لا يحجبه شيء ، ولا يحول دونه حائل ، ولا يتفاوت ~~بالنسبة إليه اللطيف والكثيف ، والصغير والكبير ، والخفي والجلي. والتعجب ~~في حقه تعالى مجاز ؛ لأنه إنما يكون مما خفي سببه ، ولأنه دهشة وروعة تلحق ~~المتعجب عند معاينة ما لم يعتده ، وهو تعالى منزه عن ذلك ، فيؤول بأنه ~~مبالغة في إحاطة سمعه وبصره بكل شيء ، كما تقدم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 152 PageV04P219 ~~ما لهم من دونه من ولي} أي : ما لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى من ولي ~~؛ يتولى أمورهم وينصرهم إلا هو سبحانه ، {ولا يشرك في حكمه} : في قضائه في ~~علم الغيب {أحدا} منهم ، ولا يجعل له فيه مدخلا ، وقرئ بالخطاب لكل أحد ، ~~أي : ولا تشرك أيها السامع في حكمه وتدبيره أحدا من خلقه ، فإنه لا فعل له ~~ولا تدبير. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد تضمنت إشارة الآية خمس خصال من خصال الصوفية : # الأولى : ترك المراء والجدال ، إلا ما كان على وجه المذاكرة والمناظرة في ~~استخراج الحق أو تحقيقه ، من غير ملاججة ولا مخاصمة ، في سهولة وليونة ~~وسلامة القلوب. # الثانية : استفتاء القلوب فيما يعرض من الأمور ؛ قال صلى الله عليه وسلم ~~" استفت قلبك ، وإن أفتاك المفتون وأفتوك ، فالبر ما اطمأن القلب وسكن إليه ~~، والإثم ما حاك في الصدر # 154 # وتردد " ، والمراد بالقلوب التي تستفتى. القلوب الصافية المنورة بذكر ~~الله ، الزاهدة فيما سوى الله ، فإنها إذا كانت بهذه الصفة لا يتجلى فيها ~~إلا الحق ، ولا تسكن إلا إلى الحق ، بخلاف القلوب المخوضة بحب الدنيا ~~والهوى ، فلا تفتي إلا بما يوافق هواها. الثالثة : التفويض إلى مشيئة الله ~~وتدبيره ، والرضا بما يبرز به القضاء ، بحيث لا يعقد على شيء ، ولا ms1475 يجزم ~~بفعل شيء ، إلا ملتبسا بمشيئة الله ، فينظر ما يفعل الله ، فالعاقل إذا ~~أصبح نظر ما يفعل الله به ، والجاهل إذا أصبح نظر ما يفعل بنفسه ، كما قال ~~صاحب الحكم. # الرابعة : الاشتغال بالذكر والفكر ، حتى يغيب عما سوى المذكور ؛ قال ~~تعالى : {واذكر ربك إذا نسيت} أي : إذا نسيت ما سواه ، حينئذ تكون ذاكرا ~~حقيقة ، فالذكر الحقيقي : هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسه ، ~~حتى يكون الحق تعالى هو المتكلم على لسانه ؛ لشدة غيبته فيه ، وهذا أمر ~~مشاهد لمن عثر على شيخ التربية والتزم صحبته. PageV04P220 # الخامسة : التماس الترقي والزيادة في الاهتداء واليقين ، فكل مقام يدركه ~~ينبغي أن يطلب مقاما أعلى منه ، ولا نهاية لعلمه تعالى ولا لعظمته ، {وقل ~~عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا} ، وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 152 # يقول الحق جل جلاله : {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك} أي : أسرده على ما ~~نزل ، ولا تسمع لقولهم {ائت بقرآن غير هاذآ} [يونس : 15] ، أو اتبع أحكامه ~~، {لا مبدل لكلماته} : لا قادر على تبديله غيره ، أو : لا مغير لما وعد ~~بكلماته للمخالفين له ، {ولن تجد} أبدا {من دونه ملتحدا} أي : ملجأ ، تعدل ~~إليه عند إلمام ملمة ، أو : لن تجد ، إن بدلت ؛ تقديرا ، وخالفت ما أنزل ~~إليك ، ملتحدا : ملجأ تميل إليه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : القرآن شفاء لكل داء فمن نزلت به شدة حسية أو معنوية ، دنيوية ~~أو دينية ، ففزع إليه بالتلاوة أو الصلاة به ، رأى فرجا ، وقريبا ، ~~فالالتجاء إلى كلام الله هو الالتجاء # 155 # إلى الله ، فإن الحق تعالى يتجلى في كلامه للقلوب على قدر صفائها ، وأما ~~من التجأ إلى غير الله فقد خاب رجاؤه وبطل سعيه ؛ قال تعالى : {ولن تجد من ~~دونه ملتحدا} تميل إليه فيأويك. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 155 # قلت : {ولا تعد} : نهي مجزوم بحذف الواو ، و{عيناك} : فاعل ، و{تريد} : ~~حال من الكاف ، أو من فاعل {تعد}. PageV04P221 # يقول الحق جل جلاله : {واصبر نفسك} أي : احبسها {مع الذين يدعون ربهم} أي : ~~يعبدونه ms1476 {بالغداة والعشي} ، قيل : الصلوات الخمس ، فالغداة : الصبح ، ~~والعشي : الظهر وما بعده ، وقيل : الصبح والعصر ، قلت : والأظهر أنها ~~الصلاة التي كانوا يصلونها قبل فرض الصلاة ، وهي ركعتان بالغداة والعشي. ~~قال ابن عطية : ويدخل في الآية من يدعو في غير صلاة ، ومن يجمع لمذاكرة علم ~~، وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لذكر ~~الله بالغداة والعشي أفضل من حطم السيوف في سبيل الله ، ومن إعطاء المال ~~سحا " وقيل : {يدعون ربهم} في جميع الأوقات ، وفي طرفي النهار ، والمراد ~~بهم فقراء المؤمنين ؛ كعمار وصهيب وخباب وبلال ، روي أن رؤساء الكفرة من ~~قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أبعدت هؤلاء عن نفسك ~~لجالسناك وصحبناك ، وقالوا : إن ريح جبابهم تؤذينا ، فنزلت الآية. روي أنه ~~صلى الله عليه وسلم لما نزلت خرج إليهم وجلس بينهم ، وقال : " الحمد لله ~~الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه " وقيل : نزلت في بيان أهل ~~الصفة ، وكانوا نحو سبعمائة ، فتكون الآية مدنية. # ثم وصفهم بالإخلاص ، فقال : {يريدون وجهه} أي : معرفة ذاته ، لا جنة ولا ~~نجاة من نار ، {ولا تعد عيناك عنهم} أي : لا تجاوزهم بنظرك إلى غيرهم ، من ~~عداه : إذا جاوزه ، وفي الوجيز : ولا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي ~~الهيئات والزينة ، {تريد زينة الحياة الدنيا} أي : تطلب مجالسة الأشراف ~~والأغنياء وأصحاب الدنيا. # 156 PageV04P222 ~~{ولا تطع} في تنحية الفقراء عن مجلسك {من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} أي : ~~جعلناه غافلا عن الذكر وعن الاستعداد له ، كأولئك الذين يدعونك إلى طرد ~~الفقراء عن مجلسك ، فإنهم غافلون عن ذكرنا ، على خلاف ما عليه المؤمنون من ~~الدعاء في مجامع الأوقات ، وفيه تنبيه على أن الباعث على ذلك الدعاء غفلة ~~قلبية عن جناب الله - سبحانه - حتى خفي عليه أن الشرف إنما هو بتحلية القلب ~~بالفضائل ، لا بتحلية الجسد بالملابس والمآكل. {واتبع هواه} : ما تهواه ~~نفسه ، {وكان أمره فرطا} : ضياعا وهلاكا ، وهو من التفريط والتضييع ، أو من ~~الإفراط والإسراف ، فإن الغفلة عن ذكر الله ms1477 - تعالى - تؤدي إلى اتباع الهوى ~~المؤدي إلى التجاوز والتباعد عن الحق والصواب. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 156 # الإشارة : في الآية حث على صحبة الفقراء والمكث معهم ، وفي صحبتهم أسرار ~~كبيرة ومواهب غزيرة ، إذ بصحبتهم يكتسب الفقير آداب الطريق ، وبصحبتهم يقع ~~التهذيب والتأديب ، حتى يتأهل لحضرة التقريب ، وبصحبتهم تدوم حياة الطريق ، ~~ويصل العبد إلى معالم التحقيق ، وفي ذلك يقول الشيخ أبو مدين رضي الله عنه : # ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا # هم السلاطين والسادات والأمرا # فاصحبهم وتأدب في مجالسهم # وخل حظك مهما خلفوك ورا # إلى آخر كلامه. # وقوله تعالى : {واصبر نفسك} قال القشيري : لم يقل : واصبر قلبك ؛ لأن ~~قلبه كان مع الحق تعالى ، فأمره بصحبة الفقراء جهرا بجهر ، واستخلص قلبه ~~لنفسه سرا بسر. ه. قال الورتجبي : اصبر نفسك مع هؤلاء الفقراء ، العاشقين ~~لجمالي ، المشتاقين إلى جلالي ، الذين هم في جميع الأوقات يسألون متى لقاء ~~وجهي الكريم ، ويريدون أن يطيروا بجناح المحبة إلى عالم وصلي ، حتى يكونوا ~~متسلين بصحبتك عن مقام الوصال ، وفي رؤيتهم لك رؤية ذلك الجمال. ه. PageV04P223 # وقوله تعالى : {يريدون وجهه} ، بين أن دعاءهم وسؤالهم إنما هو رؤيته ولقاؤه ~~، شوقا إليه ومحبة فيه ، من غير تعلق بغيره ، أو شغل بسواه ، بل همتهم الله ~~لا غيره ، وإلا لما صدق قصر إرادتم عليه. قال في الإحياء : من يعمل اتقاء ~~من النار خوفا ، أو رغبة في الجنة رجاء ، فهو من جملة النيات الصحيحة ؛ ~~لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة ، وإن كان نازلا بالإضافة إلى قصد طاعة ~~الله وتعظيمه لذاته ولجلاله ، لا لأمر سواه. ثم قال : وقول رويم : الإخلاص ~~: ألا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين ، هو إشارة لإخلاص الصديقين ، وهو ~~الإخلاص المطلق ، وغيره إخلاص بالإضافة إلى حظوظ العاجلة. ه. من الحاشية. # 157 # جزء : 4 رقم الصفحة : 156 # قلت : {الحق} : خبر ، أي : هذا الذي أوحي إلي الحق. # يقول الحق جل جلاله : {وقل} : يا محمد لأولئك الغافلين المتبعين أهواءهم ~~، أو : لمن جاءك من الناس : هذا الذي جئتكم به من عند ربي هو ms1478 {الحق من ~~ربكم} أي : من جهة ربكم ، لا من جهتي ، حتى يتصور فيه التبديل ، أو يمكن ~~التردد في اتباعه. {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ، وهو تهديد ، أي : فمن ~~شاء أن يؤمن فليؤمن كسائر المؤمنين ، ولا يتعلل بما لا يكاد يصلح للتعليل ، ~~ومن شاء أن يكفر فليفعل ، وفيه مع التهديد الاستغناء عن متابعتهم ، وعدم ~~المبالاة بهم وبإيمانهم. PageV04P224 # ثم أوعدهم على الكفر ، فقال : {إنا أعتدنا للظالمين} أي : هيأنا للكافرين ~~بالحق ، بعد ما جاء من الله سبحانه ، والتعبير عنهم بالظالمين ؛ للتنبيه ~~على أن اختيارهم الكفر ظلم وتجاوز عن الحد ، ووضع للشيء في غير محله ، أي : ~~هيأنا لهم {نارا} عظيمة {أحاط بهم} أي : محيط بهم {سرادقها} أي : سورها ~~المحيط بها ، والتعبير بالماضي ؛ لتحقق وقوعه ، والسرادق : ما يحيط بالشيء ~~، كالجدار ونحوه. قيل : هو حائط من نار ، وقيل : دخانها. {وإن يستغيثوا} ؛ ~~من العطش {يغاثوا بماء كالمهل} : كمذاب الحديد والرصاص في الحرارة. وقيل : ~~كرديء الزيت في اللون ، {يشوي الوجوه} إذا قدم ليشرب ؛ بحرارته. عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : " هو كعكر الزيت ، فإذا قرب من الكافر سقطت ~~فروة وجهه فيه ، فإذا شربه تقطعت أمعاؤه " {بئس الشراب} ذلك ، {وساءت} ؛ ~~النار {مرتفقا} : متكا ، وأصل الارتفاق : نصب المرفق تحت الخد ليتكئ عليه ، ~~وأنى ذلك في النار ، وإنما هو بمقابلة قوله في المؤمنين : {وحسنت مرتفقا}. # الإشارة : ينبغي للواعظ ، أو المذكر ، أو العالم ، ألا يحرص على الناس ، ~~بل يستغني بالله في أموره كلها ، وإنما يبين الحق من الباطل ، ويقول : هذا ~~الحق من ربكم ، فمن شاء فليؤمن ومن يشاء فليكفر. هذا إذا كان لعامة الناس ، ~~وأما إن كان لخاصتهم ؛ كأهل الرئاسة والجاه ، فاختلف فيه ؛ فقال بعضهم : ~~يسلك هذا المنهاج يبين الحق ولا يبالي ، محتجا بالآية ، قال : نحن أمة ~~محمدية ، قال تعالى له : {وقل الحق من # 158 # ربكم...} الآية ، وقال بعضهم : ينبغي أن يلين لهم القول ؛ لقوله تعالى : ~~{فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشىا} [طه : 44] ، وهو الأليق بطريق ~~السياسة ، فمن أعرض عن الوعظ ، وبقي على ظلمه ، فالآية تجر ذيلها ms1479 عليه. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 158 PageV04P225 ~~قلت : جملة : {إنا لا نضيع} : خبر " إن " ، والعائد محذوف ، أي : أحسن عملا ~~، أو : وقع الظاهر موقعه ؛ فإن من أحسن عملا في الحقيقة هو الذي آمن وعمل ~~صالحا. و{أولئك} : استئناف ؛ لبيان الأجر ، أو : خبر " إن " ، وما بينهما ~~اعتراض ، أو خبر بعد خبر. و{من أساور} : ابتدائية ، و{من ذهب} : بيانية ، ~~و{أساور} : جمع أسورة ، أو أسوار جمع سوار ، فهو جمع الجمع. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا} أي : اختاروا الإيمان ، من قوله : ~~{فمن شاء فليؤمن} ، وكأنه في المعنى عطف على قوله : {أعتدنا للظالمين} ، أي ~~: والذين آمنوا هيأنا لهم كذا وكذا ، ولعل تغيير سبكه : للإيذان بكمال ~~تنافي مآلي الفريقين ، أي : إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحي إليك {وعملوا} ~~الأعمال {الصالحات} ، حسبما بين فيما أوحي إليك ، {إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا} ، وأتقنه على ما تقتضيه الشريعة. # {أولئك} ؛ المنعوتون بهذه النعوت الجليلة {لهم جنات عدن تجري} من تحت ~~قصورهم {الأنهار} ؛ من ماء ولبن وخمر وعسل ، {يحلون فيها من أساور من ذهب} # أي : كل واحد يحلى بسوارين من ذهب. وكانت الأساور عند العرب من زينة ~~الملوك ، {ويلبسون ثيابا خضرا} ، وخصت الخضرة بثيابهم ؛ لأنها أحسن الألوان ~~وأكثرها طراوة. وتلك الثياب {من سندس وإستبرق} ، السندس : ما رق من الديباج ~~، والإستبرق : ما غلظ منه ، جمع النوعين ؛ للدلالة على أن فيها ما تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين ، {متكئين فيها على الأرائك} جمع أريكة ، وهو السرير في ~~الحجال ، أي : متكئين على الأسرة المزينة بالستور الرفيعة ، كحال العرائس ~~المتنعمين. {نعم الثواب} ذلك ، {وحسنت مرتفقا} : متكأ. والآية عامة وإن ~~نزلت في خصوص الصحابة رضي الله عنهم ، وأماتنا على منهاجهم. آمين. # الإشارة : إن الذين آمنوا إيمان الخصوص ، وعملوا الأعمال التي تقرب إلى ~~حضرة القدوس ؛ وهي تحمل ما يثقل على النفوس ، أولئك لهم جنات المعارف ، ~~تجري من # 159 PageV04P226 ~~تحت قلوبهم أنهار العلوم والمواهب ، يحلون فيها بمقامات اليقين ، ويلبسون ~~ثياب العز والنصر والتمكين ، متكئين على سرر الهنا والسرور ، قد انقضت عنهم ~~أيام المحن والشرور ، جعلنا الله فيهم ms1480 بمنه وكرمه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 159 # قلت : {رجلين} : بدل من " مثلا " ، وجملة {جعلنا...} بتمامها : بيان ~~للتمثيل ، أو صفة لرجلين ، و{ما شاء الله} : خبر ، أي : هذا ما شاء الله ، ~~أو الأمر ما شاء الله ، أو مبتدأ حذف الخبر ، أي : الذي شاء الله كائن ، أو ~~شرطية ، والجواب محذوف ، أي : أي شيء شاء الله كان ، و{هنالك} : ظرف مقدم ، ~~و{الولاية} : مبتدأ ، والظرف : إشارة إلى الآخرة ، وهذا أحسن. # جزء : 4 رقم الصفحة : 160 # يقول الحق جل جلاله : {واضرب لهم} أي : للفريقين ؛ فريق المؤمنين ~~والكافرين المتقدمين ، {مثلا} ؛ من حيث عصيان الكافر ، مع تقلبه في النعيم ~~، وطاعة المؤمن ، مع مكابدته مشاق الفقر ، وما كان مآلهما ، لا من حيث ما ~~ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا ، أي : واضرب لهم حالي {رجلين} ~~مقدرين أو محققين ، هما أخوان من بني إسرائيل ، أو شريكان : كافر ، واسمه ~~قطروس ، ومؤمن ، اسمه يهوذا ، اقتسما ثمانية آلاف دينار ، أو ورثاها من ~~أبيهما ، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا ، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. # 160 PageV04P227 ~~روي : أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار ، فقال صاحبه المؤمن : اللهم إن ~~فلانا اشترى أرضا بألف ، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف ، فتصدق بألف ~~دينار ، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار ، فقال المؤمن : اللهم إن صاحبي ~~بنى دارا بألف ، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف ، فتصدق بألف دينار ، ~~ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار ، فقال : اللهم ، إن فلانا تزوج بألف ~~دينار ، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف ، فتصدق بألف دينار ، ثم إن ~~صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار ، فقال : اللهم إن فلانا اشترى خادما ~~ومتاعا بألف ، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف ، فتصدق بألف ~~دينار ، ثم أصابته حاجة ، فقال : لعل صاحبي يناولني معروفه ، فأتاه ، فقال ~~: ما فعل مالك ؟ فأخبره قصته ، فقال : أو إنك لمن المصدقين بهذا ؟ والله لا ~~أعطيك شيئا ، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله ~~: {قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول ms1481 أإنك لمن المصدقين} [الصافات : 51 ، ~~52] الآية. # وبين حالهما في الدنيا بقوله : {جعلنا لأحدهما} وهو الكافر ، {جنتين} : ~~بساتين {من أعناب} : من كروم متنوعة ، {وحففناهما بنخل} أي : جعلنا النخل ~~محيطة بهما محفوظا بها كرومهما ، {وجعلنا بينهما} : وسطهما {زرعا} ؛ ليكون ~~كل منهما جامعا للأقوات والفواكه ، متواصل العمارة ، على الهيئة الرائقة ، ~~والوضع الأنيق. {كلتا الجنتين آتت أكلها} : ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل ، ~~{ولم تظلم منه شيئا} أي : لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة ، بخلاف سائر ~~البساتين ، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام ، {وفجرنا خلالهما} : ~~فيما بين كل من الجنتين {نهرا} على حدة ، وقرئ بالسكون. والنهر : الماء ~~الكثير ، وكان لكل بستان نهر ؛ ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 160 PageV04P228 ~~ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل ، مع أن الترتيب الخارجي العكس ~~؛ للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين ~~، كما في قصة البقرة ونحوها ، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها ~~مرتب على بعض. # {وكان له ثمر} أي : وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين ، من ~~ثمر ماله : إذا كثر. قال ابن عباس : الثمر : جميع المال ؛ من الذهب ، ~~والفضة والحيوان ، وغير ذلك. وقال مجاهد : هو الذهب والفضة خاصة. {فقال ~~لصاحبه} المؤمن ، أخيه أو شريكه ، {وهو يحاوره} : يراجعه في الكلام ، من ~~حار إذا رجع ، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه ، فقال : قدمته بين يدي ، ~~لأقدم عليه ، فقال له : {أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا} : حشما وأعوانا ~~وأولادا ذكورا ؛ لأنهم الذين ينفرون معه. # {ودخل جنته} : بستانه الذي تقدم وصفه ، وإنما وحده ؛ إما لعدم تعلق الغرض ~~بتعدده ، أو لاتصال أحدهما بالآخر ، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله # 161 # {وهو ظالم لنفسه} ؛ ضار لها بعجبه وكفره ، {قال} حين دخوله : {ما أظن أن ~~تبيد هذه} الجنة ، أي : تفنى {أبدا} ؛ لطول أمده وتمادي غفلته ، وإنكارا ~~لفناء الدنيا وقيام الساعة ، ولذلك قال : {وما أظن الساعة قائمة} أي : ~~كائنة فيما سيأتي ، {ولئن رددت إلى ربي} ؛ بالبعث ms1482 عند قيامها ، كما تقول ، ~~{لأجدن} حينئذ {خيرا منها} : من الجنتين {منقلبا} أي : مرجعا وعاقبة ، أي : ~~كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة ، ومدار هذا الطمع ~~واليمين الفاجرة : اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا ؛ ~~لاستحقاقه لذاته ، وكرامته عليه ، ولم يدر أن ذلك استدراج. PageV04P229 # {قال له صاحبه} ؛ أخوه المسلم {وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك} أي : أصلك {من ~~تراب} ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه ؛ إذ لم ~~تكن فطرته مقصورة على نفسه ، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد ~~الجنس ، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل ، فكان خلقه عليه ~~السلام من تراب خلقا للكل منه ، {ثم من نطفة} هي مادتك القريبة ، {ثم سواك ~~رجلا} أي : عدلك وكملك إنسانا ذكرا ، أو صيرك رجلا ، وفي التعبير بالموصول ~~مع صلته : تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى : {ياأيها الناس إن ~~كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب} [الحج : 5]. # جزء : 4 رقم الصفحة : 160 # قال البيضاوي : جعل كفره بالبعث كفرا بالله ؛ لأنه منشأ الشك في كمال ~~قدرة الله ، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب ، فإن من قدر على ~~إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. # ثم قال أخوه المسلم : {لكنا} أصله : لكن أنا ، وقرئ به ، فحذفت الهمزة ، ~~فالتقت النونان فوقع الإدغام ، {هو الله ربي} ، " هو " : ضمير الشأن ، ~~مبتدأ ، خبره : " هو الله ربي " ، وتلك الجملة : خبر " أنا " ، والعائد ~~منها : الضمير ، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف ، وفي الوقف خاصة ، ~~ومدار الاستدراك قوله تعالى : {أكفرت} ، كأنه قال : أنت كافر ، لكني مؤمن ~~موحد ، {ولا أشرك بربي أحدا} ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله ~~أبو السعود. PageV04P230 # قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : والذي يظهر من قوله : {ولولا إذ ~~دخلت...} الآية ، ومن قوله : {يا ليتني لم أشرك...} الآية ، أنه إشراك ~~بالله في عدم صرف المشيئة إليه ، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه ، وقد قال وهب ~~بن منبه : (قرأت في تسعين كتابا من ms1483 كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من ~~المشيئة فقد كفر) ، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله ، وهو كفر صراح. ه. # {ولولا إذ دخلت جنتك} : بستانك ، {قلت ما شاء الله} أي : هلا قلت عند ~~دخولها : {ما شاء الله} أي : الأمر ما شاء الله ، أو ما شاء الله يكون ، ~~والمراد : تحضيضه # 162 # على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى ، إن شاء أبقاها ، وإن ~~شاء أخفاها ، {لا قوة إلا بالله} أي : لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها ~~إلا بمعونة الله وإقداره. PageV04P231 # قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من رأى شيئا فأعجبه فقال : ما شاء الله ~~لا قوة إلا بالله ، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة : " ألا أدلك على كلمة ~~من كنوز الجنة " ؟ قال بلى يا رسول الله ، قال : " لا قوة إلا بالله ، إن ~~قالها العبد قال الله عز وجل : أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس ~~: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة " ؟ قال : بلى ، يا رسول الله ، قال : ~~" لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم : {إن ترن أنا أقل ~~منك مالا وولدا} في الدنيا ، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد ، {فعسى ربي ~~أن يؤتين} في الآخرة أو في الدنيا {خيرا من جنتك} والمعنى : إن ترني أفقر ~~منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى ، ~~فيرزقني جنة خيرا من جنتك ، ويسلبك ؛ لكفرك نعمته ، ويخرب جنتك ، {ويرسل ~~عليها حسبانا} : عذابا {من السماء} يذهبها ، من برد أو صاعقة ، وهو جمع : ~~حسبانة ، وهي : المرامي من هذه الأنواع المذكورة ، وتطلق أيضا ، في اللغة ، ~~على سهام ترمى دفعة واحدة ، {فتصبح صعيدا زلقا} أي : أرضا ملساء ، يزلق ~~عليها ؛ الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء ، {أو يصبح ماؤها} أي ~~: النهر الذي خلالها {غورا} : غائرا ذاهبا في الأرض ، و" زلقا " و" غورا " ~~: مصدران ، عبر بهما عن الوصف ؛ مبالغة. {فلن تستطيع له طلبا} أي : لن ~~تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا ، بحيث لا يبقى له ms1484 أثر يطلبه به ، فضلا عن ~~وجدانه ورده. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 160 PageV04P232 ~~وأحيط بثمره} أي : هلكت أشجاره المثمرة ، وأمواله المعهودة ، وأصله : من ~~إحاطة العدو ، وهو عطف على مقدر ، كأنه قيل : فوقع بعض ما وقع من المحذور ، ~~وأهلكت أمواله ، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. ~~{فأصبح يقلب كفيه} ظهرا لبطن ، أو يضرب يديه واحدة على أخرى ، يصفق بهما ، ~~وهو كناية عن الندم ، كأنه قال : فأصبح يندم {على ما أنفق فيها} أي : في ~~عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة ؛ لأنه ~~إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. # {وهي} أي : الجنة {خاوية} : ساقطة {على عروشها} أي : دعائمها المصنوعة ~~للكروم ، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر ، دون # 163 # الزرع والنخل ، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها ، وإما لأن ذكر هلاكها ~~مغن عن ذكر هلاك الباقي ؛ لأنها حيث هلكت ، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما ~~عداها أولى ، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. {ويقول} أي : يقلب وهو ~~يقول : {يا ليتني لم أشرك بربي أحدا} ، كأنه تذكر موعظة أخيه ، وعلم أنه ~~إنما أتي من قبل شركه ، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. # {ولم تكن له فئة} : جماعة {ينصرونه} : يقدرون على نصره ؛ بدفع الهلاك عن ~~أمواله ، {من دون الله} ، فإنه القادر على ذلك وحده ، {وما كان منتصرا} أي ~~: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. PageV04P233 # {هنالك} ؛ في ذلك المقام ، وفي تلك الحال {الولاية لله الحق} أي : النصرة ~~له وحده ، لا يقدر عليها أحد غيره ، وقرئ : " الحق " ؛ بالكسر ، صفة لله ، ~~وبالرفع ، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون : {هنالك} ظرفا لمنتصرا ، أي : وما ~~كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت ، ففيه تنبيه على أن قوله : ~~{يا ليتني لم أشرك} : كان عن اضطرار وجزع مما دهاه ، فلذلك لم ينفعه ، ~~كقوله تعالى : {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر : 85]. وحينئذ ~~استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال ms1485 : {الولاية لله الحق} أي ~~: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة ، لا ~~يخذلهم في حال من الأحوال ، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم ، كما هو شأن ~~من اعتز بالله ، دون من اعتز بغيره ، فقوله : {ولم تكن له فئة} : رد لقوله ~~: {وأعز نفرا} ؛ أي : بل النصرة لله لأوليائه ، دون من تولى غيره. والحاصل ~~: أن من تولى الله فعاقبته النصرة ، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. ~~والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة ، ثم أعاد الكلام ~~إلى ما قبل القصة ، فقال : {هنالك} عند ذلك ، يعني : يوم القيامة {الولاية ~~لله الحق} ؛ يتولون الله ويؤمنون به ، ويتبرأون مما كانوا يعبدون ، {هو خير ~~ثوابا} أي : خير من يرجى ثوابه ، {وخير عقبا} أي : عاقبة لأوليائه. والعقب ~~: العاقبة ، يقال : عاقبة كذا وعقباه وعقبه ، أي : آخره. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 160 # الإشارة : قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه ، وقصر همته على زخارف ~~دنياه ، ولمن توجه بهمته إلى مولاه ، وقدم دنياه لأخراه ، فكان عاقبة الأول ~~: الندم والخسران ، وعاقبة الثاني : الهنا والرضوان ، أو لمن وقف مع علمه ~~واعتمد عليه ، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. PageV04P234 # قال في لطائف المنن : لا تدخل جنة علمك وعملك ، وما أعطيت من نور وفتح ~~فتقول كما قال من خذل ، فأخبر الله عنه بقوله : {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه ~~قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا...} الآية. ولكن ادخلها كما بين لك ، وقل كما ~~رضي لك : # 164 # {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} ، وافهم ههنا ~~قوله صلى الله عليه وسلم : " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " ~~وفي رواية أخرى : " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة : ظاهر الكنز ، ~~والمكنوز فيها : صدق التبري من الحول والقوة ، والرجوع إلى حول الله وقوته. # جزء : 4 رقم الصفحة : 160 # قلت : {كماء} : خبر عن مضمر ، أي : هي كماء ، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ~~لاضرب ، على أنه بمعنى " صير ". # يقول ms1486 الحق جل جلاله : {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا} أي : واذكر لهم ما ~~يشبهها في زهرتها ونضارتها ، وسرعة انقراضها وفنائها ؛ لئلا يطمئنوا إليها ~~ويغفلوا عن الآخرة ، هي {كماء أنزلناه من السماء} وهو المطر ، {فاختلط به} ~~أي : بسببه {نبات الأرض} بحيث التف وخالط بعضه بعضا ؛ من كثرته وتكاثفه ، ~~ثم مرت مدة قليلة {فأصبح هشيما} أي : مهشوما مكسورا ، {تذروه الرياح} أي : ~~تفرقه وتطيره ، كأن لم يغن بالأمس ، {وكان الله على كل شيء مقتدرا} : قادرا ~~، ومن جملة الأشياء : الإفناء والإنشاء. PageV04P235 # {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} أي : مما تذروه رياح الأقدار ، ويلحقه ~~الفناء والبوار ، ويدخل في الزينة : الجاه ، وجميع ما فيه للنفس حظ ؛ فإنه ~~يفنى ويبيد ، ثم ذكر ما لا يفنى فقال : {والباقيات الصالحات} ؛ وهي أعمال ~~الخير بأسرها ، أو : الصلوات الخمس ، أو : " سبحان الله ، والحمد لله ، ولا ~~إله إلا الله ، والله أكبر " ، زاد بعضهم : " ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم ". قال عليه الصلاة والسلام : " هي من كنز الجنة ، وصفايا ~~الكلام ، وهن الباقيات الصالحات ، يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ". أو ~~: الهمات العالية والنيات الصالحة ؛ إذ بها ترفع الأعمال وتقبل. أو : كل ما ~~أريد به وجه الله ، وسميت باقية : لبقاء ثوابها عند فناء كل ما تطمح إليه ~~النفس من حظوظ الدنيا وزينتها الفانية. # 165 # قال في الإحياء : كل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا ، ~~كالمال والجاه مما ينقضي على القرب ، وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات ~~الصالحات ، كالعلم والحرية ؛ لبقائهما ؛ كمالا فيه ، ووسيلة إلى القرب من ~~الله تعالى ، أما الحرية من الشهوات فتقطع عن غير الله ، وتجرده عن سواه ، ~~وأما العلم الحقيقي فيفرده بالله ويجمعه عليه. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 165 PageV04P236 ~~وهي ، أي : الباقيات الصالحات {خير عند ربك} أي : في الآخرة {ثوابا} أي : ~~عائدة تعود على صاحبها ، بخلاف ما شأنه الفناء من المال والبنين ؛ فإنه ~~يفنى ويبيد. وهذا كقوله تعالى : {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل : ~~96]. وقوله : {عند ربك} : بيان لما يظهر فيه خيريتها ، لا لأفضليتها من ~~المال والبنين ms1487 مع مشاركتها لها في الخيرية ؛ إذ لا مشاركة لهما في الخيرية ~~في الآخرة. ثم قال تعالى : {وخير أملا} أي : ما يؤمله الإنسان ويرجوه عند ~~الله تعالى ؛ حيث ينال صاحبها في الآخرة كل ما كان يؤمله في الدنيا ، وأما ~~ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه فيه أمل يناله. وتكرير " خير " ؛ ~~للإشعار باختلاف حيثيتي الخيرية والمبالغة فيه. الإشارة : قد تقدم ، مرارا ~~، التحذير من الوقوف مع بهجة الدنيا وزخارفها الغرارة ؛ لسرعة ذهابها ~~وانقراضها. روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : " يا أبا هريرة تريد أن أريك الدنيا " ؟ قلت : نعم ، فأخذ بيدي ، ~~وانطلق ، حتى وقف بي على مزبلة ، رؤوس الآدميين ملقاة ، وبقايا عظام نخرة ، ~~وخرق بالية قد تمزقت وتلوثت بنجاسات الآدميين ، فقال : " يا أبا هريرة ؛ ~~هذه رؤوس الآدميين التي تراها ، كانت مثل رؤوسكم ، مملوءة من الحرص ~~والاجتهاد على جمع الدنيا ، وكانوا يرجون من طول الأعمار ما ترجون ، وكانوا ~~يجدون في جمع المال وعمارة الدنيا كما تجدون ، فاليوم قد تعرت عظامهم ، ~~وتلاشت أجسامهم كما ترى ، وهذه الخرق كانت أثوابهم التي كانوا يتزينون بها ~~، وقت التجمل ووقت الرعونة والتزين ، فاليوم قد ألقتها الرياح في النجاسات ~~، وهذه عظام دوابهم التي كانوا يطوفون أقطار الأرض على ظهورها ، وهذه ~~النجاسات كانت أطعمتهم اللذيذة التي كانوا يحتالون في تحصيلها ، وينهبها ~~بعضهم من بعض ، قد ألقوها عنهم بهذه الفضيحة التي لا يقربها أحد ؛ من نتنها ~~، فهذه جملة أحوال الدنيا كما تشاهد وترى ، فمن أراد أن يبكي PageV04P237 ~~على الدنيا فليبك ، فإنها موضع البكاء " قال أبو هريرة رضي الله عنه : فبكى ~~جماعة الحاضرين ". # 166 # جزء : 4 رقم الصفحة : 165 # قلت : {ويوم} : معمول لمحذوف ، أي : واذكر ، أو عطف على قوله : " عند ربك ~~" ، أي : والباقيات الصالحات خير عند ربك ويوم القيامة ، و{حشرناهم} : عطف ~~على {نسير} ؛ للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره ~~المشركون ، وعليه يدور أمر الجزاء ، وكذا الكلام فيما عطف عليه ، منفيا ~~وموجبا ، وقيل : هو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ؛ ليعاينوا ~~تلك ms1488 الأهوال ، كأنه قيل : وحشرناهم قبل ذلك. و{نغادر} : نترك ، يقال : ~~غادره وأغدره : إذا تركه ، ومنه : الغدير ؛ لما يتركه السيل في الأرض من ~~الماء ، و{صفا} : حال ، أي : مصطفين. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم نسير الجبال} أي : حين نقلعها من ~~أماكنها ونسيرها في الجو ، على هيئتها ، كما ينبئ عنه قوله تعالى : {وترى ~~الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النمل : 88] أو : نسير أجزاءها ~~بعد أن نجعلها هباء منثورا ، والمراد من ذكره : تحذير الغافلين مما فيه من ~~الأهوال ، وقرئ : " تسير " ؛ بالبناء للمفعول ؛ جريا على سنن الكبرياء ، ~~وإيذانا بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل ؛ لظهور تعينه ، ثم قال : {وترى ~~الأرض} أي : جميع جوانبها ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من ~~يسمع ، {بارزة} : ظاهرة ، ليس عليها جبل ولا غيره. بل تكون {فيذرها قاعا ~~صفصفا لا ترىا فيها عوجا ولاا أمتا} [طه : 106 ، 107]. {وحشرناهم} : ~~جمعناهم إلى الموقف من كل حدب ، مؤمنين وكافرين ، {فلم نغادر} أي : لم نترك ~~{منهم أحدا}. PageV04P238 # {وعرضوا على ربك} ، شبهت حالتهم بحال جند عرض على السلطان ، ليأمر فيهم بما ~~يأمر. وفي الالتفات إلى الغيبة ، وبناء الفعل للمفعول ، مع التعرض لعنوان ~~الربوبية ، والإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - من تربية المهابة ، ~~والجري على سنن الكبراء ، وإظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم - ما لا ~~يخفى. قاله أبو السعود. {صفا} أي : مصطفين غير متفرقين ولا مختلطين ، كل ~~أمة صف ، وفي الحديث الصحيح : " يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ، ~~صفوفا ، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر... " الحديث # 167 # بطوله. وفي حديث آخر : " أهل الجنة ، يوم القيامة ، مائة وعشرون صفا ، ~~أنتم منها ثمانون صفا ". يقال لهم - أي : للكفرة منهم : {لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة} ، وتركتم ما خولناكم وما أعطيناكم من الأموال وراء ~~ظهوركم. أو : حفاة عراة غرلا ، كما في الحديث. # جزء : 4 رقم الصفحة : 167 # وهذه المخاطبة ، بهذا التقريع ، إنما هي للكفار المنكرين للبعث ، وأما ~~المؤمنون المقرون بالبعث فلا تتوجه إليهم هذه المخاطبة ، ويدل عليه ما بعده ~~من قوله : {بل زعمتم أن لن نجعل لكم ms1489 موعدا} أي : زعمتم في الدنيا أنه ، أي ~~: الأمر والشأن ، لن نجعل لكم وقتا يتنجز فيه ما وعدته من البعث وما يتبعه. ~~وهو إضراب وانتقال من كلام ، إلى كلام ، كلاهما ؛ للتوبيخ والتقريع. PageV04P239 # {ووضع الكتاب} أي : كتاب كل أحد ، إما في يمينه أو شماله ، وهو عطف على : ~~{عرضوا} ، داخل تحت الأمور الهائلة التي أريد بذكرها تذكير وقتها ، وأورد ~~فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي ؛ لتحقق وقوعه ، وإيثار الإفراد ؛ ~~للاكتفاء بالجنس ، والمراد : صحائف أعمال العباد. ووضعها إما في أيدي ~~أصحابها يمينا وشمالا ، أو في الميزان. {فترى المجرمين} قاطبة ، المنكرون ~~للبعث وغيرهم ، {مشفقين} : خائفين {مما فيه} من الجرائم والذنوب ، ~~{ويقولون} ، عند وقوفهم على ما في تضاعيفه ؛ نقيرا أو قطميرا : {يا ويلتنا} ~~أي : ينادون بتهلكتهم التي هلكوها من بين التهلكات ، ومستدعين لها ؛ ~~ليهلكوا ، ولا يرون تلك الأهوال ، أي : يا ويلتنا احضري ؛ فهذا أوان حضورك ~~، يقولون : {ما لهذا الكتاب لا يغادر} : لا يترك {صغيرة ولا كبيرة} من ~~ذنوبنا {إلا أحصاها} أي : حواها وضبطها ، وجملة {لا يغادر} : حال محققة ؛ ~~لما في الاستفهام من التعجب ، أو استئنافية مبنية على سؤال مقدر ، كأنه قيل ~~: ما شأنه حتى يتعجب منه ؟ فقال : لا يغادر سيئة صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها ، {ووجدوا ما عملوا} في الدنيا من السيئات ، أو جزاء ما عملوا ~~{حاضرا} : مسطورا عتيدا ، {ولا يظلم ربك أحدا} ، فيكتب ما لم يعمل من ~~السيئات ، أو يزيد في عقابه المستحق له. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ويوم نسير جبال الحس ، أو الوهم ، عن بساط المعاني ، وترى أرض ~~العظمة بارزة ظاهرة لا تخفى على أحد ، إلا على أكمه لا يبصر القمر في حال ~~كماله ، وحشرناهم إلى الحضرة القدسية ، فلم نغادر منهم ، أي : ممن ذهب عنه ~~الحس والوهم ، أحدا ، وعرضوا على ربك ؛ لشهود أنوار جماله وجلاله ، صفا ، ~~للقيام بين يديه ، فيقول # 168 PageV04P240 ~~لهم : لقد جئتمونا من باب التجريد ، كما خلقناكم أول مرة ، مطهرين من الدنس ~~الحسي ، غائبين عن العلائق والعوائق ، وكنتم تزعمون أن هذا اللقاء لا يكون ~~في الدنيا ، وإنما موعده الجنة ، ومن ms1490 مات عن شهود حسه ، وعن حظوظه ، حصل له ~~الشهود واللقاء قبل الموت الحسي ، ووضع الكتاب في حق أهل الحجاب ، فترى ~~المجرمين من أهل الذنوب مشفقين مما فيه ، ووجود العبد : ذنب لا يقاس به ذنب ~~، فنصب الموازين ، ومناقشة الحساب ؛ إنما هو لأهل الحجاب ، وأما العارفون ~~الفانون عن أنفسهم ، الباقون بربهم ، لم يبق لهم ما يحاسبون عليه ؛ إذ لا ~~يشهدون لهم فعلا ، ولا يرون لأحد قوة ولا حولا. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 167 # ولما كان سبب العذاب ووجود الحجاب هو التكبر على رب الأرباب ، ذكر وباله ~~بإثر الحشر والحساب ، أو تقول : لما ذكر قصة الرجلين ذكر قبح صنيع من افتخر ~~بنفسه ، وأنه شبيه بإبليس ، وكل من افتخر واستنكف عن الانتظام في سلك فقراء ~~المؤمنين كان داخلا في حزبه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 167 # قلت : {إلا إبليس} : استثناء منقطع ، إذا قلنا : إن إبليس لم يكن من ~~الملائكة ، وإذا قلنا : إنه منهم يكون متصلا ، ويكون معنى " كان " صار ، أي ~~: إلا إبليس صار من الجن لما امتنع من السجود ، أو بأن الملائكة كان منهم ~~قوم يقال لهم الجن ، وهم الذين خلقوا من النار. وجملة {كان من الجن} : ~~استئنافية سيقت مساق التعليل ، كأنه قيل : ما له لم يسجد ؟ فقيل : كان أصله جنيا. PageV04P241 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ قلنا للملائكة} أي : وقت قولنا لهم : ~~{اسجدوا لآدم} سجود تحية وتكريم ، {فسجدوا} جميعا ؛ امتثالا للأمر ، {إلا ~~إبليس} أبى واستكبر ؛ لأنه {كان من الجن} ، وكان رئيسهم في الأرض ، فلما ~~أفسدوا أرسل الله عليهم جندا من الملائكة ، فغزوهم ، فهربوا في أقطار الأرض ~~، وأخذ إبليس أسيرا ، فعرجوا به إلى السماء ، فأسلم وتعبد في أقطار ~~السماوات ، فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع ونزع لأصله ، {ففسق} أي : خرج ~~{عن أمر ربه} أي : عن طاعته ، أو صار فاسقا كافرا بسبب أمر الله تعالى ؛ إذ ~~لولا ذلك لما أبى ، والتعرض لوصف الربوبية المنافية للفسق ؛ لبيان كمال قبح ~~ما فعله. # 169 # قال تعالى : {أفتتخذونه وذريته} أي : أولاده ، أو أتباعه ، وهم الشياطين ~~، جعلوا ذرية ms1491 ؛ مجازا. وقال قتادة : إنهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. ~~وقيل : يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين. ~~والهمزة للإنكار والتعجب ، والفاء للتعقيب ، أي : أعقب علمكم بصدور تلك ~~القبائح منه ، تتخذونه وذريته {أولياء} ؛ أحبار {من دوني} ؛ فتستبدلونهم ، ~~وتطيعونهم بدل طاعتي ، والحال أنهم ، أي : إبليس وذريته {لكم عدو} أي : ~~أعداء. وأفرد ؛ تشبيها له بالمصدر ، كالقبول والولوع ، {بئس للظالمين} : ~~الواضعين للشيء في غير محله ، {بدلا} استبدلوه من الله تعالى ، وهو إبليس ~~وذريته. وفي الالتفات إلى الغيبة ، مع وضع الظاهر موضع الضمير ، من الإيذان ~~بكمال السخط ، والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح ، ما لا يخفى. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 169 # ما أشهدتهم} أي : ما أحضرت إبليس وذريته ، أو : جميع الكفار {خلق ~~السماوات والأرض} ، حيث خلقتهما قبل خلقهم ، {ولا خلق أنفسهم} : ولا أشهدت ~~بعضهم خلق بعض : كقوله : {ولا تقتلواا أنفسكم} [النساء : 29]. قاله ~~البيضاوي. PageV04P242 # قلت : الظاهر إبقاء الأنفس على ظاهرها ، أي : ما أحضرتهم خلق أنفسهم ، أي : ~~ما كانوا حاضرين حين خلقت أنفسهم ، بل هم محدثون في غاية العجز والجهل ، ~~فكيف تتخذونهم أولياء من دوني ؟ وفي الآية رد على المنجمين الذين يخوضون في ~~أسرار غيب السماوات بالتخمين ، وعلى الطبائعيين من الأطباء ومن سواهم ، من ~~كل متخوض في هذه الأشياء ، وعلى الكهان وكل من يتطلع على الغيب بطريق الحدس ~~، والمصدقين لهم. انظر ابن عطية. # قال تعالى : {وما كنت متخذ المضلين} من الشياطين {عضدا} أي : أعوانا في ~~شأن الخلق ، أو في شأن من شؤوني ، حتى تتخذوهم أولياء وتشركوهم في عبادتي ، ~~وكان الأصل أن يقول : وما كنت متخذهم ، فوقع المظهر موقع الضمير ؛ ذما لهم ~~، وتسجيلا عليهم بالإضلال ، وتأكيدا لما سبق من إنكار اتخاذهم أولياء ، ~~وفيه تهكم بهم وإيذان بكمال ركاكة عقولهم وسخافة آرائهم ؛ حيث لا يفهمون ~~هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد يشتبه على أبلد الصبيان ، فيحتاجون إلى ~~التصريح به. انظر أبا السعود. # الإشارة : في الآية تنفير من الاستكبار والترفع على عباد الله تشبها ~~بإبليس ، وحث على التواضع والخضوع لله في خلقه وتجلياته كيفما كانت ms1492 ، وفيها ~~أيضا الحض على إفراد الوجهة والمحبة لله ، والتبري من كل ما سواه مما يشغل ~~عن الله ، وفيها أيضا : النهي عن التطلع إلى ما لم يرد به من أسرار القدر ~~نص صريح في كتاب الله ولا في سنة رسول الله من أسرار القدر ، وفيها أيضا : ~~النهي عن الاستعانة بأعداء الله في شأن كان. وبالله التوفيق. # 170 # جزء : 4 رقم الصفحة : 169 # قلت : {موبقا} : اسم مكان ، أو مصدر ، من : وبق وبوقا ، كوثب وثوبا ، ~~ووبق وبقا ، كفرح فرحا. PageV04P243 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم يقول} الحق تعالى للكفار ؛ توبيخا ~~وتعجيزا لهم : {نادوا شركائي الذين زعمتم} أنهم شفعاؤكم ؛ ليشفعوا لكم ، ~~والمراد بهم كل ما عبد من دون الله ، أو إبليس وذريته ، {فدعوهم} أي : ~~نادوهم للإغاثة ، {فلم يستجيبوا لهم} : فلم يغيثوهم ، {وجعلنا بينهم} أي : ~~بين الداعين والمدعوين {موبقا} أي : مهلكا يهلكون فيه جميعا ، وهو النار ، ~~وقيل : العداوة ، وهي نوع من الهلاك ، لقول عمر رضي الله عنه : " لا يكن ~~حبك كلفا ، ولا بغضك تلفا ". وقيل : المراد بالبين : الوصل ، أي : وجعلنا ~~وصلهم في الدنيا هلاكا في الآخرة ، كقوله : {لقد تقطع بينكم} [الأنعام : ~~94] ، وقيل : المراد بالشركاء : الملائكة ، وعزير ، وعيسى - عليهم السلام - ~~، ويراد حينئذ بالموبق : البرزخ البعيد ، أي : وجعلنا بينهم وبين من عبدوهم ~~برزخا بعيدا ؛ لأنهم في قعر جهنم ، وهم في أعلى عليين. # {ورأى المجرمون النار} ، وضع المظهر موضع المضمر ؛ تصريحا بإجرامهم ، ~~وذما لهم ، أي : ورأوا النار {فظنوا} أي : أيقنوا {أنهم مواقعوها} ؛ ~~مخالطوها وواقعون فيها ، {ولم يجدوا عنها مصرفا} أي : انصرافا ومعدلا ~~ينصرفون إليه ، نسأل الله السلامة من مواقع الهلاك. # الإشارة : من اتخذ الله وليا ، بموالاة طاعته وإفراد محبته ، كان الله له ~~وليا ونصيرا عند احتياجه وفاقته ، ومجيبا له عند دعائه واستغاثته ، ومن ~~اتخذ وليا غير الله خاب ظنه ومناه ، فإذا استغاث به جعل بينه وبين المستغيث ~~به موبقا وبرزخا بعيدا ، ومن والى أولياء الله فإنما والى الله ، {إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله} [الفتح : 10]. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 170 PageV04P244 ~~قلت : {جدلا} : تمييز ، و{ربك} : مبتدأ ms1493 و{الغفور} : خبره ، و{ذو الرحمة} : ~~خبر بعد خبر ، وقيل : الخبر : {لو يؤاخذهم} ، و{الغفور ذو الرحمة} : صفتان ~~للمبتدأ ، وإيراد المغفرة على جهة المبالغة دون الرحمة ؛ للتنبيه على كثرة ~~الذنوب ، وأيضا : المغفرة ترك المؤاخذة ، وهي غير متناهية ، والرحمة فعل ، ~~وهو متناهي ، وتقديم الوصف الأول ؛ لأن التخلية قبل التحلية ، و(المهلك) ؛ ~~بضم الميم وفتح اللام : اسم مصدر ، من أهلك ، فالمصدر ، على هذا ، مضاف ~~للمفعول ؛ لأن الفعل متعد ، وقرئ بفتح الميم ، من هلك ، فالمصدر ، على هذا ~~، مضاف للفاعل. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد صرفنا} أي : كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من ~~النظر العجيب ، {في هذا القرآن للناس} ؛ لمصلحتهم ومنفعتهم ، {من كل مثل} ؛ ~~من كل خبر يحتاجون إليه ، أو : من كل مثل مضروب يعتبرون به ، ومن جملته ما ~~مر من مثل الرجلين ، ومثل الحياة الدنيا. أو : من كل نوع من أنواع المعاني ~~البديعة الداعية إلى الإيمان ، التي هي ، في الغرابة والحسن واستجلاب ~~القلوب ، كالمثل المضروب ، ليتلقوه بالقبول ، فلم يفعلوا. {وكان الإنسان} ~~بحسب جبلته {أكثر شيء جدلا} أي : أكثر الأشياء ، التي يتأتى منها الجدل ، ~~جدلا ، وهو هنا شدة الخصومة بالباطل ، والمعنى : أن جدله أكثر من جدل كل ~~مجادل ، وفيها ذم الجدل. وسببها : مجادلة النضر بن الحارث كما قيل ، وهي عامة. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 171 PageV04P245 ~~وما منع الناس} أي : أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم ، من {أن يؤمنوا} بالله ~~تعالى ، ويتركوا ما هم فيه من الإشراك ، {إذ جاءهم الهدى} أي : حين جاءهم ~~القرآن الهادي إلى الإيمان ، بسبب ما فيه من فنون العلوم وأنواع الإعجاز ، ~~فيؤمنوا ، {ويستغفروا ربهم} عما فرط منهم من أنواع الذنوب ، التي من جملتها ~~: مجادلتهم للحق بالباطل ، {إلا أن تأتيهم سنة الأولين} أي : ما منعهم إلا ~~إتيان سنة الأولين ، وهو نزول العذاب المستأصل أو انتظاره ، فيكون على حذف ~~مضاف ، أي : انتظار سنة الأولين ، وهو الهلاك. قال ابن جزي : معناها أن ~~المانع للناس من الإيمان والاستغفار # 172 # هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سنة الأمم المتقدمة ، وهي الإهلاك في الدنيا ~~، أو يأتيهم العذاب أي : عذاب الآخرة. ه. قلت : والظاهر ms1494 أن معنى الآية : ما ~~منعهم من الإيمان إلا انتظار آية يرونها عيانا ، كعادة الأمم الماضية ، ~~فيهلكوا كما هي سنة الله في خلقه ، أو : عذاب ينزل بهم جهرا ، وهو معنى ~~قوله : {أو يأتيهم العذاب قبلا} أي : مقابلة وعيانا. # قال تعالى : {وما نرسل المرسلين} إلى الأمم {إلا مبشرين ومنذرين} أي : ~~مبشرين للمؤمنين بالثواب ، ومنذرين للكافرين بالعقاب ، دون إظهار الآيات ~~واقتراح المعجزات ، {ويجادل الذين كفروا بالباطل} ؛ باقتراح الآيات ؛ ~~كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها. يفعلون ذلك {ليدحضوا به} أي : بالجدال ~~{الحق} ، أي : يزيلونه عن مركزه ويبطلونه ، من إدحاض القدم وهو إزلاقها. ~~وجدالهم : قولهم لرسلهم عليهم السلام : {مآ أنتم إلا بشر} [يس : 15] ، {ولو ~~شآء الله لأنزل ملائكة} [المؤمنون : 24] ، ونحوها. {واتخذوا آياتي} التي ~~تخر لها صم الجبال ، وهو القرآن ، {وما أنذروا} أي : وإنذاري لهم ، أو : ~~الذي أنذروا به من العذاب والعقاب ، {هزوا} ؛ مهزوءا به ، أو محل استهزاء. PageV04P246 # {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه} وهو القرآن العظيم ، {فأعرض عنها} ؛ فلم ~~يتدبرها ولم يؤمن بها ، أي : لا أحد أظلم منه ؛ لأنه أظلم من كل ظالم ؛ حيث ~~ضم إلى المجادلة التكذيب والإعراض ، {ونسي ما قدمت يداه} من الكفر والمعاصي ~~، ولم يتفكر في عاقبتها ، {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة} : أغطية كثيرة ~~تمنعهم من التدبر في الآيات ، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على ~~قلوبهم ، فعل ذلك بهم كراهة {أن يفقهوه} ، أو : منعناهم أن يقفوا على كنهه. ~~{و} جعلنا {في آذانهم وقرا} أي : ثقلا يمنعهم من استماعه ، {وإن تدعهم إلى ~~الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} أي : فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف ؛ ~~للطبع المتقدم على قلوبهم ، وهذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 171 # و" إذا " : حرف جزاء وجواب ، وهو ، هنا ، عن سؤال من النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدلول عليه بكمال عنايته بإسلامهم ، كأنه قال صلى الله عليه وسلم : ~~" ما لي لا أدعوهم " ؟ فقال : إن تدعهم... الخ. وجمع الضمير الراجع إلى ~~الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه ، كما أن إفراده في المواطن ~~الخمسة ms1495 المتقدمة باعتبار اللفظ. # {وربك الغفور} : البليغ المغفرة {ذو الرحمة} الموصوف بها ، {لو يؤاخذهم ~~بما كسبوا} من المعاصي ، التي من جملتها : ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل ~~، وإعراضهم عن آيات ربهم ، وعدم مبالاتهم بما اجترحوا من الموبقات ، {لعجل ~~لهم العذاب} قبل يوم القيامة ؛ لاستجلاب أعمالهم لذلك ، والمراد : إمهال ~~قريش ، مع # 173 # إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، {بل لهم موعد} وهو يوم ~~القيامة ، أو يوم بدر ، والمعطوف عليه ببل : محذوف ، أي : لكنهم ليسوا ~~بمؤاخذين ، {بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا} أي : ملجأ يلتجئون إليه ، ~~أو منجى ينجون به ، يقال : وأل : أي : نجا ، ووأل إليه : أي : التجأ إليه. PageV04P247 # {وتلك القرى} ؛ أي : قرى عاد وثمود وأضرابها ، أي : وأهل تلك القرى ~~{أهلكناهم} بالعذاب {لما ظلموا} أي : وقت ظلمهم ، كما فعلت قريش بما حكى ~~عنهم ، {وجعلنا لمهلكهم} أي : عينا لهلاكهم {موعدا} أي : وقتا معينا ، لا ~~محيد لهم عن ذلك ، فلتعتبر قريش بذلك ولا تغتر. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد صرف الله في كتابه العزيز كل ما يحتاج إليه العباد ، من علم ~~الظاهر والباطن ، لكن خوض القلوب فيما لا يعني ، وكثرة مجادلتها بالباطل ، ~~صرفتها عن فهم أسرار الكتاب واستخراج غوامضه. فمن صفت مرآة قلبه أدرك ذلك ~~منه. وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء ، وهم العارفون بالله ، ولا تخلو الأرض ~~منهم حتى يأتي أمر الله ، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا ~~انتظارهم ظهور كرامتهم ، ونزول العذاب على من آذاهم ، وهو جهل بطريق ~~الولاية ؛ لأنهم رحمة للعباد ، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان ، يذكرون ~~الناس بالتحذير والتبشير ، وبملاطفة الوعظ والتذكير ، فاتخذهم الناس وما ~~ذكروا به هزوا ولعبا ، حيث حادوا عن تذكيرهم ، ونفروا عن صحبتهم ، فلا أحد ~~أظلم ممن ذكر بالله وبآياته فأعرض واستكبر ونسي ما قدمت يداه من المعاصي ~~والأوزار ، سبب ذلك : جعل الأكنة على القلوب ، وسفح ران المعاصي والذنوب ، ~~فلا يفقهون وعظا ولا تذكيرا ، ولا يستمعون تحذيرا ولا تبشيرا ، وإن تدعهم ~~إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى ، فلن يهتدوا إذا أبدا ؛ لما ms1496 سبق لهم في ~~سابق القضاء ، فلولا مغفرته العامة ، ورحمته التامة ، لعجل لهم العذاب ، ~~لكن له وقت معلوم ، وأجل محتوم ، لا محيد عنه إذا جاء ، ولا ملجأ منه ولا ~~منجا. نسأل الله العصمة بمنه وكرمه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 171 # 174 PageV04P248 ~~ولما ذكر الحق جل جلاله قصة أهل الكهف ، وكان وقع فيها عتاب للرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - حيث لم يستثن بتأخير الوحي ، وبقوله : {ولا تقولن ~~لشيء...} الخ ، ذكر هنا قصة موسى مع الخضر - عليهما السلام - وكان سببها ~~عتاب الحق لموسى عليه السلام ؛ حيث لم يرد العلم إليه ، حين قال له القائل ~~: هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ فقال : لا ، فذكر الحق تعالى قصتهما ؛ تسلية ~~لنبينا عليه الصلاة والسلام بمشاركة العتاب. # قلت : {لا أبرح} : ناقصة ، وخبرها : محذوف : اعتمادا على قرينة الحال ؛ ~~إذ كان ذلك عن التوجه إلى السفر ، أي : لا أبرح أسير في سفري هذا ، ويجوز ~~أن تكون تامة ، من زال يزول ، أي : لا أفارق ما أنا بصدده حتى أبلغ... الخ. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ قال موسى لفتاه} يوشع بن نون بن ~~إفراثيم بن يوسف عليه السلام ، وكان ابن أخته ، سمي فتاه ؛ إذ كان يخدمه ~~ويتبعه ويتعلم منه العلم. والفتى في لغة العرب : الشاب ، ولما كانت الخدمة ~~أكثر ما تكون من الفتيان ، قيل للخادم : فتى ، ويقال للتلميذ : فتى ، وإن ~~كان شيخا ، إذا كان في خدمة شيخه ، فقال موسى عليه السلام : {لا أبرح} : لا ~~أزال أسير في طلب هذا الرجل ، يعني : الخضر عليه السلام ، {حتى أبلغ مجمع ~~البحرين} ، وهو ملتقى بحر فارس والروم مما يلي المشرق ، وهذا مذهب الأكثر. ~~وقال ابن جزي : مجمع البحرين : عند " طنجة " ؛ حيث يتجمع البحر المحيط ~~والبحر الخارج منه ، وهو بحر الأندلس. قلت : وهو قول كعب بن محمد القرضي. ~~{أو أمضي حقبا} أي : زمنا طويلا أتيقن معه فوات الطلب. والحقب : الدهر ، أو ~~ثمانون سنة ، أو سبعون. PageV04P249 # وسب هذا السفر : أن موسى عليه السلام لما ظهر على مصر ، بعد هلاك القبط ، ~~أمره الله تعالى أن يذكر قومه هذه ms1497 النعمة ، فقام فيهم خطيبا بخطبة بليغة ، ~~رقت بها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقالوا له : من أعلم الناس ؟ فقال : ~~أنا. وفي رواية : هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ فقال : لا. فعتب الله عليه ؛ إذ ~~لم يرد العلم إليه عز وجل ، فأوحى الله إليه : " أعلم منك عبد لي بمجمع ~~البحرين ، وهو الخضر " ، وكان قبل موسى عليه السلام ، وكان في مقدمة ذي ~~القرنين ، فبقي إلى زمن موسى عليه السلام ، وسيأتي ذكر التعريف به في محله ~~، إن شاء الله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 174 # وقال ابن عباس رضي الله عنه : إن موسى عليه السلام سأل ربه : أي عبادك ~~أحب إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني ، قال : فأي عبادك أقضى ؟ قال : ~~الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى ، قال : فأي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يستقي ~~علم الناس إلى علمه ، عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى ، أو ترده عن ردى ، ~~قال : يا رب إن كان في عبادك من هو أعلم مني فدلني عليه ؟ قال : أعلم منك ~~الخضر ، قال : أين أطلبه ؟ قال : على ساحل البحر عند الصخرة. قال : يا رب ، ~~كيف لي به ؟ قال : خذ حوتا في مكتل ، فحيثما فقدته فهو هناك ، فأخذ حوتا ~~مشويا ، فجعله في مكتل ، فقال لفتاه : إذا فقدت الحوت فأخبرني ، وذهبا ~~يمشيان إلى أن اتصلا بالخضر ، على ما يأتي تمامه ، إن شاء الله # 175 # تعالى. وحديث الخطبة هو الذي في صحيح البخاري وغيره. والله تعالى أعلم أي ~~ذلك كان. PageV04P250 # الإشارة : قصة سيدنا موسى مع الخضر - عليهما السلام - هي السبب في ظهور ~~التمييز بين أهل الظاهر وأهل الباطن ، فأهل الظاهر قائمون بإصلاح الظواهر ، ~~وأهل الباطن قائمون بتحقيق البواطن. أهل الظاهر مغترفون من بحر الشرائع ، ~~وأهل الباطن مغترفون من بحر الحقائق. قيل : هو المراد بمجمع البحرين ، حيث ~~اجتمع سيدنا موسى ، الذي هو بحر الشرائع ، والخضر عليه السلام ، الذي هو ~~بحر الحقائق ، ولا يفهم أن سيدنا موسى عليه السلام خال من بحر الحقائق ، بل ~~كان جامعا كاملا ، وإنما أراد الحق تعالى أن ينزله إلى كمال الشرف ، ~~بالتواضع ms1498 في طلب زيادة العلم ؛ تأديبا له وتربية ، حيث ادعى القوة في نسبته ~~العلم إلى نفسه ، وفي الحكم : " منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين ، ~~أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين! ". # وهذه عادة الله تعالى مع خواص أحبائه ، إذا أظهروا شيئا من القوة ، أو ~~خرجوا عن حد العبودية ، ولو أنملة ، أدبهم بأصغر منهم علما وحالا ؛ عناية ~~بهم ، وتشريفا لهم ؛ لئلا يقفوا دون ذروة الكمال ، كقضية الشاذلي مع المرأة ~~التي قالت له : تمن على ربك بجوع ثمانين يوما ، وأنا لي تسعة أشهر ما ذقت ~~شيئا. وكقضية الجنيد والسري في جماعة من الصوفية ، حيث تكلموا في المحبة ، ~~وفاض كل واحد على قدر اتساع بحره فيها ، فقامت امرأة بالباب ، عليها جبة ~~صوف ، فردت على كل واحد ما قال ، حيث أظهروا قوة علمهم ، فأدبهم بامرأة. # ويؤخذ من طلب موسى الخضر - عليهما السلام - والسفر إليه : الترغيب في ~~العلم ، ولا سيما علم الباطن ، فطلبه أمر مؤكد. قال الغزالي رضي الله عنه : ~~هو فرض عين ؛ إذ لا يخلو أحد من عيب إو إصرار على ذنب ، إلا الأنبياء - ~~عليهم السلام - وقد قال الشاذلي رضي الله عنه : من لم يغلغل في علمنا هذا ~~مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 174 # 176 PageV04P251 ~~قلت : {بينهما} : ظرف مضاف إليه ؛ اتساعا ، أو بمعنى الوصل ، و{سربا} : ~~مفعول ثان لاتخذ ، و{إذ أوينا} : متعلق بمحذوف ، أي : أخبرني ما دهاني حين ~~أويت إلى الصخرة حتى لم أخبرك بأمر الحوت ، فإني نسيت أن أذكر لك أمره. ~~و{أن أذكره} : بدل من الهاء في {أنسانيه} ؛ بدل اشتمال ؛ للمبالغة ، ~~و{عجبا} : مفعول ثان لاتخذ ، وقيل : إن الكلام قد تم عند قوله : {في البحر} ~~، ثم ابتدأ التعجب فقال : {عجبا} أي : أعجب عجبا ، وهو بعيد. قاله ابن جزي. ~~قلت : وهذا البعيد هو الذي ارتكب الهبطي. و{قصصا} : مصدر ، أي : يقصان قصصا. # يقول الحق جل جلاله : ثم إن موسى ويوشع - عليهما السلام - حملا حوتا ~~مشويا وخبزا ، وسارا يلتمسان الخضر ، {فلما بلغا مجمع بينهما} ؛ بين ~~البحرين ، أو مجمع ms1499 وصل بعضهما ببعض ، وجدا صخرة هناك ، وعندها عين الحياة ، ~~لا يصيب ذلك الماء شيئا إلا حيي بإذن الله ، وكانا وصلا إليها ليلا ، فناما ~~، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطرب في المكتل ، ودخل البحر ، وقد ~~كانا أكلا منه ، وكان ذلك بعد استيقاظ يوشع ، وقيل : توضأ عليه السلام من ~~تلك العين ، فانتضح الماء على الحوت ، فحيى ودخل البحر ، فاستيقظ موسى ، ~~وذهبا ، و{نسيا حوتهما} أي : نسيا تفقد أمره وما يكون منه ، أو نسي يوشع أن ~~يعلمه ، وموسى عليه السلام أن يأمر فيه بشيء ، {فاتخذ} الحوت {سبيله} أي : ~~طريقه {في البحر سربا} ؛ مسلكا كالطاق ، قيل : أمسك الله جرية الماء على ~~الحوت فجمد ، حتى صار كالطاق في الماء ؛ معجزة لموسى أو الخضر - عليهما ~~السلام -. PageV04P252 # فلما جاوزا مجمع البحرين ، الذي جعل موعدا للملاقاة ، وسارا بقية ليلتهما ~~ويومهما إلى الظهر ، وجد موسى عليه السلام حر الجوع ، ف {قال لفتاه آتنا ~~غداءنا} أي : ما نتغدى به ، وهو الحوت ، كما ينبئ عنه الجواب ، {لقد لقينا ~~من سفرنا هذا نصبا} : تعبا وإعياء. قيل : لم ينصب موسى ولم يجع قبل ذلك ، ~~ويدل عليه الإتيان بالإشارة ، وجملة {لقد لقينا} : تعليل للأمر بإيتاء ~~الغذاء ، إما باعتبار أن النصب إنما يعتري بسبب الضعف الناشئ عن الجوع ، ~~وإما باعتبار ما في أثناء التغذي من استراحة ما. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 176 # قال} فتاه عليه السلام : {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة} أي : التجأنا إليها ~~ونمنا عندها ، {فإني نسيت الحوت} أي : أخبرني ما دهاني حتى لم أذكر لك أمر ~~الحوت ، فإني نسيت أن أذكر لك أمره ، ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه ~~السلام مما اعتراه من النسيان ، مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد ~~تنسى ، {وما أنسانيه إلا الشيطان} بوسوسته الشاغلة له عن ذلك ، {أن أذكره} ~~، ونسبته للشيطان ؛ هضما لنفسه ، واستعمال الأدب في نسبة النقائص إلى ~~الشيطان ، وإن كان الكل من عند الله. وهذه الحالة ، وإن كانت غريبة لا يعهد ~~نسيانها ، لكنه قد تعود بمشاهدة أمثالها من الخوارق مع # 177 # موسى عليه السلام ، وألفها قبل ms1500 اهتمامه بالمحافظة عليها ، أو لاستغراقه ~~وانجذاب سره إلى جناب القدس ، حتى غاب عن الإخبار بها. # {قلت} : والظاهر أن نسيانه كان أمرا إلهيا قهريا بلا سبب ، وحكمته ما لقي ~~من النصب ؛ لتعظم حلاوة العلم الذي يأخذه عن الخضر عليه السلام ، فإن ~~المساق بعد التعب ألذ من المساق بغير تعب ، ولذلك : " حفت الجنة بالمكاره ". PageV04P253 # ثم قال : {واتخذ} الحوت {سبيله في البحر عجبا} ، فيه حذف ، أي فحيى الحوت ، ~~واضطرب ، ووقع في البحر ، واتخذ سبيله فيه سبيلا عجبا ، أو اتخاذا عجبا ~~يتعجب منه ، وهو كون مسلكه كالطاق ، {قال} موسى عليه السلام : {ذلك ما كنا ~~نبغ} أي : ذلك الذي ذكرت من أمر الحوت هو الذي كنا نطلبه ؛ لكونه أمارة ~~للفوز بالمرام ، {فارتدا} أي : رجعا {على} طريقهما الذي جاءا منه ، يقصان. ~~يتبعان {آثارهما قصصا} ، حتى أتيا الصخرة {فوجدا عبدا من عبادنا} ، التنكير ~~؛ للتفخيم والإضافة ؛ للتعظيم ، وهو الخضر عليه السلام عند الجمهور ، واسمه ~~: بليا بن ملكان يعصوا ، والخضر لقب له ؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت ~~تحته خضراء ، كما في حديث أبي هريرة - عنه - صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد : سمي خضرا ؛ لأنه كان إذا صلى خضر ما حوله ، ثم قال : وهو ~~ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ، وكان أبوه ملكا. ه. وفي الحديث ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قصة الخضر ، فقال : " كان ابن ملك من ~~الملوك ، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده ، فأبى وهرب ، ولحق بجزائر البحر ، ~~فلم يقدر عليه " قيل إنه شرب من عين الحياة ؛ فمتع بطول الحياة. PageV04P254 # روي أن موسى عليه السلام حين انتهى إلى الصخرة رأى الخضر عليه السلام على ~~طنفسة - أي : بساط - على وجه الماء ، فسلم عليه. وعنه - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال : " انتهى موسى إلى الخضر ، وهو نائم مسجى عليه ثوب ، ~~فسلم عليه فاستوى جالسا ، وقال : عليك السلام يا نبي بني إسرائيل ، فقال ~~موسى : من أخبرك أني نبي بني إسرائيل ؟ قال : الذي أدراك بي ، وذلك علي " ~~قال تعالى في حق الخضر : {آتيناه رحمة من عندنا} ms1501 ، هي الوحي والنبوة ، كما ~~يشعر به تنكير الرحمة ، وإضافتها إلى جناب الكبرياء ، وقيل : هي سر ~~الخصوصية ، وهي الولاية. {وعلمناه من لدنا علما} خاصا ، لا يكتنه كنهه ، ~~ولا يقدر قدره ، وهو علم الغيوب ، أو أسرار الحقيقة ، أو علم الذات والصفات ~~، علما حقيقيا. فالخضر عليه السلام قيل : إنه نبي ؛ بدليل قوله فيما يأتي : ~~{وما فعلته عن أمري} ، وقيل : ولي ، واختلف : # 178 # هل مات ، أو هو حي ؟ وجمهور الأولياء : أنه حي ، وقد لقيه كثير من ~~الصلحاء والأولياء ، حتى تواتر عنهم حياته. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 176 # الإشارة : إنما صار الحوت دليلا لسيدنا موسى عليه السلام بعد موته وخروجه ~~عن إلفه ، ثم حيى حياة خصوصية لما أنفق عليه من عين الحياة ، كذلك العارف ~~لا يكون دالا على الله ، وإماما يقتدى به حتى يموت عن شهود حسه ، ويخرق ~~عوائد نفسه ، ويفنى عن بشريته ، ويبقى بربه ، حينئذ تحيا روحه بشهود عظمة ~~ربه ، ويصير إماما ودليلا موصلا إليه ، ويظهر منه خرق العوائد ، كما ظهر من ~~الحوت ، حيث أمسك عن الماء الجرية فصار كالطاق ، وذلك اقتدار ، وإلى ذلك ~~تشير أحوال الخضر ، فكان الحوت مظهرا لحاله في تلك القصة. قاله في الحاشية ~~بمعناه. PageV04P255 # وقال قبل ذلك في قوله : واتخذ سبيله في البحر عجبا : أي اتخذ الحوت ، وجوز ~~كون فاعل (اتخذ) : موسى ، أي : اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا وخرق ~~عادة ؛ بأن مشى على الماء في طريق الحوت ، حتى وجد الخضر على كبد البحر. ثم ~~قال : وعلى الجملة : فالقضية تشير من جهة الخضر : للاقتدار وإسقاط الأسباب ~~، ومن جهة موسى : لإثبات الأسباب ؛ حكمة ، وحالة الاقتدار أشرف ، وصاحب ~~الحكمة أكمل ونفعه عام ، بخلاف الآخر ، فإن نفعه خاص. ه. # وقوله تعالى : {وعلمناه من لدنا علما} ، العلم اللدني : هو الذي يفيض على ~~القلب من غير اكتساب ولا تعلم ، قال عليه الصلاة والسلام : " من عمل بما ~~علم أورثه الله علم ما لم يعلم " وذلك بعد تطهير القلب من النقائص والرذائل ~~، وتفرغه من العلائق والشواغل ، فإذا كمل تطهير القلب ، وانجذب إلى حضرة ms1502 ~~الرب ، فاضت عليه العلوم اللدنية ، والأسرار الربانية ، منها ما تفهمها ~~العقول وتدخل تحت دائرة النقول ، ومنها ما لا تفهمها العقول ولا تحيط بها ~~النقول ، بل تسلم لأربابها ، من غير أن يقتدى بهم في أمرها ، ومنها ما تفيض ~~عليهم في جانب علم الغيوب ؛ كمواقع القدر وحدوث الكائنات المستقبلة ، ومنها ~~ما تفيض عليهم في علوم الشرائع وأسرار الأحكام ، ومنها في أسرار الحروف ~~وخواص الأشياء ، إلى غير ذلك من علوم الله تعالى. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 176 # 179 # قلت : {رشدا} : مفعول ثاني لعلمت ، أو : علة لأتبعك ، أو : مصدر بإضمار ~~فعله ، أو : حال من كاف {أتبعك} ، أو : على إسقاط الخافض ، أي : من الرشد ، ~~وفيه لغتان : ضم الراء وسكون الشين ، وفتحهما ، وهو : إصابة الخير ، ~~و{خبرا} : تمييز محول عن الفاعل ، أي : لم يحط به خبرك. و{لا أعصي} : عطف ~~على : {صابرا}. PageV04P256 # يقول الحق جل جلاله : ولما اتصل موسى بالخضر - عليهما السلام - استأذنه في ~~صحبته ليتعلم منه ، ملاطفة وأدبا وتواضعا ، وكذلك ينبغي لمن يريد التعلم من ~~المشايخ : أن يتأدب ويتواضع معهم. {قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن ~~رشدا} أي : مما علمك الله من العلم الذي يدل على الرشد وإصابة الصواب ، ~~لعلي أرشد به في ديني. ولا ينافي كونه نبيا ذا شريعة أن يتعلم من غيره من ~~أسرار العلوم الخفية ؛ إذ لا نهاية لعلمه تعالى ، وقد قال له تعالى فيما ~~تقدم : أعلم الناس من يبتغي علم غيره إلى علمه. روي أنهما لما التقيا جلسا ~~يتحدثان ، فجاءت خطافة أو عصفور فنقر في البحر نقرة أو نقرتين ، فقال الخضر ~~: يا موسى خطر ببالك أنك أعلم أهل الأرض ؟ ما علمك وعلمي وعلم الأولين ~~والآخرين في جنب علم الله إلا أقل من الماء الذي حمله هذا العصفور. # ولما سأله صحبته {قال} له : {إنك لن تستطيع معي صبرا} ؛ لأنك رسول مكلف ~~بحفظ ظواهر الشرائع ، وأنا أطلعني الله تعالى على أمور خفية ، لا تتمالك أن ~~تصبر عنها ؛ لمخالفة ظاهرها للشريعة. وفي صحيح البخاري : " قال له الخضر : ~~يا موسى ، إني على علم ms1503 من علم الله علمنيه ، لا تعلمه أنت ، وأنت على علم ~~من علم الله علمكه الله ، لا أعلمه " ثم علل عدم صبره بقوله : {وكيف تصبر ~~على ما لم تحط به خبرا} ؟ لأني أتولى أمورا خفية لا خبر لك بها ، وصاحب ~~الشريعة لا يسلم لصاحب الحقيقة العارية من الشريعة ، {قال} له موسى عليه ~~السلام : {ستجدني إن شاء الله صابرا} معك ، غير معترض عليك. وتوسيط ~~الاستثناء بين مفعولي الوجدان لكمال الاعتناء بالتيمن ، ولئلا يتوهم تعلقه ~~بالصبر ، {ولا أعصي لك أمرا} ، هو داخل في الاستثناء ، أي : ستجدني إن شاء ~~الله صابرا وغير عاص. # جزء : 4 رقم الصفحة : 179 PageV04P257 ~~وقال القشيري : وعد من نفسه شيئين : الصبر ، وألا يعصيه فيما يأمره به. ~~فأما الصبر فقرنه بالمشيئة ، حتى وجده صابرا ، فلم يقبض على يدي الخضر فيما ~~كان منه من الفعل. والثاني قال : {ولا أعصي لك أمرا} ، فأطلق ولم يستثن ، ~~فعصى ، حيث قال له الخضر : {فلا تسألني عن شيء} ، فكان يسأله ، فبالاستثناء ~~لم يخالف ، وبالإطلاق خالف. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : ~~وفيه نظر ؛ للحديث # 180 # الصحيح : " يرحم الله موسى ، لو صبر... " مع أن قوله : " ولا أعصي... " ~~الخ ، غير خارج عن الاستثناء ، كما تقدم ، وإن احتمل خروجه ، والظاهر : أن ~~الاستثناء ، كالدعاء ، إنما ينفع إذا صادف القدر ، وهو هنا لم يصادف ، مع ~~أنه هنا عارضه علم الخضر بكونه لم يصبر من قوله : {لن تستطيع معي صبرا} ، ~~وقد أراد الله نفوذ علم الخضر. ه. # وقال ابن البنا : أن العهد إنما هو على قدر الاستطاعة ، وإن الوفاء ~~بالملتزم إنما يكون فيما لا يخالف الشرع ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ~~؛ لأن موسى عليه السلام لم يلتزم إلا ذلك. ولما رأى ما هو محرم تكلم... ~~فافهم. ه. # ثم شرط عليه التسليم لما يرى ، فقال : {فإن اتبعتني فلا تسالني عن شيء} ~~تشاهده من أفعالي ، فهمته أم لا ، أي : لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته ، فضلا ~~عن مناقشته واعتراضه ، {حتى أحدث لك منه ذكرا} ؛ حتى أبتدي بيانه لك وحكمته ~~، وفيه إيذان بأن ما ms1504 يصدر منه له حكمة خفية ، وعاقبة صالحة. وهذا من أدب ~~المتعلم مع العالم ، والتابع مع المتبوع ، أنه لا يعترض على شيخه بل يسأل ؛ ~~مسترشدا بملاطفة وأدب ، وهذا في العلم الظاهر. وسيأتي في الإشارة ما يتعلق ~~بعلم الباطن. PageV04P258 # الإشارة : قد أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - آداب المريد مع الشيخ من قضية ~~الخضر مع موسى - عليهما السلام - ؛ فطريقتهم مبنية على السكوت والتسليم ، ~~حتى لو قال لشيخه : لم ؟ لم يفلح أبدا ، سواء رأى من شيخه منكرا أو غيره ، ~~ولعله اختبار له في صدقه ، أو اطلع على باطن الأمر فيه ، فأحوالهم خضرية ، ~~فالمريد الصادق يسلم لشيخه في كل ما يرى ، ويمتثل أمره في كل شيء ، فهم وجه ~~الشريعة فيه أم لا ، هذا في علم الباطن ، وأما علم الظاهر فمبني على البحث ~~والتفتيش ، مع ملاطفة وتعظيم. # قال الورتجبي : امتحن الحق تعالى موسى عليه السلام بصحبة الخضر ؛ ~~لاستقامة الطريقة ولتقويم السنة في متابعة المشايخ ، ويكون أسوة للمريدين ~~والقاصدين في خدمتهم أشياخ الطريقة. ه. قال القشيري في قوله : {فلا تسالن ~~عن شيء} : قال : ليس للمريد أن يقول لشيخه : لم ، ولا للمتعلم أن يقول ~~لأستاذه ، ولا للعامي أن يقول للمفتي فيما يفتي ويحكم : لم. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 179 # وقال ابن البنا في تفسيره : يؤخذ من هذه القصة : ترك الاعتراض على أولياء ~~الله إذا ظهر منهم شيء مخالف للظاهر ؛ لأنهم فيه على دليل غير ظاهر لغيرهم ~~، اللهم إلا أن يدعوك إلى اتباعه ، فلا تتبعه إلا عن دليل ، ويسلم له في ~~حاله ، ولا تعترض عليه ، ولا يمنعك ذلك من طلب العلم والتعلم منه ، وإن كنت ~~لا تعمل بعمله ؛ لأنه لا يجب عليك تقليده إلا عن دليل ، فلا تعمل مثل عمله ~~، وأنت ترى أنه مخالف لك في ظنك ، ولا علم لك بحقيقة باطن الأمر ، فلا تقف ~~ما ليس لك به علم. والله الموفق والمرشد. ه. # 181 # قلت : ما ذكره إنما هو في حق من لم يدخل تحت تربيته ، فإنما هو طالب علم ~~أو تبرك ، وأما من التزم صحبته على ms1505 طريق التربية فلا يتأخر عن امتثال ما ~~أمره به ، كيفما كان ، نعم ، إن لم ينبغ التوقف والتأني في الاقتداء به. PageV04P259 # وقال في القوت في قوله : {فلا تسألن عن شيء} : الشيء في هذا الموضع وصف ~~مخصوص من وصف الربوبية من العلم ، الذي علمه الخضر عليه السلام من لدنه ، ~~لا يصلح أن يسأل عنه ، من معنى صفات التوحيد ونعوت الوحدانية ، لا يوكل إلى ~~العقول ، بل يخص به المراد المحمول. ه. # قال المحشي الفاسي : وهو - أي : المحمول - ما يرشق فيهم من وصف الحق ~~وقدرته ، فيتصرفون ، وهم في الحقيقة مصرفون ، وهؤلاء هم أهل القبضة ، الذين ~~علمهم سر الحقيقة ، فلهم قدرة لنفوذ شعاعها فيهم ، فتتكون لهم الأشياء ، ~~وتنفعل لحملهم سر الحقيقة وظهورها لهم وفيهم ، وهم كما قال : مرادون ~~محمولون ، فما يجري عليهم : قدر {وما رميت...} الآية. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 179 # قلت : ضمن ركوب السفينة معنى الدخول فيها ، فعداه بفي ، وقد تركه على ~~أصله في قوله : {لتركبوها وزينة} [النحل : 8]. # يقول الحق جل جلاله : {فانطلقا} أي : موسى والخضر ، وسكت عن الخادم ؛ ~~لكونه تبعا ، وقيل : إن يوشع لم يصحبهما ، بل رجع ، فصارا يمشيان على ساحل ~~البحر ، فمرت بهم سفينة ، فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر ، فحملوهم ~~بغير نول ، فلما لججوا البحر أخذ الخضر فأسا فخرق السفينة ، فقلع لوحا أو ~~لوحين مما يلي الماء ، فحشاها موسى بثوبه ، و{قال أخرقتها لتغرق أهلها} أو ~~: ليغرق أهلها ، {لقد جئت} أي : أتيت وفعلت ، {شيئا إمرا} أي : عظيما هائلا ~~، يقال : أمر الأمر : عظم ، {قال} الخضر : {ألم أقل إنك لن تستطيع معي ~~صبرا} ؛ تذكيرا لما قاله له من قبل ، وإنكارا # 182 PageV04P260 ~~لعدم الوفاء بالعهد ، {قال} موسى عليه السلام : {لا تؤاخذني بما نسيت} أي : ~~بنسياني ، أو بالذي نسيته ، وهو وصيته بأن لا يسأله عن حكمة ما صدر عنه من ~~الأفعال الخفية الأسباب قبل بيانه ، أراد : نسي وصيته ، ولا مؤاخذة على ~~الناسي ، وفي الحديث : " كانت الأولى من موسى نسيانا " أو : أراد بالنسيان ~~الترك ، أي : لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة. {ولا ترهقني} أي : لا ms1506 ~~تغشني ولا تحملني {من أمري} ، وهو اتباعك ، {عسرا} أي : لا تعسر علي في ~~متابعتك ، بل يسرها علي ؛ بالإغضاء والمسامحة. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 182 # فانطلقا} أي : فقبل عذره ؛ فخرجا من السفينة فانطلقا {حتى إذا لقيا غلاما ~~فقتله} قيل : كان يلعب مع الغلمان ففتل عنقه ، وقيل : ضرب رأسه بحجر ، وقيل ~~: ذبحه ، والأول أصح ؛ لوروده في الصحيح ، روي أن اسم الغلام " جيسور " ~~بالجيم ، وقيل : بالحاء المهملة ، فإن قلت : لم قال {خرقها} ؛ بغير فاء ، ~~وقال : {فقتله} بالفاء ؟ فالجواب : أن " خرقها " : جواب الشرط ، و{قتله} : ~~من جملة الشرط ، معطوفا عليه ، والجزاء هو قوله : {قال أقتلت} ، فإن قلت : ~~لم خولف بينهما ؟ فالجواب : أن خرق السفينة لم يتعقب الركوب ، وقد تعقب ~~القتل لقاء الغلام. ه. وأصله للزمخشري. وقال البيضاوي : ولعل تغيير النظم ~~بأن جعل خرقها جزاء ، واعتراض موسى عليه السلام مستأنفا في الأولى ، وفي ~~الثانية {فقتله} من جملة الشرط ، واعتراضه جزاء ؛ لأن القتل أقبح ، ~~والاعتراض عليه أدخل ، فكان جديرا بأن يجعل عمدة الكلام ، ولذلك وصله بقوله ~~: {لقد جئت شيئا نكرا} أي : منكرا. ه. وناقشه أبو السعود بما يطول ذكره. PageV04P261 # {قال} موسى عليه السلام في اعتراضه : {أقتلت نفسا زكية} : طاهرة من الذنوب ~~، وقرئ بغير ألف ؛ مبالغة ، {بغير نفس} أي : بغير قتل نفس محرمة ، فيكون ~~قصاصا. وتخصيص نفي هذا القبيح بالذكر من بين سائر القبيحات من الكفر بعد ~~الإيمان ، والزنا بعد إحصان ؛ لأنه أقرب إلى الوقوع ؛ نظرا لحال الغلام. ~~{لقد جئت شيئا نكرا} أي : منكرا ، قيل : أنكر من الأول ، إذ لا يمكن تداركه ~~، كما يمكن تدارك الأول ؛ بالسد ونحوه. وقيل : " الإمر " أعظم ؛ لأن قتل ~~نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. # {قال} له الخضر عليه السلام : {ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} ، زاد ~~" لك " ؛ لزيادة تأكيد المكافحة ؛ بالعتاب على رفض الوصية وقلة التثبت ~~والصبر ، لما تكرر منه الإنكار ، ولم يرعو بالتذكير ، حتى زاد في النكير في ~~المرة الثانية بذكر المنكر. {قال} موسى عليه السلام : {إن سألتك عن شيء ~~بعدها} ؛ بعد هذه المرة {فلا تصاحبني} إن سألت صحبتك ms1507 ، وقرأ يعقوب : " فلا ~~تصحبني " ؛ رباعيا ، أي : لا تجعلني صاحبا لك ، {قد بلغت من لدني عذرا} أي ~~: قد أعذرت ووجدت من قبلي عذرا في # 183 # مفارقتي ، حيث خالفتك ثلاث مرات. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " يرحم ~~الله أخي موسى ، استحيا ، فقال ذلك ، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب ~~" وفي البخاري : " وددنا لو صبر موسى ، حتى يقص الله علينا من أمرهما ". ~~{فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} ، هي أنطاكية ، وقيل : أيلة ، وقيل الأبلة ~~، وهي أبعد أرض الله من السماء ، وقيل : برقة ، وقال أبو هريرة وغيره : هي ~~بالأندلس. ويذكر أنها الجزيرة الخضراء. قلت : وهي التي تسمى اليوم طريفة ، ~~وأصلها بالظاء المشالة. وذلك على قول إن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : " كانوا أهل قرية لئاما " وقال قتادة : شر ~~القرى التي لا يضاف فيها الضيف ، ولا يعرف لابن السبيل حقه. PageV04P262 # جزء : 4 رقم الصفحة : 182 # ثم وصف القرية بقوله : {استطعما أهلها} أي : طلبا منهم طعاما ، ولم يقل : ~~استطعماهم ، على أن يكون صفة لأهل ؛ لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم ، فإن ~~الإباء من الضيافة ، مع كونهم أهلها قاطنين بها ، أشنع وأقبح. # روي أنهما طافا بالقرية يطلبان الطعام ، فلم يطعموهما. واستضافاهم {فأبوا ~~أن يضيفوهما} بالتشديد ، وقرئ بالتخفيف. يقال : ضافه : إذا كان له ضيفا ، ~~أضافه وضيفه : أنزله ضيفا. وأصل الإضافة : الميل ، من : ضاف السهم عن الغرض ~~: مال ، ونظيره : زاره ، من الازورار ، أي : الميل. فبينما هما يمشيان ، ~~{فوجدا فيها جدارا} ، قال وهب : كان طوله مائة ذراع ، {يريد أن ينقض} أي : ~~يسقط ، استعار الإرادة للمشارفة ؛ للدلالة على المبالغة في ذلك ، والانقضاض ~~: الإسراع في السقوط ، وهو انفعال ، من القض ، يقال : قضضته فانقض ، ومنه : ~~انقضاض الطير والكوكب ؛ لسقوطه بسرعة. وقرئ : أن ينقاض ، من انقاضت السن : ~~إذا سقطت طولا. {فأقامه} قيل : مسحه بيده فقام ، وقيل : نقضه وبناه ، وهو ~~بعيد. {قال} له موسى : {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} نتعشى به ، وهو تحريض له ~~على أخذ الجعل ، أو تعريض بأنه فضول ، وكأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة ~~كان ms1508 اشتغاله بذلك في ذلك الوقت مما لا يعني ، فلم يتمالك الصبر عليه. قال ~~ابن التين : إن الثالثة كانت نسيانا ؛ لأنه يبعد الإنكار لأمر مشروع ، وهو ~~الإحسان لمن أساء. ه. وفيه نظر ؛ فقد قال القشيري في تفسير الآية : لم يقل ~~موسى : إنك ألممت بمحظور ، ولكن قال : لو شئت ، أي : فإن لم تأخذ بسببك ~~فهلا أخذت بسببنا ، فكان أخذ الأجر خيرا من الترك ، ولئن وجب حقهم فلم ~~أخللت بحقنا ؟ ويقال : إن سفره ذلك كان سفر تأديب ، فرد إلى تحمل المشقة ، ~~وإلا فهو نسي ، حيث سقى # 184 PageV04P263 ~~لبنات شعيب ، وكان ما أصابه من التعب والجوع أكثر ، ولكنه كان في ذلك الوقت ~~محمولا ، وفي هذا الوقت متحملا. ه. # قلت : لأن الحق تعالى أراد تأديبه فلم يحمل عنه ، فكان سالكا محضا ، وفي ~~وقت السقي : كان مجذوبا محمولا عنه. # ثم قال القشيري : وكما أن موسى كان يحب صحبة الخضر ؛ لما له فيه من غرض ~~استزادة من العلم ، كان الخضر يحب ترك صحبته ؛ إيثارا للخلوة بالله عنه. ه. ~~قاله في الحاشية الفاسية. # الإشارة : يؤخذ من خرق السفينة أن المريد لا تفيض عليه العلوم اللدنية ~~والأسرار الربانية حتى يخرق عوائد نفسه ، ويعيب سفينة وجوده ، بتخريب ظاهره ~~، حتى لا يقبله أحد ، ولا يقبل عليه أحد ، فبذلك يخلو بقلبه ويستقيم على ~~ذكر ربه ، وأما ما دام ظاهره متزينا بلباس العوائد ، فلا يطمع في ورود ~~المواهب والفوائد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 182 # ويؤخذ من قتل الغلام : أنه لا بد من قتل الهوى ، وكل ما فيه حظ للنفس ~~والشيطان والطريق في ذلك أن تنظر ما يثقل على النفس فتحمله لها ، وما يخف ~~عليها فتحجزها عنه ، حتى لا يثقل عليها شيء من الحق. ويؤخذ من إقامة الجدار ~~رسم الشرائع ؛ قياما بآداب العبودية ، وصونا لكنز أسرار الربوبية. ويؤخذ ~~منه أيضا : الإحسان لمن أساء إليه ، فإن أهل القرية أساؤوا ؛ بترك ضيافة ~~الخضر ، فقابلهم بالإحسان ؛ حيث أقام جدارهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 182 # قلت : {هذا} ، الإشارة إما إلى نفس الفراق ، كقولك : هذا أخوك ms1509 ، أو إلى ~~الوقت الحاضر ، أي : هذا وقت الفراق. أو إلى السؤال الثالث. و{بيني} : ظرف ~~مضاف إليه المصدر ؛ مجازا ، وقرئ بالنصب ، على الأصل ، و{غصبا} : مصدر نوعي ليأخذ. # 185 PageV04P264 ~~يقول الحق جل جلاله : {قال} الخضر عليه السلام : {هذا فراق بيني وبينك} فلا ~~تصحبني بعد هذا ، {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} أي : سأخبرك ~~بالخبر الباطن ، فيما لم تستطع عليه صبرا ؛ لكونه منكرا في الظاهر ، ~~فالتأويل : رجوع الشيء إلى مآله ، والمراد هنا : المآل والعاقبة ، وهو خلاص ~~السفينة من اليد العادية ، وخلاص أبوي الغلام من شره ، مع الفوز بالبدل ~~الأحسن ، واستخراج اليتيمين للكنز ، وفي جعل صلة الموصول عدم استطاعته ، ~~ولم يقل : " بتأويل ما رأيت " ؛ نوع تعريض به ، وعناية عليه السلام. # ثم جعل يفسر له ، فقال : {أما السفينة} التي خرقتها ، {فكانت لمساكين} : ~~ضعفاء ، لا يقدرون على مدافعة الظلمة ، فسماهم مساكين ؛ لذلهم وضعفهم ، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، ~~واحشرني في زمرة المساكين " فلم يرد مسكنة الفقر ، وإنما أراد التواضع ~~والخضوع ، أي : احشرني مخبتا متواضعا ، غير جبار ولا متكبر ، وقيل : كانت ~~السفينة لعشرة إخوة : خمسة زمنى ، وخمسة {يعملون في البحر}. وإسناد العمل ~~إلى الكل ، حينئذ ، بطريق التغليب ، ولأن عمل الوكيل بمنزلة الموكل. {فأردت ~~أن أعيبها} : أجعلها ذات عيب ، {وكان ورائهم ملك} أي : أمامهم ، وقرئ به ، ~~أو خلفهم ، وكان رجوعهم عليه لا محالة ، وكان اسمه : " جلندي بن كركر " ~~وقيل : " هدد بن بدد " ، قال ابن عطية : وهذا كله غير ثابت ، يعني : تسمية ~~الملك. {يأخذ كل سفينة} صالحة ، وقرئ به ، {غصبا} من أصحابها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 185 PageV04P265 ~~وكان حق النظم أن يتأخر بيان إرادة التعيب عن خوف الغصب ، فيقول : فكانت ~~لمساكين ، وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة ، فأردت أن أعيبها ؛ لأن ~~إرادة التعيب مسبب عن خوف الغصب ، وإنما قدم ؛ للاعتناء بشأنها ؛ إذ هي ~~المحتاجة إلى التأويل ، ولأن في التأخير فصلا بين السفينة وضميرها ، مع ~~توهم رجوعه إلى الأقرب قال البيضاوي : ومبني ذلك - أي : التعيب وخوف الغصب ~~- على أنه متى تعارض ضرران ms1510 يجب حمل أهونهما بدفع أعظمهما ، وهو أصل ممهد ، ~~غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة. ه. # {وأما الغلام} الذي قتلته {فكان أبواه مؤمنين} وقد طبع هو كافرا ، وإنما ~~لم يصرح بكفره ؛ لعدم الحاجة إليه ؛ لظهوره من قوله : {فخشينا أن يرهقهما} ~~: فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين {طغيانا} عليهما {وكفرا} بنعمتهما ؛ ~~لعقوقه وسوء صنيعه ، فيلحقهما شرا ، أو لشدة محبتهما له فيحملهما على طاعته ~~، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره ، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر ، ~~فلعله يميلهما إلى رأيه فيرتدا. وإنما # 186 # خشي الخضر عليه السلام منه ذلك ؛ لأن الله سبحانه أعلمه بحاله وأطلعه على ~~عاقبة أمره ، وقرئ : " فخاف ربك " ، أي : كره سبحانه كراهية من خاف سوء ~~عاقبة الأمر. ويجوز أن تكون القراءة المشهورة من قول الله سبحانه على ~~الحكاية ، أي فكرهنا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ؛ {فأردنا أن يبدلهما ربهما ~~خيرا منه} ؛ بأن يرزقهما بدله ولدا {خيرا منه زكاة} : طهارة من الذنوب ~~والأخلاق الردية ، {وأقرب رحما} أي : رحمة وعطفا ، وفي التعرض لعنوان ~~الربوبية والإضافة إليهما ما لا يخفى ؛ من الدلالة على وصول الخير إليهما ، ~~فلذلك قيل : ولدت لهما جارية ، تزوجها نبي من الأنبياء فولدت نبيا ، هدى ~~الله تعالى على يديه أمة من الأمم ، وقيل : ولدت سبعين نبيا ، وقيل : ~~أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما. PageV04P266 # {وأما الجدار} الذي أقمت {فكان لغلامين يتيمين في المدينة} أي : القرية ~~المذكورة فيما سبق ، ولعل التعبير عنها بالمدينة ؛ لإظهار نوع اعتداد بها ، ~~باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالح ، قيل : اسم اليتيمين أصرم ~~وصريم. {وكان تحته كنز لهما} من فضة وذهب ، كما في الحديث ، والذم على ~~كنزهما إنما هو لمن لم يؤد زكاته ، مع أن هذه شريعة أخرى. قال ابن عباس : ~~(كان لوحا من ذهب ، مكتوب فيه : عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ؟ وعجبت لمن ~~يؤمن بالرزق كيف يتعب ؟ وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ؟ وعجبت لمن يؤمن ~~بالحساب كيف يغفل ؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ~~؟ لا إله إلا الله ، محمد رسول الله). وقيل : كانت صحفا فيها ms1511 علم مدفون. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 185 # وكان أبوهما صالحا} ، فيه تنبيه على أن سعيه في ذلك كان لصلاح أبيهما ، ~~وفيه دليل على أن الله تعالى يحفظ أولياءه في ذريتهم ، قيل : كان بينهما ~~وبين الأب الذي حفظا به سبعة أجداد. قال محمد بن المنكدر : (إن الله تعالى ~~ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده ، ومسربته التي هو فيها ، والدويرات ~~التي حولها ، فلا يزالون في حفظ الله وستره). وكان سعيد بن المسيب يقول ~~لولده : إني لأزيد في صلاتي من أجلك ، رجاء أن أحفظ فيك ، ويتلو هذه الآية. ~~ويتلو هذه الآية. وفي الحديث : " ما أحسن أحد الخلافة في ماله إلا أحسن ~~الله الخلافة في تركته " ويؤخذ من الآية : القيام بحق أولاد الصالحين ؛ إذ ~~قام الخضر عليه السلام بذلك. # {فأراد ربك} أي : مالكك ومدبر أمرك. وفي إضافة الرب إلى ضمير موسى عليه ~~السلام ، دون ضميرهما ، تنبيه له عليه السلام على تحتم كمال الانقياد ، ~~والاستسلام # 187 PageV04P267 ~~لإرادته سبحانه ، ووجوب الاحتراز عن المناقشة فيما برز من القدرة في الأمور ~~المذكورة وغيرها. أراد {أن يبلغا أشدهما} : حلمهما وكمال رأيهما ، ~~{ويستخرجا كنزهما} من تحت الجدار ، ولولا أني أقمته لانقض ، وخرج الكنز من ~~تحته ، قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته ، وضاع بالكلية ؛ {رحمة من ~~ربك} مصدر في موضع الحال ، أي : يستخرجا كنزهما مرحومين به من الله تعالى. ~~أو : يتعلق بمضمر ، أي : فعلت ما فعلت من الأمور التي شاهدتها ، {رحمة من ~~ربك} ؛ بمن فعل له أو به. # وقد استعمل الخضر عليه السلام غاية الأدب في هذه المخاطبة ؛ فنسب ما كان ~~عيبا لنفسه ، وما كان ممتزجا له ولله تعالى ؛ فإن القتل بلا سبب ظاهره عيب ~~، وإبداله بخير منه خير ، فأتى بضمير المشاركة ، وما كان كمالا محضا ، وهو ~~إقامة الجدار ، نسبه لله تعالى. # ثم قال : {وما فعلته} أي : ما رأيت من الخوارق {عن أمري} أي : عن رأيي ~~واجتهادي ، بل بوحي إلهي ملكي ، أو إلهامي ، على اختلاف في نبوته أو ولايته ~~، {ذلك} أي : ما تقدم ذكره من التأويلات ، {تأويل} أي : مآل وعاقبة {ما ms1512 لم ~~تسطع عليه صبرا} أي : تفسير ما لم تستطع عليه صبرا ، فحذف التاء ؛ تخفيفا ، ~~وهو فذلكة لما تقدم ، وفي جعل الصلة غير ما مر تكرير للتنكير عليه وتشديد ~~للعتاب. قيل : كل ما أنكر سيدنا موسى عليه السلام على الخضر قد جرى له مثله ~~، ففي هذه الأمثلة حجة عليه ، وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة ، نودي : يا ~~موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت مطروح في اليم ؟ فلما أنكر قتل الغلام وقيل ~~له : أين إنكارك من وكزك القبطي وقضائك عليه ؟ فلما أنكر إقامة الجدار ، ~~نودي : أين هذا من رفعك الحجر لبنات شعيب دون أجر ؟ والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 185 PageV04P268 ~~روي أنه قال له : لو صبرت لأتيت بك على ألفي عجيبة ، كلها مما رأيت. ولما ~~أراد موسى عليه السلام أن يفارقه ، قال له : أوصني ، قال : لا تطلب العلم ~~لتحدث به ، واطلبه لتعمل به. ه. # وفي رواية : قال له : اجعل همتك في معادك ، ولا تخض فيما لا يعنيك ، ولا ~~تأمن الخوف ، ولا تيأس الأمن ، وتدبر الأمور في علانيتك ، ولا تذر الإحسان ~~في قدرتك. فقال له : زدني يا ولي الله ، فقال : يا موسى إياك واللجاجة ، ~~ولا تمش في غير حاجة ، ولا تضحك ، من غير عجب ، ولا تعير أحدا بخطيئة بعد ~~الندم ، وابك على خطيئتك يا ابن عمران ، وإياك والإعجاب بنفسك ، والتفريط ~~فيما بقي من عمرك ، فقال له موسى : قد أبلغت في الوصية ، أتم الله عليك ~~نعمته ، وغمرك في رحمته ، وكلأك من عدوه. فقال الخضر : آمين. فأوصني أنت يا ~~نبي الله ، فقال له موسى : إياك والغضب إلا في الله ، ولا ترضى عن أحد إلا ~~في الله ، ولا تحب لدنيا ولا تبغض لدنيا ، فإنك تخرج من الإيمان # 188 # وتدخل في الكفر ، فقال له الخضر : قد أبلغت في الوصية يا ابن عمران ، ~~أعانك الله على طاعته ، وأراك السرور في أمرك ، وحببك إلى خلقه ، وأوسع ~~عليك من فضله ، قال موسى : آمين. تنبيه : قد تقدم أن الجمهور على حياة ~~الخضر عليه السلام. وسبب تعميره أنه كان على ms1513 مقدمة ذي القرنين ، فلما دخل ~~الظلمات أصاب الخضر عين الحياة ، فنزل فاغتسل منها ، وشرب من مائها ، فأخطأ ~~ذو القرنين الطريق ، فعاد ، فلم يصادفها ، قالوا : وإلياس أيضا في الحياة ، ~~يلتقيان في كل سنة بالموسم ، واحتج من قال بموت الخضر بقوله - عليه الصلاة ~~والسلام- ، كما في الصحيح ، بعد صلاة العشاء : " أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإنه ~~على رأس مائة سنة ، لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدا " ، ويجاب بأن ~~الخضر عليه السلام كان في ذلك الوقت في السحاب ، أو يخصص الحديث به ؛ كما ~~يخص بإبليس ومن عمر من غيره. والله تعالى أعلم. PageV04P269 # الإشارة : الاعتراض على المشايخ موجب للبعد عنهم ، والبعد عنهم موجب للبعد ~~عن الله ، فلا وصول إلى الله إلا بالوصول إليهم مع التعظيم والاحترام ؛ " ~~سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يصل ~~إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " ؛ كما في الحكم. فالواجب على المريد ، ~~إذا كان بين يدي الشيخ ، السكوت والتسليم والاحترام والتعظيم ، إلا أن ~~يأمره بالكلام ، فيتكلم بآداب ووقار وخفض صوت ، فإذا رأى منه شيئا يخالف ~~ظاهر الشريعة فليسلم له ، ويطلب تأويله ، فإن الشريعة واسعة ، لها ظاهر ~~وباطن ، فلعله اطلع على ما لم يفهمه المريد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 185 # وكذلك الفقراء لا ينكر عليهم إلا ما كان محرما مجمعا على تحريمه ، ولا ~~تأويل فيه ، كالزنا بالمعينة أو اللواط ، وأما ما اختلف فيه ، ولو خارج ~~المذهب ، فلا ينكر عليه ، وكذلك ما فيه تأويل. هذا إن صحت عدالته ، فقد ~~قالوا : إن صحت عدالة المرء فليترك وما فعل. وتأمل قضية شيخ شيوخنا سيدي ~~عبد الرحمن المجذوب في مسألة الثور الذي أمر الفقراء بذبحه ، فلما ذبحوه ~~تبين أنه كان صدقة عليه ، وكذلك غيره من أرباب الأحوال ، يلتمس لهم أحسن ~~المخارج ، فإن أحوالهم خضرية ، وما رأينا أحدا أولع بالإنكار فأفلح أبدا. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 185 # يقول الحق جل جلاله : {ويسألونك} أي اليهود ، سألوه على وجه الامتحان ، ~~أو قريش ، بتلقينهم. والتعبير بالمضارع ؛ للدلالة على استمرارهم على ms1514 ذلك ~~إلى ورود الجواب ، والمراد : ذو القرنين الأكبر ، وكان على عهد إبراهيم ~~عليه السلام ، ويقال : إنه الذي قضى لإبراهيم حين تحاكم إليه في بئر السبع ~~بالشام ، واسمه تبرس ، وقيل : هرديس ، وأما ذو القرنين الأصغر ، بالقرب من ~~زمن عيسى عليه السلام ، واسمه الإسكندر ، وهو صاحب أرسطو الفيلسوف ، وقيل : ~~المراد به هنا الأصغر ، واقتصر عليه المحلي. PageV04P270 # قال الإمام الرازي : والأول أظهر ؛ لأن من بلغ ملكه من السعة والقوة إلى ~~الغاية التي نطق بها التنزيل إنما هو الأكبر ، كما شهدت به كتب التواريخ. ~~قلت : كلاهما بلغا الغاية القصوى ، وملكا المشارق والمغارب ، أما ذو ~~القرنين الأكبر ، فقيل : إنه كان ملكا عادلا صالحا ، ملك الأقاليم ، وقهر ~~أهلها من الملوك ، ودانت له البلاد ، وإنه كان داعيا إلى الله تعالى ، ~~سائرا في الخلق بالمعونة التامة والسلطان المؤيد المنصور ، وكان الخضر على ~~مقدمة جيشه ، بمنزلة المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير. وقيل : كان ~~ابن خالته. وذكر الأزرقي وغيره أنه أسلم على يد إبراهيم عليه السلام ، فطاف ~~معه بالكعبة مع إسماعيل. وروي أنه حج ماشيا ، فلما سمع إبراهيم عليه السلام ~~بقدومه تلقاه ودعا له ، وأوصاه بوصايا. ويقال : إنه أتي بفرس ليركب ، فقال ~~: لا أركب في بلد فيه الخليل ، فعند ذلك سخر له السحاب ، وطوى له الأسفار ، ~~فكانت السحاب تحمله وعساكيره وجميع آلاتهم ، إذا ارادوا غزو قوم. وسئل عنه ~~علي رضي الله عنه : أكان نبيا أو ملكا - بالفتح - ؟ فقال : لم يكن نبيا ولا ~~ملكا ، ولكن كان عبدا أحب الله فأحبه الله ، وناصح الله فناصحه ، فسخر له ~~السحاب ، ومد له الأسباب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 189 # وقال مجاهد : ملك الأرض أربعة : مؤمنان وكافران ، فالمؤمنان : سليمان وذو ~~القرنين ، والكافران : نمرود وبختنصر. ه. # وأما ذو القرنين الأصغر ، وهو الإسكندر اليوناني ، فروي انه لما مات أبوه ~~جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف ، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم ، ثم مضى حتى ~~أتى البحر الأخضر ، ثم عاد إلى مصر ، فبنى الإسكندرية وسماها باسمه ، ثم ~~دخل الشام وقصد بني إسرائيل ، وورد بيت المقدس وذبح في ms1515 مذبحة ، ثم انعطف ~~إلى أرمينية وباب # 190 PageV04P271 ~~الأبواب ، ودان له العراقيون والقبط والبربر ، واستولى على ملوك الفرس ، ~~وقصد السند وفتحه ، وبنى مدينة سرنديب وغيرها ، ثم قصد الصين ، وغزا الأمم ~~البعيدة ، ورجع إلى العراق ومرض ومات. PageV04P272 # روي أن أهل النجوم : قالوا له : إنك تموت على أرض من حديد ، وتحت سماء من ~~خشب ، فبلغ بابل ، ورعف ، وسقط عن دابته ، فبسطت له دروع من حديد ، فنام ~~عليها ، فآذته الشمس ، فأظلوه بترس من خشب ، فنظر ، فقال : هذه أرض من حديد ~~وسماء من خشب ، فمات ، وهو ابن ألف وستمائة سنة ، وقيل : ثلاثة آلاف ، قال ~~ابن كثير : وهو غريب. قلت : والذي لابن عساكر : أنه عاش ستا وثلاثين سنة ، ~~وأنه كان بعد داود وسليمان - عليهما السلام - ثم قال ابن عساكر بعد كلام : ~~وإنما بينا هذا ؛ لأن كثيرا من الناس يعتقدون أنهما واحد ، وأن المذكور في ~~القرآن العظيم هو المتأخر ، فيقع بذلك خطأ كبير. كيف لا ، والأول كان عبدا ~~صالحا مؤمنا ، ملكا عادلا ، وزيره الخضر عليه السلام ، وقد قيل : إنه كان ~~نبيا ، وأما الثاني فقد كان كافرا ، وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف ، وقد كان ~~بينهما من الزمان أكثر من ألفي سنة ، فأين هذا من ذلك ؟ !. ه. فتأمله مع ما ~~ذكر في اللباب من تعزيته أمه ، مما يدل على إسلامه ، قال فيه : لما علم ذو ~~القرنين أن الموت استعجله ، دعا بكاتبه ، فقال له : اكتب تعزيتي لأمي ، بسم ~~الله الرحمن الرحيم ، من الإسكندر بن قيصر ، رفيق أهل الأرض بجسده وأهل ~~السماء بروحه ، إلى أمي رومية ذات الصفا ، التي لم تتمتع بثمرتها في دار ~~الفناء ، وعما قريب تجاوره في دار البقاء ، يا أماه ؛ أسألك بودك لي وودي ~~لك ، هل رأيت لحي قرارا في الدار الدنيا ؟ وانظري إلى الشجر والنبات يخضر ~~ويبتهج ، ثم يهشم ويتناثر ، كأن لم يغن بالأمس ، وإني قد قرأت في بعض الكتب ~~فيما أنزل الله : يا دنياي ارحلي بأهلك ، فإنك لست لهم بدار ، إنما الدنيا ~~واهبة الموت ، موروثة الأحزان ، مفرقة الأحباب ، مخربة العمران ، وكل مخلوق ~~في دار الأغيار ليس له قرار. ms1516 انظر بقية كلامه فيه. ولا يلزم من صحبته ~~أرسطاطاليس أن يكون على دينه. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 189 PageV04P273 ~~واختلف في ذي القرنين المذكور في القرآن : هل كان نبيا أو ملكا - بفتح ~~اللام - أو ملكا - بالكسر - وهو الصحيح ، واختلف في وجه تسميته بذي القرنين ~~؛ فقيل : كان في رأسه أو تاجه ما يشبه القرنين ، وقيل : لأنه كان له ~~ذؤابتان ، وقيل : لأنه دعا الناس إلى الله عز وجل ، فضرب بقرنه الأيمن ، ثم ~~دعا إلى الله فضرب بقرنه الأيسر ، وقيل : لأنه رأى في منامه أنه صعد الفلك ~~فأخذ بقرني الشمس ، وقيل : لأنه انقرض في عهده قرنان ، وقيل : لأنه سخر له ~~النور والظلمة ، فإذا سرى يهديه النور من أمامه ، وتحوطه الظلمة من ورائه. ه. # 191 # ثم ذكر الحق تعالى الجواب ، فقال : {قل سأتلو عليكم} أي : سأذكر لكم {منه ~~ذكرا} أي : خبرا مذكورا ، أو قرآنا يخبركم بشأنه ، والسين ؛ للتأكيد ، ~~والدلالة على التحقق المناسب لمقام تأييده صلى الله عليه وسلم ، وتصديقه ~~بإنجاز وعده ، لا للدلالة على أن التلاوة ستقع في المستقبل ؛ لأن هذه الآية ~~نزلت موصولة بما قبلها ، حين سألوه صلى الله عليه وسلم عنه ، وعن الروح ، ~~وعن أهل الكهف ، فقال : غدا أخبركم ، فتأخر الوحي كما تقدم ، ثم نزلت ~~السورة مفصلة. ثم شرع في تلاوة ذلك الذكر ، فقال : {إنا مكنا له في الأرض} ~~أي : مكنا له فيها قوة يتصرف فيها كيف يشاء ، بتيسير الأسباب وقوة الاقتدار ~~، حيث سخر له السحاب ، ومد له في الأسباب ، وبسط له النور ، فكان الليل ~~والنهار عليه سواء ، وسهل له السير في الأرض وذللت له طرقها ، {وآتيناه من ~~كل شيء} أراده من مهمات ملكه ومقاصده المتعلقة بسلطانه {سببا} أي : طريقا ~~يوصله إليه ؛ من علم ، أو قدرة ، أو آلة ، فأراد الوصول إلى الغرب {فأتبع ~~سببا} : طريقا يوصله إليه. PageV04P274 # {حتى إذا بلغ مغرب الشمس} أي : منتهى الأرض من جهة المغرب ، بحيث لا يتمكن ~~أحد من مجاوزته ، ووقف على حافة البحر المحيط الغربي ، الذي فيه الجزاير ~~المسماة بالخالدات ، التي هي مبدأ الأطوال على ms1517 أحد القولين. {وجدها} أي : ~~الشمس ، {تغرب في عين حمئة} أي : ذات حمأ ، وهو الطين الأسود ، وقرئ : ~~حامية ، أي : حارة ، روي أن معاوية رضي الله عنه قرأ حامية ، وعنده ابن ~~عباس ، فقال ابن عباس : حمئة ، فقال : معاوية لعبد الله بن عمرو بن العاص : ~~كيف تقرأ ؟ قال : كما يقرأ أمير المؤمنين ، ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد ~~الشمس تغرب ؟ قال : في ماء وطين ، كذا نجده في التوراة ، فوافق قول ابن ~~عباس رضي الله عنه. # وليس بينهما تناف ، لجواز كون العين جامعة بين الوصفين ، وأما رجوع ~~معاوية إلى قول ابن عباس بما سمعه من كعب الأحبار ، مع أن قراءته أيضا ~~متواترة ، فلكون قراءة ابن عباس قطعية في مدلولها ، وقراءته محتملة ، ولعله ~~لما بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك ، إذ ليس في مطمح نظره غير الماء ، ~~كما يلوح به قوله تعالى : {وجدها تغرب} ، ولم يقل : كانت تغرب ؛ فإن الشمس ~~في السماء لا تغرب في الأرض. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 189 # ووجد عندها} أي : تلك العين {قوما} ؛ قيل : كان لباسهم جلود الوحش ، ~~وطعامهم ما لفظه البحر ، وكانوا كفارا ، فخيره الله تعالى بين أن يعذبهم ~~بالقتل ، وأن يدعوهم إلى الإيمان ، فقال : {قلنا يا ذا القرنين إما أن ~~تعذب} بالقتل من أول الأمر ، {وإما أن تتخذ فيهم حسنا} ؛ أمرا ذا حسن ، ~~وذلك بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد إلى الشرائع ، واستدل بهذا على نبوته ، ~~ومن لم يقل بها قال : كان بواسطة نبي كان معه في # 192 PageV04P275 ~~ذلك العصر ، أو إلهاما ، بعد أن كان التخيير موافقا لشريعة ذلك النبي ، ~~{قال} ذو القرنين ، لمن كان عنده : مختارا للشق الأخير ، وهو الدعاء إلى ~~الإسلام : {أما من ظلم} في نفسه ، وأصر على الكفران ، ولم يقبل الإيمان ~~{فسوف نعذبه} بالقتل. وعن قتادة : أنه كان يطبخ من كفر في القدور ، {ثم يرد ~~إلى ربه} في الآخرة {نعذبه} فيها {عذابا نكرا} ؛ منكر فظيعا ، لم يعهد مثله ~~، وهو عذاب النار. وفيه دلالة ظاهرة على أن الخطاب لم يكن بطريق الوحي إليه ~~، أي : حيث لم يقل : " ثم ms1518 يرد إليك " ، وأن مقاولته كانت مع النبي ، أو مع ~~من عنده من أهل مشورته. # {وأما من آمن} بموجب دعوته {وعمل} عملا {صالحا} حسبما يقتضيه الإيمان ~~{فله} في الدارين {جزاء الحسنى} ، أي : المثوبة الحسنى ، أو الفعلة الحسنى ~~جزاء ، على قراءة النصب ، على أنه مصدر مؤكد للجملة ، قدم عليه المبتدأ ؛ ~~اعتناء ، أو حال ، أو تمييز. {وسنقول له من أمرنا} أي : مما نأمر به {يسرا} ~~: سهلا ميسرا ، غير شاق عليه. والله تعالى أعلم. PageV04P276 # الإشارة : ذو القرنين لما أقبل بكليته على مولاه ، ودعا إلى الله ، ونصح ~~لله ، مكنه الله تعالى من الأرض ، ويسر له أموره ، حتى قطع مشارقها ~~ومغاربها ، وكذلك من انقطع إلى الله ، ورفع همته إلى مولاه ، وأرشد الخلق ~~إلى الله ، تكون همته قاطعة ، يقول للشيء كن فيكون ، بقدرة الله وقدره. ~~وسخر له الكون بأسره ، يكون عند أمره ونهيه " أنت مع الأكوان ما لم تشهد ~~المكون ، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، يقول الله تعالى ، في بعض كلامه ~~: " يا عبدي كن لي كما أريد ، أكن لك كما تريد ". قال القشيري : ذو القرنين ~~مكن له في الأرض جهرا ، فكانت تطوى له إذا قطع أحوازها ، وسهل له أن يندرج ~~في مشارقها ومغاربها ، ويحظر أقطارها ومناكبها ، ومن كان في محل الإعانة من ~~الأولياء ؛ فالحق سبحانه يمكنه في المملكة ، ليحصل عند همته ما أراد من ~~حصول طعام أو شراب ، أو غيره من قطع مسافة ، أو استتار عن أبصار ، وتصديق ~~مأمول ، وتحقيق سؤال ، وإجابة دعاء ، وكشف بلاء ، وفوق ذلك تمكينه من تحقيق ~~همه له في أمره ، ثم فوق ذلك في التمكين في أن يحضر بهمتهم قوما بما شاؤوا ~~، ويمنع قوما عما شاؤوا ، فلهم من الحق تحقيق أمل ، إذا تصرفوا في المملكة ~~بإرادات في سوانح وحادثات ، وفوق هذا التمكين في المملكة إيصال قوم إلى ~~منازل ومحال ، فالله يحقق فيهم همتهم. ه. قلت : وفوق ذلك كله تمكينهم من ~~شهود ذاته ، في كل وقت وحين ، حتى لو طلبوا الحجاب لم يجابوا ، ولو كلفوا ~~أن يروا غيره لم يستطيعوا ، وهؤلاء هم الذين لهم ms1519 التمكين في الإيصال إلى ~~منازل السائرين ومحال الواصلين. والله تعالى أعلم. # 193 # جزء : 4 رقم الصفحة : 189 PageV04P277 ~~قلت : {مطلع} فيه لغتان : الكسر والفتح ، و{كذلك} : خبر عن مضمر ، أي : أمر ~~ذي القرنين كما وصفنا لك ، أو صفة مصدر محذوف لوجد ، أو {نجعل} أي : وجدا ~~أو جعلا كذلك ، أو صفة لقوم ، أي : على قوم مثل ذلك القبيل ، الذي تغرب ~~عليهم الشمس في الكفر والحكم ، أو صفة لستر ، أي : سترا مثل # 194 # ستركم. # يقول الحق جل جلاله : {ثم أتبع} ذو القرنين {سببا} : طريقا راجعا من مغرب ~~الشمس ، موصلا إلى مشرقها ، {حتى إذا بلغ مطلع الشمس} أي : الموضع الذي ~~تطلع عليه الشمس أولا من معمورة الأرض ، قيل : بلغه في اثنتي عشرة سنة ، ~~وقيل : في أقل من ذلك. # {وجدها تطلع على قوم} عراة {لم نجعل لهم من دونها سترا} من اللباس ~~والبنيان ، قيل : هم الزنج ، وفي اللباب : قيل : إنهم بنو كليب ، وقيل : إن ~~بني كليب طائفة منهم ، وهم قوم بآخر صين الصين ، على صور بني آدم ، إلا ~~أنهم لهم أذناب كأذناب الكلاب ، ووجوه كوجوه الكلاب ، وأكثر قوتهم الحوت ، ~~ومن مات منهم أكلوه ، وملأوا موضع دماغه مسكا وعنبرا ، وحبسوه عندهم ؛ ~~تبركا بآبائهم وأبنائهم. ثم قال : وليس لهم لباس إلا الجلود على عورتهم. ه. PageV04P278 # وعن كعب : أن أرضهم لا تمسك الأبنية ، وبها أسراب ، فإذا طلعت الشمس دخلوا ~~الأسراب أو البحر ، فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم ، يتراعون فيها ~~كما ترعى البهائم. قال رجل من سمرقند : خرجت حتى جاوزت الصين ، فقالوا لي : ~~بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة ، فاستأجرت رجلا حتى بلغتهم ، فإذا أحدهم يفرش ~~أذنه ، ويلبس الأخرى ، وكان صاحبي يحسن لسانهم ، فسألهم فقالوا : جئتنا ~~تنظر كيف تطلع الشمس. قال : فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة ، فغشي ~~علي ، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن ، فلما طلعت الشمس على الماء ، إذا هي ~~فوق الماء كهيئة الزيت ، فأدخلونا سربا لهم ، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى ~~البحر يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس فينضج. ه. وعن مجاهد : من لا يلبس ~~الثياب من السودان ms1520 عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض. ه. PageV04P279 # وقوله تعالى : {كذلك} : أي : أمر ذي القرنين كما وصفنا ، في رفعة المحل ~~وبسط الملك ، أو أمره فيهم كأمره في أهل مغرب الشمس ، من التخيير والاختيار ~~، أو وجد قوما عند مطلع الشمس كذلك ، وحكم فيهم ، بحكم أولئك. أو : {لم ~~نجعل لهم} سترا مثل ستركم من اللباس والأكنان والجبال. قال الحسن : كانت ~~أرضهم لا جبل فيها ولا شجر ، ولا تحمل البناء ، فإذا طلعت الشمس هربوا إلى ~~البحر. ه. قال تعالى : {وقد أحطنا بما لديه} من الأسباب والعدد ، وما صدر ~~عنه وما لاقاه {خبرا} : علما تعلق بظواهره ، وخفايا أمره ، يعني : أن ذلك ~~بلغ من الكثرة بحيث لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير. الإشارة : كان ذو ~~القرنين في الظاهر يلتمس مطلع الشمس الحسية ، وفي الباطن يلتمس مطلع الشمس ~~المعنوية ، وهي شمس القلوب ، التي تكشف أستار الغيوب ، ثم أتبع سببا يوصل ~~إلى شمس العيان ، فوجدها تطلع على قلوب أهل العرفان ، لم يجعل لهم من دونها ~~سترا على الدوام ، لما أتحفهم به من غاية الوصال والإكرام ، حتى قال قائلهم ~~: لو حجب عني الحق تعالى طرفة عين ما أعددت نفسي من المسلمين ، وكذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، أو يقول : وجدها تطلع على أهل التجريد ، ~~الخائضين في بحار التوحيد ، وأسرار التفريد ، وفيهم قال المجذوب رضي الله عنه : # جزء : 4 رقم الصفحة : 194 # أقارئين علم التوحيد # هنا البحور إلي تنبي # هذا مقام أهل التجريد # الواقفين مع ربي # قد تجردوا من لباس الزينة والافتخار ، ولبسوا لباس المسكنة والافتقار ، ~~فعوضهم الله تعالى في قلوبهم لباس الغنى والعز والاقتدار ، صبروا قليلا ، ~~واستراحوا زمنا طويلا ، تذللوا قليلا ، وعزوا عزا طويلا ، جعلنا الله منهم ~~بمنه وكرمه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 194 # قلت : {بين السدين} : مفعول ، لا ظرف ؛ لأنه يستعمل متصرفا. PageV04P280 # يقول الحق جل جلاله : {ثم أتبع} ذو القرنين {سببا} : طريقا ثالثا بين ~~المشرق والمغرب ، سالكا من الجنوب إلى الشمال ، {حتى إذا بلغ بين السدين} : ~~بين الجبلين ، # 195 # اللذين سد ما بينهما ، وهو ms1521 منقطع أرض الترك ، مما يلي المشرق ، لا جبال ~~أرمينية وأذربيجان ، كما توهم ، وفيه لغتان : الضم والفتح ، وقيل : ما كان ~~من فعل الله فهو مضموم ، وما كان من عمل الخلق فهو مفتوح. {وجد من دونهما} ~~أي : من ورائهما : مما يلي بر الترك ، {قوما} : أمة من الناس {لا يكادون ~~يفقهون} : يفهمون {قولا} ؛ لغرابة لغتهم ، وقلة فطنتهم ، وقرئ بالضم ؛ ~~رباعيا ، أي : لا يفصحون بكلامهم ، واختلف فيهم ، قيل : هم جيل من الترك ؛ ~~قال السدي : الترك سربة من يأجوج ومأجوج ، خرجت ، فضرب ذو القرنين السد ، ~~فبقيت خارجة. قلت : ولعلهم طلبوا منه ذلك ، حين اعتزلوا قومهم ، ثم قال : ~~فجميع الترك منهم. وعن قتادة : أنهم ، - أي : يأجوج ومأجوج - اثنتان وعشرون ~~قبيلة ، سد ذو القرنين على إحدى وعشرين ، وبقيت واحدة ، فسموا الترك ؛ ~~لأنهم تركوا خارجين. قال أهل التاريخ : أولاد نوح عليه السلام ثلاثة : سام ~~وحام ويافث ، فسام أبو العرب والعجم والروم ، وحام أبو الحبشة والزنج ~~والنوبة ، ويافث أبو الترك والخرز والصقالبة ويأجوج ومأجوج. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 195 # وقرئ بالهمز فيهما ؛ لأنه من أجيج النار ، أي : ضوؤها وشررها ، شبهوا به ~~في كثرتهم وشدتهم ، وهو غير منصرف ؛ للعجمة والعلمية. PageV04P281 # {قالوا يا ذا القرنين} ، إما أن يكون قالوه بواسطة ترجمان ، أو يكون فهم ~~كلامهم ، فيكون من جملة ما آتاه الله تعالى من الأسباب ، فقالوا له : {إن ~~يأجوج ومأجوج} ، قد تقدم أنهم من أولاد يافث. وما يقال : إنهم من نطفة ~~احتلام آدم لم يصح ، واختلف في صفاتهم ، فقيل : في غاية صغر الجثة وقصر ~~القامة ، لا يزيد قدمهم على شبر ، وقيل : في نهاية عظم الجسم وطول القامة ، ~~تبلغ قدودهم نحو مائة وعشرين ذراعا ، وفيهم من عرضه كذلك. # قال عبد الله بن مسعود : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج ~~، فقال : " هم أمم ، كل أمة أربع مائة ألف ، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر ~~إلى ألف ذكر من صلبه ، كلهم قد حمل السلاح " ، قيل : يا رسول الله صفهم لنا ~~، قال : " هم ثلاثة أصناف : صنف منهم أمثال الأرز - وهو شجر بالشام ms1522 طول ~~الشجرة عشرون ومائة ذراع - وصنف عرضه وطوله سواء ، عشرون ومائة ذراع ، وصنف ~~يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى ، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ، ~~ومن مات منهم أكلوه ، مقدمتهم بالشام ، وساقتهم بخراسان ، يشربون أنهار ~~المشرق ، وبحيرة طبرية ". فقالوا له : {إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} ~~أي : في أرضنا ، بالقتل ، والتخريب ، وإتلاف الزرع ، قيل : كانوا يخرجون ~~أيام الربيع ، فلا يتركون أخضر إلا # 196 # أكلوه ، ولا يابسا إلا احتملوه ، وكانوا يأكلون الناس أيضا. {فهل نجعل لك ~~خرجا} أي : جعلا من أموالنا {على أن تجعل بيننا وبينهم سدا} ؛ بالفتح ~~وبالضم ، أي : حاجزا يمنعهم منا ؟ PageV04P282 # {قال ما مكني} - بالفك وبالإدغام - أي : ما مكنني {فيه ربي} ، وجعلني في ~~مكينا قادرا من الملك والمال وسائر الأسباب ، {خير} من جعلكم ، فلا حاجة لي ~~به ، {فأعينوني بقوة} الأبدان وعمل الأيدي ، كصناع يحسنون البناء والعمل ، ~~وبآلات لا بد منها في البناء ، {أجعل بينكم وبينهم ردما} أي : حاجزا حصينا ~~، وبرزخا مكينا ، وهو أكبر من السد وأوثق ، يقال : ثوب مردم ؛ إذا كان ذا ~~رقاع فوق رقاع ، وهذا إسعاف لهم فوق ما يرجون. {آتوني زبر الحديد} : جمع ~~زبرة ، وهي القطعة الكبيرة ، وهذا لا ينافي رد خراجهم ؛ لأن المأمور ~~الإيتاء بالثمن أو المناولة ، كما ينبئ عنه قراءة : " ائتوني " ؛ بوصل ~~الهمزة ، أي : جيئوني بزبر الحديد ، على حذف الباء ، ولأن إيتاء الآلة من ~~قبيل الإعانة بالقوة ، دون الخراج على العمل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 195 # قال القشيري : استعان بهم في الذي احتاج إليه منهم ، ولم يأخذ منهم عمالة ~~؛ لما رأى أن من الواجب عليه حق الحماية على حسب المكنة. ه. # ولعل تخصيص الأمر بالإتيان بها دون سائر الآلات ؛ من الفحم والحطب ~~وغيرهما ؛ لأن الحاجة إليها أمس ؛ لأنها الركن في السد ، ووجودها أعز. قيل ~~: حفر الأساس حتى بلغ الماء ، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب ، ~~والبنيان من زبر الحديد ، وجعل بينهما الفحم والحطب ، حتى سد ما بين ~~الجبلين إلى أعلاهما ، وكان بينهما مائة فرسخ ، وذلك قوله تعالى : {حتى إذا ~~ساوى بين الصدفين} ، وقرئ بضمهما ms1523 ، أي : ما زال يبني شيئا فشيئا حتى إذا ~~جعل ما بين ناصيتي الجبلين من البنيان مساويا لهما في السمك. قيل : كان ~~ارتفاعه : مائتي ذراع ، وعرضه : خمسون ذراعا. وقرئ {سوى} ؛ بالتشديد ، من ~~التسوية. PageV04P283 # فلما سوى بين الجبلين بالبناء ، {قال} للعملة : {انفخوا} النيران في الحديد ~~المبني ، ففعلوا {حتى إذا جعله} أي : المنفوخ فيه {نارا} أي : كالنار في ~~الحرارة والهيئة. وإسناد الجعل إلى ذي القرنين ، مع أنه من فعل العملة ؛ ~~للتنبيه على أنه العمدة في ذلك ، وهم بمنزلة الآلة. {قال} للذين يتولون أمر ~~النحاس من الإذابة وغيرها : {آتوني أفرغ عليه قطرا} أي : آتوني نحاسا مذابا ~~أفرغه عليه ، وإسناد الإفراغ إلى نفسه ، لما تقدم. # {فما اسطاعوا} أي : استطاعوا {أن يظهروه} أي : يعلوه بالصعود لارتفاعه ، ~~والفاء فصيحة ، أي : ففعلوا ما أمرهم به من إيتاء القطر ، فأفرغوه عليه ، ~~فاختلط والتصق بعضه ببعض ، فصار جبلا صلدا ، فجاء يأجوج ومأجوج فقصدوا أن ~~يعلوه أو ينتقبوه {فما # 197 # اسطاعوا أن يظهروه} ؛ لارتفاعه وملاسته ، {وما استطاعوا له نقبا} ؛ ~~لصلابته ، وهذه معجزة له ؛ لأن تلك الزبر الكبيرة إذا أثرت فيها حرارة ~~النار لا يقدر أحد أن يجول حولها ، فضلا عن إفراغ القطر عليها ، فكأنه ~~تعالى صرف النار عن أبدان المباشرين للأعمال. والله على كل شيء قدير. # {قال} ذو القرنين ، لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم : {هذا} أي : السد ~~، أو تمكينه منه ، {رحمة} عظيمة {من ربي} على كافة العباد ، لا سيما على ~~مجاوريه ، وفيه إيذان بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق ، بل ~~هو إحسان إلهي محض ، وإن ظهر بمباشرتي. والتعرض لوصف الربوبية ؛ لتربية ~~معنى الرحمة. # {فإذا جاء وعد ربي} : وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج ، أو بقيام الساعة ؛ ~~بأن شارف قيامها ، {جعله} أي : السد المذكور ، مع متانته ورصانته ، {دكاء} ~~: مدكوكا مبسوطا مستويا بالأرض ، وفيه بيان عظمة قدرته تعالى ، بعد بيان ~~سعة رحمته ، {وكان وعد ربي حقا} : كائنا لا محالة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 195 PageV04P284 ~~روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد ، حتى ~~إذا كادوا ms1524 يرون شعاع الشمس ، قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا ، ~~فيعيده الله كأشد ما كان ، حتى إذا بلغت مدتهم ، حفروا ، حتى إذا بلغت ~~مدتهم ، حفروا ، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ، قال الذي عليهم : ارجعوا ~~فستحفرونه غدا إن شاء الله ، فيعودون إليه ، وهو على هيئته كما تركوه ، ~~فيحفرونه فيخرجون على الناس " وسيأتي في الأنبياء تمام قصة خروجهم ، إن شاء ~~الله ، وهذا آخر كلام ذي القرنين. قال تعالى : {وتركنا بعضهم يومئذ} : يوم ~~مجيء الوعد ، ويخرجون ، {يموج في بعض} ؛ يزدحمون في البلاد ، أو : يموج بعض ~~الخلق في بعض ، فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم ، حيارى من شدة الهول. روي ~~أنهم يأتون البحر فيشربونه ويأكلون دوابه ، ثم يأكلون الشجر وما ظفروا به ، ~~ممن لم يتحصن منهم من الناس ، ولا يقدرون على دخول مكة والمدينة وبيت ~~المقدس ، ثم يبعث الله عليهم مرضا في رقابهم ، فيموتون مرة واحدة ، فيرسل ~~الله طيرا فترميهم في البحر ، ثم يرسل مطرا تغسل الأرض منهم ، ثم توضع فيها ~~البركة ، وهذا بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام ، ثم تنقرض الدنيا ~~كما قال تعالى : # {ونفخ في الصور} ؛ لقيام الساعة ، {فجمعناهم جمعا} ، وسكت الحق تعالى عن ~~النفخة الأولى ؛ اكتفاء بذكرها في موضع آخر ، أي : جمعنا الخلائق بعدما ~~تفرقت أوصالهم ، وتمزقت أجسادهم ، في صعيد واحد ؛ للحساب والجزاء ، جمعا ~~عجيبا لا يكتنه # 198 PageV04P285 ~~كنهه ، {وعرضنا جهنم} ؛ أظهرناها وأبرزناها {يومئذ} أي : يوم إذ جمعنا ~~الخلائق كافة ، {للكافرين} منهم ، بحيث يرونها ويسمعون لها تغيظا وزفيرا ، ~~{عرضا} فظيعا هائلا لا يقدر قدره ، وخص العرض بهم ، وإن كان بمرأى من أهل ~~الموقف قاطبة ؛ لأن ذلك لأجلهم. ثم ذكر وصفهم بقوله : {الذين كانت أعينهم} ~~وهم في الدنيا {في غطاء} كثيف وغشاوة غليظة {عن ذكري} : عن سماع القرآن ~~وتدبره ، أو : عن ذكري بالتوحيد والتمجيد ، أو كانت أعين بصائرهم في غطاء ~~عن ذكري على وجه يليق بشأني ، {وكانوا لا يستطيعون سمعا} أي : وكانوا مع ~~ذلك ؛ لفرط تصاممهم عن الحق وكمال عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، لا ~~يستطيعون استماعا منه لذكري وكلامي ، الذي لا ms1525 يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه ، وهذا تمثيل لإعراضهم عن الأدلة السمعية ، كما أن الأول تصوير ~~لتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 195 # الإشارة : السياحة في أقطار الأرض مطلوبة عند الصوفية في بداية المريد ، ~~أقلها سبع سنين ، وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه : أقلها ~~أربع عشرة سنة. وفيها فوائد ، منها : زيارة الإخوان ، والمذاكرة معهم ، وهي ~~ركن في الطريق ، ومنها : نفع عباد الله ، إن كان أهلا لتذكيرهم ، (فلأن ~~يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس). ومنها : تأسيس باطنه ~~وتشحيذ معرفته ، ففي كل يوم يلقى تجليا جديدا ، وتلوينا غريبا ، يحتاج معه ~~إلى معرفة كبيرة وصبر جديد ، فالمريد كالماء ، إذا طال مكثه في مكانه أنتن ~~وتغير ، وإذا جرى عذب وصفى. ومنها : أنه قد يلقى في سياحته من يربح منه ، ~~أو يزيد به إلى ربه. PageV04P286 # روي أن ذا القرنين بينما هو يسير في سياحته إذ رفع إلى أمة صالحة ، يهدون ~~بالحق وبه يعدلون ، يقسمون بالسوية ، ويحكمون بالعدل ، وقبورهم بأبواب ~~بيوتهم ، وليست لبيوتهم أبواب ، وليس عليهم أمراء ، وليس بينهم قضاة ، ولا ~~يختلفون ولا يتنازعون ، ولا يقتتلون ، ولا يضحكون ولا يحزنون ، ولا تصيبهم ~~الآفات التي تصيب الناس ، أطول الناس أعمارا ، وليس فيهم مسكين ولا فظ ولا ~~غليظ ، فعجب منهم ، وقال : خبروني بأمركم ، فلم أر في مشارق الأرض ومغاربها ~~مثلكم ، فما بال قبوركم على أبواب بيوتكم ؟ قالوا : لئلا ننسى الموت ؛ ~~ليمنعنا ذلك من طلب الدنيا ، قال : فما بال بيوتكم لا أبواب لها ؟ قالوا : ~~ليس فيها متهم ، ولا فينا إلا أمين مؤتمن. قال : فما بالكم ليس فيكم حكام ؟ ~~قالوا : لا نختصم ، قال : فما بالكم ليس فيكم أغنياء ؟ قالوا : لا نتكاثر. ~~قال : فما بالكم ليس فيكم ملوك ؟ قالوا : لا نفتخر ، قال : فما بالكم لا ~~تتنازعون ولا تختلفون ؟ قالوا : من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا ، قال : ~~فما بال طريقتكم واحدة وكلمتكم مستقيمة ؟ قالوا : من أجل أننا لا نتكاذب ، ~~ولا نتخادع ، ولا يغتاب بعضنا بعضا. قال : أخبروني من أين ms1526 # 199 PageV04P287 ~~تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم ؟ قالوا : صلحت صدورنا فنزع منها الغل والحسد ~~، قال : فما بالكم ليس فيكم فقير ولا مسكين ؟ قالوا : من قبل أنا نقسم ~~بيننا بالسوية. قال : فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ ؟ قالوا : من قبل ~~الذلة والتواضع ، قال : فما جعلكم أطول الناس أعمارا ؟ قالوا : من قبل أنا ~~لا نتعاطى إلا الحق ونحكم بالسوية. قال : فما بالكم لا تضحكون ؟ قالوا : لا ~~نغفل عن الاستغفار. قال : فما بالكم لا تحزنون ؟ قالوا : من قبل أنا وطنا ~~أنفسنا للبلاء. فقال : فما بالكم لا تصيبكم الآفات كما تصيب الناس ؟ قالوا ~~: لأنا لا نتوكل على غير الله ، قال : هل وجدتم آباءكم هكذا ؟ قالوا : نعم ~~، وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم ، ويواسون فقراءهم ، ويعفون عمن ظلمهم ، ~~ويحسنون إلى من أساء إليهم ، ويحلمون عمن جهل عليهم ، ويصلون أرحامهم ، ~~ويؤدون أمانتهم ، ويحفظون وقت صلاتهم ، ويوفون بعهدهم ، ويصدقون في مواعدهم ~~، فأصلح الله تعالى بذلك أمرهم وحفظهم ، ما كانوا أحياءا ، وكان حقا علينا ~~أن نخلفهم في تركتهم. فقال ذو القرنين : لو كنت مقيما لأقمت فيكم ، ولكن لم ~~أومر بالمقام. ه. ذكره الثعلبي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 195 # وقال في القوت : قوله تعالى ، في صفة أعدائه المحجوبين : {كانت أعينهم في ~~غطاء عن ذكري} : دليل الخطاب في تدبر معناه أن أولياءه المستجيبين له ~~سامعون منه مكاشفون بذكره ، ناظرون إلى غيبه ، قال تعالى في ضده : {ما ~~كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود : 20] ، وقال : {مثل ~~الفريقين...} [هود : 24] الآية. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 195 # قلت : {أن يتخذوا} : سد مسد المفعولين ، أو حذف الثاني ، أي : أحسبوا ~~اتخاذهم نافعهم و{نزلا} : حال من جهنم. PageV04P288 # يقول الحق جل جلاله : منكرا على الكفار المتقدمين : {أفحسب الذين كفروا} ~~حين أعرضوا عن ذكري ، وكانت أعينهم في غطاء عن رؤية دلائل توحيدي ، {أن ~~يتخذوا عبادي} كالملائكة والمسيح وعزير ، أو الشياطين ؛ لأنهم عباد ، {من ~~دوني أولياء} أي : معبودين من دوني ، يوالونهم بالعبادة ، أن ذلك ينفعهم ، ~~أو : ألا نعذبهم على ذلك ، بل نعذبهم على ذلك ، {إنا أعتدنا} ؛ يسرنا ~~وهيأنا {جهنم للكافرين نزلا} أي ms1527 : شيئا يتمتعون به أول ورودهم القيامة. ~~والنزل : ما يقدم للنزيل أي : الضيف ، وعدل عن الإضمار ؛ ذما لهم على كفرهم ~~، وإشعارا بأن ذلك الإعتاد بسبب كفرهم ، وعبر بالإعتاد ؛ # 200 # تهكما بهم ، وتخطئة لهم ، حيث كان اتخاذهم أولياء من قبيل العتاد ، ~~وإعداد الزاد ليوم المعاد ، فكأنه قيل : إنا أعتدنا لهم ، مكان ما أعدوا ~~لأنفسهم من العدة والذخر ، جهنم ؛ عدة لهم. وفي ذكر النزل : إيماء إلى أن ~~لهم وراء جهنم من العذاب ما هو أنموذج له ، وتستحقر دونه ، وقيل : النزل : ~~موضع النزول ، أي : أعتدناها لهم منزلا يقيمون فيه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ما أحببت شيئا إلا وكنت له عبدا ، وهو لا يحب أن تكون لغيره ~~عبدا ، فأفرد قلبك لله ، وأخرج منه كل ما سواه ، فحينئذ تكون عبدا لله ، ~~حرا مما سواه ، فكل ما سوى الله باطل ، وظل آفل ، فكن إبراهيميا ، حيث قال ~~: {لاا أحب الآفلين} [الأنعام : 76] ، فارفع أيها العبد همتك عن الخلق ، ~~وعلقها بالملك الحق ، فلا تحب إلا الله ، ولا تطلب شيئا سواه ، كائنا ما ~~كان ، من جنس الأشخاص ، أو من جنس الأحوال أو المقامات أو الكرامات ؛ لئلا ~~تنخرط في سلك من اتخذ من دون الله أولياء ، فتكون كاذبا في العبودية. PageV04P289 # روي عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه قال : قرأت الفاتحة ، ~~فقلت : الحمد لله رب العالمين. فقال لي الهاتف من قبل الله تعالى : صدقت ، ~~فقلت : الرحمن الرحيم ، فقال : صدقت. فقلت : مالك يوم الدين ، فقال : صدقت. ~~فلما قلت : إياك نعبد ، قال كذبت ؛ لأنك تعبد الكرامات ، قال : ثم أدبني ، ~~وتبت لله تعالى. ذكره ابن الصباغ مطولا. قلت : ولعله قبل ملاقاة الشيخ ، ~~ولذلك عاتبه بقوله : يا أبا الحسن عوض ما تقول : " سخر لي خلقك " ، قل : يا ~~رب كن لي ، أرأيت إن كان لك أيفوتك شيء ؟ نفعنا الله بجميعهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 200 # قلت : {أعمالا} : تمييز ، و{في الحياة} : متعلق بسعيهم. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : {هل ننبئكم} يا معشر الكفرة ~~{بالأخسرين أعمالا} أي : بالذين خسروا من جهة أعمالهم ؛ كصدقة ، وعتق ، ~~وصلة ms1528 رحم ، وإغاثة ملهوف ، حيث عملوها في حال كفرهم فلم تقبل منهم ، وهم : ~~{الذين ضل سعيهم} أي : بطل بالكلية {في الحياة الدنيا} أي : بطل ما سعوا ~~فيه في الحياة # 201 # الدنيا وعملوه ، {وهم يحسبون} : يظنون {أنهم يحسنون صنعا} أي : يأتون بها ~~على الوجه الأكمل ، وقد تركوا شرط صحتها وكمالها ، وهو الإيمان ، واختلف في ~~المراد بهم ، فقيل : مشركو العرب ، وقيل : أهل الكتابين ، ويدخل في الأعمال ~~ما عملوه في الأحكام المنسوخة المتعلقة بالعبادات. وقيل : الرهبان الذين ~~يحبسون أنفسهم في الصوامع ويحملونها على الرياضات الشاقة. PageV04P290 # والمختار : العموم في كل من عمل عملا فاسدا ، يظن أنه صحيح من الكفرة ، ~~بدليل قوله : {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم} : بدلائل التوحيد ، عقلا ~~ونقلا ، {ولقائه} : البعث وما يتبعه من أمور الآخرة ، {فحبطت} لذلك ~~{أعمالهم} المعهودة حبوطا كليا ، {فلا نقيم لهم} أي : لأولئك الموصوفين ~~بحبوط الأعمال ، {يوم القيامة وزنا} أي : فنهينهم ، ولا نجعل لهم مقدارا ~~واعتبارا ؛ لأن مدار التكريم : الأعمال الصالحة ، وقد حبطت بالمرة ؛ قال ~~صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالرجل السمين العظيم يوم القيامة ، فلا يزن ~~جناح بعوضة " ؛ اقرأوا إن شئتم : {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا}. أو : لا ~~نضع لأجل وزن أعمالهم ميزانا ؛ لأن الكفر أحبطها. أو : لا نقيم لهم وزنا ~~نافعا. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : يأتي أناس بأعمالهم يوم القيامة ~~، هي عندهم في العظم كجبال تهامة ، فإذا وزنوها لا تزن شيئا ، فذلك قوله : ~~{فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 201 # ثم بين مآل كفرهم بعد أن بين مآل أعمالهم ، فقال : {ذلك} الصنف الذين ~~حبطت أعمالهم {جزاؤهم جهنم} ، أو الأمر ذلك ، ثم استأنف بقوله : {جزاؤهم ~~جهنم بما كفروا} أي : بسبب كفرهم المتضمن لسائر القبائح ، التي من جملتها ~~ما تضمنه قوله : {واتخذوا آياتي} الدالة على توحيدي أو كلامي ، أو معجزاتي ~~، {ورسلي هزوا} أي : مهزوا بهم ، فلم يقتنعوا بمجرد الكفر ، بل ارتكبوا ما ~~هو أعظم ، وهو الاستهزاء بالآيات والرسل. عائذا بالله من ذلك. PageV04P291 # الإشارة : كل آية في الكفار تجر ذيلها على الغافلين ، فكل ms1529 من قنع بدون ~~عبادة فكرة الشهود والعيان ، ينسحب عليه من طريق الباطن أنه ضل سعيه ، وهو ~~يحسب أنه يحسن صنعا ، فلا يقام له يوم القيامة وزن رفيع ، فتنسحب الآية على ~~طوائف ، منها : من عبد الله لطلب المنزلة عند الناس ، وهذا عين الرياء ؛ ~~روي عن عثمان أنه قال على المنبر : (الرياء سبعون بابا ، أهونها مثل نكاح ~~الرجل أمه). ومنها : من عبد الله لطلب العوض والجزاء عند الخواص ، ومنها : ~~من عبد الله لطلب الكرامات وظهور الآيات ، ومنها : من عبد الله بالجوارح ~~الظاهرة ، وحجب عن الجوارح الباطنة ، وهي عبادة القلوب ، فإن الذرة منها # 202 # تعدل أمثال الجبال من عبادة الجوارح ، ومنها : من وقف مع الاشتغال بعلم ~~الرسوم ، وغفل عن علم القلوب ، وهو بطالة وغفلة عند المحققين ، ومنها من ~~قنع بعبادة القلوب ، كالتفكر والاعتبار ، وغفل عن عبادة الأسرار ، كفكرة ~~الشهود والاستبصار ، والحاصل : أن كل من وقف دون الشهود والعيان فهو بطال ، ~~وإن كان لا يشعر ، وإنما ينكشف له هذا الأمر عند الموت وبعده ، وسيأتي عند ~~قوله تعالى : {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} [الزمر : 47] ، ~~زيادة بيان على هذا إن شاء الله. فقد يكون الشيء عبادة عند قوم وبطالة عند ~~أخرين ؛ حسنات الأبرار سيئات المقربين. ولا يفهم هذا إلا من ترقى عن عبادة ~~الجوارح إلى عبادة القلوب والأسرار. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 201 PageV04P292 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا} بآيات ربهم ولقائه ، {وعملوا} ~~الأعمال {الصالحات كانت لهم} ؛ فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده ، {جنات ~~الفردوس} ، وهي أعلى الجنان. وعن كعب : أنه ليس في الجنة أعلى من جنة ~~الفردوس ، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، أي : أهل الوعظ ~~والتذكير من العارفين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " في ~~الجن مائة درجة ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، أعلاها الفردوس ~~، ومنها تفجر أنهار الجنة ، فوقها عرش الرحمن ، فإذا سألتم الله فسلوه ~~الفردوس " وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : " جنان الفردوس أربع : جنتان من ~~فضة ، أبنيتهما وآنيتهما ms1530 ، وجنتان من ذهب ، أبنيتهما وما فيهما ، وما بين ~~القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه " وقال قتادة : ~~الفردوس : ربوة الجنة. وقال أبو أمامة : هي سرة الجنة. وقال مجاهد : ~~الفردوس : البستان بالرومية. وقال الضحاك : هي الجنة الملتفة الأشجار. # 203 # كانت لهم {نزلا} أي : مقدمة لهم عند ورودهم عليه ، على حذف مضاف ، أي : ~~كانت لهم ثمار جنة الفردوس نزلا ، أو جعلنا نفس الجنة نزلا ، مبالغة في ~~الإكرام ، وفيه إيذان بأن ما أعد الله لهم على ما نطق به الوحي على لسان ~~النبوة بقوله : " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ~~ولا خطر على قلب بشر " هو بمنزلة النزل بالنسبة إلى الضيافة وما بعدها ، ~~وإن جعل النزل بمعنى المنزل ؛ فظاهر. {خالدين فيبغون عنها حولا} أي : لا ~~يطلبون تحولا عنها ؛ إذ لا يتصور أن يكون شيء أعز عندهم ، وأرفع منها ، حتى ~~تنزع إليه أنفسهم ، أو تطمح نحوه أبصارهم. ونعيمهم مجدد بتجدد أنفاسهم ، لا ~~نفاد له ولا نهاية ؛ لأنه مكون بكلمة " كن " ، وهي لا تتناهى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 203 PageV04P293 ~~قال تعالى : {قل لو كان البحر} أي : جنس البحر {مدادا} ، وهو ما تمد به ~~الدواة من الحبر ، {لكلمات ربي} وهي ما يقوله سبحانه لأهل الجنة ، من اللطف ~~والإكرام ، مما لا تكيفه الأوهام ، ولا تحيط به الأفكار ، فلو كانت البحار ~~مدادا والأشجار أقلاما لنفدت ، ولم يبق منها شيء ، {قبل أن تنفد كلمات ربي} ~~؛ لأن البحار متناهية ، وكلمات الله غير متناهية. ثم أكده بقوله : {ولو ~~جئنا بمثله مددا} أي : لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى ، هذا لو لم ~~يجيء بمثله مددا ، بل ولو جئنا بمثله {مددا} ؛ عونا وزيادة ؛ لأن ما دخل ~~عالم التكوين كله متناه. # {قل} لهم : {إنما أنا بشر مثلكم} يتناهى كلامي ، وينقضي أجلي ، وإنما ~~خصصت عنكم بالوحي والرسالة ؛ {يوحى إلي} من تلك الكلمات : {أنما إلهكم إله ~~واحد} لا شريك له في الخلق ، ولا في سائر أحكام الألوهية ، {فمن كان يرجو ~~لقاء ربه} : يتوقعه وينتظره ، أو يخافه ، فالرجاء ms1531 : توقع وصول الخير في ~~المستقبل ، فمن جعل الرجاء على بابه ، فالمعنى : يرجو حسن لقاء ربه وأن ~~يلقاه لقاء رضى وقبول. ومن حمله على معنى الخوف ، فالمعنى : يخاف سوء ~~لقائه. قال القشيري : حمله على ظاهره أولى ؛ لأن المؤمنين قاطبة يرجون لقاء ~~الله ، فالعارفون بالله يرجون لقاءه والنظر إليه والمؤمنون يرجون لقاءه ~~وكرامته بالنعيم المقيم. ه. بالمعنى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 203 PageV04P294 ~~والتعبير بالمضارع في {يرجو} ؛ للدلالة على أن اللائق بحال المؤمنين : ~~الاستمرار والاستدامة على رجاء اللقاء ، أي : فمن استمر على رجاء لقاء ~~كرامة الله ورضوانه {فليعمل} ؛ لتحصيل تلك الطلبة العزيزة {عملا صالحا} ، ~~وهو الذي توفرت شروط صحته وقبوله ، ومدارها على الإتقان ؛ ظاهرا ، والإخلاص ~~؛ باطنا. وقال سهل : العمل الصالح : المقيد بالسنة ، وقيل : هو اعتقاد جواز ~~الرؤية وانتظار وقتها. {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} إشراكا جليا ، كما فعل ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ؛ حيث كفروا بآيات ربهم ولقائه ، أو ~~إشراكا خفيا ، كما يفعله أهل الرياء ، ومن يطلب به عوضا أو ثناء حسنا. # 204 PageV04P295 ~~قال شهر بن حوشب : جاء رجل إلى عبادة بن الصامت ، فقال : أرأيت رجلا يصلي ~~يبتغي وجه الله ، ويحب أن يحمد عليه ، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ~~عليه ، ويحج كذلك ؟ قال عبادة : ليس له شيء ، إن الله تعالى يقول : " أنا ~~خير شريك ، فمن كان له شريك فهو له " وروي أن جندب بن زهير قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : إني لأعمل العمل لله تعالى ، فإذا اطلع عليه سرني ، ~~فقال له عليه الصلاة والسلام : " لك أجران : أجر السر ، وأجر العلانية " ~~وذلك إذا قصد أن يقتدى به ، وكان مخلصا في عمله. وعنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : " اتقوا الشرك الأصغر ، قالوا : وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء ~~". وقال صلى الله عليه وسلم - لما نزلت هذه الآية - : " إن أخوف ما أخاف ~~على أمتي الشرك الخفي ، وإياكم وشرك السرائر ، فإن الشرك أخفى في أمتي من ~~دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء " ، فشق ذلك على القوم ، فقال ~~النبي صلى الله عليه ms1532 وسلم : " ألا أدلكم على ما يذهب الله عنكم صغير الشرك ~~وكبيره " ؟ قالوا : بلى ، قال : " قولوا : " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك ~~وأنا أعلم ، وأستغفرك من كل ما لا أعلم ". وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: " من قرأ آخر سورة الكهف - يعني : {إن الذين آمنوا} إلى آخره - كانت له ~~نورا من قرنه إلى قدمه ، ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء ~~" وعنه صلى الله عليه وسلم : " من قرأ عند مضجعه : {قل إنما أنا بشر مثلكم} ~~الخ ، كان له من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة ، حشو ذلك النور ملائكة يصلون ~~حتى يقوم ، وإن كان بمكة كان له نورا إلى البيت المعمور " قلت : ومما جرب ~~أن من قرأ هذه الآية ، {إن الذين آمنوا} الخ ، ونوى أن يقوم في أي ساعة شاء ~~، فإن الله تعالى يوقظه بقدرته. PageV04P296 # وانظر الثعلبي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 203 # الإشارة : إن الذين آمنوا إيمان الخصوص ، وعملوا عمل الخصوص - وهو العمل ~~الذي يقرب إلى الحضرة - كانت لهم جنة المعارف نزلا ، خالدين فيها لا يبغون ~~عنها حولا ؛ لأن من تمكن من المعرفة لا يعزل عنها ، بفضل الله وكرمه ، كما ~~قال القائل : # مذ تجمعت ما خشيت افتراقا # فأنا اليوم واصل مجموع # ثم يترقون في معاريج التوحيد ، وأسرار التفريد ، أبدا سرمدا ، لا نهاية ؛ ~~لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية ، وهي كلمة التكوين ، التي لا تنفد ؛ {قل ~~لو كان البحر مدادا لكلمات ربي...} الآية. هذا مع كون وصف البشرية لا يزول ~~عنهم ، فلا يلزم # 205 # من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي وحي ~~إلهام ، ويلقى في روعي أنما إلهكم إله واحد ، لا ثاني له في ذاته ولا في ~~أفعاله ، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا لقاء الشهود والعيان ، ولقاء ~~الوصول إلى صريح العرفان ؛ فليعمل عملا صالحا ، الذي لا حظ فيه للنفس ؛ ~~عاجلا ولا آجلا ، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ، فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم ~~الربوبية ، والقيام بوظائف العبودية ، والله تعالى أعلم ، وصلى الله ms1533 على ~~سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # 206 # جزء : 4 رقم الصفحة : 203 PageV04P297 ### | AUTO سورة مريم # جزء : 4 رقم الصفحة : 206 # قيل : هي مختصرة من أسماء الله تعالى ، فالكاف من كاف ، والهاء من هاد ، ~~والياء من يمين ، والعين من عليم أو عزيز ، والصاد من صادق. قاله الهروي عن ~~ابن جبير. # قال أبو الهيثم : جعل الياء من يمين ، من قولك : يمن الله الإنسان ييمنه ~~يمنا فهو ميمون. ه. ولذا ورد الدعاء بها ، فقد روي عن علي - كرم الله وجهه ~~- أنه كان يقول : (يا كهيعص ؛ أعوذ بك من الذنوب التي توجب النقم ، وأعوذ ~~بك من الذنوب التي تغير النعم ، وأعوذ بك من الذنوب التي تهتك العصم ، ~~وأعوذ بك من الذنوب التي تحبس غيث السماء ، وأعوذ بك من الذنوب التي تديل ~~الأعداء ، انصرنا على من ظلمنا). كان يقدم هذه الكلمات بين يدي كل شدة. ~~فيحتمل أن يكون توسل بالأسماء المختصرة من هذه الحروف ، أو تكون الجملة ، ~~عنده ، اسما واحدا من أسماء الله تعالى ، وقيل : هو اسم الله الأعظم. ~~ويحتمل أن يشير بهذه الرموز إلى معاملته تعالى مع أحبائه ، فالكاف كفايته ~~لهم ، والهاء هدايته إياهم إلى طريق الوصول إلى حضرته ، والياء يمنه وبركته ~~عليهم وعلى من تعلق بهم ، والعين عنايته بهم في سابق علمه ، والصاد صدقه ~~فيما وعدهم به من الإتحاف والإكرام. والله تعالى أعلم. # وقيل : هي مختصرة من أسماء الرسول - عليه الصلاة والسلام - أي : يا كافي ~~، يا هادي ، يا ميمون ، يا عين العيون ، أنت صادق مصدق. وعن ماضي بن سلطان ~~تلميذ أبي # 207 PageV04P298 ~~الحسن الشاذلي - رضي الله عنهما - : [أنه رأى في منامه أنه اختلف مع بعض ~~الفقهاء في تفسير قوله : (كهيعص. حم. عسق) ، فقلت : هي أسرار بين الله ~~تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكأنه قال : " كاف " ؛ أنت كهف ~~الوجود ، الذي يؤم إليه كل موجود ، " ها " ؛ هبنا لك الملك ، وهيأنا لك ~~الملكوت ، " يع " ؛ يا عين العيون ، " ص " ؛ صفات الله {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} ms1534 ، " حاء " ؛ حببناك ، " ميم " ملكناك ، " عين " علمناك ، " سين ~~" ؛ ساررناك ، " قاف " ؛ قربناك. فنازعوني في ذلك ولم يقبلوه ، فقلت : نسير ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفصل بيننا ، فسرنا إليه ، فلقينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال لنا : " الذي قال محمد بن سلطان هو الحق " ]. ~~وكأنه يشير إلى أنها صفات أفعال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 207 # قلت : {ذكر} : خبر عن مضمر ، أي : هذا ذكر ، والإشارة للمتلو في هذه ~~السورة ؛ لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر في حكم الحاضر الشاهد. وقيل : ~~مبتدأ حذف خبره ، أي : فيما يتلى عليك ذكر رحمت ربك. وقيل : خبر عن {كهيعص} ~~، إذا قلنا ؛ هي اسم للسورة ، أي : المسمى بهذه الحروف ذكر رحمة ربك ، ~~و{عبده} : مفعول لرحمة ربك ، على أنها مفعول لما أضيف إليها ، أو لذكر ، ~~على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع. ومعنى (ذكر الرحمة) : بلوغها ~~إليه ، و{زكريا} : بدل منه ، أو عطف بيان ، و{إذ نادى} : ظرف لرحمة ، وقيل ~~: فذكر ، على أنه مضاف إلى فاعله ، وقيل : بدل اشتمال من زكريا ، كما في ~~قوله : {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت....} [مريم : 16] ، و{مني} : حال ~~من العظم ، أي : كائنا مني ، و{شيئا} : تمييز. PageV04P299 # يقول الحق جل جلاله : هذا الذي نتلوه عليك في هذه السورة هو {ذكر رحمت ربك ~~عبده زكريا} >. قال الثعلبي : [فيه تقديم وتأخير]. أي : ذكر ربك عبده زكريا ~~برحمته ، {إذ نادى ربه} وهو في محرابه في طلب الولد {نداء خفيا} : سرا من ~~قومه ، أو في جوف الليل ، أو مخلصا فيه لم يطلع عليه إلا الله. ولقد راعى ~~عليه السلام حسن الأدب في إخفاء دعائه فإنه أدخل في الإخلاص وأبعد من ~~الرياء ، وأقرب إلى الخلاص من كلام الناس ، حيث طلب الولد في غير إبانه ومن ~~غائلة مواليه الذين كان يخافهم. # {قال} في دعائه : {رب إني وهن العظم مني} أي : ضعف بدني وذهبت قوتي. ~~وإسناد الوهن إلى العظم ؛ لأنه عماد البدن ودعامة الجسد ، فإذا أصابه الضعف ~~والرخاوة # 208 # أصاب كله ، وإفراده للقصد إلى الجنس المنبئ عن شمول الوهن إلى كل فرد من ~~أفراده. ms1535 ووهن بدنه عليه السلام : لكبر سنه ، قيل : كان ابن سبعين ، أو خمسا ~~وسبعين ، وقيل : مائة ، وقيل : أكثر. # {واشتعل الرأس شيبا} أي : ابيض شمطا. شبه عليه السلام الشيب من جهة ~~البياض والإنارة بشواظ النار ، وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل ~~مأخذ باشتعالها ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ، ثم أسند الاشتعال إلى محل ~~الشعر ومنبته وهو الرأس ، وأخرجه مخرج التمييز ، ففيه من فنون البلاغة ~~وكمال الجزالة ما لا يخفى ، حيث كان الأصل : واشتعل شيب رأسي ، فأسند ~~الاشتعال إلى الرأس ؛ لإفادة شموله لكلها ، فإن وزانه : اشتعل بيته نارا ~~بالنسبة إلى اشتعلت النار في بيته ، ولزيادة تقريره بالإجمال أولا ، ~~والتفصيل ثانيا ، ولمزيد تفخيمه بالتكثير من جهة التنكير. # جزء : 4 رقم الصفحة : 208 PageV04P300 ~~ثم قال : {ولم أكن بدعائك رب شقيا} أي : لم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت ~~من أوقات هذا العمر الطويل ، بل كنت كلما دعوتك استجبت لي. توسل إلى الله ~~بسابق حسن عوائده فيه ، لعله يشفع له ذلك بمثله ، إثر تمهيد ما يستدعي ~~ويستجلب الرأفة من كبر السن وضعف الحال. والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية ~~لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع ، ولذلك قيل : من أراد أن يستجاب ~~له فليدع الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته. # ثم قال : {وإني خفت الموالي} أي : الأقارب ، وهم : بنو عمه ، وكانوا ~~أشرار بني إسرائيل ، فخاف ألا يحسنوا خلافته في أمته ، فسأل الله تعالى ~~ولدا صالحا يأمنه على أمته. وقوله : {من ورائي} : متعلق بمحذوف ، أي : جور ~~الموالي ، أو مما في الموالي من معنى الولاية ، أي : خفت أن يلوا الأمر من ~~ورائي ، {وكانت امرأتي عاقرا} : لا تلد من حين شبابها ، {فهب لي من لدنك} ~~أي : أعطني من محض فضلك الواسع ، وقدرتك الباهرة ، بطريق الاختراع ، لا ~~بواسطة الأسباب العادية ؛ لأن التعبير بلدن يدل على شدة الاتصال والالتصاق ~~، {وليا} : ولدا من صلبي ، يلي الأمر من بعدي. # والفاء : لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن ما ذكره عليه السلام من كبر ~~السن وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عن الولد بتوسط الأسباب ، فاستوهبه ms1536 ~~على الوجه الخارق للعادة ، ولا يقدح في ذلك أن يكون هنالك داع آخر إلى ~~الإقبال على الدعاء المذكور ، من مشاهدته للخوارق الظاهرة عند مريم ، كما ~~يعرب عنه قوله تعالى : {هنالك دعا زكريا ربه} [آل عمران : 38]. وعدم ذكره ~~هنا اكتفاء بما تقدم ، فإن الاكتفاء بما ذكر في موطن عما ترك في موطن آخر ~~من النكتة التنزيلية. وقوله : {يرثني} : صفة لوليا ، وقرئ بالجزم هو وما ~~عطف عليه جوابا للدعاء ، أي : يرثني من حيث العلم والدين والنبوة ، فإن ~~الأنبياء - عليه السلام - لا يورثون من جهة # 209 PageV04P301 ~~المال. قال صلى الله عليه وسلم : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " وقيل : ~~يرثني في الحبورة ، وكان عليه السلام حبرا. # {ويرث من آل يعقوب} النبوة والملك والمال. قيل : هو يعقوب بن إسحاق. وقال ~~الكلبي ومقاتل : هو يعقوب بن ماثان ، أخو عمران بن ماثان ، أبي مريم ، ~~وكانت زوجة زكريا أخت أم مريم ، وماثان من نسل سليمان عليه السلام ، فكان ~~آل يعقوب أخوال يحيى. قال الكلبي : كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم ~~، وكان زكريا رئيس الأحبار يومئذ ، فأراد أن يرث ولده حبورته ، ويرث من بني ~~ماثان ملكهم. ه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 208 # واجعله رب رضيا} أي : مرضيا ، فعيل بمعنى مفعول ، أي : ترضى عنه فيكون ~~مرضيا لك ، ويحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل ، أي : راضيا بتقديرك وأحكامك ~~التعريفية والتكليفية. والله تعالى أعلم. # الإشارة : طلب الوارث الروحاني- وهو وارث العلم والحال - جائز ليبقى ~~الانتفاع به بعد موته. وقيل : السكوت والاكتفاء بالله أولى ، ففي الحديث : ~~" يرحم الله أخانا زكريا ، وما كان عليه من يرثه " وقوله تعالى : {نداء ~~خفيا}. الإخفاء عند الصوفية أولى في الدعاء والذكر وسائر الأعمال ، إلا ~~لأهل الاقتداء من الكملة ، فهم بحسب ما يبرز في الوقت. # وقوله تعالى : {ولم أكن بدعائك رب شقيا}. فيه قياس الباقي على الماضي ، ~~فالذي أحسن في الماضي يحسن في الباقي ، فهذا أحد الأسباب في تقوية حسن الظن ~~بالله ؛ وأعظم منه من حسن الظن بالله ؛ لما هو متصف به تعالى من كمال ~~القدرة والكرم ، والجود والرأفة ms1537 والرحمة ، فإن الأول ملاحظ للتجربة ، ~~والثاني ناظر لعين المنة. قال في الحكم : " إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه ، ~~حسن ظنك به لوجود معاملته معك ، فهل عودك إلا حسنا ؟ وهل أسدى إليك إلا ~~مننا ؟ ". # جزء : 4 رقم الصفحة : 208 PageV04P302 ~~قلت : {عتيا} : مصدر ، من عتا يعتو ، وأصله : عتوو ، فاستثقل توالي الضمتين ~~والواوين ، فكسرت التاء ، فقلبت الأولى ياء ؛ لسكونها وانكسار ما قبلها ، ~~ثم قلبت الثانية أيضا ؛ لاجتماع الواو والياء ، وسبق إحداهما بالسكون. {قال ~~كذلك} : خبر ، أي : الأمر كذلك ، فيوقف عليه ، ثم يقول : {قال ربك} ، أو ~~مصدر لقال الثانية ، أي : مثل ذاك القول قال ربك. و{سويا} : حال من فاعل ~~{تكلم}. # يقول الحق جل جلاله : {يا زكريا} ، كلمه بواسطة الملك : {إنا نبشرك} ~~ونجيب دعوتك {بغلام اسمه يحيى} ؛ لأنه حيى به عقم أمه. أجاب نداءه في ~~الجملة ، لا من كل وجه ، بل على حسب المشيئة ، فإنه طلب ولدا يرثه ، فأجيب ~~في الولد دون الإرث ؛ فإن الجمهور على أن يحيى مات قبل موت أبيه - عليهما ~~السلام - وقيل : بقي بعده برهة ، فلا إشكال حينئذ. وفي تعيين اسمه تأكيد ~~للوعد وتشريف له ، وفي تخصيصه به - كما قال تعالى : {لم نجعل له من قبل ~~سميا} أي : شريكا في الاسم ، حيث لم يتسم به أحد قبله - مزيد تشريف وتفخيم ~~له عليه السلام ؛ فإن التسمية بالأسماء البديعة الممتازة عن أسماء الناس ~~تنويه بالمسمى لا محالة. وقيل : {سميا} : شبيها في الفضل والكمال ، كما قال ~~تعالى : {هل تعلم له سميا} [مريم : 65] فإنه عليه السلام لم يكن قبله أحد ~~مثله في بعض أوصافه ، لأنه لم يهم بمعصية قط ، وأنه ولد لشيخ فان ، وعجوز ~~عاقر ، وأنه كان حصورا ، ولم تكن هذه الخصال لغيره. PageV04P303 # {قال رب أنى يكون لي غلام} أي : من أين وكيف يحدث لي غلام ، {وكانت امرأتي ~~عاقرا} : عقيمة ، {وقد بلغت من الكبر عتيا} : يبسا في الأعضاء والمفاصل ، ~~ونحولا في البدن ، لكبره ، وكان سنه إذ ذاك مائة وعشرين ، وامرأته ثمان ~~وتسعين. وتقدم الخلاف فيه. وإنما قاله عليه السلام مع سبق دعائه وقوة يقينه ~~، لا ms1538 سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في آل عمران ؛ استعظاما لقدرة الله ~~تعالى ، وتعجيبا منها ، واعتدادا بنعمته تعالى عليه في ذلك ، بإظهار أنه من ~~محض فضل الله وكرمه ، مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادة. وقيل : ~~كان دهشا من ثمرة الفرح ، وقيل : كان ذلك منه استفهاما عن كيفية حدوثه. ~~وقيل : بل كان ذلك بطريق الاستبعاد ، حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة ~~، وكان قد نسي دعاءه ، وهو بعيد. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 210 # قال كذلك} أي : الأمر كما ذكر من كبر السن وعقم المرأة ، لكن هو على ~~قدرتنا هين ، ولذلك قال : {قال ربك هو علي هين} ، أو مثل ذلك القول البديع ~~قال ربك ، ثم # 211 # فسره بقوله : {هو علي هين} ، أو " مثل " مقحمة ، أي : ذلك قال ربك. ~~والإشارة إلى مصدره ، الذي هو عبارة عن إيجاد الولد السابق ، أو كذلك قضى ~~ربك. ثم قال : {هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} أي : وقد أوجدت ~~أصلك " آدم " من العدم ، ثم نشأت أنت من صلبه ، ولم تك شيئا ، فإن نشأة آدم ~~عليه السلام وتصويره منطوية على نشأة أولاده ، ولذلك قال في آية أخرى : ~~{ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف : 11] الآية. انظر تفسير أبي السعود. PageV04P304 # {قال رب اجعل لي آية} أي : علامة تدلني على تحقق المسؤول ، وبلوغ المأمول ، ~~وهو حمل المرأة بذلك الولد ، لأتلقى تلك النعمة العظيمة بالشكر حين حدوثها ~~، ولا أؤخر الشكر إلى وقت ظهورها ، وينبغي أن يكون سؤاله الآية بعد البشارة ~~ببرهة من الزمان ؛ لما يروى أن (يحيى كان أكبر من عيسى - عليهما السلام - ~~بستة أشهر ، أو بثلاث سنين) ، ولا ريب في أن دعاء زكريا عليه لسلام كان في ~~صغر مريم ، لقوله تعالى : {هنالك دعا زكريا ربه} [آل عمران : 38] ، وهي ~~إنما ولدت عيسى عليه السلام وهي بنت عشر سنين ، أو ثلاث عشرة سنة ، أو يكون ~~تأخر ظهور الآية إلى قرب بلوغ مريم - عليها السلام -. # {قال} له تعالى : {آيتك ألا تكلم الناس} أي : أن لا تقدر على أن تكلم ~~الناس مع ms1539 القدرة على الذكر ، {ثلاث ليال} بأيامهن ، للتصريح بها في آل ~~عمران ، حال كونك {سويا} أي : سوي الخلق سليم الجوارح ، ما بك شائبة بكم ~~ولا خرس ، وإنما منعت بطريق الاضطرار مع كمال الأعضاء. وحكمة منعه ؛ لينحصر ~~كلامه في الشكر والذكر في تلك الأيام. # {فخرج على قومه من المحراب} : من المصلى ، وكان مغلقا عليه ، فالمحراب ~~مكان التعبد ، أو من الغرفة ، وكانوا من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم ~~الباب ، ليدخلوا ويصلوا ، إن خرج عليهم متغيرا لونه ، فأنكروه ، وقالوا له ~~: ما لك " فأوحى إليهم أي : أومأ إليهم ، وقيل كتب في الأرض {أن سبحوا} أي ~~صلوا {بكرة وعشيا} : صلاة الفجر وصلاة العصر ، ولعلها كانت صلاتهم. أو : ~~نزهوا ربكم طرفي النهار ، ولعله أمر أن يسبح فيها شكرا ، ويأمر قومه بذلك. ~~والله تعالى أعلم. PageV04P305 # الإشارة : إجابة الدعاء مشروطة بالاضطرار ، قال تعالى : {أمن يجيب المضطر ~~إذا دعاه} [النمل : 62] وفي الحكم : " ما طلب لك شيء مثل الاضطرار ، ولا ~~أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار. فإذا اضطررت إلى مولاك ، فلا محالة ~~يجيب دعاك ، لكن فيما يريد لا فيما تريد ، وفي الوقت الذي يريد ، لا في ~~الوقت الذي تريد. فلا تيأس ولا # 212 # تستعجل {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة : 216]. فإذا رأيت مولاك ~~أجابك فيما سألته ، فاجعل كلامك كله في شكره وذكره ، واستفرغ أوقاتك ، إلا ~~من شهود إحسانه وبره. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 210 # قلت : {صبيا} : حال من مفعول {آتيناه} ، و{حنانا} و{زكاة} : عطف على ~~{الحكم}. و{من لدنا} : متعلق بمحذوف ، صفة له مؤكدة لما أفاده التنوين من ~~الفخامة الذاتية ، أي : وآتيناه الحكم وتحننا عظيما واقعا من جنابنا ، أو ~~شفقة في قلبه ورحمة على أبويه وغيرهما. قال ابن عباس : (ما أدري ما حنانا ~~إلا أن يكون تعطف رحمة الله على عباده). ومنه قولهم : " حنانيك " ، مثل ~~سعديك ، وأصله : من حنين الناقة على ولدها ، و{برا} : عطف على {تقيا}. PageV04P306 # يقول الحق جل جلاله : {يا يحيى} أي : قلنا يا يحيى ، وهذا استئناف طوي قبله ~~جمل كثيرة ، مما يدل على ولادته ونشأته ، حتى أوحي إليه ، ثم ms1540 قال له : {يا ~~يحيى خذ الكتاب} أي : التوراة ، وقيل : كتاب خص به ، فدلت الآية على ~~رسالته. وفي تفسير ابن عرفة : أن يحيى رسول كعيسى. ه. وقوله : {بقوة} أي : ~~بجد واجتهاد ، وقيل : بالعمل به ، {وآتيناه الحكم صبيا} ، قال ابن عباس : ~~(الحكم هنا النبوة ، استنبأه وهو ابن ثلاث سنين) ، قلت : كون الصبي نبيا ~~جائز عقلا ، واقع عند الجمهور ، وأما بعثه رسولا فجائز عقلا ، وظاهر كلام ~~الفخر هنا أنه واقع ، وأن يحيى وعيسى بعثا صغيرين. وقال ابن مرزوق في شرح ~~البخاري ما نصه : (الأعم : بعث الأنبياء بعد الأربعين) ؛ لأنه بلوغ الأشد ، ~~وقيل : أرسل يحيى وعيسى - عليهما السلام - صبيين. وقال ابن العربي : يجوز ، ~~ولم يقع. # وقول عيسى عليه السلام : (إني عبد الله) إخبار عما وجب في المستقبل ، لا ~~عما حصل. واستشكل جواز بعث الصبي بأنه تكليف ، وشرطه : البلوغ ، إن كانت ~~الشرائع فيه سواء. انظر المحشي الفاسي. قلت : والذي يظهر أن يحيى وعيسى - ~~عليهما السلام - تنبئا صغيرين ، وأرسلا بعد البلوغ. والله تعالى أعلم. وقيل ~~: الحكم : الحكمة وفهم التوراة والفقه في الدين. روي أنه دعاه الصبيان إلى ~~اللعب ، فقال : ما للعب خلقت. # {و} آتيناه {حنانا} أي : تحننا عظيما {من لدنا} : من جناب قدسنا ، أو ~~تحننا من الناس عليه. قال عوف : الحنان المحبب ، {وزكاة} : طهارة من العيوب ~~والذنوب ، أو # 213 PageV04P307 ~~صدقة تصدقنا به على أبويه ، أو : وفقناه للتصدق على الناس. {وكان تقيا} ؛ ~~مطيعا لله ، متجنبا للمعاصي ، {وبرا بوالديه} : لطيفا بهما محسنا إليهما ، ~~{ولم يكن جبارا عصيا} ؛ متكبرا عاقا ، فالجبار : هو المتكبر ، لأنه يجبر ~~الناس على أخلاقه. وقيل : من لا يقبل النصيحة ، أو عاصيا الله تعالى. ~~{وسلام عليه} أي : سلامة من الله تعالى عليه ، {يوم ولد} من أن يناله ~~الشيطان بما ينال بني آدم ، {ويوم يموت} من عذاب القبر ، {ويوم يبعث حيا} ~~من هول القيامة وعذاب النار. روي أن يحيى وعيسى - عليهما السلام - التقيا ، ~~فقال له يحيى : استغفر لي ، فأنت خير مني ، فقال له عيسى : أنت خير مني ، ~~أنا سلمت على نفسي وأنت سلم الله عليك. # جزء : 4 ms1541 رقم الصفحة : 213 # الإشارة : أخذ الكتاب بالقوة - وهو الجد والاجتهاد في قراءته - هو أن ~~يكون متجردا لتلاوته ، منصرف الهمة إليه عن غيره ، فلا يصدق على العبد أن ~~يأخذ كتاب ربه بقوة ، حتى يكون هكذا عند تلاوته. قال الورتجبي : {خذ الكتاب ~~بقوة} أي : خذ كتابنا بنا لا بك ، والكتاب كلام الحق الأزلي ، أي : خذ ~~الكتاب الأزلي بالقوة الأزلية. ه. ومعناه أن يكون التالي فانيا عن نفسه ، ~~متكلما بربه ، ويسمعه من ربه ، فهذا حال المقربين. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 213 PageV04P308 ~~قلت : {إذ انتبذت} : بدل اشتمال من مريم ، على أن المراد بها نبؤها ، فإن ~~الظرف مشتمل على ما فيها ، وقيل : بدل الكل ، على أن المراد بالظرف ما وقع ~~فيه. وقيل : " إذ " ظرف لنبأ المقدر ، أي : اذكر نبأ مريم حين انتبذت ؛ لأن ~~الذكر لا يتعلق بالأعيان ، لكن لا على أن يكون المأمور به ذكر نبأها عند ~~انتباذها فقط ، بل كل ما عطف عليه وحكي بعده بطريق الاستثناء داخل في حيز ~~الظرف متمم للنبأ. و{مكانا} : مفعول بانتبذت ، باعتبار ما فيه من معنى ~~الإتيان ، أي : اعتزلت وأتت مكانا شرقيا ، أو ظرف له ، أي : اعتزلت في مكان ~~شرقي. و{بشرا} : حال. وجواب {إن كنت} : محذوف ، أي : إن كنت تقيا فإني ~~عائذة بالرحمن منك. و{بغيا} أصله : بغوي ، على وزن فعول ، فأدغمت الواو - ~~بعد قلبها ياء - في الياء ، وكسرت الغين للياء ، و{لنجعله} : متعلق بمحذوف ، # 214 # أي : ولنجعله آية فعلنا ذلك ، أو معطوف على محذوف ، أي : لنبين لهم كمال ~~قدرتنا ولنجعله... الخ. أو على جملة : {هو علي هين} ؛ لأنها في معنى العلة ~~، أي : كذلك قال ربك ؛ لقدرتنا على ذلك ؛ ولنجعله... الخ. # يقول الحق جل جلاله : {واذكر} يا محمد {في الكتاب} : القرآن ، والمراد ~~هذه السورة الكريمة ؛ لأنها هي التي صدرت بذكر زكريا ، واستتبعت بذكر قصة ~~مريم ؛ لما بينهما من الاشتباك. أي : اذكر في الكتاب نبأ {مريم إذ انتبذت} ~~؛ حين اعتزلت {من أهلها} وأتت {مكانا شرقيا} من بيت المقدس ، أو من دارها ~~لتتخلى فيه للعبادة ، ولذلك اتخذت النصارى المشرق قبلة. ms1542 وقيل : قعدت في ~~مشربة لتغتسل من الحيض ، محتجبة بشيء يسترها ، وذلك قوله تعالى : {فاتخذت ~~من دونهم حجابا} ، وكان موضعها المسجد ، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها ، ~~وإذا طهرت عادت إلى المسجد. فبينما هي تغتسل من الحيض ، متحجبة دونهم ، ~~أتاها جبريل عليه السلام في صورة آدمي ، شاب أمرد ، وضيء الوجه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 214 PageV04P309 ~~قال تعالى : {فأرسلنا إليها روحنا} : جبريل عليه السلام ، عبر عنه بذلك ؛ ~~توفية للمقام حقه. وقرئ بفتح الراء ؛ لكونه سببا لما فيه روح العباد ، يعني ~~اتباعه والاهتداء به ، الذي هو عدة المقربين في قوله : {فأمآ إن كان من ~~المقربين فروح وريحان} [الواقعة : 88 ، 89]. {فتمثل لها بشرا سويا} : سوي ~~الخلق ، كامل البنية ، لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئا ، وقيل : تمثل ~~لها في صورة شاب ترب لها ، اسمه يوسف ، من خدم بيت المقدس ، وإنما تمثل لها ~~في تلك الصورة الجميلة لتستأنس به ، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلامه ~~تعالى ؛ إذ لو ظهر لها على صورة الملكية ، لنفرت منه ولم تستطع مقاومته. ~~وأما ما قيل من أن ذلك لتهيج شهوتها ، فتنحدر نطفتها إلى رحمها ، فغلط فاحش ~~، ينحو إلى مذهب الفلاسفة ، ولعلها نزعة مسروقة من مطالعة كتبهم ، يكذبه ~~قوله تعالى : {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} ، فإنه شاهد عدل ~~بأنه لم يخطر ببالها ميل إليه ، فضلا عن ما ذكر من الحالة المترتبة على ~~أقصى مراتب الميل والشهوة. نعم يمكن أن يكون ظهر على ذلك الحسن الفائق ~~والجمال اللائق ؛ لابتلائها واختبار عفتها ، ولقد ظهر منها من الورع ~~والعفاف ما لا غاية وراءه. وذكر عنوان الرحمانية ؛ للمبالغة في العياذ به ~~تعالى ، واستجلاب آثر الرحمة الخاصة ، التي هي العصمة مما دهمها. قاله أبو ~~السعود. وقولها : {إن كنت تقيا} أي : تتقي الله فتبالى بالاستعاذة به. # {قال إنما أنا رسول ربك} أي : لست ممن يتوقع منه ما توهمت من الشر ، ~~وإنما أنا رسول من استعذت برحمانيته ؛ {لأهب لك غلاما} أي : لأكون سببا في ~~هبة الغلام ، أو : ليهب لك ربك غلاما - في قراءة ms1543 الياء -. والتعرض لعنون ~~الربوبية مع الإضافة إلى # 215 PageV04P310 ~~ضميرها ؛ لتشريفها وتسليتها ، والإشعار بعلية الحكم ؛ فإن هبة الغلام لها ~~من أحكام تربيتها. وقوله : {زكيا} أي : طاهرا من العيوب صالحا ، أو تزكو ~~أحواله وتنمو في الخير ، من سن الطفولية إلى الكبر. # {قالت أنى يكون لي غلام} كما وصفت ، {و} الحال أنه {لم يمسسني بشر} ~~بالنكاح ، {ولم أك بغيا} ؛ زانية فاجرة تبتغي الرجال ؟ {قال} لها الملك : ~~{كذلك} أي : الأمر كما قلت لك {قال ربك هو علي هين} أي : هبة الغلام من غير ~~أن يمسسك بشر هين سهل على قدرتنا ، وإن كان مستحيلا عادة ؛ لأني لا أحتاج ~~إلى الأسباب والوسائط ، بل أمرنا بين الكاف والنون ، {و} إنما فعلنا ذلك ~~{لنجعله آية للناس} يستدلون به على كمال قدرتنا. والالتفات إلى نون العظمة ~~؛ لإظهار كمال الجلالة ، {و} لنجعله {رحمة} عظيمة كائنة {منا} عليهم ، ~~ليهتدوا بهدايته ، ويرشدوا بإرشاده. {وكان} ذلك {أمرا مقضيا} في الأزل ، قد ~~تعلق به قضاء الله وقدره ، وسطر في اللوح المحفوظ ، فلا بد من جريانه عليك ~~، أو : كان أمرا حقيقيا بأن يقضى ويفعل ؛ لتضمنه حكما بالغة وأسرارا عجيبة. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 214 # الإشارة : لا تظهر النتائج والأسرار إلا بعد الانتباذ عن الفجار ، وعن كل ~~ما يشغل القلب عن التذكار ، أو عن الشهود والاستبصار ، فإذا اعتزل مكانا ~~شرقيا ، أي : قريبا من شروق الأنوار والأسرار ، بحيث يكون قريبا من أهل ~~الأنوار ، أو بإذنهم ، أرسل الله إليه روحا قدسيا ، وهو وارد رباني تحيا به ~~روحه وسره وقلبه وقالبه ، فيهب له علما لدنيا ، وسرا ربانيا ، يكون آية لمن ~~بعده ، ورحمة لمن اقتدى به وتبعه. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 214 # 216 # قلت : {رطبا} : تمييز ، فيمن أثبت التاءين ، أو حذف إحداهما ، ومفعول به ~~، فيمن قرأ بتاء واحدة مع كسر القاف. PageV04P311 # يقول الحق جل جلاله : {فحملته} بأن نفخ جبريل في درعها ، فدخلت النفخة في ~~جوفها. قيل : إن جبريل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه ، وقيل : نفخ عن ~~بعد ، فوصل الريح إليها فحملت في الحال ms1544 ، وقيل : إن النفخة كانت في فيها ، ~~وكانت مدة حملها سبعة أشهر ، وقيل : ثمانية. ولم يعش ولد من ثمانية. وفي ~~ابن عطية : تظاهرت الروايات أنها ولدت لثمانية أشهر ، ولذلك لا يعيش ابن ~~ثمانية أشهر ؛ حفظا لخاصية عيسى ، فتكون معجزة له. ه. وقيل : تسعة أشهر. ~~وقيل : ثلاث ساعات ، حملته في ساعة ، وصور في ساعة ، ووضعته في ساعة حين ~~زالت الشمس. وقيل : ساعة ، ما هو إلا أن حملت فوضعت ، وسنها حينئذ ثلاث ~~عشرة سنة ، وقيل : عشر سنين ، وقد حاضت حيضتين. # {فانتبذت به} أي : فاعتزلت ملتبسة به حين أحست بقرب وضعها ، {مكانا قصيا} ~~: بعيدا من أهلها وراء الجبل ، وقيل : أقصى الدار. {فأجاءها المخاض} ؛ ~~فألجأها المخاض. وقرئ بكسر الميم. وكلاهما مصدر ، محضت المرأة : إذا تحرك ~~الولد في بطنها للخروج ، {إلى جذع النخلة} لتستتر به ، أو لتعتمد عليه عند ~~الولادة ، وهو ما بين العرق والغصن. وكانت نخلة يابسة ، لا رأس لها ولا ~~قعدة ، قد جيء بها لبناء بيت ، وكان الوقت شتاء ، والتعريف في النخلة إما ~~للجنس أو للعهد ، إذ لم يكن ثم غيرها ، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليريها من ~~آياتها ما يسكن روعتها ، وليطعمها الرطب ، الذي هو من طعام النفساء الموافق لها. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 216 PageV04P312 ~~قالت} حين أخذها وجع الطلق : {يا ليتني مت} بكسر الميم ، من مات يمات ، ~~وبالضم ، من مات يموت ، {قبل هذا} الوقت الذي لقيت فيه ما لقيت ، وإنما ~~قالته ، مع أنها كانت تعلم ما جرى لها مع جبريل عليه السلام من الوعد ~~الكريم ؛ استحياء من الناس ، وخوفا من لائمتهم ، أو جريا على سنن الصالحين ~~عند اشتداد الأمر ، كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تبنة من الأرض ، ~~فقال : ليتني هذه التبنة ولم أكن شيئا ". وقال بلال : (ليت بلالا لم تلده ~~أمه). ثم قالت : {وكنت نسيا} أي : شيئا تافها شأنه أن ينسى ولا يعتد به ، ~~{منسيا} لا يخطر ببال أحد من الناس. وقرئ بفتح النون ، وهما لغتان ؛ نسي ~~ونسي ، كالوتر والوتر. وقيل : بالكسر : اسم ما ينسى ، وبالفتح : مصدر. # {فناداها} أي ms1545 : جبريل عليه السلام {من تحتها} ، قيل : إنه كان يقبل الولد ~~من تحتها ، أي : من مكان أسفل منها ، وقيل : من تحت النخلة ، وقيل : ناداها ~~عيسى عليه السلام ، ويرجحه قراءة من قرأ بفتح الميم ، أي : فخاطبها الذي ~~تحتها : {أن لا تحزني} ، # 217 # أو : بألا تحزني ، على أن " أن " مفسرة ، أو مصدرية ، حذف عنها الجار. ~~{قد جعل ربك تحتك} أي : بمكان أسفل منك {سريا} أي : نهرا صغيرا ، حسبما روي ~~مرفوعا. قال ابن عباس رضي الله عنهما : (إن جبريل عليه السلام ضرب برجله ~~الأرض ، فظهرت عين ماء عذب ، فجرى جدولا). وقيل : فعله عيسى ، أي : ضرب ~~برجله فجرى ، وقيل : كان هناك نهر يابس - أجرى الله تعالى فيه الماء - ، ~~كما فعل مثله بالنخلة ، فإنها كانت يابسة لا رأس لها ، فأخرج لها رأسا ~~وخوصا وتمرا. وقيل : كان هناك نهر ماء. والأول أظهر ؛ لأنه الموافق لبيان ~~إظهار الخوارق ، والمتبادر من النظم الكريم. PageV04P313 # وقيل : {سريا} أي : سيدا نبيلا رفيع الشأن جليلا ، وهو عيسى عليه السلام ، ~~والتنوين حينئذ للتفخيم. والجملة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهي. ~~والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها ؛ لتشريفها وتأكيد التعليل ~~وتكميل التسلية. # ثم قال : {وهزي إليك} أي : حركي النخلة إليك ، أي : جاذبة لها إلى جهتك. ~~فهز الشيء : تحريكه إلى الجهات المتقابلة تحريكا عنيفا ، والمراد هنا ما ~~كان بطريق الجذب والدفع. والباء في قوله : {بجذع النخلة} : صلة للتأكيد ، ~~لقول العرب : هز الشيء وهز به ، أو للإلصاق. فإذا هززت النخلة {تساقط} أي : ~~تتساقط. وقرئ : تساقط ، وتسقط ، أي : النخلة عليك إسقاطا متواترا بحسب ~~تواتر الهز {رطبا جنيا} أي : طريا ، وهو ما قطع قبل يبسه. فعيل بمعنى مفعول ~~، أي : مجنيا صالحا للاجتناء. {فكلي} من ذلك الرطب {واشربي} من ذلك السري ، ~~{وقري عينا} ؛ وطيبي نفسا وارفضي عنك ما أحزنك وأهمك ، فإنه تعالى قد نزه ~~ساحتك عن التهم ، بما يفصح به لسان ولدك من التبرئة. أو : وقري عينا بحفظ ~~الله ورعايته في أمورك كلها. وقرة العين : برودتها ، مأخوذ من القر ، وهو ~~البرد ؛ لأن دمع الفرح بارد ، ودمع الحزن سخن ، ولذلك ms1546 يقال : قرة العين ~~للمحبوب ، وسخنة العين للمكروه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 216 PageV04P314 ~~فإما ترين من البشر أحدا} آدميا كائنا من كان {فقولي} له إن استنطقك أو ~~لامك : {إني نذرت للرحمن صوما} أي : صمتا ، وقرئ كذلك ، وكان صيامهم السكوت ~~، فكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الطعام. وذكر ابن العربي في ~~الأحوذي : أن نبينا - عليه الصلاة والسلام - اختص بإباحة الكلام لأمته في ~~الصوم ، وكان محرما على من قبلنا ، عكس الصلاة. ه. قالت : {فلن أكلم اليوم ~~إنسيا} أي : بعد أن أخبرتكم بنذري ، وإنما أكلم الملائكة أو أناجي ربي. ~~وقيل : أمرت بأن تخبر عن نذرها بالإشارة. قال الفراء : العرب تسمى كل ما ~~وصل إلى الإنسان كلاما ، ما لم يؤكد بالمصدر ، فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة ~~الكلام. ه. وإنما أمرت بذلك ونذرته ؛ لكراهة مجادلة السفهاء ومقاولتهم ، ~~وللاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام ؛ فإنه نص قاطع في قطع الطعن. # 218 # {فأتت به قومها} عندما طهرت من نفاسها ، {تحمله} أي : حاملة له. قال ~~الكلبي : احتمل يوسف النجار - وكان ابن عمها - مريم وابنها عيسى ، فأدخلهما ~~غارا أربعين يوما ، حتى تعلت من نفاسها ، ثم جاءت به تحمله بعد أربعين يوما ~~، وكلمها عيسى في الطريق ، فقال : يا أمه ، أبشري ، فإني عبد الله ومسيحه. ~~فلما رآها أهلها ، بكوا وحزنوا ، وكانوا قوما صالحين. {قالوا يا مريم لقد ~~جئت} أي : فعلت {شيئا فريا} : عظيما بديعا منكرا ، من فرى الجلد : قطعه. ~~قال أبو عبيدة : (كل فائق من عجب أو عمل فهو فري). قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : في حق عمر رضي الله عنه : " فلم أر عبقريا من الناس يفري فرية " ، ~~أي : يعمل عمله. PageV04P315 # {يا أخت هارون} ، عنوا هارون أخا موسى ؛ لأنها كانت من نسله ، أي : كانت من ~~أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة ، وكان بينها وبينه ألف سنة. أو يا أخت ~~هارون في الصلاح والنسك ، وكان رجلا صالحا في زمانهم اسمه هارون ، فشبهوها ~~به. ذكر لما مات تبع جنازته أربعون ألفا ، كلهم يسمي هارون من بني إسرائيل. ~~وقيل : إن هارون الذي ms1547 شبهوها به كان أفسق بني إسرائيل ، فشتموها بتشبيهها ~~به. {ما كان أبوك} عمران {امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} ، فمن أين لك هذا ~~الولد من غير زوج ؟ . هذا تقرير لكون ما جاءت به فريا منكرا ، أو تنبيه على ~~أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش الفواحش. # {فأشارت إليه} أي : إلى عيسى أن كلموه ، ولم تكلمهم وفاء بنذرها ، ~~وإشارتها إليه من باب الإدلال ، رجوعا لقوله لها : {وقري عينا} ، ولا تقر ~~عينها إلا بالوفاء بما وعدت به ، من العناية بأمرها والكفاية لشأنها ، وذلك ~~يقتضي انفرادها بالله وغناها به ، فتدل بالإشارة. وكان ذلك طوع يدها ، ~~وتذكر قضية جريج. قاله في الحاشية. {قالوا} منكرين لجوابها : {كيف نكلم من ~~كان في المهد صبيا} ، ولم يعهد فيما سلف صبي يكلمه عاقل. و{كان} هنا : ~~تامة. و{صبيا} : حال. وقيل : زائدة ، أي : من هو في المهد. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 216 # قال} عيسى عليه السلام : {إني عبد الله} ، أنطقه الله تعالى بذلك تحقيقا ~~للحق ، وردا على من يزعم ربوبيته. قيل كان المستنطق لعيسى زكريا - عليهما ~~السلام - وعن السدي : (لما أشارت إليه ، غضبوا ، وقالوا : لسخريتها بنا أشد ~~علينا مما فعلت). روي أنه عليه السلام كان يرضع ، فلما سمع ذلك ترك الرضاع ~~واقبل عليهم بوجهه ، # 219 # واتكأ على يساره ، وأشار بسبابته ، فقال ما قال. وقيل : كلمهم بذلك ، ثم ~~لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان. PageV04P316 # ثم قال في كلامه : {آتاني الكتاب} : الإنجيل : {وجعلني} مع ذلك {نبيا ~~وجعلني مباركا} : نفاعا للناس ، معلما للخير {أينما كنت} أي : حيثما كنت ، ~~{وأوصاني بالصلاة} : أمرني بها أمرا مؤكدا ، {والزكاة} ؛ زكاة الأموال ، أو ~~بتطهير النفس من الرذائل {ما دمت حيا} في الدنيا. {و} جعلني {برا بوالدتي} ~~فهو عطف على {مباركا}. وقرئ بالكسر ، على أنه مصدر وصف به مبالغة ، وعبر ~~بالفعل الماضي في الأفعال الثلاثة ؛ إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتوم ~~، أو بجعل ما سيقع واقعا لتحققه. ثم قال : {ولم يجعلني جبارا شقيا} عند ~~الله تعالى ، بل متواضعا لينا ، سعيدا مقربا ، فكان يقول : سلوني ، فإن ~~قلبي ms1548 لين ، وإني في نفسي صغير ، لما أعطاه الله من التواضع. # ثم قال : {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} ، كما تقدم على ~~يحيى. وفيه تعريض بمن خالفه ، فإن إثبات جنس السلام لنفسه تعريض بإثبات ضده ~~لأضداده ، كما في قوله تعالى : {والسلام علىا من اتبع الهدىا} [طه : 47] ؛ ~~فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى. PageV04P317 # فهذا آخر كلام عيسى عليه السلام ، وهو أحد من تكلم في المهد ، وقد تقدم ~~ذكرهم في سورة يوسف نظما ونثرا. وكلهم معروفون ، غير أن ماشطة ابنة فرعون ~~لم تشتهر حكايتها. وسأذكرها كما ذكرها الثعلبي. قال : قال ابن عباس : (لما ~~أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم مرت به ريح طيبة فقال : يا جبريل ما هذه ~~الرائحة ؟ قال : رائحة ماشطة بنت فرعون ، كانت تمشطها ، فوقع المشط من يدها ~~، فقالت : بسم الله ، فقالت ابنته : أبى ؟ فقالت : لا ، بل ربي وربك ورب ~~أبيك. فقالت : أخبر بذلك أبي ؟ قالت : نعم ، فأخبرته فدعاها ، وقال : من ~~ربك ؟ قالت : ربي وربك في السماء ، فأمر فرعون ببقرة - أي : آنية عظيمة من ~~نحاس - فأحميت ، ودعاها بولدها ، فقالت : إن لي إليك لحاجة ، قال : وما ~~حاجتك ؟ قالت : تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا ، قال : وذلك لك علينا ~~من الحق ، سأفعل ذلك لك ، فأمر بأولادها واحدا واحدا ، حتى إذا كان آخر ~~ولدها ، وكان صبيا مرضعا ، قال : اصبري يا أمه... فألقاها في البقرة مع ~~ولدها. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 216 # الإشارة : يؤخذ من الآية أمور صوفية ، منها : أن الإنسان يباح له أن ~~يستتر في الأمور التي تهتك عرضه ، ويهرب إلى مكان يصان فيه عرضه ، إلا أن ~~يكون في مقام الرياضة والمجاهدة ، فإنه يتعاطى ما تموت به نفسه ، ومنها : ~~أنه لا بأس أن يلجأ الإنسان # 220 # إلى ما يخفف آلامه ويسهل شدته ، ولا ينافي توكله. ومنها : أن لا بأس أن ~~يتمنى الموت إذا خاف ذهاب دينه أو عرضه ، أو فتنة تحول بينه وبين قلبه. ~~ويؤخذ أيضا من الآية : أن فزع القلب عند الصدمة الأولى لا ينافي الصبر ~~والرضا ms1549 ؛ لأنه من طبع البشر ، وإنما ينافيه تماديه على الجزع. PageV04P318 # ومنها : أن تحريك الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل ، لقوله تعالى : {وهزي ~~إليك}. لكن إذا كانت خفيفة مصحوبة بإقامة الدين ، غير معتمد عليها بقلبه ، ~~فإن كان متجردا فلا يرجع إليها حتى يكمل يقينه ، ويتمكن في معرفة الحق ~~تعالى. وقد كانت في بدايتها تأتي إليها الأرزاق بغير سبب كما في سورة آل ~~عمران ، وفي نهايتها قال لها : {وهزي إليك}. قال الشيخ أبو العباس المرسي ~~رضي الله عنه : كانت في بدايتها متعرفا إليها بخرق العادات وسقوط الأسباب ، ~~فلما تكمل يقينها رجعت إلى الأسباب ، والحالة الثانية أتم من الحالة الأولى ~~، وأما من قال : إن حبها أولا كان لله وحده ، فلما ولدت انقسم حبها ، فهو ~~تأويل لا يرضى ولا ينبغي أن يلتفت إليه ، لأنها صديقة ، والصديق والصديقة ~~لا ينتقلان من حالة إلا إلى أكمل منها. # ومنها : أن الإنسان لا بأس أن يوجب على نفسه عبادة ، إذا كان يتحصن بها ~~من الناس ، أو من نفسه ، كالصوم أو الصمت أو غيرهما ، مما يحجزه عن العوام ~~، أو عن الانتصار للنفس. # وقوله تعالى : {والسلام علي يوم ولدت...} الآية : قال الورتجبي : سلام ~~يحيى سلام تخصيص الربوبية على العبودية. ثم قال : وسلام عيسى من عين الجمع ~~، سلام فيه مزية ظهور الربوبية في معدن العبودية. وأرفع المقامين سلام الحق ~~على سيد المرسلين كفاحا في وصاله وكشف جماله ، ولو سلم عليه بلسانه كان ~~بلسان الحدث ، ولا يبلغ رتبة سلامه بوصف قدمه. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 216 # 221 PageV04P319 ~~قلت : {وإن الله} : عطف على قوله : {إني عبد الله} فيمن كسر ، وعلى حذف ~~اللام فيمن فتح ، أي : ولأن الله ربي وربكم. وقال الواحدي وأبو محمد مكي : ~~عطف على قوله : {بالصلاة} أي : أوصاني بالصلاة وبأن الله... الخ : وقال ~~المحلي : بالفتح ، بتقدير اذكر ، وبالكسر بتقدير " قل ". و{قول الحق} : ~~مصدر مؤكد لقال ، فيمن نصب ، وخبر عن مضمر ، فيمن رفع ، أي : هو ، أو هذا. ~~و{إذا قضى} : بدل من {يوم الحسرة} ، أو ظرف للحسرة. و{هم في غفلة وهم لا ~~يؤمنون} : جملتان ms1550 حاليتان من الضمير المستقر في الظرف في قوله : {في ضلال ~~مبين} أي : مستقرين في الضلال وهم في تينك الحالتين. # يقول الحق جل جلاله : {ذلك} المنعوت بتلك النعوت الجليلة ، والأوصاف ~~الحميدة هو {عيسى ابن مريم} ، لا ما يصفه النصارى به من وصف الألوهية ، فهو ~~تكذيب لهم على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني ، حيث جعله موصوفا بأضداد ما ~~يصفونه به. وأتى بإشارة البعيد ؛ للدلالة على علو رتبته وبعد منزلته ، ~~وامتيازه بتلك المناقب الحميدة عن غيره ، ونزوله منزلة المشاهد المحسوس. # هذا {قول الحق} ، أو قال عيسى {قول الحق} الذي لا ريب فيه ، وأنه عبد ~~الله ورسوله ، {الذي فيه يمترون} أي : يشكون أو يتنازعون ، فيقول اليهود : ~~ساحر كذاب ، ويقول النصارى : إله ، أو ابن الله. {ما كان لله أن يتخذ من ~~ولد} أي : ما صح ، أو ما استقام له أن يتخذ ولدا ، {سبحانه} وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا ، فهو تنزيه عما بهتوه ، ونطقوا به من البهتان ، وكيف ~~يصح أن يتخذ الله ولدا ، وهو يحتاج إلى أسباب ومعالجة ، وأمره تعالى أسرع ~~من لحظ العيون ، {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 221 PageV04P320 ~~ثم قال لهم عيسى عليه السلام : {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه} ، فهو من تمام ~~ما نطق به في المهد ، وما بينهما اعتراض ، للمبادرة للرد على من غلط فيه ، ~~أي : فإني عبد ، وإن الله ربي وربكم فاعبدوه وحده ولا تشركوا معه غيره ، ~~{هذا} الذي ذكرت لكم الذي ذكرت لكم من التوحيد {صراط مستقيم} لا يضل سالكه ~~ولا يزيغ متبعه. # قال تعالى : {فاختلف الأحزاب من بينهم} ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها ، تنبيها على سوء صنيعهم ، بجعلهم ما يوجب الاتفاق منشأ للاختلاف ، ~~فإن ما حكى من مقالات عيسى عليه السلام ، مع كونها نصوصا قاطعة في كونه ~~عبده تعالى ورسوله ، قد اختلفت اليهود والنصارى بالتفريط والإفراط ، وفرق ~~النصارى ، فقالت النسطورية : هو ابن الله ، وقالت اليعقوبية : هو الله هبط ~~إلى الأرض ثم صعد إلى السماء ، وقالت الملكانية : هو ثالث ثلاثة. {فويل ~~للذين كفروا} ms1551 وهم : المختلفون فيه بأنواع الضلالات. وأظهر الموصول في موضع ~~الإضمار ؛ إيذانا بكفرهم جميعا ، وإشعارا بعلية الحكم ، {من مشهد # 222 # يوم عظيم} أي : ويل لهم من شهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء ، وهو ~~يوم القيامة ، أو : من وقت شهوده أو مكانه ، أو من شهادة اليوم عليهم ، وهو ~~أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم ، بالكفر والفسوق. PageV04P321 # {أسمع بهم وأبصر} أي : ما أسمعهم وما أبصرهم ، تعجب من حدة سمعهم وإبصارهم ~~يومئذ. والمعنى : أن أسماعهم وأبصارهم {يوم يأتوننا} للحساب والجزاء جدير ~~أن يتعجب منها ، بعد أن كانوا في الدنيا صما عميا. أو : ما أسمعهم وأطوعهم ~~لما أبصروا من الهدى ، ولكن لا ينفعهم يومئذ مع ضلالهم عنه اليوم ، فقد ~~سمعوا وأبصروا ، حين لم ينفعهم ذلك. قال الكلبي : لا أحد يوم القيامة أسمع ~~منهم ولا أبصر ، حين يقول الله لعيسى : {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلاهين من دون الله} [المائدة : 116]. ه. ويحتمل أن يكون أمر تهديد لا تعجب ~~، أي : أسمعهم وأبصرهم مواعيد ذلك اليوم ، وما يحيق بهم فيه ، فالجار ~~والمجرور ، على الأول ، في موضع رفع ، وعلى الثاني : نصب. {لكن الظالمون ~~اليوم} أي : في الدنيا ، {في ضلال مبين} أي : لا يدرك غايته ، حيث غفلوا عن ~~الاستماع والنظر بالكلية. ووضع الظالمين موضع الضمير ؛ للإيذان بأنهم في ~~ذلك ظلمون لأنفسهم حيث تركوا النظر. # {وأنذرهم يوم الحسرة} يوم يتحسر الناس قاطبة ، أما المسيء فعلى إساءته ، ~~وأما المحسن فعلى قلة إحسانه ، {إذ قضي الأمر} أي : فرغ من يوم الحساب ، ~~وتميز الفريقان ، إلى الجنة وإلى النار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 221 PageV04P322 ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك ، فقال : " حين يجاء بالموت ~~على صورة كبش أملح ، فيذبح ، والفريقان ينظرون ، فينادي ؛ يا أهل الجنة ~~خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى ~~فرحهم ، وأهل النار غما إلى غمهم ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم : {وأنذرهم ~~يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة} ، وأشار بيده إلى الدنيا " قال مقاتل ~~: (لولا ms1552 ما قضى الله من تعميرهم فيها ، وخلودهم ؛ لماتوا حسرة حين رأوا ~~ذلك). {وهم} في هذا اليوم {في غفلة} عما يراد بهم في الآخرة ، {وهم لا ~~يؤمنون} بهذا ؛ لاغترارهم ببهجة الدنيا ، فلا بد أن تنهد دعائمها ، وتمحى ~~بهجتها ، ويفنى كل ما عليها ، قال تعالى : {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها} ~~لا ينبغي لأحد غيرنا أن يكون له عليها وعليكم ملك ولا تصرف ، أو : إنا نحن ~~نتوفى الأرض ومن عليها ، بالإفناء والإهلاك ، توفي الوارث لإرثه ، {وإلينا ~~يرجعون} ؛ يردون إلى الجزاء ، لا إلى غيرنا ، استقلالا أو اشتراكا. والله ~~تعالى أعلم. # 223 # الإشارة : ينبغي للعبد المعتني بشأن نفسه أن يحصن عقائده بالدلائل ~~القاطعة ، والبراهين الساطعة ، على وفاق أهل السنة ، ثم يجتهد في صحبة أهل ~~العرفان ، أهل الذوق والوجدان ، حتى يطلعوه على مقام الإحسان ، مقام أهل ~~الشهود والعيان. فإذا فرط في هذا ، لحقه الندم والحسرة ، في يوم لا ينفع ~~فيه ذلك. فكل من تخلف عن مقام الذوق والوجدان ؛ فهو ظالم لنفسه باخس لها ، ~~يلحقه شيء من الخسران ، ولا بد أن تبقى فيه بقية من الضلال ، حيث فرط عن ~~اللحوق بطريق الرجال ، قال تعالى : {لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين}. PageV04P323 # {وأنذرهم يوم الحسرة} أي : يوم يرفع المقربون ويسقط المدعون. فأهل الذوق ~~والوجدان حصل لهم اللقاء في هذه الدار ، ثم استمر لهم في دار القرار. روي ~~أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه قال يوما بين يدي أستاذه : (اللهم ~~اغفر لي يوم لقائك). فقال له شيخه - القطب ابن مشيش - رضي الله عنهما : هو ~~أقرب إليك من ليلك ونهارك ، ولكن الظلم أوجب الضلال ، وسبق القضاء حكم ~~بالزوال عن درجة الأنس ومنازل الوصال ، وللظالم يوم لا يرتاب فيه ولا يخاتل ~~، والسابق قد وصل في الحال ، " أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون ~~اليوم في ضلال مبين ". ه. كلامه رضي الله عنه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 221 # قلت : {إذ قال} : بدل اشتمال من {إبراهيم} ، وما بينهما : اعتراض ، أو ~~متعلق بكان. # يقول الحق جل جلاله : {واذكر في الكتاب} ؛ القرآن أو ms1553 السورة ، {إبراهيم} ~~أي : اتل على الناس نبأه وبلغه إياهم ، كقوله : {واتل عليهم نبأ إبراهيم} ~~[الشعراء : 69] ؛ لأنهم ينتسبون إليه عليه السلام ، فلعلهم باستماع قصته ~~يقلعون عما هم عليه من الشرك والعصيان. {إنه كان صديقا} ؛ ملازما للصدق في ~~كل ما يأتي ويذر ، أو كثير التصديق ؛ لكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى ~~وآياته وكتبه ورسله ، فالصديق مبالغة في الصدق ، يقال : كل من صدق بتوحيد ~~الله وأنبيائه وفرائضه ، وعمل بما صدق به فهو صديق ، وبذلك سمي أبو بكر ~~الصديق ، وسيأتي في الإشارة تحقيقه عند الصوفية ، إن شاء الله. # 224 # والجملة : استئناف مسوق لتعليل موجب الأمر ؛ فإن وصفه عليه السلام بذلك ~~من دواعي ذكره ، وكان أيضا {نبيا} ، أي : كان جامعا بين الصديقية والنبوة ، ~~إذ كل نبي صديق ، ولا عكس. ولم يقل : نبيا صديقا ؛ لئلا يتوهم تخصيص ~~الصديقية بالنبوة. PageV04P324 # {إذ قال لأبيه} آزر ، متلطفا في الدعوة مستميلا له : {يا أبت} ، التاء بدل ~~من ياء الإضافة ، أي : يا أبي ، {لم تعبد ما لا يسمع} ثناءك عليه حين تعبده ~~، ولا جؤارك إليه حين تدعوه ، {ولا يبصر} خضوعك وخشوعك بين يديه ، أو : لا ~~يسمع ولا يبصر شيئا من المسموعات والمبصرات ، فيدخل في ذلك ما ذكر دخولا ~~أوليا ، {ولا يغني عنك شيئا} أي : لا يقدر أن ينفعك بشيء في طلب نفع أو دفع ضرر. # انظر ؛ لقد سلك عليه السلام في دعوته وموعظته أحسن منهاج وأقوم سبيل ، ~~واحتج عليه بأبدع احتجاج ، بحسن أدب ، وخلق جميل ، لكن وقع ذلك لسائر ركب ~~متن المكابرة والعناد ، وانتكب بالكلية عن محجة الصواب والرشاد ، أي : فإن ~~من كان بهذه النقائص يأبى من له عقل التمييز من الركون إليه ، فضلا عن ~~عبادته التي هي أقصى غاية التعظيم ، فإنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء ~~التام والإنعام العام ، الخالق الرازق ، المحيي المميت ، المثيب المعاقب ، ~~والشيء لو كان مميزا سميعا بصيرا قادرا على النفع والضر ، لكنه ممكن ، ~~لاستنكف العقل السليم عن عبادته ، فما ظنك بجماد مصنوع من حجر أو شجر ، ليس ~~له من أوصاف الأحياء عين ولا ms1554 أثر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 224 PageV04P325 ~~ثم دعاء إلى اتباعه ؛ لأنه على المنهاج القويم ، مصدرا للدعوة بما مر من ~~الاستعطاف والاستمالة ، حيث قال : {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم ~~يأتك} ، لم يسم أباه بالجهل المفرط ، وإن كان في أقصاه ، ولا نفسه بالعلم ~~الفائق ، وإن كان في أعلاه ، بل أبرز نفسه في صورة رفيق له ، أعرف بأحوال ~~ما سلكاه من الطريق ، فاستماله برفق ، حيث قال : {فاتبعني أهدك صراطا سويا} ~~أي : مستقيما موصلا إلى أسمى المطالب ، منجيا من الضلال المؤدي إلى مهاوي ~~الردى والمعاطب. ثم ثبطه عما كان عليه من عبادة الأصنام ، فقال : {يا أبت ~~لا تعبد الشيطان} ، فإن عبادتك للأصنام عبادة له ، إذ هو الذي يسولها لك ~~ويغريك عليها ، ثم علل نهيه فقال : {إن الشيطان كان للرحمن عصيا} ، فهو ~~تعليل لموجب النهي ، وتأكيد له ببيان أنه مستعص على ربك ، الذي أنعم عليك ~~بفنون النعم ، وسينتقم منه فكيف تعبده ؟ . # والإظهار في موضع الإضمار ؛ لزيادة التقرير ، والاقتصار على ذكر عصيانه ~~بترك السجود من بين سائر جناياته ؛ لأنه ملاكها ، أو لأنه نتيجة معاداته ~~لآدم وذريته ، فتذكيره به داع لأبيه إلى الاحتراز عن موالاته وطاعته. ~~والتعرض لعنوان الرحمانية ؛ لإظهار كمال شناعة عصيانه. # 225 # وقوله : {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} تحذير من سوء عاقبة ما ~~كان عليه من عبادة الشيطان ، وهو اقترانه معه في الهوان الفظيع. و{من ~~الرحمن} : صفة لعذاب ، أي : عذاب واقع من الرحمن ، وإظهار {الرحمن} ؛ ~~للإشعار بأن وصف الرحمانية لا يدفع حلول العذاب ، كما في قوله تعالى : {ما ~~غرك بربك الكريم} [الانفطار : 6] ، {فتكون للشيطان وليا} أي : فإذا قرنت ~~معه في العذاب تكون قرينا له في اللعن المخلد. فهذه موعظة الخليل لأبيه ، ~~وقد استعمل معه الأدب من خمسة أوجه : # الأول : ندائه : بيا أبت ، ولم يقل يا آزر ، أو يا أبي. # الثاني : قوله {ما لا يسمع...} الخ ، ولم يقل : لم تعبد الخشب والحجر. PageV04P326 # الثالث : قوله : {إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك} ، ولم يقل له : أنك ~~جاهل ضال. ms1555 # الرابع : قوله : {إني أخاف} ، حيث عبر له بالخوف ولم يجزم له بالعذاب. # الخامس : في قوله : {أن يمسك} ، حيث عبر بالمس ولم يعبر باللحوق أو ~~النزول. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 224 # الإشارة : قد جمع الحق تبارك وتعالى لخليله مقام الصديقة والنبوة مع ~~الرسالة والخلة ، وقدم الصديقية لتقدمها في الوجود في حال الترقي ، ~~فالصديقية تلي مرتبة النبوة ، كما تقدم في سورة النساء. فالصديق عند ~~الصوفية هو الذي يعظم صدقه وتصديقه ، فيصدق بوجود الحق وبمواعده ، حتى يكون ~~ذلك نصب عينيه ، من غير تردد ولا تلجلج ، ولا توقف على آية ولا دليل. ثم ~~يبذل مهجته وماله في مرضاة مولاه ، كما فعل الخليل ، حيث قدم بدنه للنيران ~~وطعامه للضيفان وولده للقربان. وكما فعل الصديق ، حيث واسى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بنفسه في الغار ، وخرج عن ماله خمس مرار. وكما فعل الغزالي حيث ~~قدم نفسه للخراب ، حين اتصل بالشيخ وخرج عن ماله وجاهه في طلب مولاه. ولذلك ~~قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : في حقه : " إنا لنشهد له ~~بالصديقية العظمى " ، وناهيك بمن شهد له الشاذلي بالصديقية. ومن أوصاف ~~الصديق أنه لا يتعجب من شيء من خوارق العادة ، مما تبرزه القدرة الأزلية ، ~~ولا يتعاظم شيئا ولا يستغربه ، ولذلك وصف الحق تعالى مريم بالصديقية دون ~~سارة ، حيث تعجبت ، وقالت : {أألد وأنا عجوز وهاذا بعلي شيخا إن هاذا لشيء ~~عجيب} [هود : 72] ؛ وأما مريم فإنما سألت عن وجه ذلك ، هل يكون بنكاح أم لا ~~، والله تعالى أعلم. PageV04P327 # وفي الآية إشارة إلى حسن الملاطفة في الوعظ والتذكير ، لا سيما لمن كان ~~معظما كالوالدين ، أو كبيرا في نفسه. فينبغي لمن يذكره أن يأخذه بملاطفة ~~وسياسة ، فيقر له المقام الذي أقامه الله تعالى فيه ، ثم يذكره بما يناسبه ~~في ذلك المقام ، ويشوقه إلى مقام # 226 # أحسن منه ، وأما إن أنكر له مقامه من أول مرة ، فإنه يفر عنه ولم يستمع ~~إلى وعظه ، كما هو مجرب. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 224 # قلت : هذا استئناف بياني ، مبني ms1556 على سؤال نشأ عن صدر الكلام ، كأنه قيل : ~~فماذا قال أبوه عندما سمع هذه النصائح الواجبة القبول ؟ فقال مصرا على ~~عناده : أراغب... الخ. # يقول الحق جل جلاله : {قال} له أبوه في جوابه : {أراغب أنت عن آلهتي} أي ~~: أمعرض ومنصرف أنت عنها فوجه الإنكار إلى نفس الرغبة ، مع ضرب من التعجب ، ~~كأن الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل ، فضلا عن ترغيب الغير عنها ، ثم ~~هدده فقال : {لئن لم تنته} عن وعظك {لأرجمنك} بالحجارة ، أي : والله لئن لم ~~تنته عما أنت عليه من النهي عن عبادتها لأرجمنك بالحجر ، وقيل باللسان ، ~~{واهجرني} أي : واتركني {مليا} أي : زمنا طويلا ، أو ما دام الأبد ، ويسمى ~~الليل والنهار ملوان ، وهو عطف على محذوف ، أي : احذرني واهجرني. PageV04P328 # {قال} له إبراهيم عليه السلام : {سلام عليك} مني ، لا أصيبك بمكروه ، وهو ~~توديع ومتاركة على طريق مقابلة السيئة بالحسنة ، أي : لا أشافهك بما يؤذيك ~~، ولكن {سأستغفر لك ربي} أي : أستدعيه أن يغفر لك. وقد وفى عليه السلام ~~بقوله في سورة الشعراء : {واغفر لأبيا إنه كان من الضآلين} [الشعراء : 86]. ~~أو : بأن يوفقك للتوبة ويهديك للإيمان. والاستغفار بهذا المعنى للكافر قبل ~~تبين أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه ، وإنما المحظور استدعاء ~~المغفرة مع بيان شقائه بالوحي ، وأما الاستغفار له بعد موته فالعقل لا ~~يحيله. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب : " لا أزال أستغفر لك ~~ما لم أنه عنك " ثم نهاه عنه كما تقدم في التوبة. فالنهي من طريق السمع ، ~~ولا اشتباه أن هذا الوعد من إبراهيم ، وكذا قوله : {لأستغفرن لك} [الممتحنة ~~: 4] ، وقوله : {واغفر لأبيا إنه كان من الضآلين} [الشعراء : 86] ، إنما ~~كان قبل انقطاع رجائه من إيمانه ، بدليل قوله : {فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ} [التوبة : 114]. # وقوله تعالى : {إنه كان بي حفيا} أي : بليغا في البر والألطاف ، رحيما بي ~~في أموري ، قد عودني الإجابة. أو عالما بي يستجيب لي إن دعوته ، وفي ~~القاموس : حفي # 227 # كرضي ، حفاوة. ثم قال : واحتفا : بالغ في إكرامه وأظهر السرور ms1557 والفرح به ~~، وأكثر السؤال عن أحواله ، فهو حاف وحفي. ه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 227 PageV04P329 ~~وأعتزلكم} أي : أتباعد عنك وعن قومك ، {وما تدعون من دون الله} بالمهاجرة ~~بديني ، حيث لم تؤثر فيكم نصائحي ، {وأدعو ربي} : أعبده وحده ، أو أدعوه ~~بطلب المغفرة لك - أي قبل النهي - أو : أدعوه بطلب الولد ، كقوله : {رب هب ~~لي من الصالحين} [الصافات : 100] ، {عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} أي : عسى ~~ألا أشقى بعبادته ، أو : لا أخيب في طلبه ، كما شقيتم أنتم في عبادة آلهتكم ~~وخبتم. ففيه تعريض بهم ، وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضع وحسن ~~الأدب ، والتنبيه على أن الإجابة من طريق الفضل والكرم ، لا من طريق الوجوب ~~، وأن العبرة بالخاتمة والسعادة ، وفي ذلك من الغيوب المختصة بالعليم ~~الخبير ما لا يخفى. الإشارة : انظر كيف رفض آزر من رغب عن آلهته ، وإن كان ~~أقرب الناس إليه ، فكيف بك أيها المؤمن ألا ترفض من يرغب عن إلهك ويعبد معه ~~غيره ، أو يجحد نبيه ورسوله ، بل الواجب عليك أن ترفض كل ما يشغلك عنه ، ~~غيرة منك على محبوبك ، وإذا نظرت بعين الحقيقة لم تجد الغيرة إلا على الحق ~~، إذ ليس في الوجود إلا الحق ، وكل ما سواه باطل على التحقيق. # فمن اعتزل كل ما سوى الله ، وأفرد وجهته إلى مولاه ، لم يشق في مطلبه ~~ومسعاه ، بل يطلعه الله على أسرار ذاته ، وأنوار صفاته ، حتى لا يرى في ~~الوجود إلا الواحد الأحد الفرد الصمد. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 227 # قلت : {وكلا} : مفعول أول لجعلنا ، و{عليا} : حال من اللسان. PageV04P330 # يقول الحق جل جلاله : {فلما اعتزلهم} أي : اعتزل إبراهيم قومه {وما يعبدون ~~من دون الله} بأن خرج من " كوثى " بأرض العراق ، مهاجرا إلى الشام واستقر ~~بها ، {وهبنا له إسحاق} ولده {ويعقوب} حفيده ، بعد أن وهب له إسماعيل من ~~أمته هاجر ، التي وهبت لزوجه سارة ، ثم وهبتها له ، فولد له منها إسماعيل ، ~~ولما حملت هاجر بإسماعيل غارت منها سارة ، فخرج بها مع ولدها إسماعيل حتى ~~أنزلهما مكة ، فكان سبب ms1558 عمارتها. ثم حملت سارة بإسحاق ، ثم نشأ عنه يعقوب ، ~~وإنما خصمها بالذكر لأنهما كانا معه في بلده ، وإسحاق كان متصلا به يسعى ~~معه في مآربه ، فكانت النعمة بهما أعظم. # 228 # ولعل ترتيب هبتهما على اعتزاله ها هنا لبيان كمال عظم النعمة التي أعطاها ~~الله تعالى إياه ، في مقابلة من اعتزلهم من الأهل والأقارب ، فإنهما شجرة ~~الأنبياء ، لهما أولاد وأحفاد ، لكل واحد منهم شأن خطير وعدد كثير. {وكلا ~~جعلنا نبيا} أي : وكل واحد منهما أو منهم جعلناه نبيا ورسولا. # {ووهبنا لهم من رحمتنا} هي النبوة ، وذكرها بعد ذكر جعلهم أنبياء ؛ ~~للإيذان بأنها من باب الرحمة والفضل. وقيل : الرحمة : المال والأولاد ، وما ~~بسط لهم من سعة الرزق ، وقيل : إنزال الكتاب ، والأظهر أنها عامة لكل خير ~~ديني ودنيوي. {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} : رفيعا في أهل الأديان ، فكل أهل ~~دين يتلونهم ، ويثنون عليهم ، ويفتخرون بهم ؛ استجابة لدعوته بقوله : ~~{واجعل لي لسان صدق في الآخرين} [الشعراء : 84]. # والمراد باللسان : ما يوجد به الكلام في لسان العرب ولغتهم ، وإضافته إلى ~~الصدق ، ووصفه بالعلو ؛ للدلالة على أنهم أحقاء لما يثنون عليهم ، وأن ~~محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار ، وتبدل الدول ، وتحول الملل والنحل. ~~والله تعالى أعلم. PageV04P331 # الإشارة : كل من اعتزل عن الخلق وانفرد بالملك الحق ، طلبا في الوصول إلى ~~مشاهدة الحق ، لا بد أن تفيض عليه المواهب القدسية والأسرار الوهبية ~~والعلوم اللدنية ، وهي نتائج فكرة القلوب الصافية ، وفي الحكم : " ما نفع ~~القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة ". قال الجنيد رضي الله عنه : أشرف ~~المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد. وقال الشيخ أبو الحسن ~~الشاذلي رضي الله عنه : (ثمار العزلة : الظفر بمواهب المنة ، وهي أربعة : ~~كشف الغطاء ، وتنزل الرحمة ، وتحقق المحبة ، ولسان الصدق في الكلمة ، قال ~~الله تعالى : {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له} الآية). وقال ~~بعض الحكماء : من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ، ومن راءاهم وقع ~~فيما وقعوا ، فهلك كما هلكوا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 228 # وقال بعض الصوفية ms1559 : قلت لبعض الأبدال المنقطعين إلى الله : كيف الطريق ~~إلى التحقيق ؟ قال : لا تنظر إلى الخلق ، فإن النظر إليهم ظلمة ، قلت : لا ~~بد لي ، قال : لا تسمع كلامهم ، فإن كلامهم قسوة ، قلت : لا بد لي ، قال : ~~لا تعاملهم ، فإن معاملتهم خسران ووحشة ، قلت : أنا بين أظهرهم ، لا بد لي ~~من معاملتهم ، قال : لا تسكن إليهم ، فإن السكون إليهم هلكة ، قلت : هذا ~~لعله يكون ، قال : يا هذا أتنظر إلى اللاعبين ، وتسمع كلام الجاهلين ، ~~وتعامل البطالين ، وتسكن إلى الهلكى ، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة وقلبك مع ~~الله ؟ ! هيهات... هذا لا يكون أبدا ، ثم غاب عني. # وقال القشيري رضي الله عنه : فأرباب المجاهدات ، إذا أرادوا صون قلوبهم ~~عن الخواطر الردية لم ينظروا إلى المستحسنات - أي : من الدنيا -. قال : ~~وهذا أصل كبير لهم # 229 # في المجاهدات في أحوال الرياضة. ه. وقال في " القوت " : ولا يكون المريد ~~صادقا حتى يجد في الخلوة من الحلاوة والنشاط والقوة ما لا يجده في العلانية ~~، وحتى يكون أنسه في الوحدة ، وروحه في الخلوة ، وأحسن أعماله في السر. ه. PageV04P332 # قلت : العزلة عن الخلق والفرار منهم شرط في بداية المريد ، فإذا تمكن من ~~الشهود ، وأنس قلبه بالملك الودود ، واتصل بحلاوة المعاني ، ينبغي له أن ~~يختلط بالخلق ويربي فكرته ؛ لأنهم حينئذ يزيدون في معرفته ويتسع بهم ؛ لأنه ~~يراهم حينئذ أنوارا من تجليات الحق ، ونوارا يرعى فيهم ، فيجتني حلاوة ~~الشهود ، وفي ذلك يقول شيخ شيوخنا المجذوب : # الخلق نوار وأنا رعيت فيهم # هم الحجاب الأكبر والمدخل فيهم # وفي مقطعات الششتري : # عين الزحام # هم الوصول لحينا # وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 228 # قلت : {نجيا} : حال من أحد الضميرين في {ناديناه} أو {قربناه} ، وهو ~~أحسن. و{هارون} : عطف بيان. # يقول الحق جل جلاله : {واذكر في الكتاب موسى} ، قدم ذكره على ذكر إسماعيل ~~لئلا ينفصل عن ذكر يعقوب ؛ لأنه من نسله ، {إنه كان مخلصا} : موحدا ، أخلص ~~عبادته من الشرك والرياء ، وأسلم وجهه لله تعالى ، وأخلص نفسه عما سواه. ~~وقرئ بالفتح ، على أن الله تعالى أخلصه من الدنس. قال ms1560 القشيري أي : خلصا ~~لله ، لم يكن لغيره بوجه. ثم قال : ولم يغض في الله على شيء. ه. # {وكان رسولا نبيا} أرسله الله تعالى إلى الخلق فأنبأهم عنه ، ولذلك قدم ~~رسولا مع كونه أخص وأعلى ، {وناديناه من جانب الطور الأيمن} ، الطور : جبل ~~بين مصر ومدين ، أي : ناديناه من ناحيته اليمنى ، وهي التي تلي يمين موسى ~~عليه السلام ، فكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى ، أو من أيمن ، أي ~~: من جانبه الميمون ، ومعنى ندائه منه : أنه سمع الكلام من تلك الناحية ، ~~{وقربناه نجيا} أي : مناجيا لنا نكلمه بلا واسطة ، فالتقريب : تقريب تكرمة ~~وتشريف ، مثل حاله عليه السلام بحال من قربه الملك # 230 # لمناجاته واصطفاه لمصاحبته. وقيل : {نجيا} من النجو ، وهو العلو ~~والارتفاع ، أي : رفعناه من سماء إلى سماء ، حتى سمع صريف القلم يكتب له في ~~الألواح. PageV04P333 # {ووهبنا له من رحمتنا} أي : من أجل رحمتنا ورأفتنا به ، أو من بعض رحمتنا ~~{أخاه هارون} ، أي : وهبنا له مؤازرة أخيه ومعاضدته ، إجابة لدعوته : ~~{واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي} [طه : 29 ، 30] لا نفسه ؛ لأنه كان ~~أكبر منه ، وجد قبله ، حال كونه {نبيا} : رسولا مشركا معه في الرسالة. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : كما وصف الحق تعالى خليله بالصديقية وصف كليمه بالإخلاص ، ~~وكلاهما شرط في حصول سر الخصوصية ، سواء كانت خصوصية النبوة أو الولاية ، ~~فمن لا تصديق عنده لا سير له ، ومن لا إخلاص له لا وصول له. وحقيقة الإخلاص ~~: إخراج الخلق من معاملة الحق ، وهي ثلاث طبقات ؛ سفلى ، ووسطى ، وعليا. # فالسفلى : أن يفعل العبادة لله تعالى ، طالبا لعوض دنيوي ، كسعة الأرزاق ~~، وحفظ الأموال والبدن ، فهذا إخلاص العوام ، وإنما كان إخلاصا لأنهم لم ~~يلاحظوا مخلوقا في عملهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 230 # والوسطى : أن يعبد الله مخلصا ، طالبا لعوض أخروي ، كالحور والقصور. # والعليا : أن يفعل العبادة قياما برسم العبودية ، وأدبا مع عظمة الربوبية ~~، غير ملتفت لجنة ولا نار ، ولا دنيا ولا آخرة ، مع تعظيم نعيم الجنان ، ~~لأنه محل اتصال الرؤية ؛ كما قال ابن الفارض رضي ms1561 الله عنه : # ليس شوقي من الجنان نعيما # غير أني أريدها لأراك # فإذا تحقق للعبد مقام الإخلاص الكامل ، صار مقربا نجيا في محل المشاهدة ~~والمكالمة. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 230 # يقول الحق جل جلاله : {واذكر في الكتاب إسماعيل} ، فصل ذكره عن أبيه ~~وأخيه ؛ لإبراز كمال الاعتناء بأمره ، لإيراده مستقلا بترجمته ، {إنه كان ~~صادق الوعد} ، هذا تعليل لموجب الأمر بذكره. وإيراده عليه السلام بهذا ~~الوصف ؛ لكمال شهوته به. PageV04P334 # روي أنه واعد رجلا أن يلقاه في موضع ، فجاء إسماعيل ، وانتظر الرجل يومه ~~وليلته - وقيل : ثلاثة أيام - فلما كان في اليوم الآخر ، جاء الرجل ، فقال ~~له إسماعيل : # 231 # ما زلت هنا من أمس. وقال الكلبي : انتظره سنة ، وهو بعيد. قال ابن عطية : ~~وقد فعل مثل هذا نبينا صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، ذكره النقاش وأخرجه ~~الترمذي وغيره ، وذلك في مبايعة وتجارة ه. وقال القشيري : وعد من نفسه ~~الصبر على ذبح أبيه ، فصبر على ذلك ، إلى أن ظهر الفداء ، وصدق الوعد دلالة ~~حفظ العهد. ه. # وقال ابن عطاء : وعد لأبيه من نفسه الصبر ، فوفى به ، في قوله : {ستجدنيا ~~إن شآء الله من الصابرين} [الصافات : 102]. ه. وهذا مبني على أنه الذبيح ، ~~وسيأتي تحقيق المسألة إن شاء الله. # {وكان رسولا نبيا} أي : رسولا لجرهم ومن والاهم ، مخبرا لهم بغيب الوحي ، ~~وكان أولاده على شريعته ، حتى غيرها عمرو بن لحي الخزاعي ، فأدخل الأصنام ~~مكة. فما زالت تعبد حتى محاها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بشريعته ~~المطهرة. # {وكان} إسماعيل {يأمر أهله بالصلاة والزكاة} ، قدم الأهل اشتغالا بالأهم ~~، وهو أن يقبل بالتكميل على نفسه ، ومن هو أقرب الناس إليه ، قال تعالى : ~~{وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء : 214] ، {وأمر أهلك بالصلاة} [طه : 132] ~~، {قواا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم : 6] ، وقصد إلى تكميل الكل ~~بتكميلهم ؛ لأنهم قدوة يؤتسى بهم. وقيل : أهله : أمته ؛ لأن الأنبياء - ~~عليهم السلام - آباء الأمم. {وكان عند ربه مرضيا} ؛ لاتصافه بالنعوت ~~الجليلة التي من جملتها ما ذكر من الخصال الحميدة. والله تعالى أعلم. PageV04P335 # الإشارة : قد وصف الحق - جل جلاله ms1562 - نبيه إسماعيل بثلاث خصال ، بها كان عند ~~ربه مرضيا ، فمن اتصف بها كان مرضيا مقربا : الوفاء بالوعد ، والصدق في ~~الحديث ؛ لأنه مستلزم له ، وأمر الناس بالخير. أما الوفاء بالعهد فهو من ~~شيم الأبرار ، قد مدح الله تعالى أهله ، ورغب فيه وأمر به ، قال تعالى : ~~{والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} [البقرة : 177]. وقال تعالى : {وأوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم} [النحل : 91] ، فإخلاف الوعد من علامة النفاق ، قال صلى ~~الله عليه وسلم : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ~~ائتمن خان " وخلف الوعد إنما يضر إذا كان نيته ذلك عند عقده ، أو فرط فيه ، ~~وأما إن كان نيته الوفاء ، ثم غلبته المقادير ، فلا يضر ، لا سيما في حق ~~أهل الفناء ، فإنهم لا حكم لهم على أنفسهم في عقد ولا حل ، بل هم مفعول بهم ~~، زمامهم بيد غيرهم ، كل ساعة ينظرون ما يفعل الله بهم ، فمثل هؤلاء لا ~~ميزان عليهم في عقد ولا حل. فمثلهم مع الحق كمثل الأطفال المحجر عليهم في ~~التصرف ، ولذلك قالوا : (الصوفية أطفال في تربية الحق تعالى). فإياك أن ~~تطعن على أولياء الله إذا رأيت منهم شيئا من ذلك ، والتمس أحسن المخارج ، ~~وهو ما ذكرته لك ، فإنه عن تجربة وذوق. والله تعالى أعلم. # 232 # جزء : 4 رقم الصفحة : 231 # يقول الحق جل جلاله : {واذكر في الكتاب إدريس} وهو سبط شيث ، وجد أبي نوح ~~، فإنه نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وهو إدريس عليه السلام ، واشتقاقه ~~من الدرس ؛ لكثرة دراسته لما أوحي إليه ، وكثرة ذكره لله تعالى. PageV04P336 # روي أنه كان خياطا فكان لا يدخله الإبرة ولا يخرجها إلا بذكر الله. وروي ~~أنه جاء إليه الشيطان يفتنه بفستق ، فقال له : هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا ~~في هذه الفستقة ؟ فقال له عليه السلام : (الله قادر على أن يدخل الدنيا ~~كلها في سم هذه الإبرة ، ونخس عينه) ، ذكره السنوسي في شرح مقرئه. قال ابن ~~وهب : إنه دعا قومه إلى لا إله إلا الله ، فامتنعوا فهلكوا. وفي حديث أبي ~~ذر : أنه رسول ms1563 ، وجمع بينه وبين حديث الشفاعة ، وقولهم لنوح : إنك أول رسول ~~، بأن تكون رسالته لقومه خاصة ، كهود وصالح ، وكذا آدم وشيث ، فإنه أرسل ~~لبنيه لتعليم الشرائع والإيمان ، ولم يكونوا كفارا ، وخلفه في ذلك شيث ، ~~قال المحشي الفاسي : والأظهر عندي في نوح أنه أول رسول من أهل العزم ، لا مطلقا. # قال ابن عطية : والأشهر أن إدريس عليه السلام لم يرسل ، وإنما هو نبي فقط ~~، وذهب إلى ذلك ابن بطال ، ليسلم من المعارضة ، وهي مدفوعة بما ذكرنا. ه. ~~فالمشهور أن إدريس رسول إلى قومه. روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة ، ~~وأنه أول من خط بالقلم ، ونظر في علم النجوم والحساب ، وخاط الثياب. قيل : ~~وهو أول نبي بعث إلى أهل الأرض. # قال تعالى في وصفه : {إنه كان صديقا نبيا} : خبران لكان ، والثاني مخصص ~~للأول ؛ إذ ليس كل صديق نبي. {ورفعناه مكانا عليا} ، هو شرف النبوة والزلفى ~~عند الله تعالى. وقيل : علو الرتبة بالذكر الجميل في الدنيا ، كما قال ~~تعالى في حق نبينا : {ورفعنا لك ذكرك} [الشرح : 4] ، وقيل : الجنة ، وقيل : ~~السماء الرابعة ، وهو الصحيح. PageV04P337 # روي عن كعب وغيره في سبب رفعه أنه مشى ذات يوم في حاجته ، فأصابه وهج الشمس ~~وحرها ، فقال : يا رب أنا مشيت يوما ، فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام ~~في يوم واحد! اللهم خفف عنه من ثقلها ، واحمل عنه حرها ، فلما أصبح الملك ~~وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف ، فقال : يا رب كلفتني بحمل الشمس ، فما ~~الذي قضيت فيه ؟ فقال : إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها ~~فأجبته ، قال : يا رب اجعل بيني وبينه خلة ، فأذن له ، حتى أتى إدريس ، ~~فقال له إدريس : أخبرت أنك # 233 # أكرم الملائكة عند ملك الموت ، فاشفع لي ليؤخر أجلي ، لأزداد شكرا وعبادة ~~، فقال له الملك : لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ، فقال : قد علمت ذلك ، ~~ولكنه أطيب لنفسي ، قال : نعم ، ثم حمله ملك الشمس على جناحه فرفعه إلى ~~السماء. روي أنه مات هناك وردت إليه روحه بعد ساعة ، فهو ms1564 في السماء الرابعة ~~حي. وهذه قصص الله أعلم بصحتها. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 233 # الإشارة : ارتفاع المكان والشأن يكون على قدر صفاء الجنان ، والإقبال على ~~الكريم المنان ، فبقدر التوجه والإقبال يكون الارتفاع والوصال. # بقدر الكد تكسب المعالي # ومن رام العلا سهر الليالي # أتبغي العز ثم تنام ليلا # يغوص البحر من طلب اللآلي # قال بعضهم : من عامل الله على بساط الأنس : رفع ، لا محالة ، إلى حضرة ~~القدس. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 233 PageV04P338 ~~قلت : {أولئك} : مبتدأ ، و{الذين} : خبره ، أو {الذين} : صفته ، و{إذا ~~تتلى} : خبره. والإشارة إلى المذكورين في السورة ، وما فيه من معنى البعد ؛ ~~للإشعار بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل ، و{من النبيين} : بيان للموصول ~~، و{من ذرية} : بدل منه بإعادة الجار ، و{سجدا وبكيا} : حالان من الواو ، ~~و{بكيا} : جمع باك ، كمساجد وسجود ، وأصله : بكوى ، فاجتمع الواو والياء ، ~~وسبق إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت في الياء ، وحركت الكاف ~~بالكسر المجانس للياء. # يقول الحق جل جلاله : {أولئك} المذكورون في السورة الكريمة هم {الذين ~~أنعم الله عليهم} بفنون النعم الدينية والدنيوية ، {من النبيين من ذرية ~~آدم} ، وهو إدريس عليه السلام ونوح ، {ومن حملنا مع نوح} أي : ومن ذرية من ~~حملناهم في السفينة ، وهو إبراهيم ؛ لأنه من ذرية سام بن نوح ، {ومن ذرية ~~إبراهيم} ، وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب ، وقوله : {وإسرائيل} أي : ومن ذرية ~~إسرائيل ، وهو يعقوب ، وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ، وفيه ~~دليل على أن أولاد البنات من الذرية. {وممن هدينا} أي : ومن جملة من ~~هديناهم إلى الحق واجتبيناهم إلى النبوة من غير هؤلاء. # 234 PageV04P339 ~~{إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} ، هذا استئناف ؛ لبيان ~~خشيتهم من الله تعالى وإخباتهم له ، مع ما لهم من علو الرتبة وسمو الطبقة ~~في شرف النسب ، وكمال النفس والزلفى من الله عز وجل ، أي : إذا تتلى عليهم ~~، آيات الرحمن ، إما عند نزولها عليهم ، أو بسماعها من غيرهم ، لحديث : " ~~أحب أن أسمعه من غيري " ثم بكى صلى الله عليه وسلم عند قوله تعالى : {فكيف ms1565 ~~إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك علىا هاؤلااء شهيدا} [النساء : 41] فكان ~~الأنبياء عليهم السلام مثله ، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ساجدين ~~وباكين. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اتلوا القرآن وابكوا ، فإن لم ~~تبكوا فتباكوا " وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأ سورة مريم ، فسجد فيها ، ~~فقال : (هذا السجود ، فأين البكاء) ؟ # جزء : 4 رقم الصفحة : 234 # قال بعضهم : ينبغي أن يدعو الساجد في سجوده بما يليق بآيتها ، فهاهنا ~~يقول : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم ، المهديين الساجدين لك ، ~~الباكين عند تلاوة آياتك. وفي الإسراء يقول : اللهم اجعلني من الخاضعين ~~لوجهك ، المسبحين بحمدك ، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك ، وهكذا. ~~والذي ورد في الخبر : يقول : " سجد وجهي للذي خلقه وصوره ، وشق سمعه وبصره ~~، بحوله وقوته ، اللهم اكتب لي بها أجرا ، وضع عني بها وزرا ، واجعلها لي ~~عندك ذخرا ، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه السلام ". والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : قد أثنى الله تعالى على هؤلاء السادات المنعم عليهم بكونهم إذا ~~سمعوا كلام الحبيب خضعوا ورقت قلوبهم ، وهو أول درجة المحبة ، وفوقه الفرح ~~بكلام الحبيب من مكان قريب ، وفوقه الفرح بشهود المتكلم ، وهنا ينقطع ~~البكاء ؛ لدخول صاحب هذا المقام جنة المعارف ، وليس في الجنة بكاء. PageV04P340 # وأيضا : من شأن القلب في أول أمره الرطوبة ، يتأثر بالواردات والأحوال ، ~~فإذا استمر عليها اشتد وصلب بحيث لا يؤثر فيه شيء من الواردات الإلهية. وفي ~~هذا المعنى قال أبو بكر رضي الله عنه ، حين رأى قوما يبكون عند سماع القرآن ~~: (كذلك كنا ثم قست القلوب) ، فعبر عن تمكنه بالقسوة ، تواضعا واستتارا ، ~~وإنما أثنى على هؤلاء السادات بهذه الخصلة ؛ لأنها سلم لما فوقها. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 234 # قلت : {جنات عدن} : بدل من الجنة ، بدل بعض ؛ لاشتمالها عليها ، وما ~~بينهما اعتراض ، أو نصب على المدح. و{إلا سلاما} : منقطع ، أي : لكن يسمعون ~~سلاما ، ويجوز اتصاله ، على أن المراد بالسلام الدعاء بالسلامة ، فإن أهل ~~الجنة أغنياء عنه ، فهو داخل ms1566 في اللغو. و{بالغيب} : حال من عائد الموصول ، ~~أي : وعدها ، أو من العباد ، و{مأتيا} : أصله مأتوي ، فأبدل وأدغم كما تقدم. # يقول الحق جل جلاله : {فخلف من بعدهم} أي : جاء بعد أولئك الأكابر ، ~~{خلف} أي : عقب سوء ، يقال لعقب الخير " خلف " بفتح اللام ، ولعقب الشر " ~~خلف " بسكون اللام ، أي : فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء ، {أضاعوا الصلاة} أي ~~: تركوها وأخروها عن وقتها ، {واتبعوا الشهوات} ؛ من شرب الخمر ، واستحلال ~~نكاح الأخت ، من الأب ، والانهماك في فنون المعاصي ، وعن علي رضي الله عنه ~~: هم من بني المشيد ، وركب المنضود ، ولبس المشهور. قلت : ولعل المنضود : ~~السرج المرصعة بالجواهر والذهب. وقال مجاهد : هذا عند اقتراب الساعة ، ~~وذهاب صالح أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ينزو بعضهم على بعض في السكك ~~والأزقة. ه. {فسوف يلقون غيا} : شرا ، فكل شر عند العرب غي ، وكل خير رشاد. ~~قال ابن عباس : الغي : واد في جهنم ، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره ، أعد ~~للزاني المصر ، ولشارب الخمر المدمن ، ولأهل الرياء والعقوق والزور ، ولمن ~~أدخلت على زوجها ولدا من غيره. ه. PageV04P341 # {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} ، هذا يدل على أن الآية في الكفار. {فأولئك} ~~المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح ، {يدخلون الجنة} بموجب الوعد ~~المحتوم ، أو يدخلهم الله الجنة ، {ولا يظلمون شيئا} : لا ينقصون من جزاء ~~أعمالهم شيئا ، وفيه تنبيه على أن كفرهم السابق لا يضرهم ، ولا ينقص أجورهم ~~، إذا صححوا المعاملة مع ربهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 235 # جنات عدن} أي : إقامة ، لإقامة داخلها فيها على الأبد ، {التي وعد الرحمن ~~عباده بالغيب} أي : ملتبسين بالغيب عنها لم يروها ، وإنما آمنوا بها بمجرد ~~الإخبار ، أو ملتبسة بالغيب ، أي : غائبة عنهم غير حاضرة. والتعرض لعنوان ~~الرحمانية ؛ للإيذان بأن وعده وإنجازه لكمال سعة رحمته تعالى ، {إنه كان ~~وعده مأتيا} ؛ يأتيه من وعد به لا محالة ، وقيل : هو مفعول بمعنى فاعل ، أي ~~: آتيا لا محالة ، وقيل : مأتيا : منجزا ، من أتى إليه إحسانا ، أي : فعله. # 236 # {لا يسمعون فيها لغوا} أي : فضول كلام لا طائل تحته ، وهو ms1567 كناية عن عدم ~~صدور اللغو عن أهلها. وفيه تنبيه على أن اللغو ينبغي للعبد أن يجتنبه في ~~هذه الدار ما أمكنه. وفي الحديث : " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " ~~وهو عام في الكلام وغيره. {إلا سلاما} ، أي : لا يسمعون لغوا ، لكن يسمعون ~~تسليم الملائكة عليهم ، أو تسليم بعضهم على بعض ، {ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا} أي : على قدرهما في الدنيا ، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل ، بل ضوء ~~ونور أبدا. قال القرطبي : ليلهم إرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ، أي : ونهارهم ~~رفع الحجب وفتح الأبواب. # قال القشيري : الآية ضرب مثل لما عهد في الدنيا لأهل اليسار ، والقصد : ~~أنهم أغنياء مياسير في كل وقت. ه. وسيأتي عند قوله : {يطاف عليهم بصحاف من ~~ذهب} [الزخرف : 71] كيفية أرزاقهم. PageV04P342 # قال تعالى : {تلك الجنة} : مبتدأ وخبر ، جيء بهذه الجملة ؛ لتعظيم شأن ~~الجنة وتعيين أهلها ، وما في اسم الإشارة من معنى البعد ؛ للإيذان ببعد ~~منزلتها وعلو رتبتها ، أي : تلك الجنة التي وصفت بتلك الأوصاف العظيمة هي ~~{التي نورث} أي : نورثها {من عبادنا من كان تقيا} لله بطاعته واجتناب ~~معاصيه ، أي : نديمها عليهم بتقواهم ، ونمتعهم بها ، كما يبقى عند الوارث ~~مال مورثه يتمتع به ، والوراثة أقوى ما يستعمل في التملك والاستحقاق من ~~الألفاظ ؛ من حيث إنها لا يعقبها فسخ ولا استرجاع ولا إبطال. وقيل : يرث ~~المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار ، لو آمنوا وأطاعوا ، زيادة ~~في كرامتهم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قوله تعالى : {فخلف من بعدهم خلف...} الآية تنسحب على من كان ~~أسلافه صالحين ، فتنكب عن طريقهم ، فضيع الدين ، وتكبر على ضعفاء المسلمين ~~، واتبع الحظوظ والشهوات ، وتعاطى الأمور العلويات ، فإن ضم إلى ذلك ~~الافتخار بأسلافه ، أو بالجاه والمال ، كان أغرق في الغي والضلال ، يصدق ~~عليه قول القائل : # جزء : 4 رقم الصفحة : 235 # إن عاهدوك على الإحسان أو وعدوا # خانوا العهود ولكن بعد ما حلفوا # بل يفخرون بأجداد لهم سلفت # نعم الجدود ولكن بئس ما خلفوا # إلا من تاب ورجع إلى ما كان عليه أسلافه ms1568 ، من العلم النافع والعمل الصالح ~~، والتواضع للصالح والطالح ، فيرافقهم في جنة الزخارف أو المعارف ، التي ~~وعد الرحمن عباده المخصوصين بالغيب ، ثم صارت عندهم شهادة ، إنه كان وعده ~~مأتيا ، لا يسمعون فيها لغوا ؛ لأن الحضرة مقدسة عن اللغو ، {إلا سلاما} ؛ ~~لسلامة صدورهم ، ولهم رزقهم # 237 # فيها من العلوم والأسرار والمواهب ، في كل ساعة وحين ، لا يرث هذه الجنة ~~إلا من اتقى ما سوى الله ، وانقطع بكليته إلى مولاه. وبالله التوفيق # ولما أبطأ الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا جبريل ما يمنعك ~~أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ ". PageV04P343 # جزء : 4 رقم الصفحة : 235 # قلت : وجه المناسبة لما قبله - والله أعلم - : أن الحق جل جلاله لما سرد ~~قصص الأنبياء وما نشأ بعدهم ، وكان جبريل هو صاحب وحيهم الذي ينزل به عليهم ~~، ذكر هنا أن نزوله ليس باختياره ، فقال : {وما نتنزل...} الخ. # يقول الحق جل جلاله : حاكيا لقول جبريل عليه السلام : {وما نتنزل} عليك ~~يا محمد {إلا بأمر ربك} ، وذلك حين أبطأ الوحي عنه صلى الله عليه وسلم ، ~~لما سئل عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ، فلم يدر كيف يجيب ، ورجا أن ~~يوحي إليه فيه ، فأبطأ عليه أربعين يوما. قاله عكرمة. وقال مجاهد : ثنتي ~~عشرة ليلة ، أو خمس عشرة. فشق على النبي صلى الله عليه وسلم مشقة شديدة. ~~وقال : " يا جبريل قد اشتقت إليك ، فقال جبريل : إني كنت أشوق ، ولكني عبد ~~مأمور ، إذا بعثت نزلت ، وإذا حبست احتبست ، فأنزل الله هذه الآية وسورة ~~الضحى " ، والتنزل : النزول على مهل ، وقد يطلق على مطلق النزول ، والمعنى ~~: وما نتنزل وقتا غب وقت إلا بأمر الله تعالى ، على ما تقتضيه حكمته. # وقيل : هو إخبار عن أهل الجنة أنهم يقولون عند دخولها مخاطبين بعضهم لبعض ~~بطريق التبجح والابتهاج ، أي : ما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر الله تعالى ~~ولطفه ، وهو مالك المور كلها ، سالفها ومترقبها وحاضرها ، فما وجدناه وما ~~نجده هو من لطفه وفضله. ه. قلت : ولا يخفى حينئذ مناسبته. # ثم قال : {له ما بين أيدينا وما خلفنا ms1569 وما بين ذلك} أي : وما نحن فيه من ~~الأماكن والأزمنة ، فلا ننتقل من مكان إلى مكان ، ولا ننزل في زمان دون ~~زمان ، إلا بأمره ومشيئته ، وعن مقاتل : {له ما بين أيدينا} من أمر الدنيا ~~؟ {وما خلفنا} من أمر الآخرة ، {وما بين ذلك} مما بين النفختين ، وهو ~~أربعين سنة. أو ما بين أيدينا بعد الموت ، # 238 PageV04P344 ~~وما خلفنا قبل أن يخلقنا ، وما بين ذلك مدة حياتنا ، أي : له علم ذلك كله ؟ ~~{وما كان ربك نسيا} : تاركا لك ومهملا شأنك ، أو : ذاهلا عنك حتى ينسى أمر ~~الوحي إليك ؛ لأنه محال ، يعني : أن عدم نزول جبريل لم يكن إلا لعدم الأمر ~~به ؛ لحكمة بالغة فيه ، ولم يكن تركه تعالى لك إهمالا وتوديعا ، كما زعمت ~~الكفرة. وفي إعادة اسم الرب المضاف إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه ~~والإشعار بعلية الحكم ما لا يخفى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 238 # وقوله تعالى : {رب السماوات والأرض وما بينهما} بيان لاستحالة النسيان ~~عليه تعالى ؛ فإن من بيده ملكوت السماوات والأرض وما بينهما كيف يتصور أن ~~يحوم حول ساحته الغفلة والنسيان. والفاء في قوله : {فاعبده واصطبر لعبادته} ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، من كونه تعالى رب السماوات والأرض وما ~~بينهما. أو من كونه تعالى غير تارك له عليه السلام ، أو غير ناس لأعمال ~~العاملين ، والمعنى على الأول : فحين عرفته تعالى بما ذكر من الربوبية ~~الكاملة فاعبده ، أو حين عرفته تعالى لا ينساك ، أو : ينسى أعمال العاملين ~~فأقبل على عبادته واصطبر على مشاقها ، ولا تحزن بإبطاء الوحي وهزء الكفرة ، ~~فإنه يراقبك ويلطف بك في الدنيا والآخرة ، {هل تعلم له سميا} أي : شبيها ~~ونظيرا ، أو هل تعلم أحدا تسمى بهذا الاسم غير الله العالي ، والتسمية ~~تقتضي التسوية بين المتشابهين ، ولا مثل له ، لا موجودا ولا موهوما ، مع أن ~~المشركين مع غلوهم في المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة أصلا ، ولم يتجاسر ~~أحد أن يسمي بهذا الاسم ، ولو تجاسر أحد لهلك. # وقيل : إن أحدا من الجبابرة أراد أن يسمي ولده ms1570 بهذا الاسم ، فخف به وبتلك ~~البلدة. ذكره القشيري في التحبير. والله تعالى أعلم. PageV04P345 # الإشارة : ما قاله جبريل عليه السلام من كونه لا ينزل إلا بأمر ربه ليس ~~خاصا به ؛ بل كل أحد لا حركة له ولا سكون إلا بالله وبمشيئته ، فلا يصدر عن ~~أحد من عبيده قول ولا فعل ، ولا حركة ولا سكون ، إلا وقد سبق في علمه ~~وقضائه كيف يكون ، فلا انتقال ولا نزول إلا بقدر سابق وتحريك لاحق ؛ " ما ~~من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه ". وقال الشاعر : # مشيناها خطى كتبت علينا # ومن كتبت عليه خطى مشاها # ومن قسمت منيته بأرض # فليس يموت في أرض سواها # فراحة الإنسان أن يكون ابن وقته ، كل وقت ينظر ما يفعل الله به ، فبهذا ~~ينجو من التعب ، ويتحقق له الأدب. وبالله التوفيق. # 239 # جزء : 4 رقم الصفحة : 238 # قلت : {أئذا} : ظرف ، والعامل فيه محذوف ، أي : أأخرج إذا مت ، لا ~~المتأخر عن اللام لأنه لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، إلا أن يرخص في ~~الظروف. واللام في {لسوف} ليست للتأكيد ، فإنه منكر ، وكيف يحقق ما ينكر ، ~~وإنما كلامه حكاية لكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، كأنه الذي قال : والله ~~إن الإنسان إذا مات لسوف يخرج حيا ، فأنكر الكافر ذلك وحكى قوله ، فنزلت ~~الآية على ذلك ، قاله الجرجاني : و{الشياطين} : عطف على ضمير المنصوب ، أو ~~مفعول معه. و{جثيا} : حال من ضمير {لنحضرنهم} البارز ، أي : لنحضرنهم جاثين ~~، جمع جاث ، من جثى إذا قعد على ركبتيه ، وأصله : " جثوو " بواوين ، ~~فاستثقل اجتماعهما بعد ضمتين ، فكسرت الثاء تخفيفا ، وانقلبت الواو الأولى ~~ياء ؛ لانكسار ما قبلها ، فاجتمعت واو وياء ، وسبقت إحداهما بسكون ، فقلبت ~~الواو ياء ، وأدغمت الأولى في الثانية ، ومن قرأ بكسر الجيم : فعلى ~~الإتباع. PageV04P346 # و{أيهم} : مبني على الضم عند سيبويه ، لأنه موصول ، فحقه البناء كسائر ~~الموصولات ، لكنه أعرب في بعض التراكيب للزوم الإضافة ، فإذا حذف صدر صلته ~~زاد نقصه فقوي شبه الحرف فيه ، وهو منصوب المحل بلننزعن ، وقرئ منصوبا على ~~الإعراب ، ومرفوعا عند الخليل وغيره بالابتداء ، وخبره : {أشد} ms1571 ، والجملة ~~محكية ، والتقدير : لننزعن من كل شيعة الذين يقال لهم أيهم أشد... الخ. ~~وقال يونس : علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء ، و{عتيا} و{صليا} أصلهما : ~~عتوى وصلوى ، من عتى وصلى ، بالكسر والفتح ، فاعلا بما تقدم. # يقول الحق جل جلاله : {ويقول الإنسان} أي : جنس الإنسان ، والمراد الكفرة ~~، وإسناد القول إلى الكل لوجود القول فيما بينهم ، وإن لم يقله الجميع ، ~~كما يقال : بنو فلان قتلوا فلانا ، وإنما القاتل واحد ، وقيل : القائل : ~~أبي بن خلف ، فإنه أخذ عظاما بالية ، ففتتها ، وقال : يزعم محمد أنا نبعث ~~بعد ما نموت ونصير إلى هذا الحال ، فنزلت. أي : يقول بطريق الإنكار ~~والاستبعاد : {أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} أي : أأبعث من الأرض بعد ما مت ~~وأخرج حيا ؟ قال تعالى : {أولا يذكر الإنسان} ، من الذكر الذي يراد به ~~التفكر ، ولذلك قرئ بالتشديد من التذكير. والإظهار في موضع الإضمار ؛ ~~لزيادة التقرير والإشعار بأن الإنسانية من دواعي التفكر فيما جرى عليها من ~~شؤون التكوين ، فإذا # 240 # ترك التفكر التحق بالبهائم ، فهلا يذكر أصله! وهو {أنا خلقناه من قبل} أي ~~: من قبل الحالة التي فيها ، وهي حالة حياته ، {ولم يك شيئا} أي : والحال ~~أنه لم يك شيئا أصلا ، وحيث خلقناه وهو في تلك الحال فلأن نبعث الجمع ~~بتفرقاته أولى وأظهر ؛ لأن الإعادة أسهل من البدء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 240 PageV04P347 ~~قال تعالى : {فوربك لنحشرنهم} أي : لنجمعنهم بالسوق إلى المحشر بعدما ~~أخرجتهم من الأرض. وإقسامه سبحانه بربوبيته مضافة إلى ضميره - عليه الصلاة ~~والسلام - ؛ لتحقيق الأمر ، والإشعار بعليته ، وتفخيم شأنه ، ورفع منزلته ~~صلى الله عليه وسلم ، وفيه إثبات البعث بالطريق البرهاني على أبلغ وجه ~~وآكده ، كأنه أمر واضح غني عن التصريح به ، وإنما المحتاج إلى البيان ما ~~بعد ذلك من الأهوال ، أي : حيث ذكر الحشر وما بعده. ولم يصرح بنفس البعث ؛ ~~لتحقق وضوحه ، وإنما قال : {فوربك لنحشرنهم} أي : نجمعهم {والشياطين} ~~المغوين لهم ، إلى المحشر ، وقيل : إن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من ~~الشياطين التي كانت تغويهم ، كل منهم مع شيطانه في سلسلة ، {ثم لنحضرنهم ~~حول جهنم ms1572 جثيا} : باركين على ركبهم ؛ لما يدهمهم من هول المطلع ، والجثو : ~~جلسة الذليل الخائف. # والآية كما ترى ، صريحة في الكفرة ، فهم الذين يساقون من الموقف إلى شاطئ ~~جهنم ، جثاة ؛ إهانة بهم ، أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من شدة الخوف. ~~وأما قوله تعالى : {وترىا كل أمة جاثية} [الجاثية : 28] فهي عامة للناس في ~~حال الموقف قبل التواصل إلى الثواب والعقاب ، فإن أهل الموقف جاثون على ~~الركب ، كما هو المعتاد في مقام التفاؤل والخصام ، قلت : ولعل هذا فيمن ~~يناقش الحساب ، وأما غيرهم فيلقى عليهم سحابة كنفه ، ثم يقررهم بذنوبهم ~~ويسترهم ، كما في الحديث. PageV04P348 # {ثم لننزعن من كل شيعة} أي : من كل أمة تشيعت دينا من الأديان ، {أيهم أشد ~~على الرحمن عتيا} أي : من كان منهم أعصى وأعتى ، فيطرحهم فيها. قال ابن ~~عباس : أي : أيهم أشد جرأة ، وقال مجاهد : فجورا وكذبا ، وقال مقاتل : علوا ~~، أو غلوا في الكفر ، أو كبرا ، وقال الكلبي : قائدهم ورأسهم ، أي : فيبدأ ~~بالأكابر فالأكابر بالعذاب ، ثم الذي يليهم جرما. وفي ذكر الأشدية تنبيه ~~على أنه تعالى يعفو عن بعض أهل العصيان من غير الكفرة ، إذا قلنا بعموم ~~الآية ، وأما إذا خصصناها بالكفرة ، فالأشدية باعتبار التقديم للعذاب. # قال تعالى : {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا} أي : أولى بصليها ~~وأحق بدخولها ، وهم المنتزعون الذين هم أشدهم عتوا ، أو رؤوسهم ، فإن ~~عذابهم مضاعف لضلالهم وإضلالهم. # 241 # {وإن منكم إلا واردها} ، فيه التفات لإظهار مزيد الاعتناء ، وقرئ : " وإن ~~منهم ". ويحتمل أن يكون الخطاب لجميع الخلق ، أي : وإن منكم أيها الناس ~~{إلا واردها} أي : واصلها وحاضرها ، يمر بها المؤمنون وهي خامدة ، وتنهار ~~بغيرهم. وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال : " إذا دخل أهل ~~الجنة قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار ؟ فيقال لهم : قد ~~وردتموها وهي خامدة " وأما قوله تعالى : {أولئك عنها مبعدون} فالمراد به ~~الإبعاد عن عذابها ، وقيل : ورودها : الجواز على الصراط بالمرور عليها. # جزء : 4 رقم الصفحة : 240 PageV04P349 ~~وعن ابن مسعود : الضمير في {واردها} ms1573 للقيامة ، وحينئذ فلا يعارض : {لا ~~يسمعون حسيسها} [الأنبياء : 102] ، ولا ما جاء فيمن يدخل الجنة بغير حساب ، ~~ولا مرور على الصراط ، فضلا عن الدخول فيها ، على أنه اختلف في الورود ، ~~فقيل : الدخول وتكون بردا وسلاما على المؤمن. وقيل : المرور كما تقدم ، ~~وقيل : الإشراف عليها والاطلاع. قال القشيري : كل يرد النار ، ولكن لا ضير ~~منها ولا إحساس لأحد إلا بمقدار ما عليه من السيئات ، والزلل ، فأشدهم فيها ~~انهماكا : أشدهم فيها بالنار اشتعالا واحتراقا ، وأما بريء الساحة ، نقي ~~الجانب بعيد الذنوب ، فكما في الخبر : " إن النار عند مرورهم ربوة كربوة ~~اللبن - أي : جامدة كجمود اللبن حين يسخن - فيدخلونها ولا يحسون بها ، فإذا ~~عبروها قالوا : أليس قد وعدنا جهنم على الطريق ؟ فيقال لهم : عبرتم وما ~~شعرتم ". ه. # {كان على ربك حتما مقضيا} أي : كان ورودهم إياها أمرا محتوما أوجبه الله ~~تعالى على ذاته ، وقضى أنه لا بد من وقوعه. وقيل : أقسم عليه ، ويشهد له : ~~" إلا تحلة القسم ". # {ثم ننجي الذين اتقوا} الكفر والمعاصي ، بأن تكون النار عليهم بردا ~~وسلاما ، على تفسير الورود بالدخول ، وعن جابر أنه قال : سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول : " الورود الدخول ، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها ، ~~فتكون على المؤمنين بردا وسلاما ، كما كانت على إبراهيم ، حتى إن للنار ~~ضجيجا من بردهم " وإن فسرنا الورود بالمرور ، فنجاتهم بالمرور عليها ~~والسلامة من الوقوع فيها ، {ونذر الظالمين فيها جثيا} : باركين على ركبهم ، ~~قال ابن زيد : الجثي شر الجلوس ، لا يجلس الرجل جاثيا إلا عند كرب ينزل به. ه. # 242 PageV04P350 ~~الإشارة : من أراد كرامة الآخرة فليرب يقينه فيها ، حتى تكون نصب عينيه ، ~~فإنه يرد على الله كريما. ومن أراد السلامة من أهوالها فليخفف من أوساخها ~~وأشغالها ، ويلازم طاعة الله واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن أراد ~~سرعة المرور على الصراط ، فليلزم اليوم اتباع الصراط المستقيم ، فبقدر ما ~~يستقيم عليها تستقيم أقدامه على الصراط ، وبقدر ما يزل عنها يزل عن الصراط. # قال في الإحياء ، لما تكلم على العدل في الكيل والوزن ms1574 ، قال بعد كلامه : ~~وكل مكلف فهو صاحب موازين في أفعاله وأقواله وخطراته ، فالويل له إن عدل عن ~~العدل ، ومال عن الاستقامة ، ولولا تعذر هذا واستحالته لما ورد قوله تعالى ~~: {وإن منكم إلا واردها...} الآية ، فلا ينفك عبد ليس معصوما عن الميل عن ~~الاستقامة ، إلا أن درجات الميل تتفاوت تفاوتا عظيما ، فبذلك تتفاوت مدة ~~إقامتهم في النار إلى أوان الخلاص ، حتى لا يبقى بعضهم إلا بقدر تحلة القسم ~~، ويبقى بعضهم ألفا وألوف سنين ، نسأل الله تعالى أن يقربنا من الاستقامة ~~والعدل ، فإن الاستداد على متن الصراط المستقيم من غير ميل عنه غير مطموع ~~فيه ؛ فإنه أدق من الشعرة ، وأحد من السيف ، ولولاه لكان المستقيم عليه لا ~~يقدر على جواز الصراط الممدود على متن النار ، الذي من صفته أنه أدق من ~~الشعر ، وأحد من السيف ، وبقدر الاستقامة على الصراط المستقيم يخف مرور ~~العبد يوم القيامة على الصراط. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 240 PageV04P351 ~~وقال الترمذي الحكيم : يجوز الأولياء والصديقون وهم لا يشعرون بالنار ، قال ~~الله تعالى : {إن الذين سبقت لهم منا الحسنىا أولائك عنها مبعدون} ~~[الأنبياء : 101] ، وإنما بعدوا عنها لأن النور احتملهم واحتوشهم ، فهم ~~يمضون في النار ، حتى إذا خرجوا منها قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا النار ~~، فذكر ما تقدم. ثم قال : فأما ضجة النار فمن بردهم ، وذلك أن الرحمة باردة ~~تطفئ غضب الرب ، فبالرحمة نالوا النور ، حتى أشرق في قلوبهم وصدورهم ، فكان ~~نوره في قلوبهم ، والرحمة مظلة عليهم ، فخمدت النار من بردهم عندما لقوها ، ~~فضجت من أجل أنها خلقت منتقمة ، فخافت أن تضعف عن الانتقام. ولذلك روي أنها ~~تقول : " جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ". ه. # وقال الورتجبي : إذا كان جمال الحق مصحوبهم ، فلا بأس بالوقوف في النيران ~~، فإن هناك أهل الجنان. # إذا نزلت سلمى بواد فماؤها # زلال وسلسال وسيحانها ورد # .. ه. # 243 # وقال جعفر الصادق : لولا مقاربة النفوس ما دخل أحد النار ، فلما فارقتهم ~~نفوسهم أوردهم النار بأجمعهم ، فمن كان أشد إعراضا عن خبث النفس كان أسرع ~~نجاة ms1575 من النار ، ألا ترى الله يقول : {ثم ننجي الذين اتقوا}. ه. قلت : وقد ~~تقدم أن من لا حساب عليهم - وهم المقربون - يمرون على الصراط ولا يحسون به ~~، وهم الذين يمرون عليه كالطير أو كالبرق ، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه ، ~~وبجاه خير الخلق مولانا محمد نبيه وحبه ، آمين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 240 # قلت : {هم أحسن} : صفة لكم. PageV04P352 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا تتلى عليهم} ؛ على الكفرة {آياتنا} الناعية ~~عليهم فظاعة حالهم ووخامة مآلهم ، والناطقة بحسن عاقبة المؤمنين ، حال ~~كونها {بينات} : واضحات في نفسها ، أو بينات الإعجاز ، أو بينات المعاني ، ~~{قال الذين كفروا} أي : قالوا ، ووضع الموصول موضع الضمير ؛ للتنبيه على ~~أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادين له ، أو : قال الذين ~~تمردوا في الكفر والعتو ؛ وهم النضر بن الحارث وأتباعه ، قالوا {للذين ~~آمنوا} ، اللام للتبليغ ، أي : قالوا مبلغين الكلام لهم ، وقيل : لام الأجل ~~، كقوله تعالى : {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونآ ~~إليه} [الأحقاف : 11] أي : لأجلهم وفي حقهم ، والأول أولى ؛ لأن الكلام هنا ~~كان معهم بدليل قوله : {أي الفريقين} أي : المؤمنين والكفار ، {خير} كأنهم ~~قالوا : أينا {خير مقاما} أي : مكانا : نحن أو أنتم ، وقرئ بالضم ، أي : ~~موضع إقامة ومنزل ، {وأحسن نديا} ؛ مجلسا ومجتمعا ، أو : أينا خير منزلا ~~ومسكنا ، وأحسن مجلسا ؟ # يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنونها ، ويتزينون بالزينة الفاخرة ، ~~ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين ، يريدون بذلك أن خيريتهم ، حالا ، ~~وأحسنيتهم ، مقالا ، مما لا يقبل الإنكار ، وأن ذلك لكرامتهم على الله ~~سبحانه وزلفاهم عنده ، وأن الحال التي عليها المؤمنون ، من الضرورة والفاقة ~~ورثاثة الحال ؛ لقصور حظهم عند الله. وما هذا القياس العقيم والرأي السقيم ~~إلا لكونهم جهلة لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ، وذلك مبلغهم من ~~العلم ، فرد عليهم بقوله : {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا} : مالا ~~ومتاعا {ورءيا} ؛ منظرا ، أي : كثيرا من القرون التي كانوا أفضل منهم ، ~~فيما يفتخرون به من الحظوظ الدنيوية ، كعاد وثمود وأضرابهم العاتية قبل ~~هؤلاء ، أهلكناهم بفنون العذاب ms1576 ، # 244 PageV04P353 ~~ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا ، لما فعلنا بهم ما فعلنا ، وفيه من ~~التهديد والوعيد ما لا يخفى ، كأنه قيل : فلينتظر هؤلاء أيضا مثل ذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 244 # و{أثاثا} : تمييز ، وهو متاع البيت ، أو ما جد منه ، و{رءيا} : كذلك ، ~~فعل من الرؤية بمعنى المنظر ، قال ابن عزيز : " رءيا " بهمزة ساكنة : ما ~~رأيت عليه من شارة حسنة وهيئة ، وبغير همز : يجوز أن يكون على معنى الأول ، ~~ويجوز أن يكون من الري. أي : منظرهم مرتو من النعمة. وزيا ، بالزاي المعجمة ~~، في قراءة ابن عباس ، يعني هيئة ومنظرا. ه. # الإشارة : رفعة القدر والمقام لا تكون بالتظاهر بمفاخر اللباس والطعام ، ~~ولا بحسن الهيئة ومنظر الأجسام ، وإنما يكون باحتظاء القلوب بمعرفة الله ، ~~وتمكين اليقين من القلوب ، واطلاعها على أسرار الغيوب ، مع القيام بوظائف ~~العبودية ، أدبا مع عظمة الربوبية ، ونسيان النفوس والاشتغال عنها بالعكوف ~~في حضرة القدوس ، فأهل القلوب لا يعبأون بظواهر الأشباح ، وإنما يعتنون ~~بحياة الأرواح. كمل حقيقتك التي لم تكمل # والجسم دعه في الحضيض الأسفل # فقوت قلوبهم التواجد والأذكار ، وحياة أرواحهم العلوم والأسرار ، وأنشدوا : # بالقوت إحياء الجسوم وذكره # تحيا به الألباب والأرواح # هو عيشهم ووجودهم وحياتهم # حقا وروح نفوسهم والراح # وأما من عظم جهله ، وكثف حجابه ، فإنما ينظر إلى بهجة الظواهر وتزيينها ~~بأنواع المفاخر ، أو إلى من عظم جاهه وكثرت أتباعه ، وهذه نزعة جاهلية ، ~~حيث قالوا حين يتلى عليهم الوعظ والتذكير : (أي الفريقين خير مقاما وأحسن ~~نديا) ، {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم : ~~7]. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 244 PageV04P354 ~~قلت : {ويزيد} : عطف على {فليمدد} ؛ لأنه في معنى الخبر ، أي : من كان في ~~الضلالة يمده الله فيها ، ويزيد في هداية الذين اهتدوا مددا لهدايتهم ، أو ~~عطف على {فسيعلمون} ، وجمع الضمير في {رأوا} وما بعدها ؛ باعتبار معنى {من} ~~، وأفرد أولا باعتبار لفظها. # 245 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد {من كان} مستقرا {في الضلالة} مغمورا ~~في الجهل والغفلة عن عواقب الأمور ، مشتغلا بالحظوظ الفانية ، {فليمدد له ms1577 ~~الرحمن مدا} أي : يمد له بطول العمر وتيسير الحظوظ ، إما استدراجا ، كما ~~نطق به قوله تعالى : {إنما نملي لهم ليزدادواا إثما} [آل عمران : 178] ، أو ~~قطعا للمعاذير كما نطق به قوله تعالى : {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} ~~[فاطر : 37] ، أو : {فليمدد له} : يدعه في ضلاله ، ويمهله في كفره وطغيانه ~~، كقوله تعالى : {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام : 110]. والتعرض ~~لعنوان الرحمانية ؛ لبيان أن أفعالهم من مقتضيات الرحمة مع استحقاقهم تعجيل ~~الهلاك. # وكأنه جل جلاله لما بين عاقبة الأمم المهلكة ، مع ما كان لهم من التمتع ~~بفنون الحظوظ العاجلة ، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب هؤلاء ~~المفتخرين بما لهم من الحظوظ بمآل أمر الفريقين ، وهو استدراج أهل الضلالة ~~ثم أخذهم ، وزيادة هداية أهل الإيمان ثم إكرامهم ، كما بين ذلك بقوله : ~~{حتى إذا رأوا ما يوعدون} ، فهو غاية للحد الممتد ، أي : نمد لهم في الحياة ~~وفنون الحظوظ حتى ينزل بهم ما يوعدون ؛ {إما العذاب} الدنيوي بالقتل ، ~~والأسر ، وغلبة أهل الإيمان عليهم ، {وإما الساعة} ، وهو يوم القيامة وما ~~ينالهم فيه من الخزي والهوان ، و" إما " هنا : لمنع الخلو ، لا لمنع الجمع ~~؛ فإن العذاب الأخروي لا ينفك عنهم بحال. PageV04P355 # {فسيعلمون} حينئذ {من هو شر مكانا} من الفريقين ، بأن يشاهدوا الأمر على ~~عكس ما كانوا يقدرون ، فيعلمون أنهم شر مكانا ، لا خير مقاما ، {و} يعلمون ~~أنهم {أضعف جندا} أي : جماعة وأنصارا ، لا أحسن نديا ، كما كانوا يدعونه ، ~~وليس المراد أن لهم يوم القيامة جندا سيضعف ، وما كان له من فئة ينصرونه من ~~دون الله ، وإنما ذكر ذلك ردا لما كانوا يزعمون أن لهم أعوانا وأنصارا ، ~~يفتخرون في الأندية والمحافل ، فرد ذلك بأنه باطل وظل آفل ، ليس تحته طائل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 245 # ثم ذكر فريق أهل الإيمان فقال : {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} أي : كما ~~يمد لأهل الضلالة ؛ زيادة في ضلالهم ، كذلك يزاد في هداية أهل الهداية ؛ ~~ثوابا على طاعتهم ؛ لأن كلا يجزي بوصفه ، فلا تزال الهداية تنمو في قلوبهم ~~حتى يردوا موارد الكرم ms1578 ، أما في الدنيا فبكشف الحجاب وانقشاع السحاب حتى ~~يشاهدوا رب الأرباب ، فما كانوا يؤمنون به غيبا صار عيانا ، وأما في الآخرة ~~فبنعيم الحور والقصور ، ورؤية الحليم الغفور. فقد بين الحق تعالى حال ~~المهتدين إثر بيان حال الضالين ، وأن إمهال الكافر وتمتيعه بالحظوظ ليس ~~لفضله ، وإن منع المؤمن من تلك الحظوظ ليس لنقصه ، بل قوم # 246 # عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا الفانية ، وقوم ادخرت لهم طيباتهم ~~للحياة الباقية ، قال تعالى : {والباقيات الصالحات} ؛ كأنواع الطاعات ، ~~{خير عند ربك} ؛ لبقاء فوائدها ودوام عوائدها... وقد تقدم تفسيرها. PageV04P356 # والتعرض لعنوان الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه ، ~~أي : فهي أفضل {ثوابا} أي : عائدة مما يتمتع به الكفرة من النعم الفانية ، ~~التي يفتخرون بها ؛ لأن مآلها الحسرة السرمدية والعذاب الأليم ، ومآل ~~الباقيات الصالحات النعيم المقيم في دار الدوام ، كما أشير إليه بقوله : ~~{وخير مردا} أي : مرجعا وعاقبة ، وتكرير الخير لمزيد الاعتناء بشأن الخيرية ~~وتأكيد لها في التفضيل ، مع أن ما للكفرة بمعزل من أن يكون له خيرية في ~~العاقبة ، ففيه نوع تهكم بهم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : اعلم أن الحق - جل جلاله - يرزق العبد على قدر نيته ، ويمده ~~على قدر همته ، فمن كانت همته في الحظوظ العاجلة والشهوات الفانية ، أمده ~~الله فيها ، ومتعه بها ما شاء ، على حسب القسمة ، ثم أعقبه الندم والحسرة ، ~~ومن كانت همته الآخرة ، أمده سبحانه في الأعمال التي توصله إلى نعيمها ، ~~كصلاة وصيام وصدقة وتدريس علم ، وأذاقه من حلاوتها ما يهون عليه مرارتها ، ~~ثم أعقبه النعيم الدائم من القصور والحور ، وأنواع الطيبات ، مما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين. # ومن كانت همته الله - أي : الوصول إلى حضرته دون شيء سواه - أمده الله في ~~الأعمال التي توصله إليه ، وهي أعمال القلوب ؛ من التخلية والتحلية ، ~~كالتخلية من الرزائل والتحلية بالفضائل ، وكقطع المقامات بأنواع المجاهدات ~~، ورأس ذلك أن يوصله إلى شيخ كامل جامع بين الحقيقة والشريعة ، بين الجذب ~~والسلوك ، قد سلك الطريق على شيخ كامل ، فإذا وصله إليه وكشف له عن سر ~~خصوصيته فليستبشر ms1579 بحصول المطلب وبلوغ الأمل. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 245 PageV04P357 ~~يقول الحق جل جلاله : في حق العاص بن وائل : {أفرأيت الذي كفر بآياتنا} : ~~القرآن المشتمل على البعث والحساب قال خباب بن الأرت : كان لي على العاص بن ~~وائل دين ، فاقتضيته ، فقال : لا ، والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : ~~لا والله لا # 247 # أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث ، قال العاص : فإذا مت ثم بعثت ، جئتني ~~وسيكون لي ثم مال وولد ، فأعطيك ، لأنكم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة - ~~استهزاء واستخفافا - وفي رواية البخاري : " كنت قينا في الجاهلية ، فصنعت ~~للعاصي سيفا فجئت أتقاضاه... " فذكر الحديث. فالهمزة للتعجيب من حاله ، ~~للإيذان بأنها من الغرابة والشناعة بحيث يقضي منها العجب ، والفاء للعطف ~~على مقدر يقتضيه المقام ، أي : أنظرت فرأيت الذي كفر بآياتنا الباهرة التي ~~من حقها أن يؤمن بها كل من شاهدها # {وقال} مستهزءا بها ، مصدرا باليمين الفاجرة : والله {لأوتين} في الآخرة ~~{مالا وولدا} أي : انظر إلى حاله فتعجب من حالته البديعة وجرأته الشنيعة ، ~~{أطلع الغيب} أي : أبلغ من عظمة الشأن إلى أن يرتقي إلى علم الغيب ، الذي ~~استأثر به العليم الخبير ، حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالا وولدا ، وأقسم ~~عليه ، {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} بذلك ، فإنه لا يتوصل إلى العلم بذلك إلا ~~بأحد هذين الطريقين ، وهذا رد لكلمته الشنعاء ، وإظهار لبطلانها إثر ما ~~أشير إلى التعجب منها. PageV04P358 # والتعرض لعنوان الرحمانية للإشعار بعلية الرحمة للإيتاء ، فإن الرحمة تقتضي ~~الإعطاء على الدوام. والعهد : قيل : كلمة الشهادة ، أو العمل الصالح ، فإن ~~وعده تعالى بالثواب عليها كالعهد ، قال القشيري : {أطلع الغيب} فقال بتعريف ~~له منا ، {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} أي : ليس الأمر كذلك. ثم قال : ودليل ~~الخطاب يقتضي أن المؤمن إذا أمل من الله شيئا جميلا ، فالله تعالى يحققه له ~~؛ لأنه على عهد مع الله تعالى ، والله لا يخلف الميعاد. ه. # ثم أبطل ما أمله الكافر فقال : {كلا} أي : انزجر عن هذه المقالة الشنيعة ~~، فهو ردع له عن التفوه بتلك العظيمة ms1580 ، وتنبيه على خطئه ، قال تعالى : ~~{سنكتب ما يقول} أي : سنظهر ما كتبنا عليه ، فهو كقول الشاعر : # جزء : 4 رقم الصفحة : 247 # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # 248 # أي : تبين أني لم تلدني لئيمة ، أو : سنحفظ عليه ما يقول فنجازيه عليه في ~~الآخرة ، أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمة في الحال ويجازى عليها في ~~المآل ، فإن نفس الكتابة لم تتأخر عن القول لقوله تعالى : {ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد} [ق : 18] ، قال ابن جزي : إنما جعله مستقبلا ؛ لأنه ~~إنما يظهر الجزاء والعقاب في المستقبل. ه. # قلت : والظاهر إنما أبرزه بصورة المستقبل ، تنبيها على عدم نسخه ، وأنه ~~ماض نافذ. قاله في الحاشية. # {ونمد له من العذاب مدا} ، مكان ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال ~~والأولاد ، أي : نطول له من العذاب ونمد له فيه ما يستحقه ، أو نزيد في ~~مضاعفة عذابه ، لكفره وافترائه على الله سبحانه ، واستهزائه بآياته العظام ~~، ولذلك أكده بالمصدر ، دلالة على فرط الغضب والسخط. PageV04P359 # {ونرثه ما يقول} ، قال مكي : حرف الجر محذوف ، أي : نرث منه ما يقول. ه. ~~والظاهر أن {ما} : بدل من الضمير ، وهو الهاء ، أي : نرث ما يقول وما يدعيه ~~لنفسه اليوم من المال والولد. وفيه إيذان بأنه ليس لما يقول مصداق موجود ~~سوى القول ، أي : ننزع منه ما آتيناه ، {ويأتينا} يوم القيامة {فردا} لا ~~يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا ، فضلا أن يؤتى ثمة مالا وولدا زائدا. ~~وقال القشيري : فردا بلا حجة على قوله وقسمه : {لأوتين مالا وولدا} ، وذلك ~~منه استهزاء ومحض كفر. والله تعالى أعلم. # الإشارة : يفهم من الآية أن الإنسان إذا آمن بآيات الله وعمل بما أمره ~~الله يكون له عهد عند الله ، فإذا تمنى شيئا أو مناه غيره لا يخيبه الله ، ~~ويتفاوت الناس في العهد عند الله ، على قدر تفاوتهم في طاعته ومعرفته ، ~~وسيأتي في قوله : {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا} [مريم ~~: 87] زيادة بيانه. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 247 # يقول الحق ms1581 جل جلاله : واتخذ المشركون الأصنام {آلهة} يعبدونها من دون ~~الله {ليكونوا لهم عزا} يوم القيامة ، ووصلة عنده يشفعون لهم ، {كلا} لا ~~يكون ذلك أبدا ، فهو ردع لهم عن ذلك الاعتقاد الباطل ، وإنكار لوقوع ما ~~علقوا به أطماعهم ، {سيكفرون بعبادتهم} أي : تجحد الآلهة عبادتهم لها ، بأن ~~ينطقهم الله تعالى وتقول ما عبدتمونا ، أو : سيكفر الكفرة عبادتهم لها حين ~~شاهدوا سوء عاقبة عبادتهم لها ، كقوله : {والله ربنا ما كنا مشركين} ~~[الأنعام : 23] ، {ويكونون عليهم ضدا} أي : تكون الآلهة ، # 249 PageV04P360 ~~التي كانوا يرجون أن تكون لهم عزا ، ضدا للعز ، أي : ذلا وهوانا ؛ لأنهم ~~تعززوا بمخلوق بسخط الخالق ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " من طلب رضا ~~المخلوق بمعصية الخالق عاد حامده من الناس ذاما " وتكون عونا عليهم ، وآلة ~~لعذابهم ، حيث تجعل وقود النار وحصب جهنم ، أو تكون الكفرة ضدا وأعداء ~~للآلهة ، كافرين بها ، بعد أن كانوا يحبونها كحب الله ، ويعبدونها من دون ~~الله ، وتوحيد الضد ؛ لتوحيد المعنى الذي عليه تدور مضادتهم ، فإنهم بذلك ~~كشيء واحد ، كقوله عليه الصلاة والسلام : " وهم يد على من سواهم ". وسب ~~عبادتهم للأصنام تزيين الشيطان ، وفاء بقوله : {لأزينن لهم في الأرض} ~~[الحجر : 39] ، كما قال تعالى : {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين} ~~أي : سلطهم عليهم ومكنهم من إغوائهم ، بقوله تعالى : {واستفزز من استطعت ~~منهم} [الإسراء : 64] الآية. PageV04P361 # وهذا تعجيب لرسوله صلى الله عليه وسلم مما نطقت به الآيات الكريمة عن هؤلاء ~~الكفرة ، العتاة المردة ، من فنون القبائح من الأقاويل والأفاعيل ، ~~والتمادي في الغي ، والانهماك في الضلال ، والتصميم على الكفر ، من غير ~~صارف يلويهم ، ولا عاطف يثنيهم ، وإجماعهم على مدافعة الحق بعد اتضاحه ، ~~وتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم ، لا أن له مسوغا في ~~الجملة ، أي : ألم تر ما فعلت الشياطين بالكفرة حتى صدر منهم ما صدر من تلك ~~القبائح والعظائم ، وليس المراد تعجيبه عليه السلام من مطلق إرسال الشياطين ~~عليهم ، كما يوهمه تقليل الرؤية ، بل عما صدر عنهم من حيث إنها من آثار ~~إغواء الشياطين ، كما ينبئ عنه قوله ms1582 تعالى : {تؤزهم أزا} أي : تغريهم ~~وتهيجهم على المعاصي تهييجا شديدا ، بأنواع الوساوس والتسويلات. فالأز ~~والاستفزاز أخوان ، معناهما : شدة الانزعاج ، وجملة {تؤزهم} : حال مقدرة من ~~الشياطين ، أو استئناف وقع جوابا عن صدر الكلام ، كأنه قيل : ماذا تفعل بهم ~~الشياطين ؟ قال : {تؤزهم أزا}. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 249 # فلا تعجل عليهم} بأن يهلكوا حسبما تقتضي جناياتهم ويبيدوا عن آخرهم ، ~~وتطهر الأرض من فسادهم ، {إنما نعد لهم عدا} أي : لا تستعجل بهلاكهم ، فإنه ~~لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس قلائل نعدها عدا ، ثم نأخذهم أخذا. والله تعالى أعلم. # الإشارة : كل من اتخذ شيئا يتعزز به من دون الله وطاعته انقلب عليه ذلا ~~وهوانا ، ولذلك قيل : " من تعزز بمخلوق مات عزه ". فإن أردت عزا لا يفنى ~~فلا تتعزز بعز يفنى ، وهو التعزز بالمال أو الجاه ، أو غير ذلك مما يفنى ، ~~وسيأتي عند قوله : {من كان يريد # 250 PageV04P362 ~~العزة فلله العزة جميعا} [فاطر : 10]. {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} ~~[المنافقون : 8] زيادة بيان. وكما أرسل الحق تعالى الشياطين على الكافرين ~~تزعجهم إلى المعاصي أرسل الملائكة والواردات الإلهية إلى المؤمنين تنهضهم ~~إلى طاعة الله ، وتزعجهم إلى السير لمعرفة الله. فالملائكة تحرك العبد إلى ~~الطاعة ، والواردات تزعجه إلى الحضرة ، تخرجه عن عوائده وتدمغ له من علائقه ~~، وعوائقه ، حتى ينفرد لحضرة الحق : وفي الحكم : " الوارد يأتي من حضرة ~~قهار ، لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه ؛ {بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق}. وقال أيضا : " متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت ~~العوائد لديك ؛ " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ". # وقال القشيري على قوله : {تؤزهم أزا} : أي : تزعجهم إزعاجا ، فخاطر ~~الشيطان يكون بإزعاج وظلمة ، وخاطر الحق يكون بروح وسكون ، وهذه إحدى ~~الفوارق بينهما. ه. قلت : ومن الفوارق أيضا : أن خاطر الحق لا يأمر إلا ~~بالخير مع برودة وانشراح في القلب وسكون وأناة... وفي الحديث : " العجلة من ~~الشيطان ، والأناة من الرحمن " ه. بخلاف خاطر الشيطان ؛ فإنه لا يأمر إلا ~~بالشر ، وقد يأمر بالخير إذا كان يجر به إلى الشر ، وعلامته أن ms1583 يكون فيه ~~ظلمة ودخن وعجلة وبطش ، وقد استوفى الكلام عليهم في النصيحة الكافية. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 249 # قلت : {يوم نحشر} : إما ظرف لفعل مؤخر ؛ للإشعار بضيق العبارة عن حصره ؛ ~~لكمال جماله أو فظاعته ، والتقدير : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ، ونسوق ~~المجرمين ، نفعل بالفريقين ما لا يفي به نطاق المقال ، أو ظرف لاذكر ، ~~و{وفدا} و{وردا} : حالان. PageV04P363 # يقول الحق جل جلاله : {يوم نحشر المتقين} : نجمعهم {إلى الرحمن} أي : إلى ~~ربهم يغمرهم برحمته الواسعة ، {وفدا} : وافدين عليه ، كما يفد الوفود على ~~الملوك ، منتظرين لكرامتهم وإنعامهم. وعن علي كرم الله وجهه : (لما نزلت ~~هذه الآية ، قلت : يا رسول الله ، إني قد رأيت الملوك ووفودهم ، فلم أر ~~وفدا إلا راكبا ، فما وفد الله ؟ قال : " يا علي ؛ إذا حان المنصرف من بين ~~يدي الله ، تلقت الملائكة المؤمنين بنوق بيض ، رحالها وأزمتها الذهب ، على ~~كل مركب حلة لا تساويها الدنيا ، فيلبس كل مؤمن حلة ، # 251 # ثم يستوون على مراكبهم ، فتهوي بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة ، ~~فتتلقاهم الملائكة {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} ". {ونسوق المجرمين} ~~كما تساق البهائم {إلى جهنم وردا} : عطاشا ، فإن من يرد الماء لا يرده إلا ~~للعطش ، أو كالدواب التي ترد الماء ، أي : يوم نحشر الفريقين نفعل ما نفعل ~~مما لا يفي به نطاق العبارة ، لما يقع فيه من الدواهي الطامة ، أو الكرائم ~~العامة ، أو : اذكر يوم نحشر الفريقين ، على طريق الترغيب والترهيب. # وقوله تعالى : {لا يملكون الشفاعة} : استئناف مبين لما فيه من الأمور ~~الدالة على هوله ، وضمير الواو : إما لجميع العباد المدلول عليهم بذكر ~~الفريقين لانحصارهم فيها ، أو إلى المتقين فقط ، أو إلى المجرمين. # و{من اتخذ} : منصوب على الاستثناء ، أو بدل من الواو ، أي : لا يملك ~~العباد أن يشفعوا لغيرهم إلا من استعد له بالتحلي بالإيمان والتقوى ، ففيه ~~ترغيب للعباد في تحصيل الإيمان والتقوى ، المؤدي إلى نيل هذه الرتبة ~~العليا. أو لا يملك المتقون الشفاعة إلا شفاعة من اتخذ العهد بالإسلام ~~والعمل الصالح ، أو لا يملك المجرمون أن يشفع ms1584 لهم إلا من كان منهم مسلما ، ~~فيشفع في مثله. فمن ، على هذا الثالث ، بدل من الواو فقط. والأول أحسن ؛ ~~لعمومه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 251 PageV04P364 ~~قال ابن مسعود رضي الله عنه : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أما ~~يعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عهدا عند الله ، يقول كل صباح ومساء : ~~اللهم فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، إني أعهد إليك في هذه ~~الحياة الدنيا ، بأني أشهد أن لا إله إلا أنت ، وحدك لا شريك لك ، وأن ~~محمدا عبدك ورسولك ، فلا تكلني إلى نفسي ، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني ~~من الشر وتباعدني من الخير ، وإني لا أثق إلا برحمتك ، فاجل لي عندك عهدا ~~توفينيه يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع عليه طابع ~~ووضع تحت العرش ، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الذين لهم عند الله ~~عهد فيدخلون الجنة " ه. # الإشارة : ورود العباد على الله يوم القيامة يكون على قدر ورودهم إليه ~~اليوم في الدنيا ، فبقدر التوجه إليه اليوم تعظم كرامة وروده في الآخرة ، ~~فمن ورد على الله تعالى من باب الطاعة الظاهرة حملته صور الطاعات إلى ~~الآخرة ، ومن ورد من باب الطاعات القلبية حملته الأنوار إلى الفراديس ~~العالية ، ومن ورد من باب الطاعات السرية - كالفكرة والنظرة في مقام ~~المشاهدة - حمله الحق إلى الحضرة القدسية ، فيكون في مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر. قال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن العارف في قوله تعالى : {وفدا} : ~~قيل : ركبانا على نجائب طاعتهم ، وهم مختلفون ، فمن راكب على صور الطاعات ، ~~ومن راكب على نجائب الهمم ، ومن راكب على نجائب الأنوار ، ومن # 252 # محمول يحمله الحق في عقباه ، كما يحمله اليوم في دنياه ، وليس محمول الحق ~~كمحمول الخلق. ه. PageV04P365 # وقوله تعالى : {لا يملكون الشفاعة...} الآية ، اعلم أن العهد الذي تكون به ~~الشفاعة يوم القيامة هو الطاعة وتربية اليقين والمعرفة ، فتقع الشفاعة لأهل ~~الطاعات على قدر طاعتهم وإخلاصهم ، وتقع لأهل اليقين على قدر يقينهم ، وهم ~~أعظم من أهل المقام الأول ms1585 ، وتقع لأهل المعرفة على قدر عرفانهم ، وهم أعظم ~~من القسمين ، حتى إن منهم من يشفع في أهل عصره كلهم ، وقد سمعت من شيخنا ~~الفقيه ، شيخ الجماعة سيدي التاودي بن سودة ، أن بعض الأولياء قال عند موته ~~: يا رب شفعني في أهل زماني ، فقال له الحق تعالى - من جهة الهاتف - : لم ~~يبلغ قدرك هذا ، فقال : يا رب إن كان ذلك من جهة عملي واجتهادي فلعمري إنه ~~لم يبلغ ذلك ، وإن كان من جهة كرمك وجودك فوعزتك وجلالك لهو أعظم من هذا ، ~~فقال له : إني شفعتك في أهل عصرك. ه. بالمعنى. فمن رجع إلى كرم الله وجوده ~~، ودخل من هذا الباب ، وجد الإجابة أقرب إليه من كل شيء. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 251 # قلت : {هدا} : مصدر مؤكد لمحذوف ، هو حال من الجبال ، أي : تهد هدا. و{أن ~~دعوا} : على حذف اللام ، أي : لأن دعوا ، وفيه احتمالات أخر. PageV04P366 # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} هذه المقالة صدرت من ~~اليهود والنصارى ، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله ، لعن الله ~~جميعهم ، فسبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، فحكى جنايتهم إثر جناية ~~عبده الأصنام ، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة ، قال تعالى في ~~شأنهم : {لقد جئتم شيئا إدا} أي : فعلتم أمرا منكرا شديدا ، لا يقادر قدره ~~، فهو رد لمقالتهم الباطلة ، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبئ عن كمال ~~السخط وشدة الغضب ، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح ، وتسجيل عليهم بغاية ~~الوقاحة والجهل. و{جاء} يستعمل بمعنى فعل ، فيتعدى تعديته ، والإد - بكسر ~~الهمزة وفتحها ، وقرئ بهما في الشاذ - : العظيم المنكر ، الإد : الشدة ، ~~قيل : الأد : في كلام العرب : أعظم الدواهي. # 253 # ثم وصفه وبين هوله فقال : {تكاد السماوات يتفطرن منه} : يتشققن مرة بعد ~~أخرى ، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله ، وهو أبلغ من " ينفطرن " كما قرئ به ، ~~{وتنشق الأرض} أي : وتكاد تنشق وتذهب ، {وتخر الجبال} أي : تسقط وتنهدم ~~{هدا} بحيث لا يبقى لها أثر. والمعنى : أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها ، ~~بحيث لو تصورت ms1586 بصورة محسوسة ، لم يطق سمعها تلك الأجرام العظام ، ولتفتتت ~~من شدة قبحها ، أو : إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه ~~تعالى ، لخر العالم وتبددت قوائمه ، غضبا على من تفوه بها. قال محمد بن كعب ~~: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة ، يعني : لأن ما ذكر أوصاف ~~الساعة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 253 PageV04P367 ~~وذلك {أن دعوا للرحمن ولدا} أي : تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض ، وتنهدم ~~الجبال ؛ لأجل أن دعوا ، أي : نسبوا أو سموا للرحمن ولدا ، {وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا} أي : قالوا اتخذ الرحمن ولدا ، أو دعوا له ولدا ، ~~والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد ؛ لاستحالته عليه تعالى. ووضع ~~الرحمن موضع الضمير ؛ للإشعار بعلية الحكم ؛ لأن كل ما سواه تعالى منعم ~~عليه برحمته ، أو نعمة من أثر الرحمة ، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ ~~النعم ومولى أصولها وفروعها ، حتى يتوهم أن يتخذه ولدا ، وقد صرح به قوله ~~عز قائلا : {إن كل من في السماوات والأرض} أي : ما منهم من أحد من الملائكة ~~أو الثقلين {إلا آتي الرحمن عبدا} ؛ مملوكا لله في الحال بالانقياد وقهرية ~~العبودية. {لقد أحصاهم} أي : حصرهم وأحاط بهم ، بحيث لا يخرج أحد من حيطة ~~علمه ، وقبضة قدرته وقهريته ، ما وجد منهم وما سيوجد ، وما يقدر وجوده لو ~~وجد ، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره ، لا خروج لشيء عنه ، وفي ذلك ~~تصوير لقيام ربوبيته على كل شيء ، وأنه عالم بكل شيء جملة وتفصيلا ، {وكلهم ~~آتيه يوم القيامة فردا} أي : وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردا من ~~الأموال والأنصار والأتباع ، متفردا بعمله ، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم ~~كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئا منهم ولدا ؟ !. وفي الحديث القدسي : " ~~قال الله تعالى : كذبني عبدي ، ولم يكن له ذلك ، وشتمني عبدي ولم يكن له ~~ذلك ، أما تكذيبه إياي ؛ فأن يقول : من يعيدنا كما بدأنا ؟ وأما شتمه إياي ~~؛ فأن يقول : اتخذ الله ولدا ، وأنا الأحد الصمد ، لم ألد ولم أولد ، ولم ~~يكن لي ms1587 كفوا أحد " وهو في البخاري. وفي صيغة اسم الفاعل في قوله : {آتيه} ~~من الدلالة على إتيانهم كذلك ألبتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه. ~~والله تعالى أعلم. # 254 PageV04P368 ~~الإشارة : إذا علمت أيها المؤمن أن الحق جل جلاله يغضب هذا الغضب الكلي على ~~من أشرك مع الله ، أو اعتقد فيه ما ليس هو عليه من التنزيه وكمال الكمال ، ~~فينبغي لك أن تخلص مشرب توحيدك من الشرك الجلي والخفي ، علما وعقدا وحالا ~~وذوقا ، حتى لا يبقى في قلبك محبة لشيء من الأشياء ولا خوف من شيء ، ولا ~~تعلق بشيء ، ولا ركون لشيء ، إلا لمولاك ، وحينئذ يصفي مشرب توحيدك ، وتكون ~~عبدا لله خالصا حرا مما سواه ، ومهما بقي فيك شيء من محبة الهوى نقص توحيدك ~~بقدره ، ولم تصل إليه ما دمت تميل إلى شيء سواه. وفي ذلك يقول الششتري رضي ~~الله عنه : # جزء : 4 رقم الصفحة : 253 # إن ترد وصلنا فموتك شرط # لا ينال الوصال من فيه فضله # فكن عبدا لله حقيقة ، وانخرط في سلك قوله : {إن كل من في السماوات والأرض ~~إلا آتي الرحمن عبدا}. فحينئذ تكون حرا مما سواه ، ويملكك الوجود بأسره ، ~~يكون عند أمرك ونهيك. وفي ذلك يقول القائل : # دعوني لملكهم فلما أجبتهم # قالوا دعوناك للملك لا للملك # وإذا فتحت عين القدرة وعين الحكمة وضعت كل شيء في محله ، فتتنزه بعين ~~القدرة في رياض الملكوت وبحار الجبروت ، وتتنزه بعين الحكمة في بهجة الملك ~~وأسرار الحكمة. فعين القدرة تقول : كل من في السماوات والأرض عبد مملوك تحت ~~قهرية ذاته ، فاعرف الضدين ، وأنزل كل واحد في محله ، تكن عارفا بالله ، ~~فإن أردت أن تعرفه بضد واحد بقيت جاهلا به. فالحكمة تثبت العبودية صورة ؛ ~~صونا لكنز الربوبية ، والقدرة تغيبك عنها بشهود أسرار الربوبية ، وفي الحكم ~~: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية ، وظهر بعظمة الربوبية في ~~إظهار العبودية ". # فالعبودية لازمة من حيث العبد ، والغيبة عنها واجبة من حيث الرب ، فإثبات ~~العبودية ، حكمة ، فرق ، والغيبة عنها في شهود أنوار الربوبية : جمع ms1588 ، ~~فالعارف مجموع في فرقه ، مفروق في جمعه. PageV04P369 # جزء : 4 رقم الصفحة : 253 # قلت : لما استحقر الكفرة أحوال المؤمنين حتى قالوا : {أينا خير مقاما ~~وأحسن نديا} ، أخبر الله تعالى المؤمنين وبشرهم أنهم سيعزهم ويلقى مودتهم ~~في قلوب عباده. # 255 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن} ~~في قلوب الناس مودة وعطفا ، حتى يحبهم كل من سمع بهم ، فيحبهم ويحببهم إلى ~~عباده من أهل السماوات والأرض ، أي : سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض ~~لأسبابها ، سوى ما لهم من الإيمان والعمل الصالح ، أو {ودا} فيما بينهم ، ~~فيتحابون ويتواددون ويحبهم الله. PageV04P370 # قال القشيري : يجعل في قلوبهم ودا لله ، وهو نتيجة أعمالهم الخالصة ، وفي ~~الخبر : " لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى يحبني وأحبه ". والتعرض ~~لعنوان الرحمانية ؛ لما أن الموعود من آثارها ، وأن مودتهم رحمة بهم وبمن ~~أحبهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه : " قل اللهم ~~اجعل لي عندك عهدا ، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة " فنزلت الآية. وفي ~~حديث البخاري وغيره : " إذا أحب الله عبدا قال لجبريل : إني أحب فلانا ~~فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادي في أهل السماء إن الله قد أحب فلانا فأحبوه ~~، فيحبه أهل السماء ، ثم يضع له المحبة في الأرض ". وقال قتادة : {سيجعل ~~لهم الرحمن ودا} قال : أي والله ودا في قلوب أهل الإيمان. وإن هرم بن حيان ~~يقول : ما أقبل عبد بقلبه على الله إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه ، ~~حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. قلت : ولفظ الحديث : " ما أقبل عبد بقلبه إلى ~~الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة ، وكان ~~الله إليه بكل خير أسرع " نقله في الترغيب. وفي حديث آخر : " يعطي المؤمن ~~ودا في صدور الأبرار ، ومهابة في سدور الفجار " فتودد الناس للعبد دليل على ~~قبوله عند مولاه. أنتم شهداء الله في أرضه. وفي بعض الأثر : " لا يموت ~~العبد الصالح حتى يملأ مسامعه مما يحب ، ولا يموت الفاجر حتى يملأ مسامعه ms1589 ~~مما يكره ". بالمعنى. PageV04P371 # وأتى الحق جل جلاله بالسين ؛ لأن السورة مكية ، وكانوا إذ ذلك ممقوتين عند ~~الكفرة ، فوعدهم ذلك ، ثم أنجزه لهم حين جاء الإسلام ، فعزوا وانتصروا ، ~~وتعشقت إليهم قلوب الخلق من كل جانب ، كما هو مسطر في تواريخهم. وقيل : ~~الموعود في القيامة ، حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد كأنها أنوار الشمس ~~الضاحية ، ولعل إفراد هذا بالوعد من بين ما لهم من الكرامات السنية ؛ لأن ~~الكفرة سيقع بينهم يومئذ تقاطع وتباغض وتضاد. والله تعالى أعلم. # 256 # الإشارة : سنة الله تعالى في أوليائه ، في حال بدايتهم ، أن يسلط عليهم ~~الخلق ، وينزل عليهم الخمول والذل بين عباده ، حتى يمقتهم أقرب الناس إليهم ~~، رحمة بهم واعتناء بقلوبهم ؛ لئلا تسكن إلى غيره. قال الشيخ أبو الحسن ~~الشاذلي رضي الله عنه : اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا... ~~الخ. فإذا تطهروا من البقايا وكملت فيهم المزايا ، وتمكنوا من معرفة الحق ، ~~أعزهم وألقى مودتهم في قلوب عباده ، هذا دأبه معهم في الغالب ، وقد يحكم ~~على بعضهم بالخمول حتى يلقاه على ذلك ، ولا يكون ذلك نقصا في حقه بل كمالا ~~، وهم شهداء الملكوت ، لم يأخذوا من أجرهم شيئا. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 255 # قلت : الفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم ، كأنه قيل - بعد إيحاء ~~السورة الكريمة - : بلغ هذا المنزل عليك ، وبشر به ، وأنذر ؛ فإنما ~~يسرناه... الخ ، قاله أبو السعود. # يقول الحق جل جلاله : {فإنما يسرناه} أي : القرآن {بلسانك} بأن أنزلناه ~~على لغتك ، والباء بمعنى " على " وقيل : ضمن التيسير معنى الإنزال ، أي : ~~يسرنا القرآن وأنزلناه بلغتك {لتبشر به المتقين} أي : السائرين إلى التقوى ~~بامتثال ما فيه من الأمر والنهي ، {وتنذر به} أي : تخوف به {قوما لدا} لا ~~يؤمنون به ، لجاجا وعنادا ، واللد : جمع ألد ، وهو الشديد الخصومة ، اللجوج ~~المعاند. PageV04P372 # {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} أي : كثيرا من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء ~~المعاندين ، فهو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر على الكفرة ~~ووعيد لهم بالهلاك ، وحث له صلى الله عليه ms1590 وسلم على الإنذار ، أي : دم على ~~إنذارك لهم ، فسيهلكون كما أهلكنا من قبلهم من القرون ، {هل تحس منهم أحد} ~~أي : هل تشعر بأحد منهم ، وترى له من باقية {أو تسمع لهم ركزا} أي : صوتا ~~خفيا ، هيهات قد انقطع دابرهم وهدأت أصواتهم ، وخربت قصورهم وديارهم ، ~~وكذلك نفعل بغيرهم ، والمعنى : أهلكناهم بالكلية ، واستأصلناهم بحيث لا يرى ~~منهم أحد ، ولا يسمع لهم صوت خفي ولا جلي. وجملة : {هل تحس} : استئناف مقرر ~~لمضمون ما قبله ، وأصل الركز : الخفاء ، ومنه : ركز الرمح ؛ إذا غيب طرفه ~~في الأرض ، والركاز : المال المدفون المخفي. والله تعالى أعلم. # 257 # الإشارة : ما أنزل الله القرآن وسهله على عباده إلا ليقع به الوعظ ~~والتذكير ، فأمر الله رسوله في حياته بالبشارة والإنذار به ، وبقي الأمر ~~لخلفائه ، فالواجب على العلماء والأولياء أن يتصدوا للوعظ والتذكير ، ولا ~~يكفي عنه تعليم رسوم الشريعة ، فإن الوعظ إنما هو التخويف والتبشير ، كما ~~قال تعالى : {لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا}. # لكن لا يتصدى للوعظ إلا من له نور يمشي به في الناس ، فيسبقه نور قلبه ~~إلى القلوب المستمعة ، فيقع كلامهم في قلوب السامعين. قال في الحكم : " ~~تسبق أنوار الحكماء أقوالهم ، فحيثما صار التنوير وصل التعبير ". هذا النور ~~هو نور المعرفة الذي هي مقام الفناء ، ويشترط فيه أيضا : أن يكن مأذونا له ~~في الكلام من شيخ كامل ، أو وحي إلهامي حقيقي ، فحينئذ يقع كلامه في مسامع ~~الخلق. وفي الحكم : " من أذن له في التعبير حسنت في مسامع الخلق عبارته ، ~~وجليت إليهم إشارته ". # جزء : 4 رقم الصفحة : 257 # وقال أيضا : " ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار ، إذا لم يؤذن لك فيها ~~بالإظهار ". وفي أمثال هؤلاء المتصدين للوعظ والتذكير ورد الخبر القدسي : " ~~إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي ، ويحبب عبادي إلي ، ويمشون في ~~الأرض بالنصيحة " .. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه آمين. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه ، وسلم تسليما. # 258 # جزء : 4 رقم الصفحة : 257 PageV04P373 ### | AUTO سورة طه # جزء : 4 رقم الصفحة : 258 # قلت : عن ابن ms1591 عباس أن " طه " من أسماء الله تعالى ، وقيل : معناه : طوبى ~~لمن هدى ، وقيل : يا طاهر يا هادي ، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه ~~وسلم وتطهيره من دنس الحس ، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه ، وهدايته غيره ~~إلى حضرة القدس. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لي عشرة أسماء... " فذكر أن ~~منها " طه ويس " ، وقيل : معناه : طئ الأرض بقدمك ؛ لأنه كان يرفع رجلا في ~~الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده ، فأبدل الهمزة ألفا ، والضمير للأرض ، ورد ~~بأنه لو كان كذلك لكتبت بالألف ، فإن الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه ~~من خصائص حروف المعجم. وقيل : معناه : يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ~~ومجاهد وغيرهم ، وهو عندهم على اللغة النبطية ، أو السريانية. قيل : من جعل ~~معنى " طه " يا رجل ، لم يقل على طه ، وكذا من جعله اسما للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ؛ لأن النداء تنبيه على ما بعده ، ومن جعلها افتتاحا ، أو على ~~وجه من الوجوه المذكورة في البقرة ، وقف عليها ، إلا في قول من جعلها قسما ~~، فإنه لا يقف عليها ؛ لأن قوله : {ما أنزلنا...} الخ جواب قسم. # قلت : المتبادر من سبب نزولها ومن قوله : {ما أنزلنا} : إما القسم أو ~~النداء ، فالقسم على أن ذلك من أسماء الله ، والنداء على كون ذلك بمعنى يا ~~رجل ، أو من # 259 PageV04P374 ~~أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأما غير ذلك فبعيد ، إلا أن يكون ما بعد ذلك ~~استئنافا بعد الوقف على " طه ". قاله في الحاشية. # و{إلا تذكرة} : مفعول لأجله. والاستثناء منقطع ، أي : ما أنزلناه لتتعب ~~به ، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ ، و{تنزيلا} : مصدر مؤكد لمضمر مستأنف ~~مقرر لما قبله ، أي : أنزل تنزيلا ، والأصح : أنه بدل من اللفظ بفعله ~~الناصب له ، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه ، وفيه معنى التأكيد لما قبله ، ~~أو هو نص في معناه ، وإنما تلون الكلام بالالتفات ، أو منصوب على المدح ~~والاختصاص ، أو مفعول بيخشى ، أو حال من " القرآن " ، و{الرحمن} : رفع على ~~المدح ، وقد عرفت أن المرفوع مدحا ، في حكم ms1592 الصفة الجارية على ما قبلها ، ~~وإن لم يكن تابعا له في الإعراب ، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ ؛ ليكون في ~~صورة متعلق من متعلقاته. وقرئ بالجر ؛ صفة للموصول ، وما قيل من أن ~~الموصولات لا توصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي ، أو {الرحمن} : مبتدأ ، ~~و{على العرش} : خبره. و{على} : متعلقة باستوى ، قدمت للفواصل. و{إن تجهر} : ~~شرط ، والجواب محذوف دل عليه {فإنه... } الخ ، أي : فالله غني عن جهرك ، ~~فإنه... الخ. # جزء : 4 رقم الصفحة : 259 # يقول الحق جل جلاله : تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ، أو ترويحا له من ~~التعب : يا محمد {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي : لتتعب نفسك بالمجاهدة ~~في العبادة. PageV04P375 # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالليل حتى تورمت قدماه ، فقال له ~~جبريل عليه السلام : " أبق على نفسك ، فإن لها عليك حقا ". أي : ما أنزلناه ~~عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة ، والشدائد الفادحة ، وما ~~بعثت إلا بالحنيفية السمحة. أو : ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة ~~الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة ، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر ~~على إيمانهم ، كقوله : {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء : 3] ، ~~بل للتبليغ ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع ، ومنه قولهم : ~~أشقى من رائض مهر ، وقيل : إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : إنك شقي ، حيث تركت دين آباءك ، وما نزل عليك هذا ~~القرآن إلا لتشقى ، فرد الله ذلك عليهم. والأول أظهر ، والعموم أحسن ، فإنه ~~نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة. # {إلا تذكرة لمن يخشى} أي : ما أنزلناه لتتعب ، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة ~~لمن يخشى الله - عز وجل - ، ليتأثر بالإنذار ، لرقة قلبه ولين عريكته ، أو ~~لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف ، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ ؛ ~~لأنهم المنتفعون بها. # {تنزيلا} أي : أنزل تنزيلا ، أو حال كون القرآن تنزيلا ، أي : منزلا {ممن ~~خلق الأرض والسماوات العلى} ، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون ~~العظمة بقوله : {ما أنزلنا} ؛ لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال ms1593 والصفات ، ~~إثر بيانها بحسب # 260 PageV04P376 ~~الذات بطريق الإبهام ، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما ~~بالذكر ؛ لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس ، ووصف السماوات ~~بالعلى ، وهو جمع " عليا " ؛ لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. ~~وكل ذلك إلى قوله : {له الأسماء الحسنى} ، مسوق لتعظيم المنزل - عز وجل - ~~المستتبع بتعظيم المنزل عليه ، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة ، ~~المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان ، واستمالتهم إلى ~~الخشية ، المفضية إلى التذكير والإيمان. # ثم قال تعالى : {الرحمن} أي : هو الرحمن ، ووصف تعالى بالرحمانية إثر ~~وصفه بالخالقية ؛ للإيذان بأن ربوبيته تعالى ، وقيامه بالأشياء ، من طريق ~~الرحمة والإحسان ، لا بالإيجاب ، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضا من ~~رحمته - تعالى - ، كما ينبئ عنه قوله عز من قائل : {الرحمان علم القرآن} ~~[الرحمن : 1 ، 2]. أو : {الرحمن على العرش استوى} : مبتدأ وخبر ، وجعل ~~الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند ~~المخاطب ؛ للإيذان بأن ذلك أمر بين لا خفاء فيه ، غني عن الإخبار صريحا. ~~والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان ، يقال : استوى فلان على سرير ~~الملك ؛ مرادا به ملك الملك والتصرف ، وإن لم يقعد على سرير أصلا ، والمراد ~~: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 259 # وسئل أحمد بن حنبل عن الاستواء ، فقال : استواء من غلب وقهر ، لا استواء ~~كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي - رضي الله عنهما - فقالا : ~~الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عن هذا ~~بدعة وضلالة ، آمنوا بلا تشبيه ، وصدقوا بلا تمثيل ، وأمسكوا عن الخوض في ~~هذا كل الإمساك. PageV04P377 # وقال الجنيد رضي الله عنه : خلق الله العرش فوق سبع سماوات ، وجعله قبلة ~~لدعاء المخلوقات ، وقابله بقلب عبده المؤمن ، ليكون محلا للتجليات ~~والتنزلات والمخاطبات. ه. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيا. # {له ما في السماوات وما في الأرض} ، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو ~~بالحلول فيهما ، {وما بينهما} من الموجودات الكائنة في الجو دائما ، ~~كالهواء والسحاب ، أو ms1594 أكثريا ؛ كالطير ، أي : له ذلك وحده دون غيره ، لا ~~شركة ولا استقلالا ، كل ما ذكر هو له ؛ ملكا وتصرفا ، وإحياء وإماتة ، ~~وإيجادا وإعداما ، {وما تحت الثرى} : وما وراء التراب المتصل بالهوى ~~السفلى. وعن محمد بن كعب : أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي : أن الثرى ~~هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة ، وذكره مع دخوله تحت # 261 # ما في الأرض ؛ لزيادة التقرير. {وإن تجهر بالقول} أي : وإن تجهر بذكره ~~تعالى - أو دعائه - ، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك ؛ {فإنه يعلم السر ~~وأخفى} أي : ما أسررته إلى غيرك ، وشيئا أخفى من ذلك ، وهو ما أخطرته ببالك ~~، من غير أن تتفوه به أصلا أو : : السر : ما أسررته في نفسك ، وأخفى منه : ~~ما ستسره في المستقبل. وهو إما نهي عن الحركة ، كقوله تعالى : {واذكر ربك ~~في نفسك} [الأعراف : 205] ، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه ~~تعالى ؛ بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها ، ومنعها من ~~الاشتغال بغيره ، وقطع الوسوسة عنها ، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض ~~من الآية : بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء ، إثر بيان سعة سلطانه ~~وشمول قدرته بجميع الكائنات. PageV04P378 # ثم بين الموصوف بتلك الكمالات ، فقال : {الله} أي : ما ذكر من صفات الكمال ~~، موصوفها الله المعبود بالحق ، {لا إله إلا هو} أي : لا معبود بحق إلا هو ~~، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص ~~الألوهية به سبحانه ، فإن ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات ، ومن ~~الرحمانية والمالكية للكل ، والعلم الشامل ، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية ~~والربوبية ، وقوله تعالى : {له الأسماء الحسنى} بيان لكون ما ذكر من ~~الخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه تعالى وصفاته ، من غير ~~تعدد في ذاته تعالى ؛ فالأسماء والصفات كثيرة ، والمسمى والموصوف واحد. ~~و{الحسنى} : تأنيث الأحسن ، فعلى ، يوصف به الواحد المؤنث ، والجمع المذكر ~~والمؤنث ، ك {مآرب أخرىا} [طه : 18] ، و{آياتنا الكبرىا} [طه : 23]. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 259 # الإشارة : من تأمل القرآن العظيم ، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة ms1595 ~~وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يفضي إلى الراحة دون التعب ، وإلى السعادة ~~العظمى دون الشقاء ، لكن لا يتوصل إلى الراحة إلا بعد التعب ، ولا يفضي ~~العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب ، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه ، ~~وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب ، فإذا وصل العمل إلى ~~القلب استراحت الجوارح ، وأفضى حينئذ إلى روح وريحان ، وجنة ورضوان ، أعني ~~جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن : " ليس شيخك من يدلك على تعبك ، ~~إنما شيخك من يريحك من تعبك " ، كما في لطائف المنن. PageV04P379 # وقال شيخنا القطب ابن مشيش : وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم : " يسروا ~~ولا تعسروا " فقال : دلوهم على الله ، ولا تدلوهم على غيره ، فإن من دلك ~~على الدنيا فقد غشك ، ومن دلك على العمل فقد أتعبك ، ومن دلك على الله فقد ~~نصحك. ه. فإذا دلك على الله غيبك عن وجود نفسك بشهود ربك ، وهي السعادة ~~العظمى ، كما تقدم في سورة # 262 # هود. فمن اتخذ شيخا ثم لم ينقله من مقام التعب ، ولم يرحله من مقام إلى ~~مقام ، فاعلم أنه غير صالح للتربية. # وقوله تعالى : {إلا تذكرة لمن يخشى} ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن ~~العارف : قيل : أنزل الله القرآن لتذكير سابق الوصال ؛ لأن الأرواح لما ~~دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها ، فأنزل الله القرآن ~~تأنيسا ؛ لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق : أنزل الله ~~القرآن موعظة للخائفين ، ورحمة للمؤمنين ، وأنسا للمحبين. وايضا : القرآن ~~يذكر عظمة الله الموجبة خشيته ، فهو مذهب للغفلة. ثم قال : وفي الشهود ~~الحاصل بالتذكير رفع المشقة ، ووجدان الراحة بالطاعة ، لكونه يصير محمولا ، ~~وقد قال : {وأقم الصلاة لذكريا} [طه : 14] ، أي : لشهودي فيها ، وفي ذلك ~~قرة عين ، وراحة ، وأنس ، وتشابه حال المصلي بحال موسى ، بجامع النجوى ، ~~فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. ه. PageV04P380 # وقوله تعالى : {الرحمن على العرش استوى} ، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء ~~الله في الحكم بقوله : " يا من استوى برحمانيته على عرشه ، فصار العرش ms1596 غيبا ~~في رحمانيته ، كما صارت العوالم غيبا في عرشه ، محقت الآثار بالآثار ، ~~ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم ~~للذات ، والصفة لا تفارق الموصوف ، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته ~~؛ فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته ، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت ~~بالعرش والآثار ، ومحت كل شيء ، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء ، وليس ~~معه شيء ، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك ~~الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 259 # قلت : قال القشيري : أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر ~~المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا - عليه الصلاة والسلام - يتبعه بذكر ~~موسى ، تنبيها على علو شأنه ، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف ~~المذكور ، فالتكرير في # 263 # التفصيل يوجب التفضيل ، في الوصف ؛ لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارا ~~كثيرة كانت في باب البلاغة أتم ، ولا سيما في كل مرة فائدة زائدة. ه. # قلت : ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة ، ومشاركة الصفة ، وذلك ~~باعتبار المعالجة وهداية الأمة ، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم ~~يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله ، إلا لنبينا - عليه أفضل الصلاة وأزكى ~~التسليم - فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر ، وفي حديث البخاري ما ~~يدل على هذا ، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة ، فرأى أمة موسى ~~عليه السلام كثيرة ، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه. PageV04P381 # وقال أبو السعود : المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى ~~مساق الحديث ، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء ، كابرا عن كابر ، وقد ~~خوطب به موسى عليه السلام ، حيث قيل له : {إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني} ، وبه ختم عليه السلام مقاله ، حيث قال : {إنمآ إلاهكم الله الذي ~~لاا إلاه إلا هو} [طه : 98] ، ثم رد مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم ~~إنما هو لصرفه عليه السلام عن ms1597 اقتحام المشاق. فانظره. و{هل} : لفظة استفهام ~~، والمراد به التشويق لما يخبره به ، أو التنبيه. و{إذ رأى} : ظرف للحديث ؛ ~~لأن فيه معنى الفعل ، أو لمضمر مؤخر ، أي : حين رأى كان كيت وكيت ، أو : ~~لاذكر ، أي : اذكر وقت رؤيته... الخ. # جزء : 4 رقم الصفحة : 263 # يقول الحق جل جلاله : {وهل أتاك حديث موسى} : أي : قصته في معالجة فرعون ~~، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرا لأمر التوحيد ، {إذ راى نارا} تلمع في ~~الوادي ، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبا عليه السلام في الخروج إلى أمه ~~وأخيه ، فخرج بأهله ، وأخذ على غير الطريق ، مخافة من ملوك الشام ، فلما ~~وافى وادي طوى ، وهو بالجانب الغربي من الطور ، ولد له ولد في ليلة مظلمة ~~شاتية مثلجة ، وكانت ليلة الجمعة ، وقد ضل عن الطريق ، وتفرقت ماشيته ، ولا ~~ماء عنده ، فقدح النار فلم تور المقدحة. # فبينما هو في ذلك {إذ رأى نارا} على يسار الطريق من جانب الطور ، {فقال ~~لأهله امكثوا} أي : أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك ؛ لئلا يتبعوه ، ~~كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد ، وقيل : لها ~~وحدها ، والجمع للتعظيم ، {إني آنست} أي : أبصرت {نارا} ، وقيل : الإيناس ~~خاص بإبصار ما يؤنس به. {لعلي آتيكم منها بقبس} أي : بشعلة مقتبسة من معظم ~~النار ، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص ، وبالشهاب # 264 PageV04P382 ~~القبس ، {أو أجد على النار هدى} ؛ هاديا يدلني إلى الطريق ، فهو مصدر بمعنى ~~الفاعل ، و{أو} في الموضعين : لمنع الخلو ، لا لمنع الجمع ؛ إذ يمكن أن ~~يقتبس من النار ويجد هاديا. ومعنى الاستعلاء في قوله : {على النار} ؛ لأن ~~أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء ، ولما كان الإيتاء بها غير محقق ، صدر ~~الجملة بكلمة الترجي. # {فلما أتاها} أي : النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه : رأى ~~شجرة خضراء ، حفت بها ، من أسفلها إلى أعلاها ، نار بيضاء ، تتقد كأضوء ما ~~يكون ، فوقف متعجبا من شدة ضوئها ، روي أن الشجرة كانت عوسجة ، وقيل : ~~سمرة... بينما هو ينظر ، {نودي} فقيل : {يا موسى إني أنا ربك} ، أو بأني ~~أنا ربك ms1598 ، وتكرير الضمير ؛ لتأكيد الدلالة ، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. ~~يروى أنه لما نودي يا موسى ، قال عليه السلام : من المتكلم ؟ فقال الله عز ~~وجل : {أنا ربك} ، فوسوس إليه الخاطر : لعلك تسمع كلام شيطان ، قال : فلما ~~قال : {إنني أنا} ، عرفت أنه كلام الله عز وجل. قيل : إنه سمعه من جميع ~~الجهات بجميع الأعضاء. # ثم قال له : {فاخلع نعليك} ؛ لأنه أليق بحسن الأدب ، ومنه أخذ الصوفية - ~~رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر ، وقيل : ليباشر ~~الوادي المقدس بقدميه ، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد ، بخلعها ولو طاهرة ، وقيل ~~: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل : النعلين : الكونين ، أي : ~~فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى : {إنك بالواد ~~المقدس} : تعليل لوجوب الخلع ، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. روي أنه عليه ~~السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي ، و{طوى} : بدل من الوادي ، وهو اسم ~~له. وقرئ منونا ؛ لتأوله بالمكان ، وغير المنون ؛ لتأوله بالبقعة. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 263 PageV04P383 ~~وأنا اخترتك} أي : اصطفيتك للنبوة والرسالة ، وقرأ حمزة : {وإنا اخترناك} ~~بنون العظمة ، {فاستمع لما يوحى} أي : للذي يوحى إليك ، أو لوحينا إليك ، ~~وهو : {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} ، فالجملة بدل من " ما ". {فاعبدني} ~~؛ أفردني بالعبادة والخضوع ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن ~~اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. {وأقم الصلاة ~~لذكري} : لتذكرني فيها ؛ لاشتمالها على الأذكار ، وأفردت بالذكر ، مع ~~اندراجها في الأمر بالعبادة ؛ لفضلها على سائر العبادات ؛ لما نيطت به من ~~ذكر المعبود ، وشغل القلب واللسان بذكره ، فإن الذكر كما ينبغي لا يتحقق ~~إلا في ضمن العبادة. # أو {لذكري} : لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي ، بحيث لا ترائي بها غيري. وقيل : ~~لذكري إياها ، وأمري بها في الكتب ، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء ، ~~وقيل : لأوقات # 265 # ذكري ، وهي مواقيت الصلوات ، وقيل : لذكر صلاتي إذا نسيتها ، لما روي أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال : " من نام عن صلاة ، أو نسيها ، فليصلها إذا ~~ذكرها ؛ لأن الله تعالى يقول : " وأقم الصلاة لذكري ms1599 " قال بعضهم : أصول ~~العمل ثلاثة : أقوال وأفعال وأحوال ، فأفضل الأقوال : لا إله إلا الله ، ~~وأفضل الأفعال : الصلاة لله أو بالله ، وأفضل الأحوال : الطمأنينة بشهود الله. # {إن الساعة آتية} : كائنة لا محالة ، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة ~~الصلاة ، وإنما عبر بالإتيان ؛ تحقيقا لحصولها ، بإبرازها في معرض أمر محقق ~~متوجه نحو المخاطبين. {أكاد أخفيها} أي : لا أظهرها ، بأن أقول : آتية فقط ~~، فلا تأتي إلا بغتة ، أو أكاد أظهرها بإيقاعها ، من أخفاه ، إذا أظهره ، ~~فأخفى - على هذا - من الأضداد. ورده ابن عطية ، فإن الذي بمعنى الظهور هو : ~~" خفى " ؛ الثلاثي ، لا " أخفى ". وقال الزمخشري : قد جاء في بعض اللغات : ~~أخفى بمعنى خفى ، أي : ظهر ، فلا اعتراض. PageV04P384 # ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى : أكاد أخفيها عن نفسي ~~، فكيف عن غيري ؟ وكذلك هو في مصحف أبي ، وفي مصحف عبد الله : فكيف يعلمها ~~مخلوق ، وفي بعض القراءات : وكيف أظهرها لكم ؟ قال قطرب : فإن قيل : كيف ~~يخفي الله تعالى عن نفسه ، وهو خلق الأشياء ؟ قلنا : إن الله تعالى كلم ~~العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه. # وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره : وإذا ظهرت عند ~~وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم ، غاية الأمر أنها بذكر ~~الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار ، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 263 # وقوله تعالى : {لتجزى كل نفس بما تسعى} متعلق بآتية ، أو بأخفيها - على ~~معنى : أظهرها - ، لتجزى كل نفس بسعيها ، أي : بعملها خيرا كان أو شرا. ~~{فلا يصدنك عنها} أي : عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها {من لا يؤمن ~~بها} حتى تكسل عن التزود لها. والنهي - وإن كان بحسب الظاهر متوجها للكافر ~~عن صدر موسى عليه السلام - لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد ~~عنها ، على أبلغ وجه ، فإن النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه ~~بالطريق البرهاني ، كقوله تعالى : {لا يجرمنكم شقاقيا} [هود : 89] ، أي : ~~لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها {واتبع هواه} أي ms1600 : ما تهواه # 266 # نفسه من اللذات الفانية ، {فتردى} : فتهلك ؛ فإن الإغفال عنها ، وعن ~~تحصيل ما ينجي من أهوالها ، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق. PageV04P385 # الإشارة : وهل أتاك أيها العارف حديث موسى ، كيف سار إلى نور الحبيب ، ~~ومناجاة القريب ، إذ رأى نارا في مرأى العين ، وهو نور تجلي الحبيب بلا بين ~~، فقال لأهله ومن تعلق به : امكثوا ، أقيموا في مقام الطلب ، واصبروا ~~وصابروا ورابطوا على قلوبكم ، في نيل المطلب ، إني آنست نارا ، وهو نور وجه ~~الحبيب في مرائي تجلياته ، وهذا مقام الفناء ، لعلي آتيكم منها بقبس ، ~~تقتبسون منه أنوارا لقلوبكم وأسراركم. أو أجد على النار هدى يهديني إلى ~~مقام البقاء والتمكين ، فلما أتاها ، وتمكن من شهودها ، نودي يا موسى : إني ~~أنا ربك ، فلا نار ولا أثر ، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر ، في مرأى ~~الأثر ، فاخلع نعليك ، أي : اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون ، ~~كما قال القائل : # واخلع النعلين إن جئت إلى # ذلك الحي ففيه قدسنا # وعن الكونين كن منخلعا # وأزل ما بيننا من بيننا # إنك بالواد المقدس ، أي : بحر حضرة القدس ومحل الأنس ، قد طويت عنك ~~الأكوان ، وأبصرت نور الشهود والعيان ، وأنا اخترتك لحضرتي ، واصطفيتك ~~لمناجاتي ، فاستمع لما يوحى إليك مني ، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي ، ~~فإذا تمكنت من شهودي ، فانزل لمقام العبودية ؛ شكرا ، وأقم الصلاة لذكري ، ~~إن الساعة آتية لا محالة ، فأكرم مثواك ، وأجل منصبك ، وأرفعك مع المقربين ~~، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهل العناد والجحود ، فتسقط عن مقام القرب ~~والأنس ، وتصير في جوار أهل حجاب الحس ، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابن ~~الفارض ، حيث قال في كلام له : # جزء : 4 رقم الصفحة : 263 # آنست في الحي نارا # ليلا فبشرت أهلي # قلت امكثوا فلعلي # أجد هداي لعلي # دنوت منها فكانت # نار التكلم قبلي # نوديت منها كفاحا # ردوا ليالي وصلي # حتى إذا مال تدانى ال # ميقات في جمع شملي # صارت جبالي دكا # من هيبة المتجلي # ولاح سر خفي PageV04P386 ~~يدريه من كان مثلي # فالموت فيه حياتي ms1601 # وفي حياتي قتلي # وصرت موسى زماني # مذ صار بعضي كلي # 267 # قوله : " صارت جبالي دكا " أي : جبال وجوده ، فحصل الزوال من هيبة نور ~~المتجلي ، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها ، ~~فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها ، حياة لا موت بعدها. وقوله : " مذ صار بعضي ~~كلي " ، يعني : إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه ، ~~فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به ، وهو بحر المعاني المفني للأواني. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 263 PageV04P387 ~~قلت : {وما} : استفهامية ، مبتدأ ، و{تلك} : خبر ، أو بالعكس ، فما : خبر ، ~~وتلك : مبتدأ ، وهو أوفق بالجواب. و{بيمينك} : متعلق بالاستقرار ؛ حالا ، ~~أي : وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك ، والعامل معنى الإشارة. وقيل : {تلك} ~~: موصولة ، أي : وما التي هي بيمينك ، والاستفهام هنا : إيقاظ وتنبيه له ~~عليه السلام على مما سيبدو له من العجائب ، وتكرير النداء ؛ لزيادة التأنيس ~~والتنبيه. # يقول الحق جل جلاله : {وما تلك بيمينك يا موسى} ، إنما سأله ؛ ليريه عظيم ~~ما يفعل بها ؛ من قلبها حية ، فمعنى السؤال : تقريره على أنها عصي ، ليتبين ~~له الفرق بين حالها قبل قلبها وبعده ، وقيل : إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه ~~، فأجابه بقوله : {هي عصاي} ، نسبها لنفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه ، روي ~~أنها كانت عصا آدم عليه السلام ، فأعطاها له شعيب ، حين قدمه لرعي غنمه ، ~~على ما يأتي في سورة القصص. وكان في رأسها شعبتان ، وفي أسفلها سنان ، ~~واسمها نبعة ، في قول مقاتل. # {أتوكأ عليها} أي : أعتمد عليها إذا مشيت ، وعند الإعياء ، والوقوف على ~~رأس قطيع الغنم ، {وأهش} أي : أخبط {بها} الورق من الشجر ؛ ليسقط {على ~~غنمي} فتأكله. وقرئ بالسين ، وهو زجر الغنم ، تقول العرب : هس هس ، في ~~زجرها ، وعداه بعلى ؛ لتضمنه معنى الإقبال والتوجه. {ولي فيها مآرب أخرى} ~~أي : حاجات أخرى من هذا الباب. قال ابن عباس : كان موسى عليه السلام يحمل ~~عليها زاده وسقاءه ، فجعلت تأتيه وتحرسه ، ويضرب بها الأرض فتخرج ما يأكل ~~يومه ، ويركز بها فيخرج الماء ، فإذا رفعها ذهب ، وكان يرد بها عن غنمه ~~ونعمه ms1602 الهوام بإذن الله ، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه ، وإذا أراد ~~الاستسقاء من البئر أدلاها ، فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدول ~~فيستقي بها ، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل # 268 # فيستضيء بها ، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن تلك الشجرة ، وأورقت ~~وأثمرت. فهذه المآرب. PageV04P388 # جزء : 4 رقم الصفحة : 268 # وكأنه عليه السلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها ، وتفصيل ~~منافعها بطريق الاستقصاء ، فلذلك أطنب في كلامه ، فلما بدت منها خوارق ~~بديعة علم أنها آية باهرة ومعجزات قاهرة ، وأيضا : الإطناب في مناجاة ~~الأحباب محمود. # {قال} له تعالى : {ألقها يا موسى} لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك ، قيل ~~: إنما أمر بإلقائها ؛ قطعا للسكون إليها ، لما كان فيها من المآرب ، وبالغ ~~الحق تعالى في ذلك بقلبها حية ، حتى خاف منها ، وحين قطعه عنها ، وأخرجها ~~من قلبه ، بالفرار منها ردها إليه بقوله : {خذها ولا تخف} ؛ {فألقاها} على ~~الأرض {فإذا هي حية تسعى} ، روي أنه عليه السلام ألقاها فانقلبت حية صفراء ~~، في غلظ العصا ، ثم انتفخت وعظمت ، فلذلك شبهت بالجان تارة ، وبالثعبان ~~مرة أخرى ، وعبر عنها هنا بالاسم العام للحالين ، وقيل : انقلبت من أول ~~الأمر ثعبانا ، وهو أليق بالمقام ، كما يفصح عنه قوله عز وجل : {فإذا هي ~~ثعبان مبين} [الأعراف : 107] ، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي ، ~~لا في صغر الجثة. وقيل : الجان عبارة عن ابتداء حالها ، والثعبان عن ~~انتهائه. PageV04P389 # {قال} تعالى : {خذها} يا موسى ، {ولا تخف} ، قال ابن عباس رضي الله عنه : ~~انقلبت ثعبانا ذكرا ، يبتلع كل شيء من الصخر والشجر ، فلما رآه كذلك خاف ~~ونفر ، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع ، إذ لا ~~يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. {سنعيدها سيرتها الأولى} أي : ~~سنعيدها ، بعد الأخذ ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصا ، قيل : بلغ ~~عليه السلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها ، ~~ويأخذ بلحييها. فلما أخذها عادت عصا ، وحكمة قلبها وأخذها هنا ؛ ليكون معها ~~على ثقة ms1603 عند مخاصمة فرعون ، وطمأنينة من أمره ، فلا يعتريه شائبة دهش ولا ~~تزلزل. والسيرة : فعلة من السير ، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة ، ~~وانتصابها على نزع الخافض. # جزء : 4 رقم الصفحة : 268 # ثم أراه معجزة أخرى ، فقال : {واضمم يدك إلى جناحك} أي : أدخلها تحت عضدك ~~، فجناح الإنسان : جنباه ، مستعار من جناح الطير ، {تخرج بيضاء} : جواب ~~الأمر ، أي : إن أدخلتها تخرج بيضاء شعاعية ، {من غير سوء} أي : حال كونها ~~كائنة من غير عيب بها ؛ كبرص ونحوه. روي أنه عليه السلام كان آدم اللون ، ~~فأخرج يده من مدرعته بيضاء ، لها شعاع كشعاع الشمس ، تضيء حال كونها {آية ~~أخرى} أي : معجزة أخرى غير العصا ، {لنريك من آياتنا الكبرى} أي : فعلنا ما ~~فعلنا ، لنريك بعض أياتنا العظمى ، أو : لنريك الكبرى من آياتنا. قال ابن ~~عباس : " كانت يد موسى أكبر آياته ". والله تعالى أعلم. # 269 PageV04P390 ~~الإشارة : يقال للفقير : وما تلك بيمينك أيها الفقير ؟ فيقول : هي دنياي ~~أعتمد عليها في معاشي وقيام أموري ، وأنفق منها على عيالي ، ولي فيها حوائج ~~أخرى ؛ من الزينة والتصدق وفعل الخير ، فيقال له : ألقها من يدك أيها ~~الفقير ، واخرج عنها ، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها ، ~~فألقاها وخرج عنها ، فيلقيها ، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو ~~لا يشعر. فلما تمكن من اليقين ، وحصل على غاية التمكين ، قيل له : خذها ولا ~~تخف منها ، حيث رفضت الأسباب ، وعرفت مسبب الأسباب ، فاستوى عندك وجودها ~~وعدمها ، ومنعها وإعطاؤها ، سنعيدها سيرتها الأولى ، تأخذ منها مأربك ، ~~وتخدمك ولا تخدمها. يقول الله تعالى : " يا دنياي ، اخدمي من خدمني ، ~~وأتبعي من خدمك ". وأما قوله تعالى : في حديث آخر مرفوعا : " تمرري على ~~أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني " ، فالمراد بالمرارة : ما يصيبهم من ~~الأهوال والأمراض وتعب الأسفار ، وإيذاء الفجار وغير ذلك. وقد يلحقهم الفقر ~~الظاهر شرفا لهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " الفقر فخري وبه أفتخر " ، ~~أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه : الحديث ~~الأول : في الصالحين المتوجهين من ms1604 أهل الظاهر ، والثاني - يعني تمرري... ~~الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. ه. ويقال له أيضا - إن تجرد ~~وألقى الدنيا من يده وقلبه - : اضمم يد فكرتك إلى قلبك ، تخرج بيضاء ~~نورانية صافية ، لا تخليط فيها ولا نقص ، هي آية أخرى ، بعد آية التجريد ~~والصبر على مشاقه. # وقال في اللباب : اليد : يد الفكر ، والجيب : جيب الفهم ، وخروجها بيضاء ~~بالعرفان. ه. قال الورتجبي : أرى الله موسى من يده أكبر آية ، وذلك أنه ~~ألبس أنوار يد قدرته يد موسى ، فكان يد موسى يد قدرة الله ، من حيث التخلق ~~والاتصاف ، كما في حديث : " كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا " ه. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 268 # 270 PageV04P391 ~~قلت : {هارون} : مفعول أول ، و{وزيرا} : مفعول ثان ، قدم ؛ اعتناء بشأن ~~الوزارة ، و{لي} : صلة ، لا جعل ، أو متعلق بمحذوف ؛ حال من {وزيرا} ؛ لأنه ~~صفة له في الأصل. و{من أهلي} : إما صفة وزيرا ، أو صلة لا جعل ، وقيل : إن ~~{لي وزيرا} : مفعولا اجعل ، و{هارون} : عطف بيان لوزير. و{أخي} في الوجهين ~~: بدل من هارون ، أو عطف بيان آخر. # يقول الحق جل جلاله : لنبيه موسى عليه السلام : {اذهب إلى فرعون} بما ~~رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي ، وحذره من نقمتي ، {إنه ~~طغى} أي : جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر ، حتى تجاسر على دعوى ~~الربوبية. {قال} موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل : {رب اشرح لي صدري} ~~أي : وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة ، {ويسر لي أمري} أي : سهله حتى ~~لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية ، كأن سائلا قال : فماذا ~~قال عليه السلام ، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير ؟ فقيل : قال ~~رب اشرح لي صدري... الخ. # كأنه ، لما أمر بهذا الخطاب الجليل ، تضرع إلى ربه الجليل ، وأظهر عجزه ~~وضعفه ، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره ، ويفسح قلبه ، ويجعله عليما بشؤون ~~الناس وأحوالهم ، حليما صفوحا عنهم ، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد ~~والمكاره ، بجميل الصبر وحسن الثبات ، فيلقاها بصدر فسيح ، وجأش رابط ، وأن ~~يسهل ms1605 عليه مع ذلك أمره ، الذي هو أجل الأمور وأعظمها ، وأصعب الخطوب ~~وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة {لي} ، مع انتظام ~~الكلام بدونها ، تأكيد لطلب الشرح والتيسير ؛ بإبهام المشروح والميسر أولا ~~، ثم تفسيرهما ثانيا ، وفي تقديمهما وتكريرهما : إظهار مزيد اعتناء بشأن كل ~~من المطلوبين ، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. PageV04P392 # ثم قال : {واحلل} أي : امشط وافسح {عقدة من لساني} ، روي أنه كان في لسانه ~~رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم ، ~~فلطمه ونتف لحيته ، فقال فرعون لآسية امرأته : هذا عدو لي ، فقالت آسية : ~~على رسلك ، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت ، ثم جاءت بطستين في أحدهما ~~الجمر ، وفي الآخر الياقوت ، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار ، حتى ~~رفع جمرة ووضعها على لسانه ، فبقيت له رتة في لسانه ، واختلف في زوال ~~العقدة بكمالها ؛ فمن قال به تمسك بقوله تعالى : {قال قد أوتيت سؤلك يا ~~موسى} ، ومن لم يقل به احتج بقول : {هو أفصح مني لسانا} [القصص : 34] ، ~~وقوله تعالى : {ولا يكاد يبين} [الزخرف : 52]. # جزء : 4 رقم الصفحة : 270 # وأجاب عن الأول : بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية ، بل حل عقدة تمنع ~~الإفهام ، فخفف بعضها لدعائه ، لا جميعها ، ولذلك نكرها ووصفها بقوله : {من لساني} # 271 PageV04P393 ~~أي : عقدة كائنة من عقد لساني ، {يفقهوا قولي} أي : إن تحلل عقدة لساني ~~يفقهوا قولي. {واجعل لي وزيرا} أي : معينا ومقويا {من أهلي هارون أخي} ؛ ~~ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. {أشدد به أزري} أي : ق به ~~ظهري ، {وأشركه في أمري} ؛ واجعله شريكا لي في أمر الرسالة ، حتى نتعاون ~~على أدائها كما ينبغي ، {كي نسبحك كثيرا} ، هو غاية للأدعية الثلاثة ~~الأخيرة ، من قوله : {واجعل لي وزيرا...} الخ ، ولا شك أن الاجتماع على ~~العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث : " يد الله مع ~~الجماعة " ، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر : والجمع في الصلاة ؛ ~~ليقوى الضعيف بالقوي ، والكسلان بالنشيط ، وقيل : المراد بكثرة التسبيح ~~والذكر ms1606 ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة ، لأنه هو ~~الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد ، فإن كلا منهما يصدر منه ، بتأييد ~~الآخر ، من إظهار الحق ، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. # و{كثيرا} : وصف لمصدر أو زمن محذوف ، أي : ننزهك عما لا يليق بجلالك ~~وجمالك ، تنزيها كثيرا ، أو زمنا كثيرا ، ومن جملة ذلك : ما يدعيه فرعون ~~الطاغية ، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. {ونذكرك} ~~؛ بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال ، ذكرا {كثيرا إنك كنت بنا بصيرا} ~~أي : عالما بأحوالنا ، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا ~~من أداء الرسالة ، و{بنا} : متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. PageV04P394 # الإشارة : فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين ، وألقيت عصاك بوادي البين ، ~~فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك ، إنه طغى عليك ، حيث حجبك عن شعود ربك ، ~~فلا حجاب بينك وبين ربك ، إلا حجاب نفسك ، ووقوفك مع شهود حسك ، فهو أكبر ~~الفراعين في حقك ، فاهدم وجوده ، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده ، وذلك ~~بالغيبة عنه في شهود مولاه ، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك ، وقل : ~~اللهم اشرح لي صدري ، ووسعه لمعرفتك ، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك ~~، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني ، حتى لا أعقد إلا على محبتك ، ولا ~~أتكلم إلا بذكرك وشكرك ، كما قال الشاعر : # فإن تكلمت لم أنطق بغيركم # وإن صمت فأنتم عقد إضماري # جزء : 4 رقم الصفحة : 270 # واجعل لي وزيرا من أهلي ، وهو شيخي ، اشدد به أزري ، وأشركه في أمري ، ~~حتى يتوجه بكلية همته إلى سري ، كي ننزهك تنزيها كثيرا ، بحيث لا نرى معك غيرك ، # 272 PageV04P395 ~~ونذكرك كثيرا ، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر ، إنك كنت ~~بنا بصيرا. قال الورتجبي : قوله تعالى : {اذهب إلى فرعون...} الخ ، لما علم ~~موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء ، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة ، ~~سأل من الحق شرح الصدر ، وإطلاق اللسان ، وتيسير الأمر ، ليطيق احتمال صحبة ~~الأضداد ومكابدتهم. ثم قال ms1607 : فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله : {رب ~~اشرح لي صدري} ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله ، وحق الله في ~~العبودية مقام امتحان ، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل ، فخاف من ذلك ، ~~وسأل شرح الصدر ، أي : إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة ، ~~اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة ، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى ~~سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه ، كيف أخبر عن ذلك الغين ، وشكى من ~~صحبة الأضداد في أداء الرسالة ، بقوله : " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله ~~في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال ، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار ، ~~فتأمله. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 270 # قلت : {مرة} : منصوب على الظرفية الزمانية ، وأصله : فعلة ، من المرور ، ~~اسم للمرور الواحد ، ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد أمثاله ، ويقرب منها ~~الكرة والرجعة. و{إذ} : ظرف لمننا ، و{أن اقذفيه} : مفسرة ، أو مصدرية ، ~~و{يأخذه} : جواب " أن اقذفيه ". و{لتصنع} : متعلق بألقيت ، عطف على علة ~~مضمرة ، أي : ليتعطف عليك ولتربى على حفظي ورعايتي. و{إذ تمشي} : ظرف ~~{لتصنع} على أن المراد وقت مشيها إلى بيت فرعون ، وما يترتب عليه من القول ~~والرجع إلى أمه. PageV04P396 # يقول الحق جل جلاله : {قال} الله تعالى لموسى عليه السلام : {قد أوتيت ~~سؤلك} أي : أعطيت مسؤولك ، وبلغنا لك مأمولك في كل ما طبلت منا. والإيتاء ، ~~هنا ، عبارة عن تعلق الإرادة بوقوع تلك المطالب وحصولها ، وإن كان وقوع ~~بعضها مستقبلا ، ولذلك قال : {سنشد عضدك بأخيك} [القصص : 35] ، وإعادة ~~النداء في قوله : {يا موسى} تشريفا له بتوجيه الخطاب بعد تشريفه بإجابة ~~المطلب. # 273 # ثم ذكره بنعمة أخرى قد سلفت ، فقال : {ولقد مننا عليك مرة أخرى} قبل أن ~~يكون منك لنا طلب ، فكيف لا نجيبك بعد الطلب ؟ وتلك المنة : {إذ أوحينا إلى ~~أمك} حين تحيرت في أمرك ، وخافت عليك من عدوك ، فأوحينا إليها وحي منام أو ~~إلهام أو بملك كريم - عليهما السلام - فقلنا لها : {أن اقذفيه في التابوت} ~~أي : ضعيه فيه ، وأغلقي عليه حتى لا ms1608 يصل الماء عليه ، {فاقذفيه في اليم} أي ~~: ألقيه في البحر بتابوته ، {فليلقه اليم بالساحل} أي : فسيرميه البحر ~~بالساحل ، ولما كان إلقاء البحر له بالساحل أمرا واجب الوقوع ؛ لتعلق ~~الإرادة الربانية به ، جعل البحر كأنه مأمور بإلقائه ، ذو تمييز ، مطيع ، ~~فإن يلقه {يأخذه عدو لي وعدو له} وهو فرعون. ولا تخافي عليه ؛ {إنا رآدوه ~~إليك وجاعلوه من المرسلين} [القصص : 7]. وتكرير عداوته والتصريح بها ؛ ~~للإشعار بأن عداوته له ، مع تحققها ، لا تضره ، بل تؤدي إلى محبته ، لأن ~~الأمر بما فيه الهلاك ؛ من القذف في البحر ، ووقوعه في يد العدو ، مشعر بأن ~~هناك ألطافا خفية ، ومننا كامنة مندرجة تحت قهر صوري. # جزء : 4 رقم الصفحة : 273 PageV04P397 ~~وليس المراد بالساحل نفس الشاطئ ، بل ما يقابل الوسط ، وهو ما يلي الساحل ~~من البحر ، حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون ، لما روي أنها جعلت في التابوت ~~قطنا محلوجا ، ووضعته فيه ، ثم قيرته وألقته في اليم. وقيل : كان التابوت ~~من البردى ، صنعته أمه. وقال مقاتل : صنعه لها رجل مؤمن اسمه " حزقيل " ، ~~ثم طلته بالقار - أي : الزفت - وألقته في اليم ، وكان يشرع منه إلى بستان ~~فرعون نهر كبير ، فدفعه الماء إليه ، فأتى به إلى بركة في البستان ، وكان ~~فرعون جالسا ثم مع آسية بنة مزاحم ، فأمر به فأخرج ، فإذا فيه صبي أصبح ~~الناس وجها ، فأحبه فرعون حبا شديدا لا يكاد يتمالك الصبر عنه ، وذلك قوله ~~تعالى : {وألقيت عليك محبة مني} ، قال ابن عباس : " أحبه وحببه إلى خلقه ". ~~وقال قتادة : " ملاحة كانت في عيني موسى ، ما رآه أحد إلا عشقه " ، أي : ~~وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة مني ، قد زرعت في القلوب ، بحيث لا يكاد يصبر ~~عنك من رآك ، ولذلك أحبك عدو الله وأهله ، وذلك ليتعطف عليك. # {ولتصنع على عيني} أي : ولتربى بالحنو والشفقة ، وتغذى بمرأى مني ، ~~مصحوبا برعايتي وحفظي ، في أحسن تربية ونشأة. وكان ابتداء ذلك : {إذ تمشي ~~أختك} تتبع تابوتك ، فلما أخرجت التمسوا لك المراضع ، {فتقول} لفرعون وآسية ~~، حين رأتهما يطلبان له مرضعة يقبل ثديها ، وكان لا يقبل ms1609 ثديا. وصيغة ~~المضارع في الفعلين ؛ لحكاية الحال الماضية ، والأصل : إذ مشت فقالت : {هل ~~أدلكم على من يكفله} ؟ يضمه إلى نفسه ويربيه ، وذلك إنما يكون بقبول ثديها. ~~روي أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون # 274 # أخذوا غلاما في النيل لا يرتضي ثدي امرأة ، واضطروا إلى تتبع النساء ، ~~فخرجت أخته مريم لتتعرف خبره ، فجاءت متنكرة ، فقالت ما قالت ، وقالوا : ~~نعم ، فجاءت بأمه فقبل ثديها. PageV04P398 # قال تعالى : {فرجعناك إلى أمك} ؛ وفاء بعهدنا ، {كي تقر عينها} بلقائك ، ~~{ولا تحزن} أي : ولا يطرأ عليها حزن بفراقك بعد ذلك ، {وقتلت} بعد ذلك ~~{نفسا} ، وهي نفس القبطي الذي استغاثه الإسرائيلي عليه. قال كعب : كان إذ ~~ذاك ابن ثنتي عشرة سنة ، {فنجيناك من الغم} أي : غم قتله ، خوفا من عقاب ~~الله تعالى بالمغفرة ، ومن اقتصاص فرعون ، بوحينا إليك بالمهاجرة ، {وفتناك ~~فتونا} أي : ابتليناك ابتلاء عظيما ، وخلصناك مرة بعد أخرى ، حتى صلحت ~~للنبوة والرسالة ، وهو تحمل ما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ، ومفارقة ~~الأحباب ، والمشي راجلا ، وفقد الزاد ، بعد ما خلصه من الذبح ، ثم من البحر ~~، ثم من القصاص بالقتل. وسئل عنها ابن عباس ، فقال : خلصناك من محنة بعد ~~محنة ، ولد في عام كان يقتل فيه الغلمان ، فهذه فتنة ، وألقته أمه في البحر ~~، وهم فرعون بقتله ، وقتل قبطيا ، وأجر نفسه عشر سنين ، وضل الطريق ، ~~وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة ، فكل واحدة من هذه فتنة. ه. لكن الذي يقتضيه ~~النظم الكريم أن لا تعد إجارته نفسه وما بعدها من الفتون ؛ لأن المراد : ما ~~وقع له قبل وصوله إلى مدين ، بدليل قوله تعالى : {فلبثت سنين في أهل مدين} ~~، إذ لا ريب أن الإجارة وما بعدها كانت بعد وصوله إلى مدين ، أي : لبثت عشر ~~سنين في أهل مدين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 273 # وقال وهب : لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة ، عشرا منها في مهر امرأته ~~صفراء بنت شعيب ، وثماني عشرة أقام عنده حتى ولد له. وأشار باللبث في مدين ~~، دون الوصول إليها ، إلى ما أصابه في تضاعيفها ، من ms1610 فنون الشدائد والمكاره ~~، التي كل واحد منها فتنة. و" مدين " : بلدة شعيب عليه السلام ، على ثماني ~~مراحل من مصر ، ولم تبلغها مملكة فرعون ، خوفا على نفسه من هيبة النبوة أو ~~يصيبه ما أصاب من خالفه. PageV04P399 # {ثم جئت} إلى المكان الذي آنست فيه النار ، ورأيت فيه الخوارق ، وخصصت فيه ~~بالرسالة ، {على قدر} قدرته لك في الأزل ، ووقت عينته لك ، لأكلمك وأرسلك ~~فيه إلى فرعون ، فما جئت إلا على ذلك القدر ، غير متقدم ولا متأخر ، وقيل : ~~على مقدار من الزمان ، يوحى فيه إلى الأنبياء ، وهو رأس أربعين سنة. ~~{واصطنعتك لنفسي} أي : اختصصتك بالرسالة والمحبة والمناجاة ، وهو تذكير ~~لقوله : {وأنا اخترتك} ، وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه ~~، حسبما طلب ، بعد تذكيره المنن السالفة ، زيادة في وثوقه عليه السلام ~~بحصول نظائرهم اللاحقة ، والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى : ~~{وفتناك} إلى تاء المتكلم ؛ لمناسبتها للنفس ؛ فإنها أدخل في تحقيق ~~الاصطناع والاستخلاص. والله تعالى أعلم. # 275 PageV04P400 ~~الإشارة : قال قد أوتيت سؤلك أيها الفقير ، حيث وصلناك إلى من يأخذ بيدك ، ~~ويرشدك إلى ربك ويربيك. ولقد مننا عليك مرة أخرى ، حيث أنشأناك بين أبوين ~~مسلمين ، فقذفناك في تابوت الإسلام ، ثم في نهر الإيمان ، ثم رميناك في بحر ~~العرفان ، وألقينا عليك محبة منا ، فأحببناك وأحببتنا ، وألقينا محبتك في ~~قلوب عبادنا ، فتربيت في حفظنا ورعايتنا ، فلما فارقت الأوطان وهجرت ~~الإخوان ، في طلب تحقيق العرفان ، رددناك إليهم بعد التمكين ، لتنهضهم إلى ~~الله ، فتقر أعينهم بطاعة رب العالمين ، وقتلت نفسا كانت تحجبك عن ربك ، ~~فنجيناك من غم الحجاب ، وأخرجناك من سجن الأكوان ، إلى فضاء الشهود والعيان ~~، وفتناك بمجاهدة نفسك فتونا عظاما ، فتنة الفقر ، ثم فتنة الذل ، ثم فتنة ~~هجر الأوطان ، حتى تخلصت من حبس الأكوان ، وجئت إلينا على قدر قدرناه لك ، ~~ووقت عيناه لفتحك ، فاصطنعتك لنفسي ، واجتبيتك لحضرتي بسابق عنايتي ، من ~~غير حول منك ولا قوة ، فعنايتنا فيك سابقة ، فأين كنت حين واجهتك عنايتنا ، ~~وقابلتك رعايتنا ؟ لم يكن في أزلنا إخلاص أعمال ، ولا وجود أحوال ، بل لم ~~يكن ms1611 هناك إلا محض الإفضال ووجود النوال ، كما في الحكم. وأنشدوا : # جزء : 4 رقم الصفحة : 273 # فلا عمل مني إليك اكتسبته # سوى محض فضل لا بشئ يعلل # وقال آخر : # قد كنت أحسب أن وصلك يشترى # بنفائس الأموال والأرباح # وظننت جهلا أن حبك هين # تفنى عليه كرائم الأرواح # حتى رأيتك تجتبي وتخص من # تختاره بلطائف الإمناح # فعلمت أنك لا تنال بحيلة # فلويت رأسي تحت طي جناح # وجعلت في عش الغرام إقامتي # أبدا وفيه توطني ورواح # جزء : 4 رقم الصفحة : 273 PageV04P401 ~~يقول الحق جل جلاله : لسيدنا موسى عليه السلام : {اذهب أنت وأخوك} أي : ~~ليذهب معك أخوك {بآياتي} : بمعجزاتي التي أريتكها ، من اليد والعصا ، ~~فإنهما وإن # 276 # كانتا اثنتين ، لكن في كل واحدة منهما آيات ، فإن في انقلاب العصا حيوانا ~~: آية ، وكونها ثعبانا عظيما : آية ، وسرعة حركته ، مع عظم جرمه : آية ، ~~وكذلك اليد ؛ فإن بياضها في نفسه آية ، وشعاعها آية ، ثم رجوعها إلى حالتها ~~الأولى آية. والباء للمصاحبة ، أي : اذهبا مصحوبين بمعجزاتنا ، مستمسكين ~~بها ، {ولا تنيا} : لا تفترا ولا تقصرا {في ذكري} عند تبليغ رسالتي ، ولا ~~يشغلكما معاناة التبليغ عن ذكري ، بما يليق بحالكما ؛ من ذكر لسان أو تفكر ~~أو شهود ، فلا تغيبا عن مشاهدتي باشتغالكما بأمري ، حتى لا تكونا فاترين في عيني. # {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} : تجبر وعلا. ولم يكن هارون حاضرا وقت هذا ~~الوحي ، وإنما جمعهما ؛ تغليبا. روي أنه أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى ~~موسى - عليهما السلام - ، وقيل : سمع بإقباله فتلقاه. # {فقولا له قولا لينا} ؛ لأن تليين القول مما يكسر ثورة عناد العتاة ، ~~ويلين عريكة الطغاة. قال ابن عباس : أي : لا تعنفا في قولكما. وقيل : القول ~~اللين : {هل لك إلى أن تزكى...} الخ ، ويعارضه قوله بعد : {فقولا إنا رسولا ~~ربك} وقيل : كنياه ، وكان له ثلاثة كنى : أبو العباس ، وأبو الوليد ، وأبو ~~مرة. وقيل : عداه على قبول الإيمان شبابا لا يهرم ، وملكا لا ينزع منه إلا ~~بالموت ، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى الموت ، وقيل : ~~اللطافة في القول ؛ فإنه ms1612 رباك وأحسن تربيتك ، وله عليك حق الأبوة ، {لعله ~~يتذكر} بما بلغتماه من ذكر ، ويرغب فيما رغبتماه فيه ، {أو يخشى} عقابي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 276 PageV04P402 ~~ومحل الجملة : النصب على الحال من ضمير التثنية ، أي : فقولا له قولا لينا ~~، راجيين تذكرته ، أي : باشرا وعظه مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر علمه ولا ~~يخيب سعيه. وفائدة هذا الإبهام : الحث على المبالغة في وعظه. هذا جواب ~~سيبويه عن الإشكال ، وهو أنه تعالى علم أنه لا يؤمن ، وقال : {لعله يتذكر} ~~، فصرف الرجاء إلى موسى وهارون ، أي : اذهبا على رجائكما. وقال الوراق : قد ~~تذكر حين ألجمه الغرق. وقال الزجاج : خاطبهم بما يعقلون. قلت : كونه تعالى ~~علم أنه لا يؤمن هو من أسرار القدر الذي لا يكشف في هذه الدار ، وهو من ~~أسرار الحقيقة ، وإنما بعثت الرسل بإظهار الشرائع ، فخاطبهم الحق تعالى بما ~~يناسب التبليغ في عالم الحكمة ، والله تعالى أعلم. وجدوى إرسالهما إليه ، ~~مع العلم بإحالته ، إلزام الحجة وقطع المعذرة. # {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا} أي : يعجل علينا بالعقوبة ، ولا ~~يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. وهو من " فرط " إذا تقدم ، ومنه : ~~الفارط ، للوليد الذي مات صغيرا. وقرئ بضم الياء ، من " أفرط " إذا حمله ~~على العجلة ، أي : نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار والخوف على الملك أو ~~غيرهما ، على المعاجلة والعقاب ، # 277 # {أو أن يطغى} ؛ يزداد طغيانا ، كأن يقول في شأنك ما لا ينبغي ، لكمال ~~جرأته وقساوته ، وإظهار " أن " ؛ لإظهار كمال الاعتناء بالأمر ، والإشعار ~~بتحقيق الخوف من كل منهما ، وهذا القول يحتمل أن يكون قاله موسى ودخل هارون ~~بالتبع ، إيذانا بأصالة موسى عليه السلام في كل قول وفعل ، وتبعية هارون ~~عليه السلام ، أو يكون هارون قال ذلك بعد تلاقيهما ، فحكى الله قولهما عند ~~نزول الآية ، كما في قوله تعالى : {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات} ~~[المؤمنون : 51] ، فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع ، مع أن كلا من ~~المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد ؛ لاستحالة جمعهم في الوجود ، فكيف ~~باجتماعهم في الخطاب ؟ PageV04P403 # {قال} تعالى ms1613 لهما : {لا تخافا} ، وهو استئناف بياني ، كأن قائلا قال : ~~فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه ؟ فقيل : قال : لا تخافا ما توهمتما ~~من الأمرين ، {إنني معكما} بحفظي ورعايتي ونصري ومعونتي ، {أسمع وأرى} ما ~~يجري بينكما وبينه من قول وفعل ، فأفعل في كل حال ما يليق بها ؛ من دفع ضر ~~وشر ، وجلب نفع وخير. # {فأتياه} ، أمر بإتيانه ، الذي هو عبارة عن الوصول إليه ، بعد ما أمر ~~بالذهاب إليه ، فلا تكرار ، {فقولا} له : {إنا لاسولا ربك} إليك ، أمر بذلك ~~من أول الأمر ، ليعرف الطاغية شأنهما ، ويبني جوابه على ذلك ، {فأرسل معنا ~~بني إسرائيل} أي : أطلقهم من الأسر والقهر ، وأخرجهم من تحت يدك العادية. ~~وليس المراد إرسالهم معه إلى الشام ، بدليل قوله : {ولا تعذبهم} بإبقائهم ~~على ما كانوا عليه من العذاب ، فإنهم كانوا تحت مملكة القبط ، يستخدمونهم ~~في الأعمال الصعبة ، من الحفر ونقل الأحجار ، وضرب اللبن والطين ، وبناء ~~المدائن ، وغير ذلك من الأعمال الشاقة ، ويقتلون ذكور أولادهم عاما دون عام ~~، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وحده ، وتسريح بني إسرائيل. ~~روي أنه لما رغبه في الإيمان بذكر ما أعد الله لأهله من الخلود في الجنة ~~ولملك الدائم ، أعجبه ، فقال : حتى أستشير هامان ، وكان غائبا ، فقدم ، ~~فأخبره ، فقال هامان : قد كنت أرى لك عقلا ، بينما أنت رب تصير مربوبا ، ~~وبينما أنت تعبد تصير تعبد غيرك ، فغلبه على رأيه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 276 # فقال له موسى : {قد جئناك بآية من ربك} ، قال فرعون : وما هي ؟ فأدخل يده ~~في جيب قميصه ثم أخرجها بيضاء ، لها شعاع كشعاع الشمس ، فعجب منها ، ولم ~~يره العصا إلا بعد ذلك ، يوم الزينة. قاله الثعلبي. قلت : والذي يظهر من ~~سورة الشعراء - بل هو صريح فيها - أنه أراه العصا واليد. وإنما أفردت في ~~اللفظ ، هنا ؛ لأن المراد # 278 PageV04P404 ~~إثبات الحجة بصحة الرسالة ، لا تعدد الآية ، وكذلك قوله تعالى : {قد جئتكم ~~بآية من ربكم} [آل عمران : 49] ، {أولو جئتك بشيء مبين} [الشعراء : 30] ، ~~وأما قوله تعالى : {فأت بهآ إن كنت من الصادقين} [الأعراف ms1614 : 106] ؛ فالظاهر ~~أن المراد بها آية من الآيات. # ثم قال له : {والسلام على من اتبع الهدى} أي : وسلام الله وملائكته ~~والمؤمنين المقتضي سلامة الدارين ، على من اتبع الهدى ، بتصديق آيات الله ~~تعالى الهادية إلى الحق ، دون من اتبع الغي والهوى ، وفيه من الترغيب ، في ~~اتباعها على ألطف وجه ، ما لا يخفى. {إنا قد أوحي إلينا} من جهة ربنا ، {أن ~~العذاب} الدنيوي والأخروي {على من كذب} بآيات الله {وتولى} أي : أعرض عن ~~قبولها ، وفيه من التلطف في الوعيد حيث لم يصرح بحلول العذاب به ما لا مزيد ~~عليه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ينبغي لأهل العلم ولأهل الوعظ والتذكير أن يتعاونوا على نشر ~~العلم ووعظ العباد ، ويتوجهوا إليهم في أقطار البلاد ، فإن ذلك فرض كفاية ~~على أهل العلم ، ولا يشغلهم نشر العلم عن ذكر الله ، ولا تذكير العباد عن ~~شهود الله ، كما قال الله تعالى : {ولا تنيا في ذكري} أي : ولا تغفلا عن ~~شهودي وقت إرشاد عبادي ، فإن توجهوا إلى الجبابرة والفراعنة فليلينوا لهم ~~المقال ، وليدعوهم إلى أسهل الخلال ، فإن ذلك أدعى إلى الامتثال ، خلافا ~~لمن قال هذه ملة موسوية ، وأما الملة المحمدية فقال تعالى فيها : {وقل الحق ~~من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر} [الكهف : 29] ؛ فإن بيان الحق لا ~~ينافي أن يكون بملاطفة وإحسان ، فإن خاف الواعظ من صولة المتجبر فإن الله ~~معه ، يحفظه ويرعاه ، ويسمعه ويراه ، فإن لم يسمع لقوله ولم يتعظ لوعظه ، ~~فقد بلغ ما عليه ، وليقل بلسان الحال أو المقال : (والسلام على من اتبع ~~الهدى). وبالله التوفيق. PageV04P405 # جزء : 4 رقم الصفحة : 276 # قلت : {خلقه} : يحتمل أن يكون اسما بمعنى المخلوق ، فيكون مفعولا أولا ، ~~و{كل شيء} : مفعولا ثانيا ، أو يكون مصدرا بمعنى الخلقة ، فيكون مفعولا ~~ثانيا ، أي : أعطى كل شيء خلقته وصورته التي هو عليها. # 279 # يقول الحق جل جلاله : {قال} فرعون في جواب موسى ، لما أتاه مع أخيه وبلغا ~~الرسالة ، وقالا له ما أمرهما به ربهما ، وإنما حذفه للإيجاز ، وللإشعار ~~بأنهما لما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال من ms1615 غير تلعثم ، أو بأن ذلك من ~~الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به ، فقال لهما فرعون : {فمن ربكما يا ~~موسى} ؟ لم يضف الرب إلى نفسه ؛ لغاية عتوه وطغيانه ، بل أضافه إليهما ، ~~وفي الشعراء : {وما رب العالمين} [الشعراء : 23] ، والجمع بينهما تعدد ~~الدعوة ، ففي كل مرة حكى لنا ما قال. وتخصيص النداء بموسى ، مع توجيه ~~الخطاب إليهما ؛ لأنه الأصل في الرسالة ، وهارون وزيره. # {قال} موسى عليه السلام مجيبا له : {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه} أي : ~~ربنا هو الذي أعطى كل شيء خلقه ، أي : مخلوقاته ؛ مما يحتاجون إليه ~~ويرتفقون به في قوام أبدانهم ومعايشهم ، أو أعطى كل شيء خلقته وصورته التي ~~يختص بها ، ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم ، ولا خلق البهائم في خلق ~~الإنسان. ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. أو أعطى كل شيء فعله وتصرفه ، ~~فاليد للبطش ، والرجل للمشي ، واللسان للنطق ، والعين للنظر ، والأذن للسمع ~~، أو أعطى كل شيء شكله من جنسه ، للإنسان زوجة ، وللبعير ناقة ، وللفرس ~~رمكة ، وللحمار أتانا. {ثم هدى} إلى طريق الانتفاع والارتقاء ، بما أعطاه ~~وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله ، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع ، ~~وطلب الرعي وتوفي المهالك ، وكيف يأتي الذكر الأنثى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 279 PageV04P406 ~~ولما كان الخلق - الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام - مقدما ~~على الهداية ، التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك ~~الأجسام ، عطف بثم المفيدة للتراخي. ولقد ساق عليه السلام جوابه على نمط ~~رائق ، وأسلوب لائق ؛ حيث بين أنه تعالى عالم قادر بالذات ، خالق لجميع ~~الكائنات ، منعم عليهم بجميع النعم السابغات ، هاد لهم إلى طرق المرتفقات. # {قال} فرعون : {فما بال القرون الأولى} أي : ما حالها بعد الموت ، وما ~~فعل الله بها ؟ فقال له موسى : هذا غيب لا يعلمه إلا الله ، وهو معنى قوله ~~: {علمها عند ربي} ، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية ، وماذا جرى ~~عليهم من الحوادث المفصلة ؟ فأجابه عليه السلام بأن العلم بأحوالهم مفصلة ~~مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة ، وإنما علمها ms1616 عند الله عز وجل. وكأن عدو ~~الله ، لما خاف أن يبهت ، ويفتضح ، ويظهر للناس حجة موسى عليه السلام ، ~~أراد أن يصرفه عليه السلام إلى ما لا يعني ، من ذكر الحكايات التي لا مسيس ~~لها بمنصب الرسالة ؛ فلذلك أعرض عنه ، و{قال علمها عند ربي} ، وهذا أحسن من ~~الأول ؛ لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له : من ~~اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم ، ومن تولى فقد عذب وتألم ، حسبما # 280 # نطق به قوله تعالى : {والسلام على من اتبع الهدى}. وقيل : فما بالها لم ~~تبعث كما يزعم موسى ، أو : ما بالها لم تكن على دينك ، أو : ما بالها كذبت ~~ولم يصبها عذاب ، وكلها بعيدة. PageV04P407 # قلت : والذي يظهر أن الطاغية فهم قوله تعالى : {ثم هدى} أي : إلى الإيمان ، ~~فاعترض بقوله : فما بال القرون الأولى لم تؤمن حتى هلكت ؟ فأجابه موسى عليه ~~السلام بقوله : {علمها عند ربي} ، فهو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بمن ~~اهتدى. وقوله : {في كتاب} أي : اللوح المحفوظ ، فقد أثبتت فيه بتفاصيلها ، ~~ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن تمكنه وتقريره في علم الله - عز وجل - تمكن من ~~استحفظ الشيء ، وقيده بالكتابة ، كما يلوح به قوله تعالى : {لا يضل ربي} أي ~~: لا يخطئ ابتداء ، {ولا ينسى} فيتذكر. وفيه تنبيه على أن كتابته في اللوح ~~المحفوظ ليس لحاجته إليه في العلم به ابتداء أو بقاءا. وإظهار {ربي} في ~~موضع الإضمار ، للتلذذ بذكره ، وللإشعار بعلية الحكم ؛ فإن الربوبية مما ~~تقتضي عدم الضلال والنسيان. # ولقد أجاب عليه السلام عن السؤال بجواب عبقري بديع ، حيث كشف عن حقيقة ~~الحق حجابها ، مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى ، ووصف ~~الحق تعالى بأوصاف لا يمكن عدو الله أن يتصف بشيء منها ، لا حقيقة ولا ~~مجازا ، ولو قال له : هو الخالق الرازق ، وشبه ذلك ، لأمكن أن يغالط ويدعي ~~ذلك لنفسه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 279 PageV04P408 ~~ثم تخلص إليه ؛ حيث قال : بطريق الحكاية عن الله عز وجل ، أو من كلامه ms1617 عليه ~~السلام : {الذي جعل لكم الأرض مهادا} أي : كالمهد تتمهدونها بالسكن والقرار ~~، أي : جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم. {وسلك لكم فيها سبلا} أي : ~~طرقا تتوصلون بها من قطر إلى قطر ، لتقضوا منها مآربكم ، وتنتفعوا بمرافقها ~~ومنافعها ، ووسطها بين الجبال والأودية لتعرف أمارات سبلها. {وأنزل من ~~السماء ماء} هو المطر ، {فأخرجنا به} ، يحتمل أن يكون من كلام الله ، وما ~~قبله من كلام موسى ، أو كله من كلام الله تعالى ، حكاه موسى عليه السلام ، ~~وإنما التفت إلى التكلم ؛ للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال ~~القدرة والحكمة ، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن ، أي ~~: فأخرجنا بذلك الماء {أزواجا} : أصنافا ، سميت أزواجا ؛ لازدواجها ، ~~واقتران بعضها ببعض ، كائنة {من نبات شتى} : متفرقة ، جمع شتيت : أي : ~~متفرق ، وهو ، في الأصل ، مصدر ، يستوي فيه الواحد والجمع ، يعني : أنها ~~مختلفة في الشكل واللون والطعم والرائحة والنفع ، وبعضها صالح للناس على ~~اختلاف صلاحها لهم ، وبعضها للبهائم. ومن تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده ~~، لما كان تحصيلها بعمل الأنعام ، جعل علفها مما يفضل عن حاجتهم ، ولا يليق ~~بكونه طعاما لهم ، وهو معنى قوله : {كلوا # 281 # وارعوا أنعامكم} ، والجملة : حال ، على إرادة القول ، أي : أخرجنا منها ~~أصناف النبات ، قائلين : كلوا وارعوا أنعامكم ، آذنين في ذلك لكم. PageV04P409 # {إن في ذلك} المذكور ، من شؤونه تعالى ، وأفعاله وأنعامه ، {لآيات} جليلة ~~واضحة الدلالة على عظيم شأنه تعالى ، في ذاته وصفاته وأفعاله ، وعلى صحة ~~نبوة موسى وهارون - عليهما السلام- ، {لأولي النهى} أي : العقول الصافية ، ~~جمع " نهية " ، سمى بها العقل ، لنهيه عن اتباع الباطل ، وارتكاب القبيح ، ~~أي : لذوي العقول الناهية عن الأباطيل ، التي من جملتها ما يدعيه الطاغية ~~وما يقبله منه الفئة الباغية. وتخصيص كونها آيات لهم ، مع أنها آية ~~للعالمين ؛ لأنهم المنتفعون بها. # {منها خلقناكم} أي : من الأرض الممهدة لكم ، خلقناكم بخلق أبيكم آدم عليه ~~السلام ، وأنتم في ضمنه ، إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه عليه السلام ، ~~بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس ms1618 ، انطواء إجماليا ، فكان ~~خلقه عليه السلام منها خلقا لكل منها ، وقيل : خلقت أبدانكم من النطفة ~~المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض. وقال عطاء : إن الملك الموكل ~~بالرحم ينطلق ، فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه العبد ، فيذره على ~~النطفة ، فتخلق من التراب ومن النطفة. ه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 279 # وفيها نعيدكم} بالإماتة وتفريق الأجزاء ، والكلام على الأشباح دون ~~الأرواح ، فإنها ، بعد السؤال ، تصعد إلى السماء ، كما يأتي عند قوله تعالى ~~: {فأمآ إن كان من المقربين} [الواقعة : 88] الآية. ولم يقل : وإليها ~~نعيدكم ؛ إشارة إلى استقرار العبد فيها ، {ومنها نخرجكم تارة أخرى} بتأليف ~~أجزائكم المتفتتة ، المختلطة بالتراب ، على الهيئة السابقة ، ورد الأرواح ~~إليها. وكون هذا الإخراج تارة أخرى : باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم ~~منها ، وإن لم يكن على التارة الثانية. والتارة في الأصل : اسم للتور ، وهو ~~الجريان ، فالتارة واحدة منه ، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات ~~المتحدة ، كما مر في المرة. والله تعالى أعلم. PageV04P410 # الإشارة : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ، مما سبق لهم في أزله ، ثم هدى إلى ~~الأسباب الموصلة إليه ، فمنهم من كان حظه في الأزل قوت الأشباح ، هداه إلى ~~أسبابها ، وهم أهل مقام البعد ، ومنهم من كان حظه قوت القلوب ، فهداه إلى ~~أسبابها من المجاهدة في الطاعات وأنواع القربات ، وهم أنواع : # فمنهم من شغلهم بتدريس العلوم وتدقيق الفهوم ، وتحرير المسائل وتمهيد ~~النوازل ، وهداهم إلى أسباب ذلك ، وهم حملة الشريعة ، إن صحت نيتهم وثبت ~~إخلاصهم. ومنهم من شغلهم بتوالي الطاعات وتعمير الأوقات ، وهداهم إلى ~~أسبابها ، وقواهم على مشاقها ، وهم العباد والزهاد. ومنهم من شغلهم بإطعام ~~الطعام والرفق بالأنام ، وتعمير الزوايا وقبول الهدايا ، وهداهم إلى أسباب ~~عمارتها والقيام بها ، وهم الصالحون. ومنهم : من # 282 # كان حظه قوت الأرواح ، وهم المريدون السائرون ، أهل الرياضة والتصفية ، ~~والتخلية والتحلية ، والتهذيب والتدريب ، وهداهم إلى أسبابها ، ووصلهم إلى ~~شيخ كامل يبينها ويسلكها ، وهم في ذلك مقامات متفاوتة ، على حسب صدقهم ~~وجدهم ، ومنهم من كان حظه قوت الأسرار ، وهم العارفون الكبار ، السابقون ms1619 ~~المقربون ، أهل الفناء والبقاء ، أهل الرسوخ والتمكين ، فهداهم إلى ما ~~أملوا ، ووصلهم إلى ما طلبوا. نفعنا الله بهم ، وخرطنا في سلكهم. آمين. PageV04P411 # وقوله : {فما بال القرون الأولى...} الآية ، فيه زجر للمريد عن الاشتغال ~~بالحكايات الماضية ، لأن في ذلك شغلا عن الله ، إلا ما كان فيه زيادة إلى ~~الله ، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. وقوله تعالى : {الذي ~~جعل لكم الأرض مهادا} أي : جعل أرض النفوس مهادا للقيام برسم العبودية ، ~~وسلك فيها سبلا توصل إلى مشاهدة الربوبية ، لمن سلكها بالرياضة والمجاهدة ، ~~وأنزل من سماء الملكوت ماء الواردات الإلهية ، تحيا به الأرواح ، فتخرج ~~أصنافا من العلوم والحكم شتى ، كلوا برعي القلوب في نوار تجلياتها ، وارعوا ~~لقوت أشباحكم من ثمار حسياتها ، إن في ذلك لآيات لأولي النهى. {منها ~~خلقناكم} : من أرض نفوسكم أخرجناكم ، بشهود عظمة الربوبية ، وفيها نعيدكم ؛ ~~للقيام برسم العبودية ، ومنها نخرجكم ؛ لتكونوا لله ، لا لشيء دونه. أو ~~منها خلقناكم ، أي : أخرجناكم من شهود ظلمتها إلى نور خالقها ، بالفناء ~~عنها ، وفيها نعيدكم بالرجوع إلى الأثر في مقام البقاء ، {ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى} ؛ بعقد الحرية في مقام البقاء ، فتكونوا عبيدا شكرا. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 279 # قلت : {موعدا} : مصدر ، مفعول أول ل {اجعل}. و{مكانا} : مفعول بفعل محذوف ~~، أي : تعدنا مكانا سوى ، لا بموعد ، لأنه وصف ، ويجوز نصبه على إسقاط ~~الخافض ، و{يوم الزينة} : على حذف مضاف ، أي : مكان يوم الزينة ، و{أن ~~يحشر} : عطف على يوم ، أو الزينة. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد أريناه} أي : فرعون ، {آياتنا} ، حين قال له ~~: {فأت به إن كنت من الصادقين فألقىا عصاه فإذا هي # 283 PageV04P412 ~~ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين} [الشعراء : 31-33] ، وعبر ~~بالجمع ، مع كونهما اثنتين ، باعتبار ما في تضاعيفهما من الخوارق ، التي كل ~~واحدة منها آية. وقد رأى فرعون من هاتين الآيتين أمورا دواهي ، فإنه روى ~~أنه عليه السلام ، لما ألقى العصا ، انقلبت ثعبانا أشعر ، فاغرا فاه ، بين ~~لحييه ثمانون ذراعا ، وضع لحيه الأسفل على الأرض ، والأعلى على ms1620 سور القصر ، ~~ثم توجه نحو فرعون ، فهرب وأحدث ، وانهزم الناس مزدحمين ، فمات منهم خمسة ~~وعشرون ألفا من قومه ، فصاح فرعون : يا موسى أنشدك الذي أرسلك إلا أخذته ، ~~فأخذه ، فعاد عصا. وروي أنها ، لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ، ~~ثم انحطت مقبلة نحو فرعون ، وجعلت تقول : يا موسى مرني بما شئت ، ويقول ~~فرعون : أنشدك... الخ. ونزع يده من جيبه ، فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا ~~خارجا عن العادة. ففي تضاعيف كل من الآيتين آيات جمة ، لكنها لما كانت غير ~~مذكورة بالصراحة ، أكدت بقوله تعالى : {كلها} ، كأنه قيل : أريناه آياتنا ~~بجميع مستتبعاتها وتفاصيلها ، قصدا إلى بيان أنه لم يبق له في ذلك عذر. # وقيل : أريناه آياتنا التسع ، وهو بعيد ؛ لأنها إنما ظهرت على يده عليه ~~السلام بعد ما غلبت السحرة على مهل ، في نحو من عشرين سنة ، والكلام هنا ~~قبل المعارضة ، اللهم إلا أن يكون الحق تعالى أخبرنا أنه أراه الآيات التسع ~~كلها ، فأبى عن الإيمان ، ثم رجع إلى إتمام القصة. PageV04P413 # وأبعد منه : من عد في الآيات ما جعل لإهلاكهم ، لا لإرشادهم إلى الإيمان ؛ ~~من فلق البحر ، وما ظهر بعد مهلكه من الآيات الظاهرة لبني إسرائيل ؛ من نتق ~~الجبل والحجر ، وغير ذلك ، وكذلك من عد منها الآيات الظاهرة على يد ~~الأنبياء - عليهم السلام - ؛ حيث حكاها موسى عليه السلام لفرعون ، بناء على ~~أن حكايته إياها له في حكم إظهارها بين يديه ؛ لاستحالة الكذب عليه ، فإن ~~حكايته إياها لفرعون مما لم يجر ذكره هنا ، فكل هذا بعيد من سياق النظم ~~الكريم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 283 # قال تعالى : {فكذب} فرعون موسى ، {وأبى} الإيمان والطاعة ، مع ما شاهد ~~على يده من الشواهد الناطقة بصدقه. جحودا وعنادا ؛ لعتوه واستكباره ، وقيل ~~: كذب بالآيات جميعا ، وأبى أن يقبل شيئا منها. {قال أجئتنا لتخرجنا من ~~أرضنا بسحرك يا موسى} ، هذا استئناف مبين لكيفية تكذيبه وإبائه. والمجيء ~~إما على حقيقته ، أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له ، أي : أجئتنا من ~~مكانك الذي كنت فيه ترعى الغنم ؛ لتخرجنا من أرضنا ms1621 ؟ أو : أقبلت إلينا ؛ ~~لتخرجنا من مصر ؛ بما أظهرت لنا من السحر ، فإن ذلك مما لا يصدر عن عاقل ؛ ~~لكونه من باب محاولة المحال ، وإنما قاله ؛ تحريضا لقومه على مقت موسى ~~والبعد عنه ، بإظهار أن مراده عليه السلام إخراج القبط من وطنهم ، وحيازة ~~أموالهم ، # 284 PageV04P414 ~~وإهلاكهم بالكلية ، حتى لا يميل أحد إليه ، {والله غالب علىا أمره} [يوسف : ~~21]. وسمى ما أظهره عليه السلام من المعجزة الباهرة سحرا ، ثم ادعى أنه ~~يعارضه ، حيث قال : {فلنأتينك بسحر مثله} أي : وإذا كان الأمر كذلك ، ~~فوالله لنأتينك بسحر مثل سحرك ، {فاجعل بيننا وبينك موعدا} أي : وعدا {لا ~~نخلفه} أي : لا نخلف ذلك الوعد ، ولا نجاوزه {نحن ولا أنت} ، بل نجتمع فيه ~~وقت ذلك الموعد ، وإنما فوض اللعين أمر الوعد إلى موسى عليه السلام ؛ ~~للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب ودخول الرعب إليه ، وإظهار الجلادة ، ~~بإظهار أنه متمكن من تهيئة أسباب المعارضة ، طال الأمر أو قصر ، كما أن ~~تقديم ضميره على ضمير موسى عليه السلام ، وتوسيط كلمة " النفي " بينهما ؛ ~~للإيذان بمسارعته إلى عدم الاختلاف. # وقوله تعالى : {مكانا سوى} أي : يكون ذلك الوعد - أي : وعد الاجتماع - في ~~مكان مستو ، تستوي مسافته بيننا وبينك ، عدلا ، لا ظلم على أحد في الإتيان ~~إليه ، منا ومنك ، وفيه لغتان : ضم السين وكسرها. # {قال} لهم موسى عليه السلام : {موعدكم يوم الزينة} أي : مكان الزينة ؛ ~~لأن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم ، وهو ~~يوم عيد لهم ، في كل عام يتزينون ويجتمعون فيه ، وقيل : يوم النيروز ، وقيل ~~: يوم عاشوراء ، وقيل : يوم سوق لهم. {وأن يحشر الناس ضحى} أي : موعدكم يوم ~~الزينة ، وحشر الناس ضحى ، أو يوم حشر الناس في وقت الضحى ، يجتمعون نهارا ~~جهارا ، أراد عليه السلام أن يكون أبلغ في إظهار الحجة وإدحاض الباطل ، ~~بكونه على رؤوس الأشهاد. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 283 # الإشارة : من سبق له البعد عن الرحمن ، لا ينفع فيه خوارق معجزات ، ولا ~~قاطع برهان ودليل ، أبعده التكبر والطغيان ، ودفع الحق بالباطل. ms1622 نعوذ بالله ~~من موارد الخذلان. # جزء : 4 رقم الصفحة : 283 # 285 PageV04P415 ~~قلت : {إن هذان لساحران} : من خفف {إن} : جعلها نافية ، أو مخففة ، واللام ~~فارقة. ومن ثقلها وقرأها : {هذان} ؛ بالألف ، فقيل : على لغة بلحارث بن كعب ~~وخثعم وكنانة ، فإنهم يلزمون الألف ؛ رفعا ونصبا وجرا ، ويعربونها تقديرا ، ~~وقيل : اسمها : ضمير الشأن ، أي : إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. ~~وقيل : " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل ، وما بعدها : جملة من مبتدأ وخبر. ~~وقالت عائشة - رضي الله عنها - : إنه خطأ من الكتاب ، مثل قوله : ~~{والمقيمين الصلاة} [النساء : 162] ، {والصابئون} [المائدة : 69] ، في ~~المائدة ، ويرده تواتر القراءة. # يقول الحق جل جلاله : {فتولى فرعون} أي : انصرف عن المجلس ، ورجع إلى ~~وطنه ، {فجمع كيده} أي : حيله وسحرته ؛ ليكيد به موسى عليه السلام ، {ثم ~~أتى} الموعد ، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته ، وسيأتي عددهم. # {قال لهم موسى} ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة : {ويلكم} أي : ألزمكم ~~الله الويل ، إن افتريتم على الله الكذب ، {لا تفتروا على الله كذبا} ~~بإشراك أحد معه ، كما تعتقدون في فرعون ، أو بأن تحيلوا الباطل حقا ، ~~{فيسحتكم} أي : يستأصلكم ، بسببه ، {بعذاب} لا يقادر قدره ، وقرئ رباعيا ~~وثلاثيا ، يقال : سحت وأسحت. فالثلاثي : لغة أهل الحجاز ، والرباعي : لغة ~~بني تميم ونجد. {وقد خاب} وخسر {من افترى} على الله ، كائنا من كان ، بأي ~~وجه كان ، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا ، أو : قد خاب فرعون ~~المفتري على الله ، فلا تكونوا مثله في الخيبة. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 285 PageV04P416 ~~فتنازعوا} أي : السحرة ، حين سمعوا كلامه عليه السلام ، {أمرهم} أي : في ~~أمرهم الذي أريد منهم ؛ من مغالبته عليه السلام ، وتشاوروا وتناظروا ~~{بينهم} في كيفية المعارضة ، وتشاجروا ، ورددوا القول في ذلك ، {وأسروا ~~النجوى} أي : من موسى عليه السلام ؛ لئلا يقف عليه فيدافعه ، ونجواهم على ~~هذا هو قوله : {قالوا إن هذان} أي : موسى وهارون ، {لساحران} عظيمان ~~{يريدان أن يخرجاكم من أرضكم} ؛ مصر ، بالاستيلاء عليها {بسحرهما} الذي ~~أظهره قبل ، {ويذهبا بطريقتكم المثلى} أي : بمذهبكم ، الذي هو أفضل المذاهب ~~وأمثلها ، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. # قال ابن عطية ms1623 : والأظهر ، في الطريقة هنا ، أنه السيرة والمملكة. والمثلى ~~: تأنيث الأمثل ، أي : الفاضلة الحسنة. ه. وقيل : الطريقة هنا : اسم لوجوه ~~القوم وأشرافهم ، لأنهم قدوة لغيرهم ، والمعنى : يريدان أن يصرفا وجوه ~~الناس وأشرافهم إليهما ، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة : (طريقتهم ~~المثلى يومئذ : بنو إسرائيل ، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا ، فقال فرعون ~~: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما). ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني ~~إسرائيل من بينهم ، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد ، ~~مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. # 286 PageV04P417 ~~وقوله تعالى : {فأجمعوا كيدكم} : تصريح بالمطلوب ، أي : إذا كان الأمر كما ~~ذكر ، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم ، فأجمعوا كيدكم ، أي : ~~اجعلوه مجمعا عليه ، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم ، وارموه عن قوس واحدة. ~~وقرأ أبو عمرو : {فاجمعوا} ، من الجمع ، أي : فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها ~~كما ينبغي ، {ثم ائتوا صفا} أي : مصطفين ، أمروا بذلك ؛ لأنه أهيب في صدور ~~الرائين ، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل : كانوا سبعين ألفا ، ~~مع كل واحد منهم حبل وعصا ، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة ، وقيل : كانوا ~~اثنين وسبعين ساحرا ؛ اثنان من القبط ، والباقي من بني إسرائيل ، وقيل : ~~تسعمائة ؛ ثلاثمائة من الفرس ، وثلاثمائة من الروم ، وثلاثمائة من ~~الإسكندرية ، وقيل : خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان ~~مكانا متسعا ، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره ، ~~وتنازعوا أمرهم في قطر آخر ، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. # ثم قالوا في آخر نجواهم : {وقد أفلح اليوم من استعلى} ؛ فاز بالمطلوب من ~~غلب ، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب ، أو بالرئاسة والجاه ~~والذكر الحسن في الناس. وقيل : كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى ~~عليه السلام - : ما هذا بقول ساحر ، وقيل : كان ذلك أن قالوا : إن غلبنا ~~موسى اتبعناه ، وقيل : قالوا فيها : إن كان ساحرا غلبناه ، وإن كان من ~~السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون ، ويحمل قولهم : {إن هذان ~~لساحران...} الخ ، على أنهم ms1624 اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة ، ثم ~~أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر ، واستقرت آراؤهم على المغالبة ~~والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. # جزء : 4 رقم الصفحة : 285 PageV04P418 ~~ثم طلبوا المعارضة ، فقالوا : {يا موسى إما أن تلقي} ما تلقيه أولا ، {وإما ~~أن نكون أول من ألقى} ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر ؛ مراعاة للأدب ~~، لما رأوا عليه من مخايل الخير ، وإظهارا للجلادة ، {قال بل ألقوا} أنتم ~~أولا ، مقابلة لأدبهم بأحسن منه ، فبت القول بإلقائهم أولا ، وإظهارا لعدم ~~المبالاة بسحرهم ، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء ، وليستفرغوا ~~أقصى جهدهم وسعيهم ، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه ، فيقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه كما تعود من ربه. # فألقوا ما عندهم ، {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} أي ~~: ففوجئ موسى ، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم ، وذلك أنهم كانوا لطخوها ~~بالزئبق ، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت ، فخيل إليه أنها تتحرك. ~~قلت : هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل ~~السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين ، كما يفعله أهل الشعوذة ، وهو علم ~~معروف من علوم السحر ، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على ~~بطونها ، تقصد موسى # 287 # عليه السلام ، فكيف يفعل الزئبق هذا ؟ قال ابن جزي : استدل بعضهم بهذه ~~الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. # {فأوجس في نفسه خيفة} أي : خوفا ، {موسى} : أي : أضمر في نفسه بعض خوف ، ~~من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات ، والاحتراز من ضررها. ~~وقال مقاتل : إنما خاف موسى ، إذ صنع القوم مثل صنيعه ، بأن يشكوا فيه ، ~~فلا يتبعوه ، ويشك فيه من تابعه. {قلنا لا تخف} ما توهمت ، {إنك أنت ~~الأعلى} ؛ الغالب عليهم ، والجملة : تعليل لنهيه عن الخوف ، وتقرير لغلبته ~~، على أبلغ وجه ، كما يعرب عنه الاستئناف ، وحرف التحقيق ، وتأكيد الضمير ، ~~وتعريف الخبر ، ولفظ العلو. PageV04P419 # ثم قال له : {وألق ما في يمينك} أي : عصاك ، وإنما أبهمت ؛ تفخيما لشأنها ، ~~وإيذانا بأنها ليست من جنس ms1625 العصا المعهودة ، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس ~~، مبهمة الكنه ، مستتبعة لآثار غريبة ، وأما حمل الإبهام على التحقير ، ~~بمعنى : لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم ، وألق العويد الذي في يدك ، فإنه ~~بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها ، وصغره وكبرها ، فيأباه ظهور ~~حالها ، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. # وقوله تعالى : {تلقف ما صنعوا} : جواب الأمر ، من لقفه ، إذا ابتلعه ~~والتقمه بسرعة ، أي : تبتلع ، وتلتقم بسرعة ، ما صنعوا من الحبال والعصي ، ~~التي تخيل إليك ، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف ، موجبة لبيان ~~كيفية غلبته عليه السلام وعلوه ، وإدحاض الخوف عنه ، فإن ابتلاع عصاه ~~لأباطيلهم ، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس ، مما يقلع مادته بالكلية. ~~وهذا ، كما ترى ، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من ~~خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام ، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد ~~بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله : ~~{تلقف ما صنعوا} صريح في عدم الالتباس ؛ إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه ~~لعصيهم ، فتأمله. {إنما صنعوا كيد ساحر} أي : إن الذي صنعوه كيد ساحر ~~وحيله. وقرأ أهل الكوفة : {سحر} ؛ بكسر السين ، فالإضافة للبيان ، كما في " ~~علم فقه " ، أو : كيد ذي سحر ، أو يسمى الساحر سحرا ؛ مبالغة. والجملة ~~تعليل لقوله : {تلقف} أي : تبتلعه ؛ لأنه كيد ساحر ، {ولا يفلح الساحر حيث ~~أتى} أي : حيث وجد ، وأين أقبل ، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 285 PageV04P420 ~~الإشارة : يقال للفقير ، المتوجه إلى الله تعالى ، من قبل الحق : إما أن ~~تلقي الدنيا من يدك ، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك ، أي : إما أن تتركها ~~اختيارا ، أو تزول عنك اضطرارا ؛ لأن عادته تعالى ، مع المتوجه الصادق ، أن ~~يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب - : بل ~~ألقها ، ولا حاجة لي بها ، فألقاها الحق تعالى ، # 288 # وأخرجها من يده ، عناية به ، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في ms1626 هلاكه ~~وخراب قلبه وتضييع عمره ، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة ، ~~قلنا : لا تخف ، حيث توجهت إلى مولاك ، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب ~~، وألق ما في يمين قلبك من اليقين ، تلقف ما صنعوا ، أي : ما صنعت بك خواطر ~~السوء والشيطان ، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء ، وإنما صنعوا ذلك ؛ ~~تخويفا وتمويها ، لا حقيقة له ، كما يفعل الساحر ، {ولا يفلح الساحر حيث أتى}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 285 # قلت : {في جذوع النخل} ، قال المحلي : أي : عليها ، وهو مذهب كوفي ، وأما ~~مذهب البصريين فيقولون : ليست " في " بمعنى " على " ، ولكن شبه المصلوب ، ~~لتمكنه في الجذع ، بالحال في الشيء ، وهو من الاستعارة التعبيرية ، و{من ~~خلاف} : في موضع الحال ، أي : مختلفات. PageV04P421 # يقول الحق جل جلاله : فلما ألقى موسى عصاه انقلبت حية عظيمة ، فابتلعت تلك ~~الحبال والعصي ، {فألقي السحرة سجدا} لما تيقنوا أن ذلك ليس من باب السحر ، ~~وإنما هي آية من آيات الله. روي أن رئيسهم قال : كنا نغلب أعين الناس ، ~~وكانت الآلات تبقى علينا ، فلو كان هذا سحرا ، فأين ما ألقينا من الآلات ؟ ~~فاستدلوا بما رأوا على صحة رسالة موسى. فألقاهم ما شاهدوه على وجوههم ، ~~فتابوا وآمنوا ، وأتوا بما هو غاية الخضوع ، قيل : لم يرفعوا رؤوسهم حتى ~~رأوا الجنة والنار ، والثواب والعقاب. وعن عكرمة : لما خروا سجدا ، أراهم ~~الله تعالى ، في سجودهم ، منازلهم في الجنة. ولا ينافيه قولهم : {إنا آمنا ~~بربنا ليغفر لنا خطايانا} ، لأن كون تلك المنازل منازلهم هو السبب في صدور ~~هذا القول منهم. # {قالوا آمنا برب هارون وموسى} ، قدموا هارون ؛ إما لكبر سنه ، أو ~~للمبالغة في الاحتراز عن التوهم الباطل من جهة فرعون ، حيث كان ربى موسى ~~عليه السلام في صغره ، فلو قدموا موسى لربما توهم اللعين وقومه ، من أول ~~الأمر ، أن مرادهم فرعون ، فأزاحوا تلك الخطرة من أول مرة. {قال آمنتم له} ~~أي : لموسى ، واللام ؛ لتضمن الفعل معنى الانقياد والخضوع ، أي : أذعنتم له ~~{قبل أن آذن لكم} أي : من غير أن آذن لكم ، {إنه} أي : موسى {لكبيركم} ms1627 أي : ~~أستاذكم وأعلمكم في فنكم ، {الذي علمكم السحر} ، فتواطأتم على ما فعلتم ، ~~وهذه منه شبهة واهية ؛ أين كان # 289 # موسى عليه السلام ، وأين كان السحرة ، حتى علمهم ؟ ولكن صدر منه هذا ؛ ~~خوفا على الناس أن يتبعوا موسى عليه السلام ، ويقتدوا بالسحرة ، فأوهم ~~عليهم ، مع ما سبق في علم الله من ضلالتهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 289 PageV04P422 ~~ثم اقبل على السحرة بالوعيد ، فقال : {فلأقطعن أيديكم} أي : فوالله لأقطعن ~~أيديكم {وأرجلكم من خلاف} أي : اليد اليمنى والرجل اليسرى. وتعيين تلك ~~الحال ؛ للإيذان بتحقيق هذا الأمر وإيقاعه لا محالة ، فتعيين تلك الحالة ~~المعهودة من باب السياسة ، أو لأنها معهودة لمن خرج عن حكم طاعته. ~~{ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي : عليها ، وإتيان كلمة " في " ؛ للدلالة على ~~إبقائهم عليها زمنا مديدا ، تشبيها في استمرارهم عليها باستقرار الظرف في ~~المظروف المشتمل عليه ، وقيل : هو أول من صلب. {ولتعلمن أينا} ، يريد نفسه ~~أو موسى عليه السلام ، حيث خافوا من عصاه فأسلموا ، فهم اللعين أن إيمانهم ~~لم يكن للمعجزة ، إنما كان خوفا ، حيث رأوا عصاه ابتلعت حبالهم وعصيهم ، أو ~~يريد {أينا} أي : أنا أو رب موسى وهارون ، الذي آمنتم به ، {أشد عذابا ~~وأبقى} أي : أدوم. قالوا : لم يثبت في القرآن أن فرعون فعل بأولئك المؤمنين ~~ما أوعدهم به ، ولم يثبت في الأخبار ، لكن روي عن ابن عباس ، وغيره ، أنه ~~أنفذه. وروي أن امرأة فرعون كانت تسأل : من غلب ؟ فيقال لها : موسى ، فقالت ~~: آمنت برب موسى وهارون ، فأرسل إليها فرعون يهددها ، وقال : انظروا أعظم ~~صخرة ، فإن استقرت على قولها فألقوها عليها ، فلما ألقوها رفعت بصرها إلى ~~السماء فأريت بيتها في الجنة ، فمضت على قولها ، وانتزعت روحها منها ، ~~وألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه. قاله الثعلبي. والله تعالى أعلم. PageV04P423 # الإشارة : من سبقت له العناية ، لا تضره الجناية. هؤلاء السحرة جاؤوا ~~يحادون الله ورسوله ، فأضحوا أولياء الله. روي أن موسى عليه السلام لما قال ~~لهم : {ألقوا ما أنتم ملقون} ، سمع هاتفا يقول : ألقوا يا أولياء الله ، ~~فتحير موسى عليه السلام ms1628 ، وأوجس في نفسه خيفة ، وقال : كيف أعارض أولياء ~~الله ، فلما ألقى عصاه ظهرت ولايتهم. فكم من لصوص خرج منهم الخصوص. ففي ~~أمثال هؤلاء تقوية لرجاء أهل الجناية ، إذا طلبوا من الله سر العناية ، ~~وإدراك مقام الولاية ، ولذلك ابتدأ القشيري في رسالته بذكر من تقدم له ~~جنايات من الأولياء ، كالفضيل ، وابن أدهم ، وأضرابهم - رضي الله عن جميعهم -. # جزء : 4 رقم الصفحة : 289 # قلت : {هذه الحياة الدنيا} : نصب على إسقاط الخافض. اتساعا ، لا نصب على ~~الظرفية ؛ لأن الظرف المختص لا ينتصب على الظرفية ، على المشهور ، و{الذي ~~فطرنا} : عطف على {ما جاءنا} ، أو قسم حذف جوابه ، أي : وحق الذي فطرنا لا ~~نؤثرك... الخ. PageV04P424 # يقول الحق جل جلاله : حاكيا عن السحرة ، لما خوفهم فرعون : {قالوا} غير ~~مكترثين بوعيده : {لن نؤثرك} أي : لن نختارك ، باتباعك {على ما جاءنا} من ~~الله تعالى على يد موسى عليه السلام {من البينات} أي : المعجزات الظاهرة ؛ ~~لأن ما ظهر من العصا كان مشتملا على معجزات جمة ، كما تقدم. {والذي فطرنا} ~~: خلقنا وخلق سائر المخلوقات ، أي : لن نختارك على ما ظهر لنا من دلائل صحة ~~نبوة موسى ، ولا على الذي خلقنا ، حتى نتبعك ونترك الحق ، وكان ما شاهدوه ~~آية حسية ، وهذه آية عقلية. وإيراده بعنوان فاطريته تعالى ؛ للإشعار بعلية ~~الحكم ، فإن خالقيته تعالى لهم ولفرعون - وهو من جملة مخلوقاته - مما يوجب ~~عدم إيثارهم له عليه سبحانه ، أو : وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على ما جاءنا ، ~~{فاقض ما أنت قاض} أي : فاصنع ما أنت صانعه ، أو : فاحكم ما أنت حاكمه. وهو ~~جواب لقوله : {لأقطعن أيديكم...} الخ. {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي : ~~إنما تصنع ما تهواه ، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدنيا الفانية ، ولا ~~رغبة لنا في البقاء فيها ، رغبة في سكنى الدار الدائمة ، بسبب موتنا على ~~الإيمان. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 290 PageV04P425 ~~إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} التي اقترفنا ، من الكفر والمعاصي ، ولا ~~يؤاخذنا بها في الآخرة ، فلا نغتر بتلك الحياة الفانية ، حتى نتأثر بما ~~أوعدتنا به من ms1629 القطع والصلب ، {و} يغفر لنا أيضا {ما أكرهتنا عليه من ~~السحر} الذي عملناه في معارضة موسى عليه السلام ، بإكراهك وحشرك لنا من ~~المدائن القاصية ، وخصوه بالذكر ، مع اندراجه في خطاياهم ؛ إظهارا لغاية ~~نفرتهم عنه ، ورغبة في مغفرته ، وفي ذكره الإكراه : نوع اعتذار ؛ لاستجلاب ~~المغفرة ، وقيل : أرادوا الإكراه على تعلم السحر ، لما روي أن رؤساءهم ~~كانوا اثنين وسبعين ؛ اثنان منهم من القبط ، والباقي من بني إسرائيل ، وكان ~~فرعون أكرههم على تعلم السحر ، وقيل : إنه أكرههم على المعارضة ، حيث روي ~~أنهم قالوا لفرعون : أرنا موسى نائما ، ففعل ، فوجدوه تحرسه عصاه ، فقالوا ~~: ما هذا بسحر ، فإن الساحر إذا نام بطل سحره ، فأبى إلا أن يعارضوه. لكن ~~يأباه تصديهم للمعارضة بالرغبة والنشاط ، كما يعرب عنه قولهم : {إن لنا ~~لأجرا...} [الأعراف : 113] الخ ، وقولهم : {بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} ~~[الشعراء : 44] ، إلا أن يقال : لما رأوا جده # 291 PageV04P426 ~~طمعوا وطلبوا الأجر. {والله خير وأبقى} أي : وثواب الله خير من إيثار ~~الدنيا الفانية ، وأبقى في الدار الباقية ، أو : والله في ذاته خير ، ~~وجزاؤه أبقى ، نعيما كان أو عذابا. ثم عللوا خيريته وبقاءه فقالوا : {إنه ~~من يأت ربه مجرما} بأن يموت على الكفر والمعاصي ، {فإن له جهنم لا يموت ~~فيها} فيستريح وينتهي عذابه ، وهذا تحقيق لقوله : {وأبقى} ، {ولا يحيا} ~~حياة ينتفع بها ، وضمير {إنه} : للشأن ، وفيه تنبيه على فخامة مضمون الجملة ~~؛ لأن مناط وضع الضمير موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره ، مع ما فيه من ~~زيادة التقرير ، فإن الضمير لا يفهم منه أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر ، ~~فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه ، فيتمكن ، عند وروده ، فضل تمكن ، كأنه قيل ~~الشأن الخطير هذا. # {ومن يأته مؤمنا} به تعالى ، وما جاء من عنده من المعجزات ، التي من ~~جملتها ما شهدناه ، حال كونه {قد عمل الصالحات} أي : الأعمال الصالحات ، ~~وهي كل ما استقام شرعا وخلص عقدا ، {فأولئك} أي : من يأت مؤمنا... الخ. ~~وجمع الإشارة ؛ باعتبار معنى " من " ، كما أن الإفراد في الفعلين السابقين ~~باعتبار لفظها ، وما فيه من معنى البعد ms1630 ؛ للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم ~~، أي : فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات ، {لهم} بسبب إيمانهم وأعمالهم ~~الصالحات {الدرجات العلى} أي : المنازل الرفيعة ، وليس فيه ما يدل على عدم ~~اعتبار الإيمان المجرد عن العمل في استتباع الثواب ؛ لأن ما نيط بالإيمان ~~المقرون بالأعمال الصالحة هو الفوز بالدرجات العلى ، لا بالثواب مطلقا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 290 PageV04P427 ~~ثم فسر تلك الدرجات ، فقال : {جنات عدن} أي : إقامة على الخلود ، حال كونها ~~{تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء من تزكى} الإشارة إلى ما ~~أنتج لهم من الفوز بالدرجات العلى. والبعد في الإشارة ؛ للتفخيم ، أي : ما ~~تقدم من الفوز بالدرجات العلى هو جزاء من تطهر من دنس الكفر والمعاصي ، بما ~~ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة ، وهذا تحقيق لكون ثوابه تعالى أبقى. ~~وتقدم ذكر حال المجرم ، للمسارعة إلى بيان أشدية عذابه ودوامه ، ردا على ما ~~ادعاه فرعون بقوله : {أينا أشد عذابا وأبقى} ، هذا وقد قيل : إن قوله : ~~{إنه من يأت...} الخ ، ابتداء كلام من الله عز وجل. والله تعالى أعلم. # الإشارة : في الآية تحريض للفقراء أهل النسبة وأرباب الأحوال ، على ~~الثبوت في طريق السلوك ، وعدم الرجوع عنها ، حين يكثر عليهم الإنكار ~~والتهديد ، والتخويف بأنواع العذاب ، فلا يكترثون بذلك ولا يتضعضعون ، ~~وليقولوا كما قال سحرة فرعون : {لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي ~~فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا...} الآية. وقد جرى هذا ~~على كثير من الصوفية ، أوذوا على النسبة ، فمنهم من قتل ، ومنهم من طوف ، ~~ومنهم من أجلى عن وطنه ، إلى غير ذلك مما جرى عليهم ، # 292 # ومع ذلك لم يرجعوا عما هم عليه ، حتى وصلوا إلى حضرته تعالى وذاقوا. وما ~~رجع من رجع إلا من الطريق ، وأما من وصل فلا يرجع أبدا ، ولو قطع إربا ~~إربا. والله ولي المتقين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 290 PageV04P428 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} بعد ما لبث ~~يدعو فرعون إلى الله تعالى ويريه الآيات المفصلات ، بعد غلبة السحرة ، نحوا ms1631 ~~من عشرين سنة ، كما فصل ذلك في الأعراف ، فلما أيس من إيمانهم أوحى الله ~~بالخروج عنهم ، أي : والله لقد أوحينا إلى موسى أن أسر ، أو بأن أسر بعبادي ~~الذين أرسلتك لإنقاذهم من يد فرعون ، أي : سر بهم من مصر ليلا إلى بحر ~~القلزم. والتصدير بالقسم ؛ لإبراز كمال العناية بمضمونها ، والتعبير عنهم ~~بعبادي ؛ لإظهار الرحمة والاعتناء بهم ، والتنبيه على غاية قبح صنيع فرعون ~~، حيث استعبدهم ، وهم عباده عز وجل ، وفعل بهم من فنون العذاب ما فعل. ~~{فاضرب لهم} أي : اجعل لهم ، أو اتخذ لهم {طريقا في البحر يبسا} أي : يابسا ~~لا ماء فيه ، {لا تخاف دركا} أي : حال كونك آمنا من أن يدرككم العدو ، {ولا ~~تخشى} الغرق ، وقرأ حمزة : " لا تخف " بالجزم ، جوابا للأمر ، فيكون {ولا ~~تخشى} : إما استئناف ، أي : وأنت لا تخشى ، أو عطف عليه ، والألف للإطلاق ، ~~أو يقدر الجزم ، كقوله : # ألم يأتك والأنباء تنمي # ..الخ. # وتقديم نفي خوف الدرك ، للمسارعة إلى إزاحة ما كانوا عليه من الخوف ، حيث ~~قالوا : {إنا لمدركون} [الشعراء : 61]. {فأتبعهم فرعون بجنوده} أي : تبعهم ~~ومعه جنوده حتى لحقهم ، يقال : اتبعتهم ، أي : تبعتهم ، إذا كانوا سبقوك ~~ولحقتهم ، ويؤيده قراءة : {فاتبعهم} بالشد. وقيل : الباء زائدة ، والمعنى : ~~فأتبعهم فرعون جنوده ، أي : ساقهم خلفهم ، وأيا ما كان ، فالفاء فصيحة ~~معربة عن مضمر قد طوى ذكره ، ثقة بظهوره ، # 293 # وإيذانا بكمال مسارعة موسى إلى الامتثال ، أي : ففعل ما أمر به من ~~الإسراء بهم ، وضرب الطريق في البحر وسلكوه ، فأتبعهم بجنوده برا وبحرا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 293 PageV04P429 ~~روي أن موسى عليه السلام خرج بهم أول الليل ، وكانوا ستمائة وسبعين ألفا ، ~~فأخبر فرعون بذلك ، فأتبعهم بعساكره ، وكانت مقدمته سبعمائة ألف ، فقص ~~أثرهم فلحقهم ، بحيث تراءى الجمعان ، فلما أبصروا رهج الخيل ، قالوا : {إنا ~~لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} [الشعراء : 61 ، 62]. فلما قربوا ، ~~قالوا : يا موسى أين نمضي ، البحر أمامنا ، وخيل فرعون خلفنا ، فعند ذلك ~~ضرب موسى عصاه البحر فانفلق على ثنتي عشرة فرقة ، {كل فرق كالطود العظيم} ~~[الشعراء : 63] أي : كالجبل العظيم ms1632 من الماء ، وكانوا يمرون به ، وكلهم بنو ~~أعمام ، لا يرى بعضهم بعضا ، فقالوا : قد غرق إخواننا ، فأوحى الله إلى ~~أطواد الماء : أن اشتبكي ، وصارت شبابك ، يرى بعضهم بعضا ، ويسمع بعضهم ~~كلام بعض ، فلما أتى فرعون الساحل ، وجد البحر منفلقا ، فقال : سحر موسى ~~البحر ، فقالوا : إن كنت ربا فادخل كما دخل ، فجاء جبريل على رمكة وديق ، ~~أي : تحب الفحل ، وكان فرعون على حصان ، فاقتحم جبريل بالرمكة الماء ، فلم ~~يتمالك حصان فرعون ، فاقتحم البحر على إثره ، ودخل القبط كلهم ، فلما لججوا ~~، أوحى الله تعالى إلى البحر أن أغرقهم ، فعلاهم البحر وأغرقهم. فعبر موسى ~~عليه السلام بمن معه من الأسباط سالمين ، وأما فرعون وجنوده {فغشيهم من ~~اليم ما غشيهم} أي : علاهم منه وغمرهم من الأمر الهائل ، الذي لا يقادر ~~قدره ولا يبلغ كنهه. قال القشيري : فغرقوا بجملتهم ، وآمن فرعون لما ظهر له ~~البأس ، فلم ينفعه إقراره ، وكان ينفعه لو لم يكن إصراره ، وقد أدركته ~~الشقاوة التي سبقت له من التقدير. ه. وقال الكواشي : {وغشيهم} من الغضب ~~والغرق ، وغير ذلك ، ما لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. ه. فإبهام الصلة ؛ ~~للتهويل والتفخيم ، وقيل : {غشيهم من اليم} ما سمعت قصته في غير هذه السورة ~~، وليس بشيء ؛ فإن مدار الإبهام على التهويل والتفخيم ، بحيث يخرج عن حدود الفهم PageV04P430 ~~والوصف ، لا سماع قصته فقط. # {وأضل فرعون قومه} أي : أتلفهم وسلك بهم مسلكا أدى بهم إلى الخيبة ~~والخسران ، حيث ماتوا على الكفر ، وأوصلهم إلى العذاب الهائل الدنيوي ، ~~المتصل بالعذاب الدائم الأخري ، {وما هدى} أي : ما أرشدهم قط إلى طريق ~~توصلهم إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية. وهو تقرير لإضلاله وتأكيد ~~له ، وفيه نوع تهكم به في قوله : {ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد} [غافر : 29] ~~، فإن نفي الهداية عن شخص # 294 # مشعر بكونه ممن يتصور منه الهداية في الجملة ، وذلك إنما يتصور في حقه ~~بطريق التهكم. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 293 # الإشارة : انظر عاقبة من شد يده على دينه ، وصبر على شدائد زمانه ، كيف ~~خرقت له العوائد ms1633 ، وجاءه العز والنصر فأنساه تلك الشدائد ، وأهلك الله من ~~كان يؤذيه من الأعداء ، وسلك به سبيل النجاة والهدى ، وهذه عادة الله مع ~~أوليائه ، يشدد عليهم أولا بضروب البلايا والمحن ، ثم يعقبهم العز والنصر ~~وضروب المنن. # جزء : 4 رقم الصفحة : 293 PageV04P431 ~~يقول الحق جل جلاله : لبني إسرائيل ، بعد ما أنجاهم من الغرق ، وأفاض عليهم ~~من فنون النعم الدينية والدنيوية : {يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم} ~~؛ فرعون وقومه ، حيث كانوا {يسومونكم سواء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون ~~نسآءكم} [البقرة : 49] ، {ووعدناكم جانب الطور الأيمن} أي : واعدناكم ~~بواسطة نبيكم ، إتيان جانب الطور ، الجانب الأيمن منه للمناجاة وإنزال ~~التوراة. وهل هو الطور الذي أبصر فيه النار ووقعت فيه الرسالة ، أو غيره ؟ ~~خلاف. ونسبة المواعدة إليهم ممع كونه لموسى عليه السلام خاصة ، أو له ~~وللسبعين المختارين ، نظر إلى ملابستها إياهم ، وسراية منفعتها إليهم ، ~~وإعطاء لمقام الامتنان حقه. كما في قوله تعالى : {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} ~~[الأعراف : 11] ؛ حيث نسب الخلق والتصوير للمخاطبين ، مع أن المخلوق كذلك ~~هو آدم عليه السلام. # ثم قال تعالى : {ونزلنا عليكم} حين تهتم ، {المن والسلوى} أي : الترنجبين ~~والطير السماني ، حيث كان ينزل عليهم المن وهم في التيه ، مثل الثلج ، من ~~الفجر إلى الطلوع ، لكل إنسان صالح ، ويبعث الجنوب عليهم السماني ، فيذبح ~~الرجل منه ما يكفيه. وقلنا لهم : {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي : من ~~لذائده ، أو حلاله. وفي البدء بنعمة الإنجاء ثم بالنعمة الدينية ثم بالنعمة ~~الدنيوية من حسن الترتيب ما لا يخفى. {ولا تطغوا فيه} أي : فيما رزقناكم ~~بالإخلال بشكره ، والتعدي لما حد لكم فيه ، كالترفه والبطر والمنع من ~~المستحق. وقال القشيري : مجاوزة الحلال إلى الحرام ، أو بالزيادة على ~~الكفاف وما لا بد منه ، فأزاد على سد الرمق ، أو بالأكل على الغفلة ~~والنسيان. ه. وقيل : لا تدخروا ، فادخروا فتعودوا ، وقيل : لا تنفقوه في ~~المعصية ، {فيحل عليكم # 295 PageV04P432 ~~غضبي} بفعل شيء من ذلك ، أي : ينزل ويجب ، من حل الدين ؛ إذا وجب. {ومن ~~يحلل عليه غضبي فقد هوى} أي : تردى وهلك ، أو وقع في ms1634 المهاوي. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 295 # وإني لغفار} أي : كثير الغفران {لمن تاب} عن الشرك والمعاصي ، التي من ~~جملتها الطغيان فميا ذكر ، {وآمن} بما يجب الإيمان به ، {وعمل صالحا} أي : ~~عملا صالحا مستقيما عند الشرع ، وفيه ترغيب وحث لمن وقع في زلة أو طغيان ~~على التوبة والإيمان ، {ثم اهتدى} أي : استقام على الهدى ودام عليها حتى ~~مات. وفيه إشارة إلى أن من لم يستمر عليها بمعزل عن الغفران. قال الكواشي : ~~{ثم اهتدى} أي : علم أن ذلك بتوفيق من الله تعالى. ه. # الإشارة : إذا ذهبت عن العبد أيام المحن ، وجاءت له أيام المنن ، فينبغي ~~له أن يتذكر ما سلف له من المحن ، وينظر ما هو فيه الآن من المنن ، ليزداد ~~شكرا وتواضعا ، فتزداد نعمه ، وتتواتر عليه الخيرات. وأما إن نسي أيام ~~المحن ، ولم يشكر ما هو فيه من المنن ، فحقيق أن تزول عنه ، ويرجع إلى ما ~~كان عليه. وتذكر حديث الأبرص والأقرع والأعمى ، حسبما في الصحيح. فإن ~~الأبرص والأقرع ، حين شفاها الله وأغناهما ، أنكرا ما كانا عليه ، فرجعا ~~إلى ما كانا عليه ، والأعمى حين أقر بما كان عليه ، وشكر الحال الذي حال ~~إليه ، دامت نعمته وكثر خيره. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود. فيقال لأهل ~~النعم ، إن قاموا بشكرها : كلوا من طيبات ما رزقناكم ، ولا تطغوا فيه ، بأن ~~تصرفوه في غير محله ، أو تمنعوه عن مستحقه ، {فيحل عليكم غضبي...} الآية. # وقوله تعالى : {وإني لغفار لمن تاب...} الخ ، قال القشيري : {وإني لغفار ~~لمن تاب} من الزلة {وآمن} فلم ير أعماله من نفسه ، بل جميع الحوادث من الحق ~~، {وعمل صالحا} فلم يخل بالفرائض ، {ثم اهتدى} للسنة والجماعة ، وقال أيضا ~~: ثم اهتدى بنا إلينا. ه. PageV04P433 # قال الورتجبي : التائب : المنقطع إلى الله ، والمؤمن : العارف بالله ، ~~والعمل الصالح : تركه ما دون الله ، فإذا كان كذلك ، فاهتدى بالله إلى الله ~~، ويكون مغمورا برحمة الله ، ومعصوما بعصمة الله. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 295 # يقول الحق جل جلاله لموسى عليه السلام ، لما ذهب إلى الطور ، لموافاة ~~الميقات ، للعهد الذي ms1635 عهد إليه ، واختار سبعين من بني إسرائيل ، يحضرون معه ~~؛ لأخذ التوراة بأمره تعالى ، فلما دنا من الجبل حمله الشوق ، فاستعجل إلى ~~الجبل ، وترك قومه أسفله ، فقال له الحق جل جلاله : {وما أعجلك عن قومك يا ~~موسى} أي : ما حملك على العجلة ، وأي شيء أعجلك منفردا عن قومك ، وقد أمرتك ~~باستصحابهم ، ولعل في إفرادك عنهم عدم اعتناء بهم ؟ فأجاب عليه السلام بقول ~~: {هم أولاء على أثري} أي : هم هؤلاء قريبا مني ، فهم معي ، وإنما سبقتهم ~~بخطا يسيرة ، ظننت أنها لا تخل بالمعية ، ولا تقدح في الاستصحاب ، فإن ذلك ~~مما لا يعتد به فيما بين الرفقة. # قال الكواشي : ولما كان سؤال الرب تعالى لموسى يقتضي شيئين : أحدهما : ~~إنكار العجلة ، والثاني : السؤال عن السبب والحامل عليها ، كان أهم الأمرين ~~إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه ، فاعتل أن قال : إن ~~ما وجد مني تقدم يسير ، لا يعتد بمثله في العادة لقربه ، كما يتقدم الوفد ~~رئيسهم ومتقدمهم ، ثم عقبه بجواب السؤال فقال : {عجلت إليك رب لترضى} ؛ ~~لتزداد عني رضا ؛ لمسارعتي إلى الامتثال لأمرك ، واعتنائي بالوفاء بعهدك ؛ ~~لأنه ظن أن إسراعه إليه أبلغ في رضاه. وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد ~~للأنبياء - عليهم السلام - والمعنى : لتعلم أني أحبك ولا قرار لي مع غيرك. ه. PageV04P434 # وقال القشيري : {هم أولاء على أثري} ؛ ما خلفتهم لتضييعي إياهم ، ولكن عجلت ~~إليك رب لترضى. قال : يا موسى ، رضائي في أن تكون معهم ، ولا تتقدمهم ولا ~~تسبقهم ، وكونك مع الضعفاء ، الذين استصحبتهم في حصول رضاي ، أبلغ من تقدمك ~~عليهم. ه. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 296 # قال} له تعالى : {فإنا فتنا قومك من بعدك} أي : ابتليناهم بعبادة العجل ~~من بعد ذهابك من بينهم. روي أنهم أقاموا على ما وصاهم به موسى عليه السلام ~~عشرين ليلة ، بعد ذهابه ، فحسبوها مع أيامها أربعين ، وقالوا : قد أكملنا ~~العدة ، وليس من موسى عين ولا أثر ، وكان وعدهم أن يغيب عنهم أربعين يوما ، ~~واستخلف هارون على من بقي منهم ، وكانوا ستمائة ألف ، فافتتنوا ms1636 بعبادة ~~العجل كلهم ، ما نجا منهم إلا اثنا عشر ألفا. # 297 # وهذا معنى قوله تعالى : {وأضلهم السامري} ، حيث كان هو السبب في فتنتهم ، ~~فقال لهم : إنما أخلف موسى عليه السلام ميعادكم ؛ لما معكم من حلي القوم ، ~~فهو حرام عليكم ، فكان من أمر العجل ما يأتي تفسيره إن شاء الله. فإخباره ~~تعالى بهذه الفتنة عند قدومه عليه السلام ، قبل وقوعها ، إما باعتبار ~~تحققها في علمه تعالى ، وإما باعتبار التعبير عن المتوقع بالواقع ، كما في ~~قوله تعالى : {ونادىا أصحاب الجنة} [الأعراف : 44] ، أو لأن السامري كان قد ~~عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام ، وتصدى لها بترتيب ~~مبادئها ، فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها. # والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل ، يقال لها : سامرة ، وقيل : ~~كان رجلا من كرمان. وقال ابن عباس : كان من قرية يعبدون البقر ، فدخل في ~~بني إسرائيل وأظهر الإسلام ، وفي قلبه ما فيه من حب عبادة البقرة ، فابتلى ~~الله به بني إسرائيل ، واسمه : موسى بن ظفر. PageV04P435 # {فرجع موسى إلى قومه} بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة ، لا عقب الإخبار ~~بالفتنة ، كما يتوهم من قوله تعالى : {غضبان أسفا} ، فإن كون الرجوع بعد ~~الأربعين أمر مقرر مشهور ، يرفع كون الرجوع عقب الفتنة. والأسف : أشد الغضب ~~، وقيل : أسفا : حزينا جزعا على ضلال قومه. {قال يا قوم ألم يعدكم ربكم ~~وعدا حسنا} ؛ بأن يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى ، {أفطال ~~عليكم العهد} أي : مدة مفارقتي إياكم. والهمزة للإنكار ، والمعطوف محذوف ، ~~أي : أوعدكم ذلك فطال زمان الإنجاز ، فأخطأتم بسببه ، {أم أردتم أن يحل ~~عليكم غضب} شديد كائن {من ربكم} أي : من مالك أمركم ، {فأخلفتم موعدي} أي : ~~وعدي إياكم بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات ، أو وعدكم ~~إياي بأن تثبتوا على ما أمرتكم به ، على إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله ~~، والفاء ، لترتيب ما بعدها ، كأنه قيل : أنسيتم الوعد بطول العهد ~~فأخلفتموني خطأ {أم أردتم} حلول الغضب عليكم فأخلفتموه ؛ عمدا. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 296 # قالوا ما أخلفنا ms1637 موعدك} أي : وعدنا إياك بالثبات على ما أمرتنا به ، ~~{بملكنا} أي : بسلطاننا وقدرتنا ، ونحن نملك أمرنا. وفيه لغتان : فتح الميم ~~وكسرها. يعنون : لو خلينا وأمورنا ، ولم يسول لنا السامري ما سوله ، ما ~~أخلفنا ، ولكن غلبنا على أمرنا ، واستغوانا السامري مع مساعدة الأحوال. # وقال القشيري : أي : لم نكن في ابتداء حالنا قاصدين إلى ما حصل منا ، ولا ~~عالمين بما آلت إليه عاقبة أمرنا ، وإن الذي حملنا عليه حلي القبط ، صاغ ~~السامري منه العجل ، فآل الأمر إلى ما بلغ من الشر ، وكذلك الحرام لا يخلو ~~شؤمه من الفتنة والشر. ه. # 298 PageV04P436 ~~وقوله تعالى : {ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم} ، استدراك عما سبق ، ~~واعتذار ببيان منشأ الخطأ ، أي : حملنا أحمالا من حلي القبط ، التي ~~استعرناها منهم ، حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل : كانوا ~~استعاروها لعيد كان لهم ، ثم لم يردوها إليهم ، مخافة أن يقفوا على أمرهم. ~~وقيل : لما رمى البحر أجساد القبط ، وكان غالب ثيابهم الذهب والفضة ، ~~التقطها بنو إسرائيل ، فهي زينة القوم التي صيغ منها العجل ، ولعل تسميتها ~~أوزارا ؛ لأنها تبعات وآثام ، حيث لم تحل الغنائم لهم. # {فقذفناها} أي : في النار رجاء الخلاص من عقوبتها ، أو قذفناها إلى ~~السامري وألقاها في النار ، {فكذلك ألقى السامري} ما كان معه منها كما ~~ألقيناه ، أو ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل ، كان قد صره في ~~عمامته ، وكان ألقى إليه الشيطان : أنه ما خالط شيئا إلا حيى ، فألقاه في ~~فمه فصار يخور. روي : أنه قال لهم : إنما تأخر موسى عنكم ، لما معكم من ~~الأوزار ، فالرأي أن نحفر حفرة ويسجر فيها نار ، ونقذف فيها كل ما معنا ، ~~ففعلوا ، {فأخرج لهم} من ذلك الحلي المذاب {عجلا} أي : صورة عجل {جسدا} أي ~~: جثة ذات لحم ودم ، أو جسدا من ذهب لا روح فيه ، {له خوار} أي : صوت عجل ، ~~{فقالوا} أي : السامري ومن افتتن به : {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} أي : غفل ~~عنه وذهب يطلبه في الطور. فقوله تعالى : {فأخرج لهم...} الخ... هو من كلام ms1638 ~~الله تعالى ، حكاية لنتيجة فتنة السامري ، قولا وفعلا ، قصدا إلى زيادة ~~تقريرها ، وتمهيدا للإنكار عليهم ، وليس من كلام المعتذرين ، وإلا لقال : ~~فأخرج لنا... والله تعالى أعلم. PageV04P437 # الإشارة : ينبغي لرئيس القوم ، إذا كان في سفر ، أن يكون وسطهم ، أو سائقا ~~لهم ، ولا يتقدمهم أو يستعجل لأمر عنهم ، فإن التأني كله من الله ، والعجلة ~~كلها من الشيطان ، والخير كله في الاجتماع مع الضعفاء والمساكين ، حتى يكون ~~كأحدهم ، فإن فارقهم ، لأمر مهم ، فليستخلف عليهم من يثق به في دينه ، ~~وليكن اعتماده في ذلك على ربه ، ونظره كله إلى رعايته وحفظه. قال الكواشي : ~~عن ابن عطاء : أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام : أتدري من أين أتيت ؟ ~~- يعني في فتنة قومه - قال : لا يا رب ، قال : حين قلت لهارون : اخلفني في ~~قومي ، أين كنت أنا حين اعتمدت على هارون ؟ . ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 296 # فكل فتنة أو ضلال يصيب الفقراء ، فإنما ذلك من عدم الاجتماع مع أهل الفن ~~، أو قلة الاستماع لهم ، فإن أصابتهم فتنة الأسباب ، والركون إلى شيء من ~~الدنيا في غيبة الشيخ ، فليرجع إليهم غضبان أسفا ، وليقل لهم : ألم يعدكم ~~ربكم وعدا حسنا ، وهو الفتح الكبير لو صبرتم على السير والتجريد ، أفطال ~~عليكم العهد ، فقد كانت الرجال تمكث في خدمة الأشياخ العشرين والثلاثين سنة ~~، أم أردتم أن يحل عليكم # 299 # غضب من ربكم ، بالإبعاد وإسدال الحجاب ، حيث خالفتم عهود أشياخكم ، فإن ~~اعتذروا فليقبل عذرهم ، وإن ركنوا إلى عبادة شيء من عجل الدنيا فليخرجه من ~~أيديهم ، وليقل : وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ، لنحرقنه ثم لننسفنه ~~في اليم نسفا. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 296 # قلت : {ألا يرجع} : " أن " مخففة ، لأن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين ~~، ومن قرأ بالنصب جعل الرؤية بصرية. PageV04P438 # يقول الحق جل جلاله : منكرا على عبدة العجل ومقبحا لرأيهم : {أفلا يرون} أي ~~: أفلا يتفكر هؤلاء الضالون المضلون فيعلمون {أن} الأمر والشأن : {لا يرجع ~~إليهم} العجل كلاما ، ولا يرد عليها جوابا ، وإنما هو جماد لا روح فيه ms1639 ؟ ~~فكيف يتوهمونه أنه إله ؟ وتعليق الإبصار بما ذكر مع كونه عدميا ؛ للتنبيه ~~على كمال ظهوره ، المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيك عقولهم. {و} هو أيضا {لا ~~يملك لهم ضرا ولا نفعا} أي : أفلا يرون أيضا أن العجل لا يقدر أن يدفع عنهم ~~ضرا ، أو يجلب لهم نفعا ؟ أو لا يقدر على أن يضرهم إن لم يعبدوه ، أو ~~ينفعهم إن عبدوه. # {ولقد قال لهم هارون من قبل} أي : والله لقد نصحهم هارون ونبههم على الحق ~~، من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم ، وقال لهم : {يا قوم إنما فتنتم به} ~~أي : وقعتم في الفتنة بالعجل أو ضللتم به ، والمعنى : إنما فعل بكم الفتنة ~~، لا الإرشاد إلى الحق ، {وإن ربكم الرحمن} وحده ، لا العجل ، أرشدهم إلى ~~الحق بعد أن زجرهم عن الباطل. والتعرض لعنوان الرحمانية ؛ للاعتناء ~~باستمالتهم إلى الحق المفضي إلى الرحمة الشاملة ، أي : إن ربكم الذي يستحق ~~أن يعبد هو الرحمن لا غير. {فاتبعوني} على الثبات على الدين ، {وأطيعوا ~~أمري} من ترك عبادة ما علمتم شأنه. # {قالوا} في جواب هارون عليه السلام : {لن نبرح عليه عاكفين} أي : لن نزال ~~على عبادة العجل مقيمين {حتى يرجع إلينا موسى} ، جعلوا رجوعه عليه السلام ~~غاية لعكوفهم على عبادة العجل ، لكن لا على طريق الوعد بتركها عند رجوعه ، ~~بل بطريق # 300 # التعلل والتسويف ، وقد دسوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشيء مبين ~~لإبطالها ، تعويلا على مقالة السامري. # جزء : 4 رقم الصفحة : 300 PageV04P439 ~~روي أنهم ، لما قالوا ذلك ، اعتزلهم هارون عليه السلام في اثني عشر ألفا ~~ممن لم يعبد العجل ، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة ، وكانوا يرقصون ~~حول العجل ، قال للسبعين الذين كانوا معه : هذا صوت الفتنة ، فلما وصل ~~إليهم قال لهم ما قال من قوله : {ألم يعدكم...} الخ. وسمع منهم ما قالوا من ~~قولهم : {ما أخلفنا...} الخ. فلما رأى هارون أخذ شعره بيمينه ، ولحيته ~~بشماله ، غضبا ، {قال يا هارون} ، وإنما جرده من الواو ؛ لأنه استئناف ~~بياني ، كأنه قيل : ماذا قال موسى لهارون حين سمع جوابهم ms1640 له ؟ وهل رضي ~~بسكوته بعدما شهد منهم ما شهد ؟ فقيل : {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ~~ضلوا} بعبادة العجل ، وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بتلك المقالة ~~الشنعاء ، {ألا تتبعن} أي : أن تتبعني. على أن " لا " مزيدة ، أي : أي شيء ~~منعك ، حين رأيت ضلالتهم ، من أن تتبعني فميا أمرتك ، وتعمل بوصيتي ~~فتقاتلهم بمن معك ؟ قال ابن عطية : والتحقيق : أن " لا " غير مزيدة ، ويقدر ~~فعل ، أي : ما منعك مجانبتهم وسول لك ألا تتبعن. ه. قلت : وفيه نظر ؛ لأن ~~مجانبة هارون عليه السلام للقوم كانت حاصلة ، وإنما أنكر عليه عدم مقاتلتهم ~~، أو عدم لحوقه ليخبره ، فتأمله. وقيل : المعنى : ما حملك على ألا تتبعن ، ~~فإن المنع من الشيء مستلزم للحمل على مقابله ، وقيل : ما منعك أن تلحقني ~~وتخبرني بضلالهم ، فتكون مفارقتك زجرا لهم ، وهذا أظهر. # {أفعصيت أمري} بالصلابة في الدين والمحاماة عليه ، فإن قوله : {اخلفني في ~~قومي} متضمن للأمر بهما حتما ، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ~~ما كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا ، والهمزة للإنكار ، والفاء للعطف ، ~~أي : أخالفتني فعصيت أمري. PageV04P440 # {قال يا ابن أم} ، خص الأم بالذكر ؛ استعطافا لحقها ، وترقيقا لقلبه ، لا ~~لما قيل من أنه كان أخاه لأمه ، فإن الجمهور على أنهما شقيقان. قال له : ~~{لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} أي : بشعر رأسي. وقد كان عليه السلام أخذ بهما ~~كما تقدم ، من شدة غيظه وفرط غضبه لله ، وكان حديدا متصلبا في كل شيء ، فلم ~~يتمالك حين رآهم يعبدون العجل ، حتى فعل ما فعل. ثم اعتذر له أخوه بقوله : ~~{إني خشيت} إن قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا ، {أن تقول فرقت بين بني إسرائيل} ~~برأيك ، مع كونهم أبناء رجل واحد ، كما ينبئ عنه ذكرهم بذلك العنوان دون ~~القوم ونحوه. وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتال من التفريق : ~~الذي لا يرى بعده اجتماع ، فخشيت أن تقول : فرقت بينهم ، {ولم ترقب قولي} ~~أي : قوله : {اخلفني في قومي وأصلح...} الخ ، يعني : إني رأيت أن الأصلح هو ~~في حفظ الدماء والمداراة معهم ، إلى أن ms1641 ترجع إليهم ، فلذلك استأنيتك ؛ # 301 # لتكون أنت المتدارك للأمر بما رأيت ، لا سيما وقد كانوا في غاية القوة ، ~~ونحن على القلة والضعف ، كما يعرب عنه قوله : {إن القوم استضعفوني وكادوا ~~يقتلونني} [الأعراف : 150]. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 300 # الإشارة : كل من اعتمد على غير الله ، أو مال بمحبته إلى ما سوى الله ، ~~فهو في حقه عجل بني إسرائيل ، فيقال له : كيف تركن إليه وهو لا يملك لك ضرا ~~ولا نفعا ، وإنما فتنت به عن السير إلى ربك ، وانطمست به حضرة قدسك ، فربك ~~الرحمن الكريم المنان ، فاتبع ما أمرك به من الطاعات ، وكن عبدا له في جميع ~~الحالات ، تكن خالصا لله ، حرا مما سواه. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 300 PageV04P441 ~~يقول الحق جل جلاله : {قال} موسى عليه السلام في توبيخ السامري : {فما خطبك ~~يا سامري} أي : ما شأنك ، وما مطلوبك فميا فعلت من فتنة القوم ؟ خاطبه بذلك ~~؛ ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه ، وليفعل به وبما صنع من العقاب ما يكون ~~نكالا للمفتونين به ، ولمن خلفهم من الأمم من بعده ، {قال} السامري في ~~جوابه : {بصرت بما لم يبصروا به} أي : علمت ما لم يعلمه القوم ، وفطنت لما ~~لم يفطنوا به ، أو رأيت ما لم يروه ، وهذا أنسب ، وقد كان رأى جبريل عليه ~~السلام ، جاء راكبا فرسا ، وكان كلما رفع الفرس يده أو رجله عن الطريق ~~اليبس ، اخضر ما تحت قدمه بالنبات ، فعرف أن له شأنا ، فأخذ من موطئه شيئا ~~من التراب. وذلك قوله تعالى : {فقبضت قبضة من أثر الرسول} أي : أثر فرس ~~الرسول ، وهو جبريل ، الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور. # وقال في اللباب : كان السامري من المقربين لموسى عليه السلام ، فرأى ~~جبريل راكبا على فرس ، وقد دخل البحر فانفلق ، فأخذ من أثره ، ولم ير ذلك ~~إلا من كان مع موسى. ه. وقال قتادة : كان السامري عظيما في بني إسرائيل ، ~~من قبيلة يقال لها : سامرة ، ولكن عدو الله نافق ، بعدما قطع البحر مع بني ~~إسرائيل ، فلما مرت بنو ms1642 إسرائيل بالعمالقة ، وهم يعكفون على أصنام لهم ، ~~وكانوا يعبدون البقر ، {قالوا ياموسىا اجعل لنآ إلاها كما لهم آلهة} ~~[الأعراف : 138]. فاغتنمها السامري فاتخذ العجل. ه. # 302 # وقال الكواشي : وإنما عرف السامري جبريل من بين سائر الناس ؛ لأن أمه ~~ولدته في السنة التي يقتل فيها الغلمان ، فوضعته في كهف ؛ حذرا عليه ، فبعث ~~الله تعالى جبريل ؛ ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة. ه. وضعفه ابن عطية. ~~قلت : ولعل تضعيفه من جهة النقل ، وأما القدرة فهي صالحة ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا. # جزء : 4 رقم الصفحة : 302 PageV04P442 ~~ثم قال : فأخذت تلك القبضة {فنبذتها} في فم تلك الصورة المذابة من الحلي ، ~~فصارت تخور ، {وكذلك سولت لي نفسي} ؛ أي : زينت. والإشارة : نعت لمصدر ~~محذوف ، أي : سولت لي نفسي تسويلا كائنا مثل ذلك التسويل البديع. # وحاصل جوابه : أن ما فعله إنما صدر منه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة ~~وإغوائها ، لا لشيء آخر من البرهان العقلي أو الإلهام الإلهي ، فند ذلك ~~{قال} له موسى عليه السلام : {فاذهب} أي : اخرج من بين الناس ، {فإن لك في ~~الحياة} أي : في مدة حياتك ، {أن تقول لا مساس} والمعنى : أن لك في مدة ~~حياتك أن تفارقهم مفارقة كلية ، لا بحسب الاختيار ، بل بحسب الاضطرار ~~الملجئ إليه ، وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام ، لا يكاد يمسه أحد ، أو يمس ~~أحدا ، إلا حم من ساعته حمى شديدة ، فتحامى الناس وتحاموه ، وكان يصيح ~~بأقصى طوقه : لا مساس. وقيل : إن موسى عليه السلام نفاه من قومه ، وأمر بني ~~إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه. قال الحسن : (جعل الله عقوبة السامري ألا ~~يماس الناس ولا يماسوه. جعل ذلك له ولمن كان منه إلى يوم القيامة). فكأن ~~الله تعالى شدد عليه المحنة ، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال : ابتلي ~~بالوسواس ، وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة : بقاياه اليوم يقولون ~~ذلك : لا مساس. ويقال : إن موسى هم بقتل السامري ، فقال الله تعالى له : لا ~~تقتله ؛ فإنه سخي. ولعل الحكمة في عقابه بهذه العقوبة : أن مخالطته للناس ~~نشأت ms1643 من هذه الفتنة ، فعوقب بالطرد والبعد عنهم. PageV04P443 # ثم قال له الله : {وإن لك موعدا} أي : في الآخرة ، {لن تخلفه} أي : لن ~~يخلفك الله ذلك الوعد ، بل ينجزه لك ألبتة ، بعد ما عاقبك في الدنيا. أو لن ~~تجاوزه ولن تخطئه ، بل لا بد لك من ملاقاته. {وانظر إلى إلهك} العجل ، ~~{الذي ظلت عليه عاكفا} ؛ مقيما على عبادته ، {لنحرقنه} أي : والله لنحرقنه ~~بالنار ، وقيل بالمبرد ، مبالغة في الحرق ، ويعضده قراءة : " لنحرقنه " ، ~~{ثم لننسفنه} أي : لنذرينه بالريح {في اليم} ؛ في البحر ، رمادا ، أو ~~مبرودا كأنه هباء ، {نسفا} بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر ، وقد فعل عليه ~~السلام ذلك كله حينئذ ، كما يشهد بذلك الأمر بالنظر ، وإنما لم يصرح به ؛ ~~تنبيها على كمال ظهوره ، واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين. # 303 # ثم نبه على الحق فقال : {إنما إلهكم الله} أي : إنما معبودكم المستحق ~~للعبادة هو الله. والجملة : استئنافية مسوقة لتحقيق الحق ، إثر إبطال ~~الباطل ، بتلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكل ، ثم وصفه بقوله : {الذي لا إله ~~إلا هو} وحده ، من غير أن يشاركه في الألوهية شيء من الأشياء ، {وسع كل شيء ~~علما} أي : وسع علمه كل ما من شأنه أن يعلم. وجملة : {وسع} : بدل من الصلة ~~، أي : إنما إلهكم : الذي وسع كل شيء علما لا غيره كائنا ما كان ، فيدخل ~~فيه العجل دخولا أوليا. وهذا ختم كلام موسى عليه السلام ، بتقرير أمر ~~التوحيد ، كما كان افتتاح الوحي إليه به بقوله : {إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا}. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 302 PageV04P444 ~~الإشارة : انظر أثر حافر فرس جبريل : كيف حييت به الأشباح ، فكيف لا تحيا ~~بتقبيل أثر وطء العارفين بالله ، أو بتقبيل أقدامهم ، بل كل من خضع لهم ~~وقبل أقدامهم حييت روحه ، وشعشعت أنواره ، وتحقق عرفانه ، كما هو معلوم ؛ ~~لأن الخضوع لأولياء الله إنما هو خضوع لله ؛ لأنهم يدلون على الله ، ~~ويبعدون عن كل ما سواه. وانظر السامري ؛ حين خضع لغير الله بمجرد هواه كيف ~~طرد وأبعد ، حتى صار مثلا في ms1644 الناس. فقالت الصوفية : ينبغي للفقير أن يفر ~~من أبناء جنسه ، ويكون كالسامري ، إذا رأى أحدا قال : لا مساس ، وأنشدوا : # وخف أبناء جنسك واخش منهم # كما تخشى الضراغم والسنبتا # وخالطهم وزايلهم حذارا # وكن كالسامري إذا لمست # والسنبتاء : كل حيوان جريء ، وقيل : اسم للنمر. # ويقال ، لمن ركن إلى شيء دون الله تعالى ؛ من علم ، أو عمل ، أو حال ، أو ~~مقام ، أو فني في مخلوق : (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم ~~لننسفنه في اليم نسفا). وفي بعض الأثر : يقول الله : " يا عبدي ، لا تركن ~~لشيء دوني ، فإن ركنت إلى علم جهلناك فيه ، وإن ركنت إلى عمل رددناه عليك ، ~~وإن ركنت إلى حال وقفناك معه ، وإن ركنت إلى معرفة نكرناها عليك. فأي حيلة ~~لك أيها العبد ، فكن لنا عبدا أكن لك ربا " أو كما قال. وإليه الإشارة ~~بقوله : {إنما إلهكم الله...} الآية. # جزء : 4 رقم الصفحة : 302 # {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق...} # قلت : محل الكاف : نصب على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي : نقص عليك قصا مثل ~~ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد ؛ للإيذان بعلو درجته - عليه ~~الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و{من أنباء} : في محل النصب ، إما ~~على أنه # 304 # مفعول {نقص} ؛ باعتبار معناه ، أي : نقص عليك بعض أنباء ، وإما على أنه ~~متعلق بمحذوف ؛ صفة للمفعول ، أي : نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. PageV04P445 # يقول الحق جل جلاله : {كذلك} أي : مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته {نقص ~~عليك من أنباء ما قد سبق} أي : من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ؛ ~~ليكون تبصرة لك ، وزيادة في علمك ، وتذكيرا لغيرك ، وعبرة لمن يقف عليه ممن ~~يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. # الإشارة : حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب ، فيها تنشيط ~~لمن يريد اللحوق بهم ، وتشويق لمقاماتهم ، وتسلية لمن يصاب في ذات الله ~~بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. # ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان ، فقال : # {... # جزء : 4 رقم ms1645 الصفحة : 304 PageV04P446 ~~وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين ~~فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ ~~زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم ~~طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها ~~قاعا صفصفا لا ترىا فيها عوجا ولاا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ~~وخشعت الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن ~~له الرحمان ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} ~~قلت : {من أعرض} : شرطية أو موصولة ، وعلى كل فهي صفة لذكرا ، و{خالدين} : ~~حال من فاعل {يحمل} ، أو الجمع ، باعتبار معنى " من " ، و{حملا} : تمييز ، ~~تفسير لضمير {ساء} ، والمخصوص محذوف ، أي : ساء حملا وزرهم ، و{يوم ينفخ} : ~~بدل من {يوم القيامة} ، أو منصوب باذكر. و{يتخافتون} : استئناف مبين لحالهم ~~يومئذ ، أو حال أخرى من {المجرمين}. و{قاعا} : حال من ضمير {يذرها} ، أو ~~مفعول ثان ليذر. و{صفصفا} : حال ثانية ، أو بدل من المفعول الثاني ، وجملة ~~: {لا ترى} : استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف ، أو حال أخرى ، ~~و{يومئذ} : ظرف ليتبعون ، أو بدل من {يوم القيامة}. PageV04P447 # يقول الحق جل جلاله : {وقد آتيناك} يا محمد {من لدنا} ؛ خصوص عنديتنا ~~{ذكرا} عظيما وقرآنا كريما ، جامعا لكل كمال ، مخبرا بعجائب القصص ~~والأمثال. {من أعرض عنه} أي : عن ذلك الذكر العظيم الشأن ، المستتبع لسعادة ~~الدارين ، بأن لم يؤمن # 305 # به ، {فإنه يحمل يوم القيامة وزرا} أي : عقوبة ثقيلة فادحة على كفره ~~وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب ، وصعوبة ~~احتمالها ، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره ، وقيل : يجسم ، ويجعل على ~~ظهره في طريق الحشر ، والأول أنسب لقوله : {خالدين فيه} أي : في ذلك الوزر ~~، وهو العذاب ، أو في ذلك الحمل الثقيل ؛ لاستمراره فيه بعد دخول النار ، ~~{وساء لهم يوم القيامة حملا} أي : بئس حملهم هذا يوم القيامة ، وإعادة يوم ~~القيامة ؛ لزيادة ms1646 التهويل. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 304 # يوم ينفخ في الصور} أي : ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور ، أو : اذكر يوم ~~ينفخ في الصور نفخة البعث ، {ونحشر المجرمين} أي : المشركين {يومئذ} أي : ~~يوم ينفخ في الصور ، وأعاده ، تهويلا ، حال كونهم {زرقا} أي : زرق العيون. ~~وإنما جعلوا كذلك ؛ لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب ، وكانت ~~تتشاءم بزرقة العين ، كما قال الشاعر : # لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق # وقيل زرقا ، أي : عميا ؛ لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل : عطاشا ~~؛ لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. PageV04P448 # {يتخافتون بينهم} أي : يخفضون أصواتهم ويخفونها ؛ لما علا صدورهم من الرعب ~~والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض : {إن لبثتم إلا عشرا} أي : ما ~~لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال ؛ استقصارا لمدة لبثهم فيها ، لزوالها ، أو ~~لتأسفهم عليها ، لما شهدوا الشدائد والأهوال ، أو في القبر ، وهو الأنسب ~~بحالهم ، فإنهم ، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه ~~من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك ؛ اعترافا به ، وتحقيقا لسرعة ~~وقوعه ، كأنهم قالوا : قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل : ~~ما بين النفختين ، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك ~~المدة ، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة ، لأنهم في طول ~~مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. # قال تعالى : {نحن أعلم بما يقولون} ، وهو مدة لبثهم ، أو نحن عالمون ~~اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه ، {إذ يقول أمثلهم طريقة} أي : ~~أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا : {إن لبثتم إلا يوما} ، ونسبة هذا القول إلى ~~أمثلهم : استرجاع منه تعالى ، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق ، بل لكونه أدل ~~على شدة الهول. # {ويسألونك عن الجبال} أي : عن مآل أمرها ، وقد سأل عنها رجل من ثقيف ، ~~وقيل : مشركو مكة ، على طريق الاستهزاء ، {فقل} لهم : {ينسفها ربي نسفا} أي ~~: يجعلها كالرمل ، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها ، أو يقلعها ويطرحها في ms1647 ~~البحار كالهباء المنثور ، {فيذرها} أي : يترك ما كان تحتها من الأرض {قاعا ~~صفصفا} أي : أرضا # 306 # مستوية ؛ لأن الجبال إذا سويت ، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض ، ~~فقد جعل الكل سطحا واحدا. فالضمير في {يذرها} إما للجبال ، باعتبار أجزائها ~~السافلة ، الباقية بعد النسف ، وهي مقارها ومراكزها ، وإما للأرض ، المدلول ~~عليها بقرينة الحال ؛ لأنها الباقية بعد نسف الجبال. # جزء : 4 رقم الصفحة : 304 PageV04P449 ~~والقاع والقيعة : ما استوى من الأرض وصلب ، وقيل : السهل ، وقيل : ما لا ~~نبات فيه. والصفصف : الأرض المستوية الملساء ، فإن أجزاءها صف واحد من كل ~~جهة ، {لا ترى فيها} أي : في الأرض الذي نسفت جبالها {عوجا} أي : اعوجاجا ~~وانخفاضا ، {ولا أمتا} ؛ نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس : العوج : الأودية ، ~~والأمت : الروابي. وقال مجاهد : العوج : الانخفاض ، والأمت : الارتفاع ؛ ~~والمعنى : أنك ، إن تأملت بالمقاييس الهندسية ، وجدتها مستوية الجهات. ~~والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. # {يومئذ} أي : يوم إذ نسفت الجبال ، {يتبعون الداعي} أي : يتبع الناس داعي ~~الله تعالى إلى المحشر ، وهو إسرافيل عليه السلام ، يدعو الناس بعد النفخة ~~الثانية ، قائما على صخرة بيت المقدس : أيها الناس هلموا إلى ربكم ، بعد أن ~~يدعوهم إلى الخروج من قبورهم ، قائلا : أيتها العظام النخرة ، والأوصال ~~المتمزقة ، واللحوم المتفرقة ؛ قوموا إلى العرض والحساب ، فيقبلون من كل ~~جانب منتشرين ، كأنهم جراد منتشر ، لا يدرون أين يذهبون ، فينادي حينئذ من ~~الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. # وقوله تعالى : {لا عوج له} أي : لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه ، فلا يزيغ ~~عنه ، بل كلهم يقصدون صوته ، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير : ~~لا عوج للصوت عن أحد ، بل يصل إليه أينما كان ، ويتوجه إليه حيث كان ، ~~{وخشعت الأصوات للرحمن} أي : خضعت وسكنت لهيبته {فلا تسمع إلا همسا} أي : ~~صوتا خفيا. والهمس : صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر ، أي ، انقطعت ~~أصوات اللسان ، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر ، من شدة ~~الهيبة والخوف. PageV04P450 # {يومئذ لا تنفع الشفاعة} أي : يوم إذ يقع ما ذكر من ms1648 الأمور الهائلة لا تنفع ~~شفاعة أحد ، {إلا من أذن له الرحمن} في الشفاعة ، كالأنبياء والأولياء ~~والعلماء الأتقياء ، {ورضي له قولا} أي : ورضي قوله في المشفوع له بحيث ~~يقبل شفاعته. وقيل : {ورضي له قولا} في الدنيا ، وهو : لا إله إلا الله ، ~~مخلصا من قلبه... أو : إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه ، ورضي لأجله قولا ~~من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع ، وإن وقعت ؛ ~~لقوله تعالى : {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر : 48]. # 307 # {يعلم ما بين أيديهم} أي : ما تقدمهم من الأحوال ، أو من أمر الدنيا ، ~~{وما خلفهم} : وما بعدهم مما يستقبلونه ، أو من أمر الآخرة ، {ولا يحيطون ~~به علما} أي : لا تحيط علومهم بذاته المقدسة ، بحيث يدركون كنه الربوبية ، ~~أو : لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري : الكناية في قوله : ~~{به} ، يحتمل أن تعود إلى {ما بين أيديهم وما خلفهم} ، ويحتمل أن تعود إلى ~~الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف ، يقولون : يعلم الحق ولا يحيط به العلم ، ~~كما قالوا : إنه يرى ولا يدرك. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 304 # الإشارة : وقد آتيناك من لدنا ذكرا ، أي : قرآنا يجمع القلوب على الله ، ~~ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي : عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته ~~، فإنه يحمل وزرا ، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين ، فيبقى مخلدا في ~~حضيض الغافلين ، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين ، فيكرم ~~المتقين ، ويهين المجرمين ، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة ، ~~كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. PageV04P451 # ويسألونك ، أيها العارف ، عن جبال العقل ، حين تطلع على نور قمره شمس ~~العرفان ، فقل ينسفها ربي نسفا ، فيذر أرض النفس ، حين استولت عليها أسرار ~~المعاني ، قاعا صفصفا ، لاتصالها بفضاء المعاني ، حين ذهبت أغيار الأواني ، ~~لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا ، وبحرا طامسا ، ~~ليس فيه بعد ولا قرب ، ولا علو ولا سفل ، وفي ذلك يقول الشاعر : # من أبصر الخلق كالسراب # فقد ترقى عن الحجاب # إلى وجود تراه رتقا ms1649 # بلا ابتعاد ولا اقتراب # ولم يشاهد به سواه # هناك يهدى إلى الصواب # فلا خطاب به إليه # ولا مشير إلى الخطاب # والمراد بالخلق : جميع الكائنات ، فلا خطاب من العبد إلى ربه ، لمحو ~~العبد من شدة القرب ، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم : " ما العارف ~~من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته ، بل العارف من لا إشارة له ؛ ~~لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا : من عرف الله كل لسانه ، ~~وإليه الإشارة بقوله : {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا}. وهذا بعد ~~اتباع الداعي إلى الله وصحبته ، من غير عوج عنه ، ولا خروج عن رأيه ، حتى ~~يقول له : ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم ، فلا يقدر أحد أن ~~يرفع صوته ، وهو في حضرة الملك الكريم ، وهذا شأن الصوفية ، كلامهم كله ~~تخافت وتسارر ؛ لغلبة الهيبة عليهم. # قوله تعالى : {يومئذ لا تنفع الشفاعة} أي : في دخول الحضرة ، {إلا من أذن ~~له الرحمن} في التربية والترقية ، {ورضي له قولا} ، وهو ذكر الله ، يأمر به ~~من أراد # 308 # شفاعته فيه ، حتى تستولي عليه أنوار الذكر ، فيدخل مع الأحباب ، ويجلس ~~على بساط الاقتراب ، فحينئذ يحصل له العلم بالله ، على نعت الذوق والوجدان ~~، وشهود العيان ، لا على نعت الدليل والبرهان. PageV04P452 # وقوله تعالى : {ولا يحيطون به علما} إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية ~~لمن دخل الحضرة ، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق ، وكيف ؟ وهم ~~يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا ، في هذه الدار وفي تلك ~~الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات ، ما ~~تعجز عنه العقول ، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري ~~بالذات العلية ، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها ، وتسرح فكرتهم في ~~بحر الأولية والآخرية ، والظاهرية والباطنية ، والعظمة الفوقية وما تحت ~~الثرى ، ويخوضون في بحار الأحدية ، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية ، فلا ~~خوف ولا ملل ، من غير إحاطة ، كما تقدم. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 304 # قلت : {وقد خاب...} ms1650 الخ : استئناف ، تعليل ما لأجله عنت وجوههم ، أو ~~اعتراض ، كأنه قيل : خابوا وخسروا ، أو حال من الوجوه ، و{من} : عبارة عنها ~~، مغنية عن ضميرها ، أي : خضعت الوجوه ، والحال أنها خابت حين حملت ظلما. ~~وقيل : {الوجوه} على العموم ، فالمعنى حينئذ : وقد خاب من حمل منهم ظلما ، ~~ومن قرأ : " فلا يخف " : فعلى النهي ، وهو جواب ، ومن قرأ بالرفع : فعلى ~~الخبر ، أي : فهو لا يخاف. # يقول الحق جل جلاله : {وعنت الوجوه للحي القيوم} أي : ذلت وخضعت خضوع ~~العناة ، أي : الأسارى في يد الملك القهار ، ومنه قيل للأسير : " عان " ، ~~أي : خاضع ذليل ، وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت : # مليك على عرش السماء مهيمن # لعزته تعنو الوجوه وتسجد # ولعلها وجوه المجرمين ، كقوله تعالى {سيئت وجوه الذين كفروا} [الملك : ~~27] ، ويؤيده وصله بقوله : {وقد خاب من حمل ظلما} أي : وعنت الوجوه ؛ لأنها ~~قد خابت وخسرت حين حملت ظلما. # 309 PageV04P453 ~~قال ابن عباس رضي الله عنه : (خسر من أشرك بالله ولم يتب) ، فإنما تذل وجوه ~~من أشرك بالله ، وأما أهل التوحيد فأشار إليهم بقوله : {ومن يعمل من ~~الصالحات...} الخ ، فهو قسيم لقوله : {ومن خاب من حمل ظلما} ، لا لقوله : ~~{وعنت الوجوه}. # وإذا حملنا {عنت} على مطلق الخضوع أو السجود كان عاما ، لأن الخلائق كلها ~~تخضع لله في ذلك الوقت. ثم فصلهم : فمن حمل ظلما فقد خاب وخسر ، {ومن يعمل ~~من الصالحات} أي : بعضها ، {وهو مؤمن} ، فالإيمان شرط في صحة الطاعات وقبول ~~الحسنات ، {فلا يخاف ظلما} أي : منع ثواب قد استحقه بموجب الوعد ، أو زيادة ~~عقاب على موجب سيئاته ، {ولا هضما} أي : كسرا ونقصا من ثواب حسناته ، وأصل ~~الهضم : النقص والكسر ؛ يقال : هضمت لك من حقك ، أي : حططت ، وهضمت الطعام ~~: حططته إلى أسفل المعدة ، وامرأة هضيمة الكشح : أي : ضامرة البطن ، فالحق ~~تعالى إنما تعرض لنفي الظلم والهضم عن عامل الصالحات ، لأن نفي ذلك إنما ~~يكون مع العمل ، ففيه يتوهم الهضم والنقص ، وأما بدونه فلا... نعم ، ~~الإيمان المجرد نافع على مذهب أهل السنة ، لكن صاحبه على خطر في نفوذ ~~الوعيد ms1651 ، ولو غفر له ، فإنه ناقص عن درجة عامل الصالحات ، كما علم شرعا. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 309 # الإشارة : إذا سرحت الفكرة ، وجالت في أقطار الملكوت وأسرار الجبروت ، ~~وتحققت بعدم الإحاطة ، رجعت إلى عش العبودية ، وخضعت للحي القيوم ، وقد خاب ~~وخسر من لم يبلغ إلى هذا المقام ، حين حمل ظلما بالميل إلى الشيء من السوى ~~، بغلبة الطبع والهوى ، وأما من نهض إلى مولاه ، واشتغل بالعمال التي تقربه ~~إلى حضرته ، فلا يخاف ظلما ولا هضما ؛ فإن الله يرفع العبد على قدر همته ، ~~وينعمه على قدر طاعته. وبهذا جاء الوحي والتنزيل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 309 PageV04P454 ~~قلت : {وكذلك} : عطف على قوله : {كذلك نقص} ، و" ذلك " : إشارة إلى إنزال ~~ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد ، المنبئة عما سيقع من أهوال يوم ~~القيامة. # يقول الحق جل جلاله : {وكذلك} أي : ومثل ذلك الإنزال المتقدم ، {أنزلناه} ~~أي : القرآن كله ، وإضماره ، من غير سبقية ذكره ؛ للإيذان بنباهة شأنه ، ~~وكونه مركوزا في العقول ، حاضرا في الأذهان ، حال كونه : {قرآنا عربيا} ؛ ~~ليفهمه العرب ، ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز ، الدال على كونه خارجا ~~عن طوق البشر ، نازلا من عند خلاق القوى والقدر. {وصرفنا فيه من الوعيد} أي ~~: كررنا فيه بعض الوعيد ، أو من جنس # 310 # الوعيد ، {لعلهم يتقون} أي كي يتقوا الكفر والمعاصي بالفعل ، {أو يحدث ~~لهم ذكرا} ؛ اتعاظا واعتبارا يؤديهم إلى الارتقاء ، {فتعالى الله} أي : ~~تعاظم شأنه عما يصفه الكفرة ، وتهاون العصاة ، الذين لم يحدث فيهم القرآن ~~زجرا ولا وعظا ، أي : ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته ~~وصفاته وأفعاله ، {الملك} لها ، النافذ أمره ونهيه ، الحقيق بأن يرجى وعده ~~، ويخشى وعيده ، {الحق} في ألوهيته لذاته ، أو الثابت الذي لا يمكن عدمه ، ~~أزلا وأبدا. PageV04P455 # {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} أي وإذا كنا أنزلنا عليك ~~قرآنا عربيا ، وصرفنا فيه من الوعيد ، فأمهل عند نزوله ، حتى يقرأه عليك ~~الملك ، ولا تعجل به قبل أن يتم وحيه ، ويفرغ من قراءته عليك. كان صلى الله ms1652 ~~عليه وسلم ، إذا ألقى جبريل عليه الوحي ، يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة ، ~~لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ ، فنهى عن ذلك ؛ لأنه ربما يشغله التلفظ ~~بكلمة عن سماع ما بعدها ، ولأن المراد من الألفاظ فهم المعاني المتضمنة ~~للعلوم التي لا حصر لها ، ولذلك أمره باستفاضة العلم واستزادته منه فقال : ~~{وقل رب زدني علما} أي : وقل في نفسك ، أو بلسانك : رب زدني علما ، والمراد ~~: سل الله عز وجل زيادة العلم به وبأحكامه ؛ إذ لا نهاية لعلمه كما لا ~~نهاية لذاته ، فإنه الموصل إلى مطلبك دون الاستعجال. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 310 # الإشارة : وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا ، يعرب عن كمال ظهور ذاته وأنوار ~~صفاته ، وصرفنا فيه من الوعيد ، لمن تخلف عن شهوده ، بعد كمال ظهوره ، ~~لعلهم يتقون ما يحجبهم عن رؤيته ، أو يحدث لهم ذكرا ، أي : شوقا يزعجهم إلى ~~النهوض إلى حضرته ، والوصول إليه ، فتعالى الله الملك الحق أن يتصل بشيء ، ~~أو يتصل به شيء ، وإنما الوصول إليه : العلم بإحاطته ووحدة ذاته. # ولا تعجل ، أيها العارف ، بالقرآن الذي ينزل على قلبك من وحي الإلهام ، ~~من قبل أن يقضى إليك وحيه ، فإن الواردات الإلهية تأتي مجملة ، وبعد الوعي ~~يكون البيان ، {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه} ، ولكن استزد ~~من ربك العلوم اللدنية والكشوفات الإلهية ، أي : لا يكن همك استعجال ~~الواردات أو بقاءها ، وليكن همك استزادة العلوم ومعرفة واهبها ، فإن العلوم ~~وسائل لمعرفة المعلوم ، والوصول للحي القيوم. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 310 PageV04P456 ~~{ولقد عهدنآ إلىا ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدواا إلا إبليس أبىا فقلنا ياآدم إن هاذا عدو لك ولزوجك فلا ~~يخرجنكما من الجنة فتشقىا إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرىا وأنك لا تظمأ فيها ~~ولا تضحىا فوسوس إليه الشيطان قال ياآدم هل أدلك علىا شجرة الخلد وملك لا ~~يبلىا فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة...} # قلت : يقال : عهد إليه الملك ، وأوعد ms1653 إليه ، وتقدم إليه : إذا أمره ووصاه. # يقول الحق جل جلاله : {و} الله {لقد عهدنا} وتقدمنا {إلى آدم} من غرور ~~الشيطان وعداوته ، ووصيناه ألا يغتر به ، {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ~~ولزوجك} ، فلا تغتر بنصحه {فنسي} ذلك العهد ولم يحتفل به ، حتى غفل عنه ، ~~واغتر بإظهار نصحه ، حتى أكل من الشجرة ، متأولا أن النهي للتنزيه ، أو عن ~~عين الشجرة ، لا عن جنسها ، فأكل من غيرها ، {ولم نجد له عزما} أي : ثبات ~~قدم ، وحزما في الأمور ، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته ، وقد كان ~~ذلك منه عليه السلام في بدء أمره ، قبل أن يجرب الأمور ؛ ويتولى حارها ~~وقارها ، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " لو وزنت ~~أحلام بني آدم - أي : عقولهم - بحلم آدم ، لرجح حلمه " وقيل : {ولم نجد له ~~عزما} على الذنب ، فإنه أخطأ ، أو تأول ، ولم يتعمد ، وأما قوله : ~~{وعصى...} ؛ فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه ، " حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين ". # جزء : 4 رقم الصفحة : 311 PageV04P457 ~~ثم شرع في بيان المعهود ، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه ، فقال : {وإذ ~~قلنا} أي : واذكر وقت قولنا {للملائكة اسجدوا لآدم} ، وتعليق الذكر بالوقت ~~، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث ؛ للمبالغة في إيجاب ذكرها ، ~~فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه ، فالأمر بذكره أمر بذكر ~~تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني ، أي : اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ~~ومنه ، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه ، فقد أمرنا الملائكة بالسجود ~~{فسجدوا} كلهم {إلا إبليس آبى} السجود واستكبر ، أو فعل الإباء وأظهره. # {فقلنا} عقب ذلك ، اعتناء بنصحه ، وهو العند الذي عهدناه إليه : {يا آدم ~~إن هذا} الذي رأيته فعل ما فعل {عدو لك ولزوجك} ؛ حيث لم يرض بالسجود لك ، ~~{فلا يخرجكما من الجنة} أي : لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة ، والمراد : ~~نهيهما عن الاغترار به ، {فتشقى} : جواب النهي ، أي : فتتعب بما ينالكما من ~~شدائد الدنيا ، من # 312 # الجوع والعطش ، والفقر والضر ، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش ms1654 واللباس ، ~~فيكون عيشك من كد يمينك. قال ابن جبير : (اهبط إلى آدم ثور أحمر ، فكان ~~يحرث عليه ، ويمسح العرق عن جبينه ، فهو شقاؤه). ولم يقل : فتشقيا ؛ لأنه ~~غلب الذكر ؛ لأن تعبه أكثر ، مع مراعاة الفواصل. PageV04P458 # قال تعالى له : {إن لك} يا آدم {أن لا تجوع فيها ولا تعرى} من فقد اللباس ، ~~{وأنك لا تظمأ} : لا تعطش {فيها ولا تضحى} ؛ تبرز للشمس فيؤذيك حرها ، إذ ~~ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون ~~النعم من المآكل والمشارب ، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن ~~المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر ~~من نفي نقائضها ، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو ؛ لتنفير تلك الأمور ~~المنكرة ؛ ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها ، على أن الترغيب قد ~~حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها ، سوى ما استثنى من الشجرة ، ~~حسبما نطق به قوله تعالى : {ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما} [البقرة : 35] ، وقد طوي ذكرها هنا ؛ اكتفاء بما في موضع آخر ، ~~واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب ، ونفي الجوع وما بعده ~~عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا ، بل كلما تمتعوا ~~بشيء مما ذكر ، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه ، من غير أن ينتهوا إلى حد ~~الضرورة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 311 # قال تعالى : {فوسوس إليه الشيطان} أي : أنهى إليه وسوسته ، أو أسرها إليه ~~، {قال} فيها : {يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد} ؟ أي : شجرة من أكل منها ~~خلد ، ولم يمت أصلا ، سواء كان على حاله ، أو بأن يكون ملكا ، {و} أدلك على ~~{ملك لا يبلى} أي : لا يفنى ولا يزول ، ولا يختل بوجه من الوجوه ، {فأكلا ~~منها فبدت لهما سوآتهما} قال ابن عباس رضي الله عنه : عريا عن النور الذي ~~كان الله تعالى ألبسهما ، حتى بدت فروجهما. {وطفقا يخصفان} ؛ يرقعان ~~{عليهما من ورق الجنة} ، وقد تقدم في ms1655 الأعراف. PageV04P459 # الإشارة : ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا ، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة ~~جنتنا ، فنسي شهودنا ، ومال إلى زخارف جنتنا ، فأنزلناه إلى أرض العبودية ، ~~حتى يتطهر من البقايا ، وتكمل فيه المزايا ، فحينئذ نسكنه في جوارنا ، ~~ونكشف له عن حضرة جمالنا ، على سبيل الخلود في دارنا. # قال جعفر الصادق : عهدنا إلى آدم ألا ينسانا ، فنسي واشتغل بالجنة ، ~~فابتلى بارتكاب النهي ، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم ، فوقع من النعمة ~~في البلية ، فأخرج من # 313 # النعيم والجنة ؛ ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم ، لا الالتذاذ بالأكل ~~والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه ، نسأل الله تعالى أن يمدنا ~~وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء : إنما نسي آدم العهد ؛ لأنه ~~لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها ، وابتلاه بشهوات النفس ~~فيها ، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية ، وشهوة الوقاع عليه غالبة. ه. أي : ~~فترك النظر إلى جمال المعاني ، واشتغل بحس الأواني ، فأفضى به إلى ترك ~~الأدب ، ولزمه التعب ، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ ، وليكن على ~~حذر من الغفلة حين تناولها ، والعصمة من الله. PageV04P460 # وقوله تعالى : {ولم نجد له عزما} ، قال الحاتمي : أي : على انتهاك الحرمة ، ~~بل وقع بمطالعة قدر سابق ، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. ~~قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : وبما أشار إليه من مطالعة القدر ~~يتضح لك قوله عليه السلام : " فحج آدم موسى " ، وليس ذلك لغيره إن لم يكن ~~مجبورا ومأخوذا عنه ، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على ~~الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله : {وكان أمر الله قدرا مقدورا} ~~، فأشار لغلبة القدر وقهره ، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت : احتجاج ~~آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح ، الذي هو محل التشريع ~~، إنما كان في عالم الأرواح ، الذي هو محل التحقيق ، فالنظر في ذلك العالم ~~الروحاني ، إنما هو لسر الحقيقة ، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك ، فمن ms1656 ~~احتج بهذا غلب ، بخلاف عالم الأشباح ، لا يصح الاحتجاج بالقدر ؛ لأن فيه ~~خرق رداء الشريعة. فتأمله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 311 # وقال في التنوير : اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا ، ~~فإما أن يكون نسي الأمر ، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر ، وهو قول بعضهم ، ~~ونحمل عليه قوله سبحانه : {فنسي} ، وإن كان تناوله ، ذاكرا للأمر ، فهو ~~إنما تناول لأنه قيل له : {ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة...} [الأعراف : ~~20] الآية ، فلحبه في الله ، وشغفه به ، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره ~~والبقاء عنده ، أو ما يؤديه إلى الملكية ؛ لأن آدم عليه السلام عاين قرب ~~الملائكة من الله ، فأحب أن يأكل من الشجرة ؛ ليتناول الملكية ، التي هي في ~~ظنه أفضل ، لا سيما وقد قال سبحانه : {وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين} ~~[الأعراف : 21] ، قال آدم عليه السلام : (ما ظننت أن أحدا يحلف بالله ~~كاذبا) ، فكان كما قال الله سبحانه : {فدلاهما بغرور}. ه. PageV04P461 # وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى : {هل أدلك على شجرة الخلد} ؟ فقال : قال آدم ~~عليه السلام : يا رب لم أدبتني ، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في ~~جوارك ؟ # 314 # فقال الله : يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني ، والخلود بيدي وملكي ، ~~فأشركت بي ، وأنت لا تعلم ، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في ~~وقت من الأوقات. ه. والحاصل : أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته ، ويكون ~~معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر ، ولا يعارضه : {ما نهاكما عن ~~هذه الشجرة} ؛ لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا ، مع شهود الجبر بانا ، وإما أن ~~يحمل النسيان على الترك ، بتأويل أن النهي ليس على التحتم ، فتركه لما أمل ~~من جوار الحق وقربه في الأكل ، فقدمه ؛ لأنه أرجح عنده. قاله المحشي. # وقوله تعالى : {فوسوس إليه الشيطان...} الآية ، يؤخذ منه سد باب ~~التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا ، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا ~~توسعة ، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم ، وقد كان السلف يتركون ~~مائة جزء ms1657 من المباح ، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء ~~الطريق. # ثم قال تعالى : # {... وعصىا ءادم ربه فغوىا ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدىا قال اهبطا منها ~~جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقىا ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمىا قال رب ~~لم حشرتنيا أعمىا وقد كنت بصيرا قال كذالك أتتك آياتنا فنسيتها وكذالك ~~اليوم تنسىا وكذالك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد ~~وأبقىا} # جزء : 4 رقم الصفحة : 311 PageV04P462 ~~يقول الحق جل جلاله : {وعصى آدم ربه} بما ذكر من أكل الشجرة {فغوى} أي : ضل ~~عن مطلوبه ، الذي هو الخلود ، بل ترتب عليه نقيضه ، فكان تأميل ذلك باطلا ~~فاسدا ؛ لأنه خلاف القدر ، أو عن الرشد ، حيث اغتر بقول العدو. وقال ~~الكواشي : فعل فعلا لم يكن له فعله ، أو أخطأ طريق الحق ، حيث طلب الخلد ~~بأكل المنهي عنه ، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان ~~والغواية ، مع صغر زلته ، تعظيم لها ، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. # {ثم اجتباه ربه} أي : اصطفاه وقربه إليه ، بالحمل على التوبة والتوفيق ~~لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية ، مع الإضافة إلى ضميره ، مزيد تشريف له ~~عليه السلام ، يعني : آدم. {فتاب عليه} أي : قبل توبته حين تاب هو وزوجته ، ~~قائلين : {ربنا ظلمنآ أنفسنا} [الأعراف : 23] الآية. {وهدى} أي : هداه إلى ~~الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول ~~توبته واجتبائه ؛ لأصالته في الأمور ، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها. ~~{الرجال قوامون على النسآء} [النساء : 34]. # 315 PageV04P463 ~~{قال اهبطا منها جميعا} ، وهو استئناف بياني ، كأن سائلا قال : فما قال ~~تعالى بعد قبول توبته ؟ فقيل : قال له ولزوجته : {اهبطا منها} أي انزلا من ~~الجنة إلى الأرض ، حال كونكم {بعضكم لبعض عدو} أي متعادين في أمر المعاش ، ~~كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع ؛ لأنهما ~~أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب : ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم ms1658 يده ~~تحت خده ، وبكى مائة سنة ، وألقت حواء يدها على رأسها ، وجعلت تصيح وتصرخ ، ~~فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة ~~الدموع ، وجرى من عينيه على الأرض جدولان ، يجريان إلى قيام الساعة. وأهبط ~~آدم على ورقة من ورق الجنة ، كان يتستر بها ، وفي يده قبضة من ريحان الجنة ~~، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند ، فصار أكثر نباتها ~~طيبا. انظر بقية كلامه. # {فإما يأتينكم مني هدى} أي : هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي ، ~~أي : سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. ~~{فمن اتبع هداي} بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله {فلا يضل} في ~~الدنيا {ولا يشقى} في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني : من اتبع هداي ~~، مع الإضافة إلى ضميره تعالى ؛ لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنه : (من قرأ الفرقان ، واتبع ما فيه ، هداه الله من ~~الضلالة ، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب ، وذلك لأن الله تعالى يقول : {فمن ~~اتبع هداي} ؛ أي : كتابي ورسولي ، {فلا يضل} في الدنيا ، {ولا يشقى} في ~~الآخرة). وفي لفظ آخر : (أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في ~~الآخرة). قال ابن عرفة : والعطف بالفاء في قوله : {فإما...} الخ ، إشارة ~~إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق ، فضلا منه ~~تعالى ، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. ~~فانظره. # { PageV04P464 ~~جزء : 4 رقم الصفحة : 311 # ومن أعرض عن ذكري} ؛ عن القرآن ، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي ، ~~{فإن له معيشة ضنكا} : ضيقا ، مصدر وصف به ، ولذلك يستوي فيه المذكر ~~والمؤنث ، يقال : منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ : " ضنكى " كسكرى. وإنما كان ~~عيشه ضيقا ؛ لأن مجامع همته ، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا ، وهو ~~متهالك على ازديادها ، وخائف من انتقاصها ، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة ، ~~فإن نور الإيمان يوجب له القناعة ، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة ، فيحيى ~~حياة ms1659 طيبة ، وقيل : هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~قال أبو سعيد الخدري : " يضيق عليه قبره ، حتى # 316 # تختلف أضلاعه ، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... " الحديث ، وقيل : الصبر ~~على الزقوم والضريع والغسلين. # {ونحشره يوم القيامة أعمى} : فاقد البصر كقوله : {ونحشرهم يوم القيامة ~~علىا وجوههم عميا} [الإسراء : 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. {قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} في الدنيا ؟ {قال كذلك} أي : مثل ذلك فعلت أنت ~~؛ {أتتك آياتنا} أي : حجتنا النيرة على أيدي رسلنا {فنسيتها} أي : عميت ~~عنها ، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط ، {وكذلك اليوم تنسى} : تترك في ~~العمى والعذاب ، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه ، بل يزيله عنه ~~فيرى أهوال الموقف ومقعده ، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم. ~~{أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} [مريم : 38] ، فيوم القيامة ألوان. ثم قال ~~تعالى : {وكذلك} أي : مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. {نجزي من أسرف} ~~وتعدى ؛ بالانهماك في الشهوات ، {ولم يؤمن بآيات ربه} ، بل كذب بها وأعرض ~~عنها ، {ولعذاب الآخرة} على الإطلاق ، أو عذاب النار ، {أشد وأبقى} من ضنك ~~العيش ، أو منه ومن الحشر أعمى ، عائذا بالله من جميع ذلك. PageV04P465 # الإشارة : قوله تعالى : {وعصى آدم ربه} ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان ~~القلوب ، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله ، وكالاعتراض على ~~مقادير الله ، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية : (أذنبت ذنبا فأنا ~~أبكي منه أربعين سنة ، قيل : وما هو ؟ قال : قلت لشيء كان : ليته لم يكن). ~~وأما معصية الجوارح ، إن لم يكن معها إصرار ، فقد توجب القرب من الكريم ~~الغفار ؛ " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، ~~وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من ~~القلب أورثت طردا وإبعادا ، ومخالفة آدم ؛ حيث كانت الجوارح أورثت قربا ~~واجتباء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 311 # والحاصل : أن كل ما يرد العبد إلى مولاه ، ويحقق له العبودية والانكسار ، ~~فهو شرف له وكمال ، وكل ما ms1660 يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد ، كائنا ~~ما كان ، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية ، أو من الإصرار ، ~~وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب ، ولا تنقصه ، بل تكمله ، كما ~~تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص ، وهي التي توجب البعد عن الحق ، لا ~~مما يؤدي إلى الكمال ، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - ~~مما صورته المعصية ، ليس بنقص ، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء ، ~~على سبيل الهفوة ، فتأمله ، ولا تبادر بالاعتراض ، حتى تصحب الرجال ، ~~فيعلموك النقص من الكمال. # قال الواسطي : العصيان لا يؤثر في الاجتبائية ، وقوله : {وعصى} أي : أظهر ~~خلافا ، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان ، ألا ترى كيف أظهر عذره # 317 # بقوله : {فنسي ولم نجد له عزما}. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي ~~الله عنه : (نعمت المعصية أورثت الخلافة). PageV04P466 # واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق ، قال تعالى : ~~{إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة : 30] ؛ فقد استخلفه قبل أن يخلقه ، لكن ~~حكمته اقتضت وجود الأسباب ، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة ~~وعمارة الأرض ، فهو نزول حسا ، ورفعة معنى ، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف ~~العبودية ، فيرتفع قدره عند الله. # وقوله تعالى : {بعضكم لبعض عدو} ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية ~~، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون ، أخلاء متقون ، قال ~~تعالى : {1649;لأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف : 67]. # وقوله تعالى : {فإما يأتينكم مني هدى} أي : داع يدعو إلي ، ويهدي إلى ~~معرفتي ودخول حضرتي ، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم ، فلا يضل ولا يشقى ، بل ~~يهتدي ويسعد السعادة العظمى. ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم ، وتنكب عن صحبتهم ، ~~فإن له معيشة ضنكا ، مصحوبة بالحرص والطمع ، والجزع والهلع ، ونحشره يوم ~~القيامة أعمى عن شهود ذاتنا ، فلا يرى إلا الأكوان الحسية ، والزخارف ~~الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار ~~المعاني ، عند رؤية الأواني ، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس ؟ قال : ~~كذلك ms1661 أتتك آياتنا ، وهم الأولياء العارفون ، فنسيتها ولم تحتفل بشانها ، ~~وكذلك اليوم تنسى ؛ لأن المرء يموت على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 311 PageV04P467 ~~قال الورتجبي : ونحشره يوم القيامة أعمى ، يعني : جاهلا بوجود الحق ، كما ~~كان جاهلا في الدنيا ، كما قال علي - كرم الله وجهه - : من لم يعرف الله في ~~الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل : عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال ~~القشيري : في الخبر : " من كان بحالة لقي الله بها " فمن كان في الدنيا ~~أعمى القلب ، يحشر على حالته ، يعيش على ما جهل ، ويحشر على ما جهل ، ولذلك ~~يقولون : {من بعثنا من مرقدنا} ؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية ، كما يتركون ~~التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. # وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته ، واغتنام أوقات لذاته ، حتى ~~انقضت أيام عمره في البطالة ، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب ، ~~حيث لم يصدق بوجود آيات ربه ؛ وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد ~~وأبقى ؛ لدوامه واتصاله ، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب ، والتخلف ~~عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. # 318 # جزء : 4 رقم الصفحة : 311 # قلت : {أفلم} الهمزة للإنكار التوبيخي ، والفاء للعطف على محذوف ، أي : ~~أغفلوا فلم يهد لهم. وعدى الهداية باللام لتضمنها معنى التبيين ، والفاعل ~~مضمون {كم أهلكنا} ، أي : أفلم يبين لهم مآل أمرهم كثرة إهلاكنا للقرون ~~الأولى ؟ وقيل : الفاعل ضمير عائد إلى الله. و{كم...} الخ : معلق للفعل سد ~~مسد مفعوله. أي : أفلم يبين الله لهم كثرة إهلاك القرون من قبلهم ؟ والأوجه ~~: أن لا يلاحظ له مفعول ، كأنه قيل : أفلم يفعل الله لهم الهداية ، ثم قيل ~~بطريق الالتفات : كم أهلكنا... الخ ؛ بيانا لتلك الهداية. و{من القرون} : ~~في محل نصب ، نعت لمفعول محذوف ، أي : قرنا كائنا من القرون. PageV04P468 # وجملة {يمشون} : حال من القرون ، أي : أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ~~ديارهم ، أو من الضمير في " لهم " ، مؤكد للإنكار ، والعامل : " يهد " ، ~~والمعنى : أفلم يهد لهم إهلاكنا ms1662 للقرون السالفة ، كقوم نوح ولوط وأصحاب ~~الأيكة ، حال كونهم ، أي : قريش - ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام - ~~، و{أجل مسمى} : عطف على {كلمة} ، أو استئناف ، أي : وأجل مسمى حاصل لهم. # يقول الحق جل جلاله : {أفلم يهد لهم} أي : أو لم يبين لهم عاقبة أمرهم ~~{كم أهلكنا قبلهم من القرون} أي : كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم ، وهم ~~{يمشون في مساكنهم} إذا سافروا إلى الشام ، كأصحاب الحجر ، وثمود ، وفرعون ~~، وقوم لوط ، مشاهدين لآثار ديارهم خاربة ، مع علمهم بما جرى عليهم ، بسبب ~~تكذيبهم ، فإن ذلك مما يوجب أن يهتدوا إلى الحق ، فيعتبروا ، لئلا يحل بهم ~~مثل ما حل بأولئك ، أو : {أفلم يهد لهم} كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم ~~، حال كونهم آمنين ، {يمشون} في ديارهم ويتقلبون في رباعهم {فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين} [الأعراف : 78]. # {إن في ذلك} الإهلاك الفظيع {لآيات} كثيرة عظيمة واضحة الهداية ، دالة ~~على الحق {لأولي النهى} ؛ لذوي العقول الناهية عن القبائح ، التي من أقبحها ~~ما يتعاطاه كفار مكة من الكفر بآيات الله ، والتعامي عنها ، وغير ذلك من ~~فنون المعاصي. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 319 # ولولا كلمة سبقت من ربك} ، وهو تأخير العذاب عن هذه الأمة إلى الآخرة ؛ ~~لحكمة ، لعجلنا لهم الهلاك كما عجلنا لتلك القرون المهلكة ، التي يمرون عليها # 319 PageV04P469 ~~ولا يعتبرون ، فأصروا على الكفر والعصيان ، فلولا تلك العدة بتأخير العذاب ~~{لكان لزاما} أي : لكان عقاب جناياتهم لازما لهؤلاء الكفرة ، بحيث لا ~~يتأخرون عن جناياتهم ساعة ، لزوم ما أنزل بأولئك الغابرين ، وفي التعرض ~~لعنوان الربوبية ، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - تلويح بأن ~~ذلك التأخير تشريف له صلى الله عليه وسلم ، كما ينبئ عنه قوله تعالى : {وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال : 33]. واللزام : مصدر لازم ، وصف به ~~؛ للمبالغة ، {وأجل مسمى} أي : لولا كلمة سبقت بتأخيرهم ، وأجل مسمى ~~لأعمارهم أو عذابهم ، وهو يوم القيامة ، أو يوم بدر ، لما تأخر عذابهم ~~أصلا. وإنما فصله عما عطف عليه ، للمسارعة إلى بيان جواب " لولا " ، ~~وللإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب المعجل ، ومراعاة فواصل ms1663 الآية ~~الكريمة. # {فاصبر على ما يقولون} أي : إذا كان الأمر على ما ذكرنا ؛ من أن تأخير ~~عذابهم ليس بإهمال ، بل إمهال ، وأنه لازم لهم ألبتة. فاصبر على ما يقولون ~~من كلمات الكفر ؛ فإن علمه صلى الله عليه وسلم بأنهم هالكون لا محالة مما ~~يسليه ويحمله على الصبر ، أو اصبر على ما يقولون ، واشتغل بالله عنهم ، ولا ~~تلتفت إلى هلاكهم ولا بقائهم ، فالله أدرى بهم. {وسبح بحمد ربك} أي : نزهه ~~عما ينسبون إليه ، ما لا يليق بشأنه الرفيع ، حامدا له على ما خصك به من ~~الهدى ، معترفا بأنه مولى النعم كلها. # قال الورتجبي : سماع الأذى يوجب المشقة ، فأزال عنه ما كان قد لحقه من ~~سماع ما يقولونه بقوله : {وسبح بحمد ربك} أي : إن كان سماع ما يقولون يوحشك ~~، فتسبيحنا يروحك. ه. أو : صل وأنت حامد لربك ، الذي يبلغك إلى كمال هدايتك ~~، ويرجح هذا قوله : {قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} ، فإن توقيت التنزيه غير ~~معهود ، فإن المراد بقبل طلوع الشمس : صلاة الفجر ، وقبل غروبها : صلاة ~~الظهر والعصر ، وقيل : العصر فقط. PageV04P470 # {ومن أناء الليل} أي : ساعاته {فسبح} أي : صل ، والمراد به المغرب والعشاء ~~، وآناء : جمع " إنى " ، بالكسر والقصر ، أو " أناء " بالفتح والمد. وتقديم ~~المجرور في قوله تعالى : {ومن آناء الليل فسبح} ؛ لاختصاصها بمزيد الفضل ، ~~فإن القلب فيها أجمع ، والنفس إلى الاستراحة أميل ، فتكون العبادة فيها أشق ~~، ولذلك قال تعالى : {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا} [المزمل : 6]. ~~{و} سبح أيضا ، {أطراف النهار} وهو تكرير لصلاتي الفجر والمغرب ؛ إيذانا ~~باختصاصهما بمزيد مزية. وجمع (أطراف) بحسب اللفظ مع أمن اللبس ، أو يراد ~~بأطراف النهار : الفجر والمغرب والظهر ؛ لأنها نهاية النصف الأول من النهار ~~وبداية النصف الثاني ، أو يريد التطوع في أجزاء النهار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 319 # قلت : وإذا حملناه على التنزيه - وهو أن يقول : سبحان الله ، أو : لا إله ~~إلا الله ، أو كل ما يدل على تنزيه الحق - يكون تخصيص هذه الأوقات بالذكر ؛ ~~لشرفها. فقد # 320 PageV04P471 ~~وردت أحاديث في الترغيب في ذكر الله ms1664 أول النهار وآخره ، وآناء الليل حين ~~ينتبه من نومه ، بحيث يكون كلما تيقظ من نومه سبح الله وهلله وكبره ، قبل ~~أن يعود إلى نومه. وهكذا كان أهل اليقظة من السلف الصالح. وقوله تعالى : ~~{لعلك ترضى} أي : بما يعطيك من الثواب الجزيل ، بالتسبيح في هذه الأوقات. ~~أو ترضى بالشفاعة في جميع الخلائق ، فتقر عينك حينئذ. وفي صحيح البخاري : " ~~إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس ليس دونها سحاب ، فإن استطعتم ألا تغلبوا ~~على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " ، ثم تلا هذه الآية : {وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} ، ففيه ترجيح من فسرها بالصلاة ، ~~وفيه إشارة إلى أن الصلاة ذكر وإقبال على الله وانقطاع إليه ، وذلك مزرعة ~~المشاهدة والرؤية في الآخرة. وقد جاء في أهل الجنة : " أنهم يرون ربهم بكرة ~~وعشيا " ، هذا في حق العموم ، وأما خصوص الخصوص ، ففي كل ساعة ولحظة. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : أفلم يهد لأهل الإيمان والاعتبار ، وأهل الشهود والاستبصار ، ~~كم أهلكنا قبلهم من القرون الخالية ، والأمم الماضية ، فهم يمشون في ~~مساكنهم الدارسة ، ويشاهدون آثارهم الدائرة ، كيف رحلوا عنها وتركوها ، ~~واستبدلوا ما كانوا فيه من سعة القصور بضيق القبور ، وما كانوا عليه من ~~الفرش الممهدة بافتراش التراب وتغطية اللحود الممددة ، فيعتبروا ويتأهبوا ~~للحوق بهم ، فقد كانوا مثلهم أو أشد منهم ، قد نما ذكرهم ، وعلا قدرهم ، ~~وخسف بعد الكمال بدرهم. فكأنهم ما كانوا ، وعن قريب مضوا وبانوا ، وأفضوا ~~إلى ما قدموا ، وانقادوا ؛ قهرا ، إلى القضاء وسلموا ، ففي ذلك عبر وآيات ~~لأولي النهى. لكن القلوب القاسية لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير ، فلولا كلمة ~~الرحمة والحلم بتأخير العذاب ، وأجل مسمى لأعمارهم ، لعجل لهم العقاب. PageV04P472 # فاصبر ، أيها المتوجه إلى الله ، المنفرد بطاعة مولاه ، على ما يقولون ، ~~مما يكدر القلوب ، واشتغل بذكر ربك وتنزيهه ، مع الطلوع والغروب وآناء ~~الليل والنهار ، حتى تغيب في حضرة علام الغيوب ، لعلك ترضى بمشاهدة ~~المحبوب. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 319 # 321 # قلت : {زهرة} : مفعول بمحذوف ، يدل عليه {متعنا} أي : أعطينا ، أو على ms1665 ~~الذم ، وفيه لغتان : سكون الهاء وفتحها. # يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم : {ولا تمدن عينيك} أي لا ~~تطل نظرهما ، بطريق الرغبة والميل {إلى ما متعنا به} من زخارف الدنيا ~~{أزواجا منهم} أي : أصنافا من الكفرة ، والمعنى : لا تنظر إلى ما أعطيناه ~~أصناف الكفرة من زخارف الدنيا الغرارة ، ولا تستحسن ذلك ، فإنه فان ، وهو ~~من {زهرة الحياة الدنيا} أي بهجتها ، ثم يفنى ويبيد ، كشأن الزهر ، فإنه ~~فائق المنظر ، سريع الذبول والذهاب. # متعناهم بذلك ، وأعطيناهم الأموال والعز في الدنيا ؛ {لنفتنهم فيه} أي : ~~لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم ، هل يقومون بشكره فيؤمنوا بك ، ~~ويصرفوه في الجهاد معك ، وينفقوه على من آمن معك... أم لا ؟ أو لنعذبهم في ~~الآخرة بسببه ، فلا تهتم بذلك. {ورزق ربك} أي : ما ادخر لك في الآخرة {خير} ~~، أو : ورزقك في الدنيا من الكفاف مع الهدى ، خير مما منحهم في الدنيا ، ~~لأنه مأمون الغائلة ؛ بخلاف ما منحوه ، فعاقبته الحساب والعقاب. {وأبقى} ؛ ~~فإنه لا ينقطع نفسه أو أثره ، بخلاف زهرة الدنيا ، فإنها فانية منقطعة. PageV04P473 # فالواجب : الاشتغال بما يدوم ثوابه ، ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم : ~~{وأمر أهلك بالصلاة} ، أمره بأن يأمر أهل بيته ، أو التابعين له من أمته ، ~~بالصلاة ، بعد ما أمر هو بقوله : {وسبح بحمد ربك} على ما مر ؛ ليتعاونوا ~~على الاستعانة على الخصاصة ، ولا يهتموا بأمر المعيشة ، ولا يلتفتوا لغنى ~~أرباب الثروة. {واصطبر عليها} ؛ وتكلف الصبر على مداومتها ، غير ملتفت لأمر ~~المعاش ، {لا نسألك رزقا} أي : لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا أهلك ، {نحن ~~نرزقك} وإياهم ، ففرغ قلبك لمشاهدة أسرارنا ، {والعاقبة} المحمودة {للتقوى} ~~أي : لأهل التقوى. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أو ~~خصاصة أمرهم بالصلاة ، وتلا هذه الآية. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ما خوطب به نبينا صلى الله عليه وسلم خوطب به خاصة أمته ، فلا ~~تمدن عينيك ، أيها الفقير ، إلى ما متع به أهل الدنيا ، من زهرتها وبهجتها ~~، بل ارفع همتك عن النظر إليها ، واستنكف عن استحسان ما شيدوا ms1666 وزخرفوا ، ~~فإن ذلك حمق وغرور. كان عروة بن الزبير رضي الله عنه إذا رأى أبناء ~~السلاطين وشاراتهم دخل داره وتلا : {ولا تمدن عينيك...} الآية. وكان يحيى ~~بن معاذ الرازي يقول لعلماء زمانه : يا علماء السوء ؛ دياركم هامانية ، ~~ومراكبكم قارونية ، وملابسكم فرعونية ، فأين السنة المحمدية ؟ # 322 # ولا تشتغل بطلب رزق فرزق ربك - وهو ما يبرز لك في وقتك من عين المنة ، من ~~غير سبب ولا خدمة - خير وأبقى - ، أما كونه خيرا ؛ فلما يصحبه من اليقين ~~والفرح بالله وزيادة المعرفة ، وأما كونه أبقى ؛ لأن خزائنه لا تنفد ، مع ~~بقاء أثره في القلب من ازدياد اليقين ، والتعلق برب العالمين. {وأمر أهلك ~~بالصلاة} واصطبر أنت عليها ، فإن رزقنا يأتيك لا محالة ، في الوقت الذي ~~نريده ، {لا نسألك رزقا} لك ولا لأهلك ، {نحن نرزقك} ، لكن رزق المتقين ، ~~لا رزق المترفين ، {والعاقبة للتقوى}. وبالله التوفيق. PageV04P474 # جزء : 4 رقم الصفحة : 321 # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} أي : كفار مكة : {لولا} : هلا {يأتينا ~~بآية من ربه} تدل على صدقه ، أو بآية مما اقترحوها ؛ من تفجير الأرض وتسيير ~~الجبال ، ولم يعدوا ما شهدوا من المعجزات التي تخر لها الجبال من قبيل ~~الآيات ؛ مكابرة وعنادا. قال تعالى : {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} ~~أي : أو لم يأتهم القرآن الذي فيه بيان ما في الصحف الأولى ؛ التوراة ~~والإنجيل والزبور ، وسائر الكتب السماوية لاشتماله على ما فيها ، وزيادة ~~علوم وأسرار. وهذا رد من جهته تعالى لمقالتهم ، وتكذيب لهم فيها دسوا تحتها ~~، من إنكار إتيان الآية ، بإتيان القرآن الكريم ، الذي هو أبهر الآيات ، ~~وأسنى المعجزات ، وأعظمها ، وأبقاها ؛ لأن حقيقة المعجزة : اختصاص مدعي ~~النبوة بنوع من الأمور الخارقة للعادة ، أي أمر كان ، ولا ريب في أن العلم ~~أجل الأمور وأعلاها ؛ إذ هو أصل الأعمال ، ولقد ظهر ، مع حيازته لعلوم ~~الأولين والآخرين ، على يد أمي ، لم يمارس شيئا من العلوم ، ولم يدارس أحدا ~~من أهلها أصلا ، فأي معجزة تراد بعد وروده ؟ وأي آية ترام مع وجوده ؟ ! وفي ~~إيراده بعنوان كونه بينة لما في الصحف ms1667 الأولى ، أي : شاهدا بحقية ما فيها ~~من العقائد والأحكام ، التي أجمعت عليها كافة الرسل ، ما لا يخفى من تنويه ~~شأنه وإنارة برهانه ، ومزيد تقرير وتحقيق لإتيانه. وقال بعض أهل المعاني : ~~أو لم يأتهم بيان ما في الكتب الأولى ، من أنباء الأمم الذين أهلكناهم ، ~~لما سألوا الآيات ، فأتتهم ، فكفروا بها ، كيف عجلنا لهم الهلاك ؟ فما يؤمن ~~هؤلاء ، إن أتتهم البينة ، أن يكون حالهم كأولئك. # 323 PageV04P475 ~~{ولو أنا أهلكناهم} في الدنيا {بعذاب} مستأصل ، {من قبله} أي : من قبل ~~إتيان البينة ، وهو نزول القرآن ومجيء محمد صلى الله عليه وسلم ، {لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا} يدعونا مع كتاب يهدينا ، {فنتبع آياتك} التي ~~جاءنا بها ، {من قبل أن نذل} بالعذاب في الدنيا ، {ونخزى} بدخول النار يوم ~~القيامة ، ولكنا لم نهلكهم قبل إتيانها ، فانقطعت حجتهم ، فإذا كان يوم ~~القيامة {قالوا بلىا قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} ~~[الملك : 9]. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 323 # قل} لأولئك الكفرة المتمردين : {كل} أي : كل واحد منكم ومنا ، {متربص} : ~~منتظر ما يؤول إليه أمرنا وأمركم ، {فتربصوا} فانتظروا. أو كل منتظر دوائر ~~الزمان ، ولمن يكون النصر ، {فتربصوا فستعلمون} عن قريب {من أصحاب الصراط ~~السوي} أي : المستقيم ، أو السواء ، أي : الوسط الجيد ، {ومن اهتدى} من ~~الضلالة ، هل نحن أو أنتم. والله تعالى أعلم. PageV04P476 # الإشارة : لا يشترط في الولي العارف بالله ، الداعي إلى الله ، إظهار ~~الآيات ، ويكفي ، برهانا عليهم ، كونهم على بينة من ربهم ، وهداية الخلق ~~على أيديهم ، وما أظهروه من علم أسرار التوحيد ، ومن فنون علم الطريق ، مع ~~كون بعضهم أميين ، لم يتقدم له مدارسة علم قط ، كما شهدناهم ، بعثهم الله ~~في كل عصر ، يعرفون بالله ، ويدلون على أسرار ذاته وأنوار صفاته ، على سبيل ~~العيان ، لتقوم الحجة على العباد ، فإذا بعثوا يوم القيامة جاهلين بالله ~~محجوبين عن شهود ذاته ، متخلفين عن مقام المقربين ، يقولون : لولا أرسلت ~~إلينا رسولا يعرفنا بك ، فنتبع آياتك حتى نصل إليك ، من قبل أن نذل ~~بالانحطاط عن درجة المقربين ، أو نخزى بإسدال الحجاب. ms1668 يقول الحق تعالى : قد ~~بعثتهم ، فأنكرتموهم ، فإذا اغتروا اليوم ، واحتجوا بقول من قال : انقطعت ~~التربية ، فقل : كل متربص فتربصوا ، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن ~~اهتدى. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وصلى الله على سيدنا ~~ومولانا محمد ، وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما. # 324 # جزء : 4 رقم الصفحة : 323 PageV04P477 ### | AUTO سورة الأنبياء # جزء : 4 رقم الصفحة : 324 # {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ~~إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم...} # قلت : {وهم} : مبتدأ ، و{في غفلة} : خبر ، و{معرضون} : خبر بعد خبر ، ~~والجملة : حال من الناس. و{من ذكر} : فاعل بيأتي. و{من} : صلة ، و{من ربهم} ~~: صفة لذكر ، أي : حاصل من ربهم ، أو متعلق بيأتيهم ، أو صفة لذكر ، وجملة ~~{استمعوه} : حال من مفعول " يأتيهم " ، بإضمار {قد} أو بدونه ، والاستثناء ~~مفرغ من أعم الأحوال. و{هم يلعبون} : حال أيضا من فاعل " استمعوه " ، ~~و{لاهية} : حال من واو " يلعبون " ، و{قلوبهم} : فاعل بلاهية. # يقول الحق جل جلاله : {اقترب للناس حسابهم} أي : قرب قيام الساعة التي هي ~~محل حسابهم. قال ابن عباس : " المراد بالناس : المشركون " وهو الذي يفصح ~~عنه ما بعده ، ولم يقل تعالى : " اقترب حساب الناس " ، بل قدم لام الجر على ~~الفاعل ؛ للمسارعة إلى إدخال الروعة ، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول ~~الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجا ، كما أن تقديم اللام في قوله ~~تعالى : {خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة : 29] ؛ لتعجيل المسرة ؛ لأن ~~كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة وشوقا إليه تعالى. # وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم ، مع صحة إسناد ~~الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه ، من تفخيم شأنه ، وتهويل أمره ، ما لا ~~يخفى ، لما فيه من تصويره بشيء مقبل عليهم ، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا ~~محالة. ومعنى اقترابه : # 325 # دنوه منهم شيئا فشيئا حتى يلحقهم ؛ لأن كل آت قريب ، أي : دنا حساب ~~أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب. # {وهم في غفلة} تامة منه ، ساهون بالمرة عنه ، غير ذاكرين له ، لا أنهم ~~غير مبالين به ms1669 ، مع اعترافهم بإتيانه ، بل هم منكرون له ، كافرون به ، ~~{معرضون} عن الآيات والنذر المنبهة لهم عن سنة الغفلة. {ما يأتيهم من ذكر} ~~أي : من طائفة نازلة من القرآن ، تذكر ذلك الحساب ، وتنبههم عن الغفلة عنه ~~، كائن أو نازل {من ربهم} ، أو ذاكر ومذكر من ناحية ربهم. وفي إضافته إليه ~~سبحانه دلالة على شرفه ، وكمال شناعة ما فعلوه من الإعراض عنه ، وفي ~~التعبير بعنوان الربوبية تشنيع لكمال عتوهم ، ومن صفة ذلك الذكر {محدث} ~~تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة ، بمعنى أنه نزل شيئا فشيئا ، أو قريب عهد ~~بالنزول ، فمعاني القرآن قديمة ، وإظهاره بهذه الحروف والأصوات حادث. وقال ~~ابن راهويه : قديم من رب العزة ، محدث إلى أهل الأرض. # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 PageV04P478 ~~فما ينزل عليهم شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم {إلا استمعوه وهم يلعبون} ؛ لا ~~يتعظون به ، ولا يتدبرون في معانيه ، {لاهية قلوبهم} ؛ ساهية ، معرضة عن ~~التفكر والتدبر في معانيه. وتقدير الآية : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ، ~~في حال من الأحوال ، إلا حال استماعهم إياه كانوا لاعبين مستهزئين به ، ~~لاهين عنه ، حال كون قلوبهم لاهية عنه ؛ لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن ~~النظر والتفكر في عواقب الأمور. والله تعالى أعلم. # الإشارة : حمل الآية على العموم هو الظاهر عند الصوفية. وقد ورد عن رجل ~~من الصحابة أنه كان يبني ، فلقي بعض الصحابة فقال : ماذا نزل اليوم من ~~القرآن ؟ فقال له : {اقترب للناس حسابهم} ، فنفض التراب ، وقال : والله لا ~~بنيت. ه. أي : اقترب للناس حسابهم على النقير والقطمير ، وهم في غفلة عن ~~التأهب والاستعداد ، معرضون عن اتخاذ الزاد ، ما يأتيهم من ذكر من ربهم ، ~~يعظهم ويوقظهم ، إلا استمعوه بآذانهم ، وهم يلعبون ساهون عنه بقلوبهم ؛ ~~لحشوها بالوساوس الشيطانية والعلائق النفسانية. لاهية قلوبهم عن التفكر ~~والاعتبار والتدبر والاستبصار. # قال القشيري : ويقال : الغفلة على قسمين ؛ غافل عن حسابه ؛ لاستغراقه في ~~دنياه ، وغافل عن حسابه ؛ لاستهلاكه في مولاه ، فالغفلة الأولى سمة الهجر ، ~~والثانية صفة الوصل ، فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى ، ~~وهؤلاء لا يرجون عن ms1670 غيبتهم أبد الأبد ؛ لفنائهم في وجود الحق. ه. # قلت : القسمة ثلاثية : قوم غفلوا عن حسابهم ؛ لاشتغالهم بحظوظهم وهواهم ، ~~وهم : الغافلون الجاهلون ، وقوم ذكروا حسابهم ، وجعلوه نصب أعينهم ، ~~وتأهبوا له ، # 326 # وهم : الصالحون والعباد والزهاد ، وقوم غفلوا عنه ، وغابوا عنه ؛ ~~لاستغراقهم في شهود مولاهم ، وهم : العارفون المقربون. جعلنا الله منهم ~~بمنه وكرمه. # ثم ذكر المنهمكين في الغفلة ، فقال : PageV04P479 # {... وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هاذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم ~~تبصرون قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم بل قالواا ~~أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون مآ آمنت ~~قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون} # قلت : {الذين ظلموا} : بدل من الواو ، منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم فيما ~~أسروا به. وقال الكلبي : فيه تقديم وتأخير ، أراد الذين ظلموا أسروا ~~النجوى. فيكون {الذين} : مبتدأ و{أسروا} : خبر مقدم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 PageV04P480 ~~وقال قطرب : على لغة بعض العرب ، يقولون : أكلوني البراغيث ، وهي بلغة ~~بلحارث وغيرهم. وقال الفراء : بدل من الناس ، أي : اقترب للناس وهم الذين ~~ظلموا. و{هل هذا...} الخ : بدل من النجوى ، أو مفعول بقول مضمر ، كأنه قيل ~~: ماذا قالوا في نجواهم ؟ فقيل : قالوا : هل هذا... الخ و{أنتم تبصرون} : ~~حال من واو " تأتون " ؛ مقررة للإنكار ، مؤكدة للاستبعاد. و{من قرية} : ~~فاعل آمنت ، و" من " : صلة للعموم. و{أهلكناها} : صفة لقرية. يقول الحق جل ~~جلاله : {وأسروا النجوى} : أخفوا تناجيهم بحيث لم يشعر أحد بما قالوا ، وهم ~~{الذين ظلموا} بالكفر والطغيان ، قائلين في تلك النجوى الشنيعة : {هل هذا} ~~أي : ما هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول {إلا بشر مثلكم} أي : من جنسكم ، وما ~~أتى به سحر ، {أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} أي : تعلمون ذلك فتأتونه ، ~~وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول ، وأنتم تعاينون أنه سحر ؟ قالوا ذلك ، ~~بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ ، أن الرسول لا يكون إلا ملكا ، وأن ~~كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق هو من قبيل السحر ، وغاب عنهم أن إرسال ~~البشر إلى البشر هو ms1671 الذي تقتضيه الحكمة التشريعية. قاتلهم الله أنى يؤفكون. ~~وإذا أسروا ذلك ولم يعلنوه ؛ لأنه كان على طريق توثيق العهد ؛ خفية ، ~~وتمهيدا لمقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة ، وإطفاء نور الدين. ~~{والله متم نوره ولو كره الكافرون} [الصف : 8]. # ثم فضح الله سرهم ونجواهم بقوله : {قل ربي يعلم القول في السماء والأرض} ~~أي : قل يا محمد : ربي يعلم القول ، سرا كان أو جهرا ، سواء كان في السماء ~~أو الأرض ، فلا يخفى عليه ما تناجيتم به ، فيفضحكم به ويجازيكم عليه. وقرأ ~~أكثر أهل # 327 PageV04P481 ~~الكوفة : (قال) ؛ على الخبر ، وهو حكاية من جهته تعالى لما قاله - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد ما أوحى إليه أحوالهم وأقوالهم ؛ بيانا لظهور أمرهم ~~وانكشاف سرهم ، وإيثار القول المشتمل على السر والجهر ؛ للإيذان بأن علمه ~~تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة ، لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء ، ~~كما في علوم الخلق. # {وهو السميع العليم} أي : المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات ، التي ~~من جملة ما أسروه من النجوى ، فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم. {بل قالوا أضغاث ~~أحلام} ، هو إضراب من جهته تعالى ، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى ~~حكاية قول آخر مضطرب في مضارب البطلان ، أي : لم يقتصروا على أن يقولوا في ~~حقه - عليه الصلاة والسلام - : هل هذا إلا بشر ، وفي حق ما ظهر على يديه من ~~القرآن الكريم : إنه السحر ، بل قالوا : هو تخاليط أحلام وأباطيلها ، فهو ~~أشبه شيء بالهذيان ، ثم أضربوا عنه ، وقالوا : {بل افتراه} من تلقاء نفسه ، ~~من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل. ثم قالوا : {بل هو شاعر} ، وما أتى به ~~شعر يخيل إلى السامع ، لا حقيقة لها. وهكذا شأن المبطل المحجوج ، متحير ، ~~لا يزال يتردد بين باطل وأبطل ، ويتذبذب بين فاسد وأفسد. # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 # فالإضراب الأول ، كما ترى ، من جهته تعالى ، والثاني والثالث من قبلهم. ~~وقد قيل : الكل من قبلهم ، حيث أضربوا عن قولهم : هو سحر ، إلى أنه تخاليط ~~أحلام ، ثم إلى أنه كلام مفترى ، ثم إلى أنه قول شاعر ، وهو بعيد ms1672 ؛ لأنه لو ~~كان كذلك لقال : قالوا : بل أضغاث أحلام... الخ. # ثم قالوا : {فليأتنا بآية} ؛ وهو جواب عن شرط محذوف ، يفصح عنه السياق ، ~~كأنه قيل : وإن لم يكن كما قلنا ، بل كان رسولا من الله تعالى ، فليأتنا ~~بمعجزة ظاهرة {كما أرسل الأولون} أي : مثل الآية التي أرسل بها الأولون ؛ ~~كاليد ، والعصا ، والناقة وشبه ذلك. فالكاف : صفة لمصدر محذوف ، أي : ~~إتيانا مثل إتيان الأولين. PageV04P482 # قال تعالى : {ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها} أي : أهلكنا أهلها ، {أفهم} ~~أي : هؤلاء المقترحون عليك الآيات ، {يؤمنون} أي : قد اقترحت الأمم السالفة ~~الآيات على رسلها ، فأعطوا ما اقترحوا ، فلم يؤمنوا ، فأهلكناهم ، فكيف ~~يؤمن هؤلاء ، وهم أعتى منهم ؟ فالهمزة : لإنكار الوقوع ، والفاء : للعطف ~~على مقدر ، فأفادت إنكار وقوع إيمانهم. والمعنى : لم تؤمن أمة من الأمم ~~المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات ، أهم لم يؤمنوا ، فهؤلاء يؤمنون ، ~~لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه من الآيات ، أهم لم يؤمنوا ، ~~فهؤلاء يؤمنون ، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه ، مع كونهم أعتى ~~منهم وأطغى ؟ فهم في اقتراح الآيات كالباحث على حتفه فطلبه ، وفي ترك ~~إجابتهم إبقاء عليهم ، كيف لا ، ولو أعطوا ما اقترحوا ، مع عدم إيمانهم ~~قطعا ، لوجب استئصالهم ، بجريان سنة الله تعالى من الأمم السالفة أن ~~المقترحين ، إذا أعطوا ما اقترحوا ، فلم يؤمنوا ، نزل بهم عذاب الاستئصال ~~لا محالة ، وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هؤلاء # 328 # لا يعذبون بعذاب الاستئصال ، فلذلك لم يظهر لهم ما اقترحوا من الآيات. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : العلماء بالله ، الداعون إلى الله ، هم ورثة الأنبياء والرسل ، ~~فما قيل في الأصل قد قيل في الفرع ، فكل عصر يوجد من ينكر على خواص ذلك ~~العصر ، ويرميهم بالسحر والجنون. والافتراء على الله سنة ماضية. غير أن ~~أولياء هذه الأمة على قدم نبيهم ، رحمة للعالمين ، فمن آذاهم لا يعاجل ~~بالعقوبة في الغالب ، وقد تكون باطنية ، كقسوة القلوب ، والخذلان ، والشكوك ~~، والأوهام. وهذا الوصف في العارفين الكملة ، وأما الزهاد والعباد ~~والصالحون : فمن آذاهم عوجل بالعقوبة ms1673 في الغالب ؛ لنقص كمالهم ، وعدم اتساع ~~دائرة معرفتهم. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 325 PageV04P483 ~~يقول الحق جل جلاله في جواب قول الكفرة : {هل هاذآ إلا بشر مثلكم} ~~[الأنبياء : 3] بعد تقديم الجواب عن قولهم : {فليأتنا بآية} ؛ لأنهم قالوه ~~بطريق التعجيز ، فلا بد من المسارعة إلى رده ، كما تقدم مرارا في الكتاب ~~العزيز ، كقوله : {إنما يأتيكم به الله...} [هود : 33] الآية ، {ما ننزل ~~الملائكة إلا بالحق} [الحجر : 8] الآية. إلى غير ذلك ، فقال جل جلاله : ~~{وما أرسلنا قبلك} في الأمم السالفة {إلا رجالا} ؛ بشرا من جنس القوم الذين ~~أرسلوا إليهم ؛ لأن مقتضى الحكمة أن يرسل البشر إلى البشر ، والملك إلى ~~الملك ، حسبما نطق به قوله تعالى : {قل لو كان في الأرض ملاائكة يمشون ~~مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا} [الإسراء : 95] ، فإن عامة ~~البشر لا تطيق المفاوضة مع الملك ؛ لتوقفها على التناسب بين المفاوض ~~والمستفيض ؛ فبعث لكل جنس ما يناسبه ؛ للحكمة التي يدور عليها فلك التكوين ~~والتشريع ، والذي تقتضيه الحكمة الإلهية أن يبعث الملك إلى خواص البشر ~~المختصين بالنفوس الزكية ، المؤيدين بالقوة القدسية ، المتعلقين بالعالم ~~الروحاني والجسماني ، ليتلقوا من جانب العالم الروحاني ، ويلقوا إلى العالم ~~الجسماني ، فبعث رجالا من البشر يوحي إليهم على أيدي الملائكة أو بلا واسطة. # والمعنى : وما أرسلنا إلى الأمم ، قبل إرسالك إلى أمتك ، إلا رجالا ~~مخصوصين من أفراد الجنس ، متأهلين للاصطفاء والإرسال ، {نوحي إليهم} ، ~~بواسطة الملك ، ما # 329 PageV04P484 ~~يوحي من الشرائع والأحكام ، وغيرهما من القصص والأخبار ، كما يوحي إليك من ~~غير فرق بينهما ، {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أي : فاسألوا ، ~~أيها الجهلة ، أهل العلم ؛ كأهل الكتب الواقفين على أحوال الرسل السالفة - ~~عليهم الصلاة والسلام - لتزول شبهتكم إن كنتم لا علم لكم بذلك. أمروا بذلك ~~؛ لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم الضروري ، لا سيما وهم كانوا يشايعون ~~المشركين عداوته صلى الله عليه وسلم ، ويشاورونهم في أمورهم ، فإذا أخبروهم ~~أن الرسل إنما كانوا بشرا ، ولم يكونوا ملائكة ، حصل لهم العلم بالحق ، ~~وقامت الحجة عليهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 329 ms1674 # وتوجيه الخطاب إلى الكفرة في السؤال ، بعد توجيهه إلى الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - في الإرسال ؛ لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك العلوم ~~والحقائق الأنيقة ، وأما الوقوف عليها باستخبار من الغير فهو من وظائف ~~العوام. # ثم بين كون الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أسوة لأفراد الجنس في أحكام ~~البشرية ، فقال : {وما جعلناهم جسدا} أي : أجسادا ، فالإفراد لإرادة الجنس ~~، أو ذوي جسد ، {لا يأكلون الطعام} أي : وما جعلناهم أجسادا صمدانيين ، ~~أغنياء عن الطعام والشراب ، بل محتاجين إلى ذلك ؛ لتحقيق العبودية التي ~~اقتضت شرفهم. {وما كانوا خالدين} ؛ لأن كل من يفتقر إلى الغذاء لا بد أن ~~يتحلل بدنه بسرعة ، حسبما جرت العادة الإلهية ، والمراد بالخلود : المكث ~~المديد ، كما هو شأن الملائكة أو الأبدية. وهم معتقدون أنهم كانوا يموتون. ~~والمعنى : بل جعلناهم أجسادا مفتقرة صائرة إلى الموت عند انقضاء آجالهم ، ~~لا ملائكة ولا أجسادا صمدانية. PageV04P485 # {ثم صدقناهم الوعد} بالنصر وإهلاك أعدائهم ، وهو عطف على ما يفهم من وحيه ~~تعالى إليهم ، كأنه قيل : أوحينا إليهم ما أوحينا ، ثم صدقناهم في الوعد ، ~~الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي ، بإهلاك أعدائهم ، {فأنجيناهم ومن نشاء} من ~~المؤمنين وغيرهم ، ممن تستدعي الحكمة إبقاءه ، كمن سيؤمن هو أو بعض فروعه ، ~~وهو السر في حماية العرب من عذاب الاستئصال. أو يخص هذا العموم بغير نبي ~~الرحمة صلى الله عليه وسلم ؛ فإن أمته لا تستأصل ، وإن بقي فيها من يكفر ~~بالله ؛ لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله تعالى. {وأهلكنا المسرفين} ~~أي : المجاوزين الحد في الكفر والمعاصي. # ولما ذكر برهان حقية الرسول - عليه الصلاة والسلام - ذكر حقية القرآن ~~المنزل عليه ، الذي ذكر في صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته ، ~~فقال : {لقد أنزلنا إليكم} ، صدره بالقسم ؛ إظهارا لمزيد الاعتناء بمضمونه ~~، وإيذانا بكون المخاطبين في أقصى مراتب التنكير ، أي : والله لقد أنزلنا ~~إليكم ، يا معشر قريش ، {كتابا} عظيم الشأن نير البرهان. فالتنكير للتفخيم ~~، أي : كتابا جليل القدر {فيه ذكركم} أي : شرفكم وحسن صيتكم ، كقوله تعالى ~~: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف : 44] ، أو فيه تذكيركم ms1675 # 330 # وموعظتكم ، أو ما تحتاجون إليه في أمر دينكم ودنياكم ، أو ما تطالبون به ~~حسن الذكر والثناء من مكارم الأخلاق ، {أفلا تعقلون} فتتدبروا في معانيه ~~حتى تدركوا حقيته. فالهمزة للإنكار التوبيخي. وفيه حث لهم على التدبر في ~~أمر الكتاب ، والتأمل في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر ، التي من ~~جملتها القوارع السابقة واللاحقة ، والمعطوف : محذوف ، أي : أعميت بصائركم ~~فلا تعقلون ؟ والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 329 PageV04P486 ~~الإشارة : ثبوت الخصوصية لا ينافي وصف البشرية ، فنسبة أهل الخصوصية من ~~البشر كاليواقيت بين الحجر. ولا فرق بين خصوصية النبوة والولاية في الاتصاف ~~بأوصاف البشرية ، التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية. وتتميز خصوصية ~~النبوة من الولاية بوحي الأحكام ، وتتميز خصوصية الولاية من العمومية ~~بالتطهير من الرذائل والتحلي بالفضائل ، وبالغيبة عن رؤية الأكوان ، بإشراق ~~شمس العرفان ، وذلك بالفناء عن الأثر بشهود المؤثر ، ثم بالبقاء بشهود ~~الأثر ؛ حكمة ، مع الغيبة عنه ، قدرة ، ولا يعرف هذا إلا أهل الذكر الحقيقي ~~، فلا يعرف مقام الأولياء إلا من دخل معهم ، ولا يسأل عنهم إلا أمثالهم ؛ ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل : 43]. فلا يشترط في الولي ~~استغناؤه عن الطعام والشراب ؛ إذ لم يكن للأنبياء ، فكيف بالأولياء ؟ ولا ~~استغناؤه عن النساء ، قال تعالى : {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية} [الرعد : 38] ، نعم ؛ صاحب الخصوصية مالك لنفسه من غلبة ~~الشهوة عليه ، ينزل إلى أرض الحظوظ بالإذن والتمكين ، والرسوخ في اليقين. ~~جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وتقدم الكلام على قوله تعالى : {فاسألوا أهل ~~الذكر} في سورة النحل. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 329 # قلت : {كم} : خبرية مفيدة للتكثير ، ومحلها نصب ، مفعول بقصمنا ، و{من ~~قرية} : تمييز ، و{كانت...} الخ : صفة لقرية. PageV04P487 # يقول الحق جل جلاله : {وكم قصمنا من قرية} أي : كثيرا أهلكنا من أهل قرية ~~{كانت ظالمة} بآيات الله تعالى ، كافرين بها. وفي لفظ القصم - الذي هو ~~عبارة عن الكسر ؛ بإبانة أجزاء المكسور وإزالتها بالكلية - من الدلالة على ~~قوة الغضب والسخط ما لا يخفى. {وأنشأنا} أي : أحدثنا ms1676 {بعدها} أي : بعد ~~إهلاكها {قوما آخرين} ليسوا منهم نسبا ولا دينا ، ففيه تنبيه على استئصالهم ~~وقطع دابرهم بالكلية. {فلما أحسوا # 331 # بأسنا} أي : أدركوا عذابنا الشديد إدراك المشاهد المحسوس {إذا هم منها} ~~أي : من القرية {يركضون} : يهربون مدبرين راكضين دوابهم. فقيل لهم ، بلسان ~~الحال أو المقال من الملك ، أو ممن حضرهم من المؤمنين ، بطريق الاستهزاء ~~والتوبيخ : {لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه} من النعم والتلذذ {و} ~~إلى {مساكنكم} التي كنتم تفتخرون بها ، {لعلكم تسألون} ؛ تقصدون للسؤال ، ~~إذ كانوا أغنياء ، أو للتشاور والتدبر في المهمات والنوازل ، أو تسألون ~~الفداء فتفتدوا من العذاب ، أو تسألون عن قتل نبيكم وفيم قتلتموه. # قيل : نزلت في أهل حاضورا قرية باليمن ، وكان أهلها العرب ، فبعث الله ~~إليهم نبيا فكذبوه وقتلوه ، فسلط الله تعالى عليهم بختنصر ، فقتلهم وسباهم ~~، فلما انهزموا وهربوا قالت لهم الملائكة : لا تركضوا ، وارجعوا إلى ~~مساكنكم وأموالكم ؛ استهزاء بهم ، وأتبعهم بختنصر ، فأخذتهم السيوف ، ونادى ~~مناد من السماء : يا لثارات الأنبياء ، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ~~ينفعهم ، فقالوا : {يا ويلنا} ؛ يا هلاكنا ؛ {إنا كنا ظالمين} مستوجبين ~~العذاب. وهذا اعتراف منهم وندم حين لم ينفعهم ذلك. PageV04P488 # {فما زالت تلك دعواهم} أي : فما زالوا يرددون تلك الكلمة ، ويدعون بها ، ~~ويقولون : يا ويلنا ، {حتى جعلناهم حصيدا} أي : مثل الحصيد ، وهو المحصود ~~من الزرع والنبات ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، فلذلك لم يجمع ، كجريح وقتيل. ~~وجعلناهم {خامدين} ؛ ميتين ، من خمدت النار إذا طفئت. وهو ، مع " حصيدا " ، ~~في حيز المفعول الثاني لجعل ، كقولك : جعلته حلوا حامضا ، والمعنى : ~~جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ، أو حال من الضمير المنصوب في " ~~جعلناهم " ، ولفظ الآية يقتضي العموم. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 331 # الإشارة : وكم من قرية من قرى القلوب قصمنا أهلها ، أي : ما فيها من ~~الشكوك والأوهام ، كانت ظالمة بتلك الخواطر ، فأخرجناهم منها ، وأنشأنا ~~بعدها أنوارا وأسرارا وعلوما آخرين. فلما حسوا بأسنا بورود الواردات ~~الإلهية عليها ، التي تأتي من حضرة القهار ، إذا هم منها يركضون ؛ لأن ~~الواردات الإلهية تأتي ms1677 من حضرة القهار ، لأجل ذلك لا تصادم شيئا من الظلمات ~~إلا دمغته ، فيقال لتلك الظلمات ، التي هي الشكوك والأوهام : لا تركضوا ، ~~ولكن ارجعوا أنوارا ، وانقلبوا واردات وأسرارا ، وتنعموا في محلكم بشهود ~~الحق ، لعلكم تسألون ، أي : تستفتون في الأمور ، لأن القلب إذا صفا من ~~الأكدار استفتى في العلوم ، وفي الأمور التي تعرض ، قالوا بلسان الحال - أي ~~تلك الظلمات - : يا ويلنا إنا كنا ظالمين ؛ بحجب صاحبنا عن الله ، فما زالت ~~تلك دعواهم حتى صاروا خامدين ، هامدين ، ساكنين تحت مجاري الأقدار ، ~~مطمئنين بالله الواحد القهار ، وهذه إشارة دقيقة ، لا يفهمها إلا دقيق ~~الفهم غزير العلم. وبالله التوفيق. # 332 # جزء : 4 رقم الصفحة : 331 # قلت : {لاعبين} : حال من فاعل خلق ، و" إن كنا " : شرط حذف جوابه ، أي : ~~إن كنا فاعلين اتخذناه من لدنا ، وقيل : نافية. PageV04P489 # يقول الحق جل جلاله : {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما} من المخلوقات ~~التي لا تحصى أجناسها ، ولا تعد أفرادها ، ولا تحصر أنواعها وآحادها ، على ~~هذا النمط البديع والأسلوب الغريب ، {لاعبين} ؛ خالية عن الحكم والمصالح ، ~~بل لحكم بديعة ومصالح عديدة ، دينية تقضي بسعادة الأبد أو بشقاوته ، ~~ودنيوية لا تعد ولا تحصى ، وهذا كقوله : {وما خلقنا السمآء والأرض وما ~~بينهما باطلا} [ص : 27] ، فالمراد من الآية : إشارة إجمالية إلى أن تكوين ~~العالم ، وإبداع بني آدم ، مؤسس على قواعد الحكم البالغة ، المستتبعة ~~للغايات الجليلة ، وتنبيه على أن ما حكي من العذاب الهائل ، والعقاب النازل ~~بأهل القرى ، من مقتضيات تلك الحكم ، ومتفرع عليها حسبما اقتضته أعمالهم. ~~وإنما فعل ذلك ؛ عدلا منه ، ومجازاة على أعمالهم ، وأن المخاطبين المتقدمين ~~- وهم قريش - على آثارهم ؛ لأن لهم ذنوبا مثل ذنوبهم. وإنما عبر عن نفي ~~الحكمة باللعب ، حيث قال : {لاعبين} ؛ لبيان كمال تنزهه تعالى عن الخلق ~~الخالي عن الحكمة ، بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحد في استحالة صدوره منه ~~سبحانه ، وهو اللهو واللعب ، بل إنما خلقناهما ، وما بينهما ؛ لتكون مبدأ ~~الوجود الإنساني وسببا لمعاشه ، ودليلا يقوده إلى تحصيل معرفتنا ، التي هي ~~الغاية القصوى والسعادة العظمى. PageV04P490 # ثم قرر انتفاء اللعب ms1678 واللهو عنه ، فقال : {لو أردنا أن نتخذ لهوا} أي : ما ~~يلهى به ويلعب ، {لاتخذناه من لدنا} أي : من أنفسنا ؛ لعلمنا بحقائق ~~الأشياء ، واستغنائنا عن جلب المصالح ودرء المفاسد. والمعنى : لو أردنا أن ~~نخلق شيئا ، لا لتحصيل مصلحة لكم ، ولا لدرء مفسدة عنكم ، لفعلنا ذلك في ~~أنفسنا ؛ بأن نخلق عوالم ومظاهر عارية عن الحكمة والمصلحة ؛ لأنا أحق منكم ~~بالاستغناء عما يجلب المصلحة ويدرأ المفسدة ، لكن من عادتنا ربط الأسباب ~~بمسبباتها ، وأنا لم نخلق شيئا عبثا ، بل خلقنا كل نوع من النبات ~~والحيوانات والجمادات ؛ لمصلحة ومنفعة ، علمها ، من علمها وجهلها من جهلها ~~، فحصل من هذا نفي التحسين والتقبيح ؛ عقلا ، بهذه الشرطية ، وإثباته سمعا. # 333 # أو : {لاتخذناه من لدنا} مما يليق بشأننا من المجردات ، لا من الأجسام ~~المرفوعة والأجرام الموضوعة ، كعادة الجبابرة ؛ من رفع العروش وتحسينها ، ~~وتمهيد الفرش وتزيينها ، لأغراض عراض ، لكن يستحيل إرادتنا لذلك ؛ لمنافاته ~~للحكمة الإلهية المنزهة عن الأغراض. ه. من أبي السعود ، وأصله للزمخشري. ~~وفيه تكلف. # جزء : 4 رقم الصفحة : 333 PageV04P491 ~~وسأل طاوس ومجاهد الحسن عن هذه الآية ؟ فقال : اللهو : المرأة. وقال ابن ~~عباس : " الولد ". ومعنى {لاتخذناه من لدنا} : بحيث لا يطلعون عليه ، وما ~~اتخذنا نساءا وولدا من أهل الأرض. نزلت في الذين قالوا : اتخذ الله ولدا. ~~وتكون الآية ، حينئذ تتميما لما قبلها ، أي : ليس اللعب واللهو من شأننا ، ~~إذ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا. قال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد ~~الرحمن الفاسي : حمل الآية على الزوجة غير مفيد ، إلا أن يراد بذلك مجرد ~~الرحمة والشفقة ، مما يمكن عقلا ، فيصح دخول النفي الشرعي عليه. انظر ابن ~~عرفة ، فقد جوز ، عقلا ، اتخاذه على معنى الرحمة. وكذا ابن عطية في آية ~~الزمر. ومنع ذلك القشيري. قلت : وكأنه لما يشير إليه قوله تعالى : {هو الله ~~الواحد القهار} [الزمر : 4] ، فإن القهر لا يناسب التبني بوجه ، وقد يقال : ~~إنه مانع سمعي شرعي ، لا عقلي ، فلا يخالف ما قاله ابن عرفة ولا ابن عطية. ~~وفيه نظر ؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل اسمه القهار ونحوه ، وهو ms1679 محال ، والله ~~أعلم. ه. # قلت : قد حمل النسفي الآية على الولد ، فقال : {لو أردنا أن نتخذ لهوا} ~~أي : ولدا ، أو امرأة ، رد على من قال عيسى ابنه ، ومريم صاحبته ، ~~{لاتخذناه من لدنا} من الولدان أو الحور ، {إن كنا فاعلين} أي : إن كنا ممن ~~يفعل ذلك ، ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا. ه. قلت : والذي تكلف الحمل ~~الأول رأى أن حمله على الولد يقتضي جواز الاتخاذ عقلا ؛ وإنما منعه عدم ~~الإرادة. وأجاب ابن عرفة : بأن يحمل الاتخاذ على معنى الرحمة ، لا على ~~حقيقة البنوة. قلت : من خاض بحار التوحيد الخاص وحاز مقام الجمع ، لا يتوقف ~~في مثل هذا ؛ إذ تجليات الحق لا تنحصر ، لكن لم يوجد منها ، ولم تتعلق ~~إرادته إلا بما هو كمال في حقه تعالى في باب القدرة ، وأما باب الحكمة ، ~~فهي رداء لمحل النقائص ، فافهم ، وأصحب أهل الجمع حتى يفهموك ما ذكرت لك ، ~~والسلام. PageV04P492 # ثم قال تعالى : {بل نقذف بالحق على الباطل} أي : نرمي بالحق ، الذي هو الجد ~~، على الباطل ، الذي من جملته اللهو ، وهو إضراب عن اتخاذ الولد ، بل عن ~~إرادته ، كأنه قيل : لكنا لا نريده ، بل شأننا أن نقذف بالحق على الباطل ~~{فيدمغه} : فيمحقه بالكلية ، كما فعلنا بأهل القرى المحكية وأمثالهم ، وقد ~~استعير ، لإيراد الحق على # 334 # الباطل ، القذف ، الذي هو الرمي الشديد ، وللباطل الدمغ ، الذي هو تشتيت ~~الدماغ وتزهيق الروح ، فكأن الباطل حيوان له دماغ ، فإذا تشتت دماغه مات ~~واضمحل ، {فإذا هو زاهق} أي : فإذا الباطل ذاهب بالكلية ، متلاش عن أصله. ~~وفي {إذا} الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال السرعة في الذهاب ~~والبطلان ما لا يخفى. # جزء : 4 رقم الصفحة : 333 # ثم رد على أهل الباطل فقال : {ولكم الويل مما تصفون} أي : وقد استقر لكم ~~الويل والهلاك ؛ من أجل ما تصفونه ، سبحانه ، بما لا يليق بشأنه الجليل ، ~~من الولد والزوجة ، وغير ذلك مما هو باطل. وهو وعيد لقريش ومن دان دينهم ، ~~بأن لهم أيضا مثل ما لأولئك القرى المتقدمة من الهلاك ، إن لم ينزجروا. ms1680 ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : ما نصبت لك الكائنات لتراها كائنات ، بل لتراها أنوارا وتجليات ~~، الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، فالغير والسوى عند أهل الحق ~~باطل ، والباطل لا يثبت مع الحق. قال تعالى : {بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق}. قال القشيري : ندخل نهار التحقيق على ليالي الأوهام ~~، أي : فتمحى ، وتبقى شمس الأحدية ساطعة. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 333 PageV04P493 ~~يقول الحق جل جلاله : {وله من في السماوات والأرض} أي له جميع المخلوقات ، ~~خلقا وملكا ، وتدبيرا وتصرفا ، وإحياء وإماتة ، وتعذيبا وإثابة ، من غير أن ~~يكون لأحد في ذلك دخل ، لا استقلالا ولا استتباعا ، ولا فرق بين أهل العالم ~~العلوي والسفلي ، {ومن عنده} وهم الملائكة - عليهم السلام - عبر عنهم بذلك ~~إثر ما عبر عنهم بمن في السماوات ؛ تنزيلا لهم - لكرامتهم عليه ، وزلفاهم ~~عنده - منزلة المقربين عند الملك ، وهو مبتدأ وخبره : {لا يستكبرون عن ~~عبادته} أي : لا يتعاظمون عنها ، ولا يعدون أنفسهم كبراء ، {ولا يستحسرون} ~~أي : لا يكلون ولا يعيون ، {يسبحون الليل والنهار} أي : ينزهونه في جميع ~~الأوقات ، ويعظمونه ويمجدونه دائما. وهو استئناف # 335 # بياني ، كأنه قيل : ماذا يصنعون في عبادتهم ، أو كيف يعبدون ؟ فقال : ~~يسبحون.. الخ. {لا يفترون} أي : لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا ، ولا شغل آخر. PageV04P494 # ولما برهن على وحدانيته تعالى في ملكه بأنه تعالى خلق جميع المخلوقات على ~~منهاج الحكمة ، وأنهم قاطبة تحت ملكه وقهره ، وأن عباده مذعنون لطاعته ، ~~ومثابرون على عبادته ، ومنزهون له عن كل ما لا يليق بشأنه ، أنكر على من ~~أشرك معه بعد هذا البيان ، فقال : {أم اتخذوا آلهة} يعبدونها {من الأرض} أي ~~: اتخذوها من جنس الأرض ، أحجارا وخشبا ، {هم ينشرون} أي : يبعثون الموتى. ~~وهذا هو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع ، لا نفس الاتخاذ ، فإنه ~~واقع لا محالة ، أي : بل اتخذوا آلهة من الأرض ، هم مع حقارتهم ، ينشرون ~~الموتى ، كلا... فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك ، وهم ، وإن لم يقولوا ~~بذلك صريحا ، لكنهم حيث ادعوا لها الألوهية ، فكأنهم ادعوا لها ms1681 الإنشار ، ~~ضرورة ؛ لأنه من خصائص الإلهية ، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير في : {هم ~~ينشرون} : التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار ، الموجبة لمزيد الإنكار ~~، كما في قوله تعالى : {أفي الله شك} [إبراهيم : 10]. وفي قوله تعالى : ~~{أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون} [التوبة : 65] ، فإن تقديم الجار ~~والمجرور ؛ للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به. # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 PageV04P495 ~~ثم أبطل الاشتراك في الألوهية ، فقال : {لو كان فيهما آلهة إلا الله} أي : ~~لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله ، كما هو اعتقادهم الباطل ، ~~{لفسدتا} أي : لفسد نظامهما بما فيهما ، لوجود التمانع ، كعادة الملوك ، أو ~~لبطلتا بما فيهما ، ولم يوجد شيء منهما ؛ للزوم العجز لهما ، بيان ذلك : أن ~~الألوهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق ، تغييرا ~~وبديلا ، وإيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، فبقاؤهما على ما هما عليه من ~~غير فساد ، إما بتأثير كل منها ، وهو محال ؛ لاستحالة وقوع الأثر الواحد ~~بين مؤثرين ، وإما بتأثير واحد منها ، فالباقي بمعزل عن الإلهية ، والمسألة ~~مقررة في علم الكلام. و{إلا} : صفة لآلهة ، كما يوصف بغير ، ولما كانت حرفا ~~، ظهر إعرابها في اسم الجلالة ، ولا يصح رفعه على البدل ؛ لعدم وجود النفي. ~~ثم قال تعالى : {فسبحان الله} أي : فسبحوا سبحان الله اللائق به ، وننزهوه ~~عما لا يليق به من الأمور ، التي من جملتها : أن يكون له شريك في الألوهية. ~~وإيراد الجلالة في موضع الإضمار ، حيث لم يقل فسبحانه ؛ للإشعار بعلية ~~الحكم ، فإن الألوهية مناط لجميع صفات كماله ، التي من جملتها : تنزهه ~~تعالى عما لا يليق به ، ولتربية المهابة وإدخال الروعة. ثم وصفه بقوله : ~~{رب العرش} ، وخصه بالذكر ، مع كونه رب كل شيء ؛ لعظم شأنه ؛ لأن الأكوان ~~في جوفه كلا شيء ، أي : تنزيها له عما يصفونه عن أن يكون من دونه آلهة. # 336 PageV04P496 ~~ثم بين قوة عظمته وعز سلطانه القاهر ، فقال : {لا يسأل عما يفعل} أي : لا ~~يمكن لأحد من مخلوقاته أن يناقشه أو يسأله عما يفعل ؛ هيبة وإجلالا ، {وهم ~~يسألون} أي : وعباده يسألون ms1682 عما يفعلون ، نقيرا وقطميرا ؛ لأنهم مملوكون له ~~تعالى ، مستعبدون ، ففيه وعيد للكفرة ، فالآية تتميم لقوله : {لاعبين} ، بل ~~خلقنا الأشياء كلها لحكمة ، فمنها ما أدركتم حكمته ، ومنها ما غاب عنكم ، ~~فكلوا أمره إلى الله ، ولا تسألوه عما يفعل ، فإنه لا يسأل عن فعله ، وأنتم ~~تسألون. # ثم قال تعالى : {أم اتخذوا من دونه آلهة} ، هو إضراب وانتقال من إظهار ~~بطلان كون ما اتخذوه آلهة ؛ بإظهار خلوها من خصائص الألوهية ، التي من ~~جملتها إنشار الموتى ، وإقامة البرهان القاطع على استحالة تعد الإله ، إلى ~~إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة ، مع عرائها عن تلك الخصائص ، وتبكيتهم ~~بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة. والهمزة : لإنكار ما ~~اتخذوه واستقباحه ، أي : بل اتخذوا من دونه - أي : متجاوزين إياه تعالى ، ~~مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية - آلهة ، مع ظهور خلوهم عن ~~خصوص الإلهية بالكلية. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # قل} لهم ، بطريق التبكيت : {هاتوا برهانكم} على ما تدعونه ، من جهة العقل ~~والنقل ؛ فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية ، لا سيما في ~~هذا الأمر الخطير ، فإن بهتوا فقل لهم : {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} أي ~~: بهذا نطقت الكتب السماوية قاطبة ، وشهدت به سنة الرسل المتقدمة كافة. ~~فهذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع {ذكر من معي} من ~~أمتي ، أي : عظتهم ، {وذكر من قبلي} من الأمم السالفة ، أي : بهذا أمرنا ~~ربنا ووعظنا ، وبه أمر من قبلنا ، يعني : انفراده سبحانه بالألوهية ~~واختصاصه بها. PageV04P497 # وقيل : المعنى : هذا كتاب أنزل على أمتي ، وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء ~~- عليهم السلام - قبلي ، فانظروا : هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد ~~والنهي عن الإشراك ، ففيه تبكيت لهم. {بل أكثرهم لا يعلمون الحق} أي : لا ~~يفهمونه ، ولا يميزون بينه وبين الباطل ، فهو إضراب وانتقال من تبكيتهم ~~بمطالبة البرهان ، إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاججة ؛ لجهلهم وعنادهم ، ~~ولذلك قال : {فهم معرضون} أي : فهم لأجل جهلهم وعتوهم مستمرون على الإعراض ~~عن التوحيد واتباع الرسول ، لا يرعوون عما هم ms1683 عليه من الغي والضلال ، وإن ~~كررت عليهم البينات والحجج. أو معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية ~~والنقلية ؛ لانهماكهم. # {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} ~~، هذا مقرر لما قبله ؛ من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية ، وأجمعت ~~عليه الرسل - # 337 # عليهم السلام - قاطبة. وصيغة المضارع في (يوحى) ؛ لحكاية الحال الماضية ؛ ~~استحضارا لصورة الوحي العجيبة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قوله تعالى : {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته} ، العندية ، ~~هنا ، عندية اصطفاء وتقريب ، وهذه صفة العارفين المقربين ، لا يستكبرون عن ~~عبادته ، بل خاضعون لجلاله وقهريته على الدوام ، ولا يستحسرون : لا يملون ~~منها ولا يشبعون ، غير أنهم يتلونون فيها ؛ من عبادة الجوارح إلى عبادة ~~القلوب ؛ كالتفكر والاعتبار ، إلى عبادة الأرواح ؛ كالشهود والاستبصار ، ~~إلى عبادة الأسرار ؛ كالعكوف في حضرة الكريم الغفار ، ينزهون الله تعالى في ~~جميع الأوقات ، لا يفترون عن تسبيحه بالمقال أو الحال. PageV04P498 # وقوله تعالى : {أم اتخذوا آلهة...} الخ ، تصدق على من مال بقلبه إلى محبة ~~الأكوان ، أو ركن إلى الحظوظ والشهوات ، وقوله تعالى : {لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا} ، اعلم أن ثلاثة اشياء إذا تعدد مدبرها فسد نظامها ؛ ~~أولها : الألوهية ، فلو تعددت لفسد نظام العالم ، وثانيها : السلطنة ، إذا ~~تعددت في قطر واحد فسدت الرعية ، وثالثها : الشيخوخة ، إذا تعددت على مريد ~~واحد فسدت ترتبيته ، كالطبيب إذا تعدد على مريض واحد فسد علاجه. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # وقوله تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} قال الكواشي : يعني : لا ~~يسأل عن فعله وحكمه ؛ لأنه الرب ، وهم يسألون ؛ لأنهم عبيده. وبعض الناس ~~يقول : هذه آية الدبوس. قلت : وقد تقلب السين زايا ، ومعناها : أن كل ما ~~تحكم به القدرة يجب حنو الرأس له ، من غير تردد ولا سؤال. ثم قال : ولو نظر ~~النظر الصحيح لرآها أنصف آية في كتاب الله تعالى ؛ وذلك لأنه جمع فيها بين ~~صفة الربوبية وصفة العبودية. ه. # وقوله : {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ms1684 أنه لا إله إلا أنا} ~~يعني : أن التوحيد مما أجمعت عليه الرسل والكتب السماوية. والفناء فيه على ~~ثلاثة أقسام : فناء في توحيد الأفعال ، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله ، ~~ويغيب عن الوسائط والأسباب ، وفناء في توحيد الصفات ، وهو أن يرى ألا قادر ~~ولا سميع ولا بصير ولا متكلم إلا الله ، وفناء في توحيد الذات ، وهو أن يرى ~~ألا موجود إلا الله ، ذوقا ووجدا وعقدا. كما قال صاحب العينية : # هو الموجد الأشياء وهو وجودها # وعين ذوات الكل وهو الجوامع # وقد أشار بعضهم إلى هذه الفناءات ، فقال : # فيفنى ثم يفنى ثم يفنى # فكان فناؤه عين البقاء # وهنا - أي : في مقام الفناء والبقاء - انتهت أقدام السائرين ، ورسخت ~~أسرار العارفين ، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين ، جعلنا الله من حزبهم. آمين. # 338 PageV04P499 ~~جزء : 4 رقم الصفحة : 335 # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} ، حكى الله تعالى جناية ~~أخرى لبعض المشركين ، جيء بها ؛ لبيان بطلانها. والقائل بهذه المقالة حي من ~~خزاعة ، وقيل : قريش وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح ، يقولون : الملائكة بنات ~~الله ، وأمهاتهم سروات الجن ، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. والتعرض ~~لعنوان الرحمانية المنبئة عن كون جميع ما سواه مربوبا له تعالى ، نعمة أو ~~منعما عليه ؛ لإبراز كمال شناعة مقالتهم الباطلة ، {سبحانه} أي : تنزه ~~تنزيها يليق بكمال ذاته ، وتقدس عن الصاحبة والولد ، {بل} هم {عباد} لله ~~تعالى ، و" بل " إبطال لما قالوا ، أي : ليست الملائكة كما قالوا ، {بل ~~عباد مكرمون} ؛ مقربون عنده ، {لا يسبقونه} أي : لا يتقدمونه {بالقول} ، ~~ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به. وهذه صفة أخرى لهم ، منبهة على كمال طاعتهم ~~وانقيادهم لأمره تعالى ، أي : لا يقولون شيئا حتى يقوله تعالى أو يأمرهم ~~به. وأصله : لا يسبق قولهم قوله ، ثم أسند السبق إليهم ؛ لمزيد تنزههم عن ~~ذلك ، {وهم بأمره يعملون} أي : لا يعملون إلا ما أمرهم به ، وهو بيان ~~لتبعيتهم له تعالى في الأفعال ، إثر بيان تبعيتهم له في الأقوال ، فإن نفي ~~سبقيتهم له تعالى بالقول : عبارة عن تبعيتهم له تعالى ms1685 فيه ، كأنه قيل : هم ~~بأمره يقولون وبأمره يعملون ، لا بغير أمره أصلا. PageV04P500 # {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي : ما عملوا وما هم عاملون ، وقيل : ما ~~كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم. وهو تقرير لتحقق عبوديتهم ؛ لأنهم إذا ~~كانوا مقهورين تحت علمه تعالى وإحاطته انتفت عنهم أوصاف الربوبية المكتسبة ~~من مجانسة البنوة ، {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} أن يشفع له ، مهابة منه ~~تعالى. قال ابن عباس : " هم أهل لا إله إلا الله " ، {وهم من خشيته} عز وجل ~~{مشفقون} : خائفون مرتعدون. قال بعضهم : أصل الخشية : الخوف مع التعظيم ، ~~ولذلك خص بها العلماء ، وأصل الإشفاق : الخوف مع الاعتناء ، فعند تعديته ~~بمن : يكون معنى الخوف فيه أظهر ، وعند تعديته بعلى : ينعكس الأمر ؛ فيكون ~~معنى الإشفاق فيه أظهر. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 339 # ومن يقل منهم} أي : من الملائكة ؛ إذ الكلام فيهم ، {إني إله من دونه} أي ~~: متجاوزا إياه تعالى ، {فذلك} الذي فرض أنه قال ذلك فرض المحال ، {نجزيه ~~جهنم} كسائر المجرمين ، ولا ينفي هذا عنهم ما ذكر قبل من صفاتهم السنية ~~وأفعالهم المرضية ؛ # 339 PageV04P501 ~~لأنه فرض تقدير ، وفيه من الدلالة على قوة ملكوته تعالى ، وعزة جبروته ، ~~واستحالة كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ما توهمه أولئك الكفرة ، ما لا ~~يخفى ، {كذلك نجزي الظالمين} أي : مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين ، ~~الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها ، ويتعدون أطوارهم. قال الكواشي : هذا ~~القول وارد على سبيل التهديد والوعيد الشديد على ارتكاب الشرك ، كقوله : ~~{ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} [الأنعام : 88]. ه. فالقصد : تفظيع ~~أمر الشرك ، وأنه لو صدر ممن صدر لأحبط عمله ، وكان جزاء صاحبه جهنم ، ومثل ~~ذلك الجزاء نجزي الظالمين ، وهم الكافرون ، والحاصل : أنه على سبيل الفرض ، ~~مع علمه تعالى أنه لا يكون من الملائكة ، فهو من إخباره عما لا يكون كيف ~~يكون ، لعلمه بما لا يكون ، مما جاز أن يكون ، كيف يكون. ه. من الحاشية ~~الفاسية ببعض اختصار. # فالكاف من " كذلك " : في محل مصدر تشبيهي ، مؤكد لمضمون ما قبله. والقصر ms1686 ~~، المستفاد من التقديم للمصدر ، معتبر بالنسبة إلى النقصان دون الزيادة ، ~~أي : لا جزاء أنقص منه. والله تعالى أعلم. PageV04P502 # الإشارة : أنوار الملكوت متدفقة من بحر أسرار الجبروت ، من غير تفريع ، ولا ~~تولد ، ولا علاج ، ولا امتزاج ، بل : كن فيكون ، لكن حكمته تعالى اقتضت ~~ترتيب الأشياء وتفريع بعضها من بعض ، ليبقى السر مصونا والكنز مدفونا. ~~فأسرار الذات العلية منزهة عن اتخاذ الصاحبة والولد ، بل القدرة تبرز ~~الأشياء بلا علاج ولا أسباب ، والحكمة تسترها بوجود العلاج والأسباب. فكل ~~ما ظهر في عالم التكوين قد عمته قهرية العبودية ، وانتفت عنه نسبة البنوة ~~لأسرار الربوبية ، فأهل الملأ الأعلى عباد مكرمون ، مقدسون من دنس الحس ، ~~مستغرقون في هيمان القرب والأنس ، وأهل الملأ الأسفل مختلفون ، فمن غلب ~~عقله على شهوته ، ومعناه على حسه ، وروحانيته على بشريته ، فهو كالملائكة ~~أو أفضل. ومن غلبت شهوته على عقله ، وحسه على معناه ، وبشريته على روحانيته ~~، كان كالبهائم أو أضل. ومن التحق بالملأ الأعلى ، من الأولياء المقربين ، ~~انسحب عليه ما مدحهم به تعالى من قوله : {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} ~~، ومن قوله : {لا يسبقونه بالقول} ، بأن يدبروا معه شيئا قبل ظهور تدبيره ، ~~وهم بطاعته يعملون ، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، وهم من خشية هيبته مشفقون ~~، {ومن يقل منهم إني إله من دونه} ؛ بأن يدعي شيئا من أوصاف الربوبية ، ~~كالكبرياء ، والعظمة على عباده ، فذلك نجزيه جهنم ، وهي نار القطيعة ، كذلك ~~نجزي الظالمين. وفي الحكم : " منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين ، ~~أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين " ؟ # 340 # جزء : 4 رقم الصفحة : 339 # قلت : {فجاجا} : حال من " سبل " ، وأصله : وصف له ، فلما تقدم أعرب حالا. ~~وقيل {سبلا} : بدل من {فجاجا}. وفي إتيانه : إيذان أن تلك الفجاج نافذة ؛ ~~لأن الفج قد يكون نافذا وقد لا. قاله المحشي. PageV04P503 # يقول الحق جل جلاله : {أو لم ير الذين كفروا} رؤية اعتبار {أن السماوات ~~والأرض} أي : جماعة السماوات وجماعة الأرض {كانتا} ، ولذلك لم يقل كن ، ~~{رتقا} أي : ملتصقة بعضها ببعض. والرتق : الضم والالتصاق. وهو مصدر ms1687 بمعنى ~~المفعول ، أي : كانتا مرتوقتين ، أي : ملتصقتين ، {ففتقناهما} ؛ فشققناهما ~~، فالفتق ضد الرتق. قال ابن عباس رضي الله عنه : " كانتا شيئا واحدا ~~متصلتين ، ففصل الله بينهما ، فرفع السماء إلى حيث هي ، وأقر الأرض ". وفي ~~رواية عنه : أرسل ريحا فتوسطتهما ففتقتهما. وقال السدي : (كانت السماوات ~~مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها ، فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض ، كانت طبقة ~~واحدة ، ففتقها ، فجعلها سبع أرضين). # فإن قيل : متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك ؟ قلنا : مصب الكلام ~~والتقرير هو فتق السماوات ورفعها ، وهو مشاهد بالأبصار ، وهم متمكنون من ~~النظر والاعتبار ، فيعلمون أن لها مدبرا حكيما ، فتقها ورفعها ، وهو الحق ~~جل جلاله ، وذكر الرتق زيادة إخبار ، فكأنه قال : ألم يروا إلى فتق ~~السماوات ورفعها ؟ وقال الكواشي : لما كان القرآن معجزا ، كان وروده ~~برتقهما كالمشاهد المرئي ، أو : لما كان تلاصق السماوات والأرضين ، وما ~~بينهما ، وتباينهما ، جائزا عقلا ، وجب تخصيص التلاصق من التباين ، وليس ~~ذلك إلا لله تعالى. ه. # وقيل : كانت السماوات صلبة لا تمطر ، والأرض رتقا لا تنبت ، ففتق السماء ~~بالأمطار ، والأرض بالنبات. وروي هذا عن ابن عباس أيضا ، وعليه أكثر ~~المفسرين ، وعلم الكفرة الرتق والفتق ، بهذا المعنى ، مما لا خفاء فيه. ~~والرؤية على الأول رؤية علم ، وعلى الثاني رؤية عين. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 341 # وجعلنا من الماء كل شيء حي} أي : خلقنا من الماء كل حيوان ، كقوله تعالى ~~: {والله خلق كل دآبة من مآء} [النور : 45] ، وذلك لأنه من أعظم مواده ، أو ~~لفرط احتياجه # 341 PageV04P504 ~~إليه ، وحبه له ، وعدم صبره عنه ، وانتفاعه به ، ويدخل في ذلك : النبات ؛ ~~مجازا دون الملائكة ، فأل فيه للحقيقة والماهية ، إلا أنه صرفه عن ذلك إلى ~~العهد الذهني قرينة الجعل ، كما في آية : {فأكله الذئب} [يوسف : 17] ، فإن ~~القرينة تخلص ذلك للبعضية وإرادة الأشخاص. وقيل المراد به : المني. فأل فيه ~~، حينئذ ، للعهد الذهني فقط. قال القشيري : كل مخلوق حي فمن الماء خلقه ، ~~فإن أصل الحيوان الذي يحصل بالتناسل النطفة ، وهي من جملة الماء. ه. وتقدم ~~أن الملائكة لا تناسل فيها. {أفلا يؤمنون} بالله وحده ms1688 ، وهو إنكار لعدم ~~إيمانهم ، مع ظهور ما يوجبه حتما من الآيات الآفاقية والأنفسية ، الدالة ~~على تفرده تعالى بالألوهية. {وجعلنا في الأرض رواسي} أي : جبالا ثوابت ، من ~~رسا الشيء ؛ إذا ثبت ورسخ ، {أن تميد بهم} أي : كراهية أن تتحرك وتضطرب بهم ~~، أو لئلا تميد بهم - بحذف اللام - ، و" لا " ؛ لعدم الإلباس. {وجعلنا ~~فيها} أي : في الأرض ، وتكرير الجعل ؛ لاختلاف المجعولين ، ولتوفية مقام ~~الامتنان حقه ، أو في الرواسي ؛ لأنها المحتاجة إلى الطرق ، {فجاجا} : جمع ~~فج ، وهو الطريق الواسع ، نفذ أم لا ، أي : جعلنا في الأرض مسالك واسعة ، ~~و{سبلا} نافذة : فالسبل هي الفجاج مع قيد النفوذ. فإن قيل : أي فرق بين هذا ~~وبين قوله : {لتسلكوا منها سبلا فجاجا} [نوح : 20] ؟ فالجواب : أنه هنا بين ~~أنه خلقها على هذه الصفة ، وهناك بين أنه جعل فيها طرقا واسعة ، وليس فيه ~~بيان أنه خلقها كذلك ، فما هنا تفسير لما هناك. انظر النسفي. PageV04P505 # وقوله تعالى : {لعلهم يهتدون} أي : إلى البلاد المقصودة بتلك السبل ، أو ~~إلى مصالحهم ومهماتهم. {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} من السقوط ، كقوله : ~~{ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} [الحج : 65] ، أو من الفساد ~~والانحلال إلى الوقت المعلوم ، أو من استراق السمع بالشهب ، كما قال : ~~{وحفظا من كل شيطان مارد} [الصافات : 7]. {وهم} أي : الكفار {عن آياتها} أي ~~: عن الأدلة التي فيها ، كالشمس والقمر والنجوم ، وغير ذلك مما فيها من ~~العجائب الدالة على وحدانيته تعالى وقدرته وحكمته ، التي بعضها محسوس ، ~~وبعضها معلوم بالبحث في علمي الطبيعة والهيئة ، {معرضون} لا يتدبرون فيها ، ~~فيقفون على ما هم عليه من الكفر والضلال ، فيؤمنون. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 341 # وهو الذي خلق الليل} لتسكنوا فيه ، {والنهار} لتتصرفوا فيه ، {والشمس} ~~لتكون سراج النهار ، {والقمر} ليكون سراج الليل ، وهذا بيان لبعض تلك ~~الآيات التي هم عنها معرضون. وقوله : {كل} أي : كلهم ، والمراد : جنس ~~الطوالع ، {في فلك يسبحون} أي : يسيرون سير العائم في الماء. عن ابن عباس ~~رضي الله عنه : الفلك السماء ، وقيل : موج مكفوف تحت السماء ، يجري فيه ~~الشمس والقمر والنجوم. وجمهور # 342 ms1689 # أهل الهيئة أن الفلك : جسم مستدير ، وأنهن تسعة ، وهل هي السماوات السبع ~~، فيكون الكرسي ثامنا ، والعرش تاسعا ، أو غيرهن ، فتكون تحت السماوات أو ~~فوقها ؟ قولان لهم. والمراد هنا : الجنس ، كقولك : كساهم الأمير حلة ، أي : ~~حلة حلة ، وجعل الضمير واو العقلاء ؛ لأن السباحة حالهم. PageV04P506 # قال في المستخرج من كتاب الغزنوني : " كل " أي : كل واحد من الشمس والقمر ~~وسائر السيارة ، وإن لم تذكرون ؛ لأنه جمع قوله : {يسبحون} والمعنى : يجرون ~~كالسابح أو يدورون ، والسيارة تجري في الفلك على عكس جري الفلك ، ولها تسعة ~~أفلاك ، فالقمر في الفلك الأدنى ، ثم عطارد ، ثم الزهرة ، ثم الشمس ، ثم ~~المريخ ، ثم المشتري ، ثم زحل ، والثامن : فلك البروج ، والتاسع : الفلك ~~الأعظم. ه. وقال في سورة يس : خص الشمس والقمر هنا ، وفي سورة الأنبياء ؛ ~~لأن سيرهما أبدا على عكس دور الفلك ، وسير الخمسة قد يكون موافقا لسيره عند ~~رجوعها. ه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : أو لم ير الذين كفروا بوجود التربية أن سماوات الأرواح وأرض ~~النفوس كانتا رتقا صلبة ، ميتة بالجهل ، ففتقناهما بالعلوم وأسرار التوحيد ~~؟ والمعنى : أن بعض الأرواح والنفوس تكون ميتة صلبة ، فإذا صحبت أهل ~~التربية ، انفتقت بالعلوم والأسرار ، فهذا شاهد بوجود أهل التربية ، ومن ~~قال بانقطاعها فقوله مردود بالمشاهدة. وجعلنا من ماء الغيب - وهي الخمرة ~~الأزلية - كل شيء حي ، أفلا يؤمنون بوجود هذا الماء عند أربابه ؟ وجعلنا في ~~أرض النفوس جبالا من العقول ؛ لئلا تميل إلى الهوى فتموت ، وجعلنا فيها ~~طرقا يسلك منها إلى الحضرة ، وهي كيفية الرياضة وأنواع المجاهدة ، وهي طرق ~~كثيرة ، والمقصد واحد ، وهو الوصول إلى الفناء والبقاء ، التي هي معرفة ~~الحق بالعيان ، وهو قوله تعالى : {لعلهم يهتدون} إلى الوصول إلى حضرتنا. PageV04P507 # وجعلنا السماء ، أي : سماء القلوب الصافية ، سقفا محفوظا من الخواطر ~~والوساوس والشكوك والأوهام والشياطين ، قال بعضهم : " إذا كان الحق تعالى ~~قد حفظ السماء بالشهب من الشياطين ، فقلوب أوليائه أولى بالحفظ). وهم عن ~~آياتها ، أي : عن دلائل حفظها وصيانتها معرضون ؛ لانهماكهم في الغفلة. وهو ~~الذي خلق ليل القبض ونهار البسط وشمس العرفان وقمر توحيد ms1690 الدليل والبرهان ، ~~كل في موضعه ، لا يتعدى أحد على صاحبه ، ولكل واحد سير معلوم وأدب محتوم. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 341 # ولما قامت الحجة على الكفرة بما ذكر من الآيات والدلائل القاطعة ، ~~وانقطعوا ، قالوا : ننتظر به ريب المنون ، فنستريح منه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 341 # 343 # يقول الحق جل جلاله : لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : {وما جعلنا لبشر ~~من قبلك الخلد} أي : البقاء الدائم ؛ لكونه مخالفا للحكمة التكوينية ~~والتشريعية ، {أفإن مت} بمقتضى حكمتنا {فهم الخالدون} بعدك ؟ نزلت حين ~~قالوا : نتربص به رب المنون ، فنفى عنه الشماتة بموته ، فإن الشماتة بالموت ~~مما لا ينبغي أن يصدر من عاقل ، أي : قضى الله ألا يخلد في الدنيا بشرا ، ~~فإن مت - يا محمد - أيبقى هؤلاء الكفرة ؟ كلا ؛ {كل نفس ذائقة الموت} أي : ~~ذائقة مرارة مفارقتها جسدها ، فتستوي أنت وهم فيها ، فلا تتصور الشماتة ~~بأمر عام. PageV04P508 # {ونبلوكم} ، الخطاب : إما للناس كافة بطريق التلوين ، أو للكفرة بطريق ~~الالتفات ، وسمي ابتلاء ، وإن كان عالما بما سيكون من أعمال العاملين قبل ~~وجودهم ؛ لأنه في صورة الاختبار ، أي : نختبركم {بالشر والخير} ، أي : ~~بالفقر والغنى ، أو بالضر والنفع ، أو بالعطاء والمنع ، أو بالذل والعز ، ~~أو بالبلاء والعافية ، {فتنة} ؛ اختبارا ، هل تصبرون وتشكرون ، أو تجزعون ~~وتكفرون. و{فتنة} : مصدر مؤكد {لنبلوكم} ، من غير لفظه. {وإلينا ترجعون} لا ~~إلى غيرنا ، فنجازيكم على حسب ما يؤخذ منكم ؛ من الصبر والشكر ، أو الجزع ~~والكفران. وفيه إيماء إلى أن المقصود من هذه الدنيا : الابتلاء والتعرض ~~للثواب والعقاب. والله تعالى أعلم. # الإشارة : لا بد لهذا الوجود بما فيه أن تنهد دعائمه ، وتسلب كرائمه ، ~~ولا بد من الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن دار التعب إلى دار ~~الهناء ، ومن دار العمل إلى دار الجزاء. فالعاقل من أعرض بكليته عن هذه ~~الدار ، وصرف وجهته إلى دار القرار ، فاشتغل بالتزود للرحيل ، وبالتأهب ~~للمسير ، فلا مطمع للخلود في هذه الدار ، وقد رحل منها الأنبياء والصالحون ~~والأبرار ، وتأمل قول الشاعر : # صبرا في مجال الموت صبرا # فما نيل الخلود بمستطاع ms1691 # جزء : 4 رقم الصفحة : 343 PageV04P509 ~~وقوله تعالى : {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} ، اعلم أن تخالف الآثار وتنقلات ~~الأطوار على العبد من أفضل المنن عليه ، إن صحبته اليقظة ، فيرجع إلى الله ~~تعالى في كل حال تنزل به ، إن أصابته ضراء رجع إلى الله بالصبر والرضا ، ~~وإن أصابته سراء رجع إليه بالحمد والشكر ، فيكون دائما في السير والترقي ، ~~وهذا معنى قوله تعالى : {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} أي : ~~بهما. فالرجوع إلى الله في السراء والضراء من أركان الطريق ، والرجوع إلى ~~الله في الضراء بالصبر والرضا ، وفي السراء بالحمد والشكر ، ورؤية ذلك من ~~الله بلا واسطة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " من ابتلي فصبر ، ~~وأعطي فشكر ، # 344 # وظلم فغفر أو ظلم فاستغفر " ، ثم سكت - عليه الصلاة والسلام - فقالوا : ~~ما له يا رسول الله ؟ قال : {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} وقال صلى الله ~~عليه وسلم : " عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذلك لأحد إلا ~~للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر ، فكان ~~خيرا له ". والرجوع إلى الله في الضراء أصعب ، والسير به أقوى ؛ لما فيه من ~~التصفية والتطهير من أوصاف البشرية ، ولذلك قدمه الحق تعالى. وفي الحديث : ~~" إذا أحب الله عبدا ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، وإن رضي اصطفاه " وفي الخبر ~~عن الله تعالى : " الفقر سجني ، والمرض قيدي ، أحبس بذلك من أحببت من عبادي ~~" وبه يحصل على عمل القلوب ؛ الذي هو الصبر والرضا والزهد والتوكل ، وغير ~~ذلك من المقامات ، وذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال ~~الجوارح ، ومن أعمال القلوب يفضي إلى أعمال الأرواح والأسرار ، كفكرة ~~الشهود والاستبصار. وفكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ، بل من ألف سنة ، ~~كما قال الشاعر : # كل وقت من حبيبي # قدره كألف حجه PageV04P510 ~~لأن المقصود من الطاعات وأنواع العبادات : هو الوصول إلى مشاهدة الحق ~~ومعرفته ، فالفكرة والنظرة لا جزاء لها إلا زيادة كشف الذات وأنوار الصفات ~~، منحنا الله من ذلك ، الحظ الأوفر. آمين. # جزء : 4 رقم الصفحة ms1692 : 343 # 345 # قلت : {أهذا الذي} : مقول لحال محذوفة ، أي : قائلين : أهذا الذي ، وحذف ~~الحال ، إذا كان قولا ، مطرد. {وهم بذكر الرحمن} : حال ، و{بل تأتيهم} : ~~عطف على {لا يكفون} أي : لا يكفونها ، بل تأتيهم. PageV04P511 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا رآك الذين كفروا} أي : المشركون {إن يتخذونك} ؛ ~~ما يتخذونك {إلا هزوا} ؛ مهزوءا بك ؛ على معنى قصر معاملتهم معه - عليه ~~الصلاة والسلام - على اتخاذهم إياه هزوا ، كأنه قيل : ما يفعلون بك إلا ~~اتخاذك هزوا. نزلت في أبي جهل - لعنه الله - ، مر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، فضحك وقال : هذا نبي بني عبد مناف. قال القشيري : (لو شاهدوه على ما ~~هو عليه من أوصاف التخصيص ، وما رقاه الله من المنزلة ، لظلوا له خاضعين ، ~~ولكنهم حجبوا عن معانيه وسريرته ، وعاينوا فيه جسمه وصورته). فاستهزؤوا بما ~~لم يحيطوا بعلمه ، حال كونهم يقولون : {أهذا الذي يذكر} أي : يعيب {آلهتكم} ~~، فالذكر يكون بخير وبضده ، فإن كان الذاكر صديقا للمذكور فهو ثناء. وإن ~~كان عدوا فهو ذم. {وهم بذكر الرحمن} أي : بذكر الله وما يجب أن يذكر به من ~~الوحدانية ، {هم كافرون} ؛ لا يصدقون به أصلا ، فهم أحق بالهزء والسخرية ~~منك ؛ لأنك محق وهم مبطلون. والمعنى أنهم يعيبون - عليه الصلاة والسلام - ~~أن يذكر آلهتهم ، التي لا تضر ولا تنفع ، بالسوء ، والحال : أنهم بذكر ~~الرحمن ، المنعم عليهم بأنواع النعم ، التي هي من مقتضيات رحمانيته ، ~~كافرون ، لا يذكرونه بما يليق به من التوحيد وأوصاف الكمال ، أو : بما أنزل ~~من القرآن ؛ لأنه ذكر الرحمن ، {هم كافرون} ؛ جاحدون ، فهم أحقاء بالعيب ~~والإنكار. وكرر لفظ " هم " للتأكيد ، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر ، ~~فأعيد المبتدأ. # جزء : 4 رقم الصفحة : 345 PageV04P512 ~~ثم قال تعالى : {خلق الإنسان من عجل} ، العجل والعجلة مصدران ، وهو تقديم ~~الشيء على وقته. والمراد بالإنسان : الجنس ، جعل لفرط استعجاله ، وقلة صبره ~~، كأنه خلق من العجلة ، والعرب تقول لمن يكثر منه الشيء : خلق منه ، تقول ~~لمن يكثر منه الكرم : خلق من الكرم. ومن عجلته : مبادرته إلى الكفر ~~واستعجاله بالوعيد. روي أنها ms1693 نزلت في النضر بن الحارث ، حين استعجل العذاب ~~بقوله : {اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا...} [الأنفال : ~~32] الآية ، كأنه قال : ليس ببدع منه أن يستعجل ، فإنه مجبول على ذلك ، ~~وطبعه ، وسجيته. # وعن ابن عباس رضي الله عنه : أن المراد بالإنسان آدم عليه السلام ، فإنه ~~حين بلغ الروح صدره أراد أن يقوم. وروي : أنه لما دخل الروح في عينيه نظر ~~إلى ثمار الجنة ، ولما وصل جوفه اشتهى الطعام ، فكانت العجلة من سجيته ، ~~وسرت في أولاده. وإنما # 346 # منع الإنسان من الاستعجال وهو مطبوع عليه ، ليتكمل بعد النقص ، كما أمره ~~بقطع الشهوة وقد ركبها فيه ؛ لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة ~~وترك العجلة. قال القشيري : العجلة مذمومة ، والمسارعة محمودة. والفرق ~~بينهما : أن المسارعة : البدار إلى الشيء في أول وقته ، والعجلة : استقباله ~~قبل وقته ، والعجلة سمة وسوسة الشيطان ، والمسارعة قضية التوفيق. ه. # وقال الورتجبي : خلقهم من العجلة ، وزجرهم عن التعجيل ؛ إظهارا لقهاريته ~~على كل مخلوق ، وعجزهم عن الخروج عن ملكه وسلطانه. وحقيقة العجلة متولدة من ~~الجهل بالمقادير السابقة. ه. قلت : ما زالت الطمأنينة والرزانة من شأن ~~العارفين ، وبها عرفوا ، والعجل والقلق من شأن الجاهلين ، وبها وصفوا. # وقيل : العجل الطين ، بلغة حمير ، ولا مناسبة له هنا. PageV04P513 # قال تعالى ، صارفا للخطاب عن الرسول إلى المستعجلين : {سأوريكم آياتي} : ~~نقماتي ، كعذاب النار وغيره ، {فلا تستعجلون} بالإتيان بها ، وهو نهي عما ~~جبلت عليه نفوسهم ؛ ليقهروها عن مرادها من الاستعجال. # {ويقولون متى هذا الوعد} : إتيان العذاب ، أو القيامة ، {إن كنتم صادقين} ~~في وعدكم بأنه يأتينا ، قالوه استعجالا بطريق الاستهزاء ، والإنكار ، لا ~~طلبا لتعيين وقته ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين ~~يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن مجيء الساعة. قال تعالى : {لو يعلم الذين ~~كفروا} ، هذا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه ، وفظاعة ما فيه من ~~العذاب ، وأنهم يستعجلونه لجهلهم بشأنه. وقوله تعالى : {حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون} : مفعول {يعلم} ، وهو عبارة عن ~~الوقت الموعود ، الذي ms1694 كانوا يستعجلونه. وقوله : {لو يعلم الذين كفروا} أي : ~~حين يرون ويعلمون حقيقة الحال ، وهو معاينة العذاب. وجواب " لو " : محذوف ، ~~أي : لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم : متى هذا الوعد ؟ وهو الوقت ~~الذي تحيط بهم النار من ورائهم وقدامهم ، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من ~~أنفسهم ، ولا يجدون ناصرا ينصرهم ، لما كانوا بهذه الصفة من الكفر ~~والاستهزاء والاستعجال ، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 345 # بل تأتيهم بغتة} أي : بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة ، {فتبهتهم} : ~~فتحيرهم أو تغلبهم ، {فلا يستطيعون ردها} ؛ فلا يقدرون على دفعها عنهم ، أي ~~: النار أو الساعة ، {ولا هم ينظرون} : يمهلون ؛ ليستريحوا طرفة عين. # ثم سلى رسوله عن استهزائهم ، فقال : {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق} : ~~نزل أو أحاط أو حل {بالذين سخروا منهم} أي : من أولئك الرسل - عليهم السلام ~~- جزاء {ما كانوا به يستهزئون} ، وهو العذاب الدائم. نسأل الله العافية. # 347 PageV04P514 ~~الإشارة : كل من خرق عوائد نفسه ، وخرج عن عوائد الناس ، أو أمر بالخروج عن ~~العوائد ، رفضه الناس واتخذوه هزوا ، سنة الله التي قد خلت من قبل ، لم يأت ~~أحد بذلك إلا عودي ، فإن ظهر عليه أثر الخصوصية ؛ من علم لدني ، أو هداية ~~خلق على يده ، استعجلوه بإظهار الكرامة ، كما هو شأن الإنسان ، خلق من عجل ~~، فيقول : سأوريكم آياتي ، فإن الأمر إذا كان مؤسسا على الحق لا بد أن تظهر ~~أنواره وأسراره ، فلو يعلم الذين كفروا بطريق الخصوص ، حين ترهقهم الحسرة ، ~~وتحيط بهم الندامة ، إذا رأوا أهل الصفاء يسرحون في أعلى عليين حيث شاؤوا ، ~~وجوههم كالشموس الضاحية ، لبادروا إلى الانقياد لهم ، وتقبيل التراب تحت ~~أقدامهم ، ولكنهم اليوم في غفلة ساهون. ويقال لمن أنكر عليه أهل زمانه طريق ~~التجريد وخرق العوائد : ولقد استهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق ، ~~فأوذوا ، وضربوا ، وأخرجوا من بلادهم ، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزئون ، إما في الدنيا أو في الآخرة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 345 # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم يا محمد ms1695 : {من يكلؤكم} : يحفظكم {بالليل ~~والنهار من} بأس {الرحمن} الذي تستحقونه ، إذا نزل بكم ليلا أو نهارا. قال ~~الواسطي : من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن أن يظهر عليكم ما سبق فيكم ؟ ~~وقال ابن عطاء : من يكلؤكم من أمر الرحمن سوى الرحمن ، وهل يقدر أحد على ~~الكلاءة سواه ؟ وتقديم الليل ؛ لأن الدواهي فيه أكثر وقوعا وأشد وقعا. وفي ~~التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كلاءتهم ليس إلا برحمته العامة. {بل هم ~~عن ذكر ربهم معرضون} أي : بل هم معرضون عن ذكره ، ولا يخطرونه ببالهم ، ~~فضلا أن يخافوا بأسه ، حتى إذا رزقوا الكلاءة عرفوا من الكالئ ، وصلحوا ~~للسؤال عنه. PageV04P515 # والمعنى : أنه أمر رسوله - عليه الصلاة والسلام - بسؤالهم عن الكالئ ، ثم ~~أضرب عنه ، وبين أنهم لا يصلحون لذلك ، لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. هكذا ~~للزمخشري ومن تبعه. وقال ابن جزي : والمعنى : أنه تهديد وإقامة حجة عليهم ؛ ~~لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا بأنه ليس لهم مانع ولا حافظ غيره ~~تعالى - يعني لما جربوه في أحوال محنتهم - ثم قال : وجاء قوله : {بل هم عن ~~ذكر ربهم معرضون} ، بمعنى أنهم ، إذا سئلوا ذلك السؤال ، لم يجيبوا عنه ، ~~لأنهم تقوم عليهم الحجة إن أجابوا ، ولكنهم # 348 # يعرضون عن ذكر الله. ه. أي : يعرضون عن أن يقولوا : كالأنا الله عتوا ~~وعنادا. وهو معنى قوله : {بل هم عن ذكر ربهم معرضون} ، كأنه قال : لو سئلوا ~~، لم يجدوا جوابا ، إلا أن يقولوا : هو الله ، لكنهم يعرضون عن ذكره ؛ ~~مكابرة. قلت : وما قاله ابن جزي أحسن مما قاله الزمخشري ومن تبعه ، وأقرب. # ثم قال تعالى : {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا} ، هذا انتقال من بيان ~~جهلهم بحفظه تعالى ، أو إعراضهم عن ذكره ، إلى توبيخهم باعتمادهم على ~~آلهتهم. والمعنى : ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تجاوز منعنا وحفظنا ، فهم ~~يعولون عليها واثقون بحفظها ؟ وفي توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة ~~بما ذكر من المنع ، لا إلى نفس الصفة ، بأن يقال : أم تمنعهم آلهتهم... ~~الخ. من الدلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود ، فضلا عن ms1696 رتبة المنع ، ما لا ~~يخفى. ثم قال تعالى : {لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون} أي : ~~يجارون. والصاحب : المجير الوافي ، يعني : أن الأصنام لا تجير نفسها ، ولا ~~نجيرهم نحن ، أو لا يصحبهم نصر من جهتنا ، فهم لا يستطيعون أن ينصروا ~~أنفسهم ، ولا يصحبون بالنصر والتأييد من جهتنا ، فكيف يتوهم أن ينصروا ~~غيرهم ؟ # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 348 PageV04P516 ~~بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر} ، إضراب عما توهموه من منع ~~آلهتهم وحفظها لهم ، أي : ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا ، لا من ~~مانع يمنعهم من إهلاكنا ، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم ~~بالحياة الدنيا وإمهالا ، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال ~~عليهم الأمد فقست قلوبهم ، وظنوا أنهم دائمون على ذلك ، وهو أمل كاذب. ~~{أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} أي : ألا ينظرون فيرون أنا ~~نأتي أرض الكفرة فننقصها من أطرافها ؛ بإدخالها في أيدي المسلمين ، فكيف ~~يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا. وهو تمثيل وتصوير لما يخربه الله من ديارهم ~~على أيدي المسلمين ، ويضيفها إلى دار الإسلام. وفي التعبير بنأتي : إشارة ~~إلى أن الله تعالى يجريه على أيدي المسلمين ، وأن عساكرهم كانت تأتيهم ~~لغزوهم غالبة عليهم ، ناقصة من أطراف أرضهم. {أفهم الغالبون} على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، أي : أفكفار مكة يغلبون بعد أن نقصنا من ~~أطراف أرضهم ؟ أي : ليس كذلك ، بل يغلبهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~وأصحابه الكرام ، وقد تحقق ذلك وأنجز الله وعده ، والله غالب على أمره. # الإشارة : قل من يكلؤ قلوبكم وأسراركم من الرحمن ، أن يذهب بما أودع فيها ~~من المعارف وأنوار الإحسان ؟ فلا أحد يحفظها إلا من رحمها بما أودع فيها ، ~~ولهذا كان العارفون لا يزول اضطرارهم ، ولا يكون مع غير الله قرارهم ، لا ~~يعتمدون على عمل ولا حال ، ولا على علم ولا مقال ، وفي الحكم : " إلهي ، ~~حكمك النافذ ، ومشيئتك القاهرة ، # 349 # لم يتركا لذي حال حالا ، ولا لذي مقال مقالا ". وقال أيضا : " إلهي كم من ~~طاعة ms1697 بنيتها وحالة شيدتها ، هدم اعتمادي عليها عدلك ، بل أقالني منها فضلك ~~". وكثير من الناس غافلون عن هذا المعنى ، بل هم عن ذكر ربهم معرضون. PageV04P517 # قال الورتجبي : قوله تعالى : {قل من يكلؤكم...} الآية ، أخبر عن كمال ~~إحاطته بكل مخلوق ، وتنزيهه عن العجلة بمؤاخذتهم ، كأنه يقول : أنا بذاتي ~~تعاليت ، أدفع بلطفي القديم عنكم قهري القديم ، ولولا فضلي السابق وعنايتي ~~القديمة بالرحمة عليكم ، من يدفعه بالعلة الحدثانية ؟ وهذا من كمال لطفي ~~عليكم وأنتم بعد معرضون عني يا أهل الجفا ، وذلك قوله : {بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون}. ه. بلفظه مع تصحيف في النسخة. # وقوله تعالى : {بل متعنا هؤلاء...} الآية ، تمتيع العبد بطول الحياة ، إن ~~كان ذلك في طاعة الله ، وازدياد في معرفته ، فهو من النعم العظيمة. وفي ~~الحديث : " خيركم من طال عمره وحسن عمله " لكن عند الصوفية : أنه لا ينبغي ~~للمريد أن ينظر إلى ما مضى من عمره في طريق القوم ، فقد كان بعض الشيوخ ~~يقول : لا يكن أحدكم عبد الدهور وعبد العدد. قال الشيخ أبو العباس المرسي ~~رضي الله عنه : معنى كلامه : أنه لا ينبغي للفقير أن يعدكم له في طريق ~~القوم ، ليقول : أنا لي كذا وكذا من السنين في طريق القوم. ه. بالمعنى. ~~ولعل علة النهي ؛ لئلا يرى للأيام تأثيرا في الفتح ، فقد قالوا : هي لمن ~~صدق لا لمن سبق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 348 # وقوله تعالى : {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال القشيري ~~: فيه إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين ، وتطاول العمر ، فإن آخر ~~الأمر كما قيل : # آخر الأمر ما ترى # القبر واللحد والثرى # وكما قيل : # طوى العصران ما نشراه مني # فأبلى جدتي نشر وطي # أراني كل يوم في انتقاص # ولا يبقى مع النقصان شي # وكأنه فسر الأرض بأرض النفوس من باب الإشارة. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 348 PageV04P518 ~~ولما بين الحق تعالى غاية هول ما يستعجله المستعجلون ، ونهاية سوء حالهم ، ~~عند إتيانه ، ونعى عليهم جهلهم بذلك ، وإعراضهم عند ذكر ربهم ، الذي يكلؤهم ~~من ms1698 طوارق # 350 # الليل والنهار ، أمر نبيه - عليه الصلاة والسلام - بأن يخبرهم أن ما ~~ينذرهم به ، مما يستعجلونه ، إنما هو بالوحي ، لا من عنده. # قلت : من قرأ : {يسمع} بفتح الياء ، فالصم : فاعل ، والدعاء : مفعول ، ~~ومن قرأ بضم التاء ، رباعي ؛ فالصم : مفعول أول ، والدعاء : مفعول ثان. ومن ~~قرأ : {مثقال} ؛ بضم اللام ، فكان تامة ، وبالنصب : خبر كان ، أي : وإن كان ~~العمل المدلول عليه بوضع الموازين. # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم يا محمد {إنما أنذركم} وأخوفكم من العذاب ~~الذي تستعجلونه ، أو بالساعة الموعودة ، {بالوحي} القرآني الصادق ، الناطق ~~بإتيانه ، وفظاعة شأنه ، أي : إنما شأني أن أنذركم بالإخبار به ، لا ~~بإتيانه ؛ فإنه مخالف للحكمة الإلهية ؛ إذ الإيمان برهاني لا عياني ، فإذا ~~أنذرتهم فلا يسمع إنذارك إلا من سبقت له العناية ، دون من سبق له الشقاء ، ~~ولذلك قال تعالى : {ولا يسمع الصم الدعاء} أي : الإنذار ، أو لا تسمع أنت ~~الصم الدعاء {إذا ما ينذرون} ؛ يخوفون ، واللام في للعهد ، وهو إشارة إلى ~~هؤلاء المنذرين ، والأصل : ولا يسمعون إنذارك إذا ينذرون ، فوضع الظاهر ~~موضع المضمر ؛ إشارة إلى تصاممهم وسد أسماعهم إذا أنذروا ، وتسجيلا عليهم ~~بذلك. وفي التعبير بالدعاء ، دون الكلام في الإنذار ، إشارة إلى تناهي ~~صممهم في حال الإنذار ، فإن الدعاء من شأنه أن يكون بأصوات عالية مكررة ~~مقارنة لهيئة دالة عليه ، فإذا لم يسمعوا ، مع هذه الحالة ، يكون صممهم في ~~غاية لا غاية ورائها. PageV04P519 # {ولئن مستهم نفحة} أي : دفعة يسيرة {من عذاب ربك} أي : كائنة منه ، {ليقولن ~~يا ويلنا إنا كنا ظالمين} ، وهذا بيان لسرعة تأثيرهم من مجيء نفس العذاب ، ~~إثر بيان عدم تأثرهم من مجرد الإخبار به ، لانهماكهم في الغفلة ، أي : ~~والله لئن أصابهم أدنى شيء من هذا العذاب الذي ينذرون به ، لذلوا ، ودعوا ~~بالويل على أنفسهم ، وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصامموا وأعرضوا. وقد ~~بولغ في الكلام ، حيث عبر بالمس والنفح ؛ لأن النفح يدل على القلة ، فأصل ~~النفح : هبوب رائحة الشيء ، يقال : نفحه بعطية ، إذا أعطاه شيئا يسيرا ، مع ~~أن بناءها للمرة مؤكد لقلتها. # جزء ms1699 : 4 رقم الصفحة : 350 # ثم بين ما يقع عند إتيان ما أنذروه ، فقال : {ونضع الموازين القسط} أي : ~~نقيم الموازين العادلة التي توزن بها الأعمال ، وهو جمع ميزان ، وهو ما ~~يوزن به الشيء ليعرف # 351 # كميته. وعن الحسن : " هو ميزان له كفتان ولسان " ، وإنما جمع الموازين ؛ ~~لتعظيم شأنها ، والوزن لصحائف الأعمال في قول ، وقيل : وضع الميزان كناية ~~عن تحقيق العدل ، والجزاء على حسب الأعمال. وإفراد القسط ؛ لأنه مصدر وصف ~~به ؛ للمبالغة ، كأنها في نفسها قسط ، أو على حذف مضاف ، أي : ذوات القسط. ~~وقوله : {ليوم القيامة} أي : لأهل يوم القيامة ، أي : لأجلهم ، أو في يوم ~~القيامة ، {فلا تظلم نفس شيئا} من الظلم ، ولا تنقص حقا من حقوقها ، بل ~~يؤتى كل ذي حق حقه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. # {وإن كان مثقال حبة من خردل} أي : وإن كان الشيء أو العمل مثقال حبة من ~~خردل ، {أتينا بها} : أحضرناها وجازينا عليها ، وأنث ضمير المثقال ؛ ~~لإضافته إلى حبة ، {وكفى بنا حاسبين} ، إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا ، أو ~~عالمين حافظين ، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه ، قاله ابن عباس - رضي الله ~~عنهما -. PageV04P520 # الإشارة : كان صلى الله عليه وسلم ينذر الناس ويذكرهم بالوحي التنزيلي ، ~~وبقي خلفاؤه يذكرون بالوحي الإلهامي ، موافقا للتنزيلي ، ولا يسمع وعظهم ~~ويحضر مجالسهم إلا من سبقت له سابقة العناية ، وأما من انتكبت عنه العناية ~~تنكب مجالسهم ، وتصامم عن وعظهم وتذكيرهم ، ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ~~ينذرون ، ولا يندمون إلا حين تنزل بهم الأهوال ، ولا ينفع الندم وقد جف ~~القلم ، وذلك حين توضع موازين الأعمال ، فتثقل أعمال المخلصين ، وتخف أعمال ~~المخلطين ، ولا توضع الموازين إلا لأهل النفوس الموجودة ، وأما من غاب عن ~~نفسه في شهود محبوبه ، لفنائه في شهوده ، وانطوائه في وجوده ، فلا ينصب له ~~ميزان ؛ إذ لا يشهد لنفسه حسا ولا فعلا ولا تركا ، وإنما الفعل كله للواحد ~~القهار. ويكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، جعلنا الله ~~من خواصهم بمنه وكرمه. آمين. # ثم شرع في تفصيل ما أجمل ms1700 في قوله : {ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحيا ~~إليهم} ، [الأنبياء : 7] إلى قوله : {وأهلكنا المسرفين} [الأنبياء : 9]. # جزء : 4 رقم الصفحة : 350 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا ~~للمتقين} ، هذه الأوصاف كلها للتوراة ، فهي فرقان بين الحق والباطل ، وضياء ~~يستضاء به ، ويتوصل به إلى سبيل النجاة ، وذكرا ، أي : شرفا ، أو وعظا ~~وتذكيرا. وتوكيده بالقسم ؛ لإظهار كمال الاعتناء به ، أي : والله لقد ~~آتيناهما وحيا ساطعا وكتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل ، وضياء ~~يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية ، وذكرا ينتفع # 352 PageV04P521 ~~به الناس ، أو شرفا لمن عمل به ، وتخصيص المتقين بالذكر ؛ لأنهم المستضيئون ~~بأنواره ، المغتنمون لمغانم آثاره ، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع ~~والأحكام ، ودخلت الواو في الصفات ، كقوله تعالى {وسيدا وحصورا ونبيا} [آل ~~عمران : 39] ، وتقول : مررت بزيد الكريم والعالم والصالح. # ثم وصف المتقين أو مدحهم بقوله : {الذين يخشون ربهم} ، حال كونهم ~~{بالغيب} أي : يخافون عذابه تعالى ، وهو غائب عنهم غير مشاهد لهم ، ففيه ~~تعريض بالكفرة ، حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهدوا ما أنذروه. أو ~~يخافون الله في الخلاء كما يخافونه بين الناس ، أو يخافونه بمجرد الإيمان ~~به غير مشاهدين له ، {وهم من الساعة مشفقون} أي : خائفون معتنون بالتأهي ~~لها. وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر ، بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق ؛ ~~للإيذان بكونها أعظم المخلوقات ، وللتنصيص على الاتصاف بضد ما اتصف به ~~الكفرة الغافلون عنها ، وإيثار الجملة الاسمية ؛ للدلالة على ثبات الإشفاق ~~ودوامه لهم. PageV04P522 # {وهذا} أي : القرآن الكريم ، أشير إليه بهذا ؛ إيذانا بغاية وضوح أمره ، ~~{ذكر} يتذكر به من تذكر ، وصفه ببعض أوصاف التوراة ؛ لموافقته له في ~~الإنزال ، ولما مر في صدر السورة من قوله : {ما يأتيهم من ذكر} [الأنبياء : ~~2] الخ ، {مبارك} ؛ كثير الخير ، غزير النفع ، يتبرك به على الدوام. قال ~~القشيري : وصفه بالبركة هو إخبار عن ثباته ، من قولهم : برك البعير ، وبرك ~~الطائر على الماء ، أي : داوم. وهذا الكتاب دائم ، لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه ، وهو دال على كلامه القديم ، فلا ms1701 انتهاء له ، كما لا ~~ابتداء له ولا انتهاء لكلامه. ه. {أنزلناه} على محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وهو صفة ثانية للكتاب {أفأنتم له منكرون} ؛ استفهام توبيخي ، أي : جاحدون ~~أنه منزل من عند الله ، والمعنى : أبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة ، في ~~الإنزال والإيحاء ، أنتم منكرون ؛ لكونه منزلا من عندنا ؛ فإن ذلك ، بعد ~~ملاحظة التوراة ، مما لا مساغ له أصلا. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 352 # الإشارة : كل ما وصف به التوراة وصف به كتابنا العزيز ، قال تعالى : ~~{تبارك الذي نزل الفرقان علىا عبده} [الفرقان : 1] ، وقال : {وأنزلنآ إليكم ~~نورا مبينا} [النساء : 174] ، وقال هنا : {وهذا ذكر مبارك} ، فزاده البركة ~~؛ لعموم خيره ودوام نفعه ، وخصوصا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب : قال ~~القشيري : والخشية بالغيب : إطراق السريرة في أول الحضور ، باستشعار الوجل ~~من جريان سوء الأدب ، والحذر من أن يبدو من الغيب بغتات التقدير ، مما يوجب ~~حجبة العبد. ه. # 353 # جزء : 4 رقم الصفحة : 352 # قلت : {إذ قال} : ظرف لآتينا ، أو لرشده. PageV04P523 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا إبراهيم رشده} أي : الرشد اللائق به ~~وبأمثاله من كبراء الرسل ، وهو الاهتداء الكامل ، المستند إلى الهداية ~~الخاصة الحاصلة بالوحي ، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة ~~النبوة والوحي الإلهي ، {من قبل} أي : من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة ، ~~وتقديم ذكرهما ، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل : من قبل ~~إنزال القرآن ، أو من قبل استنبائه ، أو من قبل بلوغه ، {وكنا به عالمين} ~~أي : بأنه أهل لما آتيناه ، أو عالمين برشده ، وما خصصناه به من الهداية ~~الخاصة. {إذ قال لأبيه وقومه} أي : آتيناه ذلك حين قال لأبيه ، أو اذكر وقت ~~قوله لهم : {ما هذه التماثيل} أي : الأصنام المصورة على صورة السباع ~~والطيور والإنسان ، وفيه تجاهل بهم ؛ تحقيرا لها ، مع علمه بتعظيمهم لها ؛ ~~توبيخا لهم على إجلالها مع كونها خشبا وأحجارا لا تضر ولا تنفع ، {التي ~~أنتم لها عاكفون} أي : لأجل عبادتها مقيمون ، فلما عجزوا عن الدليل {قالوا ~~وجدنا آباءنا لها عابدين} فقلدناهم ، فأبطله عليه ms1702 السلام ، على طريقة ~~التوكيد بالقسم ، فقال : {لقد كنتم أنتم وآباؤكم} الذين سنوا لكم هذه السنة ~~الباطلة ، {في ضلال مبين} : ظاهر بين ، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء ، ~~أي : والله لقد كنتم مستقرين في ضلال عظيم ظاهر ؛ لعدم استناده إلى دليل ، ~~فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة ، لا فيما اتضح بطلانه ، ~~سيما في أمر التوحيد. # {قالوا أجئتنا بالحق} أي : بالجد ، {أم أنت من اللاعبين} ، فتقول ما تقول ~~على الملاعبة والمزاح. والمعنى : أجاد أنت ، أم لاعب فيما تقول ؟ قالوا ذلك ~~؛ استعظاما منهم لإنكاره ، واستبعادا لكون ما هم عليه ضلال ، وتعجيبا من ~~تضليله إياهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 354 PageV04P524 ~~ثم أضرب عنهم ؛ مخبرا بأنه جاد فيما قال ، غير لاعب ، بإقامة البرهان على ~~بطلان ما ادعوه فقال : {بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن} ، لا ~~التماثيل التي صورتم. وقيل : هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم ؛ من اعتقاد ~~كونها أربابا لهم ، كما يفصح عنه قولهم : {نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} ~~[الشعراء : 71] ، كأنه قال : ليس الأمر كذلك ، بل ربكم رب السماوات والأرض ~~الذي خلقهن وأنشأهن ، فالضمير للسماوات والأرض ، وصفه تعالى بإيجادهن ، إثر ~~وصفه تعالى بربوبيته لهن ؛ تحقيقا للحق ، # 354 # وتنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية ، أي : أنشأهن بما ~~فيهن من المخلوقات ، التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه ، من غير ~~مثال يحتذيه ، ولا قانون ينتحيه. وقيل : الضمير للتماثيل ، وهو أدخل في ~~تضليلهم ، وأظهر في إلزام الحجة عليهم ؛ لما فيه من التصريح المغني عن ~~التأمل في كون ما يعبدونه من المخلوقات ، والأول أقرب. ثم قال عليه السلام ~~: {وأنا على ذلكم} الذي ذكرت : من كون ربكم رب السماوات والأرض ، دون ما ~~عداه ، كائنا ما كان ، {من الشاهدين} أي : العالمين به على سبيل الحقيقة ، ~~المبرهنين عليه ، فإن الشاهد على الشيء : من تحققه وبرهن عليه ، كأنه قال : ~~وأنا أعلم ذلك ، وأتحققه ، وأبرهن عليه ، والله تعالى أعلم. PageV04P525 # الإشارة : زخارف الدنيا وبهجتها ، من تشييد بناء ، وتزويق سقف وحيطان ، ~~وإنشاء غروس وبساتين ، وجمع أموال ، وتربية جاه ms1703 ، كلها تماثيل لا حقيقة لها ~~، فانية لا دوام لها. فمن عكف عليها ، وأولع بخدمتها وجمعها وتحصيلها ، كان ~~عابدا لها ، فينبغي لذي الرشد والعقل الوافر ، الذي تحرر منها ، أن ينكر ~~عليهم ، ويقول لهم : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ، فإن قالوا : ~~وجدنا أباءنا يفعلون هذا ، وعلماءنا مثلنا ، فليقل لهم : لقد كنتم وآباؤكم ~~وعلماؤكم في ضلال مبين ، عما كان عليه الأنبياء والأولياء والسلف الصالح. ~~فإن قالوا : أجاد أنت أم لا ؟ فليقل : بل ربكم الذي ينبغي أن يفرد بالمحبة ~~والخدمة ، وهو رب السماوات والأرض ، لا ما أنتم عليه من محبة الدنيا ~~وبهجتها ، وأنا على ذلكم من الشاهدين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 354 # قلت : {من فعل} : استفهام ، وقيل : موصولة ، و{إنه} : خبرها ، أي : الذي ~~فعل هذا معدود من الظلمة ، و{يذكرهم} : إما مفعول ثان لسمع ؛ لتعلقه بالذات ~~، على قول ، أو صفة لفتى. و{يقال} : صفة أخرى لفتى. و{إبراهيم} : نائب فاعل يقال. # 355 PageV04P526 ~~يقول الحق جل جلاله : حاكيا عن خليله عليه السلام : {وتالله لأكيدن ~~أصنامكم} أي : لأمكرن بها ، وأجتهد في كسرها ، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز ~~، وتوقفه على الحيل والسياسة ، وذلك الكيد {بعد أن تولوا مدبرين} ؛ بعد ~~ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد : إنما قاله سرا ، ولم يسمعه إلا رجل ~~فأفشاه عليه ، وقال : سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي : كان لهم في كل سنة ~~مجمع وعيد ، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها ، وقال أبو ~~إبراهيم : يا إبراهيم ، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ، فخرج إلى بعض ~~الطريق ، وقال : إني سقيم ، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ~~ضعفاء الناس - : {تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} فسمعوه ، ثم ~~دخل بيت الأصنام ، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة ، فإذا رجعوا ~~أكلوه ، فقال : {ألا تأكلون} ؟ استهزاء بها ، فلم يجبه أحد ، فقال : ما لكم ~~لا تنطقون {فراغ} ؛ مال {عليهم ضربا باليمين} [الصافات : 93]. # {فجعلهم جذاذا} أي : قطعا ، جمع جذيذ. وفيه لغتان : الكسر ، كخفيف وخفاف ~~، والضم ؛ كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم ~~مستقبل الباب ms1704 ، وكان من ذهب ، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل ، فكسر الكل ~~بفأس كان بيده ، ولم يبق إلا الكبير ، علق الفأس في عنقه ، وذلك قوله تعالى ~~: {إلا كبيرا لهم} أي : للأصنام {لعلهم إليه} أي : إلى إبراهيم عليه السلام ~~{يرجعون} ؛ فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم ، أو إلى دينه ؛ إذا قامت الحجة ~~عليهم. وقيل : إلى الكبير يسألونه عن الكاسر ؛ لأن من شأن الكبير أن يرجع ~~إليه في الملمات. وقيل : إلى الله تعالى وتوحيده ، عند تحققهم بعجز آلهتهم ~~عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 355 PageV04P527 ~~فلما رجعوا من عيدهم ، ورأوا ما صنع بآلهتهم ، {قالوا من فعل هذا بآلهتنا} ~~، على طريق الإنكار والتوبيخ ، {إنه لمن الظالمين} أي : لشديد الظلم ؛ ~~لجرأته على الآلهة ، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن ~~الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة ، {قالوا} أي : بعض منهم ، وهو من سمع مقالته ~~: {سمعنا فتى يذكرهم} أي : يعيبهم ، فلعله فعل ذلك بها ، {يقال له إبراهيم} ~~أي : يقال له هذا الاسم. {قالوا} أي : السائلون : {فأتوا به على أعين ~~الناس} أي : بمرأى منهم ، بحيث يكون نصب أعينهم ، لا يكاد يخفى على أحد ، ~~{لعلهم يشهدون} عليه بما سمع منه ، أو بما فعله ، كأنهم كرهوا عقابه بلا ~~بينة ، أو يحضرون عقوبتنا له. فلما أحضروه {قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ~~إبراهيم} ؟ واختصر إحضاره ؛ للتنبيه على أن إتيانهم به ، ومسارعتهم إلى ذلك ~~، أمر محقق غني عن البيان {قال} إبراهيم عليه السلام : {بل فعله كبيرهم ~~هذا} ، غار أن يعبدوا معه ، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي : أنه ~~يقف على {بل فعله} أي : فعله من فعله ، ثم ابتدأ : # 356 # كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ ، والأكثر : أنه لا وقف ، والفاعل : ~~كبيرهم. و" هذا " : بدل ، أو وصف ، ونسب الفعل إلى كبيرهم ، وقصده تقريره ~~لنفسه وإسناده لها ، على أسلوب تعريضي ؛ تبكيتا لهم ، وإلزاما للحجة عليهم ~~، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم ، وأنه لا يصلح للألوهية ~~، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق ، وأنت شهير بحسن الخط ، ومعك ms1705 صاحب أمي ~~، فقال لك قائل : أأنت كتبت هذا ؟ فتقول : بل كتبه هذا ، وهو يعلم أنه أمي ~~لا يحسن الكتابة ، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. PageV04P528 # قال الكواشي : ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف ~~حين نادى على إخوته : {إنكم لسارقون} [يوسف : 70] ، ولم يكونوا سارقين ؛ ~~لما في ذلك من المصلحة ؛ لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح ، وسألوا علموا أن ~~كبيرهم لم يفعل شيئا ، وأنه عاجز عن النطق ، فضلا عن الفعل ، فلا يجوز أن ~~يعبد ، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. # وقيل : اسند الفعل إلى كبيرهم ؛ لأنه الحامل له على كسرها ، حيث رآه يعظم ~~أكثر منها ، ويعبد من دون الله ، فاشتد غضبه حتى كسرها ، وهو بعيد ؛ إذ لو ~~كان كذلك لكسره أولا ، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم ، ~~لا الإخبار المحض ، حتى يكون كذبا. فإن قلت : قد ورد في الحديث أن إبراهيم ~~كذب ثلاث كذبات ؟ فالجواب : أن معنى ذلك : أنه قال قولا ظاهره الكذب ، وإن ~~كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 355 # ثم قال لهم : {فاسألوهم} عن حالهم ، {إن كانوا ينطقون} فتجيبكم بمن كسرهم ~~، وأنتم تعلمون عجزهم عنه ، {فرجعوا إلى أنفسهم} أي : رجعوا إلى عقولهم ، ~~وتفكروا بقلوبهم ، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على ~~الإخبار بمن كسره ، فكيف يستحق أن يكون معبودا ؟ {فقالوا} أي : قال بعضهم ~~لبعض : {إنكم أنتم الظالمون} على الحقيقة ، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ~~ولا ينفع ؛ لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس ، فكيف يدفع عن عابده البأس! ~~فأنتم الظالمون بعبادتها ؛ لا من ظلمتموه بقولكم : {إنه لمن الظالمين}. أو ~~: أنتم الظالمون لا من كسرها ، {ثم نكسوا على رؤوسهم} ، وردوا إلى أسفل ~~سافلين ، أجري الحق على لسانهم في القول الأول ، ثم أدركتهم الشقاوة ، أي : ~~انقلبوا إلى المجادلة ، بعدما استقاموا بالمراجعة ، شبه عودهم إلى الباطل ~~بصيرورة أسفل الشيء أعلاه ، قائلين : {لقد علمت} يا إبراهيم {ما هؤلاء ~~ينطقون} ، فكيف ms1706 تأمرنا بسؤالها ؟ PageV04P529 # 357 # {قال} ؛ مبكتا لهم وتوبيخا : {أفتعبدون من دون الله} أي : متجاوزين ~~عبادته تعالى إلى {ما لا ينفعكم شيئا} من النفع ، {ولا يضركم} إن لم تعبدوه ~~، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته ، {أف لكم ~~ولما تعبدون من دون الله} ، أف : اسم صوت تدل على التضجر ، تضجر عليه ~~السلام من إصرارهم على الباطل ، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق ، فأفف بهم ~~وبأصنامهم ، أي : لكم ولأصنامكم هذا التأفف ، {أفلا تعقلون} أن من هذا وصفه ~~لا يستحق أن يكون إلها. والله تعالى أعلم. # الإشارة : من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه ، وهي ما ~~كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية ، حتى تنقلب ~~حقوقا ربانية ، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض ، ويكون من ~~الموقنين. ، وأم الشهوات : حب الدنيا ، ورأسها : حب الرئاسة والجاه ، وأكبر ~~الأصنام : وجودك الحسي ، فلا حجاب أعظم منه ، ولذلك قيل : # وجودك ذنب لا يقاس به ذنب # فإن غبت عنه ، وكسرته ، غابت عنك جميع العوالم الحسية ، وشهدت أسرار ~~المعاني القدسية ، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات ، وإلى هذا المعنى أشار ~~ابن العريف رضي الله عنه بقوله : # بدا لك سر طال عنك اكتتامه # ولاح صباح كنت أنت ظلامه # فأنت حجاب القلب عن سر غيبه # ولولاك لم يطبع عليه ختامه # جزء : 4 رقم الصفحة : 355 # فإن غبت عنه حل فيه وطنبت # على موكب الكشف المصون خيامه # وجاء حديث لا يمل سماعه # شهي إلينا نثره ونظامه # إذا سمعته النفس طاب نعيمها # وزال عن القلب المعنى غرامه PageV04P530 ~~فالغيبة عن وجود العبد فناء ، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء ، وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى : {إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون} أي : إلا كبير ~~الأصنام ، وهو وجودك الوهمي ، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف ~~العبودية والقيام بحقوق البشرية ، فإن هذا اصطلام ، بل ينبغي ملاحظته ، ~~لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء ، والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 355 # 358 # يقول الحق جل جلاله : {قالوا حرقوه} أي : قال بعضهم لبعض ، لما عجزوا عن ms1707 ~~المحاججة ، وضاقت عليهم الحيل ، وعييت بهم العلل ، وهذا ديدن المبطل ~~المحجوج ، إذا قرعت شبهه بالحجة القاطعة وافتضح ، لم يبق له حينئذ إلا ~~المناصبة والمعاداة ، فناصبوا إبراهيم عليه السلام ، وقالوا حرقوه بالنار ؛ ~~لأنه أشد العقوبات ، {وانصروا آلهتكم} بالانتقام لها {إن كنتم فاعلين} ~~للنصر ، أي : إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا ، فاختاروا له أهول ~~المعاقبات ، وهو الإحراق ، وإلا فقد فرطتم في نصرتها ، والذي أشار بالإحراق ~~نمرود ، أو رجل من أكراد فارس ، اسمه " هيزن " ، وقيل : " هدير " ، خسفت به ~~الأرض ، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. PageV04P531 # روي أنهم ، لما أجمعوا على حرقه عليه السلام ، بنوا له حظيرة بكوثى - قرية ~~من قرى الأنباط بالعراق - فجمعوا صلاب الحطب من أصناف الخشب ، مدة أربعين ~~يوما ، وقيل : شهرا ، حتى إن المرأة تنذر : لئن أصابت حاجتها لتحطبن في نار ~~إبراهيم. ثم أوقدوا نارا عظيمة ، لا يكاد يحوم حولها أحد ، حتى إن كانت ~~الطير لتمر بها ، وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها ، ولم يقدر أحد أن ~~يقربها ، فلم يعلموا كيف يلقونه عليه السلام فيها ، فأتى إبليس وعلمهم علم ~~المنجنيق ، فعملوه. وقيل : صنعه لهم رجل من الأكراد ، فخسف الله تعالى به ~~في الأرض مثل الآخر ، ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام ، فوضعوه فيه ~~مغلولا مقيدا مجردا ، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة : يا ربنا ~~، إبراهيم ، ليس في الأرض أحد يعبدك غيره ، يحرق فيك ، فأذن لنا في نصرته ، ~~فقال لهم : إن استغاث بواحد منكم فأغيثوه ، فرموا به فيها من مكان شاسع ، ~~فقال له جبريل عليه السلام ، وهو في الهواء : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك ~~فلا. قال : فسل ربك. فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، فرفع همته عن الخلق ~~، واكتفى بالواحد الحق ، فجعل الله الخطيرة روضة. وهذا معنى قوله : {قلنا ~~يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} أي : كوني ذات برد وسلام ، أي : ~~ابردي بردا غير ضار. # جزء : 4 رقم الصفحة : 358 PageV04P532 ~~قال ابن عباس : لو لم يقل {وسلاما} لمات إبراهيم من بردها ، ولم تبق يومئذ ~~نار إلا طفئت ، ظنت أن ms1708 الخطاب توجه لها ، فما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ ~~بنار ، ولم تبق دابة إلا أتت تطفئ عنه النار ، إلا الوزغ. فلذلك أمر نبينا ~~صلى الله عليه وسلم. بقتلها ، وسماها فويسقا. قال السدي : فأخذت الملائكة ~~بضبعي إبراهيم وأقعدوه على الأرض ، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال ~~كعب : ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. وروي أنه عليه السلام مكث فيها ~~سبعة أيام ، وقيل : أربعين ، وقيل : خمسين ، والأول أقرب. # 359 # قال إبراهيم عليه السلام : ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت ~~فيها. قال ابن بسار : وبعث الله تعالى ملك الظل فقعد إلى جنبه يؤنسه ، ~~قالوا : وبعث الله بقميص من حرير الجنة. قلت : وقد تقدم ذكره في سورة يوسف. ~~وأتاه جبريل فقال : إن ربك يقول : أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. فنظر ~~نمرود من صرحه ، فأشرف عليه ، فرآه جالسا في روضة مونقة ، ومعه جليس على ~~أحسن ما يكون من الهيئة ، والنار محيطة به ، فنادى : يا إبراهيم هل تستطيع ~~أن تخرج منها ؟ قال : نعم ، قال : فاخرج ، فقام يمشي فخرج منها ، فاستقبله ~~نمرود وعظمه. وقال : من الرجل الذي رأيته معك ؟ قال ذلك ملك الظل ، أرسله ~~ربي ليؤنسني ، فقال : إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيته من قدرته وعزته ~~فيما صنع بك. فقال عليه السلام : لا يقبل الله منك ما دمت على دينك هذا ، ~~حتى تفارقه إلى ديني ، قال : لا استطيع ترك ملكي ، ولكن سأذبح له أربعة ~~آلاف بقرة ، فذبحها ، وكف عن إبراهيم عليه السلام. PageV04P533 # قال شعيب الجبائي : ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة ، وذبح ~~إسحاق وهو ابن سبع سنين ، وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة ، ولما علت ما ~~أراد من ذبحه بقيت يومين وماتت في الثالث. ه. وهذا كما ترى من أكبر ~~المعجزات ، فإن انقلاب النار هواء طيبا ، وإن لم يكن بدعا من قدرة الله ، ~~لكنه من أكبر الخوارق ، واختلف في كيفية برودتها ؛ فقيل : إن الله تعالى ~~أزال ما فيها من الحر والإحراق ، وقيل : دفع ms1709 الله عن جسم إبراهيم حرها ~~وإحراقها مع ترك ذلك فيها ، والله على كل شيء قدير. # قال تعالى : {وأرادوا به كيدا} ؛ مكرا عظيما في الإضرار ، {فجعلناهم ~~الأخسرين} أي : أخسر من كل خاسر ، حيث جاء سعيهم في إطفاء نور الحق برهانا ~~قاطعا على أنه عليه السلام على الحق ، وهم على الباطل ، وموجبا لارتفاع ~~درجته واستحقاقهم للهلاك ، فأرسل الله على نمرود وقومه البعوض ، فأكلت ~~لحومهم وشربت دماءهم ، ودخلت بعوضة في دماغ نمرود فأهلكته بعد المحنة ~~الشديدة ، وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 358 # الإشارة : أجرى الله تعالى عادته في المتوجه الصادق ، إذا أراد الوصول ~~إلى حضرته ، أن يبتليه قبل أن يمكنه ، ويمتحنه قبل أن يصافيه ؛ لأن محبته ~~تعالى مقرونة بالبلاء ، والداخل على الله منكور ، والراجع إلى الناس مبرور. ~~فإذا رمي الولي في منجنيق الابتلاء ، وألقي في نار الجلال ، وتعرضت له ~~الأكوان : ألك حاجة ؟ فيقول - إن كان مؤيدا - : أما إليك فلا ، وأما إلى ~~الله فبلى ، فإذا قيل له : سله ، فيقول : علمه # 360 PageV04P534 ~~بحالي يغني عن سؤالي. فلا جرم أن الله تعالى يقول لنار الجلال : كوني بردا ~~وسلاما على وليي ، فينقلب حرها بردا وسلاما ، فلا يرى أياما أحلى من تلك ~~الأيام التي ابتلي فيها. وهذا أمر مجرب مذوق ، وأما إن التفت إلى التعلق ~~بغير الله تعالى ، فإن البلاء يشدد عليه ، أو يخرج من دائرة الولاية ، ~~والعياذ بالله. فالولي هو الذي يقلب الأعيان بهمته ، وبالنور الذي في قلبه ~~، حسية كانت أو معنوية ، فيقلب الخوف أمنا ، والحزن سرورا ، والقبض بسطا ، ~~والفاقة غنى ، وهكذا... فحينئذ تنفعل له الأشياء وتطيعه ، وتخرق له العوائد ~~، حتى لو ألقي في النار الحسية لبردت. قال الورتجبي : كان الخليل منورا ~~بنور الله ، وكان فعل النار من فعل الله ، فغلب نور الصفة على نور الفعل ، ~~ولو بقيت النار حتى وصل إليها الخليل لصارت مضمحلة ، فعلم الحق ذلك ، فقال ~~لها : {كوني بردا وسلاما على إبراهيم} حتى تبقى لظهور معجزته وبيان كرامته. ~~ه. ومصداق ما ذكره : قول النار يوم القيامة للمؤمن : جز فقد أطفأ نورك لهبي ~~، كما ms1710 ورد. والله أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 358 # قلت : {إلى الأرض} : يتعلق بحال محذوفة ، ينساق إليها الكلام ، أي : ~~ذاهبا بهما إلى الأرض. # يقول الحق جل جلاله : {ونجيناه} أي : إبراهيم {ولوطا} ابن أخيه هاران ، ~~ذاهبا بهما من العراق {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} ، وهي أرض ~~الشام. وبركاته العامة : أن أكثر الأنبياء بعثوا فيها ، فانتشرت في ~~العالمين شرائعهم ، التي هي مبادئ الخيرات الدينية والدنيوية ، وهي أرض ~~المحشر ، فيها يجمع الناس ، وفيها ينزل عيسى عليه السلام ، وقال أبي بن كعب ~~: ما من ماء عذب إلا وأصله من تحت صخرة بيت المقدس ، وهي أرض خصب ، يعيش ~~فيها الفقير والغني. PageV04P535 # قال ابن إسحاق : خرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق ، وخرج معه لوط وسارة ، ~~فنزل حران ، ثم خرج منها إلى مصر ، ثم خرج منها إلى الشام ، فنزل السبع من ~~أرض فلسطين بزوجه سارة ، بنت عمه هاران الأكبر ، ونزل لوط عليه السلام ~~بالمؤتفكة ، وبينهما مسيرة يوم وليلة ، وكلاهما من الشام. # 361 # {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} أي : وهبنا له إسحاق ولدا من صلبه ، وزاد ~~يعقوب ، ولد ولده ، نافلة ؛ لأنه سأل ولدا بقوله : {رب هب لي من الصالحين} ~~[الصافات : 100] فأعطيه ، وأعطى يعقوب نافلة ، زائدا على ما سأل ؛ لأنه ~~أعطى من غير سؤال ، فكأنه تبرعا. قال ابن جزي : واختار بعضهم - على هذا - ~~الوقف على " إسحاق " لبيان المعنى ، وهذا ضعيف ؛ لأنه معطوف على كل قول. ه. ~~وقيل : {نافلة} يرجع لهما معا ، أي : أعطيناه ولدا وولد ولد ، عطية ، فيكون ~~حالا منهما معا ، قيل : هو مصدر ، كالعاقبة من غير لفظ الفعل ، الذي هو ~~{وهبنا} وقيل : اسم ، {وكلا} أي : كل واحد من هؤلاء الأربعة ، {جعلنا ~~صالحين} ؛ بأن وفقناهم لصلاح الظاهر والباطن ، حتى استحقوا الخصوصية. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : الهجرة سنة من سنن الأنبياء والأولياء ، فكل من لم يجد في بلده ~~من يعينه على دينه ، يجب عليه الانتقال إلى بلد يجد فيها ذلك. وكذلك المريد ~~إذا لم يجد قلبه في محل ؛ لكثرة عوائده وشواغله بحيث يشوش عليه قلبه ~~فلينتقل إلى بلد تقل ms1711 فيها العلائق والشواغل ، إن وجد فيها من يحرك معهم فنه ~~، كان بادية أو حاضرة. والغالب أن الحاضرة تكثر فيها العوائد والحظوظ ~~والشهوات ، فلا يدخلها المريد حتى يتقوى ويملك نفسه ، يأخذ النصيب من كل ~~شيء ، ولا ينقص من نصيبه شيء ، وقد تقدم هذا مرارا. وبالله التوفيق. # 362 # جزء : 4 رقم الصفحة : 361 PageV04P536 ~~يقول الحق جل جلاله : {وجعلناهم} أي : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، {أئمة} ~~يقتدى بهم في أمور الدين ؛ إجابة لدعوته بقوله : {ومن ذريتي} [البقرة : ~~124] أي : فاجعل أئمة ، {يهدون} الخلق إلى الحق ، {بأمرنا} لهم بذلك ، ~~وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين ، أو يهدون الخلق بإرادتنا ومشيئتنا. ~~{وأوحينا إليهم فعل الخيرات} وهي جميع الأعمال الصالحة ، أي : أمرناهم أن ~~يفعلوا جميع الخيرات ، ليتم كمالهم بانضمام العمل الصالح إلى العلم ، وأصله ~~: أن يفعلوا الخيرات ، ثم فعل الخيرات ، {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} ، ~~وهو من عطف الخاص على العام ؛ دلالة على فضله وشرفه ، وأصله : وإقامة ~~الصلاة ، فحذفت التاء المعوضة من إحدى الألفين ؛ لقيام المضاف إليه مقامها. ~~{وكانوا لنا عابدين} : قانتين مطيعين ، لا يخطر ببالهم غير عبادتنا ~~ومشاهدتنا. وأنتم يا معشر العرب والعجم من ذريتهم ، فاتبعوهم في ذلك. ~~وبالله التوفيق. # الإشارة : إنما يعظم جاه العبد عند الله بثلاثة أمور : انحياشه بقلبه إلى ~~الله ، ومسارعته إلى ما فيه رضا الله ، وإرشاد العباد إلى الله ، بدعائهم ~~إلى الله بالحال والمقال ، فبقدر ما يقع من هداية الخلق على يديه يعلو ~~مقامه عند الله ، إن حصلت المعرفة بالله ، وبهذا تعرف شرف مرتبة مشيخة ~~الصوفية ، الدالين على الله ، الداعين إلى حضرة الله ، إن تكلموا وقع ~~كلامهم في قلوب الخلق ، فيرجعون إلى الله من ساعتهم ، مجالسهم كلها وعظ ~~وتذكير ، حالهم ينهض إلى الله ، ومقالهم يدل على الله ، ففي ساعة واحدة ~~يتوب على يديهم من الخلق ما لا يتوب على يد العالم في سنين ؛ وذلك لإنهاض ~~الحال والمقال ، فلا جرم أنهم أعز الخلق إلى الله ، وأعظمهم قدرا عند الله. PageV04P537 # قال السهروردي في العوارف : ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : " والذي نفس ms1712 محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم ، إن أحب عباد الله ~~إلى الله يحببون الله إلى عباده ، ويحببون عباد الله إلى الله ، ويمشون في ~~الأرض بالنصيحة " وهذا الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رتبة ~~المشيخة والدعوة ؛ فإن الشيخ يحبب الله إلى عباده حقيقة ، ويحبب عباد الله ~~إلى الله. # فأما كونه يحبب عباد الله إلى الله ؛ لأن الشيخ يسلك بالمريد طريق ~~الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأخلاقه. ومن صح اقتداؤه ~~واتباعه أحبه الله ، قال تعالى : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله} [آل عمران : 31] ، ووجه كونه يحبب الله إلى عباده ؛ لأنه يسلك ~~بالمريد طريق التزكية ، وإذا تزكت النفس انجلت مرآة القلب ، ودخل فيها نور ~~العظمة الإلهية ، ولاح فيها جمال التوحيد ، وذلك ميراث التزكية ، قال الله ~~تعالى : {قد أفلح من زكاها} [الشمس : 9] ، وفلاحها : الظفر بمعرفة الله ، ~~فإذا عرفه ، قطعا ، أحبه وفنى فيه. فرتبة المشيخة من أعلى الرتب ؛ لأنها ~~خلافة النبوة في الدعوة إلى الله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 363 PageV04P538 ~~ثم قال : فعلى المشايخ وقار لله ، وبهم يتأدب المريد ظاهرا وباطنا ، قال ~~الله تعالى : {أولائك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام : 90] ، ~~فالمشايخ ، لما اهتدوا ، أهلوا للاقتداء بهم ، وجعلوا أئمة للمتقين ، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حاكيا عن الله عز وجل : " إذا كان الغالب ~~على عبدي الاشتغال بي ، جعلت همته ولذته في ذكري ، فإذا جعلت همته ولذته في ~~ذكري ، أحبني وأحببته ، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، لا يسهو إذا سها ~~الناس ، أولئك كلامهم كلام الأنبياء ، أولئك الأبطال حقا ، أولئك الذين إذا ~~أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ، ذكرتهم فصرفته بهم عنهم " انتهى كلامه ~~رضي الله عنه. # 363 # ومن كلام ذي النون المصري - لما تكلم على الأبدال - قال : فهمهم إليه ~~ثائرة ، وأعينهم إليه بالغيب ناظرة ، قد أقامهم على باب النظر من رؤيته ، ~~وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته ، ثم قال لهم : إن أتاكم عليل من فقدي ~~فداووه ، أو مريض من فراقي فعالجوه ، أو خائف مني فانصروه ms1713 ، أو آمن مني ~~فحذروه ، أو راغب في مواصلتي فمنوه ، أو راحل نحوي فزودوه ، أو جبان في ~~متاجرتي فشجعوه ، أو آيس من فضلي فرجوه ، أو راج لإحساني فبشروه ، أو حسن ~~الظن بي فباسطوه ، أو معظم لقدري فعظموه ، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه ، أو ~~مسترشد فأرشدوه. ه. وهذه صفة مشايخ التربية على ما شهدناهم ، وما شهدنا إلا ~~بما علمنا. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 363 # قلت : {ولوطا} : إما مفعول بمحذوف يفسره قوله : {آتيناه} أي : وآتينا ~~لوطا ، أو : باذكر. و{نوحا} : مفعول باذكر. PageV04P539 # يقول الحق جل جلاله : {ولوطا آتيناه حكما} أي : حكمة ، أو نبوة ، أو فصلا ~~بين الخصوم بالحق ، {وعلما} بنا وبما ينبغي علمه للأنبياء - عليهم السلام - ~~من علم السياسة ، {ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث} ؛ اللواطة ، ~~وقذف المارة بالحصى ، وغيرها ، وصفت بصفة أهلها ، وأسندت إليها على حذف ~~مضاف ، أي : من أهل القرية ، بدليل قوله : {إنهم كانوا قوم سوء فاسقين} : ~~خارجين عن طاعة الله ورسوله. {وأدخلناه في رحمتنا} أي : في أهل رحمتنا ، أو ~~جنتنا ، {إنه من الصالحين} الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم ، فنجيناه ؛ جزاء ~~على صلاحه ، كما أهلكنا قريته ؛ عقابا على فسادهم. # {و} اذكر {نوحا} ، وقدم هؤلاء عليه ؛ لتعلقهم بإبراهيم ، أي : خبره ، {إذ ~~نادى} أي : دعا الله تعالى على قومه بالهلاك ، أي : اذكر نبأه الواقع وقت ~~دعائه ، {من قبل} هؤلاء المذكورين ، {فاستجبنا له} دعاءه الذي من جملته ~~قوله : {أني مغلوب فانتصر} [القمر : 10] ، {فنجيناه وأهله} المؤمنين به ، ~~من ولده وقومه ، {من الكرب العظيم} ، وهو الطوفان وتكذيب أهل الطغيان. وأصل ~~الكرب : الغم الشديد ، {ونصرناه} نصرا مستتبعا للانتقام ، {من القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا} أي : منعناه من # 364 # إذايتهم ، {إنهم كانوا قوم سوء} ، تعليل لما قبله ، {فأغرقناهم أجمعين} ، ~~صغيرهم وكبيرهم ، ذكرهم وأنثاهم ؛ لأن الإصرار على تكذيب الحق ، والانهماك ~~في الشر والفساد ، مما يوجب الإهلاك العام. والله تعالى أعلم. PageV04P540 # الإشارة : نبي الله لوط عليه السلام لما هاجر من أرض الظلمة إلى الأرض ~~المقدسة ، أعطاه الله العلم والحكمة. فكل من هاجر من الغفلة إلى محل الذكر ~~واليقظة ، وهجر ما ms1714 نهى الله عنه عوضه الله علما بلا تعلم ، وأجرى على لسانه ~~ينابيع الحكمة. قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه : إذا اعتقدت النفس ~~على ترك الآثام ، جالت في الملكوت ، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة ، ~~من غير أن يؤدي إليها عالم علما. ومصداقه الحديث : " من عمل بما يعلم ، ~~ورثه الله علم ما لم يعلم " ولما أجهد نفسه في تغيير المنكر نجاه الله من ~~أذاهم وما لحق بهم ، وكذلك نبيه نوح عليه السلام ؛ لما دعا قومه إلى الله ، ~~وأجهد نفسه في نصحهم ، نجاه الله من شرهم وجعل النسل من ذريته ، فكان آدم ~~الأصغر. وهذه عادة الله تعالى في خواصه ، يكثر فروعهم ، ويجعل البركة في ~~تركتهم. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 364 # قلت : {وداود} : عطف على {نوحا} ، أو معمول لاذكر ، و{إذ يحكمان} : ظرف ~~للمضاف المقدر ، أي : اذكر خبرهما ، و{إذ نفشت} : ظرف للحكم. {ففهمناها} : ~~عطف على {يحكمان} ؛ فإنه في حكم الماضي. # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر خبر {داود وسليمان إذ يحكمان} أي : وقت ~~حكمهما {في الحرث} أي : في الزرع ، أو في الكرم المتدلي عناقيده ، والحرث ~~يطلق عليهما ، {إذ نفشت} : دخلت {فيه غنم القوم} فأفسدته ليلا ، فالنفش : ~~الرعي بالليل ، والهمل بالنهار ، وهما الرعي بلا راع. {وكنا لحكمهم} أي : ~~لهما وللمتحاكمين إليهما ، أو على أن أقل الجمع اثنان ، {شاهدين} ، كان ذلك ~~بعلمنا ومرأى منا ، لم يغب عنا # 365 # شيء منه ، {ففهمناها} أي : الحكومة ، أو الفتوى ، {سليمان} ، وفيه دليل ~~على أن الصواب كان مع سليمان. PageV04P541 # وقصتهما على ما قال ابن عباس وغيره : أن رجلين دخلا على داود عليه السلام ~~أحدهما : صاحب حرث ، والآخر صاحب غنم ، فقال صاحب الزرع : إن هذا نفشت غنمه ~~ليلا ، فوقعت في حرثي ، فلم تبق منه شيئا ، فقال له داود : اذهب فإن الغنم ~~لك ، ولعله استوت قيمتاهما - أي : قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في ~~الحرث - فخرج الرجلان على سليمان ، وهو بالباب ، وكان ابن إحدى عشرة سنة ، ~~فأخبراه بما حكم به أبوه ، فدخل عليه ، فقال : يا نبي الله ؛ لو حكمت بغير ms1715 ~~هذا لكان أرفق بالفريقين ، قال : وما هو ؟ قال : يأخذ صاحب الغنم الأرض ~~ليصلحها ، حتى يعود زرعها كما كان ، ويأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بألبانها ~~وصوفها ونسلها ، فإذا كمل الزرع ، ردت الغنم إلى صاحبها ، والأرض بزرعها ~~إلى ربها ، فقال داود : وفقت يا بني ، وقضى بينهم بذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 365 # والذي يظهر : أن حكمهما - عليهما السلام - كان باجتهاد ، ففيه دليل على ~~أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل فيه وحي ، فإن قول سليمان عليه السلام : ~~" هذا أرفق " ، وقوله : " أرى أن تدفع... " الخ ، صريح في أنه ليس بطريق ~~الوحي ، وإلا لبت القول بذلك ، ولعله وجه حكم داود عليه السلام قياس ذلك ~~على جناية العبد ، فإن العبد فيما جنى. وإذا قلنا : كان بوحي ، يكون حكم ~~سليمان ناسخا لحكم داود عليه السلام. PageV04P542 # وأما حكم إفساد المواشي للزرع في شرعنا : فقال مالك والشافعي : يضمن أرباب ~~المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار ؛ للحديث الوارد في ذلك ، على تفصيل في ~~مذهب مالك فيما أفسدت بالنهار. وقال أبو حنيفة : لا يضمن ما أفسدت بالليل ~~ولا بالنهار ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " العجماء جرحها جبار " ، ~~ما لم يكن معها سائق أو قائد ، فيضمن عنده. قال تعالى : {وكلا آتينا حكما ~~وعلما} أي : كل واحد منهما آتيناه حكما ، أي : نبوة ، وعلما : معرفة بمواجب ~~الحكم ، لا سليمان وحده. وفيه دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح في علمه ولا ~~يرفع عنه صفة الاجتهاد. # ثم بين ما اختص به كل واحد منهما من المعجزات ، فقال : {وسخرنا} أي : ~~ذللنا {مع داود الجبال} ، حال كونها {يسبحن} أي : مسبحات ؛ ينزهن الله ~~تعالى بلسان المقال ، كما سبح الحصا في كف نبينا عليه الصلاة والسلام. {و} ~~سخرنا له {الطير} ؛ كانت تسبح معه. وقدم الجبال على الطير ؛ لأن تسخيرها ~~وتسبيحها أغرب وأدخل # 366 # في الإعجاز ؛ لأنها جماد. قال الكواشي : كان داود إذا سبح سبح معه الجبال ~~والطير ، وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر ، وكان إذا فتر من التسبيح ، يسمعه ~~الله تعالى تسبيح الجبال والطير ؛ لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. وروي أنه ms1716 ~~كان إذا سار سارت الجبال معه مسبحة ، قال قتادة : " يسبحن " ، أي : يصلين ~~معه إذا صلى ، وهذا غير ممتنع في قدرة الله تعالى. وفي الأثر : " كان داود ~~يمر ، وصفاح الروحاء تجاوبه ، والطير تساعده ". {وكنا فاعلين} بالأنبياء ~~أمثال هذا وأكثر ، فليس ذلك ببدع منا ولا صعب على قدرتنا. PageV04P543 # {وعلمناه صنعة لبوس} أي : صنعة الدروع. واللبوس لغة في اللباس ، والمراد : ~~الدرع ، {لكم} أي : نافع لكم ، {ليحصنكم} أي : اللبوس ، أو داود. وقرئ ~~بالتأنيث ، أي : الصنعة ، أو اللبوس بتأويل الدرع. وقرئ بنون العظمة ، أي : ~~الله تعالى ، وهو بدل اشتمال من " لكم ". وقوله : {من بأسكم} أي : من حرب ~~عدوكم ، أو من وقع السلاح فيكم ، {فهل أنتم شاكرون} الله على ذلك ؟ وهو ~~استفهام بمعنى الأمر ؛ للمبالغة والتقريع. # جزء : 4 رقم الصفحة : 365 # ثم ذكر ما اختص به سليمان عليه السلام فقال : {ولسليمان الريح} أي : ~~وسخرنا له الريح. وإيراد اللام هنا ، دون الأولى ؛ للدلالة على ما بين ~~التسخيرين من التفاوت ، فإن تسخير ما سخر لسليمان عليه السلام كان بطريق ~~الانقياد الكلي والامتثال لأمره ونهيه ، بخلاف تسخير الجبال ، لم يكن بهذه ~~المثابة ، بل بطريق التبعية والاقتداء. حال كون الريح {عاصفة} شديدة الهبوب ~~، من حيث إنها كانت تقطع مسافة بعيدة في مدة يسيرة ، وكانت رخاء في نفسها ، ~~طيبة ، وقيل : كانت رخاء تارة ، وعاصفة أخرى ، على حسب ما أراد منها. أو ~~رخاء في ذهابه وعاصفة في رجوعه ؛ لأن عادة المسافرين : الإسراع في الرجوع ، ~~أو عاصفة إذا رفعت البساط ورخاء إذا جرت به. PageV04P544 # {تجري بأمره} ؛ بمشيئة سليمان ، {إلى الأرض التي باركنا فيها} بكثرة ~~الأنهار والأشجار والثمار ، وهي الشام. وكان منزله بها ، وتحمله إلى ~~نواحيها. قال وهب : كان سليمان إذا خرج من منزله عكفت عليه الطير ، وقام له ~~الجن والإنس حتى يجلس على سريره ، وكان غزاء ؛ لا يقصر عن الغزو ، فإذا ~~أراد غزوا أمر فضرب له بخشب ، ثم ينصب له على الخشب ، ثم حمل عليه الناس ~~والدواب وآلة الحرب ، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف فدخلت تحت الخشب ~~فاحتملته ، فإذا استقلت ، أمر ms1717 الرخاء فمرت به شهرا في روحته وشهرا في غدوته ~~، إلى حيث أراد. ه. {وكنا بكل شيء عالمين} أي : أحاط علمنا بكل شيء ، فنجري ~~الأشياء على ما سبق به علمنا ، واقتضته حكمتنا. # {ومن الشياطين} ، قيل : لما ذكر تسخير الريح - وهي شفافة لا تعقل - ذكر ~~ما هو شفاف يعقل ، وهم الشياطين ، مع سرعة الحركة في الكل ، أي : وسخرنا له ~~من الشياطين {من يغوصون} في البحار ، ويستخرجون {له} من نفائسه ، كالدر ~~والياقوت ، {ويعملون # 367 # عملا دون ذلك} أي : غير ما ذكر ؛ من بناء المدن والقصور والمحاريب ~~والتماثيل والقدور الراسيات ، وقيل : الحمام ، والنورة ، والطاحون ، ~~والقوارير ، والصابون ، مما استخرجوه له ، {وكنا لهم حافظين} أن يزيغوا عن ~~أمره ، أو يبدلوا ، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه ، على ما هو ~~مقتضى جبلتهم. وقال الزجاج : كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا ، وكان ~~دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. وقيل : وكل بهم جمعا من الملائكة ~~، وجمعا من مؤمني الجن. روي أن المسخر له عليه السلام : كفارهم ، لا مؤمنهم ~~؛ لقوله تعالى : {ومن الشياطين}. والله تعالى أعلم. PageV04P545 # الإشارة : قوله تعالى : {ففهمناها سليمان} ، قال الورتجبي : بين ، سبحانه ، ~~أن الفضل متعلق بفضله ، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخة والاكتساب ~~والتعلم ، إنما الفهم تعريف الله أحكام ربوبيته بنور هدايته ، وإبراز لطائف ~~علومه الغيبية ، فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم من العلوم ، فهو سبحانه ~~من على سليمان بعلمه ، ولم يمن عليه بشيء خارج عن نفسه ؛ من الملك ، ~~والحدثان أفضل من العلم ؛ فإن العلم صفة من صفاته تعالى ، فلما جعله متصفا ~~بصفاته من عليه بجلال كبريائه. ه. وقال في قوله : {وكلا آتينا حكما وعلما} ~~: حكما ؛ معرفة بالربوبية ، وعلما بالعبودية. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 365 # وقوله تعالى : {وسخرنا مع داود الجبال...} الخ. {ولسليمان الريح...} ~~الآية ، لما كانا - عليهما السلام - مع المكون كانت الأكوان معهما ، " أنت ~~مع الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، وذكر في ~~القوت : أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوم قميصا رفيعا جديدا ، ثم ركب ~~البساط ، وحملته ms1718 الريح ، فبينما هو يسير إذ نظر إلى عطفه نظرة ، فأنزلته ~~الريح ، فقال : لم أنزلتني ولم آمرك ؟ ! فقالت : نطيعك إذا أطعت الله ، ~~ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وحملته. ه بالمعنى. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 365 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر خبر {أيوب} عليه السلام {إذ نادى ربه} : ~~دعاه : {إني} أي : بأني {مسني الضر} وهو بالضم : ما يصيب النفس من مرض ~~وهزال ، وبالفتح : الضرر في كل شيء ، {وأنت أرحم الراحمين} ، تلطف في ~~السؤال ؛ حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ، وذكر ربه بغاية الرحمة ، ولم يصرح ~~بالمطلوب ؛ من كمال أدبه ، فكأنه قال : أنت أهل أن ترحم ، وأيوب أهل أن ~~يرحم ، فارحمه ، واكشف # 368 PageV04P546 ~~عنه ضره الذي مسه. عن أنس : أنه أخبر عن ضعفه حين لم يقدر على النهوض إلى ~~الصلاة ، ولم يشتك ، وكيف يشكو ، والله تعالى يقول : {إنا وجدناه صابرا نعم ~~العبد} [ص : 44]. # وقيل : إنما اشتكى إليه ؛ تلذذا بالنجوى ، لا تضررا بالشكوى ، والشكاية ~~إليه غاية في القرب ، كما أن الشكاية منه غاية في البعد ، وسيأتي في ~~الإشارة تكميله ، إن شاء الله. روي أن أيوب عليه السلام ، كان من الروم ، ~~وهو أيوب بن أموص ابن تارح بن رعويل بن عيص بن إسحاق. وكانت أمه من ولد لوط ~~عليه السلام اصطفاه الله للنبوة والرسالة ، وبسط عليه الدنيا ؛ فكان له ~~ثلاثة آلاف بعير ، وسبعة آلاف شاة ، وخمسمائة فدان ، يتبعها خمسمائة عبد ، ~~لكل عبد امرأة وولد ، وكان له سبعة بنين ، وسبع بنات. قاله النسفي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 368 PageV04P547 ~~زاد الثعلبي : وكانت له المشيئة من أرض الشام كلها ، وكان له فيها من صنوف ~~المال ما لم يكن لأحد ؛ من الخيل والبقر والغنم والحمر وغيره ، وكان برا ~~تقيا رحيما بالمساكين ، يكفل الأرامل والأيتام ، ويكرم الضيف ، ويبلغ ابن ~~السبيل ، شاكرا لأنعم الله ، لا يصيب منه إبليس ما يصيب من أهل الغنى من ~~الغفلة والغرة ، وكان معه ثلاثة قد آمنوا به : رجل من اليمن واثنان من بلده ~~، كهولا. قال وهب : فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة عليه في ms1719 السماء ~~فحسده ، فقال : إلهي ، عبدك أيوب أنعمت عليه فشكرك ، وعافيته فحمدك ، ولم ~~تجربه بشدة ولا بلاء ، فلو جربته بالبلاء ليكفرن بك وبنعمتك ، فقال له ~~تعالى : انطلق ، فقد سلطتك على ماله ، فجمع عفاريته وأخبرهم ، فقال عفريت ~~من الجن : أعطيت من القوة ما إذا تحولت إعصارا من نار أحرقت كل شيء آتي ~~عليه ، فقال له إبليس : دونك الإبل ورعاتها ، فجاءها حتى وثبت في مراعيها ، ~~فأثار من تحت الأرض إعصارا من نار فأحرقها وأحرق رعاءها. فلما فرغ منها ~~تمثل إبليس براعيها ، وجلس على قعود منها ، فأتاه ، وقال : يا أيوب ، إن ~~ربك الذي عبدته قد أحرق إبلك ورعاءها ، فقال أيوب : هو ماله ، أعارنيه ، ~~يفعل فيه ما يشاء ، فرجع إبليس خاسئا ، حين حمد أيوب ربه ، فقال عفريت آخر ~~: عندي من القوة ما إذا صحت لم يسمع صوتي ذو روح إلا خرجت روحه ، قال له ~~إبليس : ائت الغنم ورعاءها ، فأتى ، فصاح ، فصارت أمواتا ورعاتها ، ثم خرج ~~إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة ، فقال له كمقالته في الإبل ، فأجابه أيوب ~~بمثل ما أجابه فيها ، فرجع خاسئا ، فقال عفريت آخر : عندي من القوة ما إذا ~~تحولت ريحا عاصفا نسفت كل شيء أتيت عليه ، قال إبليس : فأت الفدادين والحرث ~~، فجاءها ، فهبت ريح عاصفة فنسفت كل شيء ، حتى كأنه لم يكن ثم شيء ، فخرج إبليس # 369 PageV04P548 ~~متمثلا بقهرمان الحرث ، فقال له مثل قوله الأول ، ورد عليه مثل رده ، حتى ~~أتى على جميع ماله ، وأيوب يحمد الله تعالى. فقال إبليس : إلهي ؛ إن أيوب ~~يقول : إنك ما متعته إلا بنفسه وولده ، فهل تسلطني على ولده ، فإنها الفتنة ~~؟ قال الله تعالى : قد سلطتك على ولده ، فجاء إبليس فقلب عليهم القصر ~~منكسين ، وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي يعلمهم الحكمة ، وهو جريح ، ~~فقال : يا أيوب ؛ لو رأيت بنيك كيف عذبوا ؟ ونكسوا على رؤوسهم ، وسال ~~دماغهم من أنوفهم ، فلم يزل من قوله حتى رق أيوب وبكى ، وقبض قبضة من ~~التراب فوضعها على رأسه ، فصعد إبليس مسرورا ، ثم ذهب أيوب ، فلما أبصر ذلك ~~استغفر ، وصعد قرناؤه من الملائكة ms1720 ، بتوبته فبادروا إلى الله تعالى ، وهو ~~أعلم ، فوقف إبليس خاسئا ، فقال : إلهي ؛ إنما هون أيوب خطر المال والولد ، ~~فهل أنت مسلطي على جسده ، فإني لك زعيم إن سلطني على جسده ليكفرن بك ، قال ~~الله تعالى : قد سلطتك على جسده ، ولكن ليس لك سلطان على لسانه وقلبه وعقله ~~، فجاءه إبليس فوجده ساجدا ، فجاء من قبل الأرض ، فنفخ في منخره نفخة اشتعل ~~منها جسده ، فوهل ، وخرج من قرنه إلى قدمه تآليل مثل آليات الغنم ، ووقعت ~~به حكة لا يملكها ، فحك بأظفاره ، ثم بالمسوح الخشنة ، ثم بالحجارة ، حتى ~~نغل لحمه ، وتغير ، ونش ، وتدود ، فأخرجه أهل القرية ، وجعلوه على كناسة ، ~~وجعلوا له عريشا ، ورفضه الخلق كلهم ، إلا {رحمة} ؛ امرأته بنت إفراثيم بن ~~يوسف عليه السلام ، فقامت عليه بما يصلحه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 368 PageV04P549 ~~روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أيوب نبي الله لبث به ~~بلاؤه ثماني عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد " الحديث ، وقال كعب : سبع ~~سنين ، وقيل : ثلاث عشرة سنة ، وما قاله - عليه الصلاة والسلام - إن ثبت ، ~~هو الصحيح. وقال الحسن : مكث أيوب مطرودا على كناسة ، في مزبلة بني إسرائيل ~~سبع سنين وشهرا ، يختلف فيه الدود. ويمكن الجمع بين الأقوال بأن الشدة كانت ~~سبعا والباقي مقدمات لها. # روي أن امرأته قالت له يوما : لو دعوت الله عز وجل ؟ فقال لها : كم كانت ~~مدة الرخاء ؟ قالت : ثمانين سنة. فقال : إني أستحيي من الله أن أدعوه وما ~~بلغت مدة بلائي مدة رخائي. ه. وروي أن الدود أكل جميع جسده حتى بقي عظاما ~~نخرة ، وهو مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله وحمده وشكره ، فصرخ إبليس صرخة ، ~~وقال : أعياني هذا العبد الذي سألت ربي أن يسلطني عليه ، قالت له العفاريت ~~: أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة ، ما أتيته إلا من قبل امرأته ، فتمثل بها ~~بصورة رجل طيب ، وفي رواية الحسن : في هيئة ليست كهيئة بني آدم ، في أحسن ~~صورة ، فقال لها : أين بعلك يا أمة الله ؟ فقالت : هو # 370 PageV04P550 ~~ذاك ، يحك قروحه ms1721 ، ويتردد الدود في جسده ، فقال لها : أنا إله الأرض الذي ~~صنعت بصاحبك ما صنعت ؛ لأنه عبد إله السماء وتركني ، فلو سجد لي سجدة واحدة ~~لرددت لكما ما كان لكما. وقال وهب : قال لها : لو أكل طعاما ولم يسم عليه ~~لعوفي من البلاء ، فأخبرت أيوب ، فقال : أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك ، ثم ~~أقسم ، إن عافه الله ، ليضربنها مائة ضربة. ثم حلف لا يأكل لها طعاما ، ~~فبقي مهملا لا يأتي إليه أحد ، وقال عند ذلك : {مسني الضر} من طمع إبليس في ~~سجودي له ، {وأنت أرحم الراحمين} ، فقيل له : {اركض برجلك} فركض ، فنبعت ~~عين ماء ، فاغتسل منها ، فلم يبق من دائه شيء ، وسقطت الدود من جسده ، وعاد ~~شبابه وجماله. ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى ، فشرب منها ، فلم يبق في جوفه ~~داء إلا خرج ، وكانت امرأته " رحمة " حين حلف ، تركته مدة ، ثم ندمت وعادت ~~، فوجدته في أحسن هيئة ، فلم تعرفه ، فقالت له : أين الرجل المبتلى الذي ~~كان هنا ؟ قال : أنا هو ، شفاني الله ، ثم عرفته بضحكه ، فتعانقا ، ثم أمره ~~الله تعالى أن يأخذ جماعة من القضبان فيضربها ضربة واحدة ليبر في يمينه. ه. # قلت : تسليط الشيطان على بشرية الأنبياء الظاهرة : جائز وواقع. وأما ~~الأمراض المنفرة ، فإن كانت بعد التبليغ وتقرير الشرائع ، فجائز عند بعضهم ~~، وهو الصواب ، جمعا بين ما ثبت في الأخبار عن السلف وبين الدلائل العقلية ~~في تنزيه الأنبياء - عليهم السلام - ، لأن العلة هي تنفير الخلق عنهم ، ~~وبعد التبليغ فلا يضر ، وقد ورد أن شعيبا عليه السلام عمى في آخر عمره ، ~~وكذلك يعقوب ، وكان بعد تبليغ الرسالة ، فلم يضر. # جزء : 4 رقم الصفحة : 368 PageV04P551 ~~ثم قال تعالى في حق أيوب عليه السلام : {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر} ؛ ~~إنعاما عليه ، فلما قام من مرضه جعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من ~~الأهل ، والمال ، ثم أحيا الله أولاده بأعيانهم ، ورزقه مثلهم ، ورد عليه ~~ماله ، بأن أخلف له مثله ، وذلك قوله تعالى : {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} ~~وقيل : كان ذلك بأن ms1722 ولد له ضعف ما كان له. وقال عكرمة : آتيناه أهله في ~~الآخرة ، ومثلهم معهم في الدنيا ، والأول هو ظاهر الآية ، ردهم الله تعالى ~~بأعيانهم ؛ إظهارا لكمال قدرته تعالى. ثم قال {رحمة من عندنا} : مفعول من ~~أجله ، أي : آتينا ما ذكر لرحمتنا أيوب ، {وذكرى للعابدين} أي : وتذكرة ~~لغيره من العابدين ؛ ليصبروا كما صبر ، ويثابوا كما أثيب ، أو لرحمتنا ~~العابدين ، الذين من جملتهم أيوب ، وذكرنا إياهم بالإحسان ، وعدم نسياننا ~~لهم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ما ينزل بالمؤمن من الأوجاع والأسقام والشدائد والنوائب ، في ~~النفس أو في الأهل ، كله رحمة ، عظيمة ، ومنة جسيمة ، ويقاس عليه : مفارقة ~~الأحباب # 371 # والأوطان ومشاق الأسفار والمتاعب البدنية ، ويسمى عند الصوفية : التعرفات ~~الجلالية ؛ لأن الله تعالى يتعرف إليهم بها ؛ ليعرفوه عيانا ، ولذلك تجدهم ~~يفرحون بها ، وينبسطون عند ورودها ؛ لما يتنسمون فيها ، ويجدون بعدها ، من ~~مزيد الاقتراب وكشف الحجاب ، وطي مسافة البعد بينهم وبين رب الأرباب ، فهم ~~يؤثرونها على الأعمال الظاهرة ؛ لما يتحققون بها من وجود الأعمال الباطنية ~~؛ كالصبر والزهد والرضا والتسليم ، وما ينشأ عنها ، عند ترقيق البشرية ، من ~~تشحيذ الفكرة والنظرة ، وغير ذلك من أعمال القلوب. PageV04P552 # وفي الحكم : " إذا فتح لك وجهة من التعرف ، فلا تبالي معها إن قل عملك ؛ ~~فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك منها ، ألم تعلم أن التعرف هو ~~مورده عليك ، والأعمال أنت مهديها إليه ، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده ~~عليك ؟ ". قال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه : معرفة الله تعالى هي غاية ~~المطالب ، ونهاية الأماني والمآرب ، فإذا واجه الله عبده ببعض أسبابها ، ~~وفتح له باب التعرف له منها ، فذلك من النعم الجزيلة عليه ، فينبغي ألا ~~يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر ، وما يترتب عليها من جزيل الأجر ، ~~وليعلم أنه سلك به مسلك الخاصة المقربين ، المؤدي إلى حقائق التوحيد ~~واليقين ، من غير اكتساب من العبد ولا تعمل ، والأعمال التي من شأنها أن ~~يتلبس بها هي باكتسابه وتعمله ، وقد لا يسلم من دخول الآفات عليها ، ~~والمطالبة بوجود الإخلاص ms1723 فيها ، وقد لا يحصل له ما أمله من الثواب عند ~~مناقشة الحساب ، وأين أحدهما من الآخرة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 368 PageV04P553 ~~ومثاله : ما يصاب به الإنسان من البلايا والشدائد التي تنغص عليه لذات ~~الدنيا ، وتمنعه من كثير من أعمال البر ، فإن مراد العبد أن يستمر بقاؤه في ~~الدنيا ، طيب العيش ناعم البال ، ويكون حاله في طلب سعادة الاخرة حال ~~المترفين ؛ فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة ، التي لا كثير مؤنة عليه ~~فيها ولا مشقة ، ولا تقطع عنه لذة ، ولا يفوته شهوة ، ومراد الله منه أن ~~يطهره من أخلاقه اللئيمة ، ويحول بينه وبين صفاته الذميمة ، ويخرجه من أسر ~~وجوده إلى متسع شهوده ، ولا سبيل إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية ~~الكمال والتمام ، إلا بما يضاد مراده ، ويشوش عليه معتاده ، وتكون حاله ~~حينئذ المعاملة بالباطن ، ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة ، فإذا ~~فهم هذا علم أن اختيار الله له ، ومراده منه ، خير من اختياره لنفسه ومراده ~~لها. وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : " إني إذا أنزلت بعبدي ~~بلائي ، فدعاني ، فماطلته بالإجابة ، فشكاني ، قلت : عبدي كيف أرحمك من شيء ~~به أرحمك " ؟ وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : " قال الله تعالى : إذا ابتليت # 372 PageV04P554 ~~عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عواده ، أنشطته من عقالي ، وبدلته لحما خيرا من ~~لحمه ، ودما خيرا من دمه ، ويستأنف العمل " ثم نقل عن أبي العباس ابن ~~العريف رضي الله عنه قال : كان رجل بالمغرب يدعى أبا الخيار ، وقد عم جسده ~~الجذام ، ورائحة المسك توجد منه على مسافة بعيدة ، لقيه بعض الناس ، فقال ~~له : يا سيدي كأن الله تعالى لم يجد للبلاء محلا من أعدائه حتى أنزله بكم ، ~~وأنتم خاصة أوليائه!! فقال لي : اسكت ، لا تقل ذلك ؛ لأنا لما أشرفنا على ~~خزائن العطاء ، لم نجد عند الله أشرف ولا أقرب من البلاء ، فسألناه إياه ، ~~وكيف بك لو رأيت سيد الزهاد ، وقطب العباد ، وإمام الأولياء والأوتاد ، في ~~غار بأرض ms1724 طرطوس وجبالها ، ولحمه يتناثر ، وجلده يسيل قيحا وصديدا ، وقد ~~أحاط به الذباب والنمل ، فإذا كان الليل لم يقنع بذكر الله وشكره على ما ~~أعطاه من الرحمة ، حتى يشد نفسه بالحديد ، ويستقبل القبلة عامة ليله حتى ~~يطلع الفجر. ه. # وقد تكلم الصوفية في قول أيوب عليه السلام : {مسني الضر} ؛ هل شكى ضرر ~~جسمه ، أو ضرر قلبه من جهة دينه ؟ قال بعضهم : قيل : إنه أراد النهوض إلى ~~الصلاة فلم يستطع ، فقال : {مسني الضر} ، وقيل : إنه أكل الدود جميع جسده ، ~~حتى بقي عظاما ، فلما قصد الدود قلبه ولسانه غار على قلبه ؛ لأنه موضع ~~المعرفة والتوحيد ، والنبوة والولاية ، وأسرار الله تعالى ، وخاف انقطاع ~~الذكر ، فقال : {مسني الضر} ، وقيل : خاف تبدد همه وتفرق قلبه ، وليس في ~~العقوبة شيء أشد من تبدد الهم ، فتارة يقول : لعلي ببلائي معاقب ، وتارة ~~يقول : بضري مستدرج ، فلما خاف تشتيت خاطره عليه ، قال : {مسني الضر}. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 368 PageV04P555 ~~قلت : هذا المقام لا يليق بالأنبياء ، وإنما يجوز على غيرهم ؛ إذ الأولياء ~~يترقون عن هذا المقام فكيف بالأنبياء! وقال بعضهم : قال : مسني الضر من ~~شماتة الأعداء ، واقتصر عليه ابن جزي ، وفيه شيء ؛ إذ كثير من الأولياء سقط ~~الناس من عينهم ، فلا يبالون بخيرهم ولا شرهم ، ولا مدحهم ولا ذمهم ، فكيف ~~بالأنبياء - عليهم السلام - ؟ ! # وقال القشيري " كان ذلك منه إظهارا للعجز ، لا اعتراضا ، فلا ينافي الصبر ~~، مع ما فيه من التنفيس عن الضعفاء من الأمة ، ليكون أسوة. وقال : إن جبريل ~~أمره بذلك ، وقال له : إن الله يغضب إن لم يسأل ، وسيان عنده البلاء ~~والعافية ، فسله العافية. ويقال : إن أيوب كان مكاشفا بالحقيقة ، مأخوذا ~~عنه ، وكان لا يحس بالبلاء ، فستر عليه ، فرده إليه ، فقال : مسني الضر ، ~~وقيل : أدخل على أيوب تلك الحالة ، فاستخرج منه تلك المقالة ؛ ليظهر عليه ~~سمة العبودية. ه. # 373 PageV04P556 ~~وقال الورتجبي : سئل الجنيد عن قوله : {مسني الضر} ، فقال عرفه فاقة السؤال ~~، ليمن عليه بكرم النوال ، وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~: أنه جاء إليه رجل فسأله ms1725 عن قول أيوب {مسني الضر} فبكى - عليه الصلاة ~~والسلام - وقال : والذي بعثني بالحق نبيا ما شكى فقرا نزل من ربه ، ولكن ~~كان في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات ، فلما كان في بعض ~~الساعات وثب ليصلي ، فلم يستطع النهوض ، فقال : {مسني الضر} الخ. ثم قال : ~~- عليه الصلاة والسلام - : أكل الدود عامة جسده حتى بقي عظاما نخرة ، فكادت ~~الشمس تطلع من قبله وتخرج من دبره ، وما بقي إلا قلبه ولسانه ، وكان قلبه ~~لا يخلو من ذكر الله ، ولسانه لا يخلو من ثنائه على ربه ، فلما أحب الله له ~~الفرج ، بعث إليه الدودتين ؛ إحداهما إلى لسانه والأخرى إلى قلبه ، فقال : ~~يا رب ما بقي إلا هاتان الجارحتان ، أذكرك بهما ، فأقبلت هاتان الدودتان ~~إليهما ليشغلاني عنك ويطلعان على سري ، مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. ه. # وفي قوله تعالى : {رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} : تسلية لمن أصيب بشيء ~~من هذه التعرفات الجلالية ، وقد تقدم في أول الإشارة الكلام على هذا. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 368 PageV04P557 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إسماعيل} بن إبراهيم ، وكان أكبر من إسحاق ~~، {وإدريس} واسمه : أخنوخ بن شيث بن آدم. قاله النسفي {وذا الكفل} وهو ~~إلياس ، أو زكريا ، أو يوشع بن نون ، قلت : كونه زكريا بعيد ؛ لأنه سيذكره ~~بخصوصه بعد. وسمي ذا الكفل ؛ لأنه ذو حظ من الله ، والكفل : الحظ. أو تكفل ~~بضعف عمل أنبياء زمانه ، أو بصيام النهار وقيام الليل. وقال أبو موسى ~~الأشعري : إن ذا الكفل لم يكن نبيا ، ولكنه كان عبدا صالحا ، تكفل بعمل رجل ~~صالح عند موته ، وكان يصلي لله تعالى ، في كل يوم ، مائة صلاة ، فأحسن الله ~~عليه الثناء. ه. وقال عمر بن عبد الله بن الحارث : إن نبيا من الأنبياء قال ~~: من تكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ؟ فقال شاب : أنا ، فمات ~~ذلك النبي ، فجلس ذلك الشاب يقضي بين الناس ، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ~~؛ ليغضبه وهو صائم ، فضرب الباب ضربا شديدا ، فقال : من ms1726 هذا ؟ فقال : رجل ~~له حاجة ، فأرسل له رجلا ، فلم يرض ، ثم أرسل معه آخر ، فلم يرض ، فخرج ~~إليه فأخذ بيده فانطلق معه إلى السوق ، ثم خلاه وذهب ، فسمي ذا الكفل. ه. # 374 # {كل من الصابرين} أي : كل واحد من هؤلاء موصوف بالصبر التام على مشاق ~~التكليف وشدائد النوب ، {وأدخلناهم في رحمتنا} ؛ في النبوة ، أو في الآخرة ~~، {إنهم من الصالحين} أي : الكاملين في الصلاح الذي لا تحوم حوله شائبة ~~الفساد ، وهم الأنبياء ، فإن صلاحهم معصوم من كدر الفساد. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد مدح الله هؤلاء السادات بخصلتين ، من تحقق بهما : التحق بهم ~~، وانخرط في سلكهم : الصبر على مشاق الطاعة ، وعلى ترك المعصية ، وفي حال ~~البلية. والصلاح ، وهو : إصلاح الظاهر بالشريعة ، وإصلاح الباطن بنور ~~الحقيقة. فمن تحقق بهاتين الخصلتين كان من المقربين مع النبيين والصديقين. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 374 PageV04P558 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {ذا النون} أي : صاحب الحوت ، وهو يونس عليه ~~السلام ، {إذ ذهب مغاضبا} أي : مراغما لقومه ، فارا عنهم ، وغضب من طول ~~دعوته إياهم ، وشدة شكيمتهم ، وتمادي إصرارهم ، فخرج مهاجرا عنهم ، قبل أن ~~يؤمر ، وقيل : وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم ؛ لأجل توبتهم ، ولم يشعر ~~بها ، فظن أنه كذبهم ، فغضب من ذلك ، فهو من باب المغالبة ؛ للمبالغة ؛ أو ~~لأنه غضب لما رأى منهم من الإصرار ، وغضبوا لمفارقته إياهم ، وكان من حقه ~~عليه السلام أن يصبر وينتظر الإذن الخاص من الله تعالى ، فلما استعجل ابتلي ~~ببطن الحوت ، وقال ابن عباس : قال جبريل ليونس عليه السلام : انطلق إلى أهل ~~نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم ، قال : ألتمس دابة ، قال : الأمر أعجل ~~من ذلك ، فانطلق إلى السفينة فركبها ، فاحتبست السفينة فساهموا فسهم ، ~~فجاءه الحوت يبصبص بذنبه ، فنودي الحوت : إنا لم نجعل يونس لك رزقا ، إنما ~~جعلناه لك حرزا ، فالتقمه ، ومر به على الأبلة ، ثم على دجلة ، ثم مر به ~~حتى ألقاه بنينوى. ه. # وقال وهب بن منبه رضي الله عنه : إن يونس كان عبدا صالحا ضيق الخلق ، ~~فلما حمل ms1727 أثقال النبوة تفسخ منها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل ، فقذفها ~~وخرج هاربا عنها ، ولذلك أخرجه الله من أولي العزم ، قال لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم : {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} [الأحقاف : 35] ، وقال : ~~{ولا تكن كصاحب الحوت} [القلم : 48] ، أي : لا تلق أمري كما ألقاه. ه. وأما ~~قول الحسن : مغاضبا لربه ، فلا يليق بمقام الأنبياء - عليهم السلام - إلا ~~أن يحمل على أن خروجه بلا إذن كأنه مغاضب. والله تعالى أعلم. # 375 PageV04P559 ~~ثم قال تعالى : {فظن أن لن نقدر عليه} أي : لن نضيق عليه ، أو لن نقدر عليه ~~بالعقوبة ، فهو من القدرة ، ويؤيده قراءة من شدد ، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنه قال : دخلت يوما على معاوية ، فقال : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة ~~، فغرقت فيها ، فلا أرى لنفسي خلاصا إلا بك ، قال : وما هي ؟ فقرأ الآية... ~~فقال : أو يظن نبي الله ألا يقدر عليه ؟ قال : هذا من القدر لا من القدرة. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 375 # وقيل : إنه على حذف الاستفهام. أي : أيظن أن لن نقدر عليه ، وقيل : هو ~~تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن يقدر عليه ، أي : تعامل معاملة من ظن أن لن ~~نقدر عليه ؛ حيث استعجل الفرار. قلت : لإعلاء مقامه كثرت مطالبته بالأدب ، ~~فحين خرج من غير إذن خاص ؛ عد خروجه كأنه ظن ألا تنفذ فيه القدرة ، وتمسك ~~عليه السلام بالإذن العام ، وهو الهجرة من دار الكفر ، وهو لا يكفي في حق ~~أمثاله ، فعوقب بالسجن في بطن الحوت. {فنادى في الظلمات} أي : في الظلمة ~~الشديدة المتكاثفة كقوله : {ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات...} [البقرة : ~~17] ، أو في ظلمة بطن الحوت والبحر والليل : {أن لا إله إلا أنت} أي : بأنه ~~لا إله إلا أنت ، أو تفسيرية ، أي : قال : لا إله إلا أنت ، {سبحانك} أي : ~~أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يعجزك شيء ، أو : تنزيها لك عما ظننت فيك ، ~~{إني كنت من الظالمين} لنفسي ؛ بخروجي عن قومي قبل أن تأذن لي ، أو من ~~الظالمين لأنفسهم بتعريضها للهلكة ، وعن الحسن : ما ms1728 نجاه ، والله ، إلا ~~إقراره على نفسه بالظلم. PageV04P560 # {فاستجبنا له} أي : أجبنا دعاءه الذي دعا في ضمن الاعتراف بالذنب على ألطف ~~وجه وأحسنه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مكروب يدعو بهذا ~~الدعاء إلا استجيب له " {ونجيناه من الغم} : الذلة والوحشة والوحدة ، وذلك ~~بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات ، وقيل : بعد ثلاثة أيام ، ~~{وكذلك ننجي المؤمنين} أي : مثل ذلك الإنجاء الكامل ننجي المؤمنين من ~~غمومهم ، إذا دعوا الله ، مخلصين في دعائهم. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : " اسم الله الذي إذا دعي به أجب ، وإذا سئل به أعطى " دعوة يونس بن ~~متى ، قيل : يا رسول الله ، أليونس خاصة ؟ قال : " بل هي عامة لكل مؤمن ، ~~ألم تسمع قول الله تعالى : {وكذلك ننجي المؤمنين} " وهنا قراءات في {ننجي} ~~، مذكورة في كتب القراءات ، تركتها لطول الكلام فيها. # الإشارة : من تحققت له سابقة العناية لا تبعده الجناية ، ولا تخرجه عن ~~دائرة الولاية ، بل يؤدب في الدنيا بالابتلاء في بدنه أو ماله ، على قدر ~~الجناية وعلو المقام ، ثم يرد # 376 # إلى مقامه. وها هنا حكايات للصوفية - رضي الله عنهم - من هذا النوع ، ~~منها : حكاية خير النساج رضي الله عنه ، قيل له : أكان النسج صنعتك ؟ قال : ~~لا ، ولكن كنت عاهدت الله واعتقدت ألا آكل الرطب ، فغلبتني نفسي واشتريت ~~رطلا منه ، فجلست لآكله ، فإذا رجل وقف علي ، وخنقني ، وقال : يا عبد السوء ~~، أتهرب من مولاك - وكان له عبد اسمه : " خير " أبق منه ، ألقى الله شبهه ~~علي - فحملني إلى حانوته ، وقال : اعمل عملك ، أمرني بعمل الكرباس - وهو ~~القطن - فدليت رجلي لأنسجه ، فكأني كنت أعمله سنين ، فبقيت معه أشهرا ، ~~فقمت ليلة إلى صلاة الغداة ، وقلت : إلهي لا أعود ، فأصبحت ، فإذا الشبه قد ~~زال عني ، وعدت إلى صورتي التي كنت عليها ، فأطلقت ، فثبت علي هذا الاسم ، ~~فكان سببه اتباع شهوتي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 375 PageV04P561 ~~ومنها قضية أبي الخير العسقلاني رضي الله عنه قال : اشتهيت السمك سنين ، ثم ~~ظهر له من وجه حلال ، فلما مد ms1729 يده ليأكل ، أخذت شوكة من عظامه إصبعه ، ~~فذهبت في ذلك ، فقال : إلهي هذا لمن مد يده لشهوة من حلال ، فكيف بمن مد ~~يده لشهوة من حرام. ومنها : قضية إبراهيم الخواص رضي الله عنه قال : كنت ~~جائعا في الطريق ، فوافيت الري - اسم بلدة - فخطر ببالي أن لي بها معارف ، ~~فإذا دخلتها أضافوني وأطعموني ، فلما دخلت البلد رأيت فيها منكرا احتجت أن ~~آمر فيه بالمعروف ، فأخذوني وضربوني ، فقلت في نفسي : من أين أصابني هذا ، ~~على جوعي ؟ فنوديت في سري : إنك سكنت إلى معارفك بقلبك ، ولم تسكن إلى خالقك. # وأمثال هذا كثير بأهل الخصوصية ، يؤدبون على أقل شيء من سوء الأدب ؛ لشدة ~~قربهم ، ثم يردون إلى مقامهم. ومن هذا النوع قصة سيدنا يونس عليه السلام ؛ ~~حيث خرج من غير إذن خاص ، فأدبه ، ثم رده إلى النبوة والرسالة ، وقد كنت ~~سمعت من بعض الأشياخ أن أيوب عليه السلام إنما أصيب في ماله ، لأنه كان ~~بجوار ماله كافر ، فكان يداريه ؛ لأجل ماله ، فأصيب فيه وفي بدنه ؛ تأديبا ~~وتكميلا له. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 375 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر خبر {زكريا إذ نادى ربه} في طلب الولد ، ~~وقال : {رب لا تذرني فردا} ؛ وحيدا بلا ولد يرثني ، ثم رد أمره إليه ؛ ~~مستسلما ، فقال : {وأنت خير الوارثين} ، فحسبي أنت ، وإن لم ترزقني وارثا ~~فلا أبالي ؛ فإنك خير وارث ، # 377 PageV04P562 ~~{فاستجبنا له} دعاءه ، {ووهبنا له يحيى} ولدا {وأصلحنا له زوجه} أي : ~~أصلحناها للولادة بعد عقمها ، أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقها. وكانت ~~قبل سيئة الخلق ، {إنهم} أي : ما تقدم من الأنبياء ، {كانوا يسارعون في ~~الخيرات} أي : إنما استحقوا الإجابة إلى مطالبهم ، وأسعفناهم فيما أملوا ؛ ~~لمبادرتهم أبواب الخير ، ومسارعتهم إلى تحصيلها ، مع ثباتهم واستقرارهم في ~~أصل الخير كله ، وهو السر في إتيان : {في} ، دون " إلى " ، المشعرة بخلاف ~~المقصود ؛ من كونهم خارجين عن أصل الخيرات ، متوجهين إليها ، كما في قوله ~~تعالى : {وسارعواا إلىا مغفرة من ربكم} [آل عمران : 133]. # {و} كانوا {يدعوننا رغبا ورهبا} ؛ طمعا وخوفا ، وهما مصدران ms1730 في موضع ~~الحال ، أو المفعول له ، أي : راغبين في الثواب أو الإجابة ، وراهبين من ~~العقاب أو الخيبة ، أو للرغبة والرهبة ، {وكانوا لنا خاشعين} : متواضعين ~~خائفين ، أي : إنما نالوا هذه المراتب العلية ، واستحقوا هذه الخصوصية ؛ ~~لاتصافهم بهذه الأوصاف الحميدة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الغالب في وراثة الخصوصية الحقيقية أن تكون لغير ورثة النسب ، ~~وأما الخصوصية المجازية ، التي هي مقام الصلاح أو العلم ، فقد تكون لورثة ~~النسب ، وتكون لغيرهم. والخصوصية الحقيقية هي مقام الفناء والبقاء ، ~~والتأهل للتربية النبوية ، ولا بأس بطلب وارث هذه الخصوصية ، لئلا ينقطع ~~النفع بها. وقد قيل ، في قول الشيخ ابن مشيش رضي الله عنه : اسمع ندائي بما ~~سمعت به نداء عبدك زكريا ، إنه أشار إلى طلب الوارث الروحاني. والله تعالى أعلم. PageV04P563 # وقوله تعالى : {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} ، فيه إشارة إلى بيان سبب ~~حصول الخصوصية ؛ لأن بابها هو المسارعة إلى عمل الخيرات وأنواع الطاعات ، ~~وأوكدها ثلاثة : دوام ذكر الله ، وحسن الظن بالله ، وبعباد الله. وفي ~~الحديث : " خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير : حسن الظن بالله ، وحسن الظن ~~بعباد الله " وقوله : {ويدعوننا رغبا ورهبا} ، هذه حالة الطالبين ~~المسترشدين المتعطشين إلى الله ، يدعونه رغبا في الوصول ، ورهبا من ~~الانقطاع والرجوع ، وقد تكون للواصلين ؛ رغبا في زيادة الترقي ، ورهبا من ~~الوقوف أو الإبعاد. وقال بعضهم : الرغب والرهب حاصلتان لكل مؤمن ، إذ لو لم ~~تكن رغبة لكان قنوطا ، وهو كفر ، ولو لم تكن رهبة لكان أمنا ، والأمن كفر. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 377 # 378 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {التي أحصنت فرجها} على الإطلاق من الحلال ~~والحرام ، والتعبير عنها بالموصول ؛ لتفخيم شأنها ، وتنزيهها عما زعموه في ~~حقها. {فنفخنا فيها من روحنا} أي : أجرينا روح عيسى فيه وهو في بطنها ، أو ~~نفخنا في درع جيبها من ناحية روحنا ، وهو جبريل عليه السلام ، فأحدثنا بذلك ~~النفخ عيسى عليه السلام ، وإضافة الروح إليه تعالى ؛ لتشريف عيسى عليه ~~السلام ، {وجعلناها وابنها} أي قضيتهما ، أو حالهما ، {آية للعالمين} ، فإن ~~من تأمل حالهما تحقق ms1731 بكمال قدرته تعالى. وإنما لم يقل آيتين ، كما قال : ~~{وجعلنا الليل والنهار آيتين} [الإسراء : 12] ؛ لأن مجموعهما آية واحدة ، ~~وهي ولادتها إياه من غير فحل. وقيل : التقدير : وجعلناها آية وابنها كذلك ، ~~فآية مفعول المعطوف عليه ، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه. والله تعالى أعلم. PageV04P564 # الإشارة : من حصل التقوى في صغره ، كان آية في كبره. تقول العامة : الثور ~~الحراث في الربك يبان ، وتقول الصوفية : البداية مجلاة النهاية. وقالت ~~الحكماء : الصغر يخدم على الكبر. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 378 # قلت : {أمة} : حال من {أمتكم} أي : متحدة أو متفقة ، والعامل فيه ومعنى ~~الإشارة ، والإشارة إلى طريق الأنبياء المذكورين قبل. # يقول الحق جل جلاله : {إن هذه} الطريق والسيرة التي سلكها الأنبياء ~~المذكورون ، واتفقوا عليها ، وهو التوحيد ، هي {أمتكم} أي : ملتكم التي يجب ~~أن تكونوا عليها ، ولا تخرجوا عنها ، حال كونها {أمة واحدة} ، غير مختلفة ~~فيما بين الأنبياء - عليهم السلام - وإن اختلفت شرائعهم. وفي الحديث : " ~~الأنبياء أبناء علات ، أمهاتهم شتى ، وأبوهم واحد " والعلات : الضرائر ، أي ~~: شرائعهم مختلفة ، وأبوهم واحد ، وهو التوحيد. قال القشيري : {وأنا ربكم ~~فاعبدون} أي : ربيتكم ؛ اختيارا ، فاعبدوني ؛ شكرا وافتخارا. ه. والخطاب ~~للناس كافة. # {وتقطعوا أمرهم} ، أصل الكلام : وتقطعتم في أمر دينكم وتفرقتم. إلا أن ~~الكلام صرف إلى الغيبة ، على طريقة الالتفات ؛ لينعي عليهم ما أفسدوه في ~~الدين ، والمعنى : فجعلوا أمر دينهم فيما {بينهم} قطعا ، وصاروا أحزابا ~~متفرقة ، كأنه ينهي إلى أهل التوحيد قبائح أفعالهم ، ويقول : ألا ترون إلى ~~عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله ، الذي # 379 # أجمعت عليه كافة الأديان ؟ ثم توعدهم بقوله : {كل إلينا راجعون} أي : كل ~~واحد ، من الفرق المتقطعة ، راجع إلينا بالبعث ، فنجازيهم حينئذ بحسب ~~أعمالهم. PageV04P565 # ثم فصل الجزاء فقال : {فمن يعمل} شيئا {من الصالحات وهو مؤمن} بالله ورسله ~~وبما يجب الإيمان به. قال القشيري : (وهو مؤمن ، أي : في المآل بأن يختم له ~~به) ، وكأنه يشير إلى الخاتمة ؛ لأن من لم يختم له بالإيمان لا ثواب ~~لأعماله ، والعياذ بالله ، {فلا كفران لسعيه} أي : لا حرمان لثواب عمله ، ~~بل ms1732 سعيه مشكور مقبول ، فالكفران مثل في حرمان الثواب ، كما أن الشكر مثل في ~~إعطائه ، وعبر عن ذلك بالكفران ، الذي هو ستر النعمة وجحدها ؛ لبيان كمال ~~تنزهه تعالى عنه. وعبر عن العمل بالسعي ؛ لإظهار الاعتداد به ، {وإنا له} ~~أي : لسعيه {كاتبون} ؛ مثبتون في صحائف أعمالهم ، نأمر الحفظة بذلك ، لا ~~نغادر من ذلك شيئا. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 379 # الإشارة : الصوفية - رضي الله عنهم - ، في حال سيرهم إلى الحضرة وسلوكهم ~~في طريق التربية ، مختلفون بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص. وفي حال ~~نهايتهم - وهو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان ، وإشراق شمس العرفان ، الذي ~~هو مقام الإحسان ، ويعبرون عنه بالفناء والبقاء ، وهو التوحيد الخاص - ~~متفقون ، وفي ذلك يقول القائل : # عباراتنا شتى وحسنك واحد # وكل إلى ذاك الجمال يشير # لأن ما كان ذوقا ووجدا لا يختلف ، بل يجده كل من له ذوق سليم. نعم تتفاوت ~~أذواقهم على حسب مشاربهم ، ومشاربهم على حسب إعطائهم نفوسهم وبيعها لله ، ~~وتتفاوت أيضا بحسب التخلية والتفرغ ، وبحسب الجد والاجتهاد ، وكلهم على ~~بصيرة من الله وبينة من ربهم : نفعنا الله بذكرهم ، وخرطنا في سلكهم ، آمين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 379 PageV04P566 ~~قلت : {حرام} : مبتدأ ، وفيه لغتان : حرام وحرم ، كحلال وحل. و{أنهم...} ~~الخ : خبر ، أو فاعل سد مسده ، على مذهب الكوفيين والأخفش. والجملة : تقرير ~~لقوله : {كل إلينا راجعون} ، و{لا} نافية ، أي : ممتنع على قرية أهلكناها ~~عدم رجوعهم إلينا بالبعث ، بل كل إلينا راجعون. وقيل : {لا} زائدة ، ~~والتقدير : ممتنع رجوع قرية أردنا إهلاكها عن غيهم ، {فإنهم} : على هذا : ~~فاعل بحرام. قاله القصار. و{حتى} : # 380 # ابتدائية ، غاية لما يدل عليه ما قبلها ، أي : يستمرون على ما هم عليه من ~~الهلاك ، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا ، ويقولون : {يا ويلنا}. وقال ~~أبو البقاء : {حتى} : متعلقة في المعنى بحرام ، أي : يستقر الامتناع ، أي : ~~هذا الوقت. و{فإذا هي} : جواب {إذا}. وفي الأزهري : وقد يجمع بين الفاء ~~وإذا الفجائية ؛ تأكيدا ، خلافا لمن منع ذلك. قال تعالى : {فإذا هي شاخصة} ~~، فإنه لو قيل : إذا هي ، أو فهي شاخصة ms1733 لصح. ه. وقيل : {يا ويلنا} : على ~~حذف القول ، أي : إذا فتحت قالوا : يا ويلهم. و{اقترب} : عطف على فتحت. # يقول الحق جل جلاله : {وحرام} أي : ممتنع {على} أهل {قرية أهلكناها} ؛ ~~قدرنا هلاكها ، أو حكمنا بإهلاكها ؛ لعتوهم ، {إنهم إلينا لا يرجعون} ~~بالبعث والحشر ، بل لا بد من بعثهم وحشرهم وجزائهم على أعمالهم. وتخصيص ~~امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع للكل ؛ لقوله : {كل إلينا ~~راجعون} ؛ لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم. وقيل : المعنى : وممتنع ~~على قرية ، أردنا إهلاكها ، رجوعهم إلى التوبة ، أو ممتنع على قرية ، ~~أهلكناها بالفعل ، رجوعهم إلى الدنيا. وفيه رد على مذهب القائلين بالرجعة ~~من الروافض وأهل التناسخ ، على أن " لا " صلة. وقرئ بالكسر ، على أنه تعليل ~~لما قبله ، فحرام ، على هذا ، خبر عن مبتدأ محذوف ، أي : ذلك العمل الصالح ~~حرام على قرية أردنا إهلاكها ؛ لأنهم لا يرجعون عن غيرهم. PageV04P567 # وقال الزجاج : المعنى : وحرام على قرية ، أردنا إهلاكها ، أن يتقبل منهم ~~عمل ؛ لأنهم لا يرجعون ، أي : لا يتوبون ، ويجوز حمل المفتوحة على هذا بحذف ~~اللام ، ويستمرون على ما هم عليه من الهلاك ، أو : فليستمر امتناعهم من ~~الرجوع. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 380 # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} ونفخ في الصور ، وقامت القيامة ، فيرجعون ، ~~ولا ينفعهم الرجوع. ويأجوج ومأجوج قبيلتان ، يقال : الناس عشرة أجزاء ، ~~تسعة منها يأجوج ومأجوج. والمراد بفتحها : فتح سدها ، على حذف مضاف ؛ أي : ~~حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج ، {وهم} أي : يأجوج ومأجوج ، وقيل : الناس بعد ~~البعث ، {من كل حدب} أي : نشز ومرتفع من الأرض ، {ينسلون} : يسرعون ، وأصل ~~النسل : مقاربة الخطو مع الإسراع. ويدل على عود الضمير ليأجوج ومأجوج : ~~قوله - عليه الصلاة والسلام - : " ويفتح ردم يأجوج ومأجوج ، فيخرجون على ~~الناس ، كما قال الله تعالى : {من كل حدب ينسلون...} " الحديث ، ويؤيد ~~إعادته على الناس قراءة مجاهد : " من كل جدث " ؛ بالجيم ، وهو القبر. # 381 # ثم قال تعالى : {واقترب الوعد الحق} أي : ما بعد النفخة الثانية من البعث ~~والحساب ، {فإذا هي شاخصة} أي : فإذا القصة أو الشأن ، وهو {أبصار الذين ~~كفروا} ms1734 شاخصة ، أي : مرتفعة الأجفان ، لا تكاد تطرق من شدة الهول ، حال ~~كونهم يقولون : {يا ويلنا} ؛ يا هلكتنا ، هذا أوانك ، فاحضري ، {قد كنا في ~~غفلة} تامة {من هذا} الذي دهمنا ؛ من البعث ، والرجوع إليه تعالى ، للجزاء ~~، ولم تعلم ، حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر ، أنه حق ، {بل كنا ظالمين} ~~بتلك الآيات والنذر ، مكذبين بها ، أو ظالمين أنفسنا ؛ بتعريضها للعذاب ~~المخلد. وهو إضراب عما قبله ، من وصف أنفسهم بالغفلة ، أي : لم نكن غافلين ~~عنه ، حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر ، بل كنا ظالمين بتكذيبهم ، والله ~~تعالى أعلم. PageV04P568 # تذييل : روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أولا الآية : ~~الدجال ، ونزول عيسى ، ونار تخرج من قرن عدن ، تسوق النار إلى المحشر - أي ~~الشام - تقيل معهم إذا قالوا ، والدخان ، والدابة ، ثم يأجوج ومأجوج " قلت ~~: وبعد موت يأجوج ومأجوج ، تبقى مدة عيسى عليه السلام ، في أمنة ورغد عيش. ~~قيل : سبع سنين ، وقيل : أربعون. ثم يقبض عيسى ، ويدفن في روضته صلى الله ~~عليه وسلم ، ثم تهب ريح تقبض المؤمنين ، فلا يبقى من يقول الله الله ، قيل ~~: مائة سنة ، وقيل : أقل ، ثم تخرب الكعبة ، ثم ينفخ في الصور للصعق ، ~~واقترب الوعد الحق. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الحضرة محرمة على قلب خراب ، أهلكه الله بالوساوس والخواطر ، ~~وفتحت عليه من الشواغل والشواغب والخواطر يأجوج ومأجوج ، فأفسدته وخربته ~~وجعلته مزبلة للشياطين. فحرام عليه رجوعه إلى الحضرة حتى يتطهر من هذه ~~الوساوس والخواطر ، ومن الشواغل والعلائق. قال بعض الصوفية : (حضرة القدوس ~~محرمة على أهل النفوس). فإذا اقترب وعد الحق ، وهو أجل موته ، قال : يا ~~ويلنا إنا كنا عن هذا غافلين ، لم نتأهب للقاء رب العالمين ، حتى لقيته ~~بقلب سقيم. والعياذ بالله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 380 # يقول الحق جل جلاله : {إنكم} ، يا كفار قريش ومن دان دينكم ، {وما تعبدون ~~من دون الله} من الأصنام والشياطين ؛ لأنهم ، لطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم ، في # 382 # حكم عبادتهم ، ويدخل فيه الشمس والقمر والنجوم ، وكل ما عبد من دون الله ~~ممن لا يعقل ، للحديث الوارد في دخولهم ms1735 النار ، تبكيتا لمن عبدهم ؛ لأنهم ~~لا يتضررون بالنار. وأما من يعقل فلا يدخل ؛ حيث عبر بما. وقيل : يدخل ، ثم ~~استثناه بقوله : {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى...} ، فكل من عبد شيئا من ~~دون الله فهو معه ، {حصب جهنم} أي : حطبها ، وقرئ بالطاء ، أي : وقودها ~~{أنتم لها واردون} أي : فيها داخلون. PageV04P569 # {لو كان هؤلاء آلهة} كما زعمتم {ما وردوها} ؛ ما دخلوا النار ، {وكل فيها ~~خالدون} أي : وكل من العابد والمعبود في النار خالدون. {لهم فيها زفير} أي ~~: للكفار في النار أنين وبكاء وعويل ، {وهم فيها لا يسمعون} شيئا ؛ لأن في ~~سماع بعضهم بعضا نوع أنس. قال ابن مسعود رضي الله عنه : يجعلون في توابيت ~~من نار ، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخر لها مسامير من نار ، فلا يسمعون شيئا. PageV04P570 # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد الحرام ، وصناديد قريش في ~~الحطيم ، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما ، فجلس إليهم ، فعرض له النضر بن ~~الحارث ، فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ، ثم تلا عليه وعليهم : ~~{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم...} الآيات الثلاث. ثم أقبل عبد ~~الله بن الزبعرى فرآهم يتساهمون ، فقال : فيم خوضكم ؟ فأخفى الوليد ما قاله ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أخبره بعضهم بما قاله ، عليه الصلاة والسلام ~~، فقال ابن الزبعرى للنبي صلى الله عليه وسلم : أأنت قلت : {إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم} ؟ قال : نعم ، قال : قد خصمتك ، ورب الكعبة ، ~~أليست اليهود تعبد عزيرا ، والنصارى تعبد المسيح ، وبنو مليح يعبدون ~~الملائكة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بل هم يعبدون الشياطين التي ~~أمرتهم بهذا ، فأنزل الله تعالى : {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى...} ". ~~قلت : كل من عبد شيئا من دون الله فإنما عبد في الحقيقة الشيطان ؛ لأنه أمر ~~به وزينه له ، ويدل على ذلك أنهم يتبرؤون يوم القيامة ، حين تتحقق الحقائق ~~، من عبادتهم ، كما قال تعالى : {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ~~أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ms1736 السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ ~~أن نتخذ من دونك من أوليآء} [الفرقان : 17 ، 18] مع قوله تعالى : {وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل} [العنكبوت : 38]. والله تعالى أعلم. # 383 PageV04P571 ~~الإشارة : من أحب شيئا حشر معه ، من أحب أولياء الله حشر معهم ، ومن أحب ~~الصالحين حشر معهم ، ومن أحب الفجار حشر معهم ، ومن أحب الدنيا بعث معها ، ~~ثم بعث إلى النار ، وهكذا... المرء مع من أحب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 382 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} أي : الخصلة الحسنى ~~، أو المشيئة الحسنى ، وهي السعادة ، أو التوفيق للطاعة ، أو البشرى ~~بالثواب ، {أولئك عنها} : عن جهنم {مبعدون} ؛ لأنهم في الجنة ، وشتان ما ~~بنيهما. قال القشيري : لم يقل متباعدون ؛ ليعلم العابدون أن المدار على ~~التقدير وسبق الحكم من الله ، لا على تباعد العبد وتقربه. ه. وكأنه يشير ~~لقوله : " هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي " ، أي : بأعمالهم. # {لا يسمعون حسيسها} أي : صوتها الذي يحس ، وحركة تلهبها ، وهذه مبالغة في ~~الإبعاد ، أي : لا يقربوها حتى لا يسمعوا صوتها أو صوت من فيها. قال ~~الكواشي : لا يسمعون صوت النار وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم من الجنة. ~~ه. وقال ابن عطية : وذلك بعد دخولهم الجنة ؛ لأن الحديث يقتضي أن في الموقف ~~تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خر على ركبتيه. ه. قال شيخ شيوخنا ~~سيدي عبد الرحمن الفاسي : محمل الحديث ، إن صح في حق الأنبياء والأكابر ، ~~على شهود الجلال والإجلال لله تعالى ، ولذلك يقولون : " نفسي نفسي " ، لا ~~من خوف النار. ه. PageV04P572 # قلت : أما كون الناس يصعقون يوم القيامة ، فيكون المصطفى أول من يفيق ، ~~فثابت في الصحيح ، أما سبب الصعقة فقد ورد في غير البخاري : " أنه يؤتى ~~بجهنم ، ولها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ، ثم تزفر ~~زفرة ، فلا يبقى نبي ولا ملك إلا خر " .. الحديث ، ويؤيده قوله تعالى : ~~{وجياء يومئذ بجهنم} [الفجر : 23] والأنبياء - عليهم السلام - بشر عبيد ، ~~قد تعمهم القهرية ، ولا تقدح في منصبهم ، وليس صعقهم ms1737 خوفا ، لكن غلبة ودهشا ~~، كما صعق موسى - عليه السلام - عند الرؤية ، # 384 # ونبينا - عليه الصلاة والسلام - حين تجلى له جبريل على صورته. والله ~~أعلم. وقال جعفر الصادق : وكيف يسمعون حسيسها ، والنار تخمد بمطالعتهم ، ~~وتتلاشى برؤيتهم ؟ ثم ذكر حديث قول النار للمؤمن : جز... الخ. # ويدل على أن هذه الحالة إنما هي بعد دخولهم الجنة ، قوله تعالى : {وهم ~~فيما اشتهت أنفسهم} من النعيم {خالدون} : دائمون ، والشهوة : طلب النفس ~~للذة. وهو بيان لفوزهم بالمطالب ، إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب ، ~~أي : دائمون في غاية التنعم ، {لا يحزنهم الفزع الأكبر} ، وهو القيام من ~~القبور عند صيحة البعث ، بدليل قوله : {وتتلقاهم الملائكة}. قال ابن عباس : ~~" تتلقاهم الملائكة بالرحمة ، عند خروجهم من القبور " ، قائلين : {هذا ~~يومكم الذي كنتم توعدون} بالكرامة والثواب ، والنعيم المقيم فيه ، أي : بعد ~~دخولكم الجنة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 384 PageV04P573 ~~وقال الحسن : الفزع الأكبر : الانصراف إلى النار. وعن الضحاك : حين يطبق ~~على أهل النار. وقيل : حين نفخة الصعق ، وقيل : حين يذبح الموت. قلت : من ~~سبقت له الحسنى ينجو من جميعها. وقيل : تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة ، ~~مهنئين لهم قائلين : {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} في الدنيا ، ويبشرون بما ~~فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات. وهذا ، كما ترى ، صريح في أن ~~المراد بالذين سبقت لهم الحسنى : كافة المؤمنين الموصوفين بالإيمان ~~والأعمال الصالحة ، لا من ذكر ؛ من المسيح ، وعزير ، والملائكة ، كما قيل. ~~قاله أبو السعود ، قلت : وقد يجاب بأنها نزلت في شأنهم وتعم غيرهم ؛ لأن ~~سبب النزول لا يخصص. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قال الجنيد رضي الله عنه : {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} أي ~~: سبقت لهم منا العناية في البداية ، فظهرت لهم الولاية في النهاية. ه. ~~{أولئك عنها} أي : عن نار القطيعة ، وهي أغيار الدنيا ، مبعدون ، لا يسمعون ~~حسيسها ، ولا ما يقع فيها من الهرج والفتن ، لغيبتهم عنها بالكلية في الشغل ~~بالله تعالى ، فهم فيما اشتهت أنفسهم ؛ من لذة الشهود ، والقرب من الملك ~~الودود ، خالدون دائمون ، لا يحزنهم الفزع الأكبر في الدنيا والآخرة ms1738 ، ~~وتتلقاهم الملائكة بالبشرى بالوصول ، هذا يومكم الذي كنتم توعدون ، وهو يوم ~~ملاقاة الحبيب والعكوف في حضرة القريب ، عند مليك مقتدر. منحنا الله من ذلك ~~الحظ الأوفر بمنه وكرمه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 384 # 385 # قلت : {يوم} : ظرف لاذكر ، أو لقوله : {لا يحزنهم الفزع} ، أو لتتلقاهم. ~~والسجل : الصحيفة ، والكتاب : مصدر ، و{كما بدأنا} : منصوب بمضمر ، يفسره ~~ما بعده ، و{ما} : موصولة. PageV04P574 # يقول الحق جل جلاله : واذكر {يوم نطوي السماء} ؛ وذلك يوم الحشر والناس في ~~الموقف ، فتجمع وتكور وتطوى {كطي السجل} ؛ الصحيفة {للكتاب} أي : لأجل ~~الكتابة فيها ؛ لأن الكاتب يطوي الصحيفة على اثنين ؛ ليكتب فيها. فاللام ~~للتعليل ، أو بمعنى " على " ، أي : كطي الصحيفة على الكتابة التي فيها ، ~~لتصان ، وقرأ أبو جعفر : " تطوى " ؛ بالبناء للمفعول. وذلك بمحو رسومها ~~وتكوير نجومها وشمسها وقمرها. وأصل الطي : الدرج ، الذي هو ضد النشر. وقرأ ~~الأخوان وحفص : {للكتب} بالجمع ، أي : للمكتوبات ، أي : كطي الصحيفة ؛ لأجل ~~المعاني الكثيرة التي تكتب فيها ، أو كطيها عليها ؛ لتصان. فالكتاب أصله ~~مصدر ، كالبناء ، ثم يوقع على المكتوب. وقيل : السجل : ملك يطوي كتب ابن ~~آدم ، إذا رفعت إليه ، فالكتاب ، على هذا ، اسم للصحيفة المكتوب فيها ، ~~والطي مضاف إلى الفاعل ، وعلى الأول : إلى المفعول. # {كما بدأنا أول خلق نعيده} أي : نعيد ما خلقنا حين نبعثهم ، كما بدأناهم ~~أول مرة ، فالتنوين في {خلق} مثله في قولك : أول رجل جاءني ، تريد أول ~~الرجال والتقدير : كما بدأنا أول الخلائق ، نعيدهم حفاة عراة غرلا. قال صلى ~~الله عليه وسلم : " إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا. وأول من يكسى ~~إبراهيم خليل الله " ، أي : لأنه جرد في ذات الله ، فقالت عائشة - رضي الله ~~عنها - : واسوءتاه! فلا يحتشم الناس بعضهم من بعض ؟ فقال : " لكل امرئ منهم ~~يومئذ شأن يغنيه " ثم قرأ - عليه الصلاة والسلام - : {كما بدأنا أول خلق ~~نعيده}. # كما بدأناه من الماء نعيده كيوم ولدته أمه. قلت : قد استدل بعضهم ، بظاهر ~~الآية والحديث ، أن أهل الجنة ليس لهم أسنان ، ولا دليل فيه ؛ لأن المقصود ~~من الآية : الاستدلال على كمال قدرته تعالى ، وعلى ms1739 البعث الذي تنكره الكفرة ~~، لا بيان الهيئة ، وعدم وجودها نقصان ، ولا نقص في الجنة. PageV04P575 # ثم أكد الإعادة بقوله : {وعدا علينا} أي : نعيده وعدا ، فهو مصدر مؤكد لغير ~~فعله ؛ بل لما في " {نعيده} من معنى العدة ، أي : وعدنا ذلك وعدا واجبا ~~علينا إنجازه ؛ لأنا لا نخلف الميعاد ، {إنا كنا فاعلين} لما ذكرنا لا ~~محالة ، فاستعدوا له ، وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال. وبالله ~~التوفيق. # 386 # الإشارة : إذا أشرقت على القلب شموس العرفان ، انطوت عن مشهده وجود ~~الأكوان ، وأفضى إلى فضاء العيان ، فلا سماء تظله ولا أرض تحمله ، وفي ذلك ~~يقول الششتري رضي الله عنه : # لقد تجلى ما كان مخبى # والكون كل طويت طي # جزء : 4 رقم الصفحة : 385 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد كتبنا في الزبور} كتاب داود عليه السلام ، ~~{من بعد الذكر} : التوراة ، أو اللوح المحفوظ ، {أن الأرض} أي : جنس الأرض ~~، يعني : مشارقها ومغاربها ، {يرثها عبادي الصالحون} وهم أمة نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، ففي الآية ثناء عليهم وبشارة لهم ، وإخبار بظهور غيب ~~تحقق ظهوره في الوجود ؛ من فتح الله على هذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها ، ~~كقوله : {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} ~~[النور : 55]. وقال القشيري : على قوله : {عبادي الصالحون} : هم أمة محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - وهم بجملتهم قوم صالحون لنعمته ، وهم المطيعون ، ~~وآخرون صالحون لرحمته وهم العاصون. ه. PageV04P576 # قال في الحاشية الفاسية : والظاهر أن حديث : " لا تزال طائفة من أمتي ~~ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله " ، مفسر للآية ، ~~وموافق لوعدها. قيل : وهذه الطائفة مفترقة من أنواع المؤمنين ، ممن فيه ~~عائدة على الدين ونفع له ؛ من شجعان مقاتلين ، وفقهاء ومحدثين ، وزهاد ~~وصالحين ، وناهين وآمرين بالمعروف. ه. قلت : وعارفين متمكنين ، علماء بالله ~~ربانيين. ثم قال : وغير ذلك من أنواع أهل الحسنى ، ولا يلزم اجتماعهم ، بل ~~يكونون متفرقين في أقطار. ه. قلت " : وفيه نظر ؛ لأن مراد الآية الأمة كلها ~~، كما قال القشيري ، ومراد الحديث بعضها ، فلا يليق أن يكون تفسيرا لها ms1740 ، ~~وهي أعم منه. وقيل : المراد بالأرض : أرض الشام ، وقيل : أرض الجنة. # ثم قال تعالى : {إن في هذا} أي : ما ذكر في السورة الكريمة من الأخبار ~~والمواعظ البالغة ، والوعد والوعيد ، والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد ~~وصحة النبوة ، {لبلاغا} أي : كفاية ، أو سبب بلوغ إلى البغية ، من رضوان ~~الله تعالى ، ومحبته ، وجزيل ثوابه ، فمن تبع القرآن وعمل به ، وصل إلى ما ~~يرجو من الثواب العظيم ، فالقرآن زاد # 387 # الجنة كبلاغ المسافر ، فهو بلاغ وزاد {لقوم عابدين} أي : لقوم همتهم ~~العبادة دون العادة. وبالله التوفيق. PageV04P577 # الإشارة : قد أورث الله أرضه وبلاده لأهل التوجه إلى الله ، والإقبال عليه. ~~فوراثة كل أحد على قدر توجهه وإقباله على مولاه. والمراد بالوراثة : التصرف ~~بالهمة ونفوذ الكلمة في صلاح الدين وهداية المخلوقين ، وهم على قسمين : قسم ~~يتصرف في ظواهر الخلق بإصلاح ظواهرهم ، وهم العلماء الأتقياء ، فهم يبلغون ~~الشرائع والأحكام ، لإصلاح نظام الإسلام ، وقد تقدم تفصيلهم في سورة التوبة ~~عند قوله تعالى : {فلولا نفر من كل فرقة...} [التوبة : 122] الخ ، وقسم ~~يتصرفون في بواطنهم ؛ وهم أهل التصرف العارفون بالله ، على اختلاف مراتبهم ~~؛ من غوث وأقطاب وأوتاد ، وأبدال ، ونجباء ، ونقباء ، وصالحين ، وشيوخ ~~مربين ، فهم يعالجون بواطن الناس بالتربية بالهمة والحال والمقال ، حتى ~~يتطهر من يصحبهم من الرذائل ، ويتحلى بأنواع الفضائل ، فيتأهل لحضرة القدس ~~ومحل الأنس. وهؤلاء حازوا الوراثة النبوية كلها ، كما قال ابن البنا في ~~مباحثه : # جزء : 4 رقم الصفحة : 387 # تبعه العالم في الأقوال # والعابد الزاهد في الأفعال # وبهما الصوفي في السباق # لكنه قد زاد بالأخلاق # جزء : 4 رقم الصفحة : 387 # قلت : {رحمة} : مفعول لأجله ، أو حال. PageV04P578 # يقول الحق جل جلاله : {وما أرسلناك} يا محمد {إلا رحمة للعالمين} أي : ما ~~أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام ، وغير ذلك ؛ مما هو مناط سعادة ~~الدارين ، لعلة من العلل ، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة. أو ما ~~أرسلناك في حال من الأحوال ، إلا حال كونك رحمة لهم ، فإن ما بعثت به سبب ~~لسعادة الدارين ، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين ، ومن لم يضرب له في ms1741 ~~هذه المغانم بسهم فإنما أوتي من قبل نفسه ، حيث فرط في اتباعه ، وقيل : إنه ~~رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا ؛ بتأخير عذاب الاستئصال ، والأمن من ~~المسخ والخسف والغرق ، حسبما نطق به قوله تعالى : {وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم} [الأنفال : 33]. # 388 # {قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} أي : ما يوحى إلي إلا أنه لا إله ~~لكم إلا إله واحد ؛ لأنه المقصود الأصلي من البعثة ، وأما ما عداه فإنما هو ~~من الأحكام المتفرعة عليه ، لا يصح بدونه. و{إنما} الأولى : لقصر الحكم على ~~الشيء ، كقولك : إنما يقوم زيد ، والثانية : لقصر الشيء على الحكم ، كقولك ~~: إنما زيد قائم ، أي : إنما يوحى إلي وحدي أنما إلهكم واحد. {فهل أنتم ~~مسلمون} أي : مخلصون العبادة لله {فإن تولوا} عن الإسلام ، ولم يلتفتوا إلى ~~ما يوجبه من استماع الوحي ، {فقل آذنتكم} أي : أعلمتكم ما أمرت به ، أو ~~بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم ، فتكونوا {على سواء} ، أو كائنين على سواء ~~في الإعلام به ، لم أطوه عن أحد منكم ، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما ~~أعلمتكم به من الشرائع ، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل ~~بطلان مذهب الباطنية. قيل : وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 388 PageV04P579 ~~وإن أدري} أي : ما أدري {أقريب أم بعيد ما توعدون} من البعث والحساب متى ~~يكون ؛ لأن الله تعالى لم يطلعني عليه ، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة ، وكل ~~آت قريب. ولذلك قال : {واقترب الوعد الحق} [الأنبياء : 97] ، أو : لا أدري ~~متى يحل بكم العذاب ، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين ، {إنه ~~يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون} أي : إنه عالم بكل شيء ، يعلم ما ~~تجهرون به ؛ من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات ، وما تكتمونه في صدوركم من ~~الأحقاد للمسلمين ، فيجازيكم عليه نقيرا وقطميرا. {وإن أدري لعله فتنة لكم} ~~أي : ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم ؛ لينظر كيف ~~تعملون ، أو استدراج لكم ، وزيادة في افتتانكم ، {ومتاع إلى حين} ms1742 أي : تمتع ~~لكم إلى حين موتكم ؛ ليكون حجة عليكم ، أو إلى أجل مقدر تقتضيه المشيئة ~~المبنية على الحكم البالغة. {قل رب احكم بالحق} أي : اقض بيننا وبين كفار ~~مكة بالعدل ، المقتضي لتعجيل العذاب. فهو كقول شعيب عليه السلام : {ربنا ~~افتح بيننا وبين قومنا بالحق} [الأعراف : 89] ، أو بما يحق عليهم من العذاب ~~، واشدد عليهم ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اشدد وطأتك على مضر " ~~، وقد استجيب دعاؤه - عليه الصلاة والسلام - ، حيث عذبوا ببدر أي تعذيب. ~~وقرأ الكسائي وحفص : {قال} ؛ حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم. ثم استعان ~~بالله على إبطال ما كانوا يؤملون من النصرة لهم ، وتكذيبهم في ذلك ، فقال : ~~{وربنا الرحمن} ؛ كثير الرحمة على عباده ، {المستعان على ما تصفون} من كون ~~الغلبة لكم. كانوا يصفون # 389 # الحال على خلاف ما جرت عليه ، وكانوا يطمعون أن تكون الشركة والغلبة لهم ~~، فكذب الله ظنونهم ، وخيب آمالهم ، وغير أحوالهم ، ونصر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم عليهم ، وخذلهم ؛ لكفرهم. وبالله التوفيق. PageV04P580 # الإشارة : قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : الأنبياء - عليهم ~~السلام - خلقوا من الرحمة ، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة ، قال ~~تعالى : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. ه. وقال أيضا : الأنبياء - عليهم ~~السلام - لأممهم صدقة ، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية. قال صلى الله ~~عليه وسلم : " وأنا النعمة المهداة " ، فالصدقة للفقراء ، والهدية للكبراء. ~~ثم إن غاية الرحمة : الوصول إلى التوحيد الخاص ؛ لأنه سبب الزلفى من الله ~~والاختصاص ، ولذلك أمره به ، بعد أن جعله رحمة ، فقال : {قل إنما يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد...} الخ. فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبعد والطرد. ولعل ~~تأخير العقوبة عنه ، في الدنيا ، استدراج ومتاع إلى حين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 388 # ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص - وهو توحيد العيان - : ~~القواطع الأربع : النفس ، والشيطان ، والدنيا ، والهوى. زاد بعضهم : الناس ~~- أي : عوام الناس ، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع ، وصل إلى ~~صريح المعرفة. {قل رب احكم بالحق} ؛ أي : احكم بيني وبين ms1743 عدوي بحكمك الحق ، ~~حتى تدفعه عني وتدمغه ، {وربنا الرحمن المستعان} به {على ما تصفون} من ~~التعويق والتشغيب. والله المستعان ، وعليه أتوكل ، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 390 # جزء : 4 رقم الصفحة : 388 PageV04P581 ### | AUTO سورة الحج # جزء : 4 رقم الصفحة : 390 # قلت : {زلزلة} : مصدر مضاف إلى فاعله على المجاز ، أو إلى الظرف ، وهي ~~الساعة. و{يوم} : منصوب بتذهل. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس اتقوا ربكم} ، الخطاب عام لجميع ~~المكلفين ممن وجد عند النزول ، وينخرط في سلكهم من سيوجد إلى يوم القيامة. ~~ولفظ {الناس} يشمل الذكور والإناث. والمأمور به مطلق التقوى ، الذي هو ~~امتثال الأوامر واجتناب النواهي ظاهرا وباطنا ، والتعرض لعنوان الربوبية ، ~~مع إضافتها لضمير المخاطبين ؛ لتأكيد الأمر ، وتأكيد إيجاب الامتثال به ؛ ~~لأن الربوبية دائمة ، والعبودية واجبة بدوامها ، أي : احذروا عقوبة مالك ~~أموركم ومربيكم. # ثم علل وجوب التقوى بذكر بعض عقوبته الهائلة عند قيام الساعة ، فقال : ~~{إن زلزلة الساعة شيء عظيم} ، فإن ملاحظة عظمها وهولها وفظاعة ما هي من ~~مبادئه ومقدماته ، مما يوجب مزيد اعتناء بملابسة التقوى والتدرع بها. ~~والزلزلة : التحرك الشديد والإزعاج العنيف ، بطريق التكرير ، بحيث تزيل ~~الأشياء من مقارها ، وتخرجها عن مراكزها ، وهي الزلزلة المذكورة في قوله ~~تعالى : {إذا زلزلت الأرض زلزالها} [الزلزلة : 1] الآية. واختلف في هذه ~~الزلزلة وما ذكر بعدها ، هل هي قيام الساعة عند نفخة الصعق ، أو بعدها عند ~~الحشر ؟ فقال الحسن رضي الله عنه : إنها تكون يوم القيامة. وعن # 391 PageV04P582 ~~ابن عباس رضي الله عنه : زلزلة الساعة : قيامها. وعن علقمة والشعبي : أنها ~~قبل طلوع الشمس من مغربها ، فإضافتها إلى الساعة ؛ لكونها من أشراطها. قال ~~الكواشي : وهذه الزلزلة تكون قبل قيام الساعة من أشراطها. قالوا : ومن ~~أشراط الساعة ، قبل قيامها ، ست آيات : بينما الناس في أسواقهم ، إذ ذهب ~~ضوء الشمس ، ثم تناثرت النجوم ، ثم وقعت الجبال على وجه الأرض ، فتحركت ~~واضطربت الأرض ، ففزع الإنس والجن ، وماج بعض في بعض ؛ خوفا ودهشا ، فقالت ~~الجن للإنس : نحن نأتيكم ms1744 بالخبر ، فذهبوا ، فرأوا البحار تأجج نارا ، ~~فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض السابعة ، ثم جاءتهم الريح ~~فماتوا. ه. وانظر ابن عطية. قاله المحشي. والتحقيق : ما قدمناه عند قوله : ~~{واقترب الوعد الحق} [الأنبياء : 97] ، وأن الريح إنما تقبض أرواح المؤمنين ~~، وهذه الزلزلة إنما تقع عند نفخة الصعق. والله تعالى أعلم. وفي التعبير ب ~~{شيء عظيم} إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها ، والعبارة ضيقة ، لا ~~تحيط بها إلا على وجه الإبهام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 391 # قلت : {زلزلة} : مصدر مضاف إلى فاعله على المجاز ، أو إلى الظرف ، وهي ~~الساعة. و{يوم} : منصوب بتذهل. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس اتقوا ربكم} ، الخطاب عام لجميع ~~المكلفين ممن وجد عند النزول ، وينخرط في سلكهم من سيوجد إلى يوم القيامة. ~~ولفظ {الناس} يشمل الذكور والإناث. والمأمور به مطلق التقوى ، الذي هو ~~امتثال الأوامر واجتناب النواهي ظاهرا وباطنا ، والتعرض لعنوان الربوبية ، ~~مع إضافتها لضمير المخاطبين ؛ لتأكيد الأمر ، وتأكيد إيجاب الامتثال به ؛ ~~لأن الربوبية دائمة ، والعبودية واجبة بدوامها ، أي : احذروا عقوبة مالك ~~أموركم ومربيكم. PageV04P583 # ثم علل وجوب التقوى بذكر بعض عقوبته الهائلة عند قيام الساعة ، فقال : {إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم} ، فإن ملاحظة عظمها وهولها وفظاعة ما هي من مبادئه ~~ومقدماته ، مما يوجب مزيد اعتناء بملابسة التقوى والتدرع بها. والزلزلة : ~~التحرك الشديد والإزعاج العنيف ، بطريق التكرير ، بحيث تزيل الأشياء من ~~مقارها ، وتخرجها عن مراكزها ، وهي الزلزلة المذكورة في قوله تعالى : {إذا ~~زلزلت الأرض زلزالها} [الزلزلة : 1] الآية. واختلف في هذه الزلزلة وما ذكر ~~بعدها ، هل هي قيام الساعة عند نفخة الصعق ، أو بعدها عند الحشر ؟ فقال ~~الحسن رضي الله عنه : إنها تكون يوم القيامة. وعن # 391 # ابن عباس رضي الله عنه : زلزلة الساعة : قيامها. وعن علقمة والشعبي : ~~أنها قبل طلوع الشمس من مغربها ، فإضافتها إلى الساعة ؛ لكونها من أشراطها. ~~قال الكواشي : وهذه الزلزلة تكون قبل قيام الساعة من أشراطها. قالوا : ومن ~~أشراط الساعة ، قبل قيامها ، ست آيات : بينما الناس في أسواقهم ، إذ ذهب ~~ضوء الشمس ، ثم ms1745 تناثرت النجوم ، ثم وقعت الجبال على وجه الأرض ، فتحركت ~~واضطربت الأرض ، ففزع الإنس والجن ، وماج بعض في بعض ؛ خوفا ودهشا ، فقالت ~~الجن للإنس : نحن نأتيكم بالخبر ، فذهبوا ، فرأوا البحار تأجج نارا ، ~~فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض السابعة ، ثم جاءتهم الريح ~~فماتوا. ه. وانظر ابن عطية. قاله المحشي. والتحقيق : ما قدمناه عند قوله : ~~{واقترب الوعد الحق} [الأنبياء : 97] ، وأن الريح إنما تقبض أرواح المؤمنين ~~، وهذه الزلزلة إنما تقع عند نفخة الصعق. والله تعالى أعلم. وفي التعبير ب ~~{شيء عظيم} إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها ، والعبارة ضيقة ، لا ~~تحيط بها إلا على وجه الإبهام. # جزء : 4 رقم الصفحة : 391 PageV04P584 ~~ثم هول شأنها ، فقال : {يوم ترونها} أي : الزلزلة ، وتشاهدون هول مطلعها ، ~~{تذهل كل مرضعة} أي : مباشرة للإرضاع ، {عما أرضعت} أي : تغفل وتغيب ، من ~~شدة الدهش عما هي بصدد إرضاعه من طفلها ، الذي ألقمته ثديها. فالمرضعة ، ~~بالتاء ، هي المباشرة الإرضاع بالفعل ، والمرضع - بلا تاء - لمن شأنها ترضع ~~، ولو لم تباشر الإرضاع. والتعبير عنه " بما " ، دون " من " ؛ لتأكيد ~~الذهول ، كأنها من شدة الهول لا تدري من هو بخصوصه ، وقيل : " ما " مصدرية ~~، أي : تذهل عن إرضاعها. والأول أدل على شدة الهول وكمال الانزعاج. # {وتضع كل ذات حمل حملها} أي : تلقى جنينها من غير تمام ، كما أن المرضعة ~~تذهل عن ولدها قبل الفطام. وهذا على قول من يقول : إنها قبل نفخة الصعق ~~ظاهر ، وأما على من يقول ، إنها بعد قيام الساعة ، فقد قيل : إنه تمثيل ؛ ~~لتهويل الأمر وشدته. {وترى الناس سكارى} أي : وترى أيها الناظر الناس سكارى ~~، على التشبيه ، من شدة الهول ، كأنهم سكارى لما شاهدوا بساط العزة وسلطنة ~~القهرية ، حتى قال كل نبي : نفسي نفسي. {وما هم بسكارى} على التحقيق ، ~~{ولكن عذاب الله شديد} ، فخوف عذابه هو الذي أذهل عقولهم ، وطير تمييزهم ، ~~وردهم في حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه. وعن الحسن : وترى الناس سكارى ~~من الخوف ، وما هم بسكارى من الشراب. وقرئ : (سكرى) ؛ كعطشى. والمعنى واحد ~~، غير أن فعلى يختص بما ms1746 فيه آفة ، كجرحى وقتلى ومرضى. والله تعالى أعلم. # الإشارة : يا أيها الناس اتقوا ربكم وتوجهوا إليه بكليتكم ، حتى تشرق على ~~قلوبكم أنوار ربكم ، فتزلزل أرض نفوسكم ، وتدك جبال عقولكم ، عند سطوح شمس ~~العرفان ، # 392 PageV04P585 ~~والاستشراف على مقام الإحسان. إن زلزلة الساعة ، التي تشرف فيها على أسرار ~~الذات ، شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، لو كانت أنثى ، ~~وتضع كل ذات حمل حملها كذلك ، أو تضع كل ذات حمل أثقالها ؛ بالغيبة في ربها ~~، وترى الناس سكارى من خمر المحبة ، وما هم بسكارى من شراب الدوالي ، لكن ~~من خمر الكبير المتعالي ، كما قال الششتري في الخمرة الأزلية - بعد كلام - : # لا شراب الدوالي إنها أرضية # خمرها دون خمري خمرتي أزلية # ولكن عذاب الله - الذي قدمه قبل دخول جنته المعنوية وحفت به ، وهي جنة ~~المعارف - شديد ، ولكنه يحلو في جانب ما ينال بعده ، كما قال الشاعر : # والنفس عزت ولكن فيك أبذلها # والذل مر ولكن في رضاك حلا # جزء : 4 رقم الصفحة : 391 # يا من عذابي عذب في محبته # لا أشتكي منك لا صدا ولا مللا # جزء : 4 رقم الصفحة : 391 # قلت : {ومن الناس} : خبر ، و{من يجادل} : مبتدأ ، و{بغير علم} : حال من ~~ضمير " يجادل " ، و{أنه} : نائب فاعل {كتب} ، أي : كتب عليه إضلال من تولاه ~~، و{فإنه} : من فتح : عنده خبر عن مبتدأ مضمر ، أي : فشأنه أن يضله ، ~~والجملة جواب " من " ، إن جعلتها شرطية ، وخبر ، إن جعلتها موصولة متضمنة ~~لمعنى الشرط ، ومن كسر : فخبر ، أو جواب " من ". PageV04P586 # يقول الحق جل جلاله : {ومن الناس من يجادل} ويخاصم {في الله} أي : في شأنه ~~، ويقول ما لا يليق بجلال كبريائه وكمال قدرته ، ملابسا {بغير علم} ، بل ~~بجهل عظيم حمله على ما فعل. نزلت في النضر بن الحارث ، وكان جدلا ، يقول : ~~الملائكة بنات الله ، والقرآن أساطير الأولين ، ولا بعث بعد الموت ، والله ~~غير قادر على إحياء من بلى وصار رميما. وهي عامة له ولأضرابه من العتاة ~~المتمردين ، وكل من يخاصم في الدين بالهوى. {ويتبع} في ذلك {كل شيطان مريد} ms1747 ~~؛ عات متمرد ، مستمر في الشر. قال الزجاج : المريد والمارد : المرتفع ~~الأملس ، أي : الذي لا يتعلق به شيء من الخير ، والمراد : إما رؤساء الكفرة ~~الذين يدعونهم إلى الكفر ، وإما إبليس وجنوده. # ثم وصف الشيطان المريد بقوله : {كتب عليه} أي : قضى على ذلك الشيطان ~~{أنه} أي : الأمر والشأن {من تولاه} أي : اتخذه وليا وتبعه ، {فأنه} أي : ~~الشيطان {يضله} عن سواء السبيل ، {ويهديه إلى عذاب السعير} أي : النار. ~~والعياذ بالله. # 393 # الإشارة : ومن الناس من تنكبت عنه سابقة الخصوصية ، فجعل يجادل في طريق ~~الله ، وينكر على المتوجهين إلى الله ، إذا حرقوا عوائد أنفسهم ، وسد الباب ~~في وجوه عباد الله ، فيقول : انقطعت التربية النبوية ، وذلك منه بلا علم ~~تحقيق ولا حجة ولا برهان ، وإنما يتبع في ذلك كل شيطان مريد ، سول له ذلك ~~وتبعه فيه. كتب عليه أنه من تولاه ، وتبعه في ذلك ، فإنه يضله عن طريق ~~الخصوص ، الذين فازوا بمشاهدة المحبوب ، ويهديه إلى عذاب السعير ، وهو غم ~~الحجاب والحصر في سجن الأكوان ، وفي أسر نفسه وهيكل ذاته ، عائذا بالله من ذلك. # جزء : 4 رقم الصفحة : 393 PageV04P587 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} أي : إن ~~شككتم في أمر البعث ، فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم ، وقد كنتم في ~~الابتداء ترابا وماء ، وليس سبب إنكاركم بالبعث إلا هذا ، وهو صيرورة الخلق ~~ترابا وماء ، فكما بدأكم منه يعيدكم منه ، كما قال تعالى : {فإنا خلقناكم} ~~أي : أباكم {من تراب ، ثم} خلقناكم {من نطفة ثم من علقة} أي : قطعة دم ~~جامدة ، {ثم من مضغة} أي : لحمة صغيرة ، بقدر ما يمضغ ، {مخلقة} أي : مصورة ~~الخلقة ، {وغير مخلقة} أي : لم يتبين خلقها وصورتها بعد. والمراد : تفصيل ~~حال المضغة ؛ من كونها أولا مضغة ، لم يظهر فيها شيء من الأعضاء ، ثم ظهرت ~~بعد ذلك شيئا فشيئا. وكان مقتضى الترتيب أن يقدم غير المخلقة على المخلقة ، ~~وإنما أخرت عنها ؛ لأنها عدم الملكة ، والملكة أشرف من العدم. # وإنما فعلنا ذلك ؛ {لنبين لكم} ، بهذا التدريج ، كمال قدرتنا ms1748 وحكمتنا ؛ ~~لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا ، ثم من نطفة ثانيا ، وقدر على أن ~~يجعل النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، والمضغة عظاما ، قدر على إعادة ما بدأ ، ~~بل هو أهون في القياس # 394 # {ونقر} أي : نثبت {في الأرحام ما نشاء} ثبوته {إلى أجل مسمى} : وقت ~~الولادة ، وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام. {ثم نخرجكم} من الرحم {طفلا} ، ~~أي : حال كونكم أطفالا. والإفراد باعتبار كل واحد منهم ، أو بإرادة الجنس ، ~~{ثم لتبلغوا أشدكم} أي : ثم نربيكم ؛ لتبلغوا كمال عقلكم وقوتكم. والأشد : ~~من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل له واحد. ووقته : قيل : ثلاثون سنة ، وقيل ~~: أربعون. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 394 PageV04P588 ~~ومنكم من يتوفى} قبل بلوغ الأشد أو بعده ، {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} ~~أي : أخسه ، وهو الهرم والخرف ، {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} أي : لكيلا ~~يعلم شيئا من بعد ما كان يعلمه من العلوم ، مبالغة في انتقاص علمه ، ~~وانتكاس حاله ، أي : ليعود إلى : ما كان عليه في أوان الطفولية ، من ضعف ~~البنية ، وسخافة العقل ، وقلة الفهم ، فينسى ما علمه ، وينكر ما عرفه ، ~~ويعجز عما قدر عليه. قال ابن عباس : من قرأ القرآن ، وعمل به ، لا يلحقه ~~أرذل العمر. ثم ذكر دليلا آخر على البعث ، فقال : {وترى الأرض هامدة} : ~~ميتة يابسة ، {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} ؛ تحركت بالنبات {وربت} ؛ ~~انتفخت {وأنبتت من كل زوج} : صنف {بهيج} : حسن رائق يسر ناظره. # {ذلك بأن الله هو الحق} أي : ذلك الذي ذكرنا ؛ من خلق بني آدم ، وإحياء ~~الأرض ، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم ، حاصل بهذا ، وهو أن الله هو ~~الحق ، أي : الثابت الوجود. هكذا للزمخشري ومن تبعه ، وقال ابن جزي : ~~والظاهر : أن الياء ليست سببية ، كما قال الزمخشري ، وهو أيضا مقتضى تفسير ~~ابن عطية ، وإنما يقدر لها فعل يتعلق به ويقتضيه المعنى ، وذلك أن يكون ~~التقدير : ذلك الذي تقدم من خلق الإنسان والنبات ، شاهد بأن الله هو الحق ، ~~وبأنه يحيي الموتى ، وبأن الساعة آتية ، فيصح عطف {وأن الساعة} ms1749 على ما قبله ~~، بهذا التقدير ، وتكون هذه الأشياء المذكورة ، بعد قوله : {ذلك} ، مما ~~استدل عليه بخلقة الإنسان والنبات. ه. PageV04P589 # قال المحشي الفاسي : ويرد عليه : أن تقديره عاملا خاصا يمنع حذفه ، وإنما ~~يحذف إذا كان كونا مطلقا ، فلا يقال : زيد في الدار ، وتريد ضاحك مثلا ، ~~إلا أن يقال في الآية : دل عليه السياق ، فكأنه مذكور. وعند الكواشي : ~~ليعلموا بأن الله هو الحق. وقال القرطبي : قوله : {ذلك بأن الله هو الحق} ، ~~لما ذكر افتقار الموجودات إليه ، وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره ، قال ~~بعد ذلك : {ذلك بأن الله هو الحق} ، نبه بهذا على أن كل ما سواه ، وإن كان ~~موجودا ؛ فإنه لا حقيقة له من نفسه ؛ لأنه مسخر ومصرف ، والحق الحقيقي هو ~~الموجود المطلق ، الغني المطلق ، وإن وجود كل موجود من وجوب وجوده ، ولهذا ~~قال في آخر السورة : {وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج : 62] ، والحق ~~هو الوجود الثابت ، الذي لا يزول ولا يتغير ، وهو الله تعالى. ثم قال عن ~~الزجاج : {ذلك} في موضع رفع ، أي : الأمر ما وصف لكم وبين ؛ # 395 # لأن الله تعالى هو الحق ، ويجوز كونه في موضع نصب ، أي : فعل ذلك بأن ~~الله هو الحق ، قادر على ما أراد. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 394 PageV04P590 ~~وذلك أيضا شاهد بأنه {يحيي الموتى} كما أحيا الأرض ، مرة بعد أخرى ، {وأنه ~~على كل شيء قدير} أي : مبالغ في القدرة ، وإلا لما أوجد هذه الموجودات ~~الفائتة الحصر. وتخصيص إحياء الموتى بالذكر ، مع كونه من جملة الأشياء ~~المقدور عليها ؛ للتصريح بما فيه النزاع ، وللطعن في نحور المنكرين. {وأن ~~الساعة آتية} : قادمة عليكم ، {لا ريب فيها} ، وإيثار اسم الفاعل على الفعل ~~؛ للدلالة على تحقق إتيانها وتقريره ألبتة. ومعنى نفي الريب عنها : أنها ، ~~في ظهور أمرها ووضوح دلائلها ، بحيث ليس فيها مظنة الريب ، {وأن الله يبعث ~~من في القبور} ؛ لأنه تعالى حكم بذلك ووعد به ، وهو لا يخلف الميعاد ، ~~والتعبير ب " من في القبور " : خرج مخرج الغالب ، وإلا فهو يبعث كل من ~~يموت. والله تعالى ms1750 أعلم وأحكم. # الإشارة : يا أيها الناس المنكرون لوجود التربية النبوية ، وظهور أهل ~~الخصوصية في زمانهم ، الذين يحيي الله الأرواح الميتة ، بالجهل والغفلة ، ~~على أيديهم ؛ إن كنتم في ريب من هذا البعث فانظروا إلى أصل نشأتكم وتنقلات ~~أطواركم ، فمن فعل ذلك وقدر عليه ، قدر أن يحيي النفوس الميتة بالغفلة في ~~كل زمان. وفي الحكم : " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته ، وأن يخرجه من ~~وجود غفلته ، فقد استعجز القدرة الإلهية ، وكان الله على كل شيء مقتدرا ". ~~وجرت عادته أنه لا يحييها في الغالب إلا على أيدي أهل الخصوصية. وترى أرض ~~النفوس هامدة ميتة بالغفلة ، فإذا أنزلنا عليها ماء الحياة ، وهي الواردات ~~الإلهية ، وأسقيناها الخمرة القدسية ، اهتزت فرحا بالله ، وربت ، وارتفعت ~~بالعلم بالله ، وأنبتت من أصناف العلوم والحكم ، ما تبهج منه العقول ، ذلك ~~شاهد بوحدانية الحق ، وأن ما سواه باطل. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 394 PageV04P591 ~~يقول الحق جل جلاله : {ومن الناس من يجادل في الله} أي : في شأنه ، فيصفه ~~بغير ما هو أهله ، وهو أبو جهل ، كما قال ابن عباس رضي الله عنه ، وقيل : ~~هو من يتصدى لإضلال الناس ، كائنا من كان. حال كونه {بغير علم} ، بل بجهل ~~وهوى. والمراد بالعلم : الضروري ، كما أن المراد بالهدى في قوله : {ولا ~~هدى} : هو الاستدلال والنظر الصحيح ، الهادي إلى المعرفة. {ولا كتاب منير} ~~أي : وحي يستند إليه ، والحجة # 396 # إنما تقوم بأحد هذه الثلاثة ، أي : يجادل في شأنه تعالى ، من غير تمسك ~~بمقدمة ضرورية ، ولا بحجة نظرية ، ولا برهان سمعي. # حال كونه {ثاني عطفه} أي : لاويا عنقه عن طاعة الله ؛ كبرا وعتوا ، أو ~~عاطفا بجانبه ، وطاويا كشحه ، معرضا متكبرا ، فثني العطف كناية عن التكبر. ~~وقرأ الحسن بفتح العين ، أي : مانعا تعطفه على المساكين ؛ قسوة. فعل ذلك ~~الجدال {ليضل عن سبيل الله} أي : ليضل الناس عن سبيل الله ؛ فإن غرضه ~~بالمجادلة إضلال المؤمنين ، أو جميع الناس ، وقرأ المكي وأبو عمر : بفتح ~~الياء ، أي : ليصير ضالا عن سبيل الله. وجعل ضلاله غاية لجداله ، من حيث ms1751 إن ~~المراد به الضلال المبين ، الذي لا هداية بعده ، مع تمكنه منها قبل ذلك ، ~~أي : ليرسخ في الضلالة أي رسوخ ، {له في الدنيا خزي} : هوان وذل ، وهو ~~القتل يوم بدر ، وهو بيان نتيجة ما سلكه من الطريقة ، أي : يثبت له ، بسبب ~~ما فعل ، خزي وصغار ، وهو ما أصابه ببدر ، {ونذيقه يوم القيامة عذاب ~~الحريق} أي : النار المحرقة. PageV04P592 # {ذلك} أي : ما ذكر من العذاب الدنيوي والأخروي. وما في الإشارة من البعد ؛ ~~للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة ، أي : ذلك العذاب ~~الهائل {بما قدمت يداك} أي : بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي. وإسناده ~~إلى يديه ؛ لأن الاكتساب في الغالب بهما. والالتفات ؛ لتأكيد الوعيد وتشديد ~~التهديد. أو يقال له يوم القيامة : {ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد} ، فلا يأخذ أحدا بغير ذنب ولا بذنب غيره. وهو خبر عن مضمر ، أي : ~~والأمر أن الله ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب ، وأما عطفه على " بما " فغير ~~سديد ، ولفظ المبالغة ؛ لاقترانه بلفظ الجمع في العبيد ، ولأن قليل الظلم ~~منه ، مع علمه بقبحه واستغنائه عنه ، كالكثير منا. قاله النسفي. # جزء : 4 رقم الصفحة : 396 # وقيل : {ظلام} : بمعنى : ذي ظلم ، فتكون الصيغة للنسب. والتعبير عن ذلك ~~بنفي الظلم ، مع أن تعذيبهم بغير ذنب ، ليس بظلم قطعا ، على ما تقرر في ~~مذهب أهل السنة ، فضلا عن كونه ظلما بالغا ؛ لأن الحق تعالى إنما يظهر لنا ~~كمال العدل ، وغاية التنزيه ، وإن كان في نفس الأمر جائز أن يعذب عباده بلا ~~ذنب ، ولا يسمى ظلما ؛ لأنه تصرف في ملكه ، لكنه تعالى لم يظهر لنا في عالم ~~الشهادة إلا كمال العدل. والله تعالى أعلم. # الإشارة : من يخاصم في طريق القوم ، وينفيها عن أهلها ، إما أن يكون ~~تقليدا ، وهو ما تقدم ، أو يكون تكبرا وعتوا ، بحيث لم يرض أن يحط رأسه لهم ~~، وهو ما أشير إليه هنا. ولا شك أن المتكبر لا بد أن يلحقه ذل ، ولو عند ~~الموت. ويوم القيامة يحشر صاغرا كالذر ، كما في الحديث. والله تعالى ms1752 أعلم. # 397 # جزء : 4 رقم الصفحة : 396 PageV04P593 ~~قلت : {لمن ضره} : قال ابن عطية : جرى فيه إشكال ؛ وهو دخول اللام على " من ~~" ، وهو في الظاهر مفعول ، واللام لا تدخل على المفعول. وأجيب بثلاثة أوجه ~~؛ أحدها : أن اللام متقدمة على موضعها ، والأصل أن يقال : يدعو من لضره ~~أقرب ، فموضعها الدخول على المبتدأ ، وثانيها : أن {يدعوا} تأكيد ليدعو ~~الأول ، وتم الكلام عنده ، ثم ابتدأ قوله : {لمن ضره} ، فمن مبتدأ ، وخبره ~~: {لبئس المولى} - قلت - : وإياه اعتمد الهبطي في وقفه ، وثالثها : أن معنى ~~{يدعو} : يقول يوم القيامة هذا الكلام ، إذا رأى مضرة الأصنام ، فدخلت ~~اللام على مبتدأ في أول الكلام. ه. # قلت والأقرب ما قاله الزجاج ، وهو : أن مفعول {يدعو} محذوف ، ويكون ضميرا ~~يعود على الضلال ، وجملة : {يدعو} : حال ، والمعنى : ذلك هو الضلال البعيد ~~يدعوه ، أي : حال كونه مدعوا له ، ويكون قوله : {لمن ضره} مستأنفا مبتدأ ، ~~خبره : {لبئس المولى}. نقله المحشي. وحكم المحلي بزيادة اللام. # يقول الحق جل جلاله : {ومن الناس من يعبد الله على حرف} أي : على طرف من ~~الدين لا ثبات له فيه ، كالذي ينحرف إلى طرف الجيش ، فإن أحس بظفر قر ، ~~وإلا فر. وفي البخاري عن ابن عباس : " كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت ~~امرأته غلاما ونتجت خيله ، قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ، ولم ~~تنتج خيله ، قال : هذا الدين سوء ". وكأن الحق تعالى سلك في الآية مسلك ~~التدلي ، بدأ بالكافر المصمم ، يجادل جدالا مجملا ، يتبع فيه كل شيطان ~~مريد. والثاني : مقلد مجادل ، من غير دليل ولا برهان ، والثالث : كافر أسلم ~~إسلاما ضعيفا. ثم قابل الأقسام الثلاثة بضدهم ، بقوله : {إن الله يدخل ~~الذين آمنوا...} الآية. PageV04P594 # ثم كمل حال المذبذب بقوله : {فإن أصابه خير} أي : دنيوي ؛ من الصحة في ~~البدن ، والسعة في المعيشة ، {اطمأن به} أي : ثبت على ما كان عليه ظاهرا ، ~~لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين ، الذين لا يلويهم عنه صارف ، ولا يثنيهم ~~عنه عاطف. {وإن أصابته فتنة} : بلاء في جسده ، وضيق في معيشته ، أو شيء ~~يفتتن به ، من ms1753 مكروه يعتريه # 397 # في بدنه أو أهله أو ماله ، {انقلب على وجهه} أي : ارتد ورجع إلى الكفر ، ~~كأنه تنكس بوجهه إلى أسفل. أو انقلب على جهته التي كان عليها. وتقدم عن ابن ~~عباس أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة ، مهاجرين ، فكان أحدهم إذا صح ~~بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا ، وولدت امرأته غلاما سويا ، وكثر ماله وماشيته ~~، قال : ما أصبت ، مذ دخلت في ديني هذا ، إلا خيرا ، واطمأن ، وإن كان ~~الأمر خلافه ، قال : ما أصبت إلا شرا ، وانقلب عن دينه. وعن أبي سعيد رضي ~~الله عنه : أن يهوديا أسلم فأصابته مصائب ، وتشاءم بالإسلام ، فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : أقلني ، فقال : " إن الإسلام لا يقال " فنزلت. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 397 # خسر الدنيا والآخرة} : فقدهما ، وضيعهما ؛ بذهاب عصمته ، وحبوط عمله ~~بالارتداد. وقرأ يعقوب : خاسر ، على حال. {ذلك هو الخسران المبين} ؛ الواضح ~~، الذي لا يخفى على أحد أنه لا خسران مثله. # ثم بين وجه خسرانه بقوله : {يدعو} أي : يعبد {من دون الله} أي : متجاوزا ~~عنه تعالى ، {ما لا يضره} إذا لم يعبده ، {وما لا ينفعه} إذا عبده. {ذلك} ~~الدعاء {هو الضلال البعيد} أي : التلف البعيد عن الحق. PageV04P595 # {يدعو} أي : يعبد {لمن ضره} أي : الصنم الجامد الذي ضرره {أقرب من نفعه}. ~~وقرأ ابن مسعود : " يدعو من ضره " ، بحذف اللام. أو : ذلك هو الضلال البعيد ~~يدعوه هذا المذبذب المنقلب على وجهه. قال ابن جزي : وهنا إشكال : وهو أنه ~~تعالى وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع ، ثم وصفها بأن ضررها أكثر من ~~نفعها ، فنفى الضر ثم أثبته ؟ والجواب : أن الضر المنفي أولا يراد به ما ~~يكون من فعلها ، وهي لا تفعل شيئا ، والضر الثاني ، الذي أثبته لها ، يراد ~~به ما يكون بسببها من العذاب وغيره. ه. {لبئس المولى} أي : الناصر ، {ولبئس ~~العشير} أي : الصاحب. أو يدعو ويصرخ يوم القيامة ، حين يرى استضراره ~~بالأصنام ، ولا يرى لها أثر الشفاعة ، ويقول لمن ضره أقرب من نفعه : لبئس ~~المولى هو ولبئس العشير. والله تعالى أعلم. # الإشارة ms1754 : ومن الناس من يعبد الله على حرف ؛ على طرف من الدين ، غير ~~متمكن فيه ، فإنه أصابه خير ، وهو ما تسر به النفس من أنواع الجمال ، اطمأن ~~به ، وإن أصابته فتنة ، وهو ما يؤلم النفس وينغص عليها مرادها وشهوتها من ~~أنواع الجلال ، انقلب على وجهه. أو : ومن الناس من يعبد الله على طمع في ~~الجزاء الدنيوي أو الأخروي ، فإن أصابه خير فرح واطمأن به وإن أصابته فتنة ~~سخط وقنط وانقلب على وجهه. أو : ومن الناس من يعبد الله ويسير إليه على حرف ~~، أي : حالة واحدة ، فإن أصابه خير ؛ كقوة # 399 PageV04P596 ~~ونشاط وورود حال ؛ اطمأن به وفرح ، وإن أصابته فتنة ؛ كضعف وكسل وذهاب حال ~~، انقلب على وجهه ، ورجع إلى العمومية ، أو وقف عن السير ، خسر الدنيا ~~والآخرة. خسران الدنيا : ما يفوته من عز الله ونصره لأوليائه ، وحلاوة برد ~~الرضا والتسليم ، ولذيذ مشاهدته. وخسران الآخرة : ما يفوته من درجة ~~المقربين ودوام شهود رب العالمين - فالواجب على العبد أن يكون عبدا لله في ~~جميع الحالات ، لا يختار لنفسه حالا على حال ، ولا يقف مع مقام ولا حال ، ~~بل يتبع رياح القضاء ، ويدور معها حيث دارت ، ويسير إلى الله في الضعف ~~والقوة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 397 # قال بعضهم : سيروا إلى الله عرجى ومكاسير. وفي الحكم : " إلهي ؛ قد علمت ~~، باختلاف الآثار وتنقلات الأطور أن مرادك مني أن تتعرف إلي في كل شيء ، ~~حتى لا أجهلك في شيء ". وقال أيضا : " لا تطلبن بقاء الواردات ، بعد أن ~~بسطت أنوارها ، وأودعت أسرارها ، فلك في الله غنى عن كل شيء ، وليس يغنيك ~~عنه شيء ". فكن عبد المحول ، ولا تكن عبد الحال ، فالحال تحول وتتغير ، ~~والله تعالى لا يحول ولا يزول ، فكن عبدا لله ، ولا تكن عبدا لغيره. # لكل شيء إن فارقته عوض # وليس لله إن فارقت من عوض # جزء : 4 رقم الصفحة : 397 PageV04P597 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الله يدخل الذين آمنوا} ، وتمكنوا من الإيمان ، ~~وعبدوا الله وحده في جميع الحالات ، ولم يعبدوه على حرف ، {وعملوا} الأعمال ~~{الصالحات} ، {جنات ms1755 تجري من تحتها} أي : من تحت قصورها {الأنهار} الأربعة. ~~وهذا بيان حال المؤمنين العابدين له تعالى في جميع الحالات ، وأن الله تفضل ~~عليهم ، بما لا غاية وراءه ، إثر بيان سوء حال الكفرة ، من المجاهرين ~~والمذبذبين ، وأن معبودهم لا ينفعهم ، بل يضرهم مضرة عظيمة. ثم قال تعالى : ~~{إن الله يفعل ما يريد} من الأفعال المتقنة ، المبنية على الحكم البالغة ~~الرائقة ، التي من جملتها : إثابة من آمن به ، وصدق رسوله ، وعبده على كل ~~حال ، وعقاب من أشرك به ، وكذب رسول الله ، أو عبده على حرف. وبالله ~~التوفيق. # 400 # الإشارة : إن الله يدخل الذين آمنوا ، واطمأنوا به ، وعبدوه في جميع ~~الحالات ، وقاموا بعمل العبودية في كل الأوقات ، جنات المعارف ، تجري من ~~تحتها أنهار العلوم والحكم ، إن الله يفعل ما يريد ؛ فيقرب هذا ، ويبعد هذا ~~، بلا سبب ؛ " جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 400 # يقول الحق جل جلاله : لا تظنوا أن الله غير ناصر لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم ؛ بل هو ناصر له في الدنيا والآخرة لا محالة ، فمن كان {يظن أن لن ~~ينصره الله في الدنيا والآخرة} ، ويغيظه ذلك من أعاديه وحساده ، ويفعل ما ~~يدفع ذلك ؛ من الخدع والمكائد ، فليبالغ في استفراغ المجهود ، وليجاوز كل ~~حد معهود ، فعاقبة أمره أن يختنق خنقا من ضلال مساعيه ، وعدم إنتاج مقدماته ~~ومبادئه. {فليمدد بسبب إلى السماء} أي : فليمدد حبلا إلى سقف بيته ، {ثم ~~ليقطع} أي : ليختنق ، من قطع : إذا اختنق ؛ لأنه يقطع نفسه بحبس مجاريه. أو ~~: ليقطع من الأرض ، بعد ربط الحبل في العنق وربطه في السقف. PageV04P598 # {فلينظر هل يذهبن كيده} أي : فليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك ؛ هل يذهب نصر ~~الله الذي يغيظه بسبب فعله ، وسمى فعله كيدا ، على سبيل الاستهزاء ؛ لأنه ~~لم يكد به محسوده ، إنما كاد به نفسه. والمراد : ليس في يده إلا ما ليس ~~بمذهب لما يغيظه ، فتحصل أن الضمير في {ينصره} يعود على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وإن لم يتقدم ذكره صراحة ms1756 ، لكنه معهود ؛ إذ الوحي إنما ينزل ~~عليه. وقيل : يعود على {من} ، والمعنى على هذا : من ظن - بسبب ضيق صدره ، ~~وكثرة غمه - أن لن ينصره الله ، فليختنق وليمت بغيظه ، فإنه لا يقدر على ~~غير ذلك ، فموجب الاختناق ، على هذا ، القنوط والسخط من القضاء ، وسوء الظن ~~بالله تعالى ، حتى يئس من نصره. # قال ابن جزي : وهذا القول أرجح من الأول ؛ لوجهين : أحدهما : أن هذا ~~القول مناسب لمن يعبد الله على حرف ؛ لأنه ، إذا أصابته فتنة ، انقلب وقنط ~~، حتى ظن أن لن ينصره الله. ويؤيده من فسر {أن لن ينصره الله} أي : لن ~~يرزقه ؛ إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله عز وجل ، فيكون الكلام ، على ~~هذا ، متصلا بما قبله. ويؤيده أيضا : قوله تعالى ، قبله : {إن الله يفعل ما ~~يريد} أي : الأمور بيد الله ، فلا ينبغي لأحد أن يسخط من قضاء الله ، ولا ~~ينقلب إذا أصابته فتنة ، والوجه الثاني : أن الضمير في " ينصره " ، على هذا ~~، يعود على ما تقدمه ذكر ، دون الأول. ه. وانظر ابن عطية والكواشي ، ففيهما ~~ما يدفع درك ابن جزي ، ورده للأول ، بما في سبب الآية ونزولها من المناسبة. # جزء : 4 رقم الصفحة : 401 # ثم قال تعالى : {وكذلك أنزلناه آيات} أي : ومثل ذلك الإنزال البديع ، ~~المنطوي على الحكم البالغة ، أنزلناه ، أي : القرآن الكريم كله ، حال كونه ~~{آيات بينات} # 401 PageV04P599 ~~واضحات الدلالة على معانيها الرائقة ، {وأن الله يهدي} به {من يريد} هدايته ~~؛ ابتداء ، أو يثبته على الهدى دواما ، ومحل " أن " : إما الجار ، أي : ~~ولأن الله يهدي ، أو الرفع ، أي : والأمر أن الله يهدي من يريد. الإشارة : ~~من غلبته نفسه ، وملكته وأسرته في يدها ؛ فدواؤه : الفزع إلى الله ، ~~والاضطرار إليه آناء الليل والنهار ، والمنهاج الواضح في علاجها وقهرها : ~~هو الفزع إلى أولياء الله ، العارفين به ، الذين سلكوا طريق التربية على يد ~~شيخ كامل ، فإذا ظفر بهم ، فليلزم صحبتهم ، وليتبع طريقهم ، وليسارع إلى ~~فعل كل ما يشيرون به إليه ، من غير تردد ولا توقف ، فهم معناه ، شرعا ، أم ~~لا ، فلا شك ms1757 أن الله ينصره ويؤيده ، ويظفر بنفسه في أسرع مدة. وليس الخبر ~~كالعيان ، وجرب... ففي التجريب علم الحقائق ، وكذلك من ابتلي بالوسواس ~~وخواطر السوء في أمر التوحيد ، فليفزع إليه ، حتى يقلعوا من قلبه عروق ~~الشكوك والأوهام ، وتذهب عنه الأمراض والأسقام ، بإشراق شمس العرفان على ~~قلبه ، ويفضي إلى طريق الذوق والوجدان ، وغير هذا عناء وتعب ، ولو فرض أنه ~~يسكن عنه ذلك ، فلا يذهب عنه بالكلية ، فربما يهيج عليه في وقت الضعف ، عند ~~الموت ، فلا يستطيع دفعه ، فيلقى الله بقلب سقيم. والعياذ بالله. # فإن قلت : هذا الذي دللتني عليه عزيز غريب ، فقد دللتني على عنقاء مغرب ؟ ~~قلت : والله ، إن حسنت الظن بالله وبعباد الله ، واضطررت إليه اضطرار ~~الظمآن إلى الماء ، لوجدته أقرب إليك من كل شيء. والله ، لقد وجدناهم ~~وظفرنا بهم ، على مناهج الجنيد وأضرابه ، يغنون بالنظر ، ويسيرون بالمريد ~~حتى يقول له : ها أنت وربك. والمنة لله. فمن ترك ما قلنا له ، وآيس من ~~الدواء ، وظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ، فليمت غيظا وقنطا ، فلا ~~يضر إلا نفسه ؛ لأن الله يهدي من يريد ، فيوفقه للدواء ، ومن يرد الله ~~فتنته فلن تملك له من الله شيئا. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 401 PageV04P600 ~~قلت : إن {الله يفصل} : خبر " إن " الأولى. # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا} بما ذكر من الآيات البينات ، أو ~~بكل ما يجب الإيمان به - فيدخل ما ذكر دخولا أوليا - أي : آمنوا بذلك ، ~~بهداية الله وإرادته ، {والذين هادوا والصابئين} ، وهم قوم من النصارى ، ~~اعتزلوهم ، ولبسوا المسوح ، وقيل : # 402 # أخذوا من دين النصارى شيئا ، ومن دين اليهود شيئا ، وهم القائلون بأن ~~للعالم أصلين : نورا وظلمة ، ويعتقدون تأثير النجوم. {والمجوس} وهم الذين ~~يعبدون النار ، ويقولون : إن الخير من النور ، والشر من الظلمة ، {والذين ~~أشركوا} ، وهم عبدة الأصنام ؛ من العرب وغيرهم ، فهذه ستة أديان ، خمسة ~~للشيطان ، وواحد للرحمن. {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} ؛ في الأحوال ~~والأماكن ، فلا يجازيهم جزاء واحدا ، ولا يجمعهم في موطن واحد. أو يحكم بين ~~المؤمنين ، وبين الفرق ms1758 الخمسة المتفقة على ملة الكفر ، بإظهار المحق من ~~المبطل ، فيكرم المحق ويهين المبطل ، {إن الله على كل شيء شهيد} أي : عالم ~~بكل شيء ، مراقب لأحواله ، حافظ له ، مطلع على سره وعقده. ومن قضية الإحاطة ~~بتفاصيل كل فرد من أفراد الفرق المذكورة : إجراء جزائه اللائق عليه ، وهو ~~أبلغ وعيد. والله تعالى أعلم. # الإشارة : كما يفصل الله يوم القيامة بين الملل المستقيمة والفاسدة ؛ ~~يفصل أيضا بين أرباب القلوب المستقيمة الصحيحة المعمورة بنور الله ، وبين ~~أرباب القلوب السقيمة الخاربة من النور ، المعمورة بالظلمة من الوساوس ~~والخواطر ، فيرفع الأولين مع المقربين الصديقين ، ويسقط الآخرين في أسفل ~~سافلين ، أو مع عامة أهل اليمين. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 402 PageV04P601 ~~يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} ، أيها السامع ، أو من يتأتى منه الرؤية ، ~~أي : رؤية علم واستبصار ، أو : يا محمد ، علما يقوم مقام العيان ، {أن الله ~~يسجد له} أي : ينقاد إليه انقيادا تاما {من في السماوات} من الملائكة ، ~~{ومن في الأرض} من الإنس والجن والملائكة. ويحتمل أن تكون " من " ؛ عامة ~~للعاقل وغيره ، فيدخل كل ما في السماوات من عجائب المصنوعات ، وكل ما في ~~الأرض من أنواع المخلوقات. ويكون قوله : {والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدواب} ، من عطف الخاص على العام ؛ لاستبعاد ذلك منها عادة. ~~ويحتمل أن يكون السجود على حقيقته ، ولكن لا نفقه ذلك ، كما لا نفقه ~~تسبيحهم. # ونقل الكواشي عن أبي العالية : (ما في السماء نجم ، ولا شمس ، ولا قمر ، ~~إلا يقع ساجدا حين تغيب ، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له). وذكر في صحيح البخاري : " أن # 403 # الشمس لا تطلع حتى تسجد وتستأذن " وقال مجاهد : (سجود الجبال والشجر ~~والدواب : تحول ظلالها). أو سجودها : طاعتها ؛ فإنه ما من جماد إلا وهو ~~مطيع لله تعالى ، خاشع ، يسبح له. شبه طاعتها له وانقيادها لأمره بسجود ~~المكلف الذي كل خضوع دونه. # {وكثير من الناس} يسجد لله تعالى سجود طاعة وعبادة ، {وكثير حق عليه ~~العذاب} ؛ حيث امتنع من هذا السجود ، الذي هو سجود عبادة ؛ لكفره وعتوه. ~~قال ابن عرفة ms1759 قوله : {وكثير} : يحتمل كونه مبتدأ ، ويكون في الآية حذف ~~المقابل ، أي : وكثير من الناس مثاب ، وكثير حق عليه العذاب. فلا يرد سؤال ~~الزمخشري. ه. وقدره غيره : وكثير من الناس يسجدون ، وكثير يأبى السجود ؛ ~~فحق عليه العذاب. وقيل : وكثير حق عليه العذاب بإنكاره النبوة ، وإن سجد ~~للصانع ؛ كالفلاسفة واليهود والنصارى. ه. PageV04P602 # {ومن يهن الله} ؛ بأن صرفته الشقاوة عن الانقياد لأمره الشرعي ، {فما له من ~~مكرم} بالسعادة ، أو يوم القيامة ، بل يذل ويهان ، {إن الله يفعل ما يشاء} ~~في ملكه ؛ يكرم من يشاء بفضله ، ويهين من يشاء بعدله ، لا معقب لحكمه. ~~اللهم أكرمنا بطاعتك ومحبتك ، واجعلنا منقادين لأمرك وحكمك ، ونعمنا بحلاوة ~~شهودك ومعرفتك ، إنك على كل شيء قدير. هكذا يدعى في هذه السجدة. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 403 # الإشارة : قد تجلى الحق جل جلاله بأسرار ذاته لباطن الأشياء ، وبأنوار ~~صفاته لظاهرها ، فتعرف لكل شيء بأسرار ذاته وأنوار صفاته ، فعرفه كل شيء ، ~~ولذلك سجد له وسبح بحمده. وفي الحكم : " أنت الذي تعرفت لكل شيء ، فما جهلك ~~شيء ". فظواهر الأواني ساجدة لأسرار المعاني ، وخاضعة للكبير المتعالي ، ~~ولا يفقه هذا إلا من خاض بحر المعاني ، ولم يقف مع حس الأواني ، ولم يمتنع ~~من الانقياد والخضوع لجلال الحق وكبريائه في الظاهر والباطن ، إلا من أهانه ~~الله من عصاة بني آدم. ومن يهن الله فما له من مكرم ، إن الله يفعل ما يشاء. # جزء : 4 رقم الصفحة : 403 # قلت : {خصمان} : صفة لمحذوف ، أي : فريقان خصمان ، والمراد : فريق ~~المؤمنين ، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل : اسم يقع على الواحد ~~والاثنين والجماعة ، والمراد هنا : الجماعة ، بدليل قوله : {اختصموا} ؛ ~~بالجمع. PageV04P603 # يقول الحق جل جلاله : {هذان خصمان} أي : مختصمان {اختصموا} أي : فريق ~~المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه : (راجع إلى أهل الأديان ~~المذكورة) ؛ فالمؤمنون خصم ، وسائر الخمسة خصم ، تخاصموا {في ربهم} أي : في ~~شأنه تعالى ، أو في دينه ، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى ، فكل ~~فريق يصحح اعتقاده. ويبطل اعتقاد خصمه. وقيل : تخاصمت اليهود والمؤمنون ؛ ~~فقالت ms1760 اليهود : نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا ، ونبينا قبل نبيكم. وقال ~~المؤمنون : نحن أحق بالله منكم ، آمنا بنبينا ونبيكم ، وبما أنزل الله من ~~كتاب ، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ، ثم كفرتم به ؛ حسدا. وكان أبو ذر يقسم ~~أنها نزلت في ستة نفر من قريش ، تبارزوا يوم بدر ؛ حمزة وعلي ، وعبيدة بن ~~الحارث ، مع عتبة ، وشيبة ابني ربيعة ، والوليد. وقال علي رضي الله عنه : ~~إني لأول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة ؛ للخصومة. ه. # ثم بين الفصل بينهم ، المذكور في قوله : {إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة} ، فقال : {فالذين كفروا} بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~{قطعت لهم ثياب من نار} أي فصلت وقدرت على مقادير جثثهم ، تشتمل عليهم ، ~~كما تقطع الثياب للبوس. وعبر بالماضي ؛ لتحقق وقوعه. {يصب من فوق رؤوسهم ~~الحميم} أي : الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنه : " لو سقطت منه نقطة ~~على جبال الدنيا لأذابتها ". {يصهر} : يذاب {به} أي : بالحميم ، {ما في ~~بطونهم} من الأمعاء والأحشاء ، {والجلود} تذاب أيضا ، فيؤثر في الظاهر ~~والباطن ، كلما نضجت جلودهم بدلت. وتقديم ما في الباطن ؛ للإيذان بأن ~~تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر ، مع أن ملابستها على العكس. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 404 PageV04P604 ~~ولهم مقامع من حديد} أي : ولتعذيب الكفرة ، أو لأجلهم ، مقامع : جمع مقمعة ~~، وهي آلة القمع ، أي : سياط من حديد ، يضربون بها. {كلما أرادوا أن يخرجوا ~~منها} أي : أشرفوا على الخروج من النار ، ودنوا منه ، حسبما روي : أنها ~~تضربهم بلهبها فترفعهم ، حتى إذا كانوا بأعلاها ضربوا بالمقامع ، فهووا ~~فيها سبعين خريفا. وقوله : {من غم} : بدل اشتمال من ضمير {منها} ؛ بإعادة ~~الجار ، والعائد : محذوف ، أي : كلما # 405 # أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها {أعيدوا فيها} أي : في قعرها ، ~~بأن ردوا من أعاليها إلى أسافلها ، من غير أن يخرجوا منها ، {و} قيل لهم : ~~{ذوقوا عذاب الحريق} أي : الغليظ من النار ، العظيم الإحراق. # ثم ذكر جزاء الخصم الآخر ، وهم أهل الحق ، فقال : {إن الله يدخل الذين ms1761 ~~آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} ، وغير الأسلوب فيه ، ~~بإسناد الإدخال إلى الله عز وجل ، وتصدير الجملة بحرف التأكيد ؛ إيذانا ~~بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة ، وإظهارا لمزيد العناية بحال المؤمنين ، ~~{يحلون فيها} من التحلية ، وهو التزين ، أي : تحليهم الملائكة بأمره تعالى ~~{من أساور} أي : بعض أساور : جمع سوار ، {من ذهب} للبيان ، أي يلبسون أساور ~~مصنوعة من ذهب ، {ولؤلؤا} ، من جره : عطفه على {ذهب} ، أو {أساور} ، ومن ~~نصبه : فعلى محل {من أساور} ، أي : ويحلون لؤلؤا ، أو بفعل محذوف ، أي : ~~ويؤتون لؤلؤا. {ولباسهم فيها حرير} : أبريسم ، وغير الأسلوب ، فلم يقل : ~~ويلبسون حريرا ؛ لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان ، إذ لا يمكن ~~عراؤهم عنه ، وإنما المحتاج للبيان : أي لباس هو ، بخلاف الأساور واللؤلؤ ، ~~فإنها ليست من اللوازم الضرورية ، فجعل بيان حليتهم بها مقصودا بالذات. ~~انظر أبا السعود. PageV04P605 # {وهدوا إلى الطيب من القول} ، وهو كلمة التوحيد : لا إله إلا الله أو : ~~الحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، بدليل قوله : {إليه يصعد ~~الكلم الطيب} [فاطر : 10]. {وهدوا إلى صراط الحميد} أي : المحمود ، وهو ~~الإسلام. أو : ألهمهم الله في الآخرة أن يقولوا : الحمد لله الذي صدقنا ~~وعده ، وهداهم فيها إلى طريق الجنة. وقيل : إلى طريق الوصول إلى الله ~~العزيز الحميد ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية ، فقال أهل ~~الظاهر : الحق تعالى لا يرى في دار الدنيا ، ولا تمكن معرفته ، إلا من جهة ~~الدليل والبرهان ، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر ~~الصوفية : الحق تعالى يرى في هذه الدار ، كما يرى في تلك الدار ، من طريق ~~العرفان ، على نعت الشهود والعيان ، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس ~~لأهل التربية النبوية ، فلا يزال يحاذيه ويسير به ، حتى يقول : ها أنت وربك ~~، فحينئذ تشرق عليه شموس العرفان ، فتغطى عنه وجود حس الأكوان ، فلا يرى ~~حينئذ إلا المكون ، حتى لو كلف أن يرى غيره لم يستطع ؛ إذ لا غير معه حتى يشهده. # جزء ms1762 : 4 رقم الصفحة : 404 # وقال بعضهم : (محال أن تشهده ، وتشهد معه سواه). وفي مناجاة الحكم ~~العطائية : " إلهي ، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ أيكون ~~لغيرك من الظهور ما ليس لك ، حتى يكون هو المظهر لك ؟ متى غبت ، حتى تحتاج ~~إلى دليل يدل عليك ؟ ! # 406 PageV04P606 ~~ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ ! ". وقال الشيخ أبو الحسن ~~رضي الله عنه : (أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان). وهذه ~~الطريق هي طريق التربية ، لا تنقطع أبدا ، فمن كفر بها وجحدها قطعت له ثياب ~~من نار القطيعة ، فيبقى مسجونا بسرادقات محيطاته ، محصورا في هيكل ذاته ، ~~لا يرى إلا ظلمة الأكوان ، يصب من فوق رأسه ، إلى قلبه ، حر التدبير ~~والاختيار ، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حيرة الدهش ~~، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال ؛ لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات ~~، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له : ذق عذاب الحريق ، ~~وهو حرمانك من شهود التحقيق. # إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص ، جنات المعارف ، تجري من تحتها ~~أنهار العلوم ، يحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل ، ويتطهرون من جميع ~~المساوئ والرذائل ، وهدوا إلى الطيب من القول ، وهو الذكر الدائم بالقلب ~~الهائم ، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية ، وهدوا إلى طريق التربية ~~والترقية ، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب ، الحامد المحمود ، القريب المجيب. ~~حققنا الله بمقامهم بمنه وكرمه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 404 # قلت : خبر {إن} : محذوف ، يدل عليه ما بعده ، أي : الذين كفروا نذيقهم من ~~عذاب أليم ؛ لأنه إذا كان الملحد في الحرم معدبا فالجامع بين الكفر والصد ~~أولى. ومن رفع {سواء} جعله خبرا مقدما. و{العاكف} : مبتدأ. ومن نصبه : جعله ~~مفعول {جعل} ، و{العاكف} فاعل به. PageV04P607 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كفروا ويصدون} الناس {عن سبيل الله} ، أي : ~~واستمروا على الصد ، ولذلك حسن عطفه على الماضي ، {و} يصدون أيضا عن ~~{المسجد الحرام} والدخول فيه ، كأهل مكة مع المسلمين ، {الذي جعلناه للناس} ~~أي : مقاما ومسكنا للناس ، كائنا من كان ، لا فرق فيه ms1763 بين مكي وآفاقي ، ~~وضعيف وقوي ، حاضر وباد. فإن أريد بالمسجد الحرام " مكة " ، ففيه دليل على ~~أن دور مكة لا تباع ، وأن الناس فيها سواء ، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث ~~شاء ، وليس لأحد فيها ملك. وبه قال # 407 # أبو حنيفة. وقال مالك وغيره : ليست الدور فيها كالمسجد ، بل هي متملكة. ~~وإن أريد به البيت كان نصا في إباحته لجميع المؤمنين. وهو مجمع عليه. # {سواء العاكف فيه} أي : مستو المقيم فيه {والباد} ، أي : المسافر من أهل ~~البادية ، {من يرد فيه} أي : في المسجد ، إحداث شيء {بإلحاد} أي : بسبب ميل ~~عن القصد ، {بظلم} ، وهما حالان مترادفان ، أي : ومن يرد فيه إحداث شيء ؛ ~~مائلا عن الحق ، ظالما فيه ، {نذقه من عذاب أليم} في الآخرة. وكل من ارتكب ~~فيه ذنبا فهو كذلك. # {و} اذكر يا محمد {إذ بوأنا} : حين هيأنا {لإبراهيم مكان البيت} وعيناه ~~له ، حتى بناه في مكانه مسامتا للبيت المعمور ، حيث كان بناه آدم عليه ~~السلام ، وقد كان رفع إلى السماء الرابعة ، أيام الطوفان ، وكان من ياقوتة ~~حمراء ، فأعلم الله إبراهيم مكانه ، بريح أرسلها ، يقال لها : الخجوح ، ~~فكنست مكان البيت ، وقيل : سحابة على قدر البيت ، وقيل : كلمته ، وقالت له ~~: ابن على قدري. ه. فبناه على أساسه القديم ، وفي ابن حجر : أنه جعل طوله ~~في السماء تسعة أذرع ، ودوره في الأرض ثلاثين ذراعا بذراعه. وأدخل الحجر في ~~البيت ، وكان قبل ذلك لغنم إسماعيل. وبنى الحجارة بعضها على بعض ، أي : بلا ~~تراب ، ولم يجعل له سقفا ، وحفر له بئرا ، عند بابه خزانة للبيت ، يلقي ما ~~يهدى له. ه. PageV04P608 # جزء : 4 رقم الصفحة : 407 # روي أن الكعبة الشريفة بنيت خمس مرات ، إحداها : بنتها الملائكة ، وكانت ~~من ياقوتة حمراء ، ثم رفعت أيام الطوفان. والثانية : بناها إبراهيم عليه ~~السلام ، وقيل : إن جرهم كانت بنتها قبله ، ثم هدمت ، ويدل عليه : التجاء ~~عاد إليها ، حين نزل بهم القحط. فأرسل الله عليهم الريح ، وكان ذلك قبل ~~إبراهيم عليه السلام ، والثالثة : بنتها قريش ، وقد حضرها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms1764 قبل النبوة. والرابعة : بناها ابن الزبير ، والخامسة : ~~الحجاج. # ثم قال تعالى : {أن لا تشرك} أي : وقلنا له : ألا تشرك {بي شيئا} ، بل ~~خلص عملك في بنائها وغيره ، من شوائب حظ النفس ، عاجلا وآجلا ، لا طمعا في ~~جزاء ، ولا خوفا من عقوبة ، بل محبة وشكرا وعبودية. قال القشيري : أي : لا ~~تلاحظ البيت ولا بنيانك. ه. وقيل : في الآية طعن على من أشرك من قطان البيت ~~، أي : هذا الشرط كان على أبيكم فمن بعده وأنتم ، فلم تقبلوه ، بل أشركتم ~~وصددتم وألحدتم ، فاستحققتم التوبيخ والذم على سلوككم على غير طريق أبيكم. # {وطهر بيتي} من الأصنام والأقذار ، {للطائفين} به {والقائمين} للصلاة فيه ~~، أو المقيمين فيه ، {والركع السجود} أي : المصلين ، جمعا من راكع وساجد. ~~والله تعالى أعلم. # 408 PageV04P609 ~~الإشارة : إن الذين كفروا بطريق الخصوصية ، ويصدون الناس عن الدخول فيها ، ~~ويعوقونهم عن مسجد الحضرة ، الذي جعله للناس محلا تسكن فيه قلوبهم ، وتعشش ~~فيه أرواحهم. فكل من قصده وباع نفسه وقلبه لله ، وصله ودخله ، وهو محل ~~المشاهدة والمكالمة ، والمساررة والمناجاة ، محل شهود الحبيب والمساررة مع ~~القريب ، محل نزهة الأفكار في فضاء الشهود والاستبصار ، فمن عاق عنها نذقه ~~من عذاب أليم. وقوله تعالى : {سواء العاكف فيه الباد} ، قال القشيري : فيه ~~إشارة إلى أن التفاوت إنما يكون في الطريق ، وأما بعد الوصول ، فلا تفاوت. ~~ثم إذا اجتمعت النفوس ، فالموضع الواحد مجمعها ، ولكن لكل حال يعرف به. ه. ~~قلت : مقام التوحيد الخاص ، وهو الفناء ، هو محل الاجتماع ، وتتفاوت بعد ~~ذلك أذواقهم ومواجيدهم ، وازدياد كشوفاتهم وترقياتهم ، تفاوتا بعيدا ، على ~~حسب التفرغ والانقطاع ، والتأهب والاتباع ، حسبما سبقت به القسمة الأزلية. PageV04P610 # وقال الورتجبي ، على قوله تعالى : {وإذ بوأنا...} الآية : هيأ لخليله وجميع ~~أحبائه بيته ، ودله إلى ما فيه من الكرامات والآيات ، وما ألبسه من أنوار ~~حضرته ؛ ليكون وسيلة لعبادته ، ومرآة لأنوار آياته. ه. قلت : الإشارة ~~بالبيت إلى القلب ؛ لأنه بيت الرب ، أي : هيأنا لإبراهيم مكان قلبه ؛ ~~لمشاهدة أسرار جبروتنا وأنوار ملكوتنا ، ليكون من الموقنين بشهود ذاتنا ، ~~وقلنا له : لا تشرك بنا شيئا من ms1765 السوى ، ولا ترى معنا غيرنا ، وطهر بيتي ، ~~الذي هو القلب ، من الأغيار والأكدار ، ليكون محلا للطائفين به من الواردات ~~والأنوار ، والعاكفين فيه من المشاهدات والأسرار ، والركع السجود من القلوب ~~التي تواجهك بالتعظيم والانكسار ، فإن قلب العارف كعبة للواردات والأسرار ، ~~ومحل حج قلوب الصالحين والأبرار. وفي بعض الأثر : " يا داود ؛ طهر لي بيتا ~~أسكنه ، فقال : يا رب... وأي بيت يسعك ؟ فقال : لم يسعني أرضي ولا سمائي. ~~ووسعني قلب عبدي المؤمن ". وفيه عند أهل الحديث كلام. ووسعه للربوبية ~~بالعلم والمعرفة الخاصة. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 407 # {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلىا كل ضامر يأتين من كل فج عميق ~~ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فيا أيام معلومات علىا ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا ~~نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ذالك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ~~ربه...} # 409 PageV04P611 ~~قلت : {وعلى كل ضامر} : حال معطوفة على حال ، أي : يأتوك حال كونهم رجالا ~~وركبانا. و{يأتين} : صفة لكل ضامر ؛ لأنه في معنى الجمع. وقرأ عبد الله : " ~~يأتون " ، صفة لرجال. و{رجال} : جمع راجل ؛ كقائم وقيام. # يقول الحق جل جلاله : لإبراهيم عليه السلام : {وأذن في الناس بالحج} أي : ~~ناد فيهم ليحجوا. روي : أنه عليه السلام صعد أبا قبيس ، فقال : يا أيها ~~الناس ، حجوا بيت ربكم ، فأسمعه الله تعالى الأرواح ، فأجاب من قدر له أن ~~يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك. {يأتوك} إن أذنت {رجالا} أي : ~~مشاة {و} ركبانا {على كل ضامر} أي : بعير مهزول ، أتعبه بعد الشقة ، فهزله ~~، أو زاد هزاله. وقدم الرجال على الركبان ؛ لفضيلة المشاة ، كما ورد في ~~الحديث {يأتين} تلك الضوامر بركبانها ، {من كل فج} ؛ طريق {عميق} ؛ بعيد. ~~قال محمد بن ياسين : قال لي شيخ في الطواف : من أين أنت ؟ فقلت : من ~~خراسان. فقال : كم بينك وبين البيت ؟ فقلت : مسيرة شهرين أو ثلاثة. قال : ~~فأنتم جيران البيت. فقلت : وأنت من أين سعيت ؟ فقال : من مسيرة خمس سنوات ، ~~وخرجت وأنا ms1766 شاب ، فاكتهلت. فقلت : هذه والله هي الطاعة الجميلة ، والمحبة ~~الصادقة ، فضحك. وقال : # زر من هويت وإن شطت بك الدار # وحال من دونه حجب وأستار # جزء : 4 رقم الصفحة : 409 # لا يمنعنك بعد عن زيارته # إن المحب لمن يهواه زوار PageV04P612 ~~{ليشهدوا منافع لهم} أي : يأتوك ليحضروا منافع لهم ، دنيوية ودينية ، لا ~~توجد في غير هذه العبادة ؛ كالطواف ونظر الكعبة ، وتضعيف أمر الصلاة ؛ لأن ~~العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم ، أو بالمال ، وقد اشتمل الحج ~~عليهما ، مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال ، وقطع الأسباب وقطيعة ~~الأصحاب ، وهجرة البلاد والأوطان ، ومفارقة الأهل والولدان. ولذلك ورد أنه ~~يكفر الذنوب كلها ، كما في الحديث : " من حج هذا البيت فلم يرفث ، ولم يفسق ~~، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " {ويذكروا اسم الله} عند ذبح الضحايا ~~والهدايا {في أيام معدودات} ، وهي أيام النحر عند مالك ، وعند الشافعي : ~~اليوم الأول والثاني والثالث ؛ لأن هذه هي أيام الضحايا عنده. ولم يجز ~~ذبحها بالليل ؛ لقوله : {في أيام}. وقال أبو حنيفة : الأيام المعلومات : ~~عشر ذي الحجة ويوم النحر ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه ، وأما الأيام ~~المعدودات ، فهي : الثلاثة بعد يوم النحر - فيوم النحر معلوم لا معدود - ، ~~ورابعه : معدود # 410 # لا معلوم ، واليومان بعده : معلومان ومعدودان. فيذكروا اسم الله {على ما ~~رزقهم} أي : على ذبح ما رزقهم {من بهيمة الأنعام} ، وهي الإبل والبقر ~~والغنم ، {فكلوا منها} ؛ من لحومها ، والأمر : للإباحة ، ولإزاحة ما كانت ~~عليه الجاهلية من التحرج. # قال ابن جزي : ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا ، ويتصدق بالأكثر. ه. ~~وقال النسفي : ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران ؛ لأنه دم نسك ؛ ~~لأنه أشبه الأضحية ، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا. ه. وهو حنفي ، وفي ~~مذهب مالك تفصيل يطول ذكره. # {وأطعموا البائس} ، وهو الذي أصابه البؤس ، أي : ضرر الحاجة ، وقيل : ~~المتعفف ، وقيل : الذي يظهر عليه أثر الجوع ، {الفقير} : المحتاج الذي ~~أضعفه الإعسار. PageV04P613 # {ثم ليقضوا تفثهم} أي : ليزيلوا عنهم أدرانهم ، قاله نفطويه. وقيل : قضاء ~~التفث : قص الشارب والأظافر ، ونتف الإبط ms1767 ، والاستحداد ، وسائر خصال ~~الفطرة. وهذا بعد أن يحلوا من الحج ؛ التحلل الأصغر بالنحر. {وليوفوا ~~نذورهم} أي : ما ينذرونه من البر في الحج وغيره ، وقيل : مواجب حجهم من فعل ~~أركانه ، {وليطوفوا} طواف الإفاضة ، الذي هو ركن لا يجبر بالدم ، وبه يتم ~~الحج ، ويكون {بالبيت العتيق} : القديم ؛ لأنه أول بيت وضع للناس ، بناه ~~آدم ثم جدده إبراهيم ، أو الكريم ، ومنه : عتاق الخيل لكرائمها ، أو : لأنه ~~عتق من الغرق ، أو من أيدي الجبابرة ، فكم من جبار رام هدمه فمنعه الله ~~منه. وقيل : عتيق لم يملكه أحد قط ، وهو مطاف أهل الغبراء ، كما أن البيت ~~المعمور مطاف أهل السماء. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 409 # ذلك} أي : الأمر ذلك ، وهذا من فضل الكلام ، كما يقدم الكاتب جملة من ~~الكلام ، ثم يقول : هذا ، وقد كان كذا وكذا وكذا ، إذا أراد أن يخرج من ~~كلام إلى كلام آخر ، وإن كان له تعلق بما قبله. والكلام هنا متصل بتعظيم ~~حرمات البيت ، فقال : {ومن يعظم حرمات الله} ، جمع حرمة ، وهو ما لا يحل ~~هتكه من الشريعة ، فيدخل ما يتعلق بالحج دخولا أوليا ، وقيل : حرمات الله : ~~البيت الحرام ، والمشعر الحرام ، والبلد الحرام ، والشهر الحرام. وقيل : ~~المحافظة على الفرائض والسنن واجتناب المعاصي ، {فهو خير له} أي : فالتعظيم ~~خير له ثوابا {عند ربه} ، ومعنى التعظيم : العلم بوجوب مراعاتها ، والعمل ~~بموجبه ، والاهتمام بشأنه والتأدب معه. والله تعالى أعلم. PageV04P614 # الإشارة : قوله تعالى : {ثم ليقضوا تفثهم} ، قال القشيري : أي : حوائجهم ، ~~ويحققوا عهودهم ، ويوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم ، فمن كان عقده ~~التوبة ؛ فوفاؤه ألا يرجع إلى العصيان ، ومن كان عهده اعتناق الطاعة ، فشرط ~~وفائه ترك تقصيره ، ومن كان عهده ألا يرجع إلى طلب مقام وتطلع إكرام ، ~~فوفاؤه استقامته على الجملة ، التي # 411 # دخل عليها في هذه الطريق ، بألا يرجع إلى استعجال نصيب واقتضاء حظ. ه. ~~قلت : ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس ، فوفاؤه ألا يرجع عن ~~صحبة من سقاه خمرة المحبة ، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال : ومن عاهد ~~الله بقلبه ms1768 ، ثم لا يفي بذلك ، فهو من جملة قول الزور. ه. وهو أيضا ليس ~~بمعظم لحرمات الله ، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم. # ولما كان الإحرام يحرم لحوم الصيد ، فربما يتوهم أن اللحوم كلها تجتنب ، ~~رفع ذلك الإبهام ، فقال : # {... وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلىا عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السمآء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} # يقول الحق جل جلاله : {وأحلت لكم الأنعام} أي : أكلها ، {إلا ما يتلى} أي ~~: سيتلى {عليكم} منها في آية المائدة ، كالميتة والموقوذة وأخواتهما. ~~والمعنى : إن الله قد أحل لكم الأنعام إلا ما بين في كتابه ، فحافظوا على ~~حدوده ، ولا تحرموا شيئا مما أحل لكم ، كتحريم البحيرة وما معها ، ولا ~~تحلوا ما حرم ، كإحلال المشركين الميتة والموقوذة وغيرهما. # جزء : 4 رقم الصفحة : 409 PageV04P615 ~~ثم نهى عن الأوثان التي كانوا يذبحون لها ، فقال : {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان} ؛ لأن ذلك من تعظيم حرمات الله ، و{من} : للبيان ، أي : فاجتنبوا ~~الرجس الذي هو الأوثان. والرجس : كل ما يستقذر من الخبث ، وسمى الأوثان ~~رجسا على طريقة التشبيه ، أي : فكما تنفرون بطباعكم من الرجس ، فعليكم أن ~~تنفروا عنها. والمراد : النهي عن عبادتها ، أو عن الذبح تقربا لها. ~~{واجتنبوا قول الزور} ، وهو تعميم بعد تخصيص ، فإن عبادة الأوثان رأس الزور ~~، ويدخل فيه الكذب والبهتان وشهادة الزور. وقيل : المراد شهادة الزور فقط ، ~~لما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : " عدلت شهادة الزور الإشراك ~~بالله تعالى " ثلاثا ، وتلى هذه الآية. والزور من الزور ، وهو الانحراف ~~والميل ؛ لأن صاحبه ينحرف عن الحق ، ولا شك أن الشرك داخل في الزور ؛ لأن ~~المشرك يزعم أن الوثن تحق له العبادة ، وهو باطل وزور. # ثم قال تعالى : {حنفاء لله} : مائلين عن كل دين زائغ إلى دين الحق ، ~~مخلصين لله ، {غير مشركين به} شيئا من الأشياء ، {ومن يشرك بالله} ، أظهر ~~الاسم الجليل ؛ # 412 # لإظهار كمال قبح الشرك ، {فكأنما خر} : سقط {من السماء} ms1769 إلى الأرض ؛ لأنه ~~يسقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر. وقيل : هو إشارة إلى ما يكون له حين ~~يصعد بروحه عند الموت ، فتطرح من السماء إلى الأرض. قاله ابن البنا. ~~{فتخطفه الطير} أي : تتناوله بسرعة ، فالخطف والاختطاف : تناول الشيء بسرعة ~~؛ لأن الأهواء المردية كانت توزع أفكاره ، {أو تهوي به الريح} أي : تسقطه ~~وتقذفه. والهوى : السقوط. {في مكان سحيق} : بعيد ؛ لأن الشيطان قد طرحه في ~~الضلال والتحير الكبير. والله تعالى أعلم. PageV04P616 # الإشارة : جعل الحق تعالى شكر النعم أمرين : طهارة الباطن من شرك الميل إلى ~~السوى ، ولسانه من زور الدعوى ، وهو الترامي على مراتب الرجال قبل التحقق ~~بها ، حنيفا موحدا ، شاكرا لأنعمه يجتبيه ربه ، ويهديه إلى صراط مستقيم. ~~ومن يشرك بالله ؛ بأن يحب معه غيره ، فقد سقط عن درجة القرب والتحقيق ، ~~فتخطفه طيور الحظوظ والشهوات ، وتهوي به ريح الهوى ، في مكان سحيق. والعياذ بالله. # جزء : 4 رقم الصفحة : 409 # يقول الحق جل جلاله : {ذلك} أي : الأمر ذلك ، أو امتثلوا ذلك ، {ومن يعظم ~~شعائر الله} أي : الهدايا ، فإنها معالم الدين وشعائره تعالى ، كما ينبئ ~~عنه : {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} وتعظيمها : اعتقاد التقرب بها ، ~~وأن يختارها سمانا حسانا غالية الأثمان ، روي " أنه صلى الله عليه وسلم ~~أهدى مائة بدنة ، فيها جمل لأبي جهل ، في أنفه برة من ذهب ". وأن عمر رضي ~~الله عنه - أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار -. وقيل : شعائر الله : ~~مواضع الحج ، كعرفة ومنى والمزدلفة. وتعظيمها : إجلالها وتوقيرها ، والتقصد ~~إليها. وقيل : الشعائر : أمور الدين على الإطلاق ، وتعظيمها : القيام بها ~~ومراعاة آدابها. {فإنها} أي : فإن تعظيمها {من تقوى القلوب} أي : من أفعال ذوي # 413 # تقوى القلوب ، فحذفت هذه المضافات. أو فإن تعظيمها ناشئ من تقوى القلوب ؛ ~~لأنها مراكز التقوى. PageV04P617 # {لكم فيها منافع} ؛ من الركوب عند الحاجة ، ولبنها عند الضرورة ، {إلى أجل ~~مسمى} ؛ إلى أن تنحر. ومن قال : شعائر الله : مواضع الحج ، فالمنافع : ~~التجارة فيها والأجر ، والأجل المسمى : الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة. {ثم ~~محلها} منتهية {إلى البيت العتيق} ، قال ابن جزي ms1770 : من قال : إن الشعائر ~~الهدايا ، فمحلها موضع نحرها ، وهي منى ومكة. وخص البيت بالذكر ؛ لأنه أشرف ~~الحرم ، وهو المقصود بالهدي. و" ثم " ، على هذا ، ليست للترتيب في الزمان ؛ ~~لأن محلها قبل نحرها ، وإنما هي لترتيب الجمل. ومن قال : إن الشعائر مواضع ~~الحج ، فمحلها مأخوذ من إحلال المحرم ، أي : آخر ذلك كله : الطواف بالبيت ، ~~أي : طواف الإفاضة ؛ إذ به يحل المحرم. ه. أي : محل شعائر الحج كلها تنتهي ~~إلى الطواف بالبيت ، طواف الإفاضة. ومثله في الموطأ. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 413 # ولكل أمة} ؛ جماعة مؤمنة قبلكم ، {جعلنا منسكا} أي : متعبدا وقربانا ~~يتقربون به إلى الله - عز وجل - والمنسك - بالفتح - : مصدر ، وبالكسر : اسم ~~موضع النسك ، أي : لكل حعلنا عبادة يتعبدون بها ، أو موضع قربان ، يذبحون ~~فيه مناسكهم ، {ليذكروا اسم الله} دون غيره ، {على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام} أي : عند نحرها وذبحها ، {فإلهكم إله واحد} أي : اذكروا على ~~الذبائح اسم الله وحده ؛ فإن إلهكم إله واحد ، {فله أسلموا} أي : فإذا كان ~~إلهكم إلها واحدا ؛ فأخلصوا له التقرب ، أو الذكر خاصة ، واجعلوه له سالما ~~، لا تشوبوه بإشراك. PageV04P618 # {وبشر المخبتين} ؛ المطمئنين بذكر الله ، أو المتواضعين ، أو المخلصين ، ~~فإن الإخبات من الوظائف الخاصة بهم. والخبت : المطمئن من الأرض. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه : هم الذين لا يظلمون ، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل : ~~تفسيره ما بعده ، وهو قوله : {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} : خافت منه ~~؛ هيبة ؛ لإشراق أشعة جلاله عليها. {والصابرين على ما أصابهم} من مشاق ~~التكاليف ومصائب الزمان والنوائب ، {والمقيمي الصلاة} في أوقاتها ، {ومما ~~رزقناهم ينفقون} في وجوه الخيرات. # {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} أي : من أعلام دينه ، وأضافها إلى ~~نفسه ؛ تعظيما لها ، وهي : جمع بدنة ، سميت به ؛ لعظم بدنها ، ويتناول ~~الإبل والبقر والغنم. {لكم فيها خير} أي : منافع دينية ودنيوية ، النفع في ~~الدنيا ، والأجر في العقبى. {فاذكروا اسم الله عليها} بأن تقولوا عند ذبحها ~~: بسم الله ، اللهم منك وإليك. حال كونها {صواف} أي : قائمات ، قد صففن ~~أيديهن وأرجلهن. {فإذا وجبت جنوبها} ms1771 : سقطت على الأرض ، وسكنت حركتها ، من ~~وجب الحائط وجبة : سقط ، وهي كناية # 414 # عن الموت. {فكلوا منها} إن شئتم {وأطعموا القانع} : السائل ، من : قنع ~~إليه قنوعا : إذا خضع ، {والمعتر} ؛ الذي يعرض ولا يسأل. وقيل : القانع : ~~الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال ، والمعتر : المتعرض للسؤال. {كذلك ~~سخرناها لكم} أي : كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم ، أي : ذللناها لكم ، مع ~~قوتها وعظم أجرامها ؛ لتتمكنوا من نحرها ، {لعلكم تشكرون} أي : لكي تشكروا ~~إنعام الله عليكم. PageV04P619 # {لن ينال الله لحومها} المتصدق بها ، {ولا دماؤها} المهراقة بالنحر ، أي : ~~لن يصل إلى الله اللحم والدم ، {ولكن يناله التقوى منكم} ؛ فإنه هو الذي ~~طلب منكم ، وعليه يحصل الثواب. والمراد : لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ~~ولا بالدماء ، وإنما تصلون إليه بالتقوى ، أي : الإخلاص لله ، وقصد وجه ~~الله ، بما تذبحون وتنحرون من الهدايا. فعبر عن هذا المعنى بلفظ {ينال} ؛ ~~مبالغة وتأكيدا ، كأنه قال : لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله ، وإنما ~~يصل إليه التقوى منكم ، وقيل : كان أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء ~~قربانهم ، فهم المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك ، فنزلت الآية. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 413 # كذلك سخرها لكم} أي : البدن ، وهو تكرير للتذكير والتعليل ، لقوله : ~~{لتكبروا الله على ما هداكم} أي : لتعرفوا عظمة الله ، باقتداره على ما لا ~~يقدر عليه غيره ، فتوحدوه بالكبرياء ؛ شكرا على هدايته لكم. وقيل : هو ~~التكبير عند الذبح {وبشر المحسنين} : المخلصين في كل ما يأتون ويذرون في ~~أمور دينهم. وبالله التوفيق. # الإشارة : أعظم شعائر الله التي يجب تعظيمها أولياء الله ، الدالين على ~~الله ، ثم الفقراء المتوجهون إلى الله ، ثم العلماء المعلمون أحكام الله ، ~~ثم الصالحون المنتسبون إلى الله ، ثم عامة المؤمنين الذين هم من جملة عباد ~~الله. ويجب تعظيم من نصبه الله لقيام خطة من الخطط ؛ لإصلاح العباد ؛ ~~كالسلاطين ، ولو لم يعدلوا ، والقضاة والقواد ، والمقدمين لأمور العامة ، ~~فتعظيم هؤلاء كله من تقوى القلوب. ويدخل في ذلك : الأماكن المعظمة ؛ ~~كالمساجد والزوايا ، وأما الفقير فيعظم كل ما خلق الله حتى الكلاب ، ويتأدب ~~مع كل ms1772 مخلوق. PageV04P620 # وقوله تعالى : {لكم فيها منافع} أي : لكم في هذه التجليات ، إن عظمتموها ~~وعرفتم الله فيها ، منافع ، ترعون من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها ، ~~فتزدادوا معرفة وتكميلا ، إلى أجل مسمى ، وهو مقام التمكين ، فحينئذ تواجهه ~~أنوار المواجهة ، فتكون الأنوار له ، لا هو للأنوار ، لأنه لله لا لشئ دونه ~~، {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} [الأنعام : 91]. ثم محل هذه الأنوار ~~إلى بيت الحضرة ، فحينئذ يستغني بالله عن كل ما سواه. وقوله تعالى : {ولكل ~~أمة جعلنا منسكا} أي : لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة ، والوصول واحد ؛ ولذلك ~~قال : {فإلهكم إله واحد}. وقال القشيري : الشرائع مختلفة # 415 # فيما كان من المعاملات ، متفقة فيما كان من جملة المعارف. ثم قال : ذكرهم ~~الله بأنه هو الذي أمرهم ويثيبهم ، {فله أسلموا} : استسلموا لحكمه ، من غير ~~استكراه من داخل القلب ولا من اللفظ. ه. # وقوله تعالى : {والبدن...} الآية. قال الورتجبي : فيه إشارة إلى ذبح ~~النفس بالمجاهدات ، وزمها بالرياضات عن المخالفات ، وفناء الوجود للمشاهدات ~~، حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه ، ويبقى لله مفردا من جميع ~~الخلائق. ه. # وفي قوله تعالى : {فاذكروا اسم الله عليها صواف} ، إشارة إلى أن النفس لا ~~تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه ، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية ~~أبدا. فإذا ماتت وسقطت جنوبها ، وظفرتم بها ؛ فكلوا من أنوار أسرارها ~~وعلومها ؛ لأن النفس ، إذا ماتت ، حييت الروح ، وفاضت عليها العلوم اللدنية ~~، فكلوا منها ، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم. وقوله تعالى : {لن ينال ~~الله لحومها...} الآية ، قال الورتجبي : الإشارة فيه إلى جميع الأعمال ~~الصالحة من العرش إلى الثرى ، لا يلحق الحق بحق المراد منه ، ولكن يصل إليه ~~قلب جريح من محبته ، ذبح بسيف شوقه ، مطروح على باب عشقه. قال سهل في قوله ~~: {ولكن يناله التقوى} : هو التبري والإخلاص. ه. PageV04P621 # جزء : 4 رقم الصفحة : 413 # قال القشيري : لا عبرة بإظهار الأفعال ، سواء كانت بدنية أو مالية صرفا ، ~~أو مما يتعلق بالوجهين ، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص ، فإذا انضاف إلى ~~الجوارح إخلاص القصود ، وتجردت ms1773 عن ملاحظة أصحابها الأغيار ، صلحت للقبول ، ~~وينال صاحبها القرب ، بشهود الحق بنعت التفرد. ثم قال : {لتكبروا الله على ~~ما هداكم} وأرشدكم إلى القيام بحق العبودية على قضية الشرع ، {وبشر ~~المحسنين} ، الإحسان ، كما في الخبر : " أن تعبد الله كأنك تراه " وأمارة ~~صحته : سقوط تعب القلب عن صاحبه ، فلا يستثقل شيئا ولا يتبرم بشيء. ه. قلت ~~: خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر ؛ لأنه طبع بشري ، وإنما يضر ما سكن في القلب. # وقال في الإحياء : ليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم ، بل ميل ~~القلب عن حب الدنيا ، وبذلها ؛ إيثارا لوجه الله تعالى ، وهذه الصفة قد ~~حصلت عند جزم النية والهمة ، وإن عاق عن العمل عائق. فلن ينال الله لحومها ~~ولا دماؤها ، ولكن يناله التقوى منكم ، والتقوى ها هنا عمل القلب ، من نية ~~القربة ، وإرادة الخير ، وإخلاص القصد لله ، وهو المقصود ، وعمل الظاهر ~~مؤكد له ، ولذلك كانت نية المؤمن أبلغ من عمله ؛ فإن الطاعات غذاء القلوب ، ~~والمقصود : لذة السعادة بلقاء الله تعالى ، والتنعم بها ، وذلك فرع محبته ~~والأنس به ، ولا يكون إلا بذكره ، ولا يفرغ إلا بالزهد في الدنيا ، وترك ~~شواغلها والانقطاع عنها. ه. # 416 # جزء : 4 رقم الصفحة : 413 PageV04P622 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الله يدافع} يدفع غائلة المشركين {عن الذين ~~آمنوا} ؛ فلا يقدرون أن يعوقوهم عن شيء من عبادة الله ، بل ينصرهم ويؤيدهم ~~كما قال تعالى : {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا} [غافر : 51] ، وصيغة ~~المفاعلة : إما للمبالغة ، أو للدلالة على تكرير الدفع ، فإنها قد تجرد عن ~~وقوع الفعل المتكرر من الجانبين ، فيبقى تكرره من جانب واحد ، كما في ~~المحارسة ، أي : يبالغ في دفع ضرر المشركين وشوكتهم ، التي من جملتها صدهم ~~عن سبيل الله ، مبالغة من يغالب فيه ، أو يدفعها عنهم مرة بعد أخرى ، بحسب ~~تجرد قصد الإضرار بالمسلمين ، كما في قوله : {كلمآ أوقدوا نارا للحرب ~~أطفأها الله} [المائدة : 64]. وقرأ المكي والبصري : " يدفع ". # ثم علل ذلك الدفع بقوله : {إن الله لا يحب كل خوان كفور} أي : لأن الله ~~يبغض كل خوان في أمانة ms1774 الله تعالى ، وهي : أوامره ونواهيه ، ومن أعظمها : ~~الإيمان بالله ورسوله. أو في جميع الأمانات ، كفور لنعم الله. والمعنى : إن ~~الله يدافع عنهم ؛ لأنه يبغض أعداءهم ، وهم : الخونة الكفرة ، الذين يخونون ~~الله والرسول ، ويخونون أماناتهم. وصيغة المبالغة فيها ؛ لبيان أنهم كذلك ~~فيهما ، لا لتقييد البعض بغاية الجناية ؛ فإن الخائن ممقوت مطلقا. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : إن الله يدفع عن أوليائه ، والمتوجهين إليه ، كل عائق وشاغل ، ~~وغائلة كل غائل ، الذين حازوا ذروة الإيمان ، وقصدوا تحقيق مقام الإحسان. ~~فمن رام صدهم عن ذلك فهو خائن كفور ، {إن الله لا يحب كل خوان كفور}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 416 # 417 # قلت : {إلا أن يقولوا} ، قيل : منقطع ، وقال الزمخشري : في محل الجر ، ~~بدل من حق. ه. وهو على طريق قول الشاعر : # لا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب PageV04P623 ~~يقول الحق جل جلاله : {أذن} أي : رخص وشرع ، أو أذن الله {للذين يقاتلون} ~~أي : يقاتلهم الكفار المشركون ، وحذف المأذون فيه ؛ لدلالة " يقاتلون " ~~عليه ، أي : في قتالهم ، {بأنهم ظلموا} أي : بسبب كونهم مظلومين ، وهم ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا ، ~~وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج ، فيتظلمون ~~إليه ، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اصبروا ؛ فإني لم أومر ~~بالقتال " حتى هاجر ، فنزلت هذه الآية. وهي أول آية نزلت في الجهاد ، بعد ~~ما نهى عنه في نيف وسبعين آية. # {وإن الله على نصرهم لقدير}. وعد لهم بالنصر ، وتأكيد لما مر من العدة ~~الكريمة بالدفع ، وتصريح بأن المراد ليس مجرد تخليصهم من يد المشركين ، بل ~~بغلبتهم وإظهارهم عليهم. وتأكيده بكلمة التحقيق. واللام ؛ لمزيد من تحقيق ~~مضمونه ، وزيادة توطين نفوس المؤمنين. # ثم وصف الذين أذن لهم ، أو فسرهم ، أو مدحهم بقوله : {الذين أخرجوا من ~~ديارهم} ، يعني مكة : {بغير حق} ؛ بغير ما يوجب إخراجهم {إلا أن يقولوا ~~ربنا الله} أي : بغير موجب سوى التوحيد ، الذي ينبغي أن يكون موجبا للإقرار ~~لا للإخراج. ومثله ms1775 : {هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله} [المائدة : 59]. PageV04P624 # {ولولا دفع الله الناس} : لولا أن يدفع الله الناس {بعضهم ببعض} ؛ بتسليط ~~المؤمنين على الكافرين في كل عصر وزمان ، وإقامة الحدود وكف المظالم ، ~~{لهدمت} أي لخربت ؛ باستيلاء الكفرة على الملل ، {صوامع} : جمع صومعة - ~~بفتح الميم - ، وهي : متعبد النصارى والصابئين منهم ، ويسمى أيضا الدير. ~~وسمي بها موضع الأذان من الإسلام : {وبيع} : جمع بيعة - بكسر الباء - : ~~كنائس النصارى ، {وصلوات} : كنائس اليهود ، سميت بما يقع فيها ، وأصلها : ~~صلوتا بالعبرانية ، ثم عربت ، {ومساجد} للمسلمين ، {يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا} أي : ذكرا كثيرا ، أو وقتا كثيرا ، صفة مادحة للمساجد ، خصت بها ؛ ~~دلالة على فضلها وفضل أهلها. وقيل يرجع للأربع ، وفيه نظر ؛ فإن ذكر الله ~~تعالى في الصوامع والبيع والكنائس قد انقطع بظهور الإسلام ، فقصد بيانه ، # 418 # بعد نسخ شرائعها مما لا يقتضيه المقام ، ولا ترتضيه الأفهام. وقدمت ~~الثلاثة على المساجد ؛ لتقدمها وجودا ، أو لقربها من التهديم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 417 # ولينصرن الله من ينصره} أي : وتالله ، لينصرن الله من ينصر دينه ونبيه - ~~عليه الصلاة والسلام - وأولياءه. ومن نصره : إشهاره وإظهاره ، وتعليمه لمن ~~لا يعلمه ، وإعزاز حامل لوائه من العلماء والأولياء. وقد أنجز الله وعده ، ~~حيث سلط المهاجرين والأنصارعلى صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم ، ~~وأورثهم أرضهم وديارهم ، {إن الله لقوي عزيز} : غالب على ما يريد ، ومن ~~جملته : نصرهم وإعلاؤهم. PageV04P625 # ثم وصف الذين أخرجوا من ديارهم بقوله : {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} قلت : الصواب ما ~~قاله مكي : أنه بدل من : " من ينصره " ، في محل نصب. قيل : المراد بهم : ~~الصحابة - رضي الله عنهم - ، وقيل : الأمة كلها. وقيل الخلفاء الأربعة ؛ ~~لأنهم هم الذين مكنوا في الأرض بالخلافة ، وفعلوا ما وصفهم الله به. وفيه ~~دليل صحة أمر الخلفاء الراشدين ؛ لأن الله - عز وجل - أعطاهم التمكين ، ~~ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة. وعن عثمان رضي الله عنه : (هذا ، والله ، ~~ثناء قبل بلاء) ، يعني : أن الله تعالى أثنى عليهم قبل ظهور الشر من الهرج ms1776 ~~والفتن فيهم. {ولله عاقبة الأمور} ؛ فإن مرجعها إلى حكمه وتقديره فقط. وفيه ~~تأكيد للوعد بإظهار أوليائه وإعلاء كلمته. # الإشارة : إذا اتصل الإنسان بشيخ التربية فقد أذن له في جهاد نفسه ، إن ~~أراد الوصول إلى حضرة ربه ؛ لأنها ظالمة تحول بينه وبين سعادته الأبدية. ~~وإن الله على نصرهم لقدير ؛ لأن همة الشيخ تحمله وتنصره بإذن الله. وأما إن ~~لم يتصل بشيخ التربية ، فإن مجاهدته لنفسه لا تصيب مقاتلها ؛ لدخولها تحت ~~الرماية ، فلا يصيبها ضربه ، وأما الشيخ ؛ فلأنه يريه مساوئها ويعينه على قتلها. # وقوله تعالى : {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} ؛ هم الذين أمروا بقتل ~~نفوسهم ، فإنهم إذا خرقوا عوائد نفوسهم ، وخرجوا عن عوائد الناس ، رفضوهم ~~وأنكروهم ، وربما أخرجوهم من ديارهم ، فقل أن تجد وليا بقي في وطنه الأول ، ~~وما نقموا منهم وأخرجوهم إلا لقصدهم مولاهم ، وقولهم : ربنا الله دون شيء ~~سواه ، فحيث خرجوا عن عوائدهم وقصدوا مولاهم ، أنكروهم وأخرجوهم من أوطانهم ~~، ولولا دفع الناس بعضهم ببعض ؛ بأن شفع خيارهم في شرارهم ، لهدمت دعائم ~~الوجود ؛ لأن من آذى وليا فقد آذن بالحرب. PageV04P626 # قال القشيري : {ولولا دفع الله الناس} ، أي : يتجاوز عن الأصاغر لقدر ~~الأكابر ؛ استبقاء لمنازل العبادة ، تلك سنة أجراها. ثم قال : {الذين إن ~~مكناهم في الأرض} ، أي : لم يشتغلوا في ذلك بحظوظ ، ولكن قاموا لأداء ~~حقوقنا. ه. # 419 # جزء : 4 رقم الصفحة : 417 # يقول الحق جل جلاله : {وإن يكذبوك} يا محمد ، أي : أهل مكة ، فلا تحزن ؛ ~~فلست بأول من كذب ، {فقد كذبت قبلهم} أي : قبل قومك {قوم نوح} نوحا ، ~~{وعاد} هودا ، {وثمود} صالحا ، {وقوم إبراهيم} إبراهيم ، {وقوم لوط} لوطا ، ~~{وأصحاب مدين} شعيبا ، {وكذب موسى} ؛ كذبه فرعون والقبط. ولم يقل : وقوم ~~موسى ؛ لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل ، وإنما كذبه القبط. أو : كأنه ~~لما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم ، قال : وكذب موسى ، مع وضوح آياته وظهور ~~معجزاته ، فما ظنك بغيره ؟ {فأمليت للكافرين} : أمهلتهم وأخرت عقوبتهم ، ~~{ثم أخذتهم} : عاقبتهم على كفرهم ، أي : أخذت كل فريق من فرق المكذبين ، ~~بعد انقضاء مدة إملائه ms1777 وإمهاله ، {فكيف كان نكير} أي : إنكاري وتغييري ؛ ~~حيث أبدلتهم بالنعم نقما ، وبالحياة هلاكا ، وبالعمارة خرابا ، فكان ذلك في ~~غاية ما يكون من الهول والفظاعة. PageV04P627 # {فكأين من قرية أهلكناها} أي : كثيرا من القرى أهلكناها وخربناها بإهلاك ~~أهلها ، {وهي ظالمة} أي : والحال أنها ظالمة بالكفر والمعاصي ، {فهي خاوية} ~~: ساقطة على {عروشها} ، من خوى النجم : سقط. والمعنى أنها ساقطة على سقوفها ~~، أي : خربت سقوفها على الأرض ، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. ويجوز ~~أن يكون {على عروشها} : خبرا بعد خبر ، أي : فهي خالية من السكان ، وهي على ~~عروشها ، أي : قائمة مشرفة على السقوف الساقطة. {وبئر معطلة} أي : وكم من ~~بئر متروكة مهملة في البوادي والحواضر ، لا يستسقى منها ؛ لهلاك أهلها مع ~~توفير مائها ، {وقصر مشيد} : مرفوع البنيان ، من شاد البنيان : إذا رفعه ، ~~أو مجصص بالشيد ، أي : الجص ، أي : مبنيا بالشيد والجندل. # وقال الضحاك : كانت هذه البئر المعطلة بحضرموت ، في بلدة يقال لها : ~~حاضوراء ، وذلك أن أربعة آلاف ممن آمن بصالح ، ونجوا من العذاب ، أتوا ~~حضرموت ، ومعهم صالح ، فلما حضروا ذلك الموضع ، مات صالح ، فسمي حضرموت ؛ ~~لأن صالحا لما حضره مات ، فبنوا حاضوراء ، وقعدوا على هذه البئر ، فأقاموا ~~دهرا طويلا ، وتناسلوا حتى كثروا ، ثم عبدوا الأصنام وكفروا ، فأرسل # 420 # الله إليهم نبيا يقال له : " حنظلة بن صفوان " ، فقتلوه فأهلكهم الله ، ~~وعطلت بئرهم وخربت قصورهم. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 420 # وحاصل المعنى : وكم قرية أهلكناها ، وكم بئر عطلناها عن سقاتها ، وقصر ~~مشيد أخليناه عن ساكنه ، أي : أهلكنا البادية والحاضرة جميعا ، فخلت القصور ~~عن أربابها ، والآبار عن روادها. فالأظهر أن البئر والقصر على العموم. PageV04P628 # الإشارة : ما سلى به الرسل - عليهم السلام - تسلى به الأولياء - رضوان الله ~~عليهم - فتكذيب أهل الخصوصية سنة ماضية ، غير أن مكذبي الرسل يعاجلون ~~بالعقوبة ، ومكذبي الأولياء يعاقبون بالبعد والحجاب. وقال القشيري : {وبئر ~~معطلة} ، الإشارة إلى العيون المفجرة من بواطنهم ، {وقصر مشيد} ؛ الإشارة ~~إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها ، من الهيبة والأنس وسائر المواجيد. ه. قلت : ~~وكأنه فسر القرية بالقلب ، وهلاكه : خلاؤه من ms1778 نور التوحيد ، فقلوب الغافلين ~~خاوية على عروش عقولهم ، المطموس نورها ، وعيون بواطنهم معطلة من الفكرة ، ~~وأسرارهم خاربة من نور النظرة. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 420 # قلت : {أفلم} : الفاء عطف على مقدار ؛ أي أغفلوا فلم يسيروا فيعتبروا ، ~~{فإنها} : ضمير القصة ، أو مبهم يفسره ما بعده. و{لن يخلف الله وعده} : ~~حالية ، أي : ينكرون مجيء العذاب الموعود ، والحال : أنه تعالى لا يخلف ~~وعده ، أو اعتراضية مبينة لما ذكر ، و{إن يوما} : استئنافية ، إن كانت ~~الأولى حالية ، ومعطوفة ، إن كانت اعتراضية سيقت لبيان خطئهم. # يقول الحق جل جلاله : {أفلم يسيروا في الأرض} فيروا مصارع من أهلكهم الله ~~بكفرهم ، ويشاهدوا آثارهم الدارسة وقصورهم الخالية ، وديارهم الخربة ، ~~فيعتبروا. وهو حث لهم على السفر ليشاهدوا ذلك. {فتكون لهم} ؛ بسبب ما ~~شاهدوه من مظان الاعتبار ومواطن الاستبصار {قلوب يعقلون بها} ما يجب أن ~~يعقل من التوحيد ونحوه ، {أو آذان يسمعون بها} ما يجب أن يسمع من الوحي أو ~~من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس ؛ فإنهم أعرف بحالهم. قال ابن ~~عرفة : لما تضمن الكلام السابق إهلاك الأمم السالفة ، وبقيت آثارهم خرابا ، ~~عقبه بذم هؤلاء في عدم اتعاظهم بذلك. # 421 PageV04P629 ~~والسير في الأرض : إما حسي ، أو معنوي باعتبار سماع أخبارها من الغير ، أو ~~قراءتها في الكتب. فقوله : {فتكون لهم قلوب} : راجع للسير الحسي ، وقوله : ~~{أو آذان} للسير المعنوي. ه. # {فإنها لا تعمى الأبصار} الحسية ، {ولكن تعمى القلوب} عن التفكر ~~والاعتبار ، أي : ليس الخلل في مشاعرهم ، ولكن الخلل في عقولهم ، باتباع ~~الهوى والانهماك في الغفلة. وذكر الصدور ؛ للتأكيد ، ونفي توهم التجوز ؛ ~~لأن قلب الشيء : لبه ، فربما يقال : إن القلب يراد به هذا العضو ، ولكل ~~إنسان أربع أعين : عينان في رأسه ، وعينان في قلبه ، وتسمى البصيرة ، فإن ~~انفتح ما في القلب ، وعمي ما في الرأس ؛ فلا يضر ، وإن انفتح ما في الرأس ~~وانطمس ما في القلب لم ينفع ، والتحق بالبهائم ، بل هو أضل. # ثم ذكر علامة عمى القلوب ، وهو الاستهزاء بالوعد الحق ، فقال : ~~{ويستعجلونك بالعذاب} المتوعد به ؛ استهزاء ms1779 وإنكارا وتعجيزا ، {ولن يخلف ~~الله وعده} أي : يستعجلون به ، والحال أنه تعالى لا يخلف وعده أبدا ، وقد ~~سبق الوعد به ، فمن لا يخلف وعده فلا بد من مجيئه ، ولو بعد حين. {وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة مما تعدون} أي : كيف يستعجلونك بعذاب من يوم واحد من أيام ~~عذابه في طول ألف سنة من سنيكم ؛ لأن أيام الشدة طوال. وقيل : تطول حقيقة ، ~~ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف ~~يوم ، وذلك خمسمائة سنة " {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها} ~~أي كثيرا من أهل قرية كانوا ظالمين مثلكم ، قد أمهلتهم حينا وأمليت لهم ، ~~كما أمليت لكم ، ثم أخذتهم بالعذاب والنكال بعد طول الإملاء والإمهال. ~~والإملاء هو الإمهال مع إرادة المعاقبة. {وإلي المصير} أي : المرجع إلي ، ~~فلا يفوتني شيء من أمر المستعجلين وغيرهم ، أو : إلى حكمي مرجع الكل ، لا ~~إلى غيري ، لا استقلالا ولا شركة ، فأفعل بهم ما يليق بأعمالهم. والله ~~تعالى أعلم. PageV04P630 # جزء : 4 رقم الصفحة : 421 # الإشارة : عمى القلوب هو انطماس البصيرة ، وعلامة انطماسها أمور : إرسال ~~الجوارح في معاصي الله ، والانهماك في الغفلة عن الله ، والوقيعة في أولياء ~~الله ، والاجتهاد في طلب الدنيا مع التقصير فيما طلبه منه الله. وفي الحكم ~~: " اجتهادك فيما ضمن لك ، وتقصيرك فيما طلب منك ، دليل على انطماس البصيرة ~~منك ". وعلامة فتحها أمور : المسارعة إلى طاعة الله ، واستعمال المجهود في ~~معرفة الله ، بصحبة أولياء الله ، والإعراض عن الدنيا وأهلها ، والأنس ~~بالله ، والغيبة عن كل ما سواه. واعلم أن البصر # 422 # والبصيرة متقابلان في أصل نشأتهما ، فالبصر لا يبصر إلا الأشياء الحسية ~~الحادثة ، والبصيرة لا تبصر إلا المعاني القديمة الأزلية ، فإذا انطمست ~~البصيرة كان العبد مفروقا عن الله ، لا يرى إلا الأكوان الظلمانية الحادثة. ~~وفي ذلك يقول المجذوب رضي الله عنه. # من نظر الكون بالكون غره في عمى البصيرة # ومن نظر الكون بالمكون صادق علاج السريرة PageV04P631 ~~وإذا انفتحت البصيرة بالكلية استولى نورها على نور البصر ، فانعكس نور ~~البصر إلى البصيرة ms1780 ، فلا يرى العبد إلا أسرار المعاني الأزلية ، المفنية ~~للأواني الحادثة ، فيغيب عن رؤية الأكوان بشهود المكون. وعلاج انفتاحها ~~يكون على يد طبيب ماهر عارف بالله ، يقدحها له بمرود التوحيد ، فلا يزال ~~يعالجها بإثمد توحيد الأفعال ، ثم توحيد الصفات ، ثم توحيد الذات ، حتى ~~تنفتح. فتوحيد الأفعال والصفات يشهد قرب الحق من العبد ، وتوحيد الذات يشهد ~~عدمه لوجود الحق ، وهو الذي أشار إليه في الحكم بقوله : " شعاع البصيرة ~~يشهدك قرب الحق منك ، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده ، وحق البصيرة يشهدك ~~وجود الحق ، لا عدمك ولا وجودك. كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ما ~~عليه كان ". فيرى حينئذ من أسرار الذات وأنوار الصفات ما لا يراه الناظرون ~~، ويشاهد ما لا يشاهده الجاهلون. وفي ذلك يقول الحلاج : # قلوب العارفين لها عيون # ترى ما لا يرى للناظرينا # وأجنحة تطير بغير ريش # إلى ملكوت رب العالمينا # وألسنة بأسرار تناجي # تغيب عن الكرام الكاتبينا # وقال الورتجبي : الجهال يرون الأشياء بأبصار الظواهر ، وقلوبهم محجوبة عن ~~رؤية حقائق الأشياء ، التي تلمع منها أنوار الذات والصفات ، وأعماهم الله ~~بغشاوة الغفلة وغطاء الشهوة. ه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 421 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد : {يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير ~~مبين} أي : أنذركم إنذارا مبينا بما أوحي إلي من أخبار الأمم المهلكة ، من ~~غير أن يكون لي دخل في الإتيان بما توعدونه من العذاب الذي تستعجلونه... ~~وإنما لم يقل : نذير وبشير ، مع ذكر الفريقين بعده ؛ لأن الحديث مسوق إلى ~~المشركين فقط. والمراد بالناس : # 423 PageV04P632 ~~الذين قيل فيهم : {أفلم يسيروا في الأرض} ، ووصفوا بالاستعجال ، وإنما ذكر ~~المؤمنين وثوابهم ؛ زيادة في غيظهم. {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة} لذنوبهم ، {ورزق كريم} أي : حسن ، وهي الجنة. والكريم من كل نعيم : ~~ما يجمع فضائله ويجوز كمالاته. # {والذين سعوا} ، يقال : سعى في أمر فلان : إذا أفسده بسعيه ، أي : أفسدوا ~~{في آياتنا} أي : القرآن ؛ بسعيهم في إبطاله ، {معاجزين} أي : مسابقين. ~~وقرأ المكي والبصري : " معجزين ". بالشد ، أي : مثبطين الناس عن الإيمان. ~~يقال : عاجزه ms1781 : سابقه ؛ لأن كل واحد منهما يطلب عجز الآخر ، واللحوق به ، ~~فإذا غلبه ، قيل : أعجزه وعجزه. والمعنى : سعوا في معناها بالفساد ؛ من ~~الطعن فيها ، حيث سموها سحرا وشعرا وأساطير الأولين ، مسابقين في زعمهم ~~وتقديرهم ، طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم. {أولئك أصحاب الجحيم} أي : ~~ملازمو النار الموقودة. وقيل : هو اسم دركة من دركاتها. # الإشارة : الدعاة إلى الله تعالى إنما شأنهم التحذير والتبشير ، ثم ~~ينظرون ما يفعل الله في ملكه وخلقه ، من هداية أو إضلال ، وليس من شأنهم ~~طلب ظهور المعجزات ، أو الكرامات ، ولا الحرص على هداية الخلق بالكد ~~والاجتهاد ، إنما شأنهم التذكير ، ويردون الأمر إلى الملك القدير ، فلا ~~يتأسفون على من تخلف عنهم. # وكان عليه الصلاة والسلام - يحرص على هداية قومه - ، فلما نهاه الحق ~~تعالى عن ذلك ، رجع وتأدب بكمال العبودية ، وبه اقتدى خلفاؤه من بعده ، ~~فكان صلى الله عليه وسلم في أول أمره يتمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه ~~وبين قومه ، لعلهم يتدبرون فيما ينزل عليه فيسلموا ، فقرأ يوما سورة النجم ~~، فألقي في مسامعهم ما يدل على مدح آلهتهم ، فحزن - عليه الصلاة والسلام - ~~حين نسبوا ذلك له. # جزء : 4 رقم الصفحة : 423 PageV04P633 ~~قال ابن عباس وغيره من المفسرين الأولين - رضي الله عنهم - : لما رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم مباعدة قومه وتوليهم ، وشق عليه ذلك تمنى أن يأتيه من ~~الله تعالى ما يقارب بينه وبين قومه ، فجلس يوما في جمع لهم ، فنزلت سورة ~~النجم ، فقرأها عليهم ، فلما بلغ : {أفرأيتم اللات والعزىا ومناة الثالثة ~~الأخرىا} [النجم : 19 ، 20] ، ألقى الشيطان على # 424 # لسانه : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترجى. ه. قلت : بلى ، ألقى ذلك ~~في مسامعهم فقط ، ولم ينطق بذلك - عليه الصلاة والسلام - فلما سمعت ذلك ~~قريش فرحوا ، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر السورة ، وسجد ~~المسلمون والمشركون ، إلا الوليد بن المغيرة ، رفع حفنة من التراب وسجد ~~عليه ، فقالت قريش : ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر ، وقالوا : قد عرفنا أن ~~الله يحيي ويميت ، ويخلق ويرزق ، ولكن آلهتنا هذه تشفع ms1782 لنا عنده ، فإذا جعل ~~محمد لها نصيبا فنحن معه ، فلما أمسى أتاه جبريل. فقال يا محمد ؛ ما صنعت ~~فقد تلوت على الناس ما لم آتك به ؟ فحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا ~~شديدا ، فنزلت الآية ؛ تسلية له عليه الصلاة والسلام. # يقول الحق جل جلاله : {وما أرسلنا من قبلك من رسول} ، يوحى إليه بشرع ، ~~ويؤمر بالتبليغ ، {ولا نبي} يوحى إليه ، ولم يؤمر بالتبليغ ، فالرسول مكلف ~~بغيره ، والنبي مقتصر على نفسه ، أو الرسول : من بعث بشرع جديد ، والنبي : ~~من قرر شريعة سابقة ، ولذلك شبه صلى الله عليه وسلم علماء أمته بهم ، ~~فالنبي أعم من الرسول ، وقد سئل - عليه الصلاة والسلام - عن الأنبياء ، ~~فقال : " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ، قيل : فكم الرسل منهم ؟ قال : ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر ، جما غفيرا " # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 424 PageV04P634 ~~إلا إذا تمنى} ؛ هيأ في نفسه ما يهواه ؛ كهداية قومه ومقاربتهم له ، {ألقى ~~الشيطان في أمنيته} ؛ في تشهيه ما يوجب حصول ما تمناه ، أو مقاربته ، كما ~~ألقى في مسامع قريش ما يوجب مقاربتهم له - عليه الصلاة والسلام - ثم ينسخ ~~الله ذلك. أو {إذا تمنى} : قرأ ، كما قال الشاعر : # تمنى كتاب الله أول ليلة # تمنى داود الزبور على رسل # {ألقى الشيطان في أمنيته} : في قراءته ، حين قرأ سورة النجم بعد قوله : ~~{ومناة الثالثة الأخرى} ، تلك الغرانيق العلى ، كما تقدم. # قال القشيري : كانت لنبينا صلى الله عليه وسلم سكتات ، في خلال قراءته ~~عند قراءة القرآن ، عند انقضاء كل آية ، فتلفظ الشيطان ببعض الألفاظ ، فمن ~~لم يكن له تحصيل توهم أنه من ألفاظ الرسول. ه. وقال ابن البنا : التمني هو ~~التلاوة التي يتمنى فيها ، فيتلو النبي وهو يريد أن يفهم عنه معناها ، ~~فيلقي الشيطان في فهوم السامعين غير المعنى المراد ، وما قال الزمخشري : ~~قرأ تلك الغرانيق العلى ، على جهة السهو والغلط ، فباطل ، لقول الله العظيم : # 425 # {وما ينطق عن الهوىا إن هو إلا وحي يوحىا} [النجم : 3 ، 4] ، فهو معصوم ~~من السهو والغلط في تبليغ الوحي. ه. PageV04P635 # قلت : فتحصل أنه - عليه الصلاة ms1783 والسلام - لم ينطق بتلك الكلمات قط ، لا ~~سهوا ولا عمدا ، وإنما ألقيت في مسامع الكفار ليحصل ما تمناه - عليه الصلاة ~~والسلام - من المقاربة. ويدل على هذا أن من حضر من المسلمين لم يسمعوا من ~~ذلك شيئا. فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين وأهل ~~السير من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح ، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق ~~وتأويل قريب ، فلا تحسن المبادرة بالإنكار والرد عليهم ، وهم عدول ، لا ~~سيما حبر هذه الأمة ، وإنما يحتاج اللبيب إلى التطبيق بين المنقول والمعقول ~~، فإن لم يمكن ، قدم المنقول ، إن ثبتت صحته ، وحكم على العقل بالعجز. هذا ~~مذهب المحققين من الصوفية - رضي الله عنهم - ونسبة الإلقاء إلى الشيطان أدب ~~وتشريع ؛ إذ لا فاعل في الحقيقة سواه تعالى. # {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} أي : يذهب به ويبطله ، أو يرشد إلى ما ~~يزيحه ، {ثم يحكم الله آياته} أي : يثبتها ويحفظها عن لحوق الزيادة من ~~الشيطان ، {والله عليم حكيم} أي : عليم بما يوحى إلى نبيه ، حكيم في وحيه ، ~~لا يدع الباطل يأتيه من بين يديه ولا من خلفه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 424 # ثم ذكر حكمة ذلك الإلقاء ، فقال : {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة} أي : ~~محنة وابتلاء {للذين في قلوبهم مرض} : شك وشرك ، {والقاسية قلوبهم} ؛ ~~البعيدة من الخير ، الخاربة من النور ، واليابسة الصلبة ، لا رحمة فيها ولا ~~شفقة ؛ وهم المشركون المكذبون ، فيزدادون به شكا وظلمة. {وإن الظالمين} وهم ~~الكفرة المتقدمة ، ووضع الظاهر موضع المضمر ؛ تسجيلا عليهم بالظلم ، {لفي ~~شقاق بعيد} أي : عداوة شديدة ومخالفة تامة بعيدة عن الحق. PageV04P636 # {وليعلم الذين أوتوا العلم} بالله {أنه} أي : القرآن {الحق من ربك} أي : ~~النازل من عنده {فيؤمنوا به} أي : بالقرآن {فتخبت} : تطمئن ، أو تخشع {له ~~قلوبهم} بالانقياد إليه والإذعان لما فيه ، {وإن الله لهادي الذين آمنوا ~~إلى صراط مستقيم} بالنظر الموصل إلى الحق الصريح ، فيتأولوا ما تشابه في ~~الدين بالتأويلات الصحيحة ، ويطلبوا ، لما أشكل منه ، المحمل الذي تقتضيه ~~الأصول المحكمة ، حتى لا يلحقهم حيرة ولا ms1784 تعتريهم شبهة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إذا وقع التعبير من جانب الحق فكل واحد من المستمعين يسمع ما ~~يليق بمقامه ويقويه فيه. فأهل الباطل يسمعون ما يليق بباطلهم ويمدهم فيه ، ~~وأهل الحق يسمعون ما يليق بحقهم ويرقيهم ، فأهل الإيمان يسمعون ما يقوي ~~إيمانهم ويزيدهم يقينا ، وأهل الوصول يسمعون ما يليق بمقامهم ويرقيهم فيه ، ~~وهكذا. وتأمل قضية الثلاثة الذين # 426 # سمعوا قائلا يقول : يا سعترا بري. فسمع أحدهم : اسع تر بري ، وسمع الآخر ~~: الساعة ترى بري... وسمع الثالث : ما أوسع بري ، فالأول : طالب للوصول ، ~~فقال له : اسع ترى بري ، والثاني : سائر مستشرف على الوصول ، فقال له : ~~الساعة ترى بري ، والثالث : واصل قد اتسع عليه ميدان النعم ، فقال له : ما ~~أوسع بري. وكل من قدم على الأولياء فإنما يسمع حسب ما عنده ؛ فمن قدم عليهم ~~بالميزان لا يسمع إلا ما يبعده ، ومن قدم بالتصديق والتعظيم لا يسمع ولا ~~يرى إلا ما يقربه من الكمالات والأنوار. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 424 PageV04P637 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولا يزال الذين كفروا في مرية} : شك {منه} ؛ من ~~القرآن ، أو الصراط المستقيم ، {حتى تأتيهم الساعة بغتة} : فجأة ، {أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم} ، وهو عذاب يوم القيامة ، كأنه قيل : حتى تأتيهم ~~الساعة أو عذابها ، فزاد " اليوم العقيم " ؛ لمزيد التهويل. واليوم العقيم ~~: الذي لا يوم بعده ، كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام ، فما لا يوم بعده ~~يكون عقيما. وقيل : اليوم العقيم : يوم بدر ، فهو عقيم عن أن يكون للكافرين ~~فيه فرح أو راحة ، كالريح العقيم ؛ لا تأتي بخير ، أو لأنه لا مثل له في ~~عظم أمره ؛ لقتال الملائكة فيه ، ولكن لا يساعده ما بعده ، من قوله : ~~{الملك يومئذ لله} أي : السلطان القاهر ، والتصرف التام ، يومئذ لله وحده ، ~~ولا منازع له فيه ، ولا تصرف لأحد معه ، لا حقيقة ولا مجازا ، ولا صورة ولا ~~معنى ، كما في الدنيا ، فإن للبعض فيه تصرفا مجازيا صوريا. {يحكم بينهم} أي ~~: بين فريق أهل المرية وأهل الإيمان. # ثم بين حكمه ms1785 فيهم ، فقال : {فالذين آمنوا} بالقرآن الكريم ولم يماروا فيه ~~، {وعملوا الصالحات} امتثالا لما أمر به في تضاعيفه {في جنات النعيم} ، ~~{والذين كفروا} بالقرآن وشكوا فيه ، أو بالبعث والجزاء ، {وكذبوا بآياتنا} ~~الدالة على كمال قدرتنا أو القرآن ، {فأولئك لهم عذاب مهين} ، يهينهم ~~ويخزيهم. # ثم خص قوما من الفريق الأول بفضيلة ، فقال : {والذين هاجروا في سبيل ~~الله} : خرجوا من أوطانهم مجاهدين ، {ثم قتلوا} في الجهاد ، {أو ماتوا} حتف ~~أنفهم ، # 427 PageV04P638 ~~{ليرزقنهم الله رزقا حسنا} ، وهو ما لا ينقطع من نعيم الجنان. ومراتب الحسن ~~متفاوتة ، فيجوز تفاوت حال المرزوقين ، حسب تفاوت أرزاق الجنة. روي أن بعض ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : يا نبي الله ؛ هؤلاء الذين قتلوا ~~في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ، ونحن نجاهد معك كما ~~جاهدوا ، فما لنا معك ؟ فنزلت : {والذين هاجروا...} الآيتين. وقيل : نزلت ~~في طوائف ، خرجوا من مكة إلى المدينة ، فتبعهم المشركون فقتلوهم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 427 # ثم قال تعالى : {وإن الله لهو خير الرازقين} ، فإنه يرزق بغير حساب ، مع ~~أن ما يرزقه لا يقدر عليه غيره ، {ليدخلنهم مدخلا يرضونه} ، وهو الجنة ؛ ~~لأن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، قيل : لما ذكر الرزق ذكر المسكن ، ~~{وإن الله لعليم حليم} ، عليم بأحوال من قضى نحبه مجاهدا ، وآمال من مات ~~وهو ينتظره معاهدا ، حليم بإمهال من قاتلهم معاندا. # الإشارة : من لم يصحب العارفين أهل الرسوخ واليقين ، لا يمكن أن تنقطع ~~عنه خواطر الشكوك والأوهام ، حتى يلقى الله بقلب سقيم ، فيفضي إلى الهوان ~~المقيم. والذين هاجروا في طلب محبوبهم لتكميل يقينهم ، ثم قتلوا قبل الوصول ~~، أو ماتوا بعد الوصول ، ليرزقنهم الله جميعا رزقا حسنا ، وهو لذة الشهود ~~والعيان ، في مقعد صدق مع المقربين ، {وإن الله لهو خير الرازقين}. والمدخل ~~الذي يرضونه : هو القرب الدائم ، والشهود المتصل. جعلنا الله من خواصهم ~~بمنه وكرمه. # جزء : 4 رقم الصفحة : 427 # قلت : {ذلك} : خبر ، أي : الأمر ذلك. و{من عاقب} : شرط سد مسد جوابه ، أي ~~: من عاقب بمثل ما عوقب ms1786 به ينصره الله. PageV04P639 # يقول الحق جل جلاله : {ذلك} أي : الأمر ذلك ، كما أخبرتك في بيان الفريقين ~~، ثم استأنف فقال : {ومن عاقب بمثل ما عوقب به} أي : لم يزد في القصاص على ~~ما فعل به ، وسمى الابتداء عقابا ؛ للمشاكلة ولملابسته له ، من حيث إنه سبب ~~له وهو مسبب عنه. {ثم بغي عليه لينصرنه الله} أي : من جازى بمثل ما فعل به ~~من الظلم ، ثم ظلم ، # 428 # بعد ذلك ، وبغي عليه بعد ذلك ، فحق على الله أن ينصره ؛ {إن الله لعفو} ~~يمحو آثار الذنوب ، {غفور} يستر أنواع العيوب. # ومناسبة الوصفين لما قبلهما : أن المعاقب مأمور بالعفو من عند الله ، ~~بقوله {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى : 40] ، {ولمن صبر وغفر إن ~~ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى : 43] ، فحين لم يفعل ذلك ، وانتصر لنفسه ، ~~فكأنه مذنب ، فمعنى العفو في حقه أنه لا يلزمه على ترك الفضل شيء ، وأنه ~~ضامن لنصره في الكرة الثانية ، إذا ترك العفو وانتقم من الباغي عليه ، وعرض ~~، مع ذلك ، بما كان أولى به من العفو بذكر هاتين الصفتين. # ثم ذكر دلائل قدرته على النصر وغيره بقوله : {ذلك بأن الله يولج الليل في ~~النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير} أي : ذلك النصر للمظلوم ~~بسبب أنه قادر على ما يشاء. ومن آيات قدرته أنه {يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل} أي : يدخل أحدهما في الآخر ، فيدخل الليل في النهار ~~إذا طال النهار ، ويدخل النهار في الليل إذا طال الليل ، فيزيد في أحدهما ~~ما ينقص من الآخر. أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما ، بإدخال ~~أحدهما على الآخر ، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير ~~والشر ، والبغي والإنصاف. {وأن الله سميع} لما يقولون ، لا يشغله سمع عن ~~سمع ، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات ، {بصير} بما يفعلون ، ~~فلا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي ، وإن توالت الظلمات. # { PageV04P640 ~~جزء : 4 رقم الصفحة : 428 # ذلك بأن الله هو الحق} الواجب لذاته ، الثابت في نفسه ، الواحد ms1787 في صفاته ~~وأفعاله ، فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان كونه مبديا لكل ما يوجد من ~~الموجودات ، عالما بكل المعلومات. وإذا ثبت أنه الحق فدينه حق ، وعبادته حق ~~، {وأن ما تدعون من دونه} إلها {هو الباطل} ي : المعدوم في حد ذاته. أو ~~الباطل ألوهيته ، {وأن الله هو العلي الكبير} أي : المتعالي عن مدارك ~~العقول ، وعن سمات الحدوث ، أو المرتفع على كل شيء بقهريته ، أو المتعالي ~~عن الأنداد والأشباه ، الكبير شأنا وعظمة وكبرياء ؛ إذ كل شيء يصغر دون ~~كبريائه ، فلا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا ؛ لأن له الوجود المطلق. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : ومن عاقب نفسه وجاهدها وأدبها في أيام اليقظة ، بمثل ما عاقبته ~~وجنت عليه وطغت في أيام الغفلة ، ثم صرعته بعد ذلك وغلبته ؛ لينصرنه الله ~~عليها ، حتى يغلبها ويملكها ، فكلما هاجت عليه هجم عليها ، حتى يملكها ؛ ~~ذلك بأن الله يولج ليل المعصية في نهار الطاعة ، ويولج نهار الطاعة في # 429 # ليل المعصية ، أي : يدخل أحدهما على الآخر ، فلا يزال العبد يعصي ويطيع ~~حتى يمن عليه بالتوبة النصوح. أو يولج ليل المعصية في نفس الطاعة ، فتنقلب ~~الطاعة معصية ، إذا صحبها علو واستكبار. ويولج نهار الطاعة في عين المعصية ~~، فتنقلب طاعة إذا صحبها ذل وافتقار. ذلك بأن الله هو الحق ، وأن ما دونه باطل. # جزء : 4 رقم الصفحة : 428 PageV04P641 ~~قلت : {فتصبح} : عطف على {أنزل} ، والعطف بالفاء أغنى عن الضمير ، وإيثار ~~صيغة الاستقبال ؛ للإشعار بتجدد أثر الإنزال ، وهو الاخضرار واستمراره ، أو ~~لاستحضار صورة الاخضرار ، وإنما لم ينصب جوابا للاستفهام ؛ لأنه لو نصب ~~لبطل الغرض ؛ لأن معناه في الرفع إثبات الاخضرار ، فينقلب في النصب إلى ~~نفيه ، كما تقول لصاحبك : ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر ، إن نصبته نفيت ~~شكره ، وشكوت من تفريطه ، وإن رفعته أثبت شكره. # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يا محمد ، أو يا من يسمع ، {أن الله أنزل ~~من السماء ماء} ؛ مطرا {فتصبح الأرض مخضرة} بالنبات ، بعدما كانت مسودة ~~يابسة ، {إن الله لطيف} بعباده ، أو في ذاته لا يدرك ، {خبير} بمصالح ms1788 خلقه ~~ومنافعهم ، أو اللطيف المختص بدقائق التدبير ، الخبير بكل جليل وحقير ، ~~قليل وكثير. {له ما في السماوات وما في الأرض} ؛ ملكا وملكا ، قد أحاط بهم ~~؛ قدرة وعلما ، {وإن الله لهو الغني} عن كل شيء ، المفتقر إليه كل شيء ، ~~{الحميد} : المحمود بنعمته ، قبل ثناء من في السماوات والأرض عليه ، أو ~~المستحق للحمد ، أعطى أو لم يعط. # ثم ذكر موجب الحمد من عباده ، فقال : {ألم تر أن الله سخر لكم ما في ~~الأرض} من الأنعام ؛ لتأكلوا منها ، ومن البهائم ؛ لتركبوها في البر ، ~~{والفلك تجري في البحر بأمره} : بقدرته وإذنه ، أي : وسخر لكم المراكب حال ~~كونها جارية في البحر بإذنه ، {ويمسك السماء أن تقع على الأرض} أي : يحفظها ~~من السقوط ، بأن خلقها على هيئة متداعية إلى الاستمساك ، {إلا بإذنه} : إلا ~~بمشيئته ، وذلك يوم القيامة ، وفيه رد لاستمساكها بذاتها ؛ فإنها مساوية ~~لسائر الأجسام في الجسمية ، فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها. {إن الله ~~بالناس لرؤوف رحيم} ؛ حيث هيأ لهم هذه الأسباب لقيام معاشهم ، وفتح لهم ~~أبواب المنافع ، ودفع عنهم أنواع المضار ، فأوضح لهم مناهج الاستدلال ~~بالآيات التكوينية والتنزيلية ، فله الحمد وله الشكر. # 430 PageV04P642 ~~الإشارة : ألم تر أن الله أنزل من سماء المعاني ماء علم الغيوب ، وهو علم ~~أسرار الذات وأنوار الصفات ، أعني : التوحيد الخاص ، فإذا نزل على أرض ~~النفوس ، اهتزت وربت ، واخضرت بالعلوم والمعارف ، إن الله لطيف خبير ، لطيف ~~؛ لسريان معانيه اللطيفة في كل شيء ، خبير ببواطن كل شيء ، فمن كوشف بلطيف ~~معانيه وإحاطة علمه في كل شيء ، وبكل شيء ، حيي قلبه بمعرفة الله ، واخضرت ~~أرض نفسه بأنواع العلوم والمعارف. ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ، ~~يكون عند أمركم ونهيكم ، وفلك الفكرة تجري في بحر التوحيد بأمره ، ويمسك ~~سماء الأرواح أن تقع على أرض الحظوظ إلا بإذنه ، بعد الرسوخ في معرفته ، ~~والتمكين من الفهم عنه ، إن الله بالناس لرؤوف رحيم ؛ حيث فتح لهم باب ~~العلوم ، وهيأ لهم أسباب الفهوم ، وهي الرياضة والتأديب. # جزء : 4 رقم الصفحة : 430 # يقول الحق جل جلاله ms1789 : {وهو الذي أحياكم} بعد أن كنتم جمادا ، عناصر ونطفا ~~في الأصلاب والأرحام ، حسبما فصل في صدر السورة ، {ثم يميتكم} عند مجيء ~~آجالكم ، {ثم يحييكم} عند البعث ، لإيصال جزائكم ، {إن الإنسان لكفور} : ~~لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم ، ودفع عنه من صنوف النقم ، أو لا يعرف ~~نعمة الإيجاد المظهرة للوجود ، ولا نعمة الإمداد الممدة بعد الوجود ، ولا ~~نعمة الإفناء المقربة إلى الموعود ، ولا نعمة الإحياء الموصلة إلى المقصود ~~، وهو التنعم في جوار الملك الودود ، فله الحمد دائما وله الشكر. # الإشارة : وهو الذي أحياكم باليقظة بعد الغفلة ، وبالعلم بعد الجهل ، ثم ~~يميتكم عن حظوظ نفوسكم وهواها ، ثم يحييكم بالمعرفة به ، حياة لا موت بعدها ~~، فمن لم يعرف هذا فهو كنود. # جزء : 4 رقم الصفحة : 430 # 431 PageV04P643 ~~يقول الحق جل جلاله : {لكل أمة} من الأمم الخالية والباقية {جعلنا} أي : ~~وضعنا ، وعينا {منسكا} : شريعة خاصة يتمسكون بها ، أي : عينا كل شريعة لأمة ~~معينة من الأمم ، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة ~~أخرى ، لا استقلالا ولا اشتراكا ، فكل جيل لهم شرع مخصوص ، {هم ناسكوه} : ~~عاملون به ، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام ~~- منسكهم التوراة ، هم عاملون به لا غيرهم. والتي كانت من مبعث عيسى عليه ~~السلام إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم منسكهم الإنجيل ، هم ناسكوه ~~وعاملون به. وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~ومن بعدهم إلى يوم القيامة ؛ فهم أمة واحدة ، منسكهم القرآن ، ليس إلا. # والفاء في قوله : {فلا ينازعنك في الأمر} لترتيب ما بعدها على ما قبلها ؛ ~~فإن تعيين كل أمة بشرع مخصوص ، يجب اتباعه ، يوجب اتباع هؤلاء الموجودين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم منازعتهم له في أمر الدين ، أي : فلا ~~يجادلنك في أمر الدين ، بل يجب عليهم الاستسلام والانقياد لكل أمر ونهي. أو ~~: فلا تلتفت إلى قولهم ، ولا تمكنهم من أن ينازعوك في الأمر ، أي : أمر ~~الدين أو أمر الذبائح. قيل : نزلت حين قال المشركون للمسلمين ms1790 : ما لكم ~~تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتله الله ؟ يعني : الميتة ، فأمر الله ~~بالغيبة عنهم ، وعدم الالتفات إلى قولهم. {وادع إلى ربك} أي : دم على ~~الدعاء إلى الله ، والتمسك بدينه القويم ؛ {إنك لعلى هدى مستقيم} : طريق ~~قويم موصل إلى الحق. PageV04P644 # {وإن جادلوك} بعد ظهور الحق ؛ مراء وتعنتا ، كما يفعله السفهاء ، بعد ~~اجتهادك ألا يكون بينك وبينهم تنازع وجدال ، {فقل الله أعلم بما تعملون} أي ~~: فلا تجادلهم ، وادفعهم بهذا القول ، والمعنى : إن الله عالم بأعمالكم وما ~~تستحقون عليها من الجزاء ، فهو يجازيكم به. وهذا وعيد وإنذار ، ولكن برفق ~~ولين ، يجيب به العاقل كل متعنت سفيه. قال تعالى : {الله يحكم بينكم يوم ~~القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين ، وهو خطاب من الله تعالى ~~للمؤمنين والكافرين ، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان يلقى منهم. # { # جزء : 4 رقم الصفحة : 431 # ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} ، الاستفهام للتقرير ، أي : ~~قد علمت أن الله يعلم كل ما يحدث في السماء والأرض ، ولا يخفى عليه شيء من ~~الأشياء ، ومن جملتها : ما تقوله الكفرة وما يعملونه ، {إن ذلك في كتاب} ؛ ~~في اللوح المحفوظ ، {إن ذلك على الله يسير} أي : علمه بجميع ذلك عليه يسير ~~، فلا يخفى عليه معلوم ، ولا يعسر عليه مقدور. {ويعبدون من دون الله} أي : ~~متجاوزين إياه ، مع ظهور دلائل عظمته وقدرته وتوحيده ، {ما لم ينزل به ~~سلطانا} : حجة وبرهانا ، {وما ليس لهم به علم} أي : وما ليس لهم بجواز ~~عبادته علم ؛ من ضرورة أو استدلال ، أي : لم يتمسكوا في # 432 # عبادتهم لها ببرهان سماوي من جهة الوحي ، ولا حملهم عليها دليل عقلي ، بل ~~لمجرد التقليد الرديء ، {وما للظالمين من نصير} أي : وما للذين ارتكبوا مثل ~~هذا الظلم العظيم من أحد ينصرهم ، أو يصوب مذهبهم ، أو يدفع العذاب عنهم ، ~~حين يعتريهم بسبب ظلمهم. والله تعالى أعلم. PageV04P645 # الإشارة : كما اختلفت الشرائع باختلاف الملل ، اختلفت التربية باختلاف ~~الأشخاص والأعصار ، وقد تقدم عند قوله {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} ms1791 ~~[المائدة : 48]. وجملتها ترجع إلى الهمة والحال ، وبهما كانت التربية في ~~الصدر الأول ، فكانت الملاقاة والصحبة تكفي ، ويحصل التهذيب والتصفية وكمال ~~المعرفة. وذلك في زمان الصحابة والتابعين إلى القرن الثالث ؛ لقربهم من ~~النور النبوي. فلما بعد الأمر ، وأظلمت القلوب ، أحدثوا تربية الاصطلاح ، ~~وهو التزيي بزي مخصوص ، كالمرقعة وحمل السبحة في العنق ، والركوة ، وغير ~~ذلك من مسائل التجريد ، وترتيب أمور تموت بها النفوس وتعالج بها القلوب ، ~~واستعمال أوراد مخصوصة ، فكانت التربية حينئذ بالهمة والحال والاصطلاح. وقد ~~تحصل التربية لمن له الهمة والحال بغير اصطلاح ، إذا رآه ينجع فيه ذلك ، ~~فبقي الأمر كذلك إلى القرن التاسع ، فتصدى للتربية بالاصطلاح قوم مدعون ، ~~لا همة لهم ولا حال ، فقال الحضرمي حسما لهذه الدعوى : قد انقطعت التربية ~~بالاصطلاح ، وما بقي إلا الهمة والحال ، فعليكم بالكتاب والسنة ، أي : ~~بظاهر الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان ، يعني طريق الأحوال ~~والاصطلاح. ومراده بذلك : قطع التربية بالاصطلاح من غير همة ولا حال. وأما ~~من له الهمة والحال فلا يقصد الحضرمي قطع تربيته بالاصطلاح. والحاصل : أن ~~الحضرمي ما حكم إلا على وقته ؛ لما رأى من الفساد الذي دخل في التربية. وق ~~وجد بعده رجال مربون بالاصطلاح مع الهمة والحال. والمراد بالهمة : العلم ~~بالله على نعت الشهود والعيان ، وبالحال : إنهاض القلوب عند رؤيته لذكر ~~الله ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " خيركم من إذا رؤوا ذكر الله " ~~ولا بد من إذن خاص من الشيخ ، أو من يقوم مقامه ، وإلا فلا تنجح تربيته ، ~~ولا ينهض حاله. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 431 PageV04P646 ~~فإن تأهلت للتربية بإذن خاص ، فلا ينازعنك في الأمر ، أي : لا تلفت إلى من ~~ينازعك ويحتج عليك بانقطاع التربية ؛ تعنتا وعنادا. وادع إلى ربك ، إنك ~~لعلى هدى مستقيم. قال القشيري : قوله : {وإن جادلوك...} الخ ، أي : كلهم ~~إلينا ، عندما راموا أمر الجدال ، ولا تتكل على ما تختاره من الاحتيال ، ~~واحذر جنوح قلبك إلى الاستغاثة بالأمثال والأشكال ؛ فإنهم قوالب خاوية. ~~وأشباح من رؤية المعاني خالية. ه. ويوم القيامة يظهر المحق من المبطل ms1792 ، ~~ويقال في شأن من يعبد هواه : {ويعبدون من دون الله...} الآية. # 433 # جزء : 4 رقم الصفحة : 431 # قلت : {وإذا تتلى} : عطف على {يعبدون} ، وصيغة المضارع ؛ للدلالة على ~~الاستمرار التجددي. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا تتلى عليهم} أي : على المشركين {آياتنا} ~~القرآنية ، حال كونها {بينات} : واضحات الدلالة على العقائد الحقية ، ~~والأحكام الصادقة ، {تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر} أي : الإنكار ~~بالعبوس والكراهة ، فالمنكر : مصدر بمعنى الإنكار. {يكادون يسطون} : يبطشون ~~، والسطو : الوثب والبطش ، أي : يثبون على الذين {يتلون عليهم آياتنا} ؛ من ~~فرط الغيظ والغضب ، والتالون هم : النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. {قل} ~~لهم : {أفأنبئكم بشر من ذلكم} ؛ من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم ، أو ~~مما أصابكم من الكراهة والضجر ، بسبب ما يتلى عليكم ، هو {النار وعدها الله ~~الذين كفروا} مثلكم ، {وبئس المصير} النار ، التي ترجعون إليها مخلدين. # الإشارة : من شأن أهل العتو والتكبر أنهم إذا وعظهم الفقراء عنفوا ~~واستنكفوا ، ويكادون يسطون عليهم من شدة الغضب ، فما قيل لكبراء الكفار يجر ~~ذيله على من تشبه بهم من المؤمنين. # جزء : 4 رقم الصفحة : 433 PageV04P647 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس ضرب مثل} أي : يبين لكم حال مستغربة ، ~~أو قصة بديعة رائقة حقيقة بأن تسمى مثلا ، وتنشر في الأمصار والأعصار ، ~~{فاستمعوا له} ؛ لضرب هذا المثل ؛ استماع تدبر وتفكر ، وهو : {إن الذين ~~تدعون} ، وعن يعقوب : بياء الغيبة ، أي : إن الذين تدعونهم آلهة وتعبدونهم ~~{من دون الله لن يخلقوا ذبابا} أي : لن يقدروا على خلقه أبدا ، مع صغره ~~وحقارته. و{لن} : لتأبيد النفي ، فتدل على استحالته ، {ولو اجتمعوا له} أي ~~: الذباب. ومحله : نصب على الحال ، كأنه قال : # 434 # لا يقدرون على خلقه مجتمعين له ، متعاونين عليه ، فكيف إذا كانوا منفردين ~~؟ ! وهذا أبلغ ما أنزل في تجهيل قريش ، حيث وصفوا بالألوهية - التي من ~~شأنها الاقتدار على جميع المقدورات ، والإحاطة بكل المعلومات - صورا ~~وتماثيل ، يستحيل منها أن تقدر على أضعف ما خلقه الله تعالى وأذله ، ولو ~~اجتمعوا له. # {وإن يسلبهم الذباب شيئا} من الطيب وغيره ، {لا يستنقذوه منه} ms1793 أي : هذا ~~الخلق الأرذل الأضعف ، لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه ، ~~لم يقدروا وعن ابن عباس رضي الله عنه : أنهم كانوا يطلونها بالعسل والطيب ، ~~ويغلقون عليها الأبواب ، فيدخل الذباب من الكوي فيأكله ، فتعجز الأصنام عن ~~أخذه. {ضعف الطالب} : الصنم بطلب ما سلب منه ، {والمطلوب} : الذباب بما ~~سلب. وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف ، ولو حققت لوجدت الطالب ~~أضعف وأضعف ؛ فإن الذباب حيوان والصنم جماد. PageV04P648 # {ما قدروا الله حق قدره} : ما عرفوه حق معرفته ، حيث جعلوا هذا الصنم ~~الضعيف شريكا له ، {إن الله لقوي عزيز} أي : قادر غالب ، فكيف يتجه أن يكون ~~العاجز المغلوب شبيها له! أو لقوي ينصر أولياءه ، عزيز ينتقم من أعدائه. ~~بعد أن ذكر تعالى أنهم لم يقدروا له قدرا ؛ حيث عبدوا معه من هو منسلخ من ~~صفاته ، وسموه باسمه مع عجزه. ختم بصفتين منافيتين لصفات آلهتهم ؛ وهي ~~القوة والغلبة. والله تعالى أعلم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 434 # الإشارة : كل من تعلق في حوائجه بغير الله أو ركن بالمحبة إلى شيء سواه ، ~~فقد أشرك مع الله أضعف شيء وأقله. فماذا يجدي تعلق العاجز بالعاجز ، ~~والضعيف بالضعيف ، ضعف الطالب والمطلوب. فما قدر الله حق قدره من تعلق في ~~أموره بغيره. قال الورتجبي : بين سبحانه - بعد ذكر عجز الخلق والخليقة - ~~جلال قدره الذي لا يعرفه غيره ، بقوله : ما قدروا الله حق قدره ، قال : ~~وهذه شكاية عن إشارة الخلق إليه بما هو غير موصوف به ، فذكر غيرته ؛ إذ ~~أقبلوا إلى غير من هو موصوف بالقوة الأزلية والعزة السرمدية. ألا ترى كيف ~~قال : {إن الله لقوي عزيز}. # جزء : 4 رقم الصفحة : 434 # يقول الحق جل جلاله : {الله يصطفي} : يختار {من الملائكة رسلا} يرسلهم ~~إلى صفوة خلقه ، كجبريل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم ، {ومن الناس} ، كإبراهيم وموسى # 435 PageV04P649 ~~وعيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يعرفون بجلال الله ومعرفة قدره ، حتى ~~يقدروه حق قدره باعتبارهم لا باعتباره ؛ فإن الله تعالى لا يمكن لأحد أن ~~يقدره حق قدره. قال سيد العارفين : " لا ms1794 أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت ~~على نفسك ". وقيل : نزلت ؛ ردا لما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر ، ~~وبيانا أن رسل الله على ضربين : ملك وبشر. وقيل : نزلت في قولهم : {أأنزل ~~عليه الذكر من بيننا} [ص : 8]. {إن الله سميع بصير} أي : سميع لقولهم ، ~~بصير بمن يختاره للرسالة. أو سميع لأقوال الرسل ، بصير بأحوال الأمم في ~~الرد والقبول. {يعلم ما بين أيديهم} : ما مضى ، {وإلى الله ترجع الأمور} أي ~~: إليه مرجع الأمور كلها ، وليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدبيره ~~واختياره من شاء من رسله. والله تعالى أعلم. # الإشارة : شرب الخمرة ، وهي المحبة الحقيقية والمعرفة الكاملة ، لا تكون ~~إلا على أيدي الوسائط ، والنادر لا حكم له ، فالأنبياء وسائطهم الملائكة ، ~~والأولياء وسائطهم خلفاء الأنبياء ، وهم أهل العلم بالله الذوقي العياني. ~~وقال الورتجبي - إثر ما تقدم عنه - : فالملائكة وسائط الأنبياء ، والأنبياء ~~وسائط العموم ، والأولياء للأولياء خاصة. ه. وتوسيط الأنبياء للعموم في ~~مطلق المحبة ، وتعليم ما يقرب إليها ، وأما المحبة الحقيقية فهي خاصة ~~بالأولياء للأولياء ، كما قال. وبالله التوفيق. # جزء : 4 رقم الصفحة : 435 # قلت : {ملة أبيكم} : منصوب بمحذوف ، أي : اتبعوا ملة إبراهيم. PageV04P650 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} في صلاتكم ، ~~وكانوا أول ما أسلموا يصلون بلا ركوع وسجود ، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع ~~وسجود ، وفيه دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان ، وأن هذه السجدة للصلاة ~~لا للتلاوة ، قاله النسفي. {واعبدوا ربكم} أي : واقصدوا بعبادتكم وجه الله ~~، وأخلصوا فيها ، أو هو عطف عام على خاص ؛ فإن العبادة أعم. {وافعلوا ~~الخير} كله. قيل : لما كان للذكر مزية على غيره دعا المؤمنين أولا للصلاة ~~التي هي ذكر خالص ؛ لقوله : {وأقم الصلاة لذكريا} [طه : 14] ، ثم إلى ~~العبادة بغير الصلاة ، كالصوم والحج ، ثم عم # 436 # بالحث على سائر الخيرات. وقال ابن عرفة : وافعلوا الخير : راجع للعبادة ~~المتعدية ، وما قبله يختص بالقاصرة. قال المحشي : وفيه نظر ؛ لشمول العبادة ~~لما هو متعدي النفع ، كتعليم العلم ، والصدقة ونحو ذلك ، بل أمر أولا ~~بالصلاة ، وهي ms1795 نوع من العبادة ، وثانيا بالعبادة ، وهي نوع من فعل الخير ، ~~وثالثا بفعل الخير ، وهو أعم من العبادة. فبدأ بخاص ثم عام ثم بأعم. ه. ~~{لعلكم تفلحون} : كي تفوزوا ، أي : افعلوا هذا كله ، وأنتم راجون للفلاح ~~غير مستيقنين ، فلا تتكلوا على أعمالكم. # {وجاهدوا في الله} أي : في ذات الله ومن أجله {حق جهاده} ، أمر بالغزو ~~وبمجاهدة النفس والهوى ، وهو الجهاد الأكبر ، ومنه : كلمة حق عند أمير ~~جائر. قال - عليه الصلاة والسلام - : " أعمال البر كلها ، إلى جنب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ، كنفثة إلى جنب البحر ، والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر إلى جنب الجهاد في سبيل الله عز وجل كنفثة في بحر ، والجهاد في ~~سبيل الله عز وجل إلى جنب مجاهدة النفس عن هواها في اجتناب النهي ، كنفثة ~~في جنب بحر لجي " وهذا على معنى الخبر الذي جاء : " جئتم من الجهاد الأصغر ~~إلى الجهاد الأكبر " يعني : مجاهدة النفس. قاله في القوت. # جزء : 4 رقم الصفحة : 436 PageV04P651 ~~قال القشيري : حق الجهاد ما يوافق الأمر في القدر والوقت والنوع ، فإذا حصل ~~في شيء منه مخالفة فليس حق جهاده. ه. قلت : موافقة القدر ، في جهاد النفس ، ~~أن يكون بغير إفراط ولا تفريط ، فالإفراط يمل ، والتفريط يخل ، وموافقة ~~الوقت أن يكون قبل حصول المشاهدة ؛ إذ لا تجتمع مجاهدة ومشاهدة في وقت ~~واحد. والنوع أن يجاهدها بما يباح في الشرع ، لا بمحرم ولا مكروه. وقال في ~~الحاشية : هو الوفاء بالمشروع مع رفع الحرج ، بدليل ما بعده ، فهو موافق ~~لقوله تعالى : {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن : 16] ، ومما هو ظاهر في ~~الآية : الذب عن دينه وتغيير المناكر. ه. # {هو اجتباكم} : اختاركم لدينه بإظهاره والذب عنه ، وهو تأكيد للأمر ~~بالجهاد ، أي : وجب عليكم أن تجاهدوا ؛ لأن الله اختاركم لإظهار دينه ، ~~{وما جعل عليكم في الدين من حرج} : ضيق ، بل وسع عليكم من جميع ما كلفكم به ~~، من الطهارة ، والصلاة والصوم والحج ، بالتيمم والإيماء ، وبالقصر في ~~السفر ، والإفطار لعذر ، وعدم الاستطاعة في الحج. فاتبعوا {ملة أبيكم ~~إبراهيم} ؛ فإن ما جاءكم به ms1796 رسولكم موافق لملته في الجملة ، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم : " جئتكم بالحنيفية السمحة ". وسماه أبا ، وإن لم يكن أبا للأمة ~~كلها ؛ لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبا لأمته ؛ لأن أمة ~~الرسول في حكم أولاده. قال صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا لكم مثل الوالد ". # 437 PageV04P652 ~~{هو سماكم المسلمين} أي : الله ، بدليل قراءة أبي : " الله سماكم " أو ~~إبراهيم لقوله : {ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك} [البقرة : 128] {من قبل} أي : ~~سماكم من قبل ظهورهم في الكتب السالفة ، {وفي هذا} أي : القرآن ، فقد فضلكم ~~على سائر الأمم ، وسماكم بهذا الاسم الأكرم ، {ليكون الرسول شهيدا عليكم} ~~أنه قد بلغكم رسالة ربكم ، {وتكونوا شهداء على الناس} بتبليغ الرسل رسالات ~~الله إليهم. وإذا خصكم بهذه الكرامة والأثرة {فأقيموا الصلاة} بواجباتها ، ~~{وآتوا الزكاة} لشرائطها ، {واعتصموا بالله} أي ثقوا به وتوكلوا عليه ، لا ~~بالصلاة والزكاة. أو : ثقوا به في جميع أموركم ، ولا تطلبوا الإعانة والنصر ~~إلا منه. {هو مولاكم} : مالككم وناصركم ومتولي أموركم ، {فنعم المولى} ؛ ~~حيث لم يمنعكم رزقكم بعصيانكم ، {ونعم النصير} أي : الناصر ؛ حيث أعانكم ~~على طاعتكم ومجاهدة نفوسكم وأعدائكم. # جزء : 4 رقم الصفحة : 436 # الإشارة : يا أيها الذين آمنوا تقربوا إلي بأنواع الطاعات وبالمسارعة إلى ~~الخيرات ، لعلكم تفوزون بمعرفة أسرار الذات وأنوار الصفات ، وجاهدوا نفوسكم ~~بأنواع المجاهدات ، كي أجتبيكم وأنزهكم في أسرار ذاتي ، فإني قد اجتبيتكم ~~قبل كونكم في أزل أزلي. وكأنه يشير إلى قوله : " لا يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به... " الحديث. # والمأمور به من التقرب والمجاهدة قدر الاستطاعة ، من غير تشديد ولا تعقيد ~~، لقوله : {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ؛ لأن مبني الشرع الكريم على ~~السهولة ، فالذي يتوصل إلى رضوانه أو صريح معرفته ، لا يشترط أن يستغرق كنه ~~إمكان العبد فيه. " لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك ومحو دعاويك ، ~~لم تصل إليه أبدا ، ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه غطى وصفك بوصفه ، ونعتك ~~بنعته ، فوصلك بما منه إليك ، لا ms1797 بما منك إليه ". كما في الحكم. PageV04P653 # وقال الورتجبي : {وما جعل...} الآية ، أي : إذا شاهدتم مشاهد جمالي سهل ~~عليكم فناؤكم في جلالي ، وسهل عليكم بذل مهجكم إليه. ألا ترى كيف قال : ~~{ملة أبيكم إبراهيم} ، ومن ملته : الاستسلام والانقياد ، وبذل الوجوه بنعت ~~السخاء والكرم ، يا أسباط خليلي ، رأى أبوكم استعداد هذه المراتب الشريفة ~~فيكم ، قبل وجودكم بنور النبوة ، فسماكم المسلمين ، أي : منقادين بين يدي ، ~~عارفين بوحدانيتي. وفيما ذكرنا من أوصافكم ، حبيبي شاهد عليكم ، يعرف هذه ~~الفضائل منكم ، وهو بلغكم نشر فضائلي عليكم. ثم قال : اطلبوا الاعتصام مني ~~، استعينوا لأقويكم في طاعتي. ثم قال : {فنعم # 438 # المولى} حيث لا مولى غيره ، {ونعم النصير} حيث لا يخذل من نصره ؛ فإن ~~الله عزيز ممتنع من نقائص النقص. قال جعفر في قوله : {حق جهاده} : ألا ~~تختار عليه شيئا ، كما لم يختر عليك ؛ لقوله : {هو اجتباكم}. ه. # وقوله تعالى : {وتكونوا شهداء على الناس...} الآية ، أي : اجتباكم ~~واختاركم وسماكم مسلمين ، لتكونوا مرضيين عدولا ، تشهدون على الأمم ، كما ~~يشهد محمد صلى الله عليه وسلم عليكم ويزكيكم ، فهو كقوله تعالى : {جعلناكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهدآء} [البقرة : 143] الخ. وإذ قد خصكم بهذه الكرامة ~~والأثرة فاعبدوه وثقوا به ، ولا تطلبوا الولاية والنصرة إلا منه فهو خير ~~ولي وناصر ، ومن كان الله تعالى مولاه وناصره فقد أفلح وفاز ، ولذلك افتتح ~~السورة التي تليها به. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. # 439 # جزء : 4 رقم الصفحة : 436 PageV04P654 ### | AUTO سورة المؤمنون # جزء : 5 رقم الصفحة : 3 # يقول الحق جل جلاله : {قد أفلح المؤمنون} أي : فازوا بكل مطلوب ، ونالوا ~~كل مرغوب ، فالفلاح : الفوز بالمرام والنجاة من المكاره والآلام ، وقيل : ~~البقاء في الخير على الأبد ، وقد تقتضي ثبوت أمر متوقع ، فهي هنا لإفادة ~~ثبوت ما كان متوقع الثبوت من قبل ، وكان المؤمنون يتوقعون مثل هذه البشارة ~~؛ وهي الإخبار بثبوت الفلاح لهم ، فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. ~~والإيمان في اللغة : التصديق بالقلب ، والمؤمن : المصدق لما جاء به الشرع ، ~~مع الإذعان بالقلب ، وإلا.. فكم من كافر ms1798 صدق بالحق ولم يذعن ، تكبرا وعنادا ~~، فكل من نطق بالشهادتين ، مواطئا لسانه قلبه فهو مؤمن شرعا ، قال عليه ~~الصلاة والسلام : # 3 # " لما خلق الله الجنة ، قال لها : تكلمي ، فقالت : قد أفلح المؤمنون - ~~ثلاثا - أنا حرام على كل بخيل مرائي " ؛ لأنه بالرياء أبطل العبادات ~~الدينية ، وليس له أعمال صافية. # ثم وصف أهل الإيمان بست صفات ، فقال : {الذين هم في صلاتهم خاشعون} : ~~خاضعون بالقلب ساكنون بالجوارح ، وقيل : الخشوع في الصلاة : جمع الهمة ، ~~والإعراض عما سواها ، وعلامته : ألا يجاوز بصره مصلاه ، وألا يلتفت ولا ~~يعبث. وعن أبي الدرداء : (هو إخلاص المقال ، وإعظام المقام ، واليقين التام ~~، وجمع الاهتمام). وأضيفت الصلاة إلى المصلين ؛ لانتفاع المصلي بها وحده ، ~~وهي عدته وذخيرته ، وأما المصلى له فغني عنها. PageV05P003 # {والذين هم عن اللغو معرضون} ، اللغو : كل كلام ساقط ، حقه أن يلغى ، ~~كالكذب والشتم ونحوهما. والحق إن اللغو : كل ما لا يعني من الأقوال ~~والأفعال ، وصفهم بالحزم والاشتغال بما يعنيهم وما يقربهم إلى مولاهم في ~~عامة أوقاتهم ، كما ينبىء عنه التعبير بالاسم الدال على الثبوت والاستمرار ~~، بعد وصفه لهم بالخشوع ؛ ليجمع لهم بين الفعل والترك ، الشاقين على النفس ~~، اللذين هما قاعدتا التكليف. {والذين هم للزكاة فاعلون} : مؤدون ، والمراد ~~بالزكاة : المصدر ، الذي هو الإخراج ، لا المخرج. ويجوز أن يراد به العين ، ~~وهو الشيء المخرج ، على حذف مضاف ، أي : لأداء الزكاة فاعلون. وصفهم بذلك ، ~~بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة ؛ للدلالة على أنهم بلغوا الغاية القصوى من ~~القيام بالطاعة البدنية والمالية ، والتجنب عن النقائص ، وتوسيط الإعراض عن ~~اللغو بينهما ؛ لكمال ملابسته بالخشوع في الصلاة ؛ لأن من لزم الصمت ~~والاشتغال بما يعني عظم خشوعه وأنسه بالله. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 3 PageV05P004 ~~والذين هم لفروجهم حافظون} : ممسكون لها ، ويشمل فرج الرجل والمرأة ، {إلا ~~على أزواجهم} ، الظاهر أن " على " بمعنى " عن " أي : إلا عن أزواجهم ، فلا ~~يجب حفظها عنهن ، ويمكن أن تبقى على بابها ، تقول العرب : احفظ علي عنان ~~فرسي ، أي : أمسكه ، ويجوز أن يكون ما بعد الإستثناء حالا ، أي : إلا والين ~~على أزواجهم ، من قولك ms1799 : كان زياد على البصرة ، أي : واليا عليها ، والمعنى ~~: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال ، إلا في حالة تزوجهم أو تسريهم. أو ~~يتعلق " على " بمحذوف يدل عليه : (غير ملومين) ، كأنه قيل : يلامون إلا على ~~أزواجهم ، أي : يلامون على كل مباشرة إلا على ما أبيح لهم ، فإنهم غير ~~ملومين عليه ، {أو ما ملكت أيمانهم} أي : سراريهم ، وعبر عنهن بما ؛ لأن ~~المملوك يجري مجرى غير العقلاء ، لأنه يباع كما تباع البهائم. وقال في ~~الكشاف : وإنما قال " ما " ، ولم يقل " من " ؛ لأن الإناث يجرين مجرى غير ~~العقلاء. ه. يعني : لكونهن ناقصات عقل ، كما في الحديث. وفيه احتراس من ~~الذكور بالملك ، فلا يباح إتيانهم والتمتع بهم للمالك ولا للمالكة ، ~~بإجماع. # 4 # وقوله تعالى : {فإنهم غير ملومين} أي : لا لوم عليهم في عدم حفظ فروجهم ~~عن نسائهم وإمائهم. {فمن ابتغى وراء ذلك} ؛ طلب قضاء شهوته في غير هذين ، ~~{فأولئك هم العادون} : الكاملون في العدوان ، وفيه دليل على تحريم المتعة ~~والاستمتاع بالكف لإرادة الشهوة ؛ لأن نكاح المتعة فاسد ، والمعدوم شرعا ~~كالمعدوم حسا ، ويدل على فساده عدم التوارث فيه بالإجماع ، وكان في أول ~~الإسلام ثم نسخ. PageV05P005 # {والذين هم لأمانتهم وعهدهم} أي : لما يؤتمنون عليه ، ويعاهدون عليه من جهة ~~الحق أو الخلق ، {راعون} : حافظون عليها قائمون بها ، والراعي : القائم على ~~الشيء بحفظ وإصلاح ، كراعي الغنم. {والذين هم على صلواتهم} المفروضة عليهم ~~{يحافظون} : يداومون عليها في أوقاتها. وأعاد الصلاة ؛ لأنها أهم ، ولأن ~~الخشوع فيها زائد على المحافظة عليها ، ووحدت أولا ؛ ليفاد أن الخشوع في ~~جنس الصلاة أية صلاة كانت ، وجمعت ثانيا ؛ ليفاد المحافظة على أنواعها من ~~الفرائض والواجبات والسنن والنوافل. قاله النسفي. # {أولئك} الجامعون لهذه الأوصاف {هم الوارثون} الأحقاء بأن يسموا وارثين ، ~~دون غيرهم ممن ورث رغائب الأموال والذخائر وكرائمها ، وقيل : إنهم يرثون من ~~الكفار منازلهم في الجنة ، حيث فوتوها على أنفسهم ، لأنه تعالى خلق لكل ~~إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار ، ففي الحديث : " ما منكم من أحد إلا ~~وله منزلان : منزل في الجنة ومنزل في النار ، فإن مات ms1800 ودخل الجنة ، ورث أهل ~~النار منزله ، وإن مات ودخل النار ، ورث أهل الجنة منزله ". ثم ترجم ~~الوارثين بقوله : {الذين يرثون الفردوس} ، هو في لغة الروم والحبشة : ~~البستان الواسع ، الجامع لأصناف الثمر ، والمراد : أعلى الجنان ، استحقوا ~~ذلك بأعمالهم المتقدمة حسبما يقتضيه الوعد الكريم ، {هم فيها خالدون} ، أنث ~~الفردوس بتأويل الجنة ، أو لأنه طبقة من طبقاتها ، وهي العليا. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 3 # الإشارة : قال القشيري : الفلاح : الفوز بالمطلوب ، والظفر بالمقصود. ~~والإيمان : انتسام الحق في السريرة ، # 5 PageV05P006 ~~ومخامرة التصديق بخلاصة القلب ، واستكمال التحقيق من تامور الفؤاد. والخشوع ~~في الصلاة : إطراق السر على بساط النجوى ، باستكمال نعت الهيبة ، والذوبان ~~تحت سلطان الكشف ، والانمحاء عند غلبات التجلي. ه. # قلت : كأنه فسر الفلاح والإيمان والخشوع بغايتهن ، فأول الفلاح : الدخول ~~في حوز الإسلام بحصول الإيمان ، وغايته : إشراق شمس العرفان ، وأول الإيمان ~~: تصديق القلب بوجود الرب ، من طرق الاستدلال والبرهان ، وغايته : إشراق ~~أسرار الذات على السريرة ، فيصير الدليل محل العيان ، فتبتهج السريرة ~~بمخامرة الذوق والوجدان ، وأوا الخشوع : تدبر القول فيما يقول ، وحضوره ~~عندما يفعل ، وغايته : غيبته عن فعله في شهود معبوده ، فينمحي وجود العبد ~~عند تجلي أنوار الرب ، فتكون صلاته شكرا لا قهرا ، كما قال سيد العارفين ~~صلى الله عليه وسلم : " أفلا أكون عبدا شكورا ". ولا تتحقق هذه المقامات ~~إلا بالإعراض عن اللغو ، وهو كل ما يشغل عن الله ، وتزكية النفوس ببذلها في ~~مرضاة الله ، وإمساك الجوارح عن محارم الله ، وحفظ الأنفاس والساعات ، التي ~~هي أمانات عند العبد من الله. PageV05P007 # قال في القوت : قال بعض العارفين : إن الله - عز وجل - إلى عبده سرين ~~يسرهما إليه ، يوجده ذلك بإلهام يلهمه ، أحدهما : إذا ولد وخرج من بطن أمه ~~، يقول له : " عبدي ، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا ، واستودعتك عمرك ، ~~ائتمنتك عليه ، فانظر كيف تحفظ الأمانة ، وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك ، " ~~وسر عن خروج روحه ، يقول له : " عبدي ، ماذا صنعت في أمانتي عندك ؟ هل ~~حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية ، فالقاك بالوفاء والجزاء ؟ أو ~~أضعتها فألقاك بالمطالبة ms1801 والعقاب ؟ " فهذا داخل في قوله عز وجل : {والذين ~~هم لأماناتهم وعهدهم راعون} ، وفي قوله عز وجل : {وأوفوا بعهديا أوف ~~بعهدكم} [البقرة : 40] فعمر العبد أمانة عنده ، إن حفظه أدى الأمانة ، وإن ~~ضيعه فقد خان ، {إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال : 58]. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 3 # قلت : " خلق " : إن كان بمعنى اخترع وأحدث ؛ تعدى إلى واحد ، وإن كان ~~بمعنى صير ؛ تعدى إلى مفعولين ، ومنه {ثم خلقنا النطفة علقة} ، ومن بعده. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد خلقنا الإنسان} ؛ جنس الإنسان ، أو آدم ، {من ~~سلالة} ؛ " من " : للابتداء ، والسلالة : الخلاصة ؛ لأنها تسل من بين الكدر ~~، وهو ما سل من الشيء واستخرج منه ، فإن (فعالة) اسم لما يحصل من الفعل ، ~~فتارة يكون مقصودا منه ، كالخلاصة ، وتارة غير مقصود ، كالقلامة والكناسة ، ~~والسلالة من قبيل الأول ؛ فإنها مقصودة بالسل ، وقيل : إنما سمي التراب ~~الذي خلق من آدم سلالة ، لأنه سل من كل تربة. وقوله : (من طين) ، بيان ، ~~متعلقة بمحذوف ، صفة للسلالة ، أي : خلقناه من سلالة كائنة من طين. # 6 PageV05P008 ~~{ثم جعلناه} أي : الجنس ، باعتبار أفراده المتغايرة لآدم عليه السلام ، ~~وجعلنا نسله ، على حذف مضاف ، إن أريد بالإنسان آدم ، فيكون كقوله تعالى : ~~{وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين} [السجدة : 8 ، ~~7] أي : جعلنا نسله {نطفة} : ماء قليلا {في قرار مكين} أي : في مستقر - وهو ~~الرحم - (مكين) : حصين ، أو متمكن فيه ، وصف الرحم بصفة ما استقر فيه ، مثل ~~طريق سائر ، أي : مسير فيه. # {ثم خلقنا النطفة علقة} أي : دما جامدا ، بأن جعلنا النطفة البيضاء علقة ~~حمراء ، {فخلقنا العلقة مضغة} أي : قطعة لحم لا استبانة ولا تمايز فيها ، ~~{فخلقنا المضغة} أي : غالبها ومعظمها ، أو كلها {عظاما} ، بأن صلبناها ، ~~وجعلناها عمودا على هيئة وأوضاع مخصوصة ، تقتضيها الحكمة ، {فكسونا العظام} ~~المعهودة {لحما} بأن أنبتنا عليها اللحم ، فصار لها كاللباس ، أو كسونا كل ~~عظم من تلك العظام ما يليق به من اللحم ، على مقدار لائق به ، وهيئة ~~مناسبة. وقرئ بالإفراد فيهما ، اكتفاء بالجنس ، وبتوحيد الأول فقط ، ~~وبتوحيد ms1802 الثاني فحسب. {ثم أنشأناه خلقا آخر} أي : خلقا مباينا للخلق الأول ~~، حيث جعله حيوانا ، وكان جمادا ، وناطقا وسميعا وبصيرا ، وكان بضد هذه ~~الصفات ، ولذلك قال الفقهاء : من غصب بيضة فأفرخت عنده ضمن البيضة ، ولم ~~يرد الفرخ ؛ لأنه خلق آخر سوى البيضة. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 6 PageV05P009 ~~فتبارك الله أحسن الخالقين} أي : فتعالى أمره في قدرته الباهرة ، وعلمه ~~الشامل. والالتفات إلى الإسم الجليل ؛ لتربية المهابة ، وإدخال الروعة ، ~~والإشعار بأن ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية ، وللإيذان بأن ~~من حق كل من سمع ما فصل من آثار قدرته تعالى أو لاحظه ، أن يسارع إلى ~~التكلم به ، إجلالا وإعظاما لشؤونه تعالى ، وقوله : (أحسن الخالقين) : بدل ~~اسم الجلالة ، أو نعت ، على أن الإضافة محضة ؛ ليطابقه في التعريف ، أو خبر ~~، أي : هو أحسن الخالقين خلقا ، أي : أحسن المقدرين تقديرا ، فحذف التمييز ~~؛ لدلالة الخالقين عليه. قيل : إن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب الوحي ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلما انتهى - عليه الصلاة والسلام - إلى قوله : ~~{خلقا آخر} ، سارع عبد الله إلى النطق بذلك ، فنطق بذلك ، قبل إملائه ، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " اكتب ، هكذا أنزلت " فشك عبد الله ~~، فقال : إن كان محمد يوحى إليه ، فأنا يوحى إلي ، فارتد ولحق بمكة كافرا ، ~~ثم أسلم يوم الفتح. وقيل : الحكاية غير صحيحة ؛ لأن ارتداده كان بالمدينة ، ~~والسورة مكية. # ثم قال تعالى : {ثم إنكم بعد ذلك} أي : بعد ما ذكر من الأمور العجيبة ، ~~حسبما ينبىء عنه ما في اسم الإشارة من البعد ، المشعر بعلو مرتبة المشار ~~إليه وبعد منزلته في الفضل ، {لميتون} : لصائرون إلى الموت لا محالة ، كما ~~يؤذن به صيغة الصفة ، وقرئ " المائتون " ، {ثم إنكم يوم القيامة} أي : عند ~~النفخة ، {تبعثون} في قبوركم للحساب # 7 # والمجازاة ، فإن قلت : لم أكد الأول بإن واللام ، وعبر بالاسم دون الثاني ~~، الذي هو البعث ، والمتبادر للفهم العكس ؛ لأن الموت لم ينكره أحد ، ~~والبعث أنكره الكفار والحكماء ؟ فالجواب كما قال ابن عرفة : إنه من حمل ~~اللفظ على ms1803 غير ظاهره ، مثل : # جاء شقيق عارضا رمحه PageV05P010 ~~إن بني عمك فيهم رماح # فهم ، لعصيانهم ومخالفتهم ، لم يعملوا للموت ، فحالهم كحال المنكر لها ، ~~ولما كانت دلائل البعث ظاهرة صار كالأمر الثابت الذي لا يرتاب فيه. ه. # الإشارة : اعلم أن الروح لها أطوار كأطوار البشرية ، من الضعف والقوة ~~شيئا فشيئا ، باعتبار قوة اليقين ، والترقي إلى العلم بالله ومشاهدته ، ~~فتكون أولا صغيرة العلم ، ضعيفة اليقين ، تم تتربى بقوت القلوب وغذاء ~~الأرواح ؛ فقوت القلوب : العمل الظاهر ، وقوت الأرواح : العمل الباطن ، فلا ~~تزال تتقوت بالعمل الظاهر شيئا فشيئا حتى تقوى على كمال غايته ، ثم تنتقل ~~إلى قوت العمل الباطن ؛ كالذكر القلبي ، والتفكر والاعتبار ، وجولان القلب ~~في ميادين الأغيار ، ثم دوام حضور القلب مع الحق على سبيل الاستهتار ، ثم ~~يفتح لها ميادين الغيوب ، ويوسع عليها فضاء الشهود ، فيكون قوتها حينئذ ~~رؤية المحبوب ، وهو غاية المطلوب ، فتبلغ مبلغ الرجال ، وتحوز مراتب الكمال ~~، ومن لم يبلغ هذا بقي في مرتبة الأطفال ، ولا يمكن حصول هذا إلا بصحبة ~~طبيب ماهر ، يعالجها ويربيها ، وينقلها من طور لى طور ، وإلا بقيت الروح ~~مريضة لا تتقوت إلا بالمحسوسات ، وهي لا تشبع ولا تغني من جوع. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 6 # قلت : " سيناء " ، من فتحها : جعل همزتها للتأنيث ، فلم يصرفه ؛ للتأنيث ~~والوصف ، كحمراء ، أو لألف التأنيث ، لقيامه مقام علتين ، ومن كسرها : لم ~~يصرفه ؛ للتعريف والعجمة ، وهذا البناء ليس من أبنية التأنيث ، وإنما ألفه ~~ألف الإلحاق ، كعلباء وجرباء. # ونبت وأنبت : لغتان بمعنى واحد وكذلك سقى وأسقى. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} ، وهي السموات السبع ، # 8 PageV05P011 ~~جمع طريقة ؛ لأنها طرق الملائكة وتقلباتها ، وطرق الكواكب ، فيها مسيرها ، ~~{وما كنا عن الخلق غافلين} ، أراد بالخلق السموات ، كأنه قال : خلقناها وما ~~غفلنا عن حفظها وإمساكها ، أو الناس ، أي : خلقناها فوقكم ؛ لنفتح عليكم ~~منها الأرزاق والبركات ، وما كنا غافلين عنكم وعما يصلحكم ، أو : خلقناها ~~فوقكم ، وما حالت بيننا وبينكم ، بل نحن أقرب إليكم من كل شيء ، فلا نغفل ~~عن شيء من أمركم ، قل ms1804 أو جل. # {وأنزلنا من السماء ماء} هو المطر ، وقيل : الأنهار النازلة من الجنة ، ~~وهي خمسة : سيحون نهر الهند ، وجيحون نهر بلخ ، ودجلة والفرات نهرا العراق ~~، والنيل نهر مصر ، أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة. ه. ~~وقوله تعالى ؛ {بقدر} أي : بتقدير ، يسلمون معه من المضرة ، ويصلون إلى ~~المنفعة ، أو بمقدار ما علمنا بهم من الحاجة ، أو : بقدر سابق لا يزيد عليه ~~ولا ينقص ، {فأسكناه في الأرض} أي : جعلناه ثابتا قارا فيها ، كقوله : ~~{فسلكه ينابيع فى الأرض} [الزمر : 21] ، فماء الأرض كله من السماء ، {وإنا ~~على ذهاب به} أي : إزالته بالإفساد والتغوير ، حيث يتعذر استنباطه ، ~~{لقادرون} كما كنا قادرين على إنزاله ، وفي تنكير " ذهاب " : إيماء إلى ~~كثرة طرقه ، ومبالغة في الإيعاد به ، ولذلك كان أبلغ من قوله : {قل أرأيتم ~~إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم بمآء معين} [الملك : 30]. # جزء : 5 رقم الصفحة : 8 PageV05P012 ~~ثم ذكر نتائجه ، فقال : {فأنشأنا لكم به} أي : بذلك الماء {جنات من نخيل ~~وأعناب لكم فيها} أي : في الجنات ، {فواكه كثيرة} تتفكهون بها سوى النخيل ~~والأعناب ، {ومنها تأكلون} أي من الجنات تأكلون تغذيا ، وتفكها ، أو ترزقون ~~وتحصلون معايشكم ، من قولهم : فلان يأكل من حرفته ، وهذه الجنة وجوه ~~أرزاقكم منها ترزقون وتتمعشون ، ويجوز أن يكون الضميران للنخيل والأعناب ، ~~أي : لكم في ثمرتها أنواع من الفواكه ، الرطب والعنب ، والتمر والزبيب ، ~~والعصير والدبس ، وغير ذلك وطعاما تأكلونه. # {و} أنبتنا به {شجرة} هي الزيتون {تخرج من طور سيناء} ، وهو جبل موسى ~~عليه السلام بين مصر وأيلة ، وقيل : بفلسطين ، ويقال : فيه طور سنين ، فإما ~~أن يكون الطور اسم الجبل ، وسيناء اسم البقعة أضيف إليها ، أو المركب منهما ~~علم له ، كامرئ القيس ، وتخصيصها بالخروج منه ، مع خروجها من سائر البقع ، ~~إما لتعظيمها ، أو لأنه المنشأ الأصلي لها ؛ لأن أصل الزيتون من الشام ، ~~وأول ما نبت في الطور ، ومنه نقل إلى سائر البلاد ، {تنبت بالدهن} أي : ~~متلبسة بالدهن ، أي : ما يدهن به ، وهو الزيت ، {وصبغ للآكلين} أي : إدام ~~لهم ، قال مقاتل : جعل الله في ms1805 هذه إداما ودهنا ، فالإدام : الزيتون ، ~~والدهن : الزيت. وقيل : هي اول شجرة تنبت بعد الطوفان ، وخص هذه الأنواع ~~الثلاثة ؛ لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأنفعها. # 9 PageV05P013 ~~{وإن لكم في الأنعام} ، جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، {لعبرة} ~~تعتبرون بها ، وتستدلون بأحوالها على عظم قدرة الله تعالى ، وسابغ نعمته ، ~~وتشكرونه عليه ، {نسقيكم مما في بطونها} من الألبان سائغة للشاربين ، أو ~~مما استقر في بطونها من العلف ؛ فإن اللبن يتكون منه ، {ولكم فيها منافع ~~كثيرة} ، سوى الألبان ، وهي منافع الأصواف والأوبار والأشعار. {ومنها ~~تأكلون} أي : من لحومها ، {وعليها} أي : على الأنعام في البر ، {وعلى ~~الفلك} في البحر {تحملون} في أسفاركم ومتاجركم ، والمراد بالأنعام في الحمل ~~الإبل ؛ لأنها هي المحمول عليها في البر ، فهي سفائن العرب ، كما قال ذو ~~الرمة : # سفنة بر تحت خدي زمامها # يريد ناقته. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ولقد خلقنا فوق قلوبكم سبعة حجب ، فمن خرقها أفضى إلى فضاء ~~شهود ذاتنا وأنوار صفاتنا ، وهي حجاب المعاصي والذنوب ، وحجاب النقائص ~~والعيوب ، وحجاب الغفلات ، وحجاب العوائد والشهوات ، وحجاب الوقوف مع حلاوة ~~المعاملات ، وحجاب الوقوف مع الكرامات والمقامات ، وحجاب حس الكائنات ، فمن ~~خرق هذه الحجب بالتوبة والتزكية واليقظة والعفة والرياضة ، والأنس بالله ~~والغيبة عما سواه ، ارتفعت عنه الحجب ، ووصل إلى المحبوب. قال الورتجبي : ~~أوضح سبع طرائق لنا إلى أنوار صفاته السبعة. ه. وقال القشيري : الحق - ~~سبحانه - لا يستتر من رؤيته مدرك ، ولا تخفى عليه من مخلوقاته خافية ، ~~وإنما الحجب على أبصار الخلق وبصائرهم ، والعادة جارية أنه لا يخلق لنا ~~الإدراك لما وراء الحجب ، ولذلك أدخلت الغفلة القلوب ، واستولى عليها ~~الذهول ، سدت بصائرها ، وغيبت فهومها ، ففوقها حجب ظاهرة وباطنة ، ففي ~~الظاهر : السموات حجب تحول بيننا وبين المنازل العالية ، وعلى القلوب أغشية ~~وأغطية ، كالشهوة والأمنية ، والإرادات الشاغلة والغفلة المتراكمة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 8 PageV05P014 ~~ثم ذكر أن طرائق المريدين الفترة ، وطرائق الزاهدين ترك عروق الرغبة. قال : ~~وأما العارفون فربما تظلهم في بعض أحيانهم وقفة في تضاعيف سيرهم إلى ساحات ~~الحقائق ، فيصيرون موقوفين ريثما يتفضل الحق - سبحانه - عليهم ms1806 بكفاية ذلك ، ~~فيجدون نفاذا ، ويدفع عنهم ما عاقهم من الطرائق ، وفي جميع ذلك فالحق - ~~سبحانه - غير تارك للعبد ولا غافل عن الخلق. ه. # وقوله : {وما كنا عن الخلق غافلين} أي : وما كنا غافلين عن إرسال من ~~يخرجهم من تلك الحجب القهرية ، بل بعثنا الرسل ، وفي أثرهم العارفين ~~الربانيين ، يخرجون من تعلق بهم من تلك الطرائق ، ويوصلونهم إلى بحر ~~الحقائق. وأنزلنا من سماء الغيوب ماء العلم اللدني ، فأسكناه في أرض النفوس ~~والقلوب ، بقدر ما سبق لكل قلب منيب ، وإنا # 10 # على ذهاب به من القلوب والصدور لقادرون. ولذلك كان العارفون لا يزول ~~اضطرارهم ، ولا يكون مع غير الله قرارهم ، فأنشأنا بذلك العلم في قلوب ~~العارفين جنات المعارف من نخيل الأذواق والوجدان ، وأعناب خمرة العيان ، ~~لكم فيها فواكه كثيرة ، أي : تمتع كثير بلذة الشهود ، ومنها تتقوت أرواحكم ~~وأسراركم ، وشجرة المعرفة تخرج من القلوب الصافية ، التي هي محل المناجاة ، ~~كطور موسى ، أي : تنبت فيها ويخرج أغصانها إلى ظاهر الجوارح ، تنبت في ~~القلب بدهن الذوق والوجد ، وصبغ للآكلين ، أي : المريدين الآكلين من تلك ~~الشجرة ، فتصبغ قلوبهم بالمعرفة واليقين. PageV05P015 # وقوله تعالى : {وإن لكم في الأنعام لعبرة} ، قال القشيري : الإشارة فيه : ~~أن الكدورات الناجمة المتراكمة لا عبرة بها ولا مبالاة ، فإن اللبن الخالص ~~السائغ يخرج من أخلاف الإبل والأنعام ، من بين ما ينطوي حواياها عليها من ~~الوحشة ، ولكنه صاف لم يؤثر فيها بحكم الجوار ، والصفا يوجد أكثره في عين ~~الكدروة ؛ إذ الحقيقة لا يتعلق بها حق ولا باطل. ومن أشرف على سر التوحيد ~~تحقق بأن ظهور جميع الحدثان من التقدير ، فتسقط عنه كلفة التمييز ؛ ~~فالأسرار عند ذلك تصفو ، والوقت لصاحبه لا يجفو ، (ولكم فيها منافع) لازمة ~~لكم ، ومتعدية منكم إلى كل متصل بكم. انتهى على لحن فيه ، فتأمله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 8 # قلت : ذكر في الحاشية وجوها من المناسبة ، فقال : لما استطرد ذكر الفلك ~~ناسب ذكر نوح إثره ، لقوله : (اصنع الفلك) ، وأيضا : هو أبو البشر الثاني ، ~~فذكر كما ذكر أولا آدم ، في ذكر خلق الإنسان ms1807 ، وأيضا في ذكر نجاة المؤمنين ~~وفلاحهم ، فناسب صدر السورة ، وهلاك الكافر وهو ضد المؤمن ، كما صرح بذلك ~~في قوله في آخرها : (إنه لا يفلح الكافرون) ، وفي النجاة في الفلك مناسبة ~~للنعم المقررة قبل ذكره. ه. (وإن كنا # 11 # لمبتلين) : " إن " : مخففة ، واسمها : ضمير الشأن ، واللام فارقة. PageV05P016 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد أرسلنا} : وتالله لقد أرسلنا {نوحا إلى قومه} ، ~~وقد مر في الأعراف نسبه وكيفية بعثته ، {فقال} لقومه حين أرسل إليهم ، ~~متعطفا عليهم ، ومستميلا لهم إلى الحق : {يا قوم اعبدوا الله} وحده ؛ إذ ~~العبادة مع الإشراك لا عبرة بها ، فلذلك لم يقيدها هنا ، وقيدها في هود ، ~~بقوله : {أن لا تعبدواا إلا الله} [هود : 26] {ما لكم من إله غيره} أي : ما ~~لكم من الوجود إله يستحق أن يعبد غيره ، فالرفع على المحل ، والجر على ~~اللفظ. {أفلا تتقون} ؛ أفلا تخافون عقوبة الله ، الذي هو ربكم وخالقكم ، ~~إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء ، أو : أفلا تخافون ~~عذابه الذي يستوجبه ما أنتم عليه ، كما يفصح عنه قوله تعالى : {إنىا أخاف ~~عليكم عذاب يوم عظيم} [الأعراف : 59]. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 11 PageV05P017 ~~فقال الملأ الذين كفروا من قومه} أي : أشرافهم لعوامهم : {ما هذا إلا بشر ~~مثلكم} في الجنس والوصف ، يأكل ويشرب مثلكم ، من غير فرق بينكم وبينه ، ~~{يريد أن يتفضل عليكم} أي : يطلب الفضل عليكم ، ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع ~~كونه مثلكم ، والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية والخضوع للحجر ، ولم يرضوا ~~بنبوة البشر. ثم قالوا : {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} أي : لو شاء الله ~~إرسال الرسل لأرسل رسلا من الملائكة. وإنما قال : لأنزل ولم يقل : لأرسل ؛ ~~لأن إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال ، فمفعول المشيئة مطلق ~~الإنزال ، أي : لو شاء ربنا إنزال شيء من الوحي لأنزل ملائكة يرسلهم إلينا ~~، {ما سمعنا بهذا} أي بمثل هذا الكلام ، الذي هو الأمر بعبادة الله وحده ، ~~وترك عبادة ما سواه ، أو : ما سمعنا بأن البشر يكون رسولا ، أو بمثل نوح ~~عليه السلام في دعوى النبوة ، {في آبائنا ms1808 الأولين} أي : الماضين قبل بعثة ~~نوح عليه السلام ، وإنما قالوا ذلك ؛ إما من فرط عنادهم ، أو لأنهم كانوا ~~في فترة متطاولة ، وقيل : معناه : ما سمعنا به أنه نبي ، {إن هو} أي : ما ~~هو {إلا رجل به جنة} أي جنون ، أو جن يخبلونه ، ولذلك يقول ما يقول : ~~{فتربصوا به حتى حين} أي : انتظروا واصبروا إلى زمان حتى ينجلي أمره ، فإن ~~أفاق من جنونه ، وإلا قتلتموه. {قال رب انصرني بما كذبون} ، لما أيس من ~~إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم ، فالجملة استئناف نشأ عن سؤال ، كأنه قيل ~~: فماذا قال عليه السلام ، بعدما سمع هذه الأباطيل ؟ فقيل : قال ، لما رآهم ~~قد أصروا على الكفر والتكذيب ، وتمادوا في الغواية والضلال ، حتى أيس من ~~إيمانهم بالكلية وقد أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن : {رب ~~انصرني} بإهلاكهم بالمرة ، فهو حكاية إجمالية لقوله : {لا تذر على الأرض # 12 PageV05P018 ~~من الكافرين ديارا} [نوح : 26]. {بما كذبون} ؛ بسبب تكذيبهم إياي ، أو بدل ~~تكذيبهم ، كقولك : هذا بذاك ، أي : بدل ذاك ، والمعنى : أبدلني من غم ~~تكذيبهم سلوة النصر عليهم. # {فأوحينا إليه} ؛ أجببنا دعاءه وأوحينا إليه عند ذلك {أن اصنع الفلك ~~بأعيننا} أي : ملتبسا بحفظنا وكلاءتنا ، كأن معك حفاظنا يكلؤونك بأعينهم ، ~~لئلا يتعرض لك أحد ، يفسد عملك ، ومنه قولهم : عليه من الله عيون كالئة ، ~~{ووحينا} أي : أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها. روي : أنه أوحى إليه أن يصنعها ~~مثل جؤجؤ الطائر. وفي القاموس جؤجؤ - كهدهد- : الصدر. {فإذا جاء أمرنا} أي ~~: عذابنا بأمرنا ، {وفار التنور} أي : فار الماء من تنور الخبز ، فخرج سبب ~~الغرق من موضع الحرق ؛ ليكون أبلغ في الإنذار والإعتبار. روي أنه قيل لنوح ~~: إذا رأيت الماء يفور من التنور ؛ فاركب أنت وأهلك السفينة ، فلما نبع ~~الماء من التنور ؛ أخبرته امرأته ، فركب ، وكان التنور تنور آدم ، فصار إلى ~~نوح ، وكان من حجارة. واختلف في مكانه ، فقيل : في مسجد الكوفة عن يمين ~~الداخل ، وقيل : بالشام ، وقيل : بالهند. # جزء : 5 رقم الصفحة : 11 PageV05P019 ~~فإذا فار {فاسلك فيها} : فأدخل في السفينة {من كل زوجين ms1809 اثنين} ؛ من كل أمة ~~اثنين مزدوجين ، ذكر وأنثى. قال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ~~ويبيض ، فأما البق والدود والزباب ، فلم يحمل منه شيئا ، وإنما يخرج من ~~الطير. ه. {و} احمل في السفينة {أهلك} ؛ نساءك وأولادك ، أو من آمن معك ، ~~{إلا من سبق عليه القول منهم} أي : القول من الله بهلاكه ، وهو ابنه وإحدى ~~زوجتيه ، وإنما جيء بعلى ؛ لكون السابق ضارا ، كما جيء باللام في قوله : ~~{إن الذين سبقت لهم منا الحسنىا} [الأنبياء : 101] ، {ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين} [الصافات : 171] ؛ لكونه نافعا ، ونحوه : {لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت} [البقرة : 286] ، {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون} أي : لا تسألني نجاة الذين كفروا ، إنهم مقضى عليهم بالإغراق لا ~~محالة ؛ لظلمهم بالإشراك والإصرار ، ومن هذا شأنه لا يشفع له ، وكأنه عليه ~~السلام ندم على الدعاء عليهم ، حين تحقق هلاكهم ، فهم بمراجعة الحق فيهم ؛ ~~شفقة ورحمة ، فنهي عن ذلك. # ثم قال له : {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} ؛ فإذا تمكنتم عليها ~~راكبين {فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين} ، أمر بالحمد على ~~هلاكهم والنجاة منهم على طريق : {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين} [الأنعام : 45]. ولم يقل : فقولوا ، وإن كان أهله ومن معه قد ~~استووا معه ؛ لأنه نبيهم وإمامهم ، فكان قوله قولهم ، مع ما فيه من الإشعار ~~بفضل النبوة. # {وقل رب أنزلني} في السفينة ، أو منها {منزلا مباركا} أي : إنزالا مباركا ، أو # 13 PageV05P020 ~~موضع إنزال يستتبع خيرا كثيرا ، {وأنت خير المنزلين} ؛ خير من ينزل في كل ~~خير ، أمر عليه السلام بأن يشفع دعاءه بما يطابقه من ثنائه عليه تعالى ، ~~توسلا به إلى إجابة دعائه ، فالبركة في السفينة : النجاة فيها ، وبعد ~~الخروج منها : كثرة النسل وتتابع الخيرات ، {إن في ذلك} فيما فعل بنوح ~~وقومه {لآيات} : لعبرا ومواعظ ، {وإن كنا} أي : وإن الشأن والقصة كنا ~~{لمبتلين} : مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد ، أو : مختبرين بهذه ~~الآيات عبادنا ، لننظر من يعتبر ويذكر ، كقوله : {ولقد تركناها آية فهل من ms1810 ~~مدكر} [القمر : 15]. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 11 # الإشارة : تقدمت إشارة هذه القصة مرارا بتكررها ، وفيها تسلية لمن أوذي ~~من الأولياء بقول قبيح أو فعل ذميم. وقال القشيري في قوله : {وقل رب أنزلني ~~منزلا مباركا} : الإنزال المبارك : أن تكون بالله ولله على شهود الله ، من ~~غير غفلة عن الله ، ولا مخالفة لأمر الله. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 11 # يقول الحق جل جلاله : {ثم أنشأنا من بعدهم} ؛ من بعد قوم نوح {قرنا} أي : ~~قوما {آخرين} هم عاد قوم هود ، حسبما روي عن ابن عباس ، ويشهد له قوله ~~تعالى : {واذكرواا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح} [الأعراف : 69] ، ومجيء ~~قصة هود على إثر قصة نوح في الأعراف وهود والشعراء ، ونقل ابن عطية عن ~~الطبري : أن المراد بهم ثمود قوم صالح ، قال : والترتيب يقتضي قوم عاد ، ~~إلا أنهم لم يهلكوا بالصيحة ، بل بالريح ، قال في الحاشية : والظاهر أنهم ~~صالح. كما قاله الطبري. وحمل الواحدي الصيحة على صيحة العذاب ، فيتجه لذلك ~~أنهم عاد قوم هود ، وقد تقرر أن ثمود بعد عاد. ثم قال : وفي السيرة : عاد ~~بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ، وثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح. ه. # 14 PageV05P021 ~~{فأرسلنا فيهم} ، الإرسال يعدى بإلى ، ولم يعد بها هنا وفي قوله : {كذلك ~~أرسلناك فىا أمة} [الرعد : 30] ، {ومآ أرسلنا في قرية} [الأعراف : 94] ؛ ~~لأن الأمة والقرية جعلت موضعا للإرسال ، إيذانا بأن المرسل إليهم لم يأتهم ~~من غير مكانهم ، بل إنما نشأ بين أظهرهم ، كما ينبىء عنه قوله : {رسولا ~~منهم} أي : من جملتهم نسبا ، وهو : هود أو صالح ، فإنهما - عليهما السلام - ~~كانا منهم. قائلا لهم : {أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} ~~عذابه ، الذي يقتضيه ما أنتم عليه من الشرك والمعاصي. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 14 # وقال الملأ من قومه} ، ذكر مقال قوم هود ، في جوابه ، في الأعراف وهود ~~بغير " واو " ؛ لأنه على تقدير سؤال سائل ، قال : فما قال قومه ؟ فقيل : ~~قالوا : كيت وكيت ، وهنا مع ms1811 الواو ؛ لأنه عطف لما قالوه على ما قاله الرسول ~~؛ ومعناه : حكاية قولهم الباطل إثر حكاية قول الرسول الحق ، وليس بجواب ~~للنبي متصل بكلامه ، وجيء بالفاء في قصة نوح عليه السلام ؛ لأنه جواب لقوله ~~، واقع عقبه ، ، أي : وقال الأشراف من قومه {الذين كفروا} ، وصفوا بالكفر ؛ ~~ذما لهم ، وتنبيها على غلوهم فيه ، {وكذبوا بلقاء الآخرة} أي : بلقاء ما ~~فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك ، أو بمعادهم إلى الحياة الثانية ~~، {وأترفناهم} : نعمناهم {في الحياة الدنيا} بكثرة الأموال والأولاد ، أي : ~~قالوا لأتباعهم ، مضلين لهم : {ما هذا} النبي {إلا بشر مثلكم} في الصفة ~~والأحوال ، والاحتياج إلى القوام ، ولم يقولوا : مثلنا ؛ تهوينا لأمره عليه ~~السلام. PageV05P022 # ثم فسر المثلية بقوله : {يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} أي : منه ، ~~فحذف ؛ لدلالة ما قبله عليه ، {ولئن أطعتم بشرا مثلكم} فيما يأمركم به ~~وينهاكم عنه ، {إنكم إذا لخاسرون} بالانقياد لمثلكم ، ومن حمقهم أنهم أبوا ~~اتباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم. {أيعدكم أنكم إذا متم} - بالكسر والضم - ؛ ~~من مات يمات ويموت ، {وكنتم ترابا وعظاما} نخرة ، {أنكم مخرجون} ، فأنكم ~~الثانية ، توكيد للأولى ؛ للفصل بينهما ، والتقدير : أيعدكم أنكم مخرجون ~~بالبعث إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ؟ {هيهات هيهات} ، تكرير ؛ لتأكيد البعد ~~، وهو اسم فعل مبني على الفتح ، واقع موقع بعد ، فاعلها مضمر ، أي : بعد ~~التصديق أو الوقوع {لما توعدون} من العذاب ، أو فاعلها : " ما توعدون " ، ~~واللام زائدة ، أي بعد ما تعدون من البعث ، وقيل : ما توعدون من البعث. ~~وقيل : مبتدأ ، وهما اسم للبعد ، و(لما توعدون) : خبر ، أي : بعد بعد لما ~~توعدون ، {إن} : ما {هي إلا حياتنا الدنيا} ، والضمير لا يعلم ما يغنى به ~~إلا بما بعده من بيانه ، وأصله : إن الحياة إلا حياتنا ، وأتى بالضمير ؛ ~~حذرا من التكرير ، أي : لا حياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها ، ودنت منها ~~، {نموت ونحيا} أي : يموت بعضنا ويولد بعض ، إلى انقراض العصر ، {وما نحن ~~بمبعوثين} بعد الموت ، {إن} ؛ ما {هو إلا رجل افترى على الله كذبا} فيما يدعيه # 15 # من الإرسال ، وفيما يعدنا من البعث ، {وما ms1812 نحن له بمؤمنين} : بمصدقين بما يقول. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 14 PageV05P023 ~~قال} هود ، أو صالح - عليهما السلام - بعدما سلك في دعوتهم كل مسلك ، ~~متضرعا إلى الله - عز وجل - : {رب انصرني} عليهم ، وانتقم منهم {بما كذبون} ~~أي : بسبب تكذيبهم إياي وإصرارهم عليه ، {قال} تعالى ؛ إجابة لدعائه : {عما ~~قليل} أي : عن زمان قليل ، زيدت " ما " ، بين الجار والمجرور ؛ لتأكيد معنى ~~القلة ، أو نكرة موصوفة ، أي ؛ عن شيء قليل {ليصبحن نادمين} عما فعلوا عن ~~التكذيب ، وذلك عند معاينتهم العذاب. # {فأخذتهم الصيحة} ، لعلهم ، حين اصابتهم الريح العقيم ، أصيبوا في ~~تضاعيفها بصيحة هائلة من صوته. أو يراد بها : صرير الريح وصوته. وقد روي أن ~~شدادا حين أتم بناء إرم ، سار إليها بأهله ، فلما دنا منها بعث الله عليهم ~~صيحة من السماء ، فهلكوا ، وقيل : الصيحة : العذاب المصطلم ، قال الشاعر : # صاح الزمان بآل فدك صيحة # خروا ؛ لشدتها ، على االأذقان # وإذ قلنا : هم قوم صالح ، فالصيحة صيحة جبريل عليه السلام ، صاح عليهم ~~فدمرهم. وقوله : {بالحق} أي : بالعدل من الله ، يقال : فلان يقضي بالحق ، ~~أي بالعدل ، أو : أخذتهم بالحق ، أي : بالأمر الثابت الذي لا دفاع له ، ~~{فجعلناهم غثاء} أي : كغثاء السيل ، وهو ما يحمله من الورق والحشيش ، شبههم ~~في دمارهم بالغثاء ، وهو ما يرميه السيل ، من حيث أنهم مرمي بهم في كل جانب ~~وسهب. {فبعدا} : فهلاكا ، يقال بعد بعدا ، أي : هلك هلاكا ، وهو من المصادر ~~المنصوبة بأفعال لا تظهر أفعالها ، أي : فسحقا {للقوم الظالمين} ، وهو ~~إخبار ، أو دعاء ، واللام ؛ لبيان من دعي عليه بالبعد ، كقوله : {هيت لك} ~~[يوسف : 23]. والله تعالى أعلم. PageV05P024 # الإشارة : من عادة الحق - سبحانه - ، إذا أكب الناس على دنياهم ، واتخذوا ~~إلههم هواهم ، بعث من يذكرهم بالله ، فيقول لهم : اعبدوا الله ، ما لكم من ~~إله غيره ، أي : أفردوه بالمحبة ، واقصدوه بالوجهة ، فما عبد الله من عبد ~~هواه ، فيقول المترفون ، وهم المنهمكون في الغفلة ، المحجوبون بالنعمة عن ~~المنعم ، الذين اتسعت دائرة حسهم : ما هذا الذي يعظكم ، ويريد أن يخرجكم عن ~~عوائدكم ، ألا بشر مثلكم ، يأكل مما تأكلون ، ويشرب مما ms1813 تشربون ، وما دروا ~~أن وصف البشرية لا ينافي وجود الخصوصية ، فإذا تمادوا في غفلتهم ، وأيس من ~~هدايتهم ، ربما دعا عليهم ، فأصبحوا نادمين ، حين لا ينفعهم الندم ، وذلك ~~عند نزول هواجم الحمام. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 14 # 16 # قلت : القرن : أهل العصر ، سموا به ؛ لقران بعضهم البعض ، و(تترا) : حال ~~، فمن قرأه بالألف فهو كسكرى ، وهو من الوتر ، واحدا بعد واحد ، فالتاء ~~الأولى بدل من الواو ، وأصله : وترى ، كتراث وتقوى ، والألف للتأنيث ، ~~باعتبار أن الرسل جماعة ، ومن نونه جعله كأرطى ومعزى ، فيقال : أرطى ومعزى ~~، وقيل : مصدر بمعنى فاعل ، أي : متتابعين. # يقول الحق جل جلاله : {ثم أنشأنا من بعدهم} أي : من بعد قوم هود ، {قرونا ~~آخرين} ؛ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ، {ما تسبق من أمة} ، " من " صلة ، أي ~~: ما تتقدم أمة من الأمم المهلكة {أجلها} الذي عين لهلاكها في الأزل ، {وما ~~يستأخرون} عنه ساعة. {ثم أرسلنا رسلنا} ، عطف على " أنشأنا " ، على معنى أن ~~إرسالهم متراخ عن إنشاء القرون المذكورة ، وما بينهما اعتراض ، والمعنى : ~~ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ، قد أرسلنا إلى كل قرن منهم رسولا خاصا به ~~، والفصل بين الجملتين بالجملة المتعرضة الناطقة بعدم تقدم الأمم من أجلها ~~المضروب لهلاكهم ؛ للمسارعة إلى بيان هلاكهم على وجه إجمالي. PageV05P025 # وقوله : {تترى} أي : متواترين واحدا بعد واحد ، أو متتابعين يتبع بعضهم ~~بعضا ، {كلما جاء أمة رسولها كذبوه} ، الرسول يلابس المرسل والمرسل إليه ، ~~والإضافة تكون بالملابسة ، فأضافهم أولا إلى نون العظمة ، وهنا إلى المرسل ~~إليهم ؛ للإشعار بكمال شناعتهم وضلالتهم ، حيث كذبت كل أمة رسولها المعين ~~لها ، وعبر عن التبليغ بالمجيء ؛ للإيذان بأنهم كذبوه في الملاقاة الأولى ، ~~{فأتبعنا بعضهم بعضا} في الهلاك ، كما تبع بعضهم بعضا في الكفر والتكذيب ، ~~الذي هو سبب الهلاك ، {وجعلناهم أحاديث} ؛ أخبار ، يسمر بها ويتعجب منها ، ~~أي : لم يبق منهم إلا حكايات يعتبر بها المعتبرون ، والأحاديث يكون اسم جمع ~~للحديث ، ومنه : أحاديث النبي - عليه الصلاة والسلام - ويكون جمعا للأحدوثة ~~، وهي ما يتحدث بها الناس ؛ تلهيا وتعجبا ، وهو المراد هنا ، {فبعدا لقوم ms1814 ~~لا يؤمنون} به وبرسله ، اقتصر هنا على عدمإيمانهم ، وأما القرون الأولى ، ~~فحيث نقل عنهم ما مر من العتو وتجاوز الحد في الكفر والعدوان ، وصفهم ~~بالظلم. والله تعالى أعلم وأحكم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 16 # الإشارة : كل ما حكى الله تعالى عن القرون الماضية والأمم السابقة ، ~~فالمراد ترهيب هذه الأمة المحمدية ، وإزعاج لها عن أسباب الهلاك ، وإنهاض ~~لها إلى العمل الصالح ، لتكون أحاديث حسانا بين الأمم ، فكل إنسان ينبغي له ~~أن يجتهد في تحصيل الكمالات العلمية والعملية ، ليكون حديثا حسنا لمن بعده ~~، كما قال القائل : # ما المرء إلا حديث من بعده # فكن حديثا حسنا لمن وعا # وقال آخر : # وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه # يحور رمادا بعدما هو ساطع # 17 # وما المال والأهلون إلا وديعة # ولا بد يوما أن ترد الودائع # وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 16 # قلت : " هارون " : بدل من " أخاه ". PageV05P026 # يقول الحق جل جلاله : {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا} التسع ؛ من ~~اليد ، والعصا ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، ونقص ~~الثمرات ، والطاعون. ولا مساغ لعد فلق البحر منها ؛ إذ المراد الآيات التي ~~كذبوها واستكبروا عنها ، بدليل ما بعدها. {وسلطان مبين} ؛ وحجة واضحة ملزمة ~~للخصم الإقرار بما دعي إليه ، وهي إما العصا ، وإفرادها بالذكر مع اندراجها ~~في الآيات ؛ لأنها أبهر آياته عليه السلام ، وقد تضمنت معجزات شتى ؛ من ~~انقلابها ثعبانا ، وتلقفها ما أفكته السحرة ، كما تقدم. وأما التعرض ~~لانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر ؛ بضربها ، وحراستها ، وصيرورتها ~~شمعة ، وشجرة خضراء مثمرة ، ودلوا ورشاء ، وغير ذلك مما ظهر منها في غير ~~مشهد فرعون وقومه ، فغير ملائم لمقتضى المقام ، وإما ما أتى به من الحجج ~~الباهرة ، فيشمل ما تقدم وغيره. PageV05P027 # {إلى فرعون وملئه} أي : أشراف قومه ، خصهم بالذكر ؛ ليرتب عليه ما بعده من ~~قوله : {فاستكبروا} عن الإنقياد وتمردوا. تكبرا وترفعا ، {وكانوا قوما ~~عالين} : متكبرين ، متمردين ، {فقالوا} ، فيما بينهم ، على طريق المناصحة : ~~{أنؤمن لبشرين مثلنا} ، " مثل " و" غير " يوصف بها الإثنان والجمع والمذكر ~~والمؤنث ، والبشر يطلق على الواحد ، كقوله : {بشرا سويا} [مريم : 17] ، ~~وعلى ms1815 الجمع ، كقوله : {فإما ترين من البشر أحدا} [مريم : 26] ، وأراد به ~~هنا الواحد ، فثناه ، أي : كيف نؤمن لبشرين مثلنا في العجز والافتقار ، ~~{وقومهما لنا عابدون} أي : خادمون منقادون لنا كالعبيد ، وكأنهم قصدوا بذلك ~~التعريض بهما - عليهما السلام - ، وحط رتبتهما العلية عن منصب الرسالة من ~~وجه آخر غير البشرية ، بناء على زعمهم الفاسد ، من قياس الرئاسة الدينية ~~على الرئاسات الدنيوية ، الدائرة على التقدم في نيل الحظوظ الدنيوية ، من ~~المال والجاه ، كدأب قريش ، حيث قالوا : {لو كان خيرا ما سبقونآ إليه} ~~[الأحقاف : 11]. {وقالوا لولا نزل هاذا القرآن علىا رجل من القريتين عظيم} ~~[الزخرف : 31]. وعلى جهلهم بأن مناط الاصطفاء للرسالة هو السبق في حيازة ~~النعوت العلية ، وإحراز الكمالات السنية ، جبلة او اكتسابا ، {فكذبوهما} أي ~~: فتمادوا # 18 # على تكذيبهما ، وأصروا ، واستكبروا استكبارا ، {فكانوا من المهلكين} ~~بالغرق في بحر القلزم. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 18 PageV05P028 ~~ولقد آتينا} بعد إهلاكهم ، وإنجاء بني إسرائيل من ملكهم واسترقاقهم ، {موسى ~~الكتاب} : التوراة ، ولما نزلت لإرشاد قومه جعلوا كأنهم أوتوها ، فقيل : ~~{لعلهم يهتدون} إلى الحق بالعمل بما من الشرائع والأحكام ، وقيل : على حذف ~~مضاف ، أي : آتينا قوم موسى ، كقوله : {علىا خوف من فرعون وملئهم أن ~~يفتنهم} [يونس : 83] ، أي : من آل فرعون وملئهم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : كل من طرد وأبعد عن ساحة رحمة الله تعالى والوصول إليه ، فإنما ~~سببه التكبر والعلو ، وكل من قرب ووصل إلى الله فإنما سببه التواضع والحنو ~~، ولذلك ورد : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " وحقيقة ~~الكبر : بطر الحق وغمط الناس ، أي : إنكار الحق واحتقار الناس ، وفي مدح ~~التواضع والخمول ما لا يخفى. فمن تواضع ، دون قدره ، رفعه الله فوق قدره ، ~~فالتواضع مصيدة الشرف ، به يصطاد وينال ، ومن أوصاف أهل الجنة : " كل ضعيف ~~مستضعف ، لو أقسم على الله لأبره في قسمه " ، إلى غير ذلك من الأخبار. # وكل من أنكر على أهل الخصوصية فسببه إما الحسد ، أو الجهل بأن الخصوصية ~~لا تنافي أوصاف البشرية ، أو قياس الرئاسة الباطنية الدينية على الرئاسة ~~الدنيوية ، فأسقط ms1816 من لا رئاسة له في الظاهر ولا جاه ، أو لعدم ظهور الكرامة ~~، وهي غير مطلوبة عند المحققين. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 18 PageV05P029 ~~يقول الحق جل جلاله : {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} دالة على كمال قدرتنا ؛ ~~بولادته منها من غير مسيس بشر ، ووحدها ؛ لأن الأعجوبة فيهما واحدة. أو ~~المراد : وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ، فحذفت الأولى ؛ لدلالة الثانية ~~عليها ، أي : وجعلنا ابن مريم وحده ، من غير أن يكون له أب ، آية ، وأمه ، ~~من حيث أنها ولدت من غير ذكر ، آية ، وتقديمه عليه السلام ؛ لأصالته فيما ~~ذكر من كونه آية ، كما أن تقديم أمه في قوله تعالى : {وجعلناها وابنهآ آية ~~للعالمين} [الأنبياء : 91] ، لأصالتها فيما نسب إليها من الإحصان والنفخ. # {وآويناهما} أي : جعلنا مأويهما ومنزلهما {إلى ربوة} أي : أرض مرتفعة ، ~~وهو بيت المقدس ؛ فإنها كبد الأرض ، وأقرب الأرض إلى السماء ، بمعنى أنه ~~يزيد علوها على # 19 # علو الأرض ، فينتقص بعدها عن السماء عن بعد غيرها منها بثمانية عشر ميلا ~~، كما جاء ، ولعل ذلك سر كونها أرض الحشر ، وكون الإسراء وقع منها. قاله ~~المحشي ، وقيل : دمشق ، وقيل : فلسطين ، والرملة. {ذات قرار} ؛ مستقر من ~~الأرض ، مستوية منبسطة ، سهلة ، أو ذات ثمار ، يستقر ؛ لأجل ثمارها ، ~~ساكنوها فيها ، {ومعين} أي : ماء معين ، ظاهر ، جار ، فقيل : من معن ، إذا ~~جرى ، أو مدرك بالعين لظهوره ، من عانه ، إذا أدركه بعينه ، أو من الماعون ~~، وهو النفع ؛ لأنه نفاع لظهوره وجريه. والله تعالى أعلم. PageV05P030 # الإشارة : كان عيسى عليه السلام منقطعا عن هذا العالم ، متبتلا زاهدا ، لم ~~يتخذ في هذه الدنيا قرارا ، ولم يبن فيها مسكنا ولا دارا ، فكان آية للعباد ~~والزهاد من الرجال. كما أن أمه كانت آية للنساء العابدات ، في التبتل ~~والانقطاع ، فآواهما إلى ربوة التقريب والاصطفاء ، ذات قرار وتمكين ومصافاة ~~ووفاء ، وجعل ، جل جلاله ، أولياءه على قدم أنبيائه ، فمنهم على قدم نوح ~~عليه السلام في القوة ونفوذ الهمة ، مهما دعا على أحد هلك. ومنهم على قدم ~~إبراهيم عليه السلام في الشفقة والرحمة وعلو الهمة ، وتحقيق ms1817 التوحيد ، ~~وإمام أهل التفريد ، ومنهم على قدم موسى عليه السلام في المناجاة والمكالمة ~~والقوة والعزم ، ومنهم على قدم عيسى عليه السلام في الزهد والانقطاع ، ~~ومنهم على قدم نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام - ؛ وهو الجامع لما افترق ~~في غيره ، وهو قطب الدائرة ، نفعنا الله بهم جميعا. # جزء : 5 رقم الصفحة : 19 # قلت : (وإن هذه) : من كسره استأنف ، ومن فتحه حذف اللام ، أي : فاتقون ؛ ~~لأن هذه ، أو معطوف على ما قبله : (بما تعملون عليم) ، وبأن هذه ، أو ~~بتقدير : واعلموا أن هذه. و(زبرا) : حال من : " أمرهم " ، أو من " واو " ~~(تقطعوا) ، و(نسارع) : خبر " أن " ، و" ما " : موصولة. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} ، هذا النداء ~~والخطاب ليسا على ظاهرهما ؛ لأنهم أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة ، وإنما ~~المعنى : الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ، ووصي به ؛ للإيذان بأن ~~إباحة الطيبات شرع قديم ، جرى عليه جميع الرسل - عليه الصلاة والسلام - ~~ووصوا به ، أي : وقلنا لكل رسول : كل من # 20 PageV05P031 ~~الطيبات واعمل صالحا. فعبر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة ~~الجمع ؛ للإيجاز ، وفيه من الدلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض ~~الطيبات ما لا يخفى. قاله أبو السعود. وقيل : خطاب لعيسى عليه السلام ؛ ~~لاتصال الآية به ، وكان يأكل من غزل أمه ، وهو من أطيب الطيبات ، وقيل ~~لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لفضله وقيامه مقام الكل ، وكان يأكل من ~~الغنائم ، وما رزقه الله من غير اختيار على الله ، والجمع : للتعظيم فيهما ~~، والطيبات : ما يستطاب ويستلذ من مباحات المآكل والفواكه ، حسبما ينبىء ~~عنه سياق النظم الكريم. # {واعملوا} عملا {صالحا} ، فإنه المقصود منكم ؛ شكرا لما أسدي إليكم ، ولا ~~تشتغلوا بالنعم عن طاعة المنعم وشهوده ، {إني بما تعملون} من الأعمال ~~الظاهرة والباطنة ، {عليم} ، فأجازيكم عليه ، وفيه تهديد للمذكورين ، فما ~~بالك بغيرهم ممن ألهته النعم عن شهود المنعم وشكره ؟ ! # {وإن هذه أمتكم} أي : ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها {أمة واحدة} أي : ~~ملة واحدة ، متحدة في أصول الشرائع ، التي لا تبدل بتبدل الأعصار ، وهو ms1818 ~~التوحيد وما يتبعه من أصول العقائد. {وأنا ربكم} من غير أن يكون لي شريك في ~~الربوبية ، {فاتقون} : فخافوا عتابي في مخالفتكم أمري ، أو في شق العصا ، ~~والمخالفة بالإخلال بمواجب ما ذكر من اختصاص الربوبية بي. # جزء : 5 رقم الصفحة : 20 # والخطاب # 21 # للرسل والأمم جميعا ، على أن الأمر في حق الرسل للتهييج ، وفي حق الأمم ~~للتحذير. قيل : وجاء هنا : " فاتقون " ، الذي هو أبلغ في التخويف والتحذير ~~من قوله في الأنبياء : {فاعبدون} [الأنبياء : 92] ؛ لأن هذه جاءت عقب إهلاك ~~طوائف كثيرين ، وفي الأنبياء ، وإن تقدمت أيضا قصة نوح وما قبلها ، فإنه ~~جاء بعدها ما يدل على الإحسان واللطف التام ، في قصة أيوب ويونس وزكريا ~~ومريم ، فناسب الأمر بالعبادة لمن هذه صفته. PageV05P032 # ثم قال تعالى : {فتقطعوا أمرهم} أي : فتفرقوا في أمر دينهم مع اتحاده ، ~~وجعلوه قطعا متفرقة ، وأديانا مختلفة ، {بينهم زبرا} أي : قطعا - جمع زبور ~~، بمعنى الفرقة ، ويؤيده قراءة من قرأ : (زبرا) بفتح الباء ، جمع زبرة ؛ ~~كغرفة ، أي : قطعا مختلفة ، كل ينتحل كتابا ، وقيل : جمع زبور ، بمعنى كتاب ~~، أي : كل فريق يزعم أن له كتابا يتمسك به. وعن الحسن : قطعوا كتاب الله ~~قطعا وحرفوه ، والأول أقرب ، أي : تفرقوا في أصل الدين فرقا ، وتحزبوا ~~أحزابا ، {كل حزب} من أولئك المتحزبين {بما لديهم} من الدين الذي اختاروه ، ~~أول من الهوى والرأي ، {فرحون} : معجبون ، يعتقدون أنه الحق. # {فذرهم في غمرتهم} ؛ في جهالتهم وغفلتهم ، شبه ما هم فيه من الجهالة ~~بالماء الذي يغمر القامة ؛ لأنهم مغمورون فيها ، سابحون في بحر الجهالة ، ~~والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ؛ إيذانا بأنهم مطبوع على قلوبهم ، أي : ~~اتركهم على حالهم {حتى حين} : حتى نأمرك فيهم بما شئت من الجهاد أو غيره ، ~~أو : إلى أن يقتلوا أو يموتوا على الكفر ، أو : إلى وقت حلول العذاب بهم. ~~فهو تهديد وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونهى عن استعجال عذابهم ~~، وفي التنكير والإبهام ما لا يخفى من التهويل. # {أيحسبون أنما نمدهم به} أي : نعطيهم إياه ونجعله مددا لهم ، {من مال ~~وبنين} ؛ " من " : بيان ms1819 ، أي : أيظنون أن الذي نمدهم به من الأموال والبنين ~~، {نسارع لهم} بذلك {في الخيرات بل لا يشعرون} أنه استدراج ، قيل : استدراك ~~لقوله : {أيحسبون} أي : بل هم أشباه البهائم ، لا شعور لهم حتى يتأملوا في ~~ذلك ، هل هو استدراج أو مسارعة في الخيرات ؟ وحاصل المعنى : أن هذا الإمداد ~~ليس إلا استدراجا لهم إلى المعاصي ، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات ، ~~ومعاملة لهم بالثواب ، جزاء على حسن صنيعهم. PageV05P033 # وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح ؛ لأنهم يقولون : إن الله - ~~تعالى - لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين ، وقد أخبر أن ~~ذلك لا خير لهم فيه ولا صلاح ، والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 20 # الإشارة : تناول الطيبات وما تشتهيه النفس من أنواع الملذوذات ، مباح في ~~الشرع قديما وحديثا ، إن كان من وجه مباح وقارنه الشكر ؛ لأن الحق تعالى ما ~~خلق ذلك إلا لعباده ؛ ليشكروه ويحمدوه ، ويتذكروا بذلك نعيم الجنان ، الذي ~~لا يفنى ولا يزول ، وما هذا النعيم الدنيوي إلا أنموذج من نعيم الآخرة ، ~~قال تعالى : {فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل} [التوبة : 38]. ~~هذا باعتبار عامة المسلمين ، وأما الخاصة ؛ من العباد والزهاد والمريدين ~~السائرين ، فهم يجتنبون ما تجنح إليه النفس ، ويتعلق به القلب ؛ خوفا من ~~الإشتغال بذلك عن العبادة أو السير ؛ لأن القلب إذا توجه لأمر أعرض عن ~~الآخر ، فإذا توجه إلى طلب الشهوات أعرض عن الله ، وتفتر عن السير ، وتكبل ~~عن النهوض إلى الحضرة. ولذلك قال في الحكم : " كيف يشرق قلب : صور الأكوان ~~منطبعة في مرآته ؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته ؟ أم كيف يدخل ~~حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق ~~الأسرار وهو لم يتب من هفواته ؟ " وقال بعضهم : لدغ الزنابير على الأجسام ~~المقرحة ، أيسر من لدغ الشهوات على القلوب المتوجهة. ه. # وأما خاصة الخاصة ؛ وهم العارفون المتمكنون ، فهم مع مولاهم ، يأخذون من ~~يده ما يعطيهم ؛ لأن قلوبهم قد استغرقتها الأنوار ، فلم يبق ms1820 فيها متسع ~~للأغيار ، قد تهذبت نفوسهم ، واطمأنت بالله قلوبهم ، فلا تلتفت إلى غير ~~مولاها. وبالله التوفيق. PageV05P034 # وقوله تعالى : {فتقطعوا أمرهم بينهم...} إلخ ، الاختلاف ، إن كان التوحيد ~~وما يرجع إليه من أصول العقائد ، فهو مذموم ، وهو الذي نعاه الله على ~~الكفرة المتحزبة ، # 22 # وأما إن كان في الفروع فهو مشروع ، كاختلاف الشرائع والمذاهب ، ولذلك قال ~~- عليه الصلاة والسلام- : " اختلاف أمتي رحمة " ، وقال بعض الصوفية : ما ~~زالت الصوفية بخير ما تنافروا ، فإن توافقوا فلا خير فيهم.ه. والمراد ~~بالتنافر - في حقهم - التناصح ، وإنكار بعضهم على بعض ؛ إذا رأى من أحد ~~عيبا ، فإن سكتوا عن بعضهم ، وتوافقوا على مساوئ بعضهم بعضا ، فلا خير فيهم ~~، وأما قلوبهم فهي متوافقة مؤتلفة. # وقوله تعالى : {كل حزب بما لديهم فرحون} ، أما أهل الحق فهم فرحون ؛ ~~لسلوكهم على المنهاج المستقيم ، المفضي إلى رضوان الله ورحمته ، وأما أهل ~~الباطل فزين لهم الشيطان أعمالهم ؛ ليتمكنوا من التقرر عليه حتى ينفذ مراد ~~الله فيهم ، ولو تحققوا أنهم على باطل لم يمكن قرارهم عليه ، فتبطل حكمته ~~وقهريته ، وكل من أقامه الحق - تعالى - في حرفة أو خطة ، زينها الله - ~~تعالى - في قلبه حتى يقوم بها ، وكذلك أهل الأسباب من أرباب الدليل ~~والبرهان ، مع أهل التجريد من أهل الشهود والعيان ، لو علموا بمقام أهل ~~العيان ما أقاموا في الأسباب ، ولتجردوا كلهم ، فتبطل الحكمة الإلهية. وكان ~~إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه يقول : (لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا ~~عليه بالسيوف) : فسبحان من قرب قوما وأبعد قوما ، {وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا}. والله تعالى أعلم وأحكم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 20 # قال في الحاشية : لما ذكر تعالى غفلة الكفار ووعيدهم ، عقب ذلك بوصف ~~المؤمنين بضد ذلك ويقينهم بالرجعى ، وإشفاقهم من جلال الحق وقهره.ه. PageV05P035 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} أي : من عذابه ~~خائفون حذرون ، {والذين هم بآيات ربهم} المنصوبة والمنزلة ، (يؤمنون) ~~بتصديق مدلولها ، وبكتب الله كلها ، لا يفرقون بين كتبه ، كالذين تقطعوا ~~أمرهم بينهم - وهم أهل الكتاب وغيرهم ، {والذين هم بربهم ms1821 لا يشركون} شركا ~~جليا ولا خفيا ، بخلاف مشركي العرب والعجم. # {والذين يؤتون ما آتوا} أي : يعطون ما أعطوا من الزكوات والصدقات. وقرئ : ~~(يأتون ما أتوا) بالقصر ، أي : يفعلون من الطاعات ، {وقلوبهم وجلة} : خائفة ~~ألا تقبل منهم ؛ لتقصيرهم ؛ بأن لا يقع على الوجه اللائق ، فيؤخذوا به ~~ويحرموا ثوابه ؛ لأنهم {إلى # 23 # ربهم راجعون} فيعاتبهم ، أو من مرجعهم إليه ، وهو يعلم ما يحيق عليهم ، ~~والمصولات الأربعة عبارة عن طائفة واحدة متصفة بما ذكر ، في حيز صلاتها من ~~الأوصاف الأربعة ، لا عن طوائف ، كل واحدة منها متصفة بواحد من الأوصاف ~~المذكورة ، كأنه قيل : إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ، وبآيات ربهم ~~يؤمنون... إلخ. # وإنما كرر الموصول ؛ إيذانا باستقلال كل واحد من تلك الصفات بفضيلة باهرة ~~على حيالها ، وتنزيلا لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف بها ، وخبر " إن " ~~: {أولئك يسارعون} ، أشار إليهم بالجمع اعتبار اتصافهم بتلك النعوت ، مع أن ~~الموصول واقع على الجمع. PageV05P036 # ومعنى البعد ؛ للإشعار ببعد رتبتهم في الفضل ، أي : أولئك المنعوتون بتلك ~~النعوت الجليلة يسرعون {في الخيرات} أي : يرغبون في الطاعات أشد الرغبة ، ~~فيبادرون إليها. أويسارعون في نيل الخيرات العاجلة والآجلة الموعودة على ~~الأعمال الصالحات ؛ كما في قوله تعالى : {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة} [آل عمران : 148] ، وقوله : {وآتيناه فى الدنيا حسنة وإنه فى ~~الآخرة لمن الصالحين} [النحل : 122] ، فقد أثبت لهم ما نفى عن أضدادهم ، ~~غير أنه غير الأسلوب ، حيث لم يقل : أولئك نسارع لهم في الخيرات ؛ بل أسند ~~المسارعة إليهم ؛ إيماءا إلى كمال استحقاقهم نيل الخيرات لمحاسن الأعمال. ~~وإيثار كلمة " في " ، عن كلمة " إلى " ؛ إيذانا بأنهم متقلبون في فنون ~~الخيرات ، لا أنهم خارجون عنها متوجهون إليها ، كما في قوله تعالى : ~~{وسارعواا إلىا مغفرة من ربكم} [آل عمران : 133] الآية. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 23 PageV05P037 ~~وهم لهم} أي : لأجل نيل تلك الخيرات ، {سابقون} الناس إلى الطاعات ، أو : ~~وهم إياها سابقون ، واللام زائدة ؛ لتقوية العامل ، كقوله : {وهم لها ~~عاملون} أي : ينالونها قبل الآخرة ، فتعجل لهم في الدنيا ، وعن ابن عباس : ~~{هم لها سابقون} أي ms1822 : سبقت لهم من الله السعادة ، فلذلك سارعوا في الخيرات. ~~ه. فهو إشارة إلى تيسير كل لما خلق له ، وأنه يسرهم القدر لما وصفهم به من ~~الخير ، كما أن الكفار أمدوا بما يدعو للغفلة والإعجاب ، مما هو استدراج ~~ومكر من حيث لا يشعرون. قال تعالى : {ولا نكلف نفسا إلا وسعها} أي : طاقتها ~~، فهو تحريض على تحصيل ما وصف به السابقون من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل ~~الخيرات ؛ ببيان سهولته ، وأنه غير خارج عن حد الوسع والطاقة ، أي : عادتنا ~~جارية بأن لا نكلف نفسا من النفوس إلا ما في طاقتها ، فإن لم يبلغوا في فعل ~~الطاعة مراتب السابقين ، فلا عليهم ، بعد أن يبذلوا طاقتهم ويستفرغوا وسعهم. # {ولدينا كتاب} أي : صحائف الأعمال التي يرونها عند الحساب ، حسبما يعرب ~~عنه قوله : {ينطق بالحق} ، كقوله : {هاذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إن كنا ~~نستنسخ ما كنتم # 24 PageV05P038 ~~تعملون} [الجاثية : 29] أي : عندنا كتاب أثبت فيه أعمال كل أحد على ما هو ~~عليه ، أو أعمال السابقين والمقتصدين جميعا ، وقوله : (بالحق) : يتعلق ~~بينطق ، أي : يظهر الحق المطابق للواقع على ما هو عليه ، أو يظهره للسامع ، ~~فيظهر هناك جلائل أعمالهم ودقائقها ، ويرتب عليها أجزيتها ، إن خيرا فخير ، ~~وإن شرا فشر ، وقيل : المراد بالكتاب : اللوح المحفوظ ، وهو مناسب لتفسير ~~ابن عباس بسبق السعادة ، وقوله : {وهم لا يظلمون} ، بيان لفضله تعالى وعدله ~~في الجزاء ، إثر بيان لطفه في التكليف وكتب الأعمال ، أي : لا يظلمون في ~~الجزاء ؛ بنقص الثواب أو بزيادة عذاب ، بل يجزون بقدر أعمالهم التي كلفوها ~~، ونطقت بها صحائف أعمالهم ، أو : لا يظلمون بتكليف ما لا وسع فيه ، أو : ~~لا ينقصون مما سبق لهم في اللوح المحفوظ شيئا ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : ذكر في هذه الآية أربعة أوصاف من أوصاف المقربين ، أولها : ~~الخوف والإشفاق من الطرد والإبعاد ، والثاني : الإيمان الذي لا يبقى معه شك ~~ولا وهم ، بما تضمنته الآيات التنزيلية من الوعد والإيعاد ، والثالث : ~~التوحيد الذي لا يبقى معه شرك جلي ولا خفي ، والرابع : السخاء والكرم ، مع ~~رؤية التقصير فيما يعطي. ms1823 فمن جمع هذه الخصال كان من السابقين في الخيرات ~~ويسارع لهم في تعجيل الخيرات ، وكل ذلك بقدر ما يطيق العبد ، مع بذل ~~المجهود في فعل الخيرات. # جزء : 5 رقم الصفحة : 23 PageV05P039 ~~قال في الحاشية : والمسارعة إلى الخيرات إنما هو بقطع الشرور ، وأول الشرور ~~: حب الدنيا ؛ لأنها مزرعة الشيطان ، فمن طلبها وعمرها فهو حراثه وعبده ، ~~وشر من الشيطان من يعين الشيطان على عمارة داره ، وما ذلك إلا أنه لم يهتم ~~بأمر معاده ومنقلبه ، لما جرى عليه في السابقة من الحكم ، ولا كذلك من وصفه ~~في الإشفاق من المؤمين ؛ إجلالا لربهم ، ورجوعا لحكمه فيهم غيبا ، فلا ~~يأمنون مكره بحال ، ولا يركنون إلى أعمال ، بل عمدتهم ربهم ورحمته في كل ~~حال. والله أعلم. والحاصل : أنهم مع كونهم يخشون ربهم ويؤمنون بآياته ، ولا ~~يشركون به شيئا ، ويودون طاعته ، يخافون عدم قبوله لهم عند الرجوع إليه ، ~~ولقائهم له ؛ لأنه يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، وأحكامه لا تعلل ، ومن ~~استغرق فيه لم يقف مع وعده. ه. # قوله : " ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده " ، أي : لأنه قد يرتب ذلك على ~~شروط أخفاها عنه ، ليدوم خوفه واضطراره ، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره ~~، وليس خوف العارف من السابقة ولا من الخاتمة ؛ لأنه شغله استغراقه في الحق ~~والغيبة فيه عن الشعور بالسابقة واللاحقة ، إنما خوفه من الإبعاد بعد ~~التقريب ، أو الافتراق بعد الجمع ، وهذا أيضا قبل التمكين ، وإلا فالكريم ~~إذا أعطى لا يرجع. والله تعالى أعلم. # 25 # جزء : 5 رقم الصفحة : 23 # قلت : " بل " إضراب عما قبله من أوصاف المؤمنين ، وانتقال إلى أضدادهم من ~~الكافرين ، والضمير للكفرة ، و" حتى " : ابتدائية مختصة بالدخول على الجمل. PageV05P040 # يقول الحق جل جلاله : {بل قلوبهم} أي : الكفرة المستدرج بهم ، وهم لا ~~يشعرون ، {في غمرة} ؛ في غفلة غامرة لها ، مما عليه هؤلاء الموصوفون بما ~~تقدم من الخشية وما بعده ، أو مما بين في القرآن من أن لديه كتابا ينطق ~~بالحق ، ويظهر لهم أعمالهم السيئة على رؤوس الأشهاد ، فيفضحون بها ، كما ~~ينبئ عنه ما ms1824 بعده من قوله {قد كانت آياتي تتلى عليكم..}. {ولهم أعمال من ~~دون ذلك} أي : ولهم أعمال خبيثة كثيرة ، متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون ~~، من الأعمال الصالحات ، وهي فنون كفرهم ومعاصيهم ، {هم لها عاملون} ، ~~وعليها مقيمون ، مستمرون عليها ، حتى يأخذهم الله بالعذاب ، كما قال : {حتى ~~إذا أخذنا مترفيهم} أي : منعميهم {بالعذاب} أي : عذاب الدنيا ، وهو القحط ~~سبع سنين ، حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " ، فقحطوا حتى أكلوا الكلاب ~~والجيف والعظام. أو : القتل يوم بدر. والحق : إنه العذاب الأخروي ؛ إذ هو ~~الذي يفاجأون عنده بالجؤار ، فيجابون بالرد والإقناط عن النصر ، وأما عذاب ~~يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار ، حسبما ينبئ عنه قوله تعالى : {ولقد ~~أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} [المؤمنون : 76] فإن ~~المراد به ما جرى عليهم يوم بدر كما يأتي. وأما الجوع فإن أبا سفيان ، وإن ~~تضرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يرد عليه بالإقناط ، بل دعا ~~لهم فكشف عنهم. وقوله تعالى : {إذا هم يجأرون} أي : يصرخون ؛ استغاثة ، ~~والجؤار : الصراخ باستغاثة. فيقال لهم : {لا تجأروا اليوم} ؛ فإن الجؤار ~~غير نافع لكم ، {إنكم منا لا تنصرون} أي : لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم ~~مما دهمكم. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 26 PageV05P041 ~~وقد كانت آياتي} القرآنية {تتلى عليكم} في الدنيا ، {فكنتم على أعقابكم ~~تنكصون} أي : ترجعون القهقرى ، وتعرضون عن سماعها أشد الإعراض ، فضلا عن ~~تصديقها والعمل بها ، والنكوص : الرجوع القهقرى ، وهي أقبح المشية ؛ لأنه ~~لا يرى ما وراءه ، {مستكبرين به} ، الظاهر أن الضمير للقرآن ؛ لتقدم ذكر ~~آياته ، والباء بمعنى " عن " أي : متكبرين عن سماعه والإذعان له ، أو سببية ~~، أي : فكنتم بسبب سماعه مستكبرين عن قبوله ، وعمن جاء به ، أو ضمن ~~مستكبرين معنى مكذبين ، وقيل : يعود إلى البيت الحرام ، # 26 # أو الحرم ، وأضمر ولم يذكر ؛ لأنه من السياق. والمعنى : أنهم يستكبرون ~~بسبب المسجد الحرام ؛ لأنهم أهله وأهل ولايته ، وكانوا يقولون : لا يظهر ~~علينا أحد ؛ لأن أهل ms1825 الحرم ، وقيل : تتعلق بالباء بقوله : {سامرا} أي : ~~تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه ، وكانوا يجتمعون حول البيت يسمرون ، وكان ~~عامة سمرهم ذكر القرآن والطعن فيه ، وفي النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء ~~به ، و" سامرا " : مفرد بمعنى الجمع ، وقرئ سمارا ، {تهجرون} ، إما من ~~الهجر بالفتح ، بمعنى الهذيان ، أي : تهذون في شأن القرآن كما يهذو الحالم ~~أو السكران. أو من الترك ، أي : تتركونه وتفرون منه ، أو تهجرون النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين ، أو من " الهجر " بالضم ، وهو الفحش ، ويؤيده ~~قراءة من قرأ : " تهجرون " ، من أهجر في منطقة : إذا أفحش. والله تعالى أعلم. # الإشارة : من كان قلبه في غمرة حظوظه وهواه ، عاكفا على جمع دنياه ، لا ~~يطمع في دخول حضرة مولاه ، ولو صلى وصام ألف سنة. قال القشيري : لا يصلح ~~لهذا الشأن إلا من كان فارغا من الأعمال كلها ، لا شغل له في شأن الدنيا ~~والآخرة ، فأما من شغل بدنياه ، وعلى قلبه حديث من عقباه ، فليس له نصيب من ~~حديث مولاه. ه. وفي الحديث : " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة ~~والفراغ ". PageV05P042 # جزء : 5 رقم الصفحة : 26 # قلت : الهمزة للإنكار ، والفاء للعطف على محذوف ، أي : أفعلوا ما فعلوا ~~من النكوص والاستكبار فلم يتدبروا القرآن ، و" أم " : منقطعة ، فيها معنى ~~الإضراب والتوبيخ في الجميع. # يقول الحق جل جلاله : {أفلم يدبروا القول} ؛ يتدبروا القرآن ليعرفوا ، ~~بما فيه من إعجاز النظم وصحة المدلول ، والإخبار عن المغيبات الماضية ~~والمستقبلة ، أنه الحق ، فيؤمنوا به ، ويذعنوا لمن جاء به ، {أم جاءهم} ؛ ~~بل أجاءهم من الكتاب {ما لم يأت # 27 # آباءهم الأولين} ، حتى استبعدوه واستبدعوه ، فوقعوا فيما وقعوا فيه من ~~الكفر والضلال ، {أم لم يعرفوا رسولهم} أي : بل ألم يعرفوه - عليه الصلاة ~~والسلام - بالأمانة والصدق ، وحسن الأخلاق ، وكمال العلم من غير تعلم ولا ~~مدارسة ، وغير ذلك مما حازه من الكمالات اللائقة بالأنبياء قبله ، بل عرفوه ~~بذلك {فهم له منكرون} بغيا وحسدا. PageV05P043 # {أم يقولون جنة} ؛ جنون ، وليس كذلك ؛ لأنهم يعلمون أنه أرجحهم عقلا ، ~~وأثقبهم ذهنا ، وأتقنهم رأيا ، وأوفرهم رزانة ms1826 ، ولقد شهد له بذلك كل من رآه ~~من الأعداء والأحباب ، {بل جاءهم بالحق} أي : ليس الأمر كما زعموه في حق ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، وما جاء به من القرآن ، بل جاءهم بالحق ~~الأبلج والصراط المستقيم ، وبما خالف أهواهم ، من التوحيد الخالص والدين ~~القيم ، ولم يجدوا له مردا ولا مدفعا ، فلذلك نسبوه إلى الجنون ، {وأكثرهم ~~للحق} من حيث هو حق ، لا لهذا بعينه ، فلذلك أظهر في موضع الإضمار ، ~~{كارهون} ؛ لما في جبلتهم من الزيغ والانحراف المناسب للباطل ؛ ولذلك كرهوا ~~هذا الحق الأبلج ، وزاغوا عن الطريق الأبهج ، وفي التعبير بالأكثر دليل على ~~أن أقلهم ما كان كارها للحق بل كان تاركا للإيمان به ، أنفة واستنكافا من ~~توبيخ قومه ، أو لقلة فطنته وعدم تفكره ، كأبي طالب وأضرابه. قال ابو ~~السعود : وأنت خبير بأن التعرض لعدم كراهة بعضهم للحق ، مع اتفاق الكل على ~~الكفر به ، مما لا يساعده المقام أصلا. ه. فحمل الأكثر على الكل. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 27 # ولو اتبع الحق أهواءهم} بأن كان في الواقع آلهة شتى ؛ {لفسدت السموات ~~والأرض ومن فيهن} كما تقدم في قوله : {لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا} ~~[الأنبياء : 22] ، فالاتباع هنا مجاز ، أي : لو جاء الوحي على ما يشتهون ~~لفسدت السموات ، فالحق هنا هو المذكور في قوله : {بل جاءهم بالحق وأكثرهم ~~للحق كارهون} ، والمعنى : لو كان ما كرهوه من الحق ، الذي من جملته ما جاء ~~به النبي صلى الله عليه وسلم ، موافقا لأهوائهم الباطلة ؛ لفسد نظام العالم ~~، وتخصيص العقلاء بالذكر حيث عبر بمن ؛ لأن غيرهم تبع. PageV05P044 # {بل أتيناهم بذكرهم} : بشرفهم ، وهو القرآن الذي فيه فخرهم وشرفهم ، كما ~~قال تعالى : {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف : 44] ؛ لأن الرسول منهم ، ~~والقرآن لغتهم ، أو بتذكيرهم ووعظهم ، أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه ، ~~ويقولون : {لو أن عندنا ذكرا من الأولين} [الصافات : 168] ، {فهم عن ذكرهم ~~معرضون} أي : فهم ، بما فعلوا من النكوص ، عن فخرهم وشرفهم معرضون ، وهذا ~~مما جبلت عليه النفوس الأمارة ؛ الإعراض عما فيه خيرها ، والرغبة فيما فيه ~~هلاكها ، إلا من عصم ms1827 الله ، وفي إسناد الإتيان إلى نون العظمة ، بعد إسناده ~~إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ، ومن التنويه بشأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما لا يخفى. انظر أبا السعود. # {أم تسألهم خرجا} ، هذا انتقال من توبيخهم بما ذكر من قولهم : {أم يقولون ~~به جنة} ، # 28 # إلى التوبيخ بوجه آخر ، كأنه قال : أم يزعمون أنك تسألهم عن أداء الرسالة ~~{خرجا} أي : جعلا ، فيتهمونك ، أو يثقل عليهم فلذلك لا يؤمنون ، {فخراج ربك ~~خير} أي : رزقه في الدنيا ، وثوابه في الآخرة ، خير لك من ذلك ؛ لدوامه ~~وكثرته ، أي : لا تسألهم ذلك ؛ فإن ما رزقك الله في الدنيا والعقبى خير لك ~~من ذلك ؛ وفي التعرض لعنوان الربوبية ، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة ~~والسلام - ، من تعليل الحكم وتشريفه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. PageV05P045 # والخرج والخراج واحد ، وهو : الأجر المأخوذ على العمل ، ويطلق على الغلة ~~والضريبة كخراج العبد والأرض ، وقال النضر بن شميل : سألت أبا عمرو بن ~~العلاء عن الفراق بين الخراج والخرج ، فقال : الخراج ما لزمك ، والخرج ما ~~تبرعت به ، وقيل : الخرج أخص من الخراج ؛ لأن الخراج يطلق على كل ما ~~يستفيده المرء من غلة ، أو أجرة ، أو زكاة ، والخرج خاص بالأجرة ، وفي ~~الخراج إشعار بالكثرة ، فلذلك عبر به في جانبه - تعالى - والمعنى : أم ~~تسألهم ، على هدايتك لهم ، قليلا من عطاء الخلق ، فالكثير من عطاء الخالق ~~خير ، {وهو خير الرازقين} : أفضل المعطين. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 27 # وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} تشهد العقول السليمة باستقامته ، ليس فيه ~~شائبة اعوجاج ، توجب اتهامهم لك بوجه من الوجوه ، ولقد ألزمهم الله - تعالى ~~- الحجة ، وأزاح عللهم في هذه الآيات ، حيث حصر أقسام ما يؤدي إلى الإنكار ~~والاتهام من قوله : {أم لم يعرفوا رسولهم...} إلى هنا ، وبين انتفاءها ، ~~ولم يبق إلا كراهة الحق وعدم الفطنة أو العناد أو المكابرة ، {وإن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة عن الصراط} ؛ عن طريق الحق {لناكبون} أي : لعادلون عن هذا ~~الصراط المذكور ، وهو الصراط المستقيم ، وصفهم بعدم الإيمان بالآخرة ، ~~تشنيعا لهم بما هم ms1828 عليه من الانهماك في الدنيا ، وزعمهم ألا حياة إلا حياة ~~الدنيا ، وإشعارا بعلية الحكم ؛ فإن الإيمان بالآخرة وخوف ما فيها من ~~الدواهي من أمور الدعاوي إلى طلب الحق وسلوك سبيله. والله تعالى أعلم. PageV05P046 # الإشارة : كل من أنكر على أهل الخصوصية ، ولم يعرف خصوصيتهم ؛ فسببه ثلاثة ~~أمور : إما أنه لم يصحبهم ولم يتدبر ما يقولون ، ولا ما يأمرون به وينهون ~~عنه ، وإنما يرميهم رجما بالغيب ، وإما أنه حسدهم وخاف على جاهه أن يتنقل ~~لغيره ، وإما أنهم أتوا بخرق عوائد النفوس التي لم تكن لآبائهم الأولين ، ~~فقالوا : {إنا وجدنا ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون} ، وإنما ~~جاءهم بالحق ، وأكثرهم للحق كارهون ، وكيف تخرق للعبد العوائد ، وهو لم ~~يخرق من نفسه العوائد ؟ . {ولو اتبع الحق أهواءهم} ، بأن كانت التربية على ~~طريق العوائد ، والاستمرار معها لفسد النظام ، ولبقي الكون كله ظلمة لجميع ~~الأنام ؛ إذ لا يمكن أن يصير الكون نورا ، بظهور الحق فيه ، إلا بخرق عوائد ~~النفوس ، وإخراجها عن هواها ، فحينئذ تخرق له ظلمة الكون ، فيفضي إلى شهود ~~المكون ، (بل أتيناهم # 29 # بذكرهم) أي : بشرفهم ، بمعرفة الحق على نعت العيان ، (وهم عن ذكرهم ~~معرضون) ؛ حيث انهمكوا في عوائدهم ، ولم يقبلوا من يخرجهم عنها ويعرفهم ~~بالله لله ، من غير خراج ولا طمع. PageV05P047 # قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : {أم تسئلهم خرجا فخراج ربك ~~خير}. قال القشري : أي : إنك لا تطالبهم على تبليغ الرسالة بأجرة ، ولا ~~بإعطاء عوض ، حتى تكون في موضع التهمة فيما تأتيهم به من الشريعة ، أم لعلك ~~تريد أن يعقدوا لك الرئاسة ، ثم قال : والذي لك من الله - سبحانه - من جزيل ~~الثواب ، وحسن المآب ، يغنيك عن التصدي لنيل ما يكون في حصوله منهم مطمع. ~~هذه كانت سنة الأنبياء والمرسلين - عليهم السلام - ؛ عملوا لله فلم يطلبوا ~~عليه أجرا من غير الله ، والعلماء ورثة الأنبياء في التنزه من التدنس ~~بالأطماع ، والأكل بالدين ، فإنه ربا مضر بالإيمان ، إن كان العمل لله ~~فالأجر منتظر من الله ، وهو موعود من قبل الله. ه. وراجع ما تقدم في ms1829 سورة ~~هود ؛ فإنه أوفى من هذا. # جزء : 5 رقم الصفحة : 27 # وقوله تعالى : {وإنك لتدعوهم إلى صرط مستقيم} ، وهو طريق الوصول إلى شهود ~~الذات الأقدس ، من طريق التربية ، التي هي مخالفة الهوى والخروج عن ~~العوائد. وقال القشيري : الصراط المستقيم : هو شهود الحق بنعت الإنفراد في ~~جميع الأشياء ، والإيجاف ، والاستسلام لقضايا الإلزام ، بمواطأة القلب من ~~غير استكراها الحكم. ه. وقال الورتجبي عن بعضهم : لولا أن الله - تعالى - ~~أمر بمخالفة النفوس ومباينتها ، لاتبع الخلق أهواءهم في شهوات النفوس ، ولو ~~فعلوا ذلك لضلوا عن طريق العبودية ، وتركوا أوامر الله ، وأعرضوا عن طاعته ~~، ولزموا المخالفة ، ألا ترى الله يقول : {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السموات والأرض ومن فيهن}. PageV05P048 # ثم بين سبحانه أن حبيبه - عليه الصلاة والسلام - يدعوهم إلى تلك المشاهدة ~~بقوله : {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} أي : مما أوضحه أنوار جماله ~~وشاهدته ، وهي طريق معرفته في قلوب الصديقين للأرواح القدسية. وتلك الطريقة ~~منتهاها المحبة ، وبدايتها الأسوة والمتابعة ؛ لقوله : {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران : 31]. ه. قلت : المراد بالمحبة محبة ~~الحق لعبده ؛ بدليل الآية التي ذكر. وقال ابن عطاء : إنك لتحملهم على مسالك ~~الوصول ، وليس كل أحد يصلح لذلك السلوك ، ولا يوفق له إلا أهل الإستقامة ، ~~وهم الذين استقاموا مع الله ولم يطلبوا معه سواه ، ولم يروا لأنفسهم درجة ~~ولا مقاما. ه. # قوله تعالى : {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي : لا يؤمنون بالحياة ~~الآخرة ، وهي # 3 # حياة النفوس بالمعرفة العيانية ، بعد موتها بالجهل والوقوف مع الحس ~~والعوائد ، ممن لا يصدق بهذه الحياة ، وأنكر وجود من يوصل إليها عن طريق ~~الحق الموصلة إليه ، لناكبون ، فهم في الحيرة والتلف تائهون ، عائذا بالله ~~من ذلك. # جزء : 5 رقم الصفحة : 27 PageV05P049 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر} ، كقحط وجدب ، ~~{للجوا} : لتمادوا {في طغيانهم} : إفراطهم في الكفر والعتو والإستكبار ~~وعداوة الرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين ، {يعمهون} : يترددون ~~عامهين عن الهدى. قال ابن عباس : لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ، ورجع إلى ms1830 ~~اليمامة ، منع الميرة عن أهل مكة ، وأخذهم الله تعالى بالسنين حتى أكلوا ~~العلهز ، جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : أنشدك ~~الله والرحم ، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين ؟ قال : بلى ، قال : قتلت ~~الآباء بالسيف ، والأبناء بالجوع ، فنزلت. قال ابن جزي : وفيه نظر ؛ فإن ~~الآية مكية باتفاق ، وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بعد ~~الهجرة ، حسبما ورد في الحديث. ه. # قلت : والتحقيق : أن القحط نزل بهم مرتين ، أحدهما قبل الهجرة ، حين دعا ~~عليهم - صلى الله عليه وسلم - بقوله : " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " ~~، فأخذتهم سنة حصدت كل شيء ، حتى أكلوا الميتة والعظام ، وكانوا يرون كهيئة ~~الدخان من الجوع ، فجاء أبو سفيان فقال : يا محمد ، جئت تأمر بصلة الرحم ، ~~وإن قومك قد هلكوا ، فادع الله يغيثنا ، فدعا لهم.. الحديث. وفيه نزل الله ~~تعالى : {فارتقب يوم تأتى السمآء بدخان مبين} [الدخان : 10] الآية ، وقوله ~~هنا : {ولو رحمناهم وكشفنا...} الآية. ومرة أخرى بالمدينة ؛ حين استغاثوا ~~به عليه السلام وهو يخطب ، ولعله هو الذي ذكره ابن عباس في إسلام ثمامة ، ~~ولعل قوله : " فنزلت الآية " سهو ؛ لأنها نزلت قبل الهجرة ، إلا أن تكون ~~الآية مدنية في السورة المكية ، وقول ابن جزي : " دعا عليهم بعد الهجرة " ، ~~التحقيق ، أنه دعا عليهم قبل وبعد. والله أعلم. PageV05P050 # والمعنى : لو رحمناهم ، وكشفنا ما بهم من القحط والهزال ؛ برحمتنا إياهم ، ~~ووجدوا الخصب ، لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والاستكبار ، ولذهب ~~عنهم هذا الخلق والتعلق بك ، وهذا كقوله تعالى في الدخان : {إنكم عآئدون} ~~[الدخان : 15] ، قيل : # 31 # المراد بالضر : العذاب الأخروي ، فيكون كقوله : {ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه} [الأنعام : 28]. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 31 # ولقد أخذناهم بالعذاب} ، وهو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر ، وهو ~~قوله - تعالى - في الدخان {يوم نبطش البطشة الكبرىا} [الدخان : 16]. {فما ~~استكانوا لربهم} بذلك ، أي : لم يخضعوا ولم يتذللوا. و" استكانوا " : افتعل ~~من السكون ، والألف زائدة ، أو استفعل من الكون ، أي : انتقل من كون إلى ~~كون ، كاستحال ، إذا ms1831 انتقل من حال إلى حال ؛ لأن الخاضع ينتقل من كون إلى ~~كون {وما يتضرعون} أي : وليس من حالهم التضرع إليه تعالى ، وعبر بالمضارع ، ~~ليدل على الاستمرار ، أي : ليس شأنهم التضرع في هذه الحالة وغيرها ، أو : ~~فما استكانوا فيما مضى ، وما يتضرعون فيما ينزل بهم في المستقبل ، والمعنى ~~: تالله لقد أخذناهم بالعذاب ، وقتلناهم بالسيوف ، وما جرى عليهم يوم بدر ~~من قتل صناديدهم ، فما وجدت ، بعد ذلك ، منهم استكانة ولا تضرع. {حتى إذا ~~فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد} ، وهو عذاب الآخرة ، {إذا هم فيه مبلسون} : ~~متحيرون آيسون من كل خير ، وهذا هو الصواب من حمل العذاب على عذاب الآخرة ، ~~بدليل وصفه بالشدة والإياس. والله تعالى أعلم. PageV05P051 # الإشارة : أهل الغفلة والبعد لا يرجعون إلى الله في السراء ولا في الضراء ؛ ~~لانهماكهم في الغفلة والقساوة ، وأهل اليقظة يرجعون إلى الله في السراء ~~والضراء ، في السراء بالحمد والشكر ، وفي الضراء بالصبر والرضا والتسليم ، ~~مع التضرع والابتهال ؛ عبودية ، والمقتصدون يرجعون إليه - تعالى - في ~~الضراء ، ويغفلون عن الشكر في السراء ، والأول ظالم لنفسه ، والثاني سابق ، ~~والثالث مقتصد. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 31 # يقول الحق جل جلاله : {وهو الذي أنشأ} : خلق {لكم السمع والأبصار} ؛ ~~لتشاهدوا بها عجائب مصنوعاته ودلائل قدرته ، أو لتتوصلوا إلى شهود آياته ~~الكونية والتنزيلية ، {والأفئدة} ؛ لتتفكروا بها فيما تشاهدونه منها ~~وتعتبروا ، وخصها بالذكر ؛ لأنه # 32 # يتعلق بها من بالمنافع ما لا يتعلق بغيرها ، وقدم السمع ؛ لأن أكثر ~~العلوم إنما تنال به ، {قليلا ما تشكرون} أي : شكرا قليلا غير معتد به ~~تشكرون تلك النعم الجليلة ؛ لأن العمدة في الشكر : صرف تلك القوى - التي هي ~~في أنفسها نعم باهرة - إلى ما خلقت له ، وأنتم تنتحلون بها ضلالا عظيما. ~~{وهو الذي ذرأكم في الأرض} أي : خلقكم وبثكم فيها بالتناسل ، {وإليه ~~تحشرون} أي : تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم ، فيجازيكم على إحسانكم ~~وإساءتكم. PageV05P052 # {وهو الذي يحيي ويميت} ، من غير أن يشاركه في ذلك أحد ولا شيء من الأشياء ، ~~{وله اختلاف الليل والنهار} أي : المؤثر في اختلافهما ، {أفلا ms1832 تعقلون} ~~فتعرفون بالنظر والتأمل أن الكل منا ، وأن قدرتنا تعم جميع الممكنات ، التي ~~من جملتها البعث والحساب ، وقرئ " يعقلون " ؛ بالغيب ، على الالتفات ؛ ~~لحكاية سوء حال المخاطبين ، {بل قالوا} عطف على مضمر يقتضيه المقام ، أي : ~~فلم يعقلوا {بل قالوا مثل ما قال الأولون} أي : آباؤهم ومن دان دينهم ، ~~{قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} ، هو تفسير لما أبهم ~~قبله ، أي : قالوا : أنبعث بعد هذه الحالة ، {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا} ~~البعث {من قبل} : متعلق بالفعل من حيث إسناده إلى آبائهم لا إليهم ، أي : ~~وعد هذا آباؤنا من قبل ، أو حال من آبائنا ، أي : كائنين من قبل ، {إن هذا} ~~أي : ما هذا {إلا أساطير الأولين} أي : أكاذيبهم التي سطروها ، وهي جمع ~~أسطورة كأحدوثة وأعجوبة ، أو جمع أسطار ، جمع سطر ، فيكون جمع الجمع. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 32 PageV05P053 ~~الإشارة : ذكر في الآية خمس نعم ، يجب على العبد شكر كل واحدة منها ، فشكر ~~نعمة السمع : أن تسمع به ما ينفع ، وتكفه عما لا ينفع ، وإذا سمعت خيرا ~~أفشيته ، وإذا سمعت شرا دفنته. وشكر نعمة البصر : أن تنظر به في ملكوت ~~السموات والأرض وما بينهما ، فتعرف عظمة الصانع ، أو تشاهده وتوحده فيها. ~~وشكر نعمة القلوب : أن تعرف بها علام الغيوب ، وتفرده بالوجود في كل مرغوب ~~ومرهوب. وشكر نعمة الإيجاد : أن تكون له عبدا في كل حال. وشكر نعمة الإعادة ~~: أن تتأهب للقائه في كل لحظة وساعة. (وهو الذي يحيي ويميت) ؛ يحيي قلوبا ~~بالمعرفة بعد الجهل ، ويميت قوبا بالغفلة والجهل بعد العلم واليقظة ، وذلك ~~بالسلب بعد العطاء والعياذ بالله. وله اختلاف ليل القبض ونهار البسط على ~~العبد ، ثم يخرجه عنهما ؛ ليكون مع الله لا مع شيء سواه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 32 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد لمن أنكر البعث : {لمن الأرض ومن ~~فيها} من المخلوقات ؛ عاقلا أو غيره ، أي : من أوجدها ، ودبر أمرها ، {إن ~~كنتم تعلمون} شيئا ؟ والجواب محذوف ، أي : فأخبروني ؛ فإن ذلك كاف في ~~الجواب ms1833 ، {سيقولون لله} ؛ لأنهم مقرون بأنه الخالق ، فإن أقروا بذلك {فقل ~~أفلا تذكرون} فتعلمون أن من قدر على خلق السموات والأرض وما فيهن ، كيف لا ~~يقدر على إعادة الخلق بعد عدومها ؟ فإن الإعادة أهون من البدء. {قل من رب ~~السموات السبع ورب العرش العظيم} ، أعيد الرب ؛ تنويها لشأن العرش ، ورفعا ~~لمحله ؛ لئلا يكون تبعا للسموات والأرض ، وجودا وذكرا ، ولقد روعي في الأمر ~~بالسؤال الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، فإن سألتهم (سيقولون لله) أي : هي ~~لله ، كقولك : من رب هذا الدار ؟ فتقول : هي لفلان ، وقال الشاعر : # إذا قيل : من رب المزالف والقرى # ورب الجياد الجرد ؟ قيل : لخالد PageV05P054 ~~وقال الأخفش : اللام زائدة ، أي : هو الله ، وبعدمه قرأ أهل البصرة ، فيه ~~وفيما بعده ، واتفقوا على إثباته في الأول ، ليطابق السؤال ، فإن أجابوا ~~بذلك {فقل أفلا تتقون} أي : أتعلمون ذلك ، ولا تتقون عذابه في كفركم ~~وجحودكم قدرته على البعث ؟ # {قل من بيده ملكوت كل شيء} أي : التصرف التام في كل شيء بقهره وسلطانه ، ~~فالملكوت ، في أصل اللغة ، مبالغة في الملك ، زيدت الواو والتاء ؛ للمبالغة ~~، كالجبروت ؛ مبالغة في الجبر ، وفي عرف الصوفية ، الملكوت : ما بطن من ~~أسرار المعاني القائمة بالأواني ، أو نقول : ما غاب في عالم الشهادة من ~~أسرار الذات ، فحس الأواني ملك ، ومعانيها ملكوت ، والجبروت : ما خرج عن ~~دائرة الأكوان من بحر الأسرار ، الفائض بأنوار الملكوت ، وهذه أسماء لمسمى ~~واحد ، وهو بحر الوحدة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 33 # ثم قال تعالى : {وهو يجير} أي : يغيث ، يقال : أجرت فلانا على فلان : إذا ~~أغثته منه ، يعني : وهو يغيث من شاء ممن شاء ، {ولا يجار عليه} : ولا يغيث ~~أحد عليه ، أي : لا يمنع أحد أحدا بالنصر عليه. {إن كنتم تعلمون} شيئا ما ، ~~أو تعلمون ذلك ، فأجيبوني ؟ {سيقولون لله} أي : لله ملكوت كل شيء ، وهو ~~يجير ولا يجار عليه ، {قل فأنى تسحرون} أي : فمن أين تخدعون وتصرفون عن ~~الرشد ، وعن توحيد الله وطاعته ؟ فإن من لا يكون مسحورا مختل العقل لا يكون ~~كذلك ، قال تعالى : {بل أتيناهم بالحق} الذي ms1834 لا محيد عنه ؛ من التوحيد ~~والوعد بالبعث ، {وإنهم لكاذبون} فيما قالوا من الشرك وإنكار البعث. وبالله ~~التوفيق. # 34 PageV05P055 ~~الإشارة : قل : لمن أرض النفوس ، وما فيها من الأهوية والحظوظ والعلائق ؟ ~~سيقولون : هي لله يتصرف فيها كيف يشاء ، فتارة يملكها لعبده ، فتكون تحت ~~قهره وسلطانه ، فيكون حرا من رق الأشياء ، وتارة يملكه لها بعدله ، فيكون ~~تحت قهرها وسلطانها ، تتصرف فيه كيف تشاء ، ويكون مملوكا لها ، ينخرط في ~~سلك من اتخذ إلهه هواه ، قل : من رب سماوات الأرواح وعرش الأسرار والأنوار ~~، وهو القلب الذي هو بيت الرب ، قل : سيقولون : لله ، يظهرها متى شاء ، ~~ويوصلها إلى أصلها كيف شاء ، قل : من بيده ملكوت كل شيء ، فيتصرف في النفوس ~~والأرواح ؛ بالتقريب والتبعيد ، وهو يجير من الحظوظ والأهوية من يشاء ، ~~ويسلطها على من يشاء ، ولا يجار عليه ، لا يمينع من قهره أحد ، فأنى ~~تسحرون. قال القشيري : أولا قال : (أفلا تذكرون) ، ثم قال بعده : (أفلا ~~تتقون) ؛ قدم التذكر على التقوى ؛ لأن بتذكيرهم يصلون إلى المعرفة ، وبعد ~~أن عرفوه ، علموا أنه يجب عليهم اتقاء مخالفته ، ثم بعد ذلك قال : (فأنى ~~تسحرون) ؟ أي : بعد وضوح الحجة ، أي شك بقي حتى تنسبوه إلى السحر ؟ . ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 33 # يقول الحق جل جلاله : {ما اتخذ الله من ولد} ، خلاف ما يقوله النصارى ، ~~والعرب التي قالت : للملائكة بنات الله ، تعالى عن قولهم علوا كبيرا ، {وما ~~كان معه من إله} يشاركه في ألوهيته ، كما يقول عبدة الأوثان وغيرهم ، {إذا ~~لذهب كل إله بما خلق} أي : لو كان معه آلهة ، كما يزعمون ، لذهب كل واحد ~~منهم بما خلقه واستبد به ؛ ليتميز ملكه من ملك الآخر ، ووقع بينهم التغالب ~~والتحارب ، كما هو الجاري بين الملوك ، {ولعلا بعضهم على بعض} : ولغلب ~~بعضهم على بعض ، وارتفع عليه ، كما ترون حال ملوك الدنيا ؛ ممالكهم متمايزة ~~وهم متغالبون ، وحين لم تروا أثرا لتمايز الممالك والتغالب ؛ فاعلموا أنما ~~هو إله واحد. PageV05P056 # قال ابن جزي : وليس هذا البرهان بدليل التمانع ، كما فهم ابن عطية وغيره ، ~~بل بدليل آخر. وقال ms1835 في قوله : {لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا} : قال ~~كثير من الناس : إنه دليل التمانع الذي أورده المتكلمون ، والظاهر من اللفظ ~~أنه استدلال آخر أصح منه. ه قال النسفي : ولا يقال : " إذا " لا تدخل إلا ~~على كلام هو جزاء وجواب ، وهو هنا وقع لذهب ؛ جزاء وجوابا ، ولم يتقدمه شرط ~~ولا سؤال سائل ؛ لأن الشرط هنا محذوف ، تقديره : لو # 35 # كان معه آلهة كما يزعمون لذهب...إلخ ، دل عليه : (وما كان معه من إله) ، ~~وهو جواب لمن حاجه من المشركين. ه. # {سبحان الله عما يصفون} من الأنداد والأولاد ، {عالم الغيب والشهادة} أي ~~: السر والعلانية ، أو ما ظهر من حس الأكوان ، وما غاب فيها وعنها ، فمن جر ~~" عالم " ؛ فبدل من الجلالة ، او صفة له ، ومن رفعه ؛ فخبر عن مضمر ، أي : ~~هو عالم. {فتعالى عما يشركون} من الأصنام وغيرها ، والفاء لترتيب ما بعدها ~~على ما قبلها ؛ فإن تفرده تعالى بالألوهية والعلم المحيط ، موجب لتعاليه عن ~~أن يكون له شريك. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ثلاثة إذا تعددت فسد النظام : الإله ، والسلطان ، والطبيب ؛ ~~فلو تعدد الإله لفسد نظام العالم ، ولو تعدد الملك لفسدت الرعية بالهرج ~~والفتن ، ولو تعدد الطبيب لفسد العلاج. والطبيب على قسمين : طبيب الأبدان ، ~~وطبيب القلوب ، وهو شيخ التربية ، فإذا تعدد على مريد واحد فسدت تربيته ؛ ~~لانقسام محبته واختلاف علاجه ، فالمريد ، إذا علق قلبه بغير شيخه ، لا ينهض ~~نهوض من جمع همته على شيخه ، بل لا يجيء منه شيء. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 35 PageV05P057 ~~قال القشيري : كل أمر نيط بين اثنين انتفى عنه النظام وصحة التربية. ه. ~~وقال الورتجبي : نزه الحق - سبحانه - ذاته عن مخايل الزنادقة ، وكان منزها ~~عن أباطيل إشارة المشبهة ، وذاته ممتنعة بكمال أحديته ، عن زعم الثنوية ، ~~كيف يجوز أن يكون القدم محل الحوادث ؛ إذ القديم المنزه ، إذا تجلى بنعت ~~القدم للحدثان ، صار معدوما كالعدم ، تعالى الله عن كل وهم وإشارة. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 35 # يقول الحق جل جلاله : {قل رب إما تريني} أي : إذا كان ms1836 لا بد أن تريني ما ~~يوعدون من العذاب المستأصل في الدنيا أو عذاب الآخرة ، {رب فلا تجعلني في ~~القوم الظالمين} أي : قريبا لهم فيما هم فيه من العذاب ، وفيه إيذان بفظاعة ~~ما وعدوه من العذاب ، وأنه يجب أن يستعيذ منه من لا يكاد أن يحيق به ، ورد ~~لإنكارهم إياه # 36 # واستعجالهم على طريقة الاستهزاء ، وقيل : أمر به صلى الله عليه وسلم هضما ~~لنفسه ، وقيل : إن شؤم الكفرة قد يحيق بمن وراءهم ؛ كقوله تعالى : {واتقوا ~~فتنة...} [الأنفال : 25] إلخ ، وروي عن الحسن (أنه - تعالى - أخبر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بأن في أمته نقمة ، ولم يطلعه على وقتها ، فأمر بهذا ~~الدعاء) ويجوز أن يسأل النبي المعصوم ربه ما علم أنه يفعله ، وأن يستعيذ به ~~مما علم أنه لا يفعله ؛ إظهارا للعبودية وتواضعا لربه. والفاء : جواب " إما ~~" الشرطية ، أي : إن نزلت بهم النقمة فاجعلني خارجا عنهم ، وتكرير النداء ، ~~وتصدير كل من الشرط والجزاء به - أي : بالدعاء - ؛ لإبراز كمال الضراعة ~~والابتهال. PageV05P058 # قال تعالى : {وإنا على أن نريك ما نعدهم} من العذاب {لقادرون} ، ولكنا ~~نؤخره ؛ لعلمنا بأن بعضهم ، أو بعض أعقابهم ، سيؤمنون ، أو : لأنا لا ~~نعذبهم وأنت فيهم ، وقيل : قد أراهم ذلك ، وهو ما أصابهم يوم بدر وفتح ومكة ~~، وهو بعيد ؛ لأن المبادر أن يكون ما استحقوه من العذاب الموعود عذابا ~~هائلا مستأصلا لا يظهر على يديه صلى الله عليه وسلم ؛ للحكمة الداعية إليه ~~، وكانوا يضحكون ، استهزاء بهذا الوعد ، وإنكارا له ، فقال لنبيه - عليه ~~الصلاة والسلام - : {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} أي : ادفع الخصلة السيئة ~~بالخصلة التي هي أحسن ، وهو الصفح عنها والإحسان في مقابلتها ، لكن بحيث لا ~~يؤدي إلى وهن في الدين وإهانة له. وقيل : السيئة : الشرك ، والتي هي أحسن : ~~كلمة التوحيد ، وقيل : السيئة : المنكر ، والتي هي أحسن : النهي عنه ، وقيل ~~: هي منسوخة بآية السيف ، وقيل : محكمة ؛ إذ المداراة مأمور بها. قال ابن ~~عطية : أمر بمكارم الأخلاق ، وما كان منها بهذا المعنى ، فهو محكم باق في ~~الأمة أبدا ، وما كان بمعنى المواعدة فمنسوخ بآية ms1837 القتال. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 36 # وهذا التركيب أبلغ من " ادفع بالحسنة السيئة " ؛ لما فيه من التنصيص على ~~التفضيل ، وتقديم الجار والمجرور على المفعول ؛ للاهتمام. {نحن أعلم بما ~~يصفون} من الشرك والولد ، أو بما يصفك به ، مما أنت على خلافه ، من السحر ~~وغيره ، فسنجازيهم عليه ، وفيه وعيد لهم ، وتسلية لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم ، وإرشاد له إلى تفويض أمره إليه تعالى والاكتفاء بعلمه. PageV05P059 # {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} أي : وساوسهم المغرية على خلاف ما أمرت ~~من المحاسن ، التي من جملتها دفع السيئة بالحسنة ، وأصل الهمز : النخس ، ~~ومنه : مهماز الرائض ، شبه حثهم للناس على المعاصي بهمز الرائض الدواب على ~~الإسراع والوثب. وجمع همزات ؛ لتنوع الوساوس وتعدد المضاف إليه ، {وأعوذ بك ~~رب أن يحضرون} ، أمر بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه ، والتعوذ من ~~أن يحضروه أصلا في حال من الأحوال ؛ مبالغة في التحذير من ملابستهم ، أو أن ~~يحضروه عند التلاوة أو الصلاة ، أو عند النزع ؛ تشريعا. وإعادة الفعل ، مع ~~تكرير النداء ؛ لإظهار كمال الاعتناء بالمأمور به. # 37 # ولا تزال الكفرة تصف الحق بما لا يليق به من الشرك ، {حتى إذا جاء أحدهم ~~الموت} أي : لا يزالون مشركين حتى يموتوا ، فحتى ، هنا ، ابتدائية ، دخلت ~~على جملة الشرط ، وهي متعلقة بيصفون ، وما بينهما اعتراض مؤكد للإغضاء ، ~~لكن لا بمعنى أنه العامل فيه ؛ لفساد المعنى ، بل بمعنى أنه معمول لمحذوف ~~دل عليه ذلك ، أي : تنزيها له تعالى عما يصفون ، ويستمرون على الوصف ~~المذكور ، حتى إذا جاء أحدا منهم الموت الذي لا مرد له ، وظهرت له أحوال ~~الآخرة ، {قال} ؛ تحسرا على ما فرط فيه من الإيمان والطاعة : {رب ارجعون} ~~أي : ردني إلى الدنيا ، والواو ؛ لتعظيم المخاطب ، كخطاب الملوك ، {لعلي ~~أعمل صالحا فيما تركت} أي : في الإيمان الذي تركته ، أو في الموضع الذي ~~تركت فيه الإيمان والطاعة ؛ وهو الدنيا ؛ لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى. # قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا عشيرة ، ولكن ليتدارك ما فرط. PageV05P060 # وعنه ، صلى الله عليه ms1838 وسلم أنه قال : " إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا له ~~: نرجعك إلى الدنيا ؟ فيقول : إلى دار الهموم والأحزان ؟ بل قدوما إلى الله ~~تبارك ، وتعالى ، وأما الكافر فيقول : ارجعون لعلي أعمل صالحا... " وقال ~~القرطبي : ليس سؤال الرجعة مختصا بالكافر ، فقد يسألها المؤمن ، كما في آخر ~~سورة المنافقين ، ودلت الآية على أن أحدا لا يموت حتى يعرف : أهو من أولياء ~~الله أم من أعداء الله ، ولولا ذلك لما سأل الرجعة ، فيعلم ذلك قبل نزول ~~الموت وذواقه. ه. قال المحشي الفاسي : ولعل محمل الحديث في المؤمن الكامل ~~غير المقصر ، والآية في غيره. والله أعلم. ه. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 36 # كلا} أي : لا رجوع له أصلا ، وهو ردع عن طلب الرجعة ، واستبعاد لها ، ~~{إنها} أي : قوله : (رب ارجعون) ، {كلمة} ، والمراد : طائفة من الكلام ، ~~وهو (رب ارجعون...) إلخ ، {هو قائلها} ، ولا فائدة له فيها ، ولا حقيقة لها ~~؛ لعدم حصول مضمونها ، أو هو قائلها لا محالة ؛ لتسليط الحسرة والندم عليه ~~، فلا يقدر على السكوت عليها ، (ومن ورائهم) أي : أمامهم ، والضمير للجماعة ~~؛ لأن أحدهم بمعنى كلهم ، {برزخ} : حائل بينهم وبين الرجعة ، {إلى يوم ~~يبعثون} : يوم القيامة ، وهو إقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا ، لما علم أنه ~~لا رجعة يوم القيامة إلى الدنيا ، وإنما الرجوع فيه إلى الحياة الأخرية. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : ما قاله صلى الله عليه وسلم في تضرعه إلى الله تعالى - كما ~~أمره الحق تعالى - يقوله كل عارف ومتيقظ ، فيقول : رب إما تريني ما يوعده ~~أهل الغفلة والبطالة من التحسر والندم ، عند انقراض الدنيا وإقبال الآخرة ، ~~فلا تجعلني في القوم الظالمين ، أي : لا تسلك بي # 38 PageV05P061 ~~مسلكهم حتى أتحسر معهم فإذا أوذي في الله - كما هو شأن أهل الخصوصية - يقال ~~له : ادفع بالتي هي أحسن السيئة ، وقابل الإساءة بالإحسان ، وإياك ~~والانتصار لنفسك ، وتعوذ بالله من همزات الشياطين ، إن قامت عليك نفسك ~~وأرادت الانتصار ، كما هو شأن أهل الغفلة ، في كونهم منهمكين في الغفلة ، ~~مملوكين في أيدي أنفسهم ، مستمرين على ذلك ، حتى إذا حضر أجلهم طلبوا ms1839 من ~~الله الرجعة ، هيهات هيهات ، {كلا إنها كلمة هو قآئلها ومن ورآئهم برزخ ~~إلىا يوم يبعثون} [المؤمنون : 100] ، وفي الأثر : " ما منكم من أحد إلا ~~وسيندم عند الموت ، إن كان محسنا أن لو زاد ، وإن كان مسيئا أن لو تاب " أو ~~كما قال. # ولأجل هذا المعنى شد أهل اليقظة الحزم ، وشمروا عن ذراعهم في طاعة مولاهم ~~، وعمروا أوقاتهم بما يقربهم إلى محبوبهم ، وتنافسوا في ذلك أي تنافس ، وفي ~~ذلك يقول القائل : # السباق ، السباق ، قولا وفعلا # حذر النفس حسرة المسبوق # وكان بعض العباد حفر قبرا في بيته ، فإذا صلى العشاء دخل فيه ، وقرأ : ~~{قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا...} الآية ، فيقول لنفسه : ستطلبين الرجعة ~~ولا تمكنين منها ، وأنت اليوم متمكنة من الرجوع ، قومي إلى خدمة مولاك ، ~~قبل أن يحال بينك وبينها ، فيبيت قائما يصلي. وهكذا شأن اهل اليقظة ؛ ~~يقدمون الندم والجد قبل فوات إبانه. أعاننا الله على اغتنام طاعته ، وما ~~يقربنا إلى حضرته. آمين. # جزء : 5 رقم الصفحة : 36 PageV05P062 ~~يقول الحق جل جلاله : {فإذا نفخ في الصور} لقيام الساعة ، وهي نفخة البعث ~~والنشور ، وقيل : فإذا نفخ في الأجساد أرواحها ، على أن الصور جمع صورة ، ~~ويؤيده القراءة بفتح الواو مع الضم ، وبه مع كسر الصاد. {فلا أنساب بينهم ~~يومئذ} تنفعهم ، لزوال التراحم والتعاطف بينهم ؛ من فرط الحيرة واستيلاء ~~الدهشة ، بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. قال ابن عباس : ~~(لا يفتخرون بالأنساب والأحساب في الآخرة ، كما كانوا يفتخرون في الدنيا) ~~{ولا يتساءلون} لا يسأل بعضهم بعضا ؛ لاشتغال كل منهم بنفسه ، ولا يناقضه ~~قوله تعالى : {وأقبل بعضهم علىا بعض يتسآءلون} [الصافات : 27] ؛ لأن هذا - ~~أي : سكوتهم - عند ابتداء النفخة الثانية ، وذلك بعدها ؛ لأن يوم القيامة ~~ألوان ، تارة يبهتون ولا يتساءلون ، وتارة يفيقون ، فأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون. # 39 # وقال ابن عباس : إنما عنى النفخة الأولى ، حين يصعق الناس ، (فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون) ، {ثم نفخ فيه أخرىا فإذا هم قيام ينظرون} ~~[الزمر : 68] ، {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون}. نقله الثعلبي. PageV05P063 # {فمن ثقلت موازينه} ms1840 أي : موزونات حسناته من العقائد الصحيحة والأعمال ~~الصالحة ، {فأولئك هم المفلحون} ؛ الفائزون بكل مرغوب ، الناجون من كل ~~مرهوب ، {ومن خفت موازينه} أي : ومن لم يكن له من العقائد والأعمال ما يوزن ~~- وهم الكفار - لقوله : {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} [الكهف : 105] ، ~~وتقدم ما فيه. {فأولئك الذين خسروا أنفسهم} : ضيعوها بتضييع زمان استكمالها ~~، وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها ، {في جهنم خالدون} ، وهو خبر ثان لأولئك ~~، أو بدل من الصلة ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : (يؤخذ بيد العبد أو ~~الأمة يوم القيامة ، فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ، ثم ينادي مناد : ~~هذا فلان بن فلان ، من كان له حق فليأت إلى حقه ، فتفرح المرأة أن يدور لها ~~الحق على ابنها ، أو على زوجها ، أو على أبيها ، أو على أخيها ، ثم قرأ ابن ~~مسعود : {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} ، ثم يقول الرب تعالى : آت ~~هؤلاء حقوقهم ، فيقول رب ، فنيت الدنيا ؛ فمن أين آتيهم ؟ فيقول للملائكة : ~~خذوا من حسناته فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته...) إلخ الحديث ، انظر النسفي. # جزء : 5 رقم الصفحة : 39 # قال تعالى : {تلفح وجوههم النار} ؛ تحرقها ، واللفح كالنفخ ، إلا أنه أشد ~~تأثيرا منه ، وتخصيص الوجوه بذلك ؛ لأنها أشرف الأعضاء. {وهم فيها كالحون} ~~: عابسون من شدة الإحراق ، والكلوح : تقلص الشفتين من الإنسان ، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في كالحون : " تشويه النار فتقلص شفته العليا ، حتى ~~تبلغ وسط رأسه ، وتسترخي السفلى حتى تبلغ سرته " فيقال لهم - تعنيفا ~~وتذكيرا لما به استحقوا ما ابتلوا به : {ألم تكن آياتي} أي : القرآن {تتلى ~~عليكم} في الدنيا {فكنتم بها تكذبون} حينئذ ، فذوقوا وبال ما كنتم به ~~تكذبون. نسأل الله التوفيق والهداية. PageV05P064 # الإشارة : قال الترمذي الحكيم : الأنساب كلها منقطعة إلا من كانت نسبته ~~صحيحة في عبودية ربه ، فإن تلك نسبة لا تنقطع أبدا ، وتلك النسبة المفتخر ~~بها ، لا نسبة الأجناس من الآباء والأمهات والأولاد. ه. وقال الورتجبي : ~~عند المعاينة والمشاهدة بوجوده ونشر جوده ، نسبهم هناك نسب المعرفة والمحبة ~~الأزلية ، واصطفائيته القدسية ، لا يفتخرون بشيء دونه ، من ms1841 العرش إلى الثرى ~~، ولا يتساءلون ؛ شغلا بما هم فيه. ه. # ومعنى كلام الشيخين : أن العبد ، إذا صحت نسبته إلى مولاه ، وانقطع ~~بكليته إليه ، ورفض كل ما سواه ، اتصلت نسبته ، ودامت محبته وأنسه ، ومن ~~تعلق بغيره ، وتودد إلى # 40 # سواه ، انقطع ذلك وانفصل ، ومن النسب التي تتصل وتدوم ، النسبة إلى ~~أولياء الله ، والتحبب إليهم وخدمتهم ، وهي في الحقيقة من نسبة الله تعالى ~~؛ لأنها سبب معرفته والتحقق بعبوديته ، فهي عينها ، فمن انتسب إليهم فقد ~~انتسب إلى الله ، ومن أحبهم فإنما أحب الله ، فمحبتهم ، والاجتماع معهم ~~يؤدي إلى محبة الله ورضوانه ، وهم الذين يكونون عن يمين الرحمن ، يغشى ~~نورهم الناس يوم القيامة ، يغبطهم النبيون والشهداء ؛ لمنزلتهم عند الله. ~~قال عليه الصلاة والسلام : لما سئل عنهم : " هم رجال من قبائل شتى ، ~~يجتمعون على ذكر الله ومحبته " أو كما قال صلى الله عليه وسلم كما في ~~الحديث. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 39 PageV05P065 ~~يقول الحق جل جلاله : {قالوا} أي : أهل النار {ربنا غلبت علينا} أي : ~~ملكتنا {شقوتنا} : شقاوتنا التي اقترفناها بسوء اختيارنا ، كما ينبئ عنه ~~إضافتها إلى أنفسهم ، أي : شقينا بأعمالنا السيئة التي عملناها ، ولا يصح ~~حمله على الشقاوة الأزلية ؛ لأنهم غير مكلفين بصرفها عنهم ؛ إذ ليس في ~~اختيارهم. {وكنا قوما ضالين} عن الحق ، ولذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب ، ~~وهذا ، كما ترى ، اعتراف منهم بأن ما أصابهم إنما أصابهم بسوء صنعهم ، وأما ~~ما قيل : من أنه اعتذار منهم بغلبة ما كتب عليهم من الشقاوة الأزلية ، فلا ~~يصح ؛ لأن الله تعالى ما كتب عليهم الشقاء حتى علم أنهم يفعلونه باختيارهم ~~، لا بما كتب عليهم. # ثم قالوا : {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} أي : أخرجنا من ~~النار ، وردنا إلى الدنيا ، فإن عدنا بعد ذلك إلى ما كنا عليه من الكفر ~~والمعاصي ، فإنا متجاوزون الحد في الظلم ، ولو كان اعتقادهم أنهم مجبورون ~~على ما صدر عنهم لما سألوا الرجعة إلى الدنيا ، ولما وعدوا بالطاعة ~~والإيمان. قال القرطبي : طلبوا الرجعة إلى الدنيا كما طلبوها عند ms1842 الموت. # ثم يجيبهم الحق تعالى ، بعد ألف سنة ، بقوله : {قال اخسؤوا فيها} أي : اسكتوا # 41 # في النار سكوت ذل وهوان ، وانزجروا انزجار الكلاب ، يقال : خسأت الكلب ، ~~إذا زجرته ، فخسأ ، أي : انزجر. {ولا تكلمون} باستدعاء الإخراج من النار ~~والرجوع إلى الدنيا ، أو في رفع العذاب عنكم ؛ فإنه لا يرفع ولا يخفف ، روي ~~أنه آخر كلام يتكلمون به ، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير ، ويصير ~~لهم عواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون. قيل : ويرده الخطابات الآتية ~~، وقد يجاب : بأن قبل هذه الكلمة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 41 PageV05P066 ~~ثم علل استحقاقهم لذلك العذاب بقوله : {إنه} أي : الأمر والشأن {كان فريق ~~من عبادي} وهم المؤمنون ، او الصحابة ، أو أهل الصفة - رضوان الله تعالى ~~عليهم أجمعين - {يقولون} في الدنيا : {ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا} أي : هزوا ، وهو مصدر سخر ، زيدت فيه ياء ~~النسب ؛ للمبالغة ، وفيه الضم والكسر. وقال الكوفيون : المكسور بمعنى الهزء ~~، والمضموم من السخرة ، بمعنى الانقياد للخدمة ، ولذلك اتفق عليه في الزخرف ~~، أي : اتخذتموهم ؛ مهزوا بهم ، وتشاغلتم بهم {حتى أنسوكم ذكري} ، من فرط ~~اشتغالكم بالاستهزاء بهم ، ولم تخافوني في أوليائي ، {وكنتم منهم تضحكون} ، ~~وذلك غاية الاستهزاء. # قال تعالى : {إني جزيتهم اليوم} جزاء على صبرهم على أذاكم ، {أنهم هم ~~الفائزون} بكل مطلوب دونكم ، فأنهم : مفعول " جزيتهم " ؛ لأنه يتعدى إلى ~~مفعولين ، وقرأ حمزة بالكسر ؛ على الإستئناف ؛ تعليلا للجزاء ، وبيانا أنه ~~في غاية الحسن ، {قال كم لبثتم} ، القائل هو الله تعالى ، أو الملك ، وقرأ ~~المكي وحمزة : " قل " ؛ التي بلفظ الأمر للملك ، يسألهم : كم لبثوا ، {في ~~الأرض} التي دعوا الله أن يردهم إليها ، {عدد سنين} ، وهو تمييز ، أي : كم ~~لبثتم في الأرض عدد السنين ، {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} ، استقصار لمدة ~~لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم ، ولما هم فيه من عذابها ؛ لأن الممتحن ~~يستطيل أيام محنته ، ويستقصر ما مر عليه من أيام الدعة ، {فاسئل العادين} ~~أي : المتمكنين من العد ؛ فإنا بما دهمنا من العذاب بمعزل من العد ، أو ~~الملائكة ms1843 العادين لأعمار العباد وأعمالهم. {قال} الله تعالى ، أو الملك ، ~~تصديقا لهم في مقالهم : {إن لبثتم إلا قليلا} : ما لبثتم إلا زمانا قليلا ، ~~أو لبثا قليلا بالنسبة لما بعده ، {لو أنكم كنتم تعلمون} شيئا ، أو : لو ~~كنتم من أهل العلم لعلمتم قلة لبثكم فيها ، فالجواب محذوف. والله تعالى أعلم. PageV05P067 # الإشارة : إذا تميز المتحابون في الله ، المجتمعون على ذكر الله ومحبته ~~وطلب معرفته ، وعرفوا بأنوارهم وأسرارهم ، وانحازوا إلى ظل العرش ، يوم لا ~~ظل إلا ظله ، ورآهم البطالون المنكرون عليهم ، وهم في حسرة الحساب ، يقولون ~~بلسان الحال # 42 # أو المقال : (ربنا غلبت علينا شقوتنا) ؛ حيث لم نصحب هؤلاء الأولياء ، ~~وكنا قوما ضالين ، ربنا أخرجنا من هذه الحسرة ، وردنا إلى الدنيا ، فإن ~~عدنا إلى البطالة والإنكار عليهم فإنا ظالمون ، فيقال لهم : اخسؤوا فيها ؛ ~~فقد فات الإبان ، إنه كان فريق من عبادي ، وهم المنتسبون من أهل التجريد ، ~~المتزيون بزي الصوفية أهل التفريد ، يقولون : ربنا آمنا بطريق الخصوصية ~~ودخلنا فيها ، فاغفر لنا ، أي : غط مساوئنا ، وارحمنا رحمة تضمنا إلى حضرتك ~~، وأنت خير الراحمين ، فاتخذتموهم سخريا ، وانشغلتم بالوقوع فيهم ، حتى ~~أنسوكم ذكري ، وكنتم منهم تضحكون ، إني جزيتهم اليوم ، بما صبروا ، أنهم هم ~~الفائزون بشهود ذاتي ، والقرب من أحبابي ، المتنزهون في كمال جمالي ، في ~~درجات المقربين من النبيين والصديقين. # جزء : 5 رقم الصفحة : 41 # قال القشيري : الحق ينتقم من أعدائه بما يطيب به قلوب أوليائه ، وتلك ~~خصمة الحق ، فيقول لهم : كان فريق من أوليائي يفصحون بمدحي وإطرائي ، ~~فاتخذتموهم سخريا ، فأنا اليوم أجازيهم ، وأنتقم ممن كان يناويهم. ه. PageV05P068 # قوله تعالى : {قال كم لبثتم...} إلخ ، اعلم أن أيام الدنيا كلها تقصر عند ~~انقضاء عمر العبد ، فتعود كيوم واحد ، أو بعض يوم ، فإن أفضى إلى الراحة ~~بعد الموت نسي أيام التعب ، وغاب عنها ، فتصير كأضغاث أحلام ، وإن أفضى إلى ~~التعب ، نسي أيام الراحة ، كأنها طيف منام. قال في الحاشية : الأشياء ، وإن ~~كانت كثيرة ، فقد تنقص وتقل بالإضافة إلى ما يرجى عليها ، كذلك مدة مقامهم ~~تحت الأرض ، إن كانوا في الراحة فقد ms1844 تقل ، بالإضافة إلى الراحات التي ~~يلقونها في القيامة ، وإن كانت شديدة فقد تتلاشى في جنب رؤية ذلك اليوم ؛ ~~لما فيه من أليم تلك العقوبات المتوالية. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 41 # قلت : (أفحسبتم) : المعطوف محذوف ، أي : ألم تعلموا شيئا فحسبتم ، ~~و(عبثا) : حال ، أو مفعول من أجله. # يقول الحق جل جلاله : {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} أي : عابثين ، أو ~~للبعث من غير حكمة في خلقكم وإظهاركم حتى أنكرتم البعث ، {وأنكم إلينا لا ~~ترجعون} للحساب والجزاء ، بل خلقناكم للتكليف ، ثم للرجوع إلينا ، فنثيب ~~المحسن ، ونعاقب المسيء. # {فتعالى الله} أن يخلق شيئا عبثا ، وهو استعظام له نعالى ولشؤونه التي ~~يصرف عليها # 43 # عباده ؛ من البدء والإعادة ، والإثابة والعقاب ، بموجب الحكمة ، أي : ~~ارتفع بذاته ، وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله ، وعن خلو ~~أفعاله عن الحكم والمصالح والغايات الحميدة. # {الملك الحق} ؛ الذي يحق له الملك على الإطلاق ، إيجادا وإعداما ، وإحياء ~~وإماته ، عذابا وإثابة ، وكل ما سواه مملوك له ، مقهور تحت ملكوته ، {لا ~~إله إلا هو} ، فإن كل ما عداه عبيده ، {رب العرش الكريم} ، فكيف بما تحته ~~من الموجودات ، كائنا ما كان ، ووصفه بالكرم : إما لأنه منه ينزل الوحي ~~الذي منه القرآن الكريم ، والخير والبركة ، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين. PageV05P069 # {ومن يدع مع الله إلها آخر} ، يعبده فردا أو اشتراكا ، من صفته {لا برهان ~~له به} على صحة عبادته. وفيه تنبيه على أن التدين بما لا دليل عليه باطل ، ~~فكيف بما شهدت بديهة العقول بخلافه ؟ {فإنما حسابه عند ربه} ، . فهو مجاز ~~له على قدر ما يستحقه ، {إنه} أي : الأمر والشأن {لا يفلح الكافرون} ؛ لا ~~فوز لهم ولا نجاة. # بدئت السورة الكريمة بتقرير فلاح المؤمنين ، وختمت بنفي فلاح الكافرين ؛ ~~تحريضا على الإيمان ، وعلى ما يوجب بقاءه وتنميته ، من التمسك بما جاء به ~~التنزيل ، وبما جاء به النبي الجليل ، ليقع الفوز بالفلاح الجميل. # ثم علمنا سؤال المغفرة والرحمة ؛ لأن شؤم المعاصي يؤدي إلى سوء الختام ، ~~فقال : {وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} ، وفيه إيذان بأنهما من ms1845 أهم ~~الأمور الدينية ، حيث أمر به من قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكيف ~~بمن عداه ؟ نسأل الله - تعالى - المغفرة الشاملة ، والرحمة الكاملة ، لنا ~~ولإخواننا ولجميع المسلمين.. آمين. # جزء : 5 رقم الصفحة : 43 PageV05P070 ~~روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه مر بمصاب مبتلى ، فقرأ في أذنه ~~: (أفحسبتم أنما...) إلخ السورة ، فبرئ من حينه. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : " ماذا قرأت في أذنه ؟ " فأخبره ، فقال : " والذي نفسي بيده لو أن ~~رجلا مؤمنا قرأها على جبل لزال ". الإشارة : ما أظهر الله الكائنات إلا ~~ليعرف بها ، ويظهر فيها أسرار ذاته وأنوار صفاته ، وفي الأثر القدسي : " ~~كنت كنزا لم أعرف ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق ، فتعرفت لهم ، فبي ~~عرفوني ". وفي إيجاد المخلوقات حكم بليغه وأسرار عجيبة ، لا يحصيها إلا من ~~خلقها ودبرها. فمن المخلوقات من خلقهم ليظهر فيهم أثر رحمته وكرمه وإحسانه ~~، وهم أهل الإيمان والطاعة ، ومنهم من خلقهم ليظهر فيهم حلمه وعفوه ، وهم ~~أهل العصيان ، ومنهم من خلقهم ليظهر فيهم عدله وقهره ونقمته ، وهم أهل ~~الكفر والطغيان. وقال الحكيم الترمذي رضي الله عنه : إن الله خلق الخلق ~~عبيدا ليعبدوه ، فيثيبهم على العبادة ، # 44 # ويعاقبهم على تركها ، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد ، أحرار كرام من رق ~~الدنيا ، ملوك في دار السلام ، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أباق ، ~~سقاط ، لئام ، أعداء في السجون بين أطباق النيران. ه. # وقال بعضهم : إنما أظهر الله الكون لأجل نبينا صلى الله عليه وسلم تشريفا ~~له ، فهو من نوره. قال ابن عباس رضي الله عنه : أوحى الله تعالى إلى عيسى ~~عليه السلام : يا عيسى ابن مريم ؛ آمن بمحمد ، ومر أمتك أن يؤمنوا به ، ~~فلولا محمد ما خلقت آدم ، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار... الحديث. # قال القشيري : حسابه على الله في آجله ، وعذابه من الله له في عاجله ، ~~وهو ما أودع قلبه حتى رضي أن يعبد معه غيره ، لقوله : {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونآ إلى الله زلفىا} [الزمر : 3] ، كلام حاصل عن غير ms1846 دليل عقل ، ولا ~~شهادة خبر ونقل ، فما هو إلا إفك وبهتان ، وقول ليس يساعده برهان. ه وبالله ~~التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق - وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد ~~، وآله وصحبه وسلم تسليما ، والحمد لله رب العالمين. # 45 # جزء : 5 رقم الصفحة : 43 PageV05P071 ### | AUTO سورة النور # جزء : 5 رقم الصفحة : 45 # قلت : " سورة " : خبر ، أي : هذه سورة ، وأشير لها ، مع عدم تقدم ذكره ؛ ~~لأنها في حكم الحاضر المشاهد. وقرئ بالنصب على الاشتغال ، وجملة : ~~(أنزلناها) ، وما عطف عليه : صفة لسورة ، مؤكد لما أفاده التنكير من ~~الفخامة. و(الزانية) : مبتدأ ، والخبر (فاجلدوا) ، ودخلت الفاء ؛ لتضمن ~~المبتدأ معنى الشرط ؛ إذ اللام موصولة ، أي : والتي زنت والذي زنى فاجلدوا ~~، هذا مذهب المبرد وغيره ، والاختيار عند سيبويه : الرفع على الابتداء ، ~~والخبر : محذوف ، أي : فيما فرض عليكم ، أو : مما يتلى عليكم : حكم الزانية ~~والزاني ، وقدم الزانية ؛ لأنها الأصل في الفعل ، والداعية فيها أوفر ، ~~ولوال تمكينها منه لم يقع. وقيل : لما كان وجود الزنى في النساء أكثر ، ~~بخلاف السرقة ، ففي الرجال أكثر ، قدم الحق تعالى الأكثر فيهما. # يقول الحق جل جلاله : هذه {سورة} ، وهي الجامعة لآيات ، بفاتحة لها ~~وخاتمة ، مشتقة من سور البلد. من نعت تلك السورة : {أنزلناها} عليك ، ~~{وفرضناها} أي : فرضنا الأحكام التي فيها. وأصل الفرض : القطع ، أي : ~~جعلناها مقطوعا بها قطع إيجاب. # وقرأ المكي وأبو عمرو : بالتشديد ؛ للمبالغة في الإيجاب وتوكيده ، أو : ~~لأن فيها فرائض شتى ، أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم. PageV05P072 # {وأنزلنا فيها} أي : في تضاعيفها {آيات بينات} أي : دلائل واضحات ؛ لوضوح ~~دلالتها على أحكامها لا على معانيها ؛ فإنها كسائر السور. وتكرير (أنزلنا) ~~، مع أن جميع الآيات عين السورة ؛ لاستقلالها بعنوان رائق داع إلى تخصيص ~~إنزالها بالذكر ؛ إبانة لخطرها ، ورفعا لقدرها ، كقوله تعالى : {ونجيناهم ~~من عذاب غليظ} [هود : 58] ، بعد قوله : {نجينا هودا والذين ءامنوا معه}. ~~{لعلكم تذكرون} أي : لكي تتعظوا فتعملوا بموجبها عند وقوع الحوادث الداعية ~~إلى إجراء أحكامها. وفيه إيذان بأن حقها أن تكون على بال منهم ، بحيث متى ~~مست الحاجة إليها ms1847 استحضروها. # ثم شرع في تفصيل أحكامها ، فقال : {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} ؛ إذا كانا حرين ، بالغين ، غير محصنين ، وألا تكون ~~المرأة مكرهة. وظاهر الآية : عموم المحصن وغيره ، ثم نسخ بالسنة المشهورة. ~~وقد رجم - عليه الصلاة والسلام - # 47 # ماعزا وغيره. وعن علي رضي الله عنه : جلدتهما بكتاب الله ، ورجمتهما بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل نسخ بآية منسوخة التلاوة ، وهي : ~~(الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ؛ نكالا من الله والله عزيز حكيم) ~~، ويأباه ما روي عن علي رضي الله عنه. ه. قاله أبو السعود. # جزء : 5 رقم الصفحة : 47 # وشرط الإحصان : العقل ، والحرية ، والإسلام ، والبلوغ ، والتزوج بنكاح ~~صحيح ، ودخول معتبر. وفي التعبير بالجلد ، دون الضرب ؛ إشارة إلى أنه لا ~~يبالغ إلى أن يصل أثر الضرب إلى اللحم ، ولكن يخفف حتى يكون حد ألمه الجلد ~~الظاهر. والخطاب للأئمة ؛ لأن إقامة الحدود من الدين ، وهو على الكل ، إلا ~~أنه لا يمكن الاجتماع ، فيقوم الإمام مقامهم ، وزاد مالك والشافعي مع الجلد ~~: تغريب عام ، أخذا بالحديث الصحيح. وقال أبو حنيفة : إنه منسوخ بالآية. PageV05P073 # {ولا تأخذكم بهما رأفة} أي : رحمة ورقة. وفيها لغات : السكون ، والفتح مع ~~القصر والمد ، كالنشأة والنشاءة ، وقيل : الرأفة في دفع المكروه ، والرحمة ~~في إيصال المحبوب. {في دين الله} أي : طاعته وإقامة حدوده ، والمعنى : أن ~~الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ، ولا يأخذهم اللين حتى يتركوا ~~حدود الله. {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ، هو من باب التهييج ، ~~وإلهاب الغضب لله ، ولدينه ، فإن الإيمان يقتضي الجد في طاعته ، والاجتهاد ~~في إجراء أحكامه. وذكر اليوم الآخر ؛ لتذكير ما فيه العقاب في مقابلة ~~المسامحة. وجواب الشرط : مضمر ، أي : إن كنتم تؤمنون بالله فاجلدوا ولا ~~تعطلوا الحد. # قيل لأبي مجلز في هذه الآية : والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع ~~يده ، فقال : إنما ذلك في السلطان ، ليس له أن يدعهم رحمة لهم. وجلد ابن ~~عمر جارية ، فقال للجلاد : ظهرها ورجليها وأسفلها ، وخفف ، فقيل له : أين ~~قوله : {ولا تأخذكم ms1848 بهما رأفة}... ؟ فقال : أأقتلها ؟ ، إن الله أمرني أن ~~أضربها وأأدبها ، ولم يأمرني أن أقتلها. ه. ويجرد للجلد إلا ما يستر ~~العورة. # {وليشهد عذابهما} أي : وليحضر موضع حدهما {طائفة من المؤمنين} ؛ زيادة في ~~التنكيل ، فإن التفضيح قد ينكل أكثر من التعذيب. قال بعض العلماء : ينبغي ~~أن يقام بين يدي الحكام ، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم ؛ لأنه قيام ~~بقاعدة شرعية ، وقربة تعبدية ، يجب المحافظة على فعلها ، وقدرها ، ومحلها ، ~~وحالها ، بحيث لا يتعذر شيء من شروطها وحرمتها ، فإن دم المسلم وحرمته ~~عظيمة ، فيجب مراعاته بكل ما أمكن ، فلا # 48 # يقصر عن الحد ، ولا يزاد عليه. ويطلب الاعتدال في السوط ، فلا يكون لينا ~~جدا ، ولا يابسا جدا ، وكذلك في الضرب ، فلا يرفع يده حتى يرى إبطه ، ولا ~~يخفف فيه جدا ، بل يتوسط بحيث يؤلمه ولا يضره. PageV05P074 # وتسمية الحد عذابا دليل على أنه عقوبة وكفارة. و" الطائفة " : فرقة ، يمكن ~~أن تكون حافة حول الشيء ، من الطوف ، وهو الإدارة ، وأقلها : ثلاثة ، وقيل ~~: أربعة إلى أربعين. # جزء : 5 رقم الصفحة : 47 # وعن الحسن : عشرة ، والمراد : جمع يحصل به التشهير. والله تعالى أعلم. # الإشارة : التقوى أساس الطريق ، وبها يقع السير إلى عين التحقيق. فمن لا ~~تقوى له لا طريق له ، ومن لا طريق له لا سير له ، ومن لا سيرله لا وصول له. ~~وأعظم ما يتقي العبد شهوة الفروج ، فهي أعظم الفتن وأقبح المحن ، وقد قال ~~عليه الصلاة والسلام : " ما تركت بعدي أضر على الرجال من النساء " أو كما ~~قال صلى الله عليه وسلم. وعن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : " يا معشر الناس اتقوا الزنا ، فإن فيه ست خصال : ثلاثا في ~~الدنيا ، وثلاثا في الآخرة : فأما اللاتي في الدنيا ؛ فيذهب البهاء ، ويورث ~~الفقر ، وينقص العمر ، وأما اللاتي في الآخرة ؛ فيوجب السخطة وسوء الحساب ~~والخلود إلى النار " والمراد بنقص العمر : قلة بركته ، وبالخلود : طول ~~المكث. وفي حديث آخر : " إن أهل النار ليتأذون من نتن فروج الزناة والزواني ~~" ، وعن أنس رضي الله عنه ms1849 قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أعمال ~~أمتي تعرض علي في كل جمعة مرتين ، فاشتد غضب الله على الزناة " وقال وهب بن ~~منبه : (مكتوب في التوراة : الزاني لا يموت حتى يفتقر ، والقواد لا يموت ~~حتى يعمى). PageV05P075 # وفي بعض الأخبار القدسية : " يقول الله عز وجل : أنا الله لا إله إلا أنا ، ~~خلقت مكة بيدي ، أغني الحاج ولو بعد حين ، وأفقر الزاني ولو بعد حين ، هذا ~~وباله في الدنيا والآخرة ، وأما في عالم البرزخ ؛ فتجعل أرواحهم في تنوير ~~من نار ، فإذا اشتعلت علوا مع النار ، وإذا خمدت سقطوا إلى أسفلها ، هكذا ~~حتى تقوم الساعة ، كما في حديث البخاري. وقال ابن رشد : ليس بعد الشرك أقبح ~~من الزنا ؛ لما فيه من هتك الأعراض واختلاط الأنساب ، ومن تاب فإن الله ~~يتوب على من تاب. وبالله التوفيق. # وقوله تعالى : {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} : قال في الإحياء : في ~~الحديث : " خيار أمتي أحداؤها " يعني : في الدين ؛ قال تعالى : {ولا تأخذكم بهما # 49 # رأفة} ، فالغيرة على الحرم ، والغضب لله وعلى النفس ، بكفها عن شهوتها ~~وهواها ، محمود ، وفقد ذلك مذموم. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 47 # يقول الحق جل جلاله : من شأن {الزاني} الخبيث : أنه لا يرغب إلا في زانية ~~خبيثة من شكله ، أو في مشركة ، والخبيثة المسافحة لا يرغب فيها إلا من هو ~~من شكلها ، من الفسقة أو المشركين ، وهذا حكم جار على الغالب المعتاد ، جيء ~~به ؛ لزجر المؤمنين عن نكاح الزواني ، بعد زجرهم عن الزنا بهن ؛ إذ الزنا ~~عديل الشرك في القبح ، كما أن الإيمان قرين العفاف والتحصن ، وهو نظير قوله ~~: {الخبيثات للخبيثين} [النور : 26]. # روي أن المهاجرين لما قدموا المدينة ، وكان فيهم من ليس له مال ولا أهل ، ~~وبالمدينة نساء بغايا مسافحات ، يكرين أنفسهن وهن أخصب أهل المدينة ، رغب ~~بعض الفقراء في نكاحهن ؛ لحسنهن ، ولينفقوا عليهم من كسبهن ، فاستأذنوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ، فنفرهم الله تعالى عنه ، وبين أنه من ~~أفعال الزناة وخصائص المشركين ، فلا تحوموا حوله ؛ لئلا ms1850 تنتظموا في سلكهم ~~وتتسموا بسمتهم. PageV05P076 # قيل : كان نكاح الزانية محرما في أول الإسلام ، ثم نسخ بقوله : {وأنكحوا ~~الأيامىا منكم وا} [النور : 32]. وقيل : المراد بالنكاح : الوطء ، أي : ~~الزاني لا يزني إلا بزانية مثله ، وهو بعيد ، أو باطل. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن زنا بامرأة ثم تزوجها. فقال : " ~~أوله سفاح ، وآخره نكاح " و" الحرام لا يحرم الحلال ". ومعنى الجملة الأولى ~~: وصف الزاني بكونه غير راغب في العفائف ، ولكن في الفواجر. ومعنى الثانية ~~: وصف الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ، ولكن الزناة ، وهما معنيان ~~مختلفان. وقدم الزاني هنا ، بخلاف ما تقدم في الجلد ؛ لأن تلك الآية سيقت ~~لعقوبتهما على ما جنيا ، والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية ، ~~كما تقدم ، وأما هنا فمسوقة لذكر النكاح ، والرجل اصل فيه. # ثم ذكر الحكم فقال : وحرم ذلك على المؤمنين} أي : نكاح الزواني بقصد # 50 # التكسب ، أو : للجمال ؛ لما في ذلك من التشبه بالفساق وحضور مواضع التهمة ~~، والتعرض لسوء المقالة والغيبة والطعن في النسب ، وغير ذلك من المفاسد ~~التي لا تكاد تليق بأحد من الأداني والأراذل ، فكيف بالمؤمنين والأفاضل ؟ ، ~~ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم ، مبالغة في الزجر ، وقيل : النفي بمعنى ~~النهي ، وقرئ به. والتحريم : إما على حقيقته ، ثم نسخ بقوله : {وأنكحوا ~~الأيامىا منكم وا} [النور : 32] إلخ ، أو : مخصوص بسبب النزول. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 50 # الإشارة : الصحبة لها تأثير في الأصل والفرع ، فيحصل الشرف أو السقوط ~~بصحبة أهل الشرف أو الأراذل ، وفي ذلك يقول القائل : # عليك بأرباب الصدور ، فمن غدا # مضافا لأرباب الصدور تصدرا # وإياك أن ترضى بصحبة ساقط # فتنحط قدرا من علاك وتحقرا PageV05P077 ~~فالمرء على دين خليله ، ومن تحقق بحالة لا يخلوا حاضروه منها ، والحكم ~~للغالب ، فإن كان النور قويا غلب الظلمة ، وإن كانت الظلمة قوية غلبت النور ~~، وصيرته ظلمة ، ولذلك نهى الله تعالى عن نكاح الزواني ، فإنه وإن كان نور ~~الزوج غالبا - إذا كان ذا نور - فإن العرق نزاع ، فيسرى ذلك في الفروع ، ~~فلا تكاد تجد أولاد أهل ms1851 الزنا إلا زناة ، ولا أولاد أهل العفة إلا أعفاء ، ~~{والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} [الأعراف : 58]. # وفي الحديث : " إياكم وخضراء الدمن ، قيل : وما خضراء الدمن يا رسول الله ~~؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء " قال ابن السكيت : شبهها بالبقلة ~~الخضراء في دمنة أرض خبيثة ؛ لأن الأصل الخبيث يحن إلى أصله ، فتجيء ~~أولادها لأصلها في الغالب. فيجيب على اللبيب - إن ساعفته الأقدار - أن ~~يختار لزراعته الأرض الطيبة ، وهي الأصل الطيب ، لتكون الفروع طيبة. وفي ~~الحديث : " تخيروا لنطفكم ولا تضعوها إلا في الأكفاء " ه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 50 # 51 # قلت : " ثمانين " : مفعول مطلق ، و" جلدة " : تمييز. " إلا الذين تابوا " ~~: إما استثناء من ضمير " لهم " ، فمحله : الجر ، او : من قوله : " الفاسقون ~~" ، فمحله : النصب ؛ لأنه بعد موجب تام. # يقول الحق جل جلاله ، في بيان شأن العفائف ، بعد بيان شأن الزواني : ~~{والذين يرمون} أي : يقذفون بالزنا {المحصنات} ؛ الحرائر العفائف المسلمات ~~المكلفات ، بأن يقول : يا زانية ، أو : يا محبة ، ولا فرق بين التصريح ~~والتعريض ، ولا بين النساء والرجال ، قاذفا أو مقذوفا. والتعبير بالرمي ، ~~المنبئ عن صلابة الآلة ، وإيلام المرمى ، وبعده عن الرامي ؛ إيذان بشدة ~~تأثيره فيهن ، وكونه رجما بالغيب. والتعبير بالإحصان يدل على أن رميهن إنما ~~كان بالزنا ، لا غير. PageV05P078 # {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} يشهدون عليهن بما رموهن به ، وفي كلمة " ثم " ؛ ~~إشارة إلى جواز تأخير الإتيان بالشهود ، كما أن في كلمة " لم " : تحقق ~~الإتيان بهم. وشروط إحصان القذف : الحرية ، والعقل ، والبلوغ ، والإسلام ، ~~والعفة عن الزنا ، فإن توفرت الشروط {فاجلدوهم} أي : القاذفين {ثمانين ~~جلدة} ؛ لظهور كذبهم وافترائهم ؛ لقوله تعالى : {فإذ لم يأتوا بالشهدآء ~~فأولائك عند الله هم الكاذبون} [النور : 13] ، وتخصيص رميهن بهذا الحكم ، ~~مع أن رمي المحصنين أيضا كذلك ؛ لخصوص الواقعة ، وشيوع الرمي فيهن. والحدود ~~كلها تشطر بالرق ، فعلى العبد في الزنا خمسون ، وفي القذف أربعون. # {ولا تقبلوا لهم} بعد ذلك {شهادة أبدا} ؛ زجرا لهم ؛ لأن رد شهادتهم مؤلم ~~لقلبهم ، كما أن الجلد مؤلم لبدنهم. وقد ms1852 آذى المقذوف بلسانه ، فعوقب بإهدار ~~شهادته ، جزاء وفاقا. والمعنى : ولا تقبلوا منهم شهادة من الشهادات ، حال ~~كونها حاصلة لهم عند الرمي ، أبدا ، مدة حياتهم ، فالرد من تتمه الحد ، ~~كأنه قيل : فاجلدوهم وردوا شهادتهم ، أي : فاجمعوا لهم بين الجلد والبرد. ~~{وأولئك هم الفاسقون} ، كلام مستأنف غير داخل في جزاء الشرط ؛ لأنه حكاية ~~حال الرامي عند الله تعالى بعد انقضاء الجزاء ، وما في اسم الإشارة من معنى ~~البعد ؛ للإيذان ببعد منزلتهم في الشر والفساد ، أي : أولئك هم المحكوم ~~عليهم بالفسق ، والخروج عن الطاعة ، والتجاوز عن الحد ، فإنهم المستحقون ~~لإطلاق اسم الفاسق عليهم ، دون غيرهم. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 51 PageV05P079 ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك} القذف ، {وأصلحوا} أحوالهم ، فهو استثناء من ~~الفاسقين ، بدليل قوله : {فإن الله غفور رحيم} أي : يغفر ذنوبهم ويرحمهم ، ~~ولا ينظمهم في سلك الفاسقين. فعلى هذا لا تقبل شهادته مطلقا فيما حد فيه ~~وفي غيره ؛ لأن رد شهادته وصلت بالأبد ، وأما توبته فإنما تنفعه فيما بينه ~~وبين الله ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، وهو قول ابن عباس وشريح والنخعي. ~~وقيل : الاستثناء راجع لقوله : {ولا تقبلوا لهم شهادة} ، فإذا تاب وأصلح ~~قبلت شهادته مطلقا ؛ لأنه زال عنه اسم الفسق ، # 52 # والأبد عبارة عن مدة كونه فاسقا ، فينتهي بالتوبة ، وبه قال الشافعي ~~وأصحابه ، وهو قول الشعبي ومسروق وابن جبير وعطاء وسليمان بن يسار. وفصل ~~مالك ، فقال : لا تجوز فيما حد فيه ، ولو تاب ، وتجوز فيما سواه ، وكأنه ~~جمع بين القولين. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الغض عن مساوئ الناس من أفضل القرب ، وهو من شيم ذوي الألباب ، ~~وبه السلامة من الهلاك والعطب ، والتعرض لمساوئهم من أعظم الذنوب ، وأقبح ~~العيوب ، ولله در القائل : # إذا شئت أن تحيا ودينك سالم # وحظك موفور وعرضك صين # لسانك ، لا تذكر به عورة امرىء # فعندك عورات وللناس ألسن # وإن أبصرت عيناك عيبا فقل لها : # أيا عين لا تنظري ؛ فللناس أعين # وعاشر بمعروف وجانب من اعتدى # وفارق ولكن بالتي هي أحسن # فالمتوجه إلى الله لا يشتغل بغير مولاه ، ولا ms1853 يرى في المملكة سواه ، يذكر ~~الله على الأشياء ، فتنقلب نورا ؛ لحسن ظنه بالله ، ويلتمس المعاذر لعباد ~~الله ؛ لكمال حسن ظنه بهم. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 51 PageV05P080 ~~قلت : (إلا أنفسهم) : بدل من (شهداء) ، أو صفة له ، على أن (إلا) بمعنى ~~غير. و(فشهادة) : مبتدأ ، والخب محذوف ، أي : واجبة ، أو : تدرأ عنه العذاب ~~، أو : خبر عن محذوف ، أي : فالواجب شهادة أحدهم ، و(أن) ، في الموضعين : ~~مخففة ، ومن شدد ؛ فعلى الأصل. و(الخامسة) : مبتدأ و(أن غضب) : خبر ، وقرأ ~~حفص بالنصب ، أي : ويشهد الشهادة الخامسة. # يقول الحق جل جلاله : {والذين يرمون أزواجهم} أي : يقذفون زوجاتهم بالزنا ~~، {ولم يكن لهم شهداء} أي : لم يكن لهم على تصديق قولهم من يشهد لهم به ~~{إلا أنفسهم} ، جعلوا من جملة الشهداء ؛ إيذانا بعدم قبول قولهم بالمرة ، ~~{فشهادة أحدهم} أي : فالواجب شهادة أحدهم {أربع شهادات بالله} يقول أشهد ~~بالله {إنه لمن الصادقين} فيما رماها به من الزنا. {والخامسة أن لعنت الله ~~عليه} أي : إنه لعنة الله عليه ، أي : يقول فيها : لعنة الله عليه {إن كان ~~من الكاذبين} فيما رماها به. فإذا حلف درىء عنه العذاب ، # 53 # أي : دفع عنه الحد ، وإن نكل : حد ؛ لقذفها. # {ويدرأ عنها العذاب} أي : يدفع عنها الحد {أن تشهد أربع شهادات بالله ~~إنه} أي : الزوج {لمن الكاذبين} فيما رماها به من الزنا ، {والخامسة أن غضب ~~الله عليها إن كان} الزوج {من الصادقين} فيما رماها به من الزنا. وذكر ~~الغضب في حق النساء ؛ تغليظا ؛ لأن النساء ؛ يستعملن اللعن كثيرا ، كما ورد ~~به الحديث : " يكثرن اللعن " ، فربما يجترئن على الإقدام ، لكثرة جري اللعن ~~على ألسنتهن ، وسقوط وقعه عن قلوبهن ، فذكر الغضب في جانبهن ؛ ليكون ردعا لهن. # فإذا حلفا معا فرق بينهما بمجرد التلاعن ، عند مالك والشافعي ، على سبيل ~~التأبيد ، وقال أبو حنيفة : حتى يحكم القاضي بطلقة بائنة ؛ فتحل له بنكاح ~~جديد إذا أكذب نفسه وتاب. # جزء : 5 رقم الصفحة : 53 PageV05P081 ~~روي أن آية القذف المتقدمة لما نزلت ؛ قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر ، فقام عاصم بن ms1854 عدي الأنصاري ، فقال : جعلني الله فداءك ، إن وجد ~~رجل مع امرأته رجلا ، فأخبر بما رأى ، جلد ثمانين ، وسماه المسلمون فاسقا ، ~~ولا تقبل شهادته أيضا ، فكيف لنا بالشهداء ، ونحن إذا التمسنا الشهداء فرغ ~~الرجل من حاجته ، وإن ضربه بالسيف قتل ؟ اللهم افتح ، وخرج فاستقبله هلال ~~بن أمية - وقيل : عويمر - فقال : ما وراءك ؟ فقال : الشر ، وجدت على امراتي ~~خولة - وهي بنت عاصم - شريك بن سحماء - فقال عاصم : والله هذا سؤال ما أسرع ~~ما ابتليت به ، فرجعا ، فأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلم خولة : ~~فأنكرت ، فنزلت هذه الآية ، فتلاعنا في المسجد ، وفرق بينهما ، فقال صلى ~~الله عليه وسلم : " ارقبوا الولد ، إن جاءت به على نعت كذا وكذا ، فما أراه ~~إلا كذب عليها ، وإن جاءت به على نعت كذا ، فما أراه إلا صدق " فجاءت به ~~على النعت المكروه. # قال تعالى : {ولولا فضل الله عليكم} أي : تفضله عليكم {ورحمته} ؛ ونعمته ~~{وأن الله تواب حكيم} ، وجواب " لولا " : محذوف ؛ لتهويله ، والإشعار بضيق ~~العبارة عن حصره ، كأنه قيل : لولا تفضله تعالى عليكم ورحمته وأنه تعالى ~~مبالغ في قبول التوبة ، حكيم في جميع افعاله وأحكامه ، التي من جملتها : ما ~~شرع لكم من حكم اللعان ، لكان ما كان ، مما لا يحيط به نطاق العبارة ، من ~~حد الزوج مع الفضيحة ، أو قتل المرأة ، أو غير ذلك من العقوبة. قال القشيري ~~: لبقيتم في هذه المعضلة ولم تهتدوا إلى الخروج من هذه الحالة المشكلة. ه. # الإشارة : النفس إذا تحقق فناؤها ، وكمل تهذيبها ، رجعت سرا من أسرار ~~الله ، فلا يحل رميها بنقص ؛ لأن سر الله تعالى منزه عن النقائص ، فإن ~~رماها بشيء فليبادر بالرجوع # 54 # عنه. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 53 # قلت : (عصبة) : خبر " إن " ، و(لا تحسبوه) : استئناف. PageV05P082 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين جاؤوا بالإفك} ؛ وهو أبلغ ما يكون من الكذب ~~والافتراء ، وقيل : هو البهتان لا تشعر به حتى يفاجئك. والمراد : ما أفك ~~على الصديقة عائشة - رضي الله عنه - ، وفي لفظ المجيء إشارة إلا أنهم ~~أظهروه من عند ms1855 أنفسهم من غير أن يكون له أصل. PageV05P083 # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، ~~فأيتهن خرجت قرعتها استصحبها ، قالت عائشة - رضي الله عنها - : فأقرع بيننا ~~في غزوة غزاها - قيل : هي غزوة بني المصطلق ، وتسمى أيضا : غزوة المريسيع ، ~~وفيها أيضا نزل التيمم - فخرج سهمي ، فخرجت معه صلى الله عليه وسلم بعد ~~نزول آية الحجاب ، فحملت في هودج ، فسرنا حتى إذا قفلنا ودنونا من المدينة ~~؛ نزلنا منزلا ، ثم نودي بالرحيل ، فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت ~~شأني أقبلت إلى رحلي ، فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، ~~فرجعت فالتمسته ، فحبسني التماسه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني ، ~~فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري ، وهم يحسبون أني فيه ؛ لخفتي ، فلم ~~يستنكروا خفة الهودج ، وذهبوا بالبعير ، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، ~~فجئت منازلهم وليس فيه داع ولا مجيب ، فتيممت منزلي ، وظننت أن سيفقدونني ~~ويعودون في طلبي ، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني ، فنمت ، وكان ~~صفوان بن المعطل قد عرس من وراء الجيش ، فأدلج فأصبح عند منزلي ، فلما رآني ~~عرفني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاسترجع ، فاستيقظت باسترجاعه ، فخمرت ~~وجهي بجلبابي ، والله ما تكلمنا بكلمة ، ولا سمعت منه كلمة ، غير استرجاعه ~~، فأناخ راحلته ، فوطئ على يدها ، فقمت إليها فركبتها ، وانطلق يقود بي ~~الراحلة ، حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة ، وهم نزول ، وافتقدني ~~الناس حين نزلوا ، وماج الناس في ذكري ، فبينما الناس كذلك إذ هجمت عليهم ، ~~فخاض الناس في حديثي ، فهلك من هلك. والحديث بطوله مذكور في الصحيحين ~~والسير. # 55 PageV05P084 ~~وقوله تعالى : {عصبة منكم} أي : جماعة من جلدتكم ، والعصبة : من العشرة إلى ~~الأربعين ، وكذا العصابة ، يقال : اعصوصبوا : اجتمعوا. وهم عبد الله بن أبي ~~رأس المنافقين ، وزيد بن رفاعة ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ، ومن ~~ساعدهم. واختلف في حساب بن ثابت ، فمن قال : كان منهم ، أنشد البيت المروي ~~في شأنهم ممن جلدوا الحد : # جزء : 5 رقم الصفحة : 55 # لقد ذاق حسان الذي هو أهله # وحمنة ms1856 ؛ إذ قالا هجيرا ، ومسطح # ومن برأ حسان من الإفك قال : إنما الرواية في البيت : (لقد ذاق عبد الله ~~ما كان أهله) ، والمشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد عبد الله بن ~~أبي ، حين حد الرامين لعائشة ، تأليفا له ؛ قال البرماوي في حاشيته ~~علىالبخاري في فوائد حديث الإفك : وفيه ترك الحد لما يخشى من تفريق الكلمة ~~، كما ترك عليه الصلاة والسلام حد ابن سلول. ه. وقد روى ابن عبد البر أن ~~عائشة برأت حسان من الفرية ، وقد أنكر حسان أن يكون قال فيها شيئا في ~~أبياته ، التي من جملتها : # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # إلى أن قال : # فإن كان ما بلغت عني قلته # فلا رفعت سوطي إلي أناملي # ويجمع بين قوله هنا ذلك ، وبين قولها له عند قوله : وتصبح غرثى من لحوم ~~الغوافل : " لكنك لست كذلك " ؛ بأنه لم يقل نصا وتصريحا ، ولكن عرض وأومأ ، ~~فنسب ذلك إليه. والله أعلم أي ذلك كان. PageV05P085 # ثم قال تعالى : {لا تحسبوه شرا لكم} ، والخطاب للرسول - عليه الصلاة ~~والسلام - ، وأبي بكر ، وعائشة ، وصفوان ؛ تسلية لهم من أول الأمر ، {بل هو ~~خير لكم} ؛ لاكتسابكم به الثواب العظيم ، وظهور كرامتكم على الله عز وجل ؛ ~~بإنزال القرآن الذي يتلى إلى يوم الدين في نزاهة ساحتكم وتعظيم شأنكم ، ~~وتشديد الوعيد فيمن تكلم فيكم ، والثناء على من ظن خيرا بكم ، مع ما فيه من ~~صدق الرجعى إلى الله ، والافتقار إليه ، والإياس مما سواه. # ثم ذكر وبال من وقع فيها بقوله : {لكل امرىء منهم} أي : من أولئك العصبة ~~{ما اكتسب من الإثم} أي : له من الجزاء بقدر ما خاض فيه ، وكان بعضهم ضحك ، ~~وبعضهم تكلم ، وبعضهم سكت. {والذي تولى كبره} أي : معظمه وجله {منهم} أي : من # 56 # العصبة ، وهو عبد الله بن أبي {له عذاب عظيم} في الآخرة ، إن كان كافرا ، ~~كابن أبي ، وفي الدنيا إن كان مؤمنا ، وهو الحد وإبطال شهادتهم وتكذيبهم. ~~وقد روي أن مسطح كف بصره ، وكذلك حسان ، إن ثبت عنه الخوض ms1857 فيه ، والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : كلام الناس في أهل الخصوصية مقاذف لسير سفينتهم ، ورياح لها ، ~~فكلما قوي كلام الناس في الولي قوي سيره إلى حضرة ربه ، حتى تمنى بعضهم أن ~~يكون غابة والناس فيه حطابة. وفي الحكم : " إنما أجرى الأذى عليهم كي لا ~~تكون ساكنا إليهم ، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء ". # جزء : 5 رقم الصفحة : 55 PageV05P086 ~~والحق تعالى غيور على قلوب أصفيائه ، لا يحب أن تركن إلى غيره ، فمهما ركنت ~~إلى شيء شوش ذلك عليه ، كقضية سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام مع ابنه ~~حين أمر بذبحه ، وكقضية سيدنا يعقوب عليه السلام مع ابنه حين غيبه عنه. ~~وكانت عائشة رضي الله عنها - قد استولى عليها حبه - عليه الصلاة والسلام - ~~، فكادت تحجب بالواسطة عن الموسوط ، فردها إليه تعالى بما أنزل بها ، ~~تمحيصا وتخليصا وتخصيصا ، حتى أفردت الحق تعالى بالشهود ، فقالت : بحمد ~~الله ، لا بحمد أحد. وكذا شأنه تعالى مع أحبائه ؛ يردهم إليه بما يوقع بهم ~~من المحن والبلايا حتى لا يكونوا لغيره. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 55 # قلت : قال ابن هشام : وقد يلي حرف التخصيص اسم معلق بفعل ، إما بمضمر ، ~~نحو : " فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك " أي : فهلا تزوجت ، أو مؤخرا نحو : ~~(لولا إذ سمعتموه قلتم..) أي : فهلا قلتم إذ سمعتموه. ه. وإليه أشار في ~~الخلاصة بقوله : # وقد يليها اسم بفعل مضمر # علق أو بظاهر مؤخر # يقول الحق جل جلاله : {لولا إذ سمعتموه} أي : الإفك {ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا} بالذين هم منهم ؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة ، كقوله ~~: {ولا تلمزواا أنفسكم} [الحجرات : 11] أي : هلا ظنوا بإخوانهم خيرا : ~~عفافا وصلاحا ، وذلك نحو ما يروى عن عمر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : (أنا قاطع بكذب المنافقين ؛ لأن الله تعالى عصمك عن وقوع ~~الذباب على جلدك ، لئلا يقع على النجاسات فتلطخ بها ، فإذا # 57 # عصمك من ذلك فكيف لا يعصمك من صحبة من تكون ملطخة بهذه الفاحشة)!. وقال ~~عثمان رضي الله عنه : (ما ms1858 أوقع ظلك على الأرض ؛ لئلا يضع إنسان قدمه عليه ؛ ~~فلما لم يمكن أحدا من وضع القدم على ظلك ، فكيف يمكن أحدا من تلويث عرض ~~زوجتك!). PageV05P087 # وكذا قال علي رضي الله عنه : (إن جبريل أخبرك أن على نعلك قذرا ، وأمرك ~~بإخراج النعل عن رجلك ، بسبب ما التصق به من القذر ، فكيف لا يأمرك ~~بإخراجها ، على تقدير أن تكون متلطخة بشيء من الفواحش) ؟ قال النسفي. # وروي أن أبا أيوب الأنصاري قال لامرأته : ألا ترين ما يقال في عائشة ؟ ~~فقالت : لو كنت بدل صفوان أكنت تخون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ~~لا ، قالت : ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله ، فعائشة خير مني ، ~~وصفوان خير منك. وفي رواية ابن إسحاق : قالت زوجة أبي أيوب لأبي أيوب : ألا ~~تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى ، وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا ~~أم أيوب ؟ قالت : لا والله ، فقال : عائشة خير منك ، سبحان الله ، هذا ~~بهتان عظيم ، فنزل : {لولا إذ سمعتموه}... الآية. # جزء : 5 رقم الصفحة : 57 # وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة ، وعن الضمير الظاهر ، ولم يقل : ظننتم ~~بأنفسكم خيرا ، وقلتم ؛ ليبالغ في التوبيخ بطرق الالتفات ، وليدل التصريح ~~بلفظ الإيمان على أن المؤمن لا يسيء الظن بأحد من المؤمنين. # {وقالوا} عند سماع هذه الفرية : {هذا إفك مبين} ؛ كذب ظاهر لا يليق بمنصب ~~الصديقة بنت الصديق. {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء} ؛ هلا جاء الخائضون ~~بأربعة شهداء على ما قالوا {فإذ لم يأتوا بالشهداء} ، ولم يقل : " بهم " ؛ ~~لزيادة التقرير ، {فأولئك} الخائضون {عند الله} أي : في حكمه وشرعه {هم ~~الكاذبون} ؛ الكاملون في الكذب ، المستحقون لإطلاق هذا الاسم عليهم دون ~~غيرهم. والله تعالى أعلم. PageV05P088 # الإشارة : حسن الظن بعباد الله من أفضل الخصال عند الله ، ولا سيما ما فيه ~~حرمة من حرم الله. قال القشيري على الآية : عاتبهم على المبادرة إلى ~~الاعتراض وترك الإعراض عن حرمة بيت نبيهم. ثم قال : وسبيل المؤمن ألا ~~يستصغر في الوفاق طاعة ، ولا في الخلاف زلة ، فإن تعظيم الأمر بتعظيم ms1859 الآمر ~~، وإن الله لينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه ، ولا سيما ما تعلق به حق ~~الرسول - عليه الصلاة والسلام - فذلك أعظم عند الله ، ولذلك بالغ في ~~التوبيخ على ما أقدموا عليه ، مما تأذى به الرسول ، وقلوب آل الصديق ، ~~وقلوب المخلصين من المؤمنين. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 57 # قلت : (لولا) هنا : امتناعية بخلاف المتقدمة ؛ فإنها تحضيضية ، و(إذ ~~سمعتموه) : معمول لقلتم ، و(إذ تلقونه) : ظرف لمسكم. # يقول الحق جل جلاله : {ولولا فضل الله عليكم} أيها السامعون {ورحمته في ~~الدنيا} ؛ من فنون النعم ، التي من جملتها : الإمهال والتوبة ، {و} في ~~{الآخرة} ؛ من ضروب الآلاء ، التي من جملتها : العفو والمغفرة ، {لمسكم} ~~عاجلا {فيما أفضتم} أي : بسبب ما خضتم {فيه} من حديث الإفك {عذاب عظيم} ~~يستحقر دونه التوبيخ والجلد ، يقال أفاض في الحديث ، وفاض ، واندفع : إذا ~~خاض فيه. PageV05P089 # {إذ تلقونه} أي : لمسكم العذاب العظيم وقت تلقيه إياكم من المخترعين له ، ~~يقال : تلقى القول ، وتلقنه ، وتلقفه ، بمعنى واحد ، غير أن التلفق : فيه ~~معنى الخطف والأخذ بسرعة ، أي : إذ تأخذونه {بألسنتكم} ؛ بأن يقول بعضكم ~~لبعض : هل بلغك حديث عائشة ، حتى شاع فيما بينكم وانتشر ، فلم يبق بيت ولا ~~ناد إلا طارفيه. {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} أي : قولا لا حقيقة ~~له ، وقيده بالأفواه ، مع أن الكلام لا يكون إلا بالفم ؛ لأن الشيء المعلوم ~~يكون في القلب ، ثم يترجم عنه اللسان ، وهذا الإفك ليس إلا قولا يدور فيه ~~الأفواه ، من غير ترجمة عن علم به في القلب. {وتحسبونه هينا} أي : وتظنون ~~أن خوضكم في عائشة سهل لا تبعة فيه ، {وهو عند الله عظيم} أي : والحال أنه ~~عند الله كبير ، لا يقادر قدره في استجلاب العذاب. جزع بعض الصالحين عند ~~الموت ، فقيل له في ذلك ، فقال : أخاف ذنبا لم يكن مني على بال ، وهو عند ~~الله عظيم. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 58 PageV05P090 ~~ولولا إذ سمعتموه} من المخترعين والشائعين له {قلتم ما يكون لنا} ؛ ما ~~يمكننا {أن نتكلم بهذا} ، وما ينبغي أن يصدر عنا ، وتوسيط الظروف بين " ~~لولا ms1860 " و" قلتم " إشارة إلى أنه كان الواجب أن يبادروا بإنكار هذا الكلام ~~في أول وقت سمعوه ، فلما تأخر الإنكار وبخهم عليه ، فكان ذكر الوقت أهم ، ~~فقدم ، والمعنى : هلا قلتم إذ سمعتم الإفك : ما يصح لنا أن نتكلم بهذا ، ~~{سبحانك} ؛ تنزيها لك ، وهو تعجب من عظم ما فاهوا به. ومعنى التعجب في كلمة ~~التسبيح : أن الأصل أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه تعالى ، ثم كثر ~~حتى استعمل في كل متعجب منه. أو : تنزيها لك أن يكون في حرم نبيك فاجرة ، ~~{هذا بهتان عظيم} ؛ لعظمة المبهوت عليه ، واستحالة صدقه ، فإن حقارة الذنوب ~~وعظمتها باعتبار متعلقاتها. وقال فيما تقدم : {هاذآ إفك مبين} [النور : ~~12]. ويجوز أن يكونوا أمروا بهما معا ، مبالغة في التبري. # 59 # {يعظكم الله} أي : ينصحكم {أن تعودوا لمثله} أي : كراهة أن تعودوا ، أو ~~يزجركم أن تعودوا لمثل هذا الحديث أو القذف أو الاستماع ، {أبدا} ؛ مدة ~~حياتكم ، {إن كنتم مؤمنين} ؛ فإن الإيمان وازع عنه لا محالة. وفيه تهييج ~~وتقريع وتذكير بما يوجب ترك العود ، وهو الإيمان الصاد عن كل قبيح. # {ويبين الله لكم الآيات} الدالة على الشرائع ومحاسن الأدب ، دلالة واضحة ~~؛ لتتعظوا وتتأدبوا ، أي : ينزلها كذلك ظاهرة مبينة ، {والله عليم حكيم} ؛ ~~عليم بأحوال مخلوقاته ، حكيم في جميع تدابيره وأفعاله ، فأنى يصح ما قيل في ~~حرمة من اصطفاه لرسالته ، وبعثه إلى كافة الخلق ، ليرشدهم إلى الحق ، ~~ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا ؟ والله تعالى أعلم. PageV05P091 # الإشارة : الكلام في الأولياء سم قاتل ؛ لأن الله ينتصر لأوليائه لا محالة ~~، فمنهم من ينتصر لهم في الدنيا بإنزال البلايا والمحن في بدنه أو ولده أو ~~ماله ، ومنهم من يؤخر عقوبته إلى الآخرة ، وهو أقبح. ومنهم من تكون عقوبته ~~دينية قلبية ؛ كقساوة القلب وجمود العين ، وتعويق عن الطاعة ، ووقوع في ذنب ~~، أو فترة في همة ، أو سلب لذاذة خدمة أو معرفة ، وهذه أقبح العقوبة ، ~~والعياذ بالله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 58 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يحبون} ؛ يريدون {أن تشيع الفاحشة} أي : ~~تنتشر الخصلة المفرطة في القبح ، وهو ms1861 الرمي بالزنا ، أو نفس الزنا ، ~~والمراد بشيوعها : شيوع خبرها ، أي : يحبون شيوعها ويتصدون مع ذلك ~~لإشاعتها. وإنما لم يصرح به ؛ اكتفاء بذكر المحبة ؛ فإنها مستلزمة له لا ~~محالة ، وهم : عبد الله بن أبي وأصحابه ومن تبعهم. {لهم عذاب أليم في ~~الدنيا} ؛ بالحد والفضيحة والتكذيب. ولقد ضرب صلى الله عليه وسلم الحد كل ~~من رمى عائشة. وتقدم الخلاف في ابن أبي ، فقيل : حده ، وقيل : تركه ؛ ~~استئلافا له. # {و} لهم العذاب في {الآخرة} بالنار وغيرها ، إن لم يتوبوا. {والله يعلم} ~~جميع الأمور ، التي من جملتها : المحبة المذكورة ، {وأنتم لا تعلمون} ما ~~يعلمه تعالى ، بل إنما يعلمون ما ظهر من الأقوال والأفعال المحسوسة ، ~~فابنوا أمركم على ما تعلمونه ، وعاقبوا في الدنيا على ما تشاهدونه من ~~الأحوال الظاهرة ، والله يتولى السرائر ، فيعاقب في الآخرة على ما تكنه ~~الصدور. # {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} ؛ التكرير ؛ لتعظيم المنة بترك المعاجلة ؛ ~~للتنبيه # 60 PageV05P092 ~~على كمال عظم الجريمة ، {وأن الله رؤوف رحيم} عطف على (فضل الله) ، أي : ~~لولا فضله ورأفته لعاجلكم بالعقوبة ، وإظهار إسم الجليل ؛ لتربية المهابة ، ~~والإشعار باستتباع صفة الأولوهية للرأفة والرحمة ، وتصديره بحرف التأكيد ؛ ~~لأن المراد بيان اتصافه تعالى في ذاته بالرأفة ، التي هي كمال الرحمة ، ~~وبالرحيمية التي هي المبالغة فيها على الدوام والاستمرار. والله تعالى أعلم. # الإشارة : من شأن أهل البعد والإنكار : أنهم إذا سمعوا بحدوث نقص أو عيب ~~في أهل النسبة وأهل الخصوصية فرحوا ، وأحبوا أن تشيع الفاحشة فيهم ؛ قصدا ~~لغض مرتبتهم ؛ حسدا وعنادا ، لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ، ولولا فضل ~~الله ورحمته لعاجلهم بالعقوبة. والله تعالى أعلم وأحلم. # ولما نزلت براءة عائشة - رضي الله عنها - حلف أبوها لا ينفق على مسطح ~~شيئا ؛ غضبا لعائشة ، وكان ينفق عليه ؛ لقرابته. # جزء : 5 رقم الصفحة : 60 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} أي ~~: لا تسلكوا مسالكه في كل ما تأتون وتذرون من الأفاعيل ، والتي من جملتها : ~~منع الإحسان إلى من أساء إليكم ؛ غضبا وحمية ، {ومن يتبع خطوات الشيطان} ، ~~وضع ms1862 الظاهر موضع المضمر ، حيث لم يقل : ومن يتبعها ، أو : ومن يتبع خطواته ~~؛ لزيادة التقرير والمبالغة في التنفير ، {فإنه} أي : الشيطان {يأمر ~~بالفحشاء} ؛ كالبخل والشح ، وكل ما عظم قبحه ، {والمنكر} ؛ كالغضب ، ~~والحمية ، وكل ما ينكره الشرع ؛ لأن شأن الشيطان أن يأمر بهما. فمن اتبع ~~خطواته فقد امتثل أمره. PageV05P093 # {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} بالهداية والتوفيق لأسباب التطهير والعصمة ~~والحفظ ، {ما زكى منكم} أي : ما طهر من أدناس العيوب ولوث الفواحش {من أحد ~~أبدا} ؛ إلى ما لا نهاية له ، وإذا كان التطهير والعصمة بيد الله فلا تروا ~~لأنفسكم فضلا عمن لم يعصمه الله ؛ فإنه مقهور تحت مجاري الأقدار ، {ولكن ~~الله يزكي من يشاء} ؛ يطهر من يشاء من عباده ؛ بإفاضة آثار فضله ورحمته ~~عليه ؛ بالحفظ والرعاية ، أو بالتوبة بعد الجناية ، {والله سميع عليم} ؛ ~~سميع لأقوالكم وإن خفيت ، ومن جملتها : الحلف على ترك فعل الخير ، عليم ~~بنياتكم وإخلاصكم. # 61 # وهذا الكلام مقدمة لقوله : {ولا يأتل} ، من قولك : أليت : إذا حلفت ، أي ~~: لا يحلف {أولو الفضل منكم} أي : في الدين ، وكفى به دليلا على فضل الصديق ~~رضي الله عنه ، {والسعة}. أي : والسعة في المال {أن يؤتوا} أي : لا يحلف ~~على ألا يعطوا {أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} ؛ كمسطح ، ~~فإنه كان ابن خالته ، وكان من فقراء المهاجرين. وهذه الأوصاف هي لموصوف ~~واحد ، جيء بها ، بطريق العطف ؛ تنبيها على أن كلا منها علة مستقلة لا ~~ستحقاقه الإيتاء. وحذف المفعول الثاني ؛ لظهوره ، أي : على ألا يؤتوهم شيئا ~~، {وليعفوا} عما فرط منهم {وليصفحوا} بالإغضاء عنه ، فالعفو : التستر ، ~~والصفح : الإعراض ، أي : وليتجاوزوا عن الجفاء ، وليعرضوا عن العقوبة. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 61 # ألا تحبون أن يغفر الله لكم} ؟ فلتفعلوا ما تحبون أن يفعل بكم وبهم ، مع ~~كثرة خطاياهم ، {والله غفور رحيم} ؛ مبالغ في المغفرة والرحمة ، مع كثرة ~~ذنوب العباد ، فتأدبوا بآداب الله ، واعفوا ، وارحموا. ولما قرأها النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه قال : بل أحب أن يغفر الله ~~لي. ورد إلى مسطح نفقته ms1863 ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا. # وبالله التوفيق. PageV05P094 # الإشارة : كل ما يصد عن مكارم الأخلاق ؛ كالحلم ، والصبر ، والعفو ، والكرم ~~، والإغضاء ، وغير ذلك من الكمالات ، فهو من خطوات الشيطان ، تجب مجانبته ، ~~فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر ؛ كالغضب ، والانتصار ، والحمية ~~، والحقد ، والشح ، والبخل ، وغير ذلك من المساوئ ، ولا طريق إلى الدواء من ~~تلك المساوئ إلا بالرجوع إلى الله والاضطرار له ، والتعلق بأذيال فضله ~~وكرمه. ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ، فإذا تعلق ~~بالله ، واضطر إليه اضطرار الظمآن إلى الماء طهره الله وزكاه ، إما بلا سبب ~~، أو بأن يلقيه إلى شيخ كامل ، يربيه ويهذبه بإذن الله ، وهذا هو الكثير ، ~~والكل منه وإليه. # قال الورتيجبي قوله تعالى : {ولولا فضل الله عليكم رحمته...} إلخ : بين ~~أن تطهير العباد من الذنوب لا يكون إلا بفضله السابق وعنايته الأزلية ، كيف ~~يزكي العلل ما يكون عللا ، فالمعلول لا يطهر ، والمعلول أفعال الحدثان على ~~كل صنف ، ولطف القديم له استحقاق ذهاب العلل بوصوله. قال السياري : قال ~~الله : {ولولا فضل الله عليكم} ، ولم يقل : لولا عبادتكم وصلاتكم وجهادكم ~~وحسن قيامكم بأمر الله ما نجا منكم أحد ؛ ليعلم أن العبادات ، وإن كثرت ، ~~فإنها من نتائج الفضل. ه. # قال في الحاشية : وظهر لي أن الآية مقدمة لما ندب إليه الصديق بقوله : ~~{ولا يأتل # 62 # أولو الفضل منكم} ، ففيه إشارة إلى أن فضله وزكاته فضل من الله عليه ، ~~وعناية سابقة ، وهي سبب حفظه وتحليه بخلع كوامل الأوصاف ، فليشهد ذلك ، ولا ~~يأتل على من لم يجد ذلك ، حتى وقع فيما وقع من القذف ، بل يعذره ، ويرى منة ~~الله عليه في كونه نزهه بعنايته من الوقوع في مثل ذلك ، مع كون المحل قابلا ~~، ولكن الله خصصه. ه. PageV05P095 # قال الورتجيبي على قوله : {ولا يأتل...} إلخ : في الآية بيان وتأديب الله ~~للشيوخ والأكابر ألا يهجروا صاحب العثرات والزلات ، من المريدين ، ويتخلقوا ~~بخلق الله ، حيث يغفر الذنوب العظام ولا يبالي ، وأعلمهم الا يكفوا أعطافهم ~~عنهم. ثم قال : فإن من له استعداد ms1864 لا يحتجب بعوارض البشرية عن أحكام ~~الطريقة أبدا. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 61 # ألا تحبون أن يغفر الله لكم} ؟ فلتفعلوا ما تحبون أن يفعل بكم وبهم ، مع ~~كثرة خطاياهم ، {والله غفور رحيم} ؛ مبالغ في المغفرة والرحمة ، مع كثرة ~~ذنوب العباد ، فتأدبوا بآداب الله ، واعفوا ، وارحموا. ولما قرأها النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه قال : بل أحب أن يغفر الله ~~لي. ورد إلى مسطح نفقته ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا. # وبالله التوفيق. # الإشارة : كل ما يصد عن مكارم الأخلاق ؛ كالحلم ، والصبر ، والعفو ، ~~والكرم ، والإغضاء ، وغير ذلك من الكمالات ، فهو من خطوات الشيطان ، تجب ~~مجانبته ، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر ؛ كالغضب ، والانتصار ~~، والحمية ، والحقد ، والشح ، والبخل ، وغير ذلك من المساوئ ، ولا طريق إلى ~~الدواء من تلك المساوئ إلا بالرجوع إلى الله والاضطرار له ، والتعلق بأذيال ~~فضله وكرمه. ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ، فإذا ~~تعلق بالله ، واضطر إليه اضطرار الظمآن إلى الماء طهره الله وزكاه ، إما ~~بلا سبب ، أو بأن يلقيه إلى شيخ كامل ، يربيه ويهذبه بإذن الله ، وهذا هو ~~الكثير ، والكل منه وإليه. PageV05P096 # قال الورتيجبي قوله تعالى : {ولولا فضل الله عليكم رحمته...} إلخ : بين أن ~~تطهير العباد من الذنوب لا يكون إلا بفضله السابق وعنايته الأزلية ، كيف ~~يزكي العلل ما يكون عللا ، فالمعلول لا يطهر ، والمعلول أفعال الحدثان على ~~كل صنف ، ولطف القديم له استحقاق ذهاب العلل بوصوله. قال السياري : قال ~~الله : {ولولا فضل الله عليكم} ، ولم يقل : لولا عبادتكم وصلاتكم وجهادكم ~~وحسن قيامكم بأمر الله ما نجا منكم أحد ؛ ليعلم أن العبادات ، وإن كثرت ، ~~فإنها من نتائج الفضل. ه. # قال في الحاشية : وظهر لي أن الآية مقدمة لما ندب إليه الصديق بقوله : ~~{ولا يأتل # 62 # أولو الفضل منكم} ، ففيه إشارة إلى أن فضله وزكاته فضل من الله عليه ، ~~وعناية سابقة ، وهي سبب حفظه وتحليه بخلع كوامل الأوصاف ، فليشهد ذلك ، ولا ~~يأتل على من لم يجد ذلك ms1865 ، حتى وقع فيما وقع من القذف ، بل يعذره ، ويرى منة ~~الله عليه في كونه نزهه بعنايته من الوقوع في مثل ذلك ، مع كون المحل قابلا ~~، ولكن الله خصصه. ه. # قال الورتجيبي على قوله : {ولا يأتل...} إلخ : في الآية بيان وتأديب الله ~~للشيوخ والأكابر ألا يهجروا صاحب العثرات والزلات ، من المريدين ، ويتخلقوا ~~بخلق الله ، حيث يغفر الذنوب العظام ولا يبالي ، وأعلمهم الا يكفوا أعطافهم ~~عنهم. ثم قال : فإن من له استعداد لا يحتجب بعوارض البشرية عن أحكام ~~الطريقة أبدا. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 61 # قلت : " يوم تشهد " : ظرف للاستقرار ، في " لهم " ، أو : معمول لا ذكر. PageV05P097 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يرمون} ؛ يقذفون {المحصنات} ؛ العفائف مما ~~رمين به من الفاحشة ، {الغافلات} عنها على الإطلاق ، بحيث لم يخطر ببالهن ~~شيء منها ولا من مقدماتها ، أو السليمات الصدور ، النقيات القلوب ، اللاتي ~~ليس فيهن دهاء ولا مكر ؛ لأنهن لم يجربن الأمور ، {المؤمنات} ؛ المتصفات ~~بالإيمان بكل ما يجب الإيمان به ، إيمانا حقيقيا لا يخالجه شيء مما يكدره. ~~عن ابن عباس : هن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : جميع المؤمنات ؛ ~~إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل : أريدت عائشة وحدها ، وإنما ~~جمع ؛ لأن من قذف واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه قذفهن. # ثم ذكر الوعيد ، فقال : {لعنوا في الدنيا والآخرة} ، حيث يلعنهم اللاعنون ~~من المؤمنين والملائكة أبدا ، {ولهم} مع ذلك {عذاب عظيم} ، هائل لا يقادر ~~قدره ؛ لعظم ما اقترفوه من الجناية ، إن لم يتوبوا ، فيعذبون. # {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} أي : بما ~~أفكوا وبهتوا {يومئذ يوفيهم الله دينهم} أي : يوم تشهد جوارحهم بأعمالهم ~~القبيحة يوفيهم الله جزاءهم {الحق} أي : الثابت الذي يحق أن يثبت لهم لا ~~محالة ، أو الذي هم أهله ، والحق : صفة لدينهم ، أو لله ، ونصب على المدح. ~~{ويعلمون} عند ذلك {أن الله هو الحق} الثابت الواجب الوجود {المبين} ؛ ~~الظاهر البين ؛ لارتفاع الشكوك ، وحصول العلم الضروري ؛ لارتفاع الغطاء ~~بظهور ما كان وعدا غيبا. # 63 # ولم ms1866 يغلظ الله تعالى في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة - ~~رضي الله عنها - فأوجز في ذلك وأشبع ، وفصل ، وأجمل ، وأكد ، وكرر ، وما ~~ذلك إلا لأمر عظيم. PageV05P098 # وعن ابن عباس رضي الله عنه : (من أذنب ذنبا وتاب قبلت توبته ، إلا من خاض ~~في أمر عائشة - رضي الله عنها) ، وهذا منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك ، وقد ~~برأ الله تعالى أربعة ؛ برأ يوسف بشاهد من أهلها ، وموسى عليه السلام من ~~قول اليهود فيه : أنه آدر ، بالحجر الذي ذهب بثوبه ، ومريم بنطق ولدها ، ~~وعائشة بهذه الآي العظام في كتابه المعجز ، المتلو على وجود الدهر ، بهذه ~~المبالغات. فانظر : كم بينها وبين تبرئة أولئك ؟ ! وما ذلك إلا لإظهار علو ~~منزلة رسوله ، والتنبيه على إنافة محله صلى الله عليه وسلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 63 # وقد رام بعض النصارى الطعن على المسلمين بقضية الإفك ، فقال : كيف تبقى ~~زوجة نبيكم ، مع رجل أجنبي ؟ فقال له ، من كان يناظره من العلماء : قد ~~برأها من برأ أم نبيكم ، فبهت الذي كفر. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد مدح الله تعالى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة ~~أوصاف ، هي من أكمل الأوصاف : العفة ، والتغافل ، وتحقيق الإيمان ؛ أما ~~العفة : فهي حفظ القلب من دخول الهوى ، والجوارح من معاصي المولى ، وأما ~~التغافل : فهو الغيبة عما سوى الله ، والتغافل عن مساوئ الناس. وفي الحديث ~~: " المؤمن ثلثاه تغافل " ، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : " المومن غر ~~كريم ، والمنافق خب لئيم " وأما تحقيق الإيمان فيكون بالتفكر والاعتبار ، ~~وبصحبة الصالحين الأبرار ، ثم يصير الإيمان ضروريا بصحبة العارفين الكبار. # قال القشيري : قوله تعالى : {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} : تصير ~~المعارف ضرورية ، فيجدون المعافاة في النظر والتذكر ، ويستريح القلب من ~~وصفي تردده وتغيره ، باستغنائه ببصره عن تبصره. ويقال : لا يشهدون هذا إلا ~~بالحق ، فهم قائمون بالحق للحق مع الحق ، يبدي لهم أسرار التوحيد وحقائقه ، ~~فيكون القائم فيهم والآخذ لهم عنهم ، من غير أن يردهم عليهم. ه. وبالله ~~التوفيق. PageV05P099 # جزء : 5 رقم الصفحة : 63 # يقول الحق ms1867 جل جلاله : {الخبيثات} من النساء {للخبيثين} من الرجال ، ~~{والخبيثون} من الرجال {للخبيثات} من النساء. وهذه قاعدة السنة الإلهية ، ~~أن الله # 64 # تعالى يسوق الأهل للأهل ، فمن كان خبيثا فاسقا يزوجه الله للخبيثة ~~الفاسقة مثله ، ومن كان طيبا عفيفا رزقه الله طيبة مثله. وهو معنى قوله ~~تعالى : {والطيبات} من النساء {للطيبين} من الرجال {والطيبون} من الرجال ، ~~{للطيبات} من النساء ، فهذا هو الغالب. # وحيث كان - عليه الصلاة والسلام - أطيب الأطيبين ، وخيرة الأولين ~~والآخرين ، تبين كون الصديقة - رضي الله عنها - من أطيب الطيبات ، واتضح ~~بطلان ما قيل فيها من الخرافات ، حسبما نطق به قوله تعالى : {أولئك مبرؤون ~~مما يقولون} ، على أن الإشارة إلى أهل البيت ، المنتظمين في سلك الصديقية ~~انتظاما أوليا ، وقيل : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديقة وصفوان ~~، وما في أسم الإشارة معنى البعد ، للإيذان بعلو رتبة المشار إليهم ، وبعد ~~منزلتهم في الفضل ، أي : أولئك الموصوفون بعلو الشأن : مبرؤون مما يقوله ~~أهله الإفك في حقهم من الأكاذيب الباطلة. # وقيل : (الخبيثات) من القول تقال (للخبيثين) من الرجال والنساء ، أي : ~~لائقة بهم ، لا ينبغي أن تقال إلا لهم. (والخبيثون) من الفريقين أحقاء بأن ~~يقال في حقهم خبائث القول. (والطيبات) من الكلم (للطيبين) من الفريقين ، ~~مختصة بهم ، وهم أحقاء بأن يقال في شأنهم طيبات الكلم. {أولئك} الطيبون ~~{مبرؤون} مما يقول الخبيثون في حقهم. # فمآله تنزيه الصديقة أيضا. وقيل : الخبيثات من القول لا تصدر إلا من ~~الخبيثين ، والطيبات من الكلمات لا تصدر إلا من الطيبين ، وهم مبرؤون مما ~~يقوله أهل الخبث ، لا يقع ذلك منهم ألبتة ، {لهم مغفرة} لما لا يخلو عنه ~~البشر من الذنب ، {ورزق كريم} ؛ هو نعيم الجنان. PageV05P100 # دخل ابن عباس رضي الله عنه على عائشة - رضي الله عنها - في مرضها ، وهي ~~خائفة من القدوم على الله عز وجل ، فقال : لا تخافي ، فإنك لا تقدمين إلا ~~على مغفرة ورزق كريم ، وتلى الآية ، فغشي عليها : فرحا بما تلا. وقالت رضي ~~الله عنها - : (قد أعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة : نزل جبريل بصورتي في ~~راحته ms1868 ، حين أمر- عليه الصلاة والسلام - أن يتزوجني ، وتزوجني بكرا ، وما ~~تزوج بكرا غيري ، وتوفي - عليه الصلاة والسلام - ورأسه في حجري ، وقبره في ~~بيتي ، وينزل عليه الوحي وأنا في لحافه ، وأنا ابنة خليفته وصديقه ، ونزل ~~عذري من السماء ، وخلقت طيبة عند طيب ، ووعدت مغفرة ورزقا كريما). # جزء : 5 رقم الصفحة : 64 # الإشارة : الأخلاق الخبيثة ؛ مثل الكبر ، والعجب ، والرياء ، والسمعة ، ~~والحقد ، والحسد ، وحب الجاه والمال ، للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات ، فهم ~~متصفون بها ، وهي لازمة لهم ، إلا أن يصحبوا أهل الصفاء والتطهير ، ~~فيتطهرون بإذن الله ، والأخلاق الطيبات ؛ كالتواضع ، والإخلاص ، وسلامة ~~الصدور ، والزهد ، والورع ، والسخاء ، # 65 # والكرم ، وغير ذلك من الأخلاق الطيبة ، للطيبين ، والرجال الطيبون ~~للأخلاق الطيبات. أولئك مبرؤون مما يقول أهل الإنكار فيهم ، لهم مغفرة ؛ ~~ستر لعيوبهم ، ورزق كريم لأرواحهم ؛ من قوت اليقين ، وشهود رب العالمين. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 64 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} ~~أي : بيوتا لستم تملكونها ولا تسكنونها ، {حتى تستأنسوا} ؛ تسأذنوا ، وقرىء ~~به ، والاستئناس : الاستعلام ، والاستكشاف ، استفعال ، من أنس الشيء : ~~أبصره ، فإن المستأذن مستعلم للحال ، مستكشف له ، هل يؤذن له أم لا ، ويحصل ~~بذكر الله جهرا ، كتسبيحة أو تكبيرة. PageV05P101 # أو تنحنح ، {وتسلموا على أهلها} ، بأن يقول : السلام عليكم ، أأدخل ؟ ثلالث ~~مرات ، فإذا أذن له ، وإلا رجع ، فإن تلاقيا ، قدم التسليم ، وإلا ، ~~فالاستئذان. {ذلكم} أي : التسليم {خير لكم} من أن تدخلوا بغتة ، أو من تحية ~~الجاهلية. # كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته يقول : حييتم صباحا ، ~~حييتم مساءا ، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف. روي أن رجلا قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم : أأستأذن على أمي ؟ قال : " نعم " قال : ليس لها خادم ~~غيري ، أأستأذن عليها كلما دخلت ؟ قال صلى الله عليه وسلم : " أتحب أن ~~تراها عريانة... ؟ " {لعلكم تذكرون} أي : أمرتكم به ، أو : قيل لكم هذا ؛ ~~لكي تتعظوا وتعملوا بموجبه. # {فإن لم تجدوا فيها} ؛ في البيوت {أحدا} ممن يستحق الإذن ، من الرجال ~~البالغين ، وأما النساء والولدان فوجودهم وعدمهم سواء ms1869 ، {فلا تدخلوها} ، ~~على أن مدلول الآية هو النهي عن دخول البيوت الخالية ؛ لما فيه من الاطلاع ~~على ما يعتاد الناس إخفاءه ، وأما حرمة دخول ما فيه النساء والولدان فمن ~~باب الأولى ؛ لما فيه الاطلاع على الحريم وعورات النساء. فإن لم يؤذن لكم ~~فلا تدخلوا ، واصبروا {حتى يؤذن لكم} من جهة من يملك الإذن ، أو : فإن لم ~~تجدوا فيها أحدا من أهلها ، ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها ؛ ~~لأن التصرف في ملك الغير لا بد أن يكون برضاه. # 66 PageV05P102 ~~{وإن قيل لكم ارجعوا} أي : إذا كان فيها قوم ، وقالوا : ارجعوا {فارجعوا} ~~ولا تلحوا في طلب الإذن ، ولا تقفوا بالأبواب ، ولا تخرقوا الحجاب ؛ لأن ~~هذا مما يوجب الكراهية والعداوة ، وإذا نهى عن ذلك ؛ لأدائه إلى الكراهية ؛ ~~وجب الانتهاء عن كل ما أدى إليها ؛ من قرع الباب بعنف ، والتصييح بصاحب ~~الدار ، وغير ذلك. وعن أبي عبيد : " ما قرعت بابا على عالم قط ". فالرجوع ~~{وهو أزكى لكم} أي : أطيب لكم وأطهر ؛ لما فيه من سلامة الصدور والبعد عن ~~الريبة ، والوقوف على الأبواب من دنس الدناءة والرذالة. {والله بما تعملون ~~عليم} ؛ فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه ، فيجازيكم عليه. وهو وعيد ~~للمخاطبين. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 66 # ليس عليكم جناح} في {أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} أي : غير موضوعة لسكنى ~~طائفة مخصوصة ، بل يتمتع بها من يضطر إليها ، من غير أن يتخذها مسكنا ؛ ~~كالربط ، والخانات ، والحمامات ، وحوانيت التجار. {فيها متاع لكم} أي : ~~منفعة ؛ كاستكنان من الحر والبرد ، وإيواء الرجال والسلع ، والشراء والبيع ~~، والاغتسال ، وغير ذلك ، فلا بأس بدخولها بغير استئذان. روي أن أبا بكر ~~رضي الله عنه قال : يا رسول الله ، إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان ~~، وإنا لنختلف في تجارتنا إلى هذه الخانات ، فلا ندخلها إلا بإذن ؟ فنزلت. ~~وقيل : هي الخرابات ، يتبرز فيها ، ويقضون فيها حاجتهم من البول وغيره ، ~~والظاهر : أنها من جملة ما ينتظم في البيوت ، لا أنها المرادة فقط. {والله ~~يعلم ما تبدون وما تكتمون} ، وعيد لمن ms1870 يدخل مدخلا من هذه المداخل ؛ لفساد ~~أو اطلاع على عورات. والله تعالى أعلم. # الإشارة : التصوف كله آداب ، حتى قال بعضهم : اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا. PageV05P103 # فيتأدبون بالسنة في حركاتهم وسكناتهم ، ودخولهم وخروجهم ، فهم أولى بالأدب ~~، فيستأذنون كما أمر الله عند دخول منزلهم ؛ برفع صوتهم بذكر الله ، أو ~~بالتسبيح ، أو بالسلام قبل الدخول. وكذا عند دخول منزل غيرهم ، أو منزل ~~بعضهم بعضا. وأما مع الشيخ : فالأدب هو الصبر حتى يخرج ، تأدبا بقوله تعالى ~~: {ولو أنهم صبروا حتىا تخرج إليهم لكان خيرا لهم} [الحجرات : 5] ، فلا ~~يقرعون بابه ، ولا يطلبون خروجه إلا لضرورة فادحة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 66 # {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذالك أزكىا لهم إن الله ~~خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن علىا جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بنىا إخوانهن أو بنىا أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن أو ~~التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا علىا عورات ~~النسآء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن...}. # 67 PageV05P104 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل للمؤمنين} ، ويندرج فيهم المستأذنون بعد دخولهم ~~البيوت اندراجا أوليا ، أي : قل لهم : {يغضوا من أبصارهم} ، و" من " : ~~للتبعيض ، والمراد : غض البصر عما يحرم ، والاقتصار على ما يحل. ووجه ~~المرأة وكفاها ليس بعورة ، إلا خوف الفتنة ، فيحل للرجل الصالح أن يرى وجه ~~الأجنبية بغير شهوة. وفي الموطأ : هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم ، أو مع ~~غلامها ؟ قال مالك : لا بأس بذلك ، على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من ~~الرجال ، وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله. ه. وقال ابن ~~القطان : فيه إباحة إبداء المرأة وجهها ويديها للأجنبي ، إذ لا يتصور الأكل ~~إلا هكذا ، وقد أبقاه الباجي على ظاهره ، وقال عياض : ليس بواجب أت تستر ~~المرأة وجهها ، وإنما ذلك استحباب ms1871 أو سنة لها ، وعلى الرجل غض بصره. ثم قال ~~في الإكمال : ولا خلاف أن فرض ستر الوجه مما اختص به أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ه. # {و} قل لهم أيضا : {يحفظوا فروجهم} ، إلا على أزواجهم ، أو ما ملكت ~~إيمانهم ، وتقييد الغض بمن التبعيضية ، دون حفظ الفروج ؛ لما في النظر من ~~السعة ، فيجوز النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها وقدميها ، وإلى رأس المحارم ~~والصدور والساقين والعضدين. قاله النسفي. قلت : ومذهب مالك : حرمة نظر ~~الساقين والعضدين من المحرم ، فإن تعذر التحرر منه ، كشغل البنات في الدار ~~، باديات الأرجل ، فليتمسك بقول الحنفي ، إن لم يقدر على غض بصره. قاله ~~شيخنا الجنوي. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 67 # ذلك أزكى لهم} أي : أطهر لهم من دنس الإثم أو الريبة ، {إن الله خبير بما ~~يصنعون} ، وفيه ترغيب وترهيب ، يعني : أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم ، فكيف ~~يجيلون أبصارهم ، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ؟ ! فعليهم ، إذا ~~عرفوا ذلك ، أن يكونوا منه على حذر. PageV05P105 # {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} ؛ بالتستر والتصون عن الزنا ، فلا تنظر ~~إلى ما لا يحل لهن النظر إليه من عورات الرجال والنساء ، وهي من الرجل : ما ~~عدا الوجه والأطراف ، ومن النساء : ما بين السرة والركبة ، فلا يحل للمرأة ~~أن تنظر إلى الرجل ما سوى الوجه والأطراف ، أو بشهوة. وقيل : إن حصل الأمن ~~من الشهوة جاز ، وعليه يحمل نظر عائشة إلى الحبشة. # {ويحفظن فروجهن} من الزنا والمساحقة. وإنما قدم غض البصر على حفظ الفروج ~~؛ لأن النظر بريد الزنا ، ورائد الفجور ، فبذر الهوى طموح العين. {ولا ~~يبدين زينتهن} ؛ كالحلي ، والكحل ، والخصاب ، والمراد بالزينة : مواضعها ، ~~فلا يحل للمرأة أن # 68 # تظهر مواضع الزينة ، كانت متحلية بها أم لا ، وهي : الرأس ، والأذن ، ~~والعنق ، والصدر ، والعضدان ، والذراع ، والساق. والزينة هي : الإكليل ، ~~والقرط ، والقلادة ، والوشاح ، والدملج ، والسوار والخلخال. {إلا ما ظهر ~~منها} ؛ إلا ما جرت العادة بإظهارها ، وهو الوجه والكفان ، إلا لخوف الفتنة ~~، زاد أبو حنيفة : والقدمين ، ففي ستر هذه حرج ؛ فإن المرأة لا تجد بدا من ~~مزاولة الأشياء بيديها ms1872 ، ومن الحاجة إلى كشف وجهها ، خصوصا في الشهادة ~~والمحاكمة والنكاح ، وتضطر إلى المشي في الطرقات ، وظهور قدميها ، ولا سيما ~~الفقيرات منهن. قاله النسفي. # {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} أي : وليضعن خمرهن ، جمع خمار ، وهو ما يستر ~~الرأس ، {على جيوبهن} ، وهو شق القميص من ناحية الصدر ، وكانت النساء على ~~عادة الجاهلية يسدلن خمرهن من خلفهن ، فتبدو نحورهن وقلائدهن من جيوبهن ، ~~وكانت واسعة ، يبدو منها صدورهن وما حواليها ، فأمرن بإسدال خمرهن على ~~جيوبهن ؛ سترا لما يبدو منها. وقد ضمن الضرب معنى الإلقاء والوضع ، فعدي بعلى. PageV05P106 # {ولا يبدين زينتهن} أي : مواضع الزينة الباطنة ؛ كالصدر ، والرأس ، ونحوهما ~~، كرره : ليستثني منه ما رخص فيه ، وهو قوله : {إلا لبعولتهن} ؛ لأزواجهن ، ~~فإنهم المقصودون بالزينة. ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج ، {أو ~~آبائهن} ، ويدخل فيهم الأجداد ، {أو آباء بعولتهن} ؛ فقد صاروا محارم ، {أو ~~أبنائهن} ، ويدخل فيهم الأحفاد ، {أو أبناء بعولتهن} ؛ لأنهم صاروا محارم ~~أيضا ، {أو إخوانهن} الشقائق ، أو لأب ، أو لأم ، {أو بني إخوانهن أو بني ~~أخواتهن} وإن سفلوا ، ويدخل سائر المحارم ، كالأعمام ، والأخوال ، وغيرهم ؛ ~~لكثرة المخالطة وقلة توقع الفتنة من قبلهم ، فإن تحققت ؛ حيل بينهم ، وعدم ~~ذكر الأعمام والأخوال ، لأن الأحوط أن يسترن عنهم ؛ حذرا من أن يصفوهن ~~لأبنائهم ، {أو نسائهن} ؛ يعني جميع المؤمنات ؛ فكأنه قال : أو صنفهن ؛ ~~ويخرج من ذلك نساء الكفار ؛ لئلا يصفنهن إلى الرجال ، {أو ما ملكت أيمانهن} ~~، يعني : الإماء المؤمنات أو الكتابيات ، وأما العبيد ففيهم ثلاثة أقوال : ~~منع رؤيتهم لسيدتهم ، وهو قول الشافعي ، والجواز ، وهو قول ابن عباس وعائشة ~~، والجواز بشرط أن يكون العبد وغدا ، وهو قول مالك. # جزء : 5 رقم الصفحة : 67 # قال البيضاوي : روي أنه - عليه الصلاة والسلام - أتى فاطمة بعبد ، وهبه ~~لها ، وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت رجليها لم ~~يبلغ رأسها ، فقال - عليه الصلاة والسلام : " إنه ليس عليك بأس ، إنما هو ~~أبوك وغلامك " ، فانظر من أخرجه. واختلف : هل يجوز أن يراها عبد زوجها ، ~~وعبد الأجنبي ، أم لا ؟ على قولين. # 69 PageV05P107 ~~{أو التابعين غير ms1873 أولي الإربة من الرجال} أي : الذين يتبعونكم ليصيبوا من ~~فضل طعامكم ، أو لخدمة ، أو لشيء يعطاه ، كالوكيل والمتصرف. وقال بعضهم : ~~هو الذي يتبعك وهمه بطنه ، ويشترط ألا تكون له إربة ، أي : حاجة وشهوة إلى ~~النساء ؛ كالخصي ، والمخنث ، والشيخ الهرم ، والأحمق ، فلا تجوز رؤيتهم إلا ~~باجتماع الشرطين : أن يكونوا تابعين ، ولا إربة لهم في النساء. {أو الطفل ~~الذين لم يظهروا على عورات النساء} ، أراد بالطفل : الجنس ، ولذلك وصفه ~~بالجمع ، ويقال فيه : " طفل " ما لم يراهق الحلم. و(يظهروا) معناه : يطلعون ~~بالوطء على عورات النساء ، من : ظهر على كذا : إذا قوي عليه ، فمعناه : ~~الذين لم يطيقوا وطء النساء ، أو : لا يدرون ما عورات النساء ؟ . # {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} ، كانت المرأة تضرب برجلها ~~الأرض ليسمع قعقعة خلخالها ، فيعلم أنها ذات خلخال ، فنهين عن ذلك ؛ إذ ~~سماع صوت الزينة كإظهارها ، فيورث ميل الرجال إليهن. ويوهم أن لهن ميلا ~~إليهم. قال الزجاج : سماع صوت الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها. ه. # الإشارة : غض البصر عما تكره رؤيته : من أسباب جمع القلب على الله وتربية ~~الإيمان. وفي الحديث : " من غض بصره عن محارم الله ، عوضه الله إيمانا يجد ~~حلاوته في قلبه " وفي إرسال البصر : من تشتيت القلب ، وتفريق الهم ، ما لا ~~يخفى ، وفي ذلك يقول الشاعر : # وإنك ، إن أرسلت طرفك رائدا # لقلبك ، يوما ، أتعبتك المناظر # ترى ، ما لا كله أنت قادر # عليه ، ولا عن بعضه أنت صابر # فالعباد والزهاد يغضون بصرهم عن بهجة الدنيا ، والعارفون يغضون بصرهم عن ~~رؤية السوى ، فلا يرون إلا تجليات المولى. قال الشبلي : {قل للمؤمنين يغضوا ~~من أبصارهم} أي : أبصار الرؤوس عن المحارم ، وأبصار القلوب عما سوى الله. ه. PageV05P108 # جزء : 5 رقم الصفحة : 67 # وقوله تعالى : {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} ، قال بعضهم : لا يجوز ~~كل ما يستدعي فتنة للغير ؛ من إظهار حال مع الله ، مما هو زينة السريرة ، ~~فلا يظهر شيئا من ذلك إلا لأهله ، إلا إذا ظهر عليه شيئ من غير إظهار منه ، ~~ولا قصد ms1874 غير صالح. ه. فلا يجوز إظهار العلوم التي يفتتن بها الناس ؛ من ~~حقائق أسرار التوحيد ، ولا من الأحوال التي تنكرها الشريعة ، فيوقع الناس ~~في غيبته. وأما قضية لص الحمام ؛ فحال غالبة لا يقتدى بها. # 70 # والله تعالى أعلم. # ثم أمر بالتوبة ؛ لأن النظر لا يسلم منه أحد في الغالب. فقال : # {...وتوبواا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون # يقول الحق جل جلاله : {وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون} ؛ إذ لا يكاد ~~يخلو أحدكم من تفريط ، ولا سيما في الكف عن الشهوات ، وقيل : توبوا مما ~~كنتم تفعلونه في الجاهلية ، فإنه ، وإن جب بالإسلام ، لكن يجب الندم عليه ، ~~والعزم على الكف عنه ، كلما يتذكر ، ويخطر بالبال. وفي تكرير الخطاب بقوله ~~: {أية المؤمنون} : تأكيد للإيجاب ، وإيذان بأن وصف الإيمان موجب للامتثال ~~، حتما. قيل : أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة. ~~وظاهر الآية : أن العصيان لا ينافي الإيمان ، فبادروا بالتوبة {لعلكم ~~تفلحون} ؛ تفوزون بسعادة الدارين. وبالله التوفيق. # الإشارة : التوبة أساس الطريق ، ومنها السير إلى عين التحقيق ، فمن لا ~~توبة له لا سير له ، كمن يبني على غير أساس. والتوبة يحتاج إليها المبتدىء ~~والمتوسط والمنتهي ، فتوبة المبتدىء من المعاصي والذنوب ، وتوبة السائر : ~~من الغفلة ولوث العيوب ، وتوبة المنتهي : من النظر إلى سوى علام الغيوب. # قال ابن جزي : التوبة واجبة على كل مكلف ، بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة. PageV05P109 # وفرائضها ثلاثة : الندم على الذنب ؛ من حيث عصي به ذو الجلال ، لا من حيث ~~أضر ببدن أو مال. والإقلاع على الذنب في أول أوقات الإمكان ، من غير تأخير ~~ولا توان ، والعزم ألا يعود إليها أبدا. ومهما قضى الله عليه بالعود ، ~~أضحدث عزما مجددا. وآدابها ثلاث : الاعتراف بالذنب ، مقرونا بالانكسار ، ~~والإكثار من التضرع والاستغفار ، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من ~~الأوزار. ومراتبها سبع : فتوبة الكفار من الكفر ، وتوبة المخلطين من الذنوب ~~الكبائر ، وتوبة العدول من الصغائر ، وتوبة العابدين من الفترات ، وتوبة ~~السالكين من علل القلوب والآفات ، وتوبة أهل الورع من الشبهات ، وتوبة أهل ms1875 ~~المشاهدة من الغفلات. والبواعث على التوبة سبعة : خوف العقاب ، ورجاء ~~الثواب ، والخجل من الحساب ، ومحبة الحبيب ، ومراقبة الرقيب ، وتعظيم ~~المقام ، وشكر الإنعام. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 67 # {وأنكحوا الأيامىا منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقرآء ~~يغنهم الله من فضله والله واسع عليم وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتىا ~~يغنيهم الله من فضله...}. # 71 # قلت : الأيامى : جمع أيم ، وأصله : أيايم ، فقلبت الياء ؛ لآخر الكلمة ، ~~ثم قلبت ألفا ، فصارت أيامى. والأيم : من لا زوج له من الرجال والنساء. # يقول الحق جل جلاله : {وأنكحوا} أي : زوجوا {الأيامى منكم} أي : من لا ~~زوج له من الرجال والنساء ، بكرا كان أو ثيبا. والمعنى : زوجوا من لا زوج ~~له من الأحرار والحرائر. والخطاب للأولياء والحكام ، أمرهم بتزويج الأيامى ~~، فاقتضى ذلك النهي عن عضلهن. وفي الآية دليل عدم استقلال المرأة بالنكاح ، ~~واشتراط الولي فيه ، وهو مذهب مالك والشافعي ، خلافا لأبي حنيفة. PageV05P110 # {والصالحين} أي : الخيرين ، أو : من يصلح للتزوج ، {من عبادكم وإمائكم} أي ~~: من غلمانكم وجواريكم ، والأمر : للندب ؛ إذ النكاح مندوب إليه ، ~~والمخاطبون : ساداتهم. ومذهب الشافعي : أن السيد يجبر على تزويج عبيده ، ~~لهذه الآية ، خلافا لمالك ، ومذهب مالك : أن السيد يجبر عبده على النكاح ، ~~خلافا للشافعي. واعتبار الصلاح في الأرقاء : لأن من لا صلاح له بمعزل من أن ~~يكون خليقا بأن يعتني مولاه بشأنه ، وأيضا : فالتزويج يحفظ عليه صلاحه ~~الحاصل ، وأما عدم اعتبار الصلاح في الأحرار والحرائر ؛ لأن الغالب فيهم ~~الصلاح ، على أنهم مستبدون بالتصرف في أنفسهم وأموالهم ، فإذا عزموا النكاح ~~فلا بد من مساعدة الأولياء لهم. # وقيل : المراد بالصلاح : صلاحهم للتزوج ، والقيام بحقوقهم ، فإن ضعفوا ؛ ~~لم يزوجوا. ونفقة العبد على سيده ؛ إن زوجه ، أو أذن له ، وإلا خير فيه. # ثم قال تعالى : {إن يكونوا فقراء} من المال {يغنهم الله من فضله} ~~بالكفاية والقناعة ، أو باجتماع الرزقين. وفي الحديث : " التمسوا الرزق ~~بالنكاح " وقال ابن عجلان : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا ~~إليه الحاجة ، فقال : " عليك بالباءة " ، أي : التزوج. وكذلك قال أبو بكر ms1876 ~~وعمر وعثمان لمن شكى إليهم العيلة ، متمسكين بقوله تعالى : {إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم} ، فبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، ~~حسبما تقتضيه المشيئة والحكمة والمصلحة. فالغنى ، للمتزوج ، مقيد بالمشيئة ~~، فلا يلزم الخلف بوجود من لم يستغن مع التزوج ، وقيل : مقيد بحسن القصد ، ~~وهو مغيب. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 71 PageV05P111 ~~الترغيب في النكاح : قال صلى الله عليه وسلم : " تناكحوا تكثروا ، فإني ~~أباهي بكم الأمم حتى بالسقط " وقال صلى الله عليه وسلم : " من أحب فطرتي ~~فليستن بسنتي ، وهي النكاح ، فإن الرجل يرفع بدعاء ولده من بعده " ، وقال ~~سمرة رضي الله عنه : (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التبتل). وقال - ~~عليه الصلاة والسلام - : # 72 # " من كان له ما يتزوج به ، فلم يتزوج ، فليس منا " وقال عليه الصلاة ~~والسلام : " من أدرك له ولد ، وعنده ما يزوجه به ، فلم يزوجه ، فأحدث ، ~~فالإثم بينهما " وقال أبو هريرة : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد للقيت ~~الله بزوجة ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " شراركم عزابكم ، إذا ~~تزوج أحدكم عج شيطانه : يا ويله عصم ابن آدم ثلثي دينه " وقال صلى الله ~~عليه وسلم : " مسكين ، مسكين ، رجل ليست له امرأة ، ومسكينة ، مسكينة ؛ ~~امرأة ليست لها زوج ، قالوا : يا رسول الله! وإن كانت غنية من المال ؟ قال ~~: وإن ". وقال أبو أمامة : (أربعة لعنهم الله من فوق عرشه ، وأمنت عليهم ~~ملائكته : الذي يحصر نفسه عن النساء ، فلا يتزوج ولا يتسرى ؛ لئلا يولد له ~~، والرجل يتشبه بالنساء ، والمرأة تتشبه بالرجال ، وقد خلقها الله أنثى ، ~~ومضلل المساكين). وقال سهل بن عبد الله : لا يصح الزهد في النساء ؛ لأنهن ~~قد حببن إلى سيد الزاهدين. ووافقه ابن عيينة ، فقال : ليس في كثرة النساء ~~دنيا ؛ لأن أزهد الصحابة كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكان له أربع ~~نسوة وبضع عشرة سرية. ه. من القوت. PageV05P112 # وقال عطية بن بسر المازني : أتى عكاف بن وداعة الهلالي النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال له : " يا عكاف ms1877 ؛ ألك زوجة ؟ قال : لا ، يارسول الله ، ولا أمة ؟ ~~قال : لا. قال : وأنت صحيح موسر ؟ قال : نعم ، والحمد لله. قال : فإنك ، ~~إذا ، من إخوان الشياطين ، إما أن تكون من رهبان النصارى ، وإما تكون مؤمنا ~~، فاصنع ما بدا لك. فإن سنتنا النكاح ، شراركم عزابكم ، وأرذال موتاكم ~~عزابكم ، ما للشيطان ، في سلاح ، أبلغ من محتمل العزبة ، ألا إن المتزوجين ~~هم المطهرون المبرؤون من الخنا " انظر الثعلبي. # قال تعالى : {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا} أي : ليجتهد في العفة عن ~~الزنا وقمع الشهوة من لم يجد الاستطاعة على النكاح ؛ من المهر والنفقة ، ~~{حتى يغنيهم الله من فضله} ؛ حتى يقدرهم الله على المهر والنفقة ، قال عليه ~~الصلاة والسلام : " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ؛ فإنه ~~أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ؛ فإنه له وجاء " ، ~~فانظر كيف رتب الحق تعالى هذه الأمور ؟ أمر ، أولا ، بما يعصم من الفتنة ، ~~ويبعد عن مواقعة المعصية ، وهو غض البصر ، ثم بالنكاح المحصن للدين ، ~~المغني عن الحرام ، ثم بعزف النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة ، ~~عند العجز عن النكاح ، إلى أن يقدر عليه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 71 # الإشارة : الأرواح والقلوب والنفوس لا يظهر نتاجها حتى ينعقد النكاح ~~بينها وبين # 73 PageV05P113 ~~شيخ كامل ، فإذا انعقدت الصحبة بينها وبين الشيخ ، قذف نطفة المعرفة في ~~الروح أو القلب أو النفس ، ثم يربيها في مشيمة الهمة ، ثم في حضانة الحفظ ~~والرعاية ، فيظهر منها نتاج اليقين والعلوم والأسرار والمعارف ، وأما إن ~~بقيت أيامى ؛ لا زوج لها ، فلا مطمع في نتاجها ، قال تعالى : {وأنكحوا ~~الأيامى منكم} ، وهي الأرواح ، والصالحين من قلوبكم ، ونفوسكم ، إن يكونوا ~~فقراء ؛ من اليقين ، والمعرفة بالله ، يغنهم الله من فضله ؛ بمعرفته ، ~~والله واسع عليم ، وليتعفف ، عن المناكر ، الذين لا يجدون من يأخذ بيدهم ، ~~حتى يغنيهم الله من فضله ؛ بالسقوط على شيخ كامل ؛ فإنه من فضل الله ومنته ~~، لا يسقط عليه إلا من اضطر إليه ، وصدق الطلب في الوصول إليه. وبالله ~~التوفيق. # ولما أمر بتزوج العبيد ، أمر ms1878 بمكاتبتهم ، فقال : # {... والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ~~وآتوهم من مال الله الذىا آتاكم...}. # قلت : الكتاب هنا : مصدر ، بمعنى الكتابة. وهي : مقاطعة العبد على مال ~~منجم ، فإذا أداه ؛ خرج حرا ، وإن عجز ، ولو عن نصف درهم ، بقي رقيقا. # يقول الحق جل جلاله : {والذين يبتغون الكتاب} أي : والمماليك الذين ~~يطلبون الكتابة {مما ملكت أيمانكم} ؛ من عبيدكم {فكاتبوهم} ، والأمر للندب ~~، عند مالك والجمهور ، وقال الظاهرية وغيرهم : على الوجوب ، وهو ظاهر قول ~~عمر رضي الله عنه لأنس بن مالك ، حين سأله مملوكه سيرين الكتابة ، فأبى ~~عليه أنس ، فقال له عمر : لتكاتبنه ، أو لأوجعنك بالدرة. وإنما حمله مالك ~~على الندب ؛ لأن الكتابة كالبيع ، فكما لا يجبر على البيع لا يجبر عليها. PageV05P114 # واختلف : هل يجبر السيد عبده عليها ، أم لا ؟ قولان في المذهب. ونزلت الآية ~~بسبب حويطب بن عبد العزى ، سأل مولاه أن يكاتبه ، فأبى عليه. وحكمها عام ، ~~فأمر الله سادات العبيد أن يكاتبوهم إذا طلبوا الكتابة. والكتابة : أن يقول ~~لمملوكه : كاتبتك على كذا ، فإن أدى ذلك عتق ، ومعناه : كتبت لك على نفسي ~~أن تعتق مني إذا وفيت المال ، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك. وتجوز حالة ، ~~وتسمى : القطاعة ، ومنجمة وغير منجمة. # وقوله تعالى : {إن علمتم فيهم خيرا} ، أي : قدرة على الكسب ، وأمانة ~~وديانة ، والندبية متعلقة بهذا الشرط ، فالخير هنا : القوة على الأداء بأي ~~وجه كان ، وقيل : هو المال الذي يؤدي منه كتابته ، من غير أن يسأل أموال ~~الناس ، وقيل : الصلاح في الدين. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 71 # وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} ، هذا أمر بإعانة المكاتب على كتابته ، ~~واختلف : من المخاطب بذلك ؟ فقيل : هو خطاب للناس أجمعين ، وقيل : للولاة ، ~~والأمر على هذين القولين للندب ، وقيل : للسادات المكاتبين ، وهو على هذا ~~القول ، ندب عند مالك ، ووجوب عند الشافعي. فإن كان الأمر للناس ، فالمعنى ~~: أن يعطوهم صدقة من أموالهم ، وإن كان للولاة : فيعطوهم من الزكوات أو من ~~بيت المال ، وإن كان للسادات فيحطوا عنهم من كتابتهم ، وقيل : يعطوهم من ms1879 ~~أموالهم ، من غير الكتابة ، وعلى القول بالحط من الكتابة اختلف في مقدار ما ~~يحط ، فقيل : الربع ، وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل ~~الثلث ، وقال مالك : لا حد قي ذلك ، بل أقل ما يطلق عليه شيء ، إلا أن ~~الشافعي يجبره على ذلك ، ولا يجبره مالك. وزمان الحط عنه في آخر الكتابة ~~عند مالك ، وقيل : في أول نجم. قاله ابن جزي. PageV05P115 # الإشارة : العبيد على أربعة أقسام : عبد قن مقتنى للخدمة ، وعبد مأذون له ~~في التجارة ، وعبد مكاتب ، وعبد آبق. فمثال الأول ، وهو العبد القن : أهل ~~الخدمة ، وهم العباد والزهاد ، أقامهم الحق تعالى لخدمته ، وقواهم على دوام ~~معاملته ، أهل الصيام والقيام ، وأهل السياحة والهيام. ومثال الثاني ، وهو ~~المأذون له : العارفون بالله ، يتصرفون في ملك سيدهم بالله ، خلفاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يؤخذ من نصيبهم شيء ، قد سخر لهم كل شيء ، ~~ولم يسخروا لشيء ، سلطوا على كل شيء ، ولم يسلط عليهم شيء ، يخالطون الناس ~~بجسمهم ، ويباينونهم بسرهم ، فالدنيا سوق تجارتهم ، والمعرفة رأس بضاعتهم ، ~~والعدل في الغضب والرضا ميزانهم ، والقصد في الفقر والغنى عنوانهم ، والعلم ~~بالله مفزعهم ومنجاهم ، والقرآن كتاب الإذن من مولاهم ، والفهم عن الله ~~مرجعهم ومأواهم. # ومثال الثالث ، وهو المكاتب : الصالحون من المؤمنين ؛ يعملون على فك ~~رقبتهم من النار ، فإذا أدوا ما فرض عليهم ؛ حررهم بعد موتهم ، وأسكنهم ~~فسيح جنانه. ومثال الآبق : هم العصاة والفجار ، استمروا على عصيانهم ، حتى ~~قدموا على الملك الجبار ، فهم تحت حكم المشيئة ، إن شاء عفا عنهم ، وإن شاء ~~عاقبهم. والله تعالى أعلم. # ولما أمر بتزويج الإماء نهى عن إكراههن على الزنا ، فقال : # {... ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة ~~الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ولقد أنزلنآ إليكم ~~آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين}. # جزء : 5 رقم الصفحة : 71 # يقول الحق جل جلاله : {ولا تكرهوا فتياتكم} أي : إماءكم ، يقال للعبد : فتى ، # 75 PageV05P116 ~~وللأمة : فتاة. والجمع : فتيات ، {على البغاء} أي ms1880 : الزنا ، وهو خاص بزنا ~~النساء. كان لابن أبي ست جوار : معاذة ، ومسيكة ، وأميمة ، وعمرة ، وأروى ، ~~وقتيلة ، وكان يكرههن ، ويضرب عليهن الضرائب لذلك ، فشكت ثنتان منهن إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية. # وقوله تعالى : {إن أردن تحصنا} أي : تعففا ، ليس قيدا في النهي عن ~~الإكراه ، بل جرى على سبب النزول ، فالإكراه : إنما يتصور مع إرادة التحصن ~~؛ لأن المطيعة لا تسمى مكرهة ، ثم خصوص السبب لا يوجب تخصيص الحكم على صورة ~~السبب ، فلا يختص النهي عن الإكراه بإرادة التعفف ، وكذلك الأمر بالزنا ، ~~والإذن فيه لا يباح ولا يجوز شيء من ذلك للسيد ، وما يقبض من تلك الناحية ~~سحت وربا. وفيه توبيخ للموالي ؛ لأن الإماء إذا رغبن في التحصن ؛ فأنتم ~~أولى بذلك ، ثم علل الإكراه بقوله : {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} أي : ~~لتبتغوا بإكراهن على الزنا أجورهن وأولادهن ، جيء به ؛ تشنيعا لهم على ما ~~هم عليه من أحمال الوزر الكبير لأجل النزر الحقير ، أي : لا تفعلوا ذلك ~~لطلب المتاع السريع الزوال ، الوشيك الاضمحلال. {ومن يكرههن} ؛ على ما ذكر ~~من البغاء ، {فإن الله من بعد إكراههن غفور} لهن {رحيم} بهن ، وفي مصحف ابن ~~مسعود كذلك. وكان الحسن يقول : لهن والله. وقيل : للسيد إذا تاب. واحتياجهن ~~إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم : إما اعتبار أنهن - وإن كن مكرهات - ~~لا يخلون في تضاعيف الزنا من شائبة مطاوعة ما ، بحكم الجبلة البشرية ، وإما ~~لغاية تهويل أمر الزنا ، وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه ، ~~والتشديد في تحذير المكرهين ببيان أنهن حيث كن عرضة للعقوبة ، لولا أن ~~تداركهن المغفرة ، الرحمة ، مع قيام العذر في حقهن ، فما بالك بحال من ~~يكرههن في استحقاق العقاب ؟ PageV05P117 # {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} ؛ مو ضحات ، أو : واضحات المعنى ، والمراد ~~: الآيات التي بينت في هذه السورة ، وأوضحت معاني الأحكام والحدود. وهو ~~كلام مستأنف جيء به في تضاعيف ما ورد من الآيات السابقة واللاحقة ؛ لبيان ~~جلالة شأنها ، المقتضي للإقبال الكلي على العمل بمضمونها. وصدر بالقسم الذي ~~تعرب عنه اللام ؛ لإبراز كمال العناية بشأنها. ms1881 أي : والله ، لقد أنزلنا ~~إليكم ، في هذه السورة الكريمة ، آيات مبينات لكل ما لكم حاجة إلى بيانه ؛ ~~من الحدود وسائر الأحكام ، وإسناد البيان إليها : مجازي ، أو : آيات واضحات ~~تصدقها الكتب القدسية والعقول السليمة ، على أن " مبينات " ، من بين ، ~~بمعنى تبين ، كقولهم في المثل : " قد بين الصبح لذي عينين " ، أي : تبين. ~~ومن قرأها بالبناء للمفعول ، فمعناه : قد بين الله فيها الأحكام والحدود. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 71 # ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} أي : وأنزلنا مثلا من أمثال من قبلكم ، من ~~القصص العجيبة ، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة ، والكلمات ~~الجارية على ألسنة الأنبياء والحكماء ، فتنتظم قصة عائشة - رضي الله عنها - ~~المحاكية لقصة يوسف عليه # 76 # السلام وقصة مريم ، وسائر الأمثال الواردة في السورة الكريمة ، انتظاما ~~واضحا. وتخصيص الآيات البينات بالسوابق ، وحمل المثل على قصة عائشة ~~المحاكية لقصة يوسف ومريم ، يأباه تعقيب الكلام بما سيأتي من التمثيلات. # {و} أنزلنا {موعظة للمتقين} يتعظون بها ، وينزجرون عما لا ينبغي من ~~المحرمات والمكروهات وسائر ما يخل بمحاسن الآداب ، والمراد : ما وعظ به من ~~الآيات والمثل ، مثل قوله : {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} [النور : ~~2] ، و{لولاا إذ سمعتموه...} [النور : 12] إلخ ، {يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله} [النور : 17]. PageV05P118 # وتخصيص المتقين ؛ لأنهم المنتفعون بها ، المغتنمون لآثارها ، المقتسبةن ~~لأنوارها ، ومدار العطف هو التغاير العنواني المنزل منزلة التغاير الذاتي. ~~وقد خصت الآيات بما بين الأحكام والحدود ، والموعظة بما وعظ به من قوله : ~~{ولا تأخذكم...} إلى آخر ما تقدم. وقيل : المراد بالآيات المبينات والمثل ~~والموعظة : جميع ما في القرآن المجيد من الأمثال والمواعظ والله تعالى أعلم. # الإشارة : كل من أمر بالمعصية ودل عليها ، أو رضي فعلها ، فهو شريك ~~الفاعل في الوزر ، أو أعظم. وكل من أمر بالطاعة ودل عليها فهو شريك الفاعل ~~في الثواب ، أو أعظم. وفي الأثر : " الدال على الخير كفاعله ". قال القشيري ~~: حامل العاصي على زلته ، والداعي له إلى عثرته ، والمعين له على مخالفته ، ~~تتضاعف عليه العقوبة ، وله من الوزر أكثر من غيره ، وعكسه لو كان الأمر في ms1882 ~~الطاعة والإعانة على العبادة. ه. ومن هذا القبيل : تعليم العلم لمن تحقق ~~أنه يطلب به رئاسة أو جاها ، أو توصلا إلى الدنيا المذمومة ، أو علم منه ~~قصدا فاسدا ، فإن تحقق ذلك وعلمه ، فهو معين له على المعصية ، كمن يعطي ~~سيفا لمن يقطع به الطريق على المسلمين. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 71 # 77 PageV05P119 ~~يقول الحق جل جلاله : {الله نور السموات والأرض} أي : منور أهلهما [بنور ~~الإسلام والإيمان ؛ لأهل الإيمان] ، وبنور الإحسان ؛ لأهل الإحسان ، فحقيقة ~~النور : هو الذي تنكشف به الأشياء على ما هي عليه ، حسية أو معنوية ، ~~والمراد هنا : المعنوية ؛ بدليل قوله {يهدي الله لنوره من يشاء} ، فإن ~~انكشف به أحكام العبودية ، باعتبار المعاملة الظاهرة ، يسمى : نور الإسلام ~~، وإن انكشف به أوصاف الذات العلية وكمالاتها ، من طريق البرهان ، يسمى : ~~نور الإيمان ، وإن انكشف به حقيقة الذات وأسرارها ، من طريق العيان ، يسمى ~~: نور الإحسان. فالأول : يشبه نور النجوم ، والثاني : نور القمر ، والثالث ~~نور الشمس ، ولذلك تقول الصوفية : نجوم الإسلام ، وقمر الإيمان ، وشمس ~~العرفان. # ثم ضرب المثل لذلك النور ، حين يقذفه في قلب المؤمن ، فقال {مثل نوره} أي ~~: صفة نوره العجيبة في قلب المؤمن - كما هي قراءة ابن مسعود - {كمشكاة} أي ~~: كصفة مشكاة ، وهي الكوة في الجدار غير النافذة ؛ لأن المصباح فيها يكون ~~نوره مجموعا ، فيكون أزهر وأنور ، {فيها مصباح} أي : سراج ضخم ثاقب ، ~~{المصباح في زجاجة} أي : في قنديل من زجاج صاف أزهر ، {الزجاجة} من شدة ~~صفائها {كأنها كوكب دري} ؛ بضم الدال وتشديد الراء ، منسوب إلى الدر ؛ لفرط ~~ضيائه وصفائه ، وبالكسر والهمز : " أبو عمرو " ؛ على أنه يدرأ الظلام ~~بضوئه. وبالضم والهمز : أبو بكر وحمزة ، شبهه بأحد الكواكب الدراري ، ~~كالمشتري والزهرة ونحوهما. {توقد} بالتخفيف والتأنيث ، أي : الزجاجة ، أو ~~{يوقد} بالتخفيف والغيب ، أو : {توقد} بالتشديد ، أي : المصباح {من شجرة} ~~أي من زيت شجرة الزيتون ، أي : رويت فتيلته من زيت {شجرة مباركة} ؛ كثيرة ~~المنافع ، أو : لأنها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين ، وهي الشام ، ~~وقيل : بارك فيها سبعون نبيا ، منهم إبراهيم ms1883 عليه السلام. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 77 PageV05P120 ~~زيتونة} : بدل من {شجرة} ، من نعتها {لا شرقية ولا غريبة} أي : ليست شرقية ~~فقط ، لا تصيبها الشمس إلا في حالة الشروق ، ولا غربية ، لا تصيبها إلا في ~~حال الغروب ، بل هي شرقية غربية ، تصيبها الشمس بالغداة والعشي ، فهو أنضر ~~لها ، وأوجود لزيتونها. وقيل : ليست من المشرق ولا من المغرب ، بل في الوسط ~~منه ، وهو الشام ، وأجود الزيتون زيتون الشام. # {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} ؛ هو في الصفاء والإنارة بحيث يكاد ~~يضيء بنفسه من غير مساس نار أصلا. {نور على نور} أي : نور المصباح متضاعف ~~على نور الزيت الصافي ، فهذا مثال النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن ؛ ~~فالمشكاة هو الصدر ، والمصباح نور الإيمان أو الإسلام أو الإحسان ، على ما ~~تقدم ، والزجاجة هو القلب الصافي ، ولذلك شبهه بالكوكب الدري ، والزيت هو ~~العلم النافع الذي يقوي اليقين. ولذلك وصفه بالصفاء والإنارة. يكاد صاحبه ~~تشرق عليه أنوار الحقائق ، ولو لم يمسسه # 78 # علمها. {نور على نور} أي نور الإيمان مضاف إلى نور الإسلام ، أو نور ~~الإحسان مضاف إلى نور الإيمان والإسلام. # {يهدي الله لنوره} أي : لهذا لنور الباهر {من يشاء} من عباده ؛ إما ~~بإلهام أو بواسطة تعليم. وفيه إيذان بأن مناط هذه الهداية إنما هي بمشيئته ~~تعالى ، وأن الأسباب لا تأثير لها. {ويضرب الله الأمثال للناس} ؛ تقريبا ~~للفهم ، لأنه إبراز للمعقول في هيئة المحسوس {والله بكل شيءعليم} ، معقولا ~~كان أو محسوسا ، فيبين الأشياء بما يمكن أن تعلم به. والله تعالى أعلم. # الإشارة : أعلم أن الكون كله من عرشه إلى فرشه قطعة من نور الحق ، وسر من ~~أسرار ذاته ، ملك ، وباطنه ملكوت فائض من بحر الجبروت ، فالكائنات كلها : ~~الله نورها وسرها ، وهو القائم بها. ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء من ~~العارفين بالله ، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه ، وتحققوه ~~ذوقا وكشفا. PageV05P121 # ثم ضرب الحق تعالى مثلا لنوره الفائض من بحر جبروته ، فقال : {مثل نوره} ~~الظاهر ، الذي تجلى به في عالم الشهادة ms1884 ، {كمشكاة فيها مصباح} أي : كطاقة ~~انفتحت من بحر اللطافة الكنزية ، خرج منها نور كثيف كالمصباح ، فالكون كله ~~مصباح نور ، انفجر من نور النور ، ومن ذلك المصباح تفرعت الكائنات ، فهي ~~كلها نور فائض من بحر نوره اللطيف ، ثم جعل الحق تعالى يصف ذلك المصباح في ~~توقده وتوهجه بقوله : {المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري...} إلخ. ~~فالآية كلها من تتمه التمثيل. # جزء : 5 رقم الصفحة : 77 # وقوله تعالى : {ولو لم تمسسه نار} قيل : الإشارة فيه إلى استغناء العبد ~~في تلك الحالة عن الاستمداد إلا من رب العزة ، فيستغني عن الوسائط. وقوله ~~تعالى : {نور على نور} أي : نور ملكوته على نور جبروته ، {يهدي الله لنوره} ~~أي : لشهود نوره ، أو لمعرفة نوره ، {من يشاء} من خواص أحبابه ، كأنبيائه ~~وأوليائه ، فمن لم يشهد هذا النور ، ولم يعرفه ، لا خصوصية له ؛ يتميز بها ~~عن العوام ، فهو من عامة أهل اليمين ، ولو كثر علمه وعمله ؛ إذ لا عبرة ~~بالعلم والعمل مع الحجاب. وفي الحكم : " الكائن في الكون ، ولم تفتح له ~~ميادين الغيوب ، مسجون بمحيطاته ، محصور في هيكل ذاته " ، والمحجوب برؤية ~~الأكوان من جملة العوام عند أهل العيان ، ينسحب عليه معنى المثال الآتي في ~~ضد هذا بقوله : (أو كظلمات...) إلخ. # وفي الحكم : " الكون كله ظلمة ، وإنما أناره ظهور الحق فيه ، فمن رأى ~~الكون ولم يشهده فيه ، أو عنده ، أو قبله أو بعده ، فقد أعوزه وجود الأنوار ~~، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار ". فالكون عند أهل العيان كله نور ، ~~وعند أهل الحجاب كله ظلمة ، وهو محيط بهم ، فالظلمة محيطة بهم ، وقد ألف ~~الغزالي في هذه الآية كتابه : (مشكاة الأنوار) ، وكلامه فيه يدور على أن ~~معنى اسمه تعالى " النور " : يرجع إلى ما ثبتت به # 79 PageV05P122 ~~الأشياء وظهرت من العدم ، ولذلك قال قائلهم : # فالنور يظهر ما ترى من صورة # وبه ظهور الكائنات بلا امتراء # وفي لطائف المنن : الله نور السموات والأرض ؛ نور سموات الأرواح بمشاهدته ~~، ونور أرض النفوس بمطالعته وخدمته ، وجعل قلوب أوليائه مجلاة لذاته ولظهور ~~صفاته ، أظهرهم ليظهر فيهم ms1885 خصوصا ، وهو الظاهر في كل شيء عموما ، ظهر فيهم ~~بأنواره وأسراره ، كما ظهر فيهم ، وفيما عداهم بقدرته واقتداره. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 77 # قلت : (في بيوت) : يتعلق بمشكاة ، أي : كائنة في بيوت ، أو توقد ، أو ~~بيسبح ، أي : يسبح له رجال في بيوت ، وفيه تكرير ؛ لزيادة التأكيد ، نحو : ~~زيد في الدار جالس فيها ، أو بمحذوف ، أي : سبحوا في بيوت. و(أذن) : نعت له. # يقول الحق جل جلاله : وذلك النور الذي في المشكاة يكون {في بيوت أذن الله ~~أن ترفع} ، وهي المساجد والزوايا المعدة لذكر الله والصلاة وتلاوة القرآن. ~~ورفعها : تعظيمها. أي : التي أمر الله بتعظيمها ؛ كتطهيرها من الخبث ، ~~وتنقيتها من القذى ، وتعليق القناديل ونصب الشموع ، ويزاد التعظيم في شهر ~~رمضان. ومن تعظيمها : غلقها في غير أوقات الصلاة ، وقيل المراد برفعها : ~~بناؤها ، كقوله تعالى : {... بناها رفع...سمكها} [النازعات : 27و28] {وإذ ~~يرفع إبراهيم القواعد من البيت} [البقرة : 127] ، والأول أصح. # {و} أذن أيضا أن {يذكر فيها اسمه} ، وهو عام في جميع الذكر ، مفردا أو ~~جماعة ، ويدخل فيه تلاوة القرآن. {يسبح له فيها بالغدو والآصال} أي : يصلي ~~له فيها بالغداة : صلاة الفجر ، والآصال : صلاة الظهر والعصر والعشاءين. ~~وإنما وحد الغدو ؛ لأن صلاته صلاة واحدة ، وفي الآصال صلوات ، وهو جمع أصيل ~~، وفاعل " يسبح " : رجال. PageV05P123 # ومن قرأ بفتح الباء ، فأسنده إلى أحد الظروف الثلاثة ، أعني : (له فيها ~~بالغدو).و" رجال " : مرفوع بمحذوف ، دل عليه {يسبح} أي : يسبحه {رجال لا ~~تلهيهم} : لا تشغلهم {تجارة} في السفر ، {ولا بيع} في الحضر ، {عن ذكر ~~الله} باللسان والقلب ، وقيل : التجارة : الشراء ، أي : لا يشغلهم شراء ولا ~~بيع عن ذكر الله ، والجملة صفة لرجال ، # 80 # مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة ، مفيدة لكمال تبتلهم إلى الله تعالى ~~، واستغراقهم فيما حكى عنهم من التسبيح من غير صارف يلويهم ولا عاطف ~~يثنيهم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 80 # وتخصيص التجارة بالذكر ؛ لكونها أقوى الصوارف عندهم وأشهرها ، أي : لا ~~يشغلهم نوع من أنواع التجارة ، ولا فرد من أفراد البياعات ، وإن كان في ~~غاية الربح. # وإفراده بالذكر ، مع اندراجه ms1886 تحت التجارة ؛ لأنه ألهى ؛ لأن ربحه متيقن ~~ناجز في الغالب ، وما عداه متوقع في ثاني الحال. PageV05P124 # {و} لا يشغلهم ذلك أيضا عن {إقام الصلاة} أي : إقامتها لمواقيتها من غير ~~تأخير ، وأصله : وإقامة ، فأسقطت التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإعلال ~~، وعوض عنها الإضافة ، فأقيمت الإضافة مقام التاء ، {وإيتاء الزكاة} أي : ~~وعن إيتاء الزكاة ، وذكرها ، وإن لم يكن مما تفعل في البيوت ، لكونها ~~قرينتها لا تفارق إقامة الصلاة في عامة المواضع ، مع ما فيه من التنبيه على ~~أن محاسن أعمالهم غير منحصرة فيما يقع في المساجد. والمعنى : لا تجارة لهم ~~حتى تلهيهم ، أو يبيعون ويشترون ويذكرون الله مع ذلك ، لا يشغلهم عن ذكر ~~الله شيء ، وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها مسرعين. {يخافون يوما} أي : يوم ~~القيامة {تتقلب فيه القلوب} أي : تضطرب وتتغير من الهول والفزع ، وتبلغ إلى ~~الحناجر ، {و} تتقلب {الأبصار} بالشخوص أو الزرقة. أو تتقلب القلوب إلى ~~الإيمان بعد الكفران ، والأبصار إلى العيان بعد النكران ، كقوله : {فكشفنا ~~عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد} [ق : 22]. PageV05P125 # يفعلون ذلك الاستغراق في التسبيح والذكر ، مع الخوف ؛ {ليجزيهم الله أحسن ~~ما عملوا} أي : أحسن جزاء أعمالهم ، حسبما وعدهم بمقابلة حسنة بعشر أمثالها ~~إلى سبع مائة ضعف ، {ويزيدهم من فضله} أي : يتفضل عليهم بأشياء وعدهم بها ، ~~لم تخطر على بال ؛ كالنظر إلى وجهه ، وزيادة كشف ذاته ، فهو كقوله : {للذين ~~أحسنوا الحسنىا وزيادة} [يونس : 26]. {والله يرزق من يشاء بغير حساب} أي : ~~يثيب من يشاء ثوابا لا يدخل تحت حساب الخلق ، و" من " : واقعة على من ذكرت ~~أوصافهم الجميلة ، كأنه قيل : والله يرزقهم بغير حساب ، ووضعه موضع ضميرهم ~~؛ للتنبيه على أن مناط الرزق المذكور محض مشيئته تعالى ، لا أعمالهم ~~المحكية ، ويحتمل أن يريد بالرزق ما يرزقهم في الدنيا مما يقوم بأمرهم ، ~~حين تبتلوا إلى العبادة ، يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون ، من غير حصر ولا ~~عد. والله تعالى أعلم. # الإشارة : البيوت التي أذن الله أن ترفع هي القلوب ، التي هي معدن ~~الأسرار ومحل مصابيح الأنوار ، ورفعها : صونها من الأغيار ، وتطهيرها ms1887 من ~~لوث الأكدار ، وبعدها من جيفة الدنيا ، التي هي مجمع الخبائث والأشرار ، ~~ليذكر فيها اسم الله ، كثيرا ، على نعت الحضور والاستهتار ، وإنما يمكن ذلك ~~من أهل التجريد والانقطاع إلى الله ، الذين لا # 81 # تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب عن ~~حضرة الله ، والأبصار عن شهود الله ، وذلك بشؤم الغفلة في الدنيا عن الله ، ~~والقيام بحقوق الله ، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ، في جنة الزخارف ، ~~ويزيدهم من فضله التنزه في جنة المعارف. والله يرزق من العلوم والمعارف من ~~يشاء بغير حساب. # جزء : 5 رقم الصفحة : 80 PageV05P126 ~~قلت : " كسراب " : خبر الثاني ، وهو : ما يرى في الفلوات من لمعان الشمس ~~وقت الظهيرة ، يسرب على وجه الأرض ، فيظن أنه ماء يجري. و(بقيعة) : متعلق ~~بمحذوف ، صفة لسراب ، أي : كائن بأرض قيعة ، أي : منبسطة ، و(سحاب ظلمات) : ~~من جرها : فبالإضافة ، ومن رفعها : فخبر ، أي : هي ظلمات. # يقول الحق جل جلاله : في بيان أعمال الكفرة وظلمة قلوبهم ، بعد بيان حال ~~المؤمنين وأنوار قلوبهم : {والذين كفروا أعمالهم} التي هي من أبواب البر ، ~~كصلة الرحم ، وفك العناة ، وسقاية الحاج ، وعمارة البيت ، وإغاثة الملهوف ، ~~وقرى الأضياف ، ونحوها ، مما لو قارنه الإيمان لاستوجب الثواب ، مثاله : ~~{كسراب} ؛ كفضاء (بقيعة) ؛ بأرض منبسطة ، {يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ~~لم يجده شيئا} أي : لم يجده كما ظنه ورجاه ، بل خاب مطمعه ومسعاه ، {ووجد ~~الله عنده} أي : وجد جزاء الله ، أو حكمه ، عند عمله ، أو عند جزائه ، ~~{فوفاه حسابه} أي : أعطاه جزاءه كله وافيا ، وإنما وحد ، بعد تقديم الجمع ، ~~حملا على كل واحد من الكفار. # {والله سريع الحساب} ؛ يحاسب العباد في ساعة ؛ لأنه لا يحتاج إلى عد وعقد ~~، ولا يشغله حساب عن حساب ، أو قريب حسابه ؛ لأن كل آت قريب. شبه ما يعمله ~~الكفرة من البر ، الذي يعتقد أنه ينفعه يوم القيامة وينجيه من عذاب الله ، ~~ثم يخيب في العاقبة أمله ، ويلقى خلاف ما قدر ، بسراب يراه الكافر بالساهرة ~~، وقد غلبه عطش يوم القيامة ، فيحسبه ماء ، فيأتيه ، فلا يجد ما ms1888 رجاه ، ~~ويجد زبانية الله ، فيأخذونه إلى جهنم ، فيسقونه الحميم والغساق. قيل : هم ~~الذين قال الله فيهم : {عاملة ناصبة} [الغاشية : 3] ، {ويحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا} [الكهف : 104]. قيل : نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية ، كان ترهب في ~~الجاهلية ولبس المسوح ، والتمس الدين ، فلما جاء الإسلام كفر. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 82 PageV05P127 ~~ثم ضرب مثلا لأعمالهم في الدنيا ، فقال : {أو كظلمات} ، " أو " : للتنويع ، {في # 82 # بحر لجي} ؛ عميق كثير الماء ، منسوب إلى اللج ، وهو معظم ماء البحر ، ~~{يغشاه} أي : يغشى البحر ، أو من فيه ، أي : يعلوه ويغطيه بالكلية ، {موج} ~~هو ما ارتفع من الماء ، {من فوقه موج} أي : من فوق الموج موج آخر ، {من ~~فوقه سحاب} ؛ من فوق الموج الأعلى سحاب ، {ظلمات} أي : هذه ظلمات ؛ ظلمة ~~السحاب ، وظلمة الأمواج وظلمة البحر ، {بعضها فوق بعض} ؛ ظلمة الموج على ~~ظلمة البحر ، وظلمة الموج على ظلمة الموج الأسفل ، وظلمة السحاب على الموج ~~، وهذا أعظم للخوف وأقرب للعطب ، لأنه يغطي النجوم التي يهتدي بها ويشتد ~~معه الريح والمطر ، وذلك يؤكد التلف ، {إذا أخرج يده} أي : الواقع فيه ، أو ~~من ابتلي بها ، {لم يكد يراها} ؛ مبالغة في " لم يرها " ، أي : لم يقرب أن ~~يراها ، فضلا عن أن يراها. شبه أعمالهم ، في ظلمتها وسوادها ؛ لكونها باطلة ~~، وخلوها عن نور الحق ، بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب. # قال ابن جزي : لما ذكر حال المؤمنين عقب ذلك بمثالين لأعمال الكفار ؛ ~~الأول : يقتضي حال أعمالهم في الآخرة ، وأنها لا تنفعهم ، بل يضمحل ثوابها ~~كما يضمحل السراب. والثاني : يقتضي حال أعمالهم في الدنيا ، وأنها في غاية ~~الفساد والضلال ، كالظلمة التي بعضها فوق بعض. ثم قال : وفي وصف هذه ~~الظلمات مبالغة ، كما أن في وصف النور المذكور قبلها مبالغة. ه. وقوله : ~~لما ذكر حال المؤمنين ، يعني بقوله : {رجال لا تلهيهم..} إلخ ، الله بقوله ~~: {يهدي الله لنوره من يشاء} ، وقيل : كلا المثالين في الآخرة ، يخيبون من ~~نفعها ، ويخوضون في بحر ظلمتها. PageV05P128 # {ومن يجعل الله له نورا} في قلبه ، من نور توحيده ومعرفته ، {فما ms1889 له من ~~نور} أي : من لم يشأ الله أن يهديه لنوره : لم يهتد ، وفي الحديث : " خلق ~~الله الخلق في ظلمة ، ثم رش عليها من نوره ، فمن أصابه ذلك النور اهتدى ، ~~ومن أخطأه ضل " ، وينبغي للقارئ عند هذه الآية أن يقول : (اللهم اجعل في ~~قلبي نورا ، وفي سمعي نورا ، وفي بصري نورا ، وعن يميني نورا ، وعن شمالي ~~نورا ، ومن فوقي نورا ، ومن تحتي نورا ، واجعلني نورا ، وأعظم لي نورا) ، ~~كما في الحديث في غير هذا المحل. # الإشارة : كل من لم يتحقق بمقام الإخلاص كانت أعماله كسراب بقيعة ، يحسبه ~~الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، ووجد الله عنده ، فوفاه حسابه ، ~~أي : يناقشه فيما أراد بعمله ، وأهل التوحيد الخاص : الوجود كله ، عندهم ، ~~كالسراب ، يحسبه الناظر إليه شيئا ، حتى إذا جاءه بفكرته لم يجده شيئا ، ~~ووجد الله عنده وحده ، وفيه يقول الشاعر : # جزء : 5 رقم الصفحة : 82 # من أبصر الخلق كالسراب # فقد ترقى عن الحجاب # 83 # إلى وجود تراه رتقا # بلا ابتعاد ولا اقتراب # ولم تشاهد به سواه # هناك يهدى إلى الصواب # فلا خطاب به إليه # ولا مشير إلى الخطاب # ومثال من عكف على دنياه ، واتخذ إلهه هواه ، كذي ظلمات في بحر لجي ، وهو ~~بحر الهوى ، يغشاه موج الجهل والمخالفات ، من فوقه موج الحظوظ والشهوات ، ~~من فوقه سحاب أثر الكائنات ، أو : يغشاه موج الغفلات ، من فوقه موج العادات ~~، من فوقه سحاب الكائنات ، ظلمات بعضها فوق بعض ؛ من حب الدنيا ، وحب الجاه ~~، وحب الرئاسة ، إذا أخرج يد فكرته لم يكد يراها. PageV05P129 # وقال بعضهم : الدنيا كلها بحر لجي ، والناس مغروقون فيه ، إلا من عصم الله ~~، وساحله الموت ، فمن لعبت به أمواج الهوى والحظوظ ، فليأوي إلى سفينة ~~الزهد والورع ، وليتمسك برئيس عارف بأهوال البحر ، وهم العارفون بالله ، ~~فإنه ينجو من أهوالها ، ومن أخطأ هذا غرق في تيارها ، ولعبت به أمواج ~~حظوظها وشهواتها ، فكان من الهالكين ، نسأل الله الحفظ بمنه وكرمه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 82 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يا محمد ، وخصه بالخطاب ms1890 ؛ إيذانا بأنه صلى ~~الله عليه وسلم قد أفاض عليه أعلى مراتب النور وأجلاها ، وبين له من أسرار ~~الملكوت أجلها وأخفاها ، أي : ألم تنظر بعين بصيرتك ، فتعلم علم اليقين ، ~~{أن الله يسبح له} أي : ينزهه على الدوام {من في السموات والأرض} ؛ من ~~العقلاء وغيرهم ، تنزيها معنويا ، فإن كلا من الموجودات يدل على وجود صانع ~~واجب الوجود ، متصف بصفات الكمال ، مقدس عن كل ما لا يليق بعلو شأنه. أو ~~تنزيها حسيا بلسان المقال ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. وتخصيص التنزيه بالذكر ~~، مع دلالة ما فيهما على اتصافه تعالى بنعوت الكمال أيضأ ؛ لأن مساق الكلام ~~تقبيح حال الكفرة في إخلالهم بالتنزيه ؛ بجعلهم الجمادات شركاء له ودعوى ~~اتخاذه الولد. # {و} يسبحه {الطير} حال كونها {صافات} أي : يصففن أجنحتهن في الهواء ، ~~وتخصيصها بالذكر ، مع اندراجها في جملة ما في الأرض ؛ لعدم استمرار قرارها ~~فيها ، ولاختصاصها بصنع بارع ، وهو اصطفاف أجنحتها في الجو ، وتمكينها من ~~الحركة كيف تشاء ، وإرشادها إلى كيفية استعمالها بالقبض والبسط ، ففي ذلك ~~دلالة واضحة على كمال # 84 # قدرة الصانع المجيد ، وغاية حكمة المبدئ المعيد. PageV05P130 # {كل قد علم صلاته وتسبيحه} أي : كل واحد من الأشياء المذكورة قد علم الله ~~تعالى صلاته ، أي : دعاءه وخضوعه وتسبيحه. أو : كل قد علم في نفسه ما يصدر ~~عنه من صلاة وتسبيح ، فالضمير : ما إليه أو لكل. ولا يبعد أن يلهم الله ~~الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة ، التي لا يكاد ~~العقلاء يهتدون إليها. {والله عليم بما يفعلون} ؛ لا يعزب عن علمه شيء. # {ولله ملك السموات والأرض} لا لغيره ؛ لأنه الخالق لهما ، ولما فيهما من ~~الذوات ، وهو المتصرف فيهما فيهما إيجادا وإعداما ، {وإلى الله المصير} أي ~~: إليه ، خاصة ، رجوع الكل بالفناء والبعث لا إلى غيره ، وإظهار اسم ~~الجلالة في موضع الإضمار ، لتربية المهابة ، والإشعار بعلية الحكم. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : ما استقر في السموات السبع والأرضين السبع كله من قبضة النور ~~الأولية بين حس ومعنى ، حسه خاضع لأحكام الربوبية ، ومعناه قاهر بسطوات ~~الألوهية ، حسه حكمة ، ومعناه قدرة ms1891 ، حسه ملك ، ومعناه ملكوت ، وهذا معنى ~~قوله : {الله نور السموات والأرض} ، فافهم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 84 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر أن الله يزجي} أي : يسوق ، برفق وسهولة ، ~~{سحابا} : جمع سحابة ، {ثم يؤلف بينه} أي : يضم بعضه إلى بعض ، {ثم يجعله ~~ركاما} ؛ متراكما بعضه فوق بعض ، {فترى الودق} : المطر ، {يخرج من خلاله} ؛ ~~من فتوقه ووسطه ، جمع خلل ، كجبال وجبل ، وقيل : مفرد ، كحجاب وحجاز. PageV05P131 # قال القشيري : ترتفع بقدرته بخارات البحر ، فيتصعد ، بتسييره وتقديره ، إلى ~~الهواء ، وهو السحاب ، ثم يديره إلى سمت يريد أن ينزل به المطر ، ثم ينزل ~~ما في السحاب من ماء البحر ، قطرة قطرة ، ويكون الماء ، حين حصوله في ~~بخارات البحر ، غير عذب ، فيقلبه عذبا ، ويسحه السحاب سكبا ، فيوصل إلى كل ~~موضع قدرا يكون له مرادا معلوما ، لا بالجهد من المخلوقين يمسك عن المواضع ~~الذي عليه ينزله ، ولا بالحيلة يستنزل على المكان الذي لا يمطره. ه. قلت : ~~وهذا أحد الأقوال في الحقيقة المطر ، والمشهور عند # 85 # أهل السنة : أن الله تعالى ينشىء السحاب بقدرته ، ويخلق فيه الماء بحكمته ~~، وينزله حيث شاء. # ثم قال تعالى : {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} ، " من " الأولى : ~~لابتداء الغاية ، والثانية : بدل من الأولى ، والثالثة : لبيان الجنس ، أي ~~: ينزل البرد ، وهو الثلج المكور ، من السماء ، أي : الغمام العلوي ، فكل ~~ما علاك سماء ، من جبال فيها كائنة من البرد ، ولا غرابة في أن الله يخلق ~~في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر. # قال ابن جزي : قيل : إن الجبال هنا حقيقة ، وإن الله جعل في السماء جبالا ~~من برد ، وقيل : إنه مجاز ، كقولك : عند فلان جبال من مال أو علم ، أي : هن ~~في الكثرة مثل الجبال. ه. وأصله لابن عطيه. وقال الشيخ أبو زيد الثعالبي : ~~حمل اللفظ على حقيقته أولى ، إن لم يمنع من ذلك مانع. ه. يعني : ولا مانع ~~هنا ، فيحمل على ظاهره ، وإن الله خلق جبال برد في السماء. وقال الهروي عن ~~ابن عرفة - يعنى اللغوي - : سمعت أحمد ms1892 بن يحيى يقول : فيه قولان : أحدهما : ~~وينزل من السماء بردا من جباللافي السماء من برد ، والآخر : وينزل من ~~السماء أمثال الجبال من البرد. ويقال : إنما سمي بردا ؛ لأنه يبرد وجه ~~الأرض أي : يقشره. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 85 PageV05P132 ~~قال البيضاوي : إن الأبخرة إذا تصاعدت ولم يتخللها حرارة ، فبلغت الطبقة ~~الباردة من الهواء ، وقوي البرد هناك ، اجتمع وصار سحابا ، فإن لم يشتد ~~البرد تقاطر مطرا ، وإن اشتد ، فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها ~~، نزل ثلجا ، وإلا نزل بردا ، وقد يبرد الهواء بردا مفرطا فينقبض ، وينعقد ~~سحابا ، وينزل منه المطر أو الثلج. وكل ذلك لا بد وأن يسند إلى إرادة ~~الواجب الحكيم ؛ لقيام الدليل على أنها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالها ~~وأوقاتها ، وإليه أشار بقوله : {فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء} والضمير ~~للبرد. ه. أي : فيصيب بذلك البرد من يشاء أن يصيبه به ، فيناله ما ناله من ~~ضرره في بدنه وماله ؛ من زرع أو غيره. {ويصرفه عمن يشاء} أن يصرفه عنه ، ~~فينجو من غائلته. # {يكاد سنا برقه} أي : ضوء برق السحاب ، الموصوف بما مر من الإزجاء ~~والتآلف. # وإضافة البرق إليه ، قبل الإخبار بوجوده ، فيه إيذان بظهور أمره ~~واستغنائه عن التصريح به. وقيل : الضمير للسماء ، وهو أقرب ، أي : يكاد ضوء ~~برق السماء ، ويحتمل أن يعود على " الله " تعالى ؛ لتقدم ذكره ، أي : يكاد ~~ضوء برقه تعالى {يذهب بالأبصار} ، أي : يخطفها من فرط الإضاءة ، وسرعة ~~ورودها ، ولو عند إغماضها. {يقلب الله الليل والنهار} أي : يصرفهما ~~بالتعاقب ، فيأتي هذا بعد هذا ، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر ، أو بتغيير ~~أحوالهما بالحر والبرد وغيرهما. # {إن في ذلك} ، الإشارة إلى ما فصل آنفا ، أي : إن في إزجاء السحاب ، ~~وإنزال الودق ، وتقليب الليل والنهار ، {لعبرة} ؛ لدلالة واضحة على وجود ~~الصانع القديم ، القائم # 86 PageV05P133 ~~بالأشياء ، والمدبر لها بقدرته وحكمته ، {لأولي الأبصار} ؛ لذوي العقول ~~الصافية. وهذا من تعدد الدلائل على ظهور نوره تعالى في الكائنات ، حيث ذكر ~~تسبيح من في السموات والأرض ما يطير بينهما وخضوعهم له ، وتسخير السحاب ~~وإنزال ms1893 الأمطار ، وتقليب الليل والنهار ، إلى غير ذلك من لوامح الأنوار. ~~والله تعالى أعلم وأحكم. # الإشارة : ألم تر أن الله يزجي سحاب الواردات الإلهية ، تحمل العلوم ~~اللدنية ، ثم يؤلف بينه حتى يكون قويا ، يقتطع به صاحبه عن حسه ، ويغيبه عن ~~أمسه ورسمه ، فترى أمطار العلوم اللدنية ، والأسرار الربانية ، والفتوحات ~~العرفانية ، تخرج من خلاله ، أي : من قلب العارف ، وهي نتائج الواردات ~~وثمراتها. وفي الحكم : " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته ، فليس المراد من ~~السحابة الأمطار ، وإنما المراد منها وجود الأثمار ". # جزء : 5 رقم الصفحة : 85 # وينزل من سماء الأرواح من جبال عقول ، فيها علم الرسوم الظاهرة ، فيصيب ~~به من يشاء ، ممن أريد لحمل الشرائع والقيام بها ، ويصرفه عمن يشاء ، ممن ~~أريد أن يكون من عامة الناس ، أو من خاصتهم. إن هبت عليه رياح الحقائق ، ~~فأمطرت على قلبه العلوم الغيبية فأغنته عن العلوم الرسمية ، يكاد سنا برقه ~~الساطع لقلوب أوليائه ، وهو سطوع أنوار الملكوت وأسرار الجبروت ، فإنها ~~تكون أولا كالبرق ، تلمع وتخفي ، ثم يتصل ورودها وشروقها ، فتكون متصلة ~~البروق دائمة الشروق ، نهار بلا ليل ، واتصال بلا انفصال ، ووصال بلا ~~انقطاع. وفي ذلك يقول القائل : # طلعت شمس من أحب بليل # واستنارت ، فما تلاها غروب # إن شمس النهار تغرب بالليل # وشمس القلوب ليس لها مغيب # يقلب الله ليل القبض على نهار البسط ، ونهار البسط على ليل القبض ، حتى ~~يتصل النهار بالخروج عنهما ، ليكون لله ، لاشيء دونه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 85 PageV05P134 ~~يقول الحق جل جلاله : {والله خلق كل دابة} أي : خلق كل حيوان يدب على وجه ~~الأرض {من ماء} ؛ من نوع من الماء مختص بتلك الدابة ، وهو جزء مادته عند ~~الأطباء ، أو : من ماء مخصوص ، وهو النطفة ، ثم خالف بين المخلوقات من تلك ~~النطفة ، فمنها أناسي ، ومنها بهائم ، ومنها هوام وسباع ، وهو كقوله : ~~{يسقىا بمآء واحد ونفضل بعضها علىا بعض} [الرعد : 4] وهذا دليل على أن لها ~~خالقا مدبرا ، وإلا لم تختلف لاتفاق الأصل ، وإنما عرف الماء في قوله : ~~{وجعلنا من المآء كل شىء ms1894 حي} [الأنبياء : 30] ونكرره هنا ؛ لأن المقصود ثمة ~~أن أجناس الحيوان مخلوقة من جنس الماء ، وأنه هو الأصل ، وإن تخللت # 87 # بينه وبينها وسائط ، وأما هنا فالمراد نوع منه. # قالوا : إن أول ما خلق الله الماء ، فخلق منه النار والريح والطين ، فخلق ~~من النار الجن ، ومن الريح الملائكة ، ومن الطين آدم ودواب الأرض. قاله ~~النسفي. وعلى الثاني : تكون الآية أغلبية ؛ لأن من الحيوانات من يتولد من ~~غير نطفة ، كالدود والبعوض وغيرهما. # ثم فصل أحوالهم بقوله : {فمنهم من يمشي على بطنه} ؛ كالحية والحوت ، ~~وتسمية حركتها مشيا ، مع كونها زحفا ، استعارة ، كما يقال في الشيء المستمر ~~: قد مشى هذا الأمر على هذا النمط ، او على طريق المشاكلة ؛ لذكر الزاحف مع ~~الماشين. {ومنهم من يمشي على رجلين} كالإنسان والطير ، {ومنهم من يمشي على ~~أربع} كالبهائم والوحش. وعدم التعرض لما يمشي على أكثر من أربع ؛ كالعناكب ~~ونحوها من الحشرات ؛ لعدم الاعتداد بها ، لقلتها. وتذكير الضمير في (منهم) ~~؛ لتغليب العقلاء ، وكذلك التعبير بكلمة (من). وقدم ما هو أغرق في القدرة ، ~~وهو الماشي بغير آلة ، ثم الماشي على رجلين ، ثم الماشي على أربع. PageV05P135 # {يخلق الله ما يشاء} مما ذكر ومما لم يذكر ، بسيطا أو مركبا ، على ما يشاء ~~من الصور والأعضاء والهيئات والطبائع والقوى والأفاعيل ، مع اتحاد العنصر ؛ ~~{إن الله على كل شيء قدير} فيفعل ما يشاء كما يشاء. وإظهار الاسم الجليل في ~~الموضعين في موضع الإضمار ؛ لتفخيم شأن الخلق المذكور ، والإيذان بأنه من ~~أحكام الألوهية. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 87 # الإشارة : أظهر الحق تعالى الأشياء من الماء ، وأظهر الماء من نور القبضة ~~، وأظهر القبضة من بحر سر الذات. أو تقول : أظهر الماء من نور الملكوت ، ~~وأبرز نور الملكوت من بحر الجبروت ، وبحر الجبروت هو بحر أسرار الذات ~~الأزلية ، فالكل منه وإليه ، ولا شيء معه ، فتنوعت أنوار التجليات ، وتعددت ~~أسماؤها بتعدد فروعها ، والمتجلي واحد ، كما قال صاحب العينية : # تجلى حبيبي في مرائي جماله # ففي كل مرئي للحبيب طلائع # فلما تبدى حسنه متنوعا # تسمى بأسماء ms1895 فهن مطالع # ولا يفهم هذا إلا من هداه الله لمعرفته. # 88 # جزء : 5 رقم الصفحة : 87 # يقول الحق جل جلاله : {لقد أنزلنا آيات مبينات} لكل ما يليق بيانه ؛ من ~~الأحكام الدينية ، والأسرار التكوينية. أو : موضحات ، أوضحنا بها ما ~~يحتاجون إليه من علم الشرائع والأحكام ، {والله يهدي من يشاء} توفيقه {إلى ~~صراط مستقيم} أي : دين قيم يوصل إلى رضوان الله ومعرفته. PageV05P136 # الإشارة : لقد أنزلنا من بحر الجبروت أنوارا ساطعة لعالم الملكوت ، والله ~~يهدي من يشاء إلى طريق شهود هذه الأنوار. فالطريق المستقيم هي التي توصل ~~إلى حضرة العيان ، على نعت الكشف والوجدان ، وهي ثلاثة مدارج : المدرج ~~الأول : إتقان الشريعة الظاهرة ، وهي تهذيب الظواهر وتأديبها بالسنة ~~والمتابعة. والمدرج الثاني : إتقان الطريقة ، وهي تهذيب البواطن وتصفيتها ~~من الرذائل ، فإذا تطهر الباطن ، وكمل تهذيبه ، أشرف على المدرج الثالث ، ~~وهو كشف الحقائق العرفانية والأسرار الربانية فتغطي وجود الأكوان. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 88 # يقول الحق جل جلاله في شأن من لم يشأ هدايته إلى صراط مستقيم : {ويقولون} ~~أي : المنافقون {آمنا بالله وبالرسول} ؛ بألسنتهم ، {وأطعنا} الله والرسول ~~في الأمر والنهي ، {ثم يتولى} عن قبول حكمه {فريق منهم من بعد ذلك} أي : من ~~بعد ما صدر عنهم من ادعاء الإيمان بالله والرسول والطاعة لهما. # قال الحسن : نزلت في المنافقين ، الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر. # وقيل : نزلت في " بشر " المنافق ، خاصم يهوديا ، فدعاه إلى كعب بن الأشرف ~~، ودعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال بشر : لا ، إن محمدا ~~يحيف علينا - قبح الله سعيه. وقيل : في المغيرة بن وائل ، خاصم عليا رضي ~~الله عنه في أرض وماء ، فأبى أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وأيا ما كان فصيغة الجمع تدل على أن للقائل طائفة يساعدونه ويشايعونه في ~~تلك المقال. # ثم حكم عليهم بالكفر ، فقال : {وما أولئك بالمؤمنين} أي : المخلصين ، ~~والإشارة إلى القائلين : آمنا بالله وبالرسول ، لا إلى الفريق المتولي منهم ~~فقط ، لئلا يلزم نفي الإيمان عنهم فقط ، دون من قبلهم ، بخلاف ms1896 العكس ، فإن ~~نفى الإيمان عن القائلين يقتضي نفيه عنهم ، على أبلغ وجه وآكده ، وما فيه ~~من معنى البعد ؛ للإشعار ببعد منزلتهم في الكفر والفساد. # 89 PageV05P137 ~~{وإذا دعوا إلى الله ورسوله} أي : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ~~حكمه حكم الله ، {ليحكم بينهم} أي : ليحكم الرسول بينهم ؛ لأنه المباشر ~~للحكم حقيقة ، وإن كان ذلك حكم الله في الحقيقة ؛ لأنه خليفته. وذكر الله ~~تعالى لتفخيم شأنه عليه ، والإيذان بجلالة قدره عنده. فإذا دعوا إلى ~~التحاكم بينهم {إذا فريق منهم معرضون} أي : فاجأ فريق منهم الإعراض عن ~~المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم ؛ لكون الحق عليهم ، وقد علموا أنه صلى ~~الله عليه وسلم يحكم بالحق على من كان. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 89 # وإن يكن لهم الحق} على غيرهم {يأتوا إليه} ؛ إلى الرسول {مذعنين} ؛ ~~مسرعين في الطاعة ، طلبا لحقهم ، لا رضا بحكم رسولهم. قال الزجاج : ~~والإذعان : الإسراع مع الطاعة. والمعنى : أنهم ؛ لمعرفتهم أنك لا تحكم إلا ~~بالحق المر والعدل المحض ، يمتنعون من المحاكمة إليك ، إذا ركبهم الحق ، ~~لئلا تنزعه منهم بقضائك عليهم لخصومهم ، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا ~~إليك ، ولم يرضوا إلا بحكومتك ، لتأخذ لهم ما وجب لهم على خصمهم. PageV05P138 # {أفي قلوبهم مرض} ؛ كفر ونفاق ، {أم ارتابوا} في نبوته صلى الله عليه وسلم ~~، {أم يخافون أن يحيف} ؛ أن يجور {الله عليهم ورسوله} فيحكم بينهم بغير ~~الحق. قسم الحق تعالى الأمر في صدود المنافقين عن حكومته - عليه الصلاة ~~والسلام - إذا كان الحق عليهم ثلاث : بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو ~~مرتابين في أمر نبوته ، أو خائفين الحيف في قضائه ، ثم أبطل الكل بقوله : ~~{بل أولئك هم الظالمون} ، أما الأولان ؛ فلأنه لو كان شيء منهما لأعرضوا ~~عنه ، عند كون الحق لهم ؛ لتحقيق نفاقهم وارتيابهم ، وأما الثالث ؛ ~~فلمعرفتهم بأحواله صلى الله عليه وسلم في الأمان والثبات على الحق ، فهم لا ~~يشكون أنه لا يحيف ؛ بل لأنهم هم الظالمون ، يريدون أن يظلموا من له الحق ~~عليهم ، ويتم لهم جحودهم ، فيأبون المحاكمة إليه - عليه ms1897 الصلاة والسلام - ~~لأنه صلى الله عليه وسلم يقضي عليهم بالحق الصريح ، المؤيد بالوحي الصحيح. ~~الإشارة : ترى فريقا من الناس يدعون الإيمان والطاعة والمحبة ، ونفوسهم ~~غالبة عليهم ، فإذا دعوا إلى من يحكم بينهم وبينها ، بأن يأمرهم بمجاهدتها ~~أو قتلها ؛ إذا فريق منهم معرضون ، وإن يكن لهم الحق ، بأن وجدوا من يدلهم ~~على البقاء مع عوائدها وشهواتها ، يأتوا إليه مذعنين. أفي قلوبهم شك ووهم ، ~~أم ارتابوا في وجود الطبيب ، أم يخافون أن يحيف الله عليهم ؟ بأن يدلهم على ~~من يتبعهم ولا يبرئهم ، حتى حسنوا الظن به والتجأوا إليه ، فلا يدلهم إلا ~~على من يوصلهم إليه ، بل أولئك هم الظالمون لنفوسهم ، حيث حرموها الوصول ، ~~وتركوها في أودية الشكوك والخواطر تجول. قال الورتجبي : {وإذا دعوا إلى ~~الله ورسوله} أي : دعوا إلى مشاهدة الله بنعت المحبة والمعرفة ، وعبوديته ~~بنعت الإخلاص ، ودعوا إلى رسوله بالمتابعة والموافقة في الشريعة والطريقة. ه. # 90 # جزء : 5 رقم الصفحة : 89 PageV05P139 ~~قلت : (قول) : خبر " كان " ؛ مقدم ، و(أن يقولوا) : اسمها ؛ مؤخر ، وقرأ ~~الحسن : بالرفع ؛ على الاسمية ، والأول : أرجح ؛ صناعة ، والثاني : أظهر ؛ ~~دلالة ، وأكثر إفادة. انظر أبا السعود. # يقول الحق جل جلاله : {إنما كان قول المؤمنين} الصادر عنهم {إذا دعوا إلى ~~الله ورسوله ليحكم} الرسول صلى الله عليه وسلم {بينهم} وبين خصومهم ، سواء ~~كانوا منهم أو من غيرهم ، {أن يقولوا سمعنا} قوله ، {وأطعنا} أمره ، ~~{وأولئك هم المفلحون} ؛ الفائزون بكل مطلب ، الناجون من كل مهرب. والإشارة ~~إلى المؤمنين باعتبار صدور القول المذكور عنهم ، وما فيه من البعد ، ~~للإشعار بعلو رتبتهم ، وبعد منزلتهم في الفضل ، أي : أولئك المنعوتون بتلك ~~النعوت الجميلة هم الفائزون بكل مطلوب. # {ومن يطع الله ورسوله} ، هذا استئناف جيء به لتقرير ما قبله من حسن حال ~~المؤمنين ، وترغيب من عداهم في الانتظام في سلكهم ، أي : ومن يطع الله ~~ورسوله ، كائنا من كان ، فيما أمرا به من الأحكام الشرعية اللازمة ~~والمتعدية ، وقيل : من يطع الله في فرائضه ، ورسوله في سننه. {ويخش الله} ~~على ما مضى من ذنوبه ، {ويتقه} فيما يستقبل من عمره ، {فأولئك} ms1898 الموصوفون ~~بما ذكر ؛ من الطاعة والخشية ، والاتقاء ، {هم الفائزون} بالنعيم المقيم ، ~~لا من عداهم. PageV05P140 # وعن بعض الملوك : أنه سأل عن آية كافية ، فتليت عليه هذه الآية. وهي جامعة ~~لأسباب الفوز. قال القرطبي : ذكر أسلم : أن عمر بينما هو قائم في مسجده صلى ~~الله عليه وسلم فإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه ، وهو يقول : أشهد ~~أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، فقال له عمر : ما شأنك ؟ ~~قال : أسلمت ، قال : ألهذا سبب ؟ قال : نعم ؛ إني قرأت التوراة والزبور ~~والإنجيل ، وكثيرا من كتب الأنبياء ، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن ، جمع ~~فيها كل ما في الكتب المتقدمة ، فعلمت أنه من عند الله ، فأسلمت. قال : ما ~~هذه الآية ؟ قال قوله تعالى : {ومن يطع الله} في الفرائض ، {ورسوله} في ~~السنن ، {ويخش الله} فيما مضى من عمره ، {ويتقه} فيما بقي ، {فاولئك هم ~~الفائزون} ؛ والفائز : من نجا من النار وادخل الجنة ، فقال عمر : قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : " أعطيت جوامع الكلم " ه. والله تعالى أعلم. # 91 # الإشارة : إنما كان قول المؤمنين الكاملين ، الطالبين الوصول إلى حضرة رب ~~العالمين ، إذا دعوا إلى حضرة الله ورسوله ؛ ليحكم بينهم وبين نفوسهم التي ~~حجبتهم حتى يغيبوا عنها ، أن يقولوا : سمعنا وأطعنا ، ويدخلوا تحت تربية ~~المشايخ ، فإذا أمروهم أو نهوهم ، قالوا : سمعنا وأطعنا ، وأولئك هم ~~المفلحون الفائزون بالوصول إلى الله تعالى. # جزء : 5 رقم الصفحة : 91 # ومن يطع الله في أمره ونهيه ، ورسوله في سنته ، وما رغب فيه ، ويخش الله ~~أن يعاتبه ، أو يؤدبه ، ويتقه ، أي : يجعل وقاية بينه وبين ما يحجبه أو ~~يبعده عنه ، فأولئك هم الفائزون الظافرون بمعرفة الله على نعت الشهود ~~والعيان. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 91 PageV05P141 ~~قلت : (جهد) : مصدر مؤكد لفعله ، الذي هو حيز النصب على الحال ، من فاعل " ~~أقسموا " ، ومعنى جهد اليمين : بلوغ غايتها بطريق الإستعارة ، من قولهم : ~~جهد نفسه : إذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها. وأصل أقسم جهد اليمين : أقسم بجهد ~~اليمين جهدا ، فحذف الفعل وقدم المصدر ، فوضع ms1899 موضعه مضافا إلى المفعول ، ~~كقوله : {فضرب الرقاب} [محمد : 5] وحكم هذا المنصوب حكم حال ، كأنه قال : ~~أقسموا جاهدين أيمانهم. و(طاعة) : مبتدأ حذف خبره ، أي : طاعة معروفة أولى ~~من تسويفكم ، أو : خبر عن محذوف ، أي : الذي يطلب منكم طاعة معروفة. # يقول الحق جل جلاله : {وأقسموا} أي : المنافقون {بالله جهد أيمانهم} أي : ~~بلغوا فيها غاية وسعهم ، بأن حلفوا بالله. وعن ابن عباس رضي الله عنه : (من ~~حلف بالله فقد جهد يمينه) ، {لئن أمرتهم ليخرجن} أي : قالوا : لئن أمرنا ~~محمد بالخروج للغزو ، أو من ديارنا وأموالنا ، لخرجنا. وحيث كانت مقالتهم ~~هذه كاذبة ويمينهم فاجرة أمر عليه الصلاة والسلام - بردها حيث قيل : {قل لا ~~تقسموا} أي : قل ؛ ردا عليهم ، وزجرا عن التفوه بها : لا تحلفوا وأنتم ~~كاذبون ، {طاعة معروفة} ، تعليل للنهي ، أي : لا تقسموا على ما تدعون من ~~الطاعة ؛ لأن طاعتكم طاعة نفاقية ، معروفة بالنفاق ، واقعة باللسان فقط من ~~غير مواطأة للقلب. وإنما عبر عنها بمعروفة ؛ للإيذان بأن كونها نفاقية ~~مشهور معروف لكل أحد. وحملها على الطاعة الحقيقية ، على حذف المبتدأ أو ~~الخبر ، مما لا يساعده المقام. انظر أبا السعود. # قال القشيري : طاعة في الوقت أولى من تسويف في الوعد ، ولا تعدوا بما هو ~~معلوم أنكم لا تفوا به. ه. وقال النسفي : طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من ~~هذه الأيمان # 92 # الفاجرة. أو : الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب ~~، كطاعة الخلص من المؤمنين ، لا أيمان تقسمونها بأفواهكم ، وقلوبكم على ~~خلافها. ه. PageV05P142 # {إن الله خبير بما تعملون} من الأعمال الظاهرة والباطنة ، التي من جملتها ~~ما تظهرونه من الأكاذيب المؤكدة بالأيمان الفاجرة ، وما تضمرونه في قلوبكم ~~من الكفر والنفاق ، والعزيمة على مخادعة المؤمنين ، وغيرها من فنون الفساد. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 92 # قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} ، أمر - عليه الصلاة والسلام - بتبليغ ما ~~خاطبهم الله به ، وصرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب ، وهو أبلغ في تبكيتهم ~~، {فإن تولوا} - بحذف إحدى التاءين ؛ بدليل قوله : {وعليكم} أي : فإن ~~تعرضوا عن الطاعة إثر ما أمرتكم ms1900 بها {فإنما عليه ما حمل} من التبليغ وقد ~~بلغ ، {وعليكم ما حملتم} من التلقي بالقبول والإذعان. والمعنى : فإن تعرضوا ~~عن الإيمان فما ضررتم إلا أنفسكم ، فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله ~~تعالى من أداء الرسالة ، فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه. وأما أنتم ~~فعليكم ما كلفتم ، أي : ما أمرتم به من الطاعة والإذعان ، فإن لم تفعلوا ~~وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعقوبته. قال القشيري : قل يا محمد : ~~أطيعوا الله ، فإن أجابوا ، سعدوا في الدارين ، وإنما أحسنوا لأنفسهم. وإن ~~تولوا ؛ فما أضروا إلا بأنفسهم ، ويكون اللوم في المستقبل عليهم ، وسوف ~~يلقون سوء عواقبهم. ه. # {وإن تطيعوه} فيما أمركم به من الهدى {تهتدوا} إلى الحق ، الذي هو المقصد ~~الأصلي الموصل إلى كل خير ، والمنجي من كل شر ، {وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين} ؛ الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح ، أو : البين الوضوح ؛ لكونه ~~مقرونا بالآيات والمعجزات المتواترة. والجملة مقررة لما قبلها من أن غائلة ~~التولي وفائدة الإطاعة مقصورتان عليهم. واللام : إما للجنس المنتظم فيه - ~~عليه الصلاة والسلام - انتظاما أوليا ، أو للعهد ، أي : ما على جنس الرسول ~~كائنا من كان ، أو ما عليه - عليه الصلاة والسلام - إلا التبليغ الواضح. ~~وبالله التوفيق. PageV05P143 # الإشارة : ترى بعض الناس يقسمون بالله جهد أيمانهم : لئن ظهر شيخ التربية ~~وأمرهم بالخروج عن أموالهم وأنفسهم ليخرجن ، فلما ظهر تولوا وأعرضوا ، ~~فيقال لهم : فإن تولوا فإنما عليه ما حمل من الدلالة على الله ، والتعريف ~~به ، وعليكم ما حملتم من الدخول تحت تربيته ، وإن تطيعوه تهتدوا إلى معرفة ~~الله بالعيان ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. # جزء : 5 رقم الصفحة : 92 # 93 # قلت : (ليستخلفنهم) : جواب لقسم مضمر ، أو تنزيل وعده تعالى منزلة القسم ~~، و(كما) : الكاف : محلها النصب على المصدر التشبيهي ، أي : استخلافا كائنا ~~كاستخلافه من قبلهم. و(ما) : مصدرية. و(ويعبدونني) : حال من الموصول الأول ~~، مقيدة للوعد بالثبات على التوحيد ، أو استئناف ببيان مقتضى الاستخلاف ، ~~و(لا يشركون) : حال من واو (يعبدونني). # يقول الحق جل جلاله : {وعد الله الذين آمنوا منكم} ms1901 أي : كل من اتصف ~~بالإيمان بعد الكفر من أي طائفة كان ، وفي أي وقت وجد ، لا من آمن من ~~المنافقين فقط ، ولا من آمن بعد نزول الآية الكريمة ، بحسب ظهور الوعد ~~الكريم. و(من) : للبيان. وقيل : للتبعيض ، ويراد المهاجرون فقط. {وعملوا} ~~مع الإيمان الأعمال {الصالحات} ، وتوسيط المجرور بين المعطوفين ؛ لإظهار ~~أصالة الإيمان وعراقته في استتباع الآثار والأحكام ، والإيذان بكونه أول ما ~~يطلب منهم ، وأهم ما يجب عليهم. # وأما تأخيره في قوله : {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة} [الفتح : 29] ؛ فإن الضمير للذين آمنوا معه صلى الله عليه وسلم ؛ ~~فلا ريب أنهم جامعون بين الإيمان والأعمال الصالحة ، مثابون عليها ، فلا بد ~~من ورود بيانهم بعد نعوتهم الجليلة بكمالها. PageV05P144 # ثم ذكر الموعود به ، فقال : {ليستخلفنهم في الأرض} أي : ليجعلهم خلفاء ~~متصرفين فيها تصرف الملوك في مماليكهم ، والمراد بالأرض : أرض الكفار كلها ~~، لقوله عليه الصلاة والسلام : " ليدخلن هذا الدين ما دخل الليل والنهار " ~~، {كما استخلف الذين من قبلهم} ؛ كبني إسرائيل ، استخلفهم الله في مصر ~~والشام ، بعد إهلاك فرعون والجبابرة ، ومن قبلهم من الأمم المؤمنة التي ~~استخلفهم الله في أرض من أهلكه الله بكفره. كما قال تعالى : {فأوحىا إليهم ~~ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم} [إبراهيم : 13]. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 93 # وليمكنن لهم دينهم} : عطف على {ليستخلفنهم} ، داخل معه في سلك الجواب ، ~~وتأخيره عنه مع كونه أصل الرغائب الموعودة وأعظمها ؛ لأن النفوس إلى الحظوظ ~~العاجلة أميل ، فتصدير المواعد بها فب الاستمالة أدخل ، والمعنى : ليجعل ~~دينهم ثابتا متمكنا مقررا لا يتبدل ولا يتغير ، ولا تنسخ أحكامه إلى يوم ~~القيامة. ثم وصف بقوله : {الذي ارتضى لهم} ، وهو دين الإسلام ، وصفه ~~بالارتضاء ؛ تأليفا ومزيد ترغيب فيه وفضل تثبيت عليه. {وليبدلنهم} بالتشديد ~~والتخفيف من الإبدال ، {من بعد خوفهم} من الأعداء {أمنا}. # 94 PageV05P145 ~~نزلت حيث كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة عشر سنين ، أو ~~أكثر ، خائفين ، ولما هاجروا كانوا بلمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه ، ~~حتى قال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ms1902 ، ونضع السلاح ، فلما نزلت ، قال ~~عليه الصلاة والسلام : " لا تصبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ ~~العظيم ، محتبيا ، ليس معه حديدة " ، فأنجز الله وعده ، فأمنوا ، وأظهرهم ~~على جزيرة العرب ، وفتح لهم بلاد المشرق والمغرب ، ومزقوا ملك الأكاسرة ، ~~وملكوا خزائنهم ، واستولوا على الدنيا بحذافيرها. وفيه من الإخبار بالغيب ~~ما لا يخفى. وقيل : الخوف والأمن في الآخرة. # ثم مدحهم بالإخلاص فقال : {يعبدونني} وحدي ، {لا يشركون بي شيئا} أي : ~~حال كونهم موحدين غير مشركين بي شيئا من الأشياء ، شركا جليا ولا خفيا ؛ ~~لرسوخ محبتهم ، فلا يحبون معه غيره ، {ومن كفر بعد ذلك} أي : بعد الوعد ~~الكريم ، كفران النعمة ، أو الرجوع عن الإيمان ، كما فعل أهل الردة ، ~~{فأولئك هم الفاسقون} ؛ الكاملون في الفسق ، حيث كفروا تلك النعمة بعد ظهور ~~عزها وأنوارها ، قيل : أول من كفر هذه النعمة قتلة عثمان رضي الله عنه ؛ ~~فاقتتلوا بعد ما كانوا إخوانا. # والآية أوضح دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين ؛ لأن المستخلفين الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات على ما ينبغي هم الخلفاء - رضي الله عنهم -. PageV05P146 # ولما كان كفر من كفر بعد الوعد إنما كان بمعنى بمنع الزكاة ، قرنه مع ~~الصلاة في الأمر به فقال : {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ؛ فمن فرق بينهما ~~فقد كفر ، وكان من الفاسقين. {وأطيعوا الرسول} فيما دعاكم إليه وأمركم به ، ~~ومن جملة ما أمر به : طاعة أمرائه وخلفائه ؛ لقوله : " عليكم بسنتي ، وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ " ، فمن امتنع من دفع ~~الزكاة لخليفته - كما فعل أهل الردة - فقد كفر ، ومن أداها إليه كما أمره ~~الله فقد استوجب الرحمة ، لقوله : {لعلكم ترحمون} أي : لكي ترحموا ، فإنها ~~من مستجلبات الرحمة. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 93 # الإشارة : سنة الله تعالى في خواصه : أن يسلط عليهم في بدايتهم الخلق ، ~~فينزل بهم الذل والفقر والخوف من الرجوع عن الطريق ، ثم يعزهم ، ويمكن لهم ~~دينهم الذي ارتضى لهم ، ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا ، كما قال الشاذلي رضي ~~الله عنه : اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل ms1903 حتى عزوا... إلخ كلامه. # قال القشيري : وفي الآية إشارة إلى أئمة الدين ، الذين هم أركان السنة ودعائم # 95 PageV05P147 ~~الإسلام ، الناصحون لعباد الله ، الهادون من يسترشد في الله. ثم قال : فأما ~~حفاظ الدين ؛ فهم الأئمة والعلماء الناصحون لدين الله ، وهم أصناف : قوم هم ~~حفاظ أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحفاظ القرآن ، وهم بمنزلة الخزنة ~~، وقوم هم علماء الأصول ، الرادون على أهل العناد ، وأصحاب الابتداع ، ~~بواضح الأدلة ، وهم بطارقة الإسلام وشجعانه ، وقوم وهم الفقهاء المرجوع ~~إليهم في علوم الشريعة وفي العبادات وكيفية المعاملات ، وهم من الدين ~~بمنزلة الوكلاء والمتصرفين في الملك ، وآخرون هم أهل المعرفة وأصحاب ~~الحقائق ، وهم في الدين كخواص الملك وأعيان مجلس السلطان وأرباب الأسرار ، ~~الذين لا يبرحون في عالي مجلس السلطان ، فالدين معمور بهؤلاء على اختلافهم ~~إلى يوم القيامة. ه. تقدم ومثله في قوله : {فلولا نفر من كل فرقة} [التوبة ~~: 122]. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 93 # يقول الحق جل جلاله : {لا تحسبن الذين كفروا معجزين} أي : فائتين الله عن ~~إدراكهم وإهلاكهم ، في قطر من أقطار الأرض ، بل لا بد من أخذهم ، عاجلا أو ~~آجلا ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل سامع. و{الذين} : مفعول ~~أول ، و(معجزين) : مفعول ثان. وقرأ حمزة والشامي بالغيب ، و(الذين) : فاعل ~~، والأول ، محذوف ، أي : لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين {في الأرض}. ~~و{مأواهم النار} : معطوف على محذوف ، أي : بل هم مدركون ، {ومأواهم النار} ~~أي : مسكنهم ومرجعهم ، {ولبئس المصير} أي : والله لبئس المرجع هي. وفي ~~إيراد النار ، بعنوان كونها مأوى ومصيرا لهم ، إثر نفي قوتهم بالهرب في ~~الأرض كل مهرب ، من الجزالة ما لا غاية وراءه. والله تعلى أعلم. PageV05P148 # الإشارة : لا تحسبن أهل الانتقاد على أولياء الله أنهم فائتون ، بل لا بد ~~من غيرة الله عليهم ، عاجلا أو آجلا ، في الظاهر أو الباطن ، ومأواهم نار ~~القطيعة ولبئس المصير. وقال القشيري على هذه الآية : الباطل قد تكون له ~~صولة لكنه يختل ، وما لذلك بقاء ، ولعل لبثه من عارض الشتاء في القيظ ، أي ~~: الحر. ه. ms1904 والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 95 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} ، ويدخل فيه النساء ، ~~{ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} من العبيد والإماء ، {والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم} أي : والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار ، {ثلاث مرات} في ~~اليوم والليلة ، وهي {من قبل صلاة الفجر} ؛ لأنه وقت القيام من المضاجع ، ~~وطرح ما ينام فيه من الثياب ، ولبس ثياب اليقظة ، وربما يجدهم في هذا الوقت ~~نائمين متجردين ، {وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة} ؛ وهي نصف النهار في ~~القيظ ؛ لأنها وقت وضع الثياب للقيلولة ، {ومن بعد صلاة العشاء} ؛ لأنه وقت ~~التجرد من ثياب اليقظة ، والالتحاف بثياب النوم. هي {ثلاث عورات لكم} ، ومن ~~نصبه ؛ فبدل من {ثلاث مرات} أي : أوقات ثلاث عورات ، وسمى كل واحد من هذه ~~الأوقات عورة ؛ لأن الإنسان يختل تستره فيها ، والعورة : الخلل ، ومنه سمي ~~الأعور ؛ لاختلاف عينه. # روي أن غلاما لأسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كرهته ، فنزلت. وقيل ~~: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدلج بن عمرو الأنصاري ، وكان غلاما ، ~~وقت الظهيرة ، ليدعو عمر رضي الله عنه ، فدخل عليه وهو نائم قد انكشف عنه ~~ثوبه ، فقال عمر رضي الله عنه : لوددت أن الله تعالى نهى عن الدخول في هذه ~~الساعات إلا بإذن ، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فوجده وقد نزلت ~~عليه هذه الآية. والأمر ، قيل : للوجوب ، وقيل : للندب. PageV05P149 # ثم عذرهم في ترك الاستئذان في غير هذه الأوقات ، فقال : {ليس عليكم ولا ~~عليهم جناح بعدهن} أي : لا إثم عليكم ولا على المذكورين من المماليك ~~والغلمان في الدخول بغير استئذان بعد كل واحدة من تلك العورات الثلاث ، أي ~~: في الأزمنة التي بين هذه العورات الثلاث. # جزء : 5 رقم الصفحة : 96 # ثم بين العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات بقوله : {طوافون} أي : هم ~~{طوافون عليكم} لحاجة البيت والخدمة ، {بعضكم على بعض} أي : بعضكم طائف على ~~بعض ، أو يطوف على بعض ، والجملة : إما بدل مما قبلها ، أوبيان ، يعني : ~~أنكم محتاجون إلى المخالطة والمداخلة ، يطوفون ms1905 عليكم للخدمة وتطوفون عليهم ~~للاستخدام ، فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأفضى إلى الحرج ، وهو ~~مدفوع بالنص ، {كذلك يبين الله لكم الآيات} أي : كما بين الاستئذان ، يبين ~~لكم غيره من الآيات التي تحتاجون إلى بيانها ، {والله عليم} بمصالح عبادة ، ~~{حكيم} فيما دبر وحكم به. # {وإذا بلغ الأطفال منكم} أي : الأحرار دون المماليك {الحلم} أي : ~~الاحتلام ، # 97 PageV05P150 ~~وهو البلوغ ، وأرادوا الدخول عليكم {فليستأذنوا} في جميع الأوقات. قال ~~القرطبي : لم يقل : {فليستأذنوكم} ، وقال في الأولى : {ليستأذنكم} ؛ لأن ~~الأطفال غير مخاطبين ولا متعبدين. ه. قلت : فالمخاطبون في الأولى هم ~~الأولياء بتعليمهم الاستئذان وإيصائهم به ، وهنا صاروا بالغين ، فأمرهم ~~بالاستئذان {كما استأذن الذين من قبلهم} أي : الذين بلغوا الحلم من قبلهم ، ~~وهم الرجال المذكورون في قوله : {ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم} [النور : 27] الآية. والمعنى : أن الأطفال مأذون لهم في الدخول ~~بغير إذن ، إلا في العورات الثلاث ، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم بلغوا الحلم ~~وجب أن يفطموا عن تلك العادة ، ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات ، ~~كالرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن. # والناس عن هذه غافلون. عن ابن عباس رضي الله عنه : ثلاث آيات جحدهن الناس ~~: الإذن كله ، وقوله : {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات : 13] ، وقوله ~~: {وإذا حضر القسمة} [النساء : 8]. وعن سعيد بن جبير : (يقولون : إنها ~~منسوخة ، والله ما هي بمنسوخة). وعن ابن عباس أيضا قال : إنما أمروا بها ~~حين لم يكن للبيوت الستر ، فلما وجدوا ذلك استغنوا عن الاستئذان. وعن أبي ~~محمد مكي : هذا الأمر إنما كان من الله للمؤمنين ؛ إذ كانت البيوت بغير ~~أبواب. قلت : أما باعتبار الأجانب فالأبواب تكفي ، وأما باعتبار المماليك ~~والأطفال الذين يلجون الدار من غير حجر ؛ فلا تكفي الأبواب في حقهم ، فلا ~~بن من الاستئذان كما في الآية. PageV05P151 # {كذلك} أي : مثل ذلك البيان العجيب {يبين الله لكم آياته}. قال ابن عرفة : ~~قال قبل هذه وبعدها : الآيات ، وفي هذه : آياته ؛ لوجهين ، الأول : هذه ~~خاصة بالأطفال ، وما قبلها عامة في العبيد والأطفال ، فأطلقت ms1906 الآية ، ولم ~~تقيد بالإضافة ، وهذه خاصة ، فعبر عنها بلفظ خاص. الثاني : أن الخطاب بما ~~هنا للبالغين ، فأسند فيه الحكم إلى الله تعالى ، تخويفا لهم وتشديدا ~~عليهم. ه. والمتبادر أنه تفنن. قاله المحشي الفاسي. {والله عليم حكيم} فيما ~~أمر ودبر. # جزء : 5 رقم الصفحة : 96 # الإشارة : إنما أمر الله بالاستئذان لئلا يكشف السر إلى غير أهله ؛ غيرة ~~منه تعالى على كشف أسرار عباده ، وإذا كان غار على كشف سر عبد ، فغيرته على ~~كشف أسرار ذاته أولى وأحرى ، فيجب كتم أسرار الذات عن غير أهله ، وكل من ~~خصه الله بسر وجب كتمه إلا على من هو أهل له ، وهو من أعطى نفسه وماله ، ~~وباعهما لله تعالى. وكل من أطلع على سر من أسرار الله أو قضاء من قضائه ، ~~ثم استشرف أن يعلم الناس بذلك فهو كذاب. وفي الحكم : " استشرافك أن يعلم ~~الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ". وبالله التوفيق. # 98 # جزء : 5 رقم الصفحة : 96 # قلت : " القواعد " : جمع قاعد ، بغير تاء ؛ لأنهما من الصفات المختصة ~~بالنساء ، كالطالق والحائض ، فلا تحتاج إلى تمييز ، وهو مبتدأ ، ~~و(اللاتي...) إلخ : صفة له ، (فليس) : خبر ، وأدخلت الفاء لما في المبتدأ ~~من معنى الشرط من العموم الذي في الألف واللام. و(يرجون) : مبني لاتصاله ~~بنون النسوة. PageV05P152 # يقول الحق جل جلاله : {والقواعد} أي : العجائز {من النساء اللاتي} قعدن عن ~~الحيض والولادة ؛ لكبرهن. قال ابن قتيبة : سمين بذلك لأنهن بعد الكبر يكثرن ~~القعود. ويقرب منه من فسره بالقعود عن التصرف للكبر ، والظاهر أن قوله : ~~{لا يرجون نكاحا} : نعت مخصص ، إن فسر القعود فيها بالقعود عن الحيض والولد ~~؛ لأنه قد يكون فيها مع ذلك رغبة للرجال. وقد يجعل كاشفا ؛ إذا فسر القعود ~~باستقذار الرجال لهن من عزوف النفس عنهن ، فقوله : {لا يرجون نكاحا} أي : ~~لا يطمعن في رغبة الرجال فيهن ، {فليس عليهن جناح} في {أن يضعن ثيابهن} أي ~~: الثياب الظاهرة ، كالجلباب الذي فوق الخمار ونحوه. # قال ابن عطية : قرأ ابن مسعود وأبي : " أن يضعن من ثيابهن ". والعرب تقول ~~: امرأة واضع ms1907 ، للتي كبرت فوضعت خمارها ، قال في الحاشية : والآية صادقة ~~بما إذا دخل أجنبي بعد الاستئذان ، وبخروجهن أيضا ، ومن التبرج : لبس ما ~~يصف ؛ لكونه رقيقا ، أو : شفافا. ه. # ثم قيد الرخصة بقوله : {غير متبرجات بزينة} أي : مظهرات زينة ، يريد ~~الزينة الخفية ، كالشعر والنحر والساق ونحوه ، أي : لا يقصدن بوضعهن التبرج ~~وإظهار محاسنها ، ولكن التخفيف. وحقيقة التبرج : تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه ~~، من قولهم : سفينة بارجة : لا غطاء عليها ، إلا أنه خص بكشف المرأة زينتها ~~أو محل حسنها للرجال. {وأن يستعففن} أي : يطلبن العفة عن وضع الثياب ، ~~فيتسترن {خير لهن} من الانكشاف ، {والله سميع عليم} أي : سميع ما يجري بيهن ~~وبين الرجال من المقاولة ، عليم ، فيعلم مقاصدهن وسرائرهن في قصد التخفيف ~~أو التبرج ، وفيه من الترهيب ما لا يخفى. # الإشارة : إذا كمل تهذيب الإنسان وإخلاصه ، وكمل استغناؤه بربه ، فلا بأس ~~أن يظهر من أحواله وعلومه ما يقتدى به ويهتدى ، ليعلم الانتفاع به. فإن خيف ~~منه تهمة فالاستعفاف والاكتفاء بعلم الله خير له. والله سميع عليم. # 99 PageV05P153 ~~جزء : 5 رقم الصفحة : 99 # {ليس على الأعمىا حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا علىا ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا...} # يقول الحق جل جلاله : {ليس على الأعمى حرج} في الدخول من غير استئذان ؛ ~~لأنه لا يتوقع منه نظر لما يكره. وكذلك لا حرج عليه فيما لا قدرة له عليه ~~من الجهاد وغيره ، ثم استطرد من شاركه في مطلق العذر فقال : {ولا على ~~الأعرج حرج} فيما لا يقدر عليه من الجهاد وغيره ، {ولا على المريض حرج} في ~~ذلك. وقال سعيد بن المسيب : كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزو وضعوا مفاتيح ~~بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم ، ويأذنونهم أن يأكلوا من ~~بيوتهم ، فكانوا يتحرجون من ms1908 ذلك ، ويقولون : نخشى أن تكون نفوسهم غير طيبة ~~بذلك ، فنزلت الآية ، رخصة لهم. وقيل : كانوا يتحرجون من ذلك ، ويقولون : ~~نخشى أن تكون نفوسهم غير طيبة بذلك ، فنزلت الآية ، رخصة لهم ، وقيل : ~~كانوا يتحرجون من الأكل معهم ؛ لأن الأعمى لا يبصر الطيب من الطعام ، ~~والأعرج لا يستطيع المزاحمة عليه ، والمريض لا يستطيع استيفاءه. ه. PageV05P154 # {ولا على أنفسكم} أي : لا حرج عليكم {أن تأكلوا من بيوتكم} أي : البيت الذي ~~فيه أهل بيتكم ؛ أزواجكم وعيالكم ، فإذا كان للزوجة أو للولد هناك شيء ~~منسوب إليهما فلا بأس للرجل بأكله ؛ لأن الزوجين صارا كنفس واحدة ، فصار ~~بيت المرأة بيت الزوج. وقيل : المراد ببيوتكم : بيوت أولادكم ، فجعل بيوت ~~أولادهم بيوتهم ؛ لأن ولد الرجل من كسبه ، وماله كماله ، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام : " أنت ومالك لأبيك " ، ولذلك لم يذكر الأولاد في الآية ؛ ~~لاندراجهم في بيوتكم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 100 # ولا حرج عليكم أيضا أن تأكلوا من {بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم} الذكور {أو بيوت أخواتكم} النساء ، {أو بيوت أعمامكم أو بيوت ~~عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم} ؛ لأن الإذن من هؤلاء ثابت ؛ ~~دلالة. واختلف العلماء في إباحة الأكل من هذه البيوت المذكورة ، فقيل : إنه ~~منسوخ وإنه لا يجوز الأكل من بيت أحد إلا بإذنه ، والناسخ : {ولا تأكلواا ~~أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة : 188] ، وقوله عليه الصلاة والسلام- : " ~~لايحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس " وقيل : محكمة ومعناها : إذا أذنوا ~~في ذلك ، وقيل : ولو بغير إذن ، والتحقيق : هو التفصيل : فمن علم منه طيب ~~نفسه وفرحه بذلك ؛ بقرينة : حل أكل ماله ، ومن لا ؛ فلا. # 100 # {أو ما ملكتم مفاتحه} قال ابن عباس : وهو وكيل الرجل وقيمه في ضيعته ~~وماشيته ، له أن يأكل من ثمرة ضيعته ، ويشرب من لبن ماشيته. والمراد بملك ~~المفاتيح : كونها في يده وتحت حوزه. وقيده ابن العربي بما إذا لم تكن له ~~أجرة ، وإن كانت له أجرة على فعله حرم ، يعني : إلا إذا علم طيب نفس صاحبه ~~؛ فيدخل في الصديق. وقيل : أريد به بيت ms1909 عبده ؛ لأن العبد وما في يده ~~لمولاه. PageV05P155 # {أو صديقكم} أي : أو بيوت أصدقائكم ، والصديق يكون واحدا وجمعا ، وهو من ~~يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك ، يؤلمه ما يؤلمك ما يؤلمه ، ويسرك ما يسره ~~كذلك. وكان الرجل من السلف يدخل دار صديقه وهو غائب ، فيسأل جاريته كيسه ~~فيأخذ ما شاء ، فإذا حضر مولاها أعتقها سرورا بذلك ، فأما الآن فقد غلب ~~الشح فلا يأكل إلا بإذن. قاله النسفي. # {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا} : مجتمعين {أو أشتاتا} : متفرقين ، جمع ~~شت ، نزلت في بني ليث بن عمرو ، كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده ، فربما ~~قعد منتظرا نهاره إلى الليل ، فإذا لم يجد من يؤاكله من الضيفان أكل أكل ~~ضرورة. وقيل : في قوم من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ~~ضيفهم ، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا. وقيل : في قوم تحرجوا من الاجتماع ~~على الطعام لاختلاف الناس في الأكل ، وزيادة بعضهم على بعض ، فخيرهم. وقيل ~~: كان الغنى منهم إذا دخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته ، ودعاه إلى ~~الطعام ، فيقول : إني أتحرج أن آكل معك ، وأنا غني وأنت فقير ، فأباح لهم ~~ذلك. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 100 # الإشارة : ليس على من عميت بصيرته ، فلم ير إلا الكون حرج في أن يقف مع ~~رخص الشريعة ، ويتناول كل ما يشتهيه نفسه ، مما أباحته الشريعة ، من غير ~~تورع ولا توقف ولا تبصر. وكذلك المريض القلب بالخواطر والأوهام ، ومن عرجت ~~فكرته عن شهود الملكوت ، فلا بأس لهؤلاء الضعفاء أن يقفوا مع العوائد ~~والأسباب ، ويتناولوا كل ما أباحته ظواهر الشريعة ، وأما الأقوياء فلا ~~يأخذون إلا ما تحققوا حليته ، وفهموا عن الله في أخذه وتركه ، لفتح بصيرتهم ~~وشدة تبصرهم. PageV05P156 # وقال الورتجبي في قوله : {ليس على الأعمى حرج} : عماه الحقيقي ألا يطيق أن ~~ينظر بطون الأزل والغيب وغيب الغيب. وهذا من قوله - عليه الصلاة والسلام - ~~في وصف جمال الحق سبحانه : " حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما ~~انتهى إليه بصره من خلقه " فجعله ms1910 معذورا ألا يدرك حق الحقيقة وحقيقة الحق ؛ ~~إذ يستحيل الحدث أن يحيط بالقدم إن كان واجبا معرفة الكل من حيث الحقوق لا ~~من حيث التوحيد. ه ومراده ببطون الأزل : تجلياته تعالى ، البارزة من وسط ~~بحر جبروته الغيبي ، وهي المراد بالغيب وغيب الغيب ، فالأكوان كلها برزت من ~~بحر الذات الأزلية والكنز الغيبي ، لكنها ، لما # 101 # تجلت ، كستها رداء الكبرياء ، فمن فتحت بصيرته رأى الحق تعالى فيها ، أو ~~قبلها ، أو معها ، ومن عميت بصيرته لم ير إلا حس الأكوان الظلمانية. والله ~~تعالى أعلم. # ومذهب الصوفية في تناول متاع بعضهم بعضا هو ما قال القائل : " نحن : لا ~~مال مقسوم ، ولا سر مكتوم ، فتركتهم لا تقسم أبدا ". دخل الجنيد بيت بعض ~~إخوانه ، فوجد زوجته ، فقال : هل عندك شيء نطعم به الفقراء ؟ فأشارت إلى ~~وعاء فيه تمر ، لا يملك غيره ، فأفرغه على رأسه ، فأكلوا ، وأخذوا ما بقي ، ~~فلما جاء زوجها ذكرت له ذلك ، فقال : الآن علمت أنه يحبني. # ثم أمر بالسلام بعد الاستئذان ، فقال : # {...فإذا دخلتم بيوتا فسلموا علىا أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} PageV05P157 ~~يقول الحق جل جلاله : {فإذا دخلتم بيوتا} من البيوت المذكورة أو غيرها بعد ~~الإذن ، {فسلموا على أنفسكم} أي : فابدأوا بالسلام على أهلها ، الذين هم ~~منكم ، الذين هم بمنزلة أنفسكم ؛ لما بينكم وبينهم من القرابة الدينية أو ~~النسبية. أو بيوتا فارغة ، أو مسجدا ، بأن تقولوا : السلام عليكم ، أو ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، إن كانت خاوية. {تحية} ، من نصب ~~فعلى المصدر لسلموا ؛ لأنها في معنى تسليما ، {من عند الله} أي : بأمره ~~مشروعه من لدنه ، أو لأنها طلب للسلامة ، وهي بيد الله ، {مباركة} : ~~مستتبعة لزيادة الخير والثواب ودوامهما ، {طيبة} : تطيب بها نفس المستمع. # جزء : 5 رقم الصفحة : 100 # وعن أنس رضي الله عنه أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : " من لقيت أحدا ~~من أمتي فسلم عليه ، يطل عمرك. وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك ، ~~وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين ". {كذلك ms1911 يبين الله لكم ~~الآيات} ، تكرير ؛ لتأكيد الأحكام المختتمة وتفخيمها ، {لعلكم تعقلون} : ~~لكي تعقلوا ما في تضاعيفها من الشرائع والأحكام ، وتعملوا بموجبها ، ~~فتفوزوا بسعادة الدارين. والله تعالى أعلم. # الإشارة : السلام على النفس : هو طلب الأمان لها ومنها ، فإذا سلمت النفس ~~من موجات الغضب من الله ، سلم صاحبها منها ، قال القشيري : السلام : الأمان ~~، فسبيل المؤمن إذا دخل بيتا أن يسلم من الله على نفسه ، يعني : بأن يقول ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وأن يطلب السلامة والأمان من الله ~~تعالى ، لتسلم نفسه من الإقدام على ما لا يرضي الله ، إذ لا يحل لمسلم أن ~~يفتر لحظة عن الاستجارة بالله ، بأن لا يرفع # 102 # عنه ظل عصمته بإدامة حفظه من الاتصاف بمكروه الشرع. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 100 PageV05P158 ~~يقول الحق جل جلاله : {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله} ، إنما ذكر ~~الإيمان بالله ورسوله في حيز الصلة للموصول الواقع خبرا للمبتدأ ، مع تضمنه ~~له ؛ تقريرا لما قبله ، وتمهيدا لما بعده ، وإيذانا بأن ما بعده حقيق بأن ~~يجعل قرينا للإيمان بهما ومنتظما في سلكه. # {وإذا كانوا معه على أمر جامع} : عطف على (آمنوا) ، داخل في حيز الصلة ، ~~أي : إنما الكاملون في الإيمان : الذين آمنوا بالله ورسوله عن صميم قلوبهم ~~، وأطاعوه في جميع الأحكام والأحوال المطردة الوقوع ، والأحوال الواقعة ~~بحسب الاتفاق ، كما إذا كانوا معه - عليه الصلاة والسلام - على أمر مهم يجب ~~الاجتماع في شأنه ؛ كالجمعة والأعياد ، والجهاد ، وتدريب الحروب ، وغيرها ~~من الأمور الداعية إلى الاجتماع ، {لم يذهبوا حتى يستأذنوه} ، ويأذن لهم ، ~~ولو كان الأمر يقوم بدونهم ، ليتميز المخلص من المنافق ، فإن ديدنه التسلل ~~للفرار ، ولتعظيم الجرم ؛ لما في الذهاب بغير إذنه صلى الله عليه وسلم من ~~الخيانة. # ولما أراد الحق تعالى أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بغير إذنه ، إذا كانوا معه على أمر جامع ، جعل ترك ~~ذهابهم والصبر معه ، حتى يأذن لهم : ثالث الإيمان ، وجعل الإيمان برسوله ~~كالسبب له ، والبساط لذكره ، وذلك مع تصدير ms1912 الجملة ب " إنما ، ثم عقبة بما ~~يزيده توكيدا وتشديدا ؛ حيث أعاده عاى أسلوب آخر فقال : {إن الذين ~~يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} ، فقضى بأن المستأذنين هم ~~المؤمنون خاصة. وفي " أولئك " : من تفخيم المستأذنين ، ما لا يخفى ، {فإذا ~~استأذنوك} في الانصراف {لبعض شأنهم} أي : أمرهم المهم وخطبهم الملم. # {فأذن لمن شئت منهم} لما علمت في ذلك من مصلحة وحكمة. PageV05P159 # وهذا بيان لما هو وظيفة صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ، إثر بيان ما هو ~~وظيفة المؤمنين ، وأن الإذن منه - عليه الصلاة والسلام - ليس بأمر محتوم ، ~~بل هو مفوض إلى رأيه عليه الصلاة والسلام ، وفيه من رفع شأنه صلى الله عليه ~~وسلم ما لا يخفى. والفاء : لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي : بعدما تحقق ~~أن الكاملين في الإيمان هو المستأذنون. # 103 # {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله} ، فإن ~~الاستئذان ، وإن كان لعذر ، فقد لا يخلو من شائبة تقديم أمر الدنيا على أمر ~~الآخرة ، ففيه دليل على أن الصبر وترك الاستئذان أفضل. {إن الله غفور رحيم} ~~؛ مبالغ في غفران فرطات العباد ، وفيه إفاضة آثار الرحمة عليهم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 103 # وما ذكره الحق تعالى في شأن الصحابة مع الرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~في شأن الاستئذان ينبغي أن يكون كذلك مع أئمتهم ومقدميهم في العلم والدين ، ~~لا يتفرقون عنهم إلا بإذن. والآية نزلت في الخندق ، كان المنافقون يرجعون ~~إلى منازلهم من غير استئذان ، فنزلت. وبقي حكمها عاما إلى يوم القيامة. ~~والله تعالى أعلم. PageV05P160 # الإشارة : من آداب الفقراء مع شيخهم ألا يتحركوا لأمر إلا بإذنه ، أما أهل ~~البدايات فيستأذنون في الجليل والحقير ، كقضية الفقير الذي وجد بعض ~~الباقلاء - أي : الفول - في الطريق ، فأتى بها إلى الشيخ ، فقال : يا سيدي ~~ما نفعل به ؟ فقال : اتركه ، حتى تفطر عليه ، فقال بعض الحاضرين : يستأذنك ~~في الباقلاء ؟ فقال : لو خالفني في أمر ؛ لم يفلح أبدا. وأما أهل النهايات ~~الذين عرفوا الطريق ، واستشرفوا على عين التحقيق ، وحصلوا على مقام الفهم ~~عن ms1913 الله ، فلا يستأذنون إلا في الأمر المهم ؛ كالتزوج ، والحج ، ونحوهما. ~~وصبره حتى يأمره الشيخ بذلك أولى ، فالمريد بقدر ما يترك تدبيره مع الشيخ ، ~~ويتحقق بالتفويض معه قبل الوصول ، كذلك يتركه ويتحقق تفويضه مع الله بعد ~~الوصول. # فالأدب مع الشيخ هو الأدب مع الله ، لكن لما كان من شأن العبد الجهل ~~بالله وسوء الأدب معه أمره بالتحكيم لغيره من جنسه ، فإذا حكم جنسه على ~~نفسه قبل المعرفة حكم الله على نفسه بعد المعرفة. والتحكيم في غاية الصعوبة ~~على النفس ، لا يرضاها إلا من سبقت له الهداية ، وجذبته جواذب العناية ، ~~أعني الدخول تحت الشيخ وتحكيمه على نفسه ، حتى لا يتحرك إلا بإذنه ، فهذا ~~سبب الوصول إلى مقام الشهود والعيان ، فإذا فعل المريد شيئا من غير استئذان ~~فليتب وليطلب من الشيخ الاستغفار له. وينبغي للشيخ أن يقبل العذر ويسامح ~~ويستغفر له ، لقوله تعالى : {واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم} ، ~~فالخليفة لرسول الله قائم مقامه ، ونائب عنه في رتبة التربية. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 103 # 104 PageV05P161 ~~يقول الحق جل جلاله : {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} أي : ~~إذا احتاج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم لأمر جامع ، فدعاكم ، ~~فلا تتفرقوا عنه إلا بإذنه ، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا ، ~~ورجوعكم عن المجمع بغر إذن الراعي ؛ لأن أمره - عليه الصلاة والسلام - ~~وشأنه ليس كشأنكم : أو : لا تجعلوا دعاء الرسول على أحد ، كدعاء بعضكم على ~~بعضا ، فإن غضبه عليه ليس كغضبكم ؛ لأن غضبه غضب الله ، ودعاءه مستجاب. ~~وهذا يناسب ما قبله من جهة التحذير عن ترك الاستئذان ، فإن من رجع بغير ~~استئذان معرض لغضبه - عليه الصلاة والسلام - ودعائه عليه. أو : لا تجعلوا ~~نداءه صلى الله عليه وسلم كنداء بعضكم بعضا ؛ كندائه باسمه ، ورفع الصوت ~~عليه ، وندائه من وراء الحجرات ، ولكن بلقبه المعظم ؛ يا رسول الله ، يا ~~نبي الله ، مع غاية التوقير والتفخيم والتواضع وخفض الصوت. # قال القشيري : أي : عظموه في الخطاب ، واحفظوا حرمته وخدمته في الأدب ، ~~وعانقوا ms1914 طاعته على مراعاة الهيبة والتوقير. ه. فالإضافة ، على الأولين : ~~للفاعل ، وعلى الثالث ؛ للمفعول ، لكنه بعيد من المناسبة لما قبله ولما ~~بعده في قوله : {قد يعلم الله الذين يتسللون} أي : يخرجون قليلا قليلا على ~~خفية منكم ، {لواذا} أي : ملاوذين ، بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج ، أو ~~يلوذ بمن يخرج بالإذن ؛ إراءة أنه من أتباعه. أو مصدر ، أي : يلوذون لواذا. ~~واللواذ : الملاوذة ، وهي التعلق بالغير ، وهو أن يلوذ هذا بهذا في أمر ، ~~أي : يتسللون عن الجماعة ؛ خفية ، على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض. PageV05P162 # ثم هددهم على المخالفة بقوله : {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} أي : الذين ~~يصدون عن أمره ، يقال : خالفه إلى الأمر : إذا ذهب إلى دونه ، ومنه : {ومآ ~~أريد أن أخالفكم إلىا مآ أنهاكم عنه} [هود : 88] ، وخالفه عن الأمر : إذا ~~صد عنه. والضمير : إما لله سبحانه ، أو للرسول عليه الصلاة والسلام - ، وهو ~~أنسب ؛ لأنه المقصود بالذكر. # جزء : 5 رقم الصفحة : 104 # والمعنى : فليحذر الذين يخالفون عن طاعته ودينه وسنته ، {أن تصيبهم فتنة} ~~؛ محنة في الدنيا ؛ كقتل أو زلازل وأهوال ، أو تسليط جائر ، أو عدو ، أو ~~قسوة قلب. أو كثرة دنيا ؛ استدراجا وفتنة. # قال القشيري : سعادة الدارين في متابعة السنة ، وشقاوتهما في مخالفتها ، ~~ومما يصيب من خالفها : سقوط حشمة الدين عن القلب. ه. # {أو يصيبهم عذاب أليم} في الآخرة. والآية تدل على أن الأمر للإيجاب ، ~~وكلمة " أو " : لمنع الخلو ، دون منع الجمع. وإعادة الفعل صريحا ؛ للاعتناء ~~بالتهديد والتحذير. # {ألا إن لله ما في السموات والأرض} من الموجودات ، خلقا وملكا وتصرفا ، # 105 # وإيجادا وإعداما ، بدءا وإعادة ، و" ألا " : تنبيه على أن يخالفوا من له ~~ما في السموات والأرض. {قد يعلم ما أنتم عليه} أيها المكلفون ، من الأحوال ~~والأوضاع ، التي من جملتها الموافقة والمخالفة ، والإخلاص والنفاق. وأدخل " ~~قد " ؛ ليؤكد علمه بما هم عليه ، ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد. ~~والمعنى : أن جميع ما استقر في السموات تحت ملكه وسلطانه وإحاطة علمه ، ~~فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين ، وإن اجتهدوا في سترها ؟ ! {ويوم يرجعون ~~إليه} أي : ويعلم ms1915 يوم يردون إلى جزائه ، وهو يوم القيامة. PageV05P163 # والخطاب والغيبة في قوله : {قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه} يجوز ~~أن يكون للمنافقين ، على طريق الالتفات ، ويجوز أن يكون {ما أنتم عليه} ~~عاما ، و{يرجعون} للمنافقين. {فينبئهم} حينئذ {بما عملوا} من الأعمال ~~السيئة ، التي من جملتها : مخالفة الأمر ، ليرتب على ذلك الإنباء ما يليق ~~به من التوبيخ والجزاء. # {والله بكل شيء عليم} ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنه : أنه قرأ سورة النور على المنبر في الموسم ، ~~وفسرها على وجه لو سمعته الروم لأسلمت. ه. وأما ما ورد في فضل السور فموضوع ~~، وقد غلط من ذكره من المفسرين. وبالله التوفيق. # الإشارة : شيوخ التربية خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في القيام ~~بالتربية النبوية ، فيجب امتثال كل ما أمروا به ، واجتناب كل ما نهوا عنه ، ~~فهم معناه أو لم يفهم. فإذا كانوا مجموعين في أمر جامع لم يذهب أحد حتى ~~يستأذن شيخه ، ولا يكفي إذن بعض الفقراء ، إلا إن وجهه الشيخ لذلك ، فلا ~~يكون دعاء الشيخ كدعاء بعضكم بعضا في التساهل في مخالفة أمره ، أو امتثال ~~أمره. قد يعلم الله الذين يتسللون ، فيفرون عنه ؛ لواذا ، فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ؛ كتسليط الدنيا عليه فتفتنه وتنسخ حلاوة ~~الشهود من قلبه ، أو يصيبهم عذاب أليم ، وهو السلب بعد العطاء ، والعياذ ~~بالله من الزلل ومواقع الضلال. نسأل الله تعالى أن يثبت قدمنا على منهاج ~~الحق ، وأن يميتنا على المحبة والتعظيم ، ورسوخ القدم في معرفة الرحمن ~~الرحيم. آمين. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد ، النبي الكريم ، وعلى آله ~~وصحبه ، وسلم. # 106 # جزء : 5 رقم الصفحة : 104 PageV05P164 ### | AUTO سورة الفرقان # جزء : 5 رقم الصفحة : 106 # يقول الحق جل جلاله : {تبارك} أي : تكاثر خيره وتزايد ، أو : دام واتصل. ~~وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله ، والمستعمل منها الماضي فقط ، والتفاعل ~~فيها للمبالغة. ومعناها راجع إلى ما يفيض سبحانه على مخلوقاته من فنون ~~الخيرات ، التي من ms1916 جملتها : تنزيل القرآن ، المنطوي على جميع الخيرات ~~الدينية والدنيوية ، أي : تعاظم {الذي نزل الفرقان} أي : القرآن ، مصدر فرق ~~بين اثنين ، إذا فصل بينهما. سمي به القرآن ؛ لفصله بين الحق والباطل ، ~~والحلال والحرام ، أو : لأنه لم ينزل جملة ، ولكن مفروقا مفصولا بين أجزائه ~~شيئا فشيئا ، ألا ترى إلى قوله : {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس علىا ~~مكث} [الإسراء : 106]. # أنزله {على عبده} محمد صلى الله عليه وسلم ، وإيراده - عليه الصلاة ~~والسلام - بذلك العنوان ؛ لتشريفه ، والإيذان بكونه في أقصى مراتب العبودية ~~، والتنبيه على أن الرسل لا يكون إلا عبدا للمرسل ؛ ردا على النصارى. أنزله ~~{ليكون} العبد المنزل عليه ، أو الفرقان {للعالمين} من الثقلين ، زاد بعضهم ~~: والملائكة ، أرسل إليهم ليتأدبوا بأدبه ، حيث لم يقف مع مقام ولا حال ، ~~ويقتبسوا من أنواره ، وهو حكمة الإسرار ، وقيل : حتى إلى الحيوانات ~~والجمادات ، أمرت بطاعته فيما يأمرها به ، وبتعظيمه - عليه الصلاة والسلام ~~- وهذا كله داخل في العالمين ؛ لأن ما سوى الله كله عالم ؛ كما تقدم في ~~الفاتحة. وعموم # 107 # الرسالة من خصائصه - عليه الصلاة والسلام -. {نذيرا} أي : مخوفا ، وعدم ~~التعرض للتبشير ؛ لأن الكلام مسوق لأحوال الكفرة ، ولا بشارة لهم. PageV05P165 # {الذي له ملك السموات والأرض} أي : له ، خاصة ، دون غيره ، لا استقلالا ولا ~~اشتراكا. فالقهرية لازمة لهما ، المستلزمة للقدرة التامة والتصرف الكلي ، ~~إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، وأمرا ونهيا ، {ولم يتخذ ولدا} كما زعم ~~اليهود والنصارى في عزير والمسيح - عليهما السلام - ، {ولم يكن له شريك في ~~الملك} كما زعمت الثنوية القائلون بتعدد الآلهة ، والرد في نحورهم. # {وخلق كل شيء} أي : أحدث كل شيء وحده ، لا كما تقول المجوس والثنوية من ~~النور والظلمة. أي : أظهر كل شيء {فقدره} أي : فهيأه لما أراد به من ~~الخصائص والأفعال اللائقة به ، {تقديرا} بديعا ، لا يقادر قدره ، ولا يبلغ ~~كنهه ؛ كتهيئة الإنسان للفهم والإدراك ، والنظر والتدبير في أمور المعاش ~~والمعاد ، واستنباط الصنائع المتنوعة ، والدلائل المختلفة ، على وجود ~~الصانع. أو : فقدره للبقاء إلى أبد معلوم. وأيا ما كان ، فالجملة تعليل لما ~~قبلها ، فإن خلقه تعالى لجميع الأشياء ms1917 على ذلك الشكل البديع والنظام الرائق ~~، وكل ما سواه تحت قهره وسلطانه ، كيف يتوهم أنه ولد الله سبحانه ، أو شريك ~~له في ملكه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # جزء : 5 رقم الصفحة : 107 PageV05P166 ~~الإشارة : عبر بالعبودية في التنزيل والإسراء ؛ إشارة إلى أن كل من تحقق ~~بالعبودية الكاملة له حفظ من تنزيل الفرقان على قلبه ، حتى يفرق بين الحق ~~والباطل ، وحظ من الإسراء بروحه إلى عالم الملكوت والجبروت ، حتى يعاين ~~عجائب أسرار ربه. وما منع الناس من تنزل العلوم اللدنية على قلوبهم ، ومن ~~العروج بروحهم ، إلا عدم التحقق بالعبودية الكاملة لربهم ، حتى يكون مع ~~مراده ، لا مع مرادهم ، لا يريدون إلا ما أراد ، ولا يشتهون إلا ما يقضي ، ~~قد تحرروا من رق الأشياء ، واتحدت عبوديتهم للواحد الأعلى. فإذا كانوا كذلك ~~صاروا خلفاء الأنبياء ، يعرج بأرواحهم ، ويوحى إلى قلوبهم ما يفرقون به من ~~الحق والباطل ، ليكونوا نذرا لعالمي زمانه ؛ قال تعالى : {وإن من أمة إلا ~~خلا فيها نذير} [فاطر : 24]. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 107 # يقول الحق جل جلاله : {واتخذوا} أي : الكفار المدرجون تحت العالمين ~~المنذرين ، اتخذوا لأنفسهم {من دونه} تعالى {آلهة} ؛ أصناما ، يعبدونها ~~ويستعينون بها ، وهم {لا يخلقون شيئا} أي : لا يقدرون على خلق شيء من ~~الأشياء ، {وهم يخلقون} # 108 # كسائر المخلوقات. والمعنى أنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية ~~والخلق ، والملك والتقدير ، عبادا عجزة ، لا يقدرون على خلق شيء ، وهم ~~مخلوقون ومصورون. {ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا} أي : لا يستطيعون ~~لأنفسهم دفع ضر عنها ، ولا جلب نفع لها. وهذا بيان لغاية عجزهم وضعفهم ؛ ~~فإن بعض المخلوقين ربما يملك دفع ضر وجلب نفع في الجملة ، وهؤلاء لا يقدرون ~~على شيء البتة ، فكيف يملكون نفع من عبدهم ، أو ضرر من لم يعبدهم ؟ ! PageV05P167 # {ولا يملكون موتا} أي : إماتة {ولا حياة} أي : إحياء {ولا نشورا} ؛ بعثا ~~بعد الموت ، أي : لا يقدرون على إماتة حي ، ولا نفخ الروح في ميت ، ولا بعث ~~للحساب والعقاب. والإله يجب أن يكون قادرا على جميع ms1918 ذلك. وفي إيذان بغاية ~~جهلهم ، وسخافة عقولهم ، كأنهم غير عارفين بانتفاء ما نفي عن آلهتهم مما ~~ذكر ، مفتقرون إلى التصريح لهم بها. والله تعالى أعلم. # الإشارة : كل من ركن إلى غير الله ، أو مال بمحبته إلى شيء سواه ، فقد ~~اتخذ من دونه إلها يعبده من دون الله. وكل من رفع حاجته إلى غير مولاه ، ~~فقد خاب مطلبه ومسعاه ؛ لأنه تعلق بعاجز ضعيف ، لا يقدر على نفع نفسه ، ~~فكيف ينفع غيره ؟ وفي الحكم : " لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك ، ~~فكيف ترفع إلى غيره ما كان هو له واضعا ؟ ! من لا يستطيع أن يرفع حاجته عن ~~نفسه ، فكيف يكون لها عن غيره رافعا ؟ ". # قال بعض الحكماء : من اعتمد على غير الله فهو في غرور ؛ لأن الغرور ما لا ~~يدوم ، ولا يدوم شيء سواه ، وهو الدائم القديم ، لم يزل ولا يزال ، وعطاؤه ~~وفضله دائمان ، فلا تعتمد إلا على من يدوم عليك منه الفضل والعطاء ، في كل ~~نفس وحين وأوان وزمان. ه. وقال وهب بن منبه : أوحى الله تعالى إلى داود : ~~يا داود ؛ أما وعزتي وجلالي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي ، ~~أعلم ذلك من نيته ، فتكيده السموات السبع ومن فيهن ، والأرضون السبع ومن ~~فيهن ، وإلا جعلت له منهن فرجا ومخرجا. أما وعزتي وجلالي لا يعتصم عبد من ~~عبادي بمخلوق دوني ، أعلم ذلك من نيته ، إلا قطعت أسباب السموات من يده ، ~~وأسخت الأرض من تحته ، ولا أبالي في واد هلك. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 108 # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين كفروا} أي : تمردوا في الكفر والطغيان. ~~قيل : هم النضر بن الحارث ، وعبد الله بن أمية ، ونوفل بن خويلد ، ومن ~~ضاهاهم. PageV05P168 # وقيل : النضر فقط ، والجمع ؛ لمشايعة الباقين له في ذلك. قالوا : {إن هذا} ~~؛ ما هذا القرآن {إلا إفك} ؛ كذب مصروف عن وجهه {افتراه} ؛ اختلقه واخترعه ~~محمد من عند نفسه ، {وأعانة عليه} أي : على اختلاقه {قوم آخرون} ، يعنون : ~~اليهود ، بأن يلقوا إليه أخبار الأمم الدارسة ، وهو يعبر ms1919 عنها بعبارته. ~~وقيل : هم عداس ، ويسار ، وأبو فكيهة الرومي ، كان لهم علم التوراة ~~والإنجيل. ويحتمل : وأعانه على إظهاره وإشاعته قوم آخرون ، ممن أسلم معه ~~صلى الله عليه وسلم. # قال تعالى : {فقد جاؤوا} ، وأتوا {ظلما} أو : بظلم ، فقد تستعمل (جاء) ~~بمعنى فعل ، فتتعدى تعديته ، أو بحرف الجر ، والتنوين للتفخيم ، أي : جاؤوا ~~ظلما هائلا عظيما ؛ حيث جعلوا الحق البين ، الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه ، إفكا مفترى من قول البشر ، وجعلوا العربي الفصيح يتلقى ~~من العجمي الرومي ، وهو من جهة نظمه الفائق وطرازه الرائق ؛ لو اجتمعت ~~الإنس والجن على مباراته لعجزوا عن مثل آية من آياته. ومن جهة اشتماله على ~~الحكم العجيبة ، المستتبعة للسعادات الدينية والدنيوية ، والأمور الغيبية ، ~~بحيث لا يناله عقول البشر ، ولا تفي بفهمه الفهوم ، ولو استعملوا غاية ~~القوى والقدر. {و} أتوا أيضا {زورا} أي : كذبا كثيرا ، لا يبلغ غايته ؛ حيث ~~نسبوا إليه صلى الله عليه وسلم ما هو بريء منه. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 109 # وقالوا أساطير الأولين} أي : هو أحاديث المتقدمين ، وما سطروه من ~~خرافاتهم ؛ كرستم وغيره. جمع أسطار ، أو أسطورة ، {اكتتبها} ؛ كتبها لنفسه ~~، أو : استكتبتها فكتبت له ، {فهي تملى عليه} أي : تلقى عليه من كتابه ~~{بكرة} : أول النهار {وأصيلا} ؛ آخره ، فيحفظ ما يتلى ثم يتلوه علينا. انظر ~~هذه الجرأة العظيمة ، قاتلهم الله ، أنى يؤفكون ؟ . PageV05P169 # {قل} يا محمد : {أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض} أي : يعلم كل سر ~~خفي في السماوات والأرض ، يعني : أن القرآن ، لما اشتمل على علم الغيوب ، ~~التي يستحيل عادة أن يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم من غير تعلم إلهي ، دل ~~على أنه من عند علام الغيوب ، أي : ليس ذلك مما يفترى ويختلق ، بإعانة قوم ~~، وكتابة آخرين ؛ من الاحاديث والأساطير المتقدمة ، بل هو أمر سماوي ، ~~أنزله الذي لا يعزب عن علمه شيء ، أودع فيه فنون الحكم والأحكام ، على وجه ~~بديع ، لا تحوم حوله الأفهام ، حيث أعجزكم قاطبة # 110 # بفصاحته وبلاغته ، وأخبركم بأمور مغيبات ، وأسرار مكنونات ، لا يهتدي ~~إليها ولا ms1920 يوقف عليها إلا بتوقيف العليم الخبير ، ثم جعلتموه إفكا مفترى ، ~~واستوجبتم بذلك أن يصب عليكم العذاب صبا ، لولا حلمه ورحمته ، {إنه كان ~~غفورا رحيما} ؛ فأمهلكم ، ولم يعاجلكم بالعقوبة. وهو تعليل لما هو المشاهد ~~من تأخير العقوبة عنهم ، أي : كان أزلا وأبدا مستمرا على المغفرة والرحمة ، ~~فلذلك لم يعاجلكم بالعقوبة على ما تقولون في حقه وفي حق رسوله ، مع كمال ~~اقتداره. # ثم ذكر طعنهم فيمن نزل عليه ، فقال : {وقالوا مال هذا الرسول} وقعت اللام ~~في المصحف مفصولة عن الهاء ، وخط المصحف سنة لا يغير. وتسميتهم إياه ~~بالرسول سخرية منهم ، كأنهم قالوا : أي شيء لهذا الزاعم أنه رسول ؛ يأكل ~~الطعام كما تأكلون ، ويمشي في الأسواق لابتغاء الأرزاق كما تمشون ، أي : إن ~~صح ما يدعيه فما له لم يخالف حالنا ؟ ! {لولا أنزل إليه ملك} على صورته ~~{فيكون معه نذيرا} ، وهذا منهم تنزل عن اقتراح كونه صلى الله عليه وسلم ~~ملكا مستغنيا عن المادة الحسية ، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه ، ويكون ~~ردءا له في الإنذار ، ويعبر عنه ، ويفسر ما يقوله للعامة. PageV05P170 # {أو يلقى إليه كنز} من السماء ، يستغني به عن طلب المعاش معنا ، {أو تكون ~~له جنة} ؛ بستان {يأكل منها} كالأغنياء المياسير. والحاصل : أنهم أول مرة ~~ادعوا أن الرسول لا يكون إلا كالملائكة ، مستغنيا عن الطعام والشراب ، ~~وتعجبوا من كون الرسول بشرا ، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك ~~يصدقه ويعينه على الإنذار ، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون معه كنز ، يستظهر ~~به على نوائبه ، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون رجلا له بستان يأكل منه ، ~~كالمياسير ، أو نأكل نحن منه ، على قراءة حمزة والكسائي. # جزء : 5 رقم الصفحة : 109 # قال تعالى : {وقال الظالمون} وهم الكفرة القائلون ما تقدم ، غير أنه وضع ~~الظاهر موضع المضمر ، تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه. وهم كفار قريش ~~، أي : قالوا للمؤمنين : {إن تتبعون} ؛ ما تتبعون {إلا رجلا مسحورا} ؛ قد ~~سحر فغلب على عقله ، {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} أي : انظر كيف قالوا في ~~حقك ms1921 تلك الأقاويل العجيبة ، الخارجة عن العقول ، الجارية ؛ لغرابتها ، مجرى ~~الأمثال ، واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال الشاذة ، البعيدة عن الوقوع ؟ ! ~~{فضلوا} عن طريق الجادة {فلا يستطيعون سبيلا} ؛ فلا يجدون طريقا إليه ، أو ~~: فلا يجدون سبيلا إلى القدح في نبوتك ، بأن يجدوا قولا يستقرون عليه ، أو ~~: فضلوا عن الحق ضلالا مبينا ، فلا يجدون طريقا موصلا إليه ، فإن من اعتاد ~~استعمال هذه الأباطيل لا يكاد يهتدي إلى استعمال المقدمات الموصلة إلى ~~الرشد والصواب. وبالله التوفيق. # الإشارة : تكذيب الصادقين سنة ماضية ، فإن سمع أهل الإنكار منهم علوما ~~وأسرارا قالوا : ليست من فيضه ، إنما نقلها عن غيره ، وأعانه على إظهارها ~~قوم آخرون ، قل : أنزلها # 111 PageV05P171 ~~على قلوبهم الذي يعلم السر في السماوات والأرض ، أنه كان غفورا رحيما ، حيث ~~ستر وصفهم بوصفه ونعتهم بنعته ، فوصلهم بما منه إليهم ، لا بما منهم إليه. ~~وقوله تعالى : {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} ، أنكروا ~~وجود الخصوصية مع وصف البشرية ، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية ~~، كما تقدم مرارا. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 109 # قلت : (جنات) : بدل من خيرا ، و(يجعل) ، من جزمه عطفه على محل جواب الشرط ~~، ومن رفعه فعلى الاستئناف ، أي : وهو يجعل لك قصورا ، ويجوز عطفه على ~~الجواب ؛ لأن الشرط إذا كان ماضيا جاز في الجواب الرفع والجزم ، كما هو ~~مقرر في محله. # يقول الحق جل جلاله : {تبارك} أي : تكاثر وتزايد خيره {الذي إن شاء جعل ~~لك} في الدنيا {خيرا} لك {من ذلك} الذي اقترحوه ؛ من أن يكون لك جنة تأكل ~~منها ؛ بأن يجعل لك مثل ما وعدك في الجنة ، {جنات تجري من تحتها الأنهار} ، ~~فإنه خير من جنة واحدة من غير أنهار ، كما اقترحوا ، {ويجعل لك قصورا} ؛ ~~وغرفا في الدنيا ، كقصور الآخرة ، لكن لم يشأ ذلك ؛ لأن الدنيا لا تسع ما ~~يعطيه لخواص أحبابه في الآخرة ؛ لأنها ضيقة الزمان والمكان. # وعدم التعرض لجواب الاقتراحين الأولين ، وهو إنزال الملك وإلقاء الكنز ؛ ~~لظهور بطلانهما ومنافاتهما للحكمة التشريعية ، وإنما الذي له وجه في ms1922 الجملة ~~وهو الاقتراح الأخير ؛ فإنه غير مناف للحكمة بالكلية ، فإن بعض الأنبياء - ~~عليهم السلام - قد أتوا مع النبوة ملكا عظيما ، لكنه نادر. # ثم أضرب عن توبيخهم بحكاية جناياتهم السابقة ، وانتقل إلى توبيخهم بحكاية ~~جناية أخرى ، فقال : {بل كذبوا بالساعة} أي : بل أتوا بأعجب من ذلك كله ، ~~وهو تكذيبهم بالساعة. ويحتمل أن يكون متصلا بما قبله ، كأنه قال : بل كذبوا ~~بالساعة ، وكيف يلتفتون # 112 PageV05P172 ~~إلى هذا الجواب ، وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة ، وهم لا ~~يؤمنون بها ؟ ثم تخلص إلى وبال من كذب بها فقال : {وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا} أي : وهيأنا للمكذبين بها نارا شديدة الإسعار ، أي : الاشتعال. ووضع ~~الموصول موضع ضمير " هم " ، أو لكل من كذب بها كائنا من كان ، ويدخلون هم ~~في زمرتهم دخولا أوليا. ووضع الساعة موضع ضميرها ؛ للمبالغة في التشنيع. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 112 # إذا رأتهم} أي : النار ، أي : قابلتهم {من مكان بعيد} ؛ بأن كانت منهم ~~بمرأى للناظرين في البعد ، كقوله صلى الله عليه وسلم في شأن المؤمن والكافر ~~: " لا تترآءى ناراهما " ، أي : لا يتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من ~~الأخرى. {سمعوا لها تغيظا وزفيرا} أي : سمعوا صوت غليانها. شبه ذلك بصوت ~~المتغيظ والزفير ، وهو صوت من جوفه. ولا يبعد أن يخلق الله فيها الإدراك ~~فتتغيظ وتزفر. وقيل : إن ذلك من زبانيتها ، نسب إليها ، وهو بعيد. PageV05P173 # {وإذا ألقوا منها} ؛ من النار {مكانا ضيقا} أي : في مكان ضيق ؛ لأن الكرب ~~يعظم مع الضيق ، كما أن الروح يعظم مع السعة ، وهو السر في وصف الجنة بأن ~~عرضها السموات والأرض. وعن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - : (تضيق ~~جهنم عليهم ، كما يضيق الزج على الرمح). وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك فقال : " والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في ~~الحائط " حال كونهم {مقرنين} أي : مسلسلين ، أي : مقرونين في السلاسل ، ~~قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. أو : يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسة ~~، وفي أرجلهم الأصفاد. فإذا ألقوا في ms1923 الضيق ، على هذا الوصف ، {دعوا هنالك} ~~أي : في ذلك المكان الهائل والحالة الفظيعة ، {ثبورا} أي : هلاكا ، بأن ~~يقولوا : واثبوراه ؛ هذا حينك فتعال ، فيتمنون الهلاك ليستريحوا ، فيقال ~~لهم : {لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا} أي : لا تدعوا ~~بالهلاك على أنفسكم مرة واحدة ، ودعاء واحدا ، بل ادعوا دعاء متعددا بأدعية ~~كثيرة ، فإن ما أنتم عليه من العذاب لغاية شدته وطول مدته ، مستوجب لتكرر ~~الدعاء في كل أوان. وهو يدل على فظاعة العذاب وهوله. # وأما ما قيل من أن المعنى : إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا ، ~~وإنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب أنواع وألوان ، كل نوع منها ثبور ؛ ~~لشدته وفظاعته ، أو : لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، فلا غاية لها ، ~~فلا يلائم المقام. انظر أبا السعود. وعن أنس رضي الله عنه قال : قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : " أول من يكسى حلة من النار إبليس ، فيضعها على # 113 PageV05P174 ~~حاجبيه ، ويسحبها من خلفه ، وذريته من بعده ، وهو يقول : يا ثبوراه ، وهم ~~يجاوبونه : يا ثبورهم ، حتى يقفوا على النار ، فيقال لهم : لا تدعوا ثبورا ~~واحدا... ". {قل} لهم يا محمد ؛ تقريعا لهم وتهكما بهم ، وتحسرا على ما ~~فاتهم : {أذلك خير} ، والإشارة إلى السعير ، باعتبار اتصافها بما فصل من ~~الأحوال الهائلة ، وما فيه من معنى البعد ؛ لكونها في الغاية القاصية من ~~الهول والفظاعة. أي : قل لهم أذلك الذي ذكر من السعير ، التي أعدت لمن كذب ~~بالساعة ، وشأنها كيت وكيت ؛ خير {أم جنة الخلد التي وعد المتقون} أي : ~~وعدها الله المتقين ؟ وإنما قال : " أذلك خير " ، ولا خير في النار ؛ تهكما ~~بهم. كما تقدم ، وإضافة الجنة إلى الخلد ؛ للمدح ، وقيل : للتميز عن جنات ~~الدنيا. والمراد بالمتقين : المتصفون بمطلق التقوى ، لا بغايتها. {كانت} ~~تلك الجنة {لهم} في علم الله تعالى ، أو في اللوح ، {جزاء} على أعمالهم ، ~~{ومصيرا} يصيرون إليه بعد الموت. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 112 PageV05P175 ~~لهم فيها ما يشاؤون} من فنون الملاذ والمشتهيات ، وأنواع النعيم والخيرات ، ~~كقوله تعالى : {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} [الزخرف ms1924 : 71] ، ولعل ~~كل فريق منهم يقنع بما أتيح له من درجات النعيم ، ولا تمتد أعناق همهم إلى ~~ما فوق ذلك من المراتب العالية. فلا يلزم الحرمان ، ولا تساوى أهل الجنان. ~~حال كونهم {خالدين} لا يفنون ، ولا يفنى ما هم فيه ، {كان على ربك وعدا ~~مسؤولا} أي : موعودا حقيقيا بأن يسأل ويطلب ؛ لكونه مما يتنافس فيه ~~المتنافسون ، أو : مسؤولا لا يسأله الناس في دعائهم ، بقولهم : {ربنا وآتنا ~~ما وعدتنا علىا رسلك} [آل عمرآن : 194] أو : تسأله الملائكة بقولهم : {ربنا ~~وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} [غافر : 8] وما في " على " من معنى الوجوب ، ~~لامتناع الخلف في عده تعالى ، فكأنه أوجبه على نفسه ؛ تفضيلا وإحسانا. وفي ~~التعرض لعنوان الربوبية ؛ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ؛ من ~~تشريفه والإشعار بأنه صلى الله عليه وسلم هو أول الفائزين بمغانم هذا الوعد ~~الكريم ما لا يخفى. قاله أبو السعود. # الإشارة : تبارك الذي إن شاء جعل ذلك خيرا من ذلك ، وهي جنة المعارف ~~المعجلة ، تجري من تحتها أنهار العلوم وفيض المواهب ، ويجعل لك قصورا تنزل ~~فيها ، ثم ترحل عنها ، وهي منازل السائرين ومقامات المقربين ، إلى أن تسكن ~~في محل الشهود والعيان ، وهو العكوف في حضرة الإحسان. بل كذبوا بالساعة ، ~~أي : من تنكب عن هذا الخير الجسيم ، إنما سببه أنه فعل فعل من يكذب بالساعة ~~؛ من الانهماك في الدنيا ، والاشتغال بها عن زاد الآخرة. وأعتدنا لمن فعل ~~ذلك سعيرا ، أي : إحراقا للقلب بالتعب ، والحرص ، والجزع والهلع ، والإقبال ~~على الدنيا ، إذا قابلتهم من مكان بعيد سمعوا لها # 114 PageV05P176 ~~تغيظا وزفيرا ؛ غيظا على طلابها ، حيث آثروها على ما فيه رضا مولاها ، وإذا ~~ألقوا في أشغالها ، وضاق عليهم الزمان في إداركها ، دعوا بالويل والثبور ، ~~وذلك عند معاينة أعلام الموت ، والرحيل إلى القبور ، ولا ينفعهم ذلك. قل : ~~أذلك خير أم جنة الخلد ؟ ، وهي جنة المعارف ، التي وعد المتقون لكل ما سوى ~~الله ، كانت لهم جزاء على مجاهدتهم وصبرهم ، ومصيرا يصيرون إليها بأرواحهم ~~وأسرارهم. لهم فيها ما يشاؤون ؛ لكونهم حينئذ أمرهم بأمر الله ، كان ms1925 على ~~ربك وعدا مسؤولا ، أي : مطلوبا للعارفين والسائرين. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 112 # قلت : " اتخذ " قد يتعدى إلى مفعول واحد ، كقوله : {أم اتخذوا ءالهة} ~~[الأنبياء : 8] ، وقد يتعدى إلى مفعولين ، كقوله : {واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا} [النساء : 125] ، فقرأ الجمهور : (أن نتخذ) ؛ بالبناء لفاعل. وقرأ ~~الحسن وأبو جعفر بالبناء للمفعول. فالقراءة الأولى على تعديته لواحد ، ~~والثانية على تعديته لاثنين. فالأول : الضمير في (نتخذ) ، والثاني : (من ~~أولياء). و(من) : للتبعيض ، أي : ما ينبغي لنا أن نتخذ بعض أولياء من دونك ~~؛ لأن " من " لا تزاد في المفعول الثاني ، بل في الأول ، تقول : ما اتخذت ~~من أحد وليا ، ولا تقول : ما اتخذت أحدا من ولي. وأنكر القراءة أبو عمرو بن ~~العلاء وغيره ، وهو محجوج ؛ لأن قراءة أبي جعفر من المتواتر. PageV05P177 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم نحشرهم} ، أو : يوم يحشرهم الله جميعا ~~للبعث والحساب ، يكون ما لا تفي به العبارة من الأهوال الفظيعة والأحوال ~~الغريبة ، فيحشرهم {وما يعبدون من دون الله} ؛ من الملائكة والمسيح وعزير. ~~وعن الكلبي : الأصنام ؛ ينطقها الله ، وقيل : عام في الجميع. و(ما) : ~~يتناول العقلاء وغيرهم ؛ لأنه أريد به الوصف ، كأنه قيل : ومعبودهم. ~~{فيقول} الحق جل جلاله للمعبودين ، إثر حشر الكل ؛ تقريعا للعبدة وتبكيتا : ~~{أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء} ، بأن دعوتموهم إلى عبادتكم ، {أم هم ضلوا ~~السبيل} أي : عن السبيل بأنفسهم ؛ بإخلالهم بالنظر الصحيح ، وإعراضهم عن الرشد. # وتقديم الضميرين على الفعلين بحيث لم يقل : أضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا # 115 # السبيل ؛ لأن السؤال ليس عن نفس الفعل ، وإنما هو عن متوليه والمتصدي له ~~، فلا بد من ذكره ، وإيلائه حرف الاستفهام ؛ ليعلم أنه المسؤول عنه. وفائدة ~~سؤالهم ، مع علمه تعالى بالمسؤول عنه ؛ لأن يجيبوا بما أجابوا به ؛ حتى ~~يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم ، فتزيد حسرتهم. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 115 PageV05P178 ~~قالوا} في الجواب : {سبحانك} ؛ تعجيبا مما قيل ، لأنهم إما ملائكة معصومون ~~، أو جمادات لا تنطق ولا قدرة لها على شيء ، أو : قصدوا به تنزيهه عن ~~الأنداد ، ثم قالوا : {ما كان ينبغي لنا} أي : ما صح ms1926 وما استقام لنا {أن ~~نتخذ من دونك} أي : متجاوزين إياك ، {من أولياء} نعبدهم ؛ لما قام بنا من ~~الحالة المنافية له ، فأنى يتصور أن نحمل غيرنا على أن يتخذوا غيرك ، فضلا ~~أن يتخذونا أولياء ، أو : ما كان يصح لنا أن نتولى أحدا دونك ، فكيف يصح ~~لنا أن نحمل غيرنا أن يتولونا دونك حتى يتخذونا أربابا من دونك ، {ولكن ~~متعتهم وآباءهم} بالأموال والأولاد وطول العمر ، فاستغرقوا في الشهوات ، ~~وانهمكوا فيها {حتى نسوا الذكر} أي : غفلوا عن ذكرك ، وعن الإيمان بك ، ~~واتباع شرائعك ، فجعلوا أسباب الهداية ؛ من النعم والعوافي ، ذريعة إلى ~~الغواية. {وكانوا} ، في قضائك وعلمك الأزلي ، {قوما بورا} ؛ هالكين ، جمع : ~~بائر ، كعائذ وعوذ. ثم يقال للكافر بطريق الالتفات : {فقد كذبوكم بما ~~تقولون} ، وهو احتجاج من الله تعالى على العبدة ؛ مبالغة في تقريعهم ~~وتبكيتهم ؛ على تقدير قول مرتب على الجواب ، أي : فقال الله جل جلاله عند ~~ذلك للعبدة : فقد كذبكم المعبودون أيها الكفرة ، {بما تقولون} أي : في ~~قولكم : هؤلاء أضلونا. والباء بمعنى " في " ، وعن قنبل : بالياء ، والمعنى ~~: فقد كذبوكم بقولهم : {سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من ~~أوليآء} ، والباء حينئذ كقولك : كتبت بالقلم. # {فما يستطيعون} ؛ فما يملكون {صرفا} ؛ دفعا للعذاب عنكم {ولا نصرا} أي : ~~فردا من أفراد النصر. والمعنى : فما تستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب ~~أو ينصروكم. وعن حفص بالتاء ، أي : فما تستطيعون أنتم أيها الكفرة صرفا ~~للعذاب عنكم ، ولا نصر أنفسكم. PageV05P179 # ثم خاطب المكلفين على العموم فقال : {ومن يظلم منكم} ؛ يشرك ؛ بدليل قوله : ~~{إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان : 13] لأن الظلم : وضع الشيء في غير محله ، ~~ومن جعل المخلوق شريكا لخالقه فقد ظلم ظلما عظيما. أي : ومن يظلم منكم أيها ~~المكلفون ، كدأب هؤلاء الكفرة ، حيث ركبوا متن المكابرة والعناد ، واستمروا ~~على الملاججة والفساد ، {نذقه} في الآخرة {عذابا كبيرا} لا يقادر قدره ، ~~وهو الخلود في النار ، والعياذ بالله. # الإشارة : كل من عشق شيئا وأحبه من دون الله فهو عابد له ، فردا أو ~~متعددا ، # 116 # فيحشر معه يوم القيامة ، فيقال لهم ms1927 : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ، أم هم ~~ضلوا السبيل ؟ فيتبرؤون منهم ، ويقولون : بل متعتهم بالدنيا ، وألهيتهم عن ~~الذكر والتفكر والاعتبار ، أو عن الشهود والاستبصار ، حتى نسوا ذكر الله ~~وكانوا قوما بورا. وقد ورد : (أن الدنيا تبعث يوم القيامة على هيئة عجوز ~~شمطاء زرقاء ، فتنادي : أين أولادي ؟ فيجمعون لها كرها ، فتقدمهم ، فتوردهم ~~النار). وقوله تعالى : {ومن يظلم منكم} أي : يخرج عن حد الاستقامة في ~~العبودية ، وشهود عظمة الربوبية ، نذقه عذابا كبيرا ، وهو ضرب الحجاب على ~~سبيل الدوام ، إلا وقتا مخصوصا مع العوام. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 115 # قلت : كسرت (إن) ؛ لأجل اللام في الخبر. والجملة بعد (إلا) : صفة لمحذوف ~~، أي : وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين ، وإنما حذف ؛ ~~اكتفاء بالجار والمجرور ، يعني من المرسلين ، وهو كقوله تعالى : {وما منآ ~~إلا له مقام معلوم} [الصافات : 164] ، أي : وما منا أحد. وقيل : هي حال ، ~~والتقدير : إلا وأنهم ليأكلون. PageV05P180 # يقول الحق جل جلاله : في الجواب المشركين عن قولهم : {مال هاذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشى فى الأسواق} [الفرقان : 7] ؛ تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا} وصفتهم {إنهم ليأكلون} ؛ بشر يأكلون ~~{الطعام} ، مفتقرون إليه في قيام بنيتهم ، {ويمشون في الاسواق} في طلب ~~حوائجهم ، فليس ببدع أن تكون أنت كذلك ، {وجعلنا بعضهم لبعض فتنة} أي : ~~محنة ، وهو التعليل لما قبله ، أي : إنما جعلت الرسل مفتقرين للمادة ، ~~وفقراء من المال ، يمشون في الاسواق لطلب المعاش ؛ ابتلاء ، وفتنة ، ~~واختبارا لمن تبعهم ، من غير طمع ، ولم يعرض عنهم لأجل فقرهم ، فقد جعلت ~~بعضكم لبعض فتنة. قال ابن عباس : أي : جعلت بعضكم بلاء لبعض ؛ لتصبروا على ~~ما تسمعون منهم ، وترون من خلافهم ، وتتبعوا الهدى بغير أن أعطيكم عليه ~~الدنيا ، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي ، فلا يخالفون ، لفعلت ، ولكن ~~قدرت أن أبتلي العباد بكم وأبتليكم بهم. ه. # فالحكمة في فقر الرسل من المال : تحقيق الإخلاص لمن تبعهم ، وإظهار ~~المزية لهم ؛ حيث تبعوهم بلا حرف. قال النسفي : أو جعلناك فتنة لهم ؛ لأنك ~~لو ms1928 كنت صاحب كنوز وجنات لكانت طاعتهم لأجل الدنيا ، أو ممزوجة بالدنيا ، ~~فإنما بعثناك فقيرا ؛ لتكون طاعة من يطعيك خالصة لنا. ه. # 117 PageV05P181 ~~قال في الحاشية : وقد قيل : إن الدنيا دار بلاء وامتحان ، فأراد تعالى أن ~~يجعل بعض العبيد فتنة لبعض ، على العموم في جميع الناس : مؤمن وكافر ، ~~بمعنى : أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغنى ممتحن بالفقير ، عليه أن يواسيه ~~ولا يسخر منه. والفقير ممتحن بالغنى ، عليه ألا يحسده ، ولا يأخذ منه إلا ~~ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق الذي عليه ، وتوجه إليه من ذلك ~~؛ لأن الدار دار تكليف بموجبات الصبر ، وقد جعل تعالى إمهال الكفار ~~والتوسعة عليهم ؛ فتنة للمؤمنين ، واختبارا لهم. ولما صبروا نزل فيهم : ~~{إني جزيتهم اليوم بما صبرواا} [المؤمنون : 111]. والحاصل : أن الله تعالى ~~دبر خلقه ، وخص كلا بما شاء ، من غنى أو فقر ، أو علم أو جهل ، أو نبوة أو ~~غيرها. وكذا سائر الخصوصيات ؛ ليظهر من يسلم له حكمه وقسمته ، ومن ينازعه ~~في ذلك ، ومن يؤدي حق ما توجه عليه من ذلك ؛ فيكون شاكرا صابرا ، ومن لا ، ~~وهو أعلم بحكمته في ذلك ، ولذلك قال : {وكان ربك بصيرا}. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 117 # وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل ، والوليد بن عتبة ، والعاص ، حين رأوا أبا ~~ذر وعمارا وصهيبا ، وغيرهم من الفقراء المسلمين ، قالوا : أنسلم ؛ فنكون ~~مثل هؤلاء ؟ فنزلت الآية ، تخاطب هؤلاء المؤمنين : أتصبرون على هذه الحالة ~~من الشدة والفقر ؟ ه. # قال النسفي : أتصبرون على هذه الفتنة فتؤجروا ، أم لا تصبرون فيزداد غمكم ~~؟ حكي أن بعض الصالحين تبرم بضنك عيشه ، فخرج ضجرا ، فرأى خصيا في مواكب ~~ومراكب ، فخطر بباله شيء ، فإذا بقارئ يقرأ هذه الآية ، فقال : بل نصبر ، ~~ربنا. ه. PageV05P182 # قال القشيري : هو استفهام بمعنى الأمر ، فمن قارنه التوفيق صبر وشكر ، ومن ~~قارنه الخذلان أبى وكفر. ه. وقيل : هو الأمر بالإعراض عما جعل في نظره فتنة ~~، كما قال : {ولا تمدن عينيك} [طه : 131] ، فينبغي ألا ينظر بعض إلى بعض ، ~~إلا لمن دونه ، كما ورد في الخبر.ه. ms1929 # {وكان ربك بصيرا} ؛ عالما بالحكمة فيما يبتلي به ، أو : بمن يصبر ويجزع. ~~وقال أبو السعود : هو وعد كريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالأجر ~~الجزيل ؛ لصبره الجميل ، مع مزيد تشريف له - عليه الصلاة والسلام - ؛ ~~بالالتفات إلى إسم الرب مضافا إلى ضميره صلى الله عليه وسلم. ه. # الإشارة : الطريق الجادة التي درج عليها الأنبياء والأولياء هي سلوك طريق ~~الفقر والتخفيف من الدنيا ، إلا قدر الحاجة ، بعد التوقف والاضطرار ، ~~ابتداء وانتهاء ، حتى تحققوا بالله. ومنهم من أتته الدنيا بعد التمكين فلم ~~تضره. والحالة الشريفة : ما سلكها نبينا صلى الله عليه وسلم وهو التخفيف ~~منها وإخراجها من اليد ، حتى مات ودرعه مرهونة عند يهودي ، # 118 # في وسق من شعير. وعادته تعالى ، فيمن سلك هذا المسلك ، أن يديل الغنى في ~~عقبه ، فيكونون أغنياء في الغالب. والله تعالى أعلم. # وما وصف به الحق تعالى رسله ؛ من كونهم يأكلون الطعام ، ويمشون في ~~الأسواق ، هو وصف للأولياء أيضا - رضي الله عنهم - ؛ فيمشون في الأسواق ؛ ~~للعبرة والاستبصار في تجليات الواحد القهار ، فحيث يحصل الزحام يعظم الشهود ~~للملك العلام ، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه : عين الزحام هو الوصول لحينا. PageV05P183 # وكان شيخ أشياخنا - سيدي علي العمراني - يقول لأصحابه : من أراد أن يذوق ~~فليمش إلى السوق. ه. فينبغي للمريد أن يربي فكرته في العزلة والخلطة ~~والخلوة والجلوة ، ولا يقتصر على تربيتها في العزلة فقط ؛ لئلا يتغير حاله ~~في حال الخلطة ؛ فيبقى ضعيفا. فالعزلة تكون ؛ ابتداء ، قبل دخول بلاد ~~المعاني ، فإذا دخل بلاد المعاني فليختر الخلطة على العزلة ، حتى يستوي ~~قلبه في الخلوة والجلوة ، فالعزلة عن الناس عزلة الضعفاء ؛ والعزلة بين ~~الناس عزلة الأقوياء. فالمشي في الأسواق والأكل فيها سنة الفقراء ، أهل ~~الأحوال ؛ مجاهدة لنفوسهم ، وترييضا لها على إسقاط مراقبة الخلق ، والخوف ~~منهم. وقد ورد أن الله تعالى أمر بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ تشريفا ~~لأهل الأحوال ، كما ذكره صاحب اللباب عند قوله : {مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق...}. # جزء : 5 رقم الصفحة : 117 # ومن آداب ms1930 الداخل في السوق : أن يكون ماشيا على رجليه ، لا راكبا ، كما ~~وصف الله تعالى الرسل - عليهم السلام. وفي قوله تعالى : {وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة أتصبرون} : تسلية لمن يبتلى من الأولياء ، وتهوين له على ما يلقاه من ~~شدائد الزمان ، وإذاية الإخوان ، وجفوة الناس. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 117 # قلت : (وقال) : عطف على : (وقالوا مال هذا الرسول...) إلخ ، ووضع الموصول ~~موضع الضمير ؛ للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ما حكي عنهم من الشناعة ~~بحيث لا يصدر ممن يعتقد المصير إلى الله - عز وجل -. # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} أي : لا يتوقعون الرجوع # 119 # إلينا بالبعث ، أو حسابنا المؤدي إلى سوء العذاب ، الذي تستوجبه مقالاتهم ~~الشنيعة. PageV05P184 # والحاصل : أنهم ينكرون البعث بالكلية ، فأطلق الرجاء على التوقع. وقيل : لا ~~يخافون لقاءنا ؛ لأن الرجاء في لغة تهامة : الخوف ، قالوا : {لولا} ؛ هلا ~~{أنزل علينا الملائكة} رسلا دون البشر ، أو : يشهدون بنبوة محمد ودعوى ~~رسالته ، {أو نرى ربنا} جهرة ، فيخبرنا برسالته ، ويأمرنا باتباعه ، وإنما ~~قالوا ذلك ؛ عنادا وعتوا. # قال تعالى : {لقد استكبروا في أنفسهم} أي : أضمروا الاستكبار ، وهو الكفر ~~والعناد في قلوبهم ، أو : عظموا في أنفسهم حتى اجترؤوا على التفوه بمثل هذه ~~العظيمة الشنعاء ، {وعتوا} أي تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان {عتوا كبيرا} ~~؛ بالغا أقصى غاياته ، أي : إنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم ؛ إلا ~~لأنهم بلغوا غاية الاستكبار ، وأقصى العتو ، حتى أملوا نيل المشاهدة ~~والمعاينة والمفاوضة التي اختص بها أكابر الرسل وخاصة الأولياء ، بعد تطهير ~~النفوس وتصفية القلوب والأرواح. وهذا كقولهم : {وقالوا لن نؤمن لك...} ~~[الإسراء : 90] إلى قوله : {أو تأتى بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء : ~~92]. ولم يكتفوا بما رأوا من المعجزات القاهرة ؛ فذهبوا في الاقتراح كل ~~مذهب ، حتى منتهم أنفسهم الخبيثة أمالي سدت دونها مطامع النفوس القدسية. ~~واللام : جواب قسم محذوف ، أي : والله لقد استكبروا.. الآية. وفيه من ~~الدلالة على قبح ما هم عليه ، والإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم ، ما ~~لا يخفى. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 119 PageV05P185 ~~يوم يرون الملائكة} عند ms1931 الموت أو البعث. و{يوم} : منصوب باذكر ، أو بما دل ~~عليه : {لا بشرى يومئذ للمجرمين} ؛ فإنه بمعنى : يمنعون البشرى ، أو : لا ~~يبشر المجرمون. انظر البيضاوي. والجملة : استئناف مسوق لبيان ما يلقونه عند ~~مشاهدتهم لما اقترحوه من نزول الملائكة ، بعد استعظامه وبيان كونه في غاية ~~ما يكون من الشناعة. وإنما قيل : يوم يرون ، دون أن يقال : يوم تنزل ؛ ~~إيذانا ، من أول الأمر ، بأن رؤيتهم لهم ليست على طريق الإجابة إلى ما ~~اقترحوه ، بل على وجه آخر غير معهود. وتكرير (يومئذ) ؛ لتأكيد التهويل ، مع ~~ما فيه من الإيذان بأن تقديم الظرف للاهتمام ، لا لقصر نفي البشرى على ذلك ~~الوقت فقط ؛ فإن ذلك مخل بتفظيع حالهم. وللمجرمين) : تعيين على أنه مظهر ، ~~وضع موضع الضمير ؛ تسجيلا عليهم بالإجرام ، مع ما هم عليه من الكفر ~~والطغيان. # {ويقولون حجرا محجورا} على ما ذكر من الفعل المنفي ، أي : لا يبشرون ، ~~ويقولون. وهو ينبئ عن كمال فظاعة ما يحيق بهم من الشر ، وغاية هول مطلعه ، ~~أي : يقولون ، عند مشاهدة ملائكة العذاب : حجرا محجورا ، أي : منعا ممنوعا ~~منكم ، وهي كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو هائل ، أو هجوم نازلة هائلة ، ~~يضعونها موضع الاستعاذة ، فكأن المعنى : نسأل الله تعالى أن يمنع ذلك عنا ~~منعا ، ويحجره عنا حجرا. والمعنى : أنهم # 120 # يطلبون نزول الملائكة - عليهم السلام - ويقترحونه ، وهم إذا رأوهم كرهوا ~~لقاءهم أشد كراهة ، وفزعوا منهم فزعا شديدا. وقالوا ، عند رؤيتهم ، ما ~~كانوا يقولون عند نزول خطب شنيع وبأس فظيع. PageV05P186 # وقيل : هو قول الملائكة ، أي : تقول الملائكة للمجرمين ، حين يرونهم : حجرا ~~محجورا ، أي : حراما محرما عليكم البشرى ، أي : جعل الله ذلك حراما عليكم ، ~~إنما البشرى للمؤمنين. و(الحجر) : مصدر ، يفتح ويكسر ، وقرئ بهما. من حجره ~~؛ إذا منعه. وهو من المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها. ومحجورا : ~~لتأكيد معنى الحجر ، كما قالوا : موت مائت. وانظر ما وجه به وقف الهبطى على ~~" حجرا " ؛ فلعله الأوجه له. # ثم ذكر مآل أعمالهم ، فقال : {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا} الهباء : شبه غبار يرى في شعاع ms1932 الشمس ، يطلع من كوة. والقدوم هنا : ~~مجاز. مثلت حال هؤلاء الكفرة وأعمالهم التي عملوها في كفرهم ؛ من صلة رحم ، ~~وإغاثة ملهوف ، وقرى ضيف ، وعتق ، ونحو ذلك ، بحال من خالف سلطانه ، فقدم ~~إلى أشيائه ، وقصد إلى ما تحت يديه ، فأفسدها ، ومزقها كل ممزق ، ولم يترك ~~لها عينا ولا أثرا ، أي : عمدنا إليها وأبطلناها ، أي : أظهرنا بطلانها ~~بالكلية ، من غير أن يكون هناك قدوم. والمنثور : المفرق ، وهو استعارة عن ~~جعله لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع. # جزء : 5 رقم الصفحة : 119 # ثم ذكر ضدهم ، فقال : {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا} أي : مكانا يستقرون ~~فيه ، والمستقر : المكان الذي يستقر فيه في أكثر الأوقات ، للتجالس ~~والتحادث ، {وأحسن مقيلا} : مكانا يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم. ولا ~~نوم في الجنة ، ولكنه سمي مكان استرواحهم إلى أزواجهم الحور مقبلا ؛ على ~~طريق التشبيه. وروي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم ، فيقيل أهل الجنة ~~في الجنة ، وأهل النار في النار. # وقال سعيد الصواف : بلغني أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين ، حتى يكون ~~ما بين العصر إلى غروب الشمس ، إنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من ~~حساب الناس. PageV05P187 # وقرأ هذه الآية. ه. وأما الكافر فيطول عليه ، كما قال تعالى : {فى يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة} [المعارج : 4]. # قال أبو السعود : وفي وصفه بزيادة الحسن ، مع حصول الخيرية ، رمز إلى أنه ~~مزين بفنون الزين والزخارف. والتفضيل المعتبر فيهما : إما لإرادة الزيادة ~~على الإطلاق ، أي : هم في أقصى ما يكون من خيرية المستقر وحسن المقيل ، ~~وأما بالإضافة إلى ما للكفرة المتنعمين في الدنيا ، أو إلى ما لهم في ~~الآخرة ، بطريق التهكم بهم ، كما مر في قوله : {أذلك خير... } الآية.ه. # الإشارة : هؤلاء طلبوا الرؤية قبل إبانها وتحصيل شروطها ، وهي الإيمان ~~بالله ، # 121 # والإخلاص ، والخضوع لمن يدل على الله ، وذل النفس وتصغيرها في طلب الله. ~~ولذلك قال تعالى في وصفهم - الذي منعهم من شهوده تعالى : {لقد استكبروا في ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} أي : ولو صغروا في أنفسهم ، وخضعوا خضوعا كبيرا ms1933 ؛ ~~لحصل لهم ما طلبوا ، ولبشروا بما أملوا ، وفي ذلك يقول الشاعر : # تذلل لمن تهوى ؛ فليس الهوى سهل # إذا رضي المحبوب صح لك الوصل # تذلل له ؛ تحظى برؤيا جماله # ففي وجه من تهوى الفرائض والنفل # وقيل لأبي يزيد رضي الله عنه ، حين قام يصلي بالليل : يا أبا يزيد ، ~~خزائننا معمورة بالخدمة ، ائتنا من كوة الذل والافتقار. وقال الشيخ عبد ~~القادر الجيلاني رضي الله عنه : أتيت الأبواب كلها فوجدت عليها الزحام ، ~~فأتيت باب الذل والفقر فوجدته خاليا ، فدخلت وقلت : هلموا إلى ربكم. أو كما قال. # جزء : 5 رقم الصفحة : 119 PageV05P188 ~~وفي قوله تعالى : {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل...} الخ ، الترغيب في ~~الإخلاص الموجب لقبول الأعمال ، والترهيب من الرياء والعجب ، الموجبان ~~لإحباط الأعمال. وفي حديث معاذ عنه صلى الله عليه وسلم : " إن الله خلق ~~سبعة أملاك قبل خلق السموات ، ووكل كل ملك بباب من أبواب السماء ، فتصعد ~~الحفظة بعمل العبد إلى السماء الأولى فيقول الملك : ردوه ، واضربوا به وجهه ~~؛ إن صاحبه كان يغتاب الناس ، تم تصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء ~~الثانية ، فيقول الملك : ردوه ؛ إنه كان يفتخر على الناس في مجالسهم ، ثم ~~تصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء الثالثة ، فيقول الملك : ردوه ؛ إنه كان ~~يتكبر على الناس في مجالسهم ، ثم تصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء ~~الخامسة ، فيقول الملك : ردوه ؛ إنه كان يحسد الناس ويقع فيهم ، ثم تصعد ~~الحفظة إلى السماء السادسة ، فيقول الملك : ردوه ؛ إنه كان لا يرحم إنسانا ~~قط ، بل كان يشمت بمن وقع في بلاء ، أنا ملك الرحمة ، أمرني ألا يجاوزني ~~عمله. ثم تصعد الحفظة إلى السماء السابعة ، فيقول الملك : ردوه ؛ إنه كان ~~يحب الظهور والرفعة عند الناس ، ثم تصعد الحفظة بعمل العبد ؛ من صلاة ، ~~وذكر ، وتفكر ، وحسن خلق ، فيقفون بين يدي الله ، ويشهدون له بالصلاح ، ~~فيقول الرب جل جلاله : أنتم الحفظة على عمل عبدي ، وأنا الرقيب على قلبه ، ~~إنه لم يردني بهذا العمل ، أراد به غيري ، فعليه لعنتي ، ثم تلعنه الملائكة ~~والسموات. وانتهى باختصار ، وخرجه المنذري. وتكلم ms1934 في وضعه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 119 # قلت : (الملك) : مبتدأ ، و(الحق) : صفته. و(للرحمن) : خبر ، و(يومئذ) : ~~ظرف للاستقرار. PageV05P189 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم تشقق} أي : تنفتح ، فمن قرأ بالتخفيف : ~~حذف إحدى التاءين ، وأصله : تتشقق. ومن شد : أدغم التاء في الشين ، أي : ~~تنشق {السماء بالغمام} أي : عن الغمام ، فتنزل ملائكة السموات في تلك ~~الغمام ؛ ليقع الفصل بين الخلائق ، وهو المراد بقوله تعالى : {هل ينظرون ~~إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} [البقرة : 65]. قيل : هو ~~غمام أبيض رقيق مثل الضبابة ، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. # {ونزل الملائكة تنزيلا} عجيبا غير معهود. روي أن السموات تنشق سماء سماء ~~، وتنزل ملائكة كل سماء في ذلك الغمام ، وفي أيديها صحائف أعمال العباد ، ~~فيفصل الله بين خلقه ، ولذلك قال : {الملك يومئذ الحق للرحمن} أي : السلطنة ~~القاهرة ، والاستيلاء العام ، الثابت ؛ الذي لا زوال له أصلا ، هو للرحمن ~~وحده ؛ لأن كل ملك يزول يومئذ ، ولا يبقى إلا ملكه. PageV05P190 # وفائدة التقييد ، مع أن الملك لله في الدنيا والآخرة ؛ لأن في الدنيا قد ~~تظهر صورة الملك للمخلوق ؛ مجازا ، ويكون له تصرف صوري ، بخلاف يوم القيامة ~~، ينقطع فيه الدعاوي ، ويظهر الملك لله الواحد القهار ، {وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا} أي : وكان ذلك اليوم ، مع كون الملك للمبالغ في الرحمة ، ~~{عسيرا} أي : صعبا ، شديدا على النفوس بالنسبة للكافرين ، وأما على ~~المؤمنين فيكون يسيرا ، بفضل الله تعالى. وقد جاء في الحديث : أنه يهون يوم ~~القيامة على المؤمنين حتى يكون أخف عليهم من صلاة مكتوبة ، صلوها في ~~الدنيا. ففي حديث أبي سعد الخدري حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~{في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} ، قلت : يا رسول الله ، ما أطول هذا ~~اليوم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن ~~حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة ، يصليها في الدنيا ". {و} اذكر أيضا ~~{يوم يعض الظالم على يديه} ؛ ندما وتحسرا ، فعض اليد والأنامل : كناية عن ~~شدة الغيظ والحسرة ؛ لأنها ms1935 من روادفها ، فتذكر المرادفة ويراد بها # 123 # المردوف ، فيرتفع الكلام بذلك في طبقة الفصاحة ، ويجد السامع في نفسه من ~~الروعة ما لا يجده عند اللفظ المكنى عنه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 122 PageV05P191 ~~والمراد بالظالم : إما عقبة بن أبي معيط ، وكان خليلا لأبي بن خلف وكان ~~عقبة يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقدم من سفر وصنع طعاما ، ~~فدعا إليه أشرف قومه ، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قرب الطعام ، ~~قال النبي صلى لله عليه وسلم : " ما أنا بآكل من طعام ، حتى تشهد أن لا إله ~~إلا الله ، وأني رسول الله " فقال عقبة : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن ~~محمدا رسول الله. فأكل النبي صلى الله عليه وسلم طعامه ، وكان أبي بن خلف ~~غائبا فلما أخبر ، قال له : صبأت يا عقبة ؟ فقال : لا ، والله ما صبأت ، ~~ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد له ، فاستحييت أن يخرج ~~من بيتي ولم يطعم ، فشهدت له ، فطعم ، فقال : ما أنا بالذي أرضى عنك أبدا ، ~~حتى تأتيه فتبزق في وجهه ، وتطأ عنقه ، فوجده صلى الله عليه وسلم ساجدا ، ~~ففعل ذلك ، وأخذ رحم دابته فألقاها بين كتفيه ، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : " لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف " فقتل عقبة يوم بدر ~~؛ صبرا. وأما أبي فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده ، يوم أحد ، في ~~المبارزة ، طعنه في عنقه ، فمات بمكة. # وعن الضحاك : لما بصق عقبة - بأمر أبي - في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ~~، رجع بصاقه في وجهه ، وشوى وجهه وشفتيه ، حتى أثر في وجهه وأحرق خديه ، ~~فلم يزل في وجهه حتى قتل ، وقتله علي ببدر بأمره صلى الله عليه وسلم بقتله. ~~ه. وقال الشعبي : كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأبي بن خلف ، فأسلم عقبة ، ~~فقال أبي : وجهي من وجهك حرام ، أن تابعت محمدا ، فارتد ؛ لرضا صاحبه ، ~~فنزلت الآية. ه. # وإما جنس الظالم ، ويدخل عقبة فيه دخولا أوليا. PageV05P192 # {يقول يا ليتني} ، الياء ms1936 لمجرد التنبيه ، من غير تعيين المنبه ، أو : ~~المنبه محذوف ، أي : يا هؤلاء {ليتني اتخذت} في الدنيا {مع الرسول} محمد ~~صلى الله عليه وسلم {سبيلا} أي : طريقا منجيا من هذه الورطات ، وهي طريق ~~الإسلام ، ولم أكن ضالا ، أو : طريقا إلى الجنة ، {يا ويلتي} ، بقلب ياء ~~المتكلم ألفا ، كما في صحارى وعذارى. وقرئ بالياء على الأصل ، أي : يا ~~هلكتي ، تعالي ؛ هذا أوانك ، {ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} ، فلان : كناية ~~عن الإعلام ، فإن أريد بالظالم عقبة ، فالمعنى : لم أتخذ أبيا خليلا ، فكنى ~~عن اسمه ، وإن أريد به الجنس ، فهو كناية عن علم كل من يضله ، كائنا من كان ~~، من شياطين الإنس والجن. وقيل : هو كناية عن الشيطان. # جزء : 5 رقم الصفحة : 122 # ثم قال : {لقد أضلني عن الذكر} ؛ عن ذكر الله ، أو : القرآن ، أو : ~~الإيمان ، أو موعظة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو كلمة الشهادة. وتصديره ~~بلام القسم ؛ للمبالغة في بيان خطئه ، # 124 # وإظهار ندمه وحسرته ، أي : والله لقد أضلني عن الذكر {بعد إذا جاءني} من ~~الله ، وتمكنت منه. {وكان الشيطان للإنسان خذولا} أي : مبالغا في الخذلان ، ~~حيث يواليه من يؤديه إلى الهلاك ، ثم يتركه ولا ينفعه ، وهو الحامل له على ~~مخاللة المضل ومخالفة الرسل. وقيل : المراد به خليله أبي ، وسماه شيطانا ؛ ~~لأنه أضله كما يضله الشيطان. والله تعالى أعلم. # الإشارة : في الآية تحريض على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وشد اليد ~~علىالتمسك بسنته ، والاهتداء بهديه ، واتباع ما جاء به ، قبل أن تقول : يا ~~ليتني أتخذت مع الرسول سبيلا. وفيها أيضا : الترغيب في صحبة الأبرار ، ~~والترهيب من صحبة الفجار ، وأنشد بعض الحكماء : # تجنب قرين السوء واصرم حباله # فإن لم تجد عنه محيصا فداره # وأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه PageV05P193 ~~تنل منه صفو الود ما لم تماره # وفي الشيب ما ينهى الحليم عن الصبا # إذا اشتعلت نيرانه في عذاره # وقال آخر : # اصحب خيار الناس حيث لقيتهم # خير الصحابة من يكون عفيفا # والناس دراهم ميزتها # فوجدت فيها فضة وزيوفا # وفي حديث أبي موسى رضي الله ms1937 عنه صلى الله عليه وسلم قال : " مثل الجليس ~~الصالح مثل العطار ، إن لم يحذك من عطره يعلق بك من ريحه. ومثل الجليس ~~السوء مثل الكير ، إن لم يحرق ثيابك يعلق بك من ريحه " وقال في الحكم : " ~~لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلك على الله مقاله ". فإنهاض الحال هو ~~ذكر الله عند رؤيته ، والانحياش إليه بالقلب عند صحبته. ودلالة المقال على ~~الله هو زجه في الحضرة بلا تعب ، بان يرفع بينه وبين ربه الحجب ، ويقول له ~~: ها أنت وربك. وهذه حال الصوفية العارفين بالله ، وقد وصفهم بعض العلماء ، ~~فقال : الصوفي من لا يعرف في الدارين أحدا غير الله ، ولا يشهد مع الله سوى ~~الله ، قد سخر له كل شيء ، ولم يسخر هو لشيء ، يسلط على كل شيء ، ولم يسلط ~~عليه شيء ، يأخذ النصيب من كل شيء ، ولم يأخذ النصيب منه شيء ، يصفو به كدر ~~كل شيء ، ولا يكدر صفوه شيء ، قد أشغله واحد على كل شيء ، وكفاه واحد من كل شيء.ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 122 # قال في التنبيه : وبصحبة أمثال هؤلاء يحصل للمريد من المزيد مالا يحصل له ~~بغيرها ؛ من فنون المجاهدات وأنواع المكابدات ، حتى يبلغ بذلك إلى أمر لا ~~يسعه عقل # 125 # عاقل ، ولا يحيط به عالم ناقل.ه. وفي شانهم أيضا قال صاحب العينية رضي ~~الله عنه : # فشمر ولذ بالأولياء ؛ فإنهم # لهم من كتاب الحق تلك الوقائع # هم الذخر للملهوف ، والكنز للرجا ، PageV05P194 ~~ومنهم ينال الصب ما هو طامع # بهم يهتدي للعين من ضل في العمى # بهم يجذب العشاق ، والربع شاسع # هم القصد ، والمطلوب ، والسؤل ، والمنى # واسمهم للصب ، في الحب شافع # هم الناس ، فالزم إن عرفت جنابهم # ففيهم لضر العالمين منافع # وقال الجنيد رضي الله عنه : إذا أراد الله بالمريد خيرا ألقاه إلى ~~الصوفية ، ومنعه صحبة القراء. وقال سهل رضي الله عنه : احذر صحبة ثلاثة من ~~أصناف الناس : الجبابرة الغافلين ، والقراء المداهنين ، والمتصوفة ~~الجاهلين. ه. وقال حمدون القصار رضي الله عنه : (اصحب الصوفية ؛ فإن للقبح ~~عندهم وجوها من ms1938 المعاذير ، وليس للحسن عندهم كبير موقع يعظمونك به) ؛ إشارة ~~إلى أن العجب بالعمل منفي في صحبتهم. وقال سيدنا علي رضي الله عنه : شر ~~الأصدقاء : من أحوجك إلى المداراة ، وألجأك إلى الاعتذار. # وقال أيضا : شر الأصدقاء من تكلف له. ه. وليوسف بن الحسين الداراني رضي ~~الله عنه : # أحب من الإخوان كل مواتي # فيا غضيض الطرف عن عثراتي # يوافقني في كل أمر أحبه # ويحفظني حيا وبعد مماتي # فمن لي بهذا ، ليتني قد وجدته # فقاسمته مالي من الحسنات # والحاصل من هذا ؛ أن صحبة الصوفية هي التي يحصل بها كمال الانتفاع للصاحب ~~، دون من عداهم من المنسوبين إلى الدين والعلم ؛ لأنهم خصوا من حقائق ~~التوحيد والمعرفة بخصائص ، لم يساهمهم فيها أحد سواهم. وسريان ذلك من ~~الصاحب إلى المصحوب هو غاية الأمل والمطلوب ، فقد قيل : من تحقق بحالة لم ~~يخل حاضروه منها. انتهى من التنبيه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 122 PageV05P195 ~~قلت : (وقال الرسول) : عطف على : (وقال الذين لا يرجون..) ، وما بينهما : ~~اعتراض ؛ لبيان قبح ما قالوا ، وما يحيق بهم في الآخرة من الأهوال والخطوب. # يقول الحق جل جلاله : {وقال الرسول} ؛ محمد صلى الله عليه وسلم ، وإيراده ~~بعنوان الرسالة ؛ للرد في نحورهم ، حيث كان ما حكي عنهم قدحا في رسالته صلى ~~الله عليه وسلم ، أي : قال ، إثر ما شاهد # 126 # منهم من غاية العتو ونهاية الطغيان ، شاكيا إلى ربه - عز وجل : - {يا رب ~~إن قومي} ، يعني : قريشا الذي حكى عنهم ما تقدم من الشنائع ، {اتخذوا هذا ~~القرآن} ، الذي من جملته الآيات الناطقة بما يحيق بهم في الآخرة من فنون ~~العقاب ، {مهجورا} أي : متروكا بالكلية ، فلم يؤمنوا به ويرفعوا إليه رأسا ~~، ولم يتأثروا بوعظه ووعيده ، وهو من الهجران ، وفيه تلويح بأن حق المؤمن ~~أن يكون كثير التعاهد للقرآن ؛ لئلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم. قال أنس ~~: قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من تعلم القرآن ؛ فعلق مصحفا لم ~~يتعاهده ، ولم ينظر فيه ، جاء يوم القيامة متعلقا به ، يقول : يا رب ~~العالمين عبدك هذا اتخذني مهجورا ms1939 ، اقض بيني وبينه ". وقيل : هو من هجر ؛ ~~إذا هذى ، أي : قالوا فيه أقاويل باطلة ، كالسحر ، ونحوه ، أو : بأن هجروا ~~فيه إذا سمعوه ، كقولهم : {لا تسمعوا لهاذا القرآن والغوا فيه} [فصلت : 26] ~~؛ أي : مهجورا فيه. # وفيه من التحذير والتخويف ما لا يخفى ، فإن الأنبياء - عليهم السلام - ~~إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ، ولم ينظروا. PageV05P196 # ثم أقبل عليه ؛ مسليا ، وواعدا لنصره عليهم ، فقال : {وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا من المجرمين} ؛ فتسل بهم ، واقتد بمن قبلك من الأنبياء ، فمن هنا ~~ساروا. أي : كما جعلنا لك أعداء من المشركين ، يقولون ما يقولون ، ويفعلون ~~ما يفعلون من الأباطيل ، جعلنا لكل نبي من الأنبياء ، الذين هم أصحاب ~~الشرائع والدعوة إليها ، عدوا من مجرمي قومهم ، فاصبر كما صبروا ؛ فإن الله ~~ناصرك كما نصرهم. {وكفى بربك هاديا ونصيرا} ، وهو وعد كريم بالهداية له إلى ~~مطالبه ، والنصر على أعدائه ، أي : كفاك مالك أمرك ومبلغك إلى غاية الكمال ~~، هاديا إلى ما يوصلك إلى غاية الغايات ، التي من جملتها : تبليغ الكتاب ، ~~وإجراء أحكامه إلي يوم القيامة. أو : وكفى بربك هاديا لك إلى طريق قهرهم ~~والانتصار منهم ، وناصرا لك عليهم. والعدو : يجوز أن يكون واحدا وجمعا ، ~~والباء زائدة ، و{هاديا ونصيرا} : تمييزان. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 126 # الإشارة : من السنة التي أجراها الله تعالى في خواصه : أن يكون جيرانهم ~~وأقاربهم أزهد الناس فيهم ، وأقواهم عليهم ، وأعدى الناس إليهم. وفي الأثر ~~: " أزهد الناس في العالم جيرانه " فلا ينتفع بالولي ، في الغالب ، إلا ~~أبعد الناس منه ، وقل أن تجد وليا عمر سوقه في بلده ، فالهجرة سنة ماضية ، ~~ولن تسجد لسنة الله تبديلا. وكما جعل لكل نبي عدوا جعل لكل ولي عدوا ، فلا ~~بد للولي أن يبقى له من يحركه إلى ربه بالإذاية والتحريش ، إما من جيرانه ، ~~أو من نسائه وأولاده ؛ ليكون سيره بين جلاله وجماله ، وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا. # 127 # جزء : 5 رقم الصفحة : 126 PageV05P197 ~~يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين كفروا} يعني : قريشا ، وهم القائلون : ~~{لولا أنزل علينا الملائكة ms1940 أو نرىا ربنا} [الفرقان : 21] ، والتعبير عنهم ~~بعنوان الكفر ؛ لذمهم ، والإشعار بعلية الحكم ، قالوا : {لولا نزل عليه ~~القرآن} ، نزل هنا بمعنى أنزل ، وإلا كان متدافعا ؛ لأن التنزيل يقتضي ~~التدرج بصيغته ، وهم إنما اقترحوا الإنزال جملة ، أي : هلا أنزل القرآن ، ~~حال كونه {جملة واحدة} أي : دفعة واحدة في وقت واحد ، كما أنزلت الكتب ~~الثلاثة ، وماله أنزل مفرقا في سنين ؟ وبطلان هذه المقالة الحمقاء مما لا ~~يكاد يخفى على أحد ؛ فإن الكتب المتقدمة لم يكن شاهد صحتها ، ودليل كونها ~~من عند الله ، إعجازها ، وأما القرآن الكريم ، فبينة صحته ، ودليل كونه من ~~عند الله ، نظمه المعجز الباقي على مر الدهور ، ولا ريب في أن ما يدور عليه ~~فلك الإعجاز هو المطابقة لما تقتضيه الأحوال ، ومن ضرورية تغيرها وتجددها ~~تغير ما يطابقها حتما ، على أن له فوائد أخرى ، قد أشير إلى بعض منها بقوله ~~: {كذلك لنثبت به فؤادك} ؛ فإنه استئناف وارد من جهته تعالى ؛ لرد مقالتهم ~~الباطلة ، وبيان الحكمة في التنزيل التدريجي. قاله أبو السعود. # أي : أنزلناه كذلك مفرقا في عشرين سنة ، أو ثلاث وعشرين ؛ لنثبت به فؤادك ~~، ونقوي به يقينك ، فكلما نزل شيء من الوحي قوي القلب ، وازداد اليقين ، ~~حتى يصير إلى عين اليقين وحق اليقين. قال القشيري : لأنه لو كان دفعة واحدة ~~لم يتكرر نزول جبريل - عليه السلام - بالرسالة في كل وقت وحين. وكثرة نزوله ~~كان أوجب ؛ لسكون قلبه ، وكمال روحه ، ودوام أنسه ، ولأنه كان جبريل يأتيه ~~في كل وقت بما يقتضيه ذلك الوقت من الكوائن والأمور الحادثة ، فكان ذلك ~~أبلغ في كونه معجزة ، وكان أبعد من التهم من أن يكون من جهة غيره ، ~~وبالاستعانة بمن سواه حاصلا. ه. PageV05P198 # وقال القرطبي بعد كلام : أيضا : لو أنزل جملة ، بما فيه من الفرائض ؛ لثقل ~~عليهم ، وأيضا : في تفريقه تنبيه لهم ، مرة بعد مرة ، وهو أنفع لهم ، وأيضا ~~فيه ناسخ ومنسوخ ، ولو نزل ذلك جملة لنزل فيه الأمر بالشيء وبتركه ، وهو لا ~~يصح. ه. وقال النسفي : لنقوي ، بتفريقه ، فؤادك ؛ حتى تعيه وتحفظه ؛ لأن ~~المتلقي إنما يقوى ms1941 قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شيء ، وجزءا عقب جزء ، ولو ~~ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه. أو : لنثبت به فؤادك عن الضجر ؛ وذلك ~~بتواتر الوصول وتتابع الرسول ؛ لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب. ه. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 128 # ورتلناه ترتيلا} أي : كذلك فرقناه ورتلناه ترتيلا بديعا عجيبا ، أي : ~~قدرناه آية بعد # 128 # آية ووقفة عقب وقفة ، وأمرنا بترتيل قراءته ، بقولنا : {ورتل القرآن ~~ترتيلا} [المزمل : 4] أو : فصلناه تفصيلا ، أو : بيناه تبيينا فيه ترتيل ~~وتثبيت. {ولا يأتونك بمثل} ؛ بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة ، واقتراحاتهم ~~الفاسدة الخارجة عن دائرة العقول ، الجارية لذلك مجرى الأمثال ، {إلا جئناك ~~بالحق} ؛ إلا أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد عنه ، الذي ينحى عليه ~~بالإبطال ويحسم مادة القيل والقال ، كما مر من الأجوبة الحقية ، القالعة ~~لعروق أسئلتهم الشنيعة ، الدامغة لها بالكلية. وجئناك بأحسن {تفسيرا} أي : ~~بيانأ وتفصيلا ، بمعنى أنه في غاية ما يكون من الحسن في حد ذاته ، لا أن ما ~~يأتون به حسن ، وهذا أحسن منه ، وإنما المعنى : لا يسألونك عن شيء غريب إلا ~~جئناك بما يبطله وما يكشف معناه ، ويفسره غاية التفسير. PageV05P199 # ثم ذكر مآل الكفرة المقترحين لهذه الشبه ، فقال : {الذين يحشرون على وجوههم ~~إلى جهنم} أي : يحشرون كائنين على وجوههم ، يسبحون عليها ، ويجرون إلى ~~جهنم. وقيل : مقلوبين ؛ وجوههم إلى قفاهم ، وأرجلهم فوق ، {أؤلئك شر مكانا} ~~أي : مكانة ومنزلة ، أو : مسكنا ومنزلا ، {وأضل سبيلا} ؛ وأخطأ طريقا. # ونزلت الآية لما قالوا : إن أصحاب محمد شر خلق الله وأضل الناس طريقا. ~~وقيل : المعنى : إن حاملكم على هذه السؤالات اعتقادكم أن محمدا ضال ، ~~ومكانه حقير ، ولو نظرتم إلى ما يؤول إليه أمركم ، لعلمتم أنكم شر منه ~~مكانا ، وأضل سبيلا. والله تعالى أعلم. # الإشارة : تثبيت القلوب على الإيمان ، وتربية اليقين ، يكون بصحبة ~~الأبرار ورؤية العارفين الكبار ، والترقي في معاريج التوحيد ، إلى أن يفضي ~~إلى مقام العيان ، يكون بعقد الصحبة مع أهل التربية ، وخدمتهم وتعظيمهم ، ~~حتى يوصلوه إلى ربه. ومن شأنهم أن الله يدافع عنهم ، ويجيب من سألهم ms1942 تشغيبا ~~، فيلهمهم الجواب ، فضلا منه ، فلا يسألون عن شيء إلا جاءهم بالحق وأحسن ~~تفسيرا ، ثم هدد من صغرهم وحقر شأنهم بقوله : {الذين يحشرون...} الآية. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 128 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا موسى الكتاب} ؛ أنزل عليه جملة ، ومع ~~ذلك كفروا وكذبوا به ، كما قال تعالى : {أولم يكفروا بمآ أوتى موسىا من ~~قبل} [القصص : 48] ، فكذلك هؤلاء ، لو نزل جملة ، كما اقترحوا ، لكفروا ~~وكذبوا كما كذب أولئك. {وجعلنا # 129 # معه أخاه هارون وزيرا} ، فأخاه : مفعول أول لجعل ، و(وزيرا) : مفعول ثان ~~، أي : جعلنا معه أخاه مقويا ومعينا. والوزير : من يرجع إليه ويتحصن برأيه ~~، من الوزر ، وهو الملجأ. # والوزارة لا تنافي النبوة ؛ فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ، ~~ويؤمرون أن يوازر بعضهم بعضا. أو : يكون وزيرا أول مرة ورسولا ثانيا. PageV05P200 # {فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا} أي : فرعون وقومه. والمراد ~~بالآيات : التسع الظاهرة على يد موسى عليه السلام ، ولم يتصف القوم ~~بالتكذيب عند إرسالها إليهم ضرورة ؛ لتأخير تكذيب الآيات عن إظهارها ~~المتأخر عن إرسالها ، بل إنما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، بيانا لعلة استحقاقهم ، لما حكي بعده من التدمير. أي : فذهبا ~~إليهم فأرياهم آياتنا كلها ، فكذبوهما تكذيبا مستمرا ، {فدمرناهم} إثر ذلك ~~{تدميرا} عجيبا هائلا ، لا يقادر قدره ، ولا يدرك كنهه. فاقتصر على حاشيتي ~~القصة ؛ اكتفاء بما هو المقصود. انظر أبا السعود. # الإشارة : أعباء الرسالة والولاية لا تحمل ولا تظهر إلا بمعين. قال تعالى ~~: {وتعاونوا على البر والتقوىا} [المائدة : 2] ، ولا بد لصاحب الخصوصية من ~~إخوان يستعين بهم على ذكر الله ، ويستظهر بهم على إظهار طريقة الله. فإن ~~وجد ولي لا إخوان له ، ولا أولاد ، فلا يكون إلا غالبا عليه القبض ، مائلا ~~لجهة الجذب ، فيقل الانتفاع به ، ولا تحصل التوسعة للولي إلا بكثرة الأصحاب ~~والإخوان ، يعالجهم ويصبر على جفاهم ، حتى يتسع صدره وتتسع معرفته. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 129 # قلت : (وقوم) : منصوب بمضمر يدل عليه (دمرناهم) ، أي : ودمرنا قوم نوح ، ~~و(عادا ms1943 وثمودا) : عطف على (قوم نوح). # يقول الحق جل جلاله : {و} دمرنا أيضا {قوم نوح} ، وذلك أنهم {لما كذبوا ~~الرسل} ؛ نوحا ، ومن قبله شيثا وإدريس ، أو : لأن تكذيبهم لواحد تكذيب ~~للجميع ؛ لاتفاقهم على التوحيد والإسلام ، {أغرقناهم} بالطوفان ، ~~{وجعلناهم} أي : وجعلنا إغراقهم أو قصتهم {للناس آية} : عبرة يعتبر بها كل ~~من يشاهدها أو يسمعها. # {وأعتدنا} ؛ هيأنا {للظالمين} أي : لهم. وأظهر في موضع الإضمار ؛ للإيذان ~~بتجاوزهم الحد في الظلم ، أو لكل ظالم ظلم شرك ، فيدخل كل من شاركهم ، ~~كقريش وغيرهم ، PageV05P201 ~~130 # أي : هيأنا {عذابا أليما} ، أي : النار المؤبدة عليهم. # {و} دمرنا أيضا {عادا وثمودا} ، وقد تقدم في الأعراف ، وهو كيفية ~~تدميرهم. {وأصحاب الرس} ، هم قوم شعيب ؛ قال ابن عباس : أصحاب الرس : أصحاب ~~البئر. قال وهب : كانوا أهل بئر ، قعودا عليها ، وأصحاب مواشي ، وكانوا ~~يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم شعيبا ، فآذوه ، وتمادوا في طغيانهم ~~فبينما هم حول البئر - والبئر في وسط منازلهم - انهارت بهم وبديارهم ، ~~فهلكوا جميعا. وقال قتادة : الرس : قرية بفلح اليمامة ، قتلوا نبيهم ~~فأهلكهم الله. وقيل : هم بقية قوم هود وقوم صالح ، وهو أصحاب البئر ، التي ~~قال : {وبئر معطلة وقصر مشيد} [الحج : 45]. # وقال سعيد بن جبير وغيره : قوم كان لهم نبي ، يقال له : حنظلة بن صفوان ، ~~وكان بأرضهم جبل ، يقال له : فتخ ، مصعده في السماء ميل ، وكانت العنقاء ~~تنتابه ، وهي كأعظم ما يكون من الطير ، وفيها من كل لون - وسموها العنقاء ؛ ~~لطول عنقها - وكانت تنقض على الطير فتأكلها ، فجاعت ذات يوم ، فانقضت على ~~صبي فذهبت به ، - وسميت عنقاء مغرب ؛ لأنها تغرب ما تأكله عن أهله فتأكله - ~~ثم انقضت على جارية قد ترعرعت ، فأخذتها فطارت بها ، فشكوا إلى نبيهم ، ~~فقال : اللهم خذها واقطع نسلها ، فأصابتها صاعقة ، فاحترقت ، فلم ير لها ~~أثر ، فصارت مثلا عند العرب. ثم إنهم قتلوا نبيهم فأهلكم الله. وقال مقاتل ~~والسدي : هم أصحاب بئر إنطاكية ، وتسمى الرس ، قتلوا فيها حبيبا النجار ، ~~فنسبوا إليها ، وهم الذين ذكروا في (يس). وقيل هم أصحاب الأخدود الذين ~~حفروه ، والرس في كلام العرب : كل محفور ms1944 ؛ مثل البئر ، والقبر ، والمعدن ، ~~وغير ذلك ، وجمعها : رساس. وقال عكرمة : هم قوم رسوا نبيهم في بئر. # جزء : 5 رقم الصفحة : 130 PageV05P202 ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أول الناس ممن يدخل الجنة عبد أسود ، ~~وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى قرية ، فلم يؤمن به إلا ذلك الأسود ، فحفر ~~أهل القرية بئرا وألقوا فيها نبيهم ، وأطبقوا عليها بحجر ضخم ، فكان العبد ~~يحتطب على ظهره ، ويبيعه ، ويأتيه بطعامه ، فيعينه الله تعالى على رفع تلك ~~الصخرة حتى يدليه إليه. فبينما هو يحتطب ذات يوم إذا نام فضرب على أذنه سبع ~~سنين ، ثم جاء بطعامه إلى البئر فلم يجده. وكان قومه قد بدا لهم فاستخرجوه ~~وآمنوا به ، ومات ذلك النبي ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : " إن ذلك ~~الأسود لأول من يدخل الجنة " ، يعني من قومه. ه. وهؤلاء آمنوا فلا يصح حمل ~~الآية عليها ، إلا أن يكون أحدثوا شيئا بعد نبيهم ، فدمرهم الله. # وقال جعفر بن محمد عن أبيه : أن أصحاب الرس : السحاقات ، قال أنس : قال # 131 # النبي صلى الله عليه وسلم : " إن من أشراط الساعة أن يستكفي الرجال ~~بالرجال ، والنساء بالنساء " ، وذلك السحاق ، ويقال له أيضا : المساحقة ، ~~وهو حرام بالإجماع. وسبب ظهوره : أن قوما أحدثوا فاحشة اللواط ، حتى ~~استغنوا عن النساء ، فبقيت النساء معطلة ، فجاءتهن شيطانة في صورة إمرأة ، ~~وهي الولهات بنت إبليس ، فشهت إلى النساء ركوب بعضهن بعضا ، وعلمتهن كيف ~~يصنعن ذلك ، فسلط عليهم صاعقة من أول الليل ، وخسفا من آخر الليل ، وصيحة ~~مع الشمس ، فلم يبق منهم بقية. ه. PageV05P203 # {وقرونا} أي : دمرنا أهل قرون. والقرن سبعون سنة ، وقيل : أقل ، وقيل : ~~أكثر ، {بين ذلك} أي : بين ذلك المذكور من الأمم والطوائف ، {كثيرا} ، لا ~~يعلم عددها إلا العليم الخبير ، {وكلا} من الأمم المذكورين قد {ضربنا له ~~الأمثال} أي : بينا له القصص العجيبة ، الزاجرة عما هم عليه من الكفر ~~والمعاصي ، بواسطة الرسل. وقيل : المراد : تبيين ما وقع لهم ، ووصف ما أدى ~~إليه تكذيبهم لأنبيائهم ، من عذاب الله وتدميرهم إياهم ، ليكون عبرة لمن ~~بعدهم ، {وكلا} ms1945 أي : وكل واحد منهم {تبرنا تتبيرا} أي : أهلكنا إهلاكا ~~عجيبا. والتتبير : التفتيت. قال الزجاج : كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته. # ثم بين بعض آثار الأمم المتبرة ، فقال : {ولقد أتوا} يعني : أهل مكة {على ~~القرية} ، وهي سدوم ، وهي أعظم قرى قوم لوط ، وكانت خمسا ، أهلك الله أربعا ~~، وبقيت واحدة ، كان أهلها لا يعملون الخبيث ، وأما البواقي فأهلكها ~~بالحجارة ، وإليه أشار بقوله : {التي أمطرت مطر السوء} أي : أمطر الله ~~عليها الحجارة. والمعنى : والله لقد أتى قريش في متاجرهم إلى الشام على ~~القرية التي أهلكها الله ، وبقي آثارها خاربة ، {أفلم يكونوا يرونها} في ~~مرورهم ورجوعهم فيتفكرون ويؤمنون ، {بل كانوا لا يرجون نشورا} أي : بل ~~كانوا قوما كفرة بالبعث ، لا يخافون ولا يأملون بعثا ، كما يأمله المؤمنون ~~؛ لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم. أو : بل كانوا قوما كفرة بالبعث ، ~~منهمكين في الغفلة ، يرون ما نزل بالأمم أمر اتفاقيا ، لا بقدرة الباقي ، ~~فطابع الكفر منعهم من التفكر والاعتبار. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 130 PageV05P204 ~~الإشارة : ينبغي للمؤمن العاقل ، المشفق على نفسه ، أن ينظر فيمن هلك من ~~الأمم السالفة ، ويتأمل في سبب هلاكهم ، فيشد يده على الاحتراز مما ~~استوجبوا به الهلاك ، وهو مخالفة الرسل وترك الإيمان ؛ فيشد يده على متابعة ~~ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي ، ويرغب فيما رغب ~~فيه ، ويهتدي بهديه ، ويقتدي بسنته ، ويربي إيمانه ، ويجعل البعث والنشر ~~والحشر بين عينيه ، فهذه طريق النجاة. وينبغي للمريد ، إذا رأى فقيرا سقط ~~من درجة الإرادة ويبست أشجاره ، أن يحترز من تلك الزلاقة التي زلق فيها ، ~~فيبحث عن # 132 # سبب رجوعه ، ويجتنبه جهد استطاعته. ومرجعها إلى ثلاث : خروجه من يد شيخه ~~إلى غيره ، وسقوط تعظيم شيخه من قلبه ؛ بسبب اعتراض أو غيره ، واستعمال ~~كثرة الأحوال ، حتى يلحقه الملل. نسأل الله الحفظ من الجميع بمنه وكرمه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 130 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا رأوك} أي : مشركو مكة {إن} ؛ ما {يتخذونك إلا ~~هزوا} أي : مهزوءا بك ، أو محل هزء ، حال ms1946 كونهم قائلين : {أهذا الذي بعث ~~الله رسولا} ، ورسولا ، حال من العائد المحذوف ، أي : هذا الذي بعثه الله ~~رسولا ، والإشارة ؛ للاستحقار في اعتقادهم وتسليمهم البعث والرسالة ، مع ~~كونهم في غاية الإنكار لهما ؛ على طريق الاستهزاء ، وإلا لقالوا : أبعث ~~الله هذا رسولا. PageV05P205 # {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا} أي ليصرفنا عن عبادتها صرفا كليا ، والعدول إلى ~~الإضلال ؛ لغاية ضلالتهم بادعاء أن عبادتها طريق سوي. {لولا أن صبرنا ~~عليها} لصرفنا عنها ، وهو دليل على مجاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~دعوتهم ، وإظهار المعجزات لهم ، حتى شارفوا أن يتركوا دينهم إلى دين ~~الإسلام ، لولا فرط لجاجهم وتقليدهم. قال تعالى : {وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب} الذي يستوجبه كفرهم وعنادهم ، {من أضل سبيلا} ، وأخطأ طريقا. وفيه ~~ما لا يخفى من الوعيد والتنبيه على أنه تعالى يمهل ولا يهمل. # {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي : أطاع هواه فيما يذر ويفعل ، فصار معبوده ~~هواه ، يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا الذي لا يرى معبوده إلا ~~هواه ، كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى وتهديه إليها ؟ يروى أن الواحد من ~~أهل الجاهلية كان يعبد الحجر ، فإذا مر بحجر أحسن منه تركه وعبد الثاني. ~~وقال الحسن : هو في كل متبع هواه. {أفأنت تكون عليه وكيلا} ؛ حفيظا تحفظه ~~عن متابعة هواه وعبادة ما يهواه. والفاء ؛ لترتيب الإنكار على ما قبله ، ~~كأنه قيل : أبعدما شاهدت من غلوه في طاعة الهوى ، وعتوه عن اتباع الهدى ، ~~تقهره على الإيمان ، شاء أو أبى ، وإنما عليك التبليغ فقط. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 133 # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون} ، " أم " : منقطعة ، بمعنى بل ، أي ~~: بل أتظن أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من الآيات حق السماع ، أو يعقلون ~~ما في تضاعيفها من المواعظ والأنكال ؟ {إن هم كالأنعام} أي : ما هم ، في ~~عدم الانتفاع بما # 133 PageV05P206 ~~يقرع آذانهم من قوارع الآيات ، وانتفاء التأثير بما يشاهدونه من الدلائل ~~والمعجزات ، إلا كالبهائم ، التي هي غاية في الغفلة ، ومثل في الضلالة ، ~~{بل هم أضل سبيلا} ؛ لأن البهائم تنقاد ms1947 لصاحبها الذي يعلفها ويتعاهدها ، ~~وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها ، ~~وتهتدي لمراعيها ومشاربها ، وتأوي إلى معاطنها ، وهؤلاء لا ينقادون لخالقهم ~~ورازقهم ، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ، الذي هو أعدى عدوهم ، ولا ~~يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتقون العقاب الذي هو أقبح ~~المضار والمعاطب ، ولا يهتدون الحق ، الذي هو الشرع الهني ، والمورد العذب ~~الروي ، ولأنها ، إن تعتقد حقا مستتبعا لاكتساب الخير ، لم تعتقد باطلا ~~مستوجبا لاقتراب الشر ، بخلاف هؤلاء ؛ حيث مهدوا قواعد الباطل ، وفرعوا ~~أحكام الشرور ، ولأن أحكام جهالتها وضلالتها مقصورة عليها ، لا تتعدى إلى ~~أحد ، وجهالة هؤلاء مؤدية إلى ثوران الفساد ، وصد الناس عن سنن السداد ، ~~وهيجان الهرج والمرج فيما بين العباد ، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال ، ~~لعدم القوى العقلية ، فلا تقصير من قبلها ، ولا ذم ، وهؤلاء متمكنون من ~~القوى العقلية مضيعون الفطرة الأصلية ، مستحقون بذلك أعظم العقاب ، وأشد ~~النكال. ه. وأصله للبيضاوي. PageV05P207 # الإشارة : تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتوقيره من أعظم ما ~~يقرب إلى الله ، ويوصل إلى رضوان الله ، ويدخل العبد على مولاه ؛ لأنه باب ~~الله الأعظم ، والواسطة الكبرى بين الله وبين عباده فمن عظمه صلى الله عليه ~~وسلم وبجله وخدمه أتم الخدمة ، أدخله الحضرة ، على التوقير والتعظيم ~~والهيبة والإجلال. ومن حاد عن متابعتة فقد أتى البيت من غير بابه ؛ كمن دخل ~~حضرة الملك بالتسور ، فيستحق القتل والطرد والبعد. وإدخاله على الله : ~~دلالته على من يعرفه بالله ، وقد يوصله بلا واسطة ، لكنه نادر. ومن أهمل ~~هذا الجانب واستصغره طرده الله وأبعده ، وانسحب عليه قوله : {وإذا رأوك إن ~~يتخذونك إلا هزوا} وكا ممن اتخذ إلهه هواه ، وكان كالبهائم ، أو أضل ؛ لأن ~~من اتبع الواسطة كان هواه تابعا لما جاء من عند الله ، وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " وبالله ~~التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 133 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} يامحمد {إلى ربك} أي : ألم تنظر ms1948 إلى بديع # 134 # صنع ربك ودلائل قدرته وتوحيده. والتعرض لعنوان الربوبية ، مع الإضافة إلى ~~ضميره - عليه الصلاة والسلام - ، لتشريفه وتبجيله ، وللإيذان بأن ما يعقبه ~~من آثار قدرته ورحمته ، {كيف مد الظل} أي : بسطه حتى عم الأرض ، وذلك من ~~حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس ، في قول الجمهور ؛ لأنه ظل ممدود ، لا ~~شمس معه ولا ظلمة ، فهو شبيه بظل الجنة. وقيل : مد ظل الأشياء الشاخصة أول ~~النهار ؛ من شجر ، أو مدر ، أو إنسان ، ثم قبضها وردها إلى المشرق. {ولو ~~شاء لجعله ساكنا} أي : دائما لا يزول ولا تذهبه الشمس ، أو : لا ينتقص ~~بسيرها. {ثم جعلنا الشمس عليه} أي : على الظل {دليلا} ، لأنه بالشمس يعرف ~~الظل ، فلولا طلوعها وظهورها ما عرف الظل ، ولا ظهر له أثر ، فالأشياء تعرف ~~بأضدادها. PageV05P208 # {ثم قبضناه} أي : أخذنا ذلك الظل الممدود {إلينا} ؛ إلى حيث إرادتنا {قبضا ~~يسيرا} أي : على مهل قليلا قليلا ، حسب ارتفاع دليله ، على حسب مصالح ~~المخلوقات ومرافقها. # {وهو الذي جعل لكم الليل لباسا} أي : جعل الظلام الساتر كاللباس {والنوم ~~سباتا} أي : راحة لأبدانكم ، وقطعا لأعمالكم. والسبت : القطع ، والنائم ~~مسبوت ؛ لأنه انقطع عمله وحركته ، وقيل السبات : الموت ، والميت مسبوت ؛ ~~لأنه مقطوع الحياة ، كقوله : {وهو الذى يتوفاكم باليل} [الأنعام : 60]. ~~ويعضده ذكر النشور في مقابلته بقوله : {وجعل النهار نشورا} أي : ذا نشور ، ~~أي : انبعاث من النوم ، كنشور الميت ، أو : ينشر فيه الخلق للمعاش. # وهذه الآية ، مع دلالتها على قدرته تعالى ، فيها إظهار لنعمته تعالى ؛ ~~لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية ودنيوية ، وفي النوم واليقظة - ~~المشبهين بالموت والبعث - عبرة للمعتبرين. قال لقمان لابنه : كما تنام ~~فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 134 PageV05P209 ~~وهو الذي أرسل الرياح} ، وعن المكي بالإفراد ، {نشرا} : جمع نشور ، أي : ~~أرسلها للسحاب حتى تسوقها إلى حيث أراد تعالى أن تمطر ، {بين يدي رحمته} أي ~~: أرسلها قدام المطر ، لأنه ريح ، ثم سحاب ، ثم مطر. وقرأ عاصم الباء ، أي ~~: مبشرات بالمطر. {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} أي : مطهرا بالغا في ~~التطهير ، كقوله : {ليطهركم ms1949 به} [الأنفال : 11] وهو اسم لما يتطهر به ، ~~كالوضوء والوقود ، لما يتوضأ به ويوقد به. وقيل : طهور في نفسه ، مبالغة في ~~الطاهرية ، فالطهور في العربية يكون صفة ، كما تقول : ماء طهور ، واسما ، ~~كما في قوله صلى الله عليه وسلم : " التراب طهور ، والمؤمن طهور " وقد يكون ~~مصدرا بمعنى الطهارة ، كقولك : تطهرت طهورا حسنا ، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم : " لا صلاة إلا بطهور " ووصفه تعالى الماء بذلك ؛ ليكون أبلغ في ~~النعمة ، فإن الماء الطهور أنفع # 135 # وأهنأ مما خالطه ما يزيل طهوريته ، أي : أنزلناه كذلك. {لنحيي به} أي : ~~بالمطر الطهور {بلدة ميتا} بالجدب والقحط ، فحييت بالنبات والعشب. والتذكير ~~؛ لأن البلدة بمعنى البلد ، والمراد به : القطعة من الأرض عامرة أو غامرة. ~~{ونسقيه} أي : ذلك الماء الطهور ، عند جريانه في الأودية ، أو اجتماعه في ~~الآبار والحياض ، {مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا} أي : نسقي ذلك بهائم ~~وناسا كثيرا. والأناسي : جمع أنسي ، ككرسي وكراسي. وقيل : جمع إنسان ، ~~وأصله : أناسين ، وأبدلت النون ياء ، وأدغمت التي قبلها فيها. وقدم إحياء ~~الأرض على سقي الأنعام والأناسي ؛ لأن حياتها سبب لحياتهما. وتخصيص الأنعام ~~من بين سائر الحيوان ؛ لأن عامة منافع الإنسان متعلقة بها. PageV05P210 # {ولقد صرفناه} أي : هذا القول ، الذي هو إنشاء السحاب وإنزال المطر ، على ~~الوجه الذي مر من الغايات الجميلة ، في القرآن وغيره من الكتب السماوية ، ~~أو : صرفنا المطر عاما بعد عام وفي بلدة دون أخرى. أو صرفناه بينهم وابلا ، ~~وطلا ، ورذاذا وديمة. وقيل : التصريف راجع إلى الريح. وقيل : إلى القرآن ~~المتقدم في قوله : {لولا نزل عليه القرآن} [الفرقان : 32] ويعضده : ~~{وجاهدهم به} [الفرقان : 52]. وقوله : {بينهم} أي : بين الناس جميعا ~~متقدمين ومتأخرين ، {ليذكروا} ؛ ليتفكروا ويعرفوا قدر النعمة فيه ، أو : ~~ليعرفوا بذلك كمال قدرته وسعة رحمته ، {فأبى أكثر الناس} ممن سلف وخلف {إلا ~~كفورا} أي : جحدا لهذه النعمة وقلة اكتراث بها ، وربما نسبوها إلى غير ~~خالقها ، فيقولون : مطرنا بنوء كذا. # جزء : 5 رقم الصفحة : 134 # وفي البخاري عنه صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى : " أصبح من عبادي ~~مؤمن بي وكافر ms1950 ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ؛ فذلك مؤمن بي ، ~~كافر بالكواكب. وأما من قال : مطرنا بنوء كذا ، فهو كافر بي ، مؤمن ~~بالكواكب " فمن نسب الأمطار إلى الأنواء ، وجحد أن تكون هي والأنواء من خلق ~~الله ، فقد كفر ، ومن اعتقد أن الله خالقها ، وقد نصب الأنواء أمارات ~~ودلالات عليها ، لم يكفر. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس سنة ~~بأمطر من الأخرى ، ولكن الله تعالى قسم هذه الأرزاق ، فجعلها في سماء ~~الدنيا ، في هذا القطر ، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم. ولكن إذا ~~عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم ، فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك ~~إلى الفيافي والبحار " والله تعالى أعلم. # الإشارة : الكون كله ، من جهة حسه الظاهر ، ظل آفل ، وضباب حائل ، لا ~~وجود له # 136 PageV05P211 ~~من ذاته ، وإنما الوجود للمعاني القديمة الأزلية. فنسبة الكائنات ، من بحر ~~المعاني الأزلية ، كنسبة ظلال الأشجار في البحار. فظلال الأشجار في البحار ~~لا تمنع السفن من التسيار ، فكذلك ظلال الكائنات لا تمنع سفن الأفكار من ~~الخوض في بحار المعاني الأزلية الجبروتية ، بل تخرقها ، وتخوض في بحار ~~الأحدية الجبروتية ، الأولية والآخرية ، والظاهرية والباطنية ، والعلوية ~~والسفلية ، ولا يحجبها عن الله ظل شيء من الكائنات ، وإليه الإشارة قوله : ~~ألم تر ، أيها العارف ، إلى ربك كيف مد الظل ، أي : مد ظل الكائنات ؛ ليعرف ~~بها كنز ربوبيته وبطون غيبه ، ثم يرفع ذلك الظل عن عين البصيرة ، التي أراد ~~فتحها ، فتشاهد بطون الأزل وغيب الغيب ، وتصير عارفة بالله. ولو شاء لجعله ~~ساكنا ، فيقع به الحجاب ، فيحجب العبد بسحب الآثار عن شهود الأنوار. ثم ~~جعلنا شمس العرفان عليه أي : على الأثر ، دليلا ، فيستدل بالله على غيره ، ~~فلا يرى غيره ، ثم قبضناه ، أي : ذلك الظل ، عن قلب السائر أو العارف ، ~~قبضا يسيرا ، فيغيب عنه شيئا فشيئا ، حتى يفنى عن حسه وحس غيره من الكائنات ~~، فلا يشهد إلا المكون ؛ لأن ذلك إنما يكون بالتدرج والتدريب ، فإذا تحقق ~~فناؤه رجع إلى شهود الأثر ms1951 بالله ؛ قياما برسم الحكمة ، وأداءا لحق ~~العبودية. # وهو الذي جعل ليل القبض لباسا ، أي : سترا ورداء من الهفوات ؛ لأن القبض ~~يغلب فيه السكون ، وجانبه مأمون ، والنوم - أي : الزوال - سباتا ، أي : ~~راحة من كد التدبير والاختيار ، وجعل نهار البسط نشورا ، تنتشر فيه العلوم ~~وتنبسط فيه المعارف ، إن قام صاحبه بآدابه ، ولا يقوم به إلا القليل ؛ لأنه ~~مزلة أقدام ، ولذلك قال في الحكم : " ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده ~~في إشراق نهار البسط ، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ". # جزء : 5 رقم الصفحة : 134 PageV05P212 ~~وهو الذي أرسل رياح الواردات الإلهية نشرا بين يدي رحمته ، أي : معرفته ؛ ~~إذ لا رحمة أعظم منها ، وأنزلنا من سماء الغيوب ماءا طهورا ، وهو العلم ~~بالله ، الذي تحيا به الأرواح والأسرار ، وتطهر به قلوب الأحرار ، لنحيي به ~~بلدة ميتا ، أي : روحا ميتة بالجهل والغفلة ، ونسقيه مما خلقنا أنعاما ~~وأناسي كثيرا ؛ لأن ماء المعاني سار في كل الأواني ؛ فماء التوحيد سار في ~~الأشياء كلها ، جهل هذا من جهله ، وعرفه من عرفه. وأكثر الناس جاحدون لهذا. ~~ولذلك قال تعالى : {ولقد صرفناه بينهم} ؛ فكل شيء فيه سر من حياة هذا الماء ~~، فأبى أكثر الناس إلا كفورا وجحودا له ، ولم ينتفع به إلا خواص أوليائه. ~~وبالله التوفيق. # ثم إن هذا الماء إنما يسقى على أيدي الوسائط. وكان القياس تعددهم كتعدد ~~سحابات الأمطار بتعدد الأقطار ، لكن خولف ذلك في حق نبينا صلى الله عليه ~~وسلم ؛ تشريفا لقدره ، وتعظيما لأمره. # 137 # جزء : 5 رقم الصفحة : 134 # يقول الحق جل جلاله : {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا} أي : رسولا ~~ينذر أهلها ، ولقسمنا النذر بينهم كما قسمنا المطر ، فيخف عليك أعباء ~~النبوة ، ولكنا لم نشأ ذلك ؛ فحملناك ثقل نذارة جميع القرى ، حسبما نطق به ~~قوله تعالى : {ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان : 1] ؛ لتستوجب بذلك الدرجة ~~القصوى ، وتفضل على سائر الرسل والأنبياء ، {فلا تطع الكافرين} فيما يدعونك ~~إليه من موافقتهم ومداهنتهم. وكما آثرتك على جميع الأنبياء فآثر رضاي على ~~جميع الأهواء ، وكأنه نهى للرسول صلى الله ms1952 عليه وسلم عن المداراة معهم ، ~~والتقصير في الدعوة ؛ لئلا تغلبه الشفقة عن مقابلتهم بصريح الحق. # قال القشيري : {فلا تطع الكافرين} أي : كن قائما بحقنا ، من غير أن يكون ~~منك جنوح إلى غيرنا ، أو مبالاة بسوانا ، فإنا نعصمك بكل وجه ، ولا نرفع ~~عنك ظل عنايتنا بحال. ه. PageV05P213 # {وجاهدهم به} أي : بالقرآن ؛ بأن تقرأ عليهم ما فيه من الزواجر والقوارع ~~والمواعظ ، وذكر أحوال الأمم الهالكة ، {جهادا كبيرا} ؛ عظيما موقعه عند ~~الله ؛ لما يتحمل فيه من المشاق ، فإن دعوة كل العالمين ، على الوجه ~~المذكور ، جهاد كبير ، أو : (جاهدهم به) ؛ بالشدة والعنف ؛ من غير مداراة ~~ولا ملاينة ، فكبر الجهاد هو ملابسته بالشدة والعنف ، كقوله : {جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة : 73]. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الإنذار والوعظ بالمقال مع الهمة والحال عزيز الوجود ، فقل أن ~~يجتمع منهم ، في العصر الواحد ، ثلاثة أو أربعة في الإقليم الكبير ؛ لأن ~~الله تعالى لم يشأ ذلك بحكمته ، قال تعالى : {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية ~~نذيرا} ، وكلما قل عددهم ، وعظم الانتفاع بهم ، عظم قدرهم ، فينبغي للمذكر ~~أن يذكر كلا بما يليق به ، فأهل العصيان ينبغي له أن يشدد في الإنذار ، ولا ~~يداريهم ولا يداهنهم. وأهل الطاعة ينبغي له أن يبشرهم ويسهل الأمر عليهم ، ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم : " يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا " ، ~~فيحتاج المذكر إلى فطنة وفراسة ، حتى يعطي كل واحد ما يليق به ، ويخاطب كل ~~واحد بما يطيقه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 137 # قلت : أصل المرج : الخلط والإرسال ، ومنه قوله تعالى : {فهم فى أمر مريج} ~~[ق : 5] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " كيف بك يا عبد الله إذا كنت في ~~حثالة من الناس ، قد مرجت عهودهم وأماناتهم ، وصاروا هكذا ، وشبك بين ~~أصابعه ". يقال : مرج دابته وأمرجتها : إذا أرسلتها في المرعى. ومنه قيل ~~للروضة : مرج. PageV05P214 # يقول الحق جل جلاله : {وهو الذي مرج البحرين} أي : أرسلهما ، وخلاهما ~~متجاورين متلاصقين غير متمازجين. {هذا عذب فرات} أي شديد العذوبة ، قامع ~~للعطش ؛ لعذوبته ، أي : برودته ، {وهذا ملح أجاج} : بليغ ms1953 الملوحة ، أو هذا ~~عذب لا ملوحة فيه ، وهذا ملح لا عذوبة فيه ، مع اتحاد جنسهما ، {وجعل ~~بينهما برزخا} ؛ حائلا بقدرته ، يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ؛ لئلا ~~يختلطا ، {وحجرا محجورا} أي : وسترا ممنوعا عن الأعين ، كقوله : {حجابا ~~مستورا} [الإسراء : 45] ، أي : جعل بينهما حاجزا خفيا ؛ لئلا يغلب أحدهما ~~الآخر ، أو : سدا ممنوعا يمنعهما فلا يبغيان ، ولا يفسد الملح العذب ، ولو ~~خلا الله تعالى البحر الملح ، ولم يلجمه بقدرته ، لفاض على الدنيا ، واختلط ~~مع العذب وأفسده. # ثم ذكر دليلا آخر ، فقال : {وهو الذي خلق من الماء} أي : النطفة {بشرا} ؛ ~~إنسانا {فجعله نسبا وصهرا}. قسم البشر قسمين : ذوي نسب ، أي ذكورا ، ينسب ~~إليهم ، فيقال : فلان ابن فلان. وذوات صهر ، أي : إناثا يصاهر بهن ، فهو ~~كقوله : {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثىا} [القيامة : 39]. قال ابن جزي : ~~والنسب : أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أم ، قرب ذلك أو بعد. والصهر : هو ~~الاختلاط بالتناكح. ه. وعن علي رضي الله عنه : النسب ما لا يحل نكاحه ، ~~والصهر : ما يحل نكاحه. وعن الضحاك ومقاتل : النسب سبعة ، والصهر خمسة ، ثم ~~قرأ هذه الآية : {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء : 23]. فالسبعة الأولى : نسب ~~، والباقي : صهر. ه. والأصح أن التسعة نسب ، والباقي صهر. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 138 # وكان ربك قديرا} ؛ حيث خلق من النطفة الواحدة بشرا ذا نوعين ، ذكرا وأنثى ~~، أو : حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة ، وجعله ~~قسمين متقابلين ؛ ذكرا وأنثى. PageV05P215 # {ويعبدون من دون الله} ؛ بعد هذا البرهان الواضح على توحيده ، {ما لا ~~ينفعهم} إن عبدوه ، {ولا يضرهم} إن تركوه ، وهم الأصنام ، أو كل من عبد من ~~دون الله ؛ إذ # 139 # المخلوق كله عاجز ، {وكان الكافر على ربه} ، الذي ذكر آثار قدرته ودلائل ~~ربوبيته ، {ظهيرا} ؛ معينا ، يظاهر الشيطان ويعينه على الكفر والعصيان. ~~والمعنى : أن الكافر ؛ بعبادة الصنم ، يتابع الشيطان ويعاونه على معصية ~~الرحمن. وقال ابن عرفة : أي : مظاهرا لأعداء الله على أولياء الله ، فتلك ~~إعانته. ه. # الإشارة : مرج البحرين ؛ بحر الشريعة وبحر الحقيقة ، فبحر الشريعة عذب ~~فرات ms1954 ؛ لأنه سهل المدارك ، يناله الخاص والعام ، وبحر الحقيقة ملح أجاج ؛ ~~لأنه لا يناله إلا من ذاق مرارة فطام النفس من هواها ، ومجاهدتها في ترك ~~مناها ، حتى تموت ثم تحيا ، فحينئذ تتلذذ بمشاهدة مولاها ، وتطيب حياتها في ~~أخراها ودنياها. فبحر الحقيقة صعب المرام ، لا يركبه إلا الشجعان ، وفي ذلك ~~يقول صاحب العينية رضي الله عنه : # وإياك جزعا لا يهولك أمرها # فما نالها إلا الشجاع المقارع # والبرزخ الذي جعل بينهما : نور العقل ، يميز بين محل الشرائع ومحل ~~الحقائق ، فيعطي كل ذي حق حقه ، ويوفي كل ذي قسط قسطه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 138 # يقول الحق جل جلاله : {وما أرسلناك} يامحمد {إلا مبشرا} للمؤمنين ~~{ونذيرا} للكافرين ، {قل ما أسألكم عليه} ؛ على تبليغ الرسالة {من أجر} من ~~جهتكم ، فتقولون : أن يتخذ إلى ربه طريقا توصله إليه ، بإنفاقه ماله في ~~سبيل الله ، فليفعل وليعطه لغيره. PageV05P216 # وقيل : الاستثناء متصل ، أي : لا أسألكم عليه أجرا ، إلا فعل من يريد أن ~~يتقرب إليه تعالى ، ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة ، حسبما أدعوكم ~~إليهما. فصور ذلك بصورة الأجر ؛ من حيث أنه مقصود الإتيان به ، واستثناه ~~منه ؛ قطعا لشائبة الطمع ، وإظهارا لغاية الشفقة عليهم ، حيث جعل ذلك ، مع ~~كون نفعه عائدا إليهم ، عائدا إليه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : العلماء بالله خلفاء الرسل ، فما أظهرهم الله في كل زمان إلا ~~ليذكروا الناس ويعظوهم ويبشروهم وينذروهم ، من غير عوض ولا طمع ، فإن تعلقت ~~همتهم بشيء من عرض الدنيا ؛ من أيدي الناس ، كسف ذلك نورهم ، ونقص نفعهم ، ~~وقل الاهتداء على أيديهم ، وقدم تقدم هذا مرارا. وبالله التوفيق. # 140 # جزء : 5 رقم الصفحة : 140 # يقول الحق جل جلاله : {وتوكل على الحي الذي لا يموت} في الاستكفاء عن ~~شرورهم ، والاغتناء عن أجورهم ، أي : ثق به ؛ فإنه يكفيك عن الطمع فيمن ~~يموت ، فلا تطلب على تبليغك من مخلوق أجرا ، فإن الله كافيك. قرأها بعض ~~الصالحين فقال : لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق. {وسبح} أي : ونزهه أن ~~يكل إلى غيره من توكل ms1955 عليه ، {بحمده} أي : بتوفيقه الذي يوجب الحمد ، أو : ~~قل سبحان الله وبحمده ، أو : نزهه عن صفات النقصان ، مثنيا عليه بنعوت ~~الكمال ، طالبا لمزيد الإنعام ، {وكفى به بذنوب عباده خبيرا} أي : كفى الله ~~خبيرا بذنوب عباده ، ما ظهر منها وما بطن ، يعني : أنه خبير بأحوالهم ، كاف ~~في جزاء أعمالهم. PageV05P217 # {الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} أي : في مدة مقدارها ستة ~~أيام ؛ إذ لم يكن ليل ولا نهار. وعن مجاهد : أولها يوم الأحد ، وآخرها يوم ~~الجمعة ، وإنما خلقها في هذه المدة ، وهو قادر على خلقها في لحظة ، تعليما ~~لخلقه الرفق والتثبت. {ثم استوى على العرش} استواء يليق به ، {الرحمن} أي : ~~هو الرحمن ، أو : فاعل استوى ، أي : استوى الرحمن ، برحمانيته على العرش ~~وما احتوى عليه. وراجع ما تقدم في الأعراف {فاسأل به خبيرا} أي : سل عنه ~~رجلا عارفا خبيرا به ، يخبرك برحمانيته. وكانوا ينكرون اسم الرحمن ، ~~ويقولون : لا نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة ، يعنون : مسيلمة الكذاب ، ~~وكان يقال له : رحمن اليمامة ؛ غلوا فيه ، فأمر نبيه أن يسأل من له خبرة ~~وعلم بالكتب المتقدمة عن اسم الرحمن ، فإنه مذكور في الكتب المتقدمة. # قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف : والظاهر : أن الخبير هو الله ، ~~أي : أسأل الله الخبير بالأشياء ، الأعلم بخفاياها ، والتقدير : فسل بسؤالك ~~إياه خبيرا. وإنما استظهرنا هذا القول ؛ لأن المأمور بالسؤال الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، وتجل رتبته عن سؤال غير ربه. والمراد : فسل الله الخبير ~~بالرحمن ووصفه. انظر تمام كلامه. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 141 # وإذا قيل لهم} أي : إذا قال محمد للمشركين : {اسجدوا للرحمن} ؛ صلوا له ، ~~أو : اخضعوا ، {قالوا وما الرحمن} أي : لا نعرف الرحمن فنسجد له ، قالوا ~~ذلك : إما لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله تعالى ، أو لأنهم ظنوا أن ~~المراد به غيره تعالى. {أنسجد # 141 # لما تأمرنا} أي : للذي تأمرنا بالسجود له ، أو لأمرك بالسجود له من غير ~~علم منا به. وهو منهم عناد ؛ لأن معناه في اللغة : ذو الرحمة التي لا غاية ~~لها ؛ لأن ms1956 فعلان يدل على المبالغة ، وهم من أهل اللغة. {وزادهم نفورا} أي : ~~زادهم الأمر بالسجود للرحمن تباعدا عن الإيمان ونفورا عنه. وبالله التوفيق. PageV05P218 # الإشارة : قد تقدم الكلام على التوكل في مواضع. وللقشيري هنا كلام ، وملخصه ~~باختصار : أن التوكل : تفويض الأمر إلى الله سبحانه ، وأصله : علم العبد ~~بأن الحادثات كلها حاصلة من الله ، ولا يقدر أحد على إيجاد شيء أو دفعه ، ~~فإذا عرف العبد هذا ، وعلم أن مراد الله لا يرتفع ولا يدفع ، حصل له ~~التوكل. وهذا القدر فرض ، وهو من شرائط الإيمان ، قال الله تعالى : {وعلى ~~الله فتوكلواا إن كنتم مؤمنين} [المائدة : 23] ، وما زاد على هذا القدر ؛ ~~من سكون القلب ، وطمأنينته ، وزوال الانزعاج والاضطراب ، فهو من أحوال ~~التوكل ومقاماته ، # فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام ودرجات ، فأول رتبة فيه : أن يكتفي ~~بما في يده ، ولا يطلب الزيادة عليه ، ويستريح قلبه من طلب الزيادة. وتسمى ~~هذه الحالة : القناعة ، فيقنع بالحاصل ، ولا يستزيد ما ليس بحاصل - يعني : ~~مع وجود الأسباب - ثم بعد هذا سكون القلب في حال عدم الأسباب ، وهو مقام ~~التجريد ، وهم متباينون في الرتبة : واحد يكتفي بوعده ، لأنه صدقه في ضمانه ~~، فسكن قلبه عند فقد الأسباب ؛ ثقة منه بوعد ربه ، وقد قيل : إن التوكل : ~~سكون القلب بضمان الرب ، ويقال : سكون الجأش في طلب المعاش ، ويقال : ~~الاكتفاء بوعده عند عدم نقده. # وألطف من هذا أن يكتفي بعلم الله ، فيشتغل بمولاه ، ولا يلتفت إلى إنجاز ~~وعد ولا ضمان ، فيكل أمره إلى الله ، وهذه حالة التسليم. وفوق هذه : ~~التفويض ، وهو أن يكل أمره إليه ، ولا يختار حالا على حال ، فيشتغل بمولاه ~~ويغيب عن نفسه وعن كل ما سواه ، يعلم أنه مملوك لسيده ، والسيد أولى من ~~العبد بنفسه. فإذا ارتقى عن هذه الحالة وجد الراحة في المنع ، ويستعذب ما ~~يستقبله من الرد ، فهي رتبة الرضا ، ويحصل له في هذه الحالة ، من فوائد ~~الرضا ومطالعته ، ما لا يحصل لمن دونه من الحلاوة في وجود المقصود. # جزء : 5 رقم الصفحة : 141 PageV05P219 ~~وبعد هذا : الموافقة ؛ وهو ألا يجد ms1957 الراحة في المنع ولا في العطاء ، وإنما ~~يجد حلاوة نسيم القرب ، وزوائد الأنس بنسيان كل أرب. فكما أن حلاوة الطاعات ~~تتصاغر عند برد الرضا - ويعدون ذلك حجابا - كذلك أهل الأنس بالله يعدون ~~الوقوف مع حلاوة الرضا والاشتغال بلطائفه نقصانا وحجابا. ثم بعد هذا ~~استيلاء سلطان الحقيقة ، بما يأخذ العبد عن جملته بالكلية ، فيعبر عن هذه ~~الحالة بالخمود ، والاستهلاك ، والوجود ، والاصطلام ، والفناء - وهذا هو ~~عين التوحيد الخاص - فعند ذلك لا أنس ، ولا هيبة ، ولا # 142 # لذة ، ولا راحة ، ولا وحشة ، ولا آفة. يعني : غيب المقامات بلذاتها ~~وراحتها ، عند تحقق الفناء ، ثم قال : هذا بيان ترتيبهم ، فأما ما دون ذلك ~~؛ فالإخبار عن أحوال المتوكلين ، على تباين شرفهم ، يختلف على حسب اختلاف ~~حالهم. انتهى بالمعنى. # وقال أيضا : ويقال : التوكل في الأسباب الدنيوية ينتهي إلى حد ، وأما ~~التوكل على الله في إصلاح آخرته : فهو أشد غموضا وأكثر خفاء ، فالواجب ، في ~~الأسباب الدنيوية ، أن يكون السكون عند طلبها غالبا ، والحركة تكون ضرورة ، ~~وأما في أمر الآخرة وما يتعلق بالطاعة ، فالواجب البدار والجد والانكماش ، ~~والخروج عن أوطان الكسل ، وترك الجنوح إلى الفشل. والذي يوصف بالتواني في ~~العبادات والتباطؤ في تلافي ما ضيعه من إرضاء الخصوم ، والقيام بحق ~~الواجبات ، ثم يعتقد في نفسه أنه متوكل على الله ، فهو متمن معلول الحال ، ~~ممكور مستدرج ، بل يجب أن يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه ، ثم بعد ذلك لا يعتمد ~~على طاعته ، ولا يستند إلى سكونه وحركته ، ويتبرأ من حوله وقوته ، ثم يحسن ~~الظن بربه. ومع حسن ظنه بربه لا ينبغي أن يخلو من مخافته ، اللهم إلا أن ~~يغلب على قلبه ما يشغله في الحال ؛ من كشوفات الحقائق عن الفكرة في العواقب ~~؛ فإن ذلك - إذا حصل - فالوقت غالب ، وهو أحد ما قيل في قولهم : الوقت سيف. ه. PageV05P220 # جزء : 5 رقم الصفحة : 141 # يقول الحق جل جلاله : {تبارك} أي : تعاظم {الذي جعل في السماء بروجا} وهي ~~البروج الاثنا عشر : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، ~~والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت. وهي ~~منازل ms1958 الكواكب السبعة السيارة ، لكل كوكب بيتان ، يقوي حاله فيهما ، وللشمس ~~بيت ، وللقمر بيت ، فالحمل والعقرب بيتا المريخ ، والثور والميزان بيتا ~~الزهرة ، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد ، والسرطان بيت القمر ، والأسد بيت ~~الشمس ، والقوس والحوت بيتا المشتري ، والجدي والدلو بيتا زحل. وهذه البروج ~~مقسومة على الطبائع الأربع ليصيب كل واحدة منها ثلاثة بروج ، فالحمل والأسد ~~والقوس مثلثة نارية ، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية ، والجوزاء ~~والميزان والدلو مثلثة هوائية ، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. سميت ~~بالبروج التي هي القصور العالية ؛ لأنها ، لهذه الكواكب ، كالمنازل الرفيعة ~~لسكانها. واعتبر بزيادة ابحر عند زيادة القمر ونقصه عند نقصه ، فإن بيت ~~القمر - وهو السرطان - مائي ، # 143 # وذلك من إمداد الأسماء لا بالطبع. وتذكر : " وبالاسم الذي وضعته على ~~الليل فأظلم... " إلخ. قاله في الحاشية. # واشتقاق البروج من التبرج ، الذي هو الظهور ؛ لظهورها ، ولذلك قال الحسن ~~وقتادة ومجاهد : البروج : النجوم الكبار ؛ لظهورها. # {وجعل فيها سراجا} أي : الشمس ، لقوله تعالى : {وجعل الشمس سراجا} [نوح : ~~16]. وقرأ الأخوان : " سرجا ". ويراد : النجوم الكبار والشمس ، {وقمرا ~~منيرا} أي : مضيئا بالليل. PageV05P221 # {وهو الذي جعل اليلل والنهار خلفة} أي : ذو خلفة ؛ يخلف كل واحد منهما ~~الآخر ، بأن يقوم مقامه ، فيما ينبغي أن يعمل فيه ، فمن فاته عمله في ~~أحدهما قضاه في الآخر. قال قتادة : فأروا الله تعالى من أعمالكم خيرا في ~~هذا الليل والنهار ، فإنهما مطيتان تقحمان الناس إلى آجالهم ، تقربان كل ~~بعيد ، وتبليان كل جديد ، وتجيئان بكل موعود. # وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : فاتتني الصلاة الليلة ، فقال : ~~أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك ، فإن الله تعالى جعل الليل والنهار خلفة ~~{لمن أراد أن يذكر}. ه. أي : يتذكر آلاء الله - عز وجل - ، ويتفكر في بدائع ~~صنعه فيعلم أنه لا بد له من صانع حكيم. وقرأ حمزة وخلف : " يذكر " أي : ~~يذكر الله في قضاء ما فاته في أحدهما ، {أو أراد شكورا} أي : شكر نعمة ربه ~~عليه فيهما ، فيجتهد في عمارتهما بالطاعة ؛ شكرا. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 143 # الإشارة : تبارك الذي جعل ms1959 في سماء القلوب أو الأرواح بروجا ؛ منازل ~~ينزلها السائر ، ثم يرحل عنها ، وهي مقامات اليقين ؛ كالخوف ، والرجاء ، ~~والورع ، والزهد ، والصبر ، والشكر ، والرضا ، والتسليم ، والمحبة ، ~~والمراقبة ، والمشاهدة ، والمعاينة. وجعل فيها سراجا ، أي : شمس العرفان ~~لأهل الإحسان ، وقمرا منيرا ، وهو توحيد البرهان لأهل الإيمان. وهو الذي ~~جعل ليل القبض ونهار البسط خلفة ، يخلف أحدهما الآخر ، لمن أراد أن يذكر في ~~ليل القبض ، ويشكر في نهار البسط. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 143 PageV05P222 ~~وعباد الرحمان الذين يمشون علىا الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب ~~جهنم إن عذابها كان غراما إنها سآءت مستقرا ومقاما والذين إذآ أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما والذين لا يدعون مع الله إلاها آخر ~~ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون...}. # 144 # قلت : و(عباد) : مبتدأ ، و(الذين) وما بعده : خبر. وقيل : (أولئك يجزون). # و(هونا) : حال ، أو : صفة ، أي : يمشون هينين ، أو مشيا هونا. PageV05P223 # يقول الحق جل جلاله : {وعباد الرحمن} أي : خواصه الذين يسجدون ويخضعون ~~للرحمن ، {الذين يمشون على الأرض هونا} أي : بسكينة وتواضع ووقار ، قال ~~الحسن : يمشون حلماء علماء مثل الأنبياء ، لا يؤذون الذر ، في سكون وتواضع ~~وخشوع ، وهو ضد المختال الفخور المرح ، الذي يختال في مشيه. وقال ابن ~~الحنفية : أصحاب وقار وعفة ، لا يسفهون ، وإن سفهم عليهم حلموا. و" الهون " ~~في اللغة : الرفق واللين. ومن قوله صلى الله عليه وسلم : " أحبب حبيبك هونا ~~ما ، عسى أن يكون بغيضك يوما ما. وأبغض بغيضك هونا ما ، عسى أن يكون حبيبك ~~يوما ما ". {وإذا خاطبهم الجاهلون} أي : السفهاء بما يكرهون ، {قالوا ~~سلاما} ؛ سدادا من القول ، يسلمون فيه من الإيذاء والإثم والخنا. أو : ~~سلمنا منكم سلاما ، أو : سلموا عليهم سلاما ، دليله قوله تعالى : {وإذا ~~سمعوا اللغو أعرضوا عنه} [القصص : 55] ، ثم قالوا : {سلام عليكم}. قيل : ~~نسختها آية القتال ، وفيه نظر ؛ فإن الإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعا ومروءة ~~، فلا ينسخ. وكان الحسن إذا تلا الآيتين ms1960 قال : هذا وصف نهارهم ، ثم قال ~~تعالى : {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} : هذا وصف ليلهم. قال ابن عباس ~~: من صلى لله تعالى ركعتين ، أو أكثر ، بعد العشاء ، فقد بات لله تعالى ~~ساجدا وقائما. وقيل : ما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء ، ~~والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 144 # والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما} ؛ هلاكا لازما. PageV05P224 # ومنه : الغريم ؛ لملازمته غريمه ، وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين ، ~~وعقبه بذكر دعوتهم هنا ؛ إيذانا بأنهم ، مع اجتهادهم ، خائفين مبتهلين إلى ~~الله في صرف العذاب عنهم {إنها ساءت مستقرا ومقاما} ، أي : إن جهنم قبحت ~~مستقرا ومقاما لهم. و" ساءت " : في حكم " بئست " ، وفيها ضمير مبهم يفسره ~~{مستقرا}. والمخصوص بالذم : محذوف ، أي : ساءت مستقرا ومقاما هي. وهذا ~~الضمير هو الذي ربط الجملة باسم " إن ". # {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا} ؛ لم يجاوزوا الحد في النفقة. وعن ابن ~~عباس : لم ينفقوا في المعاصي. فالإسراف : مجاوزة حد الأمر ، لا مجاوزة ~~القدر. وسمع رجل رجلا يقول : لا خير في الإسراف ، فقال : لا إسراف في ~~الخير. وقال صلى الله عليه وسلم : " من منع حقا فقد قتر ، ومن أعطى في غير ~~حق فقد أسرف " {ولم يقتروا} ، القتر والإقتار والتقتير : التضييق. وقرئ ~~بالجميع ، {وكان بين ذلك قواما} أي : وكان إنفاقهم بين الإسراف # 145 # والإقتار قواما ؛ عدلا بينهما. فالقوام : العدل بين الشيئين. قال أبو ~~عبيدة : لم يزيدوا على المعروف ، ولم يخلو به ، لقوله : {ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلىا عنقك} [الإسراء : 29] الآية. وقال يزيد بن أبي حبيب في هذه ~~الآية : أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، كانوا لا يأكلون الطعاما ~~للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة. ولكن كانوا يريدون من ~~الطعام ما يسد عنهم الجوع ، ويقويهم على عبادة ربهم ، ومن الثياب ما يستر ~~عوراتهم ، ويكنهم من الحر والبرد. PageV05P225 # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كفى بالمرء سرفا إلا يشتهي شيئا إلا ~~اشتراه فأكله. ومثله في سنن ابن ماجه ؛ مرفوعا. قال القشيري ms1961 : الإسراف : أن ~~ينفق في الهوى ونصيب النفس ، ولو فلسا ، وأما ما كان لله فليس فيه إسراف ، ~~ولو ألفا. والإقتار : ما كان ادخارا عن الله ، فأما التضييق على النفس ؛ ~~منعا لها عن اتباع الشهوات ، ولتتعود الاجتزاء باليسير ، فليس بالإقتار ~~المذموم. ه. # {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} أي : لا يشركون بالله شيئا ، {ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله} قتلها {إلا بالحق} بقود ، أو رجم ، أو شرك ، ~~أو سعي في الأرض بالفساد ، {ولا يزنون} أي : لا يفعلون من هذه العظائم ~~القبيحة التي جمعهن الكفرة شيئا ، حيث كانوا مع إشراكهم به - سبحانه - ~~مداومين على قتل النفوس المحرمة ، التي من جملتها المؤودة ، منكبين على ~~الزنا ، لا يرعوون عنه أصلا ، فنفى هذه الكبائر عن عباده الصالحين ؛ تعريضا ~~بما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيره ، كأنه قيل : والذين طهرهم الله مما ~~أنتم عليه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه : " قلت : يا رسول الله ، أي الذنب ~~أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك ~~خشية أن يطعم معك ، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني بحليلة جارك " فنزلت ~~الآية تصديقا لذلك. # جزء : 5 رقم الصفحة : 144 PageV05P226 ~~الإشارة : قد تضمنت الآية أربعة أصناف من الناس على سبيل التدلي ؛ الأول : ~~الأولياء العارفون بالله ، أهل التربية النبوية ، ومن تعلق بهم من أهل ~~التهذيب والتأديب ، وإليهم أشار بقوله : {وعباد الرحمن..} إلخ ، وفيهم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : " رأيت أقواما من أمتي ، ما خلقوا بعد ، ~~وسيكونون فيما بعد اليوم ، أحبهم ويحبونني ، ويتناصحون ويتباذلون ، ويمشون ~~بنور الله في الناس رويدا ، في خفية وتقى ، يسلمون من الناس ، ويسلم الناس ~~منهم بصبرهم وحلمهم ، قلوبهم بذلك إليه يرجعون ، ومساجدهم بصلاتهم يعمرون ، ~~يرحمون ضعيفهم ، ويجلون كبيرهم ، ويتواسون بينهم ، يعود غنيهم على فقيرهم ، ~~وقويهم على ضعيفهم ، يعودون مرضاهم ، ويشهدون جنائزهم " فقال رجل من # 146 # القوم : يرفقون برقيقهم ؟ فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ~~كلا ؛ لا رقيق لهم ، وهم خدام أنفسهم ، هم أكرم على الله تعالى من أن يوسع ms1962 ~~عليهم ؛ لهوان الدنيا عند ربهم. " ثم تلى النبي صلى الله عليه وسلم : ~~{وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا...} الآية. رواه أبو برزة ~~الأسلمي ، عنه صلى الله عليه وسلم. # الثاني : العباد والزهاد أهل الجد والاجتهاد ، أهل الصيام والقيام ، ~~الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ، أقامهم الحق تعالى لخدمته ، كما أقام ~~الأولين لمحبته ومعرفته. الثالث : الصالحون والأبرار ، الذين يعبدون الله ~~طمعا في الجنة وخوفا من النار ، ومن كان منهم له مال أنفقه في سبيل الله ، ~~من غير سرف ولا إقتار. الرابع : عامة الموحدين من أهل اليمين ، المجتنبون ~~لكبائر الذنوب ، المسارعون بالتوبة إلى علام الغيوب. والله تعالى أعلم. # ثم أشار إلى وبال من فعل شيئا من ذلك ولم يتب ، فقال : PageV05P227 # {... ومن يفعل ذالك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ~~إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولائك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان ~~الله غفورا رحيما ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا}. # قلت : (يضاعف) و(يخلد) : بدل من (يلق) ؛ بدل كل من كل ، عند الأزهري ؛ ~~لأن لقي الآثام هي مضاعفة العذاب ، وبدل اشتمال ، عند المرادي. ومن رفعهما ~~: فعلى الاستئناف. # يقول الحق جل جلاله : {ومن يفعل ذلك} أي : ما ذكر ، كما هو دأب الكفرة ~~المذكورين ، {يلق} في الآخرة {أثاما} ؛ وهو جزاء الآثام ، كالوبال والنكال ~~؛ وزنا ومعنى ، {يضاعف له العذاب يوم القيامة} أضعافا كثيرة ، كما يضاعف ~~للمؤمنين جزاء أعمالهم كذلك ، {ويخلد فيه} أي : في ذلك العذاب المضاعف ، ~~{مهانا} ؛ ذليلا حقيرا ، جامعا للعذاب الجسماني والروحاني. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 144 # إلا من تاب} من الشرك ، {وآمن} بمحمد صلى الله عليه وسلم ، {وعمل عملا ~~صالحا} بعد توبته {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} أي : يوفقهم للمحاسن ~~بعد القبائح ، فيوفقهم للإيمان بعد الشرك ، ولقتل الكافر بعد قتل المؤمن ، ~~وللعفة بعد الزنا ، أو : يمحوها بالتوبة ، ويثبت مكانها الحسنات. ولم يرد ~~أن السيئة بعينها تصير حسنة ، ولكن يمحوها ويعوض منها حسنة. # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من ~~السيئات ، قيل : من ms1963 ؟ قال : الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات " {وكان الله ~~غفورا} للسيئات ، {رحميا} يبدلها حسنات. # 147 PageV05P228 ~~{ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} أي : ومن تاب ، وحقق التوبة ~~بالعمل الصالح ، فإنه بذلك تائب إلى الله متابا مرضيا مكفرا للخطايا. وسبب ~~نزول الآية : أن ناسا من المشركين قتلوا فأكثروا ، وزنوا فأكثروا ، ثم أتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن ~~لما عملناه كفارة. فنزلت : {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر...} إلى قوله ~~: {إلا من تاب...} إلخ. والظاهر أن توبة قاتل النفس بغير حق مقبولة ؛ لعموم ~~قوله : {إلا من تاب} ، وهو قول الجمهور. وقيل : إن هذه منسوخة بآية النساء ~~، وهو ضعيف والله تعالى أعلم. # الإشارة : من قنع من نفسه بمجرد الإسلام والإيمان ، ولم تنهضه نفسه إلى ~~التشوف لمقام الإحسان ، لا بد أن يلحقه الندم وضرب من الهوان ، ولو دخل ~~فسيح الجنان ؛ لتخلفه عن أهل القرب والوصال ، وفي ذلك يقول الشاعر : # من فاته منك وصل حظه الندم # ومن تكن همه تسمو به الهمم # جزء : 5 رقم الصفحة : 144 # يقول الحق جل جلاله : {والذين لا يشهدون الزور} أي : لا يقيمون شهادة ~~الكذب ، أو لا يحضرون محاضر الكذب ؛ فإن مشاهدة الباطل مشاركة فيه ، أي : ~~يبعدون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين ، فلا يقربونها ، تنزها عن ~~مخالطة الشر وأهله. وفي مواعظ عيسى - عليه السلام - : إياكم ومجالس ~~الخطائين. {وإذا مروا باللغو} أي : بالفحش وكل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ، ~~والمعنى : وإذا مروا بأهل اللغو المشتغلين به {مروا كراما} معرضين عنه ، ~~مكرمين أنفسهم عن التلوث به ، كقوله : {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} ~~[القصص : 55] ، وعن الباقر : إذا ذكروا الفروج كفوا عنها ، وقال مقاتل : ~~إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا عنه وصفحوا. PageV05P229 # {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم} أي : قرئ عليهم القرآن ، أو : وعظوا بالقرآن ~~، {لم يخروا عليها صما وعميانا} ، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية ، ~~مجلتين لها بعيون راعية. وإنما عبر بنفي الضد ؛ تعريضا بما يفعله الكفرة ~~والمنافقون. # 148 # {والذين يقولون ربنا ms1964 هب لنا من أزواجنا} ، " من " : للبيان ، كأنه قيل : ~~هب لنا قرة أعين ، ثم بينت القرة وفسرت بقوله : {من أزواجنا وذرياتنا} ~~والمعنى : أن يجعلهم الله لهم قرة أعين ؛ بأن يروا منهم من الطاعة والإحسان ~~وما تقر به العين. أو للابتداء ، أي : هب لنا من جهتهم ما تقر به العين ، ~~من طاعة أو صلاح. {و} هب لنا أيضا من {ذرياتنا قرة أعين} ؛ بتوفيقهم للطاعة ~~، ومبادرتهم للفضائل والكمالات ، فإن المؤمن إذا ساعده أهله في طاعة الله ~~تعالى وشاركوه فيها ؛ يسر قلبه ، وتقر عينه ؛ بما شاهده من مقاربتهم له في ~~الدين ، ويكون ذلك سببا في لحوقهم به في الجنة ، حسبما وعد به قوله تعالى : ~~{ألحقنا بهم ذريتهم} [الطور : 21]. # جزء : 5 رقم الصفحة : 148 # وإنما قال : " أعين " ؛ بلفظ القلة ، دون عيون ؛ لأن المراد أعين المتقين ~~، وهي قليلة بالإضافة إلى أعين غيرهم. والمعنى : أنهم سألوا ربهم يرزقهم ~~أزواجا وأعقابا ، عمالا لله ، يسرون بمكانهم ، وتقر بهم عيونهم ، قيل : ليس ~~شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله. وعن ابن عباس : ~~(هو الولد إذا رآه يكتب الفقه). PageV05P230 # {واجعلنا للمتقين إماما} أي : أئمة يقتدى بنا في الدين ، فاكتفى بالواحد ؛ ~~لدلالته على الجنس ، أو : واجعل كل واحد منا إماما ؛ أي : من أولادنا ~~إماما. والظاهر : أن صدور هذا الدعاء منهم كان بطريق الانفراد ؛ إذ يتعذر ~~اجتماعهم في دعاء واحد. وإنما كانت عبارة كل واحد منهم عند الدعاء : ~~واجعلني للمتقين إماما ، غير أنه حكيت عبارة الكل بصيغة المتكلم مع الغير ؛ ~~قصدا إلى الإيجاز ، كقوله تعالى : {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات} ~~[المؤمنون : 51]. وأبقى إماما على حاله من الانفراد. قيل : وفي الآية دليل ~~على أن الرئاسة في الدين ينبغي أن تطلب ويرغب فيها ، إذا كان القصد نفع ~~عباد الله دون حظ نفساني. {أولئك يجزون الغرفة} ، جنس ، أي : الغرفات ، وهي ~~العلالي في الجنة. ووحده بقصد الجنس. {بما صبروا} ؛ بصبرهم على مشاق ~~الطاعات ، وترك الشهوات ، وتحمل المجاهدات ، وعلى إذاية أهل الإنكار ، ~~وارتكاب الذل والافتقار. {ويلقون فيها تحية وسلاما} أي : تحييهم الملائكة ، ~~ويدعون لهم ms1965 بطول الحياة والسلامة من الآفات. أو : يحيي بعضهم بعضا ، ~~ويسلمون عليهم ، {خالدين فيها} ؛ لا يموتون ولا يخرجون ، {حسنت} أي : ~~الغرفة {مستقرا ومقاما} ؛ موضع قرار وإقامة ، وهي مقابلة : {ساءت مستقرا ~~ومقاما}. # {قل} يا محمد : {ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} أي : ما يصنع بكم ربي ، ~~وأي فائدة في خلقكم ، لولا دعاؤكم إلى الإسلام والتوحيد ، أو : لولا ~~عبادتكم له ، أي : إنما خلقكم لعبادته ؛ كقوله : {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} [الذاريات : 56] ؛ فإنما خلق الإنسان لمعرفته وطاعته ، وإلا فهو ~~وسائر البهائم سواء. قال المحشي : والظاهر : أنه خطاب لقريش القائلين : ~~{أنسجد لما تأمرنا} أي : لا يحفل بكم ربي لولا تضرعكم # 149 # واستغاثتكم إياه في الشدائد.ه. PageV05P231 # وقيل : ما يعبأ : بمغفرة ذنوبكم ، ولا هو عنده عظيم ، لولا دعاؤكم معه ~~الآلهة والشركاء ، كقوله : {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} [النساء ~~: 147] ، قاله الضحاك. ثم قال : فظاهره : أن " ما " : استفهامية ، ويحتمل ~~كونها نافية. انظر بقية كلامه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 148 # وفسر البخاري الدعاء هنا بالإيمان ، أي : ما يبالي بكم ربي لولا إيمانكم ~~المتوقع من بعضكم ، {فقد كذبتم} بما جاء به الرسول فتستحقون العقاب ، {فسوف ~~يكون} العذاب الذي أنتجه تكذيبكم {لزاما} ؛ لازما لكم ؛ لا تنفكون عنه ، ~~حتى يكبكم في النار. فالفاء في قوله : {فقد كذبتم} استئناف وتعليل لكونهم ~~لا يعبأ بهم ، وإنما أضمر العذاب من غير تقدم ذكر ؛ للإيذان بغاية ظهوره ~~وتهويل أمره ، وأنه مما لا تفي العبارة به. # وعن مجاهد : هو القتل يوم بدر ، وأنه لوزم بين القتلى. وفي المشارق : ~~اللزام : الفيصل ، وقد كان يوم بدر. ه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قوله تعالى : {وإذا مروا بأهل اللغو} ، وهم المتكلمون في حس ~~الأكوان ، مروا كراما ؛ مكرمين أنفسهم عن الالتفات إلى خوضهم. والذين إذا ~~سمعوا الوعظ والتذكير أنصتوا بقلوبهم وأرواحهم ، خلاف ما عليه العامة من ~~التصامم والعمى عنه. {والذين يقولون ربنا..} إلخ ، قال القشيري : قرة الروح ~~: حياتها ، وإنما تكون كذلك إذا كان بحق الله قائما. ويقال : قرة العين من ~~كان لطاعة الله معانقا ، ولمخالفة الأمر مفارقا. ه. قلت : قرة ms1966 العين تكون ~~في الولد الروحاني ، كما تكون في الولد البشري ؛ فإن الشيخ إذا رأى تلميذه ~~مجدا صادقا في الطلب ، حصل له بذلك غاية السرور والطرب ، كما هو معلوم عند ~~أرباب الفن. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وصلى الله على ~~سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وسلم تسليما. # 150 # جزء : 5 رقم الصفحة : 148 PageV05P232 ### | AUTO سورة الشعراء # جزء : 5 رقم الصفحة : 150 # يقول الحق جل جلاله : {طسم} أي : يا طاهر ، يا سيد ، يا محمد ، أو : أيها ~~الطاهر السيد المجيد. وقال الواحدي : أقسم تعالى بطوله وسنائه وملكه ، ~~والمقسم عليه : {إن نشأ ننزل...} إلخ. {تلك آيات الكتاب المبين} أي : ما ~~نسرده عليك في هذه السورة وغيرها من الآيات ، هي آيات الكتاب ، أي : القرآن ~~المبين ، أي : الظاهر إعجازه ، وأنه من عند الله ، على أنه من أبان ، بمعنى ~~بان ، أو : المبين للأحكام الشرعية والحكم الربانية ، أو : الفاصل بين الحق ~~والباطل. وما في الإشارة من معنى البعد ؛ للتنبيه على بعد منزلة المشار ~~إليه في الفخامة ورفعة القدر. # ثم شرع في تسليته بقوله : {لعلك باخع نفسك} أي : قاتل نفسك. قال سهل : ~~تهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم ، وقد سبق مني الحكم بإيمان ~~المؤمنين # 151 PageV05P233 ~~وكفر الكافرين ، فلا تبديل ولا تغيير. و" لعل " : للإشفاق ، أي : أشفق على ~~نفسك أن تقتلها ؛ حسرة على مافاتك من إسلام قومك {ألا يكونوا مؤمنين} أي : ~~لعدم إيمانهم بذلك الكتاب المبين ، {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية} ، هو ~~تعليل لما قبله من النهي عن التحسر ؛ ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به ~~المشيئة ، فلا وجه للطمع فيه والتألم من فواته ، والمفعول محذوف ، أي : إن ~~نشأ إيمانهم ننزل عليهم من السماء آية ملجئة لهم إلى الإيمان ، قاهرة لهم ~~عليه ، {فظلت أعناقهم لها خاضعين} ؛ منقادين. والأصل : فظلوا لها خاضعين ، ~~فأقمحت الأعناق ؛ لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع ، وترك الخبر على حاله ~~من جمع العقلاء. وقيل : لما وصفت الأعناق بصفة العقلاء أجريت مجراهم ، ~~كقوله تعالى : {رأيتهم لي ساجدين} [يوسف : 4]. وقيل المراد بالأعناق ms1967 : ~~الرؤساء ومقدمو الجماعة ، وقيل : الجماعة ، من قولهم : جاءنا عنق من الناس ~~، أي : فوج. وقرئ : خاضعة ، على الأصل. # {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} ، هذا بيان ~~لشدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب ؛ لصرف رسوله ~~صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلامهم ، وقطع رجائه فيهم على الجملة ، ~~قال القشيري : أي : ما نجدد لهم شرعا ، أو نرسل رسولا إلا أعرضوا عما دل ~~برهانه عليه ، وقابلوه بالتكذيب ، فلو أنهم أنعموا النظر في آياتهم ، لا ~~تضح لهم صدقهم ، ولكن المقسوم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيمان ~~والتصديق. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 151 PageV05P234 ~~والتعرض لعنوان الرحمة ؛ لتغليظ شناعتهم ، وتهويل جنايتهم ؛ فإن الإعراض ~~عما يأتيهم من جنابه عز وجل على الإطلاق شنيع قبيح ، وعما يأتيهم بموجب ~~الرحمة ، لمحض منفعتهم ، أشنع وأقبح ، أي : ما يأتيهم من موعظة من المواعظ ~~القرآنية ، أو من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل تذكير ، وتنبههم من ~~الغفلة أتم تنبيه ، بمقتضى رحمته الواسعة ، إلا جددوا إعراضا عنه ؛ على وجه ~~التكذيب والاستهزاء ؛ إصرارا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. {فقد ~~كذبوا} بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا مقارنا للاستهزاء ، {فسيأتيهم} أي : ~~فسيعلمون {أنباء} أي : أخبار {وما كانوا به يستهزئون} ، وأنباؤه : ما يحيق ~~بهم من العقوبات العاجلة والآجلة ، عبر عنها بالأنباء ؛ إما لكونها مما ~~أنبأ بها القرآن الكريم ، وإما لأنهم ، بمشاهدتها ، يقفون على حقيقة القرآن ~~الكريم ، كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم ، باستماع الأنباء. وفيه ~~تهويل ؛ لأن الأنباء لا تطلق إلا على خبر خطير له وقع كبير ، أي : فسيأتيهم ~~لا محالة مصداق ما كانوا يستهزئون به ، إما في الدنيا ، كيوم بدر وغيره من ~~مواطن الحتوف ، أو يوم القيامة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : طسم ، الطاء تشير إلى طهارة سره - عليه الصلاة والسلام - ، ~~والسين تشير # 152 # إلى سيادة قدره ، والميم إلى مجادة أمره ، وهذا بداية الشرف ونهايته. أو ~~: الطاء تشير إلى التنزيه للقلب ، من حيث هو ، والتطهير ، والسين تشير إلى ~~تحليته بالسر الكبير ، والميم تشير إلى ms1968 تصرفه في الملك والملكوت بإذن العلي ~~الكبير. وهذه بداية السير ونهايته ، فيكون حينئذ عارفا بالله ، خليفة رسول ~~الله في العودة إلى الله ، فإن حرص على هداية الخلق فيقال له : {لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين} ، فلو شاء ربك لهدى الناس جميعا ، ولا يزالون ~~مختلفين ، {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين}. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 151 PageV05P235 ~~والتعرض لعنوان الرحمة ؛ لتغليظ شناعتهم ، وتهويل جنايتهم ؛ فإن الإعراض ~~عما يأتيهم من جنابه عز وجل على الإطلاق شنيع قبيح ، وعما يأتيهم بموجب ~~الرحمة ، لمحض منفعتهم ، أشنع وأقبح ، أي : ما يأتيهم من موعظة من المواعظ ~~القرآنية ، أو من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل تذكير ، وتنبههم من ~~الغفلة أتم تنبيه ، بمقتضى رحمته الواسعة ، إلا جددوا إعراضا عنه ؛ على وجه ~~التكذيب والاستهزاء ؛ إصرارا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. {فقد ~~كذبوا} بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا مقارنا للاستهزاء ، {فسيأتيهم} أي : ~~فسيعلمون {أنباء} أي : أخبار {وما كانوا به يستهزئون} ، وأنباؤه : ما يحيق ~~بهم من العقوبات العاجلة والآجلة ، عبر عنها بالأنباء ؛ إما لكونها مما ~~أنبأ بها القرآن الكريم ، وإما لأنهم ، بمشاهدتها ، يقفون على حقيقة القرآن ~~الكريم ، كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم ، باستماع الأنباء. وفيه ~~تهويل ؛ لأن الأنباء لا تطلق إلا على خبر خطير له وقع كبير ، أي : فسيأتيهم ~~لا محالة مصداق ما كانوا يستهزئون به ، إما في الدنيا ، كيوم بدر وغيره من ~~مواطن الحتوف ، أو يوم القيامة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : طسم ، الطاء تشير إلى طهارة سره - عليه الصلاة والسلام - ، ~~والسين تشير # 152 # إلى سيادة قدره ، والميم إلى مجادة أمره ، وهذا بداية الشرف ونهايته. أو ~~: الطاء تشير إلى التنزيه للقلب ، من حيث هو ، والتطهير ، والسين تشير إلى ~~تحليته بالسر الكبير ، والميم تشير إلى تصرفه في الملك والملكوت بإذن العلي ~~الكبير. وهذه بداية السير ونهايته ، فيكون حينئذ عارفا بالله ، خليفة رسول ~~الله في العودة إلى الله ، فإن حرص على هداية الخلق فيقال له : {لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين} ، فلو شاء ربك لهدى ms1969 الناس جميعا ، ولا يزالون ~~مختلفين ، {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين}. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 151 PageV05P236 ~~قلت : الهمزة : للإنكار التوبيخي ، والواو : للعطف على مقدر يقتضيه المقام ~~، أي : أفعلوا ما فعلوا من الإعراض والتكذيب ، ولم ينظروا إلى عجائب ~~الأرض.. إلخ. و(كم) : خبرية منصوبة بما بعدها على المفعولية. # يقول الحق جل جلاله : {أو لم يروا} أي : ينظروا {إلى} عجائب {الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم} ؛ أي : من كل صنف محمود كثير المنفعة ، يأكل ~~منه الناس والأنعام. وتخصيص النبات بالذكر ، دون ما عداه من الأصناف ؛ ~~لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معا. ويحتمل أن يراد به جميع أصناف ~~النبات ؛ نافعها وضارها ، ويكون وصف الكل بالكرم ؛ للتنبيه على أنه تعالى ~~ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة ، إما وحده ، أو بانضمامه إلى غيره ، كما نطق ~~به قوله تعالى : {هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا} [البقرة : 29] فإن ~~الحكيم لا يكاد يفعل فعلا إلا وفيه حكمة بالغة ، وإن غفل عنه الغافلون ، ~~ولم يتوصل إلى معرفة كنهه العاقلون. وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة ~~والإحاطة ، وهما " كم " و" كل " ؛ أن كلمة " كل " تدل على الإحاطة بأزواج ~~النبات ؛ على سبيل التفصيل ، و" كم " تدل على أن هذا المحاط متكاثر ، مفرط ~~الكثرة ، وبه نبه على كمال قدرته. # {إن في ذلك} الإنبات ، أو : كل صنف من تلك الأصناف {لآية} عظيمة دالة على ~~كمال قدرته ، وسعة علمه وحكمته ، ونهاية رحمته الموجبة للإيمان ، الوازعة ~~عن الكفر والطغيان. {وما كان أكثرهم} أي : أكثر قومه - عليه الصلاة والسلام ~~- {مؤمنين} في علم الله تعالى وقضائه ، حيث علم أنهم سيصرفون عنه ، ولا ~~يتدبرون في هذه الآيات العظام. وقال سيبويه : " كان " : صلة ، والمعنى : ~~وما أكثرهم مؤمنين ، وهو الأنسب بمقام عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد ، ~~مع تعاضد موجبات الإيمان من جهته تعالى. وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى ~~وقضائه فربما يتوهم أنهم معذورون فيه بحسب الظاهر ؛ لأن # 153 PageV05P237 ~~التفريق بين القدرة والحكمة ، اللتين هما محل التحقيق والتشريع ، قد خفي ~~على مهرة ms1970 العلماء ، فضلا عن غيرهم. فالحكم بزيادة " كان " أقرب ؛ كأنه قيل ~~: إن في ذلك لآية باهرة موجبة للإيمان ، وما أكثرهم مؤمنين مع ذلك ؛ لغاية ~~عتوهم وعنادهم. ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم ؛ لأن منهم من سبق له أنه يؤمن. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 153 # وإن ربك لهو العزيز} ؛ الغالب على كل ما يريد من الأمور ، التي من جملتها ~~: الانتقام من هؤلاء ، {الرحيم} ؛ المبالغ في الرحمة ، ولذلك يمهلهم ، ولا ~~يؤاخذهم بغتة بما اجترأوا عليه من العظائم الموجبة لفنون العقوبات. وفي ~~التعرض لوصف الربوبية ، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - ، من ~~تشريفه والعدة الحقية بالانتقام من الكفرة مالا يخفى. قاله أبو السعود. # الإشارة : أو لم يروا إلى أرض النفوس الطيبة ، كم أنبتنا فيها من كل صنف ~~من أصناف العلوم الغريبة ، والحكم العجيبة ، بعد أن كانت ميتة بالجهل ~~والغفلة ، إن في ذلك لآية ظاهرة على وجود الخصوصية فيها ، وعلى كمال من ~~عالجها حتى ظهرت عليها. أو : أو لم يروا إلى أرض العبودية ، كم أنبتنا فيها ~~من أصناف الآداب المرضية ، والمقامات اليقينية ، والمكاشفات الوهبية ، إن ~~في ذلك لآية ، وما كان أكثرهم مؤمنين بهذه الخصوصية عند أربابها ، وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم ، يعز من يشاء ، ويرحم بها من يشاء. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 153 PageV05P238 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر يا محمد {إذ نادى ربك موسى} أي : وقت ندائه ~~إياه ، وذكر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم ؛ زجرا لهم ، وتحذيرا ~~من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين. أو : واذكر حاله لتتسلى به ~~وبما عالج مع قومه ، حيث أرسله وقال له : {أن ائت القوم الظالمين} ، أو : ~~بأن ائت القوم الظالمين بالكفر والمعاصي ، أو : باستعباد بني إسرائيل وذبح ~~أبنائهم. {قوم فرعون} : عطف بيان ، تسجل عليهم بالظلم ، ثم فسرهم ، وقل لهم ~~: {ألا يتقون} الله ، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء ~~الخطاب ؛ على طريقة الالتفات ، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم ، كأن ظلمهم ~~أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه ms1971 به ، بل ما في سورة طه من ~~قوله : {إنى أنا ربك...} [طه : 12] إلخ ، واختصره هنا لمقتضى المقام. # 154 # {قال} موسى عليه السلام ؛ متضرعا إلى الله عز وجل : {رب إني أخاف أن ~~يكذبون} من أول الأمر ، {ويضيق صدري} بتكذيبهم إياي ، {ولا ينطلق لساني} ؛ ~~بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال ، وأسمع من الجدال ، أو : تغلبني ~~عقدة لساني ، {فأرسل إلى هارون} أخي ، أي : أرسل جبرل إليه ، ليكون نبيا ~~معي ، أتقوى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بعث موسى بجبل ~~الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر ، وإنما هو استدعاء لما يعينه ~~على الامتثال ، وتمهيد عذره. # ثم قال : {ولهم علي ذنب} أي : تبعة ذنب بقتل القبطي ، فحذف المضاف ، أو : ~~سمي تبعة الذنب ذنبا ، كما يسمى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنبا بحسب ~~زعمهم. {فأخاف أن يقتلون} به ؛ قصاصا. وليس هذا تعللا أيضا ، بل استدفاع ~~للبلية المتوقعة ، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة ، ولذلك وعده بالكلاءة ~~، والدفع عنه بكلمة الردع ، وجمع له الاستجابتين معا بقوله : # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 154 PageV05P239 ~~قال كلا فاذهبا} ؛ لأنه استدفعه بلاءهم ، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف ، ~~والتمس منه رسالة أخيه ، فأجابه بقوله : {اذهبا} ، أي : جعلته رسولا معك ~~{فاذهبا بآياتنا} أي : مع آياتنا ، وهو اليد والعصا وغير ذلك ، فقوله : ~~{فاذهبا} : عطف على مضمر ، ينبئ عنه الردع ، كأنه قيل : ارتدع يا موسى عما ~~تظن ، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوبا بآياتنا ، فإنها تدفع ما تخافه. # {إنما معكم مستمعون} أي : سامعون ما يقال لك ، وما يجري بينكما وبينه ، ~~فنظهركما عليه. شبه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة ، فسمع ما يجري ~~بينهم ، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم ؛ مبالغة في الوعد بالإعانة ، ~~فاستعير الاستماع ، الذي هو الإصغاء للسمع ، الذي هو العلم بالحروف ~~والأصوات ، وهو تعليل ؛ للردع عن الخوف ، ومزيد تسلية لهما ، بضمان كمال ~~الحفظ والنصر ، كقوله تعالى : {إننى معكمآ أسمع وأرىا} [طه : 46]. # {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} ، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر ~~بالذهاب ؛ لأن معنى هذا : الوصول ms1972 إلى المرسل إليه ، والذهاب : مطلق التوجه ~~، ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة طه ؛ لأن الرسول يكون بمعنى المرسل ~~وبمعنى الرسالة ، فيكون مصدرا ، فجعل ثمة بمعنى المرسل فثنى ، وجعل هنا ~~بمعنى الرسالة ، فسوى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع ، كما تقول : رجل ~~عدل ، ورجلان عدل ، ورجال عدل ؛ لاتحادهما في شريعة واحدة ، كأنهما رسول ~~واحد. قلت : والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر ؛ أن الخطاب في سورة طه ~~توجه أول القصة إليهما معا بقوله {اذهب أنت وأخوك} فجرى في آخر القصة على ~~ما افتتحت به ، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى # 155 # موسى وحده ، بقوله : {وإذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين} ، فجرى ~~على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم. PageV05P240 # {أن أرسل معنا بني إسرائيل} ، " أن " : مفسرة ؛ لتضمن الإرسال المفهوم من ~~الرسول معنى القول ، أي : خل بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام ، وكان ~~مسكنهم بفلسطين منه ، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر ، في زمن ~~يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم. # الإشارة : من كان أهلا للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ~~ولا خوف الإذاية ، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم ؛ إن طلب المعين فلا ~~بأس ، فإن أبهة الجماعة ، في حال الإقبال على من يعظمهم ، أقوى في الإدخال ~~الهيبة والروع في قلوبهم ، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 154 # يقول الحق جل جلاله : لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة ، {قال} ~~له : {ألم نربك...} إلخ ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة ، حتى قال ~~البواب : إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين ، فقال : ائذن له ، ~~لعلنا نضحك منه ، فأذن ، فدخل ، فأدى الرسالة ، فعرفه فرعون ، فقال له : ~~{ألم نربك فينا} ؛ في حجرنا ومنازلنا ، {وليدا} أي طفلا. عبر عنه بذلك ؛ ~~لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام : {إنا ~~رسول رب العالمين} ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله : {وما ~~رب العالمين} ، وصرح بالجهل ms1973 بعد ذلك بقوله : {لئن اتخذت إلها غيري...} إلخ ~~، {ولبثت فينا من عمرك سنين} قيل : لبث فيهم ثلاثين سنة ، ثم خرج إلى مدين ~~، وأقام به عشر سنين ، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة ، ثم ~~بقي بعد الغرق خمسين ، وقيل : قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة ، وفر منهم ~~على إثر ذلك. والله أعلم. # 156 PageV05P241 ~~ثم قال له : {وفعلت فعلتك التي فعلت} يعني : قتل القبطي ، بعدما عدد عليه ~~نعمته ؛ من تربيته ، وتبليغه مبلغ الرجال ، وبخه بما جرى عليه مع خبازه ، ~~أي : قتلت صاحبي ، {وأنت من الكافرين} بنعمتي ، حيث عمدت إلى قتل رجل من ~~خواصي ، أو : أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن ، أي : كنت على ديننا الذي تسميه ~~كفرا ، وهذا افتراء منه عليه ؛ لأنه معصوم ، وكان يعاشرهم بالتقية ، وإلا ~~فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 156 # قال فعلتها إذا} أي : إذ ذاك {وأنا من الضالين} أي : من المخطئين ؛ لأنه ~~لم يتعمد قتله ، بل أراد تأديبه ، أو : الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو : ~~من الضالين عن النبوة ، ولم يأت عن الله في ذلك شيء ، فليس علي توبيخ في ~~تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر ، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع ، وهذا ~~كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. # {ففررت منكم} إلى ربي ، متوجها إلى مدين {لما خفتكم} أن تصيبني بمضرة ، ~~أو تؤاخذني بما لا أستحقه. {فوهب لي ربي حكما} أي : حكمة ، أو : نبوة وعلما ~~، فزال عني الجهل والضلالة ، {وجعلني من المرسلين} ؛ من جملة رسله ، {وتلك ~~نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} أي : تلك التربية نعمة تمن بها علي ~~ظاهرا ، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل ، وقهرك إياهم ، بذبح أبنائهم ، ~~فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك ، ولو تركتهم لرباني أبواي. ~~فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. ~~فقال له موسى عليه السلام : أو تلك نعمة تمنها علي ؛ استعبادك لهم ، ليس ~~ذلك بنعمة ، ولا لك فيها ms1974 علي منة ، وتعبيده : تذليلهم واستخدامهم على ~~الدوام. ووحد الضمير في " تمنها " و" وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و" ~~خفتكم " ؛ لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به ، وأما ~~الامتنان فمنه وحده. PageV05P242 # وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين ، أخذ يستفهم موسى عن ~~الذي ذكر أنه رسول من عنده ؛ مكابرة وتجاهلا وتعاميا ، طلبا للرئاسة ، كما ~~قال تعالى : {قال فرعون وما رب العالمين} ، أي : أي شيء رب العالمين ، الذي ~~ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره ، حسبما يعرب عنه قوله : ~~{أنا ربكم الأعلى} [النازعات : 24] ، وقوله : {ما علمت لكم من إلاه غيري} ~~[القصص : 38]. أو : فما صفته ، أو حقيقته ؟ {قال} موسى : هو {رب السموات ~~والأرض وما بينهما} أي : ما بين الجنسين ، {إن كنتم موقنين} أي : إن كنتم ~~موقنين بالأشياء ، محققين لها ، علمتم ذلك ، أو : إن كنتم موقنين شيئا من ~~الأشياء ، فهذا أولى بالإيقان ؛ لظهور دليله وإنارة برهانه. # {قال} فرعون ، عند سماع جوابه عليه السلام ، خوفا من تأثيره في قلوبهم ، ~~{لمن حوله} من أشراف قومه ، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة : {ألا تستمعون} ~~، أنا أسأله # 157 # عن الماهية ، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا ~~تنال حقيقتها ، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. # جزء : 5 رقم الصفحة : 156 # ثم {قال} عليه السلام : {ربكم ورب آبائكم الأولين} أي : هو خالقكم وخالق ~~آبائكم الأولين ، أي : وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية ، وإنما ~~قال : {ورب آبائكم} ؛ لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من ~~تقدمهم. PageV05P243 # {قال} فرعون : {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} ؛ حيث يزعم أن في الوجود ~~ألها غيري ، أو : حيث لا يطابق جوابه سؤالي ؛ لأني أسأله عن الحقيقة وهو ~~يجيبني بالخاصية ، {قال} موسى عليه السلام : {رب المشرق والمغرب وما بينهما ~~إن كنتم تعقلون} فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد ، ~~حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما ، ثم خصص من العام أنفسهم ~~وآباءهم ؛ لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ، ومن ولد منه ms1975 ، وما شاهد ~~من أحواله ، من وقت ميلاده إلى وفاته ، ثم خصص المشرق والمغرب ؛ لأن طلوع ~~الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر ، على تقدير مستقيم وحساب مستو ، ~~من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية ، ووجوب وجودها. أو : تقول : لما ~~سأله عن ماهية الربوبية ؛ جهلا ؛ فأجابه ، بالخاصية ، {قال ألا تستمعون} ؟ ~~فعاد موسى إلى مثل قوله ، فجننه فرعون ، زاعما أنه حائد عن الجواب ، فعاد ~~ثالثا مبينا أن الواجب الوجود ، الفرد الصمد ، لا يدرك بالكنه ، إنما يعرف ~~بالصفات ، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص ، فالسؤال عن الذات من أمثاله ~~جهل وحمق. ولذلك قال : {إن كنتم تعقلون} ، أي : إن كان لكم عقل علمتم أنه ~~لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق. # قال ابن جزي : إن قيل : كيف قال أولا : {إن كنتم موقنين} ، ثم قال آخرا : ~~{إن كنتم تعقلون} ؟ فالجواب : أنه لاين أولا ؛ طمعا في إيمانهم ، فلما رأى ~~منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في ~~مقابلة قول فرعون : {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون}. ه. PageV05P244 # ولما تجبر فرعون وبهت {قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} ، أي ~~: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني ، وكان من عادته أن يأخذ من يرى ~~سجنه ، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض ، بعيدة العمق ، فردا ، لا ينظر فيها ~~ولا يسمع ، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال : لأسجننك ، لم يؤد هذا المعنى ~~، وإن كان أخصر. قاله النسفي. # الإشارة : التربية لها حق يراعي ويجب شكرها ، ولا فرق بين تربية البشرية ~~والروحانية. قال القشيري : لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في ~~الظاهر ، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره ، وإذا كانت تربية ~~المخلوقين توجب حقا ، # 158 # فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء ~~وجب عليه شكره ؛ بالإحسان إليه ، ولو بالدعاء ، وكل من أحسن إلى روحانيتك ~~بالعلم أو بالمعرفة ، وجب عليك خدمته وتعظيمه ، وإنكار ذلك بسبب المقت ~~والطرد ، والعياذ بالله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 156 # وقول فرعون ms1976 : {وما رب العالمين} : سؤال عن حقيقة الذات ، ومعرفة الكنه ~~متعذرة ؛ إذ ليس كمثله شيء ، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى : {هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن} [الحديد : 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات ~~في الجملة ، ولم تترك منها شيئا ، والإحاطة بالكنه متعذرة ، ولو وقعت ~~الإحاطة لم يبق للعارفين ترق ، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا ~~، في هذه الدار الفانية ، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 156 # قلت : (لو) : هنا ، ليست امتناعية ، بل إغيائية ، فلا جواب لها ، أي : ~~تفعل بي هذا على كل حال ولو جئتك بشيء مبين. PageV05P245 # يقول الحق جل جلاله : {قال} موسى عليه السلام لفرعون ، لما هدده بالسجن : ~~{أولو} ؛ أتفعل ما ذكرت من سجني ولو {جئتك بشيء مبين} ؛ واضح الدلالة على ~~صدقي ، وتوحيد رب العالمين. يريد به المعجزة ؛ فإنها جامعة بين الدلالة على ~~وجود الصانع وحكمته ، وبين الدلالة على صدق دعوى من ظهرت على يده. والتعبير ~~عنه بالشيء ؛ للتهويل. {قال} فرعون : {فأت به إن كنت من الصادقين} فيما قلت ~~من الإتيان بالشيء الواضح على صدق دعواك ، أو : من الصادقين في دعوى ~~الرسالة. # {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} أي : ظاهرثعبانيته ، لا أنه تخيل بما ~~يشبهه كشأن الشعوذة والسحر. روي أنها ارتفعت في السماء قدر ميل ، ثم انحطت ~~مقبلة على فرعون ، تقول : يا موسى ؛ مرني بما شئت ، فيقول فرعون : أسألك ~~بالذي أرسلك إلا اخذتها ، فأخذها ، فعادت عصا. {ونزع يده} أي : أخرجها من ~~تحت إبطه ، {فإذا هي بيضاء للناظرين} أي : بياضا خارجا عن العادة ، بحيث ~~يجتمع النظارة على النظر إليه ؛ لخروجه عن العادة. # روي أن فرعون لما أبصر الآية الأولى قال : هل لك غيرها ؟ فأخرج يده ، ~~وقال لفرعون : ما هذا ؟ قال : يدك ، فأدخلها تحت إبطه ، ثم نزعها ، ولها ~~شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق. فسبحان القادر على كل شيء. # الإشارة : النفوس الفرعونية هي التي تتوقف في الصدق والإيمان على ظهور ~~المعجزة أو الكرامة ، وأما النفوس الزكية فلا تحتاج إلى معجزة ولا كرامة ، ~~بل يخلق الله فيها ms1977 # 159 # الهداية والتصديق بطريقة الخصوصية ، من غير توقف على شيء. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 159 # قلت : (حوله) : ظرف وقع موقع الحال ، أي : مستقرين حوله. PageV05P246 # يقول الحق جل جلاله : {قال} فرعون ، لما رأى ما بهته وحيره ، {للملإ حوله} ~~، وهم أشراف قومه : {إن هذا لساحر عليم} ؛ فائق في فن السحر. ثم أعدى قومه ~~على موسى بقوله : {يريد أن يخرجكم} بما صنع {من أرضكم بسحره فماذا تأمرون} ~~؛ تشيرون في أمره ؛ من حبس أو قتل ، وهو من المؤامرة ، أي : المشاورة ، أو ~~: ماذا تأمرون به ، من الأمر ، لما بهره سلطان المعجزة وحيره ، حط نفسه عن ~~ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض الخضوع لعبيده - في زعمه - والامتثال لأمرهم ~~، وجعل نفسه مأمورة ، أو : إلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم ، بعد ما كان ~~مستقلا في الرأي والتدبير. # {قالوا} له : {أرجه وأخاه} أي : أخر أمرهما ، ولا تعجل بقتلهما ؛ خوفا من ~~الفتنة أو : احبسهما ، {وابعث في المدائن حاشرين} أي : شرطا يحشرون السحرة ~~، {يأتوك} أي : الحاشرون {بكل سحار عليم} ؛ فائق في فن السحر. وأتوا بصيغة ~~المبالغة ؛ ليسكنوا بعض روعته. والله تعالى أعلم. # الإشارة : المشاورة في الأمور المهمة من شأن أهل السياسة والرأي ، وفي ~~الحديث : " ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار " ، فالمشاورة من الأمر ~~القديم ، وما زالت الأكابر من الأولياء والأمراء يتشاورون في أمورهم ؛ ~~اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 159 # يقول الحق جل جلاله : {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم} ، وهو ما عينه موسى ~~عليه السلام بقوله : {موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى} [طه : 59]. ~~والميقات : ما وقت به ، أي : حد من زمان ومكان. ومنه : مواقيت الحج. {وقيل ~~للناس هل أنتم مجتمعون} # 160 PageV05P247 ~~أي : اجتمعوا. وعبر بالاستفهام ؛ حثا على الاجتماع. واستبطاء لهم ، والمراد ~~: استعجالهم إليه ، {لعلنا نتبع السحرة} في دينهم {إن كانوا هم الغالبين} ~~أي : إن غلبوا موسى ، ولا نتبع موسى في دينه ، وليس غرضهم اتباع السحرة ، ~~وإنما الغرض الكلي ألا يتبعوا موسى ، فساقوا كلامهم مساق الكناية ؛ حملا ~~لهم على الاهتمام والجد في المغالبة ms1978 ؛ لأنهم إذا اتبعوا السحرة لم يكونوا ~~متبعين لموسى ، وهو مرادهم ، ولأن السحرة إذا سمعوا ذلك حملهم التروس على ~~الجد في المغالبة. # {فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا} أي : جزاء وافرا {إن كنا ~~نحن الغالبين} لموسى ؟ {قال نعم} لكم ذلك ، {وإنكم} مع ذلك ، {إذا لمن ~~المقربين} عندي في المرتبة والحال ، فتكونون أول من يدخل علي ، وآخر من ~~يخرج عني. ولما كان قوله : {أئن لنا لأجرا} ، في معنى جزاء الشرط ؛ لدلالته ~~عليه ، وكان قوله : {وإنكم إذا} : معطوفا عليه ، دخلت " إذا " ؛ قارة في ~~مكانها ، الذي تقتضيه من الجواب والجزاء. # {قال لهم موسى} بعد أن قالوا له : {إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ~~ألقىا} [طه : 65] : {ألقوا ما أنتم ملقون} من السحر ، فسوف ترون عاقبته. لم ~~يرد به الأمر بالسحر والتمويه ، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه البتة ؛ ~~توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل ، {فألقوا حبالهم وعصيهم} ، وكانوا ~~سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا. وقيل : كانت الحبال اثنين وسبعين ، وكذا ~~العصي. {وقالوا} بعد الإلقاء ، لما رأوها تتحرك وتقبل وتدبر : {بعزة فرعون ~~إنا لنحن الغالبون} ، قالوا ذلك ؛ لفرط اعتقادهم في أنفسهم ، وإتيانهم ~~بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر ، أقسموا بعزته وقوته ، وهو من أيمان ~~الجاهلية. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 160 PageV05P248 ~~الإشارة : السحر على قسمين : سحر القلوب إلى حضرة الحق ، وسحر النفوس إلى ~~عالم الخلق ، أو : إلى عالم الخيال. فالأول : من شأن العارفين بالله ، ~~الداعين إلى الله ، فهم يسحرون قلوب من أتى إليهم إلى حضرة القدس ، ومحل ~~الأنس ، فيقال في شأنهم : فجمع السحرة بقلوبهم ، إلى مقات يوم معلوم ، وهو ~~يوم الفتح والتمكين ، أو يوم النفحات ، عند اتفاق جمعهم في مكان معلوم. ~~وقيل للناس ، وهم عوام الناس : هل أنتم مجتمعون لتفيقوا من سكرتكم ، ~~وتتيقظوا من نوم غفلتكم ، لعنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ، ولا شك ~~في غلبتهم ونصرهم ؛ لقوله تعالى : {ولينصرن الله من ينصره} [الحج : 40]. # جزء : 5 رقم الصفحة : 160 # يقول الحق جل جلاله : {فألقى موسى ms1979 عصاه} من يده ، {فإذا هي تلقف} أي : ~~تبتلع بسرعة {ما يأفكون} : ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم ، ويزورونه ، ~~فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى ، {فألقي السحرة ساجدين} لما ~~شاهدوا ذلك من غير تلعثم ولا تردد ، غير متمالكين لأنفسهم ؛ لعلمهم بأن ذلك ~~خارج عن حدود السحر ، وأنه أمر إلهي ، يدل على تصديق موسى عليه السلام. ~~وعبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة ؛ لقوله : {ألقو ما أنتم ملقون} ، ~~فألقى ، فلما خروا سجودا ، {قالوا آمنا برب العالمين} ، قال عكرمة : أصبحوا ~~سحرة وأمسوا شهداء. ه. {رب موسى وهارون} : عطف بيان ، أو : بدل من {رب ~~العالمين}. فدفع توهم إرادة فرعون ؛ لأنه كان يدعي الربوبية ، فأرادوا أن ~~يعزلوه منها. وقيل : إن فرعون لما سمع منهم : {آمنا برب العالمين} ، قال : ~~إياي عنيتم ؟ قالوا : {رب موسى وهارون}. PageV05P249 # {قال آمنتم له قبل أن آذن لكم} أي : بغير إذن لكم ، كما في قوله تعالى : ~~{قبل أن تنفد كلمات ربي} [الكهف : 109] ، لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع ، ~~{إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} فتواطأتم على ما فعلتم ؛ مكرا وحيلة. أراد ~~بذلك التلبيس على قومه ؛ لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق. ثم ~~هددهم بقوله : {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} ، يدا من جهة ورجلا من أخرى ~~، أو : من أجل خلاف ظهر منكم ، {ولأصلبنكم أجمعين} قيل : إنه فعل ذلك ، ~~وروي عن ابن عباس وغيره ، وقيل : إنه لم يقدر على ذلك ، لقوله تعالى : ~~{أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص : 35]. # {قالوا} أي : السحرة : {لا ضير} أي : لا ضرر علينا في ذلك ، فحذف خبر " ~~لا " ، {إنا إلى ربنا} الذي عرفناه وواليناه {منقلبون} لا إليك ، فيكرم ~~مثوانا ويكفر خطايانا ، أو : لا ضرر علينا توعدتنا به ؛ إذ لا بد لنا من ~~الانقلاب إلى ربنا بالموت ، فلأن يكون في ذاته وسبب دينه أولى ، قال ~~الورتجبي : لما عاينوا مشاهدة الحق سهل عليهم البلاء ، لا سيما أنهم يطمعون ~~أن يصلوا إليه ، بنعت الرضا والغفران. ه. ولذلك قالوا : {إنا نطمع أن يغفر ~~لنا ربنا خطايانا أن كنا} أي : لأن كنا {أول المؤمنين} ms1980 من أهل المشهد ، أو ~~: من أتباع فرعون. # جزء : 5 رقم الصفحة : 161 # الإشارة : من شأن خواص الملك ألا يفعلوا شيئا إلا بإذن من ملكهم ، ولذلك ~~أنكر فرعون على السحرة المبادرة إلى الإيمان قبل إذنه ، وبه أخذت الصوفية ~~الكبار والفقراء مع أشياخهم ، فلا يفعلون فعلا حتى يستأذنوا فيه الحق تعالى ~~والمشايخ ، وللإذن سر كبير ، لا يفهمه إلا من ذاق سره. وتقدم بقية الإشارة ~~في سورة الأعراف. والله تعالى أعلم. # 162 # جزء : 5 رقم الصفحة : 161 PageV05P250 ~~قلت : أسرى وسرى : لغتان ، وقرئ بهما. # يقول الحق جل جلاله : {وأوحينا إلى موسى أن أسر} بقطع الهمزة ووصلها ، أي ~~: سر {بعبادي} ليلا. وسماهم عباده ؛ لإيمانهم بنبيهم ، وذلك بعد إيمان ~~السحرة بسنين ، أقام بين أظهرهم ، يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات ، ثم ~~أمره بالخروج ، وقال : {إنكم متبعون} أي : يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين ، ~~فأسر بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر ، فيدخلوا مداخلكم ، ~~فأطبقه عليهم فأغرقهم. روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ~~ولد ، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله أوحى إلى موسى : ~~أن أجمع بين إسرائيل ، كل أربعة ابيات في بيت ، ثم اذبحوا أولاد الضأن ، ~~فاضربوا بدمائها على أبوابكم ، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتا فيه دم ، ~~وسآمرها فتقتل أبكار القبط ، وأخبزوا فطيرا ؛ فإنه أسرع لكم ، ثم أسر ~~بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. ه. وحكمة لطخ الدم ليتميز بيوت ~~بني إسرائيل ، فلا تقتل الملائكة فيها أحدا. عاملهم على قدر عقولهم ، وإلا ~~فالملك لا يخفى عليه ما أمر به. PageV05P251 # {فأرسل فرعون} حين أخبر بمسيرهم {في المدائن حاشرين} ؛ جامعين للعساكر ~~ليتبعهم ، فلما اجتمعوا قال : {إن هؤلاء} ، يريد بني إسرائيل {لشرذمة} ؛ ~~طائفة قليلة {قليلون} ، ذكرهم بالاسم الدال على القلة ، ثم جعلهم قليلا ~~بالوصف ، ثم جمع القليل ، فيدل على ان كل حزب منهم قليل. أو : أراد بالقلة ~~: الذلة ، لا قلة العدد ، أي : إنهم ؛ لذلتهم ، لا يبالي بهم ، ولا يتوقع ~~غلبتهم. قال ابن عرفة : شرذمة : تقليل لهم باعتبار الكيفية ، وقليلون ms1981 : ~~باعتبار الكمية ، وإنما استقل قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا - ~~؛ لكثرة من معه ، فعن الضحاك : كانوا سبعة آلاف ألف ، وروي أنه أرسل في ~~أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور ، مع كل ملك ألف ، وخرج فرعون في جمع ~~عظيم ، وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان ، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه : أنه خرج فرعون في ألف ألف حصان ، من سوى الإناث. ه. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 163 # وإنهم لنا لغائظون} أي : فاعلون ما يغيظنا ، وتضيق به صدورنا ، وهو ~~خروجهم من مصر ، وحملهم حلينا ، وقتلهم أبكارنا ، {وإنا لجميع حاذرون} أي : ~~ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور ، فإذا خرج علينا ~~خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده ، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل ~~المدائن ؛ لئلا يظن العجز. وقرئ # 163 # (حذرون) ؛ بالمد والقصر ، فالأول دال على تجدد الحذر ، والثاني على ثبوته. # قال تعالى : {فأخرجناهم} أي : خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه ، ~~{من جنات} ؛ بساتين {وعيون} ، وأنهار جارية ، {وكنوز} ؛ أموال وافرة من ذهب ~~وفضة ، وسماها كنوزا ؛ لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى شيئا. ~~{ومقام كريم} أي : منزل رفيع بهي ، وعن ابن عباس : المنابر. PageV05P252 # {كذلك} أي : الأمر كذلك ، أو : أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب ، فهو خبر ~~، أو : مصدر تشبيهي لأخرجنا. {وأورثنا بني إسرائيل} أي : ملكناها إياهم ، ~~على طريقة تمليك مال الموروث للوارث ؛ لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها ~~عنها قبل أن يقبضوها. وعن الحسن : لما عبروا النهر رجعوا ، وأخذوا ديارهم ~~وأموالهم. ه. قال ابن جزي : لم يذكر في التواريخ ملك بني إسرائيل لمصر ، ~~وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام ، فتأويله على هذا : أورثناهم مثل ذلك ~~بالشام. ه. قلت : بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر ، ووصلت حكومتهم ~~إليها ، ولم يرجعوا إليها. والله تعالى أعلم. # الإشارة : لا ينتصر نبي ولا ولي إلا بعد أن يهاجر من وطنه ؛ سنة الله ~~التي قد خلت من قبل ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ، والنصرة مقرونة مع الذلة ~~والقلة ؛ {ولقد نصركم الله ms1982 ببدر وأنتم أذلة}. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 163 # يقول الحق جل جلاله : {فأتبعوهم} أي : فأتبع فرعون وقومه بني إسرائيل ، ~~أي : لحقوا بهم ، وقرئ بشد التاء ، على الأصل ، {مشرقين} ؛ داخلين في وقت ~~شروق الشمس ، أي : طلوعها ، {فلما تراءى الجمعان} أي : تقابلا ، بحيث يرى ~~كل فريق صاحبه ، أي : بنو إسرائيل والقبط ، {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} ~~أي : قرب أن يلحقنا عدونا ، وأمامنا البحر ، {قال} موسى عليه السلام ؛ ثقة ~~بوعد ربه : {كلا} ارتدعوا عن سوء الظن بالله ، فلن يدرككم أبدا ، {إن معي ~~ربي سيهدين} أي : سيهديني طريق النجاة منهم. # روي أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر هاجت الريح ، والبحر يرمي بموج # 164 PageV05P253 ~~مثل الجبال ، فقال يوشع عليه السلام : يا كليم الله ، أين أمرت ، فقد غشينا ~~فرعون ، والبحر أمامنا ؟ قال عليه السلام : ها هنا ، فخاض يوشع الماء ، ~~وضرب موسى بعصاه البحر ، فكان ما كان ، وقال الذي كان يكتم إيمانه ؛ يا ~~مكلم الله أين أمرت ؟ قال : ها هنا. فكبح فرسه بلجامه ، ثم أقحمه البحر ، ~~فرسب في الماء ، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك ، فلم يقدروا ، فجعل موسى لا ~~يدري كيف يصنع ؟ فأوحى الله إليه : {أن اضرب بعصاك البحر} ، فضربه ، فانفلق ~~، فإذا الرجل واقف على فرسه ، لم يبتل لبده ولا سرجه. # وقال محمد بن حمزة : لما انتهى موسى إلى البحر ، دعا ، فقال : يا من كان ~~قبل كل شيء ، والمكون لكل شيء ، والكائن بعد كل شيء ، اجعل لنا مخرجا ، ~~فأوحى الله إليه : أن اضرب بعصاك البحر ، وذلك قوله تعالى : {فأوحينا إلى ~~موسى أن اضرب بعصاك البحر} أي : القلزم ، أو النيل ، {فانفلق} أي : فضرب ~~فانفلق وانشق ، فصار اثني عشر فرقا ، على عدد الأسباط. {فكان كل فرق} أي : ~~جزء من الماء {كالطود} : كالجبل المنطاد في السماء {العظيم} ، وبين تلك ~~الجبال من الماء مسالك ، بأن صار الماء مكفوفا كالجامد ، وما بينها يبس ، ~~فدخل كل سبط في شعب منها. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 164 # وأزلفنا} أي : قربنا {ثم الآخرين} أي : فرعون وقومه ، حتى دخلوا على ~~أثرهم مداخلهم ، {وأنجينا ms1983 موسى ومن معه أجمعين} من الغرق ؛ بحفظ البحر على ~~تلك الهيئة ، حتى عبروه ، {ثم أغرقنا الآخرين} ؛ بإطباقه عليهم. قال النسفي ~~: وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث ، فإنهم ~~اجتمعوا في الهلاك ، على اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين ~~بني إسرائيل وبين آل فرعون ، فكان يقول لبني إسرائيل : ليلحق آخركم بأولكم ~~، ويستقبل القبط فيقول : رويدكم ، ليلحق آخركم. ه. PageV05P254 # {إن في ذلك لآية} أي : في جميع ما فصل ؛ مما صدر عن موسى عليه السلام ، وما ~~ظهر على يديه من المعجزات القاهرة ، وفيما فعل فرعون وقومه ؛ من الأفعال ~~والأقوال ، وما فعل بهم من العذاب والنكال ، لعبرة عظيمة ، لا تكاد توصف ، ~~موجبة لأن يعتبر المعتبرون ، ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن ~~موسى عليه السلام ، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين ، ويجتنبوا تعاطي ما ~~كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول ، فيؤمنوا بالله تعالى ~~ويطيعوا رسوله ، كي لا يحل بهم ما حل بأولئك ، أو : إن فيما فصل من القصة ؛ ~~من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه ، من غير أن يسمعها من أحد ~~، لآية عظيمة دالة على ان ذلك بطريق الوحي الصادق ، موجبة للإيمان بالله ~~تعالى ، # 165 # وتصديق من جاء بها وطاعته. {وما كان أكثرهم مؤمنين} أي : وما كان اكثر ~~هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين ، ~~فلم يقيسوا حاله صلى الله عليه وسلم بحال موسى ، وحال أنفسهم بحال أولئك ~~المهلكين ، ولم يتدبروا في حكايته صلى الله عليه وسلم لقصتهم من غير أن ~~يسمعها من أحد ، مع كونه أميا لا يقرأ ، وكل من الطريقين مما يؤدي إلى ~~الإيمان ، قطعا لانهماكهم في الغفلة ، فكان ؛ على هذا ، زائدة ، كما هو رأي ~~سيبوبه ، فيكون قوله تعالى : {ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف : ~~103] وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل ، أو : وما كان أكثر ~~أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السلام ، قال مقاتل : لم يؤمن من أهل مصر غير ~~رجل وامرأتين ؛ حزيقل المؤمن من آل فرعون ms1984 ، وآسية امرأة فرعون ، ومريم بنت ~~ياموشى ، التي دلت على عظام يوسف. ه. PageV05P255 # {وإن ربك لهو العزيز} ؛ الغالب على كل ما يريد من الأمور ، التي من جملتها ~~: الانتقام من المكذبين ، {الرحيم} ؛ البالغ في الرحمة ، ولذلك أمهلهم ولم ~~يعاجل عقوبتهم ، أو : العزيز بالانتقام من أعدائه ، الرحيم بالانتصار ~~لأوليائه. جعلنا الله من خاصتهم بمنه وكرمه ، آمين. # جزء : 5 رقم الصفحة : 164 # الإشارة : قوله تعالى : {إن معي ربي سيهدين} : اعلم أن المعية تختلف ~~باختلاف المقام ، فالمعية ، باعتبار عامة الخلق ، تكون بالإحاطة والقهرية ~~والعلم والإقتدار ، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة. ~~فمن تحقق أن الله معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه ، وفوض الأمر إلى ~~سيده ، وكلما قوي التفويض والتسليم دل على رفع المقام ، ولذلك فضل ما حكاه ~~الحق تعالى عن حبيبه بقوله : {إن الله معنا} [التوبة : 40] ، على ما حكى عن ~~كليمه بزيادة قوله : {سيهدين} فتأمل. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 164 # يقول الحق جل جلاله : {واتل عليهم} أي : على المشركين {نبأ إبراهيم} أي : # 166 PageV05P256 ~~خبره العظيم الشأن ، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه ؛ ~~تفخيما لشأنه ، وتعظيما لأمر التوحيد ، الذي دلت عليه. {إذ قال} أي : وقت ~~قوله {لأبيه وقومه ما تعبدون} أي : أي شيء تعبدون ؟ وإبراهيم عليه السلام ~~يعلم أنهم عبدة الأصنام ، لكنه سألهم ؛ ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق ~~العبادة ، {قالوا نعبد أصناما} ، وجواب {ما تعبدون} : هو قولهم : {أصناما} ~~؛ لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة ، فكان حق الجواب أن يقولوا : ~~أصناما ، كقوله تعالى : {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة : 219] ، ~~وكقوله تعالى : {ماذا قال ربكم قالوا الحق} [سبأ : 23]. لكنهم أطنبوا فيه ~~بإظهار العامل ؛ قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج ~~والافتخار بعبادتها ، {فنظل لها عاكفين} أي : فنقيم على عبادتها طول ~~النهار. وإنما قالوا : {فنظل} ؛ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل : ~~أو يراد به الدوام. # {قال} إبراهيم عليه السلام : {هل يسمعونكم إذ تدعون} أي : هل يسمعون ~~دعاءكم حين تدعونهم ، على حذف مضاف ، {أو ينفعونكم} إن ms1985 عبدتموها ، {أو ~~يضرون} ؛ أو يضرونكم إن تركتم عبادتها ؛ إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو ~~دفع ضر ؟ {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن ~~أصنامهم بمعزل عما ذكر ؛ من السمع ، والمنفعة ، والمضرة بالمرة. واضطروا ~~إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 166 PageV05P257 ~~قال} إبراهيم : {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} أي : أنظرتم وأبصرتم وتأملتم ~~فعلمتم ما كنتم تعبدون {أنتم وآباؤكم الأقدمون} حق الإبصار ، أو حق العلم ، ~~{فإنهم عدو لي} أي : فاعلموا أنهم أعداء لي ، لا أحبهم ولا يحبونني ، أو : ~~لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة ، كقوله : {سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون عليهم ضدا} [مريم : 82] ، وقال الفراء : هو من المقلوب ، أي : فإني ~~عدو لهم ، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة ؛ لأنه فعول ، كصبور. وفي ~~قوله : {عدو لي} ، دون " لكم " ؛ زيادة نصح ، لكونه أدعى لهم إلى القبول ، ~~ولو قال : فإنهم عدو لكم ، لم يكن بتلك المثابة ، ولم يقبلوه ، {إلا رب ~~العالمين} : استثناء منقطع ، أي : لكن رب العالمين ليس كذلك ، بل هو حبيب ~~لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا ، على أن الضمير لكل معبود ، وكان من ~~آبائهم من عبد الله تعالى ، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. # ثم وصف الرب تعالى قوله : {الذي خلقني} بالتكوين في القرار المكين ، {فهو ~~يهدين} وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا ، هداية متصلة ~~بحين الخلق ونفخ الروح ، متجددة على الاستمرار ، كما ينبئ عنه صيغة ~~المضارع. وعبر بالاستقبال ، مع سبق الهداية في الأزل ؛ لأن المراد ما ينشأ ~~عنها ، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل ، أو : والذي ~~خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته. # 167 # ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو ، بخلاف الهداية ~~والإطعام والسقي ، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين ، ولذلك أكده ~~بهو ؛ ليخصه به تعالى. PageV05P258 # {والذي هو يطعمني} لا غيره ، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام ؛ لأن الركون ~~إلى الأسباب عادة الأنعام. {و} هو أيضا الذي {يسقين} أي ms1986 : يرويني بمائه. ~~وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة ؛ للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات ~~نعت جليل له تعالى ، مستقل في استيجاب الحكم. {وإذا مرضت فهو يشفين} : عطف ~~على {يطعمني ويسقين} ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد ؛ لأن الصحة ~~والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة ، غالبا. # وقال في الحاشية : ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة ~~وتستمر ، وهو الغذاء والشراب ، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات ~~على الآخر ، بزيادة الغذاء أو نقصانه ، فيحدث بعد ذلك مرض ، ذكر نعمته ~~بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى ، ~~مع أنهما منه تعالى ؛ لمراعاة حسن الأدب ، كما قال الخضر عليه السلام : ~~{فأردت أن أعيبها} [الكهف : 79] ، {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} [الكهف : 82]. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 166 # والذي يميتني ثم يحيين} ، ولم يقل : وإذا مت ؛ لأن الإماتة والإحياء من ~~خصائصه تعالى. وأيضا : الموت والإحياء من كمال الكمال ؛ لأنه الخروج من سجن ~~الدنيا إلى السرور والهناء ، أو : الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار ~~الهناء والبقاء. {والذي أطمع أن يغفر لي} أي : في مغفرته لي {خطيئتي يوم ~~الدين} ، ذكره عليه السلام ؛ هضما لنفسه ، وتعليما للأمة أن يجتنبوا ~~المعاصي ، ويكونوا على حذر منها ، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو ~~عثمان : أخرج سؤاله على حد الأدب ، لم يحكم على ربه بالمغفرة ، ولكنه طمع ~~طمع العبيد في مواليهم ، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا ؛ إذ العبد لا ~~يستحق على مولاه شيئا ، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. PageV05P259 # وقيل : أشار إلى قوله : {إني سقيم} [الصافات : 89] {فعله كبيرهم هذا} ~~[الأنبياء : 63] وقوله في سارة : " هي أختي " ؛ حذرا من الجبار. وفيه نظر ؛ ~~لأنها مع كونها معاريض ، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار ، إنما ~~صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. ~~وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين ، مع كونها إنما تغفر في الدنيا ؛ لأن ~~أثرها إنما يظهر يومئذ ، ولأن في ذلك تهويلا ms1987 له ، وإشارة إلى قوع الجزاء ~~فيه ، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا ، فتنبذ جميع ~~الأرباب ، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب ، من العشائر والأصحاب ، ~~وتقول لمن عكف # 168 # على متابعة هواه ، ولزم الحرص على جمع دنياه ، هو ومن تقدمه : أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون ، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ، ~~الذي خلقني لعبوديته ، فهو يهدين إلى معرفته ، والذي هو يطعمني طعم الإيمان ~~واليقين والإحسان ، ويسقيني من شراب خمرة العيان ، وإذا مرضت بالذنوب فهو ~~يشفين بالتوبة ، أو : مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها. أو : ~~إذا مرضت برؤية السوى ، فهو يشفين بالغيبة عنه ، والذي أطمع أن يطهرني من ~~البقايا ، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه : ~~يطعمني طعام المعرفة ، ويسقيني شرا ب المحبة ، ثم قال : # شراب المحبة خير الشراب # وكل شراب سواه سراب # وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه : إن لله شرابا ، يقال له : ~~شراب المحبة ، ادخره لأفاضل عباده ، فإذا شربوا سكروا ، وإذا سكروا طاشوا ، ~~وإذا طاشوا طاروا وصلوا ، وإذا وصلوا اتصلوا ، فهم في مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر. ه. قلت : شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله ، بديل قول ~~ابن الفارض رضي الله عنه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 166 PageV05P260 ~~فلم تهوني ما لم تكن في فانيا # ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي # وقال الجنيد رضي الله عنه : يحشر الناس يوم القيامة عراة ، إلا من لبس ~~ثياب التقوى ، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة ، وعطاشا إلا من شرب شراب ~~المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب ~~الحسيين ، كما قال صلى الله عليه وسلم ، حين كان يواصل : " إني أبيت عند ~~ربي يطعمني ويسقين ". قال أبو الوراق في قوله تعالى : {الذي هو يطعمني ~~ويسقين} أي : يطعمني بلا طعام ، ويسقيني بلا شراب. قال : ويدل عليه حديث ~~السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث سمع النبي صلى ms1988 الله عليه ~~وسلم يقرأ ثلاثة أيام : {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} ، فرمى ~~بقربته ، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة ، فسقاه ، قال أنس : فعاش ~~بعد ذلك نيفا وعشرين سنة ، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. # وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة ، فأدخله الحجاج ~~بيتا ، وأغلق عليه بابه ، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما ، ولم يشك أنهم مات ، ~~فوجده قائما يصلي ، فقال : يا فاسق ، تصلي بغير وضوء ؟ فقال : إنما يحتاج ~~الوضوء من يأكل ويشرب ، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث ~~سفيان الثوري بمكة دهرا ، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. ~~وهذا من باب الكرامة ، فلا يجب طردها ، وقد تكون بالرياضة ، وطريق المعرفة ~~لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. # 169 # جزء : 5 رقم الصفحة : 166 PageV05P261 ~~يقول الحق جل جلاله : حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام : {رب هب لي ~~حكما} أي : حكمة ، أو حكما بين الناس ، أو نبوة ؛ لأن النبي ذو حكم بين ~~عباد الله. {وألحقني بالصالحين} أي : الأنبياء ، الذين صلحوا لحمل أعباء ~~النبوة والرسالة ، وصلحت سرائرهم للحضرة ، ولقد أجابه بقوله : {وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين}. {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي : ثناء حسنا ، ~~وذكرا جميلا في الأمم التي تجيء بعدي ، فأعطي ذلك ، فكل أهل دين يتولونه ~~ويثنون عليه ، ووضع اللسان موضع القول ؛ لأن القول يكون به. أو : واجعلني ~~على طريق قويم ، وحال مرضي ، يقتدى بي فيهما ، ويحمد أثري بعد موتي ، كما قيل : # موت التقي حياة لا فناء لها # قد مات قوم وهم في الناس أحياء # وقد تحقق له جميع ذلك ، وخصوصا في هذه الأمة ، حتى أنه مذكور ومقرون في ~~كل صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : سأل أن يجعله صالحا ، ~~بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذبا. وقيل : سأل الإمامة في التوحيد ~~والدين ، وقد أجيب بقوله : {إنى جاعلك للناس إماما} [البقرة : 124]. PageV05P262 # {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أي ms1989 : اجعلني وارثا من ورثة جنة النعيم ، أي : ~~الباقين فيها ، {واغفر لأبي} ، أي : اجعله أهلا للمغفرة ، بإعطاء الإسلام ؛ ~~{إنه كان من الضالين} : الكافرين ، أو : اغفر له على حاله. وكان قبل النهي. ~~{ولا تخزني يوم يبعثون} أي : لا تهني يوم يبعثون. الضمير للعباد ؛ لأنه ~~معلوم ، أو : للضالين ، أي : لا تخزني في أبي يوم البعث ، وهذا من جملة ~~الاستغفار لأبيه ، وكان قبل النهي عنه ، أي : لا تهني ، {يوم لا ينفع مال ~~ولا بنون} ، أي : لا ينفع فيه مال ، وإن كان مصروفا في وجوه البر ، ولا ~~بنون ، وإن كانوا صلحاء متأهلين للشفاعة ، {إلا من أتى الله بقلب سليم} من ~~الكفر والنفاق ؛ فإنه ينفعه ماله المصروف في طاعة الله ، ويشفع فيه بنوه ، ~~إن تأهلوا للشفاعة ، بأن أدبهم ودرجهم إلى اكتساب الكمالات والفضائل. # جزء : 5 رقم الصفحة : 170 # وقال ابن المسيب : القلب السليم هو قلب المؤمن ؛ فإن قلب الكافر والمنافق ~~مريض ؛ قال الله تعالى : {فى قلوبهم مرض} [البقرة : 10]. وقال أبو عثمان : ~~هو القلب الخالي من البدعة ، المطمئن على السنة. وقال الحسن بن الفضل : ~~سليم من آفات المال ، والبنين والله تعالى أعلم. # 170 # الإشارة : قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب ، الذي هو عمدة الصوفية ، ~~حيث قدم الثناء قبل الطلب ، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب. وقوله تعالى ~~: {رب هب لي حكما} : قال القشيري : أي : على نفسي أولا ، فإن من لا حكم له ~~على نفسه لا حكم له على غيره ، {وألحقني بالصالحين} ؛ بالقيام بحقك ، دون ~~الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك. ه. PageV05P263 # ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين : من صلحت ظواهرهم ، وتطهرت قلوبهم ~~من الأمراض. وفوقهم الأولياء ، وهم من كشف عنهم الحجاب ، وأفضوا إلى الشهود ~~والعيان ، وفوقهم درجة النبوة والرسالة ، فقول الخليل {وألحقني بالصالحين} ~~، وكذلك قال الصديق ، هو تنزل وتواضع ؛ ليعرف جلالة قدر الصالحين ، فما ~~بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم : " اللهم أحيني مسكينا ~~، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين " أي : اجعل المساكين هم ~~قرابتي ، المحدقون بي في المحشر ، فقد عرف صلى الله ms1990 عليه وسلم بفضيلة ~~المساكين ، وعظم جاههم ، بطلبه أن يكونوا في كفالته ، لا أنه في كفالتهم ، ~~وكذلك الخليل والصديق ، عرفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام ، أو أنهما ~~طلبا اللحوق بهم. # وقوله تعالى : {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} ؛ كل من اخلص وجهه لله ، ~~وتخلصت سريرته مما سوى الله ، وكان إبراهيميا حنيفيا ، جعل الله له لسان ~~صدق فيمن يأتي بعده ، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته ، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم : " إذا أحب الله عبدا نادى جبريل : إن الله يحب فلانا ~~فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادي جبريل في أهل السموات : إن الله يحب فلانا ~~فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض " أو كما قال صلى ~~الله عليه وسلم. # وقوله تعالى : {واغفر لأبي...} إلخ. قال القشيري : هذا عند العلماء : ~~إنما قاله قبل يأسه من إيمانه ، وعن أهل الإشارة : ذكره في وقت غلبة البسط ~~، وتجاوز ذلك عنه ، وليس إجابة العبد واجبة عليه في كل شيء ، وأكثر ما فيه ~~: أنه لا يجيبه في ذلك ، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب ، وهذا لا ~~يهتدي إليه كل أحد. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 170 PageV05P264 ~~قال المحشي : وينظر لما قاله العلماء ، وبه الفتوى ، قوله : {فلما تبين له ~~أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة : 114] ، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم ~~القيامة ، وتكلمه فيه بقوله : (وأي خزي أعظم من كون أبي في النار...) ~~الحديث ، وكذا قوله : {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم : 36] ، وجاء ~~ذلك من استغراقه في بحر الرحمة ، على سعة # 171 # العلم ، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أبي ، وصلاته عليه ~~، وانظر الطيبي في آية : {وسعت كل شيء رحمة وعلما} [غافر : 7]. ه. # وقوله تعالى : {إلا من أتى الله بقلب سليم} ، أظهر ما قيل في القلب ~~السليم : أنه السالم من الشكوك والأوهام ، والخواطر الردية ، ومن الأمراض ~~القلبية ، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل ، يخرجه من الأوصاف البشرية ~~، إلى الأوصاف الروحانية ، ويحققه بالحضرة القدسية ، وإلا بقي مريضا ، حتى ~~يلقى الله بقلب ms1991 سقيم. وفي الإحياء : السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض ~~الدنيا ، والجود بالمال من عوارض الدنيا ، فشرط القلب أن يكون سليما بينهما ~~، أي : لا يكون ملتفتا إلى المال ، ولا يكون حريصا على إمساكه ، ولا حريصا ~~على إنفاقه ؛ فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق ، كما أن ~~الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من ~~الوصفين جميعا. وقال الداراني : القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله ~~تعالى. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه : السليم في اللغة : اللديغ ، فمعناه : ~~كاللديغ من خوف الله تعالى. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 170 # قلت : (وأزلفت) : عطف على (ينفع) ، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها ؛ ~~لتحقق الوقوع. PageV05P265 # يقول الحق جل جلاله ، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون : ~~{وأزلفت} أي : قربت {الجنة للمتقين} ، أي : تزلف من موقف السعداء ، فينظرون ~~إليها ، {وبرزت الجحيم} : أظهرت ، حتى يكاد يأخذهم لهبها ، {للغاوين} : ~~للكافرين ، {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم} بدفع ~~العذاب عنكم ، {أو ينتصرون} بدفعه عن أنفسهم ، يوبخون على إشراكهم ، فيقال ~~لهم : أين آلهتكم التي عبدتموها ، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم ؟ أو : هل ~~ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها ؟ كلا ، بل هم وآلهتهم وقود النار ، كما قوله ~~تعالى : # 172 # {فكبكبوا فيها} أي : ألقوا في الجحيم على وجوههم ، مرة بعد أخرى ، إلى أن ~~يستقروا في قعرها. وفي القاموس : كبه : قلبه وصرعه ، كأكبه وكبكبه. ه. أي : ~~صرعوا ؛ منكبين في الجحيم على وجوههم ، {هم} أي : آلهتهم {والغاوون} أي : ~~الذين كانوا يعبدونهم. # وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ؛ ~~ليشاهدوا سوء حالها ، فيزدادوا غما على غم ، {وجنود إبليس} أي : يكبكبون ~~معهم {أجمعون} ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم ، ويسولون لهم ~~ما هم عليه من عبادة الأصنام ، وسائر فنون الكفر والمعاصي ، أو : متبعوه من ~~عصاة الجن والإنس ؛ ليجتمعوا في العذاب ، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. # {قالوا} أي : العبدة {وهم فيها يختصمون} أي : قالوا معترفين بخطئهم في ms1992 ~~انهماكهم في الضلالة ؛ متحسرين ، والحال : أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع ~~من معهم من المذكورين ، فيجوز أن ينطق الله الأصنام ، حتى يصح منها التخاصم ~~والتقاول ، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. # جزء : 5 رقم الصفحة : 172 PageV05P266 ~~قالوا : {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} أي : إن الشأن كنا في ضلال واضح ، لا ~~خفاء فيه ، {إذ نسويكم} ؛ نعدلكم {برب العالمين} فنعبدكم معه ، أي : تالله ~~لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام ، في استحقاق العبادة ~~، برب العالمين ، الذي أنتم أدنى مخلوقاته ، وأذلهم وأعجزهم ، {وما أضلنا ~~إلا المجرمون} أي : رؤساؤهم ، الذين أضلوهم ، وإبليس وجنوده ، ومن سن ~~الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم ، بل قصر ضلالهم ~~على كونه بسبب إضلالهم ، من غير أن يستقلوا به ، وهذا كقولهم : {ربنآ إنآ ~~أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا} [الأحزاب : 67]. وعن السدي : هم ~~الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا : {بل ~~وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}. # ثم قالوا : {فما لنا من شافعين} كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - ~~عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. {ولا صديق حميم} كما لهم أصدقاء ؛ ~~إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون ، وأما الكفار فبينهم التعادي كما ~~يأتي في الآية. أو : ما لنا من شافعين ، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء ~~وأصدقاء ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله ، وكان له ~~أصدقاء من شياطين الإنس ، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق ~~؛ لكثرة الشفعاء. وأما الصديق ، وهو الصادق في ودادك ، الذي يهمه ما أهمك ، ~~ويسره ما أسرك ، فقليل ، وسئل حكيم عن الصديق ، فقال : (اسم لا معنى له) ، ~~أي : لا وجود له ، والبركة لا تنقطع. # قال القشيري : في الخبر : يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب ، فتستوي حسناته # 173 # وسيئاته ، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه ، فيقول الله سبحانه له ~~: عبدي يقيت لك حسنة ، إن كانت أدخلتك الجنة ، انظر ، وتطلب من الناس لعل ~~أحدا يهبها لك. PageV05P267 # فيأتي الصفين ، فيطلب من أبيه ، ثم ms1993 من أمه ، ثم من أصحابه ، فلا يجيبه أحد ~~إلا بقوله : أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة ، فيرجع إلى مكانه ، فيسأله ~~الحق - سبحانه : ما جئت به ؟ فيقول : يا رب لم يعطني أحد حسنة ، فيقول الله ~~تعالى : عبدي... ألم يكن لك صديق ؟ فيتذكر العبد ، ويقول فلان كان صديقا لي ~~فيك ، فيأتيه ويدل الحق عليه ، فيكلمه ، فيقول : بل لي عبادات كثيرة ، فإن ~~قبلها الله مني فقد وهبتها لك ، فيسر ويجيء إلى موضعه ، فيخبر بذلك ربه ~~تعالى ، فيقول قد قبلتها منه ، ولم أنقص من حقه شيئا ، وقد غفرت لك وله - ~~فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال : ما اجتمع ملأ على ذكر الله ، ~~فيهم عبد من أهل الجنة ، إلا شفعه الله فيهم ، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم ~~في بعض ، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 172 # ثم قالوا : {فلو أن لنا كرة} أي : رجعة إلى الدنيا {فنكون من المؤمنين} ، ~~وجواب {لو} التمنية : محذوف ، أي : لفعلنا كيت وكيت ؛ إذ " لو " ، في مثل ~~هذا ، للتمني ، أي : فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. # {إن في ذلك} أي : فيما ذكر من الأنباء العجيبة ؛ كقصة إبراهيم مع قومه ، ~~وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد ، {لآية} عظيمة ، موجبة للزجر عن عبادة ~~الأصنام ، لا سيما لأهل مكة ، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه ~~السلام ، أو : إن في ذكر نبأه ، وتلاوته عليهم ، على ما هو عليه ، من غير ~~أن تسمعه من أحد ، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق ، نازل ~~من جهته تعالى ، موجبة للإيمان به ، {وما كان أكثرهم مؤمنين} أي : وما أكثر ~~هؤلاء ، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء ، مؤمنين ، بل هم مصرون على ما كانوا ~~عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم ، على أن {كان} أصلية ~~؛ لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. PageV05P268 # {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} أي : هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك ، ~~ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ؛ ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم. وبالله التوفيق. # الإشارة ms1994 : وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى ، وبرزت جحيم القطيعة ~~للغاوين ، المتبعين الهوى. وفي الحكم : " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك ، ~~إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى : أين ما كنتم تعبدون من ~~دون الله ، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات ، هل ينصروكم أو ~~ينتصرون ؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل ، هم والغاوون لهم ، الذين منعوهم من ~~الدخول في حضرة الأولياء ، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ~~ونار القطيهة يختصمون - : تالله إن كنا لفي ضلال مبين ، إذ نسويكم برب ~~العالمين في المحبة والميل ، وما أضلنا إلا المجرمون ، الذين # 174 # حكموا بقطع التربية على الدوام ، وسدوا الباب في وجوه الرجال ، فما لنا ~~من شافعين ، ولا صديق حميم ، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون ~~اللحوق بهم إلا بالدخول معهم ، في مقام المجاهدة في دار الدنيا ، ثم يتمنون ~~الرجوع ؛ ليصدقوا بهم ، وينخرطوا في سلكهم ، فلا يجدون له سبيلا. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 172 # قلت : اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث ، كقوم ، ورهط ، وشجر. # يقول الحق جل جلاله : {كذبت قوم نوح} ، وهو نوح بن لامك. قيل : ولد في ~~زمن آدم عليه السلام ، قاله النسفي ، وإنما قال : {المرسلين} ، والمراد : ~~نوح فقط ؛ لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع ، لاتفاقهم في الدعوة ~~إلى الإيمان ، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد ~~بالجمع : الواحد ؛ كقولك : فلان يركب الخيل ، ويلبس البرود ، وماله إلا فرس ~~واحد وبرد واحد. PageV05P269 # {إذ قال لهم} : ظرف للتكذيب ، أي : كذبوه وقت قوله لهم {أخوهم نوح} ؛ نسبا ~~، لا دينا ، وقيل : أخوة المجانسة ، كما في آية : {بلسان قومه} [إبراهيم : ~~4] : {ألا تتقون} خالق الأنام ، فتتركوا عبادة الأصنام ، {إني لكم رسول ~~أمين} ، كان مشهورا بالأمانة عندهم ، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في ~~قريش ، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. {فاتقوا الله وأطيعون} فيما ~~آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. # {وما أسألكم عليه} أي : على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح ، {من أجر} ~~أصلا {إن ms1995 أجري} فيما أتولاه {إلا على رب العالمين} ؛ لا أطمع في غيره ، ~~{فاتقوا الله وأطيعون} ، الفاء ؛ لترتيب ما بعدها على ما قبلها ؛ من تنزيهه ~~عليه السلام عن الطمع ، كما أن نظيرتها السابقة ؛ لترتيب ما بعدها على ~~أمانته. والتكرير ؛ للتأكيد ، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب ~~التقوى والطاعة ، فكيف إذا اجتمعا ؟ كأنه قال : إذا عرفتم رسالتي # 175 # وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 175 PageV05P270 ~~قالوا أنؤمن لك واتبعك} والحالة أنه قد تبعك {الأرذلون} أي : الأرذلون جاها ~~ومالا ، والرذالة : الدناءة والخسة ، وإنما استرذلوهم ؛ لاتضاع نسبهم ، ~~وقلة نصيبهم من الدنيا ، وقيل : كانوا من أهل الصناعة الدنيئة ، قيل : ~~كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي : الخراز ، وقيل : ~~النجار. والصناعة لا تزري بالديانة ، فالغنى غنى القلوب ، والنسب نسب ~~التقوى ، والعز عز العلم بالله لا غير ، ومرادهم بذلك : أنه لا مزية لك في ~~اتباعهم ؛ إذ ليس لهم رزانة عقل ، ولا إصابة رأي ، وقد كان ذلك منهم في ~~بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم ، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى ~~اعتقدوا أن الأشرف من جمعها ، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن ~~عند الله جناح بعوضة ، وأن النعيم هو نعيم الآخرة ، والأشرف من فاز به ، ~~وسكن في جوار الله ، والأرذل من حرم ذلك. # قال القشيري : ذكر ما لقي من قومه ، وقوله : {واتبعك الأرذلون} ، وكذلك ~~أتباع الرسل ، إنما هم الأضعفون ، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون ~~الأكرمون ، قال صلى الله عليه وسلم : " نصرت بضعفائكم " ، إلخ كلامه. # {قال وما علمي} أي : وأي شيء علمي {بما كانوا يعملون} من الصناعات ، إنما ~~أطلب منهم الإيمان. وقيل : إنهم طعنوا في إيمانهم ، وقالوا : لم يؤمنوا عن ~~نظر وبصيرة ، وإنما اتبعوك ؛ طمعا في العدة والمال ، أي : وما وظيفتي إلا ~~اعتبار الظواهر ، دون التنقير على بواطنهم ، والشق عن قلوبهم ، {إن حسابهم ~~إلا على ربي} أي : ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي ؛ ~~فإنه المطلع على السرائر ، {لو تشعرون} بشيء من الأشياء ، أو : لو كنتم من ~~أهل الشعور ms1996 لعلمتم ذلك ، ولكنكم كالبهائم أو أضل. PageV05P271 # {وما أنا بطارد المؤمنين} أي : ليس من شأني أن أتبع شهواتكم ، فأطرد ~~المؤمنين ؛ طمعا في إيمانكم ، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم ~~وتعليق إيمانهم بذلك ، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه ، {إن أنا إلا نذير ~~مبين} وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا ؛ بالبرهان القاطع ، وأنتم أعلم ~~بشأنكم ، أي : وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين ، سواء كانوا أعزاء ~~أو أراذل ، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء ؟ . {قالوا لئن لم ~~تنته يا نوح} عما تقول {لتكونن من المرجومين} ؛ من المقتولين بالحجارة. ~~قالوه في آخر أمره. # {قال رب إن قومي كذبون} ؛ تمادوا على تكذيبي ، وأصروا عليه ، بعد ما دعوتهم # 176 # هذه الأزمنة المتطاولة ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ، وليس هذا من قبيل ~~الإخبار ؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء ، وإنما هو تضرع وابتهال ، بدليل قوله ~~: {فافتح بيني وبينهم فتحا} ؛ أي : احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد ~~منا ، وهذه حكاية إجمالية ، قد فصلت في سورة نوح {ونجني ومن معي من ~~المؤمنين} من شرهم ، أو من شؤم عملهم. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 175 # فأنجيناه ومن معه} حسب دعائه {في الفلك المشحون} ؛ المملوء بهم وبما لا ~~بد لهم منه. {ثم أغرقنا بعد} أي : بعد إنجائهم {الباقين} من قومه ، {إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} الممتنع القاهر ~~بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. PageV05P272 # الإشارة : قال القشيري : أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله : {وما أسألكم ~~عليه من أجر} ؛ ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من ~~غيره ، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا ~~بآدابهم ، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم ، ولا يرتفقون منهم ~~بتعليمهم ، والتذكير لهم ، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من ~~الدين ، يعظ بها المسلمين ، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه ، ولا ~~للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون ، فيبيعون دينهم بعرض يسير ، ثم ms1997 لا ~~بركضة لهم فيه ، إذ لا يتقربون به إلى الله ، ولا ينتفعون به ، ويحصلون على ~~سخط من الله. ه. # قلت : أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا ؛ إذ ليس فيه تكلف ~~من أحد ، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية ، من غير استشراف ~~نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 175 # يقول الحق جل جلاله : {كذبت عاد المرسلين} ، وهي قبيلة ، ولذلك أنث الفعل ~~، وفي الأصل : اسم رجل ، هو أبو القبيلة. {إذ قال لهم أخوهم} ؛ نسبا ، {هود ~~ألا تتقون # 177 # إني لكم رسول أمين} ، وقد مر تفسيره ، {فاتقوا الله} في تكذيب الرسول ~~الأمين ، {وأطيعون} فيما آمركم به وأنهاكم عنه ، {وما أسألكم عليه من أجر ~~إن أجري إلا على رب العامين} ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة ؛ ~~للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق ، والطاعة فيما يقرب ~~المدعو إلى الثواب ، ويبعده من العقاب ، وأن الأنبياء - عليهم السلام - ~~مجمعون على ذلك ، وإن اختلفوا في فروع الشرائع ، المختلفة باختلاف الأزمنة ~~والأعصار ، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة ، والأغراض الدنيوية بالكلية. PageV05P273 # ثم وبخهم بقوله : {أتبنون بكل ريع} : مكان مرتفع ، ومنه : ريع الأرض ؛ ~~لارتفاعها ، وفيه لغتان : كسر الراء وفتحها. {آية} ؛ علما للمارة ، كانوا ~~يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل : كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم ~~، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها ؛ عبثا ، وقيل : برج حمام ، دليله : ~~{تعبثون} أي : تلعبون ببنائها ، أو : بمن يمر بهم على الأول ، {وتتخذون ~~مصانع} ، مآخذ الماء ، أو قصورا مشيدة ، أو حصونا ، وهو جمع مصنع ، والمصنع ~~: كل ماصنع وأتقن في بنيانه ، {لعلكم تخلدون} أي : راجين الخلود في الدنيا ~~، عاملين عمل من يرجو ذلك ، أو كأنكم تخلدون. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 177 # وإذا بطشتم} بسوط او سيف ، أو أخذتم أحدا لعقوبة {بطشتم جبارين} ؛ مسلطين ~~، قاسية قلوبكم ، بلا رأفة ولا رقة ، ولا قصد تأديب ، ولا نظرا للعواقب. ~~والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. {فاتقوا الله} في البطش ، {وأطيعون} ~~فيما أدعوكم إليه ؛ فإنه أنفع ms1998 لكم ، {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون} من ~~ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله : {أمدكم بأنعام وبنين} ؛ فإن ~~التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام ؛ لأنهم يعينونهم ~~على حفظها والقيام بها. # {وجنات} ؛ بساتين {وعيون} : أنهار خلال الجنات ، {إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم} إن عصيتموني ، أو : إن لم تقوموا بشكرها ؛ فإن كفران النعم ~~مستتبع للعذاب ، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها ، قال تعالى : {لئن شكرتم ~~لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم : 7]. PageV05P274 # {قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين} ؛ فإنا لن نرعوي عما نحن عليه ~~، ولا نقبل كلامك ودعوتك ، وعظت أو سكت. ولم يقل : أم لم تعظ ؛ لرؤوس الآي. ~~{إن هذا إلا خلق الأولين} بضم اللام ، أي : ما هذا الذي نحن عليه ؛ من ألا ~~بعث ولا حساب ، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم ، أو : ما هذا الذي ~~نحن عليه ؛ من الموت والحياة إلا عادة قديمة ، لم يزل الناس عليها ، ولا ~~شيء بعدها ، أو : ما هذا الذي أنكرت علينا ؛ من البنيان والبطش ، إلا عادة ~~من قبلنا ، فنحن نقتدي بهم ، وما نعذب على ذلك. وبسكون اللام ، أي : ما هذا ~~الذي خوفتنا به {إلا خلق الأولين} أي : اختلاقهم # 178 # وكذبهم ، أو : ما خلقنا هذا إلا كخلقهم ، نحيا كما حيوا ، ونموت كما ~~ماتوا ، ولا بعث ولا حساب ، {وما نحن بمعذبين} على ما نحن عليه من الأعمال. # {فكذبوه} أي : أصروا على تكذيبه ، {فأهلكناهم} بسبب ذلك بربح صرصر ، تقدم ~~في الأعراف كيفيته ، {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم} أي : قوم هود ~~{مؤمنين} ؛ ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. ~~وقيل : وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا ، على أن {كان} : صلة. {وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم} ؛ العزيز بالانتقام من أعدائه ، الرحيم بالانتصار لأوليائه. PageV05P275 # الإشارة : أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين ، وهما من صفة أهل ~~البعد عن الله ؛ الأول ؛ التطاول في البنيان ، والزيادة على الحاجة ، وهي ~~ما يكن من البرد ، ويقي من الحر ، من غير تمويه ولا تزويق ، والزيادة على ~~الحاجة في ms1999 البنيان من علامة الرغبة في الدنيا ، وهو من شأن الجهال رعاء ~~الشاه ، كما في الحديث ، وفي خبر أخر : " إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ~~ناداه ملك : إلى أين يا أفسق الفاسقين ؟ ". والثاني : التجبر على عباد الله ~~، والعنف معهم ، من غير رحمة ولا رقة ، وهو من قساوة القلب ، والقلب القاسي ~~بعيد من الله ، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام : (لا تكثروا الكلام بغير ~~ذكر الله ، فتقسو قلوبكم ؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله ، ولكن لا ~~تشعرون). وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم : " لا تنظروا إلى عيوب ~~الناس كأنكم أرباب ، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد ، فإنما الناس مبتلى ~~ومعافى ، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية " وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 177 # يقول الحق جل جلاله : {كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم} ؛ نسبا ، ~~{صالح ألا تتقون} الله تعالى ، فتوحدونه ، {إني لكم رسول أمين} : مشهور ~~فيكم بالأمانة ، {فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا ~~على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين} أي : أتطمعون أن تتركوا فيما ~~ها هنا من النعمة والترفه ، آمنين من عقاب الله وعذابه ، وأنتم على كفركم ~~وشرككم ، كلا ، والله لنختبرنكم ببعث الرسول ، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. PageV05P276 # ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله : {في جنات وعيون وزروع ونخل} هو دخل ~~فيما قبله ، وخصه بالذكر ؛ شرفا له. أو : في جنات بلا نخل ، {طلعها هضيم} ، ~~والطلع : عنقود التمر في أول نباته ، باقيا في غلافه. والهضيم : اللطيف ~~اللين ؛ للطف الثمر ، أو : لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف ، أو : لنضجه ، ~~كأنه : قيل : ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس : إذا أينع فهو هضيم. وقال ~~أيضا : هضيم : طيب ، وقال الزجاج : هو الذي رطبه بغير نوى ، أو : دان من ~~الأرض ، قريب التناول. # {وتنحتون} أي : تنقبون {من الجبال بيوتا فارهين} ؛ حال من الواو ، أي : ~~حاذقين ، أو : ناشطين ، أو : أقوياء ، وقيل : أشرين بطرين. قيل : كانوا في ~~زمن الشتاء يسكنون الجبال ، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى ~~الريف ومكان ms2000 الخصب. {فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين} ؛ ~~الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان ، أي : لا تنقادوا لأمرهم ، ولا ~~تتبعوا رأيهم ، وهم {الذين يفسدون في الأرض} بالإسراف بالكفر والمعاصي ، ~~{ولا يصلحون} بالإيمان والطاعة. والمعنى : أن فسادهم خالص ، لا يشوبه شيء ~~من الصلاح ، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 179 PageV05P277 ~~قالوا إنما أنت من المسحرين} ؛ الذين سحرووا ، حتى غلب على عقلهم السحر ~~{وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين} في دعوى الرسالة ، ~~{قال هذه ناقة} ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه ~~السلام ، {لها شرب} ؛ نصيب من الماء ، فلا تزاحموها فيه ، {ولكم شرب يوم ~~معلوم} لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا : نريد ناقة عشراء ، تخرج من هذه ~~الصخرة ، فتلد سقبا - والسقب : ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر ، فقال له ~~جبريل عليه السلام : صل ركعتين ، وسل ربك الناقة ، ففعل ، فخرجت الناقة ، ~~ونتجت سقبا مثلها في العظم ، وصدرها ستون ذراعا - أي : طولها - وإذا كان ~~يوم شربها شربت ماءهم كله ، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. # 180 # {ولا تمسوها بسوء} ؛ بضرب ، أو عقر ، أو غير ذلك ، {فيأخذكم عذاب يوم ~~عظيم} ، وصف اليوم بالعظم ؛ لعظم ما يحل فيه ، وهو أبلغ من تعظيم العذاب ، ~~{فعقروها} عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم ؛ لأنهم راضون به. روي ~~أن عاقرها قال : لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في ~~خدرها ، فيقولون : أترضين بعقر الناقة ؟ فتقول : نعم ، وكذلك صبيانهم ، ~~{فأصبحوا نادمين} على عقرها ؛ خوفا من نزول العذاب بهم ، لا ندم توبة ؛ ~~لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب ، وندموا حين لا ينفع الندم ~~، وذلك حين معاينة العذاب. PageV05P278 # {فأخذهم العذاب} أي : صيحة جبريل ، فتقطعت قلوبهم ، {فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين} : ميتين ، صغيرهم وكبيرهم ، {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين}. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل : كانوا ~~أربعة آلاف ، وقال كعب : كان قوم صالح اثني عشر ألفا ، من سوى النساء ~~والذرية. ولقد كان قوم ms2001 عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي : قيل : في نفي ~~الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو : شطرهم لما أخذوا ~~بالعذاب ، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى ~~أن (كان) زائدة يكون الضمير لقريش ، كما تقدم. {وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم}. # الإشارة : قوله : {أتتركون فيما ها هنا آمنين} ؛ أنكر عليهم ركونهم إلى ~~الدنيا وزخارفها الغرارة ، واطمئنانهم إليها ، وهو غرور وحمق ؛ إذ الدنيا ~~كسحابة الصيف ، تظل ساعة ثم ترتحل ، فالدنيا عرض حائل ، وظل آفل ، فالكيس ~~من أعرض عنها ، وتوجه بكليته إلى مولاه ، صبر قليلا وربح كثيرا ، والأحمق ~~من وقع في شبكتها ، حتى اختطفته منيته ، وفي الحديث : " الدنيا دار من لا ~~دار له ، ومال من لا مال له ، لها يجمع من لا عقل له ، وعليها يعادي من لا ~~علم عنده ". # جزء : 5 رقم الصفحة : 179 # 181 PageV05P279 ~~يقول الحق جل جلاله : {كذبت قوم لوط...} إلخ ، وهو ظاهر ، ثم قال {أتأتون ~~الذكران من العالمين} ، أراد بالعالمين : الناس ، أي : أتطؤون الناس مع ~~كثرة الإناث ، أو : أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران ، وتختصون ~~بهذه الفاحشة {وتذرون ما خلق لكم ربكم} من الإناث : أو : ما خلق لكم ؛ لأجل ~~استمتاعكم من الفروج ، {من أزواجكم} ، فمن للبيان ، إن أريد ب " ما " : جنس ~~الإناث ، وهو الظاهر ، وللتبعيض ، إن أريد بها العضو المباح منهن ، تعريضا ~~بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا ، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات ~~، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. {بل أنتم قوم عادون} أي : متعدون. ~~والعادي : المتعدي في ظلمه ، المتجاوز فيه الحد ، أي : أنتم قوم أحقاء بأن ~~توصفوا بالعدوان ؛ حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة ، التي لم يرتكبها أحد ~~قبلكم ، ولو من الحيوانات البهيمية. # {قالوا لئن لم تنته يا لوط} عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا {لتكونن من ~~المخرجين} من بلدنا ، أي : من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا ، وطردناه من ~~بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. {قال إني لعملكم من ~~القالين} ؛ من المبغضين غاية البغض ، كأنه يقلي ms2002 الفؤاد والكبد من شدته. ~~والقلى : أشد البغض ، وهو أبلغ من أن يقول : لعملكم قال ، فقولك : فلان من ~~العلماء ، أبلغ من قولك : فلان عالم ؛ لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. ~~وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ؛ ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. # جزء : 5 رقم الصفحة : 181 PageV05P280 ~~ثم قال : {رب نجني وأهلي مما يعملون} ؛ من عقوبة عملهم ، {فنجيناه وأهله ~~أجمعين} يعني : بناته ، ومن آمن معه ، {إلا عجوزا} هي امرأته ، وكانت راضية ~~بذلك ، والراضي بالمعصية في حكم العاصي ، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل ~~؛ لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - ؛ لاشتراكها في الأهلية بحق ~~الزواج. بقيت {في الغابرين} ؛ في الباقين في العذاب ، وهي صفة لها. والغابر ~~في اللغة : الباقي ، كأنه قيل : إلا عجوزا غابرة ، أي : مقدرا غبورها ؛ إذ ~~الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. # {ثم دمرنا الآخرين} أي : أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه ، {وأمطرنا عليهم ~~مطرا} أي : مطرا غير معهود. وعن قتادة : أمطر الله على شذاذ القوم ، أي : ~~الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم ، وقلب المدينة بمن فيها. ~~وقيل : لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة ، {فساء مطر المنذرين} ~~أي : قبح مطر المنذرين مطرهم ، فالمخصوص محذوف. {إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين} ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو : ما كان أكثر ~~قريش بمؤمنين بهذا ، {وإن ربك لهو العزيز} الغالب ، {الرحيم} ؛ حيث لم ~~يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. # 182 # الإشارة : من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان ، وكذلك ~~النساء. # وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا ، إن سلم من الفاحشة اتهم بها ، ولا ~~يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن ~~النساء والشبان فتنة ، وهي كالعقارب ، الصغيرة تلدغ ، والكبيرة تلدغ ، ~~فالسلامة البعد عن ساحتهن ، إلا على وجه أباحته الشريعة ، كالتعليم أو ~~التذكير ، مع غض البصر ، أو حجاب بينه وبينهن ، وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 181 PageV05P281 ~~يقول الحق جل جلاله : {كذب أصحاب الأيكة المرسلين} وهي : الغيضة التي تنبت ~~الشجر ms2003 ، والمراد بها : غيضة بقرب مدين ، يسكنها طائفة منهم ، وكانوا ممن ~~بعث إليهم شعيب عليه السلام ، وكان أجنبيا منهم ، ولذلك قيل : {إذ قال لهم ~~شعيب} ولم يقل : أخوهم ، بخلاف مدين ، فإنه منهم ، ولذلك قال : {أخاهم ~~شعيبا} [الأعراف : 85 وهود : 84 والعنكبوت : 36] وقيل : الأيكة : الشجر ~~الملتف ، وكان شجرهم المقل ، وهو الدوم. قال قتادة : بعث الله شعيبا إلى ~~أمتين ؛ أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة ، وأما ~~أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ : " ليكة " ؛ بحذف الهمزة ، ~~وإلقاء حركتها على اللام ، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام ؛ اتباعا للفظ. # {إذ قال لهم شعيب ألا تتقون} الله ، فتوحدوه ولا تطففوا ، {إني لكم رسول ~~امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه} أي : التبليغ ؛ {من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين ، أوفوا الكيل} أي : أتموه {ولا تكونوا من المخسرين} ~~أي : حقوق الناس بالتطفيف ، {وزنوا} أشياءكم التي تبيعونها {بالقسطاس ~~المستقيم} السوي. والقسطاس - # 183 # بضم القاف وكسرها : الميزان ، فإن كان من القسط - وهو العدل ، وجعلت ~~العين مكررة - فوزنه : فعلاس ، وإلا فهو رباعي ، ووزنه : فعلال. وقيل : عجمي. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 183 PageV05P282 ~~ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي : لا تنقصوا شيئا من حقوقهم ، أي حق كان ، ~~يقال : بخسه حقه : إذا انتقصه. وقيل : نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع ~~أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام : واف ، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى ~~بالوافي ، ونهى عن الناقص ، وسكت عن الزائد ، فتركه دليل على أنه إن فعله ~~كان أحسن ، وإن تركه فلا عليه. {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ؛ ولا تبالغوا ~~فيها بالإفساد ، وذلك نحو قطع الطريق ، والغارة ، وإهلاك الزروع. وكانوا ~~يفعلون ذلك فنهوا عنه ، يقال : عثي كفرح ، وعثا يعثو ، كنصر. # {واتقوا الذي خلقكم و} خلق {الجبلة الأولين} أي : الخلق الماضين ، وهم من ~~تقدمهم من الأمم ، {قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا} ، ~~أدخل الواو بين الجملتين هنا ؛ لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف ~~للرسالة ؛ مبالغة في التكذيب ، فتكذيبهم أقبح من ثمود ، حيث تركه فدل على ~~معنى ms2004 واحد ، وهو كونه مسحورا ، وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا : {وإن نظنك} " ~~إن " : مخففة ، أي : وإنه ، أي : الأمر والشأن لنظنك {لمن الكاذبين} فيما ~~تدعيه من النبوة. PageV05P283 # ثم استعجلوا العذاب بقولهم : {فأسقط علينا كسفا من السماء} أي : قطعا ، جمع ~~كسفة ، وقرئ بالسكون. أي : جزءا منه ، والمراد بالسماء : إما السحاب ، أو : ~~السماء المظلة ، {إن كنت من الصادقين} في دعواك الرسالة ، ولم يكن طلبهم ~~ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب ، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن ~~يطلبوه. {قال} شعيب عليه السلام : {ربي أعلم بما تعملون} من الكفر والمعاصي ~~، وبما تستحقونه من العذاب ، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة ، ~~{فكذبوه} أي : فتمادوا على تكذيبه ، وأصروا عليه {فأخذهم عذاب يوم الظلة} ~~حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها ، فأخذ ~~بأنفاسهم ، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب ، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى ~~البرية ، فأظلتهم سحابة ، وجدوا فيها بردا ونسيما ، فاجتمعوا تحتها ، ~~فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل : رفع لهم جبل ، فاجتمعوا تحته ، ~~فوقع عليهم ، وهو الظلة. وقيل : لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. ~~{إنه كان عذاب يوم عظيم} أي : في الشدة والهول ، وفظاعة ما وقع فيه من ~~الطامة والداهية التامة. # {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} قيل : آمن بشعيب من القسمين - ~~مدين والأيكة - تسعمائة إنسان ، أو : وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا ، {وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم}. # 184 # هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ~~لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته ، ~~تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله : {لعلك باخع نفسك...} ~~[الشعراء : 3]. إلخ ، {وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه ~~معرضين فقد كذبوا} [الشعراء : 5 ، 6] الآية ، فإن كل واحدة من هذه القصص ~~ذكر متجدد النزول ، قد أتاهم من جهته تعالى ، بموجب رحمته الواسعة. # { PageV05P284 ~~جزء : 5 رقم الصفحة : 183 # وما كان أكثرهم مؤمنين} بعد ما سمعوها على التفصيل ، قصة بعد قصة ms2005 ، ~~ليتدبروا فيها ، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان ، والزجر ~~عن الكفر والطغيان ، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة ، الناطقة بتلك ~~القصص ، على ما هي عليه ، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع ~~شيئا من ذلك من أحد أصلا ، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا ~~عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. # الإشارة : كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال ، أمر بالوفاء في الأعمال ، ~~ووفاؤها : إتقانها وإخلاصها ، وتخليصها من شوائب النقص ، في الظاهر ~~والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله : {وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم} ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي ، وهو وزن الخواطر بالقسطاس ~~الشرعي ، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به ، لا يخرجه ، حتى ~~يزنه بميزان الشرع ، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان ، أو غيره ، وإن كان ~~فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه ، قبل أن يصير هما أو عزما ، فيعسر رده. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 183 # قلت : " آية " خبر " كان " ، و" أن يعلمه " : اسمها ، ومن قرأ " آية " ؛ ~~بالرفع ؛ فآية اسمها ، و{أن...} إلخ : خبر أو " كان " : تامة ، و" آية " : ~~فاعل ، و" أن يعلمه " : بدل منه. # يقول الحق جل جلاله : {وإنه} أي : القرآن المشتمل على القصص المتقدمة ، ~~وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من ~~الذكر ، ليتناسب المفتتح والمختتم ، أي : وإن القرآن الكريم {لتنزيل رب ~~العالمين} أي : منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين ؛ للإيذان بأن ~~تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. # 185 PageV05P285 ~~{نزل به} أي : أنزله {الروح الأمين} أي : جبريل عليه السلام ، لأنه أمين ~~على الوحي الذي فيه روح القلوب ، ومن قرأ بالتشديد : فالفاعل هو الله ، ~~والروح : مفعول به ، أي : جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء ؛ ~~للتعدية ، نزل به {على قلبك} ، أي : حفظك وفهمك إياه ، وأثبته في قلبك ~~إثبات ما لا ينسى ، كقوله : {سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى : 6]. # {لتكون من المنذرين} بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة ، ~~{بلسان عربي} ؛ بلغة قريش ms2006 وجرهم ، فصيح بليغ ، والباء : إما متعلق بمنذرين ~~، أي : لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان ؛ وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل ~~عليهم السلام أو : بنزل ، أي : نزله بلسان عربي ؛ لتنذر به ، لأنه لو نزل ~~بلسان أعجمي لتجافوا عنه ، ولقالوا : ما نصنع بما لا نفهمه ؟ فيتعذر ~~الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه ؛ أي : لتكون من جملة من أنذر قبلك ، كنوح ~~وإبراهيم وموسى ، وغيرهم من الرسل ، عربيين أو عجمين ، وأشد الزواجر تأثيرا ~~في قلوب المشركين : ما أنذره إبراهيم ؛ لانتمائهم إليه ، وادعائهم أنهم على ملته. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 185 # وإنه} أي : القرآن {لفي زبر الأولين} يعني : أنه مذكور في سائر الكتب ~~السماوية. وقيل : ثبت فيها معناه ، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ ~~والتبديل ، بحسب تبدل الأعصار ، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات ~~مسطورة فيها ، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي : وفيه ~~دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا ، ففيه دليل على ~~جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب ، وأما مذهب ~~مالك : فلا. PageV05P286 # {أو لم يكن لهم آية} أي : أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب ~~العالمين حقا ، {أن يعلمه علماء بني إسرائيل} ، كعبد الله بن سلام ، وغيره ~~، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى : {وإذا يتلىا عليهم قالواا آمنا به ~~إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين} [القصص : 53]. والمعنى : أو لم ~~يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به. ~~ومعرفتهم له ، كما يعرفون أبناءهم ؛ لموافقته لما عندهم في كثير من القصص ~~والأخبار ، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد ، وترتيب واحد ، ~~وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة : " وجاؤوا على قميصه بدم كذب ~~" ، عندهم في التوراة : وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه : جلها في ~~التوراة. وقد تقدم الحديث : " أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى ~~" وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة ، ينقل ~~في كل ms2007 آية ما يوافقها # 186 # من الكتب السماوية. # ثم قال تعالى : {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} أي : ولو نزلناه كما هو ~~بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية ، ولا يقدر على التكلم بها ، ~~{فقرأه عليهم} قراءة صحيحة ، خارقة للعادة ، {ما كانوا به مؤمنين} مع ~~انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء ؛ لفرط عنادهم ، وشدة شكيمتهم ، ~~قال النسفي : والمعنى : إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين ، # 187 PageV05P287 ~~ففهموه ، وعرفوا فصاحته وأنه معجز ، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب ~~قبله على البشارة بإنزاله ، وصفته في كتبهم ، وقد تضمنت معانيه وقصصه ، وصح ~~بذلك أنها من عند الله ، وليست بأساطير كما زعموا ، فلم يؤمنوا به ، وسموه ~~شعرا تارة ، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم ، الذي لا يحسن ~~العربية ، فضلا أن يقدر على نظم مثله ، {فقرأه عليهم} هكذا معجزا ، لكفروا ~~به ، ولتمحلوا لجحودهم عذرا ، ولسموه : سحرا. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 185 # والأعجمين : جمع الأعجمي ، فإن أفعل ، إذا كان للتفضيل ، يجمع جمع سلامة ~~إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر ، وأصل الأعجمين : الأعجمين ، فحذفت ياؤه ، ~~وقيل : جمع أعجم ، فلا حذف. # {كذلك سلكناه} أي : أدخلنا التكذيب والكفر ، وهو مدلول قوله : {ما كانوا ~~به مؤمنين} ، {في قلوب المجرمين} : الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر ~~والإصرار عليه. يعني : مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها ~~، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه ، من التكذيب والإصرار عليه ، وهو ~~حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد ؛ خيرها وشرها. PageV05P288 # وقوله : {لا يؤمنون} توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا ، أي : ~~سلكناه فيها غير مؤمنين به ، أو : مثل ذلك السلك البديع سلكناه ، أي : ~~أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين ، ففهموا معانيه ، وعرفوا فصاحته وبلاغته ، ~~وأنه خارج عن القوة البشرية ، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد ~~انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب ~~السماوية. ومع ذلك {لا يؤمنون به} ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية ~~إلى الإيمان ، بل يستمرون على ما هم ms2008 عليه ، {حتى يروا العذاب الأليم} ~~الملجئ إلى الإيمان ، حين لا ينفعهم الإيمان ، {فيأتيهم بغتة} ؛ فجأة في ~~الدنيا والآخرة {وهم لا يشعرون} بإتيانه ، {فيقولون هل نحن منظرون} ؛ ~~مؤخرون ساعة. قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان ، وتمنيا للإمهال ؛ لتلافي ~~ما فرضوه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار ، وملئ بالمعارف والأسرار ~~، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام ، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام ، إذ ~~كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ؛ ليكون من الواعظين ~~بلسان عربي مبين ، يفصح عن جواهر الحقائق ، ويواقيت العلوم ، وما ينطق به ~~من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين ، وإن كان أميا ؛ لأن علوم ~~الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من ~~المحققين. PageV05P289 # وقال الورتجبي على هذه الآية : أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه ~~وسلم محل نزول كلامه الأزلي ؛ لأنه مصفى من جميع الحدثان ، بتجلي مشاهدة ~~الرحمن ، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق ، يسبح في ~~بحار الكرم ، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة ، وذلك سر عجيب وعلم غريب ~~؛ لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به ، وكلامه لم ينفصل عنه ، وكيف تفارق ~~الصفات الذات ، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره ، فجبريل عليه السلام ~~في البين : واسطة لجهة الحرمة ، وذكر ذلك بقوله : {نزل به الروح الأمين على ~~قلبك...} ؛ لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان ، به ~~يحفظ الكلام. وفائدة ذلك : الإعلام بسر وجود الإنسان ، وأنه ليس شيء يليق ~~بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه ، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع ~~خطاب الحق ، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر : ما أنزله على جبريل ~~جعله محلا للإنذار ، لا التحقيق ، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق ، فلم يخبر ~~عنه ، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة ؛ لأنه ما أطاق ذلك أحد ~~سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق ، فقال : {لتكون من المنذرين} بما نزل به ~~جبريل على ms2009 قلبك المتحقق ، فإنك متحقق بما كافحناك به ، وخاطبناك على مقام ~~لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 185 # يقول الحق جل جلاله : توبيخا لمن اقترح نزول العذاب ، كقولهم : {فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال : 32] {أفبعذابنا ~~يستعجلون} مع كونهم لا يطيقونه إذا نزل بهم ؟ وتقديم الجار ؛ للإيذان بأن ~~مصب الإنكار والتوبيخ هو كون المستعجل به عذابه ، مع ما فيه من رعاية ~~الفواصل. PageV05P290 # {أفرأيت} أي : أخبرني. ولما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء ~~وأشهرها شاع استعمال " أرأيت " في معنى أخبرني. والخطاب لكل من يسمع ، أي : ~~أخبرني أيها السامع : {إن متعناهم} ؛ إن متعنا هؤلاء الكفرة {سنين} متطاولة ~~بطول الأعمار وطيب المعاش ، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون} من العذاب ، {ما ~~أغنى عنهم} # 188 # أي : أي سيء ، أو أي إغناء أغنى عنهم {ما كانوا يمتعون} أي : كونهم ~~متمتعين ذلك التمتع المديد ، أي شيء أغنى في دفع العذاب ، و(ما) : مصدرية ، ~~أو : ما كانوا يتمتعون به من متاع الحياة الدنيا ، على أنها موصولة ، حذف ~~عائدها ، وأيا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي. وقيل : (ما) : نافية ، أي ~~: لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب. والأول أرجح. # {وما أهلكنا من قرية} من القرى المهلكة ، {إلا لها منذرون} ؛ قد أنذروا ~~أهلها لتقوم الحجة عليهم ، {ذكرى} أي : تذكرة ، وهو مصد منذرون ؛ لأن أنذر ~~وذكر متقاربان ، كأنه قيل : لها مذكرون تذكرة. أو مفعول له ، أي : ينذرونهم ~~لأجل التذكرة والموعظة ، أو خبر ، أي : هذه ذكرى ، أو يكون ذكرى متعلقة ~~بأهلكنا ؛ مفعولا له ، والمعنى : وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ~~ألزمناهم الحجة ، بإرسال المنذرين إليهم ؛ ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة ~~لغيرهم ، فلا يعصون مثل عصيانهم ، {وما كنا ظالمين} فنهلك قوما غير ظالمين ~~، أو قبل إنذارهم. والتعبير عن ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل ~~الإنذار ليس بظلم ؛ إذ لا يجب عليه تعالى شيء - كما تقرر من قاعدة أهل ~~السنة - ؛ لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك ، وتحقيقا لكمال عدله. ms2010 والله ~~تعالى أعلم. PageV05P291 # الإشارة : يقول الحق جل جلاله ، في جانب أهل البطالة والغفلة : أفرأيت إن ~~متعناهم سنين بالأموال والنساء والبنين ، فاشتغلوا بجمع الأموال والدثور ، ~~وبناء الغرف وتشييد القصور ، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون من الموت ، والرحيل ~~من الأوطان ، ومفارقة الأحباب والعشائر والإخوان ، أي شيء أغنى عنهم ما ~~كانوا يتمتعون به ، من لذيذ المآكل والمشارب ، ومفاخر الملابس والمراكب ، ~~هيهات هيهات ، قد انقطعت اللذات ، وفنيت الشهوات ، وما بقي إلا الحسرات ، ~~فتأمل أيها العبد فيما مضى من عمرك ، فما بقي في يدك منه إلا ما كان في ~~طاعة مولاك ، من ذكر ، ، أو تلاوة ، أو صلاة ، أو صيام ، أو علم نافع ، أو ~~تعليم ، أو فكرة ، أو شهود ، وما سوى ذلك بطالة وخسران ، فالوقت الذي تصرفه ~~في طاعة مولاك ذخائره موجودة ، وكنوزه مذخورة ، والوقت الذي تصرفه في هوى ~~نفسك ضائع ، تجيد حسرته يوم القيامة ، ففي الحديث : " ليس يتحسر أهل الجنة ~~إلا على ساعة مضت لهم ، لم يذكروا الله تعالى فيها " قال يحيى بن معاذ : ~~أشد الناس عذابا يوم القيامة من اغتر بحياته والتذ بمراداته ، وسكن إلى ~~مألوفاته ، والله تعالى يقول : {أفرأيت إن متعناهم سنين...} الآية. وعن ~~ميمون بن مهران : أنه لقي الحسن في الطواف ، وكان يتمنى لقاءه ، فقال له : ~~عظني ، فلم يزده على تلاوة هذه الآية ، فقال : لقد وعظت فأبلغت. وعن عمر بن ~~العزيز رضي الله عنه : أنه كان يقرؤها عند جلوسه ليحكم بين الناس. ه. ~~وبالله التوفيق. # 189 # جزء : 5 رقم الصفحة : 188 PageV05P292 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما تنزلت به} ؛ بالقرآن ، {الشياطين} ، ردا لما ~~يزعمه الكفرة من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة ، بعد تحقيق ~~الحق فيه ، ببيان أنه نزل به الروح الأمين. {ما ينبغي لهم} أي : وما يصح ~~وما يستقيم لهم ذلك ، {وما يستطيعون} إنزاله أصلا ، {إنهم عن السمع} أي : ~~عن استراقة السمع من الملائكة {لمعزولون} ؛ لممنوعون بالشهب ، أو : لانتفاء ~~المشاركة بينهم وبين الملائكة في قبول الاستعداد ؛ لفيضان أنوار الحق ، ~~والانتعاش بأنوار العلوم الربانية والمعارف القدسية ؛ لأن نفوس الشياطين ~~خبيثة ظلمانية ms2011 شريرة ، ليست مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه ، من فنون ~~الشرور ، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن الكريم ، المنطوي على الحقائق ~~الرائقة الغيبية ، التي لا يمكن تلقيتها إلا من الملائكة الكرام - عليهم ~~السلام ؟ . # {فلا تدع مع الله إلها آخر} ؛ كما هو شأن الأنفس الخبيثة الشيطانية ، ~~{فتكون من المعذبين} ، تهديد لغيره على سبيل التعريض ، وتحريك له على زيادة ~~الإخلاص ، وتنبيه لسائر المكلفين على أن الإشراك بلغ من القبح والسوء ، ~~بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه ، فكيف بمن عداه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار ، كوحي ~~الأحكام ، ما تتنزل به الشياطين ، وما ينبغي لهم وما يستطيعون ؛ لأنهم ~~ممنوعون من قلوب العارفين ؛ لما احتفت به من الأنوار ، وما صانها من ~~الأسرار ، أعني أنوار التوحيد وأسرار التفريد. وقال في لطائف المنن : إذا ~~كان الحق تعالى حرس السماء من الشياطين بالشهب ، فقلوب أوليائه أولى بأن ~~يحرسها من الأغيار. ه. بالمعنى : فلا تدع مع الله إلها آخر ، وهو ما سوى ~~الله ، فتكون من المعذبين بوساوس الشياطين والخواطر والشكوك ؛ لأن القلب ~~إذا مال إلى غير الله سلط الله عليه الشيطان ، فيكون ذلك القلب جرابا ~~للشيطان ، يحشو فيه ما يشاء. والعياذ بالله. PageV05P293 # جزء : 5 رقم الصفحة : 189 # يقول الحق جل جلاله : {وأنذر} يا محمد {عشيرتك الأقربين} ، إنما خصهم # 190 # بالذكر ؛ لئلا يتكلوا على النسب ، فيدعوا ما يجب عليهم ، لأن من الواجبات ~~ما لا يشفع فيها ، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به : " لا أملك لكم من ~~الله شيئا ". وفي الغال كذلك. وقيل : إنما خصهم لنفي التهمة ؛ إذ الإنسان ~~يساهل قرابته ، وليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئا ؛ إذ النجاة في ~~اتباعه ، لا في قربه منهم. # ولما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ، ونادى الأقرب فالأقرب ، ~~وقال : " يا بني عبد المطلب ، يا بني هاشم ، يابني عبد مناف ، يا عباس - عم ~~النبي صلى الله عليه وسلم - يا صفية - عمة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لا ~~أملك ms2012 لكم من الله شيئا " وقال ابن عباس رضي الله عنه : صعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم الصفا ، ونادى : " يا صباحاه " ؛ فاجتمع الناس ، فقال صلى الله ~~عليه وسلم : " يا بني عبد المطلب ، يا بني فهر ، إن أخبرتكم أن خيلا بسفح ~~هذا الجبل ، تريد أن تغير عليكم ، صدقتموني ؟ قالوا : نعم. قال : فإني نذير ~~لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب : نبأ لك سائر اليوم ، ما جمعتنا إلا ~~لهذا " ؟ فنزلت : {تبت يدآ أبي لهب وتب} [المسد : 1]. # ثم قال : {واخفض جناحك} أي : وألن جانبك وتواضع ، وأصله : أن الطائر إذا ~~أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه ، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع ~~جناحه ، فجعل خفض الجناح مثلا في التواضع ولين الجانب. ويكن ذلك التواضع ~~{لمن اتبعك من المؤمنين} من قرابتك وغيرهم. {فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون} أي : أنذر قومك ؛ فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك ، وإن عصوك ~~ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم ؛ من الشرك وغيره. PageV05P294 # {وتوكل على العزيز الرحيم} أي : على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم ~~برحمته ، فإنه يكفيك شر من يعاديك. {الذي يراك حين تقوم} للتهجد ، {و} يرى ~~{تقلبك في الساجدين} ؛ في المصلين. أتبع كونه رحيما برسوله ما هو من أسباب ~~الرحمة ، وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل ، من قيامه للتهجد ، وتقلبه في ~~تصفح أحوال المتهجدين ، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون. وقيل : معناه : ~~ويراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة ، وتقلبك في الساجدين : تصرفه فيما ~~بينهم ، بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل : أنه سأل أبا ~~حنيفة : هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن ؟ فقال : لا يحضرني ، فتلا له ~~هذه الآية. وقيل : تقلبه في أصلاب الرجال. وروي عنه صلى الله عليه وسلم في ~~الآية أنه قال : " من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيا ". {إنه هو السميع} لما ~~تقول ، {العليم} بما تنويه وتعمله. هون عليه مشاق العبادة ، حيث أخبره ~~برؤيته له ، إذ لا مشقة على من يعلم أنه يعمل بمرأى من مولاه ، وهو كقوله # 191 # في الحديث ms2013 القدسي : " بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي " والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 190 PageV05P295 ~~الإشارة : ينبغي لمن أهل للوعظ والتذكير أن يبدأ بالأقرب فالأقرب ، ولو علم ~~أنه لا ينتفع به إلا النزر القليل. فمن تبعه على مذهبه فليلن له جانبه ~~وليتواضع له ، ومن أعرض عنه واشتغل بهواه فليتبرأ من فعله ، ولا ينساه من ~~نصحه ، ولذلك قال تعالى : {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} ، ولم يقل : ~~" منكم " ، وهذا مذهب الجمهور وأن الأخ إذا زل إنما يبغض عمله فقط. وعن بعض ~~الصحابة - وقد قيل له في أخيه ، فقال : إنما أبغض عمله ، وإلا فهو أخي ، ~~وذكر مثل ذلك عن أبي الدرداء. وأن الأخ في الله لا يبغض لزلته ، ولا يترك ~~لشيء من الأشياء ، وإنما يبغض عمله ، ووافقه على ذلك سلمان ، وتابعهما عمر ~~، وخالف في ذلك أبو ذر ، فقال : إذا وقعت المخالفة ، وانقلب عما كان عليه ، ~~فأبغضه من حيث أحببته. # قال صاحب القوت : وأبو ذر صاحب شدائد ، وعزائم ، وهذا من عزائمه وشدائده. ~~ه. وهذا في المؤمن بدليل قول أبي الدرداء : الأخ في الله لا يبغض لزلة. ~~وأما الكافر فصريح آياته : {إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله} ~~[الممتحنة : 4] ، ونحوها. وحديث ابن عمر وتبرئه من نفاة القدر - كما في ~~مسلم - موجب للبراءة ، وليس لكون حكم الأصول أشد من الفروع. وذكر في ~~الإحياء تأكيد الإعراض عمن يتعدى أذاه لغيره ؛ بظلم ، أو غصب ، أو غيبة ، ~~أو نميمة ، أو شهادة زور ؛ لأن المعصية شديدة فيما يرجع لأذى الخلق. ه. من ~~الحاشية. # قوله تعالى : {فتوكل على العزيز الرحيم} ، قيل : التوكل : تفويض الرجل ~~أمره إلى من يملك أمره ، ويقدر على نفعه وضره ، وهو الله وحده ، والمتوكل ~~من إذا دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية. وقال الجنيد رضي الله ~~عنه : التوكل أن تقبل بالكلية على ربك ، وتعرض بالكلية عمن دونه ؛ فإن ~~حاجتك إنما هي إليه في الدارين. ه. PageV05P296 # قال القشيري : {وتقلبك في الساجدين} من أصحابك ، ويقال : تقلبك في أصلاب ~~آبائك من المسلمين ، الذين عرفوا ms2014 الله ، فسجدوا له ، دون من لم يعرفه. ه. ~~وفي القوت : قيل : وتقلبك في أصلاب الأنبياء - عليهم السلام ، يقلبك في صلب ~~نبي بعد نبي ، حتى أخرجك من ذرية أسماعيل ، وروينا معنى ذلك عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، والحاصل : أنه من ذرية الأنبياء والمؤمنين الساجدين ~~في الجملة ، ولا يقتضي كل فرد من الأفراد. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 190 # 192 # قلت : " أي منقلب " : مفعول مطلق لينقلبون ، والأصل : ينقلبون أي انقلاب ~~، وليست " أيا " : مفعول " يعلم " لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ~~وجملة : " ينقلبون " : معلق عنها العامل ، فهي محل نصب ؛ على قاعدة التعليق ~~، فإنه في اللفظ دون المحل. # يقول الحق جل جلاله : {هل أنبئكم} أي : أخبركم أيها المشركون {على من ~~تنزل الشياطين} ، ودخل حرف الجار على " من " الاستفهامية ؛ لأنها ليست ~~للاستفهام بالأصالة. ثم أخبرهم ، فقال : {تنزل على كل أفاك} : كثير الإفك ، ~~وهو الكذب ، {أثيم} ؛ كثير الإثم ، وهم الكهنة والمتنبئة ، كشق وسطيح ~~ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة أن يحرم حولها ~~شيء من ذلك ، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم. PageV05P297 # {يلقون السمع} وهم الشياطين ، كانوا ، قبل أن يحجبوا بالرجم ، يلقون ~~أسماعهم إلى الملأ الأعلى ، فيختطفون بعض ما يتكلمون به ، مما اطلعوا عليه ~~من الغيوب ، ثم يوحون به إلى أوليائهم. {وأكثرهم كاذبون} فيما يوحون به ~~إليهم ؛ لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وفي الحديث : " إنهم يخلطون مع ما ~~سمعوا مائة كذبة " ، فلذلك يخطئون ويصيبون ، وقيل : يلقون إلى أوليائهم ~~السمع ، أي : المسموع من الملائكة. وقيل : الأفاكون يلقون السمع إلى ~~الشياطين ، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس ، {وأكثرهم} أي : الأفاكون ~~{كاذبون} : مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. والأفاك : الذي يذكر ~~يكثر الإفك ، ولا يدل على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك ، فأراد أن هؤلاء ~~الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكيه عن الجنة. # ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم ؛ لينبه على بعد كلامهم من كلام ~~القرآن ، فينتفي كونه كهانة وشعرا ، كما قيل فيه ، فقال : {والشعراء يتبعهم ~~الغاوون} : مبتدأ ms2015 وخبر ، أي : لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون ، فإنهم ~~يصغون إلى باطلهم وكذبهم ، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ، ومدح من لا ~~يستحق المدح ، وهجاء من لا يستحق الهجو ، ولا يستحسن ذلك منهم {إلا ~~الغاوون} ، أي : السفهاء ، أو الضالون عن طريق الرشد ، الحائرون فيما ~~يفعلون ويذرون ، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون ، بخلاف ~~غيرهم من أهل الرشد ، المهتدون إلى طريق الحق ، الثابتين عليه. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 192 # ألم تر أنهم} أي الشعراء {في كل واد} من الكلام {يهيمون} ، أو في كل فن ~~من الإفك يتحدثون ، أو : في كل لغو وباطل يخوضون. والهائم : الذاهب على ~~وجهه لا مقصد له ، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول ، وهو استشهاد على ~~أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له ، والخطاب لكل من تتأتى منه ~~الرؤية ، للقصد إلى أن حالهم # 193 PageV05P298 ~~من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر ، أي : ألم تر أن ~~الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال ، وفي كل شعب من الوهم والخيال ؛ ~~وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال ، يهيمون. {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} ~~من الأفاعيل ، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم ، فكيف يتوهم أن ينتظم في ~~سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشيء من الأمور ~~المذكورة ، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة ، والأخلاق الحميدة ، مستقرا على ~~المنهاج القويم ، مستمرا على الصراط المستقيم ، ناطقا بكل أمر رشيد ، داعيا ~~إلى صراط العزيز الحميد ، مؤيدا بمعجزة قاهرة ، وآيات ظاهرة ، مشحونة بفنون ~~من الحكم الباهرة ، وصنوف المعارف الزاخرة ، مستقل بنظم رائق ، أعجز كل ~~منطيق ماهر ، وبكت كل مفلق ساحر. # هذا وقد قيل في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء : أن ~~أتباع الشعراء الغاوون ، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك ، ولا ~~ريب في أن تعليل عدم كونه صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى الله ~~عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلي. ه. قاله أبو السعود. ms2016 # ثم استثنى الشعراء المؤمنين ، فقال : {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ~~؛ كعبد الله بن رواحة ، وحسان ، وكعب بن زهير ، وكعب بن مالك. {وذكروا الله ~~كثيرا} أي : كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر ، وإذا قالوا ~~الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه ، والحكمة والموعظة ، والزهد ~~والأدب ، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء. PageV05P299 # وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن ~~مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أهجهم ، فوالذي نفسي بيده ~~لهو أشد عليهم من رشق النبل " ، وكان يقول لحسان : " قل ، وروح القدس معك ~~". {وانتصروا من بعد ما ظلموا} أي : ردوا على المشركين ، الذين هجوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروي أنه لما نزلت الآية : جاء حسان ، وكعب ~~بن مالك ، وعبد الله بن رواحة ، يبكون ، فقالوا يا رسول الله : أنزل الله ~~تعالى هذه الآية ، وهو يعلم أنا شعراء ؟ فقال : " اقرؤوا ما بعدها : {إلا ~~الذين آمنوا...} هم أنتم وانتصروا ، هم أنتم ". ومر عمر رضي الله عنه وحسان ~~رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد ، فلحظ إليه ، فقال : كنت أنشد فيه ، ~~وفيه من هو خير منك ، ثم التفت إلى أبي هريرة ، فقال : أنشدك # 194 # بالله ، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أجب عني ، اللهم أيده ~~بروح القدس " قال : اللهم نعم. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 192 # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} ؛ أي مرجع يرجعون إليه ، وهو تهديد ~~شديد ، ووعيد أكيد ؛ لما في {سيعلم} من تهويل متعلقة ، وفي {الذين ظلموا} ~~من الإطلاق والتعميم. وفي {أي منقلب ينقلبون} من الإبهام والتهويل. وتلاها ~~أبو بكر لعمر رضي الله عنه حين عهد إليه ، وكان السلف يتواعظون بها. ~~والمعنى : سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم ، حين يقدمون علي ، وأي منقلب ~~ينقلبون ، حين يفدون إلي. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم ، حين ~~نلقاك يا أرحم الراحمين. PageV05P300 # الإشارة : هل أنبئكم على قلب من تنزلت الشياطين ، وسكنت فيه ، تنزل على قلب ~~كل أفاك أثيم ، خارب من النور ms2017 ، محشو بالوسواس والخواطر ، يلقون السمع إلى ~~هرج الدنيا وأخبارها ، وهو سبب فتنتها ؛ فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا ~~وأهلها ، سكن فيه النور وتأنس بالله ، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها ~~سكنت في الظلمة ، وتأنس بالخلق ، وغاب عن الحق. ولذلك قيل : ينبغي للمؤمن ~~أن يكون كالفكرون ؛ إذا كان وحده انبسط ، وإذا رأى أحدا أدخل رأسه معه ، ~~وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله : {وأكثرهم كاذبون} ، ~~ومن جملة ما يفسد القلب : تولهه بالشعر ، وفي الحديث : " لأن يمتلىء جوف ~~أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا " أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، ~~إلا من كان شعره في توحيد الله ، أو في الطريق ، كالزهد في الدنيا ، ~~والترهيب من الركون إليها ، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة ، ~~والافتتان بملاذها الفانية ، وغير ذلك ، أو في مدح النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، والمشايخ الموصلين إليه تعالى ، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله. # وقوله تعالى : {وانتصروا من بعدها ظلموا} ، أي : جاروا على نفوسهم بعدما ~~جارت عليهم ، وقهروها بعد ما قهرتهم. {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون} قال ابن عطاء : سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. ه. وفي الحكم : " ~~ماذا فقد من وجدك ، وما الذي وجد من فقدك ؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا ، ~~ولقد خسر من بغى عنك متحولا ، كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان ، أم كيف ~~يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان ؟ " وبالله التوفيق ، وهو الهادي ~~إلى سواء الطريق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 195 # جزء : 5 رقم الصفحة : 192 PageV05P301 ### | AUTO سورة النمل # جزء : 5 رقم الصفحة : 195 # يقول الحق جل جلاله : {طس} أي : يا طاهر يا سيد. قال ابن عباس : " هو اسم ~~من أسماء الله تعالى " ، أقسم به أن هذه السورة آياتها القرآن وكتاب مبين. ~~قلت : ولعلها مختصرة من اسمه " اللطيف والسميع ". وقيل إشارة إلى طهارة سر ~~حبيبه. {تلك آيات القرآن} ، الإشارة إلى نفس السورة ، وما في معنى الإشارة ~~من معنى البعد ، مع قرب العهد بالمشار ms2018 إليه ، للإيذان ببعد منزلته في الفضل ~~والشرف ، أي : تلك السورة الكريمة التي نتلوها عليك هي آيات القرآن ، ~~المعروف بعلو الشأن. {و} آيات {كتاب} عظيم الشأن {مبين} ؛ مظهر بما في ~~تضاعيفه من الحكم ، والأحكام ، وأحوال الآخرة ، أو : مبين : مفرق بين الرشد ~~والغي ، والحلال والحرام ، أو : ظاهر الإعجاز ، على أنه من : أبان ، بمعنى ~~بان ، وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى ، نحو : هذا فعل ~~السخي والجواد. # ونكر الكتاب ليكون أفخم له. وقيل : إنما نكر الكتاب وعرفه في الحجر ، وعرف # 196 # القرآن ونكره في الحجر ؛ لأن القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، ووصفان له ؛ لأنه يقرأ ويكتب ، فحيث جاء بلفظ ~~التعريف فهو العلم ، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف. قاله النسفي. # وما قيل من أهل الكتاب هو اللوح المحفوظ ، وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن ~~، لا يساعده إضافة الآيات إليه. والوصف بالهداية والبشارة في قوله : {هدى ~~وبشرى للمؤمنين} أي : حال كون تلك الآيات هادية ومبشرة للمؤمنين ، فهما ~~منصوبان على الحال ، من الآيات ، على أنهما مصدران بمعنى الفاعل ؛ للمبالغة ~~، كأنهما نفس الهداية والبشارة ، والعامل فيها ما في " تلك " من معنى ~~الإشارة ، أو خبر ، أي : هي هدى وبشرى للمؤمنين خاصة ؛ إذ لا هداية لغيرهم بها. PageV05P302 # {الذين يقيمون الصلاة} ؛ يديمون على إقامة فرائضها وسننها ، ويحافظون على ~~خشوعها وإتقانها ، {ويؤتون الزكاة} أي : يؤدون زكاة أموالهم ، {وهم بالآخرة ~~هم يوقنون} حق الإيقان. إما من جملة الموصول ، وإما استئناف ، كأنه قيل : ~~هؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان ، لا ~~من عداهم ؛ لأن من تحمل مشاق العبادات ، إنما يكون لخوف العقاب ، ورجاء ~~الثواب ، أولا ، ثم عبودية آخرا ، لمن كمل إخلاصه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 196 # ثم ذكر ضدهم ، فقال : {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي : لا يصدقون بها ، ~~وبما فيها من الثواب والعقاب ، {زينا لهم أعمالهم} الخبيثة ، حيث جعلناها ~~مشتهية للطبع ، محبوبة للنفس ، حتى رأوها حسنة ، كقوله : {أفمن زين له سواء ~~عمله فرآه حسنا} [فاطر : 8] ، {فهم يعمهون} ؛ يترددون في ms2019 ضلالتهم. كما يكون ~~حال الضال عن الطريق. {أولئك الذين لهم سوء العذاب} في الدنيا بالقتل ~~والأسر يوم بدر ، {وهم في الآخرة هم الأخسرون} ؛ أشد الناس خسرانا ؛ لأنهم ~~لو آمنوا لكانوا من أكرم الناس ، شهداء على جميع الأمم يوم القيامة ، ~~فخسروا ذلك مع خسران ثواب الله والنظر إليه. عائذا بالله من جميع ذلك. PageV05P303 # الإشارة : طس : طهر سرك أيها الإنسان ، لتكون من أهل العيان ، طهر سرك من ~~الأغيار لتشاهد سر الأسرار ، وحينئذ تذوق أسرار القرآن والكتاب المبين ، ~~وتصير هداية وبشارة للمؤمنين : فإن من قرأ القرآن وعمل به فقد أدرج النبوة ~~بين كتفيه ، كما في الخبر. ثم ذكر من امتلأ قلبه بالأكدار فقال : {إن الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة...} إلخ ، قال القشيري : أغشيناهم فهم لا يبصرون ، ~~وعمينا عليهم المسالك ، فهم عن الطريقة المثلى يصدون. أولئك الذين في ~~ضلالتهم يعمهون ، وفي حيرتهم يترددون. {أؤلئك الذين لهم سوء العذاب} هو أن ~~يجد الألم ولا يجد شهود المبتلي ، ولو وجدوه تحمل عنهم ثقله بخلاف ~~المؤمنين. ه. # 197 # جزء : 5 رقم الصفحة : 196 # قلت : (تلقى) : مبني للمفعول. والفاعل هو الله ؛ لدلالة ما تقدم عليه ، ~~من قوله : {وإنه لتنزيل رب العالمين}. و(لقى) : يتعدى إلى واحد ، وبالتضعيف ~~إلى اثنين. وكأنه كان غائبا فلقيه ، فالمفعول الأول صار نائبا. و" القرآن " ~~: مفعول ثان ، أي : وإنك ليلقيك الله القرآن. # يقول الحق جل جلاله : {وإنك} يا محمد {لتلقى القرآن} أي : لتؤتاه بطريق ~~التلقية والتلقين {من لدن حكيم عليم} أي : من عند أي حكيم وأي عليم ، ~~فالتنكير للتفخيم. وفي تفخيمه تفخيم لشأن القرآن. وتنصيص على علو طبقته - ~~عليه الصلاة والسلام - في معرفته ، والإحاطة بما فيه من العلوم والحكم ~~والأسرار ، فإن من تلقى العلوم والحكم من الحكيم العليم يكون علما في إتقان ~~العلوم والحكم. والجمع بينهما مع دخول العلم في الحكمة ؛ لعموم العلم ، ~~ودلالة الحكمة على إتقان الفعل ، والإشعار بأن ما في القرآن من العلوم ، ~~منها ما هو حكمة ، كالعقائد والشرائع ، ومنها ما ليس كذلك ، كالقصص ~~والأخبار الغيبية. قاله أبو السعود. PageV05P304 # قال ابن عطية : في الآية ms2020 رد على كفار قريش في قولهم : القرآن من تلقاء ~~محمد. وقال القرطبي : الآية تمهيد لما يريد أن يسوق من الأقاصيص ، وما في ~~ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه ، ومن آثار ذلك : قصة موسى {إذ قال ~~لأهله...} إلخ. ه. # الإشارة : قال أبو بكر بن طاهر : وإنك لتلقى القرآن من الحق حقيقية ، وإن ~~كنت تأخذه في الظاهر عن واسطة جبريل عليه السلام. قال تعالى : {الرحمان علم ~~القرءان} [الرحمن : 1 ، 2]ه. قلت : العارفون بالله لا يسمعون القرآن إلا من ~~لدن حكيم عليم ، بلا واسطة ، الواسطة محذوفة في نظرهم ، فهم يسمعون من الله ~~إلى الله ، ويقرؤون بالله على الله ، كما قال القائل : أنا بالله أنطق ، ~~ومن الله أسمع. ومما يحقق لك حذف الواسطة : قوله تعالى : {فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه} [القيامة : 28] وسمعت شيخي البوزيدي رضي الله عنه ، يقول : لا ~~يكون الإنسان من الراسخين في العلم حتى يقرأ كله وهو مجموع فيه ، أي : يقرأ ~~بالله ويسمعه من الله. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 197 # 198 PageV05P305 ~~يقول الحق جل جلاله : واذكر {إذ قال موسى لأهله} ؛ زوجته ومن معه ، عند ~~مسيره من مدين إلى مصر : {إني آنست} أي : أبصرت {نارا سآتيكم منها بخبر} عن ~~حال طريق التي ضل عنها. والسين للدلالة على نوع بعد في المسافة ، وتأكيد ~~الوعد. {آو آتيكم بشهاب قبس} أي : شعلة نار مقبوسة ، أي مأخوذة. ومن نون ~~فبدل ، أو صفة ، وعلى القراءتين فالمراد : تعيين المقصود الذي هو القبس ، ~~الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء ؛ لأن من النار ما ليس بقبس ، كالجمرة. ~~وكلتا العدتين منه عليه السلام بطريق الظن ، كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه ~~، من صيغتي الترجي والترديد ؛ لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول : سأفعل كذا ، ~~وسيكون كذا ، مع تجويزه التخلف. وأتى بأو ؛ لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم ~~يظفر بحاجتيه معا لم يعدم واحدة منهما ، إما هداية الطريق ، وإما اقتباس ~~النار ، ولم يدر أنه ظافر بحاجته الكبرى ، وهي عز الدنيا والآخرة. # واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين ، والقصة واحدة ، دليل على نقل ms2021 الحديث ~~بالمعنى ، وجواز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج. قاله النسفي. # {لعلكم تصطلون} ؛ تستدفئون بالنار من البرد إذا أصابكم. # {فلما جاءها} أي : النار التي أبصرها {نودي} من جانب الطور {أن بورك} ، ~~على أن " أن " مفسرة ؛ لما في النداء من معنى القول. أو : بأن بورك ، على ~~أنها مصدرية ، وقيل : مخففة ، ولا ضرر في فقدان الفصل ب " لا " ، أو قد ، ~~أو السين ، أو سوف ؛ لأن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام ، أي : أنه ~~، أي : الأمر والشأن {بورك} أي : قدس ، أو : جعل فيه البركة والخير ، {من ~~في النار ومن حولها} أي : من في مكان النار ، وهم الملائكة ، {ومن حولها} ~~أي : موسى عليه السلام ، بإنزال الوحي عليه ، الذي فيه خير الدنيا والآخرة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 198 PageV05P306 ~~وقال ابن عباس والحسن : (بورك من في النار أي : قدس من في النار ، وهو الله ~~تعالى) أي : نوره وسره ، الذي قامت به الأشياء ، من باب قيام المعاني ~~بالأواني ، أو : من قيام أسرار الذات بالأشياء ، بمعنى أنه نادى موسى منها ~~وسمع كلامه من جهتها ، ثم نزه - سبحانه - ذاته المقدسة عن الحلول والاتحاد ~~، فقال : {وسبحان الله} أي : تنزيها له عن الحلول في شيء ، وهو {رب ~~العالمين}. # ثم فسر نداءه ، فقال : {يا موسى إنه} أي : الأمر والشأن {أنا الله العزيز ~~الحكيم} أو : إنه ، أي : مكلمك ، الله العزيز الحكيم ، وهو تمهيد لما أراد ~~أن يظهر على يديه من المعجزات. {وألق عصاك} لتعلم معجزتها ، فتأنس بها ، ~~وهو عطف على (بورك) أي : نودي أن بورك وأن ألق عصاك. والمعنى : قيل له : ~~بورك من في النار ، وقيل له : ألق # 199 # عصاك ، {فلما رآها تهتز} ؛ تتحرك يمينا وشمالا ، {كأنها جان} ؛ حية صغيرة ~~{ولى} موسى {مدبرا} أي : أدبر عنها ، وجعلها تلي ظهره ، خوفا من وثوب الحية ~~عليه ، {ولم يعقب} ؛ لم يرجع على عقبيه ، من : عقب المقاتل : إذا كر بعد ~~الفر. والخوف من الشيء المكروه أمر طبيعي ، لا يتخلف ، وليس في طوق البشر. PageV05P307 # قال له تعالى : {يا موسى لا تخف} من غيري ، ثقة بي ، أو : لا تخف ms2022 مطلقا ~~{إني لايخاف لدي المرسلون} أي : لا يخاف المرسلون عند خطابي إياهم ، فإنهم ~~مستغرقون في شهود الحق ، لا يخطر ببالهم خوف ولا غيره. وأما في غير أحوال ~~الوحي ؛ فهم أشد الناس خوفا منه سبحانه ، أو : لا يخافون من غيري ، لأنهم ~~لدي في حفظي ورعايتي. {إلا من ظلم} أي : لكن من ظلم من غيرهم ؛ لأن ~~الأنبياء لا يظلمون قط ، فهو استثناء منقطع ، استدرك به ما عسى يختلج في ~~العقل ، من نفي الخوف عن كلهم ، مع أن منهم من فرطت منه صغيرة مما يجوز ~~صدوره عن الأنبياء - عليهم السلام - كما فرط من آدم ، وموسى ، وداود ، ~~وسليمان - عليهم السلام - فحسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد قصد به ~~التعريض بما وقع من موسى - عليه السلام - ومن وكزه القبطي. وسماها ظلما ، ~~كقوله عليه السلام في سورة القصص : {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له} ~~[القصص : 16]. # قال في الحاشية الفاسية : والظاهر في الاستثناء كونه متصلا ، وأطلق الظلم ~~باعتبار منصب النبوة ، وإشفاقهم مما لا يشفق منه غيرهم ، كما اتفق لموسى في ~~مدافعة القبطي عن الإسرائيلي ، مع أن إغاثة المظلوم مشروعة عموما ، ولكن ~~لما لم يؤذن له خصوصا عد ذلك ظلما وذنبا. وأما ما سرى من القتل فلم يقصده ، ~~وإنما اتفق من غير قصد. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 198 # قوله : {ثم بدل حسنا بعد سوء} أي : أتبع زلته حسنة محلها ، كالتوبة ~~وشبهها ، {فإني غفور رحيم} أقبل توبته ، وأغفر حوبته ، وأرحمه ، فأحقق ~~أمنيته. والله تعالى أعلم. PageV05P308 # الإشارة : تقدم بعض إشارة الآية في سورة طه. وقوله تعالى : {أن بورك من في ~~النار...} تقدم قول ابن عباس وغيره : أن المراد بمن في النار : نور الحق ~~تعالى. قال بعض العلماء : كانت النار نوره تعالى ، وإنما ذكره بلفظ النار ؛ ~~لأن موسى حسبه نارا ، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. ه. ومنه حديث : " ~~حجابه النار ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء ادركه بصره " ، أي : حجابه ~~النور الذي تجلى به في مظاهر خلقه ، فالأواني حجب للمعاني ، والمعاني هي ~~أنوارالملكوت ، الساترة لأسرار الجبروت ، السارية في ms2023 الأشياء. # وقال سعيد بن جبير : (هي النار بعينها) ، وهي إحدى حجب الله تعالى. ثم استدل # 200 # بالحديث : " حجابة النار " ومعنى كلامه : أن الله تعالى احتجت في مظاهر ~~تجلياته ، وهي كثيرة ، ومن جملتها النار ، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق ~~تعالى بها ، وإليه أشار ابن وفا بقوله : # هو النور المحيط بكل كون # ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات ، العارفون بالله ، وحسب من لم ~~يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه ، وإلا وقع الإنكار على أولياء الله ~~بالجهل ، والعياذ بالله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 198 # يقول الحق جل جلاله : {وأدخل يدك} يا موسى {في جيبك} ؛ في جيب قميصك. ~~والجيب : الفتح في الثوب لرأس الإنسان. قال الثعلبي : إنما أمره بذلك ؛ ~~لأنه كان عليه مدرعة صوف ، لا كم لها. {تخرج بيضاء من غير سوء} ؛ من غير ~~آفة ، كبرص ونحوه ، {في تسع آيات} أي : هاتان الآيتان في جملة تسع آيات ، ~~وهي الفلق ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والطمس ، ~~والجدب في بواديهم ، والنقصان في مزارعهم. ومن عد اليد والعصا من التسع عد ~~الاخيرين واحدا ، ولم يعد الفلق ؛ لأنه لم يبعث به إلى فرعون. وقوله : {إلى ~~فرعون} متعلق بمحذوف ، أي : مرسلا ، أو : ذاهبا إلى فرعون {وقومه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين} ؛ خارجين عن أمر الله ، كافرين به. PageV05P309 # {فلما جاءتهم آياتنا} ؛ معجزاتنا ، وظهرت على يد موسى ، حال كونها {مبصرة} ~~؛ بينة واضحة ، وهي اسم فاعل ، أطلق على المفعول ، إشعارا بأنها لفرط ~~ظهورها كأنها تبصر نفسها ؛ مبالغة في وضوحها ، وإلا فهي مبصرة لمن ينظر ~~ويتفكر فيها. أو : ذات تبصر ؛ لأنها تهدي من يتبصر بها. فلما جاءتهم {قالوا ~~هذا سحر مبين} واضح سحريته. # {وجحدوا بها} أي : كذبوا بها {و} قد {استيقنتها أنفسهم} أي : علمتها علما ~~يقينا ، فالاستيقان : أبلغ من الإيقان. يعني : أنهم جحدوا بألسنتهم ~~واستيقنوها في قلوبهم. {ظلما} : حال من ضمير (جحدوا) أي : ظالمين في ذلك ، ~~ولا ظلم أفحش ممن تيقن أنها آيات من عند الله ، وسماها سحرا بينا ، {وعلوا} ~~؛ تكبرا وترفعا عن الإيمان بموسى عليه السلام ، وهو أيضا حال ، أو ms2024 : علة ، ~~{فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} وهو الإغراق في الدنيا ، والإحراق في ~~الآخرة. نسأل الله العافية. # الإشارة : وأدخل يد فكرتك في جيب قلبك ، تخرج بيضاء شعشعانية ، يستولي # 201 # شعاعها على وجود بشريتك ، فتنخنس البشرية تحت أنوار المعاني ، ثم يستولي ~~على الوجود بأسره ، فيصير كله نورا ملكوتيا ، جبروتيا ، متصلا بالنور ~~الأعظم ، والبحر الطام ، بعد قطع مقامات التوبة ، والتقوى ، والإستقامة ، ~~والإخلاص ، والصدق ، والطمأنينة ، والمراقبة والمحبة ، والمشاهدة ، فيكون ~~حينئذ آية مبصرة واضحة ، من آيات الله ، يدل على الله ، ويدعو إليه على ~~بصيرة منه. فمن جحدها انخرط في سلك من قال تعالى في حقه : {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا...} الآية. # جزء : 5 رقم الصفحة : 201 PageV05P310 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا داود وسليمان علما} أي : أعطينا كل واحد ~~منهما طائفة خاصة به من علم الشرائع والأحكام ، وغير ذلك مما يختص به كل ~~واحد منهما ، كصنعة الدروع ، ومنطق الطير. أو : علما لدنيا. {وقالا} أي : ~~كل واحد منهما ، شكرا لما أوتيه من العلم : {الحمد لله الذي فضلنا} بما ~~آتانا من العلم {على كثير من عباده المؤمنين}. قال النسفي : وهنا محذوف ، ~~ليصلح عطف الواو عليه ، ولولا تقدير المحذوف لكان الوجه : الفاء ، كقولك : ~~أعطيته فشكر ، وتقديره : آتيناهما علما ، فعملا به ، وعرفا حق النعمة فيه ، ~~وقالا : {الحمد لله الذي فضلنا على كثير}. والكثير المفضل عليه : من لم يؤت ~~علما ، أو : من لم يؤت مثل علمهما. وفيه : أنهما فضلا على كثير ، وفضل ~~عليهما كثير. # وفي الآية دليل على شرف العلم ، وتقدم حملته وأهله ، وأن نعمة العلم من ~~أجل النعم ، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من عباده ، وما سماهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم في الشرف ~~والمنزلة ؛ لأنهم القوام بما بعثوا من أجله. وفيها : أنه يلزمهم لهذه ~~النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله تعالى على ما أوتوه ، وأن يعتقد العالم أنه ~~إذا فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم. وما أحسن قول عمر رضي الله عنه : (كل ~~الناس أفقه من عمر). ه. # والعلماء ms2025 على قسمين : علماء بالله وعلماء بأحكام الله. فالعلماء بالله هم ~~العارفون به ، أهل الشهود والعيان. وهم أهل علم الباطن ، أعني علم القلوب ، ~~والعلماء بأحكام الله هم علماء الشرائع والنوازل. وحيث انتهت درجة العلماء ~~بأحكام الله ابتدئت درجة العلماء بالله. فنهاية علماء الظاهر بداية علماء ~~الباطن ؛ لأن علم أهل الظاهر جله ظني ، وعلم أهل الباطن عياني ، ذوقي ، ~~وليس الخبر كالعيان ، مع ما فاقوهم به من # 202 PageV05P311 ~~المجاهدة والمكابدة ، ومقاساة مخالفة النفوس ، وقطع المقامات ، حتى ماتوا ~~موتات ، ثم حييت أرواحهم ، فشاهدوا من الأنوار والأسرار ما تعجز عنه العقول ~~، وتكل عنه النقول. # جزء : 5 رقم الصفحة : 202 # ثم قال تعالى : {وورث سليمان داود}. ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه ~~وكانوا تسعة عشر. ووراثته للنبوة : انتقالها إليه بعد أبيه ، وإلا فالنبوة ~~لا تورث. {وقال يا أيها الناس علمنا منطلق الطير} تشهيرا لنعمة الله ، ~~واعترافا بمكانها ، ودعاء للناس إلى تصديقه بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير. # والمنطق : كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف ، والمفيد وغير المفيد. وكان ~~سليمان عليه السلام يفهم عنها كما يفهم بعضها بعضا. يحكى أنه مر على بلبل ~~على شجرة ، يحرك رأسه ، ويميل ذنبه ، فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول ؟ ~~قالوا : الله ونبيه أعلم ، قال يقول : إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا ~~العفاء. وصاحت فاختة ، فأخبر أنها تقول : ليت ذا الخلق لم يخلقوا ، وصاح ~~طاووس ، فقال : يقول : كما تدين تدان ، وصاح هدهد ، فقال : يقول : من لا ~~يرحم لا يرحم ، وصاح صرد - وهو طائر ضخم الرأس - فقال : يقول : استغفروا ~~الله يا مذنبين ، وصاح طيطوى ، فقال : يقول : كل حي ميت ، وكل جديد بال. ~~وصاح خطاف ، فقال : يقول : قدموا خيرا تجدوه. وصاح قمري ، فأخبر أنه يقول : ~~سبحان ربي الأعلى. وصاحت رخمة ، فقال : إنها تقول سبحان ربي الأعلى ملء ~~أرضه وسمائه. PageV05P312 # وفي رواية : هدرت حمامة ، فقال : إنها تقول : سبحان ربي الأعلى - مثل ~~الرخمة - وقال : الغراب يدعو على العشار. والحدأة تقول : كل شيء هالك إلا ~~وجهه. والقطاة تقول : من سكت سلم ، والببغاء تقول : ويل لمن ms2026 الدنيا همه ، ~~والديك يقول : اذكروا الله يا غافلين ، والنسر يقول : يا ابن آدم ؛ عش ما ~~شئت ، آخرك الموت. والعقاب يقول : في البعد من الناس أنس. والضفدع تقول : ~~سبحان ربي القدوس. والبازي يقول : سبحان ربي وبحمده ، المذكور في كل مكان. ~~والدراج يقول : الرحمن على العرش استوى. # 203 # والقنب يقول : إلهي ؛ العن مبغض آل محمد ، عليه الصلاة والسلام. # وقيل : إن سليمان كان يفهم صوت الحيوانات كلها ، وإنما خض الطير ؛ لأنه ~~معظم جنده. # ثم قال : {وأوتينا من كل شيء} أي : ما نحتاج إليه. والمراد به كثرة ما ~~أوتي ، كما تقول : فلان يقصده كل أحد ، ويعلم كل شيء ، كناية عن كثرة علمه. ~~{إن هذا لهو الفضل} والإحسان من الله تعالى {المبين} أي : الواضح ، الذي لا ~~يخفى على أحد ، أو : إن هذا الفضل الذي أوتيته هو الفضل المبين. على أنه ~~عليه السلام قاله على سبيل الشكر والمحمدة. كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " أي : أقول هذا القول شكرا ، لا ~~فخرا ، والنون في (علمنا) و(أوتينا) نون الواحد المطاع ، وكان حينئذ ملكا ، ~~فكلم أهل طاعته على الحالة التي كان عليها ، وليس فيه تكبر ولا فخر ؛ لعصمة ~~الأنبياء من ذلك. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 202 PageV05P313 ~~الإشارة : أشرف العلوم وأعظمها وأعزها العلم بالله ، على سبيل الذوق والكشف ~~والوجدان ، ولا يكون إلا من طريق التربية على يد شيخ كامل ؛ لأنه إذا حصل ~~هذا العلم أغنى عن العلوم كلها ، وصغرت في جانبه ، حتى إن صاحب العلم بالله ~~يعد الاشتغال بطلب علم الرسوم بطالة وانحطاطا ، ومثله كمن عنده قناطير من ~~الفضة ، ثم وجد جبلا من الإكسير ، فهل يلتفت صاحب الإكسير إلى الفضة أو ~~الفلوس ؟ لأن من كانت أوقاته كلها مشاهدة ونظرا لوجه الملك ، كيف يلتفت إلى ~~شيء سواه ، ولذلك قال الجنيد رضي الله عنه : لو نعلم تحت أديم السماء أشرف ~~من هذا العلم ، الذي نتكلم فيه مع أصحابنا ، لسعيت إليه. ه. وقال شيخ ~~شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن العارف : كنت أعرف أربعة ms2027 عشر علما ، فما أدركت ~~علم الحقيقة ، سرطت ذلك كله ، ولم يبق إلا التفسير والحديث ، نتكلم فيه مع ~~أصحابنا. أو قريبا من هذا الكلام. وقال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن ~~المجذوب رضي الله عنه : # أقارئين علم التوحيد # هنا البحور إلي تنبي # هذا مقام أهل التجريد # الواقفين مع ربي # وهذا أمر بين عند أهل هذا الفن ، وقال الورتجبي : العلم علمان : علم ~~البيان وعلم العيان. علم البيان ما يكون بالوسائط الشرعية ، وعلم العيان ~~مستفاد من الكشوفات الغيبية. ثم قال : فالعلم البياني معروف بين العموم ، ~~والعلم العياني مشهور بين الخصوص ، لم يطلع عليه إلا نبي أو ولي ، لأنه صدر ~~من الحق لأهل شهوده ، من المحبين العارفين والموحدين والصديقين ، والأنبياء ~~والمرسلين ، انظر بقية كلامه. # 204 PageV05P314 ~~وقال أيضا في قوله : {علمنا منطق الطير} : أفهم أن أصوات الطيور والوحوش ~~وحركات الأكوان جميعا هي خطابات من الله عز وجل للأنبياء والمرسلين ، ~~والعارفين والصديقين ، يفهمونها من حيث أحوالهم ومقاماتهم. فللأنبياء ~~والمرسلين علم بمناطقها قطعيا. ويمكن أن يقع ذلك بوحي ، لكن أكثر فهوم ~~الأنبياء أنهم يفهمون من أصواتها ما يتعلق بحالهم ، بما يقع في قلوبهم من ~~إلهام الله ، لا بأنهم يعرفون لغاتهم بعينها. ه. قلت : وكذلك الأولياء ~~يفهمون عنها ما يليق بمقاماتهم ، من ألفاظ ، أو أنس ، أو إعلام ، أو غير ~~ذلك. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 202 # قلت : {قالت نملة} : التاء للوحدة ، لا للتأنيث. قال الرضي : تكون التاء ~~للفرق بين المذكر والمؤنث ، وتكون لآحاد الجنس ، كنحلة ونحل ، وثمرة وثمر ، ~~وبطة وبط ، ونملة ونمل ، فيجوز أن تكون النملة مذكرا ، والتاء للوحدة ، ~~وأنث الفعل باعتبار تأنيث اللفظ. ه. مختصرا. و(لا يحطمنكم) : يحتمل أن يكون ~~جوابا للأمر ، أو : نهيا بدلا من الأمر ؛ لتقارب المعنى ؛ لأن الأمر بالشيء ~~نهي عن ضده. والضد ينشأ عنه الحطم ، فلا : ناهية ، ومثله الحديث : " فليمسك ~~بنصالها ، لا يعقر مسلما " ه. # يقول الحق جل جلاله : {وحشر لسليمان} أي : جمع له {جنوده من الجن والإنس ~~والطير} بمباشرة مخاطبيه ، فإنهم رؤساء مملكته ، وعظماء دولته ، من الثقلين ~~وغيرهم. وتقديم الجن على ms2028 الإنس للإيذان بكمال قوة ملكه وعزة سلطانه ؛ لأن ~~الجن طائفة عاتية ، وقبيلة طاغية ، ماردة ، بعيدة من الحشر والتسخير ، {فهم ~~يوزعون} أي : يحبس أوائلهم على أواخرهم ، أي : يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم ~~الثواني ، فيكونوا مجتمعين ، لا يختلف منهم أحد ، وذلك لكثرة العظمة ~~والقهرية. PageV05P315 # قال قتادة : فكان لكل صنف منهم وزعة. أو : لترتيب الصفوف ، كما هو المعتاد ~~في العساكر. والوزع : المنع ، ومنه قول الحسن البصري ، حين ولي القضاء : ~~(لا بد للحاكم من وزعة) أي : شرط يمنعون الناس من الظلم. وتخصيص حبس ~~أوائلهم بالذكر ، دون سوق أواخرهم ، مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضا : لأن ~~أواخرهم غير قادرين على ما # 205 # يقدر عليه أوائلهم من السير السريع ، وهذا إن لم يكن سيرهم بتسيير الريح ~~في الجو. قال محمد بن كعب : كان عسكر سليمان مائة فرسخ ، خمسة وعشرون للجن ~~، وخمسة وعشرون للإنس ، وخمسة وعشرون للطير ، وخمسة وعشرون للوحش. وكان له ~~ألف بيت من قوارير على الخشب ، فيها ثلاثمائة منكوحة ، وسبعمائة سرية. وقد ~~نسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم ، فرسخا في فرسخ ، وكان يوضع منبره في ~~وسطه ، وهو من ذهب ، فيقعد عليه ، وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة ، ~~فتقعد الأنبياء - عليهم السلام - على كراسي الذهب ، والعلماء على كراسي ~~الفضة ، وحولهم الناس ، وحول الناس الجن والشياطين ، وتظله الطير بأجنحتها ~~، حتى لا تقع عليه الشمس ، وترفع ريح الصبا البساط ، فتسير به مسيرة شهر ، ~~من الصباح إلى الرواح. # جزء : 5 رقم الصفحة : 205 # وروي أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ، ويأمر الرخاء تسيره ، فأوحى الله ~~تعالى إليه ، وهو يسير بين السماء والأرض : إني زدت في ملكك أنه لا يتكلم ~~أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك. قال وهب : حدثني أبي : أن سليمان مر ~~بحراث ، فقال : لقد أوتي آل داود ملكا عظيما ، فالتفت ونزل إلى الحراث ، ~~فقال : إني سمعت قولك ، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ، ~~لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك مما أوتي آل داود. ه. PageV05P316 # {حتى إذا أتوا على واد النمل} أي ms2029 : فساروا حتى بلغوا وداي النمل ، وهو واد ~~بالشام ، كثير النمل ، قاله مقاتل. أو : بالطائف ، قاله كعب. وقيل : هو واد ~~يسكنه الجن ، والنمل مراكبهم. وعدي الفعل ب " على " ؛ لأن إتيانهم كان من ~~فوق ، فأتى بحرف الاستعلاء. ولعلهم أرادوا أن ينزلوا بأعلى الوادي ؛ إذ ~~حينئذ يخافهم من في الأرض ، لا عند سيرهم في الهواء. وجواب (إذ) قوله : ~~{قالت نملة} ، وكأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت منهم ، فصاحت صيحة ~~، فنبهت بها ما بحضرتها من النمل. # قال كعب : مر سليمان عليه السلام بوادي السدير ، من أودية الطائف ، فأتى ~~على واد النمل ، فقالت نملة ، وهي تمشي ، وكانت عرجاء تتكاوس ، مثل الذئب ~~في العظم. قال الضحاك : كان اسم تلك النملة طاحية ، وقيل : منذرة ، وقيل : ~~جرمي. وقال نوف الحميري : كان نمل وادي سليمان أمثال الذباب. وعن قتادة : ~~أنه دخل الكوفة ، فالتف عليه الناس ، فقال : سلوني عما شئتم ، فسأله أبو ~~حنيفة ، وهو شاب ، عن نملة سليمان ، أكان ذكرا أو أنثى ؟ فأفحم ، فقال أبو ~~حنيفة : كانت أنثى ، فقيل له : بم عرفت ؟ فقال : قوله تعالى : {قالت نملة} ~~ولو كان ذكرا لقال : قال نملة. ه. قلت : وهو غير صحيح لما تقدم عن الرضي. # {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} لم يقل : ادخلن ؛ لأنه لما ~~جعلها قائلة ، والنمل مقولا لهم ، كما يكون من العقلاء ، أجرى خطابهن مجرى ~~ذوي العقل ، # 206 # {لا يحطمنكم} ؛ لا يكسرنكم. والحطم : الكسر ، وهو في الظاهر نهى لسليمان ~~عن الحطم ، وفي الحقيقة نهى لهم عن البروز والوقوف على طريقه ، نحو : لا ~~أرينك ها هنا ، أي : لا تتعرضوا فيكسرنكم {سليمان وجنوده} ، وقيل : أراد : ~~لا يحطمنكم جنود سليمان ، فجاء بما هو أبلغ. {وهم لا يشعرون} لا يعلمون ~~بمكانكم ، أي : لو شعروا ما فعلوا. قالت ذلك على وجه العذر ، واصفة سليمان ~~وجنوده بالعدل ، فحمل الريح قولها إلى سليمان على ثلاثة أميال. PageV05P317 # جزء : 5 رقم الصفحة : 205 # روي أن سليمان قال لها : لم حذرت النمل ، أخفت ظلمي ؟ أما علمت أني نبي ~~عدل ، فلم قلت : {لا يحطمنكم سليمان وجنوده} ؟ فقالت : أما سمعت ms2030 قولي : ~~{وهم لا يشعرون} ، مع أني لم أرد حطم النفوس ، وإنما أردت حطم القلوب ، ~~خشيت أن يتمنين ما أعطيت ، ويشغلن بالنظر إليك عن التسبيح ، فقال لها ~~سليمان : عظيني ، فقالت : هل علمت لم سمي أبوك داود ؟ قال : لا ، قالت : ~~لأنه داوى جرحه. هل تدري لم سميت سليمان ؟ قال : لا ، قالت : لأنك سليم ، ~~ما ركنت إلى ما أوتيت ، لسلامة صدرك ، وأنى لك أن تلحق أباك. ثم قالت : ~~اتدري لم سخر الله لك الريح ؟ قال : لا ، قالت : أخبرك الله أن الدنيا كلها ~~ريح. قال ابن عباس : ومن هنا " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعة ~~من الدواب : الهدهد ، والصرد ، والنحلة ، والنملة ". {فتبسم ضاحكا} ، معجبا ~~{من قولها} ومن حذرها ، واهتدائها لمصالحها ، ونصحها للنمل ، وفرحا بظهور ~~عدله. والتبسم : ابتداء الضحك ، وأكثر الضحك الأنبياء التبسم ، أي : فتبسم ~~ابتداء ، ضاحكا انتهاء. {وقال رب أوزعني} ، الإيزاع في الأصل : الكف ، أي : ~~كفني عن كل شيء إلا عن شكر نعمتك ، ويطلق على الإلهام ، أي : ألهمني {أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي} من النبوة والملك والعلم ، {وعلى والدي} ؛ لأن ~~الإنعام على الوالدين إنعام على الولد ، {و} ألهمني {أن أعمل صالحا ترضاه} ~~في بقية عمري ، {وأدخلني برحمتك} أي : وأدخلني الجنة برحمتك ، لا بصالح ~~عملي ؛ إذ لا يدخل الجنة إلا برحمتك كما في الحديث. {في عبادك الصالحين} أي ~~: في جملة أنبيائك المرسلين ، الذين صلحوا لحضرتك. أو : مع عبادك الصالحين. ~~روي أن النملة أحست بصوت الجنود ، ولم تعلم أنهم في الهواء فأمر سليمان ~~عليه السلام الريح ، فوقفت ؛ لئلا يذعرن ، حتى دخلن مساكنهن ، ثم دعا ~~بالدعوة. قاله النسفي. PageV05P318 # الإشارة : من أقبل بكليته على مولاه ، وأطاعه في كل شيء ، سخرت له الأكوان ~~، وأطاعته في كل شيء. ومن أعرض عن مولاه أعرض عنه كل شيء ، وصعب عليه كل # 207 # شيء. " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدته كانت الأكوان معك ~~". فإذا سخرت له الأشياء ، وزهد فيها ، وأعرض عنها ، واختار مقام العبودية ~~، ارتفع قدره ، ولم ينقص منه شيئا ، كحال نبينا - عليه السلام -. ومن سخرت ms2031 ~~له الأشياء ، ونظر إليها ، انتقص قدره ، وإن كان كريما على الله ، ولذلك ~~ورد في الخبر أن سليمان عليه السلام : هو آخر من يدخل الجنة من الأنبياء. ~~ذكره في القوت. # جزء : 5 رقم الصفحة : 205 # وذكر فيه أيضا : أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوما ثيابا رفيعة ، ثم ~~ركب على سريره ، فحملته الريح ، وسارت به ، فنظر إلى عطفيه نظرة ، فأنزلته ~~إلى الأرض ، فقال لها : لم أنزلتني ولم آمرك ؟ فقالت له : نطعيك إذا أطعت ~~الله ، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وتاب ، فحملته. وهذا مما يعتب ~~علىالمقربين ؛ لكبر مقامهم ، فكل نعيم في الدنيا ينقص في الآخرة. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 205 # يقول الحق جل جلاله : {وتفقد} سليمان {الطير} أي : تعرف أحوال الطير تعرف ~~الملك لمملكته ، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته ، والاهتمام بكل جزء ~~منها ، أو : تفقده لمعرفته بالماء ، أو لغير ذلك على ما يأتي. فلما تفقده ~~لم ير الهدهد فيما بينها. والتفقد : طلب ما غاب عنك. {فقال مالي لا أرى ~~الهدهد} أساتر ستره ؟ {أم كان من الغائبين} ، و" أم " : بمعنى " بل ". كأنه ~~قال : ما لي لا أراه ؟ ثم بدا له أنه غائب ، فأضرب عنه ، وقال : بل هو من ~~الغائبين. PageV05P319 # {لأعذبنه عذابا شديدا} ، قيل : كان عذابه للطير : نتفه ريشه وتشميسه ، أو : ~~يجعله مع أضداده في قفص ، أو : بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم : أضيق ~~السجون معاشرة الأضداد ، ومفارقة الأحباب. أو : نتفه ، وطرحه بين يدي النحل ~~تلدغه ، أو : النمل تأكله. وحل له تعذيب الهدهد لينزجر غيره ، ولما سخرت له ~~الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حل له التأديب. # 208 # {أو لأذبحنه} ؛ ليعتبر به أبناء جنسه ، {أو ليأتيني بسلطان مبين} ؛ بحجة ~~تبين عذره ، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين ، على تقدير عدم الثالث. ~~قال بعضهم : وسبب طلبته للهدهد ، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل : ~~كانت الطير تظله ، فأصابته لمعة من الشمس ، فنظر ، فرأى موضع الهدهد خاليا ~~، فتفقده ، وقيل : احتاج إلى الماء ، وكان علم ذلك إلى الهدهد ، فتفقده ، ~~فلم يجده ، فتوعده. PageV05P320 # والسبب فيه : أن سليمان ms2032 عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس ، عزم على ~~الخروج إلى أرض الحرم ، للحج ، فتجهز للمسير ، وخرج بجنوده - كما تقدم - ~~فبلغ الحرم ، وأقام به ، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة ، ويذبح ~~خمسة آلاف ثور ، وعشرين ألف شاة ، قربانا. وقال : إن هذا مكان يخرج منه نبي ~~عزيز ، صفته كذا وكذا ، يعطى النصر على جميع من ناوأه ، وتبلغ هيبته مسيرة ~~شهر ، القريب والبعيد في الحق عنده سواء ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، ~~دينه دين الحنيفية ، فطوبى لمن أدركه وآمن به ، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف ~~عام. ثم قضى نسكه ، وخرج نحو اليمن صباحا ، يؤم سهيلا ، فوافى صنعاء وقت ~~الزوال ، وذلك مسيرة شهر ، فرأى أرضا حسناء ، تزهو خضرتها ، فأحب النزول ~~بها ؛ ليصلي ، ويتغذى ، فطلبوا الماء فلم يجدوه ، وكان الهدهد دليله على ~~الماء ، كان يرى الماء من تحت الأرض ، كما نرى الماء في الزجاجة ، فينقر ~~الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في ~~عسكره ، إذا فقدوا واحدا بقي آخر ، قال : اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد ~~مخصوصا بمعرفة ذلك ، والله أعلم. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 208 # قال سعيد بن جبير : لما ذكر ابن عباس هذا الحديث : قال له نافع بن الأزرق ~~: كيف ينظر الماء تحت الأرض ، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه ؟ قال ابن عباس : ~~ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر. ه. قلت : ونافع هذا هو رأس الخوارج ~~والمعتزلة. PageV05P321 # فلما نزل سليمان ، قال الهدهد : إن سليمان قد اشتغل بالنزول ، فارتفع نحو ~~السماء ، ونظر طول الدنيا وعرضها ، ونظر يمينا وشمالا ، فرأى بستانا لبلقيس ~~فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير ". فقال ~~هدهد اليمن لهدهد سليمان : من أين أقبلت وأين تريد ؟ قال : أقبلت من الشام ~~، مع صاحبي سليمان بن داود ، قال : ومن سليمان ؟ قال : ملك الجن والإنس ~~والشياطين والطير والوحوش والرياح ، فمن أين أنت ؟ قال من هذه البلد ، ~~ملكها امرأة ، يقال لها " بلقيس " تحت يديها اثنا عشر ألف قائد ، تحت يد كل ~~قائد ms2033 مائة ألف مقاتل. فانطلق معه ، ونظر إلى بلقيس وملكها ، ورجع إلى ~~سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة ، فلم يجده ، وكان على ~~غير ماء. # قال ابن عباس : فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله ؟ ، فقال : ما أدري ~~أين هو ، فغضب سليمان وقال : (لأعذبنه...) إلخ ، ثم دعا بالعقاب ، سيد ~~الطير ، فقال : علي بالهدهد الساعة ، فرفع العقاب نفسه نحو السماء ، حتى ~~التزق بالهواء ، فنظر إلى الدنيا # 209 # كالقصعة بين يدي أحدكم ، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن ، فانقض ~~نحوه ، فقال له الهدهد : بحق الحق الذي قواك إلا ما رحمتني ، فقال : ويلك ، ~~إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر ، ~~وقالوا له : لقد توعدك نبي الله. قال : أو ما استثنى ؟ قالت : بلى ، قال : ~~{أو ليأتيني بسلطان مبين}. ثم دخل على سليمان ، فرفع رأسه ، وأرخى ذنبه ~~وجناحيه يجرهما على الأرض ، تواضعا لله ولسليمان ، فقال سليمان : أين كنت ؟ ~~لأعذبنك... فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه ، فمده إليه ، فقال له الهدهد : ~~يا نبي الله ؛ اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى ، بمنزلة وقوفي بين يديك ، ~~فارتعد سليمان وعفا عنه. وقال عكرمة : إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره ~~بوالديه ، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما. PageV05P322 # قال تعالى : {فمكث غير بعيد} أي : تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد ، وأرسل ~~من ورائه غير زمان بعيد ، وهو من الظهر إلى العصر - كما تقدم - أو : فمكث ~~الهدهد في غيبته غير بعيد ، خوفا من سليمان ، فالضمير إما لسليمان ، أو : ~~للهدهد ، وهو الظاهر ، ويرجحه قراءة : (فتمكث). وفي " مكث " لغتان : الضم ~~والفتح. # جزء : 5 رقم الصفحة : 208 # ولما قدم من غيبته ، أحضر بين يديه ، على الهيئة المتقدمة ، ثم سأله عن ~~غيبته ، {فقال أحطت بما لم تحط به} أي : أدركت علما لم تحط به أنت ، ألهم ~~الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام ، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم ~~الجمة ، ابتلاء له عليه السلام في علمه ، وتنبيها على أن في أدنى خلقه ، ~~اضعفهم من أحاطه الله علما بما ms2034 لم يحط به ؛ لتتصاغر إليه نفسه ، ويصغر في ~~عينه وعلمه ، في جانب علم الله ، رحمة به ولطفا في ترك الإعجاب ، الذي هو ~~فتنة العلماء. ثم قال : {وجئتك من سبأ} - بالصرف - اسما للحي ، أو : للأب ~~الأكبر ، وبعدمه اسما للقبيلة. {بنبأ يقين} ، والنبأ : الخبر الذي له شأن. ~~وقوله : {من سبأ بنبإ} من محاسن الكلام ويسمى البديع. وقد حسن وبرع لفظا ~~ومعنى ، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير ، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة. ~~وعبر عما جاء به بالنبأ ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير ، ووصفه بما ~~وصفه به. {وإني وجدت امرأة تملكهم} ؛ هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ ~~، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان ~~أبوها ملك أرض اليمن كلها ، ورث الملك من أربعين أبا. وقيل : كان أبوها - ~~اسمه الهدهاد - ملكا عظيم الشأن ، ملك أرض اليمن كلها ، وأبى أن يتزوج منهم ~~، فزوجوه امرأة من الجن ، يقال لها " ريحانة " فولدت له بلقيس ، ولم يكن له ~~ولد غيرها. # قال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كان أحد أبوي بلقيس ~~جنيا " فمات أبوها ، # 210 PageV05P323 ~~فاختلف قومه فرقتين ، وملكوا أمرهم رجلا قائما بسيرته ، حتى فجر بحرم رعيته ~~، فأدركت بلقيس الغيرة ، فعرضت عليه نفسها ، فتزوجته ، فسقته الخمر ، فسكر ~~، فجزت رأسه ، ونصبته على باب دارها فملكوها. # {وأوتيت من كل شيء} تحتاج إليه الملوك ، من العدة والآلة ، {ولها عرش ~~عظيم} : كبير ، قيل : كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين عرضا ، وقيل : كان ثمانين ~~ذراعا في ثمانين ، وطوله في الهواء : ثمانون. وكان من ذهب وفضة ، مرصعا ~~بأنواع الجواهر ، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ، ودر ، وزبرجد ، وعليه سبعة ~~أبيات ، في كل بيت باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان ، فلذلك ~~عظم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان ؛ لحكمة ، كما أخفى مكان ~~يوسف على يعقوب ، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية. # وكانت بلقيس مجوسية ، فلذلك قال : {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله} أي : يعبدونها متجاوزين عبادة الله. {وزين لهم ms2035 الشيطان أعمالهم} التي ~~هي عبادة الشمس ، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي ، {فصدهم عن السبيل} ؛ ~~عن سبيل الرشد والصواب ، وهو التوحيد {فهم لا يهتدون} إليه. ولا يبعد من ~~الهدهد التهدي إلى معرفة الله ، ووجوب السجود له ، وحرمة السجود للشمس ، ~~إلهاما من الله له ، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات والمعارف ~~اللطيفة ، التي لا يكاد العقلاء ، الراجحة العقول ، يهتدون إليها. وهذا من ~~أسرارالربوبية ، التي سرت في الأشياء ، فوحدت الله تعالى ، ولهجت بحمده. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 208 PageV05P324 ~~ألا يسجدوا} بالتشديد ، أي : فصدهم عن السبيل لئلا ، فحذف الجار ، أي : ~~لأجل ألا يسجدوا لله. ويجوز أن تكون " لا " مزيدة ، أي : فهم لا يهتدون إلى ~~أن يسجدوا. وقرئ : هلا يسجدون. ومن قرأ بالتخفيف. فالتقدير عنده : ألا يا ~~هؤلاء ؛ اسجدوا ، فألا للتنبيه ، والمنادي محذوف ، فمن شدد لم يقف على ~~{يهتدون} ، ومن خفف وقف ثم استأنف : ألا يا هؤلاء اسجدوا {لله الذي يخرج ~~الخبء} ؛ الشيء المخبوء المستور {في السماوات والأرض} ، قال قتادة : خبء ~~السموات : المطر ، وخبء الأرض : النبات. واللفظ أعم من ذلك ، {ويعلم ما ~~يخفون وما يعلنون} عطف على " يخرج " ، إشارة إلى أنه تعالى يخرج ما في ~~العالم الإنساني من الخفايا ، كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا. # {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} الذي هو أول الأجرام وأعظمهما. ~~ووصف الهدهد عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات ~~والأرض. وفي الخبر : " إن السموات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة " ~~ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. هذا آخر ~~كلام الهدهد. ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا ، وملؤوا الركايا ، والله ~~تعالى أعلم. # 211 PageV05P325 ~~الإشارة : هدهد كل إنسان نفسه ، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله ، في ~~أودية الغفلة ، هددها بالعذاب الشديد ، وبذبحها بأنواع المخالفة ، حتى ~~تأتيه بحجة واضحة ، تعذر بها ، فإن لم تأت بحجة عذبها وذبحها ، بإدخالها في ~~كل ما تكره ويثقل عليها ، فتمكث غير بعيد ، فتأتيه بالعلوم اللدنية ، ~~والأسرار الربانية ، التي لم يحط ms2036 بها علما قبل ذلك ، وتجيئه بالخبر اليقين ~~، في العلم بالله ، من عين اليقين ، أو حق اليقين ، فتخبره عن أحوال عامة ~~أهل الحجاب ، فتقول : إني وجدت إمرأة تملكهم ، وهي نفسهم الأمارة ، وأوتيت ~~من كل شيء تشتهيه وتهواه ، من غير وازع ولا قامع ، ولها عرش عظيم ، وهو ~~سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو : لها تسلط كبير على من ~~ملكته ، وجدتها وقومها يسجدون للسوى ، ويخضعون للهوى من دون الله ، وزين ~~لهم الشيطان ذلك ، فصدهم عن طريق الوصول ، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى ~~الحضرة أبدا ما داموا كذلك ؛ لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه ~~مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده ، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار ~~، وعلى ما يسرون من الإخلاص ، وما يعلنون من الأعمال ، التي توجب الاختصاص. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 208 PageV05P326 ~~يقول الحق جل جلاله : {قال} سليمان للهدهد : {سننظر} أي : نتأمل فيما أخبرت ~~، فتعلم {أصدقت أم كنت من الكاذبين} ، وهو أبلغ من : أكذبت ؛ لأنه إذا كان ~~معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا ، لا محالة ، وإذا كان كاذبا ~~اتهم فيما أخبر به ، فلا يوثق به ، ثم كتب : من عبد الله ، سليمان بن داود ~~، إلى بلقيس ملكة سبأ ؛ بسم الله الرحمن الرحيم ، السلام على من اتبع الهدى ~~، أما بعد : فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال منصور : كان سليمان أبلغ ~~الناس في كتابه ، وأقلهم كلاما فيه. ثم قرأ : {إنه من سليمان...} إلخ ، ~~والأنبياء كلهم كذلك ، كانت تكتب جملا ، لا يطيلون ولا يكثرون. وقال ابن ~~جريج : لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى : {إنه من سليمان...} إلخ. ثم ~~طيبه بالمسك ، وختمه بخاتمه ، وقال للهدهد : {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم} ~~أي : إلى بلقيس وقومها ؛ لأنه ذكرهم معها في قوله : {وجدتها وقومها} ، وبنى الخطاب # 212 # على لفظ الجمع لذلك. {ثم تول عنهم} أي : تنح عنهم إلى مكان قريب ، بحيث ~~تراهم ولا يرونك ، ليكون ما يقولون بمسمع منك ، {فانظر ماذا يرجعون} أي : ~~ما الذي يردون من الجواب ، أو : ماذا ms2037 يرجع بعضهم إلى بعض من القول. # فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره ، ودخل عليها من كوة ، فطرح الكتاب على نحرها ~~، وهي راقدة ، وتوارى في الكوة. وقيل : نقرها ، فانتبهت فزعة ، أو : أتاها ~~الجنود حولها ، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم ، ثم طرح الكتاب في حجرها ، ~~وكانت قارئة ، فلما رأت الخاتم {قالت} لأشرف قومها وهي خائفة : {يا أيها ~~الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم} ، وصفته بالكرم لكرم مضمونه ؛ إذ هو حق ، أو ~~: لأنه من ملك كريم ، أو : لكونه مختوما. قال - عليه الصلاة والسلام - : " ~~كرم الكتاب ختمه " أو : لكونه مصدرا بالتسمية ، أو : لغرابة شأنه ، ووصوله ~~إليها على وجه خرق العادة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 212 PageV05P327 ~~ومضمونه والمكتوب فيه : {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} ، ~~وهذا تبيين لما ألقي إليها ، كأنها لما قالت : {ألقي إلي كتاب كريم} قيل ~~لها : ممن هو وما هو ؟ فقالت : {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ~~ألا تعلوا علي} ، " إن " : مفسرة ، أي : لا تترفعوا علي ولا تتكبروا ، كما ~~يفعل جبابرة الملوك ، {وأتوني مسلمين} : مؤمنين ، أو : منقادين ، وليس فيه ~~الأمر بالإسلام. وقيل : إقامة الحجة على رسالته ؛ لأن إلقاء الكتاب على تلك ~~الصفة معجزة باهرة. # {قالت يا أيها الملا} ، كررت حكاية قولها إيذانا بغاية اعتنائها بما في ~~حيزه : {أفتوني في أمري} أي : أجيبوني في أمري ، الذي حزبني وذكرته لكم ، ~~وعبرت عن الجواب بالفتوى ، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالبا ؛ ~~تهويلا للأمر ، ورفعا لمحلهم ، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات ~~الملمة. ثم قالت : {ما كنت قاطعة أمرا} من الأمور المتعلقة بالمملكة {حتى ~~تشهدون} بكسر النون ، ولا يصح الفتح ؛ لأنه يحذف للناصب. وأصله : تشهدونني ~~، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية ، أي : تحضروني ، وتشهدوا أنه على ~~صواب ، أي : لا أقطع أمرا إلا بمحضركم. وقيل : كان أهل مشورتها ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر رجلا ، كل واحد على عشرة آلاف. # {قالوا} في جوابها : {نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} أي : نجدة وشجاعة ، ~~فأرادوا بالقوة : قوة الأجساد والآلات ، وبالبأس : النجدة والبلاء في ~~الحرب. {والأمر إليك} أي : هو موكل ms2038 إليك {فانظري ماذا تأمرين} ، فنحن ~~مطيعون إليك ، فمرينا بأمرك ، نمتثل أمرك ، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها ~~بالقتال ، أو أرادوا : من أبناء الحرب ، لا من أبناء الرأي والمشهورة ، ~~وأنت ذات الرأي والتدبير ، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك. # 213 PageV05P328 ~~فلما أحسنت منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة ، فزيفت رأيهم ، حيث ~~{قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية} على منهاج المقاتلة والحرب ، أو عنوة ~~وقهرا {أفسدوها} بتخريب عمارتها ، وإتلاف ما فيها من الأموال ، {وجعلوا ~~أعزة أهلها أذلة} بالقتل والاسر والإجلاء ، وغير ذلك من فنون الإهانة ؛ ~~ليستقيم لهم ملكهم وحدهم. ثم قالت : {وكذلك يفعلون} أي : وهذه عادتهم ~~المستمرة التي لاتتغير ، لأنها كانت في بيت المملكة قديما ، أبا عن أب ، ~~فجربت الأمور ، أو : يكون من قول الله تعالى ، تصديقا لقولها ، أي : قال ~~الله تعالى : وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا ~~المعنى : # جزء : 5 رقم الصفحة : 212 # إن الملوك بلاء حيثما حلوا # فلا يكن بك في أكنافهم ظل # ماذا يؤمل من قوم إذا غضبوا # جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا # وإن صدقتهم خالوك تخدعهم # واستثقلوك كما يستثقل الكل # فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا # إن الوقوف على أبوابهم ذل # ففي صحبة الملوك خطير كبير ، وتعب عظيم ، فمن قوي نوره ، حتى يغلب على ~~ظلمتهم ، بحيث يتصرف فيهم ، ولا يتصرفون فيه ، فلا بأس بمعرفتهم ، إن كان ~~فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة ، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو حسن ~~الشاذلي ، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي - رضي الله عنهما - وكان ~~تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي ، وشيخنا سيدي محمد البوزيدي الحسني - ~~رضي الله عنهما - يفران من صحبتهم ، أشد الفرار وهو أسلم. والله تعالى أعلم. PageV05P329 # الإشارة : قال صاحب الخصوصية لنفسه : سننظر أصدقت في الخصوصية أم أنت من ~~الكاذبين ، اذهب بما معك من العلم ، وذكر به عباد الله ، وألقه إليهم ، ثم ~~تول عنهم ، وانظر ماذا يرجعون ، فإن تأثروا بوعظك ، وانتقش فيهم قولك ، ~~فأنت صادقة في ثبوت الخصوصية لديك ؛ لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع ~~كلامهم في قلوب العباد ، فحييت ms2039 به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت ~~كلامه الآذان. قالت حين أرادت التذكير : يا أيها الملا إني ألقي إلي في ~~قلبي كتاب كريم ، وعلم عظيم ، فلا تعل علي وأتوني مسلمين ، منقادين لما ~~آمركم به ، وقالت - لما تطهرت من الأكدار ، وتحررت من الأغيار ، وأحدقت بها ~~جنود الأنوار : يا أيها الملأ - تعني جنود الأنوار - أفتوني في أمري الذي ~~أريد ان أفعله ، ما كنت قاطعة أمرا من الأمور ، التي تتجلى في القلب ، حتى ~~تشهدون ، وتشهدوا أنه رشد وحق ، قالو : نحن أولو قوة وأولو بأس شديد ، ~~والأمر إليك ، حيث تطهرت ، فانظري ماذا تأمرين ؛ لأن النفس إذا تزكت وتخلصت ~~وجب تصديقها فيما تهتم به ، قالت : إن الملوك - أي : الواردات الإلهية التي ~~تأتي من حضرة القهار ، إذا دخلوا # 214 # قرية ، أي : قلب نفس ، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب ، وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة ، أي : أبدلوا عزها ذلا ، وجاهها خمولا ، وغناها من الدنيا فقرا ~~، وكذلك يفعلون. # وفي الحكم العطائية : " متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد ~~لديك ، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون ". فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب ، قال في ~~الحكم : " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته ، فليس المراد من السحابة الأمطار ~~، وإنما المراد منها وجود الأثمار ". وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 212 PageV05P330 ~~يقول الحق جل جلاله : في حكاية بلقيس - وكانت سيسة ، قد سيست وساست ، فقالت ~~لقومها : {وإني مرسلة إليهم} ؛ سليمان وقومه ، {بهدية} أصانعه بذلك عن ملكي ~~، وأختبره ، أملك هو أم نبي ؟ {فناظرة} ؛ فمنتظرة {بم يرجع المرسلون} ؛ بأي ~~شيء يرجعون ، بقبولها أم بردها ؛ لأنها عرفت عادة الملوك ، وحسن موقع ~~الهدايا عندهم ، فإن كان ملكا قبلها وانصرف. وإن كان نبيا ردها ولم يقبل ~~منا إلا أن نتبعه على دينه ، فبعثت خمسمائة غلام ، عليهم ثياب الجواري ~~وحليهن ، راكبين خيلا ، مغشاة بالديباج ، محلاة اللجم والسروج بالذهب ~~المرصع بالجوهر ، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان ، وألف لبنة من ~~ذهب وفضة ، وتاجا مكللا بالدر والياقوت ، وحقا فيه درة عذراء ، وخرزة ms2040 جزعية ~~مثقوبة ، معوجة الثقب ، وأرسلت رسلا ، وأمرت عليهم المنذر بن عمرو ، وكتبت ~~كتابا فيه نسخة الهدية. وقالت فيه : إذ كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف ~~، وأخبر بما في الحق ، واثقب الدرة ثقبا مستويا ، واسلك في الخرزة خيطا. ثم ~~قالت للمنذر : إن نظر إليك نظر غضب فهو ملك ، فلا يهولنك منظره ، وإن رأيته ~~لينا لطيفا فهو نبي. # فأقبل الهدهد ، فأخبر سليمان الخبر كله ، فأمر سليمان الجن فضربوا لبنات ~~الذهب والفضة ، وفرشوها في الميدان بين يديه ، طوله سبعة فراسخ ، وجعلوا ~~حول الميدان حائطا ، شرفه من الذهب والفضة ، وأمر بأحسن الدواب في البر ~~والبحر ، فربطوها عن يمين الميدان ويساره ، على اللبنات. وأمر بأولاد الجن ~~- وهم خلق كثير - فأقيموا عن اليمين واليسار ، ثم قعد على سريره ، والكراسي ~~من جانبيه ، واصطفت الشياطين صفوفا # 215 # فراسخ ، والإنس صفوفا فراسخ ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك ، ~~فلما دنا القوم ، ونظروا ، بهتوا ، ورأوا الدواب تروث على اللبن ، فتقاصرت ~~إليهم أنفسهم ، ورموا بما معهم من الهدايا. PageV05P331 # ولما وقفوا بين يديه ، نظر إليهم سليمان بوجه طلق ، فأعطوه كتاب الملكة ، ~~فنظر فيه ، فقال : أين الحق ؟ فأتى به ، فحركه ، وأخبره جبريل عليه السلام ~~بما فيه. فقال لهم : إن كان فيه كذا وكذا. ثم أمر بالأرضة فأخذت شعرة ، ~~ونفذت في الدرة ، فجعل رزقها في الشجر. وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ، ~~ونفذت في ثقب الجزعة ، فجعل رزقها في الفواكه. ودعا بالماء ، وأمرهم أن ~~يغسلوا وجوههم وأيديهم ، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ~~، ثم تضرب به وجهها ، والغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه فيميزهم بذلك. ~~ثم رد الهدية. # جزء : 5 رقم الصفحة : 215 # ذلك قوله تعالى : {فلما جاء سليمان} أي : جاء رسولها المنذر بن عمرو إليه ~~{قال أتمدونن بمال} ، توبيخ وإنكار لإمدادهم إياه بالمال ، مع علو شأنه ~~وسعة سلطانه. والتنكير للتحقير ، والخطاب للرسول ومن معه ، أو للرسول ~~والمرسل تغليب للحاضر. {فما آتاني الله} من النبوة والملك الذي لا غاية ~~وراءه {خير مما آتاكم} أي : من المال الذي من جملته ما جئتم به ، فلا ms2041 حاجة ~~لي إلى هديتكم ، ولا وقع لها عندي ، ولعله عليه السلام إنما قال لهم هذه ~~المقالة... إلخ بعد ما جرى بينه وبينهم ما حكي من قصة الحق وغيرها ، لا أنه ~~عليه السلام خاطبهم بها أول ما جاؤوه. PageV05P332 # ثم قال لهم : {بل أنتم بهديتكم تفرحون}. الهدية : اسم للمهدى ، كما أن ~~العطية اسم للمعطى ، فتضاف إلى المهدي والمهدى له. والمعنى : أن ما عندي ~~خير مما عندكم ، وذلك أن الله تعالى آتاني الدين والمعرفة به ، التي هي ~~الغنى الأكبر ، والحظ الأوفر ، وأتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه ، فكيف ~~يرضى مثلي بأن يمد بمال من قبلكم ؟ بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من ~~الحياة الدنيا ، فلذلك تفرحون بما تزدادون ويهدى إليكم ؛ لأن ذلك مبلغ ~~همتكم ، وحالي خلاف ذلكم ، فلا أرضى منكم بشيء ، ولا أفرح إلا بالإيمان ~~منكم ، وترك ما أنتم عليه من المجوسية. والإضراب راجع إلى معنى ما تقدم ، ~~كأنه قيل : أنا لا أفرح بما تمدونني به بل أنتم. # ثم قال للرسول : {ارجع إليهم} ؛ إلى بلقيس وقومها ، وقل لهم : {فلنأتينهم ~~بجنود لا قبل} : لا طاقة {لهم بها}. وحقيقة القبل : المقابلة والمقاومة ، ~~أي : لا يقدرون أن يقابلوهم ، {ولنخرجنهم منها} أي : من سبأ {أذلة وهم ~~صاغرون} : أسارى مهانون. فالذل : أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك ~~، والصغار : أن يبقوا في أسر واستعباد. فلما رجع إليها رسولها بالهدايا ، ~~وقص عليها القصة ، قالت : هو نبي ، وما لنا به طاقة. ثم تجهزت للقائه ، على ~~ما يأتي إن شاء الله. # 216 # الإشارة : إذا توجه المريد إلى مولاه ، توجهت إليه نفسه بأجنادها ، وهي ~~الدنيا ، والجاه ، والرئاسة ، والحظوظ ، والشهوات ، فتمده أولا بمال وجاه ، ~~تختبره ، فإن علت همته ، وقويت عزيمته ، أعرض عن ذلك وأنكره ، وقال : ~~أتمدونني بمال حقير ، وجاه صغير ، فلما آتاني الله من معرفته والغنى به خير ~~مما آتاكم. ثم يقول للوارد بذلك : ارجع إليهم - أي : للنفس وجنودها - ~~فلنأتينهم بجنود من الأنوار لا قبل لهم بها ، ولنخرجنهم منها - أي : قرية ~~القلب - أذلة وهم صاغرون. والله تعالى أعلم بأسرار ms2042 كتابه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 215 PageV05P333 ~~ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان ، جعلت عرشها آخر سبعة أبيات ، وغلقت ~~الأبواب ، وجعلت عليه حراسا يحفظونه ، وبعثت إلى سليمان : إني قادمة إليك ؛ ~~لأنظر ما الذي تدعو إليه ، وشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل ، تحت كل قيل ~~ألوف ، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان ، {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} ، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى ~~به ، من إجراء العجائب على يده ، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى ، ~~وعلى ما يشهد لنبوة سليمان. أو : أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام ، ~~فلا يحل له ، والأول أليق بمنصب النبوة ، أو : أراد أن يختبرها في عقلها ، ~~بتغييره ، هل تعرفه أو تنكره. # {فال عفريت من الجن} ، وهو المارد الخبيث ، واسمه " ذكوان " ، أو : " صخر ~~" : {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} أي : من مجلسك إلى الحكومة ، وكان ~~يجلس إلى تسع النهار ، وقيل : إلى نصفه. {وإني عليه} ؛ على حمله {لقوي ~~أمين} ، آتي به على ما # 217 # هو عليه ، لا أغير منه شيئا ولا أبدله ، فقال سليمان عليه السلام ، أريد ~~أعجل من هذا ، {قال الذي عنده علم من الكتاب}. قيل هو : آصف بن برخيا - ~~وزير سليمان عليه السلام ، كان عنده اسم الله الأعظم ، الذي إذا سئل به ~~أجاب. قيل هو : يا حي يا قيوم ، أو : يا ذا الجلال والإكرام ، أو : يا ~~إلهنا وإله كل شيء ، إلها واحدا ، لا إله إلا أنت. وليس الشأن معرفة الاسم ~~، إنما الشأن أن يكون عين الاسم ، أي : عين مسمى الاسم ، حتى يكون أمره ~~بأمر الله. وقيل : هو الخضر ، أو : جبريل ، أو : ملك بيده كتاب المقادير ، ~~أرسل تعالى عند قول العفريت. والأول أشهر. قال : {أنا آتيك به قبل أن يرتذ ~~إليك طرفك} أي : ترسل طرفك إلى شيء ، فقبل أن ترده تبصر العرش بين يديك. # جزء : 5 رقم الصفحة : 217 PageV05P334 ~~روي : أن آصف قال لسليمان : مد عينيك حتى ينتهي طرفك ، فمد عينيه ، فنظر ~~نحو اليمن ms2043 ، فدعا آصف ، فغار العرش في مكانه ، ثم نبع عند مجلس سليمان ، ~~بقدرة الله تعالى ، قبل أن يرجع إليه طرفه. {فما رآه} أي : العرش {مستقرا ~~عنده} ؛ ثابتا لديه غير مضطرب ، {قال هذا} أي : حصول مرادي ، وهو حضور ~~العرش في مدة قليلة ، {من فضل ربي} علي ، وإحسانه إلي ، بلا استحقاق مني ، ~~بل هو فضل خال من العوض ، {ليبلوني} : ليختبرني {أأشكر} نعمه {أم أكفر ومن ~~شكر فإنما يشكر لنفسه} ؛ لأنه يقيد به محصولها ، ويستجلب به مفقودها ، ويحط ~~عن ذمته عناء الواجب ، ويتخلص من وصمة الكفران. {ومن كفر فإن ربي غني كريم} ~~أي : ومن كفر بترك الشكر ، فإن ربي غني عن شكره ، كريم بترك تعجيل العقوبة ~~إليه. وفي الخبر : " من شكر النعم فقد قيدها بعقالها ، ومن لم يشكر فقد ~~تعرض لزوالها ". وقال الواسطي : ما كان منا من الشكر فهو لنا ، وما كان منه ~~من النعمة فهو إلينا ، وله المنة والفضل علينا. ه. # {قال} سليمان عليه السلام لأصحابه : {نكروا لها عرشها} أي : غيروا هيئته ~~بوجه من الوجوه ، {ننظر أتهتدي} لمعرفته ، أو : للجواب الصواب إذا سئلت عنه ~~، {أم تكون من الذين لا يهتدون} إلى معرفة عرشها. أو إلى الجواب الصواب. PageV05P335 # {فلما جاءت} بلقيس سليمان عليه السلام ، وقد كان العرش بين يديه ، {قيل} من ~~جهة سليمان ، أو بواسطة : {أهكذا عرشك} ؟ ولم يقل : أهذا عرشك ؛ لئلا يكون ~~تلقينا ، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها ، وقد قيل لسليمان - لما ~~أراد تزوجها - : إن في عقلها شيئا ، فاختبرها بذلك. {قالت} - لما رأته - : ~~{كأنه هو} فأجابت أحسن جواب ، فلم تقل : هو هو ، ولا : ليس به ، وذلك من ~~رجاحة عقلها ، حيث لم تقل : هو هو مع علمها بحقيقة الحال ، ولما شبهوا ~~عليها بقولهم : أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها : {كأنه هو} مع أنها علمت ~~بعرشها حقيقة ، تلويحا بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع ~~اتحاد الذات ، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه السلام. ولو قالوا : # 218 # أهذا عرشك ؟ لقالت : هو. # ثم قالت : {وأوتينا العلم} بقدرة الله تعالى ، وبصحبة نبوتك {من قبلها} ms2044 ؛ ~~من قبل هذا الأمر ، أي : من قبل المعجزة التي شاهدنا الآن ، من أمر الهدهد ~~، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك ، {وكنا مسلمين} ؛ ~~منقادين لك من ذلك الوقت ، وكأنها ظنت أنه أراد عليه السلام اختبار عقلها ، ~~وإظهار المعجزة ، لتؤمن به. فأظهرت أنها آمنت به قبل وصولها إليه. أو قال ~~سليمان : {وأوتينا العلم} بالله تعالى وبكمال قدرته من قبل هذه الآية ، ~~{وكنا مسلمين} ؛ موحدين ، أو : {وأوتينا العلم} بإسلامها ومجيئها طائعة {من ~~قبل} مجيئها ، {وكنا مسلمين} موحدين. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 217 PageV05P336 ~~وصدها ما كانت تعبد من دون الله} ، هو من كلام سليمان ، أي : وصدها عن ~~العلم بما علمناه - أو : عن التقدم إلى الإسلام - عبادة الشمس وإقامتها بين ~~ظهراني الكفرة ، أو : من كلام تعالى ، بيانا لما كان يمنعها من إظهار ما ~~ادعته من الإسلام الآن ، أي : صدها عن ذلك عبادتها القديمة للشمس ، {إنها ~~كانت من قوم كافرين} أي : كانت من قوم راسخين في الكفر ، ولذلك لم تكن ~~قادرة على إظهار إسلامها ، وهو بين ظهرانيهم ، حتى دخلت تحت ملكة سليمان ~~عليه السلام ، أو : وصدها الله تعالى ، أو : سليمان ، عما كانت تعبد من دون ~~الله ، فحذف الجار وأوصل الفعل. {قيل لها ادخلي الصرح} أي : القصر ، أو : ~~صحن الدار ، {فما رأته حسبته لجة} : ماء عظيما ، {وكشفت عن ساقيها}. روي أن ~~سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها ، فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض ~~، وأجرى من تحته الماء ، وألقى فيه السمك وغيره ، ووضع سريره في صدره ، ~~فجلس عليه ، وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ليزيدها استعظاما ~~لأمره ، وتحقيقا لنبوته. وقيل : إن الجن كرهوا أن يتزوجها ، فنفضي إليه ~~بأسرارهم ؛ لأنها كانت بنت جنية. وقيل : خافوا أن يولد له منها ولد ، ~~فيجتمع له فطنة الجن والإنس ، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك أشد منه ، ~~فقالوا له : إن في عقلها شيئا ، وهي شعراء الساقين ، ورجلها كحافر الحمار ، ~~فاحتبر عقلها بتنكير العرش ، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها فكشفت عنهما ~~، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما ، إلا ms2045 أنه شعراء وصرف يصره. ثم {قال} لها ~~{إنه صرح ممرد} ؛ مملس مستو. ومنه : الأمرد ، للذي لا شعر في وجهه ، {من ~~قوارير} ؛ من الزجاج ، وأراد سليمان تزوجها ، فكره شعرها ، فعملت له ~~الشياطين النورة ، فنكحها سليمان ، وأحبها ، وأقرها على ملكها ، وكان ~~يزورها في الشهر مرة ، فيقيم عندها ثلاثة ايام ، وولدت له ، وانقضى ملكها ~~بانقضاء ملك سليمان عليه السلام ، فسبحان من لا انقضاء لملكه. PageV05P337 # روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. ه. # ثم ذكر إسلامها ، فقال : {قالت ربي إني ظلمت نفسي} بعبادة الشمس ، ~~{وأسلمت # 219 # مع سليمان} تابعة له ، مقتدية به ، {لله رب العالمين}. وفيه الالتفات إلى ~~الاسم الجليل ، ووصفه بربوبيته للعالمين ؛ لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى ، ~~وتفرده باستحاق العبادة ، وربوبيته لجميع الموجودين ، التي من جملتها : ما ~~كانت تعبد قبل ذلك من الشمس. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 217 PageV05P338 ~~الإشارة : عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا ، فمن أحب الدنيا وركن إلى ~~أهلها ، فقد أجلس نفسه على عرشها ، وصيرها مالكه له ، متصرفة فيه بما تحب ، ~~ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها ، فقد هدم لها عرشها ، وصارت خادمة مملوكة ~~له ، يتصرف فيها كيف يشاء. فيقول الداعي إلى الله - وهو من أهله الله ~~للتربية - للمريدين : أيكم يأتيني بعرشها ، ويخرج عنها لله في أول بدايته ؟ ~~فمنهم من يأتي بها بعد مدة ، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة ، على قدر ~~القوة والعزم والصدق في الطلب ، ومن أتى بعرش نفسه ، وخرج عنها لله ، فهو ~~الذي آتاه الله علما من الكتاب ، وعرف مدلوله ومقصوده ، لكن من السياسة أن ~~يتدرج المريد في تركها شيئا فشيئا ، حتى يخرج عنها ، أو يغيب عن شغلها ~~بالكلية ، وإن كانت بيده. فاما خرجوا عن عرش نفوسهم لله ، وتوجهوا إليه ، ~~ورأى ذلك منهم ، قال : هذا من فضل ربي ، حيث وقعت الهداية على يدي ، ~~ليبلوني ، أشكر أم أكفر.. الآية. قال نكروا لها عرشها ، أي : اعرضوا عليها ~~الدنيا ، وأروها عرشها التي كانت عليه ، متغيرا عن حاله الأولى - لأنه كان ms2046 ~~معشوقا لها ، والآن صار ممقوتا ، لغناها بالله - ننظر أتهتدي إليه ، وترجع ~~إلى محبته ، فيكون علامة على عدم وصولها ، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه ~~أبدا ، فتكون قد تمكنت من الأنس بالله ، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختبارا ~~، قيل : أهكذا عرشك ؟ قالت : كأنه هو ، وأوتينا العلم بالله من قبل هذه ~~الساعة ، وكنا منقادين لمراده ، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه لله أبدا. وصدها ~~عن الحضرة ما كانت تبعد من الهوى ، من دون محبة الله ، إنها كانت من قوم ~~كافرين ، منكرين للحضرة ، غير عارفين بها. قيل لها حين رحلت عن عرشها : ~~ادخلي دار الحضرة ، فلما رأت بحر الوحدة ، يتموج بتيار الصفات ، دهشت ، ~~وحسبته لجة ، يغرق صاحبه في بحر الزندقة ، قال لها رئيس البحرية - وهو شيخ ~~التربية : إنه بحر منزه متصل ، لا أول له ، ولا آخر له. ليس مثله شيء ، ولا ~~معه شيء ، PageV05P339 ~~محيط بكل شيء ، وماح لكل شيء. ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها ، مشغولة بهواها ~~، قبل أن تعرف هواه ، فلما عرفته غابت عن غيره ، واستسلمت وانقادت له. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 217 # قلت : (ولقد أرسلنا) : عطف على (ولقد آتينا داود...) إلخ. # يقول الحق جل جلاله : {و} الله {لقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم} نسبا {صالحا ~~أن اعبدوا الله} أي : بأن اعبدوه وحده ، {فإذا هم فريقان يختصمون} أي : ~~ففاجؤوا التفرق والاختصام ، ففريق مؤمن به ، وفريق كافر ، أو يختصمون فيه ، ~~فكل فريق يقول : الحق معي. وقد فسر هذا الاختصام قوله تعالى في الأعراف : ~~{قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن ~~صالحا مرسل من ربه قالواا إنا بمآ أرسل به مؤمنون قال الذين استكبرواا إنا ~~بالذيا آمنتم به كافرون} [الأعراف : 75- 76] {قال} عليه السلام للفريق ~~الكافر ، بعد ما شاهد منهم ما شاهد ؛ من نهاية العتو والعناد ، حتى ~~استعجلوا العذاب : {يا قوم لم تستعجلون بالسيئة} ؛ بالعقوبة السيئة {قبل ~~الحسنة} أي : التوبة الصالحة ، فتؤخرونها إلى حين نزولها ، حيث كانوا - من ~~جهلهم وغوايتهم يقولون ، إن وقع العذاب تبنا حينئذ ، وإلا ms2047 فنحن على ما كنا ~~عليه. أو : لم تستعجلون بالعذاب قبل الرحمة ، أو : بالمعصية قبل الطاعة ، ~~{لولا تستغفرون الله} : هلا تطلبون المغفرة من كفركم بالتوبة والإيمان قبل ~~نزوله ، {لعلكم ترحمون} بالإجابة قبل النزول ، إذ لا قبول بعده ، {قالوا ~~اطيرنا بك} ؛ تشاءمنا بك {وبمن معك} من المؤمنين ؛ لأنهم قحطوا عند مبعثه ؛ ~~لكفرهم ، فنسبوه إلى مجيئه. والأصل : تطيرنا. وقرئ به ، فأدغمت التاء في ~~الطاء ، وزيدت ألف وصل ، للسكون. PageV05P340 # {قال} صالح عليه السلام : {طائركم عند الله} أي : سببكم الذي به ينالكم ما ~~ينالكم من الخير والشر عند الله ، وهو قدره وقضاؤه ، أو : عملكم مكتوب عند ~~الله ، فمنه نزل بكم ما نزل ، عقوبة لكم وفتنة. ومنه : {وكل إنسان ألزمناه ~~طآئره في عنقه} [الإسراء : 13] أي : ألزمناه جزاء عمله ، أو : ما قدر له في ~~عنقه ، وأصله : أن المسافر كان إذا مر بطائر يزجره ، فإن مر إلى جهة اليمين ~~تيمن ، وإن مر إلى ناحية الشمال تشاءم ، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر ~~استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته ، أو : من عمل العبد الذي هو ~~السبب في الرحمة والنقمة ، {بل أنتم قوم تفتنون} : تختبرون بتعاقب السراء ~~والضراء ، أو : تعذبون ، أو : يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة. قال - ~~عليه الصلاة والسلام - : " لا عدوى ولا طيرة " وقال أيضا : " إذا تطيرت فلا ~~ترجع " والله تعالى أعلم. # 221 # الإشارة : سير أهل التربية مع أهل زمانهم كسير الأنبياء مع أممهم ، إذا ~~بعثهم الله إلى أهل زمانهم اختصموا فيهم ، ففريق يصدق وفريق يكذب ، فيطلبون ~~الكرامة والبرهان ، ويتطيرون بهم وبمن تبعهم ، إن ظهرت بهم قهرية من عند ~~الله ، كما رأينا ذلك كله. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 220 # يقول الحق جل جلاله : {وكان في المدينة} ؛ مدينة ثمود وهي الحجر ، {تسعة ~~رهط} أي : أشخاص ، وهو جمع لا واحد له ، فلذا جاز تمييز التسعة به ، فكأنه ~~قيل : تسعة أنفس ، وهو من الثلاثة إلى العشرة ، وكان رئيسهم " قدار بن سالف ~~" وهم الذين سعوا في عقر الناقة ، وكانوا أبناء أشرافهم ومن عتاتهم ، ~~{يفسدون في الأرض} أي : في المدينة ms2048 ، إفسادا لا يخالطه شيء من الصلاح أصلا ~~، {ولا يصلحون} يعني إن شأنهم الإفساد المحض ، الذي لا صلاح معه. وعن الحسن ~~: يظلمون الناس ، ولا يمنعون الظالمين عن الظلم. وعن ابن عطاء : يتبعون ~~معايب الناس ، ولا يسترون عوراتهم. PageV05P341 # {قالوا تقاسموا بالله} : استئناف لبيان بعض فسادهم. و(تقاسموا) : إما أمر ~~مقول لقالوا ، أي : تحالفوا أمر بعضهم بعضا بالقسم على قتله. وإما خبر حال ~~، أي : قالوا متقاسمين. {لنبيتنه} : لنقتلنه بياتا ، أي : ليلا ، {وأهله} : ~~ولده ونساءه ، {ثم لنقولن لوليه} أي : لولي دمه : {ما شهدنا مهلك أهله} أي ~~: ما حضرنا هلاكهم ، أو : وقت هلاكهم. أو : مكانه فضلا أن نتولى إهلاكهم ، ~~{وإنا لصادقون} فيما ذكرناه. وهو إما من تمام المقول ، أو : حال ، أي : ~~نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك ؛ لأن الشاهد للشيء غير المباشر له ~~عرفا. ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده ، بل مهلكه ومهلككم جميعا ، كقولك : ~~ما رأيت ثم رجلا ، أي : بل رجلين. ولعل تحرجهم من الكذب في الأيمان مع ~~كفرهم ؛ لما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة ، كما كان أهل ~~الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية. وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب ، ~~وبعد قوله : {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} [هود : 65]. # 222 PageV05P342 ~~قال تعالى : {ومكروا مكرا} بهذه المواضع ، {ومكرنا مكرا} ؛ أهلكناهم إهلاكا ~~غير معهود ، {وهم لا يشعرون} أي : من حيث لا يحتسبون ، فمكرهم هو ما أخفوه ~~من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله. ومكر الله : إهلاكهم من حيث لا ~~يشعرون. {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم} أي : فتفكر في أنه كيف كان عاقبة ~~مكرهم. فسره بقوله : {أنا دمرناهم} : أهلكناهم بالصيحة {وقومهم} الذين لم ~~يكونوا معهم في التبييت {أجمعين}. روي أنه كان لصالح مسجد في شعب يصلي فيه. ~~فقالوا : زعم صالح يفرغ منا إلى ثلاث ، وقد رأى علامة ذلك ، فنحن نفرغ منه ~~ومن أهله قبل الثلاث ، فخرجوا إلى الشعب ، وقالوا : إذا جاء يصلي قتلناه ، ~~ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم ، فبعث الله تعالى صخرة من الهضب التي حيالهم ، ~~فبادروا ، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب ، فلم يدر قومهم ms2049 أين هم ، ولم ~~يدروا ما فعل بقومهم ، وعذب الله كلا في مكانه ونجى صالحا ومن معه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 222 # وقال ابن عباس : أرسل الله الملائكة ليلا ، فامتلأت بهم دار صالح ، فأتى ~~التسعة إلى دار صالح ، شاهرين السيوف ، فقتلهم الملائكة بالحجارة يرون ~~الحجارة ، ولا يرون راميا. ه. ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة ، ~~وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل. # قال تعالى : {فتلك بيوتهم خاوية} ؛ ساقطة متهدمة ، من : خوى النجم : إذا سقط. # أو : خالية من السكان ، {بما ظلموا} ؛ بسبب ظلمهم. {إن في ذلك} أي : فيما ~~ذكر من التدمير العجيب {لآية لقوم يعلمون} قدرتنا ، فيتعظون. PageV05P343 # {وأنجينا الذين آمنوا} أي : صالحا ومن معه من المؤمنين ، {وكانوا يتقون} ~~الكفر والمعاصي ، اتقاء مستمرا ، ولذلك نجوا مع صالح. قال مقاتل : لما وقت ~~لهم صالح العذاب إلى ثلاث ، خرج أول يوم على أبدانهم مثل الحمص أحمر ، ثم ~~اصفر من الغد ، ثم اسود من اليوم الثالث. ثم تفقأت ، وصاح جبريل في خلال ~~ذلك ، فخمدوا ، وكانت القرية المؤمنة الناجية أربعة آلاف ، خرج بهم صالح ~~إلى حضرموت ، فلما دخلها مات صالح ، فسميت حضرموت. ه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : وكان في مدينة القلب تسع علل ، يفسدون فيها ولا يصلحون ، وهي ~~حب الدنيا ، وحب الرئاسة ، والحسد. والكبر ، والحقد ، والعجب ، والرياء ، ~~والمداهنة ، والبخل ، هم أفسدوا قلوب الناس ، وتقاسموا على هلاكها ، ومكروا ~~بهم حتى زينوا لهم سوء عملهم ، ومكر الله بهم ، فدفعهم ودمرهم عن قلوب ~~الصالحين ، فتلك بيوتهم خاوية منها ، أخرجهم منها ، بسبب ظلمهم لها. # وقال القشيري على قوله : {ومكروا مكرا...} الآية : مكر الله : جزاؤهم على ~~مكرهم ، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة ، ثم إحلالها بهم بغتة. ه. وقال ~~الورتجبي : حقيقة المكر : امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة ، فإذا كان ~~كذلك من ينجو من مكره ، # 223 PageV05P344 ~~والحديث لا يطلع على سوابق علمه في القدم ، فمكره وقهره صفتان من صفاته ، ~~لا تفارقان ذاته ، وذاته أبدية ، انظر تمامه. قلت : ومعنى كلامه : أن مكر ~~الله في الجملة : هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن ms2050 مطالعة ~~الخلق ، فلا يدري أحد ما سبق له في العلم القديم ، وإذا كان كذلك فلا ينجو ~~أحد من مكره ؛ إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم ، إلا من اطلع عليه ~~بوحي ، كالأنبياء ، أو بنص صريح منهم ، كالمبشرين بالجنة ، ومع ذلك : ~~العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد ؛ إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية ، ولذلك ~~قيل : العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن ، أي : لا يسكن إلى ~~وعد الله ولا وعيده ، فلا يزول اضطراره ، ولا يكون مع غير الله قراره. # جزء : 5 رقم الصفحة : 222 # وقال القشيري - على قوله : {فتلك بيوتهم خاوية...} ، في الخبر : " لو كان ~~الظلم بيتا في الجنة لسلط الله عليه الخراب " ه. قلت : فكل من اشتغل بظلم ~~العباد ، فعن قريب ترى دياره بلاقع ، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 222 # قلت : (ولوط) : عطف على (صالحا) داخل معه في القسم ، أي : ولقد أرسلنا ~~صالحا ولوطا. و(إذ قال) : ظرف للإرسال ، أو : منصوب باذكر ، و(إذ قال) : ~~بدل من (لوط). PageV05P345 # يقول الحق جل جلاله : {و} لقد أرسلنا {لوطا} ، أو : واذكر لوطا {إذ قال ~~لقومه} أي : وقت قوله لهم : {أتأتون الفاحشة} أي : الفعلة المتناهية في ~~الفحش والسماجة ، {وأنتم تبصرون} أي : الحالة أنكم تعلمون علما يقينيا أنها ~~فاحشة ، لم تسبقوا إليها. والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار ، فإن تعاطي ~~القبيح من العالم بقبحه أقبح وأشنع ، ولذلك ورد في الخبر : " أشد الناس ~~عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ". وقال الفخر : لا تصدر ~~المعصية من العالم قط وهو عالم ، وحين صدورها منه هو جاهل ؛ لأنه رجح ~~المرجوح وترجيح المرجوح جهل ، ولذلك قال : {بل أنتم قوم تجهلون}. ه. # وفي الحديث : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " إذ لو صدق بإطلاع ~~الحق عليه # 224 # ما قدر على الزنى ، لكنه جهل ذلك. و{تبصرون} ، من : بصر القلب. وقيل : ~~يبصر بعضكم بعضا ؛ لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم ، معلنين بها ، لا ~~يستتر بعضهم من بعض ، مجانة وانهماكا في المعصية ، أو : تبصرون آثار ms2051 العصاة ~~قبلكم ، وما نزل بهم. PageV05P346 # {أئنكم لتأتون الرجال شهوة} أي : للشهوة {من دون النساء} أي : إن الله ~~تعالى إنما خلق الأنثى للذكر ، ولم يخلق الذكر للذكر ، ولا الأنثى للأنثى ، ~~فهي مضادة لله تعالى في حكمته ، فلذلك كانت أشنع المعاصي ، {بل أنتم قوم ~~تجهلون} ؛ تفعلون فعل الجاهلين بقبحها ، أو : تجهلون العاقبة. أو : بمعنى ~~السفاهة والمجون ، أي : بل أنتم سفهاء ماجنون. والتاء فيه - مع كونه صفة ~~لقوم ؛ لكونهم في حيز الخطاب. وكذا قوله : {بل أنتم قوم تفتنون} [النمل : ~~47] ، غلب الخطاب على الغيبة. قال ابن عرفة : " بل " للانتقال ، والانتقال ~~في باب الذم إنما يكون عن أمر خفيف إلى ما هو أشد منه ، وتقرير الأشدية هنا ~~: أن المضروب عنه راجع للقوة الحسية العملية ، وهي منقطعة تنقضي بانقضاء ~~ذلك الفعل ، والثاني راجع للقوة العلمية ، وهي دائمة ؛ لأن العلم بالشيء ~~دائم ، والعمل به منقطع غير دائم. ه. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 224 # فما كان جواب قومه} حين نهاهم عن تلك الفاحشة ودعاهم إلى الله ، {إلا أن ~~قالوا أخرجوا آل لوط} أي : لوطا ومتبعيه {من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} ؛ ~~يتنزهون عن أفعالنا ، أو : عن القاذورات ، ويعدون فعلنا قذرا. وعن ابن عباس ~~: إنه استهزاء ، كقوله : {إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود : 87]. # {فأنجيناه} : فخلصناه من العذاب الواقع بالقوم ، {وأهله إلا امرأته ~~قدرناها} بالتشديد والتخفيف ، أي : قدرنا أنها {من الغابرين} ؛ الباقين في ~~العذاب. {وأمطرنا عليهم مطرا} غير معهود ؛ حجارة مكتوب عليها اسم صاحبها ، ~~{فساء} : قبح {مطر المنذرين} الذين لم يقبلوا الإنذار. وقد مر كيفية ما جرى ~~بهم غير مرة. والله تعالى أعلم. PageV05P347 # الإشارة : ما أنكر لوط على قومه إلا غلبة الشهوة على قلوبهم ، والانهماك في ~~غفلتهم ، فرجعت إلى معصية القلوب ، وهي أشد من معصية الجوارح ؛ لأن معصية ~~الجوارح إذا صحبتها التوبة والانكسار ، عادت طاعة ، بخلاف معصية القلوب ؛ ~~فإنها تنطمس بها أنوار الغيوب ، فلا يزيد صاحبها إلا البعد والطرد. والعياذ بالله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 224 # 225 # يقول الحق جل جلاله : لنبيه - عليه الصلاة والسلام- : {قل الحمد لله} على ~~ما أنعم به عليك ms2052 من فنون النعم ، ومن جملتها : اطلاعك على أسرار علم غيوبه ~~، {وسلام على عباده الذين اصطفى} لرسالته. وقال ابن عباس وسفيان : هم أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، اصطفاهم بصحبته - عليه الصلاة والسلام - وقال ~~الكلبي : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته. ~~ثم قل لهم إلزاما للحجة : {الله خير أما تشركون} أي : آلله الذي ذكرت شؤونه ~~العظيمة خير ، أم ما تشركونه معه تعالى من الأصنام ؟ ومرجع الترديد إلى ~~التعرض بتبكيت الكفرة ، وتسفيه آرائهم الركيكة ، والتهكم بهم ، إذ من البين ~~أن ليس فيما أشركوه به تعالى شائبة خير ، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من ~~لا خير إلا خيره ، ولا إله غيره. # وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال : " بل الله خير ، وأبقى ، وأجل ~~، وأكرم ". ثم عدد سبحانه الخيرات والمنافع ، الدالة على انفراده بالخيرية ~~، فقال : {أمن خلق السماوات والأرض} ، " أم " هنا : منقطعة ، بخلاف {أما ~~تشكرون} أي : بل أمن خلق العالم العلوي والسفلي ، وأفاض من كل واحد ما يليق ~~به من الخيرات ، خير ، أم جماد لا يقدر على شيء ؟ فمن : مبتدأ ، وخبرها : ~~محذوف مع " أم " المعادلة للهمزة ، كما قررنا. PageV05P348 # {وأنزل لكم من السماء ماء}. مطرا {فأنبتنا} ، التفت من الغيبة إلى التكلم ؛ ~~تأكيدا لمعنى اختصاص الفعل به تعالى ، وإيذانا بأن إنبات الحدائق المختلفة ~~الأصناف والألوان ، والطعوم والأشكال ، مع بهجتها ، بماء واحد ، لا يقدر ~~عليه غيره ، أي : فأخرجنا {به حدائق} : بساتين ، فالحديقة : بستان عليه ~~حائط ، من : الإحداق ، وهو الإحاطة ، {ذات بهجة} أي : ذات حسن ورونق ، ~~تبتهج به النظار ، ولم يقل : ذوات : لأن المعنى : جماعة حدائق ، كما تقول : ~~النساء ذهبت. {ما كان لكم} ؛ ما صح وما أمكن لكم {أن تنبتوا شجرها} فضلا عن ~~ثمارها وسائر صفاتها البديعة المبهجة ، {أإله مع الله} ؟ أي : أإله كائن مع ~~الله ، الذي ذكرت أفعاله ، التي لا يقدر عليها غيره ، حتى يتوهم جعله شريكا ~~له تعالى في العبادة ؟ أو : أإله مع الله يفعل ذلك ؟ {بل هم قوم يعدلون} : ~~بل هم قوم عادتهم العدول عن طريق الحق بالكلية ، والانحراف ms2053 عن الاستقامة في ~~كل أمر من الأمور ، فلذلك يفعلون ما يفعلون من الإشراك والجرائم ، أو : ~~يعدلون به غيره فيشركونه معه. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 225 # الإشارة : قل الحمد لله ، الذي كشف الحجب عن قلوب أوليائه ، وسلام على ~~عباده الذين اصطفاهم لحضرته ، آلله خير ، أي : أشهود الله وحده في الوجود ~~خير ، أم شهود # 226 # الغير معه ؟ ، فتشركون في توحيدكم. أمن خلق سموات أرواحكم ، وهيأها لشهود ~~الربوبية ، وخلق أرض نفوسكم ، وهيأها لآداب العبودية ، وأنزل لكم من سماء ~~الغيوب ماء الواردات الإلهية ، فأنبتنا به في قلوب العارفين بساتين المعرفة ~~، ذات بهجة ونزهة ؟ ما كان لكم ، وفي طوقكم ، أن تنبتوا في قلوبكم شجر ~~المعرفة ، ولا ثمار المحبة ، أإله مع الله يمن عليكم بذلك ؟ . بل هم قوم ~~يعدلون عن طريق الوصول إلى هذه البساتين البهية ؛ لأنها محفوفة بالمكاره ~~النفسية ، لا يقدر على سلوكها إلا الشجعان ، أهل الهمم العلية. وبالله ~~التوفيق. PageV05P349 # جزء : 5 رقم الصفحة : 225 # يقول الحق جل جلاله : {أمن جعل الأرض قرارا} أي : قارة ثابتة ، ليستقر ~~عليها الإنسان والدواب ، بإظهار بعضها من الماء ، ودحوها وتسويتها ، حسبما ~~يدور عليه منافعهم. {وجعل خلالها} ؛ أواسطها {أنهارا} جارية ينتفعون بها ، ~~{وجعل لها رواسي} أي : جبالا ثوابت ، تمنعها أن تميد بأهلها ، ولتتكون فيها ~~المعادن ، وينبع من حضيضها المنابع. {وجعل بين البحرين} أي : العذب والمالح ~~، أو : خليجي فارس والروم (حاجزا) ؛ برزخا مانعا من المعارجة والمخالطة ، ~~{أإله مع الله} في الوجود ، أو : في إبداع هذه البدائع ؟ {بل أكثرهم لا ~~يعلمون} شيئا من الأشياء ، ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع ~~كمال ظهوره. # الإشارة : أم من جعل أرض النفوس قرارا ، لتستقر عليها أحكام العبودية ، ~~وتتصرف فيها أقدار الربوبية ، وجعل خلالها أنهارا من علوم الشرائع ، وما ~~يتعلق بعالم الحكمة من الحكم والأحكام ، وجعل لها جبالا من العقل لتعرف ~~صانعها ومدبرها ، وجعل بين بحر الحقيقة والشريعة حاجزا وبرزخا ، وهو نور ~~العقل ؟ فما دام العقل صاحيا ميز بين الحقيقة والشريعة ، فيلزمه التكليف ، ~~ويعطي كل ذي حق حقه. فإذا سكر ms2054 وغاب نوره سقط التكليف. وقد تشرق على نور قمر ~~العقل شمس العرفان ، فتغطيه مع وجود صحوه ، فيميز بين الحقائق والشرائع ، ~~وتكون عبادته أدبا وشكرا. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 226 # قلت : الاضطرار : الافتعال من الضرورة ، وهي الحاجة المحوجة إلى اللجأ ، ~~يقال : اضطره إلى كذا ، واسم الفاعل والمفعول : مضطر ، ويختلف التقدير. # 227 PageV05P350 ~~يقول الحق جل جلاله : {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} ، وهو من نزلت به شدة من ~~شدائد الزمان ، ألجأته إلى الدعاء والتضرع ، كمرض ، أو فقر ، أو نازلة من ~~نوازل الدهر ونوائبه ، أو : المذنب إذا استغفر مبتهلا ، أو : المظلوم إذا ~~دعا ، أو : من رفع يديه ولم ير لنفسه حسنة يرجو بها القبول غير التوحيد ، ~~وهو منه على خطر ، فهذه أنواع المضطر. # وإجابة دعوته مقيدة بالحديث : " الداعي على ثلاث مراتب ، إما أن يعجل له ~~ما طلب ، وإما أن يدخر له أفضل منه ، وإما يدفع عنه من السوء مثله " وأيضا ~~: إذا حصل الاضطرار الحقيقي حصلت الإجابة قطعا ، إما بعين المطلوب ، أو بما ~~هو أتم منه ، وهو الرضا والتأييد. {ويكشف السوء} وهو الذي يعتري الإنسان ~~مما يسؤوه ، كضرر أو جور ، {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي : خلفاء فيها ، ~~تتصرفون فيها كيف شئتم ، بالسكنى وغيره ، وراثة عمن كان قبلكم من الأمم ، ~~قرنا بعد قرن : أو : أو أراد بالخلافة الملك والتسلط. {أإله مع الله} الذي ~~يفيض على الخلق هذه النعام الجسام ، يمكن أن يعطيكم مثلها ؟ {قليلا ما ~~تذكرون} أي : تذكرا قليلا ، أو : زمانا قليلا تتذكرون فيه. و" ما " : مزيدة ~~، لتأكيد معنى القلة ، التي أريد بها العدم ، أو : ما يجري مجراه في ~~الحقارة وعدم الجدوى. وتذييل الكلام بنفي عدم التذكر منهم إيذان بأن وجود ~~التذكر مركوز في ذهن كل ذكي ، وأنه من الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه ~~إليه وتذكره. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الاضطرار الحقيقي الذي لا تتخلف الإجابة عنه في الغالب : وهو ~~أن يكون العبد في حال شدته كالغريق في البحر وحده ، لا يرى لغياثه غير ~~سيده. وقال ذو النون : هو الذي قطع العلائق عما ms2055 دون الله. وقال سهل بن عبد ~~الله : هو الذي رفع يديه إلى الله تعالى داعيا ، ولم تكن له وسيلة من طاعة ~~قدمها. ه. بل يقدم إساءته بين يديه ، ليكون دعاؤه بلا شيء يستحق عليه ~~الإجابة ، إلا من محض الكرم. PageV05P351 # جزء : 5 رقم الصفحة : 227 # قال القشيري : يقال للجناية : سراية ، فمن كان في الجناية مختارا ، فليس ~~يسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جرمه الذي سلف ، وهو في ذلك مختار ، فأكثر ~~الناس أنهم مضطرون ، وذلك الاضطرار سراية ما برز منهم في حال اختيارهم ، ~~وما دام العبد يتوهم من نفسه شيئا من الحول والحيل ، ويرى لنفسه شيئا من ~~الأسباب يعتمد عليه ، ويستند إليه ، فليس بمضطر ، إلا أن يرى نفسه كالغريق ~~في البحر ، والضال في المتاهة. والمضطر يرى غياثه بيد سيده ، وزمامه في ~~قبضته ، كالميت في يد غاسله ، ولا يرى لنفسه استحقاقا في أن يجاب ، بل ~~اعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط ، ولا يقرأ اسمه في ديوان السعادة ، ولا ~~ينبغي للمضطر أن يستعين بأحد في أن يدعو له ؛ لأن الله وعد الإجابة له ؛ لا ~~من يدعو له. ه. وبحث معه المحشي الفاسي في بعض ألفاظه ، فانظره. # 228 # قوله تعالى : {ويكشف السوء} : أي : ما يسوء القلب وبحجبه عن مولاه ، من ~~أكدار وأغيار ، وقوله : {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي : تتصرفون في الوجود ~~بأسره ، بهمتكم ، إن زال غم الحجاب عنكم ، وشاهدتم ربكم بعين بصيرتكم ~~وبصركم ؛ لأن نور البصيرة إذا استولى على البصر ، بعد فتح البصيرة ، غطى ~~نوره ، فلا يرى البصر إلا ما تراه البصيرة ؛ من أسرار الذات الأزلية ~~القديمة. فمن بلغ هذا المقام كان خليفة الله في أرضه ، يملكه الوجود بأسره ~~وما ذلك على الله بعزيز. # جزء : 5 رقم الصفحة : 227 PageV05P352 ~~يقول الحق جل جلاله : {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر} ليلا ، وبعلامات ~~في الأرض نهارا ؟ أو : أمن يهديكم إلى سلوك الطريق التي توصلكم إلى مقصدكم ~~، وأنتم في ظلمات الليل ، سواء كنتم في البر أو البحر ؟ فلا هادي إلى ذلك ~~إلا الله تعالى. {ومن يرسل الرياح} ، أو ms2056 بالإفراد. {نشرا} بالنون - أي : ~~تنشر السحاب إلى الموضع الذي أمر الله بإنزال المطر فيه ، أو {بشرا} - ~~بالباء - أي مبشرة بالمطر ، {بين يدي رحمته} ؛ قدام المطر ، علامة عليه ، ~~{أإله مع الله} يفعل ذلك ؟ {تعالى الله عما يشركون}. وإظهار الاسم الجليل ~~في موضع الإضمار للإشعار بعلية الحكم ، أي : تعالى الله وتنزه بذاته ~~المنفردة بالألوهية ، المقتضية لكون كل المخلوقات مقهورا تحت قدرته ، عن ~~وجود ما يشركونه به تعالى. # الإشارة : أمن يهديكم إلى حل ما أشكل عليكم ، وأظلمت منه قلوبكم ، من علم ~~بر الشرائع. وبحر الحقائق ، فيهديكم في الأول إلى كشف الحق والصواب وفي ~~الثاني إلى كشف الغطاء ورفع الحجاب ، أو : في الأول إلى علم البيان ، وفي ~~الثاني إلى عين العيان بالذوق والوجدان. أو : في الأول إلى علم اليقين ، ~~وفي الثاني إلى عين اليقين وحق اليقين. ومن يرسل رياح الواردات الإلهية ، ~~بشارة بين يدي رحمته بالوصول إلى حضرته ، وهو التوحيد الخاص. ولذلك ختمه ~~بقوله : {تعالى الله عما يشركون} من رؤية وجود السوى. # جزء : 5 رقم الصفحة : 228 # 229 # قلت : " من " : إما فاعل بيعلم ، و" الغيب " : بدل منه ، و" الله " : ~~مفعول ، و" إلا الله " : بدل على لغة تميم ، أي : إبدال المنقطع ، وإما ~~مفعول بيعلم ، و" الغيب " بدل منه و(الله) : فاعل ، والاستثناء : مفرغ. PageV05P353 # يقول الحق جل جلاله : {أمن يبدأ الخلق} أي : ينشىء الخلق {ثم يعيده} بعد ~~الموت بالبعث. وإنما قيل لهم : {ثم يعيده} وهم منكرون للإعادة ؛ لأنهم ~~أزيحت شبهتهم بالتمكن من المعرفة ، والإقرار ، فلم يبق لهم عذر في الإنكار. ~~{ومن يرزقكم من السماء} بالمطر {والأرض} أي : ومن الأرض بالنبات ، أي : ~~يرزقكم بأسباب سماوية وأرضية ، قد رتبها على ترتيب بديع ، تقضيه الحكمة ~~التي عليها بني أمر التكوين ، {أإله مع الله} يفعل ذلك ؟ {قل هاتوا ~~برهانكم} أي : حجتكم ، عقلية أو نقلية ، على إشراككم ، {إن كنتم صادقين} في ~~دعواكم أن مع الله إلها آخر. # {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} ، بعد ما حقق سبحانه ~~انفراده بالألوهية ، ببيان اختصاصه بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ، عقب ~~بذكر ما ms2057 هو من لوازمه ، وهو اختصاصه بعلم الغيب ، تكميلا لما قبله ، ~~وتمهيدا لما بعده من أمر البعث. قالت عائشة - رضي الله عنها - : (من زعم ~~أنه يعلم ما في غد ، فقد أعظم على الله الفرية ، والله تعالى يقول : {قل لا ~~يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} ). # دخل على الحجاج منجم ، فأخذ الحجاج حصيات ، قد عدها ، فقال للمنجم : كم ~~في يدي ؟ فحسب ، فأصاب ، ثم اغتفله الحجاج ، فأخذ حصيات لم يعدها ، فقال ~~للمنجم : كم في يدي ؟ فحسب ، فأخطأ ، فقال : أيها الأمير أظنك لا تعرف ~~عددها في يدك ، فقال : ما الفرق بينهما ؟ فقال : إن ذلك أحصيته فخرج من حد ~~الغيب ، فحسبت فأصبت ، وإن هذا لم تعرف عدته ، فصار غيبا ، ولا يعلم الغيب ~~إلا الله تعالى. # ومن جملة الغيب : قيام الساعة ، ولذلك قال : {وما يشعرون أيان يبعثون} أي ~~: متى ينتشرون من القبور ، مع كونه مما لا بد لهم منه ، ومن أهل الأمور ~~عندهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 229 PageV05P354 ~~الإشارة : الرزق ثلاثة : رزق الأشباح ، ورزق القلوب ، ورزق الأرواح ، فرزق ~~الأشباح معلوم ، ورزق القلوب : اليقين والطمأنينة ، ورزق الأرواح : ~~المشاهدة والمكالمة. قل من يرزق قلوبكم وأرواحكم من سماء غيب القدرة وأرض ~~الحكمة ؟ فلا رازق سواه ، ولا برهان على وجود ما سواه ، ولا يعلم الغيب إلا ~~الله. أو : من كان وجوده بالله قد غاب في نور الله ، فشهد الغيب بالله. ~~والله تعالى أعلم. # 230 # جزء : 5 رقم الصفحة : 229 # قلت : قرأ الجمهور : " ادارك " بالمد ، وأصله : تدارك ، فأدغمت التاء في ~~الدال ، ودخلت همزة وصل. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر : " ادرك " ، وأصله : ~~افتعل ، بمعنى تفاعل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : " أدرك " أفعل. # يقول الحق جل جلاله : {بل ادارك} أي : تدارك وتناهى وتتابع أسباب {علمهم ~~في الآخرة} أي : بالآخرة ، أو : في شأنها ، بما ذكرنا لهم من البراهين ~~القطعية ، والحجج العقلية ، على كمال قدرتنا. ومع ذلك لم يحصل لهم بها يقين ~~، {بل هم في شك منها} ، والمعنى : أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن ~~القيامة لا ريب فيها قد ms2058 حصلت لهم ومكنوا من معرفته ، بما تتابع لهم من ~~الدلائل. زمع ذلك لم يحصل لهم شيء من علمها ، بل شكوا. أو : أدرك علمهم ، ~~بمعنى : يدركهم في الآخرة حين يرون الأمر عيانا ، ولا ينفعهم ذلك. قاله ابن ~~عباس وغيره. {بل هم} اليوم {في شك منها بل هم منها عمون} لا يبصرون دلائلها ~~، ولا يلتفتون إلى العمل لها. والإضرابات الثلاثة تنزيل لأحوالهم ، وتأكيد ~~لجهلهم. وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ، ثم بأنهم لا يعلمون أن ~~القيامة كائنة مع تتابع أسباب علمها ، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية ، ثم ~~بما هو اسوأ حالا ، وهو العمى ، وجعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه ، فلذا عداه ~~ب " من " دون " عن " ؛ لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التفكر ~~والتدبر. PageV05P355 # ووجه اتصال مضمون هذه الآية - وهو وصف المشركين - بإنكارهم البعث مع ~~استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله ، وهو اختصاصه تعالى بعلم ~~الغيب ، وأن العباد لا علم لهم بشيء بذلك : هو أنه لما ذكر أن العباد لا ~~يعلمون الغيب ، وكان هذا بيانا لعجزهم ، ووصفا لقصور علمهم ، وصل به أن ~~عندهم عجزا أبلغ منه ، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه - وهو ~~وقت بعثهم ، ومجازاتهم على أعمالهم : لا يكون ، مع أن عندهم أسباب معرفة ~~كونه ، لا محالة. ه. قاله النسفي. # {وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون} أي : أنخرج من ~~القبور أحياء إذا صرنا ترابا وآباؤنا. وتكرير الاستفهام في " أئذا " و" ~~أئنا " في قراءة عاصم ، وحمزة ؛ وخلف ، إنكار بعد إنكار ، وجحود بعد جحود ، ~~ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والعامل في (إذا) : مادل عليه {لمخرجون} وهو ~~: نخرج ، لا مخرجون ، لموانع كثيرة. والضمير في " أئنا " لهم ولآبائهم. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 231 # لقد وعدنا هذا} البعث {نحن وآباؤنا من قبل} ؛ من قبل محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، قدم هنا " # 231 # هذا " على " نحن " وفي المؤمنون قدم " نحن " ؛ ليدل هنا أن المقصود ~~بالذكر هو البعث وثم المبعوث ؛ لأن هنا تكررت أدلة البعث قبل هذا ms2059 القول ~~كثيرا ، فاعتنى به بخلاف " ثم ". ثم قالوا : {إن هذا إلا أساطير الأولين} : ~~ما هذا إلا أحاديثهم وأكاذيبهم. وقد كذبوا ، ورب الكعبة. PageV05P356 # الإشارة : العلم بالآخرة يقوى بقوة العلم بالله ، فكلما قوي اليقين في جانب ~~الله قوي اليقين في جانب ما وعد الله به ؛ من الأمور الغيبية ، فأهل العلم ~~بالله الحقيقي أمور الآخرة عندهم نصب أعينهم ، واقعة في نظرهم ؛ لقوة ~~يقينهم. وانظر إلى قول حارثة رضي الله عنه حين قال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم : " ما حقيقة إيمانك ؟ " فقال : يا رسول الله ؛ عزفت الدنيا من قلبي ، ~~فاستوى عندي وذهبا ومدرها. ثم قال : وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون ~~فيها ، وأهل النار يتعاوون فيها ، فقال له صلى الله عليه وسلم : " قد عرفت ~~فالزم ، عبد نور الله قلبه " اللهم نور قلوبنا بأنوار معرفتك الكاملة ، حتى ~~نلقاك على عين اليقين وحق اليقين. آمين. # جزء : 5 رقم الصفحة : 231 # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {سيروا في الأرض فانظر كيف كانت عاقبة ~~المجرمين} بسبب تكذيبهم للرسل - عليهم السلام - فيما دعوهم إليه من الإيمان ~~بالله - عز وجل - وحده ، واليوم الآخر ، الذي ينكرونه ، فإن في مشاهدة ~~عاقبتهم ما فيه كفاية لأولي البصائر. وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين ، ~~لطف بالمسلمين ، بترك الجرائم ، وحث لهم على الفرار منها ، كقوله : {فدمدم ~~عليهم ربهم بذنبهم} [الشمس : 14] و{مما خطيائاتهم أغرقوا} [نوح : 25]. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : {ولا تحزن عليهم} أي : لأجل أنهم لم ~~يتبعوك ، ولم يسلموا فيسلموا. {ولا تكن في ضيق} ؛ في حرج صدر {مما يمكرون} ~~؛ من مكرهم وكيدهم ، أي : فإن الله يعصمك من الناس. يقال : ضاق ضيقا - ~~بالفتح والكسر. # {ويقولون متى هذا الوعد} أي : وعد العذاب التي تعدنا ، إن كنت من ~~الصادقين في إخبارك بإتيانه على من كذب. والجملة باعتبار شركة المؤمنين في ~~الإخبار بذلك. {قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون} أي : تبعكم ~~ولحقكم. استعجلوا # 232 PageV05P357 ~~العذاب ، فقيل لهم : عسى أن يكون ردف ، أي : قرب لكم بعضه. وهو عذاب يوم ~~بدر ، واللام زائدة للتأكيد. أو ms2060 : ضمن الفعل معنى يتعدى باللام ، نحو : دنا ~~لكم ، أو : أزف لكم. وعسى ولعل وسوف ، في وعد الملوك ووعيدهم ، يدل على صدق ~~الأمر ، وجده ، وعلى ذلك جرى وعد الله ، ووعيده. # {وإن ربك لذو فضل على الناس} أي : إفضال وإنعام على كافة الناس. ومن جملة ~~إنعامه : تأخير العقوبة عن هؤلاء ، بعد استعجالهم لها ، {ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون} أي : أكثرهم لا يعرفون حق النعمة ، ولا يشكرونها ، فيستعجلون ~~بجهلهم وقوع العذاب ، كدأب هؤلاء. والله تعالى أعلم. # الإشارة : التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار ، ساعة منه أفضل من ~~عبادة سبعين سنة. ومن أجل ما يتفكر فيه الإنسان : ما جرى على أهل الغفلة ~~والبطالة والعصيان ، من تجرع كأس الحمام ، قبل النزوع والإقلاع عن الإجرام ~~، فندموا حيث لم ينفع الندم ، وقد زلت بهم القدم ، فلا ما كانوا أملوا ~~أدركوا ، ولا إلى ما فاتهم من الأعمال الصالحات رجعوا. فليعتبر الإنسان ~~بحالتهم ، لئلا يجري عليه ما جرى عليهم ، وليبادر بالتوبة إلى ربه ، وليشهد ~~يده على أوقات عمره ، قبل أن تنقضي في البطالة والتقصير ، فيمضي عمره ~~سبهللا. ولله در القائل : # جزء : 5 رقم الصفحة : 232 # السباق السباق قولا وفعلا # حذر النفس حسرة المسبوق # قال أبو على الدقاق رضي الله عنه : رؤي بعضهم مجتهدا ، فقيل له في ذلك ، ~~فقال : ومن أولى مني بالجهد ، وأنا أطمع أن ألحق الأبرار الكبار من السلف. ~~ه. ويقال للواعظ أو للعارف ، إذا رأى إدبار الناس عن الله ، وإقبالهم على ~~الهوى : {ولا تحزن عليهم..} الآية. # جزء : 5 رقم الصفحة : 232 PageV05P358 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإن ربك ليعلم ما تكن} أي : تخفي {صدورهم وما ~~يعلنون} أي : يظهرون من القول. وليس تأخير العذاب عنهم لخفاء حالهم عليه ، ~~ولكن له وقت مقدار ، فيمهلهم إليه. أو : إن ربك ليعلم ما يخفون وما يعلنون ~~من عداوتك ومكايدهم لك ، وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقونه. وقرئ بفتح ~~التاء ، من : كننت الشيء : سترته. # {وما من غائبة في السماء والأرض} أي : من خافية فيهما {إلا في كتاب مبين} ~~في اللوح المحفوظ. يسمى الشيء الذي يخفى ms2061 ويعيب غائبه وخافية. والتاء فيهما ~~كالتاء في # 233 # العاقبة والعافية. ونظائرهما ، وهي أسماء غير صفات. ويجوز أن يكونا صفتين ~~، وتاؤهما للمبالغة ، كالرواية. كأنه قال : وما من شيء شديد الغيوبة إلا ~~وقد علمه الله ، وأحاط به ، وأثبته في اللوح المحفوظ. ومن جملة ذلك : تعجيل ~~عقوبتهم ، ولكن لكل شيء أجل معلوم ، لا يتأخر عنه ولا يتقدم. ولولا ذلك ~~لعجل لهم ما استعجلوه. والمبين : الظاهر البين لمن ينظر فيه من الملائكة : ~~أو : مبين لما فيه من تفاصيل المقدورات. والله تعالى أعلم. # الإشارة : في الآية حث على مراقبة العبد لمولاه ، في سر وعلانيته ، فلا ~~يفعل ما يخل بالأدب مع العليم الخبير ، ولا يجول بقلبه فيما يستحيي أن ~~يظهره لغيره ، إلا أن يكون خاطرا مارا ، لا ثبات له ، فلا قدرة للعبد على ~~دفعه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 233 PageV05P359 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل} ؛ يبين لهم ~~{أكثر الذي هم فيه يختلفون} من أمر الدين الذي اشتبه عليهم. ومن جملة ما ~~اختلفوا فيه : المسيح ، وتحزبوا فيه أحزابا ، وركبوا متن العند والغلو في ~~الإفراط والتفريط ، ووقع بينهم المناكرة في أشياء ، حتى لعن بعضهم بعضا. ~~وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه ، لو أنصفوا وأخذوا به ، وأسلموا. ~~يريد اليهود والنصارى ، وإن كانت الآية خاصة باليهود. {وإنه} - أي : القرآن ~~{لهدى ورحمة للمؤمنين} على الإطلاق ، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل ~~دخولا أوليا. # {إن ربك يقضي بينهم} أي : بين بني إسرائيل ، أو : بين من آمن بالقرآن ومن ~~كفر به ، {بحكمه} أي : بعدله ؛ لأنه لا يحكم إلا بالعدل ، فسمى المحكوم به ~~حكما. أو : بحكمته ، ويدل على قراءة من قرأ " بحكمه " : جمع : حكمة ؛ لأن ~~أحكامه تعالى كلها حكم بديعة. {وهو العزيز} ، فلا يرد حكمه وقضاؤه ، ~~{العليم} بجميع الأشياء ، ومن جملتها : من يقضي له ومن يقضي عليه. أو : ~~العزيز في انتقامه من المبطلين ، العليم بالفصل بين المختلفين. # {فتوكل على الله} ، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شؤونه - عز وجل - فإنها موجبة # 234 # للتوكل عليه ، داعية ms2062 إلى الأمر به ، أي : فتوكل على الله الذي هذا شأنه. ~~وهذه أوصافه ، فإنه موجب لكل أحد يتوكل عليه ، ويفوض جميع أموره إليه. أو : ~~فتوكل على الله ولا تبالي بأعدادء الدين. {إنك على الحق المبين} ، تعليل ~~للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج ، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب. # وفيه تنبيه على أن أصحاب الحق حقيق بالوثوق بالله في نصرته. وقد تضمنت ~~الآية من أولها ثناء على القرآن ، بنفي ما رموه من كون أساطير الأولين. ثم ~~وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين. ثم توعد الرامين له بحكمه عليهم بما ~~يستحقونه ، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم. PageV05P360 # جزء : 5 رقم الصفحة : 234 # ثم بين سبب طعنهم في القرآن ، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك ؛ لكونهم ~~موتى صما ، لا حياة لهم ولا سمع استبصار ، قال تعالى : {إنك لا تسمع ~~الموتى} ، شبهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من القوارع والزواجر ، ~~{ولا تسمع الصم الدعاء} أي : الدعوة إلى أمر من الأمور {إذا ولوا مدبرين} ~~عنك. وتقييد النفي بالإدبار ؛ لتكميل التنبيه وتأكيد النفي ، فإنهم مع ~~صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي ، مولون على أدبارهم. ولا ريب ~~أن الأصم لا يسمع الدعاء ، مع كون الداعي بمقابلة صماخة ، قريبا منه ، فكيف ~~إذا كان خلفه بعيدا منه ؟ . # {وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم} هداية موصلة إلى المطلوب ، كما في قوله ~~تعالى : {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص : 56] ؛ فإن الاهتداء منوط بالصبر ~~في الحس ، وبالبصيرة في المعنى. ومن فقدهما لا يتصور منه اهتداء ، و" عن " ~~متعلق بهادي ؛ باعتبار تضمنه معنى الصرف ، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة ~~في نفي الهداية. {إن تسمع} أي : ما تسمع سماعا يجدي السامع وينفعه {إلا من ~~يؤمن بآياتنا} أي : من علم الله أنهم يؤمنون بآياته. {فهم مسلمون} ؛ مخلصون ~~، من قوله : {بلىا من أسلم وجهه لله} [البقرة : 112] أي : جعله سالما لله ~~خالصا. جعلنا الله ممن أسلم بكليته إليه. آمين. PageV05P361 # الإشارة : إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة ، وهي ما يتعلق بالجوارح ~~الظاهرة ، رجع فيه إلى ms2063 الكتاب العزيز ، أو السنة المحمدية ، أو الإجماع ، ~~أو القياس ، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية ، وهي ما يتعلق بالعقائد ~~التوحيدية ، من طريق الأذواق أو العلوم ، يرجع فيه إلى أرباب القلوب ~~الصافية ، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب. فلا يمكن قلع عروق ~~الشكوك والأوهام ، والوساوس من القلوب المسوسة ، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم ~~، ومن جمع بين الظاهر والباطن ، رجع إليه في الأمرين معا. # ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان يناظر جماعة ~~من المعتزلة ، ليردهم إلى الحق ، فدخل عليه رجل من القراء ، يقال له : أبو ~~مروان ، فسلم عليه ، فقال له الشيخ : اقرأ علينا آية من كتاب الله ، فأجرى ~~الله على لسانه ، من غير قصد ، # 235 # قوله تعالى : {فتوكل على الله إنك على الحق المبين} إلى قوله : {ووقع ~~القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون} فتهلل وجه الشيخ ، وقال : ما بعد ~~بيان الله من بيان ، فتابوا واهتدوا إلى الحق ، ورجعوا عن مذهبهم ، وشفا ~~الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله ، جعلهم الله شفاء ~~من كل داء ، لكن الأعمى والأصم لا يبصر الداعي ، ولا يسمع المنادي. ولذلك ~~قال تعالى : {فإنك لا تسمع الموتى..} إلخ : قال الورتجبي : الميت : من ليس ~~له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل ، والأصم : من كان أذن ~~قلبه مسدودة بغواشي القهر ، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه ~~وشهواته. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 234 PageV05P362 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإذا وقع القول عليهم} أي : وقع مصداق القول الناطق ~~بمجيء الساعة ، بأن قرب إتيانها ، وظهرت أشراطها ، فأراد بالوقوع : دنوه ~~واقترابه ، كقوله : {أتىا أمر الله...} [النحل : 1] روي أن ذلك حين ينقطع ~~الخير ، ولا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ، ولا يبقى منيب ولا تائب. و" ~~وقع " : عبارة عن الثبوت واللزوم ، وهذا بمنزلة : {حق عليه كلمة العذاب} ~~[الزمر : 19] أي : وإذا انتجز وعد عذابهم التي تضمنه القول الأزلي ، وأراد ~~أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من العذاب ، أخرج لهم دابة من ms2064 الأرض. ~~وفي الحديث : " إن الدابة ، وطلوع الشمس من المغرب ، من أول الأشراط ". فلا ~~ينبغي لهؤلاء الكفرة ترك الإيمان حيث ينفعهم ، ويتطلبون وقوع الساعة ~~الموعود بها ، التي لا ينفع الإيمان لمن لم يكن آمن ، مع ظهور مقدماتها ، ~~فضلا عنها. فإذا وقع الوعد وسمت الدابة من لم يؤمن بسمة الكفر ، وكان ذلك ~~طبعا وختما ، فلا يقبل منه إيمان ، ويقال له : أيها الكافر لم تؤمن بالآيات ~~غيبا ، فلا يقبل منك بعد رؤيتها عينا وهذا معنى قوله : {أخرجنا لهم دابة من ~~الأرض} ، وهي الجساسة ، طولها ستون ذراعا ، لا يدركها طالب ، ولا يفوتها ~~هارب ، لها أربع قوائم ، وزغب ، وريش ، وجناحان. وقيل : لها رأس ثور ، وعين ~~خنزير ، وأذن فيل ، وقرن أيل ، وعنق نعامة ، وصدر أسد ، ولون نمر ، وخاصرة ~~هرة ، وذنب كبش ، وخف بعير ، وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعا ، تخرج من ~~الصفا فتكلمهم بالعربية ، فتقول {أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} أي : ~~بخروجي ؛ لأن خروجها من الآيات ، وتقول : ألا لعنة الله على الظالمين. # وفي حديث حذيفة رضي الله عنه : " تأتي الدابة المؤمن ، فتسلم عليه ، ~~وتأتي الكافر # 236 PageV05P363 ~~فتخطه - أي تسمه - في وجهه ". وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : " تخرج الدابة معها خاتم سليمان ، وعصا موسى ، فتجلو ~~وجه المؤمن ، وتختم أنف الكافر بالخاتم ، ختى أن أهل الحواء مجتمعون ، ~~فيقول : هاها يا مؤمن ، ويقول : هاها يا كافر " وهي بعد نزول عيسى وطلوع ~~الشمس من مغربها. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 236 # الإشارة : وإذا وقع القول على قوم بإسدال الحجاب ، وإدامة غلق الباب ، ~~أخرج لهم جاهل بالله ، يكلمهم بادعاء التربية ، فيأخذون عنه ، ويقتدون به. ~~قال في المباحث : # واعلم بأن عصبة الجهال # بهائم في صور الرجال # فالجاهد بالله دابة في الأرض : أن الناس كانوا بآياتنا الدالة علينا - ~~وهم العلماء بالله ، أهل الشهود والعيان - لا يوقنون بوجودهم ، ولا يعرفون ~~وجود الخصوصية عندهم. فإذا أراد الله تعب عبد ، وإبقاءه في غم الحجاب ، ~~ألقاه إلى شيخ جاهل بالله ، أو : إلى ميت يتخذه شيخا ، ويفنى ms2065 محبته ، فلا ~~يرجى فلاحه في طريق الخصوصية ، ما دام مقيدا به ، فإن تركه واقتدى بالعارف ~~الحي ، فقد هيأه لرفع الحجاب. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 236 # قلت : " ماذا " تأتي على أوجه ؛ أحدها : أن تكون " ما " : استفهاما ، و" ~~ذا " : إشارة نحو : ماذا التواني. الثاني : أن تكون " ما " : استفهاما ، و" ~~ذا " : موصولة ، كقول لبيد : # ألا تسألان المرء ماذا يحاول ؟ # أنحب فيقضى ، أم ضلال وباطل ؟ # الثالث : " ماذا " كله : استفهام على التركيب ، كقولك : لماذا جئت ؟ . ~~الرابع : أن تكون " ماذا " كله : اسم جنس بمعنى شيء ، أو : بمعنى " الذي " ~~كقوله : دعني ماذا علمت ؟ ، وتكون " ذا " زائدة. انظر القاموس. # 237 PageV05P364 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم نحشر من كل إمة فوجا} ، الفوج ، ~~الجماعة الكثيرة. و" من " : للتبعيض ، أي : واذكر يوم نجمع من كل أمة من ~~أمم الأنبياء جماعة كثيرة {ممن يكذب بآياتنا} ، " من " : لبيان الفوج ، أي ~~: فوجا مكذبين بآياتنا ، المنزلة على أنبيائنا ، {فهم يوزعون} : يحبس أولهم ~~على آخرهم ، حتى يجتمعوا ، حين يساقون إلى موضع الحساب. وهذه عبارة عن كثرة ~~العدد ، وتباعد أطرافهم ، والمراد بهذا الحشر : الحشر للعذاب ، والتوبيخ ~~والمناقشة ، بعد الحشر الكلي ، الشامل لكافة الخلق. # وعن ابن عباس : (المراد بهذا الفوج : أبو جهل ، والوليد بن المغيرة ، ~~وشيبة بن ربيعة ، يساقون بين يدي أهل مكة) وهكذا يحشر قادة سائر الأمم بين ~~أيديهم إلى النار. # {حتى إذا جاؤوا} إلى موقف السؤال والجواب ، والمناقشة والحساب ، {قال} أي ~~: الله عز وجل ، موبخا لهم على التكذيب : {أكذبتم بآياتي} المنزلة على رسلي ~~، الناطقة بلقاء يومكم ، {و} الحال أنكم {لم تحيطوا بها علما} أي : أكذبتم ~~بها في بادئ الرأي ، من غير فكر ، ولا نظر ، يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها ، ~~وأنها حقيقة بالتصديق حتما. وهذا نص في أن المراد بالآيات في الموضعين هي ~~الآيات القرآنية. وقيل : هو عطف على " كذبتم " ، أي : أجمعتم بين التكذيب ~~وعدم التدبر فيها. {أم ماذا كنتم تعملون} ؟ حيث لم تتفكروا فيها ، فإنكم لم ~~تخلقوا عبثا. أو : أي شيء كنتم تعملون ، استفهام ، على معنى استبعاد الحجج ~~، أي : إن كانت لكم ms2066 حجة وعمل فهاتوا ذلك. وخطابهم بهذا تبكيت لهم. ثم يكبون ~~في النار ، وذلك قوله تعالى : {ووقع القول عليهم} أي : حل بهم العذاب ، ~~الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله ، {بما ظلموا} : بسبب ظلمهم ، ~~الذي هو تكذيبهم بآيات الله {فهم لا ينطقون} ؛ لانقطاعهم عن الجواب بالكلية ~~، وابتلائهم بشغل شاغل من العذاب الأليم ، يشغلهم العذاب عن النطق ~~والاعتذار. PageV05P365 # جزء : 5 رقم الصفحة : 237 # ثم ذكر دلائل قدرته على البعث ، وما ينشأ بعد ذلك ، بقوله : {ألم يروا ~~أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه} ، الرؤية هنا قلبية ، أي : ألم يعلموا أنا ~~جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالنوم والقرار. {والنهار ~~مبصرا} أي : يبصروا ، بما فيه من الإضاءة ، طرق التقلب في أمور المعاش. ~~وبولغ فيه ، حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس ، حالا له ، ووصفا من ~~أوصافه ، بحيث لا ينفك عنها ، ولم يسلك في الليل هذا المسلك ؛ لأن تأثير ~~ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير النهار في الإبصار. قاله أبو ~~السعود. قلت : وقد جعله كذلك في قوله : {وجعل الليل سكنا} [الأنعام : 96] ~~فانظره. # {إن في ذلك لآيات} كثيرة {لقوم يؤمنون} ؛ يصدقون ، فيعتبرون ، فإن من ~~تأمل في تعاقب الليل والنهار ، واختلافهما على وجوه بديعة ، مبنية على حكم ~~رائقة ، تحار في فهمها العقول ، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل ، ~~المحاكية للموت ، بضياء النهار ، المضاهي للحياة ، وعاين في نفسه غلبة ~~النوم ، الذي هو يضاهي الموت ، وانتباهه منه ، # 238 # الذي هو يضاهي البعث ، قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث ~~من في القبور. # قال لقمان لابنه : يا بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم ، فكما أنك تنام ~~قهرا ؛ كذلك تموت ، وإن كنت تشك في البعث فلا تنتبه ، فكما أنك تنتبه بعد ~~نومك ؛ كذلك تبعث بعد موتك ه. وبالله التوفيق. PageV05P366 # الإشارة : يوم نحشر من كل أمة فوجا ينكر على أهل الخصوصية ، ممن يكذب ~~بآياتنا ، وهم العارفون بنا ، الدالون علينا ، المعرفون بنا ، فهم يوزعون : ~~يجمعون للعتاب ، حتى إذا جاؤوا إلينا بقلب سقيم ، قال : أكذبتم بأوليائي ، ~~الدالين ms2067 على حضرتي ، بعد التطهير والتهذيب ، ولم تحيطوا بهم علما ، منعكم ~~من ذلك حب الرئاسة والجاه ، أم ماذا كنتم تعملون ؟ . ووقع القول عليهم ~~بالبقاء مع عامة أهل الحجاب ، فهم لا ينطقون ، ولا يجدون اعتذارا يقبل ~~منهم. ألم يعلموا أنهم يموتون على ما عاشوا عليه ، ويبعثون على ما ماتوا ~~عليه ، فهلا صحبوا أهل اليقين الكبير ، - وهو عين اليقين أو حق اليقين ~~المستفاد من شهود الذات الأقدس - فيكتسبوا منهم اليقين ، حتى يموتوا على ~~اليقين ويبعثوا على اليقين. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 237 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم ينفخ في الصور} ، وهو القرن الذي ~~ينفخ فيه إسرافيل - عليه السلام - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : " لما فرغ الله تعالى من خلق السموات والأرض ، ~~خلق الصور ، فأعطاه إسرافيل ، فهو واضعه على فيه ، شاخص بصره إلى العرش ، ~~حتى يؤمر ، قال : قلت : كيف هو ؟ قال : عظيم ، والذي نفسي بيده إن أعظم ~~دارة فيه كعرض السموات والأرض " وفي حديث آخر : " فيه ثقب بعدد كل روح ~~مخلوقة ، فيأمر بالنفخ فيه ، فينخ نفخة ، لا يبقى عندها في الحياة أحد ، ~~غير من شاء الله تعالى ؛ وذلك قوله تعالى : {ونفخ في الصور فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شآء الله} [الزمر : 68] ، ثم يؤمر بأخرى ، ~~فينخ نفخة لا يبقى معها ميت إلا بعث " وفي رواية : " فينفخ نفخة البعث ، ~~فتخرج الأرواح ، كأنها النحل ، فتملأ ما بين السماء والأرض ، وتأتي كل روح ~~إلى جسدها ، كما تأتي النحل إلى وكرها. وذلك # 239 PageV05P367 ~~قوله تعالى : {ثم نفخ فيه أخرىا فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر : 68] ". قال ~~أبو السعود : والذي يستدعيه النظم الكريم أن المراد بالنفخ ها هنا : النفخة ~~الثانية ، وفي الفزع في قوله تعالى : {ففزع من في السماوات ومن في الأرض} ~~ما يعتري الكل عند البعث والنشور ، بمشاهدة الأمور الهائلة ، الخارقة ~~للعادات في الأنفس والآفاق ، من الرعب والتهيب ، الضروريين ، الجبلين في كل ~~نفس. وإيراد صيغة الماضي مع كون المعطوف عليه مضارعا ؛ للدلالة على ms2068 تحقيق ~~وقوعه. ه. وظاهره أن النفخ مرتان فقط ، واعتمده القرطبي وغيره ، وصحح ابن ~~عطية أنها ثلاث ، وروي ذلك عن أبي هريرة : نفخة الفزع ؛ وهي فزع حياة ~~الدنيا ، وليس بالفزع الأكبر ، ونفخة الصعق ، ونفخة القيام من القبور. # جزء : 5 رقم الصفحة : 239 # وقوله : {إلا من شاء الله} أي : ألا يفزع ، وهو من ثبت الله قلبه ، فإن ~~قلنا : المراد بها النفخة الثانية ، فالمستثنى : هم من سبقت لهم الحسنى ، ~~بدليل قوله : {لا يحزنهم الفزع الأكبر} [الأنبياء : 103] وإن قلنا : هي ~~نفخة الصعق ، فالمستثنى : قيل : هم جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ~~، لكن يموتون بعد صعق الخلق. وقيل : الحور وحملة العرش ، وإن قلنا : المراد ~~نفخة الفزع في الدنيا ، فالمستثنى : أرواح الأنبياء والأولياء والشهداء ~~والملائكة. # ثم قال تعالى : {وكل أتوه} بصيغة الماضي ، أي : وكل واحد من المبعوثين ~~عند النفخة حضروه في موقف الحساب ، بين يدي الله جل جلاله ، والسؤال ~~والجواب : أو : وكل حاضروه ، على قراءة إسم الفاعل ، وأصله : آتيوه ، حال ~~كونهم {داخرين} : صاغرين أذلاء. PageV05P368 # {وترى الجبال} حال الدنيا {تحسبها جامدة} ؛ واقفة ممسكة عن الحركة ، من : ~~جمد في مكانه : إذا لم يبرح. {وهي تمر مر السحاب} أي : مرا مثل مر السحاب ، ~~التي تسيرها الرياح ، سيرا حثيثا ، والمعنى : أنك إذا رأيت الجبال وقت ~~النفخة ظننتها ثابتة في مكان واحد ؛ لعظمها ، وهي تسير سيرا سريعا ، ~~كالحساب إذا ضربته الرياح ، وهكذا الأجرام العظام ، إذا تحركت لا تكاد ~~تتبين حركتها. ومثال ذلك : الشمس ؛ لعظم جرمها وبعدها لا تتبين حركتها ، مع ~~كونها أسرع من الريح. # والذي في حديث أبي هريرة : أن تسيير الجبال يكون بعد نفخة الفزع وقبل الصعق. # ونص الحديث - بعد كلام تقدم : " فيأمر إسرافيل بالنفخة الأولى ، فيقول : ~~انفخ نفخة الفزع ، فيفزع أهل السموات والأرض ، إلا من شاء الله ، فيأمره ~~فيمدها - أي : النفخة - ويطيلها ، فيسير الله الجبالا ، فتمر مر السحاب ، ~~فتكون سرابا ، وترتج الأرض بأهلها رجا ، فتكون كالسفينة تضربها الأمواج ، ~~وتقلبها الرياح وهو في قوله : {يوم ترجف الراجفة} [النازعات : 6] الآية ، ~~فتميد الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع ، وتضع الحوامل ، # 240 # وتشيب الولدان ، وتطير ms2069 الشياطين ، هاربة من الفزع ، حتى تأتي الأقطار ~~هاربة ، فتلقاها الملائكة تضرب وجهها وأدبارها ، فترجع ، ويولي الناس ~~مدبرين ، ينادي بعضهم بعضا ، وهو قوله : {يوم التناد يوم تولون مدبرين...} ~~[غافر : 33] الآية فبينما هم كذلك ؛ إذ تصدعت الأرض ، من قطر إلى قطر ، ~~فرأوا أمرا عظيما ، لم يروا مثله " ثم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~: " والأموات يومئذ لا يعلمون بشيء من ذلك " قال أبو هريرة : قلت : يا رسول ~~الله فمن استثنى الله من الفزع ؟ قال : " أولئك الشهداء ". # جزء : 5 رقم الصفحة : 239 PageV05P369 ~~قلت : ومثلهم الأنبياء والأولياء ؛ إذ هم أعظم منهم ، وأحياء مثلهم. ثم قال ~~عليه الصلاة والسلام : " وإنما يصل الفزع إلى الأحياء ، وهم أحياء عند ربهم ~~يرزقون ، وقاهم الله فزع ذلك اليوم ، وهو عذاب يبعثه الله على شرار خلقه ". ~~وهو قوله تعالى : {ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} ~~[الحج : 1] إلى قوله : {ولاكن عذاب الله شديد} [الحج : 2] فيمكثون طويلا ، ~~ثم يأمر الله تعالى إسرافيل ، فينفخ نفخة الصعق ، فيصعق من في السموات ، ~~ومن في الأرض ، إلا من شاء الله ، فإذا اجتمعوا في البرزخ ، جاء ملك الموت ~~إلى الجبار ، فيقول : قد مات أهل السموات والأرض ، إلا من شاء الله ، فإذا ~~اجتمعوا في البرزخ ، جاء ملك الموت إلى الجبار ، فيقول : قد مات أهل ~~السموات والأرض ، إلا من شئت ، فيقول الله تعالى ، وهو أعلم : من بقي ؟ ~~فيقول : بقيت أنت الحي القيوم ، الذي لا تموت ، وبقيت حملة العرش ، وبقي ~~جبريل وميكائيل ، وإسرافيل ، وبقيت أنا ، فيقول تعالى : فليمت جبريل ~~وميكائيل ، فينطق الله العرش ، فيقول : أي رب يموت جبريل ، وميكائيل! فيقول ~~: اسكت ، إني كتبت الموت على كل من تحت عرشي ، فيموتان. ثم يأتي ملك الموت ~~الجبار ، فيقول : أي رب قد مات جبريل وميكائيل ، فيقول - وهو أعلم : من بقي ~~؟ بقيت أنت الحي الذي لا تموت ، وبقيت حملة العرش ، وبقي إسرافيل ، وبقيت ~~أنا. فيقول : ليمت حملة العرش ، فيموتون ، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من ~~إسرافيل ، ثم يقول : ليمت إسرافيل ، فيموت ، ثم يأتي ملك الموت فيقول : يا ~~رب ؛ قد مات ms2070 حملة عرشك ، فيقول ، وهو أعلم : من بقي ؟ فيقول : بقيت أنت ~~الحي الذي لا تموت ، وبقيت أنا ، فيقول : أنت خلق من خلقي ، خلقتك لما رأيت ~~، فمت ، فيموت. فإذا لم يبق إلا الله الواحد الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم ~~يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، فكان آخرا ، كما كان أولا ، طوى السماء طي ~~السجل للكتاب ، فيقول : أنا الجبار ، {لمن PageV05P370 ~~الملك اليوم} ؟ فلا يجيبه أحد ، ثم يقول تعالى : {لله الواحد القهار} ثم ~~تبدل الأرض غير الأرض ، والسموات يبسطها بسطا ، ثم يمدها مد الأديم العكاظي ~~، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. # ثم قال : ثم ينزل ماء من تحت العرش ، كمني الرجل ، ثم يأمر الله السحاب ~~أن تمطر أربعين يوما ، حتى يكون فوقهم اثني عشر ذراعا ، ويأمر الله تعالى ~~الأجساد أن تنبت كنبات البقل ، حتى إذا تكاملت أجسادهم ، كما كانت ، قال ~~الله تعالى : ليحيى حملة العرش ، فيحيون ، ثم # 241 # يقول الله تعالى : ليحيى جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فيحيون ، ثم يأمر ~~الله تعالى إسرافيل ، فيأخذ الصور فيضعه على فيه ، ثم يدعو الله تعالى ~~الأرواح ، فيؤتى بها تتوهج أرواح المؤمنين نورا ، والأخرى ظلمة ، فيقبضها ، ~~ثم يلقيها في الصور ، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث ، ~~فتخرج الأرواح ، كأنها النحل ، وقد ملأت ما بين السماء والأرض ، فيقول ~~تعالى : لترجعن كل روح إلى جسدها ، فتدخل الأرواح الخياشيم ، ثم تمشي في ~~الأجساد ، مشي السم في اللديغ ، ثم تنشق الأرض عنهم سراعا ، فأنا أول من ~~تنشق عنه ، فتخرجون منها إلى ربكم تنسلون ، عراة ، حفاة ، غرلا ، مهطعين ~~إلى الداعي ، فيقول الكافر : هذا يوم عسير. نقله الثعلبي. # جزء : 5 رقم الصفحة : 239 PageV05P371 ~~ثم قال تعالى : {صنع الله} ، هو مصدر مؤكد لمضمون ما قبله ، أي : صنع الله ~~ذلك صنعا ، على أنه عبارة عما ذكر من النفخ في الصور ، وما ترتب عليه ~~جميعا. قصد به التنبيه على عظم شأن تلك الأفاعيل ، وتهويل أمرها ، والإيذان ~~بأنها ليست بطريق الإخلال بنظم العالم ، وإفساد أحوال الكائنات ، من غير أن ~~تدعو إليه داعية ، بل هي من بدائع ms2071 صنع الله تعالى ، المبنية على أساس ~~الحكمة ، المستتبعة للغايات الجليلة ، التي لأجلها رتبت مقدمات الخلق ~~ومبادئ الإبداع ، على الوجه المتين ، والنهج الرصين كما يعرب عنه قوله : ~~{الذي أتقن كل شيء} أي : أحكم خلقه وسواه ، على ما تقتضيه الحكمة. # وقوله تعالى : {إنه خبير بما تفعلون} : تعليل لكون ما ذكر صنعا محكما له ~~تعالى ؛ لبيان أن علمه بظواهر أفعال المكلفين وبواطنها ، مما يدعو إلى ~~إظهارها وبيان كيفياتها ، على ما هي عليه من الحسن والسوء ، وترتيب أجزيتها ~~عليها بعد بعثهم وحشرهم. وقوله تعالى : {من جاء بالحسنة فله خير منها} : ~~بيان لما أشير إليه بإحاطة علمه تعالى بأفعالهم من ترتيب أجزيتها عليها ، ~~أي : من جاء من أولئك الذين أتوه بالحسنة فله خير منها ، باعتبار أنه ~~أضعفها بعشر ، أو : باعتبار دوامه وانقضائها ، وعن ابن عباس رضي الله عنه : ~~" الحسنة : كلمة الشهاة " {وهم} أي : الذين جاؤوا بالحسنات {من فزع يومئذ} ~~أي : من فزع هائل ، وهو الفزع الحاصل من مشاهدة العذاب ، بعد تمام المحاسبة ~~، وظهور الحسنات والسيئات. وهو المراد في قوله تعالى : {لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر} [الأنبياء : 103]. PageV05P372 # وقال ابن جريج : حين يذبح الموت وينادى : يا أهل الجنة ؛ خلود لا موت ، ويا ~~أهل النار ؛ خلود لا موت. فيكون هؤلاء {من فزع يومئذ} ، أي : يوم إذ ينفخ ~~في الصور وما بعده {آمنون} لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل ، ولا يلحقهم ضرره ~~أصلا. وأما الفزع الذي يعتري كل من السموات ومن في الأرض ، غير ما استثناه ~~اله تعالى ، فإنما هو التهيب والرعب الحاصل في ابتداء النفخة ، من معاينة ~~فنون الدواهي والأهوال ، ولا يكاد يخلو منه أحد بحكم الجبلة ، وإن كان آمنا ~~من لحوق الضرر. قال جميعه أبو السعود. # {ومن جاء بالسيئة} قيل : هو الشرك. {فكبت وجوههم في النار} ، أي : كبوا فيها # 242 # على وجوههم منكوسين. ويقال لهم : {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} في ~~الدنيا من الشرك والمعاصي. والله تعالى أعلم. # الإشارة : من أراد أن يكون ممن استثنى الله من الفزع والهول ، فليكن قلبه ~~معمورا بالله ، ليس فيه غير مولاه ، ولا ms2072 مقصود له في الدارين إلا الله ، ~~وظاهره معمورا بطاعة الله ، متمسكا بسنة رسول الله ، هواه تابع لما جاء من ~~عند الله ، لا شهوة له إلا ما يقضي عليه مولاه ، فبهذا ينخرط في سلك أولياء ~~الله ، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين سبقت لهم الحسنى ، لا ~~يحزنهم الفزع الأكبر ، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون. جعلنا الله من خواصهم ~~، بمنه وكرمه آمين. # جزء : 5 رقم الصفحة : 239 # وقوله تعالى : {وترى الجبال تحسبها جامدة...} الآية. كذلك قلوب الراسخين ~~في العلم بالله ، لا تؤثر فيهم هواجم الأحوال والواردات الإلهية ، بل تهزهم ~~في الباطن ، وظواهرهم ساكنة ، كالجبال الراسية ، قيل للجنيد : قد كنت ~~تتواجد عند السماع ، والآن لا يتحرك فيك شيء ؟ فتلى : {وترى الجبال تحسبها ~~جامدة وهي تمر مر السحاب}. PageV05P373 # وقوله تعالى : {من جاء بالحسنة} أي : بالخصلة الحسنة ، وهي المعرفة {فله ~~خير منها} وهو دوام النظرة والحبرة ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، {ومن ~~جاء بالسيئة} هي الجهل بالله ، فينكس وجهه عن مواجهة المقربين. والعياذ بالله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 239 # يقول الحق جل جلاله : قل لكفار قريش ، بعد تبيين أحوال المبعث ، وشرح ~~أحوال القيامة ، بما لا مزيد عليه : {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة} أي ~~: مكة ، أي : إنما أمرني ربي أن أعبده ، وأستغرق أوقاتي في مراقبته ~~ومشاهدته ، غير مبال بكم ، ضللتم أم رشدتم ، وما علي إلا البلاغ ، وقد ~~بلغتكم وأنذرتكم. وتخصيص مكة بالإضافة لتفخيم شأنها وإجلال مكانها ، {الذي ~~حرمها} أي : جعلها حرما آمنا ، يأمن الملتجأ إليها ، ولا يختلي خلاها ، ولا ~~يعضد شوكها ، ولا ينفر صيدها. والتعرض لبيان تحريمه إياها تشريف لها بعد ~~تشريف ، وتعظيم إثر تعظيم ، مع مافيه من الإشعار بعلة الأمر بعبادة ربها ، ~~وأنهم مكلفون بذلك ، كما في قوله تعالى : {فليعبدوا رب هاذا البيت الذيا ~~أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} [قريش : 3 ، 4]. ومن الإشارة إلى غاية شناعة ~~ما فعلوا فيها ، ألا # 243 # يرى أنهم مع كونها محرمة أن تنتهك حرمتها ، ويلحد فيها بإثم ، قد استمروا ~~فيها على تعاطي أفجر الفجور ms2073 ، وأشنع الإلحاد ، حيث تركوا عبادة ربها ، ~~ونصبوا الأوثان ، وعكفوا على عبادتها ، قاتلهم الله أنى يؤفكون. قاله أبو ~~السعود. # ثم قال تعالى : {وله كل شيء} خلقا وملكا وتصرفا ، من غير ان يشاركه أحد ~~في شيء من ذلك ، تحقيقا للحق ، وتنبيها على إن إفراد مكة بالإضافة لما ذكر ~~من التفخيم والتشريف ، مع عموم الربوبية لجميع الموجودات. {وأمرت أن أكون ~~من المسلمين} المنقادين له ، الثابتين على ما كنا عليه ، من ملة الإسلام ~~والتوحيد. الذين أسلموا وجوهم له تعالى ، وانقادوا إليه بالكلية. PageV05P374 # {وإن أتلو القرآن} أي : أواظب على تلاوته ، لتنكشف حقائقه الرائقة ، ~~المخزونة في تضاعيفه ، شيئا فشيئا. أو : على تلاوته على الناس ؛ بطريق ~~تكرير الدعوة ، وتثنية الإرشاد ، فيكون ذلك تنبيها على كفايته في الهداية ~~والإرشاد ، من غير حاجة إلى إظهار معجزة أخرى. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 243 # فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} أي : فمن اهتدى بالإيمان به ، والعمل بما ~~فيه من الشرائع والأحكام ، فإنما منافع هدايته عائدة إليه ، لا إلى غيره. ~~{ومن ضل} بالكفر به ، والإعراض عن العمل بما فيه {فقل} في حقه : {إنما أنا ~~من المنذرين} وقد خرجت من عهدة الإنذار ، فليس علي من وبال ضلالته شيء. قال ~~الصفاقسي : جواب " من " : محذوف ، يدل عليه ما قبله ، أي : فوبال ضلاله ~~عليه ، أو : يكون الجواب : " فقل " ، ويقدر ضمير عائد من الجواب إلى الشرط ~~؛ لأنه اسم غير ظرف ، أي : من المنذرين له. ه. PageV05P375 # {وقل الحمد لله} على ما أفاض علي من نعمائه ، التي أجلها نعمة النبوة ، ~~المستتبعة لفنون النعم الدينية والدنيوية ، ووفقني لتحمل أعبائها ، وتبليغ ~~أحكامها إلى كافة الورى ، بالآيات البينة والبراهين النيرة ، {سيريكم ~~آياته} قطعا في الدنيا ، التي وعدكم بها ، كخروج الدابة وسائر الأشراط ، ~~{فتعرفونها} أي : فتعرفون أنها آيات الله ، حين لا تنفعكم المعرفة ، أو : ~~سيضطركم إلى معرفة آياته ، والإقرار بأنها آيات الله حين ظهورها ، {وما ربك ~~بغافل عما تعملون} ، بل محيط بعمل المهتدي والضال ، غير غافل ، فيجازي كلا ~~بما يستحقه. وتخصيص الخطاب أولا به - عليه الصلاة والسلام - وتعميمه ثانيا ~~للكفرة تغليبا ، أي : وما ربك ms2074 بغافل عما تعمل أنت من الحسنات وما تعملون ~~أنتم - أيها الكفرة - من السيئات ، فيجازي كلا بعمله. ومن قرأ بالغيب فهو ~~وعيد محض ، أي : وما ربك بغافل عن أعمالهم ، فسيعذبهم ألبتة ، فلا يحسبوا ~~أن تأخير عذابهم لغفلته تعالى عن أعمالهم ، بل يمهل ولا يهمل. والله تعالى أعلم. # 244 # الإشارة : إذا فرغ الواعظ من وعظه وتذكيره ، أو : العالم من تدريسه ~~وتعليمه ، أقبل على عبادة ربه ، إما عبادة الجوارح الظاهرة ، من صلاة وذكر ~~وتلاوة ، أو عبادة القلوب ، كتفكر واعتبار ، أو استخراج علوم وحكم ودرر. ~~وإما عبادة الأرواح ، كنظرة وفكرة وشهود واستبصار. وهذه عبادة الفحول من ~~الرجال ، فمن اهتدى إليها فلنفسه ، ومن ضل عنها فقل إنما أنا من المنذرين. ~~والحمد لله رب العالمين - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما. # 245 # جزء : 5 رقم الصفحة : 243 PageV05P376 ### | AUTO سورة القصص # جزء : 5 رقم الصفحة : 245 # يقول الحق جل جلاله : {طسم} ، إما مختصرة من أسماء الله تعالى ، أقسم على ~~حقية كتابه ، وما يتلى فيه ، كأنها مختصرة من طهارته - أي : تنزيهه - ~~وسيادته ، ومجده ، أو : من أسماء رسوله - وهو الأظهر - أي : أيها الطاهر ~~السيد المجيد {تلك آيات الكتاب المبين} ، إما من بان ، أو : أبان ، أي : ~~بين خيره وبركته ، أو مبين للحلال والحرام ، والوعد والوعيد ، والإخلاص ~~والتوحيد ، {نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون} أي : بعض خبرهما العجيب. قال ~~القشيري : كرر الحق قصة موسى ؛ تعجيبا بشأنه ، وتعظيما لأمره ، ثم زيادة في ~~البيان لبلاغة القرآن ، ثم أفاد زوائد من الذكر في كل موضع يكرره. ه. # هذا مع الإشارة إلى نصر المستضعفين ، والامتنان عليهم بالظفر والتمكين ، ~~ففيه تسلية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ووعد جميل له ولأمته. وقوله : ~~{بالحق} : حال من فاعل {نتلو} ، أو : من مفعوله ، أو : صفة لمصدر محذوف ، ~~أي ملتبسين ، أو : ملتبسا بالحق ، أو : تلاوة ملتبسة بالحق. {لقوم يؤمنون} ~~؛ لمن سبق في علمنا أنه يؤمن ؛ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم ، ~~فهو متعلق بنتلو. والله تعالى أعلم. # الإشارة : تقديم هذه الرموز ، قبل سرد القصص ، إشارة إلا ms2075 أنه لا ينتفع ~~بها كل الانتفاع حتى يتطهر سره ، ويلقي سمعه ، وهو شهيد ، فحينئذ يكون ~~طاهرا سيدا مجيدا ينتفع بكل شيء ، ويزيد إلى الله بكل شيء. ولذلك خص تلاوة ~~قصص موسى بأهل الإيمان الحقيقي ؛ لأنهم هم أهل الاعتبار والاستبصار. والله ~~تعالى أعلم. # 246 # جزء : 5 رقم الصفحة : 246 PageV05P377 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن فرعون علا في الأرض} ، وهو استئناف بياني ، وكأن ~~قائلا قال : وكيف كان نبأهما ؟ فقال : إنه علا في الأرض ، أي : تجبر وطغى ~~في أرض مصر ، وجاوز الحد في الظلم والعدوان. أو : علا عن عبادة ربه ، ~~وافتخر بنفسه ، ونسي العبودية. وفي التعبير بالأرض تبكيت عليه ، أي : علا ~~في محل التذلل والانخفاض ، {وجعل أهلها شيعا} أي : فرقا وأصنافا في الخدمة ~~والتسخير ، كل قوم من بني إسرائيل في شغل مفرد. وقيل : ملك القبط واستعبد ~~بني إسرائيل. أو : فرقا مختلفة ، يكرم طائفة ويهين أخرى ، فأكرم القبط ، ~~وأهان بني إسرائيل. {ويستضعف طائفة منهم} وهم بنو إسرائيل ، وهو يرشد إلى ~~كون المراد بقوله : {وجعل أهلها} لا يخص ببني إسرائيل. # {يذبح أبناءهم} الذكور ، {ويستحيي نساءهم} أي : البنات ، يتركهم لخدمته. # وسبب ذبحه للأبناء أن كاهنا قال له : يولد مولود في بني إسرائيل ، يذهب ~~ملكك على يده ، وفيه دليل على حمق فرعون ، فإنه إن صدق الكاهن لم ينفعه ~~القتل ؛ إذ لا ينفع حذر من قدر ، وإن كذب فلا معنى للقتل. وجملة : {يستضعف} ~~: حال من الضمير في {جعل} ، أو صفة لشيع ، أو استئناف. {إنه كان من ~~المفسدين} ، أي : الراسخين في الإفساد ، ولذلك اجترأ على تلك العزيمة ~~العظيمة ، ومن قتل المعصومين من أولاد الأنبياء - عليهم السلام. # {ونريد أن نمن} أي : نتفضل {على الذين استضعفوا في الأرض} على الوجه ~~المذكور بالقتل والتسخير. وهذه الجملة معطوفة على : {إن فرعون} ، أو : حال ~~من {يستضعف} ، أي : يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم ، وإرادة الله ~~تعالى كائنة لا محالة ، فجعلت كالمقارنة لاستضعافهم ، {ونجعلهم أئمة} أي : ~~قادة يقتدى بهم في الخير ، أو : دعاة إلى الخير ، أو : ولاة وملوكا ، ~~{ونجعلهم الوارثين} أي : يرثون فرعون وقومه ms2076 ، ملكهم وكل ما كان لهم. # {ونمكن لهم في الأرض} ؛ أرض مصر والشام ، يتصرفون فيها كيف شاؤوا ، # 247 PageV05P378 ~~وتكون تحت ملكهم وسلطانهم. وأصل التمكن : أن يجعل لهم مكانا يقعد عليه ، ثم ~~استعير للتسليط والتصرف في الأمر. {ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم} ؛ من ~~بني إسرائيل ، {ما كانوا يحذرون} ؛ يخافون من ذهاب ملكهم ، وهلاكهم على يد ~~مولود منهم. والحذر التوقي من الضرر. ومن قرأ (يري) ؛ بالياء ففرعون وما ~~بعده فاعل. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 247 # الإشارة : العلو في الأرض يورث الذل والهوان. والتواضع والاستضعاف يورث ~~العز والسلطان ، والعيش في العافية والأمان ؛ من تواضع رفعه الله ، ومن ~~تكبر قصمه الله. وهذه عادة الله في خلقه ، بقدر ما يذل في جانب الله يعزه ~~الله ، وبقدر ما يفتقر يغنيه الله ، بقدر ما يفقد يجد الله. قال الشيخ أبو ~~الحسن رضي الله عنه : اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا ، وحكمت ~~عليه بالفقد حتى وجدوا. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 247 # يقول الحق جل جلاله : {وأوحينا إلى أم موسى} ؛ بالإلهام ، أو بالرؤيا ، ~~أو بإخبار ملك كما كان لمريم ، وليس هذا وحي رسالة ، فلا يلزم أن تكون ~~رسولا ، واسمها : يوحانة ، وقيل : يوخابذ بنت يصهر بن لاوي بن يعقوب. وقيل ~~: يارخا. ذكره في الإتقان. وقلنا : {أن أرضعيه} ؛ " أن " : مفسرة ، أي : ~~أرضعيه ، أو : مصدرية ، بأن أرضعيه ما أمكنك إخفاؤه ، {فإذا خفت عليه} من ~~القتل {فألقيه في اليم}. البحر ، وهو نيل مصر ، {ولا تخافي} عليه من الغرق ~~والضياع ، {ولا تحزني} لفراقه ، {إنا رادوه إليك} بوجه لطيف ؛ لتربيه ، ~~{وجاعلوه من المرسلين}. وفي هذه الآية : أمران ، ونهيان ، وخبران ، ~~وبشارتان. PageV05P379 # والفرق بين الخوف والحزن ؛ أن الخوف : غم يلحق الإنسان لتوقع مكروه ، ~~والحزن : غم يلحق الإنسان لواقع أو ماضي ، وهو الآن فراقه والإخطار به. ~~فنهيت عنهما ، وبشرت برده وجعله من المرسلين. روي أنه ذبح ، في طلب موسى ، ~~تسعون ألف وليد. وروي أنها حين ضربها الطلق - وكانت بعض القوابل من ~~الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها ، فعالجتها ، فلما وقع إلى الأرض ms2077 ~~هالها نور بين عينيه ، ودخل حبه قلبها ، فقالت : ما جئت إلا لأقتل ولدك ~~وأخبر فرعون ، ولكن وجدت لابنك حبا ما وجدت مثله ، فاحفظيه ، فلما خرجت ~~القابلة ، جاءت عيون فرعون فلفته في خرقة ، ووضعته في # 248 # تنور مسجور ، ولم تعلم ما تصنع ؛ لما طاش من عقلها ، فطلبوا فلم يجدوا ~~شيئا ، فخرجوا ، وهي لا تدري مكانه ، فسمعت بكاءه من التنور ، فانطلقت إليه ~~، وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما. فلما ألح فرعون في طلب الولدان ، ~~أوحى الله إليها بإلقائه في اليم ، فألقته في اليم بعد أن أرضعته ثلاثة أشهر. PageV05P380 # روي أنها لفته في ثيابه ، وجعلت له تابوتا من خشب ، وقيل : من بردى ، وسدت ~~عليه بقفل ، وأسلمته ؛ ثقة بالله وانتظارا لوعده سبحانه. قال ابن مخلص : ~~ألقته في البحر بالغداة ، فرده إليها قبل الظهر. حكي أن فرعون كانت له بنت ~~برصاء ، أعيت الأطباء ، فقال الأطباء والسحرة : لا تبرأ إلا من قبل البحر ، ~~يؤخذ من شبه الإنسان ، فيؤخذ من ريقه وتلطخ به برصها ، فتبرأ ، فقعد فرعون ~~على شفير النيل ، ومعه آسية امرأته ، فإذا بالتابوت يلعب به الموج ، فأخذ ~~له ، ففتحوه ، فلم يطيقوا ، فدنت آسية ، فرأت في وجه التابوت نورا لم يره ~~غيرها ، للذي أراد الله أن يكرمها ، ففتحه ، فإذا الصبي بين عينيه نور ، ~~وقد جعل الله رزقه في إبهامه ، يمصه لبنا ، فأحبته آسية وفرعون ، فلطخت بنت ~~فرعون برصها فبرئت ، فقبلته وضمته إلى صدرها. فقال بعض القواد من قوم فرعون ~~: نظن هذا المولود الذي نحذر منه ، فهم فرعون بقتله - والله غالب على أمره ~~- فقالت : آسية : {قرة عين لي ولك... } الآية. # جزء : 5 رقم الصفحة : 248 # وهذا معنى قوله : {فالتقطه آل فرعون} ؛ أخذه. قال الزجاج : وكان فرعون من ~~أهل فارس ، من إصطخر. والالتقاط : وجدان الشيء من غير طلب ولا إرادة ، ومنه ~~: اللقطة ، لما وجد ضالا. وقوله : {ليكون لهم عدوا وحزنا} أي : ليصير الأمر ~~ذلك ، لا أنهم أخذوه لهذا ، فاللام للصيرورة ؛ كقولهم : لدوا للموت وابنوا ~~للخراب. وقال صاحب الكشاف : هي لام " كي " التي معناها التعليل ، كقولك : ~~جئت لتكرمني. ms2078 ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز ؛ لأن ذلك لما ~~كان نتيجة التقاطم له ، شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله. ه. ~~وتسمى بالاستعارة التبعية. # وفي " الحزن " لغتان ؛ الفتح ، والضم ، كالعدم والعدم. PageV05P381 # {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} ، أي : مذنبين ، فعاقبهم الله ~~تعالى بأن ربى عدوهم ، ومن هو سبب هلاكهم على يديهم. أو : كانوا خاطئين في ~~كل شيء ، فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم. # {وقالت امرأة فرعون} ، لما هم فرعون بقتله - لقول القواد : هو الذي نحذر ~~هو : {قرة عين لي ولك} ، فقال فرعون : لك ، لا لي. قال صلى الله عليه وسلم ~~: " لو قال مثل ما قالت لهداه الله مثل ما هداها " ، وهذا على سبيل الفرض ، ~~أي : لو كان غير مطبوع عليه الكفر لقال مثل قولها. ثم قالت : {لا تقتلوه} ، ~~خاطبته خطاب الملوك ، أو خاطبت القواد. # {عسى أن ينفعنا} ؛ فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع ، وذلك لما عاينت من ~~النور وبرء البرصاء. {أو نتخذه ولدا} ؛ أو : نتبناه ؛ فإنه أهل لأن يكون ~~ولد الملوك. قال تعالى : # 249 # {وهم لا يشعرون} ما يكون من أمره وأمرهم ، أو : لا يشعرون أن هلاكهم على ~~يديه ، أو : لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : يقال لمن يعالج تربية مريد : أرضعه من لبن علم الغيوب ، فإذا ~~خفت عليه الوقوف مع الشرائع ، فألقه في اليم ؛ في بحر الحقائق ، ولا تخف ~~ولا تحزن ، إنا رادوه إلا بر الشرائع ، ليكون من الكاملين ، لأن من غرق في ~~بحر الحقيقة ، على يد شيخ كامل ، لا بد أن يخرجه إلى بر الشريعة ، ويسمى ~~البقاء ، وهو القيام برسم الشرائع ، فالبقاء يطلب الفناء ، فمن تحقق بمقام ~~الفناء ؛ فلا بد أن يخرج إلى البقاء ، كما يخرج من فصل الشتاء إلى الربيع. ~~والله تعالى أعلم. PageV05P382 # وقوله تعالى : {ليكون لهم عدوا وحزنا} ، ما كان التقاط فرعون لموسى إلا ~~للمحبة والفرح ، فخرج له عكسه. ومن هذا كان العارفون لا يسكنون إلى الشيء ~~ولا يعتمدون على شيء ؛ لأن العبد قد ms2079 يخرج له الضرر من حيث النفع ، وقد يخرج ~~له النفع من حيث يعتقد الضرر ، وقد ينتفع على أيدي الأعداء ، ويضر على أيدي ~~الأحباء ، فليكن العبد سلما بين يدي سيده ، ينظر ما يفعل به. {والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون}. # جزء : 5 رقم الصفحة : 248 # يقول الحق جل جلاله : {وأصبح} أي : صار : {فؤاد أم موسى فارغا} من كل شيء ~~إلا من ذكر موسى وهمه ، أو : فارغا : خاليا من العقل ؛ لما دهمها من الجزع ~~والحيرة ، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون ، ويؤيده قراءة ابن محيصن : " فزعا ~~" ؛ بالزاي بلا ألف ، أو : فارغا من الوحي الذي أوحي إليها أن تلقيه في ~~اليم ، ناسيا للعهد أن يرده إليها ، لما دهمهما من الوجد ، وقال لها ~~الشيطان : يا أم موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى وأغرقته أنت. وبلغها أنه وقع ~~في يد فرعون ، فعظم البلاء ، {إن كادت لتبدي به} : لتبوح به وتظهر شأنه ~~وأنه ولدها. # قيل : لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت ؛ كادت تصيح وتقول : يا ابناه ، ~~وقيل : لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه يقتله ، فكادت تقول : يا ~~ابناه ؛ شفقة عليه. و" أن " مخففة ، أي : إنها كادت لتظهره {لولا أن ربطنا ~~على قلبها}. والربط : تقويته ؛ بإلهام الصبر والتثبيت ، {لتكون من ~~المؤمنين} : من المصدقين بوعدنا ، وهو : {إنا رادوه إليك}. وجواب " لولا " ~~: محذوف ، أي : لأبدته ، أو : فارغا من الهم ، حين سمعت أن فرعون تبناه ، ~~إن كادت لتبدي بأنه ولدها ؛ لأنها لم تملك نفسها ؛ فرحا وسرورا مما # 250 PageV05P383 ~~سمعت ، لولا أن ربطنا على قلبها وثبتناه ؛ لتكون من المؤمنين الواثقين بعهد ~~الله ، لا بتبني فرعون. قال يوسف بن الحسن : أمرت أم موسى بشيئين ، وبشرت ~~ببشارتين ، فلم ينفعها الكل ، حتى تولى الله حياطتها ، فربط على قلبها. # {وقال لأخته} مريم : {قصيه} : اتبعي أثره ؛ لتعلمي خبره ، {فبصرت به} أي ~~: أبصرته {عن جنب} ؛ عن بعد. قال قتادة : جعلت تنظر إليه كأنها لا تريده ، ~~{وهم لا يشعرون} أنها أخته ، وأنها تقصه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ينبغي للعبد ، الطالب لمولاه ، أن يصبح فارغا من كل ما ms2080 سواه ، ~~ليس في قلبه سوى حبيبه ، فحينئذ يرفع عنه الحجاب ، ويدخله مع الأحباب ، ~~فعلامة المحبة : جمع الهموم في هم واحد ، وهو حب الحبيب ، ومشاهدة القريب ~~المجيب ، كما قال الشاعر : # كانت لقلبي أهواء مفرقة # فاستجمعت ، مذ رأتك العين ، أهوائي # جزء : 5 رقم الصفحة : 250 # فصار يحسدني من كنت أحسده # وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي # تركت للناس دنياهم ودينهم # شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي # فرغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار. والأغيار : جمع غير ، وهو ~~ما سوى الله ، فإن تلاشى الغير عن عين العبد ؛ شهد مولاه في غيب ملكوته ، ~~وأسرار جبروته ، وفي ذلك يقول القائل : # إن تلاشى الكون عن عين قلبي # شاهد السر غيبه في بيان # فاطرح الكون عن عيانك ، وامح # نقطة الغين إن أردت تراني # فمن شاهد حبيبه كاد أن يبدي به ، ويبوح بسره ؛ فرحا واغتباطا به ، لولا ~~أن الله يربط على قلبه ، ليكون من الثابتين الراسخين في العلم به ، وإن ~~أبدى سر الحبيب سلط عليه سيف الشريعة ، وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 250 PageV05P384 ~~قلت : المراضع : جمع مرضع ، ، وهي المرأة التي ترضع ، أو : مرضع - بالفتح - ~~: موضع الرضاع ، وهو الثدي. و(لا تحزن) : معطوف على (تقر). # يقول الحق جل جلاله : {وحرمنا عليه المراضع} أي : تحريم منع ، لا تحريم ~~شرع ، أي : منعناه أن يرضع ثديا غير ثدي أمه. وكان لايقبل ثدي مرضع حتى ~~أهمهم ذلك. {من قبل} أي : من قبل قصصها أثره ، أو : من قبل أن نرده إلى ~~أمه. {فقالت} # 251 # أخته. وقد دخلت داره بين المراضع ، ورأته لا يقبل ثديا : {هل أدلكم} ؛ ~~أرشدكم {على أهل بيت يكفلونه} ؛ يحفظون موسى {لكم وهم له ناصحون} ؛ لا ~~يقصرون في إرضاعه وتربيته. والنصح : إخلاص العمل من شائبة الفساد. روي أنها ~~لما قالت : {وهم له ناصحون} ؛ قال هامان : إنها لتعرفه وتعرف أهله ، فخذوها ~~حتى تخبر بقصة هذا الغلام ، فهو الذي نحدر ، فقالت : إنما أردت : وهم للملك ~~ناصحون. # فانطلقت إلى أمها بأمرهم ، فجاءت بها ، والصبي على يد فرعون يعلله ؛ شفقة ~~عليه ، وهو يبكي يطلب الرضاع ، فحين وجد ms2081 ريحها استأنس والتقم ثديها ، فقال ~~لها فرعون : ومن أنت منه ، فقد أبى كل ثدي إلا ثديك ؟ فقالت : إني امرأة ~~طيبة الريح ، لا أوتى بصبي إلا قبلني. فدفعه إليها ، وأجرى عليها مؤنة ~~الرضاع. قيل : دينارا في اليوم ، وذهبت به إلى بيتها ، وأنجز الله لها وعده ~~في الرد ، فعندها ثبت واستقر في علمها أنه سيكون نبيا. وذلك قوله تعالى : ~~{فرددناه إلى أمه كي تقر عينها} بولدها ، {ولا تحزن} لفراقه ، {ولتعلم أن ~~وعد الله حق} ، أي : وليثبت علمها ؛ مشاهدة ، كما ثبت ؛ علما. # وأما جزعها وحيرتها ؛ فذلك من الطبع البشري الجبلي ، اللازم لضعف البشرية ~~، لا ينجو منه إلا خواص الخواص ، وإنما حل لها ما تأخذه من الدينار في ~~اليوم ، كما قال السدي : لأنه مال حربي ، لا أنه أجرة إرضاع ولدها. PageV05P385 # {ولكن أكثرهم} أي : القبط ، أو الناس جملة ، {لا يعلمون} أن ما وعد الله لا ~~بد من إنجازه ، ولو بعد حين ، وهو داخل تحت علمها ، أي : لتعلم أن وعد الله ~~حق ، ولتعلم أن أكثر الناس لا يعلمون فيرتابون فيه. وفيه التعريض بما فرط ~~منها ؛ حين سمعت بوقوع موسى في يد فرعون ، فجزعت ، وهذا من الطبع البشري ~~كما تقدم. وأيضا يجوز أن يكون الوعد منوطا بشروط وأسباب ، قد لا تعرفها ، ~~فلذلك لم ينفك خوفها. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 251 # الإشارة : وحرمنا على الإنسان المراضع ، من لبان الخمرة الأزلية ، من قبل ~~أن نلقيه بأهلها ، فقالت له العناية السابقة : هل أدلك على أهل بيت الحضرة ~~يكفلونك من رعونات البشرية ، والهفوات القلبية ، وهي الإصرار على المساوئ ~~والذنوب ، ويرضعونك من لبن الخمرة الأزلية. وهم لك ناصحون. يدلونك على الله ~~ولا يدلونك على غيره ؛ فإن من دلك على الله فقد نصحك ، ومن دلك على العمل ~~فقد أتعبك ، ومن دلك على الدنيا فقد غشك. فرددناه إلى أمه ، وهي الحضرة ~~القدسية ، التي خرج منها ، بمتابعة شهوته وغفلته ، كي تقر عين روحه بمشاهدة ~~حبيبها ، ولا تحزن على فوات شيء ، إذ لم تفقد شيئا ، حيث وجدت الله تعالى ؛ ~~" ماذا فقد من وجدك ms2082 ؟ وما الذي وجد من فقدك ؟ ". ولتعلم أن وعد الله بالفتح ~~على من توجه إليه بالواسطة حق ، ولكن أكثر أهل الغفلة لا يعلمون # 252 # جزء : 5 رقم الصفحة : 251 # قلت : {على حين غفلة} : حال ، أي : دخل مخفيا. PageV05P386 # يقول الحق جل جلاله : {ولما بلغ} موسى {أشده} أي : نهاية القوم وتمام العقل ~~، جمع شدة ؛ كنعمة وأنعم. وأول ما قيل في الأشد : بلوغ النكاح ، وذلك أوله ~~، وأقصاه : أربع وثلاثون سنة. {واستوى} أي : اعتدل عقله وقوته ، وهو أربعون ~~سنة ، ويروى أنه لم يبعث نبي إلى على رأس أربعين سنة. {آتيناه حكما} : نبوة ~~، أو حكمة {وعلما} : فقها في الدين ، أو : علما بمصالح الدارين. والحاصل : ~~لما تكامل عقله وبصيرته آتيناه حكما على عبادنا وعلما بنا. {وكذلك نجزي ~~المحسنين} أي : كما فعلنا بموسى وأمه ؛ لما استسلمت لأمر الله ، وألقت ~~ولدها في البحر ، وصدقت بوعد الله ، فرددنا لها ولدها ، ووهبنا له الحكمة ~~والنبوة ، فكذلك نجزي المحسنين في كل أوان وحين. # قال الزجاج : جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان ؛ ~~لأنهما يؤديان إلى الجنة ، التي هي جزاء المحسنين ، والعالم الحكيم من يعمل ~~بعلمه ؛ لأنه تعالى قال : {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} ~~[البقرة : 102] ، فجعلهم جهالا ، إذ لم يعملوا بالعلم. ه. # {ودخل المدينة} أي : مصر ، آتيا من قصر ، فرعون ، وكان خارجا ، وقال ~~السدي : مدينة منف من أرض مصر ، وقال مقاتل : قرية " حابين " ، على فرسخين ~~من مصر. {على حين غفلة من أهلها} ، وهو مابين العشاءين ، أو : وقت القائلة ~~، يعني : انتصاف النهار. # قال السدي : لما كبر موسى ؛ ركب مراكب فرعون ، ولبس ملابسه ، فكان يدعى ~~موسى بن فرعون ، فركب فرعون يوما وركب موسى خلفه ، فأدركه المقيل بقرب ~~مدينة منف ، فدخلها نصف النهار ، وقد غلقت أسواقها ، وليس في طرقها أحد ، ~~فوجد موسى رجلين.. إلخ. # جزء : 5 رقم الصفحة : 253 PageV05P387 ~~قال ابن إسحاق : كان يجتمع إلى موسى طائفة من بني إسرائيل ويقتدون به ، ~~فرأى مفارقة فرعون ، وتكلم في ذلك حتى ظهر أمره ، فأخافوه ، فكان لايدخل ~~قرية إلا مستخفيا ، فدخلها على حين غفلة. ms2083 وقيل : إن موسى لما شب علا فرعون ~~بالعصى ، فقال : هذا عدو لي ، فأخرجه من مصر ، ولم يدخل عليهم إلى أن كبر ~~وبلغ أشده ، فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها بخبر موسى ، أي : من بعد ~~نسيانهم خبره ، {فوجد فيها رجلين يقتتلان} ؛ # 253 # يتضاربان ، {هذا من شيعته} ؛ ممن على دينه من بني إسرائيل ، وقيل : هو ~~السامري. وشيعة الرجل : أتباعه وأنصاره ، {وهذا من عدوه} ؛ من مخالفيه من ~~القبط ، وهو طباخ فرعون. واسمه : " فليثور " ، وقيل فيهما : " هذا وهذا " ، ~~وإن كانا غائبين ، على جهة الحكاية ، أي : إذا نظر إليهما الناظر قال : هذا وهذا. PageV05P388 # وقال ابن عباس : لما بلغ موسى أشده كان يحمي بني إسرائيل من الظلم والسخرة ~~، فبينما هو يمشي نظر رجلين يقتتلان ، أحدهما من القبط والآخر من بني ~~إسرائيل. {فاستغاثه} ؛ فاستنصره {الذي من شيعته على الذي من عدوه} أي : ~~فسأله أن يغيثه الإعانة. ضمن استغاث أعان ، فعداه ب " على ". روي أنه لما ~~استغاث به ، غضب موسى ، وقال للفرعوني : خله عنك ؟ فقال : إنما آخذه ليحمل ~~الحطب إلى مطبخ أبيك ، ثم قال الفرعوني لموسى : لقد هممت أن أحمله عليك ، ~~{فوكزه موسى} ؛ ضربه بجمع كفه ، أو : بأطراف أصابعه. قال الفراء الوكز : ~~الدفع بأطراف الأصابع. {فقضى عليه} أي : قتله ، ولم يتعمد قتله ، وكام موسى ~~عليه السلام ذا قوة وبطش ، وإنما فعل ذلك الوكز ؛ لأن إغاثة المظلوم والدفع ~~عن دين في الملل كلها ، وفرض في جميع الشرائع. وإنما عده ذنبا ؛ لأن ~~الأنبياء لا يكفي في حقهم الإذن العام ، فلذلك {قال هذا من عمل الشيطان} أي ~~: القتل الحاصل ، بغير قصد ، من عمل الشيطان ، واستغفر ، وإنما جعل قتل ~~الكافر من عمل الشيطان ، وسماه ظلما لنفسه ، واستغفر منه ؛ لأنه كان ~~مستأمنا فيهم ، أو : لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل. وعن ابن جريج : ~~ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر ، ولأن الخصوص يعظمون محقرات ما فرط منهم. ~~{إنه} أي : الشيطان {عدو مضل مبين} ؛ ظاهر العداوة. # {قال رب} أي : يا رب {إني ظلمت نفسي} بفعل صار قتلا {فاغفر لي} زلتي ، ~~{فغفر ms2084 له} زلته ، {إنه هو الغفور} بإقالة الزلل ، {الرحيم} بإزالة الخجل ، ~~{قال رب بما أنعمت علي} أي : بحق إنعامك علي بالمغفرة ولم تعاقبني {فلن ~~أكون ظهيرا للمجرمين} أي : لا تجعلني أعين على خطيئة ، توسل للعصمة بإنعامه ~~عليه. وقيل : إنه قسم حذف جوابه ، أي : أقسم بإنعامك علي بالمغفرة ، إن ~~عصمتني ، فلن أكون ظهيرا للمجرمين ، وأراد بمظاهرة المجرمين صحبة فرعون ، ~~وانتظامه في جملته ، وتكثير سواده ، حيث كان يركب معه كالولد مع الوالد. PageV05P389 # جزء : 5 رقم الصفحة : 253 # قال ابن عطية : احتج أهل الفضل والعلم بهذه الآية في منع خدمة أهل الجور ~~، ومعونتهم في شيء من أمورهم ، ورأوا أنها تتناول ذلك. ه. قال الوصافي ~~لعطاء بن أبي رباح : إن لي أخا يأخذ بقلمه ، وإنما يكتب ما يدخل ويخرج ، ~~وله عيال ، ولو ترك لاحتاج وادان. فقال : من الرأس ؟ فقال : خالد بن عبد ~~الله ، قال : أما تقرأ قول العبد الصالح : {رب بما أنعمت علي فلن أكون ~~ظهيرا للمجرمين} ، فإن الله عز وجل سيعينه. ه. # 254 # الإشارة : خصوصية الولاية كخصوصية النبوة ، لا تعطى ، غالبا ، إلا بعد ~~بلوغ الأشد وكمال قوة العقل ، وحصول الاستواء ، وهو أن يستوي عنده المدح ~~والذم ، والعز والذل ، والمنع والعطاء ، والفقر والغنى ، وتستوي حاله في ~~القبض والبسط ، والغضب والرضا ، فإذا استوى في هذه الأمور آتاه الله حكما ~~وعلما ، وجزاه جزاء المحسنين وكتب شيخ شيخنا إلى بعض تلامذته : أما بعد ، ~~فإن تورعت في أقوالك وأفعالك ، وتوسعت في أخلاقك ، حتى يستوي عندك من من ~~يمدحك ويذمك ، ويعطيك ويمنعك ، ومن يؤذيك وينفعك ، ومن يشدد عليك ويوسع ، ~~فلا أشك في كمالك. ه. # فإن قلت : لم ذكر الحق ، جل جلاله ، الاستواء في حق سيدنا موسى ، ولم ~~يذكره في حق نبيه يوسف - عليهما السلام ؟ فالجواب : أن سيدنا يوسف عليه ~~السلام تربى في السجن وفي نار الجلال ، وكل محنة تزيد تهذيبا وتدريبا ، فما ~~بلغ الأشد حتى وقع له كمال الاستواء ، بخلاف سيدنا موسى عليه السلام فإنه ~~تربى في العز والجمال ، فاحتاج إلى تربية وتهذيب ، بعد كمال الأشد ، فلم ~~يحصل له كمال ms2085 الأدب إلا بعد الاستواء الذي يليق به ، فلذلك ذكره حقه. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 253 # قلت : جملة (يسعى) : حال من (رجل) ؛ لأنه وصف بالجار. PageV05P390 # يقول الحق جل جلاله : {فأصبح} موسى {في المدينة} أي : مصر {خائفا} على نفسه ~~من قتله ؛ قودا بالقبطي ، وهذا الخوف أمر طبيعي لا ينافي الخصوصية ، ~~{يترقب} : ينتظر الأخبار عنه ، أو ما يقال فيه ، أو يترصد الاستفادة منه. ~~وقال ابن عطاء : خائفا على نفسه ، يترقب نصرة ربه ، {فإذا الذي استنصره ~~بالأمس يستصرخه} : يستغيثه ، مشتق من الصراخ ؛ لأنه يقع في الغالب عند ~~الاستغاثة. والمعنى : أن الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانيا من ~~قبطي آخر ، {قال له موسى} أي : للإسرائيلي : {إنك لغوي مبين} أي : خال عن ~~الرشد ، ظاهر الغي ، فقد قاتلت بالأمس رجلا فقتلته بسببك. قال ابن عباس : ~~أتي فرعون ، فقيل له : إن بني إسرائيل قد قتلوا منا رجلا ، فالقصاص ، فقال : # 255 # ابغوني القاتل والشهود ، فبينما هم يطلبون إذ مر موسى من الغد ، فرأى ذلك ~~الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر ، يريد أن يسخره ، فاستغاث به الإسرائيلي على ~~الفرعوني ، فوافق موسى نادما على القتل ، فقال للإسرائيلي : إنك لغوي مبين. # {فلما أن أراد} موسى {أن يبطش بالذي} ؛ بالقبطي الذي {هو عدو لهما} ؛ ~~لموسى وللإسرائيلي ؛ لأنه ليس على دينهما ، أو : لأن القبط كانوا أعداء بني ~~إسرائيل ، أي : فلما مد موسى يده ؛ ليبطش بالفرعوني ، خشي الإسرائيلي أن ~~يريده ، حين قال : {إنك لغوي مبين} ، فقال : {يا موسى أتريد أن تقتلني كما ~~قتلت نفسا بالأمس} ، يعني القبطي ، {إن} ما {تريد إلا أن تكون جبارا} ؛ ~~قتالا بالغضب ، {في الأرض} ؛ أرض مصر ، {وما تريد أن تكون من المصلحين} في ~~كظم الغيظ. # جزء : 5 رقم الصفحة : 255 PageV05P391 ~~وقيل : القائل : {يا موسى أتريد...} إلخ ، هو القبطي ، ولم يعلم أن موسى هو ~~الذي قتل الرجل بالأمس ، ولكن لما قصد أن يمنعه من الإسرائيلي استدل على أن ~~الذي قتل صاحب هذا الرجل بالأمس هو موسى ، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس ~~أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس ms2086 ، فأمسك موسى عنه ، ثم أخبر فرعون بذلك ~~؛ فأمر بقتل موسى. # {وجاء رجل من أقصى المدينة} ؛ من آخرها ، واسمه : " حزقيل بن حبورا " ، ~~مؤمن آل فرعون ، وكان ابن عم فرعون ، {يسعى} : يسرع في مشيه ، أو : يمشي ~~على رجله ، {قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك} ، أي : يتشاورون في قتلك ، ~~ويأمر بعضهم بعضا بذلك. والائتمار : التشاور ، {فاخرج} من المدينة ، {إني ~~لك من الناصحين} ، فاللام في (لك) : للبيان ، وليس بصلة ؛ لأن الصلة لا ~~تتقدم على الموصول ، إلا أن يتسامح في المجرور ، {فخرج منها} ؛ من مصر ~~{خائفا يترقب} : ينتظر الطلب ويتوقعه ، {قال رب نجني من القوم الظالمين} ؛ ~~قوم فرعون. والله تعالى أعلم. PageV05P392 # الإشارة : في الآية دليل على أن الخوف عند الدواهي الكبار لا ينافي ~~الخصوصية ؛ لأنه أمر جبلي ، لكنه يخف ويهون أمره ، وفيها دليل على جواز ~~الفرار من مواطن الهلاك ، يفر من الله إلىالله ، ولا ينافي التوكل ، وقد ~~اختفى صلى الله عليه وسلم من الكفار بغار ثور ، واختفى الحسن البصري من ~~الحجاج ، عند تلميذه حبيب العجمي. وفيها أيضا دليل على أن المعصية قد تكون ~~سببا في نيل الخصوصية ، كأكل آدم من الشجرة ، كان سببا في نيل الخلافة ، ~~وعمرة الأرض ، وما نشأ من صلبه من الأنبياء والأولياء وجهابذة العلماء ، ~~وكقتل موسى عليه السلام نفسا لم يؤمر بقتلها ، كان سببا في خروجه للتربية ~~عند شعيب عليه السلام ، وتهيئته للنبوة والرسالة والاصطفائية ، فكل ما يوجب ~~التواضع والانكسار يورث التقريب عند الملك الغفار ، والحاصل : أن من سبقت ~~له العناية ، ونال من الأزل مقام المحبوبية ؛ صارت مساوئه محاسن ، ومن سبق ~~له العكس صارت محاسنه مساوئ. اللهم # 256 # اجعل سيئاتنا سيئات من أحببت ، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت. وفي ~~الحديث : " إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب ". قال في القوت : واعلم أن ~~مسامحة ، الله عز وجل لأوليائه - يعني : في هفواتهم - في ثلاث مقامات : أن ~~يقيمه مقام حبيب صديق ، لما سبق من قدم صدق ، فلا تنقصه الذنوب ؛ لأنه ~~حبيب. المقام الثاني : أن يقيمه مقام الحياء منه ، بإجلال وتعظيم ، فيسمح ~~له ، وتصغر ms2087 ذنوبه ؛ للإجلال والمنزلة ، ولا يمكن كشف هذا المقام ، إلا أنا ~~روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر طائفة فقال : " يدفع عنهم ~~مساوئ أعمالهم بمحاسن أعمالهم " المقام الثالث : أن يقيمه مقام الحزن ~~والانكسار ، والاعتراف بالذنب والإكثار ، فإذا نظر حزنه وهمه ، ورأى ~~اعترافه وغمه ، غفر له ؛ حياء منه ورحمة. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 255 PageV05P393 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولما توجه} موسى {تلقاء مدين} ؛ نحوها وجهتها. # ومدين : قرية شعيب ، سميت بمدين بن إبراهيم ، كما سميت المدائن باسم أخيه ~~مدائن ، ويقال له أيضا : " مدان بن إبراهيم " ، ولم تكن مدين في سلطان ~~فرعون ، وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام ، ولعله إنما لم يتسلط عليها ؛ ~~لما وصله من خبر إهلاك أهلها لما طغوا على أنبيائهم ، فخاف على نفسه. قال ~~ابن عباس : خرج موسى ، ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه. # {قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} أي : وسطه ونهجه. فلما خرج ، عرض له ~~ثلاث طرق ، فأخذ في أوسطها ، وجاء الطلاب عقبه ، فأخذوا في الآخرين. روي أن ~~ملكا جاءه على فرس بيده عنزة ، فانطلق به إلى مدين. وروي أنه خرج بلا زاد ~~ولا درهم ، ولا ظهر ، ولا حذاء - أي : نعل - ، ولم يكن له طعام إلا ورق ~~الشجر ، فما بلغ مدين حتى وقع خف قدمه ، وخضرة البقل ترى على بطنه. # {ولما ورد} ؛ وصل {ماء مدين} ؛ بئرا لهم ، {وجد عليه} ؛ على جانب البئر ~~{أمة} ؛ جماعة كثيرة {من الناس} ؛ من أناس مختلفين {يسقون} مواشيهم ، {ووجد ~~من دونهم} ؛ في مكان أسفل من مكانهم {امرأتين تذودان} : تطردان غنمهما عن ~~الماء ، حتى # 257 # تصدر مواشي الناس ثم تسقيان ؛ لأن علىالماء من هو أقوى منهما ، فلا ~~يتمكنان من السقي. أو : لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم. والذود : الطرد ~~والدفع. PageV05P394 # {قال} لهما موسى : {ما خطبكما} : ما شأنكما لا تسقيان ؟ والأصل : ما ~~مخطوبكما ، أي : مطلوبكما ، فسمي المطلوب خطبا ، {قالتا لا نسقي} غنمنا ~~{حتى يصدر الرعاء} ، أي : يصرفوا مواشيهم ، يقال : أصدر عن الماء وصدر ، ~~والمضارع : يصدر ويصدر ، والرعاء : جمع راع ms2088 ، كقائم وقيام ، والمعنى : لا ~~نستطيع مزاحمة الرجال ، فإذا صدروا سقينا مواشينا ، {وأبونا شيخ كبير} السن ~~، لا يمكنه سقي الأغنام وهو شعيب بن نويب بن مدين بن إبراهيم - عليهما ~~السلام - وقيل : هو " يثرون " ابن أخي شعيب ، وكان شعيب قد مات بعدما كف ~~بصره ، ودفن بين المقام وزمزم. والأول أصح وأشهر. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 257 # فسقى لهما} أي : فسقى غنمهما لأجلهما ؛ رغبة في المعروف وإغاثة الملهوف ، ~~روي أنه نحى القوم عن رأس البئر ، وسألهم دلوا ، فأعطوه دلوهم ، وقالوا : ~~استق به ، وكانت لا ينزعها إلا أربعون ، فاستقى بها ، وصبها في الحوض ، ~~ودعا بالبركة. وقيل : كانت آبارهم مغطاة بحجار كبار ، فعمد إلى بئر ، وكان ~~حجرها لا يرفع إلا جماعة ، فرفعه وسقى للمرأتين. ووجه مطابقة جوابهما سؤاله ~~: أنه سألهما عن سبب الذود ، فقالتا : السبب في ذلك أن امرأتان مستورتان ~~ضعيفتان ، لا نقدر على مزاحمة الرجال ، ونستحي من الاختلاط بهم ، فلا بد ~~لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا. وإنما رضي شعيب عليه السلام لابنيته ~~بسقي الماشية ؛ لأن الأمر في نفسه مباح مع حصول الأمن ، وأما المروءة ~~فعادات الناس فيها متباينة ، وأحوال العرب فيها خلاف أحوال العجم ، ومذهب ~~أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر ، خصوصا إذا كانت الضرورة. قاله النسفي. ~~قلت : وقد كنت أعترض على أهل الجبل رعي النساء المواشي حتى تذكرت قضية ~~ابنتي شعيب ، لكن السلامة في زماننا هذا حبس النساء في الديار ؛ لكثرة أهل ~~الفساد. PageV05P395 # {ثم} لما سقى لهما {تولى إلى الظل} ؛ ظل شجرة. عن عمرو بن ميمون ، عن عبد ~~الله ؛ قال : أحييت ليلتين على جمل لي ، حتى صبحت مدين ، فسالت عن الشجرة ~~التي أوى إليها موسى ، فإذا هي شجرة خضراء ، فأخذ جملي يأكل منها ثم لفظها. ~~ه. وفي الآية دليل على جواز الاستراحة والاستظلال في الدنيا ، بخلاف ما ~~يقوله بعض المتقشفة ، وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء الله. # ثم بث شكواه لمولاه {فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير} قليل أو كثير ~~{فقير} ؛ محتاج. قال ابن عباس : لقد قال ذلك ms2089 وإن خضراء البقل لتتراءى في ~~بطنه ، من الهزال. قيل : لم يذق طعاما منذ سبعة أيام ، وقد لصق بظهره بطنه ~~، وما سأل الله تعالى الأكلة. وفي هذا تنبيه على هوان الدنيا على الله ~~تعالى. وقال ابن عطاء : نظر من العبودية # 258 # إلى الربوبية ، وتكلم بلسان الافتقار ، لما ورد على سره من الأنوار. ه. # الإشارة : ولما توجه القلب تلقاء مدين المآرب ، ومنتهى الرغائب - وهي ~~الحضرة القدسية - قال : عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ، أي : وسط الطريق ~~التي توصل إليها ، وهو شيخ التربية. ولما ورد مناهله ، ومحل شربه وجد عليه ~~أمة من الناس يسقون قلوبهم من شراب تلك الخمرة ، ويطلبون مثل ما يطلب ، فإن ~~كان قويا في حاله ؛ وصل من كان ضعيفا وسقى له ، ثم نزل إلى ظل المعرفة ، في ~~نسيم برد الرضا والتسليم ، قائلا ، بلسان التضرع ، سائلا من الله المزيد : ~~رب إني لما أنزلت إلي من خير الدارين ، وغنى الأبد ، فقير محتاج إلى مزيد ~~الفضل والكرم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 257 PageV05P396 ~~وقال في لطائف المنن : {ثم تولى إلى الظل} ؛ قصدا لشكر الله تعالى على ما ~~ناله من النعمة - يعني : نعمة الظل الحسي - وجعله أصلا في استعمال الطيبات ~~، وتناولها بقصد الشكر ، ومثله في التنوير. وفي سنن أبي داود عن عائشة - ~~رضي الله عنها - قالت : " كان صلى الله عليه وسلم يستعذب له الماء من بيوت ~~السقيا " ، قال ابن قتيبة : هي عين ، بينها وبين المدينة يومان. ه. وكان ~~الشيخ ابن مشيش يقول لأبي الحسن رضي الله عنه : (يا أبا الحسن ، برد الماء ~~؛ فإن النفس إذا شربت الماء البارد ؛ حمدت الله بجميع الجوارح ، وإذا شربت ~~الماء السخن ؛ حمدت الله بكزازة). # جزء : 5 رقم الصفحة : 257 # قلت : (تمشي) : حال من (إحداهما) ، و(على استحياء) : حال من ضمير (تمشي) ~~، أي : تمشي مستحيية. و(القصص) : مصدر ، سمي به المقصوص. # يقول الحق جل جلاله : {فجاءته إحداهما} ؛ وهي التي تزوجها ، وذلك أنه لما ~~سقى لهما رجعا إلى أبيهما بغنمها بطانا حفلا ، فقال لهما : ما أعجلكما ؟ ~~فقالتا له : وجدنا # 259 # رجلا صالحا رحمنا ؛ فسقى ms2090 لنا أغنامنا ، فقال لإحداهما : أدعيه ، فجاءته ~~{تمشي على استحياء} قد سترت وجهها بكفها ، واستترت بكم درعها. وهذا دليل ~~على كمال إيمانها وشرف عنصرها ؛ لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها ، ولم تعلم ~~أيجيبها أم لا ؟ فقالت : {إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} ، " ما " ~~مصدرية ، أي : أجر سقياك لنا ، فتبعها موسى ، فألزقت الريح ثوبها بجسدها ، ~~فوصفته ، فقال لها : امشي خلفي ، وانعتي الطريق ، فإننا بني يعقوب ، لا ~~ننظر إلى أعجاز النساء. PageV05P397 # {فلما جاءه وقص عليه القصص} ، أي : قصته وأحواله مع فرعون ، وكيف أراد قتله ~~، {قال} له : {لا تخف نجوت من القوم الظالمين} ؛ فرعون وقومه ؛ إذ لا سلطان ~~له على أرضنا - مدين - ، أو : قبل الله دعاءك في قولك : {رب نجني من القوم ~~الظالمين}. وفيه دليل على العمل بخير الواحد ، ولو أنثى ، والمشي مع أجنبية ~~على ذلك الاحتياط والتورع. قاله النسفي. وفيه نظر ؛ لعصمة الأنبياء - عليهم ~~السلام - ، وما أخذ الأجر على البر والمعروف ؛ فقيل : لا بأس به عند الحاجة ~~، كما كان لموسى عليه السلام ، على أنه روي أنه لما قالت له : {ليجزيك} ؛ ~~كره ذلك. وإنما أجابها لئلا يخيب قصدها ؛ لأن للقاصد حرمة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 259 # ولما وضع شعيب الطعام بين يديه ؛ امتنع ، فقال شعيب : ألست جائعا ؟ فقال ~~: بلى ، ولكن أخاف أن يكون عوضا مما سقيت لهما ، وإنا أهل بيت لا نبيع ~~ديننا بالدنيا ، ولا نأخذ على المعروف شيئا ، فقال شعيب : هذه عادتنا مع كل ~~من ينزل بنا ، فأكل. # {قالت إحداهما يا أبت استأجره} ، أي : اتخذه أجيرا لرعي الغنم. روي أن ~~كبراهما كانت تسمى : " صفراء " ، والصغرى : " صفيراء " ، وقيل : " صابورة " ~~و" ليا ". وصفراء هي التي ذهبت به ، وطلبت إلى أبيها أن يستأجره ، وهي التي ~~تزوجها. قاله وهب بن منبه وغيره فانظره مع ما في حديث ، قال صلى الله عليه ~~وسلم : " تزوج صغراهما ، وقضى أوفاهما " ويمكن الجمع بأن يكون زوجه إحداهما ~~ثم نقله إلى الأخرى. PageV05P398 # ثم قالت التي طلبت استئجاره : {إن خير من استأجرت القوي الأمين} ، فقال : ~~ما أعلمك بقوته وأمانته ؟ فذكرت نزع الدلو ، أو ms2091 رفع الحجر عن البئر ، ~~وأمرها بالمشي خلفه. وفي رواية عند الثعلبي. أما قوته : فإنه عمد إلى صخرة ~~لا يرفعها إلا أربعون رجلا ، فرفعها عن فم البئر. ثم ذكرت أمر الطريق. ~~وقولها : {إن خير من استأجرت...} إلخ : كلام جامع ؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان ~~الخصلتان ؛ الكفاية والأمانة ، في القائم بأمرك ، فقد فرغ بالك وتم مرادك. ~~وقيل : القوي في دينه ، الأمين في جوارحه. وقد استغنت بهذا الكلام ، الجاري ~~مجرى المثل ، عن أن تقول : استأجره لقوته وأمانته. # 260 # وعن ابن مسعود رضي الله عنه : أفرس الناس ثلاثة : بنت شعيب ، وصاحب يوسف ~~في قوله : {عسىا أن ينفعنآ} [يوسف : 21] ، وأبو بكر في استخلافه عمر. # {قال} شعيب لموسى - عليهما السلام- : {إني أريد أن أنكحك} : أزوجك {إحدى ~~ابنتي هاتين} ، وقوله : {هاتين} يدل على أن له غيرهما. وهذه مواعدة منه ، ~~لا عقد ، وإلا لقال : أنكحتك. {على أن تأجرني} أي : تكون أجيرا لي ، من ~~أجرته : إذا كنت له أجيرا {ثماني حجج} ؛ سنين والحجة : السنة. والتزوج على ~~رعي الغنم جائز في شرعنا ، على خلاف في مذهبنا. {فإن أتممت عشرا} أي : عشر ~~حجج {فمن عندك} أي : فلذلك تفضل منك ، ليس بواجب عليك ، أو : فإتمامه من ~~عندك ، ولا أحتمه عليك. {وما أريد أن أشق عليك} بإلزام أتم الأجلين. من ~~المشقة ، {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} في حسن المعاملة ، والوفاء ~~بالعهد ، أو مطلقا. وعلق بالمشيئة ، مراعاة لحسن الأدب مع الربوبية. PageV05P399 # {قال} موسى عليه السلام : {ذلك} العهد وعقد الأجرة {بيني وبينك} أي : ذلك ~~الذي قلته ، وشارطتني عليه ، قائم بيننا جميعا ، لا يخرج واحد منا عنه. ثم ~~قال : {أيما الأجلين قضيت} أي : أي الأجلين ؛ قضيت من الأجلين : العشر أو ~~الثماني ، {فلا عدوان علي} أي : لا يتعدى علي في طلب الزيادة عليه ، قال ~~المبرد : قد علم أنه لا عدوان عليه في إتمامهما ، ولكن جمعهما ليجعل الأقل ~~كالأتم في الوفاء ، وكما أن طلب الزيادة على الأتم عدوان فلذلك طلب الزيادة ~~على الأقل. {والله على ما نقول وكيل} أي : رقيب وشهيد. # جزء : 5 رقم الصفحة : 259 # واختلف العلماء في ms2092 وجوب الإشهاد في النكاح على قولين : أحدهما : أنه لا ~~ينعقد إلا بشاهدين ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ، وقال مالك : ينعقد بدون ~~شهود ؛ لأنه عقد معاوضة ، فلا يشترط فيه الإشهاد ، وإنما يشترط فيه الإعلان ~~، والإظهار بالدف والدخان ليتميز من السفاح ، ويجب عند الدخول. # روي أن شعيبا كانت عنده عصي الأنبياء - عليهم السلام - ، فقال لموسى ~~بالليل : ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي ، فأخذ عصا هبط بها آدم من ~~الجنة ، ولم يزل الأنبياء - عليهم السلام - يتوارثونها ، حتى وقعت إلى شعيب ~~، فلما أخذها ، قال له شعيب : ردها وخذ غيرها ، فما وقع في يده إلا هي سبع ~~مرات. - وفي رواية السدي : أمر ابنته أن تأتيه بعصا فجاءته بها ، فلما رآها ~~الشيخ قال : آتيه بغيرها ، فألقتها لتأخذ غيرها ، فلا تصير في يده إلا هي ، ~~مرارا ، فرفعتها إليه ، فعلم أن له شأنا. ولما أصبح قال له شعيب : إذا بلغت ~~مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك ، فإن الكلأ ، وإن كان بها أكثر ، إلا أن ~~فيها تنينا ، أخشاه عليك وعلى الغنم ، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على ~~كفها ، فمشى على أثرها ، فإذا عشب وريف لم ير مثله ، فنام ، فإذا التنين قد ~~أقبل ، فحاربته العصا حتى قتلته ، # 261 PageV05P400 ~~وعادت إلى جنب موسى دامي ، فلما أبصرها دامية ، والتنين مقتولا ؛ ارتاح ~~لذلك. ولما رجع إلى شعيب بالغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن ، وأخبره ~~موسى ، فرح ، وعلم أن لموسى شأنا ، وقال له : إني وهبت لك من نتاج غنمي ، ~~هذا العام ، كل أدرع ودرعاء - أي : كل جدي أبلق ، وأثنى بلقاء - فأوحى الله ~~تعالى إلى موسى في المنام : أن اضرب بعصاك الماء الذي تسقى منه الغنم ، ~~فضرب ، ثم سقى الأغنام ، فوضعت كلها بلقاء ، فسلمها شعيب إليه. # وذكر الإمام اللجائي في كتابه (قطب العارفين) : أن موسى عليه السلام ~~انتهى ، ذات يوم ، بأغنامه إلى واد كثير الذئاب ، وكان قد بلغ به التعب ، ~~فبقي متحيرا ، إن اشتغل بحفظ الغنم عجز عن ذلك ؛ لغلبة النوم عليه والتعب ، ~~وإن هو طلب الراحة ، وثبت الذئاب على الغنم ، فرمى ms2093 السماء بطرفه ، وقال : ~~إلهي إنه أحاط علمك ، ونفذت إرادتك ، وسبق تقديرك ، ثم وضع رأسه ونام. فلما ~~استيقظ ؛ وجد ذئبا واضعا عصاه على عاتقه ، وهو يرعى الغنم ، فتعجب موسى من ~~ذلك ، فأوحى الله إليه : يا موسى ؛ كن لي كما أريد ، أكن لك كما تريد. قال ~~: فهذه إشارة تدل على أن : من هرب من الله إلى الله ؛ كفاه الله ، عز وجل ، ~~من دونه. ه. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 259 PageV05P401 ~~الإشارة : فجاءته - أي : القلب - إحدى الخصلتين ؛ الفناء والبقاء ، تمشي ~~على مهل وقدر ؛ فإن الوصول إلى المقامات إنما يكون بتدريج ، على حسب القدر ~~السابق. قالت إحدى الخصلتين : إن ربي يدعوك إلى حضرته ؛ ليجزيك أجر ما سقيت ~~، واستعملت في جانب الوصول إلينا. فلما جاءه ، أي : وصل إليه ، وتمكن منه ، ~~وقص عليه القصص ، وهو ما جرى له مع نفسه وجنودها من المجاهدات والمكابدات ، ~~قال : لا تخف اليوم ، حين وصلت إلينا ، نجوت من القوم الظالمين ، قالت ~~إحداهما : يا رب استأجره في العبودية شكرا ، إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين ؛ لأن عمله بالله ، محفوفا برعاية الله ، قال : إني أريد أن أعطيك ~~إحدى الخصلتين ، إما الإقامة في الفناء المستغرق ، أو الرجوع إلى البقاء ~~المستفيق ، لتقوم بالأدب على ان تخدم ثماني حجج ، فإن أتممت عشرا ، لزيادة ~~التمكين ، فمن عندك ، فأقل خدمة المريد للشيخ ثماني سنين ، ونهايتها نهاية ~~التمكين. قال الورتجبي : لأن شعيبا ، عليه السلام رأى بنور النبوة أن موسى ~~عليه السلام يبلغ درجة الكمال في ثماني حجج ، ولا يحتاج إلى التربية بعد ~~ذلك ، ورأى أن كمال الكمال في عشر حجج ؛ لأنه رأى أن بعد العشرة لا يبقى ~~مقام الإرادة ، ويكون بعد ذلك حرا ، ولذلك قال : وما أريد أن أشق عليك. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 259 # يقول الحق جل جلاله : {فلما قضى موسى الأجل} ، قال صلى الله عليه وسلم : ~~" قضى أبعدهما وأطيبهما " ، وفي رواية : " أبرهما وأوفاهما " {وسار بأهله} ~~أي : امرأته ، نحو مصر ، قال مجاهد : ثم استأذن موسى أن يزور أهله بمصر ، ~~فأذن له ، فسار بأهله إلى البرية ms2094 ، فأوى إلى جانب الطور الغربي الأيمن ، في ~~ليلة مظلمة شديدة البرد ، وكان أخذ على غير طريق ، يخاف ملوك الشام - قلت : ~~ولعلهم كانوا من تحت يد قرعون - فأخذ امرأته الطلق ، فقدح زنده ، فلم يور ، ~~فآنس من جانب الطور نارا. ه. PageV05P402 # وقال ابن عطاء : لما تم أجل المحنة ، ودنت أيام الزلفة ، وظهرت أنوار ~~النبوة ، سار بأهله ؛ ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه. ه. {آنس} أي : أبصر ~~{من جانب الطور} أي : من الجهة التي تلو الطور {نارا قال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر} عن الطريق ؛ لأنه كان ضل عنها ، {أو جذوة ~~من النار} أي : قطعة وشعلة منها ، والجذوة - مثلثة الجيم : العود الذي ~~احترق بعضه ، وجمعه : " جذى ". {لعلكم تصطلون} ؛ تستدفئون بها. والاصطلاء ~~على النار سنة المتواضعين. وفي بعض الأخبار : " اصطلوا ؛ فإن الجبابرة لا ~~يصطلون ". # {فلما أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن} بالنسبة إلى موسى ، أي : عين ~~يمين موسى ، {في البقعة المباركة} بتكليم الله تعالى فيها ، {من الشجرة} ؛ ~~بدل من " شاطىء " : بدل اشتمال أي : من ناحية الشجرة ، وهو العناب ، او ~~العوسج ، أو : سمرة. وقال وهب : عليقا. {أن يا موسى}. أي : يا موسى ، أو : ~~إنه يا موسى {إني أنا الله رب العالمين} ، قال البيضاوي : هذا ، وإن خالف ~~ما في " طه " و" النمل " ؛ لفظا ، فهو طبقه في المقصود. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 262 # قال جعفر الصادق : أبصر نارا ، دلته على الأنوار ؛ لأنه رأى النور على ~~هيئة النار ، فلما دنا منها ؛ شملته أنوار القدس ، وأحاطت به جلابيب الأنس ~~، فخاطبه الله بألطف خطاب ، واستدعى منه أحسن جواب ، فصار بذلك مكلما شريفا ~~، أعطي ما سأل ، وأمن # 263 # ممن خاف. ه. # قال القشيري : فكان موسى عند الشجرة ، والنداء من الله لا منها ، وقد حصل ~~الإجماع أن موسى ، تلك الليلة ، سمع كلام الله ، ولو كان النداء من الشجرة ~~؛ لكانت المتكلمة هي ، فلأجل الإجماع قلنا : لم يكن النداء منها ، وإلا ~~فنحن نجوز أن يخلق الله نداء في الشجرة. ه. قلت : وسيأتي في الإشارة ما ~~لأهل التوحيد الخاص ، وما ms2095 قاله - هو مذهب أهل الظاهر. PageV05P403 # ثم قال تعالى : {وأن ألق عصاك} ، أي : نودي : أن ألق عصاك ، فألقاها ، ~~فقلبها الله ثعبانا ، {فلما رآها تهتز} ؛ تتحرك {كأنها جان} ؛ حية رقيقة. ~~فإن قيل : كيف قال في موضع : (كأنها جان) ، وفي أخرى : {فإذا هي ثعبان ~~مبين} [الأعراف : 143] ؟ قلت : هي في أول أمرها جان ، وفي آخر أمرها ثعبان ~~؛ لأنها كانت تصير حية على قدر العصا ، ثم لا تزال تنتفخ حتى تصير كالثعبان ~~، أو : يريد في سرعة الجان وخفته ، وفي قوة الثعبان. فلما رآها كذلك {ولى ~~مدبرا ولم يعقب} ؛ ولم يرجع عقبه. فقيل له : {يا موسى أقبل ولا تخف إنك من ~~الآمنين} ، أي : أمنت من أن ينالك مكروه من الحية. # و{اسلك} : أدخل {يدك في جيبك} ؛ جيب قمصيك {تخرج بيضاء} لها شعاع كشعاع ~~الشمس {من غير سوء} ؛ برص. {واضمم إليك جناحك من الرهب} ، أي : الخوف ، فيه ~~لغات : " الرهب " ، بفتحتين ، وبالفتح والسكون ، وبالضم معه ، وبضمتين. ~~والمعنى : واضمم يدك إلى صدرك ؛ يذهب ما لحقك من الخوف لأجل الحية ، وعن ~~ابن عباس رضي الله عنه : (كل خائف ، إذا وضع يده على صدره ، ذهب خوفه). ~~وقيل : المراد بضم يده إلى جناحه تجلده ، وضبطه نفسه عند انقلاب العصا حية ~~، حتى لا يضطرب ولا يرهب ، استعارة من فعل الطائر ؛ لأنه إذا خاف ؛ نشر ~~جناحيه وأرخاهما. # {فذانك} أي : اليد والعصا ، ومن شدد ؛ فإحدى النونين عوض من المحذوف ، ~~{برهانان} أي : حجتان نيرتان. وسميت الحجة برهانا ؛ لإنارتها ، من قولهم : ~~بره الشيء : إذا ابيض ، والمرأة برهاء وبرهرهة : أي : بيضاء. {من ربك إلى ~~فرعون وملئه} أي : أرسلناك إلى فرعون وقومه بهاتين الحجتين ، {إنهم كانوا ~~قوما فاسقين} : خارجين عن الحق ، كافرين بالله ورسوله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 262 PageV05P404 ~~الإشارة : قد تقدم في سورة " طه " بعض إشارتها. ويؤخذ من الآية أن تزوج ~~المريد ، بعد كمال تربيته ، كمال ، وأما قبل كماله : فإن كان بإذن شيخه ؛ ~~فلا يضره. وربما يتربى له اليقين أكثر من غيره. وقوله تعالى : {وسار بأهله} ~~؛ قال الورتجبي : افهم أن مواقيت الأنبياء والأولياء وقت سير الأسرار من ~~بدء الإرادة ms2096 إلى عالم الأنوار. ه. وقوله # 264 # تعالى : {آنست نارا} ؛ قال الورتجبي : الحكمة في ذلك : أن طبع الإنسانية ~~يميل إلى الأشياء المعهودة ، لذلك تجلى النور في النار ؛ لاستئناسه بلباس ~~الاستئناس ، ولا تخلوا النار من الاستئناس ، خاصة في الشتاء ، وكان شتاء ، ~~فتجلى الحق بالنور في لباس النار ؛ لأنه كان في طلب النار ، فأخذ الحق ~~مراده ، وتجلى من حيث إراداته ، وهو سنة الله تعالى. ه. # وقوله تعالى : {من الشجرة} ؛ أي : نودي منها حقيقة ؛ إذ ليس في الوجود ~~إلا تجليات الحق ومظاهره ، فيكلم عباده من حيث شاء منها. قال في العوارف : ~~الصوفي ؛ لتجرده ، يشهد التالي كشجرة موسى ، حيث أسمعه الله خطابه منها ، ~~بأني أنا الله لا إله إلا أنا. ه. فأهل التوحيد الخاص لا يسمعون إلا من ~~الله ، بلا واسطة ، قد سقطت الوسائط في حقهم ، حين غرقوا في بحر شهود الذات ~~، فافهم. وقال في القوت : كانت الشجرة وجهة موسى عليه السلام ، كلمة الله ~~عز وجل منها ، كما قال بعضهم : إن قوله تعالى : {فلما تجلى ربه للجبل} ~~[الأعراف : 107 ، والشعراء : 32] ، أي : بالجبل ، كان الجبل من جهة الحس ~~حجابا لموسى ، كشفه الله عنه ، فتجلى به ، كما قال : {من الشجرة} ؛ فكانت ~~الشجرة وجهة له عليه السلام ه ، بإيضاح. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 262 PageV05P405 ~~يقول الحق جل جلاله : {قال} موسى - لما كلف بالرسالة إلى فرعون : {رب إني ~~قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون} بها ، {وأخي هارون هو أفصح من لسانا ~~فأرسله معي ردءا} ؛ أي : عونا. يقال : ردأته : أعنته. وقرأ نافع : بالتخفيف ~~، {يصدقني} : جواب الأمر ، ومن رفعه ؛ جعله صفة لردء ، أي : ردءا مصدقا لي. ~~ومعنى تصديقه : إعانته بزيادة البيان ، في مظان الجدال ، إن احتاج إليه ؛ ~~ليثبت دعواه ، لا أن يقول له : صدقت ، ففضل اللسان إنما يحتاج إليه لتقرير ~~البرهان ، وأما قوله : صدقت ؛ فسحبان وباقل فيه مستويان. {إني أخاف أن ~~يكذبون} في دعوى الرسالة. # {قال ستنشد عضدك بأخيك} أي : سنقويك به ؛ إذ اليد تشد بشدة العضد ؛ لأنه ~~قوام اليد ، فشد العضد كناية عن التقوية ؛ لأن العضد ، إذا ms2097 اشتد ، قوي على ~~محاولة الأمور ، أي : سنعينك بأخيك ، {ونجعل لكما سلطانا} ؛ غلبة وتسلطا ~~وهيبة في قلوب الأعداء ، {فلا يصلون إليكما بآياتنا} ؛ بسبب آياتنا ، ~~القاهرة لهم عن التسلط عليكم ، فالباء تتعلق بيصلون ، أو : بنجعل لكما ~~سلطانا ، أي : تسلطا بآياتنا ، أو : بمحذوف ، أي : اذهبا بآياتنا ، # 265 # أو : هو بيان لغالبون ، أي : {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} ، أي : ~~المنصورون. PageV05P406 # الإشارة : إذا اجتمع في زمان نبيان ، أو : وليان ، لا تجدهما إلا متخالفين ~~في القوة والليونة ، أو في السكر والصحو ، فكان موسى في غاية القوة ، وأخوه ~~في غاية الليونة ، وكان موسى عليه السلام في أول الرسالة غالبا عليه الجذب ~~، وأخوه غالبا عليه الصحو ، فلذلك استعان به. قال الورتجبي : افهم أن مقام ~~الفصاحة هو مقام الصحو والتمكين ، الذي يقدر صاحبه أن يخبر عن الحق وأسراره ~~، بعبارة لا تكون بشيعة في موازين العلم. وهذا حال نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، حيث قال : " أنا أفصح العرب " و" بعثت بجوامع الكلم " وهذه ~~قدرته قادرية اتصف بها العارف المتمكن ، الذي بلغ مشاهدة الخاص ، ومخاطبة ~~الخاص ، وكان موسى عليه السلام في محل السكر في ذلك الوقت ، ولم يطق أن ~~يعبر عن حاله كما كان ؛ لأن كلامه ، لو خرج على وزان حاله ، يكون على نعوت ~~الشطح ، عظيما في آذان الخلق ، وكلام السكران ربما يفتتن به الخلق ، لذلك ~~سأل مقام الصحو والتمكين بقوله : {واحلل عقدة من لساني} ؛ لأن كلامه من بحر ~~المكافحة والمواجهة الخاصة ، التي كان مخصوصا بها عن أخيه. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 265 # يقول الحق جل جلاله : {فلما جاء موسى بآياتنا} ؛ معجزاتنا التسع {بينات} ~~؛ واضحات {قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} ؛ سحر تعمله أنت ، ثم تفتريه على ~~الله ، أو : سحر موصوف بالافتراء ، كسائر أنواع السحر ، وليس بمعجزة من عند ~~الله ، {وما سمعنا بهذا} ، يعني : السحر ، أو : ادعاء النبوة ، {في آبائنا ~~الأولين} ، الجار : حال منصوبة بهذا ، أي : ما سمعنا بهذا كائنا في آبائنا ~~، أي : ما حدثنا بكونه فيهم ، ولا موجودا في آبائهم. # 266 PageV05P407 ~~{وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من ms2098 عنده} ، فيعلم أني محق ، وأنتم ~~مبطلون ، وقرأ ابن كثير : " قال " ؛ بغير واو ؛ جوابا لمقالتهم. {ومن تكون ~~له عاقبة الدار} أي : العاقبة المحمودة ، فإن المراد بالدار : الدنيا ، ~~وعاقبتها الأصلية هي الجنة ؛ لأن الدنيا خلقت معبرا ومجازا إلى الآخرة ، ~~والمقصود منها ، بالذات ، هو المجازاة على الأعمال فيها من الثواب الدائم ، ~~أوالعقاب الأليم ، {إنه لا يفلح الظالمون} ؛ لا يفوزون بالهدى في الدنيا ، ~~وحسن العاقبة في العقبى. # قال النسفي : قل ربي أعلم منكم بحال من أهله الله للفلاح الأعظم ؛ حيث ~~جعله نبيا وبعثه بالهدى ، ووعده حسن العقبى ، يعني نفسه ، ولو كان كما ~~تزعمون ، ساحرا ، مفتريا ، لما أهله لذلك ؛ لأنه غني حكيم ، لا يرسل ~~الكاذبين ، ولا ينبىء الساحرين ، ولا يفلح عنده الظالمون ، وعاقبة الدار هي ~~العاقبة المحمودة ؛ لقوله تعالى : {أولائك لهم عقبىا الدار جنات عدن} ~~[الرعد : 22]. والمراد بالدار : الدنيا ، وعاقبتها : أن تختم للعبد بالرحمة ~~والرضوان ، ويلقى الملائكة بالبشرى والغفران. ه. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 266 # وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} ، قصد بنفي علمه بإله ~~غيره نفي وجوده ، أي : مالكم إله غيري. قاله ؛ تجبرا ومكابرة ، وإلا فهو ~~مقر بالربوبية ؛ لقوله تعالى ؛ حاكيا عن موسى عليه اسلام : {لقد علمت مآ ~~أنزل هاؤلااء إلا رب السماوات والأرض بصآئر} [الإسراء : 102] ، وروي أنه ~~كان إذا جن الليل ، لبس المسوح وتمرغ في الرماد ، وقال : يا رب إني كذاب ~~فلا تفضحني. PageV05P408 # ثم أمر ببنيان الصرح زيادة في الطغيان ، بقوله : {فأوقد لي يا هامان على ~~الطين} أي : اطبخ لي الآجر واتخذه. وإنما لم يقل مكان الطين : آجر ؛ لأنه ~~أول من عمله ، فهو معلمه الصنعة بهذه العبارة ، {فاجعل لي صرحا} أي : قصرا ~~عاليا ، {لعلي أطلع} أي : أصعد. فالطلوع والاطلاع : الصعود ، {إلى إله ~~موسى} ، حسب الجاهل أنه في مكان مخصوص ، كما كان هو في مكان ، {وإني لأظنه} ~~أي : موسى {من الكاذبين} في دعواه أن له إلها ، وأنه أرسله إلينا رسولا. # وهذا تناقض من المخذول ، فإنه قال أولا : {ما علمت لكم من إله غيري} ، ثم ~~أظهر حاجته إلى هامان ، وأثبت ms2099 لموسى إلها ، وأخبر أنه غير متيقن بكذبه ، ~~وهذا كله تهافت. وكأنه تحصن من عصى موسى فلبس وقال : {لعلي أطلع إلى إله ~~موسى}. روي أنه لما أمر وزيره هامان ببناء الصرح ، جمع هامان العمال ، ~~خمسين ألف بناء ، سوى الأتباع والأجراء - فبنوا ، ورفعوه بحيث لم يبلغه ~~بنيان قط ، منذ خلق الله السموات والأرض. أراد الله أن يفتنهم فيه ، فصعده ~~فرعون وقومه ، ورموا بنشابة نحو السماء ، فرجعت ملطخة بالدم ، فقال : قد ~~قتلنا إله السماء ، فضرب جبريل الصرح بجناحه ، فقطعه ثلاث قطع ، وقعت قطعة ~~على عسكر فرعون ، فقتلت ألف ألف رجل ، وقطعة على البحر ، # 267 # وقطعة في الغرب ، ولم يبق أحد من عماله إلا هلك. ه. # {واستكبر هو وجنوده} ؛ تعاظم {في الأرض} ؛ أرض موسى {بغير الحق} ؛ بغير ~~استحقاق ، بل بالباطل ، فالاستكبار بالحق هو لله تعالى ، وهو المتكبر ~~المتعالي ، المبالغ في كبرياء الشأن ، كما في الحديث القدسي : " الكبرياء ~~ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما قصمته " ، أو : ألقيته في ~~النار ، وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. {وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون} بالبعث والنشور. وقرأ نافع وحمزة والكسائي : بالبناء للفاعل. ~~والباقي : للمفعول. والله تعالى أعلم. PageV05P409 # جزء : 5 رقم الصفحة : 266 # الإشارة : الأرواح كلها برزت من عالم العز والكبرياء ، وهو عالم الجبروت ~~، فما هبطت إلى عالم الأشباح ، وكلفت بالعبودية ، وبالخضوع لقهرية الربوبية ~~، شق عليها ، ونفرت من التواضع والذل ، وبطشت إلى أصلها ؛ لأنها من عالم ~~العز ، فبعث الله الرسل ومشايخ التربية يدلونها على ما فيه سعادتها. من ~~الذل والتواضع والخضوع للحق ، حتى تصل إلى الحق ، فمن سبق له الشقاء ؛ أنف ~~، وقال : ما هذا إلا سحر مفترى ، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، ~~واستكبر وطغى ، فغرق في بحر الردى. ومن سبقت له السعادة ؛ تواضع ، وذل ~~لعظمة مولاه ، فوصله إلى العز الدائم ، في حضرة جماله وسناه. ولذلك قيل : ~~للنفس خاصية ما ظهرت إلا على فرعون ، حيث قال : أنا ربكم الأعلى. وهذه ~~الخاصية هي أصل نشأتها وبروزها ، حيث برزت من عالم الجبروت ؛ قال تعالى : ~~{ونفخت فيه من روحى} ولكن لم يفتح ms2100 لها الباب إلا من جهة العبودية والذل ~~والافتقار ، كما قال الشاعر : # تذلل لمن تهوى ؛ لتكسب عزة # فكم عزة قد نالها المرء بالذل # إذا كان من تهوى عزيزا ، ولم تكن # ذليلا له ، فاقر السلام على الوصل # ولا يرضى المحبوب من المحب إلا الأدب ، وهو التذلل والخضوع ، كما قائل ~~القائل : # أدب العبد تذلل # والعبد لا يدع الأدب # فإذا تكامل ذله ؛ # نال المودة ، واقترب # جزء : 5 رقم الصفحة : 266 # 268 PageV05P410 ~~يقول الحق جل جلاله : {فأخذناه} ؛ فأخذنا فرعون {وجنوده فنبذناهم} ؛ ~~طرحناهم {في اليم} ؛ في بحر القلزم ، كما بيناه غير مرة. وفي الكلام فخامة ~~تدل على عظمة شأن الأخذ ، شبههم ؛ استحقارا لحالهم ، واستقلالا لعددهم ، ~~وإن كانوا الجم الغفير ؛ بحصيات أخذهن آخذ بكفه ، فطرحهن في البحر. {فانظر} ~~يا محمد {كيف كان عاقبة الظالمين} ، وحذر قومك أن يصيبهم مثل ما أصابهم ، ~~فإنهم ظالمون ، حيث كفروا وأشركوا ، وتحقق أنك منصور عليهم ، كما نصر موسى ~~على فرعون. # {وجعلناهم أئمة} ؛ قادة {يدعون إلى النار} ، أي : إلى عمل أهل النار ؛ من ~~الكفر ، والمعاصي ، قال ابن عطاء : نزع عن أسرارهم التوفيق ، وأنوار ~~التحقيق ، فهم في ظلمات أنفسهم ، لا يدلون على سبيل الرشاد. وفيه دلالة على ~~خلق أفعال العباد.ه. {ويوم القيامة لا ينصرون} بدفع العذاب عنهم ، كما ~~يتناصرون اليوم ، في دفع الظلم عنهم ، {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} ؛ ~~ألزمناهم طردا وإبعادا عن الرحمة. وقيل : هو ما يلحقهم من لعن الناس إياهم ~~بعدهم. {ويوم القيامة هم من المقبوحين} ؛ المطرودين المعذبين ، أو المهلكين ~~المشوهين ؛ بسواد الوجوه وزرقة العيون. و{يوم} : ظرف للمقبوحين. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : عاقبة من تكبر في دار العبودية : الذل والهوان ، وعاقبة من ~~تواضع ، وذل فيها : العز والأمان ، وعاقبة من كان إماما في المساوئ والعيوب ~~: البعد والحجاب ، ومن كان إماما في محاسن الخلال وكشف الغيوب : العز ~~والاقتراب. قال القشيري على قوله : {وجعلناهم أئمة} إلخ : كانوا في الدنيا ~~مبعدين عن معرفته ، وفي الآخرة مبعدين عن مغفرته ، فانقلبوا من طرد إلى طرد ~~، ومن هجر إلى بعد ، ومن فراق إلى احتراق. ه. # ولما أغرق أهل الظلم ms2101 والعناد ، أنزل الهداية على أهل العناية والوداد. # جزء : 5 رقم الصفحة : 268 PageV05P411 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا موسى الكتاب} : التوراة {من بعدما أهلكنا ~~القرون الأولى} ؛ قوم نوح وهود وصالح ولوط - عليهم السلام - ، حال كون ~~الكتاب {بصائر للناس} ؛ أنوارا لقلوبهم ، يتبصرون الحقائق ، ويميزون بين ~~الحق والباطل. فالبصيرة : عين القلب ، الذي يبصر بها الحق ، ويهتدي إلى ~~الرشد والسعادة. كما أن البصر عين الرأس التي يبصر بها الحسيات ، أي : ~~آتيناه التوراة ، أنوارا للقلوب التي كانت عميا لا تستبصر ولا تعرف حقا من ~~باطل ، {وهدى} ؛ وإرشادا إلى الشرائع ؛ لأنهم كانوا يخبطون في الضلال. ~~{ورحمة} لمن اتبعها ؛ لأنهم ، إذا عملوا بها ، وصلوا إلى نيل # 269 # الرحمة ، {لعلهم يتذكرون} ، أي : ليكونوا على حال يرجى منهم التذكر ~~والاتعاظ. وبالله التوفيق. # الإشارة : إنما تطيب المنازل ؛ إذا خلت من الأجانب والأراذل. وأطيب عيش ~~الأحباب ؛ إذا غابت عنهم الرقباء وأهل العتاب ، فلما أهلك الله فرعون ~~وجنوده وأورث بني إسرائيل ديارهم ، ومحى عن جميعها آثارهم ، طاب عيشهم ، ~~وظهرت سعادتهم ، وتمكنوا من إقامة الدين. وكذلك أهل التوجه إلى يوم الدين. # جزء : 5 رقم الصفحة : 269 PageV05P412 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما كنت} يا محمد {بجانب} المكان {الغربي} من الطور ~~، وهو الذي كلم الله فيه موسى ، وهو الجانب الأيمن. قال السهيلي : إذا ~~استقبلت القبلة ، وأنت بالشام ، كان الجبل يمينا منك ، غربيا ، غير أنه قال ~~في قصة موسى : {جانب الطور الأيمن} [مريم : 52 ، وطه : 80] ، وصفه بالصفة ~~المشتقة من اليمن والبركة ، لتكليمه إياه فيه ، وحين نفى عن محمد صلى الله ~~عليه وسلم أن يكون بذلك الجانب ، قال : {وما كنت بجانب الغربي} ، والغربي ~~هو الأيمن. والعدول عنه ، في حالة النفي ؛ للاحتراس من توهم نفي اليمن عنه ~~صلى الله عليه وسلم ، وكيف ، وهو صلى الله عليه وسلم لم يزل بصفة اليمن ~~وآدام بين الماء والطين! فحسن اللفظ أصل في البلاغة ، ومجانبة الاشتراك ~~الموهم : من فصيح بديع الفصاحة. ه. # أي : وما كانت حاضرا بذلك الموضع ، {إذ قضينا إلى موسى الأمر} ، أي : ~~كلمناه ، وقربناه نجيا ، وأوحينا إليه بالرسالة إلى ms2102 فرعون ، {وما كنت من ~~الشاهدين} ، أي : من جملة الشاهدين فتخبر بذلك ، ولكن أعلمناك من طريق ~~الوحي ، بعد أن لم يكن لك بذلك شعور ، والمراد : الدلالة على أن إخباره ~~بذلك من قبل الإخبار بالمغيبات التي لا تعرف إلا بالوحي ، ولذلك استدرك عنه ~~بقوله : # {ولكنا أنشأنا} بعد موسى {قرونا فتطاول عليهم العمر} ، أي : طالت أعمارهم ~~، وفترت النبوة ، وانقطعت الأخبار ، واندرست العلوم ، ووقع التحريف في كثير ~~منها ، فأرسلناك ؛ مجددا لتلك الأخبار ، مبينا ما وقع فيها من التحريف ، ~~وأعطيناك العلم بقصص الأنبياء ، وأوقفناك على قصة موسى بتمامها ، فكأنه قال ~~: وما كنت شاهدا لموسى وما جرى عليه ، ولكنا أوحيناه إليك ، فأخبرت به ، ~~بعد اندراسه. # 270 PageV05P413 ~~{وما كنت ثاويا} ؛ مقيما {في أهل مدين} ، وهم شعيب والمؤمنون به ، {تتلو ~~عليهم آياتنا} ؛ تقرؤها عليهم ، تعلما منهم ، أو : رسولا إليهم تتلوها ~~عليهم بوحينا ، كما تلوتها على هؤلاء ، يريد : الآيات التي فيها قصة شعيب ~~وقومه ، {ولكنا كنا مرسلين} لك ، فأخبرناك بها ، وعلمناك إياها ، فأخبرت ~~هؤلاء بها ، {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} موسى ، أن خذ الكتاب بقوة ، ~~أو ناجيناه في أيام الميقات ، {ولكن} علمناك وأرسلناك {رحمة} أي : للرحمة ~~{من ربك لتنذر قوما} جاهلية {وما أتاهم من نذير من قبلك} في زمان الفترة ~~التي بينك وبين عيسى ، وهي خمسمائة وخمسون سنة ، أو : بينك وبين إسماعيل ، ~~على أن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل وما حواليهم ، {لعلهم ~~يتذكرون} ؛ لعل من أرسلت إليه يتعظ ويتذكر ما هو فيه من الضلال ، فينزع ~~ويرجع. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 270 # الإشارة : المراد من هذه الآيات : تحقيق نبوته صلى الله عليه وسلم ~~ومعرفته الخاصة ، وهي سلم ، ومعراج إلى معرفة الله تعالى ؛ لأنه الواسطة ~~العظمى ، فمهما عرفته المعرفة الخاصة عرفت الله تعالى ، فمنه صلى الله عليه ~~وسلم استمدت العلوم كلها ؛ علم الربوبية ، من طريق البرهان ، وعلمها من ~~طريق العيان ، وعلم المعاملة الموصلة إلى الرضا والرضوان ، ومعرفة نبوته ~~صلى الله عليه وسلم ضرورية لا تحتاج إلى برهان ، ويرحم الله القائل : # لو لم تكن فيه آيات مبينة ms2103 # لكان منظره ينبيك بالخبر PageV05P414 ~~وقد تقدم في الأعراف التنويه به ، وذكر شرفه ، وشرف أمته ، قبل ظهوره ، ~~وإليه الإشارة هنا بقوله : {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} ، أي : إذ ~~نادينا بأمرك ، وأخبرنا بنبوتك ، روي عن أبي هريرة ؛ أنه نودي يومئذ من ~~السماء : يا أمة محمد ، استجبت لكم قبل أن تدعوني ، وغفرت لكم قبل أن ~~تسألوني ، فحينئذ قال موسى - عليه السلام : اللهم اجعلني من أمة محمد. ه. # وقال القشيري : أي : لم تكن حاضرا تتعلم ذلك ؛ مشاهدة ، فليس إلا تعريفنا ~~إياك ، وإطلاعنا لك على ذلك. ويقال : إذ نادينا موسى ، وخاطبناه ، وكلمناه ~~في بابك وباب أمتك ، وما طلب موسى لأمته جعلناه لأمتك ، فكوني لكم : خير ~~لكم من كونكم لكم فلم تقدح فيكم غيبتكم في الحال ، كما أنشدوا : # كن لي ؛ كما كنت # لي في حين لم أكن # ويقال : لما خاطب موسى وكلمه ، سأله موسى ، إنه رأى في التوراة أمة صفتهم ~~كذا وكذا ، من هم ؟ فقال : هم أمة محمد. وذكر لموسى أوصافا كثيرة ، فاشتاق ~~إلى لقائهم ، # 271 # فقال له : ليس اليوم وقت حضورهم فإن شئت أسمعناك كلامهم ، فأراد ذلك ، ~~فنادى : يا أمة محمد ؛ فأجاب الكل من أصلاب آبائهم ، فسمع موسى كلامهم ، ثم ~~لم يتركهم كذلك ، بل زادهم من الفضائل ؛ لأن الغني ؛ إذا دعا فقيرا فأجابه ~~؛ لم يرض أن يذكره من غير إحسانه. ه. وقال الطبري : معنى قوله : {إذ ~~نادينا} أي : بقوله : {سأكتبها للذين يتقون...} الآية. ه. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 270 # قلت : (لولا) الأولى : امتناعية ، وجوابها محذوف ، اي : ولولا أنهم ~~قائلون ؛ إذا عوقبوا على ما قدموا من الشرك ، محتجين علينا : (هلا أرسلت ~~إلينا رسولا...) إلخ ؛ لما أرسلناك. PageV05P415 # يقول الحق جل جلاله : {ولولا أن تصيبهم مصيبة} ، أي : عقوبة في الدنيا ~~والآخرة ، {بما} ؛ بسبب ما {قدمت أيديهم} من الكفر والظلم ، ولما كانت أكثر ~~الأعمال إنما تناول بالأيدي ، نسب الأعمال إلى الأيدي ، وإن كانت من أعمال ~~القلوب ؛ تغليبا للأكثر على الأقل ، {فيقولوا} عند نزول العذاب : {ربنا ~~لولا} ؛ هلا {أرسلت إلينا رسولا} ينذرنا {فنتبع آياتك ونكون من ms2104 المؤمنين} ، ~~فلولا احتجاجهم بذلك علينا لما أرسلناك ، فسبب الإرسال هو قولهم : هلا ~~أرسلت... إلخ. # ولما كانت العقوبة سببا للقول جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال ، فدخلت " ~~لولا " الامتناعية عليها ، فرجع المعنى إلى قولك : ولولا قولهم هذا ، إذا ~~أصابتهم مصيبة ، لما أرسلناك. # {فلما جاءهم الحق من عندنا} ؛ القرآن المعجز ، أو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ، {قالوا} أي : كفار مكة ؛ اقتراحا وتعنتا : {لولا} : هلا {أوتي} من ~~المعجزات {مثل ما أوتي} ؛ أعطي {موسى} من اليد والعصا ، ومن الكتاب المنزل ~~جملة. قال تعالى : {أو لم يكفروا} أي : أبناء جنسهم ، ومن مذهبهم على ~~مذهبهم ، وعنادهم مثل عنادهم ، وهم الكفرة في زمن موسى عليه السلام ، فقد ~~كفروا {بما أوتي موسى من قبل} ؛ من قبل القرآن ، {قالوا} في # 272 # موسى وهارون : {ساحران تظاهرا} : تعاونا ، أو : في موسى ومحمد - عليهما ~~السلام - بإظهار تلك الخوارق ، أو بتوافق الكتابين. وقرأ الكوفيون : " ~~سحران " ؛ بتقدير مضاف ، أي : ذوا سحر ، أو : جعلوهما سحرين ؛ مبالغة في ~~وصفهما بالسحر. {وقالوا} أي : كفرة موسى وكفرة محمد صلى الله عليه وسلم : ~~{إنا بكل} ؛ بكل واحد منهما {كافرون}. # جزء : 5 رقم الصفحة : 272 PageV05P416 ~~وقيل أن أهل مكة ، لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ؛ فقد ~~كفروا بموسى وبالتوراة ، وقالوا في محمد صلى الله عليه وسلم وموسى : ساحران ~~تظاهرا ، أو في التوراة والقرآن : سحران تظاهرا ، أو : ذلك حين بعثوا الرهط ~~إلى رؤساء اليهود يسألونهم عن محمد ، فأخبروهم أنه في كتابهم فرجع الرهط ~~إلى قريش ، فأخبروهم بقول اليهود ، فقالوا عند ذلك : {ساحران تظاهرا إنا ~~بكل كافرون}. # {قل} لهم : {فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} ؛ مما أنزل على موسى ~~، وما أنزل علي ، {أتبعه} : جواب : فأتوا ، {إن كنتم صادقين} في أنهما ~~ساحران ، {فإن لم يستجيبوا لك} دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى ، {فاعلم ~~أنما يتبعون أهواءهم} الزائغة ، ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى ، {ومن ~~أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} أي : لا أحد أضل ممن اتبع في الدين ~~هواه بغير هدى ، أي : بغير اتباع شريعة من عند الله. ms2105 و{بغير هدى} : حال ، ~~أي : مخذولا ، مخلا بينه وبين هواه ، {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ؛ ~~الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى والتقليد. وبالله التوفيق. # الإشارة : لو احتجاج الناس على الله يوم القيامة ، حين تصيبهم نقائص ~~عيوبهم ، ما بعث الله في كل زمان نذيرا طبيبا ، فإذا ظهر وتوجه لتربية ~~الناس ، قالوا : لولا أوتي مثل ما أوتي فلان وفلان من كرامات المتقدمين ، ~~فيقال لهم : قد كان من قبلكم من الأولياء لهم كرامات ، فكذبوهم ، وأنكروا ~~عليهم ، ورموهم بالسحر والتبدع وغير ذلك ، وبقوا مع هوى أنفسهم. ومن أضل ~~ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ، أي : بغير تمسك بمن يهديه إلى حضرة الله ~~، إن الله لا يهدي القوم الظالمين إلى معرفته الخاصة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 272 # قلت : يقال : وصلت الشيء : جعلته موصولا بعضه ببعض ، ويقال : وصلت إليه ~~الكتاب : أبلغته. PageV05P417 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد وصلنا لهم} أي : لقريش ولغيرهم ، {القول} ؛ ~~القرآن ، أي : تابعناه موصولا بعضه ببعض في المواعظ والزواجر ، والدعاء إلى ~~الإسلام. قال ابن عطية. وقال ابن عرفة اللغوي : أي : أنزلناه شيئا بعد شيء ~~، ليصل بعضه ببعض ، # 273 # ليكونوا له أوعى. ه. وتنزيله كذلك ؛ ليكون أبلغ في التذكير ؛ ولذلك قال : ~~{لعلهم يتذكرون} يعني : أن القرآن أتاهم متتابعا متواصلا ؛ وعدا ، ووعيدا ، ~~وقصصا ، وعبرا ، ومواعظ ؛ ليتذكروا فيفلحوا. وقيل : معنى وصلنا : أبلغنا. ~~وهو أقرب ؛ لتبادر الفهم ، وفي البخاري : أي : " بينا وأتممنا ". وهو عن ~~ابن عباس. وقال مجاهد : فصلنا. وقال ابن زيد : وصلنا خير الدنيا بخير ~~الآخرة ، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا. # الإشارة : تفريق المواعظ في الأيام ، شيئا فشيئا ، أبلغ وأنفع من سردها ~~كلها في يوم واحد. وفي الحديث : " كان صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة ~~، مخافة السآمة علينا " ، والتخول : التعاهد شيئا فشيئا. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 273 # قلت : (الذين) : مبتدأ ، (وهم به) : خبر. PageV05P418 # يقول الحق جل جلاله : {الذين آتيناهم الكتاب من قبله} ؛ من قبل القرآن {هم ~~به} أي : القرآن {يؤمنون} ، وهم مؤمنو أهل الكتاب ، أو : النجاشي وقومه ، ~~أو : نصارى نجران ، الذين ms2106 قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، ~~وهم عشرون رجلا ، فآمنوا به. قال ابن عطية : ذكر هؤلاء مباهيا بهم قريشا. ~~ه. أي : فهم الذين يقدرون قدر هذا الكتاب المنزل لما معهم من العلم الذي ~~ميزوا به الحق ، ولذلك قال : {وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ~~ربنا} ؛ لما عرفوا في كتابهم من نعت النبي صلى الله عليه وسلم وكتابه ، ~~{إنا كنا من قبله} ؛ من قبل القرآن ، أو : من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ~~، {مسلمين} ؛ كائنين على دين الإسلام ، مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~فقوله {إنه} : تعليل للإيمان به ؛ لأن كونه حقا من عند الله حقيق بأن يؤمن ~~به. وقوله : {إنا} : بيان لقوله : {آمنا} ؛ لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب ~~العهد أو بعيده ، فأخبروه بأن إيمانهم به متقادم. # {أولئك يوتون أجرهم مرتين بما صبروا} ؛ بصبرهم على الإيمان بالتوراة ، ~~والإيمان بالقرآن ، أو : بصبرهم على الإيمان بالقرآن ، قبل نزوله وبعده ، ~~أو بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب. وفي الحديث : " ثلاثة يؤتون أجرهم ~~مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ، ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسللم ، ~~ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل # 274 PageV05P419 ~~كانت عنده أمة فأعتقتها وتزوجها ". {ويدرؤون بالحسنة السيئة} ؛ يدفعون ~~الخصلة القبيحة بالخصلة الحسنة ، يدفعون الأذى بالسلم ، والمعصية بالطاعة. ~~{ومما رزقناهم ينفقون} ؛ يتصدقون ، أو يزكون ، {وإذا سمعوا اللغو} ؛ الباطل ~~، أو الشتم من المشركين ، {أعرضوا عنه وقالوا} للاغين : {لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم سلام عليكم} ؛ أمان منا عليكم ، لا نقابل لغوكم بمثله ، {لا نبتغي ~~الجاهلين} ؛ لا نريد مخالطتهم وصحبتهم ، أو : لا نبتغي دين الجاهلين ، أو ~~محاورة الجاهلين وجدالهم ، أو : لا نريد أن نكون جهالا. # جزء : 5 رقم الصفحة : 274 # وفي السير : أن أصحاب النجاشي لما كلمهم جعفر رضي الله عنه في مجمع ~~النجاشي ، بكوا ، ووقر الإسلام في قلوبهم ، فقدموا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة ، فقرأ عليهم القرآن ، فأسلموا ، وقالوا : {آمنا به إنه ~~الحق من ربنا..} الآية. فلما خرجوا من عنده صلى الله ms2107 عليه وسلم ؛ استقبلتهم ~~قريش فسبوهم ، وقالوا : ما رأينا قوما أحمق منكم ، تركتم دينكم لمجلس ساعة ~~مع هذا الرجل ، فقالوا لهم : {سلام عليكم...} إلخ. # الإشارة : من تحمل من العلماء مشقة تحمل العلم الظاهر ، ثم ركب أهواء ~~النفس ومحاربتها في تحصيل العلم الباطن ، فهو ممن يوتى أجره مرتين ، وينال ~~عز الدارين ضعفين ؛ بسبب صبره على العلمين ، وارتكاب الذل مرتين ، إذا اتصف ~~بما اتصف به أولئك ، بحيث يدرأ بالحسنة السيئة ، وينفق مما رزقه الله من ~~الحس والمعنى ، كالعلوم والمواهب ، ويعرض عن اللغو - وهو كل ما يشغل عن ~~شهود الله - ويحلم عن الجاهل ، ويرفق بالسائل. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 274 PageV05P420 ~~يقول الحق جل جلاله : {إنك} يا محمد {لا تهدي من أحببت} ، أي : لا تقدر أن ~~تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل من قومك وغيرهم ، يعني : أن خاصية ~~الهداية خاصة بالربوبية ، وخاصية الربوبية لا تكون لمخلوق ، ولو كان أكمل ~~الخلق. {ولكن الله يهدي من يشاء} ؛ يخلق الهداية في قلب من يشاء ، {وهو ~~أعلم بالمهتدين} ؛ بمن يختار هدايته ويقبلها. # قال الزجاج : اجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب ، وذلك أنه قال عند ~~موته : يا معشر بني هاشم صدقوا محمدا تفلحوا ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ~~يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم # 275 # وتدعها لنفسك! " فقال : ما تريد يا ابن أخي ؟ فقال : " أريد منك أن تقول ~~: لا إله إلا الله ، أشهد لك بها عند الله " فقال : يا ابن أخي ؛ أنا قد ~~علمت أنك صادق ، ولكن أكره أن يقال جزع عند الموت. ه. وفي رواية قال : ~~(لولا أن تعيرني نساء قريش ، ويقلن : إنه حملني على ذلك الجزع ، لأقررت بها ~~عينك). وفي لفظ آخر عند البخاري : قال له : " يا عم ، قل : لا إله إلا الله ~~، أحاج لك بها عند الله " فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية : يا أبا طالب ، ~~أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال : بل على ملة عبد المطلب ، فنزلت الآية. # وفيها دليل على المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : الهدى هو البيان ، وقد هدى ~~الله الناس ms2108 أجمع ، ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم ، فدلت الآية على أن ~~وراء البيان ما يسمى هداية ؛ وهو خلق الاهتداء ، وإعطاء التوفيق والقدرة ~~على الاهتداء. وبالله التوفيق. PageV05P421 # الإشارة : الآية ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، بل هي عامة لكل من ~~يريد الهداية لأحد من خاصته ، كتب شيخ أشياخنا ، سيدي " أحمد بن عبد الله " ~~، إلى شيخه ، سيدي " أحمد بن سعيد الهبري " ؛ يشكو له ابنه ؛ حيث لم ير منه ~~ما تقر به عينه ، فكتب إليه : أخبرني : ما الذي بنيت فيه ؟ دع الدار ~~لبانيها ، إن شاء هدمها وإن شاء بناها. ه. وفي اللباب - بعد كلام - : قد ~~رضي الله على أقوام في الأزل ، فاستعلمهم في أسباب الرضا من غير سبب ، وسخط ~~على أقوام في الأزل ، فاستعملهم في أسباب السخط بلا سبب. {فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام} [الأنعام : 125] الآية. # جزء : 5 رقم الصفحة : 275 # وهذه الآية تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولها : {إنك لا تهدي من ~~أحببت} ، والحكم عام في كل أحد ، وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأتم ~~الفضائل وأعلى الوسائل ، حتى لم يسبق لفضيلة ، ولم يحتج لوسيلة ، وليس في ~~ذلك نظر ، بل سابقة السعادة أيدته ، والخصوصية قربته ، ولو كان له في ~~التقدير نظر ما منع من الشفاعة في عمه أبي طالب ، ومن الاستغفار لأبيه. ولو ~~كانت الهداية بيد آدم لهدى قابيل ، ولو كانت بيد نوح لهدى ولده كنعان ، أو ~~بيد إبراهيم لهدى أباه آزر ، أو بيد محمد صلى الله عليه وسلم لأنقذ عمه أبا ~~طالب ، جذبت العناية سلمان من فارس ، وصاحت على بلال من الحبشة ، وأبو طالب ~~على الباب ممنوع من الدخول. سبحان من أعطى ومنع ، وضر ونفع. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 275 # 276 # قلت : (رزقا) : حال من (الثمرات) ؛ لتخصيصه بالإضافة ، أو مصدر لتجبى ؛ ~~لأن معناه : نرزق ، أو : مفعول له. # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} أي : كفار قريش {إن نتبع الهدى} وندخل ~~{معك} في هذا الدين ؛ {نتخطف من أرضنا} أي : تخطفنا العرب وتخرجنا من أرضنا. PageV05P422 # نزلت ms2109 في الحارث بن عثمان بن نوفل ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ~~نحن نعلم أنك على الحق ، ولكنا نخاف ، إن اتبعناك وخالفنا العرب ، وإنما ~~نحن أكلة رأس ، أن يتخطفونا من أرضنا ، فرد الله عليهم بقوله : {أو لم نمكن ~~لهم حرما آمنا} ؛ أو لم نجعل مكانهم حرما ذا آمن بحرمة البيت ، يأمن فيه ~~قطانه ، ومن التجأ إليه من غيرهم ؛ فأنى يستقيم أن نعرضهم للتخطف ، ونسلبهم ~~الأمن ، إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام ؟ . # {تجبى إليه} ، أي : تجمع وتجلب إليه من كل أوب ، {ثمرات كل شيء} أي : كل ~~صنف ونوع. ومعنى الكلية : الكثرة ؛ كقوله : {وأوتيت من كل شيء} [النمل : ~~23] ، {رزقا من لدنا} ، ونعمة من عندنا ، وإذا كان حالهم ، وهم عبدة ~~الأصنام ، فكيف إذا أووا إلى كهف الإسلام ، وتدرعوا بلباس التوحيد ؟ # {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي : جهلة ، لا يتفطنون ولا يتفكرون حتى يعلموا ~~أنه لا يهملهم من حفظه ورعايته ، إن أسلموا. وقيل : يتعلق بقوله : {من ~~لدنا} ، أي : قليل منهم يتدبرون ، فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله ؛ ~~وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك ، ولو علموا أنه من عند الله ؛ لعلموا أن الخوف ~~والأمن من عند الله ، ولما خافوا التخطف إذا آمنوا به. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ترى كثيرا من الناس ، ممن أراد الله حرمانه من الخصوصية ، ~~يتعلل بهذه العلل الواهية ، يقول : إن دخلنا في طريق القوم ؛ رفضنا الناس ، ~~وأنكر علينا أقاربنا ، ونخاف الضيعة على أولادنا. يقول تعالى لهم : أو لم ~~أمكن لأوليائي ، المتوجهين إلى حضرة القدس ، حرما آمنا تجبى لأهلها الأرزاق ~~من كل جانب ، بلا حرص ولا طمع ولا سبب ، ولكن أكثر الناس ؛ جهالا بهذا ، ~~وقفوا مع العوائد ، فحرموا الفوائد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 276 # 277 PageV05P423 ~~قلت : " كم " : منصوب بأهلكنا. والبطر : الطغيان عند النعمة. قال في ~~القاموس : البطر - محركة : النشاط ، والأشر ، وقلة احتمال النعمة ، والدهش ~~، والحيرة ، والطغيان بالنعمة ، وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهية ، ~~فعلى الكل : كفرح. ه. و(معيشتها) نصب بحذف الجار واتصال الفعل ، أي : في ms2110 ~~معيشتها. وجملة (لم تسكن) : حال ، والعامل فيها : الإشارة. # يقول الحق جل جلاله : {وكم أهلكنا من قرية} ، أي : كثيرا أهلكنا من أهل ~~قرية ، كانت حالهم كحالهم في الأمن والدعة ، وخصب العيش ، من وصفها {بطرت} ~~في {معيشتها} ، أي : طغت وتجبرت ولم تشكر ، بل قابلتها بالبطر والطغيان. ~~قال القشيري : لم يعرفوا قدر نعمتهم ، ولم يشكروا سلامة أموالهم ، وانتظام ~~أمورهم ، فهاموا في أودية الكفران على وجوهم ، وخروا في وهدة الطغيان على ~~أذقانهم ، فدمر الله عليهم وخرب ديارهم. # {فتلك مساكنهم} خاوية ، أو : فتلك منازلهم باقية الآثار ، يشاهدونها في ~~الأسفار ؛ كبلاد ثمود ، وقرى لوط ، وقوم شعيب ، وغيرهم ، {لم تسكن من بعدهم ~~إلا قليلا} من السكنى ، أي : لم يسكنها إلا المسافر ، أو مار بالطريق ؛ ~~يوما أو ساعة ، {وكنا نحن الوارثين} لتك المساكن من سكانها ، أي : لا يملك ~~التصرف فيها غيرنا. وفيه إشارة لوعد النصر لمتبع الهدى ، وأن الوراثة له ، ~~لا أنه يتخطف كما قد قيل ، بل يقع الهلاك على من لم يشكر نعمة الله ، ويتبع ~~هواه ، فكيف يخاف من تكون عاقبته الظفر ممن يكون عاقبته الدمار والتبار ؟ ~~والحاصل : إنما يلحق الخوف من لم يتبع الهدى ، فإنه الذي جرت سنة الله في ~~بالهلاك ، وأما متبع الهدى ؛ فهو آمن والعاقبة له. PageV05P424 # {وما كان ربك} ؛ وما كانت عادته {مهلك القرى} بذنب {حتى يبعث في أمها} ، أي ~~: القرية التي هي أصلها ومعظمها ؛ لأن أهلها يكونون أفطن وأقبل. {رسولا} ؛ ~~لإلزام الحجة وقطع المعذرة ، أو : ما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك ~~القرى في الأرض حتى يبعث في أمها ، وهي مكة ؛ لأن الأرض دحيت من تحتها. ~~{رسولا} يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ، {يتلوا عليهم آياتنا} ؛ القرآن ~~، {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} ، أي : وما أهلكناهم للانتقام ، ~~إلا وأهلها مستحقون العذاب بظلمهم ، وهو إصرارهم على الكفر والمعاصي ، ~~والعناد ، بعد الإعذار إليهم. والله تعالى أعلم. # 278 # الإشارة : وكم خربنا من قلوب وأخليناها من النور ، حيث طغت وتجبرت في ~~معيشتها ، وانشغلت بحظوظها وشهواتها ، فتلك أماكنها خاوية من النور ، لم ~~تسكن بالنور إلا ms2111 قليلا ، وكنا نحن الوارثين لها ، فأعطينا ذلك النور غيرها ~~، وما فعلنا ذلك حتى بعثنا من يذكرها وينذرها ، وما كنا مهلكي قلوب ~~ومتلفيها إلا وأهلها ظالمون ، بإيثار الغفلة والشهوة على اليقظة والعفة. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 277 # قلت : " ما " شرطية ، وجملة : (فمتاع...) إلخ : جوابه. # يقول الحق جل جلاله : {وما أوتيتم من شيء} من زهرة الدنيا {فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها} أي : اي شيء أحببتموه من أسباب الدنيا وملاذها فما هو إلا ~~تمتع وزينة ، أياما قلائل ، وهي مدة الحياة الفانية ، {وما عند الله} من ~~النعيم الدائم في الدار الباقية ؛ ثوابا لأعمالكم {خير} من ذلك ؛ لأنه لذة ~~خالصة في بهجة كاملة. {وأبقى} ؛ لأنه دائم لا يفنى {أفلا تعقلون} أن الباقي ~~خير من الفاني ، فتستبدلون الذي هو أدنى يا الذي هو خير ؟ . PageV05P425 # وعن ابن عباس رضي الله عنه : (إن الله خلق الدنيا ، وجعل أهلها ثلاثة أصناف ~~؛ المؤمن والمنافق والكافر ، فالمؤمن يتزود ، والمنافق يتربى ، والكافر ~~يتمتع. ثم قرأ هذه الآية). وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " لو كانت ~~الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لمى سقى الكافر منها شربة ماء " رواه ~~الترمذي. # ثم قرر ذلك بقوله : {أفمن وعدناه وعدا حسنا} ، وهو الجنة ؛ إذ لا شيء ~~أحسن منها ، حيث اشتملت على النظر لوجه الله العظيم ، ولأنها دائمة ، ولذا ~~سميت الحسنى ، {فهو} : أي : الوعد الحسن {لاقيه} ومدركه ، لا محالة ، ~~لامتناع الخلف في وعده تعالى ، {كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} الذي هو ~~مشوب بالكدر والمتاعب ، ، مستعقب بالفناء والانقطاع ، {ثم هو يوم القيامة ~~من المحضرين} للحساب والعقاب ، أو : من الذين أحضروا النار. # والآية نزلت في المؤمن والكافر ، أو : في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبي جهل - لعنه الله - ، ومعنى الفاء الأولى : أنه لما ذكر التفاوت بين ~~متاع الحياة الدنيا وما عند الله عقبه بقوله : {أفمن وعدناه} أي : أبعد هذا ~~التفاوت الجلي نسوي بين أبناء الدنيا وأبناء الآخرة ؟ والفاء الثانية ~~للتسبيب ، لأنه لقاء الموعود مسبب عن الوعد. و" ثم " : لتراخي حال الإحضار ~~عن حال التمتع. ومن ms2112 قرأ : " ثم هو " ؛ بالسكون ، شبه المنفصل بالمتصل ، كما ~~قيل في عضد - بسكون الضاد -. # 279 # {و} اذكر {يوم يناديهم} ؛ يوم ينادي الله الكفار ، نداء توبيخ ، {فيقول ~~أين شركائي} ؛ في زعمهم {الذين كنتم تزعمون} أنهم شركائي ، فحذف المفعول ؛ ~~لدلالة على الكلام عليه. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 279 PageV05P426 ~~الإشارة : في الآية تحقير لشأن الدنيا الفانية ، وتعظيم لشأن الآخرة ~~الباقية. وقد اتفق على هذا جميع الأنبياء والرسل والحكماء ، قديما وحديثا ، ~~وقد تقدم آنفا أنها لا تزن عند الله جناح بعوضة وفي حديث آخر : " ما الدنيا ~~في جانب الآخرة ، إلا كما يدخل أحدكم يده في البحر ثم يخرجه ، فانظر ماذا ~~يعلق به " بالمعنى : فنعيم الدنيا كله ، بالنسبة إلى نعيم الجنان ، كبلل ~~الأصبع ، الذي دخل في الماء ثم خرج. مع أن نعيمها مكدر ، ممزوج بالأهوال ~~والأحزان والمتاعب. وقد كتب علي بي أبي طالب إلى سلمان - رضي الله عنهما - ~~: " إن مثل الدنيا كمثل الحية ، لين مسها ، قاتل سمها ، فأعرض عنها ، وعما ~~يعجبك منها ، لقلة ما يصحبك منها ، ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها ، ~~وكن أسر ما تكون منها ، احذر ما تكون منها ، فإن صاحبها ، كلما اطمأن فيها ~~إلى سرور أشخص منها إلى مكروه ". # وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : " إن هذه الدار دار الثوى ، لا دار استواء ، ومنزل ترح ، ~~لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخائها ، ولم يحزن لشقائها - أي : لأنهما ~~لا يدومان - ألا وإن الله خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل ~~بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ~~ليعطي ، ويبتلي ليجزي ، وأنها سريعة الثوى - أي : الهلاك - وشيكة الانقلاب ~~، فاحذروا حلاوة رضاعها ، لمرارة فطامها ، واهجروا لذيذ عاجلها ؛ لكريه ~~آجلها ، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى الله خرابها ، ولا تواصلوها وقد ~~أراد الله منكم اجتنابها ، فتكونوا لسخطه متعرضين ، ولعقوبته مستحقين " ه. ~~ذكره ابن وداعة الموصلي. PageV05P427 # وذكر أيضا عن ابن عباس رضي الله عنه ms2113 قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : " ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا إلتاط منها بثلاث : شغل لا ~~ينفد عناؤه ، وفقر لا يدرك غناه ، وأمل لا ينال منتهاه ، إن الدنيا الآخرة ~~طالبتان ومطلوبتان ، فطالب الآخرة تطلبه الدنيا ، حتى يستكمل رزقه ، وطالب ~~الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذ الموت بعنقه ، ألا وإن السعيد من اختار باقية ~~يدوم نعيمها ، على فانية لا ينفك عذابها ، وقدم لما يقدم عليه مما هو الآن ~~في يده ، قبل أن يخلفه لمن يسعد بإنفاقه ، وقد شقي هو بجمعه واحتكاره ". # جزء : 5 رقم الصفحة : 279 # قلت : " هؤلاء " : مبتدأ. و" الذين " : صفته ، والعائد : محذوف ، و" ~~أغويناهم " : خبر. # والكاف في " كما " : صفة لمصدر محذوف ، أي أغويناهم غيا مثل ما غوينا ، ~~و" لو أنهم " : جوابه محذوف ، أي : لما رأوا العذاب. # يقول الحق جل جلاله : {قال الذين حق عليهم القول} بالعذاب ، وثبت مقتضاه ~~، وهو قوله تعالى : {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود : 119] ، ~~وهم الشياطين ، أو : أئمة الكفر : ورؤساء الكفرة : {ربنا هؤلاء} الكفرة ~~{الذين أغوينا أغويناهم} أي : دعوناهم إلى الشرك وسولناه لهم ، قد غووا غيا ~~{كما} مثل ما {غوينا} يقولون : إنا لم نغو إلا باختيارنا ، فهؤلاء كذلك ~~غووا باختيارهم ؛ لأن إغواءنا لم يكن إلا وسوسة وتسويلا ، فلا فرق إذن بين ~~غينا وغيهم ، وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء ~~الله لهم إلى الإيمان ، بما وضع فيهم من أدلة العقل ، وما بعث إليهم من ~~الرسل ، وأنزل إليهم من الكتب ، وهذا كقوله : {وقال الشيطان لما قضي الأمر ~~إن الله وعدكم وعد الحق...} إلى قوله : {ولومواا أنفسكم...} [إبراهيم : 22]. PageV05P428 # ثم قالوا : {تبرأنا إليك} منهم فيما اختاروه من الكفر ، {ما كانوا إيانا ~~يعبدون} ، بل كانوا يعبدون أهواءهم ، ويطيعون شهواتهم. فتحصل من كلام هؤلاء ~~الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم غروا الضعفاء ، وتبرؤوا من أن يكون آلهتهم ، فلا ~~تناقض. انظر ابن جزي. وإخلاء الجملتين من العاطف ؛ لكونهما مقررتين للجملة ~~الأولى. # {وقيل} للمشركين : {ادعو شركاءكم} أي : الأصنام ؛ لتخلصكم من العذاب ، ~~{فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} ms2114 ، فلم يجيبوهم ؛ لعجزهم عن الإجابة والنصرة. ~~{ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} لما رأوا ذلك العذاب ، وقيل : " لو " ~~؛ للتمني ، أي : تمنوا أنهم كانوا يهتدون. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 280 # و} اذكر {يوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} الذي أرسلوا إليكم ؟ أي ~~: بماذا أجبتموهم ؟ وهو أعلم بهم. حكي ، أولا ، ما يوبخهم به ؛ من اتخاذهم ~~له شركاء ، ثم ما تقوله الشياطين ، أو : أئمة الكفر عند توبيخهم ؛ لأنهم ~~إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين ، أو الرؤساء ، استغووهم ، ~~ثم ما يشبه الشماتة بهم ؛ لاستغائتهم بآلهتهم وعجزهم عن نصرتهم. ثم ما ~~يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل. قال تعالى : ~~{فعميت عليهم الانبياء يومئذ} ؛ خفيت عليهم الحجج أو الأخبار. # 281 # وقيل : خفي عليهم الجواب ، فلم يدروا بماذا يجيبون ؛ إذ لم يكن عندهم جواب. # قال البيضاوي : وأصله : فعموا عن الانباء ، لكنه عكس ؛ مبالغة ودلالة على ~~أن ما يحضر الذهن إنما يفيض ويرد عليه من خارج ، فإن أخطأه لم يكن له حيلة ~~إلى استحضاره ، والمراد بالأنباء : ما أجابوا به الرسل ، أو : ما يعمها ~~وغيرها ، فإذا كانت الرسل يتلعثمون في الجواب عن مثل ذلك من الهول ، ~~ويفوضون إلى علم الله تعالى ؛ فما ظنك بالضلال من البهم ؟ . ه. PageV05P429 # {فهم لا يتساءلون} ؛ لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب ؛ لفرط الدهشة ، أو : عن ~~العذر والحجة ، عسى أن يكون عندهم عذر أو حجة. {فأما من تاب} من الشرك ~~{وآمن} بربه وبمن جاء من عنده ، {وعمل صالحا} أي : جمع بين الإيمان والعمل ~~، {فعسى أن يكون من المفلحين} ؛ من الفائزين عند الله بالنعيم المقيم. و" ~~عسى " ، من الكرام ، تحقيق. وفيه بشارة للمسلمين على الإسلام ، وترغيب ~~للكافرين في الإيمان. وبالله التوفيق. # الإشارة : قال الذين حق عليهم القول ؛ بالانحطاط عن درجة المقربين ، ~~والبقاء مع عامة أهل اليمين ، وهم الصادون الناس عن الدخول في طريق القوم : ~~ربنا هؤلاء الذين أغوينا ؛ زينا لهم البقاء مع الأسباب ، والوقوف مع ~~العوائد ، أغويناهم كما غوينا ، فحيث لم نقو على مقام أهل التجريد ، قوينا ~~سوادنا بهم ، تبرأنا إليك ؛ لأنا ms2115 لم نقهرهم ، ولكن وسوسنا لهم ذلك ، ما ~~كانوا إيانا يعبدون ، ولكن عبدوا هوى أنفسهم. ثم يقال لهم : ادعوا ما كنتم ~~تعبدونه من حظوظ الدنيا وشهواتها ، فدعوهم ؛ فلم يستجيبوا لهم ، ورأوا عذاب ~~القطيعة ، لو أنهم كانوا يهتدون إلى اتباع أهل التربية ؛ ما وقعوا في ذلك. ~~ويوم يناديهم فيقول : ماذا أجبتم الداعين ، الذين أرسلتهم في كل زمان ، ~~يدعون إلى الله ، ويرفعون الحجاب بينهم وبين ربهم ، فعميت عليهم الأنبياء ~~يومئذ ، فهم لا يتساءلون عن أحوال المقربين ، لغيبتهم عنهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 280 # يقول الحق جل جلاله : {وربك يخلق ما يشاء} ، لا موجب عليه ، ولا مانع له ~~، وفيه دلالة على خلق الأفعال. {ويختار} ما يشاء ، لا اختيار لأحد مع ~~اختياره. قال البيضاوي : وظاهره : نفي الاختيار عنهم رأسا ، والأمر كذلك ~~عند التحقيق ؛ فإن اختبار العبد مخلوق لله ، منوط بدواع لا اختيار لهم فيها ~~، وقيل : المراد أنه ليس لأحد أن يختار عليه ، # 282 PageV05P430 ~~فلذلك خلا عن العاطف ، يعني قوله : {ما كان..} إلخ ، ويؤيده : ما روي أنه ~~نزل في قولهم : {لولا نزل هاذا القرآن علىا رجل من القريتين عظيم} [الزخرف ~~: 31] ه. {ما كان لهم الخيرة} أي : ليس لهم أن يختاروا مع الله شيئا ما ، ~~وله الخيرة عليهم. والخيرة : من التخير ، تستعمل مصدرا بمعنى التخير ، ~~وبمعنى المتخير ، ومنه : محمد خيرة الله من خلقه ، ولم يدخل العاطف في {ما ~~كان لهم الخيرة} ؛ لأنه مقرر لما قبله ، وقيل : " ما " : موصولة ، مفعول ~~بيختار ، والراجع إليه : محذوف ، أي : ويختار الذي كان لهم من الخيرة ~~والصلاح. ه. وبحث فيه النسفي بأن فيه ميلا إلى الاعتزال ، ويجاب : بأن ~~المعتزلة يقولون ذلك على سبيل الإيجاب ، ونحن نقوله على سبيل التفضل ~~والإحسان. # {سبحان الله} ، أي : تنزيها له عن أن ينازعه أحد ، أو يزاحم اختياره ~~اختيار. # {وتعالى عما يشركون} ، أي : تعاظم عن إشراكهم ، أو : عن مشاركة ما يشركون به. # {وربك يعلم ما تكن} تضمر {صدورهم} من عداوة الرسول - عليه الصلاة والسلام ~~- وحسده ، {وما يعلنون} من مطاعنهم فيه ، وقولهم : هلا اختير عليه غيره في ms2116 ~~النبوة. {وهو الله} المستأثر بالألوهية المختص بها ، {لا إله إلا هو} ، ~~تقرير له ، كقولك : الكعبة قبلة ، لا قبلة إلا هي. {له الحمد في الأولى} أي ~~: في الدنيا ، {والآخرة} ؛ لأنه المولي للنعم كلها ، عاجلها وآجلها ، يحمده ~~المؤمنون في الدنيا ، ويحمدونه في الآخرة بقولهم : {الحمد لله الذيا أذهب ~~عنا الحزن} [فاطر : 34] ، {الحمد لله الذي صدقنا وعده} [الزمر : 74] ، ~~{وقيل الحمد لله رب العالمين} [الزمر : 75] ، والتحميد تم على وجه التلذذ ~~لا الكلفة. {وله الحكم} ؛ القضاء بين عباده ، {وإليه ترجعون} بالبعث ~~والنشور. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 282 PageV05P431 ~~الإشارة : في الآية تحضيض على ترك التدبير والاختيار ، مع تدبير الواحد ~~القهار ، وهو أصل كبير عند أهل التصوف ، أفرد بالتأليف ، وفي الحكم : " ~~أراح نفسك من التدبير ، فما قام به غيرك عنك ؛ لا تقم به أنت عن نفسك ". ~~وقال سهل رضي الله عنه : ذروا التدبير والاختيار ، فإنهما يكدران على الناس ~~عيشهم. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : ذروا التدبير ، وإن ~~كان ولا بد من التدبير ، فدبروا ألا تدبروا. ه. # والتدبير المذموم : هو ما فيه للنفس حظ ، كتدبير أسباب الدنيا ، وما تحصل ~~بها من شهواتها ، إذا صحبه عزم أو تكرير ، وأما ما كان فيما يقرب إلى الله ~~تعالى فهو النية الصالحة ، أو لم يصحب تصميم ؛ بأن كان عزمه محلولا ، أو ~~علقة بمشيئة الله ، أو كان خاطرا غير ساكن ، فلا بأس به. قال القشيري - بعد ~~كلام في وجه اختصاص التدبير بالحق تعالى : لأنه لو لم تنفذ مشيئته واختياره ~~لم يكن بوصف العز ؛ لأن من نفى عن مراده لا يكون إلا ذليلا ، والاختيار ~~للحق نعت عز ، والاختيار للخلق صفة نقص ، ونعت ملام وقصور ، فاختيار العبد ~~على غير مبارك له ، لأنه صفة غير مستحق لها ، ومن اتصف بما لا # 283 # يليق به افتضح ، قال قائلهم : # ومعان إذا ادعاها سواهم # لزمته جناية السراق # والطينة إذا ادعت صفة للحق أظهرت رعونتها ، فما للمختار والاختيار ؟ ! ~~وما للمملوك والملك ؟ ! وما للعبيد في دست الملوك ؟ ! قال تعالى : {ما كان ~~لهم الخيرة}. ه. وقال آخر ms2117 في هذا المعنى : # العبد ذو ضجر ، والرب ذو قدر # والدهر ذو دول ، والرزق مقسوم # والخير أجمع : فيما اختار خالقنا # وفي اختيار سواه : اللوم والشوم PageV05P432 ~~فإذا علمت ، أيها العبد ، أن الحق تعالى هو الذي يخلق ما يشاء ويختار ، لم ~~يبق لك مع الله اختيار ، فالحالة التي أقامك فيها هي التي تليق بك ، ولذلك ~~قيل : العارف لا يعارض ما حل به ، فقرا كان أو غنى. قال اللجائي في كتاب ~~قطب العارفين : الراضي شبه ميت ، لا نفس له ، يختار لها ، فالفقر والغنى ~~حكمان من حكيم واحد ، وهو أعلم سبحانه بعبيده ، وما يصلحون به ، فمنهم من ~~يصلح للفقر ولا يصلح للغنى ، ومنهم من يصلح للغنى ولا يصلح للفقر ، ومنهم ~~من يصلح بالمنع ولايصلح بالعطاء ، ومنهم من يصلح بالعطاء ولا يصلح بالمنع ، ~~ومنهم من يصلح بالبلاء ولا يصلح بالصحة ، ومنهم من يصلح بالصحة ولا يصلح ~~بالبلاء ، ومنهم من يصلح بالوجهين جميعا ، وهو أعلى رتبة يشار إليها في ~~غاية هذا الشأن ، {وربك يخلق ما يشاء ويختار...} الآية ، ففي هذه الآية ~~كفاية وتعزية لكل سالك راض عن الله تعالى ، لكن لا يعقلها ولا يتلذذ بها ~~إلا مشايخ العارفين. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 282 # قلت : (سرمدا) : مفعول ثان لجعل ، وهو من السرد ، أي : التتابع ، ومنه ~~قولهم في الأشهر الحرم : ثلاثة سرد وواحد فرد ، والميم زائدة ، فوزنه : فعمل. # يقول الحق جل جلاله : {قل أرأيتم} ؛ أخبروني {إن جعل الله عليكم الليل # 284 # سرمدا} ؛ دائما ؛ بإسكان الشمس تحت الأرض ، أو بتحريكها حول الأفق الخارج ~~عن كورة الأرض ، أو بإخفاء نورها ، {من إله غير الله يأتيكم بضياء} ، وحقه ~~: هل إله غير الله ، وعبر ب " من " على زعمهم أن غيره آلهة ، أي : هل يقدر ~~أحد على هذا ؟ {أفلا تسمعون} سماع تدبر واستبصار ؟ . PageV05P433 # {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلي يوم القيامة} بإسكانها في ~~وسط السماء ، أو : بتحريكها فوق الأفق فقط ، {من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه} ؛ استراحة من متاعب الأشغال ؟ ولم يقل : بنهارتتصرفون فيه ، ~~كما قال ms2118 : {بليل تسكنون فيه} ، بل ذكر الضياء ، وهو ضوء الشمس ؛ لأن ~~المنافع التي تتعلق به متكاثرة ، وليس هو التصرف في المعاش وحده ، والظلام ~~ليس هو بتلك المنزلة ، ومن ثم قرن بالضياء. {أفلا تسمعون} ؛ لأن السمع يدرك ~~ما لا يدركه البصر ، من ذكر منافعه ، ووصف فوائده ، وقرن بالليل {أفلا ~~تبصرون} ؛ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه. # {ومن رحمته} تعالى {جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه} ؛ في الليل ~~{ولتبتغوا من فضله} بالنهار بأنواع المكاسب. وهو من باب اللف والنشر. وقال ~~الزجاج : يجوز أن يكون معناه : لتسكنوا فيهما ولتبتغوا من الله فيهما ، ~~ويكون المعنى : جعل لكم الزمان ليلا ونهارا ؛ لتسكنوا فيه ، ولتبتغوا من ~~فضله ، {ولعلكم تشكرون} أي : ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها. # جزء : 5 رقم الصفحة : 284 # ثم قرعهم على الإشراك ، بعد هذا البيان التام ، بقوله : {ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} وكرر التوبيخ على الشرك ، ليؤذن ألا ~~شيء أجلب لغضب الله تعالى من الإشراك به ، كما لا شيء أدخل في مرضاته من ~~توحيده. وقال القرطبي : أعاد هذا ؛ لاختلاف الحالين ، ينادون مرة ، فيدعون ~~الأصنام فلا تستجيب لهم ، فيظهر كذبهم. ثم ينادون مرة أخرى فيسكنون ، وهو ~~توبيخ وزيادة خزي. ثم طرق كون المناداة من الله ، أو ممن يأمره بذلك ، ~~لقوله : {ولا يكلمهم الله} [البقرة : 174] ، ويحتمل : ولا يكلمهم بعد قوله ~~: {اخسئوا فيها ولا تكلمون>} [المؤمنون : 108] أو : ولا يكلمهم كلام رضا. ه. PageV05P434 # {ونزعنا} ؛ وأخرجنا {من كل أمة شهيدا} ، وهو نبيهم ، يشهد عليهم بما كانوا ~~عليه ؛ لأن الأنبياء شهداء على أممهم ، {فقلنا} للأمم : {هاتوا برهانكم} ~~على صحة ما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول ، {فعلموا} حينئذ {إن الحق ~~لله} في الألوهية ، لا يشاركه فيها غيره ، {وضل عنهم} ؛ غاب غيبة الشيء ~~الضائع {ما كانوا يفترون} من ألوهية غير الله وشفاعة أصنامهم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : دوام ليل القبض يمحق البشرية ، ودوام نهار البسط يطغي النفس ، # 285 # وتخالفهما على المريد رحمة ، وإخراجه عنهما عناية ، وفي الحكم : " بسطك ~~كي لا ms2119 يتركك مع القبض ، وقبضك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما كي لا ~~تكون لشيء دونه ". وقال فارس رضي الله عنه : القبض أولا ، ثم البسط ، ثم لا ~~قبض ولا بسط ، لأن القبض والبسط يقعان في الوجود وأما مع الفناء والبقاء ~~فلا. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 284 # قلت : " قارون " : غير مصروف ؛ للعجمة والتعريف ، ولو كان " فاعولا " ؛ ~~من قرنت الشيء ، لا نصرف لخروجه عن العجمة. {إذ قال} : ظرف لبغى أي : طغى ~~حين وعظ ، ولم يقبل ما وعظ به ، أو : يتعلق بمقدر ، أي : أظهر التفاخر ~~بالمال حين قال له قومه : لا تفرح. و" ما " : موصولة ، و" إن مفاتحه " : ~~صلته ، ولذلك كسرت. # يقول الحق جل جلاله : {إن قارون كان من قوم موسى} كان إسرائيليا ، ابن عم ~~لموسى وابن خالته ، فهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ، وموسى بن ~~عمران بن قاهث. وكان يسمى " المنور " ؛ لحسن صورته وكان آمن بموسى ، وكان ~~أحفظ الناس للتوراة ، ولكنه نافق كما نافق السامري. {فبغى عليهم} ، من ~~البغي ، أي : الظلم : قيل : ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم. أو : من ~~البغي ، أي : الكبر ، أي : تكبر عليهم بكثرة ماله وولده ، وزاد عليهم في ~~الثياب شبرا ، فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده. PageV05P435 # {وآتيناه من الكنوز ما} الذي {إن مفاتحه} ؛ جمع مفتح ، بمعنى المقلد ، أي : ~~إن مقاليده {لتنوء} أي : تثقل {بالعصبة} ، الباء للتعدية ، يقال : ناء به ~~الحمل : أثقله حتى أماله. والعصبة : الجماعة الكثيرة ، وكانت مفاتح خزائنه ~~وقر ستين بغلا ، لكل خزانة مفتاح ، ولا يزيد المفتاح على إصبع. وكانت من ~~جلود ، أي : مغاليقها. وقيل : معنى تنوء : تنهض بتكلف ، ويكون حينئذ في ~~الكلام قلب ؛ إذ العصبة هي التي تنوء بالمفاتح ، لا العكس ، قيل : وسميت ~~أمواله كنوزا ؛ لأنه كان لايؤدي زكاتها ، وبسبب ذلك عادى موسى أول عداوته. # {إذ قال له قومه لا تفرح} ؛ لا تبطر بكثرة المال ؛ فرح إعجاب ؛ لأنه يقود ~~إلى الطغيان. أو : لا تفرح بالدنيا ؛ إذ لا يفرح بها إلا من لا عقل له ، ~~{إن الله لا يحب # 286 # الفرحين ms2120 : } البطرين المفتخرين بالمال ، أو : الفرحين بزخارف الدنيا ، من ~~حيث حصول حظوظهم وشهواتهم فيها. قال البيضاوي : الفرح بالدنيا مذموم مطلقا ~~؛ لأنه نتيجة حبها والرضا بها ، والذهول عن ذهابها ، قإن العلم بأن ما فيها ~~من اللذة مفارق لا محالة ، يوجب التوخي لا محالة ، كما قيل : # جزء : 5 رقم الصفحة : 286 # أشد الغم عندي في سرور # تيقن عنه صاحبه انتقالا PageV05P436 ~~{وابتغ فيما آتاك الله} من المال والثروة {الدار الآخرة} ؛ بأن تتصدق على ~~الفقراء تصل الرحم ، وتصرفه في أنواع الخير ، {ولا تنس نصيبك من الدنيا} ، ~~وهو أن تأخذ ما يكفيك ويصلحك. وقيل : معناه : واطلب بدنياك آخرتك ؛ فإن ذلك ~~حظ المؤمن منها لأنها مزرعة الآخرة ، فيها تكتسب الحسنات وترفع الدرجات ، ~~أي : لا تنس نصيبك منها أن تقدمه للآخرة ، {وأحسن} إلى عباد الله {كما أحسن ~~الله إليك} فيما أنعم به عليك : أو : أحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام ، كما ~~أحسن إليك بسوابغ الإنعام. {ولا تبغ الفساد في الأرض} بالظلم والبغي وإنفاق ~~المال في المعاصي ؛ {إن الله لا يحب المفسدين} ؛ لا يرضى فعلهم. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : في الآية زجر عن الفرح بالدنيا والافتخار بها ، بل الفرح بكل ~~ما يفني : كله مذموم. قال في الإحياء : الفرح بالدنيا والتنعم بها سم قاتل ~~، يسري في العروق ، فيخرج من القلب الخوف والحزن ، وذكر الموت وأهوال يوم ~~القيامة ، وهذا هو موت القلب ، والعياذ بالله ، فأولو العزم من أرباب ~~القلوب حزنوا لمواتاة الدنيا ، وعلموا أن النجاة في الحزن الدائم ، ~~والتباعد من أسباب الفرح والبطر ، فقطعوا النفس عن ملاذها ، وعودوا الصبر ~~عن شهواتها ، حلالها وحرامها ، وعلموا أن حلالها حساب ، وهو نوع عذاب ، ومن ~~نوقش الحساب عذب ، فخلصوا أنفسهم من عذابها ، وتوصلوا إلى الحرية والملك في ~~الدنيا والآخرة ، بالخلاص من أسر الشهوات ورقها ، والأنس بذكر الله تعالى ~~والاشتغال بطاعته. ه. # وقال يمن بن رزق : اعلم أني لم أجد شيئا أبلغ في الزهد في الدنيا من ثبات ~~حزن الآخرة في القلب ، وعلامة ثبات حزن الآخرة في القلب : أنس القلب ~~بالوحدة. ه. قلت : وهذا مذهب العباد والزهاد ms2121 ، وأما العارفون فقد دخلوا جنة ~~المعارف ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، جعلنا الله من خواصهم ، بمنه وكرمه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 286 PageV05P437 ~~يقول الحق جل جلاله : {قال} قارون : {إنما أوتيته} أي : المال {على علم # 287 # عندي} أي : على استحقاق مني ، لما في من العلم الذي فضلت به الناس ، وهو ~~علم التوراة ، وكان أعلم الناس به بعد ، موسى وهارون ، وكان من العباد ، ثم ~~كفر بعد ذلك. وذكر القشيري أنه كان منقطعا في صومعة للعبادة ، فصحبة إبليس ~~على العبادة ، واستمر معه على ذلك ، وهو لا يشعر ، إلى أن ألقى إليه : إن ~~ما هما عليه ، من الانقطاع عن التكسب ، وكون أمرها على أيدي الناس ، ليس ~~بشيء ، فرده إلى الكسب بتدريج ، إلى أن استحكم في حب الدنيا والجمع والمنع ~~، ثم تركه. ه. وقيل : المراد به علم الكيمياء ، وكان يأخذ الرصاص والنحاس ~~فيجعلهما ذهبا. أو : العلم بوجوه المكاسب من التجارة والزراعة ، أو : العمل ~~بكنوز يوسف. # قال تعالى : {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه ~~قوة وأكثر جمعا} ، أي : أو لم يكن في علمه ، من جملة العلم الذي عنده ، أن ~~الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه وأقوى وأغنى ، وأكثر جمعا ~~للمال ، أو أكثر جماعة وعددا ، وهو توبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله ، ~~مع علمه بذلك ؛ لأن قرأه في التوراة ، وسمعه من حفاظ التواريخ. أو : نفي ~~لعلمه بذلك ؛ لأنه لما قال : {أوتيته على علم عندي} ؛ قيل له ، أعنده مثل ~~ذلك العلم الذي ادعاه ، ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ، ولم يعلم هذا ~~العلم النافع ، الذي هو الاعتبار بمن هلك قبله ، حتى يقي نفسه مصارع ~~الهالكين. # {ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون} ، لعلمه تعالى بعملهم ، بل يدخلهم النار بغتة. PageV05P438 # أو : يعترفون بها بغير سؤال ، أو : يعرفون بسيماهم فلا يسألون ، أو : لا ~~يسألون سؤال توبيخ ، أو لا يسأل المجرمون من هذه الأمة عن ذنوب الماضين. ~~قال محمد بن كعب : هو كلام متصل بما قبله ، والضمير في (ذنوبهم) ms2122 ؛ عائد على ~~من أهلك من القرون ، أي : أهلكوا ، ولم يسأل غيرهم بعدهم عن ذنوبهم ، بل ~~كان أحد إنما يعاتب على ما يخصه. ه. وإذ قلنا هو ؛ في القيامة فقد ورد في ~~آيات أخر أنهم يسألون ، ويوم القيامة مواطن وطوائف. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 287 # الإشارة : إذا خص الله عبدا بخصوصية فلا ينسبها لنفسه ، أو لحوله وقوته ، ~~أو لكسبه ومجاهدته ، بل يشهدها منة من الله عليه ، وسابق عناية منه إليه ، ~~قال سهل رضي الله عنه : ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح ، والسعيد من صرف بصره ~~عن أفعاله وأقواله ، وفتح له سبيل رؤية منة الله عليه ، في جميع الأفعال ~~والأقوال. والشقي من زين له في عينه أفعاله وأقواله وأحواله ، ولا فتح له ~~سبيل رؤية منة الله عليه ، فافتخر بها وادعاها لنفسه ، فشؤمه أن يهلكه كما ~~خسف بقارون. لما ادعى لنفسه فضلا. ه. # 288 # جزء : 5 رقم الصفحة : 287 # قلت : (في زينته) : حال ، {ويكأنه} : مذهب الخليل وسيبويه : أن " وي " : ~~حرف تنبيه منفصلة عن كأن ، لكن أضيفت لكثرة الاستعمال. وقال أبو حاتم ~~وجماعة : " ويك " هي " ويلك " ؛ حذفت اللام منها ؛ لكثرة الاستعمال. وقالت ~~فرقة : " ويكأن " بجملتها كلمة. قاله الثعلبي ، وقال البيضاوي : ويكأن ، ~~عند البصريين ، مركب من " وي " ؛ للتعجب ، و" كأن " ، للتشبيه. ه. وقال ~~سيبويه : " وي " : كلمة تنبيه على الخطأ وتندم ، يستعملها النادم لإظهار ~~ندامته. PageV05P439 # يقول الحق جل جلاله : {فخرج} قارون {على قومه في زينته} ، قال جابر : كانت ~~زينته القرمز ، وهو صبغ أحمر معروف. قيل : إنه خرج في الحمرة والصفرة ، ~~وقيل : خرج يوم السبت على بغلة شهباء ، عليها الأرجوان ، وعليها سرج من ذهب ~~، ومعه أربعة آلاف على زيه ، وقيل : عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر ، ~~وعن يمينه ثلاثمائة غلام ، وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض ، عليهن الحلي ~~والديباج. # {قال الذين يريدون الحياة الدنيا} ، قيل : كانوا مسلمين ، وإنما تمنوا ، ~~على سبيل الرغبة في اليسار ، كعادة البشر ، وقيل : كانوا كفارا ، ويرده ~~قوله : {لولا أن من الله علينا..} إلخ. {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون} من ~~المال ms2123 والجاه ، قالوه ؛ غبطة. والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه ، من ~~غير أن تزول عنه ، والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له ، دونه. ~~وهو كقوله تعالى : {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم علىا بعض} [النساء : ~~32] ، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تضر الغبطة ؟ فقال : " ~~لا... " الحديث. {إنه لذو حظ عظيم} من الدنيا ، والحظ : الجد ، وهو البخت ~~والدولة. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 289 # وقال الذين أوتوا العلم} بالثواب والعقاب وفناء الدنيا ، أو : أتوا العلم ~~بالله ، فيؤخذ منه : أن متمني الدنيا جاهل ولو كان أعلم الناس ؛ إذ لا ~~يتمناها إلا المحب لها ، وهي رأس الفتنة. فأي علم يبقى مع فتنة الدنيا ؟ ! ~~قالوا في وعظهم لغابطي قارون : {ويلكم} ؛ هلاكا لكم ، فأصل ويلك : الدعاء ~~بالهلاك ، ثم استعمل في الزجر والردع على # 289 PageV05P440 ~~ترك ما لا يرضى. وقال في التبيان في إعراب القرآن : هو مفعول بفعل محذوف ، ~~أي : ألزمتكم الله ويلكم ، {ثواب الله} في الآخرة ، {خير لمن آمن وعمل ~~صالحا} مما أوتي قارون ، بل من الدنيا وما فيها ، {ولا يلقاها} أي : لا ~~يلقى هذه الكلمة التي تكلم بها العلماء ، وهي ثواب الله خير ، {إلا ~~الصابرون}. أو : لا يلقى هذه القوة والعزيمة في الدين إلا الصابرون على ~~الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا. # وفي حديث الترمذي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من ترك ~~اللباس - أي : الفاخر - ؛ تواضعا لله تعالى ، وهو يقدر عليه ، دعاه الله ~~على رؤوس الخلائق ، حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها " وفيه أيضا ~~عنه عليه الصلاة والسلام : " ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال ؛ بيت ~~يسكنه ، وثوب يواري عورته ، وجلف الخبز والماء " أي : ليس معه إدام. PageV05P441 # قال تعالى : {فخسفنا به} ؛ بقارون {وبداره الأرض} ، كان قارون يؤدي موسى ~~عليه السلام كل وقت ، وهو يداريه ؛ للقرابة التي بينهما ، حتى نزلت الزكاة ~~، فصالحه : على كل ألف دينار دينار ، وعلى كل ألف درهم درهم ، فحاسبه ~~فاستكثره ، فشحت به نفسه ، فجمع بني إسرائيل ، وقال له : قد أطعتم موسى في ms2124 ~~كل شيء ، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم ، فقالوا : أنت كبيرنا فمرنا بما ~~شئت ، قال : نجعل لفلانة البغي جعلا حتى تقذف موسى بنفسها ، فيرفضه بنو ~~إسرائيل ، فجعل لها ألف دينار ، أو : طستا من ذهب ، فلما كان يوم عيد قام ~~موسى خطيبا ، فقال : من سرق قطعنا يده ، ومن افترى جلدناه ثمانين ، ومن زنى ~~وليس له امرأة جلدناه مائة ، ومن زنى وله امرأة رجمناه ، فقال قارون : وإن ~~كنت أنت ؟ قال : وإن كنت أنا ، قال : فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت ~~بفلانة ، فأحضرت ، فناشدها بالذي خلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق ، فقالت ~~: جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي ، فخر موسى ساجدا يبكي ، وقال : ~~اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي ، فأوحى الله تعالى إليه : مر الأرض بما شئت ~~فيه ، فإنها مطيعة لك ، فقال : يا بني إسرائيل : إن الله بعثني إلى قارون ~~كما بعثني إلى فرعون ، فمن كان معه فليلزم مكانه ، ومن كان معي فليعتزل ، ~~فاعتزلوا جميعا غير رجلين. ثم قال : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم إلى الأوساط ، ~~ثم قال : خذيهم ، فأخذتهم إلى الأعناق ، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ، ~~ويناشدونه بالله وبالرحم ، وموسى لا يلتفت إليهم ؛ لشدة غضبه ، ثم قال : ~~خذيهم ، فانطبقت عليهم. فقال الله تعالى : يا موسى ؛ استغاث بك مرارا فلم ~~ترحمه ، فوعزتي لو استرحمني مرة لرحمته. # 290 # روي أنه يخسف كل يوم قامة ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ، فقال بعض ~~بني إسرائيل : إنما أهلكه ليرث داره وكنوزه ، فدعى الله تعالى فخسف بداره ~~وكنوزه ، وأوحى الله تعالى إلى موسى : إني لا أعبد الأرض أحدا بعدك أبدا ، ~~أي : لا آمرها تطيع أحدا بعدك. # { PageV05P442 ~~جزء : 5 رقم الصفحة : 289 # فما كان له من فئة} ؛ جماعة {ينصرونه من دون الله} ؛ يمنعونه من عذاب ~~الله {وما كان من المنتصرين} من عذاب الله ، أو : من المنتقمين من موسى. # {وأصبح} أي : وصار {الذين تمنوا مكانه} أي : منزلته من الدنيا {بالأمس} : ~~متعلق بتمنوا. ولم يرد به اليوم الذي قبل يومك ، ولكن الوقت القريب ، ~~استعارة. {يقولون ويكأن الله يبسط الرزق ms2125 لمن يشاء من عباده ويقدر} أي : ~~أعجب مما صنع بقارون ؛ لأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ، وهو عنده ممقوت ، ~~{ويقدر} أي : يضيقه على من يشاء ، وهو عنده محبوب. {لولا أن من الله علينا} ~~؛ بصرف ما كنا نتمناه بالأمس ، {لخسف بنا} معه ، كما فعل بالرجلين {ويكأنه ~~لا يفلح الكافرون} أي : اعجب لعدم فلاح الكافرين. قال الرضي : كأنه المخاطب ~~كان يدعي أنهم يفلحون ، فقال له : عجبا منك ، فسئل : لم تتعجب منه ؟ فقال : ~~إنه لا يفلح الكافرون ، فحذف حرف الجار. وقال ابن عزيز : ويكأن الله معناه. ~~ألم تر أن الله. واقتصر عليه البخاري. والله تعالى أعلم. PageV05P443 # الإشارة : في الآية ترهيب من التعمق في زينة الدنيا ، والتكاثر بها. ومن ~~تمنى ما لأربابها من غرور زخرفها ، وترغيب في الزهد فيها ، وإيثار الفقر ~~على الغنى ، والتبذل والتخشن على ملاذ ملابسها ومطاعمها. قال الشيخ العارف ~~؛ سيدي عبد الرحمن بن يوسف اللجائي في كتابه : اعلم أن الدنيا إذا عظمت ~~وجلت في قلب عبد ، فإن ذلك العبد يعظم قدر من أقبلت عليه الدنيا ، ويتمنى ~~أن ينال منها ما نال ، فإن كل إنسان يعظم ما اشتهت نفسه. وهذه صفة عبيد ~~الدنيا ، وعبيد أهوائهم. وهي صفة من أسكرته الغفلة ، وخرجت عظمة الله عز ~~وجل من قلبه ، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى : {قال الذين يريدون الحياة ~~الدنيا...} الآية. فكل محب للدنيا ، مستغرق في حبها ، فهو لاحق بالذين تموا ~~زينة قارون. واعلم أن الدنيا إذا رسخت في القلب ، واستوطنت ، ظهر ذلك على ~~جوارح العبد ، بتكالبه عليها ، وشدة رغبته فيها ، فيسلبه الله تعالى لذة ~~القناعة ، ويمنعه سياسة الزاهدين ، ويبعده عن روح العارفين ؛ فإن القلب إذا ~~لم يقنع لو ملك الدنيا بحذافيرها لم يشبع. وقال بعض الحكماء : القناعة هي ~~الغنى الأكبر ، ولن تخفى صفة القانعين. ه. ومآل الراغبين في الدنيا هو مآل ~~قارون ، من الفناء والذهاب تحت التراب ، وأنشدوا : # إن كنت تسمو إلى الدنيا وزينتها # فانظر إلى مالك الأملاك قارون # رم الأمور فأعطته مقادتها # وسخر الناس ؛ بالتشديد واللين # جزء : 5 رقم الصفحة : 289 # حتى إذا ms2126 ظن ألا شيء غالبه # ومكنت قدماه أي تمكين # 291 # راحت عليه المنايا روحة تركت # ذا الملك والعز تحت الماء والطين # جزء : 5 رقم الصفحة : 289 # قلت : (تلك) : مبتدأ ، و(نجعلها) : خبر. PageV05P444 # يقول الحق جل جلاله : {تلك الدار الآخرة} أي : تلك الدار التي سمعت بذكرها ~~، وبلغت خبرها. وعنى البعد في الإشارة ، لبعد منزلتها وعلو قدرها ، {نجعلها ~~للذين لا يريدون علوا في الأرض} أي : تكبرا وقهرا كحال فرعون ، {ولا فسادا} ~~؛ عملا بالمعاصي ، أو ظلما على الناس ، كحال قارون ، أو قتل النفس ، أو : ~~دعاء إلى عبادة غير الله ، ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد ، ولكن بترك ~~إرادتهما وميل القلب إليهما ، أدرك ذلك بالفعل أم لا. وعن علي رضي الله عنه ~~: إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحيه ، فيدخل ~~تحتها. وعن الفضيل : أن قرأها ، ثم قال : ذهبت الأماني ها هنا وعن عمر عبد ~~العزيز رضي الله عنه أنه كان يرددها حتى قبض. {والعاقبة} المحمودة ~~{للمتقين} ما لا يرضاه الله ؛ من العلو والفساد وغير ذلك. # {ومن جاء بالحسنة فله خير منها} ذاتا وقدرا ووصفا ، {ومن جاء السيئة} ؛ ~~مالا يرضاه الله تعالى ، {فلا يجزى الذين عملوا السيئات} ، أصله : فلا ~~يجزون ، وضع الظاهر موضع المضمر ؛ لما في إسناد السيئات إليهم من تقبيح ~~رأيهم وتسفية أحلامهم ، وزيادة تبغيض السيئات إلى قلوب السامعين ، {إلا ما ~~كانوا يعملون} ؛ إلا جزاء عملهم فقط ، ومن فضله العظيم ألا يجزي السيئة إلا ~~مثلها ، ويجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة. # الإشارة : جعل الله الدار الآخرة للمتواضعين ، أهل الذل والإنكسار ، ~~والعاقبة المحمودة - وهي الوصول إلى الحضرة - للمتقين الشهرة والاستكبار ، ~~وفي الحكم : " ادفن نفسك في أرض الخمول ؛ فما نبت مما لم يدفن ؛ لا يتم ~~نتاجه ". قال في التنبيه : لا شيء أضر على المريد من الشهرة وانتشار الصيت ~~؛ لأن ذلك من أعظم حظوظه ، التي هي مأمور بتركها ، ومجاهدة النفس فيها ، ~~وقد تسمح نفس المريد بترك ما سوى هذا من الحظوظ. ه. PageV05P445 # وكان شيخ شيخنا يقول : نحب المريد أن يكون قدمه أعظم من صيته ms2127 ، ولا يكون ~~صيته أعظم من قدمه. ه. وقال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه : ما صدق الله من ~~أحب الشهرة. وقال بعضهم : طريقتنا هذه لا تصلح إلا بأقوام كنست بأرواحهم ~~المزابل. وقال أيوب رضي الله عنه : ما صدق عبد إلا سره ألا يشعر بمكانه. ~~وقال في القوت : ومتى ذل العبد نفسه ، واتضع عندها ، فلم يجد لذلته طعما ، ~~ولا لضعته حسما ، فقد صار الذل # 292 # والتواضع كونه ، فهذا لا يكره الذم من الخلق ؛ لوجود النقص في نفسه ، ولا ~~يحب المدح منهم ؛ لفقد القدر والمنزلة في نفسه. فصارت الذلة والضعة صفة لا ~~تفارقه ، لازمة لزوم الزبالة للزبال ، والكساحة للكساح ، هما صنعتان له ~~كسائر الصنائع. وربما فخروا بهما لعدم النظر إلى نقصهما. فهذه ولاية عظيمة ~~له من ربه ، قد ولاه على نفسه ، وملكه عليها ، فقهرها بعزه ، وهذا مقام ~~محبوب ، وبعده المكاشفات بسرائر الغيوب. ثم قال : ومن كان حاله مع الله ~~تعالى الذل طلبه واستحلاه ، كما يطلب المتكبر العز ، ويستحليه إذا وجده ، ~~فإن فارق ذلك الذل ساعة تغير قلبه لفراق حاله ، كما أن المتعزز إن فارق ~~العز ساعة تكدر عليه عيشه ؛ لأن ذلك عيش نفسه. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 292 # قلت : وهذا مقام من المقامات ، والعارف الكالم لا يتغير قلبه على فقد شيء ~~؛ إذ لم يفقد شيئا بعد أن وجد الله ، (ماذا فقد من وجدك). والذي ذكره في ~~القوت هو حال السائرين الصادقين. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 292 # قلت : (ولا يصدنك) : مجزوم بحذف النون ، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين ، ~~حين دخلت نون التوكيد. PageV05P446 # يقول الحق جل جلاله : لرسوله صلى الله عليه وسلم {إن الذي فرض عليك القرآن} ~~أي : أوجب عليك تلاوته وتبليغه ، والعمل بما فيه ، {لرادك إلى معاد} عظيم ، ~~وهو المعاد الجسماني ؛ لتقوم المقام المحمود ، الذي لا يقوم فيه أحد غيرك ، ~~مع حضور الأكابر من الرسل وغيرهم. أو : لرادك إلى معادك الأول ، وهو مكة ، ~~وكان عليه الصلاة والسلام اشتاق إليها ؛ لأنها مولده ومولد آبائه ، وقد رده ~~إليها يوم الفتح ، وإنما نكره ؛ لأنه ms2128 كان في ذلك اليوم معاد له شأن ، ومرجع ~~له اعتداد ؛ لغلبته - عليه الصلاة والسلام - ونصره ، وقهره لأعدائه ، ~~ولظهور عز الإسلام وأهله ، وذل الشرك وحزبه. # والسورة مكية ، لكن هذه الآية نزلت بالجحفة ، لا بمكة ولا بالمدينة ، وفي ~~الآية وعد بالنصر ، وأن العاقبة الحسنة والخير الجسيم للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يختص بالآخرة ، بل يكون في الدنيا له ولمتبعيه ، ولكن بعد الابتلاء ~~والامتحان ، كما في صدر السورة الآتية بعدها ، وبهذا يقع التناسب بينهما ، ~~فإنها كالتعليل لما قبلها. # 293 # ولما وعده بالنصر قال له : (قل ربي أعلم من جاء بالهدى أي : يعلم من جاء ~~بالحق ، يعني نفسه صلى الله عليه وسلم مع ما يستحقه من النصر والثواب ، في ~~معاده ، {ومن هو في ضلال مبين} ؛ وهم المشركون ، مع ما يستحقونه من العقاب ~~في معادهم. # {وما كنت ترجو أن يلقى} ؛ يوحي {إليك الكتاب} أي : القرآن ، فكما ألقى ~~إليك الكتاب ، وما كنت ترجوه ؛ كذلك يردك إلى معادك الأول ، من غير أن ~~ترجوه ، {إلا من رحمة من ربك} ، لكن ألقاه إليك ، رحمة منه إليك ، ويجوز أن ~~يكون استثناء محمولا على المعنى ، كأنه قال : وما ألقي إليك الكتاب إلا ~~رحمة من ربك ، {فلا تكونن ظهيرا} ؛ معينا {للكافرين} على دينهم ؛ بمداراتهم ~~والتحمل عنهم ، والإجابة إلى طلبتهم. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 293 PageV05P447 ~~ولا يصدنك عن آيات الله} أي : لا يمنعك هؤلاء عن العمل بآيات الله وتبليغها ~~وإظهارها ، {بعد إذ أنزلت إليك} أي : بعد وقت إنزالها ، و{إذ} : مضاف إليه ~~أسماء الزمان ، كقولك : حينئذ ويومئذ. {وادع إلى ربك} ؛ إلى توحيده وعبادته ~~، {ولا تكونن من المشركين} ، نهاه ، تنفيرا لغيره من الشرك. # {ولا تدع مع الله إلها آخر} ، قال ابن عباس رضي الله عنه : الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ، والمراد به أهل دينه. قال البيضاوي. وهذا وما قبله ~~تهييج ، وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم ، {لا إله إلا هو} : استئناف ، ~~مقرر لما قبله ، {كل شيء هالك إلا وجهه} أي : ذاته ، فالوجه يعبر به عن ~~الذات ، أي : لكل شيء فان مستهلك معدوم ، إلا ms2129 ذاته المقدسة ، فإنها موجودة ~~باقية. وقال أبو العالية : إلا ما أريد به وجه الله ، من علم وعمل ، فإنه ~~لا يفنى. قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه : يجاء بالدنيا يوم القيامة ، ~~فيقال : ميزوا ما كان لله تعالى منها ، فيميز ، ثم يؤمر بسائرها فيلقى في ~~النار. ه. وقال الضحاك : كل شيء هالك إلا الله والجنة والنار والعرش. # {له الحكم} ؛ القضاء النافذ في خلقه ، {وإليه ترجعون} ؛ للجزاء والفصل. ~~والله تعالى أعلم. PageV05P448 # الإشارة : أهل الاشتياق يروحون أرواحهم بهذه الآية ، فيقولون لها : إن الذي ~~فرض عليك القرآن ، أن تعمل به في الدنيا لرادك إلى معاد جسماني روحاني ، ~~فتتصل نضرتك ونظرتك إلى وجه الحبيب ، من غير عذول ولا رقيب ، على سبيل ~~الاتصال ، من غير تكدر ولا انفصال ، فإن وقع الإنكار على أهل الخصوصية ؛ ~~فيقولون : {ربي أعلم} الآية.. وما كنت ترجو أن تلقى إليك الخصوصية إلا رحمة ~~من ربك ، فلا تكونن ظهيرا للكافرين المنكرين لها ، معينا لهم على إذاية من ~~انتسب إليها ، ولا يصدنك عن معرفة آيات الله الدالة عليه ، بعد إذ أنزلت ~~إليك ، أي : لا يمنعك الناس عن صحبة أولياء الله ، الدالين عليه ، وادع إلى ~~ربك ، أي : إلى معرفة ذاته ووحدانيته ، ولا تكونن من المشركين بشهود شيء من ~~السوى ، فإن كل شيء هالك ، أي : معدم في الماضي والحال والاستقبال ، إلا # 294 # وجهه : إلا ذاته ، فلا موجود معها ، وفي ذلك يقول الشاعر : # الله قل ، وذر الوجود وما حوى # إن كنت مرتادا بلوغ كمال # فالكل ، دون الله ، إن حققته ، # عدم على التفصيل والإجمال # جزء : 5 رقم الصفحة : 293 # واعلم بأنك ، والعوالم كلها ، # لولاه ، في محو وفي اضمحلال # من لا وجود لذاته من ذاته # فوجوده ، لولاه ، عين محال # فالعارفون فنوا ، ولم يشهدوا # شيئا سوى المتكبر المتعال # ورأوا سواه على الحقيقة هالكا # في الحال والماضي والاستقبال # وبالله التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه ، وسلم. # 295 # جزء : 5 رقم الصفحة : 293 PageV05P449 ### | AUTO سورة العنكبوت # جزء : 5 رقم الصفحة : 295 # قلت ms2130 : الحسبان : قوة أحد النقيضين على الآخر ، كالظن ، بخلاف الشك ، فهو ~~الوقوف بينهما. والعلم : هو القطع بأحدهما ، ولا يصح تعلقهما بمعاني ~~المفردات ، ولكن بمضامين الجمل ، فلا أقول : حسبت زيدا ، وظننت الفرس ، بل ~~حسبت زيدا قائما ، والفرس جوادا. والكلام الدال على المضمون ، الذي يقتضيه ~~الحسبان هنا أن يتركوا مع قوله : {وهم لا يفتنون} أي : أحسبو تركهم غير ~~مفتونين لأن يقولوا : آمنا. # يقول الحق جل جلاله : {الم} : الألف : لوحدة أسرار الجبروت ، واللام : ~~لفيضان أنوار الملكوت ، والميم : لاتصال المادة بعالم الملك. فكأنه تعالى ~~أقسم بوحدة جبروته وأنوار ملكوته واتصال مادته بملكه وخليقته ، أنه لا يدع ~~دعوة مدع إلا ويختبره ؛ ليظهر صدقه أو كذبه ، وهذا معنى قوله : {أحسب ~~الناس} أي : أظن الناس {أن يتركوا} غير - مفتونين ومختبرين ، {أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون} ؛ أظنوا أن يدعوا الإيمان ولا يختبرون عليه ؛ ليظهر ~~الصادق من الكاذب ، بل يمتحنهم الله بمشاق التكليف ؛ من مفارقة الأوطان ، ~~ومجاهدة الأعداء ، ورفض الشهوات ، ووظائف الطاعات ، وبالفقر ، والقحط ، ~~وأنواع المصائب في الأموال والأنفس ، وإذاية الخلق ؛ ليتميز المخلص من ~~المنافق ، والثابت في الدين من المضطرب فيه ، ولينالوا بالصبر على ذلك ~~عوالي الدرجات ، فإن مجرد الإيمان ، وإن كان على خلوص قلب ، لا يقتضي غير ~~الخلاص من الخلود في العذاب ، وما ينال # 296 # العبد من المكاره يسمو به إلى أعلى الدرجات وأعظم المقامات ، مع ما في ~~ذلك من تصفية النفس وتهذيبها ، لتتهيأ لإشراق أنوار مقام الإحسان. # روي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد جزعوا ~~من أذى المشركين ، وضاقت صدورهم من ذلك ، وربما استنكر بعضهم أن يمكن الله ~~الكفرة من المؤمنين. فزلت مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده ؛ ~~اختبارا لهم. PageV05P450 # قال تعالى : {ولقد فتنا الذين من قبلهم} بأنواع المحن ؛ فمنهم من كان يوضع ~~المناشر على رأسه ، فيفرق فرقتين ، وما يصرفه ذلك عن دينه ، ومنهم من كان ~~يمشط بأمشاط الحديد ، ومنهم من كان يطرح في النار ، وما يصده ذلك عن دينه. ~~{فليعلمن الله} بذلك الامتحان {الذين صدقوا} في ms2131 الإيمان بالثبات ، {وليعلمن ~~الكاذبين} بالرجوع عنه. ومعنى علمه تعالى به ، أي : علم ظهور وتمييز. ~~والمعنى : وليميزن الصادق منهم من الكاذب ، في الدنيا والآخرة. قال ابن ~~عطاء : يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء ، فمن شكر في أيام ~~الرخاء ، وصبر في أيام البلاء ، فهو من الصادقين ، ومن بطر في أيام الدنيا ~~، وجزع في أيام البلاء ، فهو من الكاذبين. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 296 # الإشارة : سنة الله تعالى في أوليائه : أن يمتحنهم في البدايات ، فإذا ~~تمكنوا من معرفة الله ، وكمل تهذيبهم ، أعزهم ونصرهم ، وأظهرهم لعباده. ~~ومنهم من يتركهم تحت أستار الخمول ، حتى يلقوه على ذلك ؛ وهم عرائس الملكوت ~~، ضن بهم أن يظهرهم لخلقه. والامتحان يكون على قدر المقام ، وفي الحديث : " ~~أشد الناس بلاء : الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على قدر دينه ~~، فإن كان في دينه صلبا ، اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ، ابتلى على ~~قدر دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من ~~خطيئة ". وقال صلى الله عليه وسلم : " أشد الناس بلاء في الدنيا : نبي أو ~~صفي " وقال صلى الله عليه وسلم : " أشد الناس بلاء : الأنبياء ، ثم ~~الصالحون. لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر ، حتى ما يجد إلا العباءة يحويها ~~فيلبسها ، ويبتلى بالقمل حتى يقتله ، ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من ~~أحدكم بالعطاء " من الجامع. والله تعالى أعلم. PageV05P451 # جزء : 5 رقم الصفحة : 296 # يقول الحق جل جلاله : {أم حسب الذين يعملون السيئات} أي : الشرك والمعاصي ~~وإذاية المسلمين ، {أن يسبقونا} أي : يفوتونا ، بل يلحقهم الجزاء لا محالة. ~~و" أم " : منقطعة ، ومعنى الإضراب فيها : أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان ~~الأول ، لأن ذلك يظن أنه لا يمتحن لإيمانه ، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساوئه ~~، وشبهته أضعف ، ولذلك عقبه بقوله : {ساء ما يحكمون} ، أي : بئس ما يحكمون ~~به حكمهم في صفات الله أنه مسبوق ، وهو القادر على كل شيء ، فالمخصوص محذوف. # ثم ذكر الحامل على الصبر عند الإمتحان ، وهو رجاء لقاء الحبيب ، فقال : ~~{من كان يرجو ms2132 لقاء الله} أي : يأمل ثوابه ، أو يخاف حسابه ، أو ينتظر رؤيته ~~، {فإن أجل الله} المضروب للغاية {لآت} لا محالة. وهو تبشير بأن اللقاء ~~حاصل ؛ لأنه لأجل آت ، وكل آت قريب. وكل غاية لها انقضاء ، فليبادر للعمل ~~الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله. {وهو السميع} لما يقوله عباده ، ~~{العليم} بما يفعلونه ، فلا يفوته شيء. # {ومن جاهد} نفسه ، بالصبر على مشاق الطاعات ، ورفض الشهوات ، وإذاية ~~المخلوقات ، وحبس النفس على مراقبة الحق في الأنفاس واللحظات ، {فإنما ~~يجاهد لنفسه} ؛ لأن منفعة ذلك لها ، {إن لله لغني عن العالمين} وعن طاعاتهم ~~ومجاهدتهم. وإنما أمر ونهي ؛ رحمة لهم ، ومراعاة لصلاحهم. # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم} أي : الشرك والمعاصي ~~؛ بالإيمان والتوبة ، {ولنجزينهم} مع غنانا عنهم ، {أحسن الذين كانوا ~~يعملون} أي : أحسن جزاء أعمالهم ؛ بالفضل والكرم. والله تعالى أعلم. PageV05P452 # الإشارة : أم حسب الذين ينكرون على أوليائي ، المنتسبين إلي ، أن يسبقونا ؟ ~~بل لا بد أن نعاقبهم في الدنيا والآخرة ، إما في الظاهر ؛ بمصيبة تنزل بهم ~~، أو في الباطن ، وهو أقبح ، كقساوة في قلوبهم ، أو : كسل في بدنهم ، أو : ~~شك في يقينهم ، أو : بعد من ربهم ، فإن من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. ~~ثم بشر المتوجهين الذين يؤذون في جانبه ، بأن لقاءه حاصل لهم إن صبروا ، ~~وهو الوصول إلى حضرته ، والتنعم بقربه ومشاهدته ، جزاء على صبرهم ومجاهدتهم ~~، وهو الغني بالإطلاق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 297 # 298 # قلت : " وصى " حكمه حكم " أمر " ، يقال وصيت زيدا بان يفعل خيرا ، كما ~~تقول : أمرته بأن يفعل خيرا ، ومنه : {ووصىا بهآ إبراهيم بنيه} [البقرة : ~~132] ، أي : أمرهم بكلمة التوحيد ووصاهم عليها. # يقول الحق جل جلاله : {ووصينا الإنسان بوالديه} ؛ أمرناه بإيتاء والديه ~~{حسنا} أي : فعلا ذا حسن ، أو : ما هو في ذاته حسن ، لفرط حسنه ، كقوله : ~~{وقولوا للناس حسنا} [البقرة : 83] أو : وصينا الإنسان بتعاهد والديه ، ~~وقلنا له : أحسن بهما حسنا ، أو أولهما حسنا. {وإن جاهداك} أي : حملاك ~~بالمجاهدة والجد {لتشرك بي ما ليس لك به علم} أي : لا علم لك بالإلهية ، ~~والمراد نفي العلم ms2133 نفي المعلوم ، وكأنه قيل : لتشرك بي شيئا لا يصح أن يكون ~~إلها ، وقيل : ما ليس لك به حجة ؛ لأنها طريق العلم ، فهو قوله : {لا برهان ~~له به} [المؤمنون : 117] ، بل هو باطل عقلا ونقلا ، {فلا تطعمها} في ذلك ؛ ~~إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. PageV05P453 # {إلي مرجعكم} ، من آمن منكم ومن أشرك ، {فأنبئكم بما كنتم تعملون} ؛ ~~فأجازيكم حق جزائكم. وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير من متابعتهما على الشرك ~~، وحث على الثبات والاستقامة في الدين. روي أن سعد بن أبي وقاص لما أسلم ، ~~نذرت أمه ألا تأكل ولا تشرب حتى يرتد ، فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فنزلت هذه الآية والتي في لقمان {وإن جاهداك علىا أن تشرك بي ما ليس ~~لك به علم فلا تطعهما} [لقمان : 15]. # {والذين آمنوا} ؛ ثبتوا على الإيمان {وعملوا الصالحات لندخلنهم في ~~الصالحين} أي : في جملتهم ، والصلاح من أبلغ صفة المؤمنين ، وهو متمني ~~الأنبياء ، فقال سليمان عليه السلام : {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} ~~[النمل : 19]. وقال يوسف عليه السلام : {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} ~~[يوسف : 101] أو : في مدخل الصالحين ، وهو الجنة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 298 # الإشارة : قد وصى الله تعالى بطاعة الوالدين في كل شيء ، إلا في شأن ~~التوحيد والتخلص من الشرك الجلي والخفي ، فإن ظهر شيخ التربية ومنع ~~الوالدان ولدهما من صحبته ، ليتطهر من شركه ، فلا يطعمها ، وسيأتي في لقمان ~~دليل ذلك ، إن شاء الله. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 298 # 299 PageV05P454 ~~يقول الحق جل جلاله : {ومن الناس من يقول آمنا بالله} ، فيدخل في جملة ~~المسلمين ، {فإذا أوذي في الله} أي : مسه أذى من الكفرة ؛ بأن عذبوه على ~~الإيمان ، {جعل فتنة الناس كعذاب الله} أي : جزع من ذلك كما يجزع من عذاب ~~الله ، فيصرف عن الإيمان ، {ولئن جاء نصر من ربك} ؛ فتح أو غنيمة ، {ليقولن ~~إنا كنا معكم} أي : متابعين لكم في دينكم ، ثابتين عليه بثباتكم ، فأعطونا ~~نصيبا من المغنم. والمراد بهم : المنافقون ، أو : قوم ضعف إيمانهم فارتدوا. ~~قال تعالى : {أوليس الله بأعلم بما في ms2134 صدور العالمين} أي : هو أعلم بما في ~~صدور العالمين. ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق ، وما في صدور ~~المؤمنين. من الإخلاص. # الإشارة : منافق أهل الإيمان هو الذي يظهر الإيمان في الرخاء ويرجع عنه ~~في الشدة ، ومنافق الصوفية هو الذي يظهر الانتساب في السعة والجمال ، فإذا ~~وقع البلاء والاختبار بأهل النسبة خرج عنهم ، فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله بالقطيعة والحجاب ، ولئن جاء لأهل النسبة نصر وعز ، ~~ليقولن : إنا كنا معكم. وقد رأينا كثيرا من هذا النوع ، دخلوا في طريق ~~القوم ، فلما قابلتهم نيران التعرف والامتحان ؛ رجعوا القهقرى ، فعند ~~الامتحان يعز المرء أو يهان ، وعند الحملة يتميز الجبان من الشجاع. PageV05P455 # قال القشيري : المحن تظهر جواهر الرجال ، وتدل على قيمتهم وأقدارهم. ثم من ~~كانت محنته من فوات الدنيا ، أو نقص نصيبه فيها ، أو بموت قريب أو فقد حبيب ~~، فحقير قدره ، وكثير في الناس مثله. ومن كانت محنته في الله ولله ، فعظيم ~~قدره ، وقليل مثله ، في العدد قليل ، ولكن في القدر والخطر جليل. ه. قلت : ~~معنى كلامه : أن العامة يمتحنهم الله ويختبرهم بذهاب حظوظهم وأحبابهم ، فإن ~~جزعوا فقدرهم حقير ، وإن صبروا فأجرهم كبير ، وأما الخاصة فيمتحنهم الله ~~بسبب نسبتهم إلى الله ، وإقبالهم عليه ، أو الأمر بمعروف أو نهي عن منكر ، ~~فيؤذون في جانب الله ، فمنهم من يسجن ، ومنهم من يضرب ، ومنهم من يجلى من ~~بلده ، فهؤلاء قدرهم عند الله كبير. ثم قال : والمؤمن من يكف الأذى ، ~~والولي من يتحمل من الناس الأذى ، من غير شكوى ، ولا إظهار دعوى. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 299 # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين كفروا} من صناديد قريش ، {للذين آمنوا ~~اتبعوا سبيلنا} الذي نسلكه ، وهو الدخول في ديننا ، {ولنحمل خطاياكم} إن ~~كان ذلك خطيئة في زعمكم. أمروهم باتباع سبيلهم ، وهي طريقتهم التي كانوا ~~عليها ، وأمروا # 300 # أنفسهم بحمل خطاياهم ، فعطف الأمر على الأمر ، وأرادوا ليجتمع هذان ~~الأمران في الحصول. والمعنى : تعليق الحمل بالاتباع ، أي : إن تتبعوا ~~سبيلنا حملنا خطاياكم. وهذا قول صناديد ms2135 قريش ، كانوا يقولون لمن آمن منهم : ~~لا نبعث نحن ولا أنتم ، فإن كان ذلك فإنا نحمل عنكم الإثم. PageV05P456 # قال تعالى : {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء} أي : ما هم حاملين شيئا من ~~أوزارهم ، {إنهم لكاذبون} فيما ادعوا ؛ لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه ~~، كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف. {وليحملن أثقالهم} أي ~~: أثقال أنفسهم بسبب كفرهم ، {وأثقالا مع أثقالهم} أي : أثقالا أخر غير ~~التي ضمنوا للمؤمنين حملها ، وهي أثقال الذين كانوا سببا في ضلالهم ، ~~كقولهم : {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم} [النحل : 25] ، {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} من الأكاذيب ~~والأباطيل التي ضلوا بها. # الإشارة : كل من عاق الناس عن الدخول في طريق التصفية والتخليص : تصدق ~~عليه هذه الآية ، فيتقلد بحمل نقائصهم ومساوئهم التي بقيت فيهم ، فيحاسب ~~عليها وعلى مساوئ نفسه. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 300 # يقول الحق جل جلاله : {و} الله {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما} يدعوهم إلى الله ، وهم يؤذونه بالشتم والضرب حتى نصر ، ~~فاصبر كما صبر ، فإن العاقبة للمتقين. PageV05P457 # روي أنه عاش ألفا وخمسين سنة ، وقيل : إنه ولد في حياة آدم ، وآدم يومئذ ~~ابن ألف سنة إلا ستين عاما. وقيل : إلا أربعين. ذكره الفاسي في الحاشية. ~~والمشهور : أن بينه وبين آدام نحو العشرة آباء. وروي أنه بعث على رأس ~~أربعين ، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين. وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وهب أنه ~~عاش في عمره ألفا وأربعمائة ، وقيل : وستمائة ، فقال له ملك الموت : يا ~~أطول الأنبياء عمرا ؛ كيف وجدت الدنيا ؟ قال : كدار لها بابان ، دخلت من ~~أحدهما وخرجت من الآخر. ولم يقل : تسعمائة وخمسين سنة ، لأنه ، لو قيل ذلك ~~، لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره ، وهذا التوهم زائل هنا ، وكأنه ~~قيل : تسعمائة وخمسين كاملة وافية العدد. مع أن ما ذكره الحق أسلس وأعذب ~~لفظا ، ولأن القصة سيقت لذكر ما ابتلى به نوح عليه السلام من أمته ، وما ms2136 ~~كابده من طول # 301 # المصابرة ؛ تسلية لنبينا - عليه الصلاة والسلام - فكان ذكر الألف أفخم ~~وأوصل إلى الغرض. وجيء ، أولا : بالسنة ثم بالعام ؛ لأن تكرار لفظ واحد في ~~كلام واحد حقيق بالاجتناب في البلاغة. # {فأخذهم الطوفان} ؛ طوفان الماء ، وهو ما طاف وأحاط ، بكثرة وغلبة ، من ~~سيل ، أو ظلام ليل ، أو نحوها ، {وهم ظالمون} أنفسهم بالكفر والشرك ، ~~{فأنجيناه وأصحاب السفينة} ، وكانوا ثمانية وسبعين نفسا ، نصفهم ذكور ، ~~ونصفهم إناث ، أولاد نوح : سام ، وحام ، ويافث ، ونساؤهم ، ومن آمن من ~~غيرهم ، {وجعلناها} أي : السفينة ، أو الحادثة ، أو القصة ، {آية} ؛ عبرة ~~وعظة {للعالمين} يتعظون بها. PageV05P458 # الإشارة : كل ما سلى به الأنبياء يسلى به الأولياء ، فكل من أوذي في الله ، ~~او لحقته شدة من شدائد الزمان ، فليعتبر بمن سلف قبله من الأكابر ، ويتسلى ~~بهم ، ولينظر إلى لطف الله وبره وإحسانه ، فإن لطفه لا ينفعك عن قدره. قال ~~الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : العارف هو الذي يغرق إساءته في ~~إحسان الله إليه ، ويغرق شداد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه ؛ ~~فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون. # جزء : 5 رقم الصفحة : 301 # قلت : (إبراهيم) : عطف على (نوح) ، أو متعلق باذكر ، و(وإذ قال) : ظرف ~~زمان لأرسلنا ، أو : بدل اشتمال من (إبراهيم) ؛ إن نصب باذكر ، لأن الأحيان ~~تشتمل على ما فيها. # يقول الحق جل جلاله : {وإبراهيم} أي : وأرسلنا إبراهيم {إذ قال لقومه} أي ~~: أرسلناه حين كمل عقله وتم نظره ، وبلغ من السن والعلم مبلغا صلح فيه لأن ~~يعظ قومه ، ويأمرهم بالعبادة والتقوى. وقرأ النخعي وأبو حنيفة : بالرفع. أي ~~: ومن المرسلين إبراهيم ، قال في وعظه : {اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم} ~~مما أنتم عليه من الكفر ، {إن كنتم تعلمون} ؛ إن كان فيكم علم بما هو خير ~~لكم مما هو شر لكم. # {إنما تعبدون من دون الله أوثانا} ؛ أصناما {وتخلقون} : تختلفون وتكذبون ~~، أو تصنعون أصناما بأيديكم تسمونها آلهة. وقرأ أبو حنيفة والسلمي : " ~~وتخلقون " بالكسر والشد. من خلق ؛ للمبالغة. {إفكا} : وقرئ " أفكا " بفتح ~~الهمزة ، وهو مصدر ، نحو # 302 # كذب ولعب. واختلاقهم الإفك ms2137 : تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله. PageV05P459 # {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا} : لا يستطيعون أن ~~يرزقوكم شيئا من الرزق ، {فابتغوا عند الله الرزق} كله ؛ فإنه هو الرزاق ~~وحده ، لا يرزق غيره. {واعبدوه واشكروا له} أي : متوسلين إلى مطالبكم ~~بعبادته ، مقيدين لما خصكم به من النعم بشكره ، {إليه ترجعون} ، فاستعدوا ~~للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه ، {وإن تكذبوا} أي : تكذبوني {فقد كذب ~~أمم من قبلكم} رسلهم ، {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} الذي يزول معه ~~الشك. والمعنى : وأن تكذبوني فلا تضرونني بتكذيبكم ؛ فإن الرسل قبلي قد ~~كذبتهم أممهم ، وما ضروهم ، وإنما ضروا أنفسهم ، حيث حل بهم العذاب. وأما ~~الرسول فقد أدى ما عليه حين بلغ البلاغ المبين ، الذي لم يبق معه شك ، حيث ~~اقترن بآيات الله معجزاته. أو : وإن كنت مكذبا فيما بينكم ، فلي في سائر ~~الأنبياء أسوة ، حيث كذبوا ، وعلى الرسول أن يبلغ ، وما عليه أن يصدق ~~ولايكذب. # جزء : 5 رقم الصفحة : 302 PageV05P460 ~~وهذه الآية من قوله : {وإن تكذبوا} إلى قوله : {فما كان جواب قومه} : يحتمل ~~أن تكون من جملة قول إبراهيم عليه السلام لقومه ، والمراد بالأمم قبله : ~~قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم ، وأن تكون من كلام الله في شأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وشأن قريش ، معترضة بين أول قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت ~~: الجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت ؛ معترضة فيه ؛ فلا تقول : ~~مكة ، وزيد قائم ، خير بلاد الله ؟ قلت : قد وقع الاتصال ، وبيانه : أن ~~إيراد قصة إبراهيم عليه السلام إنما هو تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن أباه إبراهيم كان مبتلى بنحو ما ابتلى به ؛ من شرك قومه ، ~~وعبادتهم الأوثان ، فاعترض بقوله : {وإن تكذبوا} يا معشر قريش محمدا ، فقد ~~كذب إبراهيم قومه ، وكل أمة كذبت نبيها لأن قوله : {فقد كذب أمم من قبلكم} ~~لا بد من تناوله لأمة إبراهيم ، وهو كما ترى اعتراض متصل ، ثم سائر الأيات ~~بعدها من توابعها ؛ لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله ، وهدم الشرك ، وتوهين ~~قواعده ms2138 ، وصفة قدرة الله وسلطانه ، ووضح صحته وبرهانه. قاله النسفي. # قال ابن جزي : {وإن تكذبوا} يحتمل ان يكون وعيدا للكفار وتهديدا لهم ، أو ~~يراد به تسلية النبي عن تكذيب قومه ، بالتأسي بغيره من الأنبياء الذين ~~كذبهم قومهم. ه. # الإشارة : قوله تعالى : {فابتغوا عند الله الرزق} ؛ قال سهل رضي الله عنه ~~: معناه : اطلبوا الرزق في التوكل ، لا في الكسب ؛ فإن طلب بالكسب سبيل ~~العوام. وقال ابن عطاء الله : اطلبوا الرزق في الطاعة والإقبال على ~~العبادة. وقال القشيري : وقدم ابتغاء الرزق ؛ لتوقف القيام بالعبادة عليه ، ~~ثم أمر بالشكر على الكفاية. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 302 PageV05P461 ~~قلت : يقال : بدأ الله الخلق ، وأبداه : بمعنى واحد ، وقد جاءت اللغتان في ~~هذه السورة. وقوله : (يعيده) : عطف على الجلمة ، لا على (يبدئ) ؛ لأن رؤية ~~البداءة بالمشاهدة بخلاف الإعادة ، فإنها تعلم بالنظر والاستدلال ، وهم لا ~~يقرونها ، لعدم النظر. وقد قيل : إنه يريد إعادة النبات وإبداءه ، وعلى هذا ~~تكون (ثم يعيده) : عطفا على (يبدئ). # يقول الحق جل جلاله : {أولم يروا} أي : كفار قريش {كيف يبدىء الله الخلق} ~~أي : يظهره من العدم ، أي : قد رأوا ذلك وعلموه ، {ثم يعيده} بالبعث ؛ ~~للجزاء بالعذاب والثواب. # قال القشيري : الذي داخلهم في الشك هو بعث الخلق ، فاحتج عليهم بما أراهم ~~من فصول السنة بعد نقضها ، وإعادتها على الوجه الذي كان في العام الماضي. ~~وكما أن ذلك سائغ في قدرته ، كذلك بعث الخلق. ه. ونحوه لابن عطية وغيره. ~~كما هو مشهود في الثمار ، من كونها تبدأ ، فتجنى ، ثم تفنى ، ثم تعيدها مرة ~~أخرى. وكذلك يبدئ خلق الإنسان ، ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولدا ، وخلق من ~~الولد ولدا آخر ، وكذا سائر الحيوان. وهذا يرشح صحة عطف " يعيد " على " ~~يبدئ ". {إن ذلك على الله يسير} أي : الإعادة بعد الإفناء يسيرة على قدرة ~~الله تعالى. PageV05P462 # {قل سيروا في الأرض} أي : قل يا محمد ، وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره : ~~وأوحينا إليه أن قل : سيروا في الأرض ، {فانظروا كيف بدأ الخلق} على كثرتهم ~~، واختلاف أحوالهم والسنتهم وألوانهم وطبائعهم ms2139 ، تفاوت هيئاتهم ، لتعرفوا ~~عجائب قدرة الله بالمشاهدة ، ويقوي إيمانكم بالبعث ، وهو قوله : {ثم الله ~~ينشىء النشأة الآخرة} أي : البعث ، وهذا دليل على أنهما نشأتان : نشأة ~~الاختراع ونشأة الإعادة ، غير إن الآخرة إنشاء بعد إنشاء ، والأولى ليست ~~كذلك. والقياس أن يقال : كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة ، ~~وإنما عدل عنه ؛ لأن الكلام معهم وقع في الإعادة ، فلما قررهم في الإبداء ، ~~بإنه من الله ، احتج بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء ، فإذا لم يعجزه ~~الإبداء وجب ألا يعجزه الإعادة ، فكأنه قال : ثم ذلك الذي أنشأ الأولى هو ~~الذي ينشىء النشأة الآخرة ، فللتنبيه على هذا أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ. قال ~~النسفي. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 303 # إن الله على كل شيء قدير} ؛ فلا يعجزه شيء. {يعذب من يشاء} بعدله # 304 # {ويرحم من يشاء} بفضله ، أو : يعذب من يشاء بالخذلان ، ويرحم بالهداية ~~للإيمان ، أو : يعذب من يشاء بالحرص ، ويرحم من يشاء بالقناعة ، أو : يعذب ~~بالتدبير والاختيار ويرحم بالرضا والتسليم لمجاري الأقدار ، أو : يعذب ~~بالإعراض عنه ، ويرحم بالإقبال عليه ، أو : بالاستتار والتجلي ، أو : ~~بالقبض والبسط ، أو بالمجاهدة والمشاهدة ، إلى غير ذلك. {وإليه تقلبون} ؛ ~~تردون للحساب والعقاب. PageV05P463 # {وما أنتم بمعجزين} أي : بفائتين ربكم إن هربتم من حكمه وقضائه ، {في ~~الأرض} الفسيحة ، {ولا في السماء} التي هي أفسح منها وأبسط ، لو كنتم فيها. ~~{وما لكم من دون الله من ولي} يتولى أموركم ، {ولا نصير} ؛ ولا ناصر يمنعكم ~~من عذابه. {والذين كفروا بآيات الله} ؛ بدلائله على وحدانيته ، أو كتبه ، ~~أو معجزاته ، {ولقائه} ؛ وكفروا بلقائه ، {أولئك يئسوا من رحمتي} ؛ جنتي ، ~~{وأولئك لهم عذاب أليم} موجع. وبالله التوفيق. # الإشارة : أولم ير أهل فكرة الاستبصار كيف يظهر الحق تجلياته من عالم ~~الغيب إلى عالم الشهادة ، ثم يبطنها ، فيردها لأصلها من اللطافة ، ثم ~~ينشأها النشأة الثانية ، تكون معانيها أظهر من حسها ، وقدرتها أظهر من ~~حكمتها ، فليس عند أهل التوحيد الخاص شيء يفنى ، وإنما يبطن ما ظهر ، ويظهر ~~ما بطن ، ولا زائد على أسرار الذات وأنوار الصفات. وهذا أمر لا يدركه إلا ms2140 ~~أفراد الرجال بصحبة أكابر الرجال ، وهو لب العلم ، وخالصة طريقة ذكر الله ، ~~والتفرغ عن كل شيء ما يشغل عن الله ، بعد قتل النفوس وحط الرؤوس وبذل ~~الفلوس. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 303 # قلت : {مودة بينكم} : من نصبها : فله وجهان ؛ أحدهما : على التعليل ، أي ~~لتوادوا بينكم ، والمفعول الثاني محذوف ، أي : اتخذتم أوثانا آلهة. والثاني ~~على المفعول الثاني لاتخذتم ، كقوله : {اتخذ آلهه هواه} [الفرقان : 43]. ~~و(ما) : كافة ، أي : اتخذتم الأوثان سبب المودة على حذف مضاف ، أو : ~~اتخذتموها مودودة بينكم. و(بينكم) : نصب على الظرفية ؛ نعت لمودة ، أي : ~~حاصلة بينكم. ومن رفع : فله وجهان ؛ إما خبر إن ، و(ما) موصولة ، أو : عن ~~مبتدأ محذوف ، أي : هي مودة بينكم ، و(بينكم) : مضاف إليه ما قبله. # يقول الحق جل جلاله : {فما كان جواب قومه} ؛ قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الله # 305 PageV05P464 ~~{إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه} ، قاله بعضهم لبعض ، أو : قاله واحد منهم ، ~~وكان الباقون راضين ، فكانوا جميعا في الحكم القائلين. فاتفقوا على تحريقه ~~، {فأنجاه الله من النار} حين قذفوه فيها ؛ بأن جعلها بردا وسلاما. وتقدم ~~في الأنبياء تمام القصة. # {إن في ذلك} ؛ فيما فعلوه به وفعلناه {لآيات} دالة على عظم قدرته {لقوم ~~يؤمنون} ؛ لأنهم المنتفعون بالفصح عنها والتأمل فيها. روي أنه لم ينتفع بها ~~في تلك الأيام أحد لذهاب حرها ؛ لأن كل نار سمعت الخطاب فامتثلت. # {وقال} إبراهيم لقومه : {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا} ؛ أصناما آلهة ~~{مودة بينكم في الحياة الدنيا} أي : لتوادوا بينكم في الحياة الدنيا ، ~~وتواصلوا ؛ لاجتماعكم على عبادتها ، واتفاقكم عليها كما تتفق الناس على ~~مذهب أو طريق ، فيكون ذلك سبب تحابهم. أو : إنما اتخذتم الأوثان سبب المودة ~~، أو اتخذتموها مودودة ومحبوبة بينكم ، أو : إن التي اتخذتموها أوثانا ~~تعبدونها هي مودة بينكم في الدنيا ، {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض} أي : ~~تتبرأ الأصنام من عابديها ؛ كقوله : {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو} ~~[الزخرف : 67]. {ويعلن بعضكم بعضا} ، فتلعن الأتباع الرؤساء : ؛ {ومأواكم ~~النار} أي : مأوى العابد والمعبود والتابع والمتبوع. {وما لكم من ناصرين} ~~يحصنونكم منها. ms2141 # جزء : 5 رقم الصفحة : 305 # الإشارة : الإنكار على أهل الخصوصية سنة الله في خلقه ، فلا يأنف منها ~~إلا جاهل ، والاجتماع على التودد على غير ذكر الله ومحبته وما يقرب إليه ، ~~كله يؤدي إلى التباغض والتلاعن يوم القيامة ؛ {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو إلا المتقين} ، وهم المتحابون في الله ، والمجتمعون على ذكر الله ~~والعلم به. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 305 PageV05P465 ~~يقول الحق جل جلاله : {فآمن} لإبراهيم ، أي : انقاد {له لوط} ، وكان ابن ~~أخيه ، وأول من آمن به حين رأى النار لم تحرقه. {وقال} إبراهيم : {إني ~~مهاجر إلى ربي} ؛ إلى حيث أمرني ربي بالهجرة ، وهو الشام ، فخرج من " كوثى ~~" ، وهي من سواد الكوفة ، إلى حران ، ثم منها إلى فلسطين ، وهي من برية ~~الشام ، ونزل لوط بسدوم ، ومن ثم قالوا لكل نبي هجرة ، ولإبراهيم هجرتان. ~~وكان معه ، في هجرته ، لوط وسارة زوجته. # وقيل : القائل : {إني مهاجر إلى ربي} هو لوط ، فأول من هاجر من الأنبياء ~~إبراهيم ولوط. وذكر البيهقي : إن أول من هاجر منا في الإسلام بأهله : ~~عثمان. ورفع الحديث إلى # 306 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه قال : إن عثمان لأول من هاجر بأهله ~~بعد لوط. ه. يعني : الهجرة إلى الحبشة. وكانت - فيما ذكر الواقدي - سنة خمس ~~من البعثة ، وأما الهجرة إلى المدينة ؛ ففي البخاري عن البراء : أول من قدم ~~المدينة من الصحابة ، مهاجرا ، مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم ، ثم جاء عمار ~~، وبلال ، وسعد ، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين ، ثم جاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # {إنه هو العزيز} الذي يمنعني من أعدائي ، {والحكيم} الذي لا يأمرني إلا ~~بما هو خير لي. PageV05P466 # {ووهبنا له إسحاق} ولدا ، {ويعقوب} ولد ولد ، ولم يذكر إسماعيل ؛ لشهرته ، ~~أو : لأن إسحاق ولد بعد اليأس من عجوز عاقر ، فعظمت المنة به. {وجعلنا في ~~ذريته النبوة} أي في ذرية إبراهيم فإنه شجرة الأنبياء ، {والكتاب} يريد به ~~الجنس ، ليتناول التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. {وآتيناه أجره في ~~الدنيا} أي : الثناء الحسن ، والصلاة عليه آخر ms2142 الدهر ، ومحبة أهل الملل له ~~، أو : هو بقاء ضيافته عند قبره ، وليس ذلك لغيره ، أو : المال الحلال ، ~~واللفظ عام. وفيه دليل على أن الله تعالى قد يعجل لأوليائه بعض الأجر في ~~الدنيا ، ولا يخل بعلو منصبهم {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} لحضرتنا ، ~~والسكنى في جوارنا. أسكننا الله معهم في فسيح الجنان. آمين. # الإشارة : الهجرة سنة الخواص ، وهي على قسمين : هجرة حسية وهجرة معنوية ، ~~فالحسية هي هجرة العبد من وطن تكثر فيه الغفلة والعوائق عن الله ، أو ~~الإذاية والإنكار ، إلى وطن يجد فيه اليقظة وقلة العوائق. والهجرة المعنوية ~~: هي هجرة القلب من وطن المعصية إلى وطن التوبة ، ومن وطن الغفلة إلى وطن ~~اليقظة ، ومن وطن الحرص إلى وطن الزهد والقناعة ، ومن وطن الحظوظ والشهوات ~~إلى وطن العفة والحرية ، ومن وطن الشواغل إلى وطن التفرغ ، ومن وطن رؤية ~~الحس إلى رؤية المعاني ، وهذه نهاية الهجرة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 306 # قال القشيري : لا تصح الهجرة إلى الله إلا بالتبري بالقلب من غير الله ، ~~والهجرة بالنفس يسيرة بالنسبة إلى الهجرة بالقلب ، وهي هجرة الخواص ، وهي ~~الهجرة عن أوطان التفرقة إلى ساحة الجمع ، والجمع بين التعريج في أوطان ~~التفرقة والكون في مشاهدة الجمع متناف. ه. وقال في قوله تعالى : {وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين} أي : للدنو والقربة والتخصيص بالزلفة. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 306 PageV05P467 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة} أي ~~: الفعلة البالغة في القبح ، وهي اللواطة ، {ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين} : جملة مستأنفة مقررة لفحش تلك الفعلة ، كأن قائلا قال : لم كانت ~~فاحشة ؟ فقال : لأن أحدا ممن قبلهم لم يقدم عليها ، قالوا : لم ينز ذكر على ~~ذكر قبل قوم لوط. {أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل} اي : تتعرضون ~~للسابلة بالقتل وأخذ المال ، كما هو شأن قطاع الطريق ، وقيل : اعتراضهم ~~السابلة لقصد الفاحشة ، {وتأتون في ناديكم} ؛ في مجالسكم الغاصة بأهلها ، ~~ولا يقال للمجلس : ناد ، إلا ما دام فيه أهله ، {المنكر} فعلهم الفاحشة ~~بالرجال ، أو المضارطة ms2143 ، أو : السباب والفحش في المزاح ، أو الحذف بالحصى ، ~~أو : مضغ العلك ، أو الفرقعة. # وعن أم هانىء - رضي اله عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~قوله : {وتأتون في ناديكم المنكر} ؟ فقال : " كانوا يحذفون من يمر بهم ~~الطريق ، ويسخرون منهم " وقال معاوية : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ~~إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم ، وعند كل قصعة من الحصى ، فإذا مر بهم ~~عابر قذفوه ، فأيهم أصابه ؛ كان أولى به ". {فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} فيما تعدنا من نزول العذاب ، ~~أو في دعوى النبوة ، المفهومة من التوبيخ ، {قال رب انصرني} بإنزال العذاب ~~{على القوم المفسدين} بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها ، وسنها لمن بعدهم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 307 # وصفهم بذلك ؛ مبالغة استنزال العذاب ، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم ~~العذاب ، # {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} ، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم ؛ ~~بالولد ، # 308 PageV05P468 ~~والنافلة إسحاق ، ويعقوب ، أي : مروا عليه ، حين كانوا قاصدين قوم لوط ، ~~{قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية} ؛ سدوم ، والإشارة بهذه القرية تشعر ~~بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام ، قالوا : إنها كانت على مسيرة ~~يوم وليلة من موضع إبراهيم ، قاله النسفي. {إن أهلها كانوا ظالمين} ، تعليل ~~للإهلاك ، أي : إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة ، وهم عليه مصرون ~~، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم. {قال} إبراهيم : {إن فيها لوطا} أي : ~~أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم ، أو : وفيهم نبي بين أظهرهم ؟ ~~{قالوا} أي : الملائكة : {نحن أعلم} منك {بمن فيها لننجينه وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين} ؛ الباقين في العذاب. # ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم ، فقال : {ولما ~~أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم} أي : ساءه مجيئهم وغمه ، مخافة أن يقصدهم قومه ~~بسوء. و" أن " : صلة ؛ لتأكيد الفعلين ، وترتيب أحدهما على الآخر ، كأنهما ~~وجدا في جزء واحد من الزمان ، كأنه قيل : لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة ~~من غير ترتيب. {وضاق بهم ذرعا} أي : ضاق بشأنهم وتدبير ms2144 أمرهم ذرعه وطاقته ، ~~وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة ، كما قالوا : رحب الذراع ~~، إذا كان مطيقا للأمور ، والأصل فيه : إن الرجل إذا طالت ذراعه نال مالا ~~يناله القصير ، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها. PageV05P469 # {وقالوا} ، لما رأوا فيه أثر الضجر والخوف : {لا تخف ولا تحزن} على تمكنهم ~~منا ، {إنا منجوك وأهلك} أي : وننجي أهلك ، فالكاف في محل الجر ، و" أهلك " ~~: نصب بفعل محذوف ، {إلا إمرأتك كانت من الغابرين}. في الكلام حذف يدل عليه ~~ما في هود ، أي : لا تخف ولا تحزن من أجلنا ، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك ~~، بل يهلكون جميعا ، وأما أنت ؛ فإنا منجوك... إلخ ؛ لأن خوفه إنما كان ~~عليهم لا على نفسه. أو يقدر : إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم. ثم قالوا : {إنا ~~منزلون على أهل هذه القرية رجزا} ؛ عذابا {من السماء بما كانوا يفسقون} ؛ ~~بسبب فسقهم. # {ولقد تركنا منها} ؛ من القرية {آية بينة} هي حكايتها الشائعة ، أوآثار ~~منازلهم الخربة ، وقيل : الماء الأسود على وجه الأرض ، حيث بقيت أنهارهم ~~مسودة ، وقيل : الحجارة المسطورة ، فإنها بقيت بعدهم آية {لقوم يعقلون} ؛ ~~يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 307 # الإشارة : قوله تعالى : {وتأتون في ناديكم المنكر} قال القشيري : من جملة ~~المنكر : تخلية الفساق مع فسقهم ، وترك القبض على أيديهم ، ومن ذلك : ترك ~~الاحتشام للشيوخ والأكابر. ه. وقال في قوله تعالى : {إن فيها لوطا} ، لما ~~أخبروه بمقصدهم من # 309 # إهلاك قوم لوط ، تكلم في شأن لوط ، إلى أن قالوا : {لننجينه...} إلخ ، ~~فدل ذلك على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط ، ولو كان بريئا ، لم يكن ~~ظلما ، لو كان كذلك قبيحا لما كان إبراهيم - مع وفر علمه - يشكل عليه ، حتى ~~كان يجادل عنه ، بل لله أن يعذب من يعذب ويعافي ، من يعافي بلا حجر ه. PageV05P470 # قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته : وما ذكره واضح من حيث العقيدة ، وإن ~~كانت الآية ، وقول إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى : {وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم} ms2145 [الأنفال : 33]. والمعنى الأول معلوم من قوله ~~تعالى : {قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه} ~~[المائدة : 17] الآية. ه. قلت : ظاهر قوله تعالى : {يجادلنا في قوم لوط} ~~[هود : 74] ؛ أن مجادلته كانت عن قومه فقط ؛ لغلبة الشفقة عليه ، كما هو ~~شأنه ، ولذلك قال تعالى : {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} [هود : 75]... حتى ~~قال له تعالى : {ياإبراهيم أعرض عن هاذآ عن هذا} [هود : 76] لما تحتم عليهم ~~العذاب ، فتأمله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 307 # يقول الحق جل جلاله : {و} أرسلنا {إلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم ~~اعبدوا الله} وحده ، {وارجوا اليوم الآخر} أي : خافوه ، واعملوا ما ترجون ~~به الثواب فيه ، {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ؛ قاصدين الفساد ، {فكذبوه ~~فأخذتهم الرجفة} ؛ الزلزلة الشديدة ، أو : الصيحة من جبريل عليه السلام ؛ ~~لأن القلوب رجفت بها ، {فأصبحوا في دارهم} ؛ بلدهم وأرضهم ، {جاثمين} ؛ ~~باركين على الركب ؛ ميتين. # الإشارة : العبادة مع الغفلة عن العواقب الغيبية المستقبلة ، لا جدوى لها ~~، كأنها عادة ، وخوف العواقب ، من غير استعداد لها ، خذلان ، والاجتهاد في ~~العمل ، مع ارتقاب العواقب الغيبية ، فلاح ، من شأن أهل البصائر ، كما قال ~~تعالى في حق من مدحهم من أكابر الرسل : {أولي الأيدي والأبصار إنآ أخلصناهم ~~بخالصة ذكرى الدار} [ص : 45 ، 46]. # جزء : 5 رقم الصفحة : 309 PageV05P471 ~~يقول الحق جل جلاله : {وعادا وثمودا} أي : اذكر عادا وثمودا ، أو أهلكنا ~~عادا ، وثمودا يدل عليه {فأخذتهم الرجفة} ؛ لأنه في معنى الإهلاك ، {وقد ~~تبين لكم} ما وصفنا من إهلاكهم {من مساكنهم} الدارسة. أو تبين لكم بعض ~~مساكنهم الخربة إذا مررتم بها خالية. {وزين لهم الشيطان أعمالهم} من الكفر ~~والمعاصي ، {فصدهم عن السبيل} ؛ عن الطريق الذي أمروا بسلوكه ، وهو الإيمان ~~بالله ورسوله. {وكانوا مستبصرين} ؛ متمكنين من النظر والاستبصار وتميز الحق ~~من الباطل ، ولكنهم لم يفعلوا. أو عارفين الحق من الباطل ؛ بظهور دلائله ، ~~لكنهم عاندوا ، حسدا. يقال : استبصر : إذا عرف الشيء على حقيقته. أو : ~~متيقنين أن العذاب لاحق بهم ؛ بإخبار الرسول ، لكنهم لجوا. أو : مستبصرين ~~في ضلالتهم معجبين بها. # وقال الفراء ms2146 : عقلاء ذوو بصائر ، يعني : علماء في أمور الدنيا ، كقوله : ~~{يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} [الروم : 7] الآية. وقال مجاهد : حسبوا ~~أنهم على الحق ، وهم على الباطل. ه. # {وقارون وفرعون وهامان} : أي : أهلكناهم ، {ولقد جاءهم موسى بالبينات ~~فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} ؛ فائتين ، بل أدركهم أمر الله فلم ~~يفوتوه. يقال : سبق طالبه : فاته ، {فكلا أخذنا} ؛ عاقبناه {بذنبه} ، فيه ~~رد على من يجوز العقوبة بغير ذنب. قاله النسفي ، وهو جائز عقلا في حقه ~~تعالى ، لكنه لم يقع ؛ لإظهار عدله. {فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} أي : ~~ريحا عاصفة فيها حصباء أو : ملكا رماهم بها. # قال ابن جزي : فيحتمل عندي أنه أراد به المعنيين ؛ لأن قوم لوط هلكوا ~~بالحجارة ، وعادا هلكوا بالريح. وإن حملناه على المعنى الواحد ؛ نقض ذكر ~~لآخر ، وقد أجاز كثير من الناس استعمال اللفظ الواحد ؛ في معنيين ، ويقوي ~~ذلك إن المقصود عموم أصناف الكفار. ه. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 310 PageV05P472 ~~ومنهم من أخذتهم الصيحة} ؛ كمدين وثمود ، {ومنهم من خسفنا به الأرض} كقارون ~~، {ومنهم من أغرقنا} ؛ كقوم نوح ، وفرعون وقومه ، {وما كان الله ليظلمهم} ~~فيعاقبهم بغير ذنب ؛ إذ ليس ذلك من عادته - عز وجل - ، وإن جاز في حقه ، ~~{ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ؛ بالتعرض للعذاب بالكفر والطغيان. وبالله ~~التوفيق. # الإشارة : الاستبصار في أمور الدنيا والتحديق في تدبير شؤونها ، حمق ~~وبطالة ، # 311 # وقد وسم به الحق تعالى الكفرة بقوله : {وكانوا مستبصرين} ، والاستبصار في ~~أمور الله تعالى وما يقرب إليه وما يبعد عنه ، والفحص عن ذلك ، والتفكر في ~~عواقب الأمور ؛ من شأن العقلاء الأكياس ، قال صلى الله عليه وسلم : " ألا ~~وإن من علامات العقل : التجافي عن دار الغرور ؛ والإنابة إلى دار الخلود ، ~~والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور " ، وقال أيضا صلى الله عليه ~~وسلم : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه ~~هواها ، وتمنى على الله الأماني " ، وقيل للجنيد رضي الله عنه : متى يكون ~~الرجل موصوفا بالعقل ؟ فقال : إذا كان للأمور متميزا ، ولها متصفحا ، وعما ~~يوجبه عليه العقل باحثا ، فيتخير بذلك ms2147 طلب الذي هو أولى ، ليعمل به ، ~~ويؤثره على ما سواه. ثم قال : فمن كانت هذه صفته ترك العمل بما يفنى وينقضي ~~، وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا ، وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل ~~، ويسير حائل ، يصده التشاغل به ، والعمل له ، عن أمور الآخرة ، التي يدوم ~~نعيمها ونفعها ، ويتأبد سرورها ، ويتصل بقاؤها.. إلخ كلامه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 310 PageV05P473 ~~يقول الحق جل جلاله : {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} ؛ أصناما ~~يعبدونها ، أي : مثل من أشرك بالله الأوثان ؛ في الضعف ، وسوء الاختيار ، ~~{كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} ، أي : كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت ~~؛ فإنه لا يدفع الحر والبرد ، ولا يقي ما تقي البيوت ، فكذلك الأوثان ، لا ~~تنفعهم في الدنيا والآخرة ، بل هي أوهى وأضعف ، فإن لبيت العنكبوت حقيقة ~~وانتفاعا عاما ، وأما الأوثان فتضر ولا تنفع ، {وإن أوهن البيوت} أي : ~~أضعفها {لبيت العنكبوت} ؛ لا بيت أوهن من بيته ؛ إذ أضعف شيء يسقطها. عن ~~علي رضي الله عنه : " طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت ، فإن تركه يورث الفقر ". # والعنكبوت يقع على الواحد والجمع ، والمذكر والمؤنث ، ويجمع على عناكيب ~~وعناكب وعكاب وعكبة وأعكب. {لو كانوا يعلمون} لعلموا أن هذا مثلهم ، وأن ما # 312 # تمسكوا به من الدين أرق من بيت العنكبوت. وقال الزجاج : تقدير الآية : ~~مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ، لو كانوا يعلمون ، كمثل العنكبوت. ~~وقيل : معنى الآية : مثل المشرك يعبد الوثن ، بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد ~~الله ، مثل عنكبوت تتخذ بيتا بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجر وجص ، أو جص ~~وصخور ، فكما أن أوهن البيوت ، إذا استقرأتها بيتا بيتا ، بيت العنكبوت ، ~~كذلك أضعف الأديان ، إذا تتبعتها دينا دينا ، عبادة الأوثان. PageV05P474 # وقال الضحاك : ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها ، فلو علموا أن عبادة الأوثان ، ~~في عدم الغنى ، كما ذكرنا في المثل ، لما عبدوها ، ولكنهم لا يعلمون ، بل ~~الله يعلم ضعف ما تعبدون من دونه وعجزه ، ولذلك قال : {إن الله يعلم ما ~~تدعون من دونه من شيء} ، أي : يعلم حاله ، وصفته ms2148 ، وحقيقته ، وعدم صلاحيته ~~لما تؤملونه منه ، فما : موصولة ، مفعول " يعلم " ، وهي تامة ، أي : يتعلق ~~علمه بجميع ما يعبدونه من دونه ، أي شيء كان. أو ناقصة ، والثاني محذوف ، ~~أي : يعلمه وهيا وباطلا. وقيل : استفهامية معلقة ، وأما كونها نافية فضعيف ~~، و" من " الثانية ؛ للبيان ، ومن قرأ بالخطاب ؛ فعلى حذف القول ، أي : ~~ويقال للكفرة : إن الله يعلم ما تعبدونه من دونه من جيمع الأشياء ، أو : أي ~~شيء كان. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 312 # وهو العزيز} الغالب الذي لا شريك له ، {الحكيم} في ترك المعاجلة بالعقوبة ~~، وفيه تجهيل لهم ، حيث عبدوا جمادا لا علم له ولا قدرة ، وتركوا عبادة ~~القادر القاهر على كل شيء ، الحكيم الذي لا يفعل إلا لحكمة وتدبير. # {وتلك الأمثال} الغريبة ، أي : هذا المثل ونظائره {نضربها للناس} ؛ ~~نبينها لهم ؛ تقريبا لما بعد عن أفهامهم. كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون : ~~إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت ، ويضحكون من ذلك ، فلذلك قال ~~تعالى : {وما يعقلها إلا العالمون} ، أي : بالله وصفاته وأسمائه ، وبمواقع ~~كلامه وحكمه ، أي : لا يعقل صحتها وحسنها ، ولا يفهم حكمتها ، إلا هم ؛ لأن ~~الأمثال والتشبيهات إنما هي طرق إلى المعاني المستورة ، حتى يبرزها ويصورها ~~للأفهام ، كما صور هذا التشبيه الذي بين فيه حال المشرك وحال المؤمن. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا في هذه الآية ، وقال : " العالم : من عقل ~~عن الله ، فعمل بطاعته ، واجتنب سخطه " ، ودلت هذه الآية على فضل العلم وأهله. PageV05P475 # {خلق الله السموات والأرض بالحق} أي : محقا ، لم يخلقها عبثا ، كما لم يضرب ~~الأمثال عبثا ، بل خلقها لحكمة ، وهي أن تكون مساكن عباده ، وعبرة ~~للمعتبرين منهم ودلائل على عظم قدرته ، بدليل قوله : {إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين} ؛ لأنهم هم المنتفعون # 313 # بها. وقيل : بالحق ؛ العدل ، وقيل : بكلامه وقدرته ، وذلك هو الحق الذي ~~خلق به الأشياء. وخص السموات والأرض ؛ لأنها المشهودات. والله تعالى أعلم. # الإشارة : من اعتمد على غير الله ، أو مال بالمحبة إلى شيء سواه ، كان ~~كمن اعتمد على خيط العنكبوت ، فعن قريب يذهب ويفوت ، يا ms2149 من تعلق بمن يموت ؛ ~~قد تمسكت بأضعف من خيط العنكبوت. # تنبيه : الأشياء الحسية جعل الله فيها القوي والضعيف ، والعزيز والذليل ، ~~والفقير والغني ؛ لحكمة ، وأما أسرار المعاني القائمة بها ؛ فكلها قوية ~~عزيزة غنية ، فالأشياء ، بهذا الإعتبار - أعني : النظر لحسها ومعناها - ~~كلها قوية في ضعفها ، عزيزة في ذلها ، غنية في فقرها. ولذلك تجد الحق تعالى ~~يدفع بأضعف شيء وأقوى شيء ، وينصر بأذل شيء على أقوى شيء. روي أنه لما نزل ~~قوله تعالى : {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} ؛ شكى العنكبوت إلى الله ~~تعالى ، وقال رب خلقتني ضعيفا ، ووصفتني بالإهانة والضعف ، فأوحى الله ~~تعالى إليه : انكسر قلبك من قولنا ، ونحن عند المنكسرة قلوبهم من أجلنا ، ~~وقد صددنا بنسجك الضعيف صناديد قريش ، وأغنينا محمدا عن كل ركن كثيف ، فقال ~~: يا رب حسبي أن خلقت في ذلي عزتي ، وفي إهانتي قوتي. ه. ذكره في اللباب. # جزء : 5 رقم الصفحة : 312 PageV05P476 ~~يقول الحق جل جلاله : {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} ؛ تنعما بشهود أسرار ~~معانيه ، وبشهود المتكلم به ، فتغيب عن كل ما سواه ، واستكشافا لحقائقه ، ~~فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه. ~~وقد كان من السلف من يبقى في السورة يكررها أياما ، وفي الآية يرددها ليلة ~~وأكثر ، كلما رددها ظهر له معان أخر. # {وأقم الصلاة} أي : دم على إقامتها ، بإتقانها ؛ فعلا وحضورا وخشوعا ، ~~{إن الصلاة تنهى عن الفحشاء} ؛ الفعلة القبيحة ؛ كالزنى ، والشرب ، ونحوهما ~~، {والمنكر} ، وهو ما ينكره الشرع والعقل. ولا شك أن الصلاة ، إذا صحبها ~~الخشوع والهيبة في الباطن ، والإتقان في الظاهر ، نهت صاحبها عن المنكر ، ~~لا محالة ، وإلا فلا. # روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله الصلوات ، ولا يدع شيئا من ~~الفواحش إلا ركبه ، فوصف حاله له صلى الله عليه وسلم فقال : " إن صلاته ~~تنهاه " ، فلم يلبث أن تاب. ه. # 314 # وأما من كان يصليها فلم تنهه ؛ فهو دليل عدم قبولها ، ففي الحديث : " من ~~لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا ms2150 بعدا " رواه ~~الطبراني. وقال الحسن : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليست بصلاة ، ~~وهي بال عليه. وقال ابن عوف : إن الصلاة تنهى ؛ إذا كنت فيها فأنت في معروف ~~وطاعة ، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر. ه. فخص النهي بكونه ما دام فيها ، ~~وعليه حمله المحلي. PageV05P477 # قال المحشي : يعني : أن من شأنها ذلك ، وإن لم يحصل ذلك فلا تخرج عن كونها ~~صلاة ، كما أن من شأن الإيمان التوكل ، وإن قدر أن أحدا من المؤمنين لا ~~يتوكل ؛ فلا يخرج ذلك عن الإيمان. وقيل : الصلاة الحقيقية : ما تكون ~~لصاحبها ناهية عن ذلك ، وإن لم ينته فالصلاة ناهية على معنى : ورود الزواجر ~~على قلبه ، ولكنه أصر ولم يطع. ويقال : بل الصلاة الحقيقية ما تنهى صاحبها ~~عن الفحشاء والمنكر ، فإن كان ، وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها. انظر ~~القيشيري. # وقال ابن عطية : إذا وقعت على ما ينبغي ؛ من الخشوع ، والإخبات لذكر عظمة ~~الله ، والوقوف بين يديه ، انتهى عن الفحشاء والمنكر ، وأما من كانت صلاته ~~لا ذكر فيها ولا خشوع ، فتلك تترك صاحبها بمنزلته حيث كان. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 314 # فائدة : ذكر في اللباب أن أول من صلى الصبح آدم عليه السلام ، لأنه لم ~~يكن رأى ظلمة قط ، فلما نزل ، وجنه الليل خر مغشيا ، فلما أصبح ورأى النور ~~صلى ركعتين ، شكرا. وأول من صلى الظهر إبراهيم ، فلما فدى ولده ، وقد كان ~~نزل به أربعة أهوال ، هم الذبح وهم الولد ، وهم والدته ، وهم مرضاة الرب ، ~~فصلى أربع ركعات ، شكرا لله تعالى. وأول من صلى العصر سليمان عليه السلام ، ~~لما رد الله عليه ملكه. وأول من صلى المغرب عيسى عليه السلام ، كفارة عما ~~اعتقد فيه من أنه ثالث ثلاثة. وأول من صلى العشاء يونس عليه السلام ، ولعله ~~هذا الوقت الذي نبذ فيه بالعراء. وأول من توضأ آدم ؛ كفارة لأكله. ه. ~~مختصرا بزيادة بيان. وجمعها الحق تعالى لهذه الأمة المحمدية ؛ لتحوز فصائل ~~تلك الشرائع ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جامع لما افترق في غيره. PageV05P478 # ثم قال تعالى {ولذكر ms2151 الله أكبر} ، أي : ولذكر الله ، على الدوام ، أكبر ، ~~في النهي من الفحشاء والمنكر ، من الصلاة ؛ لأنها في بعض الأوقات. فالجزء ~~الذي في الصلاة ينهى عن الفحشاء الظاهرة ، والباقي ينهى عن الفحشاء الباطنة ~~، وهو أعظم ، ولأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر لله ، مراقب له ، وثواب ~~ذلك الذكر أن يذكر الله تعالى ؛ لقوله : {فاذكرونيا أذكركم} [البقرة : ~~152]. ومن ذكره حفظه ورعاه. أو : لذكر الله أكبر ؛ أجرا ، من # 315 # الصلاة ، ومن سائر الطاعات ، كما في الحديث : " ألا أنبئكم بخير أعمالكم ~~، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إنفاق الذهب ~~والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا اعناقكم ؟ ~~قالوا : وما ذلك يا رسول الله ؟ قال ذكر الله " وسئل أي الأعمال أفضل ؟ قال ~~: " أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله " قيل : المراد بذكر الله هو الصلاة ~~نفسها ، أي : وللصلوات أكبر من سائر الطاعات ، وإنما عبر عنها بذكر الله ؛ ~~ليشعر بالتعليل ، كأنه قال : والصلاة أكبر ؛ لأنها ذكر الله. وعن ابن عباس ~~: ولذكر الله لكم إياكم ، برحمته ، أكبر من ذكركم إياه بطاعته. وقال ابن ~~عطاء ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له ؛ لأن ذكره بلا علة ، وذكركم مشوب ~~بالعلل والأماني ، ولأن ذكره لا يفنى ، وذكركم يفنى. أو : لذكر الله أكبر ~~من أن تفهمه أفهامكم وعقولكم. أو : ذكر الله أكبر من أن تبقى معه معصية. ~~{والله يعلم ما تصنعون} من الخير والطاعة ، فيثيبكم أحسن الثواب. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 314 PageV05P479 ~~الإشارة : الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر المتعلقين بالجوارح الظاهرة ، ~~والذكر ينهى عن الفحشاء والمنكر والمتعلقين بالعوالم الباطنة ، وهي المساوئ ~~التي تحجب العبد عن حضرة الغيوب فإذا أكثر العبد من ذكر الله ، على نعت ~~الحضور والتفرغ من الشواغل ، تنور قلبه ، وتطهر سره ولبه ، فاتصف بأوصاف ~~الكمال ، وزالت عن جميع العلل ، ولذلك جعلته الصوفية معتمد أعمالهم ، ~~والتزموه مع مرور أوقاتهم وأنفاسهم ، ولم يقتنعوا منه بقليل ولا كثير ، بل ~~قاموا بالجد والتشمير ، فيذكرون أولا بلسانهم وقلوبهم ، ثم بقلوبهم فقط ، ~~ثم بأرواحهم وأسرارهم فيغيبون ms2152 حينئذ في شهود المذكور عن وجودهم وعن ذكرهم ، ~~وفي هذا المقام ينقطع ذكر اللسان ، ويصير العبد محوا في وجود العيان ، ~~فتكون عبادتهم كلها فكرة وعبرة ، وشهودا ونظرة ، وهو مقام العيان في منزل ~~الإحسان ، فيكون ذكر اللسان عندهم بطالة ، وفي ذلك يقول الشاعر : # ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني # سري وقلبي وروحي ، عند ذكراك # حتى كأن رقيبا منك يهتف بي : # إياك ، ويحك ، والتذكار ، إياك # أما ترى الحق قد لاحت شواهده ؟ # وواصل الكل ، من معناه ، معناك ؟ ! # قال القشيري : ويقال : ذكر الله أكبر من أن يبقى معه ذكر مخلوق أو معلوم ~~للعبد ، فضلا أن يبقى معه للفحشاء والمنكر سلطان. ه. وقال في القوت على هذه ~~الآية : الذكر عند الذاكرين : المشاهدة ، فمشاهدة المذكور في الصلاة أكبر ~~من الصلاة. هذا أحد # 316 PageV05P480 ~~الوجهين في الآية : ثم قال : وروي في معنى الآية ؛ عن رسول لله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : " إنما فرضت الصلاة ، وأمر بالحج والطواف ، وأشعرت ~~المناسك ، لإقامة ذكر الله - عز وجل - " قال تعالى : {وأقم الصلاة لذكري} ~~[طه : 14] ، أي : لتذكرني فيها. ثم قال : فإذا لم يكن في قلبك للمذكور ، ~~الذي هو المقصود والمبتغى ، عظمة ولا هيبة ، ولا إجلال مقام ، ولا حلاوة ~~فهم ، فما قيمة ذكرك فإنما صلاتك كعمل من أعمال دنياك. وقد جعل الرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة قسما من اقسام الدنيا ، إذ كان المصلي على مقام ~~من الهوى ، فقال : " حبب إلي من دنياكم.. " ذكر منها الصلاة ، فهي دنيا لمن ~~كان همه الدنيا ، وهي آخرة لأبناء الآخرة ، وهي صلة ومواصلة لأهل الله - عز ~~وجل- ، وإنما سميت الصلاة ؛ لأنها صلة بين الله وعبده ، ولا تكون المواصلة ~~إلا لتقي ، ولا يكون التقي إلا خاشعا ، فعند هذا لا يعظم عليه طول القيام ، ~~ولا يكبر عليه الانتهاء عن المنكر كما قال الله : {إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر}. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 314 # يقول الحق جل جلاله : {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} ؛ إلا ~~بالخصلة التي هي أحسن ، أي : ألطف وأرفق ، وهي مقابلة الخشونة ms2153 باللين ، ~~والغضب بالكظم ، والمشاغبة بالنصح ، بأن تدعوه إلى الله تعالى برفق ولين ، ~~وتبين له الحجج والآيات ، من غير مغالبة ولا قهر. وأصل المجادلة : فتل ~~الخصم عن مذهبه بطريق الحجج ، وأصل : شدة الفتل ، ومنه قيل للصقر : أجدل ؛ ~~لشدة فتل بدنه وقوة خلقه. والآية ؛ قيل : منسوخة بآية السيف ، وقيل : نزلت ~~في أهل الذمة. PageV05P481 # {إلا الذين ظلموا منهم} ، فأفرطوا في الاعتداء والعناد ، ولم يقبلوا النصح ~~، ولم ينفع فيهم الرفق ، فاستعملوا معهم الغلظة. وقيل : إلا الذين آذوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو : إلا الذين أثبتوا الولد والشريك ، ~~وقالوا : يد الله مغلولة. أو معناه : ولا تجادلوا الذين دخلوا في الذمة ، ~~المؤدين للجزية ، إلا بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا : فنبذوا الذمة ، ~~ومنعوا الجزية ، فمجادلتهم بالسيف. والآية تدل على جواز مناظرة الكفرة في ~~الدين ، وعلى جواز تعلم علم الكلام ، الذي به تتحقق المجادلة. قاله النسفي. ~~{وقولو آمنا بالذي أنزل إلينا # 317 # وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد} ؛ هذا من حسن المجادلة. قال صلى الله ~~عليه وسلم : " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقالوا : ~~آمنا بالله وكتبه ورسله ، فإن كان باطلا ؛ لم تصدقوهم ، وإن كان حقا ؛ لم ~~تكذبوهم " {ونحن له مسلمون} ؛ مطيعون له خاصة ، وفيه تعريض باتخاذهم ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. # الإشارة : المناظرة بين العلماء ، والمذاكرة بين الفقراء ، ينبغي أن تكون ~~برفق ولين على قلب سليم ، بقصد إظهار الحق وتبيين الصواب ، أو تنبيه عن ~~الغفلة ، أو ترقية في المنزلة ، من غير ملاححة ، أو مخاصمة ، ولا قصد ~~مغالبة ؛ لأن العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يهذب الطبع ، ويحسن ~~الأخلاق. # قال في الحاشية : ثم تذكر حسن رده صلى الله عليه وسلم للقائلين له : ~~السام عليكم ، ورفقه ، وقوله لعائشة : " متى عهدتني فاحشا " ؟ يتبين لك ~~مناسبة الوصية بحسن المجادلة في الآية مع ما قبلها ، وأن ذلك حال المقيمين ~~للصلاة ، الذاكرين الله حقيقة ، وأنهم على خلق جميل وحلم وسمت ، لا يستفزهم ~~شيء من العوارض ؛ لما رسخ في قلوبهم من نور القرب الذي محى الطبع وفحشه. ~~والله تعالى أعلم. ms2154 ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 317 PageV05P482 ~~يقول الحق جل جلاله : {وكذلك} أي : ومثل ذلك الإنزال البديع {أنزلنا إليك ~~الكتاب} مصدقا لسائر الكتب السماوية وشاهدا عليها ، {فالذين آتيناهم ~~الكتاب} ؛ التوراة والإنجيل ، {يؤمنون به} ، وهم عبد الله بن سلام ومن آمن ~~معه ، وأصحاب النجاشي ، أو : من تقدم عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل ~~الكتاب ، {ومن هؤلاء} ، من أهل مكة ، {من يؤمن به} ، أو : فالذي آتيناهم ~~الكتب قبلك يؤمنون به قبل ظهوره ، ومن هؤلاء الذين أدركوا زمانك من يؤمن ~~به. وإذ قلنا : إن السورة كلها مكية ، يكون إخبارا بغيب تحقق وقوعه ، {وما ~~يجحد بآياتنا} ، مع ظهورها وزوال الشبهة عنها ، {إلا الكافرون} ؛ إلا ~~المتوغلون في الكفر ، المصممون عليه ، ككعب بن الأشرف وأضرابه ، أو كفار ~~قريش ، إذا قلنا : الآية مكية. # {وما كنت تتلوا من قبله} ؛ من قبل القرآن {من كتاب ولا تخطه بيمينك} ، بل # 318 # كنت أميا ، لم تقرأ ولم تكتب ، فظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم ~~الشريفة والأخبار السالفة ، على يد أمي ؛ لم يعرف بالقراءة والتعلم ، خرق ~~عادة ، قاطعة لبغيته. وذكر اليمين ، لأن الكتابة ، غالبا ، تكون به ، أي : ~~ما كنت قارئا كتابا من الكتب ، ولا كاتبا {إذا لارتاب المبطلون} أي : لو ~~كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا : تعلمه ، والتقطه من كتب الأقدمين ، وكتبه بيده. ~~أو : يقول أهل الكتاب : الذي نجده في كتابنا أمي لا يكتب ولا يقرأ ، وليس ~~به. وسماهم مبطلين ، لإنكارهم النبوة ، أو : لارتيابهم فيها ، مع تواتر ~~حججها ودلائلها. PageV05P483 # هذا ، وكونه صلى الله عليه وسلم أميا كمال في حقه صلى الله عليه وسلم ، مع ~~كونه أميا أحاط بعلوم الأولين والآخرين ، وأخبر بقصص القرون الخالية والأمم ~~الماضية ، من غير مدارسة ولا مطالعة ، وهو ، مع ذلك ، يخبر بما مضى ، وبما ~~يأتي إلى قيام الساعة ، وسرد علم الأولين والآخرين مما لا يعلم القصة ~~الواحدة منها إلا الفاذ من أحبارهم ، الذي يقطع عمره في مدارسته وتعلمه ، ~~وهذا كله في جاهلية جهلاء ، بعد فيها العهد بالأنبياء ، وبدل الناس ، ~~وغيروا في كتب الله تعالى ؛ بالزيادة والنقصان ، ففضحهم صلى ms2155 الله عليه وسلم ~~وقرر الشرائع الماضية ، فهذا كله كاف في صحة نبوته ، فكانت أميته صلى الله ~~عليه وسلم وصف كمال في حقه ، ومعجزة دالة على نبوته ؛ لأنه صلى الله عليه ~~وسلم ، مع كونه أميا ، ظهر عليه من العلوم اللدنية ، والأسرار الربانية ، ~~ما يعجز عنه العقول ، ولا تحيط به النقول ، مع إحكامه لسياسة الخلق ، ~~ومعالجتهم ، مع تنوعهم ، وتدبير أمر الحروب ، وإمامته في كل علم وحكمة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 318 # وأيضا : المقصود من القراءة والكتابة : ما ينتج عنهما من العلم ؛ لأنهما ~~آلة ، فإذا حصلت الثمرة استغنى عنهما. والمشهور أنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يكتب قط. وقال الباجي وغيره : إنه كتب ، لظاهر حديث الحديبية. وقال مجاهد ~~والشعبي : ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ. وهذا كله ضعيف. PageV05P484 # قال تعالى : {بل هو} أي : القرآن {آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} ~~اي : في صدور العلماء وحفاظه ، وهما من خصائص القرآن كون آيات بينات ~~الإعجاز ، وكونه محفوظا في الصدور ، بخلاف سائر الكتب ، فإنها لم تكن ~~معجزات ، ولم تكن تقرأ إلا بالمصاحف. قال ابن عباس : {بل هو} أي : محمد ، ~~والعلم بأنه أمي ، {آيات بينات} ؛ في صدور أهل العلم من أهل الكتاب ، ~~يجدونه في كتبهم. ه. و(بل) : للإضراب عن محذوف ، ينساق إليه الكلام ، أي : ~~ليس الأمر مما يمكن الارتياب فيه ، بل هو آيات واضحات. و(في صدور) : متعلق ~~ببينات ، أو : خبر ثان لهو. {وما يجحد بآياتنا} الواضحة {إلا الظالمون} ؛ ~~المتوغلون في الظلم. قال ابن عطية : الظالمون والمبطلون هم كل مكذب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم. قاله ~~مجاهد. ه. # 319 # الإشارة : كم من ولي يكون أميا ، وتجد عنده من العلوم والحكم والتوحيد ما ~~لا يوجد عند نحارير العلماء. ما اتخذ الله وليا جاهلا إلا علمه ولقد سمعت ~~من شيخنا البوزيدي رضي الله عنه علوما وأسرارا ، ما رأيتها في كتاب ، وكان ~~يتكلم في تفسير آيات من كتاب الله على طريق أهل الإشارة ، قل أن تجدها عند ~~غيره ms2156 ، وسمعته يقول : والله ما جلست بين يدى عالم قط ، ولا قرأت شيئا من ~~العلم الظاهر. قال القشيري : قلوب الخواص من العلماء بالله خزائن الغيب ، ~~فيها أودع براهين حقه ، وبينات سره ، ودلائل توحيده ، وشواهد ربوبيته ، ~~فقانون الحقائق في قلوبهم ، وكل شيء يطلب من موطنه ومحله ، فالدر يطلب من ~~الصدف ؛ لأنه مسكنه ، كذلك المعرفة ، ووصف الحق يطلب من قلوب خواصه ؛ لأن ~~ذلك قانون معرفته ، ومنها ترفع نسخة توحيده. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 318 PageV05P485 ~~يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} أي كفار قريش : {لولا أنزل عليه آية من ربه} ~~تدل على صدقه ، مثل ناقة صالح ، وعصا موسى ، ومائدة عيسى ، ونحو ذلك. وقرأ ~~نافع وابن عامر وحفص : بالجمع ؛ " آيات " ، كثيرة {قل إنما الآيات عند ~~الله} ، ينزل منها ما شاء متى شاء ، ولست أملك منها شيئا ، {وإنما أنا نذير ~~مبين} ؛ إنما كلفت بالإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات ، وليس من شأني أن ~~أقول : أنزل على آية كذا دون آية كذا ، مع علمي أن المراد من الآيات ثبوت ~~الدلالة على نبوتي ، والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك. {أو لم يكفهم ~~أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} ، أي أولم يكفهم إنزال آية مغنية عن ~~سائر الآيات ، إن كانوا طالبين للحق ، غير متعنتين ، وهو هذا القرآن الذي ~~تدوم تلاوته عليهم في كل زمان ومكان ، فلا يزال معهم آية ثابته ، لا تزول ~~ولا تنقطع ، كما انقطع غيره من الآيات ، وفي ذلك يقوم البوصيري : # دامت لدينا ؛ ففاقت كل معجزة # من النبيين ، إذ جاءت ولم تدم # {إن في ذلك} أي : هذه الآية الموجودة في كل زمان إلى آخر الدهر ، {لرحمة} ~~؛ لنعمة عظيمة ، {وذكرى} ؛ وتذكرة {لقوم يؤمنون} من دون المتعنتين. قال ~~يحيى بن جعدة : إن ناسا من المسلمين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بكتب قد ~~كتبوها ، فيها بعض ما يقول اليهود ، فألقاها ، وقال : كفى بها حماقة ، أو ~~ضلالة قوم ، أن يرغبوا عما جاء به # 320 # نبيهم ، فنزل : {أولم يكفهم...} إلخ. PageV05P486 # {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} أي : شاهدا بصدق ms2157 ما أدعيه من الرسالة ~~وإنزال القرآن علي ، وتكذبيكم ، {يعلم ما في السماوات والأرض} ، فهو مطلع ~~على أمري وأمركم ، وعالم بحقي وباطلكم ، فلا يخفى عليه شيء. {والذين آمنوا ~~بالباطل} ، وهو ما يعبد من دون الله ، {وكفروا بالله} وبآياته منكم {أولئك ~~هم الخاسرون} ؛ المغبونون في صفقتهم ، حيث اشتروا الكفر المؤدي إلى النيران ~~، بالإيمان المؤدي إلى الخلود في الجنان. روي أن كعب بن الأشرف وأصحابه من ~~اليهود قالوا : من يشهد لك بأنك رسول الله ؟ فنزل : {قل كفى...} إلخ. # جزء : 5 رقم الصفحة : 320 # الإشارة : اقتراح الآيات والكرامات كله جهل وحمق ؛ إذ ليس بيد النبي أو ~~الولي شيء من ذلك ، وإنما هو مأمور بالوعظ والدلالة على الله ، والدعاء ~~إليه ، والكرامة لا تدل على كمال صاحبها ، " ربما رزق الكرامة من لم تكمل ~~له الاستقامة " ، ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه. وقد تظهر الكرامات في ~~البدايات وتخفى في النهايات ، والكرامة العظمى هي الاستقامة وكشف الحجاب ~~بين الله وعبده حتى يشاهده عيانا ، ويذهب عنه الأوهام والشكوك ، وأما غير ~~هذا فقد يكون استدراجا لمن يقف معه. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 320 # يقول الحق جل جلاله : {ويستعجلونك بالعذاب} ، كقولهم : أمطر علينا حجارة ~~من السماء ، {ولولا أجل مسمى} المضروب لعذاب كل قوم ، أو : القيامة ، أو : ~~يوم بدر ، أو : وقت فنائهم بأجلهم. والمعنى : ولو أجل قد سماه الله وعينه ~~في اللوح المحفوظ ، {لجاءهم العذاب} عاجلا. والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك ~~الأجل المسمى ، {وليأتينهم} العذاب في الأجل المسمى {بغتة} : فجأة {وهم لا ~~يشعرون} بإيتانه. PageV05P487 # {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أي : لتحيط بهم ، أو : هي ~~كالمحيطة بهم ، لإحاطة أسبابها بهم من الكفر والمعاصي. واللام للعهد ، على ~~وضع الظاهر موضع المضمر ؛ للدلالة على موجب الإحاطة ، وهو الكفر ، أو الجنس ~~، فيدخل المخاطبون دخولا أوليا. وتكرير استعاجلهم ؛ لاختلاف ما يترتب على ~~كل واحد ، فرتب على الأول حكمة تأخيره ، وعلى الثاني تهديهم وزجرهم عنه. # 321 # ثم قال تعالى : {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم} ، هذا وقت ~~إحاطتها بهم ، أي : تحيط ms2158 من جميع جوانبهم ، كقوله : {لهم من فوقهم ظلل} ~~[الزمر : 16]. {ويقولوا ذوقوا ما كنتم تعملون} أي : باشروا جزاء أعمالكم. # الإشارة : ما قيل في حق استعجل العذاب من الأنبياء ، يقال في حق استعجله ~~من الأولياء ، بحيث يؤذيهم ويقول : ليظهروا ما عندهم ، فهذا حمق كبير ، ولا ~~بد أن يلحقه وبال ذلك ، عاجلا ، أو آجلا ، إما ظاهرا أو باطنا ، وقد لا ~~يشعر ، وقد يسري ذلك إلى عقبه ، فيصيبه ذلك الوبال ، كما أصاب أباه والعياذ ~~بالله من التعرض لأوليائه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 321 PageV05P488 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة} ، فإذا لم ~~يتيسر لكم إقامة دينكم في بلد ، فاخرجوا منها إلى أرض يتهيأ لكم فيها ~~استقامة دينكم ، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتا كبيرا ، والناس مختلفون ، ~~فأهل الشرائع يطلبون البقاع التي يتيسر لهم فيها استقامة ظواهرهم ، كالمدن ~~والقرى الكبار ، التي يكثر فيها العلم وأهله. وأهل الحقائق من الصوفية ~~يطلبون البقاع التي تسلم فيها قلوبهم من العلائق والشواغل ، أينما وجدوها ~~عمروها ، إن تهيأ لهم الاجتماع على ربهم. وعن سهل رضي الله عنه : إذا ظهرت ~~المعاصي والبدع في أرض ، فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : " من فر بدينه من أرض ، إلى ارض ، وإن كان بشيرا ، استوجب ~~الجنة ، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ". {فإياي فاعبدون} أي : ~~فخصوني بالعبادة. وإياي : مفعول لمحذوف ، ومفعول " اعبدوني " : الياء ~~المحذوفة ، أي : فاعبدوا إياي ، فاعبدوني. والفاء : جواب الشرط ، محذوف ، ~~إذ المعنى ، إن أرضي واسعة ، فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض ، فاخلصوا لي ~~في غيرها. # ثم شجع المهاجرين بقوله : {كل نفس ذائقة الموت} ، أي : واجدة مرارته ~~وكربه ؛ لأنها إذا تيقنت بالموت ؛ سهل عليها مفارقة وطنها. {ثم إلينا ~~ترجعون} بالموت ، فتجاوزن على ما أسلفتم. ومن علم أن هذا عاقبته ، ينبغي أن ~~يجتهد في الاستعداد له ، فإن لم يتهيأ في أرض فليهاجر منها. # 322 PageV05P489 ~~{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم} ؛ لننزلنهم {من الجنة غرفا} ؛ ~~علالي ، عالية ، وقرأ حمزة والكسائي : {لنثوينهم} ؛ لنقيمنهم ، من الثوى ، ~~وهو الإقامة ، وثوى ms2159 : غير متعد ، فإذا تعدى ؛ بزيادة الهمزة لم يجاوز ~~مفعولا واحدا. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف : إما إجراؤه ~~مجرى " لننزلنهم " ، أو : بحذف الجار ، وإيصال الفعل ، أو : شبه الظرف ~~المؤقت ، بالمبهم ، أي : لنقيمنهم في غرف {تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها نعم أجر العاملين} أجرهم هذا. وهم {الذين صبروا} على مفارقة الأوطان ~~وأذى المشركين ، وعلى المحن والمصائب ، ومشاق الطاعات ، وترك المحرمات ، ~~{وعلى ربهم يتوكلون} ، أي : لم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله ، فكفاهم ~~شأنهم. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 322 # الإشارة : كل من لم يتأت له جمع قلبه في بلده ؛ فليهاجر منها إلى غير ، ~~وليسمع قول سيده : {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة} ، فإن شق عليه ~~مفارقة الأوطان ، فليذكر مفارقته للدنيا في أقرب زمان. وكان الصديق رضي لما ~~هاجر إلى المدينة ، وأصابته الحمى ، يتسلى بذكر الموت ، وينشد : # كل امرىء مصبح في أهله # والموت أدنى من شراك نعله # وقد أكثر الناس في الوعظ بالموت وهجومه ، نظما ونثرا ، فمن ذلك قول ~~الشاعر : # الموت كأس ، وكل الناس شاربه # والقبر باب ، وكل الناس داخله # وقال آخر : # اعلم بأن سهام الموت قاطعة # بكل مدرع فيها ومترس # ركوبك النعش ينسيك الركوب إلى # ما كنت تركب من نعل ومن فرس # ترجو النجاة ، ولم تسلك طريقتها # إن السفينة لا تجري على يبس # إلى غير ذلك مما يطول. # جزء : 5 رقم الصفحة : 322 PageV05P490 ~~يقول الحق جل جلاله : {وكأين من دابة} أي : وكم دابة من داوب الأرض ، # 323 # عاقلة وغير عاقلة ، {لا تحمل رزقها} ؛ لا تطيق أن تحمله ؛ لضعفها عن حمله ~~، {الله يرزقها وإياكم} أي : لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله ، ولا ~~يرزقكم أنتم أيها الأقوياء إلا الله ، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها ~~؛ لأنه لو لم يخلق فيكم قدرة على كسبها ، لكنتم أعجز من الدواب. وعن الحسن ~~: {لا تحمل رزقها} : لا تدخره ، إنما تصبح خماصا ، فيرزقها الله. وقيل : لا ~~يدخر من الحيوان قوتا إلا ابن آدم والفأرة والنملة. {وهو السميع} لقولكم : ~~نخشى الفقر والعيلة ms2160 إن هاجرنا ، {العليم} بما في ضمائركم من خوف فوات الرزق. # ثم ذكر دلائل قدرته على الرزق وغيره فقال : {ولئن سألتهم} أي : المشركين ~~وغيرهم {من خلق السماوات والأرض} على كبرهما وسعتهما ، {وسخر الشمس والقمر} ~~يجريان في فلكهما ، {ليقولن الله} ؛ لا يجدون جوابا إلا هذا ، لإقرارهم ~~بوجود الصانع ، {فأنى يؤفكون} ؛ فكيف يصرفون عن توحيد الله ؟ مع إقرارهم ~~بهذا كله ، إذ لوتعدد الإله لفسد نظام العالم. # {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده} هاجر أو أقام في بلده ، {ويقدر له} ~~؛ ويضيق عليه ، أقام أو هاجر ، فالضمير في {له} لمن يشاء ؛ لأنه مبهم غير ~~معين ، {إن الله بكل شيء عليم} ؛ يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم ، فمنهم ~~من يصله الفقر ، ومنهم من يفسده ، ففي الحديث القدسي : " إن من عبادي من لا ~~يصلح إيمانه إلى الغنى ، ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح ~~إيمانه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك " ذكره النسفي. PageV05P491 # {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن ~~الله} ؛ معترفين بأنه الموجد للكائنات بأسرها ، أصولها وفروعها ، ثم إنهم ~~يشركون به بعض مخلوقاته الذي هو أضعف الأشياء. {قل الحمد لله} على إظهار ~~قدرته ، حتى ظهرت لجميع الخلق ، حتى أقرت بها الجاهلية الجهلاء. أو : على ~~ما عصمك مما هم عليه ، أو : على تصديقك وإظهار حجتك ، أو : على إنزاله ~~الماء لإحياء الأرض ، {بل أكثرهم لا يعقلون} ؛ لا عقول لهم ، فلا يتدبرون ~~فيما يريهم من الآيات ويقيم عليهم من الدلالات. # جزء : 5 رقم الصفحة : 323 # والله تعالى أعلم. # الإشارة : الرزق مضمون بيد من أمر بين الكاف والنون ، لا يزيد بحرص قوي ، ~~ولا ينقص بعجز ضعيف ، بل قد ينعكس الأمر ، كما الشاعر : # كم قوي قوي في تقلبه # ترى عنه أمر الرزق ينحرف # 324 # وكم ضعيف ضعيف في تصرفه # كأنه من خليج البحر يغترف # وقد يبسطه الله لأهل الغفلة والبعد ، ويقدره لأهل الولاية والقرب ، كما ~~قال القائل : # الله يرزق قوما لا خلاق لهم # مثل البهائم في خلق التصاوير # لو كان ms2161 عن قوة أو عن مغالبة # طار البزاة بأرزاق العصافير # وقال عليه الصلاة والسلام - في بعض خطبه - : " أيها الناس ، إن الرزق ~~مقسوم ، لن يعدو امرؤ ما كتب له ، فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب. وإن ~~الأمر محدود ، لن يجاوز أحد ما قدر له ، فبادروا قبل نفود الأجل ، وإن ~~الأعمال محصاة ، لن يهمل منها صغيرة ولا كبيرة ، فأكثروا من صالح ~~الأعمال... " الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم : " لو توكلتم على الله حق ~~توكله ، لرزقتم كما ترزق الطير ؛ تغدو خماصا وتروح بطانا ". # جزء : 5 رقم الصفحة : 323 PageV05P492 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب} أي : وما هي ؛ ~~لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها ، إلا كما يلعب الصبيان ساعة ، ثم ~~يفترقون متعبين بلا فائدة. وفيه ازدراء بالدنيا وتحقير لشأنها ، وكيف لا ~~يحقرها وهي لا تزن عنده جناح بعوضة ؟ واللهو : ما يتلذذ به الإنسان ، ~~فيلهيه ساعة ، ثم ينقضي. {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} ، أي : الحياة ~~الحقيقية ؛ لأنها دائمة. والحيوان : مصر ، وقياسه : حييان ، فقلب الياء ~~الثانية واوا. ولم يقل : لهي الحياة ؛ لما في بناء فعلان من معنى الحركة ~~والاضطراب. وفي المصباح : الحيوان : مبالغة في الحياة ، كما قيل : للموت ~~الكثير موتان. ه. {لو كانوا يعلمون} حقيقة الدارين ؛ لما اختاروا اللهو ~~الفاني على الحيوان الباقي. # {فإذا ركبوا في الفلك} ، هو مرتب على محذوف ، دل عليه ما وصفهم به قبل ، ~~والتقدير : هم على ما هم عليه من الشرك والعناد ، وإذا ركبوا في الفلك ~~{دعوا الله مخلصين له الدين} ، أي : كائنين في صورة من يخلص الدين لله من ~~المؤمنين ، حيث لا يذكرون إلا الله ، ولا يدعون معه إلها آخر ، {فلما نجاهم ~~إلى البر} ، وأمنوا من الغرق ، {إذا هم يشركون} ، أي : عادوا إلى حال الشرك ~~، {ليكفروا بما آتيناهم} من النعمة ، {وليتمتعوا} باجتماعهم على عبادة ~~الأصنام وتوادهم عليها. واللام فيهما : إما لام كي ، # 325 # أي : يعودون إلى شركهم ؛ ليكونوا به كافرين بنعمة النجاة ، قاصدين التمتع ~~بها والتلذذ ، لا غير ، على خلاف عادة المؤمنين المخلصين ، فإنهم يشكرون ~~نعمة الله إذا ms2162 أنجاهم ، ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى توحيده وطاعته ، لا ~~إلى التلذذ والتمتع. أو : لام الأمر ، علة وجه التهديد ، كقوله : {فمن شآء ~~فليؤمن ومن شآء فليكفر} [الكهف : 29] ، ويقويه : قراءة من سكن الثانية ، أي ~~: ليكفروا وليتمتعوا {فسوف يعلمون} تدبيرهم عند تدميرهم. PageV05P493 # الإشارة : الدنيا عند أهل الجد والاجتهاد جد ، يتوصلون فيها إلى معرفة الحق ~~، ويترقون منها إلى أسرار ومعارف لا يحصرها عقل ؛ ولا يحيط بها نقل ، لأن ~~في هذه الدار : عرفه من عرف ، وجهله من جهله. والترقي عند العارفين فيها ~~أكثر ؛ لأنه يسير بين جلاله وجماله ، وهناك ليس إلا الجمال ، والترقي بين ~~الضدين أعظم ، فإذا مات بقي يترقى في أنوار الجمال على قدر ما أدرك هنا. ~~والله أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 325 # فتحصل أن الدنيا في حق أهل الغفلة لعب ولهو ؛ لأنها شغلتهم وغرتهم ~~بزخارفها عن معرفة الله والوصول إليه ، ولذلك حذر منها صلى الله عليه وسلم ~~، فقد قال في بعض خطبه : " أيها الناس ، لا تكونوا ممن خدعته العاجلة ، ~~وغرته الأمنية ، واستهوته الخدعة ، فركن إلى دار سريعة الزوال ، وشيكة ~~الانتقال ؛ إذ لن يبقى من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب ، أو ~~در حالب ، فعلام تعرجون ؟ وما تنتظرون ؟ فكأنكم ، والله ، بما قد أصبحتم ~~فيه من الدنيا ، كأن لم يكن ، وما تصيرون إليه من الآخرة ، لم يزل ، فخذوا ~~في الأهبة لأزوف النقلة ، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة ، واعلموا أن كل إمرىء ~~على ما قدم قادم ، وعلى ما خلف نادم " وفي حق أهل الجد جد وحق ؛ لأنها ~~مزرعة للآخرة ، ومتجر من أسواق الله ، فيها ربحهم وغنيمتهم. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 325 PageV05P494 ~~يقول الحق جل جلاله : {أولم يروا} أي : أهل مكة {أنا جعلنا} بلدهم {حرما} ~~أي : ممنوعا مصونا من الهبب ، {آمنا} ؛ يأمن كل من دخله ، أو آمنا أهله من ~~القتل والسبي ، {ويتخطف الناس من حولهم} أي : يخطف بعضهم بعضا ، قتلا وسبيا ~~، إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب ، {أفبالباطل يؤمنون} ؛ أبعد هذه ~~النعمة العظمى يؤمنون بالأصنام ويعبدونها ، أو : الشيطان ، {وبنعمة الله ~~يكفرون} ms2163 ؛ حيث أشركوا به غيره ، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ إذ هو ~~النعمة المهداة ، أو : الإسلام. وتقديم المعمولين ؛ للاهتمام ، أو ~~للاختصاص. # 326 # {ومن أظلم} أي : لا أحد أظلم {ممن افترى علىا لله كذبا} ؛ بأن جعل له ~~شريكا ، {أو كذب بالحق} ؛ الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو : الكتاب ، {لما ~~جاءه} أي : لم يتعلثموا في تكذيبه لما سمعوه ، وفي " لما " ، المقتضية ~~للاتصال ، تسفيه لرأيهم ، حيث لم يتوقفوا ولم يتأملوا قط حين جاءهم ، بل ~~سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه. {أليس في جهنم مثوى} ؛ مقاما {للكافرين} ~~، وهو تقرير لمثواهم في جهنم ، لأن همزة الإنكار ، إذا دخلت على النفي ، ~~صار إثباتا ، كقوله : # ألستم خير من ركب المطايا # أي : أتم خير من ركب المطايا ، والتقدير : ألا يستوجبون الثوى فيها ؟ وقد ~~افتروا مثل هذه العظيمة ، كذبوا على الله وكذبوا بالحق الذي جاء من عنده ، ~~أو : ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين ؟ حين اجترأوا مثل هذه الجرأة ~~، بل لهم فيها مثوى وإقامة. وهذه الآية في مقابلة قوله : {لنبوئنهم من ~~الجنة غرفا} [العنكبوت : 58]. لا سيما في قراءة الثاء. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الحرم الآمن ، في هذه الدار ، هو التبتل والانقطاع عن الدنيا ~~وأبنائها ، والتجريد من أسبابها ، فمن دخله أمن ظاهرا وباطنا ، ومن هجرها ، ~~وترك الناس حوله يتخطفون ويتهارجون عليها ، وهو يتفرج عليهم ، فالدنيا جيفة ~~والناس كلابها ، فإن خالطتهم ناهشوك ، وإن تركت لهم جيفتهم سلمت منهم ، فمن ~~كذب بهذا فقد كذب بالحق وآمن بالباطل ، فلا أحد أظلم منه. وبالله التوفيق. # 327 # جزء : 5 رقم الصفحة : 326 PageV05P495 ### | AUTO سورة الروم # جزء : 5 رقم الصفحة : 327 # يقول الحق جل جلاله : بعد التسمية {الام} أي : أيها المصطفى ، أو : ~~المرسل ، {غلبت الروم} أي غلبت فارس الروم {في أدنى الأرض} أي : في أقرب ~~أرض العرب ؛ لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم ، أي : غلبوا في أدنى أرض ~~العرب منهم ، وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف ~~إليه ، أي : في أدنى أرضهم إلى عدوهم. قال ابن عطية : قرأ الجمهور : " غلبت ms2164 ~~" ؛ بضم الغين. وقالوا : معنى الآية : أنه بلغ أهل مكة أن الملك كسرى هزم ~~جيش الروم بأذرعات ، وهي أدنى أرض الروم إلى مكة ، فسر لذلك كفار قريش ، ~~فبشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون. ه. وهذا معنى قوله : {وهم} أي : الروم ~~{من بعد غلبهم} ، وقرئ : بسكون اللام ؛ كالحلب والحلب ، وهو من إضافة ~~المصدر إلى المفعول ، أي : وهم من بعد غلبة فارس إياهم {سيغلبون} فارس ، ~~وتكون الدولة لهم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 329 # وذلك {في بضع سنين} ، وهو ما بين الثلاث إلى العشر. قال النسفي : قيل : ~~احتربت الروم وفارس ، بين أذرعات وبصرى ، فغلبت فارس الروم ، والملك بفارس ~~، يومئذ ، كسرى " أبرويز " ، فبلغ الخبر مكة ، فشق ذلك على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين ؛ لأن # 329 PageV05P496 ~~فارس مجوس ؛ لا كتاب لهم ، والروم أهل كتاب ، وفرح المشركون وشمتوا ، ~~وقالوا : أنتم والنصارى أهل الكتاب ، ونحن فارس أميون ، وقد ظهر إخواننا ~~على إخوانكم ، ولنظهرن نحن عليكم ، فنزلت الآية. فقال أبو بكر : والله ~~ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين ، فقال له أبي بن خلف : كذبت ، فناحبه ~~- أي : قامره - على عشر قلائص من كل واحد منهما ، وجعل ثلالث سنين ، فأخبر ~~أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال - عليه الصلاة والسلام- : " ~~زد في الخطر وأبعد في الأجل " ، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ، ومات أبي ~~من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يو أحد ، وظهرت الروم على فارس يوم ~~الحديبية ، أو : يوم بدر ، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي ، فقال عليه ~~الصلاة والسلام - : " تصدق به ". وهذه آية بينة على صحة نبوته ، وأن القرآن ~~من عند الله ؛ لأنها إنباء عن علم الغيب. وكان ذلك قبل تحريم القمار ، عن ~~قتادة. ومذهب ابي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - : أن العقود الفاسدة ؛ ~~كعقد الربا وغيره ، جائز في دار الحرب بين المسلمين والكفار ، واحتجا بهذه ~~القصة. ه. زاد البيضاوي : وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار. ه وقرئ : " ~~غلبت " ؛ بالفتح ، " وسيغلبون " بالضم ، ومعناه : أن الروم غلبوا على ريف ~~الشام ، وسيغلبهم المسلمون ، وقد غزاهم ms2165 المسلمون في السنة التاسعة من ~~نزولها ، وفتحوا بعض بلادهم ، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل. {لله ~~الأمر من قبل ومن بعد} أي : من قبل كل شيء ، ومن بعد كل شيء. أو : من قبل ~~الغلبة وبعدها ، كأنه قيل : من قبل كونهم غالبين - وقبله : وهو وقت كونهم ~~مغلوبين - ومن بعد كونهم مغلوبين - وهو وقت كونهم غالبين ، يعني : أن كونهم ~~مغلوبين أولا ، وغالبين آخرا ، ليس إلا بأمر الله وقضائه. {وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس} [آل عمران : 140]. {ويومئذ} أي : ويوم تغلب الروم فارس ~~، ويحل ما وعده الله من غلبتهم ، PageV05P497 ~~{يفرح المؤمنون بنصر الله} ، وتغلب من له كتاب على من لا كتاب له ، وغيظ من ~~شمت بهم من أهل مكة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 329 # وقيل : نصر الله : هو إظهار صدق المؤمنين ، بما أخبروا به المشركين من ~~غلبة الروم. {ينصر من يشاء} فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى ، {وهو العزيز} : ~~الغالب على أعدائه {الرحيم} : العاطف على أوليائه. # {وعد الله} اي : وعد ذلك وعدا ، فسينجزه لا محالة ، فهو مصدر مؤكد لما ~~قبله ؛ لأن قوله : {سيغلبون} وعد ، {لا يخلف الله وعده} ؛ لامتناع الكذب ~~عليه تعالى ، فلا بد من نصر الروم على فارس. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~صحة وعده ، وأنه لا يخلف ، أو : لا يعلمون أن الأمور كلها بيد الله ؛ ~~لجهلهم وعدم تفكرهم. وإنما {يعلمون ظاهرا # 330 # من الحياة الدنيا} ؛ ما يشاهدونه منها من التمتع بزخارفها. وفيه دليل أن ~~للدنيا ظاهرا وباطنا ، فظاهرها : ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها. قال ~~بعض الحكماء : إن كنت من أهل الاستبصار فألق ناظرك عن زخارف هذه الدار ، ~~فإنها مجمع الأكدار ، ومنبع المضار ، وسجن الإبرار ، ومجلس الأشرار ، ~~الدنيا كالحية ، تجمع سموم نوائبها ، وتفرغه في صميم قلوب أبنائها. ه. ~~وباطنها : أنها مجاز إلى الآخرة ، يتزودون منها إليها بالأعمال الصالحة ~~وتحقيق المعرفة. وتنكير (ظاهرا) : مفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من ~~جملة ظواهرها. {وهم عن الآخرة هم غافلون} ؛ لا تخطر ببالهم ، ولا يتفكرون ~~في أهوالها ونوائبها. فهم ، الثانية : مبتدأ ، و(غافلون) : خبره ، والجملة ~~: خبرالأولى ms2166 ، وفيه تنبيه أنهم معدن الغفلة ومقرها. والله تعالى أعلم. PageV05P498 # الإشارة : كما تقع الدولة بين الأشباح ، تقع بين النفوس ، والأرواح. فتارة ~~تغلب النفوس بظلماتها على الأرواح ، فتحجبها عن الله ، وتارة تغلب الأرواح ~~بأنوارها على النفوس ، فتستر ظلمة حظوظها ، ويرتفع الحجاب بين الله وعبده. ~~آلم. غلبت أنوار الأرواح بظلمة كثائف النفوس ، في أدنى أرض العبودية ، وهم ~~من بعد غلبهم سيغلبون ، فتغلب أنوار الأرواح المطهرة ، على ظلمة نفوس ~~الظلمانية ، وذلك في بضع سنين ، مدة المجاهدة ، والبضع : من ثلاث إلى عشر ، ~~على قدر الجد والاجتهاد ، وعلى قدر تفاوت النفوس والطبع ، فمنهم من يظفر ~~بنفسه في مدة يسيره ، ومنهم من يظفر بعد مدة طويلة. لله الأمر من قبل ومن ~~بعد ، ويومئذ يفرح المؤمنون السائرون بنصر الله ، حيث نصرهم على نفوسهم ، ~~فظفروا بها. ينصر من شاء حيث يشاء وهو العزيز الرحيم. قال بعضهم : انتهى ~~سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم ، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. # وقال الورتجبي : قوله : {غلبت الروم..} الآية ، إشارة إلى أن الأرواح ، ~~وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة ، والشياطين الكافرة ؛ امتحانا من الله ~~، وتربية لها بمباشرة القهريات ، فإنها تغلب على النفوس ، من حيث تخرج من ~~مقام الاختيار. انظر تمامه. وقال القشيري : قوله تعالى : {يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا} : استغراقهم في الاشتغال بالدنيا ، وانهماكهم بما منعهم عن ~~العلم بالآخرة وقيمة كل امرىء علمه ؛ كما في الأثر عن علي رضي الله عنه. قال : # جزء : 5 رقم الصفحة : 329 # وقيمة كل امرىء ما كان يتقنه # والجاهلون لأهل العلم أعداء # فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة ، والمشتغلون بعلم الآخرة ، هم بوجودها ، ~~في غفلة عن الله. ه. قلت : وأهل المعرفة بالله لم يشغلهم عنه دنيا ولا ~~آخرة. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 329 # 331 PageV05P499 ~~قلت : " في أنفسهم " : يحتمل أن يكون ظرفا ، أي : أو لم يحدثوا التفكر فيها ~~، وأن تكون صلة للتفكر ، نحو : تفكر في الأمر : أجال فيه فكره. والأول أظهر. # يقول الحق جل جلاله : {أو لم يتفكروا في أنفسهم} أي : أو لم يثبتوا ~~التفكر في أنفسهم ، أي ms2167 : في قلوبهم الفارغة ، فيتفكروا بها في مصنوعات الله ~~، حتى يعلموا أنها ما خلقت عبثا ، والتفكر لا يكون إلا في القلوب ، ولكن ~~زيادة تصوير لحال المتفكرين ، كقوله : اعتقده في قلبك. أو : أولم يتفكروا ~~في أنفسهم ، التي هي أقرب إليهم من غيرها ، وهم أعلم بأحوالها ، فيتدبروا ~~ما أودعها الله تعالى ، ظاهرا وباطنا ، من غرائب الحكمة الدالة على التدبير ~~من الحكيم القديم ، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازي فيه ، على ~~الإحسان إحسانا ، وعلى الإساءة مثلها ، حتى يعلموا ، عند ذلك ، أن سائر ~~الخلائق مثلها ، وأنه لا بد لهم من الانتهاء إلى ذلك الوقت ، فعلموا أن {ما ~~خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى} أي : ما خلقها ~~باطلا وعبثا من غير حكمة ، ولا لتبقى خالدة ، وإنما خلقها مقرونة بالحق ، ~~مصحوبة بالحكمة البالغة ، وتنتهي إلى أجل مسمى ، وهو قيام الساعة ، ووقت ~~الحساب ، بالثواب والعقاب ، فيخرب هذا العالم ، ويقوم عالم آخر ، لا انتهاء ~~لوجوده. PageV05P500 # قال في الحاشية الفاسية : وبالجملة : فخلق السموات والأرض ؛ للدلالة على ~~التوحيد بوجودهما ، وعلى الآخرة بفنائهما ، وانقضاء أجلهما. ثم قال : ~~والحاصل أن خلقه بمقتضى الحكمة يقتضي جزاء أوليائه ، وتعذيب أعدائه. وقد ~~نصب تعالى القلب شاهدا ومنزلا منزلة الآخرة ، والقلب منزلة الدنيا ، وكما ~~أن عمل القالب يعود نفعه ، إذا فعل الطاعة ، على القلب ؛ بالتنوير والتقريب ~~لحضرة الربوبية ، ويعود ضرره عليه ، إذا فعل ضد ذلك ، كما يعرفه أهل القلوب ~~، وأنه مزرعة للقلب ، ولا بقاء له ، وإنما خلق لقضاء ذلك ، فكذلك الدنيا ~~مزرعة للآخرة ، وإنما خلقت لذلك ، كما يعرفه أهل القلوب والبصائر الصافية ~~السالمة ، فاعتبر ذلك. ه. # {وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم} ؛ بالبعث والجزاء {لكافرون} : لجاحدون. # جزء : 5 رقم الصفحة : 331 # الإشارة : قد تقدم الكلام على فضل التفكر في آل عمران. وقوله تعالى : ~~{إلا بالحق} أي : ما خلق الكائنات إلا بالحق ، من الحق إلى الحق ، فهي من ~~تجليات الحق ، ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، فالحق عبارة عن عين ~~الذات عند أهل الحق ، فافهم. # 332 # جزء : 5 رقم الصفحة : 331 # قلت ms2168 : من رفع " عاقبة الذين أساءوا " ؛ فالسوأى منصوب خبر كان ، ومن نصب ~~" عاقبة " ؛ فالسوأى : مرفوع اسمها ، أو : مصدر لأساؤوا. انظر البيضاوي. ~~والسوأى : تأنيث أسوأ. و(أن كذبوا) : مفعول من أجله ، أو : بدل ، على أن ~~معنى (أساءوا) : كفروا. PageV05P501 # يقول الحق جل جلاله : {أو لم يسيروا} اي : أعموا ولم يسيروا {في الأرض} ، ~~ثم قرره بقوله : {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} أي : فينظروا إلى ~~آثار الذين من قبلهم ؛ كيف دمرهم الله ، وأخلا بلادهم ، وبقيت دارسة بعدهم ~~، كعاد وثمود ، وغيرهم من الأمم العاتية ، والجبابرة الطاغية ، {كانوا أشد ~~منهم قوة} حتى كان منهم من يفتل الحديد بيده ، {وأثاروا الأرض} ؛ قلبوا ~~وجهها بالحراثة ، واستنباط المياه ، واستخراج المعادن ، وغير ذلك. ~~{وعمروها} اي : عمر المدمرون الأرض {أكثر مما عمروها} أي : أهل مكة ، فأكثر ~~: صفة لمصدر محذوف. و(ما) : مصدرية ، أي : عمارة هؤلاء ، فإنهم أهل واد غير ~~ذي زرع ، ولا تبسط لهم في غيرها. وفيه تهكم بهم ؛ من حيث أنهم عمروا الأرض ~~، مغترون بالدنيا ، مفتخرون بها ، وهو أضعف حالا فيها ؛ إذ مدار أمرها على ~~التبسط في البلاد ، والتسلط على العباد ، والتصرف في أقطار الأرض بأنواع ~~العمارة ، وهم ضعفاء ملجؤون إلى واد لا نفع فيه. قال البيضاوي. # {وجاءتهم رسلهم بالبينات} ؛ بالمعجزات الواضحات ، فلم يؤمنوا ؛ فأهلكوا ، ~~{فما كان الله ليظلمهم} ؛ بأن دمرهم بلا سبب ، أو : من غير إعذار ، {ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون} ؛ حيث ارتكبوا ما أدى إلى تدميرهم. PageV05P502 # {ثم كان عاقبة الذي أساءوا} بالكفر والمعاصي {السوأى} أي : العقوبة السوأى ~~، والأصل : ثم كان عاقبتهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر ؛ للدلالة على ما ~~اقتضى أن تكون تلك عاقبتهم ، وهو إساءتهم. والمعنى : أنهم عوقبوا في الدنيا ~~بالدمار ، ثم كان عاقبتهم في الآخرة العقوبة التي هي أسوأ العقوبات ، وهي ~~انار التي أعدت للكافرين. لأجل {أن كذبوا} أو : بأن كذبوا {بآيات الله} ~~الدالة على صدق رسله ، أو : على وحدانيته. {وكانوا بها يستهزؤون} ؛ حيث ~~قابلوها بالتكذيب ، أو : غفلوا عن التفكر فيها. أو : ثم كان عاقبة الذين ~~اقترفوا الخطيئة السؤاى أن طبع الله على قلوبهم ، حتى كذبوا بالآيات ، ~~واستهزءوا بها. ms2169 أو : ثم كان عاقبة الذين فعلوا الفعلة السوأى ، وهو أن ~~كذبوا واستهزءوا ، أن يلحقهم ما تعجز عنه نطاق العبارة ، فخبر كان ، على ~~هذا : محذوف ؛ # 333 # للتهويل. و(أن كذبوا) : بيان ، أو : بدل من السوأى. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 333 PageV05P503 ~~الإشارة : السير إلى الله على أقسام : سير النفوس : بإقامة عبادة الجوارح ؛ ~~لطلب الأجور ، وسير القلوب : بجولانها في ميادين الأغيار ، للتبصر ~~والاعتبار ، طلبا للحضور ، وسير الأرواح : بجولان الفكرة في ميادين الأنوار ~~؛ طلبا لرفع الستور ودوام الحضور ، وسير الأسرار : الترقي في أسرار الجبروت ~~، بعد التمكن من شهود أنوار الملكوت على سبيل الدوام. قال القشيري : سير ~~النفوس في أوطان الأرض ومناكبها لأداء العبادات ، وسير القلوب بجولان الفكر ~~في جميع المخلوقات ، وغايته : الظفر بحقائق العلوم التي توجب ثلج الصدور - ~~ثم تلك العلوم علىدرجات - وسير الأرواح في ميادين الغيب : بنعت خرق سرادقات ~~الملكوت. وقصاراه : الوصول إلى ساحل الشهود ، واستيلاء سلطان الحقيقة. وسير ~~الأسرار : بالترقي - أي : الغيبة - عن الحدثان بأسرها ، والتحقق ، أولا ، ~~بالصفات ، ثم بالخمود ، بالكلية ، عما سوى الحق. ه. # وقال في قوله : {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى} : من زرع الشوك لم ~~يحصد الورد ، ومن استنبت الحشيش لم يقطف البهار ، ومن سلك سبيل الغي لم ~~يحلل بساحة الرشد. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 333 # يقول الحق جل جلاله : {الله يبدأ الخلق} ؛ ينشئهم ، {ثم يعيده} ؛ يحييهم ~~بعد الموت ، {ثم إليه ترجعون} ؛ للجزاء ؛ بالثواب والعقاب. والالتفات إلى ~~الخطاب ؛ للمبالغة في إثباته. وقرأ أبو عمرو وسهل وروح : بالغيب ، على ~~الأصل. {ويوم تقوم الساعة يبلس} : ييأس ويتحير {المجرمون} ؛ المشركون ؛ ~~يقال : ناظرته فأبلس ، أي : أفحم وأيس من الحجة ، أو : يسكتون متحيرين ، ~~{ولم يكن لهم من شركائهم} التي عبدوها من دون الله {شفعاء} يشفعون لهم ~~ويجيرونهم من النار ، {وكانوا بشركائهم كافرين} ؛ جاحدين لها ، متبرئين من ~~عبادتها ، حين أيسوا من نفعها. أو : كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتها. PageV05P504 # {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} أي : المسلمون والكافرون ، بدليل قوله : {فأما # 334 # الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة} ، أي : بستان ذي أزهار ms2170 وأنهار ~~، وهي الجنة. والتنكير ؛ لإبهام أمرها وتفخيمه ، {يحبرون} : يسرون ، يقال : ~~حبره ، إذا سره سرورا تهلل به وجهه ، وظهر فيه أثره. # ووجوه المسار كثيرة ، فقيل : يكرمون ، وقيل : يحلون. وقيل : هو السماع في ~~الجنة. قاله غير واحد. قال أبو الدرداء : كان عليه الصلاة والسلام يذكر ~~الناس بنعيم الجنان ؛ فقيل : يا رسول الله ؛ هل في الجنة من سماع ؟ قال : " ~~نعم ، إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانة ، يتغنين ~~بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط ، فذلك أفضل نعيم أهل الجنة " قال الرواي ~~: فسألت أبا الدرداء : بم يتغنين ؟ قال : بالتسبيح إن شاء الله. والخمصانة ~~: المرهفة الأعلى ، الضخمة الأسفل. ه. انظر الثعلبي. وذكر غيره أن هذا ~~السماع يكون في نزهة تكون لأهل الجنة على شاطئ هذا النهر ، وقد ذكرناها في ~~شرحنا الكبير على الفاتحة. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 334 # وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} ؛ بالبعث {فأولئك في ~~العذاب محضرون} : مقيمون ، لا يغيبون عنه. عائذا بالله من غضبه. PageV05P505 # الإشارة : من اعتمد على غير الله ، أو ركن إلى شيء سواه ، فهو مجرم عند ~~الخصوص ، وذلك الشيء الذي ركن إليه صنم في حقه ، يتبرأ منه يوم القيامة ، ~~ويبلس من نفعه ، {يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} : الآية. {ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يتفرقون} ؛ فريق هم أهل الوصلة ، وفريق هم أهل القطعة ، فريق ~~في المنة ، وفريق في المحنة ، فريق في السرور ، وفريق في الثبور ، فريق في ~~الثواب ، وفريق في العقاب ، فريق في الفراق ، وفريق في التلاق. قال القشيري ~~: وإذا كان الأمر هكذا ، فجد ، أيها المؤمن ، في طاعة مولاك ، وأكثر من ~~ذكره ، صباحا ومساء ، وليلا ونهارا ؛ لتنال ذلك الوعد ، وتنجو من الوعيد. # جزء : 5 رقم الصفحة : 334 # قلت : " فسبحان " : مصدر لمحذوف ، أي : سبحوا سبحان. و(حين) : متعلق بذلك ~~المحذوف ، وجملة : (وله الحمد) : معترضة بين معطوفات الظروف. و(في السموات) ~~: حال من الحمد ، أي : وله ، على عباده ، الحمد ؛ كائنا في السموات... إلخ. # يقول الحق جل جلاله : {فسبحان الله} أي : فسبحوا الله ونزهوه تنزيها يليق به # 335 # في هذه الأوقات التي تظهر ms2171 قدرته ، وتجدد فيها نعمه ، وهي {حين تمسون} ؛ ~~تدخلون في المساء {وحين تصبحون} تدخلون في الصباح. {وله الحمد في السماوات ~~والأرض} أي : وله ، على المميزين كلهم ، من أهل السموات والأرض ، أن يحمدوه ~~، {وعشيا} أي : وسبحوه عشيا ؛ آخر النهار ، {وحين تظهرون} ؛ تدخلون في وقت ~~الظهيرة. PageV05P506 # قال البيضاوي : وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح ؛ لأن آثار العظمة والقدرة ~~فيهما أظهر ، تخصيص الحمد بالعشي - الذي هو آخر النهار ، من عشى العين ؛ إذ ~~نقص نورها - والظهيرة - التي هي وسطه ؛ لأن تجدد النعم فيها أكثر. ويجوز أن ~~يكون {عشيا} معطوف على {حين تمسون} ، وقوله : {وله الحمد..} إلخ - اعتراضا. ~~وعن ابن عباس : الآية جامعة للصلوات الخمس ، (تمسون) : صلاتا المغرب ~~والعشاء ، (تصبحون) : صلاة الفجر ، (وعشيا) : صلاة العصر ، (وتظهرون) صلاة ~~الظهر. ولذلك زعم الحسن أنها مدنية ؛ لأنه كان يقول : كان الواجب عليه بمكة ~~ركعتين ، في أي وقت اتفقت ، وإنما فرضت الخمس بالمدينة. والأكثر على أنها ~~فرضت بمكة. ه. # ثم ذكر وجه استحقاقه للحمد والتنزيه بقوله : {يخرج الحي من الميت} ، ~~الطائر من البيضة ، والإنسان من النطفة ، أو : المؤمن من الكافر ، والعالم ~~من الجاهل. {ويخرج الميت من الحي} ، البيضة من الطائر ، والنطفة من الإنسان ~~، أو : الكافر من المؤمن ، والجاهل من العالم. {ويحيي الأرض} بالنبات {بعد ~~موتها} بيبسها ، {وكذلك تخرجون} ، والمعنى : أن الإبداء والإعادة متساويان ~~في قدرة من هو قادر على إخراج الحي من الميت ، وعكسه. # روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ~~من قرأ {فسبحان الله حين تمسون}.. إلى الثلاث آيات ، وآخر سورة الصافات : ~~{سبحان ربك رب العزة..} إلخ.. دبر كل صلاة ، كتب له من الحسنات عدد نجوم ~~السماء ، وقطر الأمطار ، وورق الأشجار ، وتراب الأرض. فإذا مات ؛ أجرى له ~~بكل لفظ عشر حسنات في قبره " نقله الثعلبي والنسفي. وعنه - عليه الصلاة ~~والسلام : " من قال حين يصبح : {فسبحان الله حين تمسون}... إلى قوله : ~~{وكذلك تخرجون} ؛ أدرك ما فاته في يومه ، ومن قاله حين يمسي ؛ أدرك ما فاته ~~في ليلته " رواه ابو داود. PageV05P507 # جزء : 5 رقم الصفحة ms2172 : 335 # وقال الضحاك : من قال : {فسبحان الله حين تمسون..} إلخ ؛ كان له كعدل ~~مائتي رقبة من ولد إسماعيل. ه. زاد كعب : ولم يفته خير كان في يومه ، ولا ~~يدركه شر كان فيه. # 336 # وإن قالها في السماء ؛ فكذلك. وكان إبراهيم الخليل عليه السلام يقرها ست ~~مرات في كل يوم وليلة. ه. # الإشارة : أما وجه الأمر بالتنزيه حين المساء والصباح ؛ فلأن المجوس ~~كانوا يسجدون للشمس في هذين الوقتين ؛ تسليما وتوديعا ، فأمر الحق تعالى ~~المؤمنين أن ينزهوه عمن يستحق العبادة معه ، وأما العشي ؛ فلأنه وقت غفلة ~~الناس في جميع حوائجهم ، وأما وقت الظهيرة ؛ فلأن جهنم تشتعل فيه ؛ كما في ~~الحديث ، وأمر بحمده والثناء عليه في كل وقت ؛ لما غمرهم من النعم الظاهرة ~~والباطنة. # قال القشيري : فمن كان صباحه بالله ؛ بورك له في يومه ، ومن كان مساؤه ~~بالله ؛ بورك له في ليلته ، وأنشدوا : # وإن صباحا نلتقي في مسائه # صباح على قلب الغريب حبيب # شتان بين عبد : صباحه مفتتح بعبادته ، ومساؤه مختتم بطاعته ، وبين عبد : ~~صباحه مفتتح بمشاهدته ، ورواحه مختتم بعزيز رؤيته. قلت : الأول من عامة ~~الأبرار ، والثاني من خاصة العارفين الكبار ، وبقي مقام الغافلين ، وهو : ~~من كان صباحه مفتتح بهم نفسه ، ومساؤه مختتم برؤية حسه ، ثم ذكر احتمال ~~الصلوات الخمس في الآية ، كما تقدم - ثم قال : وأراد الحق من أوليائه أن ~~يجددوا العبودية في اليوم والليلة خمس مرات ، فيقف على بساط المناجاة ، ~~ويستدرك ما فاته بين الصلاتين من صوارف الزلات. ه. PageV05P508 # وقوله تعالى : {يخرج الحي من الميت} يخرج الذاكر من الغافل ، والغافل من ~~الذاكر ، والعارف من الجاهل ، والجاهل من العارف ، ويحيي أرض النفوس ~~باليقظة والمعرفة ، بعد موتها بالغفلة والجهل ، وكذلك تخرجون من قبوركم على ~~ما متم عليه ، من معرفة أو جهل ، من يقظة أو غفلة ، يموت المرء على ما عاش ~~عليه ، ويبعث على ما مات عليه. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 335 # يقول الحق جل جلاله : {ومن آياته} الدالة على قدرته ، الشاملة للبعث ~~وغيره : أو : ومن علامات ربوبيته : {أن خلقكم} أي ms2173 : أباكم {من تراب} ؛ لأن ~~أصل الإنشاء منه ، {ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} أي : ثم فاجأتم وقت كونكم ~~بشرا منتشرين في الأرض ، آدم # 337 # وذريته. {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها} ؛ لأن ~~حواء خلقت من ضلع آدم ، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال. أو : من شكل ~~أنفسكم وجنسها ، لا من جنس آخر ، وذلك لما بين الاثنين - إذ كانا من جنس ~~واحد - من الألفة والمودة والسكون ، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر. ~~ويقال سكن إليه : إذا مال إليه. {وجعل بينكم مودة ورحمة} أي : جعل بينكم ~~التوادد والتراحم بسبب الزواج. # وعن الحسن : المودة كناية عن الجماع ، والرحمة هي الولد. وقيل المودة ~~للشابة الجميلة ، والرحمة للعجوز ، وقيل : المودة والرحمة من الله ، والفرك ~~من الشيطان - أي : البغض من الجانبين. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} ؛ ~~فيعلمون ما في ذلك من الحكم ، وأن قوام الدنيا بوجود التناسل. PageV05P509 # الإشارة : أصل النشأة البشرية من الطين ، وأصل الروح من نور رب العالمين. ~~فإذا غلبت الطينة على الروح جذبتها إلى عالم الطين ، فكان همها الطين ، ~~وهوت إلى أسفل سافلين ، فلا تجد فكرتها وحديثها ، في الغالب ، إلا في عالم ~~الحس ، ويكون عملها كله عمل الجوارح ، يفنى بفنائها. وإذا غلبت الروح على ~~الطينة ؛ وذلك بدخول مقام الفناء ، حتى تستولي المعاني على الحسيات. وتنخنس ~~البشرية تحت سلطان أنوار الحقيقة ، جذبتها إلى عالم الأنوار والأسرار ، فلا ~~تجد فكرتها إلا في أنوار التوحيد وأسرار التفريد ، وعملها كله قلبي وسري. ~~بين فكرة واعتبار ، وشهود واستبصار ، يبقى مع الروح ببقائها ، يجري عليها ~~بعد موت البشرية ، ويبعث معها ، كما تقدم في الحديث : " يموت المرء... " إلخ. # قال القشيري : يقال : الأصل تربة ، ولكن العبرة بالتربية لا بالتربة. ه. ~~قلت : إذ بالتربية تغلب الروح على البشرية ، ثم قال : اصطفى الكعبة ، فهي ~~خير من الجنة ، مع أن الجنة جواهر ويواقيت ، والكعبة حجر ومدر ، أي : كذلك ~~المؤمن الكامل ، وإن كان أصله من الطين ، فهو أفضل من كثير العوالم ~~اللطيفة. ثم قال في قوله تعالى : {ومن آياته أن خلق لكم ms2174 من انفسكم أزواجا} ~~الآية : رد المثل إلى المثل ، وربط الشكل بالشكل ، وجعل سكون البعض إلى ~~البعض ، وذلك للأشباح والصور ، والأرواح صحبت الأشباح ؛ كرها لا طوعا ، ~~وأما الأسرار فمعتقة ، لا تساكن الأطلال ، ولا تتدنس بالأغيار. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 337 PageV05P510 ~~قلت : وكأنه يشير إلى أن المودة التي انعقدت بين الزوجين إنما هي نفسية ، ~~لا روحانية ، ولا سرية ؛ إذ الروح والسر لا يتصور منها ميل إلى غير أسرار ~~الذات العلية ؛ إذ محبة الحق ، جذبتها عن الميل إلى شيء من السوى. واختلف ~~الصوفية : هل تخل هذه المودة بين الزوجين يمحية الحق ، أم لا ؟ فقال سهل ~~رضي الله عنه : لا تضر الروح ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " حبب إلي من ~~دنياكم ثلاث... " فذكر النساء ، إذا كان على وجه الشفقة # 338 # والرحمة ، لا على غلبة الشهوة. وعلامة محبة الشفقة : أنه لا يتغير عند ~~فقدها ، ولا يحزن بفواتها. وهذا هو الصحيح. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 337 # قلت : (يريكم البرق) : فيه وجهان ، أحدهما : إضمار " أن " ؛ كما في حرف ~~ابن مسعود ، والثاني : تنزيل الفعل منزلة المصدر ، كما قيل في قولهم ، في ~~المثل : " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ". أي : إن تسمع ، أو : سماعك. ~~و(خوفا وطمعا) : مفعولان له ؛ على حذف مضاف ، أي : إرادة خوف ، وإرادة طمع ~~، أو : على الحال ، أي : خائفين وطامعين. و(إذا دعاكم) : شرطية ، و(إذا) ، ~~الثانية ؛ فجائية ، نابت عن الفاء. و(من الأرض) : يتعلق بدعاكم. PageV05P511 # يقول الحق جل جلاله : {ومن آياته} الدالة على باهر قدرته {خلق السماوات ~~والأرض}. قال القشيري : السموات في علوها. والأرض في دنوها ، هذه بنجومها ~~وكواكبها ، وهذه بأقطارها ومناكبها ، هذه بشمسها وقمرها ، وهذه بمائها ~~ومدرها ، واختلاف لغات أهلها في الأرض ، واختلاف تسبيح الملائكة - عليهم ~~السلام - الذين هم سكان السماء. ه. {واختلاف ألسنتكم} باختلاف اللغات ، ~~وبأجناس النطق وأشكاله ، {وألوانكم} ، كالسواد والبياض وغيرهما ، حتى لا ~~تكاد تجد شخصين متوافقين ؛ إلا وبينهما نوع تخالف في اللسان واللون ، ~~وباختلاف ذلك وقع التعارف والتمايز ، فلو توافقت وتشاكلت لوقع التجاهل ~~والالتباس ، ولتعطلت المصالح. وفي ذلك آية بينة ، حيث ms2175 ولدوا من أب واحد ، ~~وهم على كثرتهم متفاوتون. {إن في ذلك لآيات للعالمين} ؛ بفتح اللام وكسره. ~~ويشهد للكسر قوله تعالى : {وما يعقلهآ إلا العالمون} [العنكبوت : 43]. قال ~~القشيري : واختصاص كل شيء من هذه ببعض جائزات حكمها ؛ شاهد عدل ، ودليل صدق ~~، يناجي أفكار المستيقظين ، وتنادي على أنفسها : أنها ، بأجمعها ، بتقدير ~~العزيز العليم. ه. # 339 # {ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} ، أي منامكم بالليل ~~، وابتغاؤكم من فضله بالنهار ، أو : منامكم في الزمانين ، وابتغاؤكم من ~~فضله فيهما ، وهو حسن ؛ لأنه إذا طال النهار يقع النوم فيه ، وإذا طال ~~الليل يقع الابتغاء فيه. {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} ؛ سماع تدبر ، ~~بآذان واعية. قال القشيري : غلبة النوم لصاحبه من غير اختيار ، وانتباهه ~~بلا اكتساب ، يدل على موته ثم بعثه ، ثم في حال منامه يرى ما يسره وما يضره ~~يدل على حاله في قبره. الله أعلم كيف حاله ، في أمره ، فيما يلقاه من خيره ~~وشره. ه. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 339 PageV05P512 ~~ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا} ، أي : خوفا من الصواعق ، وطمعا في ~~الغيث ، أو : خوفا للمسافر وطمعا للحاضر ، {وينزل من السماء ماء} ؛ مطرا ~~{فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} : يتفكرون ~~بعقولهم. # {ومن آياته أن تقوم السماء} بغير عمد {والأرض} على ماء جماد {بأمره} أي : ~~بإقامته ، أو تدبيره وقدرته. {ثم إذا دعاكم} للبعث {دعوة من الأرض إذا أنتم ~~تخرجون} من قبوركم. وسبك الآية : ومن آياته قيام السماوات والأرض ، ~~واستمساكها بغير عمد ، ثم إذا دعاكم دعوة واحدة ، يا أهل القبور ، خرجتم ~~بسرعة. وإنما عطف هذا بثم ؛ بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر ، وإظهار ~~اقتداره على مثله ، وهو أن يقول : يا أهل القبور ، قوموا ، فلا تبقى نسمة ~~من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر ، كقوله : {ثم نفخ فيه أخرىا فإذا هم ~~قيام ينظرون} [الزمر : 68]. # تنبيه : عبر عن مودة الزوجين بيتكفرون ؛ لأن المودة قلبية ، لا تدرك إلا ~~بتفكر القلب ، وعبر عن خلق السموات والأرض واختلاف الألسن والألوان ~~بالعالمين ؛ لأن أمر ذلك يدركه ms2176 كل أحد ، ممن له عقل أو علم ، وعبر عن النوم ~~واليقظة بيسمعون ؛ لأن من كان في الغفلة لا يسمع أمثال هذه المواعظ ، وإنما ~~يسمعها من كان متيقظا ، وعبر عن إظهار البرق ، وإنزال المطر ، وإحياء الأرض ~~، بيعقلون ؛ لأن أمر البرق وما معه يبصره كل من له مسكة عن عقل سليم ، ~~ويعلم أنه من الله بلا واسطة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ما نصبت هذه الكائنات لتراها ، بل لترى فيها مولاها ، فما هذه ~~الأكوان الحسية إلا تجليات من تجليات الحق ، ومظاهر من مظاهره ، وأنوار من ~~أنوار ملكوته ، متدفقة من بحر جبروته. كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ~~ما عليه كان. لكن لا يعرف هذا إلا العارفون بالله ، وأما غيرهم فحسبهم أن ~~يستدلوا على عظمة خالقها ، وباهر قدرته وحكمته ، فيقوي إيمانهم ويشتد ~~إيقانهم. PageV05P513 # قال في الإحياء : وبحر المعرفة لا ساحل له ، والإحاطة بكنه جلال الله محال ~~، وكلما كثرت المعرفة بالله سبحانه ، وبأفعال مملكته ، وأسرار مملكته ، ~~وقويت ، كثر النعيم في الآخرة وعظم ، كما أنه كلما كثر البذر وحسن ؛ كثر ~~الزعر وحسن ، وقال أيضا ، # 340 # في كتاب شرح عجائب القلب : ويكون سعة ملك العبد في الجنة بحسب سعة معرفته ~~بالله ، وبحسب ما يتجلى له من عظمة الله سبحانه ، ومن صفاته وأفعاله. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 339 # ومن آياته خلق سماوات أرواحكم ، وأرض نفوسكم ، لتقوم الأرواح بشهود عظمة ~~الربوبية ، والنفوس بآداب العبودية ، واختلاف ألسنتكم ؛ فبعضها لا تتكلم ~~إلا في الفرق ، وبعضها إلا في الجمع. وألوانكم ؛ بعضها طهر فيها سيما ~~العارفين ، وبهجة المحبين ، وبعضها لم يظهر عليها شيء من ذلك. ومن آياته ~~منامكم في ليل الغفلة والبطالة ، وقت غفلتكم ، وابتغاؤكم من فضله ؛ بزيادة ~~معرفته وقت يقظتكم. ومن آياته يريكم البرق ، أي : يلمع عليكم أسرار المعاني ~~، ثم تخفى عند الاستشراف على بحر الحقيقة ، خوفا من الاصطلام والرجوع ، ~~وطمعا في الوصول والتمكين. ومن آياته أن تقوم الأشياء به وبأسرار ذاته ، ثم ~~إذا دعاكم دعوة من أرض القطيعة إذا أنتم تخرجون ، فتعرجون بأرواحكم إلى ~~سماء وصلته وتمكن معرفته. ms2177 والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 339 PageV05P514 ~~يقول الحق جل جلاله : {وله من في السماوات والأرض} ؛ ملكا وملكا ، {كل له ~~قانتون} أي : مطيعون ، كل لما أراد ، لا يستطيع التغير عن ذلك. أو مقرون ~~بالعبودية ، أو : قائمون بالشهادة على وحدانيته. {وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده} أي : ينشئهم ثم يعيدهم للبعث ، {وهو} أي : البعث {أهون} ؛ أيسر ~~{عليه} عندكم ؛ لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء ، فلم أنكرتم الإعادة ، ~~مع إقراركم بأن الإنشاء منه تعالى ؟ وقال الزجاج وغيره : أهون بمعنى " هين ~~" ؛ كقوله : {وكان ذالك على الله يسيرا} [النساء : 30] ، كما قالوا : أكبر ~~، بمعنى كبير. والإعادة في نفسها عظيمة ولكنها هونت بالقياس إلى الإنشاء ؛ ~~إذ هو أهون عند الخلق من الإنشاء ؛ لأن قيامهم بصيحة واحدة أسهل من كونهم ~~نطفا ، ثم علقا ، ثم مضغا ، إلى تكميل خلقهم. قاله النسفي. # {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} أي : الوصف الأعلى ، الذي ليس ~~لغيره ، وقد عرف به ، ووصف في السموات والأرض ، على ألسنة الخلائق وألسنة ~~الدلائل ، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة ، وغيرهما ~~من المقدورات ، {وهو العزيز} أي : القاهر لكل مقدور ، {الحكيم} الذي يجري ~~كل فعل على قضايا حكمته وعلمه. وعن ابن عباس : المثل الأعلى هو : {ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى : 11]. وعن مجاهد : هو قول : " لا ~~إله إلا الله ". ومعناه : وله # 341 # الوصف الأرفع ، وهو اختصاصه بالألوهية في العالم العلوي والسفلي ، ويعضده ~~: ما بعده من ضرب المثل. والله تعالى أعلم. PageV05P515 # الإشارة : الاشياء كلها ، من عرشها إلى فرشها ، حيها وجامدها ، قانتة ~~وساجدة لله تعالى ، من حيث حسها الذي هو مقر العبودية ، وغنية عن السجود من ~~حيث معناها ؛ لأنها من أسرار الربوبية. فالعبد ، من حيث حسها الذي هو مقر ~~العبودية ، وغنية عن السجود من حيث معناها ؛ لأنها من أسرار الربوبية. ~~فالعبد ، من حيث فرقه ، عبد خاضع ، ومن حيث جمعه : حر مطاع. # قال القشيري : قوله : {وهو أهون عليه} أي : في ظنكم وتقديركم. وفي ~~الحقيقة السهولة والوعورة على الحق لا تجوز. {وله المثل الأعلى} والصفات ms2178 ~~العلى في الوجود بحق القدم ، وفي وجوده - أي : للأشياء - بنعت الكرم ، وفي ~~القدرة بوصف الشمول ، وفي النظرة بوصف الكمال ، وفي العلم بعموم التعلق ، ~~وفي الحكم بوجود التحقق ، وفي المشيئة بوصف البلوغ ، وفي القضية بحكم ~~النفوذ ، وفي الجبروت بعين العز والجلال ، وفي الملكوت بنعت الجد والكمال. ~~ه. قلت : والحاصل ان المثل الأعلى يرجع إلى كمال ذاته ، تعالى ، وصفاته ~~وأفعاله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 341 PageV05P516 ~~يقول الحق جل جلاله : {ضرب لكم مثلا} لقبح الشرك وبشاعته ، منتزعا {من ~~أنفسكم} التي هي أقرب شيء إليكم ، وهو : {هل لكم} ، معاشر الأحرار ، {مما ~~ملكت أيمانكم} اي من عبيدكم {من شركاء فيما رزقناكم} من الأموال وغيرها. ~~فمن ، الأولى : للابتداء ، والثانية : للتبعيض ، والثالثة : مزيدة ؛ لتأكيد ~~الاستفهام الجاري مجرى النفي. والمعنى : هل لكم ، من بعض عبيدكم ، شرك فيما ~~رزقناكم ، اي : هل ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم ، فيما رزقناكم ؟ {فأنتم ~~فيه سواء} ؛ فتكونون أنتم وهم ، فيما رزقناكم من الأموال ، سواء ؛ يتصرفون ~~فيه كتصرفكم ، ويحكمون فيه كحكمكم ، مع أنهم بشر مثلكم ، حال كونكم ~~{تخافونهم} أي : يستبدوا بالتصرف فيه ، {كخيفتكم أنفسكم} أي : كما يخاف ~~الأحرار بعضهم من بعض - فيما هو مشترك بينهم - أن يستبد فيه بالتصرف دونه. ~~أو : تخافونهم أن يقاسموكم تلك الأموال ، أو : يرثونها بعدكم ، كما تخافون ~~ذلك من بعضكم ، فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم ، فكيف ترضونه لرب الأرباب ومالك ~~الأحرار والعبيد ، أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء في استحقاق العبادة ؟ ! # {كذلك} ، أي : مثل هذا التفصيل البديع ، {نفصل الآيات} ؛ بينهما ؛ لأن ~~التمثيل # 342 # مما يكشف المعاني ويوضحها {لقوم يعقلون} ؛ يتدبرون في ضرب الأمثال ، ~~ويعرفون حكمها وأسرارها ، فلما لم ينزجروا أضرب عنهم ، فقال : {بل اتبع ~~الذين ظلموا} أنفسهم بالشرك {أهواءهم بغير علم} ، أي : تبعوا أهواءهم ، ~~جاهلين ، ولو كان لهم علم ؛ لرجي أن يزجرهم ، {فمن يهدي من أضل الله} ؟ اي ~~: لا هادي له قط ، {وما لهم من ناصرين} يمنعونهم من العذاب ، أو : يحفظونهم ~~من الضلالة ، أو : من الإقامة فيها. # الإشارة : ما قيل في الشرك الجلي يجري مثله في الشرك الخفي ؛ فأن الحق ms2179 ~~تعالى غيور ، لا يحب العمل المشترك ، ولا القلب المشترك. العمل المشترك لا ~~يقبله ، والقلب المشترك لا يقبل عليه ، وأنشدوا : PageV05P517 # جزء : 5 رقم الصفحة : 342 # لي محبوب إنما هو غيور # يطل في القلب كطير حذور # ذا رأى شيئا امتنع أن يزور # فكما أنك لا ترضى من عبدك أن يحب غيرك ، ويخضع له ، كذلك الحق تعالى ، لا ~~يرضى منك أن تميل لغيره. قال القشيري. قوله : {بل اتبع الذين ظلموا ~~أهواءهم} : أشد الظلم متابعة الهوى ؛ لأنه قريب من الشرك. قال الله تعالى : ~~{أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه} [ الجاثية : 23] ، ومن اتبع هواه ؛ خالف رضا ~~مولاه ، فهو ، بوضع الشيء في غير موضعه ، صار ظالما ، كما أن العاصي ، بوضع ~~المعصية في موضع الطاعة ، صار ظالما ، كذلك بمتابعة هواه ، بدلا عن موافقة ~~ومتابعة رضا مولاه ، صار في الظلم متماديا. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 342 # قلت : (حنيفا) : حال من (الدين) ، أو : من المأمور ، وهو ضمير (أقم) ، ~~و(فطرة) : منصوب على الإغراء. # يقول الحق جل جلاله : لنبيه صلى الله عليه وسلم ، أو : لكل سامع : {فأقم ~~وجهك للدين} أي : قوم وجهك له ، غير ملتفت عنه ؛ يمينا ولا شمالا. وهو ~~تمثيل لإقباله على الدين بكليته ، واستقامته عليه ، واهتمامه بأسبابه ؛ فإن ~~من اهتم بالشيء توجه إليه بوجهه ، وسدد إليه نظره ، {حنيفا} ؛ أي : مائلا ~~عن كل ما سواه من الأديان ، {فطرت الله} ؛ أي : الزموا فطرة الله. والفطرة ~~: الخلقة : ألا ترى إلى قوله : {لا تبديل لخلق الله} ؟ فالأرواح ، حين ~~تركيبها في الأشباح ، كانت قابلة للتوحيد ، مهيأة له ، بل عالمة به ، بدليل ~~إقرارها به في # 343 PageV05P518 ~~عالم الذر ، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر ، ومن غوى فإنما غوى ~~منهم بإغواء شياطين الإنس والجن. وفي حديث قدسي : " كل عبادي خلقت حنيفا ، ~~فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ، وأمروهم أن يشركوا بي غيري " وفي الصحيح : " ~~كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " قال ~~الزجاج : معناه : أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به ، على ما جاء في ~~الحديث : " إن الله عز وجل أخرج ms2180 من صلب آدم ذريته كالذر ، وأشهدهم على ~~أنفسهم بأنه خالقهم ، فقالوا : بلى " ، وكل مولود فهو من تلك الذرية التي ~~شهدت بأن الله تعالى ربها وخالقها. ه. قال ابن عطية : الذي يعتمد عليه في ~~تفسير هذه اللفظة : أنها الخلقة والهيئة في نفس الطفل ، التي هي مهيئة ~~لمعرفة الله والإيمان به ، الذي على الإعداد له فطر البشر ، لكن تعرض لهم ~~العوارض ؛ على حسب ما جرى به القدر ، ولا يلزم من الإعداد وجعله على حالة ~~قابلة للتوحيد ألا يساعده القدر ، كما في قوله تعالى : {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات : 56] ، أي : خلقهم معدين لذلك ، فأمر من ~~ساعده القدر ، وصرف عن ذلك من لم يوفق لما خلق له. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 343 PageV05P519 ~~فقوله في الحديث : " كل مولود يولد على الفطرة " أي : على القابلية ~~والصلاحية للتوحيد ، ثم منهم من يتمحض لذلك ، كما سبق في القدر ، ومنهم من ~~لم يوفق لذلك ، بل يخذل ويصرف عنه ؛ لما سبق عليه من الشقاء. وقال في ~~المشارق : أي : يخلق سالما من الكفر ، متهيئا لقبول الصلاح والهدى ، ثم ~~أبواه يحملانه ، بعد ، على ما سبق له في الكتاب. ه. قال ابن عطية : وذكر ~~الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. ثم قال : وقد فطر الله الخلق ~~على الاعتراف بربوبيته ، ومن لازم ذلك توحيده ، وإن لم يوفقوا لذلك كلهم ، ~~بل وحده بعضهم ، وأشرك بعضهم ، مع اتفاق الكل على ربوبيته ؛ ضرورة أن الكل ~~يشعر بقاهر له مدبر. قال في الحاشية : والحاصل : أنه تعالى فطر الكل في ~~ابتداء النشأة ، على الاعتراف بربوبيته ، ولكن كتب منهم السعداء موحدين ، ~~وكتب الأشقياء مشركين ، مع اعتراف الجميع بربوبيته ، ولم يوفق الأشقياء ~~لكون الربوبية تستلزم الوحدانية ، فأشركوا ، فناقضوا لازم قولهم. ه. # وهذا معنى قوله تعالى : {التي فطر الناس عليها} ، أي : خلقهم في أصل ~~نشأتم عليها ، {لا تبديل لخق الله} أي : ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو ~~تغير. وقال الزجاج : معناه : لا تبديل لدين الله ، ويدل على قوله : {ذلك ~~الدين القيم} أي : المستقيم ، {ولكن أكثر الناس ms2181 لا يعلمون} حقيقة ذلك. حال كونكم. # 344 # {منيبين إليه} أي : راجعين إليه ، فهو حال من ضمير : الزموا. وقوله : ~~{واتقوه وأقيموا الصلاة} : عطف على الزموا. أو : على (فأقم) ؛ لأن الأمر له ~~- عليه الصلاة والسلام - أمر لأمته ، فكأنه قال : فأقيموا وجوهكم ، منيبين ~~إليه ، {واتقوه} أي : خافوا عقوبته ، {وأقيموا الصلاة} أي : أتقنوها وأدوها ~~في وقتها ، {ولا تكونوا من المشركين} ؛ ممن يشرك به غيره في العبادة. PageV05P520 # {من الذين فرقوا دينهم} : بدل من " المشركين " ؛ بإعادة الجار ، أي : لا ~~تكونوا من الذين جعلوا دينهم أديانا مختلفة باختلاف ما يعبدونه ؛ لاختلاف ~~أهوائهم. وقرأ الأخوان : (فارقوا) أي : تركوا دين الإسلام الذي أمروا به ، ~~{وكانوا شيعا} أي : فرقا ، كل فرقة تشايع إمامها الذي أضلها ، أي : تشيعه ، ~~وتقوي سواده ، {كل حزب} منهم {بما لديهم فرحون} ؛ مسرورون ، ظنا بأنه الحق ~~، ثم يبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. والعياذ بالله. # الإشارة : الفطرة التي فطر الله الأرواح عليها في معرفة العيان ، لأنها ~~كلها كانت عارفة بالله ، لصفائها ولطافتها ، فما عاقها عن تلك المعرفة إلا ~~كثافة الأبدان ، والاشتغال بحظوظها وهواها ، حتى نسيت تلك المعرفة. وفي ذلك ~~يقول ابن البنا في مباحثه : # جزء : 5 رقم الصفحة : 343 # ولم تزل كل نفوس الأحيا # لأمة دراكة للأشيا # وإنما تعوقها الأبدان # والأنفس النزع والشيطان # فكل من أذاقهم جهاده # أظهر للقاعد خرق العاده # قال بعضهم : إنما حجب الله عنها تلك العلوم ؛ غيرة أن تكشف سر الربوبية ، ~~فيظهر لغير أهله ، قال القشيري : {فأقم وجهك} أي : أخلص قصدك إلى الله ، ~~واحفظ عهدك معه ، وأفرد عملك ، في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك ، له. ~~{حنيفا} أي : مستقيما في دينه ، مائلا عن غيره ، معرضا عن سواه. والزم ~~(فطرة الله التي فطر الناس عليها) ، ثم ذكر ما تقدم لنا. ثم قال : {منيبين ~~إليه} ؛ راجعين إلى الله بالكلية ، من غير أن تبقى بقية ، متصفين بوفائه ، ~~منحرفين بكل وجه عن خلافه ، متقين صغير الإثم وكبيره ، وقليله وكثيره ، ~~مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها ؛ جهرا ، متحققين بمرعاة فضلها ؛ سرا. PageV05P521 # وقال في قوله تعالى : {من الذين فرقوا دينهم} : أقاموا ms2182 في دنياهم في دار ~~الغفلة ، وعناد الجهل والفترة ، فركنوا إلى ظنونهم ، واستوطنوا مركب ~~أوهامهم ، وثملوا بسكر غيهم ، وظنوا أنهم على شيء ، فإذا انكشف ضباب وقتهم ~~، وانقشع سحاب هجرهم ، انقلب فرحهم ترحا ، واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة ، ~~ولم يعرجوا إلا في أوطان الجهالة. ه. # 345 # جزء : 5 رقم الصفحة : 343 # قلت : (إذا هم) : جواب (إن). و(إذا) ؛ الفجائية ، تخلف الفاء ، لتآخيهما ~~في التعقيب. # يقول الحق جل جلاله : {وإذا مس الناس ضر} ؛ كمرض ، وفقر ، وشدة ، أو غير ~~ذلك ، {دعوا ربهم منيبين} ؛ راجعين {إليه} من دعاء غيره. {ثم إذا أذاقهم ~~منه رحمة} ؛ خلاصا من الشدة {إذا فريق منهم بربهم يشركون} شركا جليا أو ~~خفيا ، أي فاجأ بعضهم الإشراك بربهم الذي عافاهم ، {ليكفروا} ؛ إما : لام ~~كي ، أو : لام الأمر ؛ للوعيد والتهديد ، أي : أشركوا كي يكفروا {بما ~~آتيناهم} من النعم ، التي من جملتها : نجاتهم وخلاصهم من كل شدة ، ~~{فتمتعوا} بكفركم قليلا ؛ أمر تهديد ، {فسوف تعلمون} وبال تمتعكم. # {أم أنزلنا عليهم سلطانا} ؛ حجة على عبادة أصنامهم ، {فهو يتكلم} ، ~~وتكلمه مجاز ، كما تقول : كتابه ناطق بكذا ، وهذا مما نطق به القرآن ، ~~ومعناه : الشهادة ، كأنه قال : يشهد بصحة ما {كانوا به يشركون} ، فما : ~~مصدرية ، أي : بصحة كونهم بالله يشركون ، أو : موصولة ، أي : بالأمر الذي ~~بسببه يشركون. # {وإذا أذقنا الناس رحمة} أي : نعمة ؛ من مطر ، أو : سعة رزق ، أو : صحة ، ~~{فرحوا بها} فرح بطر وافتخار وغفلة. {وإن تصبهم سيئة} ؛ بلاء ؛ من جدب ، أو ~~ضيق ، أو مرض ، {بما} ؛ بسبب ما {قدمت أيديهم} من المعاصي ، أي : بشؤمها ، ~~{إذا هم يقنطون} ؛ ييأسون من رحمة الله ، وفرجه بعد عسره. يقال : قنط يقنط ~~، كفرح يفرح ، وكعلم. PageV05P522 # الإشارة : الواجب على المؤمنين أن يختلفوا بضد ما تخلق به الكافرون ، فإذا ~~مسهم ضر أو شدة ، توجهوا إلى الله ، إما بالتضرع والابتهال ؛ عبودية ، ~~منتظرين ما يفعل الله ، وإما بالصبر ، والرضا ، والسكون تحت مجاري الأقدار. ~~فإذا جاء الفرج والنعمة ؛ شكروا الله وحمدوه ، ونسبوا الفرج إليه وحده ، ~~فإن كان وقع منهم سبب شرعي ؛ لم يلتفتوا إليه قط ؛ إذ لا تأثير له ms2183 أصلا ، ~~وإنما الفرج عنده لا به ، فلا يقولوا : فلان ولا فلانة ، وإنما الفاعل هو ~~الله الواحد القهار. # 346 # وهذا الشرك الخفي مما ابتلى به كثير من الناس ، علماء وصالحين ، وخصوصا ~~منهم من يتعاطى كتب الفلسفة ، كالأطباء وغيرهم ، إذا أصابهم شيء فزعوا ، ~~فإذا فرج عنهم ؛ قالوا : فلان داوانا ، وفلان فرج عنا ، والدواء الفلاني هو ~~شفاني ، فتعالى الله عما يشكرون. فليشد العبد يده على التوحيد ، ولا يرى في ~~الوجود إلا الفرد الصمد ، الفعال لما يريد. # جزء : 5 رقم الصفحة : 346 # ومن أوصاف أهل الغفلة : أنهم ، إذا أصابتهم نعمة ، فرحوا وافتخروا بها ، ~~وإذا أصابتهم شدة قنطوا وأيسوا من روح الله ، والواجب : ألا يفرح بما هو ~~عارض فان ، ولا ييأس من روح الله عند الشدة ، بل ينتظر من الله الفرج ، فإن ~~مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا. قال تعالى : {مآ أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا فيا أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله يسير لكيلا ~~تأسوا علىا ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم} [الحديد : 22 -23] الآية. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 346 PageV05P523 ~~يقول الحق جل جلاله : {أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي : ~~يضيق على من يشاء ، فينبغي للعبد أن يكون راجيا ما عند الله ، غير آيس من ~~روح الله ؛ إذ دوام حال من قضايا المحال ، {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} ؛ ~~فيستدلون بها على كمال قدرته وحكمته ، ولا يقفون مع شيء دونه. قال النسفي : ~~أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه القابض الباسط ، فما لهم يقنطون من رحمته ؟ ~~وما لهم لا يرجعون إليه ، تائبين من معاصيهم ، التي عوقبوا بالشدة من أجلها ~~، حتى يعيد عليهم رحمته ؟ # ولما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم ، أتبعه ذكر ما يحب أن يفعل ~~وما يجب أن يترك ، يعني : عند البسط ؛ فقال : {فآت ذا القربى} ؛ أعط قريبك ~~{حقه} من البر والصلة مما بسط عليك. {و} أعط {المسكين وابن السبيل} حقهما ؛ ~~من الصدقة الواجبة أو التطوعية ، حسبما تقتضيه مكارم ms2184 الأخلاق. والخطاب لمن ~~بسط عليه ، أو : للنبي - عليه الصلاة والسلام ، وغيره تبع. {ذلك} أي : ~~إيتاء حقوقهم الواجبة ، والتطوعية ، {خير للذين يريدون وجه الله} أي : ذاته ~~المقدسة ، أي : يقصدون ، بمعروفهم ، إياه ، خالصا. {وأولئك هم المفلحون} ؛ ~~الفائزون بكل خير ، قد حصلوا ، بما بسط لهم ، النعيم المقيم. # {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس} أي : وما أعطيتم من مال ؛ ~~لتأخذوا من # 347 # أموال الناس أكثر منه ، كيفية أو كمية ، {فلا يربوا عند الله} ؛ ولا ~~يبارك فيه ، بل يسحته ويمحقه ، ولو بعد حين. وهذه صورة الربا المحرمة ، ~~إجماعا ، وقيل : وما أعطيتم من هدية ؛ لتأخذوا أكثر منها ، فلا يربو عند ~~الله ، لأنكم لم تقصدوا به وجه الله. وهذه ؛ هدية الثواب ، جائزة ، إلا في ~~حقه - عليه الصلاة والسلام ؛ لقوله تعالى : {ولا تمنن تستكثر} [المدثر : ~~6]. وقرأ ابن كثير : " أتيتم " ؛ بالقصر ، بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا. ~~وقرأ نافع : " لتربوا " بالخطاب ، أي : لتصيروا ذوي ربا ، فتزيدوا في ~~أموالكم. # { PageV05P524 ~~جزء : 5 رقم الصفحة : 347 # وما آتيتم من زكاة} ؛ صدقة ، {تريدون وجه الله} ؛ تبتغون به وجهه ؛ خالصا ~~، لا تطلبون به زيادة ، ولا مكافأة ، ولاسمعة ، {فأولئك هم المضعفون} أي : ~~ذوو الأضعاف من الحسنات ، من سبعمائة فأكثر. ونظير المضعف : المقوي ، ~~والموسر ، لذي القوة واليسار. والالتفات إلى الخطاب في (أولئك...) إلخ في ~~غاية الحسن ؛ لما فيه من التعظيم ، كأنه خاطب الملائكة وخواص الخلق ؛ ~~تعريفا بحالهم ، وتنويها بقدرهم ، ولأنه يفيد التعميم ، كأنه قيل : من فعل ~~هذا فسبيله سبيل المخاطبين المقبول عليهم. ولا بد من ضمير يعود إلى " ما " ~~الموصولة ، أي : المضعفون به. أو : فمؤتوه أولئك هم المضعفون. وقال الزجاج ~~: أي : فأهلها هم المضعفون ، أي : يضاعف لهم الثواب ، من عشر إلى سبعمائة. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : البسط والقبض يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار. فالواجب ~~على العبد : الرجوع إلى الله في السراء والضراء ، فالبسط يشهد فيه المنة من ~~الله ، ومقتضى الحق منك الحمد والشكر. والقبض يشهده من الله امتحانا وتصفية ~~، ومقتضى الحق منك الصبر والرضا ، وانتظار الفرج من الله ؛ فإن انتظار ~~الفرج ، مع ms2185 الصبر ، عبادة. قال القشيري : الإشارة إلى ألا يعلق العبد قلبه ~~إلا بالله ، لأن ما يسوءهم ليس زواله إلا من الله ، وما يسرهم ليس وجوده ~~إلا من الله. فالبسط ، الذي يسرهم ويؤنسهم منه ، وجوده ، والقبض ، الذي ~~يسوءهم ويحوشهم منه ، حصوله. فالواجب : لزوم عهوده بالإسرار ، وقطع الأفكار ~~عن الأغيار. ه. PageV05P525 # وقال في قوله : {فآت ذا القربى حقه} : القرابة على قسمين ؛ قرابة النسب ~~وقرابة الدين ، وهي أمس ، وبالمواساة أحق. وإذ كان الرجل مشتغلا بالعبادة ، ~~غير متفرغ لطلب المعيشة ، فالذي له إيمان بحاله ، وإشراف على وقته ، يجب ~~عليه أن يقوم بشأنه ، بقدر ما يمكنه ، مما يكون له عون على طاعته ، مما ~~يشوش قلبه ، من حديث عياله ، فإن كان اشتغال الرجل بشيء من مراعاة القلب ~~فحقه آكد ، وتفقده أوجب ، {ذلك خير للذين يريدون وجه الله} ، والمريد هو ~~الذي يؤثر حق الله على حظ نفسه. فإيثار الإخوان ، لمن يريد وجه الله ، أتم ~~من مراعاة حال نفسه ، فهمه بالإحسان لذوي القربى والمساكين يتقدم على نظره ~~لنفسه وعيلته ، وما يهمه من نصبيه. ه. # 348 # وقال في قوله : {يريدون وجه الله} : لا تستخدم الفقير بما تريده به من ~~رفق ، بل أفضل الصدقة على ذي رحم كاشح ، أي : قاطع ؛ حتى يكون إعطاؤه لله ~~مجردا عن كل نصيب لك. فهؤلاء هم الذين يتضاعف أجرهم بمجاهدتهم لنفوسهم ، ~~حيث يخالفونها ، وفوزهم بالعوض من قبل الله. ثم الزكاة هي التطهير ، فتطهير ~~المال معلوم ببيان الشريعة ، وزكاة البدن ، وزكاة القلب ، وزكاة السر ، كل ~~ذلك يجب القيام به. ه. قلت : فزكاة البدن : إتعابه في القيام بوظائف ~~العبودية الظاهرة ، وزكاة القلب : تطهيره من الرذائل وتحليته بالفضائل ، ~~وزكاة السر : صيانته من الميل إلى شيء من السوى. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 347 # قلت : (الله) : مبتدأ ، و(الذي خلقكم) خبر. PageV05P526 # يقول الحق جل جلاله : {الله الذي خلقكم} ؛ أظهركم {ثم رزقكم} ما تقوم به ~~أبدانكم ، {ثم يميتكم} عند انقضاء آجالكم ، {ثم يحييكم} ؛ عند بعثكم ؛ ~~ليجازيكم على فعلكم ، أي : هو المختص بالخلق والرزق ، والإماتة ، والإحياء. ~~{هل من شركائكم} ؛ أصنامكم {من ms2186 يفعل من ذلكم من شيء} أي : الخلق ، والرزق ، ~~والإماتة ، والإحياء ، {هل من شركائكم} ؛ أصنامكم {من يفعل من ذلكم من شيء} ~~أي : الخلق ، وارزق ، والإماتة ، والإحياء ، {من شيء} أي : شيئا من تلك ~~الأفعال ؟ فلم يجيبوا ، عجزا ، فقال استبعادا وتنزيها : {سبحانه وتعالى عما ~~يشركون}.و" من " ؛ الأولى ، والثانية ، والثالثة : زوائد ؛ لتأكيد عجز ~~شركائهم ، وتجهيل عبدتهم. # الإشارة : ذكر الحق تعالى أربعة أشياء متناسقة أنه هو فاعلها ، فأقر ~~الناس بثلاثة ، وشكوا في الرزق ، وقالوا : لا يكون إلا بالسبب ، والسبب ~~إنما هو ستر لسر الربوبية. فإذا تحقق وجوده في حق العامة ارتفع حق الخاصة ، ~~فيرزقهم بلا سبب ، لقوله تعالى : {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق : 2 ، 3]. # قال القشيري : حين قذفك في بطن أمك قد كنت غنيا عن الأكل والشراب بقدرته ~~أو مفتقرا إليه ، فأجرى رزقه عليك مع الطمث ، على ما قالوا ، وإذا أخرجك من ~~بطن أمك رزقك على الوجه المعهود في الوقت المعلوم ، فيسر لك أسباب الشرب ~~والأكل من لبن الأم ، ثم من فنون الطعام ، ثم أرزاق القلوب والسرائر ، من ~~الإيمان والعرفان ، وأرزاق التوفيق ؛ من الطاعات والعبادات ، وأرزاق اللسان ~~؛ من الأذكار ، وغير ذلك مما جرى ذكره. {ثم يميتكم} بسقوط شهواتكم ، ~~ويميتكم عن شواهدكم ، {ثم يحييكم} بحياة # 349 PageV05P527 ~~قلوبكم ، ثم بأن يحييكم بربكم. ويقال : من الأرزاق ما هو وجود الأرفاق ، ~~ومنها ما شهود الرزاق ، ويقال : لا مكنة لك في تبديل خلقك ، فكذلك لا قدرة ~~لك على تغيير رزقك. فالموسع عليه : رزقه بفضل ربه ، لا بمناقب نفسه. ~~والمقتر عليه رزقه بحكم ربه لا بمعايب نفسه. ه. وبعضه بالمعنى. # جزء : 5 رقم الصفحة : 349 # يقول الحق جل جلاله : {ظهر الفساد في البر والبحر} ، أما الفساد في البر ~~، فكالقحط ، وقلة الأمطار ، وعدم الريع في الزراعات والربح في التجارات ، ~~ووقوع الموتان في الناس والدواب ، ومحق البركات من كل شيء. وأما في البحر ؛ ~~فبكثرة الغرق ، وانقطاع صيده. {بما} ؛ وذلك بسبب ما {كسبت أيدي الناس} من ~~الكفر والمعاصي ، ولو استقاموا على ms2187 الطاعة لدفع الله عنهم هذه الآفات. أظهر ~~فيهم ذلك {ليذيقهم بعض الذي عملوا} أي : ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في ~~الدنيا ، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة ، عن " قنبل ويعقوب " : بنون ~~التكلم. {لعلهم يرجعون} عما هم عليه من المعاصي. # {قل} لكفار قومك {سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} ؛ ~~لتعاينوا ما فعلنا بهم بسبب كفرهم ومعاصيهم ؛ لأنه {كان أكثرهم مشركين} ؛ ~~فدمرناهم ، وخربنا ديارهم ، فانظروا : كيف كان عاقبتهم ، لعلكم ترجعون عن غيكم. # الإشارة : قال القشيري : الإشارة في البر إلى النفسه ، وفي البحر إلى ~~القلب ، وفساد البر بأكل الحرام وارتكاب المحظورات ، وفساد البحر من الغفلة ~~والأوصاف الذميمة ، مثل سوء العزم ، والحسد والحقد ، وإرادة الفسوق ، وغير ~~ذلك. وعقد الإصرار على المخالفات من أعظم فساد القلب ، كما أن العزم على ~~الخيرات ، قبل فعلها ، من أعظم الخيرات. ومن جملة الفساد : التأويلات بغير ~~حق ، والانحطاط إلى الرخص من غير قيام بحق ، والإغراق في الدعاوى من غير ~~استحياء. ه. PageV05P528 # قال الورتجبي : إن الله غلب الإنسانية على الكون ؛ طاعة ومعصية ، فإذا رزق ~~الإنسان الطاعة صلح الأكوان ببركتها ، وإذا رزق المعصية فسد الحدثان بشؤم ~~معصيته ؛ لأن طاعته ومعصيته من تواثير لطفه وقهره ، علا بنعت الاستيلاء على ~~الوجود ، فإذا فسادها يؤثر في بر النفوس وبحار القلوب ، ففساد بر النفوس : ~~فترتها عن العبودية ، وفساد بحر القلب : # 350 # احتجابه عن مشاهدة أنوارالربوبية. ه. # قلت : وقد يقال : ظهر الفساد في بر الشريعة ؛ بذهاب حملتها ، ومن يحفظها ~~، ويذب عنها ، وفي بحر الحقيقة ؛ بقلة صدق من يطلبها ، وغربة أهلها ، ~~واختفائها حتى اندرست أعلامها ، وخفي آثارها ، والبركة لا تنقطع. وذلك بسبب ~~ما كسبت أيدي الناس ؛ من إيثار الدنيا على الله ؛ ليذيقهم وبال القطيعة ، ~~لعلهم يرجعون إليه ، إما بملاطفة الإحسان ، أو بسلاسل الامتحان. # جزء : 5 رقم الصفحة : 350 # قال في لطائف المنن : سأل بعض العارفين عن أولياء العدد ، هل ينقصون ؟ ~~فقال : لو نقص منهم واحد ؛ ما أرسلت السماء قطرها ، ولا أنبتت الأرض نباتها ~~، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم ، ولا بنقص أمداداهم ، ولكن إذا فسد ms2188 ~~الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم ، مع وجود بقائهم. فإذا كان أهل الزمان ~~معرضين عن الله ، مؤثرين لما سوى الله ؛ لا تنجح فيهم الموعظة ، ولا تميلهم ~~التذكرة ، لم يكونوا أهلا لظهور أولياء الله تعالى فيهم ، ولذلك قالوا : ~~أولياء لله عرائس ولا يرى العرائس المجرمون. ه. # قال القشيري : (قل سيروا) ؛ بالاعتبار ، واطلبوا الحق بنعت الافتكار ، ~~وانظروا : كيف كان حال من تقدمكم من الأشكال والأمثال ؟ وقيسوا عليها حكمكم ~~في جميع الأحوال ، (كان أكثرهم مشركين) : كان أكثرهم عددا ، ولكن أقل في ~~التحقيق ؛ وزنا وقدرا. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 350 PageV05P529 ~~يقول الحق جل جلاله : {فأقم وجهك} أي : قومه ووجهه {للدين القيم} ؛ البليغ ~~في الاستقامة ، الذي لا يتأتى فيه عوج ولا خلل. وفيه ، من البديع ، جناس ~~الاشتقاق. # والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأمته تبع ، أو : لكل سامع. {من قبل ~~أن يأتي يوم} ؛ وهو البعث ، {لا مرد له} أي : لا يقدر أحد على رده ، {من ~~الله} : متعلق بيأتي ، اي : من قبل ان يأتي من الله يوم لا يرده أحد ، أو ~~بمرد ؛ لأنه مصدر ، أي : لا مرد له من جهة الله ، بعد أن يجيء ؛ لتعلق ~~الإرادة به حينئذ. {يومئذ يصدعون} ؛ يتصدعون ، فأدغم التاء في الصاد. # وفي الصحاح : الصدع : الشق ، يقال صدعته فانصدع ، أي : انشق. وتصدع القوم ~~: تفرقوا. ه. أي : يفترقون ؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. # ثم أشار إلى غناه عنهم ، فقال : {من كفر فعليه كفره} ؛ وبال كفره ، لا ~~يحمله عنه غيره. {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} أي : يسوون لأنفسهم في ~~قبورهم ، أو : في # 351 # الجنة ما يسوي لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه ؛ لئلا يصيبه في مضجعه ما ~~ينغص عليه مضجعه. وتقديم الظرف في الموضعين ؛ للاختصاص ، أي : فلا يجاوز ~~عمل أحد لغيره. # ثم علل ما أمر به من التأهب ، فقال : {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصاحات} ~~، أظهر في موضع الإضمار ، أي : ليجزيهم ، ليدل عى أنه لا ينال هذا الجزاء ~~الجميل إلا المؤمن ، لصلاح عمله. أثابه ذلك {من فضله} أي : بمحض تفضله ، إذ ~~لا يجب عليه شيء ms2189 ، {إنه لا يحب الكافرين} ، بل يبغضهم ويمقتهم ، وفيه إيماء ~~إلى أنه يحب المؤمنين ، وهو كذلك ، ولا سيما المتوجهين. PageV05P530 # الإشارة : أمر الحق تعالى بالتوجه إليه ، والتمسك بالطريق التي توصل إليه ، ~~قبل قيام الساعة ؛ لأن هذه الدار هي مزرعة لتلك الدار ، فمن سار إليه هنا ~~وعرفه ؛ عرفه في الآخرة ، ومن قعد هنا مع هواه ، حتى مات جاهلا به ، بعث ~~كذلك ، كما هو معلوم. ولا يمكن التوجه والظفر بالطريق الموصلة إليه تعالى ~~إلا بشيخ كامل ، سلك الطريق وعرفها. ومن رام الوصول بنفسه ، أو بعلمه ، أو ~~بعقله ؛ انقطع لا محالة. قال القشيري : {فأقم وجهك للدين القيم} : أخلص ~~قصدك ، وصدق عزمك ، بالموافقة للدين القيم ، بالاتباع دون الاستبداد بالأمر ~~على وجه الابتداع. ومن لم يتأدب بمن هو إمام وقته ، ولم يتلقف الأذكار ممن ~~هو لسان وقته ، كان خسرانه أتم من ربحه ، ونقصانه أعم من نفعه. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 351 # قلت : (وليذيقكم) : عطف على (مبشرات) ؛ على المعنى ، كأنه قيل : لتبشركم ~~وليذيقكم ، أو : على محذوف ، أي : ليغيثكم وليذيقكم. # يقول الحق جل جلاله : {ومن آياته} الدالة على كمال قدرته : {أن يرسل ~~الرياح} ، وهي الجنوب ، والصبا ، والشمال والدبور ، فالثلاث : رياح الرحمة ~~، والدبور : ريح العذاب ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " اللهم اجعلها ~~رياحا ، ولا تجعلها ريحا " وقال : " نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور " ، ~~وهي الريح العقيم. وقرأ ابن كثير والأخوان : بالإفراد ، على إرادة الجنس. # ثم ذكر فوائد إرسالها بقوله : {مبشرات} أي : أرسلها بالبشارة بالغيب ~~{وليذيقكم من رحمته} ؛ ولإذاقة الرحمة ، وهي نزول المطر ، وحصول الخصب الذي ~~يتبعه ، والروح # 352 # الذي مع هبوب الريح ، وزكاء الأرض ، أي : ربوها وزيادتها بالنبات ، وغير ~~ذلك من منافع الرياح والأمطار. قال الحسن : لو أمسك الله عن أهل الأرض ~~الريح ساعة لماتوا ؛ غما. PageV05P531 # {ولتجري الفلك} في البحر عند هبوبها {بأمره} ؛ بتدبيره ، أو بتكوينه ، ~~لقوله : {إنمآ أمره إذآ أراد شيئا...} [يس : 82] الآية. قيل : إنما زاد ~~بأمره ؛ لأنها قد تهب غير مواتية ، فتغرق ، وهي عند أمره أيضا ، فهي على ~~حسب أمره ، ولأن الإسناد وقع للفلك ؛ مجازا ، فأخبر أنه بأمره ms2190 ، {ولتبتغوا ~~من فضله} ، يريد به تجارة البحر ، {ولعلكم تشكرون} هذه النعم ؛ فيزيدكم من فضله. # الإشارة : ومن آيات فتحه على أوليائه : أن يرسل رياح الهداية أولا ، ثم ~~رياح التأييد ، ثم رياح الواردات ، تحمل هدايا التعرفات ، مبشرات بالفتح ~~الكبير ، والتمكين في شهود العلي الكبير ، وليذيقكم من رحمته ، وهي حلاوة ~~معرفته ، ولتجري سفن الأفكار في ميادين بحار توحيده ، ولتبتغوا من فضله ، ~~هو الترقي في الكشوفات والعلوم والأسرار ، أبدا سرمدا ، ولعلكم تشكرون ؛ ~~بالقيام برسوم الشريعة وآداب العبودية. # قال القشيري : يرسل رياح الرجاء على قلوب العباد ، فتكنس قلوبهم من غبار ~~الحسد وغثاء النفس ، ثم يرسل عليها أمطار التوفيق ، فتحملهم إلى بساط الجهد ~~، وتكرمهم بقوى النشاط. ويرسل رياح البسط على أرواح الأولياء فتطهرها من ~~وحشة القبض ، وتنشر فيه لذاذات الوصال ، ويرسل رياح التوحيد فتهب على أسرار ~~الأصفياء ، فتطهرها من آثار الأغيار ، وتبشرها بدوام الوصال ، فذلك ارتياح ~~به ، ولكن بعد اجتناح عنك. ه. أي : بعد ذهاب عنك وزوال. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 352 # قلت : (حقا) : خبر " كان " ، و(نصر) : اسمها. أو : (حقا) : خبر " كان " ، ~~واسمها : ضمير الانتقام ، فيوقف عليه ، و(علينا نصر) : مبتدأ وخبر. PageV05P532 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءهم ~~بالبينات} ؛ بالمعجزات البينات الواضحات ، فكذبوهم ؛ {فانتقمنا من الذين ~~أجرموا} بالتدمير ، {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} أي : وكان نصر المؤمنين ~~، بإنجائهم من العذاب ، حقا واجبا علينا بإنجاز وعدنا ؛ إحسانا. أو : وكان ~~الانتقام من المجرمين حقا لا شك فيه ، ثم علينا ، من جهة الإحسان ، نصر ~~المؤمنين. قال البيضاوي : فيه إشعار بأن الانتقام لهم - أي : من عدوهم - ~~إظهار لكرامتهم ، حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم. وعنه. صلى الله ~~عليه وسلم : " ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه ، إلا كان حقا على الله أن # 353 # يرد عنه نار جهنم " ، ثم تلا الآية. أي : {وكان حقا علينا..} إلخ. ~~الإشارة : هكذا جرت سنة الله تعالى ، مع خواصه ، أن ينتقم ممن آذاهم ، ولو ~~بعد حين. وقد يكون الانتقام باطنا ، بنقص الإيمان وقساوة القلب ، وهو أقبح. ms2191 ~~قال القشيري : فانتقمنا من الذين أجرموا ، وأخذناهم من حيث لا يحتسبوا ، ~~وشوشنا عليهم ما أملوا ؛ ونقصنا عليهم ما استطابوا وتنعموا. {وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين}. وطئهم أعداؤهم بأعقابهم فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى ~~رقيناهم فوق رقابهم ، وخربنا أوطانهم ، وهدمنا بنيانهم ، وأخمدنا نيرانهم ، ~~وعطلنا عليهم ديارهم ، ومحونا ، بقهر التدمير ، آثارهم ، فظلت شموسهم كاسفة ~~، ومكيدة قهرنا لهم ، بأجمعهم ، خاسفة. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 353 PageV05P533 ~~يقول الحق جل جلاله : {الله الذي يرسل الرياح} الأربع. وقرأ المكي : ~~بالإفراد. {فتثير} أي : تزعج {سحابا فيبسطه في السماء} أي : يجعله منبسطا ، ~~متصلا بعضه ببعض في سمت السماء ، كقوله : {وفرعها في السمآء} [إبراهيم : ~~24] ، أي : جهته. فيبسطها في الجو {كيف يشاء} ؛ سائرا أو واقفا ، مطبقا ~~وغير مطبق. من ناحية الشمال أو الجنوب ، أو الدبور ، أو الصبا ، {ويجعله ~~كسفا} أي : قطعا متفرقة. والحاصل : أنه تارة يبسطه متصلا مطبقا ، وتارة ~~يجعله قطعا متفرقة ، على مشيئته وحكمته. {فترى الودق} ؛ المطر {يخرج من ~~خلاله} ؛ وسطه. # {فإذا أصاب به} ؛ بالودق {من يشاء من عباده} ، يريد إصابة بلادهم ~~وأراضيهم ، {إذا هم يستبشرون} ؛ يفرحون بالخصب ، {وإن كانوا من قبل أن ينزل ~~عليهم} المطر {من قبله لمبلسين} ؛ آيسين ، وكرر " من قبله " ؛ للتوكيد ، ~~وفائدته : الإعلام بسرعة تقلب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار ، أو : ~~على أن عهدهم بالمطر قد تطاول ؛ فاستحكم يأسهم ، فكان الاستبشار على قدر ~~اغتمامهم بذلك. # {فانظر إلى آثار رحمة الله} أي : المطر {كيف يحيي الأرض} بالنبات وأنواع ~~الثمار {بعد موتها} ؛ يبسها {إن ذلك} أي : القادر عليه {لمحيي الموتى} ؛ ~~فكما أحيا الأرض بعد يبسها ، يحيي الأجساد بعد رميمها ، {وهو على كل شيء ~~قدير} ، وهذا من # 354 # جمل مقدوراته تعالى. PageV05P534 # الإشارة : الله الذي يرسل رياح الواردات الإلهية ، فتنزعج سحاب الآثارعن ~~عين الذات العلية ، فتبقى شمس العرفان ، ليس دونها سحاب ، فيبسطه في سماء ~~القلوب كيف يشاء ، فيقع الاحتجاب لبعضها ، ويصرفه عمن يشاء فيقع التجلي ~~والظهور ، ويجعله كسفا لأهل الاستشراف ، فتارة ينجلي عنهم سحاب الآثار ، ~~فيشاهدون الأنوار ، وتارة تغطيهم سحب الآثار ، فيشاهدون الأغيار ، فترى مطر ~~خمرة الفناء تخرج ms2192 من خلاله ، فإذا أصاب به من يشاء من عباده ، إذا هم ~~يستبشرون بأنوار معرفته وأسرار ذاته. وقد كانوا قبل ذلك مبلسين ، آيسين ، ~~حين كانت نفوسهم غالبة عليهم. فانظر كيف أحيا أرض قلوبهم بعد موتها بالجهل ~~والغفلة. وهذا مثال من كان منهمكا ثم سقط على شيخ ذي خمرة أزلية ، فسقاه ~~حتى حيي بمعرفة الله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 354 # قال القشيري : الله الذي يرسل رياح عطفه وجوده ، مبشرات بجوده ووصله ، ثم ~~يمطر جود غيثه على أسراره ، ويطوي بساط الحشمة عن مناجاة قربه ، وبضرب قباب ~~الهيبة بمشاهد كشفه ، وينشر عليهم أزهار أنسه ، ثم يتجلى لهم بحقائق قدسه ، ~~ويسقيهم بيده شراب حبه. وبعد ما محاهم عن أوصافهم ؛ أصحاهم ، لا بهم ، ولكن ~~بنفسه. والعبارات عن ذلك خرس ، والإشارات ، دونه ، طمس. PageV05P535 # وقال في قوله تعالى : {فانظر إلى آثار رحمة الله...} الآية : يحيي الأرض ~~بأزهارها وأنوارها عند مجيء أمطارها ، ليخرج زرعها وثمارها ، ويحي النفوس ~~بعد تفريقها ، ويوفقه للخيرات بعد فترتها ، فتعمر أوطان الوفاق بصدق ~~إقدامهم ، وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم ، وتحيي القلوب ، بعد ~~غفلتها ، بأنواع المحاضرات ، فتعود إلى استدامة الذكر بحسن المراعاة ، ~~ويهتدي بأنوار أهلها أهل العصر من أهل الإرادات ، ويحيي الأرواح بعد حجبتها ~~بأنوار المشاهدات ، فتطلع شموسها من برج السعادة ، ويتصل ، بمشام أسرار ~~الكافة نسيم ما يفيض عليهم من الزيادات ، فلا يبقى صاحب نفس إلا حظي منه ~~بنصيب ، ويحيي الأسرار بأنوار المواجهات. وما كان لها إلا وقفة في بعض ~~الحالات ، فتنتفي ، بالكلية ، آثار الغيرية ، ولا يبقى في الديار ديار ، ~~ولا من سكانها آثار ، وسطوات الحقائق لا تثبت لها ذرة من صفات الخلائق ؛ ~~هنالك الولاية لله الحق.. انتهى المراد منه مع زيادة بيان. # جزء : 5 رقم الصفحة : 354 # 355 # قلت : اجتمع القسم والشرط ، فذكر جواب القسم وأغنى عن جواب الشرط. # والضمير في (رأوه) : يعود على النبات المفهوم مما تقدم من أحياء الأرض ، ~~أو : على السحاب. PageV05P536 # يقول الحق جل جلاله : {و} الله {لئن أرسلنا ريحا} عاصفة على ما نبت في ~~الأرض من الزروع وسائر الأشجار ، الذي ms2193 هو أثر رحمة الله ، {فرأوه} أي : ما ~~نبت في الأرض ، {مصفرا} يابسا {لظلوا} أي : ليظلون {من بعده} أي من بعد ~~اصفراره {يكفرون} ، ويقولون : ما رأينا خيرا قط ، فينسون النعم السابقة ~~بالنقم اللاحقة. وهذه صفة أهل الغفلة ، وأما أهل اليقظة ؛ فيشكرون في أوقات ~~النعم ، ويصبرون ويرضون في أوقات النقم ، وينتظرون الفرح بعد الشدة ، ~~واليسر بعد العسر ، غير قانطين ولا ضجرين. أو : ولئن أرسلنا ريحا ؛ ~~لتعذيبهم ، فرأوا سحابة صفراء ، لأن اصفراره علامة على أنه لا مطر فيه ، ~~لظلوا ، أي : للجوا من بعد ذلك على كفرهم وطغيانهم ، لانهماكهم. # قال البيضاوي : وهذه الآية ناعية على الكفار ، لقلة تثبيتهم ، وعدم ~~تدبرهم ، وسرعة تزلزلهم ، لعدم تفكرهم ، وسوء رأيهم ، فإن النظر السوي ~~يقتضي أن يتوكلوا على الله ، ويلتجئوا إليه ؛ بالاستغفار ، إذا احتبس القطر ~~عنهم ، ولا ييأسوا من رحمته ، وأن يبادروا إلى الشكر واستدامة الطاعة ، إذا ~~أصابهم برحمته ، ولم يبطروا بالاستبشار ، وأن يصبروا على بلائه ؛ إذا ضرب ~~زروعهم بالاصفرار ، ولم يكفروا نعمه. ه. # قال النسفي : ذمهم الله تعالى بأنهم ، إذا حبس عنهم المطر ، قنطوا من ~~رحمته ، وضربوا أذقانهم على صدورهم ، مبلسين ، فإذا أصابهم برحمته ، ورزقهم ~~المطر ، استبشروا ، فإذا أرسل الله ريحا فضرب زروعهم بالصفار ضجوا ، وكفروا ~~بنعمه ، وهم في جميع هذه الأحوال على صفة مذمومة ، وكان عليهم أن يتوكلوا ~~على الله. فقنطوا ، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها صفة مذمومة ، وكان ~~عليهم أن يتوكلوا على الله ، فقنطوا ، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها ، ~~ففرحوا وبطروا ، وأن يصبروا على بلائه ، فكفروا. ه. PageV05P537 # وهذه حال من مات قلبه ، قال تعالى : {فإنك لا تسمع الموتى} أي : موتى ~~القلوب ، وهؤلاء في حكم الموتى ؛ فلا تطمع أن يقبلوا منك ، {ولا تسمع الصم ~~الدعاء} أي : لا تقدر أن تسمع من كان كالأصم دعاءك إلى الله ، او : لا ~~يقدرون أن يسمعوا منك ، {إذا ولوا مدبرين} ، فإن قلت : الأصم لا يسمع ؛ ~~مقبلا أو مدبرا ، فما فائدة التخصيص ؟ قلت : هو إذا كان مقبلا يفهم بالرمز ~~والإشارة ، فإذا ولى فلا يفهم ، ولا يسمع ، فيتعذر إسماعه بالكلية. قاله ~~النسفي. # { # جزء : 5 ms2194 رقم الصفحة : 355 # وما أنت بهاد العمي} أي : عمي القلوب. وقرأ حمزة : " ومات أنت تهدي العمي ~~" ، {عن ضلالتهم} أي : لا تقدر أن تهدي الأعمى عن طريقه إذا ضل عنه ، ~~بالإشارة إليه ، {إن} ؛ ما {تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} ؛ ~~منقادون لأوامر الله ونواهيه. # 356 # الإشارة : من أصول طريقة التصوف : الرجوع إلى الله في السراء والضراء ، ~~فالرجوع في السراء : بالحمد والشكر ، وفي الضراء : بالرضا والصبر. قال ~~القشيري : {فإنك لا تسمع الموتى..} إلخ : من فقد الحياة الأصلية ؛ لم يعش ~~بالرقى والتمائم ، وإذا كان في السريرة طرش عن سماء الحقائق ، فسمع الظواهر ~~لا يفيد إلا تأكيد الحجة ، وكما لم يسمع الصم الدعاء ، فكذلك لا يمكنه أن ~~يهدي العمي عن ضلالتهم. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 355 # قلت : " الله " : مبتدأ ، والموصول : خبره. # يقول الحق جل جلاله : {الله} الذي يستحق ان يعبد وحده هو {الذي خلقكم من ~~ضعف} أي : ابتدأكم ضعفاء ، وجعل الضعف أساس أمركم ، أو : خلقكم من أصل ضعيف ~~، وهو النطفة ؛ كقوله : {ألم نخلقكم من مآء مهين} [المرسلات : 20] ، {ثم ~~جعل من بعد ضعف قوة} ، يعني : حال الشباب إلى بلوغ الأشد ، {ثم جعل من بعد ~~قوة ضعفا وشيبة} ، يعني : حال الشيخوخة والهرم. PageV05P538 # وقد ورد في الشيب ما يسلي عن روعة هجومه فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ~~" من شاب شيبة الإسلام ؛ كانت له نورا يوم القيامة " ، ولما رأى إبراهيم ~~عليه السلام الشيب في لحيته قال : يارب ، ما هذا ؟ قال : هذا وقار. وأوحى ~~الله تعالى إلى داود عليه السلام : " يا داود ، إني لأنظر الشيخ الكبير ، ~~مساء وصباحا ، فأقول له : عبدي ، كبر سنك ، ورق جلدك ، ووهن عظمك ، وحان ~~قدومك علي ، فاستحي مني ، فإني أستحيي أن أعذب شيبة بالنار ". ومن ~~المستملحات ، مما يسلي عن روع الشيب ، ما أنشد القائل : # لا يروعك الشيب يا بنت # عبد الله ، فالشيب حلة ووقار # إنما تحسن الرياض إذا م # ا ضحكت في خلالها الأزهار # ثم قال تعالى : {يخلق ما يشاء} ؛ من ضعف ، وقوة ، وشباب ، وشيبة ، {وهو ~~العليم} بأحوالهم ، {القدير} على تدبيرهم ms2195 ؛ فيصيرهم إلى ذلك. والترديد في ~~الأحوال أبين دليل على وجود الصانع العليم القدير. وفي " الضعف " : لغتان ؛ ~~الفتح والضم. وهو أقوى سندا في القراءة ، كما روي ابن عمر. قال : قرأتها ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ضعف " فأقرأني : " من ضعف ". # 357 # الإشارة : إذا كثف الحجاب على الروح ، وكثرت همومها ، أسرع لها الضعف ~~والهرم ، وإذا رق حجابها ، وقلت همومها ؛ قويت ونشطت بعد هرمها ، ولا شك أن ~~توالي الهموم والأحزان يهرم ، وتوالي البسط والفرح ينشط ، ويرد الشباب من ~~غير إبانه ، والعارفون : فرحهم بالله دائم ، وبسطهم لازم ؛ إذ لا تنزل ~~بساحتهم الهموم والأحزان ، وإنما تنزل بمن فقد الشهود والعيان ، كما قال في الحكم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 357 PageV05P539 ~~قال القشيري : {خلقكم من ضعف} ، أي : ضعف عن حال الخاصة ، ثم جعل من بعد ~~ضعف قوة ؛ بالوصول إلى شهود الوجود القديم ، ثم من بعد قوة ضعفا ؛ بالرجوع ~~إلى المسكنة أي : في حال البقاء ، قال صلى الله عليه وسلم : " اللهم أحيني ~~مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين " ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 357 # قلت : " لبثوا " : جواب القسم ؛ على المعنى ، وإلا لقيل : ما لبثنا. # يقول الحق جل جلاله : {ويوم تقوم الساعة} ، أي : القيامة. وسميت بذلك ؛ ~~لأنها تقوم آخر ساعة من ساعات الدنيا ، ولأنها تقوم في ساعة واحدة ، وصارت ~~علما لها بالغلبة ، كالنجم للثريا ، فإذا قامت {يقسم المجرمون} ؛ يحلف ~~الكافرون : {ما لبثوا} في قبورهم ، أو : في الدنيا ، {غير ساعة} ، استقلوا ~~مدة لبثهم في القبور ، أو : الدنيا ، لشدة هول المطلع ، أو : لطول مقامهم ~~في أهوالها ، أو : ينسون ما لبثوا ، أو : يكذبون. {كذلك كانوا يؤفكون} ، أي ~~: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الصدق والتصديق ، أو : عن الحق ~~حتى يروا الأشياء على غير ما هي عليه ، ويقولون : ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~وما نحن بمبعوثين. # {وقال الذين أوثوا العلم والإيمان} ، أي : حصلوا العلم بالله والإيمان ~~بالبعث وهم الملائكة والأنبياء ، والمؤمنون : {لقد لبثتم في كتاب الله} ؛ ~~في علم الله المثبت في اللوح ، أو : في حكم الله وقضائه ، أو ms2196 : القرآن ، ~~وهو قوله تعالى : " ومن ورائهم برزخ.. " إلخ ، أي : لقد مكثتم مدة البرزخ ~~{إلى يوم البعث} ، ردوا عليهم ما قالوه ، وحلفوهم عليه ، وأطلعوهم على ~~حقيقة الأمر ، ثم وبخوهم على إنكار البعث بقولهم : {فهذا يوم # 358 # البعث} الذي كنتم تنكرونه ، {ولكنكم كنتم لا تعلمون} في الدنيا أنه حق ؛ ~~لتفريطكم في طلب الحق ، واتباعه. والفاء جواب شرط مقدر ، ينساق إليه الكلام ~~، أي : إن كنتم منكرين للبعث ؛ فهذا يومه. PageV05P540 # {فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا} كفروا {معذرتهم} : اعتذارهم ، والمعذرة : ~~تأنيثها مجازي ، فيجوز التذكير والتأنيث ، {ولا هم يستعتبون} أي : لا يقال ~~لهم : أرضوا ربكم بالتوبة ، ولا يدعون إلى استرضائه ، يقال : استعتبني فلان ~~فأعتبته ، أي : استرضاني فأرضيته. # الإشارة : كل من قصر في هذه الدار ، وصرف أيام عمره في البطالة ، يقصر ~~عليه الزمان عند موته ، ويرجع عنده كأنه يوم واحد ، فحينئذ يستعتب ؛ فلا ~~يعتب ، ويطلب الرجعى ؛ فلا يجاب ، فلا تسأل عن حسرته وخسارته ، والعياذ ~~بالله ، وهذا كله مبين في القرآن. # جزء : 5 رقم الصفحة : 358 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي : ~~بينا لهم فيه من كل مثل ، ينبؤهم عن التوحيد والمعاد ، وصدق الرسل ، وغير ~~ذلك ، مما يحتاجون إلى بيانه ، {ولئن جئتهم بآية} من الآيات الدالة على ~~صدقك ، أو : القرآن. {ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} ؛ مزورون. ~~وإسناد الإبطال إلى الجميع ، مع أن المجيء بالحق واحد ؛ مراعاة لمن شايعه ~~معه من المؤمنين ، أو : ولقد وصفنا كل صفة ، كأنها مثل ؛ في غرابتها ، ~~وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن كقصة المبعوثين يقوم القيامة. وما يقولون ~~، وما يقال لهم ، وما لا ينفع من اعتذارهم ، ولا يسمع من استعتابهم ، ~~ولكنهم ؛ لقسوة قلوبهم ، إذا جئتهم بآية من آيات القرآن ، قالوا : جئتنا ~~بزور باطل. {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} ، أي : مثل ذلك ~~الطبع - وهو الختم - يطبع الله على قلوب الجهلة ؛ الذين علم الله منهم ~~اختيار الضلال ، حتى سموا المحققين مبطلين ، وهم أغرق خلق الله في تلك الصفة. PageV05P541 # {فاصبر} على أذاهم وعدواتهم ، {إن ms2197 وعد الله} بنصرتك ، وإظهار دين الإسلام ~~على كل دين ، {حق} لابد من إنجازه والوفاء به ، {ولا يستخفنك الذين لا ~~يوقنون} ؛ لا يحملنك هؤلاء الذين لا يوقنون بالآخرة على الخفة والعجلة في ~~الرد عليهم ، أو : لا يحملنك على الخفة والقلق ؛ فزعا مما يقولون ؛ فإنهم ~~ضلال ، شاكون ، لا يستغرب منهم ذلك. وقرأ يعقوب : بسكون النون ؛ على أنه ~~نون التوكيد الخفيفة. # 359 # الإشارة : فقد بين الله في القرآن ما يحتاج السائرون إليه ، من علم ~~الشريعة والطريقة والحقيقة ، لمن خاض بحر معانيه وأسراره. ولئن جئتهم بآية ~~، من غوامض أسراره ؛ ليقول أهل الجمود. هذا إلحاد وباطل. فاصبر ؛ إن وعد ~~الله بالنصر لأوليائه حق ، ولا يحملنك علىالعجلة من لا يقين عنده. وبالله ~~التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه ، وسلم. # 360 # جزء : 5 رقم الصفحة : 359 PageV05P542 ### | AUTO سورة لقمان # جزء : 5 رقم الصفحة : 360 # قلت : {هدى ورحمة} : حالان من الآيات ، والعامل : معنى الإشارة. ورفعمها ~~حمزة على الخبر لتلك بعد حبر ، أو : خبر عن محذوف ، أي : هو ، أو : هي هدى. ~~والموصول : نعت للمحسنين ؛ تفسير لإحسانهم ، و(هم) : مبتدأ ، و(يوقنون) : ~~خبر. وتكريره الضمير ؛ للتوكيد ، ولما حيل بينه وبين خبره. # يقول الحق جل جلاله : {الام} ؛ أيها المصطفى المقرب ، {تلك} الآيات التي ~~تتلوها هي {آيات الكتاب الحكيم} أي : ذي الحكمة البالغة ، أو : الذي أحكمت ~~آياته وأتقنت ، أو : المحكم الذي لا ينسخه كتاب. أو : المصون من التغيير ~~والتبديل. حال كونه {هدى ورحمة} ؛ هاديا لظواهرهم بتبيين الشرائع ، ورحمة ~~لقلوبهم بتبين حقائق الإيمان ، ولأرواحهم بإظهار حقائق الإحسان. وقد تقدم ~~هذا البيان في قوله : {إذا ما اتقوا وآمنوا} [المائدة : 93] الآية. ولذلك ~~خصه بقوله : {للمحسنين} ، فإنما يكون هدى ورحمة لأهل الإحسان ؛ لأنهم هم ~~الذين يغوصون على أسراره ومعانيه. وهم {الذين يقيمون الصلاة} ؛ يتقنونها ، ~~{ويؤتون الزكاة} على الوجه المشروع ، ويدفعونها لمن # 361 # يستحقها ، لا جزاء ولا شكورا ، ولا لجلب نفع أو دفع شر ، {وهم بالآخرة هم ~~يوقنون} ، كأنها نصب أعينهم. وخص بالذكر هذه الثلاثة ؛ لفضلها ؛ فإن الصلاة ~~عماد ms2198 الدين ، والزكاة قرينتها ؛ لأن الأولى عبادة بدنية ، والثانية مالية ، ~~والآخرة هي دار الجزاء ، فلولا وقوعها لكان وجود هذا الخلق عبثا ، وتعالى ~~الله عنه علوا كبيرا. # ثم مدح المتصف بتلك الخصال فقال : {أولئك على هدى من ربهم} أي : راكبون ~~على متن الهداية ، متمكنون منها ، {وأولئك هم المفلحون} ، الفائزون بكل مطلوب. # الإشارة : قال القشيري : {الام} ، الألف إشارة إلى آلائه ، واللام إلى ~~لطفه ، والميم إل مجده وسنائه ، فبآلائه دفع الجحد عن قلوب أوليائه ، وبلطف ~~عطائه أثبت المحبة في أسرار أصفيائه ، وبمجده وسنائه هو مستغن عن جميع خلقه ~~بوصف كبريائه. ه. PageV05P543 # ثم وصف كتابه بأنه هاد للسائرين ، رحمة للواصلين ؛ إذ لاتكمل الرحمة إلا ~~بشهود الحبيب ، يكلمك ويناجيك ، وهذه حالة أهل مقام الإحسان. قال القشيري : ~~وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد الله : دانيهم وقاصيهم ، مطيعهم ~~وعاصيهم. ثم قال : {الذين يقيمون الصلاة} ؛ يأتون بشرائطها في الظاهر - ثم ~~ذكرها - ، وفي الباطن يأتون بشروطها ؛ من طهارة السر عن العلائق ، وستر ~~عورة الباطن ، بتنقيته من العيوب ؛ لأن ما كان فيه فالله يراه. فإذا أردت ~~أن لا يرى الله عيوبك فاحذرها حتى لا تكون. والوقوف على مكان طاهر : هو ~~وقوف القلب على الحد الذي أذن فيه ، مما لا يكون فيه دعوى بلا تحقيق ، بل ~~رحم الله من وقف عند حده بالمعرفة بالوقت ، فيعلم وقت التذلل والاستكانة ، ~~ويميز بينه وبين وقت السرور والبسط ، ويستقبل القبلة بنفسه ، ويعلق قلبه ~~بالله ، من غير تخصيص بقطر أو مكان {أولئك على هدى من ربهم} ؛ وهم الذين ~~اهتدوا في الدنيا ، وسلموا ونجوا في العقبى. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 361 # يقول الحق جل جلاله : {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} أي : ما يلهى به ~~عما يقرب إلى الله ؛ كالأحاديث التي لا أصل لها ، والخرافات التي لا حقيقة ~~لها ، والمضاحك ، وفضول الكلام. قيل : نزلت في النضر بن الحارث ، كان يخرج ~~إلى فارس للتجارة ، فيشتري أخبار الأعاجم ، ثم يحدث قريشا بها ، ويقول : إن ~~محمدا يحدثكم بأخبار عاد وثمود ، وأنا أحدثكم بحديث رستم ، وأخبار الأكاسرة ~~، فيستملحون حديثه ولا ms2199 يسمعون القرآن. # 362 # وقيل : كان يشتري القيان ، ويحملهن على معاشرة من أراد الإسلام ؛ ليصده عنه. PageV05P544 # والإشتراء من الشراء ، كما تقدم عن النضر ، ومن البدل ، كقوله : {اشتروا ~~الكفر بالإيمان} [آل عمران : 177]. استبدلوه واختاروه ، أي : يختار حديث ~~الباطل على حديث الحق. وإضافة اللهو إلى الحديث ، للتبيين بمعنى " من " ؛ ~~لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره ، فيبين بالحديث ، والمراد بالحديث : ~~الحديث المكروه ، كما جاء في الحديث : " الحديث في المسجد يأكل الحسنات ، ~~كما تأكل البهيمة الحشيش " ، أو : للتبعيض ، كأنه قيل : ومن الناس من يشتري ~~بعض الحديث الذي فيه اللهو. وقال مجاهد : يعني : شراء المغنيات والمغنيين ، ~~أي : يشتري ذات لهو ، أو ذا لهو الحديث. وقال أبو أمامة : قال عليه الصلاة ~~والسلام : " لا يحل تعليم المغنيات ، ولا بيعهن ، وأثمانهن حرام " وفي مثل ~~هذا نزلت هذه الآية ، ثم قال : " وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث ~~الله عليه شيطانين : أحدهما على هذا المنكب ، والآخر على هذا المنكب ، فلا ~~يزالان يضربان بأرجلهما حتى يسكت ". قلت : هذا مقيد بشعر الهوى لأهل الهوى ~~، وأما أهل الحق الذين يسمعون من الحق ، فلا يتوجه الحديث لهم ، وسيأتي في ~~الإشارة تحقيقه إن شاء الله. ثم قال أبو أمامة رضي الله عنه عنه صلى الله ~~عليه وسلم : " إن الله تعالى بعثني هدةى ورحمة للعالمين ، وأمرني ربي بمحو ~~المعازف والمزامير والأوثان ، والصلب وأمر الجاهلية ، وحلف ربي بعزته لا ~~يشرب عبد من عبيدي جرعة خمر متعمدا إلا سقيته مثلها من الصديد يوم القيامة ~~، مغفورا له أو معذبا ، ولا سقاها غيره إلا فعلت به مثل ذلك ، لا يتركها ~~عبد من مخافتي إلا سقيته من حياض القدس يوم القيامة " انظر الثعلبي. # جزء : 5 رقم الصفحة : 362 PageV05P545 ~~ثم قال تعالى : {ليضل عن سبيل الله} أي : فعل ذلك ليضل هو عن طريق الله ~~ودينه ، أو ليضل غيره عنه ، أو عن القرآن ، {بغير علم} أي : جهلا منه بما ~~عليه من الوزر. {ويتخذها} أي : السبيل {هزوا} وسخرية. فمن رفع : استأنف ، ~~ومن نصب ، عطفها على (ليضل) ، {أولئك لهم عذاب مهين} يهينهم ويخزيهم ms2200 ، و" ~~من " ، لإبهامه ، يقع على الواحد والجمع ، والمراد : النضر ومن تبعه. {وإذا ~~تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا} ؛ أعرض عن تدبرها متكبرا رافعا نفسه عن ~~الإصغاء إلى القرآن ، {كأن لم يسمعها} ؛ كأنه لم يسمعها ، ولا ذكرت على ~~سمعه. شبه حاله بحال من لم يسمعها قط ، {كأن في أذنيه # 363 # وقرا} ؛ ثقلا وصمما ، {فبشره بعذاب أليم} ؛ أخبره بأن العذاب يوجعه لا ~~محالة. وذكر البشارة على سبيل التهكم. وهذا في مقابلة مدح المحسنين ~~المقيمين المزكين. فكما قال في المحسنين : {أولئك على هدى من ربهم وأولئك ~~هم المفلحون} ، قال في هؤلاء : {أولئك لهم عذاب مهين} ، بعد أن وصفهم ~~بالضلال والإضلال ، في مقابلة المحسنين بالهداية والفلاح. والله تعالى أعلم. PageV05P546 # الإشارة : لهو الحديث هو كل ما يشغل عن الله ، ويصد عن حضرة الله ، كائنا ~~ما كان ، سواء كان غناء أو غيره ، وإذا كان الغناء يهيج لذكر الله ، ويحرك ~~الروح إلى حضرة الله ، كان حقا ، وإذا كان يحرك إلى الهوى النفساني كان ~~باطلا. والحاصل : أن السماع عند الصوفية ركن من أركان الطريقة ، بشروط ~~الثلاثة : الزمان والمكان والإخوان. وقد ألف الغزالي تأليفا في تكفير من ~~أطلق تحريم السماع. وقال في الإحياء ، في جملة من احتج به المحرم للسماع : ~~احتج بقوله تعالى : {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} ، وقد قال ابن مسعود ~~والنخعي والحسن : إنه الغناء. وأجاب ما حاصله : أنه إنما يحرم إذا كان ~~استبدالا بالدين ، وليس كل غناء بدلا عن الدين ، مشترى به ، ومضلا عن سبيل ~~الله ، ولو قرأ القرآن ليضل عن سبيل الله كان حراما. كما حكي عن بعض ~~المنافقين ؛ أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا بسورة عبس ، لما فيها من ~~العتاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم عمر بقتله. فالإضلال بالشعر ~~والغناء أولى بالتحريم. ه. وأما إن لم يكن شيء من ذلك ، فلا يحرم. # وقال في القوت ، في كتاب المحبة : ولم يزل الحجازيون ، عندنا بمكة ، ~~يسمعون السماع في أفضل أيام السنة ، وهي الأيام المعدودات ، التي أمر الله ~~عز وجل عباده فيها بذكره ، أيام ms2201 التشريق ، من وقت عطاء بن أبي رباح ، إلى ~~وقتنا هذا ، ما أنكره عالم ، وكان لعطاء جاريتان تلحنان ، فكان إخوانه ~~يستمعون إليهما ، ولم يزل أهل المدينة مواطئين لأهل مكة على السماع إلى ~~زماننا هذا. وأدركنا أبا مروان القاضي ، له جوار يسمعن التلحين ، قد أعدهن ~~للطوافين. فكان يجمعهن لهم ، ويأمرهن بالإنشاد ، وكان فاضلا. وسئل شيخنا ~~أبو الحسن بن سالم ، فقيل له : إنك تنكر السماع ، وقد كان الجنيد وسري ~~السقطي وذو النون يسمعون ؟ فقال : كيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو ~~خير مني. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 362 PageV05P547 ~~وقال ابن ليون التجيبي في الإنالة : روي عن مصعب بن الزبير ، قال حضرت مجلس ~~مالك ، فسأله أبو مصعب عن السماع ، فقال : ما أدري ، إلا أن أهل العلم ~~ببلدنا لا ينكرون ذلك ، ولا يقعدون عنه ، ولا ينكره إلا غبي جاهل ، أو ناسك ~~عراقي غليظ الطبع. قال التجيبي : وعن أنس ؛ كنا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، إذ نزل عليه جبريل ، فقال : يا رسول الله فقراء أمتك يدخلون الجنة ~~قبل الأغنياء بخمسمائة عام ، وهو نصف يوم ، ففرح فقال : أفيكم من ينشدنا ؟ ~~فقال بدوي : نعم ، يارسول الله ، فقال : هات ، هات ، فأنشد البدوي يقول : # 364 # قد لسعت حية الهوى كبدي # فلا طبيب له ولا راقي # إلا الحبيب الذي شغفت به # فعنده رقيتي وتريا قي # فتواجد عليه السلام ، وتواجد أصحابه معه ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، ~~فلما خرجوا ، أوى كل واحد إلى مكانه ، فقال معاوية : ما أحسن لعبكم يا رسول ~~الله! فقال : " مه ، مه ، يا معاوية ، ليس بكريم من لم يهتز عند ذكر الحبيب ~~، " ثم اقتسم رداءه من حضرهم بأربعمائة قطعة. وذكر المقدسي هكذا ، ~~والسهروردي في عوارفه ، وتكلم الناس في هذا الحديث. # وقد تخلف الحسن البصري ذات يوم عن أصحابه ، وسئل عن تخلفه ، فقال : كان ~~في جيراننا سماع. وقال الشبلي : السماع ظاهرة فتنة ، وباطنه عبرة. فمن عرف ~~الإشارة حل له سماع العبرة ، وإلا فقد استدعى الفتنة. ه. والله تعالى أعلم. # قوله تعالى : {وإذا تتلى عليه...} إلخ ، هذا مثال ms2202 لمن يقبل الوعظ ؛ لقسوة ~~قلبه وحكم المشيئة يبعده ، فلا يزيده كثرة الوعظ إلا نفور ، فسماعه كلا ~~سماع ، ومعالجته عنى وضياع ، كما قال القائل : # إذا أنا عاتبت الملول ؛ فإنما # أخط بأفلك على الماء أحرفا # جزء : 5 رقم الصفحة : 362 PageV05P548 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحت لهم جنات النعيم} ، ~~قيل : معكوس ، أي : لهم نعيم الجنات ، أو : لهم بساتين ، أو : ديار النعيم. ~~{خالدين فيها} : حال من ضمير " لهم ". والعامل : الاستقرار. {وعد الله حقا} ~~أي : وعدهم ذلك وعدا ، وثبت لهم حقا مهما ، مصدران مؤكدان ، الأول لنفسه ، ~~والثاني لغيره ، إذ قوله : {لهم جنات النعيم} ؛ في معنى : وعدهم الله جنات ~~النعيم : {وحقا} : يدل على معنى الثبات المفهوم من انجاز الوعد. {وهو ~~العزيز} الغالب ، الذي لا يعارض في حكمه ، فينفذ وعده لا محالة. {الحكيم} ~~الذي لا يفعل إلا ما استدعته حكمته. # الإشارة : إن الذين آمنوا في البواطن ، وحققوا ذلك بالعمل الصالح في ~~الظواهر ، لهم جنات المعارف معجلة ، وجنات الزخارف مؤجلة ، وعدا حقا وقولا ~~صدقا ، فما كمن في السرائر ظهر في شهادة الظواهر ، وإلا كان دعوى ونفاقا ، ~~والعياذ بالله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 364 # قلت : " بغير عمد " : يتعلق بحال محذوفه ، أي : ممسكة أو مرفوعة بغير عمد ~~، و(عمد) : اسمع جمع على المشهور ، وقيل : جمع عماد أو عامد. وجملة ~~(ترونها) : إما استئنافية ، لا محل لها ، أو صفة لعمد. # يقول الحق جل جلاله : {خلق السماوات} ورفعها {بغير عمد ترونها} ، الضمير ~~: إما للسموات ، أي : خلقها ، ظاهرة ، ترونها ، أو لعمد ، أي : بغير عمد ~~مرئية بل بعمد خفية ، وهي إمساكها بقدرته تعالى. {وألقى في الأرض رواسي} أي ~~: جبالا ثوابت ، كراهة {أن تميد بكم} أي : لئلا تضطرب بكم ، {وبث} : نشر ~~{فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} ؛ ~~صنف من أصناف النبات ، {كريم} : حسن بهيج ، أو كثير المنفعة. وكأنه استدل ~~بذلك على عزته ، التي هي كمال القدرة ، وحكمته التي هي كمال العلم ، فهي ~~مقررة لقوله : (العزيز الحكيم). PageV05P549 # ثم أمر بالتفكر في هذه المصنوعات ؛ استدلالا على توحيده ms2203 بقوله : {هذا خلق ~~الله} أي : هذا الذي تعاينونه من جملة مخلوقاته ، {فأروني ماذا خلق الذين ~~من دونه} ، يعني : آلهتهم. بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلق الله ، ~~فأروني ماذا خلق آلهتكم حتى استوحبوا عندكم العبادة ؟ {بل الظالمون في ضلال ~~مبين} ، أضرب عن تبكيتهم ؛ إلى التسجيل عليهم بالظلم والتورط في ضلال ليس ~~بعده ضلال. # الإشارة : خلق سموات الأرواح - وهو عالم الملكوت - مرفوعا غنيا عن ~~الاحتياج إلى شيء ، وألقى في أرض النفوس - وهو عالم الأشباح - من العقول ~~الراسخة ، لئلا تميل إلى جهة الانحراف ، إما إلى الحقيقة المحضة ، أو ~~الشريعة. ونشر في أرض النفوس دواب الخواطر والوساوس ، وأنبتنا فيها من علوم ~~الحكمة والقدرة ، من كل صنف بهيج قال القشيري : {وألقى في الأرض رواسي} ؛ ~~في الظاهر : الجبال ، وفي الحقيقة : الأبدال ، الذين هم أوتاد ، بهم يقيهم ~~، وبهم يصرف عن قريبهم وقاصيهم ، {وأنزلنا من السماء ماء..} ؛ المطر من ~~سماء الظاهر في رياض الخضرة ، ومن سماء الباطن في رياض أهل الدنو والحضرة. ~~هذا خلق الله العزيز في كبريائه ، فأروني ماذا خلق الذين عبدتم من دونه في ~~أرضه وسمائه ؟ ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 365 # 366 # قلت : (يا بني) ؛ فيه ثلاث قراءات ؛ كسر الياء ، وفتحها ؛ مشددة ، ~~وإسكانها. وقد تتبعنا توجيهاتها في كتابنا " الدرر الناثرة فيه توجيه ~~القراءات المتواترة ". PageV05P550 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا لقمان الحكمة} وهو لقمان بن باعوراء ابن ~~أخت أيوب ، أو ابن خالته ، وقيل : كان من أولاد آزر ، وقيل : أخو شداد بن ~~عاد ، أعطى شداد القوة ، وأعطى لقمان الحكمة ، وعاش ألف سنة ، وقيل : أكثر ~~، وسيأتي. وأدرك داود عليه السلام ، وأخذ منه العلم. وكان يفتي قبل مبعث ~~داود ، فلما بعث قطع الفتوى ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : ألا أكتفي إذا كفيت. ~~وقيل : كان خياطا ، وقيل : نجارا ، وقيل : راعيا. وقيل : كان قاضيا في بني ~~إسرائيل. وقال عكرمة والشعبي : كان نبيا ، والجمهور على أنه كان حكيما فقط. ~~وقد خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة ، وهي الإصابة في القول والعمل. ~~وقيل : تتلمذ لألف نبي وتتلمذ له ألف نبي. قاله ms2204 النسفي. # قال ابن عمر : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لم يكن لقمان نبيا ~~ولكن كان عبدا كثير التفكر ، حسن اليقين ، أحب الله فأحبه ، فمن عليه ~~بالحكمة. كان قائما فجاءه نداء : يا لقمان ، هل لك أن يجعلك الله خليفة في ~~الأرض ، تحكم بين الناس بالحق ؟ فأجاب الصوت ، فقال : إن خيرني ربي قبلت ~~العافية ، وإن عزم علي فسمعا وطاعة ، فإني أعلم إن فعل ذلك بي عصمني ~~وأعانني. قالت الملائكة بصوت ولا يراهم : لم يا لقمان ؟ فقال : لأن الحاكم ~~بأشد المنازل وأكدرها ، يغشاه الظلم من كل مكان ، إن يعن ، فالبحري أن ينجو ~~، وإن أخطأ ؛ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن في الدنيا ذليلا ، خير من أن يكون ~~شريفا ، ومن يختر الدنيا على الآخرة ؛ تفته الدنيا ، ولا يصيب الآخرة. ~~فعجبت الملائكة من حسن منطقه ، فنام نومة فأعطى الحكمة ، فانتبه وتكلم بها " ه. PageV05P551 # قال مجاهد : كان لقمان عبدا أسود ، عظيم الشفتين ، مشقق القدمين. زاد في ~~اللباب : وكانت زوجته من أجمل أهل زمانها. قيل : لم يزل لقمان ، ومن زمن ~~داود مظهرا للحكمة والزهد ، إلى أيام يونس بن متى. وكان قد عمر عمر سبعة ~~أنسر ، فكان آخر نسوره " لبذ ". روي أنه أخذ نسرا صغيرا فرباه ، وكان يصرفه ~~في حوائجه ، فعاش ذلك النسر ألف سنة ومات ، قم أخذ نسرا آخر ، فعاش خمسمائة ~~سنة ، ثم أخذ آخر ، فعاش مثل ذلك ، إلى السابع ، عاش خمسمائة سنة ، واسمه ~~لبذ ، فقال له لقمان يوما : يا لبذ انهض إلى كذا ، فأراد النهوض فلم يستطع ~~، وإذا بوتر لقمان قد اختلج ، وكان لم يألم قط ، فنادى بأهله وعشيرته ، ~~وعلم أن أجله قد قرب ، وقال : إن أجلي قد حضر بموت هذا النسر ، كما أعلمني ~~ربي ، فإذا مت فلا تدفنوني في الكهوف والمقابر ، كما [تدفنون] الجبابرة ، ~~ولكن ادفنوني في ضريح الارض ، فدفنوه كما أوصاهم ، فقال ابن ثعلبة : رأيت ~~الفتى ينسى من الموت حتفه # حذورا لريب الدهر ، والدهر آكله # جزء : 5 رقم الصفحة : 366 # فلو عاش ما عاشت بلقمان أنسر # لصرف المنايا ، بعد ذلك ، حافله # 367 PageV05P552 ~~قال ms2205 البيضاوي : والحكمة ، في عرف العلماء : استكمال النفس الإنسانية ؛ ~~باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر ~~طاقتها. ومن حكمته أنه صحب داود شهورا ، وكان يسرد الدرع ، فلم يسأله عنها ~~، فلما أتمها لبسها ، فقال : نعم لبوس الحرب أنت ، فقال : الصمت حكمة وقليل ~~فاعله ، وأن داود قال له يوما : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت في يدي غيري. ~~وأنه أمر لقمان بأن يذبح شاة ويأتيه بأطيب مضغتين منها ، فأتى باللسان ~~والقلب ، ثم بعد أيام أمر بأن يأتي بأخبث مضغتين منها ، فأتى بهما أيضا ، ~~فسأله عن ذلك ، فقال : هما أطيب شيء ؛ إذا طابا ، وأخبث شيء ؛ إذا خبثا. ~~والذي عند الثعلبي : أن الآمر له بإتيان المضغتين سيده ، لا داود عليه ~~السلام قيل له : بم نلت هذه الحكم ، وقد كنت راعيا ؟ فقال بصدق الحديث ، ~~وأداء الأمانة ، وترك ما لا يعنيني. ه. # قال صلى الله عليه وسلم : " أول ما رؤى من حكمة لقمان : أن مولاه أطال ~~الجلوس في المخرج ، فناداه لقمان : إن الجلوس على الحاجة ينخلع منه الكبد ، ~~ويورث الباسور ، ويصعد الحرارة إلى الرأس ، فاجلس هوينا ، وقم هوينا " وروي ~~أنه قدم من سفر ، فقيل له : مات أبوك ، فقال : الحمد لله ، ملكت أمري ، ~~فقيل له : ماتت امرأتك ، فقال : الحمد لله ؛ جدد فراشي ، فقيل له : ماتت ~~أختك ، فقال : سترت عورتي ، فقيل له : مات أخوك ، فقال : انقطع ظهري. ه. # و" أن " - في قوله : {أن أشكر} : مفسرة ؛ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول ~~، أي : وقلنا له اشكر الله على ما أعطاك من الحكمة ، وفيه تنبيه على أن ~~الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما ، وعبادة الله والشكر له ، ~~حيث فسر الحكمة بالحث على الشكر. وقيل : لا يكون الرجل حكيما حتى يكون ~~حليما في قوله وفعله ومعاشرته وصحبته. PageV05P553 # وقال الجنيد : الشكر : ألا يعصى الله بنعمه. وقال أيضا : ألا ترى مع الله ~~شريكا في نعمه. وقيل : هو الإقرار بالعجز عن الشكر. والحاصل : أن شكر القلب ~~: المعرفة ، وشكر اللسان : الحمد ، وشكر الأركان : الطاعة. ورؤية العجز في ~~الكل دليل القبول. {ومن يشكر فإنما ms2206 يشكر لنفسه} ؛ لأن منفعته تعود عليه ، ~~لأنه يريد المزيد ، {ومن كفر فإن الله غني} ؛ غير محتاج إلى شكر أحد ، ~~{حميد} ؛ حقيق بأن يحمد ، وإن لم يحمده أحد. {و} اذكر {اذ قال لقمان لابنه} ~~، واسمه : أنعم ، أو أشكم ، أو ناران ، {وهو يعظه يا بني} ، تصغير ابن ، لا ~~تشرك بالله ؛ {إن الشرك لظلم عظيم} ؛ لأنه تسوية بين من لا نعمة # 368 # إلا منه ، ومن لا نعمة منه أصلا. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 366 # الإشارة : قال القشيري : الحكمة : الإصابة في الفعل والعقد والنطق. ويقال ~~: الحكمة : متابعة الطريق ، من حيث توفيق الحق ، لا من حيث همة النفس. ~~ويقال : الحكمة : ألا يكون تحت سلطان الهوى. ويقال : هي معرفة قدر نفسك حتى ~~لا تمد رجليك خارجا عن كسائك. ويقال : ألا تستعصي على من تعلم أنك لا ~~تقاومه. وحقيقة الشكر : انفتاح عين القلب لشهود ملاطفات الحق. ويقال : ~~الشكر : تحققك بعجزك عن شكره. ويقال : ما به يحصل كمال استلذاذ النعمة. ~~ويقال : هو فضلة تظهر على اللسان من امتلاء القلب من السرور ، فينطق بمدح ~~المشكور. ويقال : الشكر : نعت كل غني ، كما أن الكفران وصف كل لئيم. ويقال ~~: الشكر : قرع باب الزيادة. ه. قلت : والأحسن : أنه فرح القلب بإقبال ~~المنعم ، فيسري ذلك في الجوارح. PageV05P554 # ثم قال في قوله : {لا تشرك بالله} : الشرك على ضربين : جلي وخفي ، فالجلي ؛ ~~عبادة الأصنام ، والخفي : حسبان شيء من الحدثان من الأنام - أي : أن تظن ~~شيئا مما يحدث في الوجود أنه من الأنام - ويقال : الشرك : إثبات غين مع ~~شهود العين ، ويقال : الشرك ظلم على القلب ، والمعاصي ظلم على النفس ، فظلم ~~النفس معرض للغفران ، وظلم القلب لا سبيل للغفران إليه. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 366 # قلت : الجملتان معترضتان بين أجزاء توصية لقمان لابنه. و(وهنا) : حال من ~~(أمه) ، أي : حملته حال كونها ذات وهن ، أو من الضمير المنصوب ، أي : حملته ~~نطفة ، ثم علقة... إلخ ، أو مصدر ، أي : تهن وهنا. # يقول الحق جل جلاله : {ووصينا الإنسان بوالديه} ؛ أن يبرهما ويطيعهما ، ~~ثم ذكر الحامل على البر فقال ms2207 : {حملته أمه وهنا على وهن} أي : تضعف ضعفا ~~فوق ضعف ، أي : يتزايد ضعفها ويتضاعف ؛ لأن الحمل ، كلما ازداد وعظم ، ~~ازدادت ثقلا. {وفصاله في عامين} أي : فطامه لتمام عامين. وهذا أيضا مما ~~يهيج الولد على بر والديه ، فيتذكر مرقده في بطن أمه ، وتعبها معه في مدة ~~حملة ، ثم ما قاست من وجع الطلق عند خروجه ، ثم ما عالجته في أيام رضاعه ؛ ~~من تربيته ، وغسل ثيابه ، وسهر الليل في بكائه ، إلى غير ذلك. # {أن اشكر لي ولوالديك} ، هو تفسير لوصينا ، أو على حذف الجار ، أي : وصيناه # 369 # بشكرنا وبشكر والديه. وقوله : {حملته أمه..} إلخ : اعتراض بين المفسر ~~والمفسر ، لأنه لما وصى بالوالدين ، ذكر ما تكابده وتعاينه من المشاق في ~~حمله وفصاله ، هذه المدة الطويلة ؛ تذكيرا لحقها ، مفردا. PageV05P555 # وعن ابن عييبة : من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله ، ومن دعا للوالدين ، ~~في أدبار الصلوات الخمس ، فقد شكرهما. ه. وقال القشيري : والإجماع على أن ~~شكر الوالدين بدوام طاعتهما. ثم قال : فشكر الحق بالتعظيم والتكبير ، وشكر ~~الوالدين بالإشفاق والتوقير. ه. # ثم قال تعالى : {إلي المصير} فأحاسبك على شكرك ، أو كفرك. {وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم} ، أراد بنفي العلم به نفيه من أصله ، أي ~~: أن تشرك بي ما ليس بشيء. أو : ما ليس لك به علم باستحقاقه الإشراك مع ~~الله ، بل تقليدا لهما ، {فلا تطعهما} في ذلك الشرك. {وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا} أي : صحابا معروفا يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم ، وهو الخلق الجميل ~~، بحلم ، واحتفال ، وبر ، وصلة. وقد تقدم تفسيره في الإسراء. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 369 # واتبع سبيل من أناب إلي} أي : اتبع طريق من رجع إلي بالتوحيد والإخلاص ، ~~وهو الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ، ولاتتبع سبيلهما ، وإن كنت ~~مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا ، وقال ابن عطاء : اتبع سبيل من ترى عليه ~~أنوار خدمتي. ه. {ثم إلي مرجعكم} أي : مرجعك ومرجعهما ، {فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون} ؛ فأجازيك على إيمانك وبرك ، وأجازيهما على كفرهما. واعترض بهاتين ~~الآيتين ، على سبيل الاستطراد ؛ تأكيدا ms2208 لما في وصية لقمان من النهي عن ~~الشرك ، يعني : إنما وصيناه بوالديه ، وأمرناه ألا يطيعهما في الشرك ، وإن ~~جاهدا كل الجهد ؛ لقبح الشرك. # وتقدم أن الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص ، وأنه مضت لأمه ثلاث ليال لم ~~تطعم فيها شيئا ، فشكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت ، وقيل : من ~~أناب : أبو بكر ؛ لأن سعدا أسلم بدعوته. والله تعالى أعلم. PageV05P556 # الإشارة : بر الوالدين واجب ، لاسيما في حق الخصوص ، فيطيعهما في كل شيء ، ~~إلا إذا منعاه من صحبة شيخ التربية ، الذي يطهر من الشرك الخفي ، الذي لا ~~ينجو منه أحد ، فإن الآية تشمله بطريق العموم والإشارة. أي : وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي متابعة هواك وحظوظك ومحبتهن ، فلا تطعهما ، وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا ، واتبع سبيل من أناب إلي ، هو شيخ التربية في علم الإشارة. ~~وقد تقدم قول الجنيد : أمرني أبي بشيء ، # 370 # وأمرني السري بشيء ، فقدمت أمر السري ، فرأيت سرا كبيرا. وكان شيخ شيوخنا ~~الولي الشهير ، سيدي يوسف الفاسي ، يأتيه شاب من أولاد كبراء فاس ، وكان ~~أبوه ينهاه ويزجره عن صحبته ، وربما بلغ لمجلس الشيخ فيؤذيه ، فكان الشيخ ~~يقول للشاب : أطع أباك في كل شيء إلا في الإتيان إلينا. ه. وكان بعض ~~المشايخ يقول : ائتوني ولو بسخط الوالدين ، إذ لا يضره ذلك ، حيث قصد إصلاح ~~نفسه ودواءها. PageV05P557 # وقال الشيخ السنوسي ، في شرح عقائد الجزائري ، ما نصه : وحاصل الأمر في ~~النفس : أنها شبيهة ، في حالها ، بحال الكافر الحربي ، الذي يريد أن تكون ~~كلمة الكفر هي العليا ، وكلمة التوحيد السفلى ، وكذلك النفس ؛ تريد أن تكون ~~كلمة باطلها من الدعاوى للحظوظ العاجلة ، المشغلة عن إخلاص العبودية ~~لمولانا جل وعلا ، وعن القيام بوظائف تكاليفه ، على الوجه الذي أمر به ، هي ~~العليا ، النافذ أمرها ونهيها في مدن الأجسام وما تعلق بها ، بعد أن نزلت ~~ساحة الأبدان ، واتصلت اتصالا عظيما لا انفكاك له إلا بالموت ، فوجب ، لذلك ~~، على كل مؤمن يعظم حرمات الله تعالى أن ينهض كل النهوض ، بغاية قواه ~~العلمية والعملية ، لجهادها وقتالها. وفي مثل ms2209 هذا القتال الذي نزل العدو ~~فيه بساحة الأبدان ، وهو فرض عين على كل مؤمن ، يسقط فيه استئذان الأبوين ~~وغيرهما. ه. فأنت ترى كيف جعل قيام النفس على العبد ، وحجابها له عن ربه ، ~~كعدو يجب جهاده ولو خالف الوالدين ، وهو كذلك ؛ إذ طاعة الوالدين لا تكون ~~في ترك فرض ، ولا في ارتكاب معصية ، ومن جملة المعاصي ، عند الخواص ، رؤية ~~النفس والوقوف معها ، وفي ذلك يقول الشاعر : # جزء : 5 رقم الصفحة : 369 # فقلت : وما ذنبي ؟ فقالت ؛ مجيبة # : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب # وتطهير النفس فرض عين ، ولا طاعة للوالدين في فرض العين. وقوله تعالى : ~~(وصاحبهما في الدنيا معروفا) قال الورتجبي : المعروف ، ها هنا ، أن تعرفهما ~~مكان الخطأ والغلط في الدين عند جهالتهما بالله. {واتبع سبيل من أناب إلي} ~~، نهاه عن متابعة المخلطين ، وحثه على متابعة المنيبين. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 369 # 371 PageV05P558 ~~قلت : الضمير في (إنها) : للقصة ، ومن قرأ " مثقال " : بالرفع ؛ ففاعل كان ~~التامة ، ومن قرأ بالنصب ؛ فخبرها ، والضمير : للخطيئة أو الهيئة. وأنث " ~~المثقال " ؛ لإضافته إلى الحبة. # يقول الحق جل جلاله : وقال لقمان لابنه ، حين قال له : يا أبت : إن عملت ~~بالخطيئة ، حين لا يراني أحد ، كيف يعلمها الله ؟ فقال : {يا بني إنها} ، ~~أي : القصة أو الخطيئة {إن تك مثقال حبة من خردل} أي : إن تك المعصية ؛ في ~~الصغر والحقارة ، مثال حبة من خردل ، أو : إن تقع مثقال حبة من المعاصي ~~{فتكن في صخرة} ، أي : فتكن ، مع صغرها ، في أخفى مكان ، أو في جبل. وقال ~~ابن عباس : هي صخرة تحت الأرضين السبع ، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار ، ~~وخضرة الماء منها. ه. قال السدي : خلق الله تعالى الأرض على حوت ، والحوت ~~في الماء ، والماء على ظهر صفاة - أي : صخرة - والصفاة على ظهر ملك ، ~~والملك على صخرة. وهي الصخرة التي ذكر لقمان. ليست في السماء ولا في الأرض ~~، والصخرة على الريح. ه. # أي : إن تقع المعصية في أخفى مكان {يأت بها الله} يوم القيامة ؛ فيحاسب ~~عليها عاملها. {إن الله ms2210 لطيف} : يتوصل علمه إلى كل خفي ، {خبير} : عالم ~~بكنهه ، أو : لطيف باستخراجها خبير بمستقرها. # {يا بني أقم الصلاة} : أتقنها ، وحافظ عليها ؛ تكميلا لنفسك ، {وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر} ؛ تكميلا لغيرك ، {واصبر على ما أصابك} في ذات ~~الله تعالى ، إذا أمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ؛ فإن فعل ذلك تعرض ~~للأذى ، أو : على ما أصابك من الشدائد والمحن ؛ فإنها تورث المنح والمنن. ~~{إن ذلك} ؛ الذي وصيتك به ، {من عزم الأمور} أي : مما عزمه الله من الأمور ~~، أي : قطعه قطع إيجاب وإلزام ، أي : أمر به أمرا حتما. وهو مصدر بمعنى ~~المفعول ، أي : من معزومات الأمور ، أي : مقطوعاتها ومفروضاتها. وفيه دليل ~~على أن هذه الطاعات كانت مأمورا بها في سائر الأمم. # { PageV05P559 ~~جزء : 5 رقم الصفحة : 371 # ولا تصعر خدك للناس} أي : تمله عنهم ، ولا تولهم صفحة خدك ، كما يفعله ~~المتكبرون. والتصعير : داء يصيب العير ، فيلوى عنقه منه. والمعنى : أقبل ~~على الناس بوجهك ؛ تواضعا ، ولا تولهم شق وجهك وصفحته ؛ {ولا تمش في الأرض ~~مرحا} ؛ خيلاء ؛ متبخترا ، فهو مصدر في موضع الحال ، أي : مرحا ، أو تمرح ~~مرحا ، أو : لأجل المرح ، {إن الله لا يحب كل مختال فخور} ، علة النهي. ~~والمختال هو المرح الذي يمشي خيلاء ، والفخور هو المصعر خده ؛ تكبرا. ~~وتأخير الفخور ، مع تقدمه ؛ لرؤوس الآي. # {واقصد في مشيك} ؛ توسط فيه بين الدبيب والإسراع ، فلا تدب دبيب ~~المتماوتين ، ولا تثب وثوب الشطارين ، قال عليه الصلاة والسلام : " إن سرعة المشي # 372 # تذهب بهاء المؤمن " وأما قول عائشة رضي الله عنها : (كان إذا مشى أسرع) ~~؛ فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب التماوت. وعن ابن مسعود رضي الله ~~عنه : كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى ، ولكن مشيا بين ذلك. وقيل ~~: {واقصد في مشيك} : انظر موضع قدميك ، أو : اقصد : توسط بين العلو ~~والتقصير. # {واغضض من صوتك} ؛ وانقص منه ، أي : اخفض صوتك. كانت العرب تفخر بمجاهرة ~~الصوت ، فنهى الله عن خلق الجاهلية ، فذكره لوصية لقمان ، وأنه لو كان شيء ~~يهاب ، لرفع صوته لكان الحمار ، فجعلهم في المثل سواء. وهو قوله ms2211 : {إن أنكر ~~الأصوات} ؛ أوحشها وأقبحها {لصوت الحمير} ؛ لأن أوله زفير ، وآخره شهيق ، ~~كصوت أهل النار. وعن الثوري : صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار ، فإنه يصيح ~~لرؤية الشيطان ، وقد سماه الله منكرا ، وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير ~~؛ تنبيه على أن رفع الصوت في غاية البشاعة ، ويؤيده : ما روي أنه : عليه ~~الصلاة والسلام - كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت ، ويكره أن يكون ~~مجهور الصوت. PageV05P560 # وقال بعضهم : رفع الصوت محمود في مواطن ؛ منها : الأذان والتلبية. وقال في ~~الحاشية الفاسية : بل ينبغي الاقتصاد في ذلك ، كما قال عمر بن عبد العزيز : ~~أذن أذانا سنيا ، وإلا اعتزلنا. ه. وقال عليه الصلاة والسلام : " اربعوا ~~على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " وإنما وحد صوت الحمير ولم ~~يجمع ؛ لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من هذا الجنس حتى يجمع ، بل المراد ~~أن كل جنس من الحيوان له صوت ، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس ، ~~فوجب توحيده. # جزء : 5 رقم الصفحة : 371 # الإشارة : قد اشتملت وصية لقمان على خصال صوفية ، تدل على كمال صاحبها ، ~~منها : استحضار مراقبة الحق ومشاهدته ، في السر والعلانية ، في الجلاء ~~والخفاء. وهو قوله : {يا بني إنها تلك مثقال حبة...} إلخ. ومنها : القيام ~~بوظائف العبودية ، بدنية ولسانية ، وهو قوله : {يا بني أقم الصلاة...} إلخ ~~، ويقاس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سائر عبادات اللسان ، ومنها ~~الصبر على النوائب ، سواء كانت من جهة الخلق ، أو من قهرية الحق ، وهو ركن ~~في الطريق. وتقدم تفصيله في آخر النحل. ومنها : التواضع والليونة ، وهما ~~مصيدة الشرف ، ومن شأن أهل السياسة. ومن تواضع دون قدره رفعه الله فوق ~~قدره. وهو قوله : {ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا}. ومنها : ~~السكينة والوقار والرزانة ، وهي نتيجة عمارة القلب بالهيبة والإجلال. # 373 # وهو قوله : {واقصد في مشيك}. ومنها : خفض الصوت في سائر الكلام ، وهو من ~~علامة وجدان هيبة الحضرة ، والقرب من الحق ، قال تعالى : {وخشعت الأصوات ~~للرحمان فلا تسمع إلا همسا} [طه : 108] ، وهو من آكد الآداب ms2212 مع الأشياخ ~~والفقراء. PageV05P561 # قال القشيري : قوله تعالى : {وأمر بالمعروف...} ، الأمر بالمعروف يكون ~~بالقول ، وأبلغه أن تمنع نفسك عما تنهى عنه ، واشتغالك ، واتصاف نفسك ، بما ~~تأمر به غيرك ، ومن لا حكم له على نفسه ؛ لا حكم له على غيره. والمعروف ~~الذي يجب الأمر به : ما يوصل العبد إلى مولاه ، والمنكر الذي يجب النهي عنه ~~: ما يشغل العبد عن الله. ثم قال : وقوله تعالى : {واصبر على ما أصباك} : ~~تنبيه على أن من قام لله بحق امتحن في الله ، فسبيله أن يصبر في الله ، فإن ~~من صبر لله لم يخسر على الله. # ثم قال : قوله تعالى : {ولا تصعر خدك للناس} ؛ لا تتكبر عليهم ، وطالعهم ~~من حيث النسبة ، وتحقق بأنك بمشهد من مولاك. ومن علم أن مولاه ينظر إليه ؛ ~~لا يتكبر ولا يتطاول ، بل يتخاضع ويتضاءل. قوله تعالى : {واقصد في مشيك..} ~~الآية ، أي : كن فانيا عن شواهدك ، مصطلما عن صولتك ، مأخوذا عن حولك وقوتك ~~، متشبها بما استولى عليك من كشوفات سرك. وانظر من الذي يسمع صوتك حين ~~تستفيق من خمار غفلتك ، {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} : في الإشارة : أنه ~~الذي يتكلم بلسان المعرفة بغير إذن من الحق. وقالوا : هو الصوفي يتكلم قبل ~~أوانه. ه. أي يتكلم على الناس ، قبل أن يأذن له شيخه في التذكير. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 371 PageV05P562 ~~يقول الحق جل جلاله : {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات والأرض} ، ~~يعني : الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والسحاب ، والمطر ، وغير ذلك ، {وما في ~~الأرض} ، يعني : البحار والأنهار ، والأشجار ، والثمار ، والدواب ، ~~والمعادن ، وغير ذلك ، {وأسبغ} : أتم {عليكم نعمه} ، بالجمع ، والإفراد ؛ ~~إرادة الجنس. والنعمة : ما يسر به الإنسان ويتلذذ به ، حال كونها {ظاهرة} ؛ ~~ما تدرك بالحس ، {وباطنة} ؛ ما تدرك بالعلم والوجدان. فقيل : الظاهرة. ~~السمع ، والبصر ، واللسان ، وسائر الجوارح الظاهرة ، والباطنة : القلب ، ~~والعقل ، والفهم ، وما أشبه ذلك. أو : الظاهرة : الصحة والعافية ، والكفاية ~~؛ والباطنة : الإيمان ، واليقين ، والعلم والمعرفة بالله ، وسيأتي في ~~الإشارة بقيتها. # 374 # روي أن موسى عليه السلام قال : دلني على أخفى نعمتك على ms2213 عبادك ، فقال : ~~أخفى نعمتي عليهم : النفس. ه. قلت : إذ بمجاهدتها تحصل السعادة العظمى ، ~~ولا وصول إليه إلا بمجاهدتها والغيبة عنها. وفي هذا المعنى كان شيخ شيخنا ~~يقول : جزاها الله عنا خيرا ؛ ما ربحنا إلا منها. ه. وقيل : الظاهرة : ~~تحسين الخلق ، والباطنة : حسن الخلق. وقال ابن عباس : الظاهرة : ما سوى من ~~خلقك ، والباطنة : ما ستر من عيوبك. # {ومن الناس من يجادل في الله} بعد هذه النعم المتواترة ، أي : في توحيده ~~وصفاته ودينه ، {بغير علم} مستفاد من دليل ولا برهان ، {ولا هدى} اي : ~~هداية رسول ، {ولا كتاب منير} أنزله الله ، بل بمجرد التقليد الردي. نزلت ~~في النضر بن الحارث. وقد تقدمت في الحج. PageV05P563 # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} على رسوله ؛ من التوحيد ، والشرائع ، ~~{قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} من عبادة الأصنام. وهو دليل منع ~~التقليد في الأصول. قاله البيضاوي قلت : والمشهور أن إيمان المقلد صحيح. ~~وأما من قلد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولم ينظر ، فهو مؤمن ، اتفاقا. ~~قال تعالى : {أو لو} ؛ أيتبعونهم ، ولو {كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب ~~السعير} ، يحتمل أن يكون الضمير لهم ، أي : أيقلدونهم ، ولو كان يدعوهم ~~بذلك التقليد إلى العذاب ، أو : لآبائهم ، أي : أيتبعون آباءهم ، ولو كان ~~الشيطان في زمانهم يدعوهم إلى عذاب السعير. # جزء : 5 رقم الصفحة : 374 # الإشارة : الأكوان كلها خلقت لك أيها الإنسان ، وأنت خلقت للحضرة ، فاعرف ~~قدرك ، ولاتتعد طورك ، واشكر النعم لتي أسبغ عليك ؛ ظاهرة وباطنة. الظاهرة ~~: استقامة الظواهر في عمل الشرائع ، والباطنة : تصفية البواطن ؛ لتتهيأ ~~لأنوار الحقائق ، أو : الظاهرة : المنن ، والباطنة : المحن. قال القشيري : ~~قد تكلموا في الظاهرة واباطنة وأكثروا. PageV05P564 # فالظاهرة : وجود النعمة ، والباطنة : شهود المنعم ، أو : الظاهرة : ~~الدنيوية ، والباطنة : الدينية. أو : الخلق والخلق ، أو : نفس بلا زلة ، ~~وقلب بلا غفلة ، أو : عطاء ورضى. أو : الظاهرة : في الأموال ونمائها ، ~~والباطنة : في الأحوال وصفائها ، أو : الظاهرة : النعمة ، والباطنة : ~~العصمة ، أو : الظاهرة : توفيق الطاعات ، والباطنة : قبولها ، أو : الظاهرة ~~: صحبة العارفين ، والباطنة : حفظ حرمتهم وتعظيمهم. أو : الظاهرة : الزهد ~~في الدنيا ، والباطنة : الاكتفاء بالله ms2214 من الدنيا والعقبى. أو : الظاهرة : ~~الزهد ، والباطنة : الوجد. أو : الظاهرة : توفيق المجاهدة ، والباطنة : ~~تحقيق المشاهدة ، أو : الظاهرة : وظائف النفس ، والباطنة : لطائف القلب ، ~~أو : الظاهرة : اشتغالك بنفسك عن الخلق ، والباطنة : اشتغالك بربك عن نفسك ~~، أو : الظاهرة : طلبه ، والباطنة : وجوده ، أو : الظاهرة : أن تصل إليه ، ~~والباطنة : أن # 375 # تبقى معه. ه. ببعض المعنى. # ثم قال القشيري : {وإذا قيل لهم أتبعوا ما أنزل الله...} الآية : لم ~~يتخطوا أمثالهم ، ولم يهتدوا إلى تحول أحوالهم. ه. يعني : قلدوا أسلافكم في ~~الإقامة مع الرسوم والأشكال ، والانهماك في الحظوظ ، فعاقبهم ذلك عن السير ~~والوصول. ولا حول ولا قوة إلا بالله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 374 PageV05P565 ~~قلت : قال في الحاشية : لما ذكر حال الكافر المجادل ذكر حال المسلم ، وعداه ~~هنا بإلى ، وفي قوله : {بلىا من أسلم وجهه لله} [البقرة : 112] ، باللام ؛ ~~لأنه لما كان المجادل غير معين ، ولم يخص له واحدا بعينه ، عقبه بحال من ~~حصل منه مطلق الاستسلام ، ومدحه يتناول مدح من اتصف بأخص الاستسلام. أو : ~~في الآية الأخرى أتى به خاصا ، لما رتب عليه من الثواب الجزيل بقوله : {فله ~~أجره...} إلخ ، الذي لم يذكر هنا إلا بعضه ، فإن اللام تقتضي الاختصاص ~~والقصد إلى الشيء ، و" إلى " : لا تقتضي ذلك. انظر ابن عرفة. # وقال النسفي : عداه هنا بإلى وهناك باللام ؛ لأن معناه ، مع اللام : أنه ~~جعل وجهه - وهو ذاته ونفسه - سالما لله ، أي : خالصا له ، ومعناه ، مع " ~~إلى " : أنه سلم نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل ، إذا دفع إليه. والمراد : ~~التوكل عليه والتفويض إليه. ه. أي : فهو أبلغ من اللام ، ومثله البيضاوي. # يقول الحق جل جلاله : {ومن يسلم وجهه إلى الله} أي : ينقد إليه بكليته ، ~~وينقطع إليه بجميع شراشره ، بأن فوض أمره إليه ، وأقبل بكليته عليه ، {وهو ~~محسن} في أعماله. قال القشيري : من أسلم نفسه ، وأخلص في الله قصده ، فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى. ه. فالاستسلام قد يكون بغير إخلاص ، فلذلك قال : ~~{وهو محسن}. قاله المحشي. وقلت : وفيه نظر ؛ فإن الحق تعالى إنما عبر ~~بالإسلام لا بالاستسلام ، وإنما المعنى ms2215 : أسلم وجهه في الباطن ، وهو محسن ~~بالعمل في الظاهر ، {فقد استمسك بالعروة الوثقى} ، أي : تعلق بأوثق ما ~~يتعلق به ؛ فالعروة : ما يستمسك به. والوثقى : تأنيث الأوثق. مثل حال ~~المسلم المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق جبل ، فاحتاط لنفسه ، بأن ~~استمسك بأوثق عروة من حبل متين ، مأمون انقطاعه. قال الهروي : أي : تمسك ~~بالعقد الوثيق. وقال الأزهري : # 376 PageV05P566 ~~أصله : من عروة الكلأ ، وهو : ماله أصل ثابت في الأرض ، من الشيح وغيره من ~~الشجر المستأصل في الأرض. ضربت مثلا لكل ما يعتصم به ويلجأ إليه. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 376 # وهو إشارة لكون التوحيد سببا وأصلا ، والآخذ به ، متصلا بالله ، لا يخشى ~~انقطاعا ولا هلاكا ، بخلاف الشرك ، فإنه على الضد ، كما يرشد إليه قوله ~~تعالى : {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة...} [إبراهيم : 26] الآية. وقوله ~~تعالى : {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء} [الحج : 31] الآية. # {وإلى الله عاقبة الامور} أي : صائرة إليه فيجازى عليها. # {ومن كفر} ؛ ولم يسلم وجهه لله ، {فلا يحزنك كفره} ؛ فلا يهمك شأنه ، ~~فسيقدم علينا ونجازيه ، {إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا} ، أي : فنعاقبهم ~~على أعمالهم ، {إن الله عليم بذات الصور} ، أي : عالم بحقائق الصدور ، وما ~~فيها ، فيجازى على حسبها ، فضلا عما في الظواهر ، {نمتعهم قليلا} ، أي : ~~نمتعهم زمانا قليلا بدنياهم ، {ثم نضطرهم} ، نلجئهم {إلى عذاب غليظ} شديد. ~~شبه إلزامهم التعذيب ، وإرهاقهم إليه ، باضطرار المضطر إلى الشيء. والغلظ : ~~مستعار من الأجرام الغليظة ، والمراد : الشدة والثقل على المعذب. عائذا ~~بالله من موجبات غضبه. PageV05P567 # الإشارة : ومن ينقد بكليته إلى مولاه ، وغاب عن كل ما سواه ، وهو من أهل ~~مقام الإحسان ، بأن أشرقت عليه شمس العيان ، فقد استمسك بالعروة الوثقى لا ~~انفصام لها أبدا. ومن أمارات الانقياد : ترك التدبير والاختيار ، والرضا ~~والتسليم لكل ما يبرز من عنصر الاقتدار ، وترك الشكوى بأحكام الواحد ~~القهار. {وإلى الله عاقبة الأمور} ؛ فيوصل من يشاء برحمته ، ويقطع من يشاء ~~بعدله. ومن يجحد طريق الخصوص من أهل زمانه ؛ فلا يحزنك ، أيها العارف ، ~~فعله ، إلينا إيابهم ، وعلينا حسابهم ، فسنمتعهم بحظوظهم ms2216 ، والوقوف مع ~~عوائدهم ، زمانا قليلا ، ثم نضطرهم إلى غم الحجاب وسوء الحساب. والعياذ بالله. # جزء : 5 رقم الصفحة : 376 # يقول الحق جل جلاله : {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ~~؛ لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره ، فيضطرون إلى الإقرار بذلك ~~، {قل الحمد لله} على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان ~~معتقدهم من شرك الأصنام ، {بل أكثرهم لا يعلمون} إن ذلك يلزمهم إذا نبهوا ~~عليه ، ولم ينتبهوا ، فالإضراب عن كلام محذوف ، أي : فيجب عليهم أن يعبدوا ~~الله وحده ، لما اعترفوا ، # 377 # ولكنهم لا يعلمون ، {لله ما في السماوات والأرض} ملكا وعبيدا ، {إن الله ~~هو الغني الحميد} ، أي : الغني عن حمد الحامدين ، المستحق للحمد وإن لم ~~يحمدوه. # الإشارة : قد اتفقت الملل على وجود الصانع. ثم وقفت العقول في مقام ~~الحيرة والاستدلال ، وامتدت الأرواح والأسرار بأعناقها إلى معرفة الذات ~~وشهودها ، فمن وجدت عارفا كاملا سلك بها الطريق ، حتى أوقعها على عين ~~التحقيق ، فأشرفت على البحر الزاخر ، فغرقت في بحر الذات وتيار الصفات ، ثم ~~رجعت إلى بر الشريعة لتدل غيرها على الوصول. وقل الحمد لله أن وجدت من ~~يعرفك بالله ، وأكثر الخلق حائدون عن العلم بالله. PageV05P568 # جزء : 5 رقم الصفحة : 377 # قلت : (ولو أنما في الأرض) : مذهب الكوفيين وجماعة : أن ما بعد " لو " : ~~فاعل بفعل محذوف ، أي : ولو ثبت كون ما في الأرض.. إلخ. ومذهب سيبويه : أنه ~~مبتدأ ، أي : ولو كون ما في الأرض واقع ، و(البحر) : مبتدأ ، و(يمده) : ~~خبره ، أي : يمد ما ذكر من الأقلام. و(من بعده سبعة أبحر) : مبتدأ وخبر. ~~وحذف التمييز ، أي : (مدادا) ، يدل عليه (يمده) ، أو (سبعة) : فاعل (يمده) ~~، أي : يصب فيه سبعة أبحر ، والجملة : حال ، أي : ولو أن الأشجار أقلام ، ~~في حال كون البحر ممدودا ، ما نفذت... إلخ. وجملة (يمده) : خبر (البحر). ~~ومن قرأ بالنصب فعطف على اسم " إن " ، وهو (ما). # يقول الحق جل جلاله : {ولو أن ما في الأرض من شجرة} من الأشجار {أقلام} ، ~~والبحر يمد تلك الأقلام ، يصب في ذلك البحر {سبعة أبحر} ، وتلك ms2217 الأقلام ~~كلها تكتب كلمات الله الدالة على عظمته وكمالاته ، {ما نفدت} كلماته ، ~~ونفدت الأقلام ، وجفت تلك الأبحر ، وهذا كقوله : {قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} [الكهف : 109] مع زيادة ~~المبالغة بذكر السبعة أبحر ، يقال : مد الدواة وأمدها : جعل فيها مدادا ، ~~فجعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة ، والأبحر السبعة مدادها ، وفروع الأشجار ~~كلها أقلام تكتب كلماته تعالى ، فلو قدر ذلك لتكسرت الأقلام وجفت الأبحر ، ~~قبل ان تنفد كلماته تعالى ؛ لأنها تابعة لعلمه ، وعلمه لا نهاية له. # وإنما وحد الشجرة ؛ لأن المراد تفصيل الشجر وتقصيها ؛ شجرة شجرة ، حتى ما ~~يبقى من جنس الشجر ، ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاما. وأوثر الكلمات ، وهي من حيز # 378 # جمع القلة ، على الكلم ، الذي هو جمع الكثرة ؛ لأن المعنى : أن كلماته لا ~~يفي بها الأقلام ؛ فكيف بكلامه الكثير ؟ . PageV05P569 # {إن الله عزيز} لا يعجزه شيء ، {حكيم} لا يخرج عن علمه وحكمته شيء ، فلا ~~تنفد كلماته وحكمته. والآية جواب اليهود ، سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، إن قلنا : الآية مدنية ، أو : أمروا وفد قريش أن يسألوه عن قوله : ~~{ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء : 85] ، فقالوا : هل عنيتنا أم ~~قومك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " كلا قد عنيت " فقالوا : أليس فيما قد ~~أوتيت أنا قد أوتينا التوراة ، فيها علم كل شيء ؟ فقال صلى الله عليه وسلم ~~: " هي في علم الله قليل " ، فأنزل الله : {ولو أنما...} إلخ. # جزء : 5 رقم الصفحة : 378 # ولما ذكر شأن كلامه وعلمه ؛ ذكر شأن قدرته ، فقال : {ما خلقكم ولا بعثكم ~~إلا كنفس واحدة} ، أي : إلا كخلق نفس واحدة ، وبعث نفس واحدة. فحذف ، للعلم ~~به ، أي : القليل والكثير في قدرة الله تعالى سواء ، فلا يشغله شأن عن شأن ~~، وقدرته عامة التعلق ، تنفذ أسرع من لمح البصر. قال الغزالي في الإحياء : ~~ومن غريب حكم الآخرة أن الرجل يدعى به إلى الله تعالى ، فيحاسب ويوبخ ، ~~وتوزن له حسناته وسيئاته ، وهو في ذلك كله يظن أن الله لم يحاسب إلا هو ms2218 ، ~~ولعل آلاف آلاف ألف مثله في لحظة واحدة. وكل منهم يظن ظنه ، لا يرى بعضهم ~~بعضا ، ولا يسمعه ، وهو قوله تعالى : {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة}. ه. # {إن الله سميع} لقول من ينكر البعث من المشركين ، {بصير} بأعمالهم ، ~~فيجازيهم. PageV05P570 # الإشارة : أوصاف الباري سبحانه كلها كاملة ، غير محصورة ولا متناهية ؛ من ~~علم ، وقدرة ، وإرادة ، وكلام ، وغيرها. وأوصاف العبد كلها قصيرة متناهية ، ~~وقد يمد الحق عبده بصفة من صفاته التي لا تتناهى ، فإذا أمده بصفة الكلام ~~تكلم بكلام تعجز عنه العقول ، لا يقدر على إمساكه ، فلو بقي يتكلم عمره كله ~~ما نفد كلامه ، حتى يسكته الحق تعالى. وقد كان بعض السادات يقول لأصحابه ، ~~حين يتكلم عليهم : إني لأستفيد من نفسي كما تستفيدون أنتم مني ، وذلك حين ~~الفيض الإلهي. وإذا أمده بصفة القدرة ، قدر على كل شيء ، وإذا أمده صفة ~~السمع ؛ سمع كل شيء ، وإذا أمده بصفة البصر ، أبصر كل موجود... وهكذا. وهذه ~~الأوصاف كامنة في العبد من حيث معناه ، احتجبت بظهور أضدادها ؛ صونا لسر ~~الربوبية. والله تعالى أعلم. # 379 # جزء : 5 رقم الصفحة : 378 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار} ؛ يدخل ظلمة ~~الليل في وضوء النهار ، إذا أقبل الليل ، {ويولج النهار في الليل} ؛ يدخل ~~ضوء النهار في ظلمة الليل ، إذا أقبل النهار. أو : بإدخال جزء أحدهما في ~~الآخر ؛ بزيادة الليل أو النهار. {وسخر الشمس والقمر} لمنافع العباد ، {كل} ~~، أي : كل واحد من الشمس والقمر {يجري} في فلكه ، ويقطعه ، {إلى أجل مسمى} ~~؛ إلى يوم القيامة : أو : إلى وقت معلوم للشمس ، وهو تمام السنة ، والقمر ~~إلى آخر الشهر. {وإن الله بما تعملون خبير} ؛ عالم بكنهه ، لا يخفى عليه ~~شيء. فدل ، بتعاقب الليل والنهار ، أو بزيادتهما ونقصانهما ، وجري النيرين ~~في فلكهما ، على تقدير وحساب معلوم ، وبإحاطته جميع أعمال الخلق ، على عظيم ~~قدرته ، وكمال علمه وحكمته. PageV05P571 # {ذلك} شاهد {بأن الله هو الحق} ، وما سواه باطل ، {وأن ما تدعون من دونه ~~الباطل} ؛ المعدوم في حد ذاته ، لا حقيقة لوجوده. ms2219 أو : ذلك الذي وصف بما ~~وصف به ، من عجائب قدرته وباهر حكمته ، التي يعجر عنها الأحياء القادرون ~~العالمون ، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله ؟ إنما هو بسبب أنه الحق ~~الثابت الإلهية ، وأن من دونه باطل ألوهيته ، {وأن الله هو العلي الكبير} ، ~~أي : العلي الشأن ، الكبير السلطان. # {ألم تر أن الفلك} ؛ السفن {تجري في البحر بنعمة الله} بإحسانه ورحمته ، ~~أو : بالريح ، لأن الريح من نعم الله. أو : ما تحمله السفن من الطعام ~~والأرزاق والمتاع ، فالباء ، حينئذ ، للأرزاق ، وهو استشهاد آخر على باهر ~~قدرته ، وكمال حكمته ، وشمول إنعامه. {ليريكم من آياته} ؛ من عجائب قدرته ~~في البحر إذا ركبتموه ، {إن في ذلك لآيات} دالة على وحدانيته وكمال صفاته ؛ ~~{لكل صبار} في بلائه ، {شكور} لنعمائه. وهما من صفة المؤمن. فالإيمان نصفان ~~، نصف شكر ونصب صبر ، فلا يعتبر بعجائب قدرته إلا من كان هكذا. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 380 # وإذا غشيهم} ، أي : الكفار ، أي : علاهم وغطاهم {موج كالظلل} ، أي : كشيء ~~يظل ؛ من جبل ، أو سحاب ، أو غيرهما ، فالموج الكبير يرتفع فيعود كالظلل ؛ ~~جمع ظلة ، وهو ما أظلك من جبل أو سقف. فإذا غشيهم ذلك ؛ {دعوا الله مخلصين ~~له الدين} ، لا # 380 PageV05P572 ~~يدعون معه غيره ، لزوال ما ينازع الفطرة بالقهرية. {فلما نجاهم إلى البر ~~فمنهم مقتصد} ؛ مقيم على الطريق القصد ، باق على الإيمان ، الذي هو التوحيد ~~، الذي كان منه في حال الشدة ، لم يعد إلى الكفر ، أو : متوسط في الظلم ~~والكفر ، انزجر بعض الانزجار. ولم يغل في الكفر والعدوان. أو مقتصد في ~~الإخلاص الذي كان عليه في البحر ، يعني : أن ذلك الإخلاص لحادث عند الخوف ~~لا يبقى لأحد قط ، إلا النادر ، {وما يجحد بآياتنا} أي : بحقيقتها {إلا كل ~~ختار} ؛ غدار. والختر : أقبح الغدر ، {كفور} لنعم ربه. وهذه الكلمات ~~متقابلة ؛ لفظا ومعنى ، فختار : مقابل صبار ، وكفور : مقابل شكور ؛ لأن من ~~غدر لم يصبر ، ومن كفر لم يشكر. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ألم تر أن الله يولج ليل القبض في نهار البسط ، ونهار البسط في ~~ليل القبض ms2220 ، فهما يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار ، فإذا تأدب مع ~~كل واحد منهما ؛ زاد بهما معا ، وإلا نقص بهما ، أو بأحدهما. فآداب القبض : ~~الصبر والرضا ، والسكون تحت مجاري الأقدار. وآداب البسط : الحمد ، والشكر ، ~~والإمساك عن الفضول في كل شيء. وسخر شمس العيان وقمر الإيمان ، كل يجري إلى ~~أجل مسمى ؛ فقمر الإيمان يجري إلى طلوع شمس العرفان ، وشمس العرفان إلى ما ~~لا نهاية له من الأزمان. ذلك بأن الله هو الحق ، وما سواه باطل. فإذا جاء ~~الحق ، بطلوع شمس العيان ، زهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا. وإنما أثبته ~~الوهم والجهل. ألم تر أن سفن الأفكار تجري في بحار التوحيد ، لترى عجائب ~~الأنوار وغرائب الأسرار ، من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت ؟ إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار على مجاهدة النفس ، شكور على نعمة الظفر بحضرة القدوس. PageV05P573 # وإذا غشيهم ، ، في حال استشرافهم على بحر الحقيقة ، موج من أنوار ملكوته ، ~~فكادت تدهشهم ، تضرعوا والتجأوا إلى سفينة الشريعة ، حتى يتمكنوا فلما ~~نجاهم إلى بر الشريعة ، فمنهم مقتصد ؛ معتدل بين جذب وسلوك ، بين حقيقة ~~وشريعة ، ومنهم : غالب عليه السكر والجذب ، ومنهم : غالب عليه الصحو ~~والسلوك. وكلهم أولياء الله ، ما ينكرهم ويجحدهم إلا كل ختار جاحد. قال ~~القشيري : {وإذا غشيهم موج كالظلل} ؛ إذا تلاطمت عليهم أمواج بحارالتقدير ، ~~تمنوا أن تلفظهم تلك البحار إلى سواحل السلامة ، فإذا جاء الحق بتحقيق ~~مناهم عادوا إلى رأس خطاياهم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 380 # فكم قد جهلتم ، ثم عدنا بحلمنا ، # أحباءنا : كم تجهلون ونحلم! # جزء : 5 رقم الصفحة : 380 # قلت : (بأي أرض) ؛ قال في المصباح : الأفصح : استعمال " أي " في الشرط ~~والاستفهام بلفظ واحد ، للمذكر والمؤنث ، وعليه قوله تعالى : {فأي آيات ~~الله تنكرون} [غافر : 81] ، وقد تطابق في التذكير والتأنيث ، نحو أي رجل ، ~~وأي وأية امرأة. وفي الشاذ : بأية أرض تموت. ه. PageV05P574 # يقول الحق جل جلاله : {أيها الناس اتقوا ربكم} ؛ اجعلوا بينكم وبين غضبه ~~وقاية ، بطاعته وترك معصيته. {واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده} شيئا ، لا ~~يقضى عنه شيئا ، ولا يدفع عنه شيئا. والأصل ms2221 : لا يجزى فيه ، فحذف. {ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا} ، وتغيير النظم في حق الولد ، بأن أكده ~~بالجملة الاسمية ، وبزيادة لفظ (هو) ، وبالتعبير بالمولود ؛ للدلالة على ~~حسم أطماعهم في أن ينفعوا آبائهم الذين ماتوا على الكفر ؛ بالشفاعة في ~~الآخرة. ومعنى التأكيد في لفظ المولود : أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى ~~الذي ولد منه لم تقبل منه ، فضلا عن أن يشفع لأجداده ، لأن الولد يقع على ~~الولد وولد الولد ، بخلاف المولود ؛ لأنه لما ولد منك. كذا في الكشاف. قلت ~~: وهذا في حق الكفار ، وأما المؤمنون ؛ فينفع الولد والده ، والوالد ولده ~~بالشفاعة ، كما ورد في قارئ القرآن والعالم ، وكل من له جاه عند الله ، كما ~~تقدم في سورة مريم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 381 PageV05P575 ~~ثم قال تعالى : {إن وعد الله} بالبعث والحساب والجزاء ، {حق} لا يمكن خلفه ~~، {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} ؛ بزخارفها الغرارة ؛ فإن نعمها دانية ، ~~ولذاتها فانية ، فلا تشغلكم عن التأهب للقاء ، بالزهد فيها ، والتفرغ لما ~~يرضي الله ، من توحيده وطاعته ، {ولا يغرنكم بالله} ، أي : لا يعرضنكم لخطر ~~الغرة بالله وبحلمه ، أو : لا يوقعنكم في الجهل بالله والغرة به ، {الغرور} ~~أي : الشيطان ، أو : الدنيا ، أو : الأمل. وفي الحديث : " الكيس من دان ~~نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله ~~الأماني " وفي الحديث أيضا : " كفى بخشية الله علما ، وبالاغترار به جهلا ~~". {إن الله عنده علم الساعة} أي : وقت قيامها ، فلا يعلمه غيره ، فتأهبوا ~~لها ، قبل أن تأتيكم بغتة. {وينزل الغيث} : عطف على ما يقتضيه الظرف من ~~الفعل ، أي : إن الله يثبت عنده علم الساعة ، وينزل الغيث في وقته ، من غير ~~تقديم ولا تأخير ، وفي محله ، على ما سبق في التقدير ، ويعلم كم قطرة ~~ينزلها ، وفي أي بقعة يمطرها. {ويعلم ما في الأرحام} ؛ أذكر أم أنثى ، أتام ~~أم ناقص ، وشقي أو سعيد ، وحسن أو قبيح. {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} من ~~خير أو شر ، ووفاق وشقاق ، فربما كان عازمة على الخير # 382 # فعملت شرا ، أو ms2222 على شر فعملت خيرا. {وما تدري نفس بأي أرض تموت} أي : أين ~~تموت ، فربما أقامت بأرض ، وضربت أوتادها ، وقالت : لا أبرحها ، فترمي بها ~~مرامي القدر حتى تموت بمكان لم يخطر ببالها. روي أن ملك الموت مر على ~~سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه ، فقال الرجل : من هذا ؟ ~~فقال : ملك الموت ، فقال : كأنه يريدني ، فسأل سليمان أن يحمله الريح ~~ويلقيه ببلاد لهند ، ففعل ، ثم قال ملك الموت لسليمان : كان دوام نظري إليه ~~تعجبا منه ، لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند ، وهو عندك. ه. PageV05P576 # وجعل العلم لله والدراية للعبد ، لما في الدراية من معنى التكسب والحيلة ، ~~فهذه الأمور الخمسة قد اختص الله بعلمها. وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث ~~والموت ؛ فإنه يقول بالقياس والنظر في المطالع ، وما يدرك بالدليل لا يكون ~~غيبا ، على أنه مجرد الظن ، والظن غير العلم. وعن ابن عباس : من ادعى علم ~~هذه الخمسة فقد كذب. وجاءه يهودي منجم ، فقال : إن شئت أنبأتك أنه يحم ابنك ~~ويموت بعد عشرة أيام ، وأنت لا تموت حتى تعمى ، وأنا لا يحول علي الحول حتى ~~أموت. قال له : أين موتك ؟ قال : لا أدري ، فقال ابن عباس : صدق الله : ~~{وما تدري نفس بأي أرض تموت}. ورأى المنصور في منامه ملك الموت ، وسأله عن ~~مدة عمره ، فأشار بأصابعه الخمس ، فعبرها المعبرون بخمس سنين ، وبخمسة أشهر ~~، وبخمسة أيام. فقال أبو حنيفة رضي الله عنه : هو إشارة إلى هذه الآية ، ~~فإن هذه العلوم الخمسة لا يعلمها إلا الله. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 381 # وقال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته : قيل : أن الله ~~تعالى يعلم الأشياء بالوسم والرسم ، والرسم يتغير ، والوسم لا يتغير ، فقد ~~أخفى الله تعالى الساعة ، ولم يخف أمارتها ، كما جاء عن صاحب الشرع. وكذا ~~قد يطلع أولياءه على بعض غيبه ، ولكن لا من كل وجوهه ، فقد يعلم نزول المطر ~~من غير تعين وقته واللحظة التي ينزل فيها ومقداره ، وبالجملة فعلم ما يكون ~~من الخواص ، جملة لا تفصيلي ، وجزئي ms2223 لا كلي ، ومقيد لا مطلق ، وعرضي لا ~~ذاتي ، بخلاف علمه تعالى. ه. PageV05P577 # قال المحلي : روى البخاري ؛ عن ابن عمر حديث مفاتح الغيب الخمس : {إن الله ~~عنده علم الساعة...} إلى آخر السورة.. ونقل ابن حجر عن ابن أبي جمرة ، بعد ~~كلام ، ما نصه : والحكمة في جعلها خمسة : الإشارة إلى حصر العوالم فيها ، ~~ففي قوله : {ما تغيض الأرحام} : الإشارة إلى ما يزيد في الإنسان وما ينقص. ~~وخص الرحم بالذكر ، لكون الأكثر يعرفونها بالعادة ، ومع ذلك فنفى أن يعرفها ~~أحد بحقيقتها ، فغيرها بطريق الأولى. وفي قوله : لا يعلم متى يأتي المطر : ~~إشارة إلى أمور العالم العلوي ، وخص المطر مع أن # 383 # له أسبابا قد تدل على وقوعه ، لكنه من غير تحقيق. وفي قوله : " لا تدري ~~نفس بأي أرض تموت " : إشارة إلى أمور العالم السفلي ، مع أن عادة أكثر ~~الناس أن يموت ببلده ، ولكن ليس ذلك حقيقة ، وإن مات ببلده لا يعلم بأي ~~بقعة يدفن فيها ، ولو كان هناك مقبرة لأسلافه ، بل قبر أعده هو له. وفي ~~قوله : " ولا يعلم ما في غد إلا الله " : إشارة إلى أنواع الزمان ، وما ~~فيها من الحوادث ، وعبر بلفظ (غد) ؛ لكون حقيقته أقرب الأزمنة إليه ، وإذا ~~كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه ، مع إمكان الأمارة والعلامة ، فما ~~بعد عنه أولى. وفي قوله : " متى تقوم الساعة إلا الله " ؛ إشارة إلى علوم ~~الآخرة ، فإن يوم القيامة أولها ، وإذا نفى علم الأقرب انتقى علم ما بعد ، ~~فجمعت الآية أنواع الغيوب ، وأزالت جميع الدعاوى الفاسدة. وقد بين في قوله ~~تعالى ، في الآية الأخرى ، وهي قوله : {فلا يظهر علىا غيبه أحدا إلا من ~~ارتضىا} [الجن : 26 ، 27] الآية ، أن الإطلاع على شيء من هذه الأمور لا ~~يكون إلا بتوقيف. ه ملخصا. PageV05P578 # والحاصل : أن العوالم التي اختص الله بها خمسة : عالم القيامة وما يقع فيه ~~، والعالم العلوي وما ينشأ منه ، وعالم الأرض وما يقع فيه ، وعالم الإنسان ~~وما يجري عليه ، وعالم الزمان وما يقع فيه. {إن الله عليم خبير} عليم ~~بالغيوب ، خبير ms2224 بما كان وبما يكون. وعن الزهري : أكثروا من قراءة سورة ~~لقمان ؛ فإن فيها أعاجيب ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 381 # الإشارة : يا أيها الناس المتوجهون إلى الله ، إن وعد الله بالفتح ، لمن ~~أنهض همته إليه ، حق ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا بأشغالها ، عن النهوض ~~إليها ، ولا يغرنكم بكرم الله الشيطان الغرور ، فيغركم بكرم الله ، ويصرفكم ~~عن المجاهدة والمكابدة ؛ إذ لا طريق إلى الوصول إلا منهما ، إن الله عنده ~~علم الساعة التي يفتح عليها العبد فيها ، وينزل غيث المواهب والواردات ، ~~ويعلم ما في أرحام الإرادة ، من تربية المعرفة واليقين ، وما تدري نفس ماذا ~~تكسب غدا من زيادة الإيمان ونقصانه ، وما تلقاه من المقادير الغيبية ، فيجب ~~عليها التفويض والاستسلام ، وانتظار ما يفعل الله بها في كل غد ، وما تدري ~~نفس بأي أرض من العبودية تموت فيها ، إن الله عليم خبير. # قال القشيري : في قوله : {يا أيها الناس اتقوا ربكم} : خوفهم ، تارة ، ~~بأفعاله ، فيقول : {اتقوا الله} [البقرة : 48 وغيرها] ، وتارة بصفاته ، ~~فيقول : {ألم يعلم بأن الله يرىا} [العلق : 14] ، وتارة بذاته ، فيقول : ~~{ويحذركم الله نفسه} [آل عمرآن : 28]. ه. وبالله التوفيق ، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 384 # جزء : 5 رقم الصفحة : 381 PageV05P579 ### | AUTO سورة السجدة # جزء : 5 رقم الصفحة : 384 # قلت : (تنزيل) : إما خبر عن (الام) ، إن جعل اسما للسورة ، أو : خبر عن ~~محذوف ، أي : هذا تنزيل. أو : مبتدأ ، خبره : (لا ريب فيه). وعلى الأول (لا ~~ريب) : خبر بعد خبر ، و(من رب العالمين) : خبر ثالث. أو : خبر عن " تنزيل " ~~، و(لا ريب فيه) : معترض. والضمير في (فيه) : راجع إلى مضمون الجملة ، كأنه ~~قيل : لا ريب في ذلك ، أي : كونه منزلا من رب العالمين ، و" أم " : منقطعة ~~بمعنى : " بل ". # يقول الحق جل جلاله : {الام} ؛ أيها المصطفى المقرب ، هذا الذي تتلوه هو ~~{تنزيل الكتاب لا ريب فيه} ، لأنه معجز للبشر ، ومثله أبعد شيء عن الريب ، ~~وهو {من رب العالمين} لا محالة. {أم يقولون افتراه} ، أي : اختلقه محمد من ~~عنده ، وهو ms2225 إنكار لقولهم ، وتعجيب منه ؛ لظهور أمره في عجزهم عن الإتيان ~~بسورة منه. قال تعالى : {بل هو الحق} الثابت {من ربك} ، ولم تفتره ، كما ~~زعموا ؛ تعنتا وجهلا ، أنزله عليك {لتنذر قوما} أي : العرب ، {ما أتاهم من ~~نذير من قبلك} ، بل طالت عليهم الفترة من زمن إسماعيل وعيسى - عليهما ~~السلام - {لعلهم يهتدون} إلى الصواب من الدين. والترجي مصروف إلى # 385 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما كان {لعله يتذكر} [طه : 44] مصروفا ~~إلى موسى وهارون. # الإشارة : (الام) الألف : ألف المحبون قربى ، فلا يصبرون عني. اللام : ~~لمع نوري لقلوب السائرين ، فزاد شوقهم إلي. الميم : ملك الواصلون ملكي ~~وملكوتي ، فلا يغيبون عني. تنزيل الكتاب ، إذا طال أمد لقاء الأحباب ، فأعز ~~شيء على المحبين كتاب الأحباب. أنزلت على أحبابي كتابي ، وحملت إليهم ~~بالرسل خطابي ، ولا عليهم إن قرع أسماعهم عتابي ، فإنهم مني في أمان من ~~عذابي. {أم يقولون افتراه} ، إنكار الأعداء على المحبين سنة لازمة. فإن ~~ألبس الحق على الأعداء فلا يضركم ، ولا عليكم ، فإن صحبة الحبيب للحبيب ألد ~~ما تكون عند فقد الرقيب. قاله القشيري. PageV05P580 # جزء : 5 رقم الصفحة : 385 # يقول الحق جل جلاله : {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في} ~~مقدار {ستة أيام ثم استوى على العرش} أي : استولى بقهريه ذاته. وسئل مالك ~~عنه ، فقال : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والسؤال عن هذا بدعة. ه. ~~ولم تتكلم الصحابة على الاستواء ، بل أمسكوا عنه ، ولذلك قال مالك : السؤال ~~عنه بدعة. وسيأتي شيء في الإشارة. {ما لكم من دونه} ؛ من دون الله {من ولي ~~ولا شفيع} أي : إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليا ، أي : ناصرا ينصركم ~~، ولا شفيعا يشفع لكم ، {أفلا تتذكرون} ؛ تتعظون بمواعظ الله. # {يدبر الأمر} أي : أمر الدنيا. وما يكون من شؤونه تعالى في ملكه ، فهو ~~كقوله : {كل يوم هو في شأن} [الرحمن : 29] ، أي : يبديه لا يبتديه. وهو ~~إشارة إلى القضاء التفصيلي ، الجزئي ، لا الكلي ، فإنه كان دفعة. يكون ذلك ~~التدبير {من السماء إلى الأرض} ، فيدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية ، نازلة ~~آثارها ms2226 إلى الأرض. {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} من أيام الدنيا. # قال الأقليشي : جاء في حديث : " إن بعد ما بين السماء والأرض ، وما بين ~~سماء إلى سماء ، مسيرة خمسمائة سنة " وفي حديث آخر : " إن بين ذلك نيفا ~~وسبعين سنة " ، وإنما وقع الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى سير الملائكة. وإن ~~سرعة بعضها أكثر من سرعة بعض. كما يقول القائل : من موضع كذا إلى كذا مسيرة ~~شهر للفارس وشهرين للراجل ، وعليه يخرج قوله تعالى : {يدبر الأمر من السمآء ~~إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة}. # 386 PageV05P581 ~~وقال في آية أخرى : {خمسين ألف سنة} [المعارج : 4]. وهكذا الوجود من علوه ~~إلى سفله ، من الملائكة من يقطعه في مدة ما ، ويقطعه غيره في أكثر منها أو ~~أقل. ه. وقيل : المعنى : أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة ، ثم يعرج ~~إليه ذلك الأمر ، فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة ، أو خمسين ألف سنة. ~~فقد قيل : إن مواقف يوم القيامة خمسون موقفا ، كل موقف ألف سنة. وقد حكى ~~هذا ابن عطية ، فقال : يدبر الأمر في مدة الدنيا ، ثم يعرج إليه يوم ~~القيامة. ويوم القيامة : مقداره ألف سنة ؛ من عدنا. وهو على الكفار قدر ~~خمسين ألف سنة ؛ لهوله ، حسبما في سورة المعارج. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 386 # قلت : والتحقيق ، في الفرق بين الآيتين ، أن الحق تعالى ، حيث لم يختص ~~بمكان دون مكان ، وكانت الأمكنة في حقه تعالى كلها واحدة ، وهو موجود معها ~~وفيها بعلمه وأسرار ذاته ، كان العروج إنما هو إليه على كل حال ، بعدت ~~المسافة أو قربت. لكن لما علق العروج بتدبير الأمور وتنفيذها ، قرب المسافة ~~؛ ليعلم العبد أن القضاء نافذ فيه بسرعة. ولما علق عروج الملائكة والروح ~~إلى مطلق الذات المقدسة بعد المسافة ؛ زيادة في علو شأنه ورفعة قدره. وكل ~~هذا العروج في دار الدنيا. على قول من علق (في يوم) بتعرج في سورة المعارج. ~~فتأمله. # {ذلك عالم الغيب والشهادة} ، أي : ذلك الموصوف بتلك الصفات العظام ms2227 هو ~~عالم ما غاب عن الأبصار من عجائب أسرار عالم الملكوت ، وما شوهد في عالم ~~الحس من عجائب عالم الملك. {العزيز} ؛ الغالب أمره وتدبيره ، {الرحيم} ؛ ~~البالغ لطفه وتيسيره. PageV05P582 # الإشارة : اعلم أن الحق تعالى تجلى بهذه الكائنات ، قطعة من نور ذاته ، على ~~ترتيب وتمهيل. فتجلى بالعرش ، ثم بالماء ، فكان عرشه على الماء ، ثم ~~بالكرسي ، ثم بالأرض ، ثم بالسموات ، ولما أكمل أمر مملكته تجلى بنور ~~صمداني رحماني من بحر جبروته ، استوى به على عرشه ؛ لتدبير ملكه ، ثم تجلى ~~بآدم على صورة ذلك التجلي. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله خلق ~~آدم على صورته " وفي رواية : " على صورة الرحمن " وبذلك التجلي يتجلى يوم ~~القيامة لفصل عباده ، ولرؤيته - باعتبار العامة - ، وهذا التجلي كله ، من ~~جهة معناه ، متصل بسائر التجليات ، جزئي من جهة تشكيله للمعنى الكلي ، ~~والفرق بينه وبين التجليات الظاهرة للحس : أن التجلي المستولي غير مرتد ~~برداء الحس ؛ إذ لا عبودية فيه ، ولا قهرية تلحقه. ولأنه لم يظهر للعيان ~~حتى يحتاج إلى رداء ، لأن كنزه ما زال مدفونا ، حيث ارتفع فوق تجليات ~~الأكوان. فتأمل ، وسلم ، إن لم تفهم ، ولا تبادر بالإنكار حتى تصحب الرجال ~~، فيخوضون بك بحر الأحدية الحقيقية ، فتفهم أسرار التوحيد. وبالله التوفيق. # 387 # جزء : 5 رقم الصفحة : 386 # قلت : (الذي) : صفة للعزيز ، أو : خبر عن مضمر. ومن قرأ {خلقه} ؛ بالفتح ~~؛ فصفة لكل ، ومن سكنه ، فبدل منه ، أي : أحسن خلق كل شيء. PageV05P583 # يقول الحق جل جلاله في وصف ذاته : {الذي أحسن كل شيء خلقه} أي : أبدع خلق ~~كل شيء ، أتقنه على وفق حكمته. أو : أتقن كل شيء من مخلوقاته ، فجعلهم في ~~أحسن صورة. ثم {بدأ خلق الإنسان} ؛ آدم {من طين ثم جعل نسله} ؛ ذريته {من ~~سلالة} أي : نطفة مسلولة من سائر البدن ، {من ماء} أي : مني ، وهو بدل من ~~سلالة ، {مهين} ؛ ضعيف حقير. {ثم سواه} أي : سوى صورته في أحسن تقويم ، ~~{ونفخ فيه من روحه} ، أضافه إلى نفسه ، تشريفا ، إشارة إلى أنه خلق عجيب ، ~~وأن له شأنا ومناسبة إلى حضرة الربوبية ms2228 ، ولذلك قيل : من عرف نفسه عرف ربه. ~~وقد تقدم في سورة الإسراء ، في الكلام على الروح ، وجه المعرفة منه. {وجعل ~~لكم السمع والأبصار والافئدة} لتسمعوا كلامه ، وتبصروا آثار قدرته وعجائب ~~حكمته ، وتعقلوا ، فتعرفوا صانعكم ومدبر أمركم. {قليلا ما تشكرون} أي : ~~تشكرون شكرا قليلا على هذه النعم ؛ لقلة التدبر فيها. # {وقالوا} ؛ منكرين للبعث : {أئذا ضللنا في الأرض} ، أي : صرنا ترابا ، ~~وذهبنا مختلطين بتراب الأرض ، لا نتميز منه ، كما يضل الماء في اللبن. أو : ~~غبنا في الأرض بالدفن فيها ، يقال : ضلل ؛ كضرب ، وضلل ؛ كفرح. وانتصب ~~الظرف في (أإذا) بقوله : {أئنا لفي خلق جديد}. أي : أنبعث ، ونجدد ، إذا ~~ضللنا في الأرض ؟ والقائل لهذه المقالة أبي بن خلف ، وأسند إليهم ؛ لرضاهم ~~بذلك ، {بل هم بلقاء ربهم كافرون} ؛ جاحدون. لما ذكر كفرهم بالبعث ؛ أضرب ~~عنه إلى ما هو أبلغ ، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة ، لا ~~بالبعث وحده. وقال المحشي : أي : ليس لهم جحود قدرته تعالى على الإعادة ؛ ~~لأنهم يعترفون بقدرته ، ولكنهم اعتقدوا ألا حساب عليهم ، وأنهم لا يلقون ~~الله تعالى ، ولا يصيرون إلى جزائه. ه. والله تعالى أعلم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 388 PageV05P584 ~~الإشارة : كل ما أظهر الحق تعالى : من تجلياته الكونية ؛ فهي في غاية ~~الإبداع والاتفاق في أصل نشأتها ، كما قال صاحب العينية : # وكل قبيح ، إن نسبت لحسنه # أتتك معاني الحسن فيه تسارع # يكمل نقصان القبيح جماله # فما ثم نقصان ، ولا ثم باشع # 388 # وأكملها وأعظمها : خلقة الإنسان ، الذي خلق على صورة الرحمن ، حيث جعل ~~فيه أوصافه ؛ من قدرة ، وإرادة ، وعلم ، وحياة ، وسمع ، وبصر ، وكلام ، ~~وهيأه لحضرة القدس ومحل الأنس ، وسخر له جميع الكائنات ، وهيأه لحمل ~~الأمانة ، إلى غير ذلك مما خص به عبده المؤمن. وأما الكافر فهو في أسفل ~~سافلين. قال الورتجبي : ذكر حسن الأشياء ، ولم يذكر هنا حسن الإنسان ؛ غيرة ~~، لأنه موضع محبته ، واختياره الأزلي ، كقول القائل : # وكم أبصرت من حسن ، ولكن # عليك ، من الورى ، وقع اختياري # قال الواسطي : الجسم يستحسن المستحسنات ، والروح واحدية فردانية ، لا ~~تستحسن شيئا. وقال ms2229 ابن عطاء في قوله : {ثم سواه...} : قومه بفنون الآداب ، ~~ونفخ فيه من روحه الخاص ، الذي ، به ، فضله على سائر الأرواح ، لما كان له ~~عنده من محل التمكين ، وما كان فيه من تدبير الخلافة ، ومشافهة الخطاب - ~~بعد أن قال الورتجبي - : أخص الخصائص هو ما سقط من حسن تجلي ذاته في صورته ~~، كما ذكر بقوله : {ونفخ فيه من روحه}. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 388 PageV05P585 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} ؛ بقبض أرواحكم ~~فتموتون ، {ثم إلى ربكم ترجعون} ؛ بالبعث للحساب والعقاب. وهذا معنى لقاء ~~الله الذي أنكروه. والتوفي : استيفاء الروح ، أي : أخذها ، من قولك : توفيت ~~حقي من فلان ، إذا أخذته وافيا من غير نقصان. وعن مجاهد : زويت الأرض لملك ~~الموت ، وجعلت مثل الطست ، يتناول منها حيث يشاء. وعن مقاتل والكلبي : ~~بلغنا أن اسم ملك الموت " عزرائيل " وله أربعة أجنحة : جناح بالمشرق وجناح ~~بالمغرب ، والخلق بين رجليه ورأسه وجسده كما بين السماء والأرض ، وله ~~الدنيا مثل راحة اليد ، فهو يقبض أنفس الخلائق بمشارق الأرض ومغاربها ، وله ~~أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وعن معاذ بن جبل : أن لملك الموت ~~حربة ، تبلغ ما بين المشرق والمغرب ، وهو يتصفح وجوه الموتى ، فما من أهل ~~بيت إلا وهو يتصفحهم كل يوم مرتين - وفي حديث آخر ، # 389 # خمس مرات ، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ؛ ضربه بتلك الحربة. وقال : ~~الآن يزار بك عسكر الأموات. # فإن قيل : ما الجمع بين قوله : {توفته رسلنا} [الأنعام : 61] و{توفاهم ~~الملاائكة} [النساء : 97] و{قل يتوفاكم ملك الموت} وقوله : {الله يتوفى ~~الأنفس} [الزمر : 42] ؟ فالجواب : أن توفي الملائكة ، القبض والنزع ، وتوفي ~~ملك الموت الدعاء والأمر ، يدعو الأرواح فتجيبه ، ثم يأمر أعوانه بقبضها ، ~~ثم يذهبون بها إلى عليين ، وقبض الحق تعالى : خلق الموت فيه : والحاصل : أن ~~قبض الملك : المباشرة ، وقبض الحق : الإخراج ؛ حقيقة. # جزء : 5 رقم الصفحة : 389 PageV05P586 ~~قال الورتجبي : قال الحسن : ملك الموت هو الموكل بأرواح بني آدم ، وملك ~~الفناء موكل بأرواح البهائم. فانظر فيه. وأما حديث ملكي الموت والحياة ، ~~فقال ms2230 العراقي : لم أجد له أصلا. ويعني بملك الحياة : كون الأرواح أنفاس ملك ~~الحياة ؛ كما في الإحياء. ومذهب أهل السنة قاطبة : أن ملك الموت هو الذي ~~يقبض جميع الأرواح ، من بني آدم والبهائم وسائر الحيوانات. وبه قال مالك ~~وأشهب. وذهب قوم إلى أن أرواح البهائم وسائر الحيوانات إنما تقبض أرواحها ~~أعوان ملك الموت. وذهب قوم إلى أن الموت في حق غير بني آدم ، إنما هو عدم ~~محض ، كيبس الشجر وجفاف الثياب ، فلا قبض لأرواحها ، وهو أعم من كونها تبعث ~~، أو : لا ؛ بأن تعاد عن عدم ، بخلاف المكلف ، فإن روحه لا تعدم ، خلافا ~~للملاحدة ، فإنهم جعلوا الموت كله عدما محضا ، كجفاف العود الأخضر ، وهو كفر. # هذا وقد اختلف في كون الموت ضد الحياة ، فيكون معنى وجوديا ، أو هو عدم ~~الحياة ، فيكون عدما ، وعلى كلا القولين فألأرواح باقية بعد مفارقة الأبدان ~~، منعمة أو معذبة. # {ولو ترى} يا محمد {إذ المجرمون} وهو الذين قالوا : {أئذا ضللنا في ~~الأرض...} إلخ ، و" لو " و" إذ " للماضي ، وإنما جاز هنا ؛ لأن المترقب ~~محقق الوقوع ، و" ترى " هنا ، تامة لا مفعول لها ، أي : لو وقعت منك رؤية ~~{إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم} أي : وقت كون المجرمين ناكسي رؤوسهم من الذل ~~والحياء والندم ، {عند ربهم} ؛ عند حساب ربهم ، قائلين : {ربنا أبصرنا ~~وسمعنا} أي : صدقنا الآن وعدك ووعيدك ، وأبصرنا ما حدثتنأ به الرسل ، ~~وسمعنا منك تصديق رسلك ، {فارجعنا} إلى الدنيا {نعمل صالحا} من الإيمان ~~والطاعة ، {إنا موقنون} بالبعث والحساب الآن. وجواب " لو " : محذوف ، أي : ~~لرأيت أمرا فظيعا. PageV05P587 # {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} أي : ما تهتدي به إلى الإيمان والطاعة ، أي ~~: لو شئنا لأعطيناه في الدنيا ، كل نفس ما عندنا من اللطف الذي ، لو كان ~~منهم اختيار ذلك ، # 390 # لاهتدوا. لكن لم نعطهم ذلك اللطف ؛ لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره. ~~وهو حجة على المعتزلة ؛ فإن عندهم : قد شاء الله أن يعطي كل نفس ما به ~~اهتدت ، وقد أعطاها ، لكنها لم تهتد وأولوا الآية بمشيئة الجبر ، وهو فاسد. ~~قال تعالى : {ولكن ms2231 حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} ، أي ~~: ولكن وجب القول مني لأعمرن جهنم من الجنة والناس ، الذين علمت منهم أنهم ~~يختارون الكفر والتكذيب. وفي تخصيص الجن والإنس : إشارة إلى أنه عصم ~~الملائكة من عمل يستوجبون به جهنم. وفي الآية ما يقتضي تخصيص أهل النار ~~بالجن والإنس ، فيرد ما يذكر أنه كان قبل آدم أمم كفروا ، ولا يصح ذلك ، ~~إلا أن يكونوا من الجن. # { # جزء : 5 رقم الصفحة : 389 # فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي : باشروا وبال ترككم العمل للقاء ~~يومكم هذا ، وهو الإيمان به. {إنا نسيناكم} : تركناكم في العذاب ، {وذوقوا ~~عذاب الخلد} أي : العذاب الدائم الذي لا انقطاع له {بما كنتم تعملون} من ~~الكفر والمعاصي. # ثم ذكر ضدهم بقوله : {إنما يؤمن بآياتنا} ؛ القرأن {الذين إذا ذكروا بها ~~خروا سجدا} ؛ سجدوا لله ؛ تواضعا وخشوعا ، وشكروا على ما رزقهم من الإسلام ~~، {وسبحوا بحمد ربهم} أي : نزهوا الله عما لا يليق به ، وأثنوا عليه ؛ ~~حامدين له ، {وهم لا يستكبرون} عن الإيمان والسجود له. جعلنا الله منهم ~~بمنه ، آمين. PageV05P588 # الإشارة : أهل الفرق من أهل الحجاب ، يتوفاهم ملك الموت ، وأهل الجمع مع ~~الله من أهل العيان ؛ يتولى قبض أرواحهم ذو الجلال الإكرام ؛ كما قيل في ~~الأخفياء من الأولياء ؛ الذين اختص الله تعالى بعلمهم - أنه يتولى قبض ~~أرواحهم بيده ، فتطيب أجسادهم به ، فلا يعدوا عليها الثرى ، حتى يبعثوا بها ~~، مشرقة بنور البقاء المجعول فيهم ، بالرجوع إليه من الفناء ، فيكون ~~بقلوبهم بقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. وقد ورد في الخبر ؛ " من واظب ~~على قراءة آية الكرسي ، دبر كل صلاة ، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال ~~الإكرام " يعني : من تدبر معناها. والمراد بذلك خطفتها بالتجلي ، ~~واستغراقها في الشهود ، وغيبتها عن الغير في ذلك الوقت الهائل ، فيغيب عن ~~الواسطة في شهود الموسوط ، مع وجود الواسطة ؛ لعموم الآية. والله تعالى أعلم. # قال القشيري : لولا غفلة القلوب لما أحال قبض أرواحهم على ملك الموت ؛ ~~لأن ملك الموت لا أثر منه في أحد ، وما يحصل ms2232 في التوفي فمن خصائص قدرة الحق ~~، ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الرب ، فخاطبهم على قدر أفهامهم ، وعلق ~~بالأغيار قلوبهم. وكل يخاطبه بما يحتمل على قدر قوته وضعفه. ه. وقال في ~~قوله : {ولو ترى إذ المجرمون....} الآية : ملكتهم الدهشة وغلبتهم الحجة ، ~~فاعترفوا ، حين لا عذر ، واعترفوا ، حين لا اعتراف. ه. # قوله تعالى : {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها..}. قال القشيري : لو شاء سهل # 391 PageV05P589 ~~سبيل الاستدلال ، وأدام التوفيق لكل أحد ، ولكن تعلقت المشيئة بإغواء قوم ، ~~وأردنا أن يكون للنار قطان ، كما يكون للجنة سكان ، لما علمنا يوم خلقناهما ~~أنه ينزلهما قوم وقوم. فمن المحال أن نريد ارتفاع معلومنا ، إذ لو لم يقع ، ~~ولم يحصل ؛ لم يكن علما. فإذا لا أكون إلها. ومن المحال أن أريد ذلك. ويقال ~~: من يتسلط عليه من يحبه ؛ لم يجد في ملكه ما يكرهه. يا مسكين أفنيت عمرك ~~في النكد والعناء ، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء ، غيرت صفتك ، وأكثرت ~~مجاهدتك ، فما تفعل فيما مضى ، كيف تبدله ؟ وما تصنع في مشيئتي ، وبأي وسع ~~تردها ؟ وأنشدوا : # جزء : 5 رقم الصفحة : 389 # شكا إليك ما وجد # من خانه فيك الجلد # حيران ، لو شئت ، اهتدى # ظمآن ، لو شئت ، ورد. ه. # قوله تعالى : {إنما يؤمن...} الآية ، خروا سجدا بظواهرهم في التراب ، ~~وبسرائرهم ، بالخضوع لهيبة الكريم الوهاب ، فسجود الجبهة وسيلة لسجود القلب ~~، فإذا سجدت الجبهة وتكبر القلب على عباد الله ، كانت وسيلة بلا غاية. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 5 رقم الصفحة : 389 PageV05P590 ~~يقول الحق جل جلاله : {تتجافى} أي ترتفع وتتنحى {جنوبهم عن المضاجع} ؛ عن ~~الفرش ومواضع النوم للصلاة والذكر. قال سهل : وهب لقوم هبة ، وهو ان أذن ~~لهم في مناجاته ، وجعلهم من أهل وسيلته ثم مدحهم عليه فقال : ( {تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع} ) ، {يدعون} أي : داعين {ربهم خوفا} ، أي : لأجل خوفهم ~~من سخطه {وطمعا} في رحمته ، وهم المجتهدون أو المتفكرون في الليل. وسيأتي ~~في الإشارة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها : " هو قيام العبد من ~~الليل ". وعن ابن عطاء : أبت جنوبهم أن تسكن ms2233 على بساط الغفلة ، وطلبت بساط ~~القربة ، وعن أنس : كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون ~~من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الأخيرة ، فنزلت فيهم. وقال ابن عمر رضي ~~الله عنه : قال صلى الله عليه وسلم : " من عقب - أي : أحيا - ما بين المغرب ~~والعشاء ؛ بني له في الجنة قصران مسيرة عام ، وفيهما من الشجر ما لو نزلهما ~~أهل المشرق والمغرب لأوسعهم فاكهة. وهي صلاة الأوابين وغفلة الغافلين. وإن ~~من الدعاء المستجاب الذي # 392 # لا يرد : الدعاء بين المغرب والعشاء " ه. وقيل : هم الذين يصلون العتمة ، ~~ولا ينامون عنها. # {ومما رزقناهم ينفقون} في طاعة الله ، يعني : أنهم جمعوا بين قيام الليل ~~وسخاوة النفس. {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} أي : لا يعلم أحد ما ~~أعد الله لهم من الكرامة ، مما تقر به العين من نعيم الأشباح ونعيم ~~الأرواح. وقرأ حمزة ويعقوب : " أخفى " ؛ على المضارع. {جزاء بما كانوا ~~يعملون} ، وعن الحسن : في القوم أعمالهم في الدنيا ؛ فأخفى الله لهم ما لا ~~عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. وفيه دليل على أن المراد ~~الصلاة في جوف الليل ؛ ليكون الجزاء وفاقا. قاله النسفي. PageV05P591 # وفي حديث أسماء ، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا جمع الله الأولين ~~والآخرين ، يوم القيامة ، جاء مناد ينادي بصوت يسمعه الخلائق كلهم : سيعلم ~~أهل الجمع ، اليوم ، من أولى بالكرم ، ثم يرجع فينادي : ليقم الذين كانت لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، فيقومون ، وهم قليل. ثم يرجع فينادي : ~~ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء ، فيقومون ، وهم قليل ، ~~يسرحون جميعا إلى الجنة. ثم يحاسب سائر الناس " وفي البخاري عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : " يقول الله - عز وجل - : أعددت ~~لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " قال ~~أبو هريرة : واقرؤوا ، إن شئتم : {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}. # جزء : 5 رقم الصفحة ms2234 : 392 # وقال في " البدور السافرة " : أخرج الترمذي ، عن أبي سعيد الخدري ؛ عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن في الجنة مائة درجة ، لو أن العالمين ~~اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم " ه. وقال ابن وهب : أخبرني عبد الرحمن بن زياد ~~أنه سمع عتبة بن عبيد ، الضبي ، يذكر عمن حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : " إن في الجنة مائة درجة ، بين كل درجتين ما بين السماء والأرض ، أول ~~درجة منها دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها ، من فضة ، والدرجة ~~الثانية : دورها وبيوتها وسررها ومغاليقها من ذهب ، والدرجة الثالثة : ~~دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد. وسبع ~~وتسعون درجة ، لا يعلم ما هي إلا الله تعالى " ه. # وقيل : المراد بقرة الأعين : النظر إلى وجه الله العظيم. قلت : قرة عين ~~كل واحد : ما كان بغيته وهمته في الدنيا ، فمن كانت همته القصور والحور ، ~~أعطاه ما تقر به عينه من # 393 PageV05P592 ~~ذلك ، ومن كانت بغيته وهمته النظرة ، أعطاه ما تقر به عينه من ذلك ، على ~~الدوام. قال أبو سليمان : شتان بين من همه القصور والحور ، ومن همه الحضور ~~ورفع الستور. جعلنا الله من خواصهم. آمين. # الإشارة : قوم تتجافى جنوبهم عن المضاجع الحسية إلى العبادة الحسية ، وهم ~~العباد والزهاد من الصالحين ، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ؛ من نعيم الصقور ، ~~والحور ، والولدان ، وغير ذلك. وقوم تتجافى قلوبهم عن مضاجع نوم الغفلة إلى ~~حال الانتباه واليقطة ، وعن مضاجع الرغبة إلى حال العفة والحرية ، ثم عن ~~مضاجع الفرق ، إلى حال الجمع ، ثم من الجمع إلى جمع الجمع. فهؤلاء على ~~صلاتهم دائمون ، وفي حال نومهم عابدون ، وعلى كل حال إلى ربهم سائرون ، وفي ~~معاريج بحر عرفانهم سائحون ، فلا تعلم نفس ما أخفي لهؤلاء من دوام النظرة ، ~~والعكوف في الحضرة ، واتصال الحبرة. فعبادة هؤلاء قلبية ، سرية ؛ خفية عن ~~الكرام الكاتبين ، بين فكرة وشهود ، وعبرة واستبصار ، الذرة منها تعدل ~~أمثال الجبال من أعمال الجوارح ، وقد ورد : (تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين ~~سنة). هذا تفكر الاعتبار ، وأما تفكر ms2235 الشهود والاستبصار ، فكل ساعة ، أفضل ~~من ألف سنة ، كما قال الشاعر : # كل وقت من حبيبي # قدره كألف حجه PageV05P593 ~~أي : سنة ، ومع هذا لا يخلون أوقاتهم من العبادة الحسية ، شكرا ، وقياما ~~بآداب العبودية ، وهي في حقهم كمال ، كما قال الجنيد : عبادة العارفين تاج ~~على الرؤوس. ه. وفي مثل هؤلاء ورد الخبر : " إن أهل الجنة بينما هم في ~~نعيمهم ، إذ سطع عليهم نور من فوق ، أضاءت منه منازلهم ، كما تضيء الشمس ~~لأهل الدنيا ، فنظروا إلى رجال من فوقهم ، أهل عليين يرونهم كما يرى الكوكب ~~الدري في أفق السماء ، وقد فضلوا عليهم في الأنوار والنعم ، كما فضل القمر ~~على سائر النجم ، فينظرون إليهم ، يطيرون على نجب ، تسرح بهم في الهواء ، ~~يزورون ذا الجلال الإكرام ، فينادون هؤلاء : يا أخواننا ، ما أنصفتمونا ، ~~كنا نصلي كما تصلون ، ونصوم كما تصومون ، فما هذا الذي فضلتمونا به ؟ فإذا ~~النداء من قبل الله تعالى : كانوا يجوعون حين تشبعون ، ويعطشون حين تروون ، ~~ويعرون حين تكسون ، ويذكرون حين تسكتون ، ويبكون حين تضحكون ، ويقومون حين ~~تنامون ، ويخافون حين تأمنون ، فلذلك فضلوا عليكم اليوم " فذلك قوله تعالى ~~: " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ". ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 392 # قال القشيري : (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) ، في الظاهر ، عن الفراش ، ~~قياما بحق العبادة والجهد والتهجد ، وفي الباطن : بتباعد قلوبهم عن مضاجعات ~~الأحوال ، ورؤية قدر النفس ، وتوهم المقام ؛ لأن ذلك بجملته ، حجاب عن ~~الحقيقة ، وهو للعبد سم قاتل ، فلا يساكنون أعمالهم ، ولا يلاحظون أحوالهم ~~، ويفارقون مآلفهم ، ويهجرون # 394 # معارفهم. والليل زمان الأحباب ، قال الله تعالى : {لتسكنوا فيه} [القصص : ~~73] يعني : عن كل شغل وحديث سوى حديث معبودكم ومحبوبكم ، والنهار زمان أهل ~~الدنيا. قال الله تعالى : {وجعلنا النهار معاشا} [النبأ : 11].. انظر بقية كلامه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 392 PageV05P594 ~~يقول الحق جل جلاله : {أفمن كان مؤمنا} بالله ورسله {كمن كان فاسقا} ؛ ~~خارجا عن الإيمان {لا يستوون} أبدا عند الله تعالى. وأفرد ، أولا ؛ مراعاة ~~للفظ " من " ، وجمع ثانيا مراعاة لمعناها. ثم فصل ms2236 حالهم بقوله : {أما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى} أي : المسكن الحقيقي ، وأما ~~الدنيا ، فإنها منزل انتقال وارتحال ، لا محالة ، وقيل : المأوى : جنة من ~~الجنان. قال ابن عطية سميت جنة المأوى لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها. ه. ~~أي : في الدنيا ؛ لأنها في حواصل طير خضر ، كما ورد في الشهداء ، وأما ~~الصديقون فإنها تشكل على صور أجسادها ، تسرح حيث شاءت. {نزلا بما كانوا ~~يعملون} أي : عطاء معجلا بأعمالهم. والنزل : ما يقدم للنازل ، ثم صار عاما. PageV05P595 # {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} أي : هي ملجأهم ومنزلهم ، {كلما أرادوا ~~أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} ، فلا خروج منها ، ولا موت ، {وقيل} لهم : ~~{ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} ، هذا دليل على أن المراد بالفاسق ~~: الكافر ؛ إذ التكذيب يقابل الإيمان. قال ابن جزي : فإن قيل : لم وصف ، ~~هنا ، العذاب ، وأعاد عليه الضمير ، ووصف ، في سبأ ، النار وأعاد عليها ~~الضمير ، فقال : {عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} [سبأ : 42] ؟ فالجواب ~~من ثلاثة أوجه : الأول : أنه خص العذاب في السجدة بالوصف ؛ اعتناء به ؛ لما ~~تكرر ذكره في قوله : {لنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر..} ، ~~الثاني : أنه تقدم في السجدة ذكر النار ، فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك ~~بلفظ المضمر ، لكنه جعل الظاهر مكان المضمر ، فكما لا يوصف المضمر ؛ لم ~~يوصف ما قام مقامه ، وهو النار ، فوصف العذاب ، ولم يصف النار ، الثالث - ~~وهو الأقوى : أنه امتنع في السجدة وصف النار ، فوصف العذاب ، وإنما امتنع ~~وصفها ؛ لتقدم ذكرها ، فإنك إذا ذكرت شيئا ثم كررت ذكره لم يجز وصفه ، ~~كقولك : رأيت رجلا فأكرمت الرجل. فلا يجوز وصفه لما يوهم أنه غيره. ه. # 395 # الإشارة : أفمن كان مصدقا بطريق الخصوص ، داخلا فيها ، شاربا من خمرتها ، ~~كمن كان فاسقا خارجا عنها ، مشتغلا بنفسه ، غريقا في هواه ، لا يستوون ~~أبدا. أما الذين آمنوا بها ، وصدقوا أهلها ، ودخلوا في تربيتهم ، فلهم جنات ~~المعارف ، هي مأواهم ومعشش قلوبهم ، إليها يأوون ، وفيها يسكنون ، وأما ~~الذين فسقوا وخرجوا عن تربيتهم ، فمأواهم نار القطيعة ، وعذاب الحرص ، وغم ms2237 ~~الحجاب ، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ؛ إذ لا خروج منها إلا ~~بصحبة أهلها. وقيل لهم : ذوقوا وبال الإنكار ، وحرمان الخصوصية ، التي كنتم ~~بها تكذبون. # جزء : 5 رقم الصفحة : 395 PageV05P596 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى} أي : عذاب الدنيا ؛ من ~~القتل ، والأسر في بدر ، أو ما محنوا به من السنة ، سبع سنين. {دون العذاب ~~الأكبر} أي : قبل عذاب الآخرة ، الذي هو أكبر ، وهو الخلود في النار. وعن ~~الداراني : العذاب الأدنى : الخذلان ، والعذاب الأكبر : الخلود في النيران. ~~وقيل : الأدنى : عذاب القبر ، والأكبر : النار. {لعلهم يرجعون} ؛ يتوبون عن الكفر. # {ومن أظلم} أي : لا أحد أظلم {ممن ذكر} أي : وعظ {بآيات ربه} ؛ القرآن ، ~~{ثم أعرض عنها} اي : تولى عنها ، ولم يتدبر في معناها. و" ثم " ؛ للاستبعاد ~~؛ فإن الإعراض عن مثل هذه في ظهورها ، وإنارتها ، وإرشادها إلى سواء السبيل ~~، والفوز بالسعادة العظمى ، بعد التذكر بها ، مستبعد في العقل ، كما تقول ~~لصاحبك : وجدت تلك الفرصة ثم لم تنتهزها - ؛ استبعادا لتركه الانتهاز. {إنا ~~من المجرمين منتقمون} ، ولم يقل : " منه " ، تسجيلا عليه بإعراضه بالإجرام ~~، ولأنه إذا جعله أظلم من كل ظالم ، ثم توعد المجرمين ، عامة ، بالانتقام ، ~~دل على إصابة الأظلم أوفر نصيب الانتقام ، ولو قال بالضمير لم يفد هذه ~~الفائدة. # الإشارة : ولنذيقن أهل الغفلة والحجاب ، من العذاب الأدنى ، وهو الحرص ~~والطمع والجزع والهلع ، قبل العذاب الأكبر ، وهو غم الحاجب وسوء الحساب. ~~قال القشيري : قوم : الأدنى لهم : محن الدنيا ، والأكبر : عقوبة العقبى. ~~وقوم : الأدنى لهم : فترة تداخلهم في عبادتهم ، والأكبر : قسوة تصيبهم في ~~قلوبهم. وقوم : الأدنى لهم : وقفة مع سلوكهم تمسهم. والأكبر : حجبة عن ~~مشاهدتهم بسرهم - قلت : الأول في حق العوام ، والثاني : في حق الخواص ، وهم ~~العباد والزهاد. والثالث : في حق أهل التربية من الواصلين - ثم قال : ويقال ~~: الأدنى : الخذلان في الزلة ، والأكبر : الهجران في الوصلة. ويقال : ~~الأدنى : # 396 # تكدر مشاربهم ، بعد صفوها ، والأكبر : تطاول أيام الحجب ، من غير تبيين ~~آخرها. وأنشدوا : PageV05P597 # تطاول بعدنا ، يا قوم ، حتى # لقد نسجت عليه العنكبوت # ه. ببعض المعنى. # جزء ms2238 : 5 رقم الصفحة : 396 # أذقناهم ذلك ؛ لعلهم يرجعون إلى الله ، في الدنيا ؛ بالتوبة واليقظة. فإن ~~جاء من يذكرهم بالله ؛ من الداعين إلى الله ، ثم أعرضوا عنه ، فلا أحد أظلم ~~منهم ، ولا أعظم جرما. إنا من المجرمين منتقمون. # جزء : 5 رقم الصفحة : 396 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا موسى الكتاب} ؛ التوراة {فلا تكن في ~~مرية} ؛ شك {من لقائه} ؛ من لقاء موسى الكتاب ، أو : من لقائك موسى ليلة ~~المعراج ، أو : يوم القيامة ، أو : من لقاء موسى ربه في الآخرة ، كذا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} ؛ وجعلنا الكتاب ~~المنزل على موسى عليه السلام هدى لقومه ، {وجعلنا منهم أئمة يهدون} الناس ، ~~ويدعون إلى الله وإلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه ، {بأمرنا} إياهم ~~بذلك ، أو بتوفيقنا وهدايتنا لمن أردنا هدايته على أيديهم ، {لما صبروا} ~~على مشاق تعليم العلم والعمل به. أو : على طاعة الله وترك معصيته. وقرأ ~~الأخوان : بكسر اللام ، أي : لصبرهم عن الدنيا والزهد فيها. وفيه دليل على ~~أن الصبر ؛ ثمرته إمامة الناس والتقدم في الخير. {وكانوا بآياتنا} ؛ ~~التوراة {يوقنون} ؛ يعلمون علما لا يخالجه شك ولا وهم ؛ لإمعانهم النظر ~~فيها ، أو هبة من الله تعالى : {إن ربك هو يفصل} ؛ يقضي {بينهم يوم ~~القيامة} أي : بين الأنبياء وأممهم ، أو : بين المؤمنين والمشركين ، {فيما ~~كانوا فيه يختلفون} من الدين ، فيظنه المحق من المبطل. PageV05P598 # الإشارة : أئمة الهدى على قسمين : أئمة يهدون إلى شرائع الدين ، وأئمة ~~يهدون إلى التعرف بذات رب العالمين ، أئمة يهدون إلى معرفة البرهان ، وأئمة ~~يهدون إلى معرفة العيان. الأولون : من عامة أهل اليمين ، والآخرون : من ~~خاصة المقربين. الأولون صبروا على حبس النفس على ذل التعلم ، والآخرون ~~صبروا على حبس النفس على الحضور مع الحق على الدوام. صبروا على مجاهدة ~~النفوس ، حتى وردوا حضرة القدوس. قال القشيري ، في شأن القسم الثاني : لما ~~صبروا على طلبنا ؛ سعدوا بوجودنا ، وتعدى ما نالوا # 397 # من أفضالنا إلى متبعيهم وانبسط شعاع شموسهم على جميع أهليهم ، فهم للخلق ~~هداة ، وفي الدين عيون ms2239 ، وللمسترشدين نجوم. ه. # وفي الإحياء : للإيمان ركنان : أحدهما اليقين ، والآخر : الصبر : والمراد ~~باليقين : المعارف القطعية ، الحاصلة بهداية الله عبده إلى أصول الدين ، ~~والمراد بالصبر ، العمل بمقتضى اليقين ؛ إذ النفس تعرف أن المعصية ضارة ~~والطاعة نافعة. ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر. ~~فيكون الصبر نصف الإيمان لهذا الاعتبار. ه. وقوله تعالى : {إن ربك هو يفصل ~~بينهم..} ، قال القشيري : يحكم بينهم ، فيبين المقبول من المردود ، ~~والمهجور من الموصول ، والرضي من الغوي ، والعدو من الولي. فكم من بهجة ~~دامت هناك! وكم من مهجة ذابت كذلك. ه. # جزء : 5 رقم الصفحة : 397 # قلت : فاعل " يهد " : هو الله ، بدليل قراءة زيد عن يعقوب " نهد " بالنون ~~، ولا يجوز أن يكون الفاعل ، " كم " ؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام ، فلا ~~يعمل فيه بما قبله. PageV05P599 # يقول الحق جل جلاله : {أو لم يهد لهم} أي : يبين لهم الله تعالى ما يعتبرون ~~به ، فينظروا {كم أهلكنا من قبلهم من القرون} ؛ كعاد وثمود ، وقوم لوط ، ~~{يمشون} يعني : قريشا ، {في مساكنهم} حين يمرون على ديارهم ، ومنازلهم ، ~~خاوية ، في متاجرهم إلى الشام ، {إن في ذلك لآيات} دالة على قدرتنا ، ~~وقهريتنا {أفلا يسمعون} المواعظ ، فيتعظون بها ؟ . # الإشارة : قال القشيري : لم يعتبروا بمنازل أقوام كانوا في حبرة ، فصاروا ~~في عبرة ، كانوا في سرور ، فآلوا إلى ثبور ، فجميع ديارهم وتراثهم صارت ~~لأغيارهم ، وصنوف أموالهم عادت إلى أشكالهم ، سكنوا في ظلالهم ، ولم ~~يعتبروا بمن مضى من أمثالهم ، وفي مثلهم قيل : # نعم ، كانت على قو # م زمانا ، ثم فاتت ، # هكذا النعمة والإح # سان قد كانت وكانت. # جزء : 5 رقم الصفحة : 397 # يقول الحق جل جلاله : {أولم يروا أنا نسوق الماء} : المطر {إلى أرض ~~الجرز} أي : التي جرز نباتها ، أي : قطع ، ولم يبق منه شيء ؛ إما لعدم ~~الماء ، أو لأنه رعي. يقال : جرزت الجراد الزرع ؛ إذ استأصلته ، وفي ~~القاموس : وأرض جرز : لا تنبت ، أو أكل نباتها ، أو لم يصبها مطر. ثم قال : ~~وأرض جارزة : يابسة غليظة ، وفيه أربع لغات : جرز وجرز وجرز وجرز. ولا يقال ~~للتي لا ms2240 تنبت ؛ كالسباخ : جرز ، بدليل قوله : {فنخرج به} أي : بالماء ، ~~{زرعا تأكل منه} أي : الزرع ، {أنعامهم} ؛ كالتبن والورق ، {وأنفسهم} ؛ ~~كالحب والتمر ، المراد بالزرع : كل ما يزرع ويستنبت ، (أفلا يبصرون) ، ~~فيستدولون به على قدرته على إحياء الموتى ؟ . # {ويقولون متى هذا الفتح} أي : النصر ، أو الفصل بالحكومة ؛ من قوله {ربنا ~~افتح بيننا} [الأعراف : 89]. وكان المسلمون يقولون : إن الله سيفتح لنا على ~~المشركين ، أو يفتح بيننا وبينهم ، فإذا سمع المشركون ، قالوا : متى هذا ~~الفتح ؟ أي : في أي وقت يكون {إن كنتم صادقين} في أنه كائن ؟ . PageV05P600 # {قل يوم الفتح} أي : يوم القيامة هو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم. أو : ~~يوم نصرهم عليهم. أو : يوم بدر ، أو يوم فتح مكة ، {لا ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم} ؛ لفوات محله ، الذي هو الإيمان بالغيب ، {ولا هم ينظرون} ؛ ~~يمهلون ، وهذا الكلام لم ينطبق ؛ جوابا عن سؤالهم ؛ ظاهرا ، ولكن لما كان ~~غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم ، على وجه التكذيب والاستهزاء ~~، أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم من سؤالهم ، فقيل لهم : لا تستعجلوا به ~~ولا تستهزئوا ، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم ، فلم ينفعكم ~~الإيمان ، واستنظرتم عند درك العذاب فلم تمهلوا. ومن فسره بيوم بدر أو بيوم ~~الفتح ، فهو يريد المقتولين منهم ؛ فإنهم لا ينفعهم إيمانهم في حال الفعل ، ~~كما لم ينفع فرعون إيمانه عند درك الغرق. {فأعرض عنهم وانتظر} النصر ~~وهلاكهم ، {إنهم منتظرون} الغلبة عليكم وهلاككم. # جزء : 5 رقم الصفحة : 398 # قال عليه الصلاة والسلام : " من قرأ {الم تنزيل} في بيته ، لم يدخل ~~الشيطان به ثلاثة أيام ". الإشارة : أولم يروا أنا نسوق الماء الذي تحيا به ~~القلوب على يد المشايخ ، إلى القلوب الميتة بالجهل والغفلة ، فنخرج به ثمار ~~الهداية إلى الجوارح ، تأكل منه ، من لذة حلاوته ، جوارحهم وقلوبهم ، أفلا ~~يبصرون ؟ . ويقول أهل الإنكار لوجود هذا الماء : متى # 399 # هذا الفتح ، إن كنتم صادقين في أنه موجود ؟ قل : يوم الفتح الكبير - وهو ~~يوم يرفع الله أولياءه في أعلى عليين - لا ينفع الذين كفروا بالخصوصية ، في ~~دار ms2241 الدنيا ، إيمانهم في الالتحاق بهم ، ولا هم يمهلون حتى يعلموا مثل ~~عملهم ، فأعرض عنهم اليوم ، واشتغل بالله ، وانتظر هذا اليوم ، إنهم ~~منتظرون لذلك. PageV05P601 # قال القشيري : " أو لم يروا.. " الآية. الإشارة فيه : نسقي حدائق وصلهم ، ~~بعد جفاف عودها ، فيعود عودها مورقا بعد ذبوله ، حاكيا حاله حال حصوله ، ~~(ويقولون متى هذا الفتح..) استبعدوا يوم التلاق ، وجحدوه ، فأخبرهم أنه ليس ~~لهم إلا الحسرة والمحنة إذا شهدوه. قوله تعالى : {فأعرض عنهم..} أي : ~~باشتغالك بنا ، وإقبالك علينا ، وانقطاعك إلينا ، وانتظر زوائد وصلنا ~~وعوائد لطفنا ، إنهم منتظرون هواجم مقتنا وخفايا مكرنا. وعن قريب وجد كل ~~منتظره مختضرا ه. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد ، عين الوصول ~~إلى التحقيق ، وعلى آله المبينين سواء الطريق ، وسلم. # 400 # جزء : 5 رقم الصفحة : 398 PageV05P602 ### | AUTO سورة الأحزاب # جزء : 6 رقم الصفحة : 3 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي} أي : المشرف ؛ حالا ، المفخم ؛ ~~قدرا ، العلي ؛ رتبة ؛ لأن النبوة مشتقة من النبوة ، وهو الارتفاع. أو : يا ~~أيها المخبر عنا ، المأمون على وحينا ، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا. وإنما ~~لم يقل : يا محمد ، كما قال : " يا آدم ، يا موسى " ؛ تشريفا وتنويها بفضله ~~، وتصريحه باسمه في قوله : {محمد رسول الله} [الفتح : 29] ، ونحوه ، ليعلم ~~الناس بأنه رسول الله. {اتق الله} أي : اثبت على تقوى الله ، {ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين} ؛ لا تساعدهم على شيء ، واحترس منهم ؛ فإنهم أعداء ~~لله وللمؤمنين. # روي أن أبا سفيان بن حرب ، وعكرمة بن أبي جهل ، وأبا الأعور السلمي ، ~~نزلوا المدينة على ابن أبي ، رأس المنافقين ، بعد أحد ، وقد أعطاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه ، فقام معهم عبد الله بن أبي سرح ~~، وطعمة بن أبيرق ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وعنده عمر بن الخطاب ~~: ارفض ذكر آلهتنا ؛ اللات ، والعزى ، ومناة ، وقل : إن لها شفاعة ومنفعة ~~لمن عبدها ، وندعك وربك. فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم ، فقال ~~عمر : ائذن لنا ، يا # 3 # رسول الله ، في قتلهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : " إني قد أعطيتهم ~~الأمان ms2242 " فقال عمر : اخرجوا في لعنة الله وغضبه ، فخرجوا من المدينة ، فنزلت. # أي : اتق الله في نقض العهد ، ولا تطع الكافرين من أهل مكة ، كأبي سفيان ~~وأصحابه ، والمنافقين من أهل المدينة ، فيما طلبوا ، {إن الله كان عليما} ~~بخبث أعمالهم ، {حكيما} بتأخير الأمر بقتالهم. # {واتبع ما يوحى إليك من ربك} في الثبات على التقوى ، وترك طاعة الكافرين ~~والمنافقين. أو : كل ما يوحى إليك من ربك ، {إن الله كان بما تعملون خبيرا} ~~أي : لم يزل عالما بأعمالهم وأعمالكم. وقيل : إنما جمع ؛ لأن المراد بقوله ~~: " اتبع " : هو وأصحابه ، وقرأ بالغيب ، أبو عمرو ، أي : بما يعمل ~~الكافرون والمنافقون ، من كيدهم لكم ومكرهم. {وتوكل على الله} ؛ أسند أمرك ~~إليه ، وكله إلى تدبيره. {وكفى بالله وكيلا} ؛ حافظا موكولا إليه كل أمر. ~~وقال الزجاج : لفظه ، وإن كان لفظ الخبر ، فالمعنى : اكتف بالله وكيلا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 3 PageV06P003 ~~الإشارة : أمر بتقوى الله ، وبالغيبة عما يشغل عن الله ، وبالتوكل على الله ~~، فالتقوى أساس الطريق ، والغيبة عن الشاغل : سبب الوصول إلى عين التحقيق ، ~~والتوكل زاد رفيق. قال القشيري بعد كلام : يا أيها المرقى إلى أعلى المراتب ~~، المتلقى بأسنى القرب والمناقب ؛ اتق الله أن تلاحظ غيرا معنا ، أو تساكن ~~شيئا دوننا ، أو تثبت شيئا سوانا ، {ولا تطع الكافرين} ؛ إشفاقا منك عليهم ~~، وطمعا في إيمانهم ، بموافقتهم في شيء مما أرادوه منك. والتقوى رقيب على ~~الأولياء ، تمنعهم ، في أنفاسهم وسكناتهم وحركاتهم ، أن ينظروا إلى غيره ، ~~أو يثبتوا معه سواه ، إلا منصوبا بقدرته ، مصرفا بمشيئته ، نافذا فيه حكم قضيته. # التقوى لجام يمنعك عما لا يجوز ، زمام يقودك إلى ما تحب ، سوط يسوقك إلى ~~ما أمر به ، حرز يعصمك من توصل عقابه إليك ، عوذة تشفيك من داء الخطايا. ~~التقوى وسيلة إلى ساحة كرمه ، ذريعة يتوصل بها إلى عفوه وجوده. {واتبع ما ~~يوحى إليك...} ؛ لا تبتدع ، واقتد بما نأمرك ، ولا تقتد ، باختيارك ، غير ~~ما نختار لك ، ولا تعرج - أي : تقم - في أوطان الكسل ، ولا تجنج إلى ناحية ~~التواني ، وكن لنا لا لك ، وقم بنا لا بك. ms2243 " وتوكل " انسلخ عن إهابك لنا ، ~~واصدق في إيابك إلينا ، وتشاغلك عن حسبانك معنا ، واحذر ذهابك عنا ، ولا ~~تقصر في خطابك معنا. ويقال : التوكل : تخلق ، ثم تخلق ، ثم توثق ، ثم تملق ~~، تحقق في العقيدة ، وتخلق بإقامة الشريعة ، وتوثق بالمقسوم من القضية ، ~~وتملق بين يديه بحسن العبودية. ويقال : التوكل : استواء القلب في العدم ~~والوجود. ه. # 4 # جزء : 6 رقم الصفحة : 3 PageV06P004 ~~يقول الحق جل جلاله : {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} ؛ فيؤمن بأحدهما ~~ويكفر بالآخر ، أو : يتقي بأحدهما ويعصي بالآخر ، أو : يقبل على الله ~~بأحدهما ويقبل على الدنيا بالآخر ، بل ما للعبد إلا قلب واحد ، إن أقبل به ~~على الله ؛ أدبر عمن سواه ، وإن أقبل به على الدنيا ، أدبر عن الله. قيل : ~~الآية مثل المنافقين ، أي : إنه لا يجتمع الكفر والإيمان ، وقيل : لا تستقر ~~التقوى ونقض العهد في قلب واحد. وقال ابن عطية : يظهر من الآية ، بجملتها ، ~~أنها نفي لأشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك القوت ، وإعلام بحقيقة الأمر ~~فيها ، فمنها : أن العرب كانت تقول : الإنسان له قلب يأمره وقلب ينهاه ، ~~وكان تضاد الخواطر يحملها على ذلك.. الخ كلامه. # قال النسفي : والمعنى : أنه تعالى لم يجعل للإنسان قلبين ؛ لأنه لا يخلو ~~: إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب ، فأحدهما فضلة ~~، غير محتاج إليه ، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذلك ، فيؤدي إلى اتصاف ~~الجملة بكونه مريدا كارها ، عالما ظانا ، موقنا شاكا في حالة واحدة. ه. # وكانت العرب تعتقد أيضا أن المرأة المظاهر منها : أما ، فرد ذلك بقوله : ~~{وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} أي : ما جمع الزوجية ~~والأمومة في امرأة واحدة ؛ لتضاد أحكامهما ؛ لأن الأم مخدومة ، والمرأة خادمة. # وكانت تعتقد أن الدعي ابن ، فرد عليهم بقوله : {وما جعل أدعياكم أبناءكم} ~~أي : لم يجعل المتبنى من أولاد الناس ابنا لمن تبناه ؛ لأن البنوة أصالة في ~~النسب ، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية ، لا غير ، ولا يجتمع في شيء واحد أن ~~يكون أصيلا وغير أصيل. PageV06P005 # ونزل هذا في ms2244 " زيد بن حارثة " ، وهو رجل من كلب ، سبي صغيرا ، فاشتراه حكيم ~~بن حزام ، لعمته خديجة ، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته ~~له ، فطلبه أبوه وعمه ، وجاءا بفدائه ، فخير ، فاختار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فاعتقه وتبناه. وكانوا يقولون : زيد بن محمد ، فلما تزوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم زينب ؛ وكانت تحت زيد - على ما يأتي - قال المنافقون : ~~تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى عنه ، فأنزل الله هذه الآية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 5 # وقيل : كان المنافقون يقولون : لمحمد قلبان ، قلب معكم ، وقلب مع أصحابه. ~~وقيل : كان " أبو معمر " أحفظ العرب ، فقيل : ذو القلبين ، فأكذب الله ~~قولهم. والتنكير # 5 # في رجل ، وإدخال " من " الاستغراقية على " قلبين " ، وذكر الجوف للتأكيد. ~~و" اللائي " : جمع " التي ". وفيها قراءات : " اللاء " ؛ بالهمزة مع المد ~~والقصر ، وبالتسهيل ، وبالياء ، بدلا من الهمز. وأصل {تظاهرون} : تتظاهرون ~~، فأدغم. وقرأ عاصم بالتخفيف ؛ من : ظاهر. ومعنى الظهار : أن تقول للزوجة : ~~أنت علي كظهر أمي. مأخوذ من الظهر ، وتعديته بمن ؛ لتضمنه معنى التجنب ؛ ~~لأنه كان طلاقا في الجاهلية. وهو في الإسلام يقتضي الحرمة حتى يكفر ، كما ~~يأتي في المجادلة. والأدعياء : جمع دعي ، فقيل : بمعنى مفعول ، وهو الذي ~~يدعى ولدا ، وجمعه على أفعلاء : شاذ ؛ لأن بابه ما كان منه بمعنى فاعل ؛ ~~كتقي وأتقياء ، وشقي وأشقياء. ولا يكون في ذلك نحو رمي وسمي ، على الشذوذ. ~~وكأنه شبهه بفعيل بمعنى فاعل ، فجمع جمعه. # {ذلكم قولكم بأفواهكم} ؛ إذ إن قولكم للزوجة : أما ، والدعي : هو ابن ، ~~قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له ، إذ الابن يكون بالولادة ، وكذا الأم. ~~{والله يقول الحق} ؛ ما له حقيقة عينية ، مطابقة له ظاهرا وباطنا {وهو يهدي ~~السبيل} ؛ سبيل الحق. PageV06P006 # ثم بين ذلك الحق ، وهدى إلى سبيله ، فقال : {أدعوهم لآبائهم} ؛ انسبوهم ~~إليهم. {هو} ، أي : الدعاء {أقسط} ؛ أعدل {عند الله}. بين أن دعاءهم ~~لآبائهم هو أدخل الأمرين في العدل. وقيل : كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه ~~ولد الرجل ؛ ضمه إليه ، وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده ، من ميراثه. ~~وكان ينسب ms2245 إليه ، فيقال : فلان بن فلان. {فإن لم تعلموا آباءهم} أي : فإن ~~لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم ، {فإخوانكم في الدين ومواليكم} أي : ~~فهم إخوانكم في الدين ، وأولياؤكم فيه. فقولوا : هذا أخي ، وهذا مولاي ، ~~ويا أخي ، ويا مولاي ، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه ، {وليس عليكم ~~جناح فيما أخطأتم به} أي : لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك ، مخطئين ~~جاهلين ، قبل ورود النهي ، أو بعده ، نسيانا. {ولكن ما تعمدت قلوبكم} أي : ~~ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهي. أو : لا إثم عليكم إذا قلتم لولد ~~غيركم : يا بني ، على سبيل الخطأ ، أو : الشفقة ، ولكن إذا قلتموه متعمدين ~~على وجه الانتساب. {وكان الله غفورا رحيما} ؛ لا يؤاخذكم بالخطأ ، ويقبل ~~التوبة من المعتمد. # جزء : 6 رقم الصفحة : 5 # الإشارة : العبد إنما له قلب واحد ، إذا أقبل به على مولاه ؛ أدبر عن ما ~~سواه ، وملأه الله تعالى بأنواع المعارف والأسرار ، وأشرقت عليه الأنوار ، ~~ودخل حضرة الحليم الغفار ، وإذا أقبل به على الدنيا ؛ أدبر عن الله ، وحشي ~~بالأغيار والأكدار ، وأظلمت عليه الأسرار ، وطبع فبه صور الكائنات ، فحجب ~~عن المكون. وكان مأوى للخواطر والوساوس ، فلم يسو عند الله جناح بعوضة. قال ~~القشيري : القلب إذا اشتغل بشيء ؛ اشتغل عما سواه ، فالمشتغل بما من العدم ~~؛ منفصل عمن له القدم ، والمتصل بقلبه بمن نعته القدم ؛ مشتغل عما من العدم ~~، والليل والنهار لا يجتمعان ، والغيب والغير لا يلتقيان. ه. # 6 PageV06P007 ~~وقوله تعالى : {وما جعل أزواجكم...} الآية ، يمكن أن تكون الإشارة فيها إلى ~~أن من ظاهر الدنيا ، وتباعد عنها ؛ لا يحل له أن يرجع ، ويتخذها أما ؛ في ~~المحبة والخدمة. وقوله تعالى : {وما جعل أدعياءكم أبناءكم..} : تشير إلى ~~أنه لا يحل أن يدعي الفقير حالا ، أو مقاما ، ما لم يتحقق به ، وليس هو له ~~، أو : ينسب حكمة أو علما رفيعا لنفسه ، وهو لغيره ، {ادعوهم لآبائهم هو ~~أقسط عند الله}. وقوله : {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين..} : ~~إخوان الدين أولى ، وإخوان الطريق أحب وأصفى. قال القشيري : وقرابة الدين ، ~~في الشكلية ، أولى من قرابة ms2246 النسب ، وأنشدوا. # وقالوا : قريب من أب وعمومة # فقلت : وإخوان الصفاء الأقارب # مناسبهم شكلا وعلما وألفة # وإن باعدتنا في الأصول التناسب # جزء : 6 رقم الصفحة : 5 PageV06P008 ~~يقول الحق جل جلاله : {النبي أولى بالمؤمنين} أي : أحق بهم في كل شيء من ~~أمور الدين والدنيا ، وحكمه أنفذ عليهم {من أنفسهم} ، فإنه لا يأمرهم ، ولا ~~يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم ، فيجب عليهم أن يبذلوها دونه. ~~ويجعلوها فداء منه. وقال ابن عباس وعطاء : يعني : " إذا دعاهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى شيء ، ودعتهم أنفسهم إلى شيء ، كانت طاعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم أولى). أو : هو أولى بهم ، أي : أرأف ، وأعطف عليهم ، وأنفع ~~لهم ، كقوله : {بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة : 128] وفي الصحيح عنه عليه ~~الصلاة والسلام : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والاخرة ، ~~اقرؤوا إن شئتم : {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأيما مؤمن هلك ، وترك ~~مالا ؛ فلورثته ما كانوا ، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني ، فإني أنا مولاه ~~". وفي قراءة ابن مسعود " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ". ~~وقال مجاهد : كل نبي أبو أمته ، ولذلك صار المؤمنون إخوة ؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبوهم في الدين ، وأزواجه أمهاتهم ، في تحريم نكاحهن ووجوب ~~تعظيمهن ، وهن فيما وراء ذلك - كالإرث وغيره - كالأجنبيات ، ولهذا لم يتعد ~~التحريم إلى بناتهن. # {وأولوا الأرحام} أي : ذوو القرابات {بعضهم أولى ببعض} في المواريث. وكان # 7 PageV06P009 ~~المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة ، لا ~~بالقرابة ، ثم نسخ ، وجعل التوارث بالقرابة. ذلك {في كتاب الله} أي : في ~~حكم الله وقضائه ، أو : في اللوح المحفوظ ، أو : فيما فرض الله ، فهم أولى ~~بالميراث ، {من المؤمنين} بحق الولاية في الدين ، {و} من {المهاجرين} بحق ~~الهجرة. وهذا هو الناسخ. قال قتادة : كان المسلمون يتوارثون بالهجرة ، ولا ~~يرث الأعرابي المسلم من المهاجر شيئا. فنزلت. وقال الكلبي : آخى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين الناس ، فكان يؤاخي بين الرجلين ، فإذا مات أحدهما ورثه ~~الآخر ، دون عصبته ، حتى نزلت : {وأولوا ms2247 الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله} ؛ في حكمه ، {من المؤمنين والمهاجرين} ، ويجوز أن يكون {من المؤمنين} ~~: بيانا لأولي الأرحام ، أي : وأولو الأرحام ، من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث ~~بعضا من الأجانب ، {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} أي : لكن فعلكم إلى ~~أوليائكم معروفا ، وهو أن توصوا لمن أحببتم من هؤلاء بشيء ، فيكون له ذلك ~~بالوصية ، لا بالميراث ؛ فالاستثناء منقطع. وعدى " تفعلوا " بإلى ، لأنه في ~~معنى تسندوا ، والمراد بالأولياء : المؤمنون ، والمهاجرون : المتقدمون ~~الذين نسخ ميراثهم. {كان ذلك} أي : التوارث بالأرحام {في الكتاب مسطورا} أي ~~: اللوح المحفوظ ، أو : القرآن. وقيل : في التوراة. # جزء : 6 رقم الصفحة : 7 PageV06P010 ~~الإشارة : متابعته عليه الصلاة والسلام ، والاقتباس من أنواره ، والاهتداء ~~بهديه ، وإيثار محبته ، وأمره على غيره ؛ لا ينقطع عن المريد أبدا ، بداية ~~ونهاية ؛ إذ هو الواسطة العظمى ، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأرواحهم ~~وأسرارهم. فكل مدد واصل إلى العبد فهو منه صلى الله عليه وسلم ، وعلى يده ، ~~وكل ما تأمر به الأشياخ من فعل وترك في تربية المريدين ، فهو جزء من الذي ~~جاء به. وهم في ذلك بحسب النيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم ~~خلفاء عنه. وكل كرامة تظهر فهي معجزة له صلى الله عليه وسلم ، وكل كشف ~~ومشاهدة فمن نوره صلى الله عليه وسلم ، قال ابن العربي الحاتمي رضي الله ~~عنه : اعلم أن كل ولي لله تعالى إنما يأخذ ما يأخذ بواسطة روحانية النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فمنهم من يعرف ذلك ، ومنهم من لا يعرفه ، ويقول : قال ~~لي الله ، وليس إلا تلك الروحانية. ه. وهو موافق لما أشار إليه الشيخ أبو ~~العباس المرسي رضي الله عنه ، حيث قال : الولي إنما يكاشف بالمثال ، كما ~~يرى مثلا البدر في الماء بواسطته ، وكذلك الحقائق الغيبية ، والأمور ~~الإشهادية مجلوة وظاهرة في بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وله عيانا لا ~~مثالا. والولي لقربه منه ومناسبته له ؛ لهديه بهديه ، ومتابعته له يكاشف ~~بمثال ذلك فيه ، فظهر الفرق وثبتت مزية النبي صلى الله عليه وسلم ، وانتفى ~~اللبس ms2248 بين النبوة والولاية. قاله شيخ شيوخنا سيدي " عبد الرحمن العارف ". # قال القشيري : {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} الإشارة : تقديم سنته ~~على هواك ، والوقوف عند إشارته دون ما يتعلق به مناك ، وإيثار من تتوسل به ~~نسبا وسببا على أعزتك ومن والاك ، {وأولوا الأرحام..} الآية : ليكن الأجانب ~~منك على جانب ، ولتكن # 8 # صلتك للأقارب وصلة الرحم ليس لمقاربة الدار وتعاقب المزار ، وليكن ~~بموافقة القلوب ، والمساعدة في حالتي المكروه والمحبوب. # أرواحنا في مكان واحد ، وإن كانت PageV06P011 ~~أشباحنا بشآم أو خراسان. ه # جزء : 6 رقم الصفحة : 7 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ أخذنا} ؛ حين أخذنا {من النبيين ~~ميثاقهم} بتبليغ الرسالة ، والدعاء إلى الدين القيم ، وإرشاد العباد ~~ونصحهم. وقيل : أخذه عليهم في عالم الذر. قال أبي بن كعب : لما أخرج الله ~~الذرية ، كانت الأنبياء فيهم مثل السرج ، عليهم النور ، فخصوا بميثاق وأخذ ~~الرسالة والنبوة ، وقال القشيري : أخذ الميثاق الأول وقت استخراج الذرية من ~~صلب آدم ، عوند بعثة كل رسول ، ونبوة كل نبي ، أخذ ميثاقه ، وذلك على لسان ~~جبريل عليه السلام ، ومن اختصه بإسماعه كلامه بلا واسطة ملك كنبينا ليلة ~~المعراج ، وموسى - عليهما السلام - فأخذ الميثاق منهم بلا واسطة ، وكان ~~لنبينا - عليه الصلاة والسلام - زيادة حال ؛ بأن كان مع سماع الخطاب كشف ~~الرؤية. ثم أخذ المواثيق من العباد بقلوبهم وأسرارهم. ه. # قال في الحاشية : والذي يظهر : أن أخذ الميثاق منهم مباشرة لا بوحي ، ~~وذلك في الغيب ، ولذلك قدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه النور ~~الأول قبل آدم ، ثم انتقل إلى ظهره ، وحينئذ ، فأخذ الميثاق هنا غيبي ، ~~ولذلك قدمه. وفي قوله : {شرع لكم من الدين...} [الشورى : 13] ؛ في عالم ~~الظهور ، فلذلك قدم نوحا ، وثنى بنبينا ؛ لأن نوحا أول أولي العزم ، ونبينا ~~خاتمهم. والله أعلم. ه. والحاصل : أن أخذ الميثاق كان مرتين ؛ في عالم ~~الغيب وفي عالم الشهادة. وهل المراد به هنا الأول أو الثاني ؟ قولان. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 9 PageV06P012 ~~ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} ، قال النسفي : وقدم رسول ~~الله صلى ms2249 اله عليه وسلم على نوح ومن بعده ؛ لأن هذا العطف لبيان فضيلة ~~هؤلاء ؛ لأنهم أولو العزم ، وأصحاب الشرائع ، فلما كان نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم أفضل هؤلاء قدم عليهم ، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه. ه {وأخذنا ~~منهم ميثاقا غليظا} ؛ وثيقا. وأعاد ذكر الميثاق ؛ لانضمام الوصف إليه. # 9 PageV06P013 ~~وإنما فعلنا ذلك {ليسأل} الله {الصادقين} أي : الأنبياء : {عن صدقهم} ؛ عما ~~قالوه لقومهم ، وهل بلغوا ما كلفهم به. وفيه تبكيت للكفار ، كقوله : ~~{فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} [الأعراف : 6] ، أو : ليسأل ~~المصدقين للأنبياء عن تصديقهم : هل كان بإخلاص أم لا ؟ لأن من قال للصادق : ~~صدقت ؛ كان صادقا في قوله. أو : ليسأل الأنبياء : ما الذي أجابتهم أممهم ؟ ~~وهو كقوله : {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم} [المائدة : 109] ، ~~{وأعد للكافرين} بالرسل {عذابا أليما} ، وهو عطف على " أخذنا " ، لأن ~~المعنى : أن الله تعالى أخذ على الأنبياء العهد بالدعوة إلى دينه ؛ لأجل ~~إثابة المؤمنين ، وأعد للكافرين عذابا أليما. أو : على ما دل عليه : {ليسأل ~~الصادقين} ، كأنه قال : فأثاب المؤمنين ، وأعد للكافرين عذابا أليما. ~~الإشارة : كما أخذ الله الميثاق على الأنبياء والرسل ؛ أخذ الميثاق على ~~العلماء والأولياء. أمل العلماء ؛ فعلى تبيين الشرائع وتغيير المناكر ، ~~وألا تأخذهم في الله لومة لأئم ، وأما أخذه على الأولياء ؛ فعلى تذكير ~~العباد وإرشادهم إلى معرفة الله ، وتربية من تعلق بهم ، وسياسة الخلق ، ~~ودلالتهم على الحق ، فمن قصر من الفريقين استحق العتاب. قال القشيري : فلكل ~~من الأولياء والأكابر حال ، على ما يؤهلهم له ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " ~~لقد كان في الأمم محدثون ، وإن يكن في أمتي فعمر " ، وغير عمر مشارك لعمر ~~في خواص كثيرة ، وذلك سر بينهم وبين ربهم. PageV06P014 # ثم قال : قوله تعالى : {ليسأل الصادقين عن صدقهم} ؛ سؤال تشريف لا تعنيف ، ~~وإيجاب لا عتاب ، والصدق : ألا يكون في أحوالك شوب ، ولا في اعتقادك ريب ، ~~ولا في عملك عيب ، ويقال : من أمارات الصدق في المعاملة. وجود الإخلاص من ~~غير ملاحظة ، وفي الأحوال : تصفيتها [من غير مداخلة الحجاب] ، وفي القول : ~~سلامته من المعاريض ms2250 ، فيما بينك وبين نفسك. وفيما بينك وبين الناس : تباعد ~~في التلبيس والتدليس ، وفيما بينك وبين الله : إدامة التبري من الحول ~~والقوة ، ومواصلة الاستقامة ، وحفظ العهود معه على الدوام. في التوكل : عدم ~~الانزعاج عند الفقد ، وزوال البشر بالوجد ، وفي الأمر بالمعروف : التحرز من ~~تخلل المداهنة ، قليلها وكثيرها ، وألا يترك ذلك لفزع ولا طمع ، ولكن تشرب ~~مما تسقي ، وتتصف بما تأمر ، وتنتهي عما تزجر. ويقال : الصدق : أن يهتدي ~~إليك كل أحد ، ويكون عليك ، فيما تقول وتضمر ، اعتماد. ويقال : الصدق : ألا ~~تجنح إلى التأويلات. انتهى كلام القشيري. # جزء : 6 رقم الصفحة : 9 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} ، أي ~~: ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب ، وهو يوم الخندق ، وكان بعد حرب أحد ~~بسنة. {إذ جاءتكم جنود} أي : الأحزاب ، وهم قريش ، وغطفان ، ويهود قريظة ~~والنضير ، وهو السبب في إيتانهم ، {فأرسلنا عليهم ريحا} أي : الصبا ، قال ~~عليه الصلاة والسلام : " نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور " قيل : كانت ~~هذه الريح معجزة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريبا ~~منها ، ولم يكن بينهم إلا عرض الخندق ، وكانوا في عافية منها. {و} لا شعور ~~لهم بها. وأرسلنا عليهم {جنودا لم تروها} وهو الملائكة ، وكانوا ألفا ، ~~فقلعت الأوتاد ، وقطعت الأطناب ، وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور. PageV06P015 # وكان سبب غزوة الأحزاب : أن نفرا من اليهود ، منهم ابن أبي الحقيق ، وحيي ~~بن أخطب ، في نفر من بني النضير ، لما أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من ~~بلدهم ، قدموا مكة فحرضوا قريشا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ~~خرجوا إلى غطفان ، وأشجع ، وفزارة ، وقبائل من العرب ، يحرضونهم على ذلك ، ~~على أن يعطوهم نصف تمر خيبر كل سنة. فخرجت قريش ، وقائدها أبو سفيان ، ~~وخرجت غطفان ، وقائدها عيينة بن حصن ، والحارث بن عوف في مرة ، وسعد بن ~~رخيلة في أشجع ، وعامر بن الطفيل في هوازن. # فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهم ، ضرب الخندق على المدينة ، برأي ~~سليمان. وكان أول مشهد شهده مع رسول ms2251 الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يؤمئذ ~~حر. وقال : يا رسول الله : إنا كنا بفارس ، إذا حوصرنا : خندقنا علينا ، ~~فحفر الخندق ، وباشر الحفر معهم بيده صلى الله عليه وسلم. فنزلت قريش ~~بمجتمع الأسيال من الجرف والغابة ، في عشرة آلاف من أحابيشهم. ونزلت عطفان ~~وأهل نجد بذنب نقمي ، إلى جانب أحد. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع ، في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فضرب ~~هناك عسكره ، والخندق بينه وبين القوم ، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في ~~الآطام. # جزء : 6 رقم الصفحة : 10 # واشتد الخوف ، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقام المشركون ، بضعا ~~وعشرين ليلة ، ولم يكن حرب غير الرمي بالنبل والحصى. فلما اشتد البلاء بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن ، والحارث بن عوف ، وأعطاهما ~~ثلث ثمار المدينة ، على أن يرجعا بمن معهما ، وكتبوا الكتاب ولم يقع ~~الإشهاد ، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، ~~فقال سعد بن معاذ : أشيء أمرك الله به ، لا بد من العمل به ، أم شيء تحبه ~~فتصنعه ، أم شيء # 11 PageV06P016 ~~تصنعه لنا ؟ قال : " لا ، بل شيء أصنعه لكم ، أردت أن أكسر عنكم شوكتهم " ~~فقال سعد : يا رسول الله ؛ لقد كنا مع القوم على شرك وعبادة الأوثان ، لا ~~نعبد الله ولا نعرفه ، وهم لا يطعمون أن يأكلوا منها تمرة ، إلا قرى ، أو ~~شراء ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام ، وأعزنا بك ، نعطيهم أموالنا! لا ~~نعطيهم إلا السيف. فقال عليه الصلاة والسلام : " فأنت وذاك " ، فمحا سعد ما ~~في الكتاب ، وقال : ليجهدوا علينا. # ثم إن الله تعالى بعث عليهم ريحا باردة ، في ليلة شاتية ، فأحصرتهم ، ~~وأحثت التراب في وجوههم ، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد ، وقطعت الأطناب ، ~~وأكفأت القدور ، وأطفأت النيران ، وجالت الخيل بعضها في بعض. وأرسل الله ~~تعالى عليهم الرعب ، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم ، حتى كان سيد كل ~~خباء يقول : يا بني فلان ، علموا ، فإذا اجتمعوا إليه قال : النجا ، النجا ~~، أوتيتم. فانهزموا من غير قتال. # {وكان الله ms2252 بما تعملون بصيرا} ، أي : بصيرا بعملكم ، من حفر الخندق ، ~~ومعاونة النبي صلى الله عليه وسلم ، والثبات معه ، فيجازيكم عليه ، وقرأ ~~أبو عمرو : بالغيب ، أي : بما يعمل الكفار ؛ من البغي ، والسعي في إطفاء ~~نور الله ، {إذ جاؤوكم} هو بدل من : (إذ جاءتكم) ، {من فوقكم} ؛ من أعلى ~~الوادي ، من قبل المشرق. وهم بنو غطفان. {ومن أسفل منكم} ؛ من أسفل الوادي ~~من قبل المغرب ، وهو قريش. {وإذ زاغت الأبصار} ؛ مالت عن مستوى نظرها ؛ ~~حيرة وشخوصا. أو : مالت إلى عدوها ، لشدة الخوف ، {وبلغت القلوب الحناجر} ؛ ~~رعبا. والحنجرة : رأس الغلصمة ، وهي منتهى الحلقوم ، الذي هو مدخل الطعام ~~والشراب. قالوا : إذا انتفخت الرئة ، من شدة الفزع والغضب ، ربت ، وارتفع ~~بارتفاعها إلى رأس الحنجرة. وقيل : هو مثل في اضطراب القلوب ، وإن لم تبلغ ~~الحناجر حقيقة. PageV06P017 # روي أن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هل من شيء نقوله ، ~~فقد بلغت القلوب الحناجر ؟ قال : " نعم ، قولوا : اللهم استر عوراتنا ، ~~وآمن روعاتنا ". {وتظنون بالله الظنونا} ؛ الأنواع من الظن. والمؤمنون ~~أصناف ؛ منهم الأقوياء ، ومنهم الضعفاء ، ومنهم المنافقون. فظن الأقوياء ، ~~المخلصون ، الثبت القلوب ؛ أن ينجز الله وعده في إعلاء دينه ، ويمتحنهم ، ~~فخافوا الزلل وضعف الاحتمال ، وأما الآخرون ؛ فظنوا ما حكى عنهم ، وهو ~~الذين زاغت أبصارهم ، وبلغت قلوبهم الحناجر ، دون الأقوياء رضي الله عنهم ، ~~وقرأ أبو عمرو وحمزة : {الظنون} ؛ بغير ألف ، وهو القياس. وبالألف فيهما : ~~نافع ، والشامي ، وشعبة ؛ إجراء للوصل مجرى الوقف. والمكي ، وعلي ، وحفص : ~~بالألف في الوقف. ومثله : {الرسولا} [الأحزاب : 66] # 12 # و{السبيلا} [الأحزاب : 67] ، زادوها في الفاصلة ، كما زادوها في القافية ~~، كقوله : # جزء : 6 رقم الصفحة : 10 # " أقلي اللوم ، عاذل ؛ والعتابا " # وهو في الإمام : بالألف. PageV06P018 # {هنالك ابتلي المؤمنون} أي : اختبروا ، فظهر المخلص من المنافق ، والثابت ~~من المزلزل ، {وزلزلوا زلزالا شديدا} ؛ وحركوا بالخوف ، تحريكا شديدا. ~~الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص ؛ اذكروا نعمة الله عليكم ~~بالتأييد والنصر ، فحين توجهتم إلي ، ودخلتم في طريق ولايتي ، رفضتكم الناس ~~، ونكرتكم ، ورمتكم عن قوس واحدة ، فجاءتكم جنود الخواطر والوساوس من كل ~~جانب ، حتى هممتم بالرجوع ms2253 أو الوقوف. وإذ زاغت الأبصار : مالت عن قصدها ؛ ~~بالاهتمام بالرجوع ، وبلغت القلوب الحناجر ، ممن كان ضعيف الإرادة واليقين ~~، وتظنون بالله الظنونا ، فمنهم من يظن الامتكان بعد الامتحان ، فيفرحون ~~بالبلاء ، ومنهم من يظن أنه عقوبة... إلى غير ذلك ، هنالك ابتلي المؤمنون ~~المتوجهون ؛ ليظهر الصادق ، في الطلب ، من الكاذب فيه ، فعند الامتحان يعز ~~المرء أو يهان ، ويظهر الخوافون من الشجعان ، وزلزلوا زلزالا شديدا ؛ ~~ليتخلصوا ويتمحصوا ، كما يتخلص الذهب والفضة من الناس ، ومن عرف ما قصد ؛ ~~هان عليه ما ترك. # قال القشيري : {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم..} يعني : ~~بمقابلتها بالشكر ، وتذكر ما سلف من الذي دفع عنك ، يهون عليك مقاساة ~~البلاء في الحال. وبذكرك لما أولاك في الماضي ؛ يقرب من الثقة بوصول ما ~~تؤمله في الاستقبال. فمن جملة ما ذكرهم قوله : {إذ جاءتكم جنود..} الآية : ~~كم بلاء صرفه عن العبد وهو لا يشعر ، وكم شغل كنت بصدده ، فصده عنك ولم ~~تعلم ، وكم أمر صرفه ، والعبد يضج ، وهو - سبحانه - يعلم أن في تيسيره ~~هلاكه ، فيمنعه منه ؛ رحمة عليه ، والعبد يتهمه ويضيق به صدره. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 10 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} ~~عطف تفسير ؛ إذ هو وصف المنافقين ، كقول الشاعر : # إلى الملك القرم ، وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم PageV06P019 ~~فابن الهمام هو القرم ، والقرم - بالراء - : السيد. وقيل : {الذين في ~~قلوبهم مرض} ، هم الذين لا بصيرة بهم في الدين من المسلمين ، كان المنافقون ~~يستميلونهم بإدخال الشبه عليهم ، قالوا ، عند شدة الخوف : {ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا}. # روي أن معتب بن قشير ، المنافق حين رأى الأحزاب قال : إن محمدا يعدنا فتح ~~فارس والروم ، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز ، خوفا ، ما هذا إلا وعد غرور. ه. # {وإذ قالت طائفة منهم} ؛ من المنافقين ، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه : ~~{يا أهل يثرب} ، وهم أهل المدينة ، {لا مقام لكم} أي : لا قرار لكم هنا ، ~~ولا مكان تقيمون فيه - وقرأ حفص : بضم الميم - اسم مكان ، أو ms2254 مصدر ، ~~{فارجعوا} من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ؛ هاربين ، أو ~~: إلى الكفر ، فيمكنكم المقام بها ، أو : لا مقام لكم على دين محمد ، ~~فارجعوا إلى الشرك وأظهروا الإسلام لتسلموا ، {ويستأذن فريق منهم النبي} أي ~~: بنو حارثة ، {يقولون إن بيوتنا عورة} : ذات عورة ، أي : خالية غير حصينة ~~، وهي مما يلي العدو. وأصلها : الخلل. وقرأ ابن عباس ؛ بكسر الواو : (عورة) ~~، يعني : قصيرة الجدران ، فيها خلل. تقول العرب : دار فلان عورة ؛ إذا لم ~~تكن حصينة ، وعور المكان : إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق ، ويجوز ~~أن يكون عورة : تخفيف عورة. # اعتذروا أن بيوتهم عرضة للعدو والسارق ؛ لأنها غير محصنة ، فاستأذنوا ~~ليحصنوها ثم يرجعوا إليه ، فأكذبهم الله تعالى بقوله : {وما هي بعورة} ، بل ~~هي حصينة ، {إن يريدون إلا فرارا} من القتل. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 13 PageV06P020 ~~ولو دخلت عليهم} مدينتهم ، أو : بيوتهم. من قولك : دخلت على فلان داره. {من ~~أقطارها} ، من جوانبها ، أي : ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة - التي يفرون ~~؛ خوفا منها - مدينتهم ، أو بيوتهم ، من نواحيها كلها ؛ ناهبين سارقين ، ~~{ثم سئلوا} ؛ عند ذلك الفزع ، {الفتنة} أي : الردة والرجعة إلى الكفر ~~ومقاتلة المسلمين ، أو : القتال في العصبية ، وهو أحسن ؛ لأنهم مسلمون ، ~~{لأتوها} ؛ لجاؤوها وفعلوا. ومن قرأ بالمد فمعناه : لأعطوها من أنفسهم ، ~~{وما تلبثوا بها} ؛ بإجابتها وإعطائها ، أي : ما احتبسوا عنها # 14 PageV06P021 ~~{إلا يسيرا} ، أو : ما لبثوا بالمدينة ، بعد ارتدادهم ، إلا زمانا يسيرا ، ~~ثم يهلكهم الله ؛ لأن المدينة كالكير ؛ تنفي خبثها ، وينصع طيبها ، والمعنى ~~أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم ؛ ليفروا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين ، وعن مصافة الأحزاب الذين ملأوهم رعبا ، وهؤلاء الأحزاب كما هم ~~؛ لو سألوهم أن يقاتلوا ؛ فتنة وعصيبة ؛ لأجابوهم ، وما تعللوا بشيء ، وما ~~ذلك إلا لضعف إيمانهم ، والعياذ بالله. الإشارة : وإذ قالت طائفة من شيوخ ~~التربية لأهل الفناء : لا مقام تقفون معه ؛ إذ قد قطعتم المقامات ، حين ~~تحققتم بمقام الفناء ، فارجعوا إلى البقاء ؛ لتقوموا بآداب العبودية ، ~~وتنزلون في المقامات ثم ترحلون عنها ، كما تنزل الشمس ms2255 في بروجها ، فكل وقت ~~يبرز فيه ما يقتضي النزول إلى مقامه. فتارة يبرز ما يقتضي التوبة ، وتارة ~~ما يقتضي الخوف والهيبة ، أي : خوف القطيعة ، وتارة ما يقتضي الرجاء والبسط ~~، وتارة ما يقتضي الشكر ، وتارة الصبر ، وتارة ما يقتضي الرضا والتسليم ، ~~وتارة ما يهيج المحبة أو المراقبة أو المشاهدة. وهكذا ينزل في المقامات ~~ويرحل عنها ، ولا يقيم في شيء منها. ويستأذن بعض المريدين في الرجوع إلى ~~مقامات الإيمان أو الإسلام ، أو شيء من أمور البدايات ، يقولون : إن بيوت ~~تلك المقامات لم نتقنها ، بل فيها عورة وخلل ، وما هي بعورة ، ما يريدون ~~إلا فرارا من ثقل أعباء الحضرة. ولو دخلت بيوت قلوبهم من أقطارها ، ثم ~~سئلوا الرجوع إلى الدنيا لأتوها ؛ لأنها قريبة عهد بتركها ، وما تلبثوا بها ~~إلا زمانا يسيرا ، بل يبغتهم الموت ، ويندمون ، قل متاع الدنيا قليل ، ~~والآخرة خير لمن اتقى. # جزء : 6 رقم الصفحة : 13 PageV06P022 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل} أي : قبل غزوة ~~الخندق ، وهو يوم أحد. والضمير في " كانوا " لبني حارثة ، عاهدوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، حين فشلوا ، ثم تابوا ألا يعودوا لمثله ، ~~وقالوا : {لا يولون الأدبار} ؛ منهزمين أبدا ، {وكان عهد الله مسؤولا} عن ~~الوفاء له ، مجازى عليه ، أو : مطلوبا مقتضى حتى يوفى به. {قل لن ينفعكم ~~الفرار إن فررتم من الموت أو القتل} ، فإنه لا بد لكل شخص من حتف أنفه ، أو ~~: قتل في وقت معين سبق القضاء وجرى به القلم ، {وإذا لا تمتعون إلا قليلا} ~~أي : إن حضر أجلكم لم ينفعكم الفرار ، وإن لم يحضر ، وفررتم ، لن تمتعوا في ~~الدنيا إلا زمانا قليلا ، وهو مدة أعماركم ، وهو قليل بالنسبة إلى ما بعد ~~الموت الذي لا انقضاء له. # 15 # {قل من ذا الذي يعصمكم من الله} أي : يمنعكم مما أراد الله إنزاله بكم ؛ ~~{إن أراد بكم سوءا} في أنفسكم ، من قتل أو غيره ، {أو أراد بكم رحمة} أي : ~~أراد بكم إطالة عمر في عافية وسلامة. أو : من يمنع الله ms2256 من أن يرحمكم ، إن ~~أراد بكم رحمة ، فحذف ؛ سوءا ، أو يصيبكم بسوء ، إن أراد بكم رحمة ، فاختصر ~~الكلام. {ولا يجدون لهم من دون الله وليا} ينفعهم ، {ولا نصيرا} يدفع ~~العذاب عنهم. PageV06P023 # الإشارة : ولقد كان عاهد الله ؛ من دخل في طريق القوم ، ألا يولي الأدبار ، ~~ويرجع إلى الدنيا والاشتغال بها حتى يتفتر عن السير ، وكان عهد الله مسؤولا ~~، فيسأله الحق تعالى عن سبب رجوعه عن الإرداة ، ولماذا حرم نفسه من لذيذ ~~المشاهدة ؟ قل - لمن رجع ، ولم يقدر على مجاهدة نفسه : لن ينفعكم الفرار إن ~~فررتم من الموت لنفوسكم ، أو القتل ؛ بمجاهدتها وتجميلها بعكس مرادها ، ~~وتحميلها ما يثقل عليها ، وإذا لا تمتعون إلا قليلا ، ثم ترحلون إلى الله ، ~~في غم الحجاب وسوء الحساب. قل : من ذا الذي يعصمكم من الله ، إن أراد بكم ~~سوءا ؟ وهو البعد والطرد ، أو : من يمنعكم من رحمته ، إن أراد بكم رحمة ، ~~وهي التقريب إلى حضرته ، فلا أحد يعصمكم من إبعاده ، ولا أحد يمنعكم من ~~إحسانه ؛ إذ لا ولي ولا ناصر سواه. اللهم انصرنا بنصرك المبين ، وارحمنا ~~برحمتك الخاصة ، حتى تقربنا إلى حضرتك ، بفضل منك وجودك ، يا أرحم ~~الراحمين. # جزء : 6 رقم الصفحة : 15 # يقول الحق جل جلاله : {قد يعلم الله المعوقين منكم} أي : يعلم من يعوق عن ~~نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنع ، وهم المنافقون والمثبطون للناس ~~عن الخروج إلى الغزو ، {والقائلين لإخوانهم} في الظاهر ؛ من ساكني المدينة ~~من المسلمين : {هلم إلينا} ؛ تعالوا إلينا ، ودعوا محمدا. ولغة أهل الحجاز ~~في " هلم " : أنهم يسوون فيه بين الواحد والجماعة. وأما بنو تميم فيقولون : ~~هلم يا رجل ، وهلموا يا رجال.. وهكذا. {ولا يأتون البأس} ؛ الحرب {إلا ~~قليلا} ؛ إلا إتيانا قليلا ، أو يحضرون ساعة ، رياء ، ويقفون قليلا ، مقدار ~~ما يرى شهودهم ثم ينصرفون. {أشحة عليكم} ؛ جمع شحيح ، وهو البخيل ، نصب على ~~الحال من ضمير {يأتون} أي : لا يأتون الحرب ؛ بخلا عليكم بالمعاونة أو ~~بالنفقة في سبيل الله ، أو : في الظفر والغنيمة ، أي : عند الظفر وقسم ~~الغنيمة. # 16 PageV06P024 ~~{فإذا جاء ms2257 الخوف} من قبل العدو ، أو : منه صلى الله عليه وسلم ، {رأيتهم ~~ينظرون إليك} ؛ في تلك الحالة ، {تدور أعينهم} يمينا وشمالا {كالذي يغشى ~~عليه من الموت} ؛ كما ينظر المغشي عليه معالجة سكرات الموت ؛ حذرا وخوفا ~~ولواذا بك. # {فإذا ذهب الخوف} أي : زال ذلك الخوف وأمنوا ، وحيزت الغنائم {سلقوكم ~~بألسنة حداد} ؛ خاطبوكم مخاطبة شديدة ، وآذوكم بالكلام ، يقال : خطيب سلق : ~~فصيح ، ورجل مسلق وسلاق : مبالغ في الكلام. يعني : بسطوا ألسنتهم فيكم ، ~~وقت قسم الغنيمة ، ويقولون : أعطنا ؛ فإنا قد شهدنا معكم ، وبمكاننا غلبتم ~~عدوكم. {أشحة على الخير} أي : خاطبوكم ؛ أشحة على المال والغنيمة. فهو حال ~~من فاعل سلقوكم ، فهم أشح القوم عند القسم ، وأجبنهم عند الحرب ، {أولئك لم ~~يؤمنوا} في الحقيقة ، بل بالألسنة فقط ، {فأحبط الله أعمالهم} ؛ أبطلها ، ~~بإضمار الكفر مع ما أظهروا من الأعمال الخبيثة ، {وكان ذلك} الإحباط {على ~~الله يسيرا} ؛ هينا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 16 # الإشارة : هذه صفة منافقي الصوفية ، يدخلون معهم على تذبذب ، فإذا رأوا ~~قوما توجهوا لخرق عوائدهم وتخريب ظواهرهم ، أو : أرادوا الخروج عن دنياهم ، ~~عوقوهم عن ذلك ، وثبطوهم ، وكذلك إذا تواجهوا في سفر لشقة بعيدة ؛ ليستتروا ~~بهم ، وقالوا لأخوانهم في الطريق : هلم إلينا ، ولا يأتون مكان حرب أنفسهم ~~إلا قليلا. أشحة بأنفسهم عليكم ، فإذا جاء الخوف ، وتجلى لهم الحق تعالى ~~باسمه الجليل ؛ بأن نزلت بالفقراء محنة ، رأيتهم ينظرون إليك ، تدور أعينهم ~~، نظر المغشي عليه من الموت ، فإذا ذهب الخوف ، وجاء النصر والعز ؛ سلقوكم ~~بألسنة حداد ، وقالوا : إنا كنا معكم ، أولئك لا نصيب لهم مما للقوم من ~~الخصوصية. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 16 PageV06P025 ~~يقول الحق جل جلاله : {يحسبون} أي : هؤلاء المنافقون {الأحزاب} ، يعني : ~~قريشا وغطفان ، الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي : ~~اجتمعوا ، أنهم {لم يذهبوا} ولم ينصرفوا ؛ لشدة جبنهم ، مع أنهم انصرفوا. ~~{وإن يأت الأحزاب} كرة ثانية ؛ {يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} ، ~~والبادون : جمع باد ، أي : يتمنى المنافقون - لجبنهم - أنهم خارجون من ~~المدينة إلى البادية ، حاصلون بين الأعراب ؛ ليأمنوا على أنفسهم ms2258 ، ويعتزلوا ~~مما فيه الخوف من الحرب ، {يسألون} كل قادم منهم من جانب المدينة. وقرئ ~~{يساءلون} ، بالشد. أي : يتساءلون ، بعضهم بعضا {عن أنبائكم} ؛ عن أخباركم ~~وعما جرى عليكم ، {ولو كانوا} أي : هؤلاء المنافقون {فيكم} أي : حاضرون في ~~عسكركم ، # 17 # وضر قتال ، {ما قاتلوا إلا قليلا} ؛ رياء وسمعة ، ولو كان لله ؛ لكان ~~كثيرا ؛ إذ لا يقل عمل لله. # الإشارة : الجبان يخاف والناس آمنون ، والشجاع يأمن والناس خائفون ، ولا ~~ينال من طريق القوم شيئا جبان ولا مستحي ولا متكبر. فمن أوصاف الضعفاء : ~~أنهم ، إذا نزلت بالقوم شدة أو محنة - كما امتحن الجنيد وأصحابه - يتمنون ~~أنهم خارجون عنهم ، وربما خرجوا بالفعل ، وإن ذهبت شوكتهم ؛ يحسبون أنهم لم ~~يذهبوا ؛ لشدة جزعهم. ومن أوصافهم : أنهم يكثر سؤالهم عن أخبار القوم ، ~~والبحث عما جرى بهم ؛ خوفا وجزعا ، ولو مضوا معهم لم يغنوا شيئا. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 17 PageV06P026 ~~يقول الحق جل جلاله : {لقد كان لكم في رسول الله} ؛ محمد صلى الله عليه ~~وسلم {أسوة حسنة} ؛ خصلة حسنة ، من حقها أن يؤتسى بها ؛ كالثبات في الحرب ، ~~ومقاساة الشدائد ، ومباشرة القتال. أو : في نفسه قدوة يحسن التأسي به. كما ~~تقول : في البيضة عشرون رطلا من حديد ، أي : هي في نفسها عشرون. وفيه لغتان ~~: الضم والكسر ، كالعدوة والعدوة ، والرشوة والرشوة. وهي {لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر} أي : يخاف الله ويخاف اليوم الآخر ، أو : لأجل ثواب ~~الله ونعيم اليوم الآخر. و" لمن " : قيل : بدل من ضمير " لكم " ، وفيه ضعف ~~؛ إذ لا يبدل من ضمير المخاطب إلا ما يدل على الإحاطة. وقيل : يتعلق بحسنة ~~، أي : أسوة حسنة كائنة لمن آمن ، {وذكر الله كثيرا} أي : في الخوف والرجاء ~~، والشدة والرخاء ، فإن المؤتسي بالرسول يكون كذلك. # {ولما رأى المؤمنون الأحزاب} قد أقبلوا عليهم ؛ ليستأصلوهم ، وقد وعدهم ~~الله أن يسلط عليهم المحن ، ويزلزلوا حتى يستغيثوا ويستنصروا بقوله : {أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم..} [البقرة : ~~214] إلى قوله : {نصر الله قريب} [البقرة : 214] ، فلما جاء الأحزاب ~~واضطربوا ؛ {قالوا ms2259 هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} ، وعلموا أن ~~الجنة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لأصحابه : " إن الأحزاب سائرون إليكم ، في آخر تسع ليال ، أو ~~عشر " ، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد ، قالوا ذلك. و{هذا} : إشارة إلى ~~الخطب والبلاء ، أي : هذا # 18 # الخطب الذي وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، {وما زادهم} ، ما ~~رأوا من اجتماع الأحزاب ومجيئهم ، {إلا إيمانا} بالله وبمواعيده {وتسليما} ~~لقضائه وأقداره. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 18 PageV06P027 ~~من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} أي : صدقوا فيما عاهدوه ، ~~فحذف الجار ، وأوصل المفعول إلى " ما " ؛ وذلك أن رجالا من الصحابة نذروا ~~أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا ، وقاتلوا حتى ~~يستشهدوا ، وهم : عثمان بن عفان ، وطلحة ، وسعيد بن زيد ، وحمزة ، ومصعب ، ~~وأنس بن النضر ، وغيرهم. {فمنهم من قضى نحبه} ؛ نذره ؛ بأن قاتل حتى استشهد ~~؛ كحمزة ، ومصعب ، وأنس بن النضر. والنحب : النذر ، واستعير للموت ؛ لأن كل ~~حي من المحدثات لا بد له أن يموت ، فكأنه نذر لازم في رقبته ، فإذا مات ؛ ~~فقد قضى نحبه ، أي : نذره. وقال في الصحاح : النحب : النذر ، ثم قال : ~~والنحب : المدة والوقت. يقال : قضى فلان نحبه ، إذا مات. ه. فهو لفظ مشترك ~~بين النذر والموت. وصحح ابن عطية أن النحب الذي في الآية ليس من شرطه ~~الموت. بل معناه : قضى نذره الذي عاهد الله عليه من نصرة الدين ، سواء قتل ~~أو بقي حيا. بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في طلحة : " هذا ممن قضى ~~نحبه " ه. # {ومنهم من ينتظر} أي : الموت على الشهادة ؛ كعثمان وطلحة ، {وما بدلوا} ؛ ~~العهد {تبديلا} ؛ ولا غيروه ، لا المستشهد ، ولا من ينتظر الشهادة. وفيه ~~تعريض بمن بدل من أهل النفاق ، كقوله تعالى فيما مر : {ولقد كانوا عاهدوا ~~الله من قبل لا يولون الأدبار...} [الأحزاب : 15]. {ليجزي الله الصادقين ~~بصدقهم} ؛ بوفائهم بالعهد ، {ويعذب المنافقين إن شاء} إذا لم يتوبوا ، {أو ~~يتوب عليهم} إن تابوا {إن الله ms2260 كان غفورا} بقبول التوبة ، {رحيما} بعفو ~~الحوبة. PageV06P028 # الإشارة : قد تقدم ما يتعلق بالاقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~والاهتداء بهديه ، وأنه منهاج الأكابر. وقوله تعالى : {ولما رأى المؤمنون ~~الأحزاب...} الآية. كذلك الأقوياء من هذه الطائفة ، إذا رأوا ما يهولهم ~~ويروعهم زادهم ذلك إيمانا وتسليما ، ويقينا وطمأنينة ، وتحققوا بصحة الطريق ~~؛ إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين ، وسنة الأنبياء والمرسلين. قال ~~تعالى : {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} [العنكبوت : ~~2] الآية. وتقدم في إشارتها ما يتعلق بهذا المعنى. # قال بعضهم : نحن كالنجوم ، كلما اشتدت الظلمة قوي نورنا. وقال القشيري : ~~كما أن المنافقين اضطربت عقائدهم عند رؤية الأعداء ، فالمؤمنون وأهل اليقين ~~زادوا ثقة ، وعلى الأعداء جرأة ، ولحكم الله استسلاما. وفي الله قوة. ثم ~~قال : قوله تعالى : {من المؤمنين رجال صدقوا...} الآية ، شكر صنيعهم في ~~المراس ، ومدح يقينهم عند شهود # 19 # الناس ، وسماهم رجالا ؛ إثباتا لهم بالخصوصية في الرتبة ، وتمييزا لهم من ~~بين أشكالهم بعلو الحال ، فمنهم من خرج من دنياه على صدقه ، ومنهم من ينتظر ~~حكم الله في الحياة والممات ، وحقيقة الصدق : حفظ العهد وترك مجاوزة الحد. ~~ويقال : استواء السر والجهر. ويقال : هو الثبات عندما يكون الأمر جدا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 18 # قوله تعالى : {... ليجزي الله الصادقين بصدقهم..} في الدنيا بالتمكين ، ~~والنصرة على العدو ، وإعلاء الرتبة ، وفي الآخرة بجزيل الثواب ، وجميل ~~المآب ، والخلود في النعيم المقيم ، والتقدم على الأشكال بالتكريم ~~والتعظيم. وقوله : {ويعذب المنافقين إن شاء} يقال : إذا لم يجزم بعقوبة ~~المنافق ، وتعلق القول فيه على الرجاء ، فبالحري ألا يخيب المؤمن في رجائه. ~~انتهى كلام القشيري. PageV06P029 # جزء : 6 رقم الصفحة : 18 # يقول الحق جل جلاله : {ورد الله الذين كفروا} أي : الأحزاب {بغيظهم} ؛ ~~ملتبسين بغيظهم ، فهو حال كقوله : {تنبت بالدهن} [المؤمنون : 20] أي : ردهم ~~غائظين {لم ينالوا خيرا} ؛ ظفرا ، أي : لم يظفروا بالمسلمين. وسماه " خيرا ~~" بزعمهم ، وهو أيضا حال ، أي : غير ظافرين ، {وكفى الله المؤمنين القتال} ~~بالريح ، والملائكة ، {وكان الله قويا عزيزا} ؛ قادرا غالبا ، فقهرهم ~~بقدرته وغلبهم بقهريته. {وأنزل الذين ظاهروهم} : عاونوا ms2261 الأحزاب وجاؤوا بهم ~~{من أهل الكتاب} ، يعني بني قريظة ، أنزلهم {من صياصيهم} ؛ من حصونهم. ~~والصيصة : ما يتحصن به. قال الهروي : وكل ما يتحصن به فهو صيصة ، ويقال ~~لقرون البقر والظبي : صياصي ؛ لأنها تتحصن بها ، وفي وصف أصحاب الدجال : " ~~شواربهم كالصياصي " ، لطولها ، وفتلها ، فصارت كالقرون. ه. # روي أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة الليلة ~~التي انهزم فيها الأحزاب ، ورجع المسلمون إلى المدينة - على فرسه الحيزوم ، ~~والغبار على وجه الفرس والسرج ، فقال : ما هذا جبريل ؟ فقال : من متابعة ~~قريش. ثم قال : إن الله يأمرك بالمسير إلى بني # 20 # قريظة ، وأنا عائد إليهم ، فإن الله داقهم دق البيض على الصفا ، وهم لكم طعمة. PageV06P030 # وفي رواية : لما رجع - عليه الصلاة والسلام - ودخل مغتسله ، جاءه جبريل ~~بعمامة من استبرق ، على بغلة ، عليها قطيفة من ديباج ، فقال : قد وضعت ~~السلاح ، والله ما وضعت الملائكة السلاح ، وما رجعت إلا من طلب القوم ، وإن ~~الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة. فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الناس : أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. فخرج ~~إليهم ، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~تنزلون على حكمي ؟ فأبوا ، فقال : تنزلون على حكم سعد بن معاذ ؟ فرضوا به. ~~فقال سعد : نحكم فيهم : أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم ونساؤهم. فكبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " لقد حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع ~~أرقعة ". ثم استنزلهم ، وخندق في سوق المدينة خندقا ، وقدمهم ، فضرب ~~أعناقهم. وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة. وقيل : كانوا ستمائة مقاتل ، ~~وسبعمائة أسير ، فقتل المقاتلة ، وقسم الأسارى ، وهم الذراري والنساء. وكان ~~علي والزبير رضي الله عنهما يضربان أعناق بني قريظة. والنبي صلى الله عليه ~~وسلم جالس هناك. والقصة مطولة في كتب السير. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 20 PageV06P031 ~~وقذف في قلوبهم الرعب} الخوف. وفيه السكون والضم ، {فريقا تقتلون} وهم ~~الرجال {وتأسرون فريقا} وهم النساء والذراري. قالت عائشة رضي الله عنها : ~~لم يقتل صلى ms2262 الله عليه وسلم من نساء بني قريظة امرأة إلا واحدة ، قتلها ~~بخلاد بن سويد ، كانت شدخت رأسه بحجر من فوق الحصن. {وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم} كالمواشي والنقود والأمتعة. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار ، وقال لهم : " إنكم في منازلكم " {و} ~~أورثكم {أرضا لم تطؤوها} بعد ، قيل : خيبر ، ولم يكونوا نالوها ، أو : مكة ~~، أو : فارس والروم ، أو : كل أرض لم تفتح إلى يوم القيامة ، فمكنهم الله ~~من ذلك كله ، وفتح عليهم مشارق الأرض ومغاربها. {وكان الله على كل شيء ~~قديرا} فيقدر على جميع ذلك. # الإشارة : هذه عادة الله مع خواصه ، أن يخوفهم ثم يؤمنهم ، ويذلهم ثم ~~يعزهم ، ويفقرهم ثم يغنيهم ، ويجعل دائرة السوء على من ناوأهم ، ويكفيهم ~~أمرهم من غير محاربة ولا قتال ، {وكفى الله المؤمنين القتال...} الآية. ثم ~~يكون لهم التصرف في الوجود بأسره ، أمرهم بأمر الله ، وحكمهم بحكمه ، والله ~~غالب على أمره. # ولما نصر الله رسوله ، وفرق الأحزاب ، وفتح عليه قريظة والنضير ، ظن ~~أزواجه أنه اختص بنفائس أموال اليهود وذخائرهم ، فقعدن حوله وقلن : يا رسول ~~الله ؛ بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإماء والخول ونحن على ما تراه ~~من الفاقه والضيق ، وآلمن قلبه - عليه الصلاة والسلام - لمطالبتهن له ~~بتوسعة الحال ، وأن يعاملهن به بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم. # 21 # جزء : 6 رقم الصفحة : 20 PageV06P032 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي قل لأزواجك} وكن تسعا ؛ خمسا من قريش ~~: عائشة بنت الصديق ، وحفصة بنت الفاروق ، وأم حبيبة بنت سفيان ، وسودة بنت ~~زمعة ، وأم سلمة بنت أبي أمية ، وصفية بنت حيي الخيبرية ، من بني إسرائيل ، ~~من ذرية هارون عليه السلام ، وميمونة بنت الحارث الهلالية ، وزينب بنت جحش ~~الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. أي : فقل لهن {إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها} أي : التوسعة في الدنيا وكثرة الأموال والحلل ، ~~{فتعالين} أي : أقبلن بإرادتكن واختياركن. وأصل " تعال " أن يقوله من في ~~المكان المرتفع لمن في المكان الأدنى ، ثم كثر استعماله في كل أمر مطلوب. ~~{أمتعكن} ms2263 أي : أعطكن متعة الطلاق. وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا المفوضة قبل ~~الوطء مع أخواتها ، كما في كتب الفقه. {وأسرحكن} أطلقكن {سراحا جميلا} لا ~~ضرر فيه. # وقيل : سبب نزولها : أنهن سألنه زيادة النفقة ، وقيل : آذينه بغيرة بعضهن ~~من بعض ، فاغتم عليه الصلاة والسلام لذلك. وقيل : هجرهن شهرا ، فنزلت ، ~~وهي آية التخيير. فبدأ بعائشة رضي الله عنها وكانت أحبهن إليه ، فخيرها ، ~~وقرأ عليها القرآن ، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة ، فرؤي الفرح في ~~وجهه صلى الله عليه وسلم ، ثم اختارت جميعهن اختيارها. وروي أنه قال لعائشة ~~: " إني ذاكر لك أمرا ، ولا عليك ألا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك " ثم قرأ ~~عليها الآية ، فقالت : أفي هذا أستأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار ~~الآخرة. PageV06P033 # وحكم التخيير في الطلاق : أنه إذا قال لها : اختاري ، فقالت : اخترت نفسي ، ~~أن تقع تطليقة واحدة بائنة ، وإذا اختارت زوجها ؛ لم يقع شيء. قاله النسفي. ~~وقال ابن جزي : وإذا اختارت المرأة الطلاق ؛ فمذهب مالك : أنه ثلاث ، وقيل ~~: طلقة بائنة. وقيل : رجعية. ووصف السراح بالجميل ؛ يحتمل أن يريد أنه دون ~~الثلاث ، أو : يريد الثلاث ، وجماله : حسن المرعى ، والثناء ، وحفظ العهد. ه. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 22 # وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن} " ~~من " : للبيان ، {أجرا عظيما} فاخترن رضي الله عنهن ما هو مناسب لحاله ~~عليه الصلاة والسلام حين خير بين أن يكون نبيا عبدا ، أو نبيا ملكا ، ~~فاختار أن يكون نبيا عبدا ، لا ملكا. فاخترن العبودية ، التي اختارها عليه ~~الصلاة والسلام. # 22 # الإشارة : ينبغي لمن قلده الله نساء متعددة أن يخيرهن ، اقتداء برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لا يخلو من حال الغيرة ، فإذا خيرهن فينبغي ~~أن يغيب عن تشغيبهن ، ولم يصغ بأذنه إلى حديثهن ، ولا ينبغي أن يغتم من أجل ~~الغيرة ، فإنها طبع لازم للبشر ، وليقدر في نفسه : أنه إذا تزوجت زوجته ~~غيره ، وهي في عصمته ، هل يقدر على ذلك أم لا ، فالأمر واحد. والله أعلم. # قال القشيري : لم يرد أن يكون قلب ms2264 واحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شغل ~~، أو يعود إلى واحد منهم أذى ، أو تعب من الدنيا ، فخير صلى الله عليه وسلم ~~بأمر ربه نساءه ، ووفق الله عائشة ، حتى أخبرت عن صدق قلبها ، وكمال دينها ~~ويقينها ، وما هو المنتظر من أصلها ونيتها. والباقيات جرين على منهاجها ، ~~ونسجن على منوالها. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 22 PageV06P034 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة} بسيئة بليغة في ~~القبح {مبينة} ظاهر فحشها ، من : بين ، بمعنى : تبين. وقرأ المكي وشعبة ~~بفتح الياء ، وهي عصيانهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونشوزهن. قال في ~~المقدمات : كل فاحشة نعتت في القرآن بالبينة فهي بالنطق ، والتي لم تنعت ~~بها زنى. ه. {يضاعف لها العذاب ضعفين} أي : ضعفي عذاب غيرهن من النساء ؛ ~~لأن الذنب منهن أقبح ؛ فإن قبح الذنب يتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه ، ~~ولذلك قيل : ليست المعصية في القرب كالمعصية في البعد. وليس لأحد من النساء ~~مثل فضل النساء النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذا كان الذم للعاصي العالم ~~أشد منه للعاصي الجاهل ؛ لأن المعصية من العالم أقبح ، وفي الحديث : " أشد ~~الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه " ؛ لقوة الجرأة في ~~العالم دون غيره. ولهذا أيضا فضل حد الأحرار على العبيد ، ولم يرجح الكافر. ~~{وكان ذلك} أي : تضعيف العذاب عليهن {على الله يسيرا} هينا. # {ومن يقنت منكن} أي : يدم على الطاعة {لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها ~~أجرها مرتين} أي : مثل ثوابي غيرها ، مرة على الطاعة ، ومرة على طلبهن رضا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، بالقناعة ، وحسن المعاشرة. وقرأ حمزة والكسائي ~~بالغيب على لفظ " من " ، {وأعتدنا لها رزقا كريما} جليل القدر ، وهو الجنة. # الإشارة : من شأن الملك أن يعاتب الوزراء بما لا يعاتب غيرهم ، ويهددهم بما لا # 23 PageV06P035 ~~يهدد به غيرهم ، ويعطيهم من التقريب والكرامة ما لا يعطي غيرهم ، فإن هفوا ~~وزلوا عاتبهم ، ثم يردهم إلى مقامهم ، وربما سمح وأغضى. والغالب : أن الحق ~~تعالى يعجل عتاب خواصه ، في الدنيا قبل الآخرة ms2265 ، بمصائب وأهوال ، تصفية ~~وتطهيرا ، ولا يبعدهم من حضرته بما اقترفوا. قال القشيري : زيادة العقوبة ~~على الجرم من أمارات الفضيلة ، كحد الحر والعبد ، وتقليل ذلك من أمارات ~~النقص ، ولما كانت منزلتهن في الشرف تزيد وتربو على منزلة جميع النساء ، ~~تضاعفت عقوبتهن على أجرامهن ، وتضاعف ثوابهن على طاعتهن ، فقال : {ومن يقنت ~~منكن لله...} وقال : {لستن كأحد من النساء...} الآية ه. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 23 # يقول الحق جل جلاله : {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} أي : لستن ~~كجماعة من جماعات النساء ، أي : إذا تقصيت أمة النساء ، جماعة جماعة ، لم ~~توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل ، فكما أنه عليه الصلاة والسلام ~~ليس كأحد من الرجال ، كما قال : " إني لست كأحدكم... " كذلك زوجاته التي ~~شرفن به. وأصل " أحد " : وحد ، بمعنى : واحد ، فوضع في النفي العام ، ~~مستويا فيه المذكر والمؤنث ، والواحد وما وراءه ، أي : لستن في الشرف كأحد ~~من النساء ، {إن اتقيتن} مخالفة الله ورضا رسوله ، {فلا تخضعن بالقول} أي : ~~إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب ، فلا تجئن بقولكن خاضعا ، أي : لينا خنثا ~~مثل قول المريبات ، {فيطمع الذي في قلبه مرض} ريبة ، وفجور ، وهو جواب ~~النهي ، {وقلن قولا معروفا} حسنا مع كونه خشينا. PageV06P036 # {وقرن في بيوتكن} أي : استكن فيه ، والزمن بيوتكن من غير خروج. وقرأ نافع ~~وعاصم بالفتح ، وهو من : قرر يقرر ، لغة في قر بالمكان ، وأصله : اقررن ، ~~فحذفت الراء ، تخفيفا ، وألقيت فتحتها على ما قبلها. وقيل : من : قار يقار ~~: إذا اجتمع. والباقون بالكسر ، من : قر بالمكان يقر بالكسر ، وأصله : ~~اقررن ، فنقلت كسرة الراء إلى القاف ، وحذفت الراء. وقيل : من : وقر يقر وقارا. # 24 # {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} أي : لا تتبخترن في المشي تبختر أهل ~~الجاهلية ، فالتبرج : التبختر في المشي وإظهار الزينة ، أي : ولا تبرجن ~~تبرجا مثل {تبرج الجاهلية الأولى} أي : القديمة ، وهو الزمان الذي ولد فيه ~~إبراهيم عليه السلام ، فكانت المرأة تتخذ فيه الدرع من اللؤلؤ ، وتعرض ~~نفسها على الرجال ، زمان نمرود الجبار ، والناس كلهم كفار. أو : ما ms2266 بين آدم ~~ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة. وكان نساؤهم أقبح ما يكون ، ورجالهم حسان ~~، فتريده المرأة على نفسها. أو : زمن داود وسليمان عليهما السلام ، وكان ~~للمرأة قميص من الدر ، غير مخيط الجانبين ، فتظهر صورتها فيه. والجاهلية ~~الأخرى : ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام أو : الجاهلية الأولى : جاهلية ~~الكفر قبل الإسلام ، والجاهلية الأخرى : جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 24 # وأقمن الصلاة وآتين الزكاة} خصهما بالذكر ؛ تفضيلا لهما ؛ لأن من واظب ~~عليهما جرتاه إلى غيرهما. {وأطعن الله ورسوله} في سائر ما أمركن به ، ~~ونهاكن عنه. PageV06P037 # {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} أي : يا أهل البيت ، أو : أخص ~~أهل البيت. وفيه دليل على أن نساءه من أهل بيته. قال البيضاوي : وتخصيص أهل ~~البيت بفاطمة وعلي وابنيهما ، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام خرج ذات ~~غدوة عليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجاءت فاطمة ، فأدخلها ، ثم جاء علي ، ~~فأدخله فيه ، ثم جاء الحسن والحسين ، فأدخلهما فيه ، فقال : " إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت... " والاحتجاج بذلك على عصمتهم ، وكون ~~اجتماعهم حجة ، ضعيف ؛ لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها ، ~~والحديث يقتضي أنهم من أهل البيت ، لا أنه ليس غيرهم. ه. وإنما قال : ~~{عنكم} لأنه أريد الرجال والنساء. والرجس : كل ما يدنس ، من ذنب ، أو عيب ، ~~أو غير ذلك ، وقيل : الشيطان. # {ويطهركم تطهيرا} من نجاسات الآثام والعيوب ، وهو كالتعليل لما قبله ، ~~فإنما أمرهن ، ونهاهن ، ووعظهن ؛ لئلا يقارف أهل البيت ما يدنس ، من المآثم ~~، وليتصونوا عنها بالتقوى. واستعار للذنب الرجس ، وللتقوى الطهر ؛ لأن عرض ~~المقترف للمستقبحات يتلوث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس وأما من تحصن منها ~~فعرضه مصون ، نقي كالثوب الطاهر. وفيه تنفير لأولي الألباب عن كل ما يدنس ~~القلوب من الأكدار ، وترغيب لهم في كل ما يطهر القلوب والأسرار ، من ~~الطاعات والأذكار. # {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله} القرآن {والحكمة} السنة ، أو : ~~بيان معاني القرآن ، أو : ما يتلى عليكن من الكتاب الجامع بين ms2267 الأمرين. {إن ~~الله كان لطيفا} عالما بغوامض الأشياء ، {خبيرا} عالما بحقائقها ، أو : هو ~~عالم بأقوالكن وأفعالكن ، # 25 # فاحذرن مخالفة أمره ونهيه ، ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم. PageV06P038 # الإشارة : علق الحق تعالى شرف نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيلهن على ~~سبعة أمور ، ويقاس عليهن غيرهن من سائر النساء ، فمن فعل هذه الأمور حاز ~~شرف الدنيا والآخرة. الأول : تقوى الله في السر والعلانية ، وهي أساس ~~الشرف. الثاني : التحصن مما يوجب ميل الرجال إليهن ؛ من التخنث في الكلام ~~وغيره. الثالث : لزوم البيوت والقرار بها. وقد مدح الله نساء الجنة بذلك ~~فقال : {حور مقصورات في الخيام} [الرحمن : 72]. الرابع : عدم التبرج ، وهو ~~إظهار الزينة حيث يحضر الرجال. الخامس : إقامة الصلاة وإتقانها وإيتاء ~~الصدقة. السادس : طاعة الله ورسوله ، ويدخل فيه طاعة الزوج. السابع : لزوم ~~ذكر الله ، وتلاوة كتابه لمن تحسن ذلك في بيتها. فمن فعلت من النساء هذه ~~الأمور ؛ أذهب الله عنها دنس المعاصي والعيوب ، وطهرها تطهيرا ، وأبدلها ~~بمحاسن الأخلاق والشيم الكريمة. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 24 PageV06P039 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن المسلمين والمسلمات} أي : الداخلين في الإسلام ، ~~المنقادين لأحكام الله قولا وفعلا ، فالمسلم : هو الداخل في السلم بعد ~~الحرب ، المنقاد الذي لا يعاند ، أو : المفوض أمره إلى الله ، المتوكل عليه ~~، من : أسلم وجهه إلى الله ، {والمؤمنين والمؤمنات} المصدقين بالله ورسوله ~~، وبما يجب أن يصدق به ، {والقانتين والقانتات} المداومين على الطاعة ، ~~{والصادقين والصادقات} في النيات ، والأقوال ، والأفعال ، {والصابرين ~~والصابرات} على الطاعات وترك السيئات ، {والخاشعين والخاشعات} المتواضعين ~~لله بالقلوب والجوارح ، أو : الخائفين : {والمتصدقين والمتصدقات} فرضا ~~ونفلا ، {والصائمين والصائمات} فرضا ونفلا. وقيل : من تصدق في أسبوع بدرهم ~~فهو من المتصدقين ، ومن صام البيض من كل شهر ، فهو من الصائمين ، ~~{والحافظين فروجهم والحافظات} عما لا يحل ، {والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات} بقلوبهم وألسنتهم ، بالتسبيح ، والتهليل ، والتكبير ، وتلاوة ~~القرآن ، وغير ذلك من الأذكار ، والاشتغال بالعلم لله ، ومطالعة الكتب من ~~الذكر. وحذف " كثيرا " في حق الذاكرات لدلالة # 26 # ما تقدم عليه. PageV06P040 # وقال عطاء : من فوض أمره إلى الله ms2268 فهو داخل في قوله : {إن المسلمين ~~والمسلمات} ، ومن أقر بأن الله ربه ، وأن محمدا رسوله ، ولم يخالف قلبه ~~لسانه ، فهو من المؤمنين والمؤمنات ، ومن أطاع الله في الفرض ، والرسول في ~~السنة ، فهو داخل في قوله : {والصادقين والصادقات} ، ومن صلى فلم يعرف من ~~عن يمينه وعن شماله ، فهو داخل في قوله : {والخاشعين والخاشعات} ، ومن صبر ~~على الطاعة وعن المعصية ، وعلى الذرية ، فهو من {الصابرين والصابرات} ، ومن ~~تصدق في كل أسبوع بدرهم ، فهو من المتصدقين والمتصدقات ، ومن صام في كل شهر ~~أيام البيض ، الثالث عشر وما بعده ، فهو من الصائمين والصائمات ، ومن حفظ ~~فرجه عما لا يحل ؛ فهو من الحافظين فروجهم والحافظات ، ومن صلى الصلوات ~~الخمس بحقوقها ؛ فهو من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات. # جزء : 6 رقم الصفحة : 26 # قال ابن عباس : (جاء إسرافيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا محمد : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله ، عدد ما علم ، وزنة ما علم ، وملء ما علم. من ~~قالهن كتبت له ست خصال ؛ كتب من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ، وكان أفضل ~~ممن ذكره في الليل والنهار ، وكان له عرش في الجنة ، وتحاتت عنه ذنوبه ، ~~كما تحات ورق الشجر اليابس ، وينظر الله إليه ، ومن نظر إليه لم يعذبه). ~~وقال مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات حتى يذكر ~~الله قائما وقاعدا ومضجعا. ه. من الثعلبي. # وسئل ابن الصلاح عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيرا ؟ ~~فقال : إذا واظب على الأذكار المأثورة صباحا ومساء ، وفي الأوقات والأحوال ~~المختلفة ، ليلا ونهارا ، كان من الذاكرين كثيرا. ه. قلت : وقد تتبعت ذلك ~~في تأليف مختصر سميته : " الأنوار السنية في الأذكار النبوية ". PageV06P041 # هذا وعطف الإناث على الذكور لاختلاف الجنسين. وهو ضروري كقوله : {ثيبات ~~وأبكارا} [التحريم : 5]. وعطف الزوجين على الزوجين لتغاير الوصفين ، وليس ~~بضروري ، ولو قال : " إن المسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات " بغير واو ~~لجاز ، كقوله : {مسلمات مؤمنات قانتات...} الخ ، وهو من عطف ms2269 الصفة ، ومعناه ~~: إن الجامعين والجامعات لهذه الصفات. {أعد الله لهم مغفرة} لما اقترفوا من ~~السيئات ، {وأجرا عظيما} على طاعتهم. قال البيضاوي : والآية وعد لهن ، ~~ولأمثالهن ، على الطاعة والتدرع بهذه الخصال. روي أن أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم قلن : ذكر الرجال في القرآن بخير فما فينا خير ، فنزلت. ه. # 37 PageV06P042 ~~الإشارة : اعلم أن اصطلاح الصوفية أن ما يتعلق بعمل الجوارح الظاهرة يسمى ~~إسلاما ، وما يتعلق بعمل القلوب الباطنية يسمى إيمانا ، وما يتعلق بعمل ~~الأرواح والأسرار يسمى إحسانا. قال في البغية : فالإسلام يشتمل على وظائف ~~الظاهر ، وهي الغالبة عليه ، ذلك من عالم الشهادة ، والإيمان يشتمل على ~~وظائف الظاهر ، وهي الغالبة عليه ، وذلك من عالم الغيب ، وهي الأعمال ~~الغيبية ، ولما انفتح لها باب من الأعمال الظاهرة للعبادة ، وأشرقت عليها ~~من ذلك أنوار ، وتعلقت همتها بعالم الغيب ، مالت إلى الوفاء بالأعمال ~~الباطنية ، ثم لما تمكنت في الأعمال الباطنة ، واطلعت على عالمها ، وأشرفت ~~على طهارتها ، وتعلقت همتها بعالم الملكوت ، مالت إلى الوفاء بالأسرار ~~الإحسانية ، ومن هناك تدرك غاية طهارتها وتصفيتها ، والاطلاع على معارف ~~الحقائق الإلهية. ثم قال : فإذا تبين هذا ، فالإسلام له معنى يخصه ، وهو ~~انقياد الظاهر بما تكلف به من وظائف الدين ، مع ما لا بد منه من التصديق. ~~والإيمان له معنى يخصه ، وهو تصديق القلب بجميع ما تصمنه الدين من الأخبار ~~الغيبية ، مع ما لا بد منه من شعبه. والإحسان له معنى يخصه ، وهو تحسين ~~جميع وظائف الدين الإسلامية والإيمانية ، بالإتيان بها على أكمل شروطها ، ~~وأتم وظائفها ، خالصة من جميع شوائب عللها ، سالمة من طوارق آفاتها. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 26 PageV06P043 ~~قلت : ولا يكفي في مقام الإحسان تحسين الوظائف فقط ، بل لا بد فيه من كشف ~~حجاب الكائنات ، حتى يفضي إلى شهود المكون ، فيعبد الله على العيان. كما في ~~الحديث : " أن تعبد الله كأنك تراه " فإذا تقرر هذا ؛ فالآية مشتملة على ~~تدريج السلوك ؛ فأول مقامات المريد : الإسلام ، ثم الإيمان ، كما في الآية ~~، ثم يكون من القانتين المداومين على الطاعة ، ثم يكون ms2270 من الصادقين في ~~أقواله ، وأفعاله ، وأحواله ، صادقا في طلب مولاه ، غائبا عن كل ما سواه ، ~~ثم من الصابرين على مجاهدة النفس ، ومقاساة الأحوال ، وقطع المقامات ~~والمفاوز. وقال القشيري : من الصابرين على الخصال الحميدة وعن الخصال ~~الذميمة ، وعند جريان مفاجآت القضية. ه. ثم من الخاشعين الخاضعين لهيبة ~~الجلال ، مشاهدا لكمال أنوار الجمال. قال القشيري : الخشوع : إطراق السريرة ~~عند بواده الحقيقة. ه. # ثم يتحقق بأوصاف الكمال ؛ كالسخاء والكرم ، فيبذل ما عنده في مرضاة ربه ، ~~فيكون من المتصدقين بأموالهم وأنفسهم ، حتى لا يكون لأحد معهم خصومة فيما ~~أخذوا منهم وقالوا فيهم ، ثم يصوم عن شهود السوى ، ثم يحفظ فرجه عن وقاع ~~الشهوة والهوى ، فلا ينزل إلى سماء الحقوق ، أو أرض الحظوظ ، إلا بالإذن ~~والتمكين ، والرسوخ في اليقين. ثم يكون من المستهترين بذكر الله ، أعني ذكر ~~الروح والسر ، وهو مقام الإحسان ، الذي هو محل العيان ، فيكون ذاكرا بالله ~~، مذكورا في حضرة الله ، مشهورا في ملكوت الله. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. # 28 # جزء : 6 رقم الصفحة : 26 PageV06P044 ~~{وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا وإذ تقول للذيا أنعم الله ~~عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه...}. # يقول الحق جل جلاله : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} أي : ما صح لرجل مؤمن ، ~~ولا امرأة مؤمنة ، {إذا قضى الله ورسوله أمرا} من الأمور {أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم} أي : أن يختاروا من أحدهم شيئا ، بل الواجب عليهم أن ~~يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه ، واختيارهم تلوا لاختياره. PageV06P045 # نزلت في زينب بنت جحش ، وأخيها عبد الله بن جحش. وكانت زينب بنت أميمة بنت ~~عبد المطلب ، عمة النبي صلى الله عليه وسلم ، فخطبها عليه الصلاة والسلام ~~لمولاه زيد بن حارثة ، فلما خطبها ، ظنت أنه يخطبها لنفسه ، فرضيت ، فلما ~~علمت أنه خطبها لزيد كرهت وأبت ، وقالت : أنا أم نساء قريش ، وابنة ms2271 عمتك ، ~~فلم أكن أرضه لنفسي ، وكذلك قال أخوها. وكانت بيضاء جميلة ، وكان فيها ~~بذاذة ، فأنزل الله الآية ، فأعلمهم أنه لا اختيار لهم على ما قضى الله ~~ورسوله. فلما نزلت الآية إلى قوله : {مبينا} قالت : رضيت يا رسول الله ، ~~وجعلت أمرها بيد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أخوها ، فأنكحها صلى الله ~~عليه وسلم زيدا ، فدخل بها ، وساق إليها النبي صلى الله عليه وسلم عشرة ~~دنانير ، وستين درهما ، وملحفة ، ودرعا ، وإزارا ، وخمسين مدا من طعام ، ~~وثلاثين صاعا من تمر. وقيل نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وكانت ~~من أول من هاجر من النساء ، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقبلها ، ~~وقال : زوجتها من زيد ، فسخطت هي وأخوها ، وقالا : إنما أردنا النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فنزلت. والأول أصح. # جزء : 6 رقم الصفحة : 29 # وإنما جمع الضمير في " لهم " ، وكان من حقه أن يوحد ؛ لأن المذكورين وقعا ~~نكرة في سياق النفي ، فعما كل مؤمن ومؤمنة ، فرجع الضمير إلى المعنى ، لا ~~إلى اللفظ. والخيرة : ما يتخير ، وفيه لغتان : سكون الياء ، وفتحها ، وتؤنث ~~وتذكر باعتبار الفعل ؛ لمجاز تأنيثها. # {ومن يعص الله ورسوله} فيما اختار وقضى {فقد ضل ضلالا مبينا} بين ~~الانحراف عن الصواب. فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال ~~كفر ، وإن كان عصيان فعل ، مع قبول الأمر ، واعتقاد الوجوب ، فهو ضلال فسق. PageV06P046 # ثم إن زينب مكثت عند زيد زمانا ، فأتى عليه الصلاة والسلام ذات مرة دار زيد ~~، لحاجة ، فأبصرها في درع وخمار ، فوقعت في نفسه ، وذلك لما سبق في علم ~~الله من كونها له. # 29 # فقال : " سبحان مقلب القلوب " ، وكانت نفسه قبل ذلك تنفر منها ، لا ~~تريدها ، فانصرف ، وسمعت زينب بالتسبيحة ، فذكرتها لزيد ، ففطن ، وألقي في ~~نفسه كراهيتها والرغبة عنها في الوقت ، وقال : يا رسول الله ؛ إني أريد ~~فراق صاحبتي ؟ فقال : " ما لك ، أرابك منها شيء ؟ " فقال : لا والله ، ما ~~رأيت منها إلا خيرا ، إلا أنها تتعظم علي ، لشرفها ، وتؤذيني بلسانها ، ~~فقال النبي صلى الله عليه ms2272 وسلم : " أمسك عليك زوجك واتق الله ". وهذا معنى ~~قوله : {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} بالإسلام الذي هو من أجل النعم ~~{وأنعمت عليه} بالإعتاق والتبني ، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ، وهو زيد بن حارثة : {أمسك عليك زوجك} زينب ، {واتق الله} ~~فلا تطلقها ، وهو نهي تنزيه ، أو : اتق الله ، فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر ~~وأذى الزوج ، {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} أي : تخفي في نفسك نكاحها إن ~~طلقها زيد ، وقد أبداه الله وأظهره ، وقيل : الذي أخفاه في نفسه : تعلق ~~قلبه بها ، ومودة مفارقة زيد إياها. # قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : والصواب أن المعنى : وتخفي في ~~نفسك ما اطلعت عليه ؛ من مفارقة زيد لها ، وتزوجك إياها بعده ، فإن هذا هو ~~الذي أبداه سبحانه وأظهره بعد ذلك. وأما قوله : {وتخشى الناس والله أحق أن ~~تخشاه} فإنما يعني به الحياء من الناس في أن يقابلهم بما يسوؤهم ، وهو ~~إخبار زيد بما أطلعه الله عليه من صيرورة زوجته زينب له ، بعد مفارقة زيد ~~لها ، لأنه لم يؤمر بإفشاء ذلك ، وإلا لبلغ من غير روية ولا حشمة ، سالكا ~~في ذلك سنة من خلا قبله من الأنبياء ، الذين لا يخشون في التبليغ أحدا إلا الله. PageV06P047 # جزء : 6 رقم الصفحة : 29 # وقال القشيري : أي : تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة في قصة زيد [والفتنة ~~التي يقعون فيها هي ظنهم أنه عليه الصلاة والسلام عشقها ، وأمره بطلاقها] ~~وكانت تلك الخشية إشفاقا منه عليهم ، ورحمة لهم ألا يطيقوا سماع هذه الحالة ~~، بأن يخطر ببالهم ما ليس في وسعهم. وأما قوله : {أمسك عليك...} الآية مع ~~علمه بما يؤول إليه الأمر في العاقبة ، بما أطلعه الله عليه من فراقه لها ~~فإقامة الشريعة. ه. ملخصا. # وفي الوجيز : {وتخشى الناس} أي : تكره مقالة الناس لو قلت طلقها ، فيقال ~~: أمر رجلا فطلق امرأته ثم تزوجها. وقد نقل في نوادر الأصول عن علي بن ~~الحسين : أن الله أعلم نبيه أنها تكون من أزواجه ، فأخفى ذلك. فلما جاء ms2273 زيد ~~يشكوها ؛ قال له : اتق الله ، وأمسك عليك زوجك ، قال : فعلي بن حسين جاء ~~بها من خزانة العلم ، جوهرا من الجواهر ، ودرا من الدرر ، وأنه إنما عتب ~~الله عليه في أنه قد أعلمه ، ثم قال بعد ذلك لزيد : أمسك.. رعاية لما يقال ~~، وتركا لتدبير الله ، مع كونه أحق بالرعاية ، وكيف ، وفي ذلك تشريع لئلا ~~يكون على المؤمنين حرج وضيق فيما فرض الله له فيما أعلمه. ثم قال : والحاصل ~~أنه عليه الصلاة والسلام لم يلم بخطيئة ، بدليل أنه لم يؤمر بتوبة ولا # 30 # استغفار ، وإنما أخبره بما أضمر في نفسك ، خشية افتتان الغير ، والله أحق ~~أن يخشى ، بأن يبتهل إليه ؛ ليزيل عنهم ما يخشى فيهم. # قال ابن عرفة : الصواب : أن ما أخفاه في نفسه هو : أن الله أخبره أن ~~سيتزوجها. وما قاله ابن عطية لا يحل أن يقال ، لأنه تنقيص لم يرد في حديث ~~صحيح. وإنما ذكره المفسرون. ه. قلت : إنما يكون تنقيصا إذا كان ذلك الواقع ~~في القلب ثابتا ، وأما إن كان خاطرا مارا فلا نقص ؛ إذ ليس في طوق البشر ؛ ~~لأنه من أوصاف العبودية ، بل الكمال في دفعه بعد هجومه. PageV06P048 # ثم قال ابن عرفة ، على قوله : {وتخشى الناس} هو تمهيد لعذره ، وإن كان ~~لمجرد أمر الله له بذلك ، ولا ينبغي حمله على أنه خاف الناس فقط. بل المراد ~~: عتابه على خلط خوفه من الله بخوفه من الناس ، وأمره ألا يخاف إلا من الله ~~فقط ، خوفا غير مشوب بشيء. ه. قلت : إذا فسرنا الخشية بالحياء لا يحتاج إلى ~~هذا التعسف ، مع أن الخوف من الخلق مذموم ، وحده أو مع خوف الله ، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك ، أي : تستحي من الناس أن يقولوا : نكح ~~امرأة ابنه ، وكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياء من العذراء في ~~خدرها. والحياء ممدوح عند الخاص والعام. وأما قوله تعالى : {والله أحق أن ~~تخشاه} فتنبيه على أن الحياء في بعض المواضع تركه أولى ، فهو ترقية له ، ~~وتربية لوقت آخر. أو : وتخشى أن يفتتن ms2274 الناس بذلك ، والله أرحم بهم من غيره ~~، فالله أحق أن تخشى ، فتبتهل إليه في زوال ذلك عنهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 29 # الإشارة : في الآية الأولى حث على التفويض وترك الاختيار ، مع ما أمر به ~~الواحد القهار. وفي الحكم : " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في ~~الوقت غير ما أظهر الله ". فالواجب على العبد أن يكون في الباطن مستسلما ~~لقهره ، وفي الظاهر متمثلا لأمره ، تابعا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ~~ولما يوجب رضاه ومحبته. وفي الآية الثانية تنبيه على أن خواص الخواص ~~يعاتبون على ما لا يعاتب عليه الخواص. والخواص ، يعاتبون على ما لا يعاتب ~~عليه العوام ، فكلما علا المقام ، واشتد القرب ، اشتدت المطالبة بالأدب ، ~~ووقع العتاب على أدنى ما يخل بشيء من الأدب ، على عادة الوزراء مع الملك. ~~وذلك أمر معلوم ، مذوق عند أهل القلوب. وبالله التوفيق. # ثم ذكر تزوجه عليه الصلاة والسلام لزينب بعد مفارقة زيد ، فقال : PageV06P049 # {فلما قضىا زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج فيا أزواج ~~أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ما كان على النبي من حرج ~~فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ~~الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفىا بالله ~~حسيبا}. # 31 # يقول الحق جل جلاله : {فلما قضى زيد منها وطرا} حاجة ، بحيث ملها ولم تبق ~~له فيها حاجة. والوطر : الحاجة ، فإذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة ~~، يقال : قضى منه وطرا ، أي : فلما قضى حاجته منها ، وطلقها ، وانقضت عدتها ~~، {زوجناكها}. روي أنها لما اعتدت قال عليه الصلاة والسلام لزيد : " ما ~~أجد أحدا أوثق في نفسي منك ، ايت زينب فاخطبها لي " قال زيد : فأتيتها ~~ووليتها ظهري ، إعظاما لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقلت : يا زينب إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يخطبك ، ففرحت ، وقالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى ~~أؤامر ربي ، فقامت إلى مسجدها ms2275 ، فنزل القرآن : {فلما قضى زيد...} الآية ، ~~فتزوجها عليه الصلاة والسلام ، ودخل بها حينئذ ، وما أولم على امرأة ما ~~أولم عليها ، ذبح شاة ، وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار. # وقيل : زوجه الله تعالى إياها بلا واسطة عقد ، ويؤيده : أنها كانت تقول ~~لسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله زوجني من فوق سبع سماوات ، ~~وأنتن زوجكن أولياؤكن. وكانت تقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لأدل ~~عليك بثلاث ، ما من نسائك امرأة تدل عليك بهن : جدي وجدك واحد ، وإياي ~~أنكحك الله من السماء ، وإن السفير لي جبريل. PageV06P050 # جزء : 6 رقم الصفحة : 29 # ثم علل تزويجه إياها ، فقال : {لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم} الذين يتبنونهم {إذا قضوا منهن وطرا} قال الحسن : ظنت العرب أن ~~حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم ، فبين الله تعالى الفرق بينهما ، وأن ~~حلائل الأدعياء غير محرمة. وليست كحلائل أبناء الصلب. قال البيضاوي : وفيه ~~دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد ، إلا ما خصه الدليل. ه. {وكان أمر الله} ~~الذي يريد أن يكونه {مفعولا} مكونا لا محالة ، كما كان تزويج زينب. # {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له} أي : حل له ، أو : قسم له ، ~~من قولهم : فرض له في الديوان كذا ، وفروض العساكر ، لأرزاقهم. أي : لا حرج ~~على النبي فيما حل له وأمر به ، كتزويج زينب ، أو : قسم له من عدد النساء ~~بلا حد ، {سنة الله} مصدر مؤكد لما قبله من قوله : {ما كان على النبي من ~~حرج} أي : سن ذلك سنة في الأنبياء الماضين ، وهو : ألا حرج عليهم في ~~الإقدام على ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره. وكانت تحتهم ~~المهائر والسراري ، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة ، وثلاثمائة سرية. ~~{في الذين خلوا من قبل} في الأنبياء الذين مضوا من قبله ، {وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا} أي : قضاء مقضيا ، وحكما مثبوتا مبرما ، لا مرد له. # 32 # {الذين يبلغون رسالات الله} هو صفة ل {الذين خلوا من قبل} ، أو : بدل ms2276 منه ~~، أو : مدح لهم منصوب ، أو : مرفوع ، أي : هم الذين ، أو : أعني الذين ~~يبلغون رسالات الله ، {ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} ونبينا صلى الله ~~عليه وسلم من جملتهم ومن أشرافهم ، {وكفى بالله حسيبا} للمخاوف ، أو : ~~محاسبا ، فينبغي ألا يخشى إلا منه تعالى. PageV06P051 # الإشارة : إذا تمكن العبد مع مولاه وتحققت محبته فيه ، كانت حوائجه مقضية ، ~~وهمته كلها نافذة ، إذا اهتم بشيء ، أو خطر على قلبه شيء ، مكنه الله منه ، ~~وسارع في قضائه ، كما فعل مع حبيبه ، حين خطر بباله تزوج زينب ، أعلمه أنه ~~زوجه إياها. وأهل مقام الفناء جلهم في هذا المقام ، إذا اهتموا بشيء كان ، ~~إذا ساعدتهم المقادير ، وإلا فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار ، ولذلك ~~قال هنا : {وكان أمر الله مفعولا} ، {وكان أمر الله قدرا مقدورا}. وصفة أهل ~~الهمم القاطعة : أنهم لا يخافون إلا الله ، ولا يخشون أحدا سواه ، لا ~~يخافون في الله لومة لائم ، ذكرهم لله دائم ، وقلبهم في الحضرة هائم. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 29 PageV06P052 ~~يقول الحق جل جلاله : {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} أي : لم يكن أبا رجل ~~منكم حقيقة ، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده ؛ من حرمة الصهر ~~والنكاح ، والمراد : من رجالكم البالغين ، وأما أولاده : القاسم ، والطيب ، ~~والطاهر ، فماتوا قبل أن يكونوا رجالا ، وأما الحسن والحسين ، فأحفاد ، لا ~~أولاد. {ولكن} كان {رسول الله} وكل رسول أبو أمته ، فيما يرجع إلى وجوب ~~التوقير والتعظيم له عليهم ، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه ، لا في سائر ~~الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء. وزيد واحد من رجالكم ، الذين ليسوا ~~بأولاد حقيقة ، فكان حكمه حكمهم. والتبني من باب الاختصاص والتقريب ، لا ~~غير. {و} كان أيضا صلى الله عليه وسلم {خاتم النبيين} أي : آخرهم الذي ~~ختمهم ، أو : ختموا به على قراءة عاصم. بفتح التاء ، بمعنى : الطابع ، كأنه ~~طبع وختم على مقامات النبوة ، كما يختم على الكتاب لئلا يلحقه شيء. فلا نبي ~~بعده. وعيسى ممن نبىء قبله ، وحين ينزل ينزل عاملا على شريعته صلى الله ms2277 ~~عليه وسلم ، كأنه بعض أمته. ومن قرأ بكسر التاء ، فمعناه : فاعل الختم ، ~~كما قال عليه الصلاة والسلام : " أنا خاتم النبيين فلا نبي بعدي " ويصح ~~أن يكون بمعنى الطابع أيضا ؛ إذ فيه لغات ؛ خاتم بالفتح والكسر وخاتام ، # 33 # وخيتام. {وكان الله بكل شيء عليما} فيعلم من يليق بأن يختم به النبوة ، ~~وكيف ينبغي شأنه. # الإشارة : كان صلى الله عليه وسلم أبا الأرواح حقيقة ؛ إذ الوجود كله ~~ممتد من نوره ، وأبا الأشباح باعتبار أنه السابق نوره. فأول ما ظهر نوره ~~عليه الصلاة والسلام ومنه امتدت الكائنات ، فهو بذرة الوجود. وسيأتي في ~~قوله : {فأنا أول العابدين} [الزخرف : 81] تتميم ذلك إن شاء الله. ولم يكن ~~أبا باعتبار تولد الصلب ، وهو الذي نفاه الله تعالى عنه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 33 PageV06P053 ~~يقول الحق جل جلاله : {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} أي : لم يكن أبا رجل ~~منكم حقيقة ، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده ؛ من حرمة الصهر ~~والنكاح ، والمراد : من رجالكم البالغين ، وأما أولاده : القاسم ، والطيب ، ~~والطاهر ، فماتوا قبل أن يكونوا رجالا ، وأما الحسن والحسين ، فأحفاد ، لا ~~أولاد. {ولكن} كان {رسول الله} وكل رسول أبو أمته ، فيما يرجع إلى وجوب ~~التوقير والتعظيم له عليهم ، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه ، لا في سائر ~~الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء. وزيد واحد من رجالكم ، الذين ليسوا ~~بأولاد حقيقة ، فكان حكمه حكمهم. والتبني من باب الاختصاص والتقريب ، لا ~~غير. {و} كان أيضا صلى الله عليه وسلم {خاتم النبيين} أي : آخرهم الذي ~~ختمهم ، أو : ختموا به على قراءة عاصم. بفتح التاء ، بمعنى : الطابع ، كأنه ~~طبع وختم على مقامات النبوة ، كما يختم على الكتاب لئلا يلحقه شيء. فلا نبي ~~بعده. وعيسى ممن نبىء قبله ، وحين ينزل ينزل عاملا على شريعته صلى الله ~~عليه وسلم ، كأنه بعض أمته. ومن قرأ بكسر التاء ، فمعناه : فاعل الختم ، ~~كما قال عليه الصلاة والسلام : " أنا خاتم النبيين فلا نبي بعدي " ويصح ~~أن يكون بمعنى الطابع أيضا ؛ إذ فيه لغات ؛ خاتم بالفتح والكسر ms2278 وخاتام ، # 33 # وخيتام. {وكان الله بكل شيء عليما} فيعلم من يليق بأن يختم به النبوة ، ~~وكيف ينبغي شأنه. # الإشارة : كان صلى الله عليه وسلم أبا الأرواح حقيقة ؛ إذ الوجود كله ~~ممتد من نوره ، وأبا الأشباح باعتبار أنه السابق نوره. فأول ما ظهر نوره ~~عليه الصلاة والسلام ومنه امتدت الكائنات ، فهو بذرة الوجود. وسيأتي في ~~قوله : {فأنا أول العابدين} [الزخرف : 81] تتميم ذلك إن شاء الله. ولم يكن ~~أبا باعتبار تولد الصلب ، وهو الذي نفاه الله تعالى عنه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 33 PageV06P054 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} قياما ~~، وقعودا ، وعلى جنوبكم ، قال ابن عباس : (لم يعذر أحد في ترك ذكر الله عز ~~وجل إلا من غلب على عقله). وقال : الذكر الكثير : ألا تنساه أبدا. وروى ~~أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أكثروا ذكر الله حتى ~~يقولوا مجنون " والذكر أنواع : تهليل ، وتحميد ، وتقديس ، واستغفار ، ~~وتلاوة ، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل : المراد : ذكر القلوب ~~، فإن الذكر الذي يمكن استدامته ، هو ذكر القلب ، وهو استدامة الإيمان ~~والتوحيد. وأما ذكر اللسان فإن إدامته كالمتعذر. قاله القشيري. {وسبحوه} أي ~~: نزهوه ، أو : قولوا : سبحان الله وبحمده ، {بكرة} أول النهار {وأصيلا} ~~آخر النهار. وخصا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما. ~~وعن قتادة : (قولوا : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله ~~أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله). أو : الفعلان أي : {اذكروا} و{سبحوه} ~~موجهان إلى البكرة والأصيل ، كقولك : صم وصل يوم الجمعة. والتسبيح من جملة ~~الذكر ، وإنما اختص من بين أنواعه إبانة لفضله ؛ لأن معناه : تنزيه ذاته ~~عما لا يجوز عليه من الصفات. ويجوز أن يراد بالذكر وإكثاره : تكثير الطاعات ~~والعبادات ، فإنها من جملة الذكر ، ثم خص من الذكر التسبيح بكرة ، وهي صلاة ~~الفجر ، وأصيلا ، وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، أو : صلاة الفجر ~~والعشاءين. # {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} لما كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه # 34 PageV06P055 ~~وسجوده ms2279 استعير لمن ينعطف على غيره ، حنوا عليه ، كحنو المرأة على ولدها. ثم ~~كثر ، حتى استعمل في الرحمة والترؤف ، ومنه قولهم : صلى الله عليك ، أي : ~~ترحم عليك وترأف. فإن قلت : صلاة الله غير صلاة الملائكة ، فكيف اشتركا في ~~العطف ؟ قلت : لاشتراكهما في قدر مشترك ، وهو إرادة وصول الخير إليهم ، إلا ~~أنه منه تعالى برحمته ، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار. # جزء : 6 رقم الصفحة : 34 # وذكر السدي : أن بني إسرائيل قالت لموسى عليه السلام : أيصلي ربنا ؟ فكبر ~~هذا الكلام على موسى عليه السلام ، فأوحى الله إليه : أن قل لهم : إني أصلي ~~، وإن صلاتي رحمتي ، وقد وسعت كل شيء. وفي حديث المعراج : " قلت : إلهي ؛ ~~لما لحقني استيحاش قبل قدومي عليك ، سمعت مناديا ينادي بلغة ، تشبه لغة أبي ~~بكر ، فقال : قف ، إن ربك يصلي ، فعجبت من هاتين ، هل سبقني أبو بكر إلى ~~هذا المقام ، وإن ربي لغني عن أن يصلي ؟ فقال تعالى : أنا الغني عن أن أصلي ~~لأحد ، وإنما أقول : سبحاني ، سبقت رحمتي غضبي. اقرأ يا محمد : {هو الذي ~~يصلي عليكم...} الآية ، فصلاتي رحمة لك ولأمتك. ثم قال : وأما أمر صاحبك ، ~~فخلقت خلقا على صورته ، يناديك بلغته ، ليزول عنك الاستيحاش ، لئلا يلحقك ~~من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك ". والمراد بصلاة الملائكة : ~~قولهم : اللهم صل على المؤمنين. جعلوا لكون دعائهم بالرحمة مستجابا كأنهم ~~فاعلون الرحمة. والمعنى : هو الذي يترحم عليكم ويترأف ، حيث يدعوكم إلى ~~الخير ، ويأمركم بإكثار ذكره ، ويأمر ملائكته يترحمون عليكم ، ويستغفرون ~~لكم ، ليقربكم ، ويخصكم بخصائص ليست لغيركم. بدليل : {ليخرجكم من الظلمات ~~إلى النور} من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، ثم من ظلمات المعاصي إلى نور ~~الطاعة ، ثم من ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة ، ثم من ظلمات الحجاب إلى نور ~~العيان. وقيل : يصلي عليكم : يشيع لكم الذكر الجميل في عباده. PageV06P056 # {وكان} الله {بالمؤمنين رحيما} قد اعتنى بصلاح أمرهم ، وإثابة أجرهم ، ~~واستعمل في خدمتهم ملائكته المقربين ، وهو دليل على أن المراد بالصلاة : ~~الرحمة ، حيث صرح بكونه رحيما بهم. قال أنس : لما نزل ms2280 قوله تعالى : {إن ~~الله وملائكته يصلون على النبي} قال أبو بكر : يا رسول الله ما خصك الله ~~بشريف إلا وقد اشتركنا فيه ، فأنزل قوله : {هو الذي يصلي عليكم...} الخ. # {تحيتهم} أي : تحية الله لهم ، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله ، {يوم ~~يلقونه} عند الموت. قال ابن مسعود : إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن ، ~~قال : ربك يقرئك السلام. أو : يوم الخروج من القبور ، تسلم عليهم الملائكة ~~وتبشرهم. أو : يوم يرونه في الجنة ، {سلام} يقول الله تبارك وتعالى : " ~~السلام عليكم يا عبادي ، هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد ~~أعطيت ما لم تعط أحدا من العالمين. فيقول لهم : # 35 # أعطيكم أفضل من ذلك ، أحل عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم أبدا " كما في ~~البخاري. وفي رواية غيره : يقول تعالى : " السلام عليكم ، مرحبا بعبادي ~~الذين أرضوني باتباع أمري " هو إشارة إلى قوله : {سلام عليكم طبتم} [الزمر ~~: 73]. {وأعد لهم أجرا كريما} يعني الجنة وما فيها. # جزء : 6 رقم الصفحة : 34 # الإشارة : قال القشيري : قوله تعالى : {اذكروا الله ذكرا كثيرا} الإشارة ~~فيه : أحبوا الله لقوله عليه الصلاة والسلام " من أحب شيئا أكثر من ذكره ~~" فيحب أن يقول : الله ، ولا ينس الله بعد ذكر الله. ه. قلت : لأن ذكر الله ~~عنوان محبته ، ومنار وصلته ، وهو الباب الأعظم في الدخول إلى حضرته ، ولله ~~در القائل : # الذكر عمدة لكل سالك # تنورت بنوره المسالك>> هو المطية التي لا تنتكب # ما بعدها في سرعة الخطا نجب>> به القلوب تطمئن في اليقين # ما بعده على الوصال من معين>> به بلوغ السالكين للمنى PageV06P057 ~~به بقاء المرء من بعد الفنا>> به إليك كل صعب يسهل # به البعيد عن قريب يحصل>> فهو أقوى سبب لديك # وكله إليك ، لا عليك>> فكل طاعة أتى الفتى بها # هو أساسها ، كذاك سقفها>> ووحده يفوق كل طاعه # كما أتى عن صاحب الشفاعه>> كفى بفضله لدا البيان # ذهابه بالسهو والنسيان>> إذا ذكرت من له الغنى العظيم # لديك يصغر الفقير يا نديم>> عليه دم حتى إذا تجوهرا # بسره ms2281 الفؤاد كل ما ترى>> ترى به المذكور دون ستر # وقد علا الإدراك درك الفكر>> به الحبيب في الورى تجلى # به السوى عن الحجا تولى # به تمكن المريد في الفنا # حتى يصير قائلا أنا أنا>> به رجوعه إلى العبادة # به التصرف الذي في العاده>> تالله لو جئت بكل قول # ما جئتكم بما له من فضل # اه. # 36 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبق المفردون " ، قيل : من ~~المفردون يا رسول الله ؟ " قال : المستهترون بذكر الله ، يضع الذكر عنهم ~~أثقالهم ، فيردون يوم القيامة خفافا " وسئل صلى الله عليه وسلم : أي ~~المجاهدين أعظم أجرا ؟ قال : " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " قيل : فأي ~~الصالحين أعظم أجرا ؟ قال : " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " ثم ذكر ~~الصلاة والزكاة والحج والصدقة ، كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " فقال أبو بكر لعمر : يا أبا حفص ؛ ذهب ~~الذاكرون بكل خير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أجل " رواه أحمد ~~والطبراني. # جزء : 6 رقم الصفحة : 34 PageV06P058 ~~وقوله تعالى : {هو الذي يصلي عليكم...} الآية. قال الورتجبي : صلوات الله : ~~اختياره العبد في الأزل لمعرفته ومحبته ، فإذا خصه بذلك جعل زلاته مغفورة ، ~~وجعل خواص ملائكته مستغفرين له ، لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه عن ~~اشتغاله بالله ومحبته ، وبتلك الصلاة يخرجهم من ظلمات الطبع إلى نور ~~المشاهدة ، وهذا متولد من اصطفائيته الأزلية ورحمته الكافية القدسية. ألا ~~ترى إلى قوله : {وكان بالمؤمنين رحيما} أي : قبل وجودهم ، حيث أوجدهم ، ~~وهداهم إلى نفسه ، بلا سبب ولا علة. ثم قال عن ابن عطاء : أعظم عطية للمؤمن ~~في الجنة : سلام الله عليهم من غير واسطة. ه. # وقوله تعالى : {تحيتهم يوم يلقونه سلام} قال القشيري : التحية إذا قرنت ~~بالرؤية ، واللقاء إذا قرن بالتحية ، لا يكون إلا بمعنى رؤية البصر ، ~~والتحية : خطاب يفاتح بها الملوك ، أخبر عن علو شأنهم ، فهذا السلام يدل ~~على علو رتبتهم. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 34 # قلت : " شاهدا " : حال مقدرة ، كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا. ms2282 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا} على من بعثت ~~إليهم ، على تصديقهم وتكذيبهم ، أي : مقبولا قولك عند الله ، لهم وعليهم ، ~~كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم ، {ومبشرا} للمؤمنين بالنعيم المقيم ، ~~{ونذيرا} للكافرين بالعذاب الأليم ، {وداعيا إلى الله} إلى الإقرار ~~بربوبيته ، وتوحيده ، وما يجب الإيمان به ، من صفاته ، ووعده ، ووعيده ، ~~{بإذنه} بأمره ، أو : بتيسيره. وقيد به الدعوى إيذانا بأنه أمر # 37 PageV06P059 ~~صعب ، لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه ، {وسراجا منيرا} يستضاء به في ~~ظلمة الجهالة ، وتقتبس من نوره أنوار الهداية ، قد جلى به الله ظلمات الشرك ~~، واهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ، ويهتدى به. ~~وقيل : المراد به القرآن ، فيكون التقدير : وذا سراج. ووصف بالإنارة ؛ لأن ~~من السرج من لا يضيء جدا إذا قل سليطه ، أي : زيته ورقت فتيلته. أو : ~~شاهدا بوحدانيتنا ، ومبشرا برحمتنا ، ونذيرا بنقمتنا ، وداعيا إلى عبادتنا ~~، وسراجا تنير الطريق إلى حضرتنا. # {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} ثوابا عظيما ، يربو على ثواب ~~سائر الأمم. وفي الحديث : " مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمن استأجر عمالا ~~إلى آخر اليوم ، فعملت اليهود إلى الظهر ، ثم عجزوا ، ثم عملت النصارى إلى ~~العصر ، فعجزوا ، ثم عملتم إلى آخر النهار ، فاستحققتم أجر الفريقين ، ~~فغضبت اليهود والنصارى ، وقالوا : نحن أكثر عملا ، وأقل أجرا ، فقال لهم ~~الله تعالى : هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلي أوتيه ~~من أشاء " وفي رواية : " أنهم عملوا إلى الظهر ، أو العصر. وقالوا : لا ~~حاجة لنا بأجرك ، فبطل أجر الفريقين " وهذا في حق من أدرك الإسلام منهم ولم ~~يؤمن. والحديث في الصحيح. نقلته بالمعنى. # قال البيضاوي : ولعله معطوف على محذوف ، أي : فراقب أمتك وبشرهم. ه. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 37 PageV06P060 ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين} أي : دم على مخالفتهم ، وهو تهييج وتنفير عن ~~حالهم ، {ودع أذاهم} أي : لا تلتفت إليه ، ولا تحتفل بشأنه. وهو من إضافة ~~المصدر إلى الفاعل ، أي : اجعل إيذائهم إياك في جانب ، وأنت في جانب ، ولا ~~تبال بهم ms2283 ، ولا تخف من إيذائهم. أو : إلى المفعول ، أي : دع إيذاءك إياهم ~~مجازاة ومؤاخذة على كفرهم. ولذلك قيل : إنه منسوخ. {وتوكل على الله} فإنه ~~يكفيكهم ، {وكفى بالله وكيلا} موكولا عليه ، ومفوضا إليه الأمر في الأحوال ~~كلها ، ولعله تعالى لما وصفه بخمسة أوصاف ، قابل كلا منها بخطاب مناسب له ، ~~فقابل الشاهد بقوله : {وبشر المؤمنين} لأنه يكون شاهدا عل أمته ، وهم ~~يكونون شهداء على سائر الأمم ، وهو الفضل الكبير ، وقابل المبشر بالإعراض ~~عن الكافرين والمنافقين ؛ لأنه إذا أعرض عنهم أقبل بكليته على المؤمنين ، ~~وهو مناسب للبشارة ، وقابل النذير بدع أذاهم ؛ لأنه إذا ترك أذاهم في ~~العاجل ، والأذى له ، لا بد له من عقاب عاجل أو آجل ، كانوا منذرين به في ~~المستقبل. وقابل الداعي إلى الله بأمره بالتوكل عليه ؛ لأن من توكل على ~~الله يسر عليه كل عسير ، فتسهل الدعوة ، ويتيسر أمرها ، وقابل السراج ~~المنير بالاكتفاء به وكيلا ؛ لأن من أناره الله وجعله برهانا على جميع خلقه ~~كان حقيقا بأن يكتفي به عن جميع خلقه. والله تعالى أعلم. # 38 PageV06P061 ~~الإشارة : قال الورتجبي : إنا أرسلناك بالحقيقة شاهدا ، أنت شاهدنا ، ~~شاهدناك وشهدت علينا ، فألبستك أنوار ربوبيتي ، فمن شهدك بالحقيقة فقد ~~شهدنا. قلت : لأن نوره صلى الله عليه وسلم أول نور ظهر من نور الحق ، فمن ~~شهده شهد الحق. ثم قال : ومن نظر إليك فقد نظر إلينا. قال صلى الله عليه ~~وسلم : " فقد عرف الحق ، ومن رآني فقد رأى الحق " ثم قال : {وسراجا منيرا} ~~أسرجت نورك من نوري ، فتنور بنوري عيون عبادي المؤمنين ، فيأتون إلي بنورك. ~~ثم أمره بأن يبشر المؤمنين بأنهم يصلون إلى مشاهدته ، بلا حجاب ولا عتاب. ه. # قال القشيري : يا أيها المشرف من قبلنا ؛ إنا أرسلناك شاهدا بوحدانيتنا ، ~~ومبشرا ، تبشر عبادنا بنا ، وتحذرهم مخالفة أمرنا ، وتعلمهم مواضع الخوف ~~منا ، وداعيا الخلق إلينا بنا ، وسراجا منيرا يستضيئون بك ، وشمسا ينبسط ~~شعاعك على جميع من صدقك وآمن بك ، ولا يصل إلينا إلا من اتبعك وخدمك وقدمك ~~، {وبشر المؤمنين} بفضلنا عليهم ، ونيلهم طولنا عليهم ، وإحساننا إليهم. ~~ومن ms2284 لم تؤثر فيهم بركة إيمانهم بك ؛ فلا قدر لهم عندنا. ولا تطع من أعرضنا ~~عنه وأضللناه ، من أهل الكفر والنفاق ، وأهل البدع والشقاق ، وتوكل على ~~الله ؛ بدوام الانقطاع إليه ، وكفى باله وكيلا. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 37 PageV06P062 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} أي : ~~تزوجتموهن. والنكاح في الأصل : الوطء ، من : تناكحت الأشجار : إذا التصق ~~بعضها ببعض. وتسمية العقد نكاحا مجاز ؛ لملابسته له ، من حيث إنه طريق إليه ~~، كتسمية الخمر إثما ؛ لأنها سببه ، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا ~~في معنى العقد ؛ لأنه لو استعمل في الوطء لكان تصريحا به ، ومن آداب القرآن ~~الكناية عنه بلفظ الملامسة ، والمماسة ، والقربان ، والتغشي ، والإتيان ، ~~تعليما للأدب والحياء. وفي تخصيص المؤمنات ، مع أن الكتابيات تساوي ~~المؤمنات في هذا الحكم ، إشارة إلى أن الأولى للمؤمن أن ينكح المؤمنة ، ~~تخييرا للنطفة. والمعنى : إذا تزوجتم النساء {ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن} تجامعوهن. والخلوة الصحيحة كالمس ، {فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها} أي : تستوفون عددها ، وتعدونها عليهن ، من : عددته الدراهم ~~فاعتدها ، كقوله : كلته الطعام فاكتاله. والإسناد إلى الرجال للدلالة على ~~أن العدة تجب على النساء لحق الأزواج ، كما يشعر به ، {فما لكم} والإتيان ب ~~" ثم " إزاحة ما عسى أن يتوهم أن تراخي # 39 # الطلاق ربما يمكن الإصابة فتجب العدة. # {فمتعوهن} بشيء من المال ، وهذا في المفوض لها قبل الفرض ، وأما المفروض ~~لها ، أو المسمى صداقها ، فتأخذ نصف مهرها ، ولا متعة لها على المشهور. ~~{وسرحوهن سراحا جميلا} أي : لا تمسكوهن ضرارا ، وأخرجوهن من بيوتكم ؛ إذ لا ~~عدة لكم عليهن. قال القشيري : (سراحا جميلا) لا تذكروهن بعد الفراق إلا ~~بخير ، ولا تستردوا منهن شيئا ، ولا تجمعوا عليهن سوء الحال والإضرار من ~~جهة المال. ه. PageV06P063 # الإشارة : أيها المريدون ؛ إذا طلقتم نفوسكم ، وغبتم عنها بخمرة قوية ، من ~~قبل أن تمسوهن بمجاهدة ولا مخالفة ، فمتعوها بالشهود ، وسرحوا فكرتها في ~~ذات المعبود ، سراحا جميلا ، لا حجر فيه ولا حصر ، فمن رزقه الله الغيبة عن ~~نفسه ، حتى ms2285 غاب عن حظوظها وهواها ، فقد كفاه الله قتالها ، فيدخل الحضرة ~~بلا مشقة ولا تعب ، لكنه نادر ، وعلى تقدير وجوده يكون ناقص التربية ؛ لأنه ~~يكون كمن طويت له الطرق للحج ، فلا يعرفها كما يعرفها من سافر فيها ، وكابد ~~مشقتها ، وعرف منازلها ومياهها ، ووعرها وسهلها ، ومخوفها ومأمونها ، وكلهم ~~أولياء لله تعالى ، لكن طريق التربية أن يكون المريد سلك الطريقة ، وقاس ~~شدائد نفسه ، وعالجها ليعالج غيره بما يعالج نفسه ، على يد شيخ عارف ~~بالطريق. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 39 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن} مهورهن ؛ إذ المهر أجر البضع ، ولذا قال الكرخي من الحنفية : إن ~~النكاح بلفظ الإجارة جائز ، والجواب أن التأبيد من شرط النكاح ، والتأقيت ~~من شرط الإجارة ، وبينهما منافاة ، وإيتاؤها : إعطاؤها عاجلا ، أو فرضها في ~~المفوض ، وتسميته في المسمى. والمراد بالأزواج المحللة له عليه الصلاة ~~والسلام : نساؤه اللاتي في عصمته حينئذ ، كعائشة وغيرها ، وكان قد أعطاهن ~~مهورهن ، أو : جميع النساء اللاتي يريد أن يتزوجهن ، فأباح له جميع النساء. ~~وهذا أوسع. # {و} أحللنا لك {ما ملكت يمينك} من السراري {مما أفاء الله عليك} من # 40 PageV06P064 ~~الغنائم ، وهي صفية ، أعتقها وتزوجها. {ونبات عمك وبنات عماتك وبنات خالك ~~وبنات خالاتك} يعني قرابتك ، التي من جهة أبيك ، ومن جهة أمك. وكان له ~~عليه الصلاة والسلام أعمام وعمات ، إخوة لأبيه ، ولم يكن لأمه صلى الله ~~عليه وسلم أخ ولا أخت ، فإنما يعني بخاله وخالته : عشيرة أمه ، وهم بنو ~~زهرة ، ولذلك كانوا يقولون : نحن أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا ~~قلنا : المراد بقوله : {أحللنا لك أزواجك} من كان في عصمته ، فهذا عطف ~~عليهن ، وإباحة لأن يتزوج قرابته ، زيادة على من كان في عصمته ، وإذا قلنا ~~: المراد : جميع النساء ، فهذا تحديد لهن ، على وجه التشريف ، بعد دخولهن ~~في العموم. وقوله : {اللاتي هاجرن معك} قيد في حلية قرابته عليه الصلاة ~~والسلام . قالت أم هانىء : خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعتذرت ~~إليه ، فعذرني ، فأنزل الله ms2286 هذه الآية ، فلم أحل له ؛ لأني لم أهاجر معه ، ~~كنت من الطلقاء. # جزء : 6 رقم الصفحة : 40 # و" مع " هنا : ليست للاقتران ، بل لوجود الهجرة فقط ، كقوله : {وأسلمت مع ~~سليمان} [النمل : 44]. PageV06P065 # {و} أحللنا لك {امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} من غير مهر ولا عقد ، فهو ~~منصوب بفعل يفسره ما قبله ، أو : عطف على ما سبقه ، ولا يدفعه أن " التي " ~~للاستقبال ؛ لأن المعنى بالإحلال : الإعلام بالحل ، أي : أعلمناك حل امرأة ~~مؤمنة وهبت لك نفسها ، ولا تطلب مهرا إن اتفق ، ولذلك نكرها. واختلف في ~~اتفاق ذلك ، والقائل به ذكر أربعا : ميمونة بنت الحارث ، حين جاءها الخاطب ~~، قالت : البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتزوجها. وزينب ~~بنت خزيمة الأنصارية ، أم المساكين ، وتوفيت في حياته صلى الله عليه وسلم ، ~~وأم شريك بنت جابر الأسدية ، وقيل : أم شريك العامرية ، قيل : إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تزوجها ، ولم يثبت ذلك. ذكره ابن عبد البر. وخولة بنت ~~حكيم السلمية. ذكر البخاري عن عائشة أنها قالت : كانت خولة بنت حكيم من ~~اللائي وهبن أنفسهن. قال أبو نعيم : تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يدخل بها. قال السهيلي : فدل أنهن كن غير واحدة. والله أعلم. ه. وقال ~~ابن عباس : هو بيان حكم في المستقبل ، ولم يكن عنده أحد منهن بالهبة ، ~~فانظره. # وقرأ الحسن بفتح " أن " ، على حذف لام التعليل. وقرأ ابن مسعود رضي الله ~~عنه بغير " إن " أي : وأحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي إن أراد ~~النبي أن يستنكحها ، أي : طلب نكاحها والرغبة فيها. وقيل : نكح واستنكح ~~بمعنى واحد. والشرط الثاني تقييد للأول ، كأنه قال : أحللنا لك امرأة إن ~~وهبت نفسها ، وأنت تريد أن تستنكحها ، وإرادته هي : قبول الهبة. # جعلنا ذلك {خالصة لك من دون المؤمنين} بل يجب عليهم المهر ، تسمية أو # 41 PageV06P066 ~~فرضا. وفيه إيذان بأنه مما خص به عليه الصلاة والسلام لشرف نبوته ، ~~وتقرير لاستحقاقه الكرامة. قال ابن جزي : وانظر كيف رجع من الغيبة إلى ~~الخطاب ؛ ليخص المخاطب ms2287 وحده. وقيل : إن " خالصة " يرجع إلى كل ما تقدم من ~~النساء المباحات له صلى الله عليه وسلم ؛ لأن سائر المؤمنين قصروا على أربع ~~نسوة ، وأبيح له عليه الصلاة والسلام أكثر من ذلك. ومذهب مالك : أن ~~النكاح بلفظ الهبة لا ينعقد ، خلافا لأبي حنيفة. ه. قلت : إن قرنه ذكر ~~الصداق جاز ، كما في المختصر. # و(خالصة) : مصدر مؤكد ، أي : خلص إحلالها ، أو : إحلال ما أحللنا لك على ~~القيود المذكورة خلوصا لك. أو : حال من الضمير في (وهبت) ، أو : صفة لمصدر ~~محذوف ، أي : هبة خالصة لك. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 40 # قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} أي : ما أوجبنا من المهور على أمتك ~~في زوجاتهم ، أو : ما أوجبنا عليهم في أزواجهم من الحقوق ، كالنفقة وحسن ~~المعاشرة ، أو : ما فرضنا عليهم من الاقتصار على الأربع ، أو : ما أوجبنا ~~عليهم من الإشهاد والولي ، {وما ملكت أيمانهم} بالشراء وغيره من وجوه الملك ~~، فقد علمنا ما فرضنا عليهم من الإنفاق والرفق ، وألا يكلفوهن ما لا طاقة ~~لهن به ، مع حلية الوطء ، ولو تعددن. وإنما وسعنا عليك في أمر النساء ~~{لكيلا يكون عليك حرج} ضيق ، وهو راجع لقوله : {خالصة لك من دون المؤمنين} ~~والجملة من قوله : {قد علمنا ما فرضنا...} الخ : اعتراضية ؛ للدلالة على أن ~~الفرق بينه وبين المؤمنين في نحو ذلك ليس لمجرد التوسيع عليه ، بل لمعان ~~تقتضي التوسيع عليه والتضييق عليهم تارة ، والعكس أخرى ، كنكاح الكتابية ~~والأمة ، فتحرمان عليه صلى الله عليه وسلم دون أمته. {وكان الله غفورا ~~رحيما} بالتوسعة على عباده ، أو : غفورا لما يعسر التجرد عنه ، رحيما ~~بالتوسعة في مظان الحرج. PageV06P067 # الإشارة : قد وسع الله على خواصه في باب النكاح ، وأمدهم في ذلك بالقوة ، ~~وأعطاهم من الباءة ما لم يعط غيرهم ، تشريفا وترغيبا في هذا الأمر ، لإبقاء ~~النسل الطيب ، ولما فيه من التوسعة في المعرفة ، وحسن الخلق ، وتعلم ~~السياسة ، فدل ذلك أن كثرة النساء لا ينافي الزهد ، ولا يقدح في كمال ~~المعرفة ، بل يزيد فيها. قال الإمام ابن منصور المقدسي ، في شرح ms2288 منازل ~~السائرين في باب الزهد : ومتعلق الزهد ستة أشياء ، لا يستحق العبد اسم ~~الزهد حتى يزهد فيها ، وهي : المال ، والرئاسة ، والناس ، والنفس ، وكل ما ~~دون الله. وليس المراد رفضها عن الملك ، فقد كان داود وسليمان عليهما ~~السلام من أزهد أهل زمانهما ، ولهما من الملك والنساء والملك ما لهما. ~~وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أزهد البشر على الإطلاق ، وله تسع نسوة ، ~~وكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير ، ~~وعثمان رضوان الله عليهم من الزهاد ، مع ما لهم من الأموال أي : والنساء ~~فكان لعلي رضي الله عنه أربع حرائر ، وسبعة عشر سرية ، # 42 # ولعبد الرحمن بن عوف والزبير أربع أربع ، ولعثمان كذلك. وتزوج المغيرة بن ~~شعبة تسعا وتسعين امرأة. ثم قال : وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما من ~~الزهاد ، مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحهن. ثم قال : ومن أحسن ~~ما قيل في الزهد كلام الحسن وغيره ، قال : ليس الزهد في الدنيا بتحريم ~~الحلال ، ولا بإضاعة المال ، وإنما الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك ~~بما في يدك ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم ~~تصبك. انتهى المقصود منه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 40 PageV06P068 ~~يقول الحق جل جلاله لرسوله صلى الله عليه وسلم : {ترجي من تشاء منهن} أي : ~~تؤخرها في القسمة ، {وتؤوي إليك من تشاء} أي : تضمها إليك ، والمعنى : تترك ~~مضاجعة من تشاء منهن وتضاجع من تشاء ، فقد خيره الله في القسمة وعدمها. قال ~~أبو رزين : لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقن ، فقلن : يا نبي الله ؛ ~~اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ، ودعنا على حالنا ، فكان ممن أرجى منهن : ~~سودة ، وجويرية ، وصفية ، وميمونة ، وأم حبيبة ، فكان يقيم لهن ما يشاء ، ~~وكان ممن آوى إليه عائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وزينب ، فكان يقسم لهن ~~بالسوية ، لا يفضل بعضهن على بعض. فآوى أربعا وأرجى خمسا. وقيل : إنه كان ~~صلى الله عليه وسلم يسوي بين الجميع ms2289 في القسم ، إلا سودة ، فإنها وهبت ~~ليلتها لعائشة ، حين هم بطلاقها ، وقالت : لا تطلقني حتى أحشر في زمرتك وفي ~~نسائك. والجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعدل في القسمة بين نسائه ~~، أخذا منه بأفضل الأخلاق ، مع أن الله خيره. وقيل : {ترجي من تشاء} أي : ~~تطلق من تشاء منهن ، وتمسك من تشاء. وقيل : تترك تزوج من شئت من أمتك ، ~~وتتزوج من شئت. # {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} أي : ومن دعوت إلى فراشك ، وطلبت ~~صحبتها ، ممن عزلت عن نفسك بالإرجاء ، فلا ضيق في ذلك ، أي : ليس إذا ~~عزلتها من القسمة ، أو من العصمة ، لم يجز لك ردها إلى نفسك ، بل افعل ما ~~شئت ، فلا حرج عليك. {ذلك} التفويض إلى مشيئتك {أدنى أن تقر أعينهن ولا ~~يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} أي : هو أقرب إلى قرة أعينهن ، وقلة حزنهن ، ~~ورضاهن جميعا ؛ لأنه إذا علمن أن هذا الحكم من عند الله اطمأنت نفوسهن ، ~~وذهب التغاير ، وحصل الرضا ، وقرت العيون. # قلت : والذي يظهر أن من أرجاه صلى الله عليه وسلم من النساء إنما كان ~~بوحي ، ومن ضمه كذلك ؛ # 43 PageV06P069 ~~إذ لا يتصرف إلا بإذن من الله ، فإذا علم النساء أن الإرجاء والإيواء كان ~~بوحي من الله ؛ رضين بذلك ، وقرت أعينهن ، وزال تغايرهن ، وأما مطلق ~~التفويض إليه فقط ، فلا يقطع الغيرة في العادة ، فالإشارة تعود إلى حكم ~~الإرجاء والإيواء فتأمله. و" كلهن " : تأكيد ضمير " يرضين ". # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 43 # والله يعلم ما في قلوبكم} من أمر النساء ، والميل إلى بعضهن ، أو : يعلم ~~ما في قلوبكم من الرضا بحكم الله والتفويض إليه ، ففيه تهديد لمن لم يرض ~~منهم بما دبر الله ، وفوض إلى رسوله ، {وكان الله عليما} بذات الصدور ، ~~{حليما} لا يعاجل بالعقوبة ، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر. # الإشارة : إذا تحقق فناء العبد وزواله ، وتكملت ولايته ، كان مفوضا إليه ~~في الأمور ، يفعل ما يشاء ، ويترك ما يشاء ، لم يبق عليه تحجير ، ولم يتوجه ~~إليه عتاب ؛ لأن العبد المملوك إذا تحققت محبة سيده ms2290 له ، كتب له عقد ~~التحرير. وشاهده حديث : " إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب " ، وحديث البخاري ~~: " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم " ~~وسببه معلوم. # وفي القوت عن زيد بن أرقم : إن الله عز وجل ليحب العبد ، حتى يبلغ من حبه ~~أن يقول له : اصنع ما شئت ، فقد غفرت لك. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي ~~الله عنه : يبلغ الولي مبلغا يقال له : أصحبناك السلامة ، وأسقطنا عنك ~~الملامة ، فاصنع ما شئت. ومصداقه من كتاب الله : قوله تعالى في حق سليمان ~~عليه السلام : {هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} [ص : 39]. وهذا وإن ~~كان للنبي من أجل العصمة ، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه ، ~~من أجل الحفظة. وقال أيضا رضي الله عنه في بعض أدعيته : وأدرج أسمائي تحت ~~أسمائك ، وصفاتي تحت صفاتك ، وأفعالي تحت أفعالك ، درج السلامة ، وإسقاط ~~الملامة ، وتنزل الكرامة ، وظهور الإمامة. ه. PageV06P070 # فإذا اندرجت أسماء العبد وصفاته وأفعاله تحت أسماء الرب ، وصفاته ، وأفعاله ~~، لم يبق للعبد وجود أصلا ، وكان الفعل كله بالله ، ومن الله ، وإلى الله. ~~وهذا مقام عزيز ، لا يناله إلا الأفراد من أهل الفناء في الله ، والبقاء ~~بالله ، وقد غطى وصفهم بوصفه ، ونعتهم بنعته ، فغيبهم عن اسمهم ورسمهم ، ~~فهم بالله فيما يفعلون ويذرون. والله تعالى أعلم. # 44 # جزء : 6 رقم الصفحة : 43 # يقول الحق جل جلاله : {لا يحل لك النساء من بعد} أي : من بعد التسع ، ~~اللاتي خيرتهن فاخترنك ؛ لأن التسع نصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~كما أن الأربع نصاب أمته. لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة قصره الله ~~عليهن ، وقيل : هي منسوخة كما يأتي. أو : لا يحل لك نساء الأجانب ، وإنما ~~لك نساء قرابتك ، كبنات عمك ، وبنات عماتك ، وبنات خالك ، وبنات خالاتك ، ~~فيحل لك منهن ما شئت ، ولو ثلاثمائة ، أو أكثر. أو : لا يحل لك النساء من ~~غير المسلمات ، كالكتابيات والمشركات. {ولا أن تبدل بهن من أزواج} بالطلاق. ~~والمعنى : ولا أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجا ms2291 ، بكلهن أو بعضهن ، كرامة لهن ~~، وجزاء على ما اخترن ورضين. فقصر رسوله صلى الله عليه وسلم على التسع ~~اللاتي مات عنهن. وقال أبو هريرة وابن زيد : كانت العرب في الجاهلية ~~يتبادلون بالأزواج ، يعطي امرأة هذا أياما ويأخذ امرأته ، فأنزل الله : ~~{ولا أن تبدل بهن من أزواج} بأن تعطي بعض أزواجك وتأخذ بعض أزواجهم ، {إلا ~~ما ملكت يمينك} فلا بأس أن تبادل بجاريتك. و" من " : لتأكيد النفي ؛ ليفيد ~~استغراق جنس الأزواج بالتحريم. {ولو أعجبك حسنهن} أي : حسن الأزواج ~~المتبدلة. وقيل : هي أسماء بنت عميس ، امرأة جعفر بن أبي طالب ، فإنها ممن ~~أعجبه حسنهن. PageV06P071 # وعن عائشة وأم سلمة ، (ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله ~~له أن يتزوج من النساء ما شاء) ، يعني أن الآية نسخت إما بالسنة ، أو : ~~بقوله : {إنا أحللنا لك أزواجك} وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف. {إلا ~~ما ملكت يمينك} استثناء من النساء ؛ لأنه يتناول الأزواج ، وقيل : منقطع ، ~~أي : لكن ما ملكت يمينك ، فيحل لك ما شئت ، {وكان الله على كل شيء رقيبا} ~~حافظا ومطلعا. وهو تحذير عن مجاوزة حدوده. والله تعالى أعلم. # الإشارة : من نكح أبكار الحقائق العرفانية ودخل بأسرار العلوم اللدنية ، ~~لا يحل له أن ينكح ثيبات نساء العلوم الرسمية ، ولا أن يتبدل بما عنده من ~~المواهب الربانية ، بغيرها من العلوم اللسانية ، ولو أعجبك حسنها ورونقها ~~على الفرض والتقدير إذ التنزل إليها بطالة عند المحققين ، إلا ما كنت ~~تملكه قبل علم الحقيقة ، فلا بأس أن تنزل إلى تعليمه وإفادته ، إن توسعت في ~~علم الباطن ، وصرت من الأغنياء الكبار ، تنفق كيف تشاء ، فلا يضرك حينئذ ~~التنزل إلى علم الظاهر. وقد كان شيخ شيوخنا سيدي يوسف الفاسي # 45 # رضي الله عنه عنده مجلسان : مجلس لأهل الظاهر ، ومجلس لأهل الباطن. فإن ~~كان في مجلس الظاهر ، وجاء إليه أحد من الفقراء ، يقول : اذهب حتى نأتي إلى ~~مجلسكم ، وإن كان في مجلس أهل الباطن ، وجاء إليه أحد من أهل الظاهر ، قال ~~: اذهب حتى نأتي إليكم. وكان له ms2292 هذا بعد الرسوخ في علم الحقيقة. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 45 PageV06P072 ~~{ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلىا طعام غير ~~ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب ذالكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن...}. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} وكانت ~~تسعا ، {إلا أن يؤذن لكم إلى طعام} أي : إلا وقت أن يؤذن لكم ، أو : إلا ~~مأذونا لكم ، فجملة : {إلا أن يؤذن} : في موضع الحال ، أو الظرف. و{غير ~~ناظرين} : حال من {لا تدخلوا} ، وقع الاستثناء على الوقت الحال ، كأنه قيل ~~: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ، ولا تدخلوها إلا {غير ناظرين} أي : ~~منتظرين {إناه} أي : إدراكه ونضجه. قال ابن عزيز : إناه بلوغ وقته ، يقال : ~~أني يأنى ، وآن يئين : إذا شهى ، بمنزلة : حان يحين. ه. وقال الهروي : أي : ~~غير ناظرين نضجه وبلوغ وقته ، مكسور الهمزة مقصور ، فإذا فتحت مددت ، فقلت ~~: الإناء ، أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بتمر وسويق ، وذبح شاة ، ~~وأمر أنسا أن يدعو الناس ، فترادفوا أفواجا ، يأكل كل فوج ، فيخرج ، ثم ~~يدخل فوج ، إلى أن قال : يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه. فقال : ~~" أرفعوا طعامكم " وتفرق الناس ، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون ، فأطالوا ، فقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا ، فطاف بالحجرات ، وسلم عليهن ، ~~ودعون له ، ورجع ، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون. وكان صلى الله عليه وسلم ~~شديد الحياء ، فتولى ، فلما رأوه متوليا خرجوا ، فنزلت الآية ، وهي آية ~~الحجاب. قال أنس : فضرب بيني وبينه الحجاب. PageV06P073 # جزء : 6 رقم الصفحة : 46 # قال تعالى : {ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا} تفرقوا ، {ولا ~~مستأنسين لحديث} أي : ولا تدخلوها حال كونكم مستأنسين لحديث ، أو : غير ~~ناظرين ولا مستأنسين ، فهو منصوب ، أو مجرور ، عطف على ms2293 " ناظرين " ، نهوا ~~أن يطيلوا الجلوس # 46 # في بيته صلى الله عليه وسلم مستأنسين بعضهم ببعض ، لأجل حديث يتحدثون به ~~، {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم} من إخراجكم ؛ {والله لا يستحي من ~~الحق} يعني أن إخراجكم حق ، ما ينبغي أن يستحى منه ، ولا يترك بيانه ، حياء ~~، أو : لا يأمر بالحياء في الحق ، ولا يشرع ذلك. # {وإذا سألتموهن} أي : نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، بدلالة البيوت ~~عليهن ؛ لأن فيها نساءه ، {متاعا} عارية أو حاجة ، {فاسألوهن من وراء حجاب} ~~ستر ، {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} من خواطر الشيطان وعوارض الفتن. وكانت ~~النساء قبل هذه الآية يبرزن للرجال ، وكان عمر رضي الله عنه يحب ضرب الحجاب ~~عليهن ، ويود أن ينزل فيه ، وقال : يا رسول الله : يدخل عليك البر والفاجر ~~، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ؟ فنزلت. وقيل : إنه عليه الصلاة ~~والسلام ، كان يطعم ومعه بعض أصحابه ، فأصابت يد رجل يد عائشة ، فكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت الآية. والله تعالى أعلم. # الإشارة : العلماء ومشايخ التربية ورثة الأنبياء ، فإذا دعوا إلى طعام ~~فلا يدخل أحد حتى يؤذن له ، فإذا طعموا فلينتشروا ، وإذا سأل أحد حاجته من ~~أهل دار الشيخ ؛ فليسأل من وراء الباب ، وليتنح عن مقابلة الباب ؛ لئلا ~~يتكشف على عرض شيخه ، فيسيء الأدب معه ، وهو سبب الخسران. # ثم نهى عن تزوج نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : PageV06P074 # {.... وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحواا أزواجه من بعده أبدا ~~إن ذالكم كان عند الله عظيما إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء ~~عليما}. # يقول الحق جل جلاله : {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} أي : ما صح لكم ~~إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو كفر ، {ولا أن تنكحوا أزواجه من ~~بعده أبدا} تعظيما لحرمته صلى الله عليه وسلم ، ولبقاء عصمته عليهن ، ولذلك ~~وجبت نفقتهن بعده ، لقوله : " ما بقي بعد نفقة أهلي صدقة " وكذا السكنى كما ~~قد علم ، وبه قال ابن العربي. وعطف (ولا أن ms2294 تنكحوا) على (أن تؤذوا) من عطف ~~الخاص على العام ؛ إذ تزوج نسائه من أعظم الإيذاء. {إن ذلكم} أي : الإيذاء ~~أو التزوج {كان عند الله} ذنبا {عظيما}. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 46 # إن تبدوا شيئا} من أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو نكاح أزواجه ، ~~{أو تخفوه} في أنفسكم ، {فإن الله كان بكل شيء عليما} فيعاقبكم عليه. روي ~~أن رجلا من الصحابة # 47 # قال : لئن قبض النبي صلى الله عليه وسلم لأنكحن عائشة ، فنزلت ، فحرمن. ~~وفيه نزلت : {إن تبدوا شيئا} أي : من نكاح عائشة ، {أو تخفوه...} إلخ. وكان ~~عليه الصلاة والسلام ملك قتيبة بنت الأشعث بن قيس ، ولم يبن بها ، فتزوجها ~~عكرمة بن أبي جهل ، بعد ذلك ، فهم به أبو بكر ، وشق عليه ، حتى قال له عمر ~~: يا خليفة رسول الله ، ليست من نسائه ، ولم يخيرها ، ولم يحجبها ، وقد ~~برأها الله منه بالردة ، حين ارتدت مع قومها ، فسكن أبو بكر. وقال الزهري : ~~إن العالية بنت ظبيان ، التي طلق النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت رجلا ~~وولدت له قبل أن يحرم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. PageV06P075 # الإشارة : مذهب الصوفية تشديد الأدب مع الأشياخ ، فإذا مات الشيخ ، أو طلق ~~امرأة بعد الدخول ، فلا يتزوجها أحد من تلامذته أبدا ، تعظيما وأدبا مع ~~الشيخ. وأما تزوج بنت الشيخ فلا بأس ، إن قدر على القيام بالأدب معها ، ~~والصبر على أذاها ، وإلا فالبعد أحسن وأسلم ، والله تعالى أعلم. # قال القشيري : قوله تعالى : {إن تبدوا شيئا...} الآية : حفظ القلب مع ~~الله تعالى ، ومراعاة الأمر بينه وبين الله على الصحة في دوام الأوقات لا ~~يقوى عليه إلا الخواص ، من أهل الحضور. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 46 # يقول الحق جل جلاله : {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ~~ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن} أن يدخلوا عليهن بلا حجاب. قال ابن ~~عباس : لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب : ونحن أيضا ~~نكلمهن من وراء حجاب ، فنزلت : {لا جناح...} الخ ، أي : لا إثم عليهن في ms2295 أن ~~لا يحتجبن من هؤلاء. ولم يذكر العم والخال ؛ لأنهما يجريان مجرى الوالدين. ~~وقد جاء تسمية العم أبا في قوله تعالى : {نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق...} [البقرة : 133] وإسماعيل عم يعقوب ، فسماه أبا. وذكر ~~القاضي إسماعيل ، عن الحسن والحسين : أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين. ~~وقال ابن عباس : إن رؤيتهما لهن تحل ، أي : لأنهما ولدا البعل. قال القاضي ~~: وأحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في\ # 48 # الآية. وقال في سورة النور : {ولا يبدين زينتهن} [النور : 31] إلى قوله : ~~{... أو أبنآء بعولتهن} [النور : 31] ، فذهب ابن عباس إلى ما في سورة النور ~~، وذهب الحسن والحسين إلى ما في هذه السورة. ه. PageV06P076 # {ولا نسائهن} أي : نساء المؤمنات ، فلا حجاب عليهن ، {ولا ما ملكت أيمانهن} ~~من العبيد والإماء. وقيل : من الإماء خاصة ، وأما العبيد فهم كالأجانب. وهو ~~المشهور ، {واتقين الله} فيما أمرتن به من الحجاب ، وما نزل فيه الوحي من ~~الاستتار ، واحتطن في ذلك. ونقل الكلام فيه من الغيبة إلى الخطاب لشدة ~~التهديد ، ولذا قال : {إن الله كان على كل شيء شهيدا} عالما ؛ يعلم خطرات ~~القلوب وهواجسها ، فيعاتب عليها. # الإشارة : ما قيل في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يقال في نساء ~~المشايخ والعلماء ، فتحتجبن من جميع الخلق ، إلا من محارمهن ، ولا يمنعهن ~~من إدخال محارمهن عليهن إلا جامد أو جاهل ، ولا ينبغي لأحد أن يمنع زوجه من ~~لقاء محرمها والدخول عليها إلا لفساد بين. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 48 # يقول الحق جل جلاله : {إن الله وملائكته يصلون على النبي} يعتنون بإظهار ~~شرفه وتعظيم شأنه. وقال صاحب المغني : الصواب عندي : أن الصلاة لغة بمعنى ~~واحد ، وهو العطف ، ثم العطف بالنسبة إلى الله تعالى : الرحمة ، وإلى ~~الملائكة : الاستغفار ، وإلى الآدميين : دعاء. واختاره السهيلي قبله. ~~والمراد بالرحمة منه تعالى غايتها ، وهو إفاضة الخير والإحسان ، لا رقة ~~القلب ، الذي هو معنى الرحمة حقيقة. {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} أي : ~~قولوا : اللهم صل على محمد أو : صلى الله ms2296 على محمد. {وسلموا تسليما} أي : ~~قولوا : اللهم سلم على محمد ، أو : صل وسلم على محمد ، أو : انقادوا لأمره ~~وحكمه ، انقيادا كليا. PageV06P077 # وعن كعب بن عجرة : قلنا : يا رسول الله ، أما السلام عليك ، فقد عرفناه ، ~~فكيف الصلاة عليك ؟ قال : " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما ~~صليت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد ، ~~كما باركت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد " ومعرفتهم السلام من التشهد. ~~والصلاة على غير الأنبياء بالتبع جائزة. وأما بالاستقلال فمكروه ، وهو من ~~شعار الروافض. ه. قال الكواشي : روي # 49 # أنه قيل يا رسول الله : أرأيت قول الله تعالى : {إن الله وملائكته يصلون ~~على النبي...} الآية ؟ فقال : هذا من العلم المكنون ، ولولا أنكم سألتموني ~~عنه ما أخبرتكم ، إن الله وكل بي ملكين ، فلا أذكر عند عبد مسلم ، فيصلي ~~علي ، إلا قال ذانك الملكان : غفر الله لك ، وقال الله وملائكته جوابا ~~لذينك الملكين : آمين. ولا أذكر عند عبد مسلم ، فلا يصلي علي إلا قال ذانك ~~الملكان : لا غفر الله لك. وقال الله جوابا لذينك الملكين : آمين. ه. # والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة. فمنهم من أوجبها عند ذكره ~~كلما ذكر ، وعليه الجمهور ، وهو الاحتياط للحديث المتقدم. ولقوله صلى الله ~~عليه وسلم : " من ذكرت عنده فلم يصل علي دخل النار " ومنهم من أوجبها في كل ~~مجلس مرة ، وإن تكرر ذكره ، كتشميت العاطس وآية السجدة ، ومنهم من أوجبها ~~مرة في العمر. قالوا : وكذلك الخلاف في إظهار الشهادتين ، وأما ذكرها في ~~الصلاة فليست شرطا عند أبي حنيفة ومالك ، خلافا للشافعي ، والاحتياط : ~~الإكثار منها بغير حصر ، ولا يغفل عنها إلا من لا خير فيه. واختلف هل كانت ~~الأمم الماضية متعبدة بالصلاة على أنبيائهم. قال القسطلاني : إنه لم ينقل ~~إلينا ذلك ، ولا يلزم من عدم النقل عدم الوقوع. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 49 PageV06P078 ~~الإشارة : اعلم أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم سلم ومعراج الوصول إلى ~~الله ؛ لأن تكثير الصلاة عليه صلى الله عليه ms2297 وسلم توجب محبته ، ومحبته ~~عليه الصلاة والسلام توجب محبة الله تعالى ، ومحبته تعالى للعبد تجذبه إلى ~~حضرته ، بواسطة وبغيرها. وأيضا : الرسول صلى الله عليه وسلم وزير مقرب ، ~~ومن رام دخول حضرة الملوك يخدم الوزير ، ويتقرب إليه ، حتى يدخله على ~~الملك. فهو صلى الله عليه وسلم حجاب الله الأعظم ، وبابه الأكرم ، فمن رام ~~الدخول من غير بابه طرد وأبعد ، وفي ذلك يقول ابن وفا : # وأنت باب الله ، أي امرىء # وفاه من غيرك لا يدخل # وقال الشيخ الجزولي رضي الله عنه في دلائل الخيرات : وهي من أهم المهمات ~~لمن يريد القرب من رب الأرباب. وقال شارحه : ووجه أهميتها من وجوه ، منها : ~~ما فيها من التوسل إلى الله سبحانه بحبيبه ومصطفاه. وقد قال تعالى : ~~{وابتغوا إليه الوسيلة} [المائدة : 35] ، ولا وسيلة إليه أقرب ، ولا أعظم ، ~~من رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم. # ومنها : أن الله تعالى أمر بها ، وحضنا عليها ، تشريفا له وتكريما ، ~~وتفضيلا لجلاله ، ووعد من استعملها حسن المآب ، وجزيل الثواب ، فهي من أنجح ~~الأعمال ، وأرجح الأقوال ، وأزكى الأحوال ، وأحظى القربات ، وأعم البركات ، ~~وبها يتوصل إلى رضا الرحمن ، وتنال السعادة والرضوان ، وتجاب الدعوات ، ~~ويرتقي إلى أرفع الدرجات. وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام : يا موسى ~~أتريد أن أكون أقرب إليك من كلامك إلى لسانك ، ومن وسواس قلبك إلى قلبك ، ~~ومن روحك إلى بدنك ، ومن نور بصرك إلى عينيك ؟ قال : نعم يا رب ، قال : ~~فأكثر من الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. # 50 PageV06P079 ~~ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم محبوب لله عز وجل ، عظيم القدر عنده ، وقد ~~صلى عليه وهو وملائكته ، فوجبت محبة المحبوب ، والتقرب إلى الله تعالى ~~بمحبته ، وتعظيمه ، والاشتغال بحقه ، والصلاة عليه ، والاقتداء بصلاته ، ~~وصلاة ملائكته ، وصلاة ملائكته عليه. قلت : وهذا التشريف أتم وأعظم من ~~تشريف آدم عليه السلام ، بأمر الملائكة بالسجود له ؛ لأنه لا يجوز أن يكون ~~الله مع الملائكة في ذلك التشريف. فتشريف يصدر عنه مع ملائكته أبلغ من ~~تشريف تختص به الملائكة. # ومنها : ما ورد في فضلها ms2298 ، ووعد عليها من جزيل الأجر وعظيم القدر ، وفوز ~~مستعملها برضا الله ، وقضاء حوائج آخرته ودنياه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 49 # ومنها : ما فيها من شكر الواسطة في نعم الله علينا المأمور ، بشكره ، وما ~~من نعمة لله علينا ، سابقة ولا لا حقة ؛ من نعمة الإيجاد والإمداد ، في ~~الدنيا والآخرة ، إلا وهو السبب في وصولها إلينا ، وإجرائها علينا ، فوجب ~~حقه علينا ، ووجب علينا في شكر نعمته ألا نفتر عن الصلاة عليه ، مع دخول كل ~~نفس وخروجه. # ومنها : ما فيها من القيام برسم العبودية ، بالرجوع لما يقتضي الأصل نفيه ~~، فهو أبلغ في الامتثال ، ومن أجل ذلك كانت فضيلة الصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم على كل عمل. والذي يقتضي الأصل نفيه ، هو كون العبد يتقرب ~~إلى الله بالاشتغال بحق غيره ؛ لأن قولنا : " اللهم صل على محمد " هو ~~الاشتغال بحق محمد صلى الله عليه وسلم ، وأصل التعبدات : ألا يتقرب إلى ~~الله تعالى إلا بالاشتغال بحقه. ولكن لما كان الاشتغال بالصلاة على محمد ~~بإذن من الله تعالى ، كان الاشتغال بها أبلغ في امتثال الأمر ، فهي بمثابة ~~أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم ، فكان شرفهم في امتثال أمر الله ، ~~وإهانة إبليس في مخالفة أمره سبحانه. PageV06P080 # ومنها : ما جرب من تأثيرها ، والنفع بها في التنوير ورفع الهمة ، حتى قيل : ~~إنها تكفي عن الشيخ في الطريق ، وتقوم مقامه ، حسبما نقله الشيخ السنوسي ، ~~والشيخ زروق ، وغيرهما. # ومنها : ما فيها من سير الاعتدال ، الجامع لكمال العبد وتكميله ، ففي ~~الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الله ورسوله ، ولا كذلك عكسه ~~، فلذلك كانت المثابرة على الأذكار والدوام عليها يحصل به الانحراف ، وتكسب ~~نورانية تحرق الأوصاف ، وتثير وهجا وحرارة في الطباع ، والصلاة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تذهب وهج الطباع ، وتقوي النفوس ؛ لأنها كالماء ~~البارد ، فكانت تقوم مقام شيخ التربية. انتهى كلامه. # قلت : والحق الذي لا غبار عليه : إن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، ~~والإكثار منها ، تدل صاحبها على من يأخذ بيده ، وتوصله إلى شيخ التربية ms2299 ، ~~الذي هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن كان صادق الطلب ، وأما ~~كونها تقوم مقام الشيخ في دخول مقام الفناء والبقاء ، حتى تعتدل # 51 # حقيقته وشريعته فلا ؛ إذ لا تنقطع رعونات النفوس إلا بآمر وناه من غيره ، ~~يكون عالما بدسائس النفوس وخدعها ، وغاية ما توصل إليه الصلاة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن لم يظفر بالشيخ الفناء في الصفات ، وينال ~~مقام الصلاح الأكبر ، ويظهر له كرامات وخوارق ، ويكون من أرباب الأحوال ، ~~وإن وصل إلى مقام الفناء تكون شريعته أكبر من حقيقته. # جزء : 6 رقم الصفحة : 49 PageV06P081 ~~هذا ما ذقناه ، وشهدناه ، وسمعناه من أشياخنا ، والطريق التي أدركناهم ~~يستعملونها ، وأخذناها منهم ، أنهم يأمرون المريد إن رأوه أهلا للتربية أن ~~يلتزم الاسم المفرد ، ويفنى فيه ، حتى تنهدم به عوالمه ، فإذا تحقق فناؤه ~~وغاب عن نفسه ورسمه ، ردوه إلى مقام البقاء ، وحينئذ يأمرونه بالصلاة على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لتكون صلاته عليه كاملة ، يصلي على روحه ~~وسره بلا حجاب ، ويشاهده في كل ساعة كما يشاهدونه. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 49 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يؤذون الله ورسوله} بارتكابهم ما يكرهانه ~~من الكفر والمعاصي والبدع. وقال ابن عباس : هم اليهود والنصارى والمشركون. ~~فقالت اليهود : {يد الله مغلولة} [المائدة : 64] ، {إن الله فقير} [آل ~~عمران : 181] وقالت النصارى : {المسيح ابن الله} [التوبة : 30] ، {إن الله ~~ثالث ثلاثة} [المائدة : 73]. وقال المشركون : الملائكة بنات الله ، ~~والأصنام شركاؤه. وقيل : يؤذونه : يلحدون في أسمائه وصفاته. ويؤذون رسول ~~الله ، حين شج وجهه ، وكسرت رباعيته ، وقيل له : هو ساحر وشاعر ومجنون. أو ~~: بترك سنته ومخالفة شريعته. ويحتمل أن يكون المراد يؤذون رسول الله فقط ~~بالتنقيص ، أو بالتعرض لنسائه. وذكر اسم الله للتشريف. {لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة} أي : أبعدهم من رحمته في الدارين {وأعد لهم عذابا مهينا} ~~يهينهم ويخزيهم في النار. PageV06P082 # {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} بغير جناية يستحقون بها ~~الإيذاء ، {فقد احتملوا بهتانا} كذبا {وإثما مبينا} ظاهرا ، وإنما أطلق في ~~إيذاء الله ms2300 ورسوله ، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات ؛ لأن إيذاء الله ~~ورسوله لا يكون إلا بغير حق ، وأما إيذاء المؤمنين فمنه ما يكون بحق ، ~~كالحد والتعزير ، ومنه باطل. وقيل : نزلت في ناس من المنافقين ، كانوا ~~يؤذون عليا رضي الله عنه ، ويسمعونه ، وقيل : في زناة المدينة ، كانوا ~~يمشون في طرق المدينة ، ويتبعون النساء إذا تبرزن بالليل لقضاء حوائجهن ، ~~فيغمزون المرأة ، فإن سكتت اتبعوها ، وإن زجرتهم انتهوا. وعن الفضيل : لا ~~يحل أن تؤذي كلبا أو # 52 # خنزيرا بغير حق ، فكيف بالمؤمنين ؟ ه. # الإشارة : إذاية الله ورسوله هي إذاية أوليائه ، ونقله الثعلبي عن أهل ~~المعاني ، فقال : فأراد الله تعالى المبالغة في النهي عن أذى أوليائه ، ~~فجعل أذاهم أذاه. ه. ويؤيده الحديث القدسي : " من آذى لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة " ، أو كما سبحانه. وإذاية المؤمنين كثيرة ، تكون باللسان وبغيره ~~، وقد قالوا : البر لا يؤذي الذر. ومن أركان التصوف : كف الأذى ، وحمل ~~الجفا ، وشهود الصفا ، ورمي الدنيا بالقفا. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 52 PageV06P083 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ~~يدنين عليهن من جلابيبهن} أي : يرخين على وجوههن من جلابيبهن فيغطين بها ~~وجوههن. والجلباب : كل ما يستر الكل ، مثل الملحفة ، والمعنى : قل للحرائر ~~يرخين أرديتهن وملاحفهن ويغطين بها وجوههن ورؤوسهن ، ليعلم أنهن حرائر فلا ~~يؤذين. و{ذلك أدنى} أي : أقرب وأجدر ، {أن يعرفن} من الإماء {فلا يؤذين} ~~وذلك أن النساء في أول الإسلام كن على زيهن في الجاهلية متبذلات ، تبرز ~~المرأة في درج وخمار ، لا فصل بين الحرة والأمة. وكان الفتيان يتعرضون ~~للإماء ، إذا خرجن بالليل لقضاء حاجتهن في النخيل والغيضات ، وكن يخرجن ~~مختلطات مع الحرائر ، فربما تعرضوا للحرة ، يحسبونها أمة ، فأمرن أن يخالفن ~~بزيهن عن زي الإماء بلباس الجلابيب ، وستر الرؤوس والوجوه ، فلا يطمع فيهن طامع. # قال ابن عباس رضي الله عنه : أمر الله تعالى نساء المؤمنين أن يغطين ~~رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب ، ويبدين عينا واحدة. قلت : وقد مر في سورة النور ~~أن الوجه والكفين ليس بعورة ، إلا لخوف الفتنة ، وأما الإماء ms2301 فلا تسترن ~~شيئا إلا ما بين السرة والركبة ، كالرجل. قال أنس : مرت جارية متقنعة بعمر ~~بن الخطاب فعلاها بالدرة ، وقال : يا لكاع أنت تشبهين بالحرائر ، فألق ~~القناع ، {وكان الله غفورا} لما سلف منهن من التفريط ، {رحيما} بتعليمهن ~~آداب المكارم. # الإشارة : ينبغي لنساء الخواص أن يتميزن من نساء العامة ؛ بزيادة الصون ~~والتحفظ ، وقلة الخروج ، فإذا لزمهن الخروج ، فليخرجن في لباس خشين ، بحيث ~~لا يعرفن ، أو # 53 # يخرجن ليلا. وثبت أن زوجة الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه لم تخرج ~~من دارها إلا خرجتين ؛ خرجة حين زفت إلى زوجها ، وخرجة إلى المقابر. نفعنا ~~الله ببركاتهم. آمين. # جزء : 6 رقم الصفحة : 53 PageV06P084 ~~قلت : {لنغرينك} : جواب القسم المغني عن جواب الشرط. و{ثم لا يجاورنك} : ~~عطف عليه ؛ لأنه يصح أن يجاب به القسم ؛ لصحة قولك : لئن لم ينتهوا لا ~~يجاورنك ، ولما كان الجلاء عن الوطن أعظم من جميع ما أصيبوا به عطف بثم ، ~~لبعد حاله عن حال المعطوف عليه. و{ملعونين} : نصب على الشتم أو الحال ، ~~والاستثناء دخل على الظرف والحال معا ، أي : لا يجاورنك إلا قليلا في ~~اللعنة والبعد ، ولا يصح نصبه بأخذوا ؛ لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله. # يقول الحق جل جلاله : {لئن لم ينته المنافقون} عن نفاقهم وإيذائهم ، ~~{والذين في قلوبهم مرض} فجور ، وهم الزناة من قوله : " فيطمع الذي في قلبه ~~مرض ". {والمرجفون في المدينة} وهم أناس كانوا يرجفون بأخبار السوء في ~~المدينة ، من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : هزموا وقتلوا ~~، وجرى عليهم كيت وكيت ، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. يقال : رجف بكذا : ~~إذا أخبر به على غير حقيقته ؛ لكونه خبرا مزلزلا غير ثابت ، من : الرجفة ، ~~وهي الزلزلة ، {لنغرينك بهم} لنأمرنك بقتالهم وإجلائهم ، أو ما يضطرهم إلى ~~طلب الجلاء ، أو : لنسلطنك عليهم ، {ثم لا يجاورونك فيها} في المدينة {إلا} ~~زمنا {قليلا}. # والمعنى : لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم ، والفسقة عن فجورهم ~~، والمرجفون عما يلقون من أخبار السوء ، لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل ~~التي تسوؤهم ، بأن تضطرهم ms2302 إلى طلب الجلاء من المدينة ، وألا يساكنوك فيها ~~إلا زمنا قليلا ، ريثما يرتحلون. فسمي ذلك إغراء ، وهو التحريش ، على سبيل ~~المجاز. حال كونهم {ملعونين} أي : لا يجاورونك إلا ملعونين ، مبعدين عن ~~الرحمة {أينما ثقفوا} وجدوا {أخذوا وقتلوا تقتيلا} والتشديد للتكثير. PageV06P085 # {سنة الله} أي : سن الله ذلك سنة {في الذين خلوا من قبل} في المنافقين ~~الذين كانوا ينافقون الأنبياء من قبل ، ويسعون في وهنهم بالإرجاف ونحوه أن ~~يقتلوا أينما وجدوا ، {ولن تجد لسنة الله تبديلا} أي : لا يبدل الله سنته ~~ولا يقدر أحد أن يبدلها ، بل # 54 # يجريها مجرى واحدا في الأمم كلهم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 54 # قال ابن جزي : تضمنت الآية وعيد هؤلاء الأصناف إن لم ينتهوا ، ولم ينفذ ~~الوعيد فيهم. ففي ذلك دليل على بطلان القول بوجوب إنفاذ الوعيد في الآخرة. ~~وقيل : إنهم انتهوا وستروا أمرهم ؛ فكف عنهم إنفاذ الوعيد. ه. # الإشارة : منافقو الصوفية هم الذين ينتسبون إلى الصوفية ، ويدعون محبة ~~القوم ، وهم يعترضون على الفقراء ، ويرفعون الميزان عليهم ، وهم الذين في ~~قلوبهم مرض ، أي : حيرة وضيق من غم الحجاب ؛ إذ لو ارتفع عنهم الحجاب لم ~~يعترضوا على أحد ، وهم المرجفون بأهل النسبة ، إذ سمعوا شيئا يسوؤهم أفشوه ~~، وأظهروا الفرح. لئن لم ينتهوا عن ذلك ليسلطن الله عليهم من يخرجهم من ~~النسبة بالكلية ، ثم لا يبقون فيها إلا قليلا ، ممقوتين عند أهل التحقيق ، ~~أينما وجدوا ، أخذوا بالفعل أو بالقول فيهم. وقد ألف بعض الفقهاء تأليفا في ~~الرد على الفقراء ، فسلط الله عليه من أهانه ، ووسمه بالبلادة والجمود ، ~~ولا زال مهانا أينما ذكر ، والعياذ بالله. # جزء : 6 رقم الصفحة : 54 PageV06P086 ~~يقول الحق جل جلاله : {يسألك الناس عن الساعة} كان المشركون يسألون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة ، استعجالا واستهزاء ، واليهود ~~يسألون امتحانا ؛ لأن الله تعالى أخفى وقتها في التوراة وفي كل كتاب ، فأمر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به ، ثم بين ~~لرسوله عليه الصلاة والسلام أنها قريبة الوقوع ، تهديدا ms2303 للمستعجلين ، ~~وإسكاتا للممتحنين فقال : {قل إنما علمها عند الله} لم يطلع عليها ملكا ولا ~~نبيا. {وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا} أي : شيئا قريبا ، أو : في زمان ~~قريب ، فتنصب على الظرفية ، ويجوز أن يكون التذكير ؛ لأن الساعة في معنى ~~اليوم أو الزمان. # {إن الله لعن الكافرين} أبعدهم عن رحمته ، {وأعد لهم سعيرا} نارا شديدة ~~التسعير ، أي : الإيقاد ، {خالدين فيها أبدا} وهذا يرد مذهب الجهمية في ~~زعمهم أن النار تفنى ، و{خالدين} : حال مقدرة من ضمير " لهم ". {لا يجدون ~~وليا} يحفظهم ، {ولا نصيرا} يمنعهم ويدفع العذاب عنهم ، وذلك {يوم تقلب} أو ~~: واذكر {يوم تقلب # 55 # وجوههم في النار} تطوف من جهة إلى جهة ، كما ترى البضعة من اللحم تدور في ~~القدر إذا غلت. وخصت الوجوه ؛ لأنها أكرم موضع على الإنسان من جسده. أو : ~~يكون الوجه كناية عن الجملة. حال كونهم {يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا} في الدنيا ، فنتخلص من هذا العذاب ، فندموا حيث لم ينفع الندم. PageV06P087 # {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} والمراد : رؤساء الكفر ، الذين ~~لقنوهم الكفر ، وزينوه لهم. وقرأ ابن عامر ويعقوب " ساداتنا " بالجمع ، جمع ~~: سادة ، وسادة : جمع سيد ، فهو جمع الجمع ، {فأضلونا السبيلا} أي : ~~أتلفونا عن طريق الرشد. يقال : ضل السبيل وأضله إياه ، وزيادة الألف ~~للإطلاق. {بنا آتهم ضعفين من العذاب} أي : مثلي ما آتيتنا منه للضلال ~~والإضلال ، {والعنهم لعنا كثيرا} كثير العدد ، تكثيرا لأعداد اللاعنين ، أو ~~: العنهم المرة بعد المرة. وقرأ عاصم بالباء ، أي : لعنا هو أشد اللعن ~~وأعظمه. وهو يدل على تعدد الأجزاء والأفراد. # جزء : 6 رقم الصفحة : 55 # الإشارة : مذهب العباد والزهاد والصالحين : جعل الساعة نصب أعينهم ، لا ~~يغيبون عنها ، فهم يجتهدون في التأهب لها ليلا ونهارا. ومذهب العارفين ~~الموحدين : الغيبة عنها ، بالاستغراق في شهود الحق ، فلا يشغلهم الحق ، ~~دنيا ولا آخرة ، ولا جنة ولا نار ؛ لما دخلوا جنة المعارف ، غابوا عن كل ~~شيء ، فانخلعوا عن الكونين بشهود المكون ، وجعلوا الوجود وجودا واحدا ؛ إذ ~~المتجلي هنا وثم واحد. وإذا كان كبراء الضلال يضاعف عذابهم ms2304 ، وكان كبراء ~~الهداية يضاعف ثوابهم ، يأخذون ثواب الاهتداء والإرشاد ، فمن دل على هدى ~~كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة ، ومن اهتدى على يديه أحد جرى ~~عليه أجره ، وكان في ميزانه كل من تبعه كذلك ، وفي ذلك يقول القائل : # والمرء في ميزانه اتباعه # فاقدر إذن قدر النبي محمد # جزء : 6 رقم الصفحة : 55 PageV06P088 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} من ~~بني إسرائيل {فبرأه الله مما قالوا} وذلك أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون ~~عرايا ، ينظر بعضهم إلى بعض ، وكان موسى عليه السلام يستتر لشدة حيائه ، ~~فقالوا : ما يمنع موسى من الاغتسال معنا إلا أنه آدر والأدرة : انتفاخ ~~الأنثيين أو : به عيب من برص أو غيره ، فذهب يغتسل وحده ، فوضع ثوبه على ~~حجر ، ففر الحجر بثوبه ، فلج في أثره يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر! حتى ~~نظروا إلى سوأته ، فقالوا : والله ما بموسى من بأس ، فقام الحجر # 56 # من بعد ما نظروا إليه ، وأخذ ثوبه ، فطفق بالحجر ضربا ، ثلاثا أو أربعا. # وقيل : كان أذاهم : ادعاءهم عليه قتل أخيه. قال علي رضي الله عنه : صعد ~~موسى وهارون الجبل ، فمات هارون ، فقالت بنو إسرائيل : أنت قتلته. وكان أشد ~~لنا حبا ، وألين منك ، فآذوه بذلك ، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته ، حتى ~~مرت به على بني إسرائيل ، وتكلمت الملائكة بمماته ، حتى تحققت بنو إسرائيل ~~أنه قد مات ، فبرأ الله موسى من ذلك ، ثم دفنوه. فلم يطلع على قبره إلا ~~الرخم من الطير ، وإن الله جعله أصم أبكم ، وقيل : إنه على سرير في كهف ~~الجبل. وقيل : إن قارون استأجر امرأة مومسة ، لتقذف موسى بنفسها على رأس ~~الملأ ، فعصمها الله ، وبرأ موسى ، وأهلك قارون. وقد تقدم. # {وكان عند الله وجيها} ذا جاه ومنزلة رفيعة ، مستجاب الدعوة. وقرأ ابن ~~مسعود والأعمش " وكان عبدا لله وجيها ". PageV06P089 # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} في ارتكاب ما يكرهه ، فضلا عما يؤذي ~~رسوله ، {وقولوا قولا سديدا} صدقا وصوابا ، أو : قاصدا إلى الحق. والسداد : ~~القصد إلى ms2305 الحق والقول بالعدل. والمراد : نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب ~~من غير قصد وعدل في القول. والحث على أن يسددوا قولهم في كل باب ؛ لأن حفظ ~~اللسان ، وسداد القول رأس كل خير ، ولذلك قال : {يصلح لكم أعمالكم} أي : ~~يوفقكم لصالح الأعمال ، أو : يقبل طاعتكم ، ويثيبكم عليها ، {ويغفر لكم ~~ذنوبكم} أي : يمحها. # جزء : 6 رقم الصفحة : 56 # والمعنى : راقبوا الله في حفظ ألسنتكم ، وتسديد قولكم ، فإنكم إن فعلتم ~~ذلك أعطاكم ما هو غاية الطلبة ؛ من تقبل حسناتكم ، ومن مغفرة سيئاتكم. وهذه ~~الآية مقررة للتي قبلها ، فدلت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان ، ليترادف عليها ~~النهي والأمر ، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام ، ~~واتباع الأمر الوعد البليغ بتقوى الله الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه. # ثم وعدهم بالفوز العظيم بقوله : {ومن يطع الله ورسوله} في الأوامر ~~والنواهي {فقد فاز فوزا عظيما} يعيش في الدنيا حميدا ، وفي الآخرة سعيدا. ~~جعلنا الله منهم ، آمين. # الإشارة : في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء بالتأسي بالأنبياء. روي ~~أن موسى عليه السلام قال : يا رب احبس علي ألسنة الناس ، فقال له : هذا شيء ~~لم أصنعه لنفسي ، فكيف أفعله بك. وأوحى تبارك وتعالى إلى عزير : إن لم تطب ~~نفسا بأن أجعلك علكا في # 57 # أفواه الماضغين ، لم أثبتك عندي من المتواضعين. ه. PageV06P090 # واعلم أن تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم هو سبب السعادة والفوز الكبير ، ~~وتعظيم أولياء الله وخدمتهم هو سبب الوصول إلى الله العلي الكبير ، وتقوى ~~الله أساس الطريق ، وحفظ اللسان وتحري القول السديد هو سبب الوصول إلى عين ~~التحقيق. قال الشيخ زروق رضي الله عنه في بعض وصاياه بعد كلام : ولكن قد ~~تصعب التقوى على النفس ؛ لاتساع أمرها ، فتوجه لترك العظائم والقواعد ~~المقدور عليها ، تعن على ما بعدها ، وأعظم ذلك معصية : الغيبة قولا وسماعا ~~، فإنها خفيفة على النفوس ؛ لإلفها ، مستسهلة ؛ لاعتيادها ، مع أنها صاعقة ~~الدين ، وآفة المذنبين ms2306 ، من اتقاها أفلح في بقية أمره ، ومن وقع فيها خسر ~~فيما وراءها. قال الله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا ~~قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم...} الآية ، فجعل صلاح العمل ~~متوقفا على سداد القول ، وكذلك ورد : أن الجوارح تصبح تشتكي اللسان ، وتقول ~~: اتق الله فينا ، فإنك إن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا. فلا تهمل ~~يا أخي لسانك ، وخصوصا في هذه الخصلة ، فتورع فيها أكثر ما تورع في مأكلك ~~ومشربك ، فإذا فعلت طابت حياتك ، وكفيت الشواغب ، ظاهرا وباطنا. ه. # فإذا تحققت بالتقوى ، وحصنت لسانك بالقول السديد ، كنت أهلا لحمل ~~الأمانة. # جزء : 6 رقم الصفحة : 56 PageV06P091 ~~يقول الحق جل جلاله : {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال} ~~الأمانة هنا هي التوحيد في الباطن ، والقيام بوظائف الدين في الظاهر ، من ~~الأوامر والنواهي ، فالإيمان أمانة الباطن ، والشريعة بأنواعها كلها أمانة ~~الظاهر ، فمن قام بهاتين الخصلتين كان أمينا ، وإلا كان خائنا. والمعنى : ~~إنا عرضنا هذه الأمانة على هذه الأجرام العظام ، ولها الثواب العظيم ، إن ~~أحسنت القيام بها ، والعقاب الأليم إن خانت ، فأبت وأشفقت واستعفت منها ، ~~مخافة ألا تقدر عليها ، فطلبت السلامة ، ولا ثواب ولا عقاب. وهذا معنى قوله ~~: {فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} فيحتمل أن يكون الإباء بإدراك ، خلقه ~~الله فيها ، وقيل : أحياها وأعقلها ، كقوله : {ائتيا طوعا أو كرها} [فصلت : ~~11] ويحتمل أن يكون هذا العرض على أهلها من الملائكة والجن. # وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : وقد يقال : الأمانة هي ما أخذ ~~عليهم من عهد التوحيد في الغيب بعد الإشهاد لربوبيته ، وينظر لذلك قوله : " ~~لن يسعني # 58 # أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن " وأما حملها على التكاليف فلا ~~يختص بالآدمي ؛ لأن الجن أيضا مكلف ، ومناسبة الآية لما قبلها : أن الوفاء ~~بها من جملة التقوى المأمور بها. ه. # وقيل : لم يقع عرض حقيقة ، وإنما المقصود : تعظيم شأن الطاعة ، وسماها ~~أمانة من حيث إنها واجبة الأداء. والمعنى : أنها لعظمة شأنها لو عرضت على ~~هذه الأجرام العظام ، وكانت ذا شعور وإدراك ، لأبين ms2307 أن يحملنها ، وأشفقن ~~منها ، وحملها الإنسان ، مع ضعف بنيته ، ورخاوة قوته ، لا جرم ، فإن الراعي ~~لها ، والقائم بحقوقها ، بخير الدارين. ه. قاله البيضاوي. والمراد بالإباية ~~: الاستعفاء ، لا الاستكبار ، أي : أشفقن منها فعفا عنهن وأعفاهن. PageV06P092 # {وحملها الإنسان} أي : آدم. قيل : فما تم له يوم من تحملها حتى وقع في أمر ~~الشجرة ، وقيل : جنس الإنسان ، وهذا يناسب حمل الأمانة على العهد الذي أخذ ~~على الأرواح في عالم الغيب. {إنه كان ظلوما جهولا} حيث تعرض لهذا الخطر ~~الكبير ، ثم إن قام بها ورعاها حق رعايتها خرج من الظلم والجهل ، وكان ~~صالحا أمينا عدولا ، وإن خانها ولم يقم بها ، كان ظلوما جهولا ، كل على قدر ~~خيانته وظلمه ، فالكفار خانوا أصل الأمانة ، وهي الإيمان فكفروا ، ومن ~~دونهم خانوا بارتكاب المناهي أو ترك الطاعة ، فبعضهم أشد ، وبعضهم أهون ، ~~وكل واحد عقوبته على قدر خيانته. # جزء : 6 رقم الصفحة : 58 # ثم علل عرضها ، وهو : لتقوم الحجة على عباده ، فقال : {ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} حيث لم يقوموا بها ، وخانوا ~~فيها ، فتقوم الحجة عليهم ، ولا يظلم ربك أحدا. وقال أبو حيان : اللام ~~للصيرورة والعاقبة. وقال أبو البقاء : اللام متعلق بحملها ، وحينئذ تكون ~~للعاقبة قطعا. {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} حيث حملوا الأمانة ، ~~إلا أن العبد لا يخلو من تفريط ، قال تعالى : {كلا لما يقض مآ أمره} [عبس : ~~23] وقال : {وما قدروا الله حق قدره} [الزمر : 67] ولذلك قال : {وكان الله ~~غفورا رحيما} فالغفران لمن لحقه تفريط وتقصير ، والرحمة لمن اجتهد قدر ~~طاقته ، كالأولياء وكبار الصالحين. # والحاصل : أن العذاب لمن تحملها أولا ، ولم يقم بحقها ثانيا. والغفران ~~لمن تحملها وقام بحقها ، والرحمة لمن تحملها ورعاها حق رعايتها. والله ~~تعالى أعلم. PageV06P093 # الإشارة : الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال هي شهود ~~أسرار الربوبية في الباطن ، والقيام بآداب العبودية في الظاهر ، أو تقول : ~~هي إشراق أسرار الحقائق في الباطن ، والقيام بالشرائع في الظاهر ، مع ~~الاعتدال ، بحيث لا تغلب الحقائق على الشرائع ، ولا الشرائع على الحقائق ، ~~فلا يغلب السكر على الصحو ، ولا ms2308 الصحو على السكر. وهذا السر خاص بالآدمي ؛ ~~لأنه اجتمع فيه الضدان ؛ اللطافة والكثافة ، النور # 59 # والظلمة ، المعنى والحس ، القدرة والحكمة ، فهو سماوي أرضي ، روحاني بشري ~~، معنوي وحسي. ولذلك خصه الله تعالى من بين سائر الأكوان بقوله : {خلقت ~~بيدي} [ص : 75] أي : بيد القدرة والحكمة ، فكان جامعا للضدين ، ملكيا ~~ملكوتيا ، حسه حكمة ، ومعناه قدرة : وليست هذه المزية لغيره من الكائنات ، ~~فالملائكة والجن معناهم غالب على حسهم ، فإذا أشرقت عليهم أنوار الحقائق ~~غلب عليهم السكر والهيمان ، والحيوانات والجمادات حسهم غالب على معناهم ، ~~فلا يظهر عليهم شيء من الأنوار والأسرار. # وهذا السر الذي خص به الآدمي هو كامن فيه ، من حيث هو ، كان كافرا أو ~~مؤمنا ، كما كمن الزبد في اللبن ، فلا يظهر إلا بعد الترتيب والضرب والمخض ~~، وإلا بقي فيه كامنا ، وكذلك الإنسان ، السر فيه كامن ، وهو نور الولاية ~~الكبرى ، فإذا آمن ووحد الله تعالى ، واهتز بذكر الله ، وضرب قلبه باسم ~~الجلالة ، ظهر سره ، إن وجد شيخا يخرجه من سجن نفسه وأسر هواه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 58 # وله مثال آخر ، وهو أن كمون السر فيه ككمون الحب في الغصون قبل ظهوره ، ~~فإذا نزل المطر ، وضربت الرياح أغصان الأشجار ، أزهرت الأغصان وأثمرت ، ~~وإليه أشار في المباحث الأصلية ، حيث قال : # وهي من النفوس في كمون # كما يكون الحب في الغصون>> حتى إذا أرعدت الرعود # وانسكب الماء ولان العود # وجال في أغصانها الرياح # فعندها يرتقب اللقاح # ثم قال : # فهذه فواكه المعارف PageV06P094 ~~لم تشر بالتالد أو بالطارف>> ما نالها ذو العين والفلوس # وإنما تباع بالنفوس # فلا يظهر هذا السر الكامن في الإنسان إلا بعد إرعاد الرعود فيه ، وهي ~~المجاهدة والمكابدة ، وقتل النفوس ، بخرق عوائدها ، وبعد نزول أمطار ~~النفحات الإلهية ، والخمرة الأزلية ، على يد الأشياخ ، الذين أهلهم الله ~~لسقي هذا الماء ، وتجول في أغصان عوالمه رياح الواردات ، وينحط مع أهل الفن ~~، حتى يسري فيه أنوارهم ، ويتأدب بآدابهم ، فحينئذ ينتظر لقاح السر فيه ، ~~ويجني ثمار معارفه ، وإلا بقي السر أبدا كامنا فيه. وبالله التوفيق ، وهو ~~الهادي إلى سواء ms2309 الطريق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 60 # جزء : 6 رقم الصفحة : 58 PageV06P095 ### | AUTO سورة سبإ # جزء : 6 رقم الصفحة : 60 # يقول الحق جل جلاله : {الحمد لله} إن أجري على المعهود فهو بما حمد به ~~نفسه محمود ، وإن أجرى على الاستغراق فله لكل المحامد الاستحقاق. واللام في ~~(لله) للتمليك ؛ لأنه خالق ناطق الحمد أصلا ، فكان بملكه مالك للحمد ، ~~وللتحميد أهلا ، {الذي له ما في السماوات وما في الأرض} خلقا ، وملكا ، ~~وقهرا ، فكان حقيقيا بأن يحمد سرا وجهرا ، {وله الحمد في الآخرة} كما له ~~الحمد في الدنيا ؛ إذ النعم في الدارين هو موليها والمنعم بها. غير أن ~~الحمد هنا واجب ؛ لأن الدنيا دار التكليف. وثم لا ؛ لأن الدار دار التعريف ~~، لا دار التكليف. وإنما يحمد أهل الجنة سرورا بالنعيم ، وتلذذا بما نالوا ~~من الفوز العظيم ، كقوله : {الحمد لله الذى صدقنا وعده...} [الزمر : 74] ~~و{الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن...} [فاطر : 34] فأشار إلى استحقاقه الحمد ~~في الدنيا بقوله : {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} وأشار ~~إلى استحقاقه في الآخرة بقوله : {وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم} بتدبير ~~ما في السماوات والأرض ، {الخبير} بضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض. # {يعلم ما يلج} ما يدخل {في الأرض} من الأموات والدفائن ، {وما يخرج منها} ~~من النبات وجواهر المعادن ، {وما ينزل من السماء} من الأمطار وأنواع ~~البركات ، {وما يعرج} يصعد {فيها} من الملائكة والدعوات ، {وهو الرحيم} ~~بإنزال ما يحتاجون إليه ، # 61 # {الغفور} بما يجترئون عليه. قاله النسفي. PageV06P096 # الإشارة : المستحق للحمد هو الذي بيده ما في سماوات الأرواح ؛ من الكشوفات ~~وأنواع الترقيات ، إلى ما لا نهاية له ، من عظمة الذات ، وبيده ما في أرض ~~النفوس ؛ من القيام بالطاعات وآداب العبودية وتحسين الحالات ، وما يلحق ذلك ~~من المجاهدات والمكابدات ، وبيده ما يتحفهم به في الآخرة ، من التعريفات ~~الجمالية ، والفتوحات الربانية ، والترقي في الكشوفات السرمدية. فله الحمد ~~في هذه العوالم الثلاثة ؛ إذ كلها بيده ، يخص بها من يشاء من عباده ، مع ~~غناه عن الكل ، وإحاطته بالكل ms2310 ، ورحمته للكل. يعلم ما يلج في أرض النفوس من ~~الهواجس والخواطر ، وما يعرج منها من الصغائر والكبائر ، أو من الطاعة ~~والإحسان من ذوي البصائر ، وما ينزل من سماء الملكوت من العلوم والأسرار ، ~~وما يعرج فيها من الطاعات والأذكار ، وهو الرحيم بالتقريب والإقبال ، ~~الغفور لمساوئ الضمائر والأفعال. # جزء : 6 رقم الصفحة : 61 # قلت : {ولا أصغر} و{لا أكبر} : عطف على {مثقال} ، أو : مبتدأ ، وخبره : ~~ما بعد الاستثناء. و{ليجزي} : متعلق بقوله : {لتأتينكم} ، وتجويز ابن جزي ~~تعلقه بيعزب بعيد ؛ لأن الإحاطة بعلمه تعالى ذاتية ، والذاتي لا يعلل ، ~~وإنما تعلل الأفعال ؛ لجوازها ، ويصح تعلقه بما تعلق به {في كتاب} أي : ~~أحصى في كتاب مبين للجزاء. # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين كفروا} أي : منكرو البعث. والناطق بهذه ~~المقالة أبو سفيان بن حرب ، ووافق عليها غيره ، وقد أسلم هو. قالوا : {لا ~~تأتينا الساعة} وإنما هي أرحام تدفع ، وأرض تبلع. قبح الله رأيهم ، وأخلى ~~الأرض منهم. {قل} لهم : {بلى} أبطل مقالتهم الفاسدة ببلى ، التي للإضراب ، ~~وأوجب ما بعدها ، أي : ليس الأمر إلا إتيانها ، ثم أعيد إيجابه ، مؤكدا بما ~~هو الغاية في التوكيد والتشديد ، وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل ، فقال ~~: {وربي لتأتينكم}. PageV06P097 # ولما كان قيام الساعة من الغيوب المستقبلية الحقية أتبعه بقوله : {عالم ~~الغيب} ، وقرأ حمزة والكسائي : " علام الغيب " ، بالمبالغة ، يعلم ما غاب ~~في عالم ملكه وملكوته ، {لا يعزب عنه} : لا يغيب عن علمه {مثقال ذرة} : ~~مقدار أصغر نملة {في السماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذلك} أي : من ~~مثقال ذرة {ولا أكبر إلا في كتاب مبين} في # 62 # اللوح المحفوظ ، أو في علمه القديم ، وكنى عنه بالكتاب ؛ لأن الكتاب يحصي ~~ما فيه. # قال الغزالي ، في عقيدة أهل السنة : وأنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، ~~محيط بما يجري من تخوم الأرض إلى أعلى السماوات ، لا يعزب عن علمه مثقال ~~ذرة في الأرض ولا في السماء ، يعلم دبيب النملة السوداء ، على الصخرة ~~الصماء ، في الليلة الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جو السماء ، ويعلم السر ~~وأخفى ، ويطلع على هواجس ms2311 الضمائر ، وحركات الخواطر ، وخفيات السرائر ، بعلم ~~قديم أزلي ، لم يزل موصوفا به في أزل الأزل. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 62 # ثم علل إتيان الساعة بقوله : {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، أولئك ~~لهم مغفرة} لما اقترفوا من العصيان ، وما قصروا فيه من مدارج الإيمان ، ~~{ورزق كريم} لما صبروا عليه من مناهج الإحسان. {والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين} بالإبطال وتعويق الناس عنها ، {أولئك لهم عذاب من رجز أليم} أي : ~~لهم عذاب من أقبح العذاب مؤلم. ورفع " أليم " مكي وحفص ويعقوب ، نعت لعذاب ~~، وغيرهم بالجر نعت لرجز. قال قتادة : الرجز : سوء العذاب. PageV06P098 # الإشارة : بقدر ما يربو الإيمان في القلب يعظم الإيمان بالبعث وما بعده ، ~~حتى يكون نصب عين المؤمن ، لا يغيب عنه ساعة ، فإذا دخل مقام العيان ، ~~استغرق في شهود الذات ، فغاب عن الدارين ، ولم يبق له إلا وجود واحد ، ~~يتلون بهيئة الدنيا والآخرة. وفي الحقيقة ما ثم إلا واحد أحد ، الأكوان ~~ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته. كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن كما ~~كان ، ويكون في المآل كما هو الآن. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 62 # قلت : {ويرى} : مرفوع ، استئناف ، أو منصوب ، عطف على {ليجزي}. و{الحق} : ~~مفعول ثان ليرى العلمية. والمفعول الأول : {الذي أنزل} وهو ضمير فصل. # يقول الحق جل جلاله : {ويرى الذين أوتوا العلم} من الصحابة ، وممن شايعهم ~~من علماء الأمة ومن ضاهاهم ، أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا ، كعبد الله ~~بن سلام ، وكعب الأحبار ، أي : يعلمون {الذي أنزل إليك من ربك} يعني القرآن ~~{هو الحق} لا يرتابون في حقيته ؛ لما نطوى عليه من الإعجاز ، وبموافقته ~~للكتب السالفة ، على يد من تحققت أميته. أو : ليجزي المؤمنين ، وليعلم أولو ~~العلم عند مجيء الساعة أنه الحق ، علما لا يزاد عليه في الإيقان ، لكونه ~~محل العيان ، كما علموه في الدنيا من طريق البرهان. {ويهدي إلى صراط العزيز ~~الحميد} وهو دين الله ، من التوحيد ، وما يتبعه من الاستقامة. # 63 PageV06P099 ~~الإشارة : أول ما يرتفع الحجاب عن العبد بينه وبين كلام سيده ، فيسمع ms2312 كلامه ~~منه ، لكن من وراء رداء الكبرياء ، وهو رداء الحس والوهم ، فيجد حلاوة ~~الكلام ويتمتع بتلاوته ، فيلزمه الخشوع والبكاء والرقة عند تلاوته. قال ~~جعفر الصادق : " لقد تجلى الحق تعالى في كلامه ولكن لا تشعرون ". ثم يرتفع ~~الحجاب بينه وبين الحق تعالى ، فيسمع كلامه بلا واسطة ولا حجاب ، فتغيب ~~حلاوة الكلام في حلاوة شهود المتكلم ، فينقلب البكاء سرورا ، والقبض بسطا. ~~وعن هذا المعنى عبر الصديق عند رؤيته قوما يبكون عند التلاوة ، فقال : " ~~كذلك كنا ولكن قست القلوب " فعبر عن حال التمكن والتصلب بالقسوة ؛ لأن ~~القلب قبل تمكن صاحبه يكون سريع التأثر للواردات ، فإذا تمكن واشتد لم ~~يتأثر بشيء. وصراط العزيز الحميد هو طريق السلوك إلى حضرة ملك الملوك. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 63 # قلت : {إذا} : العامل فيه محذوف ، دل عليه : {لفي خلق جديد}. و{ممزق} : ~~مصدر ، أي : تجددون إذا مزقتم كل تمزيق ، و{جديد} : فعيل بمعنى فاعل ، عند ~~البصريين. تقول : جد الثوب فهو جديد ، أو بمعنى مفعول ، كقتيل ، من جد ~~النساج الثوب : قطعه. ولا يجوز فتح {إنكم} للام في خبره. و{أفترى} : الهمزة ~~للاستفهام ، وحذفت همزة الوصل للآستغناء عنها. PageV06P100 # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين كفروا} من منكري البعث : {هل ندلكم على ~~رجل} يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم ، وإنما نكروه مع أنه كان مشهورا ~~علما في قريش ، وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم تجاهلا به وبأمره. وباب ~~التجاهل في البلاغة معلوم ، دال على سحرها ، {ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد} أي : يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب ، إنكم تبعثون وتنشئون ~~خلقا جديدا ، بعد أن تكونوا رفاتا وترابا ، وتمزق أجسادكم بالبلى ، كل ~~تمزيق ، وتفرقون كل تفريق ، {افترى على الله كذبا} أي : أهو مفتر على الله ~~كذبا فيما ينسب إليه من ذلك ؟ {أم به جنة} جنون توهمه ذلك ، وتلقيه على ~~لسانه. واستدلت المعتزلة بالآية على أن بين الصدق والكذب واسطة ، وهو كل ~~خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه ، وأجيب : بأن الافتراء أخص من الكذب ، ~~لاختصاص الافتراء بالتعمد ، والكذب أعم. وكأنه قيل : أتعمد ms2313 الكذب أو لم ~~يتعمد بل به جنون. # 64 # قال تعالى : {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} أي : ~~ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء ، وهو منزه عنهما ، بل هؤلاء الكفرة ، ~~المنكرون للبعث ، واقعون في عذاب النار ، وفيما يؤديهم إليه من الضلال ~~البعيد عن الحق ، بحيث لا يرجى لهم الخلاص منه ، وهم لا يشعرون بذلك ، وذلك ~~أحق بالجنون. جعل وقوعهم في العذاب رسيلا لوقوعهم في الضلال ، مبالغة في ~~استحقاقهم له ، كأنهما كائنان في وقت واحد ؛ لأن الضلال ، لما كان العذاب ~~من لوازمه ، جعلا كأنهما مقترنان. ووصف الضلال بالبعيد من الإسناد المجازي ~~؛ لأن البعيد في صفة الضال إذا بعد عن الجادة. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 64 PageV06P101 ~~أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} أي : أعموا فلم ينظروا إلى السماء ~~والأرض ، وأنهما أينما كانوا ، وحيثما ساروا ، وجدوهما أمامهم وخلفهم ، ~~محيطتان بهم ، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما ، وأن يخرجوا عما هم فيه ، ~~من ملكوت الله ، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم في الأرض ، أو يسقط عليهم ~~{كسفا} قطعة ، أو قطعا من السماء بتكذيبهم الآيات ، وكفرهم بما جاء به ~~الرسول ، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. # وقرأ حمزة والكسائي " يخسف " ، و" يسقط " بالياء ؛ لعود الضمير على ~~(الله) في قوله : {أفترى على الله} ، وقرأ حفص : " كسفا " بالتحريك ، جمعا. ~~{إن في ذلك لآية} إن في النظر إلى السماء والأرض والتفكر فيهما ، وما يدلان ~~عليه من كمال قدرته تعالى لدلالة ظاهرة على البعث والإنشاء من بعد التفريق ~~، {لكل عبد منيب} راجع بقلبه إلى ربه ، مطيع له تعالى ، إذ المنيب لا يخلو ~~من النظر في آيات الله ، فيعتبر ، ويعلم أن من قدر على إنشاء هذه الأجرام ~~العظام ، قادر على إحياء الأموات وبعثها ، وحسابها وعقابها. # الإشارة : يقول شيوخ التربية : بقدر ما يمزق الظاهر بالتخريب والإهمال ؛ ~~يحيى الباطن ويعمر بنور الله ، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن ، فيقع ~~الإنكار عليهم ، ويقول الجهلة : هل ms2314 ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم في ~~الظاهر كل ممزق ، يجدد الإيمان والإحسان في بواطنكم ، أفترى على الله كذبا ~~أم به جنة ؟ بل الذين لا يؤمنون بالنشأة الآخرة وهي حياة الروح بمعرفة ~~الله في عذاب الحجاب والضلال ، عن معرفة العيان بعيد ، ما داموا على ذلك ~~الاعتقاد ، ثم يهددون بما يهدد به منكرو البعث. والله تعالى أعلم. PageV06P102 # ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان ، احتجاجا على ما منح محمد عليه ~~الصلاة والسلام من الرسالة والوحي ، ردا لقولهم : {أفترى على الله كذبا} ، ~~ودلالة على قدرته تعالى على البعث وغيره. # جزء : 6 رقم الصفحة : 64 # 65 # قلت : {يا جبال} : بدل من {فضلا} ، أو يقدر : وقلنا. و{الطير} : عطف على ~~محل الجبال ، ومن رفعه فعلى لفظه. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا داود منا فضلا} أي : مزية خص بها على ~~سائر الأنبياء ، وهو ما جمع له من النبوة ، والملك ، والصوت الحسن ، وإلانة ~~الحديد ، وتعلم صنعة الزرد ، وغير ذلك مما خص به ، أو : فضلا على سائر ~~الناس بما ذكر ، وقلنا : {يا جبال أوبي معه} رجعي معه التسبيح. ومعنى تسبيح ~~الجبال معه : أن الله تعالى يخلق فيها تسبيحا ، فيسمع منها كما يسمع من ~~المسبح ، معجزة لداود عليه السلام ، فكان إذا تخلل الجبال وسبح ؛ جاوبته ~~الجبال بالتسبيح ، نحو ما سبح به. وهو من التأويب ، أي : الترجيع ، وقيل : ~~من الإياب بمعنى الرجوع ، أي : ارجعي معه بالتسبيح. {والطير} أي : أوبي معه ~~، أو : وسخرنا له الطير تؤوب معه. قال وهب : فكان داود إذا نادى بالنياحة ~~على نفسه ، من أجل زلته ، أجابته الجبال بصداها ، وعكفت الطير عليه من فوقه ~~، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس منها هو من ذلك اليوم. PageV06P103 # قال القشيري : يقال أوحى الله إلى داود عليه السلام : كانت تلك الزلة ~~مباركة عليك ، فقال : يا رب ؛ وكيف تكون الزلة مباركة ؟ فقال : كنت تجيء ~~بأقدار المطيعين ، والآن تجيء بانكسار المذنبين ، يا داود أنين المذنبين ~~أحب إلي من صراخ العابدين. ه. مختصرا. وفي هذا اللفظ من قوله : {يا جبال ~~أوبي معه} من الفخامة ما ms2315 لا يخفى ، حيث جعلت الجبال بمنزلة العقلاء ؛ الذين ~~إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا ، وإذا دعاهم أجابوا ، إشعارا بأنه ما من حيوان ~~وجماد إلا وهو منقاد لقدرة الله تعالى ومشيئته. ولو قال : آتينا داود منا ~~فضلا تأويب الجبال معه والطير ؛ لم يكن فيه هذه الفخامة. # {وألنا له الحديد} أي : جعلناه له لينا ، كالطين المعجون ، يصرفه بيده ~~كيف يشاء ، من غير نار ولا ضرب بمطرقة ، قيل : سبب لينه له : أنه لما ملك ~~بني إسرائيل ، وكان من عادته أن يخرج متنكرا ، ويسأل كل من لقيه : ما يقول ~~الناس في داود ؟ فيثنون خيرا ، فلقي ملكا في صورة آدمي ، فسأله ، فقال : ~~نعم الرجل ، لولا خصلة فيه : يأكل ويطعم عياله من بيت المال ، فتنبه ، وسأل ~~الله تعالى أن يسبب له سببا يغنيه عن بيت المال ، فألان له الحديد مثل ~~الشمع ، وعلمه صنعة الدروع ، وهو أول من اتخذها. وكانت قبل ذلك صفائح. # جزء : 6 رقم الصفحة : 65 # ويقال : كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف ، فيأكل ويطعم عياله ، ويتصدق ~~على الفقراء والمساكين. وقيل : كان يلين له ولمن اشتغل معه له ، قلت : ذكر ~~ابن حجر في شرح الهمزية أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان إذا وطىء على صخرة ~~أثر فيها قدمه ، وهذا أبلغ من إلانة الحديد ؛ لأن لين الحجارة لا يعرف بنار ~~، ولا بغيرها ، بخلاف الحديد. ه. وقيل : لأن لين الحديد في يد داود عليه ~~السلام لما أولي من شدة القوة. # 66 PageV06P104 ~~وأمرناه {أن اعمل سابغات} أي : دروعا واسعة تامة ، من : السبوغ ، بمعنى ~~الإطالة ، {وقدر في السرد} لا تجعل المسامير دقاقا فيقلق ، ولا غلاظا ~~فتنكسر الحلق ، أو تؤذي لابسها. والتقدير : التوسط في الشيء ، والسرد : ~~صنعة الدروع ، ومنه قيل لصانعه : السراد والزراد. {واعملوا صالحا} شكرا لما ~~أسدي إليكم. والضمير لداود وأهله. والعمل الصالح : ما يصلح للقبول ؛ ~~لإخلاصه وإتقانه ، {إني بما تعملون بصير} فأجازيكم عليه. # الإشارة : الفضل الذي أوتيه داود عليه السلام هو كشف الحجاب بينه وبين ~~الكون ، فلما شهد المكون ، كانت الأكوان معه. " أنت مع الأكوان ما لم تشهد ms2316 ~~المكون ، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ". ولا يلزم من كونها معه في ~~المعنى ، بحيث تتعشق له وتهواه ، أي : تنقاد كلها له في الحس ، بل ينقاد ~~إليه منها ما يحتاج إليه ، حسبما تقتضيه الحكمة ، وتسبق به المشيئة ، ~~فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار. وقوله تعالى : {وألنا له الحديد} في ~~الظاهر : الحديد الحسي ، وفي الباطن : القلوب الصلبة كالحديد ، فتلين لوعظه ~~بالإيمان والمعرفة. وكذا في حق كل عارف تلين لوعظه القلوب ، وتقشعر من ~~كلامه الجلود. وهو أعظم نفعا من لين الحديد الحسي. ويقال له : أن اعمل ~~سابغات ، أي : دروعا تامة ، يتحصن بها من الشيطان والهوى ، وهو ذكر الله ، ~~يستعمله ويأمر به ، ذكرا متوسطا ، من غير إفراط ممل ، ولا تفريط مخل. فإذا ~~انتعش الناس على يده كبر قدره عند ربه ، فيؤمر بالشكر ، وهو قوله : ~~{واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير} والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 65 # قلت : " الريح " : مفعول بمحذوف ، أي : وسخرنا له الريح ، ومن رفعه ؛ ~~فمبتدأ تقدم خبره. PageV06P105 # يقول الحق جل جلاله : {و} سخرنا {لسليمان الريح} وهي الصبا ، {غدوها شهر ~~ورواحها شهر} أي : جريها بالغد مسيرة شهر ، إلى نصف النهار ، وجريها بالعشي ~~كذلك. فتسير في يوم واحد مسيرة شهرين. وكان يغدو من دمشق ، مكان داره ، ~~فيقيل بإصطخر فارس ، وبينهما مسيرة شهر ، ويروح من إصطخر فيبيت بكابل ، ~~وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. وقيل : كان يتغذى بالري ، ويتعشى ~~بسمرقند. وعن الحسن : لما عقر # 67 # سليمان الخيل ، غضبا لله تعالى ، أبدله الله خيرا منها الريح ، تجري ~~بأمره حيث شاء ، غدوها شهر ورواحها شهر. ه. # قال ابن زيد : كان لسليمان مركب من خشب ، وكان فيه ألف ركن ، في كل ركن ~~ألف بيت معه ، فيه الجن والإنس ، تحت كل ركن ألف شيطان ، يرفعون ذلك المركب ~~، فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فتسير به وبهم. قلت : وقد تقدم أن العاصفة ~~هي التي ترفعه ، والرخاء تسير به ، وهو أصح. ثم قال : فتقيل عند قوم ، ~~وتمسي عند قوم ، وبينهما شهر ، فلا يدري القوم إلا وقد أظلهم ، معه الجيوش. # ويروى ms2317 أن سليمان سار من أرض العراق ، فقال بمدينة مرو ، وصلى العصر ~~بمدينة بلخ ، تحمله الريح ، وتظله الطير ، ثم سار من بلخ متخللا بلاد الترك ~~، ثم سار به إلى أرض الصين ، ثم عطف يمنة على مطلع الشمس ، على ساحل البحر ~~، حتى أتى أرض فارس ، فنزلها أياما ، وغدا منها فقال بكسكر ، ثم راح إلى ~~اليمن ، وكان مستقره بها بمدينة تدمر ، وقد كان أمر الشياطين قبل شخوصه من ~~الشام إلى العراق ، فبنوها له بالصفاح ، والعمد ، والرخام الأبيض والأصفر. ه. # قلت : وذكر أبو السعود في سورة " ص " أنه غزا بلاد المغرب الأندلسي وطنجة ~~وغيرهما ، والله تعالى أعلم. ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض كسكر ، ~~أنشأها بعض أصحاب سليمان عليه السلام : # جزء : 6 رقم الصفحة : 67 # ونحن ولا حول سوى حول ربنا PageV06P106 ~~نروح إلى الأوطان من أرض كسكر>> إذ نحن رحنا كان ريث رواحنا # مسيرة شهر والغدو لآخر # أناس أعز الله طوعا نفوسهم # بنصر ابن داود النبي المطهر # لهم في معالي الدين فضل ورفعة # وإن نسبوا يوما فمن خير معشر # متى يركب الريح المطيعة أسرعت # مبادرة عن شهرها لم تقصر # تظلهم طير صفوف عليهم # متى رفرفت من فوقهم لم تنفر # قال القشيري : وفي القصة أنه لاحظ يوما ملكه ، فمال الريح ، فقال له : ~~استو ، فقال له ما دمت أنت مستويا بقلبك كنت مستويا لك ، فحيث ملت ملت. ه. # ثم قال : {وأسلنا له عين القطر} أي : معدن النحاس. والقطر : النحاس ، وهو ~~الصفر ، ولكنه أذابه له ، وكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام ، كما يسيل الماء. ~~وكان قبل سليمان لا يذوب. قال ابن عباس : كانت تسيل له باليمن عين من نحاس ~~، يصنع منها ما أحب. وقيل : القطر : النحاس والحديد ، وما جرى مجرى ذلك ، ~~كان يسيل له منه عيون. # 68 # وقيل : ألانه كما ألان الحديد لأبيه ، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أجرى ~~الله تعالى لسليمان ، كما قيل. # {و} سخرنا له {من الجن من يعمل بين يديه} ما يشاء {بإذن ربه} أي : بأمر ~~ربه ، {ومن يزغ منهم عن أمرنا} أي ms2318 : ومن يعدل منهم عن أمرنا الذي أمرنا به ~~من طاعة سليمان {نذقه من عذاب السعير} عذاب الآخرة. وقيل : كان معه ملك ~~بيده سوط من نار ، فمن زاغ عن طاعة سليمان ضربه بذلك ضربة أحرقته. PageV06P107 # {يعملون له ما يشاء من محاريب} أي : مساجد ، أو مساكن وقصور ، والمحراب : ~~مقدم كل مسجد ومجلس وبيت. {وتماثيل} صور الملائكة والأنبياء ، على ما ~~اعتادوا من العبادات ، ليراها الناس ، فيعبدوا نحو عبادتهم. صنعوا له ذلك ~~في المساجد ، ليجتهد الناس في العبادة. أو : صور السباع والطيور ، روي أنهم ~~عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ، ونسرين فوقه ، فإذا أراد أن يصعد بسط ~~الأسدان له ذراعيهما ، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. وكان التصوير ~~مباحا. {وجفان} وصحاف ، جمع : جفنة ، وهي القصعة ، {كالجواب} جمع جابية ، ~~وهي الحياض الكبار. قيل : كان يقعد على الجفنة ألف رجل ، يأكون بين يديه ، ~~{وقدور راسيات} ثابتات على الأثافي ، لا تنزل ؛ لعظمها ، ولا تعطل ؛ لدوام ~~طبخها. وقيل : كان قوائمها من الجبال ، يصعد إليها بالسلالم ، وقيل : باقية ~~باليمن. # جزء : 6 رقم الصفحة : 67 # وقلنا : {اعملوا آل داود شكرا} أي : اعملوا بطاعة الله ، واجهدوا أنفسكم ~~في عبادته ، شكرا لما أولاكم من نعمه. قال ثابت : كان داود جزأ ساعات الليل ~~والنهار على أهله ، فلم تكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان ~~من آل داود قائم يصلي. ه. # وقال سعيد بن المسيب : لما فرغ سليمان من بيت المقدس انغلقت أبوابه ، ~~فعالجها ، فلم تنفتح ، حتى قال : بصلوات آل داود إلا فتحت الأبواب ، ففتحت ~~، ففرغ له سليمان عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل ؛ خمسة آلاف بالليل ، ~~وخمسة آلاف بالنهار ، فلا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا والله عز وجل يعبد ~~فيها. ه. وعن الفضيل : {اعملوا آل داود} أي : ارحموا أهل البلاء ، وسلوا ~~ربكم العافية. # و{شكرا} : مفعول له ، أو حال ، أي : شاكرين ، أو مصدر ، أي : اشكروا شكرا ~~؛ لأن " اعملوا " فيه معنى اشكروا ، من حيث إن العمل للنعم شكر ، أو : ~~مفعول به ، أي : إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم ، فاعملوا أنتم ms2319 شكرا. PageV06P108 # {وقليل من عبادي الشكور} يحتمل أن يكون من تمام الخطاب لداود عليه السلام ، ~~أو خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم. والشكور : القائم بحق الشكر ، الباذل ~~وسعه فيه ، قد شغل به بقلبه # 69 # ولسانه وجوارحه في أكثر أوقاته ، اعتقادا واعترافا وكدحا. وعن ابن عباس : ~~هو من يشكر على أحواله كلها. وقيل : من شكر على الشكر ، ومن يرى عجزه عن ~~الشكر. قال البيضاوي : لأن توفيقه للشكر نعمة ، فتقتضي شكرا آخر ، لا إلى ~~نهاية ، ولذلك قيل : الشكور من يرى عجزه عن الشكر. ه. # الإشارة : وسخرنا لسليمان ريح الهداية ، تهب بين يديه ، يهتدى به مسيرة ~~شهر وأكثر ، وأسلنا لوعظه وتذكيره العيون الجامدة ، فقطرت بالدموع خشوعا ~~وخضوعا. وكل من أقبل على الله بكليته سخرت له الكائنات ، جنها وإنسها ، ~~يتصرف بهمته فيها. فحينئذ يقال له ما قيل لآل داود : اعملوا آل داود شكرا. ~~قال الجنيد : الشكر : بذل المجهود بين يدي المعبود. وقال أيضا : الشكر ألا ~~يعصى الله بنعمه. # والشكر على ثلاثة أوجه : شكر بالقلب ، وشكر باللسان ، وشكر بسائر ~~الأركان. فشكر القلب : أن يعتقد أن النعم كلها من الله ، وشكر اللسان : ~~الثناء على الله وكثرة المدح له ، وشكر الجوارح : أن يعمل العمل الصالح. ~~وسئل أبو حازم : ما شكر العينين ؟ قال : إذا رأيت بهما خيرا أعلنته ، وإذا ~~رأيت بهما شرا سترته ، قيل : فما شكر الأذنين ؟ قال : إذا سمعت بهما خيرا ~~وعيته ، وإذا سمعت بهما شرا دفنته ، قيل : فما شكر اليدين ؟ قال : ألا تأخذ ~~بهما ما ليس لك ، ولا تمنع حقا هو لله فيهما ، قيل : فما شكر البطن ؟ قال : ~~أن يكون أسفله صبرا ، وأعلاه علما ، قيل : فما شكر الفرج ؟ قال : كما قال ~~الله تعالى : {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون : 5] الآية ، قيل : فما ~~شكر الرجلين ؟ قال : إن رأيت شيئا غبطته استعملتهما ، وإن رأيت شيئا مقته ~~كفقتهما. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 67 PageV06P109 ~~والناس في الشكر درجات : عوام ، وخواص ، وخواص الخواص. فدرجة العوام : ~~الشكر على النعم ، ودرجة الخواص : الشكر على النعم والنقم ، وعلى كل حال ، ~~ودرجة خواص الخواص : أن يغيب ms2320 عن النعم بمشاهدة المنعم. قال رجل لإبراهيم بن ~~أدهم : إن الفقراء إذا أعطوا شكروا ، وإذا منعوا صبروا ، فقال : هذه أخلاق ~~الكلاب عندنا ، ولكن الفقراء إذا منعوا شكروا ، وإذا أعطوا آثروا. ه. # وهذان الآخران يصدق عليهما قوله تعالى : {وقليل من عبادي الشكور} ، وخصه ~~القشيري بالقسم الثالث ، فقال : فكان الشاكر يشكر على البذل ، والشكور على ~~المنع ، فكيف بالبذل ؟ ثم قال : ويقال في {قليل من عبادي الشكور} : قليل من ~~يأخذ النعمة مني ، فلا يحملها على الأسباب ، فيشكر الوسائط ولا يشكرني. وفي ~~الحكم : " من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ، ومن شكرها فقد قيدها ~~بعقالها ". فالشكر قيد الموجود ، وصيد المفقود. والله تعالى أعلم. # 70 # جزء : 6 رقم الصفحة : 67 # يقول الحق جل جلاله : {فلما قضينا عليه} على سليمان {الموت ما دلهم} أي : ~~الجن وآل داود {على موته إلا دابة الأرض} أي : الأرضة ، وهي دويبة تأكل ~~الخشب ، ويقال : لها ، سرفة والقادح. والأرض هنا مصدر : أرضت الخشبة ، ~~بالبناء للمفعول ، أرضا : أكلتها الأرضة. فأضيفت إلى فعلها وهو الأرض ، أي ~~: الأكل. {تأكل منسأته} أي : عصاه ، سميت منسأة ؛ لأنها تنسى ، أي : تطرح ~~ويرمى بها. وفيها لغتان ؛ الهمز وعدمه ، فقرأ نافع وأبو عمرو بترك الهمز ، ~~وعليه قول الشاعر : # إذا دببت على المنساة من كبر # فقد تباعد عنك اللهو والغزل # وقرأ غيرهما بالهمز ، وهو أشهر. PageV06P110 # {فلما خر} سقط سليمان {تبينت الجن} أي : تحققت وعلمت علما يقينا ، بعد ~~التباس الأمر على عامتهم وضعفتهم ، {أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا} ~~بعد موت سليمان {في العذاب المهين} في العمل الشاق له ، لظنهم حياته ، فلو ~~كانوا يعلمون الغيب كما زعموا لعلموا موته. # وذلك أن داود عليه السلام أسس بيت المقدس ، في موضع فسطاط موسى عليه ~~السلام ، فمات قبل أن يتمه ، فوصى به إلى سليمان ، فأمر الشياطين بإتمامه. ~~فلما بقي من عمره سنة ، سأل الله تعالى أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا ، ~~ولتبطل دعواهم علم الغيب. وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة. وملك وهو ابن ~~ثلاث عشرة سنة. فبقي في ملكه أربعين سنة ، وابتدأ بناء ms2321 بيت المقدس لأربع ~~مضين من ملكه. قال الثعلبي : فبنى سليمان المسجد بالرخام الأبيض والأصفر ~~والأخضر ، وعمره بأساطين المها الصافي ، وسقفه بأنواع الجواهر ، وفضض سقوفه ~~وحيطانه باللآلىء ، وسائر أنواع الجواهر ، وبسط أرضه بألواح الفيروزج ، فلم ~~يكن في الأرض أبهى ولا أنور من ذلك المسجد. كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة ~~البدر. ومن أعاجيب ما اتخذ في بيت القدس ، أن بنى بيتا وطين حائطه بالخضرة ~~، وصقله ، فإذا دخله الورع البار استبان فيه خياله أبيض ، وإذا دخله الفاجر ~~استبان فيه خياله أسود ، فارتدع كثير من الناس عن الفجور. # قال صلى الله عليه وسلم : " لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ~~ثلاثا ، فأعطاه اثنتين ، وأن أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة ، سأله حكما ~~يصادف حكمه ، فأعطاه إياه ، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، فأعطاه ~~إياه ، وسأله ألا يأتي أحد هذا البيت يصلي فيه ركعتين إلا # 71 # خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك " ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 71 PageV06P111 ~~فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان عليه السلام حتى خربه بخت نصر ، ~~وأخذ ما كان فيه من الذهب والفضة واليواقيت ، وحمله إلى دار مملكته من ~~العراق. # ثم قال : قال المفسرون : كان سليمان ينفرد في بيت المقدس السنة والسنتين ~~، والشهر والشهرين ، يدخل فيه طعامه وشرابه ، فدخله في المرة التي مات ~~فيها. وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة ، ~~فيسألها : ما اسمك ؟ فتقول الشجرة : اسمي كذا ، فيأمر بها فنقطع ، فإن كانت ~~لغرس غرسها ، وإن كانت لدواء كتبت. فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين ~~يديه ، فقال لها : ما اسمك ؟ قالت : الخروبة ، قال لها : ولأي شيء نبت ؟ ~~قالت : لخراب هذا المسجد ، فقال : ما كان الله ليخربه وأنا حي ، أنت التي ~~على وجهك هلاكي ، وهلاك بيت المقدس ، فنزعها وغرسها في حائط ، ثم قال : ~~اللهم أعم عن الجن موتي ، حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. وكانت ~~الجن ms2322 تخبر الإنس أنهم يعلمون أشياء من علم الغيب ، ثم دخل المحراب ، وقام ~~يصلي على عصاه ، فمات. # وقيل : إن سليمان قال لأصحابه ذات يوم : قد آتاني الله ما ترون ، وما مر ~~علي يوم في ملكي بحيث صفا لي من الكدر ، وقد أحببت أن يكون لي يوم واحد ~~يصفو لي من الكدر ، فدخل قصره من الغد ، وأمر بغلق أبوابه ، ومنع الناس من ~~الدخول عليه ، ورفع الأخبار إليه. ثم اتكأ على عصاه ينظر في ممالكه ، إذ ~~نظر إلى شاب حسن الوجه ، عليه ثياب بيض ، قد خرج عليه من جوانب قصره ، فقال ~~: السلام عليك يا سليمان ، فقال : عليك السلام ، كيف دخلت قصري ؟ فقال : ~~أنا الذي لا يحجبني حاجب ، ولا يدفعني بواب ، ولا أهاب الملوك ، ولا أقبل ~~الرشا ، وما كنت لأدخل هذا القصر من غير إذن. فقال سليمان : فمن أذن لك في ~~دخوله ؟ قال : ربه ، فارتعد سليمان ، وعلم أنه ملك الموت ، فقال : يا ملك ~~الموت هذا اليوم الذي أردت أن يصفو لي ، قال : يا سليمان ذلك اليوم لم يخلق ~~في أيام الدنيا ، فقبض روحه وهو متكىء على عصاه. ه. PageV06P112 # وفي رواية : أنه دعا الشياطين ، فبنوا له صرحا من قوارير ، ليس له باب ، ~~فقام يصلي ، واتكأ على عصاه ، فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه. والله تعالى ~~أعلم أي ذلك كان. وبقي سليمان ميتا ، وهو قائم على عصاه سنة ، حتى أكلت ~~الأرضة عصاه. ولم يعلموا منذ كم مات ، فوضعوا الأرضة على العصا ، فأكلت ~~منها يوما وليلة ، ثم حسبوا على ذلك النحو ، فوجدوه قد مات منذ سنة. سبحان ~~الحي الذي لا يموت ، ولا ينقضي ملكه. # 72 # الإشارة : كل دولة في الدنيا تحول ، وكل عز فيها عن قريب يزول ، فالعاقل ~~من صرف دولته في طاعة مولاه ، وبذل جهده في محبته ورضاه ، فإن كانت قسمته ~~في الأغنياء كان من الشاكرين ، وإن كانت في الفقراء كان من الصابرين ، ~~والفقير الصابر أحظى من الغني الشاكر ، ولذلك ورد أن سليمان عليه السلام ~~آخر من يدخل الجنة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعبد الرحمن ms2323 بن عوف ~~آخر من يدخلها من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. والغني الشاكر هو الذي ~~يعطي ولا يبالي ، ويتواضع للكبير والصغير ، والوجيه والحقير ، والفقير ~~الصابر هو الذي يغتبط بفقره ، ويكتمه عن غيره. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 71 # قلت : {لسبأ} فيه الصرف ، بتأويل الحي ، وعدمه ، بتأويل القبيلة. ~~و{مسكنهم} ، من قرأ بالإفراد وفتح الكاف على القياس في الاسم والمصدر ، ~~كمدخل ، ومن كسره فلغة ، والسماع في المصدر كمسجد. و{جنتان} بدل من {آية} ~~أو : خبر عن مضمر ، أي : هي جنتان. و{أكل خمط} ، فمن أضافه فإضافة الشيء ~~إلى جنسه ، كثوب خز ، ومن نونه قطعه عن الإضافة ، وجعله عطف بيان. أو صفة ، ~~بتأويل خمط ببشيع. PageV06P113 # يقول الحق جل جلاله : {لقد كان لسبأ} سئل صلى الله عليه وسلم أرجلا كان أو ~~امرأة ، أو أرضا أو جبلا أو واديا ، فقال صلى الله عليه وسلم : " هو رجل من ~~العرب ، ولد عشرة من الولد ، فتيامن ستة ، وتشاءم أربعة : فالذين تيامنوا ~~كثرة ، فكندة ، والأشعريون ، والأزد ، ومذحج ، وأنمار ، وحمير ، فقال رجل : ~~من أنمار يا رسول الله ؟ قال منهم خثعم وبجيلة. والذين تشاءموا : عاملة ، ~~وجذام ، ولخم ، وغسان " قلت : وسبأ هو ابن يشخب بن يعرب بن قحطان. واختلف ~~في قحطان ، فقيل : هو ابن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح. وقيل : هو ~~أخو هود عليه السلام. وقيل : هو هود ، بنفسه ، وإن هودا هو ابن عبدالله بن ~~رباح ، لا ابن عابر ، على الأصح. فهو على هذا القول ابن أرم بن سام. وقيل : ~~قحطان من ولد إسماعيل ، فهو ابن أيمن بن قيذر بن إسماعيل. وقيل : هو ابن ~~الهميسع بن أيمن. وبأيمن سميت اليمن ، وقيل : لأنها عن يمين الكعبة. هذا ~~والعرب كلها يجمعها أصلان : عدنان وقحطان ، فلا عربي في # 73 # الأرض إلا وهو ينتهي إلى أحدهما ، فيقال : عدناني أو قحطاني. # ومن جعل العرب كلها من ولد إسماعيل مر على أن قحطان من ذرية إسماعيل ، ~~كما تقدم ، واختلف في خزاعة ، فقيل : قحطانية ، وقيل : عدنانية ، وأن جدهم ~~عمرو بن لحي ، وأما الأوس والخزرج فهما من ms2324 ذرية سبأ ، نزلت يثرب ، بعد سيل ~~العرم ، كما يأتي. # جزء : 6 رقم الصفحة : 73 PageV06P114 ~~قال تعالى : {لقد كان لسبأ في مسكنهم} أي : في بلدهم ، أو أرضهم ، التي ~~كانوا مقيمين فيها باليمن ، {آية} دالة على وحدانيته تعالى ، وباهر قدرته ، ~~وإحسانه ، ووجوب شكر نعمه ، وهي : {جنتان} أي : جماعة من البساتين ، {عن ~~يمين} واديهم ، {وشمال} وعن شماله. وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها ~~وتصافها كأنها جنة واحدة ، كما يكون في بساتين البلاد العامرة. قيل : كان ~~الناس يتعاطون ذلك على جنبتي الوادي ، مسيرة أربعين يوما ، وكلها تسقى من ~~ذلك الوادي ؛ لارتفاع سده. أو : أراد بستانين ، لكل رجل بستان عن يمين داره ~~، وبستان عن شماله. ومعنى كونهما آية : أن أهلها لما أعرضوا عن شكر النعم ~~سلبهم الله النعمة ، ليعتبروا ويتعظوا ، فلا يعودوا لما كانوا عليه من ~~الكفر وغمط النعم ، فلما أثمرت البساتين ؛ قلنا لهم على لسان الرسل ~~المبعوثين إليهم ، أو بلسان الحال ، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك : {كلوا ~~من رزق ربكم واشكروا له} بالإيمان والعمل الصالح ، {بلدة طيبة} أي : هذه ~~البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة ، {ورب غفور} أي : وربكم الذي رزقكم وطلب ~~شكركم رب غفور لمن شكره. قال ابن عباس : كانت سبأ على ثلاثة فراسخ من صنعاء ~~، وكانت أخصب البلاد ، فتخرج المرأة على رأسها المكتل ، وتسير بين تلك ~~الشجر ، فيمتلىء المكتل مما يتساقط فيه من الشجر ولقد كان الرجل يخرج ~~لزيارة أقاربه ، وعلى رأسه مكتل ، أو قفة ، أو طبق فارغ ، فلا يصل إلى حيث ~~يريد إلا والطبق قد امتلأ فاكهة ، مما تسقطه الرياح ، دون أن يمد يده إلى ~~شيء من ثمرها. ومن طيبها : أنها لم تر في بلدهم بعوضة قط ، ولا ذباب ، ولا ~~برغوث ، ولا عقرب ، ولا حية. وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب ؛ ~~ماتت الدواب والقمل ؛ لطيب هواها. PageV06P115 # {فأعرضوا} عن الشكر ، بتكذيب أنبيائهم ، وكفر نعمة الله عليهم. وقالوا : ما ~~نعرف لله علينا من نعمة ، عائذا بالله. قال وهب : بعث الله إلى سبأ ثلاثة ~~عشر نبيا ، يدعونهم إلى الله تعالى ، فكذبوهم ms2325 ، {فأرسلنا عليهم سيل العرم} ~~أي : سيل الأمر العرم ، أي : الصعب. من : عرم الرجل فهو عارم ، وعرم : إذا ~~شرس خلقه وصعب ، أي : أرسلنا عليهم سيلا شديدا ، مزق سدهم ، وغرق بساتينهم. ~~قيل : جمع عرمة ، وهي السد الذي يمسك الماء إلى وقت حاجته. # قال ابن عباس رضي الله عنه : كان هذا السد يسقي جنتها ، وبنته بلقيس ؛ ~~لأنه لما ملكت جعل قومها يقتتلون على ماء مواشيهم ، فنهتهم ، فأبوا ، فنزلت ~~عن ملكها ، فلما كثر # 74 # الشر بينهم أرادوها أن ترجع إلى ملكها ، فأبت ، فقالوا : لترجعي أو ~~لنقتلنك ، فجاءت ، وأمرت بواديهم فسد أعلاه بالعرم ، وهو المسناة بلغة ~~حمير فسدت ما بين الجبلين بالصخر والنار ، وجعلت له أبوابا ثلاثة ، بعضها ~~فوق بعض ، وبنت من دونه بركة عظيمة ، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا ، على عدة ~~أنهارهم. فلما جاء المطر اجتمع ماء الصخر وأودية اليمن ، فاحتبس السيل من ~~وراء السد ، ففتحت الباب الأعلى ، وجرى ماؤه في البركة ، وألقت البقر فيها ~~، فخرج بعض البقر أسرع من بعض ، فلم تزل تضيق تلك الأنهار ، وترسل البقر في ~~الماء ، حتى خرجت جميعا معا ، فكانت تقسمه بينهم على ذلك ، حتى كان من ~~شأنها وشأن سليمان ما كان. فكانوا يسقون من الباب الأعلى ، ثم من الثاني ، ~~ثم من الأسفل ، فلا ينفد حتى يثوب الماء من السنة المقبلة. فلما كفروا ~~وطغوا ، سلط الله عليهم جرذا ، يسمى الخلد وهو الفأر فنقبه من أسفله ، ~~فغرق الماء جنتهم ، وخرب أرضهم. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 73 PageV06P116 ~~قال وهب : وكانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنهم يخرب سدهم فأرة ~~، فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا عندها هرا ، فلما حان ما أراد الله ~~بهم ، أقبلت فأرة حمراء ، إلى بعض الهرر ، فساورتها أي : حاربتها ، حتى ~~استأخرت عنها أي : عن تلك الفرجة الهرة ، فدخلت في الفرجة التي كانت ~~عندها ، ونقبت السد ، حتى أوهنته للسيل ، وهم لا يدرون ، فلما جاء السيل ~~دخل في تلك الخلل ، حتى بلغ السد ، فخربه ، وفاض على أموالهم ، فغرقتها ، ~~ودفن بيوتهم ، ومزقوا ، حتى صاروا مثلا عند العرب ، فقالوا ms2326 : تفرقوا أيادي ~~سبأ. ه. # {وبدلناهم بجنتيهم} المذكورتين {جنتين} أخريين. وتسمية المبدلتين جنتين ~~للمشاكلة وازدواج الكلام ، كقوله : {وجزآؤا سيئة سيئة مثلها} [الشورى : ~~40]. {ذواتي أكل خمط} الأكل : الثمر المأكول ، يخفف ويثقل. والخمط ، قال ~~ابن عباس : شجر الأراك ، وقال أبو عبيد : كل شجر مؤذ مشوك. وقال الزجاج : ~~كل شجر مر. ه. وفي القاموس : الخمط : الحامض المر من كل شيء ، وكل نبت أخذ ~~طعما من مرارة وحموضة ، وشجر كالسدر ، وشجر قاتل ، أو كل شجر لا شوك له. ه. ~~وقرأ البصريان بالإضافة ، من إضافة الشيء إلى جنسه ، كثوب خز ؛ لأن المراد ~~بالأكل المأكول ، أي : ذواتي ثمر شجر بشيع. والباقون : بالتنوين ، عطف بيان ~~، أو صفة ، بتأويل خمط ببشيع ، أي : مأكول بشيع. {وأثل} هو شجر يشبه ~~الطرفاء ، أعظم منه ، وأجود عودا. {وشيء من سدر قليل} والحاصل أن الله ~~تعالى أهلك أشجارهم المثمرة ، وأنبت مكانها الطرفاء والسدر. وإنما قال : ~~السدر ، لأنه أكرم ما بدلوا به ؛ لأنه يكون في الجنان. # {ذلك جزيناهم بما كفروا} أي : جزيناهم ذلك بكفرهم ، فذلك مفعول مطلق ~~بجزينا ، {وهل يجازى} هذا الجزاء # 75 PageV06P117 ~~الكلي {إلا الكفور} أي : لا يجازى بمثل هذا الجزاء إلا من كفر النعمة ولم ~~يشكرها ، أو : كفر بالله ، أو هل يعاقب ؛ لأن الجزاء وإن كان عاما يستعمل ~~في معنى المعاقبة ، وفي معنى الإثابة لكن المراد الخاص ، وهو المعاقبة. قال ~~الواحدي : وذلك لأن المؤمن يكفر عنه سيئاته ، والكافر يجازى بكل سوء عمله. ~~قلت : بل الظاهر المجازاة الدنيوية بسلب النعم ، ولا تسلب إلا للكفور ، دون ~~الشكور. قاله في الحاشية. # وعن الضحاك : كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. ه. قلت ~~: ولعلهم استمروا من زمن سليمان إلى أن جاوزوا زمن عيسى عليه السلام. # جزء : 6 رقم الصفحة : 73 # الإشارة : لكل مريد وعارف جنتان عن يمين وشمال ، يقطف من ثمارهما ما يشاء ~~؛ جنة العبودية ، وجنة الربوبية ، جنة العبودية للقيام بآداب الشريعة ، ~~وجنة الربوبية للقيام بشهود الحقيقة ، فيتفنن في جنة العبودية بعلوم الحكمة ~~، ويتفنن في جنة الربوبية بعلوم القدرة ، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات. ~~كلوا ms2327 من رزق ربكم حلاوة المعاملة في جنة العبودية ، وحلاوة المشاهدة في جنة ~~الربوبية ؛ بلدة طيبة هي جنة الربوبية ؛ إذ لا أطيب من شهود الحبيب ، ورب ~~غفور لتقصير القيام بآداب العبودية ؛ إذ لا يقدر أحد أن يحصيها ، ولا جزءا ~~منها. فأعرض أهل الغفلة عن القيام بحقهما ، ولم يعرفوهما ، فأرسلنا على ~~قلوبهم سيل العرم ، وهو سيل الخواطر والوساوس ، وخوض القلب في حس الأكوان ، ~~فبدلناهم بجنتيهم جنتين ؛ مرارة الحرص والتعب ، والهم والشغب. ذلك جزيناهم ~~بكفرهم بطريق الخصوص من أهل التربية ، وهل يجازى إلا الكفور. PageV06P118 # قال القشيري : {وبدلناهم بجنتيهم جنتين...} الآية ، كذلك من الناس من يكون ~~في رغد من الحال ، واتصال من التوفيق ، وطيب من القلب ، ومساعدة من الوقت ، ~~فيرتكب زلة ، أو يتبع شهوة ، ولا يعرف قدر ما يفوته فيفتر عليه الحال ، فلا ~~وقت ولا حال ، ولا قرب ولا وصال ، يظلم عليه النهار ، بعد أن كانت لياليه ~~مضيئة. وأنشدوا : # ما زلت أختال في زماني # حتى أمنت الزمان مكره>> طال علينا الصدود حتى # لم يبق مما شهدت ذره # {ذلك جزيناهم بما كفروا...} الآية : ما عوقبوا إلا بما استوجبوا ، وما ~~سقوا إلا ما أفيضوا ، ولا وقعوا إلا في الوهدة التي حفروا ، وما قتلوا إلا ~~بالسيف الذي صنعوا. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 73 # 76 # يقول الحق جل جلاله : {وجعلنا بينهم} أي : بين سبأ {وبين القرى التي ~~باركنا فيها} بالتوسعة على أهلها بالنعم والمياه ، وهي قرى الشام ، {قرى ~~ظاهرة} متواصلة يرى بعضها من بعض ؛ لتقاربها ، فهي ظاهرة لأعين الناظرين ، ~~أو : ظاهرة للسابلة ، لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم ، وهي أربعة آلاف ~~وسبعمائة قرية متصلة ، من سبأ إلى الشام ، {وقدرنا فيها السير} أي : جعلنا ~~هذه القرى على مقدار معلوم ، يقيل المسافر في قرية ، ويروح إلى أخرى ، إلى ~~أن يبلغ الشام. وقلنا لهم : {سيروا فيها} ولا قول هناك ، ولكنهم لما تمكنوا ~~من السير ، ويسرت لهم أسبابه ، فكأنهم أمروا بذلك ، فقيل لهم : سيروا في ~~تلك القرى {ليالي وأياما آمنين} أي : سيروا فيها إن شئتم بالليل ، وإن شئتم ~~بالنهار ، فإن ms2328 الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات ، أو : سيروا فيها ~~آمنين لا تخافوا عدوا ، ولا جوعا ، ولا عطشا ، وإن تطاولت مدة سيركم ، ~~وامتدت أياما وليالي. فبطروا النعمة ، وسئموا العافية ، وطلبوا الكدر ~~والتعب. PageV06P119 # {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} قالوا : يا ليتها كانت بعيدة ، نسير على ~~نجائبنا ، ونتخذ الزاد ، ونختص بالربح في تجاراتنا ، أرادوا أن يتطاولوا ~~على الفقراء بالركوب على الرواحل ، ويختصوا بالأرباح. وقرأ يعقوب " ربنا " ~~بالرفع " باعد " بفتح العين ، فربنا : مبتدأ ، والجملة : خبر ، على أنه ~~شكوى منهم ببعد سفرهم ، إفراطا في الترفيه وعدم الاعتداد بالنعمة. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وهشام بشد العين ، من " بعد " المضعف. والباقون بالألف ~~والتخفيف ، من : باعد ، بمعنى " بعد " المشددة. {وظلموا أنفسهم} بما قالوا ~~، وما طلبوا ، ففرق الله شملهم ، كما قال تعالى : {فجعلناهم أحاديث} يتحدث ~~الناس بهم ، ويتعجبون من أحوالهم ، ويضرب بهم الأمثال ، يقال : تفرقوا ~~أيادي سبأ ، وأيدي سبأ ، يقال بالوجهين. وفي الصحاح : ذهبوا أيادي سبأ ، أي ~~: متفرقين ، فهو من المركب تركيب مزج. # {ومزقناهم كل ممزق} أي : فرقناهم كل تفريق ، فتيامن منهم ست قبائل ، ~~وتشاءمت أربعة ، حسبما تقدم في الحديث. قال الشعبي : أما غسان فلحقوا ~~بالشام ، وأما أنمار فلحقوا بيثرب ، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة ، والأزد ~~بنعمان. ه. قلت : وفيه مخالفة لظاهر الحديث ، فإن أنمار جد خثعم وبجيلة ، ~~ولم يكونوا في المدينة. # جزء : 6 رقم الصفحة : 76 # والذي هو المشهور أن الأوس والخزرج هما اللذان قدما المدينة ، فوجدوا ~~فيها طائفة من بني إسرائيل ، بعد قتلهم للعماليق. وسبب نزولهم بها : أن ~~حبرين منهم مرا بيثرب مع تبع ، فقالا له : نجد في علمنا أن هذه المدينة ~~مهاجر نبي ، يخرج في آخر الزمان ، يكون سنه كذا وكذا ، فاستوطناها ، ~~يترصدان خروجه صلى الله عليه وسلم ، فمن نسلهما بقيت اليهود في المدينة ، ~~والأوس والخزرج هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرىء القيس ~~بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث ابن بنت مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. # 77 PageV06P120 ~~وولد مازن بن الأسد هم غسان ، سموا بماء اليمن ، شربوا ms2329 منه. ويقال : غسان : ~~ماء بالشمال شربوا منه ، نسبوا إليه. قال حسان : # أما سألت فإنا معشر نجب # الأسد نسبتنا والماء غسان # {إن في ذلك لآيات لكل صبار} عن المعاصي {شكور} للنعم ، أو : لكل مؤمن ؛ ~~لأن الإيمان نصفان ؛ نصفه صبر ، ونصفه شكر. # الإشارة : وجعلنا بين السائرين وبين منازل الحضرة المقدسة منازل ظاهرة ، ~~ينزلوها ، ويرحلون عنها ، آمنين من الرجوع ، إن صدقوا في الطلب ، وهي منازل ~~كثيرة ، وأهمها اثنا عشر مقاما : التوبة ، والخوف ، والرجاء ، والزهد ، ~~والصبر ، والشكر ، والتوكل ، والرضا ، والتسليم ، والمراقبة ، والمشاهدة. ~~ومنازل الحضرة هي الفناء ، والبقاء ، وبقاء البقاء ، والترقي في معاريج ~~الأسرار والكشوفات ، أبدا سرمدا. يقال للسائرين : سيروا فيها ، وأقيموا في ~~كل منزل منها ، ليالي وأياما ، حتى يتحقق به نازله ، ثم يرحل عنه إلى ما ~~بعده. ثم إن قوما سئموا من السير وادعوا القوة ، فقالوا : ربنا باعد بين ~~أسفارنا حتى يظهر عزمنا وقوتنا ، وظلموا أنفسهم بذلك ، ففرقناهم عنا كل ~~تفريق ، وعوقناهم عن السير كل تعويق ، ليكون ذلك آية وعبرة لمن بعدهم ، فلا ~~يخرجون عن مقام الاستضعاف والمسكنة ، والانكسار والذلة ، " أنا عند ~~المنكسرة قلوبهم من أجلي ". # جزء : 6 رقم الصفحة : 76 PageV06P121 ~~يقول الحق جل جلاله : {وقد صدق عليهم إبليس ظنه} الضمير في " عليهم " لكفار ~~سبأ وغيرهم. وكأن إبليس أضمر في نفسه حين أقسم : {لأغوينهم أجمعين} [ص : ~~82] أنه يسلط عليهم ، وظن أنه يتمكن منهم ، فلما أغواهم وكفروا صدق ظنه ~~فيهم. فمن قرأ بالتخفيف ف " ظنه " : ظرف ، أي : صدق في ظنه. ومن قرأ ~~بالتشديد فظنه مفعول به ، أي : وجد ظنه صادقا عليهم حين كفروا {فاتبعوه} أي ~~: أهل سبأ ومن دان دينهم ، {إلا فريقا من المؤمنين} قللهم بالإضافة إلى ~~الكفار ، قال تعالى : {ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف : 17] وفي الحديث : ~~" ما أنتم في أهل الشرك إلا كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود ". # 78 # {وما كان له عليهم من سلطان} أي : ما كان لإبليس على من صدق ظنه عليهم من ~~تسلط واستيلاء بالوسوسة ، {إلا لنعلم} موجودا ما علمناه معدوما {من يؤمن ~~بالآخرة ممن هو منها في شك} أي : إلا ms2330 ليتعلق علمنا بذلك تعلقا تنجيزيا ، ~~يترتب عليه الجزاء ، أو : ليتميز المؤمن من الشاك ، أو : ليؤمن من قدر ~~إيمانه ، ويشك من قدر ضلاله. {وربك على كل شيء حفيظ} محافظ رقيب ، وفعيل ~~ومفاعل أخوان. PageV06P122 # الإشارة : كل من لم يصل إلى حضرة العيان صدق عليه بعض ظن الشيطان ؛ لأنه ~~لما رأى بشرية آدم مجوفة ، ظن أنه يجري معه مجرى الدم ، فكل من لم يسد ~~مجاريه بذكر الله ، حتى يستولي الذكر على بشريته ، فيصير قطعة من نور ، فلا ~~بد أن يدخل معه بعض وساوسه ، ولا يزال يتسلط على قلب ابن آدم ، حتى يدخل ~~حضرة القدس ، فحينئذ يحرس منه ، لقوله تعالى : {إن عبادى ليس لك عليهم ~~سلطان} [الحجر : 42]. وعباده الحقيقيون هم الذين تحرروا مما سواه ، فلم يبق ~~لهم في هذا العالم علقة ، وهم المرادون بقوله تعالى : {إلا فريقا من ~~المؤمنين} وما سلطه عليهم إلا ليتميز الخواص من العوام ، فلولا ميادين ~~النفوس ، ومجاهدة إبليس ، ما تحقق سير السائرين ، أي : وما كان له عليهم من ~~تسلط إلا لنعلم علم ظهور من يؤمن بالخصلة الآخرة ، وهي الشهود ، ممن هو ~~منها في شك ، {وربك على كل شيء حفيظ} يحفظ قلوب أوليائه من استيلاء غيره ~~عليها. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 78 # قلت : حذف مفعولي زعم ، أي : زعمتموهم آلهة تعبدونهم من دون الله ، ~~بدلالة السياق عليهما. # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم {ادعوا الذين زعمتم من دون الله} أي : ~~زعمتموهم آلهة ، فعبدتموهم من دون الله ، من الأصنام والملائكة ، وسميتموهم ~~باسمه ، فالتجئوا إليهم فيما يعروكم ، كما تلتجئون إليه في اقتحام الشدائد ~~الكبرى. وانتظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون استجابته. وهذا تعجيز ~~وإقامة حجة على بطلان عبادتها. ويروى أنها نزلت عند الجوع الذي أصاب قريشا. ~~ثم ذكر عجزهم فقال : {لا يملكون مثقال ذرة} من خير أو شر ، ونفع أو ضر {في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك} أي : وما لهم في هذين ~~العالمين ؛ العلوي والسفلي ، من شرك في الخلق ، ولا في الملك ، {وما له} ~~تعالى {منهم} من آلهتهم {من ms2331 ظهير} معين يعينه على تدبير خلقه. # 79 PageV06P123 ~~يريد أنه على هذه الصفة من العجز ، فكيف يصح أن يدعوا كما يدعى تعالى ، أو ~~يرجوا كما يرجى سبحانه ؟ # ثم أبطل قولهم : {هؤلآء شفعآؤنا عند الله} [يونس : 18] بقوله : {ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} تعالى في الشفاعة ، ممن له جاه عنده ، ~~كالأنبياء ، والملائكة ، والأولياء ، والعلماء الأتقياء ، وغيرهم ممن له ~~مزية عند الله. وقرأ أبو عمرو والأخوان بالبناء للمفعول ، أي : إلا من وقع ~~الإذن للشفيع لأجله. ثم رد على من زعم من الكفار أن الملائكة تشفع ، قطعا ؛ ~~لمكانها من الله ، فقال : {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ~~قالوا الحق} فحتى : غاية لمحذوف ، أي : وكيف تشفع قبل الإذن ، وهي في غاية ~~الخوف والهيبة من الله ، إذا سمعوا الوحي صعقوا ، {حتى إذا فزع عن قلوبهم} ~~أي : كشف الفزع عن قلوبهم {قالوا ماذا قال ربكم} من الوحي ؟ {قالوا الحق} ~~فمن كان هذا وصفه لا يجترىء على الشفعاعة إلا بإذن خاص. قال الكواشي : إنه ~~يفزع عن قلوبهم حين سمعوا كلام الله لجبريل بالوحي ، قال صلى الله عليه ~~وسلم : " إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر لأهل السماء أخذت السماوات ~~منه رجفة أو قال : رعدة شديدة خوفا من ذلك ، فإذا سمع أهل السماوات صعقوا ~~، وخروا سجدا ، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ، فيكلمه من وحيه بما أراد ، ~~ثم يمر على سماء سماء ، إلى أن ينزل بالوحي ، فإذا مر على الملائكة سألوه ، ~~ثم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ فيقول جبريل : قال الحق " نصب المفعول بقالوا ، ~~وجمع الضمير تعظيما لله تعالى. # جزء : 6 رقم الصفحة : 79 PageV06P124 ~~ثم قال : وفي الحديث : " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة ، كجر ~~السلسلة على الصفا ، فيصعقون ، حتى يأتيهم جبريل ، فيفزع عن قلوبهم أي : ~~يكشف ويخبرهم الخبر " ثم قال : وقيل المعنى : أنه لا يشفع أحد إلا بعد ~~الإذن ، ولا يشعر به إلا المقربون ؛ لما غشي عليهم من هول ذلك اليوم ، فإذا ~~ذهب الفزع عن قلوبهم ، قالوا : ماذا قال ربكم في الشفاعة ms2332 ؟ قالوا الحق ، أي ~~: أذن فيها. ه. ومثل هذا لابن عطية ، وتبعه ابن جزي ، قال : الضمير في " ~~قلوبهم " ، وفي " قالوا " للملائكة. فإن قيل : كيف ذلك ، ولم يتقدم لهم ذكر ~~؟ فالجواب : أنه قد وقعت إليهم إشارة بقوله : {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا ~~لمن أذن له} لأن بعض العرب كانوا يعبدون الملائكة ، ويقولون : هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله ، فذكر الشفاعة يقتضي ذكر الشافعين ، فعاد الضمير على ~~الشفعاء ، الذين دل عليهم ذكر الشفاعة. ه. # وقرأ يعقوب وابن عامر " فزع " بفتح الفاء بالبناء للفاعل. والتضعيف للسلب ~~والإزالة ، أي : سلب الفزع وأزاله عن قلوبهم ، مثل قردت البعير : إذا أزلت ~~قراده ، ومن بناه للمفعول فالجار نائب. {وهو العلي الكبير} أي : المتعالي ~~عن سمة الحدوث ، وإدراك العقول ، الكبير الشأن ، فلا يقدر أحد على شفاعة ~~بلا إذنه. # 80 PageV06P125 ~~الإشارة : كل من آثر شيئا أو أحبه سوى الله ، أو خافه ، يقال له : ادعوا ~~الذين زعمتم أنهم ينفعونكم أو يضرونكم ، من دون الله ، {لا يملكون مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض...} الآية. وأما محبة الأنبياء والأولياء ~~والعلماء الأتقياء فهي محبة الله ، لأنهم يوصلون إليه ، فلم يحبهم أحد إلا ~~لأجل الله ، فتنفع شفاعتهم بإذن الله. وقوله : {حتى إذا فزع عن قلوبهم...} ~~الخ ، قال الورتجبي : وصف سبحانه أهل الوجد ، من الملائكة المقربين ، وذلك ~~من صولة الخطاب ، فإذا سمعوا كلام الحق ، من نفس العظمة ، وقعوا في بحار ~~هيبته وإجلاله ، حتى فنوا تحت سلطان كبريائه ، ولم يعرفوا معنى الخطاب في ~~أول وارد السلطنة. فإذا فاقوا سألوا معنى الخطاب من جبريل عليه السلام ، ~~فهو من أهل الصحو والتمكين في المعرفة. ه. # ثم تتم قوله : {لا يملكون مثقال ذرة} أي : لا من رزق ولا غيره. # جزء : 6 رقم الصفحة : 79 # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {من يرزقكم من السماوات والأرض} أي : ~~بأسباب سماوية وأرضية ؟ {قل الله} وحده. أمره أن يقررهم ، ثم أمره بأن ~~يتولى الإجابة والإقرار عنهم ، أي : يرزقكم الله لا غيره ، وذلك للإشعار ~~بأنهم مقرون به بقلوبهم ، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به ، لأنهم ms2333 إن ~~تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم : فما لكم لا تعبدون من يرزقكم ، ~~وتؤثرون عليه من لا يقدر على شيء ؟ PageV06P126 # ثم أمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإحجاج : {وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين} أي : ما نحن وأنتم على حالة واحدة ، بلى على حالين متضادين ، ~~واحدنا مهتد ، وهو من اتضحت حجته ، والآخر ضال ، وهو من قامت عليه الحجة. ~~ومعناه : أن أحد الفريقين من الموحدين ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من ~~الهدى والضلال. وهذا من كلام المنصف ، الذي كل من سمعه ، من موال ومعاند ، ~~قال لمن خوطب به : قد أنصفك صاحبك. وفي ذكره بعد تقديم ما قدم من التقرير : ~~دلالة واضحة على من هو من الفريقين على الهدى ، ومن هو في الضلال المبين ، ~~ولكن التعريض أوصل بالمجادل إلى الغرض ، ونحوه قولك لمن تحقق كذبه : إن ~~أحدنا لكاذب ، ويحتمل أن يكون من تجاهل العارف. # قال الكواشي : وهذا من المعاريض ، وقد ثبت أن من اتبع محمدا على الهدى ، ~~ومن لم يتبعه على الضلال. ه ويحتمل أن يكون من اللف والنشر المرتب. وفيه ~~ضعف. وخولف بين حرفي الجار ، الداخلين على الهدى والضلال ؛ لأن صاحب الهدى كأنه # 81 # مستعل على فرس جواد ، يركضه حيث شاء ، والضال كأنه منغمس في ظلام ، لا ~~يدري أين يتوجه. # {قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون} أي : ليس القصد بدعائي ~~إياكم خوفا من ضرر كفركم ، وإنما القصد بما أدعوكم إليه الخير لكم ، فلا ~~يسأل أحد عن عمل الآخر ، وإنما يسأل كل واحد عن عمله. وهذا أيضا أدخل في ~~الإنصاف ، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم ، وهو محظور ، والعمل إلى المخاطبين ~~، وهو مأمور به مشكور. {قل يجمع بيننا ربنا} يوم القيامة ، {ثم يفتح} أي : ~~يحكم {بيننا بالحق} بلا جور ولا ميل ، فيدخل المحقين الجنة ، والمبطلين ~~النار ، {وهو الفتاح} الحاكم {العليم} بما ينبغي أن يحكم به. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 81 PageV06P127 ~~قل أروني الذي ألحقتم} أي : ألحقتموهم {به شركاء} في العبادة معه ، بأي صفة ~~ألحقتموهم به شركاء ms2334 في استحقاق العبادة ، وهم أعجز شيء. قال القشيري : ~~كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ~~ملك ؛ لانهماكهم في ضلالهم ، مع تحققهم بأنها جمادات لا تفقه ولا تعقل ، ~~ولا تسمع ولا تبصر ، ولا شبهة لهم غير تقليد أسلافهم. ه. والمعنى قوله : ~~{أروني} مع كونه يراهم : أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله ، ~~وأن يطلعهم على حالة الإشراك به ، ولذلك زجرهم بقوله : {كلا} أي : ارتدعوا ~~عن هذه المقالة الشنعاء ، وتنبهوا عن ضلالكم. {بل هو الله العزيز} أي : ~~الغالب القاهر ، فلا يشاركه أحد ، " وهو " : ضمير الشأن ، {الحكيم} في ~~تدبيره وصنعه. والمعنى : بل الوحدانية لله وحده ؛ لأن الكلام إنما وقع في ~~الشركة ، ولا نزاع في إثبات الله ووجوده ، وإنما النزاع في وحدانيته. أي : ~~بل هو الله وحده العزيز الحكيم. # الإشارة : أرزاق الأرواح والأشباح بيد الله ، فأهل القلوب من أهل التجريد ~~اشتغلوا بطلب أرزاق الأرواح ، وغابوا عن طلب أرزاق الأشباح ، مع كونهم ~~مفتقرين إليه ، أي : غابوا عن أسبابه. وأهل الظاهر اشتغلوا بطلب أرزاق ~~الأشباح ، وغابوا عن التوجه إلى أرزاق الأرواح ، مع كونهم أحوج الناس إليه. ~~وكل فريق يرجح ما هو فيه ، فأهل الأسباب يعترضون على أهل التجريد ، ويرجحون ~~تعاطي الأسباب ، وأهل التجريد يرجحون مقام التجريد ، فيقولون لهم : وإنا أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل : لا تسألون عما أجرمنا ، بزعمكم ، من ~~ترك الأسباب ، ولا نسأل عما تعملون. وسيجمع الله بيننا ، ويحكم بما هو الحق ~~، فإن كنتم تعتمدون على الأسباب ، وتركنون إليها ، فهو شرك ، أروني الذين ~~ألحقتم به شركاء ، كلا ، بل هو الله العزيز الحكيم ، يعز أولياءه ، ~~المتوجهين إليه ، الحكيم في إسقاط من أعرض عنه إلى غيره. PageV06P128 # قال القشيري : {قل يجمع بيننا ربنا} أخبر سبحانه أنه يجمع بين عباده ، ثم ~~يعاملهم # 82 # في حال اجتماعهم ، بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم ، وللاجتماع أثر كبير ~~في الشريعة ، وللصلاة في الجماعة أثر مخصوص. ثم قال : وللشيوخ في الاجتماع ~~زوائد ، ويستروحون إلى هذه الآية : {قل يجمع بينا ربنا ثم ms2335 يفتح...}.ه. # ولما ذكر ما من به على داود وسليمان ، وذكر وبال من لم يشكر النعم ، ذكر ~~ما من به على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عموم الرسالة والدعوة. # جزء : 6 رقم الصفحة : 81 # قلت : " كافة " : حال من " الناس " ، على قول الفارسي وابن جني وابن ~~كيسان ، واختاره ابن مالك. وقال الأكثر : إنه حال من الكاف ، والتاء ~~للمبالغة ، وما قاله ابن مالك أحسن. انظر الأزهري. # يقول الحق جل جلاله : {وما أرسلناك إلا كافة للناس} أي : جميعا ، إنسهم ~~وجنهم ، عربيهم وعجميهم ، أحمرهم وأسودهم. وقدم الحال للاهتمام. قال صلى ~~الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : بعثت إلى الأحمر ~~والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لأحد ~~قبلي ، ونصرت بالرعب مسيرة شهر ، وأعطيت الشفاعة ، فادخرتها لأمتي يوم ~~القيامة ، وهي إن شاء الله نائلة من لا يشرك بالله شيئا ". أو : وما ~~أرسلناك إلا رسالة عامة لهم ، محيطة بهم ؛ لأنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن ~~يخرج منها أحد. وقال الزجاج : معنى الكافة في اللغة : الإحاطة ، والمعنى : ~~أرسلناك جامعا للناس في الإنذار والإبلاغ ، على أنه حال من الكاف ، والتاء ~~للمبالغة ، كالراوية والعلامة. حال كونك {بشيرا} بالفضل العظيم لمن أقر ، ~~{ونذيرا} بالعذاب لمن أصر ، {ولكن أكثر الناس} أي : الكفرة ، {لا يعلمون} ~~ذلك ، فيحملهم جهلهم على مخالفتك. PageV06P129 # {ويقولون} من فرط جهلهم : {متى هذا الوعد} أي : القيامة ، المشار إليها ~~بقوله : {قل يجمع بيننا ربنا} [سبأ : 26] أو : الوعد بالعذاب الذي أنذرت ~~به. وأطلق الوعد على الموعود به ؛ لأنه من متعلقاته ، {إن كنتم صادقين} في ~~إتيانه ؟ {قل لكم ميعاد يوم} " الميعاد " : ظرف الوعد ، من مكان ، أو زمان. ~~وهو هنا الزمان ، بدليل من قرأ " ميعاد يوم " فأبدل منه " اليوم ". وأما ~~الإضافة فإضافة تبيين ، كما تقول : بعير سائبة ، أي : قد وقت لعذابكم يوما ~~{لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} أي : لا يمكنكم التأخر عنه # 83 # بالإمهال ، ولا التقدم عليه بالاستعجال. ووجه انطباق هذا الجواب على ~~سؤالهم : أنهم سألوا عن ذلك ، وهم منكرون به ، تعنتا لا استرشادا ms2336 ، فجاء ~~الجواب على طريق التهديد مطابقا للسؤال ، على وجه الإنكار والتعنت ، وأنهم ~~مرصدون له ، يفاجئهم ، فلا يستطيعون تأخرا ، ولا تقدما عليه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 83 # الإشارة : الداعون إلى الله على فرقتين : فرقة تدعو إلى معرفة أحكام الله ~~، وهم العلماء ، وفرقة تدعو إلى معرفة ذات الله بالعيان ، وهم الأولياء ~~العارفون بالله ، فالأولون دعوتهم خاصة بمن في مذهبهم ، والآخرون دعوتهم ~~عامة ؛ إذ معرفة الله تعالى الذوقية لم يقع فيها اختلاف مذاهب ، فأهل ~~المشرق والمغرب كلهم متفقون عليها ، فشيخ واحد يربي جميع أهل المذاهب ، إن ~~خضعوا له ، وفي ذلك يقول صاحب المباحث : # مذاهب الناس على اختلاف # ومذهب القوم على ائتلاف # وقال الشاعر : # عبارتنا شتى وحسنك واحد # وكل إلى ذاك الجمال يشير # ويقول من استبعد الفتح : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ؟ قل : لكم ميعاد ~~يوم عينه للفتح ، لا يتقدم ولا يتأخر. فالأدب : الخدمة وعدم الاستعجال. # جزء : 6 رقم الصفحة : 83 PageV06P130 ~~قلت : أتى بالعاطف في قوله : {وقال} الأخيرة ، وترك في الأولى ؛ لأن قول ~~الرؤساء جواب لقول المستضعفين ، فحسن ترك العاطف ، ثم جيء بكلام آخر ~~للمستضعفين ، فعطفه على كلامهم الأول. و{مكر الليل} : الإضافة على معنى " ~~في " ، وإضافة المكر إلى الليل على الاتساع ، بإجراء الثاني مجرى المفعول ~~به ، وإضافة المكر إليه ، أو : جعل الليل والنهار ماكرين بهم مجازا. # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين كفروا} كأبي جهل وأضرابه : {لن نؤمن ~~بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} أي : ما نزل قبل القرآن ، من كتب الله ~~تعالى ، الدالة على # 84 # البعث. وقيل : إن كفار قريش سألوا أهل الكتاب عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ، فأخبروهم أنهم يجدون نعته في كتبهم ، فغصبوا ، وقالوا ذلك. وقيل : ~~{الذين بين يديه} : القيامة والجنة والنار ، فكأنهم جحدوا أن يكون القرآن ~~من عند الله ، وأن يكون ما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة. # {ولو ترى} يا محمد ، أو من تصح منه الرؤية ، {إذ الظالمون موقوفون} ~~محبوسون {عند ربهم} في موقف الحساب {يرجع} يرد {بعضهم إلى بعض القول} في ~~الجدال والمحاورة. أخبر عن عاقبتهم ms2337 ومآلهم في الآخرة ، فقال لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم ، أو للمخاطب : ولو ترى في الآخرة موقفهم ، وهم يتجاذبون ~~أطراف المحاورة ، ويتراجعونها بينهم ، لرأيت أمرا فظيعا ، فحذف الجواب ؛ ~~لأن العبارة لا تفي به. ثم بين بعض محاورتهم بقوله : {يقول الذين استضعفوا} ~~أي : الأتباع السفلة {للذين استكبروا} أي : الرؤساء المقدمين : {لولا أنتم ~~لكنا مؤمنين} لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر لكنا مؤمنين بالله ورسوله. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 84 PageV06P131 ~~قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم} رددناكم {عن الهدى بعد إذ ~~جاءكم بل كنتم مجرمين} أي : بل أنتم صددتم باختباركم ، ولم نقهركم على ~~الكفر. أنكروا أنهم كانوا صادين لهم عن الإيمان ، وأثبتوا أنهم هم الذين ~~صدوا أنفسهم ، حيث أعرضوا عن الهدى ، وآثروا التقليد عليه. وإنما وقعت " إذ ~~" مضافا إليها ، وإن كانت " إذ " و" إذا " من الظروف اللازمة للظرفية ؛ ~~لأنه قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره. # {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار} أي : بل ~~مكركم بنا بالليل والنهار هو الذي صدنا عن الهدى. أو : مكر بنا الليل ~~والنهار ، وطول السلامة ، حتى ظننا أنكم على حق فقلدناكم. {إذ تأمروننا أن ~~نكفر بالله ونجعل له أندادا} أشباها ، نعبدها معه. والحاصل : أن المستكبرين ~~لما أنكروا أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين ، وأثبتوا أن ذلك بسبب ~~اختيارهم ، كر عليهم المستضعفون بقولهم : {بل مكر الليل والنهار} فأبطلوا ~~إضرابهم بإضرابهم ، كأنهم قالوا : ما كان الإجرام من جهتنا ، بل من جهة ~~مكركم بنا دائما ، ليلا ونهارا ، وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد. ~~ثم حصل الندم حيث لم ينفع ، كما قال تعالى : {وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب} أي : أضمر الندم كلا الفريقين ، وأخفاه عن رفيقه ، مخافة التعيير ، ~~لما رأوا العذاب ، وتحققوا لحوقه بهم ، فندم المستكبرون على إضلالهم ~~وضلالهم ، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم. وقيل : معنى أسروا : أظهروا ، ~~فهو من الأضداد. {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} أي : في أعناقهم. ~~فأظهر في محل الإضمار ؛ للدلالة على ما استوجبوا به الأغلال ، وهو كفرهم. ~~{هل يجزون إلا ما كانوا ms2338 يعملون} أي : لا يفعل بهم إلا ما استوجبته أعمالهم ~~الخبيثة في الدنيا. # الإشارة : كل من له رئاسة وجاه ، عالما كان أو جاهلا ، وصد الناس عن طريق # 85 PageV06P132 ~~التربية على يد المشايخ ، يقع له هذا الخصام ، مع من صدهم من ضعفاء الناس ، ~~حيث يرتفع المقربون ، ويسقط الغافلون من تلك المراتب ، فيقع الندم والتحسر ~~، ويتبرأ الرؤساء من المرؤوسين من عامة أهل اليمين. قال القشيري : وهكذا ~~أصحاب الزلات ، الأخلاء في الفساد أي : يتبرأ بعضهم من بعض وكذلك الجوارح ~~والأعضاء ، يشهد بعضها على بعض ، اليد تقول للجملة : أخذت ، العين تقول : ~~أبصرت ، والاختلاف في الجملة عقوبة. ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه من ~~كان أطوع له ، ولكنهم لا يعلمون ذلك. ولو علموا لاعتذروا ، ولو اعتذروا ~~لتابوا وتوقفوا ، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 84 # يقول الحق جل جلاله : {وما أرسلنا في قرية من نذير} رسول {إلا قال ~~مترفوها} : متنعموها ، ورؤساؤها : {إنا بما أرسلتم به كافرون} فهذه تسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لقي من رؤساء قومه من التكذيب ، والكفر ~~بما جاء به ، وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة. وتخصيص المتنعمين بالتكذيب ؛ ~~لأن الداعي إلى التكبر ، وعدم الخضوع للغير ؛ هو الانهماك في الشهوات ، ~~والاستهانة بمن لم يحظ بها ، جهلا ، ولذلك افتخروا بالأموال الفانية ، كما ~~قال تعالى : PageV06P133 # {وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} رأوا من فرط جهلهم ~~أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم. نظروا إلى أحوالهم في الدنيا ، وظنوا ~~أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم ذلك. ولولا أن المؤمنين هانوا عليه ~~لما حرمهم ذلك ، فأبطل الله رأيهم الفاسد بقوله : {قل إن ربي يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر} أي : يضيقه على من يشاء ، فإن الرزق بيد الله ، يقسمه كيف ~~يشاء. فربما وسع على العاصي ، استدراجا ، وضيق على المطيع ، تمحيصا وتطهيرا ~~، فيوسع على المطيع ، ويضيق على العاصي ، وربما وسع عليهما ms2339 على حسب مشيئته ~~، فلا يقاس عليهما أمر الثواب ، ولو كان ذلك لكرامة وهوان يوجبانه لم يكن ~~بمشيئته. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد ~~للشرف والكرامة عند الله. وقد تكون للاستدراج ، وصاحبها لا يشعر. # الإشارة : ما حاز الخصوصية وتبع أهلها إلا ضعفاء المال والجاه ، الذين هم ~~أتباع الرسل ، فهم الذين حطوا رؤوسهم ، وباعوا نفوسهم وأموالهم لله ، ~~وبذلوها لمن يعرفهم به ، فعوضهم جنة المعارف ، يتبوؤون منها حيث شاؤوا ، ~~وأما من له جاه أو مال فقل من يحط رأسه منهم ، إلا من سبقت له العناية ~~الكبرى. قال القشيري : بعد كلام : ولكنها أقسام # 86 # سبقت ، وأحكام حقت ، ثم الله غالب على أمره. {وقالوا نحن أكثر أموالا ~~وأولادا} وليس هذا بكثرة الأموال والأولاد ، وإنما هي ببصائر مفتوحة لقوم ، ~~ومسدودة لقوم. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 86 # قلت : جمع التكسير يذكر ويؤنث للعقلاء وغيرهم ، ولذلك قال : {بالتي}. ~~و{زلفى} : مفعول مطلق ، أي : وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم ، و{إلا ~~من آمن} : مستثنى من الكاف في " تقربكم " ، متصل ، وقيل : منقطع. و{من} : ~~شرط ، جوابه : {فأولئك}. وعلى الاتصال ف " من " منصوبة بتقرب. PageV06P134 # يقول الحق جل جلاله : {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} ~~أي : قربة ، {إلا من آمن وعمل صالحا} يعني أن الآمال لا تقرب أحدا إلا ~~المؤمن الصالح ، الذي ينفقها في سبيل الله. والأولاد لا تقرب أحدا من الله ~~إلا من علمهم الخير ، وفقههم في الدين ، وأرشدهم للصلاح والطاعة ، فإن ~~علمهم يجري عليه بعد موته لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا مات ابن آدم ~~انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم بثه في صدور الرجال ، وولد ~~صالح يدعو له بعد موته ". {فأولئك لهم جزاء الضعف} أي : تضاعف لهم حسناتهم ~~، الواحدة عشرا إلى سبعمائة ، على قدر النية والإخلاص. وهو من إضافة المصدر ~~إلى المفعول. والأصل : يجازون الضعف ، ثم جزاء الضعف ، ثم أضيف. وقرأ يعقوب ~~بالنصب على التمييز ، أي : فأولئك لهم الضعف لأعمالهم جزاء {بما عملوا} أي ~~: بأعمالهم {وهم في الغرفات آمنون} أي : في غرفات ms2340 الجنان آمنون من كل هائل ~~وشاغل. وقرأ حمزة : " في الغرفة " إرادة الجنس. # {والذين يسعون في آياتنا} في إبطالها ، بالرد والطعن {معاجزين} مغالبين ~~لأنبيائنا ، أو : سابقين ، ظانين أنهم يفوتوننا ، {أولئك في العذاب محضرون} ~~يحضرونه فيحيط بهم. # الإشارة : الأموال والأولاد لا تقرب ولا تبعده ، إنما يقربه سابق العناية ~~، ويبدعه سابق الشقاء ، فمن العناية قربته أمواله ، بإنفاق المال في سبيل ~~الله ، وإرشاد الأولاد إلى طاعة الله ، ومن سبق له الشقاء صرف أمواله في ~~الهوى ، وأولاده في جمع الدنيا. قال القشيري : لا تستحق الزلفى عند الله ~~بالمال ، ولا بالأولاد ، ولكن بالأعمال # 87 PageV06P135 ~~الصالحة الخالصة ، والأحوال الصافية ، والأنفس الزاكية ، بل بالعناية ~~السابقة ، والهداية اللاحقة ، والرعاية الصادقة. ه. وقال في قوله : {والذين ~~يسعون في آياتنا معاجزين} : هم الذين لا يحترمون الأولياء ، ولا يراعون حق ~~الله في السر ، فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله ، وعذاب الوقوع بشؤم ~~ذلك في ارتكاب محارم الله ، ثم في عذاب السقوط من عين الله تعالى. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 87 # يقول الحق جل جلاله : {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} ~~إنما كرره تزهيدا في المال ، وحضا على إنفاقه في سبيل الله. ولذلك عقبه ~~بقوله : {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} إما عاجلا في الدنيا إذا شاء ، أو ~~آجلا في الآخرة ، ما لم يكن إسرافا ، كنزهة لهو ، أو في بنيان ، أو معصية. ~~وذكر الكواشي هنا أحاديث منها : " كل معروف صدقة ، وكل ما أنفق الرجل على ~~نفسه وأهله صدقة ، وما وقى به الرجل عرضه كتبت له بها صدقة وهو ما أعطى ~~لشاعر ، أو لذي اللسان المتقى وما أنفق المؤمن صدقة فعلى الله خلفها ضامنا ~~، إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية " قلت : يقيد النفقة في البنيان ~~بما زاد على الحاجة والضرورة ، وإلا فهو مأمور به ، فيؤجر عليه. والله ~~تعالى أعلم. # {وهو خير الرازقين} المطعمين ؛ لأن كل من رزق غيره من سلطان ، أو سيد ، ~~أو زوج ، أو غيره ، فهو من رزق الله ، أجراه على يد هؤلاء ms2341 ، وهو خالق الرزق ~~، والأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق. وعن بعضهم ؛ قال : الحمد لله ~~الذي أوجده ، وجعلني ممن يشتهي ، فكم من مشته لا يجد ، وواجد لا يشتهي!. PageV06P136 # الإشارة : في الآية إشارة إلى منقبة السخاء ، وإطلاق اليد بالعطاء ، وهو من ~~علامة اليقين ، وخروج الدنيا من القلب. وذكر الترمذي الحكيم حديثا طويلا عن ~~الزبير رضي الله عنه رأيت أن أذكره لكثرة فوائده مع مناسبته لهذا المعنى. ~~قال : جئت حتى جلست بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بطرف عمامتي ~~من ورائي ، ثم قال : " يا زبير إني رسول الله إليك خاصة ، وإلى الناس عامة. ~~أتدرون ما قال ربكم ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم. قال : قال " ربكم حين ~~استوى على عرشه ونظر إلى خلقه : عبادي أنتم خلقي وأنا ربكم ، أرزاقكم بيدي ~~، فلا تتعبوا فيما تكفلت لكم به ، فاطلبوا مني أرزاقكم ، وإلي فارفعوا # 88 PageV06P137 ~~حوائجكم ، انصبوا إلي أنفسكم أصب عليكم أرزاقكم. أتدرون ما قال ربكم ؟ قال ~~الله تبارك وتعالى : يا ابن آدم ؛ أنفق أنفق عليك ، وأوسع أوسع عليك ، ولا ~~تضيق فأضيق عليك ، ولا تصر فأصر عليك ، ولا تخزن فأخزن عليك ، إن باب الرزق ~~مفتوح من فوق سبع سماوات ، متواصل إلى العرش ، لا يغلق ليلا ولا نهارا ، ~~ينزل الله منه الرزق ، على كل امرىء بقدر نيته ، وعطيته ، وصدقته ، ونفقته ~~، من أكثر أكثر عليه ، ومن أقل أقل عليه ، ومن أمسك أمسك عليه. يا زبير فكل ~~وأطعم ، ولا توك فيوك عليك ، ولا تحص فيحص عليك ، ولا تقتر فيقتر عليك ، ~~ولا تعسر فيعسر عليك. يا زبير ، إن الله يحب الإنفاق ، ويبغض الإقتار ، وإن ~~السخاء من اليقين ، والبخل من الشك ، فلا يدخل النار من أيقن ، ولا يدخل ~~الجنة من شك. يا زبير ؛ إن الله يحب السخاوة ، ولو بفلق تمرة ، والشجاعة ، ~~ولو بقتل عقرب أو حية. يا زبير ؛ إن الله يحب الصبر عند زلزلة الزلازل ، ~~واليقين النفاذ عند مجيء الشهوات ، والعقل الكامل عند نزول الشبهات. والورع ~~الصادق عند الحرام والخبيثات. يا زبير ؛ عظم الإخوان ، وأجل الأبرار ، ووقر ~~الأخيار ، وصل الجار ms2342 ، ولا تماش الفجار ، تدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب ، ~~هذه وصية الله إلي ، ووصيتي إليك ". # جزء : 6 رقم الصفحة : 88 PageV06P138 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم نحشرهم جميعا} العابدين والمعبودين ، ~~{ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} ؟ هو خطاب للملائكة ، وتقريع ~~للكفرة ، وارد على المثل السائر من قول العامة : الخطاب للسارية وافهمي يا ~~جارية. ونحوه قوله : {ءأنت قلت للناس اتخذونى...} [المائدة : 116] الآية. ~~وتخصيص الملائكة ؛ لأنهم أشرف شركائهم ، والصالحون للخطاب منهم. {قالوا ~~سبحانك} تنزيها لك أن يعبد معك غيرك. {أنت ولينا من دونهم} أنت الذي نواليه ~~من دونهم ، لا موالاة بيننا وبينهم. والموالاة خلاف المعاداة ، وهي مفاعلة ~~من الولي ، وهو القرب. والولي يقع على الموالي والموالى جميعا. فبينوا ~~بإثبات موالاة الله تعالى ومعاداة الكفار : براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم ~~؛ فإن من كان على هذه الصفة ، كانت حاله منافية لذلك. # 89 # ثم قالوا : {بل كانوا يعبدون الجن} أي : الشياطين ، حيث أطاعوهم في عبادة ~~غير الله ، أو : كانوا يدخلون في أجواف الأصنام ، إذ عبدت ، فيعبدون ~~بعبادتها ، أو : صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن ، وقالوا : هذه صور ~~الملائكة فاعبدوها. {أكثرهم بهم مؤمنون} أي : أكثر الإنس ، أو : الكفار ، ~~{بهم} بالجن {مؤمنون} مصدقون لهم فيما يأمرونهم به. والأكثر هنا بمعنى الكل. # قال تعالى : {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا} لأن الأمر في ذلك ~~اليوم إليه وحده ، لا يملك أحد فيه منفعة ولا مضرة لأحد ؛ لأن الدار دار ~~ثواب وعقاب ، والمثيب والمعاقب هو الله ، فكانت حالها خلاف حال الدنيا ، ~~التي هي دار تكليف ، والناس فيها مخلى بينهم ، يتضارون ، ويتنافعون ، وأما ~~يوم القيامة فلا فعل لأحد قط. ثم ذكر معاقبة الظالمين بقوله : {ونقول للذين ~~ظلموا} بوضع العبادة في غير موضعها : {ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها ~~تكذبون} في الدنيا. PageV06P139 # الإشارة : ما أحببت شيئا إلا وكنت له عبدا ، ولا يحب أن تكون لغيره عبدا ، ~~فإذا تحققت الحقائق ، التحق كل عابد بمعبوده ، وكل حبيب بمحبوبه ، فيرتفع ~~الحق بأهله ، ويهوي الباطل بأهله. وكل ما سوى الله باطل ms2343 ، فارفع همتك أيها ~~العبد عن هذه الدار وما فيها ، وتعلق بالباقي ، دون الفاني ، ولا تتعلق ~~بشيء سوى المتكبر المتعالي. # جزء : 6 رقم الصفحة : 89 # قال القشيري : قوله تعالى : {فاليوم لا يملك بعضكم...} الخ ، الإشارة في ~~هذا : أن من علق قلبه بالأغيار ، وظن صلاح حاله في الاختيار ، والاستعانة ~~بالأمثال والأشكال ، نزع الله الرحمة من قلوبهم ، وتركهم ، وتشوش أحوالهم ، ~~فلا لهم من الأشكال والأمثال معونة ، ولا لهم في عقولهم استبصار ، ولا إلى ~~الله رجوع ، فإن رجعوا لا يرحمهم ولا يحبهم ، ويقول : ذوقوا وبال ما به ~~استوجبتم هذه العقوبة. ه. قلت : قوله : " فإن رجعوا لا يرحمهم " يعني أنهم ~~فزعوا أولا إلى المخلوق ، فلما لم ينجح مسعاهم ، رجعوا إلى الله ، فلم ~~ينفعهم ، ولو تابوا في المستقبل لقبل توبتهم. وقال أيضا : ومن تشديد ~~العقوبة الافتضاح في السؤال. وفي بعض الأخبار : أن عبيدا يسألهم الحق غدا ، ~~فيقع عليهم من الخجل ما يقولون : يا ربنا لو عذبتنا بما شئت من ألوان ~~العقوبة ، ولا تعذبنا بهذا السؤال. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 89 # 90 PageV06P140 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإذا تتلى عليهم آياتنا} أي : إذا قرئت عليهم آيات ~~القرآن ، {بينات} واضحات ، {قالوا} أي : المشركون {ما هذا} ؟ يعنون محمدا ~~صلى الله عليه وسلم {إلا رجل يريد أن يصدكم} : يصرفكم {عما كان يعبد ~~آباؤكم} من الأصنام. {وقالوا ما هذا} أي : القرآن {إلا إفك} : كذب {مفترى} ~~بإضافته إلى الله تعالى. {وقال الذين كفروا} أي : وقالوا. والعدول عنه دليل ~~على إنكار عظيم ، وغضب شديد ، حيث سجل عليهم بالكفر والجحد ، {للحق لما ~~جاءهم} أي : للقرآن ، أو لأمر النبوة كله ، لما عجزوا عن معارضته ، قالوا : ~~{إن هذا إلا سحر مبين} أي : ما هذا إلا سحر ظاهر سحريته. وإنكارهم أولا ~~باعتبار معناه ، وثانيا باعتبار لفظه وإعجازه ، ولذلك سموه سحرا. # قال تعالى : {وما آتيناهم من كتب يدرسونها} أي : ما أعطينا مشركي مكة ~~كتبا يدرسونها ، فيها برهان على صحة الشكر. {وما أرسلنا إليهم قبلك من ~~نذير} أي : ولا أرسلنا إليهم نذيرا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا ms2344 ، ويدعوهم ~~إليه ، إذ لا وجه له ، فمن أين وقع لهم هذه الشبهة ؟ وهذا في غاية التجهيل ~~لهم ، والتسفيه لرأيهم. PageV06P141 # ثم هددهم بقوله : {وكذب الذين من قبلهم} أي : وكذب الذين تقدموا من الأمم ~~الماضية ، والقرون الخالية ، الرسل ، كما كذب هؤلاء. {وما بلغوا معشار ما ~~آتيناهم} أي : وما بلغ أهل مكة عشر ما أوتي الأولون ، من طول الأعمار ، ~~وقوة الأجرام ، وكثرة الأموال والأولاد ، وتوالي النعم ، والظهور في ~~البلاد. والمعشار : مفعال ، من : العشر ، ولم يأت هذا البناء إلا في العشرة ~~والأربعة. قالوا : معشار ومرباع. وقال في القوت : المعشار : عشر العشر. ~~{فكذبوا رسلي} أي : فكذبت تلك الأمم رسلي ، {فكيف كان نكير} أي : فانظر كيف ~~كان إنكاري عليهم بالهلاك والتدمير. فالنكير : مصدر ، كالإنكار معنى ، ~~وكالنذير وزنا. و(كيف) للتعظيم ، لا لمجرد الاستفهام ، أي : فحين كذبوا ~~رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال ، ولم تغن عنهم تلك الأموال ~~والأولاد ، وما كانوا مستظهرين به من الرئاسة والجاه ، فليحذر هؤلاء أن يحل ~~بهم مثل ما حل بأولئك ؛ لمشاركتهم لهم في الكفر والعدوان. # جزء : 6 رقم الصفحة : 90 # الإشارة : تكذيب الصادقين سنة ماضية ، وكل من ظهر بخصوصية يجذب الناس إلى ~~الله ، ويخرجهم من عوائدهم ، قالوا : ما هذا إلا سحر مفترى ، وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين ، فحين كذبوا أولياء زمانهم حرموا بركتهم ، فبقوا ~~في عذاب الحرص والتعب ، والهلع والنصب. قال القشيري : إن الحكماء والأولياء ~~الذين هم الأئمة في هذه الطريقة إذا دلوا الناس على الله ، قال إخوانهم من ~~إخوان السوء وربما كان من الأقارب وأبناء الدنيا : من ذا الذي يطيق هذا ؟ ~~ولا بد من الدنيا ما دمت تعيش!.. وأمثال هذا كثير ، حتى يميل ذلك المسكين ~~من قبل النصح ، فيهلك ويضل. ه. باختصار. وقال في قوله تعالى : {وما آتيناهم ~~من كتب يدرسونها..} ما حاصله : إن أرباب القلوب إذا تكلموا بالحقائق ، # 91 PageV06P142 ~~على سبيل الإلهام والفيض ، لا يطلب منهم البرهان على ما نطقوا به ، فإذا ~~طالبهم أهل القبلة بذلك ، فسبيلهم السكوت عنهم ، حتى يجيب عنهم الحق تعالى. ~~ه. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة ms2345 : 90 # قلت : " أن تقوموا " : بدل من " واحدة " ، أو خبر عن مضمر. # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {إنما أعظكم بواحدة} بخصلة واحدة ، وهي ~~: {أن تقوموا لله} أي : لوجه الله خالصا ، لا لحمية ، ولا عصبية ، بل لطلب ~~الحق والاسترشاد. فالقيام على هذا معنوي ، وهو القصد والتوجه بالقلب ، وقيل ~~: حسي ، وهو قيامهم وتفرقهم عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقوم ~~كل واحد منفردا بنفسه ، يتفكر ، أو مع صاحبه. وهذا معنى قوله : {مثنى ~~وفرادى} أي : اثنين اثنين ، أو فردا فردا. والمعنى : أعظكم بواحدة أن ~~تعملوا ما أصبتم الحق ، وتخلصتم من الجهل. وهي أن تقوموا فردا. والمعنى : ~~أعظكم بواحدة أن تعملوا ما أصبتم الحق ، وتخلصتم من الجهل. وهي أن تقوموا ~~وتنهضوا لله ، معرضين عن المراء والتقليد ، متفرقين اثنين اثنين ، أو واحدا ~~واحدا ؛ فإن الازدحام يشوش الخاطر ، ويخلط القول ، ويمنع من الروية ، ويقل ~~فيه الإنصاف ، ويكثر الاعتساف. PageV06P143 # {ثم تتفكروا} في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به ، حتى تعلموا ~~أنه حق ، أما الاثنان فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه ، ~~وينظران فيه نظر الصدق والإنصاف ، حتى يؤديهما النظر الصحيح إلى الحق ، ~~وكذلك المفرد ، يتفكر في نفسه ويعرض فكره على عقله. فإذا تفكرتم بالإنصاف ~~عرفتم أن {ما بصاحبكم} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم {من جنة} من جنون ، ~~وهذا كقوله : {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} [الأعراف : 184]. ومنهم من ~~يقف على " تتفكروا " ثم يستأنف النفي. قال القشيري : يقول : إذا سولت لكم ~~أنفسكم تكذيب الرسل ، فأمعنوا النظر ، هل ترون فيهم آثار ما رميتموهم به ~~هذا محمد صلى الله عليه وسلم قلتم ساحر ، فأين آثار السحر في أحواله ~~وأفعاله وأقواله ؟ قلتم : فأي قسم من أقسام الشعر كلامه ؟ قلتم مجنون ، فأي ~~جنون ظهر منه ؟ وإذا عجزتم فهلا اعترفتم به أنه صادق ؟ !. ه. # {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} أي : قدام عذاب شديد ، وهو عذاب ~~الآخرة ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم : " بعثت بين يدي الساعة ". الإشارة ~~: فكرة الاعتبار تشد عروة ms2346 الإيمان ، وفكرة الاستبصار تشد عروة الإحسان ، # 92 PageV06P144 ~~فأول ما يتفكر فيه الإنسان في أمره صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من ~~العلوم اللدنية ، والأسرار الربانية ، مع ما أخبر به من قصص القرون الماضية ~~، والشرائع المتباينة ، مع كونه أميا ، لم يقرأ ، ولم يطالع كتابا قط ، وما ~~أخبر به من أمر الغيب ، فوقع كما أخبر ، وما ظهر على يديه من المعجزات ، ~~وما اتصف به عليه الصلاة والسلام ؛ من الأخلاق الحسنة ، والشيم الزكية ، ~~وما كان عليه من سياسة الخلق ، مع مشاهدة الحق. وهذا لا يطاق إلا بأمر ~~رباني ، وتأييد إلهي. فإذا أشرقت على قلبه أنوار النبوة ، ترقى بها إلى ~~أنوار الربوبية ، فيتفكر في عجائب السموات والأرض ، فيعرف عظمة صانعها ، ~~فإذا سقط على شيخ عارف بالله أدخله فكرة العيان ، فيغيب عن نظرة الأكوان ، ~~ويبقى المكون وحده. كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان. # جزء : 6 رقم الصفحة : 92 # يقول الحق جل جلاله : {قل ما سألتكم عليه} أي : على إنذاري وتبليغ ~~الرسالة {من أجر} إذ لو كنت كذلك لاتهمتموني أني أطمع في أموالكم. وما طلبت ~~من ذلك {فهو لكم} ومعناه : نفي سؤاله الأجر رأسا. نحو : ما لي في هذا فهو ~~لك ، وما تعطني تصدق به على نفسك. {إن أجري} في ذلك {إلا على الله وهو على ~~كل شيء شهيد} فيعلم أني لا أطلب الأجر في نصيحتكم ، ودعائكم إليه ، إلا منه تعالى. # الإشارة : تقدم مرارا أن الدعاة إلى الله ينبغي لهم أن يتنزهوا عن الطمع ~~في الناس جهدهم ، ولو اضطروا إلى ذلك ؛ إذ لا يقع النفع العام على أيديهم ~~إلا بعد الزهد التام ، والتعفف التام عما في أيدي الناس ، فإذا تحققوا بهذا ~~الأمر جعلهم الله حجة ، يدمغ بهم على الباطل. # جزء : 6 رقم الصفحة : 92 PageV06P145 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل إن ربي يقذف بالحق} أي : بالوحي ، فيرمي به على ~~الباطل ، من الكفر وشبهه ، فيدمغه ، أو : يرمي به إلى أقطار الآفاق ، فيكون ~~وعدا بإظهار الإسلام ، أو : يلقيه وينزله إلى أنبيائه. والقذف : رمي ms2347 السهم ~~ونحوه بدفع واعتماد ، ويستعار لمطلق الإلقاء ، ومنه : {وقذف فى قلوبهم ~~الرعب} [الأحزاب : 26]. تم وصف الرب بقوله : {علام الغيوب} أي : هو علام ~~الغيوب. # 93 # {قل جاء الحق} أي : الإسلام : أو : القرآن ، {وما يبدىء الباطل وما يعيد} ~~أي : زال الباطل وهلك ، لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي ، فعدمهما عين ~~الهلاك ، والمعنى : جاء الحق وهلك الباطل ، كقوله : {جآء الحق وزهق الباطل} ~~[الإسراء : 81] قال الكواشي : المعنى : ذهب الباطل لمجيء الحق ، فلم يبق له ~~بقية حتى يبدىء شيئا أو يعيده. ثم قال : وهذا مثل ، يقال : فلان لا يبدىء ~~ولا يعيد ، إذا كان لا يلتفت إليه ولا يعتمد عليه. وقال الهروي : الباطل : ~~إبليس ، ما يبدىء ولا يعيد : لا يخلق ولا يبعث ، والله تعالى هو المبدىء ~~المعيد ، ومعناهما : الخالق الباعث. وقال في الصحاح : وفلان ما يبدىء وما ~~يعيد ، أي : ما يتكلم ببادية ولا عائدة ، ومثله في القاموس. PageV06P146 # والحاصل : أنه عبارة عن زهوق الباطل ، حتى لا يبقى له ظهور. وعن ابن مسعود ~~رضي الله عنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح ، وحول الكعبة ~~أصنام ، فجعل يطعنها بعود ، فتقطع لقفاها ، ويقول : " {جآء الحق وزهق ~~الباطل إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء : 81] قل جاء الحق وما يبدىء الباطل ~~وما يعيد ". ولما قالوا له صلى الله عليه وسلم : قد ضللت بترك دين آبائك ~~قال الله تعالى : {قل إن ضللت} عن الحق {فإنما أضل على نفسي} فإن وبال ~~ضلالي عليها ، {وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} أي : فبتسديده بالوحي إلي. ~~وكان قياس المقابلة أن يقال : وإن اهتديت فإنما أهتدي لها ، كقوله : {فمن ~~اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} [الزمر : 41] ، ولكن هما متقابلان ~~معنى ؛ لأن النفس كل ما يضرها فهو بسببها ، وما لها مما ينفعها ، فهو ~~بهداية ربها وتوفيقه ، وهذا حكم عمل لكل مكلف. وإنما أمر رسوله أن ينسبه ~~إلى نفسه ؛ تشريعا لغيره ؛ لأنه إذا كان هذا له مع جلالة قدره فما باله ~~بغيره ؟ . {إنه سميع} لما أقوله لكم ، {قريب} مني ومنكم ، فيجازيني ~~ويجازيكم على ما أخفيتم وما أعلنتم. ms2348 # جزء : 6 رقم الصفحة : 93 # الإشارة : الحق هو العلم بالله ، والباطل الجهل بالله ، أو : ما سوى الله ~~، فإذا حصل للعبد العلم بالله غاب عنه كل ما سواه ، وما بقي في الوجود إلا ~~الله ، وفي ذلك يقول الشاعر : # فلم يبق إلا الله لم يبق كائن # فما ثم موصول ولا ثم بائن>> بذا جاء برهان العيان فما أرى # بعيني إلا عينه إذ أعاين PageV06P147 ~~وفي القوت في تفسير الآية : أي : لما جاء الحق أبطل الباطل وأعاده ، فأظهر ~~حقيقة الأمر بدءا وعودا ، أي : كشف ما يبدىء الباطل للابتداء ، وما يعيد ~~على العبد من الأحكام ، يعني : أن نور الحق يكشف حقيقة الباطل وضرر عاقبته ~~، وقبحه في ذاته. والله أعلم. ه. ومن رمي بباطل أو بدعة ، وهو محقق بالحق ، ~~متمسك بالسنة النبوية ، فليقل # 94 # لمن رماه : {إن ضللت فإنما أضل على نفسي..} الآية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 93 # قلت : " مريب " : اسم فاعل ، من أراب ، أي : أتى بريبة ، وأربته : أوقعته ~~في الريبة. ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز. والمراد : وصفه بالشدة والإظلام ، ~~بحيث إنه يوقع في شك آخر. # يقول الحق جل جلاله : {ولو ترى} يا محمد ، أو : يا من تصح منه الرؤية ، ~~الكفرة. {إذ فزعوا} حين فزعوا عند صيحة البعث ، لرأيت أمرا فظيعا هائلا ، ~~{فلا فوت} أي : لا مهرب لهم ، أو : فلا يفوتون الله ولا يسبقونه. {وأخذوا} ~~إلى النار {من مكان قريب} من المحشر إلى قعر جنهم. أو : ولو ترى إذ فزعوا ~~عند الموت فلا فوت منه ، وأخذوا من ظهر الأرض إلى بطنها ، أو : إذا فزعوا ~~يوم بدر ، وأخذوا من صحراء بدر إلى القليب. PageV06P148 # {وقالوا} حين عاينوا العذاب : {آمنا به} أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ ~~لمرور ذكره في قوله : {ما بصاحبكم من جنة} [سبأ : 46] أو : بالله ، أو : ~~بالقرآن المذكور في قوله : {فبما يوحي إلي ربي} {وأنى لهم التناوش} أي : ~~التناول. من قرأه بالواو فوجهه : أنه مصدر : ناش ، ينوش ، نوشا ، أي : ~~تناول ، وهي لغة حجازية ، ومنه : تناوش القوم في الحرب : إذا تدانوا ، ~~وتناول بعضهم بعضا ، أي : ومن أين ms2349 لهم تناول التوبة وقد بعدت عنهم ، يعني ~~أن التوبة كانت منهم قريبة ، تقبل منهم في الدنيا ، وقد ذهبت الدنيا وبعدت ~~عن الآخرة. وقيل : هو تمثيل لطلبهم ما لا يكون ، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ~~ذلك الوقت ، كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا ، فمثلت حالهم بحال من ~~يريد أن يتناول الشيء من غلوة كما يتناوله الآخر من ألف ذراع. ووجه من قرأه ~~بالهمز : أنه مصدر : تناءش ، بمعنى أبطأ ، أو : بعد ، يقال : تناءشت الشيء ~~: أخذته من بعد. النئيش : الشيء البطيء ، كما قال الشاعر : # وجئت نئيشا بعدما فاتك الخير # 95 # أي : جئت بطيئا. وقيل : الهمز بدل الواو ، كالصائم ، والقائم ، وأقتت. ~~والمعنى : ومن أين لهم حصول الإيمان المتعذر بعد حصول البعد عن وقته. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 95 # وقد كفروا به من قبل} حصول العذاب ، أو : قبل الموت في الدنيا ، {ويقذفون ~~بالغيب من مكان بعيد} هو عطف على " كفروا " على حكاية الحال الماضية ، أي : ~~وقد كفروا في الدنيا ، ورموا بظنونهم في الأمور المغيبة ، فقالوا : لا بعث ~~ولا حساب ، ولا جنة ولا نار. {من مكان بعيد} عن الحق والصواب ، أو : هو ~~قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شاعر ، ساحر ، كذاب ، وهو رجم ~~بالغيب ؛ إذ لم يشاهدوا منه سحرا ولا شعرا ولا كذبا. وقد أتوا بهذا الأمر ~~من جهة بعيدة من حاله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لم يعرفوه إلا بالصدق ، ~~والأمانة ، ورجاحة العقل. PageV06P149 # {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} من نفع الإيمان يومئذ ، والنجاة به من النيران ~~، والفوز بنعيم الجنان ، أو بين الرد إلى الدنيا ، كما حكي عنهم بقوله : ~~{فارجعنا نعمل صالحا} [السجدة : 12] {كما فعل بأشياعهم من قبل} أي : ~~بأشباههم من الكفرة الدارجة من قبلهم ، فإنه قد حيل بينهم وبين ما يشتهون ~~من الإيمان والعمل الصالح بالموت ، وهذه الأفعال كلها تقع في المستقبل ، ~~عبر عنها بالماضي لتحقق وقوعها. {إنهم كانوا في شك} في أمر الرسول والبعث ، ~~{مريب} موقع للريبة ، أو : ذي ريبة ، نعت به للمبالغة. وفيه رد على من زعم ~~أن الله لا يعذب ms2350 على الشك ، قاله النسفي. # الإشارة : قوم غفلوا عن تحقيق الإيمان ، وتربيته ، بصحبة أهل الإيقان ، ~~حتى إذا كشف بعد الموت عن مقامهم القصير ، ومكانهم البعيد ، قالوا : آمنا ~~وتيقنا ، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. وقوم اشتغلوا بالبطالة والتقصير ، ~~وصرفوا في الشهوات والحظوظ عمرهم القصير ، وتوغلوا في أشغال الدنيا ~~وزخارفها ، فذهلوا عن الجد والتشمير ، فإذا انقضت عنهم أيام الدنيا حيل ~~بينهم وبين ما يشتهون ، من اغتنام الأوقات ، وتعمير الساعات ، لنيل المراتب ~~والدرجات ، وهنالك يقع الندم حين لم ينفع ، ويطلب الرجوع فلا يسمع. # قال القشيري : إذا تابوا وقد أغلقت الأبواب ، وندموا وقد تقطعت بهم ~~الأسباب ، فليس إلا الحسرات مع الندم ، ولات حين ندامة! كذلك من استهان ~~بتفاصيل فترته ، ولم يستفق من غفلته فتجاوز حده ، ويعفى عنه كره. فإذا ~~استمكن في القسوة ، وتجاوز في سوء الأدب حد القلة ، وزاد على مقدار الكثرة ~~، فيحصل لهم من الحق رد ، ويستقبلهم حجاب البعد. فعند ذلك لا يسمع لهم دعاء ~~، ولا يرحم لهم بكاء ، كما قيل ، وأنشد : # سبيل العين بعدك للبكا # فليس لأيام الصفاء رجوع # جزء : 6 رقم الصفحة : 95 # ه. PageV06P150 # وقوم شمروا عن سابق الجد والتشمير ، ولم يقنعوا من مولاهم بقليل ولا كثير ، قد # 96 # انتهزوا فرصة الأعمار ، ولم يشغلهم عن الله ربع ولا ديار ، عمروا أوقاتهم ~~بالذكر والتذكار ، وفكرة الاعتبار والاستبصار ، حتى وردوا دار القرار ، ~~أولئك المصطفون الأخيار ، يدفع الله تعالى بهم عن أهل الدنيا الأنكاد ~~والأغيار ، ويكشف عن قلوبهم الحجب والأستار. وقوم حققوا مقام الإيمان ، ~~واشتغلوا بتربيته ، بصحبة أهل الإيقان ، حتى أفضوا إلى مقام العيان ، فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه ، ~~وبمحمد نبيه وحبه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه. # 97 # جزء : 6 رقم الصفحة : 95 PageV06P151 ### | AUTO سورة فاطر # جزء : 6 رقم الصفحة : 97 # بسم الله الرحمن الرحيم # قلت : {أولي} : اسم جمع ، كذو ، وهو بدل من " رسلا " ، أو نعت له ، ~~و{مثنى وثلاث ورباع} : نعوت لأجنحة ، وهو غير منصرف ؛ لأنه معدول عن اثنين ~~اثنين ، وثلاثة ثلاثة ms2351 ، وهو باعتبار الأشخاص ، أي : منهم من له اثنان ، ~~ومنهم من له ثلاثة ، هذا ظاهر الكشاف. # يقول الحق جل جلاله : {الحمد لله} ، حمد نفسه ؛ تعليما وتعظيما ، {فاطر ~~السماوات والأرض} مبديهما ومبدعهما. قال ابن عباس رضي الله عنه : " ما كنت ~~أدري معنى فاطر حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ~~، أي : ابتدأتها ". قال البيضاوي : من الفطر ، بمعنى الشق ، كأنه شق العدم ~~بإخراجهما منه. قلت : وكأنه شق النور الكثيف من النور اللطيف ، فنور ~~السموات والأرض من نوره الأزلي ، وسره الخفي. {جاعل الملائكة رسلا} إلى ~~عباده ، أي : وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده ، فيبلغون ~~إليهم رسالاته بالوحي ، والإلهام ، والرؤيا الصادقة. {أولي أجنحة} متعددة ~~{مثنى وثلاث ورباع} أي : منهم ملائكة لهم اثنان ؛ لكل واحد جناحان ، ومنهم ~~من له ثلاثة ، ومنهم من له أربعة ، بتفاوت ما لهم من المراتب ، ينزلون بها ~~، ويعرجون ، أو : يسرعون نحو ما وكلهم الله عليه ، يتصرفون فيه على ما ~~أمرهم به ، ولعله تعالى لم يرد الحصر ونفى ما زاد عليها ، لما روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم رأى جبريل ليلة المعراج ، وله ستمائة # 98 # جناح. وروي أنه طلب منه أن يريه صورته التي خلقه الله عليها ، فلما رآه ~~كذلك خر مغشيا عليه. وقال : ما كنت أرى شيئا من الخلق هكذا. فقال له : لو ~~رأيت إسرافيل ، إن له لاثني عشر جناحا بالمشرق ، واثني عشر جناحا بالمغرب ، ~~وإن العرش لعلى كاهله ، وإنه ليتضاءل لعظمة الله تعالى. ه. PageV06P152 # {يزيد في الخلق ما يشاء} أي : يزيد في خلق الأجنحة وغيره ما يريد. وقيل : ~~هو الوجه الحسن ، والشعر الحسن ، والصوت الحسن ، والحظ الحسن. والملاحة في ~~العينين. والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق ، من طول قامة ، واعتدال ~~صورة ، وتمام في الأعضاء ، وقوة في البطش ، وحصافة العقل ، وجزالة في الرأي ~~، وفصاحة في اللسان ، وحسن خلق في المعاشرة ، ومحبة في قلوب المؤمنين وغير ~~ذلك. {إن الله على كل شيء قدير} فيقدر على ما يشاء ، من زيادة في الخلق ، ~~ونقصان فيها ، على حسب المشيئة السابقة. ms2352 # جزء : 6 رقم الصفحة : 98 PageV06P153 ~~الإشارة : الحمد في القرآن وقع على أربعة أقسام : حمد مطلق ، وهو الواقع ~~على عظمة ذاته ، من غير أن يكون في مقابلة شيء ، وهو قوله : {قل الحمد لله ~~وسلام على عباده الذين اصطفى} [النمل : 59] ، {الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون} [النحل : 75] وحمد وقع في مقابلة تنزيه ذاته عن النقائص ، وهو قوله ~~: {وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا...} [الإسراء : 111] الآية. وحمد وقع ~~في مقابلة نعمة الإيجاد ، وهو قوله : {الحمد لله الذى خلق السماوات ~~والأرض...} [الأنعام : 1] ، وحمد وقع في مقابلة نعمة الإمداد الحسي ، كقوله ~~: {الحمد لله رب العالمين} ، {فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب ~~العالمين} [الجاثية : 36] ، فإن التربية تقتضي وصول ما يحتاج إليه المربي ، ~~أو الإمداد المعنوي ، وهو إمداد القلوب والأرواح بالهداية ، وهو قوله : ~~{الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب} [الكهف : 1] {الحمد لله الذى هدانا ~~لهذا...} [الأعراف : 43] فهذه أربعة : حمد مطلق ، أو مقيد بشأن التنزيه ، ~~أو بنعمة الإيجاد ، أو الإمداد ، وما وقع هنا في إظهار تجلياته ، من أرضه ~~وسماواته ، ولطائف ملائكته ، فإن ذلك كله من نور جبروته. # وقوله تعالى : {يزيد في الخلق ما يشاء} قال القشيري : يقال : هو الفهم عن ~~الله ، أو السخاء والجود ، أو : الرضا بالتقدير ، أو : علو الهمة ، أو : ~~التواضع في الشرف ، أو : العفة في الفقر ، أو : الظرف أي : الظرافة في ~~الشمائل ، أو : أن يكون محببا في القلوب ، أو : خفة الروح ، أو : تحرر ~~القلب عن رق الحرمان أي بالوقوف مع الأكوان أو : ألا يطلب لنفسه منزلة في ~~الدارين أي : بأن يكون عبد الله حقيقة . ه. ملخصا. # 99 # جزء : 6 رقم الصفحة : 98 PageV06P154 ~~الحق جل جلاله : {ما يفتح الله للناس من رحمة} أي : ما يطلق ويرسل من رحمة ~~، كنعمة ، ومطر ، وأمن ، وعافية ، ورزق ، وعلم ، ومعرفة ، ونبوة ، وغيرها ، ~~{فلا ممسك لها} فلا أحد يقدر على إمساكها وردها ، واستعير الفتح للإطلاق ؛ ~~لأنه مسبب عنه. ونكر الرحمة للإشاعة والإبهام ، كأنه قال : من أي رحمة كانت ~~، فتشمل نعمة الدفع والجلب ، كدفع المحن وجلب المنن. والاعتراف بالمنعم من ~~تمام ms2353 النعمة ، والأمران مدرجان في الفتح والإمساك ، {وما يمسك} أي : يمنع ~~ويحبس من ذلك {فلا مرسل له} فلا مطلق له {من بعده} من بعد إمساكه. وأنث ~~الضمير الراجع إلى الاسم المتضمن معنى الشرط على معنى الرحمة ، وذكره ؛ ~~حملا على لفظ المرجوع إليه ؛ إذ لا تأنيث فيه ؛ لأن الأول فسر بالرحمة ، ~~فحسن اتباع الضمير التفسير ، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير. # وعن معاذ رضي الله عنه مرفوعا : " لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الأمة ~~ما لم يرفق خيارهم بشرارهم ، ويعظم برهم فاجرهم ، وتعن قراؤهم أمراءهم على ~~معصية الله. فإذا فعلوا ذلك نزع الله يده عنهم " قال ابن عرفة : يؤخذ من ~~قوله تعالى : {وما يمسك...} أن العدم السابق الإضافي متعلق للقدرة ، وجعله ~~بعض الأصوليين متعلقا للإرادة أيضا ، وذلك لأن المصحح للتعلق الإمكان. ه. ~~قال الأبي : لا دليل في الآية ؛ لاحتمال أن يكون التقدير : وما يريد إمساكه ~~، فيكون من متعلقات الإرادة ، ويحتمل : وما يمسك عن الإرسال بعد وجوده ، ~~كإمساك الماء عن النزول بعد خلقه في السحاب. ه. {وهو العزيز} الغالب ، ~~القادر على الإرسال والإمساك. {الحكيم} الذي يرسل ويمسك ، بما تقتضي الحكمة ~~إرساله ، أو إمساكه. PageV06P155 # الإشارة : ما يفتح الله لقلوب عباده من نفحات ، وواردات ، وإلهامات ، وعلوم ~~لدنية ، وحكم ربانية ، وتعرفات جمالية وجلالية ، فلا ممسك لها ، بل الله ~~يفتح على من يشاء ، ويسد الباب في وجه من شاء. وسد الباب في وجه العبد عن ~~معرفته الخاصة ، علامته : عدم إيصاله إلى أوليائه. فكل من وصله إليهم ، ~~وصحبهم ، وعظمهم ، وخدمهم ، فقد فتح الله له الباب في وصوله إليه ، وكل من ~~نكبه عنهم ، ولم يصحبهم ، كما ذكر ، فقد سد # 100 # الباب في وجهه عن معرفته العيانية. وفي الحكم : " سبحان من لم يجعل ~~الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد ~~أن يوصله إليه ". وما يمسك من ذلك فلا مرسل له من بعده ، ولو صلى وصام ألف ~~عام. قال القشيري : ما يلوح لقلوب العارفين من أنوار التحقيق لا سحاب يستره ~~، ولا ضباب ms2354 يقهره. ويقال : ما يلزم قلوب أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا ~~ممسك له ، والذي يمنع من أعدائه بسبب ما يلقيهم فيه من انغلاق الأمور ~~واستصعابها فلا ميسر له من دونه. ه. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 100 # قلت : {غير الله} : من رفعه فنعت للمحل ، أي : هل خالق غير الله ، ومن ~~جره : فنعت للفظ. و{يرزقكم} : إما استئناف ، أو : صفة ثانية لخالق ، و{لا ~~إله إلا هو} : مستأنفة ، لا محل لها. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم} باللسان ~~والقلب ، وهي التي تقدمت ، من بسط الأرض كالمهاد ، ورفع السماء بلا عماد ، ~~وإرسال الرسل للهداية والإرشاد ، والزيادة في الخلق ، وفتح أبواب الرزق. ثم ~~نبه على أصل النعم ، وهو توحيد المنعم ، فقال : {هل من خالق غير الله ~~يرزقكم من السماء} بالمطر {والأرض} بالنبات ، بل لا خالق يرزق غيره ، {لا ~~إله إلا هو فأنى تؤفكون} فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك. PageV06P156 # ثم سلى نبيه عن صدف قومه عن شكر المنعم بقوله : {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل ~~من قبلك} فلك فيهم أسوة ، فاصبر كما صبروا. وتنكير " رسل " للتعظيم ، ~~المقتضي لزيادة التسلية ، والحث على المصابرة ، أي : فقد كذبت رسل عظام ، ~~ذوو عدد كثير ، وأولو آيات عديدة ، وأهل أعمار طوال ، وأصحاب صبر وعزم. ~~وتقدير الكلام : وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل قبلك ؛ لأن الجزاء يعقب ~~الشرط ، ولو أجري على الظاهر ، لكان الجزاء مقدما على الشرط ؛ لأن تكذيب ~~الرسل سابق ، فوضع {فقد كذبت رسل من قبلك} موضع فتأس ، استغناء بالسبب عن ~~المسبب. {وإلى الله ترجع الأمور} وهو كلام مشتمل على الوعد والوعيد ، من ~~رجوع الأمور إلى حكمه ، ومجازاة المكذب والمكذب بكل ما يستحقه في الدنيا ~~والآخرة ، في الدنيا بالنصر والعز لأهل الحق ، وبالذل والإهانة لأهل ~~التكذيب ، وفي الآخرة معلوم ، فالإطلاق أحسن من التقييد بالآخرة. والله ~~تعالى أعلم. # 101 # الإشارة : ذكر النعمة هو أن ينظر العبد ، ويتفكر في نفسه ، فيجد نفسه ~~مغروقة في النعم الظاهرة والباطنة. وقد تقدم تعدادها في لقمان. وليتفكر في ~~حالته الماضية ، فقد ms2355 كان جاهلا ، فعلمه الله ، ضالا ، فهداه الله ، غافلا ، ~~فأيقظه الله ، عاصيا ، فوفقه الله ، إلى غير ذلك من الأحوال السنية. ولينظر ~~أيضا إلى من تحته من العباد ، فيجد كثيرا من هو أسوأ منه حالا ومقاما ، ~~فيحمد الله ويشكره. قال صلى الله عليه وسلم : " انظروا إلى من هو تحتكم ولا ~~تنظروا إلى من فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم " وحمله المحققون ~~على العموم في الدين والدنيا. ذكره ابن عباد في الرسائل وغيره. # جزء : 6 رقم الصفحة : 101 PageV06P157 ~~وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : تذاكروا النعم ؛ فإن ذكرها شكر. ه. ~~وقال القشيري : من ذكر نعمته فصاحب عبادة ، ونائل زيادة ، ومن ذكر المنعم ~~فصاحب إرادة ، ونائل زيادة ، ولكن فرق بين زيادة وزيادة ، هذا زيادته في ~~الدارين عطاؤه ، وهذا زيادته لقاؤه ، اليوم سرا بسر ، من حيث المشاهدة ، ~~وغدا جهرا بجهر ، من حيث المعاينة. ه. قلت : من تحقق بغاية الشهود لم يبق ~~له فرق بين شهود الدارين ؛ إذ المتجلي واحد. ثم قال : والنعمة على قسمين : ~~ما دفع من المحن ، وما وضع من المنن ، فذكره لما دفع عنه يوجب دوام العصمة ~~، وذكره لما نفعه به يوجب تمام النعمة ، {هل من خالق غير الله...} ؟ فائدة ~~هذا التعريف بوحدانيته ، فإذا عرف أنه لا رازق غيره ؛ لم يعلق قلبه بأحد في ~~طلب شيء. وتوهم شيء من أمثاله وأشكاله ، ويستريح لشهود تقديره ، ولا محالة ~~يخلص في توكله وتفويضه. ه. # ثم قال في قوله : {وإن يكذبوك...} الآية : وفي هذا إشارة للحكماء ، ~~وأرباب القلوب ، مع العوام والأجانب عن هذه الطريقة ، فإنهم لا يقبلون منهم ~~إلا القليل ، وأهل الحقائق منهم أبدا في مقاساة الأذية ، إلا بستر حالهم ~~عنهم ، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتعمقين ، والعلماء ~~المتجمدين ، الذين هم لهذه الأصول منكرون. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 101 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس إن وعد الله} بالبعث والجزاء {حق} أي : # 102 PageV06P158 ~~كائن لا محالة ، فاستعدوا للقائه ، {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} لا تخدعنكم ~~زخارف الدنيا الغرارة ، ولا يذهلنكم ms2356 التمتع بها ، والتلذذ بملاذها ، ~~والاشتغال بجمعها واحتكارها ، عن التأهب للقاء الله ، وطلب ما عنده. وفي ~~الحديث : " فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية ، عن مراتب جنات علية ، فكأن قد ~~كشف القناع ، وارتفع الارتياب ، ولاقى كل امرىء مستقره ، وعرف مثواه ~~ومنقلبه " {ولا يغرنكم بالله الغرور} أي : الشيطان ، فإنه يمنيكم الأماني ~~الكاذبة ، ويقول : إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك. أو : إن الله غفور ~~لمن عصاه. # {إن الشيطان لكم عدو} ظاهر العداوة ، فعل بأبيكم ما فعل ، وأنتم تعاملونه ~~معاملة الحبيب الناصح ، {فاتخذوه عدوا} فلا تقبلوا غروره في عقائدكم ~~وأفعالكم ، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم ؛ إذ لا يوجد منه إلا ما ~~يدل على عداوته في سركم وجهركم. # قال الورتجبي : إنه عدو ؛ لأنه من عالم القهر خلق ، ونحن من عالم اللطف ~~خلقنا. والطبعان متخالفان أبدا ، لأن القهر واللطف تسابقا في الأزل ، فسبق ~~اللطف القهر ، فعداوته من جهة الطبع الأول ، والجهل بالعصمة ، وأنوار ~~التأييد والنصرة ، ومن لا يعرفه بما وصفنا ، كيف يتخذه عدوا ؟ وهو لا يعرف ~~مكائده ، ولا يعرف مكائده إلا ولي أو صديق. ه. # ثم خطأ من اتبعه ؛ بأن غرضه أن يورد شيعته موارد الهلاك ، بقوله : {إنما ~~يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} فهو تقرير لعداوته ، وبيان لغرضه في ~~دعوى شيعته إلى اتباع الهوى ، والركون إلى الدنيا ، أي : إنما يدعوهم إلى ~~الهوى ، ليكونوا من أهل النار. # ثم بين مآل من اتبعه ومن عاداه ، فقال : {الذين كفروا لهم عذاب شديد} أي ~~: فمن أجابه إلى ما دعي فله عذاب شديد ؛ لأنه صار من حزبه وأتباعه ، ~~{والذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يجيبوه ، ولم يصيروا من حزبه ، بل ~~عادوه ، {لهم مغفرة وأجر كبير} لكبر جهاده ودوامه. PageV06P159 # جزء : 6 رقم الصفحة : 102 # الإشارة : وعد الله هنا عام ، وكله حق ، واجب الوقوع ، لا يتخلف ، فيصدق ~~بوعد الرزق ، وكفاية من انقطع إليه عن الخلق ، لقوله : {ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه} [الطلاق : 3] وتولى من أصلح حاله لقوله : {وهو يتولى الصالحين} ~~[الأعراف : 196] ويصدق بإثابة المطيع ، وعتاب المعاصي ، أو حلمه عنه ، وغير ~~ذلك ms2357 من المواعد كلها ، فيجب على العبد كفه عن الاهتمام بالرزق ، وخوف الخلق ~~، والتشمير في الطاعة ، والفرار من المعصية ، إن كان له ثقة بوعد ربه ، ~~وإلا فالخلل في إيمانه. # وقوله تعالى : {إن الشيطان لكم عدو...} الخ ، قوم فهموا من الخطاب أنهم ~~أمروا بعداوة الشيطان ، فاشتغلوا بعداوته ومحارتبه ، فشغلهم ذلك عن محبة ~~الحبيب ، وقوم فهموا من سر الخطاب : إن الشيطان لكم عدو ، وأنا لكم حبيب ، ~~فاشتغلوا بمحبة # 103 PageV06P160 ~~الحبيب ، فكفاهم عداوة العدو. قيل لبعضهم : كيف صنعك مع الشيطان ؟ فقال : ~~نحن قوم صرفنا هممنا إلى الله ، فكفانا من دونه. فالشيطان كالكلب إن اشتغلت ~~بدفعه مزق الثياب ، أو قطع الإهاب ، وإن رفعته إلى مولاه كفاك شره. وكذلك ~~النفس إن اشتغلت بتصفيتها ومجاهدتها على الدوام شغلتك عن ذكر الله ، ~~والفناء فيه ، ولكن الدواء هو الغيبة عنها ، والاشتغال بالله دائما ، فإذا ~~أظهرت رأسها بقيام شهوتها ، دقه ، بعكس مرادها ، وغب عنها في ذكر الله. ومن ~~حكم شيخنا البوزيدي رضي الله عنه : " انس نفسك بالله ، واعتمد على فضل الله ~~، وامتثل شيئا ما ، وينوب الله ". وفي الحكم العطائية : " إذا علمت أن ~~الشيطان لا يغفل عنك ، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". وقال أيضا : " وحرك ~~عليك النفس ليدون إقبالك عليه ". وقال : " لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء ~~مساوئك ، ومحو دعاويك ، لم تصل إليه أبدا. ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه ، ~~غطى وصفك بوصفه ، ونعتك بنعته ، فوصلك بما منه إليك ، لا بما منك إليك ". # جزء : 6 رقم الصفحة : 102 # قلت : {أفمن} : مبتدأ حذف خبره ، أي : كمن هداه الله ، أو ذهبت نفسك عليه ~~حسرات. و{حسرات} : مفعول له. وجمعها لتضاعف اغتمامه ، أو تعدد مساوئهم. ~~و{عليهم} : صلة لتذهب ، كما تقول : هلك عليه حبا ، ومات عليه حزنا. ولا ~~يتعلق بحسرات ؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته ، إلا أن يتسامح في الجار ~~والمجرور. PageV06P161 # يقول الحق جل جلاله : {أفمن زين له سوء عمله} بأن غلب هواه على عقله ، ~~وجهله على علمه ، حتى انعكس رأيه ، {فرآه حسنا} فرأى الباطل حقا ، والقبيح ~~حسنا ، كمن هداه الله واستبصر ms2358 ، فرأى الحق حقا ، والباطل باطلا ، فتبع الحق ~~، وأعرض عن الباطل ، ليس الأمر كذلك ، {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء} فمن أضله رأى الباطل حقا ، فتبعه ، ومن هداه رأى الباطل باطلا ، ~~فاجتنبه ، والحق حقا فاتبعه. {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي : فلا تهلك ~~نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب ، فإن أمرهم بيدي ، وأنا ~~أرحم بهم منك ، فإنما عليك البلاغ ، وعلينا الحساب. {إن الله عليم بما ~~يصنعون} فيجازيهم عليه ، وهو وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم. # الإشارة : إذا أراد الله إبعاد قوم غطى نور بصيرتهم بظلمة الهوى فيزين في ~~عينهم القبيح ، ويستقبح المليح ، فيرون القبيح حسنا ، والحسن قبيحا ، كما ~~قال الشاعر : # يغمى على المرء في أيام محنته # حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن # 104 # قال القشيري : ومعنى التزيين ؛ كالكافر ، يتوهم أن فعله حسن ، وهو عند ~~الله من أقبح القبيح ، ثم الراغب في الدنيا يجمع حلالها وحرامها ، ويحوش ~~حطامها ، لا يتفكر في زوالها ، ولا في ارتحاله عنها من قبل كمالها ، ولقد ~~زين له سوء عمله ، والذي يتبع الشهوات يبيع مؤبد راحته في الجنة ، بمتابعة ~~شهوة ساعة ، فلقد زين له سوء عمله ، والذي يؤير على ربه شيئا من المخلوقات ~~، فهو من جملتهم ، والذي يتوهم أنه إذا وجد النجاة والدرجات في الجنة فقد ~~اكتفى ، فقد زين له سوء عمله ، حيث تغافل عن حلاوة مناجاته. والذي هو في ~~صحبة حظوظه ، دون إيثار حقوق الله ، فقد زين له سوء عمله فرآه حسنا. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 104 PageV06P162 ~~قلت : وكذلك من وقف مع الكرامات والمقامات ، وحلاوة الطاعات ، دون درجة ~~المشاهدة ، فقد زين له سوء عمله. والحاصل : كل من وقف مع شيء ، دون تحقيق ~~الفناء في الذات ، فهو مزين له سوء عمله. وكل من لم يصحب الرجال فهو غالط ، ~~يظن أنه واصل ، وهو منقطع في أول البدايات. وبالله التوفيق. وقوله تعالى : ~~{فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} ، كذلك يقال للواعظ ، إذا رأى إدبار الخلق ، ~~وعدم تأثير الوعظ فيهم ، فليكتف بعلم الله فيهم ، ولا يتأسف على ms2359 أحد ، فإن ~~التوفيق بيد الله. # جزء : 6 رقم الصفحة : 104 # قلت : " كذلك " : خبر مقدم ، و" النشور " : مبتدأ. # يقول الحق جل جلاله : {والله الذي أرسل الرياح} وفي قراءة بالإفراد ، ~~للجنس ، {فتثير سحابا} أي : تزعجه ، وعبر بالمضارع على حكاية الحال الماضية ~~استحضارا لتلك الصورة البديعة ، التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب ، ~~الدالة على كمال القدرة وباهر الحكمة. {فسقناه إلى بلد ميت} لا نبات فيه ، ~~{فأحيينا به} أي : بالمطر النازل منه {الأرض بعد موتها} بعد يبسها. وعدل من ~~الغيبة إلى التكلم ؛ لأنه أدخل في الاختصاص ؛ لما فيه من مزيد بديع الصنع ، ~~{كذلك النشور} أي : مثل إحياء الموات نشور الأموات. وقيل : يحيي الله الخلق ~~بماء يرسله من تحت العرش ، كمني الرجال ، فتنبت به الأجساد في قبورها ، ثم ~~يرسل الأرواح فتدخل في أشباحها. قال أبو رزين : قلت : يا رسول الله كيف ~~يحيي الله الموتى ؟ وما آية ذلك في خلقه ؟ فقال : " هل مررت بواد أهلك محلا ~~؟ أي جدبا " قلت : نعم ، قال : " فكذلك يحيي الله الموتى ، وتلك آية الله ~~في خلقه ". # 105 PageV06P163 ~~الإشارة : والله الذي أرسل رياح الهداية ، فتزعج سحاب الغين عن قلوب أهل ~~الهداية ، فسقناه أي : ريح الهداية إلى قلب ميت بالغفلة والجهل بالله ، ~~فأحيينا بالوارد الناشىء عن ريح الهداية أرض النفوس ، بالنشاط إلى العبادة ~~، والذكر ، والمعرفة ، بعد موتها بالغفلة والقسوة ، كذلك النشور. وذلك عزها. # جزء : 6 رقم الصفحة : 105 PageV06P164 ~~يقول الحق جل جلاله : {من كان يريد العزة} أي : الشرف والمنعة على الدوام ، ~~في الدنيا والآخرة ، {فلله العزة جميعا} فليطلبها من عنده ، بالتقوى ، ~~والعلم ، والعمل الصالح ، كالزهد في الدنيا ، والتبتل إلى الله ، أي : ~~فالعزة كلها مختصة بالله ، عز الدنيا وعز الآخرة. وكان الكفار يتعززون ~~بالأصنام ، كما قال تعالى : {واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا} ~~[مريم : 81] ، والمنافقون كانوا يتعززون بالمشركين ، كما قال تعالى : ~~{الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا} [النساء : 139] ، فبين أن العزة إنما هي لله بقوله : " ~~فإن العزة لله " فليطلبها من أرادها من عنده. فوضع قوله ms2360 : {فلله العزة} ~~موضعه ، استغناء به عنه ؛ لدلالته ؛ لأن الشيء لا يطلب إلا من عند صاحبه ~~ومالكه. ونظيره قولك : من أراد النصيحة ؛ فهي عند الأبرار ، أي : فليطلبها ~~من عندهم. وفي الحديث : " إن ربكم يقول كل يوم : أنا العزيز ، فمن أراد عز ~~الدارين فليطع العزيز ". ثم ذكر ما يطلب به العز ، وهو العمل المقبول ، ~~بقوله : {إليه يصعد الكلم الطيب} كلمة التوحيد : لا إله إلا الله ، وما ~~يلحقها من الأذكار ، والدعاء ، والقراءة. وعنه صلى الله عليه وسلم : " هو ~~سبحان الله والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر. إذا قالها العبد ~~عرج بها الملك إلى السماء ، فحيا بها وجه الرحمن " وكان القياس : الطيبة ، ~~ولكن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا التاء يذكر ويؤنث. ومعنى الصعود : ~~القبول والرضا ، وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود. PageV06P165 # {والعمل الصالح} كالعبادة الخالصة {يرفعه} الله تعالى ، أي : يقبله. أو : ~~الكلم الطيب ، فالرافع على هذا الكلم الطيب ، والمرفوع العمل الصالح ، أي : ~~والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب ؛ لأن العمل متوقف على التوحيد ، المأخوذ ~~من الكلم الطيب ؛ وفيه إشارة إلى أن العمل يتوقف على الرفع ، والكلم الطيب ~~يصعد بنفسه ، ففيه ترجيح الذكر على سائر العمل. وقيل : بالعكس ، أي : ~~والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب ، فإذا لم يكن # 106 # عمل صالح فلا يقبل منه الكلم الطيب. وقيل : والعمل الصالح يرفع العامل ~~ويشرفه ، أي : من أراد العزة والرفعة فليعمل العمل الصالح ؛ فإنه هو الذي ~~يرفع العبد. # جزء : 6 رقم الصفحة : 106 # ثم ذكر سبب الذل في الدارين ، فقال : {والذين يمكرون} المكرات {السيئات} ~~فالسيئات : صفة لمصدر محذوف ؛ لأن " مكر " لا يتعدى بنفسه. والمراد : مكر ~~قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة ؛ كما قال ~~تعالى : {وإذ يمكر بك الذين كفروا} [الأنفال : 30] الآية. {لهم عذاب شديد} ~~في الآخرة ، {ومكر أولئك هو يبور} أي : يفسد ويبطل ، دون مكر الله بهم ، ~~فالضمير يفيد الاختصاص. # الإشارة : العز على قسمين : عز الظاهر ، وعز الباطن ، فعز الظاهر هو ~~تعظيم الجاه وبعد الصيت ، واحترام الناس لصاحبه ، ولمن ms2361 تعلق به ، وسببه : ~~التقوى ، والعلم ، والعمل ، ومكارم الأخلاق ؛ كالسخاء ، والتواضع ، وحسن ~~الخلق ، والإحسان إلى عباد الله. وعز الباطن : هو الغنى بالله ، وبمعرفته ، ~~والتحرر من رق الطمع ، والتحلي بحلية الورع. وسببه الذل لله ، يظهر ذلك بين ~~أقرانه ، كما قال الشاعر : # تذلل لمن تهوى لتكسب عزة # فكم عزة نالها المرء بالذل>> إذا كان من تهوى عزيزا ولم تكن # ذليلا له فاقر السلام على الوصل PageV06P166 ~~وغايته : الوصول إلى معرفة الشهود والعيان. فإذا تعزز القلب بالله لم يلتفت ~~إلى شيء ، ولم يفتقر إلى شيء ، وكان حرا من كل شيء ، عبدا لله في كل شيء. ~~وقد يجتمع للعبد العزان معا ، إذا كان عارفا بالله عاملا ، وقد ينفرد عز ~~الظاهر في أهل الظاهر ، وينفرد عز الباطن في بعض أهل الباطن ، يتركهم تحت ~~أستار الخمول ، حتى يلقوه وهم عرائس الأولياء ، ضن بهم الحق تعالى عن خلقه ~~، فلم يظهرهم لأحد ، حتى قدموا عليه ، وهم الأولياء الأخفياء الأتقياء ، ~~كما ورد مدحهم في الحديث. وكلا العزين لله ، وبيد الله ، فلا يطلب واحد ~~منهما إلا منه سبحانه. # قال القشيري : وقال في آية أخرى : {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} ~~[المنافقون : 8] فأثبت العزة لغيره ، والجمع بينهما : أن عزة الربوبية لله ~~وصفا ، وعزة الرسول والمؤمنين لله فضلا ، ومنه لطفا ، فإذا العزة لله ~~جميعا. والكلم الطيب هو الذي يصدر عن عقيدة طيبة ، وقلب طيب ، لا كدر فيه ~~ولا أغيار ، وقيل : ما ليس فيه حظ للعبد ، وقيل : ما يستخرج من العبد ، وهو ~~فيه مفقود ، وقيل : ما ليس فيه حاجة ، ولا يطلب عليه عوض ، وقيل : ما يشهد ~~بصحته الإذن والتوقيف. انظر القشيري. # ويؤخذ من قوله : {والعمل الصالح يرفعه} أن العمل إذا بقي بين عين العبد ~~يلحظه ، وينظر إليه ، فهو علامة على عدم قبوله ، إذ لو قبل لرفع عن نظره ، ~~فلا عمل أرجى للقلوب من عمل يغيب عنك شهوده ، ويختفي لديك وجوده. والذين ~~يمكرون بالأولياء ، المكرات # 107 # السيئات ، لهم عذاب شديد ، وهو البعد من الله ، ومكر أولئك هو يبور. وأما ~~الأولياء فهم في حجاب مستور ، من كل مكر وخداع ms2362 وغرور. # جزء : 6 رقم الصفحة : 106 PageV06P167 ~~يقول الحق جل جلاله : {والله خلقكم} أي : أباكم {من تراب ، ثم} أنشأكم {من ~~نطفة ثم جعلكم أزواجا} أصنافا ، أو : ذكرانا وإناثا ، {وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه} إلا معلومة له ، وقتا وكيفية ، {وما يعمر من معمر} أي : ~~وما يمد في عمر أحد فيكون طويلا. وإنما سماه معمرا لما هو صائر إليه ، {ولا ~~ينقص من عمره} أي : يكون عمره قصيرا {إلا في كتاب} أي : اللوح المحفوظ ، أو ~~: صحيفة الإنسان. وقال ابن جبير : " مكتوب في أول الكتاب : عمره كذا وكذا ، ~~ثم يكتب أسفل ذلك : ذهب يوم ، ذهب يومان ، ذهب ثلاثة ، حتى ينقطع عمره ". ~~ففسر النقص بالذهاب ، ولا يذهب شيء من عمره إلا في كتاب. ويمكن أن يجري على ~~ظاهره ، باعتبار المحو والإثبات في غير أم الكتاب ، كما ورد في صلة الرحم ~~وقطعها. وانظر عند قوله : {يمحوا الله ما يشآء...} [الرعد : 40] إلخ. {إن ~~ذلك على الله يسير} أي : إحصاء الأعمار ، أو زيادتها ونقصانها ، سهل على ~~علم الله وقدرته. # الإشارة : أصل نشأة الأشباح من الصلصال ، وأصل نشأة الأرواح من نور ~~الكبير المتعال ، فمن غلبت طينته على روحانيته ، وهواه على عقله ، التحق ~~بالبهائم ، ومن غلبت روحانيته على بشريته ، وعقله على هواه ، التحق ~~بالملائكة الكرام. PageV06P168 # وقوله تعالى : {وما يعمر من معمر...} الآية ، طول العمر وقصره عند الحكماء ~~، ليس هو بكثرة آماده ، وإنما هو بكثرة أمداده. وفي الحكم : " رب عمر اتسعت ~~آماده ، وقلت أمداده ، ورب عمر قليلة آماده ، كثيرة أمداده ". والأمداد : ~~ما يجد القلب من معارف الله ، وعلومه ، وأنواره ، وأسراره. فرب قلب استمد ~~في زمان قليل ، من العلوم والمعارف والأسرار ، ما لم يستمده غيره في أزمنة ~~متطاولة. وقال أيضا : " من بورك له في عمره ، أدرك في يسير من الزمان من ~~منن الله تعالى ، ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ، ولا تلحقه الإشارة ". ~~والغالب أن هذه الأمداد إنما تنال بصحبة الرجال العارفين بالله ، فإن المدد ~~الذي يحصل له معهم في ساعة واحدة ؛ لا يحصل في أزمنة طويلة مع غيرهم ، ولو ms2363 ~~كثرت صلاتهم وصيامهم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 108 # وقال في القوت : فإن البركة في العمر أن تدرك في عمرك القصير ، بيقظتك ، ما فات # 108 # غيرك في عمره الطويل بعد ، فيرتفع لك في السنة ما لا يرتفع لغيرك في ~~عشرين سنة. وللخصوص من المقربين في مقامات القرب عند التجلي بصفات الرب ~~إلحاق برفع الدرجات ، وتدارك بما فات عند أذكارهم ، وأعمال قلوبهم ، ~~اليسيرة ، في هذه الأوقات. فكل ذرة من تسبيح ، أو تهليل ، أو حمد ، أو تدبر ~~، أو تبصرة ، أو تفكر وتذكرة ، لمشاهدة قرب ، ووجد برب ، ونظرة إلى حبيب ، ~~ودنو من قريب ، أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين ، الذين هم لنفوسهم ~~واجدون ، وللخلق مشاهدون. ومثال العارفين ، فيما ذكرناه ؛ من قيامهم ~~بشهادتهم ورعايتهم لأماناتهم وعهدهم ، في وقت قربهم وحضورهم ؛ مثل العامل ~~في ليلة القدر ، العمل فيها ، لمن وافقها ، خير من ألف شهر. وقد قال بعض ~~العلماء : كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر. ه. منه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 108 PageV06P169 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما يستوي البحران} في العذوبة والملوحة ، بل هما ~~مختلفان ، والماء واحد ، {هذا عذب فرات} أي : شديد العذوبة. وقيل : هو الذي ~~يكسر العطش ؛ لشدة برودته ، {سائغ شرابه} أي : سهل الانحدار ، مريء ، ~~لعذوبته ، {وهذا ملح أجاج} شديد الملوحة ، وقيل : الذي تحرق ملوحته. {ومن ~~كل} أي : من كل واحد منهما {تأكلون لحما طريا} وهو السمك ، {وتستخرجون ~~حلية} وهي اللؤلؤ والمرجان. قيل : من الملح فقط. وقيل : منهما. قال بعضهم : ~~نسب استخراج الحلية إليهما ؛ لأنه تكون في البحر عيون عذبة ، تمتزج بماء ~~الملح ، فيكون اللؤلؤ من ذلك. ه. {تلبسونها} أي : نساؤكم ؛ لأن القصد ~~بالتزين هو الرجال. # {وترى الفلك} السفن ، {فيه مواخر} شواق للماء بجريها ، يقال : مخرت ~~السفينة الماء : شقته ، وهي جمع ماخرة ، {لتبتغوا من فضله} من فضل الله ، ~~ولم يتقدم له ذكر في الآية ؛ ولكن فيما قبلها ، ولو لم يجر له ذكر ، لم ~~يشكل لدلالة المعنى عليه. {ولعلكم تشكرون} الله على ما أولاكم من فضله. # وقيل : هو ضرب مثل للكافر والمؤمن ، فالمؤمن يجري عذب فرات ms2364 ، والكافر ملح ~~أجاج. ثم ذكر على سبيل الاستطراد ما يتعلق بالبحرين من نعم الله وعطائه. ~~ويحتمل أن يكون على غير الاستطراد ، وهو أن يشبه الجنسين ، ثم يفضل البحر ~~الأجاج على الكافر ، وهو ما خص به من المنافع ، كاستخراج اللؤلؤ ، والمرجان ~~، والسمك ، وجري الفلك فيه ، وغير ذلك. والكافر خلو من المنافع بالكلية ، ~~فهو على طريقة قوله تعالى : # 109 # {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} ثم قال : {وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار...} [البقرة : 74]. PageV06P170 # الإشارة : بحر الشريعة عذب فرات ، سائغ شرابه ، وبحر الحقيقة ملح أجاج ؛ ~~لأنه مر على النفس ، يحتاج ركوبه إلى بذل المهج والنفوس ، وحط الرؤوس ، ~~وبذل الأموال ، ورفض الأوطان والدنيا وأهلها. بخلاف الشريعة ، فلا تحتاج ~~إلى هذا كله ، وإن كانت متوقفة على مشاق التعلم والتدريس ، ولن تنال مع ~~بقاء عز النفس والمال والجاه ، وغير ذلك. ومن كل تأكلون لحما طريا ، فبحر ~~الشريعة ينال منه حلاوة المعاملة الظاهرة ، وبحر الحقيقة يأكل منه حلاوة ~~الشهود والمعرفة. وترى سفن الأفكار في بحار الأحدية ، مواخر ، تجول في عظمة ~~بحر الجبروت والملكوت ، ولتبتغوا من فضله تمام معرفته ، ولتكونوا من ~~الشاكرين أي : ممن يعبد شكرا ، لا قهرا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 109 # قال القشيري : وما يستوي الوقتان ، هذا بسط ، وصاحبه في روح ، وهذا قبض ، ~~وصاحبه في نوح. هذا خوف وصاحبه في اجتياح ، وهذا رجاء وصاحبه في ارتياح. ~~قلت : الرجاء عذب. والخوف ملح ، خلاف ما يقتضي كلامه. ثم قال : هذا فرق ، ~~وصاحبه بوصف العبودية ، وهذا جمع ، وصاحبه بشهود الربوبية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 109 # يقول الحق جل جلاله : {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} أي : ~~يدخل من ساعات أحدهما في الآخر ، حتى يصير الزائد منهما خمس عشرة ساعة ، ~~والناقص تسعا. {وسخر الشمس والقمر} ذللها لما يراد منهما ، {كل يجري لأجل ~~مسمى} أي : يوم القيامة ، فينقطع جريهما ، {ذلكم الله ربكم} الإشارة إلى ~~فاعل هذه الأشياء ، وهي : مبتدأ ، و" الله " وما بعده : أخبار ، {له الملك} ~~له التصرف التام. {والذين تدعون من دونه} من الأصنام ، أي : تعبدونهم ms2365 ، {ما ~~يملكون من قطمير} وهي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة ، كما أن النقير : ~~النقطة في ظهره. وهما كنايتان عن حقارة الشيء وتصغيره. PageV06P171 # {إن تدعوهم} أي : الأصنام {لا يسمعوا دعاءكم} لأنهم جماد ، {ولو سمعوا} على ~~سبيل الفرض {ما استجابوا لكم} لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية ، بل ~~يتبرؤون منها. {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} بإشراككم لهم ، وعبادتكم ~~إياهم. ويقولون : {ما كنتم إيانا تعبدون} [يونس : 28]. {ولا ينبئك مثل ~~خبير} أي : ولا يخبرك # 110 # بالأمر على حقيقته مخبر مثل خبير به ، وهو الله تعالى ؛ فإنه خبير به على ~~الحقيقة ، دون سائر المخبرين. والمراد : تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم ، ~~ونفي ما يدعون لها. أو : ولا يخبرك أيها المفتون بأسباب الغرور ، كما ينبئك ~~الله الخبير بخبايا الأمور وتحقيقها ، أي : لا يخبرك بالأمور مخبر هو خبير ~~عالم به ، يريد أن الخبير بالأمور وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة ، دون سائر ~~المخبرين. والمعنى : أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق ؛ أنه ~~خبير بما أخبرت به. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قال الشيخ : أبو العباس المرسي رضي الله عنه : يولج الليل في ~~النهار ، ويولج النهار في الليل. يولج المعصية في الطاعة ، ويولج الطاعة في ~~المعصية. يعمل العبد الطاعة فيعجب بها ، ويعتمد عليها ، ويستصغر من لم ~~يفعلها ، ويطلب من الله العوض عليها ، فهذه حسنات أحاطت بها سيئات. ويذنب ~~العبد الذنب ، فيلتجىء إلى الله فيه ، ويعتذر منه ، ويستصغر نفسه ، ويعظم ~~من لم يفعله ، فهذه سيئة أحاطت بها حسنات ، فأيتهما الطاعة ، وأيتهما ~~المعصية ؟ ه. أو : يولج ليل القبض في نهار البسط ، وبالعكس ، أو : يولج ليل ~~الحجبة في نهار الكشف ، ونهار الكشف في ليل القطيعة ، يتواردان إلى حال ~~طلوع شمس العرفان ، فلا غروب لها ، كما قال الشاعر : # جزء : 6 رقم الصفحة : 110 # طلعت شمس من أحب بليل # واستنارت فما تلاها غروب>> إن شمس النهار تغرب باللي # ل وشمس القلوب ليست تغيب PageV06P172 ~~قال القشيري : يولج الليل في النهار ، تغلب النفس مرة على القلب ، وبالعكس ~~، وكذلك القبض والبسط ، فقد يستويان ms2366 ، وقد يغلب أحدهما ، وكذلك الصحو ~~والسكر ، والفناء والبقاء ، وآثار شموس التوحيد ، وأقمار المعرفة على ما ~~يريد من إظهارها على القلوب. فهذه كلها يولج أحدها في الآخر. ولا يعرف هذا ~~إلا من تحقق بفقره إلى الله تعالى. # جزء : 6 رقم الصفحة : 110 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} في دقائق ~~الأمور وجليلها ، في كل لحظة لا يستغني أحد عنه طرفة عين ، ولا أقل من ذلك ~~؛ إذ لا قيام للعبد إلا به ، فهو مفتقر إلى الله ، إيجادا وإمدادا. قال ~~البيضاوي : وتعريف الفقراء ؛ للمبالغة في فقرهم ، كأنهم لشدة افتقارهم ، ~~وكثرة احتياجهم ، هم الفقراء دون غيرهم ، وأن افتقار سائر الخلق بالإضافة ~~إلى فقرهم غير معتد به ، ولذلك قال : {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء : 28] # 111 # قلت : ويمكن أن يكون الحصر باعتبار الحق تعالى ، أي : أنتم فقراء دون ~~خالقكم ، بدليل وصله بقوله : {والله هو الغني الحميد}. # وقال ذو النون رضي الله عنه : الخلق محتاجون إليه في كل نفس ، وطرفة ، ~~ولحظة ، وكيف لا ووجودهم به ، وبقاؤهم به ؟ {والله هو الغني} عن الأشياء ~~كلها ، {الحميد} أي : المحمود بكل لسان. ولم يسمهم بالفقر للتحقير ، بل ~~للتعظيم ؛ لأن العبد إذا أظهر فقره لسيده الغني ؛ أغناه عن أشكاله وأمثاله. ~~وذكر " الحيمد " ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه ، والجواد المنعم ~~عليهم ؛ إذ ليس كل غني نافعا بغناه ، إلا إذا كان الغني جوادا منعما ، وإذا ~~جاد وأنعم ، حمده المنعم عليهم. PageV06P173 # ولما ذكر افتقارم إلى نعمة الإيجاد ، ذكر افتقارهم إلى نعمة الإمداد ، ~~بقوله : {إن يشأ يذهبكم} أي : إن يشأ يفنيكم كلكم ، ويردكم إلى العدم ؛ فإن ~~غناه بذاته ، لا بكم ، {ويأت بخلق جديد} يكون أطوع منكم ، أو بعالم آخر غير ~~ما تعرفون. {وما ذلك} أي : الإفناء والإنشاء {على الله بعزيز} بممتنع. وعن ~~ابن عباس : يخلق بعدكم من يعبده ، لا يشرك به شيئا. قال القشيري : فقر ~~الخلقة عام لكل أحد ، في أول حال وجوده ؛ ليبديه وينشيه ، وفي ثاني حال ~~بقائه ؛ ليديمه ويبقيه. ه. قلت : وإليه أشار في الحكم بقوله : " نعمتان ms2367 ما ~~خلا موجود عنهما ، ولا بد لكل موجود منهما : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ~~، أنعم أولا بالإيجاد ، وثانيا بتوالي الإمداد ". PageV06P174 # الإشارة : الفقر على أربعة أقسام : فقر من الدين ، وفقر من اليقين ، وفقر ~~من المال ، وفقر مما سوى الله. فالأولان مذمومان ، وصاحبهما موسوم بالإفلاس ~~والهلع ، ومنهما وقع التعوذ في الحديث. والثالث : إن صحبه الرضا فممدوح ، ~~وفيه وردت الأحاديث النبوية ، وإلا فمذموم ، ويشمله التعوذ في الحديث. ~~الرابع : هو مطلب القاصدين والعارفين ، وهو الغيبة عما سوى الله ، والغنى ~~بالله ، كما قال الشيخ أبو الحسن : " أسألك الفقر عما سواك ، والغنى بك ، ~~حتى لا نشهد إلا إياك " وهو ينشأ عن التحقق بالفقر ظاهرا وباطنا ؛ لأن ~~الفقر من وصف العبد ، والغنى من وصف الرب ، فمن تحقق بوصفه أمده الله بوصفه ~~، " تحقق بوصفك يمدك بوصفه ، تحقق بفقرك يمدك بغناه ، تحقق بذلك يمدك بعزه ~~". وقال القشيري : بعد كلام : والفقراء على أقسام : فقير إلى الله ، وفقير ~~إلى شيء هو من الله ؛ معلوم ومرسوم. ومن افتقر إلى شيء استغنى بوجود ذلك ~~الشيء ، فالفقير إلى الله هو الغني بالله ، فالافتقار إلى الله لا يخلو من ~~الاستغناء بالله. فالفقير إليه مستغن به ، والمستغنى به فقير إليه. ومن شرف ~~الفقر اقترانه بالتواضع والخشوع ، ومن آفات الغنى امتزاجه بالتكبر. وشرف ~~العبد وعزه في فقره ، وذله وصغاره في توهمه الغنى ، وأنشدوا : # جزء : 6 رقم الصفحة : 111 # وإذا تذللت الرقاب تقربا # منا إليك فعزها في ذلها # 112 # ومن شرط الفقير : ألا يملك شيئا ، ولا يملكه شيء. ومن آداب الفقير الصادق ~~: إظهار التكثر عند وجود التقتر ، والشكر على البلوى ، والبعد عن الشكوى. ~~ويقال : الفقر المحمود : العيش مع الله براحة الفراغ على سرمد الوقت ، من ~~غير استكراه شيء منه بكل وجه. ه. ملخصا. PageV06P175 # قال الورتجبي : فطرة الإنسانية وقعت من الغيب مضطربة متحركة إلى الأزل ، ~~بنعت الافتقار إليه ، كانجذاب الحديد إلى المغناطيس ؛ لأنها وقعت بنعت ~~العشق ، والعاشق مفتقر إلى معشوقه ، انفعالا ، فمن عرفه بالأزلية والأبدية ~~يفتقر إليه افتقارا قطعيا ؛ لأن بقاءه لا يكون إلا به. وإذا كان كذلك صار ~~غنيا ms2368 بالله ، متصفا بغناه ، غنيا به عن غيره ، مفتقرا إليه. فإذا كان في ~~محل الصحو يكون مفتقرا إليه ، وإذا كان في محل السكر بقي في رؤية غناه عنه ~~، فصار محجوبا عنه ، ولا يدري. ه. # وقال سهل رضي الله عنه : لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى ، ولهم ~~بالفقر ، فمن ادعى الغنى ، حجب عن الله ، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه. ~~فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسر إليه ، ومنقطعا عن الغير إليه ، حتى ~~يكون عبوديته لله محضة ، فالعبودية هي الذل والخضوع. ه. # وقال الواسطي : من استغنى بالله لا يفتقر ، ومن يتعزز بالله لا يذل. وقال ~~يحيى بن معاذ : الفقر خير للعبد من الغنى ؛ لأن الذلة في الفقر ، والكبر في ~~الغنى ، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة خير من الرجوع إليه بكثرة ~~الأعمال. وقيل : صفة الأولياء ثلاثة : الثقة بالله في كل شيء ، والفقر إليه ~~في كل شيء ، والرجوع إليه من كل شيء. # جزء : 6 رقم الصفحة : 111 # قلت : " وازرة " : صفة لمحذوف ، أي : نفس آثمة. و" إن تدع " : شرط ، و" ~~لا يحمل " : جواب ، و" لا " النافية لا تمنع الجواب من الجزم. PageV06P176 # يقول الحق جل جلاله : {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي : ولا تحمل نفس آثمة إثم ~~نفس أخرى ، والوزر والوقر أخوان ، ووزر الشيء : حمله. والمعنى : أن كل نفس ~~يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته ، فلا تؤخذ نفس بذنب نفس أخرى ~~، كما تأخذ جبابرة الدنيا الظلمة الجار بجريمة الجار ، والقريب بالقريب ، ~~فذلك ظلم محض. وأما قوله تعالى : {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} ~~[العنكبوت : 13] ففي الضالين المضلين ، فإنهم يحملون أثقال إضلالهم وأثقال ~~ضلالهم ، وكل ذلك أوزارهم ، ليس فيها شيء من أوزار # 113 # غيرهم. ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قوله : {اتبعوا سبيلنا ولنحمل ~~خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون} [العنكبوت : 12]. # قال ابن عطية : من تطرق من الحكام إلى أخذ قريب بقريبه في جريمة كفعل ~~زياد ونحوه ، فإن ذلك ، لأن المأخوذ ربما أعان المجرم بمؤازرة ، أو مواصلة ~~، أو اطلاع على حاله ms2369 ، أو تقرير له ، فهذا قد أخذ من الجرم بنصيب. وهذا هو ~~المعنى بقوله تعالى : {وليحملن أثقالهم...} الآية ؛ لأنهم أغروهم ، وهو ~~معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " من سن سنة حسنة.. " الحديث ، فراجعه. قلت ~~: لا يجوز الإقدام على ظلم أحد بمجرد الظن ، فالصواب حسم هذا الباب ، ~~والتصريح بتحريمه ؛ لكثرة جوز الحكام. PageV06P177 # ثم قال تعالى : {وإن تدع} نفس {مثقلة} بالذنب أحدا {إلى حملها} أي : إلى ~~حمل ثقل ذنوبها ، ليتحمل عنها بعض ذلك ، {لا يحمل منه شيء ولو كان} المدعو ~~، المفهوم من قوله : {وإن تدع} ، {ذا قربى} ذا قرابة قريبة ، كأب ، وولد ، ~~وأخ. والفرق بين معنى قوله : {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وبين قوله : {إن تدع ~~مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} أن الأول دال على عدل الله في حكمه ، ~~وأنه لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها ، والثاني : في بيان أنه لا غياث يومئذ لمن ~~استغاث ، فمن أثقلته ذنوبه ثم استغاث بأحد لم يغثه ، وهذا غاية الإنذار. # جزء : 6 رقم الصفحة : 113 # ثم بين من ينتفع به بقوله : {إنما تنذر الذين يخشون ربهم} أي : إنما ~~ينتفع بإنذارك من خشي ربه {بالغيب} أي : يخشون ربهم غائبين عنه ، أو : ~~يخشون عذابه غائبا عنهم ، فهو حال ، إما من الفاعل أو المفعول المحذوف. أو ~~: يخشون ربهم في حال الغيب ، حيث لا اطلاع للغير عليهم ، فيتقون الله في ~~السر ، كما يتقون في العلانية. {وأقاموا الصلاة} أتقنوها في مواقيتها ، ~~{ومن تزكى} أي : تطهر بفعل الطاعات ، وترك المنهيات ، {فإنما يتزكى لنفسه} ~~إذ نفعه يعود لها ، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم ، وإقامتهم الصلاة ؛ لأنها من ~~جملة التزكي. {وإلى الله المصير} المرجع ، فيجازيهم على تزكيتهم ، وهو وعد ~~للمتزكين بالثواب. PageV06P178 # الإشارة : وبال الوزر خاص بصاحبه ، إلا إذا كان مقتدى به ، فإن عيبه أو ~~نقصه يسري في أصحابه ، حتى يطهر منه ؛ أن الصحبة صيرت الجسدين واحدا. وراجع ~~ما تقدم عند قوله : {واتقوا فتنة...} [الأنفال : 25] الآية. قال القشيري : ~~{ولا تزر وازرة وزر أخرى} كل مطالب بعمله ، ومحاسب عن ديوانه. ولكل معه شأن ~~، وله مع كل أحد ms2370 شأن ، ومن العبادات ما تجري فيها النيابة ، ولكن في ~~المعارف لا تجري النيابة ؛ ولو أن عبدا عاصيا منهمكا في غوايته فاتته صلاة ~~مفروضة ، فلو قضى عنه ألف ولي ، وألف صفي # 114 # تلك الصلاة الواحدة ، عن كل ركعة ألف ركعة لم تقبل. ه. وقال في قوله ~~تعالى : {إنما تنذر...} الخ : الإنذار هو الإعلام بموضع المخافة. والخشية ~~هي المخافة ، فمعنى الآية : لا ينتفع بالتخويف إلا صاحب الخوف طير السماء ~~على إلافها تقع. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 113 # يقول الحق جل جلاله : {وما يستوي الأعمى والبصير} أي : لا يستوي الكافر ~~والمؤمن ، أو الجاهل والعالم. وقيل : هما مثلان للصنم والله تعالى. {ولا ~~الظلمات} كالكفر والجهل ، {ولا النور} كالإيمان والمعرفة ، {ولا الظل} ~~كنعيم الجنان ، {ولا الحرور} كأليم النيران. والحرور : الريح الحار كالسموم ~~، إلا أن السموم يكون بالنهار ، والحرور يكون بالليل والنهار. قاله الفراء. PageV06P179 # {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين ، أبلغ من ~~الأول ، ولذلك كرر الفعل ، وقيل : للعلماء والجهال. وزيادة " لا " في ~~الجميع للتأكيد ، وهذه الواوات بعضها ضمت شفعا إلى شفع ، وبعضها وترأ إلى ~~وتر. {إن الله يسمع من يشاء} بهدايته وتوفيقه لفهم آياته والاتعاظ بها. ~~{وما أنت بمسمع من في القبور} شبه الكفار بالموتى ، حيث لا ينتفعون ~~بمسموعهم ، مبالغة في تصاممهم ، يعني أنه تعالى علم من يدخل في الإسلام ممن ~~لا يدخل ، فيهدي من يشاء هدايته ، وأما أنت فخفي عليك أمرهم ، فلذلك تحرص ~~على إسلام قوم مخذولين ، فإنذارهم كإنذار من في القبور من الموتى. # قال ابن عطية : الآية تمثيل بما يحسه البشر ، ويعهده جميعنا من أن الميت ~~الذي في القبر لا يسمع ، وأما الأرواح ؛ فلا نقول : إنها في القبر ، بل ~~تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش ، وفي قناديل وغير ذلك ~~، وأن أرواح الكفرة في سجين ، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند ~~القبور ، فربما سمعت ، وكذلك أهل قليب بدر ، إنما سمعت أرواحهم ، فلا تعارض ~~بين الآية وحديث القليب. ه. # ثم قال تعالى : {إن أنت إلا نذير} أي ms2371 : ما عليك إلا التبليغ والإنذار ، ~~فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفعه ، وإن كان من المصريين فلا عليك. # {إنا أرسلناك بالحق} أي : محقا ، أو : محقين : أو : إرسالا مصحوبا بالحق ، فهو # 115 PageV06P180 ~~حال من الفاعل ، أو المفعول ، أو صفة لمصدر محذوف ، {بشيرا} لمن آمن ~~{ونذيرا} لمن كفر ، {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} أي : ما من أمة من ~~الأمم الماضية ، قبل أمتك ، إلا فيها نذير ؛ نبي ، أو عالم ، يخوفهم. ويقال ~~لأهل كل عصر : أمة. والمراد هنا : أهل العصر. قال ابن عطية : معناه : أن ~~دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق ، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة ، ~~فهو ممن بلغته الدعوة ، لأن آدم بعث إلى بنيه ، ثم لم تنقطع النذارة إلى ~~وقت محمد صلى الله عليه وسلم. والآية تتضمن أن قريشا لم يأتهم نذير ، ~~ومعناه : نذير مباشر ، وما ذكر المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم ، ~~فإنما ذلك بالفرض ، لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة ~~الله. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 115 # وذكر في الإحياء ، في باب التوبة : أنه يشبه أن يكون من لم تبلغهم الدعوة ~~في أطراف البلاد ، وعاشوا على البله وعدم المعرفة ، فلم تكن لهم معرفة ، ~~ولا جحود ، ولا طاعة ، ولا معصية ، هم أهل الأعراف ؛ لأنه لا وسيلة تقربهم ~~، ولا جناية تبعدهم ، فما هم من أهل الجنة ، ولا من أهل النار ، ويتركون في ~~منزلة بين المنزلتين ، ومقام بين المقامين. ه. وقال ابن مرزوق في شرح حديث ~~هرقل : الدين الحق هو الإسلام ، وما سواه باطل ، عقلا ونقلا ، فلا عذر ~~لمنتحليه بالإجماع ، كان متأولا مجتهدا ، أو مقلدا جاهلا ؛ لأن أدلة ~~الإسلام واضحة قطعية ، ومخالف مقتضاها مخطىء قطعا. ه. PageV06P181 # وقال ابن عطية أيضا ، ما نصه : آدم عليه السلام فمن بعده ، دعا إلى توحيد ~~الله تعالى دعاء عاما ، واستمر ذلك على العالم ، فواجب على الآدمي أن يبحث ~~عن الشرع ، الآمر بتوحيد الله تعالى ، وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك ، ~~بحسب إيجاب الشرع النظر فيها ، ويؤمن ، ولا يعبد ms2372 غير الله ، فمن فرضناه لم ~~يجد سبيلا إلى العلم ، فأولئك أهل الفترات ، الذين أطلق عليهم أهل العلم ~~أنهم في الجنة ، وهم بمنزلة الأطفال والمجانين ، ومن قصر في النظر والبحث ، ~~فعبد صنما أو غيره ، وكفر ، فهذا ترك الواجب عليه ، مستوجب للعقاب بالنار. ~~ه. وقال أيضا : إنما صاحب الفترة بفرض أنه آدمي ، لم يصل إليه : أن الله ~~بعث رسولا ، ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود إلا إن شذ في أطراف الأرض ~~، والمواضع المنقطعة عن العمران. ه. # والحاصل : أن من بلغه خبر الشرائع السابقة ، والدعاء إلى توحيد الله ، لا ~~عذر له ، وإنما بعثت الرسل بعد ذلك تجديدا ، ومبالغة في إزاحة العذر ، ~~وإكمال البيان. قاله المحشي. # الإشارة : وما يستوي الأعمى ، الذي لا يرى إلا حس الكائنات ، والبصير ، ~~الذي فتحت بصيرته ، فشاهد المكون ، ولم يقف مع حس الكون ، ولا الظلمات : ~~المعاصي # 116 PageV06P182 ~~والغفلة ودائرة الحس ، ونور اليقظة والعفة والمعرفة ، ولا ظل برد الرضا ~~والتسليم ، وحرور التدبير والاختيار ، وما يستوي الأحياء ، وهم العارفون ~~بالله ، الذاكرون الله ، والأموات الجاهلون ، أو الغافلون. قال القشيري : ~~{وما يستوي الأعمى والبصير...} الآية ، كذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول ~~عنا ، والمجذوب إلينا والمحجوب عنا ، ومن أشهدناه حقنا ، ومن أغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا. ه. وقوله تعالى : {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} النذير على ~~قسمين : نذير من وبال الذنوب ، ونذير من وبال العيوب. فوبال الذنوب : ~~العذاب ، ووبال العيوب : الحجاب ، فمن تطهر من الذنوب استوجب نعيم الجنان ، ~~ومن تطهر من العيوب استوجب لذيذ الشهود والعيان. فالنذير الأول عالم بأحكام ~~الله ، والثاني عارف بالله الأول مقتصد ، والثاني سابق ، ولا يخلو الدهر ~~منهما ، حتى يأتي أمر الله ، فالشريعة باقية قائمة بقيام العلماء ، ~~والطريقة والحقيقة قائمتان بقيام الأولياء العارفين بالله ، أهل التربية ~~النبوية ، بالاصطلاح ، والهمة ، والحال. ومن قال خلاف هذا فقد قال بالمحال. # جزء : 6 رقم الصفحة : 115 PageV06P183 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإن يكذبوك} أي : قومك {فقد كذب الذين من قبلهم} ~~رسلهم ، حال كونهم قد {جاءتهم رسلهم بالبينات} بالمعجزات الواضحة ، ~~{وبالزبر} وبالصحف {وبالكتاب المنير} أي ms2373 : التوراة ، والإنجيل ، والزبور. ~~ولما كانت هذه الأشياء من جنسهم ، أسند المجيء بها إليهم إسنادا مطلقا ، ~~وإن كان بعضها في جميعهم ، وهي البينات ، وبعضها في بعضهم ، وهي الزبر ~~والكتاب. ويجوز أن يراد بالزبر والكتاب واحد ، والعطف لتغاير الوصفين ، ~~فكونها زبر باعتبار ما فيها من المواعظ التي تزبر القلوب ، وكونها كتبا ~~منيرة ؛ لما فيها من الأحكام والبراهين النيرة. {ثم أخذت الذين كفروا} أي : ~~ثم عاقبت الكفرة بأنواع العقاب ، {فكيف كان نكير} إنكاري عليهم ، وتعذيبي ~~لهم ؟ والاستفهام للتهويل. # الإشارة : تكذيب الصادقين سنة ماضية. فأولياء كل زمان يتسلون بمن سلف ~~قبلهم ، فقد قتل بعضهم ، وسجن بعضهم ، وأجلي بعضهم ، إلى غير ذلك ؛ زيادة ~~في مقامهم وترقية بأسرارهم. والله عليم حكيم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 116 # {ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدوآب والأنعام ~~مختلف ألوانه كذلك....} # 117 # قلت : {مختلفا} : نعت {ثمرات}. و{مختلف ألوانه} : صفة لمحذوف ، أي : صنف مختلف. PageV06P184 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به} ~~بالماء {ثمرات مختلفا ألوانها} أي : أجناسها ، كالرمان ، والتفاح ، والتين ~~، والعنب ، وغيرها مما لا يحصى ، أو : ألوانها : هيئاتها من الحمرة والصفرة ~~ونحوهما. {ومن الجبال جدد} طرق مختلفة اللون. جمع : جدة ، كمدة ومدد. ~~والجدة : الطريقة والخطة ، تكون في الجبل ، تخالف لون ما يليها. وكل طريقة ~~من سواد أو بياض فهي جدة. قاله الهروي. وهي مبتدأ وخبر ، أي : وطرق {بيض ~~وحمر} كائنة من الجبال. # {وغرابيب سود} أي : ومنها غرابيب سود ، أي : ومن الطرق سود غرابيب ؛ جمع ~~: غربيب ، وهي الذي أبعد في السواد وأغرب ، ومنه : الغراب. قال الهروي : هي ~~الجواد ذوات الصخور السود ، والغربيب : شديد السواد. ه. وفي الصحاح : تقول ~~هذا أسود غربيب ، أي : شديد السواد ، وإذا قلت : غرابيب سود ؛ تجعل السود ~~بدلا من غرابيب ؛ لأن توكيد الألوان لا يتقدم. ه. تقول : أصفر فاقع ، وأسود ~~حالك ، ولا يتقدم الوصف ، ونقل الكواشي عن أبي عبيد : أن في الآية تقديما ~~وتأخيرا ms2374 ، تقديره : وسود غرابيب. وفائدته : أن يكون المؤكد مضمرا ، والمظهر ~~تفسيرا له ، فيدل على الاعتناء به ، لكونهما معا يدلان على معنى واحد. ه. ~~ولا بد من تقدير حذف مضاعف في قوله : {ومن الجبال جدد} أي : من الجبال ذو ~~جدد بيض ، وحمر ، وسود غرابيب ؛ حتى يؤول إلى قولك : ومن الجبال مختلف ~~ألوانه ، كما قال : {ثمرات مختلفا ألوانها}. # {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه} أي : ومنهم صنف مختلف ألوانه ~~بالحمرة والصفرة والبياض والسواد. {كذلك} أي : كاختلاف الثمرات والجبال. ~~قال القشيري : تخصيص الفعل بهيئته وألوانه من أدلة قصد الفاعل وبرهانه. ~~فإتقان الفعل وإحكامه شواهد الصنع وإعلامه. وكذلك أيضا الناس والدواب ~~والأنعام ، بل جميع المخلوقات ، متجانس الأعيان ، مختلف الصفات ، وهو دليل ~~ثبوت منشئها بنعت الجلال ه. PageV06P185 # جزء : 6 رقم الصفحة : 117 # الإشارة : ألم تر أن الله أنزل من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية ، ~~فأخرجنا به ثمرات ، وهي العلوم والأذواق والوجدان ، مختلف ألوانها ، فمنها ~~علوم الشرائع ، وتحقيق مسائلها ، ومنها علم العقائد ، وتشييد أدلتها ~~وبراهينها ، ومنها علوم اللسان بإتقان قواعدها ، ومنها علم القلوب وتصفيتها ~~من العيوب ، وهو علم الطريقة ، ومنها علم الأسرار ، وهي # 118 # أسرار الذات والصفات ، وهو علم الحقيقة. ومن جبال العقل طرق بيض ، وحمر ، ~~وسود ، فالبيض : طرق الكشف والبيان ، وحلاوة الذوق والوجدان ، والحمر : طرق ~~الدليل والبرهان ؛ لأنها قد تظهر وتخفى ، والسود الغرابيب : عقول الفلاسفة ~~والطبائعيين ، أهل الحدس والتخمين ، إذا لم يقتدوا بالكتاب المبين ، وشرع ~~النبي الأمين. أولئك هم الضالون المضلون. # ولما كان النظر في هذه المصنوعات إنما يكون بالعلم ، ذكر أهله ، فقال : # {... إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور} # يقول الحق جل جلاله : {إنما يخشى الله} أي : يخافه {من عباده العلماء} ~~لأنهم هم الذين يتفكرون في عجائب مصنوعاته ، ودلائل قدرته ، فيعرفون عظمته ~~وكبرياءه ، وجلاله وجماله ، ويتفكرون فيما أعد الله لمن عصاه من العذاب ~~ومناقشة الحساب ، وفيما أعد لمن خافه وأطاعه من الثواب ، وحسن المآب ، ~~فيزدادون خشية ، ورهبة ، ومحبة ، ورغبة في طاعته ، وموجب رضوانه ، دون من ~~عداهم من الجهال. وفي الحديث عنه صلى ms2375 الله عليه وسلم : PageV06P186 # " أعلمكم بالله أشدكم له خشية " وقال صلى الله عليه وسلم : " رأس الحكمة ~~مخافة الله ". وقال الربيع بن أنس : من لم يخش الله فليس بعالم ، وقال ابن ~~عباس في تفسير الآية : كفى بالزهد علما ، وقال ابن مسعود : كفى بخشية الله ~~علما ، وبالاعتذار جهلا. وفي الحكم : " خير علم ما كانت الخشية معه ". وقال ~~في التنوير : اعلم أن العلم حيثما تكرر في الكتاب والسنة ؛ فإنما المراد به ~~العلم النافع ، الذي تقارنه الخشية ، وتكتنفه المخافة. قال تعالى : {إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء} بين سبحانه أن الخشية تلازم العلم ، وفهم من ~~هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية. ه. # وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه : واعلم أن العلم النافع ، المتفق عليه ~~فيما سلف وخلف ، إنما هو العلم الذي يؤدي بصاحبه إلى الخوف والخشية ، ~~وملازمة التواضع والذلة ، والتخلق بأخلاق الإيمان ، إلى ما يتبع ذلك من بغض ~~الدنيا والزهادة فيها ، وإيثار الآخرة عليها ، ولزوم الأدب بين يدي الله ~~تعالى ، إلى غير ذلك من الصفات العلية ، والمناحي السنية. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 117 # وقال في لطائف المنن : شاهد العلم ، الذي هو مطلب الله تعالى : الخشية ، ~~وشاهد الخشية : موافقة الأمر ، فأما علم تكون معه الرغبة في الدنيا ، ~~والتملق لأربابها ، وصرف # 119 # الهمة لاكتسابها ، والجمع ، والادخار ، والمباهاة ، والاستكثار ، وطول ~~الأمل ، ونسيان الآخرة ، فما أبعد من هذا نعته من أن يكون من ورثة ~~الأنبياء! وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند ~~الموروث عنه. ومثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء كالشمعة ، تضيء على ~~غيرها ، وهي تحرق نفسها. جعل الله العلم الذي علمه من هذا وصفه حجة عليه ~~، وسببا في تكثير العقوبة لديه. ه. PageV06P187 # وتقديم اسم الله تعالى ، وتأخير العلماء ، يؤذن أن معناه : إن الذين يخشون ~~الله من عباده العلماء دون غيرهم. ولو عكس ، بأن قال : إنما يخشى العلماء ~~الله ، لكان المعنى : أنهم لا يخشون إلا الله. # وقرأ أبو حنيفة وعمر بن عبد العزيز : بنصف " العلماء " ورفع " الله ". ~~والخشية في هذه ms2376 القراءة بمعنى التعظيم. والمعنى : إنما يعظم الله من عباده ~~العلماء. وعنه صلى الله عليه وسلم : " يقول الله للعلماء يوم القيامة إذا ~~قعد على كرسيه ، يفصل قضاء عباده : إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم ؛ إلا وأنا ~~أريد أن أغفر لكم ، على ما كان فيكم ، ولا أبالي " قال المنذري : انظر إلى ~~قوله : " علمي وحلمي " يتضح لك بإضافته إليه أنه لم يرد به علم أكثر أهل ~~الزمان المجرد عن العلم به والإخلاص. وفي رواية : " لم أجعل حكمتي فيكم إلا ~~لخير أريده بكم ، ادخلوا الجنة بما فيكم ". وقال عليه الصلاة والسلام : " ~~يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء ، فيرجح مداد العلماء على ~~دماء الشهداء ". {إن الله عزيز غفور} هو تعليل لوجوب الخشية ؛ لدلالته على ~~عقوبة العصاة ؛ لعزته وغلبته ، وإثابة أهل الطاعة ، والعفو عنهم ؛ لعظيم ~~غفرانه ، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى. # الإشارة : العلماء على قسمين : علماء بأحكام الله ، وعلماء بالله ، ~~العلماء بالأحكام يخشون غضبه وعقابه ، والعلماء بالله يخشون إبعاده ~~واحتجابه ، العلماء بالأحكام يتقون مواطن الآثام ، والعلماء بالله يتقون ~~سوء الأدب في حضرة الملك العلام. فخشية العلماء بالله أرق وأشد. العلماء ~~بالله أخذوا علمهم من الله ، والعلماء بالأحكام أخذوا علمهم عن الأموات. ~~قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه : في علماء أهل الرواية : مساكين أخذوا ~~علمهم ميت عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 117 PageV06P188 ~~والفرق بين الخوف والرهبة والخشية : أن الخوف من العقاب ، والرهبة من ~~العتاب ، والخشية من الإبعاد. قال القشيري : والفرق بين الخشية والرهبة : ~~أن الرهبة : خوف يوجب هرب صاحبه ، فيجري في تفرقته. والخشية إذا حصلت كبحت ~~صاحبها ، فيبقى مع الله. # 120 # فقدمت الخشية على الرهبة في الجملة ، والخوف قضية الإيمان ، قال تعالى : ~~{وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران : 175]. والخشية قضية العلم والهيبة. ه. ~~ثم قال : العالم يخاف تقصيره في حق ربه ، والعارف يخشى من سوء أدبه وترك ~~احترام ، وانبساط في غير وقت ، بإطلاق لفظ ، أو ترخيص بترك الأولى. ه. # قال الورتجبي : الخوف عموم ، والخشية خصوص. وقد ms2377 قرن سبحانه الخشية بالعلم ~~، أي : العلم بالله وجلاله وقدره وربوبيته وعبوديته له. وحقيقة الخشية : ~~وقوع إجلال الحق في قلوب العارفين ، ممزوجا بسنا التعظيم ، ورؤية الكبرياء ~~والعظمة ، ولا يحصل ذلك إلا لمن شاهد القدم ، والأزل ، والبقاء ، والأبد ، ~~فمن زاد علمه بالله زاد خشية ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " أنا أعرفكم ~~بالله وأخشاكم منه " ه. وفي الحديث : قيل يا رسول الله : أي الأعمال أفضل ؟ ~~قال : " العلم " قيل : أي العلم ؟ قال : " العلم بالله سبحانه " وقال صلى ~~الله عليه وسلم : " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ والله إني ~~لأعلمكم بالله ، وأشدكم له خشية ". ثم قال : عن جعفر الصادق : العلم أمر ~~ترك الحرمة في العبادات ، وترك الحرمة في الحياء من الحق ، وترك الحرمة في ~~متابعة الرسول ، وترك الحرمة في خدمة الأولياء الصديقين. ه. ومعنى كلامه : ~~أن العلم الحقيقي هو الذي يأمن صاحبه من انتهاك حرمة العبادات ، ومن هتك ~~حرمة الاحتشام من الله ورسوله وأوليائه. ومن أراد من العلماء السلامة من ~~الاغترار بالعلم فليطالع شرح ابن عباد ، في قول الحكم : " العلم إن قارنته ~~الخشية فلك ، وإلا ، فعليك ". وبالله التوفيق. PageV06P189 # جزء : 6 رقم الصفحة : 117 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يتلون كتاب الله} أي : يداومون على تلاوة ~~القرآن {وأقاموا الصلاة} أتقنوها في أوقاتها ، {وأنفقوا مما رزقناهم} فرضا ~~ونفلا {سرا وعلانية} مسرين النفل ، ومعلنين الفرض ، ولم يقنعوا بتلاوته عن ~~العمل به. وخبر " إن " : قوله : {يرجون تجارة لن تبور} لن تكسد ، وهو ثواب ~~أعمالهم ، يعني : يطلبون تجارة ينتفي عنها الكسد ، وتنفق عند الله. # 121 # {ليوفيهم} متعلق ب " تبور " ، أي : ليوفيهم بإنفاقها عند الله {أجورهم} ~~ثواب أعمالهم {ويزيدهم من فضله} بتفسيح القبور ، أو : تشفيعهم في أهلهم ، ~~ومن أحسن إليهم ، أو : تضعيف حسناتهم ، أو : بتحقيق وعد لقائه. PageV06P190 # أخرج ابن أبي شيبة عن بريدة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : " إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة ، حين ينشق عنه القبر ، كالرجل ~~الشاحب ، يقول له : هل تعرفني ؟ فيقول : ما أعرفك ، فيقول : أنا صاحبك الذي ~~أظمأتك في الهواجر ، وأسهرت ms2378 ليلتك ، فإن كل تاجر وراء تجارته. قال : فيعطى ~~الملك بيمينه ، والخلد بشماله ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، ويكسى والداه ~~حلتين ، لا تقوم لهما الدنيا ، فيقولان : بم كسينا هذا ؟ فيقال لهما : بأخذ ~~ولدكما القرآن. ثم يقال له : اقرأ ، واصعد في درج الجنة وغرفها ، فهو في ~~صعود ما دام يقرأ ". وذكر في بعض الأخبار : أن حملة القرآن يحشرون يوم ~~القيامة على كثبان المسك ، وأنوار وجوههم تغشى النظار ، فإذا أتوا إلى ~~الصراط تلقتهم الملائكة ؛ الذين وكلوا بحملة القرآن ، فتأخذ بأيديهم ، ~~وتوضع التيجان على رؤوسهم ، والحلل على أجسادهم ، وتقرب إليهم خيل من نور ~~الجنة ، عليها سرج المسك الأذفر ، ألجمتها من اللؤلؤ والياقوت ، فيركبونها ~~، وتطير بهم على الصراط ، ويجوز في شفاعة كل واحد منهم مائة ألف ممن استوجب ~~النار ، وينادي مناد : هؤلاء أحباء الله ، الذين قرأوا كتاب الله ، وعملوا ~~به ، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ه. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 121 # إنه غفور شكور} غفور لهفواتهم ، شكور لأعمالهم ، يعطي الجزيل ، على العمل ~~القليل. # {والذي أوحينا إليك من الكتاب} أي : القرآن ، و" من " : للتبيين ، {هو ~~الحق} لا مرية فيه ، {مصدقا لما بين يديه} لما تقدمه من الكتب ، {إن الله ~~بعباده لخبير بصير} عالم بالظواهر والبواطن ، فعلمك وأبصر أحوالك ، ورآك ~~أهلا لأن يوحي إليك هذا الكتاب المعجز ، الذي هو عيار على سائر الكتب. PageV06P191 # الإشارة : كل ما ورد في فضل أهل القرآن ، فالمراد به في حق من عمل به ، ~~وأخلص في قراءته ، وحافظ على حدوده ، ورعاه حق رعايته. وقد ورد فيمن لم ~~يعمل به ، أو قرأه لغير الله ، وعيد كبير ، وورد أنهم أول من يدخل جهنم. ~~قال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن الفاسي ، بعد ذكر الحديثين في فضل حامل ~~القرآن : وهذا مقيد بالعمل ، أي : فإن منزلتك عند آخر آية مما عملت ، لا ~~مما تلوت وخالفت بعملك ؛ لأنه لو كان # 122 # كذلك لانخرقت أصول الدين ، ويؤدي إلى أن من حفظ سرد القرآن اليوم ، يكون ~~أفضل من كثير من الصحابة الأخيار ، والصالحين الأبرار ؛ فإن كثيرا من ~~خيارهم مات قبل ms2379 حفظ جميعه. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 121 # يقول الحق جل جلاله : {ثم أورثنا الكتاب} أي : أوحينا إليك القرآن ، ~~وأورثناه من بعدك ، أي : حكمنا بتوريثه {الذين اصطفينا من عبادنا} وهم أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين ، وتابعيهم ، ومن بعدهم إلى ~~يوم الدين ؛ لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم ، وجعلهم أمة وسطا ؛ ليكونوا ~~شهداء على الناس ، واختصهم بالانتساب إلى أكرم رسله. قال ابن عطية : الكتاب ~~هنا يراد به معاني القرآن وأحكامه وعقائده ، فكأن الله تعالى أعطى أمة محمد ~~القرآن ، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة قبله ، فكأنه ورث أمة محمد ~~الكتاب الذي كان في الأمم قبلها. ه. PageV06P192 # ثم رتبهم مراتب ، فقال : {فمنهم ظالم لنفسه} بالتقصير في العمل به ، وهو ~~المرجأ لأمر الله ، {ومنهم مقتصد} وهو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا ، ~~{ومنهم سابق بالخيرات} بأن جمع بين علمه والعمل به ، وإرشاد العباد إلى ~~اتباعه. وهذا أوفق بالحديث ، فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على ~~المنبر بعد قراءة هذه الآية : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ~~سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له " وعنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : " السابق يدخل الجنة بغير حساب ، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا ثم ~~يدخل الجنة ، والظالم يحبس ، حتى يظن أنه لن ينجو ، ثم تناله الرحمة ، ~~فيدخل الجنة " رواه أبو الدرداء. وقال ابن عباس رضي الله عنه : السابق ، ~~المخلص ، والمقتصد : المرائي ، والظالم : الكافر النعمة غير الجاحد له ، ~~لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقال الربيع بن أنس : الظالم : صاحب الكبائر ~~، والمقتصد : صاحب الصغائر ، والسابق : المجتنب لهما. وقال الحسن : الظالم ~~: من رجحت سيئاته ، والسابق : من رجحت حسناته ، والمقتصد : # 123 # من استوت حسناته وسيئاته. وسئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال : كلهم ~~مؤمنون. وأما صفة الكفار فبعد هذا ، وهو قوله : {والذين كفروا لهم نار ~~جهنم} [فاطر : 36]. وأما الطبقات الثلاث فهم من الذين اصطفى من عباده ؛ ~~لأنه قال : فمنهم ، ومنهم ، ومنهم ، والكل راجع إلى قوله : {الذين اصطفينا ~~من عبادنا} فهم أهل الإيمان ، وعليه ms2380 الجمهور. # جزء : 6 رقم الصفحة : 123 PageV06P193 ~~وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم ، وأن المقتصد : قليل بالإضافة إليهم ، ~~والسابقون أقل من القليل. وقال ابن عطاء : إنما قدم الظالم لئلا ييأس من ~~فضله. وقيل : إنما قدمه ليعرفه أن ذنبه لا يبعده من ربه. وقيل : لأن أول ~~الأحوال معصية ، ثم توبة ، ثم استقامة. وقال سهل : السابق : العالم ، ~~والمقتصد : المتعلم ، والظالم : الجاهل. وقال أيضا : السابق : الذي اشتغل ~~بمعاده ، والمقتصد : الذي اشتغل بمعاشه ومعاده ، والظالم : الذي اشتغل ~~بمعاشه عن معاده. وقيل : الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة ، والمقتصد ~~: الذي يعبده على الرغبة والرهبة ، والسابق : الذي يعبده على الهيبة ~~والاستحقاق. وقيل : الظالم : من أخذ الدنيا حلالا وحراما ، والمقتصد : ~~المجتهد ألا يأخذها إلا من حلال ، والسابق : من أعرض عنها جملة. # وقيل : الظالم : طالب الدنيا ، والمقتصد : طالب الآخرة ، والسابق : طالب ~~الحق لا يبغي به بدلا. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وقال عكرمة والحسن ~~وقتادة : الأقسام الثلاثة في جميع العباد ؛ فالظالم لنفسه : الكافر ، ~~والمقتصد : المؤمن العاصي ، والسابق : التقي على الإطلاق. وقالوا هذه الآية ~~نظير قوله تعالى : {وكنتم أزواجا ثلاثة} [الواقعة : 7] والتحقيق ما تقدم. # وقوله : {بإذن الله} أي : بأمره ، أو : بتوفيقه وهدايته {ذلك} أي : إيراث ~~الكتاب والاصطفائية. أو السبق إلى الخيرات {هو الفضل الكبير} الذي لا أكبر ~~منه ، وهو {جنات عدن يدخلونها} أي : الفرق الثلاث ؛ لأنها ميراث ، والعاق ~~والبار في الميراث سواء ، إذا كانوا مقرين في النسب. وقرأ أبو عمرو بالبناء ~~للمفعول. {يحلون فيها من أساور} جمع أسورة ، جمع سوار ، {من ذهب ولؤلؤا} أي ~~: من ذهب مرصع باللؤلؤ. وقرأ نافع بالنصب ، عطف على محل أساور ، أي : يحلون ~~أساور ولؤلؤا. {ولباسهم فيها حرير} لما فيه من اللذة واليونة والزينة. PageV06P194 # {وقالوا} بعد دخولهم الجنة : {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} خوف النار ، ~~أو : خوف الموت ، أو : الخاتمة ، أو : هم الرزق. والتحقيق : أنه يعم جميع ~~الأحزان والهموم ، دنيوية أو أخروية ، وعن ابن عمر : قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة ، في قبورهم ، ولا في ~~محشرهم ، وكأني بأهل ms2381 لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم ، وهم ينفضون التراب ~~عن وجوههم ، فيقولون : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " {إن # 124 # ربنا لغفور شكور} يغفر الجنايات ، وإن كثرت ، ويقبل الطاعات ، ويشكر ~~عاملها ، وإن قلت. {الذي أحللنا دار المقامة} أي : دار الإقامة لا نبرح ~~عنها ولا نفارقها. يقال : أقمت إقامة ومقاما ومقامة ، {من فضله} أي : من ~~عطائه وإفضاله ، لا باستحقاق أعمالنا ، {لا يمسنا فيها نصب} تعب ومشقة {ولا ~~يمسنا فيها لغوب} إعياء وكلل من التعب ، وفترة ؛ إذ لا تكليف فيها ولا كد. ~~نفى عنهم أولا التعب والمشقة ، وثانيا ما يتبعه من الإعياء والملل. # جزء : 6 رقم الصفحة : 123 # وأخرج البيهقي : أن رجلا قال يا رسول الله : إن النوم مما يقر الله به ~~أعيننا ، فهل في الجنة من نوم ؟ فقال : " إن النوم شريك الموت - أو أخو ~~الموت وإن أهل الجنة لا ينامون أو : ليس في الجنة موت " وفي رواية أخرى ، ~~قال : فما راحتهم ؟ قال : " ليس فيها لغوب ، كل أمرهم راحة " ، فالنوم ينشأ ~~من نصب الأبدان ، ومن ثقل الطعام ، وكلاهما منتفيان في الجنة. PageV06P195 # قال الضحاك : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، استقبلهم الولدان والخدم ، كأنهم ~~اللؤلؤ المكنون ، فيبعث الله ملكا من الملائكة ، معه هدية من رب العالمين ، ~~وكسوة من كسوة الجنة ، فيلبسه ، فيريد أن يدخل الجنة فيقول الملك : كما أنت ~~، فيقف ، ومعه عشرة خواتم ، فيضعها في أصابعه ، مكتوب : طبتم فادخلوها ~~خالدين ، وفي الثانية : ادخلوها بسلام ، ذلك يوم الخلود ، وفي الثالثة : ~~رفعت عنكم الأحزان والهموم ، وفي الرابعة : وزوجناهم بحور عين ، وفي ~~الخامسة : ادخلوها بسلام آمنين ، وفي السادسة : إني جزيتهم اليوم بما صبروا ~~، وفي السابعة : أنهم هم الفائزون. وفي الثامنة : صرتم آمنين لا تخافون ~~أبدا ، وفي التاسعة : رفقتم النبيين والصديقين والشهداء ، وفي العاشرة : ~~سكنتم في جوار من لا يؤذي الجيران. فلما دخلوا قالوا : {الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن...} إلى : {لغوب}. ه. # الإشارة : قال الورتجبي : الاصطفائية تقدمت الوراثة ؛ لمحبته ومشاهدته ، ~~ثم خاطبهم بما له عندهم وما لهم عنده. وهذا الميراث الذي أورثهم من جهة نسب ~~معرفتهم ms2382 به ، واصطفائيته إياهم ، وهو محل القرب والانبساط ، لذلك قال : {ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} ثم قسمهم على ثلاثة أقسام : ظالم ، ومقتصد ، ~~وسابق. والحمد لله الذي جعل الظالم من أهل الاصطفائية. ثم قال : فالظالم ~~عندي والله أعلم الذي وازى القدم بشرط إرادة حمل وارد جميع الذات والصفات ~~، وطلب كنه الأزلية بنعت إدراكه ، فأي ظالم أعظم منه ؟ إذ طلب شيئا مستحيلا ~~، ألا ترى كيف وصف سبحانه آدم بهذا الظلم بقوله : {وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا} [الأحزاب : 72] ، وهذا من كمال شوقه إلى حقيقة الحق ، # 125 # وكمال عشقه ، ومحبة جلاله. ه. PageV06P196 # قلت : وهذا النوع من المتوجهين غلب عليه سكر المحبة ، ودهش العشق ، فادعى ~~قوة الربوبية ، وطلب إدراك الألوهية ، ونسي ضعف عبوديته ، فكان ظالما لنفسه ~~، من هذا المعنى ؛ إذ العبودية لا تطيق إدراك كنه الربوبية. ولو أنه طلب ~~الوصول إليه من جهة فقره ، وضعفه ، لكان مقتصدا ، ولو أنه طلب الوصول إلى ~~الله بالله لكان سابقا. فالأقسام الثلاثة تجري في المتوجهين ؛ فالظالم ~~لنفسه : من غلب سكره على صحوه في بدايته ، والمقتصد من غلب صحوه على سكره ~~في بداية سيره ، والسابق من اعتدل سكره مع صحوه في نهايته أو سيره. # جزء : 6 رقم الصفحة : 123 # أو الظالم : السالك المحض ، والمقتصد : المجذوب المحض ، والسابق : الجامع ~~بينهما ؛ إذ هو الذي يصلح للتربية. أو الظالم : الذي ظاهره خير من باطنه ، ~~والمقتصد : الذي استوى ظاهره وباطنه ، والسابق : هو الذي باطنه خير من ظاهره. # وعن علي كرم الله وجهه : الظالم : الآخذ بأقوال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، والمقتصد : الآخذ بأقواله وأفعاله ، والسابق : الآخذ بأقواله ~~وأفعاله وأخلاقه. وقال القشيري : ويقال الظالم : من غلبت زلاته ، والمقتصد ~~: من استوت حالاته ، والسابق : من زادت حسناته. أو : الظالم : من زهد في ~~دنياه ، والمقتصد : من رغب في عقباه ، والسابق : من آثر على الدارين مولاه. ~~أو : الظالم من نجم كوكب عقله ، والمقتصد : من طلع بدر علمه ، والسابق : من ~~ذرت شمس معرفته. أو : الظالم : من طلبه ، والمقتصد : من وجده ، والسابق : ~~من بقي معه. أو : الظالم : من ترك الزلة ، والمقتصد ms2383 : من ترك الغفلة ، ~~والسابق : من ترك العلاقة. أو : الظالم : من جاد بنفسه ، والمقتصد : من لم ~~يبخل بقلبه ، والسابق : من جاد بروحه. أو : الظالم : من له علم اليقين ، ~~والمقتصد : من له عين اليقين ، والسابق : من له حق اليقين. أو : الظالم : ~~بترك الحرام ، والمقتصد : بترك الشبهة ، والسابق : بترك الفضل في الجملة. PageV06P197 # أو : الظالم : صاحب سخاء ، والمقتصد : صاحب جود ، والسابق : صاحب إيثار. أو ~~: الظالم : صاحب رجاء ، والمقتصد : صاحب بسط ، والسابق : صاحب أنس. أو : ~~الظالم : صاحب خوف ، والمقتصد : صاحب خشية ، والسابق : صاحب هيبة. أو : ~~الظالم له المغفرة ، والمقتصد : له الرحمة ، والسابق : له القربة ، أو : ~~الظالم : طالب النجاة ، والمقتصد : طالب الدرجات ، والسابق : طالب ~~المناجاة. أو : الظالم : أمن من العقوبة ، والمقتصد : طالب المثوبة ، ~~والسابق : متحقق بالقربة. أو : الظالم : صاحب التوكل ، والمقتصد : صاحب ~~التسليم ، والسابق : صاحب التفويض ، أو : الظالم : صاحب تواجد ، والمقتصد : ~~صاحب وجد ، والسابق : صاحب وجود غير محجوب عنه البتة . أو : الظالم : ~~مجذوب إلى فعله ، والمقصد مكاشف بوصفه ، والسابق : مستهلك في حقه ، الذي # 126 # هو وجوده. أو : الظالم : صاحب المحاضرة ، والمقتصد : صاحب المكاشفة ، ~~والسابق : صاحب المشاهدة. وبعضهم قال : يراه الظالم في الآخرة في كل جمعة ، ~~والمقتصد : في كل يوم مرة ، والسابق : غير محجوب عنه ألبتة. ه باختصار. # والتحقيق : أن الأقسام الثلاثة تجري في كل من العارفين ، والسائرين ، ~~والعلماء ، والعباد ، والزهاد ، والصالحين ؛ إذ كل فن له بداية ووسط ~~ونهاية. ذلك السبق إلى الله هو الفضل الكبير ، جنات المعارف يدخلونها ، ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ، وهي الأحوال ، ولؤلؤا ، وهي المقامات ، ~~ولباسهم فيها حرير ، وهي خالص أعمال الشريعة ولبها. وقالوا : الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن ؛ إذ لا حزن مع العيان ، ولا أغيار مع الأنوار ، ولا ~~أكدار مع الأسرار ، ما تجده القلوب من الأحزان فلما منعت من العيان. ولابن ~~الفارض رضي الله عنه في وصف الخمرة : # جزء : 6 رقم الصفحة : 123 # وإن خطرت يوما على خاطر امرىء # أقامت بها الأفراح وارتحل الهم # وقال أيضا : فما سكنت والهم يوما بموضع ، # كذلك لم يسكن مع النغم الغم PageV06P198 ~~إن ربنا لغفور ms2384 بتغطية العيوب ، شكور بكشف الغيوب ، الذي أحلنا دار المقامة ~~، هي التمكين في الحضرة ، بفضله ، لا بحول منا ولا قوة ، لا يمسنا فيها ~~نصب. قال القشيري : إذا أرادوا أن يروا مولاهم لا يحتاجون إلى قطع مسافة ، ~~بل هم في غرفهم يشاهدون مولاهم ، ويلقون فيها تحية وسلاما ، وإذا رأوه لا ~~يحتاجون إلى تحديق مقلة من جهة ، كما هم يرونه بلا كيفية ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 123 # قلت : " فيموتوا " : جواب النفي. # يقول الحق جل جلاله : {والذين كفروا لهم نار جهنم} يخلدون فيها ، {لا ~~يقضى عليهم فيموتوا} أي : لا يحكم بموت ثان فيستريحوا ، {ولا يخفف عنهم من ~~عذابها} ساعة ، بل كلما خبت زيد إسعارها ، وهذا مثل قوله : {لا يفتر عنهم} ~~[الزخرف : 75] ، وذكر عياض انعقاد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ~~، ولا يثابون عليها. ولا تخفيف عذاب. وقد ورد في الصحيح سؤال عائشة عن ابن ~~جدعان ، وأنه كان يصل # 127 # الرحم ، ويطعم المساكين ، فهل ذلك نافعه ، فقال عليه السلام : " لا ، ~~فإنه لم يقل يوما : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " ثم قال عياض : ولكن ~~بعضهم يكون أشد عذابا ، بحسب جرائمهم. # وذكر أبو بكر البيهقي : أنه يجوز أن يراد بما ورد في الآيات والأخبار من ~~بطلان خيرات الكفار : أنهم لا يتخلصون بها من النار ، ولكن يخفف عنهم ما ~~يستوجبونه بجناية سوى الكفر ، ودافعه المازري. قال شارح الصغاني بعد هذا ~~النقل : وعلى ما قاله عياض ، فما ورد في أبي طالب من النفع بشفاعته صلى ~~الله عليه وسلم ، بسبب ذبه عنه ونصرته له ، مختص به. ه. ويرد عليه ما ورد ~~من التخفيف في حاتم بكرمه ، فالظاهر ما قاله البيهقي. والله أعلم. ومثل ما ~~قاله في أبي طالب ، قيل في انتفاع أبي لهب بعتق ثويبة ، كما في الصحيح. PageV06P199 # والحاصل : أن التخفيف يقع في بعض الكفار ، لبره في الدنيا ، تفضلا منه ~~تعالى ، لا في مقابلة عملهم ؛ لعدم شرط قبوله. انظر الحاشية. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 127 # كذلك} أي : مثل ذلك الجزاء الفظيع ، {نجزي كل كفور} مبالغ في الكفران ms2385 ~~{وهم يصطرخون فيها} : يستغيثون ، فهو يفتعلون ، من : الصراخ ، وهو الصياح ~~بجهد ومشقة. فاستعمل في الاستغاثة لجهر صوت المستغيث. يقولون : {ربنا ~~أخرجنا} منها ، وردنا إلى الدنيا {نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} فنؤمن بعد ~~الكفر ، ونطيع بعد المعصية. فيجابون بعد قدر عمر الدنيا : {أولم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر} أي : أولم نعمركم تعميرا يتذكر فيه المتذكر. وهو متناول ~~لكل عمر يتمكن منه المكلف من إصلاح شأنه ، والتدبر في آياته ، وإن قصر ، ~~إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. وقيل : هو ثماني عشرة سنة. وقيل : ما بين ~~العشرين إلى الستين ، وقيل : أربعون. وروي أن العبد إذا بلغ أربعين سنة ولم ~~يتب ، مسح الشيطان على وجهه. وقال : وجه لا يفلح أبدا ، وقيل : ستون. وعنه ~~صلى الله عليه وسلم : " العمر الذي أعذر الله فيه ابن آدم ستون سنة " ، وفي ~~البخاري عنه عليه السلام : " أعذر الله المرء آخر أجله حتى بلغ ستين سنة ". ~~{وجاءكم النذير} أي : الرسول عليه السلام ، أو : الكتاب ، وقيل : الشيخوخة ~~، وزوال السن ، وقيل : الشيب. قال ابن عزيز : وليس هذا شيء ؛ لأن الحجة ~~تلحق كل بالغ وإن لم يشب. وإن كانت العرب تسمي الشيب النذير. ه. ولقوله ~~تعالى بعد : {فلما جاءهم نذير} فإنه يتعين كونه الرسول ، وهو عطف على معنى ~~: {أو لم نعمركم} لأن لفظه استخبار ، كأنه قيل : قد عمرناكم وجاءكم النذير. ~~قال قتادة : احتج عليهم بطول # 128 # العمر ، وبالرسول ، فانقطعت حجتهم. قال تعالى : {فذوقوا} العذاب {فما ~~للظالمين من نصير} يدفع العذاب عنهم. PageV06P200 # الإشارة : الذين كفروا بطريق الخصوصية ، وأنكروا وجود التربية بالاصطلاح ، ~~فبقوا مع نفوسهم ، لهم نار القطيعة ولو دخلوا الجنة الحسية ، لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ، ويرجعوا إلى الاستعداد بدخول الحضرة ، ولا يخفف عنهم من عذاب ~~حجاب الغفلة ، بل يزيد الحجاب بتراكم الحظوظ ، ونسج الأكنة على القلوب ، ~~كذلك نجزي كل كفور وجحود لطريق التربية. وهم يصطرخون فيها ، بلسان حالهم ، ~~قائلين : ربنا أخرجنا ، وردنا إلى دار الفناء ، نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل ، حتى ندخل ، كما دخلها أهل العزم واليقظة ؟ فيقال لهم : أولم نعمركم ms2386 ~~ما يتذكر فيه من تذكر ، وجاءكم النذير ، من ينذركم وبال القطيعة ، ويعرفكم ~~بطريق الحضرة ، فأنكرتموه ، فذوقوا وبال القطيعة ، فما للظالمين من نصير. # جزء : 6 رقم الصفحة : 127 # يقول الحق جل جلاله : {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} أي : ما غاب ~~فيهما عنكم ، {إنه عليم بذات الصدور} تعليل لما قبله ؛ لأنه إذا علم ما في ~~الصدور ، وهي أخفى ما يكون ، فقد علم كل غيب في العالم. وذات الصدور : ~~مضمراتها ووساوسها. وهي تأنيث " ذو " بمعنى : صاحب الوساوس والخطرات ، تصحب ~~الصدور وتلازمها في الغالب ، أي : عليم بما في القلوب ، أو بحقائقها ، على ~~أن " ذات " بمعنى الحقيقة. # {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} أي : جعلكم خلفاء عنه في التصرف في الأرض ~~، قد ملككم مقاليد التصرف فيها ، وسلطكم على ما فيها ، وأباح لكم منافعها ؛ ~~لتشكروه بالتوحيد والطاعة. {فمن كفر} منكم ، وغمط مثل هذه النعمة السنية ، ~~{فعليه كفره} فوبال كفره راجع عليه ، وهو مقت الله ، وخسران الآخرة ، كما ~~قال تعالى : {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا} وهو أشد البغض ، ~~{ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا} هلاكا وخسرانا. PageV06P201 # الإشارة : إن الله عالم بما غاب في سموات الأرواح ، من أسرار العلوم ~~والمكاشفات ، والاطلاع على أسرار الذات ، وأنوار الصفات ، وما غاب في أرض ~~النفوس من الموافقات أو المخالفات ، إنه عليم بحقائق القلوب ، من صفائها ~~وكدرها ، وما فيها من اليقين والمعرفة ، وضدهما. # 129 # قال القشيري : {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} بإخلاص المخلصين ، ~~وصدق الصادقين ، ونفاق المنافقين ، وجحد الكافرين ، ومن يريد بالناس شرا ، ~~ومن يحسن بالله ظنا. ه. # وقال في قوله تعالى : {هو الذي جعلكم خلائف} أهل كل عصر خليفة عصر تقدمهم ~~، فمن قوم هم أنفسهم جمال ، ومن قوم أراذل وأنذال ، والأفاضل زمانهم لهم ~~محنة ، والأراذل هم لزمانهم محنة. وحاصل كلامه : أن قوما عرفوا حق الخلافة ~~، فقاموا بحقها ، وشكروا الله عليها ، بالقيام بطاعته ، فكانوا في زمانهم ~~جمالا لأنفسهم ، ولأهل عصرهم ، لكنهم لما تحملوا مشاق الطاعات ، وترادف ~~الأزمات ، كان زمانهم لهم محنة. وقوما لم يعرفوا حق الخلافة ، فاشتغلوا ~~بالعصيان ms2387 ، فانتحس الزمان بهم ، فكانوا محنة لزمانهم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 129 # قلت : " أرأيتم " : بمعنى : أخبروني ، وهي تطلب مفعولين : أحدهما منصوب ، ~~والآخر مشتمل على استفهام ، كقولك : أرأيت زيدا ما فعل ، فالأول : ~~{شركاءكم} والثاني : {ماذا خلقوا}. و{أروني} : اعتراض ، فيها تأكيد للكلام ~~وتشديد. ويحتمل أن يكون من باب التنازع ؛ لأنه توارد على {ماذا خلقوا} : ~~{أرأيتم} و{أروني} ، ويكون قد أعمل الثاني على المختار عند البصريين. قاله ~~أبو حيان. ولابن عطية وابن عرفة غير هذا ، فانظره. و" بعضهم " : بدل من " ~~الظالمين ". PageV06P202 # يقول الحق جل جلاله : {قل لهم أرأيتم شركاءكم} أي : أخبروني عن آلهتكم التي ~~أشركتموها في العبادة مع الله ، {الذين تدعون} أي : تعبدونهم {من دون الله} ~~ما سندكم في عبادتهم ؟ {أروني ماذا خلقوا من الأرض} أي : جزء من الأرض ، ~~استبدوا بخلقه حتى استحقوا العبادة بسبب ذلك ، {أم لهم شرك في السماوات} أي ~~: أم لهم مع الله شركة في خلق السموات حتى استحقوا أن يعبدوا ؟ بل لا شيء ~~من ذلك ، فبطل استحقاقها للعبادة. {أم آتيناهم كتابا} أم معهم كتاب من عند ~~الله ينطق بأنهم شركاؤه ، {فهم على بينة منه} فهم على حجة وبرهان من ذلك ~~الكتاب ؟ قال ابن عرفة : هذا إشارة إلى الدليل السمعي ، والأول إشارة إلى ~~الدليل العقلي ، فهم لم يستندوا في عبادتهم الأصنام إلى دليل عقلي ولا سمعي ~~، {بل إن يعد الظالمون} أي : ما يعد الظالمون ، وهم الرؤساء {بعضهم بعضا ~~إلا غرورا} باطلا وتمويها ، وهو قولهم : {هؤلآء شفعآؤنا عند الله} [يونس : ~~18] لما نفى أنواع # 130 # الحجج العقلية والسمعية ، أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه ، وهو تقرير ~~الأسلاف الأخلاف ، والرؤساء الأتباع ؛ بأنهم شفعاء عند الله تقربهم إليه. ~~هذا هو التقليد الرديء ، والعياذ بالله. # الإشارة : كل من ركن إلى مخلوق ، أو اعتمد عليه ، يتلى عليه : {أرأيتم ~~شركاءكم...} الآية. وفي الحكم : " كما لا يقبل العمل المشترك ، لا يحب ~~القلب المشترك. العمل المشترك لا يقبله ، والقلب المشترك لا يقبل عليه ". # جزء : 6 رقم الصفحة : 130 PageV06P203 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} أي : ~~يمنعهما ms2388 من أن تزولا ؛ لأن إمساكهما منع. والمشهور عند المنجمين : أن ~~السموات هي الأفلاك التي تدور دورة بين الليل والنهار. وإنكار ابن يهود على ~~كعب ، كما في الثعلبي ، تحامل ؛ إذ لا يلزم من دورانها عدم إمساكها بالقدرة ~~، وانظر عند قوله : {والشمس تجرى لمستقر لها...} [يس : 38] قال القشيري : ~~أمسكهما بقدرته ، وأتقنهما بحكمته ، وزينهما بمشيئته ، وخلق أهلهما على ~~موجب قضيته ، فلا شبيه في إبقائهما وإمساكهما يساهمه ، ولا شريك في ~~إيجادهما وإعدامهما يقاسمه. ه. # {ولئن زالتا} على سبيل الفرض ، {إن أمسكهما من أحد من بعده} من بعد ~~إمساكه. و" من " الأولى : مزيدة ، لتأكيد النفي ، والثانية : ابتدائية ، ~~{إنه كان حليما غفورا} غير معاجل بالعقوبة ، حيث أمسكهما على من يشرك به ~~ويعصيه ، وكانتا جديرتين بأن تهد هدا ، كما قال : {تكاد السماوات يتفطرن ~~منه...} [مريم : 90] الآية. # الإشارة : الوجود قائم بين سماء القدرة وأرض الحكمة ، بين سماء الأرواح ~~وأرض الأشباح ، بين سماء المعاني وأرض الحس ، فلو زال أحدهما لاختل نظام ~~الوجود ، وبطلت حكمة الحكيم العليم. الأول : عالم التعريف ، والثاني : عالم ~~التكليف. الأول : محل التنزيه ، والثاني : محل التشبيه ، الأول : محل أسرار ~~الذات ، والثاني : محل أنوار الصفات ، مع اتحاد المظهر ؛ إذ الصفات لا ~~تفارق الموصوف ، فافهم. وفي بعض الأثر : " إن العبد إذا عصى الله استأذنت ~~السماء أن تسقط عليه من فوقه ، والأرض أن تخسف من تحته ، فيمسكها الله ~~تعالى بحلمه وعفوه ، ثم تلى الآية : {إن الله يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا} إلى قوله : {كان حليما غفورا} ه. بالمعنى. # ثم ذكر عناد قريش وعتوهم ، تتميما لقوله : {والذين كفروا لهم نار ~~جهنم...} إلخ. # 131 # جزء : 6 رقم الصفحة : 131 PageV06P204 ~~قلت : " جهد " : نصب على المصدر ، أو على الحال. و" استكبار " و" مكر " : ~~مفعول من أجله أو حال. # يقول الحق جل جلاله : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} أي : إقساما وثيقا ، ~~أو : جاهدين في أيمانهم : {لئن جاءهم نذير} رسول {ليكونن أهدى من إحدى ~~الأمم} المهتدية ، بدليل قوله : {أهدى} وقوله في سورة الأنعام : {لكنآ أهدى ~~منهم} [الأنعام : 157] وذلك أن قريشا قالوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه ms2389 ~~وسلم لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم : لعن الله اليهود والنصارى ، ~~أتتهم الرسل فكذبوهم ، فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم ، ~~أي : من الأمة التي يقال فيها : هي أهدى الأمم ، تفضيلا لها على غيرها في ~~الهدى والاستقامة. كما يقال للداهية العظيمة : هي أهدى الدواهي. فلما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، {ما زادهم إلا نفورا} أي : ما زادهم مجيء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تباعدا عن الحق ، وهو إسناد مجازي ؛ إذ لا ~~فاعل غيره. # {استكبارا في الأرض ومكر السيىء} أي : ما زادهم إلا تهورا للاستكبار ومكر ~~السيىء. أو : مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ~~المكر القبيح ، وهو إجماعهم على قتله عليه الصلاة والسلام ، وإذاية من ~~تبعه. وأصل قوله : {ومكر السيىء} : وأن مكروا المكر السيىء ، فحذف الموصوف ~~استغناء بوصفه ، ثم أبدل " أن " مع الفعل بالمصدر ، ثم أضيف إلى صفته ~~اتساعا ، كصلاة الأولى ، ومسجد الجامع. {ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله} ~~أي : لا يحيط وينزل المكر السيىء إلا بمن مكره ، وقد حاق بهم يوم بدر. وفي ~~المثل : من حفر حفرة وقع فيها # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 132 PageV06P205 ~~فهل ينظرون إلا سنة الأولين} : ما ينتظرون إلا أن ينزل بهم ما نزل ~~بالمكذبين الأولين ، من العذاب المستأصل ، كما هي سنة الله فيمن كذب الرسل. ~~{فلن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا} بين أن سنته التي ~~هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة ماضية ، لا يبدلها في ذاتها ، ولا يحولها ~~عن وقتها ، وأن ذلك مفعول لا محالة. # {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} ممن كذبوا ~~رسلهم ، كيف أهلكهم الله ودمرهم ، كعاد ، وثمود ، وقرىء قوم لوط. استشهد ~~عليهم بما # 132 # كانوا يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق ، من آثار الماضين ، ~~وعلامات هلاكهم ودمارهم. {و} قد {كانوا أشد منهم قوة} واقتدارا ، فلم ~~يتمكنوا من الفرار ، {وما كان الله ليعجزه} ليسبقه ويفوته {من شيء} أي شيء ~~كان {في السماوات ولا في الأرض ms2390 إنه كان عليما} بأحوالهم {قديرا} على أخذهم. ~~وبالله التوفيق. # الإشارة : ترى بعض الناس يقول : لئن ظهر شيخ التربية لنكونن أول من يدخل ~~معه ، فلما ظهر ، عاند واستكبر ، وربما أنكر ومكر. نعوذ بالله من سابق ~~الخذلان. قال القشيري : ليس لقولهم تحقيق ، ولا لضمانهم توثيق ، وما يعدون ~~من أنفسهم فصريح زور ، وما يوهمون من وفاقهم فصرف غرور. وكذلك المريد في ~~أول نشاطه ، تمنيه نفسه ما لا يقدر عليه ، فربما يعاهد الله ، ويؤكد فيه ~~عقدا مع الله ، فإذا عضته شهوته ، وأراد الشيطان أن يكذبه ، صرعه بكيده ، ~~وأركسه في كوة غيه ، وفتنة نفسه ؛ فيسود وجهه ، ويذهب ماء وجهه. # ثم قال في قوله : {أولم يسيروا...} الخ : ما خاب له ولي ، وما ربح له عدو ~~، ولا تنال الحقيقة بمن انعكس قصده ، وارتد عليه كيده ، دمر على أعدائه ~~تدميرا ، وأوسع لأوليائه فضلا كبيرا. ه. # ثم تمم قوله : {إنه كان حليما غفورا}. # 133 # جزء : 6 رقم الصفحة : 132 PageV06P206 ~~فهل ينظرون إلا سنة الأولين} : ما ينتظرون إلا أن ينزل بهم ما نزل ~~بالمكذبين الأولين ، من العذاب المستأصل ، كما هي سنة الله فيمن كذب الرسل. ~~{فلن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا} بين أن سنته التي ~~هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة ماضية ، لا يبدلها في ذاتها ، ولا يحولها ~~عن وقتها ، وأن ذلك مفعول لا محالة. # {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} ممن كذبوا ~~رسلهم ، كيف أهلكهم الله ودمرهم ، كعاد ، وثمود ، وقرىء قوم لوط. استشهد ~~عليهم بما # 132 # كانوا يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق ، من آثار الماضين ، ~~وعلامات هلاكهم ودمارهم. {و} قد {كانوا أشد منهم قوة} واقتدارا ، فلم ~~يتمكنوا من الفرار ، {وما كان الله ليعجزه} ليسبقه ويفوته {من شيء} أي شيء ~~كان {في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما} بأحوالهم {قديرا} على أخذهم. ~~وبالله التوفيق. # الإشارة : ترى بعض الناس يقول : لئن ظهر شيخ التربية لنكونن أول من يدخل ~~معه ، فلما ظهر ، عاند واستكبر ، وربما أنكر ومكر. نعوذ بالله من ms2391 سابق ~~الخذلان. قال القشيري : ليس لقولهم تحقيق ، ولا لضمانهم توثيق ، وما يعدون ~~من أنفسهم فصريح زور ، وما يوهمون من وفاقهم فصرف غرور. وكذلك المريد في ~~أول نشاطه ، تمنيه نفسه ما لا يقدر عليه ، فربما يعاهد الله ، ويؤكد فيه ~~عقدا مع الله ، فإذا عضته شهوته ، وأراد الشيطان أن يكذبه ، صرعه بكيده ، ~~وأركسه في كوة غيه ، وفتنة نفسه ؛ فيسود وجهه ، ويذهب ماء وجهه. # ثم قال في قوله : {أولم يسيروا...} الخ : ما خاب له ولي ، وما ربح له عدو ~~، ولا تنال الحقيقة بمن انعكس قصده ، وارتد عليه كيده ، دمر على أعدائه ~~تدميرا ، وأوسع لأوليائه فضلا كبيرا. ه. # ثم تمم قوله : {إنه كان حليما غفورا}. # 133 # جزء : 6 رقم الصفحة : 132 PageV06P207 ### | AUTO سورة يس # جزء : 6 رقم الصفحة : 133 # بسم الله الرحمن الرحيم # يقول الحق جل جلاله : {يس} أيها السيد المفخم ، والمجيد المعظم ، {و} حق ~~{القرآن الحكيم} المحكم {إنك لمن المرسلين} وفي الحديث : " إن الله تعالى ~~سماني في القرآن بسبعة أسماء : محمد ، وأحمد ، وطه ، ويس ، والمزمل ، ~~والمدثر ، وعبد الله " ، قيل : ولا تصح الاسمية في يس ؛ لإجماع القراء ~~السبعة على قراءتها ساكنة ، على أنها حروف هجاء محكية ، ولو سمي بها لأعربت ~~غير مصروفة ، كهابيل وقابيل ، ومثلها " طس " و" حم " كما قال الشاعر : # 135 # لما سمى بها السورة # فهلا تلى حميم قبل التكلم # فدل على أنها حروف حال التلاوة. نعم قد قرىء " يس " بضم النون ، ونصبها ، ~~خارج السبعة ، وعلى ذلك تخرج بأن اللفظ اسم للسورة ، كأنه قال : اتل يس ، ~~على النصب ، وعلى أنها اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم ، وتوجه في قراءة ~~الضم على النداء. ه. قلت والظاهر إنها حروف مختصرة من السيد ، على طريق ~~الرمز بين الأحباء ، إخفاء عن الرقباء. # ثم أقسم على رسالته ، ردا على من أنكره بقوله : {والقرآن الحكيم} أي : ذي ~~الحكمة البالغة ، أو : المحكم الذي لا ينسخه كتاب ، أو : ذي كلام حكيم ، ~~فوصف بصفة المتكلم به ، {إنك لمن المرسلين} من أعظمهم وأجلهم. وهو رد على ~~من قال من الكفار : {لست مرسلا} ms2392 [الرعد : 43]. {على صراط مستقيم} أي : ~~كائنا على طريق مستقيم ، يوصل من سلكه إلى جوار الكريم ، فهو حال من ~~المستكن في الجار والمجرور. وفائدته : وصف الشرع بالاستقامة صريحا ، وإن دل ~~عليه : {إنك لمن المرسلين} التزاما ، أو : خبر ثان لإن. والله تعالى أعلم. PageV06P208 # الإشارة : قال القشيري : يس ، معناه : يا سيد رقاه أشرف المنازل ، وإن لم ~~يسم إليه بطرق التأميل ، سنة منه سبحانه أنه لا يضع أسراره إلا عند من ~~تقاصرت الأوهام عن استحقاقه ، ولذلك قضوا بالعجب في استحقاقه ، وقالوا : ~~كيف آثر يتيم أبي طالب من بين البرية ، ولقد كان صلوات الله عليه في سابق ~~اختياره تعالى مقدما على الكافة من أشكاله وأضرابه ، وفي معناه قيل : # هذا وإن أصبح في أطمار # وكان في فقر من اليسار # آثر عندي من أخي وجاري # وصاحب الدرهم والدينار # جزء : 6 رقم الصفحة : 135 # وصاحب الأمر مع الإكثار # قال الورتجبي : قيل : الياء : الياء تشير إلى يوم الميثاق ، والسين تشير ~~إلى سره مع الأحباب ، فقال : بحق يوم الميثاق ، وسرى مع الأحباب ، وبالقرآن ~~الحكيم ، إنك لمن المرسلين يا محمد ه. # وجاء : " إن قلب القرآن يس ، وقلبه : {سلام قولا من رب رحيم} " قلت : وهو ~~إشارة إلى سر القربة ، الداعي إليه القرآن ، وعليه مداره ، وحاصله : تسليم ~~الله على عباده # 136 # كفاحا ، لحياتهم به ، وأنسهم بحديثه وسره. وقيل : لأن فيه تقرير أصول ~~الدين. قاله في الحاشية الفاسية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 135 # قلت : " تنزيل " : خبر ، أي : هو تنزيل. ومن نصبه فمصدر ، أي : نزل تنزيل ~~، أو : اقرأ تنزيل ، وقرىء بالجر ، بدل من القرآن. و" ما أنذر " : نعت ~~لقوم. و" ما " : نفي ، عند الجمهور ، أو : موصولة مفعولا ثانيا لتنذر ، أي ~~: العذاب الذي أنذره آباؤهم ، أو : مصدرية ، أي : لتنذر قوما إنذارا مثل ~~إنذار آبائهم. PageV06P209 # يقول الحق جل جلاله : هذا أو هو {تنزيل العزيز} أي : الغالب القاهر بفصاحة ~~نظم كتابه أوهام ذوي العناد ، {الرحيم} الجاذب بلطافة معنى خطابه أفهام ذوي ~~الرشاد. أنزلناه {لتنذر} به {قوما} أو : أرسلناك لتنذر قوما غافلين ، {وما ~~أنذر آباؤهم} أي : غير منذر آباؤهم ms2393 ، كقوله : {لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير ~~من قبلك} [السجدة : 3] وقوله : {ومآ أرسلنآ إليهم قبلك من نذير} [سبأ : 44] ~~أو : لتخوف قوما العذاب الذي أنذر به آباؤهم ، لقوله : {إنآ أنذرناكم عذابا ~~قريبا} [النبأ : 40]. أو : لتنذر قوما إنذار آبائهم ، وهو ضعيف ؛ إذ لم ~~يتقدم لهم إنذار. {فهم غافلون} إن جعلت " ما " نافية فهو متعلق بالنفي ، أي ~~: لم ينذروا فهم غافلون ، وإلا فهو متعلق بقوله : {إنك لمن المرسلين} لتنذر ~~قوما ، كقولك : أرسلته إلى فلان لينذره فهو غافل. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 137 # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} يعني قوله : {لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين} [السجدة : 13] أي : تعلق بهم هذا القول ، وثبت عليهم ~~ووجب ؛ لأنه علم أنهم يموتون على الكفر. قال ابن عرفة : إنذارهم مع إخباره ~~بأنهم لا يؤمنون ليس من تكليف ما لا يطاق عقلا وعادة ، وما لا يطاق من جهة ~~السمع يصح التكليف به ، اعتبارا بظاهر الأمر ، وإلا لزم أن تكون التكاليف ~~كلها لا تطاق ، ولا فائدة فيها ؛ لأن المكلفين قسمان : فمن علم تعالى أنه ~~لا يؤمن فلا فائدة في أمره بالإيمان ؛ إذ لا يطيق عدمه. ه. قلت : الحكمة ~~تقتضي تكليفهم ؛ لتقوم الحجة عليهم أو لهم ، والقدرة تقتضي عذرهم. والنظر ~~في هذه الدار التي هي دار التكليف للحكمة لا للقدرة. # 137 PageV06P210 ~~ثم مثل تصميمهم على الكفر ، وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم ، بأن جعلهم ~~كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ، ولا يعطفون أعناقهم ~~نحوه ، وكالحاصلين بين سدين ، لا ينظرون ما قدامهم ولا ما خلفهم ، بقوله : ~~{إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان} معناه : فالأغلال واصلة إلى ~~الأذقان ملزوزة إليها ، {فهم مقمحون} مرفوعة رؤوسهم إلى فوق ، يقال : قمح ~~البعير فهو قامح ؛ إذا روي فرفع رأسه ، وهذا لأن طوق الغل الذي في عنق ~~المغلول ، يكون في ملتقى طرفيه ، تحت الذقن ، حلقة ، فلا تخليه يطأطىء رأسه ~~، فلا يزال مقمحا. والغل : ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتعذيب. ~~والأذقان والذقن : مجتمع اللحيين. وقيل : " فهي " أي : الأيدي. وذلك أن ~~الغل إنما ms2394 يكون في العنق مع اليدين. وفي مصحف أبي : " إنا جعلنا في أيمانهم ~~أغلالا " وفي بعضها : " في أيديهم فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ". # {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} بفتح السين وضمها قيل : ما ~~كان من عمل الناس فبالفتح ، وما كان من خلق الله ، كالجبل ونحوه ، فبالضم ، ~~أي : جعلنا الموانع والعوائق محيطة بهم ، فهم محبوسون في مطمورة الجهالة ، ~~ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل ، {فأغشيناهم} أي : فأغشينا أبصارهم ، ~~أي : غطيناها وجعلنا عليها غشاوة ، {فهم لا يبصرون} الحق والرشاد. PageV06P211 # وقيل : نزلت في بني مخزوم ، وذلك أن أبا جهل حلف : لئن رأى محمدا يصلي ~~ليرضخن رأسه ، فأتاه وهو يصلي ، ومعه حجر ، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ، ~~ولزق الحجر بيده ، حتى فكوه عنها بجهد ، فرجع إلى قومه ، فأخبرهم ، فقال ~~مخزومي : أنا أقتله بهذا الحجر ، فذهب ، فأعمى الله بصره ، فلم ير النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وسمع قوله ، فرجع إلى أصحابه ، ولم يرهم حتى نادوه. ~~وقيل : هي ذكر حالهم في الآخرة ، وحين يدخلون النار ، فتكون حقيقة. ~~فالأغلال في أعناقهم ، والنار محيطة بهم. والأول أرجح وأنسب ؛ لقوله : ~~{وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي : الإنذار وتركه في حقهم ~~سواء ؛ إذ لا هادي لمن أضله الله. # جزء : 6 رقم الصفحة : 137 # روي أن عمر بن عبد العزيز قرأ الآية في غيلان القدري ، فقال غيلان : كأني ~~لم أقرأها قط ، أشهدك أني تائب عن قولي في القدر. فقال عمر : اللهم إن صدق ~~فتب عليه ، وإن كذب فسلط عليه من لا يرحمه ، فأخذه هشام بن عبد الملك من ~~غده ، فقطع يديه ورجليه ، وصلبه على باب دمشق. # ثم ذكر من ينفعه الإنذار ، فقال : {إنما تنذر من اتبع الذكر} أي : إنما ~~ينتفع بإنذارك من تبع القرآن {وخشي الرحمن بالغيب} وخاف عقاب الله قبل أن ~~يراه ، أو : تقول : نزل # 138 # وجود الإنذار لمن لم ينتفع به منزلة العدم ، فمن لم يؤمن كأنه لم ينذر ، ~~وإنما الإنذار لمن انتفع به. {فبشره بمغفرة} وهو العفو عن ذنوبه ، {وأجر ~~كريم} الجنة ms2395 وما فيها. PageV06P212 # الإشارة : كل من تصدى لوعظ الناس ، وإنذارهم ، على فترة من الأولياء ، يقال ~~له : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. ويقال في حق من سبق له الإبعاد ~~عن طريق أهل الرشاد : لقد حق القول على أكثرهم ، فهم لا يؤمنون. إنا جعلنا ~~في أعناقهم أغلالا تمنعهم من حط رؤوسهم لأولياء زمانهم ، وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا : موانع تمنعهم من النهوض إلى الله ، ومن خلفهم سدا : علائق ~~تردهم عن حضرة الله ، فأغشيناهم : غطينا أعين بصيرتهم ، فلا يرون خصوصية ~~أحد ممن يدل على الله ، فهم لا يبصرون داعيا ، ولا يلبون مناديا ، فالإنذار ~~وعدمه في حقهم سواء ، ومعالجة دائهم عناء. قال الورتجبي : سد ما خلفهم سد ~~قهر الأزل ، وسد ما بين أيديهم شقاوة الأبد ، فبنفسه منعهم من نفسه. لا جرم ~~أنهم في غشاوة القسوة ، لا يبصرونه أبدا. ه. إنما ينتفع بتذكير الداعين إلى ~~الله من خشع قلبه بذكر الله ، واشتاقت روحه إلى لقاء الله ، فبشره بمغفرة ~~لذنوبه ، وتغطية لعيوبه ، وأجر كريم ، وهو النظر إلى وجه الله العظيم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 137 # يقول الحق جل جلاله : {إنا نحن نحيي الموتى} أي : نبعثهم بعد مماتهم ، أو ~~: نخرجهم من الشرك إلى الإيمان. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : ~~لما أمر بالتبشير بالمغفرة ، والأجر الكريم ، لمن انتفع بالإنذار ، أعلم ~~بحكم من لم يؤمن ، ولم ينتفع بالإنذار ، وأنه يبعثهم ، وإليه حكمهم ، كما ~~قال : {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله} [الأنعام : 36] ه. PageV06P213 # {ونكتب ما قدموا} ما أسلفوا من الأعمال الصالحات وغيرها ، {وآثارهم} ما ~~تركوه ، بعدهم من آثار حسنة ، كعلم علموه ، أو كتاب صنفوه ، أو حبس حبسوه ، ~~أو رباط أو مسجد صنعوه. أو آثار سيئة ، كبدعة ابتدعوها في الإسلام. ونحوه ~~قوله تعالى : {ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} [القيامة : 13] أي : قدم ~~من عمله وأخر من آثاره. وفي الحديث : " من سن في الإسلام سنة حسنة ، فعمل ~~بها من بعده ، كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، من غير ~~أن ينقص من أجورهم شيء. ms2396 ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ، ووزر من ~~عمل بها ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " وفي # 138 # خبر آخر : " سبع تجري على العبد بعد موته : من غرس غرسا ، أو حفر بئرا ، ~~أو أجرى نهرا ، أو علم علما ، أو بنى مسجدا ، أو ورث مصحفا ، أو ولدا صالحا ~~" انظر المنذري. وهذا كله داخل في قوله تعالى : {وآثارهم} قيل : آثارهم : ~~خطاهم إلى المساجد ، للجمعة وغيرها. # {وكل شيء أحصيناه} حفظناه ، أو عددناه وبيناه {في إمام} كتاب {مبين} ~~اللوح المحفوظ ؛ لأنه أصل الكتب وإمامها ، وقيل : صحف الأعمال. والمراد : ~~تهديد العباد بإحصاء ما صنعوه من خير أو شر ، لينزجروا عن معاصي الله ، ~~وينهضوا إلى طاعة الله. # الإشارة : إنا نحن نحيي القلوب الميتة بالغفلة والجهل ، فنحييها بالعلم ~~والمعرفة ، ونكتب ما قدموا من العلوم ، والأسرار والمعارف ، وآثارهم ، أي : ~~الأنوار المتعدية إلى الغير ، ممن اقتبس منهم وأخذ عنهم. قال القشيري : ~~نحيي قلوبا ماتت بالقسوة ، بما نمطر عليها من صنوف الإقبال والزلفة ، ونكتب ~~ما قدموا {وآثارهم} خطاهم إلى المساجد ، ووقوفهم على بساط المناجاة معنا ، ~~وما ترقرق من دموعهم على عرصات خدودهم ، وتصاعد أنفاسهم. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 138 PageV06P214 ~~قلت : " اضرب " : يكون بمعنى : اجعل ، فيتعدى إلى مفعولين ، و" مثلا " : ~~مفعول أول ، و{أصحاب} مفعول ثان ، أو : بمعنى : " مثل " ، من قولهم : عندي ~~من هذا الضرب كذا ، أي : من هذا المثال. و" أصحاب " : بدل من " مثلا " ، و" ~~إذ " : بجل من " أصحاب ". و" أئن ذكرتم " : شرط ، حذف جوابه. # يقول الحق جل جلاله : {واضرب لهم} أي : لقريش {مثلا أصحاب القرية} أي : ~~واضرب لهم مثل أصحاب لهم مثل أصحاب القرية " أنطاكية " أي : اذكر لهم قصة ~~عجيبة ؛ قصة أصحاب القرية ، {إذ جاءها} أي : حين جاءها {المرسلون} رسل عيسى ~~عليه السلام ، بعثهم دعاة إلى الحق ، إلى أهل أنطاكية. وكانوا عبدة أوثان. # {إذ أرسلنا} : بدل من " إذ " الأولى ، أي : إذ بعثنا {إليهم اثنين} ~~بعثهما عيسى # 140 # عليه السلام ، وهما يوحنا وبولس ، أو : صادقا وصدوقا ، أو غيرهما. فلما ~~قربا إلى المدينة ، رأيا شيخا يرعى غنيمات له ms2397 ، وهو حبيب النجار ، فسأل عن ~~حالهما ، فقالا : نحن رسولا عيسى ، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة ~~الرحمن ؟ فقال : أمعكما آية ؟ فقالا : نشفي المريض ، ونبرىء الأكمه والأبرص ~~، وكان له ابن مريض منذ سنين ، فمسحاه ، فقام ، فآمن حبيب ، وفشا الخبر ، ~~فشفي على أيديهما خلق كثير ، فدعاهما الملك ، وقال : ألنا إله سوى آلهتنا ؟ ~~فقالا : نعم ، من أوجدك وآلهتك ، فقال : قوما حتى أنظر في أمركما ، ~~فحبسهما. PageV06P215 # ثم بعث عيسى عليه السلام شمعون ، فدخل متنكرا ، وعاشر حاشية الملك ، حتى ~~استأنسوا به ، ورفعوا خبره إلى الملك ، فاستأنس به. فقال له ذات يوم : ~~بلغني أنك حبست رجلين ، فهل سمعت قولهما ؟ قال : لا ، فدعاهما. فقال شمعون ~~: من أرسلكما ؟ فقالا : الله الذي خلق كل شيء ، ورزق كل حي ، وليس له شريك. ~~فقال : صفاه وأوجزا ، فقالا : يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، قال : وما ~~آيتكما ؟ قالا : ما يتمنى الملك ، فدعا بغلام أكمه ، فدعوا الله ، فأبصر ~~الغلام ، فقال شمعون للملك : أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا ، فيكون ~~لك وله الشرف ؟ فقال : ليس لي عنك سر ، إن إلهنا لا يبصر ولا يسمع ، ولا ~~يضر ، ولا ينفع. فقال : إن قدر إلاهكما على إحياء ميت آمنا ، فدعوا بغلام ~~مات منذ سبعة أيام ، فقام ، فقال : إني دخلت في سبعة أودية من النار لما مت ~~عليه من الشرك ، وأنا أحذركم ما أنتم عليه! فآمنوا. قال : وفتحت أبواب ~~السماء ، فرأيت شابا حسن الوجه ، يشفع لهؤلاء الثلاثة ، قال الملك : من هم ~~؟ قال : شمعون وهذان ، فتعجب الملك. فلما رأى شمعون أن قوله أثر فيه ، نصحه ~~وآمن ، وآمن قوم ، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل ، فهلكوا. كما سيذكره بقوله ~~: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون}. # جزء : 6 رقم الصفحة : 140 PageV06P216 ~~وهذا معنى قوله هنا : {فكذبوهما} أي : فكذب أصحاب القرية المرسلين ، ~~{فعززنا} : قويناهما. وقرأ شعبة بالتخفيف ، من : عزه : غلبه ، أي : فغلبنا ~~وقهرنا {بثالث} وهو شمعون ، وترك ذكر المفعول به ؛ لأن المراد ذكر المعزز ~~به ، وهو شمعون ، وما لطف به من التدبير حتى عز الحق ، وذل الباطل. وإذا ms2398 ~~كان الكلام منصبا إلى غرض من الأغرض جعل سياقه له وتوجهه إليه كأنما سواه ~~مرفوض. {فقالوا} أي : الثلاثة لأهل القرية : {إنا إليكم مرسلون} من عند ~~عيسى ، الذي هو من عند الله. وقيل : كانوا أنبياء من عند الله عز وجل ~~أرسلهم إلى قرية ، ويرجحه قول الكفرة : {ما أنتم إلا بشر مثلنا} إذ هذه ~~محاورة إنما تقال لمن ادعى الرسالة ، أي : ما أنتم إلا بشر ، ولا مزية لكم ~~علينا ، {وما أنزل الرحمن من شيء} أي : وحيا ، {إن أنتم إلا تكذبون} فيما ~~تدعون من الرسالة. {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} أكد الثاني باللام ~~دون الأول ؛ لأن الأول مجرد إخبار ، والثاني جواب عن إنكار ، فيحتاج إلى ~~زيادة تأكيد. و{ربنا يعلم} جار # 141 # مجرى القسم في التأكيد ، وكذلك قولهم : شهد الله ، وعلم الله. {وما علينا ~~إلا البلاغ المبين} أي : التبليغ الظاهر ، المكشوف بالآيات الظاهرة الشاهدة بصحته. # {قالوا إنا تطيرنا بكم} تشاءمنا بكم. وذلك أنهم كرهوا دينهم ، ونفرت منه ~~نفوسهم. وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه ، وقبلته طباعهم ، ~~ويتشاءموا بما نفروا عنه ، وكرهوه ، فإن أصابهم بلاء ، أو نعمة ، قالوا : ~~بشؤم هذا ، وبركة ذلك. وقيل : حبس عنهم المطر ، فقالوا ذلك. وقيل : ظهر ~~فيهم الجذام ، وقيل : اختلفت كلماتهم. ثم قالوا لهم : {لئن لم تنتهوا} عن ~~مقالتكم هذه {لنرجمنكم} لنقتلنكم بالحجارة ، أو : لنطردنكم ، أو : لنشتمنكم ~~، {وليمسنكم منا عذاب أليم} وليصيبنكم منا عذاب الحريق ، وهو أشد العذاب. PageV06P217 # {قالوا} أي : الرسل {طائركم} سبب شؤمكم {معكم} وهو الكفر ، {أئن ذكرتم} أي ~~: وعظتم ، ودعيتم إلى الإسلام تطيرتم ، وقلتم ما قلتم ، {بل أنتم قوم ~~مسرفون} مجاوزون الحد في العصيان ، فمن ثم أتاكم الشؤم ، لا من قبل الرسل. ~~أو : بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم وغيكم ، حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به ~~من رسل الله عليهم الصلاة والسلام. # الإشارة : إذا أرسل الله إلى قلب ولي واردا أولا ، ثم شك فيه ، ودفعه ، ~~ثم أرسل ثانيا ودفعه ، ثم عززه بثالث ، وجب تصديقه والعمل بما يقول ، وإلا ~~وقع في العنت وسوء الأدب ؛ لأن القلب إذا ms2399 صفى من الأكدار لا يتجلى فيه إلا ~~الحق ، وإلا وجب اتهامه ، حتى يتبين وجهه. وباقي الآية فيه تسلية لمن قوبل ~~بالتكذيب من الأولياء والصالحين. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 140 # يقول الحق جل جلاله : {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} وهو حبيب النجار ، ~~وكان في غار من الجبل يعبد الله ، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم ، وأظهر دينه. ~~قال القشيري : في القصة أنه جاء من قرية فسماها مدينة ، وقال : من أقصاها ، ~~ولم يكن بينهما تفاوت كثير ، وكذلك أجرى سنته في استكثار القليل من فعل ~~عبده ، إذا كان يرضاه ، ويستنزر الكثير من فضله إذا بذله وأعطاه. ه. # 142 PageV06P218 ~~ولما قدم سألهم : أتطلبون على ما تقولون أجرا ؟ فقالوا : لا ، {قال يا قوم ~~اتبعوا المرسلين ، اتبعوا من لا يسألكم أجرا} على تبليغ الرسالة {وهم ~~مهتدون} على جادة الهداية والنصح وتبليغ الرسالة. فقالوا : وأنت على دين ~~هؤلاء ؟ فقال : {وما لي لا أعبد الذي فطرني} : خلقني {وإليه ترجعون} وفيه ~~التفات من التكلم إلى الخطاب ، ومقتضى الظاهر : وإليه أرجع. والتحقيق : أن ~~المراد : ما لكم لا تعبدون ، لكن لما عبر عنهم بطريق التكلم ؛ تلطف في ~~الإرشاد ، بإيراده في معرض المناصحة لنفسه ، وإمحاض النصح ، حيث أراد لهم ~~ما أراد لها ، جرى على ذلك في قوله : {وإليه ترجعون} والمراد : تقريعهم على ~~ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره. # ثم قال : {أأتخذ من دونه آلهة} يعني الأصنام ، {إن يردن الرحمن بضر} وهو ~~شرط جوابه : {لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} من مكروه بالنصر ~~والمظاهرة ، {إني إذا} أي : إذا اتخذت إلها غيره {لفي ضلال مبين} لفي خطأ ~~بين ، لا يخفى على عاقل ، {إني آمنت بربكم فاسمعون} أي : اسمعوا إيماني ، ~~لتشهدوا به لي يوم القيامة ، فقتله قومه. # ولما مات {قيل} له : {ادخل الجنة} فدفن في أنطاكية ، وقبره بها. ولم يقل ~~: قيل له ؛ لأن الكلام مسوق لبيان القول ، لا لبيان المقول له ؛ لكونه ~~معلوما. وفيه دلالة على أن الجنة مخلوقة الآن. وقال الحسن : لما أراد القوم ~~أن يقتلوه رفعه الله ، فهو في الجنة ms2400 ، ولا يموت إلا بفناء السماوات والأرض ~~، فلما دخل الجنة ورأى نعمها ، وما أعد الله لأهل الإيمان ، {قال يا ليت ~~قومي يعلمون بما غفر لي ربي} أي : بالسبب الذي غفر لي ربي به ، {وجعلني من ~~المكرمين} بالجنة ، وهو الإيمان بالله ورسله ، أو : بمغفرة ربي وإكرامي ، ف ~~" ما " : موصولة ، حذف عائدها المجرور ، لكونه جر بما جر به الموصول ، أو : ~~مصدرية ، وقيل : استفهامية. ورد بعدم حذف ألفها. PageV06P219 # جزء : 6 رقم الصفحة : 142 # قال الكواشي : تمنى أن يعلم قومه أن الله قد غفر له ، وأكرمه ، ليرغب ~~قومه في اتباع الرسل ، فيسلموا ، فنصح قومه حيا وميتا. وكذلك ينبغي أن يكون ~~كل داع إلى الله تعالى ، في المجاهدة والنصيحة لعباد الله ، وألا يحقد ~~عليهم إن آذوه ، وأن يكظم كل غيظ يناله بسببهم. وعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : " سباق الأمم ثلاثة : علي بن أبي طالب ، وصاحب يس ، ومؤمن آل ~~فرعون " ه. # قال القشيري : قد أبلغ حبيب الوعظ ، وصدق النصح ، ولكن كما قالوا ~~وأنشدوا : # 143 # وكم سقت في آثاركم من نصيحة # وقد يستفيد البغة المتنصح # فلما صدق في حاله ، وصبر على ما لقي من قومه ، ورجع إلى ربه ، تلقاه بحسن ~~إقباله ، وآواه إلى كنف إفضاله ، ووجد ما وعده به من لطف نواله ، فتمنى أن ~~يعلم قومه حاله ، فحقق مناة ، وأخبر عن حاله ، وأنزل فيه خطابه ، وعرف قومه ه. # الإشارة : أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله وأنصحهم لهم. وفي الحديث : " ~~لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " فينبغي لمن أراد الظفر ~~بمحبة الحبيب ، وينال منه الحظوة والتقريب ، أن يتحمل المشاق في إرشاد عباد ~~الله ، ويستعمل الأسفار في ذلك ، لينال عنده الجاه الكبير ، والقرب العظيم. ~~حققنا الله بذلك بمنه وكرمه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 142 PageV06P220 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما أنزلنا على قومه من بعده} أي : من بعد قتله ، أو ~~رفعه {من جند من السماء} فيهلكهم ، {وما كنا منزلين} وما كان يصح في حكمنا ~~في إهلاك قوم أن ننزل عليهم جندا من السماء ، كما ms2401 فعلنا معك يوم بدر ~~والخندق ؛ لحظوتك عندنا. وفيه تحقير لإهلاكهم ، وتعظيم لشأن الرسول عليه ~~الصلاة والسلام قال في الكشاف : فإن قلت : لم أنزل الجنود من السماء يوم ~~بدر والخندق ، مع أنه كان يكفي ملك واحد ، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة ~~من جناح جبريل ، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة ؟ قلت : لأن الله فضل ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بكل شيء ، على كبار الأنبياء وأولي العزم ، فضلا ~~عن حبيب النجار. ه. ملخصا. {إن كانت} العقوبة {إلا صيحة واحدة} صاح عليهم ~~جبريل عليه السلام {فإذا هم خامدون} ميتون. # الإشارة : كل وعيد ورد في مكذبي الرسل يجر ذيله على مكذبي الأولياء ؛ ~~لأنهم خلفاء الأنبياء ، إلا أن عقوبة مؤذي الأولياء ، تارة تكون ظاهرة ، في ~~الأبدان والأموال ، وتارة باطنة ، في قسوة القلوب والتعويق عن صالح الأعمال ~~، وكسف نور الإيمان والإسلام ، والبعد وسوء الختام ، وهي الحسرة العظمى. # جزء : 6 رقم الصفحة : 143 # 144 # قلت : {كم أهلكنا} معلقة ليروا عن المفعولين. و{أنهم} : بدل من {كم} ، ~~والتقدير : ألم يروا كثرة إهلاكنا قبلهم من القرون كونهم غير راجعين إليهم. ~~و{وإن كل لما جميع} : من قرأ " لما " بالتخفيف ، فإن : مخففة ، واللام : ~~فارقة ، و" ما " مزيدة ، أي : وإنه ، أي : الأمر والشأن لجميع محضرون ~~عندنا. ومن قرأها بالتشديد ؛ فإن : نافية ، و" لما " : بمعنى إلا ، أي : ما ~~كلهم إلا مجموعون ومحضرون للحساب. PageV06P221 # يقول الحق جل جلاله : {يا حسرة على العباد} تعالى ، فهذا أوان حضورك. ثم ~~بين لأي شيء كانت الحسرة عليهم ، فقال : {ما يأتيهم من رسول} من عند الله ~~{إلا كانوا به يستهزئون} فإن المستهزئين بالناصحين المخلصين ، المنوط ~~بنصحهم خير الدارين ، أحقاء بأن يتحسروا ، ويتحسر عليهم المتحسرون ، ويتلهف ~~المتلهفون. أو : هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. # {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون} أي : ألم يعلموا كثرة إهلاكنا ~~قبلهم من القرون الماضية ، {أنهم إليهم لا يرجعون} أي : كونهم غير راجعين ~~إليهم أبدا حتى يلحقوا بهم ، ففيهم عبرة وموعظة لمن يتعظ. {وإن كل لما جميع ~~لدينا محضرون} أي : وإن كلهم ms2402 مجموعون محضرون للحساب ، أو معذبون. وإنما ~~أخبر عن " كل " بجميع ؛ لأن " كل " تفيد معنى الإحاطة. والجميع : فعيل ، ~~بمعنى مفعول ، ومعناه : الاجتماع ، والمعنى : أن المحشر يجمعهم ، فكلهم ~~مجموعون محضرون للحساب. # الإشارة : يا حسرة على العباد ، ما يأتيهم من داع يدعو إلى الله ، على ~~طريق التربية الكاملة ، إلا كانوا به يستهزئون. ألم يروا كم أهلكنا قبلهم ~~من القرون ، ماتوا على الغفلة والحجاب ، وكلهم محضرون للعتاب والحساب ، ~~ماتوا محجوبين ، ويبعثون محجوبين ؛ لإنكارهم في الدنيا من يرفع عنهم الحجاب ~~، ويفتح لهم الباب ، وهم شيوخ التربية ، الموجودون في كل زمان. أو : يا ~~حسرة على المتوجهين ، ما يأتيهم من وارد على قلوبهم إلا كانوا به يستهزئون ~~، ولو فهموا عن الله لعملوا بما يرد على قلوبهم الصافية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 144 # قلت : " وآية لهم " : مبتدأ ، وجملة " الأرض الميتة " : خبر. # يقول الحق جل جلاله : {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها} أي : وعلامة لهم ~~تدل على أن الله يبعث الموتى ، ويحضرهم للحساب ، إحياء الأرض اليابسة ~~بالمطر ، فاهتزت # 145 PageV06P222 ~~وربت بالنبات. {وأخرجنا منها حبا} جنس الحب ، {فمنه يأكلون} هم وأنعامهم. ~~وقدم الظرف ليدل على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ، ويقوم ، ~~بالارتفاق به ، صلاح الإنسان ، إذا قل جاء القحط ، ووقع الضر ، وإذا فقد ~~حضر الهلاك ، ونزل البلاء. {وجعلنا فيها} في الأرض {جنات} بساتين {من نخيل ~~وأعناب ، وفجرنا فيها من العيون} ، " من " : زائدة عند الأخفش ، وعند غيره ~~: المفعول : محذوف ، أي : ما تتمتعون به من العيون. # {ليأكلوا من ثمره} أي : من ثمر الله ، أي : ليأكلوا مما خلق الله تعالى ~~من الثمر ، أو : من ثمرة ، يخلقها الله من ذلك ، على قراءة الأخوين. {وما ~~عملته أيديهم} أي : ومما عملته أيديهم من الغرس ، والسقي ، والتلقيح ، وغير ~~ذلك ، مما تتوقف عليه في عالم الحكمة ، إلى أن يبلغ الثمر منتهاه. يعني : ~~أن الثمر في نفسه فعل الله ، وفيه آثار من عمل ابن آدم ، حكمة ، وتغطية ~~لأسرار الربوبية. وأصله : من ثمرنا ، كما قال : {وجعلنا} {وفجرنا} ، فالتفت ~~إلى الغيبة. ويجوز أن يرجع الضمير إلى النخيل ، ويترك ms2403 الأعناب غير مرجوع ~~إليها ؛ لأنه علم أنها في حكم النخيل. وقيل : " ما " نافية ، على أن الثمرة ~~خلق الله ، ولم تعمله أيدي الناس ، ولا يقدرون عليه. {أفلا يشكرون} الله ~~على هذه النعم الجسيمة ، وهو حث على الشكر. PageV06P223 # {سبحان الذي خلق الأزواج} الأصناف {كلها مما تنبت الأرض} من النخيل ، ~~والشجر ، والزرع ، والثمار ، كيف جعلها مختلفة في الطعوم ، والروائح ، ~~والشكل ، والهيئة ، واختلاف أوراق الأشجار ، وفنون أغصانها ، وأصناف نورها ~~وأزهارها ، واختلاف أشكال ثمارها ، في تفردها واجتماعها ، مع ما بسط فيها ~~من الطبائع الأربع : من الحرورة ، والبرودة ، والرطوبة ، واليبوسة ، وما ~~فيها من المنافع المتنوعة. {ومن أنفسهم} الأولاد ؛ ذكورا وإناثا ، {ومما لا ~~يعلمون} من أصناف لم يطلعهم الله عليها ، ولم يتوصلوا إلى معرفتها ، ففي ~~البحار عجائب لا يعلمها الناس. قال تعالى : {ويخلق ما لا تعلمون} [النحل : ~~8]. وفائدة التنزيه : نفي تشبيه الذات بشيء من هذه الأزواج. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 145 # قال القشيري : والعجب ممن ينكر أصول الدين ، ويقول : ليس في الكتاب عليه ~~دليل ، وأكثر ما في القرآن من الآيات تدل على سبيل الاستدلال ، ولكن يهدي ~~لنوره من يشاء ، ولو أنهم أنصفوا واشتغلوا بأهم شيء لهم ما ضيعوا أصول ~~الدين ، ورضوا فيها بالتقليد ، وادعوا في الفروع رتبة الإمامة والتصدير ، ~~وفي معناها قيل : # يا من تصدر في دست الإمامة من # مسائل الفقه إملاء وتدريسا # غفلت عن حجج التوحيد تحكمها # شيدت فرعا وما مهدت تأسيسا # قلت : وحاصله : مدح علم الأصول وترك علم أصل الأصل ، وهو علم التوحيد # 146 # الخاص ، أعني الشهود والعيان. وقد قلت في ذلك : تذليلا : # يا من تصدى لعلم الأصل يحكمه # قد فاتك الذوق بالوجدان مستأنسا PageV06P224 ~~الإشارة : وآية لهم النفس الميتة بالجهل أحييناها بالعلم ، وأخرجنا منها ~~علما لدنيا ، فمنه تتقوت القلوب والأرواح ، وجعلنا فيها جنات المعارف ، من ~~نخيل الحقائق ، وأعناب الشرائع ، وفجرنا فيها من عيون الحكم ، ليأكلوا من ~~ثمره ، ومما عملته أيديهم ، من المجاهدات والمكابدات ، فإنها تثمر ~~المشاهدات. سبحان الذي خلق الأزواج كلها من الأحوال ، والمقامات ، والعلوم ~~، والمعارف ، مما يستخرج من النفوس والأرواح ، ومما ms2404 لا يعلمه إلا الله. # جزء : 6 رقم الصفحة : 145 # يقول الحق جل جلاله : {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} نخرج منه النهار ~~، إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوء النهار. مستعار من : سلخ الجلد عن الشاة ، ~~أو : ننزع عنه الضوء نزع القميص الأبيض ، فيعري نفس الزمان ، كشخص أسود ، ~~نزع عنه قميص أبيض ؛ لأن أصل ما بين السماء والأرض من الهواء : الظلمة ، ~~فاكتسى بعضه ضوء الشمس ، كبيت مظلم أسرج فيه ، فإذا غاب السراج أظلم. {فإذا ~~هم مظلمون} داخلون في الظلام. PageV06P225 # {و} آية لهم أيضا {الشمس تجري لمستقر لها} لحد لها مؤقت ، تنتهي إليه من ~~فلكها في آخر السنة. شبهت بمستقر المسافر إذا انتهى سفره ، أو : لحد لها من ~~مسيرها كل يوم في مرائي عيون الناس ، وهو المغرب. وفي الحديث الصحيح من ~~طريق أبي ذر : " إنها تسجد كل يوم تحت العرش ، فتستأذن ، فيؤذن لها ، ~~ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها ، فتطلع من مغربها " ، ذر قال صلى الله عليه ~~وسلم : " وذلك قوله : {والشمس تجري لمستقر لها} ". وعن ابن عباس : أن الشمس ~~بمنزلة السانية ، تجري بالنهار في السماء في فلكها ، فإذا غربت جرت في ~~الليل تحت الأرض في فلكها ، حتى تطلع من مشرقها ، وكذلك القمر. كذا نقل ~~الكواشي عنه. ولعله لا يناقض ما جاء في الحديث ، من أنها تسجد تحت العرش ، ~~لإحاطة العرش بالجميع ، فهي حيث ما انتهت تحته. ونقل الأقليشي من حديث ~~عكرمة ، عن ابن عباس : (ما طلعت شمس حتى ينخسها سبعون ألف ملك ، فيقولون لها : # 147 # اطلعي ، فتقول : لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله ، فيأتيها ملك من ~~الله ، فيأمرها بالطلوع ، فتستقل بضياء بني آدم ، فيأتيها شيطان يريد أن ~~يصدها عن الطلوع ، فتطلع بين قرينه ، فيحرقه الله تعالى تحتها ، وما غربت ~~شمس قط إلا خرت لله ساجدة ، فيأتيها شيطان ، يريد أن يصدها عن السجود ، ~~فتغرب بين قرنيه ، فيحرقه الله تعالى ، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " ~~ما طلعت شمس إلا بين قرني الشيطان ، ولا غربت إلا بين قرني الشيطان " ه. ~~على ms2405 نقل شيخ شيوخنا الفاسي. # جزء : 6 رقم الصفحة : 147 # وقرأ ابن عباس وابن مسعود : " تجري لا مستقر لها " ، ومعناها : إنها ~~جارية أبدا ، لا تثبت في مكان. وقراءة الجماعة أوفق بالحديث. {ذلك تقدير ~~العزيز الحكيم} أي : ذلك الجري على ذلك التقدير البديع ، والحساب الدقيق ، ~~تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور ، العليم بكل معلوم. PageV06P226 # {والقمر قدرناه} من نصبه ؛ فبفعل مضمر ، ومن رفعه ؛ فمبتدأ ، والخبر : ~~{قدرناه منازل} وهي ثمانية وعشرون منزلا : فرع الدلو المقدم ، فرع الدلو ~~المؤخر ، بطن الحوت ، النطح ، البطين ، الثريا ، الدبران ، الهقعة ، الهنعة ~~، الذراع ، النثرة ، الصرفة ، الجبهة ، الطرفة ، الزبرة ، العواء ، السماك ~~، الغفر ، الزباني ، الإكليل ، القلب ، الشولة ، النعائم ، البلدة ، سعد ~~الذابح ، سعد السعود ، سعد الأخبية ، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا ~~يتخطاها ، ولا يتقاصر عنها. على تقدير مستو ، يسير فيها من ليلة المستهل ~~إلى الثامنة والعشرين ، ثم يستتر ليلتين ، أو ليلة إذا نقص الشهر. ولا بد ~~في {قدرناه منازل} من تقدير مضاف ؛ أي : قدرنا سيره ، أو نوره ، فيزيد ~~وينقص ، إذ لا معنى لتقدير القمر منازل ، فيكون " منازل " ظرفا. # فإذا كان في آخر منازله ، دق وتقوس ، {حتى عاد كالعرجون} أي : كالشمراخ ، ~~وهو عنقود التمر إذا يبس واعوج. ووزنه فعلون ، من الانعطاف ، وهو الانعراج ~~، {القديم} العتيق المحول ، وإذا قدم دق ، وانحنى ، واصفر ، فشبه القمر به ~~من ثلاثة أوجه. # {لا الشمس ينبغي لها} يصح ويستقيم لها {أن تدرك القمر} فتجتمع معه في وقت ~~واحد ، وتداخله في سلطانه ، فتطمس نوره قبل تمام وقته ؛ لأن لكل واحد من ~~النيرين سلطانا على حياله ، فسلطان الشمس بالنهار ، وسلطان القمر بالليل. ~~{ولا الليل سابق النهار} ولا يسبق الليل النهار ، أي : آية الليل لا تسبق ~~آية النهار ، وهي النيران. ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن تقوم ~~الساعة ، فيجمع الله بين الشمس والقمر ، ويكوران # 148 PageV06P227 ~~ويرميان في النار ، {وكل في فلك يسبحون} أي : وكلهم في فلك يسبحون ؛ يسيرون ~~؛ فالتنوين للعوض ؛ والضمير للشمس والقمر ؛ فإن اختلاف الأحوال يوجب تعددا ~~ما في الذات ، أو : للكواكب ؛ فإن ذكر النيرين مشعر بها ms2406 {وكل في فلك ~~يسبحون} يقرأ مقلوبا ومرتبا ، ففيه نوع من البديع. # الإشارة : وآية لهم ليل الغفلة نسلخ منه نهار اليقظة ، ونهار اليقظة ، ~~نسلخ منه ليل الغفلة ، فلا يزال العبد بين غفلة ويقظة ، حتى تشرق عليه شمس ~~العرفان ، وتستقر في قلبه ، فلا غروب لها ، وإليه الإشارة بقول : {والشمس ~~تجري لمستقر لها} ، ومستقرها : قلوب العارفين. وقمر الإيمان قدرناه منازل ، ~~ينقص ويزيد ، بزيادة التفرع والتوجه ونقصانه ، حتى تطلع عليه شمس العرفان ، ~~فينسخ نوره ، فلا زيادة ولا نقصان. قال القشيري : فشبيه الشمس عارف أبدا في ~~ضياء معرفته ، صاحب تمكين ، غير متلون ، شرف في بروج سعادته قائما ، لا ~~يأخذه كسوف ، ولا يستره سحاب. وشبيه القمر عبد تلون أحواله في التنقل ، ~~صاحب تلوين ، له من البسط ما يرقيه إلى حد الوصال ، ثم يرد إلى الفترة ، ~~ويقع في القبض مما كان فيه من صفاء الحال ، فيتناقص ، ويرجع إلى نقص أمره ~~إلى أن يدفع قلبه عن وقته ، ويجود عليه الحق سبحانه ، فيوفقه لرجوعه عن ~~فترته ، وإفاقته من سكرته ، فلا يزال تصفو أحواله ، إلى أن يقرب من الوصال ~~، ويرزق صفة الكمال ، ثم بعد ذلك يأخذ في النقص والزوال ، كذلك حاله إلى أن ~~يحق له بالمقسوم ارتحاله ، وأنشدوا : # كل يوم تتلون # غير هذا بك أجمل # جزء : 6 رقم الصفحة : 147 PageV06P228 ~~يقول الحق جل جلاله : {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} أولادهم ، الذين ~~يبعثونهم إلى تجاراتهم ، أو صبيانهم ونسائهم الذين يستصحبونهم ؛ فإن الذرية ~~تقع عليهن ؛ لأنهن مزارعها. وتخصيصهم ؛ لأن استقرارهم في السفن أشق ، ~~وتماسكهم فيها أعجب ، أو خصهم ؛ لضعفهم عن السفر ، فالنعمة فيهم أظهر. ~~فحملناهم {في الفلك المشحون} : المملوء ، والظاهر : أن الضمير في " ذريتهم ~~" للجنس. كأنه قال : ذريات جنسهم ونوعهم. قال ابن عباس وجماعة : يريد ~~بالذريات المحمولين : أصحاب نوح في السفينة ، ويريد بقوله : {وخلقنا لهم من ~~مثله ما يركبون} : السفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة ، وإياها ~~عنى بقوله : {وإن نشأ نغرقهم...} الخ. وأما إطلاق الذرية على الآباء ، # 149 # فقال ابن عطية : لا يعرف لغة ، وإنما المراد بالذرية الجنس ، أو ms2407 حقيقة ما ~~تقدم. وعليه يكون قوله : {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} يراد به الإبل ؛ ~~فإنها سفن العرب. # {وإن نشأ نغرقهم} إذا ركبوا سفن البحر ، {فلا صريخ لهم} فلا مغيث ، أو : ~~لا مستغيث لهم ، وهو أبلغ ، أي : لم تبق لهم قدرة على الاستغاثة. {ولا هم ~~ينقذون} ينجون من الموت ، {إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين} أي : لا ينقذون ~~إلا لرحمة منا ، لتمتيع بالحياة إلى انقضاء الأجل. فهما مفعولان له. وقال ~~بعضهم : الاستثناء راجع لثلاث جمل : " نغرقهم " ، " فلا صريخ لهم " ، " ولا ~~هم ينقذون ". PageV06P229 # الإشارة : إذا عامت أفكار العارفين ، في بحار التوحيد ، وأسرار التفريد ، ~~تلاطمت عليها أمواج الدهش من كبرياء الله ، فإن سبق لها سابق عناية ~~الاعتدال ؛ أوت إلى سفينة الشريعة ، بعد ركوبها في فلك الحقيقة ، وإليه ~~الإشارة في قوله : {حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون}. وإن لم تسبق له عناية ، غرق في بحر الزندقة والإلحاد ، كما قال ~~تعالى : {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} من شيخ كامل ، ولا هم ينقذون إلا ~~رحمة منا ومتاعا إلى حين الكمال ، فيعتدل. قال القشيري : الآية إشارة إلى ~~حمل الخلق في سفينة السلامة ، في بحار التقدير ، عند تلاطم أمواجها ، بفنون ~~من التغيير والتأثير ، وكم من عبد غرق في أشغاله ، في ليله ونهاره ، لا ~~يستريح لحظة في كد أفعاله ، ومقاساة التعب من أعماله ، وجمع ماله ، بنسيان ~~عاقبته ومآله. ثم قال في قوله تعالى : {وإن نشأ نغرقهم} : لولا صفة جوده ~~وفضله ؛ لحل بهم من البلاء ما حل بأمثالهم ، لكنه لحسن إفضاله ، حفظهم في ~~جميع أحوالهم. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 149 # قلت : جواب " إذا " محذوف ، أي : أعرضوا ، فدل عليه قوله : " معرضين ". # يقول الحق جل جلاله : {وإذا قيل لهم} أي : كفار قريش : {اتقوا ما بين ~~أيديكم وما خلفكم} أي : ما تقدم من ذنوبكم ، وما تأخر مما أنتم تعملونه بعد ~~، أو : ما بين أيديكم : ما سلف من مثل الوقائع التي حلت بالأمم المكذبة ~~قبلكم ، وما خلفكم من أمر الساعة ، أو : ما بين أيديكم من فتنة ms2408 الدينا ، ~~وما خلفكم من عذاب الآخرة. {لعلكم ترحمون} لتكونوا في رجاء رحمة الله ، ~~فإذا قيل لهم ذلك أعرضوا. # 150 PageV06P230 ~~قال تعالى : {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} الدالة على وحدانيته تعالى ، ~~وصدق رسوله ، {إلا كانوا عنها معرضين} لا يلتفتون إليها ، ولا يرفعون لها ~~رأسا ، ف " من " الأولى لتأكيد النفي ، والثاني للتبعيض ، أي : دأبهم ~~الإعراض عن كل آية وموعظة. # {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله} أي : تصدقوا على الفقراء ، {قال ~~الذين كفروا} من مشركي مكة {للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} عن ~~ابن عباس رضي الله عنه : كان بمكة زنادقة ، فإذا أمروا بالصدقة على ~~المساكين ، قالوا : لا والله ، أيفقره الله ونطعمه نحن ؟ !. قيل : سبب ~~الآية : أن قريشا لما أسلم ضعفاؤهم ، قطعوا عنهم صلاتهم ، فندبهم بعض ~~المؤمنين إلى ذلك ، فقالوا تلك المقالة. # وقيل : إن قريشا شحت بسبب أزمة نزلت بهم على المساكين ، مؤمنهم وكافرهم ~~، فندبهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى النفقة على المساكين ، فقالوا على ~~سبيل الجهل : أنطعم قوما أراد الله فقرهم وتعذيبهم. ومن أمثالهم : كن مع ~~الله على المدبر ، حتى كان الرجل يرعى إبله ، فيجعل السمان في الخصب ، ~~والمهازيل في الجدب ، فإذا قيل له في ذلك ، قال : أكرم ما أكرم الله ، ~~وأهين ما أهان الله. ويحتمل أن يكون قولهم ذلك استهزاء ، فكأنهم قالوا : لم ~~لا يرزقهم إلهك الذي تزعم. # قال الكواشي : قد يتمسك بهذه الآية بعض البخلاء ، فيقول : لا أعطي من ~~حرمه الله. وليس هذا بصحيح ؛ لأن الله تعالى أغنى وأفقر ، وجعل للفقير جزءا ~~من مال الغني كما يشاء. وفي الإحياء : أن المراد بالصدقة وشرعها : التخلص ~~من رذيلة البخل ، وذكل نفع يعود على المتصدق ، بإخراجه عن حب الدنيا ، ~~وتعلق قلبه بها ، الصاد عن الله ، وهؤلاء لم يفهموا حكمة الله ، فقالوا ما ~~قالوا. ه. ثم قال : {إن أنتم إلا في ضلال مبين} في أمركم لنا بالنفقة ، أو ~~في غير ذلك من دينكم ، أو : يكون من قول الله تعالى للكفرة. PageV06P231 # جزء : 6 رقم الصفحة : 150 # الإشارة : وإذا قيل ms2409 للعامة : اتقوا ما بين أيديكم ، من شدائد الدنيا ، ~~وما خلفكم ، من أهوال الآخرة ، لعلكم ترحمون فيهما ؛ فإن التقوى الكاملة ~~تحفظ الرجل في حياته وبعد مماته ، وربما يسري الحفظ إلى عقبه ، كما هو ~~مشاهد في عقب أولياء الله. أو : إذا قيل لهم : اتقوا خواطر التدبير فيما ~~بين أيديكم ؛ إذ ليس أمره بيدكم ، فجل ما تبنيه من التدبير تهدمه رياح ~~التقدير ، وخواطر التدبير ، فيما سلف قبلكم ، إذ فيه تحصيل الحاصل ، وتعطيل ~~الوقت بلا فائدة. {لعلكم ترحمون} بمقام الرضا ، وسكون القلب وراحته تحت ~~مجاري القضاء ، أعرضوا وانهمكوا في أودية الغفلة والخواطر. وما تأتيهم من ~~آية دالة على وحدانيته تعالى ، وانفراده بالخلق والتدبير ، إلا كانوا عنها ~~معرضين. # قال القشيري : هذه صفة من سيبهم في أودية الخذلان ، ووسمهم بسمة الحرمان ~~، وأصمهم عن سماع الرشد ، وصدهم بالخذلان عن سلوك القصد ، فلا تأتيهم آية ~~في الزجر إلا قابلوها بإعراضهم ، وتجافوا عن الاعتبار بها ، على دوام ~~انقباضهم ، وإذا أمروا بالإنفاق # 151 # والإطعام عارضوا بأن الله رازق الأنام ، وإذا شاء نظر إليهم بالإنعام. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 150 PageV06P232 ~~يقول الحق جل جلاله : {ويقولون} استهزاء : {متى هذا الوعد} أي : وعد ~~البعث والقيامة {إن كنتم صادقين} فيما تقولون. خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه. قال تعالى : {ما ينظرون} ينتظرون {إلا صيحة واحدة} هي : ~~النفخة الأولى ، {تأخذهم وهم يخصمون} يختصمون ، يخصم بعضهم بعضا في ~~المعاملات ، لا يخطر ببالهم أمرها ، فتأتيهم بغتة. وقرأ حمزة بسكون الخاء ~~من : خصمه : إذا غلبه في الخصومة. وفتح الباقون ، مع الاختلاس والنقل ~~وعدمهما. {فلا يستطيعون توصية} فلا يستطيعون أن يوصوا في أمورهم بشيء ، ~~{ولا إلى أهلهم يرجعون} ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم ، بل يموتون حيث ~~يسمعون الصيحة. # {ونفخ في الصور} النفخة الثانية ، بعد خلو الأرض أربعين سنة. والصور : ~~القرن ، أو : جمع صورة. {فإذا هم من الأجداث} القبور {إلى ربهم ينسلون} ~~يسرعون في المشي إلى المحشر. # {قالوا يا ويلنا من بعثنا} من أنشرنا {من مرقدنا} مضجعنا ؟ قال مجاهد ~~وأبي بن كعب : للكفار هجعة يجدون فيها طعم ms2410 النوم ، فإذا صيح بأهل القبور ، ~~قالوا يا ويلنا من بعثنا ؟ وأنكره ابن عطية ، وقال : إنما هو استعارة ، كما ~~تقول في قتيل : هذا مرقده إلى يوم القيامة. فتقول الملائكة في جوابهم : ~~{هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} أو يقوله المؤمنون ، أو : الكفار ، ~~يتذكرون ما سمعوه من الرسل ، فيجيبون به أنفسهم ، أو بعضهم بعضا. و" ما " : ~~مصدرية ، أي : هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين ، على تسمية الموعود والمصدوق ~~فيه بالوعد والصدق. أو : موصولة ، أي : هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه ~~المرسلون ، أي : والذي صدق فيه المرسلون. # {إن كانت} النفخة الأخيرة {إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} ~~للحساب ، ثم يقال لهم في ذلك اليوم : {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون} # 152 # من خير أو شر. PageV06P233 # جزء : 6 رقم الصفحة : 152 # الإشارة : إذا كبر يقين العبد صارت عنده الأمور المستقبلة واقعة ، ~~والآجلة عاجلة ، فيستعد لها قبل هجومها ، ويتأهب للقائها قبل وقوعها ، ~~أولئك الأكياس ، الذين نظروا إلى باطن الدنيا ، حين نظر الناس إلى ظاهرها ، ~~واهتموا بآجالها ، حين اغتر الناس بعاجلها ، كما في الحديث في صفة أولياء الله. # جزء : 6 رقم الصفحة : 152 # قلت : " سلام " : بدل من " ما " أو : خبر عن مضمر ، أو : مبتدأ حذف خبره ~~، أي : من ذلك سلام ، وهو أظهر ؛ ليكون عاما ، أي : ولهم كل ما يتمنون ، ~~كقوله : {ولكم فيها ما تدعون} [فصلت : 31] ومن جملة ذلك : {سلام قولا من رب ~~رحيم} فيوقف على " ما يدعون ". و" قولا " : منصوب على المصدر المحذوف ، أي ~~: يقال لهم " قولا " ، وقيل : على الاختصاص. PageV06P234 # يقول الحق جل جلاله : {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل} بضم الغين وسكونها ~~أي : في شغل لا يوصف ؛ لعظم بهجته وجماله. فالتنكير للتعظيم ، وهو افتضاض ~~الأبكار ، على شط الأنهار ، تحت الأشجار ، أو سماع الأوتار في ضيافة ~~الجبار. وعن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما قيل : يا رسول الله أنفضي ~~إلى نسائنا في الجنة ، كما نفضي إليهن في الدنيا ؟ قال : " نعم ، والذي نفس ~~محمد بيده إن الرجل ليفضي في الغداة ms2411 الواحدة إلى مائة عذراء " وعن أبي ~~أمامة : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل يتناكح أهل الجنة ؟ فقال : ~~" نعم ، بذكر لا يمل ، وشهوة لا تنقطع ، دحما دحما " قال في القاموس : دحمه ~~كمنعه : دفعه شديدا. وعن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: " أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا أبكارا " ، وفي رواية أبي الدرداء : ~~" ليس في الجنة مني " وفي رواية : " بول أهل الجنة عرق يسيل تحت أقدامهم ~~مسكا " وعن إبراهيم النخعي : جماع ما شئت ، ولا ولد. ه. فإذا اشتهى الولد ~~كان بلا وجع ، فقد روى الحاكم والبيهقي عنه عليه الصلاة والسلام : " إن ~~الرجل من أهل الجنة ليولد له الولد ، كما # 153 # يشتهي ، فيكون حمله وفصاله وشبابه في ساعة واحدة " انظر البدور السافرة. # قلت : والتحقيق أن شغل أهل الجنة مختلف ، فمنهم من هو مشتغل بنعيم ~~الأشباح ، من حور ، وولدان ، وأطعمة ، وأشربة ، على ما يشتهي ، ومنهم من هو ~~مشتغل بنعيم الأرواح ، كالنظر لوجه الله العظيم ، ومشاهدة الحبيب ، ومناجاة ~~، ومكالمات ، ومكاشفات ، وترقيات في معاريج الأسرار كل ساعة. ومنهم من يجمع ~~له بين النعيمين ، وسيأتي في الإشارة. وقوله تعالى : {فاكهون} أي : متلذذون ~~في النعمة ، والفاكه والفكه : المتنعم ، ومنه : الفكاهة ؛ لأنه مما يتلذذ ~~به ، وكذا الفاكهة. # جزء : 6 رقم الصفحة : 153 PageV06P235 ~~ثم قال تعالى : {هم وأزواجهم في ظلال} جمع ظل ، وهو : الموضع الذي لا تقع ~~عليه الشمس. وفي قراءة " ظلل " بالضم ، جمع ظلة ، كبرمة وبرام ، وهو ما ~~يسترك عن الشمس ، وظل أهل الجنة لا تنسخه شمس ، قال تعالى : {وظل ممدود} ~~[الواقعة : 30] {على الأرآئك} : جمع أريكة ، وهي السرير في الحجلة. ~~فالأرائك : السرر المفروشة ، بشرط أن تكون عليها الحجلة ، وإلا فليست ~~بأريكة ، والحجلة : ما يستر السرير من ثوب الحرير. وهم {متكئون} عليها ~~كالملوك على الأسرة. {لهم فيها فاكهة} كثيرة مما يشتهون. {ولهم ما يدعون} ~~أي : كل ما يدعونه يأتيهم فورا ، فوزنه : يفتعلون ، من الدعاء ، أو : ما ~~يتمنون من نعيم الأشباح والأرواح ، من قولهم : ادع علي ما شئت ، أي : تمنه. ~~وقال الفراء : هو من الدعوى ms2412 ، ولا يدعون إلا ما يستحقون. # {سلام قولا من رب رحيم} أي : من أهم ما يدعون : سلام يقال لهم قولا من رب ~~رحيم ، بلا واسطة ؛ مبالغة في تعظيمهم ، وذلك غاية متمناهم ، مضافا لرؤيته ~~، ومن مقتضى الرحمة : الإبقاء عليهم مع ذلك. قال القشيري : يسمعون كلامه ~~وسلامه بلا واسطة ، وأكد بقوله : {قولا}. وبقوله : {من رب رحيم} ليعلم أنه ~~ليس على لسان سفير ، والرحمة في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حال ~~التسليم عليهم ، ليكمل لهم النعمة ه. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : ~~" بينا أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الرب ~~قد أشرف عليهم من فوقهم ، فيقول : السلام عليكم يا أهل الجنة ، فينظر إليهم ~~، وينظرون إليه ". ثم ذكر أهل البعد والحجاب ، فقال : {وامتازوا اليوم أيها ~~المجرمون} أي : انفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة ، وذلك حين يحشر ~~المؤمنون ، ويساق بهم إلى الجنة. وقال قتادة : عزلوا عن كل خير. وعن الضحاك ~~: لكل كافر بيت من النار ، يكون فيه ، لا يرى ولا يرى أبدا. ه. PageV06P236 # الإشارة : إن أصحاب الجنة المعجلة لأوليائه ، اليوم ، في شغل كبير ، لا ~~تجدهم إلا # 154 # مشتغلين بالله ، بين شهود واستبصار ، وتفكر واعتبار ، في محل المشاهدة ~~والمكالمة ، والمناجاة والمساررة ، أوقاتهم محفوظة ، وحركاتهم وسكناتهم ~~بالإخلاص ملحوظة ، فهم في شغل شاغل عن الدنيا وأهلها ، هم ومن تعلق بهم في ~~ظلال الرضا ، وبرد التسليم يرتادون ، وفي مشاهدة وجه الحبيب يتنعمون. قال ~~القشيري : إن أصحاب الجنة اليوم ، أي : طلابها ، والساعون لها ، والعاملون ~~لنيلها ، ولمثل ذلك فليعمل العاملون ، فهم في الدنيا في طلب الجنة عن ~~المنعم بها ، كما جاء في الحديث : " أكثر أهل الجنة البله " ، ومن كان في ~~الدنيا عن الدنيا حرا ، فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حرا ، " يختص ~~برحمته من يشاء " قلت : فالبله هم أهل الحجاب ، الذين يعبدون الله لطلب ~~الجزاء ، ويقنعون بالنعيم الحسي ثم قال : ويقال : الحق تعالى لا يتعلق به ~~حق ولا باطل ، فلا تنافي بين اشتغالهم بلذاتهم مع أهليهم ، وبين شهودهم ~~مولاهم ، كما أنهم اليوم ms2413 مستديمون لمعرفته ، بأي حالة كانت. ولا يقدح ~~اشتغالهم باستيفاء حظوظهم ، في معارفهم. ه. مختصرا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 153 # قلت : وما في سورة الواقعة ، من ذكر نعيم السابقين ، يدل على أنهم يجتمع ~~لهم نعيم الحور والولدان ، مع نعيم العيان والرضوان ؛ لأنهم في الدنيا ~~جمعوا بين القيام بوظائف الشريعة ، ومعاينة أسرار الحقيقة. والله تعالى أعلم. PageV06P237 # قوله تعالى : {سلام قولا من رب رحيم} قال ابن عطاء : السلام جليل عظيم ~~الخطر ، وأجله خطرا ما كان وقت المشاهدة والمصافحة ، حين يقول : سلام قولا ~~من رب رحيم. قال القشيري : الرحمة في ذلك الوقت أن يبقهم في حال سماع ~~السلام ، أو حال اللقاء ، لئلا تصحبهم دهشة ، ولا تلحقهم حيرة. ه. وقال ~~الورتجبي : سلام الله أزلي الأبد ، غير منقطع عن عباده الصالحين ، في ~~الدنيا والآخرة ، لكن في الجنة ترفع عن آذانهم جميع الحجب ، فسمعوا كلامه ، ~~ونظروا إلى وجهه كفاحا. ه. قلت : وقد يرفع في دار الدنيا ، فيسمع سلام الله ~~على عباده ، كما وقع لبعض الأولياء . قيل : وفي قوله : {رحيم} إشارة إلى ~~عدم حجبهم عن جماله أبدا ، مع الإبقاء عليهم في حال السلام واللقاء ، فلا ~~تصحبهم دهشة ، كما تقدم. وقيل : الإشارة في الرحيمية : أن ذلك الوصول ليس ~~باستحقاق ولا سبب من فعل العبد ، وإنما هو بالرحمة ، فيكون للعاصي فيه نفس ~~ومساغ للرجاء. قاله المحشي. # وقوله : {وامتازوا اليوم} إشارة إلى أن غيبة الرقيب من أتم النعمة ، ~~وإبعاد العدو من أجل العوارف ، فالأولياء في إيجاب القربة ، والأعداد في ~~العذاب والحجبة. انظر القشيري. # 155 # جزء : 6 رقم الصفحة : 153 PageV06P238 ~~يقول الحق جل جلاله ، في توبيخ الكفرة يوم القيامة : {ألم أعهد إليكم يا ~~بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} يقال : عهد إليه : إذا وصاه. ~~وهذا العهد إما على ألسنة الرسل ، أو : يوم : {ألست بربكم} ، أو : ما نصبه ~~لهم من الحجج العقلية ، والدلائل السمعية ، الآمرة بعبادته ، الزاجرة عن ~~عبادة غيره. وعبادة الشيطان : طاعته فيما يوسوس به إليهم ، ويزينه لهم. ~~{وأن اعبدوني} : عطف على {ألا تعبدوا} ، أي : عهدنا إليكم ألا تطيعوا ms2414 ~~الشيطان ووحدوني ، وأطيعوني ، {هذا صراط مستقيم} إشارة إلى ما عهد إليهم ~~فيه من معصية الشيطان ، وطاعة الرحمن ، أي : هذا طريق بليغ في الاستقامة ، ~~لا طريق أقوم منه. وفيه إشارة إلى جنايتهم على أنفسهم بعد النصح التام ، ~~فلا حجة بعد الإعذار ، ولا ظلم بعد التذكير والإنذار. # {ولقد أضل منكم جبلا} أي : خلقا {كثيرا} وفيه لغات مذكورة في كتب ~~القراءات أي : ولقد أتلف الشيطان عن طريقي المستقيم خلقا كثيرا ، بأن ~~أشركوا معي غيري ، {أفلم تكونوا تعقلون} قرعهم على تركهم الانتفاع بالعقل ، ~~الذي ركبه فيهم ، حيث استعملوه فيما يضرهم ، من تدبير حظوظهم وهواهم. {هذه ~~جهنم التي كنتم توعدون} بها ، {اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} أي : ادخلوا ~~واحترقوا فيها ، بكفركم وإنكاركم لها. PageV06P239 # {اليوم نختم على أفواههم} أي : نمنعهم من الكلام ، {وتكلمنا أيديهم وتشهد ~~أرجلهم بما كانوا يكسبون} يروى : أنهم يجحدون ، ويخاصمون ، فتشهد عليهم ~~جيرانهم ، وأهاليهم ، وعشائرهم ، فيحلفون : ما كانوا مشركين ، فحينئذ يختم ~~على أفواههم ، وتتكلم أيديهم وأرجلهم. وفي الحديث : " يقول العبد يوم ~~القيامة : إني لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي ، فيختم على فيه ، ويقال ~~لأركانه : انطقي ، فتنطق بأعماله ، ثم يخلي بينه وبين الكلام ، فيقول : ~~بعدا لكن ، وسحقا ، فعنكن كنت أناضل ". الإشارة : كل من آثر حظوظه ومناه ، ~~ولم يقدر على مجاهدة هواه ، حتى مات # 156 # محجوبا عن الله ، يلحقه شيء من هذا التقريع. والصراط المستقيم : هو طريق ~~التربية ، التي توصل إلى الحضرة ، التي قام ببيانها الأولياء العارفون ~~بالله. ولقد أضل الشيطان عنها خلقا كثيرا ، حملهم على طلب الدنيا والرئاسة ~~والجاه ، فلم يقدروا على التفرغ لذكر الله ، ولم يحطوا رؤوسهم لمن يعرفهم ~~بالله ، فيقال لهم : هذه نار القطيعة التي كنتم توعدون ، إن بقيتم مع ~~حظوظكم ورئاستكم ، اصلوها اليوم بكفركم بطريق التربية ، اليوم نختم على ~~أفواههم ، فلا مناجاة بينهم وبين حبيبهم ، وتكلمنا أيديهم ، وتشهد أرجلهم ~~بلسان الحال أو المقال بما كانوا يكسبون من التقصير. # جزء : 6 رقم الصفحة : 156 # قال القشيري : قوله : {وتكلمنا أيديهم...} إلخ ، فأما الكفار فشهادة ~~أعضائهم عليهم مؤبدة ، وأما العصاة من المؤمنين فقد ms2415 تشهد عليهم أعضاؤهم ~~بالعصيان ، ولكن تشهد عليهم بعض أعضائهم بالإحسان ، وأنشدوا : # بيني وبينك يا ظلوم الموقف # والحاكم العدل ، الجواد المنصف PageV06P240 ~~وفي بعض الأخبار المروية : أن عبدا شهدت أعضاؤه عليه بالزلة ، فتطير شعرة ~~من جفن عينه ، فتشهد له بالشهادة. فيقول الحق تعالى : يا شعرة جفن عبدي ~~احتجي عن عبدي ، فتشهد له بالبكاء من خوفه ، فيغفر له ، وينادي مناد : هذا ~~عتيق الله بشعرة. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 156 # يقول الحق جل جلاله : {ولم نشاء لطمسنا على أعينهم} اليوم ، أي : ~~أعميناهم وأذهبنا أبصارهم. والطمس : سد شق العين حتى تعود ممسوخة. ~~{فاستبقوا الصراط} على حذف الجار ، وإيصال الفعل ، أي : فاستبقوا إلى ~~الطريق الذي اعتادوا سلوكه ، وبادروا إليه ؛ لما يلحقهم من الخوف ، {فأنى ~~يبصرون} فكيف يبصرون حينئذ من جهة سلوكهم ، فيضلون في طريقهم عن بلوغ أملهم. # {ولو نشاء لمسخناهم} قردة ، وخنازير ، أو حجارة ، {على مكانتهم} : على ~~منازلهم ، وفي ديارهم ، حيث يأمنون من المكاره. والمكانة والمكان واحد ، ~~كالمقامة والمقام. {فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون} فلم يقدروا على ذهاب ~~ومجيء ، أو : مضيا أمامهم ، ولا يرجعون خلفهم. والمعنى : أنهم لكفرهم ~~ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن نفعل بهم ذلك ، لكنا لم نفعل ؛ لشمول الرحمة ~~لهم ، واقتضاء الحكمة إمهالهم. # {ومن نعمره} نطل عمره {ننكسه في الخلق} نقلبه فيه. وقرأ عاصم وحمزة # 157 PageV06P241 ~~بالتشديد. والنكس والتنكيس : جعل الشيء أعلاه أسفله. والمعنى : من أطلنا ~~عمره نكسنا خلقه ، وهو نوع من المسخ ، فصار بدل القوة ضعفا ، وبدل الشباب ~~هرما ، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده ، وخلو من عقل وعلم ، ثم جعلناه ~~يتزايد إلى أن يبلغ أشده ، ويستكمل قوته ، ويعقل ، ويعلم ما له وعليه ، ~~فإذا انتهى نكسناه في الخلق ، فجعلناه يتناقص حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال ~~الصبي ، في ضعف جسده ، وقلة عقله ، وخلوه من العلم ، كما ينكس السهم ، ~~فيجعل أعلاه أسفله. قال تعالى : {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكى لا يعلم ~~بعد علم شيئا إن الله عليم قدير} [النحل : 70]. قال ابن عباس : " من قرأ ~~القرآن أي وعمل به لم ms2416 يرد إلى أرذل العمر ". {أفلا يعقلون} أن من قدر أن ~~ينقلهم من الشباب إلى الهرم ، ومن القوة إلى الضعف ، ومن رجاحة العقل إلى ~~الخرف وقلة التمييز ، قادر على أن يطمس على أعينهم ، ويمسخهم على مكانتهم ، ~~ويبعثهم بعد الموت. # الإشارة : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ، فلا يهتدون إلى طريق السلوك ، ~~ولا يسلكونها ، فيبقوا في الحجاب على الدوام. ولو نشاء لمسخنا قلوبهم على ~~مكانتهم ، من رجاحة العقل والفهم ، فلا يتدبرون إلا في الأمور الحسية ، فلا ~~يستطيعون مضيا في بلاد المعاني ، ولا رجوعا عن الحسيات. ومن نعمره من هؤلاء ~~ننكسه في الخلق ، فيلحقه الخرف والضعف ، وأما من اهتدى إلى طريق السير ، ~~وسلك بلاد المعاني ، فلا يزيده طول العمر إلا رجاحة في العقل ، وقوة في ~~العلم ، وتمكينا في المعاني والمعرفة. # جزء : 6 رقم الصفحة : 157 # قال القشيري : ومن نعمره ننكسه في الخلق : نرده إلى العكس ، فكما كان ~~يزداد في القوة ، يأخذ في النقصان ، إلى أن يبلغ أرذل العمر ، فيصير إلى ~~مثل حال الطفولية من الضعف ، ثم لا يبقى بعد النقصان شيء ، كما أنشدوا : # طوى العصران ما نشراه مني PageV06P242 ~~فأبلى جدتي نشر وطي>> أراني كل يوم في انتقاص # ولا يبقى مع النقصان شي # وهذا في الجثة والمباني ، دون الأحوال والمعاني ، فإن الأحوال في حق ~~الجثة في الزيادة إلى بلوغ حد الخرف ، فيختل رأيه وعقله. وأصحاب الحقائق ~~تشيب ذوائبهم ، ولكن محابهم ومعانيهم في عنفوان شبابها ، وطراوة جدتها. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 157 # 158 # يقول الحق جل جلاله : {وما علمناه الشعر} أي : وما علمنا نبينا محمدا ~~الشعر ، حتى يقدر أن يقول شعرا ، فيتهم على القرآن ، أو : وما علمناه بتعلم ~~القرآن الشعر ، على معنى : أن القرآن ليس بشعر ، فإنه غير مقفى ولا موزون ، ~~وليس معناه ما يتوقاه الشعراء من التخييلات المرغبة والمنفرة ونحوها. فأين ~~الوزن فيه ؟ وأين التقفيه ؟ فلا مناسبة بينه وبين كلام الشعراء ، {وما ~~ينبغي له} أي : وما يليق بحاله ، ولا يتأتى له لو طلبه ، أي : جعلناه بحيث ~~لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ، ولم ms2417 يسهل ، كما جعلناه أميا لم يهتد إلى ~~الخط ؛ لتكون الحجة أثبت ، والشبهة أدحض. # وأما قوله عليه الصلاة والسلام : " أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد ~~المطلب " ، وقوله : " هل أنت إلا إصبع دميت ، وفي سبيل الله ما لقيت " ، ~~فهو مما اتفق وزنه من غير قصد ، كما يتفق في خطاب الناس ورسائلهم ~~ومحاوراتهم ، ولا يسمى شعرا إلا ما قصد وزنه. # ولما نفى القرآن أن يكون من جنس الشعر ، قال : {إن هو إلا ذكر} أي : ما ~~الذي يعلم ويقوله إلا ذكر من الله ، يوعظ به الإنس والجن ، {وقرآن} أي : ~~كتاب سماوي ، يقرأ في المحاريب ، ويتلى في المتعبدات ، وينال بتلاوته ~~والعمل به أعلا الدرجات. فكم بينه وبين الشعر ، الذي هو من همزات الشيطان ؟ !. PageV06P243 # أنزلناه إليك {لتنذر به} يا محمد ، أو : لينذر القرآن {من كان حيا} ~~بالإيمان ، أو عاقلا متأملا ؛ فإن الغافل كالميت ، أو : من سبق في علم الله ~~أن يحيى ؛ فإن الحياة الأبدية بالإيمان ، وتخصيص الإنذار به ؛ لأنه المنتفع ~~به ، {ويحق القول} أي : تجب كلمة العذاب {على الكافرين} المصرين على الكفر ~~، وجعلهم في مقابلة من كان حيا إشعار بأنهم بكفرهم في حكم الأموات ، كقوله ~~: {ومآ أنت بمسمع من فى القبور} [فاطر : 22]. # الإشارة : أما النبي عليه الصلاة والسلام فنفى الله عنه صنعة الشعر ، ~~والقوة عليه ، لئلا يتهم فيما يقوله ، وأما الأولياء فكثير منهم تكون له ~~القوة عليه ، ويصرف ذلك في أمداح الخمرة الأزلية ، والحضرة القدسية ، أو في ~~الحضرة النبوية ، وينالون بذلك تقريبا ، ورتبة كبيرة ، وأما قوله عليه ~~الصلاة والسلام : " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا يريه خير من أن يمتلىء شعرا ~~" فالمراد به شعر الهوى ، الذي يشغل عن ذكر الله ، أو يصرف القلب عن حضرة ~~الله. قيل لعائشة رضي الله عنها : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل ~~بشيء من الشعر ؟ فقالت : لم يتمثل بشيء من الشعر إلا بيت طرفة ، أخي بني قيس : # 159 # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وربما عكسه فقال : " ويأتيك من لم تزود بالأخبار ". وبالله التوفيق. ms2418 # جزء : 6 رقم الصفحة : 158 PageV06P244 ~~يقول الحق جل جلاله : {أو لم يروا} أي : أعموا ولم يعلموا {أنا خلقنا لهم ~~مما عملت أيدينا} أي : أظهرته قدرتنا ، ولم يقدر على إحداثه غيرنا. وذكر ~~الأيدي ، وإسناد العمل إليها ، استعارة ، تفيد مبالغة في الاختصاص والتفرد ~~بالإيجاد ، {أنعاما} خصها بالذكر ؛ لما فيها من بدائع الحكمة والمنافع ~~الجمة. {فهم لها مالكون} أي : خلقناها لأجلهم ، فملكناها إياهم ، فهم ~~يتصرفون فيها تصرف المالك ، مختصون بالانتفاع بها. أو : فهم لها حافظون ~~قاهرون. # {وذللناها لهم} وصيرناها منقادة لهم. وإلا فمن كان يقدر عليها لولا ~~تذليله وتسخيره لها. وبهذا أمر الراكب أن يشكر هذه النعمة ، ويسبح بقوله : ~~{سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} [الزخرف : 13] {فمنها ركوبهم} ~~أي : مركوبهم ، وهو ما يركب منها ، وقرىء بضم الراء ، أي : ذو ركوبهم. أو : ~~فمن منافعها ركوبهم. {ومنها يأكلون} ما يأكلون لحمه ، أي : سخرناها لهم ~~ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها. {ولهم فيها منافع} من الجلود ، والأوبار ، ~~والأصواف ، وغير ذلك ، {ومشارب} من اللبن ، على تلونه من المضروب وغيره ، ~~وهو جمع : مشرب ، بمعنى : موضع الشرب. أو : المصدر ، أي : الشرب. {أفلا ~~يشكرون} نعم الله في ذلك ؟ إذ لولا إيجاده لها ما أمكن الانتفاع بها. # الإشارة : قوم نظروا إلى ما من الله إليهم من المبرة والإكرام ، فانقادوا ~~إليه بملاطفة الإحسان ، فعرفوا المنعم ، وشكروا الواحد المنان ، فسخر لهم ~~الكون وما فيه ، وقوم لم ينجع فيهم سوابغ النعم ، فسلط عليهم المصائب ~~والنقم ، فانقادوا إليه قهرا بسلاسل الامتحان ، " عجب ربك من قوم يساقون ~~إلى الجنة بالسلاسل " ، وكل هؤلاء سبقت لهم من الله العناية. وقوم لم ينجح ~~فيهم نعم ولا نقم ، قد سبق لهم الخذلان ، فأصروا على العصيان ، ولم يشكروا ~~الله على ما أسدى من سوابغ الإحسان. PageV06P245 # جزء : 6 رقم الصفحة : 159 # يقول الحق جل جلاله : {واتخذوا من دون الله آلهة} أشركوها معه في العبادة ~~، بعدما رأوا منه تلك القدرة الباهرة ، والنعم المتظاهرة ، وتحققوا أنه ~~المنفرد بها ، فعبدوا الأصنام ، {لعلهم ينصرون} بها إذا حزبهم أمر. والأمر ~~بالعكس ، {لا يستطيعون نصرهم} أبدا ، {وهم ms2419 لهم} أي : الكفار للأصنام {جند} ~~أي : أعوان وشيعة {محضرون} يخدمونهم ، ويذبون عنهم ، ويعكفون على عبادتهم ، ~~أو : اتخذوهم لينصروهم عند الله ، ويشفعوا لهم ، والأمر على خلاف ما توهموا ~~، فهم يوم القيامة جند معدون لهم ، محضرون لعذابهم ؛ لأنهم يجعلون وقودا ~~للنار ، التي يحترقون بها. # ثم سلى نبيه مما يسمع بقوله : {فلا يحزنك قولهم} فلا يهمنك تكذيبهم ، ~~وأذاهم وما تسمع منهم من الإشراك والإلحاد. {إنا نعلم ما يسرون} من عداوتهم ~~وكفرهم ، {وما يعلنون} فيجازيهم عليه ، فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ، ~~ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة ، حتى ينقشع عنهم الهم ، ولا ~~يرهقه حزن. وهو تعليل للنهي على طريق الاستئناف ، ولذلك لو قرىء " أنا " ~~بالفتح ، على حذف لام التعليل ، لجاز ، خلافا لمن أنكره وأبطل صلاة من قرأ ~~به. انظر النسفي. # الإشارة : كل من ركن إلى شيء دون الله ، فهو في حقه صنم ، كائنا ما كان ، ~~علما ، أو عملا ، أو حالا ، أو غير ذلك. ولذلك قال القطب ابن مشيش لأبي حسن ~~الشاذلي رضي الله عنهما لما قال : بم تلقى الله يا أبا الحسن ؟ فقال له : ~~بفقري ، قال : إذا تلقاه بالصنم الأعظم ، أي : وإنما يلقى الله بالله ، ~~ويغيب عما سواه. وقوله تعالى : {فلا يحزنك قولهم} فيه تسلية لمن أوذي في ~~جانب الله. قال القشيري : إذا علم العبد أنه بمرأى من الحق ، هان عليه ما ~~يقاسيه ، لا سيما إذا كان في الله. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 160 PageV06P246 ~~يقول الحق جل جلاله : {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة} مذرة ، خارجة من # 161 # الإحليل ، الذي هو قناة النجاسة ، {فإذا هو خصيم مبين} بين الخصومة ، أي ~~: فهو على مهانة أصله ، ودناءة أوله ، يتصدى لمخاصمة ربه ، وينكر قدرته على ~~إحياء الميت بعدما رمت عظامه. وهي تسلية ثانية له صلى الله عليه وسلم ، ~~وتهوين ما يقولونه في جانب الحشر ، وهو توبيخ بليغ ؛ حيث عجب منه ، وجعله ~~إفراطا في الخصومة بينا فيها. # روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم بال ، ففته بيده ، ~~وقال ms2420 : يا محمد ؛ أترى الله يحيي هذا بعدما رم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ~~" نعم ويبعثك ويدخلك جهنم " فنزلت الآية. # {وضرب لنا مثلا} أمرا عجيبا ، بأن جعلنا مثل الخلق العاجزين ، فنعجز عما ~~عجزوا عنه ؛ من إحياء الموتى ، {ونسي خلقه} من المني المهين ، فهو أغرب من ~~إحياء العظم الرميم. و" خلقه " : مصدر مضاف للمفعول ، أي : خلقنا إياه ، ~~{قال من يحيي العظام وهي رميم} بال مفتت ، وهو اسم لما بلي من العظام ، لا ~~صفة ، ولذلك لم يؤنث. وقد وقع خبرا لمؤنث ، وقيل : صفة بمعنى مفعول ، من : ~~رممته ، فيكون كقتيل وجريح. وفيه دليل على أن العظم تحله الحياة ، فإذا مات ~~صار نجسا ، وهو مذهب مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : لا تحله الحياة ، ~~فهو طاهر كالشعر والعصب. # {قل يحييها الذي أنشأها} خلقها {أول مرة} أي : ابتداء ، {وهو بكل خلق} ~~مخلوق {عليم} لا يخفى عليه أجزاؤه ، وإن تفرقت في البر أو البحر ، فيجمعه ، ~~ويعيده كما كان. PageV06P247 # ثم ذكر برهان إحيائه الموتى بقوله : {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر} كالمرخ ~~والعفار ، {نارا فإذا أنتم منه توقدون} تقدحون ، ولا تشكون أنها نار خرجت ~~منه ، فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر ، مع ما فيه من المائية ، ~~المضادة للنار ، كان أقدر على إيجاد الحياة والغضاضة فيما غضا ويبس ، وهي ~~الزناد عند العرب ، وأكثرها من المرخ والعفار ، وفي أمثالهم : " في كل شجر ~~نار ، واستمجد المرخ والعفار " أي : استكثر في هذين الصنفين. وكان الرجل ~~يقطع منهما غصنين مثل السواكين ، وهما خضراوان ، يقطر منهما الماء ، فيسحق ~~المرخ وهو ذكر على العفار وهي أنثى فينقدح النار بإذن الله تعالى. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنه : ليس من الشجر شجرة إلا وفيها نار ، إلا العناب ؛ ~~لمصلحة الدق للثياب. # جزء : 6 رقم الصفحة : 161 # والمرخ ككتف : شجر سريع الورى. قاله في الصحاح. وهو المسمى عندنا ~~بالكلخ. وفي القاموس : عفار كسحاب : شجر يتخذ منه الزناد. قال ابن عطية : ~~النار موجودة في كل عود ، غير أنها في المتحلحل ، المفتوح المسام ، أوجد ، ~~وكذلك هو المرخ والعفار. ه. ms2421 # 162 # {أوليس الذي خلق السماوات والأرض} مع كبر جرمهما ، وعظم شأنهما {بقادر ~~على أن يخلق مثلهم} مثل أجسامهم في الصغر والحقارة ، بالإضافة إلى السموات ~~والأرض ، أو : أن يعيدهم مثل ما كانوا عليه في الذات والصفات ؛ لأن المعاد ~~مثل المبدأ ، بل أسهل ، {بلى} أي : قل : بلى هو قادر على ذلك ، {وهو ~~الخلاق} كثير الخلق والاختراع ، {العليم} بأحوال خلقه ، أو : كثير ~~المخلوقات والمعلومات. PageV06P248 # {إنما أمره} شأنه {إذا أراد شيئا} بكونه {أن يقول له كن فيكون} فيحدث ، أي ~~: فهو كائن موجود ، لا محالة. وهو تمثيل لتأثير قدرته في الأشياء ، بأمر ~~المطاع للمطيع في حصول المأمور ، من غير امتناع وتوقف ، من غير أن يحتاج ~~إلى كاف ولا نون ، وإنما هو بيان لسرعة الإيجاد ، كأنه يقول : كما لا يثقل ~~عليكم قول " كن " ، فكذلك لا يصعب على الله إنشاؤكم وإعادتكم. قال الكواشي ~~: ثم أومأ إلى كيفية خلقه الأشياء المختلفة في الزمان المتحد ، وذلك ممتنع ~~على غيره ، فقال : {إنما أمره...} الآية ، فيحدث من غير توقف ، فمن رفع " ~~فيكون " ، فلأنه جملة من مبتدأ وخبر ، أي : فهو يكون. ومن نصب فللعطف على " ~~يقول ". والمعنى : أنه ليس ممن يلحقه نصب ولا مشقة ، ولا يتعاظمه أمر ، بل ~~إيجاد المعدومات ، وإعدام الموجودات ، عليه أسرع من لمح البصر ه. # {فسبحان} تنزيها له مما وصفه به المشركون ، وتعجيب مما قالوا ، {الذي ~~بيده ملكوت} أي : ملك {كل شيء} والتصرف فيه على الإطلاق. وزيادة الواو ~~والتاء ؛ للمبالغة ، أي : مالك كل شيء ، {وإليه ترجعون} بالبعث للجزاء ~~والحساب. PageV06P249 # الإشارة : أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة مهينة ، فإذا هو خصيم لنا في ~~تدبيرنا واختيارنا ، وينازعنا في مرادنا من خلقنا ، ومرادنا منهم : ما هم ~~عليه. فاستحي أيها الإنسان أن تخاصم الله في حكمه ، أو تنازعه في تقديره ~~وتدبيره ، وسلم الأمور لمن بيده الخلق والأمر. بكى بعض الصالحين أربعين سنة ~~على ذنب أذنبه. قيل له : وما هو ؟ قال : (قلت لشيء كان : ليته لم يكن). ~~فارض بما يختاره الحق لك ، جلاليا كان أو جماليا ولا تختر من أمرك شيئا ، ~~والله يعلم ms2422 وأنتم لا تعلمون. وكل من اهتم بأمر نفسه ، واشتغل بتدبير شؤونها ~~، فقد ضرب لله مثلا ، بأن أشرك نفسه معه ، ونسي خلقه ، ولو فكر في ضعف أصله ~~، وحاله ، لاستحيا أن يدبر لنفسه مع ربه ، وفي الإشارات عن الله تعالى : ~~أيها العبد لو أذنت لك أن تدبر لنفسك لكنت تستحيي مني أن تدبر لها ، فكيف ~~وقد نهيتك عن الندية!. # جزء : 6 رقم الصفحة : 161 # وكما قدر على إحياء العظام الرميمة ، يقدر على إحياء القلوب الميتة ، ومن ~~قدر على استخراج النار من محل الماء ، يقدر على استخراج العلم من الجهل ، ~~واليقظة من الغفلة ، ومن كان أمره بين الكاف والنون ، بل أسرع من لحظ ~~العيون ، ينبغي أن يرجع إليه في # 163 # جميع الشؤون. قال القشيري : فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ، فلا يحدث ~~شيء قل أو كثر إلا بإبداعه وإنشائه ، ولا يبقى منها شيء إلا بإبقائه ، ~~فمنه ظهر ما يحدث ، وإليه يصير ما يخلق. ه. # قال النسفي : قال صلى الله عليه وسلم : " من قرأ يس يريد بها وجه الله ~~غفر الله له ، وأعطي من الأجر كمن قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة " وبالله ~~التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله على سيدنا ~~ومولانا محمد ، وآله وصحبه ، وسلم. # 164 # جزء : 6 رقم الصفحة : 161 PageV06P250 ### | AUTO سورة الصافات # جزء : 6 رقم الصفحة : 164 # يقول الحق جل جلاله : {والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا} أقسم ~~بطوائف الملائكة ، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة ، كل على ما أمر به ، ~~فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله ، أو : عن المعاصي بإلهام الخير. ~~أو : الشياطين عن التعرض لهم. {فالتاليات ذكرا} لكلام الله تعالى من الكتب ~~المنزلة وغيرها ، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن ~~الصلاح ، حيث قال في فتاويه : إن الملائكة لا تقرأ القرآن ، وإنما قراءته ~~كرامة أكرم الله بها البشر. قال : فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك ، فهي ~~حريصة لذلك على استماعه من الإنس ، كما نقله عنه في الإتقان ، فانظره. # أو : بنفوس العلماء ms2423 والعمال ، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات ، ~~فالزاجرات بالمواعظ والنصائح ، فالتاليات آيات الله ، والدراسات شرائعه. أو ~~: بنفوس الغزاة في سبيل الله ، التي تصف الصفوف ، وتزجر الخيل للجهاد ، ~~وتتلو الذكر مع ذلك ، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و{صفا} : مصدر مؤكد ، ~~وكذلك {زجرا} ، والفاء تدل على الترتيب ، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر ، ~~فتفيد الفضل للصف ، ثم للزجر ، ثم للتلاوة ، أو بالعكس. # 165 PageV06P251 ~~وجواب القسم : {إن إلهكم لواحد} لا شريك معه يستحق أن يعبد ، {ورب السماوات ~~والأرض} وهو خبر بعد خبر ، أو : خبر عن مضمر ، أي : هو {رب السماوات والأرض ~~وما بينهما ورب المشارق} أي : مطالع الشمس ، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا ، ~~وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها ، وتغرب في مغرب ، ولا تطلع ~~ولا تغرب في واحد يومين. وأما : {رب المشرقين ورب المغربين} [الرحمن : 17] ~~فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما : {رب المشرق والمغرب} ~~[المزمل : 9] فإنه أريد به الجهة ، فالمشرق جهة ، والمغرب جهة. قال الكواشي ~~: لم يذكر المغارب ؛ لأن المشارق تدل عليها. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 165 # إنا زينا السماء الدنيا} القربى منكم ، تأنيث الأدنى ، {بزينة الكواكب} ~~بالإضافة ، أي : بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل ، أي : ~~هي الكواكب ، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو : بدل من محل " ~~بزينة " أي : زينا الكواكب ، أو : على إعمال المصدر منونا في المفعول ، أي ~~: بتزين الكواكب. قال البيضاوي : وركوز الثوابت في الكوة الثامنة ، وما عدا ~~القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم ~~يقدح في ذلك ، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة ، متلألئة على ~~سطحها الأزرق. ه. PageV06P252 # {وحفظا} من الشياطين ، كما قال : {ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح ~~وجعلناها رجوما للشياطين} [الملك : 5] أو : بإضمار فعله ، أي : حفظناها ~~حفظا {من كل شيطان مارد} خارج عن الطاعة ، فيرمي بالشهب. {لا يسمعون إلى ~~الملأ الأعلى} : استئناف ؛ لبيان حالهم ، بعد بيان حفظ السماء منهم ، ولا ~~يجوز وصفه لكل شيطان ؛ لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. ~~والضمير لكل باعتبار ms2424 المعنى ؛ لأنه في معنى شياطين ، وتعدية {يسمعون} بإلى ~~لتضمنه معنى الإصغاء ؛ مبالغة في نفيه ، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ ~~بالتشديد فأصله : " يتسمعون " فأدغم. والتسمع : طلب السماع. يقال : تسمع ~~فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم : الملائكة ؛ لأنهم في ~~السموات العلى ، والإنس والجن هم الملأ الأسفل ؛ لأنهم سكان الأرض ~~{ويقذفون} يرمون بالشهب ، {من كل جانب} من جميع جوانب السماء ، من أي جهة ~~صعدوا للاستراق. # {دحورا} مفعول له ، أي : ويقذفون للدحور ، وهو الطرد ، أو : مدحورين ، ~~على الحال ، أو : لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى ، فيكون مصدرا له ، ~~فكأنه قيل : ويقذفون قذفا ، {ولهم عذاب} آخر {واصب} دائم ، أو شديد ، وهو ~~عذاب الآخرة ، أو : عذاب الدنيا ؛ لأنه دائم الوجوب ؛ لأنهم في الدنيا ~~مرجمون بالشهب دائما ، {إلا من خطف الخطفة} " من " : بدل من ضمير " يسمعون ~~" ، أي : لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة ، أي : اختلس شيئا ~~من كلام الملائكة بسرعة ، {فأتبعه شهاب ثاقب} # 166 # أي : نجم مضيء يثقبه ، أو يحرقه ، أو يخبله ، ومنه تكون الغيلان. والله ~~تعالى أعلم. PageV06P253 # الإشارة : أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين ، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم ، ~~في طلب الحضور ، التالين لذكر ربهم لرفع الستور ، إنه منفرد في ألوهيته ، ~~متوحد في ربوبيته ؛ إذ هو رب كل شيء ، رب سموات الأرواح ، ورب أرض النفوس ~~والأشباح ، ورب مشارق أنوار العرفان ، وهي قلوب أهل العيان ، ولم يذكر ~~المغارب ؛ لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. # جزء : 6 رقم الصفحة : 165 # قوله تعالى : {إنا زينا السماء الدنيا...} إلخ ، قال القشيري : زين ~~السماء بالنجوم ، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله ~~تعالى : {وحفظا من كل شيطان مارد} قال القشيري : كذلك حفظ القلوب بأنوار ~~التوحيد ، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم ، إلا من خطف الخطفة ~~، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه ؛ تذكروا ، ~~فإذا هم مبصرون. ه. # وقال في لطائف المنن : إن الله تعالى إذ تولى وليا صان قلبه من الأغيار ، ~~وحرسه بدوام الأنوار ، حتى لقد قال بعض ms2425 العارفين : إذا كان سبحانه قد حرس ~~السماء بالكواكب والشهب ؛ كي لا يسترق السمع منها ، فقلب المؤمن أولى بذلك ~~، لقول الله سبحانه ، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم ~~تسعني أرضي ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن " ه. والمراد : المؤمن ~~الكامل ، الذي تولى الله حفظه ، وهو الولي العارف. # جزء : 6 رقم الصفحة : 165 PageV06P254 ~~يقول الحق جل جلاله : {فاستفتهم} أي : فاستخبر كفار مكة {أهم أشد خلقا} أي ~~: أقوى خلقا وأعظم ، أو : أصعب خلقا وأشقه. {أم من خلقنا} يعني ما ذكر من ~~السماء والأرض وما بينهما ، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب ، والشهب ~~الثواقب ؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ : (أم من ~~عددنا) بالتشديد والتخفيف. والقصد : الرد على منكري البعث ، فإن من قدر على ~~خلق هذه العوالم ، على عظمها ، كان على بعثهم أقدر. # ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله : {إنا خلقناهم من طين لازب} لاصق باليد ، أو : # 167 # لازم. وقرىء به ، أي : يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف ؛ ~~لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن ~~الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب ، فمن أين استنكروا أن نخلق من ~~تراب مثله خلقا آخر ؟ حيث قالوا : " أءذا كنا ترابا " [الرعد : 5] ، الخ ، ~~وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد ؛ من ذكر إنكارهم البعث. # {بل عجبت} من تكذيبهم إياك ، وإنكارهم البعث ، {ويسخرون} هم منك ، ومن ~~تعجبك ، أو : من أمر البعث ، قال الكواشي : ولما لم تؤثر فيهم البراهين ، ~~أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم ، والإعجاب منهم ، حيث لم ~~يؤمنوا به وبالبعث ، والمعنى : إنك تعجبت من تكذيبهم ، وهم يسخرون منك ومن ~~تعجبك. ه. قال قتادة : لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به ، فلما سمعه المشركون ، ولم يؤمنوا ، ~~وسخروا ، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره : أن الآية نزلت في ركانة ، ~~الذي صرعه صلى الله عليه وسلم ، وذكر ابن عبد البر : أنه أسلم ms2426 يوم الفتح. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 167 PageV06P255 ~~وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء ، أي : استعظمت. والعجب : روعة تعتري ~~الإنسان عند استعظام الشيء ؛ لخفاء سببه ، وهو في حقه تعالى محال ، ومعناه ~~: التعجب لغيره ، أي : كل من يرى حالهم يقول : عجبت ، ونحوه : قوله صلى ~~الله عليه وسلم : " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره ~~الله في جانب المتعجب منه ، من التعظيم أو التحقير ، أو : قل يا محمد : ~~عجبت ويسخرون. # {وإذا ذكروا لا يذكرون} أي : ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. ~~{وإذا رأوا آية} معجزة ، كانشقاق القمر ، ونحوه ، {يستسخرون} يبالغون في ~~السخرية ، ويقولون : إنه سحر ، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها ، {وقالوا ~~إن هذا} ما هذا {إلا سحر مبين} ظاهر سحريته ، {أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أئنا لمبعوثون} أي : أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما ؟ {أو آباؤنا الأولون} فمن ~~فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها ، والهمزة للإنكار ، أي : أويبعث أيضا ~~آباؤنا الأولون الأقدمون ، على زيادة الاستبعاد ، يعنون أنهم أقدم ، فبعثهم ~~أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين ، أي : أيبعث واحد منا ، على ~~المبالغة في الإنكار. {قل نعم} تبعثون {وأنتم داخرون} صاغرون. # {فإنما هي زجرة واحدة} أي : صيحة واحدة ، وهي النفخة الثانية ، والفاء : ~~جواب شرط مقدر ، أي : إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة ، وهي مبهمة ، ~~يفسرها خبرها. # أو : فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة : الصيحة ، من قولك : زجر الراعي ~~الإبل والغنم : # 168 # إذا صاح عليها ، {فإذا هم} أحياء {ينظرون} إلى سوء أعمالهم ، أو : ينظرون ~~ما يحل بهم. PageV06P256 # {وقالوا يا ويلنا} الويل : كلمة يقولها القائل وقت الهلكة ، {هذا يوم ~~الدين} اليوم الذي يدان فيه العباد ، ويجازون بأعمالهم. {هذا يوم الفصل} أي ~~: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة ، {الذي كنتم به تكذبون} يحتمل ~~أن يكون قوله : {هذا يوم الدين} من كلام الكفرة ، بعضهم مع بعض ، وأن يكون ~~من كلام الملائكة لهم ، وأن يكون {يا ويلنا هذا يوم الدين} من كلام الكفرة ~~، وما بعده كلام الملائكة ، جوابا لهم. ms2427 والله تعالى أعلم. # الإشارة : الإنسان فيه عالمان ، عالم في غاية الضعف والخسة ، وهي بشريته ~~الطينية ، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال ، وهي روحانيته ~~السماوية النوارنية ، فإذا حييت الروح بالعلم بالله ، واستولت على البشرية ~~، استيلاء النار على الفحمة ، أكسبتها القوة والشرف ، وإذا ماتت الروح ~~بالغفلة والجهل ، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل ، والعارف ~~الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله ، فينزل الضعف في ظاهره ، والقوة في ~~باطنه ، فظاهره يمتد من الوجود بأسره ، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر ~~إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره ، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه : ما ~~لابن آدم والفخر ، وأوله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وفيما بينهما يحمل ~~العذرة. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 167 # ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره ، لكن من آداب العبد : ألا يظهر ~~بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية ، من الضعف ، والذل ، والفقر ، فإذا ~~تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 167 # يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة : {احشروا الذين ظلموا} أي : ~~اجمعوا الذين كفروا {وأزواجهم} وأشباههم ، فيحشر عابد الصنم مع عبدة ~~الأصنام ، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو : نساءهم الكافرات ، أو : قرناءهم ~~من الشياطين. و" الواو " بمعنى # 169 PageV06P257 ~~" مع " ، أو : عاطفة. {وما كانوا يعبدون من دون الله} أي : الأصنام ، ~~اجمعوها معهم ، {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} أي : دلوهم على طريقها ، وعرفوهم ~~بها. وعن الأصمعي : يقال : هديته في الدين هدى ، وهديته الطريق هداية. # {وقفوهم} : احبسوهم {إنهم مسؤولون} عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم ، {ما ~~لكم لا تناصرون} لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر ، ~~بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا ، أو : استهزاء بهم. وقيل : هو جواب لأبي ~~جهل ، حيث قال يوم بدر : {نحن جميع منتصر} [القمر : 44] ، وجملة النفي : ~~حال ، أي : ما لكم غير متناصرين ، {بل هم اليوم مستسلمون} منقادون لما يراد ~~بهم ؛ لعجزهم ؛ وانسداد أبواب الحيل عليهم ، أو : قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. # {وأقبل بعضهم على بعض} أي : التابع على المتبوع ms2428 {يتساءلون} يتخاصمون ، ~~ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط ، {قالوا} أي : الأتباع للمتبوعين : ~~{إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} أي : تصدوننا عن الحق والإيمان ، قاله ~~الحسن. وبيانه : أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير ، ويناسبه ~~ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله : ومنها : أن يريد باليمين اليمن ~~، أي : تأتوننا من جهة النصائح ، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت : والأحسن : ~~أن يقدر معلق الجار ، أي : تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 169 PageV06P258 ~~قالوا} أي : الرؤساء : {بل لم تكونوا مؤمنين} أي : بل أنتم أبيتم الإيمان ، ~~وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه ، مختارين للكفر ، غير ملجئين إليه ، أو : بل ~~أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا ، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا ~~استئنافه. {وما كان لنا عليكم من سلطان} وقهر ، نسلبكم به تمكنكم واختياركم ~~، {بل كنتم قوما طاغين} أي : بل كنتم قوما مختارين للطغيان ، {فحق علينا} ~~أي : لزمنا جميعا {قول ربنا إنا لذائقون} يعني : حقت علينا كلمته بأنا ~~ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال : إنكم لذائقون ، لكنه عدل ~~به إلى لفظ المتكلم ؛ لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم : ~~{فأغويناكم} فدعوناكم إلى الغي {إنا كنا غاوين} فأردنا إغواءكم لتكونوا ~~مثلنا ، {فإنهم} أي : الأتباع والمتبوعين جميعا ، {في العذاب يومئذ ~~مشتركون} كما كانوا مشتركين في الغواية. {إنا كذلك نفعل بالمجرمين} ~~المشركين ، أي : مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. # الإشارة : ويقال على طريق العكس : احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم ، ~~وأزواجهم ، ومن انتسب إليهم ، فاهدوهم إلى طريق الجنان ، وقفوهم يشفعوا ~~فيمن تعلق بهم ، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم ، حتى يخلصوهم من ورطة ~~الحساب. ما لكم لا تناصرون ، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل ، بل ~~هم اليوم منقادون لأمر # 170 # الله ، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث : " اتخذوا يدا عند الفقراء ~~، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم : الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. ~~والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى ، حتى وصلوا إلى حضرته ، ومن صد ~~الناس عن طريقه وصحبتهم ms2429 ، يتعلق به المخذول عنهم ، فيقول له : {إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين...} الآية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 169 PageV06P259 ~~يقول الحق جل جلاله : {إنهم} أي : المشركين {كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا ~~الله} هو أعم من إذا قيل لهم : قولوها ، أو : ذكرت بمحضرهم ، {يستكبرون} أي ~~: يتعاظمون عن قولها ، أي : كانوا في الدنيا إذا سمعوا كلمة التوحيد ~~استكبروا عنها ، وأبوا إلا الشرك ، {ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر ~~مجنون} يعنون نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ، {بل جاء بالحق وصدق ~~المرسلين} لكونه مصدقا لما بين يديه من الرسل. وهو رد عليهم بأن ما جاء به ~~الحق من التوحيد قد قام عليه البرهان ، وتطابق عليه المرسلون. فقوله تعالى ~~: {بل جاء بالحق} مقابل لقولهم : " شاعر " ؛ لأن الشاعر في الغالب كذوب ، ~~وتصديق المرسلين في مقابلة مجنون ؛ لأنه لا يكون إلا من العاقل. قال تعالى ~~لهم : {إنكم لذائقو العذاب الأليم} بالإشراك وتكذيب الرسول {وما تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون} إلا مثل ما عملتم بلا زيادة ولا نقصان ، فعذبتم ، على ~~الكفر والتكذيب ، وخلدتم ، على نيتكم الدوام عليه. # الإشارة : ينبغي للمؤمن إذا سمع كلمة التوحيد ، وهي " لا إله إلا الله " ~~أن يخشع قلبه ، وتهتز جوارحه ، فرحا بها ، ويخضع لمن جاء بها ، ودل عليها ، ~~حتى يدخله في بحار معانيها ، وهو التوحيد الخاص ، أعني : توحيد أهل العيان ~~، وهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية النبوية. قال القشيري : ~~{... كانوا إذا قيل لا إله إلا الله يستكبرون...} الخ. احتجابهم بقلوبهم ~~أوقعهم في وهدة عذابهم ، وذلك أنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته ، ولو ~~عرفوا لافتخروا بعبوديته ؛ قال تعالى : {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن ~~عبادته} [الأعراف : 206] وقال : {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله...} ~~[النساء : 173] ، فمن عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته وعبوديته ، قال ~~قائلهم : # ويظهر في الورى عز الموالي # فيلزمني له ذل العبيد # 171 PageV06P260 ~~ولما لم يحتشموا من وصفه سبحانه بما لا يليق بجلاله ، لم يبالوا بها ~~أطلقوا من المثالب في جانب أنبيائه. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 171 ms2430 # يقول الحق جل جلاله : {إلا عباد الله المخلصين} بفتح اللام ، وكسرها أي ~~: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم ، أو : الذين أخلصهم الله ونجاهم من ~~الشرك ، فليسوا مع أولئك المعذبين ، بل {أولئك} المخلصون {لهم رزق معلوم} ~~يأتيهم بكرة وعشيا ، كحال المياسير في الدنيا ، فهو معلوم الوقت ؛ لأن ~~النفس إليه أسكن. قال القشيري : قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من له رزق معلوم ، فهو من جملة المياسير ، وهذه صفة أهل الجنة ، لهم في ~~الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم ، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم ~~لأبشارهم ، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. # ثم فسره بقوله : {فواكه} : جمع فاكهة ، وهي كل ما يتلذذ به ، فليس قوتهم ~~لحفظ الصحة ، بل رزقهم كله فواكه ؛ لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات ؛ ~~لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد ، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو : ~~معلوم ، أي : منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم ، ورائحة ، ولذة ، وحسن ~~منظر ، {وهم مكرمون} : معظمون. قال القشيري : من ذلك : ورود الرسل عليهم من ~~قبل الله عز وجل في كل وقت ، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في ~~كل وقت بكل أمر. ه. # وقوله : {في جنات النعيم} إما ظرف لمكرمون ، أو : حال ، أو : خبر ، أي : ~~في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا {على سرر متقابلين} : يقابل بعضها ~~بعضا ، إن استوت درجتهم ، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. PageV06P261 # {يطاف عليهم بكأس} إناء من زجاج فيه شراب ، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه ~~شراب ، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش : كل كأس في القرآن ~~فهو خمر. ومثل لابن عباس. {من معين} من خمر معين ، أي : جارية في أنهار ~~ظاهرة للعيون ، وصف بما وصف به الماء ؛ لأنه يجري في الجنة أنهارا ، كما ~~يجري الماء ، قال تعالى : {وأنهار من خمر} [محمد : 15]. وقوله : {بيضاء} ~~صفة للكأس ، أي : صافية في نهاية اللطافة. {لذة للشاربين} أي : لذيذة ~~للشاربين ، وصفت باللذة ، كأنها نفس اللذة وعينها. أو : ذات لذة. {لا فيها ~~غول} أي : لا تغتال عقولهم فتذهب بها ms2431 ، كخمر الدنيا ، # 172 # وهو من : غاله يغوله : إذا أهلكه وأفسده. أو : لا فيها غول : إثم ، أو ~~وجع بطن أو صداع ، وهو وجع الرأس ، أي : لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. {ولا هم ~~عنها ينزفون} يسكرون ، من : نزف الشارب : إذا ذهب عقله. ويقال للسكران : ~~نزيف ، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه : لا ينفد شرابهم ، يقال : أنزف ~~الرجل فهو منزف : إذا فنيت خمرته. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 172 # وعندهم قاصرات الطرف} أي : حور قصرت أبصارهن على أزواجهن ، لا يمددن طرفا ~~إلى غيرهم {عين} : جمع عيناء ، أي : نجلاء ، واسعة العين. يقال : رجل أعين ~~، وامرأة عيناء ، ورجال ونساء عين. {كأنهن بيض مكنون} مصون مستور. شبههن ~~ببيض النعام المكنون من الريح والغبار ، في الصفاء والبياض. # {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} في الجنة ، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى : ~~أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب ، كعادة الشرب. قال الشاعر : # وما بقيت من اللذات إلا # أحاديث الكرام على المدام # أو : أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ~~ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. PageV06P262 # الإشارة : المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين : أخلصهم ~~الله واصطفاهم ، والمخلصين : طالبين الإخلاص ، مجتهدين فيه ، الأولون ~~مجذوبون ، والآخرون سالكون ، الأولون محبوبون ، والآخرون محبون ، الأولون ~~واصلون ، والآخرون سائرون. قال القشيري : والإخلاص : إفراد الحق سبحانه ~~بالعبودية ، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال : الإخلاص : تصفية ~~العمل ، لا توفيقه ، وفي الخبر : " يا معاذ ، أخلص العمل ، يكفك القليل منه ~~" ويقال : الإخلاص : فقد رؤية الأشخاص. ه. # {أولئك لهم رزق معلوم} للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم ، من ~~النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين ، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد ~~يجتمع لهما ، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون ~~بالتقريب والمشاهدة ، على قدر سعيهم هنا ، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء ~~على قدر شربهم هنا خمرة المعاني ، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس ~~الأواني والزهد في بهجتها. # وقوله تعالى : {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} كان من تمام نعيمهم في ~~الشرب : التحادث ms2432 عليها بما يناسب حالها ، ومدحها ، كما قال الشاعر : # 173 # وإذا جلست إلى المدام وشربه # فاجعل حديثك كله في الكاس # كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة ، وغاب في الشهود والنظرة ، لا يجول إلا ~~في عظمة الذات ، وأسرارها ، وبهائها ، وجمالها ، لا يخطر على باله غيرها ، ~~فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية ، والنظرة ~~الشافية ، متعنا الله بها على الدوام. آمين. # جزء : 6 رقم الصفحة : 172 PageV06P263 ~~يقول الحق جل جلاله : {قال قائل منهم} أي : من أهل الجنة {إني كان لي قرين} ~~في الدنيا ، قيل : كان شيطانا ، وقيل : من الإنس ، ففيه التحفظ من قرناء ~~السوء ، وقيل : كانا شريكين بثمانية آلاف دينار ، أحدهما : قطروس ، وهو ~~الكافر ، والآخر : يهوذا ، المؤمن ، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله ، وكان ~~الآخر مقبلا على ماله ، فحل الشركة مع المؤمن ، وبقي وحده ؛ لتقصير المؤمن ~~في التجارة ، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار ، أو جارية ، أو بستان ، ~~عرضه على المؤمن ، وفخر عليه ، فيمضي المؤمن ، ويتصدق بنحو ذلك ، ليشتري به ~~من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه ~~الآية. قال السهيلي : هما المذكوران في سورة الكهف بقوله : {واضرب لهم مثلا ~~رجلين...} [الكهف : 32] إلخ. # {يقول} أي : قرين السوء ، لقرينه المؤمن في الدنيا : {أئنك لمن المصدقين} ~~بالبعث ؟ {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون} لمحاسبون ومجزيون ~~بأعمالنا ؟ من : الدين ، وهو الجزاء. # {قال} ذلك القائل لمن معه في الجنة : {هل أنتم مطلعون} معي إلى النار ، ~~لأريكم حال ذلك القرين. قيل : إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل ~~النار. قلت : حال الجنة كله خوارق ، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. ~~وقيل : القائل : هو الله ، أو : بعض الملائكة. يقول لهم : هل تحبون أن ~~تطلعوا على أهل النار ، لأريكم ذلك القرين ، أو : لتعلموا منزلتكم من ~~منزلتهم. قال الكواشي : أو : إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة : هل ~~أنتم ناظرون أخي في النار ؟ فيقولون له : أنت أعرف به منا ، فانظر إليه. ~~{فاطلع} على أهل ms2433 النار {فرآه} أي : قرينه {في سواء الجحيم} في وسطها. # 174 PageV06P264 ~~{قال تالله إن كدت لتردين} لتهلكني بإغوائك. و" إن " مخففة ، واللام : ~~فارقة ، أي : إنه قربت لتهلكني ، {ولولا نعمة ربي} علي بالهداية ، والعصمة ~~، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام ، {لكنت من المحضرين} معك ، أو : من الذين ~~أحضروا العذاب ، كما أحضرته أنت وأمثالك. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 174 # أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} الفاء للعطف على ~~محذوف ، أي : أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب ~~لرفقائه في الجنة ، لما رأى ما نزل بقرينه ، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في ~~الجنة ، تحدثا بنعمة الله. أو : قاله بمرأى من قرينه ومسمع ؛ ليكون توبيخا ~~له ، وزيادة تعذيب ، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه ، كأنه يقول : أين الذي ~~كنت تقول في الدنيا من أنا نموت ، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب ؟ كقوله : ~~{إن هى إلا موتتنا الأولى} [الدخان : 35] والتقدير : أكما كنت تزعم هو ما ~~نحن بميتين إلا موتتنا الأولى ، وما نحن بمعذبين ، بل الأمر وقع خلافه ، ~~وكان يقال له : نحن نموت ونسأل في القبر ، ثم نموت ونحيا ، فيقول : ما نحن ~~بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى : {إن هذا لهو ~~الفوز العظيم...} إلخ ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه ، وأن يكون من ~~خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام ، أي : إن هذا النعيم الذي نحن ~~فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل : {لمثل هذا فليعمل العاملون} أي ~~: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون ، لا للحظوظ الدنيوية ، المشوبة ~~بالآلام ، السريعة الانصرام. أو : لمثل هذا فليجتهد المجتهدون ، ما دام ~~يمكنهم الاجتهاد ، فإن الدنيا دار عمل ، والآخرة دار جزاء ، فبقدر ما يزرع ~~هذا يحصد ثم ، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. PageV06P265 # الإشارة : تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله ، بصحبة ~~الرجال في طريق التجريد ، فينهاه رفقاؤه ، فيخالفهم ، وينهض إلى الله ، ~~فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين ، فيقول لهم : إني كان قرين ينكر ~~طريق ms2434 الخصوص ، وينهاني عن صحبتهم ، فيطلع عليه ، فيراه في أسفل الجنة ، مع ~~عامة أهل اليمين ، فيحمد الله على مخالفته ، ويقول : لولا نعمة ربي لكنت من ~~المحضرين معك. قال القشيري : فيقول الولي له : إن كدت لتردين ، لولا نعمة ~~ربي. نطقوا بالحق ، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد ؛ إذ جعلوا الفضل واسطة ~~، والأولى أن يقول : ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول : لمثل هذا ~~فليعمل العاملون. ثم قال : فإذا بدت شظية ، من الحقائق ، أو ذرة من نسيم ~~القربة ، فبالحري أن يقول القائل : لمثل هذا الحال تبذل الأرواح ، وأنشدوا : # 175 # على مثل ليلى يقتل المرء نفسه # وإن بات من ليلى على اليأس طاويا # جزء : 6 رقم الصفحة : 174 PageV06P266 ~~يقول الحق جل جلاله : {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم} أي : أنعيم الجنة وما ~~فيها من اللذات ، والطعام ، والشراب ، خير نزلا أم شجرة الزقوم ؟ النزل : ~~ما يقدم للنازل من الرزق. و" نزلا " : تمييز ، وفي ذكره : تنبيه على أن ما ~~ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل ، ولهم من وراء ذلك ما ~~تقصر عنه الأفهام ، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية : في البلاد ~~الجدبة المجاورة للصحارى شجرة ، مرة ، مسمومة ، لها لبن ، إن مس جسم أحد ~~تورم ومات منه ، في غالب الأمر ، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم : البلع على ~~شدة وجهد. ه. وفي الحديث : " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا ~~لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة ~~: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع ، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها ~~شجرة ، أو : تكون واحدة بالشخص. ه. # {إنا جعلناها فتنة للظالمين} محنة وعذابا لهم في الآخرة ، وابتلاء لهم في ~~الدنيا. وذلك أنهم قالوا : كيف تكون في النار شجرة ، والنار تحرق الشجر ؟ ~~ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل ~~كيف لا يقدر على خلق شجر في النار ، وحفظه من الإحراق ؟ {إنها شجرة تخرج في ~~أصل الجحيم} ، قيل : منبتها في قعر جهنم ms2435 ، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها ، ~~وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. # {طلعها} أي : حملها {كأنه رؤوس الشياطين} الطلع للنخلة ، فاستعير لما ~~يطلع من شجرة الزقوم من حملها ، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في ~~الكراهة ، وقبح المنظر ؛ لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس ؛ ~~لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل : الشياطين : حيات هائلة ، قبيحة المنظر ، لها ~~أعراف يقال لها شياطين. وقيل : شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس ~~الشياطين وقبحها ، وإن كانت لا ترى ، كما شبهوا # 176 # سنان الرماح بأنياب أغوال ، كما قال امرؤ القيس : PageV06P267 # جزء : 6 رقم الصفحة : 176 # أيقتلني والمشرفي مضاجعي # ومسنونة زرق كأنياب أغوال # {فإنهم لآكلون منها} أي : من طلع تلك الشجرة ، {فمالئون منها البطون} مما ~~يبلغهم من الجوع الشديد ، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها ، {ثم إن ~~لهم عليها} على أكلها ، أي : بعدما شبعوا منها ، وغلبهم العطش ، وطال ~~استقاؤهم ، {لشوبا من حميم} أي : لشرابا من غساق ، أو : حديد ، مشوبا بماء ~~حار ، يشوي وجوههم ، ويقطع أمعاءهم ، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة : ~~{ومزاجه من تسنيم} [المطففين : 27] وأتى ب " ثم " ؛ لما في شرابهم من مزيد ~~البشاعة والكراهة ؛ فإن الزقوم حار محرق ، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. # {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} أي : إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو ~~الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم ، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ~~ويشربون بعد ذلك ، ثم يرجعون إلى دركاتهم ، كما تورد الإبل ، ثم ترد إلى ~~وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. # ثم ذكر سبب عذابهم ، فقال : {إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم ~~يهرعون} علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال ، ~~وترك اتباع الدليل. والإهراع : الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. ~~وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. {ولقد ضل قبلهم} ~~قبل قومك قريش {أكثر الأولين} يعني الأمم الماضية ، بالتقليد وترك النظر. ~~{ولقد أرسلنا فيهم منذرين} أنبياء ، حذروهم العواقب. {فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين} الذين أنذروا ، وحذروا ، فقد أهلكوا جميعا ، {إلا عباد الله ~~المخلصين} ms2436 أي : إلا الذين آمنوا ، وأخلصوا دينهم لله ، أو : أخلصهم الله ~~لدينه ، على القراءتين. PageV06P268 # الإشارة : إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان ، ~~وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان ، فيرى المؤمن من جماله تعالى ~~وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة ، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما ~~لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد ، مؤمنا أو ~~كافرا ، كان من الخاصة أو العامة ، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في ~~الجلال والجمال ؛ لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا ~~بالجمال ؛ لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال : كل ما يقهر النفس ويذلها. ~~والله تعالى أعلم. # 177 # جزء : 6 رقم الصفحة : 176 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد نادانا} أي : دعانا {نوح} حين أيس من قومه ~~بقوله : {أنى مغلوب فانتصر} [القمر : 10] أو : دعانا ؛ لننجيه من الغرق ، ~~{فلنعم المجيبون} أي : فأجبناه أحسن الإجابة ، ونصرناه على أعدائه ، ~~وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون ، فوالله لنعم المجيبون نحن ، فحذف القسم ؛ ~~لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص ، والجمع ؛ دليل العظمة والكبرياء. ~~{ونجيناه وأهله} ومن آمن به وأولاده المؤمنين {من الكرب العظيم} وهو غم ~~الغرق ، أو : إذاية قومه ، {وجعلنا ذريته هم الباقين} وقد فني غيرهم. قال ~~قتادة : الناس كلهم من ذرية نوح ، وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد : سام ~~وهو أبو العرب وفارس والروم وحام وهو أبو السودان ، من المشرق إلى المغرب ~~ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج وقد نظمه بعضهم ، فقال : # العرب والروم وفارس اعلمن # أولاد سام فيهم الخير كمن> > من نسل حام نشا السودان # شرقا وغربا ، ذا له برهان>> يأجوج مأجوج من الصقالبة # ليافث ، لا خير فيهم قاطبه PageV06P269 ~~{وتركنا عليه في الآخرين} أي : وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخرين ~~، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة ، {سلام على نوح} : ~~مبتدأ وخبر ، استئناف ، {في العالمين} يعني : أنهم يسلمون عليه تسليما ، ~~ويدعون له ، أي : ثبتت هذه التحية فيهم ، ولا يخلو أحد منهم منها ، كأن ~~الله أثبت التسليم على نوح ms2437 وأدامه في الملائكة والثقلين ، يسلمون عليه عن ~~آخرهم. {إنا كذلك نجزي المحسنين} فنكرمهم ونحييهم ، وهو تعليل لما فعل بنوح ~~من التكرمة السنية ، بأنه مجازاة له على إحسانه ، {إنه من عبادنا المؤمنين} ~~علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ؛ ليريك جلاله محل الإيمان. {ثم أغرقنا ~~الآخرين} أي : الكافرين. # ذكر في كتاب حياة الحيوان ، عن القشيري : أن العقرب والحية أتيا نوحا ~~عليه السلام فقالتا : احملنا معك ، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدا ذكرك ، ~~فحملهما. فمن قرأ ، حين يخاف مضرتهما ، حين يمسي وحين يصبح : سلام على نوح ~~في العالمين ، ومحمد في المرسلين ، إنا كذلك نجزي المحسنين ، إنه من عبادنا ~~المؤمنين ، ما ضرتاه. ه. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام : " من قال حين ~~يمسي وحين يصبح : أعوذ بكلمات الله # 178 # التامات من شر ما خلق ، لم يضره شيء ". الإشارة : إذا تحقق الإيمان ~~والإحسان في عبد أعطي ثلاث خصال : نفوذ الدعوة ، والثناء الحسن بعده ، ~~والبركة في الذرية ، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السلام. # جزء : 6 رقم الصفحة : 178 PageV06P270 ~~قلت : (أئفكا) : مفعول له ، و(آلهة) : مفعول " تريدون " ، أي : أتريدون ~~آلهة من دون الله إفكا وزورا. وإنما قدم المفعول به على الفعل للعناية له ، ~~وقدم المفعول له على المفعول به ؛ لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم ~~على إفك وباطل في شركهم ، ويجوز أن يكون " إفكا " مفعولا به ، أي : أتريدون ~~إفكا. ثم فسر الإفك بقوله : {آلهة دون الله} على أنها إفك في نفسها ، أو : ~~حالا ، أي : أتريدون آلهة من دون الله آفكين. # يقول الحق جل جلاله : {وإن من شيعته} أي : نوح {لإبراهيم} أي : ممن شايعه ~~على أصول الدين ، وإن اختلفا في الفروع ، أو : شايعه على التصلب في دين ~~الله ، ومصابرة المكذبين. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة ~~، وما كان بينهما إلا نبيان : هود ، وصالح. {إذ جاء ربه} : متعلق بما في ~~الشيعة من معنى المشايعة ، أي : وممن شايعه على دينه إبراهيم ، حين جاء ربه ~~{بقلب سليم} من الشرك ، أو : من آفات القلوب ، ومعنى المجيء بقلبه ربه : ~~أنه ms2438 أخلص لله قلبه ، وعلم ذلك منه. # {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} " إذ " : بدل من الأولى ، أو : ظرف ~~لجاء ، أو : لسليم ، {أئفكا آلهة دون الله تريدون} أتريدون آلهة تعبدونها ~~من دون الله إفكا وزورا وباطلا. {فما ظنكم برب العالمين} يفعل بكم إذا ~~لقيتموه ، وقد عبدتم غيره ، فما تقولون ، وكيف بكم في مقام الخجل الذي بين ~~أيديكم ، وإن كنتم اليوم غائبين عنه ؟ أو : أي شيء ظنكم بمن هو حقيق ~~بالعبادة ؛ لكونه رب العالمين ، حتى تركتم عبادته ، وأشركتم معه غيره ، أو ~~أمنتم عذابه ؟ PageV06P271 # الإشارة : لا يكون العبد إبراهيميا حنيفيا حتى يقدس قلبه مما سوى الله ، ~~ويرفض كل ما عبده الناس من دون الله ، كحب الدنيا ، والرئاسة ، والجاه ، ~~فيجيء إلى الله بقلب سليم ، أي : مقدس من شوائب الطبيعة ، فهو سالم مما دون ~~الله ؛ لاتصاله بالله. قال القشيري : " بقلب سليم " لا آفة فيه. ويقال : ~~لديغ من محبة الأغيار ، أو : من الحظوظ ، أو : من الاختيار والمنازعة. ~~والله تعالى أعلم. # 179 # جزء : 6 رقم الصفحة : 179 # يقول الحق جل جلاله : {فنظر} إبراهيم {نظرة في النجوم} وذلك أن قومه ~~كانوا يتعاطون علم النجوم ، فعاملهم بما يعلمون ؛ لئلا ينكروا عليه تخلفه. ~~وكانوا يقولون : إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه ، فاعتل عليهم ~~؛ لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع ، وكانوا ~~يدخلون على أصنامهم ، فيقربون إليها القرابين ، ويضعون بين أيديها الطعام ، ~~قبل خروجهم إلى عيدهم ، لتبارك عليه ، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى ~~النجوم ، قال : {إني سقيم} إني مشارف للسقم وهو الطاعون ، وكان أغلب ~~الأسقام عليهم ، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه ، فهربوا منه إلى ~~عيدهم ، وتركوه في بيت الأصنام ، ليس معه أحد ، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل ~~: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. PageV06P272 # والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام ~~، أي : سأسقم ، أو : من في عنقه الموت سقيم ، أو : سقيم مما أرى من ~~مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء ms2439 من الكذب ، ~~وإنما عرض. وأيضا : إنما كان لمصلحة ، وقد أبيح لها ، كالجهاد ونحوه. وفي ~~الحديث : " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ، ما منها واحدة إلا وهو يناضل ~~عن دينه ؛ قوله : {إني سقيم} ، وقوله : {فعله كبيرهم} [الأنبياء : 63] ، ~~وقوله لسارة : هي أختي ". قال السدي : خرج معهم إلى بعض الطريق ، فوقع في ~~نفسه كيده آلهتهم ، فقال : إني سقيم أشتكي رجلي. {فتولوا عنه مدبرين} ~~أعرضوا عنه مولين الأدبار ، {فراغ إلى آلهتهم} فمال إليها سرا ، وكانت ~~اثنين وسبعين صنما من خشب ، وحديد ، ورصاص ، ونحاس ، وفضة ، وذهب ، وكان ~~كبيرهم من ذهب ، في عنقه ياقوتتان ، {فقال} لها ، استهزاء : {ألا تأكلون} ~~من الطعام الذي وضع عندكم ، {ما لكم لا تنطقون} ؟ والجمع بالواو والنون ؛ ~~لأنه خاطبها خطاب من يعقل. {فراغ عليهم} فمال إليهم سرا ، فضربهم {ضربا ~~باليمين} أي : ضربا شديدا بالقوة ؛ لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما ، أو ~~: بالقوة والمتانة ، أو : بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله : {وتالله لأكيدن ~~أصنامكم} [الأنبياء : 57]. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 180 # فأقبلوا إليه} إلى إبراهيم {يزفون} : يسرعون ، من : الزفيف ، وهو ~~الإسراع. # 180 # وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم ، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه : ~~{من فعل هذا بئالهتنآ} [الأنبياء : 59] فأجابوه على سبيل التعريض : {سمعنا ~~فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} [الأنبياء : 60] ، ثم قالوا بأجمعهم : نحن ~~نعبدها وأنت تكسرها ؟ فأجابهم بقوله : PageV06P273 # {قال أتعبدون ما تنحتون} : ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام ؟ {والله خلقكم ~~وما تعملون} أي : وخلق ما تعملونه من الأصنام : أو : " ما " مصدرية ، أي : ~~وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى ، أي : الله خالقكم ~~وخالق أعمالكم ، فلم تعبدون غيره ؟ !. {قالوا ابنوا له} أي : لأجله ~~{بنيانا} من الحجر ، طوله ثلاثون ذراعا ، وعرضه عشرون ذراعا ، {فألقوه في ~~الجحيم} في النار الشديدة ، وقيل : كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه ~~وملؤوه حطبا ، وأضرموه نارا ، {فأرادوا به كيدا} بإلقائه في النار ، ~~{فجعلناهم الأسفلين} المقهورين عند إلقائه ، حين خرج من النار سالما ، ~~فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل : ذكر أسفل : هنا ؛ لمناسبة ذكر البناء ، بخلاف ~~سورة الأنبياء. {وأرادوا به ms2440 كيدا فجعلناهم الأخسرين} [الأنبياء : 70]. # الإشارة : كل عبد مأمور بكسر صنمه ، وهو : ما تركن إليه نفسه من حظ ، أو ~~هوى ، أو علم ، أو عمل ، أو حال ، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى : ~~لا تركنن لشيء دوننا ، فإنه وبال عليك ، وقاتل لك ، فإن ركنت إلى العلم ~~تتبعناه عليك ، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك ، وإن وثقت بالحال وقفناك ~~معه ، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه ، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم ، ~~وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك ، فأي حيلة لك ، وأي قوة معك ؟ فارضنا لك ~~ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه ، ويحتال عليه بحيل ، ~~كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام ، لعلها توافقه على ترك ما تهواه ~~وتركن إليه ، كما قال القائل : # فاحتل على النفس فرب حيله # أنفع في النصرة من قبيله # جزء : 6 رقم الصفحة : 180 # 181 PageV06P274 ~~قلت : " معه " : يتعلق بمحذوف ، أي : بلغ السعي يسعى معه ، ولا يتعلق ببلغ ~~؛ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ ، ولا بالسعي ؛ لأن المصدر لا يتقدم عليهم ~~عموله ، إلا أن يقال : يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. # يقول الحق جل جلاله : {وقال} إبراهيم : {إني ذاهب إلى ربي} إلى موضع ~~أمرني ربي بالذهاب إليه ، وهو الشام ، أو : إلى مرضاة ربي ، بامتثال أمره ~~بالهجرة أو : إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي ، {سيهدين} أي : ~~سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني ، أو : إلى مقصدي ، وإنما بت القول لسبق وعده ~~؛ لأن الله وعده بالهداية ، أو : لفرط توكله ، أو : للبناء على عادته معه. ~~ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. # ثم قال : {رب هب لي من الصالحين} بعض الصالحين ، يعينني على الدعوة ~~والطاعة ، ويونسي في الغربة. يريد الولد ؛ لأن لفظ الهبة غلب على الولد. ~~{فبشرناه بغلام حليم} انطوت البشارة على ثلاث : على أن الولد ذكر ، وأنه ~~يبلغ أوان الحلم ؛ لأن الصبي لا يوصف بالحلم ، وأنه يكون حليما ، وأي حليم ~~أعظم من حلمه ، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق ، فقال : {ستجدنى ms2441 إن شآء ~~الله من الصابرين} [الصافات : 102] ، ثم استسلم. وقيل : ما نعت الله نبيا ~~بالحلم إلا إبراهيم وابنه ؛ لمعزة وجوده. PageV06P275 # {فلما بلغ معه السعي} أي : فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله ~~وحوائجه ، أي : الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه ، وكان إذ ذاك ابن ثلاث ~~عشرة سنة. وقيل : سبع سنين. {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} أي : ~~قيل له في المنام : اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي ، كاليقظة. قال الكواشي ~~: لم ير أنه يذبحه في النوم ، ولكنه أمر في النوم بذبحه ، بدليل قوله : ~~{افعل ما تؤمر}. وقيل : رأى أنه يعالج ذبحه ، ولم ير إراقة الدم. وقال ~~قتادة : رؤيا الأنبياء حق ، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم ~~وتحققه إياه حتى عمل بما رأى ، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم ، فلا ~~مجال للكذب فيما يوحى إليهم ، وفيما يصدر عنهم ، فهم صادقون مصدقون ، فليس ~~للشيطان عليهم سبيل ، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى ~~بالصدق. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 181 # وإنما لم يقل : " رأيت " ؛ لأنه رأى مرة بعد أخرى ، فقد قيل : رأى ليلة ~~التروية كأن قائلا يقول له : إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا ، فلما أصبح روى ~~في ذلك من الصباح إلى الرواح ؛ ليعلم أمن الله هذا الحلم ، أم لا ، فسمي ~~يوم التروية ، فلما أمسى رأى مثل ذلك ، فعرف أنه من الله ، فسمي يوم عرفة ، ~~ثم رأى مثله في الليلة الثالثة ، فهم بنحره ، فسمي يوم النحر. # 182 # واختلف من المخاطب المأمور بذبحه ، فقال أهل الكتابين : هو إسحاق ، وبه ~~قال عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، والعباس ، وابنه عبد الله ، وكعب الأحبار ، ~~وسعيد بن جبير ، وقتادة ، ومسروق ، وعكرمة ، والقامس بن أبي برة ، وعطاء ، ~~ومقاتل ، والزهري ، والسدي. قال سعيد بن جبير : أري إبراهيم ذبح إسحاق في ~~المنام ، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة ، حتى أتى المنحر ~~بمنى ، فلما صرف عنه الذبح ، وأمره أن يذبح الكبش ، وذبحه ، سار به مسيرة ~~شهر في روحة واحدة ms2442 ، طويت له الأودية والجبال. ه. PageV06P276 # واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق ، ~~وقال هنا : {فبشرناه بغلام} فتعين أنه إسحاق ؛ إذ هو المبشر به في غير هذه ~~الآية ، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق ، وأما ~~إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه ، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة ~~إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال : يا رب ؛ ~~الناس يقولون : إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فبم ذلك ؟ فقال : إن إبراهيم ~~لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني ، وإن إسحاق جاد لي بالذبح ، وهو لي بغير ~~ذلك أجود ، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك : ~~أترغب أن تأكل معي ، وأنا والله يوسف بن يعقوب ، نبي الله ، ابن إسحاق ، ~~ذبيح الله ، ابن إبراهيم ، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة ~~والسلام سئل : أي النسب أشرف ؟ فقال : " يوسف صديق الله ، ابن يعقوب ~~إسرائيل الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع ~~الصغير : " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود ، والبزار وابن ~~مردويه عن العباس ، وأبي هريرة. # وقال آخرون : هو إسماعيل ، وبه قال عمر ، وأبو الطفيل عامر بن واثلة ، ~~وسعيد بن المسيب ، والشعبي ، ويوسف بن مهران ، ومجاهد ، وابن عباس أيضا ، ~~وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه ~~السلام : " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما : جده إسماعيل ، والآخر : أبوه ، ~~فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم ، أو بلغ بنوه عشرا ، ~~فلما سهل ، أقرع بينهم ، فخرج السهم على عبد الله ، ففداه بمائة من الإبل ، ~~ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة ، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة ~~حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير ، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 181 PageV06P277 ~~وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته ، والثانية بنبوته ، أو : بسلامته. ~~وبأن الثانية تفسير للأولى ، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر ms2443 المبشر به : وكانت ~~تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه ~~أبا ، كقوله تعالى : {نعبد إلهك # 183 # وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} [البقرة : 133] وكان عما له ، ~~وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح ~~بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. # ولما قال له : {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر} به {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} على الذبح. روي أن ~~إبراهيم قال لابنه : انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى ، فأخذ سكينا وحبلا ، ~~ثم انطلق معه ، حتى إذا ذهب بين الجبال ، قال له الغلام : يا أبت أين ~~قربانك ؟ فقال : {يا بني إني أرى في المنام...} الآية ، فقال : يا أبت خذ ~~بناصيتي ، واجلس بين كتفي ، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة ، ولا تذبحني ~~وأنا ساجد ، واقرأ على أمي السلام ، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل ، ~~عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم : نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه ~~إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله ، وهو يبكي ، والابن يبكي ، حتى استنقعت ~~الدموع تحت خده. PageV06P278 # {فلما أسلما} أي : انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة : أسلم هذا ابنه ، ~~وهذا نفسه. {وتله للجبين} صرعه على جنبه ، ووضع السكين على حلقه ، فلم تعمل ~~، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين ، ونودي : يا إبراهيم قد صدقت ~~الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف ، أي ~~: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين : الجواب : (وتله) والواو : ~~زائدة. وقال الكسائي : الجواب : (وناديناه) والواو زائدة. وقال الخليل ~~وسيبويه : الجواب محذوف ، أي : فلما أسلما سلما. وقدر الراضي : فلما أسلما ~~كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. # {وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} أي : حققت ما أمرناك به في ~~المنام ، من تسليم الولد للذبح ، وبالعزم والإتيان بالمقدمات ، {إنا كذلك ~~نجزي المحسنين} تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل : أن الجزاء ms2444 ~~هو الوقاية من الذبح ، مع إمرار السكين ، ولم تقطع ، جزاء على إحسانهما ، ~~وقد ظهرت الحكمة بصدقهما ، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة ، لا ~~تحصيل الذبح ، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع ، تعجب. فنودي : يا إبراهيم ~~كان المقصود من هذا استسلامكما ، لا ذبح ولدك. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 181 # إن هذا لهوا البلاء المبين} الاختبار البين ، الذي يتميز فيه المخلصون من ~~غيرهم. أو : المحنة البينة الصعبة ، فإنه لا محنة أصعب منها. {وفديناه بذبح ~~عظيم} : ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس : هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه ~~، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه : لو تمت تلك الذبيحة ~~لصارت سنة ، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة ، ~~فرماه ؛ سبع حصيات ، حتى أخذه ، فبقيت # 184 PageV06P279 ~~سنة في الرمي. قلت : والجمهور : أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده ، ~~ثلاث مرات ، فرماه سبع حصات عند كل مرة ، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ~~ذبحه ، قال جبريل : الله أكبر ، فقال الذبيح : لا إله إلا الله ، والله ~~أكبر ، فقال إبراهيم : الله أكبر ولله الحمد ، فبقيت سنة صبيحة العيد. # قال البيضاوي : واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل ، فإنه عليه السلام كان ~~مأمورا بالذبح ، لقوله : {افعل ما تؤمر} ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن ~~الفاسي في الحاشية : ولما بذل إبراهيم وسعه ، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه ~~على شقه ، وإمرار الشفرة على حلقه ، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل ، وإن ~~كان ورود النسخ قبل الفعل جائز ، لكن هذه الآية ليست منه في شيء ؛ لأنه ~~عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود ، ولم يكن منه تقصر ، ~~ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به ، لهذا قال تعالى : ~~{صدقت الرؤيا} وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن ~~المفدي شرعا ، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما ، وعوض عن ذلك ما هو ~~كرامة لهما ، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. # وقيل : إن ms2445 هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل ، بناء ~~على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل ~~السنة. وعليه ينزل الفداء ، ثم قال : والحق : إن الآية من المنسخ قبل تمام ~~الفعل وكماله ، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية ، وقال ~~: فيه تدافع ، فانظره. # {وتركنا عليه في الآخرين} أي : الثناء الحسن في الأمم الآخرين ، {سلام ~~على إبراهيم} سبق بيانه في نوح {كذلك نجزي المحسنين} لم يقل : إنا كذلك ، ~~هنا ، كما في غيره ؛ لأنه قد سبق في القصة ، فاكتفى هنا عن ذكره. {إنه من ~~عبادنا المؤمنين} فيه تنويه بشأن الإيمان ؛ لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من ~~معرفة وإحسان. PageV06P280 # جزء : 6 رقم الصفحة : 181 # الإشارة : قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم ، سيهدين إلى صريح معرفته ~~، ومكافحة رؤيته ، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه ، وهو ~~غيبة العبد عن شهود نفسه ، بشهود محبوبه ، وهذه الحالة متبوعة للامتحان ؛ ~~إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه ، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن ~~الخليل بأربع محن : تسليم بدنه للنيران ، وولده للقربان ، ورمي آخر عند ~~البيت في يد الرحمن ، وذهاب زوجه للجبار ، فوقع اللطف في الجميع ، واصطفى ~~خليلا للرحمن. وأيضا : الحق غيور ، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه ~~شيئا سواه ، فأمر بذبح ولده ؛ لإخراجه من قلبه ، كما فرق بين يوسف ووالده ، ~~وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته ، وهذه عادة الله مع ~~أصفيائه. قال القشيري : يقال في القصة : أنه رآه راكبا على فرس أشهب ، ~~فاستحسنه ، ونظر إليه بقلبه ، فأمر بذبحه ، فلما أخرجه من قلبه ، واستسلم ~~لذبحه ، ظهر الفداء. وقيل له : # 185 # كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه ، لا ذبحه. ويقال في القصة : أنه أمر ~~أباه أن يشد يديه ورجليه ؛ لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح ، فيعاتب ، ثم لما ~~هم بذبحه قال : افتح القيد عني ، فإني لا أتحرك ، فإني أخشى أن أعاتب ، ~~فيقول : أمشدود اليد جئتني ؟ وأنشدوا : # ولو بيد الحبيب ms2446 سقيت سما # لكان السم من يده يطيب PageV06P281 ~~قيل : إن الولد كان أشد بلاء ، لأنه وجد الذبح من يد أبيه ، ولم يتعود منه ~~إلا التربية بالجميل ، فكان البلاء منها أشد ؛ إذ لم يتوقعه منها. وقيل : ~~بل إبراهيم أشد بلاء ؛ لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده ، ويعيش بعده ، ~~ولم يأت الولد بالدعوى ، بل قال : إن شاء الله ، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم ~~قال : ويقال : إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء ، ~~وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة ، لئلا يبطل معنى الابتلاء ، وهو توجع ~~القلب بالقهرية ، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه ، وهو ~~السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء ، [يسند ~~عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك ~~، وأيوب عليه السلام ، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها ، ~~وإلا لم تكن حينئذ محنة ، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه ؛ إذ لو كشف ~~الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 181 # قلت : " نبيا " : حال مقدرة من " إسحاق " ، ولا بد من تقدير مضاف محذوف ، ~~أي : وبشرناه بوجود إسحاق نبيا ، أي : بأن يوجد مقدرا نبوته ، فالعامل في ~~الحال : الوجود ، لا فعل البشارة ، قاله الكواشي وغيره. PageV06P282 # يقول الحق جل جلاله : {وبشرناه} أي : إبراهيم {بإسحاق} بعد امتحانه ، ~~{نبيا} أي : يكون نبيا. قال قتادة : بشره بنبوة إسحاق بعدما امتحنه بذبحه. ~~قالوا : ولا يجوز أن يبشر بنبوته وذبحه معا ؛ لأن الامتحان لا يصح مع كونه ~~عالما بأن سيكون نبيا. ه. قلت : لا يبعد أن يبشر بهما معا قبل المحنة ؛ لأن ~~العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد ؛ لاتساع علمه ، فإن الوعد قد يكون متوقفا ~~على شروط ، قد لا يلم العبد بها ، وراجع ما تقدم عند قوله : {حتى إذا ~~استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف : 110] بالتخفيف ، وعند قوله : ~~{وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب : 11]. ثم قال قتادة : وهذه حجة لمن يقول ~~: إن الذبيح كان إسحاق. ومن ms2447 قال : كان إسماعيل الذبيح ، قال : بشر إبراهيم ~~بولد يكون نبيا بعد القصة ، لطاعته. ه. وذكر ابن عطية عن مالك أنه نزع بهذه ~~الآية لكون الذبيح إسماعيل ، انظر بقية كلامه. وتقدم الجواب عنه ، فإن ~~الأولى بولادته ، وهو بنبوته. انظر الحاشية. # 186 # وقوله : {من الصالحين} : حال ثانية ، وورودها على سبيل الثناء ؛ لأن كل ~~نبي لا بد أن يكون من الصالحين. قال ابن عرفة : الصلاح مقول بالتشكيك ، ~~فصلاح النبي أعظم من صلاح الولي. ه. {وباركنا عليه وعلى إسحاق} أي : أفضنا ~~عليهم بركات الدين والدنيا. وقيل : باركنا على إبراهيم في أولاده ، وعلى ~~إسحاق بأن أخرجنا من صلبه ألف نبي ، أولهم يعقوب ، وآخرهم عيسى عليه ~~السلام. {ومن ذريتهما} أي : إبراهيم وإسحاق ، وليس لإسماعيل هنا ذكر ، ~~استغناء بذكر ترجمته في مريم ، {محسن} مؤمن {وظالم لنفسه} بالكفر {مبين} ~~ظاهر كفره. أو : محسن إلى الناس ، وظالم لنفسه بتعديه عن حدود الشرع. PageV06P283 # وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر ، فقد ~~يلد البر الفاجر ، والفاجر البر. وهذا مما يهدم الطبائع والعناصر ، وتنبيه ~~على أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ، وأن المرء إنما يعاب بسوء ~~فعله ، ويعاقب بما كسبت يداه ، لا على ما وجد من أصله وفرعه. قال النسفي. ~~قلت : قاعدة " العرق نزاع " أغلبية ، لا كلية. وقيل : هو حديث ، فيكون ~~أغلبيا ، فالشجرة الطيبة لا تنبت في الغالب إلا الطيب ، إلا لعارض ، ~~والشجرة الخبيثة لا تجد فروعها إلا مثلها ، إلا لسبب. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 186 # الإشارة : البشارة الكبيرة ، والبركة العظيمة ، إنما تقع في الغالب بعد ~~الامتحان الكبير ، فبقدر الامتحان يكون الامتكان ، وبقدر الجلال يعظم ~~الجمال ، فإن مع العسر يسرا. فبقدر الفقر يعقب الغنى ، وبقدر الذل يعقب ~~العز ، إن كان في جانب الله. وقس على هذا... ويسري ذلك في العقب ، كما هو ~~مشاهد في عقب الصالحين والعلماء والأولياء. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 186 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد مننا} أنعمنا {على موسى وهارون} بالنبوة ~~وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية ، {ونجيناهما ms2448 وقومهما} بني إسرائيل ، ~~{من الكرب العظيم} من الغرق والدهش الذي أصابهم ، حين طلعت خيل فرعون عليهم ~~، أو : من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. {ونصرناهم} أي : موسى وهارون وقومهما ~~؛ {فكانوا هم # 187 # الغالبين} على فرعون وقومه. {وآتيناهما الكتاب المستبين} البليغ في بيانه ~~، وهو التوراة ، {وهديناهما الصراط المستقيم} صراط أهل الإسلام ، وهو ~~الطريق الذي يوصل إلى الحق ، {وتركنا عليهما} الثناء الحسن {في الآخرين} ~~الآتين بعدهما ، {سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من ~~عبادنا المؤمنين} الكاملين في الإيمان. PageV06P284 # الإشارة : من عليهما أولا بالخصوصية ، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم ، ~~كما هي عادته في أهل الخصوصية ، ثم من عليهم بالفرج ولانصر والعز ، ثم ~~هداهما إلى طريق السير إليه ، في الظاهر والباطن ، بإنزال الكتاب ، وبيان ~~طريق الرشد والصواب ، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة ، وشهود ~~عين التوحيد الخاص ، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 187 # يقول الحق جل جلاله : {وإن إلياس لمن المرسلين} وهو إلياس بن ياسين بن ~~العيزار ، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق : لما قبض الله حزقيل ~~النبي ، عظمت الأحداث في بني إسرائيل ، ونسوا عهد الله ، وعبدوا الأوثان ، ~~فبعث الله إلياس ، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام ، وفيهم ملوك ~~كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها ، بوأها ~~بني إسرائيل ، وقسمها بينهم ، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط ~~الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل : إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود ~~رضي الله عنه : " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. PageV06P285 # {إذ قال لقومه ألا تتقون} ألا تخافون الله ، {أتدعون بعلا} هو علم لصنم ، ~~كان من ذهب ، وكان طوله عشرين ذراعا ، وكان له أربعة أوجه ، فافتتنوا به ~~وعظموه ، حتى أخدموه أربعمائة سادن ، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس ~~إليهم شريعة من الضلالة ، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ~~، وهو من بلاد الشام ، قلت : ويسمونه اليوم عكا ، وفيه قبر صالح عليه ~~السلام ، وقيل : إن ms2449 إلياس والخضر حيان ، يلتقيان كل سنة بالموسم ، فيأخذ كل ~~واحد من شعر صاحبه. قيل : إن إلياس وكل بالفيافي ، والخضر وكل بالبحار. ~~وقيل : إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب ، وألبس الريش ، وطار مع ~~الملائكة ، فصار إنسيا ملكيا ، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. # 188 # ثم قال : {وتذرون أحسن الخالقين} أي : تعبدون صنما جامدا ، وتتركون عبادة ~~الله الذي هو أحسن الخالقين. {الله ربكم ورب آبائكم الأولين} من نصب ~~الثلاثة فبدل ، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. {فكذبوه} فسلط الله عليهم ، بعد ~~رفعه ، أو موته ، عدوا ، فقتل ملكهم وكثيرا منهم ، {فإنهم لمحضرون} في ~~النار ، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة ، أو : لأن الإحضار المطلق مخصوص ~~بالشر. {إلا عباد الله المخلصين} من قومه ، فإنهم ناجون من حضور العذاب ، ~~{وتركنا عليه} الثناء الحسن {في الآخرين}. {سلام على آل ياسين} وهو إلياس ~~وأهله ؛ لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء : إلياسين ، بكسر الهمزة ~~ووصل اللام ، أي : إلياس وقومه المؤمنين ، كقولهم : الخبيبون والمهلبون ، ~~يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. {إنا كذلك نجزي ~~المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين} وقيل : آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأهله ، والسياق يأباه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 188 PageV06P286 ~~الإشارة : يؤخذ من قوله تعالى : {ألا تتقون أتدعون بعلا...} الخ ، أن مدار ~~التقوى هو توحيد الله ، والانحياش إليه ، والبعد عن كل ما سواه ، والرجوع ~~إلى الله في كل شيء ، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله : {سلام على ~~آل ياسين} في قراءة المد ، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه ، وهو ~~كذلك ؛ فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته ، فإذا كبر جاهه شفع ~~في الوجود بأسره. # جزء : 6 رقم الصفحة : 188 # يقول الحق جل جلاله : {وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه} أي : واذكر إذ ~~نجيناه {وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين} في الباقين ؛ لأنها شاركتهم ~~في عصيانهم ، فحق عليهم العذاب مثل ما حق عليهم ، {ثم دمرنا} : أهلكنا ~~{الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين} داخلين في الصباح ، {وبالليل} أي : ~~ومساء ، أو ms2450 : نهارا وليلا. ولعل مدينتهم الخالية كانت قريب منزل ينزل به ~~المسافر ، فيغدو منه ذهابا ، ويروح إليه إيابا ، فكانت قريش تنزل به وتروح ~~عنه في متاجرهم إلى الشام ، فتشاهد آثارهم الدارسة ، وديارهم الخالية. ~~{أفلا تعقلون} أفما فيكم عقول تعتبرون بها ؟ وإنما لم يختم قصة لوط ويونس ~~بالسلام ، كما ختم قصص من قبلهما ؛ لأن الله تعالى قد سلم على جميع ~~المرسلين في آخر السورة ، أو : تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع ، من أولي العزم. # الإشارة : ينبغي لمن له عقل إذا مر بآثار من سلف قبله أن يعتبر ، وينظر ~~كيف كان حالهم ، وإلى ما صار إليه مآلهم ، وأنه عن قريب لا حق بهم ، فيتأهب ~~للسفر ، ويتزود للمسير. وبالله التوفيق. # 189 # جزء : 6 رقم الصفحة : 189 PageV06P287 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإن يونس} بن متى ، اسم أبيه ، {لمن المرسلين} إلى ~~أهل نينوى ، فكذبوه ، فوعدهم بالعذاب ، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم ، ~~وهي معنى قوله : {إذ أبق} هرب. والإباق : الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه ~~الطلب ، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا ، مجازا. روي أنه لما فر ~~عنهم ، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم ، وكان يحب ذلك ؛ لتكذيبهم إياه ~~، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء ، يجأرون إلى الله ~~تعالى ، فكشف عنهم ، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم ، كره أن يرجع إليهم ~~، فركب البحر ، فأوى {إلى الفلك المشحون} : المملوء بالناس والمتاع ، فلما ~~ركب معهم وقفت السفينة ، فقالوا : هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل ~~البحر : أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر ، فاقترعوا ، فخرجت القرعة على ~~يونس ، فقال : أنا الآبق ، وزج بنفسه في البحر ، فذلك قوله : {فساهم} : ~~فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام ، {فكان من المدحضين} المغلوبين بالقرعة. ~~{فالتقمه الحوت} فابتلعه {وهو مليم} داخل في الملامة ، أو : آت بما يلام ~~عليه ، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. PageV06P288 # {فلولا أنه كان من المسبحين} من الذاكرين كثيرا بالتسبيح ، أو : من ~~القائلين : {لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين} [الأنبياء : 87] ~~أو : من المصلين ms2451 قبل ذلك ؛ قال ابن عباس رضي الله عنه : كل تسبيح في القرآن ~~فهو صلاة. قال الحسن : ما كان له صلاة في بطن الحوت ، ولكنه قدم عملا صالحا ~~فنجاه ، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه ، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي : فلولا ~~طاعته قبل ذلك {للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} قيل : للبث حيا إلى يوم ~~البعث. وعن قتادة : لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في ~~بطنه ثلاثة أيام ، أو : سبعة أو : أربعين يوما. وعن الشعبي : التقمه ضحوة ، ~~ولفظه عشية. قيل : أوحى الله تعالى إلى الحوت : إني جعلت بطنك ليونس سجنا ~~وفي رواية : مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 190 # فنبذناه} أي : أخرجناه {بالعراء} بالمكان الخالي ، لا شجر فيه ولا نبات. ~~أو : بالفضاء ، {وهو سقيم} عليل مطبوخ ، مما ناله من بطن الحوت. قيل : إنه ~~عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. {وأنبتنا عليه شجرة} أي : أنبتناها فوقه ، ~~مظلة كما يطنب البيت # 190 PageV06P289 ~~على الإنسان ، {من يقطين} الجمهور على أنه القرع ، وفائدته : أن الذباب لا ~~تجتمع عنده ، وأنه أسرع الأشجار نباتا ، وامتدادا ، وارتفاعا ، وأن ورقه ~~باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لتحب القرع ، فقال ~~: " أجل ، هي شجرة أخي يونس " قلت : ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " ~~السلاوي " ؛ لأنه هو الذي ورقه لينة ، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف ~~إليه ، فيشرب من لبنها بكرة وعشية ، حتى نبت لحمه ، وأرسل الله تعالى على ~~اليقطين دابة تقرض ورقها ، فتساقطت حتى أذته الشمس ، فشكاها إلى الله ~~تعالى. وفي رواية : فحزن عليها ، فقيل له : أنت الذي لم تخلق ، ولم تسق ، ~~ولم تنبت ، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد ~~مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة ، وقد تابوا ، وتبت عليهم ، فأين رحمتي يا ~~يونس ، أنا أرحم الراحمين. ه. # {وأرسلناه إلى مائة ألف} المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام ، ~~فتكون " قد " مضمرة ، {أو يزيدون} في مرأى الناظر ، أي : إذا رآها الرائي ~~قال ms2452 : هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج : " أو " بمعنى " بل ". وقيل : ~~بمعنى الواو. قال ابن عباس : زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن : ~~بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير : سبعين ألفا. وقيل : وأرسلناه بعد ~~الالتقام إلى مائة ألف. وقيل : قوما آخرين. {فآمنوا} به ، وبما أرسل به ، ~~{فمتعناهم} بالحياة {إلى حين} منتهى أجلهم ، ولم يعاجلوا ، حيث تابوا ~~وآمنوا. # الإشارة : في قصة يونس نكتة صوفية ، ينبغي الاعتناء بها ، وهو أن العبد ~~إذا زلت قدمه ، وانحط عن منهاج الاستقامة ، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه ، ~~بل يلزم قرع الباب ، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال ، فإن الله تعالى ~~يرعى ذمام عبده ، كما يرعى العبد ذمام سيده ، وفي حال البعد والغضب يظهر ~~المحب الصادق من الكذاب ، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه : # ونحن على العهد نرعى الذمام PageV06P290 ~~وعهد المحبين لا ينقضي>> صددت فكنت مليح الصدود # وأعرضت أفديك من معرض>> وفي حالة السخط لا في الرضا # بيان المحب من المبغض # جزء : 6 رقم الصفحة : 190 # وفيها أيضا : الحث على الشفقة على عباد الله ، وإن كانوا عصاة. قال ~~القشيري : وفي القصة : أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته : قل لفلان ~~الفخار : يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها ، فقال يونس : يا رب ، ~~إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك ، فكيف آمره يكسرها كلها ؟ فقال له : يا يونس ، ~~يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة ، # 191 # وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي ؟ لم تخلقهم ، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. # ثم وبخ قريشا على قولهم : الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من ~~الأمم قبلهم ، تهديدا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 190 # يقول الحق جل جلاله : {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون} أمر رسوله ~~أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث ، بقوله : {فاستفتهم ~~أهم أشد خلقا} [الصافات : 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى ~~التي قسموها ، بأن جعلوا لله الإناث ، ولهم الذكور في قولهم : الملائكة ~~بنات الله ، مع كراهتهم لهن ms2453 ، واستنكافهم من ذكرهن ، وليس من باب العطف ~~النحوي ، خلافا للزمخشري. # {أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون} حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. ~~وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم ، وتجهيل لهم ، لأنهم كما لم يعلموا ~~ذلك مشاهدة ، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم ، ولا بإخبار صادق ، ولا ~~بطريق استدلال ونظر ، بل بمجرد ظن وتخمين ، وإلقاء الشيطان إليهم. أو : ~~معناه : أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس ؛ لإفراط جهلهم ، كأنهم شاهدوا خلقهم. PageV06P291 # {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون} في قولهم. {أصطفى ~~البنات على البنين} الهمزة للاستفهام الإنكاري ، وحذفت همزة الوصل استغناء ~~عنها بهمزة الاستفهام ، والاصطفاء : أخذ صفوة الشيء ، {ما لكم كيف تحكمون} ~~هذا الحكم الفاسد ، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل ، {أفلا تذكرون} فتعرفوا ~~أنه منزه عن ذلك ؟ {أم لكم سلطان مبين} حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن ~~الملائكة بنات الله ؟ {فأتوا بكتابكم} الذي أنزل عليكم ، {إن كنتم صادقين} ~~في دعواكم. # {وجعلوا بينه} بين الله {وبين الجنة} الملائكة لاستتارهم ، {نسبا} وهو ~~زعمهم أنهم بنات الله. أو : قالوا : إن الله صاهر الجن ، تزوج سرواتهم ~~فولدت له الملائكة ، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. {ولقد علمت الجنة ~~إنهم لمحضرون} أي : ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون ~~في النار. أو : لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد ، ~~فكيف تكون بنات الله ؟ {سبحان الله عما يصفون} # 192 # نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة ، {إلا عباد الله المخلصين} ~~استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي : لكن المخلصون ناجون من النار. و" ~~سبحان الله " : اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه ، ويجوز أن يقع ~~الاستثناء من واو " يصفون " ، أي : عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون ~~برءاء من أن يصفوه بذلك. # جزء : 6 رقم الصفحة : 192 PageV06P292 ~~الإشارة : الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة ، وتصور ~~الأثنينية ، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح ، ~~فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات ، فتوحد ~~الله ، وتنزهه ms2454 عن الاثنينية ، وعين تنظر لعالم الحكمة ، فتثبت سر الازدواج ~~والتولد في حضرة الأشباح ، والمظهر واحد ، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من ~~البحرية ، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات ، فحط رأسك لهم ، إن ~~أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 192 # يقول الحق جل جلاله : {فإنكم} أيها المشركون {وما تعبدون} أي : ومعبوديكم ~~، {ما أنتم} وهم جميعا {عليه} على الله {بفاتنين} بمضلين ، {إلا من هو صال ~~الجحيم} أي : إلا من سبق في علمه أنه من أهل النار. والمعنى : إنكم لستم ~~تضلون أحدا إلا أصحاب النار ، الذين سبق في علمه أنهم يستوجبون بأعمالهم ~~النار ، يقال : فتن فلان على فلان امرأته : أفسدها عليه. وقال الحسن : ~~فإنكم أيها القائلون لهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام ، ما أنتم على ~~عبادة الأصنام بمضلين أحدا ، إلا من أوجبت عليه الضلال في السابقة. ه. ~~وفيها دليل للقدر ، بل هي صريحة فيه. و" ما " في " أنتم " : نافية ، و" من ~~" : في موضع النصب بفاتنين ، على الاستثناء المفرغ ، أي : لا تفتنون إلا ~~الذي هو صالي الجحيم. وحذفت الياء في الرسم اكتفاء بالكسرة ، وقرأ الحسن : ~~" صال الجحيم " بضم اللام ووجهه : أنه جمع ، فحذفت النون للإضافة. والواو ~~لالتقاء الساكنين ، و" من " مفرد في اللفظ ، جمع في المعنى ، فحمل " هو " ~~على اللفظ ، و" الصالون " على المعنى. PageV06P293 # الإشارة : ويقال لمن يرغب الناس في الدنيا ، ويدلهم على جمعها ، والاعتناء ~~بها ، بمقاله ، أو بحاله ، ويزهد في طريق التجريد والانقطاع إلى الله : ما ~~أنتم بقانتين أحدا عن طريق الله ، إلا من سبق أنه يصلى نار القطيعة والبعد ~~، وأما من سبقت له سابقة الوصال ، فلا يصده عن الله فاتن ولا ضال. ولا شك ~~أن من يدل الناس على الدنيا فقد غشهم. قال القطب ابن مشيش رضي الله عنه : ~~من دلك على الدنيا فقد غشك ، ومن دلك على العمل فقد أتبعك ، ومن دلك على ~~الله فقد نصحك. ه. فالدلالة على الدنيا من شأن المغرورين ، ورين الفاتنين ، ~~والدلالة على العمل من شأن الصالحين ، الواقفين مع ظاهر ms2455 الشريعة # 193 # وعملها ، والدلالة على الله من شأن العارفين أهل التربية ، يدلون على ~~الله ، بسقي الكؤوس ، ونسيان النفوس ، ودخول حضرة القدوس ، من باب الكرم ~~والجود. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 193 # يقول الحق جل جلاله حاكيا عن الملائكة : {وما منا إلا له مقام معلوم} في ~~العبادة ، أو : في السموات ، نعبد الله فيه ، أو : في القرب والمشاهدة لا ~~نتعداه ، ولا نترقى عنه إلى غيره ، ففيه تنبيه واعتراف بافتقارهم لمخصصهم ، ~~القاضي بحدوثهم. وفي اعترافهم بذلك رد على زعم الكفار أنهم بنات الله ، أو ~~شركاء له ، وتنزيه له تعالى عن ذلك ؛ لتنافي العبودية والطاعة التي اعترفوا ~~بها ، والبنوة المدعاة من الكفار ، تعالى الله عن قولهم. وهذا يجري أيضا في ~~القول الذي يقول : إنهم قسم ثالث ، ليسوا بجوهر ولا عرض ، كالأرواح ، فإنها ~~على تقدير كونها كذلك ، جائزة ؛ لقبولها التفاوت في العلوم والمعارف وغير ~~ذلك. وذلك قاض بالافتقار ، والتخصيص لما هي عليه ، المستلزم للحدوث. قاله ~~في الحاشية. PageV06P294 # قلت : القول بأن الملائكة مجردات عن المادة ، هو قول الفلاسفة ، ونحى إليه ~~الغزالي. وهو مناقض للقرآن والحديث ؛ لأن كونهم صفوفا قائمين ، أو ساجدين ، ~~أو سائرين ، يقتضي تشكيلهم وتحييزهم ، فيستلزم المادة ؛ إلا أنها نورانية ~~لطيفة ، وكذلك الأرواح ، على ما في الأحاديث ، فإنها متحيزة على أشكال ~~لطيفة. والله أعلم. # {وإنا لنحن الصافون} نصف أقدامنا في الصلاة ، أو : نصف حول العرش داعين ~~للمؤمنين ، {وإنا لنحن المسبحون} المنزهون الله تعالى عما نسبته إليه ~~الكفرة ، من الولد ، وغير ذلك من الأباطيل المذكورة. أو : المشتغلون ~~بالتسبيح على الدوام ، أو : المصلون. ويحتمل أن يكون هذا وما قبله ؛ من ~~قوله : {سبحان الله...} الخ ، من كلام الملائكة ، حتى يتصل بذكرهم ، كأنه ~~قيل : ولقد علم الملائكة أن المشركين محضرون للعذاب على افترائهم على الله ~~فيما نسبوا إليه ، وقالوا : سبحان الله ، ونزهوه عن ذلك ، واستثنوا عباد ~~الله المخلصين ، وبرؤوهم من ذلك ، وقالوا للكفرة : وإذا صح ذلك ؛ فإنكم ~~وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحدا من خلقه ، وتضلوه ، إلا من كان ~~من أهل النار ، وكيف نكون مناسبين لرب ms2456 العزة! وما نحن إلا عبيد أذلاء بين ~~يديه ، لكل منا مقام من الطاعة معلوم ، لا يستطيع أن يزل عنه ، ونحن نصف ~~أقدامنا لعبادته ، مسبحين بحمده ، كما يجب على العباد. ولعل قولهم : {وما ~~منا إلا له مقام معلوم} إشارة إلى تفاوتهم في درجات القرب ومقامات اليقين : ~~وقولهم : {وإنا لنحن الصافون} إشارة إلى تفاوتهم في الطاعات والعبادات ، ~~وهم طبقات : منهم هائمون مستغرقون في الشهود ، ومنهم مستغرقون في مقام # 194 # الهيبة والمراقبة ، ومنهم مستغرقون في الخدمة والعبادة. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 194 PageV06P295 ~~الإشارة : مادة الآدمي أكمل من مادة الملائكة ، فإذا اتصل العبد بشيخ كامل ~~، واعتنى بتصفية روحه وسره ، طوى نوره الوجود بأسره ، ولا يزال يترقى في ~~معاريج أسرار التوحيد والتفريد ، وتتوارد عليه الكشوفات ، والعلوم ، ~~والأسرار ، في هذه الدار الفانية ، وفي تلك الدار الباقية ، أبدا سرمدا ، ~~بخلاف الملائكة ، فإن لكل واحد مقاما معلوما لا يتعداه ، كما أخبر تعالى : # وسر ذلك : أن الآدمي فيه بشرية وروحانية ، فكلما جاهد نفسه ، وغاب عن حس ~~بشريته ؛ ترقى في معارج التوحيد ، والمجاهدة لا تنقطع عنه في هذه الدار ؛ ~~لأنها دار أكدار ، فلا ينقطع عنه الترقي في المشاهدة ، وأما في تلك الدار ؛ ~~فالترقي فيها من باب الكرم والإثابة على ما هنا. وأيضا : البشرية للآدمي ~~بمنزلة الطلاء للمرآة ، فالمرآة بلا طلاء لا ترى فيها صور الأشياء ، كذلك ~~الملائكة لا بشرية لهم ، فلا تنكشف لهم الحقائق كما تنكشف للآدمي ، ولو كشف ~~لهم ما انكشف له لذابوا. والله أعلم. # قال في القوت : لعمري إن سائر الملائكة لا ينتقلون في المقامات كترقي ~~المؤمنين ، إنما لكل مقام معلوم ، لا ينتقل إلى غيره ، إلا أنهم يمدون من ~~ذلك بمدد لا نهاية له إلى يوم القيامة ، بأكثر ما يزاد جملة البشر ه. قلت : ~~ومعنى كلامه : أن الملائكة يمدون في مقامهم بقوة لا يستطيعها البشر ، فمن ~~كان في مقام الهيبة دام فيها ، وقوي عليها ، ومن كان في مقام الخدمة ، دام ~~عليها ، وقوي عليها ، قوة لا يطيقها البشر ، ولا يترقى عنها ، بخلاف الآدمي ~~، فليست فيه هذه ms2457 القوة ، لكنه يترقى من مقام إلى مقام ، ويترقى في المعارف ~~على الدوام. PageV06P296 # ثم بسط صاحب القوت في ذلك الكلام في فضائل الصلاة ، وأنها جامعة لما فرق ~~على الملائكة من الأعمال والأذكار. قال : وبذلك فضل المؤمنون الملائكة ، ~~وكذلك فضل الموقن أيضا في مقامات اليقين من أعمال القلوب ، على الأملاك ~~بالتنقيل بأن جمعت فيه ، ورفع فيها مقامات ، والملائكة لا ينقلون ، بل كل ~~ملك موقوف في مقام معلوم ، لا ينقل منه إلى غيره ، وإنما له المزيد من ~~المقام الواحد على قدر قواه ، وجمع ذلك كله في قلب المؤمن ، ونقل فيه ~~مقامات. وكان له من كل مقام مشاهدات. ه. # قال المحشي الفاسي : وفيه نظر ، مع تلقيهم ضروب الوحي الجامع للمقامات ، ~~فكيف لا يمكنهم تحققا بها على اختلافها ؟ ولو كان كما قال ؛ لكان كل ملك ~~إنما يتلقى من الوحي ما يناسبه ، ويختص بمقامه ، وليس الأمر كذلك ضرورة. ه. ~~قلت : وفي نظره نظر ؛ إذ لا يلزم من تلقيهم للوحي على أنواعه أن يترقوا به ~~؛ إذ ليس الترقي هو مجرد العلم ، بل الترقي إنما هو أذواق ووجدان ، وكشوفات ~~بعد حصول العلم. وقد يتحقق العلم بالمقام ، ولا ينتقل عنه إلى غيره ، بل قد ~~يعلمه ولا يذوقه ، كما هو محقق عند أهل # 195 # الفن ، ثم قال : والحق ما نبه عليه البيضاوي. وكلام القوت ينظر لقول ~~الحكماء ، ومثله كلام الإحياء. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 194 PageV06P297 ~~ونص البيضاوي في قوله تعالى : {قال يا آدم أنبئهم بأسمآئهم} [البقرة : 33] ~~الآية : إن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة ، والحكماء منعوا ذلك في ~~الطبقات العليا منهم ، وحملوا عليه قوله تعالى : {وما منا إلا له مقام ~~معلوم}. ه. قلت : ترقي الآدمي هو انتقاله من مقام إلى مقام ، حتى يكاشف ~~بأسرار الذات وأنوار الصفات ، ثم لا يزال يترقى في الأذواق والكشوفات ، ~~يتجدد له في كل يوم وساعة ، حلاوة وكشف لم تكن عنده قبل ، بخلاف الملائكة ، ~~فإنما يترقى كل واحد في كشف أسرار مقامه ، ويجد حلاوة في ذلك المقام لم تكن ~~له قبل ، ولا ينتقل عنه ، فمن كان ms2458 من أهل الخدمة زاده الله حلاوتها. ومن ~~كان من أهل المراقبة فكذلك. ومن كان من أهل المشاهدة غلب عليه السكر ~~والهذيان ، ولا يزيد على ذلك. وهم الطبقة العليا ، فلا منافاة بين كلام ~~القوت وكلام البيضاوي ؛ لأن الترقي إنما هو في الأذواق والكشوفات ، لا في ~~العلوم الغيبية ، ولا في الكمالات النفسية. فتأمله. PageV06P298 # وقال القشيري : الملائكة لا يتخطون مقامهم ، ولا يتعدون حدهم ، والأولياء ~~مقامهم مستور بينهم وبين الله ، لا يطلع عليه أحد ، والأنبياء عليهم ~~السلام لهم مقام مشهور ، مؤيد بالمعجزات الظاهرة ؛ لأنهم للخلق قدوة ، ~~فأمرهم على الشهرة ، وأمر الأولياء على الستر. ه. وقال الورتجبي : أهل ~~البدايات في مقام الطاعات ، والأوساط في المقامات ، مثل التوكل والرضا ، ~~والتسليم ، والمحبون في مقامات الحالات والمواجيد ، وأهل المعرفة في مقام ~~المعارف ، ينقلون في المشاهدة من مقام إلى مقام ، ولا يبقى المقام للموحدين ~~، فإنهم مستغرقون في بحار الذات والصفات ، فليس لهم مقام معلوم ؛ لأن هناك ~~لم يكن لهم وقوف ، حيث أفناهم قهر الجلال ، والجمال ، والعظمة ، والكبرياء ~~، عن كل ما وجدوا من الحق ، فيبقوا في الفناء إلى الأبد. ه. قلت : ما ذكر ~~من الطبقات الثلاث هم العباد ، والزهاد ، وأرباب الأحوال ، وحالهم كحال ~~الملائكة ، يمدون في مقامهم ، ولا ينتقلون منه ، فلكل واحدة قوة في مقامه ، ~~لا يطبقها العارف ، لكنه فاتهم بالترقي عنهم إلى مشاهدة الذات ، والترقي ~~فيها أبدا. # ثم قال الورتجبي في قوله تعالى : {وإنا لنحن الصافون} : لما كانوا من أهل ~~المقامات المعلومات افتخروا بمقاماتهم في العبودية ، من الصلاة والتسبيح ، ~~ولو كانوا من أهل الحقائق في المعرفة لفنوا عن ملاحظة طاعتهم ، من استيلاء ~~أنوار مشاهدة الحق عليهم ، والاستغراق في بحار من الألوهية. قال بعضهم : ~~لذلك قطعت بهم مقاماتهم عن ملاحظة المنة ، حتى قالوا بالتفخيم : {إنا لنحن} ~~فلما أظهروا سرائرهم عارضوا إظهار أفعال الربوبية بالمعارضة ، حتى قالوا : ~~{أتجعل فيها من يفسد فيها} [البقرة : 30]. ه. # 196 # وكلامنا كله مع عامة الملائكة ، وأما المقربون ؛ فالأدب الإمساك عنهم ~~صلوات الله وسلامه عليهم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 194 PageV06P299 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإن كانوا} أي ms2459 : مشركو قريش {ليقولون} قبل مبعثه صلى ~~الله عليه وسلم : {لو أن عندنا ذكرا من الأولين} أي : كتابا من كتب الأولين ~~، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل ، {لكنا عباد الله المخلصين} أي : ~~لأخلصنا لله ، وما كذبنا كما كذبوا ، ولما خالفنا كما خالفوا ، فلما جاءهم ~~الذكر الذي هو سيد الأذكار ، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب ، فكفروا به ~~، {فسوف يعلمون} عاقبة تكذيبهم ، وما يحل بهم من الانتقام. و" إن " مخففة ، ~~واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون ، مؤكدين للقول ، جادين فيه ، ثم ~~نقضوا بأشنع نقض ، فكم بين أول الأمر وآخره!. # ثم بشر رسوله بالنصر والعز ، فقال : {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} ~~أي : وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله : {إنهم لهم المنصورون} دون ~~غيرهم ، {وإن جندنا لهم الغالبون} وإنما سماها كلمة ، وهي كلمات ؛ لأنها ~~لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة ، والمراد : الوعد بعلوهم ~~على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا ، وعلوهم عليهم في ~~الآخرة. وعن الحسن : ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه : إن ~~لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل : أن قاعدة أمرهم ، وأساسه ~~، والغالب منه : الظفر والنصر ، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء ~~والمحنة فنادر ، والعبرة بالغالب. # {فتول عنهم حتى حين} إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها ، أو : ~~إلى بدر ، أو : إلى فتح مكة ، {وأبصرهم} أي : أبصر ما ينالهم ، والمراد ~~بالأمر : الدلالة على أن ذلك كائن قريب ، {فسوف يبصرون} ما قضينا لك من ~~النصر والتأييد ، والثواب الجزيل في الآخرة. و" سوف " للوعيد ، لا للتبعيد. # جزء : 6 رقم الصفحة : 197 # ولما نزل : {فسوف يبصرون} قالوا : متى هو ؟ فنزل : {أفبعذابنا يستعجلون} قبل # 197 PageV06P300 ~~وقته ؟ {فإذا نزل} العذاب {بساحتهم فساء صباح المنذرين} صباحهم. واللام ~~للجنس ؛ لأن " ساء " و" ليس " يقتضيان ذلك. قيل : هو نزول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل : نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه ~~بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح : مستعار من : صباح ms2460 الجيش المبيت ، ~~استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا ، ~~وإن وقعت في غيره. # {وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون} كرر ليكون تسلية بعد تسلية ، ~~وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد ، وفيه فائدة ، وهو إطلاق الفعلين معا عن ~~التقييد بالمفعول ، بعد التقييد له ، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ~~ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل : أريد بأحدهما ~~: عذاب الدنيا ، وبالآخر : عذاب الآخرة. # {سبحان ربك رب العزة} أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها ، أو : يريد : أن ~~ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها ، لقوله : {وتعز من تشآء} [آل عمران : ~~26] أي : تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. {وسلام على ~~المرسلين} عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة ؛ لأن في تخصيص كل ~~بالذكر تطويلا. {والحمد لله رب العالمين} على هلاك الأعداء ، ونصرة ~~الأنبياء. PageV06P301 # قيل : في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين ~~وأكاذيبهم ، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع ، تعليم ~~للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم ؛ لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو ~~هفوة ، وكلمات فيها رضى الله وسخطه ، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس ~~أن يتلو هذه الآية ؛ لتكون مكفرة لتلك السقطات ، ويحمد لما وفق من الطيبات ~~، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم : " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند ~~قيامه ثلاث مرات ؛ إلا كفر بهن عنه ، ولا يقولهن في مجلس خير ، ومجلس ذكر ، ~~إلا ختم الله بهن ، كما يختم بخاتم على الصحيفة ؛ سبحانك اللهم وبحمدك ، ~~أشهد ألا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو ~~الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه : من أراد أن يكتال بالمكيال ~~الأوفى من الأجر يوم القيامة ، فليكن آخر كلامه : {سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون}... الخ. # جزء : 6 رقم الصفحة : 197 # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين ~~، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة : ترى بعض ms2461 الناس يقول : لو ظهر شيخ التربية ~~لكنا من المخلصين ، بصحبته # 198 PageV06P302 ~~وخدمته ، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر ، وأنف واستكبر ، وقنع بما عنده من ~~العلم ، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه ، من الامتحان في أول ~~البادية ، قال : ليس هذه طريق الولاية ، فيقال له : ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين ، ولمن كان على قدمهم ، إنهم لهم المنصورون ، وإن جندنا ~~لهم الغالبون ، فتول عن مثل هذا حتى حين ، وهو وقت هجوم الموت عليه ، وأبصر ~~ما يحل به من غم الحجاب ، وسوء الحساب ، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة ~~من الاصطفاء والتقريب ، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم ، فيقال له : ~~{أفبعذابنا يستعجلون...} الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا ~~بالإحسان ، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن ، فينزهونه بقولهم : {سبحان ربك ~~رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين}. # 199 # جزء : 6 رقم الصفحة : 197 PageV06P303 ### | AUTO سورة ص # جزء : 6 رقم الصفحة : 199 # يقول الحق جل جلاله : {ص} أي : أيها الصادق المصدوق. وقال القشيري : ~~معناه : مفتاح اسمه الصادق ، والصبور ، والصمد. أقسم بهذه الأسماء ، ~~وبالقرآن {ذي الذكر} أي : ذي الشرف التام ، الباقي ، المخلد لمن تمسك به ، ~~أو ذي الوعظ البليغ لمن اتعظ به ، أو ذي الذكر للأمم والقصص والغيوب. أو : ~~يراد به الجميع. وجواب القسم : محذوف ، أي : إنه لكلام معجز ، أو : إنه لمن ~~عند الله ، أو : إن محمدا لصادق ، أو : ما الأمر كما يزعمون ، أو : {إنك ~~لمن المرسلين} [يس : 3] وقيل : {إن كل إلا كذب الرسل} [ص : 14] أو : {إن ~~ذلك لحق تخاصم أهل النار} [ص : 64] وهو بعيد. # {بل الذين كفروا} من قريش {في عزة} ؛ تكبر عن الإذعان لذلك ، والاعتراف ~~بالحق ، {وشقاق} ؛ خلاف لله ولرسوله. والإضراب عن كلام محذوف يدل عليه جواب ~~القسم ، أي : إن كفرهم ليس عليه برهان ، بل هو بسبب العزة ، والعداوة ، ~~والشقاق ، وقصد المخالفة. والتنكير في " عزة وشقاق " للدلالة على شدتهما ~~وتفاقمهما. وقرىء " في غرة " أي : في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق. # ثم هددهم بقوله : {كم ms2462 أهلكنا من قبلهم} ؛ من قبل قومك {من قرن} ؛ من أمة ~~أو جيل ، {فنادوا} أي : فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب : {ولات حين مناص} ~~أي : وليس الوقت وقت خلاص ونجاة وفرار ، والمعنى : أنهم استغاثوا حين لم ~~ينفعهم ذلك. # 200 # {ولات} هي " لا " المشبهة ب " ليس " ، زيدت عليها تاء التأنيث ، كما زيدت ~~على " رب " ، و" ثم " للتوكيد ، وتغير بذلك حكمها ، حيث لم تدخل إلا على ~~الأحيان ، ولم يبرز إلا أحد معموليها ، إما الاسم أو الخبر ، وامتنع ~~بروزهما بنفي الأحيان ، وهذا مذهب الخليل وسيبويه ، وعند الأخفش أنها ~~النافية للجنس ، زيدت عليها الهاء ، وخصت بنفي الأحيان. وقال أبو محمد مكي ~~: الوقف عليها عند سيبويه ، والفراء ؛ وأبي إسحاق ، وابن كيسان ، بالتاء ، ~~وعليه جماعة القراء ، وبه أتى خط المصحف. وعند المبرد والكسائي بالهاء ، ~~بمنزلة " رب ". اه. PageV06P304 # الإشارة : افتتح الحق جل جلاله هذه السورة ، التي ذكر فيها أكابر أصفيائه ، ~~بحرف الصاد ، إشارة إلى مادة الصبر ، والصدق ، والصمدانية ، والصفاء ؛ إذ ~~بهذه المقامات ارتفع من ارتفع ، وبالإخلال بها سقط من سقط. فبالصبر على ~~المجاهدات تتحقق الإمامة والقدوة ، وبالصدق في الطلب يقع الظفر بكل مطلب ، ~~وبالصمدانية تقع الحرية من رق الأشياء ، وبالصفاء تحصل المشاهدة والمكالمة ~~، فكأن الحق تعالى أقسم بهذه الأشياء وبكتابه العزيز ؛ إن المتكبرين على ~~أهل الخصوصية ما أنكروا إلا جحودا وعنادا ، وتعززا واستكبارا ، لا لخلل ~~فيهم ، ثم أوعدهم بالهلاك ، كما أهلك من قبلهم ، فاستغاثوا حين لم ينفعهم ~~الغياث. # جزء : 6 رقم الصفحة : 200 # {وعجبواا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هاذا ساحر كذاب أجعل الآلهة ~~إلاها واحدا إن هاذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا علىا ~~آلهتكم إن هاذا لشيء يراد ما سمعنا بهاذا فى الملة الآخرة إن هاذا إلا ~~اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا...} # يقول الحق جل جلاله : {وعجبوا} أي : كفار قريش من {أن جاءهم منذر منهم} ؛ ~~رسول من أنفسهم ، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري : وعجبوا ~~أن جاءهم منذر منهم ، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلها لهم ، وهذه مناقضة ~~ظاهرة. ه. يعني ms2463 : لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر ، لا وجود ~~منذر من البشر ، وهم عكسوا القضية. {وقال الكافرون هذا ساحر كذاب} أي : ~~ساحر فيما يظهر من المعجزات ، كذاب فيما يدعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع ~~المضمر تسجيلا عليهم بالكفر ، وغضبا عليهم ، وإشعارا بأن كفرهم هو الذي ~~جسرهم على هذه المقالة الشنعاء. PageV06P305 # ثم قالوا : {أجعل الآلهة إلها واحدا} بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم ~~وقصرها على واحد ، {إن هذا لشيء عجاب} ؛ بليغ في العجب ، وذلك لأنه خلاف ما ~~ألفوا عليه آباءهم ، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم ، كابرا عن كابر ، فإن ~~مدار كل ما يأتون ويذورن ، # 201 # من أمور دينهم ، هو التقليد والاعتياد ، فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجبا ~~من العجاب ، بل محالا ، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد ، وقدرته ~~بالأشياء الكثيرة ، فلا وجه له ؛ لأنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ~~ومدخلا في حدوق شيء من الأشياء ، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر مؤثر ، ~~قاله أبو السعود منتقدا على البيضاوي. # جزء : 6 رقم الصفحة : 201 # قال القشيري : لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم ، وبعدوا عن ذلك تجويزا ، ~~فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما ، فلا عرفوا أولا معنى الإلهية ؛ فإن الإلهية ~~هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على ذلك غير صحيح ؛ لما يجب من وجود ~~التمانع بينهما وجوازه ، وذلك يمنع من كمالها ، ولو لم يكونا كاملي الوصف ~~لم يكونا إلهين ، وكل من جر ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. ه. PageV06P306 # روي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون ، وشق على قريش ، ~~فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم ، ومشوا إلى أبي طالب ، وقالوا : أنت ~~كبيرنا ، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء أي : الذين دخلوا في الإسلام ~~وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك ، فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فقال : يا ابن أخي ؛ هؤلاء قومك يسألونك السواء ، فلا تمل كل ~~الميل على قومك ، فقال عليه الصلاة والسلام : " ماذا يسألونني ؟ " فقالوا ~~: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا ، وندعك وإلهك ، فقال عليه الصلاة ms2464 والسلام : " ~~أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب ، وتدين لكم العجم " ، قالوا : نعم ، ~~وعشرا. قال : " قولوا : لا إله إلا الله " فقاموا ، وقالوا : {أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب}. قيل : العجب : ما له مثل ، والعجاب : لا مثل له. # {وانطلق الملأ منهم} أي : وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب ، ~~بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب ، وشاهدوا تصلبه عليه ~~الصلاة والسلام في الدين ، وعزيمته على إظهاره ، ويئسوا مما كانوا يرجونه ~~، بتوسط أبي طالب ، من المصالحة على الوجه المذكور ، قائلين {أن امشوا} و" ~~أن " : تفسيرية ؛ لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ، ~~أو يتفاوضوا فيما جرى لهم ، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول ، وقيل : ليس ~~المراد بالانطلاق المشي ، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام ، كما أنه ليس ~~المراد بالمشي المتعارف ، بل الاستمرار على المشي ، يعني أنه على هذا القول ~~: عبارة عن تفرقهم في طرق مكة ، وإشاعتهم للكفر. ه. أي : امشوا {واصبروا ~~على آلهتكم} أي : اثبتوا على عبادتها ، متحملين لما تسمعون في حقها من القدح. # قال القشيري : إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم ، فالمؤمون أولى # 202 # بالصبر على عبادة معبودهم ، والاستقامة في دينهم. ه. PageV06P307 # {إن هذا لشيء يراد} أي : هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من ~~أمر التوحيد ، وإبطال أمر آلهتنا ، لشيء يراد إمضاؤه وتنفيذه ، من جهته ~~عليه الصلاة والسلام لا محالة ، من غير صارف يلويه ، ولا عاطف يثنيه ، لا ~~قول يقال من طرف اللسان ، وأمر ترجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان ، ~~فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه ، بواسطة أبي طالب وشفاعته ، وحسبكم ~~ألا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية ، فاصبروا عليها ، وتحملوا ما تسمعون ~~في حقها من القدح وسوء المقالة ، أو : إن هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى ~~، ويحكم بإمضائه ، فلا مرد له ، ولا ينفع فيه إلا الصبر ، أو : إن هذا ~~الأمر لشيء من نوائب الدهر ، يراد بنا ، فلا انفكاك لنا منه ، أو : إن ~~دينكم لشيء يراد ، أي : يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا ms2465 عليه ، أو : إن هذا الذي ~~يدعيه من التوحيد ، ويقصده من الرئاسة ، والترفع على العرب والعجم ، لشيء ~~يتمنى ، ويريده كل أحد. فتأمل هذه الأقاويل ، واختر منها ما يساعده النظم ~~الجليل. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 201 # ما سمعنا بهذا} الذي يقوله من أمر التوحيد {في الملة الآخرة} أي : في ملة ~~عيسى ، التي هي آخر الملل ؛ لأن النصارى مثلثة غير موحدة ، أو : في ملة ~~قريش التي أدركنا عليها آباءنا ، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من " ~~هذا " ، أي : ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة ~~المترقبة. ولقد كذبوا في ذلك أقبح كذب ؛ فإن حديث البعثة والتوحيد ، وإبطال ~~عبادة الأصنام ، كان أشهر الأمور قبل الظهور. {إن هذا} أي : ما هذا {إلا ~~اختلاق} أي : كذب ، اختلقه من تلقاء نفسه. PageV06P308 # {أأنزل عليه الذكر} أي : القرآن {من بيننا} ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. ~~أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ، وينزل عليه الكتاب من بينهم ، حسدا ~~من عند أنفسهم ، كقولهم : {لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم} ~~[الزخرف : 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس ~~إلا الحسد ، وقصر النظر على الحطام الدنيوية ، والعياذ بالله. # قال الورتجبي : كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته ، ~~وسنا جلاله وجماله ، لم يروا إلا الصورة الإنسانية ، التي هي ميراث آدم من ~~ظاهر الخلقة. وهذا كقوله : {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف : ~~198] ، استبعدوا اصطفائيته بالوحي ، ولم يعرفوا أنه أثر الله في العالم ، ~~ومشكاة تجليه ، حتى قالوا مثل ما قالوا : {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} ، ~~رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب ، وإدراك نور صفات الحق ، فقاسوا نفس ~~محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم ، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس ، وروح ~~الأرواح ، وأصل الخليقة ، وباكورة من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في ~~مشاهدة الملكوت ، ومناصب الجبروت ، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقت الأفلاك. ه. # 203 PageV06P309 ~~الإشارة : هذه عادة الله تعالى في خلقه ، كل من يأمر الناس بالتجريد ، وخرق ~~العوائد ، وصريح التوحيد ، وترك ما ms2466 عليه الناس من جمع الدنيا ، وحب الرئاسة ~~، والجاه ، أنكروه ، وسفهوا رأيه ، وقالوا فيه : ساحر كذاب. ويقول بعضهم ~~لبعض : امشوا واصبروا على ما أنتم عليه ، من جمع الدنيا ، والخدمة على ~~العيال ، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم ، من الوقوف مع العوائد ، ما سمعنا ~~بهذا الذي يدل عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا ~~الزمان ، إن هذا إلا اختلاق ، أأنزلت عليه الخصوصية من بيننا ، ولم يعلموا ~~أن الله يختص برحمته من يشاء ، ويبعث في كل زمان من يجدد الدين بتربية ~~مخصوصة. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 201 # ثم رد عليهم بقوله : # {... بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزآئن رحمة ربك ~~العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب ~~جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب}. PageV06P310 # يقول الحق جل جلاله : {بل هم} أي : كفار قريش {في شك من ذكري} ؛ من القرآن ~~، أو الوحي ، لميلهم إلى التقليد ، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية ~~إلى علم حقيقته ، {بل لما يذوقوا عذاب} أي : بل لم يذوقوا عذابي الموعود في ~~القرآن ، ولذلك شكوا فيه ، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ ، ~~أي : إنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب ، فحينئذ يصدقون ، ولات حين ~~تصديق. {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب} أي : ما هم بمالكي خزائن ~~الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا ، ويصرفوها عمن شاؤوا ، ويختاروا للنبوة ~~بعض صناديدهم ، ويترفعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما يملك ~~الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه ، الوهاب الكثير المواهب ، المصيب ~~بها من يشاء. والمعنى : أن النبوة عطية من الله تعالى ، يتفضل بها على من ~~يشاء من عباده المصطفين ، لا مانع له ، فإنه الغالب ، الذي له أن يهب كل ما ~~يشاء لكل من يشاء. # وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره ~~عليه الصلاة والسلام من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. # {أم لهم ملك السماوات والأرض وما ms2467 بينهما} أي : بل ألهم ملك هذه العوالم ~~العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية ، ويتحكموا في التدابير ~~الإلهية ، التي اختص بها رب العزة والكبرياء ؟ ثم تهكم بهم غاية التهكم ~~فقال : {فليرتقوا في الأسباب} ، وهو جواب عن شرط مقدر ، أي : إن كان لهم ما ~~ذكر من الملك ، ويملكون التصرف في قسمة الرحمة ، فليصعدوا في المعارج ~~والطرق التي يتوصل بها إلى السماء ، # 204 # حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله ، فينزلون الوحي إلى من يختارون ~~ويستصوبون. والسبب ، في الأصل : ما يتوصل به إلى المطلوب. PageV06P311 # ثم وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم بقوله : {جند ما هنالك ~~مهزوم من الأحزاب} أي : هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل {مهزوم} ؛ ~~مكسور عما قريب ، فلا تبال بما يقولون ، ولا تكترث بما يهذون. و" جند " : ~~خبر ، أو مبتدأ ، و" مهزوم " : خبره و" ما " : صلة مقوية للنكرة. أو : ~~للتقليل والتحقير. و" من الأحزاب " : متعلق بجند ، أو : بمهزوم ، و" هنالك ~~" : إشارة إلى بدر ومصارعهم ، أو : إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب ~~لمثل ذلك القول العظيم ، من قولهم لمن ينتدب لأمر وليس من أهله : لست هنالك. # جزء : 6 رقم الصفحة : 201 # الإشارة : يقال في جانب أهل الغفلة : بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي ، ~~حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه : (خرج الناس من الدنيا ~~ولم يذوقوا شيئا ، قيل : وما فاتهم ؟ قال : حلاوة المعرفة). بل لما يذوقوا ~~عذابي ، هو وبال القطيعة والبعد ، والانحطاط عن درجات المقربين ، وسيذوقونه ~~إذا تحققت الحقائق ، حيث لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب ~~سليم. وقال في جانب من حسد أهل الخصوصية : {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز ~~الوهاب...} الآية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 201 # يقول الحق جل جلاله : {كذبت قبلهم} أي : قبل أهل مكة {قوم نوح} نوحا ، ~~{وعاد} هودا {وفرعون} موسى ، {ذو الأوتاد} ، قيل : كانت له أربعة أوتاد ~~وحبال يلعب بها أو عليها بين يديه ، وقيل : كان يوتد من يعذب بأربعة أوتاد ~~في يديه ورجليه ، ويتركه حتى ms2468 يموت. وقيل : كان يرسل عليه عقارب وحيات. وقيل ~~: معناه : ذو الملك الثابت ، من : ثبات البيت المطنب بأوتاده ، فاستعير ~~لرسوخ السلطنة ، واستقامة الأمر ، كقول الشاعر : # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة # في ظل ملك ثابت الأوتاد # 205 PageV06P312 ~~{وثمود} وهم قوم صالح ، {وقوم لوط} كذبوا لوطا ، {وأصحاب الأيكة} ؛ أصحاب ~~الغيضة كذبوا شعيبا عليه السلام ، {أولئك الأحزاب} : بدل من الطوائف ~~المذكورة. وفيه فضل تأكيد وتمهيد لما يعقبه ، وأراد بهذه الإشارة الإعلام ~~بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هؤلاء الطوائف ، وأنهم الذين ~~وجد منهم التكذيب ، ولذلك قال : # {إن كل إلا كذب الرسل} أي : ما كل أحد من آحاد أولئك الأحزاب ، أو : ما ~~كل حزب منهم إلا كذب الرسل ؛ لأن تكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم ؛ لاتفاق ~~الكل على الحق ، أو : ما كل حزب إلا كذب رسوله ، على نهج مقابل الجمع ~~بالجمع. وأيا ما كان فالاستثناء مفرغ من أعم [العلل] في خبر المبتدأ ، أي : ~~ما كل أحد منهم محكوم عليه بحكم إلا أنه كذب الرسل ، {فحق عقاب} أي : فوجب ~~لذلك أن أعاقبهم حق العقاب ، التي كانت توجبه جناياتهم من أصناف العقوبات. # {وما ينظر هؤلاء} أي : وما ينتظر أهل مكة. وفي الإشارة إليهم بهؤلاء ؛ ~~تحقير لشأنهم ، وتهوين لأمرهم ، أي : وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم ~~أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب ، {إلا صيحة واحدة} وهي ~~النفخة الثانية ؛ لما فيها من الشدة والهول ، فإنها داهية ، يعم هولها جميع ~~الأمم ، برها وفاجرها. والمعنى : أنه ليس بينهم وبين حلول ما أعد الله لهم ~~من العقاب إلا نفخة البعث ، أخرت عقوبتهم إلى الآخرة ؛ لأن حلولها بهم في ~~الدنيا يوجب الاستئصال ، وقد قال تعالى : {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} ~~[الأنفال : 33] فأخرت ليوم القيامة. وأما ما قيل من أنها النفخة الأولى ~~فمما لا وجه له ؛ لأنه لا يشاهد هولها ، ولا يصعق بها إلا من كان حيا عند ~~وقوعها. قاله أبو السعود. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 205 PageV06P313 ~~ما لها من فواق} أي : من توقف مقدار فواق ، هو ما بين حلبتي الحالب ms2469 ، أي : ~~إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان. وعن ابن عباس : ما لها من ~~رجوع وترداد ، من أفاق المريض ؛ إذا رجع إلى الصحة ، وفواق الناقة : ساعة ~~يرجع الدر إلى ضرعها. يريد : أنها نفخة واحدة ، لا تثنى ، ولا تردد. ~~والفواق بمعنى التأخر ، فيه لغتان : الفتح والضم ، وأما ما بين حلبتي ~~الناقة ، فبالضم فقط. # الإشارة : ما جرى على مكذبي الرسل يجري في مكذبي الأولياء ، إلا أن ~~عذابهم البعد والطرد ، وحرمان معرفة العيان. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 205 # 206 # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} أي : كفار مكة لما سمعوا بتأخير عقابهم ~~إلى الآخرة : {ربنا عجل لنا قطنا} أي : حظنا من العذاب الذي وعدتنا به ، ~~{قبل يوم الحساب} ولا تؤخره إلى الصيحة المذكورة. وفي القاموس : القط ~~بالكسر النصيب ، والصك ، وكتاب المحاسبة. ه. أو : عجل لنا صحيفة أعمالنا ~~لننظر فيها ، أو : حظنا من الجنة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر وعد الله ~~المؤمنين بالجنة ، فقالوا على سبيل الهزء : عجل لنا نصيبنا منها. وتصدير ~~دعائهم بالنداء للإمعان في الاستهزاء ، كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة. PageV06P314 # {اصبر على ما يقولون} من أمثال هذه المقالات الباطلة. ثم سلاه بما يقص عليه ~~من خبر الأنبياء عليهم السلام الذين كانت بدايتهم أيام المحن ، ثم جاءتهم ~~أيام المنن ، وبدأ بنبيه داود عليه السلام ، فقال : {واذكر عبدنا داود} ، ~~فإنه كان في أول أمره ضعيفا ، يرعى الغنم ، ثم صار نبيا ملكا ، ذا الأيادي ~~العظام. وقوله : {ذا الأيد} أي : ذا القوة في الدين ، والملك ، والنبوة. ~~يقال : فلان ذو يد وأيد وأياد ، بمعنى القوة ، وأياد كل شيء : ما يتقوى به. ~~{إنه أواب} : رجاع إلى الله في كل شيء ، أو : إلى مرضاة الله تعالى. وهو ~~يوما ، وهو أشد الصوم ، ويقوم نصف الليل ، مع مكابدة سياسة النبوة والملك ~~والشهود ، فقد أعطى القوة في الجهتين. # {إنا سخرنا الجبال معه} أي : ذللناها له ، تسير معه حيث يريد. ولم يقل " ~~له " ؛ لأن تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن بطريق التفويض الكلي ، ~~كتسخير الرياح وغيرها لابنه ، بل ms2470 بطريق التبعية ، والاقتداء به في عبادة ~~الله تعالى. وقيل : {معه} متعلق ب {يسبحن} ، أي : سخرناها تسبح معه ، إما ~~بلسان المقال ، يخلق الله لها صوتا ، أو : بلسان الحال ، أي : يقدس الله ~~تعالى وينزهه عما لا يليق به. والجملة : حال ، أي : مسبحات ، واختيار الفعل ~~ليدل على حدوث التسبيح من الجبال ، وتجدده شيئا بعد شيء ، وحالا بعد حال ، ~~{بالعشي} في طرفي النهار ، والعشي : وقت العصر إلى الليل {والإشراق} ، وهو ~~حين تشرق الشمس ، أي : تضيء ، وهو وقت الضحى ، وأما شروقها الثلاثي ؛ ~~فطلوعها ، تقول : شرقت الشمس ولما تشرق ، أي : طلعت ولم تضيء. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنه : ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. وعنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه صلى عند أم هانىء صلاة الضحى ، وقال : " هذه صلاة الإشراق ". ~~{والطير محشورة} أي : وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية. عن ابن عباس # 207 PageV06P315 ~~رضي الله عنه : كان إذا سبح ، جاوبته الجبال بالتسبيح ، واجتمعت إليه الطير ~~، فسبحت ، فذلك حشرها. {كل له أواب} أي : كل واحد من الجبال والطير لأجل ~~تسبيح داود. ووضع الأواب موضع المسبح ؛ لأن الأواب : الكثير الرجوع إلى ~~الله تعالى ، من عادته أن يكثر ذكر الله ، ويدير تسبيحه وتقديسه على لسانه. ~~وقيل : الضمير لله ، أي : كل من داود والجبال والطير أواب ، أي : مسبح لله ~~تعالى ومرجع للتسبيح ، وقيل : لداود ، أي : يرجع لأمره. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 206 # وشددنا ملكه} أي : قويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود. قيل : كان بيت ~~المقدس حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل. قال القشيري : ويقال : وشددنا ~~ملكه بالعدل في القضية ، وحسن السيرة في الرعية ، أو : بدعاء المستضعفين ، ~~أو : بقوم مناصحين ، كانوا يدلونه على ما فيه صلاح ملكه ، أو : بقبوله الحق ~~من كل أحد ، أو : برجوعه إلينا في عموم الأوقات. ه. وقال ابن عباس : أن ~~رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم إلى داود ، فقال المستعدي : ~~إن هذا غصبني بقرتي ، فجحد الآخر ، ولم تكن له بينة ، فقال داود : قوما حتى ~~أنظر في أمركما ، فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه ms2471 : أن اقتل الرجل الذي ~~استعدي عليه ، فتثبت داود حتى أوحى الله إليه ثلاثا أن يقتله ، أو تأتيه ~~العقوبة من الله ، فأرسل داود إلى الرجل : أن الله قد أوحى إلي أن أقتلك ، ~~فقال : تقتلني بغير بينة ؟ فقال : نعم ، والله لأنفذن أمر الله فيك ، فلما ~~عرف الرجل أنه قاتله ، فقال : لا تعجل علي حتى أخبرك أن الله تعالى لم ~~يأخذني بهذا الذنب ، الذي هو السرقة ، ولكني كنت قتلت أبا هذا غيلة ، وأخذت ~~البقرة ، فقتله داود ، فقال الناس : إذا أذنب أحد ذنبا أظهره الله عليه ؛ ~~فقتله ، فهابوه ، وعظمت هيبته في القلوب ه. PageV06P316 # {وآتيناه الحكمة} ؛ النبوة ، وكمال العلم ، وإتقان العمل ، والإصابة في ~~الأمور ، أو : الزبور وعلم الشرائع. وكل كلام وافق الحق فهو حكمة. {وفصل ~~الخطاب} ؛ علم القضاء وقطع الخصام ، فكان لا يتتعتع في القضاء بين الناس ، ~~أو : الفصل بين الحق والباطل. والفصل : هو التمييز بين الشيئين ، وقيل : ~~الكلام البين ، بحيث يفهمه المخاطب بلا التباس ، فصل بمعنى مفصول ، أو : ~~الكلام البين الذي يبين المراد بسرعة ، فيكون بمعنى فاصل ، والمراد : ما ~~أعطاه الله من فصاحة الكلام ، الذي كان يفصل به بين الحق والباطل ، والصحيح ~~والفاسد ، في قضاياه وحكوماته ، وتدابير الملك ، والمشورات. وعن علي رضي ~~الله عنه : " هو البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر " وعن الشعبي : " ~~هو : أما بعد " فهو أول من تكلم بها ، فإن من تكلم في الذي له شأن يفتتح ~~بذكر الله وتحميده ، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له الكلام ، فصل ~~بينه وبين ذكر الله بقوله : أما بعد. # 208 # الإشارة : فاصبر أيها الفقير على ما يقولون فيك ، وتسل بمن قبلك من أهل ~~الخصوصية الكبرى والصغرى ، ففيهم أسوة حسنة لمن يرجو الوصول إلى الله ~~تعالى. وقوله تعالى : {إنا سخرنا الجبال معه...} الخ. قال القشيري : كل من ~~تحقق بحالة ساعده كل شيء. ه. قلت : وفي الحكم : " أنت مع الأكوان ما لم ~~تشهد المكون ، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 206 PageV06P317 ~~يقول الحق جل جلاله : {وهل أتاك نبأ الخصم} ms2472 ؛ استفهام ، معناه التعجب ~~والتشويق إلى استماع ما في حيزه ؛ لأنه من الأنباء البديعة ، والأخبار ~~العجيبة. والخصم في الأصل : مصدر ، ولذلك يطلق على الواحد والجمع ، كالضيف ~~والزور. وأريد هنا اثنان ، وإنما جمع الضمير بناء على أن أقل الجمع اثنان. ~~{إذ تسوروا المحراب} أي : تصعدوا سوره ونزلوا إليه. والسور : الحائط ~~المرتفع ، ونظيره : تسنمه : إذا علا سنمه. والمحراب : الغرفة ، أو : المسجد ~~، سمي محرابا لتحارب الشيطان فيه والخواطر الردية. و" إذ " : متعلق بمحذوف ~~، أي : نبأ تحاكم الخصمين ، أو بالخصم ؛ لما فيه من معنى الخصومة ، {إذ ~~دخلوا على داود} : بدل مما قبله ، أو : ظرف لتسوروا ، {ففزع منهم} : تروع منهم. # روي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين ، قيل : جبريل ~~وميكائيل ، فطلبا أن يدخلا عليه ، فوجداه في عبادته ، فمنعهما الحرس ، ~~فتسوروا عليه المحراب ، فلم يشعر إلا وهما بين يديه ، جالسان ، ففزع منهم ؛ ~~لأنهم دخلوا عليه في غير يوم القضاء ، ولأنهم نزلوا من فوق ، وفي يوم ~~الاحتجاب ، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه. قال الحسن : جزأ داود عليه ~~السلام الدهر أربعة أجزاء ؛ يوما لنسائه ، ويوما للعبادة ، ويوما للقضاء ، ~~ويوما للمذاكرة مع بني إسرائيل. فدخلوا عليه يوم عبادته. # فلما فزع {قالوا لا تخف} ، نحن {خصمان بغى بعضنا على بعض} أي : ظلم ~~وتطاول عليه ، {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} ؛ لا تجر ، من : الشطط ، وهو ~~مجاوزة الحد وتخطي الحق ، {واهدنا إلى سواء الصراط} ؛ وأرشدنا إلى وسط ~~الطريق ومحجته ، # 209 # والمراد : عين الحق وصريحه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 209 PageV06P318 ~~روي : أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن ~~امرأته ، فيتزوجها إذا أعجبته ، وكان لهم عادة في المواساة بذلك. وكان في ~~أول الإسلام شيء من ذلك بين المهاجرين والأنصار ، فاتفق أن عين داود عليه ~~السلام وقعت على امرأة أوريا ، وكانت جميلة ، فأحبها ، فسأله النزول له ~~عنها ، فاستحيا أن يرده ، ففعل ، فتزوجها ، وهي أم سليمان ؛ فعوتب في ذلك ، ~~وقيل له : إنك مع عظيم منزلتك ، وكثرة نسائك ، لم يكن ينبغي لك أن تسأل ~~رجلا ليس ms2473 له إلا امرأة واحدة ، كان الواجب عليك مغالبة هواك ، وقهر نفسك ، ~~واصبر على ما امتحنت به. وقيل : خطبها أوريا ، وخطبها داود ، فآثره أهلها ، ~~فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. ه. ولعلم لم يكن ~~محرما في شرعهم ، وإنما كان خلاف الأولى. # وقال شيخ شيوخنا في حاشيته : لا يصح هذا في حق الأنبياء ، وما يحكى أنه ~~بعث أوريا إلى الغزو مرة بعد مرة ، وأحب أن يقتل ليتزوجها ، فلا يليق من ~~المتسمين بالصلاح من أبناء الناس ، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء. وقال علي ~~كرم الله وجهه : من حدثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص ~~جلدته مائة وستين ، وهو حد الفرية على الأنبياء يعني الحد مرتين . وروي : ~~أن رجلا حدث بها عند عمر بن عبد العزيز ، وعند رجل من أهل الحق ، فكذب ~~المحدث ، وقال : إن كانت القصة على ما في كتاب الله ، فما ينبغي أن يلتمس ~~خلافها ، ولا أن يقال غير ذلك ، وإن كانت على ما ذكرت ، وقد سترها الله على ~~نبيه ، فما ينبغي إظهارها عليه ، فقال عمر : لسماعي لهذا الكلام أحب إلي ~~مما طلعت عليه الشمس. PageV06P319 # والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا أنه طلب من ~~زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب ، فتزوجها ، وإنما جاءت على طريق التمثيل ~~والتعريض ، دون التصريح ؛ لكونها أبلغ في التوبيخ ، من قبل أن المتأمل إذا ~~أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه ، وأشد تمكنا من قلبه ، وأعظم ~~أثرا فيه ، مع مراعاة حسن الأدب ، بترك المجاهرة بالعتاب. قاله النفسي. # ثم ذكر التعريض بقوله : {إن هذا أخي} في الدين ، أو : في الصداقة ، أو : ~~الشركة. والتعبير به لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه ، {له تسع وتسعون ~~نعجة} ؛ النعجة : الأنثى من الضأن ، وقد يكنى بها عن المرأة ، والكناية ~~والتعريض أبلغ من التصريح. {ولي نعجة واحدة} لا أملك غيرها ، {فقال ~~اكفلنيها} أي : ملكنيها ، واجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي ، {وعزني} ؛ ~~غلبني {في الخطاب} ؛ في الخصومة ، أي : كان ms2474 أقدر مني على الاحتجاج ~~والمجادلة ، أو : غلبني في الخطبة ، حيث خطبت وخطب ، فأخذها ، وهذا منهما ~~تعريض وتمثيل ، كأنهما قالا : نحن كخصمين هذه حالهما ، فمثلت قصة أوريا مع # 210 # داود بقصة رجل له نعجة واحدة ، وخليطه له تسع وتسعون ، فأراد صاحبه تتمة ~~المائة ، فطمع في نعجة خليطه ، وحاجه في أخذها ، محاججة حريص على بلوغ ~~مراده. وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه ، ليحكم بما حكم به من قوله : # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 209 # قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} ، حتى يكون محجوبا بحكمه. وهو جواب ~~عن قسم محذوف ، قصد به عليه السلام المبالغة في إنكار فعل صاحبه به ، ~~وتهجين طمعه في نعجة من ليس له غيرها ، مع أن له قطيعا منها. ولعله عليه ~~السلام قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما ادعاه عليه ، أو : بناه على تقدير صدق ~~المدعي ، أي : إن كنت صدقت فقد ظلمك ، والسؤال : مصدر مضاف إلى المفعول ، ~~وتعديته إلى مفعول آخر لتضمينه معنى الضم PageV06P320 ~~{وإن كثيرا من الخلطاء} ؛ الشركاء الذين خلطوا أموالهم ، {ليبغي بعضهم على ~~بعض} ؛ غير مراع لحق الصحبة والشركة ، {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ~~منهم ، فإنهم يتحامون عن البغي والعدوان ، {وقليل ماهم} أي : وهم قليل. و" ~~ما " : مزيدة للإبهام ، والتعجب من قلتهم. والجملة : اعتراض. {وظن داود ~~أنما فتناه} ، الظن مستعار للعلم الاستدلالي ؛ لما بينهما من المشابهة ~~الظاهرة ، أي : علم بما جرى في مجلس الحكومة ؛ وقيل : لما قضى بينهما نظر ~~أحدهما إلى الآخر ، فضحك ، ثم صعدا إلى السماء فعلم عليه السلام أنه تعالى ~~ابتلاه. والقصر منصب على الفتنة ، أي : علم أنما فعلناه به فتنة وامتحان. # واختلف في سبب امتحانه ، قيل : لأنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب ، وقال : يا رب أرى الخير كله ذهب به آبائي ، فأوحى إليه : إني ~~ابتليتهم ، فصبروا ، فابتلي إبراهيم بنمروذ وبذبح ولده ، وإسحاق بالذبح. ~~ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره ، وأنت لم تبتل بشيء ، فقال : يا رب ~~ابتلني بمثل ما ابتليتهم به ، فابتلي بالمرأة. وقيل : إنه ادعى القوة ، ~~وقال : إنه لا يخاف من ms2475 نفسه قط ، فامتحن ، {فاستغفر ربه} إثر ما علم أن ما ~~صدر منه ذنب ؛ {وخر راكعا} أي : ساجدا ، على تسمية السجود ركوعا ، أو : خر ~~راكعا مصليا صلاة التوبة ، {وأناب} أي : رجع إلى الله بالتوبة ، روي : أنه ~~بقي ساجدا أربعين يوما يبكي ، حتى نبت البقل من دموعه ، ولم يشرب ماء إلا ~~وثلثاه دموع ، واشتغل بذلك عن الملك ، حتى وثب ابن له ، يقال له : " إيشا " ~~على ملكه ودعا إلى نفسه ، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل ، فلما غفر ~~له حاربه فهزمه. ه. PageV06P321 # وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك ، خلافا للشافعي ، إلا أنه اختلف في مذهب ~~مالك ؛ هل سجد عند قوله : {وأناب} أو عند قوله : {وحسن مآب}. وروى الترمذي ~~عن أبي سعيد الخدري : أنه رأى في المنام شجرة تقرأ سورة " ص " ، فلما بلغت ~~: " وأناب " سجدت ، وقالت : اللهم اكتب لي بها أجرا ، وحط عني بها وزراف ، ~~وارزقني بها شكرا ، # 211 # وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ، فقال له عليه الصلاة والسلام : ~~" وسجدت أنت يا أبا سعيد ؟ " قلت : لا. قال : " كنت أحق بالسجود من الشجرة ~~" ، ثم تلى نبي الله الآيات ، حتى بلغ : {وأناب} فسجد ، وقال كما قالت ~~الشجرة. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 209 # فغفرنا له ذلك} أي : ما استغفر منه. قال القشيري : ولما أوحى الله ~~بالمغفرة ، قال : يا رب كيف بحديث الخصم ؟ أي : الرجل الذي ظلمته فقال : ~~قد استوهبتك منه. ه. وفي رواية : إني أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه ، ~~فأستوهبك منه فيهبك لي ، قال : يا رب الآن قد عرفت أنك غفرت لي. ه. قال ~~تعالى : {وإن له عندنا لزلفى} ؛ لقربى وكرامة بعد المغفرة ، {وحسن مآب} ؛ ~~مرجع في الجنة. PageV06P322 # الإشارة : إنما عوتب داود عليه السلام لأنه التفت إلى الجمال الحسي الفرقي ~~، دون الجمال المعنوي الجمعي ، ولو سبته المعاني بجمالها ما التفت إلى ~~الجمال الفرقي ، فلما نبهه الحق تعالى استغفر ورجع إلى الجمال المعنوي ، ~~الذي هو جمال الحضرة القدسية ، وعبارة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي ~~رضي الله عنه : عد عليه التفاته عن الجمال ms2476 المطلق عن الأشكال والصور إلى ~~المقيد بهما ، وهي مقام تفرقة ، لا مقام جمع ، فاستغفر ورجع إلى شهود ~~الفاعل جمعا ، عن شهود فعله فرقا ، فخلع عليه خلعة الخلافة والله أعلم. ه. ~~قال القشيري : قال داود عليه السلام : يا رب إني أجد في التوراة أنك أعطيت ~~الأنبياء الرتب العالية ، فأعطينها ؟ فقال : إنهم صبروا لما ابتليتهم ، ~~فوعد من نفسه الصبر إذا ابتلاه ، طمعا في مثل تلك الرتب ، فأخبر أنه يبتليه ~~يوم كذا ، فلما جاء ذلك اليوم دخل خلوته ، وأغلق أبوابه ، ولم يمكنه غلق ~~باب السماء. وقد قال الحكماء : الهارب مما هو كائن في كف الطالب يتقلب. ثم ~~إنه كان في البيت كوة ، يدخل منها النور ، فدخل منها طير صغير ، كأنه من ~~ذهب ، وكان لداود ولد صغير ، فهم أن يقبضه لابنه ، فما زال يحاول ويتبعه ~~حتى وقع بصره على المرأة ، فامتحن بها ، فلم يدع به الاهتمام بولده حتى فعل ~~ما فعل ، وفي ذلك لأولي الأبصار عبرة. ه. # وقال عند قوله : {فغفرنا له ذلك} : التجأ داود عليه السلام في أوائل ~~البلاء إلى التوبة ، والبكاء ، والتضرع ، والاستكانة ، فوجد المغفرة ~~والتجاوز. وهكذا من رجع في أوائل الشدائد إلى الله ، فالله يكفيه ويتوب ~~عليه ، وكذلك من صبر إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال : إن زلة قدرها عليك ~~، توصلك إليه بندمك ، أحرى بك من طاعة ، إعجابك بها يقصيك عن ربك. ه. وفي ~~الحكم : " معصية أورثت ذلا وافتقارا ، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ~~وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : كل سوء أدب يثمر لك حسن أدب ؛ ~~فهو أدب. ه. # 212 PageV06P323 ~~جزء : 6 رقم الصفحة : 209 # يقول الحق جل جلاله : {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} أي : ~~استخلفناك على الملك فيها ، والحكم فيما بين أهلها ، أو : جعلناك عمن كان ~~قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ، وفيه دليل على أن حاله عليه السلام بعد ~~التوبة ، كما كان قبلها ، لم يتغير قط ، خلاف ما نقله الثعلبي من تغير حاله ~~وصوته ، ومنع الطيور من إجابته ، فانظره. # {فاحكم بين الناس بالحق} ؛ بحكم ms2477 الله تعالى ، إذ كنت خليفته ، أو : ~~بالعدل ، {ولا تتبع الهوى} أي : هوى النفس في الحكومات ، وغيرها من أمور ~~الدين والدنيا ، بل قف عند ما حد لك. وفيه تنبيه على أن أقبح جنايات العبد ~~متابعة هواه ، {فيضلك عن سبيل الله} أي : فيكون الهوى ، أو اتباعه ، سببا ~~لضلالك عن دلائله اللاتي نصبها على الحق ، تكوينا وتشريعا. و" يضلك " : ~~منصوب في جواب النهي ، أو : مجزوم ، فتح ؛ لالتقاء الساكنين. {إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله} ؛ عن طريقه الموصلة إليه. وأظهر " سبيل الله " في موضع ~~الإضمار للإيذان بكمال شناعة الضلال عنه ، {لهم عذاب شديد بما نسوا} ؛ بسبب ~~نسيانهم {يوم الحساب} ؛ فإن تذكره وترداده على القلب يقتضي ملازمة الحق ~~ومباعدة الهوى. PageV06P324 # {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما} من المخلوقات على هذا النظام البديع ~~{باطلا} أي : خلقا باطلا ، عاريا عن الحكمة ، أو : مبطلين عابثين ، بل لحكم ~~بالغة ، وأسرار باهرة ، حيث خلقنا من بينها نفوسا ، أودعناها العقل ؛ لتميز ~~بين الحق والباطل ، والنافع والضار ، ومكناها من التصرفات العلمية والعملية ~~، في استجلاب منافعها ، واستدفاع مضارها ، ونصبنا لها للحق دلائل آفاقية ، ~~ونفسية ، ومنحناها القدرة على الاستشهاد بها ، ثم لم نقتصر على ذلك المقدار ~~من الألطاف ، بل أرسلنا إليها رسلا ، وأنزلنا عليها كتبا ، بينا فيها كيفية ~~الأدب معنا ، وهيئة السير إلى حضرة قدسنا ، وقيضنا لها جهابذة ، غاصوا على ~~جواهر معانيها ، فاستخرجوا منها كيفية المعاملة معنا ، ظاهرا وباطنا ، ~~وأوعدنا فيها بالعقاب لمن أعرض عنها ، ووعدنا بالثواب الجزيل لمن تمسك بها ~~، ولم نخلق شيئا باطلا. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 213 # ذلك ظن الذين كفروا} ، الإشارة إلى خلق العبث ، والظن بمعنى المظنون ، أي ~~: خلقها عبثا هو مظنون الذين كفروا ، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث ، ~~وإن لم يصرحوا # 213 # بذلك ؛ لأنه لما كان إنكارهم للبعث ، والثواب ، والحساب ، والعقاب ، التي ~~عليها يدور فلك تكوين العالم ، مؤديا إلى خلقها عبثا ، جعلوا كأنهم يظنون ~~ذلك ويقولونه ؛ لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم ، فمن ~~جحده فقد جحد الحكمة في خلق العالم. # {فويل للذين كفروا من ms2478 النار}. الفاء سببية ؛ لإفادة ثبوت الويل لهم على ~~ظنهم الباطل ، وأظهر في موضع الإضمار للإشعار بأن الكفر علة ثبوت الويل لهم ~~، و" من النار " : تعليلية ، كما في قوله : {فويل لهم مما كتبت أيديهم} ~~[البقرة : 79] أي : فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم. PageV06P325 # {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض} ، " أم " : ~~منقطعة ، والاستفهام فيها للإنكار ، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما تقول ~~الكفرة لاستوت أحوال أتقياء المؤمنين وأشقياء الكفرة ، ومن سوى بينهما كان ~~سفيها ، ولم يكن حكيما ، أي : بل أنجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين ~~في أقطار الأرض ، كما يقتضيه عدم البعث وما يترتب عليه من الجزاء ؛ لاستواء ~~الفريقين في التمتع في الحياة الدينا ، بل الكفرة أوفر حظا فيها من ~~المؤمنين ، مع صبر المؤمنين ، وتعبهم في مشاق الطاعات ، لكن ذلك الجعل محال ~~، فتعين البعث والجزاء ؛ لرفع الأولين إلى أعلى عليين ، وخفض الآخرين إلى ~~أسفل سافلين. # {أم نجعل المتقين كالفجار} ؛ إنكار للتسوية بين الفريقين المذكورين ، ~~وحمل الفجار على فجرة المؤمنين مما لا يساعده المقام ، ويجوز أن يراد بهذين ~~الفريقين عين الأولين ، ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين ، هما أدخل في ~~إنكار التسوية من الوصفين الأولين. وقيل : قالت قريش للمؤمنين : إنا نعطى ~~من الخير يوم القيامة ميل ما تعطون ، فنزلت. # الإشارة : قال الورتجبي : ولما خرج داود من امتحان الحق وبلائه ، كساه ~~خلعة الربوبية ، وألبسه لباس العزة والسلطنة ، كآدم خرج من البلاء ، وجلس ~~في الأرض على بساط فلك الخلافة ، وذلك بعد كونهما متخلقين بخلق الرحمن ، ~~مصورين بصورة الروح الأعظم ، فإذا تمكن داود في العشق ، والمحبة ، والنبوة ~~، والرسالة ، والتخلق ، صار أمره أمر الحق ، ونهيه نهي الحق. ه. وقال ابن ~~عطية : لا يطلق خليفة الله إلا لنبي ، وإطلاقه في غير الأنبياء تجوز وغلو. ~~ه. قلت : يطلق عند الأولياء على من تحققت حريته ، ورسخت ولايته ، وظهر ~~تصرفه في الوجود بالهمة ، حتى يكون أمره بأمر الله ، غالبا ، وهو مقام ~~القطبانية ، فالمراتب ثلاث : صلاح ، وولاية ، وخلافة ، فالصلاح لمن صلح ظاهره # 214 PageV06P326 ~~بالتقوى ، والولاية لمن تحقق شهوده ، مع بقية ms2479 من نفسه ، بحيث تقل عثراته ~~جدا ، والخلافة لمن تحققت حريته ، وظهرت عصمته ، بجذب العناية ، والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 213 # وقوله تعالى : {ولا تتبع الهوى} ، الهوى : ما تهواه النفس ، وتميل إليه ، ~~من الحظوظ الفانية ، قلبية كانت ، كحب الجاه ، والمال ، وكالميل في الحكم ~~عن صريح الحق ، أو : نفسانية ، كالتأنق في المآكل ، والمشارب ، والمناكح. ~~واتباع الهوى : طلبه ، والسعي في تحصيله ، فإن كان حراما قدح في الإيمان ، ~~وإن كان مباحا قدح في نور مقام الإحسان ، فإن تيسر من غير طلب وتشوف ، وكان ~~موافقا للسان الشرع ، جاز تناول الكفاية منه ، مع الشكر وشهود المنة. قال ~~عمر بن عبد العزيز : إذا وافق الحق الهوى ، كان كالزبد بالبرسام ، أي : ~~السكر. وفي الحكم : " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك ، إنما يخاف من غلبة ~~الهوى عليك " وغلبة الهوى : قهره وسلطنته ، بحيث لا يملك نفسه عند هيجان ~~شهوتها. # وقوله تعالى : {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا} أي : بل ~~خلقناهما لنعرف بهما ، فما نصبت الكائنات لتراها ، بل لترى فيها مولاها. ~~وقد تقدم هذا مرارا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 213 # قلت : " كتاب " : خبر عن مضمر ، أي : هذا ، و" أنزلناه " : صفة له ، و" ~~مبارك " : خبر ثان ، أو : صفة الكتاب ، و" ليدبروا " : متعلق بأنزلناه. PageV06P327 # قيل : لما نفى التسوية بين الصالح المتقي ، والمفسد الفاجر ، بين ما تحصل ~~به لمتبعيه السعادة الأبدية ، ويحصل به الصلاح التام ، والتقوى الكاملة. ~~وهو كتاب الله فقال جل جلاله : {كتاب} ؛ وهو القرآن {أنزلناه إليك مبارك} ؛ ~~كثير المنافع الدينية والدنيوية ، أنزلناه {ليدبروا آياته} أي : ليتفكروا ~~في آياته ، التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار التكوين والتشريع ، ~~فيعرفوا ما في ظاهرها من المعاني الفائقة ، والتأويلات اللائقة. وقرى : ~~{لتدبروا} على الخطاب ، أي : أنت وعلماء أمتك ، بحذف إحدى التاءين. ~~{وليتذكر أولوا الألباب} أي : وليتعظ به ذوو العقول الصافية ، السليمة من ~~الهوى ، فيقفوا على ما فيه ، ويعملوا به ، فإن الكتب الإلهية ما نزلت إلا ~~ليتدبر ما فيها ، ويعمل به. وعن الحسن : قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان ، ~~لا علم لهم بتأويله ms2480 ، حفظوا حروفه وضيعوا حدوده. ه. # الإشارة : كتاب الله العزيز بطاقة من عند الملك ، والمراد من البطاقة فهم ~~ما فيها ، والعمل به ، لا قراءة حروفها ورسومها فقط ، فمن فعل ذلك فهو مقصر. # وذكر في الإحياء أن آداب القراءة عشرة ، أي : الآداب الباطنية : # 215 # الأول : فهم عظمة الكلام وعلوه ، وفضل الله سبحانه بخلقه ، في نزوله عن ~~عرش جلاله ، إلى درجة أفهام خلقه ، فلولا استتار كنه جلال كلام الله تعالى ~~، بكسوة الحروف ، لما ثبت لكلام الله عرش ولا ثرى ، ولتلاشى ما بينهما من ~~عظمة سلطانه ، ولولا تثبيت الله موسى عليه السلام ما أطاق سماع كلامه ، كما ~~لم يطق الجبل مبادر نوره. # الثاني : تعظيم المتكلم به ، وهو الله سبحانه ، فيخطر في قلبه عظمة ~~المتكلم ، ويعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر ، وأن في تلاوة كتابه غاية ~~الخطر ، ولهذا كان عكرمة إذا نشر المصحف غشي عليه. # الثالث : حضور القلب ، وترك حديث النفس ، فإذا قرأ آية غافلا أعادها. PageV06P328 # الرابع : التدبر ، وهو وراء الحضور ، فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ، ~~ولكنه مقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره. قال علي رضي الله عنه ~~: لا خير في عبادة لا فقه فيها ، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها. # جزء : 6 رقم الصفحة : 215 # الخامس : التفهم ، وهو أن يستوضح كل آية ما يليق بها ؛ إذ القرآن مشتمل ~~على ذكر صفات الله تعالى ، وذكر أفعاله ، وذكر أحوال أنبيائه عليهم السلام ~~، وذكر أحوال المكذبين ، وكيف أهلكوا ، وذكر أوامره وزواجره ، وذكر الجنة ~~والنار ، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " من أراد علم الأولين ~~والآخرين فليثور القرآن " أي : فإنه مشتمل على فعل الله ، وصفاته ، وكشف ~~أسرار ذاته ، لمن تأمله حق تأمله. السادس : التخلي عن موانع الفهم ، ~~ومعظمها أربعة : أولها : صرف الهمة إلى إخراج الحروف من مخارجها ، وهذا ~~تولى حفظه شيطان وكل بالقراء. وكذلك الاشتغال بضبط رواياته ، فأنى تنكشف ~~لهذا أسرار المعاني. ثانيها : أن يكون مقيدا بمذهب ، أخذه بالتقليد ، وجمد ~~عليه ، فهذا شخص قيده معتقده ، فلا يمكن أن ms2481 يخطر بباله غير معتقده ، فلا ~~يتبجر في معاني القرآن ؛ لأنه مقيد بما جمد عليه. ثالثها : أن يكون مصرا ~~على ذنب ، أو متصفا بكبر ، أو : مبتلى بهوى في الدنيا ، وبهذا ابتلى كثير ~~من الناس ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : {سأصرف عن ءاياتى الذين يتكبرون فى ~~الأرض} [الأعراف : 146] أي : عن فهم آياتي. رابعها : أن يكون قد قرأ تفسيرا ~~ظاهرا ، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما يتناوله النقل عن ابن ~~عباس وغيره ، وأما ما وراء ذلك تفسير بالرأي ، فهذا أيضا من أعظم الحجب ؛ ~~فإن القرآن العظيم له ظاهر وباطن ، وحد ومطلع ، فالفهم فيه لا ينقطع إلى ~~الأبد ، فهو بحر مبذول ، يغرف منه كل واحد على قدر وسعه ، إلى يوم القيامة. PageV06P329 # السابع : التخصيص ، وهو أن يعتقد أن المقصود بكل خطاب في القرآن ، فإن سمع ~~أمرا أو نهيا ، قدر أنه المأمور والمنهي ، وكذلك إن سمع وعدا ووعيدا ، وإن ~~سمع قصص الأولين علم أن المقصود به الاعتبار ، ليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج ~~إليه ، ويتقوى إيمانه ، # 216 # قال تعالى : {وكلا نقص عليك من أنبآء الرسل ما نثبت بشه فؤادك} [هود : ~~120] فالقرآن لم ينزل خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو شفاء ~~ورحمة ونور للعالمين ، فيثبت فؤاد كل من يسمعه. # الثامن : التأثير ، وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة ، بحسب اختلاف الآيات ~~، فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد ، يتصف به قلبه ؛ من الخوف ، والرجاء ، ~~والقبض ، والبسط ، وغير ذلك. # التاسع : الترقي وهو أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله سبحانه ، لا من ~~نفسه ، ولا من غيره. فدرجات القرآن ثلاث : أدناها : أن يقدر العبد كأنه ~~يقرأ على الله تعالى ، واقفا بين يديه ، فيكون حاله السؤال والتملق. ثانيها ~~: أن يشهد بقلبه كأن الله تعالى يخاطبه بألفاظه ، ويناجيه بإنعامه وإحسانه ~~، فمقامه الحياء والتعظيم. الثالثة : أن يرى في الكلام المتكلم ، فلا ينظر ~~إلى نفسه ، ولا إلى قراءته ، بل يكون مقصور الهم على المتكلم ، مستغرقا في ~~شهوده ، وهذه درجة المقربين ، وما قبلها درجة أصحاب اليمين ، وما خرج عن ~~هذا فهو ms2482 درجة الغافلين. وعن الدرجة العليا أخبر جعفر الصادق رضي الله عنه ~~بقوله : والله لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون. ه. وقال بعض ~~الحكماء : كنت أقرأ القرآن ولا أجد حلاوة ، حتى تلوته كأنه أسمعه من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتلوه على أصحابه ، ثم رفعت إلى مقام ، كأني أسمعه ~~من جبريل ، يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء الله بمنزلة ~~أخرى ، فأنا الآن أسمعه من المتكلم به ، فعندها وجدت له لذة ونعيما لا أصبر عنه. PageV06P330 # جزء : 6 رقم الصفحة : 215 # العاشر : التبري ، وهو أن يتبرأ من حوله ، وقوته ، والالتفات إلى نفسه ~~بعين الرضا. انظر بقية كلامه فقد اختصرناه غاية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 215 # يقول الحق جل جلاله : {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد} أي : سليمان ، فهو ~~المخصوص ، {إنه أواب} أي : رجاع إلى الله تعالى في السراء والضراء ، وفي كل ~~أموره ، {إذ عرض عليه} أي : واذكر ما صدر عنه حين عرض عليه {بالعشي} ؛ وهو ~~ما بين الظهر إلى آخر النهار ، {الصافنات الجياد} أي : الخيل الصافنات ، ~~وهي التي تقوم على طرف سنبك يد أو رجل. وهي من الصفات المحمودة ، لا تكاد ~~توجد إلا في الخيل العراب ، الخلص. وقيل : هو الذي يجمع يديه ويستبق بهما ، ~~والجياد : جمع جواد ، أو : جود ، وهو الذي يسرع في جريه ، أو : الذي يجود ~~عند الركض ، وقيل : وصفت بالصفون والجودة ؛ لبيان جمعها بين الوصفين ~~المحمودين ، واقفة وجارية ، أي : إذا وقفت كانت # 217 # ساكنة ، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها. # روي أنه عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين ، وأصاب ألف فرس ، وقيل : ~~أصابها أبوه من العمالقة ، وورثها منه ، وفيه نظر ؛ فإن الأنبياء لا يورثون ~~، إلا أن يكون تركها حبسا ، فورث النظر فيها. ويكون عقرها بنية إبدالها. ~~وقيل : خرجت من البحر لها أجنحة ، فقعد يوما بعدما صلى الظهر على كرسيه ، ~~فاستعرضها ، فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس ، وغفل عن العصر ، أو : عن ~~الورد ، كان له من الذكر وقتئذ ، وهو أليق بالعصمة ، فاغتم لما ms2483 فاته ، ~~فاستردها ، فعقرها ، تقربا إلى الله تعالى ، وبقي مائة ، فما في أيدي الناس ~~اليوم من الجياد فمن نسلها. PageV06P331 # وقيل : لما عقرها أبدل الله تعالى له خيرا منها ، وهي الريح تجري بأمره ، ~~{فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} ، قاله عليه السلام عند غروب الشمس ، ~~اعترافا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة أو الذكر ، وغايته حينئذ : ~~أن الأولى استغراق الأوقات في ذكر الله من الاشتغال بالدنيا. فترك الأولى ، ~~وتحسر لذلك ، وأمر بالقطع. وأما حمله على الصلاة والاشتغال بها حتى يفوت ~~الوقت ، فذنب عظيم ، تأباه العصمة. قاله شيخ شيوخنا الفاسي. وقد يجاب بأن ~~تركه كان نسيانا وذهولا ، لا عمدا ، فلا معصية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 217 # وعدى " أحببت " ب " عن " دون " على " ؛ لتضمنه معنى النيابة ، أي : أنبت ~~حب الخير ، وهو المال الكثير ، والمراد : الخيل التي شغلته عن ذكر ربه ، ~~{حتى توارت} أي : استترت {بالحجاب} أي : غربت واحتجبت عن العيون ، و" عن " ~~: متعلق بأحببت ، باعتبار استمرار المحبة ودوامها. حسب استمرار العرض ، أي ~~: أنبت حب الخير عن ذكر ربي ، واستمر ذلك حتى غربت الشمس. وإضمارها من غير ~~تقدم ذكر لدلالة " العشي " عليها. # {ردوها علي} ، هو من مقالة سليمان ، {فطفق مسحا} ، الفاء فصيحة ، مفصحة ~~عن جملة حذفت ، لدلالة الكلام عليها ، إيذانا بسرعة الامتثال ، أي : فردوها ~~عليه ، فأخذ بمسح السيف مسحا {بالسوق والأعناق} أي : بسوقها وأعناقها ~~يقطعها ، من قولهم : مسح عنقه بالسيف ، وقيل : جعل يمسح بيده أعناقها ~~وسوقها ، حبا لها ، وإعجابا بها ، وهو ينافي سياق الكلام. الإشارة : لم ~~يذكر الحق تعالى لسليمان ترجمة مخصوصة ، كما ذكر لغيره بقوله : {واذكر ~~عبدنا داود} ، {واذكر عبدنا أيوب} ، بل خرطه في سلك ترجمة أبيه ، وجعله هبة ~~له ؛ تنبيها على أن مقام أهل الجمال الدنيوي ، لا يبلغ مقام أهل الجلال ؛ ~~ففيه تنبيه على أن الفقير الصابر أعظم من الغني الشاكر. قاله في القوت. PageV06P332 # وقوله تعالى : {فطفق مسحا بالسوق} ، فيه : أن من ترك شيئا عوضه الله خيرا ~~منه ، فمن كان في الله تلفه ، كان على الله خلفه ، وفيه حجة ms2484 للصوفية على ~~إتلاف كل ما شغل # 218 # القلب عن الله ، كما فعل الشبلي من تمزيق الثياب الرفهة. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 217 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد فتنا سليمان} أي : ابتليناه ، {وألقينا على ~~كرسيه} ؛ سرير ملكه ، {جسدا} ؛ شق ولد ، أو جنيا ، {ثم أناب} ؛ رجع إلى ~~الله تعالى ، وأظهر ما قيل في فتنته عليه السلام ما روي مرفوعا : أنه قال : ~~لأطوفن الليلة على سبعين أو تسع وتسعين امرأة ، تأتي كل واحدة منهن بفارس ~~، يجاهد في سبيل الله ، ولم يقل " إن شاء الله " فطاف عليهن ، فلم تحمل إلا ~~امرأة واحدة ، جاءت بشق رجل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام : " والذي نفسي ~~بيده لو قال : إن شاء الله ، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " فالفتنة ~~على هذا : كونه لم يقل : " إن شاء الله " والجسد هو شق الإنسان الذي ولد ~~له. وقيل : إنه ولد له ابن ، فأجمعت الشياطين على قتله ، وقالوا : إن عاش ~~له ولد لم ننفك من خدمته ، فلما علم ذلك ، حمله في السحاب ، فما شعر حتى ~~ألقي على كرسيه جسدا ميتا ، فتنبه لخطئه ، حيث لم يتوكل على الله. # جزء : 6 رقم الصفحة : 219 PageV06P333 ~~وقيل : إنه غزا صيدون من الجزائر ، فقتل ملكها ، وأخذ بنتا له تسمى جرادة ، ~~من أحسن الناس ، فاصطفاها لنفسه ، وأسلمت على جفاء ، وأحبها ، وكان لا يرقأ ~~دمعها ، جزعا على أبيها ، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته ، فكانت تغدو ~~عليها وتروح مع ولائدها ، فيسجدن لها ، كعادتهن في ملكه ، فأخبره صاحبه آصف ~~بذلك ، فكسر الصورة ، وعاقب المرأة ، ثم خرج إلى فلاة ، وفرش له الرماد ، ~~وجلس عليه تائبا إلى الله متضرعا. وكانت له أم ولد ، يقال لها : " أمينة " ~~إذا دخل للطهارة ، أو لإصابة امرأة ، يعطيها خاتمه ، وكان فيها ملكه ، ~~فأعطاها يوما ، فتمثل لها بصورته شيطان ، اسمه " صخر " وأخذ الخاتم ، فتختم ~~به ، وجلس على كرسيه ، فاجتمع عليه الخلق ، ونفذ حكمه في كل شيء ، إلا في ~~نسائه ، على المشهور ، وغير سليمان عن هيئته ، فأتى " أمينة " لطلب الخاتم ~~، فأنكرته وطردته ، فعلم أن الخطيئة قد أدركته ms2485 ، فكان يطوف على البيوت ~~يتكفف ، وإذا قال : أنا سليمان ، حثوا التراب عليه ، وسبوه ، ثم عمد إلى ~~السماكين ينقل لهم السمك ، فيعطونه كل يوم سمكتين ، فمكث على ذلك أربعين ~~صباحا ، عدد ما عبد الوثن في بيته ، فأنكر # 219 PageV06P334 ~~آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان ، حتى دخلوا على نسائه ، فقالوا : قد ~~أنكرنا حكمه ، فذهبوا حتى جلسوا بين يديه ، فنشروا التوراة ، فقرؤوها ، ~~فطار من بين أيديهم ، والخاتم معه ، ثم قذفه في البحر ، فابتلعته سمكة ، ~~فوقعت في يد سليمان ، فبقر بطنها ، فإذا هو بالخاتم ، فتختم به ، وخر ساجدا ~~لله ، وعاد إليه ملكه ، وقبض الجني " صخر " فجعله في وسط صخرة ، وشد عليه ~~بأخرى ، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص ، وقذفه في البحر ، فهو باق فيه. ~~فالجسد على هذا عبارة عن " صخر " سمي به ، وهو جسم لا روح فيه ؛ لأنه تمثيل ~~بما لم يكن كذلك ، والخطيئة : تغافله عليه السلام عن حال أهله ؛ لأن اتخاذ ~~التماثيل لم يكن محظورا حينئذ ، والسجود للصورة بغير علم منه لا يضره. ~~وأنكر بعض المحققين هذه القصة. وقال : لا يصح ما نقله الإخباريون وأهل ~~التفسير في هذا الموضع ، من تشبه الشيطان بنبيه ، وتسلطه على ملكه ، وتصرفه ~~في أمته والجور في حكمه. # قال القاضي عياض : الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا ، وقد عصم الله ~~الأنبياء عن مثله. ومثله لابن العربي أيضا. وحكى إنكاره عن السمرقندي. وقال ~~الطيبي : أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد ، كما تقدم. وخالفه ابن ~~حجر ، فقال : قال غير واحد من المفسرين : أن المراد بالجسد المذكور شيطان ، ~~وهو المعتمد ، فالله أعلم ، غير أن التنزيه أسلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 219 PageV06P335 ~~قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته ، وليس هذه كقصة أيوب ، فيما يذكر أنه ~~تسلط الشيطان على إتلاف ماله وولده ، وضرره في جسده ؛ لأن ذلك إنما فيه ~~تسلط على محض ضرر دنيوي لا ديني. وقد قال عليه الصلاة والسلام : " تفلت علي ~~البارحة عفريت... " الحديث. وكذا سحر ، وسم ، وشج. والتسلط المذكور في حق ~~سليمان ، فيه تلبيس في الدين فلا يصح ، إلا أن يقال ms2486 : إنه لم يقر ، بل رفع ~~اللبس بعد ذلك ، كما في آية : {فينسخ الله ما يلقى الشيطان} [الحج : 52] ، ~~والله أعلم ه. # {قال رب اغفر لي} ، هو بدل من " أناب " ، أي : اغفر لي ما صدر عني من ~~الزلة ، {وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} ، ليكون معجزة لي ، مناسبة ~~لحالي ، فإنه عليه السلام لما نشأ في بيت الملك والنبوة ، وورثهما معا ، ~~استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما. أو : لا ينبغي لأحد يسلبه مني بعد هذه ~~السلبة ، أو : لا يصح لأحد من بعدي ؛ لعظمته وشدته. # 220 PageV06P336 ~~قال القشيري : ويقال : لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك ، بل يجب أن ~~يكل أمره إلى الله ومثله للجنيد ، وزاد : فإن الملك شغل عن المالك أو ~~يقال : لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك ، لا من الأنبياء ، وإنما سأل ~~الملك لسياسة الناس ، وإنصاف بعضهم من بعض ، والقيام بحق الله ، ولم يسأله ~~لأجل ميله إلى الدنيا. وهو كما قال يوسف عليه السلام : {اجعلنى على خزآئن ~~الأرض...} [يوسف : 55]. ثم قال : علم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا ~~يلاحظ الدنيا ، ولا يملكها ، تحقيرا لها فقال : {لا ينبغي لأحد من بعدي} لا ~~لأنه بخل به عليه ، ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك. ه. هذا ، وقد يقال : ~~إن قوله : {وهب لي ملكا} قد جرى على لسانه ، كما هو حال النطق بالله من أهل ~~الله ، ولذلك كان الأمر كذلك ، ولم يزاحمه أحد ، كقول الخليل : {وابعث فيهم ~~رسولا} [البقرة : 129] ، لما جرى به القضاء أنطقه الله بما سيكون. وتقديم ~~الاستغفار على الاستيهاب ؛ لمزيد اهتمامه بأمر الدين ، جريا على سنن ~~الأنبياء والصالحين ، وكون ذلك أدخل في الإجابة. # {إنك أنت الوهاب} ؛ تعليل للدعاء بالهبة والمغفرة معا ، فإن المغفرة من ~~أحكام وصف الوهابية قطعا ، {فسخرنا له الريح} ؛ فذللناها لطاعته ، إجابة ~~لدعوته ، فعاد أمره عليه السلام إلى ما كان عليه قبل الفتنة ، قيل : فتن ~~سليمان بعدما ملك عشرين ، وملك بعد الفتنة عشرين ، فسخرت له الريح {تجري ~~بأمره} ؛ بيان لتسخيرها ، {رخاء} أي : لينة ، من الرخاوة ، أو : طيبة ms2487 لا ~~تزعج ، وهذا بعد أن تقل السرير من الأرض الإعصار ، فإذا صار في الهواء ~~حملته الرخاء الطيبة ، {حيث أصاب} أي : قصد وشاء ، بلغة حمير. تقول العرب : ~~أصاب الصواب فأخطأ الجواب ، أي : أراد الصواب فأخطأ. قال الشاعر : # جزء : 6 رقم الصفحة : 219 # أصاب الكلام فلم يستطع PageV06P337 ~~فأخطا الجواب لدى المفصل # {و} سخرنا له {الشياطين كل بناء وغواص} : بدل من " الشياطين ". فكانوا ~~يبنون له ما يشاء ، ويغوصون له في البحر ؛ لاستخراج الآلىء ، وهو أول من ~~استخرج اللؤلؤ من البحر ، وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين ، {وآخرين ~~مقرنين في الأصفاد} ؛ فكان يقرن مردة الشياطين ، بعضهم مع بعض ، في القيود ~~والسلاسل ، للتأديب والكف عن العباد. # والصفد : القيد ، وقد يسمى العطاء بالصفد ؛ لأنه ارتباط للمنعم عليه في ~~يد المنعم. ومنه قول علي رضي الله عنه : (من برك فقد أسرك ، ومن جفاك فقد ~~أطلقك) ، ومن هذا كانت الصوفية يهربون من خير الناس ، أكثر مما يهربون من ~~شرهم. قال الشيخ عبد السلام بن مشيش لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما : ~~يا أبا الحسن اهرب من خير الناس ، أكثر ما تهرب من شرهم ، فإن خيرهم يصيبك ~~في قلبك ، وشرهم يصيبك في بدنك ، ولئن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك ~~، ولعدو تصل به إلى ربك # 221 # خير من حبيب يقطعك عن ربك. ه. PageV06P338 # {هذا عطاؤنا} ، هو حكاية لما خوطب به سليمان من قبل الحق تعالى ، أي : ~~وقلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم ، والسلطنة ، والتسلط على ما لم ~~يسلط عليه غيرك ، هو عطاؤنا الخاص بك ، {فامنن أو أمسك} أي : أعط من شئت ، ~~وامنع من شئت ، {بغير حساب} أي : غير محاسب على منه ومنعه لتفويض التصرف ~~فيه إليك ، فكان إذا أعطى أجر ، وإذا منع لم يأثم ، بخلاف غيره. قال الحسن ~~: إن الله لم يعط أحدا عطية إلا جعل فيها حسابا ، إلا سليمان ، فإن الله ~~أعطاه عطاء هينا. وهذا مما خص به سليمان عليه السلام ، وأما غيره ، فيؤخر ~~على بذله ، ويعاقب على منعه من حقه ، و{بغير ms2488 حساب} : قيل : متعلق بعطاؤنا ، ~~وقيل : حال من المستكن في الأمر ، أي : هذا عطاؤنا جما كثيرا ، لا يكاد ~~يقدر على حصره ، أو : هذا التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين ~~بالإطلاق ، أو : أمسك من شئت منهم في الوثاق ، لا حساب عليك في ذلك. {وإن ~~له عندنا لزلفى} ؛ لقربى في الآخرة ، مع ما له في الدنيا من الملك العظيم ، ~~{وحسن مآب} ؛ مرجع ، وهي الجنة. وزلفى : اسم إن ، و" له " : خبر ، و" عند " ~~: متعلق بالاستقرار. # روي أن سليمان عليه السلام لما ورث ملك أبيه ، سار من الشام إلى العراق ، ~~فبلغ خبره كسرى ، فهرب إلى خراسان ، فلم يلبث حتى هلك. ثم سار سليمان عليه ~~السلام إلى مرو ، ثم إلى بلاد الترك ، فأوغل فيها ، ثم جاز بلاد الصين ، ثم ~~عطف إلى أن وافى بلد فارس ، فنزلها أياما ، ثم عاد إلى الشام ، فأمر ببناء ~~بيت المقدس ، فلما فرغ منه سار إلى تهامة ، ثم إلى صنعاء ، وكان من حديثه ~~مع صاحبتها ما ذكر الله ، وغزا بلاد المغرب ؛ الأندلس وطنجة وغيرهما. انظر ~~أبا السعود. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 219 PageV06P339 ~~الإشارة : ما أعطى الله عبدا مكنة إلا بعد محنة ، ولا رفع مقاما إلا بعد ~~ابتلاء ، وإما في البدن والمال ، إما في الدين ، إن صحبه رجوع وانكسار. كأن ~~الله تعالى إذا أراد أن يرفع عبدا أهبطه إلى الأرض قهرية العبودية ، ثم ~~يرفعه إلى مشاهدة عظمة الربوبية ، ثم يملكه الوجود بأسره ، يتصرف فيه بهمته ~~كيف شاء. ولذلك قيل في معصية آدم : نعمت المعصية أورثت الخلافة. وشاهده ~~حديث : " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " ومن كان الله عنده ، ماذا ~~يفوته ؟ # وقوله تعالى : {وهب لي ملكا...} الخ ، قال القشيري : لم يطلب الملك ~~الظاهر ، وإنما أراد به أن يملك نفسه ، فإن الملك على الحقيقة من ملك ~~نفسه ، فمن ملكها لم يتبع هواه ، أي : فيكون حرا ، فيملكه الله التصرف في ~~الوجود. ثم قال : ويقال أراد به # 222 # كمال حاله في شهود ربه ، حتى لا يرى معه غيره ، ويقال : سأل القناعة التي ms2489 ~~لا يبقى معها اختيار. ه. # وقوله تعالى : {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} ، هو عند الأولياء ~~ليس خاصا بسليمان ، فكل من تمكن مع الله التمكن الكبير يفوض إليه الأمر ، ~~ويقال : افعل ما شئت ، وشاهده : حديث أهل بدر. وقال الشيخ أبو الحسن ~~الشاذلي رضي الله عنه : يبلغ الولي مبلغا يقال له : أصحبناك السلامة ، ~~وأسقطنا عنك الملامة ، فاصنع ما شئت. ثم استشهد بالآية في حق سليمان ، هذا ~~، وإن كان للنبي من أجل العصمة ، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط ~~منه ، من أجل الحفظة. # جزء : 6 رقم الصفحة : 219 PageV06P340 ~~يقول الحق جل جلاله : {واذكر عبدنا أيوب} ، وهو ابن عيصو بن إسحاق عليه ~~السلام ، أي : من ذريته ؛ لأنه بعد يوسف ، وامرأته : رحمة بنت إفراثيم بن ~~يوسف. {إذ نادى ربه} ، وهو بدل اشتمال من " عبدنا ". و" أيوب " : عطف له ، ~~{أني} أي : بأني {مسني الشيطان بنصب} أي : تعب ، وفيه قراءات بفتحتين ، ~~وبضمتين ، وبضم وسكون ، وبنصب وسكون. {وعذاب} أي : ألم ، يريد ما كان ~~يقاسيه من فنون الشدائد ، وهو الضر في قوله : {مسنى الضر} [الأنبياء : 83] ~~، وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به ، وإلا لقيل : إنه مسه. وإسناده إلى ~~الشيطان على طريق الأدب في إسناد ما كان فيه كمال إلى الله تعالى ، وما كان ~~فيه نقص إلى الشيطان أو غيره ، كقول الخليل : {وإذا مرضت} [الشعراء : 80] ~~ولم يقل : أمرضني. وكقول يوشع عليه السلام : {ومآ أنسانيه إلا الشيطان} ~~[الكهف : 63]. وفي الحقيقة : كل من عند الله. وقيل : أراد ما كان يوسوس به ~~إليه في مرضه ، من تعظيم ما نزل به من البلاء ، ويغريه على الكراهة والجزع ~~، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك ، بكشف البلاء ، أو بدفعه ورده بالصبر ~~الجميل. # وروي : أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين ، فارتد أحدهم ، فسأل عنه ، فقيل ~~: ألقى إليه الشيطان : أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين ، فشكا ذلك إلى ~~ربه. وذكر في سبب بلائه ؛ أنه ذبح شاة فأكلها ، وجاره جائع ، أو : رأى ~~منكرا فسكت عنه ، أو : استغاثه مظلوم فلم يغثه ، أو : كانت مواشيه في ناحية ms2490 ~~ملك كافر ، فداهنه ، فلم يغزه ، أو : سؤاله امتحانا لصبره ، أي : هل يصبر ~~أم لا ، أو : ابتلاه لرفع درجاته بلا سبب ، وهو أولى. # {اركض برجلك} ، حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام ، أي : أرسلنا له جبريل # 223 PageV06P341 ~~عليه السلام بعد انتهاء مدة مرضة ، فقال له : اركض ، أي : اضرب برجلك الأرض ~~، وهي أرض موضع بالجابية ، فضربها ، فنبعت عين ، فقيل : {هذا مغتسل بارد ~~وشراب} أي : هذا ما تغتسل منه ، وتشرب منه ، فيبرأ ظاهرك وباطنك ، وقيل : ~~نبعت له عينان ؛ حارة للاغتسال ، وباردة للشرب ، فاغتسل من إحداهما ، فبرىء ~~ما في ظاهره ، وشرب من الأخرى ، فبرىء ما في باطنه ، بإذن الله تعالى. ومدة ~~مرضه قيل : ثمان عشرة سنة ، وقيل : أربعين ، وقيل : سبع سنين ، وسبعة أشهر ~~، وسبعة أيام ، وسبع ساعات. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 223 # ووهبنا له أهله ومثلهم معهم} ، قيل : أحياهم الله بأعيانهم ، وزاد مثلهم ~~، وقيل : جمعهم بعد تفرقهم ، وقيل : أعطاه أمثالهم وزاده ضعفهم. قال ~~القشيري : وكان له سبع بنات. وثلاثة بنين ، في مكتب واحد ، فحرك الشيطان ~~الأسطوانة ، فانهدم البيت عليهم. ه. ولم يذكر كم كان له من الزوجات ، فقد ~~سلمت منهن " رحمة " ، وهلك الباقي. أعطيناه ذلك {رحمة منا} أي : رحمة عظيمة ~~علية من قبلنا. {وذكرى لأولي الألباب} أي : ولنذكرهم بذلك ليصبروا على ~~الشدائد ، ويلتجئوا إلى الله فيما ينزل بهم ؛ لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا ~~به عليه ، لصبره ، رغبهم في الصبر على البلاء. PageV06P342 # ولما حلف : ليضربن امرأته مائة ضربة ، حيث أبطأت عليه في حاجتها. وقيل : ~~باعت ذوائبها واشترت به رغيفين ، وكانت متعلق أيوب. وقيل : طمع الشيطان ~~فيها أن يسجد زوجها له فيشفيه ، أمره الله تعالى ببر يمينه ، فقال : {وخذ ~~بيدك ضغثا} ؛ حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان ، وعن ابن عباس رضي الله عنه : ~~قبضة من الشجر ، {فاضرب به ولا تحنث} ، وهذه الرخصة باقية عند الشافعي وأبي ~~حنيفة ، خلافا لمالك ؛ لأن الأيمان عنده مبنية على الأعراف. قال تعالى : ~~{إنا وجدناه} ؛ علمناه {صابرا} على البلاء ، وأما شكواه فليست جزعا ، بل ~~رجوعا إلى مولاه ، على أنه عليه السلام إنما ms2491 طلب الشفاء خيفة على قومه ، ~~حيث كان الشيطان يوسوس إليهم : لو كان نبيا لما ابتلي بمثل ما ابتلي به ، ~~وإرادة القوة على الطاعة ، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب ~~واللسان. قلت : طلب الشفاء لا ينافي الرضا ؛ لأن العبد ضعيف ، لا قوة له ~~على قهرية الحق. ثم قال تعالى : {نعم العبد إنه أواب} ؛ رجاع إلى الله ~~تعالى. قال القشيري : لم يشغله البلاء عن المبلي. وهو تعليل لمرضه. # الإشارة : كثير من الصوفية اختاروا البلاء على العافية ، وبعضهم اختار ~~العافية ، قال علي رضي الله عنه : لأن أعطى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى ~~فأصبر ، أي : لأنه طريق السلامة ، وبه وردت الأحاديث ، والأولى للعبد ألا ~~يختار مع سيده شيئا ، بل يكون مفوضا مستسلما ، يتلقى ما يرد عليه بالترحيب ~~، أي شيء كان. وبالله التوفيق. # 224 # جزء : 6 رقم الصفحة : 223 PageV06P343 ~~يقول الحق جل جلاله : {واذكر عبادنا} ، وقرأ المكي : " عبدنا " ، إما على ~~إرادة الخبر ، وإما أن يريد " إبراهيم " وحده لشرفه ، ثم عطف عليه من بعده ~~، ثم بينهم بقوله : {إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} أي : ~~أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين ، أو : أولي الأعمال الجليلة ، ~~والعلوم الشريفة. فعبر بالأيدي عن الأعمال ؛ لأن أكثرها تباشر بها ، ~~وبالأبصار عن المعارف ؛ لأنها أقوى مبادئها. وفيه تعريض بالجهلة الباطلين ، ~~كأنهم كالزمنى والعماة ، وتوبيخ على ترك المجاهدة والفكرة مع تمكنهم منهما. # {إنا أخلصناهم بخالصة} أي : جعلناهم خالصين لنا بخصلة عظيمة الشأن ، لا ~~شوب فيها ، هي {ذكرى الدار} أي : تذكر للدار الآخرة على الدوام ، فإن ~~خلوصهم في الطاعة بسبب تذكرهم لها ، وذلك لأن مطمح أنظارهم ، ومسرح أفكارهم ~~، في كل ما يأتون وما يذرون ، جوار الله عز وجل ، والفوز بلقائه ، ولا ~~يتأتى ذلك على الدوام إلا في الآخرة ، فمطلبهم إنما هو الجوار والرؤية. لا ~~مجرد الحضور في تلك الدار ، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه : # ليس سؤلي من الجنان نعيما # غير أني أريدها لأراك # قال ابن عطية : يحتمل أن يكون معنى الآية : {إنا أخلصناهم} بأن خلص لهم ms2492 ~~التذكير بالدار الآخرة ، ودعاء الناس إليها ، أي : وتزهيدهم في الدنيا ، ~~كما هو ديدن الأنبياء والرسل. وهذا قول قتادة ، أو : إنا أخلصناهم بأن خلص ~~لهم ذكرهم للدار الآخرة وخوفهم والعمل بحسب ذلك. وهذا قول مجاهد. ه. قلت : ~~مرتبة الرسل تنافي العمل لحرف ، فإن أولياء هذه الأمة تحرروا من العمل ~~للحرف ، بل عبدوا الله شكرا ومحبة وعبودية ، لا طمعا في شيء ، فكيف بأكابر ~~الرسل. وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار في الحقيقة ، وإنما الدنيا معبر إليها. PageV06P344 # ومن قرأ بالإضافة ، فمن إضافة الشيء إلى ما بينه ؛ لأن الخالصة تكون ذكرى ~~وغير ذكرى ، و" ذكرى " : مصدر مضاف إلى المفعول ، أي : بإخلاصهم ذكرى ~~الدار. وقيل : خالصة بمعنى خلوص ، وهي مضافة إلى الفاعل ، أي : بأن خلصت ~~لهم ذكرى الدار ، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بشيء آخر ، إنما همهم ذكرى ~~الدار الآخرة لجوار الحبيب. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 225 # وإنهم عندنا لمن المصطفين} المختارين من بين أبناء جنسهم {الأخيار} : جمع ~~خير ، أو : خير ، على التخفيف ، كأموات جمع ميت ، أو : ميت. # الإشارة : أولياء هذه الأمة أي : العارفون بالله يزاحمون الأنبياء ~~والرسل في جل # 225 # المراتب ، قال صلى الله عليه وسلم : " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " ~~أي : العلماء بالله ؛ فإنهم لم يقفوا مع دنيا ولا مع آخرة ، بل حطوا هممهم ~~على الله ، ولم يقصدوا شيئا سواه ، خلعوا النعلين عن الكونين ، وركضوا إلى ~~المكون ، وكانت لهم اليد الطولى في عمل الطاعات عبودية ، والبصيرة النافذة ~~في مشاهدة الربوبية ، هذه طريقهم ، وهذا مذهبهم ، ومن حاد منهم عن هذا لم ~~يعدوه منهم. جعلنا الله ممن خرط في سلكهم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 225 PageV06P345 ~~يقول الحق جل جلاله : {واذكر إسماعيل} ، فصل ترجمته عن أبيه وأخيه ؛ ~~للإشعار بعلو شأنه ، واستقلاله بالشرف والذكر ، ولعراقته في الصبر ، الذي ~~هو المقصود بالتذكير ، وهو أكبر بنيه. {و} اذكر {اليسع} بن خطوب بن العجوز ~~، استعمله إلياس على بني إسرائيل ، ثم استنبىء. و" ال " فيه ، قيل : ~~للتعريف ، وأصله : يسع ، وقيل : زائدة ؛ لأنه عجمي علم ، وقيل : هو يوشع ، ~~{وذا الكفل} وهو ابن ms2493 عم اليسع ، أو : بشر بن أيوب. واختلف في نبوته وسبب ~~لقبه ، فقيل : فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل ، خوفا من القتل ، فآواهم ~~وكفلهم ، وقيل : تكفل بعبادة رجل صالح كان في وقته. {وكل} أي : وكلهم {من ~~الأخيار} المشهورين بالخيرة. # الإشارة : إنما كان هؤلاء مصطفين أخيارا بالوفاء بالعهود ، والوقوف مع ~~الحدود ، والصبر على طاعة الملك المعبود ، وتحمل ما يقرب إلى حضرة الشهود. ~~فكل من اتصف بهذه الخصال كان من المصطفين الأخيار. # جزء : 6 رقم الصفحة : 225 # قلت : {جنات} : عطف بيان لحسن مآب ، أو : بدل. و{مفتحة} : حال من {جنات ~~عدن}. والعامل فيها : الاستقرار في {للمتقين}. و{الأبواب} : نائب الفاعل ~~لمفتحة. والرابط بين الحال وصاحبها : إما ضمير مقدر ، كما هو رأي البصريين ، أي : # 226 # الأبواب منها ، أو : الألف واللام القائم مقامه ، كما هو رأي الكوفيين ، ~~أي : أبوابها. و{متكئين} : حال من ضمير {لهم} ، والعامل فيه : {مفتحة}. ~~و{يدعون} : إما استئناف ، أو : حال مما ذكر ، أو : من ضمير {متكئين}. PageV06P346 # يقول الحق جل جلاله : {هذا} أي : هذا الذي ذكر من الآيات الناطقة بمحاسن ~~الأنبياء والرسل ، {ذكر} أي : شرف لهم ، وذكر جميل يذكرون به أبدا ، أو : ~~نوع من الذكر ، أي : القرآن. وآي منه مشتمل على أنباء الأنبياء ، أو : ~~تذكير ووعظ ؛ لأنه يذكر أحوال الأكابر ليقتدي بهم ، أو : ذكر من مضى ~~الأنبياء ، أو : شرف لك ؛ لأنه معجزة لك يدل على صدقك ، {وإن للمتقين} أي : ~~جنس المتقين ، أو : من ذكر من الرسل ، عبر عنهم بالمتقين مدحا لهم بالتقوى ~~؛ إذ هي غاية الكمال. {لحسن مآب} ؛ مرجع. # ثم بينه بقوله : {جنات عدن} ؛ إقامة {مفتحة لهم الأبواب} فإذا جاؤوها لا ~~يلحقهم ذل الحجاب ، ولا كلفة الاستئذان ، تستقبلهم الملائكة بالتبجيل ~~والترحيب ، {متكئين فيها} على أرائكهم في حجالهم ، {يدعون فيها بفاكهة ~~كثيرة} مما يشتهون {وشراب} كثير كذلك ، حذف اكتفاء بالأول ، والاقتصار على ~~دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ ، دون التغذي ~~والحاجة ، فإنه لا تحلل في الأبدان ولا حاجة. # {وعندهم} حور {قاصرات الطرف} على أزواجهن ، لا ينظرن إلى غيرهم ، {أتراب} ~~؛ لدات ، أسنانهن كأسنانهم. قيل : ثلاث ms2494 وثلاثون سنة لكل واحد ، أو : ~~مستويات في الحسن والجمال والشكل ؛ لأن التحاب بين الأقران أبلغ وأثبت ، ~~وقيل : أتراب بعضهن لبعض ، لا عجوز فيهن ولا صبية. واشتقاقه من التراب ، ~~فإنه يمسهن في وقت واحد. # {هذا ما توعدون ليوم الحساب} ، قال ابن عرفة : اللام للتوقيت ، أي : عنده ~~، أو : للتعليل ، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء. وقرأ المكي والبصري ~~بياء الغيب ، ليوافق ما قبله ، والالتفات أليق بمقام الامتنان والتكريم. ~~{إن هذا} الذي ذكر من ألوان النعيم والكرامات {لرزقنا} أعطيناكموه ، {ما له ~~من نفاذ} ؛ من انقطاع وتمام أبدا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 226 PageV06P347 ~~الإشارة : كل من توجه إلى الله بكليته ، واتصف بمحاسن الأخلاق ، كان له ذكر ~~وشرف في الدنيا ، وكرامة في العقبى ، بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا ~~خطر على قلب بشر. # جزء : 6 رقم الصفحة : 226 # قلت : (هذا) خبر ، أي : الأمر هذا ، أو : مبتدأ ؛ أي : هذا كما ذكر ، وهو ~~من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص ، كقوله بعد الحمد : أما بعد. قال السعد : ~~هو من فصل الخطاب ، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال : وقد يكون الخبر ~~مذكورا كقوله : {هذا ذكر وإن للمتقين...} [ص : 49] ه. قال الطيبي : هو من ~~فصل الخطاب ، على التقدير الأول ، لا الثاني. ه. أي : إذا كان خبرا عن مضمر ~~، لا ما إذا ذكر الخبر. # يقول الحق جل جلاله : {هذا} أي : الأمر هذا ، {وإن للطاغين لشر مآب} ؛ ~~مرجع {جهنم يصلونها} ؛ يدخلونها ، حال من جهنم ، {فبئس المهاد} : الفراش ، ~~شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم ، والمخصوص محذوف ، أي : جهنم. # {هذا فليذوقوه} أي : ليذوقوا هذا فليذوقوه ، كقوله تعالى : {وإياي ~~فارهبون} [البقرة : 40] أو : العذاب هذا فليذوقوه ، وهو {حميم وغساق}... ~~الخ ، أو : {هذا} : مبتدأ ، و{حميم وغساق} : خبر ، وما بينهما اعتراض ، ~~والغساق : ما يغسق ، أي : يسيل من صديد أهل النار ، يقال : غسقت العين ؛ ~~إذا سال دمعها. وقيل : الحميم يحرق بحره ، والغساق يحرق ببرده. قيل : " لو ~~قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب ، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل ~~المشرق " وقيل : الغساق : عذاب لا ms2495 يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد ، ~~قرىء بهما. # {وآخر} أي : وعذاب آخر ، أو : مذوق آخر ، {من شكله} ؛ من مثل العذاب ~~المذكور. وقرأ البصري : " أخر " بالجمع ، أي : ومذوقات أخر من شكل هذا ~~العذاب في الشدة والفظاظة ، {أزواج} أي : أصناف ، وهو خبر لأخر ، أو : صفة ~~له ، أو : للثلاثة. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 227 PageV06P348 ~~هذا فوج مقتحم معكم} ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار ، ~~واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام : الدخول ~~في الشيء بشدة ، أو : من كلام الطاغين بعضهم من بعض. {لا مرحبا بهم} ، هو ~~من تمام كلام الخزنة ، على الأول ، أو : من كلام الطاغين ، دعاء منهم على ~~أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا ، أي : وجدت مكانا رحبا ، لا ~~ضيقا ، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء ، فتقول : لا مرحبا. و" بهم " : ~~بيان للمدعو عليهم ، {إنهم صالوا النار} أي : داخلوها. وهو تعليل ~~لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل : {هذا فوج...} إلخ ، من كلام الخزنة لرؤساء ~~الكفرة. و{لا مرحبا بهم...} الخ ، من كلام الرؤساء. # {قالوا} أي : الأتباع ، {بل أنتم لا مرحبا بكم} أي : الدعاء الذي دعوتم ~~به علينا # 228 # أنتم أحق به ، وعللوا ذلك بقوله : {أنتم قدمتموه لنا} أي : إنكم دعوتمونا ~~للكفر ، فتبعناكم ، فقدمتمونا به للعذاب ، {فبئس القرار} أي : بئس المقر ~~جهنم ، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. {قالوا} أي : الأتباع ، ~~معرضين عن خصومتهم ، متوجهين إلى الله : {ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ~~ضعفا} أي : مضاعفا. {في النار} أو : ذا ضعف ، ومثله قوله : {ربنا هؤلآء ~~أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا} [الأعراف : 38] ، وهو أن يزيد على عذابه مثله. PageV06P349 # {وقالوا} أي : الرؤساء : {ما لنا لا نرى رجالا} ، يعنون : فقراء المسلمين ، ~~{كنا نعدهم} في الدنيا {من الأشرار} ؛ من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا ~~جدوى ، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم ، {أتخذناهم سخريا} ، بهمزة ~~الاستفهام ، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة : استئنافية ، ومن قرأ بالوصل ~~فقط فالجملة : صفة ثانية لرجال ، {أم زاغت} ؛ مالت {عنهم الأبصار} ، ~~والمعنى على الاستفهام : أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك ، فلم ms2496 يدخلوا معنا ~~النار فهم في الجنة ، أم دخلوها معنا ، ولكن مالت عنهم أبصارنا ، فلا نراهم ~~معنا ؟ وعلى الاستخبار : ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار ، كانوا عندنا ~~أشرارا ، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم ، ثم أضربوا وقالوا : بل زاغت عنهم ~~الأبصار ، فلا نراهم فيها ، وإن كانوا معنا ، أو : زاغت أبصارنا ، وكلت ~~أفهامنا عنهم ، حتى خفي علينا مقامهم ، وأنهم على الحق ونحن على الباطل ، ~~وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم ؛ فمن : التسخير والاستخدام. ومن قرأ ~~بالكسر ، فمن : السخر ، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما ~~معا ، فراجعه. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 227 # إن ذلك} الذي حكى من أحوالهم {لحق} لا بد من وقوعه ألبتة ، وهو {تخاصم ~~أهل النار} فيها على ما تقدم. # ولما شبه تفاوضهم ، وما يجري بينهم من السؤال والجواب ، بما يجري بين ~~المتخاصمين ، سماه تخاصما ، وبأن قول الرؤساء : {لا مرحبا} وقول الأتباع : ~~{بل أنتم لا مرحبا بكم} من باب الخصومة لا محالة ، فسمي التقاول كله تخاصما ~~؛ لاشتماله على ذلك. PageV06P350 # الإشارة : كل من تعدى وطغى ، ولم يتب ، من المؤمنين ، يرى شيئا من أهوال ~~الكفرة ، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص ، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض ~~الأسفل ، ويكون سكناه في أسفل الجنة ، فيقول : ما لنا لا نرى معنا رجالا ~~كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار ، أتخذناهم سخريا ، وهم كبراء عند الله ، ~~رفعوا عنه ، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار ؟ فيجابون : بأنهم رفعوا مع ~~المقربين ، كانوا مشتغلين بنا ، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما ~~صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا ، في كل حين ، وبالله ~~التوفيق. # 229 # جزء : 6 رقم الصفحة : 227 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد للمشركين : {إنما أنا منذر} من جهته ~~تعالى ، أنذركم عذابه ، {وما من إله} في الوجود {إلا الله الواحد} الذي لا ~~يقبل الشركة أصلا ، {القهار} لكل شيء سواه ، {رب السماوات والأرض وما ~~بينهما} من المخلوقات ، فكيف يتوهم أن يكون له شريك منها ، {العزيز} ؛ الذي ~~لا يغلب {الغفار} ؛ المبالغ في المغفرة لمن ms2497 يشاء. وفي هذه النعوت من تقرير ~~التوحيد ، والوعد للموحدين ، والوعيد للمشركين ، ما لا يخفى. وتثنية ما ~~يشعر بالوعيد من وصف القهر والعزة وتقديمهما على وصف المغفرة ؛ لتقوية ~~الإنذار. # {قل هو} أي : ما نبأتكم به من كوني رسولا ، وأن الله واحد لا شريك له ، ~~{نبأ عظيم} ؛ وارد من جهته تعالى ، لا يعرض عن مثله إلا غافل منهمك. {أنتم ~~عنه معرضون} ؛ غافلون ، وعن ابن عباس : النبأ العظيم : القرآن. وعن الحسن : ~~يوم القيامة. وتكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمر جليل ، له شأن خطير ، لا ~~بد من الاعتناء به ، أمرا وائتمارا. PageV06P351 # {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون} ، احتجاج على صحة نبوته ، بأن ~~ما ينبىء به عن الملأ الأعلى ، واختصامهم ، أمر غيبي ، لم يكن له به علم قط ~~، ثم علمه وأخبر به ، ولم يسلك الطريق الذي سلكه الناس في علم ما لم يعلموا ~~، وهو الأخذ عن أهل العلم ، ودراسة الكتب ، فتحقق أن ذلك لم يحصل له إلا ~~بالوحي من الله تعالى. والملأ الأعلى هم الملائكة ، وآدم ، وإبليس ؛ لأنهم ~~كانوا في السماء ، وكان اختصامهم : التقاول بينهم ، كقولهم : {أتجعل فيها ~~من يفسد فيها...} [البقرة : 30] الخ ، وكقول إبليس : {أنا خير منه...} ~~[الأعراف : 12 وص : 76] الخ ، ويدل عليه ما يأتي من الآيات. وقيل : ~~اختصامهم في الكفارات وغفران الذنوب ، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلفت ~~الملائكة في قدر ثوابه ، حتى يقضي الله ما شاء. # وروي في هذا حديث ، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال له ربه عز وجل ~~في النوم : " أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لا ، قال : اختصموا في ~~الكفارات والدرجات ، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء على المكاره ، ونقل ~~الأقدام إلى الجماعات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وأما الدرجات ؛ فإفشاء ~~السلام ، وإطعام الطعام ، والصلاة # 230 # بالليل والناس نيام " رواه الترمذي. # جزء : 6 رقم الصفحة : 230 # و{إذ يختصمون} : متعلق بمحذوف يقتضيه المقام ؛ إذ المراد نفي علمه عليه ~~الصلاة والسلام بحالهم لا بذواتهم ، والتقدير : ما كان لي فيما سبق علم ~~بما يوحيه في شأن الملأ الأعلى وقت اختصامهم. وانظر أبا ms2498 السعود. PageV06P352 # {إن يوحى إلي أنما أنا نذير مبين} أي : ما يوحى إلي ما يوحى من الأمور ~~الغيبية ، التي من جملتها حال الملأ الأعلى ، إلا لأنما أنا نذير مبين من ~~جهته تعالى ، فحذف اللام وانتصب بإيصال الفعل إليه ، ويجوز أن يرتفع ~~بالنيابة عن الفاعل ، أي : ما يوحى إلي إلا هذا ، وهو أن أنذر وأبلغ ، ولا ~~أفرط في ذلك ، أي : ما أومر إلا بهذا الأمر وحده ، وليس إلي غير ذلك. وقرىء ~~بكسر " إنما " على الحكاية ، أي : إلا هذا القول ، وهو : أن أقول لكم : ~~إنما أنا نذير مبين ، ولا أدعي شيئا آخر. # الإشارة : تربية اليقين تطلب في ثلاثة أمور ؛ في توحيد الألوهية ، ~~بالتبري من الشرك الجلي والخفي. وهو مفاد قوله : {وما من إله إلا الله...} ~~الخ. وفي تصديق الواسطة ، وهو النذير المبين ، بتعظيمه واتباع سنته ومنهاجه ~~القويم ، وفي التصديق بما جاء به ، وهو النبأ العظيم ، على أي تفسير كان ، ~~إما القرآن ، باتباعه ، والتدبر في معانيه ، أو : يوم القيامة ، بالتأهب له ~~، وجعله نصب العين. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 230 # قلت : {إذ قال} : متعلق بيختصمون ، أو : بدل من {إذ} قبله ، أو : باذكر. ~~و" الحق " : فمن نصبه ، فعلى حذف فعل القسم ، كقولك : الله لأفعلن ، أي : ~~أقسم بالحق ، فحذفت الباء ووصل الفعل به ، ومن رفعه ؛ فمبتدأ ، أي : الحق ~~مني ، أو : خبر ، أي : أنا الحق. والحق الثاني : مفعول " أقول " ، والجملة ~~: معترضة بين القسم وجوابه ، وهو : {لأملأن}. # 231 PageV06P353 ~~يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور : {إذ قال ربك للملائكة} حين ~~أراد خلق آدم ، {إني خالق بشرا من طين} ، وقال : {إنى جاعل فى الأرض خليفة ~~قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} [البقرة : 30]. والتعرض لعنوان الربوبية ، ~~مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم ، ~~والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال ~~الآمر ، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى ، كما في قوله تعالى ~~: {... يا عبادى الذين أسرفوا...} [الزمر : 54] الخ ، دون حال المأمور ، ~~وإلا لقال : ربي ؛ لأنه ms2499 داخل في حيز الأمر. {فإذا سويته} أي : صورته ~~بالصورة الإنسانية ، والخلقة البشرية ، أو : سويت أجزاء بدنه ، بتعديل ~~أعضائه ، {ونفخت فيه من روحي} الذي خلقته قبل ، وأضافه إليه تخصيصا ، كبيت ~~الله ، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله ، لطيفة ربانية ، سارية في ~~كثيفة ظلمانية ، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله ، أي : فإذا أحييته {فقعوا} أي ~~: اسقطوا {له} ، وهو أمر ، من وقع ، {ساجدين} قيل : كان انحناء يدل على ~~التواضع ، وقيل : كان سجودا لله ، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 231 PageV06P354 ~~فسجد الملائكة كلهم أجمعون} ، " كل " للإحاطة ، و" أجمعون " للاجتماع ، ~~فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا ، في قوت واحد ، غير متفرقين في أوقات. ~~وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر : {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا ~~له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [الحجر : 29 ، 30] أن الأمر بالسجود ~~كان تعليقا ، لا تنجيزيا ، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه ، بل حين أعلمهم ~~بخلقه ، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول ، وظاهر ما في البقرة ~~والأعراف والإسراء والكهف : أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه ، والجمع بينهما ~~: أنه وقع قبل وبعد ، أو : اكتفى بالتعليقي ، كما يقتضيه الحديث ، حيث قال ~~له بعد نفح الروح فيه : " اذهب فسلم على أولئك الملائكة ، فسلم عليهم ، ~~فردوا عليه وسجدوا له " والله تعالى أعلم بغيبه. # {إلا إبليس استكبر} أي : تعاظم عن السجود ، والاستثناء متصل إن قلنا : ~~كان منهم ، حيث عبد عبادتهم ، واتصف بصفاتهم ، مع كونه جنيا ، أو : منقطع ، ~~أي : لكن إبليس استكبر ، {وكان من الكافرين} أي : صار منهم بمخالفته للأمر ~~، واستكباره عن الطاعة ، أو : كان منهم في علم الله. {قال يا إبليس ما منعك ~~أن تسجد} أي : عن السجود {لما خلقت بيدي} ، بلا واسطة أب ولا أم ، امتثالا ~~لأمري ، وإعظاما لخطابي ، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد ، أطلقت ~~على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام ، المستدعي ~~لإجلاله وإعظامه ، قصدا إلى تأكيد الإنكار ، وتشديد التوبيخ ، وسيأتي في # 232 # الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى : {أستكبرت} ms2500 ، بهمزة ~~الاستفهام ، وطرح همزة الوصل ، أي : أتكبرت من غير استحقاق ، {أم كنت من ~~العالين} المستحقين للتفوق ، أو : أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من ~~المتكبرين ، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك ؟ PageV06P355 # {قال أنا خير منه} ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول ، كقوله : {لم أكن ~~لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون} [الحجر : 30] ، وبين فضيلته في ~~زعمه بقوله : {خلقتني من نار وخلقته من طين} ، يعني لو كان مخلوقا من نار ~~لما سجدت له ؛ لأنه مخلوق مثلي ، فكيف أسجد لمن هو دوني ؛ لأنه طين ، ~~والنار تغلب الطين وتأكله ، ولقد أخطأ اللعين ، حين خص الفضل بما من جهة ~~المادة والعنصر ، وغاب عنه ما من جهة الفاعل ، كما أنبأ عنه قوله تعالى : ~~{لما خلقت بيدي} ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى : {ونفخت فيه ~~من روحي} ، وما من جهة الغاية ، وهو ما خصه به من علوم الحكمة ، التي ظهرت ~~بها مزيته على الملائكة ، حتى أمروا بالسجود ، لما ظهر أنه أعلم منهم بما ~~تدور عليه أمر الخلافة في الأرض ، وأن له خواص ليست لغيره. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 231 # قال فاخرج منها} ؛ من الجنة ، أو : من زمرة الملائكة ، وهو المراد بالأمر ~~بالهبوط ، أو : من السموات ، أو : من الخلقة التي أنت فيها ، وانسلخ منها ، ~~فإنه كان يفتخر بخلقته ، فغير الله خلقته ، فاسود بعدما كان أبيض ، وقبح ~~بعدما كان حسنا ، وأظلم بعدما كان نورانيا. {فإنك رجيم} أي : مرجوم ، مطرود ~~، من كل خير وكرامة. أو : شيطان يرجم بالشهب. PageV06P356 # {وإن عليك لعنتي} ؛ إبعادي من الرحمة ، وتقييدها هنا ، وإطلاقها في قوله : ~~{وإن عليك اللعنة} [الحجر : 35] ؛ لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة ~~أيضا من جهته تعالى ، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة ، ~~{إلى يوم الدين} ؛ إلى يوم الجزاء والعقوبة ، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم ~~الدين ، ثم تنقطع ، بل في الدنيا اللعنة وحدها ، ويوم القيامة يقترن بها ~~العذاب ، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب ، وأفانين العقاب ، ما ينسى به ~~اللعنة ، وتصير عنده كالزائد. أو ms2501 : لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة ، ~~فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها ، وكيف ينقطع ، وقد قال تعالى : ~~{فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين} [الأعراف : 44] وهو إمامهم ؟ # {قال} إبليس : {رب فأنظرني} ؛ أمهلني وأخرني ، أي : إذا جعلتني رجيما ~~فأمهلني ولا تمتني ، {إلى يوم يبعثون} أي : آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم. ~~وأراد بذلك فسحته لإغوائهم ، وليأخذ منهم ثأره ، وينجو من الموت بالكلية ؛ ~~إذ لا موت بعد البعث ، {قال} تعالى : {فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم} ، وهو وقت النفخة الأولى ، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله ، ~~لا يتقدم ولا يتأخر ، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع # 233 # التعرض لشمول ما سأله لآخرين ، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك ~~، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا ، لا إنشاء لإنظار خاص ~~به ، قد وقع إجابة لدعائه ، أي : إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا ، ~~حسبما تقتضيه حكمة التكوين. # {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} ، أقسم بعزة الله ، وهو سلطانه وقهره على ~~إغواء بني آدم ، بتزيين المعاصي والكفر ، {إلا عبادك منهم المخلصين} ، وهم ~~الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته ، وعصمهم من الغواية ، أو : الذين ~~أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. PageV06P357 # {قال} تعالى : {فالحق والحق أقول} أي : أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق ، أو ~~: الحق قسمي وأقول الحق : {لأملأن جهنم منك} ؛ من جنسك ، وهم الشياطين ، ~~{وممن تبعك منهم} ؛ من ذرية آدم {أجمعين} أي : لأعمرن جهنم من المتبوعين ~~والتابعين أجمعين ، لا أترك منهم أحدا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 231 # الإشارة : التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات ، وصورته البديعة ~~فاقت جميع الصور ، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم ~~إلا الآدمي ، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان ، واعتدل فيه الأمران ؛ الظلمة ~~والنور ، الحس والمعنى ، الروحانية والبشرية ، القدرة والحكمة. ولذلك قال ~~تعالى فيه : {لما خلقت بيدي} ، ولم يقله في غيره ، أي : خلقته بيد القدرة ~~ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية ، ~~والحكمة عبارة ms2502 عما في قالبه من عجائب التصوير ، وغرائب التركيب ، ولذلك ~~كانت معرفته أتم ، وترقيه لا ينقطع ، إن كان من أهله ، وراجع ما تقدم في ~~قوله تعالى : {ولقد كرمنا بنى ءادم} [الإسراء : 70]. # وقال القشيري بعد كلام : فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم ~~قال : ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره ، فيه ظهرت الخصوصية. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 231 # يقول الحق جل جلاله : {قل ما أسألكم} على تبليغ الوحي أو على القرآن {من ~~أجر} دنيوي ، حتى يثقل عليكم ، {وما أنا من المتكلفين} أي : المتصنعين بما ~~ليسوا من أهله ، وما عرفتموني قط متصنعا حتى أنتحل النبوة ، أو أتقول ~~القرآن ، وعنه صلى الله عليه وسلم : " للمتكلف ثلاث علامات : ينازع من فوقه ~~، ويتعاطى ما لا ينال ، ويقول ما لا يعلم ". {إن هو} : ما هو {إلا ذكر} : ~~وعظ من الله عز وجل {للعالمين} ؛ الثقلين كافة ، # 234 PageV06P358 ~~{ولتعلمن نبأه} ؛ نبأ القرآن ، وصحة خبره ، وما فيه من الوعد والوعيد ، ~~وذكر البعث والنشور ، {بعد حين} ؛ بعد الموت ، أو : يوم بدر ، أو القيامة ، ~~أو : بعد ظهور الإسلام وفشوه. وفيه من التهديد ما لا يخفى. ختم السورة ~~بالذكر كما افتتحها بالذكر. # الإشارة : تقدم مرارا التحذير من طلب الأجر على التعليم ، أو الوعظ ~~والتذكير ، اقتداء بالرسل عليهم السلام. وفي الآية أيضا : النهي عن التكلف ~~والتصنع ، وهو نوع من النفاق ، وضرب من الرياء. وعن الزبير بن العوام رضي ~~الله عنه نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم اغفر للذين لا ~~يدعون ، ولا يتكلفون ، ألا إني بريء من التكلف ، وصالحوا أمتي " وقال سلمان ~~: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نتكلف للضيف ما ليس عندنا! ". ~~وكان الصحابة رضي الله عنهم يقدمون ما حضر من الكسر اليابسة ، والحشف ~~البالي أي : الرديء من التمر ويقولون : لا ندري أيهما أعظم وزرا ، الذي ~~يحتقر ما قدم إليه ، أو : الذي يحتقر ما عنده فلا يقدمه. ه. وبالله التوفيق ~~، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. # 235 ms2503 # جزء : 6 رقم الصفحة : 234 PageV06P359 ### | AUTO سورة الزمر # جزء : 6 رقم الصفحة : 235 # بسم الله الرحمن الرحيم # {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق فاعبد ~~الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص...}. # قلت : {تنزيل} خبر ، أي : هذا تنزيل ، و{من الله} : صلة لتنزيل ، أو : ~~خبر ثان ، أو : حال من التنزيل ، عاملها : معنى الإشارة. # يقول الحق جل جلاله : هذا الذي تتلوه هو {تنزيل الكتاب} ، نزل {من} عند ~~{الله العزيز} في سلطانه {الحكيم} في تدبيره. وإيثار الوصفين للإيذان ~~بجريان أثريهما في الكتاب ، بجريان أحكامه ونفوذ أوامره ونواهيه. {إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق} : ليس بتكرر ؛ لأن الأول كالعنوان للكتاب ، ~~والثاني لبيان ما في الكتاب. قال أبو السعود : والمراد بالكتاب : القرآن ، ~~وإظهاره على تقدير كونه هو المراد بالأول ؛ لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه. ~~والباء إما متعلقة بالإنزال ، أي : بسبب الحق وإظهاره ، أو : بداعيته ~~واقتضائه ، وإما بمحذوف هو حال من نون العظمة ، أو : من الكتاب ، أي : ~~أنزلناه إليه محقين في ذلك ، أو : ملتبسا بالحق والصواب ، أي : ما فيه حق ~~لا ريب فيه موجب العمل به حتما. قال القشيري : بالحق ، أي : بالدين الحق ~~والشرع الحق ، وأنا محق في إنزاله. # {فاعبد الله مخلصا له الدين} أي : فاعبده تعالى مخلصا دينه من شوائب ~~الشرك والرياء ، حسبما بين في تضاعيف ما أنزل إليه. {ألا لله الدين الخالص} ~~أي : هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة ؛ لأنه المنفرد ~~بصفات الألوهية ، التي من جملتها : الاطلاع على السرائر والضمائر. # 236 # الإشارة : قال القشيري : كتاب عزيز ، نزل من رب عزيز ، على عبد عزيز ، ~~بلسان ملك عزيز ، في شأن أمة عزيزة ، بأمر عزيز. وأنشدوا : # جزء : 6 رقم الصفحة : 236 # ورد الرسول من الحبيب الأول # بعد البلاء ، وبعد طول الأمل PageV06P360 ~~تنزيل تنزهت قلوب الأحباب بعد ذبول عصن سرورها ، في كتاب الأحباب ، عند ~~قراءة فصولها. والعجب منها كيف لا تزهو سرورا بوصولها ، وارتياحا بحصولها ، ~~وكتاب موسى في الألواح ، ومنها كان يقرأ موسى ، وكتاب نبينا صلى الله عليه ~~وسلم نزل ms2504 به الروح ، الأمين ، على قلبك ، وفصل بين من يكون خطاب ربه مكتوبا ~~في ألواحه ، وبين من يكون خطاب ربه محفوظا في قلبه ، وكذلك أمته ، {بل هو ~~ءايات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت : 49]. ه. # وقوله تعالى : {فاعبد الله مخلصا له الدين} ، قال القشيري : العبادة : ~~معانقة الطاعات على نعت الخضوع ، وتكون بالنفس وبالقلب وبالروح ، فالتي ~~بالنفس أي : بالجوارح الإخلاص فيها : التباعد عن الانتقاص ، والتي بالقلب ~~، أي : كالفكرة والنظرة ، الإخلاص فيها : التباعد عن رؤية الأشخاص أي : ~~الحس من حيث هو والتي بالروح ، الإخلاص فيها : التنقي عن رؤية طلب ~~الاختصاص. # قوله تعالى : {ألا لله الدين الخالص} هو ما يكون جملته لله ، وما للعبد ~~فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد ، اللهم إلا أن يكون بأمره ، فإنه إذا أمر ~~العبد أن يحتسب الأجر على طاعته ، فأطاعه ، لا يخرج عن الإخلاص بامتثاله ما ~~أمره به ، ولولا هذا ما صح أن يكون في العالم مخلص ، يعني : أن جل الناس ~~إنما يطيعون لاحتساب الأجر ، إلا الفرد النادر ، فمن زال عنه الحجاب فإنه ~~يعبد الله بالله ، شكرا ، وإظهارا للأدب ، فإن قصد الاحتساب ، ثم طرأ عليه ~~خواطر بعد تحقق الإخلاص ، فلا يضر ، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " ~~من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " وهذا في أصل القصد ، ~~والعوارض غير مضرة ، كما هو صريح حديث آخر. والله تعالى أعلم. # ثم رد على المشركين ، فقال : PageV06P361 # {... والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفىا ~~إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ~~لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفىا مما يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد ~~القهار}. # قلت : {والذين} : مبتدأ ، و{ما نعبدهم} : محكي بقول محذوف ، حال من واو # 237 # " اتخذوا " وجملة " إن الله " : خبر ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل ، و" ~~زلفى " : مصدر. # جزء : 6 رقم الصفحة : 236 # يقول الحق جل جلاله : {والذين اتخذوا من دونه أولياء} أي : لم يخلصوا في ~~عبادتهم ms2505 ، بل شاوبوها بعبادة غيره ، كالأصنام ، والملائكة ، وعيسى ، قائلين ~~: {ما نعبدهم} لشيء من الأشياء {إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي : تقريبا ، ~~{إن الله يحكم بينهم} وبين خصمائهم ، الذين هم المخلصون للدين ، وقد حذف ~~لدلالة الحال عليه ، كقوله : {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة : 285] على ~~أحد الوجهين ، أي : بين أحد منهم وبين غيره. قيل : كان المسلمون إذا قالوا ~~للمشركين : من خلق السماوات والأرض ؟ قالوا : الله ، فإذا قالوا لهم : فما ~~لكم تعبدون الأصنام ؟ قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. # {إن الله يحكم} يوم القيامة بين المتنازعين من المسلمين والمشركين {فيما ~~هم فيه يختلفون} من التوحيد والإشراك ، وادعاء كل واحد صحة ما انتحله. ~~وحكمه تعالى هو إدخال الموحدين الجنة والمشركين النار. وقيل : الموصول واقع ~~على الأصنام ، والعائد محذوف ، أي : والذين اتخذوهم من دونه أولياء ، ~~قائلين : ما نعبدهم... الخ ، إن الله يحكم بينهم ، أي : بين العبدة ~~والمعبودين فيما هم فيه يختلفون ، حيث يرجون منها شفاعتها وهي تلعنهم ، ~~وهذا بعيد. PageV06P362 # {إن الله لا يهدي} : لا يوفق للاهتداء {من هو كاذب كفار} أي : راسخ في ~~الكذب ، مبالغ في الكفر ، كما يعرب عنه قراءة من قرأ : " كذاب " أو : " ~~كذوب " ، أي : لا يهديهما اليوم لدينه ؛ لسابق الشقاء ، ولا في الآخرة ~~لثوابه ؛ لأنهما اليوم فاقدان للبصيرة ، غير قابلين للاهتداء ؛ لتغييرهما ~~الفطرة الأصلية بالتمرن في الضلالة والتمادي في الغي. {لو أراد الله أن ~~يتخذ ولدا} كما يزعم من يقول : الملائكة بنات الله ، والمسيح وعزير ابن ~~الله ، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ، {لاصطفى مما يخلق ما يشاء} أي : ~~لاختار من خلقه ما يشاء ، ممن له مناسبة صمدانية ، كالملائكة ، فإنهم ~~منزهون عن نقائض البشرية ، كالأكل والشرب والنكاح ، لكن لم يرد ذلك ؛ ~~لاستحالته في حقه تعالى. # قال القشيري : خاطبهم على قدر عقولهم وعقائدهم ، فقال : لو أراد الله أن ~~يتخذ ولدا بالتبني والكرامة لاختار من الملائكة ، الذين هم مبرؤون من الأكل ~~والشرب وأوصاف الخلق ، ثم أخبر عن تقدسه عن ذلك ، فقال : {سبحانه} أي : ~~تنزيها له عن اتخاذ الولد على الحقيقة ؛ لاستحالة ms2506 معناه في نعته ، ولا ~~بالتبني ، لتقدسه عن الجنسية ، والمحالات تدل على وجه الإبعاد. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 236 # والحاصل : أن الولد في حقه تعالى ؛ إن كان عن طريق التولد فهو محال ، ~~عقلا ونقلا ، وإن كان عن طريق التبني والكرامة فمحال سمعا ، وقيل : وعقلا. ~~قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه : قوله ، أي : القشيري ~~: لتقدسه عن الجنسية ، # 238 PageV06P363 ~~يعني لوحدته وقهره ، كما رمز إلى ذلك بذكر الاسمين ، أي : الواحد القهار ، ~~وهما عاملان في كل مخلوق ، ومحال تعطيلهما بالتبني المقتضي للجنسية ، ~~المباينة للوحدانية والقهر ، فلا يمكن إلا العبودية ، عقلا ، ونقلا ، ~~وحقيقة ، وهذا أشد من كلام ابن عطية ، فإنه جوز اتخاذه على جهة التشريف ~~والتبني عقلا ، وإن امتنع شرعا ، لعموم آية : {وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ~~ولدا} [مريم : 92] ؛ لاتخاذ النسل المستحيل عقلا ونقلا ، ولاتخاذ الاصطفاء ~~الممتنع شرعا. وهو أيضا أشد من كلام الزمخشري ، حيث قال : معنى الآية : لو ~~أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك ، ولكنه يصطفي من يشاء من عباده ، على ~~وجه الاختصاص والتقريب ، لا على وجه اتخاذه ولدا. ه. فأجمل في الامتناع ، ~~وإن كان المتبادر منه شمول القسمين ، وكذا قرر جواب " لو " ، أي : لامتنع ، ~~وجعل قوله : {لاصطفى} الذي هو ظاهر في كونه جوابا غير جواب " بل " على معنى ~~الاستئناف ، وهو خلاف المطروق والمفهوم من جري الكلام. والله أعلم. # وما ذكره الزمخشري أيضا من الامتناع مع الإرادة هو فرض لتعلق الإرادة ~~بالممتنع ، وهي إنما تتعلق بالجائز ، ويحتمل بناؤه على مذهبه الفاسد في ~~إرادة بعض ما لم يقع ، وهو شنيع مذهبه ، بل ويلزمه عود القهر عليه تعالى ~~عن ذلك ، وهو الله الواحد القهار ، فكيف يريد ويمتنع ما يريده ؟ ! هل ذلك ~~إلا عين القهر ؟ تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ه. PageV06P364 # قال تعالى : {سبحانه} أي : تنزه بالذات عن اتخاذ الولد ، تنزهه الخاص به ، ~~على أن {سبحان} مصدر ، من : سبح : إذا بعد. {هو الله الواحد القهار} : ~~استئناف مبين لتنزهه بحسب الصفات ، إثر بيان تنزهه عنه بحسب الذات ، فإن ~~صفة الألوهية المستتبعة لسائر صفات ms2507 الكمال ، النافية لسمات النقصان ، ~~والوحدة الذاتية ، الموجبة لامتناع المماثلة والمشاركة بينه تعالى وبين ~~غيره على الإطلاق ، مما يقتضي تنزهه تعالى عما قالوه ، قضاء متيقنا ، وكذا ~~وصف القهارية ؛ لأن اتخاذ الولد شأن من يكون تحت ملكوت الغير ، عرضة للفناء ~~، ليقوم الولد مقامه عند فنائه ، ومن هو مستحيل الفناء ، قهار لكل الكائنات ~~، كيف يتصور أن يتخذ من الأسماء الفانية من يقوم مقامه ؟ قاله أبو السعود. # جزء : 6 رقم الصفحة : 236 # الإشارة : الحق سبحانه غيور ، لا يرضى لغيره أن يعبد معه غيره ، كان على ~~وجه الواسطة والتقريب ، أو : على وجه الاستقلال. لذلك حرم السجود لغير الله ~~، وأما الخضوع للأولياء ، العارفين بالله ، على غير وجه العبادة ، فهو عين ~~الخضوع لله ؛ لأن الله تعالى أمر بالخضوع للرسل ، الدالين على الله ، وهم ~~ورثتهم في الدلالة ، لكن لا يكون ذلك على هيئة السجود ، وإنما يكون على وجه ~~تقبيل القدم أو الأرض بين أيديهم ، كما قال الشاعر : # يا من يلوم خمرة المحبه # فخذوا عني هي حلال>> ومن يرد يسقي منها عبه # خد يضع لأقدام الرجال # رأسي حططت بكل شيبه # هم الموالي سقوني زلال # 239 PageV06P365 ~~وجعل القشيري مناط الرد على الكفرة حيث فعلوا ذلك ، وقالوا : ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله ، بغير إذن الله ، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم. فرد ~~الله عليهم. قال : وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب ، بنشاط نفسه ~~، من غير أن يقتضيه حكم الوقت ، وما يعقد بينه وبين الله تعالى من عقود لا ~~يفي بها ، وكان ذلك اتباع هوى. قال الله تعالى : {فما رعوها حق رعايتها} ~~[الحديد : 27]. قلت : ولأجل هذا وجب على من أراد الوصول إلى الله أن يتخذ ~~شيخا عارفا بأحكام الوقت ، ذا بصيرة بدسائس النفس ، فيأمره في كل وقت ، وفي ~~كل زمان ، بما يناسبه ؛ ليخرجه من هوى نفسه ، وأسر طبعه ، وإلا بقي في ~~العنت والبعد عن الله ، يعبد الله على حرف ، كلما زاد عبادة وقربا في زعمه ~~زاد بعدا من ربه ، وهو لا يشعر ، فالنفس إن لم تتصل بمن يرفع ms2508 عنها الحجاب ، ~~كانت كدود القز ، تنسج الحجاب على نفسها بنفسها ، حتى تموت في وسطه. وفي ~~ذلك يقول الششتري في نونيته رضي الله عنه : # ونحن كدود القز يحصرنا الذي # صنعنا لدفع الحصر سجنا لنا منا # وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 236 # يقول الحق جل جلاله : {خلق السماوات والأرض} أي : وما بينهما من ~~الموجودات ، ملتبسة {بالحق} ؛ مشتملة على الحكم والمصالح الدينية والدنيوية ~~{يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} ، التكوير : اللف واللي ، ~~يقال : كار العمامة على رأسه وكورها. والمعنى : أن كل واحد منهما يغيب ~~الآخر إذا طرأ عليه ، ويلفه لف اللباس باللابس ، أو : يغيبه كما يغيب ~~الملفوف باللفافة ، أو : يجعله كارا عليه كرورا متتابعا ، تتابع أكوار ~~العمامة ، وهذا بيان لكيفية تصرفه تعالى في السموات والأرض بعد بيان خلقهما ~~، وعبر بالمضارع للدلالة على التجرد. PageV06P366 # {وسخر الشمس والقمر} : جعلهما منقادين لأمره. {كل يجري لأجل مسمى} ، وهو ~~يوم القيامة ، أو : كل منهما يجري لمنتهى دورته ، {ألا هو العزيز} ؛ الغالب ~~القادر على كل شيء ، ومن جملتها : عقاب العصاة ، {الغفار} : المبالغ في ~~المغفرة ، ولذلك لا # 240 # يعاجل بالعقوبة ، ولا يمنع ما في هذه الصنائع البديعة من آثار رحمته. ~~وتصدير الجملة بحرف التنبيه ، لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها. # {خلقكم من نفس واحدة} ، لما ذكر ما يتعلق بالعالم العلوي ، ذكر ما يتعلق ~~بالعالم السفلي ، وترك العاطف للإيذان باستقلاله في الدلالة على الوحدانية ~~، وبدأ بالإنسان ؛ لأنه المقصود الأهم من هذا العالم ، ولعراقته في الدلالة ~~على توحيد الحق وباهر قدرته ؛ لما فيه من تعاجيب آثار القدرة ، وأسرار ~~الحكمة ، وأصالته في المعرفة ؛ فإن الإنسان بحال نفسه أعرف ، والمراد ~~بالنفس : نفس آدم عليه السلام. # {ثم جعل منها زوجها} : عطف على محذوف ، صفة لنفس ، أي : من نفس خلقها ثم ~~جعل منها زوجها ، أو : على معنى : واحدة ، أي : نفس وجدت ثم جعل منها زوجها ~~حواء ، وعطفت بثم دلالة على مباينتها له فضلا ومزية ، فهو من التراخي في ~~الحال والمنزلة ، مع التراخي في الزمان. وقيل : أخرج ذرية آدم من ظهره ~~كالذر ، ثم أخرج منه حواء ms2509 ، ففيه ثلاث آيات ؛ خلق آدم من غير أب ولا أم ، ~~وخلق حواء من قصيراه ، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 240 # وأنزل لكم من الأنعام} أي : قضى وجعل ، أو : خلقها في الجنة مع آدم عليه ~~السلام ، ثم أنزلها ، أو : أحدث لكم بأسباب نازلة من السماء ، كالأمطار ، ~~وأشعة الكواكب ، كما تقول الفلاسفة. {ثمانية أزواج} ذكرا وأنثى ، وهي : ~~الإبل ، والبقر ، والضأن ، والمعز. فالزوج اسم لواحد معه آخر ، فإذا انفرد ~~فهو فرد ، ووتر. PageV06P367 # {يخلقكم في بطون أمهاتكم} : استئناف ؛ لبيان كيفية خلقهم ، وأطوارهم ~~المختلفة ، الدالة على القدرة القاهرة. وصيغة المضارع للدلالة على التجرد. ~~{خلقا من بعد خلق} : مصدر مؤكد ، أي : يخلقكم فيها خلقا كائنا من بعد خلق ، ~~أي : خلقا مدرجا ، حيوانا سويا ، من بعد عظام مكسوة لحما ، من بعد عظام ~~عارية ، من بعد مضغة مخلقة ، من بعد مضغة غير مخلقة ، من بعد علقة ، من بعد ~~نطفة ، {في ظلمات ثلاث} : ظلم البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، أو : ~~ظلمة الصلب ، والبطن ، والرحم. {ذلكم} : إشارة إلى الحق تعالى ، باعتبار ~~أفعاله المذكورة ، وهو مبتدأ ، وما فيه من معنى البعد ؛ للإيذان ببعد ~~منزلته في العظمة والكبرياء ، أي : ذلكم العظيم الشأن ، الذي عددت أفعاله ~~هو {الله ربكم} أي : مربيكم بنعمة الإيجاد على الأطوار المتقدمة ، وبنعمة ~~الإمداد بعد نفخ الروح فيه. {له الملك} : التصرف التام على الإطلاق في ~~الدارين. {لا إله إلا هو} : لا متصرف غيره. {فأنى تصرفون} : فكيف تصرفون عن ~~عادته تعالى ، مع وفور دواعيها ، وانتفاء الصارف عنها بالكلية ، إلى عبادة ~~غيره ، من غير داع إليها ، مع كثرة الصوارف عنها ؟ والله تعالى أعلم. # 241 PageV06P368 ~~الإشارة : خلق سماوات الأرواح ، وأرض النفوس ، بالحق ، أي : لسبب معرفته ، ~~وعبادته ، فالمعرفة للأرواح ، والعبادة للنفوس ، يكور نهار البسط على ليل ~~القبض ، وبالعكس ، وسخر شمس العيان ، وقمر البرهان ، كل يجري إلى أجل مسمى ~~، إلا أن قمر البرهان ينتهي بطلوع شمس العيان ، وشمس العيان لا انتهاء لها. ~~{لا إله إلا هو العزيز} فيمنع بعزته من الوصول إليه من أراد احتجابه ، ~~{الغفار} فيغطي بفضله مساوىء ms2510 من أراد وصلته. {خلقكم من نفس واحدة} ؛ من روح ~~واحدة ، هي الروح الأعظم ، ثم تفرعت منها الأشياء كلها. وأنزل لكم من ~~الأنعام ما تتصرفون فيه ، وتتقربون به إلى ربكم ، ثم ذكرهم بنعمة الإيجاد ، ~~ونعمة الإمداد ، بقوله : {يخلقكم في بطون أمهاتكم...} إلخ ، فنعمة الإيجاد ~~ظاهرة ، ونعمة الإمداد : ما يتغذى به الجنين في بطن أمه من دم الحيض. # جزء : 6 رقم الصفحة : 240 # يقول الحق جل جلاله : {إن تكفروا} به تعالى ، بعد مشاهدة هذه النعم ~~الجسيمة ، وشؤونه العظيمة ، الموجبة للإيمان والشكر ، {فإن الله غني عنكم} ~~أي : فاعلموا أنه تعالى غني عن إيمانكم وشكركم ، {ولا يرضى لعباده الكفر} ؛ ~~لأن الكفر ليس برضا الله ، وإن كان بإرادته ، وعدم رضاه تعالى بالكفر لأجل ~~منفعتهم ، ودفع مضرتهم ، رحمة بهم ، لا لتضرره تعالى به. {وإن تشكروا} ~~وتؤمنوا {يرضه لكم} أي : يرضى الشكر لأجلكم ومنفعتكم ؛ لأنه سبب الفوز ~~بسعادة الدارين. # وإنما قال : {لعباده} ولم يقل " لكم " ، لتعميم الحكم ، وتعليله بكونهم ~~عباده تعالى ، والحاصل : أن وقوع الطاعة والإيمان هو بقدرته تعالى ، ~~وإرادته ورضاه ، وأما الكفر والمعاصي فهو بقضائه وإرادته ، ولم يرضها من ~~عبده شرعا ، وإن رضيها تكوينا ؛ لتقوم الحجة على العبد ، ويظهر صورة العدل ~~، ولا يظلم ربك أحدا ، وإن كان الكل منه وإليه. PageV06P369 # {ولا تزر وازرة وزر أخرى} : بيان لعدم سريان كفر الكافر إلى غيره ، أي : ~~ولا تحمل نفس حاملة لوزرها حمل نفس أخرى ، {ثم إلى ربكم مرجعكم} بالبعث بعد ~~الموت ، {فينبئكم} ؛ يخبركم {بما كنتم تعملون} في الدنيا من الإيمان والكفر ~~، فيجازيكم بها ثوابا وعقابا. {إنه عليم بذات الصدور} : أي بمضمرات القلوب ~~، فكيف بالأعمال الظاهرة ، وهو تعليل ل " ينبئكم ". # الإشارة : قد تقدم الكلام على الشكر في سورة سبأ قال القشيري : قوله ~~تعالى : # 242 # {وإن تشكروا يرضه لكم} إن أطعتني شكرتك ، وإن ذكرتني ذكرتك ، وإن خطوت ~~لأجلي خطوة ملأت السموات والأرض من شكرك ، وأنشدوا : # لم علمنا أن الزيارة حق # لفرشنا الخدود أرضا لترضى # جزء : 6 رقم الصفحة : 242 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا مس الإنسان} أي : جنس الإنسان {ضر} من ms2511 مرض ~~وغيره {دعا ربه منيبا} إليه ؛ راجعا إليه مما كان يدعوه في حالة الرخاء ؛ ~~لعلمه بأنه بمعزل عن القدرة على كشف ضره ، وهذا وصف للجنس ببعض أفراده ، ~~كقوله تعالى : {إن الإنسان لظلوم كفار} [إبراهيم : 34] وقيل : المراد أبو ~~جهل ، أو : كل كافر. {ثم إذا خوله نعمة منه} أي : أعطاه نعمة عظيمة من ~~جنابه ، من التخول ، وهو التعهد ، يقال : فلان خائل مال ، إذا كان متعهدا ~~إليه حسن القيام به. وفي الصحاح : خوله الله الشيء : ملكه إياه. وفي ~~القاموس : وخوله الله المال : أعطاه إياه. PageV06P370 # قال ابن عطية : خوله ، أي : ملكه ، وحكمه فيها ابتداء من الله ، لا مجازاة ~~، ولا يقال في الجزاء : خول. ه. أو : من الخول ، وهو الافتخار ، أي : جعله ~~يخول ، أي : يختال ويفتخر بنعمه. {نسي ما كان يدعو إليه من قبل} أي : نسي ~~الضر الذي كان يدعو الله تعالى كشفه من قبل التخويل ، أو : نسي ربه الذي ~~كان يدعو ويتضرع إليه ، على أن {ما} بمعنى {من} ، كقوله تعالى : {وما خلق ~~الذكر والأنثى} [الليل : 3] ، أو : إيذانا بأن نسيانه بلغ به إلى حيث لا ~~يعرف ما يدعوه ، وهو كقوله تعالى : {عمآ أرضعت} [الحج : 2]. # {وجعل لله أندادا} : شركاء في العبادة ؛ {ليضل} بذلك {عن سبيله} الذي هو ~~التوحيد ، أي : ليضل غيره ، أو : ليزاد ضلالا ، أو : يثبت عليه ، على ~~القراءتين ، وإلا ؛ فأصل الضلال غير متأخر عن الجعل المذكور. واللام ~~للعاقبة ، كما في قوله : {فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص ~~: 8] غير أن هذا أقرب للحقيقة ؛ لأن الجاعل هنا قاصد بجعله المذكور حقيقة ~~الإضلال والضلال ، وإن لم يعرف ؛ لجهله أنهما إضلال وضلال ، وأما آل فرعون ~~فهم غير قاصدين بالتقاطهم العداوة أصلا. قاله أبو السعود. # {قل تمتع بكفرك قليلا} أي : تمتعا قليلا ، أو : زمانا قليلا في الدنيا ، ~~وهو تهديد لذلك الضال المضل ، وبيان لحاله ومآله. {إنك من أصحاب النار} أي ~~: من ملازميها ، # 243 # والمعذبين فيها على الدوام ، وهو تعليل لقلة التمتع. وفيه من الإقناط من ~~النجاة ما لا يخفى ، كأنه قيل : إذا أبيت قبول ما أمرت به من ms2512 الإيمان ~~والطاعة ، فمن حقك أن تؤمر بتركه لتذوق عقوبته. # جزء : 6 رقم الصفحة : 243 PageV06P371 ~~الإشارة : الصفة الممدوحة في الإنسان : أن يكون إذا مسه الضر التجأ إلى ~~سيده ، مع الرضا والتسليم ، فإذا كشف عنه شكر الله وحمده ، ودام على شكره ، ~~ونسب التأثير إلى الأسباب والعلل ، وهو صريح الآية. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 243 # يقول الحق جل جلاله : {أمن هو قانت} أي : مطيع ، قائم بواجب الطاعات ، ~~دائم على أداء وظائف العبادات ، {آناء الليل} أي : في ساعات الليل ، حالتي ~~السراء والضراء ، كمن ليس كذلك ، بل إنما يفزع إلى الله في الضراء فقط ، ~~فإذا كشف عنه نسي ما كان يدعو إليه من قبل ، وحذفه لدلالة ما قبله عليه. ~~ومن قرأ بالتشديد ، ف " أم " إما متصلة ، حذف مقابلها ، أي : أنت خير حالا ~~ومآلا أم من هو قائم بوظائف العبادات ، أو : منقطعة ، والإضراب للانتقال من ~~التهديد إلى التبكيت بالجواب الملجىء إلى الاعتراف بما بينهما ، كأنه قيل : ~~أم من هو قانت أفضل ، أم من هو كافر مثلك ؟ # حال كون القانت {ساجدا وقائما} أي : جامعا بين الوصفين المحمودين. وتقديم ~~السجود على القيام ؛ لكونه أدخل في معنى العبادة. {يحذر الآخرة} أي : عذاب ~~الآخرة ، حال أخرى ، أو : استئناف ، جواب عما نشأ من حكاية حاله من القنوت ~~والسجود ، كأنه قيل : فما باله يفعل ذلك ؟ فقيل : يحذر الآخرة ، {ويرجو ~~رحمة ربه} أي : الجنة ، فينجو بذلك مما يحذره ، ويفوز بما يرجوه ، كما ~~ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية ، المنبئة عن التبليغ إلى الكمال ، مع ~~الإضافة إلى ضمير الراجي. PageV06P372 # ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء ، يرجو رحمته ، لا ~~عمله ، ويحذر عقابه ؛ لتقصيره في عمله ، ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمنا. ~~والخوف إذا جاوز حده يكون إياسا ، وقد قال تعالى : {فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون} [الأعراف : 99] ، و{لا يايئس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون} [يوسف : 87] فيجب ألا يجاوز أحدهما حده ؛ بل يكون كالطائر بين ~~جناحيه ، إلا في حالة المرض ، فيغلب الرجاء ، ليحسن ظنه بالله. ومذهب محققي ms2513 ~~الصوفية : تغليب الرجاء مطلقا ، لهم ولعباد الله ؛ لغلبة حسن ظنهم بربهم. # والآية ، قيل : نزلت في عثمان رضي الله عنه كان يحيي الليل ، وقيل : في عمار # 244 # وأبي حذيفة ، وهي عامة لمن سواهم. # {قل هل يستوي الذين يعلمون} حقائق الأحوال ، فيعملون بموجب علمهم ، ~~كالقانت المذكور ، {والذين لا يعلمون} شيئا ؛ فيعملون بمقتضى جهلهم ، كدأب ~~الكافر المتقدم. والاستفهام للتنبيه على أن كون الأولين في أعلى معارج ~~الخير ، وكون الآخرين في أقصى مدارج الشر من الظهور ، بحيث لا يكاد يخفى ~~على أحد. # جزء : 6 رقم الصفحة : 244 # قال النسفي : أي : يعلمون ويعملون به ، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم ، ~~وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون أي : يدخرون العلوم ، ثم لا يقنتون ، ~~ويتفننون فيها ، ثم يفتنون بالدنيا ، فهم عند الله جهلة ، حيث جعل القانتين ~~هم العلماء. أو : يريد به التشبيه ، أي : كما لا يستوي العالم والجاهل ، ~~كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. ه. PageV06P373 # الإشارة : القنوت هو القيام بآداب الخدمة ، ظاهرا وباطنا ، من غير فتور ولا ~~تقصير ، قاله القشيري. وهو على قسمين ، قنوت العارفين ، وهي عبادة القلوب ، ~~كالفكرة والنظرة ، ساعة منها أفضل من عبادة سبعين سنة ، وثمرتها : التمكن ~~من شهود الذات الأقدس ، عاجلا وآجلا ، وقنوت الصالحين ، وهي عبادة الجوارح ~~، كالركوع والسجود والتلاوة ، وغيرها من أعمال الجوارح ، وثمرتها نعيم ~~الجنان بالحور والولدان ، مع الرضا والرضوان ، ورؤية وجه الرحمن. # روي عن قبيصة بن سفيان ، قال : رأيت سفيان الثوري في المنام بعد موته ، ~~فقلت له : ما فعل الله بك ؟ فأنشأ يقول : # نظرت إلى ربي عيانا فقال لي # هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد>> لقد كنت قواما إذا الليل قد دجا # بعبرة محزون وقلب عميد>> فدونك فاختر أي قصر تريده # وزرني فإني منك غير بعيد # وكان شعبة ومسعر رجلين صالحين ، وكانا من ثقة المحدثين ، فماتا ، قال أبو ~~أحمد اليزيدي : فرأيتهما في المنام ، وكنت إلى شعبة أميل مني إلى مسعر ، ~~فقلت لشعبة : يا أبا بسطام ؛ ما فعل الله بك ؟ فقال : يا بني احفظ ما أقول لك : # حباني إلهي في الجنان بقبة # لها ms2514 ألف باب من لجين وجوهرا>> وقال لي الجبار : يا شعبة الذي # تبحر في جمع العلوم وأكثرا>> تمتع بقربي ، إنني عنك ذو رضا # وعن عبدي القوام في الليل مسعرا>> كفى مسعرا عزا بأن سيزورني # وأكشف عن وجهي ويدنو لينظرا>> وهذا فعالي بالذين تنسكوا # ولم يألفوا في سالف الدهر منكرا # 245 PageV06P374 ~~وقوله تعالى : {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} أي : لا يستوي ~~العالم بالله مع الجاهل به ، العالم يعبده على العيان ، والجاهل به في مقام ~~الاستدلال والبرهان. العالم بالله يستدل بالله على غيره ، والجاهل به يستدل ~~بالأشياء على الله ، وشتان بين من يستدل به أو يستدل عليه ، المستدل به عرف ~~الحق لأهله ، وأثبت الأمر من وجود أصله ، والاستدلال عليه من عدم الوصول ~~إليه ، كما في الحكم. العالم بالله من السابقين المقربين ، والجاهل به من ~~عامة أهل اليمين ، ولو تبحر في العلو الرسمية غاية التبحر. قال الورتجبي : ~~وصف تعالى أحوال أهل الوجود والكشوفات ، المستأنسين به ، وبلذائذ خطابه ~~ومناجاته ، وتحملوا من لطائف خطابه مكنون أسرار غيبه ، من العلوم الغريبة ، ~~والأنباء العجيبة ، لذلك وصفهم بالعلم الإلهي ، الذي استفادوا من قربه ~~ووصاله ، وكشف جماله بقوله : {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} كيف ~~يستوي الشاهد والغائب ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ . ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 244 # قال القشيري : العلم المخلوق على ضربين : علم مجلوب بكسب العبد ، وموهوب ~~من قبل الرب.. انظر تمامه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 244 # قلت : {في هذه} : متعلق بأحسنوا ، أو : بحسنة ، على أنه بيان لمكانها ، ~~أو : حال من ضميرها في الظرف. # يقول الحق جل جلاله : {قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم} بامتثال ~~أوامره ، واجتناب نواهيه ، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحثهم على ~~التقوى ويذكرهم بها ، بعد تخصيص التذكير بأولي الألباب ، إيذانا بأن أولي ~~الألباب هم أهل التقوى ، وفي إضافتهم إلى ضمير الجلالة بقوله : {يا عبادي} ~~تشريف لهم ، ومزيد اعتناء بشأن المأمور به ، وهو التقوى. PageV06P375 # ثم حرض على الامتثال بقوله : {للذين أحسنوا} أي : اتقوا الله وأطاعوه {في ms2515 ~~هذه الدنيا} الفانية ، التي هي مزرعة الآخرة. {حسنة} أي : حسنة عظيمة ، لا ~~يكتنه كنهها ، وهي الجنة ونعيمها ، أو : للذين أحسنوا بالطاعة والإخلاص ~~حسنة معجلة في الدنيا ، وهي الصحة والعافية ، والحياة الطيبة ، أو : للذين ~~أحسنوا ، أي : حصلوا مقام الإحسان الذي عبر عنه عليه الصلاة والسلام بقوله ~~: " أن تعبد الله كأنك تراه " حسنة كبيرة ، وهي لذة الشهود ، والأنس ~~بالملك الودود في الدارين. # ولما كان هذا المقام لا يتأتى تحصيله إلا في بعض البلاد الخالية من ~~الشواغل والموانع ، أمر بالهجرة من الأرض التي لا يتأتى فيها التفرغ ، فقال ~~: {وأرض الله واسعة} ، # 246 # فمن تعسر عليه التفرغ للتقوى ، والإحسان وعمل القلوب ، في وطنه ، فليهاجر ~~إلى بلد يتمكن فيه ذلك ، كما هي سنة الأنبياء والأولياء ، فإنه لا عذر له ~~في التفريط والبطالة أصلا. # ولما كان الخروج من الوطن صعبا على النفوس ، يحتاج إلى صبر كبير ؛ ورغب ~~في الصبر بقوله : {إنما يوفى الصابرون} على مفارقة الأوطان ، وتحمل مشاق ~~الطاعات ، وتحقيق الإحسان ، {أجرهم} في مقابلة ما كابدوه من الصبر ، {بغير ~~حساب} بحيث لا يحصى ولا يحصر ؛ بل يصب عليهم الأجر صبا ، فلهم ما لا عين ~~رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. # وعن ابن عباس رضي الله عنه : (لا يهدي إليه حساب الحساب ، ولا يعرف) ، ~~وفي الحديث : " أنه ينصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصيام والحج ، ~~فيوفون بها أجورهم ، ولا تنصب لأهل البلاء ؛ بل يصب عليهم الأجر صبا ، حتى ~~يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض ، مما يذهب به أهل ~~البلاء من الفضل " وكل ما يشق على النفس ويتعبها فهو بلاء ، والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 246 PageV06P376 ~~الإشارة : بالتقوى الكاملة يصير العبد من أولي الألباب ، فبقدر ما تعظم ~~التقوى يعظم إشراق النور في القلب ، ويتصفى من الرذائل ، وقد تقدم الكلام ~~عليها مستوفيا عند قوله تعالى : {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم أن اتقوا الله} [النساء : 100] فمن أحسن في تقواه أحسن الله عاقبته ~~ومثواه ، وحفظه في دنياه وأخراه. # فمن تعذرت ms2516 عليه التقوى في وطنه ، فليهاجر منه إلى غيره ، والهجرة سنة ~~نبوية ، وليتجرع الصبر على مفارقة الأوطان ، ومهاجرة العشائر والإخوان ، ~~لينخرط في سلك أهل الإحسان ، قال تعالى : {والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه} [التوبة : 100] الآية. # قال القشيري : الصبر : حبس النفس على ما تكره ، ويقال : تجرع كاسات ~~التقدير ، من غير استكراه ولا تعبيس ، ويقال : التهدف لسهام البلاء. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 246 # 247 # يقول الحق جل جلاله : {قل} لهم : {إني أمرت أن أعبد الله} حال كوني ~~{مخلصا له الدين} من كل ما ينافيه من الشرك والرياء ، وما أمر به صلى الله ~~عليه وسلم يؤمر به أمته ؛ بل هم المقصودون. ثم قال : {وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين} أي : وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة ؛ لأن ~~إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه ، فالإسلام الحقيقي هو المنعوت ~~بالإخلاص ، والتقدير : أمرت بالعبادة والإخلاص فيها ، وأمرت بذلك لأن أكون ~~أول المخلصين. PageV06P377 # أو : تكون اللام زائدة ، وهو أظهر ، كقوله تعالى : {قل إنى أمرت أن أكون ~~أول من أسلم} [الأنعام : 14] أي : من قومي ، أو : من أهل زماني ، أو : أكون ~~أول من دعا غيره إلى ما دعا إليه نفسه ، وهو الإسلام ، وحاصله : أمرت ~~بإخلاص الدين ، وأمرت أن أكون من السابقين في ذلك زمانا ورتبة ؛ لأنه داع ~~إلى الإسلام ، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحليا به ، كما هي سنة ~~الأنبياء والأولياء ، لا الملوك والمتجبرين. # {قل إني أخاف إن عصيت ربي} بترك الإخلاص ، والميل إلى ما أنتم عليه من ~~الشرك {عذاب يوم عظيم} هو يوم القيامة. وصف بالعظمة ؛ لعظمة ما فيه من ~~الدواهي والأهوال. # {قل الله أعبد} لا غيره ، لا استقلالا ولا اشتراكا. وليس بتكرار ؛ لأن ~~الأول إخبار عن كونه مأمورا بالإخلاص في الدين ، وبالسبق إليه ، وهذا إخبار ~~بأنه امتثل الأمر ، وفعل ما أمر به. وقدم المفعول لأنه جواب لقول الكفرة : ~~أعبد ما نعبد ، لنعبد ما تعبد ، فهو كقوله : {لكم دينكم ولى دين} [الكافرون ~~: 6] أي : لا أعبد إلا الله ms2517 {مخلصا له ديني} من كل ما يشوبه من العلل ، ~~فأمر صلى الله عليه وسلم أولا ببيان كونه مأمورا بعبادة الله وإخلاص الدين ~~له ، ثم بالإخبار بخوفه من العذاب على تقدير العصيان ، ثم بالإخبار ~~بامتثاله لما أمر به على أبلغ وجه ؛ إظهارا لتصلبه في الدين ، وحسما لمادة ~~أطماعهم الفارغة ، وتمهيدا لتهديدهم بقوله : {فاعبدوا ما شئتم} أن تعبدوه ~~{من دونه} تعالى. وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى ، كأنهم ~~لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به ، كي يحيق بهم العذاب. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 247 PageV06P378 ~~قل إن الخاسرين} ؛ الكاملين في الخسران ، الذي هو عبارة عن : إضاعة ما يهمه ~~، وإتلاف ما لا بد منه ، هم {الذين خسروا أنفسهم} بتعريضها للعطب ، ~~{وأهليهم} بتعريضهم للتفرق عنهم ، فرقا لا جمع بعده ؛ إما في عذاب الأبد ، ~~إن ماتوا على الكفر معهم ، أو : في الجنة ، إن آمنوا ، فلا يرونهم أبدا. ~~وقيل : خسروا أهلهم ؛ لأنهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم أهل في الجنة ، أو : ~~خسروا أهلهم الذين كانوا يتمتعون بهم ، لو آمنوا. {ألا ذلك هو الخسران ~~المبين} الذي لا خسران أظهر منه. وتصدير الجملة بحرف التنبيه ، والإشارة ~~بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه في الشر. وتوسيط ضمير الفصل ، # 248 # وتعريف الخسران ، ووصفه بالمبين ؛ من الدلالة على كمال هوله وفظاعته ، ~~وأنه لا خسران وراءه ، ما لا يخفى. # {لهم من فوقهم ظلل من النار} أي : لهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض ، ~~كائنة من النار ، {ومن تحتهم} أيضا {ظلل} أي : أطباق كثيرة ، بعضها تحت بعض ~~، هي ظلل لآخرين. {ذلك} العذاب الفظيع هو الذي {يخوف الله به عباده} ~~ويحذرهم إياه ؛ ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. {يا عباد فاتقون} ولا تتعرضوا لما ~~يوجب سخطي. وهذه موعظة من الله بالغة ، منطوية على غاية اللطف والرحمة ، ~~جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه. # الإشارة : الإخلاص سر بين الله وبين عبده ، لا يطلع عليه ملك فيكتبه ، ~~ولا شيطان فيفسده ، وهو الغيبة عما سوى الله ، فلا يرى في الدارين إلا الله ~~، ولا يعتمد إلا عليه ms2518 ، ولا يخاف إلا منه ، ولا يرجو إلا إياه. والإسلام هو ~~: الانقياد بالجوارح في الظاهر للأحكام التكليفية ، والاستسلام في الباطن ~~للأحكام القهرية التعريفية ، فالإسلام صورة ، والاستسلام روحها ، فالإسلام ~~بلا استسلام جسد بلا روح. PageV06P379 # وقوله تعالى : {فاعبدوا ما شئتم} هو تهديد لمن عبد نفسه وهواه ، وهو ~~الخسران المبين. ويقال : الخاسر : من خسر أيام عمره بالبطالة والتقصير ، ~~وخسر آخرته بعدم التأهب والتشمير ، وخسر مولاه بعدم الوصول إلى مشاهدة حضرة ~~العلي الكبير ، وهي حضرة الذات ، فمن خسر هذا الخسران ، فقد أحاطت به نار ~~القطيعة والحجاب من كل مكان. {ذلك يخوف الله به عباده} قال القشيري : إن ~~خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم ، وإلا فبين يديك عقبة كؤود. # جزء : 6 رقم الصفحة : 247 # قلت : {أن يعبدوها} : بدل اشتمال من " الطاغوت " ، والطاغوت : فعلوت ، من ~~الطغيان ، بتقديم اللام على العين ، وأصله : طغيوت ، ثم طيغوت ، ثم طاغوت. # يقول الحق جل جلاله : {والذين اجتنبوا الطاغوت} أي : البالغ أقصى غاية ~~الطغيان ، وهو الشيطان {أن يعبدوها} أي : اجتنبوا عبادة الطاغوت ، الذي هو ~~الشيطان ، أو : كل ما عبد من دون الله ، وكل من عبد غير الله فإنما عبد ~~الشيطان ؛ لأنه هو المزين لها ، والحامل عليها. {وأنابوا إلى الله} أي : ~~وأقبلوا إليه ، معرضين عما سواه ، إقبالا كليا ، {لهم البشرى} بالنعيم ~~المقيم ، على ألسنة الرسل والملائكة ، عند حضور الموت ، وحين يحشرون ، وبعد ذلك. # 249 # {فبشر عباد الذين يستمعون القول} أي : ما نزل من الوحي {فيتبعون أحسنه} ؛ ~~أرجحه وأكثره ثوابا ، أو : أبينه ، الذي هو ضد المتشابه. وهؤلاء هم ~~الموصوفون باجتناب الطاغوت ، والإنابة إلى ربهم ، لكن وضع موضع ضميرهم ~~الظاهر ؛ تشريفا لهم بالإضافة ، ودلالة على أن مدار اتصافهم بالوصفين ~~الجليلين كونهم نقادا في الدين ، يميزون الحق من الباطل ، ويؤثرون الأفضل. PageV06P380 # {أولئك} المنعوتون بتلك المحاسن الجميلة ؛ هم {الذين هداهم الله} لدينه ، ~~والإشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجليلة ، وما فيه من ~~معنى البعد ؛ للإيذان بعلو رتبهم ، وبعد منزلتهم في الفضل. {وأولئك هم ~~أولوا الألباب} أي : هم أصحاب العقول الصافية ، السليمة من معارضة الوهم ~~ومنازعة الهوى ms2519 ، المستحقون للهداية ، لا غيرهم. # وفيه دليل على أن الهداية تحصل بفضل الله تعالى ، لقوله : {هداهم الله} ، ~~وقبول النفس لها ؛ لقوله : {هم أولوا الألباب}. # الإشارة : مذهب الصوفية : الأخذ بالعزائم ، والأرجح من كل شيء ، عقدا ، ~~وقولا ، وعملا ، فأخذوا من العقائد مقام العيان ، ولم يقنعوا بالدليل ~~والبرهان ، وأخذوا من الأقوال ألينها وأطيبها ، ويجمع ذلك : حسن الخلق مع ~~كل مخلوق ، فآثروا العفو على القصاص ، والصفح على العتاب ، وغير ذلك من ~~عزائم الشريعة على رخصها ، ومن الأذكار : أرجحها وأجمعها ، وهو الاسم ~~المفرد ، الذي هو سلطان الأسماء ، ومن الأعمال : أعظمها وأرجحها ، وهو عمل ~~القلوب ، الذي هو الذرة منه تعدل أمثال الجبال من أعمال الجوارح ، كعبادة ~~الفكرة والنظرة ، وفي الحديث : " تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة " ، ~~فأوقاتهم كلها ليلة القدر ، وكالتخلق بمكارم الأخلاق ، كالرضا ، والتسليم ، ~~والحلم ، والسخاء ، والكرم ، وغير ذلك من محاسن الخلل ، الذي هو من عمل ~~القلوب ، فهم الذين تحققت فيهم البشارة بقوله : {فبشر عباد الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه}. # جزء : 6 رقم الصفحة : 249 # وقال الورتجبي بعد كلام : ويتبع الكلام الأزلي الذي هو الخطاب بالفهم ~~العجيب ، والعلم الغريب ، والإدراك الصافي ، وانفراد الحق عن المخلوق ، في ~~المحبة ، والشوق ، والمعرفة ، والتوحيد ، والإخلاص ، والعبودية ، والربوبية ~~، والحرية ، فهذا أفضل ورد بالبديهة ، من حيث ظهور الأنباء العجيبة ، ~~والروح القدسية ، والإلهامات الربانية.. # 250 PageV06P381 ~~انظر بقية كلامه. وقال القشيري : الاستماع يكون لكل شيء ، والاتباع يكون ~~للأحسن. ثم قال : من عرف الله لا يسمع إلا بالله. ه. {أولئك الذين هداهم ~~الله} إلى صريح معرفته العيانية. {وأولئك هم أولوا الألباب} ، ولب الشيء : ~~قلبه وخصاله ، فقلوبهم خالصة لمولاهم ، وأرواحهم متنعمة بشهود حبيبها ، ~~وأسرارهم متنزهة في رياض ملكوت سيدها. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 249 # قلت : {من} : شرطية ، دخل عليها همزة الإنكار ، والفاء عاطفة على جملة ~~محذوفة ؛ ليتعلق الإنكار والنفي بمضمونها معا ، أي : أنت مالك أمر الناس ، ~~فمن حق علية كلمة العذاب أفأنت تنقذه ، ثم كررت الهمزة في الجزاء ؛ لتأكيد ~~الإنكار ، وتكريره ، لما طال الكلام ، ثم وضع موضع الضمير " من في النار " ~~؛ لمزيد تشديد ms2520 الإنكار والاستبعاد ، والتنبيه على أن المحكوم عليه بالعذاب ~~بمنزلة الواقع في النار ، ويجوز أن يكون الجزاء محذوفا ، دل عليه : {أفأنت ~~تنقذ}... الخ ، أي : أفمن حق عليه العذاب تنقذه أنت. # يقول الحق جل جلاله : {أفمن حق عليه كلمة العذاب}. وهم عبدة الطاغوت ~~ومتبعو خطواتها ، كما يلوح إليه التعبير عنهم ب " من حق عليه كلمة العذاب " ~~، فإن المراد بها قوله تعالى لإبليس : {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين} [ص : 85] ، وقوله تعالى : {لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين} ~~[الأعراف : 18] أي : أفمن حقت عليه كلمة الشقاء ، تقدر أن تهديه وتنقذه من ~~الكفر ، الذي هو سبب النار ؟ أو : تقول : المحكوم عليه بالنار بمنزلة ~~الداخل فيها ، فاجتهاده صلى الله عليه وسلم في دعائهم إلى الإيمان سعي في ~~إنقاذهم من النار بعد الدخول فيها ، وهو لا يفيد. فالمراد : تسكينه صلى ~~الله عليه وسلم وتفريغه من الحرص عليهم. PageV06P382 # الإشارة : من سبق له الإبعاد لا يفيده الكد والاجتهاد ، ومن أسدل بينه ~~وبينه الحجاب ، لا يفيده إلا الوقوف بالباب ، حتى يحن الكريم الوهاب ، فإن ~~العواقب في هذه الدر مبهمة ، والأعمال بالخواتم. قال القشيري : والذين حقت ~~عليهم كلمة العذاب ، فإنهم اليوم اليوم لا يخرجون من حجاب قلوبهم. ه. ~~وبالله التوفيق. # ولما كان المراد بقوله : {أفأنت تنقذ من في النار} هم الذين قيل في حقهم ~~: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} [الزمر : 16] استدرك عنهم أهل التقى. # جزء : 6 رقم الصفحة : 250 # 251 # يقول الحق جل جلاله : {لكن الذين اتقوا ربهم} ، وهم الذين وصفوا بقوله ~~تعالى : {يا عباد فاتقون} [الزمر : 16] ، ووصفوا بالاجتناب والإنابة ، وحصل ~~لهم البشرى ، حيث استمعوا وتبعوا أحسن القول ، وهم المخاطبون أيضا بقوله : ~~{يا عباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم} [الزمر : 10]... الآية. # فبين هنا أن لهم درجات عالية في جنات النعيم ، في مقابلة ما للكفرة من ~~دركات سافلة في الجحيم ، فهي في مقابلة قوله لهم : {من فوقهم ظلل من النار ~~ومن تحتهم ظلل} في حق الكفار ، أي : لكن أهل التقى لهم علالي ، بعضها فوق ~~بعض {مبنية} بناء ms2521 المنازل المؤسسة على الأرض في الرصانة والإحكام. {تجري من ~~تحتها} أي : من تحت تلك الغرف {الأنهار} من غير تفاوت بين العلو والسفل. ~~{وعد الله} أي : وعد الله ذلك وعدا ، فهو مصدر مؤكد لقوله : {لهم غرف} فإنه ~~في قوة الوعد. {لا يخلف الله الميعاد} لاستحالته عليه سبحانه. PageV06P383 # الإشارة : من اتقى الله فيما أمر ونهى ، كانت له درجات حسية ، مبنية من ~~الذهب والفضة ، يترقى فيها على قدر عمله وتقواه. ومن اتقى ما يشغل عن الله ~~من جنس الكائنات ، كانت له درجات ومقامات معنوية ، قربية اصطفائية ، يرتقي ~~فيها بقدر تقواه وسعيه إلى مولاه ، وعد الله لا يخلف الله الميعاد. قال ~~القشيري : وعد المطيعين الجنة ولا محالة لا يخلفه ، ووعد المذنبين ~~المغفرة ، ولا محالة يغفر لهم ، ووعد المريدين القاصدين بالوصول ، فإذا لم ~~تقع لهم فترة ؛ فلا محالة يصدق وعده. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 251 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر} أيها السامع {أن الله أنزل من السماء ماء} ~~هو المطر ، وقيل : كل ماء في الأرض فهو من السماء ، ينزل منها إلى الصخرة ، ~~فيقسمه الله تعالى بين البقاع. {فسلكه} : أدخله ونظمه {ينابيع في الأرض} أي ~~: عيونا ومجاري في الأرض ، كجري الدماء في العروق في الأجساد : أو : مياها ~~نابعة في ظهرها ، فإن الينبوع يطلق على المنبع والنابع. فنصب " ينابيع " ~~على الحال ، على القول الثاني ، وعلى نزع الخافض ، على الأول. # {ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه} : أصنافه ، من بر وشعير وغيرهما ، أو : ~~كيفياته من الألوان ، كالصفرة والخضرة والحمرة ، والطعوم وغيرهما. و{ثم} : ~~للتراخي في الرتبة والزمان ، وصيغة المضارع : لاستحضار الصورة البديعة ، ~~{ثم يهيج} أي : يتم جفافه ، # 252 # ويشرف على أن يثور من منابته ، ويستقل على وجه الأرض ، ساترا لها ، ~~{فتراه مصفرا} من بعد خضرته ونضرته. {ثم يجعله حطاما} ، فتاتا متكسرة ، كأن ~~لم يغن بالأمس ، فمن قدر على هذا قدر على إنشاء الخلق بعد فنائهم ~~ومجازاتهم. PageV06P384 # وقيل : المراد من الآية : تمثيل الحياة الدنيا ، في سرعة الزوال ، وقرب ~~الاضمحلال ، بما ذكر من أحوال الزرع ، ترغيبا عن زخارفها وزينتها ، وتحذيرا ms2522 ~~من الاغترار بمن سر بها ، كما في قوله تعالى : {إنما مثل الحياة الدنيا ~~كمآء أنزلناه من السمآء} [يونس : 24]... الآية ، وقيل : للاستشهاد على تحقق ~~الموعود من الأنهار الجارية من تحت الغرف ، بما يشاهد من إنزال المياه من ~~السماء ، وما يترتب عليه من آثار قدرته تعالى ، وإحكام حكمته ورحمته. # {إن في ذلك} أي : ما ذكر تفصيلا من إنزال الماء وما نشأ عنه. {لذكرى} : ~~لتذكيرا عظيما {لأولي الألباب} : لأصحاب العقول الخالصة من شوائب الهوى ، ~~فيتذكرون بذلك أن الحياة الدنيا في سرعة التقضي والانصرام ، كما يشاهدونه ~~من حال الحكام كل عام ، فلا يغترون ببهجتها ، ولا يفتنون بفتنتها ، أو : ~~يجزمون بأن من قدر على إنزال الماء من السماء ، وإجرائه في ينابيع الأرض ، ~~قادر على إجراء الأنهار من تحت الغرف. وأما ما قيل : من أنه استدلال على ~~وجود الصانع ؛ فلا يليق ؛ لأن هذه الأفعال الجليلة ذكرت مسندة إلى الله ~~تعالى ؛ وإنما يليق الاستدلال بها على وجود الصانع لو ذكرت غير مسندة إلى ~~مؤثر ، فتعين أن يكون متعلق التذكير والتنبيه شؤونه تعالى وشؤون آثاره ، ~~كما بين ، لا وجوده تعالى. قاله أبو السعود. # جزء : 6 رقم الصفحة : 252 # الإشارة : قال القشيري : والإشارة في هذا أن الإنسان يكون طفلا ، ثم شابا ~~، ثم كهلا ، ثم شيخا ، ثم يصير إلى أرذل العمر ، ثم إلى آخره يخترم ، ويقال ~~: إن الزرع ما لم يأخذ في الجفاف لا يؤخذ منه الحب ، الذي هو المقصود منه ، ~~كذلك الإنسان ما لم يخل من نفسه وحوله لا يكون له قدر ولا قيمة. قلت : يعني ~~أنه ما لم يمحص نفسه ، وينهكها في التقرب إلى مولاه ، لا قيمة له. PageV06P385 # ثم قال : ويقال : إن المؤمن بقوة عقله يوجب استقلاله بعمله إلا أن يبرز منه ~~كمال يمكنه من وفارة بصيرته ، ثم إذا بدت لائحة من سلطان المعارف تصير تلك ~~الأبواب مغمورة ، فإذا بدت أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة كذلك ، ~~وأنشدوا : # فلما استبان الصبح أدرج ضوءه # بأنواره أنوار ضوء الكواكب # قلت : استقلال العبد بعمله هو مثل بروز الزرع من منبته ، ووفور بصيرته ms2523 هو ~~إخراج حبه في سنبله ، وبدو لائحة من سلطان المعارف هو اصفراره ، وظهور ~~أنوار التوحيد التي تفني وجوده وتغمره في وجود الحق هو صيرورتها حطاما. # 253 # جزء : 6 رقم الصفحة : 252 # قلت : الهمزة للإنكار ، و{من} : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : كمن ليس كذلك. # يقول الحق جل جلاله : {أفمن شرح الله صدره} أي : وسعه وهيأه {للإسلام} ~~حتى قبله وفرح به ، واستضاء بنوره ، {فهو على نور} عظيم {من ربه} ، وبصيرة ~~في دينه ، وهذا النور : هو اللطف الإلهي الفائض عليه عند مشاهدة الآيات ~~التكوينية والتنزيلية ، والتوفيق للاهتداء بها ، أو : بمحض الإلهام من ~~الجود والكرم ، فيقذف في قلبه نور اليقين ، بلا سبب ، أو : بصحبة أهل النور ~~، هل يكون هذا كمن قسا قلبه ، وحرج صدره ، واستولى عليه ظلمة الغي والضلالة ~~، فأعرض عن تلك الآيات بالكلية ؟ ! # ولما نزلت هذه الآية سئل صلى الله عليه وسلم عن الشرح المذكور ، فقال : " ~~نور يقذفه الله في القلب ، فإذا دخل النور القلب انشرح وانفسح " قيل : وهل ~~لذلك علامة ؟ قال : " نعم التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ~~، والاستعداد للموت قبل نزوله ". {فويل للقاسية قلوبهم} : أي الصلبة ~~اليابسة {من ذكر الله} أي : من أجل ذكره ، الذي من حقه أن ينشرح له الصدر ، ~~وتلين له النفس ، ويطمئن به القلب ، وهؤلاء إذا ذكر الله عندهم اشمأزوا من ~~أجله ، وازدادت قلوبهم قساوة. PageV06P386 # قال الفخر : اعلم أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية ، وزيادة الاطمئنان ~~في النفوس الطاهرة الروحانية ، وقد يوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس ~~الخبيثة الشيطانية ، فإذا عرفت هذا ، فنقول : رأس الأدوية التي تفيد الصحة ~~الروحانية ورتبتها : هو ذكر الله ، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله ~~سببا لازدياد مرضها ، كان مرض تلك النفوس مرضا لا يرجى زواله ، ولا يتوقع ~~علاجه ، وكانت في نهاية الشر والرداءة ، فلهذا المعنى قال تعالى : {فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} وهذا كلام محقق. ه. وهو ~~كما قيل في الجعل أنها تتضرر برياح الورد ، أي : وتنتعش بالشين. فكل من يفر ~~من ذكر ms2524 الله ، ويثقل عليه ، فقلبه جعل. ذكره في الحاشية. # {أولئك في ضلال مبين} أي : أولئك ، البعداء الموصوفون بما ذكر من قساوة ~~القلوب في ضلال بعيد من الحق ، ظاهر ضلاله لكل أحد. قيل : نزلت الآية في ~~حمزة وعلي رضي الله عنهما وأبي لهب وولده ، وقيل : في عمار وأبي جهل. والحق ~~: إنها عامة. # 254 # الإشارة : من أراد الله به السعادة شرح صدره للإسلام ، فقبله وعمل عمله ، ~~ومن أراد به جذب العناية وتحقيق الولاية ، شرح صدره لطريق أهل مقام الإحسان ~~، فدخل في طريقهم ، وهيأ نفسه لصحبتهم وخدمتهم ، فما زال يقطعون به مهامه ~~النفوس حتى يقولون له : ها أنت وربك ، فتلوح له الأنوار ، وتشرق عليه شموس ~~المعارف والأسرار ، حتى يفنى ويبقى بالله. # جزء : 6 رقم الصفحة : 254 PageV06P387 ~~قال القشيري : والنور الذي من قبله تعالى نور اللوائح بتحقق العلم ، ثم نور ~~اللوامع بثبات الفهم ، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين ، ثم نور المكاشفة ~~بتجلي الصفات ، ثم نور المشاهدة بظهور الذات ، ثم أنوار الصمدية بحقائق ~~التوحيد ، وعند ذلك فلا وجد ولا فقد ، ولا بعد ولا قرب ، كلا ، بل هو الله ~~الواحد القهار. ه. فمن لم يبلغ هذا لا يخلو قلبه من قساوة ، فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله ، أولئك في ضلال مبين. # جزء : 6 رقم الصفحة : 254 # قلت : {كتابا} : بدل من {أحسن} ، أو : حال ، لوصفه بقوله : {متشابها}. ~~و{مثاني} : صفة أخرى لكتاب ، أو : حال أخرى منه ، أو : تمييز من " متشابها ~~" ، كما تقول : رأيت رجلا حسنا شمائل ، أي : شمائله ، والمعنى : متشابهة ~~مثانيه. و{تقشعر} : الأظهر أنه استئناف ، وقيل : صفة لكتاب ، أو : حال منه. # يقول الحق جل جلاله : {الله نزل أحسن الحديث} وهو القرآن ؛ إذ لا حديث ~~أحسن منه ، لا تمله القلوب ، وتسأمه الأسماع ؛ بل ترداده يزيده تجملا ~~وطراوة وتكثير حلاوة. روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة ~~، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : حدثنا حديثا ، فنزلت. والمعنى : ~~أن فيه مندوحة عن سائر الأحاديث. # وفي إيقاع اسم الجلالة مبتدأ ، وبناء " نزل " عليه ، من تفخيم أحسن ~~الحديث ، ورفع ms2525 محله ، والاستشهاد على حسنه ، وتأكيد إسناده إليه تعالى ، ~~وأنه من عنده ، لا يمكن صدوره من غيره ، والتنبيه على أنه وحي معجز ، ما لا يخفى. # حال كونه {كتابا متشابها} أي : يشبه بعضه بعضا في الإعجاز والبلاغة ، أو ~~: تشابهت معانيه بالصحة ، والإحكام ، والابتناء على الحق والصدق ، واستتباع ~~منافع الخلق في المعاد والمعاش ، وتناسب ألفاظه وجمله في الفصاحة والبلاغة ~~، وتجاوب نظمه في # 255 PageV06P388 ~~الإعجاز. {مثاني} : جمع مثنى ، أي : مكرر ، ومردد ، لما ثنى من قصصه ، ~~وأنبائه ، وأحكامه ، وأوامره ونواهيه ، ووعده ووعيده ، ووعظه. وقيل : لأنه ~~يثنى في التلاوة ، ويكرر مرة بعد أخرى. قال القشيري : ويشتمل على نوعي ~~الثناء عليه ، بذكر سلطانه وإحسانه ، وصفة الجنة والنار ، والوعد والوعيد. ه. # {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} أي : ترتعد وتنقبض ، والاقشعرار : ~~التقبض ، يقال : اقشعر الجلد : إذا انقبض ، ويقال : اقشعر جلده ووقف شعره : ~~إذا عرض له خوف شديد ، من منكر هائل دهمه بغتة. والمعنى : أنهم إذا سمعوا ~~القرآن وقوارعه وزواجره ، أصابتهم هيبة وخشية تقشعر منه جلودهم ، وإذا ~~ذكروا رحمة الله تعالى تبدلت خشيتهم رجاء ، ورهبتهم رغبة ، وذلك قوله تعالى ~~: {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي : ساكنة مطمئنة إلى ذكر الله. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 255 # ذلك} أي : الكتاب الذي شرح أحواله {هدى الله يهدي به من يشاء} أن يهديه ، ~~بصرف مجهوده إلى سبب الاهتداء به ، أو بتأمله فيما في تضاعيفه من شواهد ~~الحقيقة ، ودلائل كونه من عند الله. {ومن يضلل الله} أي : يخلق فيه الضلالة ~~، بصرف قدرته إلى مبادئها ، وإعراضه عما يرشد إلى الحق بالكلية ، وعدم ~~تأثره بوعده ووعيده ، أو : من يخذله {فما له من هاد} يخلصه من ورطة الضلال. ~~أو : ذلك الذي ذكر من الخشية والرجاء هو أثر هدى الله ، يهدي لذلك الأثر من ~~يشاء من عباده ، {ومن يضلل} أي : ومن لم يؤثر فيه لطفه وهدايته ؛ لقسوة ~~قلبه ، وإصراره على فجوره {فما له من هاد} : من مؤثر فيه بشيء قط. الإشارة ~~: أول ما يظهر الفتح على قلب العبد في فهم كتاب الله ، والتمتع بحلاوة ~~تلاوته ، ثم ms2526 ينتقل إلى الاستغراق في ذكره باللسان ، ثم بالقلب ، ثم إلى ~~الفكرة ، ثم العكوف في الحضرة ، إن وجد من يربيه وينقله عن هذه المقامات ، ~~وإلا بقي في مقامه الأول. PageV06P389 # وقال الطيبي : من أراد الله أن يهديه بالقرآن ، أوقع في قلبه الخشية ، ~~كقوله : {هدى للمتقين} [البقرة : 2] ثم يتأثر منه ظاهرا ، بأن تأخذه في بدء ~~الحال قشعريرة ؛ لضعفه ، وقوة سطوة الوارد ، فإذا أدمن على سماعه ، وألف ~~أنواره ، يطمئن ويلين ويسكن. ه. قلت : وعن هذا عبر الصديق بقوله حين رأى ~~قوما يبكون عند سماعه : (كذلك كنا ثم قست القلوب) أي : صلبت وقويت على حمل ~~الواردات. # وقال الورتجبي : سماع المريدين بإظهار الحال عليهم ، وسماع العارفين ~~بالطمأنينة والسكون. ه. وقال على قوله : {متشابها} : إنه أخبر عن كلية ~~الذات والصفات ، التي منبعهما أصل القدم ، وصفاته كذاته ، وذاته كصفاته ، ~~وكل صفة كصفة أخرى ، من حيث التنزيه والقدس والتقديس ، والكلام بنفسه ~~متشابه المعاني. ه. يعني : إنما كان القرآن # 256 # متشابها ؛ لأنه أخبر عن كلية الذات والصفات القديمين ، والذات لها شبه ~~بالصفات من حيث اللطافة ، والصفات تشبه بعضها بعضا في الدلالة على التنزيه ~~والكمال ، أي : كتابا دالا على كلية الذات المشابهة للصفات. وهذا حمل بعيد. # جزء : 6 رقم الصفحة : 255 # قلت : {وقيل} : عطف على " يتقي " ، أو : حال من ضمير " يتقي " ، بإضمار " قد ". # يقول الحق جل جلاله : {أفمن يتقي بوجهه} الذي هو أشرف أعضائه {سوء ~~العذاب} أي : العذاب السيىء الشديد {يوم القيامة} كمن ليس كذلك ، بل هو آمن ~~، لا يعتريه مكروه ، ولا يحتاج إلى اتقاء ، بوجه من الوجوه ، وإنما كان ~~يتقي النار بوجهه ؛ لكون يده التي كان يتقي بها المكاره والمخاوف مغلولة ~~إلى عنقه. قال القشيري : قيل : إن الكافر يلقى في النار ، فيلقاها أولا ~~بوجهه ؛ لأنه يرمى فيها منكوسا ؛ فأما المؤمن الموقى ذلك ؛ فهو الملقى ~~بالكرامة ، فوجهه ضاحك مستبشر. ه. PageV06P390 # {وقيل للظالمين} : يقال لهم من جهة خزنة النار. وصيغة الماضي للدلالة على ~~التحقق. ووضع المظهر في مقام المضمر للتسجيل عليهم بالظلم ، والإشعار بعلة ~~الأمر في قوله : {ذوقوا ما كنتم تكسبون} أي ms2527 : وبال ما كنتم تكسبونه في ~~الدنيا ، من الظلم بالكفر والمعاصي. # {كذب الذين من قبلهم} من الأمم السالفة ، {فأتاهم العذاب} المقرر لكل أمة ~~{من حيث لا يشعرون} من الجهة التي لا يحتسبون ، ولا يخطر ببالهم إتيان الشر ~~منها. {فأذاقهم الله الخزي} أي : الذل والصغار {في الحياة الدنيا} ، كالمسخ ~~، والخسف ، والقتل ، والأسر ، والإجلاء ، وغير ذلك من فنون النكال ، ~~{ولعذاب الآخرة} المعد لهم {أكبر} ؛ لشدته ودوامه {لو كانوا يعلمون} أي : ~~لو كان من شأنهم أن يعلموا شيئا لعلموا ذلك واعتبروا به. # والآية ، يحتمل أن تكون تهديدا لقريش ، فالضمير في {قبلهم} يعود إليهم ؛ ~~لأن قوله : {ومن يضلل الله}... إلخ تعرض بمن أعرض عن كتابه من كفار قريش. ~~وقال أبو السعود : هو استئناف ، مسوق لبيان ما أصاب بعض الكفرة من العذاب ، ~~إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي. ه. # الإشارة : الوجه هو أشرف الأعضاء وإمامها ، فإن كانت في الباطن بهجة ~~المحبة ، أو # 257 # سيما المعرفة ، ظهرت عليه ، فيتنور ويبتهج ، وإن كانت ظلمة المعاصي ، أو ~~كآبة الحجاب ، ظهرت عليه ، وإن كانت غيبة في الحق أو سكرة ، كان هو أول ما ~~يغيب من الإنسان ويغرق ، ثم تغيب البشرية في البحر المحيط ، وهو بحر ~~الأحدية. وقوله تعالى : {فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} ، قال القشيري : ~~أشد العذاب ما يكون بغتة ، كما أن أتم السرور ما يكون فلتة. وفي الهجران ~~والفراق والشدة ما يكون بغتة غير متوقعة ، وهو أنكى للفؤاد ، وأشد في ~~التأثير ، وأوجعه للقلوب ، وفي معناه أنشدوا : # جزء : 6 رقم الصفحة : 257 # فبت بخير والدنى مطمئنة # فأصبحت يوما والزمان تقلبا PageV06P391 ~~وأتم السرور وأعظمه تأثيرا ما يكون فجأة ، حتى قال بعضهم : أشد السرور غفلة ~~على غفلة ، وأنشدوا : # بينما خاطر المنى بالتلاقي # سابح في فؤاده وفؤادي>> جمع الله بيننا فالتقينا # هكذا بغتة بلا ميعاد # جزء : 6 رقم الصفحة : 257 # قلت : قرآنا : حال مؤكدة من " هذا " ، على أن مدار التأكيد هو الوصف ، ~~كقولك : جاءني زيد رجلا صالحا. # يقول الحق جل جلاله : {ولقد ضربنا} أي : وضحنا {للناس في هذا القرآن من ms2528 ~~كل مثل} : يحتاج إليه الناظر في أمر دينه ، {لعلهم يتذكرون} أي : كي ~~يتذكروا به ويتعظوا ، حال كونه {قرآنا عربيا} ؛ لتفهموا معانيه بسرعة ، ~~{غير ذي عوج} : لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه ، فهو أبلغ من المستقيم ، ~~وأخص بالمعاني : وقيل : المراد بالعوج : الشك. {لعلهم يتقون} ما يضرهم في ~~معادهم ومعاشهم. # الإشارة : قد بين الله في القرآن ما يحتاج إليه المريد في سلوكه وجذبه ، ~~وسيره ووصوله ، من بيان الشرائع وإظهار الطرائق ، وتبيين الحقائق. قال ~~تعالى : {ما فرطنا فى الكتاب من شىء} [الأنعام : 38] لكن لا يغوص على هذا ~~إلا الجهابذة من البحرية الذين غاصوا بأسرارهم في بحر الأحدية ، وتغلغلوا ~~في العلوم اللدنية ، ومن لم يبلغ هذا المقام يصحب من يبلغه ، حتى يوصله إلى ~~ربه ، ولا يكون الوصول إلا بقلب مفرد ، غير مشترك. # 258 # جزء : 6 رقم الصفحة : 258 # قلت : {مثلا} : مفعول ثان لضرب ، و{رجلا} : مفعول أول ، وأخر للتشويق ~~إليه ليصل بما وصف به ، وقيل : بدل من " مثلا " ، و{فيه} : خبر ، و" شركاء ~~" : مبتدأ ، والجملة : صفة لرجل ، و" مثلا " : تمييز. PageV06P392 # يقول الحق جل جلاله : {ضرب الله مثلا} للمشرك والموحد ، {رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون} : مختلفون متخاصمون عسيرون ، وهو المشرك ، {ورجلا سلما} أي : ~~خالصا {لرجل} فرد ، ليس لغيره عليه سبيل. والمعنى : جعل الله مثلا للمشرك ~~حسبما يقوده إليه مذهبه ، من ادعاء كل من معبوديه عبوديته ، عبدا يتشارك ~~فيه جماعة ، يتجاذبونه في مهماته المتباينة في تحيره وتعبه ، ومثلا آخر ~~للموحد ، وهو عبد خالص لرجل واحد ؛ فإنه يكون عند سيده أحظى ، وبه أرفق. # {هل يستويان مثلا} : إنكار واستبعاد لاستوائهما ، وإيذان بأن ذلك من ~~الجلاء والظهور ، بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما ؛ ضرورة أن أحدهما ~~في أعلى عليين ، والآخر في أسفل سافلين. # وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون {سلما} بفتحتين ، وهو مصدر ، من : سلم له ~~كذا : إذا خلص ، نعت به للمبالغة ، فالقراءتان متفقتان معنى. والمراد من ~~المثل : تصوير استراحة الموحد وانجماعه على معبوده ، وتعب المشرك وتشتيت ~~باله ، وخصوصا مع فرض التعاكس من الشركاء ، فيصير متحيرا ، وفي عنت كبير من ~~الجمع بين ms2529 أغراضهم ، بل ربما يتعذر ذلك ويستحيل ؛ للتضاد في الأغراض ~~والتناقض ، مع فرض التخالف والتنازع بينهم ، واعتبر ذلك بحال الوالدين ، ~~إذا اختلفا على الولد ، فإنه يعسر إرضاؤهما إلا بمشقة واحتيال ، وكذلك عابد ~~الأوثان ؛ فإنه معذب الفكر بها ، وبحراسة حاله منها ، ومتى توهم أنه أرضى ~~واحدا في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر ، فهو أبدا في تعب وضلال ، وكذلك هو ~~المصانع للناس ، الممتحن بخدمة الملوك. قاله ابن عطية. # والحاصل : أن إرضاء الواحد أسهل وأيسر من إرضاء الجماعة. PageV06P393 # {الحمد لله} على عدم استوائهما. قال الطيبي : ثم إذا لزمتهم الحجة قل : ~~الحمد لله ، شكرا على ما أولاك من النصرة ، وقهر الأعداء بالحجج الساطعة. ~~وفيه تنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية ، وعلو الرتبة ، بتوفيق الله ~~تعالى ، وأنه منة جليلة ، موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وعبادته ، أو : ~~حيث ضرب لهم المثل الأعلى ، وللمشركين المثال السوء ، فهذا صنع جميل ، ولطف ~~تام ، مستوجب لحمده وشكره ؛ {بل أكثرهم} أي : المشركون {لا يعلمون} ذلك ، ~~مع كمال ظهوره ، فيقعون في ورطة الشرك # 259 # والضلال ، وهو انتقال من بيان الاستواء على الوجه المذكور ، إلى بيان عدم ~~علمهم ذلك ، مع غاية ظهوره. # جزء : 6 رقم الصفحة : 259 # ثم ذكر المحل الذي يظهر فيه عدم استوائهما عيانا ، وهو ما بعد الموت ، ~~فقال : {إنك ميت وإنهم ميتون} ، فتجتمعون عندنا ، فنحكم بينكم. وقيل : ~~كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته ، أي : إنكم جميعا بصدد ~~الموت ، {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}. فتحتج عليهم بأنك بلغت ~~الرسالة ، واجتهدت في الدعوة ، فتلزمهم الحجة ؛ لأنهم قد لجوا في العناد ، ~~فإذا اعتذروا بتقليد آبائهم لم يقبل عذرهم. وقيل : المراد : الاختصام فيما ~~دار بينهم في الدنيا. والأول أنسب. # الإشارة : لا يستوي القلب المشترك مع القلب المفرد الخالص لله ، القلب ~~المشترك تفرقت همومه ، وتشتت أنواره ، بتشتيت شواغله وعلائقه ، وتفرقت ~~محبته ، بتفرق أهوائه وحظوظه ، والقلب المفرد اجتمعت محبته ، وتوفرت أنواره ~~وأسراره بقدر تفرغه من شواغله وعلائقه. وفي الحكم : " كما لا يحب العمل ~~المشترك ، لا يحب القلب المشترك ms2530 ، العمل المشترك لا يقبله ، والقلب المشترك ~~لا يقبل عليه ". وقال أيضا : " فرغ قلبك من الأغيار تملؤه بالمعارف ~~والأسرار ". PageV06P394 # وقيل : للجنيد : كيف السبيل إلى الوصول ؟ فقال : بتوبة تزيل الإصرار ، وخوف ~~يقطع التسويف ، ورجاء يبعث على مسالك العمل ، وبإهانة النفس ، بقربها من ~~الأجل ، وبعدها من الأمل. قيل له : وبم يتوصل إلى هذا ؟ فقال : بقلب مفرد ، ~~فيه توحيد مجرد. ه. # وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من جعل الهموم هما واحدا ~~أي : وهو الله كفاه الله هم دنياه ، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به ~~في أي أودية الدنيا هلك " وقال صلى الله عليه وسلم : " من كانت الدنيا همه ~~فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم ~~له ، ومن كانت الآخرة نيته ، جمع الله عليه أمره ، وجعل غناه في قلبه ، ~~وأتته الدنيا وهي صاغرة " ومن كان الله همه بفنائه فيه ؛ جمع الله عليه سره ~~، وأغناه به عما سواه ، وخدمه الوجود بأسره ، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد ~~المكون ، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ". والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 259 # يقول الحق جل جلاله : {فمن أظلم ممن كذب على الله} بأن أضاف إليه الشريك ~~والولد ، فإنه لا أحد أظلم منه ؛ إذ هو أظلم من كل ظالم. {وكذب بالصدق} أي ~~: الأمر الذي هو نفس الصدق وعين الحق ، وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه ~~وسلم من عند الله {إذ جاءه} أي : كذب في أول مجيئه ، من غير تأمل فيه ولا ~~تدبر ، {أليس في جهنم مثوى للكافرين} ؟ أي : لهؤلاء الذين افتروا على الله ~~، وسارعوا إلى التكذيب بالصدق ، فأظهر موضع الإضمار تسجيلا وإيذانا بعلة ~~الحكم الذي استحقوا به جهنم ، والجمع باعتبار معنى {من}. كما أن الإفراد في ~~الضمائر السابقة باعتبار لفظها ، أو : لجنس الكفرة ، وهم داخلون في الكفر ~~دخولا أوليا. PageV06P395 # {والذي جاء بالصدق} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {وصدق به} : وهم المؤمنون ~~، أي : والفوج ، أو : الفريق الذي جاء بالصدق ، والفريق الذي ms2531 صدق به. ~~{أولئك هم المتقون} : المنعوتون بالتقى ، التي هي أجل الرغائب. # وقرىء " صدق " بالتخفيف ، أي : صدق به الناس ، فأداه إليهم كما أنزل عليه ~~، من غير تغيير ، وقيل : صار صادقا بسببه ؛ لأن ما جاء به من القرآن معجزة ~~دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم. # {لهم ما يشاؤون عند ربهم} : هو بيان لما لهم في الآخرة من حسن المآب ، ~~بعد بيان ما لهم في الدنيا من محاسن الأعمال ، أي : لهم ما يشاؤونه من جلب ~~المنافع ودفع المضار ، وتوالي المسار في الآخرة ، لا في الجنة فقط ؛ لأن ~~بعض ما يشاؤون يقع قبل دخول الجنة ، من تكفير السيئات ، والأمن من الفزع ~~الأكبر ، وسائر أهوال القيامة. {ذلك} الذي ذكر من حصول كل ما يشاؤونه {جزاء ~~المحسنين} أي : الذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا. # {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا} ، اللام متعلق بقوله : {لهم ما ~~يشاؤون} ؛ لأنه في معنى الوعد ، كأنه قيل : وعد الله لهم جميع ما يشاؤونه ~~من دفع المضار وحصول المسار ؛ ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا ~~، أي : أقبحه وأعظمه ، وأولى أصغره. وقيل : يتعلق بمحذوف ، أي : يسر لهم ~~الصدق والتصديق ليكفر... إلخ. {ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} ~~فإذا كان في عملهم حسن وأحسن منه ، جزاهم بجزاء الأحسن على الجميع ، تكرما ~~منه وإحسانا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 260 # والحاصل : أنه سبحانه لكرمه يكفر السيىء والأسوأ بالأحروية ، ويجزي على ~~الحسن بجزاء الأحسن منه والأرجح ، كمن أهدى لملك هديتين ؛ صغيرة وكبيرة ، ~~فكافأه على # 261 # الصغيرة بقدر ما كافأه على الكبيرة. قال القشيري : وأحسن أعمال المؤمن : ~~الإيمان والمعرفة ، فيكون على أحسن الأعمال أحسن الثواب ، وهو الرؤية. ه. PageV06P396 # وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار ، لإبراز كمال الاعتناء بمضمون الكلام ، ~~والجمع بين الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني أي : الذي كانوا ~~يعملون دون الأول ؛ للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة ، بخلاف ~~السيئة. الإشارة : كل من ادعى حالا مع الله ، وليست متحققة فيه ، فقد كذب ~~على الله ، وكل من أنكرعلى أولياء زمانه فقد كذب بالصدق إذ جاءه. {والذي ~~جاء ms2532 بالصدق} ، وهو من أذن له في التذكير أو التربية. {وصدق به} ، وهو من ~~سمع وتبع ، أولئك هم المتقون ، دون غيرهم ، لهم ما يتمنون عند ربهم في ~~الدنيا والآخرة ، ذلك جزاء أهل مقام الإحسان ، الذين يعبدونه على العيان ، ~~يغطي وصفهم بوصفه ، ونعتهم بنعته ، فيوصلهم بما منه إليهم ، لا بما منهم ~~إليه ، ثم يكفيهم جميع الشرور. # جزء : 6 رقم الصفحة : 260 # يقول الحق جل جلاله : {أليس الله بكاف عبده} أي : نبيه صلى الله عليه ~~وسلم. نزلت تقوية لقلبه عليه السلام ، وإزالة للخوف الذي كان الكفار ~~يخوفونه ، أو : جنس العبد ، فيشمل الأنبياء كلهم والمؤمنين ، وينتظم فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم انتظاما أوليا ، ويؤيده قراءة الأخوين بالجمع. ~~وهو إنكار ونفي لعدم كفايته تعالى على أبلغ وجه وآكده ، كأن الكفاية بلغت ~~من الظهور ما لا يقدر أحد على أن يتفوه بعدمها ، أو يتلعثم في الجواب ~~بوجودها ، وإذا علم العبد أن الحق تعالى قائم بكفايته ، سكن قلبه واطمأن ، ~~وأسقط الأحمال والكلف عن ظهره ، فلا جرم أن الله يكفيه ما أهمه ، ويؤمنه ~~مما يخافه ، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : PageV06P397 # {ويخوفونك بالذين من دونه} أي : الأوثان التي اتخذوها آلهة دونه تعالى ، ~~وهي جوامد ، لا تضر ولا تنفع ، وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عما قالت قريش : إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا ، وتصيبك معرتها لعيبك إياها. ~~وفي رواية : قالوا : لتكفن عن آلهتنا ، أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ، كما ~~قال قوم هود : {إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء} [هود : 54]. وجملة : ~~" ويخوفونك " : استئناف ، أو : حال. {ومن يضلل الله} حتى غفل عن كفايته ~~وعصمته صلى الله عليه وسلم ، أو : اعتقد أن الأصنام تضر وتنفع ؛ {فما له من ~~هاد} يهديه إلى ما يرشده. # {ومن يهد الله} إلى توحيده وطاعته {فما له من مضل} يصرفه عن رشده ، أو # 262 # يصيبه سوء يخل بسلوكه ؛ إذ لا راد لفعله ، ولا معارض لقضائه ، كما ينطق ~~به قوله تعالى : {أليس الله بعزيز} : غالب لا يغالب ، منيع لا يمانع ولا ~~ينازع ms2533 ، {ذي انتقام} من أعدائه لأوليائه ، بإعزاز أوليائه وإذلال أعدائه. ~~وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتحقيق مضمون الكلام ، وتربية ~~المهابة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إذا علم العبد أن الله كاف جميع عباده ، وثق بضمانه ، فاستراح ~~من تعبه ، وأزال الهموم والأكدار عن قلبه ، فيدخل جنة الرضا والتسليم ، ~~ويهب عليه من روح الوصال وريحان الجمال نسيم ، فيكتفي بالله ، ويقنع بعلم ~~الله ، ويثق بضمانه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 262 PageV06P398 ~~قال في لطائف المنن : مبنى الولي على الاكتفاء بالله ، والقناعة بعلمه ، ~~والاغتناء بشهوده. قال تعالى : {أليس الله بكاف عبده} وقال تعالى : {أولم ~~يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت : 53] ه. وقال الشيخ أبو الحسن صلى ~~الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : عبدي اجعلني مكان همك أكفك همك ، ~~عبدي ؛ ما كنت بك فأنت في محل البعد ، وما كنت بي فأنت في محل القرب ، ~~فاختر لنفسك. ه. أي : ما دمت مهموما بنفسك فأنت في محل البعد ، وإذا خرجت ~~عنها ، وطرحتها بين يدي خالقها ، أو غبت عن وجودها بالكلية ، فأنت في محل ~~القرب ، الأول : قرب مراقبة ، والثاني : قرب مشاهدة. # وقوله تعالى : {ويخوفونك بالذين من دونه} : هو عام في كل ما يخاف منه ، ~~فالعارف لا يخاف من شيء ؛ لعلمه بأن الله ليس معه شيء ، ولا يقع في الوجود ~~إلا قدره وقضاؤه ، ومن يعتقد غير هذا فهو ضال ، ومن يضلل الله فلا هادي له. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 262 # يقول الحق جل جلاله : {ولئن سألتهم} أي : من يخوفونك ممن سوى الله ، وقلت ~~لهم : {من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ؛ لوضوح الدلائل على انفراده ~~بالاختراع. {قل} تبكيتا لهم : {أفرأيتم ما تدعون من دون الله} من الأصنام ، ~~{إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره} أي : إذا تحققتم أن خالق العالم ~~العلوي والسفلي هو الله وحده ، فأخبروني عن آلهتكم ، إن أرادني الله بضر هل ~~يقدر أحد منهم على كشف ذلك الضر عني ؟ {أو أرادني برحمة} أي : بنفع {هل هن ~~ممسكات رحمته} وصارفتها عني ؟ ! # وقرأ البصري : " كاشفات " و" ms2534 ممسكات " بالتنوين ، ونصب " ضره " و" رحمته ~~" على المفعول. وتعليق إرادة الضر والرحمة بنفسه صلى الله عليه وسلم ، للرد ~~في نحورهم ؛ حيث كانوا يخوفونه من معرة الأوثان ، ولما فيه من الإيذان ~~بإمحاض النصيحة. وإنما قال : " كاشفات " # 263 PageV06P399 ~~و" ممسكات " على التأنيث ، بعد قوله : {ويخوفونك بالذين من دونه} ؛ لأنهن ~~إناث ، وهن اللات ، والعزى ، ومناة ، وفيه تهكم بهم ، وبمعبودهم ؛ حيث ~~جعلهم يعبدون الإناث. # {قل حسبي الله} أي : كافيني في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر. روي ~~أنه صلى الله عليه وسلم لما سألهم سكتوا ، فنزلت : {قل حسبي الله عليه ~~يتوكل المتوكلون} ، لا على غيره أصلا ؛ لعلمهم بأن كل ما سواه تحت قهر ~~ملكوته. # الإشارة : الناس على قسمين : أعداء وأحباب ، فإن نظرت إلى الأعداء وجدتهم ~~لا يقدرون أن ينفعوك بشيء إلا ما قدر الله لك ، وإن نظرت إلى الأعداء ~~وجدتهم لا يقدرون أن يضروك بشيء إلا ما قدر الله عليك ، فارفض الجميع ، ~~وتعلق بالله بغنك عن غيره ، ويوصل إليك ما قسم لك بالعز والهناء. # جزء : 6 رقم الصفحة : 263 # يقول الحق جل جلاله : {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم} أي : على حالتكم ~~التي أنتم عليها ، وجهتكم من العداوة التي تمكنتم فيها ، فالمكانة بمعنى ~~المكان ، فاستعيرت من العين للمعنى ، وهي الحال ، كما تستعار " هنا ". و" ~~حيث " للزمان ، وإنما وضعا للمكان. وقرأ أبو بكر وحماد : " مكانات " ~~بالجمع. {إني عامل} على مكانتي ، فحذف للاختصار ، والمبالغة في الوعيد ، ~~والإشعار بأن حاله لا تزال تزداد قوة بنصر الله تعالى له ، وتأييده ، ولذلك ~~توعدهم بقوله : {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} ؛ فإن خزي أعدائه دليل ~~غلبته صلى الله عليه وسلم ونصره في الدنيا والآخرة. وقد أخزاهم وعذبهم يوم ~~بدر ، {و} سوف تعلمون أيضا من {يحل عليه عذاب مقيم} في الآخرة ؛ لأنه مقيم ~~على الدوام. PageV06P400 # ثم ذكر الفاصل بين أهل العذاب المقيم ، والنعيم الدائم ، فقال : {إنا ~~أنزلنا عليك الكتاب للناس} أي : لأجلهم ، فمن أعرض عنه فقد استحق العذاب ~~الأليم ، ومن تمسك به استوجب النعيم المقيم ، حال كونه ملتبسا {بالحق} ~~ناطقا ms2535 به ، أو : أنزلناه محقين في إنزاله. {فمن اهتدى فلنفسه} ، إنما ينفع ~~به نفسه {ومن ضل} : بأن أعرض عنه ، أو عن العمل به. {فإنما يضل عليها} ؛ ~~لأن وبال إضلاله مقصور عليها. {وما أنت عليهم بوكيل} حتى تجبرهم على الهدى ~~، وما وظيفتك إلا التبليغ ، وقد بلغت أي بلاغ. # الإشارة : من ذكر قوما فأعرضوا عنه ، ولم يرفعوا له رأسا ، يقول لهم : يا ~~قوم اعملوا على مكانتكم... الخ ، وأي عذاب أشد من الحجاب ، والبعد عن حضرة ~~الحبيب ؟ # 264 # جزء : 6 رقم الصفحة : 264 # يقول الحق جل جلاله : {الله يتوفى الأنفس} أي : الأرواح {حين موتها} ~~فيقبضها إليه قبضا ، {و} يتوفى الأنفس {التي لم تمت في منامها} فيقبضها ~~ويترك شعاعها في البدن ، فالتي قضى عليها الموت يتوفاها ظاهرا وباطنا ، ~~والتي لم يقض موتها يتوفاها ظاهرا فقط عند النوم ، {فيمسك التي قضى عليها ~~الموت} ، لا يردها إلى البدن ، {ويرسل الأخرى} أي : النائمة إلى بدنها عند ~~التيقظ {إلى أجل مسمى} : هو الوقت المضروب لموتها ، فشبه النائمين بالموتى ~~، حيث لا يميزون ولا يتصرفون ، كما أن الموتى كذلك. # قال الإمام : النفس الإنسانية عبارة عن جوهر مشرق روحاني ، إذا تعلق ~~بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء ، وهي الحياة ، ثم إنه في وقت النوم ينقطع ~~تعلقه عن ظهر البدن ، دون باطنه ، وفي وقت الموت ينقطع تعلقه عن ظاهر البدن ~~وباطنه ، فالموت والنوم من جنس واحد بهذا الاعتبار ، لكن الموت انقطاع كامل ~~، والنوم انقطاع ناقص ، فظهر أن القادر الحكيم دبر تعلق جوهر النفس بالبدن ~~على ثلاثة أوجه : PageV06P401 # أحدها : أنه دبر أمرها بحيث يقع ضوء الروح على جميع أجزاء البدن ، ظاهره ~~وباطنه ، وذلك هو اليقظة. # وثانيها : بحيث يقطع عن الظاهر والباطن ، وهو الموت. # وثالثها : بحيث يقطع عن ظاهر البدن دون الباطن ، وهو النوم ، فثبت أن ~~النوم والموت يشتركان في كل واحد منهما بتوفي النفس ، ثم يمتاز أحدهما ~~بخواص معينة. ومثل هذا التقدير العجيب لا يمكن صدوره إلا عن القادر العليم ~~الحكيم. ه. # وقال سهل : إن الله إذا توفى الأنفس أخرج الروح النوري من لطيف ms2536 نفس ~~الطبيعي الكثيفي ، فالذي يتوفى في النوم من لطيف نفس الطبع ، لا لطيف نفس ~~الروح. فالنائم يتنفس تنفسا لطيفا ، وهو نفس الروح ، الذي إذا زال لم يكن ~~للعبد حركة ، وكان ميتا. وقال : حياة النفس الطبيعي بنور لطيف ، وحياة لطيف ~~نفس الروح بذكر الله. وقال أيضا : الروح تقوم بلطيفة في ذاتها بغير نفس ~~الطبع ، ألا ترى أن الله تعالى خاطب الكل في الذر بنفس ، وروح ، وفهم ، ~~وعقل ، وعلم لطيف ، بلا حضور طبع كثيف. ه. قلت : وبهذا الاعتبار يقع لها ~~العذاب في البرزخ أو النعيم ، وتذهب وتجيء في عالم البرزخ. # 265 # وقال في القصد : النفس مع الروح كالجسد مع الظل ، والظل يميل ، والأصل لا ~~يميل ، والروح سره ، والسر بربه ، وهو شعاع الحقيقة الصغرى ، والسر نور ~~السر الأعلى ، وكل هذا مخلوق ، بقدرة الله موثوق ، فلا يستفزك غير هذا ~~فتشقى ، وفي جهنم من نور البعد تلقى. ه. قلت : السر الأعلى هو معاني أسرار ~~الذات القائمة بالأشياء ، وهو قديم غير مخلوق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 265 PageV06P402 ~~وذكر الثعلبي عن ابن عباس أنه قال : في ابن آدم نفس وروح ، بينهما مثل شعاع ~~الشمس ، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز ، والروح التي بها التحرك ~~والنفس ؛ فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. ه. هذا ، وفي الصحيح ~~: إن الله قبض أرواحنا حيث شاء ، وردها حيث شاء. فأطلق القبض على الأرواح. ~~والصواب : أن النفس والروح في هذا واحد ؛ بدليل قوله : {الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها والتي لم تمت} والحاصل : أن الموت : توف كامل ، بإخراج الروح مع ~~شعاعها من البدن ، فتذهب الحياة ، والنوم : توف ناقص ، بإخراج الروح مع ~~بقاء شعاعها في البدن ، به الحياة والتنفس. # وعن ابن عباس رضي الله عنه أيضا أنه قال : إن أرواح الأحياء والأموات ~~تلتقي في المنام ، ويتعارف ما شاء الله منها ، فإذا أراد الله رجوعها إلى ~~الأجسام ، يمسك الله عنده أرواح الأموات ، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها ~~، فذلك قوله عز وجل : {الله يتوفى الأنفس}... الآية. # وعبارة " عز الدين بن عبد السلام " : في كل ms2537 جسد روحان ؛ إحداهما : روح ~~اليقظة ، التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان متيقظا ~~، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ، ورأت تلك الروح المنامات ، والأخرى : ~~روح الحياة ، التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان حيا ؛ فإذا ~~فارقته مات ، فإذا رجعت إليه حيي ، وهاتان الروحان في بطن الإنسان ، لا ~~يعلم مقرهما إلا من أطلعه الله عليهما ، فهما كجنينين في بطن امرأة. ه. # والآية منبهة على كمال قدرته ، وفيها دلالة على البعث ، وأنه كاليقظة ~~سواء ، وهذا معنى قوله : {إن في ذلك لآيات يتفكرون} في عجائب قدرته ، ~~فيعلمون أن من قدر على إمساك الأرواح في النوم ، وردها ، قادر على إماتتها ~~وإحيائها. وفي التوراة : كما تنام تموت ، وكما تستيقظ تبعث. PageV06P403 # الإشارة : الله يتوفى الأنفس المطهرة إلى حضرة قدسه ، حين موتها من الهوى ، ~~ويقبض الأنفس التي لم تمت من حظوظها في سجن الأكوان ، وهيكل ذاتها ، في حال ~~منام غفلتها ، فيمسك التي قضى عليها الموت في حضرة قدسه ، فلا يردها إلى ~~شهود حضرة الأشباح ويرسل الأخرى تجول في حضرة الأشباح وأودية الدنيا ، إلى ~~أجل مسمى ، إما موتها الحسي أو المعنوي ، إن سبقت لها سابقة عناية. # 266 # جزء : 6 رقم الصفحة : 265 # يقول الحق جل جلاله : {أم اتخذوا} أي : قريش {من دون الله شفعاء} ، ~~فيزعمون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله ، أي : إنهم اتخذوا على زعمهم من ~~دون الله شفعاء بحكمهم ، لا بتعريف من قبل الله وإخبار ، فإن الله لا يقبل ~~الشفاعة من أحد إلا بإذن منه ، وإن الذين يقولون ذلك افتراء على الله. {قل ~~أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} ، الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه ، ~~والتوبيخ عليه ، أي : قل : أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئا من ~~الأشياء ولا يعقلون شيئا ، فضلا عن أن يملكوا الشفاعة عند الله تعالى. # {قل} تبكيتا وتجهيلا لهم : {لله الشفاعة جميعا} أي : هو مالكها ، ولا ~~يقدر أحد أن يتصدى لها ، إلا أن يكون المشفوع له مرتضى ، والشفيع مأذونا ، ~~وكلاهما مفقود في أصنامهم ، ثم قرر اختصاصه ms2538 بالشفاعة بقوله : {له ملك ~~السماوات والأرض} أي : له التصرف فيهما ، وفيما فيهما من المخلوقات ، لا ~~يملك أحد أن يتكلم في أمر من أموره بدون إذنه ورضاه ، {ثم إليه ترجعون} يوم ~~القيامة ، لا إلى أحد سواه ، فيفعل يومئذ ما يريد. # قال النسفي : {له ملك السماوات والأرض} اليوم {ثم إليه ترجعون} يوم ~~القيامة ، فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له ، فله الملك في الدنيا ~~والآخرة. ه. PageV06P404 # الإشارة : الشفاعة إنما تكون لأهل الجاه عند الله ، والجاه يعظم بحسب ~~التوجه ، والتوجه يعظم على قدر المحبة ، والمحبة على حسب العناية السابقة ، ~~{يحبهم ويحبونه} فبقدر أنوار التوجه تعظم أنوار المواجهة ، وبقدر أنوار ~~المواجهة تتسع المعرفة ، وبحسب المعرفة يكون الجاه ، وبقدر الجاه تتسع ~~الشفاعة ، حتى إن الواحد من الأولياء يشفع في وجود بأسره من أهل زمانه ، ~~إما عند موته ، أو عند الحساب. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 266 # قلت : " وحده " : منصوب عند سيبويه ، على المصدر ، وعند الفراء : على ~~الحال ، والظاهر : أنه أطلق المصدر على اسمه. # 267 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا ذكر الله وحده} أي : إذا أفرد الله بالذكر ، ~~ولم تذكر معه آلهتهم ، فمدار المعنى على قوله : {وحده} ، {اشمأزت قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي : انقبضت ونفرت ، كقوله : {... وإذا ذكرت ربك ~~فى القرءان وحده ولوا على أدبارهم نفورا} [الإسراء : 46] ، {وإذا ذكر الذين ~~من دونه} يعني : آلهتهم ، ذكر الله معهم ، أو لم يذكر ، {إذا هم يستبشرون} ~~؛ لفرط افتتانهم بها ، ونسيانهم ذكر الله ، أو : وإذا قيل لهم : لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ، نفروا ؛ لأن فيه نفيا لآلهتهم. PageV06P405 # وقال الورتجبي : صورة الآية وقعت على الجاحدين والمتكبرين ، الذين ليس في ~~محبتهم إلا متابعة الأشكال والأمثال ، من حيث التشبيه والخيال ؛ لأن قلوبهم ~~خلقت على مشاكلة الأضداد والأنداد ، ولم يكن في قلوبهم سجية أهل المعرفة ~~بالله ، فإذا سمعوا ذكر من لا يدخل في الخيال والمثال انقبضت قلوبهم ~~وصدورهم ، ونفرت ، وإذا سمعوا ذكر غير الله من الصور والأشباح ، سكنت ~~نفوسهم إليها من غاية غباوتهم ، وكمال جهالتهم ، فهم مثل ms2539 الصبيان ، إذ هم ~~يفرحون بالأفراس الطينية والأسد الخشبية ، ولا يطيقون أن ينظروا إلى عدو ~~العاديات ، وإلى الضراغم الباديات... ه. مختصرا. # ولقد بالغ في بيان حالتيهم المتقابلتين ؛ حيث ذكر الغاية فيهما ، فإن ~~الاستبشار : هو أن يمتلىء القلب سرورا ، حتى تنبسط له بشرة الوجه وتتهلل ، ~~والاشمئزاز : أن يمتلىء القلب غيظا وغما ، حتى ينقبض منه أديم الوجه ، ~~فتظهر عليه الكآبة والحزن. والعامل في {إذا} الأولى : " اشمأزت " ، وفي ~~الثانية : ما هو العامل في " إذا " الفجائية ، والتقدير : وقت ذكر الذين من ~~دونه فاجأوا وقت الاستبشار. # ثم أمر نبيه بالالتجاء إليه حين إدبارهم ، فقال : {قل اللهم فاطر ~~السماوات والأرض} أي : يا فاطر ، وليس بوصف ، خلافا للفراء والمبرد ، أي : ~~اللهم يا مظهر السماوات والأرض ، {عالم الغيب والشهادة} أي : ما غاب من ~~أسرار ذاتك وما ظهر ، أو : السر والعلانية ، أي : التجىء إليه تعالى إذا ~~اغتممت من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد ؛ فإنه القادر على الأشياء ~~بجملتها ، والعالم بالأحوال برمتها. {أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه ~~يختلفون} أي : حكما يسلمه كل مكابر ومعاند ، ويخضع له كل عات ومارد ، فاحكم ~~بيني وبين معاندي ، بالنصر عليهم في الدنيا والآخرة. # جزء : 6 رقم الصفحة : 267 PageV06P406 ~~وعن ابن المسيب : " ما أعرف آية قرئت فدعى عندها إلا أجيب سوى هذه ". يعني ~~أنه صلى الله عليه وسلم دعا الله أن يحكم بينه وبين عدوه بالاستئصال ، ~~فأمهل ؛ لأنه رحمة. وعن الربيع بن خثيم وكان قليل الكلام : أنه أخبر بقتل ~~الحسين رضي الله عنه ، وقالوا : الآن يتكلم ، فما زاد على أن قال : أوقد ~~فعلوا ؟ وقرأ : {اللهم فاطر السماوات والأرض}... الآية ، ثم قال على إثرها ~~: قتل من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسه في حجره ، ويقبل فاه. ه. # الإشارة : ينبغي للمؤمن أن يكون متعاكسا مع المشرك ، إذا سمع كلمة ~~التوحيد # 268 # " لا إله إلا الله " فرح وانبسط ، وإذا ذكر اللغو واللعب اشمأز وانقبض ، ~~والعابد أو الزاهد إذا سمع ما يدل على الطاعة والاستعداد للآخرة فرح ونشط ، ~~وإذا سمع ما يدل على الدنيا والبطالة اشمأز وانقبض ms2540 ، والمريد السائر ، إذا ~~سمع ما يقرب إلى الله فرح وانبسط ، وإذا سمع ما يبعد عند من ذكره السوى ~~اشمأز وانقبض ، وأما الواصل الكامل فلا ينقبض من شيء ؛ لزيادته إلى الله ~~بكل شيء ؛ لأنه عرف الله في كل شيء ، وسمع منه في كل شيء ، فلا يحجبه عن ~~الله شيء ، قد فنيت دائرة حسه ، واتسعت دائرة معرفته ، يأخذ النصيب من كل ~~شيء ، ولا يأخذ النصيب منه شيء. # قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : في بعض كتب الله المنزلة على ~~أنبيائه ، يقول الله تعالى : من أطاعني في كل شيء ، بهجرانه لكل شيء ، ~~أطعته في كل شيء ، بأن أتجلى له دون كل شيء ، حتى يراني أقرب إليه من كل ~~شيء. هذه طريق أولى ، وهي طريق السالكين. وطريق أخرى كبرى : من أطاعني في ~~كل شيء ، بإقباله علي كل شيء ، لحسن إرادة مولاه في كل شيء ، أطعته في كل ~~شيء ، بأن أتجلى له في كل شيء ، حتى يراني كأني كل شيء. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 267 PageV06P407 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولو أن للذين ظلموا} بالشرك ، {ما في الأرض جميعا} : ~~من الأموال والذخائر ، {ومثله معه} زائد عليه ، {لافتدوا به من سوء العذاب} ~~أي : شدته ، {يوم القيامة} أي : لو أن لهم جميع ما في الدنيا لجعلوا ذلك ~~فدية لأنفسهم من العذاب الشديد ، وهيهات هيهات ، ولات حين مناص. وهذا كما ~~ترى وعيد شديد لأهل الشرك ، وإقناط كلي لهم. {وبدا لهم من الله ما لم ~~يكونوا يحتسبون} أي : ظهر لهم من فنون العقوبات ما لم يكن في ظنهم وحسبانهم ~~، ولم يحدثوا به نفوسهم. وهذا غاية من الوعيد ، لا غاية وراءها ، ونظيره في ~~الوعد : قوله تعالى : {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة : 17]. # {وبدا لهم سيئات ما كسبوا} أي : ظهر لهم سيئات أعمالهم التي كسبوها ، أو ~~سيئات كسبهم حين تعرض عليهم صحائفهم ، وكانت خافية عليهم ، أو : عقاب ذلك. ~~{وحاق بهم} أي : نزل بهم وأحاط ، {ما كانوا به يستهزئون} أي : جزاء هزئهم ~~بالإسلام ، ومن جاء به ms2541 ، ومن تبعه. # الإشارة : الآية تجر ذيلها على كل ظالم لم يتب ، فيتمنى الفداء بجميع ما في # 269 # الأرض ، فلا يمكن منه. وقوله تعالى : {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون} ، هذه الآية عامة ، لا يفلت منها إلا الفرد النادر ، الذي وصل إلى ~~غاية المعرفة العيانية ، ومن لم يصل إلى هذا المقام فهو مقصر ، يظن أنه في ~~عليين ، وهو في أسفل سافلين ، ولذلك عظم خوف السلف منها ، فقد جزع محمد بن ~~المنكدر عند الموت ، فقيل له في ذلك ، فقال : أخشى آية من كتاب الله : ~~{وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما ~~لم أحتسب. وعن سفيان أنه قرأها ، فقال : ويل لأهل الرياء ، ويل لأهل ~~الرياء. ه. PageV06P408 # وفي الإحياء : من اعتقد في ذات الله وصفاته وأفعاله خلاف الحق ، وخلاف ما ~~هو عليه ؛ إما برأيه أو معقوله ونظره ، الذي به يجادل ، وعليه يعول ، وبه ~~يغتر ، وإما بالتقليد ، فمن هذا حاله ربما ينكشف له حال الموت بطلان ما ~~اعتقده جهلا ، فيتطرق له أن كل ما اعتقده لا أصل له ، فيكون ذلك سببا في ~~شكه عند خروج روحه ، فيختم له بسوء الخاتمة ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : ~~{وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} وبقوله : {هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا} [الكهف : 103]... الآية. انظر عبارته في كتاب الخوف ، وقريبا منه ~~في القوت ، عصمنا الله من سوء القضاء ، وختم لنا بالسعادة التامة بمنه وكرمه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 269 # يقول الحق جل جلاله : {فإذا مس الإنسان} أي : جنسه {ضر} : فقر أو غيره ~~{دعانا} معرضا عما سوانا. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، من ذكر ~~حالتي أهل الشرك القبيحتين ، وما بينهما اعتراض مؤكد للإنكار عليهم ، أي : ~~إنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده ، ويستبشرون بذكر الآلهة ، فإذا مسهم الضر ~~دعوا من اشمأزوا عن ذكره ، دون من استبشروا بذكره ، فناقضوا فعلهم. # فإن قلت : حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه ؟ قلت : ما في ~~الاعتراض من دعاء الرسول صلى الله عليه ms2542 وسلم ربه ، بأمر من الله ، وقوله : ~~{أنت تحكم بين عبادك} ، ثم ما عقبه من الوعد العظيم ، تأكيد لإنكار ~~اشمئزازهم ، واستبشارهم ، ورجوعهم إلى الله في الشدائد ، دون آلهتهم ، كأنه ~~قيل : قل : يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء ، الذين يجترئون عليك مثل هذه ~~الجراءة ، إلا أنت ، ثم هددهم بقوله : ولو أن لهؤلاء الظلمة ما في الأرض ~~جميعا لافتدوا به. انظر النسفي. # 270 PageV06P409 ~~{ثم إذا خولناه نعمة منا} : أعطيناه إياها ، تفضلا ؛ فإن التخويل مختص به ، ~~لا يطلق على ما أعطى جزاء ، فإذا أعطيناه ذلك {قال إنما أوتيته} أي : ذلك ~~التخويل أو الإنعام {على علم} مني بوجوه كسبه ، كما قال قارون : {إنما ~~أوتيته على علم عندى} [القصص : 78] أو : على علم مني بأني سأعطاه ، لما في ~~من فضل واستحقاق ، أو : على علم من الله تعالى باستحقاقي لذلك المال ، ~~فتذكير الضمير إما لعوده على التخويل المأخوذ من {خولناه} ، أو : بتأويل ~~النعمة بمعنى الإنعام ، أو : المراد بشيء من النعمة ، أو : يعود على " ما " ~~إذا قلنا : موصولة ، لا كافة ، أي : إن الذي أوتيته على علم مني. # قال تعالى : {بل هي فتنة} أي : ليس ما خولناه نعمة ؛ بل هي محنة وابتلاء ~~له ؛ ليظهر كفره أو شكره. ولما كان الخبر مؤنثا ساغ تأنيث المبتدأ لأجله ، ~~وقرىء : " بل هم فتنة ". {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن الأمر كذلك ، وأن ~~التخويل إنما كان فتنة ، وفيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 270 PageV06P410 ~~قد قالها الذين من قبلهم} أي : قد قال هذه المقالة ، وهي : {إنما أوتيته ~~على علم} من قبلهم ، كقارون وقومه ، قال قارون : {إنمآ أوتيته على علم ~~عندي} [القصص : 78] وقومه راضون بمقالته ، فكأنهم قالوها معه. ويجوز أن ~~يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها. {فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون} من متاع الدنيا ، وما جمعوا منها شيئا حتى ينزل بهم العذاب ، ~~{فأصابهم سيئات ما كسبوا} أي : جزاء سيئات ما كسبوا ، وهو العذاب في الدنيا ~~والآخرة ، أو : سمي جزاء السيئة سيئة ؛ للازدواج ، كقوله : {وجزآؤا سيئة ~~سيئة مثلها} [الشورى : 40] أي ms2543 : فأصابهم وبال ما كسبوا ، {والذين ظلموا من ~~هؤلاء} : المشركين ، يعني قريشا ، {سيصيبهم سيئات ما كسبوا} من الكفر ~~والمعاصي ، كما أصاب أولئك. والسين للتأكيد. وقد أصابهم ذلك ، حيث قحطوا ~~سبع سنين ، وقتل صناديدهم يوم بدر. {وما هم بمعجزين} : بفائتين من عذاب الله. # الإشارة : هذه الخصال الذميمة توجد في كثير من هذه الأمة ، إذا أصابت ~~العبد شدة أو قهرية رجع إلى الله ، فإذا فرج عنه بسب عادي كما هو دأب عالم ~~الحكمة ، أسند الفرج إلى ذلك السبب ، فيقول : فلان فرج عني ، أو الدواء ~~الفلاني شفاني ، وهو شرك ، كاد أن يكون جليا. والواجب : النظر إلى فعل الله ~~وقدرته ، وإسقاط الوسائط من نظره ، ولو وجدت حكمة ، فالكمال فعلها وجودا ، ~~والغيبة عنها شهودا. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 270 # 271 PageV06P411 ~~يقول الحق جل جلاله : {أولم يعلموا} أي : أقالوا ذلك ولم يعلموا ، أو ~~أغفلوا ولم يعلموا {أن الله يبسط الرزق} أي : يوسعه {لمن يشاء ويقدر} أي : ~~يضيق لمن يشاء بلا سبب ولا علة ، أو : يجعله على قدر القوت من غير زيادة ~~ولا نقصان ، وهو من إتمام النعمة. وفي الحكم : " من تمام النعمة عليك أن ~~يعطيك ما يكفيك ، ويمنعك ما يطغيك " {إن في ذلك} : البسط والقبض {لآيات} ~~دالة على أن الحوادث كلها من الله بلا واسطة ، {لقوم يؤمنون} ، إذ هم ~~المستدلون بها على أن القابض والباسط هو الله ، دون غيره. # الإشارة : قد يبسط الله الرزق لمن لا خلاق له عنده ، ويقبضه عن أحب الخلق ~~إليه ، وهو الغالب ، فرزق المتقين كفاف ، ورزق المترفين جزاف. # جزء : 6 رقم الصفحة : 271 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} ~~أي : أفرطوا في الجناية عليها ، بالإسراف في المعاصي ، والغلو فيها ، {لا ~~تقنطوا من رحمة الله} : لا تيأسوا من مغفرته أولا ، وتفضله بالرحمة ثانيا ، ~~{إن الله يغفر الذنوب جميعا} ، بالعفو عنها ، إلا الشرك. وفي قراءة النبي ~~صلى الله عليه وسلم : " يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي " لكنها لم تتواتر عنه. PageV06P412 # والمغفرة تصدق بعد التعذيب وقبله ، وتقييده بالتوبة ms2544 خلاف الظاهر ، كيف ، ~~وقوله تعالى : {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} ~~[النساء : 48] ظاهر في الإطلاق مما عدا الشرك ؟ ولما يدل عليه التعليل ~~بقوله : {إنه هو الغفور الرحيم} على المبالغة ، وإفادة الحصر ، والوعد ~~بالرحمة بعد المغفرة. وما في {عبادي} من الدلالة على الذلة والاختصاص ، ~~المقتضيين للترحم. {إنه هو الغفور} ؛ يستر عظام الذنوب {الرحيم} يكشف فظائع ~~الكروب. والآية ، وإن نزلت في " وحشي " ، قاتل " حمزة " ، أو في غيره ، لا ~~تقتضي التخصيص بهم ، فإن أسباب النزول لا تخصص. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ". ولما نزلت في شأن ~~وحشي ، وأسلم ، قال المسلمون : هذه له خاصة ، أو للمسلمين # 272 # عامة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بل هي للمسلمين عامة " وقال ~~قتادة إن ناسا أصابوا ذنوبا عظاما ، فلما جاء الإسلام أشفقوا ألا يتاب ~~عليهم ، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية. وقال ابن عمر : نزلت هذه الآيات في ~~عياش بن أبي ربيعة ، والوليد بن الوليد ، ونفر كانوا قد أسلموا ثم فتنوا ، ~~فكنا نقول : لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا ، فنزلت الآية ، وكان عمر بن ~~الخطاب كاتبا ، فكتبها بيده ، ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد ، ~~وإلى أولئك النفر ، فأسلموا ، وهاجروا. PageV06P413 # قال علي رضي الله عنه : " ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية ". فما يقنط ~~الناس ويشدد عليهم بعد هذه الآية إلا جهول ، أو جامد ، قال زيد بن أسلم : ~~إن رجلا كان في الأمم الماضية مجتهدا في العبادة ، فيشدد على نفسه ، ويقنط ~~الناس من رحمة الله ، فمات ، فقال : أي رب ؛ ما لي عندك ؟ فقال : النار. ~~فقال : يا رب ؛ أين عبادتي ؟ فقال : إنك كنت تقنط الناس من رحمتي في الدنيا ~~، فاليوم أقنطك من رحمتي. وعن علي كرم الله وجهه قال : الفقيه كل الفقيه ~~الذي لا يقنط الناس من رحمة الله ، ولا يؤمنهم من عذاب الله ، ولا يرخص لهم ~~في معاصي الله. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 272 # ثم حض ms2545 على التوبة لتتحقق المغفرة ، فقال : {وأنيبوا إلى ربكم} أي : ~~ارجعوا إليه بالتوبة والإخلاص. فالإنابة أخص من التوبة ؛ لأن التوبة : مطلق ~~الندم على الزلة ، والإنابة : تحقيق التوبة والنهوض إلى الله بإخلاص ~~التوجه. قال صلى الله عليه وسلم : " من السعادة أن يطول عمر الرجل ويرزقه ~~الله الإنابة " قال القشيري : وقيل الفرق بين الإنابة والتوبة : أن التائب ~~يرجع خوفا من العقوبة ، والمنيب يرجع حياء منه تعالى. ه. # والأمر بالتوبة لا يدل على تقييد المغفرة في الآية بها ، كما تقدم ؛ إذ ~~ليس المدعى : أن الآية تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق ~~تعذيب ، حتى يغني عن الأمر بها ، وإنما المراد : الإخبار بسعة غفرانه ، ~~سواء كان مع التوبة أم لا. قال ابن عرفة : واعلم أن التوبة من الكفر مقطوع ~~بها ، ومن المعاصي ، قيل : مظنونة ، وقيل : مقطوع بها ، هذا في الجملة ، ~~وأما في التعيين ، كتوبة زيد بن عمرو ، فلا خلاف أنها مظنونة. ه. قلت : قد ~~اقترن بتوبة زيد من الأخبار ما يقطع بصحتها. # ثم قال : وأما العاصي إذا لم يتب فهو في المشيئة ، مع تغليب جانب الخوف ~~والعقوبة ، واعتقاد أن العذاب أرجح ، وأما العصيان بالقتل ، ففيه خلاف بين ~~أهل السنة ، # 273 PageV06P414 ~~فقيل : يخلد في النار ، وقيل : في المشيئة. ه. وقال أبو الحجاج الضرير رحمه الله : # وتوبة الكافر تمحو اثمه # لا خلاف فيه بين الأمه>> وتوبة العاصي على الإرجاء # وقيل كالأول بالسواء>> إذ لا يكون دونه في الحال # وهو عندي أحسن الأقوال>> دليله : تتابع الظواهر # شاملة مسلم وكافر # {وأسلموا له} أي : اخضعوا له ، وانقادوا لأمره. قال القشيري : أي : ~~أخلصوا في طاعتكم ، والإسلام الذي هو الإخلاص بعد الإنابة : هو أن يعلم ~~نجاته بفضله ، لا بإنابته ؛ فبفضله يصل إلى إثابته ، لا بإنابته يصل إلى ~~فضله. ه. {من قبل أن يأتيكم العذاب} في الدنيا ، أو في الآخرة ، إن لم ~~تتوبوا قبل نزول العقاب. قال القشيري : العذاب هنا ، قيل : الفراق ، وقيل : ~~هو أن يفوته وقت الرجوع بسوء الإياس. ه. {ثم لا تنصرون} : لا تمنعون منه أبدا. # الإشارة : لا ms2546 يعظم عندك الذنب عظمة تصدك عن حسن الظن بالله ، فإن من ~~استحضر عظمة ربه صغر في عينه كل شيء. وتذكر قضية الرجل الذي قتل تسعا ~~وتسعين نفسا ، ثم سأل راهبا : هل له توبة ؟ فقال : لا ، فكمل به المائة ، ~~ثم سأل عارفا ، فقال له : ومن يحول بينك وبينها ؟ لكن اخرج من القرية التي ~~كنت تعصي فيها ، واذهب إلى قوم يعبدون الله في مكان ، فذهب ، فأدركه الموت ~~في الطريق ، فلما أحس بالموت انحاز بصدره إلى القرية التي قصدها ، ثم مات ، ~~فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة فقال لهم الحق تعالى : قيسوا من ~~القرية التي خرج منها ، إلى القرية التي قصدها ، فإلى أيهما هو أقرب هو ~~منها ؟ فوجدوه أقرب إلى القرية التي قصدها بشبر ، فأخذته ملائكة الرحمة. ~~إلى غير ذلك من الحكايات التي لا تحصى في هذا المعنى. # جزء : 6 رقم الصفحة : 272 PageV06P415 ~~وتأمل قضية الشاب الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي ، فقال : " ما ~~يبكيك ؟ " قال : ذنوبي. فقال له عليه السلام : " إن الله يغفر ذنوبك ، ولو ~~كانت مثل السماوات السبع ، والأرضين السبع ، والجبال الرواسي " ، فقال : يا ~~رسول الله ، ذنب من ذنوبي أعظم من السماوات السبع والأرضين السبع ، فقال له ~~: " ذنوبك أعظم أو العرش ؟ " قال : ذنوبي ، فقال له : " ذنوبك أعظم أو ~~الكرسي ؟ " قال : ذنوبي ، فقال : " ذنوبك أعظم أو إلهك ؟ " فقال : الله ~~أعظم ، فقال : " فأخبرني عن ذنبك " قال : إني أستحيي ، فقال : " فأخبرني " ~~، فقال : إني كنت نباشا أنبش القبور منذ سبع سنين ، حتى ماتت جارية من بنات ~~الأنصار ، فنبشتها ، وأخرجتها من كفنها ، فمضيت ، ثم غلبني الشيطان ، فرجعت ~~، فجامعتها ، فقامت الجارية ، وقالت : الويل لك يا شاب من ديان يوم الدين ، ~~يوم يضع كرسيه للقضاء ، يأخذ من الظالم للمظلوم ، # 274 # تركتني عريانة في عساكر الموتى ، وأوقفتني جنبا بين يدي الله ، فقام ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب في قفاه ، وهو يقول : " يا فاسق ، اخرج ~~، ما أقربك من النار " ، فخرج الشاب تائبا إلى الله تعالى ، حتى أتى عليه ~~ما شاء الله ، ثم قال : يا إله محمد ms2547 وآدم وحواء ، إن كنت غفرت لي فأعلم ~~محمدا وأصحابه ، وإلا فأرسل علي نارا من السماء فأحرقني بها ، ونجني من ~~عذاب الآخرة ، فجاء جبريل : فقال : السلام يقرئك السلام ، فقال : " هو ~~السلام وإليه يعود السلام " ، قال : يقول أأنت خلقت خلقي ؟ قال : " بل هو ~~الذي خلقهم " قال : يقول : ترزقهم ؟ قال : " بل هو الذي يرزقهم " ، قال : ~~يقول : أأنت تتوب عليهم ؟ قال : " بل هو الذي يتوب عليهم " قال : فتب على ~~عبدي ، فإني تبت عليه ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الشاب ، وتاب عليه ، ~~وقال : " إن الله هو التواب الرحيم " ه. ذكره السمرقندي والثعلبي. # جزء : 6 رقم الصفحة : 272 PageV06P416 ~~يقول الحق جل جلاله : {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} أي : القرآن ، ~~فإنه أحسن الحديث ، ولا أحسن منه لفظا ومعنى ، أو : المأمور به دون المنهي ~~، أو : العزائم دون الرخص ، كقوله : {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} ~~[الزمر : 18] ، أو : الناسخ دون المنسوخ ، ولعله ما هو أعم ، فيصدق بكل ما ~~يقرب إلى الله ، كالإنابة ، والطاعة ، ونحوهما ، {من قبل أن يأتيكم العذاب ~~بغتة} : فجأة ، {وأنتم لا تشعرون} بمجيئه ؛ لتداركوا وتتأهبوا. # أمرتكم بذلك كراهة {أن تقول نفس} ، والتنكير للتكثير ، كما في قوله : ~~{علمت نفس مآ أحضرت} [التكوير : 14] ، أو : يراد به بعض الأنفس ، وهي نفس ~~الكافر ، أو : يراد نفس متميزة إما بلجاج في الكفر شديد أو بعقاب عظيم : ~~{يا حسرتا} ، بألف بدل من ياء الإضافة ؛ لأن العرب تقلب ياء المتكلم ألفا ~~في الاستغاثة ، فيقولون : يا ويلتا ، يا ندامتا ، فيخرجون ذلك على لفظ ~~الدعاء ، وربما ألحقوا بها الهاء ، فيقال : يا رباه ، يا مولاه ، وربما ~~ألحقوا ياء المتكلم ، جمعا بين العوض والمعوض ، وبذلك قرأ أبو جعفر : " يا ~~حسرتاي " أي : يا ندامتاه ويا حزناه. {على ما فرطت} : قصرت. و" ما " : ~~مصدرية ، أي : على تقصيري وتفريطي {في جنب الله} أي : جانبه وحقه وطاعته ، ~~أو : في ذاته ، أي : معرفة ذاته ، أو في قربه ، من قوله : {والصاحب بالجنب} ~~[النساء : 36] ، أو : في سبيل الله ودينه ، # 275 # والعرب تسمي السبب الموصل إلى الشيء جنبا ، تقول : تجرعت في جنبك غصصا ، ~~أي ms2548 : لأجلك ، أو : في الجانب الذي يؤدي إلى رضوانه ، وهو توحيده والإقرار ~~بنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقرىء " في ذكر الله ". {وإن كنت لمن ~~الساخرين} أي : المستهزئين بدين الله. قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة ~~الله حتى سخر بأهلها. و" إن " : مخففة ، والجملة : حالية ، أي : فرطت وأنا ساخر. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 275 PageV06P417 ~~أو تقول لو أن الله هداني} : أعطاني الهداية ، {لكنت من المتقين} : من ~~الذين يتقون الشرك. قال الإمام أبو منصور : هذا الكافر أعرف بهداية الله من ~~المعتزلة. وكذلك أولئك الكفرة ، الذين قالوا لأتباعهم : {لو هدانا الله ~~لهديناكم} [إبراهيم : 21] يقولون : لو وفقنا الله للهداية ، وأعطانا الهدى ~~لدعوناكم إليه ، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا. ~~والمعتزلة يقولون : بل هداهم وأعطاهم التوفيق ؛ لكنهم لم يهتدوا. انظر ~~النسفي. # {أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة} أي : رجعة للدنيا ، {فأكون من ~~المحسنين} : الموحدين الطائعين. و" أو " للدلالة على أنها لا تخلو من هذه ~~الأقوال ، تحيرا وتحسرا ، وتعليلا بما لا طائل تحته. # فرد الله عليهم بقوله : {بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكافرين} أي : قد جاءتك آياتي ، وبينت لك الهداية من الغواية ، وسبيل الحق ~~من الباطل ، فتركت ذلك ، وضيعت ، واستكبرت عن قبوله ، وآثرت الضلالة على ~~الهدى ، واشتغلت بضد ما أمرت به ، وإنما جاء التضييع من قبلك ، فلا عذر لك. ~~و" بلى " : جواب لنفي مقدر ، وهو نتيجة القياس الاستثنائي ، أي : لو أن ~~الله هداني لاهتديت وكنت متقيا ، لكنه لم يهدني ، وإنما أخره ؛ لأنه لا بد ~~من حكاية أقوال النفس عى ترتيبها ، ثم يذكر الجواب في الجملة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم ، أي : خذوا في الجد والاجتهاد في ~~اتباع الأحسن والأرجح ، في الأفعال ، والأقوال ، والعقائد ، من قبل أن ينزل ~~بكم العذاب. ولا عذاب أشد من الحجاب ، والتخلف عن مقامات الأحباب ، في وقت ~~لا ينفع التأسف ولا التحسر. قال القشيري : هذا في أقوام يرون أمثالهم ~~وأشكالهم ، تقدموا عليهم في أحوالهم ، فشكوا ما سلف ms2549 من تقصيرهم ، ويرون ما ~~وفق أولئك إليه من أعالي الرتب ، فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة. ~~ه. وفي ذلك قيل وأنشد : PageV06P418 # السباق السباق قولا وفعلا # حذر النفس حسرة المسبوق # وهو معنى قوله : {أن تقول نفس} كانت مقصرة في الدنيا : {يا حسرتا على ما ~~فرطت في جنب الله} أي : في السير إلى معرفة ذاته ، {وإن كنت لمن الساخرين} ممن # 276 # يتعاطى ذلك ، ويخرب ظاهره لتعمير باطنه ، فكنت أسخر منه وأضحك عليه ، أو ~~تحتج بالقدر ، فتقول : لو أن الله هداني لسلوك طريقه لكنت من المتقين ~~الكاملين في التقوى. ولا ينفع الاحتجاج بالقدر في دار التكليف مع بيان ~~الطريق. أو تقول حين ترى العذاب ، وهو فراق الأحباب والتخلف عنهم : لو أن ~~لي كرة إلى الدنيا ، فأجهد نفسي حتى أكون من أهل الإحسان ، الذين يعبدون ~~الله على العيان ، بلى قد جاءتك آياتي ، وهم الدعاة إلي في كل زمان {ما ~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ، فكذبت بها ، واستكبرت عن ~~الخضوع لهم ، وكنت من الجاحدين لطريق التربية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 275 # يقول الحق جل جلاله : {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله} ، بأن ~~وصفوه بما لا يليق بشأنه ، كاتخاذ الولد والشريك ونفي الصفات عنه ، {وجوههم ~~مسودة} بما ينالهم من الشدة والكآبة. والجملة : حال ، على أن الرؤية بصرية ~~، أو : مفعول ثان لها ، إن كانت علمية. {أليس في جهنم مثوى} أي : مقام ~~{للمتكبرين} عن الإيمان والطاعة ، وهو إشارة إلى قوله : {واستكبرت} ، ولا ~~ينافي إشعاره بأن تكبرهم علة لاستحقاقهم النار أن يكون دخولهم فيها ؛ لأجل ~~أن كلمة العذاب حقت عليهم ؛ لأن كبرهم مسبب عنها. PageV06P419 # {وينجي الله الذين اتقوا} الشرك والمعاصي ، أي : من جهنم. {بمفازتهم} : ~~بفوزهم ، مصدر ميمي ، يقال : فاز بالمطلوب : ظفر به ، والباء متعلقة بمحذوف ~~، حال من الموصول ، مفيدة لمقارنة نجاتهم من العذاب بنيل الثواب ، أي : ~~ينجيهم الله من مثوى المتكبرين ملتبسين بفوزهم بمطلوبهم أو : بسبب فوزهم ~~بالإيمان والأعمال الحسنة في الدنيا ، ولذا قرأ ابن عباس رضي الله عنه : " ~~بمفازتهم بالأعمال الحسنة ". قال ms2550 القشيري : كما وقاهم اليوم من المخالفات ، ~~وحماهم ، فكذلك غدا عن العقوبة وقاهم ، فالمتقون فازوا بسعادة الدارين ، ~~اليوم عصمة ، وغدا نعمة ، واليوم عناية ، وغدا كفاية. ه. # {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} : إما حال أخرى من الموصول ، أو : من ~~مفازتهم وقيل : تفسير للمفازة ، كأنه قيل : وما مفازتهم ؟ فقيل : لا يمسهم ~~السوء ، أي : ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم ، فلا يمس أبدانهم سوء ، ولا ~~قلوبهم حزن. # الإشارة : ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ، بالدعاوى الباطلة ، ~~من القلوب الخاوية ، فكل من ادعى حالا ليست فيه ، أو : مرتبة لم يتحققها ، ~~فالآية تجر ذيلها عليه ، واسوداد وجوههم بافتضاحهم. # 277 # قال القشيري : هؤلاء الذين ادعوا أحوالا ، ولم يصدقوا فيها ، وأظهروا ~~المحبة لله ، ولم يتحققوا بها ، وكفى بهم ذلك افتضاحا ، وأنشدوا : # ولما ادعيت الحب قالت : كذبتني # فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا ؟ >> فما الحب حتى تنزف العين بالبكا # جزء : 6 رقم الصفحة : 277 # وتخرس حتى لا تجيب المناديا # وينجي الله الذين اتقوا شهود السوى من كل مكروه ، بسبب مفازتهم بمعرفة ~~الله في الدنيا ، لا يمسهم السوء ، أي : غم الحجاب ، لرفعه عنهم على الدوام ~~، ولا هم يحزنون على فوات شيء ؛ إذ لم يفتهم شيء ؛ حيث فازوا بالله ، " ~~ماذا فقد من وجدك " ؟ PageV06P420 # قال الورتجبي : بمفازتهم : ما كان لهم في الله في أزل أزله ، من محبتهم ، ~~وقبولهم بمعرفته ، وحسن وصاله ، ودوام شهود كماله. لا يمسهم السوء : لا ~~يلحقهم ، فلا يلحق بهم في منازل الامتحان ، تفرقة عن مقام الوصلة ، وحجاب ~~عن جمال المشاهدة ، انظر تمامه. وحاصله : فازوا بإدراك السعادة الأزلية. ~~وعن جعفر الصادق : بمفازتهم : بسعادتهم القديمة ، يعني لقوله تعالى : {إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى} [الأنبياء : 101].... الآية. قاله المحشي ~~الفاسي. # جزء : 6 رقم الصفحة : 277 # يقول الحق جل جلاله : {الله خالق كل شيء} : جامد أو حي ، خير أو شر ، ~~إيمان أو كفر ، لا بالجبر ، بل بمباشرة الكاسب في عالم الحكمة ، وفيه إثبات ~~القدرة والعلم ، وهما مصححان للبعث والجزاء بالخير والشر ، لمحسن أو مسيء. ~~قال القشيري : ويدخل تحت قوله : {كل شيء} كسب ms2551 العباد ، ولا يدخل كلامه ؛ ~~لأن المخاطب لا يدخل تحت خطابه ولا صفاته. ه. والمراد بالكلام : المعاني ~~القديمة ، وأما الألفاظ والحروف فهي مخلوقة ، كما هو مقرر في محله. {وهو ~~على كل شيء وكيل} أي : حافظ يتولى التصرف فيه كيف يشاء. # {له مقاليد السماوات والأرض} أي : مفاتح خزائنها ، واحدها " مقليد " ، أو ~~: إقليد ، أو : لا واحد لها ، وأصلها فارسية ، والمراد : أنه مالكها ~~وحافظها ، وهو من باب الكناية ؛ لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك ~~مقاليدها ، ومنه قولهم : فلان ألقيت إليه # 278 # مقاليد الملك ، أي : مفاتح التصرف قد سلمت إليه ، وفيه مزيد دلالة على ~~الاستقلال والاستبداد ؛ لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده ~~مفاتحها. PageV06P421 # وعن عثمان : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاليد ، فقال صلى الله ~~عليه وسلم : " هي لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله وبحمده ، ~~أستغفر الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، هو الأول والآخر ، ~~والظاهر والباطن ، بيده الخير ، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير " ومعناه : ~~أن لله هذه الكلمات ، يوحد بها ويمجد ، وهي مفاتح خير السماوات والأرض ، ~~ومن تكلم بها أدرك ذلك في الدنيا أو في الآخرة ، ومرجعها إلى التحقق ~~بالعبودية في الظاهر ، ومعرفة الذات في الباطن ، وهما السبب في كل خير ، ~~وبهما يدرك العبد التصرف في الوجود بأسره ، فتأمله. # {والذين كفروا بآيات الله} أي : كفروا به بعد كونه خالق كل شيء ، ومتصرفا ~~في ملكه كيف يشاء ، بيده مقاليد العالم العلوي والسفلي ، فكفروا بعد هذا ~~بآياته التكوينية ، المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس ، والتنزيلية ، التي من ~~جملتها هذه الآيات الناطقة بذلك ، {أولئك هم الخاسرون} خسرانا لا خسر وراءه ~~، وقيل : هو متصل بقوله : {وينجي الله الذين اتقوا} ، وما بينهما اعتراض. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 278 # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} به ، وكانوا يقولون له : أسلم ~~لبعض آلهتنا نؤمن بإلهك ؛ لفرط جهالتهم. {وغير} : منصوب ب " أعبد " ، ~~و{تأمروني} : اعتراض ، أي : أتأمروني أعبد غير الله بعد هذا البيان التام ؟ ~~وحذف نون الوقاية وإثباتها ms2552 مدغمة وغير مدغمة ، كل قرىء به. PageV06P422 # {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك} : من الأنبياء عليهم السلام : {لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ، كلام وراد على طريق الفرض ، ~~لتهييج الرسل ، وإقناط الكفرة ، والإيذان بغاية بشاعة الإشراك وقبحه ، ~~وكونه بحيث ينهي عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره بمن عداه أو : الخطاب له ، ~~والمراد غيره. وإفراد الخطاب مع كون الموحى إليهم جماعة ، باعتبار خطاب كل ~~واحد في عصره ، واللام موطئة لقسم محذوف ، والثانية لام الجواب ، وهو ساد ~~مسد جواب الشرط ، وإطلاق الإحباط لاحتمال أن يكون من خصائصهم ؛ لأن الإشراك ~~منهم أشد ، وأن يكون مقيدا بالموت ، كما صرح به في آية البقرة ، وهو مذهب ~~الشافعي ، وذهب مالك إلى أن الشرك يحبط العمل قبل الردة ، مات عليها ، أو ~~رجع إلى الإسلام ، فينتقض وضوؤه وصومه. وما قاله الشافعي أظهر. # 279 # {بل الله فاعبد} ، رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم ، كأنه قال : لا تعبد ~~ما أمروك بعبادته ؛ بل إذا عبدت فاعبد الله ، فحذف الشرط ، وأقيم تقديم ~~المفعول مقامه. {وكن من الشاكرين} على ما أنعم به عليك ؛ حيث جعلك رأس ~~الموحدين وسيد المرسلين. # الإشارة : الله مظهر كل شيء ؛ حيث تجلى بها ، وهو قائم بكل شيء. له ~~مفاتيح غيوب السماوات والأرض ، لا يطلع عليها إلا من خضع لأوليائه ، الذين ~~هم آيات من آياته. والذين كفروا بآيات الله ، الدالة على الله ، وهم أولياء ~~الله ، أولئك هم الخاسرون ، فلا خسران أعظم من خيبة الوصول ؛ إذ لا يخلو ~~المفروق عن الله من الشرك الخفي ، فإذا أمر المريد بإظهار شيء من سره ، أو ~~مداهنة غيره ، قال : {أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون}. {ولقد أوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت} بأن طالعت غيري في سرك ، أو تشوفت أن ~~يعلم الناس بخصوصيتك {ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد} ~~واكتف به ، واقنع بعلمه ، واغتن بشهوده. {وكن من الشاكرين} على ما أولاك من ~~سر خصوصيته. PageV06P423 # جزء : 6 رقم الصفحة : 278 # يقول الحق جل جلاله : {وما قدروا الله حق قدره} ms2553 أي : ما عظموه حق تعظيمه ~~؛ حيث جعلوا له شريكا ، أو وصفوه بما لا يليق بشؤونه الجليلة ، أو : حيث ~~دعوك إلى عبادة غيره تعالى ، أو : ما عرفوه حق معرفته ، حيث لم يؤمنوا ~~بقدرة الله تعالى. قال ابن عباس : فمن آمن أن الله على كل شيء قدير ، فقد ~~قدر الله حق قدره. يقال : قدرت الشيء : إذا حزرته لتعرف مبلغه ، والقدر : ~~المقدار. والضمير ، إما لقريش ، المحدث عنهم ، وقيل : لليهود ، حيث تكلموا ~~في صفات الله تعالى ، فألحدوا وجسموا. # ثم بين لهم شيئا من عظمته تعالى ، فقال : {والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه} : ف " جميعا " : حال من الأرض ؛ لأنه ~~بمعنى الأرضين ، أي : والأرضون جميعا مقبوضة له بقدرته يوم القيامة. ~~{والسماوات مطويات بيمينه} أي : بقدرته. والقبضة : المرة من القبض ، ~~والقبضة : المقدار المقبوض بالكف ، والمراد من الكلام : تصوير عظمته تعالى ~~، والتوقيف على كنه جلاله ، وأن تخريب هذا العالم هو عليه شيء هين ، على ~~طريقة التمثيل والتخييل ، من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ، ولا مجازا ~~، هكذا قال جمهور المفسرين. # قلت : لا يبعد أن تحمل الآية على ظاهرها ، فإن الله تعالى يبدل الأرض ~~ويجمعها بأجمعها ، فتكون كخبزة النقي ، ويطوي السماء كطي الكتاب ، حتى يبرز ~~العرش ، كما في # 280 PageV06P424 ~~الحديث ، ففي حديث البخاري ، عن أبي سعيد الخدري ، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة ، يتكفؤها الجبار بيده ، كما ~~يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر ، نزلا لأهل الجنة " وفي حديث أبي هريرة : " إن ~~الله يقبض الأرض ، ويطوي السماء بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك ، أين ملوك ~~الأرض ". وقال ابن عمر : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر ، ~~وهو يحكي عن ربه تعالى ، فقال : " إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة ، جمع ~~السماوات والأرضين السبع في قبضته ، ثم قال هكذا ، وشد قبضته ، ثم بسطها ، ~~ثم يقول : أنا الله ، أنا الرحمن... " الحديث. وفي لفظ آخر : " يطوي الله ~~السماوات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول : أنا لملك ، أين ~~الجبارون أين المتكبرون ؟ " وقال ابن عباس في ms2554 تفسير هذه الآية : " كل ذلك ~~في يمينه ، وليس في يده الأخرى شيء ، وإنما يستعين بشماله المشغول بيمينه ، ~~وما السماوات السبع ، والأرضون السبع ، في يد الله تعالى ، إلا كخردلة في ~~يد أحدكم ، ولهذا قال : {مطويات بيمينه} : يعني السماوات والأرضين كلها ~~بيمينه " قلت : من كحل عين بصيرته بإثمد التوحيد الخاص ، لا تصعب عليه هذه ~~الأمور ؛ إذ تجليات الحق لا تنحصر ، فيمكن أن يتجلى من نور جبروته بنور ~~يشاكل الآدمي في الأعضاء كلها ، فيكون له ذات لها يدان وقدمان ، وبه ورد أن ~~الله يضع قدمه على النار ، فتقول : قط قط ، ويكشف عن ساقه لأهل الموقف ، ~~ويتقدمهم للجنة ، إلى غير ذلك مما ورد في الحديث. ولا يلزم من ذلك حصر ولا ~~تجسيم ، إنما هي تجليات للذات الكلية المطلقة ، ولا يفهم هذا إلا أهل ~~الفناء والبقاء من العارفين ، فسلم تسلم. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 280 # سبحانه وتعالى عما يشركون} أي : تنزيها عظيما لمن هذه قدرته وشأنه عما ~~يضاف إليه من الشركاء ، أي : ما أبعد من هذا شأنه عن إشراكهم! PageV06P425 # الإشارة : ما عرف لله حق معرفته من أثبت الكائنات معه ، وهي ممحوة بأحدية ~~ذاته ، لا وجود لها معه على التحقيق ، فالأرض قبضة أسرار ذاته ، والسماوات ~~محيطات أفلاك أنواره ، وبحر الذات مطبق على الجميع ، ماح للكل ، وأنشدوا : # فالكل دون الله إن حققته # عدم على التفصيل والإجمال>> واعلم بأنك والعوالم كلها # لولاه في محو وفي اضمحلال>> من لا وجود لذاته من ذاته # فوجوده لولاه عين محال # 281 # وقال آخر : # من أبصر الخلق كالسراب # فقد ترقى عن الحجاب>> إلى وجود تراه رتقا # بلا ابتعاد ولا اقتراب # جزء : 6 رقم الصفحة : 280 # يقول الحق جل جلاله : {ونفخ في الصور} النفخة الأولى {فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض} أي : خر ميتا ، أو مغشيا عليه ، {إلا من شاء الله} ~~قيل : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، ثم يميتهم الله بعد ذلك ، وقيل ~~: حملة العرش ، وقيل : خزنة النار والجنة. # {ثم نفخ فيه أخرى} هي النفخة الثانية. و" أخرى " : في محل الرفع صفة ~~لمحذوف ms2555 ، أي : نفخ نفخة أخرى ، {فإذا هم قيام} من قبورهم ، حال كونهم إذا ~~فاجأهم خطب {ينظرون} ؛ يقلبون أبصارهم في الجوانب الأربعة ، كالمبهوتين ، ~~أو : ينظرون ما يفعل بهم ، ودلت الآية على أن النفخة اثنتان ؛ للموت ، ~~والبعث ، وقيل : ثلاث ؛ للفزع ، والموت ، والبعث. PageV06P426 # {وأشرقت الأرض} ؛ أضاءت {بنور ربها} حين يتجلى لفصل عباده ، فتشرق الأرض ~~أي : عرصات القيامة بنور وجهه ، ويقال : إن الله يخلق في القيامة نورا ~~يلبسه وجه الأرض ، فتشرق به. قال في الحاشية الفاسية : وهذا القول هو الذي ~~اختاره محيي السنة ، وانتصر له الطيبي ، بما ورد من الأحاديث المقتضية ~~لرؤيته في عرصات القيامة ، قال : وما تعسف الزمخشري ، من حمل النور على ~~العدل ، إلا فرارا من ذلك. ه. قال القشيري : هو نور يخلقه في القيامة ، عند ~~تكوير الشمس ، وانكدار النجوم ، ويستضيء به قوم دون قوم ، والكفار يبقون في ~~الظلمة ، والمؤمنون : {يسعى نورهم} [الحديد : 12] الآية. ويقال : غدا إشراق ~~الأرض ، واليوم إشراق القلب ، غدا أنوار التولي ، واليوم أنوار التجلي. ه. # وقال السدي : بعدله ، على الاستعارة ، يقال للملك العادل : أشرقت الأرض ~~بعدله ، كما استعيرت الظلمة للظلم. وفي الحديث : " الظلم ظلمات يوم القيامة ~~". {ووضع الكتاب} أي : صحائف الأعمال. اكتفى باسم الجنس ، أو : كتاب ~~المحاسبة والجزاء. {وجيء بالنبيين} ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم ، ~~{والشهداء} # 282 # أي : الحفظة ، ليشهدوا على كل إنسان بما عمل ، والذين يشهدون للرسل ~~بتبليغ الرسالة إذا جحدتهم أممهم ، أو : الذين استشهدوا في سبيل الله. ~~{وقضي بينهم} : بين العباد {بالحق وهم لا يظلمون} بنقص ثواب ، أو زيادة ~~عقاب ، قال ابن عطية : الضمير في {بينهم} عائد على العالم بأجمعه. ه. ~~فيقتضي دخول الملائكة ، ويتصور القضاء في حقهم ، من حيث جعلوا حفظة على ~~العباد ، وأمناء على الوحي والتبليغ ، وغير ذلك من ترتيبهم في مقاماتهم ، ~~وترقيهم في علومهم ، وتفاوتهم في ذلك. وفي وجوه تخصيصاتهم وتصديقهم في ~~التبليغ ، ورد ما استندوا فيه لظواهر الأمور ، مع علمه تعالى خلافه ، مما ~~لا اطلاع لهم عليه. قاله في الحاشية. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 282 PageV06P427 ~~ووفيت كل نفس} جزاء {ما عملت وهو أعلم بما ms2556 يفعلون} فلا يفوته شيء من ~~أفعالهم. ومضمون الآية : تصوير التعرض للقضاء بين العباد على ما هو شأن ~~الملك ، من إحضار الشهود وخواص حضرته ، حين يبرز لذلك ، ويشهده الظالم ~~والمظلوم ، وإن كان كنه معرفته موكولا إليه ، ثم من لوازم ذلك العدل. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : في الآية إشارة للفناء والبقاء ، فيصعق العبد عن رؤية وجوده ، ~~ثم يبقى بربه ، فتشرق أرض البشرية بنور وجود الحق ، ثم يشرق العالم كله. ~~قال الورتجبي : نفخة الصعق قهرية جلالية ، ونفخة البعث ظهور أنوار جماله في ~~أنوار جلاله ، وبذلك ينتظر وقوع نور الكشف بقوله : {وأشرقت الأرض بنور ~~ربها} فيتجلى للخواص ، ثم تستضيء بأنوارهم أرض المحشر ، للعموم والخصوص ، ~~تعالت صفاته عن أن تقع على الأماكن ، أو أن يكون محلا للحدثان ، يا عاقل ، ~~لا تكون ذرة من العرش إلى الثرى إلا وهي مستغرقة في أنوار إشراق آزاله ~~وآباده. ثم قال عن بعضهم : (إلا من شاء الله) هم أهل التمكين ، مكن الله ~~أسرارهم من تحمل الواردات. # جزء : 6 رقم الصفحة : 282 # يقول الحق جل جلاله : {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا} أي : تسوقهم ~~الزبانية بالعنف والإهانة ، كما تساق الأسارى والخارجين على السلطان ، إذا ~~سيقوا للقتل أو السجن ، فتسوقهم الزبانية إلى جهنم أفواجا متفرقة ، بعضها ~~إثر بعض ، حسب ترتب طبقاتهم في الضلالة والشرارة ، والزمر : جمع زمرة ، أي ~~: الجماعة ، واشتقاقها من الزمر ، أي : الصوت. والجماعة لا تخلو عنه. # 283 PageV06P428 ~~{حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها} ليدخلوها ، وهي سبعة ، {وقال لهم خزنتها} ~~تقريعا وتوبيخا : {ألم يأتكم رسل منكم} ؛ من جنسكم. وقرىء : " نذر منكم " ، ~~{يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا} أي : وقتكم هذا ، وهو ~~وقت دخولهم النار. وفيه دليل على أنه لا تكليف قبل الشرع ، من حيث إنهم ~~عللوا توبيخهم بإتيان الرسل وتبليغ الكتب. {قالوا بلى} قد أتونا وأنذرونا ، ~~{ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} أي : ولكن وجبت علينا كلمة الله : ~~{لأملأن جهنم} [هود : 119] بسوء أعمالنا حيث كذبنا ، وقلنا ما نزل الله من ~~شيء ، إن أنتم إلا تكذبون. {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين ms2557 فيها} أي : ~~مقدرين الخلود ، {فبئس مثوى المتكبرين} ، اللام للجنس ، والمخصوص محذوف ، ~~أي : بئس مثوى المتكبرين جهنم ، وتكبرهم مسبب عن استحقاق كلمة العذاب ~~عليهم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : كل من تكبر عن أولياء زمانه أهل التربية حتى مات محجوبا عن ~~شهود الحق ، يلحقه التوبيخ بلسان الحال ، فيقال له : ألم يأتكم رسل من ~~أولياء زمانكم ، يعرفون بنا في كل زمان ؟ فيقولون : بلى ، ولكن حقت علينا ~~كلمة الحجاب ، فيخلدون في القطيعة والحجاب ، إلا في وقت مخصوص ، وبالله ~~التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 283 PageV06P429 ~~يقول الحق جل جلاله : {وسيق الذين اتقوا ربهم} مساق إعزاز وتشريف ، بلا ~~إسراع ولا تكليف ، إلى دار الكرامة والتعريف. قيل : يساقون راكبين مبجلين ، ~~كما يجيء الوافدون إلى دار الملوك ، يساقون {إلى الجنة زمرا} ؛ جماعة ~~متفاوتين ، بحسب تفاوت مراتبهم في الفضل ، وعلو الطبقة ، {حتى إذا جاؤوها ~~وفتحت أبوابها} الثمانية. وقرىء بالتخفيف والتشديد. وجواب " إذا " محذوف ؛ ~~للإيذان بأن لهم من فنون الكرامة ما لا تحيط به العبارة ، كأنه قيل : حتى ~~إذا جاؤوها ، وقد فتحت أبوابها ، كان من الأمر والخبر ما يقصر عنه البيان. ~~{وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم} ؛ ظفرتم ، وتقدستم في دار التقديس من كل ~~دنس ، وطبتم نفسا ، بما أتيح لكم من النعيم والأمن ، {فادخلوها خالدين} ، ~~وحذف الواو في وصف أهل النار ؛ لأن أبواب جهنم لا تفتح لهم حتى لهم حتى ~~يصلوا إليها ، وفي وقوفهم قبل فتحها مذلة لهم ، كما هي حال السجون ، بخلاف ~~أهل الجنة ، فإنهم يجدونها مفتوحة ، قال تعالى : # 284 # {مفتحة لهم الأبواب} [ص : 50] كما هي حال منازل الأفراح والسرور. # {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده} أي : أنجزنا ما وعدنا في الدنيا من ~~نعيم العقبى ، {وأورثنا الأرض} ؛ أرض الجنة ، أي : المكان الذي استقروا فيه ~~، وقد أورثوها وملكوها. وأطلق تصرفهم فيها كما يشاؤون تشبيها بحال الوارث ~~وتصرفه فيما يرثه ، واتساعه فيها ، {نتبوأ من الجنة حيث نشاء} أي : يتخذ كل ~~واحد منا جنة لا توصف ، سعة وزيادة على الحاجة ، فيتبوأ أي مكان أراده من ~~جنته الواسعة ، {فنعم أجر العاملين} في الدنيا ms2558 الجنة. PageV06P430 # {وترى الملائكة} حال كونهم {حافين من حول العرش} أي : محدقين به. و" من " ~~لابتداء الغاية ، أي : ابتداء حفوفهم من حول العرش إلى حيث شاء الله ، أو : ~~زائدة ، {يسبحون بحمد ربهم} أي : يقولون سبحان الله ، والحمد لله ، سبوح ~~قدوس ، رب الملائكة والروح. أو : ينزهونه تعالى عما لا يليق به ، ملتبسين ~~بحمده. والمعنى : ذاكرين الله تعالى بوصفي جلاله وإكرامه ، تلذذا ، وفيه ~~إشعار بأن أقصى درجات العليين في لذائذهم هو الاستغراق في شهوده عز وجل. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 284 # وقيل الحمد لله رب العالمين} يقوله أهل الجنة شكرا لله حين دخلوها ، وتم ~~وعد الله لهم : {الحمد لله رب العالمين} كما قال : {وءاخر دعواهم أن الحمد ~~لله رب العالمين} [يونس : 10]. # الإشارة : وسيق الذين اتقوا ربهم حق تقاته إلى جنة المعارف ، زمرا ، ~~متفاوتين في السير ، على قدر تفاوتهم في القريحة ، والاعتناء ، والتفرغ من ~~الشواغل والعلائق. حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها ، بذهاب حجاب الكائنات ، ~~حتى بقي المكون وحده ، كما كان وحده ، وجدوا من الأسرار والأنوار ما لا ~~يدخل تحت دوائر العبارة ، ولا تحيط به الإشارة. وقال لهم خزنتها ، وهم شيوخ ~~التربية ، العارفون الله : سلام عليكم طبتم ، أي : تقدستم من العيوب ~~والأكدار ، فادخلوها خالدين ؛ لأن من وصل لا يرجع أبدا ، وما رجع من رجع ~~إلا من الطريق. وقالوا : الحمد لله الذي صدقنا وعده ، بأن أنجز لنا ما ~~وعدنا من الوصول ، على ألسنة المشايخ. قال في الحكم : " سبحان من لم يجعل ~~الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد ~~أن يوصله إليه ". # وأورثنا أرض الوجود بأسره ، نتبوأ من جنة المعارف ، في أقطار الوجود ، ~~بفكرتنا وهمتنا ، حيث نشاء ، فنعم أجر العاملين. وترى الملائكة حافين من ~~حول العرش ، أي : قلب العارف ؛ لأن بيت الرب ، ومحل قرار نوره ، فيحفونه ~~بالحفظ والرعاية من دخول الأغيار ، وينزهون الله عن الحلول والاستقرار. ~~وقضي بينهم بالحق ، فعزلت الشياطين عن قلوب الذاكرين ، وتسلطت على قلوب ~~الغافلين ، والحمد لله رب العالمين ، حيث لم يظلم أحدا من العالمين. # 285 # جزء ms2559 : 6 رقم الصفحة : 284 PageV06P431 ### | AUTO سورة غافر # جزء : 6 رقم الصفحة : 285 # يقول الحق جل جلاله : {حم} أي : يا محمد. فاقتصر على بعض الحروف ، سترا ~~عن الوشاة ، كعادة العشاق في ذكر محبوبهم ، يرمزون إليه ببعض حروفه. وقال ~~ابن عطية : سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن " حم " ما هو ؟ فقال : ~~" بدء أسماء وفواتح سور " وفي حديث : " إذا بيتم فقولوا : حم لا ينصرون " ~~قال أبو عبيد : كأن المعنى : اللهم لا ينصرون. قلت : لا يبعد أن يكون توسل ~~بحبيب الله على هزم الأعداء. وعن ابن عباس : (أنه اسم الله الأعظم). ه. ~~وكأنه مختصر من " حي قيوم ". # {تنزيل الكتاب} أي : هذا تنزيل القرآن {من الله العزيز العليم} أي : ~~العزيز بسلطانه ، الغالب على أمره ، العليم بمن صدق به وكذب. وهو تهديد ~~للمشركين ، وبشارة للمؤمنين. والتعرض لوصفي العزة والعلم للإيذان بظهور ~~أثريهما في الكتاب ؛ لظهوره عزه وعز من تمسك به ، ولاشتماله على علوم ~~الأولين والآخرين. # {غافر الذنب} أي : ساتر ذنب المؤمنين ؛ {وقابل التوب} وقابل توبة ~~الراجعين {شديد العقاب} للمخالفين ، {ذي الطول} على العارفين ، أي : الفضل ~~التام على العارفين ، أو : ذي الغنى عن الكل. وعن ابن عباس : (غافر الذنب ، ~~وقابل التوب ، لمن قال : " لا إله إلا الله " شديد العقاب لمن لم يقل لا ~~إله إلا الله). # 286 PageV06P432 ~~والتوب : مصدر ، كالتوبة. ويقال : تاب وثاب وآب ، أي : رجع ، فإن قلت : كيف ~~اختلفت هذه الصفات تعريفا وتنكيرا ، والموصوف معرفة ، وهو الله ؟ قلت : أما ~~{غافر الذنب وقابل التوب} فمعرفتان ؛ لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين حتى ~~يكون في تقدير الانفصال ، فتكون إضافتهما غير حقيقية ، وإنما أريد ثبوت ذلك ~~ودوامه. وأما {شديد العقاب} فهو في تقدير : شديد عقابه ، فيكون نكرة ، فقيل ~~: هو بدل ، وقيل : كلها أبدال غير أوصاف. وإدخال الواو في {قابل التوب} ~~لنكتة ، وهي : إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين : بين قبول توبته ، ~~فتكتب له طاعة ، وبين جعلها ماحية للذنوب ، كأن لم يذنب ، كأنه قال : جامع ~~المغفرة والقبول. وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات النعمة دليل سبقها ~~ورجحانها ، " إن ms2560 رحمتي سبقت غضبي ". قال القشيري : سنة الله تعالى : إذا ~~خوف العباد باسم ، أو لفظ ، تدارك قلوبهم بأن يبشرهم باسمين أو وصفين. ه. ~~روي : أن عمر رضي الله عنه افتقد رجلا ذا بأس شديد ، من أهل الشام ، فقيل ~~له : تابع هذا الشراب ، فقال لكاتبه : اكتب : من عمر إلى فلان ، سلام الله ~~عليك ، وأنا أحمد إليك الله ، الذي لا إله إلا هو ، بسم الله الرحمن الرحيم ~~{حم...} إلى قوله : {إليه المصير} وختم الكتاب ، وقال لرسوله : لا تدفعه ~~إليه حتى تجده صاحبا ، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة ، فلما أتته ~~الصحيفة ، جعل يقرؤها ، ويقول : قد وعدني الله أن يغفر لي ، وحذرني من ~~عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى. ثم نزع ، فأحسن النزوع ، وحسنت توبته. ~~فلما بلغ عمر رضي الله عنه أمره ، قال : " هكذا فاصنعوا ، إذا رأيتم أخاكم ~~قد زل فسددوه ، وادعوا له الله أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشيطان ~~عليه " أي : بالدعاء عليه. ه. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 286 PageV06P433 ~~لا إله إلا هو} أي : فيجب الإقبال الكلي عليه ، وهو : إما استئناف ، أو : ~~صفة لذي الطول ، {إليه المصير} أي : المرجع ، فيجازي كلا من العاصي ~~والمطيع. قال القشيري : إذا كان إلى الله المصير فقد طاب المسير. # {ما يجادل في آيات الله} أي : ما يخاصم فيها بالطعن فيها ، واستعمال ~~المقدمات الباطلة ؛ لإدحاض الحق المشتملة عليه ، {إلا الذين كفروا} ، وأما ~~الذين آمنوا فلا يخطر ببالهم شائبة شبهة منها ، فضلا عن الطعن فيها ، وأما ~~الجدال فيها لحل مشكلاتها ، وكشف حقائقها ، وتوضيح مناهج الحق منها ، ورد ~~مذاهب أهل الزيغ بها ، فمن أعظم الجهاد في سبيل الله. # قال الطيبي : وأما اتصال قوله : {ما يجادل في آيات الله...} الآية بما ~~قبله ، فهو # 287 # أنه لما قال تعالى : {حم تنزيل الكتاب} من الإله المعبود ، الموصوف بصفات ~~العلم الكامل ، والعز الغالب ، الجامع بين غفران الذنب وقبول التوبة ، ~~المتفرد بالعقاب ، الذي لا يقدر كنهه ، وبالإفضال الذي لا يبلغ قدره ، قال ~~: {ما يجادل في آيات الله} أي : ما يجادل في مثل هذا الكتاب ms2561 ، المشتمل على ~~الآيات البينات ، المنزل من مثل ذلك الموصوف بنعوت الكمال ، إلا أمثال ~~هؤلاء الكفرة المغرورين ، {فلا يغررك نقلبهم في البلاد} فإنه استدراج ، فلا ~~يغرر مثلك في منصب الرسالة تقلب أولئك تقلب الأنعام ، المنعمين في هذا ~~الحطم. وآيات الله : مظهر أقيم المضمر ؛ للتعظيم والتفخيم. ه. # والفاء لترتيب النهي عن الاغترار على ما قبله من التسجيل عليهم بالكفر ، ~~الذي لا شيء أمقت منه عند الله ، ولا أجلب لخسران الدنيا والآخرة ، فإن من ~~تحقق ذلك لا يكاد يغتر بما لهم من الحظوظ الفانية ، والزخارف الدنيوية ، ~~فإنهم مأخوذون عما قليل ، كما أخذ من قبلهم. ولذلك ذكرهم بقوله : {كذبت...} الخ. PageV06P434 # الإشارة : " حم " أي : بحلمي ومجدي تجليت في كلامي ، المنزل على حبي ، وهو ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز ، المعز لأوليائه ، العليم بما كان وما يكون ~~منهم ، فلا يمنعه علمه عما سلف من قضائه. غافر الذنب لمن أصر واجترم ، ~~وقابل التوب لمن تاب واحتشم ، شديد العقاب لمن جحد وكفر ، ذي الطول لمن ~~توجه ووصل ، ويقال : غافر الذنب للغافلين ، وقابل التوب للمتوجهين ، شديد ~~العقاب للمنكرين ، ذي الطول للعارفين الواصلين. لا إله إلا هو ، فلا موجود ~~معه ، إليه المصير بالسير في ميادين النفوس ، حتى يحصل الوصول إلى حضرة ~~القدوس. ما يجادل في آيات الله ، وهم أولياء الله ، الدالون على الله ، إلا ~~أهل الكفر بوجود الخصوصية. قال القشيري : إذا ظهر البرهان ، واتضح البيان ~~استسلمت الألباب الصاحية للاستجابة والإيمان. وأما أهل الكفر فلهم على ~~الجحود إصرار ، وشؤم شركهم يحول بينهم وبين الإنصاف ، وكذلك من لا يحترم ~~أولياء الله ، يصرون على إنكارهم تخصيص الله عباده بالآيات ، ويعترضون ~~عليهم بقلوبهم ، فيجادلون في جحد الكرامات ، وسيفتضحون ، ولكنهم لا يميزون ~~بين رجحانهم ونقصانهم. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 286 # يقول الحق جل جلاله : {كذبت قبلهم قوم نوح} نوحا ، {والأحزاب} أي : الذين ~~تحزبوا على الرسل ، وناصبوهم العداوة ، {من بعدهم} أي : من بعد قوم نوح ، ~~كعاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وأضرابهم ، {وهمت كل أمة} من تلك الأمم الماضية ~~{برسولهم ليأخذوه} ؛ ليتمكنوا منه ، فيصيبوا ما أرادوا من تعذيب ms2562 أو قتل. ~~والأخذ : الأسر. # 289 PageV06P435 ~~{وجادلوا بالباطل} الذي لا أصل له ، ولا حقيقة لوجوده ، {ليدحضوا به الحق} ~~؛ ليبطلوا به الحق الذي جاءت به من الإيمان وغيره ، {فأخذتهم} بسبب ذل أخذا ~~وبيلا ، {فكيف كان عقاب} الذي عاقبتم به ، فإن آثار ديارهم عرضة للناظرين ، ~~وسآخذ هؤلاء أيضا ؛ لاتحادهم في السرة ، واشتراكهم في الجريرة ، كما ينبىء ~~عنه قوله : # {وكذلك حقت كلمت ربك} أي : كما وجب حكم الله تعالى وقضاؤه بالتعذيب على ~~أولئك الأمم المكذبة ، المجترئة على رسلهم ، المجادلة بالباطل لإدحاض الحق ~~، وجب أيضا {على الذين كفروا} بك ، وتحزبوا عليك ، وهموا بما لم ينالوا ، ~~كما ينبىء عنه إضافة اسم الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ؛ فإن ذلك ~~للإشعار بأن وجوب كلمة العذاب من أحكام التربية ، التي من جملتها : نصرته ~~صلى الله عليه وسلم ، وتعذيب أعدائه ، وذلك إنما يتحقق بكون الموصول عبارة ~~عن كفار قومه ، لا عن الأمم المهلكة. # وقوله تعالى : {أنهم أصحاب النار} في حيز النصب ، بحذف لام التعليل ، أي ~~لأنهم مستحقو أشد العقوبات وأفظعها ، الذي هو عذاب النار ، وملازمتها أبدا ~~، لكونهم كفارا معاندين ، متحزبين على الرسول صلى الله عليه وسلم ، كدأب من ~~قبلهم من الأمم المهلكة ، وقيل : إنه في محل رفع ، على أنه بدل من " كلمة ~~ربك " ، والمعنى : ومثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة المهلكة كونهم من أصحاب ~~النار ، أي : كما وجب إهلاكهم في الدنيا بعذاب الاستئصال ؛ وجب تعذيبهم في ~~الآخرة بعذاب النار ، ومحل الكاف من (كذلك) على التقديرين : النصب ، على ~~أنه نعت لمصدر محذوف. # الإشارة : الأولياء على قدم الرسل ، فكل ما لحق الرسل من الإيذاء يلحق ~~الأولياء ، فقد كذبت ، وتحزب عليهم أهل عصرهم ، وهموا بأخذهم ، وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ، فأخذهم الله ~~بالخذلان والبعد ، والخلود في نار القطيعة والحجاب ، والعياذ بالله. PageV06P436 # جزء : 6 رقم الصفحة : 289 # قلت : {الذين} : مبتدأ ، و{يسبحون} : خبره ، والجملة : استئناف مسوق ~~لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ببيان أن أشراف الملائكة عليهم السلام ~~مثابرون على ولاية من معه من # 289 # المؤمنين ، ونصرتهم ، واستدعاء ما ms2563 يسعدهم في الدارين. # يقول الحق جل جلاله : {الذين يحملون العرش} على عواتقهم وهم محمولون ~~أيضا بلطائف القدرة ، {ومن حوله} أي : الحافين حوله ، وهم الكروبيون ، ~~سادات الملائكة ، وأعلى طبقاتهم. قال ابن عباس : حملة العرش ما بين كعب ~~أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام ، وقيل : أرجلهم في الأرض السفلى ، ~~ورؤوسهم خرقت العرش ، وهم خشوع ، لا يرفعون طرفهم ، وهم أشد خوفا من سائر ~~الملائكة. PageV06P437 # وقال أيضا : لما خلق الله حملة العرش ، قال لهم : احملوا عرشي ؛ فلم يطيقوا ~~، فخلق الله مع كل ملك من أعوانهم مثل جنود من في السموات ومن في الأرض من ~~الخلق ، فقال لهم : احملوا عرشي ، فلم يطيقوا ، فخلق مع كل واحد منهم مثل ~~جنود سبع سموات وسبع أرضين ، وما في الأرض من عدد الحصى والثرى ، فقال : ~~احملوا عرشي ، فلم يطيقوا ، فقال : قولوا : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم ، فقالوها ، فاستقلوا عرش ربنا ، أي : لما حملوه بالله أطاقوه ، فلم ~~يحمل عرشه إلا قدرته ، وفي الحديث : " إن الله أمر جميع الملائكة أن يغدوا ~~، ويروحوا بالسلام على حملة العرش ، تفضيلا لهم على سائر الملائكة ". وقال ~~وهب بن منبه : حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة ، صف خلف صف ، يدورون ~~حول العرش ، يطوفون به ، يقبل هؤلاء ، ويدبر هؤلاء ، فإذا استقبل بعضهم ~~بعضا ، هلل هؤلاء ، وكبر هؤلاء ، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام ، أيديهم ~~إلى أعناقهم ، قد وضعوها على عواتقهم ، فإذا سمعوا تكبير هؤلاء وتهليلهم ، ~~رفعوا أصواتهم ، فقالوا : سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك ، أنت الله لا إله ~~غيرك ، أنت الأكبر ، الخلق كلهم راجون رحمتك ، ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف ~~من الملائكة ، قد وضعوا اليمنى على اليسرى ، ليس منهم أحد إلا يسبح الله ~~تعالى بتسبيح لا يسبحه الآخر ، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلاثمائة عام ، ~~واحتجب الله عز وجل بينه وبين الملائكة الذين هم حول العرش بسبعين حجابا ~~من ظلمة ، وسبعين حجابا من نور ، وسبعين حجابا من در أبيض ، وسبعين حجابا ~~من ياقوت أحمر ، وسبعين حجابا من زمرد أخضر ، وسبعين حجابا من ms2564 ثلج ، وسبعين ~~حجابا من ماء ، إلى ما لا يعلمه إلا الله تعالى. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 289 PageV06P438 ~~قلت : لما أظهر الله العرش تجلى بنور جبروتي رحموتي ، استوى به على العرش ، ~~كما يتجلى يوم القيامة لفصل القضاء ، ثم ضرب الحجب بين هذا التجلي الخاص ~~وبين الملائكة الحافين ، ولا يلزم عليه حصر ولا تجسيم ؛ إذ تجليات الذات ~~العالية لا تنحصر ، وليست هذه الحجب بين الذات الكلية وبين الخلق ؛ إذ لا ~~حجاب بينها وبين سائر # 290 # المخلوقات إلا حجاب القهر والوهم. واختلف في هيئة العرش ، فقيل : إنه ~~مستدير ، والكون كله في جوفه كخردلة في الهواء ، حتى قيل : هو الفلك التاسع ~~، وقيل : هو منبسط كهيئة السرير ، وله سواري وأعمدة ، وهو ظاهر الأخبار ~~النبوية. روى جعفر الصادق عن أبيه عن جده ، أنه قال : إن بين القائمة من ~~قوائم العرش والقائمة الثانية من خفقان الطير المسرعة قياس ألف عام ، وإن ~~ملكا يقال له : حزقائيل ، له ثمانية عشر ألف جناح ، ما بين الجناح والجناح ~~خمسمائة عام ، فأوحى الله إليه : أن طر ، فطار مقدار عشرين ألف سنة ، فلم ~~ينل رأسه قائمة من قوائم العرش ، ثم طار مقدار ثلاثين ألف سنة فلم ينلها ، ~~فأوحى الله إليه : لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ ساق عرشي. ه. مختصرا. # وفي حديث آخر : " إن بين القائمة والقائمة من قوائم العرش ستين ألف صحراء ~~، في كل صحراء ستون ألف عالم ، في كل عالم قدر الثقلين " ومع هذا كله يسعه ~~قلب العارف حتى يكون في زاوية منه ؛ لأنه محدود ، وعظمة الحق غير محدودة ، ~~وقلب العارف قد تجلت فيه عظمة الحق ، فوسعها ، بدليل الحديث : " لن تسعني ~~أرضي ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن " أي : الكامل. PageV06P439 # ثم أخبر تعالى عن حملة العرش ومن حوله بقوله : {يسبحون بحمد ربهم} أي : ~~ينزهونه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل ، ملتبسين بحمده على نعمائه التي ~~لا تتناهى ، {ويؤمنون به} إيمانا يناسب حالهم. وفائدة ذكره مع علمنا بأن ~~حملة العرش ومن حوله الذي يسبحون بحمد ربهم مؤمنون ؛ إظهار لشرف الإيمان ms2565 ~~وفضيلته ، وإبراز لشرف أهله ، والترغيب فيه ، كما وصف الأنبياء في بعض ~~المواضع بالصلاح. وفيه تنبيه على أن الملائكة لم يحصل لهم العيان ، وإنما ~~وصفوا بالإيمان بالغيب ، وهم طبقات : منهم العارفون أهل العيان ، ومنهم أهل ~~الإيمان. # ثم قال تعالى : {ويستغفرون للذين آمنوا} أي : ويستغفرون لمن شاركهم في ~~حالهم من الإيمان ، وفيه دليل على أن الإشراك يجب أن يكون أدعى شيء إلى ~~النصيحة والشفقة ، وإن تباعدت الأماكن ، وفي نظم استغفارهم لهم في سلك ~~وظائفهم المفروضة عليهم ، من تسبيحهم ، وتحميدهم ، وإيمانهم ، إيذان بكمال ~~اعتنائهم به ، وإشعار بوقوعه عند الله تعالى موقع القبول. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 289 # ربنا} أي : يقولون : ربنا ، إما بيان لاستغفارهم ، أو حال ، {وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما} أي : وسعت رحمتك وعلمك كل شيء ، فأزيل الكلام عن أصله ، بأن ~~أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم ، ونصبا على التمييز ، مبالغة في وصفه تعالى # 291 # بالرحمة والعلم ، وفي عمومهما ، وتقديم الرحمة ؛ لأنها السابقة والمقصودة ~~هنا ، {فاغفر للذين تابوا} أي : للذين علمت منهم التوبة ، ليناسب ذكر ~~الرحمة ، {واتبعوا سبيلك} أي : طريق الهدى التي دعوت إليها. والفاء لترتيب ~~الدعاء على ما قبلها من سعة الرحمة والعلم ، {وقهم عذاب الجحيم} أي : ~~احفظهم منه ، وهو تصريح بعد إشعار ؛ للتأكيد. PageV06P440 # {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} إياها ، {ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم} أي : صلاحا مصححا لدخول الجنة في الجملة ، وإن كانوا دون صلاح ~~أصولهم ، و(من) : عطف على ضمير (وعدتهم) ، أي : وأدخل معهم هؤلاء ؛ ليتم ~~سرورهم ، ويتضاعف ابتهاجهم. قال سعيد بن جبير : (يدخل الرجل الجنة ، فيقول ~~: أين أبي ؟ أين أمي ؟ أين ولدي ؟ أين زوجتي ؟ فيقال له : لم يعملوا مثل ~~عملك ، فيقول : كنت أعمل لي ولهم ، فيقال : أدخلوهم الجنة). وسبق الوعد ~~بالإدخال والإلحاق لا يستدعي حصول الموعود بلا توسط شفاعة واستغفار ، وعليه ~~بنى قول من قال : فائدة الاستغفار للمنيب الكرامة والثواب. انظر أبا ~~السعود. # {إنك أنت العزيز الحكيم} أي : الغالب الذي لا يمتنع عليه مقدور ، وأنت مع ~~ملكك وعزتك لا تفعل شيئا خاليا عن حكمة ، وموجب حكمتك أن ms2566 تفي بوعدك. # {وقهم السيئات} أي : جزاء السيئات ، وهو العذاب ، أو المعاصي في الدنيا ، ~~{ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته} أي : ومن تقه عقاب السيئات يومئذ فقد ~~رحمته ، أو : ومن تقه المعاصي في الدنيا فقد رحمته في الآخرة ، وكأنهم ~~طلبوا لهم السبب بعدما طلبوا المسبب ، {وذلك هو الفوز العظيم} ؛ الإشارة ~~إلى الرحمة المفهومة من رحمته ، أو : إليها وإلى الوقاية ، أي : ذلك التوقي ~~هو الفوز العظيم الذي لا مطمع وراءه لطامع. # الإشارة : العرش وحملته ، والحافون به محمولون بلطائف القدرة ؛ لا حاملون ~~في الحقيقة ، بل لا وجود لهم مع الحق ، وإنما هم شعاع من أنوار الذات ~~الأقدس وتجل من تجلياتها. PageV06P441 # وقوله تعالى : {يسبحون بحمد ربهم} ، قال الورتجبي : يسبحون الله بما يجدونه ~~من القدس والتنزيه ، حمدا لأفضاله ، وبأنه منزه عن النظير والشبيه ، ~~ويؤمنون به في كل لحظة ، بما يرون منه من كشوف صفات الأوليات ، وأنوار ~~حقائق الذات ، التي تطمس في كل لمحة مسالك رسوم العقليات ، وهم يقرون كل ~~لحظة بجهلهم عن كنه معرفة وجوده ، ثم بين أنهم أهل الرأفة ، والرحمة ، ~~والشفقة على أوليائه ، لأنهم إخوانهم في نسب المعرفة والمحبة. انظر تمامه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 289 # والحاصل : أنهم مع تجلي أنوار ذاته ، قاصرون عن كنهه ، وحقيقة ذاته ، ~~وغايتهم # 292 # الإيمان به ، قاله في الحاشية. قلت : والتحقيق أن المقربين منهم تحصل لهم ~~المعرفة العيانية ، والرؤية للذات في مظاهر التجليات ، كما تحصل لخواص ~~الأولياء في الدنيا ، ولكن معرفة الآدمي أكمل ؛ لاعتدال حقيقته وشريعته ، ~~لما اعتدل فيه الضدان ، وأما معرفة الملائكة فتكون مائلة لجهة الشكر ~~والهيمان ؛ للطاقة أجسامهم ، فمثلهم كالمرآة بلا طلاء خلفها ، وأما ما ورد ~~في بعض الأخبار : أن جبريل لم ير الله قط قبل يوم القيامة ، فلا يصح ؛ إلا ~~أن يحمل على أنه لم يره من غير مظهر ، وهذا لا يمكن له ولا لغيره ، وأما ~~رؤيتهم الله يوم القيامة فهم كسائر المؤمنين ، يرونه على قدر تفاوتهم في ~~المراتب والقرب. قال إمام أهل السنة ، أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه ، في ~~كتاب " الإبانة في أصول الديانة ms2567 " : أفضل اللذات لأهل الجنة رؤية الله ~~تعالى ، ثم رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلذلك لم يحرم الله أنبياءه ~~المرسلين ، وملائكته المقربين ، وجماعة المؤمنين ، والصديقين النظر إلى ~~وجهه تعالى. ه. وفي الآية حث على الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب ، والاستغفار ~~لهم ، وهو من شأن الأبدال ، أهل الحرمة لعباد الله ، اقتداء بالملأ الأعلى. # جزء : 6 رقم الصفحة : 289 PageV06P442 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كفروا ينادون} يوم القيامة ، من قبل الخزنة ~~وهم في النار : {لمقت الله} إياكم اليوم ، وإهانته لكم ، {أكبر من مقتكم ~~أنفسكم} في الدنيا ، حيث حرمتموها الإيمان وعرضتموها للهوان ، {إذ تدعون ~~إلى الإيمان} من قبل الرسل {فتكفرون} ، والحاصل : أنهم مقتوا أنفسهم في ~~الدنيا ، وأهانوها ، حيث لم يؤمنوا ، فإذا دخلوا النار حصل لهم من المقت ~~والغضب من الله أشد وأعظم من ذلك ، ف " إذا " : ظرف للمقت الثاني ، لا ~~الأول ، على المشهور. # {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} أي : إماتتين وإحياءتين ، أو ~~: موتتين وحياتين. قال ابن عباس : كانوا أمواتا في الأصلاب ، ثم أحياهم ، ~~ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة ، وهذا ~~كقوله تعالى : {كيف تكفرون بالله وكنتم...} [البقرة : 28] الآية. قال السدي ~~: أميتوا في الدنيا ، ثم أحيوا في قبورهم للسؤال ، ثم أميتوا في قبورهم ، ~~ثم أحيوا في الآخرة. # والحاصل : أنهم أجابوا : بأن الأنبياء دعوهم إلى الإيمان بالله واليوم ~~الآخر ، وكانوا يعتقدون ما يعتقده الدهرية : ألا حياة بعد بالموت ، فلم ~~يلتفتوا إلى دعوتهم ، وداموا على # 293 PageV06P443 ~~الإنكار ، فلما رأوا الأمر عيانا ، اعترفوا. ووجه مطابقة قوله : {قالوا ~~ربنا...} الخ لما قبله : الإقرار بما كانوا منكرين له من البعث ، الذي أوجب ~~لهم المقت والعذاب ؛ طمعا في الإرضاء له بذلك ؛ ليتخلصوا من العذاب ، ولذلك ~~قالوا : {فاعترفنا بذنوبنا} ، لما رأوا الإماتة والإحياء قد تكرر عليهم ، ~~علموا أن الله قادر على الإعادة ، كما هو قادر على الإنشاء ، فاعترفوا ~~بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما يتبعه من جرائمهم. ومقصدهم بهذا ~~الإقرار : التوسل بذلك إلى ما علقوا به أطماعهم الفارغة من الرجوع إلى ~~الدينا ، كما ms2568 صرحوا به في قولهم : {فهل إلى خروج} أي : نوع من الخروج ، ~~سريع أو بطيء ، {من سبيل} أو : لا سبيل إليه قط. وهذا كلام من غلب عليه ~~اليأس ، وإنما يقولون ذلك تحيرا ، مع نوع استبعاد واستشعار يأس منه ، ولذلك ~~أجيبوا بقوله : # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 293 # ذلكم} أي : ذلكم الذي أنتم فيه من العذاب ، وألا سبيل إلى الخروج ، ~~{بأنه} أي : بسبب أن الشأن {إذا دعي الله} في الدنيا ، أي : عبد {وحده} ~~منفردا {كفرتم} بتوحيده ، {وإن يشرك به تؤمنوا} بالإشراك وتسارعوا فيه ، أي ~~: كنتم في الدنيا تكفرون بالإيمان ، وتسارعون إلى الشرك. قيل : والتعبير ~~بالاستقبال ، إشارة إلى أنهم لو ردوا لعادوا ، وحيث كان حالكم كذلك ، ~~{فالحكم لله} الذي لا يحكم إلا بالحق ، ولا يقضي إلا بما تقتضيه حكمته ، ~~{العلي} شأنه ، فلا يرد قضاؤه ، أو : فالحكم بعذابكم وتخليدكم في النار لله ~~؛ لا لتلك الأصنام التي عبدتموها معه ، {الكبير} : العظيم سلطانه ، فلا يحد ~~جزاؤه. وقيل : إن الحرورية أخذوا قولهم : لا حكم إلا لله ، من هذه الآية. ~~قال علي رضي الله عنه لما سمع مقالتهم : كلمة حق أريد بها باطل. ه. PageV06P444 # الإشارة : إن الذين كفروا بطريق الخصوص ، وأنكروا وجود التربية ، حتى ماتوا ~~محجوبين عن الله ، وبعثوا كذلك ، ينادون يوم القيامة بلسان الحال : لمقت ~~الله لكم اليوم حيث سقطتم عن درجات المقربين أكبر من مقتكم أنفسكم حيث ~~حرمتموها معرفة العيان ومقام الإحسان ، حين كنتم تدعون إلى تربية الإيمان ، ~~وتحقيق الإيقان ، على ألسنة شيوخ التربية ، فتكفرون وتقولون : انقطعت ~~التربية منذ زمان ، ثم يطلبون الخروج من عالم الآخرة إلى عالم الدنيا ، ~~ليحصلوا المعرفة التي فاتتهم ، فيقال لهم : هيهات ، قد فات الإبان ، " ~~الصيف ضيعت اللبن ". فامكثوا في حجابكم ، ذلك بأنه إذا دعي الله وحده ، وأن ~~لا موجود سواه ، كفرتم بإنكاركم سبيله ، وهي طريق التجريد والتربية ، وإن ~~يشرك به بالتعمق في الأسباب ، والمكث فيها ، تؤمنوا. والحاصل : أنهم كانوا ~~ينكرون طريق التجريد ، ويؤمنون بطريق الأسباب ، فالحكم لله العلي الكبير ، ~~فيرفع من يشاء ، ويضع من يشاء بعلوه وكبير شأنه. # 294 # جزء : 6 رقم ms2569 الصفحة : 293 PageV06P445 ~~يقول الحق جل جلاله : {هو الذي يريكم آياته} الدالة على كبريائه ، وكمال ~~قدرته ، من الرياح ، والسحاب ، والرعد ، والبرق ، والصواعق ، وغير ذلك ، ~~لتستدلوا على ذلك ، وتعملوا بموجبها ، فتوحدوه تعالى ، وتخصوه بالعبادة ، ~~{وينزل لكم من السماء رزقا} ؛ مطرا ؛ لأنه سبب الرزق. وأفرده بالذكر مع ~~كونه من جملة الآيات ؛ لتفرده بكونه من آثار رحمته ، وجلائل نعمه الموجبة ~~للشكر ؛ إذ به قوام الحيوانات بأسرها. وصيغة المضارع في الفعلين ؛ للدلالة ~~على تجدد الإراءة والتنزيل ، واستمرارهما. {وما يتذكر إلا من ينيب} أي : ~~وما يتعظ ويعتبر بهذه الآيات الباهرة ، ويعمل بمقتضاها إلا من يتوب ويرجع ~~عن غيه إلى الله تعالى ، فيتفكر فيما أودعه في تضاعيف مصنوعاته من شواهد ~~قدرته الكاملة ، ونعمه الشاملة. وأما المعاند فلا يتعظ ولا يعتبر ؛ لسفح ~~الران على قلبه. # وإذا كان الأمر كما ذكرنا ، من اختصاص التذكير بمن ينيب ، {فادعوا الله} ~~، أو : تقول : لما ذكر أحوال المشركين ، وأراد أن يشفع بأضدادهم ، جعل قوله ~~: {هو الذي يريكم آياته...} الخ ، توطئة لقوله : {فادعوا الله} أي : اعبدوه ~~{مخلصين له الدين} من الشرك الجلي والخفي ، بموجب إنابتكم إليه تعالى ~~وإيمانكم ، {ولو كره الكافرون} ؛ وإن غاظ ذلك أعداءكم ، ممن لم يتب مثلكم ، ~~فإن الله يكرم مثواكم ، ويرفع درجاتكم ، فإنه {رفيع الدرجات} أي : رافع ~~درجات أوليائه المؤمنين ، الداعين إليه ، المخلصين في الدنيا والآخرة ، في ~~الدنيا بالعز والنصر ، وفي الآخرة بالقرب والاختصاص ، أو : رفيع السموات ~~التي هي مصاعد الملائكة ، ومهابطها ، للسفارة بين المرسل والمرسل إليه ، ~~وهو كالمقدمة لقوله : {يلقي الروح...} الخ. هذا على أنه اسم فاعل ، مبالغة ~~، وقيل : هو صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها ، أي : رفيع درجاته بالعلو ~~والقهرية. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 295 PageV06P446 ~~ذو العرش} أي : مالكه ، وهما خبران آخران عن {هو الذي...} الخ ، إيذانا ~~بعلو شأنه ، وعظم سلطانه ، الموجبين لتخصيص العبادة به ، وإخلاص الدين له ~~بطريق الاستشهاد بهما عليهما ؛ فإن ارتفاع الدرجات والاستيلاء على العرش ~~مع كون العرش محيطا بأكناف العالم العلوي والسفلي ، وهو تحت ملكوته وقبضة ~~قهره مما يقضي بكون علو شأنه وعظيم سلطانه في غاية ms2570 لا غاية ورائها. قاله ~~أبو السعود. # 295 # ثم ذكر سبب رفع الدرجات بقوله : {يلقي الروح} أي : ينزل الوحي ، الجاري ~~من القلوب بمنزلة الروح من الأجسام ، وكأنه لما ذكر رزق الأجسام أتبعه برزق ~~الأرواح ، الذي هو العلم بالله ، وطريقه الوحي. والتعبير بالمضارع ، قال ~~الطيبي : يفيد استمرار الحي من لدن آدم إلى زمن سيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، ثم اتصاله إلى قيام يوم التنادي ، بإقامة من يقوم بالدعوة ، على ما ~~روى أبو داود ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن ~~الله سيبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها " ومعنى ~~التجديد : إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة ، والأمر بمقتضاهما. ه. # قلت : وقد رزت شيخنا البوزيدي رضي الله عنه مرة ، فلما وقع بصره علي ، ~~قال : والله ، حتى يحيي الله بك الدين المحمدي. وكتب لي شيخ الجماعة ، وقطب ~~دائرة التربية ، مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ، فقال في آخر كتابه : ~~وأرجو من الله ألا تموت حتى تكون داعيا إلى الله ، تذكر أهل المشرق ~~والمغرب. أو ما هذا معناه ، وقد وقع ذلك ، والحمد لله. PageV06P447 # وقوله : {من أمره} أي : من قضائه ، أو : بأمره ، فيجوز أن يكون حالا من ~~الروح ، أو متعلقا ب (يلقي) أي : يلقي الروح حال كونه ناشئا ، أو : مبتدئا ~~من أمره ، أو : يلقي الوحي بسبب أمره {على من يشاء من عباده} هو الذي ~~اصطفاه لرسالته ، وتبليغ أحكامه إلى عباده ، {لينذر} أي : الله ، أو : ~~الملقى عليه ، وهو النبي عليه السلام ، ويؤيده قراءة يعقوب بالخطاب ، أي : ~~لتخوف {يوم التلاق} ؛ يوم القيامة ؛ لأنه يتلاقى فيه أهل السموات وأهل ~~الأرض ، والأولون والآخرون ، و(يوم) : ظرف للمفعول الثاني ، أي : لينذر ~~الناس العذاب يوم التلاق ، أو : مفعول ثان لينذر ، فإنه من شدة هوله ~~وفظاعته حقيق بالإنذار. # {يوم هم بارزون} : بدل من " يوم التلاق " أي : خارجون من قبورهم ، أو : ~~ظاهرون ، لا يستترون بشيء من جبل أو أكمة أو بناء ؛ لكون الأرض يومئذ قاعا ~~صفصفا ، ولا عليهم ثياب ، إنما هم حفاة عراة ms2571 ، كما في الحديث. أو : بارزة ~~نفوسهم لا يحجبها غواش الأبدان ، أو : بارزة أعمالهم وسرائرهم ، {لا يخفى ~~على الله منهم شيء} من أعمالهم وأحوالهم ، الجلية والخفية ، السابقة ~~واللاحقة ، وهو استئناف لبيان بروزهم ، وإزاحة لما كان يتوهمه المتوهمون في ~~الدنيا من الاستتار توهما باطلا ، فإذا برزوا وحشروا ، نادى الحق جل جلاله ~~: {لمن الملك اليوم} ؟ فلا يجيبه أحد ، ثم يعود ثلاثا ، فيجيب نفسه بنفسه ~~بقوله : {لله الواحد القهار} أي : الذي قهر العباد بالموت. # جزء : 6 رقم الصفحة : 295 # روي أن الله تعالى يجمع الخلائق في صعيد واحد ، في أرض بيضاء ، كأنها سبيكة # 296 # فضة ، لم يعص الله عليها قط ، فأول ما يتكلم به أن ينادي مناد : لمن ~~الملك اليوم ؟ فيجيب نفسه : " لله الوحد القهار ". وقيل : المجيب أهل ~~المحشر ، وروي أيضا : أن هذا القول يقوله الحق تعالى عند فناء الخلق وقبل ~~البعث ، ولعله يقال مرتين. PageV06P448 # قال تعالى : {اليوم تجزى كل نفس} من النفوس البرة والفاجرة ، {بما كسبت} من ~~خير أو شر ، وهذا من تتمة الجواب ، أو : حكاية لما سيقوله تعالى يومئذ عقب ~~السؤال والجواب ، {لا ظلم اليوم} بنقص ثواب أو زيادة عذاب ، {إن الله سريع ~~الحساب} ؛ لأنه لا يشغله شأن عن شأن ، فكما أنه يرزقهم دفعة ، يحاسبهم دفعة ~~، فيحاسب الخلق قاطبة في أقرب زمان ، كما نقل عن ابن عباس : أنه تعالى إذا ~~أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ، وأهل النار إلا فهيا. ه. # قلت : المراد بالحساب : إظهار ما يستحق كل واحد من النعيم أو العذاب ، ~~وأما ما ورد من طول المكث في المحشر على الكفار والفجار ؛ فإنما ذلك تعذيب ~~بعد فراغ المحاسبة. والله تعالى أعلم. # الإشارة : هو الذي يريكم آياته الدالة على توحيده ، وينزل لكم من سماء ~~الغيوب علما ، تتقوت به قلوبكم وأرواحكم ، فتغيبون في مشاهدة المدلول عن ~~الدليل ، وما يتذكر بهذا ويهتد إليه إلا من ينيب ، ويصحب أهل الإنابة. ~~فادعوا الله ، أي : اعبدوه وادعوا إلى عبادته وإخلاص العمل ، ولو كره ~~الجاحدون ، فإن الله رفيع درجات الداعين إليه مع المقربين ، في ms2572 مقعد صدق ~~عند ذي العرش المجيد. قال القشيري : يرفع درجات المطيعين بظواهرهم في الجنة ~~، ودرجات العارفين بقلوبهم في الدنيا ، فيرفع درجتهم عن النظر إلى الكونين ~~، والمساكنة إليهما ، وأما المحبون فيرفع درجتهم عن أن يطلبوا في الدنيا ~~والعقبى شيئا غير رضا محبوبهم. ه. PageV06P449 # يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ، هو وحي أحكام للأنبياء ، ووحي ~~إلهام للأولياء ، فيحيي الله بهم الدين في كل زمان ، وقال القشيري : بعد ~~كلام : ويقال : روح النبوة ، وروح الرسالة ، وروح الولاية ، وروح المعرفة. ~~ه. والمراد بالروح : مطلق الوحي ، لينذر الداعي يوم التلاقي ، فيحصل اللقاء ~~السرمدي مع الحبيب للمقربين ، ويحصل الافتراق والبعد للغافلين ، حين تبرز ~~الخلائق بين يدي الله ، لا دعوى لأحد يومئذ ، فيقول الحق تعالى : {لمن ~~الملك اليوم لله الواحد القهار}. # جزء : 6 رقم الصفحة : 295 # قال القشيري : لا يتقيد ملكه بيوم ، ولا يختص بوقت ، ولكن دعاوى الخلق ~~اليوم لا أصل لها ، ترتفع غدا ، وتنقطع تلك الأوهام. ه. ومثله في الإحياء ~~، وأنه إذا كشف الغطاء شهد الأمر كذلك ، كما كان كل يوم ، لا في خصوص ذلك ~~اليوم. فإذا حصل للعبد مقام الفناء ، لم ير في الدارين إلا الله ، فيقول : ~~لمن الملك اليوم ؟ فيجيب : لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ~~من التقريب أو الإبعاد. قال القشيري : # 297 # يجازيهم على أعمالهم الجنان ، وعلى أحوالهم الرضوان ، وعلى أنفاسهم أي : ~~على حفظ أنفاسهم القرب ، وعلى محبتهم الرؤية ، ويجازي المذنبين على توبتهم ~~الغفران ، وعلى بكائهم الضياء والشفاء. ه. لا ظلم اليوم ، بل كل واحد يرتفع ~~على قدر سعيه اليوم. # وقوله تعالى : {إن الله سريع الحساب} قال القشيري : وسريع الحساب مع ~~أوليائه في الحال ، يطالبهم بالنقير والقطمير. ه. قلت : يدقق عليهم الحساب ~~في الحال ، ويرفع مقدارهم في المآل. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 295 PageV06P450 ~~يقول الحق جل جلاله : {وأنذرهم يوم الأزفة} أي : القيامة ، سميت بها ~~لأزوفها ، أي : قربها. فالأزوف والازدلاف هو القرب ، غير أن فيه إشعارا ~~بضيق الوقت ، أو الخطة الأزفة ، وهي مشارفة أهل النار لدخولها ، ثم ms2573 أبدل من ~~يوم الآزفة قوله : {إذ القلوب لدى الحناجر} أي : التراقي ، يعني : ترتفع ~~قلوبهم عن مقارها ، فتلتصق بحناجرهم من الرعب ، فلا هي تخرج فيموتوا ~~فيستريحوا ، ولا ترجع إلى مقارها فيتروحوا. حال كونهم {كاظمين} ؛ ممسكين ~~الغيظ بحناجرهم ، أو : ممسكين قلوبهم بحناجرهم ، يرومون ردها لئلا تخرج ، ~~فهو حال من القلوب ، وجمعت جمع السلامة لوصفها بالكظم ، وهو من أوصاف ~~العقلاء ، أو : من أصحاب القلوب ؛ إذ الأصل : قلوبهم ، أو : من ضميرها في ~~الظرف ، {ما للظالمين من حميم} أي : قريب مشفق {ولا شفيع يطاع} أي : ولا ~~شفيع تقبل شفاعته ، فالمراد : نفي الشفاعة والطاعة ، كقول الشاعر : # ولا ترى الضب فيها ينجحر # يريد به : نفي الضب وانجحاره. وكقول الآخر : # 298 # على لاحب لا يهتدى بمناره # وإن احتمل اللفظ نفي الطاعة دون الشفاعة. فعن الحسن البصري : " والله ما ~~يكون لهم شفيع ألبتة ". ووضع " الظالمين " موضع الضمير ؛ للتسجيل عليهم ~~بالظلم وتعليل الحكم به. PageV06P451 # {يعلم خائنة الأعين} أي : النظرة الخائنة ، كاستراق النظر إلى ما لا يحل. ~~قيل : فيه تقديم وتأخير ، أي : الأعين الخائنة ، وقيل : مصدر ، كالعافية ، ~~أي : خيانة الأعين. قال ابن عباس رضي الله عنه : هو الرجل يكون جالسا مع ~~القوم ، فتمر المرأة ، فيسارقهم النظر إليها. ه. وقال ابن عطية : متصل ~~بقوله : {سريع الحساب} ، فيحاسب على خيانة الأعين ، وقالت فرقة : متصل ~~بقوله : {لا يخفى على الله منهم شيء} ، وهذا حسن ، يقويه تناسب المعنيين ، ~~ويبعده بعد الآية من الآية ، وكثرة الحائل. والحاصل : أنه متصل بما تقدم من ~~ذكر الله ووصفه ، واعترض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد إليه من ~~قوله : {لينذر يوم التلاق} الآية. قاله المحشي. {و} يعلم {ما تخفي الصدور} ~~أي : ما تكنه من خيانة وأمانة. وقيل : هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوة مسارقة ~~، ثم يتفكر بقلبه في جمالها ، ولا يعلم بنظرته وفكرته من حضره ، والله يعلم ~~ذلك كله. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 298 PageV06P452 ~~والله يقضي بالحق} أي : ومن هذه صفاته لا يقضي إلا بالعدل ، فيجازي كلا بما ~~يستحقه ؛ إذ لا يخفى عليه خفي ولا جلي ، {والذين يدعون} ؛ يعبدونهم ms2574 {من ~~دونه} من الآلهة {لا يقضون بشيء} ، وهذا تهكم بهم ؛ لأن الجماد الذي لا ~~يعقل لا يقال فيه : يقضي ولا يقضي ، وقرأ نافع بالخطاب ؛ أو : على إضمار " ~~قل " ، {إن الله هو السميع البصير} ؛ تقرير لقوله : {يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور} ووعيد لهم ؛ لأنه يسمع ما يقولون ، ويبصر ما يعملون ، وأنه ~~يعاقبهم عليه ، وتعريض بما يدعون من دون الله ، بأنها لا تسمع ولا تبصر. ~~الإشارة : قال القشيري : قيامة الكل مؤجلة ، وقيامة المحبين معجلة ، في كل ~~نفس من العتاب والعذاب ، والبعاد والاقتراب ، ما لم يكن في حساب ، وشهادة ~~الأعضاء بالدمع تشهد ، وخفقان القلب ينطق ، والنحول يخبر ، واللون يفضح ، ~~والعبد يستر ، ولكن البلاء يظهر ، قال : # يا من تغير صورتي لما بدا # لجميع ما ظنوا بنا تحقيق # وقوله تعالى : {إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} ، هو في حق من فاته التأهب ~~والترقي في هذه الدار ، فتحسر حين يعاين مقامات الرجال ، وليس له شفيع ~~يرقيه ، ولا حميم يصافيه. وقوله تعالى : {يعلم خائنة الأعين} هو في حق ~~العارفين : النظر إلى السوى بعين الاستحسان. قال القشيري : خائنة الأعين هي ~~من المحبين استحسانهم شيئا أي : من السوى وأنشدوا : # 299 # يا قرة العين : سل عيني هل اكتحلت # بمنظر حسن مذ غبت عن عيني ؟ # وأنشد أيضا : # وعيني إذا استحسنت غيركم # أمرت الدمع بتأديبها # قلت : ومثله قول الشاعر : # وناظر في سوى معناك حق له # يقتص من جفنه بالدمع وهو دم>> والسمع إن حال فيه ما يحدثه # سوى حديثك ، أمسى وقره الصمم PageV06P453 ~~ثم قال : ومن خائنة الأعين : أن تأخذهم السنة والسنات في أوقات المناجاة ، ~~وفي قصص داود عليه السلام : " كذب من ادعى محبتي ، فإذا جنه الليل نام عني ~~، ومن خائنة أعين العارفين : أن يكون لهم خير ، أي : استحسان يقع لقلوبهم ~~مما تقع عليه أعينهم ، ينظرون ولكن لا يبصرون أي : ينظرون إلى المستحسنات ~~، ولكن لا يقفون معها ومن خائنة أعين الموحدين أي : السائرين للتوحيد أن ~~يخرج منها قطرة دمع ، تأسفا على مخلوق يفوت من الدنيا والآخرة ، ومن خائنة ~~الأعين : النظر إلى غير المحبوب ms2575 بأي وجه كان ، ففي الخبر : " حبك الشيء ~~يعمي ويصم " أي : يغيبك عن غيره ، فلا ترى إلا محاسن الحبيب ، وجماله في ~~مظاهر تجلياته ، وإليه يشير قول ابن الفارض رضي الله عنه : # جزء : 6 رقم الصفحة : 298 # عيني لغير جمالكم لا تنظر # وسواكم في خاطري لا يخطر # وقوله تعالى : {والله يقضي بالحق} قال القشيري : يقضي للأجانب بالبعاد ، ~~ولأهل الوداد بالوصال ، ويقضي يوم القدوم بعدل عمال الصدود. ه. أي : يعدل ~~في أهل الصدود عن حضرته ، فيجازيهم بنعيم الأشباح فقط. ثم قال : وإذا ذبح ~~الموت غدا بين الجنة والنار على صورة كبش أملح ، فلا غرو أن يذبح الفراق ~~على رأس سكة الأحباب ، في صورة شخص ، ويصلب على جذوع الغيرة ، لينظر إليه ~~أهل الحضرة. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 298 # قلت : {هم أشد} : ضمير فصل ، وحقه أن يقع بين معرفتين ، إلا أن (أشد) لما ~~ضارع المعرفة في كونه لا يدخله الألف واللام أجرى مجراها. # 300 PageV06P454 ~~يقول الحق جل جلاله : {أولم يسيروا في} أقطار {الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين كانوا من قبلهم} أي : مآل من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم ، كعاد ، ~~وثمود ، وأضرابهم ، {كانوا هم أشد منهم قوة} أي : قدرة وتمكنا من التصرف ، ~~{وآثارا في الأرض} ؛ وأشتد تأثيرا في الأرض ، ببناء القلاع الحصينة ، ~~والمدائن المتينة. وقيل : المعنى : وأكثر آثارا ، أي : ترك آثار في الأرض ، ~~كالحصون وغيرها. {فأخذهم الله بذنوبهم} أخذا وبيلا ، {وما كان لهم من الله ~~من واق} أي : لم يكن لهم شيء يقيهم من عذاب الله. # {ذلك} الأخذ {بأنهم} ؛ بسبب أنهم {كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} ؛ ~~بالمعجزات الدالة على صدقهم ، أو : بالأحكام الظاهرة الجلية ، {فكفروا ~~فأخذهم الله إنه قوي} ، متمكن مما يريد غاية التمكن ، قادر على كل شيء ، ~~{شديد العقاب} لا يؤبه عند عقابه بعقاب. # الإشارة : قال القشيري : أولم يسيروا بنفوسهم في أقطار الأرض ، ويطوفوا ~~مشارقها ومغاربها ، فيعتبروا بها ، فيزهدوا فيها ؟ ويسيروا بقلوبهم في ~~الملكوت بجولان الفكر ، فيشهدوا أنوار التجلي ، فيستبصروا بها ؟ ويسيروا ~~بأسرارهم في ساحات الصمدية ، فيستهلكوا في سلطان الحقائق ، ويتخلصوا من ~~جميع المخلوقات ms2576 ؛ قاصيها ودانيها ؟ ثم قال : قوله تعالى : {ذلك بأنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينات} ، إن بغى من أهل السلوك ، قاصد لهم يصل إلى مقصوده ~~، فليعلم أن موجب حجبته اعتراض خامر قلبه على بعض شيوخه ، في بعض أوقاته ، ~~فإن الشيوخ بمحل السفير للمريدين ، وفي الخبر : " الشيخ في أهله كالنبي في ~~أمته ". ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 300 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} ؛ معجزاته التسع ~~{وسلطان مبين} أي : حجة قاهرة ، وهي : إما عين الآيات ، والعطف لتغاير ~~العنوانين ، فكونها آيات # 301 PageV06P455 ~~من جهة خرق العادة ، وكونها حجة من حيث الدلالة على صدق صاحبها ، وإما أن ~~يريد بالسلطان ، بعض مشاهيرها ، كالعصا ، أفردت بالذكر مع اندراجها تحت ~~الآيات ؛ لعظمها. وقال ابن عرفة : الآيات : المعجزات ، والسلطان المبين ، ~~راجع إلى التحدي بها ، فهو من قبيل الإدعاج ، أو : يكون السلطان راجعا إلى ~~ظهورها ؛ إذ ليس من شرطها الظهور ، أو : يرجع إلى نتيجتها ، هو الغلبة ~~والنصر. ه. # أرسل {إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا} فيما أظهره ، أو : فيما ادعاه من ~~الرسالة : هو {ساحر كذاب فلما جاءهم بالحق من عندنا} وهو الوحي والرسالة ، ~~{قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه} أي : صبيانهم الذكور ، {واستحيوا ~~نساءهم} للخدمة ، أي : أعيدوا عليهم القتل الذي كنتم تفعلونه أولا ، وكان ~~فرعون قد كف عن قتل الولدان ؛ لئلا تعطل خدمته ، فلما بعث عليه السلام ، ~~وأحس بأنه قد وقع ما توقع ، أعاده عليهم غيظا ، وحمقا ، وزعما منه أن يصدهم ~~بذلك عن مظاهرته. {وما كيد الكافرين إلا في ضلال} ؛ في ضياع وبطلان ، فإنهم ~~باشروا قتلهم أولا ، فما أغنى عنهم ، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه ، فما ~~يغني عنهم هذا القتل الثاني ، فلم يعلم أن كيده ضائع في الكرتين ، واللام : ~~إما للعهد المتقدم ، والإظهار في موضع الإضمار ؛ لذمهم بالكفر ، والإشعار ~~بعلة الحكم ، أو : للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا. والجملة : اعتراض جيء ~~بها في تضاعيف ما حكى عنهم من الأباطيل ؛ للمسارعة إلى بيان بطلان ما ~~أظهروه من الإبراق والإرعاد الذي لا طائل تحته. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 301 PageV06P456 ~~وقال فرعون} ms2577 لملئه : {ذروني أقتل موسى} ، وكان ملؤه إذا هم بقتله كفوه ، ~~وقالوا : ليس بالذي تخافه ، وهو أقل من ذلك ، وما هو إلا ساحر ، وإذا قتلته ~~أدخلت شبهة على الناس ، واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة ، والظاهر من ~~دهاء اللعين ونكارته أنه قد استيقن أنه نبي ، وأن ما جاء به آيات باهرة ، ~~وما هو بسحر ، ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك ، وكان قوله ~~تمويها على قومه ، وإيهاما أنهم هم الكافون عن قتله ، ولولاهم لقتله ، وما ~~كان يكفه إلا ما في نفسه من الفزع الهائل. وقوله : {وليدع ربه} تجلد منه ~~وإظهار لعدم المبالاة بدعائه ، ولكنه أخوف ما يخافه. # ثم قال : {إني أخاف} إن لم أقتله {أن يبدل دينكم} أي : بغير ما أنتم عليه ~~من الدين ، وهو عبادتهم له وللأصنام ؛ لتقربهم إليه ، {أو أن يظهر في الأرض ~~الفساد} أي : ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج إن لم يقدر على تبديل ~~دينكم بالكلية. والحاصل : # 302 # أنه قال : أخاف أن يفسد عليكم دينكم ، بدعوته إلى دينه ، أو : يفسد عليكم ~~دنياكم بما يظهر من التقاتل والتهارج ، الذي يذهب معه الأمن ، وتتعطل ~~المزارع والمكاسب والمعايش. # {وقال موسى} لما سمع ما أجراه من الحديث في قتله لقومه : {إني عذت بربي ~~وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} ، صدر عليه السلام كلامه بإن ؛ ~~تأكيدا له ، وإظهارا لمزية الاعتناء بمضمونه ، وفرط الرغبة ، وخص اسم الرب ~~المنبىء عن الحفظ والتربية ؛ إذ بهما يقع الحفظ. PageV06P457 # وفي قوله : {وربكم} حث لهم على أن يقتدوا به ، فيعوذوا بالله عياذته ، ~~ويعتصموا بالتوكل اعتصامه ، ولم يسم فرعون ، بل ذكره بوصف يعمه وغيره من ~~الجبابرة ؛ لتعميم الاستعاذة ، والإشعار بعلة القساوة والجرأة على الله ~~تعالى ، وهو التكبر. قال ابن عرفة : أشار إلى أن كفره لم يكن لأجل أن موسى ~~لم يأت بدليل ولا معجزة ، ولم يكن أيضا لخفاء تلك المعجزة ، وعدم ظهورها ، ~~بل كان لجحود التعنت والتكبر ، والإباية عن الانحطاط من سلطنة الملك إلى ~~رتبة الاتباع. ه. وقال : {لا يؤمن بيوم الحساب} ؛ لأنه إذا اجتمع ms2578 في الرجل ~~التجبر والتكذيب بالجزاء ، وقلة المبالاة بالعاقبة ، فقد استكمل أسباب ~~القوة والجرأة على الله وعباده ، والعياذ بالله. # الإشارة : قال القشيري : كان موسى عليه السلام أكرم خلقه في وقته ، وكان ~~فرعون أخس خلقه في وقته ؛ إذ لم يقل أحد : ما علمت لكم من إله غيري ، فأرسل ~~أخص عباده إلى أخس عباده. ثم إن فرعون سعى في قتل موسى ، واستعان على ذلك ~~بخيله ورجله ، ولكن كما قال تعالى : {وما كيد الكافرين إلا في ضلال} ، وإذا ~~حفر أحد لولي الله حفرة ، ما وقع فيها غير حافرها ، كذلك أجرى الحق سنته. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 301 # يقول الحق جل جلاله : {وقال رجل مؤمن} ، قيل : كان قبطيا ، ابن عم لفرعون ~~، آمن بموسى سرا ، وقيل : كان إسرائيليا موحدا ، وهو المراد بقوله : {وجآء ~~من أقصا المدينة رجل يسعى} [يس : 20] ، قال ابن عباس : اسمه حزقيل. وقال ~~ابن إسحاق : جبرل ، وقيل : # 303 PageV06P458 ~~سمعان. وقيل : حبيب. و{من آل فرعون} : صفة ثانية لرجل ، أو : صلة ليكتم ، ~~أي : {يكتم إيمانه} من فرعون وملائه : {أتقتلون رجلا} أي : أتقصدون قلته ~~كراهة {أن يقول ربي الله} وحده ، من غير روية ولا تأمل في أمره ؟ وهذا ~~إنكار منه عليهم ، كأنه قال : أترتكبون هذه الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس ~~محرمة من غير حجة ، غير قوله الحق ، وإقراره بالتوحيد ؟ {وقد جاءكم ~~بالبينات} أي : والحال أنه جاءكم بالمعجزات الظاهرة ، التي شاهدتموها ~~وعاهدتموها من ربكم ، يعني أنه لم يكتف ببينة واحدة ، بل جاء ببينات كثيرة ~~{من} عند {ربكم} ، أضافه إليهم ، استنزالا لهم عن رتبة المكابرة ، ~~واستدراجا للاعتراف. # ثم أخذهم بالاحتجاج فقال : {وإن يك كاذبا فعليه كذبه} ، لا يتخطى وبال ~~كذبه إلى غيره ، فيحتاج في دفعه إلى قتله ، {وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي ~~يعدكم} من العذاب ، احتج عليهم بطريق التقسيم ؛ لأنه لا يخلو ، إما أن يكون ~~كاذبا أو صادقا ، فإن كان كاذبا فوبال كذبه عليه ، وإن كان صادقا يصبكم ~~قطعا بعض ما يعدكم من العذاب ، ولم يقل : كل الذي يعدكم ، مع أنه وعد من ~~نبي صادق ، مداراة لهم ms2579 وسلوكا لطريق الإنصاف ، فجاء بما هو أقرب إلى ~~تسليمهم له ، فكأنه قال : إن لم يصبكم الجميع يصبكم البعض ، وليس فيه نفي ~~لإصابة الكل ، فكأنه قال : أقل ما فيه أن يصيبكم بعض ما يعدكم ، وهو العذاب ~~العاجل ، وفي ذلك هلاككم ، وكان وعدهم عذاب الدنيا والآخرة. وتفسير البضع ~~بالكل مزيف. {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} ، هذا احتجاج آخر ذو وجهين ~~: أحدهما : أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله إلى النبوة ، ولما عضده ~~بتلك البينات ، وثانيهما : إن كان كذلك خذله الله وأهلكه ، فلا حاجة إلى ~~قتله. وقيل : أوهم أنه يريد بالمسرف موسى ، وهو يعني به فرعون ، ويحتمل أن ~~يكون من كلام الله تعالى اعتراضا بين أجزاء وعظه ، إخبارا بما سبق لهم من ~~الشقاء ، فلا ينفع فيهم الوعظ. PageV06P459 # جزء : 6 رقم الصفحة : 303 # ثم قال : {يا قوم لكم الملك اليوم} حال كونكم {ظاهرين} ؛ غالبين عالين ~~على بني إسرائيل {في الأرض} ؛ أرض مصر ، لا يقاومكم أحد في هذا الوقت ، ~~{فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا} يعني : إن لكم اليوم ملك مصر ، وقد ~~علوتم الناس ، وقهرتموهم ، فلا تسرفوا على أنفسكم ، ولا تتعرضوا لبأس الله ~~، أي : عذابه ؛ فإنه لا طاقة لكم به إن جاءكم ، ولا يمنعكم منه أحد. وإنما ~~نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض إليهم خاصة ، ونظم نفسه فيما ~~يسوؤهم ، من مجيء بأس الله تعالى ، إمحاضا للنصح ، وإيذانا بأن الذي ينصحهم ~~به هو مساهم لهم فيه. # {قال فرعون} بعدما سمع نصحه لقومه : {ما أريكم} أي : ما أشير عليكم {إلا ~~ما أرى} وأستصوبه من قتل موسى ، يعني : لا أستصوب إلا قتله ، وهذا الذي ~~تقولونه غير صواب ، {وما أهديكم} بهذا الرأي {إلا سبيل الرشاد} أي : الصواب ~~، ولا أعلنكم إلا ما # 304 # أعلم ، ولا أسر عنكم شيئا خلاف ما أظهر ، يعني : أن لسانه وقلبه متواطئان ~~على ما يقول ، وقد كذب اللعين ، فقد كان مضمرا للخوف الشديد من جهة موسى ~~عليه السلام ، ولكنه كان يتجلد ، ولولا استشعاره للخوف لم يستشر أحدا في ~~قتله ms2580 ، وقد كان سفاكا جبارا ، فما منعه إلا خوف الهلاك إن مد يده إليه ، ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : قال القشيري : قد نصح وأبلغ مؤمن آل فرعون ، واحتج عليهم ، فلم ~~ينجع فيهم قوله ، وأعاد عليهم نصحه فلم يسمعوا ، وكان كما قيل : # وكم سقت في آثاركم من نصيحة # وقد يستفيد البغضة المستنصح # جزء : 6 رقم الصفحة : 303 PageV06P460 ~~يقول الحق جل جلاله : {وقال الذي آمن} مخاطبا قومه : {يا قوم إني أخاف ~~عليكم} في تكذيب موسى ، والتعرض له بسوء ، {مثل يوم الأحزاب} أي : مثل أيام ~~الأمم الماضية المتحزبة على رسلها ، يعني وقائعهم. وجمع الأحزاب مع التفسير ~~أغنى عن جمع اليوم ، أي : بالإضافة ، وفسره بقوله : # {مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم} ؛ كقوم لوط وشعيب ، لم ~~يلبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار ، فاقتصر على الواحد من الجمع. ودأب ~~هؤلاء : دؤوبهم في عملهم من الكفر ، والتكذيب ، وسائر المعاصي ، حتى دمرهم ~~الله. ولا بد من حذف مضاف ، أي : مثل جزاء دأبهم وهو الهلاك. و(مثل) ~~الثاني : عطف بيان لمثل الأولى. {وما الله يريد ظلما للعباد} ؛ فلا يعاقبهم ~~بغير ذنب ، أو : يزيد على ما يستحقونه من العذاب ، يعني أن تدميرهم كان ~~عدلا ؛ لأنهم استحقوه بأعمالهم ، وهو أبلغ من قوله : {وما ربك بظلام ~~للعبيد} [فصلت : 46] ؛ حيث جعل المنفي إرادة الظلم منكرا ، وإذا بعد عن ~~إرادة ظلم ما لعباده ؛ كان عن الظلم منكرا ، وإذا بعد عن إرادة ظلم ما ~~لعباده ؛ كان عن الظلم أبعد وأبعد. وتفسير المعتزلة : بأنه لا يريد لهم أن ~~يظلموا ، بعيد ؛ لأن أهل اللغة قالوا : إذا قال الرجل لآخر : لا أريد ظلما ~~لك ، معناه : لا أريد أن أظلمك ، وهذا تخويف بعذاب الدنيا. ثم خوفهم من ~~عذاب الآخرة بقوله : # {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} أي : يوم القيامة ؛ لأنه ينادي فيه ~~بعضهم بعضا للاستغاثة ، ويتصايحون بالويل والثبور ، وينادي أصحاب النار ~~أصحاب الجنة ، # 305 PageV06P461 ~~وأصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم ، وعن الضحاك : إذا سمعوا زفير النار ندوا ~~هربا ، فلا يأتون قطرا من الأقطار ، إلا وجدوا ملائكة صفوفا ms2581 ، فيرجعون إلى ~~مكانهم ، فبينما هم يموج بعضهم في بعض ، إذ سمعوا مناديا : أقبلوا إلى ~~الحساب. أو : ينادي مناد عند الميزان : ألا إن فلانا بن فلان سعد سعادة لا ~~يشقى بعدها أبدا ، ألا إن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا. قال ~~ابن عطية : المراد التذكير بكل نداء في القيامة فيه مشقة على الكفار ~~والعصاة ، وذلك كثير. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 305 # ثم أبدل من يوم التناد : قوله : {يوم تولون مدبرين} أي : منصرفين عن ~~القوم إلى النار ، أو : فارين منها غير معاجزين ، {ما لكم من الله من عاصم} ~~يعصمكم من عذابه ، ولما أيس من قبولهم قال : {ومن يضلل الله فما له من هاد} ~~يهديه إلى طريق النجاة. # الإشارة : ينبغي للواعظ والمذكر إذا ذكر العصاة أن يخوفهم بعذاب الدنيا ~~وعذاب الآخرة ، كما فعل مؤمن آل فرعون ، أما عذاب الدنيا فما يلحق العاصي ~~من الذل والهوان عند الله ، وعند عباده ، وما يلحقه إن طال عمره من المسخ ~~وأرذل العمر ، فإن المعاصي في زمن الشباب تجر الوبال إلى زمن الهرم ، كما ~~أن الطاعة في حال الشباب تجر الحفظ والرعاية إلى حال الكبر ، وأما عذاب ~~الآخرة فمعلوم ، ثم يحض على التوبة والإقلاع ، فإن التائب الناصح ملحق ~~بالطائع ، فلا يلحقه شيء من ذلك. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 305 # قلت : {الذين يجادلون} : بدل من {من هو} وإنما جمع ؛ لأنه لم يرد مسرفا ~~واحدا ، بل كل مسرف. PageV06P462 # يقول الحق جل جلاله : حاكيا لقول المؤمن : {ولقد جاءكم يوسف} ، هو ابن ~~يعقوب ، وقيل : يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب ، أقام فيهم نبيا عشرين ~~سنة ، وقال وهب : فرعون موسى هو فرعون يوسف ، عمر إلى زمنه ، وقيل : هو ~~فرعون آخر ؛ لأن كل من ملك مصر يقال له فرعون ، وهذا أظهر. وقول الجلال ~~المحلي : هو يوسف بن يعقوب في قول ، عمر إلى زمنه ، سهو. وإنما قيل ذلك في ~~فرعون لا في يوسف. # قلت : والتحقيق : أنه وبخهم بما فعل أسلافهم ؛ لأنهم على منوالهم ، راضون بما # 306 # فعلوا ، فالمراد ms2582 بيوسف ، هو الصديق ، فما زالوا مترددين في رسالته حتى ~~مات ، واستمر خلفهم على ذلك إلى زمن موسى ، وقوله تعالى : {من قبل} أي : من ~~قبل موسى ، أي : جاءكم يوسف {بالبينات} ؛ بالمعجزات الواضحة ، كتعبير ~~الرؤيا ، ودلائل التوحيد ، كقوله : {ءأرباب متفرقون خير...} [يوسف : 39] ~~الآية ، وملكه أموالهم ورقابهم في زمن المسبغة ، وغير ذلك مما دل على ~~رسالته. {فما زلتم في شك مما جاءكم به} من الدين {حتى إذا هلك} بالموت ~~{قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا} ، حكما من عند أنفسكم ، من غير برهان ، ~~أي : أقمتم على كفركم ، وظننتم أن لا يجدد عليكم إيجاب الحجة. # قال القشيري : يقال : إن تكذيبهم وتكذيب سلفهم للأنبياء عليهم السلام ~~كان قديما حتى أهلكهم ، كذلك يفعل بهؤلاء. ه. # {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} أي : مثل ذلك الإضلل الفظيع يضل الله ~~من هو مسرف في عصيانه ، شاك في دينه ، لم يتفكر فيما شهدت البينات بصحته ؛ ~~لغلبة الوهم ، والانهماك في التقليد. PageV06P463 # ثم فسره فقال : {الذين يجادلون في آيات الله} بالرد والإبطال {بغير سلطان} ~~؛ بغير حجة واضحة ، تصلح للتمسك بها في الجملة ، {أتاهم} : صفة لسلطان ، أي ~~: بغير برهان جاءهم بصحة ذلك ، {كبر مقتا} أي : عظم بغضا {عند الله وعند ~~الذين آمنوا} ، وفيه ضرب من التعجب والاستعظام. وفي " كبر " ضمير يعود على ~~" من " وتذكيره باعتبار اللفظ. {كذلك} أي : مثل ذلك الطبع الفظيع {يطبع ~~الله على كل قلب متكبر جبار} فيصدر منه أمثال ما ذكر من الإسراف ، ~~والارتياب ، والمجادلة بالباطل. ومن قرأ بالتنوين فوصف لقلب ، وإنما وصف ~~بالتكبر والتجبر ؛ لأنه منبعهما ، كما تقول : سمعت الأذن ، كقوله : {فإنه ~~ءاثم قلبه} [البقرة : 283] وإن كان الإثم للجملة. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 306 # الإشارة : يقال لأهل كل عصر : ولقد جاءكم فلان لولي تقدم قبلهم بالآيات ~~الدالة على صحة ولايته ، فما زلتم ، أي : ما زال أسلافكم من أهل عصره في ~~شك منه ، حتى إذا مات ظهرت ولايته ، وأقررتم بها ، وقلتم : لن يبعث الله من ~~بعده وليا ، وهذه عادة العامة ، يقرون الأموات من الأولياء ، وينكرون ms2583 ~~الأحياء. وهي نزعة أهل الكفر والضلال كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ، ~~كالذين يخاصمون في ثبوت الخصوصية عند أربابها ، من غير برهان ، وهو شأن ~~المنكرين ، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار. # جزء : 6 رقم الصفحة : 306 # 307 # يقول الحق جل جلاله : {وقال فرعون} تمويها على قومه ، وجهلا منه : {يا ~~هامان} وزيره {ابن لي صرحا} أي : قصرا عاليا ، وقيل : الصرح : البناء ~~الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد منه. يقال : صرح الشيء : إذا ظهر. ~~{لعلي أبلغ الأسباب} أي : الطرق. ثم أبدل منها تفخيما لشأنها ، وإظهارا أنه ~~يقصد أمرا عظيما : PageV06P464 # {أسباب السماوات} أي : طرقها وأبوابها ، وما يؤدي إليها ، وكل ما أداك إلى ~~الشيء فهو سبب إليه ، {فأطلع إلى إله موسى} أي : فأنظر إليه وأتحقق وجوده ، ~~قرأه حفص بالنصب ، جواب التمني ، والباقي بالرفع ، عطفا على " أبلغ ". قال ~~البيضاوي : ولعله أراد أن يبني له صرحا في موضع عال ، يرصد منه أحوال ~~الكواكب ، التي هي أسباب سماوية ، تدل على الحوادث الأرضية ، فيرى هل فيها ~~ما يدل على إرسال الله تعالى إياه ، أو أن يرى فساد قوله عليه السلام ؛ فإن ~~إخباره عن إله السماء يتوقف على اطلاعه ووصوله إليه ، وذلك لا يتأتى إلا ~~بالصعود للسماء ، وهو مما لا يقوى عليه الإنسان ، وما ذلك إلا لجهله بالله ~~وكيفية استنبائه. ه. # قلت : والظاهر أنه كان مجسما ، يعتقد أن الله في السماء ، وأن اطلاعه ~~إليه إنما كان ليرى هل ثم إله ، وإن قوله : {وإني لأظنه كاذبا} أي : في ~~ادعاء إله غيري ، بدليل قوله : {ما علمت لكم من إله غيرى} [القصص : 38] مع ~~أن هذا كله إنما هو تمويه منه على قومه ، وجرأة على الله ، لا حقيقة له. # قال تعالى : {وكذلك} أي : ومثل ذلك التزيين المفرط ، والصد البليغ ، {زين ~~لفرعون سوء علمه} فانهمك فيه انهماكا لا يرعوي عنه بحال ، {وصد عن السبيل} ~~أي : سبيل الرشاد ، وقرأ الكوفون ويعقوب " وصد " بالبناء للمفعول ، فالفاعل ~~في الحقيقة فيهما هو الله ، بتوسط الشيطان في عالم الحكمة ، ومن قرأ " صد " ~~بالبناء للفاعل ms2584 ، فالفاعل : فرعون ، إما صد الناس عن طريق الحق بأمثال هذه ~~التمويهات ، أو : اتصف بالصد. {وما كيد فرعون إلا في تباب} أي : خسران وهلاك. # جزء : 6 رقم الصفحة : 307 PageV06P465 ~~الإشارة : ما ظهر على فرعون هو من طغيان النفس وعتوها ، فإن النفس إذا ~~اتصلت بها العوافي ، وساعدتها أقدار الجمال في الظاهر ، ادعت الربوبية ، ~~فإن فرعون قيل : إنه عاش أربعمائة سنة ، لم يتوجع فيها قط ، فادعى الربوبية ~~، ولذا قال بعض الصوفية : في النفس خاصية ما ظهرت إلا على فرعون ، حين قال ~~: أنا ربكم الأعلى ، فكان نزول الأقدار القهرية والبلايا على العبد ، رحمة ~~عظيمة ، تتحقق بها العبودية ، التي هي شرف العبد ورفعته. وبالله التوفيق. # 308 # جزء : 6 رقم الصفحة : 307 # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذي آمن} أي : مؤمن آل فرعون : {يا قوم ~~اتبعون} فيما دللتكم عليه ، {أهدكم سبيل الرشاد} أي : طريقا يوصل صاحبه إلى ~~المقصود. والرشاد : ضد الغي ، وفيه تعريض بأن ما يسلكه فرعون وقومه سبيل ~~الغي والضلال. # {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} أي : تمتع يسير ؛ لسرعة زوالها ، ~~فالإخلاد إليها أصل الشر ، ومنبع الفتن ، ومنه يتشعب فنون ما يؤدي إلى سخط ~~الله. أجمل له أولا ، ثم فسر ، فاستفتح بذم الدنيا ، وتصغير شأنها ، ثم ثنى ~~بتعظيم الآخرة ، وبين أنها هي الموطن والمستقر بقوله : {وإن الآخرة هي دار ~~القرار} ؛ لخلودها ، ودوامها ، ودوام ما فيها. قال ابن عرفة : التمتع ~~بالدنيا مانع من الزهد ، وكون الآخرة دار مستقر يقتضي وجود الحرص على أسباب ~~الحصول فيها. ه. PageV06P466 # ثم ذكر الأعمال التي تبعد عنها أو تقرب إليها ، فقال : {من عمل سيئة} في ~~الدنيا {فلا يجزى} في الآخرة {إلا مثلها} عدلا من الله تعالى. قال القشيري ~~: له مثلها في المقدار ، لا في الصفة ؛ لأن الأولى سيئة ، والمكافأة حسنة ~~ليست بسيئة. ه. وقال ابن عرفة : في توفيه مماثلة العذاب الأبدي على كفر ~~ساعة تتصور المماثلة ، إما باعتبار نيته الكفر دواما ، وإما بأن يقال : ليس ~~المراد المماثلة عقلا ، بل المماثلة شرعا. وفي الإحياء : قال الحسن : إنما ~~خلد أهل الجنة في ms2585 الجنة ، وأهل النار ، في النار ، بالنية ، وهو والله ~~أعلم مقتبس من قوله تعالى : {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} ~~[إبراهيم : 44]. ه. قاله المحشي. # {ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك} الذين عملوا ذلك {يدخلون ~~الجنة يرزقون فيها بغير حساب} أي : بغير تقدير ، وموازنة بالعمل ، بل ~~بأضعاف مضاعفة ، فضلا من الله عز وجل ورحمة. قال القشيري : أي : مؤبدا ~~مخلدا ، لا يخرجون من الجنة ، ولا مما هم عليه من الحال. ه. وجعل العمل ~~عمدة ، والإيمان حالا ؛ للإيذان بأنه لا عبرة بالعمل بدونه. وأن ثوابه أعلى ~~من ذلك. # جزء : 6 رقم الصفحة : 309 # الإشارة : قال الورتجبي : سبيل الرشاد : طريق المعرفة ، ومعرفة الله ~~تعالى : موافقته ومتابعة أنبيائه وأوليائه ، ولا تحصل الموافقة إلا بترك ~~مراد النفس ، ولذلك قال : {يا قوم إنما هذه الحياة الدينا متاع}. قال محمد ~~بن علي الترمذي : لم تزل الدنيا مذمومة في # 309 PageV06P467 ~~الأمم السابقة ، عند العقلاء منهم ، وطالبوها مهانين عند الحكماء الماضية ، ~~وما قام داع في أمة إلا حذر متابعة الدنيا وجمعها والحب لها ، ألا ترى مؤمن ~~آل فرعون كيف قال : {اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} ، كأنهم قالوا : وما سبيل ~~الرشاد ؟ قال : {إنما هذه الحياة الدنيا متاع} أي : لن تصل إلى سبيل الرشاد ~~وفي قلبك محبة الدنيا وطلب لها. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 309 # يقول الحق جل جلاله ، حاكيا عن المؤمن : {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى ~~النجاة} ؛ إلى السلامة من النار ، {وتدعونني إلى النار} بسلوك أسبابها. كرر ~~نداءهم ؛ إيقاظا لهم عن سنة الغفلة ، واعتناء بالمنادى به ، ومبالغة في ~~توبيخهم ، وفيه أنهم قومه ، وأنه من آل فرعون ، وجيء بالواو في النداء ~~الثالث ، دون الثاني ؛ لأن الثاني داخل في كلام هو بيان للمجمل وتفسير له ، ~~بخلاف الثالث. ومدار التعجب الذي يلوح به الاستفهام هو دعوتهم إياه إلى ~~النار ، لا دعوته إياهم إلى النجاة ، كأنه قيل : أخبروني كيف هذا الحال ؛ ~~أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشر ؟ # {تدعونني لأكفر بالله} هو بدل من (تدعونني) الأول ، وفيه تعليل ، والدعاء ms2586 ~~يتعدى باللام وبإلى ، كالهداية ، {وأشرك به} ؛ وتدعونني لأشرك به {ما ليس ~~لي به علم} أي : بربوبيته ، والمراد بنفي العلم : نفي المعلوم ، كأنه قال : ~~وأشرك به شيئا ليس بإله ، وما ليس بإله كيف يصح أن يعلم إلها ؟ {وأنا ~~أدعوكم إلى العزيز الغفار} أي : إلى الله الجامع لصفات الألوهية ، من كمال ~~القدرة والغلبة ، وما يتوقف عليه من العلم والإرادة ؛ إذ بالقدرة يتمكن من ~~المجازاة بالتعذيب ، أو الإحسان بالغفران. PageV06P468 # {لا جرم} ؛ لا شك ، أو : حقا ، وقال البصريون : " لا " : نفي رد لما دعوه ~~إليه ، و" جرم " : فعل ، بمعنى : حق ، و" أن " مع " ما " في حيزه ؛ فاعل ، ~~أي : حق ووجب {أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} أي ~~: وجب عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها ، والظاهر : أن " جرم " من الجرم ، ~~وأراد به هنا الكذب ، أي : لا كذب في أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة... ~~الخ ، فقد يضمن الفعل معنى المصدر ، وتدخل " لا " النافية للجنس عليه ، ~~والمعنى : أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط ، ومن حق المعبود # 310 # بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته ، وما تدعونني إليه لا يدعو هو إلى ~~عبادته ، ولا يدعي الربوبية ، أو : معناه : ليس له استجابة دعوة في الدنيا ~~والآخرة ، أو : دعوة مستجابة. جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ، ولا منفعة ~~، كلا دعوة. {وأن مردنا إلى الله} أي : رجوعنا إليه بالموت ، {وأن ~~المسرفين} في الضلال والطغيان ، كالإشراك وسفك الدماء ، {هم أصحاب النار} ~~أي : ملازموها. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 310 # فستذكرون ما أقول لكم} من النصائح عند نزول العذاب ، {وأفوض} ؛ أسلم ~~{أمري إلى الله} ، قال لما توعدوه. {إن الله بصير بالعباد} فيحرس من يلوذ ~~به من المكاره. PageV06P469 # {فوقاه الله سيئات ما مكروا} ؛ شدائد مكرهم ، وما هموا به من إلحاق أنواع ~~العذاب لمن خالفه ، وقيل : إنه خرج من عندهم هاربا إلى جبل ، فبعث قريبا من ~~ألف في طلبه ، فمنهم من أكلته السباع ، ومن رجع منهم صلبه فرعون. وقيل : ~~لما وصلوا إليه ليأخذوه ، وجدوه يصلي ، والوحوش حوله ، فرجعوا ms2587 رعبا ، ~~فقتلهم. وقال مقاتل : لما قال المؤمن هذه الكلمات ، قصدوا قتله ، فوقاه ~~الله من مكرهم ، أي : بعد تفويض أمره إلى الله ، فقيل : إنه نجا مع موسى في ~~البحر. ه. {وحاق} ؛ نزل {بآل فرعون} أي : بفرعون وقومه. وعدم التصريح به ، ~~للاستغناء بذكرهم عن ذكره ، ضرورة أنه أولى منهم بذلك ، و{سوء العذاب} ؛ ~~الغرق والقتل والنار. # وقوله تعالى : {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} : جملة مستأنفة ، مسوقة ~~لبيان سوء العذاب ، والنار : خبر عن محذوف ، كأن قائلا قال : ما سوء العذاب ~~؟ فقيل : هو النار ، أو : بدل من " سوء " ، و" النار " : مبتدأ ، و" يعرضون ~~" : خبر ، وعرضهم عليها : إحراقهم ، يقال : عرض الإمام الأسارى على السيف : ~~إذا قتلهم به. وذلك لأرواحهم ، كما روى ابن مسعود : أن أرواحهم في أجواف ~~طير سود ، تعرض على النار أي : تحرق بها بكرة وعشيا ، إلى يوم القيامة ، ~~وتخصيص الوقتين إما لأنهم يعذبون في غيرهما بجنس آخر ، أو : يخفف عنهم ، أو ~~: يكون غدوا وعشيا عبارة عن الدوام. # هذا في الدنيا في عالم البرزخ ، {ويوم تقوم الساعة} يقال للخزنة : ~~{أدخلوا آل فرعون} ، من الإدخال الرباعي ، ومن قرأ : ادخلوا ، ثلاثيا ، ~~فعلى حذف النداء ، أي : ادخلوا يا آل فرعون {أشد العذاب} أي : عذاب جهنم ، ~~فإنه أشد مما كانوا فيه. أو : أشد عذاب النار ؛ فإن عذابها ألوان ، بعضه ~~أشد من بعض ، وهذه الآية دليل على عذاب القبر في البرزخ ، وهو ثابت في ~~الأحاديث الصحاح. # الإشارة : النجاة التي دعاهم إليها : هي الزهد في الدنيا ، وفي التمتع ~~بها مع الاشتغال # 311 PageV06P470 ~~بالله ، والنار التي دعوه إليها : هي الاشتغال بمتعة الدنيا مع الغفلة عن ~~الله. لا جرم أن ما دعوه إليه لا منفعة له في الدارين ، بل ضرره أقرب من ~~نفعه. وقوله تعالى : {وأن مردنا إلى الله} قال الورتجبي : مرد المحبين إلى ~~مشاهدته ، ومرد العارفين إلى الوصلة ، ومرد الكل إلى قضيات الأزلية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 310 # قال حمدون القصار : لا أعلم في القرآن أرجى من قوله : {وأن مردنا إلى ~~الله} ، فقد حكي عن بعض السلف أنه قال : الكريم إذا قدر ms2588 عفا ، وإنما يكون ~~مرد العبد إلى ربه إذا أتاه على أمد الإفلاس والفقر ، لا أن يرى لنفسه ~~مقاما في إحدى الدارين ، وهو أن يكون في الدنيا خاشعا لمن يذله ، ولا يلتفت ~~إليه ، هاربا ممن يكرمه ويبره ، ويكون في الآخرة طالبا لفضل الله ، مشفقا ~~من حسناته أكثر من إشفاق الكفار من كفرهم. ه. قلت : هذا مقام العباد ~~والزهاد ، وأما العارفون فلا يرون إلا الله ، فيلقون الله بالله ، غائبون ~~عن إحسانهم وإساءتهم. وقوله تعالى : {فستذكرون ما أقول لكم} هكذا يقول ~~الواعظ إن لم ينفع وعظه ، ويفوض أمره وأمرهم إلى الله ؛ فإن الله بصير بهم. ~~وقال بعضهم : وأفوض أمري في الدنيا والآخرة إلى الله ، فهو بصير بعجزي ~~وضعفي عن رد القضاء والقدر ، والتفويض : ألا يرى لنفسه ، ولا للخلق جميعا ، ~~قدرة على النفع والضر ، فيرى الله بإيجاد الموجود في جميع الأنفاس ، بنعت ~~المشاهدة والحال ، لا بنعت العلم والعقل. وقال بعضهم : التفويض : قبل نزول ~~القضاء ، والتسليم : بعد نزول القضاء. وقال ذو النون حين سئل عنه : متى ~~يكون العبد مفوضا ؛ قال : إذا أيس من فعله ونفسه ، والتجأ إلى الله في جميع ~~أحواله ، ولم تكن له علاقة سوى ربه. ه. أي : لم يكن له تعلق إلا بالله. ~~فالمقامات ثلاث : التفويض قبل النزول ، والرضا بعده بالمجاهدة ، والتسليم ~~بلا مجاهدة. PageV06P471 # وقوله تعالى : {فوقاه الله سيئات ما مكروا} هذه نتيجة التفويض ، فكل من فوض ~~أمره إلى الله فيما ينزل به ، وقاه الله جميع المكاره ، وكل ما يخشى ؛ إن ~~قطع عن قلبه التعلق بغير الله ، كما هو حقيقة التفويض. قال القشيري : أشد ~~العذاب على الكفار : يأسهم عن الخروج ، وأما العصاة من المؤمنين فأشد ~~عذابهم : إذا علموا أن هذا يوم لقاء المؤمنين. ه. أي : وهم قد حرموا ذلك. # جزء : 6 رقم الصفحة : 310 # 312 # يقول الحق جل جلاله : {وإذ يتحاجون في النار} أي : واذكر لقومك وقت تخاصم ~~الكفار في النار ، {فيقول الضعفاء} منهم {للذين استكبروا} وهم رؤساؤهم : ~~{إنا كنا لكم تبعا} ، وهو جمع تابع ، كخادم وخدم ، أو : ذوي تبع ، على أنه ~~مصدر ms2589 ، أو : وصف به للمبالغة ، {فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} أي : ~~فهل أنتم دافعون ، أو : حاملون عنا جزءا من النار ؟ {قال الذين استكبروا ~~إنا كل فيها} ، التنوين عوض عن المضاف ، أي : كلنا فيها ، لا يغني أحد عن ~~أحد. وقرىء (كلا) بالنصب على التأكيد ، وهو ضعيف لخلوه من الضمير. {إن الله ~~قد حكم بين العباد} ؛ قضى بينهم ، بأن أدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار ~~النار ، لا مرد له ، ولا معقب لحكمه ، فلا يغني أحد عن أحد شيئا. # قال ابن عرفة : في الآية لف ونشر ، فقوله تعالى : {إن كل فيها} راجع ~~لقوله : {إنا كنا لكم تبعا} أي : إنا قد حصلنا جميعا في النار ، فجوزي كل ~~على قدر عمله ، أنتم على ضلالكم ، ونحن على إضلالنا إياكم. وقوله : {إن ~~الله قد حكم بين العباد} راجع لقوله : {فهل أنتم مغنون عنا} وبهذا المعنى ~~يتقرر الجواب. ه. PageV06P472 # {وقال الذين في النار لخزنة جهنم} ؛ للقوام بتعذيب أهلها ، وإنما لم يقل : ~~لخزنتها ؛ لأن في ذكر جهنم تهويلا وتفظيعا ، ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار ~~قعرا ، من قوله : بئر جهنام ، أي : بعيدة القعر ، وفيها أعتى الكفرة ~~وأطغاهم ، أو : لكون الملائكة الموكلين بعذاب أهلها أقدر على الشفاعة ؛ ~~لمزيد قربهم من الله ، فلهذا تعمدوهم بطلب الدعوة ، فقالوا لهم : {ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما} أي : مقدار يوم من الدنيا {من العذاب} ، واقتصارهم في ~~الاستدعاء على ما ذكر في تخفيف قدر يسير من العذاب في مقدار قصير من الزمان ~~، دون رفعه رأسا ، أو : تخفيف منه في زمان مديد ؛ لأن ذلك عندهم ليس في حيز ~~الإمكان ، أو لا يكاد يدخل تحت أمانيهم. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 312 # قالوا} أي : الخزنة ، توبيخا لهم ، بعد مدة طويلة : {أولم تك} أي : القصة ~~{تأتيكم رسلكم بالبينات} ؛ بالمعجزات ، يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا ؟ أرادوا بذلك إلزامهم الحجة ، وتوبيخهم على إضاعة أوقات ~~الدعاء ، وتعطيل أسباب الإجابة ، {قالوا} أي : الكفار : {بلى} أتونا بها ، ~~فكذبناهم وقلنا : ما نزل الله من شيء. {قالوا} أي : الخزنة تهكما بهم : ~~{فادعوا} أي ms2590 : إذا كان الأمر كذلك فادعوا أنتم ، فإن الدعاء لمن يفعل ذلك ~~مما يستحيل صدوره. منا. زاد البيضاوي : إذ لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم ~~، وبحث معه أبو السعود بأنه يوهم أن المانع هو عدم الإذن ، وأن الإذن في ~~حيز الإمكان ، ولا تجوز الشفاعة في كافر. انظره. قال تعالى : {وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال} ؛ في ضياع وبطلان ، لا يجابون فيه ؛ لأنهم دعوا في ~~غير وقته ، ويحتمل أن يكون من كلام الخزنة. والله تعالى أعلم. # 313 PageV06P473 ~~الإشارة : الآية تجر ذيلها على كل من له جاه ، فدعا إلى سوء ، بمقاله أو ~~حاله ، فتبعه العامة على ذلك ، فيتحاجون يوم القيامة فيقول المستضعفون : ~~إنا كنا لكم تبعا. فكل من أمر بسوء ، وفعل ، عوقب الآمر والمأمور ، وكل من ~~فعل فعلا خارجا عن السنة ، كالرغبة في الدنيا ، والتكاثر منها ، فتبعه ~~العامة على ذلك ، عوتب الجميع ، وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 312 # يقول الحق جل جلاله : {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} ~~بالحجة والظفر ، والانتقام لهم من الكفرة ، بالاستئصال ، والقتل ، والسبي ، ~~وغير ذلك من العقوبات. ولا يقدح في ذلك ما يتفق لهم من صورة الغلبة ، ~~امتحانا ؛ إذ الحكم للغالب ، وهذا كقوله تعالى : {ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا...} [الصافات : 171] الآية ، وقوله : {كتب الله لأغلبن أنا ورسلى} ~~[المجادلة : 21]. والنصر في الدنيا إما بالسيف ، في حق من أمر بالجهاد ، أو ~~: بالحجة والإهلاك فيمن لم يؤثر به ، وبذلك يندفع قول من زعم تخصيص الآية ~~أو تعميمها ، وإخراج زكريا ويحيى من الرسالة ، وإن ثبت لهما النبوة لقتلهما ~~، وأن الآية ، إنما تضمنت نصر الرسل دون الأنبياء ، فإنه خلاف لما صرح به ~~الجمهور من ثبوت الرسالة ليحيى ، ففي كلام ابن جزي هنا نظر. قاله المحشي. # {ويوم يقوم الأشهاد} أي : وننصرهم يوم القيامة ، عبر عنه بذلك للإشعار ~~بكيفية النصرة ، وأنها تكون حين يجتمع الأولون والآخرون ، ويحضره الأشهاد ~~من الملائكة وغيرهم ، فيشهدون للأنبياء بالتبليغ ، وعلى الكفرة بالتكذيب. ~~قال النسفي : الأشهاد جمع شاهد ، كصاحب وأصحاب ، يريد : الأنبياء والحفظة ، ~~فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة ms2591 بالتكذيب ، والحفظة يشهدون على ~~بني آدم. ه. PageV06P474 # {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} : هو بدل من {يوم يقوم} أي : لا يقبل عذرهم ~~، ومن قرأ بالتأنيث فباعتبار لفظ المعذرة ، {ولهم اللعنة} أي : البعد من ~~الرحمة ، {ولهم سوء الدار} أي : سوء دار الآخرة ، وهو عذابها. # الأشارة : كما نصرت الرسل بعد الامتحان ، نصرت الأولياء بعد الامتحان ~~والامتكان. قال الشاذلي رضي الله عنه : اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل ~~حتى عزوا.. إلخ. وهم داخلون في قوله : {والذين آمنوا في الحياة الدنيا} ، ~~ونصرتهم تكون أولا بالظفر بنفوسهم ، ثم بالغيبة عن حس الكائنات ، باتساع ~~دائرة المعاني ، ثم بالتصرف في الوجود بأسره بهمته. قال القشيري : ويقال : ~~ينصرهم على أعدائهم بلطف خفي ، وكيد غير مرئي ، من حيث يحتسب أو لا يحتسب ، ~~كما ينصرهم في الدنيا على تحقيق المعرفة ، # 314 # واليقين بأن الكائنات من الله. ثم قال : غاية النصرة أن يقتل الناصر عدو ~~من ينصره ، فإذا رآه حقق له أنه لا عدو له في الحقيقة ، وأن الخلق أشباح ، ~~وتجري عليهم أحكام القدرة ، فالولي لا عدو له ولا صديق ، ليس له إلا الله. ~~قال الله تعالى : {الله ولي الذين ءامنوا} [البقرة : 257] ه. والنصر في ~~الحقيقة هو التأييد عند التعرفات ، فإذا ابتلي الرسول أو الولي أيده الله ~~باليقين ، ونصره بالمعرفة ، فيلقي ما ينزل عليه بالرضا والتسليم ، وتذكر ما ~~لقي به الشاذلي حين دعا بالسلامة مما ابتلي به الرسل ، متعللا بأنهم أقوى ، ~~فقيل له : قل : وما أردت من شيء فأيدنا كما أيدتهم. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 314 PageV06P475 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا موسى الهدى} ؛ ما يهتدي به من المعجزات ، ~~أو الشرائع والصحف. {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} أي : تركنا فيهم التوراة ~~، يرثه بعضهم من بعض ، أو : جنس الكتاب ، فيصدق بالتوراة والإنجيل والزبور ~~؛ لأن المنزل عليه منهم. قال الطيبي : فيه إشارة إلى أن ميراث الأنبياء ليس ~~إلا العلم والكتاب الهادي ، الناطق بالحكمة والموعظة. ه. حال كون الكتاب ~~{هدى وذكرى} أي : هاديا ومذكرا ، أو : إرشادا وتذكرة {لأولي الألباب} ؛ ~~لأولي العقول الصافية ، العالمين بما ms2592 فيه ، العاملين به. # {فاصبر إن وعد الله حق} أي : فاصبر على ما يجرعك قومك من الغصص {إن وعد ~~الله} بنصرك وإعلاء دينك ، على ما نطق به قوله تعالى : {ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات : ~~171 _ 173] ، {حق} لا يحتمل الاختلاف بحال. قال الطيبي : الآية تشير إلى ~~نصره على أعدائه ، كموسى ، وأنه يظهر دينه على الدين كله ، ويورث كتابه ؛ ~~ليعتصموا به ، فيكون لهم هدى وذكرى ، وعزا وشرفا. ه. أي : ولذلك قدم ذكر ~~موسى على بشارته بالنصر ؛ ليتم التشبيه. # {واستغفر لذنبك} ، تشريعا لأمتك ؛ فإن الاستغفار يمحو الذنوب التي تعوق ~~عن النصر ، أو : تداركا لما فرط منك من ترك الأولى في بعض الأحايين ، فإن ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين. والحاصل : أن كل مقام له ذنب يليق به ، وهو ~~التقصير في القيام به على ما يليق به ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كلف ~~بدوام الشهود ولو في حال التعليم ، فإذا غاب عن الحق لحظة # 315 PageV06P476 ~~بشغل البال بالتعليم ، كان في حقه نقصا يوجب الاستغفار. ثم قال : {وسبح ~~بحمد ربك بالعشي والإبكار} أي : دم على التسبيح ملتبسا بحمده ، أي : قل : ~~سبحان الله وبحمده ، أو : صل في هذين الوقتين ، إذ كان الواجب بمكة ركعتين ~~بكرة وعشيا ، وقيل : هما صلاة العصر والفجر ، خصصهما لشرفهما. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 315 # إن الذين يجادلون في آيات الله} ويجحدونها {بغير سلطان} ؛ برهان {أتاهم} ~~من جهته تعالى ، بل عنادا وحسدا. وتعليق المجادلة بذلك ، مع استحالة إتيانه ~~؛ للإيذان بأن التكلم في أمر الدين لا بد من استناده إلى برهان ، وهذا عام ~~لكل مجادل ، محق أو مبطل ، وإن نزل في مشركي مكة. وقوله : {إن في صدورهم ~~إلا كبر} : خبر " إن " ، أي : ما في قلوبهم إلا تكبر عن الحق ، وتعاظم عنه ~~، وهو إرادة التقدم والرئاسة ، وألا يكون أحد فوقهم ، فلذلك عادوك ، ودفعوا ~~آياتك ، خيفة أن تتقدمهم ، ويكونوا تحت قهرك ؛ لأن النبوة تحتها كل ملك ~~ورئاسة ، أو : إرادة أن تكون لهم النبوة دونك ، حسدا وبغيا ، كقولهم : ~~{لولا نزل هذا ms2593 القرءان على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف : 31] ، {لو كان ~~خيرا ما سبقونآ إليه} [الأحقاف : 11]. PageV06P477 # ثم وصف كبرهم بقوله : {ما هم ببالغيه} أي : ما هم ببالغي موجب ذلك الكبر ~~ومقتضاه ، وهو ما أرادوه من التقدم والرئاسة ، وقيل : نزلت في اليهود ، وهم ~~المجادلون ، كانوا يقولون : لست صاحبنا المذكور في التوراة ، بل هو المسيح ~~ابن داود ، يعنون الدجال ، يخرج في آخر الزمان ، فيبلغ سلطانه البر والبحر ~~، وتسير معه الأنهار ، وهو آية من آيات الله ، فيرجع إلينا الملك فسمى الله ~~تمنيهم بذلك كبرا ، ونفى أن يبلغوا متمناهم. {فاستعذ بالله} ؛ فالتجىء إليه ~~من كبد من يحسدك ، ويبغي عليك ، {إنه هو السميع} لما تقول ويقولون ، ~~{البصير} بما تعمل ويعملون ، فهو ناصرك عليهم ، وعاصمك من شرهم. # الإشارة : فاصبر أيها المتوجه إلى الله ، إن وعد الله بالفتح حق إن صبرت ~~، وكابدت ولم تمل ، واستغفر لذنبك ، وتطهر من عيبك ، لتدخل حضرة ربك. قال ~~الورتجبي : " واستغفر لذنبك " أي : لما جرى على قلبك من الأحكام البشرية ، ~~وأيضا : استغفر لرؤية وجودك في وجود الحق ، فإن كون الحادث في وجود القديم ~~ذنب في إفراد القدم من الحدوث. انظر تمامه. # وقوله تعالى : {وسبح...} الخ ، فيه الحث على التوجه إلى الله في هذين ~~الوقتين ، فإن العبرة بالافتتاح والاختتام ، فمن فتح يومه بخير ، وختمه ~~بخير ، حكم على بينهما. وقال في أهل الإنكار : {إن الذين يجادلون في آيات ~~الله...} الآية ، فاستعذ بالله منهم ، وغب عنهم بإقبالك على مولاك. وبالله ~~التوفيق. # 316 # جزء : 6 رقم الصفحة : 315 # يقول الحق جل جلاله : {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} ، فمن ~~قدر على اختراع هذه الأجرام مع عظمها كان على اختراع الإنسان بعد موته ؛ ~~وبعثه مع مهانته ؛ أقدر ، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ذلك ؛ لأنهم لا ~~يتفكرون ؛ لغلبة الغفلة عليهم ، وعمى بصيرتهم. PageV06P478 # {وما يستوي الأعمى والبصير} أي : الغافل والمستبصر ، {ولا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ولا المسيء} ؛ ولا يستوي المحسن والمسيء ، فلا بد أن تكون ~~لهم حال أخرى ، يظهر فيها ما بين الفريقين من التفاوت ، وهي فيما بعد البعث ~~، فيرتفع المستبصر ms2594 المحسن في أعلى عليين ، ويسقط الغافل المسيء في أسفل ~~سافلين. وزيادة " لا " في المسيء ؛ لتأكيد النفي ؛ لطول الكلام بالصلة. ~~{قليلا ما يتذكرون} أي : تذكرا قليلا يتذكرون. وقرىء بالغيبة ، والخطاب ، ~~على الالتفات. {إن الساعة لآتية لا ريب فيها} ؛ لا شك في مجيئها ؛ لوضوح ~~دلائلها ، وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها ، {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} ؛ ~~لا يصدقون بوقوعها ؛ لقصور نظرهم على ظواهر ما يحسون. # الإشارة : التفكر في العوالم العلوية والسفلية ، يوجب في القلب عظمة الحق ~~جل جلاله ، وباهر قدرته وحكمته ، وإتيان البعث لا محالة ؛ لنفوذ القدرة في ~~الجميع. وكون خلق السموات والأرض أكبر من خلق الإنسان ، إنما هو باعتبار ~~الجرم الحسي ، وأما باعتبار المعنى ؛ فالإنسان أعظم ؛ لاشتماله على العوالم ~~كلها ، كما قال في المباحث : # اعقل فأنت نسخة الوجود # لله ما أعلاك من موجود>> أليس فيك العرش والكرسي # والعالم العلوي والسفلي ؟ # جزء : 6 رقم الصفحة : 316 # يقول الحق جل جلاله : {وقال ربكم ادعوني} أي : اعبدوني {أستجب لكم} أي : ~~أثبكم ، ويدل على هذا قوله : {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين} ؛ صاغرين أذلاء ، أو : اسألوني أعطكم ، على ما أريد ، في الوقت ~~الذي أريد. قال # 317 # القشيري : والحكمة في أنه أمر بالسؤال قبل الإجابة ، وبالاستغفار قبل ~~المغفرة ، أنه حكم في اللوح أن يعطيك ذلك الشيء الذي تسأله وإن لم تسأل ، ~~ولكن أمر بالسؤال ، حتى إذا وجدته تظن أنك وجدته بدعائك ، فتفرح به. PageV06P479 # قلت : السؤال سبب ، والأسباب غطى بها سر قدرته تعالى. ثم قال : ويقال : إذا ~~ثبت أن هذا الخطاب للمؤمنين فما من مؤمن يدعو الله ، ويسأله شيئا ، إلا ~~أعطاه إياه ، إما في الدنيا ، وإما في الآخرة. حيث يقال له : هذا ما طلبته ~~في الدنيا ، وقد ادخرته لك إلى هذا اليوم ، حتى يتمنى العبد أنه لم يعط ~~شيئا في الدنيا. ه. # قلت : فالدعاء كله إذا مستجاب ، بوعد القرآن ، لكن منه ما يعجل ، ومنه ما ~~يؤجل ، ومنه ما يصرف عنه به البلاء ، كما في الأثر ، وإذا فسر الدعاء ~~بالسؤال كان الاستكبار عنه منزلا منزلة الاستكبار عن ms2595 العبادة ؛ للمبالغة في ~~الحث عليه. قال صلى الله عليه وسلم : " الدعاء هو العبادة " وقرأ الآية ، ~~وفي رواية : " مخ العبادة " ، وعن ابن عباس : " وحدوني أغفر لكم " ، فسر ~~الدعاء بالعبادة ، والعبادة بالتوحيد. # الإشارة : اختلف الصوفية أي الحالين أفضل ؟ هل الدعاء والابتهال ، أو ~~السكوت والرضا ؟ والمختار أن ينظر العبد ما يتجلى فيه قلبه ، فإن انشرح ~~للدعاء فهو في حقه أفضل ، وإن انقبض عنه ، فالسكوت أولى ، والغالب على أهل ~~التحقيق من العارفين ، الغنى بالله ، والاكتفاء بعلمه ، كحال الخليل عليه ~~السلام ، فإنهم إبراهيميون. # قال الورتجبي : أي : ادعوني في زمن الدعاء الذي جعلته خاصا لإجابة الدعوة ~~، فادعوني في تلك الأوقات ، أستجب لكم ؛ فإن وقوع الإجابة فيها حقيقة بلا ~~شك ، ومن لم يعرف أوقات الدعاء ، فدعاؤه ترك أدب ؛ فإن الدعاء في وقت ~~الاستغفار من قلة معرفة المقامات ، فإن السلطان إذا كان غضبان لا يسأل منه ~~، وإذا كان مستبشرا فيكون زمانه زمن العطاء والكرم. # قلت : هذا في حق الخصوص ، الفاهمين عن الله ، وأما العموم ، فما يناسبهم ~~إلا دوام الدعاء في الرخاء والشدة : قال تعالى : {فلولآ إذ جآءهم بأسنا ~~تضرعوا} [الأنعام : 43] ثم قال عن الوراق : ادعوني على حد الاضطرار ~~والالتجاء ، حيث لا يكون لكم مرجع إلى سواي ، أستجب لكم. ه. # 318 PageV06P480 ~~جزء : 6 رقم الصفحة : 317 # يقول الحق جل جلاله : {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} بأن خلقه ~~مظلما باردا ، تقل فيه الحركات فتستريح فيه الجوارح ، {و} جعل {النهار ~~مبصرا} أي : مبصرا فيه. فأسند الإبصار إلى النهار ، مجازا ، والأصل في ~~الحقيقة لأهل النهار. وقرن الليل بالمفعول له ، والنهار بالحال ، ولم يكونا ~~حالين أو مفعولا لهما ؛ رعاية لحق المقابلة ، لأنهما متقابلان معنى ؛ لأن ~~الليل مقابل النهار ، فلما تقابلا معنى تقابلا لفظا ، مع أن كل واحد منهما ~~يؤدي مؤدى الآخر ، ولأنه لو قيل : لتبصروا فيه ؛ فاتت الفصاحة التي في ~~الإسناد مجازي ، ولو قيل : " ساكنا " لم تتميز الحقيقة من المجاز ، إذ ~~الليل يوصف بالسكون على الحقيقة ، ألا ترى إلى قولهم : ليل ساج ، أي : ساكن ~~لا ريح فيه. # {إن الله لذو فضل} ms2596 عظيم {على الناس} ، حيث تفضل عليهم بهذه النعم الجسيمة ~~، وإنما لم يقل : المتفضل ؛ لأن المراد تكثير الفضل ، وأنه فضله لا يوازيه ~~فضل ، فالتنكير للتعظيم. {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} ؛ لجهلهم بالمنعم ، ~~وإغفالهم مواضع النعم. وتكرير الناس ، ولم يقل : أكثرهم ؛ لتخصيص الكفران ~~بهم ، وأنهم هم الذين من شأنهم الكفران ، كقوله : {إن الإنسان لكفور} [الحج : 66]. # {ذلكم الله} أي : ذلكم المنفرد بالأفعال المقتضية للألوهية ، من خلق ~~الليل والنهار ؛ هو الله {ربكم} لا ربا غيره ، {خالق كل شيء لا إله إلا هو} ~~أخبار مترادفة ، أي : الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية ، وإيجاد ~~الأشياء ، والوحدانية ، {فأنى تؤفكون} أي : فكيف ، ومن أي وجه تصرفون عن ~~عبادته إلى عبادة الأوثان ؟ ! {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون} ~~أي : مثل ذلك الإفك العجيب ، الذي لا وجه له ، ولا مصحح له أصلا ، يؤفك كل ~~من جحد بآياته تعالى من غير ترو ولا تأمل. # جزء : 6 رقم الصفحة : 319 PageV06P481 ~~ثم ذكر فضله المتعلق بالمكان ، بعد بيان فضله المتعلق بالزمان ، فقال : ~~{الله الذي جعل لكم الأرض قرارا} ؛ مستقرا تستقرون عليها بأقدامكم ومساكنكم ~~، {والسماء بناء} ؛ سقفا فوقكم ، كالدنيا بيت سقفه السماء ، مزينا ~~بالمصابيح ، وبساطه الأرض ، مشتملة على ما يحتاج إليه أهل البيت. {وصوركم ~~فأحسن صوركم} ، هذا بيان لفضله المتعلق بالأجسام ، أي : صوركم أحسن تصوير ، ~~حيث جعلكم منتصب القامة ، بادي البشرة ، متناسب الأعضاء والتخطيطات ، ~~متهيئا لمناولة الصنائع واكتساب الكمالات. قيل : لم # 319 # يخلق الله حيوانا أحسن صورة من الإنسان. {ورزقكم من الطيبات} أي : ~~اللذائذ ، {ذلكم الله ربكم} أي : ذلكم المنعوت بتلك النعوت الجليلة ، هو ~~المستحق للربوبية ، {فتبارك الله} أي : تعالى بذاته وصفاته {رب العالمين} ~~أي : مالكهم ومربيهم ، والكل تحت قدرته مفتقر إليه في إيجاده وإمداده ؛ إذ ~~لو انقطع إمداده لانهد الوجود. # {هو الحي} ؛ المنفرد بالحياة الذاتية الحقيقية ، {لا إله إلا هو} ؛ إذ لا ~~موجود يدانيه في ذاته وصفاته وأفعاله ، {فادعوه} ؛ فاعبدوه {مخلصين له ~~الدين} أي : الطاعة من الشرك والرياء ، وقولوا : {الحمد لله رب العالمين}. ~~عن ابن عباس رضي الله عنه : من قال " لا ms2597 إله إلا الله " فليقل على إثرها : ~~الحمد لله رب العالمين. PageV06P482 # الإشارة : الله هو الذي جعل ليل القبض لتسكنوا فيه عند الله ، ونهار البسط ~~لتبصروا نعم الله ، فتشكروا لتبتغوا زيادة فضله ، وجعل أرض النفوس قرارا ~~لقيام وظائف العبودية ، وسماء الأرواح مرقى لشهود عظمة الربوبية. قال ~~القشيري : سكون الناس بالليل أي : الحسي على أقسام : فأهل الغفلة يسكنون ~~مع غفلتهم ، وأهل المحبة يسكنون بحكم وصلتهم ، فشتان بين سكون غفلة ، وسكون ~~وصلة ، وقوم يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم ، وقوم إلى حلاوة أعمالهم ، ~~وبسطهم ، واستقبالهم ، وقوم يعدمون القرار في ليلهم ونهارهم أي : لا ~~يسكنون إلى شيء أولئك أصحاب الاشتياق ، أبدا في الإحراق ه. # وقوله تعالى : {وصوركم} أي : صور أشباحكم ، فأحسن صورتها ، حيث بهجها ~~بأنوار معرفته. قال الورتجبي : فأحسن صوركم بأن ألبستكم أنوار جلالي وجمالي ~~، واتخاذكم بنفسي ، ونفخت من روحي فيكم ، الذي أحسن الهياكل من حسنه ، ومن ~~عكس جماله ، فإنه مرآة نوري الجلي للأشباح. ه. قال القشيري : خلق العرش ~~والكرسي والسموات والأرض ، وجميع المخلوقات ، ولم يقل في شيء منها : فأحسن ~~صورها ، بل قاله لما خلق هذا الإنسان ، وليس الحسن ما يستحسنه الناس ، ولكن ~~الحسن ما يستحسنه الحبيب ، وأنشدوا : # جزء : 6 رقم الصفحة : 319 # ما حطك الواشون عن رتبة # عندي ، ولا ضرك مغتاب>> كأنهم أثنوا ولم يعلموا # عليك عندي بالذي عابوا # لم يقل للشمس في علاها ، ولا للأقمار في ضيائها : (فأحسن صوركم) ولما ~~انتهى إلينا قال : {لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم} [التين : 4]. ثم قال ~~: وكما أحسن صوركم محى من ديوانكم الزلات ، وأثبت الحسنات ، قال الله تعالى ~~: {يمحوا الله ما يشآء ويثبت} [الرعد : 39] ه. # 320 PageV06P483 ~~قوله تعالى : {ورزقكم من الطيبات} لذيذ المشاهدة ، وأنس الوصلة. وقوله ~~تعالى : {هو الحي} الحياة عند المتكلمين لا تتعلق بشيء ، وعند الصوفية ~~تتعلق بالأشياء ؛ إذ لا قيام لها إلا بأسرار معاني ذاته ، ومن تحققت حياته ~~من الأولياء بحياة الله ، بحيث كان له نور يمشي به في الناس ، كان كل من ~~لقيه حييت روحه بمعرفة الله ، ولذلك يضم الشيخ المريد إليه ، إن رآه لم ~~ينهض ms2598 حاله ، ليسري حاله فيه ، يأخذون ذلك من ضم جبريل للنبي عليهما السلام. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 319 # يقول الحق جل جلاله : {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون} أي : تعبدون {من ~~دون الله} ولم يكن عبدها قط ، {لما جاءني البينات من ربي} ؛ من الحجج ~~العقلية ، والآيات التنزيلية. # قال الطيبي : معرفة الله تعالى ووحدانيته معلومتان بالعقل ، وقد ترد ~~الأدلة العقلية في مضمون السمعية ، أما وجوب عبادة الله ، وتحريم عبادة ~~الأصنام ، فحكم شرعي ؛ لقوله : {قل إني نهيت} أي : حرم علي ، وهذا إنما ~~يتحقق بعد البعثة ، خلافا للمعتزلة في الإيجاب قبل الشرع ، للتحسين ~~والتقبيح ، والمعنى : أن قضية التقليد توجب ما أنتم عليه ، ولكني خصصت بأمر ~~دونكم ، كما قال إبراهيم : {يآ أبت إنى قد جآءنى من العلم ما لم يأتك...} ~~[مريم : 43] إلخ كلامه ، {وأمرت أن أسلم} ، أن أنقاد وأخلص ديني {لرب ~~العالمين}. PageV06P484 # {هو الذي خلقكم من تراب} أي : أصلكم ، وأنتم في ضمنه ، {ثم من نطفة} أي : ~~ثم خلقكم خلقا تفصيليا من نطفة تمنى ، {ثم من علقة ، ثم يخرجكم طفلا} أي : ~~أطفالا ، واقتصر على الواحدة ؛ لأن المراد الجنس ، {ثم لتبلغوا أشدكم} : ~~متعلق بمحذوف ، أي : ثم يبقيكم لتبلغوا أشدكم ، وكذلك {ثم لتكونوا شيوخا} ، ~~وقيل : عطف على محذوف ، علة ليخرجكم ، ف " يخرجكم " من عطف علة على أخرى ، ~~كأنه قيل : ثم يخرجكم طفلا لتكبروا شيئا فشيئا ، ثم لتبلغوا كمالكم في ~~القوة والعقل ، ثم لتكونوا شيوخا ، بكسر الشين وضمها جمع شيخ ، وقرىء " ~~شيخا " كقوله : " طفلا ". # 321 # {ومنكم من يتوفى من قبل} عبارة تجري في الأدراج المذكورة ، فمن الناس من ~~يموت قبل أن يخرج طفلا ، وآخرون قبل الأشد ، وآخرون قبل الشيخوخة. ~~{ولتبلغوا أجلا مسمى} أي : وفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى ، أي : ليبلغ كل ~~واحد منكم أجلا مسمى لا يتعداه ، وهو أجل موته ، {ولعلكم تعقلون} ؛ ولكي ~~تعقلوا ما في ذلك من العبر ، والحجج ، وفنون الحكم ؛ فإن ذلك التدريج ~~البديع يقضي بالقدر السابق ، ونفوذ القدرة القاهرة ؛ لبعد ذلك التفاوت ، ~~والاختلاف العظيم ، عن الطبيعة والعلة ، وإنما موجب ذلك سبق الاختيار ~~والمشيئة ms2599 الأزلية ، ولذلك عقبه بقوله : # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 321 PageV06P485 ~~هو الذي يحيي ويميت} دفعا لما قد يتوهم من كونه لم يذكر الفاعل في قوله ~~{ومنكم من يتوفى من قبل} أن ذلك من فساد مزاجه ، أو قتل غيره قبل أجله ، ~~فرفع ذلك الإبهام بقوله : {هو الذي يحيي ويميت} لا غيره ، أي : يحيي ~~الأموات ، ويميت الأحياء ، أو : يفعل الإحياء والإماتة ، {فإذا قضى أمرا} ~~أي : أراد أمرا من الأمور ، {فإنما يقول له كن فيكون} من غير توقف على شيء ~~من الأشياء أصلا ، وهو تمثيل لتأثير قدرته تعالى في الأشياء عند تعلق ~~إرادته بها ، وتصوير سرعة ترتب المكونات على تكوينه ، من غير أن يكون هناك ~~أمر ولا مأمور. الإشارة : إذا دخل المريد مقام التجريد ، طالبا لأسرار ~~التوحيد والتفريد ، وطلبه العامة بالرجوع للأسباب قبل التمكين ، يقول : ~~{إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله...} الآية. والبينات التي جاءته ~~من ربه ، هو اليقين الكبير بأن الله يرزق أهل التقوى بغير أسباب ، لقوله ~~تعالى : {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق : 2 ~~- 3] وفي هذا المعنى قال الغزالي رضي الله عنه : # تركت للناس دينهم ودنياهم # شغلا بذكرك يا ديني ودنياي # قال القشيري : قل يا محمد : إني نهيت وأمرت بالتبري مما عبدتم ، والإعراض ~~عما به اشتغلتم ، والاستسلام للذي خلقني ، وبالنبوة خصني. ه. وكما تتربى ~~النطفة الإنسانية في الرحم ، تتربى نطفة الإرادة وهي المعرفة العيانية في ~~القلب ، فإذا عقد المريد نكاح الصحبة مع الشيخ ، قذف في قلبه نطفة الإرادة ~~، فما زال يربيها له حتى يخرج عن حس دائرة الأكوان ، فهي ولادته طفلا ، ثم ~~لا يزال يحاذيه بهمته حتى يبلغ أشده ، وهو كماله ، ثم يكون شيخا مريبا ؛ إن ~~أذن له. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 321 PageV06P486 ~~قلت : {الذين يجادلون} : بدل من الموصول قبله المجرور ، أو : رفع ، أو : ~~نصب على الذم. # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله} ، كرر ~~الحق تعالى الجدال في هذه السورة ثلاث مرات ، فإما أن ms2600 يكون في ثلاث طوائف : ~~الأول في قوم فرعون ، والثاني في اليهود ، والثالث في المشركين ، وإما ~~للتأكيد ، أي : انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آيات الله الواضحة ، ~~الموجبة للإيمان بها ، الزاجرة عن الجدال فيها ، {أنى يصرفون} أي : كيف ~~يصرفون عنها ، مع تعاضد الدواعي إلى الإقبال عليها ، وانتفاء الصوارف عنها ~~بالكلية. # وهذا تعجيب من أحوالهم الركيكة ، وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكل ~~القرآن ، أو بسائر الكتب والشرائع ، كما أبانه بقوله : {الذي كذبوا ~~بالكتاب} أي : بالقرآن ، أو : بجنس الكتب السماوية ، {وبما أرسلنا به ~~رسلنا} من سائر الكتب ، أو : الوحي ، أو : الشرائع ، {فسوف يعلمون} عاقبة ~~ما فعلوا من الجدال والتكذيب ، عند مشاهدتهم لأنواع العقوبات. # {إذ الأغلال في أعناقهم} أي : سوف يعلمون حين تكون الأغلال في أعناقهم. ~~و" إذ " : ظرف للماضي ، والمراد به هنا : الاستقبال ؛ لأن الأمور المستقبلة ~~لما كانت محققة الوقوع ، مقطوعا بها ، عبر بما كان ووجد. {و} في أعناقهم ~~أيضا {السلاسل}. وفي تفسير ابن عرفة : ولا يجوز مثل ذلك في العقوبات ~~الدنيوية ، وقياسه على العقوبات الأخروية خطأ ، وفاعله مخطىء غاية الخطأ ، ~~ولم يذكر الأئمة في اعتقال المحبوس للقتل ؛ إلا أنه يجعل القيد من الحديد ~~في رجله ، خيفة أن يهرب ، وأما عنقه فلا يجعل فيه شيء. ه. {يسحبون في ~~الحميم} أي : يجرون في الماء الحار ، وهو استئناف بياني ، كأن قائلا قال : ~~فماذا يكون حالهم بعد ذلك ؟ فقال : يسحبون في الحميم ، {ثم في النار ~~يسجرون} ويحرقون ، من سجر التنور : إذا ملأه بالوقود ، والمراد : أنهم ~~يعذبون بأنواع العذاب ، وينقلون من لون إلى لون. # { PageV06P487 ~~جزء : 6 رقم الصفحة : 322 # ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا} أي : غابوا ، ~~وهذا قبل أن يقرن بهم آلهتهم ، أو : ضاعوا عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم ، ~~{بل لم نكن ندعو من قبل شيئا} أي : تبين لنا أنهم لم يكونوا شيئا. أو : ~~يكون إنكارا منهم ، كقولهم : {والله # 323 # ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام : 23]. وهذا كله مستقبل عبر عنه بالماضي ~~لتحققه. {كذلك} أي : مثل ذلك ms2601 الضلال الفظيع {يضل الله الكافرين} حيث لا ~~يهتدون إلى شيء ينفعهم في الآخرة ، أو : كما ضل عنهم آلهتهم يضلهم الله عن ~~آلهتهم ، حتى لو تطالبوا لم يتصادفوا. # {ذلكم} الإضلال {بما كنتم تفرحون في الأرض} أي : تبطرون وتتكبرون {بغير ~~الحق} ، بل بالشرك والطغيان ، {وبما كنتم تمرحون} ؛ تفخرون وتختالون ، أو : ~~تتكبرون وتعجبون. والالتفات إلى الخطاب ؛ للمبالغة في التوبيخ. فيقال لهم : ~~{ادخلوا أبواب جهنم} أي : أبوابها السبعة المقسومة عليكم {خالدين فيها} ~~مقدرا خلودكم فيها ، {فبئس مثوى المتكبرين} عن الحق ، والمخصوص محذوف ، أي ~~: جهنم. PageV06P488 # الإشارة : الأولياء العارفون أهل التربية الكاملة ، آية من آيات الله في كل ~~زمان ، فيقال في حق من يخاصم في وجوههم ، ويتنكب عن صحبتهم : الذين يجادلون ~~في آيات الله أنى يصرفون ؟ وهم الذين كذبوا بأسرار الكتاب ، وعلوم باطنه ، ~~وبما أرسل به خلفاء الرسل ، ممن يغوص على تلك الأسرار ، فسوف يعلمون حين ~~تخاطبهم أغلال الوساوس والخواطر ، وسلاسل العلائق والشواغل ، فيقبضهم عن ~~النهوض إلى قضاء الشهود والعيان ، وجولان الفكرة في أنوار الملكوت وأسرار ~~الجبروت ، يسحبون في حر التدبير والاختيار ، ثم في نار القطيعة يسجرون ، ثم ~~قيل لهم إذا ماتوا : أين ما كنتم تشركون في المحبة والميل من دون الله ؟ ~~قالوا : ضلوا عنا ، وغاب عنهم كل ما تمتعوا به من الحظوظ والشهوات ، فيقال ~~لهم : ذلكم بما كنتم تنبسطون في الدنيا في أنواع المآكل ، والمشارب ، ~~والملابس ، والمناكح ، وبما كنتم تفتخرون على الناس ، فيخلدون في الحجاب ، ~~إلا في وقت مخصوص. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 322 # يقول الحق جل جلاله : {فاصبر} يا محمد على أذى قومك ، وانتظر ما يلاقوا ~~مما أعد لهم. {إن وعد الله} بإهلاكهم وتعذيبهم {حق} ؛ كائن لا محالة ، ~~{فإما نرينك بعض الذي نعدهم} من الهلاك ، كالقتل والأسر في حياتك ، {أو ~~نتوفينك} قبل هلاكهم بعدك ، {فإلينا يرجعون} لا محالة ، ف " ما " : صلة بعد ~~" أن " ، لتأكيد الشرطية ، والجواب : محذوف ، أي : فإن نرينك بعض ما نعدهم ~~فذاك ، أو نتوفينك قبل ذلك فإلينا يرجعون يوم القيامة ، فلننتقم منهم أشد ~~الانتقام. # 324 PageV06P489 ~~ثم سلاه بمن قبله ، فقال ms2602 : {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك} فأوذوا وصبروا حتى ~~جاءهم نصرنا ، {منهم من قصصنا عليك} في القرآن ، {ومنهم من لم نقصص عليك} ، ~~قيل : عدد الأنبياء عليهم السلام مائة ألف وأربعمائة وعشرون ألفا ، ~~والمذكور قصصهم في القرآن أفراد معدودة. قال الطيبي : والصحيح ما روينا عن ~~أحمد بن حنبل ، عن أبي ذر ، قلت : يا رسول الله ، كم عدد الأنبياء ؟ قال : ~~" مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما ~~غفيرا " ه. وقد تكلم في الحديث بالضعف والصحة والوضع ، وقيل : عدتهم ثمانية ~~آلاف ، أربعة آلاف نبي من بني إسرائيل ، وأربعة آلاف من سائر الناس. وعن ~~علي كرم الله وجهه : " إنه الله تعالى بعث نبيا أسود ، فهو ممن لم تذكر ~~قصته في القرآن ". فقوله تعالى : {ومنهم من لم نقصص عليك} أي : في القرآن ، ~~فلا ينافي إخباره بمطلق العدد على ما في حديث أبي ذر. # {وما كان} أي : ما صح ، ولما استقام {لرسول} منهم {أن يأتي بآية} مما ~~اقترح عليه قومه ، {إلا بإذن الله}. فإن المعجزات على تشعب فنونها ، عطايا ~~من الله تعالى ، قسمها بينهم على حسب المشيئة ، المبنية على الحكم البالغة ~~، وهذا جواب اقتراح قريش على رسول الله الآيات ؛ عنادا ، يعني إنا قد ~~أرسلنا كثيرا من الرسل ، وما استقام لأحد منهم أن يأتي بآية {إلا بإذن ~~الله} ومشيئته ، فمن لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إلا أن يشاء الله ، ~~ويأذن في الإتيان بها ؟ {فإذا جاء أمر الله} بهلاكهم ، أو : بقيام الساعة ، ~~{قضي بالحق} أي : بإنجاء المحق وإثابته ، وإهلاك المبطل وتعذيبه ، {وخسر ~~هنالك المبطلون} أي : المعاندون المقترحون للآيات ، أو : المتمسكون بالباطل ~~، فيدخل المقترحون المعاندون دخولا أوليا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 324 PageV06P490 ~~الإشارة : فاصبر أيها المتوجه إلى الله على الأذى وحمل الجفاء ، فإما أن ~~ترى ما وعد أهل الإنكار على الأولياء ، من التدمير ، وقطع الدابر ، في ~~حياتك ، أو يلحقهم بعد موتك. ولقد أوذي من قبلك ، منهم من عرفت ومنهم من لم ~~تعرف ، وما صح لأحد منهم أن يظهر كرامة إلا بإذن الله ، فإذا جاء ms2603 أمر الله ~~وقامت القيامة ، قضي بالحق ، فيرتفع أهل الصبر من المقربين ، في أعلى عليين ~~، وينخفض أهل الإذاية في أسفل سافلين. # جزء : 6 رقم الصفحة : 324 # 325 # يقول الحق جل جلاله : {الله الذي جعل} ؛ خلق {لكم الأنعام} ؛ الإبل ~~{لتركبوا منها ومنها تأكلون} أي : لتركبوا بعضها ، وتأكلوا بعضها ، وليس ~~المراد : أن الركوب والأكل مختص ببعض معين منها ، بحيث لا يجوز تعلقه ~~بالآخر ، بل على أن بعضا منها صالح لكل منهما. {ولكم فيها منافع} أخر غير ~~الركوب ، كألبانها وأوبارها وجلودها ، {ولتبلغوا عليها حاجة} أي : ما ~~تحتاجون إليه من حمل أثقالكم من بلد إلى بلد ، {في صدوركم} ؛ في قلوبكم ، ~~{وعليها وعلى الفلك تحملون} أي : وعليها في البر ، وعلى الفلك في البحر ~~تحملون ، ولعل المراد به : حمل النساء والولدان عليها بالهودج ، وهو السر ~~في فصله عن الركوب. والجمع بينها وبين الفلك في الحمل ؛ لما بينهما من ~~المناسبة ، حتى سميت الإبل : سفائن البر. # وقيل : المراد بالأنعام : الأزواج الثمانية ، على أن المعنى : لتركبوا ~~بعضها ، وهي الإبل ، وتأكلوا بعضها ، وهي الغنم والبقر ، فذكر ما هو الأهم ~~من كل ، والمنافع تعم الكل ، وبلوغ الحاجة تعم الإبل والبقر. وقال الثعلبي ~~: التقدير : لتركبوا منها بعضا ، ومنها تأكلون ، فحذف " بعضا " للعلم به. PageV06P491 # {ويريكم آياته} ؛ دلائله الدالة على قدرته ووفور رحمته ، {فأي آيات الله} ~~أي : فأي آية من تلك الآيات الباهرة {تنكرون} ؟ فإن كلا منها من الظهور ~~بحيث لا يكاد يجترىء على إنكارها ، و" آيات " نصب بتنكرون ، وتذكير " أي " ~~مع تأنيث المضاف إليه ، هو الشائع المستفيض ، والتأنيث قليل ؛ لأن التفرقة ~~بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات ، نحو : حمار وحمارة غريب ، وهي ~~في " أي " أغرب ؛ لإبهامه. # الإشارة : ما أعظم قدرك أيها الإنسان إن اتقيت الله ، وعرفت نعمه ، فقد ~~سلطك على ما في الكون بأسره ، الحيوانات تخدمك ، وتنتفع بها ، أكلا ، ~~وركوبا ، وملبسا ، وحملا ، والبحر يحملك ، والأرض تقلك ، والسماء تظلك ، ~~وما قنع لك بالدنيا حتى ادخر لك الآخرة ، التي هي دار الدوام ، فإن شكرت ~~هذه النعم فأنت أعز ما في الوجود ، وإن كفرتها فأنت أهون ms2604 ما في الوجود. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 325 # 326 # يقول الحق جل جلاله : {أفلم يسيروا} أي : أقعدوا فلم يسيروا {في الأرض} ~~{فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} من الأمم المهلكة ، {كانوا أكثر ~~منهم} عددا {وأشد قوة} في الأبدان والأموال ، {و} أشد {آثارا في الأرض} أي ~~: تركوا آثارا كثيرة بعدهم ، من الأبنية ، والقبور ، والمصانع ، فكانوا أشد ~~منهم ، وقيل : هي آثار أقدامهم في الأرض ؛ لعظم أجرامهم ، {فما أغنى عنهم ~~ما كانوا يكسبون} أي : لم يغن عنهم ذلك شيئا حين نزل بهم العذاب ، أو : أي ~~شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم ؟ على أن " ما " استفهام. PageV06P492 # {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات} ؛ بالمعجزات الواضحة ، {فرحوا بما عندهم من ~~العلم} يريد علمهم بأمور الدنيا ، ومعرفتهم بتدبيرها ، كما قال : {يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الأخرة هم غافلون} [الروم : 7] ، فلما ~~جاءتهم الرسل بعلوم الديانة ، والتأهب ليوم القيامة ، وهي أبعد شيء من ~~علمهم ؛ لبعثها على رفض الدنيا ، والتباعد عن تتبع ملاذها ، لم يلتفتوا ~~إليها ، وصغروها ، واستهزؤوا بها ، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفؤاد ~~من علمهم ، ففرحوا به. أو : علم التنجيم والفلسفة ، والدهريين ؛ فإنهم ~~كانوا إذا سمعوا بالوحي دفعوه ، وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم ، واعتقدوا ~~عندهم علما يستغنون به عن علم الأنبياء عليهم السلام ولما سمع بقراط ~~بموسى عليه السلام قيل له : لو هاجرت إليه! فقال : نحن قوم مهذبون ، فلا ~~حاجة إلى من يهذبنا. # ورأى بعض الصالحين النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ابن سيرين ، فقال ~~له : " إنه أراد أن يصل إلى الله بلا واسطة ، فانقطع عن الله " وعلى فرض ~~وقوفهم بالتجريد والرياضة على انكشاف حضرة القدس ، فلا يظفرون بالعبودية ، ~~ولا بالفناء في توحيد الربوبية ، والتخلص من لوث وجودهم ، والشأن أن تكون ~~عين الاسم ، لا أن تعرف الاسم والعين ، إنما تقتبس من مشكاة مهبط الوحي ، ~~وانصباب أنوار الغيب إنما تفيض بواسطة درة الوجود ، نبينا صلى الله عليه ~~وسلم ، ومظهر سر العيان الأحدي الأحمدي ، فافهم. قاله شيخ شيوخنا ، سيدي ~~عبد الرحمن الفاسي. # جزء : 6 رقم ms2605 الصفحة : 326 # قال تعالى : {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} أي : نزل بهم عقوبة ~~استخفافهم بالحق ، وتعظيمهم واغتباطهم بالباطل. {فلما رأوا بأسنا} ؛ شدة ~~عذابنا ، ومنه : {بعذاب بئيس} [الأعراف : 165] ، {قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين} يعنون الأصنام. PageV06P493 # {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} أي : فلم يستقم ، ولم يصح أن ~~ينفعهم إيمانهم عند مجيء العذاب ؛ لأن النافع هو الإيمان الاختياري ، لا ~~الاضطراري ، {سنت # 327 # الله التي قد خلت في عباده} أي : سن الله ذلك سنة ماضية في عباده ، ألا ~~يقبل الإيمان إلا قبل نزول العذاب. وهو من المصادر المؤكدة ، نحو : وعد ~~الله ، ونحوه. {وخسر هنالك الكافرون} أي : وقت رؤيتهم البأس. فهنالك : مكان ~~استعير للزمان ، والكافرون خاسرون في كل أوان ، ولكن يتبين خسرانهم إذا ~~عاينوا العذاب. # وفائدة ترادف الفاءات في هذه الآيات : أن {فما أغنى عنهم} نيتجة قوله : ~~{كانوا أكثر منهم} و{فلما جاءتهم رسلهم} كالبيان والتفسير لقوله : {فما ~~أغنى عنهم} ، كقولك : رزق زيد المال ، فمنع المعروف ، فلم يحسن إلى الفقراء ~~، و{فلما رأوا بأسنا} تابع لقوله : {فلما جاءتهم} ، كأنه قال : فكفروا فلما ~~رأوا بأسنا آمنوا. وكذلك {فلم يك ينفعهم إيمانهم} تابع لإيمانهم لما رأوا ~~بأس الله ، والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد تقدم مرارا الحث على عبادة التفكر. وقوله تعالى : {فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم...} الآية ، كذلك من يظهر ~~بعلم التجريد ، ويتكلم في أسرار التوحيد ، سخر منه أهل زمانه ، ويقنعون بما ~~عندهم من علم الرسوم الظاهرة ، وهو علم لا يغني ولا يفني ؛ لأن جله يتعلق ~~بمنافع الناس ، لا بمنافع القلب ، فلا يغني القلب ، ولا يفني الحس ، إنما ~~ينفع لطالب الأجور ، لا لطالب الحضور ورفع الستور ، وما مثال من ظفر بعلم ~~القلوب وهو أسرار التوحيد الخاص إلا كمن عنده كنز من الفلوس ، ثم ظفر ~~بالذهب الإبريز ، او الإكسير ، فكيف يمكن أن يلتفت إلى الفلوس من ظفر ~~بالإكسير ؟ ! ولا يظهر هذا لأهل الظاهر إلا بعد موتهم ، فيؤمنوا به حيث لا ~~ينفعهم. # وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وصلى ms2606 الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم. # 328 # جزء : 6 رقم الصفحة : 326 PageV06P494 ### | AUTO سورة فصلت # جزء : 6 رقم الصفحة : 328 # قلت : {تنزيل} : خبر عن مضمر ، أي : هذا تنزيل. و{كتاب}. بدل من {تنزيل} ~~، أو : خبر بعد خبر ، و{تنزيل} : مبتدأ. و{من الرحمن} : صفة ، و{كتاب}. ~~خبره ، و{قرآنا} : منصوب على الاختصاص والمدح ، أو : حال ، أي : فصلت آياته ~~في حال كونه قرآنا. و{لقوم} : متعلق بفصلت ، أو : صفة ، مثل ما قبله وما ~~بعده ، أي : قرآنا عربيا كائنا لقوم يعلمون. و{بشيرا ونذيرا} : صفتان ل " ~~قرآنا ". # يقول الحق جل جلاله : {حم} ؛ يا محمد هذا {تنزيل} ، قاله القشيري : أي : ~~بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي ، هذا تنزيل {من الرحمن الرحيم}. ونسبة ~~التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه نزل للمصالح الدينية والدنيوية ، ~~واقع بمقتضى الرحمة الربانية ، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى : {ومآ أرسلناك ~~إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء : 107] ، {كتاب فصلت آياته} ؛ ميزت وجعلت ~~تفاصيل في أساليب مختلفة ، ومعان متغايرة ؛ من أحكام ، وتوحيد ، وقصص ، ~~ومواعظ ، ووعد ، ووعيد وغير ذلك ، # 329 # {قرآنا عربيا} أي : أعني قرآنا بلسان العرب كائنا {لقوم يعلمون} معانيه ، ~~ويتدبرون في آياته ؛ لكونه على لسانهم ، أو : لأهل العلم والنظر ؛ لأنهم ~~المنتفعون به. # {بشيرا ونذيرا} ؛ بشيرا لأهل الطاعة ، ونذيرا لأهل المعصية ، {فأعرض ~~أكثرهم} عن الإيمان به والتدبر في معانيه مع كونه على لغتهم ، {فهم لا ~~يسمعون} سماع تفكر وتأمل ، حتى يفهموا جلالة قدره ؛ فيؤمنوا به. PageV06P495 # {وقالوا} للرسول عليه الصلاة والسلام عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل ~~بما في القرآن : {قلوبنا في أكنة} أي : أغطية متكاثفة ، {وفي آذاننا وقر} ؛ ~~صمم وثقل يمنعنا من استماع قولك ، {ومن بيننا وبينك حجاب} غليظ ، وستر مانع ~~يمنعنا من التواصل إليك. و(من) للدلالة على أن الحجاب مبتدى منهم ومنه بحيث ~~استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة ، ولم يبق ثم فراغ أصلا. وهذه ~~تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله ، ومج أسماعهم له ، كأن بها صمما ~~وثقلا منعهم من موافقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا : {فاعمل} ~~على دينك وإبطال ديننا ، {إننا عاملون} على ديننا ms2607 ، لا نفارقه أبدا. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 329 # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} ، هذا تلقين للجواب ~~عنه ، أي : لست من جنس مباين لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب ، وتباين مصحح ~~لتباين الأعمال والأديان ، كما ينبىء عنه قوله : {فاعلم إننا عاملون} ، بل ~~إنما أنا بشر مثلكم ، مأمور بما أمرتم به من التوحيد ، حيث أخبرنا جميعا ~~بأن إلهنا واحد ، فالخطاب في " إلهكم " محكي منتظم للكل ، لا أنه خطاب منه ~~عليه الصلاة والسلام للكفرة. وقيل : لما دعاهم إلى الإيمان ، قالوا : إنا ~~نراك مثلنا ، تأكل وتشرب ، فلو كنت رسولا لاستغنيت عن ذلك ، فأنزل : {قل ~~إنما أنا بشر...} الآية. # {فاستقيموا إليه} بالتوحيد وإخلاص العبادة ، غير ذاهبين يمينا وشمالا ، ~~ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من عبادة الأصنام... قال تعالى : ~~{واستغفروه} مما كنتم عليه من سوء العقيدة. والفاء لترتيب ما قبلها من ~~إيحاء التوحيد على ما بعدها من الاستقامة ، {وويل للمشركين} ، وهو ترهيب ~~وتنفير لهم عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. PageV06P496 # ووصفهم بقوله : {الذين لا يؤتون الزكاة} أي : لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا ~~يعطونها ، وهو إخبار بما سيقع ، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة ، أو : لا ~~يفعلون ما يكونون به أزكياء ، وهو الإيمان. وفيه تحذير من منع الزكاة ، حيث ~~جعله من أوصاف المشركين. {وهم بالآخرة هم كافرون} أي : وهم بالبعث والثواب ~~والعقاب كافرون. والجملة : عطف على (يؤتون) داخل في الصلة. وإنما جعل منع ~~الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله ، وهو شقيق ~~روحه ، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته ، وصدق نيته ، ~~وخلوص طويته ، وما ارتدت العرب إلا بمنعها. # 330 # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} ؛ غير مقطوع ، من : ~~مننت الحبل : قطعته ، أو : غير ممنون به عليهم. وقيل : نزلت في المرضى ~~والهرمى ، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. # الإشارة : كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الإيمان بالقرآن ~~والعمل به ، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون ms2608 إلى تصفية البواطن ، لتتهيأ ~~لفهمه والغوص عن أسراره ، وحضور القلب عند تلاوته ، فأعرض أكثر الناس عن ~~صحبتهم ، {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه...} إلى تمام الآية. ~~فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى ، ألسنتهم تتلو وقلوبهم تجول في أودية ~~الدينا ، فلا حضور ولا تدبر ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، فإذا طلبوا من ~~المشايخ الذين هم أطبة القلوب الكرامة ، يقولون ما قالت الرسل : إنما نحن ~~بشر يوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق ، وانفراده بالوجود ، فاستقيموا ~~إليه بتصفية بواطنكم ، واستغفروه من سالف زلاتكم ، فإن بقيتم على ما أنتم ~~عليه من الشرك ورؤية السوى ، فويل للمشركين الذين لا يزكون أنفسهم ، وهم ~~بالآخرة حيث لم يتأهبوا لها كل التأهب هم الكافرون. إن الذين آمنوا إيمان ~~الخصوص ، بصحبة الخصوص ، لهم أجر غير ممنون ، وهو شهود الحق على الدوام. ~~والله تعالى أعلم. PageV06P497 # جزء : 6 رقم الصفحة : 329 # قلت : {وتجعلون} : عطف على {تكفرون}. و{جعل} : عطف على {خلق} داخل في حيز ~~الصلة ، و{سواء} : من نصبه فمصدر أي : استوت سواء. ومن جره فصفة لأيام ، ~~ومن رفعه فخبر هي سواء. و{للسائلين} : متعلق بقدر ، أو : بمحذوف ، أي : هذا ~~الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض. # يقول الحق جل جلاله : {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} وهما ~~الأحد والاثنين ، تعليما للتأني ، ولو أراد أن يخلقها في لحظة لفعل. ~~{وتجعلون له أندادا} ؛ شركاء وأشباها. والحال أنه لا يمكن أن يكون له ند ~~واحد ، فضلا عن التعدد ، وكيف يكون الحادث المعدوم ندا للقديم ؟ ! {ذلك} ~~الذي خلق ما سبق. وما في الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه ~~لبعد منزلته في العظمة ، أي : ذلك العظيم الشأن هو {رب العالمين} أي : خالق ~~جميع الموجودات ومربيها ، فكيف يتصور أن يكون أخس الخلق ندا له ؟ ! # 331 PageV06P498 ~~{وجعل فيها رواسي} ؛ جبالا ثوابت كائنة {من فوقها} ، وإنما اختار إرساءها ~~من فوق الأرض لتكون منافع الجبال معرضة لأهلها ، ويظهر للناظرين ما فيها من ~~مراصد الاعبتار ، ومطارح الأفكار ، فإن الأرض والجبال أثقال على أثقال ، ~~كلها ممسكة بقدرة الله عز ms2609 وجل. {وبارك فيها} أي : قدر بأن يكثر خيرها بما ~~يخلق فيها من منافع ، ويجعل فيها من المصالح ، وما ينبت فيها من الطيبات ~~والأطعمة وأصناف النعم. {وقدر فيها أقواتها} أي : حكم أن يوجد فيها لأهلها ~~ما يحتاجون إليه من الأقوات المختلفة المناسبة لهم على مقدار معين ، تقتضيه ~~الحكمة والمشيئة ، وما يصلح بمعايشهم من الثمار والأنهار والأشجار ، وجعل ~~الأقوات مختلفة في الطعم والصورة والمقدار ، وقيل : خصابها التي قسمها في ~~البلاد. جعل ذلك {في أربعة أيام} أي : تتمة أربعة أيام ، يومين للخلق ، ~~ويومين لتقدير الأقوات ، كما تقول : سرت إلى البصرة في عشرة ، وإلى الكوفة ~~في خمسة عشر ، أي : في تتمة خمسة عشر ، ولو أجري الكلام على ظاهرة لكانت ~~ثمانية أيام ؛ يومين للخلق ؛ وأربعة للتقدير ، ويومين لخلق السماء ، وهو ~~مناقض لقوله : {فى ستة أيام} [الأعراف : 54]. # جزء : 6 رقم الصفحة : 331 # وقوله : {سواء} راجع للأربعة ، أي : في أربعة أيام مستويات تامات ، أو : ~~استوت سواء {للسائلين} أي : قدر فيها الأقوات للطالبين لها والمحتاجين ~~إليها ، لأن كلا يطلب القوت ويسأله ، أو هذا الحصر في هذه الأيام لأجل من ~~سأل : في كم خلقت الأرض وما فيها ؟ PageV06P499 # {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين} ، الاستواء مجاز عن إيجاد الله تعالى السماء على ما أراد ، ~~تقول العرب : فعل فلان كذا ثم استوى إلى عمل كذا ، يريدون أنه أكمل الأول ~~وابتدأ الثاني ، أو قصد وانتهى. فالاستواء إذا عدي ب " إلى " فهو بمعنى ~~الانتهاء إليه بالذات أو بالتدبير ، وإذا عدي ب " على " فبمعنى الاستعلاء ، ~~ويفهم منه أن خلق السماء بعد الأرض ، وهو كذلك ، وأما دحو الأرض وتقدير ~~أقواتها فمؤخر عن السماء ، كما صرح في قوله : {والأرض بعد ذلك دحاهآ} ~~[النازعات : 30] ، والترتيب في الخارج : أنه خلق الأرض ، ثم خلق السماء ، ~~ثم دحا الأرض في يومين ، ف " ثم " للتفاوت بين الخلقين لا للترتيب ، أو : ~~للتفاوت في المرتبة ، ترقيا من الأدنى إلى الأعلى ، كقول القائل : # إن من ساد ثم ساد أبوه # ثم [قد] ساد بعد ذلك ms2610 جده # 332 # وفي بعض الأحاديث : " إن الله خلق الأرض يوم الأحد والاثنين ، وخلق ~~الجبال يوم الثلاثاء ، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب ، ~~فتلك أربعة أيام ، وخلق يوم الخميس السماء ، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس ~~والقمر والملائكة ، وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة " وهي ~~الساعة التي تقوم فيها الساعة. قاله النسفي ، وفي حديث مسلم ما يخالفه. # قال ابن عباس رضي الله عنه : أول ما خلق الله أي : بعد العرش جوهرة ~~طولها وعرضها ألف سنة ، فنظر إليها بالهيبة ، فذابت وصارت ماء ، فكان العرش ~~على الماء ، فاضطرب الماء ، فثار منه دخان ، فارتفع إلى الجو ، واجتمع زيد ~~، فقام فوق الماء ، فجعل الزبد أرضا ، ثم فتقها سبعا ، والدخان سماء ، ~~فسواهن سبع سموات. PageV06P500 # ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان طوعا أو كرها وامتثالهما ؛ أنه أراد أن ~~يكونهما ، فلم يمتنعا عليه ، ووجدتا كما أراد ، وكانتا في ذلك كالمأمور ~~والمطيع ، وإنما ذكر الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان ، مع أن الأرض ~~مخلوقة قبل السماء بيومين ؛ لأن المعنى : ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه ~~من الشكل والوصف ، أي : ائتي يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك ، وائتي يا ~~سماء مبنية سقفا لهم ، ومعنى الإتيان : الحصول والوقوع. # جزء : 6 رقم الصفحة : 331 # وقوله : {طوعا أو كرها} لبيان تأثير قدرته فيهما ، وأن امتناعهما عن ~~قدرته محال ؛ كما تقول لمن تحت يدك : لتفعلن هذا شئت أو أبيت ، طوعا أو ~~كرها. وقال ابن عطية : الأمر بالإتيان بعد اختراعهما ، قال : وهنا حذف ، أي ~~: ثم استوى إلى السماء فأوجدها ، وأتقنها ، وأكمل أمرها ، وحينئذ قال لها ~~وللأرض : ائتيا لأمري وإرادتي فيكما ، والمراد : تنجيزهما لما أراده منهما ~~، وما قدر من أعمالهما. ه. حكي أن بعض الأنبياء قال : يا رب لو أن السماوات ~~والأرض حين قلت لهما : ائتيا طوعا أو كرها عصتاك ، ما كنت صانعا بهما ؟ قال ~~: كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما ، قال : وأين تلك الدابة ؟ قال : في مرج ~~من مروجي ، قال : وأين ذلك المرج ؟ قال : في علم من علومي. # وانتصاب {طوعا أو ms2611 كرها} على الحال ، أي : طائعين أو مكرهين. ولم يقل " ~~طائعتين " ؛ لأن المراد الجنس ، أي : السموات والأرضين ، وجمع جمع العقلاء ~~لوصفهما بالطوع والكره ، اللذين من وصف العقلاء ، وقال : طائعين في موضع ~~طائعات ؛ تغليبا للتذكير ؛ لشرفه ، كقوله : {ساجدين} [يوسف : 4]. # 333 PageV06P501 ~~{فقضاهن سبع سماوات} أي : فأحكم خلقهن ، وأتقن أمرهن سبعا ، حسبما تقتضيه ~~الحكمة ، فالضمير راجع إلى السماء ، لأنه جنس ، يجوز أن يكون الضمير مبهما ~~مفسرا بقوله : {سبع سماوات} ، فينتصب سبع على الأول حالا ، وعلى الثاني ~~تمييزا. حصل ذلك القضاء {في يومين} ؛ الخميس والجمعة ، أي : في وقتين قدر ~~يومين ، فكان المجموع ستة أيام ، {وأوحى في كل سماء أمرها} أي : أوحى إلى ~~ساكنها وعمارها من الملائكة في كل سماء ما شاء الله من الأمور ، التي تليق ~~بهم ، كالخدمة وأنواع العبادة ، وإلى السماء في نفسها ما شاء الله من ~~الأمور التي بها قوامها وصلاحها. # {وزينا السماء الدنيا بمصابيح} ؛ كالشمس والقمر والنجوم ، وهي زينة ~~السماء الدنيا ، سواء كانت فيها أو فيما فوقها ؛ لأنها ترى متلألأة عليها ~~كأنها فيها ، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية بأمرها ، ~~{وحفظا} أي : حفظناها حفظا من المسترقة ، أو من الآفات ، فهو مصدر لمحذوف ، ~~وقيل : مفعول لأجله على المعنى ، أي : وجعلنا المصابيح للزينة والحفظ. {ذلك ~~تقدير العزيز العليم} أي : ذلك الذي ذكر تفصيله تقدير البالغ في القدرة ~~والعلم ، أو : الغالب العليم بمواقع الأمور. PageV06P502 # الإشارة : خلق الحق تعالى أرض النفوس محلا للعبودية ، وأرساها بجبال ~~العقل ، لئلا تميل إلى بحر الهوى ، وبارك فيها ، بأن جعل فيها صالحين ~~وأبرارا ، وعبادا وزهادا ، وعلماء أتقياء ، وقدر لها أقواتها الحسية ~~والمعنوية ، فجعل الحسية سواء للسائلين ، أي : مستوية لا يزيد بالطلب ولا ~~بالتعب ، ولا ينقص ، ففيه تأديب لمن لم يرض بقسمته ، والأرزاق المعنوية : ~~أرزاق القلوب من اليقين والمعرفة ، يزيد بالطلب والتعب ، وينقص بنقصانه ، ~~حكمة من الحكيم العليم ، ثم استوى إلى سماء الأرواح ، أي : قصدها بالدعاء ~~إليه ، وهي لطائف ، فقال لها ولأرض النفوس : ائتيا إلى حضرتي ، طوعا أو ~~كرها ، قالتا : أتينا طائعين ، فقضاهن سبع طبقات ، وهي دوائر الأولياء ، ~~دائرة الغوث ، ثم ms2612 دائرة الأقطاب ، ثم الأوتاد ، ثم النقباء ، ثم النجباء ، ~~ثم الأبرار ، ثم الصالحين. وأوحى في كل سماء ، أي : في كل دائرة ما يليق ~~بها من العبادة ، فمنهم من عبادته الشهود والعيان ، ومنهم من عبادته الفكرة ~~، ومنهم الركوع والسجود ، ومنهم التلاوة والذكر... إلى غير ذلك من أنواع ~~الأعمال. # جزء : 6 رقم الصفحة : 331 # قال القشيري : وجعل نفوس العابدين ، أرضا لطاعته وعبادته ، وجعل قلوبهم ~~فلكا لنجوم علمه ، وشموس معرفته ، فأوتاد النفوس الخوف والرجاء ، والرغبة ~~والرهبة ، وفي القلوب ضياء العرفان ، وشموس التوحيد ، ونجوم العلوم والعقول ~~، والنفوس والقلوب ، بيده يصرفها على ما أراد من أحكامه. وقال في قوله : ~~{وجعل فيها رواسي من فوقها} : الجبال أوتاد الأرض ، في الصورة ، والأولياء ~~رواسي الأرض في الحقيقة ، بهم تنزل البركة والأمطار ، وبهم يدفع البلاء. ثم ~~قال : قوله تعالى : {وزينا السماء الدنيا بمصابيح} وزين # 334 PageV06P503 ~~وجه الأرض بمصابيح ، وهي قلوب الأحباب ، فأهل السماء إذا نظروا إلى قلوب ~~أولياء الله بالليل ، فذلك متنزههم ، كما أن أهل الأرض إذا نظروا إلى ~~السماء تأنسوا برؤية الكواكب. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 331 # قلت : {وأما ثمود} ، قراءة الجماعة بالرفع ، غير مصروف ، إرادة القبيلة ، ~~وقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب مصروفا ، إرادة الحي ، وقراءة ابن أبي إسحاق : ~~بالنصب ، من باب الاشتغال ، وأصل الكلام : مهما يكن من شيء فثمود هديناهم ، ~~فحذف الملزوم الذي هو الشرط ، وأقيم مقامه لازمه ، وهو الجزاء ، وأبقيت ~~الفاء المؤذنه بأن ما بعدها لازم لما قبلها ، وإلا فليس هذا موضع الفاء ؛ ~~لأن موضعه صدر الجزاء. انظر المطول. # يقول الحق جل جلاله : {فإن أعرضوا} عن الإيمان بعد هذا البيان ؛ {فقل} ~~لهم : {أنذرتكم} ؛ خوفتكم. وعبر بالماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء ~~عن تحقق الوقوع ، {صاعقة} أي : عذابا شديدا لو وقع كان كأنه صاعقة ، وأصلها ~~: رعد معه نار تحرق. تكون {مثل صاعقة عاد وثمود} وقد تقدم عذابهما. # {إذ جاءتهم} : ظرف لمحذوف ، أي : أنزلناها بهم حين جاءتهم {الرسل من بين ~~أيديهم ومن خلفهم} أي : أتوهم من كل جانب ، وعملوا فيهم كل حيلة ، فلم يروا ~~منهم إلا الإعراض ، أو ms2613 : جاءتهم الرسل قبلهم لآبائهم ، وبعدهم لمن خلفهم ، ~~أي : تواردت عليهم الرسل قديما وحديثا ، والمعهود إنما هو هود وصالح ~~عليهما السلام وعن الحسن : أنذروهم من وقائع الله بمن قبلهم من الأمم ~~وعذاب الآخرة ، {ألا تعبدوا إلا الله} أي : بأن لا تعبدوا إلا الله ، على ~~أنها مصدرية ، أو : لا تعبدوا ، على أنها مفسرة ، وقيل : مخففة ، أي : أنه ~~لا تعبدوا إلا الله. {قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة} أي : لو شاء إرسال ~~الرسل لأرسل ملائكة ، ولما كان إرسالهم بطريق الإنزال عبر به ، {فإنا بما أرسلتم # 335 PageV06P504 ~~به كافرون} أي : فحيث كنتم بشرا مثلنا ، ولم تكونوا ملائكة ، ولم يكن لكم ~~فضل علينا ، فإنا لا نؤمن بكم ، ولا بما جئتم به ، وقولهم : {أرسلتم به} ~~ليس بإقرار بالإرسال ، وإنما هو على كلام الرسل ، وفيه تهكم ، كما قاله ~~فرعون : {إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون} [الشعراء : 27] وقولهم : {بما ~~أرسلتم به كافرون} خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء ، الذين دعوا ~~للإيمان. # جزء : 6 رقم الصفحة : 335 # روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش : قد التبس علينا أمر محمد ، فلو ~~التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة ، فكلمه ، ثم أتانا بالبيان من ~~أمره ، فقال عتبة بن ربيعة : والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر ، وعلمت ~~من ذلك علما ما يخفى علي ، فأتاه ، فقال : أنت يا محمد خير أم هاشم ؟ أنت ~~يا محمد خير أم عبد المطلب ؟ أنت خير أم عبد الله ؟ فبم تشتم آلهتنا ~~وتضللنا ؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء ، فكنت رئيسنا ما بقيت ، ~~وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة من أي بنات قريش شئت ، وإن كان بك المال ~~، جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت ، فلما ~~فرغ عتبة ، قال صلى الله عليه وسلم : " {بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل ~~من الرحمن الرحيم...} إلى قوله تعالى : {مثل صاعقة عاد وثمود} " ، فأمسك ~~عتبة على فيه النبي صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم ، فرجع عبتة إلى أهله ~~، ولم يخرج إلى قريش ، فلما ms2614 احتبس عنهم ، قالوا : ما نرى عتبة إلا صبأ ، ~~فانطلقوا ، وقالوا : يا عتبة ؛ ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد ، أم أنك ~~أعجبك طعامه ؟ فغضب ، ثم قال لهم : لقد كلمته فأجابني بشيء ، والله ما هو ~~شعر ، ولا كهانة ، ولا سحر ، ثم تلى عليهم ما سمع منه إلى قوله : {مثل ~~صاعقة عاد وثمود} فأمسكت بفيه ، وناشدته بالرحم أن يكف ، وقد علمتم أن ~~محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فخفت أن ينزل بكم العذاب. ه. PageV06P505 # ثم بين ما ذكره من صاعقة عاد وثمود ، فقال : {فأما عاد فاستبكروا في الأرض ~~بغير الحق} أي : تعاظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم ، وهو ~~القوة ، وعظم الأجرام ، واستولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية ، {وقالوا ~~من أشد منا قوة} ، كانوا ذوي أجسام طوال ، وخلق عظيم ، بلغ من قوتهم أن ~~الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده ، ويلوي الحديد بيده ، {أولم يروا} أي ~~: أولم يعلموا علم عيان {أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} ؟ أوسع منهم ~~قدرة ؛ لأنه قادر على كل شيء ، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره ، ~~{وكانوا بآياتنا} المنزلة على رسلهم {يجحدون} أي : ينكرونها وهم يعرفون ~~حقيتها ، كما يجحد المودع الوديعة. و(هم) : عطف على (فاستكبروا) ، وما ~~بينها اعتراض ، للرد على كلمتهم الشنعاء. # {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا} أي : باردا تهلك وتحرق ؛ لشدة بردها ، من : ~~الصر ، وهو البرد ، الذي يجمع ويقبض ، أو : عاصفة تصوت في هبوبها ، من ~~الصرير ، # 336 # فضوعف ، كما يقال : نهنهت وكفكفت. {في أيام نحسات} ؛ مشؤومات عليهم ، من ~~: نحس نحسا ، نقيض : سعد سعدا ، وكانت من الأربعاء آخر شوال إلى الأربعاء ، ~~وما عذب قوم إلا في الأربعاء. قيل : أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين ، ~~ودامت الرياح عليهم من غير مطر. قيل : إذا أراد الله بقوم خيرا ، أرسل ~~عليهم المطر ، وحبس عنهم كثرة الرياح ، وإذا أراد الله بقوم شرا ، حبس عنهم ~~المطر ، وأرسل عليهم كثرة الرياح. ه. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 335 # لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} ، أضاف العذاب إلى الخزي ، وهو ~~الذل ، على ms2615 أنه وصف للعذاب ، كأنه قال : عذاب خزي ، ويدل عليه قوله : ~~{ولعذاب الآخرة أخزى} أي : أذل لصاحبه ، وهو في الحقيقة وصف للمعذب ، وصف ~~به العذاب للمبالغة ، كقولك : له شعر شاعر. {وهم لا ينصرون} برفع العذاب ~~عنهم بوجه من الوجوه. PageV06P506 # {وأما ثمود فهديناهم} ؛ دللناهم على الرشد ، بنصب الآيات التكوينية ، ~~وإرسال الرسل ، وإنزال الآيات التشريعية ، {فاستحبوا العمى على الهدى} أي : ~~اختاروا الضلالة على الهداية ، {فأخذتهم صاعقة العذاب الهون} أي : داهية ~~العذاب الذي يهين صاحبه ويخزيه ، وهي الصيحة والرجفة ، والهون : الهوان ، ~~وصف به للمبالغة ، {بما كانوا يكسبون} أي : بكسبهم الخبيث من الشرك ~~والمعاصي. قال الشيخ أبو منصور : يحتمل قوله : {فهديناهم} : بينا لهم ، كما ~~تقدم ، ويحتمل : خلق الهداية في قلوبهم ، فصاروا مهتدين ، ثم كفروا بعد ذلك ~~، وعقروا الناقة ، لأن الهدي المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان ، ويكون ~~بخلق فعل الاهتداء ، وأما الهدي المضاف إلى الخلق فيكون بمعنى البيان ، لا ~~غير. ه. # وقال الطيبي : قوله تعالى : {فهديناهم} هو كقوله تعالى : {إذ جآءتهم ~~الرسل} [فصلت : 14]. وقوله : {فاستحبوا العمى على الهدى} هو كقوله : {قالوا ~~لو شآء ربنا...} [فصلت : 14] الآية. وكذا في قوله : {فأما عاد فاستكبروا في ~~الأرض} ، فإن الفاء في " فاستكبروا " فصيحة ، تفصح عن محذوف ، أي : ~~فهديناهم فاستكبروا بدلالة ما قيل في ثمود. ه. # {ونجينا الذين آمنوا} أي : اختاروا الهدى على العمى ، من تلك الصاعقة ، ~~{وكانوا يتقون} الضلالة والتقليد. # الإشارة : كل من أعرض عن الوعظ والتذكار ، ونأى عن صحبة الأبرار ؛ ~~فالصعقة لاحقة به ، إما في الدنيا أو في الآخرة. وقوله تعالى : {فأما عاد ~~فاستكبروا...} الآية : أوصاف العبودية أربعة : الضعف ، والذل ، والفقر ، ~~والعجز ، فمن خرج عن واحد منها ، فقد تعدى طوره ، واستحق الهلاك والهوان ، ~~ورمته رياح الأقدار في مهاوي النيران. # وقوله : {وأما ثمود فهديناهم} أي : بينا لهم طريق السير إلينا ، على ~~ألسنة الوسائط ، # 337 PageV06P507 ~~فحادوا عنها ، واستحبوا العمى على الهدى ؛ حيث لم يسبق لهم الهداية في ~~الأزل ، فالسوابق تؤثر في العواقب ، والعواقب لا تؤثر في السوابق ، فكأن ~~جبلة القوم الضلالة ، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة. # جزء ms2616 : 6 رقم الصفحة : 335 # وقوله تعالى : {ونجينا الذين آمنوا} أي : في الدنيا من الصاعقة ، وفي ~~الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري : منهم من نجاهم من غير أن رأوا ~~النار ، عبروا القنطرة ولم يعلموا ، وقوم كالبرق الخاطف ، وهم أعلاهم قلت ~~: بل أعلاهم كالطرف ثم قال : وقوم كالرواكض ، وهم أيضا الأكابر ، وقوم على ~~الصراط يسقطون وتردهم الملائكة على الصراط ، فبعدوا. ثم قال : وقوم بعدما ~~دخلوا النار ، فمنهم من تأخذه إلى كعبيه ، ثم إلى ركبتيه ، ثم إلى حقويه ، ~~فإذا بلغ القلب قال الحق للنار : لا تحرقي قلبه ، فإنه محترق بي. وقوم ~~يخرجون من النار بعدما أمتحشوا فصاروا حمما. ه منه # جزء : 6 رقم الصفحة : 335 # يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم نحشر أعداء الله} من كفار المتقدمين ~~والمتأخرين {إلى النار فهم يوزعون} ؛ يضمون ويساقون إلى النار ، ويحبس ~~أولهم على أخرهم ، فيستوقف سوابقهم حتى تلحق بهم تواليهم ، وهي عبارة عن ~~كثرة أهل النار ، وأصله : من وزعته ، أي : كففته. {حتى إذا ما جاؤوها} أي : ~~حضروها ، و" حتى " : غاية للحشر ، أو : ليوزعون ، و" ما " : مزيدة ؛ لتأكيد ~~اتصال الشهادة بالحضور ، فبمجرد حضورهم {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم} ~~أي : بشراتهم {بما كانوا يعملون} في الدنيا ، من فنون الكفر والمعاصي ، بأن ~~ينطقها الله تعالى ، ويظهرعليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه : أن المراد بشهادة الجلود : شهادة الفروج ، كقول الشاعر : # 338 # أو سالم من قد تث # نى جلده وابيض رأسه PageV06P508 ~~فكنى بجلده عن فرحه ، وهو الأنسب ؛ لتخصيص السؤال بها في قوله تعالى : ~~{وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} ، فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية ~~وقبحا ، وأجلب للحزن والعقوبة ، مما تشهد به السمع والأبصار من الجنايات ~~المكتسبة بتوسطها. روي : أن العبد يقول يوم القيامة : يا رب ، أليس قد ~~وعدتني ألا تظلمني ؟ فيقول تعالى : فإن لك ذلك ، قال : فإني لا أقبل علي ~~شاهدا إلا من نفسي ، قال تعالى : أو ليس كفى بي شهيدا ، وبالملائكة الكرام ~~الكاتبين ؟ قال : فيختم على فيه ، وتتكلم أركانه بما كان يعمل ms2617 ، فيقول لهن ~~: بعدا لكن وسحقا ، عنكن كنت أجادل ". # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 338 # قالوا} في جوابهم : {وأنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} من الحيوانات ، ~~وأقدرنا على بيان الواقع ، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح ، وما ~~كتمناها. أو : ما نطقنا باختيارنا ، بل أنطقنا الله الذي انطق كل شيء. وقيل ~~: سألوها سؤال تعجب ، فالمعنى حينئذ : وليس نطقنا بعجب من قدرة الله تعالى ~~الذي أنطق كل شيء ، {وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} ؛ فإن من قدر على ~~خلقكم أول مرة ، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه ، لا يتعجب من إنطاقه ~~جوارحكم. ولعل صيغة المضارع ، مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع ، كما ~~أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالعبث ، بل ما يعمه ، وما ~~يترتب عليه من العذاب الخالد الترقب عند التخاطب ، على تغليب المتوقع على ~~الواقع ، مع ما فيه من مراعاة الفواصل ، فهذا على أنه من تتمة كلام الجلود ~~، وقيل : هو من كلام الحق تعالى لهم ، فيوقف على " شيء " وهو ضعيف. وكذا قوله : PageV06P509 # {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} ، يحتمل أن ~~يكون من كلام الجلود ، أو : من كلام الله عز وجل وهو الظاهر ، أي : وما ~~كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم ~~، ولو خفتم من ذلك ما استترتم بها ، {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون} من القبائح الخفية ، فلا يظهرها في الآخرة. وعن ابن مسعود رضي الله ~~عنه : كنت مستترا بأستار الكعبة ، فدخل ثلاثة نفر ؛ وثقفيان وقرشي ، أو : ~~قرشيان وثقفي ، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع ما نقول ؟ قال الآخر : سمع ~~جهرنا ولا يسمع ما أخفينا ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل ~~الله تعالى : {وما كنتم تستترون...} الآية ، فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا ~~بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة ، انظر أبا السعود. # 339 # {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} ؛ أهلككم ، ف " ذلك " : مبتدأ ، و" ~~ظنكم " : خبر ، و" الذي ظننتم بربكم " : صفة ، و" أرداكم " : خبر ثان ، أو ms2618 ~~: ظنكم : بدل من " ذلك " و" أرداكم " : خبر ، {فأصبحتم} بسبب الظن السوء ~~{من الخاسرين} إذ صار ما منحوا لسعادة الدارين سببا لشقاء النشأتين. # {فإن يصبروا فالنار مثوى} ؛ مقام {لهم} أي : فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر ~~، ولم ينفكوا به من الثوى في النار ، {وإن يستعينوا} أي : يسألوا العتبى ؛ ~~وهو الاسترضاء {فما هم من المعتبين} ؛ المجابين إليها ، أي : وإن يطلبوا ~~الاسترضاء من الله تعالى ليرضى عنهم ، فما هم من المرضين ؛ لما تحتم عليهم ~~واستوجبوه من السخط ، قال الجوهري : أعتبني فلان : إذا عاد إلى مسرتي ، ~~راجعا عن الإساءة ، والاسم منه : العتبى ، يقال ؛ استعتبته فأعتبني ، أي : ~~استرضيته فأرضاني. وقال الهروي : إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم ، أي : لم ~~يردهم إلى الدنيا ، أو : إن أقالهم وردهم لم يعملوا بطاعته ، كقوله : {ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام : 28]. PageV06P510 # جزء : 6 رقم الصفحة : 338 # الإشارة : أعداء الله هم الجاحدون لوحدانيته ولرسالة رسله ، وهم الذين ~~تشهد عليهم جوارحهم ، وأما المؤمن فلا ، نعم إن مات عاصيا شهدت عليه البقع ~~أو الحفظة ، فإن تاب أنسى الله حفظته ومعالمه في الأرض ذنوبه. قال في ~~التذكرة : إن العبد إذا صدق في توبته أنسى الله ذنوبه لحافظيه ، وأوحى إلى ~~بقع الأرض وإلى جميع جوارحه : أن اكتموا مساوىء عبدي ، ولا تظهروها ، فإنه ~~تاب إلي توبة صادقة ، بنية مخلصة ، فقبلته وتبت عليه ، وأنا التواب الرحيم. # وفي الآية حث على حسن الظن بالله ، وفي الحديث : " لا يموتن أحدكم إلا ~~وهو يحسن الظن بالله عز وجل " وقال أيضا : " يقول الله عز وجل : أنا عند ظن ~~عبدي بي... " الحديث فمن ظن خيرا لقي خيرا ، ومن ظن شرا لقي شرا. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 338 # يقول الحق جل جلاله : {وقيضنا} أي : سيرنا ، أو : قدرنا ، {لهم} أي : ~~كفار مكة في الدنيا {قرناء} سواء من الجن والإنس ، أو : سلطنا عليهم نظراء ~~لهم من الشياطين يستولون عليهم ، كقوله : {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين} # 340 PageV06P511 ~~[الزخرف : 36] ، {فزينوا لهم ما بين أيديهم} من أمور الدنيا ، واتباع ~~الشهوات ، والتقليد ms2619 لأسلافهم ، حتى حادوا عن الحق ، {وما خلفهم} من أمور ~~الآخرة ، حيث ألقوا إليهم : ألا بعث ولا حساب. أو : ما تقدم من أعمالهم وما ~~هم عازمون عليها ، {وحق عليهم القول} أي : ثبت وتقرر عليهم كلمة العذاب ، ~~أو : تحقق موجبها ومصداقها ، وهي قوله تعالى لإبليس : {لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين} [ص : 85] ، حال كونهم {في} جملة {أمم قد خلت من ~~قبلهم} أي : قبل أهل مكة {من الجن والإنس} كانوا مصرين على الكفر والعصيان ~~، {إنهم كانوا خاسرين} حيث آثروا الباطل على الحق ، وهو تعليل لاستحقاقهم ~~العذاب. والضمير لهم وللأمم. # الإشارة : قال القشيري : إذا أراد الله بعبده سوء ، قيض له إخوان سوء ~~وقرناء شر ، هم الأضداد له فيما راموا ، وإذا أراد الله بعبد خيرا قيض له ~~قرناء خير ، يعينونه على الطاعة ، ويحملونه عليها ، ويدعونه إليها ، وإذا ~~كانوا إخوان سوء يحملونه على المخالفات ، ويدعونه إليها ، ومن ذلك الشيطان. ~~ثم قال : وشر قرين للمرء نفسه ، ثم الشيطان ، ثم شياطين الإنس ، فزينوا لهم ~~ما بين أيديهم من طول الأمل ، وما خلفهم من نسيان الزلل ، والتسويف في ~~التوبة ، والتقصير في الطاعة. ه. # قلت : والله ما رأينا الفلاح والخسران إلا من الخلطة. قال بعضهم : والله ~~ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح ، ولا سيما صبحة العارفين ؛ فساعة معهم ~~تعدل عبادة سنين بالصيام والقيام وأنواع المجاهدة ، ولله در الجيلاني رضي ~~الله عنه حيث قال : # فشمر ولذ بالأولياء فإنهم # لهم من كتاب الله تلك الوقائع # > هم الذخر للملهوف والكنز للرجا # ومنهم ينال الصب ما هو طامع # جزء : 6 رقم الصفحة : 340 # > بهم يهتدى للعين من ضل في العمى PageV06P512 ~~بهم يجذب العشاق والربع شاسع # > هم الناس فالزم إن عرفت جنابهم # ففيهم لضر العالمين منافع # جزء : 6 رقم الصفحة : 340 # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين كفروا} من رؤساء المشركين لأتباعهم ، ~~أو : بعضهم لبعض : {لا تسمعوا لهذا القرآن} إذا قرىء ، أي : لا تنصتوا له ؛ ~~لأنه يقلب # 341 # القلوب ، ويسبي العقول ، وكل من استمع إليه صبا إليه ، {والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون} أي ms2620 : عارضوه بكلام غير مفهوم ، أو : بالخرافات ؛ من الرجز والشعر ~~والتصدية ، وارفعوا أصواتكم بها {لعلكم تغلبون} أي : تغلبونه على قراءته ، ~~وشوشوا عليه فيقع في الغلط ، أو : لا يسمعه منه أحد. واللغو : الساقط من ~~الكلام الذي لا طائل تحته. # {فلنذيقن الذين كفروا} أي فوالله لنذيقن هؤلاء اللاغين والقائلين ، أو : ~~جميع الكفار ، وهم داخلون فيهم دخولا أوليا. {عذابا شديدا} لا يقادر قدره ، ~~{ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون} أي : أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم ، ~~وهو الكفر ، وقيل : إنه لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم ، كإغاثة الملهوفين ، ~~وصلة الأرحام ، وقرى الضيف ؛ لأنها محبطة بالكفر ، وإنما يجازيهم على ~~أسوئها. عن ابن عباس : {عذابا شديدا} : يوم بدر ، و{أسوأ الذي كانوا ~~يعملون} : ما يجزون في الآخرة. PageV06P513 # {ذلك جزاء أعداء الله النار} أي : ذلك الأسوأ من الجزاء هو جزاء أعداء الله ~~، وهو النار. فالنار : خبر عن مضمر ، أو : عطف بيان للجزاء ، والنار : ~~مبتدأ. و{لهم فيها دار الخلد} : خبر ، أي : النار في نفسها دار الخلد ، كما ~~تقول : لك في هذه الدار السرور ، وأنت تعني الدار بعينها ، ويسمى في علم ~~البلاغة : التجريد ، وهو أن ينتزع من ذي صفة أمرا آخر مثله ، مبالغة ، ~~لكمال فيه. تقول : لقيت من زيد أسدا. وقيل : هي على معناها ، والمراد : أن ~~لهم في النار المشتملة على الدركات دار مخصوصة ، هم فيها خالدون ، {جزاء ~~بما كانوا بآياتنا يجحدون} أي : جوزوا بذلك جزاء بسبب ما كانوا يجحدون ~~بآياتنا ويلغون فيها. # الإشارة : الآية تنسحب على من يرفع صوته بمحضر مجلس الوعظ والذكر ، أو ~~العلم النافع ، أو صفوف الصلاة ، فهذه المجالس يجب صونها من اللغو والصخب ، ~~ويجب الاستماع لها ، والإنصات ، والتوقير ، والتعظيم ، لأنها موروثة عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى : {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} [الحجرات : 3] ، ومن فعل شيئا ~~من ذلك فالوعيد بقوله تعالى : {فلنذيقن الذين كفروا...} الآية منه ~~بالمرصاد. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 341 # يقول الحق جل جلاله : {وقال الذين كفروا} وهم متقلبون فيما ذكر من العذاب ~~: {ربنا أرنا ms2621 اللذين أضلانا من الجن والإنس} ، يعنون الفريقين الحاملين على ~~الضلال ، من شياطين الجن والإنس ، بالتسويل والتزيين ، وقيل : هما إبليس ~~وقابيل ، فإنهما سنا الكفر # 342 # والقتل ، وقرىء بسكون الراء تخفيفا ، كفخذ وفخذ ، وبالاختلاس ، أي : ~~أبصرناهما ، {نجعلهما تحت أقدامنا} أي : ندسهما تحت أرجلنا ، انتقاما منهما ~~، أو : نجعلهما في الدرك الأسفل {ليكونا من الأسفلين} ذلا ومهانة ، أو : ~~مكانا ، جزاء إضلالهم إيانا. PageV06P514 # الإشارة : كل من سقط عن درجة المقربين العارفين ، وتعوق عن صحبتهم ، بسبب ~~تعويق أحد ، تمنى يوم القيامة أن يكون تحت قدمه ، ليكون أسفل منه ، غيظا ~~وندما ، ولا ينفع التمني والندم في ذلك اليوم. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 342 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين قالوا ربنا الله} أي : نطقوا بالتوحيد ~~واعتقدوا ، {ثم استقاموا} أي : ثبتوا على الإقرار ومقتضياته من حسن الأعمال ~~، وعن الصديق رضي الله عنه : استقاموا فعلا ، كما استقاموا قولا. وعنه : ~~أنه تلاها ثم قال : ما تقولون فيها ؟ قالوا : لم يذنبوا ، قال : حملتم ~~الأمر على أشده ، قالوا : فما تقول ؟ قال : لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. ~~وعن عمر رضي الله عنه : لم يروغوا روغان الثعالب ، أي : لم ينافقوا. وعن ~~عثمان رضي الله عنه : أحكموا العمل ، وعن علي رضي الله عنه : أدوا الفرائض. ~~وعن الفضيل : زهدوا في الفانية ، ورغبوا في الباقية. قلت : ويجمعها الإقرار ~~بالربوبية ، والقيام بوصائف العبودية. # {تتنزل عليهم الملائكة} عند الموت ، وفي القبر ، وعند البعث ، أو : في ~~الدنيا بإلهام الخير وشرح الصدر ، وإعانتهم على الأمور الدينية ، كما أن ~~الكفرة تقويهم ما قيض لهم في قرناء السوء. والأظهر : العموم. {ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا} ف " أن " مخففة ، أو : تفسيرية ، أي : لا تخافوا ما تقدمون ~~عليه ، ولا تحزنوا على ما خلفتم ، فالخوف : غم يلحق لتوقع مكروه ، والحزن : ~~غم يلحق لفوات نافع ، أو حضور ضار. والمعنى : أن الله تعالى كتب لكم الأمن ~~من كل غم ، فلن تذوقوه أبدا. {وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} في الدنيا ~~على ألسنة الرسل. وقال محمد بن علي الترمذي : تتنزل عليهم ملائكة الرحمة ، ~~عند مفارقة الأرواح الأبدان ، ألا تخافوا ms2622 سلب الإيمان ، ولا تحزنوا على ما ~~كان من العصيان ، وأبشروا بدخول الجنان ، التي توعدون في سالف الأزمان. PageV06P515 # {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} ، كما أن الشياطين قرناء ~~العصاة وإخوانهم ، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين. ~~{ولكم فيها ما تشتهي # 343 # أنفسكم} من فنون الطيبات ، {ولكم فيها ما تدعون} ؛ ما تتمنون ، افتعال من ~~الدعاء ، بمعنى الطلب ، {نزلا} : حال من مفعلو " تدعون " المحذوف ، أو : من ~~" ما " ، والنزل : ما يقدم للنزيل ، وفيه تنبيه على أن ما يتمنونه بالنسبة ~~إلى ما يعطون من عظائم النعيم كالنزل للضيف. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 343 # الإشارة : إن الذين أقروا بقهرية الربوبية ، وقاموا بوظائف العبودية ، ~~تتنزل عليهم الملائكة بالبشارة الأبدية. قال القشيري : فأما الاستقامة فهي ~~الثبات على شرائط الإيمان بجملتها ، من غير إخلال بشيء من أقسامها. # ثم قال : من كان له أصل الاستقامة ، وهي التوحيد ، أمن من الخلود في ~~النار ، ومن كان له كمال الاستقامة أمن من الوعيد ، من غير أن يلحقه سوء ~~بحال. ويقال : استقاموا على دوام الشهود ، وانفراد القلب بالمعبود ، أو : ~~استقاموا في تصفية العقد ، ثم في توفية العهد ، ثم في صحة القصد ، بدوام ~~الوجد ، أو : استقاموا بأقوالهم ، ثم بأعمالهم ، ثم بصفاء أحوالهم ، في ~~وقتهم وفي مآلهم ، أو : داموا على طاعته ، واستقاموا في معرفته ، وهاموا في ~~محبته ، وقاموا بشرائط خدمته. واستقامة العابد : ألا يعود إلى الفترة ~~واتباع الشهوة ، ولا يدخله رياء ولا تصنع ، واستقامة العارف : ألا يشوب ~~معرفته حظ في الدارين ، فيحجب به عن مولاه ، واستقامة المحبين : ألا يكون ~~لهم أرب من غير محبوبهم ؛ يكتفون من عطائه ببقائه ، ومن مقتضى جوده بدوام ~~عزه ووجوده. ه. PageV06P516 # وقوله تعالى : {تتنزل عليهم الملائكة} أي : تمدهم بالاهتداء والأنوار ، ~~وتلهمهم العلوم والأسرار ، في مقابلة تقييض الغافل بالقرناء الأشرار ، فكما ~~أن الغافل يخذل بتسليط الغواة في الدارين ، كذلك العارف يمد وينصر من قبل ~~الملائكة في الدارين. # وقوله تعالى : {ألا تخافوا ولا تحزنوا} أي : حيث وجدتم الله لا تخافوا من ~~شيء ، ولا تحزنوا على فوات شيء ، إذ لم ms2623 يفتكم شيء ، وماذا فقط من وجده ؟ # قال القشيري : لا تخافوا من عزلة الولاية ، ولا تحزنوا على ما أسلفتم من ~~الجناية ، وأبشروا بحسن العناية ، أو : لا تخافوا مما أسلفتم ، ولا تحزنوا ~~على ما خلفتم ، وأبشروا بالجنة التي وعدتم. أو : لا تخافوا المذلة ، ولا ~~تحزنوا على ما أسلفتم من الزلة ، وأبشروا بدوام الوصلة. ه. # ثم قال في قوله تعالى : {نحن أولياؤكم} : الولاية من الله تعالى بمعنى ~~المحبة ، وتكون بمعنى النصرة ، وهذا الخطاب بقوله : {نحن أولياؤكم} ، يحتمل ~~أن يكون من قبل الملائكة ، الذين يتنزلون عليهم ، ويحتمل أن يكون ابتداء ~~خطاب من الله تعالى ، والنصرة تصدر من المحبة ، ولو لم تكن المحبة الأزلية ~~لم تكن تحصل النصرة في الحال. ه. وكونه من الملائكة أظهر ، كما تقدم. والله ~~تعالى أعلم. # 344 # جزء : 6 رقم الصفحة : 343 # يقول الحق جل جلاله : {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله} أي : إلى الإقرار ~~بربوبيته ، والاستقامة على عبوديته ، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وخلفاؤه من أمته ، الدعاة إلى الله في كل عصر ، أي : لا أحد أحسن قولا ممن ~~دعا إلى معرفة الله ، {وعمل صالحا} فيما بينه وبين ربه ، بأن عمل أولا بما ~~دعا إليه ، {وقال إنني من المسلمين} تفاخرا بالإسلام ، وابتهاجا بأنه منهم ~~، واتخاذ الإسلام دينا ، من قولهم : هذا قول فلان ، أي : مذهبه ؛ لأنه ~~يتكلم بذلك ، أو : يقوله تواضعا ، أي : من جملة عامة المسلمين. PageV06P517 # {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} ، هذا بيان محاسن الأعمال الجارية بين ~~العباد ، إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب عز وجل ~~ترغيبا للدعاة إلى الله في الصبر على إذاية الخلق ، لأن كل من يأمر بالحق ~~يؤذى ، فأمروا بمقابلة الإساءة بالإحسان ، أي : لا تستوي الخصلة الحسنة ~~والخصلة السيئة ، و(لا) : مزيدة ، لتأكيد النفي ، {ادفع بالتي هي أحسن} أي ~~: ادفع السيئة التي اعترضتك من بعض أعدائك بالتي هي أحسن منها ، وهي : أن ~~تحسن إليه في مقابلة إساءته ، فالحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما ، فخذ ~~بالحسنة التي هي أحسن من أختها ، وادفع بها السيئة ، كما لو أساء ms2624 إليك رجل ~~، فالحسنة : أن تعفو عنه ، والتي هي أحسن : أن تحسن إليه مكان إساءته ، مثل ~~أن يذمك فتمدحه ، ويحرمك فتعطيه ، ويقطعك فتصله. وعن ابن عباس رضي الله عنه ~~: التي هي أحسن : الصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل ، والعفو عند ~~الإساءة. ه. # {فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} أي : فإنك إن فعلت ذلك انقلب ~~عدوك المشاقق مثل وليك الحميم الشفيق ، مصافاة لك ، وهذا صعب على النفوس ، ~~ولذلك قال : # {وما يلقاها إلا الذين صبروا} أي : ما يلقى هذه الخصلة التي في مقابلة ~~الإساءة بالإحسان إلا أهل الصبر ، {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} من الله ~~تعالى وسبق عنايته بكمال النفس وتهذيبها. وعن ابن عباس رضي الله عنه : الحظ ~~العظيم : الثواب ، وعن الحسن : والله ما عظم حظ دون الجنة. وقيل : نزلت في ~~أبي سفيان بن حرب ، كان عدوا # 345 # مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم فصار وليا مصافيا له ، وبقيت عامة. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 345 PageV06P518 ~~وإما ينزغنك من الشياطن نزغ} ، النزغ : شبه النخس ، والشيطان ينزغ الإنسان ~~، كأنه ينخسه ، يبعثه على ما لا ينبغي ، وجعل النزغ نازغا مجاز ، كجد جده ، ~~والمعنى : وإن طرقك الشيطان على ترك ما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن ، ~~{فاستعذ بالله} من شره ، وامض على حلمك ولا تطعه ، {إنه هو السميع} ~~لاستعاذتك ، {العليم} بنيتك وتعلقك به ، أو : بنزغ الشيطان ووسوسته. وهو ~~تعليم لأمته صلى الله عليه وسلم إذ كان شيطانه أسلم على يده. # الإشارة : قال القشيري : قيل : الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ~~الاكتفاء بالله ، وترك طلب العوض من الله ، بل يكل أمره إلى الله ، ويرضى ~~من الله بقسمة الله. ثم قال : {وعمل صالحا} كما يدعو الخلق إلى الله يأتي ~~بما يدعوهم إليه ، ويقال : هم الذين عرفوا طريق الله ، ثم دعوا بعدما ~~عرفوا الطريق إلى الله الخلق إلى الله ، {وقال إنني من المسلمين} لحكمه ، ~~الراضين بقضائه وتدبيره. ه. # وقال الشاذلي رضي الله عنه : عليك برفض الناس جملة ، إلا من يدلك على ~~الله ، بإشارة صادقة ms2625 ، وأعمال ثابتة ، لا ينقضها كتاب ولا سنة. ه. وشروط ~~الداعي إلى الله على طريق المشيخة أربعة : علم صحيح ، وذوق صريح ، وهمة ~~عالية ، وحالة مرضية ، كما قال زروق رضي الله عنه. وقال الشريشي في رائيته : # وللشيخ آيات إذا لن تكن له # فما هو إلا في ليالي الهوى يسري>> إذا لم يكن علم لديه بظاهر # ولا باطن فاضرب به لجج البحر PageV06P519 ~~أما العلم الظاهر فإنما يشترط منه ما يحتاج إليه في خاصة نفسه ، ويحتاج ~~إليه المريد في حال سفره إلى ربه ، وهو القدر الذي لا بد منه ، من أحكام ~~الطهارة والصلاة ونحو ذلك ، ولا يشترط التبحر في علم الشريعة. قال الشيخ ~~أبو يزيد رضي الله عنه : صحبت أبا علي المسندي ، فكنت ألقنه ما يقيم به ~~فرضه ، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفا. ه. ومن المعلوم أن الشيخ ابن ~~عباد لم يفتح عليه إلا على يد رجل عامي ، وقد تحققت تربية كثير من الأولياء ~~، كانوا أميين في علم الظاهر. وأما علم الباطن فالمطلوب فيه التبحر التام ؛ ~~إذ المقصود بالذات في الشيخ المصطلح عليه عند القوم هو هذا العلم ؛ لأن ~~المريد إنما يطلب الشيخ ليسلكه ويعلمه علم الطريقة والحقيقة ؛ فيكون عنده ~~علم تام بالله وصفاته وأسمائه ، ذوقا وكشفا ، وعلم بآفات الطريق ، ومكائد ~~النفس ، والشيطان ، وطرق المواجيد ، وتحقيق المقامات ، كما هو مقرر في فنه ~~، وهذا الداعي لا تخلو الأرض منه على الكمال ، خلافا لمن حكم بانقطاعه. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 345 # وفي الإحياء : المقتدى به هو الذي استقام في نفسه ، واستنار قلبه فانتشر ~~نوره إلى # 346 # غيره ، لا من يظهر خلاف ما هو عليه ليقتدى به ، فإنه ملبس ، لم ينصح ~~لنفسه ، فكيف بغيره ؟ . ه. PageV06P520 # قال الورتجبي : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ، أي : ممن عرف الله بعد أن ~~رآه وأحبه واشتاق إليه ، ودعا الخلق إليه ، من حيث هو فيه وصدقه في حاله ، ~~يدعو الخلق إلى الله بلسان الأفعال ، وصدق المقال ، وحلاوة الأحوال ، ويذكر ~~لهم شمائل القدم وحق الربوبية ، ويعرفهم صفات الحق وجلال ms2626 ذاته ، ويحبب الله ~~في قلوبهم ، وهذا عمله الصالح ، ثم يقول بعد كماله وتمكنه : إنني واحد من ~~المسلمين ، من تواضعه ولطف حاله خلقا وظرافة ، وإن كان إسلامه من قصارى أي ~~: غاية أحوال المستقيمين. قال سهل : أي ممن دل على الله ، وعلى عبادة الله ~~وسنة رسوله ، واجتناب المناهي ، وإدامة الاستقامة مع الله ، ثم قال : {ولا ~~تستوي الحسنة ولا السيئة} بين الله هنا أن الخلق الحسن ليس كالخلق السيء ، ~~وأمر بتبديل الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة ، وأحسن الأخلاق : الحلم ؛ ~~إذ يكون به العدو صديقا ، والبعيد قريبا ، حين دفع غضبه بحلمه ، وظلمه ~~بعفوه ، وسوء جانبه بكرمه ، وفي مظنة الخطاب : أن من كان متخلقا بخلقه ، ~~متصفا بصفاته ، مستقيما في خدمته ، صادقا في محبته ، عارفا بذاته وصفاته ، ~~ليس كالمدعي الذي ليس في دعواه معنى. # ثم قال : {وما يلقاها إلا الذين صبروا} ، بين الله سبحانه ألا يبلغ أحد ~~درجة الخلق الحسن ، وحسنات الأعمال وسنيات الأفعال ، إلا من تصبر في بلاء ~~الله ، وامتحانه ، بالوسائط وغير الوسائط ، ولا يتحمل هذه البليات إلا ذو ~~حظ عظيم من مشاهدته ، وذو نصيب من قربه ووصاله ، صاحب معرفة كاملة ، ومحبة ~~شاملة : وكمال هذا الصبر الاتصاف بصبر الله ، ثم الصبر في مشاهدة الأزل ، ~~فبالصبر الاتصافي ومشاهدة الأبدي ، والحظ الجمالي ، يوازي طوارق صدمات ~~الألوهية ، وغلبات القهارية. ثم قال : عن الجنيد : ما يوفق لهذا المقام إلا ~~ذو حظ عظيم من عناية الحق فيه. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 345 PageV06P521 ~~يقول الحق جل جلاله : {ومن آياته} الدالة على وحدانيته : {الليل والنهار} ~~في تعاقبهما على حد معلوم ، وتناوبهما على قدر مقسوم ، {والشمس والقمر} في # 347 # اختصاصهما بسير مقدر ، ونور مقرر ؛ إذ لا يصدر ذلك إلا من واحد قهار. {لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر} ؛ فإنها مخلوقان مثلكم ، وإن كثرت منافعهما ، ~~{واسجدوا لله الذي خلقهن} أي : الليل والنهار والشمس والقمر. وحكم جماعة ما ~~لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث في الضمير ، تقول : الأقلام بريتها وبريتهن. ~~ولعل ناسا من المشركين كانوا يسجدون للشمس والقمر ، تبعا للصابئين من ~~المجوس في عبادتهم الكواكب ، ويزعمون ms2627 أنهم يقصدون بالسجود لها السجود لله ~~تعالى فنهوا عن هذه الواسطة ، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله وحده ، ~~إن كانوا موحدين ، ولذلك قال : {إن كنتم إياه تعبدون} فإن السجود أقصى ~~مراتب العبادة ، فلا بد من تخصيصه به سبحانه ، وهذا موضع السجدة عند مالك ~~والشافعي ، وعند أبي حنيفة : (لا يسأمون). # {فإن استكبروا} عن الامتثال ، {فالذين عند ربك} من الملائكة {يسبحون له ~~بالليل والنهار} أي : دائما ، {وهم لا يسأمون} ؛ لا يملون ولا يفترون ، ~~والمعنى : فإن استكبر هؤلاء وأبوا إلا الواسطة ، فدعهم وشأنهم ، فإن الله ~~غني عنهم ، وقد عمر سماواته بمن يعبده ، وينزهه بالليل والنهار عن الأنداد. ~~والعندية عبارة عن الزلفى والكرامة. # {ومن آياته} أيضا {أنك ترى الأرض خاشعة} ؛ يابسة مغبرة. والخشوع : التذلل ~~، فاستعير للأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها ، {فإذا أنزلنا عليها الماء} ؛ ~~المطر {اهتزت} أي : تحركت {وربت} ؛ انتفخت ؛ لأن النبات إذا دنا أن يظهر ~~ارتفعت به وانتفخت ، ثم تصدعت عن النبات ، وقيل : تزخرفت وارتفعت بارتفاع ~~نباتها ، {إن الذي أحياها لمحيي الموتى} بالبعث ، {إنه على كل شيء قدير} ، ~~ومن جملة الأشياء : البعث والحساب. PageV06P522 # جزء : 6 رقم الصفحة : 347 # الإشارة : الليل والنهار والشمس والقمر خلقهن من أجلك ، فعار عليك أن ~~تخضع لما خلق لك ، وتترك المنعم بها عليك. قال القشيري : الحق سبحانه ~~يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر مع علوهما ، وأنت لأجل حظ خسيس تنقل ~~قدمك إلى كل أحد ، وتذل وجهك لكل أحد. ه. وأما الخضوع لمن أمر الله بالخضوع ~~له من الدعاة إلى الله فهو من الخضوع لله ، كأمر الملائكة بالسجود لآدم ، ~~وكأمره بالخضوع له من الدعاة إلى الله فهو من الخضوع لله ، كأمر الملائكة ~~بالسجود لآدم ، وكأمره بالخضوع للأنبياء والأولياء ، فكان مآل من سجد وخضع ~~التقريب ، ومآل من استكبر وأنف الطرد والبعد ، والله تعالى غني عن الكل ، ~~ولذلك قال : {فإن استكبروا...} الآية. # قوله تعالى : {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة...} الآية ، وكذلك أرض ~~النفوس تراها يابسة بالغفلة والقسوة والجهل ، فإذا أنزل عليها ماء الحياة ، ~~وهي خمرة المحبة ، هاجت وارتفعت ، وحييت ms2628 بذكر الله ومعرفته ، إن الذي أحيا ~~الأرض الحسية قادر على إحياء النفوس الميتة بالغفلة ، وانظر القشيري. # 348 # جزء : 6 رقم الصفحة : 347 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يلحدون في آياتنا} أي : يميلون عن الحق ~~في أدلتنا التكوينية ، الدالة على وحدانيتنا ، فلا ينظرون فيها ، أو : ~~يلحدون في آياتنا التنزيلية ، بالطعن فيها ، وتحريفها ، بحملها على المحامل ~~الباطلة ، {لا يخفون علينا} ، بل نجازيهم على ذلك. يقال : ألحد الكافر ولحد ~~: إذا مال عن الاستقامة عن الحق. # ثم ذكر جزاءهم فقال : {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة} قيل : نزلت في أبي جهل وعثمان ، وهي عامة ، {اعملوا ما شئتم} من ~~الأعمال المؤدية إلى ما ذكر من الإبقاء في النار ، والإتيان آمنا ، وفيه ~~تهديد وتنديد. {إنه بما تعملون بصير} فيجازيكم بحسب أعمالكم. PageV06P523 # {إن الذين كفروا بالذكر} ؛ القرآن {لما} حين {جاءهم} مخلدون في النار ، أو ~~: هالكون ، أو : معاندون ، فخبر " إن " محذوف ، دل عليه ما قبله. وقيل : ~~بدل من قوله : {إن الذين يلحدون في آياتنا} فخبر " إن " هو الخبر السابق ، ~~وقال عمرو بن العلاء : الخبر : {أولئك ينادون} [فصلت : 44] ، ورد بكثرة الفصل. # ثم فسر الذكر المذكور بقوله : {وإنه لكتاب عزيز} ، منيع ، محمي بحماية ~~الله ، لا تتأتى معارضته بحال ، أو : كثير المنافع ، عديم النظير ، {لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} أي : لا يتطرقه الباطل من جهة من ~~الجهات ، أو : لا يأتيه التبديل والتحريف ، أو : التناقض بوجه من الوجوه ، ~~وأما النسخ فليس بمبطل للمنسوخ ، بل هو : انتهاء حكم إلى مدة وابتداء حكم ~~آخر ، خلافا لمن احتج بالآية على عدم النسخ في القرآن ، انظر ابن عرفة. ~~{تنزيل من حكيم حميد} أي : تنزيل من حكيم محمود ، ف " تنزيل " : خبر عن ~~مضمر ، أو : صفة أخرى لكتاب ، مفيدة لفخامته الإضافية ، كما أن الصلتين ~~السابقتين ، مفيدتان لفخامته الذاتية ، كل ذلك لتأكيد بطلان الكفر به ~~وبشاعة قبحه. # الإشارة : إن الذين يلحدون في آياتنا ، فيطعنون في أوليائنا ، الدالين ~~علينا ، لا يخفون علينا ، وسيلقون في نار القطيعة والبعد مع عموم الخوف ms2629 من ~~هول المطلع ، أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ؟ اعملوا ~~ما شئتم من التسليم أو الانتقاد ، وكل من لا يصحب الرجال لا يخلو خاطره من ~~شك أو وهم في مواعيد القرآن ، كالرزق وغيره ، ينسحب عليه قوله : {إن الذين ~~كفروا بالذكر...} الآية ، من طريق الإشارة. والله تعالى أعلم. # 349 PageV06P524 ~~وقوله تعالى : {وإنه لكتاب عزيز} قال الشيخ عبد الرحمن اللجاي في كتاب " ~~قطب العارفين " : الكتاب عزيز ، وعلم الكتاب أعز ، والعلم عزيز ، والعمل به ~~أعز ، والعمل عزيز ، والذوق أعز ، والذوق عزيز ، والمشاهدة في الذوق أعز ، ~~والمشاهدة عزيزة ، والموافقة في المشاهدة أعز ، والموافقة عزيزة ، والأنفس ~~في الموافقة أعز ، والأنس عزيز ، وآداب الأنس أعز. ثم قال : لكن لا يستنشق ~~رائحة هذه المقامات من غلب جهله على علمه ، وهواه على عقله ، وسفهه على ~~حلمه. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 349 # يقول الحق جل جلاله : {ما يقال لك} أي : ما يقول لك كفار قومك {إلا ما قد ~~قيل للرسل من قبلك} ؛ إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم ، من الكلمات ~~المؤذية ، والمطاعن في الكتب المنزلة ، فاصبر كما صبروا ، {إن ربك لذو ~~مغفرة} ورحمة لأنبيائه {وذو عقاب أليم} لأعدائهم ، وقد نصر من قبلك من ~~الرسل ، وانتقم من أعدائهم ، وسيفعل مثل ذلك بك وبأعدائك ، و: {ما يقال لك} ~~من الوحي وتخاطب به من جهته تعالى ، {إلا ما قد قيل للرسل} وأوحي إليهم ، ~~فلست ببدع منهم {إن ربك لذو مغفرة} لمن صدق وحيه ، {وذو عقاب أليم} لمن كذب. # {ولو جعلناه} أي : الذكر {قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته} أي : هلا ~~بينت بلسان العرب حتى نفهمها ، كانوا يقولون : لتعنتهم : هلا نزل القرآن ~~بلغة العجم! فقيل لهم : لو كان كما تقترحون لقلتم : هلا بينت آياته بلغتنا ~~لنفهمه ، {أأعجمي وعربي} ، بهمزتين الأولى للإنكار ، يعني : لو نزل بلغة ~~العجم لأنكروا وقالوا : أقرآن أعجمي ورسول عربي ؟ والأعجمي : الذي لا يفصح ~~ولا يفهم كلامه ، سواء كان من العجم أو من العرب ، والعجمي : منسوب إلى أمة ~~العجم ، فصيحا كان أو غير فصيح ms2630 ، ومن قرأ بهمزة واحدة ، فالمعنى : هلا فصلت ~~آياته فيجعل بعضها أعجميا لإفهام العجم ، وبعضها عربيا لإفهام العرب ، ~~فيكون معنى " فصلت " : نوعت. PageV06P525 # وقرىء " أعجمي " بفح العين ، ويتجه على كونهم طعنوا فيه من أجل ما فيه من ~~الكلمة العجمية ، ك {سجين} [المطففين : 7] و{إستبرق} [الكهف : 31] ، فقالوا ~~: فيه أعجمي وعربي ، مخلط من كلام العرب وكلام العجم ، وأيا ما كان ~~فالمقصود : أن آيات الله عز وجل على أي طريق جاءتهم وجدوا متعنتا يتعللون ~~به ؛ لأنهم غير طالبين للحق ، # 350 # وإنما يتعبون أهواءهم. {قل هو للذين آمنوا هدى} يهديهم إلى الحق ، ~~{وشفاء} لما في الصدور من شك وشبهة ؛ إذ الشك مرض. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 350 # والذين لا يؤمنون} به {في آذانهم وقر} أي : صمم ، فالموصول : مبتدأ ، ~~والجار : خبره ، وقيل : في موضع الجر ، بدل من (الذين آمنوا) أي : هو للذين ~~آمنوا هدى وللذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ، إلا أن فيه عطفا على عاملين ، ~~وهو جائز عند الأخفش. {وهو} أي : القرآن {عليهم عمى} ظلمة وشبهة ، {أولئك} ~~البعداء الموصوفون بما ذكر من التعامي عن الحق الذي يسمعونه ، والتعامي عن ~~الآيات الظاهرة التي يشاهدونها ، {ينادون من مكان بعيد} يعني : أنهم لعدم ~~قبولهم وانتفاعهم ، كأنهم ينادون إلى الإيمان بالقرآن من حيث لا يسمعون ، ~~لبعد المسافة ، وهو تمثيل لحالهم بحال من ينادي من مسافة بعيدة ؛ لا يكاد ~~يسمع من مسافتها الأصوات ، وقيل : ينادون في القيامة من مكان بعيد بأقبح ~~الأسماء. الإشارة : ما يقال لك أيها المتوجه أو الولي ، إلا ما قد قيل لمن ~~قبلك من المنتسبين ، فقد أوذي من قبلك من أهل النسبة بأنواع الإذايات ؛ من ~~ضرب وقتل وسجن ، وغير ذلك ، ففيهم أسوة لمن بعدهم ، {إن ربك لذو مغفرة وذو ~~عقاب أليم}. ومما جرت عادة الله في خلقه ألا يسلموا لأحياء عصرهم ما نطقوا ~~به من حكم ، وأتوا به من علوم ، ولو بلغت من البلاغة ما بلغت ، كما وقع من ~~طعن الكفرة في القرآن ، على أي وجه جاء ، وهي نزعة جاهلية. PageV06P526 # وقوله تعالى : {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} ، قال ms2631 الورتجبي : هدى ، لقلوب ~~العارفين إلى معدنه ، وهو الذات القديم ، وشفاء لقلوب العاشقين ، وأرواح ~~مرضى المحبة وسقمى الصبابة ، فلأنه خطاب حبيبهم ، وكتاب مشوقهم ، يستلذونه ~~من حيث العبارات ، ويعرفونه من حيث الإشارات. ه. وقوله تعالى : {في آذانهم ~~وقر} قال ذو النون : من وقر سمعه وأصم عن نداء الحق في الأزل ، لا يسمع ~~نداءه عند الإيجاد ، وإن سمعه كان ذلك عليه عمى ، ويكون عن دقائقه بعيدا ، ~~وذلك أنهم نودوا عن بعد ، ولم يكونوا بالقرب. ه. فكل من قرأه ذاهلا عن ~~تدبره بوساوس نفسه ، فهو ممن نودي في الأزل عن بعد. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 350 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا موسى الكتاب} ؛ التوراة {فاختلف فيه} فقال # 351 # بعضهم : حق ، وقال بعضهم : كتبه بيده في الجبل ، كما اختلف قومك في كتابك ~~القرآن ، فمن مؤمن به وكافر ، {ولولا كلمة سبقت من ربك} في حق أمتك بتأخير ~~العذاب ، {لقضي بينهم} ؛ لأهلكهم إهلاك استئصال. وقيل : الكلمة السابقة هو ~~العدة بالقيامة لقوله : {بل الساعة موعدهم} [القمر : 46] ، وأن الخصومات ~~تفصل في ذلك اليوم ، ولولا ذلك لقضي بينهم في الدنيا. {وإنهم} أي : كفار ~~قومك {لفي شك منه} من أجل القرآن {مريب} ؛ موقع للريبة ، وقيل : الضمير في ~~(بينهم) و(إنهم) لليهود ، وفي (منه) لموسى ، أو : لكتابه ، وهو ضعيف. # {من عمل صالحا} بأن آمن بالكتب وعمل بوحيها ، {فلنفسه} نفع ، لا غيره ، ~~{ومن أساء فعليها} ضرره ، لا على غيره ، {وما ربك بظلام للعبيد} ، فيعذب ~~غير المسيء ، أو ينقص من إحسان المحسن. PageV06P527 # الإشارة : الاختلاف على أهل الخصوصية سنة ماضية ، {ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا} ، فمن رام الاتفاق على خصوصيته ، فهو كاذب في دعوى الخصوصية ، وفي ~~الحكم : " استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ". # جزء : 6 رقم الصفحة : 351 # يقول الحق جل جلاله : {إليه يرد علم الساعة} أي : إذا سئل عنها يجب أن ~~يقال : الله أعلم بوقت مجيئها ، أو : لا يعلمها إلا الله ، {وما تخرج من ~~ثمرات من أكمامها} ؛ من أوعيتها ، جمع " كم " بكسر الكاف ؛ وهو وعاء الثمرة ~~قبل ms2632 أن تنشق ، أي : لا يعلم كيفية خروجها ومآلها إلا الله. {وما تحمل من ~~أنثى} أي : تعلق النطفة في رحمها ، وما ينشأ عنها من ذكورة وأنوثة وأوصاف ~~الخلقة ؛ تامة أو ناقصة ، {ولا تضع} حملها {إلا بعلمه} ؛ استثناء مفرغ من ~~أعم الأحوال ، أي : ما يحدث شيء من خروج ثمرة ، ولا حمل حامل ، ولا وضع ~~واضع ، ملابسا بشيء من الأشياء إلا ملابسا بعلمه المحيط. # {و} اذكر {يوم يناديهم} فيقول : {أين شركائي} بزعمكم ، أضافهم إليه على ~~زعمهم ، وفيه تهكم بهم وتقريع ، {قالوا آذناك ما منا من شهيد} أي : من أحد ~~يشهد لهم بالشركة ، إذ تبرأنا منهم ، لما عاينا حقيقة الحال ، وتفسير " آذن ~~" هنا بالإخبار ، أحسن من تفسيره بالإعلام ؛ لأن الله تعالى كان عالما بذلك ~~، وإعلام العالم محال ؛ أما الإخبار للعالم بالشيء ليتحقق بما علم به فجائز ~~، إلا أن يكون المعنى : إنك علمت من قلوبنا الآن : أنا لا # 352 # نشهد تلك الشهادة الباطلة ؛ لأنه إذا علمه من نفوسهم ، فكأنهم أعلموه ، ~~أي : أخبرناك بأنا ما منا أحد اليوم يشهد بأن لك شريكا ، وما منا إلا من هو ~~موحد. أو : (ما منا من) أحد يشاهدهم ، لأنهم ضلوا عنهم في ساعة التوبيخ ، ~~وقيل : هو من كلام الشركاء ، أي : ما منا شهيد يشهد بما أضافوا لنا من ~~الشركة. PageV06P528 # {وضل عنهم ما كانوا يدعون} ؛ يعبدون {من قبل} في الدنيا {وظنوا} ؛ وأيقنوا ~~{ما لهم من محيص} ؛ من مهرب ، والظن معلق عنهم بحرف النفي عن المفعولين. # الإشارة : إليه تعالى يرد علم الساعة ، التي يقع الفتح فيها على المتوجه ~~، بكشف الحجاب بينه وبين حبيبه ، وما تخرج من ثمرات العلوم والحكم من أكمام ~~قلبه ، وما تحمل نفس من اليقين والمعرفة ، إلا بعلمه. ثم ذم من مال إلى ~~غيره بالركون والمحبة ، وذكر أنه يتبرأ منه في حال ضيقه ، فلا ينبغي التعلق ~~إلا به ، ولا ميل القصد والمحبة إلا له سبحانه وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 352 # يقول الحق جل جلاله : {لا يسأم الإنسان} أي : جنسه ، أو : الكافر ، بدليل ~~قوله : {ومآ أظن الساعة قآئمة} [الكهف ms2633 : 36] ، أي : لا يمل {من دعاء الخير} ~~؛ من طلب السعة في المال والنعمة ، ولا يمل عن إرادة النفع والسلامة ، ~~والتقدير : من دعائه الخير ، فحذف الفاعل وأضيف إلى المفعول ، {وإن مسه ~~الشر} ؛ الفقر والضيق ، {فيؤوس} من الخير {قنوط} من الرحمة ، أي : لا يرجو ~~زواله ؛ لعدم علمه بربه ، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إلى ربه ، ~~بولغ فيه من طريقين : من طريق بناء فعول ، ومن طريق التكرير ؛ لأن اليأس هو ~~القنط ، والقنوط : أن يظهر أثر اليأس فيتضاءل وينكسر ، ويظهر الجزع ، وهذا ~~صفة الكافر لقوله : {إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف : ~~87]. وقال الإمام الفخر : اليأس على أمر الدنيا من صفة القلب ، والقنوط : ~~إظهار آثاره على الظاهر. ه. # {ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي} أي : وإذا فرجنا عنه ~~بصحة بعد مرض ، أو : سعة بعد ضيق ، قال : {هذا لي} أي : هذا قد وصل إلي ~~لأني استوجبته # 353 PageV06P529 ~~بما عندي من خير ، وفضل ، وأعمال بر ، أو : هذا لي لا يزول عني أبدا ، {وما ~~أظن الساعة قائمة} أي : ما أظنها تقوم فيما سيأتي ، {ولئن رجعت إلى ربي} ~~كما يقول المسلمون ، {إن لي عنده للحسنى} أي : الحالة الحسنى من الكرامة ~~والنعمة ، أو : الجنة. قاس أمر الآخرة على أمر الدينا ؛ لأن ما أصابه من ~~نعم الدنيا ، زعم أنه لاستحقاقه إياها ، وأن نعم الآخرة كذلك. وهذا غرور ~~وحمق ، الرجاء ما قارنه عمل ، وإلا فهو أمنية ، " الجاهل من أتبع نفسه ~~هواها ، وتمنى على الله ، والكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ". ~~{فلننبئن الذين كفروا بما عملوا} أي : فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من ~~الأعمال الموجبة للعذاب ، {ولنذيقنهم من عذاب غليظ} ؛ شديد ، لا يفتر عنهم. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 353 # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض} ، هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان ؛ إذا ~~أصابه الله بنعمته ، أبطرته النعمة ، وأعجب بنفسه ، فنسي المنعم ، وأعرض عن ~~شكره ، {ونأى بجانبه} ؛ وتباعد عن ذكر الله ودعائه وطاعته ، أو : ذهب بنفسه ~~وتكبر وتعاظم ، والتحقيق : أن المراد بالجانب النفس ، فكأنه قال : وتباعد ms2634 ~~بنفسه عن شكر ربه ، {وإذا مسه الشر} ؛ الفقر والضر ، {فذو دعاء عريض} أي : ~~تضرع كثير ، أي : أقبل على دوام الدعاء والابتهال. ولا منافاة بين قوله : ~~{فيؤوس قنوط} وبين قوله : {فذو دعاء عريض} ؛ لأن الأول في قوم ، والثاني في ~~قوم ، أو : قنوط في البر ، وذو دعاء عريض في البحر ، أو : قنوط بالقلب ، ~~وذو دعاء باللسان ، أو : قنوط من الصنم ، وذو دعاء لله تعالى. PageV06P530 # الإشارة : اللائق بالأدب أن يكون العبد عند الشدة داعيا بلسانه ، راضيا ~~بقلبه ، إن أجابه شكر ، وإن منعه انتظر وصبر ، ولا ييأس ولا يقنط ، فإنه ~~ضمن الإجابة فيما يريد ، لا فيما تريد ، وفي الوقت الذي يريد ، لا في الوقت ~~الذي تريد ، وإن فرج عنك نسبت النعمة إليه ، دون شيء من الوسائط العادية ، ~~هذا ما يفهم من الآية ، وتقدم الكلام عليها في سورة هود. وبالله التوفيق. # جزء : 6 رقم الصفحة : 353 # 354 # يقول الحق جل جلاله : {قل أرأيتم} ؛ أخبروني {إن كان} القرآن {من عند ~~الله ثم كفرتم به} ؛ جحدتم أنه من عند الله ، مع تعاضد موجبات الإيمان به ، ~~{من أضل} منكم ؟ فوضع قوله : {ممن هو في شقاق بعيد} موضعه ، شرحا لحالهم ، ~~وتعليلا لمزيد ضلالهم. # {سنريهم آياتنا} الادلة على حقيته وكونه من عند الله ، {في الآفاق} من ~~فتح البلاد ، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوادث الآتية ، ~~وآثار النوازل الماضية ، وما يسر الله تعالى له ولخلفائه من الفتوحات ، ~~والظهور على آفاق الدنيا ، والاستيلاء على بلاد المشارق والمغارب ، على وجه ~~خرق العادة ، {و} نريهم {في أنفسهم} ؛ ما ظهر من فتح مكة وما حل بهم. # وقال ابن عباس : في الآفاق : منازل الأمم الخالية وآثارهم ، وفي أنفسهم : ~~يوم بدر. وقال مجاهد وغيره : في الآفاق : ما يفتح الله من القرى على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، وفي أنفسهم : فتح مكة. وقيل : الآفاق : في ~~أقطار السموات والأرض ، من الشمس ، والقمر ، والنجوم ، وما يترتب عليها من ~~الليل ، والنهار ، والأضواء ، والظلال ، والظلمات ، ومن النبات ، والأشجار ~~، والأنهار ، {وفي أنفسهم} : من لطيف الصنعة وبديع الحكمة ، من ms2635 تكوين ~~النطفة في ظلمات الأرحام ، وحدوث الأعضاء العجيبة ، والتركيبات الغريبة ، ~~كقوله تعالى : {وفى أنفسكم...} [الذاريات : 21]. PageV06P531 # وعبر بالسين مع أن إراءة تلك الآيات قد حصلت قبل ذلك ، بمعنى أن الله تعالى ~~سيطلعهم على تلك الآيات زمانا فزمانا ، ويزيدهم وقوفا على حقائقها يوما ~~فيوما ، {حتى يتبين لهم} بذلك {أنه الحق} أي : القرآن ، أو : الإسلام ، أو ~~: التوحيد ، {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} ، توبيخ على ترددهم في ~~شأن القرآن ، وعنادهم المحوج إلى إراءة الآيات ، وعدم اكتفائهم بإخباره ~~تعالى. والهمزة للإنكار ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، أي : ألم ~~يغن ولم يكف ربك. والباء : مزيدة للتأكيد ، ولا تكاد تزاد إلا مع " كفى ". # جزء : 6 رقم الصفحة : 354 # و(أنه...) الخ : بدل منه ، أي : ألم يغنهم عن إراءة الآيات المبنية لحقية ~~القرآن ولم يكفهم في ذلك أنه تعالى شهيد على كل شيء ، وقد أخبر أنه من ~~عنده. وقيل : معناه : إن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي ~~أنفسهم سيرونه ويشاهدونه فيتيقنون عند ذلك أن القرآن تنزيل من عالم الغيب ؛ ~~الذي هو على كل شيء شهيد. # {ألا إنهم في مرية} ؛ شك عظيم {من لقاء ربهم} فلذلك أنكروا القرآن ، {ألا ~~إنه بكل شيء محيط} ؛ عالم بجميع الأشياء وتفاصيلها ، وظواهرها ، وبواطنها ، ~~فلا يخفى عليه خافية منهم ، وهو مجازيهم على كفرهم وشكهم ، لا محالة. # 355 PageV06P532 ~~الإشارة : قد اشتملت الآية على مقام الاستدلال في مقام الإيمان ، وعلى مقام ~~العيان في مقام الإحسان ، أي : سنريهم آياتنا الدالة على وجودنا في الآفاق ~~، وفي أنفسهم ، أي : في العوالم المنفصلة والمتصلة ، حتى يتبين لهم أنه ~~الحق ، أي : وجوده حق ، لأن الصنعة قطعا تحتاج إلى صانع ، ثم رقاهم إلى ~~مقام المراقبة بقوله : {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} ، ثم زاد إلى ~~المشاهدة بقوله : {ألا إنهم} أي : أهل الجهل بالله ، {في مرية من لقاء ~~ربهم} في الدنيا ، بحصول الفناء ، فيفنى وجود العبد في وجود الحق ، ألا إنه ~~بكل شيء محيط ، فبحر العظمة أحاط بكل شيء ، وأفنى كل شيء ، ولم يبق مع ms2636 ~~وجوده شيء. وفي الحكم : " ما حجبك عن الله وجود موجود معه ؛ إذ لا شيء معه ~~، وإنما حجبك توهم موجود معه " وقال أيضا : " الأكوان ثابتة بإثباته ، ~~ممحوة بأحدية ذاته ، فأحدية الذات محت وجود الأشياء كلها ، ولم يبق إلا ~~القديم الأزلي. # وقال القطب ابن مشيش لأبي الحسن رضي الله عنه : يا أبا الحسن ، حدد بصر ~~الإيمان تجد الله في كل شيء ، وعند كل شيء ، ومع كل شيء ، وقبل كل شيء ، ~~وبعد كل شيء ، وفوق كل شيء ، وتحت كل شيء ، وقريبا من كل شيء ، ومحيطا بكل ~~شيء ، بقرب هو وصفه ، وبحيطة هي نعته ، وعد عن الظرفية والحدود ، وعن ~~الأماكن والجهات ، وعن الصحبة والقرب في المسافات ، وعن الدور بالمخلوقات ، ~~وأمحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن ، وهو هو هو ، كان الله ولا ~~شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان. ه. # وقوله : وعد عن الحجهات ، جاوز عن اعتقادها ؛ إذ لا ظرف ، ولا حد ، ولا ~~مكان ، ولا جهة ، إذ الكل عظمة ذاته ، وأنوار صفاته ، والحد إنما يتصور في ~~المحدود ، ولا حد لعظمة ذاته ولا نهاية ، ولا يحصرها مكان ، ولا جهة ؛ إذ ~~الكل منه وإليه. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وصلى الله ~~على سيدنا ومولانا محمد ، عين بحر التحقيق ، وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما. # 356 # جزء : 6 رقم الصفحة : 354 PageV06P533 ### | AUTO سورة الشورى # جزء : 6 رقم الصفحة : 356 # يقول الحق جل جلاله : {حم. عسق} يشير والله أعلم بكل حرف إلى وصف يدل ~~على تعظيم قدر حبيبه صلى الله عليه وسلم ، فالحاء : أحببناك ، أو : حبيناك ~~، أي : أعطيناك الملك والملكوت ، والميم : ملكناك ، والعين : علمناك ما لم ~~تكن تعلم ، أو : عيناك للرسالة ، والسين : سيدناك ، والقاف : قربناك. {كذلك ~~يوحي إليك} أي : كما خصصناك بهذه الخصائص العظام أوحينا إليك {وإلى الذين ~~من قبلك} ، فقد خصصناهم ببعض ذلك ، وأوحينا إليهم ، وفي ابن عطية : عن ابن ~~عباس : أن هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله ، المنزلة على كل نبي ~~أنزل عليه كتاب ، ولذلك قال تعالى : {كذلك يوحي إليك وإلى الذين ms2637 من قبلك}. ~~وقال القشيري : الحاء : مفتاح اسمه حكيم وحفيظ ، والميم : مفتاح اسمه مالك ~~وماجد ومؤمن ومهيمن ، والعين : مفتاح اسمه عليم وعلي ، والسين : مفتاح اسمه ~~سيد وسميع وسريع الحساب ، والقاف : مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدوس ، ~~أقسم الله تعالى بهذه الحروف أنه كذلك يوحي إليك يا محمد. ه. # وقال ابن عطية : وإنما فصلت " حم عسق " ، ولم يفعل ذلك ب " كهيعص " ؛ ~~لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها. ه. زاد النسفي : وأيضا : هذه آيتان ، و" ~~كهيعص " آية # 357 # واحدة. ه. فانظره. # {الله} أي : يوحي الله {العزيز الحكيم} : فاعل " يوحي " ، وقرأ ابن كثير ~~بالبناء للمفعول. و" الله " : فاعل بمحذوف ، كأن قائلا قال : من الموحي ؟ ~~فقال : {الله العزيز الحكيم} أي : الغالب بقهره ، الحكيم في صنعه وتدبيره. # {له ما في السماوات وما في الأرض} ملكا وملكا ، {وهو العلي} شأنه ~~{العظيم} سلطانه وبرهانه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 357 PageV06P534 ~~ثم بين عظمته ، فقال : {يكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} ؛ تتشققن من عظمة ~~الله تعالى وعلو شأنه ، يدل عليه مجيئه بعد قوله : {وهو العلي العظيم}. ~~وقيل : من دعائهم له ولدا ، كقوله : {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض} [مريم : 90] إلخ ، ويؤيده : مجيء قوله : {والذين اتخذوا من دونه ~~أوليآء} [الشورى : 6]. وقرأ البصري وشبعة : " ينفطرن " ، والأول أبلغ. ~~ومعنى : {من فوقهن} أي : يبتدين بالانفطار من جهتهن الفوقانية. وتخصيصها ~~على التفسير الأول ؛ لأن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال من تلك ~~الجهة ، وأيضا : استقرار الملائكة إنما هو من فوق ، فكادت تنشق من كثرة ~~الثقل ، كما في الحديث : " أطت السماء ، وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع قدم ~~إلا وفيها ملك راكع أو ساجد ". وعلى الثاني للدلالة على التفطر من تحتهن ~~بالطريق الأولى ؛ لأن تلك الكلمة الشنعاء ، الواقعة في الأرض حين أثرت في ~~جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت أولى. وقيل : " من فوقهن " : من فوق ~~الأرض ، فالكناية راجعة إلى الأرض ، من قوله : {له ما في السماوات وما في ~~الأرض} لأنه بمعنى الأرضين. {والملائكة يسبحون بحمد ربهم} خضوعا ؛ لما يرون ~~من عظمته ، {ويستغفرون لمن في الأرض} أي ms2638 : للمؤمنين منهم ، خوفا عليهم من ~~سطواته ، ويوحدون الله وينزهونه عما لا يليق به من الصفات ، حامدين له على ~~ما أولاهم من ألطافه ، متعجبين لما رأوا من تعرض الكفرة لسخط الله تعالى. ~~ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض ، الذين تبرؤوا من تلك الكلمات ، {ألا إن الله ~~هو الغفور الرحيم} حيث لا يعاجلهم بالعقوبة على ما وصفوه به مما لا يجوز عليه. # الإشارة : حم عسق ، الحاء تشير إلى حمده لأوليائه ، وتنويهه بقدرهم ، ~~والميم إلى تمليكهم التصرف في حس الملك ، وأسرار الملكوت ، والعين إلى علو ~~رتبتهم ، أو إلى # 358 PageV06P535 ~~علومهم اللدنية ، والسين إلى سيادتهم وسنا نورهم وسرهم ، والقاف إلى قربهم ~~وتقريبهم حتى يمتحق وجودهم في وجود محبوبهم ، فيمتحي القرب من شدة القرب ، ~~وبذلك صاروا مقربين. والوحي ينقسم إلى أربعة أقسام ؛ وحي أحكام ، ووحي منام ~~، ووحي إلهام ، ووحي إعلام ، فاختصت الأنبياء بالأول ، وشاركتهم الأولياء ~~في الثلاثة. ووحي إعلام هو إطلاعهم على بعض المغيبات. # وقوله تعالى : {يكاد السماوات يتفطرن} أي : يتشققن من هيبته تعالى ~~وكبريائه. وذلك لما لطف حسها أدركت هيبة معاني أسرار الذات ، وكذلك الأرواح ~~؛ إذا لطفت ورق حسن بشريتها أدركت عظمة الحق وجلاله وجماله ، وإذا كثفت ~~بشريتها ، بمباشرة الحس واتباع الهوى ، غلظ حجابها ، فبعدت عن حضرة الحق في ~~حال قربها. وقوله تعالى : {ويستغفرون لمن في الأرض} ، انظر جلالة قدر هذا ~~الآدمي ، حتى سخر الله له الملائكة الكرام يستغفرون له ، ويسعون في مصالحه ~~، فاستحي من الله أيها العبد ، إن كان لك عقل وتمييز. # جزء : 6 رقم الصفحة : 357 # قلت : {وكذلك} : الكاف في محل النصب على المصدر ، و{قرآنا} : مفعول " ~~أوحينا ". # يقول الحق جل جلاله : {والذين اتخذوا من دونه أولياء} ؛ شركاء ، يوالونهم ~~بالعبادة والمحبة {الله حفيظ عليهم} : رقيب على أحوالهم وأعمالهم ، ~~فيجازيهم بها ، {وما أنت عليهم بوكيل} ؛ بموكل عليهم ، تجبرهم على الإيمان ~~، ثم نسخ بالجهاد. أو : ما أنت بموكول إليك أمرهم ، وإنما وظيفتك الإنذار ~~بما أوحينا إليك. # {وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا} أي : ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح ~~أوحينا إليك قرآنا عربيا ، لا لبس فيه عليك ولا على ms2639 قومك ، {لتنذر أم ~~القرى} أي : أهلها ، وهي مكة ؛ لأن الأرض دحيت من تحتها ، أو : لأنها أشرف ~~البقع ، {و} تنذر {من حولها} من العرب أو من سائر البلاد. قال القشيري : ~~وجميع العالم محدق بالكعبة ؛ لأنها سرة الأرض. ه. # 359 PageV06P536 ~~{وتنذر يوم الجمع} ؛ يوم القيامة ؛ لأنه تجمع فيه الخلائق ، وفيه تجمع ~~الأرواح والأشباح. وحذف المفعول الثاني من " تنذر " الأول للتهويل ، أي : ~~لتنذر الناس أمرا فظيعا تضيق عنه العبارة ، {لا ريب فيه} ؛ لا شك في وقوع ~~ذلك اليوم ، {فريق في الجنة وفريق في السعير} أي : بعد جمعهم في الموقف ~~يفترقون ، فريق يصرف إلى الجنة ، وفريق إلى السعير بعد الحساب ، والتقدير : ~~فريق منهم في الجنة. والجملة : حال ، أي : وتنذر يوم الجمع متفرقين. # {ولو شاء الله لجعلهم} في الدنيا {أمة واحدة} إما مهتدين كلهم ، أو ضالين ~~، {ولكن يدخل من يشاء في رحمته} أي : ويدخل من يشاء في عذابه ، يدل عليه ما ~~بعده ، ومن ضرورة اختلاف الرحمة والعذاب : اختلاف الداخلين فيهما ، فلم يشأ ~~جعل الكل أمة واحدة ، بل جعلهم فريقين ، فيسر كلا لمن خلق له. {والظالمون ~~ما لهم من ولي ولا نصير} ؛ والكافرون ما لهم من شافع ولا دافع. # جزء : 6 رقم الصفحة : 359 # قال أبو السعود : والذي يقتضيه سياق النظم أن يراد بقوله : {أمة واحدة} ~~الاتحاد في الكفر ، كما في قوله تعالى : {كان الناس أمة واحدة...} [البقرة ~~: 213] الآية ، على أحد الوجهين ، بأن يراد بهم الذين هم في فترة إدريس ، ~~أو فترة نوح. ولو شاء لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر ، بأن لا يرسل ~~إليهم رسولا لينذرهم ما ذكر من يوم الجمع ، وما فيه من ألوان الأهوال ، ~~فيبقوا على ما هم عليه من الكفر ، ولكن يدخل من يشاء في رحمته إن شاء ذلك ، ~~فيرسل إلى الكل من ينذرهم ، فيتأثر بعضهم بالإنذار ؛ فيعرفون الحق ؛ ~~فيوفقهم الله تعالى للإيمان والطاعة ، ويدخلهم في رحمته ، ولا يتأثر به ~~الآخرون ، ويتمادى في غيهم ، وهم الظالمون ، فيبقون في الدنيا على ما هم ~~عليه ، ويصيرون في الآخرة إلى السعير ، من غير ولي يلي ms2640 أمرهم ، ولا نصير ~~يخلصهم من العذاب. ه. PageV06P537 # {أم اتخذوا من دونه أولياء} ، هذه جملة مقررة لما قبلها ، من انتفاء أن ~~يكون للظالمين ولي ولا نصير. و" أم " : منقطعة ، وما فيها من الإضراب ~~للانتقال من بيان ما قبلها إلى بيان ما بعدها. والهمزة لإنكار الوقوع ونفيه ~~على أبلغ وجه ، أي : ليس المتخذون أولياء ، ولا ينبغي اتخاذ ولي سواه. ~~وقوله : {فالله هو الولي} : جواب عن شرط مقدر ، كأنه قيل بعد إبطال ما ~~اتخذوه أولياء من الأصنام : إن إرادوا وليا في الحقيقة فالله هو الولي ، لا ~~ولي سواه. {وهو يحيي الموتى} أي : ومن شأنه إحياء الأموات ، {وهو على كل ~~شيء قدير} فهو الحقيق بأن يتخذ وليا ، فليخصوه بالاتخاذ ، دون من لا يقدر ~~على شيء. وبالله التوفيق. # الإشارة : قال القشيري : كل من تبع هواه ، وترك لله حدا ، أو نقض له عهدا ~~؛ فهو ممن اتخذ الشيطان وليا ، فالله يعلمه ، لا يخفى عليه أمره ، وعلى ~~الله حسابه ، ثم إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له. ه. فيقال للواعظ أو الداعي ~~إلى الله : لا تأس عليهم إن أدبروا ، # 360 # الله حفيظ عليهم ، وما أنت عليهم بوكيل. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~داعيا إلى الله ، ينذر الناس بالقرآن ، فمن تبعه كان من أهل الجنة ، ومن ~~خالفه كان من أهل السعير ، وبقي خلفاؤه من بعده ، العلماء بالله ، الذين ~~يذكرون الناس ، ويدلونهم على الله ، فمن صحبهم وتبعهم كان من أهل الجنة ؛ ~~جنة المعارف ، أو الزخارف ، أو هما ، ومن انحرف عنهم كان من أهل السعير ، ~~نار القطيعة أو الهاوية. # قال القشيري : كما أنهم اليوم فريقان ؛ فريق في درجات الطاعات وحلاوة ~~العبادات أو المشاهدات ، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد ، فكذلك غدا ، ~~فريق هم أهل اللقاء ، وفريق هم أهل الشقاء. {ولو شاء الله} أي : أراد أن ~~يجمعهم كلهم على الرشاد لم يكن مانع. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 359 PageV06P538 ~~وقوله تعالى : {فالله هو الولي} تحويش إلى التوجه إلى الله ، ورفض كل ما ~~سواه ، كما قال بعضهم : اتخذ الله صاحبا ، ودع الناس ms2641 جانبا ، فكل من والى ~~غير الله تعالى خذله ، ومن حبه أبعده. # جزء : 6 رقم الصفحة : 359 # يقول الحق جل جلاله : {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ، حكاية ~~لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ، بدليل قوله : {ذلكم الله ~~ربي} أي : ما خالفكم الكفار فيه من أهل الكتاب والمشركين ، من أمور الدين ، ~~واختلفتم أنتم وهم ، فحكم ذلك المختلف فيه راجع إلى الله ، ومفوض إليه ، ~~وهو إثابة المحقين فيه ، ومعاقبة المبطلين. والمختار العموم ، أي : وما ~~اختلفتم فيه أيها الناس من أمور الدين ، سواء رجع ذلك الاختلاف إلى الأصول ~~أو الفروع ، فحكم ذلك إلى الله ، وقد قال في آية أخرى : {فإن تنازعتم فى ~~شىء فردوه إلى الله والرسول} [النساء : 59]. # فكل ما اختلف فيه يرد إلى كتاب الله ، ثم إلى سنة رسول الله ، ثم إلى ~~الإجماع ، ثم القياس ، فهذه هي قواعد الشريعة ، وعليها بنيت الأحكام ، فمن ~~خرج عنها فهو مبطل ، ففي كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من علم ~~الأصول والفروع ما فيه غنية ، فإن لم يوجد نص فالإجماع أو القياس. # وقيل : ما اختلفتم فيه من العلوم ، التي لا تتصل بتكليفكم ، ولا طريق لكم ~~إلى علمه ، فقولوا : الله أعلم. # 361 # ثم قال : {ذلكم الله ربي} أي : ذلكم العظيم الشأن ؛ الله مالكي ومدبر ~~أمري ، {عليه توكلت} في جميع أموري ، لا على غيره ، {وإليه أنيب} ؛ أرجع في ~~كل ما يعرض لي ، لا إلى أحد سواه. وحيث كان التوكل أمرا واحدا مستمرا ، ~~والإنابة متعددة ، متجددة بحسب تجدد مؤداها ، أوثر في الأول صيغة الماضي ، ~~والثاني صيغة المضارع. PageV06P539 # {فاطر السماوات والأرض} ؛ خالقهما ومظهرهما ، وهو خبر ثان لذلكم ، أو عن ~~مضمر ، {جعل لكم من أنفسكم} ؛ من جنسكم {أزواجا} ؛ نساء {ومن الأنعام ~~أزواجا} أي : وجعل للأنعام من جنسها أزواجا ، أو : خلق لكم من الأنعام ~~أصنافا ؛ ذكورا وإناثا ، {يذرؤكم فيه} أي : يكثركم فيما ذكر من التدبير ~~البديع ، من : الذرء ، وهو البث ، فجعل الناس والأنعام أزواجا ، حتى كان ~~بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل ، واختير لفظ " فيه " على " به ms2642 " ؛ ~~لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير. والضمير في " يذرؤكم ~~" يرجع إلى المخاطبين والأنعام ، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على غيرهم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 361 # وقال الهروي : {يذرؤكم فيه} أي : يكثركم بالتزويج ، كأنه قال : يذرؤكم ~~به. ه. وقال ابن عطية : لفظة " ذرأ " تزيد على لفظة " خلق " معنى آخر ، ليس ~~في خلق ، وهو توالي طبقاته على مر الزمان ، وقوله : " فيه " الضمير عائد ~~على الجعل. وقال القتبي : الضمير للتزويج. ه. # {ليس كمثله شيء} أي : ليس مثله شيء في شأن من الشؤون ، التي من جملتها ~~هذا التدبير البديع. قيل : إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل ؛ لأن ~~زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة. قال ابن عطية : الكاف مؤكدة للتشبيه ، ~~فنفي التشبيه أوكد ما يكون ، وذلك أنك تقول : زيد كعمرو ، وزيد مثل عمر ، ~~فإذا أردت المبالغة التامة قلت : زيد كمثل عمرو ، وجرت الآية في هذا الموضع ~~على عرف كلام العرب ، وعلى هذا المعنى شواهد كثيرة. ه. # قال النسفي : وقيل : المثل زائد ، والتقدير : ليس كهو شيء ، كقوله تعالى ~~: {فإن ءامنوا بمثل مآ ءامنتم به} [البقرة : 137] ، وهذا لأن المراد نفي ~~المثلية ، وإذا لم نجعل الكاف أو المثل زيادة كان إثبات المثل. ه. والجواب ~~ما تقدم لابن عطية. PageV06P540 # وقيل : الآية جرت على طريق الكناية ، كقولهم : مثلك لا يبخل ، وغيرك لا ~~يجود ، أي : أنت لا تبخل ؛ لأنه إذا نفي البخل عمن هو مثله كان نفيه عنه أولى. # ثم قال تعالى : {وهو السميع البصير} ؛ سميع لجميع المسموعات بلا آذان ، ~~بصير بجميع المبصرات بلا أجفان. وذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له ، كما لا ~~مثل له ، وقدم تنزيهه عن المماثلة على وصفه بالسمع والبصر ليعلمنا أن سمعه ~~وبصره ليس كسمعنا وبصرنا. # 362 # {له مقاليد السماوات والأرض} مفاتيح خزائنها ، {يبسط الرزق لمن يشاء} أي ~~: يوسعه {ويقدر} أي : يضيق على ما تقتضيه المناسبة المبنية على الحكم ~~البالغة. {إنه بكل شيء عليم} لا يخفى عليه شيء ، فيفعل كل ما يفعل على ما ~~ينبغي أن يفعل ، على ما تقتضيه مشيئته وحكمته البالغة. # قال ابن ms2643 عرفة : تضمنت هذه الآية وصفه تعالى بجميع صفات الكمال ، فالقدرة ~~في قوله : {فاطر السماوات والأرض} والوحدانية في قوله : {ليس كمثله شيء} ~~والإرادة في قوله : {يبسط الرزق لمن يشاء} ؛ لأن تخصيص البعض بالبسط إنما ~~هو بالإرادة. والعلم في قوله : {إنه بكل شيء عليم} ، والكلام في قوله : ~~{شرع لكم من الدين} ؛ لأن المراد به الحكم الشرعي ، وهو خطاب الله تعالى ~~المعلق بأفعال المكلفين ، وخطابه كلامه. ه. زاد في الحاشية الفاسية : يعني ~~وكل وصف من هذه الأوصاف يستلزم الحياة ، مع أنه قال : {يحيي الموتى} ~~والإحياء إنما يكون من الحي. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 361 PageV06P541 ~~الإشارة : قوله تعالى : {وما اختلفتم فيه من شيء} قال القشيري : ويقال إذا ~~لم تهتدوا إلى شيء وتعرضت منهم الخواطر ؛ فدعوا تدبيركم والتجئوا إلى ظل ~~شهود تقديره ، وانتظروا ما الذي ينبغي لكم أن تفعلوا بحكم تيسيره. ويقال : ~~إذا اشتغلت قلوبكم بحديث أنفسكم ، فلا تدرون أبالسعادة جرى حكمكم ، أو ~~بالشقاوة جرى اسمكم ، فكلوا الأمر فيه إلى الله ، واشتغلوا في الوقت بأمر ~~الله ، دون التفكر فيما ليس له سبيل إلى علمه من عواقبكم. ه. # وقوله : {فاطر السماوات والأرض} أي : شققهما من أسرار الغيب ، ومتجل بهما ~~وسائر الكائنات. جعل لكم في عالم الحكمة من أنفسكم أزواجا ليقع التناسل ، ~~بعضكم من بعض ، ومن الأنعام أزواجا ليقع التناسل فيها ؛ وأما بحر الجبروت ~~فليس كمثله شيء. وقال بعض العارفين : ليت شعري هل معه شيء حتى يشبهه أو لا ~~يشبهه ، كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان. فقوله تعالى : ~~{ليس كمثله شيء} أي : ليس معه شيء حتى يشبهه. # وقال الورتجبي عن الواسطي : أمور التوحيد كلها خرجت من هذه الآية ؛ لأنه ~~ما عبر عن الحقيقة بشيء إلا والعلة مصحوبة ، والعبارة منقوضة ؛ لأن الحق لا ~~ينعت على أقداره ؛ لأن كل ناعت مشرف على المنعوت ، وجل أن يشرف عليه مخلوق. ~~وقال الشبلي : كل ما ميزتموه بأوهامكم ، وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم ~~، فهو مصروف إليكم ، ومردود عليكم ، محدث مصنوع مثلكم ؛ لأن حقيقته عالية ~~عن أن تلحقها ms2644 عبارة ، أو يدركها وهم ، أو يحيط بها علم ، كلا ، كيف يحيط به ~~علم ، وقد اتفق فيه الأضداد ، بقوله : {هو الأول والأخر والظاهر والباطن} ~~[الحديد : 3] ؟ أي عبارة تخبر عن حقيقة هذه الألفاظ ؟ كلا ، قصرت عنه ~~العبارة ، وخرست الألسن لقوله : {ليس كمثله شيء}. ه. # 363 # جزء : 6 رقم الصفحة : 361 PageV06P542 ~~يقول الحق جل جلاله : {شرع} أي : بين وأظهر {لكم من الذين ما وصى به نوحا} ~~ومن بعده من أرباب الشرائع ، وأولي العزم من مشاهير الأنبياء عليهم السلام ~~، وأمرهم به أمرا مؤكدا. وفي بيان نسبته إلى المذكورين تنبيه على كونه دينا ~~قديما ، أجمع عليه الرسل ، على أن تخصيصهم بالذكر لما ذكر من علو شأنهم ، ~~ولاستمالة قلوب الكفرة إليه ؛ لاتفاق الكل على نبوة جلهم. قيل : خص نوحا ~~وإبراهيم بالوصية ، ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بالوحي ؛ لأن متعلق ~~الوصية غير الموصي ، بل الموصى إليه به ، ومتعلق الوحي : الموحى إليه بذاته ~~، ولما كان صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء جعل الملقى إليه وحيا ، ولما ~~كان ما قبله من الأنبياء متبعين له ، ومنذرين بشريعته ، أنه سيظهر آخر ~~الزمان نبي اسمه " محمد " ، كان ذلك وصية منهم لقومهم على الإيمان به. انظر ~~ابن عرفة. # قلت : والظاهر أنه تفنن ، وفرار من تكرار لفظ الوحي ؛ إذ الموحى به هو ~~قوله : {أن أقيموا الدين} وهو الذي أوحي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام . ~~وقال أبو السعود : والتعبير عن ذلك عند نسبته صلى الله عليه وسلم ب " الذي ~~" لتفخيم شأنه من تلك الحيثية ، وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من ~~التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة يعني في صدر السورة من قوله : ~~{كذلك يوحي إليك...} وفي آخرها من قوله : {وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا} ، ولما في الإيحاء من التصريح برسالته صلى الله عليه وسلم القامع ~~لإنكار الكفرة. والالتفات إلى نون العظمة إظهارا لكمال الاعتناء بإيحائه ، ~~وهو السر في تقديمه على ما قبله مع تقدمه عليه زمانا. وتقديم وصية نوح عليه ~~السلام للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينا قديما أي ms2645 : فلا ينبغي ~~إنكاره وتوجيه الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين ؛ للتشريف ~~، والتنبيه على أنه تعالى شرع لهم على لسانه عليه الصلاة والسلام. ه. PageV06P543 # جزء : 6 رقم الصفحة : 364 # ثم فسر ما وصاهم به فقال : {أن أقيموا الدين} أي : دين الإسلام ، الذي هو ~~توحيد الله تعالى ، وطاعته ، والإيمان بكتبه ورسله ، وبيوم الجزاء ، وسائر ~~أركان الإيمان. والمراد بإقامته : تعليل أركانه ، وحفظه من أن يقع فيه زيغ ~~، والمواظبة عليه ، والتشمير في القيام به. وموضع " أن أقيموا " إما : نصب ~~، بدل من مفعول " شرع " ، أو : رفع ، خبر جواب عن # 364 # سؤال مقدر ، كأن قائلا قال : وما ذاك ؟ فقال : هو إقامة الدين. {ولا ~~تتفرقوا فيه} ؛ ولا تختلفوا في الدين ، فالجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، ~~والمراد : الاختلاف في الأصول ، دون الفروع المختلفة حسب اختلاف الأمم ~~باختلاف الأعصار ، كما ينطق به قوله تعالى : {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} ~~[المائدة : 48]. # {كبر على المشركين} أي : عظم وشق عليهم {ما تدعوهم إليه} من التوحيد ، ~~ورفض عبادة الأصنام ، الذي هو إقامة الدين ، {الله يجتبي} أي : يجلب ويجمع ~~{إليه من يشاء} بالتوفيق والتسديد ، {ويهدي إليه من ينيب} ؛ يقبل على ~~طاعته. فالاجتباء يرجع إلى تصديق القلب ، والإنابة إلى توفيق الطاعة في ~~الظاهر. # {وما تفرقوا} أي : أهل الكتاب من بعد أنبيائهم {إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم} ؛ إلا بعد أن علموا أن الفرقة ضلال ، وأمر متوعد عليه على ألسنة ~~الرسل ، {بغيا بينهم} حسدا ، وطلبا للرئاسة ، والاستطالة بغير حق ، أو : ما ~~تفرقوا في الدين الذي دعوا إليه ، وهو الإسلام ، ولم يؤمنوا كما آمن بعضهم ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم بحقيقته ؛ لما يشهدونه في رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن من دلائل الحقية ، حسبما وجدوه في كتبهم ، أو : العلم ~~بمبعثه صلى الله عليه وسلم. PageV06P544 # {ولولا كلمة سبقت من ربك} ، وهي العدة بتأخير العقوبة {إلى أجل مسمى} هو ~~يوم القيامة {لقضي بينهم} أي : لوقع القضاء بينهم ، وأهلكوا حين افترقوا ~~لعظم ما اقترنوا. {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} وهم المشركون {لفي شك ~~منه} أي : القرآن {مريب} ms2646 ؛ موقع في الريبة. وهو بيان لكيفية كفر المشركين ، ~~بعد بيان كيفية كفر أهل الكتاب ، أي : وإن المشركين الذي أوتوا القرآن من ~~بعدهم ، أي : من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم ، لفي شك من القرآن مريب. ~~والظاهر : أن التفرق المذكور هنا إنما هو في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأن سياق النظم إنما هو لبيان أحوال هذه الأمة ، وإنما ذكر من ذكر من ~~الأنبياء عليهم السلام لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء دين قديم ، أجمع عليه ~~أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيدا لوجوب إقامته ، وتشديدا للزجر ~~عن التفرق والاختلاف. فالتعرض لبيان تفرق أممهم عنه ربما يوهم الإخلال بذلك ~~المرام. قاله أبو السعود. # جزء : 6 رقم الصفحة : 364 # الإشارة : الذي شرع الله من الدين لأقوياء عباده ، ووصى به خواص أنبيائه ~~: أن يشاهدوه وحده في الباطن ، ويقوموا برسم العبودية في الظاهر ، وهذا هو ~~إقامة الدين ، الذي يجب الاتفاق عليه ، لكن لا ينال هذا إلا بعد موت النفوس ~~، وحط الرؤوس ، وبذل الفلوس. ولذلك كبر على أهل الفرق ، قال تعالى : {كبر ~~على المشركين ما تدعوهم إليه} ، فإذا وفق العبد لفعل ما تقدم ، وسلك طريقه ~~؛ اجتباه ربه لحضرته ، بعد أن هداه لسلوك طريقته. قال تعالى ؛ {الله يجتبي ~~إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} فالاجتباء # 365 PageV06P545 ~~جذب ، والإنابة سلوك ، الاجتباء للحقيقة ، والإنابة للشريعة والطريقة. وقدم ~~الاجتباء على الاهتداء اهتماما بأمره ؛ لأن الجذب عناية يختص به أهل ~~الولاية ، والإنابة هداية ينالها كل من تمسك بالشريعة. وحقيقة الجذب : شهود ~~الخلق بلا خلق ، وحقيقة السلوك المحض : شهود الخلق بلا حق ، وحقيقة الجذب ~~في السلوك : شهود الحق في قوالب الخلق ، أو : شهود الخلق في مظهر الحق. # فالناس ثلاثة : مجذوبون فقط ، سالكون فقط ، مجذبون سالكون ، فالأولان لا ~~يصلحان للتربية ، والثالث هو الذي يصلح للتربية ، وهو الذي يتقدمه السلوك ، ~~ثم يختطف إلى الحضرة في مقام الفناء ، ثم يرجع إلى السلوك في مقام البقاء. ~~وما وقع من التفرق والاختلاف في جانب النبوة ، يقع في جانب الولاية ، سنة ~~ماضية ، فيجب على الداعي إلى الله ms2647 أن يجهد نفسه في الدعاء إليه ، ولا يبالي ~~باختلافهم # جزء : 6 رقم الصفحة : 364 # يقول الحق جل جلاله : {فلذلك فادع} أي : فلأجل ذلك التفرق ، ولما حدث ~~بسببه من تشعب الكفر شعبا ، فادع إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية ~~القيمة ، {واستقم} عليها ، وعلى الدعوة إليها {كما أمرت} ؛ كما أمرك الله. ~~أو : لأجل ما شرع لكم من الدين القويم القديم ، الحقيق بأن يتنافس فيه ~~المتنافسون ، فادع الناس كافة إلى إقامته ، والعمل بموجبه ؛ فإن كلا من ~~تفرقهم وشكهم ، سبب للدعوة إليه والأمر بها ، أو : فإلى ذلك الدين المشروع ~~فادع ، واستقم عليه ، وعلى الدعوة إليه ، كما أمرت وأوحي إليك. PageV06P546 # {ولا تتبع أهواءهم} الباطلة ، وعقائدهم الزائغة ، {وقل آمنت بما أنزل الله ~~من كتاب} أي كتاب كان من الكتب المنزلة ، لا كالذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض ~~، وهم أهل الكتاب ، {أولئك هم الكافرون حقا} [النساء : 151] ، وفيه تحقيق ~~للحق ، وبيان لاتفاق الكتب في الأصول ، وتأليف لقلوب أهل الكتابين ، وتعريض ~~بهم. {وأمرت لأعدل بينكم} في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي ، أو : في ~~تبليغ الشرائع والأحكام ، لا أخص بعضا دون بعض ، أو : لأسوي بيني وبينكم ، ~~ولا آمركم بما لا أعمل به ، ولا أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. أو : لا أفرق ~~بين أكابركم وأصاغركم. واللام : إما على حقيقتها ، أي : أمرت بذلك لأعدل ، ~~أو : زائدة ، أي : أمرت أن أعدل بينكم. # {الله ربنا وربكم} خالقنا جميعا ، ومتولي أمورنا ، كلنا عبيده ، {لنا ~~أعمالنا} لا يتخطانا ثوابها أو عقابها ، {ولكم أعمالكم} لا يجاوزكم وبالها ~~إلى غيركم ، أو : لنا ديننا # 366 # التوحيد ، ولكم دينكم الشرك. {لا حجة بيننا وبينكم} أي : لا خصومة ؛ لأن ~~الحق قد وضح ، ولم يبق للمحاجاة حاجة ، ولا للفصاحة محل ، سوى المكابرة. ~~{الله يجمع بيننا} يوم القيامة {وإليه المصير} ؛ المرجع ، فيظهر هناك حالنا ~~وحالكم. وهذه محاججة ، لا متاركة ، فلا نسخ فيها. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 366 PageV06P547 ~~والذين يحاجون في الله} ؛ يخاصمون في دينه {من بعد ما استجيب له} ؛ من بعد ~~ما استجاب له الناس ، ودخلوا فيه ، ليردوهم إلى دين الجاهلية ، كقوله : {ود ~~كثير ms2648 من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا...} [البقرة : 109] ، ~~والتعبير عن ذلك بالاستجابة ؛ باعتبار دعوتهم إليه ، أو : من بعد ما استجاب ~~الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأيده بنصره ، كيوم بدر ، أو : من بعد ما ~~استجاب له أهل الكتاب ، بأن أقروا بنعوته صلى الله عليه وسلم ، واستفتحوا ~~به قبل مبعثه. وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون للمؤمنين : كتابنا قبل ~~كتابكم ، ونبينا قبل نبيكم ، فنحن خير منكم ، فنزلت : {والذين يحاجون...} ~~الآية. {حجتهم داحضة} ؛ باطلة ، {عند ربهم} ، وإذا كانت داحضة من حيث كونه ~~ربا رؤوفا فأحرى من حيث كونه قاهرا منتقما. وسماها حجة ، وإن كانت شبهة ؛ ~~لزعمهم أنها حجة. {وعليهم غضب} عظيم ، لمكابرتهم الحق بعد ظهوره {ولهم عذاب ~~شديد} لا يقادر قدره. PageV06P548 # الإشارة : إذا استولت الغفلة على الناس ، وتفرقت القلوب ، يجب على أهل ~~البصيرة النافذة أن يتحركوا لوعظ الناس وتذكيرهم ، ولا يلتفتون إلى أهوائهم ~~، وما هو مشغوفون به من حظوظهم. قال تعالى : {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ~~ولا تتبع أهواءهم} فتدعون الناس إلى التوحيد ، وإقامة الشرائع ، بامتثال ~~الأوامر ، واجتناب المناكر ، ثم يدسونهم إلى حضرة الحق ، إن رأوا منهم من ~~هو أهله ، فمن فعل هذا كان قدره عند الله عظيما ، وجاهه كبيرا. وفي الحديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " والذي نفس محمد بيده ؛ إن ~~شئتم لأقسمن لكم : إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ~~، ويحببون عباد الله إلى الله ، ويمشون في الأرض بالنصيحة ". ومن وظيفته أن ~~يقول : آمنت بما أنزل الله من كتاب ، وما بعث من نبي وولي ، وأمرت لأعدل ~~بينكم في الوعظ ، والنصيحة ، وإمداد المدد ، لكن يأخذ كل واحد على قدر صدقه ~~وتعظيمه ، ثم يقول : {الله ربنا وربكم} ، يخص برحمته من يشاء ، لنا أعمالنا ~~: ما يليق بنا من عبادة القلوب ، ولكم أعمالكم : ما تطيقونه من عبادة ~~الجوارح ، لا خصومة بيننا وبينكم ؛ لأن قلوبنا سالمة لكم. الله يجمع بيننا ~~وبينكم في الدنيا بجمع متصل ، وإليه مصير الكل بالموت والفناء. والذين ~~يحاجون في الله ، أي ms2649 : يخاصمون في طريق الله ، ويقولون : انقطعت التربية ، ~~حجتهم داحضة ، وعليهم غضب البعد ، ولهم عذاب الكد والتعب. # 367 # جزء : 6 رقم الصفحة : 366 PageV06P549 ~~يقول الحق جل جلاله : {الله الذي أنزل الكتاب} ؛ القرآن ، أو : جنس الكتاب ~~، {بالحق} ؛ ملتبسا بالحق في أحكامه وأخباره ، أو : بما يحق إنزاله من ~~العقائد والأحكام ، {والميزان} ؛ وأنزل العدل والتسوية بين الناس ، أي : ~~أنزله في كتبه المنزلة ، وأمر به ، أو : الشرع الذي يوزن به الحقوق ، ~~ويساوي بين الناس. وقيل : هو عين الميزان ، أي : الآلة ، أنزله في زمن نوح ~~عليه السلام. {وما يدريك} أي شيء يجعلك عالما {لعل الساعة} التي أخبر بها ~~الكتاب الناطق بالحق {قريب} مجيئها. وضمن الساعة معنى البعث فذكر الخبر ، ~~وقيل : وجه المناسبة في ذكر الساعة مع إنزال الكتاب : أن الساعة يقع فيها ~~الحساب ووضع الموازين بالقسط ، فكأنه قيل : أمركم الله بالعدل والتسوية ، ~~والعمل بالشرائع ، فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم ، ~~ووزن أعمالكم. # {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} استعجال إنكار واستهزاء ، {والذين ~~آمنوا مشفقون} ؛ خائفون {منها} وجلون ؛ لهولها ، {ويعلمون أنها الحق} ~~الكائن لا محالة ، {ألا إن الذين يمارون في الساعة} ؛ يجادلون فيها ، من : ~~المرية ، أو : المماراة والملاحاة ، أو : من : مريت الناقة : إذا مسحت ~~ضرعها بشدة للحلب ؛ لأن كلا من المتجادلين يخرج ما عند صاحبه بكلام فيه ~~شدة. {لفي ضلال بعيد} عن الحق ؛ لأن قيام الساعة أظهر من كل ظاهر ، وقد ~~تواترت الشرائع على وقوعها ، والعقول تشهد أنه لا بد من دار الجزاء ، وإلا ~~كان وجود هذا العالم عبثا. PageV06P550 # {الله لطيف بعباده} أي : بر بهم في إيصال المنافع ودفع المضار ، أوصل لهم ~~من فنون الألطاف ما لا تكاد تناله أيدي الأفكار والظنون. وقيل : هو من لطف ~~بالغوامض علمه ، وعظم عن الجرائم حلمه ، أو : من ينشر المناقب ويستر ~~المثالب ، أو : يعفو عمن يهفو ، أو : من يعطي العبد فوق الكفاية ، ويكلفه ~~من الطاعة دون الطاقة. وقال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله ~~عنه : الظاهر حمل العباد على ما اصطفاه ، بدليل الإضافة المفيدة للتشريف ، ~~وأنه تعالى ms2650 لطيف بهم رفيق ، ومن ذلك : حمايتهم من الدنيا ، ومما يطغى من ~~الرزق ، وعليه ينزل قوله : {يرزق من يشاء}. ه. أي : يرزق على حسب مشيئته ، ~~المبنية على الحكم البالغة. وفي الحديث : " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا # 368 # الغنى ، ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح ~~إيمانه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك ". وأما قوله تعالى : {وما من ~~دآبة فى الأرض إلا على الله رزقها} [هود : 6] فهو وعد لجميع الخلق ، وهو ~~مبني على المشيئة المذكورة هنا ، فلا منافاة بينهما ، خلافا لابن جزي ؛ لأن ~~المشيئة قاضية على ظاهر الوعد ، ولا يقضي ظاهر الوعد عليها. انظر الحاشية. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 368 # وهو القوي} ؛ الباهر القدرة ، الغالب على كل شيء ، {العزيز} المنيع ؛ ~~الذي لا يغلب. PageV06P551 # الإشارة : الميزان هو العقل ؛ إذ به تعرف الأشياء ومقاديرها ، نافعها ~~وضارها. فالعقول متفاوتة كالموازين ، فبعض الموازين لرقته لا يوزن فيها إلا ~~الشيء الرفيع ، كالذهب ، والإكسير ، والفضة ، والطيب الرفيع ، وبعضها يصلح ~~لوزن الأشياء اللطيفة ، دون الخشينة ، كميزان العطار وشبهه ، وبعضها يصلح ~~للأشياء الخشينة المتوسطة ، كميزان الغزالين والحاكة ، وبعضها لا يصلح إلا ~~للخشين ، كالفحم وشبه ، وبعضها لا يصلح إلا للخشين الكثير ، كالذي يوزن به ~~القناطير من الشيء الخشين ، فالأول عقول العارفين ، لا يوزن فيها إلا أنوار ~~التوحيد وأسرار التفريد ، لا يصلح لغيرها ، والثاني للعباد ، والزهاد ، ~~والعلماء الصالحين ، والثالث للمتجمدين من العلماء ، والرابع لعامة ~~المؤمنين ، والخامس للفجار والكفار ، وفيهم نزل : {يستعجل بها الذين لا ~~يؤمنون بها...} الآية ، وما قبله هو قوله : {والذين آمنوا مشفقون منها}. # وقوله تعالى : {الله لطيف بعباده} ، اعلم أن لطفه سبحانه بعباده لا ينحصر ~~ولا ينفك عنه مخلوق ، من ظن انفكاك لطف الله عن قدره فذلك لقصور نظره ، فمن ~~لطفه سبحانه بخلقه : أنه أعطاهم فوق الكفاية ، وكلفهم دون الطاقة. ومن لطفه ~~سبحانه : تسهيله الأرزاق ، وتيسير الارتفاق ، فلو تفكر الإنسان في اللقمة ~~التي توضع بين يديه ، ماذا عمل فيها من العوالم العلوية والسفلية ؛ لتحقق ~~بغاية عجزه ، وتيقن بوجود لطفه ، وكذا ما يحتاج إليه ms2651 من مشروب ، وملبوس ، ~~ومطعوم. ومن لطفه سبحانه : توفيق الطاعات ، وتسهيل العبادات ، وتيسير ~~الموافقات. ومن لطفه سبحانه : حفظ التوحيد في القلوب ، واطلاعها # 369 PageV06P552 ~~على مكاشفة الغيوب ، وصيانة العقائد عن الارتياب ، وسلامة القلوب عن ~~الاضطراب. ومن لطفه سبحانه : إيهام العاقبة ؛ لئلا يتكلموا أو ييأسوا. ومن ~~لطفه سبحانه بالعبد : إخفاء أجله عليه ؛ لئلا يستوحش إن كان قد دنا أجله. ~~ومن لطفه سبحانه بخواصه : ستر عيوبهم ، ومحو ذنوبهم ، حتى وصلهم بما منه ~~إليهم ، لا بما منهم إليه ، فكشف لهم عن أسرار ذاته ، وأنوار صفاته ، ~~فشاهدوه جهرا ، وعبدوه شكرا. # جزء : 6 رقم الصفحة : 368 # يقول الحق جل جلاله : {من كان يريد حرث الآخرة} ، سمي ما يعمله العامل ~~مما يبتغي به الفائدة المستقبلة حرثا ، مجازا ؛ لأن الحرث : إلقاء البذر في ~~الأرض لننظر نتاجه ، فأطلقه على العمل ، لجامع حصول النتاج ، أي : من كان ~~يريد بأعماله ثواب الآخرة {نزد له في حرثه} ؛ نضاعف له ثوابه ، الواحدة ~~بعشر إلى سبعمائة فما فوقها ، أو : نزد له في توفيقه وإعانته ، وتسهيل سبيل ~~الخيرات والطاعات عليه. {ومن كان يريد} بأعماله {حرث الدنيا} وهو متاعها ~~وطيباتها {نؤته منها} أي : شيئا منها ، حسبما قسمناه له ، لا ما يريده ~~ويبتغيه ، {وما له في الآخرة من نصيب} إذا كانت همته مقصورة على الدنيا. ~~ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه ، للاستهانة بذلك إلى ~~جنب ما هو بصدده ، من زكاء أعماله ، وفوزه في المآب ؛ لأن ما يعطى في ~~الآخرة يستحقر أن يذكر معه غيره من الدنيا. PageV06P553 # الإشارة : قد مر مرارا ذم الدينا وصرف الهمة إليها ، وفي الحديث عن أبي ~~سعيد الخدري : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض خطبه : " ~~أيها الناس ، أقبلوا على ما كلفتموه من صالح آخرتكم ، وأعرضوا عما ضمن لكم ~~من أمر دنياكم ، ولا تشغلوا جوارحكم جوارح غذيت بنعمته في التعرض لخطأ ~~بمعصيته ، واجعلوا شغلكم بالتماس معرفته ، واصرفوا هممكم إلى التقرب بطاعته ~~، إنه من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الآخرة ، ولم يدرك منها ما ~~يريد ، ومن ms2652 بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا ، وأدرك من ~~الآخرة ما يريد ". قال الورتجبي : حرث الآخرة : مشاهدته ووصاله وقربه ، ~~وهذا للعارفين ، وحرث الدنيا : كرامات الظاهر ، ومن شغلته الكرامات احتجب ~~بها عن الحق. ثم قال : عن بعضهم : من عمل لله محبة له ، لا طلبا للجزاء ، ~~صغر عنده كل شيء دون الله ، فلا يطلب حرث الدنيا ، ولا حرث الآخرة ، بل ~~يطلب الله من الدنيا والآخرة. ثم قال : حرث الدنيا : # 370 # قضاء الوطر منها ، والجمع منها ، والافتخار بها ، ومن كان بهذه الصفة فما ~~له في الآخرة من نصيب. ه. وقال بعض الشعراء في هذا المعنى : # يا مؤثر الدنيا على دينه # ومشتر دنياه بالآخره>> بعت الذي يبقى بما ينقضي # تبا لها من صفقة خاسره # جزء : 6 رقم الصفحة : 370 # {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل ~~لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو ~~واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ~~ربهم ذلك هو الفضل الكبير ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات...} PageV06P554 ~~يقول الحق جل جلاله : {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين} ، " أم " : منقطعة ~~، أي : بل ألهم شركاء ، أو : معادلة لمحذوف ، تقديره : أقبلوا ما شرعت لهم ~~من الدين ، أم لهم آلهة شرعوا من الدين {ما لم يأذن به الله} أي : لم يأمر ~~به ، {ولولا كلمة الفصل} أي : القضاء السابق بتأخير الجزاء ، أي : ولولا ~~العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة {لقضي بينهم} ؛ بين الكفار والمؤمنين. أو ~~: لعجلت لهم العقوبة. {وإن الظالمين لهم عذاب أليم} ؛ وإن المشركين لهم ~~عذاب أليم في الآخرة ، وإن أخر عنهم في دار الدنيا. # {ترى الظالمين} ؛ المشركين في الآخرة {مشفقين} ؛ خائفين {مما كسبوا} ؛ من ~~جزاء كفرهم ، {وهو واقع} ؛ نازل {بهم} لا محالة ، أشفقوا أم لم يشفقوا. ~~{والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات} كأن روضة جنة المؤمن أطيب ~~بقعة فيها وأنزهها ، فالروضات : المواضع المونقة النضرة ، فهم مستقرون ms2653 في ~~أطيب بقعها وأنزهها. {لهم ما يشاؤون عند ربهم} أي : ما يشتهون من فنون ~~المستلذات حاصل لهم عند ربهم ، {ذلك هو الفضل الكبير} الذي لا يقادر قدره ، ~~ولا يبلغ غايته على العمل القليل ، فضلا من الكبير الجليل. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 371 # ذلك الذي يبشر الله} تعالى ، {عباده} فحذف عائد الموصول. ويقال : بشر ~~وبشر ، بالتشديد والتخفيف ، وقرىء بهما. ثم وصف المبشرين بقوله : {الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات} دون غيرهم. # الإشارة : كل من ابتدع عملا خارجا عن الكتاب والسنة فقد شرع من الدين ، ~~ما لم يأذن به الله ، فينسحب عليه الوعيد ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " ~~من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من # 371 PageV06P555 ~~عمل بها إلى يوم القيامة ". وقوله تعالى : {والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~في روضات الجنات} قال القشيري : في الدنيا جنة الوصلة ، ولذاذة الطاعة ~~والعبادة ، وطيب الأنس في أوقات الخلوة ، وفي الآخرة في روضات الجنات ، إن ~~أرادوا دوام اللطف دام لهم ، وإن أرادوا تمام الكشف كان لهم. ه. # ولما كان من شأن المبشر بالخير أن يلتمس الأجر ، نزه نبيه عن ذلك ، فقال : # {... قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربىا ومن يقترف حسنة نزد ~~له فيها حسنا إن الله غفور شكور}. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد {لا أسألكم عليه} ؛ على التبليغ ~~{أجرا}. روي أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم ، فقال بعضهم لبعض : أترون أن ~~محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا ؟ فنزلت. أي : لا أسألكم على التبليغ ~~والبشارة أجرا ، أي : نفعا {إلا المودة في القربى} ؛ إلا أن تودوا أهل ~~قرابتي ، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا ، أي : لا أسألكم أجرا قط ، ولكن ~~أسألكم أن تودوا قرابتي التي هم قرابتكم ، ولا تؤذوهم. ولم يقل : إلا مودة ~~القربى ، أو : المودة للقربى ؛ لأنهم جعلوا مكانا للمودة ، ومقرا لها ، ~~مبالغة ، كقولك : لي في مال فلان مودة ، ولي فيهم حب شديد ، تريد : أحبهم ، ~~وهم مكان حبي ومحله. وليست " في " بصلة للمودة كاللام ، إذا قلت : إلا ~~المودة للقربى ، وإنما هي متعلقة بمحذوف ، تعلق الظرف. ms2654 به والتقدير : إلا ~~المودة ثابتة في القربى ، ومتمكنة فيها. والقربى : مصدر ، كالزلفى والبشرى ~~، بمعنى القرابة. والمراد : في أهل القربى. PageV06P556 # روي أنه لما نزلت قيل : يا رسول الله! من أهل قرابتك هؤلاء الذين وجبت ~~علينا مودتهم ؟ قال : " علي وفاطمة وابناهما " وقيل : معناه : إلا أن ~~تودوني لقرابتي فيكم ، ولا تؤذوني ، إذ لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قرابة. وقيل : القربى : التقرب إلى ~~الله تعالى ، أي : إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل ~~الصالح. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 371 # ومن يقترف} أي : يكتسب {حسنة} أي حسنة كانت ، فيتناول مودة ذي القربى ~~تناولا أوليا. وعن السدي : أنها المرادة ، قيل : نزلت في الصديق رضي الله ~~عنه ومودته فيهم ، والظاهر : العموم ، {نزد له فيها حسنا} أي : نضاعفها له ~~في الجنة. {إن الله غفور} لمن أذنب بطوله {شكور} لمن أطاع بفضله ، بتوفية ~~الثواب والزيادة ، أو : غفور : # 372 # قابل التوبة ، شكور : حامل عليها. # الإشارة : محبة أهل البيت واجبة على البشر ، حرمة وتعظيما لسيد البشر ، ~~وقد قال : " من أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " فمحبة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الإيمان ، وعقد من عقوده ، لا يتم ~~الإيمان إلا بها ، وكذلك محبة أهل بيته. وفي الحديث صلى الله عليه وسلم : " ~~لا يؤمن أحدكم حتى يحبني ، ولا يحبني حتى يحب ذوي قرابتي ، أنا حرب لمن ~~حاربهم. وسلم لمن سالمهم ، وعدو لمن عاداهم ، ألا من آذى قرابتي فقد آذاني ~~، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى " وقال أيضا عليه الصلاة والسلام : " إني ~~تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ، كتاب الله تعالى وعترتي " ، فانظر ~~كيف قرنهم بالقرآن في كون التمسك بهم يمنع الضلال. PageV06P557 # وقال صلى الله عليه وسلم : " من مات على حب آل محمد مات شهيدا ، ألا ومن ~~مات على حب آل محمد بدل الله له زوار قبره ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات على ~~حب آل محمد مات على السنة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض ms2655 آل محمد جاء يوم ~~القيامة مكتوب بين عينية : آيس من رحة الله " انظر الثعلبي. زاد بعضهم : ~~ولو عصوا وغيروا في المذهب ؛ فنكره فعلهم ونحب ذاتهم. قال الشيخ زروق في ~~نصيحته : وما ينزل بنا من ناحيتهم نعده من القضاء النازل. ه. # وفي همزية البوصيري رحمه الله : # آل بيت النبي إن فؤادي # ليس يسليه عنكم التأساء # وقال آخر : # آل بيت رسول الله حبكم # فرض من الله في القرآن أنزله>> يكفيكم من عظيم المجد أنكم # من لم يصل عليكم لا صلاة له # وقوله تعالى : {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} ، الزيادة في الدنيا ~~بالهداية والتوفيق ، وفي الآخرة بتضعيف الثواب وحسن الرفيق. قال القشيري : ~~إذا أتانا بالمجاهدة زدناه بفضلنا تحقيق المشاهدة. ويقال : من يقترف حسنة ~~الوظائف نزد له حسن اللطائف. # 373 # ويقال : الزيادة ما لا يصل إليه العبد بوسيلة ، مما لا يدخل تحت طوق ~~البشر. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 371 # يقول الحق جل جلاله : {أم يقولون} أي : بل أيقولون {افترى} محمد {على ~~الله كذبا} في دعوة النبوة ، أو القرآن ؟ والهمزة للإنكار التوبيخي ، كأنه ~~قيل : أيمكن أن ينسبوا مثله عليه الصلاة والسلام للافتراء ، لا سيما لعظم ~~الافتراء ، وهو الافتراء على الله ، فإن الافتراء إنما يسام به أبعد خلق ~~الله ، ومن هو عرضة للختم والطبع ، فالعجب ممن يفوه به في جانب أكرم الخلق ~~على الله. PageV06P558 # {فإن يشإ يختم على قلبك} ، هذا استبعاد للافتراء على مثله ؛ لأنه إنما ~~يجترىء على الله من كان مختوما على قلبه ، جاهلا بربه ، أما من كان على ~~بصيرة ومعرفة بربه ، فلا ، وكأنه قال : إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك ، ~~لتجترىء بالافتراء عليه ، لكنه لم يفعل فلم تفتر. أو : فإن يشأ الله عدم ~~صدور القرآن عنك يختم على قلبك ، فلم تقدر أن تنطق بحرف واحد منه ، وحيث لم ~~يكن كذلك ، بل تواتر الوحي عليك حينا فحينا ؛ تبين أنه من عند الله تعالى. ~~وهذا أظهر. # وقال مجاهد : إن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم ، وعلى قولهم : ~~افترى على الله كذبا ms2656 ؛ لئلا تدخله مشقة بتكذيبهم. ه. # {ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته} ، استئناف مقرر لنفي الافتراء ، ~~غير معطوف على " يختم " كما ينبىء عنه إظهار الاسم الجليل ، وإنما سقطت ~~الواو كما في بعض المصاحف لاتباع اللفظ ، كقوله تعالى : {ويدع الإنسان ~~بالشر...} [الإسراء : 11] مع أنها ثابتة في مصحف نافع. قاله النسفي. أي : ~~ومن شأنه تعالى أن يمحق الباطل ، ويثبت الحق بوحيه ، أو بقضائه ، كقوله ~~تعالى : {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} [الأنبياء : 18] ، فلو كان ~~افتراء كما زعموا لمحقه ودمغه. أو : يكون عدة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأنه تعالى يمحو الباطل الذي هم عليه ، ويثبت الحق الذي هو عليه صلى ~~الله عليه وسلم بالقرآن ، أو بقضائه الذي لا مرد له بنصره عليهم ، وقد فعل ~~ذلك ، فمحا باطلهم ، وأظهر الإسلام. {إنه عليم بذات الصدور} أي : عليم بما ~~في صدرك وصدورهم ، فيجري الأمر على حسب ذلك من المحو والإثبات. # 374 # {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده}. يقال : قبلت الشيء منه : إذا أخذته منه ~~، وجعلته مبدأ قبولك ، وقبلته عنه ، أي : عزلته وأبنته عنه. والتوبة : ~~الرجوع عن القبيح بالندم ، والعزم ألا يعود ، ورد المظالم واجب غير شرط. PageV06P559 # جزء : 6 رقم الصفحة : 374 # قال ابن عباس : لما نزل. {قل لا اسألكم عليه أجرا...} الآية. قال قوم في ~~نفوسهم : ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده ، فأخبر جبريل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنهم قد اتهموه ، وأنزل : {أم يقولون افترى على الله ~~كذبا...} الآية ، فقال القوم : يا رسول الله ؛ فإنا نشهد أنك صادق. فنزل : ~~{وهو الذي يقبل التوبة...} ه. # قال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الله أفرح بتوبة عبده ~~المؤمن من الضال الواجد ، ومن العقيم الوالد ، ومن الظمآن الوارد ، فمن تاب ~~إلى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظيه ، ولو كانت بقاع الأرض خطاياه وذنوبه ~~". واختلف العلماء في حقيقة التوبة وشرائطها ، فقال جابر بن عبد الله : دخل ~~أعرابي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : اللهم إني أستعيذك وأتوب ~~إليك ، سريعا ، وكبر ، فلما فرغ ms2657 من صلاته ، قال له علي : ما هذا ؟ إن سرعة ~~الاستغفار باللسان توبة الكذابين ، وتوبتك تحتاج إلى توبة ، فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، وما التوبة ؟ قال : أسم يقع على ستة معان : على الماضي من ~~الذنوب الندامة ، ولتضييع الفرائض الإعادة ، ورد المظالم ، وإذابة النفس في ~~الطاعة ، كما أذبتها في المعصية ، وإذاقة النفس مرارة الطاعة ، كما أذقتها ~~حلاوة المعصية ، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. # وعن السدي : هي صدق العزيمة على ترك الذنوب ، والإنابة بالقلب إلى علام ~~الغيوب. وعن سهل : هي الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. ~~وعن الجنيد : هي الإعراض عما سوى الله. # قال الله تعالى : {ويعفو عن السيئات} وهو ما دون الشرك ، يعفو لمن يشاء ~~بلا توبة ، {ويعلم ما تفعلون} كائنا ما كان ، من خير أو شر ، حسبما تقتضيه ~~مشيئته. PageV06P560 # {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي : يستجيب لهم فحذف اللام كما في ~~قوله : {وإذا كالوهم} [المطففين : 3] أي : يجيب دعوتهم ، ويثيبهم على ~~طاعتهم ، أو : يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها. قيل لإبراهيم بن أدهم ~~: ما لنا ندعو فلا نجاب ؟ قال : " لأنه دعاكم فلم تجيبوا ". {ويزيدهم من ~~فضله} على ما سألوه ، واستحقوه بموجب الوعد. {والكافرون لهم عذاب شديد} بدل ~~ما للمؤمنين من الفضل العظيم والمزيد. # الإشارة : قال الورتجبي : {أم يقولون افترى على الله كذبا} فيه تقديس ~~كلامه ، # 375 # وطهارة نبيه صلى الله عليه وسلم عن الافتراء ، وكيف يفتري وهو مصون من ~~طريان الشك والريب والوساوس والهواجس على قلبه ؟ وقال أيضا : عن الواسطي : ~~إن يشأ الله يختم على قلبك لكن ما يشاء ، ويمح الله الباطل بنفسه ونعته ، ~~حتى يعلم أنه لا حاجة له إلى أحد من خلقه ، ثم يحقق الحق في قلوب أنشأها ~~للحقيقة. # جزء : 6 رقم الصفحة : 374 # قلت : في الآية تهديد لأهل الدعوى ؛ لأنهم إن داموا على دعواهم الخصوصية ~~بلا خصوصية ؛ ختم الله على قلوبهم بالنفاق ، ثم يمحو الله الباطل بأهل الحق ~~والتحقيق ، فتشرق حقائقهم على ما يقابلها من البال فتدمغه بإذن الله وقضائه ~~وكلماته. # وقوله تعالى : {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده...} ms2658 الخ ، لكل مقام توبة ، ~~ولكل رجال سيئات ، فتوبة العوام من الذنوب ، وتوبة الخواص من العيوب ، ~~وتوبة خواص الخواص من الغيبة عن شهود علام الغيوب. وقوله تعالى : {ويعلم ما ~~تفعلون} يشير إلى الحلم بعد العلم. PageV06P561 # وقوله تعالى : {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي : في كل ما يتمنون ~~، {ويزيدهم من فضله} النظر إلى وجهه ، ويتفاوتون فيه على قدر توجههم ، ~~ومعرفتهم في الدنيا. وذكر في القوت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في تفسير قوله تعالى : {ويزيدهم من فضله} قال : " يشفعهم في إخوانهم ، ~~فيدخلهم الجنة " ه. قال القشيري : ويقال : لما ذكر أن التائبين يقبل توبتهم ~~، ومن لم يتب يعفو عن زلته ، والمطيع يدخله الجنة ، فلعله خطر ببال أحد : ~~فهذه النار لمن هي ؟ فقال {والكافرون لهم عذاب شديد} ، ولعله يخطر بالبال ~~أن العصاة لا عذاب لهم ، فقال : (شديد) بدليل الخطاب أنه ليس بشديد ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 374 # يقول الحق جل جلاله : {ولو بسط الله الرزق لعباده} أي : لو أغناهم جميعا ~~{لبغوا في الأرض} أي : لتكبروا وأفسدوا فيها ، بطرا ، ولعلا بعضهم على بعض ~~بالاستعلاء والاستيلاء ، لأن الغنى مبطرة مفسدة ، وكفى بحال قارون وفرعون ~~عبرة. وأصل البغي : تجاوز الاقتصاد عما يجزي من حيث الكمية أو الكيفية. ~~{ولكن ينزل بقدر} أي : بتقدير {ما يشاء} أن ينزله ، مما تقضيه مشيئته. يقال ~~: قدره وقدره قدرا وتقديرا {إنه بعباده خبير # 376 # بصير} ؛ محيط بخفايا أمورهم وجلاياها ، فيقدر لكل واحد منهم ما يليق ~~بشأنه ، فيفقر ويغني ، ويعطى ويمنع ، ويقبض ويبسط ، حسبما تقتضيه الحكمة ~~الربانية ، ولو أغناهم جميعا لبغوا في الأرض ، ولو أفقرهم لهلكوا ، وما ترى ~~من البسط على من يبغي ، ومن البغي بدون البسط ، فهو قليل ، ولكن البغي مع ~~الفقر أقل ، ومع البسط أكثر وأغلب ، فالحكمة لا تنافي بغي البعض بدفعه ~~بالبعض الآخر ، بخلاف بغي الجميع. {ولولا دفع الله الناس...} [الحج : 40] الآية. PageV06P562 # وقال شفيق بن إبراهيم : {لو بسط الله الرزق لعباده} أي : لو رزق الله ~~العباد من غير كسب {لبغوا} ؛ طغوا وسعوا في الأرض بالفساد ، ولكن شغلهم ms2659 ~~بالكسب والمعاش ، رحمة منه. ه. أي : لئلا يتفرغوا للفساد ، ومثله في ~~التنوير. وقال شيخ شيوخنا الفاسي العارف : والظاهر حمل العباد على الخصوص ~~المصطفين من المؤمنين ، فإنهم يحمون من الطغيان وبسط الرزق ؛ لئلا يبغوا. ه. # وقال قتادة : كان يقال : خير الرزق : ما لا يطغيك ، ولا يلهيك ، فذكر لنا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا ~~وكثرتها " ه. # روي أن أهل الصفة تمنوا الغنى ، فنزلت. وقيل : نزلت في العرب ، كانوا إذا ~~أخصبوا تحاربوا ، وإذا جدبوا انتجعوا. ه. # {وهو الذي ينزل الغيث} أي : المطر الذي يغيثهم من الجدب ، ولذا خص ~~بالنافع منه ، فلا يقال للمطر الكثير : غيث ، {من بعد ما قنطوا} : يئسوا ~~منه. وتقييد تنزيله بذلك ، مع نزوله بدونه أيضا ؛ لمزيد تذكر كمال النعمة. ~~{وينشر رحمته} أي : بركات الغيث ومنافعه ، وما يحصل به من الخصب في كل مكان ~~، من السهل ، والجبل ، والنبات ، والحيوان. أو : رحمته الواسعة المنتظمة ~~لما ذكر وغيره. {وهو الولي} الذي يتولى عباده بالإحسان ونشر الرحمة ، ~~{الحميد} ؛ المستحق للحمد على ذلك ، لا غيره. # جزء : 6 رقم الصفحة : 376 # الإشارة : عادته تعالى مع أوليائه أن يعطيهم ما يكفيهم بعد الاضطرار ، ~~ويمنعهم منه فوق الكفاية ؛ لئلا يشغلهم بذلك عن حضرته ، وفي الحديث : " إن ~~الله يحمي عبده المؤمن أي : مما يضره الدنيا وغيرها كما يحمي الراعي ~~الشفيق غنمه من مراتع الهلكة " وفي حديث آخر : " إذا أحب الله عبدا حماه ~~الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء " وروى ابن المبارك ، عن سعيد بن المسيب ~~قال : جاء رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أخبرني يا # 377 PageV06P563 ~~رسول الله بجلساء الله يوم القيامة ؟ فقال : " هم الخائفون ، الخاضعون ، ~~المتواضعون ، الذاكرون كثيرا " فقال : يا رسول الله ؛ فهم أول الناس يدخلون ~~الجنة ؟ قال : " لا " قال : فمن أول الناس دخولا الجنة ؟ قال : " الفقراء ~~يسبقون الناس إلى الجنة ، فيخرج إليهم ملائكة ، فيقولون : ارجعوا إلى ~~الحساب ، فيقولون : علام نحاسب ؟ والله ما أفيضت علينا الأموال فنفيض فيها ~~، وما كنا أمراء نعدل ونجور ، ولكنا جاءنا أمره فعبدنا ms2660 حتى أتانا اليقين " ه. # قوله : {وهو الذي ينزل الغيث...} الآية ، كما ينزل غيث المطر على الأرض ~~الميتة ، ينزل أمطار الواردات الإلهية على القلوب الميتة ، فتحيا بالذكر ~~والمعرفة ، بعد أن أيست من الخصوصية. # قال القشيري : بعد كلام : وكذلك العبد إذا ذبل غصن وقته ، وتكدر صفو وده ~~؛ وكسفت شمس أنسه ، وبعد عن الحضرة وساحات القرب عهده ، فربما ينظر إليه ~~الحق نظر رحمة ، فينزل على سره أمطار الرحمة ، ويعود عوده طريا ، وينبت في ~~مشاهد أنسه وردا جنيا ، وأنشدوا في المعنى : # إن راعني منك الصدود # فلعل أيامي تعود>> ولعل عهدك باللوى # يحيا فقد تحيا العهود>> والغصن ييبس تارة # وتراه مخضرا يميد PageV06P564 ~~وقوله تعالى : {وهو الولي} قال القشيري في شرح الأسماء : الولي هو المتولي ~~لأحوال عباده ، وقيل معناه : المناصر ، فأولياء الله أنصار دينه ، وأشياع ~~طاعته ، والولي في صفة العبد : هو من يواظب على طاعة ربه ، ومن علامات من ~~يكون الحق سبحانه وليه : أن يصونه ويكفيه في جميع الأحوال ، ويؤمنه ، فيغار ~~على قلبه أن يتعلق بمخلوق في دفع شر أو جلب نفع ، بل يكون سبحانه هو القائم ~~على قلبه في كل نفس ، فيحقق آماله عند إشارته ، ويجعل مآربه عند خطراته. ~~ومن أمارات ولايته لعبده : أن يديم توفيقه ، حتى لو أراد سوءا ، أو قصد ~~محظورا ، عصمه من ارتكابه. ثم قال : ومن أمارات ولايته : أن يرزقه مودة في ~~قلوب أوليائه. ه. قلت : " جعل مآربه عند خطراته : ليس شرطا ؛ لأن هذا من ~~باب الكرامة ، ولا يشترط ظهورها عند المحققين. وروى أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن جبريل ، عن ربه عز وجل قال : " من أهان لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة ، وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي ، وإني لأغضب لهم ، كما يغضب ~~الليث الحرد " انظر بقية الحديث في الثعلبي. # 378 # جزء : 6 رقم الصفحة : 376 PageV06P565 ~~يقول الحق جل جلاله : {ومن آياته} الدالة على باهر قدرته ووحدانيته {خلق ~~السماوات والأرض} على ما هما عليه من تعاجيب الصنعة ، فإنها بذاتها وصفاتها ~~تدل على شؤونه العظيمة ، {وما بث} أي : فرق {فيهما من ms2661 دابة} ؛ من حي على ~~الإطلاق ، فأطلق الدابة على مطلق الحيوان ، ليدخل الملائكة. أو : ما يدب ~~على الأرض ، فإن ما يختص أحد الشيئين المجاورين يصح نسبته إليهما ، كقوله ~~تعالى : {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن : 22] وإنما يخرج المرجان من ~~الملح ، ولا يبعد أن يخلق الله في السموات حيوانا يمشون مشي الأناسي على ~~الأرض ، أو : يكون للملائكة مشي مع الطيران ، فوصفوا بالدبيب لذلك. {وهو ~~على جمعهم} أي : حشرهم بعد البعث للحساب {إذا يشاء} أي : في الوقت الذي ~~يشاء {قدير} لا يعجزه شيء. # الإشارة : من تعرفاته : إظهار السموات والأرض ، وهذه رسوم المعاني ، وما ~~بث فيهما من دابة ، وهذه أشكال توضح أسرار المعاني ، فإذا قبضت المعاني ~~محيت الرسول والأشكال. وقوله تعالى : {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} ، قال ~~القشيري : الإشارة في هذا : أن الحق تعالى يغار على أوليائه أن يسكن بعضهم ~~بقلبه إلى بعض ، فأبدا يبدد شملهم ، ولا يكاد تتفق الجماعة من أهل القلوب ~~إلا نادرا ، وذلك أيضا مدة يسيرة ، كما أنشدوا : # رمى الدهر بالفتيان حتى كأنهم # بأكناف أطراف السماء نجوم # وقد يتفضل تعالى باجتماعهم في الظاهر ، وذلك وقت نظر الحق بفضله إلى ~~العالم ، وفي بركات اجتماعهم حياة العالم ، وإذ كان قادرا فهو على جمعهم ~~إذا يشاء قدير. ه. # قلت : مما جرت به عادة الله تعالى في أوليائه : أنه لا يجتمع في موضع ~~واحد منهم اثنان فأكثر إلا قام أحدهما بالآخر ، ويفقد نظامهما ، فلا تكاد ~~تحد أهل النور القوي إلا متباعدي الأوطان ، لئلا يطفي نور إحداهما نور ~~الآخر ، وقد يجتمعون نادرا في وقت مخصوص ، وذلك وقت النفحات. كما تقدم ~~للقشيري. PageV06P566 # جزء : 6 رقم الصفحة : 378 # يقول الحق جل جلاله : {وما أصابكم من مصيبة} غم ، أو ألم ، أو مكروه {بما ~~كسبت أيديكم} أي : بجناية كسبتموها ، عقوبة لكم. ومن قرأ بالفاء ؛ ف " ما " ~~شرطية. ومن # 379 # قرأ بغيرها فموصلة. وتعلق بهذه الآية من يقول بالتناسخ ، ومعناه عندهم : ~~أن أرواح المتقدمين حين تموت أشباحها تنتقل إلى أشباح أخر ، فإن كانت صالحة ~~انتقلت إلى جسم صالح ؛ وإن كانت خبيثة ms2662 انتقلت إلى جسم خبيث ، وهو باطل ~~وكفر. ووجه التعلق : أنه لو لم يكن للأطفال حالة كانوا عليها قبل هذه ~~الحالة لما تألموا. ويجاب : بأن تألم الأطفال إما زيارة في درجات آبائهم إن ~~عاشوا ، أو في درجاتهم إن ماتوا ؛ لأنهم يلحقون بآبائهم في الدرجة ، ولا ~~عمل لهم إلا هذا التألم. والله أعلم. # والآية مخصوصة بالمكلفين بدليل السياق وهو قوله : {ويعفو عن كثير} أي : ~~من الذنوب فلا يعاقب عليها ، أو : عن كثير من الناس ، فلا يعاجلهم ~~بالعقوبة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " والله أكرم من أن يثني ~~عليكم العقوبة في الآخرة ، وما عفا عنه فالله أحلم من أن يعود فيه بعد عفوه ~~" وقال ابن عطاء : من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه ، ~~وأن ما عفا عنه مولاه أكثر ، كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وقال محمد ~~بن حامد : العبد ملازم للجنايات في كل أوان ، وجناياته في طاعته أكثر من ~~جناياته في معاصيه ؛ لأن جناية المعصية من وجه ، وجناية الطاعة من وجوه ، ~~والله يطهر العبد من جناياته بأنواع من المصائب ليخفف عنه أثقاله في ~~القيامة ، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة. PageV06P567 # وعن علي كرم الله وجهه : هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن ؛ لأن الكريم ~~إذا عاقب مرة لا يعاقب ثانيا ، وإذا عفا لا يعود. ه. وقد تقدم حديثا. قال ~~في الحاشية الفاسية : قلت : وإنما يعفو في الدنيا عما يشاء ، ويؤخر عقوبة ~~من شاء إلى الآخرة ، فلا يلزم إبطال وعيد الآخرة. ثم الآية إما خاصة ~~بالحدود ، أو بالمجرم المذنب ، وأما من لا ذنب له فما يصيبه من البلاء ~~اجتباء ، وتخصيص ، لا تمحيص. ه. # قلت : لكل مقام ذنب ، حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فالتمحيص جار في كل ~~مقام ، وراجع ما تقدم عند قوله : {لقد تاب الله على النبى...} [التوبة : ~~117] وسيأتي عند قوله : {واستغفر لذنبك...} [محمد : 19] ما يبين هذا. والله أعلم. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 379 # وما أنتم بمعجزين في الأرض} أي : ما أنتم بفائتين ما قضي عليكم من ms2663 ~~المصائب ، وإن هجرتم في أقطارها كل مهرب ، {وما لكم من دون الله من ولي} ~~متول يحميكم منها {ولا نصير} يدفعها عنكم ، أو يدفع عذابه إن حل. الإشارة : ~~إذا كان العبد عند الله في عين العناية أدبه في الدنيا ، ويبقى في حال قربه ~~، وإذا كان عنده في عين الإهمال ؛ أمهل عقوبته إلى دار البقاء ، وربما ~~استدرجه بالنعم في # 380 # حال إساءته ، والعياذ بالله من مكره. وإذا علم العبد أن ما يصيبه في هذه ~~الدار من الأكدار كلها تخليص وتمحيص ؛ لم يستوحش منها ، بل يفرح بها ؛ إذ ~~هي علامة العناية ، وإذا كانت على أيدي الناس ، لم يقابلهم بالانتصار ، بل ~~يعفو ويصفح ؛ لعلمه أن ذلك زيارة وترقية. وقوله تعالى : {ويعفو عن كثير} ~~هذا والله أعلم في حق العامة ، وأما الخاصة ؛ فيشدد عليهم المحاسبة ~~والتأديب ؛ ليرفع مقامهم ، ويكرم مثواهم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 379 PageV06P568 ~~يقول الحق جل جلاله : {ومن آياته} للدلالة على قدرته ووحدانيته {الجواري} ~~السفن الجارية {في البحر كالأعلام} ؛ كالجبال {إن يشاء يسكن الرياح} التي ~~تجريها. وقرىء بالإفراد. {فيظللن رواكد على ظهره} ؛ فيبقين ثوابت على ظهر ~~البحر ، أي : غير جاريات لا غير متحركات أصلا ، {إن في ذلك لآيات} عظيمة في ~~أنفسها ، كثيرة في العدد ، دلالة على باهر قدرته {لكل صبار شكور} ؛ لكل من ~~حبس نفسه عن الهوى ، وصرف همته إلى النظر في آلائه ، أو : لكل صبار على ~~بلائه ، شكور لنعمائه ، أي : لكل مؤمن كامل ؛ فإن الإيمان نصفان : نصف شكر ~~، ونصف صبر ؛ لأن الإنسان لا يخلو من ضر يمسه ، أو نفع يناله ، فآداب الضر ~~: الصبر ، وآداب النفع : الشكر ، وأيضا : راكب السفن ملزوم ، إما للمشقة أو ~~السلامة ، فالصبر والشكر لا زمان له. ولم يعطف إحدى الصفتين على الأخرى ؛ ~~لأنهما لموصوف واحد. # {أو يوبقهن} أي : يهلكهن ، عطف على قوله : {يسكن} أي : إن يشأ يسكن الريح ~~فيركدن ، أو يعصفها فيغرقن بعصفها {بما كسبوا} من الذنوب. وإيقاع الإيباق ~~عليهم مع أنه حال أهلهن ؛ للمبالغة والتهويل ، {ويعف عن كثير} منها ، فلا ~~يجازي عليها ، وإنما أدخل العفو في حكم الإيباق ms2664 ، حيث جزم جزمه ؛ لأن ~~المعنى : أو إن يشأ يهلك وينج ناسا ، على طريق العفو عنهم. وقرىء : " ويعفو ~~" عن الاستئناف. {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا} أي : في إبطالها وردها ~~{ما لهم من محيص} ؛ من مهرب من العذاب. والجملة معلقة بالنفي ، ومن نصب " ~~يعلم " عطفه على علة محذوفة ، أي : لينتقم منهم وليعلم ، كما في قوله : ~~{ولنجعله ءاية للناس} [مريم : 21]. وقيل غير ذلك. ومن رفعه فعلى الاستئناف. ~~وقرىء بالجزم ، عطفا على : " يعف " ، فيكون المعنى : أو إن يشأ يجمع بين ~~إهلاك قوم وإنجاء آخرين وتحذير قوم. # الإشارة : ومن آياته الأفكار الجارية في بحر التوحيد ، كالأعلام ، أي : ~~أصحابها # 381 PageV06P569 ~~كالجبال الرواسي ، لا يهزهم شيء من الواردات ولا غيرها ، إن يشأ يسكن رياح ~~الواردات عن أسرارهم ، فيبقين رواكد على ظهر بحر الأحدية ، مستغرقين في ~~شهود الذات العلية ، أو يوبقهن بما كسبوا من سوء الأدب ، فيغرقن في الزندقة ~~أو الحلول والاتحاد ، ويعف عن كثير ، ويعلم الذين يطعنون في آياتنا الدالة ~~علينا ما لهم من مهرب. # جزء : 6 رقم الصفحة : 381 # يقول الحق جل جلاله : {فما أوتيتم من شيء} مما ترجون وتتنافسون فيه ~~{فمتاع الحياة الدنيا} أي : فهو متاعها ، تتمتعون به مدة حياتكم ، ثم يفنى ~~، {وما عند الله} من ثواب الآخرة {خير} ذاتا ؛ لخلوص نفعه ، {وأبقى} زمانا ~~؛ لدوام بقائه. {للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} ، و" ما " الأولى ضمنت ~~معنى الشرط ، فدخلت في جوابها الفاء ، بخلاف الثانية. وعن علي رضي الله عنه ~~: أن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله ، فلامه الناس ، فنزلت الآية. # ثم قال تعالى : {والذين يجتنبون كبائر الإثم} أي : الكبائر من هذا الجنس. ~~وقرأ الأخوان : " كبير الإثم ". قال ابن عباس : هو الشرك ، {و} يجتنبون ~~{الفواحش} وهي ما عظم قبحها ، كالزنى ونحوه ، {وإذا ما غضبوا} من أمر ~~دنياهم {هم يغفرون} أي : هم الإخصاء بالغفران في حال الغضب ، فيحملون ، ~~ويتجاوزون. وفي الحديث : " من كظم غيظه في الدنيا رد الله عنه غضبه يوم ~~القيامة ". {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة} ؛ أتقنوا الصلوات الخمس ~~، {وأمرهم شورى بينهم} أي : ذو شورى ms2665 ، يعني : لا ينفردون برأيهم حتى ~~يجتمعون عليه. وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. والشورى : ~~مصدر ، كالفتيا ، بمعنى # 382 # التشاور. {ومما رزقناهم ينفقون} ؛ يتصدقون. PageV06P570 # {والذين إذا أصابهم البغي} ؛ الظلم {هم ينتصرون} ؛ ينتقمون ممن ظلمهم ، أي ~~: يقتصرون في الانتصار على ما حد لهم ، ولا يعتدون ، وكانوا يكرهو أن يذلوا ~~أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق ، فإذا قدروا عفوا ، وإنما حمدوا على الانتصار ~~؛ لأن من انتصر ، وأخذ حقه ، ولم يجاوز في ذلك حد الله ، فلم يسرف في القتل ~~، إن كان ولي دم ، فهو مطيع لله. وقال ابن العربي : قوله : {والذين إذا ~~أصابهم البغي...} الآية ذكر الانتصار في معرض المدح ، ثم ذكر العفو في معرض ~~المدح ، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر ، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى ~~حالين ، أحدهما : أن يكون الباغي معلنا بالفجور وقحا في الجمهور ، ومؤذيا ~~للصغير والكبير ، فيكون الانتقام منه أفضل ، وفي مثله قال إبراهيم النخعي : ~~يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم ، فيجترىء عليهم الفساق. وإما أن تكون ~~الفلتة ، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ، ويسأل المغفرة ، فالعفو ها هنا ~~أفضل ، وفي مثله نزل : {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة : 277] ، {وليعفوا ~~وليصفحوا} [النور : 22] الآية. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 382 PageV06P571 ~~ثم بين حد الانتصار ، فقال : {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ؛ فالأولى سيئة حقيقة ~~، والثانية مجازا للمشاكلة ، وفي تسميتها سيئة نكتة ، وهي الإشارة إلى أن ~~العفو أولى ، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو ، ولذلك عقبه بقوله : ~~{فمن عفا وأصلح} بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء {فأجره على الله} ، وهي ~~عدة مبهمة لا يقادر قدرها ، {إنه لا يحب الظالمين} الذين يبدؤون بالظلم ، ~~أو : يتجاوزون حد الانتصار. وفي الحديث : " ينادي مناد يوم القيامة : من ~~كان له أجر على الله فليقم ، فلا يقوم إلا من عفا ". {ولمن انتصر بعد ظلمه} ~~أي : أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول {فأولئك} جمع ~~الإشارة مراعاة لمعنى " من " {ما عليهم من سبيل} للمعاقب ولا للمعاتب {إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس} ؛ يبتدئونهم بالظلم ، {ويبغون في الأرض} ؛ ~~يتكبرون فيها ، ويعلون ms2666 ، ويفسدون {بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم} بسبب ~~بغيهم وظلمهم. وفسر السبيل بالتبعة والحجة. # {ولمن صبر} على الظلم والأذى ، {وغفر} ولم ينتصر ، أو : ولمن صبر على ~~البلاء من غير شكوى ، وغفر بالتجاوز عن الخصم ، ولا يبقي لنفسه عليه دعوى ، ~~بل يبري خصمه من جهته من كل دعوى في الدنيا ، والعقبى ، {إن ذلك لمن عزم ~~الأمور} أي : إن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور ، أي : من الأمور ~~التي ندب إليها ، وعزم على فعلها ، أو : مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على ~~نفسه ، ولا يترخص في تركه. وحذف الراجع # 383 # أي : منه كما حذف في قولهم : السمن منوان بدرهم. وقال أبو سعيد القرشي : ~~الصبر على المكاره من علامات الانتباه ، فمن صبر على مكروه أصابه ، ولم ~~يجزع ، أورثه الله تعالى حال الرضا ، وهو أصل الأحوال ؛ ومن جزع من ~~المصيبات ، وشكى ، وكله إلى نفسه ، ثم لم تنفعه شكواه. ه. وانظر تحصيل ~~الآية في الإشارة ، إن شاء الله. PageV06P572 # قال ابن جزي : ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي ~~الله عنهم ، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق ، ثم صفات عمر ، ثم صفات ~~عثمان ، ثم صفات علي بن أبي طالب ، فأما صفات أبي بكر ، فقوله : {الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} وإنما جعلنا هذه صفات أبي بكر ، وإن كان جميعهم ~~متصفا بها ، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره ، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح " وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا مدينة الإيمان ، وأبو بكر بابها " ~~وقال أبو بكر : " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ". والتوكل إنما يقوى بقوة ~~الإيمان. # جزء : 6 رقم الصفحة : 382 # وأما صفات عمر : فقوله : {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} ؛ لأن ~~ذلك هو التقوى ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا مدينة ~~التقوى وعمر بابها " ، وقوله : {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} ، وقوله : {قل ~~للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} نزلت في ms2667 عمر. وأما صفات ~~عثمان ؛ فقوله : {والذين استجابوا لربهم} ؛ لأن عثمان كان كثير الصلاة ~~بالليل ، وفيه نزلت : {أمن هو قانت ءانآء الليل ساجدا...} [الزمر : 9] ~~الآية. وروي أنه كان يحيي الليل بركعة ، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله : ~~{وأمرهم شورى بينهم} ؛ لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى ، وقوله : {ومما ~~رزقناهم ينفقون} ؛ لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله ، ويكفيك أنه ~~جهز جيش العسرة. PageV06P573 # وأما صفات علي ؛ فقوله : {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} ؛ لأنه لما ~~قاتلته الفئة الباغية قاتلها ، انتصارا للحق ، وانظر كيف سمى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية ، حسبما ورد في الحديث الصحيح ~~، أنه قال لعمار : " ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية " وذلك هو البغي الذي ~~أصابه ، وقوله : {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} إشارة # 384 # إلى فعل الحسن بن علي ، حين بايع معاوية ، وأسقط حق نفسه ، ليصلح أحوال ~~المسلمين ، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن : " ~~إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وقوله : ~~{ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} إشارة إلى انتصار الحسين ~~بعد موت أخيه ، وطلبه للخلافة ، وانتصاره من بني أمية. وقوله : {إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس} إشارة إلى بني أمية ، فإنهم استطالوا على ~~الناس ، كما في الحديث : " إنهم جعلوا عباد الله خولا ، ومال الله دولا " ، ~~فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم ، وقوله : ~~{ولمن صبر وغفر} إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما ~~نالهم من الضر والذل ، طول مدة بني أمية. ه. PageV06P574 # الإشارة : قوله تعالى : {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا} أي : ~~وينقص من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به ، كما في الخبر ، ولذلك زهد ~~فيه بقوله : {وما عند الله خير وأبقى...} الآية ، أي : وما عند الله من ~~الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. {والذين يجتنبون كبائر الإثم} ~~هي أمراض القلوب ، كالحسد والكبر والرياء وغيرها ، {والفواحش} هي معاصي ms2668 ~~الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى : {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} لم يقل ~~الحق تعالى : والذين لم يغضبوا ؛ لأن الغضب وصف بشري ، لا ينفك عنه مخلوق ، ~~فالمطلوب المجاهدة في دفعه ، ورد ما ينشأ عنه ، لا زواله من أصله ، فعدم ~~وجوده في البشر أصلا نقص ، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه : " من استغضب ~~ولم يغضب فهو حمار " فالشرف هو كظمه بعد ظهوره ، لا زواله بالكلية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 382 # وقوله تعالى : {والذين استجابوا لربهم} قال القشيري : المستجيب لربه هو ~~الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه ، ولا يبقى لهم منه بقية ، ~~{وأمرهم شورى بينهم} أي : لا يستبد أحدهم برأي ، ويتهم رأيه وأمره ، ثم إذا ~~أراد القطع توكل على الله. ه. # وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب : أربع مقامات : # الأول : قوم من شأنهم الغفران مطلقا ، قدروا أو عجزوا ، لا يتحركون في ~~الانتصار قط ، وهو قوله تعالى : {وإذا ما غضبوا هم يغفرون}. # والثاني : قوم قادرون على إنفاذ الغضب ، فتحركوا في الانتصار ، ثم عفوا ~~بعد الاقتدار ، وهذا قوله : {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} ، ثم قال ~~: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله}. # 385 # والثالث : قوم قدروا وانتصروا ، وأخذوا حقهم ، لكن وقفوا عند ما حد لهم ، ~~وهو قوله : {ولمن انتصر بعد ظلمه...} الآية. PageV06P575 # والرابع : قوم ظلموا ، فعفوا ، وزادوا الإحسان إلى من أساء إليهم ، والدعاء ~~له بالمغفرة ، حتى يصير مرحوما بهم ، وهي رتبة الصديقية ، أن ينتفع بهم ~~أعداؤهم ، وهو قوله تعالى : {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} ، ولذلك ~~جعل الله هذا القسم من عزم الأمور. # وعند الصوفية : ثلاث طبقات : العامة ينتصرون ، والخاصة لا ينتصرون ، لكن ~~يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم ، وخاصة الخاصة يحسنون لمن ~~أساء إليهم ، كما تقدم. وقال القشيري : {والذين إذا أصابهم البغي} وهو ~~الظلم ، ينتصرون ؛ لعلمهم أن الظلم أصابهم من قبل أنفسهم ، فينتصرون من ~~الظالم ، وهو النفس ، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال : ~~قوله : {ولمن انتصر...} الآية ، علم الله أن من ms2669 عباده من لا يجد الحرية من ~~أحكام النفس ، ولا يستمكن من محاسن الخلق ، فرخص لهم في المكافأة على سبيل ~~العدل والقسط ، وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو. ه. # جزء : 6 رقم الصفحة : 382 # يقول الحق جل جلاله : {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده} أي : فما له ~~من أحد يلي هدايته من بعد إضلال الله إياه ، ويمنعه من عذابه. {وترى ~~الظالمين} يوم القيامة ، وهم الذين أضلهم الله ، {لما رأوا العذاب} ؛ حين ~~يرون العذاب ، وأتى بصيغة الماضي للدلالة على تحقيق الوقوع ، {يقولون هل ~~إلى مرد} ؛ رجعة إلى الدنيا {من سبيل} حتى نؤمن ونعمل صالحا. # {وتراهم يعرضون عليها} ؛ على النار ، يدل عليها ذكر العذاب. والخطاب لكل من # 386 PageV06P576 ~~يتأتى منه الرؤية {خاشعين من الذل} ؛ متذللين متضائلين مما دهاهم ، فالخشوع ~~: خفض البصر وإظهار الذل ، {ينظرون} إلى النار {من طرف خفي} ضعيف بمسارقة ، ~~كما ترى المصبور ينظر إلى السيف عند إرادة قتله. {وقال الذين آمنوا إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم} بالتعرض للعذاب الخالد {يوم القيامة} ~~، و" يوم " : متعلق بخسروا. وقول المؤمنين واقع في الدنيا. ويقال ، أي : ~~يقولونه يوم القيامة ، إذا رأوهم على تلك الصفة : {ألا إن الظالمين في عذاب ~~مقيم} ؛ دائم ، {وما كان لهم من أولياء ينصرونهم} برفع العذاب عنهم {من دون ~~الله} حسبما كانوا يرجون ذلك في الدنيا ، {ومن يضلل الله فما له من سبيل} ~~إلى النجاة. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 386 # استجيبوا لربكم} إلى ما دعاكم إليه على لسان نبيه ، {من قبل أن يأتي يوم} ~~أي : يوم القيامة {لا مرد له من الله} أي : لا يرده الله بعد ما حكم بمجيئه ~~، ف " من " متعلق ب " لا مرد " ، أو : ب " يأتي " أي : من قبل أن يأتي من ~~الله يوم لا يقدر أحد على رده ، {ما لكم من ملجأ يومئذ} أي : مفر تلتجئون ~~إليه ، {وما لكم من نكير} أي : وليس لكم إنكار لما اقترفتموه ؛ لأنه مدون ~~في صحائف أعمالكم ، وتشهد عليكم جوارحكم. PageV06P577 # {فإن أعرضوا} عن الإيمان {فما أرسلناك عليهم حفيظا} ؛ رقيبا ms2670 ، تحفظ أعمالهم ~~، وتحاسبهم ، {إن عليك إلا البلاغ} ؛ ما عليك إلا تبليغ الرسالة ، وقد بلغت ~~، وليس المانع لهم من الإيمان عدم التبليغ ، وإنما المانع : الطغيان وبطر ~~النعمة ، كما قال تعالى : {وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة} أي : نعمة من ~~الصحة ، والغنى ، والأمن ، {فرح بها} وقابلها بالبطر ، وتوصل بها إلى ~~المخالفة والعصيان. وأريد بالإنسان الجنس ، لقوله تعالى : {وإن تصبهم سيئة} ~~، بلاء ، من مرض ، وفقر ، وخوف ، {بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} ؛ ~~بليغ الكفر ، ينسى النعمة رأسا ، ويذكر البلية ، ويستعظمها ، بل يزعم أنها ~~أصابته من غير استحقاق. # وأفرد الضمير في (فرح) مراعاة للفظ ، وجمعه في " تصبهم " مراعاة للمعنى. ~~وإسناد هذه الخصلة إلى الجنس مع كونها من خواص الجنس ، لغلبتها فيهم. ~~وتصدير الشرطية الأولى بإذا ، مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة ؛ للتنبيه ~~على أن إيصال الرحمة محقق الوجود ، كثير الوقوع ، وأنه مراد بالذات ، كما ~~أن تصدير الثانية بأن ، وإسناد الإصابة إلى السيئة ، وتعليلها بأعمالهم ؛ ~~للإيذان بندرة وقوعها ، وأنها غير مرادة بالذات ، " إن رحمتي سبقت غضبي ". ~~ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم. ~~قاله أبو السعود. # الإشارة : من تنكبته العناية السابقة ، وأدركته الغواية اللاحقة ، لم ~~ينفع فيه وعظ ولا تذكير ، وليس له من عذاب الله ولي ولا نصير ، فإذا تحققت ~~الحقائق ، وطلب الرجوع ، لم يجد له سبيلا ، وبقي في الهوان خاشعا ذليلا ، ~~فيعيرهم من سبقت لهم العناية ، من أهل # 387 # الجد والتشمير ، ويقولون : هؤلاء الذين خسروا أنفسهم ، حيث لم يتعبوها في ~~مرضاة الله ، وأهليهم ، حيث لم يذكروهم الله. PageV06P578 # قال القشيري : قوله تعالى : {استجيبوا لربكم} بالوفاء بعهده ، والقيام بحقه ~~، والرجوع من مخالفته إلى موافقته ، والاستسلام في كل وقت لحكمه والطريق ~~اليوم إلى الاستجابة مفتوح ، وعن قريب سيغلق الباب على القلب بغتة ، ويؤخذ ~~فلتة. ه. ويقال لكل واعظ وداع : {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا...} الآية. # جزء : 6 رقم الصفحة : 386 # يقول الحق جل جلاله : {لله ملك السماوات والأرض} أي : يملك التصرف فيهما ~~، وفي كل ما فيهما ، كيف يشاء ، ومن جملته : أن ms2671 يقسم النعمة والبلية ، ~~حسبما يريده. {يخلق ما يشاء} مما يعلمه الخلق ومما لا يعلمونه ، {يهب لمن ~~يشاء إناثا} من الأولاد {ويهب لمن يشاء الذكور} منهم ، من غير أن يكون لأحد ~~في ذلك مدخل ، {أو يزوجهم} أي : يقرن بين الصنفين ، ويهبهما جميعا {ذكرانا ~~وإناثا} ، بأن تلد غلاما ثم جارية ، أو تلدهما معا. {ويجعل من يشاء عقيما} ~~لا نسل له. والعقيم : الذي لا يولد له ، رجل أو امرأة. # وقدم الإناث أولا على الذكور ؛ لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء ، لا ما ~~يشاؤه الإنسان ، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم ، ~~أو : لأن الكلام في البلاء ، والعرب تعدهن عظيم البلايا ، أو : تطييب ~~القلوب آبائهم ، ولما أخر الذكور وهم أحقاء بالتقديم تدارك ذلك بتعريفهم ~~؛ لأن التعريف تنويه وتشريف ، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين ما يستحقه من ~~التقديم والتأخير ، فقال : {ذكرانا وإناثا}. وقيل المراد : أحوال الأنبياء ~~عليهم السلام حيث وهب لشعيب ولوط إناثا ، ولإبراهيم ذكورا ، وللنبي صلى ~~الله عليه وسلم ذكورا وإناثا ، وجعل يحيى وعيسى عقيمين. {إنه عليم قدير} ~~مبالغ في العلم والقدرة ، فيفعل ما فيه حكمة ومصلحة. PageV06P579 # الإشارة : يهب لمن يشاء إناثا ، علوما وحسنات ، ويهب لمن يشاء الذكور ، ~~أذواقا وواردات ، ويجعل من يشاء عقيما ، لا علم ولا ذوق ، وانظر لطائف ~~المنن. أو تقول : يهب لمن يشاء إناثا ؛ من ورث علم الرسوم الظاهر ، وأقيمت ~~بعده ، ويهب لمن يشاء الذكور ؛ من ورث علم الأذواق والوجدان ، وعمر رجالا ، ~~أو يزوجهم ؛ من ورثهما ، # 388 # ويجعل من يشاء عقيما لم يترك وارثا ، لا من الظاهر ، ولا من الباطن ، وقد ~~يكون كاملا وهو عقيم ، وقد يكون غير كامل وله أولاد كثيرة ، لكن الغالب على ~~من له أولاد أن يتسع بهم ، بخلاف العقيم. والله تعالى أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 388 # يقول الحق جل جلاله : {وما كان لبشر} أي : ما صح لأحد من البشر {أن يكلمه ~~الله} بوجه من الوجوه {إلا وحيا} إلهاما ، كقوله عليه الصلاة السلام : " ~~ألقي في روعي " أو : رؤيا في المنام لقوله ms2672 صلى الله عليه وسلم : " رؤيا ~~الأنبياء وحي " كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد ، وكما أوحي إلى أم ~~موسى ، روي عن مجاهد : " أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره ". ~~{أو من وراء حجاب} بأن يسمع كلاما من الله ، من غير رؤية السامع من يكلمه ، ~~كما سمع موسى عليه السلام من الشجرة ، ومن الفضاء في جبل الطور ، وليس ~~المراد به حجاب الله تعالى على عبده حسا ؛ إذ لا حجاب بينه وبين خلقه حسا ، ~~وإنما المراد : المنع من رؤية الذات بلا واسطة. PageV06P580 # {أو يرسل رسولا} أو : بأن يرسل ملكا {فيوحي} الملك {بإذنه} ؛ بإذن الله ~~تعالى وتيسيره {ما يشاء} من الوحي. وهذا هو الذي يجري بينه تعالى وبين ~~أنبيائه في عامة الأوقات. روي : أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : ~~ألا تكلم الله ، وتنظر إليه إن كنت نبيا ، كما كلمة موسى ، ونظر إليه ؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم : " لم ينظر موسى إلى الله تعالى " فنزلت. والذي ~~عليه جمهور المحققين أن نبينا عليه الصلاة والسلام رأى ربه ليلة المعراج ، ~~وكلمه مشافهة ، وعليه حمل البيضاوي قوله تعالى : {إلا وحيا} ؛ لأن الوحي هو ~~: الكلام الخفي ، المدرك بسرعة ، أعم من أن يكون مشافهة أو غيرها. # قال الطيبي : وإذا حمل الوحي على ما قاله البيضاوي ، وأنه المشافهة ، ~~المعنى بقوله : {فأوحى إلى عبده مآ أوحى} [النجم : 10] اتجه ترتيب الآية ، ~~وأنه ذكر أولا الكلام بلا واسطة ، بل مشافهة ، وهو حال نبينا صلى الله عليه ~~وسلم ، ثم ذكر ما كان بغير واسطة ، ولكن لا # 389 # بمشافهة ، بل من وراء الغيب ، ثم ذكر الكلام بواسطة الإرسال. ه. بالمعنى. # { # جزء : 6 رقم الصفحة : 389 # إنه علي} ؛ متعال عن صفات المخلوقين ، لا يتأتى جريان المفاوضة بينه ~~تعالى وبينهم إلا بأحد الوجوه المذكورة ، ولا تكون المكافحة إلا بالغيبة عن ~~حس البشرية ، {حيكم} يجري أفعاله على سنن الحكمة ، فيكلم تارة بواسطة ، ~~وأخرى بدونها ، مكافحة ، أو غيرها. PageV06P581 # {وكذلك} أي : ومثل ذلك الإيحاء البديع كما وصفنا {أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا} وهو القرآن ، الذي هو للقلوب ms2673 بمنزلة الروح للأبدان ، فحييت الحياة ~~الأبدية. {ما كنت تدري} قبل الوحي {ما الكتاب} أي شيء هو ، {ولا الإيمان} ~~بما في تضاعيف الكتاب من الأمور التي لا تهتدي إليها العقول ، لا الإيمان ~~بما يستقل به العقل والنظر ، فإن درايته صلى الله عليه وسلم مما لا ريب فيه ~~قطعا. قال القشيري : ما كنت تدري قبل هذا ما القرآن ولا الإيمان بتفصيل هذه ~~الشرائع. وقال الشيخ البكري : أي الإيمان على الوجه الأخص ، المرتب على ~~تنزلات الآيات ، وتلاوة البينات ، واستكشاف وجه الحق بأنوار العلم المنزل ~~على قلبه من حضرة ربه. ه. # وقال ابن المنير : الإيمان برسالة نفسه ، وهو المنفي عنه قبل الوحي ؛ لأن ~~حقيقة الإيمان : التصديق بالله وبرسوله. ه. # {ولكن جعلناه} أي : الروح الذي أوحيناه إليك {نورا نهدي به من نشاء} ~~هدايته {من عبادنا} ، وهو الذي يصرف اختياره نحو الاهتداء به. {وإنك لتهدي} ~~بذلك النور من نشاء هدايته ، أو : وإنك لتدعو {إلى صراط مستقيم} هو الإسلام ~~وسائر الشرائع والأحكام ، {صراط الله} ؛ بدل من الأول ، وإضافته إلى الاسم ~~الجليل ، ثم وصفه بقوله تعالى : {الذي له ما في السماوات وما في الأرض} ~~لتفخيم شأنه ، وتقرير استقامته ، وتأكيد وجوب سلوكه ؛ فإن كون جميع ما ~~فيهما من الموجودات له تعالى ، خلقا ، وملكا ، وتصرفا ، مما يوجب ذلك أتم ~~الإيجاب. {ألا إلى الله تصير الأمور} أي : الأمور قاطبة راجعة إليه ، لا ~~إلى غيره ، فيتصرف فيها على وفق حكمته ومشيئته. # الإشارة : قد تحصل للأولياء المكالمة مع الحق تعالى بواسطة تجلياته ، ~~فيسمعون خطابه تعالى من البشر والحجر ، أو بلا واسطة ، بحيث يسمعون الكلام ~~من الفضاء ، وإليه أشار الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه بقوله : " وهب لنا ~~مشاهدة تصحبها مكالمة " ، ولا # 390 PageV06P582 ~~تكون هذه الحالة إلا للأكابر من أهل الفناء والبقاء. وأما مكالمة الحق من ~~النور الأقدس ، بلا واسطة ، فهو خاص نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة ~~الإسراء. قال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه : والذي ~~عندي أن التكلم على المكافحة والمشابهة إنما يكون بالانخلاع عن البشرية ، ~~ومحوها ، والبقاء بصفات ms2674 الربوبية ، وذلك إشارة إلى أنه عليه السلام إنما ~~شوفه وكلم بعد العروج عن أرض الطبيعة إلى سماء الحقيقة. وكان بالأرض يكلم ~~بالواسطة ، وموسى كلم بغير واسطة ، ولكن بغير مشافهة ، ولذلك كان كلامه ~~بالأرض ، ولم يعط الرؤية ؛ لأنها لا تكون في الأرض ، أي في أرض البشرية ، ~~بل لا بد من الغيبة عنها. وذهب الورتجبي إلى أن الحصر فيما ذكر في الآية ~~إنما هو لمن كان في حجاب البشرية ، فأما من خرج عنها إلى الغيب ، وألبس نور ~~القرب وكحل عينه بنوره تعالى ، ومد سمعه بقوة الربوبية ، فإنه يخاطب كفاحا ~~وعيانا. ونقل مثل ذلك عن الواسطي ، فراجع بسطه فيه. والفرق بينه وبين ما ~~ذكرنا : أن خطاب المكافحة عنده خارجة من الثلاثة المذكورة في الآية ، ~~وعندنا داخلة في قوله : {إلا وحيا} ؛ لأنه أعم من المشافهة ، والله أعلم. # جزء : 6 رقم الصفحة : 389 # وقوله تعالى : {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} أي : طريق الوصول والترقي ~~أبدا ، فيؤخذ منه : أن وساطته صلى الله عليه وسلم لا تنقطع عن المريد أبدا ~~؛ لأن الترقي يكون باستعمال أدب العبودية ، وهي مأخوذة عنه صلى الله عليه ~~وسلم ، وكما أن الترقي لا ينقطع ؛ فالأدب الذي هو سلوك طريقته صلى الله ~~عليه وسلم لا ينقطع. والله تعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # 391 # جزء : 6 رقم الصفحة : 389 PageV06P583 ### | AUTO سورة الزخرف # جزء : 7 رقم الصفحة : 3 # يقول الحق جل جلاله : {حم} ؛ يا محمد ، {و} حق {الكتاب المبين} أي : ~~المبين لما أنزل عليهم ، لكونه بلغتهم ، وعلى أساليبهم ، أو : الموضح لطريق ~~الهدى من الضلالة ، أو : المبين لكل ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة. ~~وجواب القسم : {إنا جعلناه قرآنا عربيا} بلغتكم {لعلكم تعقلون} أي : جعلنا ~~ذلك الكتاب قرآنا عربيا لكي تفهموه ، وتحيطوا بما فيه من النظم الرائق ، ~~والمعنى الفائق ، وتقفوا على ما تضمنه من الشواهد القاطعة بخروجه عن طوق ~~البشر ، وتعرفوا حق النعمة في ذلك ، فتنقطع أعذاركم بالكلية. # {وإنه في أم الكتاب لدينا} أي : وإن القرآن العظيم مثبت عند الله في ~~اللوح ms2675 المحفوظ ، دليله قوله تعالى : {بل هو قرءان مجيد فى لوح محفوظ} ~~[البروج : 21 ، 22]. وسمي أم الكتاب ؛ لأنه أصل الكتب السماوية ، منه تنقل ~~وتنسخ. وقوله تعالى : {لعلي} خبر {إن} أي : إنه رفيع القدر بين الكتب ، ~~شريف المنزلة ؛ لكونه معجزا من بينها. أو : في أعلى طبقات البلاغة. {حيكم} ~~؛ ذو حكمة بالغة. أو : محكم ، لا ينسخه كتاب. # وبعدما بين علو شأنه ، وبين أنه أنزله بلغتهم ؛ ليعلموه ، ويؤمنوا به ، ~~ويعملوا بما فيه ، عقب ذلك بإنكار أن يكون الأمر بخلافه ، فقال : {أفنضرب ~~عنكم الذكر} أي : ننحيه ونبعده. والضرب : مجاز ، من قولهم : ضرب الغرائب عن ~~الحوض. وفيه إشعار باقتضاء الحكمة توجيه الذكر إليهم ، وملازمته لهم ، كأنه ~~يتهافت عليهم ثم يضربه عنهم. والفاء : # 3 PageV07P003 ~~للعطف على محذوف ؛ أي : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر {صفحا} أي : إعراضا ، ~~مصدر ، من : صفح عنه : إذا أعرض ، منصوب على أنه مفعول له ، على معنى : ~~أفنعزل عنكم إنزال القرآن ، وإلزام الحجة به إعراضا عنكم. ويجوز أن يكون ~~مصدرا مؤكدا لما دل عليه " نضرب " ؛ لأنه في معنى الصفح ، كأنه قيل : ~~أفنفصح صفحا {أن كنتم قوما مسرفين} ، أي : لأن كنتم منهمكين في الإسراف ، ~~مصرين عليه ؛ لأن حالكم اقتضى تخيلتكم وشأنكم ، حتى تموتوا على الكفر ~~والضلالة ، فتبقوا في العذاب الخالد ، لكن بسعة رحمتنا لا نفعل ذلك ، بل ~~نهديكم إلى الحق ، بإرسال الرسول الأمين ، وإنزال الكتاب المبين. # جزء : 7 رقم الصفحة : 3 # ومن قرأ بالكسر فشرط حذف جوابه ؛ لدلالة ما قبله عليه ، وهو من الشرط ~~الذي يصدر عن الجازم بصحة الأمر ، كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني ~~حقي ، وهو عالم بذلك. وعبر ب " أن " ؛ إخراجا للمحقق مخرج المشكوك ؛ ~~لاستهجالهم ، كأن الإسراف من حقه ألا يقع. PageV07P004 # الإشارة : {حم} أي : حببناك ، ومجدناك ، وملكناك ، وحق الكتاب المبين. ثم ~~استأنف فقال : {إنا جعلناه} أي : ما شرفناك به أنت وقومك {قرآنا عربيا} ~~يفهمه من يسمعه {لعلكم تعقلون} عن الله ، فتشكروا نعمه. {وإنه في أم ~~الكتاب} أي : وإن الذي شرفناكم به في أم الكتاب. قال الرتجبي : أي : إنه ~~صفتي ، كان في ذاته ms2676 منزها عن النقائص والافتراق - أي : منزها عن الحروف ~~والأصوات ، التي من شأنها التغير ، وعن التقديم والتأخير ، وهو افتراق ~~كلماته - إذ هما من صفات الحدث. وأم الكتاب عبارة عن ذاته القديم ، لأنها ~~أصل جميع الصفات ، {لدينا} معناه : ما ذكرنا أنه في أم الكتاب عندنا {لعلي} ~~علا عن أن يدركه أحد بالحقيقة ، ممتنع من انتحال المبطلين ، وتأويل ~~الجاهلين ، {حكيم} محكم مبين. وقال جعفر : علي عن درك العباد وتوهمهم ، ~~حكيم فيما دبر وأنشأ وقدر. ه. فانظره ، فإن هذه من صفات الحق ، والكلام في ~~أوصاف القرآن. # وقوله تعالى : {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} الآية ، قال القشيري : وفي هذه ~~إشارة لطيفة ، وهو : ألا يقطع الكلام عمن تمادى في عصيانه ، وأسرف في أكثر ~~شأنه ، فأحرى أن من لم يقصر في إيمانه ، أو تلطخ بعصيانه ، ولم يدخل خلل في ~~عرفانه ، فإنه لا يمنع عنه رؤية لطائف غفرانه. ه. يعني : أن الحق جل جلاله ~~لم يقطع كلامه عمن تمادى في ضلاله ، فكيف يقطع إحسانه عمن تمسك بإيمانه ، ~~ولو أكثر من عصيانه. وكذلك أهل النسبة التصوفية ، إذا اعوج أخوهم ، لا ~~يقطعون عنه كلامهم وإحسانهم ، بل يلاطفونه ، حتى يرجع ، وهذا مذهب الجمهور. # 4 # جزء : 7 رقم الصفحة : 3 PageV07P005 ~~يقول الحق جل جلاله : {وكم أرسلنا} أي : كثيرا أرسلنا قبلك {من نبي في ~~الأولين} ؛ في الأمم الماضية ، فكذبوهم واستهزؤوا بهم. {وما يأتيهم من نبي ~~إلا كانوا به يستهزئون} ، فاصبر كما صبروا. ويحتمل أن يكون تقريرا لما قبله ~~؛ لبيان أن إسراف الأمم السابقة لم يمنعه تعالى من إرسال الرسل إليهم ، ~~وكونها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم أظهر. {فأهلكنا أشد منهم بطشا} أي ~~: فأهلكنا من الأمم السالفة من كان أكثر منهم طغيانا وإسرافا ، {ومضى مثل ~~الأولين} أي : سلف في القرآن غير مرة ذكر قصة الأولين ، وهي عدة له صلى ~~الله عليه وسلم ، ووعيد لقومه ، بطريق الأولوية. فمثل ما جرى على الأولين ~~يجري على هؤلاء ؛ لاشتراكهم في الوصف. وظاهر الآية : أن النبي والرسول واحد ~~، والمشهور : أن النبي أعم ، فكل رسول نبي ، ولا عكس ، فالنبي مقصور ms2677 في ~~الحكم على نفسه ، والرسول نبي مكلف بالتبليغ. # الإشارة : ما سليت به الأنبياء والسل يسلى به الأولياء ؛ لأنهم خلفاؤهم ، ~~فكل من أوذي واستهزئ به يتذكر ما جرى على من كان أفضل منه من الأنبياء ~~وأكابر الأولياء ، فيخف عليه الأذى. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 4 # يقول الحق جل جلاله : {ولئن سألتهم} أي : المشركين {من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} أي : ينسبون خلقها إلى من هذا وصفه في ~~نفس الأمر ؛ لا أنهم يعبرون عنه بهذا العنوان. واختار هذن الوصفين للإيذان ~~بانفراده بالإبداع والاختراع والتدبير ؛ لأن العزة تؤذن بالغلبة والاقتدار ~~، والعلم يؤذن بالتدبر والاختيار ، وليرتب عليه ما ينسابه من الأوصاف ، وهو ~~قوله : {الذي جعل لكم الأرض مهادا} # 5 PageV07P006 ~~أي : موضع قرار كالمهد المعلق في الهواء ، {وجعل لكم فيها سبلا} تسلكونها ~~في أسفاركم {لعلكم تهتدون} أي : لكي تهتدوا بسلوكها إلى مقاصدكم ، أو : ~~بالتدبر فيها إلى توحيد ربكم ، الذي هو المقصد الأصلي. # {والذي نزل من السماء ماء بقدر} ؛ بمقدار يسلم معه العباد ، وتحتاج إليه ~~البلاد ، على ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح ، {فأنشرنا به} ~~أي : أحيينا بذلك الماء {بلدة ميتا} خاليا عنه الماء والنبات. وقرئ : " ~~ميتا " بالتشديد. وتذكيره ؛ لأن البلدة بمعنى البلد. والالتفات إلى نون ~~العظمة ؛ لإظهار كمال العناية بأمر الإحياء والإشعار بعظيم خطره ، {كذلك ~~تخرجون} أي : مثل ذلك الإحياء ، الذي هو في الحقيقة : إخراج النبات من ~~الأرض ، تخرجون من قبوركم أحياء. وفي التعبير عن إخراج النبات بالإنشاء ، ~~الذي هو إحياء الموتى ، وعن إحيائهم بالإخراج ؛ تفخيم لإن لشأن الإنبات ، ~~وتهوين لأمر البعث ، لتقويم سنن الاستدلال ، وتوضيح منهاج القياس. # وهذه الجمل ، من قوله {الذي جعل...} استئناف منه تعالى ، وليست من مقول ~~الكفار ؛ لأنهم ينكرون الإخراج من القبول ، بل الآية حجة عليهم في إنكار ~~البعث ، وكذا قوله : {والذي خلق الأزواج كلها} ، أي : أصناف المخلوقات ~~بحذافيرها ، على اختلاف أنواعها وألوانها. وقيل : الأزواج : ما كان مزدوجا ~~، كالذكر والأنثى ، والفوق والتحت ، والأبيض والأسود ، والحلو والحامض ، ~~وقيل : كل ما ظهر من الغيب فهو مزدوج. والفرد هو ms2678 الله. {وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون} أي : ما تركبونه ، يقال : ركبوا في الفلك ، وركبوا ~~الأنعام ، فغلب المتعدي بغير واسطة ؛ لقوته على المتعدي بواسطة ، فقيل : ~~تركبونه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 5 PageV07P007 ~~لتستووا على ظهوره} : ولتستعلوا على ظهور ما تركبونه من الفلك والأنعام ، ~~{ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه} ؛ تذكروها بقلوبكم ، معترفين بها ~~بألسنتكم ، مستعظمين لها ، ثم تحمدوا عليها بألسنتكم ، {وتقولوا سبحان الذي ~~سخر لنا هذا} أي : ذلل لنا هذا المركوب ، متعجبين من ذلك {وما كنا له ~~مقرنين} ؛ مطيقين. يقال : أقرن الشي : إذا أطاقه ، وأصله : وجده قرينه ؛ ~~لأن الصعب لا يكون قرينا للضعيف إلا إذا ذلله الله وسهله ، {وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون} أي : راجعون. وفيه إيذان بأن حق الراكب أن يذكر عند ركوبه مركب ~~الدنيا ، آخر مركبه منها ، وهو : الجنازة ؛ فيبني أموره في مسيره على تلك ~~الملاحظة ، حتى لا يخطر بباله شيء من زينة الدنيا ، وملاهيها وأشغالها. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم " أنه كان إذا وضع رجله في الركاب ، قال : " بسم ~~الله " فإذا استوى على الدابة قال : {الحمد لله الذي خسر لنا هذا...} إلى : ~~{منقلبون} ، ثم كبر " ثلاثا " وهلل ثلاثا ، ثم قال : " اللهم اغفر لي.. " ، ~~وحكي أن قوما ركبوا ، وقالوا : {سبحان # 6 # الذي سخر لنا هذا...} الآية ، وفيهم رجل على ناقة لا تتحرك هزالا ، فقال ~~: إني مقرن لهذه - أي مطيق - فسقط منها لوثبتها ، واندقت عنقه. وينبغي ألا ~~يكون ركوب العاقل للشهرة والتلذذ ، بل للاعتبار ، فيحمد الله ويشكره على ما ~~أولاه من نعمه ، وسخر له من أنعامه. PageV07P008 # الإشارة : قد اتفقت الملل كلها على وجود الصانع ، إلا من عبرة به من ~~الفلاسفة ، وإنما كفر من كفر بالإشراك ، أو : بوصف الحق على غير ما هو عليه ~~، أو : بجحد الرسول. وقد تواطأت الأدلة العقلية والسمعية على وجود الحق ~~وظهوره ، بظهور آثار قدرته ، والصفة لا تفارق الموصوف ، فدل بوجود أثاره ~~على وجود أسمائه ، وبوجود أسمائه ، على وجود أوصافه ، وبثبوت أوصافه على ~~وجود ذاته. فأهل السلوك يكشف لهم أولا عن وجود آثاره ، ثم عن ms2679 أسمائه ، ثم ~~صفاته ، ثم عن شهود ذاته. وأهل الجذب يكشف لهم أولا عن ذاته ، ثم عن أوصافه ~~، ثم عن أسمائه ، ثم عن آثاره ، فربما التقيا في الطريق ، هذا في ترقيه ، ~~وهذا في تدليه ، كما في الحكم. # وقوله تعالى : {الذي جعل لكم الأرض مهادا...} الخ ، قال القشيري : كما ~~جعلها قرارا لأشباحهم ، جعل الأشباح قرارا لأرواحهم ؛ فهي سكان النفوس ، ~~كما أن الخلق سكان الأرض ، فإذا انتهت مدة كون النفوس ، حكم الله ~~بخرابها... كذلك إذا فارقت الأرواح الأشباح بالكلية ، قضى الله بخرابها. # جزء : 7 رقم الصفحة : 5 PageV07P009 ~~ثم قال في قوله : {فأنشرنا به بلدة ميتا} ؛ وكما يحيي الأرض بالمطر يحيي ~~القلوب بحسن النظر. والذي خلق من الأزواج أصناف الخلق ، كذلك حبس عليكم ~~الأحوال كلها ، فمن رغبة في الخيرات ، وخوف يحملكم على ترك الزلات ، ورجاء ~~يبعثكم على فعل الطاعات ، طمعا في المثوبات ، وغير ذلك من فنون الصفات ، ~~وكما سخر الأنعام ، وأعظم المنة بذلك ، سخر للمؤمنين مركب التوفيق ، بحملهم ~~عليه إلى بساط الطاعة ، وسهل للمريدين مركب الإرادة ، وحملهم عليه إلى ~~عرصات الجود ، وفضاء الشهود ، وسهل للعارفين مركب الهمة ، فأناخوا بالحضرة ~~القدسية ، وعند ذلك محط الكافة ؛ ثم لا تخرق سرادقات العزة همة مخلوق ، ~~سواء كان ملكا مقربا ، أو نبيا مرسلا ، أو وليا مكرما. فعند سطوات العز ~~يتلاشى كل مخلوق ، ويقف وراءها كل محدث مسبوق. ه. ببعض المعنى. وسرادقات ~~العز : حجاب الكبرياء ، فلا تحصل الإحاطة بكنه الربوبية لأحد من الخلق. ~~ولهذا يبقى الترقي أبدا للعارفين ، في هذه الدار ، وفي تلك الدار ، ولا ~~يحصل على غاية أسرار الربوبية أحد ، ولو بقي يترقى أبدا سرمدا. والله تعالى أعلم. # 7 # جزء : 7 رقم الصفحة : 5 # يقول الحق جل جلاله : {وجعلوا} أي : المشركين {له من عباده جزءا} حيث ~~قالوا : الملائكة بنات الله ، فجعلوهم جزءا له ، وبعضا منه ، كما يكون ~~الولد لوالده جزءا. وهذا متصل بقوله {ولئن سألتهم...} الخ ، أي : ولئن ~~سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به ، وقد جعلوا له سبحانه بألسنتهم ~~، واعتقادهم مع ذلك الاعتراف ، من عباده جزءا ، وعبر بالجزء ms2680 لمزيد استحالته ~~في حق الواحد الأحد ، من جميع الجهات. وقرأ أبو بكر وحماد بضمتين. {إن ~~الإنسان لكفور مبين} ؛ لجحود للنعمة ، ظاهر الكفران ، مبالغ فيه ؛ لأن نسبة ~~الولد إليه أشنع الكفر. والكفر أصل الكفران كله. PageV07P010 # ثم رد عليهم بقوله : {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين} ، الهمزة ~~للإنكار ، تجهيلا وتعجيبا من شأنهم ، حيث ادعوا أنه اختار لنفسه أخس ~~الأشياء ، ولهم الأعلى ، أي : بل اتخذ لنفسه أخس الصنفين ، واختار لكم ~~أفضلهما ؟ على معنى : هبوا أنكم اجترأتم إضافة جنس الولد إليه سبحانه ، مع ~~استحالته وامتناعه ، أما كان لكم شيء من العقل ، ونبذة من الحياء ، حتى ~~اجترأتم على التفوه بهذه العظيمة ، الخارقة للمعقول ، من ادعاء أنه تعالى ~~آثركم على نفسه بخير الصنفين وأعلاهما ، وترك له شرهما وأدناهما ؟ وتنكير " ~~بنات " ، وتعريف " البنين " لما اعتبر فيهما من الحقارة والفخامة. # وجملة : {وأصفاكم} : إما عطف على {اتخذ} ، داخل في حكم التعجيب والإنكار ~~، أو : حال من فاعله ، بإضمار قد ، أو : بدونه ، على الخلاف. والالتفات إلى ~~الخطاب لتأكيد الإجرام وتشديد التوبيخ. # ثم قرره بقوله : {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا} أي : وإذا أخبر ~~أحدهم بولاده ما جعل مثلا له سبحانه ، وهي الأنثى ، لأنهم جعلوا الملائكة ~~بنات الله ، وجزءا منه ؛ إذ الولد لا بد أن يجانس الوالد ويشابهه. {ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم} يعني : أنهم نسبوا إليه هذا الجنس ، ومن حالهم : أن أحدهم ~~إذا قيل له : قد ولدت لك بنت ، اغتم ، واربد وجهه غيظا وتأسفا ، وهو مملوء ~~من الكرب. والظلول : بمعنى الصيرورة ، أي : صار أسود في الغاية من سوء ما ~~بشر به. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 8 # أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} أي : أو يجعل للرحمن من ~~الولد من هذه الصفة المذمومة صفته ، وهو أنه ينشأ في الحلية ، أي : يتربى ~~في الزينة # 8 PageV07P011 ~~والتخنث ، وإذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ، ومجاراة الرجال ، كان غير مبين ، ~~ليس عنده بيان ، ولا يأتي ببرهان ؛ لضعف عقولهن. قال مقاتل : لا تتكلم ~~المرأة إلا وتأتي بالحجة عليها - أي : في الغالب - وفيه ms2681 : أنه جعل النشأة ~~في الزينة من المعايب. فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ، له ولأولاده ، ويتزين ~~بلباس التقوى. و" من " منصوب المحل ، أي : أو جعلوا من يربى في الحلية - ~~يعني البنات - لله عز وجل. وقرأ الأخوان وحفص ؛ " ينشأ " أي : يربى. # {وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا} أي : اعتقدوا الملائكة ~~وسموهم إناثا. وهو بيان لتضمن كفرهم كفرا آخر ، وتقريع لهم بذلك ؛ وهو ~~جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله - عز وجل - أنقصهم رأيا. والعندية ~~عندية منزلة ومكانة ، لا مكان. ومن قرأ " عباد " فجمع " عبد " ، وهو ألزم ~~في الاحتجاج مع أهل العناد لتضاد العبودية والولادة. {أشهدوا خلقهم} أي : ~~أحضروا خلقهم ، فشاهدوا الله حين خلقهم إناثا حتى يحكموا بأنوثتهم ، فإن ~~ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة ، وهو تجهيل لهم ، وتهكم بهم. وقرأ نافع بهمزتين ~~، أي : أاحضروا خلقهم. {ستكتب شهادتهم} التي شهدوا بها على الملائكة من ~~أنهم إناث ، في ديوان أعمالهم. {ويسألون} عنها يوم القيامة ، وقرئ : ~~شهاداتهم وهي قولهم : إن لله جزءا من خلقه ، وإن لله بنات ، وأنها ~~الملائكة. # الإشارة : وجعلوا له من عباده جزءا ، أشركوا في المحبة معه غيره ، ~~والمطلوب : إفراد المحبة للمحبوب ، فلا يجب معه شيئا. إن الإنسان لكفور ~~مبين ، حيث علم أن الحبيب الذي أنعم عليه واحد ، وأنه غيور ، لا يرضى لعبده ~~أن يحب معه غيره. # قال القشيري : جعلوا الملائكة جزءا على التخصيص من جملة مخلوقاته. ه. أي ~~: جعلوا له جزءا من عين الفرق ، ولو نظرا بعين الجمع لرأوا الأشياء كلها ~~متدفقة من بحر الجبروت. وفي الآية تحذير من كراهية البنات ، حيث جعله من ~~نعت أهل الكفر. PageV07P012 # جزء : 7 رقم الصفحة : 8 # 9 # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا لو شاء الرحمن} عدم عبادتنا للملائكة {ما ~~عبدناهم} ، أرادوا بذلك بيان أن ما فعلوه مرضي عنده تعالى ، ولولا ذلك ما ~~خلى بينهم وبينها ، ويجاب : بأنه تعالى قد يخلي بين العبد ومعصيته ، لينفذ ~~فيه ما سبق من درك الوعيد. وتعلقت المعتزلة بظاهر الآية في أن الله تعالى ~~لم يشأ الكفر من الكفار ، وإنما شاء الإيمان ، فإن ms2682 الكفار ادعوا أن الله ~~شاء منهم الكفر ، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام ، حيث قالوا : {لو شاء ~~الرحمن ما عبدناهم} أي : لو شاء بنا أن نترك عبادة الأصنام لمنعنا عن ~~عبادتها ، لكنه لم يشأ ذلك. والله تعالى رد عليهم قولهم ، واعتقادهم ، ~~بقوله : {ما لهم بذلك} القول {من علم إن هم إلا يخرصون} : يكذبون ، ومعنى ~~الآية عندنا : أنهم أرادوا بالمشيئة : الرضا ، وقالوا : لو لم يرض بذلك ~~لعجل عقوبتنا ، ولمنعنا من عبادتها مع قهر واضطرار ، وإذ لم يفعل ذلك فقد ~~رضي بذلك ، فرد الله عليهم بقوله : {ما لهم بذلك من علم...} الآية. أو : ~~قالوا هذا القول استهزاء ، لا جدا واعتقادا ، فأكذبهم وجهلهم حيث لم يقولوه ~~اعتقادا ، كما قالوا : {أنطعم من لو يشآء الله أطعمه} [يس : 47]. وهذا كلام ~~حق أرادوا به باطلا : انظر النسفي. # قلت : ما تمسكوا به من قوله : {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} من الاحتجاج ~~بالقدر ، وهو لا ينفع هذه الدار ، لأنه من التمسك بالحقيقة الخالية عن ~~الشريعة ، وهي بطالة وزندقة ، ولذلك ردهم الله تعالى إلى التمسك بالشريعة ~~بقوله : {أم آتيناهم كتابا من قبله} ؛ من قبل القرآن ، أو : من قبل ادعائهم ~~ذلك ، ينطق بصحة ما يدعونه ، {فهم به مستمسكون} ؛ آخذون. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 9 PageV07P013 ~~بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة} ؛ على دين وقلدناهم. والأمة في الأصل : ~~الطريقة التي تؤم وتقصد {وإنا على آثارهم مقتدون} أي : لم يأتوا بحجة نقلية ~~ولا عقلية ، ولا سند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم. والظرف : صلة ~~لمهتدون ، أو : هما خبران. # {وكذلك ما أرسنا من قبلك في قرية من نذير} ؛ من نبي {إلا قال مترفوها} أي ~~: منغموها ، وهم الذين أترفتهم النعمة ، أي : أبطرتهم ، فلا يحبون إلا ~~الشهوات والملاهي ، ويعافون مشاق الدين وتكاليفه ، قالوا : {إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} ، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وبيان أن التقليد فيهم ضلال قديم. وتخصيص المترفين بتلك المقالة ؛ ~~للإذيان بأن التنعم بالشهوات ، وحب البطالة ، هو الذي صرفهم عن النظر إلى ~~التقليد. # {قل} ، هو حكاية ms2683 لما جرى بين المنذرين وبين أممهم ، عند تعللهم بتقليد ~~آبائهم ، أي : قيل لكل نذير وأوحي إليه : أن قل ، وليس خطابا لنبينا - عليه الصلاة # 10 # والسلام - بدليل ما بعده من قوله : {قالوا... } الخ. وقيل : خطاب له عليه ~~الصلاة والسلام ، فتكون الجملة معترضة بين قصة المتقدمين ؛ لأن قوله : " ~~قالوا " راجع للمتقدمين ، وقرأ الشامي وحفص : {قال} أي : النذير : {أو لو ~~جئتكم} أي : أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم {بأهدى} ؛ بدين أهدى {مما وجدتم ~~عليه آباءكم} من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء ؟ {قالوا إنا بما ~~أرسلتم به كافرون} أي : قالت كل أمة لنذيرها : إنا ثابتون على ديننا ، وإن ~~جئتمونا بما هو أهدى وأهدى. وقد أجمل عند الحكاية ؛ للإيجاز ، كقوله : ~~{يأيها الرسل كلوا من الطيبات} [المؤمنون : 51]. # {فانتقمنا منهم} ؛ فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم ، {فانظر كيف كان ~~عاقبة المكذبين} من الأمم المذكورين ، فلا تكترث قومك. والله تعالى أعلم. PageV07P014 # الإشارة : وقالوا : لو شاء الرحمن ما عبدناهم ، تمسكوا بالحقيقة الظلمانية ~~، الخالية عن التشريع ، وهو كفر وزندقة ، ولذلك رد الله عليهم بقوله : {أم ~~آتيناهم كتابا...} الخ ، وترى كثيرا ممن خذله الله يقول : لو أراد الله ~~هدايتي لهداني ، ولا ينفع ذلك في هذه الدار ، التي هي التكليف ، بل يجب ~~عليه النهوض ، والقصد إلى أمر الله به ، من حقوق العبودية ، فإن منعته ~~الأقدار فلينظر إلى الواحد القهار ، وإلا فالشقاء لازم له. وقد قالوا : من ~~تحقق ولم يتشرع فقد تزنذق ، ومن تشرع ولم يتحقق فقد تفسق ، ومن جمع بينهما ~~فقد تحقق. فالواجب : النظر إلى تصريف الحقيقة في الباطن ، والتمسك بالشريعة ~~في الظاهر. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 9 # وقوله تعالى : {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة...} الآية ، فيه توبيخ ~~لمن تجمد على تقليد أسلافه ، وقد ظهر من هو أهدى منهم ، ففيه نزعة جاهلية ، ~~وحمية من حميتهم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 9 # يقول الحق جل جلاله : {وإذ قال إبراهيم} أي : واذكر وقت قوله عليه السلام ~~{ولأبيه وقومه} المنكبين على التقليد ، كيف تبرأ مما هم فيه بقوله : {إنني ~~براء} أي : بريء {مما ms2684 تعبدون} ، وتمسك بالبرهان. وذكر قصته ليسلكوا مسلكه ~~في الاستدلال ، أو : ليقلدوه ، إن لم يكن لهم بد من التقليد ؛ فإنه أشرف ~~آبائهم. و" براء " : مصدر ، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع ، والمذكر ~~والمؤنث ، كرجل عدل ، وامرأة عدل ، وقوم عدل. و" ما " : إما مصدرية ، أو : ~~موصولة ، أي : بريء من عبادتكم ومن معبودكم {إلا الذين فطرني} ؛ استثناء ~~متصل ، أو : منقطع ، على أن " ما " تعم أولي العلم وغيرهم ، وأنهم كانوا # 11 PageV07P015 ~~يعبدون الله تعالى والأصنام ، او : صفة ، على أن " ما " موصوفة ، أي : إنني ~~براء من آلهة تعبدونها غير الذي {فطرني} ؛ خلقني {فإنه سيهدين} ؛ يثبتني ~~على الهداية ، أو : سيهدين إلى ما وراء الذي هداني إليه الآن. والأوجه : أن ~~السين للتأكيد دون التسويف ، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار. # {وجعلها} أي : وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد التي تكلم بها ، ~~وهي قوله : {إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني} ، {كلمة باقية في عقبه} ~~أي : في ذريته ، حيث وصاهم بها ، كما نطق به قوله تعالى : {ووصى بهآ ~~إبراهيم بنيه...} [البقرة : 132] ، فلا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ، ~~ويدعوهم إلى توحيده. {لعلهم يرجعون} أي : جعلها باقية في ذريته رجاء أن ~~يرجع إليها من أشرك منهم بدعاء الموحد. # {بل متعت هؤلاء} ، ضراب عن محذوف ، ينساق إليه الكلام ، كأنه قيل : جعلها ~~كلمة باقية في عقبه رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم ، فلم يحصل ما رجاه ، ~~بل متعت هؤلاء المعاصرين من أهل مكة. {وآباءهم} بالمد في العمر ، والنعمة ، ~~والمهلة ، فاغتروا بالمهلة ، وانهمكوا في الشهوات ، وشغلوا بها عن كلمة ~~التوحيد ، {حتى جاءهم الحق} ؛ القرآن {ورسول مبين} ؛ ظاهر الرسالة ، واضحها ~~بالمعجزات الباهرة ، أو : مبين التوحيد. بالآيات والحجج القاطعة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 11 # وفي الآية توبيخ لهم ، فإن التمتع بزيادة النعم يوجب أن يجعلوه سببا ~~لزيادة الشكر ، والثبات على التوحيد والإيمان ، فجعلوه سببا لزيادة أقصى ~~مراتب الكفر والضلال. PageV07P016 # وحاصل معنى الآية : أنه تعالى جعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم عليه ~~السلام ليدعو الموحد المشرك ، نسلا بعد نسل ، فيرجع المشرك عن شركه ، فلم ~~يرجعوا ms2685 ، بل اغتروا بما متعوا به ، فاستمروا على الشرك حتى جاءهم الحق ، ~~فكفروا وأصروا ، {ولما جاءهم الحق} أي : القرآن ينبههم على ما هم عليه من ~~الغفلة ، ويرشدهم إلى التوحيد ، ازدادوا كفرا وعتوا ، وضموا إلى كفرهم ~~السابق معاندة الحقوالاستهانة به ، حيث {قالوا هذا سحر وإنا به كافرون} ~~فسموا القرآن سحرا ، وجحدوه ومن جاء به. والله تعالى أعلم. # الإشارة : كان إبراهيم عليه السلام إمام أهل التوحيد ، لقوله تعالى : ~~{إنى جاعلك للناس إماما} [البقرة : 124] ، وجعل الدعوة إليه في عقبه إلى ~~يوم القيامة ، وهو على قسمين : توحيد البرهان ، وتوحيد العيان. وقد جاءت ~~بعده الرسل بالأمرين معا ، وقام بها خلقاؤهم بعدهم ، فقام بالأول العلماء ، ~~وقام بالثاني خواص الأولياء ، أهل التربية الحقيقية ، ولا ينال من توحيد ~~العيان شيئا من علق قلبه بالشهوات الجسمانية ، والحظوظ الفانية ، كما قال ~~الششتري رضي الله عنه : # تركنا حظوظا من حضيض لحوظنا # مع المقصد الأقصى إلى المطلب الأسنى # 12 # وكل من تمتع بذلك ، وانهمك فيه حرم بركة صحبة العارفين ؛ إذ يمنعه ذلك من ~~حط رأسه ، ودفع فلسه ، فينخرط في سلك قوله تعالى : {بل متعت هؤلاء ~~وآباءهم...} الآية. وكل زمان له رسول ، خليفة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يدعو إلى الحق ومعرفته. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 11 PageV07P017 ~~يقول الحق جل جلاله : {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم} أي : من إحدى القريتين ؛ مكة والطائف ، على نهج قوله تعالى : {يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن : 22] وعنوا بعظيم مكة : الوليد بن المغيرة ~~، وبعظيم الطائف : عروة بن مسعود الثقفي. وعن مجاهد : عظيم مكة : عتبة بن ~~ربيعة ، وعظيم الطائف : ابن عبد ياليل. ولم يتفوهوا بهذه العظيمة حسدا ، بل ~~استدلالا على عدم نزوله ، بمعنى : لو كان قرآنا لأنزل على أحد هؤلاء ، بناء ~~على ما زعموا من أن الرسالة منصب جليل ، لا يليق له إلا من له جلالة من جهة ~~المال والجاه ، ولم يدروا أنها رتبة روحانية ، لا يرتقى إليها إلا همم ~~الخواص ، المختصين بالنفوس الزكية ، المؤيدين بالقوة القدسية ، المتحلين ~~بالفضائل الإنسية ، وأما المتزخرفون بالزخارف ms2686 الدنيوية ، المتمتعون بالحظوظ ~~الدنية ، فهم من استحقاق تلك الرتبة بألف معزل. # قال ابن عطية : وإنما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسن ، وإلا فرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان أعظم هؤلاء ؛ إذ كان المسمى عندهم الأمين. ه. ومرادهم : ~~الشرف الدنيوي ، بحيث يتعرض للأمور ؛ ليذكر ويشار إليه ، ورسوله الله صلى ~~الله عليه وسلم كان منزها عن ذلك من أول النشأة ، كما هو حال أهل الآخرة ، ~~والنفوس في مهماتها إليهم أميل ، وعليهم تعول ، ولذلك كان أمينا عندهم ، ~~ولا ترضى جل النفوس أهل الفضول ؛ لأماناتها ، ولا تسكن إليها وتطمئن بها ، ~~وإنما تعظمها ظاهرا ، لا حقيقة. وهذا كاف في الرد عليهم في أنهم لا يرضونهم ~~لأماناتهم ، لكيف يرضون لأمانات الوحي. {والله أعلم حيث يجعل رسالته} ~~[الأنعام : 124]. قاله في الحاشية. # وقوله تعالى : {أهم يقسمون رحمت ربك} ، إنكار عليهم ، وفيه تجهيل لهم ~~وتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة. والمراد بالرحمة : النبوة. PageV07P018 # {نحن قسمنا بينهم معيشتهم} ؛ ما يعيشون به ، وهو أرزاقهم الحسية {في الحياة ~~الدنيا} أي : لم نجعل قسمة الأدون إليهم ، وهو رزق الأشباح ، فكيف بالنبوة ~~، والعلم ، # 13 # الذي هو رزق الأرواح ؟ {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} أي : جعلنا البعض ~~أقوياء وأغنياء وموالي ، والبعض ضعفاء وفقراء وخدماء ، {ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا} أي : ليصرف بعضهم بعضا في حوائجهم ، ويستخدموهم في مهماتهم ، ~~ويسخروهم في أشغالهم ، حتى يتعايشوا ، ويصلوا إلى أعمالهم ، هذا بماله ، ~~وهذا ببدنه ، ولو استووا في الغنى والفقر لبطل جل المصالح ، فسبحان المدبر ~~الحكيم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 13 # قال القشيري : لو كانت المقادير متساوية لتعطلت المعايش ، ولبقي كل عند ~~حاله ، فجعل بعضهم مخصوصا بالترفه والمال ، وآخرين بالفقر ورقة الحال ، حتى ~~احتاج الفقير في حين حاجته أن يعمل للغني ، ليترفق من جهته بأجرته ، فيصلح ~~بذلك أمر الفقير والغني معا. ه. ولو فوضنا ذلك إلى تدبيرهم لهلكوا. وإذا ~~كانوا في تدبير خويصة أمرهم ، وما يصلحهم من متاع الدنيا الدنية ، في غاية ~~العجز ، فما ظنهم في تدبير أمر الدين والنبوة ؟ !. وقيل : " سخريا " أي : ~~يسخر بعضهم من بعض. # {ورحمت ms2687 ربك} أي : النبوة ، أو : الدين وما يتبعه من الفوز في المآب ، ~~{خير مما يجمعون} أي : مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا الدنية الفانية. PageV07P019 # الإشارة : مما جرى في طبع الناس أنهم لا يقرون الولاية إلا فيمن عظم جاهه ، ~~وكثر طعامه ، أو كثرت صلاته ، أو كان مجذوبا مصطلما ، أو : سبقت في أسلافه ~~، وهذا خطأ ، فإن الولاية سر من أسرار الله ، أودعها قلوب أصفيائه ، لا ~~تظهر على جوارحهم ، ولا تكون في الغالب إلا في أهل التجريد ، وأهل الخمول ، ~~أخفاها الله في عابده ، فمن ادعاها من غير تجريد ولا تخريب ، فهو مدع ، ~~ولذلك قال أبو المواهب رضي الله عنه : ما ادعى شهود الجمال ، قبل تأدبه ~~بالجلال ، فارفضه فإنه دجال. # ويقال لمن أنكر على أهلها من أهل التجريد : {أهم يقسمون رحمت ربك...} ~~الآية ، ورحمة ربك - هي سر الخصوصية - خير مما يجمعون. # وقال القشيري على قوله تعالى : {نحن قسمنا بينهم معيشتهم...} الخ ، بعد ~~كلام : ثم إنه تعالى قسم لبعض عباده النعمة والغنى ، ولقوم الفقر والقلة ، ~~وجعل لكل واحد منهم مسكنا يسكنون إليه ، ويستقلون به ، فللأغنياء وجود ~~الأنعام ، وجزيل الأقسام ، فشكروا واستبشروا ، وللفقراء شهود القسام ، ~~فحمدوا وافتخروا ، فالأغنياء وجدوا النعمة فاستغنوا وانشغلوا ، والفقراء ~~سمعوا قوله : " نحن " فاشتغلوا ، وفي الخبر : أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~للأنصار : " أما ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير ، وترجعوا برسول الله ~~إلى أهليكم ؟ والله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون " ه. # قوله تعالى : {نحن قسمنا بينهم...} الخ ، قد سبقت أقسام الرزق قبل ظهور # 14 # الخلق ، فالواجب انتظار القسمة ، والرضا بما قسم ، كما قال الشاعر : # اقنع بما قسم الرزاق من قسم # وسلم الأمر فالرزاق مختار # لا تجزعن ولا تبطر على محن # أو منح ، فإنما هي أحكام وأقدار # جزء : 7 رقم الصفحة : 13 # واقنع بكل الذي يجري الزمان به # ولا يكن منك للمغرور انكسار # جزء : 7 رقم الصفحة : 13 PageV07P020 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} أي : ولولا كراهة أن ~~يجتمع الناس على الكفر ، ويطبقوا عليه ، {لجعلنا} لأجل حقارة الدنيا عندنا ms2688 ~~{لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم} : بدل " من " {سقفا من فضة} أي : متخذة منها ، ~~{ومعارج} أي : ولجعلنا لهم مصاعد ، أي : سلالم من فضة أيضا ، يصعدون عليها ~~إلى السطوح ، {عليها يظهرون} أي : يعلون السطوح والعلالي عليها ، ~~{ولبيوتهم} أي : وجعلنا لبيوتهم {أبوابا وسررا} من فضة أيضا ، {عليها} أي : ~~السرر {يتكئون} ، ولعل تكرير " بيوتهم " لزيادة التقرير. {وزخرفا} أي : ~~وجعلنا لهم زخرفا ، أي : زينة من كل شيء. والزخرف : الذهب والزينة. ويجوز ~~أن يكون الأصل : سقفا من فضة وزخرف ، أي : بعضها من فضة ، وبعضها من ذهب ، ~~فنصب عطفا على محل " من فضة ". # {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} أي : وما كل ما ذكر من البيوت ~~الموصوفة بما ذكر من الزخارف الغرارة ، إلا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا ~~، ثم يفنى وتبقى تبعته. {والآخرة} أي : ونعيم الآخرة الذي يقصر عنه البيان ~~: خير {عند ربك للمتقين} الكفر والمعاصي. وبهذا يتبين أن العظيم إنما هو ~~العظيم في الآخرة ، لا في الدنيا ، ولذلك لم يجعل للمؤمنين فيها حظا وافرا ~~؛ لأنه تمتع قليل بالنسبة إلى ما لهم في الآخرة ، ولأنه ربما يشغلهم عن ذكر ~~الرحمن ، كما أشار إليه بقوله : {ومن يعش...} الخ. # الإشارة : في الآية ذم للدنيا ولمن اشتغل بها. وفي الحديث : " لو كانت ~~الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي كافرا منها شربة ماء " وعن علقمة عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه قال : اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير ~~، فأثر الحصير في جنبه ، فلما استيقظ ، جعلت أمسح عنه ، وأقول : يا رسول ~~الله ؛ ألا آذنتني قبل أن تنام على هذه الحصيرة ، فأبسط عليه شيئا ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما لي وللدنيا ، وما للدنيا وما لي ، ما ~~أنا والدنيا إلا كراكب PageV07P021 ~~15 # استظل في فيء ، أو ظل شجرة ، ثم راح وتركها " وروي أن عيسى عليه السلام ~~أخذ لبنة من طوب ، فجعلها تحت رأسه ، فجاءه جبريل عليه السلام ، فوكز ~~الطوية من تحت رأسه ، ونزعها ، وقال : " اترك هذه مع ما تركت " وأنشدوا في ~~هذا المعنى : # جزء : 7 ms2689 رقم الصفحة : 15 # رضيت من الدنيا بقوت وخرقة # وأشرب من كوز حوافيه تكسر # فقل لبني الدنيا : اعزلوا من أردتم # وولوا ، وخلوني على البعد أنظر # وقال صلى الله عليه وسلم : " الدنيا خراب ، وأخرب منها قلب مشتغل بها " ~~ومن اشتغل بها غفل عن ذكر الرحمن ، وسلط عليه الشيطان. # جزء : 7 رقم الصفحة : 15 # قلت : " من يعش " : شرط وجواب. وحكي أن أبا عبد الله بن مرزوق دخل على ~~ابن عرفة ، فحضر مجلسه ، ولم يعرفه أحد ، فوجده يفسر هذه الآية : {ومن يعش ~~عن ذكر الرحمن} ، فكان أول ما افتتح به - يعني ابن مرزوق - أن قال : وهل ~~يصح أن تكون " من " هنا موصولة ؟ فقال ابن عرفة : وكيف ، وقد جزمت ؟ فقال ~~ابن مرزوق : جزمت تشبيها بالشرطية ، فقال ابن عرفة : إنما يقدم على هذا بنص ~~من إمام ، أو شاهد من كلام العرب ، فقال : أما النص ؛ فقال ابن مالك في ~~التسهيل : وقد يحزم مسبب عن صلة الذي ، تشبيها بجواب الشرط ، وأما الشاهد ~~فقوله : # فلا تحفرن بئرا تريد أخا بها # فإنك فيها أنت من دونه تقع # كذاك الذي يبغي على ظالما # تصبه على رغم عواقب ما صنع # فقال ابن عرفة : فأنت إذا أبو عبد الله بن مرزوق ؟ فقال : نعم ، فحرب به. ~~وقال. والله ما ظلمناك.ه. PageV07P022 # وقرأ ابن عباس : " يعش " - بفتح الشين ، أي : يعم ، من : عشى يعشى. وقرئ : ~~" يعشو " على أن " من " موصولة غير مضمنة معنى الشرط ، وإلا جزمت كما تقدم. ~~قلت : والذي يظهر من كلام التسهيل أن الموصول المضمن معنى الشرط إنما يجزم ~~الجواب لا الشرط ، فتأمله ، مع كلام ابن مرزوق. والشاهد الذي أتى به إنما ~~فيه جزم الجواب # 16 # لا الشرط ، فلا يصح ما قاله ابن مرزوق باعتبار جزم لفظ الشرط. والله ~~تعالى أعلم. # يقول الحق جل جلاله : {ومن يعش} أي : يتعام ، أو : يعم. والفرق بين ~~القراءتين أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل : عشى يعشى ، وإذا ضعف بصره بلا ~~آفة قيل : عشى يعشو. والمعنى : ومن يعرض {عن ذكر الرحمن} وهو القرآن ، لفرط ~~اشتغاله بزهرة الدنيا ، وانهماكه في ms2690 الحظوظ الفانية ، فلم يلتفت إليه ، ولم ~~يعرف أنه حق - على قراءة الفتح - أو : عرف أنه حق وتعامى عنه ، تجاهلا ، ~~على قراءة الضم ، {نقيض له شيطانا فهو له قرين} ، قال ابن عباس : نسلطه ~~عليه فهو معه في الدنيا والآخرة ، لا يفارقه ، ولا يزال يوسوسه ويغويه. ~~وفيه إشارة إلى أن من دام عليه لم يغوه الشيطان. وإضافته إلى " الرحمن " ~~للإيذان بأن نزوله رحمة للعالمين ، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله ، أي : ~~ما ذكره الرحمن وأوحى به في كتابه ، وقال ابن عطية : ما ذكر الله به عباده ~~من المواعظ. ويحتمل أن يريد مطلق الذكر ، أي : ومن يغفل عن ذكر الله نسلط ~~عليه شيطانا ، عقوبة على الغفلة ، فإذا ذكر الله تباعد عنه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 16 PageV07P023 ~~وإنهم} أي : الشياطين ، الذي قيض كل واحد منهم لكل واحد ممن يعشو ، ~~{ليصدونهم} ؛ ليمنعون العاشين {عن السبيل} ؛ عن سبيل الهدى الذي جاء به ~~القرآن ، {ويحسبون أنهم مهتدون} أي : أنفسهم مهتدون ، أو : ويحسب العاشون ~~أن الشياطين مهتدون ، فلذلك قلدوهم ، فمدار جمع الضمير اعتبار معنى " من " ~~كما أن مدار إفراده فيما سبق اعتبار لفظها. وصيغة المضارع في الأفعال ~~الأربعة للدلالة على الاستمرار التجديدي ، لقوله : {حتى إذا جاءنا} فإن " ~~حتى " تقتضي أن تكون غاية لأمر ممتد ، أي : يستمر العاشون على ما ذكر من ~~مقارنة الشياطين والصد والحسبان الباطل ، حتى إذا جاءنا كل واحد منهم مع ~~قرينه يوم القيامة. ومن قرأ بالتثنية ، فالمراد العاشي وقرينه. قال مخاطبا ~~لقرينه : {يا ليت بيني وبينك} في الدنيا {بعد المشرقين} أي : بعد المشرق ~~والمغرب ، أي : تباعد كل منهما من صاحبه ، فغلب المشرق على المغرب ، كما ~~قيل : القمران والعمران ، وأضيف البعد إليهما ، {فبئس القرين} أنت. # قال تعالى : {ولن ينفعكم اليوم} أي : يوم القيامة {إذ ظلمتم} أي : حين صح ~~وتبين ظلمكم وكفركم ، ولم تبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين. و" ~~إذ " : بدل من اليوم. وقوله : {أنكم في العذاب مشتركون} : فاعل ينفع ، أي : ~~لن ينفعكم يوم القيامة اشتراككم في العذاب ، كما كان في الدنيا يهون ms2691 عليكم ~~المصيبة اشتراككم فيها ، لتعاونكم في تحمل أعبائها وتقسيمكم لعنائها ، ~~ولذلك قيل : المصيبة إذا عمت هانت ، وإذا خصت هالت ، وفي ذلك تقول الخنساء : # 17 # ولولا كثرة الباكين حولي # على إخوانهم لقتلت نفسي # ولا يبكون مثل أخي ولكن # أعزي النفس عنه بالتأسي PageV07P024 ~~أما هؤلاء فلا يؤسيهم اشتراكهم ، ولا يروحهم ، لأن بكل منهم ما لا تبلغه ~~طاقة ، وقد ورد أنهم يكونون في توابيت من نار ، لا يرى أحد صاحبه ، بل يظن ~~أنه وحده فيها. وقيل : الفاعر مضمر ، أي : ولن ينفعكم هذا التمني ، أو هذا ~~الاعتذار ؛ لأنكم في العذاب مشتركون ؛ لاشتراككم في سببه ، وهو الكفر ، ~~ويؤيده : قراءة من قرأ : " إنكم " بالكسر. # وكان صلى الله عليه وسلم يبالغ في المجاهدة في دعاء قومه ، وهم لا يزيدون ~~إلا غيا وتعاميا عما يشهدونه من شواهد النبوة ، وتصامما عما يسمعونه من ~~القرآن ، فأنزل الله تعالى : {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي} ، وهو إنكار ~~وتعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم ، وقد تمرنوا في الكفر ، ~~واستغرقوا في الضلال ، حيث صار ما بهم من العشي عما مقرونا بالصمم ، أي : ~~أفأنت تقدر أن تسمع من فقد سمع القبول ، أو تهدي من فقد بصر الاستبصار. ~~{ومن كان في ضلال مبين} أي : ومن كان في علم الله أنه يموت على الضلال. ~~ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في الضلال المفرط ، بحيث لا ارعواء له ~~منه ، لا توهم القصور من قبل الهادي ، ففيه رمز في أنه لا يقدر على ذلك إلا ~~الله. {فإما نذهبن بك} أي : فإن قبضناك قبل أن ننصرك على أعدائك ، ونشفي ~~صدور المؤمنين منهم ، {فإنا منهم منتقمون} أشد الانتقام في الآخرة. {أو ~~نرينك} العذاب {الذي وعدناهم} قبل أن نتوفينك ، كما وقع بهم يوم بدر ، ~~{فإنا عليهم مقتدرون} العذاب {الذي وعدناهم} قبل أن نتوفينك ، كما وقع بهم ~~يوم بدر ، {فإنا عليهم مقتدرون} بحيث لا ناصر لهم من حلول نقمتنا وقهرنا. ~~و" إما " : شرط دخلت " ما " على " إن " توكيدا للشرط ، وزاد التوكيد نون ~~الثقيلة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 16 PageV07P025 ~~الإشارة : كل ms2692 من غفل عن ذكر الله تسلط الشيطان على قلبه بالوسوسة والخواطر ~~الردية ، وقد ورد في الحديث : " إن قلب ابن آدم ملك وشيطان ، فإذا ذكر الله ~~قرب الملك منه وانخنس الشيطان ، وإذا غفل عن ذكر الشيطان قرب منه ، فلا ~~يزال يوسوسه ويمنيه حتى يغفله عن الله " ولا شك أن الذكر الذي يصرف الشيطان ~~عن القلب إنما هو الذكر القلبي لا اللساني ، فكم من ذاكر بلسانه وقلبه ~~مشغول بهواه ، فذكر اللسان نتائجة الأجور ، وذكر القلوب نتائجة الحضور ورفع ~~الستور ، وشتان بين من همه الحور والقصور ، ومن همه الحضور ورفع الستور ، ~~هذا من عامة أهل اليمين ، وهذا من خاصة المقربين ، فإذا أردت يا أخي ذكر ~~القلوب ، ولمعان أسرار الغيوب ، فاصحب الرجال ، حتى ينقلوك من عالم الطبيعة ~~إلى عالم الروحانية ، وإلا بقيت في عالم الأشباح. # قال القشيري : من لم يعرف قدر الخلوة مع الله ، فحاد عن ذكره وأخلد إلى ~~الخواطر الردية ، قيض الله له من يشغله عن الله - وهذا جزاء من ترك الأدب ~~في الخلوة. # 18 # وإذا اشتغل العبد في خلوته مع ربه ، وتعرض له من يشغله عن ربه ، صرفه ~~الحق عنه بأي وجه كان.. ويقال : أصعب الشياطين نفسك ، والعبد إذا لم يعرف ~~قدر فراغ قلبه ، واتبع شهوته ، وفتح ذلك الباب على نفسه ، بقي في يد هواه ~~أسيرا ، لا يكاد يتخلص منه إلا بعد مدة. ه. PageV07P026 # وقال في الإحياء : للشيطان جندان ؛ ند يطير ، وجند يسير ، والوسواس عبارة ~~عن حركة جنده الطيار ، والشهوة عبارة عن حركة جنده السيار. ثم قال : فتحقق ~~أن الشيطان من المنظرين ، فلا يتواضع لك بالكف عن الوسواس إلى يوم الدين ؛ ~~إلا أن تصبح وهمومك هم واحد ، وهو الله ، فيشتغل قلبك بالله وحده ، فلا يجد ~~الملعون مجالا فيك ، فعند ذلك تكون من عباد الله المخلصين ، الداخلين في ~~الاستثناء من سلطنته. ولا تظن أن يفرغ منه قلب فارغ من ذكر الله ، بل هو ~~سيال يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وسيلانه مثل الهواء في القدح ، إن أردت ~~أن يخلو عن الهواء من غير ms2693 أن تشغله بالماء أو غيره ، فقد طمعت في غير مطمع ~~، بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه من الهواء لا محالة ، فكذلك القلب ~~المشغول بتفكر مهم في الدين ، يخلو عن جولان الشيطان ، وإلا فمن غفر عن ~~الله ، ولو لحظة ، فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان ، وإلا فمن غفل ~~عن الله ، ولو لحظة ، فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان ، ولذلك ~~سبحانه : {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين}. ه. المراد منه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 16 # وكل من عوق الناس عن طريق الحق يصدق عليه قوله : {وإنهم ليصدونهم عن ~~السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} ، فإذا تحققت الحقائق ، وارتفع الغطاء ، وظهر ~~الصواب من الخطأ ، قال للذي صده عن طريق القوم : يا ليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين فبئس القرين ، فيقول الحق جل جلاله : {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم ~~أنفسكم} حيث حرمتموها من الوصول إلي أنكم من عذاب الحجاب مشتركون. ويقال ~~لمن وعظ ودعا إلى الله ، فلم يقبل منه : {أفأنت تسمع الصم...} الآية. فإما ~~نذهبن بك بالموت ، فيقع الندم عليك ، أو نرينك الذي وعدناهم من العز لك ~~والنصر ، والانتقام ممن آذى أولياء الله ، فإنا عليهم مقتدرون. # جزء : 7 رقم الصفحة : 16 PageV07P027 ~~يقول الحق جل جلاله : {فاستمسك} أي : تمسك {بالذي أوحي إليك} من الآيات ~~والشرائع ، واعمل بذلك ، سواء عجلنا لك الموعد أو أخرناه ، {إنك على صراط ~~مستقيم} ؛ على دين قيم لا عوج فيه ، وهو تعليل للأمر بالاستمساك. {وإنه} أي : ما # 19 # أوحي إليك {لذكر} ؛ لشرف عظيم {لك ولقومك} ؛ ولأمتك ، أو : لقومك من قريش ~~، فما زال العز فيهم ، والشرف لهم ، من زمانه صلى الله عليه وسلم إلى قرب ~~الساعة. قال صلى الله عليه وسلم : " لا يزال هذا الشأن في قريش ما بقي منه ~~اثنان " وفي رواية : " لا يزال هذا الأمر في قريش ، لا يعاديهم أحد إلا كب ~~على وجهه بمكة ، ويعدهم الظهور ، فإذا قالوا : لمن الملك بعدك ؟ أسمك فلم ~~يجبهم ، حتى نزلت : {وإنه لذكر لك ولقومك} فكان بعد ms2694 ذلك إذا سئل قال : " ~~لقريش " فلا يجيبونه ، فقبلته الأنصار على ذلك. # أو : وإنه لموعظة لك ولأمتك بأجمعها. {وسوف تسألون} يوم القيامة عن شكركم ~~هذه النعمة ، أو : عما أوحي إليه ، وعن قيامكم بحقوقه ، وعن تعظيمكم له. # {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الله آلهة يعبدون} ، ~~فليس المراد سؤال الرسل حقيقة ، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن ~~مللهم ، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء ؟ وكفاه نظرا ~~وفحصا نظره في كتاب الله المعجز ، المصدق لما بين يديه. وإخبار الله فيه ~~بأنهم إنما يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا. وهذه الآية في نفسها ~~كافية ، لا حاجة إلى غيرها. PageV07P028 # وقيل إنه صلى الله عليه وسلم جمع له الأنبياء - عليهم السلام - وقيل له : ~~سلهم ، وهو ضعيف. وقيل معناه : سل أمم من أرسلنا ، وهم أهل الكتابين : ~~التوراة والإنجيل ، وإنما يخبرونه عن كتب الرسل ، فإذا سألهم فأكنما سأل ~~الأنبياء ، ومعنى هذا السؤال : التنبيه على بطلان عبادة الأوثان ، ~~والاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد ، وأنه ليس ببدع ابتدعه حتى ينكر ~~ويعادي : وقيل : الخطاب له ، والمراد غيره ممن يرتاب. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الاستمساك بالوحي كان حاصلا له صلى الله عليه وسلم ، وإنما ~~المراد الثبوت على ما هو حاصل ، والاسترشاد إلى ما ليس بحاصل ، فالمراد ~~الترقي في زيادة العلم ، والكشف إلى غير نهاية ، كقوله : {اهدنا الصراط ~~المستقيم} ، فالترقي لا ينقطع لمن تمسك بالوحي التمسك الحقيقي ، بحيث كشف ~~له عن غوامض أسرار القرآن ، وزال الحجاب بينه وبين الله تعالى ، فهو دائما ~~في زيادة العلم والكشف ، إلى ما لا نهاية له. وهذا هو الشرف العظيم في ~~الدارين. فمن لم يشكره سئل عنه ، أو سلب منه في الدنيا. ثم إن التوحيد في ~~الذات والصفات والأفعال مما أجمعت عليه الملل ، وكل داع إنما يدعو إليه ، ~~وكل شيخ مربي إنما يوصل إليه ، ومن لم يوصل إليه أصحابه فهو دجال. وبالله ~~التوفيق. # 20 # جزء : 7 رقم الصفحة : 19 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد أرسلنا ms2695 موسى بآياتنا} أي : متلبسا بآياتنا ~~{إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين} فأجابوه بقولهم : {فأتنا بآية ~~إن كنت من الصادقين} كما صرح به في آية أخرى. {فلما جاءهم بآياتنا إذا هم ~~منها يضحكون} ؛ يسخرون منها ، ويهزؤون ، ويسمونها سحرا. و" إذا " للمفاجأة ~~، وهو جواب " لما " ، لأن فعل المفاجأة معها مقدر ، وهو العامل في " إذا " ~~، أي : لما جاءهم فاجؤوا وقت ضحكهم منها ، أي : استهزؤوا بها أول ما رأوها ~~، ولم يتأملوا فيها. PageV07P029 # {وما نريهم من آية} من الآيات {إلا هي أكبر من أختها} ؛ قرينتها ، وصاحبتها ~~التي كانت قبلها ، أي : ما ظهر لهم آية إلا وهي بالغة أقصى مراتب الإعجاز ، ~~بحيث يجزم كل من ينظر إليها أنها أكبر من كل ما يقاس بها من الآيات. ~~والمراد : وصف الكل بغاية الكبر من غير ملاحظة قصور في شيء منها ، قال ~~النسفي : وظاهر النظم يدل على أن اللاحقة أعظم من السابقة ، وليس كذلك ، بل ~~المراد بهذا الكلام : أنهن موصوفات بالكبر ، كما يقال : هما أخوان ، كل ~~منهما أكبر من الآخر. ه. وقال في الانتصاف : الظاهر : أن كل آية إذا أفردت ~~استغرقت الفكر وبهرته ، حتى يجزم أنها النهاية ، وأن كل آية دونها ، فإذا ~~نقل الفكر إلى الأخرى كانت كذلك. وحاصله : أنه لا يقدر الفكر أن يجمع بين ~~آيتين ، لتتميز الفاضلة من المفضولة. ه. # {وأخذناهم بالعذاب} وهو ما قال تعالى : {ولقد أخذنآ ءال فرعون بالسنين ~~ونقص من الثمرات} [الأعراف : 130] ، {فأرسلنا عليهم الطوفان...} [الأعراف : ~~133] الآية. {لعلهم يرجعون} ؛ لكي يرجعوا عما هم عليه من الضلال. # {وقالوا يا أيه الساحر} ، كانوا يقولون للعالم : إنما هو ساحر ؛ لتعظيمهم ~~علم السحر ، أو : نادوه بذلك في مثل تلك الحالة لغاية عتوهم ونهاية حماقتهم ~~، وقرأ الشامي بضم الهاء ، لاتباع حركة ما قبلها حين سقطت الألف ، {ادع لنا ~~ربك} يكشف عنا العذاب {بما عهد عندك} أي : لعهده عندك بأن دعوتك مستجابة ، ~~أو : بما عهد عندك من النبوة والجاه ، أو : بما عهد من كشف العذاب عمن ~~اهتدى ، {إننا لمهتدون} ؛ مؤمنون أن # 21 # كشف عنا بدعوتك ، كقوله : {لئن كشفت ms2696 عنا الرجز لنؤمنن لك} [الأعراف : ~~134] ، {فلما كشفنا عنهم العذاب} بدعوته {إذا هم ينكثون} ؛ ينقضون العهد ، ~~أي : فاجؤوا وقت نكث عهدهم بالاهتداء. وقد مر تمامه في الأعراف. # جزء : 7 رقم الصفحة : 21 PageV07P030 ~~الإشارة : قد ظهرت الآيات على الأنبياء والرسل ، فلم ينتفع بها إلا من سبقت ~~له العناية ، وكذلك ظهرت الكرامات على أيدي الأولياء الداعين إلى الله ، ~~فلم ينتفع بها إلا من سبق له التقريب والاصطفاء. على أن الصادق في الطلب لا ~~يحتاج إلى ظهور كرامة ، بل إذا أراد الله أن يوصله إليه وصله إلى ولي من ~~أوليائه ، فطوى عنه وجود بشريته ، وأشهده سر خصوصيته ، فخصع له من غير توقف ~~على كرامة ولا آية. وأما من لم يسبق له التقريب ؛ إذا رأى ألف آية ضحك منها ~~واستهزأ ، ورماها بالسحر والشعوذة ، والعياذ بالله من البعد والطرد. # جزء : 7 رقم الصفحة : 21 # يقول الحق جل جلاله : {ونادى فرعون} ، إما بنفسه ، أو : أمر من ينادي ، ~~كقولك : قطع الأمير اللص. والظاهر أنه نادى بنفسه ، {في قومه} ؛ في مجمعهم ~~وفيما بينهم ، بعد أن كشف العذاب عنهم ، مخافة أن يؤمنوا ، {قال يا قوم ~~أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار} ؛ أنهار النيل ، ومعظمها أربعة : نهر الملك ~~، ونهر طولون ، ونهر دمياط ، ونهر تييس ، {تجري من تحتي} ؛ تحت سريري ؛ ~~لارتفاعه ، أو : بين يدي في جناتي وبساتيني. # قال عمرو بن العاص رضي الله عنه : نيل مصر سيد الأنهار ، سخر الله له كل ~~نهر بين المشرق والمغرب ، فإذا أراد الله أن يجريه أمر الأنهار فأمدته ~~بمائها ، وفجر له كل نهر عيونا ، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله سبحانه ~~أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. قاله في الاكتفاء. ومهبطه من جبل القمر ~~، وقيل : أصله من الجنة ، والله تعالى أعلم. وحد مصر : من بحر الإسكندرية ~~إلى أسوان ، بطول النيل. والأنهار المذكورة هي الخلجان الكبار ، الخارجة من النيل. # وعن عبد الله بن طاهر : أنه لما ولي مصر خرج إليها ، فلما شارفها ، قال : أهي # 22 PageV07P031 ~~القرية التي افتخر بها فرعون ، حتى قال : {أليس لي ms2697 ملك مصر} ؟ والله لهي ~~أقل عندي من أن أدخلها ، فثنى عنانه. وعن هارون الرشيد : أنه لما قرأها ، ~~قال : والله لأولينها أخس عبيدي ، فولاها الخصيب ، وكان خادم وضوئه. # {وهذه الأنهار} : إما عطف على " ملك مصر " ، ف " تجري " : حال منها ، أو ~~: واو الحال ، ف " هذه " مبتدأ ، و" الأنهار " : صفتها و" تجري " : خبر ، ~~{أفلا تبصرون} قوتي وسلطاني ، مع ضعف موسى وقلة أتباعه. أراد بذلك استعظام ~~ملكه وترغيب الناس في اتباعه. # ثم قال : {أم أنا خير} مع هذه المملكة والبسطة {من هذا الذي هو مهين} أي ~~: ضعيف حقير ، من : المهانة ، وهي القلة. {ولا يكاد يبين} الكلام لما به من ~~اللثة. قاله افتراء عليه عليه السلام ، وتنقيصا له في أعين الناس ، باعتبار ~~ما كان في لسانه عليه السلام. وقد كانت ذهبت عنه ، لقوله تعالى : {قال قد ~~أوتيت سوؤلك يا موسى} [طه : 36]. والهمزة للتقرير ، كأنه قال إثر ما عدد من ~~أسباب فضله ، ومبادئ خيريته : أثبت عندكم واستقر لديكم أني أنا خير ، وهذه ~~حال ، من هذا. وإما متصلة ، والمعنى : أفلا تبصرون أم تبصرون ؟ فوضع قوله : ~~{أما أنا خير} موضع " تبصرون " ؛ لأنهم إذا قالوا : أنت خير ؛ فهم عنده ~~بصراء. وهذا من باب تنزيل السبب منزلة المسبب. انظر أبا المسعود. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 22 PageV07P032 ~~فلولا ألقي عليه أساوره من ذهب} أي : فهلا ألقي عليه مقاليد الملك إن كان ~~صادقا ، لأنهم كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوار ، وطوقوه بطوق من ذهب. {أو ~~جاء معه الملائكة مقترنين} ؛ مقرونين يمشون معه ، مقترن بعضهم ببعض ، ~~ليكونوا أعضاده وأنصاره ، أو : ليشهدوا له بالنبوة ؟ {فاستخف قومه} أي : ~~فاستفزهم ، وطلب منهم الخفة والسرعة في مطاوعته. أو : فاستخف أحلامهم ~~واستزلهم ، {فأطاعوه} فيما أمرهم به {إنهم كانوا قوما فاسقين} ، خارجين عن ~~الدين ، فلذلك سارعوا إلى طاعته. # {فلما آسفونا} ؛ أغضبونا أشد الغضب ، منقول من : أسف : إذ اشتد غضبه ، ~~{انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} ، والمعنى : أنهم أفرطوا في المعاصي ~~فاستوجبوا أن نعجل لهم العذاب ، وألا نحلم عليهم. {فجعلناهم سلفا} ؛ قدوة ~~لمن بعدهم من الكفار ، يسلكون مسلكهم في استيجاب مثل ما ms2698 حل بهم من العذاب ، ~~فكل من تفرعن وتجبر ففرعون إمامه وقدوته. أو : جعلناهم متقدمين في الهلاك ، ~~ليتعظ بهم من بعدهم إلى يوم القيامة. والسلف : جمع سالف ، وهو الفارط ~~المتقدم ، {ومثلا للآخرين} أي : عظة لهم ، أو : قصة عجيبة ، تسير مسير ~~الأمثال ، فيقال : مثلكم كقوم فرعون ، كما قال تعالى : {كدأب ءال فرعون} ~~[آل عمران : 11]. وهاهنا قراءات ، قد وجهناها في كتاب مستقل. # الإشارة : عاقبة التكبر والافتخار الذل والهوان والدمار ، وعاقبة التواضع ~~والانكسار العز والنصرة ، انظر إلى فرعون لما تعزز واستكبر هلك مع قومه في ~~لجة البحار. قال # 23 PageV07P033 ~~القشيري : ليعلم أن من تعزز بشيء دون الله فهلاكه وحتفه فيه ، وفرعون لما ~~استصغر موسى وحديثه ، وعابه بالفقر ، سلطه الله عليه ، فكان هلاكه بيده ، ~~وما استصغر أحد أحدا إلا سلط عليه. ثم قال في قوله تعالى : {فاستخف قومه ~~فأطاعوه} : طاعة الرهبة لا تكون مخلصة ، وإنما تكون الطاعة صادقة إذا صدرت ~~عن الرغبة ، {فلما آسفونا} ؛ أغضبونا ، وإنما أراد : أغضبوا أولياءنا ، ~~وهذا أصل في باب الجمع ، أضاف إغضابهم أولياءه إلى نفسه. وفي الخبر أنه ~~تعالى يقول : " مرضت فلم تعدني " وقال لإبراهيم عليه السلام : {يأتوك ~~رجالا} [الحج : 27] وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم : {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} [النساء : 80]. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 22 # يقول الحق جل جلاله : {ولما ضرب ابن مريم مثلا} ، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرأ على قريش : {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} ~~[الأنبياء : 98] الآية ، فغضبوا ، فقال ابن الزبعرى : يا محمد! أخاصة لنا ~~ولآلهتنا ، أم لجميع الأمم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " هو لكم ولآلهتكم ~~ولجميع الأمم " ، فقالوا : ألست تزعم أن عيسى [نبي] ، يثنى عليه وعلى أمه ~~خيرا ، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما ؟ وعزيز يعبد ، والملائكة يعبدون ، ~~فإن كان هؤلاء في النار ، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم ، ففرحوا ، ~~وضحكوا ، وسكت النبي انتظارا للوحي. # وفي رواية : فقال لهم صلى الله عليه وسلم : " إنما عبدوا الشياطين التي ~~أمرتهم بذلك " وقال لابن الزبعرى : " ما أجهلك بلغة قومك ، أما فهمت ms2699 أن " ~~ما " لما لا يعقل ، فهي خاصة بالأصنام " ، فأنزل الله : {إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى...} [الأنبياء : 101] الآية. ونزلت هذه الآية. PageV07P034 # والمعنى : ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى {ابن مريم مثلا} لآلهتهم ، وجادل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه {إذا قومك} قريش {منه} أي : ~~من هذا المثل # 24 # {يصدون} ترتفع لهم جلبة وضجيج ، فرحا وضحكا ، فهو من : الصديد ، وهو ~~الجلبة ورفع الصوت ، ويؤيده : تعديته بمن ، ولو كان من الصدود لقال : " عنه ~~" ، وقرئ بالكسر والضم ، وقيل : هما لغتان ، كيعكفون ويعكفون ويعرشون ~~ويعرشون ، وقيل : بالكسر معناه : الصديد ، أي : الضجيج والضحك ، وبالضم ~~معناه : الإعراض ، فيكون من الصدود ، أي : فهم من أجل هذا المثل يعرضون عن ~~الحق ، أي : يثبتون على ما كانوا عليه من الإعراض ، أو يزدادون. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 24 # وقالوا آلهتنا خير أم هو} يعني أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى ، فإذا ~~كان عيسى من حصب جهنم كان أمر آلهتنا هينا. أو : فإذا كان عيسى في النار ، ~~فلا بأس بكوننا مع آلهتنا فيها. قال تعالى : {ما ضربوه لك إلا جدلا} أي : ~~ما ضربوا لك ذلك المثل إلا لأجل الجدال والخصام ، لا لطلب الحق حتى يذعونا ~~له عند ظهوره ، {بل هم قوم خصمون} أي : لدا ، شداد الخصومة ، مجبولون على ~~اللجاج ، وذلك أن الآية إنما قصدت الأصنام ، بدليل التعبير ب " ما " ، إلا ~~أن ابن الزبعرى حدا عنه لما رأى كلام الله تعالى محتملا لفظه للعموم ، مع ~~علمه بأن المراد به أصنامهم ، وجد للحيلة مساغا ، فصرف اللفظ إلى الشمول ~~والإحاطة بكل معبود غير الله ، على طريق اللجاج والجدال والمكابرة ، وتوقح ~~في ذلك ، فصمت عنه صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه. PageV07P035 # وقيل : لما سمعوا قوله تعالى : {إن مثل عيسى عند الله...} [آل عمران : 59] ~~الآية ، قالوا : نحن أهدى من النصارى ، لأنهم عبدوا آدميا ، ونحن نعبد ~~الملائكة ، فنزلت. فقولهم : آلهتنا خير ، هو حينئذ تفضيل لآلهتهم على عيسى ~~عليه السلام ؛ لأن المراد بهم الملائكة. ومعنى : {ما ضربوه...} الخ : ما ~~قالوا هذا القول إلا ms2700 للجدال. وقيل : لما نزل : {إن مثل عيسى عند الله..} ~~الآية ، قالوا : ما يريد محمد إلا أن نعبده كما عبد النصارى المسيح. ومعنى ~~" يصدون " : يضجون ويسخرون ، والضمير على هذا في " أم " هو لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم ، وغرضهم ومرادهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم الاستهزاء به صلى ~~الله عليه وسلم ويجوز أن يكون مرادهم التنصل عما أنكر عليهم من قولهم : ~~الملائكة بنات الله ، ومن عبادتهم لهم ، كأنهم قالوا : ما قلنا بدعا من ~~القول ، ولا فعلنا منكرا من الفعل ، فإن النصارى جعلوا المسيح ابن الله ، ~~وعبدوه ، فنحن أرشد منهم قولا وفعلا ، حيث نسبنا له الملائكة ، وهم نسبوا ~~إليه الأناسي. فقوله تعالى : {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} أي : ما عيسى إلا ~~عبد ، كسائر العبيد ، أنعمنا عليه بالنبوة ، {وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} ~~أي : أمرا عجيبا ، حقيقا بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة ، ففيه تنبيه على ~~بطلان رفعه عن رتبة العبودية ، أي : قصارى أمره أنه ممن أنعمنا عليه ~~بالنبوة ، وخصصناه ببعض الخواص البديعة ، بأن خلقناه على وجه بديع ، وقد ~~خلقنا آدم بوجه أبدع منه ، فأين هو من رتبة الربوبية حتى يتوهم أنه رضي ~~بعبادته مع الله ؟ ومن عبده فإنما عبد الشيطان. # 25 PageV07P036 ~~ثم قال تعالى : {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض} بدلا منكم ، كذا ~~قال الزجاج ، ف " من " بمعنى البدل {يخلفون} أي : يخلفونكم في الأرض ، أي : ~~لو نشاء لذهبنا بكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة يخلفونكم في الأرض ، فيكونون ~~أطوع منك لله تعالى ، وقيل : {ولو نشاء} لقدرتنا على عجائب الأمور {لجعلنا ~~منكم} بطريق التوالد ، وأنتم رجال ، من شأنكم الولادة - {ملائكة} كما ~~خلقناهم بطريق الإبداع {في الأرض} مستقرين فيهم ، كما جعلناهم مستقرين في ~~السماء ، يخلفونكم مثل أولادكم ، ويباشرون الأفاعيل المنوطة بمباشرتكم ، ~~فكيف يستحقون المعبودية مع أنهم أجسام ، متولدون عن أجسام ، والمستحق ~~للعبادة يتعالى عن ذلك ؟ ! # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 24 # وإنه} أي : عيسى عليه السلام {لعلم للساعة} أي : مما يعلم به مجيء الساعة ~~عند نزوله. وقرأ ابن عباس " لعلم " بفتح اللام ، أي : وإن نزوله لعلم ~~للساعة ، أو ms2701 : وإن وجوده بغير أب ، وإحياءه للموتى ، دليل على صحة البعث ، ~~الذي هو معظم ما ينكرة الكفرة. PageV07P037 # وفي الحديث : إن عيسى عليه السلام ينزل على ثنية بالأرض المقدسة ، يقال لها ~~: أفيق ، وهي عقبة بيت المقدس ، وعليه ممصرتان ، وشعر رأسه دهين ، وبيده ~~حربة يقتل بها الدجال ، فيأتي بيت المقدس ، والناس في صلاة العصر ، والإمام ~~يؤم بهم ، فيتأخر الإمام ، فيقدمه عيسى ، ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، ويقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويخرب البيع والكنائس ، ~~ويقتل النصارى إلا من آمن به وبمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : الضمير ~~للقرآن ؛ لأن فيه الإعلام بالساعة ، {فلا تمترن بها} ؛ فلا تشكن فيها ، من ~~المرية ، وهو الشك ، {واتبعون} أي : اتبعوا هداي وشرائعي ، أو : رسولي : ~~وقيل : هو قول نبينا صلى الله عليه وسلم مأمورا به من جهته تعالى : {هذا} ~~أي : الذي أدعوكم إليه {صراط مستقيم} ؛ موصل إلى الحق. {ولا يصدنكم ~~الشيطان} عن اتباعي {إنه لكم عدو مبين} ؛ بين العداوة ، حيث أخرج آباكم من ~~الجنة ، وعرضكم للبلية. # الإشارة : الوعظ والتذكير لا تسري أنواره في القلوب إلا مع التسليم ~~والتصديق ، والسكوت والاستماع ، كما كان الصحابة رضي الله عنهم مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسهم الطير ، وأما إن دخل معه الجدال واللجاج ~~ذهبت بركته ، ولم تسر أنواره ، ولذلك قيل : مذهب الصوفية مبني على التسليم ~~والتصديق ، ومذهب الفقهاء مبني على البحث والتفتيش ، لكن مع الإنصار ، وخفض ~~الصوت ، وحسن السؤال من غير ملاججة ولا غضب. # 26 # جزء : 7 رقم الصفحة : 24 PageV07P038 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولما جاء عيسى بالبينات} ؛ بالمعجزات ؛ أو : بآيات ~~الإنجيل ؛ أو : بالشرائع الواضحات {قال} لبني إسرائيل : {قد جئتكم بالحكمة} ~~؛ بالشريعة ، أو : بالإنجيل المشتمل عليها {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون ~~فيه} وهو ما يتعلق بأمور الدين ، وأما ما يتعلق بأمور الدنيا فليس بيانه من ~~وظائف الأنبياء عليهم السلام كما قال صلى الله عليه وسلم : " أنتم أعلم ~~بدنياكم " ، وهو عطف على مقدر ، ينبئ عنه المجيء بالحكمة ، كأنه قيل : ~~جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ، ولأبين لكم ما تختلفون فيه ms2702 ، {فاتقوا الله} ~~في مخالفتي {وأطيعون} فيم أبلغكم عن الله تعالى : # {إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه} بيان لما أمرهم به من الطاعة ، وهو ~~اعتقاد التوحيد ، والتعبد بالشرائع ، {هذا صراط مستقيم} لا يضل سالكه ؛ ~~فهذا تمام كلام عيسى عليه السلام ، وقيل : قوله : {هذا...} الخ من كلام ~~الله تعالى ، مقرر لمقالة عيسى عليه السلام. # {فاختلف الأحزاب} أي : الفرق المتحزبة بعد عيسى ، وهم : اليعقوبية ~~والنسطورية ، والملكانية ، والشمعونية ، {من بينهم} أي : من بين النصارى ، ~~أو : من بين من بعث إليهم من اليهود والنصارى ، أي : اختلافا ناشئا من ~~بينهم ، من غير حجة ولا برهان ، {فويل للذين ظلموا} من المختلفين ، حيث ~~قالوا في عيسى ما كفروا به ، {من عذاب يوم أليم} وهو يوم القيامة {هل ~~ينظرون} أي : ما ينتظر أولئك الكفرة ، أو قوم عيسى {إلا الساعة أن تأتيهم} ~~: بدل من " الساعة " أي : هل ينتظرون إلا إتيان الساعة {بغتة} ؛ فجأة {وهم ~~لا يشعرون} غافلون عن الاستعداد لها ، لاشتغالهم بأمر دنياهم ، أو : منكرون ~~لها ، غير مترقبيبن وقوعها. PageV07P039 # الإشارة : كانت الرسل - عليهم السلام - يبينون لأممهم ما يقع فيه الاختلاف ~~من أمر الدين ، سواء تعلق ذلك بالظاهر أو بالباطن ، بما يوحى إليهم من ~~إلهام ، أو بملك مرسل ، فلما ماتوا بقي خلفاؤهم من العلماء والأولياء ، ~~فالعلماء يبينون ما اختلف فيه من الشرائع والعقائد ، بما عندهم من القواعد ~~والبراهين ، والأولياء يبينون الحقائق ، وما يتعلق بالقلوب # 27 # من الشكوك والخواطر ، وسائر الأمراض ، بما عندهم من الأذواق والكشوفات. ~~فالعلماء يرجعون إلى كتبهم وعلومهم ، والأولياء يرجعون إلى قلوبهم وأذواقهم ~~، حتى كان فيما سلف من العلماء إذا توقفوا في مسألة عقلية أو قلبية أخذوا ~~صوفيا أميا فيسألونه ، ويجبرونه على الجواب ، فيجيبهم عن كل ما يسألونه ، ~~كقصة أبي الحسن النوري مع القاضي ، وغيره ، وقد كان الشعراني يسأل شيخه ~~الخواص - وهو أمي - عن أمر معضلة ، فيجيب عنها ، حتى إن كتبه كلها مطرزة ~~بكلامه رضي الله عنهم أجمعين. # جزء : 7 رقم الصفحة : 27 PageV07P040 ~~يقول الحق جل جلاله : {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو} أي : المتحابون في ~~الدنيا على الأمور الذميمة ms2703 متعادون يوم القيامة ، يبغض بعضهم بعضا ، فتنقطع ~~في ذلك اليوم كل خلة كانت لغير الله ، وتنقلب عدواة ومقتا ؛ لانقطاع سببها ~~، وهو الاجتماع على الهوى ، {إلا المتقين} أي : الأخلة المصادقين في الله ، ~~فإنها الخلة الباقية ؛ لأن خلتهم في الدنيا لما كانت لله ، وفي الله ، بقيت ~~على حالها ؛ لأن ما ان لله دام واتصل ، وما كان لغير الله انقطع وانفصل ، ~~بل تزداد خلتهم بمشاهدة كل واحد منهم بركة خلتهم من الثواب ، ورفع الدرجات. ~~وسئل صلى الله عليه وسلم : من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ؟ فقال : " المتحابون في الله " ، وخرج البزار عن ابن عباس رضي الله ~~عنه قيل : يا رسول الله! أي جلسائنا خير ؟ قال : " من ذكركم بالله رؤيته ، ~~وزاد في عملكم منطقه ؛ وذكركم بالله علمه ". ومن كلام الشيخ أبي مدين رضي ~~الله عنه : دليل تخليطك صحبتك للمخلطين ، ودليل انقطاعك إلى الله صحبتك ~~للمنقطعين. ه. في سماع العتبية : قال مالك : لا تصحب فاجرا لئلا تتعلم من ~~فجور ، قال ابن رشد : لا ينبغي أن يصحب إلا من يقتدى به في دينه وخيره ؛ ~~لأن قرين السوء يردي ، قال الحكيم : # 28 # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن مقتد # وفي الحديث : " المرء على دين خليله " وسيأتي ، في الإشارة بقية الكلام ~~على المتحابين في الله. PageV07P041 # ويقال لهم حينئذ ، تشريفا لهم ، وتطييبا لقلوبهم : {يا عبادي لا خوف عليكم ~~اليوم ولا أنتم تحزنون} ، ثم وصفهم أو مدحهم بقوله : {الذين آمنوا بآياتنا} ~~؛ صدقوا بآياتنا التنزيلية ، {وكانوا مسلمين} ؛ منقادين لأحكامنا ، مخلصين ~~وجوههم لنا ، وعن مقاتل : " إذا بعث الناس ، فزع كل أحد ، فينادي مناد : ~~{يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} فيرجوها الناس كلهم ، ~~فيتعبها الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ، فينكس أهل الأديان الباطلة ~~رؤوسهم ". # جزء : 7 رقم الصفحة : 28 # ثم يقول لهم : {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم} ؛ نساؤكم المؤمنات {تحبرون} ~~؛ تسرون سرورا يظهر حباره - أي : أثره - على وجوهكم أو : تزينون ، من : ~~الحبرة وهو حسن الهيئة ، أو : تكرمون إكراما بليغا ، وتتنعمون بأنواع ~~النعيم. والحبرة ms2704 : المبالغة فيما وصف بجميل ؛ وتقدم في قوله : {فى روضة ~~يحبرون} [الروم : 15] أنه السماع. {يطاف عليهم بصحاف من ذهب} أي : بعد ~~دخولهم الجنة حسبنا أمروا به {وأكواب} من ذهب ؛ حذف لدلالة ما قبله. ~~والصحاف : جمع صحفة ، قيل : هي كالقصعة ، وقيل : أعظم القصاع ، فهي ثلاث : ~~الجفنة ، ثم القصعة ، ثم الصحفة ، والأكواب : جمع كوب ، وهو كوز مستدير لا ~~عروة له. PageV07P042 # وفي حديث أبي هريرة ، عنه صلى الله عليه وسلم قال : " أدنى أهل الجنة من له ~~سبع درجات ، هو على السادسة ، وفوقه السابعة ، وإن له ثلاثمائة خادم ، ~~ويغدى عليه ويراح بثلاثمائة صحفة من ذهب ، في كل صحفة لون ليس في الأخرى ~~مثله ، وإنه ليلد آخره كما يلد أوله ، ويقول : لو أذنت لي يا رب لأطعمت أهل ~~الجنة ، وأسقيتهم ، ولا ينقص مما عندي شيء ، وإن له من الحور العين لاثنين ~~وسبعين زوجة ، سوى أزواجه في الدنيا ، وإن الواحدة منهن ليأخذ مقعدها قدر ~~ميل " وفي حديث عكرمة : " إن أدنى أهل الجنة منزلة من يفسح له في بصره ~~مسيرة مائة عام ، في قصور من ذهب ، وخيام من لؤلؤ ، وليس منها موضع شبر إلا ~~معمور ، يغدى عليه ويراح بسبعين ألف صحفة من ذهب ، ليس فيها صحفة إلا وفيها ~~لون ليس في الأخرى مثله ، شهوته في آخرها كشهوته في أولها ، ولو نزل به ~~جميع أهل الدنيا لوسع عليهم مما أعطى ، ولا ينقص ذلك ما اوتي شيئا " ويجمع ~~بينهما بتعدد اهل هذه المنزلة ، وتفاوتهم. # 29 # {وفيها} أي : في الجنة {ما تشتهيه الأنفس} من فنون الملاذ. ومن قرأ بحذف ~~الهاء ؛ فلطول الموصول بالفعل والفاعل. {وتلذ الأعين} أي : تستلذه ، وتقر ~~بمشاهدته ، وهذا حصر لأنواع النعيم ؛ لأنها إما مشتهيات في القلوب ، أو ~~مستلذات في العيون ، ففي الجنة كل ما يشتهي العبد من الملابس والمناكح ~~والمراكب. PageV07P043 # روي أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني أحب الخيل ، فهل في الجنة خيل ؟ فقال ~~: " إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء ، يطير بك ~~في الجنة حيث شئت ، إلا فعلت ، قال أعرابي : يا ms2705 رسول الله ، إني أحب الإبل ~~، فهل في الجنة إبل ؟ فقال : يا أعرابي ، إن يدخلك الله الجنة ففيها ما ~~اشتهيت نفسك ولذت عيناك " ه. وقال أبو طيبة السلمي : إن الشرذمة من أهل ~~الجنة لتظلهم سحابة ، فتقول : ما أمطركم ؟ فما يدعو داع من القوم بشيء إلا ~~أمطرته ، حتى إن الرجل منهم يقول : أمطر علينا كواعب أترابا. وقال أبو ~~أمامة : إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير ، فيقع نضيجا في كفه ~~كما أراد ، فيأكل منه حتى تشتهي نفسه ، ثم يطير كان أول مرة ، ويشتهي ~~الشراب ، فيقع الإبريق في يده ، فيشرب منه ما يريد ، ثم يرفع الإبريق إلى ~~مكانه. ه. من الثعلبي. # جزء : 7 رقم الصفحة : 28 # قال القشيري : وفيها ما تشتهيه الأنفس للعباد ؛ لأنهم قاسوا في الدنيا - ~~بحكم المجاهدات - الجوع والعطش ، وتحملوا وجوه المشاق ، فيجزون في الجنة ~~وجوها من الثواب ، وأما أهل المعرفة والمحبون فلهم ما تلذ أعينهم من النظر ~~إلى الله ، لطول ما قاسوه من فرط الاشتياق بقلوبهم ، وما عالجوه من ~~احتراقهم فيه لشدة غليلهم. ه. والحاصل : أن ما تشتهي الأنفس يرجع لنعيم ~~الأشباح ، وتلذ الأعين لنعيم الأرواح من النظر ، والقرب ، والمناجاة ~~والمكالمة ، والرضوان الأكبر ، منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر. # {وأنتم فيها خالدون} إتمام للنعمة ، وكمال للسرور ؛ فإن كل نعيم له زواله ~~مكدر بخوف زواله لا محالة. PageV07P044 # {وتلك الجنة} ؛ مبتدأ وخبر ، و" التي أورثتموها " : صفة الجنة ، أو : " ~~الجنة " صفة المبتدأ ، الذي هو الإشارة ، و" التي أورثتموها " : خبره. أو : ~~" التي أورثتموها " صفة المبتدأ ، و{بما كنتم تعملون} : خبر ، أي : حاصلة ، ~~أو كائنة بما كنتم تعملون في الدنيا ، شبه جزاء العمل بالميراث ؛ لبقائه ~~على أهله دائما ، ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم : " لن يدخل أحدكم ~~الجنة عمله " ؛ لأن نفس الدخول بالرحمة ، والتنعم والدرجات بقدر العمل ، أو ~~: تقول : الحديث خرج مخرج الحقيقة ، والآية خرجت مخرج الشريعة ، فالحقيقة تنفي # 30 # العمل عن العبد ، وتثبته لله ، والشريعة تثبته له باعتبار الكسب ، والدين ~~كله وارد بين حقيقة وشريعة ؛ فإذا شرع القرآن حققته السنة ، وإذا ms2706 شرعت ~~السنة حققه القرآن. والله تعالى أعلم. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 28 PageV07P045 ~~لكم فيها فاكهة كثيرة} بحسب الأنواع والأصناف ، لا بحسب الأفراد فقط ، ~~{منها تأكلون} أي : لا تأكلون إلا بعضها ، وأعقابها باقية في أشجارها على ~~الدوام ، لا ترى فيها شجرا خلت عن ثمرها لحظة ، فهي مزينة بالثمار أبدا ، ~~موقورة بها ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ينزع رجل في الجنة من ~~ثمرها إلا نبت في مكانها مثلاها ". الإشارة : كل خلة وصحبة تنقطع يوم ~~القيامة ، إلا خلة المتحابين في الله ، وهم الذين ورد في الحديث : أنهم ~~يكونون في ظل العرش ، والناس في حر الشمس ، يغشى نورهم الناس في المحشر ، ~~يغبطهم النبيون والشهداء لمنزلتهم عند الله. قيل : يا رسول الله ، من هؤلاء ~~؟ صفهم لنا لنعرفهم ، قال : " رجال من قبائل شتى ، يجتمعون على ذكر الله ". ~~وقد ورد فيهم أحاديث ، منها : حديث الموطأ ، عن معاذ ، قال : سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله تعالى : " وجبت محبتي للمتحابين ~~في ، والمتجالسين في ، والمتباذلين في ، والمتزاورين في " ، وفي رواية أبي ~~مسلم الخولاني : قال صلى الله عليه وسلم : " المتحابون في الله على منابر ~~من نور ، في ظل العرش ، يوم لا ظل إلا ظله " ، وفي حديث آخر : " ما تحاب ~~اثنان في الله إلا وضع لهما كرسيا ، فيجلسان عليه حتى يفرغ من الحساب " ~~وقال صلى الله عليه وسلم : " إن المتحابين في الله لترى غرفهم في الجنة ~~كالكوكب الطالع الشرقي أو الغربي ، فيقال : من هؤلاء ؟ فيقال : هؤلاء ~~المتحابون في الله عز وجل ". وفي رواية : " إن في الجنة غرفا يرى ظواهرها ~~من بواطنها ، وبواطنها من ظواهرها ، أعدها الله للمتحابين في الله ، ~~والمتزاورين فيه ، والمتباذلين فيه " وفي لفظ آخر : " إن في الجنة لعمدا من ~~ياقوت ، عليها غرف من زبرجد ، لها أبواب مفتحة ؛ تضيء كما يضيء الكوكب ~~الدري ، قلنا : يا رسول PageV07P046 ~~الله ، من يسكنها ؟ قال : المتحابون في الله ، والمتباذلون في الله ، ~~والمتلاقون في الله ، مكتوب على وجوههم ، هؤلاء المتحابون في الله " # 31 # وفي الأثر أيضا : إذا كان يوم القيامة : نادى ms2707 مناد : أين المتحابون في ~~الله ؟ فيقوم ناس - وهم يسير - فينطلقون إلى الجن سراعا ، فتتلقاهم ~~الملائكة : فيقولون : رأيناكم سراعا إلى الجنة ، فمن أنتم ؟ فيقولون : نحن ~~المتحابون في الله ؛ فيقولون : وما كان تحابكم ؟ فيقولون : كنا نتحاب في ~~الله ؛ ونتزاور في الله ، ونتعاطف في الله ، ونتباذل في الله ، فيقال لهم : ~~ادخلوا الجنة ، فنعم أجر العاملين. ه. من البدور السافرة. والتباذل : ~~المواساة بالبذل. # جزء : 7 رقم الصفحة : 28 # وذكر في الإحياء شروط المتحابين في الله ، فقال رضي الله عنه : اعلم أن ~~عقد الأخوة رابطة بين الشخصين ، كعقد النكاح بين الزوجين ، ثم قال : فلأخيك ~~عليك حق في المال ، وفي النفس ، وفي اللسان ، وفي القلب. وبالعقو ، ~~وبالدعاء ، وذلك تجمعه ثمانية حقوق. # الحق الأول : في المال بالمواساة ، وذلك على ثلاثة مراتب ؛ أدناها : أن ~~تنزله منزلة عبدك وخادمك ، فتقوم بحاجاته بفضله مالك ، فإذا سنحت له حاجة ، ~~وعندك فضلة أعطيته ابتداء ، فإذا أحوجته إلى سؤال فهو غاية التقصير. ~~الثانية : أن تنزله منزلة نفسك ، وترضى بمشاركته إياك في مالك ، فتسمح له ~~في مشاركته. الثالثة - وهي العليا - : أن تؤثره على نفسك ، وتقدم حاجته على ~~حاجتك ، وهي رتبة الصديقين ، ومنتهى درجات المتحابين. PageV07P047 # الحق الثاني : الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات ، والقيام بها قبل السؤال ، ~~وهذا أيضا لها درجات كالمواساة ، فأدناها : القيام بالحاجة عند السؤال ، ~~ولكن مع البشاشة والاستبشار ، وإظهار الفرح. وأوسطها : أن تجعل حاجته ~~كحاجتك ، فتكون متفقدا لحاجته ، غير غافل عن أحواله ، كما لا تغفل عن أحوال ~~نفسك ، وتغنيه عن السؤال. وأعلاها : أن تؤثره على نفسك ، وتقدم حاجته على ~~حاجتك ، وتؤثره على نفسك ، وأقاربك ، وأولادك. كان الحسن يقول : إخواننا ~~أحب إلينا من أهلينا وأولادنا ؛ لأن أهلينا يذكروننا الدنيا ، وإخواننا ~~يذكروننا في الآخرة. # الحق الثالث : على اللسان بالسكوت ، فيسكت عن التجسس ، والسؤال عن أحواله ~~، وإذا رآه في طرقه فلا يسأله عن غرضه وحاجته ، فربما يثقل عليه ، أو يحتاج ~~إلى أن يكذب ، ويسكت عن أسراره التي بثها إليه ، فلا يبثها إلى غيره ، ولا ~~إلى أخص أصدقائه ، ولا يكشف شيئا منها ولو بعد القطيعة ، وليسكن عن ms2708 مماراته ~~ومدافعته في كلامه. # الحق الرابع : على اللسان بالنطق ، فيتودد إليه بلسانه ، ويتفقده في ~~أحواله ، كالسؤال عن عارض عرض له ، وأظهر شغل القلب بسببه ، فينبغي أن يظهر ~~له بلسانه كراهتها. والأحوال التي يسر بها ، ينبغي أن يظهر له بلسانه ~~كراهتها. والأحوال التي يسر بها ، ينبغي أن يظهر له بلسانه مشاركته في ~~السرور بها. فمعنى الأخوة : المساهمة في السراء والضراء ، ويدعوه بأحب ~~أسمائه في حضوره ومغيبه ، ويثني عليه بما يعرف من محاسن أحواله ، عند من ~~يريد هو الثناء عنده ، وكذا على أولاده وأهله ، حتى # 32 # على عقله ، وخلقه ، وهيئته ، وخطه ، وشعره ، وتصنيفه ، وجميع ما يفرح به ~~، من غير كذب ولا إفراط ، ويذب عنه في غيبته مهما قصد بسوء ، ويعلمه مما ~~علمه الله وينصحه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 28 PageV07P048 ~~الحق الخامس : العفو عن الزلات والهفوات ، فإن كان زلته في الدين ؛ بارتكاب ~~معصية ، فليتلطف في نصحه ، فإن بقي مصرا ، فقد اختلف الصحابة في ذلك ، فذهب ~~أبو ذر إلى مقاطعته ، وقال : إذا انقلب أخوك عما كان عليه فأبغضه من حيث ~~أحببته. وذهب أبو الدرداء ، وجماعة ، إلى خلاف ذلك ، وقال أبو الدرداء : ~~إذا تغير أخوك عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك ؛ فإن أخاك يعوج مرة ، ~~ويستقيم أخرى. وهذا ألطف وأفقه ، وذلك لما في هذه الطريق من الرفق ، ~~والاستمالة ، والتعطف ، المفضي إلى الرجوع والتوبة. وأيضا : للأخوة عقد ، ~~ينزل منزلة القرابة ، فإذا انقعدت وجب الوفاء بها ، ومن الوفاء : ألا يهمله ~~أيام حاجته وفقره ، وفقر الدين أشد من فقر المال. ثم قال : والفاجر إذا صحب ~~تقيا وهو ينظر إلى خوفه رجع عن قريب ، ويتخلى من الإصرار ، بل الكسلان يصحب ~~الحريص في العمل ، فيحرص ، حياء منه ، وإن كانت زلته في حقك فلا خلاف أن ~~العفو والاحتمال هو المطلوب. ه. قلت : ولعل حق القلب يندرج هنا مع المحبة ~~وشهود الصفاء منه. # الحق السادس : الدعاء له في حياته ومماته بكل ما يحب لنفسه وأهله. قلت : ~~ومن ذلك زيارة قبره ، وإيصال النفع له في ذلك الوقت. # الحق السابع : الوفاء والإخلاص. ومعنى ms2709 الوفاء : الثبات على الحب ، ~~وإدامته إلى الممات ، معه ومع أولاده وأصدقائه. # الحق الثامن : التخفيف وترك التكليف والتكلف ، فلا تكلف أخاك ما يشق عليه ~~؛ بل تروح سره عن مهماتك وحاجاتك ، وترفهه عن أن تحمله شيئا من أعبائك ، ~~ولا تكلفه التواضع لك ، والتفقد والقيام بحقوقك ، بل ما تقصد بمحبته إلا ~~الله تعالى. ه. باختصار. PageV07P049 # وفي وصية القطب ابن مشيش ، لأبي الحسن رضي الله عنهما : لا تصحب من يؤثر ~~نفسه عليك ، فإنه لئيم ؛ ولا من يؤثرك على نفسه ، فإنه قلما يدوم ؛ واصحب ~~من إذا ذكر ذكر الله ، فالله يغني به إذا شهد ، وينوب عنه إذا فقد ، ذكره ~~نور القلوب ، ومشاهدته مفاتح الغيوب. ومعنى كلام الشيخ : لا تصحب من يبخل ~~عنك بما عنده من العلوم ، ولا من يتكلف لك ، فإنه لا يدوم ، وهذه صحبة ~~الشيخوخة. # وقال صلى الله عليه وسلم : " مثل الأخوين كمثل اليدين ، يغسل إحداهما ~~الأخرى ، وكمثل البنيان يشد بعضه بعضا " وفي معناه قيل : # إن أخاك الحق من كان معك # ومن يضر نفسه لينفعك # 33 # ومن إذا رأى زمانا صدعك # شتت فيك شمله ليجمعك # وهذا في حق الإخوان ، والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 28 # قلت : {خالدون} : خبر " إن " ، و{في عذاب} : معمول الخبر ، أو : خبر ، و" ~~خالدون " خبر بعد خبر. # يقول الحق جل جلاله : {إن المجرمين} أي : الراسخين في الإجرام ، وهم ~~الكفار ، كما ينبئ عنه إتيانه في مقابلة المؤمنين {في عذاب جهنم خالدون لا ~~يفتر عنهم} ؛ لا يخفف عنهم ، من قولهم : فترت عنه الحمى : سكتت. قال ~~القشيري : هم الكفار والمشركون ، أهل الخلود ، لا يخفف عنهم ، وأما أهل ~~التوحيد فقد يكون قوم منهم في النار ، ولكن لا يخلدون فيها ؛ فيقتضي دليل ~~الخطاب أنه يفتر عنهم العذاب ، أي : يخفف ، وورد في الخبر الصحيح : " أن ~~الحق يميتهم إماتة إلى أن يخرجوا منها " والميت لا يحس ولا يألم ، وذكر في ~~الآية أنهم {مبلسون} فيدل أن المؤمنين لا إبلاس لهم ، وإن كانوا في بلائهم ~~فهم على وصف رجائهم ، ويعدون أيامهم. ه. PageV07P050 # وحمل ابن عطية الموت على المقاربة ms2710 ، لا الموت حقيقة ؛ لأن الآخرة لا موت ~~فيها ، قال : والحديث أراه على التشبيه ، لأنه كالسبات والركود والهمود ، ~~فجعله موتا. انظره في {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} [الأعلى : 13]. وقال عياض ~~في الإكمال : عن بعض المتكلمين : يحتمل الحقيقة ، ويحتمل الغيبة عن الإحساس ~~، كالنوم ، وقد سمي النوم وفاتا ؛ لإعاده الحس. ه. # {وهم فيه} أي : في العذاب {مبلسون} آيسون من الفرج ، متحيرون ، {وما ~~ظلمناهم} بذلك ، حيث أرسلناك الرسل {ولكن كانوا هم الظالمين} بتعريض أنفسهم ~~للعذاب الخالد ، بمخالفة الرسل ، وإيثارهم التقليد على النظر. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 34 # ونادوا} وهم في النار لما أيسوا من الفتور {يا مالك} وهو خازن النار. قيل ~~لابن عباس : إن ابن مسعود يقرأ " يا مال " - ورويت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم - فقال : " ما أشغل أهل النار عن الترخيم ، قيل : هو رمز إلى ضعفهم ~~وعجزهم عن تمام اللفظ. {ليقض علينا ربك} أي : ليمتنا حتى نستريح ، من : قضى ~~عليه إذا أماته ، والمعنى : سل ربك أن يقضي علينا # 34 PageV07P051 ~~بالموت ، وهذا لا ينافي ماذكر من إبلاسهم ؛ لأنه جؤار ، وتمني الموت ؛ لفرط ~~الشدة. {قال إنكم ماكثون} ؛ لابثون في العذاب ، لا تتخلصون منه بموت ولا ~~فتور ، قال الأعمش : أنبئت أن بين دعائهم وبين إجابتهم ألف عام ، وفي ~~الحديث : " لو قيل لأهل النار : إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في ~~الدنيا لفرحوا ؛ ولو قيل لأهل الجنة ذلك لحزنوا ، ولكن جعل الله لهم الأبد ~~". {لقد جئناكم بالحق} في الدنيا بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وهو خطاب ~~توبيخ وتقريع من جهته تعالى ، مقرر لجواب مالك ، ومبين لسبب مكثهم ، وقيل : ~~الضمير في (قال) لله تعالى ، أي : لقد أعذرنا إليكم بإرسال الرسل بالحق ~~{ولكن أكثرهم للحق} أي حق كان {كارهون} لا تسمعونه وتفرون منه ؛ لأن مع ~~الباطل الدعة ، ومع الحق التعب ، هذا في مطلق الحق ، وأما في الحق المعهود ~~، الذي هو التوحيد والقرآن ، فكلهم كارهون مشمئزون منه. {أم أبرموا أمرا} ~~مبتدأ ، ناع على المشركين ما فعلوا من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، و" أم " منقطعة ، وما ms2711 فيها من معنى " بل " للانتقال من توبيخ أهل النار ~~إلى حكاية جناية هؤلاء ، أي : أم أحكم مشركو مكة أمرا من كيدهم ومكرهم ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم ، {فإنا مبرمون} كيدنا حقيقة ، كما أبرموا ~~كيدهم صورة ، كقوله تعالى : {أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون} ~~[فاطر : 42] الآية. وكانوا يتناجون في أنديتهم. ويتشاورون في أمره صلى الله ~~عليه وسلم. PageV07P052 # {أم يحسبون} بل يحسبون {أنا لا نسمع سرهم} وهو ما حدثوا به أنفسهم أو غيرهم ~~في مكان خال ، {ونجواهم} أي : ما تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي ، ~~{بلى} نحن نسمعها ونطلع عليها {ورسلنا} الملائكة الذين يحفظون عليهم ~~أعمالهم ، ويلازمونهم أينما كانوا {لديهم} أي : عندهم {يكتبون} كل ما صدر ~~عنهم من الأفعال والأقوال ، ومن جملتها : ما ذكر من سرهم ونجواهم ، والجملة ~~: إما عطف على ما يترجم عنه " بلى " ، أي : نكتبها ورسلنا كذلك ، أو حال ، ~~أي : نسمعها والحال أن رسلنا يكتبونه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 34 # الإشارة : قوله تعالى : {إن المجرمين...} الخ.. أما أهل الشرك فقد اتفق ~~المسلمون على خلودهم ، إلا ما انفرد به ابن العربي الحاتمي والجيلي ، فقد ~~نقلا خبرا مأثورا : أن النار تخرب ، وينبت موضعها الجرجير ، وينتقل ~~زبانيتها إلى خزنة الجنان ، فهذا من جهة الكرم وشمول الرحمة لا يمنع ، ومن ~~جهة ظواهر النصوص معارض ، وباطن المشيئة مما اختص الله تعالى به. ونقل ~~الجيلي أيضا في كتابه (الإنسان الكامل) : أن بعض # 35 # أهل النار أفضل عند الله من بعض أهل الجنة يتجلى لهم الحق تعالى في دار ~~الشقاء. ونقل أيضا : أن بعض أهل النار تعرض عليهم الجنة فيأنفون فيها ، وان ~~بعض أهل النار يتلذذون بها كصاحب الجرب. وذكر بعضهم أن أهل النار يتطبعون ~~بها ، كالسمندل ، فهذه مقالات غريبة ، الله أعلم بصحتها. وعلى تقدير وقوعها ~~في غيب مشيئته تعالى ، فلعلها في قوم مخصوصين من المسلمين ختم لهم بالشقاء ~~بعد مقاساة شدائد الطاعة ، أو : في قوم من أهل الفترة لم يكن فيهم إذاية ، ~~أو صدر منهم إحسان ، والله أعلم بأسرار غيبه ، وأما أهل التوحيد فحالهم ms2712 في ~~النار أرفق من هذا ، بل حالهم فيها أروح من حال الدنيا من وجه. PageV07P053 # قال القشيري : ولقد قال الشيوخ : إن حال المؤمنين في النار - من وجه - أروح ~~لقلوبهم من حالهم اليوم في الدنيا ؛ لأن اليوم خوف الهلاك ؛ وغدا يقين ~~النجاة ، وأنشدوا : # عيب السلامة أن صاحبها # متوقع لقواصم الظهر # وفضيلة البلوى ترقب أهلها # عقبى الرجاء ودورة الدهر # ثم قال في قوله تعالى : {ونادوا يا مالك} لو قالوا : يا ملك بدل من يا ~~مالك لكان أقرب إلى الإجابة ، ولكن الأجنبية حالت بينهم وبين ذلك. ه. أي : ~~تعلقهم بالمخلوق دون الخالق. وقوله تعالى : {أم أبرموا أمرا...} الخ ، هي ~~عادته تعالى مع خواصه كيفما كانوا ، يرد كيد من كادهم في نحره. وقوله تعالى ~~: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم...} الخ ، قال القشيري : إنما خوفهم بسماع ~~الملائكة ، وكتابتهم أعمالهم عليهم ، لغفلتهم عن الله ، ولو كان لهم خبر عن ~~الله لما خوفهم بغير الله ، ومن علم أن أعماله تكتب عليه ، ويطالب بمقتضاها ~~، قل إلمامه بما يخاف أن يسأل عنه. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 34 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد {إن كان للرحمن ولد} على زعمكم {فأنا ~~أول العابدين} لله ، كان أو لم يكن ، ويسمى هذا إرخاء العنان ، أي : أنا ~~أول من يخضع لله ، كان له ولد أو لم يكن ، وقد قام البرهان على نفيه. قال ~~معناه السدي ، أو : وإن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعظم ذلك الولد ، ~~وأسبقكم إلى طاعته ، والانقياد إليه ، كما يعظم ولد الملك ، لتعظيم أبيه ؛ ~~وهذا الكلام وارد على سبيل الفرض ، والمراد : نفي الولد ، # 36 PageV07P054 ~~وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد ، وهي محال في نفسها ، فكان الملعلق ~~بها محالا مثلها ، ونظيره ، قول سعيد بن جبير للحجاج - حين قال له : والله ~~لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى - : لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك. أو ~~: إن كان للرحمن ولد في زعمكم {فأنا أول العابدين} أي : الموحدين لله ، ~~المكذبين قولكم ، بإضافة الولد إليه ؛ لأن من عبد الله ، واعترف بأنه إلهه ~~فقد ms2713 دفع أن يكون له ولد. أو : إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ، أي : ~~الجاحدين والآنفين من أن يكون له ولد ، من عبد : بكسر الباء : إذا اشتد ~~أنفسه فهو عبد وعابد ، ومنه قول الشاعر : # متى ما يشاء ذو الود يصرم خليله # ويعبد عليه لا محالة ظالما # وقول الحريري : # قال ما يجب على عابد الحق # قال يحلف بالإله الخلق # أي : على جاحد الحق. وقيل هي " إن " النافية ، أي : ما كان للرحمن ولد ~~فأنا أول من عبد الله ووحده ، فيوقف على " ولد " على هذا التأويل. # روي : أن النضر قال : إن الملائكة بنات الله ، فنزلت الآية ، فقال النضر ~~: ألا ترون أنه صدقني ؛ فقال الوليد : ما صدقك ، ولكن قال : ما كان للرحمن ~~ولدا ، فأنا أول الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له. وسيأتي في الإشارة قول آخر. # جزء : 7 رقم الصفحة : 36 # قال القشيري : وفي الآية وأمثالها دليل على جواز حكاية قول المبتدعة فيما ~~أخطأوا فيه في الاعتقاد ، على وجه الرد عليهم. ه. قلت : ولا تجوز مطالقعة ~~أقوالهم إلا لمن رسخت قدمه في المعرفة ، والإعراض عنها أسلم. PageV07P055 # ثم نزه ذاته عن اتخاذ الولد ، فقال : {سبحان رب السماوات والأرض رب العرش ~~عما يصفون} أي : تنزه رب هذه العوالم العظام عن اتخاذ الولد ؛ لأن اتخاذ ~~الولد من صفة الأجسام ، ولو كان جسما ما قدر على خلو هذه الأجرام ، وفي ~~إضافة اسم الرب إلى أعظم الأجرام وأقواها ، تنبيه على أنها وما فيها من ~~المخلوقات حيث كانت تحت ملوكت ربوبيته ؛ كيف يتوهم أن يكون شيء منها جزءا ~~منه. وفي تكرير اسم الرب تفخيم لشأن العرش. # {فذرهم يخوضوا} في باطلهم {ويلعبوا} في دنياهم أي : حيث لم يذعنوا لك ، ~~ولم يرجعوا عن غيهم ، أعرض عنهم واتركهم في لهوهم ولعبهم ، {حتى يلاقوا ~~يومهم الذي يوعدون} وهو القيامة ، فإنهم يومئذ يعلمون ما فعلوا ، وما يفعل ~~بهم ، أو : يوم بدر ، قاله عكرمة وغيره. وهذا دليل على أن ما يقولونه إنما ~~هو خوض ولعب لا حقيقة له. # 37 # ثم ذكر انفراده بالألوهية في ms2714 العالم العلوي والسفلي ، فقال : {وهو الذي ~~في السماء إله وفي الأرض إله} أي : وهو الذي هو معبود في السماء وفي الأرض ~~، فضمن " إله " معنى مألوه ، أي : وهو الذي يستحق أن يعبد فيهما. وقرأ عمر ~~، وأبي ، وابن مسعود : " وهو الذي في السماء الله وفي الأرض " كقوله تعالى ~~: {وهوا الله فى السماوات وفى الأرض} [الأنعام : 3] ، وقد مر تحقيقه عبارة ~~وإشارة. والراجع إلى الموصول : محذوف ؛ لطول الصلة ، كقولهم : ما أنا بالذي ~~قائل لك سوءا ، والتقدير : وهو الذي هو في السماء إله ، و" إله ". خبر عن ~~مضمر ، ولا يصح أن يكون " إله " مبتدأ ، و" في السماء " خبره ؛ لخلو الصلة ~~حينئذ عن العائد {وهو الحكيم} في أقواله وأفعاله {العليم} بما كان وما يكون ~~، أو : الحكيم في إمهال العصاة ، العليم بما يؤول أمرهم إليه ، وهو كالدليل ~~على ما قبله من التنزيه ، وانفراده بالربوبية. PageV07P056 # {وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض} أي : تقدس وتعاظم الذي ملك ما استقر ~~في السماوات والأرض {وما بينهما} إما على الدوام ، كالهواء ، أو في بعض ~~الأوقات ، كالطير ، {وعنده علم الساعة} أي : العلم بالساعة التي فيها تقوم ~~، {وإليه ترجعون} للجزاء ، والالتفات للتهديد ، فيمن قرأ بالخطاب. {ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه} أي : لا تملك آلهتهم التي يدعونها {من دونه} أي ~~: من دون الله {الشفاعة} كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله {إلا من شهد ~~بالحق} الذي هو التوحيد ، {وهم يعلمون} بما يشهدون به عن بصيرة وإتقان ~~وإخلاص ، وهم خواص المسلمين ، والملائكة. وجمع الضميرين باعتبار معنى (من) ~~كما أن الإفراد أولا باعتبار لفظها. والاستثناء : إما متصل ، والموصل عام ~~لكل ما يعبد من دون الله ، أو : منقطع ، على أنه خاص بالأصنام. # جزء : 7 رقم الصفحة : 36 # الإشارة : قل يا محمد : إن كان للرحمن ولد ، على زعمكم في عيسى والملائكة ~~، فأنا أولى بهذه النسبة على تقدير صحتها ؛ لأني أنا أول من عبد الله في ~~سابق الوجود ؛ لأن أول ما ظهر نوري ، فعبد الله سنين متطاولة ؛ ثم تفرعت ~~منه الكائنات ، ومن سبق إلى الطاعة كان أولى بالتقريب ، فلم خصصتم ms2715 الملائكة ~~وعيسى بهذه النسبة ، وأنا قد سبقتهم في العبادة ، بل لا وجود لهم إلا من ~~نوري ، لكن لا ولد له ، فأنا عبد الله ورسوله. قال جعفر الصادق : أول ما ~~خلق الله نور محمد صلى الله عليه وسلم قبل كل شي ، وأول من وحد الله عز وجل ~~من خلقه ، درة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأول ما جرى به القلم " لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله ". ه. قاله الورتجبي. ففي الآية إشارة إلى سبقيته ~~صلى الله عليه وسلم ، وأنه أول تجل من تجليات الحق ، فمن نوره انشقت أسرار ~~الذات ، وانفلقت أنوار الصفات ، وامتدت من نوره جميع الكائنات. PageV07P057 # قوله تعالى : {فذهرم يخوضوا...} الخ ، كل من خاض في بحار التوحيد بغير ~~برهان العيان ، تصدق عليه الآية ، وكذا كل من اشتغل بغير الله ، وبغير ما ~~يقرب إليه ؛ فهو # 38 # ممن يخوض ويلعب ، وفي الحديث : " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر ~~الله ، وما والاه ، أو عالما أو متعلما " وقوله تعالى : {ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة...} الخ. قال القشيري : وفي الآية دليل على أن جميع ~~المسلمين تكون شفاعتهم غدا مقبولة. ه. أي : لأنهم في الدنيا شهدوا بالحق ، ~~وهو التوحيد عن علم وبصيرة ، لكن في تعميمه نظر ؛ لأن الاستثناء ، الأصل ~~فيه الاتصال ، ولأن من شهد بالحق مستنثى من {الذين يدعون من دونه} - وهم ~~الملائكة ، وعيسى ، وعزير ، فهم الذين شهدوا بالحق ممن دعوا من دون الله ، ~~وشفاعة من عداهم مأخذوة من أدلة أخرى. # جزء : 7 رقم الصفحة : 36 # قلت : {قيله} : مصدر مضاف لفاعله ، يقال : قال قولا وقالا وقيلا ومقالا. ~~واختلف في نصبه ، فقيل : عطف على {سرهم} [الزخرف : 80] أي : يعلم سرهم ~~ونجواهم وقيله ، وقيل : عطف على محل " الساعة " ، أي : يعلم الساعة ويعلم ~~قيله ، ويجوز أن يكون الجر والنصب على إضمار القسم ، وحذفه ، كقوله تعالى : ~~{قال فالحق والحق أقول} [ص : 84] وجوابه : {إن هؤلاء..} الخ. # يقول الحق جل جلاله : {ولئن سألتهم} أي : المشركين ، أو : العابدين ~~والمعبودين {من خلقهم ليقولون الله} لا الأصنام والملائكة {فأنى يؤفكون} ~~فكيف يصرفون ms2716 عن عبادته إلى عبادة غيره ، مع كون الكل مخلوقا له تعالى. PageV07P058 # ولما شق عليه صلى الله عليه وسلم صرفهم عن الإيمان جعل يستغيث ربه في شأنهم ~~، حرصا على إيمانهم ، ويقول : {يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون} أي : قد ~~عالجتهم فلم ينفع فيهم شيء ، فلم يبق إلا الرجوع إليك ، إما أن تهديهم ، أو ~~تهلكهم ، فأخبر تعالى أنه يسمع سرهم ونجواهم ، وقوله عليه السلام في شأنهم ~~، قال له تعالى : {فاصفح عنهم} أي : أعرض عنهم وأمهلهم ، {وقل سلام} أي : ~~أمري تسلم منكم ومتاركة ، حتى نأمرك أعرض عنهم وأمهلهم ، {وقل سلام} أي : ~~أمري تسلم منكم ومتاركة ، حتى نأمرك بجهادهم ، {فسوف يعلمون} حالهم قطعا ، ~~إن تأخر ذلك. وهو وعيد من الله تعالى ، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، أو : فسوف يعلمون حقيق ما أنكروا من رسالتك. ومن قرأ بالخطاب ، فهو ~~داخل في حيز " قل " ، من جملة ما يقال لهم. # 39 # الإشارة : العجب كل العجب أن يعلم العبد أنه لا خالق له سوى ربه ، ولا ~~محسن له غيره ، وهو يميل بالمحبة أو الركون إلى غيره ، وفي الحكم : " ~~والعجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه ، ويطلب ما لا بقاء له معه ~~، فإنها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " ويقال لمن ~~دعا إلى الله فلم ينجح دعاؤه : {فاصفح عنهم وقل سلام...} الآية. # وبالله التوفيق... وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 40 # جزء : 7 رقم الصفحة : 39 PageV07P059 ### | AUTO سورة الدخان # جزء : 7 رقم الصفحة : 40 # يقول الحق جل جلاله : {حم} يا محمد {و} حق {الكتاب المبين} الواضح البين ~~، وجواب القسم : {إنا أنزلناه} أي : الكتاب الذي هو القرآن {في ليلة ~~مباركة} ليلة القدر ، أو ليلة النصف من شعبان ، والجمهور على الأول ، لقوله ~~: {إنآ أنزلناه فى ليلة القدر} [القدر : 1] وقوله : {شهر رمضان الذى أنزل ~~فيه القرءان} [البقرة : 185] ، وليلة القدر على المشهور في شهر رمضان ، ~~وسيأتي الجمع بينهما. ثم قيل : أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء ~~الدنيا ، ثم نزل به جبريل نجوما ، على ms2717 حسب الوقائع ، في ثلاث وعشرين سنة ، ~~وقيل : معنى نزوله فيها : ابتداء نزوله. # والمباركة : الكثيرة الخير ؛ لما ينزل فيها من الخير والبركة ، والمنافع ~~الدينية والدنيوية ، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة. # {إنا كنا منذرين} استئناف مبين لما يقتضي الإنزال ، كأنه قيل : إنا ~~أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب ، {فيها يفرق كل أمر ~~حكيم} استئناف أيضا مبين لسر تخصيص هذه الليلة بالإنزال ، أي : إنما ~~أنزلناه في هذه الليلة المباركة ، لأنها فيها يفرق كل # 41 # أمر حكيم ، أي : ذي حكمة بالغة ، ومعنى " يفرق " : يفصل ويكتب كل أمر من ~~أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم ، من هذه الليلة إلى ليلة القدر ~~المستقبلة ، وقيل : الضمير في " فيها " يرجع لليلة النصف ، على الخلاف ~~المتقدم. PageV07P060 # وروى أبو الشيخ ، بسند صحيح ، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : {يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت} قال : " ليلة النصف من شعبان ، يدبر أمر السنة ، فيمحو ~~ما يشاء ويثبت غيره ؛ الشقاوة والسعادة ، والموت والحياة ". قال السيوطي : ~~سنده صحيح لا غبار عليه ولا مطعن فيه. ه. وروي عن ابن عباس : قال : إن الله ~~يقضي الأقضية كلها ليلة النصف من شعبان ، ويسلمها إلى أربابها ليلة القدر. ~~وفي رواية : ليلة السابع والعشرين من رمضان ، قيل : وبذلك يرتفع الخلاف أن ~~الأمر يبتدأ في ليلة النصف من شعبان ، ويكمل في ليلة السابع والعشرين من ~~رمضان. والله أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 41 # وقوله تعالى : {حكيم} الحكيم : ذو الحكمة ، وذلك أن تخصيص الله كل أحد ~~بحالة معينة من الرزق والأجل ، والسعادة والشقاوة ، في هذه الليلة ، يدل ~~على حكمة بالغة ؛ فأسند إلى الليلة لكونها ظرفا ، إسنادا مجازيا. وقوله : ~~{أمرا من عندنا} منصوب على الاختصاص ، أي : أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من ~~عندنا ، على مقتضى حكمتنا ، وهو بيان لفخامته الإضافية ، بعد بيان فخافمته ~~الذاتية ، ويجوز أن يكون حالا من كل أمر ؛ لتخصيصه بالوصف ، {إنا كنا ~~مرسلين} بدل من {إنا كنا منذرين}. # و{رحمة من ربك} مفعول له ، أي : أنزلنا القرآن ؛ لأن من عادتنا إرسال ~~الرسل ms2718 باكتب ؛ لأجل إفاضة رحمتنا. ووضع الرب موضع الضمير ، والأصل : رحمة ~~منا ؛ للإيذان بأن ذلك من أحكام الربوبية ومقتضياتها ، وإضافته إلى ضميره ~~صلى الله عليه وسلم لتشريفه وفخامته. PageV07P061 # وقال الطيبي : هذه الجمل كلها واردة على التعليل المتداخل ؛ فكأنه لما قيل ~~: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} قيل : فلم أنزل ؟ فأجيب : لأن من شأننا ~~التحذير والعقاب ، فقيل : لم خص الإنزال في هذه الليلة ؟ فقيل : لأنه من ~~الأمور المحكمة ، ومن شأن هذه الليلة أن يفرق فيها كل أمر حكيم ، فقيل : لم ~~كان من الأمور المحكمة ؟ فأجيب : لأن ذا الجلال والإكرام أراد إرسال الرحمة ~~للعالمين ، ومن حق المنزل عليه أن يكون حكيما ، لكونه للعالمين نذيرا ، أو ~~{داعيا إلى الله بإذنه...} الآية ، فقيل : لماذا رحمهم الرب بذلك ؟ فأجيب : ~~لأنه وحده سميع عليم ، يعلم جريان أحوال عباده ، ويعلم ما يحتاجون إليه ~~دنيا وأخرى. ه. وهذا معنى قوله : {إنه هو السميع} لأقوالهم وحده ، {العليم} ~~بأحوالهم. # 42 # {رب السماوات والأرض وما بينهما} من جره بدر من " ربك " ، ومن رفعه خبر ~~من ضمر ، أي : هو رب العوالم العلوية والسفلية ، وما بينها ، {إن كنتم ~~موقنين} أي : من أهل الإيقان ، ومعنى الشرط ، أنهم كانوا يقرون بأن للسموات ~~والأرض ربا وخالقا ، فإن كان إقرارهم عن علم وإيقان فهو الذي أنزل الكتاب ~~وأرسل الرسل رحمة منه ، وإن كانوا مذبذبين فليعلموا ذلك. # {لا إله إلا هو} من قصر إفراد لا قصر قلب ، لأن المشركين كانوا يثبتون ~~الألوهية لله تعالى ويشركون معه غيره ، فرد الله عليهم بكونه لا يستحق ~~العبادة غيره ، {يحيي ويميت} ثم يبعث للجزاء ، {ربكم ورب آبائكم الأولين} ~~أي : هو رب الجميع ، ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله : {بل هم في شك يلعبون} ~~وإقرارهم غير صادر عن علم وإيقان ، بل قول مخلوط بهزؤ ولعب. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 41 PageV07P062 ~~الإشارة : {حم} ، قال الورتجبي : الحاء : الوحي الخاص إلى محمد ، والميم : ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك الوحي الخاص بلا واسطة خبر عن سر في سر ، ~~لا يطلع على ذلك - الذي بين المحب ms2719 والمحبوب - أحد من خلق الله ، ألا ترى ~~كيف قال سبحانه : {فأوحى إلى عبده مآ أوحى} [النجم : 10] ؟ وذلك إشارة إلى ~~وحي السر في السر ، وجملتها قسم ، أي بمعنى الوحي السري والمحبوب ، والقرآن ~~الظاهر الذي ينبئ عن الأسرار ، {إنا أنزلناه} ه. قال القشيري : الحاء تشير ~~إلى حقه ، والميم إلى محبته ، ومعناه : بحقي ومحبتي لعبادي ، وكتابي العزيز ~~إليهم ، ألا أعذب أهل محبتي بفرقتي. ه. # والليلة المباركة عند القوم ، هي ليلة الوصال والاتصال ، حين يمتحى ~~وجودهم ، ويتحقق فناؤهم ، وكل وقت يجدون فيه قلوبهم ، ويفقدون وجودهم ؛ فهو ~~مبارك ، وهو ليلة القدر عندهم ، فإذا دام اتصالهم ، كانت أوقاتهم كلها ليلة ~~القدر ، وكلها مباركة. قال الورتجبي : قوله تعالى : {في ليلة مباركة} كانت ~~مباركة لتجلي الحق فيها بالأقضية ، والرحمة غالبة فيها ، ومن جملتها : ~~إنزال القرآن فيها ؛ فإنه افتتاح وصلة لأهل القرية. ه. # قال القشيري : وسماها ليلة مباركة ؛ لأنها ليلة افتتاح الوصلة ، وأشد ~~الليالي بركة ، ليلة يكون العبد فيها حاضرا بقلبه ، مشاهدا لربه ، يتنسم ~~بأنوار الوصلة ، ويجد فيها نسيم القربة ، وأحوال هذه الطائفة في لياليهم ~~مختلفة ، كما قالوا ، وأنشدوا : # لا أظلم الليل ولا أدعي # أن نجوم الليل ليست تغور # ليلي كما شاء فإن لم يزر # طال ، وإن زار فليلي قصير # 43 # ه. PageV07P063 # أي : ليلي كما شاء المحبوب ، فإن لم يزرني طال ليلي ، وإن زارني قصر. ~~والحاصل : أن أوقات الجمال والبسط كلها قصيرة ، وأوقات الجلال كلها طويلة ، ~~وقوله تعالى : {فيها يفرق كل أمر حكيم} أي : في ليلة الوصال تفرق وتبرز ~~الحكم والمواهب القدسية ، بلا واسطة ، بل أمرا من عندنا ، والغالب أن هذه ~~الحالة لا تكون إلا عند الحيرة والشدة من الفاقة أو غيرها ، وكان بعض ~~العارفين من أشياخنا يستعدون فيها لكتب المواهب ، ويسمونها ليلة القدر. # وقوله تعالى : {إنا كنا مرسلين رحمة من ربك} هو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قال : " أنا الرحمة المهداة " ، فرحمة مفعول به ، {إنه هو السميع ~~العليم} قال القشيري : السميع لأنين المشتاقين ، العليم بحنين المحبين. ه. ~~{لا إله إلا هو} أي : لا يستحق أن يتأله ويعشق إلا ms2720 هو ، {يحيي ويميت} يحيي ~~قلوب قوم بمعرفته ومحبته ، ويميت قلوبا بالجهل والبعد ، يفعل ما يشاء ، ~~ويحكم ما يريد. ثم وصف أهل الجهل والبعد بقوله : {بل هم في شك يلعبون} وأما ~~أهل المعرفة والقرب فهم في حضرة محبوبهم يتنعمون ، ومن روح وصاله يتنسمون. ~~قال القشيري : واللعب يجري على غير ترتيب ، تشبيها باللعاب الذي يسيل لا ~~على نظام مخصوص ، ووصف الكافر باللعب لتردده وشكه وتحيره في عقيدته. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 41 # يقول الحق جل جلاله : {فارتقب} فنتظر {يوم تأتي السماء بدخان مبين} قال ~~علي وابن عباس وابن عمر والحسن رضي الله عنهم : هو دخان يجيء قبل يوم ~~القيامة ، يصيب المؤمن منه مثل الزكام ، وينضج رؤوس المنافقين والكافرين ، ~~حتى تكون كأنها مصلية حنيذة ، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه نار ، ليس ~~فيه خصاص ، ويؤيد هذا حديث حذيفة : " أول الآيات الدخان ، ونزول عيسى ، ~~ونار تخرج من عدن ، تسوق الناس إلى الحشر ، تقيل معهم إذا قالوا... " ~~الحديث ، انظر الثعلبي. PageV07P064 # وأنكر هذا ابن مسعود ، وقال : هذا الدخان قد رأته قريش حين دعا عليهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم # 44 # بسبع كسبع يوسف ، فكان الرجل يرى من الجوع دخانا بينه وبين السماء. ~~ويؤيده ما يأتي بعده. وقوله : {مبين} أي : ظاهر لا يشك أحد أنه دخان ، ~~{يغشى الناس} أي : يحيط بهم ، حتى كان الرجل يحدث الرجل ، ويسمع كلامه ، ~~ولا يراه من الدخان ، أي : انتظر يوم شدة ومجاعة ؛ فإن الجائع يرى بينه ~~وبين السماء كهيئة الدخان ، إما لضعف بصره ، أو لأن عام القحط يظلم الهواء ~~لقلة الأمطار ، أو كثرة الغبار ، {هذا عذاب أليم} أي : قائلين هذا عذاب أليم. # ولما اشتد بهم القحط ، مشى أبو سفيان ، ونفر معه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وناشده الله تعالى والرحم ، وواعدوه إن دعا لهم ، وكشف عنهم ، أن ~~يؤمنوا ، وذلك قوله تعالى : {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} أي : سنؤمن ~~إن كشف عنا العذاب ، قال تعالى : {أنى لهم الذكرى} أي : كيف يذكرون ويتعظون ~~ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف ms2721 العذاب ، {وقد جاءهم رسول مبين} أي : ~~والحال أنهم يشاهدون من دواعي التذكير وموجبات الاتعاظ ، ما هو أعظم منه ، ~~حيث جاءهم رسول عظيم لشأن ، بين البرهان ، يبين لهم مناهج الحق بإظهار آيات ~~ظاهرة ، ومعجزات قاهرة ، تخر لها صم الجبال. PageV07P065 # {ثم تولوا عنه} أي : عن ذلك الرسول ، بعدما شاهدوا من العظائم ما يوجب ~~الإبال عليه ، ولم يقنعوا بالتولي ، بل اقترفوا ما هو أشنع ، {وقالوا} في ~~حقه عليه السلام : {معلم مجنون} أي : قالوا تارة معلم يعلمه غلام أعجمي ~~لبعض ثقيف ، وتارة مجنون ، أو : يقول بعضهم كذا ، وبعضهم كذا ، وكيف يتوقع ~~من قوم هذه صفتهم أن يتأثروا بالعظة والتذكير ؟ ! قال تعالى : {إنا كاشفوا ~~العذاب قليلا} أي : زمناف قليلا ، أو كشفا قليلا ، {إنكم عائدون} إلى الكفر ~~، الذي أنتم فيه ، أو : إلى العذاب بعد صرف الدخان ، على القول الأول ، ~~{يوم نبطش البطشة الكبرى} يوم بدر ، أو يوم القيامة ، {إنا منتقمون} أي : ~~ننتقم منهم في ذلك اليوم. وانتصاب {يوم نبطش} باذكر أو بما دل عليه {إنا ~~منتقمون} ، وهو ننتقم ، لا بمنتقمون ، لأن ما بعد " إن " لا يعمل فيما ~~قبله. الإشارة : {فارتقب} أيها العارف {يوم تأتي السماء بدخان مبين} أي : ~~يوم يبرز من سماء الغيوب بدخان الحس ، وظلمة الأسباب تغشى قلوب الناس ، ~~فتحجبهم عن شمس العرفان ، هذا عذاب أليم موجع للقلوب ، حيث حجبها عن حضرة ~~علام الغيوب. وأما العارف فشمسه ضاحية ، ونهاره مشرق على الدوام ، كما قال ~~شاعرهم : # جزء : 7 رقم الصفحة : 44 # ليلي بوجهك مشرق # وظلامه في الناس سار # الناس في سدف الظلام # ونحن في ضوء النهار # 45 # وقال آخر : # طلعت شمس من أحب بليل # فاستنارت فما تلاها غروب # إن شمس النهار تغرب بليل # وشمس القلوب ليست تغيب # قال القشيري : قيامة هؤلاء - أي الصوفية - معجلة لهم ، يوم تأتي السماء ~~فيه بدخان ، مبين ، وهو باب غيبة الأخبار ، وانسداد باب ما كان مفتوحا من ~~الأنس بالأحباب. قلت : وأحسن من عبارته أن تقول : وهو باب غيبة الأنوار ، ~~وانسداد نبع الأسرار. ثم قال : وفي معناه قالوا : # فلا الشمس شمس تستنير ولا ms2722 الضحى PageV07P066 ~~بطلق ولا ماء الحياة ببارد # ه. # وقوله تعالى : {ربنا اكشف عنا العذاب} قال القشيري : وقد يستزيد هؤلاء ~~العذاب على العكس من أحوال الخلق ، وفي ذلك أنشدوا : # وكل مآربي قد نلت منها # سوى ملك ود قلبي بالعذاب # فهم يسألون البلاء بدل ما يستكشفه الخلق ، وأنشدوا : # أنت البلاء فكيف أرجوا كشفه # إن البلاء إذا فقدت بلائي # ه. # قلت : وأصرح منه قول الشاعر : # يا من عذابي عذب في محبته # لا أشتكي منك لا صدا ولا مللا # وقول الجيلاني رضي الله عنه : # تلذ لي الآلام إذ كنت مسقمي # وإن تختبرني فهي عندي صنائع # تحكم بما تهواه في فإنني # فقير لسلطان المحبة طائع # قوله تعالى : {أنى لهم الذكرى} أي : كيف يتعظ من تنكب عن صحبة الرجال ، ~~وملأ قلبه بالخواطر والأشغال ؟ وقد جاءهم من يدعوهم إلى الكبير المتعال ، ~~فأنكروه ، وقالوا : معلم مجنون ، إنا كاشفوا العذاب عن قلوبهم من الشكوك ~~والخواطر قليلا ، حين يتوجهون إلينا ، ويفزعون إلى بابنا ، أو يسمعون من ~~بعض أوليائنا ، ثم تكثر عيهم الخواطر ، حين تنقشع عنهم سحابة أمطار ~~الواردات من قلوب أوليائنا ، إنكم عائدون إلى ما # 46 # كنتم عليه ، {يوم نبطش البطشة الكبرى} هي خطفة الموت ، فلا ينفع يفها ندم ~~ولا رجوع ، بل يورثهم حزنا طويلا ، فلا يجدون في ظلال انتقامنا مقيلا ، ~~فننتقم ممن أعرض بسريرته عن دوام رؤيتنا. # جزء : 7 رقم الصفحة : 44 PageV07P067 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد فتنا قبلهم} قبل هؤلاء المشركين ، {قوم فرعون} ~~أي : امتحانهم بإرسال موسى عليه السلام ، أو : أوقعناهم في الفتنة بالإمهال ~~وتوسيع الأرزاق ، أو فعلنا بهم فعل المختبر ؛ ليظهر ما كان باطنا ، {وجاءهم ~~رسول كريم} موسى عليه السلام ، أي : كريم على الله ، أو على المؤمنين ، أو ~~في نفسه حسيب نسيب ، لأن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا من سادات قومه : {أن ~~أدوا إلي عباد الله} أي : بان أدوا إلي ، أي : ادفعوا عباد الله ، وهم بنو ~~إسرائيل ، بأن ترسلوهم معي ، فكانت دعوة موسى لفرعون بعد الإقرار بالتوحيد ~~إرسال بني إسرائيل من يده ، أو : بأن أدوا إلي يا ms2723 عباد الله ما يجب عليكم ~~من الإيمان ، وقبول الدعوة ، فالعباد على هذا عام. ف " إن " مفسرة ؛ لأن ~~مجيء الرسل لا يكون إلا بدعوة ، وهي تتضمن القول ، أو مخففة ، أي : جاءهم ~~بأن الشأن أدوا إلي ، و" عباد الله " على الأول : مفعول به ، وعلى الثاني : ~~منادى ، {إني لكم رسول أمين} تعليل للأمر ، أو لوجوب المأمور ، أي : رسول ~~غير ظنين ، قد ائتمنني الله على وحيه ، وصدقني بالمعجزات القاهرة. # {وأن لا تعلوا على الله} أي : لا تتكبروا على الله بالاستهانة بوحيه ~~وبرسوله أو : لا تتكبروا على نبي الله ، {إني آتيكم} من جهته تعالى {بسلطان ~~مبين} بحجة واضحة ، لا سبيل إلى إنكارها ، تدل على نبوتي ، وفي إيراد ~~الأداء مع الأمين ، والسلطان مع العلو ، من الجزالة ما لا يخفى ، {وإني عذت ~~بربي وربكم} أي : التجأت إليه ، وتوكلت عليه ، {أن ترجمون} من أن ترجمون ، ~~أي : تؤذونني ضربا وشتما ، أو تقتلوني رجما. # قيل : لما قال : {وأن لا تعلوا على الله} توعدوه بالرجم ، فتوكل على الله ~~، واعتصم به ، ولم يبال بما توعدوه. PageV07P068 # {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} أي : وإن كابرتم ولم تذعنوا لي ، فلا مولاة ~~بيني وبين من لا يؤمن ، فتنحوا عني ، أو : فخلوني كفافا لا لي ولا علي ، ~~ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم ، فليس ذلك جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم ~~، قال أبو السعود : وحمله # 47 # على قطع الوصلة وعدم الموالاة بينه وبينهم ، يأباه المقام. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 47 # فدعا ربه} بعدما تمادوا على تكذيبه ، شاكيا إلى ربه : {أن هؤلاء} أي : ~~بأن هؤلاء ، {قوم مجرمون} وهو تعريض بالدعاء عليهم ، بذكر ما استوجبوه ، ~~ولذلك سمي دعاء ، وقيل : كان دعاؤه ، : اللهم عجل لهم ما يستوجبونه ~~بإجرامهم ، وقيل : هو قوله : {أنى مغلوب فانتصر} [القمر : 10] وقيل : قوله ~~: {لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} [يونس : 85] وقرئ بالكسر على إضمار ~~القول. قال تعالى له بعد : {فأسر بعبادي ليلا} والفاء تؤذن بشرط محذوف ، أي ~~: إن كان الأمر كما تقول {فأسر بعبادي} بني إسرائيل {ليلا إنكم متبعون} أي ~~: دبر الله أن تتقدموا ، ويتبعكم فرعون ms2724 وجنوده ، فننجي المتقدمين ، ونغرف ~~الباقين ، {واترك البحر رهوا} ساكنا على حالته بعدما جاوزته ، ولا تضربه ~~بعصاك لينطبق ، ولا تغيره عن حاله ليدخله القبط ، أراد موسى عليه السلام ~~لما جاوزه أن يضربه بعصا لينطبق ، فأمره أن يتركه ساكنا على هيئته ، قارا ~~على حالته ، من انتصاب الماء كالطود العظيم ، وكون الطريق يبسا لا يغير منه ~~شيئا ، ليدخله القبط ، فإذا دخلوا فيه أطبقه الله عليهم ، فالرهو في كلام ~~العرب : السكون ، قال الشاعر : # طير رأت بازيا نضح الدعاء به # وأمة خرجت رهوا إلى عيد # أي : ساكنة ، وقيل : الرهو : الفرجة الواسعة ، أي : اتركه مفتوحا على ~~حاله منفرجا ، {إنهم جند مغرقون} بعد خروجكم من البحر. وقرئ بالفتح ، أي : لأنهم. PageV07P069 # الإشارة : كل زمان له فراعين ، يحبسون الناس عن طريق الله ، وعن خدمته ، ~~فيبعث الله إليهم من يذكرهم ، ويأمرهم بتخلية سبيلهم ، أو بأداء الحقوق ~~الواجبة عليهم ، فإذا كذب الداعي ، قال : وإن لم تؤمنوا فاعتزلون ، فإذا ~~أيس من إقبالهم دعا عليهم ، فيغرقون في بحر الهوى ، ويهلكون في أودية ~~الخواطر. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 47 # يقول الحق جل جلاله : {كم تركوا من جنات وعيون} أي : كثيرا ما ترك فرعون ~~وجنوده بمصر من بساتين. روي أنها كانت متصلة بضفتي النيل جميعا ، من رشيد ~~إلى أسوان ، {وعيون} يحتمل أن يريد الخلجان ، شبهها بالعيون ، أو كانت ثم عيون # 48 # وانقضت ، {وزروع} أي : مزارع ، {ومقام كريم} محافل مزينة ، ومنازل محسنة ~~، وسماه كريما ؛ لأنه مجلس الملوك ، وقيل : المنابر ، {ونعمة} أي : بسطة ~~ولذاذة عيش وتنعم ، {كانوا فيها فاكهين} أي : متنعمين فرحين مسرورين. # وفي المشارق : النعمة - بالفتح التنعم ، وبالكسر : اسم ما أنعم الله به ~~على عباده ، قال ابن عطية : النعمة - بالفتح : غضاوة العيش ، ولذاذة الحياة ~~، والنعمة - بالكسر : أعم من هذا كله ، وقد تكون الأمراض والمصائب نعما ، ~~ولا يقال فيها نعمة بالفتح. ه فانظره. PageV07P070 # {كذلك} أي : الأمر كذلك ، فالكاف في محل الرفع ، على أنه خبر عن مضمر ، أو ~~نصب على أنه مصدر لمحذوف يدل عليه : {تركوا} أي : مثل ذلك السلب سلبناهم ~~إياها ، {وأورثناها قوما آخرين} ليسوا ms2725 منهم في شيء في قرابة ولا دين ، ولا ~~ولاء ، وهم بنو إسرائيل ، بأن تولوا أحكامها والتصرف فيها. وقال الحسن : ~~رجعوا بعد هلاك فرعون إلى مصر ، نظيره : {وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون...} [الأعراف : 137] الآية ، ومثله عن القرطبي والبيضاوي ، وكذلك ~~في نوادر الأصول ، وقد تقدم الكلام عليه في الشعراء. وفي الآية اعتبار ~~واستبصار ، وتنبيه للعاقل على عدم الاغترار ، وسيأتي في الإشارة ما فيه ~~كفاية نظما ونثرا. # {فما بكت عليهم السماء والأرض} مجاز عن الاكتراث بهلاكهم ، والاعتداد ~~بوجودهم ، وفيه تهكم بهم ، وبحالهم المنافية ، بحال من يعظم فقده ، فيقال : ~~{بكت عليهم السماء والأرض} وكانت العرب إذا عظمت مهلك رجل قالوا : بكته ~~الريح والبرق والسماء ، قال الشاعر : # جزء : 7 رقم الصفحة : 48 # الريح تبكي شجوها # والبرق يلمع في الغمامه # وقال جرير ، يرثي عمر بن عبد العزيز : # فالشمس طالعة ليست بكاسفة # تبكي عليك نجوم الليل والقمرا # حملت أمرا عظيما فاصطبرت له # وقمت فينا بأمر الله يا عمرا # وقيل : البكاء حقيقة ، وأن المؤمن تبكي عليه من الأرض مصلاه ، ومحل ~~عبادته ، # 49 # ومن السماء مصعد عمله ، كما في الحديث ، وإذا مات العالم بكت عليه حيتان ~~البحر ، ودوابه ، وهوام البر وأنعامه ، والطير في الهواء ، وهؤلاء لما ~~ماتوا كفارا لم يعبأ الوجود بفقدهم ، بل يفرح بهلاكهم ، {وما كانوا} لما ~~جاء وقت هلاكهم {منظرين} ممهلين إلى وقت آخر ، أو إلى الآخر ، بل عجل لهم ~~في الدنيا. PageV07P071 # {ولقد نجينا بني إسرائيل} لما فعلنا بفرعون وقومه ما فعلنا {من العذاب ~~المهين} من استعباد فرعون إياهم ، وقتل أبنائهم ، واستحياء نسائهم ، {من ~~فرعون} بدل من العذاب المهين بإعادة الجار ، كأنه في نفسه كان عذابا مهينا ~~، لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم ، أو خبر عن مضمر ، أي : ذلك من فرعون ، ~~وقرئ " من فرعون " على معنى : هل تعرفونه من هو في عتوه وتفرعنه ؟ وفي ~~إبهام أمره أولا ، وتبيينه بقوله تعالى : {إنه كان عاليا من المسرفين} ~~ثانيا ، من الإفصاح عن كنه أمره في الشر والفساد مما لا مزيد عليه وقوله ~~تعالى : {من المسرفين} إما خبر ثان ، أي : كان متكبرا مسرفا ms2726 ، أو حال من ~~الضمير في " عاليا " أي : كان رفيع الطبقة من بين المسرفين ، فائقا لهم ، ~~بليغا في الإسراف. {ولقد اخترناهم} أي : بني إسرائيل {على علم} أي : عالمين ~~بأنهم أحقاء بالاختيار ، أو عالمين بأنهم يزيغون في بعض الأوقات ، ويكثر ~~منهم الفرطات ، فلم يؤثر ذلك في سوابق علمنا ، ليعلم أن الجنايات لا تؤثر ~~في الرعايات ، {على العالمين} أي : عالمي زمانهم ، لما كثر فيهم من ~~الأنبياء ، {وآتيناهم من الآيات} كفلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن ~~والسلوى ، وغيرها من عظائم الآيات ، {ما فيه بلاء مبين} نعمة ظاهرة ، أو : ~~اختبار ظاهر ، لينظر كيف يعملون ، وقيل : البلاء المبين هو المطالبة بالشكر ~~عند الرضا ، والصبر عند الكدر والعناء. # الإشارة : كم ترك أهل الغفلة والاغترار ، من جنات وعيون ، وزروع ومقام ~~كريم ، من قصور وديار ، فارقوها ، أخصب ما كانوا فيها ، وأزعجوا عنها أحوج ~~ما كانوا إليها ، استبدلوا سعة القصور بضيق اللحود والقبور ، ومحاسن ~~الملابس والتيجان بعصائب الخرق والأكفان ، فيا من ركن إلى الدنيا ، انظر ~~كيف تفعل بأهلها ، فرحم الله عبدا أخذ من الدنيا الكفاف ، وصاحب فيها ~~العفاف ، وتزود للرحيل ، وتأهب للمسير. # جزء : 7 رقم الصفحة : 48 PageV07P072 ~~ذكر الطرطوسي في كتابه " سراج الملوك " : قال أبو عبد الله بن حمدون : كنت ~~مع المتوكل ، لما خرج إلى دمشق ، فركب يوما إلى رصافة " هشام بن عبد الملك ~~" فنظر إلى قصورها خاوية ، ثم خرج فنظر إلى دير هناك قديم ، حسن البناء ، ~~بين مزارع وأشجار ، # 50 # فدخله ، فبينما هو يطوف به ، إذ بصر برقعة قد التصقت بصدره ، فأمر بقلعها ~~، فإذا فيها مكتوب هذه الأبيات. # أيا منزلا بالدير أصبح خاليا # تلاعب فيه شمأل ودفور # كأنك لم يسكنك بيض نواعم # ولم يتبختر في قبابك حور # وأبناء أملاك غواشم سادات # صغيرهم عند الأنام كبير # إذا لبسوا أدراعهم ، فعوابس # وإن لبسوا تيجانهم فبدور # على أنهم يوم اللقاء ضراغم # وأنهم يوم النوال بحور # ليالي هشام بالرصافة قاطن # وفيك ابنه يا دير وهو أمير # إلى أن قال : # بلى فسقاك القيث صوب سحائب # عليك بها بعد الرواح بكور # تذكرت قومي فيكما فبكيتهم ms2727 # بشجو ومثلي بالبكاء جدير # فعزيت نفسي وهي نفس إذا جرى # لها ذكر قومي أنة وزفير # فلما قرأها المتوكل ارتاع ، ثم دعا صاحب الدير ، فسأله : من كتبها ؟ فقال ~~: لا علم لي ، وانصرف ه. # ومن هذا القبيل ما وجد مكتوبا على باب " كافور الإخشيدي " بمصر : # انظر إلى عبر الأيام ما صنعت # أفنت أناسا بها كانوا وما فينت # ديارهم ضحكت أيام دولتهم # فإذا خلت منهم صاحتهم وبكت # ومن هذا أيضا ما وجد على قصر " ذي يزن " مكتوبا : # باتوا على قلل الأجبال تحرسهم # غلب الرجال فلم تمنعهم القلل # واستنزلوا من أعالي عز معقلهم # فأسكنوا حفرا ، يا بئس ما نزالوا # أين الوجوه التي كانت محجبة # من دونها تضرب الأستار والكلل ؟ # فأفصح القبر عنهم حين سائلهم PageV07P073 ~~تلك الوجوه عليها الدود تقتبل # جزء : 7 رقم الصفحة : 48 # قد طال ما أكلوا دهرا وما شربوا # فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا # وحاصل الدنيا ما قال الشاعر : # ألا إنما الدنيا كأحلام نائم # وما خير عيش لا يكون بدائم ؟ ! # تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة # فأفنيتها هل أنت إلا كحالم ؟ ! # هذه فكرة اعتبار ، وأما فكرة استبصار ، فما ثم إلا تصرفات الحق ، ومظاهر ~~أسرار ذاته ، وأنوار صفاته ، ظهرت في عالم الحكمة بالأشكال والرسوم ، وأما ~~في عالم القدرة # 51 # فما ثم إلا الحي القيوم. # تجلى حبيبي في مرائي جماله # ففي كل مرئي للحبيب طلائع # فلما تبدى حسنه متنوعا # تسمى بأسماء فهن مطالع # وقوله تعالى : {فما بكت عليهم السماء والأرض} يفهم منه : أن من عظم قدره ~~تبكي على فقده السموات والأرض ومن فيهن ، في عالم الحس ، الذي هو عالم ~~الأشباح وتفرح به أهل السموات السبع في عالم الأرواح ؛ لتخلصه إليها ، ~~فيستبشر بقدومه كل من هنالك ، وينظر الله إلى خلقه بعين الرحمة ، فيرتحم ~~ببركة قدومه الوجود بأسره. والله ذو الفضل العظيم. # وقوله تعالى : {ولقد اخترناهم على علم} قال القشيري : ويقال : على علم ~~بمحبة قلوبهم لنا مع كثرة ذنوبهم فينا ، ويقال : على علم بما نودع عندهم من ~~أسرارنا ، ونكاشفهم به من حقائق حقنا. # وقال الورتجبي ms2728 : {ولقد اخترناهم على علم} أي : على علم بصفاتنا ، ومعرفة ~~بذاتنا ، ومشاهدة على أسرارنا ، وبيان على معرفة العبودية والربوبية ، ~~ودقائق الخطرات والقهريات واللطيفات في زمان المراقبات. ه. PageV07P074 # وقا الواسطي : اخترناهم على علم منا بجنايتهم ، وما يقترفون من أنواع ~~المخالفات ، فلم يؤثر ذلك في سوابق علمنا لهم ، ليعلم أن الجنايات لا تؤثر ~~في الرعايات. وقال الجرار : علما ما أودعنا فيهم من خصائص سرنا ، فاخترناهم ~~بعلمنا على العالمين. ه. قلت : والمقصود بالذات : بيان أن اختياره - تعالى ~~- مرتب على سابق علمه الأزلي ، وعلمه - تعالى - لا تغيره الحوادث ، وقد ~~انقطعت دولة بني إسرائيل ، فما بقي الكلام إلا مع الملة المحمدية. # جزء : 7 رقم الصفحة : 48 # يقول الحق جل جلاله : {إن هؤلاء} يعني كفار قريش ؛ لأن الكلام معهم ، ~~وقصة فرعون مسوقة للدلالة على مماثلتهم في الإصرار على الضلالة ، والتحذير ~~من حلول مثل حل بهم ، {ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى} أي : ما العاقبة ~~ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى ، المزيلة للحياة الدنيوية ، ولا قصد فيه ~~لإثبات موته أخرى ، كقولك : حج زيد # 52 # الحجة الأولى ومات ، أو : ما الموتة التي تعقبها حياة إلا الموتة الأولى ~~، التي تقدمت وجودنا ، كقوله : {وكنتم أمواتا فأحياكم} [البقرة : 28] كأنهم ~~لما قيل لهم : إنكم تموتون موتة تعقبها حياة ، كما تقدمتكم كذلك ، أنكروها ~~، وقالوا : ما هي إلا موتتنا الأولى ، وأما الثانية فلا حياة تعقبها ، أو : ~~ليست الموتة إلا هذه الموتة ، دون الموتة التي تعقب حياة القبر كما تزعمون ~~، {وما نحن بمنشرين} بمبعوثين ، {فأتوا بآبائنا} خطاب لمن كان بعدهم النشر ~~، من الرسول والمؤمنين ، {إن كنتم صادقين} أي : إن صدقتم فيما تقولون ، ~~فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ، حتى يكون دليلا على أن ~~ما تعدونه من البعث حق. PageV07P075 # قيل : كانوا يطلبون أن ينشر لهم قصي بن كلاب ، ليشاوروه ، كان كبيرهم ~~ومفزعهم في المهمات ، قال تعالى : {أهم خير أم قوم تبع} رد لقولهم وتهديد ~~لهم ، أي : أهم خير في القوة والمنعة ، اللتين يدفع بهما أساب الهلاك ، أم ~~قوم تبع الحميري ؟ وكان سار بالجيوش حتى حير ms2729 الحيرة ، وبنى سمرقند ، وقيل : ~~هدمها ، وكان مؤمنا وقومه كافرين ، ولذلك ذمهم الله تعالى دونه ، وكان يكتب ~~في عنوان كتابه : بسم الله الذي ملك برا وبحرا ومضحا وريحا. # قال القشيري : كان تبع ملك اليمن ، وكان قومه فيهم كثرة ، وكان مسلما ، ~~فأهلك الله قومه على كثرة عددهم وكمال قوتهم. ه. روي عنه عليه السلام أنه ~~قال : لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا " ه وقيل : كان نبيا ، وفي حديث أبي ~~هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا أدري تبعا كان نبيا أو غير نبي ". ~~وذكر السهيلي : أن الحديث يؤذن بأنه واحد بعينه ، وهو - والله أعلم - أسعد ~~أبو كرب ، الذي كسا الكعبة بعدما أراد غزوه ، وبعدما غزا المدينة ، وأراد ~~خرابها ، ثم انصرف عنها ، لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه " أحمد " وقال فيه ~~شعرا ، وأودعه عند أهلها ، فكانوا يتوارثونه كابرا عن كابر ، إلى أن هاجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأدوه إليه. ويقال : كان الكتاب والشعر عند أبي ~~أيوب الأنصاري : حتى نزل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه إليه ، وفي ~~الكتاب الشعر ، وهو : # جزء : 7 رقم الصفحة : 52 # شهدت على أحمد أنه # رسول من الله باري النسم # فلو مد عمري إلى عمره # لكنت وزيرا له وابن عم # وألزمت طاعته كل من # على الأرض ، من عرب وعجم # ولكن قولي له دائما # سلام على أحمد في الأمم # 53 PageV07P076 ~~وذكر الزجاج وابن أبي الدنيا : أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام ، فوجد فيه ~~امرأتان ، وعند رؤوسهما لوح من فضة ، مكتوب فيه بالذهب اسمهما ، وأنهما ~~بنتا تبع ، تشهدان ألا إله إلا الله ، ولا تشركان به شيئا ، وعلى ذلك مات ~~الصالحون قبلهما. ه. ويقال لملوك اليمن : التبابعة ؛ لأنهم يتبعون ، ويقال ~~لهم : الأقيال لأنهم يتقيلون. ه. # {والذين من قبلهم} عطف على " قوم تبع " ، والمراد بهم عاد وثمود ، ~~وأضرابهم من كل جبار عنيد ، أولي بأس شديد ، {أهلكناهم} بأنواع من العذاب ~~{إنهم كانوا مجرمين} تعليل لإهلاكهم ، ليعلم أن أولئك حيث أهلكوا بسبب ~~إجرامهم مع ما كانوا عليه من غاية القوة والشدة ، فكان ms2730 مهلك هؤلاء - وهم ~~شركاؤهم في الإجرام ، مع كونهم أضعف منهم في الشدة والقوة - أولى. # قال الطيبي : لما أنكر المشركون الحشر ، بقولهم : {إن هي إلا موتتنا ~~الأولى} وبخهم بقوله : {أهم خير أم قوم تبع} إيذانا بأن هذا الإنكار ليس عن ~~حجة قاطعة ودليل ظاهر ، بل عن مجرد حب العاجلة ، والتمتع بملاذ الدنيا ، ~~والاغترار بالمال والمآل والقوة والمنعة ، أي : كما فعل بمن سلك قبلهم من ~~الفراعنة والتبابعة حتى هلكوا ، كذلك يفعل بهؤلاء إن لم يرتدعوا. # ثم قرر أن الحشر لا بد منه بقوله : {وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما} أي : بين الجنسين ، {لاعبين} لاهين من غير أن يكون في خلقهما غرض ~~صحيح ، وغاية حميدة ، جل جناب الجلال عن ذلك ، {ما خلقناهما إلا بالحق} أي ~~: ما خلقناهما ملتبسا بشيء من الأشياء إلا ملتبسا بالحق ، أو : ما خلقناهما ~~بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق ، الذي هو الإيمان والطاعة في الدنيا ، ~~والبعث والجزاء في العقبى. PageV07P077 # قال الطيبي : وقد سبق مرارا : أنه ما خلقهما إلا ليوحد ويعبد ، ثم لا بد أن ~~يجزي المطيع والعاصي ، وليست هذه دار الجزاء. وقال ابن عرفة : قوله : {إلا ~~بالحق} أي : إلا مصاحبين للدلالة على النشأة الآخرة ، وهي حق. ه. {ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون} أنهن خلقن لذلك ، بل عبثا ، تعالى الله عن ذلك. # جزء : 7 رقم الصفحة : 52 # الإشارة : كانت الجاهلية تنكر البعث الحسي ، والجهلة اليوم ينكرون البعث ~~المعنوي ، ويقولون : {إن هي إلا موتتنا الأولى} أي : موت قلوبنا وأرواحنا ~~بالجهل والغفلة ، فكيف يكون الرجل منهمكا في المعاصي ، يمت القلب ، ثم ~~ينقذه الله ويحييه بمعرفته ، حتى يصير وليا من أوليائه من استغرب أن ينقذه ~~الله من شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته ، فقد استعجز قدرة الإلهية ، وكان ~~الله على كل شيء مقتدرا " أهم خير أم قوم تبع ؟ وقد أخرج الله من قومه ~~أنصار نبيه صلى الله عليه وسلم ، وكانوا من خواص أحبابه ، حتى قال : " ~~الناس دثار والأنصار شعار ، لو سلك الناس واديا أو شعبا ، وسلكت الأنصار ~~واديا ، لسلكت وادي الأنصار # 54 # وشعبهم " وما ms2731 خلقنا الأجرام العظام إلا لتدل على كمال قدرتنا ، والسلام. # جزء : 7 رقم الصفحة : 52 # يقول الحق جل جلاله : {إن يوم الفصل} : أي : فصل احق عن الباطل ، وتمييز ~~المحق من المبطل ، أو فصل الرجل عن أقاربه وأحبابه ، وهو يوم القيامة ، ~~{ميقاتهم أجمعين} أي : وقت موعدهم كلهم ، {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} ~~لا يغني ناصر عن ناصر ، ولا حميم عن حميم ، ولا نسب عن نسيب ، شيئا من ~~الإغناء. PageV07P078 # قال قتادة : انقطعت الأسباب يومئذ بابن آدم ، وصار الناس إلى أعمالهم ، فمن ~~أصاب يومئذ خيرا ، سعد به ، ومن أصاب يومئذ شرا شقي به. ه. و{يوم} بدل من ~~يوم الفصل ، أو : صفة لميقاتهم ، أو : ظرف لما دل عليه الفصل ، أي : يفصل ~~في هذا اليوم ، {ولا هم ينصرون} يمنعون مما أراد الله ، والضمير ل " مولى " ~~باعتبار المعنى ، لأنه عام ، وقوله : {إلا من رحم} بدل من الواو في " ~~ينصرون " ، أي : لا يمنع من العذاب إلا من رحم الله ، بالعفو عنه ، أو ~~بقبول الشفاعة فيه ، أوك منصوب على الاستثناء المنقطع ، أو : مرفوع على ~~الابتداء ، أي : لكن من رحم {الله} فيغني عنه {إنه هو العزيز} الغالب ، ~~الذي لا ينصر من أراد تعذيبه ، {الرحيم} لمن أراد أن يرحمه. # {إن شجرة الزقوم} هي على صورة شجرة الدنيا ، لكنها من النار ، والزقوم ~~تمرها ؛ وهو كل طعام ثقيل. روي : أنها لما نزلت ، جمع أبو جهل عجوة وزبدا ، ~~وقال لأصحابه : تزقموا ، فهذا هو الزقوم ، وهو طعامي الذي حدث به محمد ، ~~فقصد بذلك المغالطة والتلبيس على الجهلة. أي : إن ثمر شجرة الزقوم هو {طعام ~~الأثيم} أي : الكثير الإثم ، وهو الكافر ؛ لدلالة ما قبله وما بعده عليه. ~~وقيل : نزلت في أبي جهل ، ثم تعم. وكان أبو الدرداء يقرئ رجلا ، فكان أبو ~~الدرداء يقول : طعام الأثيم ، والرجل يقول : طعام اليتيم ، فكرر عليه ، فلم ~~يفهم منه ؛ فقال : " طعام الفاجر يا هذا ". قال النسفي : وبهذا # 55 # يستدل على أن إبدال الكلمة مكان الكلمة جائز ، إذا كانت مؤدية معناها ، ~~ومنه أجاز أبو حنيفة رضي الله عنه القراءة بالفارسية ms2732 ، بشرط أن يؤدي القارئ ~~المعاني كلها ، من غير أن يخرم منها شيئا. انظر بقيته. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 55 PageV07P079 ~~كالمهل} وهو دردي الزيت ، أو : ما يمهل في النار فيذوب ، من نحاس وغيره ، ~~{يغلي في البطون} من قرأه بالغيب رده للمهل ، أو للطعام ، ومن قرأه بالتاء ~~رده للشجرة ، {كغلي الحميم} الماء الحار الذي انتهى غليانه ، أي : غليان ~~كغلي الحميم ، فالكاف في محل نصب ، ثم يقال للزبانية : {خذوه} أي : الأثيم ~~{فاعتلوه} أي : جروه ، فالعتل : الأخذ بمجامع الشيء والسوق بالعنف والقهر ، ~~يقال : عتل يعتل بالضم والكسر ، أي : جروه {إلى سوء الجحيم} وسطها ومعظمها. # {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} المصبوب هو الحميم ، لا عذابه ، إلا ~~أنه إذا صب عليه الحميم ، فقد صب عليه عذابه وشدته : والأصل : ثم صبوا فوق ~~رأسه عذابا هو الحميم ، ثم أضيف العذاب إلى الحميم ؛ للمبالغة ، وزيد " من ~~" للدلالة على أن المصبوب بعض هذا النوع ، ويقال له : {ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم} على سبيل الهزؤ والتهكم ، روي أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني ، فوالله لا تستطيع أنت ولا ~~ربك أن تفعلا بي شيئا ، فتقول له الزبانية هذا على طريق الاستهزاء ~~والتوبيخ. وقرأ الكسائي : " أنك " بالفتح ، أي : لأنك أنت العزيز في قومك ، ~~الكريم في زعمك. {إن هذا ما كنتم به تمترون} تشكون ، وتمارون فيه ، والجمع ~~باعتبار المعنى ؛ لأن المراد جنس الأثيم. PageV07P080 # الإشارة : يوم الفصل هو اليوم الذي يقع فيه الانفصال بين درجة المقربين ، ~~ومقام عامة أهل اليمين ، فيرتفع المقربون ، ويسقط الغافلون ، فلا يغنى صاحب ~~عن صاحب شيئا ، ولا هم ينصرون من السقوط عن مراتب الرجال ، فلا ينفع حينئذ ~~إلا ما سلف من صالح الأعمال ، إلا من رحم الله ، ممن تعلق بالمشايخ الكبار ~~، من المريدين ، فإنهم يرتفعون معهم بشفاعتهم. وشجرة الزقوم هي شجرة ~~المعصية ؛ فإنها تغلي في البطون ، وتعوق عن الوصول ، فقد قالوا : من أكل ~~الحرام عصى الله ، أحب أم كره ، ومن أكل الحلال أطاع الله ، أحب أم كره ، ~~فيقال ms2733 : خذوه فادفعوه إلى سواء الجحيم ، وهي نار القطيعة البعد ، ثم صبوا ~~فوق رأسه من هموم الدنيا ، وشغب الخوض والخواطر ، ذق إنك أنت العزيز الكريم ~~، ولو كنت ذليلا خاملا لنلت العز والكرامة. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 55 # يقول الحق جل جلاله : {إن المتقين في مقام} بضم الميم : مصدر ، أي : في ~~إقامة حسنة ، وبالفتح : اسم مكان ، أي : في مكان كريم ، وأصل المقام ، ~~بالفتح : موضع القيام ، ثم عمم واستعمل في جميع الأمكنة ، حتى قيل لموضع ~~القعود : مقام ، وإن لم يقم فيه أصلا ، ويقال : كنا في مقام فلان ، أي : ~~مجلسه ، فهو من الخاص الذي وقع مستعملا في معنى العموم ، وقوله : {أمين} ~~وصف له ، أي : يأمن صاحبه الآفات والانتقال عنه ، وهو من الأمن ضد الخيانة ~~، وصف به المكان مجازا ، لأن المكان المخيف يخون صاحبه بما يلقى فيه من ~~المكاره. PageV07P081 # وقوله : {في جنات وعيون} بدل من " مقام " جيء به دلالة على نزاهته واشتماله ~~على طيبات المآكل والمشارب ، {يلبسون من سندس} وهو ما رق من الديباج ، ~~{وإستبرق} ما غلظ منه ، وهو معرب ، والجملة إما حال ، أو استئناف ، حال ~~كونهم {متقابلين} في مجالسهم ، يستأنس بعضهم ببعض ، {كذلك} أي : الأمر كذلك ~~، قيل : المعنى فيه أنه لم يستوف الوصف ، وأنه بمثابة ما لا يحيط به الوصف ~~، فكأنه قال : الأمر نحو ذلك وما أشبهه ، وليس بعين الوصف وتحققه. # {وزوجناهم بحور عين} أي : قرناهم وأصحبناهم ، ولذلك عدي بالباء. قال ~~القشيري : وليس في الجنة عقد نكاح ولا طلاق ، بل تمكن الولي من هذه الألطاف ~~بهذه الأوصاف ه. والحور : جمع حوراء ، وهي الشديدة سواد العين ، والشديدة ~~بياضها ، والعين : جمع عيناء ، وهي الواسعة العين ، واختلف في أنها نساء ~~الدنيا أو غيرها. # {يدعون فيها بكل فاكهة} أي : يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهونه من ~~الفواكه ، لا يختص بزمان ولا مكان ، {آمنين} من زواله وانقطاعه ، ومن ضرره ~~عند الإكثار منه ، أو : من كل ما يسوءهم ، {لا يذوقون فيها الموت} أصلا ، ~~بل يستمرون على الحياة الأبدية ، {إلا الموتة الأولى} سوى الموتة الأولى ، ~~التي ذاقوها ، أو : لكن الموتة ms2734 الأولى قد ذاقوها في الدنيا ، فالاستثناء ~~منقطع ، أو متصل على أن المراد استحالة ذوق الموت إلا إذا كان يمكن ذوق ~~الموتة الأولى حينئذ ، وهو محال ، على نمط قوله : {إلا ما قد سلف} [النساء : 22]. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 56 # ووقاهم} ربهم {عذاب الجحيم فضلا من ربك} أي : أعطوا ذلك كله عطاء وتفضلا ~~منه تعالى ؛ إذ لا يجب عليه شيء ، فهو مفعول له ، أو مصدر مؤكد لما قبله ، لأن # 57 # قوله : {وقاهم} في معنى تفضل عليهم ، {ذلك هو الفوز العظيم} الذي لا فوز ~~وراءه ؛ إذ هو خلاص من جميع المكاره ، ونيل لكل المطالب. PageV07P082 # {فإنما يسرناه} أي : الكتاب ، وقد جرى ذكره في أول السورة ، أي : سهلنا ~~قراءته {بلسانك} بلغتك {لعلهم يتذكرون} أي : كي يفهموه ويتعظوا به ، ~~ويعملوا بموجبه ، فلم يفعلوا ، {فارتقب} فانظر ما يحل بهم ، {إنهم مرتقبون} ~~ما يحل بك. قال القشيري : فارتقب العواقب ترى العجائب ، إنهم مرتقبون ، ~~ولكن لا يرون إلا ما يكرهون. ه. # الإشارة : إن المتقين شهود ما سوانا في مقام العرفان ، وهو مقام المقربين ~~، وهو محل الأمن والأمان ، في جنات المعارف ، وعيون العلوم والحكم ، يلبسون ~~من أسرار الحقيقة وأنوار الشريعة ، ما تبتهج به بواطنهم وظواهرهم ، ~~متقابلين في المقامات ، يجمعهم الفناء والبقاء ، ويتفاوتون في اتساع ~~المقامات والأسرار ، تفاوت أهل غرف الجنان ، كذلك ، أي : الأمر فوق ما تصف ~~، وزوجانهم بعرائس المعرفة ، لا يذوقون في جنات المعارف - إذ دخلوها - ~~الموت أبدا إلا الموتة الأولى ، وهي موت نفوسهم ، فحييت أرواحهم حياة أبدية ~~، وأما الموت الحسي فإنما هو انتقال من عالم إلى عالم ، ومن مقام إلى مقام ~~، ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ، فضلا منه وإحسانا ، خلق فيهم المجاهدة ، ومن ~~عليهم بالمشاهدة. # وقال الورتجبي بعد كلام : إذ أحضرهم - تعالى - في ساحة كبريائه ، ويتجلى ~~لهم بالبديهة من غير الجبارية القهارية ؛ يكونون في محل الفناء ، وفي فناء ~~الفناء ، وغلبات سطوات ألوهيته ، فإذا صاروا فانين ، ألبسهم الله لباس ~~بقائه ، فيبقون ببقائه أبد الآبدين ، فإذا الاستثناء وقع على التحقيق ، لا ~~على التأويل ، فيا رب موت هناك ، ويا رب حياة هناك ؛ لأن ms2735 الحدث لا يستقيم ~~عند بروز حقائق بواطن القدم ، ألا ترى إلى إشارة النبي صلى الله عليه وسلم ~~كيف قال : " حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره ~~من خلقه " أي : فيتلاشى الخلق ويبقى الحق. PageV07P083 # قيل للجنيد : أهل الجنة باقون ببقاء الحق ؟ فقال : لا ، ولكنهم مبقون ببقاء ~~الحق ، والباقي على الحقيقة من لم يزل ، ولا يزال بقايا.ه. # والحاصل : أنه لا عدم بعد وجودهم بالله ، ولا يكون إلا بعد الفناء عن ~~أوصاف الخليقة ، ووجود البشرية ، بالاندراج في وجود الحق ، ثم الحياة ~~بحياته ، والبقاء ببقائه أبدا ، قاله في الحاشية الفاسية. والفرق بين ~~الباقي والمبقى في كلام الجنيد : أن الباقي يدل على ثبوت بقائه مستقلا ، ~~بخلاف المبقى ، لا وجود لبقائه ، بل مبقى ببقاء غيره. # جزء : 7 رقم الصفحة : 56 # وقال في قطب العارفين ، لما تكلم على التقوى : التقوى مطرد في وجوه كثيرة ، # 58 # تقوى الشرك ، ثم تقوى المعصية ، ثم تقوى فضل المباح ، ثم تقوي كل ما ~~يسترق القلوب عن الله تعالى ، وإلى هذا الصنف الإشارة بسر قوله تعالى : {إن ~~المتقين في مقام أمين في جنات وعيون...} الآية. ه. وعنه صلى الله عليه وسلم ~~: " من قرأ سورة الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك " ذكره في ~~الجامع ، وفي فضلها أحاديث ، تركتها. # 59 # جزء : 7 رقم الصفحة : 56 PageV07P084 ### | AUTO سورة الجاثية # جزء : 7 رقم الصفحة : 59 # قلت : {واختلاف الليل والنهار...} الآية ؛ فيها العطف على عاملين ، سواء ~~نصبت " آيات " أو رفعتها ، فالعاملان إذا نصبت " إن " و" في " أقيمت الواو ~~مقامهما ، فعملت الجر في {واختلاف} والنصب في {آيات} ، وإذا رفعت فالعاملان ~~الابتداء ، وحرف " في " عملت الواو الرفع في " آيات " والجر في " واختلاف " ~~وهذا مذهب الأخفش ، فإنه يجوز العطف على عاملين ، وأما سيبويه فلا يجيزه ، ~~وتخريج الآية عنده : أن يكون على إضمار " في " ، والذي حسنه : تقديم ذكر " ~~في " الآيتين قبله ، ويؤيده : قراءة ابن مسعود رضي الله عنه {وفي اختلاف ~~الليل والنهار} وفيها أوجه أخر. # يقول الحق جل جلاله : {حما} يا حبيب يا مجيد هذا ms2736 {تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم} فكونه من الله عز وجل دل أنه حق وصدق وصواب ، وكونه من ~~العزيز دل أنه معجز ، يغلب ولا يغلب ، وكونه من الحكيم دل أنه مشتمل على ~~الحكم البالغة ، وأنه محكم في نفسه ، ينسخ ولا ينسخ. # ثم برهن على عزته ، وباهر حكمته ، فقال : {إن في خلق السماوات والأرض} ~~إما في نفس السماوات والأرض ؛ فإن في شكلهما من بدائع وفنون الحكم ما يقصر ~~عنه البيان ، وإما في خلقهما وإظهارهما ، كما في قوله تعالى : {إن فى خلق ~~السماوات والأرض} # 60 # [آل عمران : 190] {لآيات للمؤمنين} لدلالات على وحدانيته تعالى لأهل ~~الإيمان ، وهو الأوفق بقوله : {وفي خلقكم} أي : من نطفة ثم من علقة متقلبة ~~من أطوار مختلفة إلى تمام الخلق ، {وما يبت من دابة} عطف على المضاف دون ~~المضاف إليه ، أي : وفي خلق ما يبث ، أي : ينشر ويصرف من دابة {آيات} ظاهرة ~~على باهر قدرته وحكمته ، {لقوم يوقنون} أي : من شأنهم أن يوقنوا بالأشياء ~~على ما هي عليه ، ويعرفوا فيها صانعها ، {وفي اختلاف الليل والنهار} أي : ~~تعاقبهما بالذهاب والمجيء ، أو : تفاوتهما طولا ، وقصرا ، {و} في {ما أنزل ~~الله من السماء من رزق} مطر ؛ لأنه سبب الرزق ، فعبر عن السبب بالمسبب ؛ ~~لأنه نتيجته ، تنبيها على كونه آية من جهة القدرة والرحمة ، {فأحيا به ~~الأرض} بأن أخرج أصناف الزرع والثمرات والنبات {بعد موتها} أي : خلوها عن ~~آثار الحياة وانتفاء قوة التنمية عنها ، وخلوا أشجارها عن الثمار والأزهار. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 60 PageV07P085 ~~وتصريف الرياح} أي : هبوبها من جهة إلى أخرى ، ومن حال إلى حال ، وتأخيره ~~عن نزول المطر مع تقدمه عليه في الوجود ، إما للإيذان بأنه آية مستقلة ، ~~ولو روعي الترتيب الوجودي لربما توهم أن مجموع تصريف الرياح ونزول المطر ~~آية واحدة ، أو : لأن كون التصريف آية ليس مجرد كونه مبتدأ لإنشاء المطر ، ~~بل له ولسائر المنافع ، التي من جملتها : سوق السفن في البحار ، وإلقاح ~~الأشجار ، {آيات لقوم يعقلون} يتدبرون بعقولهم ، فيصلون إلى صريح التوحيد. ~~وفي تقديم الإيمان على الإيقان ، وتأخير ms2737 تدبر العقل ؛ لأن العباد إذا نظروا ~~في السموات والأرض نظرا صحيحا ؛ علموا أنها مصنوعة ، وأنه لا بد لها من ~~صانع ، فآمنوا بالله ، وإذا نظروا في خلق أنفسهم ، وتنقلها من حال إلى حال ~~، وفي خلق ما ظهر على ظهر الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيمانا وأيقنوا ، ~~فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت ، كتعاقب الليل والنهار ، ~~ونزول الأمطار ، وحياة الأرض بعد موتها ، وتصريف الرياح ، جنوبا وشمالا ، ~~ودبورا وصبا ، عقلوا ، واستحكم في عقولهم ، وخلص يقينهم ، فكانوا من ذوي ~~الألباب. # {تلك آيات الله} مبتدأ وخبر ، و{نتلوها عليك} حال ، العامل : معنى ~~الإشارة ، أي : تلك الآيات المتقدمة هي آيات الله الدالة على وجوب وجوده ~~واتصافه بأوصاف الكمال ، حال كونها متلوة عليك ، ملتبسة {بالحق} أو : ~~نتلوها محقين في ذلك : فالجار والمجرور : حال من المفعول أو الفاعل. {فبأي ~~حديث} من الأحاديث {بعد الله وآياته} أي : بعد آيات الله ، كقولك : أعجبني ~~زيد وكرمه ، أي : أعجبني كرم زيد ، أو : بعد حديث الله ، الذي هو القرآن ، ~~وآياته العامة في كل شيء ، فيكون على حذف مضاف ، أو : يراد بها القرآن أيضا ~~، والعطف للتغاير العنواني ، فالأول من جهة كونه حديثا حسنا ، والثاني ~~باعتبار كونه معجزا ، أي : فبأي حديث بعد أحسن الحديث وأبهر الآيات ~~{يؤمنون} يصدقون ؟ ! ومن قرأ بالخطاب يقدر : قل يا محمد. # 61 PageV07P086 ~~الإشارة : قال القشيري : الحاء تدل على حياته ، والميم تدل على مودته ، ~~كأنه قال : بحق حياتي ومودتي لأوليائي ، لا شيء أعز على أحبائي من لقائي ، ~~العزيز في جلاله ، الحكيم في فعاله ، العزيز في أزله ، الحكيم في لطفه ~~بالعبد بوصف إقباله. # قوله تعالى : {إن في السماوات والأرض...} الآية ؛ شواهد الربوبية لائحة ، ~~وأدلة الإلهية واضحة ، فمن صحا فكره عن سكر الغفلة ، ووضع سره في محل ~~العبرة ، حظي - لا محالة - بحقائق الوصلة. ه. قلت : إنما يحظى بالوصلة إذا ~~نفذت بصيرته إلى شهود المكون ، ولم يقف مع شيء من حس الكائنات ، بل نفذ إلى ~~ما فيها من أسرار المعاني ، فعرف فيها مولاها ، وشاهد فيها المتجلي بها ، ~~وإلا بقي مسجونا محصورا في ms2738 ذاته. # جزء : 7 رقم الصفحة : 60 PageV07P087 ~~قوله تعالى : {وفي خلقكم...} الآية ، قال القشيري : إذا أنعم العبد النظر ~~في استواء قده وقامته ، واستكمال خلقه ، وتمام تمييزه ، وما هو مخصوص به من ~~جوارحه وحوائجه ، ثم فكر فيما عداه من الدواب ، وأجزائها وأعضائها ، ووقف ~~على اختصاصه ، وامتياز بني آدم من بين البرية من الحيوانات ، في الفهم ~~والعقل والتمييز والعلم ، ثم في الإيمان والعرفان ، ووجوه خصائص أهل الصفوة ~~من هذه الطائفة من فنون الإحسان ؛ عرف تخصيصهم بمناقبهم ، وانفرادهم بفضلهم ~~، فاستيقن أن الله أكرمهم ، وعلى كثير من المخلوقات قدمهم. ثم قال في قوله ~~: {واختلاف الليل والنهار...} الآية. جعل الله العلوم الدينية كسبية مصححة ~~بالدلائل ، محتفة بالشواهد ، فمن لم يستبصر لها زلت قدمه عن الصراط ~~المستقيم ، ووقع في عذاب الجحيم ، فاليوم في ظلمة الحيرة والتقليد ، وفي ~~الآخرة في التخليد في الوعيد. ه. قلت : النظر في دلائل الكائنات من غير ~~تنوير ، ولا صحبة أهل التنوير ، لا تزيد إلا حيرة ، ولذلك قال بعضهم : ~~إيمان أهل علم الكلام كالخيط في الهواء ، يميل مع كل ريح ، فالتقليد حينئذ ~~أسلم ، والتمسك بظاهر الكتاب والسنة أتم ، ومن سقط على العارفين بالله ، لم ~~يحتج إلى دليل ولا شاهد ، وأغناه شهود الشهيد عن كل شاهد. # عجبت لمن يبغي عليك شهادة # وأنت الذي أشهدته كل شاهد # كيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف ؟ ! تنزه الحق تعالى أن يفتقر إلى ~~دليل يدل عليه ، بل به يستدل على غيره ، فلا يجد غيره. تلك آيات شواهد ~~نتلوها عليك لترانا فيها ، لا لتراها مفروقة عنا ، ولذلك قال تعالى : ~~{بالحق} أي : ملتبسة بنور الحق ، الله نور السموات والأرض. # قوله تعالى : {فبأي حديث...} الآية ، قال القشيري : فمن لا يؤمن بها فبأي ~~حديث يؤمن ؟ ومن أي أصل ينشأ بعده ؟ ومن أي بحر في التحقيق يغترف ؟ هيهات ~~ما بقي للإشكال في هذا مجال. ه. # 62 # جزء : 7 رقم الصفحة : 60 PageV07P088 ~~يقول الحق جل جلاله : {ويل لكل أفاك} كذاب {أثيم} كثير الآثام ، {يسمع آيات ~~الله} التنزيلية {تتلى عليه} وجملة " يسمع " صفة أخرى لأفاك ، أو ms2739 استئناف ، ~~أو حال من ضمير " أثيم " ، " تتلى " : حال من " آيات الله " ، {ثم يصر} أي ~~: يقيم على كفره ، حال كونه {مستكبرا} عن الإيمان بالآيات ، والإذعان لما ~~تنطق به من الحق ، مزدريا بها ، معجبا بما عنده من الأباطيل. قيل : نزلت في ~~النضر بن الحارث ، وكان يشتري من أحاديث الأعاجم ، ويشغل بها الناس عن سماع ~~القرآن ، والآية عامة في كل من كان مضارا لدين الله وجيء بثم لأن الإصرار ~~على الضلالة ، والاستكبار عن الإيمان عند سماع آيات القرآن ، مستبعد في ~~العقول. ثم قال : {كأن لم يسمعها} أي : كأنه لم يسمعها ، فأن مخففة ، ومحل ~~الجملة النصب على الحال ، أي : يصر شبيها بغير السامع ، {فبشره} على إصراره ~~واستكباره {بعذاب أليم} أي : أخبره خبر يظهر أثره على البشرة ، تهكما به. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 63 PageV07P089 ~~وإذا علم من آياتنا شيئا} أي : إذا بلغه من آياتنا شيئا يمكن أن يتشبث بها ~~المعاند ، ويجد له محملا فاسدا يتوسل به إلى الطعن والمغمزة ، {اتخذها} أي ~~: مهزوءا بها ، لا ما يسمعه فقط ، وإنما لم يقل : اتخذه ؛ للإشعار بأنه إذا ~~أحس بشيء من الكلام فيه شيء بزعمه الركيك ؛ لم يقتصر على الاستهزاء بما ~~بلغه ، بل يستهزئ بالجميع ، ويجوز أن يرجع الضمير (لشيء) لأنه في معنى ~~الآية. {أولئك لهم} بسبب جناياتهم المذكورة {عذاب مهين} وصف العذاب ~~بالإهانة توفية لحق استكبارهم واستهزائهم بآيات الله تعالى ، وجمع الإشارة ~~باعتبار ما في {كل أفاك أثيم} من الشمول ، كما في قوله تعالى : {كل حزب بما ~~لديهم فرحون} [المؤمنون : 53] ، وأفرد فيما سبق من الضمائر باعتبار كل واحد ~~واحد ، {من ورائهم جهنم} أي : من قدامهم ، لأنهم متوجهون إلى ما أعد لهم ، ~~أو : من خلقهم ؛ لأنهم معرضون عن ذلك ، مقبلون على الدنيا ، فإن الوراء : ~~اسم للجهة التي يواريها الشخص من قدام وخلف ، {ولا يغني عنهم} لا يدفع عنهم ~~{ما كسبوا} من الأموال والأولاد {شيئا} من عذاب الله تعالى ، {ولا ما ~~اتخذوا من دون الله أولياء} أي : الأصنام ، و" ما " مصدرية ، أو موصولة ، ~~وتوسيط حرف النفي بين المعطوفين ينبئ أن ms2740 عدم إغناء الأصنام أظهر وأجلى من ~~عدم إغناء الأموال والأولاد قطعا ، مبني على زعمهم الفاسد ، حيث كانوا ~~يطمعون في شفاعتهم {ولهم عذاب عظيم} لا يقادر قدره. # 63 PageV07P090 ~~{هذا} أي : القرآن {هدى} في غاية الكمال من الهداية ، كأنه نفس الهدى ، ~~{والذين كفروا بآيات ربهم} أي : القرآن ، وإنما وضع موضع ضميره الآيات ~~لزيادة تشنيع كفرهم وتفظيع حالهم ، {لهم عذاب من رجز} من أشد العذاب {أليم} ~~مؤلم ، بالرفع صفة " عذاب " ، وبالجر صفة " رجز " ، وتنوين عذاب في المواضع ~~الثلاثة للتخيم. الإشارة : من لم يضبط لسانه وجوارحه ، وتصاممت آذان قلبه ~~عن تدبر القرآن ، فالويل حاصل له ، ويبشر بالخيبة والخسران من مراتب أهل ~~العرفان ، ومن ضبط أمور ظاهره بالتقوى ، وفتحت آذان قلبه لسماع كلام المولى ~~، فقد فاز بعز الدارين. قال القشيري : فمن استمع بسمع الفهم ، واستبصر بنور ~~التوحيد ، فاز بذخر الدارين ، وتصدى لعز المنزلتين ، ومن تصامم بحكم الغفلة ~~، وقع في وهدة الجهل ، ووسم بكى الهجر. ه. # قوله تعالى : {إذا علم من آياتنا شيئا اتخذوها هزوا} قال القشيري : وقد ~~يكاشف العبد من مواطن القلب بتعريفات لا يداخله فيها ريب ، ولا يتخلله فيها ~~شك فيما هو فيه من حاله ، فإذا استهان بها وقع في ذل الحجبة ، وحجاب الفرقة ~~وهوانها. ه. فإذا صفا القلب صار مرسى لتجلي الواردات الإلهية ، وهي آية من ~~آياته ، فإذا تجلى فيه شيء بأمر أو نهي فاستهان به وخالفه أدبه الحق على ~~ذلك ، إما في ظاهره ، وهو أخف ، أو في باطنه بالحجبة أو الفرقة ، ولقد سمعت ~~شيخ شيخنا ، مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه يقول : لي ثلاثون سنة ما ~~خالفت قلبي في شيء إلا أدبني الحق تعالى عليه. ه. أي : في ظاهره ، وذلك ~~لغاية صفائه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 63 # قوله تعالى : {من ورائهم جهنم..} الآية ، لا عذاب أشد من الحجب بعد ~~الإظهار ، والفرقة بعد الوصال ، وأنشدوا : # فخل سبيل العين بعدك للبكا # فليس لأيام الصفاء رجوع # انظر القشيري. # جزء : 7 رقم الصفحة : 63 PageV07P091 ~~يقول الحق جل جلاله : {الله الذي سخر لكم البحر} أي : ذلله ، بأن ms2741 جعله أملس ~~السطح ، يطفو عليه ما فوقه ، ولا يمنع الغوص فيه ، لميعانه ، {لتجري الفلك ~~فيه بأمره} بإذنه ، وأنتم راكبوها ، {ولتبتغوا من فضله} بالتجارة ، والغوص ~~لابتغاء الحلية ، كاللؤلؤ # 64 # والمرجان ، وكالصيد وغيرها ، {ولعلكم تشكرون} ولكي تشكروا النعم المترتبة ~~على ذلك ، {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} من الموجودات. بأن جعلها ~~مدارا لمنافعهم. # قال القشيري : إذ ما من شيء من الأعيان الظاهرة ، إلا وللإنسان به انتفاع ~~من وجوه ، فالسماء لها بناء ، والأرض لهم مهاد ، وليتأمل العبد في كل شيء ~~لو لم يكن ، أي خلل يرجع إلى الخلق ؟ لولا الشمس كيف كانوا يتصرفون بالنهار ~~؟ ولولا الليل ، كيف كانوا يسكنون ؟ ولولا القمر هل كانوا يهتدون للحساب ~~والآجال ؟ وكذلك جميع المخلوقات. ه. وقوله : {جميعا منه} حال ، وليس من ~~التوكيد لعدم الضمير ، ولو كان توكيدا لقال : جميعه ثم التوكيد بجميع قليل ~~، فلا يحمل التنزيل عليه ، قاله في المغني. والمنفي كونه توكيدا اصطلاحيا ، ~~فلا ينافي كونه حالا مؤكدة في المعنى. {إن في ذلك} أي : فيما ذكر من الأمور ~~العظام {للآيات} عظيمة الشأن ، كثيرة العدد ، {لقوم يتفكرون} في بدائع صنعه ~~تعالى ، فإنهم يقفون بذلك على جلائل نعمه تعالى ودقائقها ، ويوفقون لشكرها. PageV07P092 # الإشارة : {الله الذي سخر لكم بحر} التوحيد الخاص ، وهو تجلي عظمة الذات ، ~~لتجري فلك الأفكار في تيار بحر الذات ونور الصفات ، فتراها تعوم تارة في ~~أسرار الجبروت الأعلى ، وتارة في أنوار الملكوت الأدنى ، ولتبتغوا من فضل ~~معرفته ، وزيادة الترقي في كشف الأسرار ، وهذا لمن اتسع عليه فضاء الشهود ، ~~وزاحت عنه حجب الكائنات ، وأما من بقي مسجونا فيها ، السماء تظله ، والأرض ~~تقله ، فلا يطمع أن تسرح فكرته في هذه البحار ، وحسبه أن يكون حمارا يسافر ~~في البر ، تعبه كثير ، وربحه قليل ، والغناء به بعيد ، وسبب بقائه في تعب ~~البر عدم صحبته للرجال البحرية ، الذين هم رياس البحر ، وشيوخ ركب البر. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 64 # قال القشيري : {الله الذي سخر لكم البحر} تركبونه ، فربما تسلم السفينة ، ~~وربما تغرق ، كذلك العبد في فلك الاعتصام في ms2742 بحار التقدير ، تمشي بهم رياح ~~العناية ، وترفع لهم شراع التوكل ، تجري في البحر لتجر اليقين ، فإن هبت ~~رياح السلامة نجت السفينة ، وإن هبت نكباء الفتنة لم يبق بيد الملاح شيء ، ~~فعند ذلك المقادير غالبة ، وبلغت قلوب أهل السفينة الحناجر. ه. قلت : من ~~ركب مع رائس ماهر ؛ الغالب عليه السلامة. # قوله تعالى : {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} في بعض ~~الأثر : يقول الله تعالى : " يا ابن آدم ؛ خلقت الأشياء من أجلك ، وخلقتك ~~من أجلي ، فلا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك لأجله " أي : لا تنشغل بخدمة ~~الكون عن خدمة المكون ، فما أفلح من انشغل بدنياه ، وآثر هواه على خدمة ~~مولاه ، كان حرا والأشياء كلها عبيد له ، فصار عبدا لعبيده ، بحبه للأشياء ~~وتعشقه لها ، كانت الأشياء تعشقه وتخدمه ، ثم صار يخدم الأشياء ويعشقها ، ~~أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدت المكون كانت # 65 PageV07P093 ~~الأكوان معك ، فاعرف قدرك أيها الإنسان ، وارفع همتك عن الأكوان ، وعلق ~~قلبك بالملك الديان ، يعطك الحق تعالى من العرش إلى الفرش ، تتصرف فيه ~~بهمتك كيف شئت ، وما ذلك على الله بعزيز. # جزء : 7 رقم الصفحة : 64 # قلت : {يغفروا} قيل : جواب الأمر المذكور ، أي : إن تقل يغفروا ، وقيل ~~لأمر محذوف ، أي : قل لهم اغفروا يغفروا ، وقيل : حذف لام الأمر ، أي : ~~ليغفروا ، وقرأ أبو جعفر : (ليجزي قوما) بالبناء للمفعول ، ونصب (قوما) إما ~~على نيابة المصدر ، أي : ليجزي الجزاء قوما ، أو ليجزي الخير قوما ، فأضمر ~~الخير ؛ لدلالة الكلام عليه ، أو ناب الجار مع وجود المفعول به ، وهو قليل. # يقول الحق جل جلاله : {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} ~~أي : يعفوا ويصفحوا عن الذين لا يتوقعون نقمه ووقائعه بأعدائه ، من قولهم : ~~" أيام العرب " لوقائعها ، أو : لا يأملون الأوقات التي وقتها الله تعالى ~~لثواب المؤمنين ، ووعدهم بالفوز فيها. قيل : نزلت قبل آية القتال ثم نسخت ، ~~قال ابن عطية : ينبغي أن يقال : إن الأمور العظام ، كالقتل والكفر مجاهدة ~~ونحو ذلك ، قد نسخ غفرانه آية السيف والجزية ms2743 ، وإن الأمور الحقيرة ، ~~كالجفاء في القول ونحو ذلك ، يحتمل أن تبقى محكمة ، وأن يكون العفو عنها ~~أقرب للتقوى. ه. PageV07P094 # قيل : نزلت في عمر رضي الله عنه حين شتمه رجل من غفار ، فهم أن يبطش به ، ~~فنزلت. وقيل : نزلت في ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في أذى ~~شديد من المشركين ، قبل أن يؤمروا بالقتال ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وعلى هذا تكون الآية مكية. وقال ابن عباس : لما نزل : {من ذا ~~الذى يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة : 245] قال فنحاص : افتقر رب محمد ، ~~فلما بلغ ذلك عمر ، طلبه بالسيف ؛ ليقتله ، فنزلت ، فوضع السيف ، وقال : ~~والذي بعثك بالحق لا يرى الغضب في وجهي. وقيل : في شأن أبي ابن سلول ، رأس ~~المنافقين ، لما قال في غزوة المريسيع : ما مثلنا ومثل هؤلاء - يعني ~~المهاجرين - إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك ، فبلغ ذلك عمر ، فاشتمل السيف ، ~~يريد التوجه إليه ، فنزلت. وعلى هذا تكون مدنية. # {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} أي : إنما أمروا أن يغفروا ليوفيهم جزاء ~~مغفرتهم يوم القيامة. وتنكير (قوم) مدح لهم ، كأنه قيل : ليجزي قوما - أيما ~~قوم ، أو قوما مخصوصين - بالصبر بسبب ما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة ~~، التي من جملتها # 66 # الصبر على إذاية الكفار ، والإغضاء عنهم ، بكظم الغيظ ، واحتمال المكروه ~~، ما يقصر عنه البيان من الثواب العظيم ، ويجوز أن يراد بالقوم : الكفرة ، ~~وبما كانوا يكسبون : سيئاتهم ، التي من جملتها ما كانوا يؤذون به المسلمين. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 66 # من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} أي : لها الثواب وعليها العقاب ، ~~لا يكاد يسري عمل إلى غير عامله ، {ثم إلى ربكم ترجعون} فيجازيكم على ~~أعمالكم ، خيرا كان أو شرا. PageV07P095 # الإشارة : مذهب الصوفية : العفو عمن ظلمهم ، والإحسان إلى من أساء إليهم ؛ ~~لأنهم رحمة للعباد ، ومقصدهم بذلك رضا الله ، لأن الخلق عيال الله ، وأحب ~~الخلق إلى الله أنفعهم لعياله. قال اللجائي رضي الله عنه في شمائل الخصوص : ~~قصد السادات بالعفو عمن ظلمهم ، ابتغاء مرضاة الله ، لا ms2744 ابتغاء الثواب ، ~~فإنه تعالى يحب العفو ، وتسمى به. ومقصدهم بالعفو أيضا : قطع العداوة الحقد ~~عن الظالم ، وترك الانتصار منه ، بيد أو لسان ، استعدادا منهم لسلامة ~~الصدور. ومقصدهم أيضا : زوال الذلة عن الظالم في موقف الحساب ، من أجل ما ~~يطالب به من الحقوق ، وهو ضرب من الشفقة على العبيد ، وهو مقام محمود ، ~~فشأنهم رضا الله عنهم إذا حل بالعباد في الموقف بلاء ، أرادوا أن يكونوا ~~للخلق فداء ، فهذا أدنى مقام في العفو. ه. # وفي الحديث : " إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة ، نادى مناد : أين أهل ~~الفضل ، فيقوم ناس ، وهم يسير ، فينطلقون إلى الجنة سراعا ، فتتلقاهم ~~الملائكة ، فيقولون : إنا نراكم سراعا ؟ فيقولون : نحن أهل الفضل ، فيقولون ~~: ما فضلكم ؟ فيقولون : كنا إذا ظلمنا صبرنا ، وإذا جهل عينا حلمنا ، فيقال ~~لهم : ادخلوا الجنة : فنعم أجر العاملين ". قال القشيري بعد كلام : فمن ~~أراد أن يعرف كيف يحفظ أولياءه ، وكيف يدمر أعداءه ، فليصبر على أيام قلائل ~~، ليعلم كيف صارت عواقبهم ، من عمل صالحا فله مهناه ، ومن ارتكب سيئة قاسى ~~بلواه ، ثم مرجعه إلى مولاه. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 66 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم} أي : الفصل ~~بين العباد ، لأن الملك لم يزل فيهم حتى غيروا ، أو : الحكمة النظرية ~~والعملية والفقه في # 67 PageV07P096 ~~الدين ، {والنبوة} حيث كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثر في غيرهم. {ورزقناهم ~~من الطيبات} ما أحل الله لهم من اللذائذ ، كالمن والسلوى ، وغيره من ~~الأرزاق ، {وفضلناهم على العالمين} على عالمي زمانهم. # {وآتيناهم بينات من الأمر} دلائل ظاهرة من أمر الدين ، ومعجزات قاهرة. ~~قال ابن عباس : هو العلم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وما بين لهم من ~~أمره ، وأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب ، ويكون أنصاره أهل يثرب ، {فما ~~اختلفوا} في ذلك الأمر {إلا من بعد ما جاءهم العلم} بحقيقته وحقيته ، ~~فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجبا له ، {بغيا بينهم} أي : عداوة وحسدا ، ~~حديث بينهم ، لا شك وقع لهم فيه ، {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة} ~~بالمؤاخذة والجزاء ms2745 {فيما كانوا فيه يختلفون} من أمر الدين. # الإشارة : كانت بنو إسرائيل في أول أمرها متمسكة بكتاب ربها ، عاملة بما ~~شرعت لها أنبياؤها ، فرفع الله بذلك قدرها ، حتى تحاسدوا ، وتهاجروا على ~~الدنيا والرئاسة ، فأعقبهم الله ذل الأبد ، فهذه سنة الله تعالى في عباده ، ~~من تمسك بالكتاب والسنة ، وزهد في الدنيا ، وتواضع لعباد الله ، رفعه الله ~~وأعزه ، فإذا خرج عن هذا الوصف انعكس حاله إلى أسفل ، والعياذ بالله. # جزء : 7 رقم الصفحة : 67 # يقول الحق جل جلاله : {ثم جعلناك} يا محمد بعد اختلاف أهل الكتاب ، {على ~~شريعة} على طريقة عظيمة الشأن ، ومنهاج واضح {من الأمر} الدين ، وأصل ~~الشريعة في اللغة : مورد الماء ، أي : الطريق الموصلة إليه ، ثم جعل للطريق ~~الموصلة إلى حياة القلوب والأرواح ؛ لأن الماء به حياة الأشباح ، {فاتبعها} ~~بإجراء أحكامها في نفسك وفي غيرك ، من غير إخلال بشيء منها. قال ابن عرفة : ~~الخطاب له عليه السلام ، والمراد غيره ؛ لأنه معلوم الاتباع التام ، أو : ~~دم على اتباعها. ه. PageV07P097 # {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} أي : لا تتبع آراء الجهلة واعتقاداتهم ~~الزائغة التابعة للشهوات ، وهم رؤساء قريش ، كانوا يقولون له صلى الله عليه ~~وسلم : ارجع إلى دين آبائك. {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} مما أراد بك ~~إن اتبعتهم ، أي : لن ينفعونك بدفع ما ينزل بك بدلا من الله شيئا إن اتبعت ~~أهواءهم ، {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض} فلا يواليهم ولا يتبع أهواءهم ~~إلا من كان ظالما مثلهم ، {والله ولي المتقين} أي : ناصر المتقين ، # 68 # الذين أنت قدوتهم ، فدم على ما أنت عليه من توليته خاصة ، والإعراض عما ~~سواه بالكلية. # {هذا بصائر للناس} أي : هذا القرآن واتباع الشريعة بصائر لقلوب الناس ، ~~كما جعل روحا وحياة لها ، فإن من تمسك بالكتاب والسنة ، وأمعن فيها النظر ، ~~وعمل بمقتضاهما ، فتحت بصيرته ، وحيي قلبه ، {وهدى} من الضلالة {ورحمة} من ~~العذاب {لقوم يوقون} لمن كمل إيمانه وإيقانه بالأمور الغيبية. # الإشارة : الشريعة لها ظاهر وباطن ، وهو لبها وخالصها ، فالعامة أخذوا ~~بظاهرها ، فأخذوا بكل ما يبيحه ظاهرالشريعة من ms2746 الرخص والسهولة ، ولا نظر ~~عندهم لقلوبهم من النقص والزيادة ، والخاصة أخذوا بباطنها ، فأخذوا منها ~~بالمهم ، وتركوا كل ما يفتنهم أو ينقص من نور إيقانهم ، فوصلوا بذلك إلى ~~حضرة ربهم ، فيقال للمريد : ثم جعلناك على طريقة واضحة من أمر الخاصة ، ~~فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ما يزيد في قلوبهم وما ينقص. ~~إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا إن أبعدك بميلك إليهم واتباع أغراضهم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 68 PageV07P098 ~~قال القشيري : {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} إن أراد بك نعمة ، فلا ~~يمنعها أحد ، وإن أراد بك فتنة فلا يصرفها عنك أحد ، فلا تعلق بمخلوق فكرك ~~، ولا توجه ضميرك إلى شيء ، وثق به ، وتوكل عليه. ه. وأهل الغفلة بعضهم ~~أولياء بعض ، يتوالون على حظوظ الدنيا وشهواتها ، {والله ولي المتقين} الذي ~~اتقوا كل ما يشغل عن الله ، {هذا بصائر للناس} أي : سبب فتح بصائرهم ، ~~{وهدى} أي : إشارة لطريق الوصول ، ورحمة للأرواح والقلوب ، لقوم يوقنون ، ~~أي : لأهل اليقين الكبير. # قال القشيري : {هذا بصائر للناس} أنوار البصيرة إذا تلألأت انكشفت دونهما ~~تهمة التجويز ، ونظر الناس على مراتب ، من نظر بنور نجومه ، فهو صاحب عقل ، ~~ومن نظر بنور فراسته فهو صاحب ظن ، يقويه لوح ، لكنه من وراء ستر ، ومن نظر ~~بيقين فهو على تحكم برهان ، ومن نظر بعين إيمان فهو بوصف اتباع ، ومن نظر ~~بنور بصيرة ، فهو على نهار ، وشمسه طالعة ، وشمسه عن السحاب مصيحة. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 68 # قلت : {أم} : منقطعة ، والهمزة لإنكار الحسبان ، من قرأ " سواء " بالرفع ~~؛ فخبر مقدم ، و{محياهم} : مبتدأ ، ومن قرأ بالنصب ؛ فحال من ضمير الظرف ، ~~أي : كائنين # 69 # كالذين آمنوا ، حال كونهم مستويا محياهم ومماتهم ، و" محياهم " - حينئذ - ~~فاعل بسواء ، وقرأ الأعمش : " ومماتهم " بالنصب على الظرفية. PageV07P099 # يقول الحق جل جلاله : {أم حسب الذين اجترحوا} اكتسبوا {السيئات} من الكفر ~~والمعاصي ، وسميت الأعضاء جوارح ؛ لاكتسابها الخير والشر ، ويقال : فلان ~~جارحة أهله ؛ أي : كاسبهم ، أي : أظنوا أن نصيرهم {كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} وهم فيما هم فيه من محاسن ms2747 الأعمال ، ونعاملهم معاملتهم في رفع ~~الدرجات ، أي : حتى يكونوا {سواء} في {محياهم ومماتهم} كلا ، بل نجعل أهل ~~الإيمان في محياهم ومماتهم متنعمين بطاعة مولاهم ، مطمئنين به ، يحيون حياة ~~طيبة ، ويموتون موتة حسنة ، وفي مماتهم مكرمين بلقاء مولاهم ، في روح ~~وريحان ، وجنات نعيم ، ونجعل أهل الكفر والعصيان في محياهم في ذل المعصية ، ~~وكد الحرص وكدر العيش ، وفي الممات في ضيق العذاب الخالد ، {ساء ما يحكمون} ~~أي : ساء حكمهم هذا ، أو : بئس شيئا حكموا به. # قال النسفي : والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا ومماتا ؛ ~~لافتراق أحوالهم أحياء ، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات ، وأولئك على ~~اقتراف السيئات ، ومماتا حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة ، ~~وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة. وقيل : معناه : إنكار أن يستووا في ~~الممات ، كما استووا في الحياة في الرزق والصحة. ساء ما يحكمون ، فليس من ~~أقعد على بساط الموافقة ، كمن أبعد في مقام المخالفة ، بل تفرق بينهم ، ~~فنعلي المؤمنين ، ونخزي الكافرين. ه. # وسبب نزول الآية : افتخار وقع للكفار على المؤمنين ، قالوا : لئن كانت ~~آخرة كما تزعمون لنفضلن فيها كما فضلنا في الدنيا ، فرد الله عليهم ، وأبطل ~~أمنيتهم. PageV07P100 # {وخلق الله السماوات والأرض بالحق} لتدل على قدرته على البعث وغيره ، قال ~~البيضاوي : كأنه دليل على الحكم السابق ، من حيث إن خلق ذلك بالحق المقتضي ~~للعدل ، يقتضي انتصار المظلوم من الظالم ، والتفاوت بين المحسن والمسيء ، ~~إذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات. ه. {ولتجزى كل نفس بما كسبت} عطف على ~~هذه العلة المحذوفة ، أي : لتدل ولتجزى ، أو على " بالحق " لأن فيه معنى ~~التعليل ؛ إذ معناه : خلقها مقرونة بالحكمة والصواب ، دون العبث ولتجزى... ~~الخ ، أو : ليعدل وتجزى كل نفس بما كسبت ، {وهم} أي : النفوس ، المدلول ~~عليها بكل نفس {لا يظلمون} بنقص الثواب أو زيادة عقاب. # جزء : 7 رقم الصفحة : 69 # الإشارة : أم حسب الذين ماتوا على دنس الإصرار ، أن نجعلهم كالمطهرين ~~الأبرار أم حسب الذين عاشوا في البطالة والتقصير أن نجعلهم كالذين # 70 # عاشوا في الجد والتشمير ؟ " أم حسب ms2748 الذين عاشوا في غم الحجاب ، وصاروا ~~إلى سوء الحساب ، أن نجعلهم كالذين تهذبوا حتى ارتفع عنهم الحجاب ، وصاروا ~~إلى غاية الكرامة والاقتراب ؟ لا استواء بينهم في المحيا ولا في الممات ، ~~الأولون عاشوا معيشة ضنكا ، وصاروا بعد الموت إلى الندامة والحسرة ، ~~والآخرون عاشوا عيشة راضية ، وماتوا موتة طيبة ، وصاروا إلى كرامة أبدية ، ~~ولهذا بكت الأكابر عند قراءتها ، فروي عن تميم الداري : أنه كان يصلي ليلة ~~عند المقام ، فبلغ هذه الآية ، فجعل يبكي ويرددها إلى الصباح. وعن الفضيل : ~~أنه بلغها ، فجعل يبكي ، ويقول : يا فضيل! ليت شعري من أي الفريقين أنت ؟ ~~وعن الربيع بن خيثم : أنه قام يصلي ليلة ، فمر بهذه الآية ، فمكث ليلة حتى ~~أصبح يبكي بكاء شديدا ، وكانت تسمى مبكاة العابدين. # جزء : 7 رقم الصفحة : 69 PageV07P101 ~~يقول الحق جل جلاله : {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي : أباح لنفسه كل ما ~~تهواه ، سواء كان مباحا أو غير مباح ، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه ، ~~وإليه أشار في المباحث بقوله : # ومن أباح النفس ما تهواه # فإنما معبوده هواه # فالآية وإن نزلت في هوى الكفر ؛ فهي متناولة لكل هوى النفس الأمارة ، قال ~~ابن جبير : نزلت في قريش والعرب ، كانوا يعبدون الحجارة والذهب والفضة ، ~~فإذا وجدوا شيئا أحسن ألقوه وعبدوا غيره. ه. ومتابعة الهوى كلها مذمومة ، ~~فإن كان ما هوته محرما أفضى بصاحبه إلى العقاب ، وإن كان مباحا بقي صاحبه ~~في غم الحجاب وسوء الحساب ، وأسر نفسه وكد طبعه. وفي الحديث عنه صلى الله ~~عليه وسلم : " ما عبد تحت السماء أبغض إلى الله تعالى من هوى " ، وقال صلى ~~الله عليه وسلم : " ثلاث مهلكات ؛ شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء ~~بنفسه " وقال أيضا : " الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز ~~من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله " ، وسيأتي في الإشارة تمامه. # ثم قال تعالى : {وأضله الله على علم} أي : خذله على علم منه ، باختياره # 71 # الضلالة ، أي : عالما بضلاله ، وتبديله لفطرة الله التي فطر الناس عليها. ~~وقيل : نزلت في أمية بن أبي الصلت ms2749 ، وكان عنده علم بالكتب المتقدمة ، فكان ~~ينتظر بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما ظهر ، قال : ما كنت لأومن ~~لرسول ليس من ثقيف ، وأشعاره محشوة بالتوحيد ، ولكن سبق له الشقاء ، فلم ~~يؤمن ، وختم على سمعه فلا يقبل وعظا وقلبه ، فلا يعتقد حقا أي : لا يتأثر ~~بالمواعظ ، ولا يتكفر في الآيات والنذر. {وجعل على بصره غشاوة} أي : ظلمة ~~مانعة نم الاعتبار والاستبصار ، {فمن يهديه من بعد الله} من بعد إضلال الله ~~إياه ؟ {أفلا تذكرون} أفلا تتعظون ، فتسلمون الأمور إلى مولاها ، يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء. PageV07P102 # الإشارة : حقيقة الهوى كل ما تعشقه النفس ، وتميل إليه من الحظوظ العاجلة ، ~~ويجري ذلك في المآكل ، والمشارب ، والملابس ، والمناكح ، والجاه ، ورفع ~~المنزلة ، فليجاهد العبد نفسه في ترك ذلك كله ، حتى لا تحب إلا ما هو طاعة ~~يقرب إلى الله ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون ~~هواه تابعا لما جئت به " فإن كان في طريق الإرادة والتربية ترك كل ما تميل ~~إليه نفسه وتسكن إليه ، ولو كان طاعة ، كما قال البوصيري رضي الله عنه : # جزء : 7 رقم الصفحة : 71 # وراعها وهي في الأعمال سائمة # وإن هي استحلت المرعى فلا تسم # فإن حلاوة الطاعة سموم قاتلة ، يمنع الوقوف معها من الترقي إلى حلاوة ~~الشهود ولذة المعرفة ، وكذلك الركون إلى الكرامات ، والوقوف مع المقامات ، ~~كلها أهوية تمنع مما هو أعلى منها ؛ من مقام العيان ، فلا يزل المريد يجاهد ~~نفسه ، ويرحلها عن هذه الحظوظ ، حتى تتمحض محبتها في الحق تعالى ، فلا ~~يشتهي إلا شهود ذاته الأقدس ، أو ما يقضيه عليه ، فإذا ظهر بهذا المقام لم ~~تبق له مجاهدة ولا رياضة ، وكان ملكا حرا ، فيقال له حينئذ : لك الدهر طوع ~~، والأنام عبيد # فعش ، كل يوم من أيامك عيد # وطريق السير في هذا أن يساس نفسه شيئا فشيئا ، يمنعها من المكروهات ، ثم ~~من المباحات شيئا فشيئا ، حتى تستأنس ، يترك شهوة ثم أخرى ، وهكذا ، وأما ~~لو منعها الكل دفعة واحدة فربما تمل وتسقط ، وقد قال عليه الصلاة ms2750 والسلام : ~~" لا يكن أحدكم كالمنبت ، لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى " وإلى هذا أشار في ~~المباحث ، حيث قال : # واحتل على النفس فرب حيله # أنفع في النصرة من قبيله # وأعظم الحظوظ حب الجاه والتقدم ، فلا يسامحها المريد في شيء من ذلك قط ، # 72 PageV07P103 ~~ولينزل بها إلى الخمول والسفليات ، وأما شهوة البطن والفرج ، فما تشوفت ~~إليه النفس من ذلك فليمنعها منها كليا ، وما أتاها من غير حرص ولا تشوف ~~فليأخذ منه قدر الحاجة ، مع الشكر عيله ، هكذا يسير حتى يتحقق وصوله ، ~~ويتمكن من معرفة الحق ، وحينئذ فلا كلام معه ، كما تقدم ، ولا بد من صحبة ~~شيخ عارف كامل ، يلقيه زمام نفسه ، فيحمله بهمته ، وإلا فلا طاقة على ~~مجاهدتها أصلا ، وجرب ففي التجريب علم الحقائق. # قال القشيري : من لم يسلك سبيل الاتباع ، ولم يستوف أحكام الرياضة ، ولم ~~ينسلخ عن هواه بالكلية ، ولم يؤدبه إمام مقتدى به ، فهو ينحرف في كل وهدة ، ~~ويهيم في كل ضلالة ، ويضل في كل فج ، خسرانه أكثر من ربحه ، ونقصانه أوفر ~~من رجحانه ، أولئك في ضلال بعيد ، زمامهم بيد هواهم ، أولئك أهل المكر ، ~~استتدرجوا وما يشعرون. ه. وفي الحكم : " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك ، ~~وإنما يخاف من غلبة الهوى عليك ". فمن غلبه الهوى غلبه الوجود بأسره ، ~~وتصرف فيه ، أحب أم كره ، ومن غلب هواه غلب الوجود بأسره ، وتصرف فيه بهمته ~~كيف شاء. # جزء : 7 رقم الصفحة : 71 PageV07P104 ~~حكي عن أبي عمران الواسطي ، قال : انكسرت بنا السفينة ، فبقيت أنا وامرأتي ~~على ألواح ، وقد ولدت في تلك الليلة صبية ، فصاحت بي ، وقالت : يقتلني ~~العطش ، فقتل : هو ذا يرى حالنا ، فرفعت رأسي ، فإذا رجل جالس في يده سلسلة ~~من ذهب ، فيها كوز من ياقوت أحمر ، فقال : هاك اشربا ، فأخذت الكوز ، ~~فشربنا ، فإذا هو أطيب من المسك ، وأبرد من الثلج ، وأحلى من العسل ، فقلت ~~: من أنت ؟ فقال : أنا عبد لمولاك ، فقلت : بم وصلت إلى هذا ؟ فقال : تركت ~~هواي لمرضاته ، فأجلسني في الهواء ، ثم غاب ولم أره. ه. وقال سهل رضي الله ~~عنه ms2751 : هواك داؤك ، فإن خالفته فدواؤك ، وقال وهب : إذا عرض لك أمران وشككت ~~في خيرهما ، فانظر أبعدهما من هواك فأته. ه. ومثله في الحكم : " إذا التبس ~~عليك أمران ، فانظر أثقلهما على النفس ، فاتبعه ، فإنه لا يثقل عليها إلا ~~ما كان حقا ". فالعز كله في مخالفة الهوى والذل والهوان كله في متابعة ~~الهوى ، فنون الهوان سرقت من الهوى ، كما قال الشاعر : # نون الهوان من الهوى مسروقة # وأسير كل هوى أسير هوان # وقال آخر : # إن الهوى لهو الهوان بعينه # فإذا هويت فقد لقيت هوانا # وإذا هويت فقد تعبدك الهوى # فاخضع لحبك كائنا من كانا # وقال ابن المبارك : # ومن البلاء للبلاء علامة # ألا يرى لك عن هواك نزوع # 73 # العبد أعنى النفس في شهواتها # والحر يشبع تارة ويجوع # ولابن دريد : # إذا طالبتك النفس يوما بشهوة # وكان إليها للخلاف طريق # فدعها وخالف ما هويت فإنما # هواك عدو والخلاف صديق # وقال أبو عبيد الطوسي : # والنفس إن أعطيتها مناها # فاغرة نحو هواها فاها PageV07P105 ~~هذا ، وللآية إشارة أخرى ، رويت عن بعض مشايخنا ، قال : يمكن أن تكون الآية ~~مدحا ، يقول تعالى : {أفرأيت من اتخذ إلهه} وهو الله تعالى ، ومحبوبه وهواه ~~، لا يهوى معه غيره ، وأضله الله ، في محبته ، على علم منه بالله ، وختم ~~على سمعه وقلبه وبمحبته ، فلا يسمع إلا منه ، ولا يحب غيره ، وجعل على بصره ~~غشاوة ، فلا يرى سواه ، فمن يهديه هذه الهداية العظمى من بعد الله ، وهذا ~~يسلم في طريق الإشارة ، لأنها خارجة عن سياق العبارة ، وللقرآن أسرار باطنة ~~، يعرفها أهل الباطن فقط ، فسلم تسلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 71 # يقول الحق جل جلاله : {وقالوا} من غاية غيهم وضلالهم : {ما هي} أي : ما ~~الحياة ؛ لأنهم وعدوا حياة ثانية ، {إلا حياتنا الدنيا} التي نحن فيها ، ~~{نموت ونحيا} أي : يصيبنا الموت والحياة فيها ، وليس وراء ذلك حياة ، أو : ~~نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا ، أو : يموت بعض ويحيا بعض ، أو : نكون ~~مواتا نطفا في الأصلاب ، ونحيا بعد ذلك. وقيل : هذا كلام من يقول بالتناسخ ~~، فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان ms2752 ، أي : يموت الرجل ، ثم تجعل روحه في شبح ~~آخر ، فيحيا به ، وهو باطل عند أهل الإسلام ، ثم قالوا : {وما يهكنا إلا ~~الدهر} إلا مرور الزمان وهو في الأصل : مدة بقاء العالم ، من : دهره : إذا ~~غلبه ، وكانوا يزعمون أن مرور الزمان بالليالي والأيام هو المؤثر في هلاك ~~الأنفس ، وينكرون ملك الموت ، وقبضه الأرواح بأمر الله تعالى ، وكانوا ~~يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان ، كما قال شاعرهم : # أشاب الصغير وأفنى الكبير # كر الغداة ومر العشي # ومنه قول تبع الأكبر ، أو غيره : # منع البقاء تغرب الشمس # وطلوعها من حيث لا تمسي # 74 # وطلوعها بيضاء صافية # وغروبها صفراء كالورس # تجري على كبد السماء كما # يجري حمام الموت بالنفس # اليوم أعلم ما يجيء به # ومضى بفصل قضائه أمس PageV07P106 ~~فإن كان تبعا المتقدم ؛ فنسبة الفعل إلى الدهر مجاز ، كما سيأتي ، وعقيدة ~~الموحدين ألا فاعل إلا الله ، فالدهر مسخر بأمر الله وقدرته ، بل هو من ~~أسرار الله وأنوار صفاته ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا ~~الدهر ، فإن الله هو الدهر " وقال صلى الله عليه وسلم : " قال الله تعال : ~~يؤذيني ابن آدم ، يسب الدهر ، وأنا الدهر ، بيدي الأمر ، أقلب الليل ~~والنهار " فالأمور كلها بيد الله ، والدهر إنما هو مظهر لعجائب القدرةن كما ~~قال أبو علي الثقفي رضي الله عنه : # جزء : 7 رقم الصفحة : 74 # يا عاتب الدهر إذا نابه # لا تلم الدهر على غدره # الدهر مأمور له آمر # قد انتهى الدهر إلى أمره # كم كافر أمواله جمة # تزداد أضعافا على كفره ؟ # ومؤمن ليس له درهم # يزداد إيمانا على فقره ؟ # وقد ينسب أهل التوحيد الفعل إلى الدهر مجازا ، تغزلا ، في أشعارهم ، كما ~~قال عبد الملك بن مروان ، حين ضعف حاله : # فاستأثر الدهر الغداة بهم # والدهر يرميني وما أرمي # يا دهر قد أكثرت فجعتنا # بسراتنا وقرت في العظم # وتركتنا لحما على وضم # لو كنت تستبقي من اللحم!! # وسلبتنا ما لست تعقبنا # يا دهر ما أنصفت في الحكم!! # قال تعالى : {وما لهم بذلك من علم} أي : ليس لهم ms2753 بما ذكر من اقتصار ~~الحياة على ما في الدنيا ، وإسناد التأثير إلى الدهر ، {من علم} يستند إلى ~~عقل ولا نقل ، {إن هم إلا يظنون} ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد ~~، هذا معتقدهم الفاسد في أنفسهم. {وإذا تتلى عليهم آياتنا} الناطقة بالحق ، ~~الذي من جملته البعث ، {بينات} واضحات الدلالة على ما نطقت به ، أو مبينات ~~له ، {ما كان حجتهم} ما كان متمسكا لهم شيء من الأشياء ، {إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} في أنا نبعث بعد الموت أي : لا شبهة لهم إلا ~~هذا القول الباطل ، الذي يستحيل أن يكون من قبيل الحجة ، أي : # 75 PageV07P107 ~~ليس لهم حجة إلا العناد والاستبعاد. وتسميته حجة إما لسوقهم إياه مساق ~~الحجة في زعمهم ، أو تهكما بهم ، كقول القائل : " تحية بينهم ضرب وجيع ". ~~قال ابن عرفة : {وإذا تتلى عليهم...} الآية ، أي : إنهم مع كونهم ظانين فهم ~~بحيث لو استدل لهم لما ازدادوا إلا ضلالا ، وقد تقرر في علم الجدل أن ~~المصمم على الشيء يصعب نقله عنه ، بخلاف الظان والشك ، فأتت هذه الآية نفيا ~~لما يتوهم في هؤلاء أنهم حيث لا يقين عندهم يسهل رجوعهم ، حين تظهر الحجة. ~~ه. ومن نصب " حجتهم " فخبر كان ، ومن رفعه فاسمها. # الإشارة : قال القشيري : {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا...} الآية ، ~~اغتروا بما وجدوا عليه خلفهم ، وأرخوا في البهيمية عنانهم وعمرهم ، وأغفوا ~~عن ذكر الفكرة قلوبهم ، فلا بالعلم استبصروا ، ولا من الحقائق استمدوا ، ~~رأس مالهم الظن ، وهم غافلون ، وإذا تتلى عليهم الآيات طلبوا إحياء موتاهم ~~، وسوف يرون ما استبعدوا. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 74 # قلت : {ويوم} : منصوب بيخسر ، و" يومئذ " بدل منه ، و" كل أمة تدعى " : ~~مبتدأ وخبر ، ومن نصب فبدل من " كل أمة " ، {والساعة لا ريب فيها} ؛ من ~~رفعها فمبتدأ ، ومن نصبها فعطف على {وعد الله}. PageV07P108 # يقول الحق جل جلاله : {قل الله يحييكم} في الدنيا {ثم يميتكم} عند انقضاء ~~أعماركم ، لا كما تزعمون من أنكم تحيون وتموتون بحكم الدهر ، {ثم يجمعكم} ~~بعد الموت {إلى يوم ms2754 القيامة} للجزاء ، {لا ريب فيه} أي : في جمعكم ؛ فإن من ~~قدر على البدء قدر على الإعادة ، والحكمة اقتضت الجمع للجزاء لا محالة ، ~~وتأخيره ليوم معلوم ، والرد لآبائهم كما اقترحوا ، حيث كان مزاحما للحكمة ~~التشريعية ، امتنع إيقاعه لرفع الإيمان بالغيب حينئذ ، {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون} قدرة الله على البعث ، وحكمة إمهاله ، لإعراضهم عن التفكر ~~بالانهماك في الغفلة ، وهو استدراك من قوله : {لا ريب} إما من تمام الكلام ~~المأمور به ، أو مستأنف من جهته تعالى ، تحقيقا للحق ، وتنبيها على أن # 76 # ارتيابهم إنما هو لجهلهم وتقصيرهم في التفكر والنظر ، لا لأن فيه شائبة ~~ريب ما. # {ولله ملك السماوات والأرض} أي : له التصرف فيما وفيما بينهما ، وهو بيان ~~لاختصاص الملك المطلق بالله ، إثر بيان تصرفه تعالى في الناس بالإحياء ~~والإماتة ، والبعث والجمع والجزاء ، وكأنه دليل لما قبله ، {ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يخسر المبطلون} الداخلون في الباطل ، وهو الكفر ، {وترى كل ~~أمة} من الأمم المجموعة {جاثية} باركة على الركب ، مستوفزة من هول ذلك ~~اليوم ، يقال : جثا فلان يجثو : إذا جلس على ركبتيه ، قال سلمان رضي الله ~~عنه : في القيامة ساعة هي عشر سنين ، يخر الناس فيها جثاة على ركبهم ، حتى ~~إن إبراهيم ينادي : نفسي نفسي. ه. وروي : أن جهنم حين يؤمر بها أن تساق إلى ~~الموقف ، تنفلت من أيدي الزبانية ، حتى تهم أن تأتي على أهل الموقف جميعا ، ~~وتزفر زفرة تذهب بحاسة الآذان ، فيجثو الكل على الركب ، حتى المرسلين ، وكل ~~واحد يقول : نفسي نفسي ، لا أسألك اليوم غيرها ، ونبينا عليه الصلاة ~~والسلام يقول : " أمتي أمتي " نقله الغزالي ، وعن ابن عباس : جاثية ، ~~مجتمعة ، وقيل : جماعات ، من : الجثوة ، وهي الجماعة. # { PageV07P109 ~~جزء : 7 رقم الصفحة : 76 # كل أمة تدعى إلى كتابها} صحيفة أعمالها ، والمراد الجنس ، أي : صحائف ~~أعمالها ، {اليوم تجزون ما كنتم تعملون} في الدنيا ، ثم يقال لهم : {هذا ~~كتابنا} أضيف الكتاب إليهم أولا ؛ لملابسته إياهم ، لأن أعمالهم مثبتة فيه ~~، وإلى الله ثانيا ؛ لأنه مالكه ، والآمر للملائكة بكتبه ، وأضيف لنون ~~العظمة تفخيما لشأنه ، وتهويلا لأمره ، {ينطق ms2755 عليكم بالحق} يشهد عليكم ~~ملتبسا بالحق ، من غير زيادة ولا نقصان ، {إنا كنا نستنسخ} أي : نستكتب ~~ونطلب نسخ {ما كنتم تعملون} في الدنيا ، من الأعمال ، حسنة أو سيئة ، وقال ~~ابن عزيز : نستنسخ : نثبت ، ويقال : نستنسخ : نأخذ نسخته ، وذلك أن الملكين ~~يرفعان عمل الإنسان ، صغيره وكبيره ، فيثبت الله منه ما كان له ثواب أو ~~عقاب ، ويطرح منه اللغو ، وروي عن ابن عباس وغيره حديثا : " أن الله يأمر ~~بعرض أعمال العباد كل يوم خميس ، فينقل من الصحف التي ترفع الحفظة ، كل ما ~~هو معد أن يكون له ثواب وعقاب ، ويلقى الباقي " ، فهذا هو النسخ من أصل. # وقيل : المراد بكتابنا : اللوح المحفوظ. قال صلى الله عليه وسلم : " أول ~~ما خلق الله القلم من نور مسيرة خمسمائة عام ، واللوح من نور مسيرة خمسمائة ~~عام ، فقال للقلم : اجر : فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل ، برها ~~وفاجرها ، ورطبها ويابسها " ثم قرأ : {هذا كتابنا ينطق..} الآية ، فيروى " ~~أن الملائكة تصعد كل يوم إلى الملك الموكل باللوح ، فيقولون : أعطنا ما ~~يعمل صاحبنا اليوم ، فينسخ من اللوح عمله ذلك اليوم ، ويعطيه إياهم ، فإذا ~~انقضى أجله ، قال لهم : لا نجد لصاحبكم عملا بقي له ، فيعلمون أنه انقضى ~~أجله ". # ثم فصل أحوال أهل الموقف ، فقال : {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيدخلهم # 77 PageV07P110 ~~ربهم في رحمته} ، أي : جنته {ذلك هو الفوز المبين} الظاهر ، الذي لا فوز ~~وراءه ، {وأما الذين كفروا} فيقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ : {أفلم ~~تكن آياتي تتلى عليكم} أي : ألم تكن تأتيكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم ~~، فحذف المعطوف عليه ، ثقة ، بقرينة الكلام ، {فاستكبرتم} عن الإيمان بها ، ~~{وكنتم قوما مجرمين} أي : قوما عادتكم الإجرام. # {وإذا قيل إن وعد الله} أي : وكنتم إذا قيل لكم : إن وعد الله بالجزاء ~~{حق والساعة لا ريب فيها} أي : في وقوعها {قلتم ما ندري ما الساعة} أي شيء ~~هي الساعة ، استهزاء بها ، {إن نظن إلا ظنا} أصله : نظن ظنا ، ومعناه : ~~إثبات الظن ، فحسب ، فأدخل حرف النفي والاستثناء ليفيد إثبات الظن ms2756 مع نفس ~~ما سواه. وقال المبرد : أصله : إن نحن إلا نظن ظنا ، وإنما أوله ؛ لأنه لا ~~يصح التفريع في المصدر المؤكد ، لعدم حصول الفائدة ، إذ لا معنى لقولك : لا ~~نضرب إلا ضربا ، وجوابه : إن المصدر نوعي لا مؤكد ، أي : ظنا حقيرا ضعيفا. ~~وفي الآية اللف والنشر المعكوس. فقوله : {قلتم ما ندري ما الساعة} راجع ~~لقوله : {والساعة لا ريب فيها} ، وقوله : {إن نظن إلا ظنا} راجع لقوله : ~~{إن وعد الله حق} ، وكذا قوله : {وما نحن بمستيقنين} أي : لا يقين عندنا ، ~~وهو راجع لقوله {إن وعد الله حق}. قاله ابن عرفة. ولعل هؤلاء غير القائلين ~~: {ما هي إلا حياتنا الدنيا} والله أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 76 PageV07P111 ~~الإشارة : قل الله يحييكم الحياة الفانية ، ثم يميتكم عن حظوظكم ، وعن شهود ~~وجودكم ، ثم يجمعكم به إلى يوم القيامة ، لا يعزلكم عن رؤيته أبدا ، ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون أن هذا يقع في الدنيا ، مع أن الملك لله يتصرف فيه ~~كيف شاء ، يوصل من أراد ، ويبعد من شاء. ويوم تقوم الساعة يخسر الباطلون ~~والمبطلون ، ويفوز المجتهدون والواصلون. وترى كل أمة جاثية من هيبة المتجلي ~~باسمه القهار ، وهذذ القهرية - نعم - لا ينجو منها خاص ولا عام ؛ لأن الطبع ~~البشري يثبت عند صدمات الجلال. وقوله تعالى : {كل أمة تدعى إلى كتابها} هو ~~أيضا عام ، فيستبشر المجتهدون ، ويحزن الباطلون ، ولا يظلم ربك أحدا ، ~~فاليوم يوم عمل ، وغدا يوم جزاء ، فأهل الإيقان يفوزون بغاية النعيم ~~والرضوان ، وأهل الشك يخلدون في الخسران ، فيظهر لهم ما لم يكونوا يحتسبون. # جزء : 7 رقم الصفحة : 76 # 78 # يقول الحق جل جلاله : {وبدا لهم} أي : ظهر لهؤلاء الكفرة {سيئات ما ~~عملوا} قبائح أعمالهم على ما هي عليه من الصورة المنكرة الهائلة ، وعاينوا ~~وخامة عاقبتها ، أو : جزاؤها ، فإن جزاء السيئة سيئة مثلها ، {وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون} أي : نزل بهم جزاء استهزائهم من العقاب العظيم ، {وقيل ~~اليوم ننساكم} نترككم ترك المنسي ، {كما نسيتم} في الدنيا {لقاء يومكم هذا} ~~أي : كما تركتم الاستعداد له ، ولم ms2757 تبالوا به. وإضافة اللقاء إلي اليوم ~~إضافة المصدر إلى ظرفه ، أي : لقاء الله في يومكم هذا ، أو لقاء جزائه ، ~~{ومأواكم النار} أي : منزلكم ، {وما لكم من ناصرين} لا أحد يمنعكم أو ~~يخلصكم منها. PageV07P112 # {ذلكم} العذاب {بأنكم} بسبب أنكم {اتخذتم آيات الله} المنزلة {هزوا} مهزوا ~~بها ، ولم ترفعوا لها رأسا ، {وغرتكم الحياة الدنيا} وألهتكم زخارف الدنيا ~~، فحسبتم ألا حياة بعدها ، {فاليوم لا يخرجون منها} أي : من النار ، ~~والالتفات إلى الغيبة للإيذان بإسقاطهم عن رتبة الخطاب ، استهانة بهم. وقرأ ~~الأخوان بالخطاب. {ولا هم يستعتبون} أي : لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم ، أي ~~: يرضوه بعمل صالح ؛ لفوات إبانه ، وإن طلبوا الرجوع لم يقبل منهم. # {فلله الحمد} خاصة ، {رب السماوات ورب الأرض رب العالمين} فلا يستحق ~~الحمد أحد سواه ، أي : فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء ، فإن مثل هذه ~~الربوبية العامة ، توجب الحمد والثناء على كل مربوب ، وتكرير الرب للتأكيد ~~والإيذان بأن ربوبيته تعالى لكل منهما بطريق الأصالة. {وله الكبرياء في ~~السماوات والأرض} أي : وكبروه ، فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته في السموات ~~والأرض ، وإظهارهما في موضع الإضمار لتخفيم شأن الكبرياء ، {وهو العزيز} ~~الذي لا يغلب ، {الحكيم} في كل ما قضى وقدر ، فاحمدوه وكبروه ، وأطيعوه ، ~~فصاحب هذه الصفات العظام مستحق لذلك. # جزء : 7 رقم الصفحة : 78 # الإشارة : وقيل اليوم ننساكم من شهود قربى ، كما نسيتم لقاء يومكم هذا ، ~~فلو ذكرتموني على الدوام لقربتكم على الدوام ، ولو ذكرتموني على الانفراد ~~لأشهدتكم ذاتي على التماد ، ولكنكم اتخذتم آيات الله الدالة على وجودي من ~~الكائنات ، والدالة على شهودي من الأولياء ، هزوا ، وغرتكم الحياة الدنيا ، ~~فاليوم لا يخرجون من غم الحجاب ، ولا يمنعون من انسداله ، ولا هم يرضون ~~ربهم ، فيرضى عنهم ، فلله الحمد على غناه عن الكل ، وله الكبرياء في ~~السموات والأرض ، أي : رداء الكبرياء منشور على أسرار ذاته في السموات ~~والأرض ، وهو ما ظهر من حسها ، كما هو منشور على وجهه في جنة عدن ، كما في ~~الحديث. # وقال الورتجبي : نفى الحق الكبرياء عن الحدثان ؛ لأنه هو ms2758 المستحق ~~للكبرياء ، # 79 # وكبرياؤه ظاهر في كل ذرة ، من العرش إلى الثرى ، إذ هي كلها مستغرقة ~~مقهورة في أنوار كبريائه ، يعز بعزه الأولياء ، ويقهر بقهره الأعداء ، حكيم ~~في إبداع الخلق وإلزامهم عبوديته ، التي هي شرائعه المحكمة بحكمه ، وقال ~~سهل رضي الله عنه : وله الكبرياء : العلو والقدرة والعظمة ، والحول والقوة ~~في جميع الملك ، فمن اعتصم به أيده بحوله وقوته ، ومن اعتمد على نفسه وكله ~~الله إليها. ه. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 80 # جزء : 7 رقم الصفحة : 78 PageV07P113 ### | AUTO سورة الأحقاف # جزء : 7 رقم الصفحة : 80 # يقول الحق جل جلاله : {حما} يا محمد ، أو : الوحي إلى محمد ، {تنزيل ~~الكتاب من الله} أي : هذا تنزيل القرآن ، وهو من الله {العزيز الحكيم} فمن ~~حفظه ، وعرف ما فيه ، وعمل بمضمنه كان عزيزرا على الله ، حكيما فيما يبدئ ~~ويعيد. {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما} من المخلوقات {إلا بالحق} أي ~~: إلا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه الحكمة التكوينية والتشريعية ، فالاستثناء ~~مفرغ من أعم المفاعيل ، أو من أعم الأحوال ، أي : ما خلقناهما في حال من ~~الأحوال إلا حال ملابستنا بالحق ، وفيه من الدلالة على وجود الصانع ، وصفات ~~كماله ، وابتناء أفعاله على حكمة بالغة ، ما لا يخفى ، {وأجل مسمى} تنتهي ~~إليه ، وهو يوم القيامة ، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ، {والذين ~~كفروا عما أنذروا} به من هول ذلك اليوم ، الذي لا بد لكل مخلوق من الانتهاء ~~إليه ، {معرضون} لا يؤمنون به ، ولا يهتمون بالاستعداد له ، ويجوز أن تكون ~~" ما " مصدرية ، أي : عن إنذارهم ذلك اليوم معرضون. PageV07P114 # وحاصل افتتاح السورة : أن الوحي الخاص إلى محمد هو منزل من الله العزيز ، ~~الذي عز عن الافتراء عليه ، وأعز بالوحي من تمسك به ، الحكيم في تنزيله ~~وحيه ، مرشدا لعباده لما فيه صلاحهم وهداهم ، ومن حكمته : أن خلق السموات ~~والأرض دالا بذلك على توحيده ، وكماله في أوصافه وتدابيره ، المقتضية لترتب ~~دار الجزاء على دار العمل ، بحيث لا يسوي بين مبطل ومحق ، فأرشد بخلق ~~الأشياء إلى حكمته دلالة ، ثم ms2759 بإنزال الوحي # 81 # بذلك قالة ، ومع وضوح الأمر في دلالتهما أعرض الذين كفروا من غير دليل ~~عقلي ولا نقلي متواتر ولا آحاد ، على أن ما اقتضاه الوحي إلى محمد من ~~التوحيد ، والجزاء المرتب على الإخلاص له ، والصدق في عبودية الله ، ~~والدعاء إلى محاسن الأخلاق ، مما اجتمعت عليه الرسل قبله ، فليس بمدع من ~~عنده. ه. من الحاشية. # الإشارة : {حما} يا حبيب ممجد ، قد مجدناك بإنزال كتابنا ، وعززناك ~~برسالتنا ، ما خلقنا الكائنات إلا ملتبسة بأسرار الحق ، وأهل الغفلة معرضون ~~عن هذا. # قال القشيري : حميت قلوب أهل عنايتي ، فصرفت عنها خواطر التجويز ، ~~ورميتها في مشاهد اليقين بنور التحقيق ، فيها شواهد برهانهم ، أي : برهان ~~العيان - فأضفنا إليها لطائف إحساننا ، فكملت منالها من عين الوصلة ، ~~وغديناهم بنسيم الأنس في ساحات القربة. {العزيز} المعز للمؤمنين بإنزال ~~الكتب ، {الحكيم} لكتابه عن التبديل والتحويل. ه. وخواطر التجويز هي خواطر ~~الشك في المقدور ، يجوز الوقوع وعدمه بسبب ضعف اليقين ، فإذا انتفى عن ~~القلب خواطر التجويز ، دخله السكون والطمأنينة ، وارتاح في ظل برد الرضا ~~والتسليم. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 81 PageV07P115 ~~يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد ، توبيخا وتبكيتا لهم : {أرأيتم} ~~أخبروني {ماتدعون من دون الله} ما تعبدون من الأصنام من دون الله ، {أروني ~~ماذا خلقوا من الأرض} أي شيء خلقوا في الأرض إن كانوا آلهة ؟ {أم لهم شرك ~~في السماوات} أي : أم لهم شركة مع الله في خلق السموات ، حتى يتوهم أن تكون ~~لهم شائبة استحقاق للعبادة ؟ فإن من لا مدخل له في شيء من الأشياء ، بوجه ~~من الوجوه ، بمعزل من ذلك الاستحقاق بأسره ، وإن كان من الأحياء العقلاء ، ~~فما ظنك بالجماد ؟ {ائتوني بكتاب من قبل هذا} أي : من قبل القرآن ، يعني : ~~أن هذا الكتاب ناطق بالتوحيد ، وإبطال الشرك ، وما من كتاب أنزل من قبله من ~~كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك ، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله ، شاهد ~~بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله ، {أو أثارة من علم} أو بقية من علم ms2760 ~~بقيت عندكم من علوم الأقدمين ، شاهدة باستحقاق الأصنام للعبادة ، {إن كنتم ~~صادقين} في أن الله أمركم بعبادة الأوثان ، فإن الدعوى لا تصح ما لم يقم ~~عليها برهان عقلي ، ولا سلطان نقلي ، وحيث لم يقم عليها شيء ، بل قامت على ~~خلافها أدلة العقل والنقل تبين بطلانها. # 82 # {ومن أضل} أي : لا أحد أشد ضلالا {ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له ~~إلى يوم القيامة} غاية لنفي الإجابة ، {وهم عن دعائهم غافلون} لأنهم جمادات ~~لا يسمعون. # {وإذا حشر الناس} عند قيام الساعة {كانوا لهم أعداء} أي : الأصنام ~~لعبدتها ، {وكانوا} أي : الأصنام {بعبادتهم كافرين} جاحدين ، يقولون : ما ~~دعوناهم إلى عبادتنا ، والحاصل : أنهم في الدنيا لا ينفعونهم ، وفي الآخرة ~~يتبرؤون منهم ، ويكونون عليهم ضدا ، ولما أسند إليهم ما يسند إلى العقلاء ~~من الاستجابة والغفلة ؛ عبر عنهم ب " من " و" هم " ، ووصفهم بترك الاستجابة ~~تهكما بها وبعبدتها. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 82 PageV07P116 ~~الإشارة : يقال لأهل الغفلة : أرأيتم ما تركنون إليه من الخلق ، هل لهم قوة ~~على نفعكم أو ضركم ؟ {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات...} الآية. فلا أحد أضل ممن يرجو الضعيف مثله ، الذي لا يستجيب له ~~إلى يوم القيامة ، وهو غافل عن إجابته في الحال والمآل ، وإذا أحبه على هوى ~~الدنيا صارت يوم القيامة عداوة ومقتا. # جزء : 7 رقم الصفحة : 82 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} واضحات ، أو : ~~مبنيات ، جمع بينة ، وهي الحجة والشاهد ، {قال الذين كفروا للحق} أي : ~~لأجله وفي شأنه ، والمراد بالحق : الآيات المتلوة ، وبالذين كفروا : المتلو ~~عليهم ، فوضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر والمتلو بالحق ، ~~والأصل : قالوا في شأن الآيات ، التي هي حق {لما جاءهم} أي : بادهوا الحق ~~بالجحود ساعة أتاهم ، وأول ما سمعوه ، من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر : ~~{هذا سحر مبين} ظاهر كونه سحر. # {أم يقولون افتراه} إضراب وانتقال من حكاية شناعتهم السابقة - وهي ~~تسميتهم الآيات سحرا ، إلى حكاية ما أشنع منها ، وهو كون ms2761 الرسول صلى الله ~~عليه وسلم {افتراه} أي : اختلقه ، وأضافه إلى الله كذبا ، والضمير للحق ، ~~والمراد به الآيات. {قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا} أي : إن ~~افتريته على سبيل الفرض لعاجلني الله بعقوبة الافتراء ، فلا تقدرون على كفه ~~من معاجلتي ، ولا تملكون لي شيئا من دفعه ، فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه الذي ~~لا مناص منه ؟ ! {هو أعلم بما تفيضون فيه} من القدح في وحي الله تعالى ~~والطعن في آياته ، وتسميته سحرا تارة وفرية أخرى. {كفى به شهيدا بيني ~~وبينكم} حيث يشهد لي بالصدق والبلاغ ، وعليكم بالكذب والجحود ، وهو وعيد ~~بجزاء إفاضتهم ، {وهو # 83 # الغفور الرحيم} لمن تاب وآمن ، وهو وعد لمن آمن بالمغفرة والرحمة ، ~~وترغيب في الإسلام. PageV07P117 # الإشارة : رمي أهل الخصوصية بالسحر عادة مستمرة ، وسنة ماضية ، ولقد سمعنا ~~هذا فينا وفي أشياخنا مرارا ، فيقول أهل الخصوصية : إن افترينا على الله ~~كذبا عاجلنا بالعقوبة ، {فلا تملكون لنا من الله شيئا...} الآية. # جزء : 7 رقم الصفحة : 83 # يقول الحق جل جلاله : {قل ما كنت بدعا} أي : بديعا ، كخف وخفيف ، ونصب ~~ونصيب ، فالبدع والبديع من الأشياء : ما لم يتقدم مثله ، أي : لست بأول ~~مرسل فتنكر نبوتي ، بل تقدمت الرسل قبلي ، واقترحت عليهم المعجزات ، فلم ~~يقدروا على الإتيان بشيء إلا ما أظهره الله على أيديهم ، في الوقت الذي ~~يريد. قيل : كانت قريش تقترح على رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات تظهر ~~لهم ، ويسألونه عن الغيبيات ، عنادا ومكابرة ، فأمر صلى الله عليه وسلم بأن ~~يقول لهم : ما كنت بدعا من الرسل ، قادرا ما لم يقدروا عليه ، حتى آتيكم ~~بكل ما تقترحونه ، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من الغيوب ، فإن من قبلي من ~~الرسل عليم السلام ما كانوا يأتون إلا بما آتاهم الله تعالى من الآيات ، ~~ولا يخبرون إلا بما أوحي إليهم ، {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} أي : لا ~~أدري ما يصيبنا فيما يستقبل من الزمان من أفعاله تعالى ، وماذا يبرز لنا من ~~قضاياه. وعن الحسن : ما أدري ما يصير إليه أمري ms2762 وأمركم في الدنيا. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه : ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة. PageV07P118 # وقال : إنه منسوخ بقوله : {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح ~~: 2] قال شيخ شيوخنا الفاسي : وهو بعيد ، ولا يصح النسخ ؛ لأنه لا يكون في ~~الأخبار ، ولأنه لم يزل يعلم أن المؤمن في الجنة ، والكافر في النار ، من ~~أول ما بعثه الله ، لكن محمل قول ابن عباس وغيره على أنه لم تكشف له ~~الخاتمة ، فقال : لا أدري ، وأما من وافى على الإيمان ، فقد أعلم بنجاته من ~~أول الرسالة ، وإلا فكان للكفار أن يقولوا : وكيف تدعونا إلى ما لا تدري له ~~عاقبة ؟ قاله ابن عطية. ه. وقال أبو السعود : والأوفق بمان ذكر من سبب ~~النزول : أن " ما " عبارة عما علمه ليس من وظائف النبوة ، من الحوادث ~~الواقعات الدنيوية ، دون ما سيقع في الآخرة ، فإن العلم بذلك من وظائف ~~النبوة ، وقد ورد به الوحي ، الناطق بتفاصيل الفعل بالجانبين. هذا ، وقد ~~روي عن الكلبي : " أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له صلى الله ~~عليه وسلم وقد ضجروا من إذاية المشركين : متى نكون على هذا ؟ فقال : {ما ~~أدري ما يفعل # 84 # بي ولا بكم} أأترك بمكة أو أومر بالخروج إلى أرض ذات نخيل وشجر ، قد رفعت ~~إلي ورأيتها. ه. وسأتي في الإشارة تحقيق المسألة إن شاء الله تعالى. # جزء : 7 رقم الصفحة : 84 PageV07P119 ~~ثم قال : {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي : ما أفعل إلا الاتباع ، على معنى : ~~قصر أفعاله صلى الله عليه وسلم على اتباع الوحي ، لا قصر اتباعه على الوحي ~~، كما هو المتبادر ، وهو جواب عن اقتراحهم الإخبار بالغيوب ، أو عن استعجال ~~المسلمين أن يتخلصوا من إذاية المشركين ، والأول هو الأوفق بقوله : {وما ~~أنا إلا نذير مبين} أنذركم عقاب الله تعالى حسبنا يوحى إلي من الإنذار ~~بالمعجزات الباهرة. {قل أرأيتم إن كان} ما يوحى إلي من القرآن {من عند ~~الله} لا بسحر ولا مفترى كما تزعمون {و} قد {كفرتم به وشهد شاهد} ms2763 عظيم {من ~~بني إسرائيل} الواقفين على شؤون الله وأسرار الوحي ، بما أوتوا من التوراة. ~~والشاهد : عبد الله بن سلام ، عند الجمهور ، ولهذا قيل : إن الآية مدنية ، ~~لأن إسلام " عبد الله بن سلام " بالمدينة. قلت : لما علم الله ما يكون من ~~ابن سلام من الإسلام أخبر به قبل وقوعه ، وجعل شهادته المستقبلة كالواقعة ، ~~فالآية مكية. # وقوله : {على مثله} أي : مثل القرآن من المعاني المنطوية في التوراة ، ~~المطابقة لما في القرآن من الوعد والوعيد وغير ذلك ، فإن ما فيه عين ما ~~فيها في الحقيقة ، كما يعرب عنه قوله تعالى : {وإنه لفى زبر الأولين} ~~[الشعراء : 196] والمثلية باعتبار كونه من عند الله. وقيل : المثل : صلة. PageV07P120 # {فآمن} ذلك الشاهد لما تحقق برسالته. روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نظر إلى وجهه ، فعلم أنه ليس بوجه كذاب ، وقال له : إني سائلك عن ~~ثلاث لا يعلمهن إلا نبي : ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل ~~الجنة ؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمة ؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : " أما أول أشراط الساعة ؛ فنار تحشر الناس من المشرق إلى ~~المغرب ، وأول طعام يأكله أهل الجنة ؛ فزيادة كبد الحوت ، وأما الولد ؛ ~~فإذا سبق ماء الرجل نزعه ، وإن سبق ماء المرأة نزعته " فقال : أشهد أنك ~~رسول الله حقا ، فأسلم. # {واستكبرتم} عن الإيمان به ، وجواب الشرط محذوف ، والمعنى : أخبروني إن ~~كان من عند الله ، وشهد بذلك أعلم بني إسرائيل ، فآمن به من غير تلعثم ، ~~واستكبرتم عن الإيمان به بعد هذه البينة ، فمن أضل منكم ؟ بدليل قوله تعالى ~~: {أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل...} [فصلت : 52] الآية أو ~~: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين ؟ ويدل عليه قوله : ~~{إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ، والتقديران صحيحان ، لأن عدم الهداية ~~مستلزم الضلال ، ووصفهم بالظلم للإشعار بعلة الحكم ، فإن # 85 # تركه - تعالى - لهدايتهم إنما هو لظلمهم. وقال الواحدي : معنى : {إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين} : إن الله ms2764 جعل جزاء المعاندين للإيمان بعد الوضوح ~~والبيان أن يمدهم في ضلالتهم ، ويحرمهم الهداية. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 84 PageV07P121 ~~الإشارة : قل ما كنت بدعا من الرسل ، وكذلك الولي يقول : ما كنت بدعا من ~~الأولياء ، مع العصمة والحفظ وصريح الوعد بالنجاة ، لاتساع معرفتهم وعلمهم ~~بالله ؛ لأنهم لا يقفون مع عد ولا وعيد ؛ لأن غيب المشيئة لا يعلم حقيقته ~~إلا الله ، وقد يكون الوعد معلقا بشروط أخفاها الله عنهم ، ليتحقق اختصاصه ~~بحقيقة العلم ، وفي الحديث : " لا تأمن مكري وإن أمنتك " ، ولذلك كان ~~العارف لا يزول اضطراره ، ولا يكون مع غير الله قراره ، وعلى ذلك الششتري ~~في نونيته ، حيث قال : # وأي وصال في القضية يدعى # وأكل من الخلق لم يدع الأمنا ؟ # هذا ، وقد قال تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم : {وللأخرة خير لك ~~من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى : 4 ، 5] وقال : {ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح : 2] ، ومع ذلك كله لم يقف مع ظاهر الوعد ~~، لغيب المشيئة ، فقال في حديث ابن مظعون : " والله لا أدري - وأنا رسول - ~~ما يفعل بي " وحديث ابن مظعون بالمدينة بعد الهجرة ، فتبين أن الأمن ~~الحقيقي لا يحصل لأحد قبل الختام ، وإن كان الغالب والطرف الراجح أن من وعد ~~بخير أو بشر به ينجز له بفضل الله وكرمه ، والكريم إذا وعد لا يخلف ، لكن ~~المشيئة وقهرية الربوبية لا تزال فوق رأس العبد حتى يلقاه. والله تعالى أعلم. # قال القشيري : وفي الآية دليل على فساد قول أهل البدع ، حيث لم يجوزوا ~~إيلام البريء عقلا ؛ لأنه لو لم يجز ذلك لكان يقول : أعلم قطعا أني معصوم ، ~~فلا محالة يغفر لي ، ولكنه قال هذا ليعلم أن الأمر أمره ، والحكم حكمه ، له ~~أن يفعل بعباده ما يريد. ه. PageV07P122 # وقال الورتجبي : لا أدري أين استغرق في بحار وصال جماله الأبدي ، وهناك ~~لججات تغيب في ذرة منها جميع الأرواح العاشقة ، والأسرار الوالهة ، والقلوب ~~الحائرة. ه. والحاصل : أنه لا يدري نهاية مناله من الله ، لنفي الغاية في ~~حقه تعالى ms2765 والنهاية ، وهو صريح استبعاد الششتري دعوى الوصال ، والله أعلم. ~~ه. من الحاشية. # جزء : 7 رقم الصفحة : 84 # يقوله الحق جل جلاله : {وقال الذين كفروا للذين آمنوا} أي : لأجلهم ، وهو ~~كلام كفار مكة ، قالوا : إن عامة من يتبع محمد السقاط ، يعنون الفقراء ، ~~كعمار وصهيب وبلال وابن مسعود رضي الله عنهم ، قالوا : {لو كان} ما جاء به ~~محمد من القرآن والدين {خيرا ما سبقونا إليه} فإن معالي الأمور لا تنالها ~~أيدي الأرذال ، فإن عامتهم فقراء وموال ورعاة ، قالوه زعما منهم أن الرئاسة ~~الدينية مما تنال بأسباب دنيوية ، كما قالوا : {لولا نزل هذا القرءان على ~~رجل من القريتين عظيم} [الزخرف : 31] ، وضل عنهم أنها منوطة بكمالات ~~نفسانية ، وملكات روحانية ، مبناها : الإعارض عن زخارف الدنيا ، والإقبال ~~على الله بالكلية ، وأن من فاز بها حازها بحذافيرها ، ومن حرمها فما له عند ~~الله من خلاق. والحاصل : أن هذه المقالة سببها الرضا عن النفس ، وهو صل كل ~~معصية وغفلة. ثم قال تعالى : {وإذ لم يهتدوا به} العامل في الظرف محذوف ؛ ~~لدلالة الكلام عليه ، أي : وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم ، وقالوا ما قالوا ~~: {فسيقولون} غير مكتفين بنفي خيريته : {هذا إفك قديم} أي : كذب متقادم ، ~~كقوله : {أساطير الأولين} [الأنعام : 25]. PageV07P123 # وقال القشيري : إنه تكذيب للرسل فيما بين لهم ، فما أنزل عليهم من بعثة ~~محمد رسولا ، يعني : فيكون كقوله تعالى : {إنا بكل كافرون} [القصص : 48 ، ~~الزخرف : 30] ، وقيل لابن عباس : أين نجد في القرآن " من كره شيئا عاداه " ~~، فقرأ هذه الآية : {وإذ لم يهتدوا..} الخ. # {ومن قبله} أي : من قبل القرآن {كتاب موسى} أي : التوراة ، فكتاب : مبتدأ ~~، و" من قبله " : خبر ، والاستقرار هو العامل في قوله : {إماما ورحمة} على ~~أنهما حالان من الكتاب ، أي : قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه ، ورحمة من ~~الله تعالى لمن آمن به. {وهذا} القرآن ، الذي يقولون في حقه ما يقولون ، هو ~~{كتاب} عظيم الشأن {مصدق} لكتاب موسى ، الذي هو أماما ورحمة ، أو : لما بين ~~يديه من جميع الكتب الإلهية. قال ابن عرفة : وجه مناسبتها لما قبلها ms2766 : أنه ~~لما تضمن قوله : {فسيقولون هذا إفك قديم} تقبيحهم إياه بأنه إما كذب في ~~نفسه ، أو شبيه بما قبله من الأكاذيب والافتراءات ، عقبه ببيان أنه إما صدق ~~في نفسه ، أو شبيه بما قبله من الكتب الصادقة. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 86 # حال كون الكتاب {لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا} متعلق بمصدق ، أو بأنزل ~~، محذوفا ، وفيه ضمير الكتاب ، أو : الله تعالى ، أو : الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، ويؤيده : قراءة الخطاب ، {وبشرى للمحسنين} في حيز النصب ، عطف ~~على محل " لينذر " ؛ لأنه مفعول له ، أي : للإنذار والبشرى ، أو : وهو بشرى ~~للمحسنين ، للمؤمنين المطيعين. # الإشارة : قال في الحكم : " أصل كل معصية وغفلة وشهوة : الرضا عن النفس ، # 87 # وأصل كل طاعة ويقظة وعفة : عدم الرضا منك عنها ، ولأن تصحب جاهلا لا يرضى ~~عن نفسه ، خير من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه ، فأي علم لعالم يرضى عن نفسه ~~؟ وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه ؟ " ، وعلامة الرضا عن النفس : تغطية ~~مساوئها ، وإظهار محاسنها ، كما قال الشاعر : PageV07P124 # وعين الرضا عن كل عيب كليلة # ولكن عين السخط تبدي المساوي # وإذا نقصها له أحد انتقم منه وغضب ، وإذا مدحها له فرح واستبشر ، ويرى ~~أنه أهل لكل خير ، وأولى من غيره ، فيقول إذا رأى من حاز خيرا أو رئاسة ، ~~كما قال الكفار : لو كان خيرا ما سبقونا إليه ، وعلامة عدم الرضا عنها : ~~إظهار مساوئها ، واتهامها في كل حال. # وقال أبو حفص الحداد : من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ، ولم يخالفها ~~في جميع الأحوال ، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه ، كان مغرورا ، ومن ~~نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها ، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه ~~؟ ! والكريم ابن الكريم ابن الكريم يقول : {ومآ أبرئ نفسى} [يوسف : 35] ه. # فإذا لم يرض عن نفسه ، وهذبها ، استقامت أحواله ، وكان من المحسنين. # جزء : 7 رقم الصفحة : 86 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} أي : جمعوا ~~بين التوحيد ، الذي هو خاصة العلم ، والاستقامة في الظاهر ، التي ms2767 هي منتهى ~~العمل ، {فلا خوف عليهم} من لحوق مكروه ، {ولا هم يحزنون} على فوات مرغوب ، ~~و" ثم " للدلالة على تراخي رتبة العمل ، وتوقف الاعتداد به على التوحيد. ~~ودخلت الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط ، والتعبير بالمضارع للدلالة على ~~دوام نفي الحزن عنهم ، {أولئك} الموصوف بما ذكر من الاسمين الجليلين ، ~~{أصحاب الجنة خالدين فيها} حال من أصحاب الجنة ، والعامل : معنى الإشارة ، ~~{جزاء بما كانوا يعملون} من الأعمال الصالحة ، و" جزاء " مصدر لمحذوف ، أي ~~: جوزوا جزاء ، أو بمعنى ما تقدم ، فإن قوله : {أولئك أصحاب الجنة} في معنى ~~: جزيناهم. # الإشارة : مضى تفسير الاستقامة ، وأن من درج على الإيمان والاستقامة حظي ~~بكل كرامة ، ووصل إلى جزيل السلامة ، وقيل : السين في الاستقامة سين الطلب ~~، وأن المستقيم يتوسل إلى الله تعالى في أن يقيمه على الحق ، ويثبته على ~~الصدق. ه. PageV07P125 # قال الورتجبي : ما قال القوم هذا القول - أي : " ربنا الله " - حتى شاهدوه ~~بقلوبهم ، وعقولهم ، وأرواحهم ، وأسرارهم ، مشاهدة الحق سبحانه ، فإذا رأوه ~~يقولون : هذا # 88 # الهلال ، وصاحوا ، وضحكوا ، فهذا القول منهم بعد كشف مشاهدة الحق لهم ، ~~فلما رأوه أبحوه وعرفوه ، وشربوا من بحار وصالة ، حتى تمكنوا ، فاستقاموا ~~بقوتها في موازاة رؤية أنوار الأزل والآباد ، واستقاموا في مراد الله منهم ~~، وأداء حقوق عبوديته ، فلا يبقى عليهم خوف الحجاب ، ولا حزن العتاب ، قال ~~الله تعالى : {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 88 # يقول الحق جل جلاله : {ووصينا الإنسان} بأن يحسن {بوالديه حسنا} وقرأ أهل ~~الكوفة {إحسانا} وهما مصدران ، وقرئ : " حسنا " بفتح الحاء والسين ، أي : ~~يفعل بهما فعلا حسنا ، أو : وصينا إيصاء حسانا ، {حملته أمه كرها ووضعته ~~كرها} أي : حملته بكره ومشقة ، ووضعته كذلك ، وذكره للحث على الإحسان ~~والبرور بها ، فإن الإحسان إليها أوجب ، وأحق من الأب ، ونصبهما على الحال ~~، أي : حملته كارهة ، أو : ذات كره ، وفيه لغتان ؛ الفتح والضم ، وقيل : ~~بالفتح مصدر ، وبالضم اسمه. {وحمله وفصاله} أي : ومدة حمله وفصاله ، وهو ~~الفطام. وقرأ يعقوب : " وفصله " وهما لغتان كالفطم والفطام ، {ثلاثون شهرا} ~~لأن في هذه المدة ms2768 عظم مشقة التربية ، وفيه دليل على أن أقل مدة ستة أشهر ؛ ~~لأنه إذ حط منه لفطام حولان ، لقوله تعالى : {حولين كاملين} [البقرة : 233] ~~يبقى للحمل ستة ، قيل : ولعل تعيين أقل مدة الحمل ، وأكثر مدة الرضاع ~~لانضباطهما ، وارتباط النسب والرضاع بهما. PageV07P126 # {حتى إذا بلغ أشده} أي : اكتهل ، واستحكم عقله وقوته ، وانتهت قامته وشبابه ~~، وهي ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين ، وقال زيد بن أسلم : الحلم ، وقال ~~قتادة : ستة وثلاثون سنة ، وهو الراجح ، وقال الحسن : قيام الحجة عليه. ~~{وبلغ أربعين سنة} وهو نهاية الأشد ، وتمام العقل ، وكمال الاستواء. # قيل : لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين ، قال ابن عطية : وإنما ذكر تعالى ~~الأربعين ، لأنها حد الإنسان في فلاحه ونجاته ، وفي الحديث " إن الشيطان ~~يمد يده على وجه من زاد # 89 # على الأربعين ولم يتب ، فيقول : بأبي وجه لايفلح " ه. ومن حديث أنس قال ~~صلى الله عليه وسلم : " من بلغ أربعين سنة أمنه الله من البلايا لثالث : ~~الجنون والجذام والبرص ، فإذا بلغ الخمسين خفف الله عنه الحساب ، فإذا بلغ ~~ستين سنة رزقه الله الإنابة كما يحب ، فإذا بلغسبعين سنة غفر الله ما تقدم ~~من ذنبه وما تأخر ، وشفع في أهل بيته ، وناداه مناد من السماء : هذا أسير ~~الله في أرضه " وهذا في العبد المقبل على الله. والله تعالى أعلم. وقرئ : " ~~حتى إذا استوى وبلغ أشده ". # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 89 PageV07P127 ~~قال رب أوزعني} أي : ألهمني {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي} من الهداية ~~والتوحيد ، والاستقامة على الدين ، {وعلى والدي} كذلك ، وجمع بين شكر ~~النعمة عليه وعلى والديه ؛ لأن النعمة عليهما نعمة عليه ، {وأن أعمل صالحا ~~ترضاه} التنكير للتفخيم والتكثير ، قيل : هو الصلوات الخمس ، والعموم أحسن ~~، {وأصلح لي في ذريتي} أي : واجعل الصلاة ساريا في ذريتي راسخا فيهم ، أو : ~~اجعل ذريتي موقعا للصلاح دائما فيهم ، {إني تبت إليك} من كل ذنب ، {وإني من ~~المسلمين} الذين أخلصوا لك أنفسهم ، وانقادوا إليك بكليتهم. قال علي رضي ~~الله عنه : نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ، ولم تجتمع ms2769 لأحد من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من أسلم أبواه غيره ، وأوصاه الله بهما. ~~ه. فاجتمع لأبي بكر إسلام أبي قحافة وأمه " أم الخير " وأولاده : عبد ~~الرحمن ، وابنه عتيق ، فاستجاب الله دعاءه في نفسه وفي ذريته ، فإنه آمن ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ، ودعا لهم وهو ابن ~~أربعين سنة. قال ابن عباس : أعتق أبو بكر تسعة من المؤمنين ، منهم : بلال ، ~~وعامر بن فهيرة ، ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه. ه. # قال ابن عطية : معنى الآية : هكذا ينبغي للإنسان أن يكون ، فهي وصية الله ~~تعالى للإنسان في كل الشرائع ، وقول من قال : إنها في أبي بكر وأبويه ضعيف ~~، لأن هذه نزلت في مكة بلا خلاف ، وأبو قحافة أسلم يوم الفتح. ه. قلت : ~~كثيرا ما يقع في التنزيل تنزيل المستقبل منزلة الماضي ، فيخبر عنه كأنه ~~واقع ، ومنه : {وشهد شاهد من بنى إسرآءيل} [الأحقاف : 10] و{وويل للمشركين ~~الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت : 6 ، 7] وهذه الآية في إسلام إبي قحافة. ~~والله تعالى أعلم. PageV07P128 # {أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا} من الطاعات ، فإن المباح لا يثاب ~~عليه إلا بنية صالحة ، فإن ينقلب حينئذ طاعة ، وضمن " يتقبل " معنى يتجاوز ~~، فعداه بعن ؛ إذ لا عمل يستوجب القبول ، لولا عفو الله وتجاوزه عن عامله ، ~~إذ لا يخلو عمل من خلل أو نقص ، فإذا تجاوز الحق عن عبده قبله منه على نقصه ~~، فلولا حلمه تعالى ورأفته ما كان # 90 # عمل أهلا للقبول. {ويتجاوز عن سيائتهم} فيغفر لهم ، {في} جملة {أصحاب ~~الجنة} كقولك : أكرمني الأمير في نار من أصحابه ، أي : أكرمني في جملة من ~~أكرمهم ، ونظمني في سلكهم ومحله : نصب على الحال ، أي : كائنين في أصحاب ~~الجنة ، ومعدودين فيهم ، {وعد الصدق} أي : وعدهم وعدا صدقا ، فهو مصدر مؤكد ~~، لأن قوله : {يتقبل ويتجاوز} وعد من الله تعالى لهم بالتقبل والتجاوز ، ~~{الذي كانوا يوعدون} في الدنيا على ألسنة الرسل عليهم السلام. # جزء : 7 رقم الصفحة : 89 # الإشارة : لما كانت تربية الأبوين ms2770 مظهرا لنعمة الإمداد بعد ظهور نعمة ~~الإيجاد وصى الله تعالى بالإحسان إليهما ، وفي الحقيقة : ما ثم إلا تربية ~~الحق ، ظهرت في تجلي الوالدين ، قذف الرأفة في قلوبهما ، حتى قاما بتربية ~~الولد ، فالإحسان إليها إحسان إلى الله تعالى في الحقيقة. وقال الورتجبي : ~~وصى الإنسان بالإحسان إلى أبويه ، لأنهما أسباب وجوده ، ومصادر أفعال الحق ~~بدا منهما بدائع قدرته ، وأنوار ربوبيته ، فحرمتهما حرمة الأصل ، ومن صبر ~~في طاعتهما رزقه الله حسن المعاشرة على بساط حرمته وقربته. # قال بعضهم : أوصى الله العوام ببر الوالدين لما لهما عليه من نعمة ~~التربية والحفظ ، فمن حفظ وصية الله في الأبوين ، وفقه بركة ذلك ، لحفظ ~~حرمات الله ، وكذلك رعاية الأوامر والمحافظة عليها توصل بركتها بصاحبها إلى ~~محل الرضا والأنس. ه. PageV07P129 # قال القشيري : وشر خصال الولد : التبرم بطول حياتهما ، والتأذي بما يجب من ~~حقهما ، وعن قريب يموت الأصل ، وقد يبقى النسل ، ولا بد ان يتبع الأصل. ه. ~~أي : فيعق إن عق أصله ، ويبر إن بر ، وفي الحديث : " بروا آباءكمء تبركم ~~أبناؤكم " ثم قال : ولقد قالوا في هذا المعنى وأنشدوا : # رويدك إن الدهر فيه كفاية # لتفريق ذات البين فارتقب الدهرا # ه. # قلت : وقد تقدم أن حرمة الشيخ أوكد من حرمة الوالدين ، فيقدم أمره على ~~أمرهما ، كما تقدم عن الجنيد في سورة النساء. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 89 # قلت : {والذي قال} مبتدأ ، وخبره : {أولئك الذين حق عليهم القول} ، ~~والمراد ب " الذي قال " الجنس ، ولذلك جمع الخبر. # يقول الحق جل جلاله : {والذي قال لوالديه} عند دعوتهما إلى الإيمان : {أف ~~لكما} وهو صوت يصدر عن المرء عند تضجره ، وقنطه ، واللام لبيان المؤفف ، ~~كما في " هيت لك " وفيه أربعون لغة ، مبسوطة في محلها ، أي : هذا التأفيف ~~لكما خاصة ، أو لأجلكما دون غيركما. # وعن الحسن : نزلت في الكافر العاق لوالديه ، المكذب بالبعث ، وقيل : نزلت ~~في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه ، قبل إسلامه. وأنكرت عائشة رضي ~~الله عنها ذلك ، وقالت : والله ما نزل في آل أبي بكر شيئا من القرآن ms2771 ، سوى ~~براءتي ، ويبطل ذلك قطعا : قوله تعالى : {أولئك الذين حق عليهم القول} لأن ~~عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم ، وكان من فضلاء الصحابة ، وحضر فتوح الشام ، ~~وكان له هناك غناء عظيم ، وكان يسرد الصيام. قال السدي : ما رأيت أعبد ~~منه.ه. وقال ابن عباس : نزلت في ابن لأبي بكر ، ولم يسمه ، ويرده ما تقدم ~~عن عائشة ، ويدل على العموم : قوله تعالى : {أولئك الذين حق عليهم القول} ، ~~ولو أراد واحدا لقال : حق عليه القول. PageV07P130 # ثم قال لهما : {أتعدانني أن أخرج} أي : أبعث وأخرج من الأرض ، {وقد خلت ~~القرون من قبلي} ولم يبعث أحد منهم ، {وهما يستغيثان الله} يسألانه أن ~~يغيثه ويوقفه للإيمان ، أو يقولان : الغياث بالله منك ، ومن قولك ، وهو ~~استعظام لقوله ، ويقولان له : {ويلك} دعاء عليه بالثبور والهلاك ، والمراد ~~به : الحث والتحريض على الإيمان ، لا حقيقة الهلاك ، {آمن} بالله وبالبعث ~~{إن وعد الله} بالبعث والحساب {حق} لا مرية فيه ، وأضاف الوعد إليه - تعالى ~~- تحقيقا للحق ، وتنبيها على خطئه ، {فيقول} مكذبا لهما : {ما هذا} الذي ~~تسميانه وعد الله {إلا أساطير الأولين} أباطيلهم التي سطروها في كتبهم ، من ~~غير أن يكون له حقيقة. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 91 # أولئك الذين حق عليهم القول} وهو قوله تعالى لإبليس : {لأملأن جهنم منكم ~~أجمعين} [الأعراف : 18] كما ينبئ عنه قوله تعالى : {في أمم قد خلت من قبلهم ~~من الجن والإنس} أي : في جملة أمم قد مضت ، {إنهم كانوا خاسرين} حيث ضيعوا فطرتهم # 92 # الأصلية ، الجارية مجرى رؤوس أموالهم ، باتباعهم الشيطان ، وتقليدا ~~بآبائهم الضالين. # {ولكل} من الفريقين المذكورين ، الأبرار والفجار ، {درجات مما عملوا} أي ~~: منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر ، ويقال في جانب الجنة : ~~درجات ، وفي جانب النار : دركات ، فغلب هنا جانب الخير. PageV07P131 # قال الطيبي : ولكل من الجنسين المذكورين درجات ، والظاهر أن أحد الجنسين ما ~~دل عليه قوله : {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} [الأحقاف : 13] ، ~~والآخر قوله : {والذي قال لوالديه أف لكما} ثم غلب الدرجات على الدركات ، ~~لأنه لما ذكر الفريق الأول ، ووصفهم بثبات ms2772 في القول ، واستقامة في الفعل ، ~~وعقب ذلك بذكر فريق الكافرين ، ووصفهم بعقوق الوالدين ، وبإنكارهم البعث ، ~~وجعل العقوق أصلا في الاعتبار ، وكرر في القسم الأول الجزاء ، وهو ذكر ~~الجنة مرارا ثلاثا ، وأفرد ذكر النار ، وأخره ، وذكر ما يجمعهما ، وهو قوله ~~: {ولكل درجات} غلب الدرجات على الدركات لذلك ، وفيه ألا شيء أعظم من ~~التوحيد والثبات عليه ، وبر الوالدين والإحسان إليهما ، ولا شيء أفحش من ~~عقوق الوالدين ، وإنكار الحشر ، وفي إيقاع إنكار الحشر مقابلا لإثبات ~~التوحيد الدلالة على أن المنكر معطل مبطل لحكمة الله في إيجاد العالم. ه. # {ولنوفيهم أعمالهم} وقرأ المكي والبصري بالغيب ، أي : وليوفيهم الله جزاء ~~أعمالهم ، {وهم لا يظلمون} بنقص ثواب الأولين ، وزيادة عقاب الآخرين ، ~~واللام متعلقة بمحذوف ، أي : وليوفيهم أعمالهم ، ولا يظلمهم حقوقهم ، فعل ~~ما فعل من ترتيب الدرجات أو الدركات. # الإشارة : عقوق الأساتيذ أقبح من عقوق الوالدين ، كما أن برهما أوكد ؛ ~~لأن الشيخ أخرجك من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة بالله ، والوالدان أخرجاك ~~إلى دار التعب ، معرض لأمرين ، إما السلامة أو العطب ، والمراد بالشيخ هنا ~~شيخ التربية ، لا شيخ التعليم ، فلا يقدم حقه على حق الوالدين ، هذا ومن ~~يسر الله عليه الجمع بين بر الوالدين والشيخ فهو كمال الكمال. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 91 # قلت : {ويوم} : منصوب بقول مقدر قبل {أذهبتم} أي : يقال هم : أذهبتم ~~طيباتكم يوم عرضكم ، أو باذكر ، وهو أحسن. # 93 PageV07P132 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {يوم يعرض الذين كفروا على النار} أي : ~~يعذبون بها ، من قولهم : عرض بنو فلان على السيف ، إذا قتلوا به ، وقيل ~~المراد : عرض النار عليهم ، من قولهم : عرضت الناقة على الحوض ، يريدون : ~~عرض الحوض عليها ، فقلبوا. وإذا عرضوا عليها يقال لهم : {أذهبتم طيباتكم} ~~أي : أخذتم ما كتب لكم من حظوظ الدنيا ولذائذها {في حياتكم الدنيا} فقد ~~قدمتم حظكم من النعيم في الدر الفانية # قال ابن عرفة : قيل : المراد بالطيبات المستلذات ، والظاهر : أن المراد ~~أسباب المستلذات ، أي : الأسباب التي تتوصلون بها إلى نيل المستلذات في ~~الدار الآخرة ، إذ نسيتموها ms2773 في الدنيا ، أي : تركتموها ولم تفعلوها. ه. قلت ~~: يبعده قوله : {واستمتعتم بها} أي : فلم يبق ذلك لكم شيئا منها ، بل قدمتم ~~جنتكم في دنياكم. # وعن عمر رضي الله عنه : لو شئت كنت أطيبكم طعاما ، وألينكم لباسا ، ولكني ~~أستبقي طيباتي. ولما قدم الشام صنع له طعام لم ير قبله مثله ، قال : هذا ~~لنا ، فما للفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون خبز الشعير ؟ قال ~~خالد ، لهم الجنة ، فاغرورقت عينا عمر وبكى ، وقال : لئن كان حظنا من ~~الحطام ، وذهبوا بالجنة ، لقد باينونا بونا بعيدا ، وقال أبو هريرة رضي ~~الله عنه : إنما كان طعامنا مع النبي صلى الله عليه وسلم الماء والتمر ، ~~والله ما كان نرى سمراءكم هذه ، وقال أبو موسى : ما كان لباسنا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا الصوف. PageV07P133 # وروي : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصفة ، وهم يرقعون ثيابهم ~~بالأدم ، ما يجدون لها رقعا ، فقال : " أنتم اليوم خير أم يوم يغدوا أحدكم ~~في حلة ، ويروح في أخرى ، ويغدا عليه بجفنة ويراح بأخرى ، ويستر بيته كما ~~تستر الكعبة " ؟ قالوا : نحن يومئذ خير ، فقال لهم : " بل أنتم اليوم خير ~~". وقال عمرو بن العاص : كنت أتغدى عند عمر الخبز والزيت ، والخبز والخل ، ~~والخبز واللبن ، والخبز والقديد ، وأجل ذلك اللحم الغريض ، وكان يقول : لا ~~تنخلوا الدقيق ، فإنه كله طعام ، ثم قال عمر رضي الله عنه : والله الذي لا ~~إله إلا هو ، لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركتهم في العيش! ~~ولكني سمعت الله يقول لقوم : {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم ~~بها}. ه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 93 # فاليوم تجزون عذاب الهون} أي : الهوان ، وقرئ به ، {بما كنتم} في الدنيا ~~{تستكبرون في الأرض بغير الحق} بغير استحقاق لذلك ، {وبما كنتم تفسقون} ~~وتخرجون عن طاعة الله عز وجل ، أي : بسبب استكباركم وفسقكم. الإشارة : ما ~~زالت الأكابر من الأولياء تتنكب الحظوظ والشهوات ، مجاهدة لنفوسهم ، وتصفية ~~لقلوبهم ، فإن تتبع الشهوات يقسي القلب ، ويكسف نور العقل ، كما # 94 # قال الشاعر : # إنارة العقل ms2774 مكسوف بطوع هوى # وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا PageV07P134 ~~هذا في حال سيرهم ، فإذا تحقق وصولهم فلا كلام عليهم ؛ لأنهم يأخذون من ~~الله ، ويتصرفون به في أمورهم كلها ، فلا حرج عليهم في نيل ما أنعم الله به ~~عليهم ، حيث أمنوا ضرره ، ومن ذلك : ما روي عن إبراهيم بن أدهم ، أنه أصلح ~~ذات يوم طعاما كثيرا ، ودعا نفرا يسيرا ، منهم الأوزاعي والثوري ، فقال له ~~الثوري : أما تخاف أن يكون هذا إسرافا ؟ فقال : ليس في الطعام إسراف ، إنما ~~الإسراف في الثياب والأثاث ، ودفع أيضا إلى بعض إخوانه دراهم ، فقال : خذ ~~لنا بهذه زبدا وعسلا وخبزا حواري ، فقال : يا أبا إسحاق هذا كله ؟ قال : ~~ويحك إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال ، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال ، وإن ~~معروفا الكرخي كان يهدي له طيبات الطعام ، فيأكل ، فيقال له : إن أخاك بشرا ~~كان كلا يأكل من هذا ، فيقول : أخي بشر قبضه الورع ، وأنا بسطتني المعرفة ، ~~وإنما أنا شضيف في دار مولاي ، إذا أطعمني أكلت ، وإذا جوعني صبرت ، ما لي ~~وللاعتراض والتمييز. ه. # والحاصل : أن الناس أقسام ثلاثة : عوام ، لا همة لهم في السير ، وإنما ~~قنعوا أن يكونوا من عامة أهل اليمين. فهؤلاء يأخذون كل ما أباحته الشريعة ، ~~إذ لا سير لهم حتى يخافوا من تخلفهم ، وخواص ، نهضت همتهم إلى الله ، ~~وراموا الوصول إليه ، وهم في السير لم يتحقق وصولهم ، أو من العباد والزهاد ~~، يخافون إن تناولوا المستلذات تفترت عزائمهم ، فهؤلاء يتأكد في حقهم ترك ~~الحظوظ والشهوات ، والقسم الثالث : خواص الخواص ، قد تحقق وصولهم ، ورسخت ~~أقدامهم في المعرفة ، فهؤلاء لا كلام معهم ، ولا ميزان عليهم. PageV07P135 # قال في الإحياء ، بعد كلام : وأكل الشهوات لا يسلم إلا لمن نظر من مشكاة ~~الولاية والنبوة ، فيكون بينه وبين الله علامة في استرساله وانقباضه ، ولا ~~يكون ذلك إلا بعد خروج النفس من طاعة الهوى والعادة بالكلية ، حتى يكون ~~أكله إذا أكل بنية ، كما يكون إمساكه بنية ، فيكون عاملا له في إفطاره ~~وإمساكه. ثم قال : وينبغي أن يتعلم الحزم من عمر ، فإنه كان يرى ms2775 النبي صلى ~~الله عليه وسلم يحب العسل ويأكله ، ثم لم يقس نفسه عليه ، بل لما عرض عليه ~~ماء مبرد بالعسل جعل يدير الإناء في كفه ، ويقول : أشربها فتذهب حلاوتها ~~وتبقى تباعتها ، اعزلوا عني حسابها ، وتركها رضي الله عنه. # 95 # جزء : 7 رقم الصفحة : 93 # يقول الحق جل جلاله : {واذكر أخا عاد} وهو هود عليه السلام {إذا أنذر ~~قومه} بدل اشتمال أي : وقت إنذاره قومه {بالأحقاف} جمع حقف ، وهو رمل ~~مستطيل فيه انحناء ، من : احقوقف الشيء إذا اعوج ، وكان عاد أصحاب عمد ، ~~يسكنون بين رمال مشرفة على البحر ، بأرض يقال لها : " الشحر " بأرض اليمن. ~~وعن ابن عباس : الأحقاف : واد بين عمان ومهرة ، وقال مقاتل : كانت منازل ~~عاد باليمن ، في حضرموت ، بموضع يقال له : مهرة ، وإليه تنسب الإبل المهرية ~~، ويقال لها : المهاري ، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع ، فإذا هاج العود ~~رجعوا إلى منازلهم ، وكانوا من قبيلة إرم ، والمشهور : أن الأحقاف اسم جبل ~~ذا رمل مستطيل ، كانت منازل عاد حوله. PageV07P136 # {وقد خلت النذر} جميع نذير ، بمعنى النذر ، أي : مضت الرسل ، {من بين يديه ~~ومن خلفه} أي : من قبل هود ومن بعده ، وقوله : {وقد خلت..} الخ : جملة ~~معترضة بين إنذار قومه وبين قوله : {ألا تعبدوا إلا الله} مؤكدة لوجوب ~~العمل بموجب الإنذار ، وإيذانا باشتراكهم في العبادة المذكورة ، والمعنى : ~~واذكر لقومك إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم ، وقد أنذر من ~~تقدمه من الرسل ، ومن تأخر عنه قومهم قبل ذلك. {إني أخاف عليكم} إن ~~عصيتموني {عذاب يوم عظيم} يوم القيامة. # {قالوا أجئتنا لتأفكنا} لتصرفنا {عن آلهتنا} عن عبادتها ، {فأتنا بما ~~تعدنا} من العذاب العظيم {إن كنت من الصادقين} في وعدك بنزوله بنا ، {قال ~~إنما العلم} بوقت نزوله ، أو بجميع الأشياء التي من جملتها ذلك ، {عند ~~الله} وحده ، لا علم لي بوقت نزوله ، ولا دخل لي في إيتانه وحلوله ، وإنما ~~علم ذلك عند الله ، فيأتيكم به في وقته المقدر له. {وأبلغكم ما أرسلت به} ~~من التخويف والإنذار من غير وقف على تعيين وقت نزول العذاب ms2776 ، {ولكني أراكم ~~قوما تجهلون} حيث تقترحون علي ما ليس من وظائف الرسل ، من الإتيان بالعذاب ~~وتعيين وقته. # جزء : 7 رقم الصفحة : 96 # روي : أنهم قحطوا سنين ، ففزعوا إلى الكعبة ، وقد كانت بنتها العمالقة ، ~~ثم خربت ، فطافوا بها ، واستغاثوا ، فعرضت لهم ثلاث سحابات : سوداء وحمراء ~~وبيضاء ، وقيل لهم : اختاروا واحدة ، فاختاروا السوداء ، فمرت إلى بلادهم ، ~~فلما رأوها مستقبلة # 96 PageV07P137 ~~أوديتهم ، فرحوا واستبشروا ، وهذا معنى قوله تعالى : {فلما رأوه} أي : ~~العذاب الذي استعجلوه بقوله : {فأتنا بما تعدنا} وقيل : الضمير مبهم ، ~~يفسره قوله : {عارضا} على أنه تمييز ، أي : رأوا عارضا ، والعارض : السحاب ~~، سمي به لأنه يعرض السحاب في أفق السماء. قال المفسرون : ساق الله السحابة ~~السوداء التي اختاروها بما فيها من النقمة ، فخرجت عليهم من واد يقال له : ~~" مغيث " ، فلما رأوها مستقبلة أوديتهم ، أي : متوجة إليها ، فرحوا ، ~~وقالوا : {هذا عارض ممطرنا} أي : ممطر إيانا ، لأنه صفة النكرة ، فيقدر ~~انفصاله. قال الله تعالى : {بل هو ما استعجلتم به} من العذاب ، وقيل : ~~القائل هود عليه السلام ، {ريح فيها عذاب إليم} فجعلت تحمل الفساطيط ، ~~وتحمل الظعينة فترفعها في الجو ، فترى كأنها جرادة. # قال ابن عباس : لما دنا العارض ، قاموا فنظروا ، فأول ما عروا أنه عذاب ~~رأوا ما كان خارجا من ديارهم من حالهم ومواشيهم ، تطير بهم الريح بين ~~السماء والأرض ، مثل الريش ، فدخلوا بيوتهم ، وأغلقوا أبوابهم ، فألقت ~~الريح أبوابهم ، وصرعتهم ، وأمر الله تعالى الريح فأمالت عليهم الرمال ، ~~فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام حسوما ، لهم أنين ، ثم أمر الله ~~تعالى الريح ، فكشفت عنهم الرمال ، فاحتملتهم ، فرمت منهم في البحر ، وشدخت ~~الباقي بالحجارة. # وقيل : أول من أبصر العذاب امرأة منهم ، قالت : رأيت ريحا فيها كشهب ~~النار ، وهو معنى قوله : {تدمر كل شيء} أي : تهلك من نفوس عاد وأموالهم ~~الجم الكثير ، فعبر عن الكثرة بالكلية. {بأمر ربها} أي : رب الريح ، وفي ~~ذكر الأمر والرب ، والإضافة ألى الريح ، من الدلالة على عظيم شأنه تعالى ما ~~لا يخفى ، {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} أي : فجاءت الريح فدمرتهم ، فصاروا ~~بحيث ms2777 لا يرى شيء إلا مساكنهم خاوية ، ومن قرأ بتاء الخطاب ، فهو لكل من ~~يتأتى منه الرؤية ، تنبيها على أن حالهم صار بحيث لو نظر كل أحد بلادهم لا ~~يرى فيها إلا مساكنهم. PageV07P138 # {كذلك} أي : مثل ذلك الجزاء الفظيع {نجزي القوم المجرمين} وننجي المؤمنين ، ~~روي أن هود عليه السلام ومن معه من المؤمنين في حظيرته ، ما يصيبهم من ~~الريح إلا ما تلين على الجلود ، وتلذه الأنفس ، وإنها لتمر من عاد بالظعن ~~بين السماء ، والأرض ، وتدمغهم بالحجارة. سبحان الحكيم القدير ، اللطيف ~~الخبير. # جزء : 7 رقم الصفحة : 96 # الإشارة : إنما جاءت النذر من عهد آدم عليه السلام إلى القيامة الساعة ، ~~تأمر بعبادة الله ، ورفض كل ما سواه ، فمن تمسك بذلك نجى ، ومن عبد غير ~~الله ، أو مال إلى سواه ، عاجلته العقوبة في الظاهر أو الباطن. والله تعالى أعلم. # 97 # جزء : 7 رقم الصفحة : 96 # قلت : {فيما} موصولة ، أو موصوفة ، ومفعول {اتخذوا} الأول : محذوف ، ~~و{آلهة} مفعول ثان ، أي : اتخذوهم آلهة ، و{قربانا} حال ، ولا يصح أن يكون ~~مفعولا ثاينا ل " اتخذوا " ، و" آلهة " : بدل ، لفساد المعنى ، وأجازه ابن ~~عطية ، ووجه فساده : أن اتخاذهم آلهة مناف لاتخاذهم قربانا ؛ لأن القربان ~~مقصود لغيره ، والآلهة مقصود بنفسها ، فتأمله ، و" إن " نافية ، والأصل : ~~فيما ما مكنكم فيه ، ولما كان التكرار مستثقلا جيء بأن ، كما قالوا في مهما ~~، والأصل : ما ما ، فلبشاعة التكرار قلبوا الألف هاء ، وقيل : " إن " صلة ، ~~أي : في مثل ما مكنكم فيه ، والأول أحسن. PageV07P139 # يقول الحق جل جلاله : {ولقد مكناهم} أي : قررنا عاد ومكناهم في التصرف ~~{فيما} أي : في الذي ، أو في شيء ما {مكناكم} يا معشر قريش {فيه} من السعة ~~والبسطة ، وطول الأعمار ، وسائر مبادئ التصرفات ، فما إغنى عنهم شيء من ذلك ~~، حين نزل بهم الهلاك ، وهذا كقوله تعالى : {كم أهلكنا من قبلهم من قرن ~~مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم} [الأنعام : 6] أو : ولقد مكنهم في مثل ما ~~مكنكم فيه ، فما جرى عليهم يجري عليكم ، حيث خالفتم نبيكم ، والأول أوفق ~~بقوله : {كانوا هم أشد منهم ms2778 قوة وءاثارا فى الأرض} [غافر : 21] وقوله : {هم ~~أحسن أثاثا ورءيا} [مريم : 74]. # {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة} أي : آلات الإدراك والفهم ، ليعرفوا ~~بكل واحدة منها ما خلقت له ، وما نيطت به معرفته ، من فنون النعم ، ~~ويستدلوا بها شؤون منعمها ، ويداوموا على شكرها ، ويوحدوا خالقها ، ، {فما ~~أغنى عنهم سمعهم} حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل ، {ولا ~~أبصارهم} حيث لم يبصروا ما نصب من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى ووجوب ~~وجوده ، {ولا أفئدتهم} حيث لم يتفكروا بها في عظمة الله تعالى وأسباب ~~معرفته ، فما أغنت عنهم {من شيء} أي : شيئا من الإغناء. و{من} زائدة ؛ ~~للتأكيد ، وقوله : {إذ كانوا يجحدون بآيات الله} ظرف لقوله : {فما أغنى} ~~جار مجرى التعليل ، لاستواء مؤدي التعليل والظرف في قولك : ضربته إذ أساء ، ~~أو : لإساءته ، لأنك إذا ضربته وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته ~~فيه ، وكذلك الحال في " حيث " دون سائر الظروف غالبا ، أي : فما أغنت عنهم ~~آلات الإدراك لأجل جحودهم بآيات الله. {وحاق} أي : نزل {بهم ما كانوا به ~~يستهزؤون} من العذاب # 98 # الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء ، ويقولون : {فأتنا بما تعدنا إن ~~كنت من الصادقين}. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 98 PageV07P140 ~~ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى} يا أهل مكة ، كحجر ثمود ، وقرى لوط ، ~~والمراد : أهل القرى ، ولذلك قال : {وصرفنا الآيات} كررناه ، {ولعلهم ~~يرجعون} أي : كررنا عليهم الحجج وأنواع العبر لعلهم يرجعون من الطغيان إلى ~~الإيمان ، فلم يرجعوا فأنزلنا عليه العذاب. {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من ~~دون الله قربانا آلهة} أي : فهلا منعهم وخلصهم من العذاب الأصنام الذين ~~اتخذوهم آلهة من دون الله ، حال كونها متقربا بها إلى الله ، حيث كانوا ~~يقولون : {ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى} [الزمر : 3] و{هؤلآء ~~شفعآؤنا عند الله} [يونس : 18] {بل ضلوا عنهم} أي : غابوا عن نصرتهم ، ~~{وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} الإشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم ، ~~أي : وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذها آلهة ، وثمرة شركهم ، وفترائهم على ~~الله الكذب. # وقرأ ابن عباس وابن الزبير : {أفكهم} أي : صرفهم ms2779 عن التوحيد. وقرئ : ~~بتشديد الفاء ، للتكثير. # الإشارة : التمكن من كثرة الحس لا يزيد إلا ضعفا في المعنى ، وبعدا من ~~الحق ، ولذلك يقول الصوفية : كل من زاد في الحس نقص في المعنى ، وكل ما نقص ~~في الحس زاد في المعنى ، والمراد بالمعنى : كشف أسرار الذات وأنوار الصفات ~~، وما مكن الله تعالى عبده من الحواس الخمس إلا ليستعملها فيما يقربه إليه ~~، ويوصله إلى معرفته ، فإذا صرفها في غير ذلك ، عوقب عليها. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 98 # قلت : " النفر " بالفتح : الجماعة من ثلاثة إلى عشرة ، وقيل : إلى سبعة ~~ولا يقال نفر فيما زاد على عشرة ، والرهط والقوم والعشيرة والعشر معناهم ~~الجمع ، ولا واحد لهم من لفظه ، وهو للرجال دون النساء. قاله في المصباح. ~~و{من الجن} نعت للنفر ، وكذا {يستمعون}. # 99 PageV07P141 ~~يقول الحق جل جلاله : {و} اذكر {إذ صرفنا إليك نفرا من الجن} أي : أملناهم ~~إليك ، وقبلنا بهم نحوك ، وهم جن نصيبين ، أو جن نينوى ، قال في القاموس : ~~" نينوى " بكسر أوله ، موضع بالكوفة ، وقرية بالموصل ليونس عليه السلام. ه. ~~{يستمعون القرآن} منه عليه السلام {فلما حضروه} أي : الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ، أو القرآن ، أي : كانوا منه حيث تم وفرغ من تلاوته ، {ولوا إلى ~~قومهم منذرين} مقدرين إنذارهم عند رجوعهم إليهم. # روي : أن الجن كانت تسترق السمع ، فلما حرست السماء ، ورموا بالشهب ، ~~قالوا : ماهذا إلا لأمر حديث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، لتعرفوا ما ~~هذا ، فنهض سبعة أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوى ، منهم : " زوبعة " ~~فمضوا نحو تهامة ، ثم انتهوا إلى وادي نخلة ، فوافقوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو قائم يصلي صلاة الفجر ، فستمعوا القرآن ، وذلك عند منصرفه من ~~الطائف ، حين ذهب يدعوهم إلى الله ، فكذبوه ، وردوا عليه ، وأغروا به ~~سفاءهم ، فمضى على وجهه ، حتى وصل إلى نخل ، فصلى بها الغداة ، فوافاه نفر ~~الجن يصلي ، فاستمعوا لقراءته ، ولم يشعر بهم ، فأخبره الله تعالى ~~باستماعهم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 99 PageV07P142 ~~وقيل : أمره الله تعالى أن ينذر الجن ، ويقرأ عليهم ، فصرف ms2780 الله إليه نفرا ~~منهم ، وجمعهم له ، فقال صلى الله عليه وسلم : " إني أمرت أن أقرأ على الجن ~~، فمن يتبعني ؟ " قالها ثلاثا ، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود ، قال : ~~فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة ، في شعب الجحون ، فخط خطا ، فقال : " لا ~~تخرج عنه حتى أعود إليك " ، ثم افتتح القرآن ، وسمعت لغطا شديدا ، حتى خفت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي ، ~~وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه ، حتى ما أسمع صوته ، ثم تتقطع كقطع ~~الحساب ، ذاهبين ، ففرغ صلى الله عليه وسلم مع الفجر ، فقال : " أنمت ؟ " ~~فقلت : لا والله ، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم ~~بعصاك ، تقول : اجلسوا ، فقال : لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم ، ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل رأيت شيئا ؟ " قلت : نعم ، رجالا ~~سودا ، في ثياب بيض ، قال : " أولئك جن نصيبين " وكانوا اثني عشر ألفا ، ~~والسورة التي قرأ عليهم : {اقرأ باسم ربك}. فلما رجعوا إلى قومهم {قالوا يا ~~قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} قيل : قالوا ذلك لأنهم كاناو على ~~اليهودية ، وعن ابن عباس : إن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام وهو ~~بعيد. حال كون الكتاب {مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق} من العقائد ~~الصحيحة ، أو إلى الله ، {وإلى صراط مستقيم} يوصل إلى الله ، وهو الشرائع ~~والأعمال الصالحة. # 100 PageV07P143 ~~{يا قومنا أجيبوا داعي الله} وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، {وآمنوا به} أي ~~: بالرسول أو القرآن ، وصفوه بالدعوة إلى الله تعالى بعدما وصفوه بالهداية ~~إلى الحق والطريق المستقيم ؛ لتلازمهما ، دعوهم إلى ذلك بعد بيان حقيقته ~~واستقامته ، ترغيبا في الإجابة ، ثم أكدوه بقولهم : {يغفر لكم من ذنوبكم} ~~أي : بعض ذنوبكم ، وهو ما كان في حق خالص لله تعالى ، فإن حقوق العباد لا ~~تغفر بالإيمان ، وقيل : تغفر. {ويجركم من عذاب أليم} موجع. # واختلف في مؤمني الجن ، هل يثابون على الطاعون ، ويدخلون الجنة ، أو ~~يجارون من النار فقط ؟ قال الفخر : والصحيح أنهم ms2781 في حكم بني آدم ، يستحقون ~~الثواب على الطاعة ، والعقاب على المعصية ، وهو قول مالك ، وابن أبي ليلى ، ~~وقال الضحاك : يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. ه. ويؤده قوله تعالى : {ولكل ~~درجات مما عملوا} كما تقدم في الأنعام. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 99 # ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض} أي : لا ينجي منه مهرب ، ~~وإظهار " داعي الله " من غير اكتفاء بضميره ، للمبالغة في الإيجاب ، بزيادة ~~المهابة والتقرير وتربيته ، وإدخال الروعة. وتقييد الإعجاز بكونه في الأرض ~~؛ لتوسيع الدائرة ، أي : فليس بمعجز له تعالى وإن هرب في أقطار الأرض ودخل ~~في أعمالقها. {وليس له من دونه أولياء} ينصرونه من عذاب الله ، وهو بيان ~~لاستحالة نجاته بواسطة ، إثر بيان استحالة نجاته بنفسه ، وجمع " الأولياء " ~~مبالغة ، إذا كان لا ينفعه أولياء ، فأولى واحد. {أولئك} الموصوفون بعدم ~~إجابة داعي الله {في ضلال مبين} أي : ظاهر : بحيث لا تخفى ضلالته على أحد ، ~~حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه ، وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، ~~وأفراد أولا باعتبار لفظها. PageV07P144 # الإشارة : قد استعملت الجن الأدب بين يديه صلى الله عليه وسلم حيث قالوا : ~~أنصتوا ، فالجلوس مع الأكابر يحتاج إلى أدب كبير ، كالصمت ، والوقار ، ~~والهيبة ، والخضوع ، كما كانت حالة الصحابة رضي الله عنهم مع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إذا تكلم أنصتوا كأنما على رؤوسهم الطير. قال الشيخ أبو ~~الحسن رضي لله عنه : " إذا جالست الكبراء فدع ما تعرف إلى ما لا تعرف ، ~~لتفوز بالسر المكنون " فإذا انقضى مجلس التذكير رجع كل واحد منذرا وداعيا ~~إلى الله كل من لقيه ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه : " ليبلغ ~~الشاهد الغائب " فمن بلغه ذلك واستجاب ربح وغنم ، ومن لا يجب داعي الله خاب ~~وخسر ، والاستجابة أقسام ، قال القشيري : فمستجيب بنفسه ، ومستجيب بقلبه ، ~~ومستجيب بروحه ، ومستجيب بسره ، ومن توقف عند # 101 # دعاء الداعي إليه ، ولم يبادر إلى الاستجابة هجر فيما كان يخاطب به. ه. # قلت : المستجيب بنفسه هو المستجيب بالقيام بوظائف الإسلام ، والمستجيب ~~بقلبه القائم بوظائف الإيمان ، والمستجيب بروحه القائم ms2782 بوظائف الإحسان ، ~~والمستجيب بسره هو المتمكن من دوام الشهود والعيان ، وقول : هجر فيما يخاطب ~~به ، أي : كان يخاطب بملاحظة الإحسان ، فإذا لم يبادر قيد بسلاسل الامتحان. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 99 # قلت : {ولم يعي} حال من فاعل " خلق " ، يقال : عي ، كرضى ، وعي بالإدغام ~~، وهو أكثر. قاله في الصحاح. وفي القاموس : عي بالأمر وعيي كرضيى ، وتعايا ~~واستعيا وتعيا : لم يهتد لوجه مراده ، أو عجز عنه ولم يطق إحكامه. ه. ~~و{بقادر} خبر " أن " ، ودخلت الباء لاشتمال النفي الذي في صدر الآية على " ~~أن " وما في حيزها ، قال الزجاج : لو قلت : ما ظنت أن زيدا بقائم ، جاز. PageV07P145 # يقول الحق جل جلاله : {أو لم يروا} أي : ألم يتكفروا ولم يعلموا علما جازما ~~{أن الله الذي خلق السماوات والأرض} ابتداء من غير مثال يحتويه ، ولا قانون ~~يحتذيه ، {و} الحال أنه {لم يعي بخلقهن} أي : لم يتعب ولم ينصب بذلك أصلا ، ~~ولم يعجز عنه ، أليس من فعل ذلك {بقادر على أن يحيي الموتى بلى} جواب النفي ~~، أي : بلى هو قادر على ذلك ، {إنه على كل شيء قدير} تقرير للقدرة على وجه ~~عام ، ليكون كالبرهان على المقصود. # ثم ذكر عقاب من أنكر البعث المبرهن عليه ، فقال : {و} اذكر {يوم يعرض ~~الذين كفروا على النار} فيقال لهم : {أليس هذا بالحق} فالإشارة إلى ما ~~يشاهدونه من فظيع العذاب ، وفيه تهكم بهم ، وتوبيخ لهم ، على استهزائهم ~~بوعد الله تعالى ووعيده ، ونفيه بقوله : " وما نحن بمعذبين " ، {قالوا} في ~~جواب الملائكة : {بلى وربنا} إنه لحق ، أكدوا جوابهم بالقسم كأنهم يطمعون ~~في الخلاص بالاعتراف بحقيقتهما كما في الدنيا ، وأنى لهم ذلك ؟ {قال} تعالى ~~لهم : {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} بها في الدنيا ، ومعنى الأمر : ~~الإهانة بهم والتوبيخ لهم ، نعوذ بالله من موارد الهوان. # الإشارة : تربية اليقين تطلب في أمرين ، حتى يكونا كرأي العين : وجود ~~الحق أو شهوده ، وإيتان الساعة وقربها ، حتى تكون نصب العين ، وتقدم حديث ~~حارثة شاهدا على إيمانه ، حيث قال : " وكأني أنظر إلى أهل الجنة ~~يتزاورون... " الحديث. # 102 ms2783 # جزء : 7 رقم الصفحة : 102 PageV07P146 ### | AUTO سورة محمد # جزء : 7 رقم الصفحة : 102 # قلت : {الذين} : مبتدأ ، و{أضل} : خبر ، و{من ربهم} : من ضمير الحق ، ~~وجملة {وهو...} الخ : اعتراضية بين المبتدأ والخبر ، و{ذلك} : مبتدأ ، ~~و{بأن} : خبر. # يقول الحق جل جلاله : {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} أي : أعرضوا ~~وامتنعوا عن الدخول في الإسلام ، أو صدوا غيرهم عنه. قال الجوهري : صد عنه ~~، يصد ، صدودا : أعرض ، وصده عن الأمر صدا ، منعه ، وصرفه عنه. ه. وهم ~~المطعمون يوم بدر ، أو : أهل الكتاب ، كانوا يصدون من أراد الدخول في ~~الإسلام ، منهم ومن غيرهم ، أو عام في كل من كفر وصد ، فهؤلاء {أضل ~~أعمالهم} أي : أحبطها وأبطلها ، أي : جعلها ضالة ضائعة ، ليس لها من ~~يتقبلها ويثيب عليها ، كضالة الإبل. وليس المعنى أنه أبطلها بعد أن لم تكن ~~كذلك ، بل بمعنى : أنه حكم ببطلانها وضياعها ، فإن ما كانوا يعملونه من ~~أعمال البر ، كصلة الأرحام ، وقرى الضيف ، وفك الأسارى ، وغيرها من المكارم ~~، ليس لها أثر من أصلها ؛ لعدم الإيمان ، أو : أبطل ما عملوا من الكيد ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والصد عن سبيله ، بنصر رسوله ، وإظهار ~~دينه على الدين كله ، وهو الأوفق بقوله : {فتعسا لهم وأضل أعمالهم} [محمد : 8]. # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} قيل : هم ناس من قريش ، وقيل : من ~~الأنصار ، # 106 # وقيل : من آمن من أهل الكتاب ، والمختار أنه عام ، {وآمنوا بما نزل على ~~محمد} صلى الله عليه وسلم ، وهو القرآن ، وخص بالذكر من بين ما يجب الإيمان ~~به ؛ تنويها بشأنه ، وتنبيها على سمو مكانه من بين ما يجب الإيمان به ، ~~وأنه الأصل في الكل ؛ ولذلك أكده بقوله : {وهو الحق من ربهم} أي : القرآن : ~~لكونه ناسخا لغيره من الكتب ، وقيل : دين محمد صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لا ~~يرد عليه النسخ ، وهو ناسخ لسائر الأديان ، {كفر عنهم سيئاتهم} أي : ستر ~~بالإيمان والعمل الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي ؛ لرجوعهم عنها ~~بالتوبة {وأصلح بالهم} أي : حالهم وشانهم ، بالتوفيق لأمور الدين ، ~~وبالتسليط على الدنيا ، بما أعطاهم الله من النصرة ms2784 والعزة والتمكين في ~~البلاد. # { PageV07P147 ~~جزء : 7 رقم الصفحة : 106 # ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} ~~أي : ذلك الأمر ، وهو إضلال أعمال أهل الكفر ، وتفكير سيئات أهل الإيمان ، ~~وإصلاح شأنهم ؛ كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل ؛ وهو الشيطان ، حيث فعلوا ما ~~فعلوا من الكفر والصد ، واتباع هؤلاء الحق ، وهو القرآن ، أو ما جاء به صلى ~~الله عليه وسلم ، أو يراد بالباطل : الزائل الذاهب من الدين الفاسد ، ~~وبالحق : الدين الثابت ، أو يراد بالباطل : نفس الكفر والصد ، وبالحق : نفس ~~الإيمان والأعمال الصالحة. # {كذلك} أي : مثل الضرب البديع {يضرب الله} أي : يبين {للناس أمثالهم} أي ~~: أحوال الفريقين ، وأوصافهما ، الجارية في الغرابة مجرى الأمثال ، وهو ~~اتباع الأولين الباطل ، وخيبتهم وخسرانهم ، واتباع الآخرين الحق ، وفوزهم ~~وفلاحهم ، والضمير راجع إل الناس ، أو إلى المذكورين من الفريقين ، على ~~معنى : أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم ، وقد جعل اتباع الباطل ~~مثلا لعمل الكافرين ، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين ، أو جعل الإضلال ~~مثلا لخيبة الكفار ، وتكفير السيئات مثلا لفوز الأبرار. الإشارة : الذين ~~كفروا بوجود الخصوصية ، وصدوا الناس عنها ؛ أبطل سيرهم إليه ، فكلما ساروا ~~رجعوا ، والذين آمنوا الإيمان الكامل واتعبوا السنة النبوية ، ستر مساوئهم ~~، وأصلح شأنهم ، حتى صلحوا لحضرته. قال القشيري : الذين كفروا : امتنعوا ، ~~وصدوا : منعوا ، فلامتناعهم عن الله استوجبوا العقوبة ، ولمنعهم الخلق عن ~~الله استوجبوا الحجبة. ثم قال في قوله : {وأصلح بالهم} فالكفر للأعمال محبط ~~، والإيمان للخلود مسقط ، ويقال : الذين اشتغلوا بطاعة الله ، ولم يعملوا ~~شيئا مما خالف الله - فلا محالة - يقوم الله بكفاية أشغالهم. ه. PageV07P148 # وقوله تعالى : {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل...} الآية ، قال ~~الورتجبي : اتبع الكفرة ما وقع في مخايلهم ، من هواجس النفس ، ووساوس ~~الشيطان ، ولا يقبلون طرائق الرشد من حيث الوحي والإلهام ، وأن الذين صدقوا ~~في دين الله ، وشاهدوا الله بالله ، واتبعوا سنة رسوله وخطابه ، وما يقع في ~~أسرارهم من النور والبيان ، والإلهام والكلام ، بنعت # 107 # الإخلاص في طاعته ، والأدب في خدمته والإعراض عن غيره ، قال ابن عطاء : ~~اتباع ms2785 الباطل : ارتكاب الشهوات وأمالي النفس ، واتباع الحق : اتباع الأوامر ~~والسنن. ه. قال القشيري : اتباع الحق بموافقة السنة ، ومتابعة الجد في ~~رعاية الحق وإيثار رضاه ، والقيام بالطاعة ، واتباع الباطل : الابتداع ~~والعمل بالهوى ، وإيثار الحظوظ وارتكاب المعصية. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 106 # قلت : {فضرب} : مصدر ، نائب عن فعله ، مضاف إلى مفعوله ، و{منا} و{فداء} ~~: مصدران لمحذوف ، و{الذين كفروا} : مبتدأ حذف خبره ، وهو العامل في المصدر ~~، أي : والذين كفروا فأتعسهم تعسا ، و{أضل أعمالهم} : عطف على الخبر ~~المحذوف. PageV07P149 # يقول الحق جل جلاله : {فإذا لقيتم الذين كفروا} في المحاربة {فضرب الرقاب} ~~أصله : فاضربوا الرقاب ضربا ، فحذف الفعل وناب عن مصدره ؛ للاختصار ، مع ~~إعطاء معنى التوكيد ، لدلالة نصبه على مؤكده ، وضرب الرقاب عبارة عن مطلق ~~القتل ، والتعبير به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره ، وإرشاد ~~للغزاة إلى أيسر ما يكون ، {حتى إذا أثخنتموهم} أكثرتم فيه القتل ، ~~وأغلظتموه ، من : الشيء الثخين ، وهو الغليظ ، أو : أثقلتموهم بالجراح ~~وهزمتموهم ، {فشدوا الوثاق} أي : فأسروهم ، وشدوا وثاقهم ، لئلا يتفلتوا ، ~~والوثاق بالفتح والكسر : ما يشد به. فإذا أسرتموهم فتخيروا فيهم {وإما ~~فداء} أن تفدوا فداء ، والمعنى : التخير بين الأمرين بعد الأسر ، بين أن ~~يمنوا عليهم فيطلقوهم ، وبين أن يفادوهم ، ومذهب مالك : أن الإمام مخير في ~~الأسارى بين خمسة ، وهي : المن ، والفداء ، والقتل ، والاسترقاق ، وضرب ~~الجزية ، وقيل : لا يجوز المن ولا الفداء ؛ لأن الآية منسوخة بقوله : ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة : 5] فيتعين قتلهم ، والصحيح أنها ~~محكمة ، ومذهب الشافعي : أن الإمام مخير بين أربعة : القتل ، والاسترقاق ، ~~والفداء بأسارى المسلمين ، والمن. ولعل الجزية عنده خاصة بأهل الكتاب. # جزء : 7 رقم الصفحة : 108 # ومذهب أبي حنيفة : التخيير بين القتل والاسترقاق فقط ، قال : والآية ~~منسوخة ؛ لأن سورة براءة آخر ما نزل. وعن مجاهد : ليس اليوم من ولا فداء ، ~~والمراد بالمن في الآية. # 108 # أن يمن عليهم بترك القتل ، فيسترقوا ، أو يمن عليهم بإعطاء الجزية. ه. # والمشهور : مذهب مالك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عقبة بن أبي ~~معيط ، والنضر بن الحارث ، يوم بدر صبرا ms2786 ، وفادى سائر الأسارى ، ومن على ~~ثمامة بن أثال الحنفي ، وهو أسير ، وارتق نساء بني قريظة ، فابعهم ، وضرب ~~الجزية على نصارى نجران ومجوس هاجر. PageV07P150 # ثم ذكر غاية الحرب فقال : {حتى تضع الحرب أوزارها} أي : اضربوا رقابهم حتى ~~تضع الحرب أثقالها ، وآلاتها ، التي لا قوم إلا بها ، كالسلاح والكراع ، ~~وذلك حيث لم يبق حرب ، بأن تضع أهل الحرب عدتها ، وقيل : {أوزارها} آثامها ~~، يعني : حتى يترك أهل الحرب المشركين شركهم ، بأن يسلموا جميعا. والمختار ~~: أن المعنى : أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على سائر ~~الأديان ، ويؤمن أهل الكتاب ، طوعا أو كرها ، ويكون الدين كله لله ، فلا ~~يحتاج إلى قتال. وقال الحسن : معناه ، : حتى لا يعبد إلا الله. وقال ابن ~~عطية : ظاهر اللفظ : أنها استعارة ، يراد بها التزام الأمر كذلك أبدا ، كما ~~تقول : أنا أفعل ذلك إلى يوم القيامة. ه. فالغاية ب " حتى " راجعة إلى ~~الضرب والشد ، وما ترتب عليه من المن والفداء. # {ذلك} الأمر ذلك ، أو افعلوا ذلك ، {ولو يشاء الله لانتصر} لانتقم {منهم} ~~بغير قتال ؛ بأن ينزل بهم أسباب الهلاك والاستئصال ، كالخسف أو الرجف أو ~~غير ذلك ، {ولكن} أمركم بالقتال {ليبلوا بعضكم ببعض} أي : المؤمنين ~~بالكافرين ، فأمرهم بالجهاد ليستوجبوا الثواب العظيم ، وليسلم من سبق ~~إسلامه من الكافرين. {والذين قاتلوا في سبيل الله} لإعلاء كلمة التوحيد ، ~~لا لغرض آخر ، {فلن يضل أعمالهم} فلن يضيعها. # {سيهديهم} في الدنيا إلى طريق الرشد والصواب ، وفي الآخرة إلى جزيل ~~الثواب وقيل : يهديه إلى جواب منكر ونكير ، {ويصلح بالهم} بأن يقبل أعمالهم ~~ويرضي خصماءهم ، {ويدخلهم الجنة عرفها لهم}. قال مجاهد : عرفهم مساكنهم ~~فيها ؛ حتى لا يحتاجوا إلى دليل لها ، أو : طيبها ، من : العرف ، وهو طيب ~~الرائحة ، ويمكن الجمع : بأن عرف المحل يهدي صاحبه إلى جنته ومحله. PageV07P151 # {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله} بنصر دينه وإظهار شريعة نبيه ~~{ينصركم} على عدوكم ، ويفتح لكم ، {ويثبت أقدامكم} في مواطن الحرب ومواقفها ~~، أو على محجة الإسلام ، {والذين كفروا فتعسا لهم} أي : فيقال : تعسا لهم ، ~~والتعس : الهلاك ، أو السقوط والانحطاط ، أو ms2787 العثار ، أو البعد. وقال ابن ~~السكيت : التعس : أن يجر على وجهه. ه. أي : أتعسهم الله تعسا ، أي : أهلكهم ~~وأبعدهم. وقال ابن عباس : " في الدنيا # 109 # بالقتل والأسر ، وفي الآخرة بالتردي في النار ". والمراد بالذين كفروا ~~عام ، وقيل : المراد من يضاد الذين ينصرون دين الله ، كأنه قيل : إن تنصروا ~~الله ينصركم ويثبت أقدامكم ، ومن لم ينصره فتعسا له ، فوضع {الذين كفروا} ~~موضع من لم ينصره ؛ تغليظا ، فهو وفق لأسلوب السورة من التقابل المعنوي ، ~~فهو عطف جملة على جملة شرطية مثلها ، ولذلك دخلت الفاء في خبر الموصول ، ~~كما قرره الزجاج. انظر الطيبي. ه. من الحاشية. {وأضل أعمالهم} أي : أحبطها ~~وأبطلها. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 108 # ذلك} التعس والإضلال {بأنهم كرهوا ما أنزل الله} من القرآن ؛ لما فيه من ~~التوحيد ؛ وسائر الأحكام ، المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة ~~بالسوء ، {فأحبط} لأجل ذلك {أعمالهم} التي كانوا عملوها ، من صلة الأرحام ~~وغيرها. # الإشارة : نهاية الجهاد الأصغر : وضع الحرب أوزارها بالإسلام أو السلم ، ~~ونهاية الجهاد الأكبر : استسلام النفس وانقيادها لما يراد منها ، أو موتها ~~بالغيبة عنها بالكلية. قال بعض العارفين : انتهى سير السائرين إلى الظفر ~~بنفوسهم ، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. فالإشارة بقوله : {إذا لقيتم الذين ~~كفروا...} الخ إلى قتل الهوى والشطيان وسائر القواطع ، حتى إذا أثخنتموهم ~~فشدوا وثاقهم ، ولا تأمنوا غائلتهم. PageV07P152 # قال القشيري ، بعد كلام : وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه ؛ فلا ينبغي أن يبقي ~~بعد انتقاش شوكها بقية ، ولا في قلع شجرها مستطاعا وميسورا ؛ فالحية إن ~~بقيت منها بقية من الحياة من وضع عليها إصبعه بثت سمها فيه. ه. فإذا تمكنتم ~~من معرفة الله ، فإما أن تمنوا عليها بترك جهادها الأكبر ، وإما أن تفدوها ~~بالغيبة عنها في حلاوة الشهود ، حتى تضع الحرب أوزارها بالموت ، ولو شاء ~~الله لخلصكم منها من غير جهاد ، فالقدرة صالحة ، ولكن ليختبركم ، فيظهر ~~السائرون من القاعدين مع حظوظهم " لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ~~". والذين قاتلوا نفوسهم في سبيل الله وطلب معرفته ، فلن يضل أعمالهم ، ~~سيهديهم إلى معرفته ، ويصلح بالهم ms2788 بالاستغراق في شهوده ، ويدخلهم جنة ~~المعارف ، قد عرفها لهم ، وبينها على أيدي الوسائط من الشيوخ العارفين ، أو ~~طيبها لهم ، فيهتدون بنسيم واردات التوجه ، إلى أنوار المواجهة. وقد أشار ~~تعالى بقوله : {والذين قاتلوا في سبيل الله} إلى طلب الإخلاص ، فلا يوصل ~~الجهاد الأصغر ولا الأكبر إلى رضوان الله ، أو معرفته ، إلا بتحقق الإخلاص ~~، من غير التفات لغرض نفساني ، لا عاجلا ولا آجلا. # ذكر الشيخ أبو نعيم الحافظ : أن ميسرة الخادم ، قال : غزونا في بعض ~~الغزوات ، فإذا بفتى جانبي ، وهو مقنع بالحديد ، فحمل على الميمنة ، ثم ~~الميسرة ، ثم على القلب ، ثم أنشأ يقول : # أحسن بمولاك سعيد ظنا # هذا الذي كنت تمنى # تنح يا حور الجنان عنا # ما فيك قاتلنا ولا قتلنا # 110 # لكن إلى سيدكن اشتقنا # قد علم السر وما أعلنا # جزء : 7 رقم الصفحة : 108 # قال : فحمل فقاتل ، فقتل منهم عددا ، ثم رجع إلى موقفه ، فتكالب عليه ~~العدو ، فحمل ، وأنشأ يقول : # قد كنت أرجوا ورجائي لم يخب # ألا يضيع اليوم كدي والطلب PageV07P153 ~~يا من ملأ تلك القصور باللعب # لولاك ما طابت ولا طاب الطرب # ثم حمل فقاتل ، فقتل عددا كثيرا ، ثم رجع إلى مصافه ، فتكالب عليه العدو ~~، فحمل ثالثة ، وأنشأ يقول : # يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي # ما لك قاتلنا فكفي وارجعي # ثم ارجعي إلى الجنان وأسرعي # لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي # فقاتل رضي الله عنه حتى قتل - رحمه الله. ه. # قوله تعالى : {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} فيه ترغيب وتنشيط ~~لأهل الوعظ والتذكير ، الداعين إلى الله ، الذين يسعون في أظهار الدين ، ~~وإرشاد عباد الله إلى محبة الله وطاعته. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم ~~: " والذي نفس محمد بيده ، لئن شئتم لأقسمن لكم ، أن أحب عباد الله إلى ~~الله الذين يحببون الله إلى عباده ، ويحببون عباد الله إلى الله ، ويمشون ~~في الأرض بالنصيحة " وقال أيضا : " الخلق عيال الله ، وأحب الخلق إلى الله ~~أنفعهم لعياله " وأعظم النفع : إرشادهم إلى الله ، الذي هو سبب سعادتهم ~~السرمدية. # وقال الورتجبي : نصرة العبد ms2789 لله : أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه ، فإنهم ~~أعداؤه ، فإذا خاصمها يقويه الله وينصره عليهم ، بأن يدفع شرهم عنه ، ~~ويجعله مستقيما في طاعة الله ، ويجازيه بكشف جماله ، حتى يثبت في مقام ~~العبودية ، وانكشاف أنوار الربوبية. ه. # قال القشيري : ونصرة الله للعبد بإعلاء كلمته ، وقمع أعدائه. ثم قال في ~~قوله تعالى : {ويثبت أقدامكم} هو إدامة التوفيق ، لئلا ينهزم من صولة أعداء ~~الدين ، ولا يضعف قلبه في معاداتهم ، ولا ينكسر باطنه ثقة بالله في إعزاز ~~دينه. ه. ثم ذكر تعالى أضداد الداعين إلى الله ، الناصرين لدينه ، وهم ~~المنتقدون عليهم ، فقال : {والذين كفروا فتسعا لهم} أي : خيبة لهم ، {وأضل ~~أعمالهم} فلا يتوصلون بها إلى معرفته ، لكونها معلولة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 108 PageV07P154 ~~يقول الحق جل جلاله : {أفلم يسيروا} أي : أقعدوا فلم يسيروا {في الأرض} ~~يعني كفار مكة ، {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} من الأمم المكذبة ~~؟ فإن آثار ديارهم تنبئ عن أخبارهم ، فقد {دمر الله عليهم} فالجملة : ~~استئناف مبني على سؤال ، كأنه قيل : كيف كان عاقبتهم ؟ فقيل : استأصل الله ~~عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم ، يقال : دمره ؛ أهلكه ، ~~ودمر عليه : أهلك عليه ما يختص به ، قاله أبو السعود. وفي الصحاح : الدمار ~~: الهلاك ، دمره تدميرا ، ودمر عليه ، بمعنى. ه. فظاهرة : أن معناهما واحد ~~، وفسره في الأساس بالهلاك المستأصل ، وقال الطيبي : في دمر عليهم تضمين ~~معنى أطبق ، فعدي بعلى ، ولذلك استأصل. ه. # {وللكافرين} أي : ولهؤلاء الكافرين السائرين بسيرتهم {أمثالها} أي : ~~أمثال تلك الهلكة المفهومة من التدمير ، أو أمثال عواقبهم أو عقوباتهم ، ~~لكن لا على أن لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافه ؛ بل مثله ، وإنما جمع ~~باعتبار مماثلته لعواقب متعددة ، حسبما تعدد الأمم المعذبة ، ويجوز أن يكون ~~عذابهم أشد من عذاب الأولين فقد قتلوا وأسروا بأيدي من كانوا يستخفونهم ~~ويستضعفونهم ، والقتل بيد المثل أشد ألما من الهلاك بسبب عام ، وقيل : دمر ~~الله عليهم في الدنيا ، ولهم في الآخرة أمثالها. # {ذلك} أي : نصر المؤمنين وهلاك الكافرين في الحال أو المآل {بأن الله ~~مولى الذين آمنوا} أي ms2790 : ناصرهم ومعزهم {وأن الكافرين لا مولى لهم} فيدفع ~~عنهم ما حل بهم من العقوبة ، ولا يخالف هذا قوله : {ثم ردوا إلى الله ~~مولاهم الحق} [الأنعام : 62] لأن المولى هناك بمعنى المالك. PageV07P155 # {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} ~~وهذا بيان لحكم ولاية الله لهم وثمرتها الأخروية ، {والذين كفروا يتمتعون} ~~في الدنيا بمتاعها أياما قلائل ، {ويأكلون} غافلين عن عواقبهم ، غير ~~متفكرين فيها {كما تأكل الأنعام} في مسارحها ، غافلة عما هي بصدده من النحر ~~والذبح ، فالتشبيه بالأنعام صادق بالغفلة عن تدبير العاقبة ، وعن شكر ~~المنعم ، وبعدم التمييز للمضر من غيره ، كأكل الحرام وعدم توقيه ، وكذا ~~كونه غير مقصور على الحاجة ، ولا على وقتها ، وسيأتي في الإشارة إن شاء ~~الله. {والنار مثوى لهم} أي : منزل ثواه وإقامته ، والجملة إما حال مقدرة ~~من واو {يأكلون} ، أو استئناف. # جزء : 7 رقم الصفحة : 111 # الإشارة : تفكر الاعتبار يكون في أربعة ، الأول : في سرعة ذهاب الدنيا ~~وانقراضها ، # 112 # كأضغاث أحلام ، وكيف غرت من انتشب بها ، وأخذته في شبكتها ، حتى قدم على ~~الله بلا زاد ، وكيف دمر الله على أهل الطغيان ، واستأصل شأفتهم ، فينتج ~~ذلك التشمير والتأهب ليوم الجزاء. الثاني : في دوام دار البقاء ، ودوام ~~نعيمها ، فينتهز الفرصة في العمل الصالح ، . الثالث : في النعم التي أنعم ~~الله بها على عباده ، الدنيوية والأخروية ، الحسية والمعنوية ، قال تعالى : ~~{وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} [إبراهيم : 34] فينتج ذلك الشكر ، لتدوم ~~عليه. الرابع : في نصب هذه العوالم ، على ما هي عليه من الإبداع والإتقان ، ~~فيثمر ذلك معرفة الصانع ، وباهر قدرته وحكمته. PageV07P156 # وقوله تعالى : {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا...} الخ ، قال القشيري : ~~المولى : المحب ، فهو محب الذين آمنوا ، والكافرين لا يحبهم ، ويصح أن يقال ~~: أرجى آية في القرآن هذه الآية ، لم يقل مولى الزهاد والعباد وأصحاب ~~الأوراد والاجتهاد : بل قال : {مولى الذين آمنوا} والمؤمن وإن كان عاصيا ~~فهو من جملتهم. ه. والمحبة تتفاوت بقدر زيادة الإيمان والإيقان حتى يصير ~~محبوبا مقربا. # قوله تعالى : {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما ms2791 تأكل الأنعام} وكذلك ~~الغافل ، فالأنعام تأكل بلا تمييز ، من أي موضع وجدت ، كذلك الجاهل ، لا ~~تمييز له من الحلال أو من الحرام ، والأنعام ليس لها وقت لأكلها ، بل تأكل ~~في كل وقت ، وكذلك الغافل والكافر. فقد ورد " أن الكفار يأكل في سبعة أمعاء ~~، والمؤمن يجتزئ بما تيسر " ، كما في الخبر : " ما ملأ آدمي وعاء شرا من ~~بطن " والأنعام تأكل على الغفلة ، فمن كان في أكله ناسيا لربه ، فأكله كأكل ~~الأنعام. انظر القشيري. # جزء : 7 رقم الصفحة : 111 # قلت : {كأين} : كلمة مركبة من الكاف و" أي " ، بمعنى كم الخبرية ، ومحلها ~~: الرفع بالابتداء ، وقوله : {هي أشد} : نعت لقرية ، و{أهلكناهم} : خبر ، ~~وحذف المضاف ، أي : أهل قرية ، بدليل " أهكناهم ". # يقول الحق جل جلاله : {وكأين من قرية} أي : كثير من أهل قرية {هي أشد قوة ~~من قريتك} مكة ، {التي أخرجتك} أي : تسببوا في خروجك ، أي : وكم من قوم هم # 113 # أشد قوة من قومك الذين أخرجوك ، {أهلكناهم} بأنواع العذاب ، {فلا ناصر ~~لهم} فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم ، فأنتم يا معشر قريش أهون ~~منهم ، وأولى بنزول ما حجل بهم. PageV07P157 # {أفمن كان على بينة من ربه} أي : حجة واضحة ، وبرهان قاطع ، وهو القرآن ~~المعجز ، وسائر المعجزات ، يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، {كمن زين ~~له سوء عمله} وهو أهل مكة ، زين للشيطان شركهم وعداوتهم لله ولرسوله صلى ~~الله عليه وسلم {واتبعوا أهوائهم} الزائغة ، ونهمكوا في فنون الضلالات ، من ~~غير أن يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه ، فضلا عن حجة تدل عليها. وقيل : ~~المراد بمن كان على بينة : المؤمنون فقط ، المتمسكون بأدلة الدين. # قال أبو السعود : وجعلها عبارة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المؤمنين ~~، لا يساعد النظم الكريم ، عى أن الموازاة بينه صلى الله عليه وسلم ، وبين ~~من زين له سوء عمله مما يأباه منصبه الجليل. والتقدير : أليس الأمر كما ذكر ~~؟ فمن كان مستقرا على حجة ظاهرة ، وبرهان نير من مالك أمره ومربيه ، وهو ~~القرآن ، وسائر الحجج العقلية ، {كمن زين ms2792 له سوء عمله} من الشرك وسائر ~~المعاصي ، مع كونه في نفسه أقبح القبائح. ه. # الإشارة : في الآية تهديد لمن يؤذي أولياء الله ، ويخرجهم من مواطنهم ~~بالهلاك العاجل أو الآجل. وقوله تعالى : {أفمن كان على بينة من ربه} تقدم ~~في سورة هود الكلام عليها. وقال القشيري هنا ، في تفسير البينة : هي الضياء ~~والحجة والاستبصار بواضح المحجة ، فالعلماء في ضياء برهانهم ، والعارفون في ~~ضياء بيانهم ، فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يبصرون ، وهؤلاء بحكم الإلهام ~~والوصول يستبصرون. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 113 # {مثل} : مبتدأ حذف خبره ، أي : صفة الجنة ما تسمعون ، وقدره سيبويه : ~~فيما يتلى عليكم مثل الجنة ، وقيل : المثل زائد ، أي : الجنة فيها أنهار... ~~الخ ، و{كمن هو خالد} : خبر لمحذوف ، أي : أمن هو خالد في هذه الجنة ، كمن ~~هو خالد في النار ؟ PageV07P158 # يقول الحق جل جلاله : {مثل الجنة} أي : صفتها العجيبة ، العظيمة الشأن ~~{التي وعد المتقون} الشرك والمعاصي ، هو ما نذكره لكم ، {فيها أنهار من ماء ~~غير آسن} غير # 114 # متغير الطعم واللون والرائحة ، يقال : أسن الماء : إذا تغير ، سواء أنتن ~~أم لا ، فهو آسن وأسن ، {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} كما تتغير ألبان ~~الدنيا بالحموضة وغيرها ، وانظر إذا تمناه كذلك مرببا أو مضروبا. والظاهر : ~~أنه يعطاه كذلك ، إذ فيها ما تشتهيه الأنفس. {وأنهار من خبر لذة للشاربين} ~~أي : لذيذة ، ليس فيها كراهة طعم وريح ، ولا غائلة سكر ، وإنما هي تلذذ ~~محض. و" لذة " : إما تأنيث " لذ " بمعنى لذيذ ، أو : مصدر نعت به للمبالغة. # {وأنهار من عسل مصفى} لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شمع أو غيره ، وفي ~~حديث الترمذي : " إن في الجنة بحر الماء ، وبحر اللبن ، وبحر العسل ، وبحر ~~الخمر ، ثم تشقق الأنهار بعد " قال : حسن صحيح. وعن كعب : نهر دجلة من نهر ~~ماء الجنة ، والفرات نهر من لبنها ، والنيل من نهر خمرها ، وسيحان من نهر ~~عسلها ، والكل يخرج من الكوثر. قلت : ولعل الثالثة لما خرجوا إلى الدنيا ~~تغير حالهم ، ليبقى الإيمان بالغيب. والله تعالى أعلم. # قيل : بدئ من هذه ms2793 الأنهار بالماء ؛ لأنه لا يستغنى عنه قط ، ثم باللبن ؛ ~~لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات ، ثم بالخمر ؛ لأنه ~~إذا حصل الري المطعوم تشوقت النفس إلى ما يلتذ به ، ثم بالعسل ؛ لأنه فيه ~~الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم ؛ فهو متأخر في الرتبة. # {ولهم فيها} مع ما ذكر من فنون الأنعام {من كل الثمرات} أي : صنف من كل ~~الثمرات. {و} لهم {مغفرة} عظيمة {من ربهم} أي : كائنة من ربهم ، فهو متعلق ~~أي : مغفرة عظيمة من ربهم. وعبر بعنوان المغفرة دون الرحمة ؛ إشعارا بأن ~~الميل إلى نعيم الأشباح نقص في الدارين يستوجب المغفرة. PageV07P159 # جزء : 7 رقم الصفحة : 114 # أيكون هذا {كمن هو خالد في النار} ؟ أو : مثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد ~~في النار ؟ وهو كلام في صورة الإثبات ، ومعناه : النفي ، لانطوائه تحت حكم ~~كلام مصدر بحرف الإنكار ، ودخوله في حيزه ، وهو قوله : {أفمن كان على بينة ~~من ربه كمن زين له سوء عمله} [محمد : 14] ، وفائدة حذف حرف الإنكار ، زيادة ~~تصوير لمكابرة من يسوي بين # 115 # المتمسك بالبينة والتابع لهواه ، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة ~~، التي يجري فيها تلك الأنهار ، وبين النار ، التي يسقى أهلها الحميم الحار ~~، المشار إليه بقوله : {وسقوا ماء حميما} حارا في النهاية ، إذا دنا منهم ~~شوى وجوههم ، ووقعت فروة رؤوسهم {فقطع أمعاءهم} مصارينهم ، التي هي مكان ~~تلك الأشربة. نسأل الله العافية. # الإشارة : مثل جنة المعارف ، التي وعدها المتقون كل ما يشغل عن الله ، ~~فيها أنهار من ماء علوم الحقيقة ، غير متغير صفاؤها ، ولا متكدرة أنوارها ، ~~وأنهار من لبن علوم الشريعة المؤيدة بالكتاب والسنة ، لم تتغير حلاوة ~~معاملتها ، ولا لذة مناجاتها ، وأنهار من خمرة الشهود ، لذة للشاربين لها ، ~~تذهل حلاوتها العقول ، وتفوت عن مدارك النقول ، وأنها من عسل حلاوة ~~المكالمة والمساررة والمناجاة ، صافيات الأوقات ، محفوظة من المكدرات ، ~~ولهم فيه من طرف الحكم وفواكه العلوم ، ما لا تحصيه الطروس ، ولا تدركه ~~محافل الدروس. # قال القشيري : (مثل الجنة) أي : صفتها كذا ، وللأولياء اليوم ms2794 ، لهم شراب ~~الوفاء ، ثم شراب الصفاء ، ثم شراب الولاء ، ثم شراب في حال اللقاء ، ولكل ~~من هذه الأشربة عمل ، ولصاحبه سكر وصحو ، فمن تحسى شراب الوفاء لم ينظر إلى ~~أحد من الخلق في أيام غيبته عن إحساسه ، وأنشدوا : # وما سر صدري منذ شطت بك النوى # أنيس ولا كأس ولا متطرف PageV07P160 ~~ومن شرب بكأس الصفا خلص له عن كل شوب بلا كدورة في عهده ، فهو في كل وقت ~~ظامئ عن نفسه ، خال عن مطالباته ، قائم به ، بلا شغل في الدنيا ولا في ~~الآخرة ، ومن شرب كأس الولاء عدم فيه القرار ، ولم يغب سيره لحظة ، ليلا ~~ولا نهارا ، ومن شرب في حال اللقاء أنس على الدوام ببقائه ؛ فلم يطلب مع ~~بقائه شيئا آخر ، لا من عطائه ولا من لقائه لاستهلاكه في علائه عند سطوات ~~كبريائه. ه. # قلت : أما شراب الوفاء ؛ فهو عقد الإرادة مع الشيخ ، أو عقد المحبة ~~والخدمة مع الحق ، فيجب الوفاء بكل منهما ، وهو كشرب العطشان من الماء ~~العذب ، وأما شراب الصفاء فهو صفاء العلم بالله ، وهو كاللبن تتغذى به ~~الأرواح في حال ترقيها إلى الحضرة ، وأما شراب الولاء فهو شراب أهل التمكين ~~من الولاية الكبرى ، فيشربون من الخمرة الأزلية ، فيسكرون ، ثم يصحون ، ~~وفيها يقول الششتري رضي الله عنه : # جزء : 7 رقم الصفحة : 114 # لا شراب الدوالي ، إنها أرضيه # خمرها دون خمري ، خمرتي أزليه # وأما شراب حال اللقاء ؛ فالمراد به ، أوقات رجوعهم إلى البقاء ، فيتفننون ~~في علوم الحكمة وحلاوة المعاملة. والله تعالى أعلم. # 116 # جزء : 7 رقم الصفحة : 114 # قلت : {آنفا} : قال الزمخشري ومن تبعه : ظرف ، أي : الساعة ، وقال أبو ~~حيان : لا أعلم أحدا عده من الظروف ، وجوز " مكي " فيه الظرف والحالية. قال ~~الهروي : " آنفا " مأخذوة من : ائتنفت الشيء : إذا ابتدأته ، وروضة أنف : ~~إذا لم ترع. المعنى : ماذا قال في وقت يقرب من وقتنا ؟ و{أن تأتيهم} : بدل ~~اشتمال من الساعة. PageV07P161 # يقول الحق جل جلاله : {ومنهم من يستمع إليك} وهم المنافقون ، كانوا يحضرون ~~مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويسمعون ms2795 كلامه ولا يعونه ، ولا ~~يراعونه حق رعايته ، تهاونا منهم ، {حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين ~~أوتوا العلم} من الصحابة رضي الله عنهم : {ماذا قال آنفا} ما الذي قال ~~الساعة ؟ على طريقة الاستهزاء ، أو : ما القول الذي ائتنفه الآن قبل ~~انفصالنا عنه ؟ # وقال مقاتل : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، ويعيب المنافقين ، ~~فسمع المنافقون قوله ، فلما خرجوا من المسجد ، سألوا ابن مسعود عما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء. وقال ابن عباس : " أنا من الذين أوتوا ~~العلم ، وقد سئلت فيمن سئل ". ويقال : الناس ثلاثة : سامع عامل ، وسامع ~~غافل ، وسامع تارك. # {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} لعدم توجهها إلى الخير أصلا ، ~~{واتبعوا أهواءهم} الباطلة ، فلذلك فعلوا ما فعلوا ، مما لا خير فيه ، ~~{والذين اهتدوا} إلى طريق الحق {زادهم} الله بذلك {هدى} علما وبصيرة ، أو ~~شرح صدر بالتوفيق والإلهام ، أو : زادهم ما سمعوا من الرسول صلى الله عليه ~~وسلم هداية على ما عندهم ، {وآتاهم تقواهم} أعانهم عليها ، أو : آتاهم جزاء ~~تقواهم ، أو : بين لهم ما يتقون. # {فهل ينظرون} أي : ما ينتظرون {إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} أي : تباغتهم ~~بغتة ، وهي الفجاءة ، والمعنى : أنهم لا يتذكرون بأحوال الأمم الخالية ، ~~ولا بالإخبار بإتيان الساعة ، وما فيها من عظائم الأهوال ، وما ينظرون إلا ~~إتيان نفس الساعة بغتة ، {فقد جاء أشراطها} علاماتهان جمع : شرط بالتحريك ، ~~بمعنى : العلامة ، وهي مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، وانشقاق القمر ، ~~والدخان ، على قول. وقيل : قطع الأرحام ، وقلة الكرام ، وكثر اللئام ، ~~فقوله تعالى : {فقد جاء أشراطها} تعليل لمفاجأتها ، لا لمطلق إتيانها ، على ~~معنى : أنه لم يبق من الأمور الموجبة للتذكير أمر مترقب ينتظرونه سوى إتيان ~~نفس الساعة إذ قد جاء PageV07P162 ~~117 # أشراطها ، فلم يرفعوا لها رأسا ، ولم يعدوها من مبادئ إتيانها ؛ فيكون ~~إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 117 # فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} قال الأخفش : التقدير : فأنى لهم ذكراهم إذا ~~جاءتهم ، أي : فمن أين لهم التذكير والاتعاظ إذا جاءتهم الساعة ؟ ف " ~~ذكراهم " : مبتدأ ، و" ms2796 أنى " : خبر مقدم ، و" إذا جاءتهم " : اعتراض ، وسط ~~بينهما ، رمز إلى غاية سرعة مجيئها ، والمقصود : عدم نفع التذكير عند ~~مجيئها ، كقوله تعالى : {يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} ~~[الفجر : 23]. # الإشارة : مجلس الوعظ والتذكير ، إن كان المذكر من أهل التنوير ، نهض ~~المستمع له إلى الله قطعا ، لكن ذلك يتفاوت على قدر سريان النور فيه قطعا ، ~~فمنهم من يصل النور إلى ظاهر قلبه ، ومنهم من يصل إلى داخل القلب ، ومنهم ~~من يصل إلى روحه ، ومنهم من يصل إلى سره ، وذلك على قدر التفرع والاستعداد ~~، فمن وصل النور إلى ظاهر قلبه نهض إلى العمل الظاهر ، وكان بين حب الدنيا ~~والآخرة ، ومن وصل إلى قلبه نهض بقلبه إلى الله ، ورفض الدنيا وراءه ، ومن ~~وصل إلى روحه انكشف عنه الحجاب ، ومن وصل إلى سره تمكن من شهود الحق. # وفي الحكم : " تسبق أنوار الحكماء أقوالهم ، فحيثما سار التنوير وصل ~~التعبير " ، وهذا إن حضر مستفيدا ، وأما إن حضر منتقدا ، فهو قوله تعالى : ~~{ومنهم من يستمع إليك...} الآية ، والذين اهتدوا لدخول طريق التربية زادهم ~~هدى ، فلا يزالون يزيدون تربية وترقية إلى أن يصلوا إلى مقام التمكين من ~~الشهود. قال القشيري : والذين اهتدوا بأنواع المجاهدات زادهم هدى لأنوار ~~المشاهدات ، واهتدوا بتأمل البرهان ، فزادهم هدى بروح البيان ، أو اهتدوا ~~بعلم اليقين ، فزادهم هدى بحق اليقين. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 117 PageV07P163 ~~يقول الحق جل جلاله : {فاعلم أنه لا إله إلا الله} أي : إذا علمت أن مدار ~~السعادة ، والفوز بالنعيم في دار البقاء هو التوحيد والطاعة ، ومناط الشقاء ~~والخسران في دار الهوان هو الإشراك والعصيان ، فاثبت على ما أنت عليه من ~~التوحيد ، واعلم أنه لا إله في الوجود إلا الله ، فلا يستحق العبادة غيره ، ~~{واستغفر لذنبك} وهو ما قد يصدر منه صلى الله عليه وسلم من خلاف الأولى ، ~~عبر عنه بالذنب نظرا إلى منصبه الجليل ، كيف لا ، وحسنات الأبرار سيئات ~~المقربين ؟ فكل مقام له آداب ، فإذا أخل بشيء من آدابه أمر بالاستغفار ، ~~فلمقام الرسالة آداب ، ولمقام الولاية آداب ، ولمقام ms2797 الصلاة آداب ، وضعف ~~العبودية لا يقوم # 118 # بجميع حقوق الربوبية ، قال تعالى : {وما قدروا الله حق قدره} [الزمر : ~~67]. وبالجملة فالقيام بالآداب مع الله - تعالى - على ما يستحقه - سبحانه - ~~حتى يحيط العبد بجميع الآداب مع عظمة الربوبية محال عادة ، قال صلى الله ~~عليه وسلم مع جلالة منصبه : " لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ~~" فكل ما قرب العبد من الحضرة شدد عليه في طلب الأدب ، فإذا أخذته سنة أمر ~~بالاستغفار ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس سبعين مرة ، ~~أو مائة ، على ما في الأثر. PageV07P164 # وقال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن الفاسي ، بعد كلام : والحق أن استغفاره ~~صلى الله عليه وسلم طلب ثبات المغفرة والستر من الوقوع ، لا طلب العفو بعد ~~الوقوع ، وقد أخبره تعالى بأنه فعل. وقد يقال : استغفار تعبد لا غير. قال : ~~والذي يظهر لي أن أمره بالاستغفار مع وعد الله بأنه مغفور له ؛ إشارة إلى ~~الوقوف مع غيب المشيئة ، لا مع الوعد ، وذلك حقيقة ، والوقوف مع الوعد ~~شريعة. وقال الطيبي : إذا تيقنت أن الساعة آتية ، وقد جاء أشراطها ، فخذ ~~بالأهم فالأهم ، والأولى فالأولى ، فتمسك بالتوحيد ، ونزه الله عما لا ~~ينبغي ، ثم طهر نفسك بالاستغفار عما لا يليق بك ، من ترك الأولى ، فإذا صرت ~~كاملا في نفسك فكن مكملا لغيرك ، فاستغفر {للمؤمنين والمؤمنات}. ه. أي : ~~استغفر لذنوبهم بالدعاء لهم ، وترغيبهم فيما يستدعي غفران ذنوبهم. # وفي إعادة الجار تنبيه على اختلاف معلقيه ؛ إذ ليس موجب استغفاره صلى ~~الله عليه وسلم كموجب استغفارهم ، فسيئاته - عليه السلام - فرضا حسناتهم. ~~وفي حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه - أي : ولذنب المؤمنين - إشعار ~~بعراقتهم في الذنوب ، وفرط افتقارهم إلى الاستغفار. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 118 PageV07P165 ~~والله يعلم متقلبكم ومثواكم} أي : يعلم متقلبكم في الدنيا ، فإنها مراحل لا ~~بد من قطعه ، ويعلم مثواكم في العقبى ؛ فإنها مواطن إقامتكم ، فلا يأمركم ~~إلا بما هو خير لكم فيهما ، فبادروا إلى الامتثال لما أمركم به ، فإنه ~~المهم لكم ، أو : يعلم متقلبكم : في معايشكم ومتاجركم ، ومثواكم ms2798 : حيث ~~تستقروا في منازلكم ، أو متقلبكم : في حياتكم ، ومثواكم : في القبور ، أو : ~~متقلبكم : في أعمالكم الحسنة أو السيئة ، ومثواكم : من الجنة أو النار ، أو ~~: يعلم جميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها ، فمثله حقيق بأن يخشى ويتقى ~~ويستغفر. الإشارة : قال القشيري : قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ~~{فاعلم أنه لا إله إلا الله} وكان # 119 # عالما ، ولكن أمره باستدامة العلم واستزادته ، وذلك في الثاني من حاله في ~~ابتداء العلم ، لأن العلم أمر ، ولا يجوز البقاء على الأمر الواحد ، فكل ~~لحظة يأتي فيها علم. ويقال : كان له علم اليقين ، فأمر بعين اليقين ، فأمر ~~بعين اليقين ، أو : كان له عيه اليقين ، فأمر بحق اليقين. ويقال : قال صلى ~~الله عليه وسلم : " أنا أعملكم بالله وأخشاكم له " فنزلت الآية ، أي : أمر ~~بالتواضع. وهنا سؤال : كيف قال : " فاعلم " ولم يقل صلى الله عليه وسلم بعد ~~: علمت ، كما قال إبراهيم حين قال له : {أسلم قال أسلمت} [البقرة : 131] ~~ويجاب : بأن الله تعالى أخبر عنه بقوله : {ءامن الرسول} [البقرة : 285] ~~والإيمان هو العلم ، فإخبار الحق تعالى عنه أتم من إخباره عن نفسه بقوله : علمته. PageV07P166 # ويقال : إبراهيم عليه السلام لما قال : {أسلمت} ابتلي ، ونبينا صلى الله ~~عليه وسلم لم يقل علمت ، فعوفي ، ويقال : فرق بين موسى ، لما احتاج إلى ~~زيادة العلم أحيل على الخضر ، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال له : {وقل رب ~~زدنى علما} [طه : 114] فكم بين من أحيل في استزادة العلم على عبد ، وبين من ~~أمر باستزادة العلم من الحق. ويقال : إنما أمره بقوله : {فاعلم} بالانقطاع ~~إليه من الحظوظ من الخلق ، ثم بالانقطاع منه إليه ، وإذا قال العبد هذه ~~الكلمة على العادة ، والغفلة عن الحقيقة ، وهي نصف البيان ؛ فليس لهذا ~~القول كبير قيمة ، وهذا إذا تعجب من شيء فذكر هذه الكلمة ، فليس له قدر ، ~~وإذا قاله مخلصا ذاكرا لمعناها ، متحققا بحقيقتها ، فإن قاله بنفسه فهو في ~~وطن التفرقة ، وعندهم هذا من الشرك الخفي ، وإن قاله بالحق فهو إخلاص ، ~~والعبد أولا يعلم ربه بدليل وحجة ، فعلمه بنفسه ضروري ms2799 ، وهو أصل الأصول ، ~~وعليه ينبني كل علم استدلالي. ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان ، وزيادة ~~الحجج ، ويتناقض علمه بنفسه لغلبة ذكر الله بقلبه عليه ، فإذا انتهى لحال ~~المشاهدة ، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه ، صار علمه في تلك الحالة ضروريا ، ~~ويقل إحساسه بنفسه ، حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلال ، وكأنه غافل عن نفسه ~~، أو ناس لنفسه ، ويقال : الذي في البحر غلب عليه ما يأخذه من الرؤية عن ~~ذكر نفسه ، فإذا ركب البحر فر من هذه الحالة ، فإذا غرق في البحر فلا إحساس ~~له بشيء سوى ما هو مستغرق فيه مستهلك. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 118 # قلت : لا مدخل للحجج هنا ، وإنما هو أذواق وكشوفات ، فالصواب أن يقول : ~~ثم تزداد قوة علمه ، بزيادة الكشف والذوق ، حتى يغيب عن وجوده ، بشهود ~~معبوده ، فيتناقض علمه ، فيصير علمه بالله ضروريا ، وعلمه بعدم وجوده ~~ضروريا ، والله تعالى أعلم. PageV07P167 # وقوله تعالى : {واستغفر لذنبك} قال الورتجبي عن الجنيد : أي : اعلم حقيقة ~~أنك بنا ولنا وبنا ، علمتنا ، وإياك أن ترى نفسك في ذلك ، فإن خطر بك خاطر ~~غير ، فاستغفر # 120 # من خاطرك ، فلا ذنب ولا خطب أعظم ممن رجع عنا إلى سوانا ، ولو في خطرة ~~ونفس ، ثم قال عن الأستاذ القشيري : إذا علمت أنك علمته فاستغفر لذنبك من ~~هذا ؛ فإن الحق علا جلال قدره أن يعلمه غيره. ه. قلت : وحاصله : أن ~~استغفاره صلى الله عليه وسلم ما عسى أن يخطر بباله رؤية وجوده ، كما قال ~~الشاعر : # وجودك ذنب لا يقاس به ذنب # فلا وجود للغير معه أصلا ، فهو الذي عرف نفسه بنفسه ، ووحد نفسه بنفسه ، ~~وقدس نفسه بنفسه ، وعظم نفسه بنفسه ، كما قال الهروي رضي الله عنه حين سئل ~~عن التوحيد الخاص : # ما وحد الواحد من واحد # إذ كل من وحده جاحد # توحيد من ينطق عن نعته # عارية أبطلها الواحد # توحيده إياه توحيده # ونعت من ينعته لأحد # جزء : 7 رقم الصفحة : 118 # يقول الحق جل جلاله : {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة} فيها ذكر ~~الجهاد ، وذلك أن المؤمنين كان حرصهم ms2800 على الجهاد يبعثهم على تمني ظهور ~~الإسلام ، وتمني قتال العدو ، فكانوا يأنسوا بالوحي ، ويستوحشون إذا أبطأ ، ~~وكان المنافقون على العكس من ذلك ، {فإذا أنزلت سورة} في معنى الجهاد ~~{محكمة} أي : مبينة غير متشابهة ، لا تحتمل وجها إلا وجوب الجهاد. وعن ~~قتادة : كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة ؛ لأن النسخ لا يرد عليها ؛ لأن ~~القتال نسخ ما كان قبل من الصلح والمهادنة ، وهو غير منسوخ إلى يوم ~~القيامة. ه. PageV07P168 # {وذكر فيها القتال} أي : أمر فيها بالجهاد {رأيت الذين في قلوبهم مرض} نفاق ~~، أي : رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها ، {ينظرون إليك نظر المغشي ~~عليه من الموت} أي : تشخص أبصارهم جبنا وجزعا ؛ كما ينظر من أصابته الغشية ~~عند الموت. # قال القشيري : كان المسلمون تضيق صدورهم لتأخر الوحي ، وكانوا يتمنون أن ~~ينزل الوحي بسرعة ، والمنافقون إذا ذكر القتال يكرهون ذلك ؛ لما كان يشق ~~عليهم القتال ، # 121 # فكانوا بذلك يفتضحون وينظرون إليه نظر المغشي عليه من الموت ؛ أي : بغاية ~~الكراهة لذلك ، {فأولى لهم} تهديد ، أي : الوعيد لهم ه. وقيل : المعنى : ~~فويل لهم ، وهو أفعل ، من : الولي ، وهو القرب ، والمعنى : الدعاء عليهم ~~بأن يليهم المكروه ، ويقرب من ساحتهم ، وقيل : أصله : أويل ، فقلب ، فوزنه ~~: أفلع ، قال الثعلبي : يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت : أولى لك ، أي : قاربت العطب. # وقوله تعالى : {طاعة وقول معروف} استئناف ، أي : طاعة لله وللرسول ، وقول ~~معروف حسن خير لهم ، أو : يكون حكاية قول المنافقين ، أي : قالوا : أمرنا ~~طاعة وقول معروف ، قالوه نفاقا ، فيكون خبرا عن مضمر ، وقيل : " أولى " : ~~مبتدأ ، و" طاعة " : خبره ، وهذا أحسن ، وهو المشهور من استعمال " أولى " ~~بمعنى : أحق وأصوب ، أي : فالطاعة والقول المعروف أولى لهم وأصوب. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 121 # فإذا عزم الأمر} أي : فإذا جد الأمر ولزمهم القتال {فلو صدقوا الله} في ~~الإيمان والطاعة {لكان} الصدق {خيرا لهم} من كراهة الجهاد ، وقيل : جواب " ~~إذا " وهو العامل فيها - محذوف ، أي : فإذا عزم الأمر خالفوا أو تخلفوا ، ~~أو نافقوا ، أو كرهوا. PageV07P169 # {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسداو في ms2801 الأرض وتقطعوا أرحامكم} أي : فلعلكم إن ~~أعرضتم عن دين الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجعوا إلى ما ~~كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض ، بالتغاور والتناهب ، وقطع ~~الأرحام ، بمقاتلة بعض الأقارب بعضا ، أو : فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس ~~وتأمرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض ، تفاخرا على الملك ، وتهالكا على الدنيا ~~، فإن أحوالكم شاهدة بذلك من خراب الدين ، والحرص على الدنيا. قال في ~~الحاشية الفاسية : والأشهر أنه من الولاية ، أي : إن وليتم الحكم ، وقد جاء ~~حديث أنهم قريش ؛ أخذ الله عليهم إن ولوا أمر الناس ألا يفسدوا ، ولا ~~يقطعوا الأرحام ، قاله ابن حجر. ه. # وخبر " عسى " : " أن تفسدوا " والشرط اعتراض بين الاسم والخبر ، والتقدير ~~: فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض إن توليتم. تقول : عسى يا فلان إن فعلت كذا ~~أن يكون كذا ، فهل عسيت أنت ذلك ، أي : فهل توقعت ذلك ؟ {أولئك} المذكورون ~~، فالإشارة إلى المخاطبين ، إيذانا بأن ذكر مساوئهم أوجب إسقاطهم عن رتبة ~~الخطاب ، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم ، وهو مبتدأ ، وخبره : {الذين ~~لعنهم الله} أبعدهم عن رحمته ، {فأصمهم} عن استماع الحق والموعظة لتصاممهم ~~عنه بسوء اختيارهم ، {وأعمى أبصارهم} لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات ~~المنصوبة في الأنفس والآفاق. # {أفلا يتدبرون القرآن} فيعرفون ما فيه من المواعظ والزواجر ، حتى لا ~~يقعوا فيما # 122 PageV07P170 ~~وقعوا فيه من الموبقات ، {أم على قلوب أقفالها} فلا يصل إليها وعظ أصلا ، ~~و" أم " منقطعة ، وما فيها من معنى " بل " للانتقال من التوبيخ على عدم ~~التدبر إلى الوبيخ بكون قلوبهم مقفلة ، لا تقبل التدبر والتفكر ، والهمزة ~~للتقرير. وتنكير " قلوب " ، إما لتهويل حالها ، وتفظيع شأنها ، بإبهام ~~أمرها في الفساد والجهالة ، كأنه قيل : قلوب منكرة لا يعرف حالها ، ولا ~~يقادر قدرها في القسوة ، إما لأن المراد بها قلوب بعض منهم ، وهم المنافقون ~~، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها مخصوصة بها ، مناسبة لها ، غير ~~مجانسة لسائر الأفعال المعهودة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 121 # قال القشيري : إذا تدبروا القرآن أفضى بهم إلى حس العرفان ، وأزاحهم عن ~~ظلمة ms2802 التحير {أم على قلوب أقفالها} أقفل الحق على قلوب الكفار ، فلا يدخلها ~~زواجر التنبيه ، ولا تنبسط عليها شعاع العلم ، ولا يحصل فيهم الخطاب ، ~~والباب إذا كان مقفلا ، فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه ، كذلك هي ~~قلوب الكفار مقفلة ؛ فلا الكفر الذي فيها يخرج ، ولا الإيمان الذي يدعون ~~إليه يدخل في قلوبهم. ه. PageV07P171 # وقال ابن عطية : هو الران الذي منعهم من الإيمان ، ثم ذكر حكاية الشاب ، ~~وذلك أن وفد اليمن قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم شاب ، فقرأ ~~عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ، فقال الشاب : عليها أقفالها ~~حتى يفتحها الله ويفرجها ، قال عمر : فعظم في عيني ، فما زالت في نفس عمر ~~رضي الله عنه حتى ولي الخلافة ، فاستعان بذلك الفتى. ه. وفي الحديث : " إذا ~~أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه ، وجعل فيه اليقين ". الإشارة : أهل ~~التوجه والرياضة يفرحون بما ينزل بهم ، مما يثقل على نفوسهم ، كالفاقات ~~والأزمات ، وتسليط الخلق عليهم ، وغير ذلك من النوائب ؛ لتموت نفوسهم ؛ ~~فتحيا قلوبهم وأرواحهم بمعرفة الله ، والذين في قلوبهم مرض كالوساوس ~~والخواطر يفرون من ذلك ، وينظرون - حين يرون أمارات ذلك - نظر المغشي عليه ~~من الموت ، فالأولى لهم الخضوع تحت مجاري الأقدار ، والرضا والتسليم لأحكام ~~الواحد القهار ، فإذا عزم الأمر بالتوجه إلى جهاد النفس ، أو بالسفر إلى من ~~يداويها ، فلو صدقوا في الطلب ، وتوجهوا للطبيب ، لكان خيرا لهم. فهل عسيتم ~~إن توليتم وأعرضتم عن ذلك ، ولم تسافروا إلى الطبيب ، أن تفسدوا في الأرض ~~بالمعاصي والغفلة ، وتقطعوا أرحامكم ، إذا لا يصل رحمه حقيقة إلا من صفا ~~قلبه ، ودخله الخوف والهيبة ، أولئك الذي أبعدهم الله عن حضرته ، فأصمهم عن ~~سماع الداعي إلى الله ، وأعمى أبصارهم عن رؤية خصوصيته ، وأنوار معرفته ، ~~أفلا يتدبرون القرآن ، فإن فيه علوم الظاهر والباطن ، لكن إذا زالت عن # 123 # القلوب الأقفال ، وحاصلها أربعة : حب الدنيا ، وحب الرئاسة ، والانهماك ~~في الحظوظ والشهوات ، وكثرة العلائق والشواغل ، فإن سلم من هذه صفا قلبه ، ~~وتجلت فيه أسرار معاني الذات ms2803 والصفات ، فيتدبر القرآن ، ويغوص في بحر ~~أسراره ، ويستخرج يواقيته ودرره. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 121 PageV07P172 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} أي : رجعوا إلا الكفر ~~، وهم المنافقون ، الذين وصفوا قبل بمرض القلوب ، وغيره ، من قبائح الأفعال ~~والأحوال ، فإنهم كفروا به صلى الله عليه وسلم {من بعد ما تبين لهم الهدى} ~~بالدلائل الظاهرة ، والمعجزات القاهرة. وقيل : اليهود ، وقيل : أهل ~~الكتابين جميعا ، كفروا به صلى الله عليه وسلم بعدما وجدوا نعته في كتابهم ~~، وعرفوا أنه المنعوت بذلك ، وقوله تعالى : {الشيطان سول لهم} الجملة : خبر ~~" إن " أي : الشيطان زين لهم ذلك ، أو : سهل لهم ركوب العظائم ، من : السول ~~، وهو الاسترخاء ، أي : أرخى العنان لهم ، حتى جرهم إلى مراده ، {وأملى ~~لهم} ومد لهم في الآمال والأماني ، وقرأ البصري : " وأملي " بالبناء ~~للمفعول ، أي : أمهلوا ومد في عمرهم. # {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله} الإشارة إلى ما ذكر من ~~ارتدادهم ، لا إلى الإملاء ، ولا إلى التسويل - كما قيل - إذ ليس شيئا ~~منهما سببا في القول الآتي ؛ أي : ذلك الارتداد بسبب أنهم - أي المنافقون - ~~قالوا لليهود الذين كرهوا ما نزل الله من القرآن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعدما علموا أنه من عند الله حسدا وطمعا في نزوله عليهم : ~~{سنطيعكم في بعض الأمر} أي : عداوة محمد والقعود عن نصر دينه ، أو : في ~~نصرهم والدفع عنهم إن نزل بهم شيء ، من قبله عليه السلام ، وهو الذي حكاه ~~عنهم بقوله تعالى : {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم...} [الحشر : ~~11] الآية وهم بنو قريظة والنضير ، الذين كانوا يوالونهم ويوادونهم ، وإنما ~~كانوا يقولون لهم ذلك سرا ، كما ينبئ عنه قوله تعالى : {والله يعلم ~~أسرارهم} أي : جميع أسرارهم التي من جملتها : قولهم هذا ، وقرأ الأخوان ~~وحفص بكسر الهمزة مصدر ، أي : إخفاءهم لما يقولون لليهود. # 124 PageV07P173 ~~{فكيف} تكون حيلتهم وما يصنعون {إذا توفتهم الملائكة} حال كونهم {يضربون ~~وجوههم وأدبارهم} وهو تصوير لحال توفيهم على أهول الوجوه وأفظعها. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه : " لا ms2804 يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة وجهه ~~ودبره ". {ذلك} التوفي الهائل {بأنهم} بسبب أنهم {اتبعوا ما أسخط الله} من ~~الكفر والمعاصي ومعاونة الكفرة ، {وكرهوا رضوانه} من الطاعة والإيمان ونصر ~~المؤمنين ، {فأحبط} لأجل ذلك {أعمالهم} التي عملوها حال الإيمان وبعد ~~الارتداد ، من أعمال البر. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 124 PageV07P174 ~~أم حسب الذين في قلوبهم مرض} هم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشينعة ، ~~{أن لن يخرج الله أضغانهم} أحقادهم ، ف " أم " منقطعة ، و" أن " مخففة ، ~~واسمها : ضمير الشأن ، أي : أظن المنافقون الذين في قلوبهم حقد وعداوة أنه ~~لن يخرج الله أحقادهم ، ولن يبرزها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين ، فيبقي أمورهم مستورة ؟ بل لا يكاد يدخل ذلك تحت الاحتمال. {ولو ~~نشاء لأريناكهم} ودللناك عليهم بأمارات ، حتى تعرفهم بأعينهم ، معرفة ~~مزاحمة للرؤية. والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة ، وفي مسند ~~أحمد ، عن ابن مسعود : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله ، ~~وأثنى عليه ، ثم قال : " إن منكم منافقين ، فمن سميت فليقم ، ثم قال : قم ~~يا فلان ، حتى سمى ستة وثلاثين " انظر الطيبي. {فلعرفتهم بسيماهم} بعلامتهم ~~التي نسمهم بها ، وعن ابن عباس رضي الله عنه : ما خفي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين ؛ كان يعرفهم بسيماهم ، ~~ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين ، يشكرهم الناس ؛ فناموا ~~، فأصبح على وجه كل واحد منهم مكتوب : هذا منافق " قال ابن زيد : قصد الله ~~إظهارهم ، وأمرهم أن يخرجوا من المسجد ، فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا ~~الله ، فحقنت دماءهم ، ونكحوا ونكح منهم بها. PageV07P175 # {ولتعرفنهم} أي : والله لتعرفنهم {في لحن القول} أي : مجراه وأسلوبه ~~وإمالته عن الاعتدال ؛ لما فيه من التذويق والتشديق ، وقد كانت ألسنتهم ~~حادة ، وقلوبهم خاربة ، كما قال تعالى : {ومن الناس من يعجبك قوله...} ~~[البقرة : 204] الآية ، من في قلبه شيء لا بد أن يظهر على لسانه ، كما قيل ~~: " ما كمن فيك ظهر على فيك ". وهذه الجمل كلها داخلة تحت " لو " معلقة ~~بالمشيئة ، واللحن يطلق ms2805 على وجهين : صواب وخطأ ، فالفعل من الصواب : لحن ~~يلحن لحنا ، كفرح ، فهو لحن ، إذا فطن للشيء ، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم : " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " أي : لقوته على تصريف ~~الكلام. # 125 # والفعل من الخطأ : لحن يلحن لحنا ، كجعل ، فهو لاحن إذا أخطأ ، والأصل ~~فيه : إزالة الكلام عن جهته ، مأخوذ من : اللحن ، وهو ضد الإعراب ، وهو ~~الذهاب عن الصواب في الكلام. {والله يعلم أعمالكم} فيجازيكم بحسب قصدكم ؛ ~~إذا الأعمال بالنيات ، وهذا وعد للمؤمنين ، وإيذان بأن حالهم بخلاف حال ~~المنافقين ، أو : يعلم جميع أعمال العباد ، فيميز خيرها من شرها. # جزء : 7 رقم الصفحة : 124 # الإشارة : {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} أي : رجعوا عن صحبة المشايخ ، ~~بعدما ظهر لهم أسرار خصوصيتهم ؛ الشيطان سول لهم وأملى لهم ، وتقدم عن ~~القشيري : أنه يتخلف عنهم يوم القيامة ، ولا يلحق بالمقربين ، ولو يشفع فيه ~~ألف عارف ، بل من كمال المكر به أن يلقي شبهه في الآخرة على غيره ، حتى ~~يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو ، فلا يشفع أحد فيه ؛ لظنهم أنه معهم ، ~~فإذا ارتفعوا إلى عليين محيت صورته ، ورفع إلى مقام العامة ، انظر معناه في ~~آل عمران. PageV07P176 # وقال هنا : الذي طلع فجر قلبه وتلألأ نور التوحيد فيه ، ثم ارتد قبل طلوع ~~نهار إيمانه ؛ انكسف شمس يومه ، وأظلم نهار عرفانه ، ودجا ليل شكه ، وغابت ~~نجوم عقله ، فحدث عن ظلماتهم ولا حرج. ه. ولا سيما إذا تحزب مع العامة في ~~الإذاية ، وقال للذين كرهوا ما نزل الله على أهل الخصوصية من الأسرار : ~~سنطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم ، والله يعلم أسرارهم ، وباقي الوعيد الذي ~~في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى : {أم حسب الذين في قلوبهم مرض} أي : ~~عداوة لأولياء الله أن لن يخرج الله أضغانهم ؟ بل يخرجها ويظهر وبالها ، ~~ويفتضحون ولو بعد حين ، وقوله تعالى : {ولتعرفنهم في لحن القول} في قوة ~~الخطاب ، ومفهوم الكلام ؛ لأن الأسرة تدل على السريرة ، وما خامر القلوب ~~فعلى الوجوه يلوح ، وأنشدوا في المعنى : # لست من ليس يدري ما ms2806 هوان من كرامه # إن للحب وللبغض على الوجه علامه # المؤمن ينظر بنور الفراسة ، والعارف ينظر بعين التحقيق ، والموحد ينظر ~~بالله ، ولا يستتر عليه شيء. ه. من القشيري. # جزء : 7 رقم الصفحة : 124 # 126 # يقول الحق جل جلاله : {ولنبلونكم} أي : والله لنختبرنكم بالأمر بالجهاد ، ~~ونحوه من التكاليف الشاقة ، أي : نعاملكم معاملة المختبر ؛ ليكون أبلغ في ~~أظهار العدل ، {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} على مشاق الجهاد ~~والتكاليف ، علما ظاهرا ، يتعلق به الجزاء بعد تعلق العلم به في الأزل ، ~~{ونبلو أخباركم} أي : ونختبر أسراركم بإظهار ما فيها من خير أو شر ، ~~بالنهوض أو التخلف ، وقيل : أراد بأخباركم : أعمالكم ، عبر بالأخبار عن ~~الأعمال على سبيل الكناية ؛ لأن الإخبار تابع لوجود المخبر عنه ، إن كان ~~الخبر حسنا كان المخبر عنه - وهو العمل - حسنا ، وإن كان الخبر قبيحا ~~فالمخبر عنه قبيح. ه. PageV07P177 # {إن الذين كفروا وصدوا} الناس {عن سبيل الله وشاقوا الرسول} أي : عادوه {من ~~بعد ما تبين لهم الهدى} بما شاهدوا من نعته في التوراة ، وبما ظهر على يديه ~~من المعجزات ، ونزل من الآيات ، وهم بنو قريظة والنضير ، أو : المطعمون يوم ~~بدر من رؤساء قريش ، {لن يضروا} بكفرهم وصدهم {الله شيئا} من الأشياء ، أو ~~: شيئا من الصد ، أو : لن يضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاقته ، ~~وقد حذف المضاف ؛ لتعظيم شأنه وتعظيم مشاقته. {وسيحبط أعمالهم} أي : ~~مكائدهم التي نصبوها في إبطال دينه تعالى ، ومشاقة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ، فلا يصلون بها إلى ما كانوا يبغون من الغوائل ، ولا يثمر لهم إلا ~~القتل والجلاء عن أوطانهم. # الإشارة : قال القشيري : في الابتلاء والامتحان يتبين جواهر الرجال ، ~~فيظهر المخلص ، ويفتضح الممارق ، وينكشف المنافق. ه. وكان الفضيل إذا قرأ ~~هذه الآية بكى ، وقال : اللهم لا تبلنا ؛ فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت ~~أستارنا. ه. ويبغي أن يزيد : وإن بلوتنا فأيدنا ، وبالله التوفيق. إن الذين ~~جحدوا وصدوا الناس عن طريق الوصول ، وخرجوا عن مناهج السنة ، لن يضروا الله ~~شيئا ؛ فإن لله رجالا يقومون بالدعوة ، لا يضرهم من عاداهم ، حتى ms2807 يأتي أمر ~~الله ، وسيحبط أعمال الصادين المعوقين ، فلا ينهضون إلى الله نهوض الرجال ، ~~بشؤم انتقادهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 126 # 127 PageV07P178 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله} فيما يأمركم به من ~~الجهاد وغيره {وأطيعوا الرسول} فيما سنه لكم ، {ولا تبطلوا أعمالكم} بما ~~أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق ، وغير ذلك من مفسدات الأعمال ، ~~كالعجب والرياء ، والمن والأذى ، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر ~~، خلافا للمعتزلة ، أو : لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وبها ~~احتج الفقهاء على وجوب إتمام العمل ؛ فأوجبوا على من شرع في نافلة إتمامها ~~، وأخذه عن الآية ضعيف ؛ لأن السياق إنما هو في إحباط العمل بالكفر ، لقوله ~~قبل : {وسيحبط أعمالهم} ثم قال : {يا أيها الذين آمنوا} لا تكونوا كهؤلاء ~~الذين أحبط الله أعمالهم ؛ بكفرهم وصدهم عن سبيل الله ، ومشاقتهم الرسول ، ~~ويؤيده أيضا : قوله تعالى : {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا ~~وهم كفار فلن يغفر الله لهم} هذا عام في كل من مات على الكفر ، وإن صح ~~نزوله في أهل القليب. # {فلا تهنوا} لا تضعفوا عن الجهاد {وتدعوا إلى السلم} أي : لا تدعوا ~~الكفار إلى الصلح والمسالمة ؛ فإن ذلك إعطاء الدنية - أي : الذلة - في ~~الدين ، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " أن " في جواب النهي ؛ أي : لا تهنوا ~~مع إعطاء السلم ، {وأنتم الأعلون} الأغلبون ، {والله معكم} بالنصر والمعونة ~~، ومن كان غالبا ومنصورا والله معه ، لا يتصور منه إظهار الذلة والضراعة ~~لعدوه ، {ولن يتركم أعمالكم} لن يضيعها ، من : وترت الرجل : إذا قتلت له ~~قتيلا ، من ولد أو أخ أو حميم ، فأفردته منه ، حتى صار وترا ، عبر عن ترك ~~الإثابة في مقابلة العمل بالوتر ، الذي هو إضاعة شيء معتد به من الأنفس ~~والأموال ، مع أن الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة ، إبرازا ~~لغاية للطف ، بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق ، وتنزيل ترك الإثابة منزلة ~~إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها ، سبحانه من رب رحيم!. # { PageV07P179 ~~جزء : 7 رقم الصفحة : 127 # إنما ms2808 الحياة لعب ولهو} لا ثبات لها ، ولا اعتداد بها ، فلا تؤثروا حياتها ~~الفانية على الحياة الأبدية بالموت في الجهاد الأصغر أو الأكبر ، {وإن ~~تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} أي : ثواب إيمانكم وأعمالكم من الباقيات ~~الصالحات ، التي فيها يتنافس المتنافسون ، {ولا يسألكم أموالكم} بحيث يخل ~~أداؤها بمعايشكم ، وإنما سألكم نزرا يسيرا ؛ هو ربع العشر ، تؤدونه إلى ~~فقرائكم. # {إن يسألكموها} أي : جميع أموالكم {فيحفكم} أي : يجهدكم بطلب الكل ، ~~فالإحفاء والإلحاف : المبالغة في السؤال : وبلوغ الغاية ، يقال : أحفاه في ~~المسألة : إذا لم يترك شيئا من الإلحاح ، وأحفى شاربه : استأصله ، أي : إن ~~يسألكم جميعها {تبخلوا} فلا تعطوا شيئا ، {ويخرج أضغانكم} أي : أحقادكم ؛ ~~لأن عند سؤال المال يظهر الصادق من الكاذب ، وضمير " لا يسألكم " وما بعدها ~~لله أو لرسوله. وضمير " يخرج " لله تعالى ، # 128 # ويؤيده القراءة بنون العظمة ، أو البخل ؛ لأنه سبب الأضغان. # {ها أنتم هؤلاء} أي : يا هؤلاء ، وقيل : {ها} : للتنبيه ، و{هؤلاء} : ~~موصول بمعنى " الذين " ، وصلته : {تدعون} أي : أنتم الذي تدعون {لتنفقوا في ~~سبيل الله} هي النفقة في الغزو والزكاة ، كأنه قيل : الدليل على أنه لو ~~أحفاكم لبخلتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر ، {فمنكم من يبخل} أي : فمنكم ~~ناس يبخلون به ، {ومن يبخل} بالصدقة وأداء الفريضة {فإنما يبخل على نفسه} ~~فإن كلا من نفع الإنفاق وضرر البخل عائد إليه ، وفي حديث الترمذي : " السخي ~~قريب من الله ، قريب من الجنة ، قريب من الناس ، بعيد من النار ، والبخيل ~~بعيد من الله ، بعيد من الجنة ، بعيد من الناس ، قريب من النار ، ولجاهل ~~سخي أحب إلى الله من عابد بخيل " وفي رواية : " من عالم بخيل " والبخيل ~~يتعدى ب " عن " ، و" على " لتضمنه معنى : الإمساك والعدي. PageV07P180 # {والله الغني} عن كل ما سواه ، ويفتقر إليه كل ما عداه ، {وأنتم الفقراء} ~~أي : إنه - تعالى - لا يأمر بذلك لحاجته إليه ؛ لأنه الغني عن الحاجات ، ~~ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب ، {وإن تتولوا} أي : وإن تعرضوا أيها العرب ~~عن طاعته ، وطاعة رسوله ، والإنفاق في سبيله {يستبدل قوما غيركم} يخلف قوما ~~خيرا منكم وأطوع ، {ثم ms2809 لا يكونوا أمثالكم} في الطاعة ، بل أطوع ، راغبين ~~فيما يقرب إلى الله ورسوله ، وهم فارس ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن هؤلاء القوم - وكان سلمان إلى جنبه ، فضرب على فخذه ، فقال : " هذا ~~وقومه ، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من فارس ". # جزء : 7 رقم الصفحة : 127 # قلت : صدق الصادق المصدوق ، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء ، وأكابر ~~الأولياء ، كالجنيد ، إما الصوفية ، والغزالي ، حبر هذه الأمة ، وأضرابهما. ~~وقيل : الملائكة ، وقيل : الأنصار ، وقيل : كندة ، وقيل : الروم ، والأول أشهر. # الإشارة : {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} أو خليفته ، ~~وهو الداعي إلى الله على بصيرة العيان ، ولا تبطلوا أعمالكم ، برجوعكم عن ~~السير ، بترك المجاهدة قبل المشاهدة. إن الذين كفروا بوجود خصوصية التربية ~~، وصدوا الناس عنها ، ثم ماتوا على ذلك ، لن يستر الله مساوئهم ، ولا ~~يغيبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن الله. فلا تهنوا : ولا تضعفوا ، أيها ~~المترفهون ، عن مجاهدة نفوسكم ، فينقطع سيركم ، وذلك بالرجوع إلى الدنيا ، ~~ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم ، وأنتم الأعلون ، قد ~~أشرفتم على الظفر بها ، والله معكم ؛ لقوله : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنآ وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت : 69] ولن ينقصكم شيئا من أعمالكم ~~، بل يريكم # 129 PageV07P181 ~~ثمرتها ، عاجلا وآجلا ، ولا يفترنكم عن المجاهدة طول الأمل. إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو ؛ أي : ساعة من نهار ، وإن تؤمنوا بكل ما وعد الله ، ~~وتتقوا كل ما يشغل عن الله ، يؤتكم أجوركم عاجلا وآجلا ، ولا يسألكم الداعي ~~إليه جميع أموالكم ، إنما يسألكم ما يخف عليكم ، تقدموه بين يدي نجواكم ، ~~ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم ، ويخرج إضغانكم ، وهذا في حق عامة المريدين ~~، وأما الخاصة الأقوياء ، فلو سئلوا أرواحهم لبذلوها ، واستحقروها في جنب ~~ما نالوا من الخصوصية ، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشيء منها ، ~~ويقال لعامة الطالبين للوصول : {ها أنتم هؤلاء تدعون...} الآية. # قال القشيري : والله الغني لذاته بذاته ، ومن غنائه : تمكنه من تنفيذ ~~مراده ، واستغناؤه عما سواه ، وأنتم الفقراء إلى الله ، في نعمة ms2810 الإيجاد ، ~~ونعمة الإمداد ، في الابتداء ليخلقكم ، وفي الوسط ليربيكم ، وفي الانتهاء ~~يفنيكم عن أنانيتكم ، ويبقيكم بهويته ، فالله غني عنكم من الأزل إلى الأبد ~~، وأنتم الفقراء محتاجون إليه من الأزل إلى الأبد. ه. وإن تتولوا عن السير ~~، وتركنوا إلى الرخص والشهوات قبل التمكين ، يستبدل قوما غيركم ، يكونوا ~~أحزم منكم ، وأشد مجاهدة ، صادقين في الطلب ، ثابتين القدم في آداب ~~العبودية ، قد أدركتهم جذبات العناية ، وهبت عليهم ريح الهداية ، ثم لا ~~يكونوا أمثالكم في التولي والضعف ، حتى يصلوا إلى مولاهم. وبالله التوفيق ، ~~وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وصلى لله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم. # 130 # جزء : 7 رقم الصفحة : 127 PageV07P182 ### | AUTO سورة الفتح # جزء : 7 رقم الصفحة : 130 # يقول الحق جل جلاله : {إنا فتحنا لك} الفتح عبارة عن الظفر بالبلدة عنوة ~~أو صلحا ، بحرب أو بدون ، فإنه ما لم يقع الظفر منغلق ، مأخوذ من : فتح باب ~~الدار. وإسناده إلى نون العظمة لإسناد الفعل إلى الله تعالى خلقا وإيجادا. ~~قيل : المراد به فتح مكة ، وهو المروي عن أنس رضي الله عنه ، بشر به صلى ~~الله عليه وسلم عند انصرافه من الحديبية. والتعبير عنه بصيغة الماضي على ~~سنن الأخبار الإلهية المحققة الوقوع ، للإذيان بتحققه ، تأكيدا للتبشير ، ~~وتصدير الكلام بحرف التحقيق لذلك ، وفيه من الفخامة والدلالة على علو شأن ~~المخبر به - وهو الفتح - ما لا يخفى. وقيل : هو فتح الحديبية ، وهو الذي ~~عند البخاري عن أنس ، وهو الصحيح عند ابن عطية ، وعليه الجمهور. وفيها أخذت ~~البيعة على الجهاد ، وهو كان سبب إظهار الإسلام وفشوه ، وذلك أن المشركين ~~كانوا ممنوعين من مخالطة أهل الإسلام ، للحرب التي كانت بينهم ، فلما وقع ~~الصلح اختلط الناس بعضهم مع بعض ، وجعل الكفار يرون أنوار الإسلام ، ~~ويسمعون القرآن ، فأسلم حينئذ بشر كثير قبل فتح مكة. # وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن رجلا قال : ما هذا بفتح ، ~~لقد صدونا عن البيت ، ومنعونا ، قال : " بل هو أعظم الفتوح ، وقد رضي ~~المشركون أن يدفعوكم بالراح ، ويسألوكم القضية ، ويرغبوا إليكم ms2811 في الأمان ، ~~وقد رأوا منكم ما يكرهون " وعن # 131 PageV07P183 ~~الشعبي أنه قال : نزلت سورة الفتح بالحديبية ، وأصاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة ، حيث بويع بيعة الرضوان ، وغفر ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبلغ الهدي محله ، وبشروا بخيبر ، وظهرت ~~الروم على فارس ، ففرح به المسلمون ، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة ، وهي ~~أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة ، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم مجه فيها ، فدرت بالماء ، حتى شرب جميع من كان معه ، وقيل : جاش بالماء ~~حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد. وقيل : هو جميع ما فتح له صلى الله عليه ~~وسلم ، من الإسلام ، والدعوة ، والنبوة ، والحجة ، والسيف ، ولا فتح أبين ~~منه وأعظم ، وهو رأس الفتوح كافة ؛ إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا هو شعبة ~~من شعبه ، وفرع من فروعه. وقيل : الفتح : بمعنى القضاء ، والمعنى : قضينا ~~لك على أهل مكة أن تدخلها من قابل ، وأيا ما كان فحذف المفعول للقصد إلى ~~نفس الفعل ، والإيذان بأن مناط التبشير هو نفس الفتح الصادر عنه سبحانه ، ~~لا خصوصية المفتوح. قاله أبو السعود. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 131 PageV07P184 ~~فتحا مبينا} ظاهر الأمر ، مكشوف الحال ، فارقا بين الحق والباطل. وقوله ~~تعالى : {ليغفر لك الله} غاية للفتح ، من حيث إنه مترتب على سعيه صلى الله ~~عليه وسلم في إعلاء كلمة الله ، بمكابدة مشاق الحروب ، واقتحام موارد ~~الخطوب ، أي : جعلنا الفتح على يديك ، وبسبب سعيك ، ليكون سببا لغفران الله ~~لك {ما تقدم من ذنبك وما تأخر} أي : جميع ما فرط منك من ترك الأولى ، وما ~~سيقع ، وتسميته ذنبا بالنظر إلى منصبه الجليل ، وتقدم قريبا تحقيقه. وقول ~~الجلال : " اللام للعلة الغائبة فمدخولها مسبب لا سبب ، لا يريد التعليل ~~على حقيقته العقلية ، فإنه عليه تعالى محال ، وإنما يريد صورة التعليل ، ~~الذي هو حكمة الشيء ، وفائدته العائدة على خلقه ، فضلا وإحسانا ، فالحكم ~~والمصالح غاية لأفعاله تعالى ، ومنافع راجعة إلى المخلوقات ، وليس شيء منها ~~غرضا ms2812 وعلة غائية لفعله ، بحيث يكون سببا لإقدامه على الفعل ، وعلة غائية ~~للفعل ؛ لغناه تعالى ، وكماله في ذاته عن الاستكمال بفعل من الأفعال ، وما ~~ورد في الآيات والأحاديث مما يوهم الغرض والعلة فإنه يحمل على الغايات ~~المترتبة والحكمة ، فاحتفظ بذلك. قاله صابح الحاشية الفاسية. واللائق أن ~~المعنى : إنا فتحنا لك وقضينا لك بأمر عاقبته أن جمع الله لك بين سعادة ~~الدنيا والآخرة ، بأن غفر لك ، وأتم نعمته عليك وهداك ، ونصرك. فاللام لام ~~العاقبة لا لام العلة ؛ فإن إفضال الله على رسوله لا يعلل ولا يوازي بعمل. ه. # 132 PageV07P185 ~~{ويتم نعمته عليك} بإعلاء الدين ، وضم الملك إلى النبوة ، وغيرها مما أفاض ~~عليه من النعم الدينية والدنيوية ، {ويهيديك صراطا مستقيما} أي : يثبتك على ~~الطريق القويم ، والدين المستقيم ، والاستقامة وإن كانت حاصلة قبل الفتح ، ~~لكن حاصل بعد ذلك من اتضاح سبيل الحق ، واستقامة مناهجه ، ما لم يكن حاصلا ~~قبل. {وينصرك الله} أي : يظهر دينك ، ويعزك ، فإظهار الاسم الجليل لكونه ~~خاتمة الغايات ، ولإظهار كمال العناية ، بشأن النصر ، كما يعرب عنه تأكيده ~~بقوله : {نصرا عزيزا} أي : نصرا فيه عزة ومنعه ، أو : قويا منيعا ، على وصف ~~المصدر بوصف صاحبه ، مجازا ، للمبالغة ، أو : عزيزا صاحبه. # الإشارة : {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} بأن كشفنا لك عن أسرار ذاتنا ، ~~وأنوار صفاتنا ، وجمال أفعالنا ، فشاهدتنا بنا ، ليغفر لك الله ، أي : ~~ليغيبك عن وجودك في شعور محبوبك ، ويستر عنك حسك ورسمك ، حتى تكون بنا في ~~كل شيء ، قديما وحديثا ، قال القشيري : وذنب الوجود هو الشرك في الوجود ، ~~وغفره : ستره بنور الوحدة ، لمحو ظلمة الأثينية ه. ويتم نعمته عليك بالجمع ~~بين شهود الربوبية ، والقيام بآداب العبودية ، ودلالة الخلق على شهود قيام ~~الديمومية ، ويهديك طريقا مستقيما توصل إلى حضرتنا ، فتسلكها وتبينها لمن ~~يكون على قدمك ، وينصرك الله نصرا عزيزا ، بالتمكن في شهود ذاتنا ، والعكوف ~~في حضرتنا ، محفوفا بالنصرة والعناية ، محمولا في محفة الرعاية. # جزء : 7 رقم الصفحة : 131 PageV07P186 ~~يقول الحق جل جلاله : {هو الذي أنزل السكينة} أي : السكون والطمأنينة ، ~~فعلة ، من : السكون ، كالبهيتة من ms2813 البهتان ، {في قلوب المؤمنين} حتى لم ~~يتضعضعوا من الشروط التي عقدها صلى الله عليه وسلم مع المشركين ، من رد من ~~أسلم منهم ، وعدم ردهم من رجع إليهم ، ومن دخول مكة قابلا بلا سلاح ، وغير ~~ذلك مما فعله صلى الله عليه وسلم معهم بالوحي ، وما صدر عن عمر رضي الله ~~عنه فلشدة قوته وصلابته ، وما زال يعتق ويفعل أمورا كفارة # 133 # لذلك. وقيل : {السكينة} : الصبر على ما أمر به الله من الشرائع والثقة ~~بوعد الله ، والتعظيم لأمر الله ، {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} أي : يقينا ~~إلى يقينهم ، أو : إيمانا بالشرائع مع إيمانهم بالعقائد. # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : بعث الله نبيه بشهادة " ألا إله إلا ~~الله " فلما صدقوه فيها ، زادهم الصلاة ، فلام صدقوه ، زادهم الزكاة ، فلما ~~صدقوه ، زادهم الحج ، فلما صدقوا زادهم الجهاد ، ثم أكمل لهم دينهم ، فذلك ~~قوله : {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض} يدبرها كما ~~يريد ، يسلط بعضها على بعض تارة ، ويوقع الصلح بينهما أخرى ، حسبنا تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم والمصالح ، {وكان الله عليما} مبالغا في العلم ~~بجميع الأمور {حكيما} في تدبيره وتقديره. PageV07P187 # {ليدخل المؤمنين والمؤمنات} اللام متعلق بما يدل عليه ما ذكر من قوله : ~~{ولله جنود السماوات والأرض} من معنى التصرف ، أي : دبر ما دبر من تسليط ~~المؤمنين ، ليعرفوا نعمة الله ويشكروها ، فيدخلهم {جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم} أي : يغطي عنهم مساوئهم ، فلا ~~يظهرها لهم ولا لغيرهم. وتقديم الإدخال على التكفير ، مع أن الترتيب في ~~الوجود على العكس ؛ للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى. {وكان ذلك} أي ~~: ما ذكر من الإدخال والتكفير {عند الله فوزا عظميا} لا يقادر قدره ؛ لأنه ~~منتهى ما امتدت إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر. و" عند الله " : حال ~~من " فوزا عظيما " لأنه صفته في الأصل ، فلما قدم عليه صار حالا ، أي : ~~كائنا عند الله في علمه وقضائه. والجملة اعتراض مقرر لما قبله. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 133 # ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين ms2814 والمشركات} لما أغاظهم من ذلك ~~وكرهوه ، وهو عطف على " يدخل " ، وفي تقديم المنافقين على المشركين ما لا ~~يخفى من الدلالة على أنهم أحق منهم بالعذاب. {الظانين بالله ظن السوء} أي : ~~ظن الأمر السوء ، وهو ألا ينصر الله رسوله والمؤمنين ، ولا يرجعهم إلى مكة ~~، فالسوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده ، يقال : فعل سوء ، أي : مسخوط فاسد. ~~{عليهم دائرة السوء} أي : ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين ، وهو دائر عليهم ~~وحائق بهم. وفيه لغتان : فتح السين وضمها ، كالكره والكره ، والضعف والضعف ~~، غير أن المفتوح غلب عليه أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء ، وأما ~~السوء فجار مجرى الشيء الذي هو نقيض الخير ، أي : الدائرة التي يذمونها ~~ويسخطونها دائرة عليهم ، ولاحقة بهم ، {وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم # 134 PageV07P188 ~~جهنم وساءت مصيرا} لهم ، وهو عطف لما استوجبوه في الآخرة على ما استوجبوه ~~في الدنيا ، وعطف " ولعنهم " وما بعده بالواو ، مع أن حقهما الفاء المفيدة ~~للسببية ؛ إيذانا باستقلال كل واحد منها بالوعيد ، وأصالته ، من غير ~~استتباع بعضها لبعض. # {ولله جنود السماوات والأرض} إعادة لما سبق ، وفائدتها : التنبيه على أن ~~لله جنود الرحمة وجنود العذاب ، كما ينبئ عنه التعرض لوصف العزة في قوله : ~~{وكان الله عزيزا} أي : غالبا فلا يرد بأسمه {حكيما} فلا يعترض صنعه. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : هو الذي أنزل السكينة في قلوب المتوجهين ، حتى سكنوا لصدمات ~~تجلي الجلال ، وأنوار الجمال ، وسكنوا تحت مجاري الأقدار ، كيفما برزت ، ~~بمرارة أو حلاوة ، قال القشيري : والسكينة : ما يسكن إليه القلب من أنوار ~~الإيمان والإيقان ، أو العرفان بمشاهدة العيان ، بل الاستغراق في بحر العين ~~بلا أين. ه. ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ، فيترقوا من مقام الإسلام إلى ~~مقام الإيمان ، ومن مقام الإيمان إلى مقام الإحسان ، أو من علم اليقين إلى ~~عين اليقين ، ومن عين اليقين إلى حق اليقين ، أو من المراقبة إلى المشاهدة ~~، أو من رؤية الأسباب إلى مسبب الأسباب. PageV07P189 # {ولله جنود السماوات والأرض} وهي الجنود التي يمد الله بها الروح في ~~محاربتها للنفس ، حتى تغلبها وتستولي عليها ms2815 ، وهي اليقين ، العلم ، والذكر ~~، والفكر ، والواردات الإلهية ، التي تأتي من حضرة القهار ، فتدمغ كل ما ~~تصادمه من الأغيار والأكدار ، وكان الله عليما بمن يستحق هذه الواردات ، ~~حكيما في ترتيبها وتدبيرها ، ليدخل من تأيد بها جنات المعارف ، تجري من ~~تحتها أنهار العلوم والحكم ، ويغطي عنهم مساوئهم حتى يصلوا إليه ، بما منه ~~إليهم ، لا بما منهم إليه وهذا هو الفوز العظيم ، يفوز صاحبه بالنعيم ~~المقيم ، في جوار الكريم. ويعذب أهل النفاق المنتقدين على أولياء الله ، ~~المتوجهين إليه ، الظانين بالله ظن السوء ، وهو أن خصوصية التربية انقطعت. ~~{ولله جنود السماوات والأرض} أي : جنود الحجاب ، وهو جند النفس ، من الهوى ~~والشيطان ، والدنيا والناس ، يسلطها على من يشاء من عباده ، إن يبقى في ~~ظلمة الحجاب ، والله غالب على أمره. # جزء : 7 رقم الصفحة : 133 # يقول الحق جل جلاله : {إنا أرسلناك شاهدا} تشهد على أمتك يوم القيامة ، ~~كقوله : {ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة : 143] وهو حال مقدرة ، ~~{ومبشرا} لأهل الطاعة # 135 # بالجنة ، {ونذيرا} لأهل المعصية بالنار ، {لتؤمنوا بالله ورسوله} والخطاب ~~للرسول والأمة ، {وتعزروه} تقووه بنصر دينه ، {وتوقروه} أي : تعظموه بتعظيم ~~رسوله وسائر حرماته ، {وتسبحوه} تنزهوه ، أو تصلوا له ، من : السبحة ، ~~{بكرة وأصيلا} غدوة وعشية ، قيل : غدوة : صلاة الفجر ، وعشية : الظهر ~~والعصر والمغرب والعشاء. والضمائر لله تعالى. ومن فرق ؛ فجعل الأولين للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والأخير لله تعالى ، فقد أبعد. وقرأ المكي والبصري ~~بالغيب في الأربعة ، والضمائر للناس ، وقرأ ابن السميفع : " وتعززوه " ~~بزاءين ، أي : تنصروه وتعزوا دينه. PageV07P190 # {إن الذين يبايعونك} على الجهاد ، بيعة الرضوان {إنما يبايعون الله} لأنه ~~خليفة عنه ، فعقد البيعة معه صلى الله عليه وسلم كعقدها مع الله من غير ~~تفاوت بينهما ، كقوله : {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء : 80] ثم ~~أكد ذلك بقوله : {يد الله فوق أيديهم} يعني : أن يد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله ، من باب مبالغة التشبيه ، ~~{فمن نكث} نقض البيعة ، ولم يف بها {فإنما ينكث على نفسه} فلا يعود ضرر ~~نكثه إلا عليه ms2816 ، قال جابر رضي الله عنه : " بايعنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تحت الشجرة على الموت ، وعلى ألا نفر ، فما نكث أحد منا البيعة ، إلا ~~جد بن قيس المنافق ، اختبأ تحت إبط بعيره ، ولم يسر مع قومه ". {ومن أوفى ~~بما عاهد عليه الله} يقال : وفيت بالعهد وأوفيت. وقرأ حفص بضم الهاء من " ~~عليه " توسلا لتفخيم لام الجلالة ، وقيل : هو الأصل ، وإنما كسر لمناسبة ~~الياء. أي : ومن وفى بعهده بالبيعة {فسيؤتيه أجرا عظيما} الجنة وما فيها. # جزء : 7 رقم الصفحة : 135 PageV07P191 ~~الإشارة : لكل جيل من الناس يبعث الله من يذكرهم ، ويدعوهم إلى الله ، ~~بمعرفته ، أو بإقامة دينه ، ليدوم الإيمان بالله ورسوله ، ويحصل النصر ~~والتعظيم للدين إلى يوم الدين ، ولولا هؤلاء الخلفاء لضاع الدين ، وقوله ~~تعالى : {إن الذين يبايعونك} الآية ، قال الورتجبي : ثم صرح بأنه عليه ~~السلام مرآة لظهور ذاته وصفاته ، وهو مقام الاتصاف بأنوار الذات والصفات في ~~نور الفعل ، فصار هو هو ، إذا غاب الفعل في الصفة ، وغابت الصفة في الذات. ~~فقال : {إن الذين يبايعونك...} الآية. وإلى ذلك يشير الحلاج وغيره. وقال في ~~القوت : هذه أمدح آية في كتاب الله عز وجل ، وأبلغ فضيلة فيه لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، لأنه جعله في اللفظ بدلا عنه ، فيقول : لله ، وليس ~~هذا من الربوبية للخلق سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ه. # وقال الحسن بن منصور الحلاج : لم يظهر الحق تعالى مقام الجمع على أحد ~~بالتصريح إلا على أخص نسمه وأشرفه ، فقال : {إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله}. ه. # 136 PageV07P192 ~~قال القشيري : وفي هذه الآية تصريح بعين الجمع ، كما قال : {وما رميت إذ ~~رميت} [الأنفال : 17] وقال في مختصره : يشير إلى كمال فنائه وجوده عليه ~~السلام في الله وبقائه بالله. ه. فالآية تشير إلى مقام الجمع ، المنبه عليه ~~في الحديث : " فإذا أحببته كنت سمعه ، وبصره ، ويده " وسائر قواه ، الذي هو ~~سر الخلافة والبقاء بالله وهذا الأمر حاصل لخلفائه صلى الله عليه وسلم من ~~العارفين بالله ، أهل الفناء والبقاء ، وهم أهل التربية النبوية ms2817 في كل زمان ~~، فمن بايعهم فقد بايع الله ، ومن نظر إليهم فقد نظر إلى الله ، فمن نكث ~~العهد بعد عقده معهم فإنما ينكثه على نفسه ، فتيبس شجرة إرادته ، ويطمس نور ~~بصيرته ، فيرجع إلى مقام عامة أهل اليمين ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما شهود ذاته المقدسة على الدوام ، والظفر بمقام المقربين ~~، ثبتنا الله على منهاجه القويم ، من غير انتكاص ولا رجوع ، آمين. # جزء : 7 رقم الصفحة : 135 PageV07P193 ~~يقول الحق جل جلاله : {سيقول لك} يا محمد إذا رجعت من الحديبية {المخلفون ~~من الأعراب} وهم الذين تخلفوا عن الحديبية ، وهم أعراب غفار ، ومزينة ، ~~وجهينة ، وأسلم ، وأشجع ، والديل ، وذلك انه صلى الله عليه وسلم حين أراد ~~المسير إلى مكة ، عام الحديبية ، معتمرا ، استنفر من حول المدينة من ~~الأعراب وأهل البوادي ، ليخرجوا معه ، حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب ، أو ~~يصدوه عن البيت ، وأحرم صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدي ؛ ليعلم أنه لا ~~يريد حربا ، فتثاقل كثير من الأعراب ، وقالوا : نذهب إلى قوم غزوه في داره ~~بالمدينة ، وقتلوا أصحابه ، فنقاتلهم ، وظنوا أنه لا ينقلب إلى المدينة ، ~~فأوحى الله تعالى إليه ما قالوا ، حيث تعللوا وقالوا : {شغلنا أموالنا ~~وأهلونا} ولم يكن تخلفنا عنك اختيارا ، بل عن اضطرار ، {فاستغفر لنا} ~~فأكذبهم الله بقوله : {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} فليس تخلفهم لأجل ~~ذلك ، وإنما تخلفوا شكا ونفاقا ، وطلبهم الاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة. # 137 # {قل} لهم : {فمن يملك لكم من الله شيئا} فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه ~~{إن أراد بكم ضرا} أي : ما يضركم من هلاك الأهل ، والمال وضياعها ، حتى ~~تخلفتم عن الخروج لحفظها ، {أو أراد بكم نفعا} أي : من يقدر على ضركم إن ~~أراد بكم نزول من ينفعكم ، من حفظ أموالكم وأهليكم ، فأي حاجة إلى التخلف ~~لأجل القيام بحفظهما والأمر كله بيد الله ؟ {بل كان الله بما تعملون خبيرا} ~~إضراب عما قالوه ، وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدقه ، أي : ليس ~~الأمر كما يقولون ، بل كان الله ms2818 خبيرا بجميع الأعمال ، التي من جملتها ~~تخلفكم وما هو سببه ، فلا ينفعكم الكذب مع علم الله بجميع أسراركم. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 137 PageV07P194 ~~بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا} بأن يستأصلهم ~~المشركون بالموت ، فخشيتم إن كنتم معهم أن يصيبكم ذلك ، فتخلفتم لأجل ذلك ، ~~لا لما ذكرتم من المعاذيرالباطلة ، {وزين ذلك في قلوبكم} زينه الشيطان ~~وقبلتموه ، واشتغلتم بشأن أنفسكم ، غير مبالين بهم ، {وظننتم ظن السوء} ~~والمراد به الظن الأول ، والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء ، ~~أو ما يعمه وغيره من الظنون الفاسدة ، كعلو الكفر ، وظهور الفساد ، وعدم ~~صحة رسالته صلى الله عليه وسلم ، فإن الجازم بصحتها لا يحول حول فكره هذه ~~الظنون الباطلة ، {وكنتم قوما بورا} هالكين عند الله ، مستوجبين لسخطه ~~وعقابه ، جمع : بائر ، كعائذ وعوذ ، من بار الشيء : هلك وفسد ، أي : كنتم ~~قوما فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم. # {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا} أعددنا {للكافرين} أي : لهم ، ~~فأقيم الظاهر مقام المضمر للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله ~~وبرسوله فهو كافر مستوجب العسير. ونكر {سعيرا} لأنها نار مخصوصة ، كما نكر ~~{نارا تلظى} [الليل : 14]. وهذا كلام وارد من قبله تعالى ، غر داخل في ~~الكلام المتقدم ، مقرر لبوارهم ، ومبين لكيفيته ، أي : ومن لم يؤمن كهؤلاء ~~المتخلفين ، فإنا أعتدنا له سعيرا يحترق بها. # {ولله ملك السماوات والأرض} يدبره تدبير قادر حكيم ، ويتصرف فيهما وفيما ~~بينهما كيف يشاء ، {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} بقدرته وحكمته ، من غير ~~دخل لأحد في شيء ، ومن حكمته : مغفرته للمؤمنين وتعذيبه للكافرين. {وكان ~~الله غفورا رحيما} مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يشاء ، أي : لمن تقتضي ~~الحكمة مغفرته ممن يؤمن به وبرسوله ، وأما من عداه من الكفر فبمعزل من ذلك قطعا. PageV07P195 # الإشارة : هذه الآية تجر ذيلها على من تخلف من المريدين عن زيادة المشايخ ~~من غير عذر بين ، واعتذر بأعذار كاذبة ، يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، وما ~~زالت الأشياخ تقول : كل شيء يسمح فيه إلا القدوم ؛ إذ به تحصل التربية ~~والترقية ms2819 ، وتقول أيضا : من جلس عنا لعذر صحيح عذرناه ، وربما يصل إليه ~~المدد في موضعه ، ومن جلس لغير عذر لا نسامح له ، بل يحرم من زيادة الإمداد ~~، ومن الترقي في المقامات والأسرار ، وما قطع # 138 # الناس عن الله إلا أموالهم وأهلوهم اشتغلوا بهم ، وحرموا السير والوصول ، ~~فكل مريد شغله عن زيادة شيخه أهله وماله لا يأتي منه شيء. قل : فمن يملك ~~لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ، بأن قطعكم عنه بعلة الأهل والمال ، أو ~~: أراد بكم نفعا ، بأن وصلكم إليه ، وغيب عنكم أهلكم ومالكم ، بل كان الله ~~بما تعملون خبيرا ، يعلم من تخلف لعذر صحيح ، أو لعذر باطل ، وبالله ~~التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 137 PageV07P196 ~~يقول الحق جل جلاله : {سيقول المخلفون} المذكورون آنفا {إذا انطلقتم إلى ~~مغانم} أي : مغانم خيبر {تأخذونها} حسبما وعدكم الله بها ، وخصكم بها ، عوض ~~ما فاتكم من مغانم مكة. و{إذا} : ظرف لما قبله ، لا شرط لما بعده ، أي : ~~سيقولون عند انطلاقكم إلى مغانم خيبر : {ذرونا نتبعكم} إلى خيبر ، ونشهد ~~معكم قتال أهلها {يريدون إن يبدلوا كلام الله} الذي وعد به أهل الحديبية ~~بأن يخصهم بغنائم خيبر ولا يشاركهم فيها أحد ، فأراد المخلفون أن يشاركوهم ~~ويبدلوا وعد الله. وكانت وقعة الحديبية في ذي الحجة سنة ست ، فلما رجع إلى ~~المدينة أقام بها بقية ذي الحجة ، ثم غزا في أول السابعة خيبر ، ففتحها ، ~~وغنم أموالا كثيرة ، فخصصها بأهل الحديبية ، بأمره تعالى ، {قل} لهم إقناطا ~~لهم : {لن تتبعونا} إلى خيبر ، وهو نفي بمعنى النهي ، للمبالغة ، أي : لا ~~تتبعونا ، أو : نفي محض ، إخبار من الله تعالى بعدم اتباعهم وألا يبدل ~~القول لديه. # {كذلكم قال الله من قبل} أي : من قبل انصرافهم إلى الغنيمة ، وأن غنيمة ~~خيبر لمن شهد الحديبية فقط ، {فسيقولون} للمؤمنين عند سماع هذا النهي : {بل ~~تحسدوننا} أي : ليس ذلك النهي من عند الله ، بل تحسدوننا أن نشارككم في ~~الغنائم ، {بل كانوا لا يفقهون} كلام الله {إلا قليلا} شيئا قليلا ، يعني : ~~مجرد اللفظ ، أو : لا يفهمون إلا فهما ms2820 قليلا ؛ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون ~~الدين ، وهو رد لقولهم الباطل ، ووصف لهم بسوء الفهم والجهل المفرط. والفرق ~~بين الإضرابين : أن الأول رد أن يكون حكم الله ألا يتبعوهم وإثبات الحسد ، ~~والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أعظم ~~منه ، وهو الجهل وقلة الفقه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 139 # قل للمخلفين من الأعراب} وهم الذين تخلفوا عن الحديبية : {ستدعون إلى قوم # 139 PageV07P197 ~~أولي بأس شديد} يعني : بني حنيفة ، قوم مسليمة الكذاب ، وأهل الردة الذين ~~حاربهم أبو بكر رضي الله عنه ، لأن المشركين وأهل الردة هم الذين لا يقبل ~~منهم إلا الإسلام أو السيف. واستدل بالآية على حقية خلافة أبي بكر ، وأخذها ~~من القرآن بقوله : {ستدعون} فكان الداعي لهؤلاء الأعراب إلى قتال بني حنيفة ~~، وكانوا أولي بأس شديد ، هو أبو بكر ، بلا خلاف ، قاتلوهم ليسلموا لا ~~ليعطوا الجزية بأمر الصديق ، وقيل : هم فارس ، والداعي لقتالهم " عمر " ، ~~فدلت على صحة إمامته ، وهو يدل على صحة إمامة أبي بكر. {تقاتلونهم أو ~~يسلمون} أي : يكون أحد الأمرين ، إما المقاتلة أو الإسلام ، ومعنى " يسلمون ~~" على هذا التأويل : ينقادون ؛ لأن فارس مجوس ، تقبل منهم الجزية ، {فإن ~~تطيعوا} من دعاكم إلى قتالهم {يؤتكم الله أجرا حسنا} هو الغنيمة في الدنيا ~~، والجنة في الآخرة ، {وإن تتولوا} عن الدعوة ، كما توليتم من قبل في ~~الحديبية ، {يعذبكم عذابا أليما} لتضاعف جرمكم. وقد تضمنت الآية إيجاب طاعة ~~الأمراء بالوعد بالثواب عليها ، والوعيد بالعقاب على التولي ، وقد تقدم في ~~النساء. PageV07P198 # الإشارة : سيقول المخلفون عن السير بترك مجاهة النفوس ، التي بها يتحقق سير ~~السائرين : ذرونا نتبعكم في السير إلى الله من غير مجاهدة ولا تجريد ، ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله ، وهو قوله : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا} [العنكبوت : 69] ، فخص الهداية إلى الوصول بالمجاهدة ، لا بالبقاء ~~مع حظوظ النفوس ، قل : لن تتبعونا في السير ، ولو فعلتم ما فعلتم بلا ~~مجاهدة ، كذلك حكم الحكيم العليم ، فإن قالوا : حسدتمونا ، حيث لم تسيرونا ~~على ما نحن عليه ، فقد دل ذلك على جهلهم ms2821 ، وعدم فهمهم ، قل للمخلفين على ~~السير ، بالبقاء مع حظوظهم : ستدعون إلى مجاهدة قوم أولي بأس شديد ، وهو ~~النفس ، بتحميلها ما يثقل عليها ، كالذل ، والفقر ، والهوى بمخالفته ، ~~والدنيا بالزهد فيها ورميها وراء الظهر ، والناس بالفرار منهم جملة ، إلا ~~من يدل على الله ، تقاتلوهم ، أو يسلمون ، بأن ينقادوا لكم ، ويصيروا طوع ~~أيديكم ، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ، وهو لذة الشهة ، ورؤية الملك ~~الودود ، عاجلا وآجلا ، وإن تتولوا كما توليتم في زمان البطالة ، وبقيتم مع ~~هوى نفوسكم ، يعذبكم عذابا أليما ، بغم الحجاب وسوء العقاب. # جزء : 7 رقم الصفحة : 139 # قال القشيري : قوله تعالى {فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا} دلت الآية ~~على أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مرضية ، ثم تتغير للصلاح ، وأنشدوا : # إذا فسد الإنسان بعد صلاحه # فرج له بعد الفساد صلاحا # قلت : وجه الاستدلال : أن طاعتهم كانت بعد التخلف والعصيان ، فقبلت منهم. # 140 # جزء : 7 رقم الصفحة : 139 PageV07P199 ~~يقول الحق جل جلاله : {ليس على الأعمى حرج} في التخلف عن الغزو {ولاعلى ~~الأعرج حرج ولا على المريض} الذي لا يقدر على الحرب {حرج} لأن الجهاد منوط ~~بالاستطاعة ونفي الحرج ، وهؤلاء أعذارهم ظاهرة صحيحة ، فلا حرج عليهم في ~~التخلف. وفي التصريح بنفي الحرج مع كل طائفة مزيد اعتناء بأمرهم ، وتوسيع ~~لدائرة الرخصة. {ومن يطع الله ورسوله} فيما ذكر من الأوامر والنواهي ، ~~{يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول} يعرض عن الطاعة {يعذبه عذابا ~~أليما} لا يقادر قدره. وقرأ نافع والشامي بنون العظمة ، والباقي بيان ~~الغيبة. # الإشارة : أصحاب هذه الأعذار إن صحبوا الرجال ، وحطوا رؤوسهم لهم ، ~~وبذلوا نفوسهم وفلوسهم ، سقط عنهم السفر إلى صحبة أشياخهم ، ووصفت الواردات ~~والأمداد إليهم في أمكانهم ، ونالوا مراتب الرجال ، حيث حبسهم العذر من ~~العمى والعرج والمرض المزمن ، والله يزرق العبد على قدر نيته وهمته. # جزء : 7 رقم الصفحة : 140 # يقول الحق جل جلاله : {لقد رضي الله عن المؤمنين} وهم الذين ذكر شأن ~~مبايعتهم بقوله : {إن الذين يبايعونك...} الآية ، وبهذه الآية سميت بيعة ~~الرضوان و" إذ " منصوب ms2822 ب " رضي " ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة ~~، و{تحت الشجرة} : متعلق به ، أو : بمحذوف ، حال من مفعوله ، أي : رضي عنهم ~~وقت مبايعتهم لك {تحت الشجرة} أو : حاصلا تحتها. # روي : أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية ، بعث خراش بن أمية ~~الخزاعي ، رسولا إلى أهل مكة ، فهموا به ، وأنزلوا عن بعيره ، فمنعته ~~الأحابيش ، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه ، فقال : يا رسول الله إني أخاف قريشا ~~على نفسي ، وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني ، ولكن عثمان أعز بمكة مني ، ~~فبعث عثمان إلى أبي سفيان وأشراف قريش ، يخبرهم أنه صلى الله عليه وسلم جاء ~~زائرا إلى البيت ، معظما لحرمته ، ولم يرد حربا ، فوقروه ، وقالوا : إن شئت ~~أن تطوف PageV07P200 ~~141 # بالبيت فافعل ، فقال : ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فاحتبس عندهم ، فأرجف بأنهم قتلوه ، فقال صلى الله عليه وسلم : " لا ~~نبرح حتى نناجز القوم " ودعا الناس إلى البيعة ، فبايعوه تحت الشجرة - ~~وكانت سمرة وقيل : سدرة - على أن يقاتلوا قريشا ، ولا يفروا ، وأول من بايع ~~" أبو سنان الأسدي " ، واسمه : وهب بن عبد الله بن محصن ، ابن اخي عكاشة بن ~~محصن. وقيل : بايعوه على الموت عنده ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : " أنتم اليوم خير أهل الأرض " وقال أيضا : " لا يدخل النار أحد ممن ~~بايع تحت الشجرة " وكانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين ، وقيل : ألفا ~~وأربعمائة. والحديبية بتخفيف الياء ، قاله في المصباح ، وهي على عشرة أميال ~~من مكة. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 141 # فعلم ما في قلوبهم} من الإخلاص ، وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه. وقال ~~القشيري : علم ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكيك ، وذلك أنه صلى الله عليه ~~وسلم رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين ، فبشر أصحابه ، فلمام ~~صدوا خامر قلوبهم شك ، {فأنزل} الله {السكينة عليهم} أي : اليقين ~~والطمأنينة ، فذهب عنهم. ثم قال : وفي الآية دليل على أنه قد يخطر ببال ~~الإنسان خواطر مشككة ، وفي الريب موقعة ، ثم لا عبرة ، فإن الله تعالى إذا ~~أراد بعبده ms2823 خيرا ألزم التوحيد قلبه ، وقارن التحقيق سره ، فلا يضره كيد ~~الشيطان. قال تعالى : {إن الذين اتقوا...} [الأعراف : 201]الآية. PageV07P201 # {فأنزل السكينة عليهم} أي : الطمأنينة والأمن ، وسكون النفس ، بالربط على ~~قلوبهم ، {وأثابهم} أي : جازاهم {فتحا قريبا} وهو فتح خيبر عقب انصرافهم من ~~الحديبية كما تقدم. {ومغانم كثيرة يأخذونها} وهي مغانم خيبر ، وكانت أرضا ~~ذات عقار وأموال ، فقسمها بينهم ، {وكان الله عزيزا} منيعا فلا يغالب ، ~~{حكيما} فيما يحكم به فلا يعارض. # {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} هو ما فتح على المؤمنين ، وغنموه مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة. والالتفات إلى الخطاب ~~لتشريفهم في مقام الامتنان. {فعجل لكم هذه} المغانم ، يعني مغانم خيبر ، ~~{وكف أيدي الناس عنكم} أي : أيدي أهل خيبر وحلفاءهم من أسد وغطفان حين ~~جاءوا لنصرتهم ، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا ، وقيل : أيدي أهل مكة ~~بالصلح ، {ولتكون} هذه الكفة {آية للمؤمنين} وعبرة يعرفون أنهم من الله ~~بمكان ، وأنه ضامن لنصرتهم والفتح عليهم ، أو : لتكون آية يعرفون # 142 # بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من وعده إياهم عند رجوعه من الحديبية ~~بما ذكر من المغانم ، ودخول مكة ، ودخول المسجد الحرام آمنين. واللام إما ~~متعلقة بمحذوف مؤخر ، أي : وليكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف ، ~~وإما يتعلق بعلة أخرى محذوفة من أحد الفعلين ، أي : فعجل لكم هذه وكف أيدي ~~الناس عنكم لتغنموها ولتكون... الخ ، {ويهديكم صراطا مستقيما} أي : يزيدكم ~~بصيرة ويقينا وثقة بوعد الله حتى تثقوا في أموركم كلها بوعد الله تعالى. PageV07P202 # قال الثعلبي ، ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم حصون خيبر سمع أهل فدك ما ~~صنع عليه السلام بأهل خيبر ، فأرسلوا له يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم ، ~~ويخلوا له الأموال ، ففعل ، ثم صالح أهل خيبر ، على أن يعملوا في أموالهم ~~على النصف ، على أنه إن شاء أجلاهم متى شاء ، ففعلوا ، فكانت خيبر فيئا ~~للمسلمين ، وكانت فدك خالصة له صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يوجف عليها بخيل ~~ولا ركاب ، ولما اطمأن صلى الله عليه ms2824 وسلم بعد فتح خيبر أهدت له زينب ~~الحارث اليهودية شاة مصلية مسمومة ، أكثرت في ذراعها السم ، فأخذ صلى الله ~~عليه وسلم الذراع ، فأكل منه ، ثم كلمه ، فأمسك ، وأكل معه بشر بن البراء ~~بن معرور ، فمات من ساعته ، وسلم صلى الله عليه وسلم حتى قام عليه بعد ~~سنتين ، فمات به ، فجمع له بين الشهادة والنبوة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 141 # ثم قال تعالى : {وأخرى لم تقدروا عليها} أي : وعجل لكم مغانم أخرى ، وهي ~~مغانم هوازن في غزوة حنين. ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من ~~الجولة. {قد أحاط الله بها} قدر عليها واستولى ، وأظهركم عليها ، وهي صفة ~~أخرى ل " أخرى " مفيدة لسهولة بأسها بالنسبة إلى قدرته تعالى ، بعد بيان ~~صعوبة منالها بالنظر إلى حذرهم. ويجوز في " أخرى " النصب بفعل مضمر ، يفسره ~~{قد أحاط الله بها} أي : وقضى الله أخرى ، ولا ريب في أن الإخبار بقضاء ~~إياها بعد اندراجها في جملة الغنائم الموعودة بقوله : {وعدكم الله مغانم ~~كثيرة} فيه مزيد فائدة ، وإنما الفائدة في بيان تعجيلها وتأخير هذه. وقال ~~ابن عباس والحسن ومقاتل : {وأخرى لم تقدروا عليها} هي فارس والروم. وقال ~~مجاهد : ما فتحوا حتى اليوم. ه. قلت : بل إلى يوم القيامة وهذا أظهر ~~الأقوال أي : لم تقدروا على أخذها الآن وستأخذونها ، {وكان الله على كل شيء ~~قديرا} لأن قدرته تعالى عامة التعلق ، لا تختص بشيء دون شيء. PageV07P203 # قال ابن عرفة : مذهبنا أن المستحيل لا يصدق عليه شيء ، فيبقى النظر : هل ~~يطلق على الواجب شيء ، لقوله تعالى : {قل أى أكبر شهادة قل الله} [الأنعام ~~: 19] أم لا يطلق عليه شيء ؟ فإن قلنا : يصلح الإطلاق وجب التخصيص في الآية ~~، فيكون عاما مخصوصا ، وإن قلنا بعدم صحته ، فيبقى النظر : هل المراد ~~بالقدرة الإحداث أو الصلاحية ، فإن أريد الإحداث فهي مخصوصة ، وإن أريد ~~الصلاحية فهو عام غير مخصوص. ه. # الأشارة : مشايخ التربية خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فحين بايعهم ~~على عقد الإرادة فكأنما بايع # 143 # الرسول ، فيقال على طريق الإشارة : لقد رضي الله عن ms2825 المؤمنين المتوجهين ، ~~إذ يبايعونك أيها العارف تحت الشجرة ، تحت ظل شجرة همتك ، فعلم ما في ~~قلوبهم من الصدق ، فأنزل السكينة عليهم ، حتى سكنوا تحت مشاق التربية ~~والرياضة ، وأثابهم فتحا قريبا ، وهو الوصول إلى حضرة العيان ، ومغانم ~~كثيرة ؛ فتوحات ومكاشفات ، وأسرار ، وترقيات كثيرة ، إلى ما لا نهاية له ، ~~يأخذونها. ووعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها بعد الفتح ، من الرجوع إلى ~~البقاء وبقاء البقاء ، والتوسع في المقامات ، والترقي في معارج المكاشفات ، ~~فعجل لكم هذه ، هو مقام الفناء ، وكف أيدي القواطع عنكم ، لتتوجهوا إلى ~~مولاكم ، لتكون عبرة للمؤمنين المتخلفين عن السير ، يهتدون بهديكم ، ~~ويهديكم صراطا مستقيما : طريق الوصول إلى حضرة القدس ، ومحل الأنس ، وأخرى ~~لم تقدروا عليها في الدنيا ، ادخرها لكم يوم القيامة ، وهو المقام في مقعد ~~صدق عند مليك مقتدر. # جزء : 7 رقم الصفحة : 141 PageV07P204 ~~وقال الورتجبي : {لقد رضي الله عن المؤمنين} أي : رضي عنهم في الأزل ، ~~وسابق علم القدم ، ويبقى رضاه إلى الأبد ؛ لأن رضاه صفة الأزلية الباقية ~~الأبدية ، لا تتغير بتغير الحدثان ، ولا بالوقت والزمان ، ولا بالطاعة ~~والعصيان ، فإذا هم في اصطفائيته باقون إلى الأبد ، لا يسقطون من درجاتهم ~~بالزلات ولا بالبشرية ، ولا بالشهوات ، لأن أهل الرضا محروسون برعايته ، لا ~~تجري عليهم نعوت أهل البعد ، وصاروا متصفين بوصف رضاه ، فرضوا عنه كما رضي ~~عنهم ، قال تعالى : {رضى الله عنهم ورضوا عنه} [المائدة : 119] وهذا بعد ~~قذف نور الأنس في قلوبهم بقوله : {فأنزل السكينة عليهم} فسكنت قلوبهم إليه ~~، واطمأنت به ؛ لتنزل اليقين. ه. # قلت : هذا لمن تحققت محبوبيته ممن رسخت قدمه في شهود الحق ، واطمأن به ، ~~وأما قبل هذا فالأمر مبهم. # قال اللجائي ، في كتابه " قطب العارفين " : وإياك أن تعتقد أن في الناس ~~شرا منك ، وإن كان عاصيا وأنت مطيع ، فإن الأمر يحدث بعد الأمر ، وسر الله ~~تعالى في خلقه غامض ، لا يدرى من يبوء بالشقاوة ، ولا من يفوز بالسعادة ، ~~وقد يتلقى العبد رضا الله تعالى بحسنة واحدة ، ويتلقى سخطه بذنب واحد ، فإن ~~أمر الله خفي في غموض المشيئة... الخ. # جزء : 7 رقم ms2826 الصفحة : 141 # {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة ~~الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ~~هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله...} # 144 PageV07P205 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولو قاتلكم الذين كفروا} من أهل مكة ولم يصالحوا ، ~~أو من خلفاء خيبر ، الذين جاؤوا لنصرهم {لولوا الأدبار} منهزمين {ثم لا ~~يجدون وليا} يلي أمرهم ، {ولا نصيرا} ينصرهم. {سنة الله التي قد خلت من ~~قبل} مصدر مؤكد ، أي : سن الله غلبة أنبيائه سنة ماضية ، وهو قوله : ~~{لأغلبن أنا ورسلى} [المجادلة : 21] {ولن تجد لسنة الله تبديلا} تغيرا. # {وهو الذي كف أيديهم عنكم} أي : أيدي كفار أهل مكة {وأيديكم عنهم} عن أهل ~~مكة {ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} أي : أقدركم وسلطكم عليهم ، يعني : ~~قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة ، ~~وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية ، يطلب غرة ~~بالمسلمين ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على جند ، ~~فهزمهم ، حتى أدخلهم حيطان مكة ، ثم عاد ثانيا فهمزمه ، ثم عاد فهزمه ، ~~هكذا نقله الثعلبي وغيره. فانظره مع ما في الاكتفاء للكلاعي : أن خالدا كان ~~مع المشركين في الحديبية ، وإنما أسلم بعد الحديبية قبل الفتح ، وكان في ~~السنة الثامة ، والحديبية في السادسة ، والذي ذكر النسفي أنه عليه السلام ~~بعث من هزمهم ، ولم يسمه ، وهزم خالد لبعض قريش إنما كان في الفتح ، لا في ~~الحديبية ، فلعل الراوي غلط. وقال أنس : إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر ، عام ~~الحديبية ، ليقاتلوا المسلمين ، فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سلما ، ~~فأعتقهم ، فنزلت الآية. # جزء : 7 رقم الصفحة : 144 PageV07P206 ~~ووجه المنة في كف أيدي المؤمنين عن الكافرين : ما ذكر بعد ms2827 من قوله : {ولولا ~~رجال مؤمنون}... الآية ، أو : ما تطرق بسببه من الصلح وانقيادهم إليه ، ~~فإنهم لما رأوا أصحابهم انهزموا أذعنوا للصلح ، وقال القشيري : بعد أن ~~اضطرهم المسلمون إلى بيوتهم ، أنزل الله هذه الآية يمن عليهم ، حيث كف أيدي ~~بعضهم عن بعض ، عن قدرة من المسلمين ، لا عن عجز ، فأما الكفار فكفوا ~~أيديهم رعبا وخوفا ، وأما المسلمون فنهيا من قبل الله ، لما في أصلابهم من ~~المؤمنين. ه. {وكان الله بما تعملون} من مقاتلتهم وهزمهم أولا ، والكف عنهم ~~ثانيا ، لتعظيم بيته الحرام ، وقرأ البصري بياء الغيب ، أي : بما يعمل ~~المشركون {بصيرا} فيجازي كلا بما يستحقه. {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد ~~الحرام} {و} صدوا {الهدي} حال كونه {معكوفا} أي : محبوسا عن {أن يبلغ محله} ~~أي : مكانه الذي يحل به نحره ، وهو منى وكان صلى الله عليه وسلم ساق سبعين ~~بدنة ، فلما صد ، نحرها بموضعه ، وبه استدل من قال : إن المحصر ينحر هداياه ~~بموضعه ، وروي أن خيامه صلى الله عليه وسلم كانت في الحل ، ومصلاه في الحرم ~~، وهناك # 145 # نحرت هداياه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. PageV07P207 # الإشارة : يقال لمن سبقت لهم العناية ، وحفت بهم الرعاية : لو قاتلكم الذين ~~كفروا من النفس الأمارة ، والشيطان ، والهوى ، وسائر القواطع ، لولوا ~~الأدبار ، ثم لا يجدون تسلطا عليكم أبدا ، سنة الله التي قد خلت فيمن توجه ~~إليه بصدق الطلب ، ودخل تحت تربية الرجال ، فإن همتهم دائرة عليه ، ولن تجد ~~لسنة الله تبيدلا. وهو الذي كف أيدي الأعداء من القواطع عنكم ، وكف أيديكم ~~عنهم ، من بعد أن أظفركم عليهم ، فإن النفس إذا تعذبت واطمأنت وجب الكف عن ~~مجاهدتها ، ووجب البرور بها ، وتصديقها فيما تحدثه ، وكذا سائر القواطع تجب ~~الغيبة عنها ، وعدم الالتفات إليها غيبة في الله واشتغالا بشهوده. وقيل ~~لبعضهم : متى ينتهي سير الطالبين ؟ قال : " الظفر بنفوسهم ، فإن ظفروا بها ~~وصلوا ". وأيضا : لا تجتمع المجاهدة مع المشاهدة ، فإذا تحققت المشاهدة فلا ~~مجاهدة. هم الذين كفروا من النفوس المتمردة ، والهوى ، وصدوكم عن مسجد ~~الحضرة ، والهدي معكوفا ، وحبسوكم عن ms2828 التقرب إلى الله بالنفس والمال أن ~~يبلغ محله ، بأن تمنعكم من إعطائه ، أو تشيبه بما يفسده من الرياء والعجب ، ~~لئلا تبلغ محل الإخلاص. # ثم ذكر حكمة منعهم من دخول مكة عام الحديبية ، فقال : # {... # جزء : 7 رقم الصفحة : 144 # ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما} # قلت : {أن تطؤوهم} : بدل اشتمال من رجال ونساء ، ومن ضمير " تعلموهم " ~~وبغير متعلق بتطؤوهم ، وجواب " لولا " محذوف ، أغنى عنه جواب " لو " أي : ~~لما كف أيديكم عنهم. PageV07P208 # يقول الحق جل جلاله : {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} بمكة ، ضعفوا عن ~~الهجرة {لم تعلموهم} لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم مع المشركين ، {أن ~~تطأوهم بغير علم} أي : غير عالمين بهم {فتصيبكم منهم معرة} أي : مشقة ~~ومكروه. وفي تفسير المحلي " المعرة " بالإثم نظر ، مع فرض عدم العلم ، إلا ~~أن يحمل على صورة الإثم ، وهو الخطأ ، وفيه الكفارة. والمعرة : مفعلة من : ~~عراه : إذا دهاه ما يكرهه وشق عليه ، وهو هنا الكفارة إذا قتله خطأ ، وسوء ~~مقالة المشركين أنهم فعلو بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز ، ~~والإثم إذا قصد قتله. والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة. والحاصل أنه كان ~~بمكة قوم مسلمون مختلطون بالمشركين ، غير متميزين منهم ، فقيل : ولولا ~~كراهة أن تهلكوا ناسا من المؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين ~~بهم ، فتصيبكم بإهلاكهم مشقة ومكروه ، ولما كففنا أيديكم عنهم ، ولسلطانكم عليهم. # 146 # وكان ذلك الكف {ليدخل الله في رحمته} أي : في توفيقه لزيادة الخير ~~والطاعة لمؤمنيهم ، أو : ليدخلهم في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم {من ~~يشاء} زيادته أو هدايته ، فاللام متعلقة بمحذوف ، تعليل لما دلت عليه الآية ~~، وسيقت له ، من كف الأيدي عن أهل مكة ، والمنع من قتلهم ، صونا لما بين ~~أظهرهم من المؤمنين. {لو تزيلوا} أي : تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين ، ~~{لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} بقتل مقاتلهتم ، وسبي ذراريهم. ~~ويجوز أن يكون : " لو تزيلوا " كالتكرير ms2829 ل " لولا.. " ؛ لمرجعهما لمعنى ~~واحد ويكون {لعذبنا...} الخ ، هو جواب " لولا " والتقدير : ولولا أن تطؤوا ~~رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات من غير علم ، ولو كانوا متميزين لعذبناهم ~~بالسيف. PageV07P209 # الإشارة : إذا اختلط أهل الانتقاد مع أهل الاعتقاد ، لا يعم البلاء المعد ~~لأهل الانتقاد ، ولو تزيلوا لعذبنا المنكرين عذابا أليما ، وكذلك إذا اختلط ~~الفجار مع الأبرار ، وغلب جمع الأبرار ، لا يعم البلاء ، ويصرف عن الجميع ، ~~فلو تزيل الفجار لعذبوا عذابا أليما. # جزء : 7 رقم الصفحة : 144 # قال القشيري : قد تكون في النفس أوصاف مستحسنة ، تليق بالفيض الألهي ، مع ~~أوصاف مذمومة ، فلو سلطناكم على إهلاكها بالمرة ، لفاتكم ما فيها من ~~الأوصاف الحسنة ، فتصيبكم معرة ، ليدخل الله في رحمته بالوصول إلى حضرته من ~~يشاء من النفوس ، بتصفية ما فيها من الرذائل. لو تزيلوا تميز ما يصلح قلعه ~~، كالكبر ، والشر ، والحرص والحقد ، أو ما يصلح تبديله ، كالبخل بالسخاء ، ~~والحرص بالقناعة ، والغضب بالحلم ، والجبن بالشجاعة ، والشهوة بالعفة ، ~~لعذبنا النفوس المتمردة عذابا أليما ، بإهلاكها بالكلية. بالمعنى. # جزء : 7 رقم الصفحة : 144 # يقول الحق جل جلاله : واذكر {إذ جعل الذين كفروا} من قريش أي : ألقوا {في ~~قلوبهم الحمية} أي : الأنفة والتكبر ، أو : صيروا الحمية راسخة في قلوبهم ~~{حمية الجاهلية} بدل ، أي : حمية الملة الجاهلية ، أو الحمية الناشئة من ~~الجاهلية ، ووضع الموصول موضع ضميرهم ، إذ تقدم ذكرهم ، لذمهم بما في حيز ~~الصلة ، وتعليل الحكم به. والجعل بمعنى الإلقاء ، فلا يتعدى إلى مفعولين ، ~~أوك بمعنى التصيير ، فالمفعول الثاني محذوف ، كما تقدم. و" الذين " : فاعل ~~، على كل حال. {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} أي : أنزل في ~~قلوبهم الطمأنينة والوقار ، فلم يتضعضعوا من الشروط التي شرطت قريش. # 147 PageV07P210 ~~روي : أن رسول الله لما نزل الحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو ، وحويطب بن ~~عبد العزى ، ومكرز بن حفص ، على أن يعرضوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يرجع من عامه ذلك ، على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة ~~أيام ، ففعل ذلك ، وكتب بينهم كتابا ، فقال صلى الله ms2830 عليه وسلم لعلي رضي ~~الله عنه : " اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم " فقال سهيل وأصحابه ما نعرف ~~هذا ، ولكن اكتب : باسمك اللهم ، ثم قال : " اكتب : هذا ما صالح عليه رسول ~~الله أهل مكة " فقالوا : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما ~~قاتلناك ، ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : " اكتب ما يريدون ، فأنا أشهد أني رسول ، وأنا محمد ~~بن عبد الله " فهم المسلمون أن يأبوا ذلك ، ويبطشوا بهم ، فأنزل الله ~~السكينة عليهم ، فتوقروا وحلموا. وفي رواية البخاري : فكتب علي رضي الله ~~عنه : " هذا ما قضى عليه محمد رسول الله " فلما أبوا ذلك ، قال صلى الله ~~عليه وسلم لعلي : " امح رسول الله ، واكتب : محمد بن عبد الله " ، فقال : ~~والله لا أمحوك أبدا ، فأخذ صلى الله عليه وسلم الصحيفة وكتب ما أرادوا. ~~قيل : كتب بيده معجزة ، وقيل : أمر من كتب ، وهو الأصح. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 147 PageV07P211 ~~وإلزمهم كلمة التقوى} شهادة " لا إله إلا الله " وقيل : بسم الله الرحمن ~~الرحيم ، وقيل : محمد رسول الله ، وقيل : الوفاء بالعهد ، والثابت عليه. ~~وإضافتها إلى التقوى ؛ لأنها سببها وأساسها ، وقيل : كلمة أهل التقوى. ~~{وكانوا أحق بها} أي : متصفين بمزيد استحقاق بها ، على أن صيغة التفضيل ~~للزيادة مطلقا ، أو : أحق بها من غيرهم من سائر الأمم {و} كانوا أيضا ~~{أهلها} المتأهلون لها بتأهيل الله إياهم. قال القشيري : كلمة التقوى هي ~~التوحيد عن قلب صادق ، وأن يكون مع الكلمة الاتقاء الشرك ، وكانوا أحق بها ~~في سابق حكمه ، وقديم علمه ، وهذا إلزام إكرام ولطف ، لا إلزام إكراه وعنف ~~، وإلزام بر ، لا إلزام جبر. ه. {وكان الله بكل شيء عليما} فيجري الأمور ~~على مساقها ، فيسوق كلا إلى ما يستحقه. # الإشارة : لا يصل العبد إلى مولاه حتى تكون نفسه أرضية ، وروحه سماوية ، ~~يدور مع الحق أينما دار ، ويخضع للحق أينما ظهر ، ولأهله أينما ظهروا ، لم ~~تبق فيه حمية ولا أنفة ، بل يكون كالأرض يطأها البار والفاجر ، ولا تميز ms2831 ~~بينهما ، وأما من فيه حمية الجاهلية ، فهو من أهل الخذلان ، وأما أهل ~~العناية ، فأشار إليهم بقوله : {فأنزل الله سكينته على رسوله} فكان متواضعا ~~سهلا لينا ، كما قال تعالى : {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم : 4] وعلى ~~المؤمنين فأخبر عنهم بقوله : {أشدآء على الكفار رحمآء بينهم} [الفتح : 29] ~~الآية ، و" ألزمهم كلمة التقوى " ، " لا إله إلا الله " لأنها تهذب الأخلاق ~~، وتخرج ما في # 148 # القلب من الأمراض والنفاق ؛ لأن النفي : تنزيه وتخلية ، والإثبات : نور ~~وتحلية ، فلا يزال النفي يخرج من القلب ما فيه هي الظلمة والمساوئ ، حتى ~~يتطهر ويتصف بكمال المحاسن. PageV07P212 # قال في نوادر الأصول ، لما تكلم على {وألزمهم كلمة التقوى} : هو " لا إله ~~إلا الله " ، وجه تسميتها بذلك : أنه اتقى بها ونفى ما أحدث من الشرك ، ~~حمية للتوحيد وعصبية وغيرة ، اقتضاها نور التوحيد والمحبة ، فنفى القلب كل ~~رب ادعى العباد ربوبيته ، وولهت قلوبهم إليه ، فابتدأ هذا القلب - الذي ~~وصفنا - بالنفي لأرباب الأرض ، ثم سما عاليا حتى انتهى إلى الرب الأعلى ، ~~فوقف عنده ، وتذلل وخشع له ، واطمأن ووله إليه. وقال لنبيه : {سبح اسم ربك ~~الأعلى} [الأعلى : 1] أي : إن هذه أرباب متفرقون ، والرب الله الواحد ~~القهار ، فهداه إلى الرب الأعلى ، وقال : {وأن إلى ربك المنتهى} [النجم : ~~42]. ثم قال : ألزم قلوبهم هذه الكلمة بنور المحبة ، كما قال : {حبب إليكم ~~الإيمان وزينه فى قلوبكم} [الحجرات : 7] ، فبحلاوة الحب ، وزينة البهاء ، ~~صارت الكلمة لازمة لقلوبهم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 147 # وأما قوله : {وكانوا أحق بها وأهلها} فإنما صاروا كذلك ؛ لأن الله كان ~~ولا شيء ، فخلق المقادير ، وخلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره ، فمن ~~أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل ، فقد علم من يخطئه ممن يصيبه. ثم ~~ذكر أحاديث ، من ذلك : حديث ابن عمرو : " إن الله خلق خلقه ، ثم جعلهم في ~~ظلمة ، ثم أخذ من نوره ما شاء ، فألقاه عليهم ، فأصاب النور من شاء أن ~~يصيبه ، وأخطأ من شاء أن يخطئه... " الحديث. ثم قال بعد كلام طويل : ثم لما ~~نفخ الروح في آدم أخرج نسم ms2832 بنيه ، أهل اليمين ، من كتفه الأيمن في صفاء ~~وتلألؤ ، وأصحاب الشمال كالحمة سود من كتفه الأيسر ، والسابقون أمام ~~الفريقين ، المقربون ، وهم الرسل والأنبياء والأولياء ، فقربهم كلهم ، وأخذ ~~عليهم ميثاق على الإقرار بالعبودية ، وأشهدهم على أنفسهم ، وشهد عليهم ~~بذلك. ثم ردهم إلى الأصلاب ليخرجهم تناسلا إلى الأرحام. ه. PageV07P213 # وقال الجنيد رضي الله عنه في قوله : {وكانوا أحق بها وأهلها} : من أدركه ~~عناية السبق في الأزل جرى عليه عنوان المواصلة ، وهو أحق بها ، لما سبق ~~إليه من كرامة الأزل. ه. والحاصل : أنهم أحق بها بالسبق بالاصطفائية ، ~~وبقيت نعوتها وأنوارها في قلوبهم ، دون الذي حجبهم الله عن رؤية نورها. ~~قاله في الحاشية. # جزء : 7 رقم الصفحة : 147 # يقول الحق جل جلاله : {لقد صدق الله رسوله الرؤيا} أي : صدقه في رؤياه ~~ولم يكذبه - تعالى الله عن الكذب - فحذف الجار وأوصل الفعل ؛ كقوله : ~~{صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب : 23] يقال : صدقه الحديث : إذا حققه ~~وبينه له ، أو : أخبره بصدق روي أنه صلى الله عليه وسلم رأى في النوم ، قبل ~~خروجه إلى الحديبية ، كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين ، وقد حلقوا وقصروا ~~، فقص الرؤيا على أصحابه ، ففرحوا ، وحسبوا أنهم داخلوها ، وقالوا : إن ~~رؤيا رسول الله حق. والله تعالى قد أبهم الأمر عليهم لينفرد بالعلم الحقيقي ~~، فلما صدوا ، قال عبد الله بن أبي وغيره من المنافقين : والله ما حلقنا ~~ولا قصرنا ، ولا رأينا المسجد الحرام ، فنزلت : {لقد صدق الله رسوله} فيما ~~أراه ، وما كذب عليه ، ولكن في الوقت الذي يريد. PageV07P214 # وقوله : {بالحق} إما صفة لمصدر محذوف ، أي : صدقا ملتبسا بالحق ، أي : ~~بالغرض الصحيح ، والحكمة البالغة التي تميز بين الراسخ في الإيمان ، ~~والمتزلزل فيه ، أو : حال من الرؤيا ، أي : ملتبسة بالحق ليست من قبيل ~~أضغاث الأحلام ، ويجوز أن يكون قسما ، أي : أقسم بالحق {لتدخلن المسجد ~~الحرام} وعلى الأول : جواب القسم محذوف ، أي : والله لتدخلن المسجد الحرام ~~، والجملة القسمية : استنئاف بياني ، كأن قائلا قال : ففيم صدقه ؟ فقال : ~~{لتدخلن المسجد إن شاء الله} وهو تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العبادة. قال ms2833 ~~ثعلب : استثنى الله فيما يعلم ؛ ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. وقال في ~~القوت : استثنى الله معلما لعباده ورادا لهم إلى مشيئته ، وهو أصدق ~~القائلين ، وأعلم العالمين. ه. أو : للإشعار بأن بعضهم لا يدخلونه ، لموت ، ~~أو غيبة ، أو غير ذلك ، أو : هو حكاية لما قاله ملك الرؤيا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، أو لما قاله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ، حين قص عليهم ، ~~أي : والله لتدخلنها {آمنين} من غائلة العدو ، فهو حال من فاعل " لتدخلن " ~~والشرط معترض. {محلقين رؤوسكم ومقصرين} أي : محلقا بعضكم ، ومقصرا آخرون ، ~~{لا تخافون} بعد ذلك أبدا ، فهو حال أيضا ، أو استئناف ، {فعلم ما لم ~~تعلموا} من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل ، {فجعل من دون ذلك} ~~فتح مكة {فتحا قريبا} وهو فتح خيبر ، لتستروح إليه قلوب المؤمنين ، إلى أن ~~يتيسر الفتح الموعود. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 149 PageV07P215 ~~الإشارة : العارف الكامل لا يركن إلى شيء دون الله تعالى ، فلا يطمئن إلى ~~وعد ، ولا يخاف من وعيد ، بل هو عبد بين يدي سيده ، ينظر ما يبرز من زمن ~~عنصر قدرته ، فإن بشر بشيء في النوم أو اليقظة ، لا يركن إليه ، ولا يقف ~~معه ؛ لأن غيب المشيئة غامض ، وإن خوف بشيء في النوم أو غيره ، لا يفزع ولا ~~يجزع ؛ لأن الغنى بالله والأنس به غيبه # 150 # عن كل شيء ، وفي الله خلف من كل تلف " ماذا فقد من وجدك ؟ " والله يتولى ~~الصالحين ، {ومن يتق الله يجعل له مخرجا...} [الطلاق : 2] الآية. # قال في الإبريز : الرؤيا المحزنة إنما هي اختبار من الله للعبد ، هل يبقى ~~مع ربه أو ينقطع عنه ، فإن كان العبد متعلقا به تعالى ، ورأى الرؤيا ~~المحزنة ، لم يلتفت إليها ، ولما يبال بها ؛ لعلمه بأنه منسوب إلى من بيده ~~تصاريف الأمور ، وأن ما اختاره تعالى سبقت به المشيئة ، فلا يهوله أمر ~~الرؤيا ، ولا يلقي إليها بالا ، وهذه لا تضره بإذن الله تعالى : وإذا كان ~~العبد غير متعلق بربه ، ورأى رؤيا محزنة ، جعلها نصب عينيه ms2834 ، وعمر بها ~~باطنه ، وانقطع بها عن ربه ، ويقدر أنها لا محالة نازلة به ، فهذا هو الذي ~~تضره ؛ لأن من خاف من شيء سلطه عليه. ه. # وسئل سهل التستري رضي الله عنه عن الاستثناء في هذه الآية ، فقال : ~~تأكيدا في الافتقار إليه ، وتأديبا لعباده في كل حال ووقت. ه. أي : أدبهم ~~لئلا يقفوا مع شيء دونه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 149 PageV07P216 ~~يقول الحق جل جلاله : {هو الذي أرسل رسوله بالهدى} بالتوحيد ، أي : ملتبسا ~~به ، أو : بسببه ، أو : لأجله ، {ودين الحق} وبدين الإسلام ، وبيان الإيمان ~~والإحسان ، وقال الورتجبي : ودين الحق : هو بيان معرفته والأدب بين يديه. ~~ه. {ليظهره على الدين كله} ليعليه على جنس الدين ، يريد الأديان كلها من ~~أديان المشركين وأهل الكتاب ، وقد حقق ذلك سبحانه ، فإنك لا ترى دينا قط ~~إلا والإسلام فوقه بالعزة والغلبة ، إلا ما كان من النصارى بالجزيرة ، حيث ~~فرط أهل الإسلام ، وقيل : هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على ~~وجه الأرض كافر. وقيل : هو إظهاره بالحجج والآيات. {وكفى بالله شهيدا} على ~~أن ما وعده كائن. وعن الحسن : شهد على نفسه أنه سيظهر دينه ، أو : كفى به ~~شهيدا على نبوة محمد صلى عليه وسلم وهو تمييز ، أو حال. # {محمد رسول الله} أي : ذلك المرسل بالهدى ودين الحق هو محمد رسول الله ، # 151 # فهو خبر عن مضمر ، و" رسول " : نعت ، أو : بدل ، أو : بيان ، أو : " محمد ~~" : مبتدأ و" رسول " : خبر ، {والذين معه} مبتدأ ، خبره : {أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم} أو : " الذين " : عطف على " محمد " ، و" أشداء " : خبر ~~الجميع ، أي : غلاظ شداد على الكفار في حربهم ، رحماء متعاطفون بينهم ، ~~يعني : أنهم كانوا يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة ، ولمن وافق دينهم ~~الرأفة والرحمة ، وهذا كقوله تعالى : {أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين} [المائدة : 54] ، وبلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون ~~من ثيابهم أن تلزق بثياب الكفار ، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم ، وبلغ من ~~تراحمهم فيما بينهم : أنهم كانوا لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه. ms2835 # جزء : 7 رقم الصفحة : 151 PageV07P217 ~~وهذا الوصف الذي مدح الله به الصحابة رضي الله عنهم مطلوب من جميع المؤمنين ~~، لقوله صلى الله عليه وسلم : " ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم ~~كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " ~~رواه البخاري ، وقال أيضا : " نظر الرجل إلى أخيه شوقا خيرا من اعتكاف سنة ~~في مسجدي هذا " ، ذكره في الجامع. # {تراهم ركعا سجدا} أي : تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين ؛ لمواظبتهم على ~~الصلوات ، أو : على قيام الليل ، كما قال من شاهد حالهم : رهبان بالليل أسد ~~بالنهار ، وهو استئناف ، أو : خبر ، {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} أي : ~~ثوابا ورضا وتقريبا {سيماهم} علاماتهم {في وجوههم} في جباههم {من أثر ~~السجود} أي : من التأثير الذي يؤثره كثرة السجود. وما روي عنه عليه السلام ~~: " لا تعلموا صوركم " أي : لا تسموها ، إنما هو فيمن يتعمد ذلك باعتماد ~~جبهته على الأرض ، ليحدث ذلك فيها ، وذلك رياء ونفاق ، وأما إن حدث بغير ~~تعمد ، فلا ينهى عنه ، وقد ظهر على كثير من السلف الصالح غرة في جباههم مع ~~تحقق إخلاصهم. وقال منصور : سألت مجاهدا عن قوله : {سيماهم في وجوههم} أهو ~~الأثر يكون بين عيني الرجل ؟ قال : لا ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة ~~البعير ، وهو أقسى قلبا من الحجارة ، ولكنه نور في وجوهم من الخشوع. وقال ~~ابن جيرح : هو الوقار والبهاء ، وقيل : صفرة الوجوه ، وأثر السهر. وقال ~~الحسن : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى ، وما هم مرضى. وقال سفيان وعطاء : استنارت ~~وجوههم من طول ما وصلوا بالليل ، لقوله عليه السلام : " من كثرت صلاته ~~بالليل حسن وجهه بالنهار " وقال ابن عطية : إنه من # 152 # قول شريك لا حديث ، فانظره ، وقال ابن جبير : في وجوههم يوم القيامة ~~يعرفون به أنهم سجدوا في الدنيا لله تعالى. ه. PageV07P218 # {ذلك مثلهم في التوراة} الإشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة ، وما فيها ~~من معنى البعد مع قرب العهد للإيذان بعلو شأنه ، وبعد منزلته في الفضل ، أي ~~: ذلك وصفهم العجيب الجاري في الغرابة مجرى الأمثال ms2836 ، هو نعتهم في التوراة ~~، أي : كونهم أشداء على الكفار ، رحماء بينهم ، سيماهم في وجوههم. # ثم ذكر وصفهم في الإنجيل فقال : {ومثلهم في الإنجيل كزرع..} الخ ، وقيل ~~عطف على ما قبله ، بزيادة " مثل " ، أي : ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل ، ~~ثم بين المثل فقال : هم كزرع {أخرج شطأه} فراخه ، يقال : أشطأ الزرع : أفرخ ~~، فهو مشطىء ، وفيه لغات : شطأه بالسكون والفتح ، وحذف الهمزة ، كقضاة. و" ~~شطه " ، بالقصر ، {فآزره} فقواه ، من : المؤازرة ، وهي الإعانة ، {فاستغلظ} ~~فصار من الرقة إلى الغلظ ، {فاستوى على سوقه} فاستوى على قصبه ، جمع : ساق ~~، {يعجب الزراع} يتعجبون من قوته ، وكثافته ، وغلظه ، وحسن نباته ومنظره. ~~وهو مثل ضربه الله لأصحابه صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام ، ثم كثروا ~~واستحكموا ، بترقي أمرهم يوما بيوم ، بحيث أعجب الناس أمرهم ، فكان الإسلام ~~يتقوى كما تقوى الطاقة من الزرع ، بما يحتف بها مما يتولد منها. # جزء : 7 رقم الصفحة : 151 # وقيل : مكتوب في الإنجيل : سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع ، يأمرون ~~بالمعروف ، وينهون عن المنكر. وعن عكرمة : أخرج شطأه بأبي بكر ، فآرزه بعمر ~~، فاستغلظ بعثمان ، فاستوى على سوقه بعلي. وحكى النقاش عن ابن عباس ، أنه ~~قال : الزرع النبي صلى الله عليه وسلم ، فآزره علي بن أبي طالب ، فاسغلظ ~~بأبي بكر ، فاستوى على سوقه بعمر. ه. PageV07P219 # واختار ابن عطية : أن المثل شامل للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة ، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعث وحده ، فهو الزرع ، حبة واحدة ، ثم كثر ~~المسلمون ، فهم كالشطء ، تقوى بهم صلى الله عليه وسلم. {ليغيظ بهم الكفار} ~~تعليل لما يعرب عنه الكلام من تشبيههم بالزرع في ذكائه واستحكامه ، أي : ~~جعلهم كذلك ليغيظ بهم من كفر بالله. # {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرا عظيما} استئناف مبين ~~لما خصهم به من الكرامة في الآخرة ، بعد بيان ما خصهم به في الدنيا ، ويجوز ~~أن يرجع لقوله : {ليغيظ بهم...} الخ : أي : ليغيظ بهم وعدهم بالمغفرة ~~والأجر العظيم ؛ لأن الكفار إذا سمعوا ما أعد لهم في الآخرة مع ما خصهم في ~~الدنيا ms2837 من العزة والنصر غاظهم ذلك أشد الغيظ ، و" من " في " منهم " للبيان ~~، كقوله : {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج : 30] أي : وعد الله الذين ~~آمنوا من هؤلاء. # الإشارة : هو الذي أرسل رسول بالهدى : بيان الشرائع ، ودين الحق : بيان ~~الحقائق ، # 153 # فمن جمع بينهما من أمته ظهر دينه وطريقته ، وهذا هو الولي المحمدي ، أعني ~~: ظاهره شريعة ، وباطنه حقيقة ، وما وصف به سبحانه أصحاب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم هو وصف الصوفية ، أهل التربية النبوية ، خصوصا طريق الشاذلية ، ~~حتى قال بعضهم : من حلف أن طريق الشاذلية عليها كانت بواطن الصحابة ما حنث. ~~وقوله تعالى : {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} قال الورتجبي : أي : يطلبون ~~مزيد كشف في الذات والدنو والوصال والبقاء مع بقائه بلا عتاب ولا حجاب ، ~~وهذا محل الرضوان الأكبر. ه. # وقوله تعالى : {سيماهم في وجوههم} أي : نورهم في وجوههم ، لتوجههم نحو ~~الحق ، فإن من قرب من نور الحق ظهرت عليه أنورا المعرفة ، وجمالها وبهاؤها ~~، ولو كان زنجيا أو حبشيا ، وفي ذلك قيل : # وعلى العارفين أيضا بهاء # وعليهم من المحبة نور PageV07P220 ~~ويقال : السيما للعارفين ، والبهجة للمحبين ، فالسيما هي الطمأنينة ، ~~والرزانة ، والهيبة ، والوقار ، كل من رآهم بديهة هابهم ، ومن خالطهم معرفة ~~أحبهم ، والبهجة : حسن السمت والهدي ، وغلبة الشوق ، والعشق ، واللهج ~~بالذكر اللساني. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 151 # وروى السلمي عن عبد العزيز المكي : ليس السيما النحولة والصفرة ، ولكنه ~~نور يظهر على وجوه العابدين ، يبدو من باطنهم على ظاهرهم ، يتبين ذلك ~~للمؤمنين ، ولو كان ذلك في زنجي أو حبشي. وعن بعضهم : ترى على وجوههم هيئة ~~لقرب عهدهم بمناجاة سيدهم. وقال ابن عطاء : ترى عليهم طلع الأنوار لائحة. ~~وقال الورتجبي : المؤمن وجه لله بلا قفا ، مقبلا عليه ، غير معرض عنه ، ~~وذلك سيما المؤمن. ه. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم. # 154 # جزء : 7 رقم الصفحة : 151 PageV07P221 ### | AUTO سورة الحجرات # جزء : 7 رقم الصفحة : 154 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا} تصدير الخطاب بالنداء ، ~~تنبيه المخاطبين على أن في ms2838 حيزه أمر خطير يستدعي اعتنائهم بشأنه ، وفرط ~~اهتمامهم بتلقيه ومراعاته ، ووصفهم بالإيمان لتنشيطهم ، والإيذان بأنه داع ~~إلى المحافظة عليه ووازع عن الإخلال به ، {لا تقدموا} أي : لا تفعلوا ~~التقديم ، على ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل من غير اعتبار تعلقه بأمر ~~من الأمور ، على طريقة قولهم : فلان يعطي ويمنع ، أو : لا تقدموا أمورا من ~~الأمور ، على حذف المفعول ، للعموم ، أو : يكون التقديم بمعنى التقدم ، من ~~" قدم " اللازم ، ومنه : مقدمة الجيش ، للجماعة المتقدمة ، ويؤيده قراءة من ~~قرأ : (لا تقدموا) بحذف أحدى التاءين ، أي : لا تتقدموا {بين يدي الله ~~ورسوله} : لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به ، وحقيقة قولك : جلست بين يدي ~~فلان : أن تجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه ، فسميت ~~الجهتان يدين ؛ لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما ، توسعا ، كما يسمى ~~الشيء باسم غيره إذا جاوره. # وفي هذه العبارة ضرب من المجاز الذي يسمى تمثيلا ، وفيه فائدة جليلة ، ~~وهي : تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور ~~دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة. ويجوز أن يجري مجرى قولك : سرني زيد ~~وحسن ماله ، فكذلك هنا المعنى : لا تقدموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : وفائدة هذا الأسلوب : الدلالة على قوة الاختصاص ، ولما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى ؛ سلك به هذا # 155 PageV07P222 ~~المسلك ، وفي هذا تميهد لما نقم منهم من رفع أصواتهم فوق صوته ؛ لأن من ~~فضله الله بهذه الأثرة ، واختصه بهذا الاختصاص ، كان أدنى ما يجب له من ~~التهيب والإجلال : إن لا يرفع صوت بين يديه ، ولا يقطع أمر دونه ، فالتقدم ~~عليه تقدم على الله ؛ لأنه لا ينطلق عن الهوى ، فنبغي الاقتداء بالملائكة ؛ ~~حيث قيل فيهم : {لا يسبقونه بالقول..} [الأنبياء : 27] الخ. # جزء : 7 رقم الصفحة : 155 # قال عبد الله بن الزبير : قدم وفد من تميم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال أبو بكر : لو أمرت عليهم القعقاع بن معبد ، وقال عمر : يا رسول ms2839 ~~الله ؛ بل أمر الأقرع بن حابس ؛ فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي ، وقال ~~عمر : ما أردت خلافك ، وارتفعت أصواتهما ، فنزلت. فعلى هذا يكون المعنى : ~~لا تقدموا ولاة ، والعموم أحسن كما تقدم. وعبارة البخاري : " وقال مجاهد : ~~(لا تقوموا) لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي الله - ~~عز وجل - على لسانه ".وعن الحسن : أن ناسا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة ، ~~فنزلت ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ، وعن عائشة : أنها ~~نزلت في النهي عن صوم يوم الشك. {واتقوا الله} في كل ما تأتون وتذرون من ~~الأحوال والأفعال ، التي من جملتها ما نحن فيه ، {إن الله سميع} لأقوالكم ~~{عليم} بأفعالكم ، فمن حقه أن يتقى ويراقب. PageV07P223 # {يا أيها آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} شروع في النهي عن التجاوز ~~في كيفية القول عند النبي صلى الله عليه وسلم ، بعد النهي عن التجاوز في ~~نفس القول والفعل ، وإعادة النداء مع قرب العهد ؛ للمبالغة في الإيقاظ ~~والتنبيه ، والإشعار باستقلال كل من الكلامين باستدعاء الاعتناء بشأنه ؛ أي ~~: لا تبلغوا بأصواتكم وراء حد يبلغه صوته صلى الله عليه وسلم ، بل يكون ~~كلامه عاليا لكلامكم ، وجهره باهرا لجهركم ، حتى تكون مزيته عليكم لائحة ، ~~وسابقته لديكم واضحة. # {ولا تجهروا له بالقول} إذا كلمتموه {كجهر بعضكم لبعض} أي : جهرا كائنا ~~كالجهر الجاري فيما بينكم ، بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته ، واختاروا في ~~مخاطبته القول اللين القريب من الهمس ، كما هو الدأب في مخاطبة المهاب ~~المعظم ، وحافظوا على مراعاة هيبة النبوة وجلالة مقدارها. وقيل : معنى : ~~{لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} : لا تقولوا : يا محمد ، يا أحمد ، ~~بل : يا رسول الله. يا نبي الله ، ولما # 156 # نزلت هذه الآية ؛ ما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر إلا كأخي ~~السرار. # وعن ابن عباس رضي الله عنه : أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، وكان في ~~أذنيه وقر ، وكان جهوري الصوت ، وكان إذا تكلم رفع صوته ، وربما كان يكلم ~~النبي ms2840 صلى الله عليه وسلم فيتأذى من صوته. ه. والصحيح ما تقدم. وفي الآية ~~أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا ، وإنما نهوا عن جهر مخصوص ، أي : الجهر ~~المنعوت بمماثلة ما اعتادوه فيما بينهم ، وهو الخلو عن مراعاة هيبة النبوة ~~، وجلالة مقدارها. # جزء : 7 رقم الصفحة : 155 PageV07P224 ~~وقوله : {أن تحبط أعمالكم} مفعول من أجله ، أي : لا تجهروا خشية أن تحبط ~~أعمالكم ، {وأنتم لا تشعرون} فإن سوء الأدب ربنا يؤدي بصاحبه إلى العطب وهو ~~لا يشعر. ولما نزلت الآية جلس ثابت بن قيس في بيته ولم يخرج ، فتفقده صلى ~~الله عليه وسلم ، فدعاه فسأله ، فقال : يا رسول الله ؛ لقد أنزلت عليك هذه ~~الآية ، وإني رجل جهير الصوت ، فأخاف أن يكون عملي قد حبط ، فقال له صلى ~~الله عليه وسلم : " لست هناك ، تعيش بخير ، وتموت بخير ، وإنك من أهل الجنة ~~". وأما ما يروى عن الحسن : أنها نزلت في المنافقين ، الذي كانوا يرفعون ~~أصواتهم فوق صوته صلى الله عليه وسلم فقد قيل : محمله : أن نهيهم مندرج تحت ~~نهي المؤمنين بدليل النص. # {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} أي : يخفضون أصواتهم في مجلسه ، ~~تعظيما له ، وانتهاء عما عنه ، {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} أي ~~: أخلصها وصفاها ، من قولهم : امتحن الذهب وفتنه : إذا أذابه ، وفي القاموس ~~: محنه ، كمنعه : اختبره ، كامتحنه ، ثم قال : وامتحن القول : نظر فيه ~~ودبره ، والله قلوبهم : شرحها ووسعها ، وفي الأساس : ومن المجاز : محن ~~الأديم : مدده حتى وسعه ، وبه فسر قوله تعالى : {امتحن الله قلوبهم للتقوى} ~~أي : شرحها ووسعها ، {لهم مغفرة وأجر عظيم} أي : مغفرة لذنوبهم ، وأجر عظيم ~~: نعيم الجنان. الإشارة : على هذه الآية والتي بعدها اعتمد الصوفية فيما ~~دونوه من آداب المريد مع الشيخ ، وهي كثيرة أفردت بالتأليف ، وقد جمع شيخنا ~~البوزيدي الحسني رضي الله عنه كتابا جليلا جمع فيه من الآداب ما لم يوجد في ~~غيره ، فيجب على كل مريد طالب للوصول مطالعته والعمل بما فيه. PageV07P225 # والذي يؤخذ من الآية : أنه لا يتقدم بين يدي شيخه بالكلام ، لا سيما إذا ~~سأله ms2841 أحد ، فمن الفضول القبيح أن يسبق شيخه بالجواب ، فإن السائل لا يرضى ~~بجواب غير الشيخ ، مع ما فيه من إظهار علمه ، وإشهار شأنه ، والتقدم على ~~شيخه. ومن ذلك أيضا : ألا يقطع # 157 # أمرا دون مشورته ، ما دام تحت الحجرية ، وألا يتقدم أمامه في المشي إلا ~~بإذنه ، وأن يغض صوته عند حضوره ، بل لا يتكلم إلا أن يأذن له في الكلام ، ~~ويكون بخفض صوت وتعظيم. # قلت : وما زالت أشياخنا تأمرنا بالتكلم عند المذاكرة ؛ إذ بالكلام تعرف ~~أحوال الرجال ، وسمعت شيخ شيخنا ، مولاي العربي الدرقاوي الحسني رضي الله ~~عنه يقول : حكونا في المذاكرة ؛ ليظهر العلم ، وكونوا معنا كما قال القائل ~~: حك لي نربل لك ، لا كما قال القائل : سفج لي نعسل لك. ه. لكن يكون بحثه ~~مع الشيخ على وجه الاسترشاد والاستعلام ، من غير معارضة ولا جدال ، وإلا ~~وإلا فالسكوت أسلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 155 # قال القشيري : {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} لا تعملوا في أمر الدين ~~من ذات أنفسكم شيئا ، وقفوا حيثما وقفتم ، وافعلوا ما به أمرتم ، أي : ~~اعملوا بالشرع لا بالطبع في طلب الحق ، وكونوا من أصحاب الاقتداء والاتباع ~~، لا من أرباب الابتداء أو الابتداع. PageV07P226 # وقال في قوله تعالى : {لا ترفعوا أصواتكم...} الآية ، يشير إلى أنه من شرط ~~المؤمن : ألا يرى رأيه وعقله واختياره فوق رأي النبي والشيخ ، ويكون ~~مستسلما لرأيه ، ويحفظ الأدب في خدمته وصحبته ، {ولا تجهرا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض} أي : لا تخاطبوه كخطاب بعضكم لبعض ، بل خاطبوه بالتعظيم ~~والتبجيل ، ولا تنظروا إليه بالعين التي تنظرون إلى أمثالكم ، وإنه لحسن ~~خلقه قد يلاعبكم ، فلا تنبسطوا معه ، متاجسرين عليه بما يعاشركم من خلقه ، ~~ولا تبدأوه بحديث حتى يفاتحكم ، أن تحبط أعمالكم بسوء أدبكم ، وأنتم لا ~~تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله وعند شيخه أولئك الذين امتحن ~~الله قلوبهم للتقوى ، أي : انتزع عنها حب الشهوات ، وصفاها من دنس سوء ~~الأخلاق ، وتخلقت بمكارم الأخلاق ، حتى انسلخت من عادات البشرية. ه. # وقال في القوت : الوقاية مقرونة بالنصرة ms2842 ؛ فإذا تولاه نصره على أعدائه ، ~~وأعدى عدوه نفسه ، فإذا نصره عليها ، أخرج الشهوة منها ، فامتحن قلبه ~~للتقوى ، ومحض نفسه ، فخلصها من الهوى. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 155 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} من خارجها ، أو ~~: من خلفها ، أو : من أمامها ، فالوراء : الجهة التي تواري عنك الشخص تظلله ~~من خلف أو من قدام ، و" من " لابتداء الغاية ، وأن المناداة نشأت من ذلك ~~المكان ، والحجرة : الرقعة من الأرض ، المحجورة بحائط يحوط عليها ، فعلة ، ~~بمعنى مفعولة ، كالقبضة ، والجمع : # 158 # حجرات ، بضمتين ، وبفتح الجيم ، والمراد : حجرات النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وكان لكل امرأة حجرة. PageV07P227 # نزلت في وفد بني تميم ، وكانوا سبعين ، وفيهم عينية بن حصن الفزاري ، ~~والأقرع بن حابس ، وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة ، وهو ~~راقد ، فنادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته ، وقالوا : ~~اخرج إلينا يا محمد ؛ فإن مدحنا زين ، وذمنا شين ، فاستيقظ ، وخرج عليه ~~السلام وهو يقول : " ذلكم الله الذي مدحه زين ، وذمه شين " ، فقالا : نحن ~~قوم من بني تميم ، جئنا بشاعرنا وخطيبنا ، لنشاعرك ، ونفاخرك ، فقال صلى ~~الله عليه وسلم : " ما بالشعر بعثت ، ولا بالفخار أمرت " ، ثم أمر صلى الله ~~عليه وسلم خطيبهم فتكلم ، ثم قال لثابت بن قيس بن شماس - وكان خطيب النبي ~~صلى الله عليه وسلم : قم ، فقام ، فخطب ، فأقحم خطيبهم ، ثم قام شاب منهم ، ~~فأنشأ يقول : # نحن الكرام فلا حي يعادلنا # فينا الرؤوس وفينا يقسم الربع # ونطعم الناس عند القحط كلهم # إنا كذلك عند الفخر نرتفع # فقال صلى الله عليه وسلم لحسان : قم فأجبه ، فقال : # إن الذوائب من فهر وإخوتهم # قد شرعوا سنة للناس تتبع # يرضى بها كل من كانت سريرته # تقوى الإله وكل الفخر يصطنع # ثم قال الأقرع شعرا افتخر به ، فقال عليه السلام لحسان : قم فأجبه ، فقال حسان : # بني دارم ، لا تفخروا ، إن فخركم # يعود وبالا عند ذكر المكارم # جزء : 7 رقم الصفحة : 158 # هبلتم ، علينا تفخرون وأنتم # لنا خول من بين ظئر ms2843 وخادم # فقال صلى الله عليه وسلم : " لقد كنت غنيا عن هذا يا أخا بني دارم أن ~~يذكر منك ما قد ظننت أن الناس قد نسوه " ، ثم قال الأقرع : تكلم خطيبنا ، ~~فكان خطيبهم أحسن قيلا ، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر. ه. PageV07P228 # هذا ومناداتهم من وراء الحجرات ؛ إما لأنهم أتوها حجرة حجرة ، فنادوه صلى ~~الله عليه وسلم من ورائها ، أو : بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له صلى ~~الله عليه وسلم ، أو : نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها ، ولكنها جمعت ~~إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل : الذي ناداه عيينة بن حصن ~~والأقرع ، وإنما أسند إلى جميعهم لأنهم راضون بذلك وأمروا به. {أكثرهم لا ~~يعقلون} إذ لو كان لهم عقل لما تجاسروا على هذه العظيمة من سوء الأدب. # 159 # {ولو أنهم صبروا} أي : ولو تحقق صبرهم وانتظارهم ، فمحل {أنهم صبروا} رفع ~~على الفاعلية ؛ لأن " أن " تسبك بالمصدر ، لكنها تفيد التحقق والثبوت ، ~~للفرق بين قولك : بلغني قيامك ، وبلغني أنك قائم ، و" حتى " تفيد أن الصبر ~~ينبغي أن يكون مغيا بخروجه عليه السلام ، فإنها مختصة بالغايات. والصبر. ~~حبس النفس على أن تنازع إلى هواها وقيل : " الصبر مر ، لا يتجرعه إلا حر ". ~~أي : لو تأنوا حتى تخرج إليهم بلا مناداة ؛ لكان الصبر خيرا لهم من ~~الاستعجال ، لما فيه من رعاية حسن الأدب ، وتعظيم الرسول ، الموجبتين ~~للثناء والثواب ، والإسعاف بالمسؤول ؛ إذ روي أنهم وفدوا شافعين في أسارى ~~بني العنبر ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى حي بني العنبر ، ~~وأمر عليهم عيينة بن حصن ، فهربوا وتركوا عيالهم ، فسباهم عيينة ، ثم قدم ~~رجالهم يفدون الذراري ، فلما رأتهم الذراري أجهشوا إلى آبائهم يبكون ، ~~فعجلوا أن يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فنادوه حتى أيقظوه من ~~نومه ، فخرج إليهم ، فأطلق النصف وفادى النصف ، {والله غفور رحيم} بليغ ~~المغفرة والرحمة واسعهما ، فلن يضيق ساحتهما عن هؤلاء إن تابوا وأصلحوا. PageV07P229 # الإشارة : من آداب المريد ألا يوقظ شيخه من نومه ، ولو بقي ألف سنة ينتظره ~~، وألا يطلب خروجه ms2844 إليه حتى يخرج بنفسه ، وألا يقف قبالة باب حجرته لئلا ~~يرى بعض محارمه. ومن آدابه أيضا : ألا يبيت معه في مسكن واحد ، وألا يأكل ~~معه ، إلا أن يعزم عليه ، وألا يجلس على فراشه أو سجادته إلا بأمره ، وإذا ~~تعارض الأمر والأدب ، فهل يقدم الأمر أو الأدب ؟ خلاف ، وقد تقدم في صلاح ~~الحديبية : أن سيدنا عليا - كرم الله وجهه - قدم الأدب على الأمر ، حين قال ~~له صلى الله عليه وسلم : " امح اسم رسول الله من الصحيفة " ، فأبى ، وقال : ~~" والله لا أمحول أبدا " والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 158 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} نزلت في ~~الوليد بن عبة بن أبي معيط ، وكان من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم بعثه ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ، بعد الوقعة مصدقا ، وكان بينه ~~وبينهم عداوة في الجاهلية ، فخرجوا # 160 # يتلقونه ، تعظيما النبي صلى الله عليه وسلم ، فظن أنهم مقاتلوه ؛ فرجع ، ~~وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : قد ارتدوا ومنعوا الزكاة ، فهم صلى ~~الله عليه وسلم أن يغزوهم ، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه أنهم ~~إنما خرجوا يتلقونه تكرمة ؛ فاتهمهم النبي صلى الله عليه وسلم وبعث إليهم " ~~خالد بن الوليد " خفية مع عسكر ، وأمره أن يخفي عليهم قدومه ، ويتطلع عليهم ~~، فإن رأى ما يدل على إيمانهم ؛ أخذ زكاتهم ورجع ، وإن رأى غير ذلك ؛ ~~استعمل فيهم ما يستعمل في الكفار ، فسمع خالد فيهم آذان صلاتي المغرب ~~والعشاء ، فأخذ صدقاتهم ، ولم ير منهم إلا الطاعة ، فنزلت الآية. PageV07P230 # وسمي الوليد فاسقا لعدم تثبته ؛ فخرج بذلك عن كمال الطاعة ، وفي تسميته ~~بذلك زجر لغيره ، وترغيب له في التوبة ، والله تعالى أعلم بغيبه ، حتى قال ~~بعضهم : إنها من المتشابه ، لما ثبت من تحقق إيمان الوليد. وقال أبو عمر في ~~الاستيعاب : لا يصح أن الآية نزلت في قضية الوليد ؛ لأنه كان في زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من ثمانية أعوام ، أو من عشرة ، فكيف يبعثه رسولا ms2845 ؟ ! ~~ه. قلت : لا غرابة فيه ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يؤمر أسامة بن زيد على ~~جيش ، فيه أبو بكر وعمر ، مع حداثة سنه ، كما في البخاري وغيره. # وفي تنكير (فاسق) و(نبأ) شياع في الفساق والأنباء ، أي : إذا جاءكم فاسق ~~أي فاسق كان ، بأي خبر {فتبينوا} أي : فتوقفوا فيه ، وتطلبوا بيان الأمر ~~وانكشاف الحقيقة ، ولا تعتمدوا قول من لا يتحرى الصدق ، ولا يتحامى الكذب ، ~~الذي هو نوع من الفسوق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 160 # وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد العدل ؛ لأنا لو توقفنا في خبره ؛ ~~لسوينا بينه وبين الفاسق ، ولخلا التخصيص به عن الفائدة. وقرأ الأخوان : " ~~فثبتوا " والتثبت والتبين متقاربان ، وهما : طلب الثبات والبيان والتعرف. # {أن تصيبوا} أي : لئلا تصيبوا {قوما بجهالة} حال ، أي : جاهلين بحقيقة ~~الأمر وكنه القصة. {فتصبحوا} فتصيروا {على ما فعلتم نادمين} مغتمين على ما ~~فعلتم ، متمنين أنه لم يقع ، والندم : ضرب من الغلم ؛ وهو أن يغتم على ما ~~وقع ، يتمنى أنه لم يقع ، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام في الجملة. PageV07P231 # {واعلموا ان فيكم رسول الله} فلا تكذبوا ، فإن الله يخبره ، فيهتك سر ~~الكاذب ، أو : فارجعوا إليه واطلبوا رأيه ، ثم استأنف بقوله : {لو يطيعكم ~~في كثير من الأمر لعنتم} لوقعتم في العنت ؛ وهو الجهد والهلاك. والتعبير ~~بالمضارع للدلالة على أن عنتهم إنما يلزم في استمرار طاعته لهم في كل ما ~~يعرض من الأمور ، وأما طاعته في بعض الأمور استئلافا لهم ، فلا. انظر أبا ~~السعود. وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الإيقاع ببني المصطلق تصديقا لقول الوليد ، وأن بعضهم كانوا يتصونون ~~ويتحرجون الوقوع بهم تأنيا وتثبتا في الأمر ، وهم الذين استثناهم الله ~~بقوله : # 161 # {ولكن الله حبب إليكم الإيمان} وأسنده إلى الكل تنبيها على أن أكثرهم ~~تحرجوا الوقوع بهم وتأنوا ، وقيل : هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ، ~~وهو تجديد للخطاب وتوجيه إلى بعضهم بطريق الاستدراك ، بيانا لبراءتهم عن ~~أوصاف الأولين وإحمادا لأفعالهم ، أي : ولكنه - تعالى - جعل الإيمان ms2846 محبوبا ~~لديكم {وزينه في قلوبكم} حتى رسخ فيها ، ولذلك صدر منكم ما يليق به من ~~التثبت والتحرج ، وحاصل الآية على هذا : واعلموا أن فيكم رسول الله ، فلا ~~تقرون معه على خطأ ، لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ، ولكن الله حبب إلى ~~بعضكم الإيمان ، فلا يأمر إلا بما هو صواب من التأني وعدم العجلة. # قلت : والأحسن في معنى الاستدراك : أن التقدير : لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم ، ولكن الله لا يقره على طاعتكم بل ينزل عليه الوحي بما فيه ~~صلاحكم وراحتكم ؛ لأن الله حبب إليكم الإيمان وزينيه في قلوبكم ، فلا يسلك ~~بكم إلا ما يليق بشأنكم من الحفظ والعصمة. PageV07P232 # ثم قال : {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} ولذلك تحرجتم عما لا يليق ~~مما لا خير فيه مما يؤدي إلى عنتكم ، قال ابن عرفة : العطف في هذه الآية ~~تدلي ؛ فالكفر أشدها ، والفسوق دونه ، والعصيان أخف ؛ لصدقه على ترك ~~المندوبات ، حسبنا نقل ذلك البغداديون وحملوا عليه ، ومن لم يجب الدعوة فقد ~~عصى أبا القاسم. ه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 160 # أولئك هم الراشدون} أي : أولئك المستثون ، أو : المتصفون بالإيمان ، ~~المزين في قلوبهم ، هم السالكون على طريق السوى ، الموصل إلى الحق ، أي : ~~أصابوا طريق الحق ، ولم يميلوا عن الاستقامة. والرشد : الاستقامة على طريق ~~الحق مع تصلب فيه ، من : الرشادة ، وهي الصخرة الصماء. {فضلا من الله ~~ونعمة} أي : إفضالا من الله وإنعاما عليهم ؛ مفعول من أجله ، أي : حبب وكره ~~للفضل والنعمة عليهم {والله عليم} مبالغ في العلم ، فيعلم أحوال المؤمنين ~~وما بينهم من التفاضل ، {حكيم} يفعل ما يفعل الحكمة بالغة. # الإشارة : إن جاءكم خاطر سوء بنبأ سوء فتبينوا وتثبتوا ، ولا تبادروا ~~بإظهاره ، خشية أن تصيبوا قوما بجهالة ، فتظنوا بهم السوء ، وتقعوا في ~~الغيبة ، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ، فالمنافق قلبه على طرف لسانه ، إذا ~~خطر فيه شيء نطق به ، فهذا هالك ، والمؤمن لسانه من رواء قلبه ، إذا خطر ~~شيء نظر فيه ، ووزنه بميزان الشرع ، فإن كان فيه مصلحة نطق به ، وإلا رده ~~وكتمه ، فالواجب ms2847 : وزن الخواطر بالقسطاس المستقيم ، فلا يظهر منها إلا ما ~~يعود عليه منفعته. {واعملوا أن فيكم رسول الله} قد بين لكم ما تفعلون وما ~~تذرون ، ظاهرا وباطنا ، ومن اتصل بخليفة الرسول ، وهو الشيخ حكمه على نفسه ~~، فإن خطر في قلبه شيء يهم # 162 PageV07P233 ~~أمره عرضه عليه ، والشيخ ينظر بعين البصيرة ، لو يطيعكم في كثير من أمركم ~~التي تعزمون عليها لعنتم ، ولكن الله حبب إليكم الإيمان ، وزينه في قلوبكم ~~، فتستمعون لما يأمركم به ، وتمتثلون أمره ، وكره إليكم الكفر والفسوق ؛ ~~الخروج عن أمره ونهيه ، والعصيان لما يأمركم به ، فلا ترون إلا ما يسركم ، ~~ويفضي بكم إلى السهولة والراحة ، فضلا من الله ونعمة ، فإن السقوط على ~~الشيخ إنما هو محض فضل وكرم ، فلله الحمد وله الشكر دائما سرمدا. # وللقشيري إشارة أخرى ، قال : {إن جاءكم فاسق بنبأ} يشير إلى تسويلات ~~النفوس الأمارة بالسوء ، ومجيئها كل ساعة بنبأ شهوة من شهوات الدنيا ، ~~فتبينوا ربحها من خسرانها ، من قبل أن تصيبوا قوما من القلوب وصفائها ~~بجهالة ، فإن ما فيه شفاء النفوس وحياتها فيه مرض القلوب ومماتها ؛ فتصبحوا ~~صباح القيامة على ما فعلتم نادمين ، واعملوا أن فيكم رسول الله ، يشير إلى ~~رسول الإلهام في أنفسكم ، يلهمكم فجور نفوسكم وتقواها ، لو يطيعكم في كثير ~~من أمر النفس الأمارة ، لعنتم ؛ لوقعتم في الهلاك ، ولكن الله حبب إليكم ~~الإيمان بالإلهامات الربانية ، وزينه في قلوبكم بقلم الكرم ، وكره بنور نظر ~~العناية إليكم الكفر ، والفسوق : هو ستر الحق والخروج إلى الباطل ، ~~والعصيان ، وهو الأعراض عن طلب الحق ، أولئك هم الراشدون إلى الحق بإرشاد ~~الحق ، فضلا من الله ونعمة منه ، ينعم به على من شاء من عباده ، {والله ~~عليم حكيم}. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 160 PageV07P234 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} أي : تقاتلوا. ~~والجمع باعتبار المعنى ؛ لأن كل طائفة جمع ؛ كقوله : {هذان خصمان اختصموا} ~~[الحج : 19] ، {فأصلحوا بينهما} بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى ، {فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى} ولم تتأثر بالنصحية {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء} ~~ترجع {إلى أمر الله} ms2848 إلى حكمه ، أو : إلى ما أمر به من الصلح وزوال الشحناء ~~، والفيء : الرجوع ، وقد يسمى به الظل والغنيمة ، لأن الظل يرجع بعد نسخ ~~الشمس ، والغنيمة ترجع من أيدي الكفار إلى المسلمين. # وحكم الفئة الباغية : وجوب قتالها ، فإذا كفت عن القتال أيديها تركت. قال ابن # 163 # جزي : وأمر الله في هذه الآية بقتال الفئة الباغية ؛ وذلك إذا تبين أنها ~~باغية ، فأما الفتن التي تقع بين المسلمين ؛ فاختلف العلماء فيها على قولين ~~: أحدهما : أنه لا يجوز النهوض ، في شيء منها ولا القتال ، وهذا مذهب سعد ~~بن أبي وقاص ، وأبي ذر ، وجماعة من الصحابة ، وحجتهم حديث : " قتال المسلم ~~كفر " ، وحديث : الأمر بكسر السيوف في الفتن ، والقول الثاني : النهوض فيها ~~واجب ، لتكف الفئة الباغية ، وهذا مذهب علي ، وعائشة ، وطلحة ، وأكثر ~~الصحابة ، وهو مذهب مالك وغيره من الفقهاء ، وحجتهم هذه الآية. فإذا فرعنا ~~على القول الأول ، فإن دخل داخل على من اعتزل الفرقتين منزله يريد نفسه أو ~~ماله فعليه دفعه ، وإن أدى ذلك إلى قتله ؛ لحديث : " من قتل دون نفسه وماله ~~فهو شهيد " ، وإذا فرعنا على الثاني ، فاختلف ؛ مع من يكون النهوض من ~~الفئتين ؟ فقيل : مع السواد الأعظم ، وقيل : مع العلماء ، وقيل : مع من يرى ~~أن الحق معه. ه. PageV07P235 # قلت : إذا وقعت الحرب بين القبائل فمن تعدت تربتها إلى تربة غيرها فهي ~~باغية ، يجب كفها ، وإذا وقعت بين الحدود ؛ فالمشهور : النهوض ، ثم يقع ~~السؤال عن السبب ؛ فمن ظهر ظلمه وجب كفه ، فإن أشكل الأمر ، فالأمساك عن ~~القتال أسلم. والله تعالى أعلم. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 163 # فإن فاءت} عن البغي ، وأقلعت عن القتال ؛ {فأصلحوا بينهما بالعدل} بفصل ~~ما بينهما على حكم الله تعالى ، ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما ؛ لئلا يكون ~~بينهما قتال في وقت آخر ، وتقييد الإصلاح بالعدل لأنه مظنة الحيف لوقوعه ~~بعد المقاتلة ، وقد أكد ذلك بقوله : {وأقسطوا} أي : واعدلوا في كل ما تأتون ~~وما تذرون ، {إن الله يحب المقسطين} العادلين ، فيجازيهم أحسن الجزاء ، ~~والقسط بالفتح : الجور ، وبالكسر : العدل ، والفعل من الأول : قسط فهو قاسط ms2849 ~~: جار ، ومن الثاني : أقسط فهو مقسط : عدل ، وهمزته للسلب ، أي : أزل القسط ~~، أي : الجور. # والآية نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج ، وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذهب يعود سعد بن عبادة ، فمر بمجلس من الأنصار ، فيه أخلاط من ~~المسلمين والمنافقين ، فوقف صلى الله عليه وسلم على المجلس ، ووعظ وذكر ، ~~فقال عبد الله بن أبي : يا هذا ، لا تؤذنا في مجالسنا ، واجلس في موضعك ، ~~فمن جاءك فاقصص عليه ، فقال عبد الله بن رواحة : بل أغثنا يا رسول الله ~~وذكرنا ، فارتفعت أصواتهما ، وتضاربوا بالنعال ، فنزلت الآية ، وقيل غير ذلك. # 164 # وفي الآية دليل على أن لا يخرج ببغيه عن الإيمان ، وأنه يجب نصرة المظلوم ~~، وعلى فضيلة الإصلاح بين الناس. PageV07P236 # {إنما المؤمنون إخوة} أي : منتسبون إلى أصل واحد ، وهو الإيمان الموجب ~~للحياة الأبدية ، فيجب الاجتهاد في التآلف بينهما لتحقق الأخوة. والفاء في ~~قوله : {فأصلحوا بين أخويكم} للإيذان بأن الأخوة الدينية موجبة للإصلاح. ~~ووضع المظهر مقام المضمر مضافا إلى المأمورين للمبالغة في تأكيد وجوب ~~الإصلاح والتحضيض عليه ، وتخصيص الاثنين بالذكر ؛ لإثبات وجوب الإصلاح فيما ~~فوق ذلك بطريق الأولى ؛ لتضاعف الفتنة والفساد فيه. وقيل : المراد بالأخوين ~~: الأوس والخزرج. وقرأ يعقوب : " إخوتكم " بالجمع. {واتقوا الله} فيما ~~تأتون وتذرون ، التي من جملتها : الإصلاح بين الناس {لعلكم ترحمون} راجين ~~أن ترحموا على تقواكم ، لأن التقوى تحملكم على التواصل والائتلاف ، وهو سبب ~~نزول الرحمة. PageV07P237 # الإشارة : النفس الطبيعية والروح متقابلان ، والحرب بينهما سجال ، فالنفس ~~تريد السقوط إلى أرض الحظوظ والبقاء مع عوائدها ، والروح تريد العروج إلى ~~سماء المعارف وحضرة الأسرار ، وبينما اتصال والتصاق ، فإن غلبت النفس هبطت ~~بالروح إلى الحضيض الأسفل ، ومنعتها من العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، ~~وإن غلبت الروح ، عرجت بالنفس إلى أعلى عليين ، بعد تزكيتها وتصفيتها ، ~~فتكسوها حلة الروحانية ، وينكشف لها من العلوم والأسرار ما كان للروح ، ~~ولكل جند تقابل به ، فيقال من طريق الإشارة : وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، بأن تؤخذ النفس بالسياسة شيئا فشيئا ، ينقص من ~~حظوظها شيئا فشيئا ، حتى ms2850 تتزكى وتعالج الروح لدخول الحضرة ، وعكوف الهم في ~~الذكر شيئا فشيئا ، حتى تدخل الحضرة وهي لا تشعر ، ثم تشعر ويقع الاستغراق. ~~وأما إن قطعت النفس عن جميع مألوفاتها مرة واحدة ، أو كلفت الروح الحضور في ~~الذكر على الدوام مرة واحدة ، أفسدتهما ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " ~~ادخلوا في هذا الدين برفق ، فما شاد أحدكم الدين إلا غلبه " وقال أيضا : " ~~لا يكن أحدكم كالمنبت ، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى " ؛ فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي ، بأن تردع النفس إن طغت ، وتأخذ لجام الروح إن ~~هاجت ، حتى تفيء إلى أمر الله ، وهو الاعتدال ، فيعطي كل ذي حق حقه ، ويوفي ~~كل ذي قسط قسطه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 163 # وقوله تعالى : {إنما المؤمنون إخوة} قال الورتجبي : افهم أيها العاقل أن ~~الله سبحانه خلق الأرواح المقدسة من عالم الملكوت ، وألبسها أنوار الجبروت ~~؛ فمواردها من قربه # 165 PageV07P238 ~~مختلفة ، لكن عينها واحدة ، وخلق هياكلها وأشباحها من تربة الأرض التي ~~أخلصها من جملتها ، وزينها بنور قدرته ، ونفخ فيها تلك الأرواح ، وجعل من ~~الأرواح والأجسام النفوس الأمارة التي ليست من قبيل الأرواح ، ولا من قبيل ~~الأجسام ، وجعلها مخالفة للأرواح ومساكنها ، فأرسل الله عليها جند العقول ، ~~يدفع شرها ، فإذا امتحن الله عباده المؤمنين هيج نفوسهم الأمارة ؛ ليظهر ~~حقائق درجاتهم من الإيمان ، فأمرهم أن يعينوا العقل والروح والقلب على ~~النفس حتى تنهزم ؛ لأن المؤمنين كالبنيان يشد بعضهم بعضا. ثم بين أن في ~~الإصلاح بين الإخوان الفلاح والنجاة ، إذا كان مقرونا بالتقوى التي تقدس ~~البواطن من البغي والحسد بقوله : {واتقوا الله لعلكم ترحمون} فإذا فهمت ما ~~ذكرت علمت أن حقيقة الأخوة مصدر الاتحاد ، فإنهم كنفس واحدة ؛ لأن مصادرهم ~~مصدر واحد ، وهو آدم ، ومصدر روح آدم نور الملكوت ، ومصدر جسمه تربة الجنة ~~في بعض الأقوال. لذلك يصعد الروح إلى الملكوت ، والجسم إلى الجنة ، كما قال ~~صلى الله عليه وسلم : " كل شيء يرجع إلى أصل " ه. قلت : صعود الروح إلى ~~الملكوت هو شهود معاني الأسرار في دار الجنة ، ونزول الجسم ms2851 إلى الجنة هو ~~تمتعه بنعيم حسها في عالم الأشباح ، وكل ذلك بعد الموت ، وأحسن العبارة أن ~~يقال : لأن مصادرهم مصدر واحد ، وهو بحر الجبروت ، المتدفق بأنوار الملكوت ~~، والوجود بأسره موجة من بحر الجبروت. # ثم قال الورتجبي : قال أبو بكر النقاش : سألت الجنيد عن الأخ الحقيقي ؟ ~~فقال : هو أنت في الحقيقة ، غير أنه غيرك في الهيكل. قلت : يعني أن الناس ~~في الحقيقة ذات واحدة ، وما افترقوا إلا في الهياكل ، فكلهم أخوة. وقال أبو ~~عثمان الحيري : أخوة الدين أثبت من أخوة النسب ، فإن أخوة النسب تقطع ~~بمخالفة الدين ، وأخوة الدين لا تقطع بمخالفة النسب. ه. وتقدم لنا شروط ~~الأخوة في قوله تعالى : {الأخلاء يومئذ...} [الزخرف : 67] الآية. PageV07P239 # وقال القشيري هنا : ومن حق الأخوة ألا تلجأه إلى الاعتذار ، بل تبسط عذره ~~أي : تذكر عذره قبل أن يعتذر ، فإن أشكل عليك وجهه عدت بالملامة على نفسك ~~في خفاء عذره عليك ، وتتوب عليه إذا أذنب ، وتعوده إذا مرض ، وإذا أشار ~~عليك بشيء فلا تطالبه بالدليل وإيراد الحجة ، كما أنشدوا : # جزء : 7 رقم الصفحة : 163 # إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم # لأية حرب أم لأي مكان # 166 # جزء : 7 رقم الصفحة : 163 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم} أي : عسى أن يكون المسخور منهم خيرا عند الله تعالى من ~~الساخرين ؛ لأن الناس لا يطلعون إلا على الظواهر ، وهو تعليل للنهي ، ~~والقوم خاص بالرجال ؛ لأنهم القوامون على النساء ، وهو في الأصل : جمع قائم ~~، كصوم وزور ، في جميع صائم وزائر ، واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية ؛ ~~إذ لو كانت النساء داخلة في الرجال لم يقل : {ولا نساء من نساء} وحقق ذلك ~~زهير في قوله : # وما أدري وسوف إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء ؟ # وأما قولهم في قوم فرعون ، وقوم عاد : هم الذكور والإناث ، فليس لفظ ~~القوم شاملا لهم ، ولكن قصد ذكر الذكور ، والإناث تبع لهم. PageV07P240 # {ولا} يسخر {نساء} مؤمنات {من نساء} منهن {عسى أن يكن} أي ms2852 : المسخور منهن ~~{خيرا منهن} أي : الساخرات ، فإن مناط الخيرية في الفريقين ليس ما يظهر من ~~الصور والأشكال ، والأوضاع والأطوار ، التي عليها يدور أمر السخرية ، وإنما ~~هي الأمور الكامنة في القلوب ، من تحقيق الإيمان ، وكمال الإيقان ، وموارد ~~العرفان ، وهي خفية ، فقد يصغر العبد من عظم الله ، ويتحقر من وقره الله ، ~~فيسقط من عين الله ، فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بأحد إذا رآه رث ~~الحال ، أو ذا عاهة في بدنه ، ولو في دنيه ، فلعله يتوب ويبتلى بما ابتلي ~~به. وفي الحديث : " لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك " وعن ابن ~~مسعود رضي الله عنه : البلاء موكل بالقول ، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول ~~كلبا. ه. # وتنكير القوم والنساء ؛ إما لإرادة البعض ، أي : لا يسخر بعض المؤمنين ~~والمؤمنات من بعض ، وإما لإرادة الشيوع ، وأن يصير كل جماعة منهم منهية عن ~~السخرية ، وإنما لم يقل : رجل من رجل ، ولا امرأة من امرأة ؛ إعلاما بإقدام ~~غير واحد من رجالهم وغير واحد من نسائهم على السخرية ، واستفظاعا للشأن ~~الذي كانوا عليه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 167 # ولا تلمزوا أنفسكم} ولا يعيب بعضكم بعضا بالطعن في نسبه أو دينه ، واللمز : # 167 # الطعن والضرب باللسان ، والمؤمنون كنفس واحدة ، فإذا عاب المؤمن فقد عاب ~~نفسه. وقيل : معناه : لا تفعلوا ما تلمزون به أنفسكم بالتعرض للكلام ؛ لأن ~~من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة. {ولا تنابزوا بالألقاب} أي : ~~لا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء ، فالتنابز بالألقاب : التداعي بها. والتلقيب ~~المنهي عنه ما يدخل على المدعو به كراهية ، لكونه تقصيرا به وذما له ، فأما ~~ما يحبه فلا بأس به ، وكذا ما يقع به التمييز ، كقول المحدثين : حدثنا ~~الأعمش والأحدب والأعور. PageV07P241 # روي أن قوما من بني تميم استهزأوا ببلال وخباب وعمار وصهيب ، فنزلت. وعن ~~عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة ، وكانت قصيرة ، وعن ~~أنس : عيرت نساء النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة بالقصر ، فنزلت. وروي : ~~أنها نزلت في ثابت بن قيس ms2853 ، وكان به وقر - أي : صمم - فكانوا يوسعون له في ~~مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتى قوما وهو يقول : تفسحوا ، حتى ~~انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل : تنح ؛ فلم يفعل ، فقال ~~: من هذا ؟ فقال : أنا فلان ابن فلانة - يريد أما كان يعير بها في الجاهلية ~~، فخجل الرجل ، فنزلت ، فقال ثابت : والله لا أفخر على أحد بعد هذا أبدا. # وقال ابن زيد : معنى {ولا تنابزوا بالألقاب} لا يقل أحد : يا يهودي ، بعد ~~إسلامه ، ولا يا فاسق ، بعد توبته. {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} يعني : ~~أن اللقب بئس الاسم هو ، وهو ارتكاب الفسق بعد الإيمان ، وهو استهجان ~~للتنابز بالألقاب ، وارتكاب هذه الجريمة بعد الدخول في الإسلام ، أو : بئس ~~قول الرجل لأخيه : يا فاسق ، بعد تبوته ، أو : يا يهودي ، بعد إيمانه ، أي ~~: بئس الرمي بالفسوق بعد بالإيمان. # روي : أن الآية نزلت في صفية بنت حيي ، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت : إن النساء يقلن لي : يا يهودية بنت يهوديين ، فقال صلى الله عليه ~~وسلم : " هلا قلت : إن أبي هارون ، وعمي موسى ، وزوجي محمد صلى الله عليه ~~وسلم " ، أو يراد بالاسم هنا : الذكر ، من قولهم : طار اسمه في الناس ~~بالكرام أو اللؤم ، كأنه قيل : بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه ~~الجرائم أن يذكروا بالفسق. # وقوله : {بعد الإيمان} استقباح للجميع بين الإيمان والفسق الذي يحظره ~~الإيمان ، كما تقول : بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة. {ومن لم يتب} عما نهي ~~عنه {فأولئك هم الظالمون} بوضع المخالفة موضع الطاعة ، فإن تاب واستغفر ؛ ~~خرج من الظلم. PageV07P242 # جزء : 7 رقم الصفحة : 167 # وعن حذيفة رضي الله عنه : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذرب ~~لساني ، فقال : " أين أنت من الاستغفار ؟ إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة ~~" ، والذرب - بفتح الذال والراء : # 168 # الفحش ، وفي حديث ابن عمر : كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المجلس الواحد مائة مرة. " رب اغفر لي ، وتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم ". # الإشارة ms2854 : مذهب الصوفية التعظيم والإجلال لكل ما خلق الله ، كائنا من كان ~~؛ لنفوذ بصيرتهم إلى شهود الصانع والمتجلي ، دون الوقوف مع حسن الصنعة ~~الظاهرة ، وقالوا : " شروط التصوف أربعة : كف الأذى ، وحمل الجفا ، وشهود ~~الصفا ، ورمي الدنيا بالقفا ". فشهود الصفا يجري في الأشياء كلها ، فإياك ~~يا أخي أن تحقر أحدا من خلق الله ؛ فتطرد عن بابه ، وأنت لا تشعر ، ولله در ~~القائل : # لله في الخلق أسرار وأنوار # ويصطفي الله من يرضى ويختار # لا تحقرن فقيرا إن مررت به # فقد يكون له حظ ومقدار # والمرء بالنفس لا باللبس تعرفه # قد يخلق الغمد والهندي بتار # والتبر في الترب قد تخفى مكانته # حتى يخلصه بالسبك مسبار # ورب أشعث ذي طمرين مجتهد # له على الله في الإقسام إبرار # وعن أبي سعيد الخراز ، قال : دخلت المسجد الجامع ، فرأيت فقيرا عليه ~~خرقتان ، فقلت في نفسي : هذا وأشباهه كل على الناس ، فناداني ، وتلا : ~~{واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه} [البقرة : 235] فاستغفرت الله ~~في سري ، فناداني وقال : {وهو الذى يقبل التوبة عن عباده} [الشورى : 25] ثم ~~غاب عني فلم أره. ه. PageV07P243 # وقال صلى الله عليه وسلم : " إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من ~~الجنة ، فيقال لأحدهم : هلم ، فيجيء بغمه وكربه ، فإذا جاء أغلق دونه ، ثم ~~يفعل به هكذا مرارا ، من باب إلى باب ، حتى يأتيه الإياس " بالمعنى من ~~البدور السافرة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 167 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن} أي : ~~كونوا في جانب منه ، يقال : جنبه الشر إذا أبعده عنه ، أي : جعله في جانب ~~منه ، و" جنب " يتعدى # 169 # إلى مفعولين ، قال تعالى : {واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام} [إبراهيم : ~~35] ، ومطاوعه ، اجتنب ، ينقص مفعولا ، وإبهام " الكثير " لإيجاب التأمل في ~~كل ظن ، حتى يعلم من أي قبيل هو ، فإن من الظن ما يجب اتباعه ؛ كالظن فيما ~~لا قاطع فيه من العمليات ، وحسن الظن بالله تعالى ، ومنه ما يحرم ، وهو ما ~~يوجب نقصا بالإلهيات والنبوات ، وحيث يخالفه قاطع ، وظن السوء بالمؤمنين ، ~~ومنه ما يباح ms2855 ، كأمور المعاش. # {إن بعض الظن إثم} تعليل للأمر بالاجتناب ، قال الزجاج : هو ظنك بأهل ~~الخير سوءا ، فأما أهل الفسق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر عليهم ، وقيل ~~المعنى : اجتنبوا اجتنابا كثيرا من الظن ، وتحرزوا منه ، إن بعض الظن إثم ، ~~وأولى كثيره ، والإثم : الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب ، وفي الحديث عنه ~~صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث " ، فالواجب ~~ألا يعتمد على مجرد الظن ، فيعمل به ، أو يتكلم بحسبه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 169 PageV07P244 ~~قال ابن عطية : وما زال أولو العزم يحترسون من سوء الظن ، ويجتنبون ذرائعه. ~~قال النووي : واعلم أن سوء الظن حرام مثل القول ، فكما يحرم أن تحدث غيرك ~~بمساوئ إنسان ؛ يحرم أن تحدث نفسك بذلك ، وتسيء الظن به ، والمراد : عقد ~~القلب وحكمه على غيره بالسوء ، فأما الخواطر ، وحديث النفس ، إذا لم يستقر ~~ويستمر عليه صاحبه ، فمعفو عنه باتفاق ؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه ، ولا ~~طريق له إلى الانفكاك عنه. ه. وقال في التمهيد : وقد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : " حرم الله من المؤمن : دمه وماله وعرضه ، وألا يظن به ~~إلا الخير " ه. ونقل أيضا أن عمر بن عبد العزيز كان إذا ذكر عنده رجل بفضل ~~أو صلاح ، قال : كيف هو إذا ذكر عنده إخوانه ؟ فإن قالوا : ينتقص منهم ، ~~وينال منهم ، قال عمر : ليس هو كما تقولون ، وإن قالوا : إنه يذكر منهم ~~جميلا ، ويحسن الثناء عيلهم ، قال : هو كما تقولون إن شاء الله. ه. وفي ~~الحديث أيضا : " خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير ، حسن الظن بالله ، وحسن ~~الظن بعباد الله ، وخصلتان ليس فوقهما شيء من الشر : سوء الظن بالله ، وسوء ~~الظن بعباد الله ". {ولا تجسسوا} لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم ، ~~يقال : تجسس الأمر : إذا تطلبه وبحث عنه ، تفعل من : الجس. وعن مجاهد : ~~خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله. وقال سهل : لا تبحثوا عن طلب ما ستر الله ~~على عباده ، وفي الحديث : " لا تتبعوا عورات المسلمين ؛ فإن من تتبع ms2856 عورات ~~المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته ". # 170 PageV07P245 ~~قال ابن عرفة : من هو مستور الحال فلا يحل التجسس عليه ، ومن اشتهر بشرب ~~خمر ونحوه فالتجسس عليه مطلوب أو واجب. ه. قلت : معناه : التجسس عليه بالشم ~~ونحوه ؛ ليقام عليه الحد ، لا دخول داره لينظر ما فيها من الخمر ونحوه ، ~~فإنه منهي عنه ، وأما فعل عمر رضي الله عنه فحال غالبة ، يقتصر عليها في ~~محلها ، وانظر الثعلبي ، فقد ذكر عن عمر رضي الله عنه أنه فعل من ذلك أمورا ~~، ومجملها ما ذكرنا. # وقرئ بالحاء ، من " الحس " الذي هو أثر الجس وغايته ، وقيل : التجسس - ~~بالجيم - يكون بالسؤال ، وبالحاء يكون بالاطلاع والنظر ، وفي الإحياء : ~~التجسس - أي : بالجيم - في تطلع الأخبار ، والتحسس بالمراقبة بالعين. ه. ~~وقال بعضهم : التجسس - بالجيم - في الشر ، وبالحاء في الخير ، وقد ~~يتداخلان. # جزء : 7 رقم الصفحة : 169 PageV07P246 ~~والحاصل : أنه يجب ترك البحث عن أخبار الناس ، والتماس المعاذر ، حتى يحسن ~~الظن بالجميع ، فإن التجسس هو السبب في الوقوع في الغيبة ، ولذلك قدمه الحق ~~- تغالى - عن النهي عن الغيبة ، حيث قال : {ولا يغتب بعضكم بعضا} أي : لا ~~يذكر بعضكم بعضا بسوء. فالغيبة : الذكر بالعيب في ظهر الغيب ، من الاغتياب ~~، كالغيلة من الاغتيال. وسئل صلى الله عليه وسلم عن الغيبة ، فقال : " ذكرك ~~أخاك بما يكره ، فإن كان فيه فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهته ". وعن ~~معاذ : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر القوم رجلا : فقالوا : لا ~~يأكل إلا إذا أطعم ، ولا يرحل إلا إذا رحل ، فما أضعفه! فقال عليه السلام : ~~" اغتبتم أخاكم " ، فقالوا : يا رسول الله ، أو غيبة أن يحدث بما فيه ؟ قال ~~: " فحسبكم غيبة أن تحدثوا عن أخيكم بما فيه " قال أبو هريرة : قام رجل من ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا في قيامه عجزا ، فقالوا : يا رسول الله ~~، ما أعجز فلانا! فقال عليه السلام : " أكلتم لحم أخيكم واغتبتموه ". قال ~~النووي : الغيبة : كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم عاقل ، وهو حرام. ه. ms2857 ~~قوله : ما أفهمت... الخ ، يتناول اللفظ الصريح والكناية والرمز والتعريض ~~والإشارة بالعين والرأس ، والتحكية بأن يفعل مثله ، كالتعارج ، أو يحكي ~~كلامه على هيئته ليضحك غيره ، فهذا كله حرام ، إن فهم المخاطب تعيين الشخص ~~المغتاب ، وإلا فلا بأس ، والله تعالى أعلم. ولا فرق بين غيبة الحي والميت ~~، لما ورد : " من شتم ميتا أو اغتابه فكأنما شتم ألف نبي ، ومن اغتابه ~~فكأنما اغتاب ألف ملك ، وأحبط الله له عمل سبعين سنة ، ووضع على قدمه سبعين ~~كية من نار # 171 PageV07P247 ~~والسامع للغيبة كالمغتاب ، إلا أن يغير أو يقوم ، وورد عن الشيخ أبي ~~المواهب التونسي الشاذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " فإن كان ~~ولا بد من سماعك غيبة الناس - أي : وقع منك - فاقرأ سورة الإخلاص ~~والمعوذتين ، واهد ثوابها للمغتاب ؛ فإن الله يرضيه عنك بذلك " ه. # وعن ابن عباس رضي الله عنه : الغيبة إدام كلاب الناس. ه. وتشبيههم ~~بالكلاب في التمزيق والتخريق ، فهم يمزقون أعراض الناس ، كالكلاب على ~~الجيفة ، لا يطيب لهم مجلس إلا بذكر عيوب الناس. وفي الحديث : " رأيت ليلة ~~أسري بي رجالا لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم ولحومهم ، فقلت : من ~~هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ~~". {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} هذا تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب ~~من عرض المغتاب على أفحش وجه. وفيه مبالغات ، منها : الاستفهام الذي معناه ~~التقرير ، ومنها : فعل ما هو الغاية في الكراهية موصولا بالمحبة ، ومنها : ~~إسناد الفعل إلى {أحدكم} إشعارا بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك ، ومنها : ~~أنها لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم مطلق الإنسان ، بجعله أخا للآكل ~~، ومنها : أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخر حتى جعله ميتا. وعن قتادة : كما ~~تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها : كذلك فاكره لحم أخيك. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 169 # ولما قررهم بأن أحدا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقب ذلك بقوله : ~~{فكرهتموه} أي : وحيث كان الأمر كما ذكر فقد كرهتموه ، فكما ms2858 تحققت كراهتكم ~~له باستقامة العقل فاكرهوا ما هو نظيره باستقامة الدين. PageV07P248 # {واتقوا الله} في ترك ما أمرتم باجتنابه ، والندم على ما صدر منكم منه ، ~~فإنكم إن اتقتيم وتبتم تقبل الله توبتكم ، وأنعم عليكم بثواب المتقين ~~التائبين ، {إن الله تواب رحيم} مبالغ في قبول التوبة ، وإفاضة الرحمة ، ~~حيث جعل التائب كمن لا ذنب له ، ولم يخص تائبا دون تائب ، بل يعم الجميع ، ~~وإن كثرت ذنوبه. # روي أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ، ويصلح طعامهما ، فنام عن شأنه ~~يوما ، فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما عندي شيء " ~~فأخبرهما سلمان ، فقالا : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها. فلما جاءا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : " ما لي أرى حمرة اللحم في ~~أفواهكما ؟ " فقالا : ما تناولنا لحما ، فقال : " إنكما قد اغتبتما ، من ~~اغتاب مسلما فقد أكل لحمه " ، ثم قرأ الآية. # وقيل : غيبة الخلق إنما تكون بالغيبة عن الحق. ه. قاله النسفي. قال بعضهم # 172 # والغيبة صاعقة الدين فمن أراد أن يفرق حسناته يمينا وشمالا ؛ فليغتب ~~الناس. وقيل : مثل صاحب الغيبة مثل من نصب منجنيقا فهو يرمي به حسناته ~~يمينا وشمالا ، شرقا وغربا. ه. والأحاديث والحكايات في ذم الغيبة كثيرة ، ~~نجانا الله منها بحفظه ورعايته. وهل هي من الكبائر أو من الصغائر ؟ خلاف ، ~~رجح بعض أنها من الصغائر ؛ لعموم البلوى بها ، قال بعضهم : هي فاكهة القراء ~~، ومراتع النساء ، وبساتين الملوك ، ومزبلة المتقين ، وإدام كلام الناس. ه. PageV07P249 # الإشارة : من نظر الناس بعين الجمع عذرهم فيما يصدر منهم ، وحسن الظن فيما ~~لم يصدر منهم ، وعظم الجميع ، ومن نظرهم بعين الفرق طال خصمه معهم فيما ~~فعلوا ، وساء ظنه بهم فيما لم يفعلوا ، وصغرهم حيث لم ير منهم ما لا يعجبه ~~، فالسلامة : النظر إليهم بعين الجمع ، وإقامة الحقوق عليهم في مقام الفرق ~~، قياما بالحكمة في عين القدرة. وفي الحديث : " ثلاثة دبت لهذه الأمة : ~~الظن ، والطيرة ، والحسد ، قيل : فما النجاة ؟ قال : " إذا ظننت فلا تحقق ، ~~وإذا تطيرت فامض ، وإذا حسدت فلا ms2859 تبغ " أو كما قال عليه السلام. قال ~~القشيري : النفس لا تصدق ، والقلب لا يكذب ، والتمييز بينهما مشكل ، ومن ~~بقيت عليه من حظوظه بقية - وإن قلت - فليس له أن يدعي بيان القلب - أي : ~~استفتاءه - بل يتهم نفسه ما دام عليه شيء من نفسه ، ويجب أن يتهم نفسه في ~~كل ما يقع له من نقصان غيره ، هذا أمير المؤمنين عمر قال وهو يخطب الناس : ~~" كل الناس أفقه من عمر حتى النساء ". ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 169 # قوله تعالى : {ولا تجسسوا...} الخ ، التجسس عن أخبار الناس من علامة ~~الإفلاس ، قال القشيري : العارف لا يتفرغ من شهود الحق إلى شهود الخلق ، ~~فكيف يتفرغ إلى التجسس عن أحوالهم ؟ ! لأن من اشتغل بنفسه لا يتفرغ إلى ~~الخلق ، ومن اشتغل بالحق لا يتفرغ لنفسه ، فكيف إلى غيره ؟ ! ه. # قوله تعالى : {ولا يغتب بعضكم بعضا} ليست الغيبة خاصة باللسان في حق ~~الخاصة ، بل تكون أيضا بالقلب ، وحديث النفس ، فيعاتبون عليها كما تعاتب ~~العامة على غيبة اللسان ، وتذكر قضية الجنيد مع الفقير الذي رآه يسأل ، وهي ~~مشهورة ، وتقدمت حكاية أبي سعيد الخراز ، ونقل الكواشي عن أبي عثمان : أن ~~من وجد في قلبه غيبة # 173 PageV07P250 ~~لأخيه ، ولم يعمل في صرف ذلك عن قلبه بالدعاء له خاصة ، والتضرع إلى الله ~~بأن يخلصه منه ؛ أخاف أن يبتليه الله في نفسه بتلك المعايب. ه. قال القشيري ~~: وعزيز رؤية من لا يغتاب أحدا بين يديك. ه. وقد أبيحت الغيبة في أمور ~~معلومة ، منها : التحرز منه لئلا يقع الاغترار بكلامه أو صحبته ، والترك ~~أسلم وأنجى. # جزء : 7 رقم الصفحة : 169 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} آدم ~~وحواء ، أو : كل واحد منكم من أب وأم ، فما منكم من أحد إلا وهو يدلي بما ~~يدلي به الآخر ، سواء بسواء ، فلا معنى للتفاخر والتفاضل بالنسب. وفي ~~الحديث : " لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على ~~أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقى " وقال أيضا : " ثلاثة من ms2860 أمر ~~الجاهلية : الفخر بالأحساب ، والطعن في الأنساب ، والدعاء بدعاء الجاهلية " ~~أو كما قال صلى الله عليه وسلم. # {وجعلناكم شعوبا وقبائل} الشعوب : رؤوس القبائل ، مثل ربيعة ومضر ، ~~والأوس والخزرج ، واحدها : شعب - بفتح الشين - سموا بذلك لتشعبهم كتشعب ~~أغصان الشجرة ، والقبائل : دون الشعوب ، واحدها : قبيلة ، كبكر من ربيعة ، ~~وتميم من مضر. ودون القبائل : العمائر ، جمع عمارة بفتح العين ، وهم كشيبان ~~من بكر ، ودارم من تميم ، ودون العمائر : البطون ، واحدها : بطن ، وهي كبني ~~غالب ولؤي من قريش ، ودون البطون : الأفخاذ ، واحدها : فخذ ، كهاشم وأمية ~~من بني لؤي ، ثم الفصائل والعشائر ، واحدها : فصيلة وعشيرة ، فالشعب تجمع ~~القبائل ، والقبيلة تجمع العمائر ، والعمارة تجمع البطون ، والبطن يجمع ~~الأفخاذ ، والفخذ يجمع الفصائل. وقيل : الشعوب من العجم ، والقبائل من ~~العرب ، والأسباط من بني إسرائيل. {لتعارفوا} أي : إنما جعلناكم كذلك ليعرف ~~بعضكم نسب بعض ، فلا يتعدى إلى غير آبائه ، لا لتتفاخروا بالأجداد ~~والأنساب. PageV07P251 # ثم ذكر الخصلة التي يفضل بها الإنسان ، ويكتسب الشرف والكرم عند الله ، ~~فقال : {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} أي : لا أنسبكم ، فإن مدار كمال النفوس ~~وتفاوت الأشخاص هو التقوى ، فمن رام نيل الدرجات العلا فعليه بالتقوى ، قال ~~صلى الله عليه وسلم : " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله " وروي أنه ~~صلى الله عليه وسلم طاف يوم فتح مكة ، ثم حمد الله ، وأثنى # 174 # عليه ، وقال : " الحمد لله الذي أذهب عبية الجاهلية وتكبرها ؛ يا أيها ~~الناس ؛ إنما الناس رجلان : رجل مؤمن تقي كريم على الله ، ورجل فاجر شقي ~~هين على الله " ثم قرأ الآية. # جزء : 7 رقم الصفحة : 174 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كرم الدنيا الغنى ، وكرم الآخرة التقى. ~~وقال قتادة : أكرم الكرم التقى ، والأم اللؤم الفجور ، وسئل عليه السلام عن ~~خير الناس ؟ فقال : " آمركم بالمعروف ، وأنهاكم عن المنكر ، وأوصلكم للرحم ~~" وقال عمر رضي الله عنه : " كرم الرجل : دينه وتقواه ، وأصله : عقله ، ~~ومروءته : خلقه ، وحسبه : ماله ". PageV07P252 # وعن يزيد بن شجرة : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة ، فرأى ~~غلاما أسود ، قائما ms2861 ينادى عليه ؛ من يزيد في ثمنه ، وكان الغلام يقول : من ~~اشتراني فعلى شرط ألا يمنعني من الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فاشتراه بعضهم ، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم توفي ، ~~فتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم غسله وتكفينه ودفنه ، فقالت المهاجرون ~~: هاجرنا ديارنا وأموالنا وأهلينا ، فما نرى أحدا منا لقي في حياته ولا ~~موته ما لقي هذا الغلام ، وقالت الأنصار : آويناه ونصرناه وواسيناه ~~بأموالنا ، فآثر علينا عبدا حبشيا ، فنزلت. وقال صلى الله عليه وسلم : " إن ~~الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ~~، وإنما أنتم بنو آدم ، أكرمكم عند الله أتقاكم ، وأنتم تقولون : فلان ابن ~~فلان ، وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم ، أين المتقون " وقيل : يا رسول ~~الله ، من أكرم الناس ؟ قال : " أتقاهم " ه. وأنشدوا : # ما يصنع العبد بعز الغنى # والعز كل العز للمتقي # من عرف الله فلم تغنه # معرفة الله فذاك الشقي # {إن الله عليم خبير} عليم بكرم القلوب وتقواها ، خيبر بهمم النفوس في هواها. # الإشارة : كان سيدنا علي رضي الله عنه يقول : " ما لابن آدم والفخر ، ~~أوله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وفيما بينهما يحمل العذرة " وكان ينشد : # الناس من جهة التمثيل أكفاء # أبوهم آدم والأم حواء # ومن يرم منهم فخرا بذي نسب # فإن أصلهم الطين والماء # ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم # على الهدى لمن اهتدى أدلاء # وقدر كل امرىء ما كان يتقنه # والجاهلون لأهل العلم أعداء # 175 PageV07P253 ~~وقوله : ما لفخر إلا لأهل العلم... الخ ، يعني : لو كان الفخر مباحا ما ~~أبيح إلا لهم ، وإلا فهم أولى بالتواضع ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، وقد قال : " من تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره " فما رفع الله ~~قدر العلماء إلا بتواضعهم حتى ينالهم الشريف والوضيع ، الصغير والكبير ، ~~والقوي والضعيف ، فمن لم يكن هكذا فليس بعالم ؛ لن الخشية تحمل على التواضع ~~، ومن لم يخش فليس لعالم حقيقة. قال تعالى : {إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء} ms2862 [فاطر : 28]. # جزء : 7 رقم الصفحة : 174 # وقوله تعالى : {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} اعلم أن نصيب كل عبد من الله ~~تعالى على قدر تقواه ، وتقواه على قدر توجهه إلى الله ، وتوجهه على قدر ~~تفرغه من الشواغل ، وتفرغه على قدر زهده ، وزهده ، على قدر محبته ، ومحبته ~~على قدر علمه بالله ، وعلمه على قدر يقينه ، ويقينه على قدر كشف الحجاب عنه ~~، وكشف الحجاب على قدر جذب العناية ، وجذب العناية على قدر السابقة ، وهي ~~سر القدر الذي لم يكشف في هذه الدار. وسقوط العبد من عين الله على قدر قلة ~~تقواه ، وقلة تقواه على قدر ضعف توجهه ، وضعف توجهه على قدر تشعب همومه ، ~~وتشعب همومه على قدر حرصه ورغبته في الدنيا ، ورغبته في الدنيا على قدر ضعف ~~محبته في الله ، وضعف محبته على قدر جهله به ، وجهله على قدر ضعف يقينه ، ~~وضعف اليقين من كثافة الحجاب ، وكثافة الحجاب من عدم جذب العناية ، وعدم ~~جذب العناية من علامة الخذلان السابق ، الذي هو سر القدر. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 174 PageV07P254 ~~يقول الحق جل جلاله : {قالت الأعراب} أي : بعض الأعراب {آمنا} نزلت في نفر ~~من بني أسد ، قدموا المدينة في سنة جدبة ، فأظهروا الإسلام ، ولم يؤمنوا في ~~السر ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا أسعارها ، وكانوا يقولون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتيناك بالأثقال والعيال ، ولم نقاتلك كما ~~قتلك بنو فلان ، وهم يريدون الصدقة ، ويقولون : أعطنا ، ويمنون بإسلامهم. # {قل} لهم : {لم تؤمنوا} لم تصدقوا بقلوبكم {ولكن قولوا أسلمنا} فالإيمان ~~هو التصديق بالقلب مع الإذعان به ، والإسلام هو الدخول في السلم ، والخروج ~~من أن يكون # 176 # حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين ؛ ألا ترى إلى قوله : {ولما يدخل الإيمان ~~في قلوبكم} فهو يدل على أن مجرد النطق بالشهادتين ليس بإيمان ، فتحصل أن ما ~~يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة للقلب فهو إسلام ، وما واطأ فيه ~~القلب اللسان فهو إيمان ، وهذا من حيث اللغة ، وأما في الشرع فهما متلازمان ~~، فلا إسلام إلا بعد إيمان ، ولا إيمان ms2863 إلا بعد النطق بالشهادة إلا لعذر. # والتعبير ب " لما " يدل على أن الإيمان متوقع من بعضهم وقد وقع. فإن قلت ~~: مقتضى نظم الكلام أن يقول : قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا ، أو : ~~قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم ؟ قلت : أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولا ، فقيل ~~: قل لم تؤمنوا ، مع حسن أدب ، فلم يقل : كذبتم صريحا ، ووضع " لم تؤمنوا " ~~الذي هو نفس ما ادعوا إثباته موضعه ، واستغنى بقوله : {لم تؤمنوا} عن أن ~~يقال : لا تقولوا آمنا ؛ لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهي عن القول ~~بالإيمان ، ولم يقل : ولكن أسلمتم ؛ ليكون قولهم خارجا مخرج الزعم والدعوى ~~، كما كان قولهم : " آمنا " كذلك ، ولو قيل : ولكن أسلمتم ؛ لكان كالتسليم ~~، والاعتداد بقولهم ، وهو غير معتد به. PageV07P255 # وليس قوله : {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} تكريرا لمعنى قوله : {لم ~~تؤمنوا} فإن فائدة قوله : {لم تؤمنوا} تكذيب دعواهم ، وقوله : {ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم} توقيت لما أمروا به أن يقولوه ، كأنه قيل لهم : ولكن ~~قولوا أسلمنا حين لم يثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم ؛ لأنه كلام واقع موقع ~~الحال من الضمير في " قولوا ". قاله النسفي. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 176 # وإن تطيعوا الله ورسوله} بالإخلاص وترك النفاق {لا يلتكم من أعمالكم ~~شيئا} من أجورها. يقال : ألت يألت ، وألات يليت ، ولات يليت ، بمعنى ، وهو ~~النقص ، {إن الله غفور} لما فرط من الذنوب ، {رحيم} يستر العيوب. # {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} لم يشكوا ، من : ~~ارتاب ، مضارع رابه : إذا أوقعه في الشك والتهمة ، والمعنى : أنهم آمنوا ثم ~~لم يقع في إيمانهم شك فيما آمنوا ، ولا اتهام لمن صدقوه ، ولما كان الإيقان ~~وزوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان ، تنبيها على علو ~~مكانه ، وعطف على الإيمان بثم ؛ إشعارا باستقراره في الأزمنة المتراخية ~~المتطاولة غضا جديدا. {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} أي : جاهدوا ~~ما ينبغي جهاده في الكفار والأنفس والهوى ، بالإعانة بأموالهم ، والمباشرة ~~بأنفسهم في طلب رضى الله : {أولئك هم الصادقون} أي : الذي صدقوا في قلوبهم ~~: آمنا ms2864 ، لم يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد ؛ بل إيمانهم إيمان صدق وحق. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : مذهب الصوفية : أن العمل إذا كان حده الجوارح الظاهرة يسمى ~~مقام الإسلام ، وإذا انتقل لتصفية البواطن بالرياضة والمجاهدة يسمى مقام ~~الإيمان ، وإذا فتح على العبد بأسرار الحقيقة يسمى مقام الإحسان ، وقد جعل ~~الساحلي مقام الإسلام مركبا # 177 PageV07P256 ~~من ثلاثة : التوبة والتقوى والاستقامة ، والإيمان مركبا من الإخلاص والصدق ~~والطمأنينة ، والإحسان مركبا من المراقبة والمشاهدة والمعرفة ، ولكل زمان ~~ورجال تربية واصطلاح في السير ، والمقصد واحد ، وهو المعرفة العيانية. # قال القشيري : الإيمان هو حياة القلوب ، والقلوب لا تحيا إلا بعد ذبح ~~النفوس ، ولنفوس لا تموت ولكنها تغيب. ه. أي : المقصود بقتل النفوس : هو ~~الغيبة عنها في نور التجلي ، فإذا وقع الفناء في شهود الحق عن شهود الخلق ~~فلا مجاهدة. وقال القشيري في مختصره : {قالت الأعراب آمنا...} الخ ، يشير ~~إلى أن حقيقة الإيمان ليست مما يتناول باللسان ، بل هو نور يدخل القلوب ، ~~إذا شرح الله صدر العبد للإسلام ؛ كما قال تعالى : {فهو على نور من ربه} ~~[الزمر : 22] ، وقال عليه السلام في صفة ذلك النور : " إن النور إذا وقع في ~~القلب انفسح له واتسع " ، قالوا : يا رسول الله ؛ هل لذلك النور من علامة ؟ ~~قال : " بلى ؛ التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، ~~والاستعداد للموت. قبل نزوله " لهذا قال تعالى {ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم} أي : نور الإيمان.ه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 176 PageV07P257 ~~وإن تطيعوا الله ورسوله} في الأوامر والنواهي بعد ذبح النفوس بسيف الصدق ~~{لا يلتكم من أعمالكم شيئا} بل كل ما تتقربون به إلى الله من مجاهدة النفوس ~~ترون جزاءه عاجلا ، من كشف غطاء وحلاوة شهود ، إن الله غفور لمن وقع له ~~فتور ، رحيم بمن وقع منه نهوض ، {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله} وشاهدوا ~~أنواره وأسراره ، {ورسوله} حيث عرفوا حقيقته النورانية الأولية ، {ثم لم ~~يرتابوا} لم يخطر على بالهم خواطر سوء ، ولا شكوك فيما وعد الله من الرزق ~~وغيره ؛ لأن حجاب نفوسهم قد زال عنهم ، فصار الغيب ms2865 شهادة ، والخبر عيانا ، ~~والتعبير ب " ثم " يقتضي تأخر تربية اليقين شيئا فشيئا حتى يحصل التمكين في ~~مقامات اليقين ، مع التمكين في مقام الشهود والعيان. # ثم ذكر سبب إزاحة الشكوك عنهم بقوله : {وجاهدوا بأموالهم} حيث بذلوها لله ~~{وأنفسهم} حيث جاهدوها في طلب الله {أولئك هم الصادقون} في طلب الحق ، ~~فظفروا بما أملوا ، وربحوا فيما به تجروا. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 176 # 178 # يقول الحق جل جلاله : {قل أتعلمون الله بدينكم} أي : أتخبرونه بذلك ~~بقولكم آمنا ؟ روي أنه لما نزل قوله : {قل لم تؤمنوا} جاؤوا يحلفون إنهم ~~لصادقون فأكذبهم الله بقوله : {قل أتعلمون..} الخ. والتعبير عنه بالتعليم ~~لغاية تشنيعهم ، كأنهم وصفوه تعالى بالجهل. قال الهروي : و" علمت " و" ~~أعلمت " في اللغة بمعنى واحد ، وفي القاموس : وعلمه العلم تعليما ، وأعلمه ~~إياه فتعلمه. ه. {والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} فلا يحتاج إلى ~~إعلام أحد ، وهو حال مؤكدة لتشنيعهم ، {والله بكل شيء عليم} أي : مبالغ في ~~العلم بجميع الأشياء ، التي من جملتها ما أخفوه من الكفر عند أظهارهم ~~الإيمان. PageV07P258 # {يمنون عليك أن أسلموا} أي : يعدون إسلامهم منة عليك ، ف " أن " نصب على ~~نزع الخافض ، والمن : ذكر النعمة في وجه الافتخار. وقال النسفي : هو ذكر ~~الأيادي تعريضا للشكر ، ونهينا عنه. ه. فانظره. {قل لا تمنوا علي إسلامكم} ~~أي : لا تعدوا إسلامكم منة علي ، فإن نفعه قاصر عليكم إن صح ، {بل الله يمن ~~عليكم} أي : المنة إنما هي لله عليكم {أن هداكم للإيمان} أي : لأن هداكم ، ~~أو : بأن هداكم للإيمان على زعمكم {إن كنتم صادقين} في ادعاء الإيمان ، إلا ~~أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه. وجواب الشرط محذوف ؛ لدلالة ما ~~قبله عليه ؛ أي : إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان فلله المنة عليكم. # وفي سياق النظم الكريم من اللطف ما لا يخفى ؛ فإنهم لما سموا ما في ~~صدورهم إيمانا ، ومنوا به ، نفى تعالى كونه إيمانا ، وسماه إسلاما ، كأنه ~~قيل : يمنون عليك بما هو في الحقيقة إسلام وليس بإيمان ، بل ms2866 لو صح ادعاؤهم ~~للإيمان فلله المنة عليهم بالهداية إليه لا لهم. # {إن الله يعلم غيب السماوات والأرض} أي : ما غاب فيهما ، {والله بصير بما ~~تعملون} في سركم وعلانيتكم ، وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم ، يعني ~~: الله تعالى يعلم كل مستتر في العالم ، ويبصر كل عمل تعملونه في سركم ~~وعلانتيكم ، لا يخفى عليه منه شيء ، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم. قال ~~الورتجبي : ليس لله غيب ، إذ الغيب شيء مستور ، وجميع الغيوب عيان لله ~~تعالى ، وكيف يغيب عنه وهو موجده ؟ ! يبصر ببصره القديم ما كان وما لم يكن ~~، وهناك العلم والبصر واحد. ه. قوله : " العلم والبصر واحدا " هذا على مذهب ~~الصوفية في أن بصره يتعلق بالمعدوم ، كما يتعلق به العلم ، ومذهب علماء ~~الكلام : أن متعلق البصر خاص بالموجودات ، فمتعلق العلم أوسع. وانظر حاشية ~~الفاسي على الصغرى. # جزء : 7 رقم الصفحة : 178 # الإشارة : كل من تمنى أن يعلم الناس ما عنده من العلم والسر ؛ يقال له : ~~أتعلمون الله بدينكم ، والله يعلم ما في سموات القلوب والأرواح من السر ~~واليقين ، وما في أرض # 179 # النفوس من عدم القناعة بعلم الله ، والله بكل شيء عليم. وفي الحكم : " ~~استشرافك أن يعلم الناس بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ". وكل من ~~غلب عليه الجهل حتى من على شيخه بصحبته له ، أو بما أعطاه ، يقال في حقه : ~~{يمنون عليك أن أسلموا...} الآية. وقوله تعالى : {والله بصير بما تعملون} ~~قال القشيري : فمن لاحظ شيئا من أعماله وأحواله ؛ فإن رآها من نفسه كان ~~شركا ، وإن رآها لنفسه كان مكرا ، وإن رآها من ربه بربه كان توحيدا. وفقنا ~~الله لذلك بمنه وجوده. ه. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. # 180 # جزء : 7 رقم الصفحة : 178 PageV07P259 ### | AUTO سورة ق # جزء : 7 رقم الصفحة : 180 # يقول الحق جل جلاله : {قا} أيها القريب المقرب من حضرتنا {و} حق {القرآن ~~المجيد} إنك لرسول مجيد ، أو : {قا} أي : وحق القوي القريب ، والقادر ~~القاهر. وقال مجاهد : هو جبل محيط بالأرض من ms2867 زمردة خضراء ، وعليه طغى الماء ~~، وخضرة السماء منه ، والسماء مقببة عليه ، وما أصاب الناس من زمرد فمما ~~تساقط من ذلك الجبل. وروي أن ذا القرنين وصل إليه ، فخاطبه ، وقال : يا قاف ~~أخبرني بشيء من عظمة الله ، قال : إن شأن ربنا لعظيم ، وإن ورائي أرضا ~~ميسرة خمسمائة عام ، في عرض خمسمائة عام ، من ثلج يحطم بعضه بعضا ، لولا ~~ذلك الثلج لاحترقت من نار جهنم. ه. PageV07P260 # {والقرآن المجيد} أي : ذي المجد والشرف على سائر الكتب ، أو : لأنه كلام ~~مجيد ، من علم معانيه وعمل بما فيه مجد عند الله وعند الناس. وجواب القسم ~~محذوف ، أي : إنك لرسول نذير ، أوك لتبعثن ، بدليل قوله : {أئذا متنا...} ~~الخ ، أو : إنا أنزلناه إليك لتنذر به فلم يؤمنوا ، {بل عجبوا أن جاءهم} أي ~~: لأن جاءهم {منذر منهم} من جنسهم ، # 181 # لا من جنس الملائكة ، أو : من جلدتهم ، وهو إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب ، ~~وهو أن يخوفهم من غضب الله رجل منهم قد عرفوا عدالته وأمانته ، ومن كان ~~كذلك لم يكن إلا ناصحا لقومه ، خائفا أن ينالهم مكروه وإذا علم أن مخوفا ~~أظلهم لزمه أن ينذرهم ، فكيف بما هو غاية المخاوف ؟ أو إنكار لتعجبهم مما ~~أنذرهم به من البعث مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السموات والأرض وما ~~بينهما ، وإقرارهم بالنشأة الأولى ، مع شهادة العقل بأنه لا بد من الجزاء ، ~~وإلا كان إنشاء الخلق عبثا ، ثم بين تعجبهم بقوله : {فقال الكافرون هذا شيء ~~عجيب} أي : هذا الذي يقوله محمد من البعث بعد الموت شيء عجيب ، أو : كون ~~محمد منذرا بالقرآن شيء يتعجب منه. ووضع " الكافرون " موضع الضمير للدلالة ~~على أنهم في قولهم هذا مقدمون على كفر عظيم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 181 PageV07P261 ~~ثم قالوا : {أئذا متنا وكنا ترابا} أي : أنبعث حين نموت ونصير ترابا كما ~~يقوله هذا النذير ؟ {ذلك رجع بعيد} أي : ذلك البعث بعد هذه الحالة رجوع ~~مستبعد ، منكر ، بعيد من الوهم والعادة. فالعامل في " إذا " محذوف مفهوم من ~~الكلام كما قدرنا. قال تعالى : {قد علما ما ms2868 تنقص الأرض منهم} وهو رد ~~لاستبعادهم ؛ فإن من عم علمه ولطفه حتى ينتهي إلى حيث علم ما تنقص الأرض من ~~أجساد الموتى ، وتأكل من لحومهم وعظمهم ، كيف يستبعد رجعه إياهم أحياء كما ~~كانوا ؟ ! عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كل ابن آدم يأكله التراب إلا ~~عجب الذنب ، ومنه خلق ، وفيه يركب " وهو العصعص ، وقال في المصباح : العجب ~~- كفلس - من كل دابة : ما انضم عليه الورك من أصل الذنب. ه. وهو عظم صغير ~~قدر الحمصة ، لا تأكله الأرض ، كما لا تأكل أجساد الأنبياء والأولياء ~~والشهداء. قال ابن عطية : حفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود بعينه يوم ~~القيامة ، وهذا هو الحق. وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد المبعوثة يجوز ~~أن تكون غير هذه ، هذا عندي خلاف ظاهر كتاب الله ، ولو كانت غيرها كيف كانت ~~تشهد الجلود والأيدي ولأرجل على الكفرة ؟ إلى غير ذلك مما يقتضي أن أسجاد ~~الدنيا هي التي تعود. ه. # {وعندنا كتاب حفيظ} لتفاصيل الأشياء ، أو : محفوظ من التغيير ، وهو اللوح ~~المحفوظ ، أو : حافظا لما أودعه وكتب فيه ، أو : يريد علمه تعالى ، فيكون ~~تمثيلا لعلمه تعالى بكليات الأشياء وجزيئاتها ، بعلم من عنده كتاب حفيظ ~~يتلقى منه كل شيء. # {بل كذبوا بالحق} إضراب وانتقال من بيان شناعتهم السابقة ، وتكذيب البعث ~~، إلى ما أشنع منه وأفظع ، وهو تكذيبهم للنبوة الثابتة بالمعجزات الباهرة ، ~~{لما جاءهم} من غير تأمل وتفكر ، وقيل : الحق : القرآن ، أو : الإخبار ~~بالبعث ، {فهم في أمر مريج} مضطرب ، لا قرار له ، يقال : مرج الخاتم في ~~أصبعه إذا اضطرب من سعته ، فيقولون تارة : # 182 PageV07P262 ~~مجنون ، وطورا : ساحر ، ومرة : كاهن ، ولا يثبتون على قول. أو : مختلط ، ~~يقال : مرج أمر الناس : اختلط. أو : ملبس ، قال قتادة : من ترك الحق مرج ~~عليه أمره ، وألبس عليه دينه. # {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم} بحيث يشاهدونها كل وقت {كيف بنيناها} ~~رفعناها بغير عمد {وزيناها} بما فيها من الكواكب المترتبة على نظام عجيب ، ~~{وما لها من فروج} من فنوق لملاستها وسلامتها من كل عيب وخلل ، {والأرض ~~مددناها} بسطناها ms2869 {وألقينا فيها رواسي} جبالا ثوابت ، من : رسى الشيء : ثبت ~~، والتعبير عنها بهذا الوصف للإيذان بأن إلقاءها إنما هو للإرسال ، ~~{وأنبتنا فيها من كل زوج} صنف {بهيج} حسن. {تبصرة وذكرى} علتان للأفعال ~~المذكورة ، أي : فعلنا ما فعلنا تبصرا وتذكيرا {لكل عبد منيب} أي : راجع ~~إلى ربه ، متفكر في بدائع صنائعه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 181 # ونزلنا من السماء ماء مباركا} كثير المنافع {فأنبتنا به جنات} بساتين ~~كثيرة {وحب الحصيد} أي : حب الزرع الذي شأنه أن يحصد من البر والشعير ~~وأمثالهما ، وتخصيص حب الحصيد بالذكر لأنه المقصود بالذات ؛ إذ به جل ~~القوام. PageV07P263 # {والنخل باسقات} طوالا في السماء ، أو : حوامل ، من : بسقت الشاة : إذا ~~حملت. وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في " جنات " لبيان فضلها على سائر ~~الأشجار ، {لها طلع نضيد} منضود ، بعضه فوق بعض ، والمراد : تراكم الطلع ، ~~أو : كثرة ما فيه من الثمر ، {رزقا للعباد} أي : لرزق أشباحهم ، كما أن ~~قوله : {تبصرة وذكرى} لرزق أرواحهم. وفيه تنبيه على أن الواجب على العبد أن ~~يكون انتفاعه بما ذكر من حيث التذكر والتبصر الذي هو رزق الروح أهم وأقدم ~~من تمتعه من حيث الرزق الحسي ، {وأحيينا به} بذلك الماء {بلدة ميتا} أرضا ~~جدبة ، لا نماء فيها أصلا ، فلما أنزلنا عليه الماء رب واهتزت بالنبات ~~والأزهار ، بعدما كانت جامدة. وضمن البلدة معنى البلد فذكر الوصف. {كذلك ~~الخروج} من القبور ، فكما حييت هذه البلدة الميتة كذلك تخرجون أحياء بعد ~~موتكم ، لأن إحياء الموت كإحياء الأموات. وقدم الخبر للقصد إلى القصر. ~~والإشارة في " كذلك " إلى الحياة المستفادة من الإحياء ، وما فيه من معنى ~~البعد للإشعار ببعد رتبها ، أي : مثل ذلك الحياة البديعة حياتكم بالبعث من ~~القبور ، لا شيء مخالف لها. وفي التعبير عن إخراج النبات من الأرض بالإحياء ~~، وعن حياة الأموات بالخروج ؛ تفخيم لشأن النبات ، وتهوين لأمر البعث ، ~~وتحقيق للمماثلة ؛ لتوضيح منهاج القياس ، وتقريبه إلى أفهام الناس. # الإشارة : {قا} أيها القريب المقرب ، وحق القرآن المجيد ، إنك لحبيب مجيد ~~، رسول من عند الله الملك المجيد ، وإن كنت بشرا فنسبتك من ms2870 البشر كياقوتة ~~بين الحجر ، فالبشرية لا تنافي الخصوصية ، بل تجامعها منة منه تعالى وفضلا ~~، على من شاء من عباده ، فاستبعاد الكفار مجامعة الخصوصية للبشرية كاستبعاد ~~إبليس تفضيل آدم لكونه بشرا # 183 PageV07P264 ~~من طين ، وذلك قياس فاسد ، مضاد للنص ، وكما استبعدت الكفرة وجود خصوصية ~~النبوة في البشر ، استبعدت الجهل خصوصية التربية بالإصطلاح في البشر ، بل ~~عجبوا أن جاءهم منذر منهم ، يدل على الله ، ويبين الطريق إليه ، قالوا : ~~هذا شيء عجيب : {أئذا متنا} بأن ماتت قلوبنا بالغفلة ، {وكنا ترابا} أرضيين ~~بشريين ، تحيى أرواحنا بمعرفة العيان ؟ ! ذلك رجع بعيد. # جزء : 7 رقم الصفحة : 181 # قال تعالى : {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أرض النفوس من أرواحهم ، ~~وتهوي بها إلى الحضيض الأسفل ، فيجذبها إلى أعلى عليين ، إن سبقت عنايتنا ، ~~وعندنا كتاب حفيظ يحفظ المراتب والمقامات ، فيلتحق كل واحد بما سبق له. بل ~~كذبوا بالحق ، وهو الداعي إلى الحق ، لما جاءهم في كل زمان ، فهم في أمر ~~مريج ، تارة يقرون وجود التربية بالهمة والحال ، وينكرون الاصطلاح ، وتارة ~~يقرون بالجميع ، وينكرون تعيينه ، أفلم ينظروا إلى سماء القلوب والأرواح ، ~~كيف بنيناها ، أي : رفعنا قدرها بالعلوم والمعارف ، وزيناها بأنوار الإيمان ~~والإحسان ، وليس فيها خلل ، وأرض النفوس مددناها : جعلناها بساطا للعبودية ~~، وألقينا فيها رواسي أرسيناها بالعقول الصافية الثابتة ، لئلا تضطرب عند ~~زلزلات الامتحان ، وأنبتنا فيها من كل صنف بهيج ، من فنون علم الحكمة ~~والتشريع ، تبصرة وتذكيرا لكل عبد منيب ، راجع إلى مولاه ، قاصد لمعرفته. PageV07P265 # قال القشيري : تبصرة وذكرى لمن رجع إلينا في شهود أفعالنا إلى رؤية صفاتنا ~~، ومن شهود صفاتنا إلى شهود ذاتنا. ه. ونزلنا من السماء ماء العلوم اللدينة ~~، كثير البركة والنفع ، فأنبتنا به جنات المعارف وحب الحصيد ، وهو حب ~~المحبة ؛ لأنه يحصد من القلب محبة ما سوى الله. والنخل باسقات ، أي : شجرة ~~المعرفة الكاملة لها طلع نضيد : ثمرة المعرفة وحلاوة الشهود ، رزقا لأرواح ~~العباد ، وأحيينا به نفسا ميتة بالغفلة والجهل ، كذلك الخروج من ظلمة الجهل ~~إلى نور العلم ، أي : مثل هذا الخروج البديع يكون الخروج ، وإلا فلا. ms2871 # جزء : 7 رقم الصفحة : 181 # يقول الحق جل جلاله : {كذبت قبلهم} أي : قبل قريش {قوم نوح} نوحا ، حيث ~~أنذرهم بالبعث ، {وأصحاب الرس} قيل : هم من بعث إليهم شعيب عليه السلام كما ~~مر في سورة الفرقان بيانه وقيل : قوم باليمامة ، وقيل : أصحاب الأخذود. ~~والرس : بئر لم # 184 # تطو ، {وثمود وعاد وفرعون} أراد بفرعون قومه ، ليلائم ما قبلهم ؛ لأن ~~المعطوف عليه جماعات ، {وإخوان لوط} قيل : كان قومه من أصهاره عليه السلام ~~، فسماهم إخوانه ، {وأصحاب الأيكة} هم ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام غير ~~أهل مدين ، {وقوم تبع} هو ملك باليمن ، دعا قومه إلى الإسلام وهم حمير ، ~~فكذبوه ، وسمي تبعا ؛ لكثرة تبعه. PageV07P266 # قال ابن إسحاق : كان تبع الآخر هو أسعد بن كرب ، حين أقبل من المشرق ، ومر ~~على المدينة ، ولم يهج أهلها ، وخلف عندهم ابنا له ، فقتل غيلة ، فجاء ~~مجمعا على حربهم ، وخراب المدينة ، فأجمع هذا الحي من الأنصار على قتاله ، ~~وسيدهم عمرو بن طلحة ، أخو بن النجار ، فتزعم الأنصار : أنهم كانوا ~~يقاتلونه بالنهار ، ويقرونه بالليل ، فيعجبه ذلك ، ويقول : إن قومنا هؤلاء ~~لكرام ، فبينما هو كذلك إذا جاءه حبران من أحبار بني قريظة ، من علماء أهل ~~زمانهما ، فقالا : أيها الملك لا تقاتلهم ، فإنا لا نأمن عليك العقوبة ؛ ~~لأنها مهاجر نبي يخرج من هذا الحي ، من قريش ، في آخر الزمان ، هي داره ~~وقراره ، فكف عنهم ، ثم دعواه إلى دينهما ، فاتبعهما ، ثم رجع إلى اليمن ، ~~فقالت له حمير : لا تدخلها وقد فارقت ديننا ، فحاكمنا إلى النار ، وقد كانت ~~باليمن نار أسفل جبل يتحاكمون إليها ، فتأكل الظالم لا تضر المظلوم ، ~~فخرجوا بأصنامهم ، وخرج الحبران بمصاحفهما ، فأكلت النار الأوثان ، وما ~~قربوا معها ، ومن دخل ذلك من رجال حمير ، وخرج الحبران بمصاحفهما في ~~أعناقهما ، يتلوان التوراة ، ولم تضرهما ، فأطبق أهل حمير على دين الحبرين ~~، فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن. قال الرياشي : كان أبو كرب أسعد ~~الحميري من التبابعة ، آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة ~~سنة. وتقدم شعره في الدخان. # { # جزء : 7 رقم الصفحة ms2872 : 184 # كل كذب الرسل} فيما أرسلوا به من الشرائع ، التي من جملتها : البعث الذي ~~أجمعوا عليه قاطبة ، أي : كل قوم من الأقوام المذكورين كذبوا رسولهم {فحق ~~وعيد} أي : فوجب وحل عليهم وعيدي ، وهي كلمة العذاب. وفيه تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم. PageV07P267 # {أفعيينا بالخلق الأول} استئناف مقرر لصحة البعث ، الذي حكيت أحوال ~~المنكرين له من الأمم المهلكة. والعي بالأمر : العجز عنه ، يقال : عيى ~~بالأمر : إذا لم يهتد لوجه عمله. والهمزة للإنكار ، والفاء : عطف على مقدر ~~، ينبئ عنه المقام ، كأنه قيل : أقصدنا الخلق الأول فعجزنا عنه حتى يتوهم ~~عجزنا عن الإعادة ؟ {بل هم في لبس من خلق جديد} أي : بل هم في لبس وخلط ~~وشبهة ، قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم ، حيث سؤل لهم أن إحياء الموتى خارج ~~عن العادة ، فتركوا لذلك الاستدلال الصحيح ، وهو : أن # 185 # من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر. وهو معطوف على مقدر يدل عليه ~~ما قبله ، كأنه قيل : هم غير منكرين لقدرتنا على الخلق الأول ، بل هم في ~~خلط وشبهة من خلق مستأنف جديد. وتنكير " خلق " لتفخيم شأنه ، والإشعار ~~بخروجه عن حدود العادة ، والإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه ويهتم بمعرفته. # الإشارة : قال القشيري : الإشارة في الآية إلى أن الغالب في كل زمان غلبة ~~الهوى والطبيعة الحيوانية واستيلاء الحس على الناس ، نفوسهم متمردة. بعيدة ~~من الحق ، قريبة من الباطل ، كلما جاء إليهم رسول كذبوه ، وعلى ما جاء به ~~قاتلوه ، فحق عليهم عذاب ربهم ، لما كفروا نعمه ، فما أعياه إهلاكهم. ه. ~~قلت : وكذلك جرى في كل زمان ، كل من أمر الناس بإخراجهم عن عوائدهم ، ~~ومخالفة أهوائهم ، رفضوه وعادوه ، فقل بسبب ذلك المخلصون ، وكثر المخلطون ، ~~فإذا قالوا : لا يمكن الإخراج عن العوائد ، قلنا : القدرة صالحة ، قال ~~تعالى : {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} وهو إحياء القلب ~~الميت ، فيجدد إيمانه ، وتحيا روحه حياة سرمدية. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 184 PageV07P268 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس ms2873 به نفسه} أي : ما ~~تحدثه نفسه ويهجس في ضميره من خير وشر. والوسوسة : الصوت الخفي ، ووسوسة ~~النفس : ما يخطر بالبال. والضمير في " به " ل " ما " إن جعلتها موصولة ، ~~والباء كما في : صوت بكذا ، أو : للإنسان ، إن جعلتها مصدرية. والباء حينئذ ~~للتعددية. {ونحن أقرب إليه} أي : أعلم بحاله مما كان أقرب إليه {من حبل ~~الوريد} والحبل : العرق ، وإضافته بيانية والوريدان : عرقان مكتفان بصفحتي ~~العنق في مقدمه متصلان بالوتين ، والوتين : عرق في القلب إذا انقطع مات ~~صاحبه. قاله في القاموس ، يردان من الرأس إليه ، وقيل : سمي وريد ؛ لأن ~~الماء يرده. # {إذ يتلقى المتلقيان} أي : الملكان الحافظان لأعمال العبد. والظرف : ~~منصوب بما في " أقرب " من معنى الفعل ، أي : يتقرب إذ يتلقى. والمعنى : أنه ~~تعالى لطيف يتوصل # 186 # علمه إلى ما لا شيء أخفى منه ، وهو أقرب للإنسان من كل قريب ، حين يتلقى ~~الحافظان ما يتلفظ به ، وفيه إيذان بأنه تعالى غني عن استحفاظها ؛ لإحاطة ~~علمه بما يخفى عليهم ، وإنما ذلك لما في كتبهما وحفظهما لأعمال العباد ، ~~وعرض صحائفها يوم يقوم الأشهاد ، وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطته بتفاصيل ~~أحواله من زيادة لطف به في الكف عن السيئات ، والرغبة في الحسنات. ثم ذكر ~~مكانهما بقوله : {عن اليمين وعن الشمال قعيد} أي : عن اليمين قعيد وعن ~~الشمال قعيد ، وحذف الأول لدلالة الثاني عليه. وقعيد : بمعنى مقاعد ، ~~كالجليس بمعنى المجالس ، أو : بمعنى قاعد ، كالسميع والعليم. وعنه صلى الله ~~عليه وسلم : " إن مقعد ملكيك على ثنيتيك ، ولسانك قلمهما ، وريقك مدادهما ، ~~وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما! " وقال الضحاك : ~~مجلسهما تحت الثغر من الحنك ، ورواه عن الحسن ، وكان يعجبه أن ينظف عنفقته. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 186 PageV07P269 ~~ما يلفظ من قول} أي : ما يتكلم به وما يرمي به من فيه {إلا لديه رقيب} حافظ ~~{عتيد} حاضر لازم ، أو معد مهيأ لكتابة ما أمر به من الخير والشر ، وقال ~~أبو أمامة عنه صلى الله عليه وسلم : " كاتب الحسنات عن يمين الرجل وكاتب ~~السيئات عن ms2874 يساره ، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة ~~كتبها صاحب اليمين عشرا ، وإذا عمر سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : ~~دعه سبع ساعات ، لعله يسبح أو يستغفر ". قال الحسن : إن الملكين يجتنبان ~~العبد عند غائطه ، وعند جماعه ، ويكتبان عليه كل شيء ، حتى أنينه في مرضه. ~~وقال عكرمة : لا يكتبان عليه إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر. وعنه عليه السلام : ~~" ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا ، فيرى الله تعالى في أول الصحيفة ~~خيرا وفي آخرها خيرا ، إلا قال للملائكة : اشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين ~~طرفي الصحيفة " والحفظة أربعة : اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، فإذا مات ~~العبد قاموا على قبره يكبران ويهللان ويكتب ذلك للعبد المؤمن. # ولما ذكر إنكارهم للبعث ، واحتج عليهم بعموم قدرته وعلمه ، أعلمهم أن ما ~~أنكروه هم لاقوه بعد الموت ، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي ~~فقال : {وجاءت سكرة الموت بالحق..} الخ. وقال ابن عطية : هو عندي عطف على " ~~إذ يتلقى " والتقدير : وإذ تجيء سكرة الموت ، يعني فهو كقوله : {ونحن أقرب ~~إليه منكم} # 187 # [الواقعة : 85] الآية. ه. وحاصل الآية حينئذ : ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ~~ظاهره وباطنه ، ونحن أقرب إليه في جميع أحواله ، في حياته ، ووقت مجيء سكرة ~~الموت ، أي : شدته الذاهبة بالعقل ، ملتبسة {بالحق} أي : بحقيقة الأمر ، ~~وجلاء الحال ، من سعادة الميت أو شقاوته ، {ذلك ما كنت منه تحيد} أي : تنفر ~~وتهرب وتميل عنه طبعا. والإشارة إلى الموت. والخطاب للإنسان في قوله : ~~{ولقد خلقنا الإنسان} على طريقة الالتفات. PageV07P270 # {ونفخ في الصور} نفخة العبث {ذلك يوم الوعيد} أي : وقت ذلك النفخ هو يوم ~~الوعيد ، أي : يوم إنجاز الوعد ووقوع الوعيد. وتخصيص الوعيد بالذكر ؛ ~~لتهويله ، ولذلك بدأ ببيان حال الكفرة بقوله : {وجاءت كل نفس} من النفوس ~~البرة والفاجرة {معها سائق وشهيد} أي : ملكان ، أحدهما يسوقه إلى المحشر ، ~~والآخر يشهد عليه بعمله. قيل : السائق : كاتب الحسنات ، والشاهد : كاتب ~~السيئات ، ويقال لها : {لقد كنت في غفلة من هذا} النازل بك اليوم ، {فكشفنا ~~عنك غطاءك} فأزلنا ms2875 غفلتك ، وهو الوقوف مع المحسوسات والإلف ، والانهماك في ~~الحظوظ ، وقصر النظر عليها ، فشاهدت اليوم ما كنت غافلا عنه {فبصرك اليوم ~~حديد} نافذة ؛ لزوال المانع. جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده ، أو ~~غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئا ، فإذا كان يوم القيامة سقط ، وزالت ~~عنه الغفلة ، وكشف غطاؤه ، فبصر ما يبصره من الحق ، ورجح بصره الكليل حديدا ~~، لتيقظه حين لم ينفع التيفظ. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 186 # الإشارة : هذه الآية وأشباهها أصل في مقام المراقبة القلبية ، فينبغي ~~للعبد أن يستحيي من الله أن يحدث في نفسه بشيء يتسحيي أن يظهره ، يعني ~~الاسترسال معه ، وإلا فالخواطر العارضة لا قدرة على دفعها. قال القشيري : ~~{ما توسوس به نفسه} من شهوة تطلب استيفاءها ، أو تصنع مع الخلق ، أو سوء ~~خلق ، أو اعتقاد فاسد ، أو غير ذلك من أوصاف النفس ، توسوس بذلك لتشوش عليه ~~قلبه ووقته ، وكيف لا نعلم ذلك وكل ذلك مما خلقناه وقدرناه. ه. PageV07P271 # وقوله تعالى : {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} أي : أنا أقرب إلى كل أحد من ~~عروق قلبه ، وهذا لأن قيام الفعل بالصفات ، والصفات لا تفارق الذات ، ~~فالقرب بالعلم والقدرة ، وتستلزم القرب الذات ، وقرب الحق من خلقه هو قرب ~~المعاني من الأواني ، إذ هي كليتها وقائمة بها ، فافهم. قال القشيري : وفي ~~هذه الآية هيبة وفزع لقوم ، وروح وأنس وسكون قلب لقوم. ه. وقوله تعالى : ~~{إذ يتلقى المتقليان...} الخ ، كأنه تعالى يقول : من لم يعرف قدر قربي منه ~~، بأن يعده وهمه وجهله ، فإني أوكل عليه رقيبين يحفظان أعماله لعله ينزجر. # وقوله تعالى : {ما يلفظ من قول...} الخ ، وأما عمل القلوب فاختص الله ~~تعالى بعلمها ، وهي محض الإخلاص. قال بعضهم : الإخلاص : إخفاء العمل بحيث ~~لم يطلع عليه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، فالعارفون جل أعمالهم قلبية ~~، نظرة أو فكرة. روي # 188 # أن بعض العارفين قال له حفظته : يا سيدي أظهر لنا شيئا من أعمالك نفرح به ~~عند الله ، فقال لهم : يكفيكم الصلوات الخمس. ه. قال القشيري : وفيه ms2876 أيضا ~~إشارة إلى كمال عنايته في حق عباده ، إذ جعل على كل واحد رقيبين من ~~الملائكة ليحفظوه بالليل والنهار ، إذا كان قاعدا فواحد عن يمينه وواحد عن ~~شماله ، وإذا قام فواحد عند رأسه ، وواحد عند قدمه ، وإذا كان ماشيا فواحد ~~بين يديه وواحد خلفه. انظر بقيته. ه. وهذان غير الملكين الموكلين بحفظ ~~الأعمال. والله أعلم. # وقال في قوله : {وجاءت سكرة الموت بالحق} : إذا أشرفت النفس على الخروج ~~من الدنيا ، فأحوالهم تختلف ، فمنهم من يزداد في ذلك الوقت خوفه ، ولا ~~يتبين حاله إلا عند ذهاب الروح ، ومنهم من يكاشف قبل خروجه فتسكن روحه ، ~~يحفظ عليه عقله ، ويتم له حضوره وتمييزه ، فسلم الروح على مهل من غير ~~استكراه وعبوس منهم. وفي معناه يقول بعضهم : # أنا إن مت فالهوى حشو قلبي # وبداء الهوى تموت الكرام # { PageV07P272 ~~جزء : 7 رقم الصفحة : 186 # ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد} لكل نفس ما وعدها الله ، بحسب سيرها من ~~أول العمر إلى يوم البعث ، {وجاءت كل نفس معها سائق} وهو الذي ساقها في ~~مبدأ الوجود ، إما سوقا باللطف ، أو سوقا بالعنف عند قوله : " هؤلاء إلى ~~الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي " ، وشهيد يشهد عليها بما جرى ~~لها من الأحكام الأزلية {لقد كنت في غفلة من هذا} قال القشيري : يشير إلى ~~أن الإنسان ، وإن خلق من عالم الغيب والشهادة ، فالغالب عليه في البداية ~~الشهادة ، وهو العالم الحسي ، فيرى بالحواس الظاهرة العالم المحسوس مع ~~اختلاف أجناسه ، وهو بمعزل عن إدراك عالم الغيب ، فمن الناس يكشف له غطاؤه ~~عن بصره بصيرته ، فيجعل حديدا ، يبصر رشده ، ويحذر شره ، وهم المؤمنون من ~~أهل السعادة ، ومنهم من يكشف له غطاء عن بصر بصيرته يوم القيامة يوم {لا ~~ينفع نفسا إيمانها..} الآية ، وهم الكفار من أهل الشقاوة. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 186 # 189 # يقول الحق جل جلاله : {وقال قرينه} أي : الشيطان المقيض له ، أو : الملك ~~الكاتب الشاهد عليه : {هذا ما لدي عتيد} أي : هذا ما عندي وفي ملكي عتيد ~~لجهنم ، قد هيأته ms2877 بإغوائي وإضلالي ، أو : هذا ديوان عمله عندي عتيد مهيأ ~~للعرض ، ف " ما " موصولة ، إما بدل من " هذا " أو صفة ، و" عتيد " : خبر ، ~~أو : خبر ، و" عتيد : خبر آخر ، أو : موصوفة خبر " هذا " ، و" لدي " : صفته ~~، وكذا " عتيد " أي : هذا شيء ثابت لدي عتيد. PageV07P273 # ثم يقول الله تعالى للسائق والشهيد : {ألقيا في جهنم} أو : لملكين من خزنة ~~جهنم ، أو : يكون الخطاب لواحد ، وكان الأصل : ألق ألق ، فناب " ألقيا " عن ~~التكرار ؛ لأن الفاعل كالجزء من الفعل ، فكان تثنية الفاعل نائبا عن تكرار ~~الفعل ، أو : أصله : ألقين ، والألف بدل من نون التوكيد ، إجراء للموصول ~~مجرى الوقف ، دليله : قراءة الحسن : (ألقين) والأحسن : أن يراد جنس قرينه ، ~~فيصدق بالسائق والشهيد ، فيقال لهما : {ألقيا في جهنم كل كفار} بالنعم ~~والمنعم {عنيد} : مجانب للحق ، معاد لأهله ، {مناع للخير} كثر المنع للمال ~~عن حقوقه ، أو : مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله ، أو : يراد بالخير ~~الإسلام ، لأن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ، لما منع بني أخيه من ~~الإسلام. {معتد} ظالم متخط للحق {مريب} : شاك في الله تعالى وفي دينه. # {الذي جعل مع الله إلها آخر} : بدل من " كل كفار " ولا يجوز أن يكون صفة ~~؛ لأن النكرة لا توصف بالموصول ، خلافا لابن عطية ، أو : مبتدأ مضمن معنى ~~الشرط ، خبره : {فألقياه في العذاب الشديد} وعلى الأول يكون " فألقياه " ~~تكريرا للتوكيد ، أو مفعولا بمضمر ، يفسره " فألقياه " أي : ألق الذي جعل ~~مع الله إلها آخر ألقياه. PageV07P274 # {قال قرينه} أي : شيطانه الذي قرن به ، وهذا يؤيد أن المراد بالمتقدم جنس ~~القرين ، وإنما أخليت هذه الجملة من الواو دون الأولى ؛ لأن الأولى واجب ~~عطفها ؛ للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول ، أي : ~~مجيء كل نفس مع ملكين وقول قرينه ما قال له ، وأما هذه فهي مستأنفة ، كما ~~تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول ، كما في مقاولة موسى وفرعون في ~~وقوله : {وما رب العالمين قال} [الشعراء : 23 - 31] إلى آخر الآيات ، فكأن ~~الكافر قال : هو أطغاني ، فأجابه قرينه بتكذيبه فقال : {ربنا ما ms2878 أطغيته ~~ولكن كان في ضلال بعيد} عن الحق ، أي : ما أوقعته في الطغيان بالقهر ، ولكن ~~طغى واختار الضلالة على الهدى ، وهذا كقوله : {وما كان لى عليكم من سلطان ~~إلا أن دعوتكم فاستجبتم} [إبراهيم : 22] ، فالوسوسة والتزيين حاصل منه ، ~~والاختيار من الكافر ، والفعل لله ، لا يسأل عما يفعل. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 189 # قال} تعالى : {لا تختصمون لدي} أي : في موقف الحساب والجزاء ، إذ لا فائدة # 190 # في ذلك ، والجملة استئناف جواب عن سؤال ، كأن قائلا قال : فماذا قال الله ~~تعالى لهم ؟ قال : لا تختصموا عندي {وقد قدمت إليكم بالوعيد} في دار الكسب ~~على ألسنة رسلي ، فلا تطمعوا في الخلاص منه بما أنتم فيه من التعلل ~~بالمعاذير الباطلة. والجملة فيها تعليل للنهي ، على معنى : لا تختصموا وقد ~~صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد حيث قالت : " لأملأن جهنم... " الخ ، ~~فاتبعتموه معرضين عن الحق ، فلا وجه للاختصام في هذا الوقت. والباء إما ~~مزيدة كما في قوله : {ولا تلقوا بأيديكم} [البقرة : 195] أو معدية على أن " ~~قدم " مضارع تقدم. PageV07P275 # {ما يبدل القول لدي} أي : لا تطمعوا أن يبدل قولي ووعيدي بإدخال الكفار في ~~النار ، {وما أنا بظلام للعبيد} فلا أعذب عبدا بغير ذنب من قبله ، بل بما ~~صدر منه من الجنايات ، حسبنا أشير إليه آنفا. والتعبير عن بالظلم مع أن ~~تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل السنة ، فضلا عن كونه ~~ظلما مفرطا لتأكيد هذا المعنى ، بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في معرض ~~المبالغة في الظلم ، وقيل : هو لرعاية جميعة العبيد ، من قولهم : فلان ظالم ~~لعبده وظلام لعبيده ، وقيل : ظلام بمعنى : ذي ظلم ، كلبان لذي اللبن. والله ~~تعالى أعلم. PageV07P276 # الإشارة : قرين الإنسان نفسه الأمارة وروحه المطمئنة ، فإذا غلبت النفس على ~~الروح وصرفت صاحبها في الهوى ، تقول يوم القيامة : هذا ما لدي عتيد ، مهيا ~~للعتاب ، فيقال لهما : ألقيا في نار القطيعة كل كفار للنعم ، جحود لوجود ~~الطبيب ، مناع للخير ، فلم يصرفه فيما يخلصه من نفسه ، معتد على الله ~~بتكبره ، وعدم حط ms2879 رأسه للداعي إلى الله ، مريب ، قد لعبت به الشكوك ~~والأوهام والخواطر ، أو : شاك في وجود الطبيب ، الذي جعل مع الله إلها آخر ~~، يحبه ويخضع له ، من الهوى والدنيا ، وكل ما أشركه مع الله في المحبة ، ~~فألقياه في العذاب الشديد : الحجب عن الله ، وعدم اللحوق بأولياء الله ، أو ~~العذاب الحسي. قال قرينه - روحه التي كانت سماوية ، فصيرها أرضية ، بمتابعة ~~هواه : ربنا ما أطغيته ، فإنه ليس الإغواء والإطغاء من شأني ، ولكن كان في ~~ضلال بعيد ، حيث أطاع نفسه وهواه ، ورماني في مزابل الشهوات والغفلة ، قال ~~تعالى : {لا تختصموا لدي} اليوم ، قد قدمت إليكم بالوعيد ، حيث قلت : {إن ~~النفس لأمارة بالسوء} [يوسف : 53] {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} ~~[الشمس : 9 ، 10] وقلت في شأن من جاهد نفسه ، وردها لأصلها : {ياأيتها ~~النفس المطمئنة} [الفجر : 27] الآية ، {ما يبدل القول لدي} فإني وعدت أهل ~~المجاهدة بالوصول إلى حضرتي ، والتنعم برؤيتي بقولي : {والذين جاهدوا ~~فينا...} [العنكبوت : 69] الآية ، وأهل الغفلة بالحجاب ، بقولي : {كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} ~~[المطففين : 14 ، 15] ، وما ظلمت أحدا قط ، لأن الظلم ليس من شأني ، ولا ~~يليق بملكي. # 191 # جزء : 7 رقم الصفحة : 189 PageV07P277 ~~يقول الحق جل جلاله : واذكر {يوم يقول لجهنم هل امتلأت} ؟ وقرأ غير نافع ~~وشعبة : بنون العظمة. فالعامل في الظرف : اذكر أو : " بظلام " أو محذوف ~~مؤخر ، أي : يكون من الأحوال والأهوال ما يقصر عنه المقال ، {وتقول هل من ~~مزيد} ؟ أي : من زيادة ، مصدر كالمجيد ، أو : مفعول ، كالمنيع ، أي : هل ~~بقي ما يزاد ، يعني : أنها مع اتساعها وتباعد أقطارها يطرح فيها الناس ~~والجنة فوجا بعد فوج حتى تملأ {وتقول} بعد امتلائها : {هل من مزيد} أي : هل ~~بقي في موضع لم يمتلئ ؟ ! يعني : قد امتلأت. أو : أنها من السعة يدخل من ~~يدخلها ولم تمتلئ فتطلب المزيد ، وهذا أولى. # قال ابن جزي : واختلف هل تتكلم جهنم حقيقة ، أو مجازا بلسان الحال ، ~~والأظهر : أنه حقيقة ، وذلك على الله يسير ، ومعنى قولها : هل من مزيد : ~~أنها تطلب ms2880 الزيادة ، وكانت لم تمتلئ ، وقيل : معناه : لا مزيد ، أي : ليس ~~عندي موضع للزيادة ، فهي على هذا قد امتلأت ، والأول أرجح ، لما ورد في ~~الحديث : " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد ؟ حتى يضع الجبار ~~فيها قدمه ، فتنزوي ، وتقول : قط قط " وفي هذا الحديث كلام ليس هذا موضعه. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 192 # قال في الحاشية : ووضع القدم مثل للردع والقمع ، أي : يأتيها أمر يكفها ~~عن طلب المزيد. وقال ابن حجر : واختلف في المراد بالقدم ، فطريق السلف في ~~هذا وغيره مشهورة. ثم قال : وقال كثير من أهل العلم بتأويل ذلك ، فقيل : ~~المراد إذلال جهنم ، فإنها إذا بلغت في الطغيان ، وطلبت المزيد ، أذلها ~~الله ، كوضعها تحت القدم ، وليس المراد حقيقة القدم ، والعرب تستعمل ألفاظ ~~الأعضاء ظرفا للأمثال ، ولا تريد أعيانها كقولهم : رغم أنفه ، وسقط في يده. ~~ه. قلت : من دخل بحار الأحدية لم يصعب عليه حل أمثال هذه الشبه ، فإن ~~تجليات الحق لا تنحصر ، فيتجلى سبحانه كيف شاء ، وبما شاء ، ولا حضر ولا ~~تحييز ، ولا يفهم هذه إلا أهل الفناء والبقاء بصحبة الرجال. # 192 PageV07P278 ~~ثم قال تعالى : {وأزلفت الجنة للمتقين} وهو شروع في بيان أحوال المؤمنين ~~بعد النفخ ومجيء النفوس إلى موقف الحساب. وتقديم الكفرة في أمثال هذا ؛ إما ~~لتقديم الترهيب على الترغيب ، أو لكثرة أهل الكفر ، فإن المؤمنين بينهم ~~كالشعرة البيضاء في جلد أسود ، أي : قربت الجنة للمتقين الكفر والمعاصي ، ~~بحيث يشاهدونها من الموقف ، ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن ، فيبتهجون ~~بأنهم محشورون إليها ، فائزون بها ، ويأتي في الإشارة بقية بيان ، إن شاء ~~الله. وقوله : {غير بعيد} تأكيد للإزلاف ، أي : مكانا غير بعيد ، ويجوز أن ~~يكون التذكير لكونه على زنة المصدر ، الذي يستوي في الوصف به المذكر ~~والمؤنث ، أو لتأول الجنة بالبستان. {هذا ما توعدون} أي : هذا الثواب ، أو ~~الإزلاف ، ما كنتم توعدون به في الدنيا ، وهو حاصل {لكل أواب} أي : رجاع ~~إلى الله تعالى ، {حفيظ} لأوامر الله ، أو لما استودعه الله من حقوقه ، {من ~~خشي الرحمن ms2881 بالغيب} : بدل من " أواب " أو مبتدأ ، خبره : أدخلوها ، على ~~تقدير : يقال لهم : ادخلوها ؛ لأن " من " في معنى الجمع ، والخشية : انزعاج ~~القلب عند ذكر الخطيئة أو التقصير أو الهيبة. وقوله تعالى : {بالغيب} حال ~~من فاعل " خشي " ، أو من مفعوله ، أو صفة لمصدره ، أي : خشية ملتبسة بالغيب ~~، حيث خشي عقابه وهو غائب عنه ، وخشي الرحمن وهو غائب عن الأعين في رداء ~~الكبرياء ، لا تراه الأعين الحسية الحادثة ، والتعرض لعنوان الرحمن للثناء ~~البليغ على الخاشي ، حيث خشيه مع علمه بسعة رحمته ، فلم يصدهم علمهم بسعة ~~رحمته عن خوفه تعالى ، أو : للإشعار بأنهم مع خشيتهم عقابه راجون رحمته. ~~{وجاء بقلب منيب} راجع إلى الله ، أو سريرة مرضية ، وعقيدة صحيحة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 192 PageV07P279 ~~يقال لهم : {ادخلوها بسلام} أي : سالمين من زوال النعم وحلول النقم ، أو : ~~ملتبسين بسلام من الله تعالى وملائكته عليكم ، {ذلك يوم الخلود} الإشارة ~~إلى الزمان الممتد الواقع في بعض منه ما ذكر من الأحوال ، أي : نهاية ذلك ~~اليوم هو يوم الخلود ، الذي لا انتهاء له ، {لهم ما يشاؤون فيها} من فنون ~~المطالب ومنتهى الرغائب {ولدينا مزيد} هو النظر إلى وجهه الكريم ، على قدر ~~حضورهم اليوم ، أو : هو ما لا يخطر ببالهم ، ولا يندرج تحت مشيئتهم من ~~الكرامات ، التي لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. وقيل : ~~إن السحاب تمر باهل الجنة فتمطر عليهم الحور ، فتقول : نحن المزيد الذي قال ~~تعالى : {ولدينا مزيد} قلت : مزيد كل واحد على قدر همته وشهوته. والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : يوم يقول لجهنم : هل امتلأت ؟ وتقول : هل من مزيد ، كذلك النفس ، نار # 193 # شهواتها مشتعلة كلما أعطيتها شيئا من حظوظها طلب المزيد ، ولا يملأ جوف ~~ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ، وفي الحديث : " اثنان لا ~~يشبعان : طالب الدنيا وطالب علم ، طالب الدنيا يزداد من الله بعدا ، وطالب ~~العلم يزداد من الله رضا وقربا " أو كما قال صلى الله عليه وسلم. PageV07P280 # واعلم أن الروح إذا عشقت شيئا فإن كان من ms2882 الدنيا يسمى حرصا ، وإن كان في ~~جانب الحق سمي محبة وشوقا ، وفي الحقيقة ما هي إلا محبة واحدة ، إلا أنها ~~لما تاهت انقلبت محبتها للفروقات الحسية ، وغابت عن المعاني الأزلية ، ~~وكلما زاد في الحرص نقص في المحبة ، وما نقص من الحرص زاد في المحبة. ويقال ~~: كلما زادت محبة الحس نقصت المعنى ، وبالعكس ، وإذا اشتعلت نار المحبة فلا ~~تسكن بما يلقى فيها من الأمور الحسية ، كانت حظوظا أو حقوقا ، بل كلما ألقي ~~فيها تقول : هل من مزيد ، حتى يضع الجبار قدمه ، وهو قذف نور معرفته في ~~القلب ، فحينئذ يحصل الفناء وتقول : قط قط. ثم أخبر عن حال المؤمنين بقوله ~~: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي : قربت جنة المعارف إلى قلوب خواص المتقين ، ~~الذي اتقوا ما سوى الله ، فقربت منهم ، ودخلوها في الدنيا ، فإذا كان يوم ~~القيامة قربت إليهم الجنة الحسية في المحشر ، فيركبون في قصورها وغرفها ، ~~وتطير بهم إلى الجنة ، فلا يسحون بالصراط ولا بالنار ، وفيهم قال تعالى : ~~{لا يسمعون حسيسها} [الأنبياء : 102] والناس على ثلاثة أصناف : قوم يحشرون ~~إلى الجنة مشاة ، وهم الذين قال الله فيهم : {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى ~~الجنة زمرا} [الزمر : 73] وهم عوام المؤمنين ، وقوم يحشرون إلى الجنة ~~ركبانا على طاعتهم ، المصورة لهم على صورة المراكب ، وهؤلاء الخواص من ~~العباد والزهاد والعلماء والصالحين ، وأما خواص الخواص ، وهم العارفون ومن ~~تعلق بهم ، فهم الذين قال الله فيهم : {وأزلفت الجنة للمتقين} تقرب منهم ، ~~فيركبون فيها ، ويسرحون إلى الجنة. انظر القشيري. # جزء : 7 رقم الصفحة : 192 PageV07P281 ~~وقوله تعالى : {هذا ما توعدون} الإشارة إلى مقعد صدق ، ولو كان إلى الجنة ~~لقال " هذه ". قال القشيري. ثم وصف أهل هذا المقام بقوله : {لكل أواب حفيظ} ~~أي : راجع إلى الله في جميع أموره ، لا يعرف غيره ، ولا يلتجئ إلا إليه ، ~~حفيظ لأنفاسه مع الله ، لا يصرفها إلا في طلب الله ، من خشي الرحمن بالغيب ~~، أي : بنور الغيب يشاهد شواهد الحق ، فيخشى بعده أو حجبه. قال القشيري : ~~والخشية تكون مقرونة بالأنس ، ولذلك لم يقل : من خشي الجبار. ثم ms2883 قال : ~~والخشية من الرحمن خشية الفراق ، ويقال : هو مقتضى علمه بأنه يفعل ما يشاء ~~، لا يسأل عما يفعل ، ويقال : الخشية ألطف من الخوف ، فكأنها قريبة من ~~الهيبة. ه {وجاء بقلب منيب} مقبل على الله بكليته ، معرض عما سواه ، # 194 # {ادخلوها} جنة المعارف {بسلام} من العيوب ، آمنين من السلب والرجوع ، ~~وهذا قوله {ذلك يوم الخلود} فيها ، لهم ما يشاؤون من فنون المكاشفات ، ~~ولذيذ المشاهدات ، ولدينا مزيد ، زيادة ترقي أبدا سرمدا ، جعلنا الله من ~~هذا القبيل في الرعيل الأول ، آمين. # جزء : 7 رقم الصفحة : 192 # يقول الحق جل جلاله : {وكم أهلكنا قبلهم} قبل قومك {من قرن} من القرون ~~الذين كذبوا رسلهم {هم أشد منهم} من قومك {بطشا} قوة وسطوة ، {فنقبوا في ~~البلاد} أي : خربوا وطافوا وتصرفوا في أقطارها ، وجالوا في أكناف الأرض كل ~~مجال حذرا من الموت {هل} وجدوا {من محيص} أي : مهرب منها ؟ بل لحقتهم ودقت ~~أعناقهم ، أو : هل وجدوا من مهرب من أمر الله وقضائه ؟ وأصل التنقيب والنقب ~~: البحث والطلب ، قال امرؤ القيس : # لقد نقبت في الآفاق حتى # رضيت من الغنيمة بالإياب PageV07P282 ~~ودخلت الفاء للتسبب عن قوله : {هم أشد منهم بطشا} أي : شدة بطشهم ، أي : ~~قدرتهم على التنقيب في البلاد ، ويجوز أن يعود الضمير إلى أهل مكة ، أي : ~~ساروا في أسفارهم ومسايرهم في بلد القرون ، فهل روأوا لهم محيصا حتى يؤملوا ~~مثله أنفسهم ؟ ويؤيدهم قراءة من قرأ (فنقبوا) على صيغة الأمر. # {إن في ذلك} أي : فيما ذكر من قصصهم ، أو : فيما ذكر في السورة {لذكرى} ~~لتذكرة وعظة {لمن كان له قلب} سليم واع يدرك كنه ما يشاهده من الأمور ، ~~ويتفكر فيها ، ليعلم أن مدار دمارهم هو الكفر ، فيرتدع عنه بمجرد مشاهدة ~~الآثار من غير تذكير ، {أو ألقى السمع} أي : أصغى بقلبه إلى ما يتلى عليه ~~من الوحي الناطق بما جرى عليهم ، فإن من فعله يقف على كنه الأمر ، فينزجر ~~عما يؤدي إليه من الكفر والمعاصي ، يقال : ألق إلي سمعك ، أي : استمع ، ف " ~~أو " لمنع الخلو ، لا لمنع الجمع ، فإن إلقاء ms2884 السمع لا يجدي بدون سلامة ~~القلب عما ذكر من الصفات ، للإذان بأن من عرى قلبه عنهما كمن لا قلب له ~~أصلا. وقوله تعالى : {وهو شهيد} حال ، أي : والحال أنه حاضر القلب لا يغفل ~~أو : شاهد على ما يقرأ من كتاب الله. # 195 PageV07P283 ~~{ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما} من أصناف المخلوقات ، وهذا أيضا ~~احتجاج على القدرة على البعث بما هو أكبر ، كقوله : {لخلق السماوات والأرض ~~أكبر من خلق الناس} [غافر : 57] وقوله تعالى {في ستة أيام} إنما خلقها في ~~تلك المدة تعليما لخلقه التؤدة ، وإلا فهو قادر على أن يخلقها في لمحة ، ~~{ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر : 50] ، ويحتمل أن هذا في عالم ~~الأمر ، وأما عالم الخلق فاقتضت الحكمة خلقه بالتدريج ، وله الخلق والأمر ، ~~ثم قال تعالى : {وما مسنا من لغوب} من إعياء ولا تعب في الجملة ، وهذا رد ~~على جهلة اليهود ، أنه تعالى بدأ العالم يوم الأحد ، وفرغ منه يوم الجمعة ، ~~واستراح يوم السبت ، واستلقى على العرش ، تعالى عما يقولون علوا كبيرا. # جزء : 7 رقم الصفحة : 195 PageV07P284 ~~الإشارة : كثيرا ما أهلك الله من النفوس المتمردة في القرون الماضية ، زجرا ~~لمن يأتي بعدهم ، ففي ذلك ذكرى لمن كان له قلب سليم من تعلقات الكونين. قال ~~القشيري : فالقلوب أربعة : قلب فاسد : وهو الكافر ، وقلب مقفول : وهو قلب ~~المنافق ، وقلب مطمئن : وهو قلب المؤمن ، وقلب سليم : وهو قلب المحبين ~~والمحبوبين ، الذي هو مرآة صفات جمال الله وجلاله ، كما قال تعالى : " لا ~~يسعني أرضي ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن " ه. وقال الشبلي : لمن كان ~~له قلب حاضر مع الله ، لا يغفل عنه طرفة عين. وقال يحيى بن معاذ : القلب ~~قلبان : قلب احتشى بأشغال الدنيا ، حتى إذا حضر أمر من أمور الآخرة لم يدر ~~ما يصنع ، وقلب احتشى بالله وشهوده ، فإذا حضر أمر من أمور الكونين لم يدر ~~ما يصنع ، غائب عن الكونين بشهود المكون. وقال القتاد : لمن كان له قلب لا ~~يتلقب عن الله في السراء والضراء. ه. {أو ألقى السمع وهو ms2885 شهيد} أي : يشهد ~~ما من الله إلى الله ، أو : يشهد أسرار الذات. قال القشيري : يعني من لم ~~يكن له قلب بهذه الصفة يكون له سمع يسمع الله وهو حاضر مع الله ، فيعتبر ~~بما يشير إليه الله في إظهار اللطف أو القهر. ه. {ولقد خلقنا السماوات} أي ~~: سماوات الأرواح ، وأرض الأشباح ، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار ~~، وسر الأسرار ، في ستة أيام ، أي : ستة أنواع من المخلوقات ، وهي محصورة ~~فيما ذكرناه من الأرواح ، والأشباح ، والنفوس ، والقلوب ، والأسرار ، وسر ~~الأسرار ، فلا مخلوق إلا وهو داخل في جملتها ، لا يخرج عنها ، {وما مسنا من ~~لغوب} لأن أمرنا بين الكاف والنون. # جزء : 7 رقم الصفحة : 195 # 196 PageV07P285 ~~يقول الحق جل جلاله : {فاصبر على ما يقولون} أي : ما يقوله الشركون في شأن ~~البعث من الأباطيل ، فإن الله قادر على بعثهم والانتقام منهم ، أو : ~~يقولونه في جانبك من النقص والتكذيب ، أو : ما تقوله اليهود من مقالات ~~الكفر والتشبيه ، {وسبح بحمد ربك} أي : اصبر على ما تسمع واشتغل بالله عنهم ~~، فسبح ، أي : نزه ربك عن العجز عما يمكن ، وعن وصفه تعالى بما يوجب ~~التشبيه ، حامدا له تعالى على ما أنعم به عليك من إصابة الحق والرشاد ، ~~{قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} وهما وقت الفجر والعصر ، وفضلهما مشهور. # {ومن الليل فسبحه} أي : وسبشحه في بعض الليل {وأدبار السجود} أي : أعقاب ~~الصلوات ، جمع : دبر ، ومن قرأ بالكسر ، فمصدر ، من : أدبرت الصلاة : انقضت ~~، ومعناه : وقت انقضاء الصلاة ، وقيل : المراد بالتسبيح : الصلوات الخمس ، ~~فالمراد بما قبل الطلوع : صلاة الفجر ، وبما قبل الغروب : الظهر والعصر ، ~~وبما من الليل : المغرب والعشاء والتهجد ، وبأدبار السجود : النوافل بعد ~~المكتوبات. # {واستمع} أي : لما يوحى إليك من أحوال القيامة ، وفيه تهويل وتفظيع ~~للمخبر به ، {يوم ينادي المناد} أي : إسرافيل عليه السلام ، فيقول : أيتها ~~العظام البالية ، واللحوم المتمزقة ، والشعور المتفرقة ؛ إن الله يأمركن أن ~~تجتمعن لفصل القضاء ، وقيل : إسرافيل ينفخ ، وجبريل ينادي بالمحشر ، {من ~~مكان قريب} بحيث يصل نداؤه إلى الكل ، على سواء ، وقيل : من حجرة بيت ~~المقدس ms2886 ، وهو أقرب مكان من الأرض إلى السماء باثني عشر ميلا ، وهي وسط ~~الأرض ، وقيل : من تحت أقدامهم ، وقيل : من منابت شعورهم ، فيسمع من كل ~~شعرة. " ويوم " منصوب بما دل عليه " يوم الخروج " أي : يوم يناد المناد ~~يخرجون من القبور ، فيوقف على " واستمع " وقيل : تقديره : واستمع حديث يوم ~~يناد المنادي. # جزء : 7 رقم الصفحة : 196 PageV07P286 ~~و{يوم يسمعون الصحية} : بدل من " يوم يناد " أي : واستمع يوم يناد المنادي ~~، وذلك اليوم هو يوم يسمعون الصيحة ، وهي النفخة الثانية. و{بالحق} : متعلق ~~بالصيحة ، أو : حال ، أي : ملتبسة بالحق ، وهو البعث والحشر للجزاء ، {ذلك ~~يوم الخروج} من القبور. # {إنا نحن نحيي} الخلق {ونميت} أي : نميتهم في الدنيا من غير أن يشاركنا ~~في ذلك أحد ، {وإلينا المصير} أي : مصيرهم إلينا لا إلى غيرنا. وذلك {يوم ~~تشقق} أصله : تتشقق ، فأدغم ، وقرأ الكوفيون والبصري بالتخفيف ، بحذف إحدى ~~التاءين ، أي : تتصدع ، # 197 # {الأرض عنهم سراعا} فيخرج المؤمنون من صدوعها مسرعين ، {ذلك حشر} أي : ~~بعث {علينا يسير} هين ، وهو معادل لقول الكفرة : {ذلك رجع بعيد} ، وتقديم ~~الجار والمجرور لتخصيص اليسر به تعالى. # {نحن أعلم بما يقولون} من نفي البعث وتكذيب الآيات ، وغير ذلك مما لا خير ~~فيه ، وهو تهديد لهم ، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، {وما أنت ~~عليهم بجبار} أي : ما أنت بمسلط عليهم ، إنما أنت داع ، كقوله : {لست عليهم ~~بمصيطر} [الغاشية : 22] من : جبره على الأمر : قهره ، أي : ما أنت بوال ~~عليهم تجبرهم على الإيمان ، وهذا قبل الأمر بالقتال ، {فذكر بالقرآن من ~~يخاف وعيد} لأنه هو الذي يتأثر بالوعظ ، كقوله : {إنمآ أنت منذر من يخشاها} ~~[النازعات : 45] وأما من عداهم ، فنحن نفعل بهم ما توجبه أقوالهم ، ~~وتستدعيه أعمالهم من أنواع العقاب وفنون العذاب. PageV07P287 # الإشارة : فاصبر أيها المتوجه على ما تسمع من الأذى ، وغب عن ذلك بذكر ربك ~~قبل طلوع شمس البسط ، وقبل غروبها ، أي : اشتغل بالله في القبض والبسط ، أو ~~: قبل طلوع شمس المعرفة ، في حال السير ، وقبل الغروب حين تطلع ، ومن ليل ~~القبض أو القطيعة فسبح حتى يطلع نهار ms2887 البسط أو المعرفة ، وأدبار السجود ، ~~أي : عقب سجود القلب في الحضرة ، فلا يرفع رأسه أبدا ، واستمع يوم يناد ~~المنادي ، وهي الهواتف الغيبية ، والواردات الإلهية ، والإلهامات الصادقة ، ~~من مكان قريب ، هو القلب ، يوم يسمعون الصيحة ، أي : تسمع النفوس صيحة ~~الداعي إلى الحق بالحق ، فتجيب وتخضع إن سبقت لها العناية ، ذلك يوم الخروج ~~، خروج العوائد والشهوات من القلب ، فتحيي الروح ، وتبعث بعد موتها بالغفلة ~~والجهل ، بإذن الله ، إنا نحن نحيي نفوسا بمعرفتنا ، ونميت نفوسا بقهريتنا ~~، وإلينا المصير ، أي : الرجوع إنما هو إلينا ، فمن رجع إلينا اختيارا ~~أكرمناه ونعمناه ، وفي حضرة القدس أسكناه ، ومن رجع قهرا بالموت عاتبناه أو ~~سامحناه ، وفي مقام البعد أقمناه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 196 # يوم تشقق الأرض عنهم} : أرض الحشر في حق العامة ، وأرض الوجود في حق ~~الخاصة ، أي : يذهب حس الكائنات ، وتضمحل الرسوم ، وتبدل الأرض والسموات ، ~~ذلك حشر علينا يسير ، أي : جمعكم إلينا ، بإفناء وجودكم ، وإبقائكم بوجودنا ~~، يسير على قدرتنا ، وجذب عنايتنا. ويقال لكل داع إلى الله ، في كل زمان ، ~~حين يدبر الناس عنه ، وينالون منه : نحن أعلم بما يقولون ، وما أنت عليهم ~~بجبار ، إنما أنت داع : خليفة الرسول ، فذكر بالقرآن ، وادع إلى الله من ~~يخاف وعيد ؛ إذ هو الذي يتأثر بالوعظ والتذكير ، وبالله التوفيق ، وهو ~~الهادي إلى سواء الطريق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ، وسلم. # 198 # جزء : 7 رقم الصفحة : 196 PageV07P288 ### | AUTO سورة الذاريات # جزء : 7 رقم الصفحة : 198 # يقول الحق جل جلاله : {والذاريات} الرياح الذاريات ؛ لأنها تذرو التراب ~~والحشيش وغير ذلك ، يقال : ذرت الرياح تذرو ذروا ، وأذرت تذري ، و{ذروا} : ~~مصدر ، والعامل فيه اسم الفاعل. {فالحاملات وقرا} أي : السحاب الحاملة ~~للأمطار ، أو : الرياح الحاملة للسحاب الموقورة بالماء. وقال ابن عباس : ~~السفن الموقورة بالناس ، ف " وقرا " مفعول بالحاملات ، {فالجاريات يسرا} أي ~~: السفن الجارية في البحر والرياح الجارية في مهابها ، أو السحاب الجارية ~~في الجو تسوق الرياح ، او : الكواكب السيارة الجارية في مجاريها ومنازلها ~~بسهولة ، {يسرا} : نعت لمصدر محذوف ، أي : جريا ذا يسر. # {فالمقسمات أمرا} أي ms2888 : الملائكة التي تقسم الأمور الغيبية من الأمطار ~~والأرزاق والآجال ، والخلق في الأرحام ، وأمر الرياح ، وغير ذلك ؛ لأن هذا ~~كله إنما هو بملائكة تخدمه ، ف " أمرا " هنا جنس ، وأنث " المقسمات " لأن ~~المراد الجماعات ، ويجوز أن يراد الرياح في الكل ، فإنها تنشئ السحاب ، ~~وتقله ، وتصرفه ، وتجري به في الجو جريا سهلا ، وتقسم الأمطار بتصريف ~~السحاب في الأقطار. ومعنى الفاء على الأول : أنه تعالى أقسم بالرياح ، ~~فبالسحاب التي تسوقه ، فبالفلك الجارية بهبوبها ، فبالملائكة التي تقسم ~~الأرزاق ، وعلى الثاني : أنها تبتدئ بالهبوب ، فتذروا التراب والحصباء ، ~~فتقل السحاب ، فتجري في الجو باسطة له ، فتقسم المطر. # وقال أبو السعود : فإن حملت الأمور المقسم بها على ذوات مختلفة ، فالفاء ~~لترتيب الإقسام باعتبار ما بينها في التفاوت في الدلالة على كمال القوة ، ~~وإلا فهي لترتيب ما صدر عن الريح من الأفاعيل ، فإنها تذرو الأبخرة إلى ~~الجو حتى تنعقد سحابا ، فتجري به بساطة # 199 # له إلى ما أمرت به ، فتقسم المطر. ه. PageV07P289 # والمقسم عليه قوله : {إن ما توعدون} من البعث والجزاء ، {لصادق} لوعد صادق ~~، {وإن الدين} أي : الجزاء على الأعمال {لواقع} لكائن لا محالة. وتخصيص ~~الأمور المذكورة بالإقسام بها رمزا إلى شهادتها بتحقيق مضمون الجلمة المقسم ~~عليها ، من حيث إنها أمور بديعة ، مخالفة لمقتضى الطبيعة ، فمن قدر عليها ~~فهو قادر على البعث الموعود ، و" ما " موصولة ، أو مصدرية ، ووصف الوعد ~~بالصدق كوصف العيشة بالرضا. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 199 # الإشارة : {والذاريات} : رياح الواردات الإلهية ، التي ترد على القلوب ، ~~فتذرو منها الأمراض والشكوك والأوهام والخواطر ؛ لأنها تأتي من حضرة قهار ، ~~لا تصادم شيئا إلا دفعته ، {فالحاملات وقرا} فالأنفس المطهرة ، الحاملة ~~للعلوم والحكم والمواهب ، وقرا : حملا لا حد له ، {فالجاريات يسرا} : ~~فالأفكار الجارية في بحار الأحدية ، من الجبروت إلى الملكوت ، ثم تنزل على ~~عالم الملك ، تتفنن في علوم الحكمة ، في جريا يسرا شيئا فشيئا ، {فالمقسمات ~~أمرا} : فالأرواح والأسرار الكاملة ، التي تقسم الأرزاق المعنوية والحسية ، ~~حيث جعل الله لها ذلك بفضله عند كمالها ، وهذه أرواح أهل التصرف من ~~الأولياء. ms2889 إنما توعدون من الوصول إلينا لصادق لمن صدق في الطلب ، وإن ~~الجزاء على المجاهدة بالمشاهدة لواقع. قال القشيري : إن الله تعالى وعد ~~المطيعين بالجنة ، والتائبين بالمحبة ، والأولياء بالقربة ، والعارفين ~~بالوصلة ، والطالبين بالوجدان. ولعل مراده بالأولياء عموم الصالحين. # جزء : 7 رقم الصفحة : 199 # يقول الحق جل جلاله : {والسماء ذات الحبك} ذات الطرق الحسية ، مثل ما ~~يظهر على الماء والرمال من هبوب الرياح ، وكذلك الطرق التي في الأكسية من ~~الحرير وغيره ، يقال لها : حبك جمع حبيكة ، كطريقة وطرق ، أو : جمع حباك ، ~~قال الراجز : PageV07P290 # كأنما جلاها الحواك # طنفسة في وشيها حباك # والحواك : صانع الحياكة ، والمراد : إما الطريق المحسوسة ، التي هي مسير ~~الكواكب ، أو : المعنوية ، التي يسلكها النظار في النجوم ، فإن لها طرائق. ~~قال البيضاوي : النكتة في هذا القسم ، تشبيه أقوالهم في اختلافها ، وتباين ~~أغراضها ، بطرائق السماوات في تباعدها ، واختلاف غاياتها ، وقال ابن عباس ~~وغيره : ذات الخلق المستوي ، وعن الحسن : # 200 # حبكها نجومها. وقال ابن زيد : ذات أشدة ، لقوله تعالى : {سبعا شدادا}} ~~[النبأ : 12]. # {إنكم} يا أهل مكة {لفي قول مختلف} متخالف متناقض ، وهو قولهم في حقه صلى ~~الله عليه وسلم تارة : شاعر ، وأخرى ساحر ، وفي شأن القرآن ، تارة : شعر ، ~~وأخرى أساطير الأولين {يؤفك عنه من أفك} يصرف عن القرآن ، أو عن الرسول ، ~~من ثبت له الصرف الحقيقي ، الذي لا صرف أفظع وأشد منه ، فكأن لا صرف حقيقة ~~إلا لهذا الصرف ، أي : يصرف عن الإيمان من صرف عن كل سعادة وخير ، أو : ~~يصرف عن الإيمان من صرف في سابق الأزل. # قلت : والأظهر أن يرجع لما قبله ، أي : يصرف عن هذا القول المختلف من صرف ~~في علم الله تعالى ، وسبقت له العناية ، يقول : أفكه عن كذا : صرفه عنه ، ~~وإن كان الغالب استعماله في الصرف عن الخير إلى الشر ، لكنه عرفي ، لا ~~لغوي. والله تعالى أعلم. # {قتل الخراصون} دعاء عليهم ، كقوله : {قتل الإنسان مآ أكفره} [عبس : 17] ~~وأصله : الدعاء القتل والهلاك ، ثم جرى مجرى " لعن " ، والخراصون : ~~الكذابون المقدرون ما لا صحة له ، وهم أصحاب القول المختلف ، كأنه قيل ms2890 : ~~لعن هؤلاء الخراصون {الذي هم في غمرة} في جهل يغمرهم ، {ساهون} غافلون عما ~~أمروا به {يسألون أيان يوم الدين} أي : متى وقوع يوم الجزاء ، لكن لا بطريق ~~الاستعلام حقيقة ، بل بطريق الاستعجال ، استهزاء ، فإن " إيان " ظرف للوقوع ~~المقدر ؛ لأن " أيان " إنما يقع ظرفا للحدثان. PageV07P291 # جزء : 7 رقم الصفحة : 200 # ثم أجابهم بقوله : {يوم هم على النار يفتنون} أي : يقع يوم هم على النار ~~يحرقون ويعذبون ، ويجوز أن يكون خبرا عن مضمر ، أي : هو يوم هم ، وبني ~~لإضافته إلى مضمر ، ويؤيده أنه قرئ بالرفع. {ذوقوا فتنتكم} أي : وتقول لهم ~~خزنة النار : ذوقوا عذابكم وإحراقكم بالنار ، {هذا الذي كنتم به تستعجلون} ~~أي : هذا العذاب هو الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا ، بقولكم : {فأتنا بما ~~تعدنآ} [الأعراف : 70] ف " هذا " : مبتدأ ، و" الذي... " الخ : خبر ، ويجوز ~~أن يكون " هذا " بدلا من فتنتكم ، و" الذي " : صفته. الإشارة : أقسم الله ~~تعالى بسماء الحقائق ، وتسمى سماء الأرواح ؛ لأن أهل الحقائق روحانيون ~~سماويون ، ترقوا من أرض الأشباح إلى سماء الأرواح ، حيث غلبت روحانيتهم ، ~~على بشريتهم ، كما أن أهل الشرائع اليابسة أرضيين بشريين ، حيث غلبت ~~بشريتهم الطينية على روحانيتهم السماوية ، ولكل واحد طرق ، فطرق سماء ~~الحقائق هي المسالك التي توصل إليها ، وهي قطع المقامات والمنازل ، وخرق ~~الحجب النفسانية ، حتى يفضوا إلى مقام العيان " في مقعد صدق عند مليك مقتدر ~~" وطرق أرض الشرائع هي المذاهب التي سلكها الأولون ، واقتدى بهم الآخرون ، ~~يفضوا أهلها إلى رضا الله ونعيمه. وكان الشيخ الشاذلي رضي الله عنه يقول في ~~تلميذه المرسي : إن أبا العباس أعرف بطرق السماء منه # 201 # بطرق الأرض ، أي : أعرف بمسالك الحقائق منه بمذاهب الشرائع ، وهذا إشارة ~~قوله : {ذات الحبك} أي : الطرق. إن أهل الجهل بالله لفي قول مختلف مضطرب ، ~~لا تجد قلوبهم تأتلف على شيء ، قلوبهم متشعبة ، ونياتهم مختلفة ، وهممهم ~~دنية ، وأقوالهم مضطربة ، بخلاف أهل الحقائق العارفين بالله ، قلوبهم ~~مجتمعة على محبة واحدة ، وقصد واحد ، وهو الله ، بدايتهم في السلوك مختلفة ~~، ونهايتهم متفقة ، وهو الوصول إلى حضرة العيان ، ولله در ابن ms2891 البنا ، حيث قال : PageV07P292 # مذاهب الناس على اختلاف # ومذهب القوم على ائتلاف # وقال الشاعر : # عباراتهم شتى وحسنك واحد # وكل إلى ذاك الجمال يشير # يؤفك عن هذا الاختلاف من صرف في سابق العناية ، أو من صرف من عالم ~~الأشباح إلى عالم الأرواح. قتل الخراصون ؛ المعتمدون على ظنهم وحدسهم ، ~~فعلومهم جلها مظنونة ، وإيمانهم غيبي ، وتوحيدهم دليلي من وراء الحجاب ، لا ~~يسلم من طوارق الاضطراب ، الذين هم في غمرة ؛ أي : في غفلة وجهل وضلالة - ~~ساهون عما أمروا به من جهاد النفوس ، والسيرإلى حضرة القدوس ، أو ساهون ~~غائبون عن مراتب الرجال ، لا يعرفون أين ساروا ، وفي أي بحار سبحوا وغاصوا ~~، كما قال شاعرهم : # جزء : 7 رقم الصفحة : 200 # تركنا البحور الزاخرات وراءنا # فمن أين يدري الناس أين توجهنا ؟ # {يسألون أيان يوم الدين} ؛ لطول أملهم ، أو يسألون أيان يوم الجزاء على ~~المجاهدة. قال تعالى : هو {يوم هم} أي : أهل الغفلة - على نار القطيعة أو ~~الشهوة يفتنون بالدنيا وأهوالها ، والعارفون منزهون في جنات المعارف. ويقال ~~للغافلين : ذوقوا وبال فتنتكم ، وهو الحجاب وسوء الحساب ، هذا الذي كنتم به ~~تستعجلون ، بإنكاركم على أهل الدعوة الربانيين ، فتستعجلون الفتح من غير ~~مفتاح ، تطلبون مقام المشاهدة من غير مجاهدة ، وهو محال في عالم الحكمة. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 200 # 202 PageV07P293 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن المتقين في جنات وعيون} عظيمة ، لا يبلغ كنهها ، ~~ولا يقادر قدرها ، ولعل المراد بها الأنهار الجارية ، بحيث يرونها ، ويقع ~~عليها أبصارهم ، لا أنهم فيها ، {آخذين ما آتاهم ربهم} أي : نائلين ما ~~أعطاهم راضين به ، بمعنى أن كل ما يأتهم حسن مرضي ، يتلقى بحسن القبول ، ~~{إنهم كانوا قبل ذلك} في الدنيا {محسنين} متقنين لأعمالهم الصالحة ، آتين ~~بها على ما ينبغي ، فلذلك نالوا ما نالوا من الفوز العظيم ، ومعنى الإحسان ~~ما فسره به عليه الصلاة والسلام : " أن تعبد الله كأنك تراه " الحديث. ومن ~~جملته ما أشار إليه بقوله : # {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} أي : كانوا يهجعون ، أي : ينامون في ~~طائفة قليلة من الليل ، على أن " قليلا ms2892 " ظرف ؛ أو كانوا يهجعون هجوعا ~~قليلا ، على أنه صفة لمصدر ، و" ما " مزيدة في الوجهين ، ويجوز أن تكون ~~مصدرية مرتفعة ب " قليلا " على الفاعل ، أي : كانوا قليلا من الليل هجوعهم. ~~وقال النسفي : يرتفع هجوعهم على البدل من الواو في " كانوا " : لا بقليلا ؛ ~~لأنه صار موصوفا بقوله : {من الليل} فبعد من شبه الفعل وعمله ، ولا يجوز أن ~~تكون " ما " نافية على معنى : أنهم لا يهجعون من الليل قليلا ويحيونه كله. ~~ه. أو كانوا ناسا قليلا ما يهجعون من الله ؛ لأن " ما " النافية لا يعمل ما ~~بعدها فيما قبلها ، ولأن المحسنسن وهم السابقون كانوا كثيرا في الصدر الأول ~~، وموجودون في كل زمان ومكان ، فلا معنى لقلتهم ، خلافا لوقف الهبطي ، ~~وأيضا : فمدحهم بإيحاء الليل كله مخالف لحالته صلى الله عليه وسلم ، وما ~~كان يأمر به. # {وبالأسحار هم يستغفرون} وصفهم بأنهم يحيون جل الليل متهجدين ، فإذا ~~أسحروا أخذوا في الاستغفار من رؤية أعمالهم. والسحر : السدس الأخير من ~~الليل ، وفي بناء الفعل على الضمير إشعار بأنهم الأحقاء بأن يوصفوا ~~بالاستغفار ، كأنهم المختصون به ، لاستدامتهم له ، وإطنابهم فيه. PageV07P294 # {وفي أموالهم حق} أي : نصيب وافر ، يوجبونه على أنفسهم ، تقربا إلى الله ~~تعالى وإشفاقا على الناس ، {للسائل والمحروم} أي : لمن يصرح بالسؤال لحاجة ~~، وللمتعفف الذي يتعرض ولا يسأل حياء وتعففا ، يحسبه الناس غنيا فيحرم نفسه ~~من الصدقة. وقد تكلم في نوادر الأصول على من سأل بالله ، أي : قال : أعطني ~~لوجه الله ، هل يجب إعطاؤه أم لا ؟ وفي الحديث : " من سألكم بالله فأعطوه " ~~قال : وهو مقيد بما إذا سأل بحق : أي : لحاجة ، وأما إذا سأل بباطل - أي : ~~لغير حاجة - فإنما سأل بالشيطان ؛ لأن وجه الله حق. ثم ذكركلام علي شاهدا ، ~~ثم حديث معاذ : " من سألكم بألله فأعطوه ، فإن شئتم # 203 # فدعوه " ، قال معاذ : وذلك أن تعرف أنه غير مستحق ، وإذا عرفتم أنه مستحق ~~، وسأل فلم تعطوه فأنتم ظلمة. وألحق بغير المستحق من اشتبه حاله ؛ لتعليق ~~الظلم على معرفة الاستحقاق خاصة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 202 # وقال النووي في الأذكار ms2893 : يكره منع من سأل بالله ، وتشفع به ؛ لحديث : " ~~من سأل بالله فأعطوه " قال : ويكره أن يسأل بوجه الله عير الجنة. ه. وفي ~~حديث المنذري : " ملعون من سأل بوجه الله ، وملعون من سئل بوجه الله ، ثم ~~منع سائله ما لم يسأل هجرا " وقال في كتابه " الأخبار " على قوله عليه ~~الصلاة والسلام : " من سألكم بالله فأعطوه " إجلالا لله تعالى ، وتعظيما ، ~~وإيجابا لحقه. ثم قال : إذ ليس يجب إعطاء السائل إذا كان في معصية أو فضول ~~، فمن سأل بالله فيما ليس عليه ولا عليك فرضه ، فإعطاؤك إياه لإجلال حق ~~الله وتعظيمه ، وليس عليك بفرض ولا حتم. انظر تمامه في الحاشية الفاسية. PageV07P295 # الإشارة : إن المتقين ما سوى الله في جنات المعارف ، وعيون العلوم ~~والأسرار. قال القشيري : في عاجلهم في جنة الوصول ، وفي آجلهم في جنة الفضل ~~، فغدا نجاة ودرجات ، واليوم قربات ومناجاة. ه. {آخذين ما آتاهم ربهم} من ~~فنون المواهب والأسرار ، وغدا من فنون التقريب والإبرار ، راضين بالقسمة ، ~~قليلا أو كثيرة. إنهم كانوا قبل ذلك : قبل الإعطاء ، محسنين ، يعبدون الله ~~على الإخلاص ، يأخذون من الله ، ويدفعون به ، وله ، ولا يردون ما أعطاهم ، ~~ولو كان أمثال الجبال ، ولا يسألون ما لم يعطهم ، اكتفاء بعلم ربهم. # قال القشيري : كانوا قبل وجودهم محسنين ، وإحسانهم : كانوا يحبون الله ~~بالله ، يحبهم ويحبونه وهم في العدم ، ولما حصلوا في الوجود ، كانوا قليلا ~~من الليل ما يهجعون ، كأن نومهم عبادة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " نوم ~~العالم عبادة " فمن يكون في العبادة لا يكون نائما ، وهجوع القلب : غفلته ، ~~وقلوبهم في الحضرة ، ناموا أو استيقظوا ، فغفلتهم بالنسبة إلى حضورهم ~~قليلة. وقال سهل رضي الله عنه : أي : كانوا لا يغفلون عن الذكر في حال ، ~~يعني هجروا النوم ؛ لوجود الأنس في الذكر ، والمراد بالنوم : نوم القلب ~~بالغفلة. # {وبالأسحار هم يستغفرون} ، قال القشيري : أخبر عن تهجدهم ، وقلة دعاويهم ~~، وتنزلهم بالأسحار ، منزلة العاصين ، تصغيرا لقدرهم ، واحتقارا لفعلهم. ثم ~~قال : والسهر # 204 # لهم في لياليهم دائم ، إما لفرط لهف ، أو شدة أسف ، وإما لاشتياق ، أو ~~للفراق ، كما قالوا ms2894 : # كم ليلة فيك لا صباح لها # أفنيتها قابضا على كبدي # قد غصت العين بالدموع وقد # وضعت خدي على بنان يدي # جزء : 7 رقم الصفحة : 202 # وإما لكمال أنس ، وطيب روح ، كما قالوا : # سقى الله عيشا قصيرا مضى # زمان الهوى في الصبا والمجون # لياليه تحكي انسداد لحاظ # لعيني عند ارتداد الجفون # ه. PageV07P296 # {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} أي : هم يواسون من قصدهم بالحس والمعنى ، ~~فيبذلون ما خولهم الله من الأموال ، للسائل والمتعفف ، وما خولهم الله من ~~العلوم ، للطالب والمعرض ، وهو المحروم ، فيقصدونه بالدواء بما أمكن ؛ ~~فإنهم أطباء ، والطبيب يقصد المريض أينما وجده ، شفقة ورحمة ، ونصحا ~~للعباد. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 202 # يقول الحق جل جلاله : {وفي الأرض آيات} دالة على كامل قدرته على البعث ~~وغيره ، من حيث أنها مدحوة كالبساط الممهد ، وفيها مسالك وفجاج للمتقلبين ~~في أقطارها ، والسالكين في مناكبها ، وفيها سهل وجبل ، وبحر وبر ، وقطع ~~متجاورات ، وعيون متفجرات ، ومعادن مقنية ، ودواب منبثة ، مختلفة الصور ~~والأشكال ، متباينة الهيئات والأفعال ، وهي مع كبر شكلها مبسوطة على الماء ~~، المرفوع فوق الهواء ، فالقدرة فيها ظاهرة ، والحكمة فيها باهرة ، ففي ذلك ~~عبرة {للموقنين} الموحدين ، الذين ينظرون بعين الأعتبار ، ويشاهدون صانعها ~~ببصير الاستبصار. # {وفي أنفسكم} آيات وعجائب القدرة ؛ إذ ليس شيء في العالم إلا وفي الأنفس ~~له نظير ، مع ما فيه من الهيئات النابعة والمصادر البهية ، والترتيبات ~~العجيبة ، خلقه نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم فصلها إلى العظم والعصب ~~والعروق ، فالعظام عمود الجسد ، ضم بعضها إلى بعض بمفاصل وأقفال ربطت بها ، ~~ولم تكن عظما واحدا ؛ لأنه إذا ذاك يكون كالخشبة ، ولا يقوم ولا يجلس ، ولا ~~يركع ولا يسجد لخالقه ، ثم خلق تعالى المخ في # 205 PageV07P297 ~~العظام في غاية الرطوبة ليرطب يبس العظام ، ويتقوى به ، ثم خلق سبحانه ~~اللحم وعباه على العظام ، وسد به خلل الجسد ، واعتدلت هيئته ، ثم خلق ~~سبحانه العروق في جميع الجسد جداول ، يجري الغذاء منها إلى أركان الجسد ، ~~لكل موضع من الجسد عدد معلوم ، ثم أجرى الدم في العروق سيالا خاثرا ms2895 ، ولو ~~كان يابسا ، أو اكتفى مما هو فيه ، لم يجر في العروق ، ثم كسى سبحانه اللحم ~~بالجلد كالوعاء له ، ولولا ذلك لكان قشرا أحمر ، وفي ذلك هلاكه ، ثم كساه ~~الشعر ؛ وقاية وزينة ، ولين أصوله ، ولم تكن يابسة مثل رؤوس الإبر ، وإلا ~~لم يهنه عيش ، وجعل الحواجب والأشفار وقاية للعين ولولا ذلك لأهلكهما ~~الغبار والسقط ، وجعلها سبحانه طوع يده ، يتمكن من رفعها عند قصد النظر ، ~~ومن إرخائها على جميع العين عند إرادة إمساك النظر عما يضر دينا ودنيا ، ~~وجعل شعرها صفا واحد لينظر من خللها ، ثم خلق سبحانه سفتين ينطبقان على ~~الفم ؛ يصونان الحلق والفم من الرياح والغبار ، ولما فيهما من كمال الزينة ~~، ثم خلق الله سبحانه الأسنان ؛ ليتمكن من اقطع مأكوله وطحنه ، ولم تكن له ~~في أول خلقته لئلا يذي أمه ، وجعلها ثلاثة أصناف : قسم يصلح للكسر ، ~~كالأنياب ، وقسم يصلح للقطع ، كالرباعية ، وقسم يصلح للطحن ، كالأضراس... ~~إلى غير ذلك مما في الإنسان من عجائب الصنع وبدائع التركيب. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 205 # أفلا تبصرون} أي : تنظرون نظر من يعتبر ، وما قيل : إن التقدير : أفلا ~~تبصرون في أنفسكم ، فضعيف ؛ لأنه يفضي إلى تقديم ما في حيز الاستفهام عليه. PageV07P298 # {وفي السماء رزقكم} وهو المطر. وعن الحسن ؛ أنه كان إذا رأى السحاب قال ~~لأصحابه : فيه رزقكم إلا أنكم تحرمونه بخطاياكم ، أو : في سماء الغيب تقدير ~~رزقكم. فهو مضمون عند الله في سماء غيبه ، ستر ذلك بسر الحكمة ، وهو ~~الأسباب ، {وما توعدون} أي : وفي السماء ما توعدون من الثواب ؛ لأن الجنة ~~في السماء السابعة ، سقفها العرش ، أو : أراد : إنما توعدونه من الرزق في ~~الدنيا وما توعدونه في العقبى كله مقدر ومكتوب في السماء ، وقيل : إنه ~~مبتدأ وخبره : {فورب السماء والأرض إنه لحق} أي : ما توعدون من البعث وما ~~بعده ، أو : ما توعدونه من الرزق المقسوم ، فورب العالم العلوي والسفلي ~~{إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} أي : مثل نطقكم ، شبه ما وعد به من الرزق ~~وغيره بتحقق نطق الآدمي ؛ لأنه ضروري ، يعرفه من نفسه كل ms2896 أحد. # قال الطيبي : وإنما خص النطق دون سائر الأعمال الضرورية ، لكونه أبقى ~~وأظهر ، ومن الاحتمال أبعد ، فإن النطق يفصح عن كل شيء ، ويجلي كل شبهة. ه. ~~فضمان الرزق وإنجاز وعده ضروري ، كنطق الناطق. روي عن الأصمعي أنه قال : ~~أقبلت من جامع البصرة ، فطلع أعرابي على قعود ، فقال : من الرجل ؟ فقلت : ~~من بني أصمع ، فقال : من أين أقبلت ؟ فقلت : من موضع يتلى فيه كلام الله ، ~~قال : اتل علي ، فتلوت : {والذاريات...} فلما بلغت قوله : {وفي السماء ~~رزقكم} قال : حسبك ، فقام إلى ناقته # 206 # فنحرها ، ووزعها على من أقبل وأدبر ، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ، وولى ~~، فلما حججت مع الرشيد ، وطفت ، فإذا أنا بصوت رقيق يهتف بي ، فالتفت ، ~~فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر ، فسلم علي ، واستقرأ السورة ، فلما بلغت ~~الآية ، صاح ، وقال : قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، ثم قال : وهل غير هذا ؟ ~~فقرأت : {فورب السماء والأرض إنه لحق} فقال : سبحان الله! من الذي أغضب ~~الجليل حتى حلف ؟ لم يصدقوه بقوله حتى حلف ، قالها ثلاثا ، وخرجت معها ~~نفسه. ه. من النسفي. PageV07P299 # جزء : 7 رقم الصفحة : 205 # قلت : وقد سمعت حكاية أخرى ، فيها عبرة ، وذلك أن رجلا سمع قارئا يقرأ ~~هذه الآية ، فدخل بيته ، ولزم زاوية منه يذكر فيها ، ويتبتل ، فجاءت امرأته ~~تنقم عليه ، وتأمره بالخدمة ، فقال لها : قال تعالى : {وفي السماء رزقكم} ، ~~فلما أيست منه ذهبت تحفر شيئا ، فوجدت آنية مملوءة دنانير ، فجاءت إليه ، ~~وقالت : قد أتانا رزقنا ، قم تحرفه معي ، هو في موضع كذا ، فقال : إنما قال ~~تعالى : {في السماء} ولم يقل في الأرض ، فامتنع فذهبت إلى أخ لها تستعين به ~~، فلما فتحتها وجدتها مملوءة عقارب ، فقالت : والله لأطرحنها عليه لنستريح ~~منه ، ففتحت كوة من السقف ، وطرحتها عليه ، فسقطت دنانير ، فقال : الآن نعم ~~، قد آتاني من حيث قال ربي : {وفي السماء رزقكم}. ه. وذكر في التنوير : أن ~~الملائكة لما نزلت هذه الآية ضجت في السماء ، وقالت : ما أضعف بني آدم حتى ~~أحوجوا ربهم إلى الحلف. الإشارة : وفي أرض نفوس العارفين آيات ms2897 ، منها : أن ~~الأرض تحمل كل شيء ، ولا تستثقل شيئا ، فكذلك نفس العارف ، تحمل كل كل ~~وثقيل ، ومن استثقل حملا ، أو تبرم من أحد ، أو من شيء ، ساقته القدرة إليه ~~، فلغيبته عن الحق ، ومطالعته الخلق بعين التفرقة ، وأهل الحقائق لا يتصفون ~~بهذه الصفة. ومنها : أنها يلقى عليها كل قذارة وقمامة فتنبت كل زهر ونور ~~وورد ، فكذلك العارف يلقى عليه كل جفاء ، ولا يظهر منه إلا الصفاء. ومنها ~~أن الأرض الطيبة تنبت الطيب ، وينصع نباتها ، والأرض السبخة لا تنبت شيئا ، ~~كذلك القلوب الطيبة تنبت كل ما يلقى فيها من الخير ، والقلوب الخبيثة لا ~~تعي شيئا ، ولا ينبت فيها إلا الخبيث. PageV07P300 # وقوله تعالى : {وفي أنفسكم..} قال القشيري : يشير إلى أن النفس مرآة جميع ~~صفات الحق ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ~~فلا يعرف أحد نفسه إلا بعد كمالها ، وكمالها : أن تصير مرآة كاملة تامة ~~مصقولة ، قابلة لتجلي صفات الحق لها ، فيعرف نسفه بالمرآتية ، ويعرف ربه ~~بالتجلي فيها ، كما قال تعالى : # 207 # {سنريهم ءاياتنا فى الأفاق وفى أنفسهم...} [فصلت : 53] الآية. ه. # قلت : حديث : " من عرف نفسه " أنكره النووي ، وقال إنه من كلام يحيى بن ~~معاذ وقد اشتهر عند الصوفية حديثا ، ومعناه حق ؛ فإن من عرف حقيقة نفسه ، ~~وأنها مظهر من مظاهر الحق ، وغاب عن حس وجوده الوهم ، فقد عرف ربه وشهده ، ~~فاطلب المعرفة في نفسك ، ولا تطلبها في غيرك ، فليس الأمر عنك خارجا ، ولله ~~در الششتري في بعض أزجاله ، حيث قال : # جزء : 7 رقم الصفحة : 205 # وإليك هو السير * وأنت معنى الخير * وما دونك غير # وقال أيضا : # يا قاصدا عين الخبر # غطاه أينك # ارجع لذاتك واعتبر # ما ثم غيرك # الخير منك والخبر # والسر عندك # وقوله تعالى : {وفي السماء رزقكم} قال الورتجبي : وفي سماء صفاتي رزق ~~أرواحكم ، من مشاهدة النور ، وغذاء العلم الرباني ، وما توعدون من مشاهدة ~~الذات وكشف عيانه. ه. PageV07P301 # قلت : هذا قوت الأرواح ، أما قوت الأشباح فتجب الغيبة عنه ، ثقة بالله ، ~~وتوكلا عليه. قال في قطب العارفين : اعلم ms2898 أنه عز وجل قسم الأرزاق في الأزل ~~، وجزأه على عمر العبد ، ووقت أوقاته ، وحد للعبد ما يأتيه منه في السنة ، ~~والشهر ، واليوم ، والساعة ، فكل ما حد لك أن تناله من رزقك عند صلاة العصر ~~، مثلا ، لا تناله عند صلاة الصبح ، ولو طلبته بكل حيلة في السموات والأرض ~~، فإن الطلب لا يجمع ، والتوكل لا يمنع. ه. وقال فيه أيضا : العارف يجد في ~~نفسه الاعتماد على الله ، وإن كانت السماء لا تمطر ، والأرض لا تنبت...الخ ~~كلامه ، ومثله قول ذي النون : لو كانت السماء من زجاج ، والأرض من نحاس لا ~~تنبت شيئا ، ومصر كلها عيالي ، ما اهتممت لهم برزق ؛ لأن من خلقهم هو الذي ~~تكفل برزقهم. ه. وقال في القطب أيضا : ومن علامة جهل قلب العالم : خوف ~~شدائد السنيين الآتيات ، والاستعداد لها قبل مجيئها ، بمصاحبة الاضطراب ، ~~وفقد الطمأنينة القسمة السابقة ، فمن اتصف بهذه الصفة فقد نازع الربوبية ، ~~وانسلخ من العبودية. ه. # 208 # جزء : 7 رقم الصفحة : 205 # يقول الحق جل جلاله : {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم} استفتح بالاستفهام ~~التشويقي ، تفخيما لشأن الحديث ، وتنبيها على أنه ليس مما علمه رسول الله ~~صلى الله علي وسلم بغير طريق الوحي. والضيف في الأصل : مصدر : كالزور ، ~~والصوع ، يصدق الواحد والجماعة ، قيل : كانوا اثني عشر ملكا ، وقيل : تسعة ~~عاشرهم جبريل. وجعلهم ضيفا لأنهم في صورة الضيف ، حيث أضافهم إبراهيم ، أو ~~لأنهم كانوا في حسبانه كذلك. قوله {المكرمين} أي : عند الله ، لأنهم عباد ~~مكرمون ، أو عند إبراهيم ، حيث خدمهم بنفسه ، وأخدمهم امرأته ، لهم القرى. PageV07P302 # {إذا دخلوا عليه} ظرف للحديث ، أو لما في الضيف من معنى الفعل ، أو ~~بالمكرمين ، إن فسر بإكرام إبراهيم لهم ، {فقالوا سلاما} أي : نسلم عليك ~~سلاما ، {قال} إبراهيم : {سلام} أي : عليكم سلام. عدل به إلى الرفع ~~بالابتداء للقصد إلى الثبوت والدوام حتى تكون تحيته عليه السلام أحسن من ~~تحيتهم ، وهذا أيضا من إكرامه ، {قوم منكرون} أي : أنتم قوم منكرون ، لا ~~نعرفكم ، فعرفوني من أنتم. قيل : إنما أنكرهم لأنهم ليسوا ممن عهدهم من ~~الناس ، أو : لأن أوضاعهم ms2899 وأشكالهم خلاف ما عليه الناس ، وقيل : إنما قال ~~ذلك سرا ولم يخاطبهم به ، وإلا لعرفوه بأنفسهم. # {فراغ إلى أهله} أي : ذهب إليهم في خفية من ضيوفه ، فالروغان : الذهاب ~~بسرعة ، وقيل : في خفية. ومن آداب المضيف أن يبادر الضيف : بالقرى ، وأن ~~يخفى أمره من غير أن يشعر به الضيف ، حذرا من أن يكفه ، وكان عامة مال ~~إبراهيم البقر. {فجاء بعجل سمين} الفاء فصيحة تفصح عن جمل حذفت لدلالة ~~الحال عليها ، وإيذانا بكمال سرعة المجيء ، أي : فذبح عجلا فحنذه ، فجاء به ~~، {فقربه إليهم} بأن وضعه بين أيديهم حسبما هو المعتاد ، فلم يأكلوا ، ف ~~{قال ألا تأكلون} أنكر عليهم ترك الأكل ، أو : حثهم عليه ، {فأوجس} أضمر ~~{منهم خيفة} خوفا ، لتوهم أنها جاؤوا للشر ؛ لأن من لم يأكل طعامك لم يحفظ ~~ذمامك. عن ابن عباس رضي الله عنه : وقع في نفسه أنهم ملائكة # 209 # أرسلوا للعذاب. {قالوا لا تخف} إنا رسل الله. قيل : مسح جبريل العجل ~~بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه ، فعرفهم وأمن منهم ، {وبشروه بغلام عليم} ~~أي : يبلغ ويكون علما ، وهو إسحاق عليه السلام. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 209 PageV07P303 ~~فأقبلت امرأته} سارة لما سمعت بشارتهم إلى بيتها ، وكانت في زاوية منه تنظر ~~إليهم ، {في صرة} صيحة ، من الصرير ، وهو الصوت ، ومنه : صرير الباب وصرير ~~الأقلام. قال الزجاج : الصرة : شدة الصياح. وفي القاموس الصرة : - بالكسر : ~~أشد الصياح ، وبالفتح : الشدة من الكرب والحرن والحر والعطفة والجماعة ~~وتغضيب الوجه. ه. ومحله النصب على الحال ، أي فجاءت صارة ، وقيل : صرتها : ~~قولها : {يا ويلتى ءألد وأنا عجوز...} [هود : 72] أو : فجاءت مغضبة الوجه ، ~~كما هو شأن من يخبر بشيء غريب ، استبعادا له ، {فصكت وجهها} لطمته ببسط ~~يدها ، وقيل : ضربت بأطراف أصابعها جبهتها ، فعل المتعجب ، {وقالت عجوز ~~عقيم} أي : إنها عجوز عاقر ، فكيف ألد ؟ !. # {قالوا كذلك} أي : مثل ما قلنا وأخبرناك به {قال ربك} أي : إنما نخبرك ~~الله تعالى ، والله قادر على ما يستعبد ، {إنه هو الحكيم} في فعله ، ~~{العليم} فلا يخفى عليه شيء ، فيكون قوله حقا ، وفعله متقنا ms2900 لا محالة. روي ~~أن جبريل عليه السلام قال لها حين استبعدت : انظري إلى بيتك ، فنظرت ، فإذا ~~جذوعه مورقة مثمرة ، ولم تكن هذه المفاوضة مع سارة فقط ، بل هي وإبراهيم ~~عليه السلام حاضر ، حسبنا شرح في سورة الحجر ، وإنما لم يذكرها اكتفاء بما ~~ذكر هناك ، كما أنه لم يذكر هناك سارة ، اكتفاء بما ذكر هنا وفي سورة هود. PageV07P304 # ولما تحقق أنهم ملائكة ، ولم ينزلوا إلا لأمر ، {قال فما خطبكم} أي : فما ~~شأنكم وما طلبتكم وفيم أرسلتم ؟ {أيها المرسلون} هل أرسلتم بالبشارة خاصة ، ~~أو لأمر آخر ، أو لهما ؟ {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} أي : قوم لوط ، ~~{لنرسل عليهم حجارة من طين} أي : طين متحجر ، هو السجيل ، وهو طين طبخ ، ~~كما يطبخ الآجر ، حتى صار في صلابة الحجارة ، {مسومة} معلمة ، على كل واحد ~~اسم من يهلك بها ، من السومة وهي العلامة ، أو : مرسلة ، من أسمت الماشية : ~~أرسلتها ، ومر تفصيله في هود {عند ربك} أي : في ملكه وسلطانه {للمسرفين} ~~المجاوزين الحد في الفجور. # {فأخرجنا من كان فيها} الفاء فصيحة ، مفصحة ، عن جمل قد حذفت ، ثقة بذكرها # 210 # في مواضع أخر ، كأنه قيل : فباشروا ما أمروا به ، فذهبوا إلى لوط ، وكان ~~من قصتهم ما ذكر في موضع آخر ، {فأخرجنا من كان فيها} أي : من قرى قوم لوط ~~{من المؤمنين} يعني لوطا ومن آمن معه. قيل : كان لوط وأهل بيته الذين نجو ~~ثلاثة عشر. {فما وجدنا فيها غير بيت} أي : غير أهل بيت {من المسلمين} وفيه ~~دليل على أن الإسلام والإيمان واحد ، أي : باعتبار الشرع ، وأما في اللغة ~~فمختلف ، والإسلام محله الظاهر ، والإيمان محله الباطن. {وتركنا فيها} أي : ~~في قراهم {آية للذين يخافون العذاب الأليم} أي : من شأنهم أن يخافوا ؛ ~~لسلامة فطرتهم ، ورقة قلوبهم ، وأما من عداهم من ذوي القلوب القاسية ، ~~فإنهم لا يعتبرون بها ، ولا يعدونها آية. # جزء : 7 رقم الصفحة : 209 PageV07P305 ~~الإشارة : الإشارة بإبراهيم إلى القلب ، وأضيافه : تجليات الحق ، فنقول ~~حينئذ : هل بلغك حديث إبراهيم القلب ، حين يدخل عليه أنوار التجليات ، ~~مسلمة عليه ms2901 ، فينكرها أول مرة ، حيث لم يألف إلا رؤية حس الكائنات ، فرغ ~~إلى أهله : عوالمه ، فجاء بعجل سمين : النفس أو السوى ، فقربه إليهم ، بذلا ~~لها في مرضاة الله ، فقال : ألا تأكلون منها ، لتذهب عني شوكتها ؛ إذ لا ~~تثبت أنوار الشهود إلا بعد محق النفس وموتها ، فأوجس منهم خيفة ؛ لان صدمات ~~التجلي تدهش الألباب ، إلا من ثبته الله ، قالوا : لا تخف ، أي : لا تكن ~~خوافا ، إذ لا ينال هذا السر إلا الشجعان ، كما قال الجيلاني : # وإياك حزما لا يهولك أمرها # فما نالها إلا الشجاع المقارع PageV07P306 ~~{وبشروه بغلام عليم} وهو نتيجة المعرفة ، من اليقين الكبير ، والطمأنينة ~~العظمى ، فأقبلت النفس تصيح ، وتقول : أألد هذا الغلام ، من هذا القلب ، ~~وقد كبر على ضعف اليقين ، وأنا عجوز ، شخت في العوائد ، عقيم من علوم ~~الأسرار ؟ ! فتقول القدرة : {كذلك قال ربك} هو علي هين ، أتعجيبن من قدرة ~~الله ، " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته ، ~~فقد استعجز القدرة الإلهية ، وكان الله على كل شيء مقتدرا " إنه هو الحكيم ~~في ترتيب الفتح على كسب المجاهدة ، العليم بوقت الفتح ، وبمن يستحقه. قال ~~إبراهيم القلب أو الروح : فما خطبكم أيها الجليات ، أو الواردات الإلهية ، ~~{قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} وهم جند النفس ، {لنرسل عليهم حجارة من ~~طين} مسومة عند ربك للمسرفين ، وهم الأذكار والأوراد والمجاهدات والرياضات ~~والمعاملات المهلكة للنفس وأوصافها ، {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} ، ~~سالمين من الهلاك ، وهو ما كان لها من الأوصاف الحميدة ، والعلوم الرسمية ، ~~إذا لا تخرج المجاهدة إلا من كان مذموما ، فما وجدنا فيها من ذلك إلا النذر ~~القليل ؛ إذ معاملة النفس جلها مدخولة ، وتركنا فيها آية من تزكية النفس ، ~~وتهذيب أخلاقها ، {للذين يخافون العذاب الأليم} ، فيشتغلون بتزكيتها ؛ لئلا ~~يلحقهم ذلك العذاب. # 211 # جزء : 7 رقم الصفحة : 209 # قلت : {وفي موسى} : عطف على {وفي الأرض} ، أو على قوله : {وتركنا فيها ~~آية} على معنى : وجعلنا في موسى آية ، كقوله : # علفتها تبنا وماء باردا # و{إذ أرسلناه} : منصوب بآيات ، أو : بمحذوف ، أي : كائنة ms2902 وقت إرسالنا ، ~~أو بتركنا. PageV07P307 # يقول الحق جل جلاله : {وفي موسى} آية ظاهرة حاصلة {إذ أرسلناه إلى فرعون ~~بسلطان مبين} بحجة واضحة ، وهي ما ظهر على يديه من المعجزات الباهرة ، ~~{فتولى بركنه} فأعرض عن الإيمان وازور عنه {بركنه} بما يتقوى به من جنوده ~~وملكه ، والركن : ما يركن إليه الإنسان من عز وجند ، {وقال} في موسى : هو ~~{ساحر أو مجنون} كأنه نسب ما ظهر على يديه عليه السلام من الخوارق العجيبة ~~إلى الجن وتردد هل ذلك باختياره وسعيه ، أو بغيرهما. {فأخذناه وجنوده ~~فنبذناهم في اليم} وفيه من الدلالة على عظم شأن القدرة الربانية ، ونهاية ~~حماقة فرعون ما لا يخفى ، {وهو مليم} آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان. # {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} وصفت بالعقيم لأنها أهلكتهم ، ~~وقطعت دابرهم ، أو : لأنها لم تتضمن خيرا ما ، من إنشاء مطر ، أو إلقاح شجر ~~، وهي الدبور ، على المشهور ، لقوله عليه السلام : " نصرت بالصبا ، وأهلكت ~~عاد بالدبور " ، {وما تذر # 212 # من شيء أتت عليه} أي : مرت عليه {إلا جعلته كالرميم} وهو كل ما رم ، أي : ~~بلي وتفتت ، من عظم ، أو نبات ، أو غير ، والمعنى : ما تركت شيئا هبت عليه ~~من أنفسهم وأموالهم إلا أهلكته. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 212 PageV07P308 ~~وفي ثمود} آية أيضا {إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين} تفسيره قوله تعالى : ~~{تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام} [هود : 65] روي أن صالحا قال لهم : تصبح ~~وجوهكم غدا مصفرة ، وبعد غد محمرة ، وفي الثالث مسودة ، ثم يصحبكم العذاب ، ~~{فعتوا عن أمر ربهم} استكبروا عن الامتثال ، {فأخذتهم الصاعقة} العذاب ، ~~وكل عذاب مهلك صاعقة. قيل : لما رأوا العلامات من اصفرار الوجوه ، ~~واحمرارها ، واسودادها ، التي بنيت لهم ، عمدوا إلى قتله عليه السلام فنجاه ~~الله تعالى إلى أرض فلسطين ، وتقدم في النمل ، ولما كان ضحوة اليوم الرابع ~~تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع ، فأتتهم الصيحة ، فهلكوا ، كبيرهم وصغيرهم وهم ~~ينظرون إليها ويعاينونها جهرا ، {فما استطاعوا من قيام} من هرب ، أو هو من ~~قولهم : ما يقوم بهذا الأمر : إذا عجز عن دفعه. {وما كانوا ms2903 منتصرين} ~~ممتنعين من العذاب بغيرهم ، كما لم يمتنعوا بأنفهسم. # {وقوم نوح} أي : وأهلكنا قوم نوح ؛ لأن ما قبله يدل عليه ، أو : واذكر ~~قوم نوح ، ومن قرأ بالجر فعطف على ثمود ، أي : وفي قوم نوح آية ، ويؤديه ~~قراءة عبد الله " وفي قوم نوح " {من قبل} أي : قبل هؤلاء المذكورين ، {إنهم ~~كانوا قوما فاسقين} خارجين عن الحدود بما كانوا فيه من الكفر والمعاصي ~~وإذاية نوح عليه السلام. {والسماء بنيناها} من باب الاشتغال ، أي : بنينا ~~السماء ، بنيناها {بأيد} بقوة ، والأيد : القوة ، {وإنا لموسعون} لقادرين ، ~~من الوسع ، وهو الطاقة ، والموسع : القوي على الإنفاق ، أو : لموسعون بين ~~السماء والأرض ، أو : لموسعون الأرزاق على من نشاء ، وهو تتميم كما تمم ما ~~بعده بقوله : {فنعم الماهدون} لزيادة الامتنان. PageV07P309 # {والأرض فرشناها} بسطناها ومهدناها ؛ لتستقروا عليها ، {فنعم الماهدون} ~~نحن. {ومن كل شيء خلقنا زوجين} نوعين ؛ ذكر وأنثى ، وقيل : متقابلين ، ~~السماء والأرض والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والبر والبحر ، الموت ~~والحياة. قال الحسن : كل شيء زوج ، والله فرد لا مثل له. {لعلكم تذكرون} أي ~~: جعلنا ذلك كله ، من بناء السماء ، وفرش الأرض ، وخلق الأزواج ، لتذكروا ، ~~وتعرفوا أنه خالق الكل ورازقهم ، وأنه المستحق للعبادة ، وأنه قادر على ~~إعادة الجميع ، وتعملوا بمقتضاه. وبالله التوفيق. # الإشارة : وفي موسى القلب إذ أرسلناه إلى فرعون النفس ، بسلطان ، أي : ~~بتسلط وحجة ظاهرة ، لتتأدب وتتهذب ، فتولى فرعون النفس بركنه ، وقوة هواه ، ~~وقال لموسى # 213 # القلب : ساحر أو مجنون ، حيث يأمرني بالخضوع والذل ، الذي يفر منه كل ~~عاقل ، طبعا ، فأخذناه وجنوده من الهوى والجهل والغفلة ، فنبذناهم في اليم ~~في بحر الوحدة ، فلما غرقت في بحر العظمة ، ذابت وتلاشت ، ولم يبق لها ولا ~~لجنودها أثر ، وهو - أي : فرعون النفس - مليم : فعل ما يلام عليه من الميل ~~إلى ما سوى الله قبل إلقائه في اليم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 212 PageV07P310 ~~وفي عاد ، وهي جند النفس وأوصاف البشرية ، من التكبر ، والحسد ، والحرص ، ~~وغير ذلك ، إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ؛ ريح المجاهدة والمكابدة. أو : ~~ريح الواردات القهرية ، ما تذر من شيء من الأوصاف ms2904 المذمومة إلا أهلكته ، ~~وجعلته كالرميم. وفي ثمود ، وهم أهل الغفلة ، إذ قيل لهم : تمتعوا بدنياكم ~~إلى حين زمان قليل ؛ مدة عمركم القصير ، فعتوا : تكبروا عن أمر ربهم ، وهو ~~الزهد في الدنيا ، والخضوع لمن يدعوهم إلى الله ، فأحذتهم صاعقة الموت على ~~الغفلة والبطالة ، وهم لا ينظرون إلى ارتحالهم عما جمعوا ، فما استطاعوا من ~~قيام ، حتى يدفعوا ما نزل بهم ، ولو افتدوا بالدنيا وما فيها ، وما كانوا ~~ممتنعين من قهرية الموت ، فرحلوا بغير زاد ولا استعداد. وقوم نوح من قبل ، ~~وهو من سلف من الأمم الغافلة ، إنهم كانوا قوما فاسقين خارجين عن حضرتنا. # والسماء ، أي : سماء الأرواح ، بنيناها ورفعناها بأيد ، ورفعنا إليها من ~~أحببنا من عبادنا ، وإنا لموسعون على المتوجهين إلينا في المعارف والأنوار ~~، والعلوم والأسرار ، والأرض ؛ وأرض النفوس ، فرشناها للعبودية ، والقيام ~~بآداب الربوبية ، فنعم الماهدون ، مهدنا الطريق لذوي التحقيق ، ومن كل شيء ~~من تجليات الحق ، خلقنا ، أي : أظهرنا زوجين ، الحسن والمعنى ، الحكمة ~~والقدرة ، الشريعة والحقيقة ، الفرق والجمع ، الملك والملكوت ، الأشباح ~~والأرواح ، الذات والصفات ، فتجلى الحق جل جلاله بين هذين الضدين ؛ ليبقى ~~الكنز مدفونا ، والسر مصونا ، ولو تجلى بضد واحد لبطلت الحكمة وتعطلت أسرار ~~الربوبية ، فمن لم يعرف الله تعالى في هذين الضدين ، لم يعرفه أبدا ، ومن ~~لم يفرق بين هذين الضدين ، في هذه الأشياء المذكورة ، لم تنسج فكرته ، ~~فصفاء الغزول هو التمييز بين هذين الضدين ، ذوقا ، وبينهما تنسج الفكرة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 212 PageV07P311 ~~يقول الحق جل جلاله : {ففروا إلى الله} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ~~، أي : إذا كان الأمر كما ذكر من شؤونه تعالى في إهلاك من تعدى الحدود ، ~~ففروا إلى الله # 214 # بالإيمان والطاعة ، كي تنجوا من غضبه ، وتفوزوا بثواب ، أو : ففروا من ~~الكفر إلى الإيمان ، ومن المعصية إلى الطاعة ، أو : من طاعة الشيطان إلى ~~طاعة الرحمن ، {إني لكم منه نذير مبين} تعليل للأمر بالفرار إلأيه تعالى ، ~~فإن كونه صلى الله عليه وسلم منذرا منه تعالى ، لا من تلقاء نفسه ، موجب ~~للفرار ، وفيه وعد كرمي بنجاتهم من ms2905 الهروب ، وفوزهم بالمطلوب ، {ولا تجعلوا ~~مع الله إلها آخر} هو نهي موجب للفرار من سبب العقاب ، بعد الأمر بالفرار ~~من نفس العقاب ، كما يشعر به قوله تعالى : {إني لكم منه} أي : من الجعل ~~المنهي عنه {نذير مبين} كأنه قيل : ففروا إلى الله من عقابه ، ومن سببه ، ~~وهو جعلكم مع الله إلها آخر. # {كذلك} أي : الأمر ما ذكر من تكذيبهم الرسول ، وتسميتهم له ساحرا أو ~~مجنونا ، ثم فسر ما أجمل بقوله : {ما أتي الذين من قبلهم} من قبل قومك {من ~~رسول} من رسل الله {إلا قالوا} في حقه : هو {ساحر أو مجنون} فرموهم بالسحر ~~والجنون ؛ لجهلهم ، {أتواصوا به} الضمير للقول ، أي : أتواصى الأولون ~~والآخرون بهذا القول ، حتى قالوه جميعا متفقين عليه ، {بل هم قوم طاغون} أي ~~: لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد ، بل جمعتهم العلة الواحدة ~~، وهي الطغيان ، {فتول عنهم} أي : أعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة ، فلم ~~يجيبوا عنادا ، {فما أنت بملوم} فلا لوم عليك في إعراضك بعدما بلغت الرسالة ~~، وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة. {وذكر} وعظ بالقرآن {فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين} الذي قدر الله سبحانه وتعالى إيمانهم ، أو آمنوا بالفعل ، فإنها ~~تزيدهم بصيرة وقوة في اليقين والعلم. وبالله التوفيق. PageV07P312 # الإشارة : الفرار إلى الله يكون من خمسة أشياء : من الكفر إلى الإيمان ، ~~ومن المعصية إلى الطاعة بالتوبة ، ومن الغفلة إلى اليقظة بدوام الذكر ، ومن ~~المقام مع العوائد والحظوظ إلى الزهد بالمجاهدة وخرق العوائد ، ومن شهود ~~الحس إلى شهود المعنى ، وهو مقام الشهود. وفي القوت : {ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين لعلكم تذكرون} الفرد ، {ففروا إلى الله} أي : من الأشكال والأضداد ~~إلى الواحد الفرد. وفي البخاري : " معناه : من الله إليه ". # جزء : 7 رقم الصفحة : 214 # قال القشيري : ارجعوا إلى الله ، والإشارة إلى حالتين ، إما رغبة في شيء ~~، أو رهبة من شيء ، أو حالي خوف ورجاء ، أو طلب نفع أو دفع ضر ، وينبغي أن ~~يفر من الجهل إلى العلم ، ومن الهوى إلى التقوى ، ومن الشك إلى اليقين ، ~~ومن الشيطان إلى ms2906 الله ، ومن فعله الذي هو بلاؤه إلى فعله الذي هو كفايته ، ~~ومن وصفه الذي هو سخطه ، إلى وصفه الذي هو رحمته ، ومن نفسه ، حيث قال : ~~{ويحذركم الله نفسه} [آل عمران : 28] إلى نفسه ، حيث قال : {ففروا إلى ~~الله}. ه. # 215 # ونقل الورتجبي عن الخراز ، فقال : أظهر معنى الربوبية والوحدانية ، بأن ~~خلق الأزواج فتخلص له الفردانية ، فلما تبين أن أشكال الأشياء تواقع علة ~~الفناء ؛ دعا العباد إلى نفسه ؛ لأنه الباقي ، وغيره فان ، بقوله : {ففروا ~~إلى الله} أي : ففروا من وجودكم ، ومن الأشياء كلها ، إلى الله بنعت الشوق ~~والمحبة والتجريد عما سواه. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 214 PageV07P313 ~~يقول الحق جل جلاله : {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي : إلا لنأمرهم ~~بالعبادة والخضوع لربوبيتي ، لا لنستعين بهم على شأن من شؤوني ، كما هي ~~عادة السادات في كسب العبيد ، ليستعينوا بهم على أمر الرزق والمعاش ، ويدل ~~على هذا التأويل : قوله تعالى {وما أريد منهم من رزق...} الخ ، قال ابن ~~المنير ، إلا لأمرهم بعبادته ، لا لطلب رزق لأنفسهم ، ولا إطعام لي ، كما ~~هو حال السادات من الخلق مع عبيدهم ، بل الله هو الذي يرزق ، وإنما على ~~عباده العبادة له ؛ لأنهم مكلفون ، ابتلاء وامتحانا ، أما الإرادة فكما ~~تعلقت بالعبادة تعلقت بما يخالفها ، لقوله : {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس} [الأعراف : 179]. ه. وقيل المعنى : ما خلقهم إلا مستعدين ~~للعبادة ، متمكنين منها أتم استعداد ، وأكمل تمكن ، فمنهم من أطاع ، ومنهم ~~من كفر ، وهو كقولهم : البقرة مخلوقة للحرث ، أي : قابلة لذلك ، وقد يكون ~~فيها من لا يحرث. والحاصل : أنه لا يلزم من كون الشيء معدا لشيء أن يقع منه ~~جميع ذلك. # أو : ما خلقتهم إلا ليتذللوا لي ، ولقدرتي ، وإن لم يكن ذلك على قواعد ~~شرع ، وهذا عام في الكل ، طوعا أو كرها ؛ إذ كل ما خلق منقاد لقدرته ~~وقهريته ، عابد له بهذا المعنى. وفي البخاري : وما خلقت أهل السعادة من ~~الفريقين إلا ليوحدون. وقال بعضهم : خلقهم ليفعلوا ، ففعل بعض وترك بعض. ~~وليس فيه حجة لأهل القدر. ه. منه ms2907 ، والمراد بأهل القدر : المعتزلة ، ~~القائلون بأن الله تعالى لم يرد الكفر والمعاصي ، وهو باطل ، وسيأتي في ~~الإشارة بقية تحقيق إن شاء الله. PageV07P314 # {ما أريد منهم من رزق} أي : ما خلقتهم ليرزقوا أنفسهم ، أو واحدا من عبادي ~~، {وما أريد أن يطعمون} قال ثعلب : أن يطعموا عبادي ، وهو إضافة تخصيص ، ~~كقوله عليه السلام : " من أكرم مؤمنا فقد أكرمني ومن آذى مؤمنا فقد آذاني " ~~، والحاصل : أنه تعالى بين أن شأنه مع عباده متعاليا عن أن يكون كشأن ~~السادات مع عبيدهم ، حيث يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم ، وتهيئة ~~أرزاقهم ، أي : ما أريد أن أصرفهم # 216 # في تحصيل رزقي ولا رزقهم ، بل أتفضل عليهم برزقهم ، وبما يصلحهم ويعيشهم ~~من عندي ، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 216 # إن الله هو الرزاق} أي : يرزق كل من يفتقر إلى الرزق ، وفيه تلويح بأنه ~~غني عنه ، {ذو القوة} ذو الاقتدار ، {المتين} أي : الشديد الصلب. وقرأ ~~الأعمش " المتين " بالجر ، نعت للقوة ، أي : ذو القوة المتينة ، وإنما ذكره ~~لتأول القوة بالاقتدار. # {فإن للذين ظلموا} أنفسهم ، بتعريضها للعذاب ، حيث كذبوا الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، أو : وضعوا التكذيب مكان التصديق ، وهم أهل مكة ، {ذنوبا} أي : ~~نصيبا وافرا من العذاب ، {مثل ذنوب أصحابهم} مثل عذاب نظائرهم من الأمم ~~المحكية. قال الزجاج : الذنوب في اللغة ، النصيب ، مأخوذ من مقاسمة السقاة ~~الماء بالذنوب ، وهو الدلو العظيم المملوء. {فلا يستعجلون} ذلك النصيب ، ~~فإنه لاحق بهم ، وهذا جواب النضر وأصحابه حين استعجلوا العذاب. # {فويل للذين كفروا} وضع الموصول موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالكفر ، أي : ~~فويل لهم {من يومهم الذي يوعدون} أي : من يوم القيامة ، أو يوم بدر ، ~~والأول أنسب لما في صدر السورة الآتية. PageV07P315 # الإشارة : اعلم أن الحق - جل جلاله - إنما بعث الرسل بإظهار الشرائع ، ~~ليحوشوا العباد إلى الله ، ويدعوهم إليه كافة ، ويأمروهم بالتبتل والانقطاع ~~، من غير التفات لمن سبق له السعادة والشقاء ؛ لأن ذلك من سر القدر ، وغيب ~~المشيئة لا يجوز كشفه في حالة الدعوة ، فقوله تعالى : {وما خلقت الجن ms2908 ~~والإنس إلا ليعبدون} هذا ما يمكن الأمر به في ظاهر الأمر ، ويؤمر بإظهاره ~~في حالة الدعوة ، وكون الحق الحق تبارك وتعالى أراد من قوم الكفر والمعاصي ~~من غيب المشيئة ، وسر القدر لا يقدح في عموم الدعوة التي تعلقت بالظواهر ؛ ~~لأنه من قبيل الحقيقة ، وما جاءت الرسل إلا بالشريعة ، فالدعاة إلى الله ~~يعممون الدعوة ، ويحرضون على التبتل والأنقطاع إلى الله ، وينظرون إلى ما ~~يبرز من غيب المشيئة. وقال الورتجبي : عن جعفر الصادق {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} أي : ليعرفوني. ه. ومداره قوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما يحكيه عن رب العزة : " كنت كنزا مخيفا لم أعرف ، فأحببت أن أعرف ، ~~فخلقت الخلق لأعرف " أي : ما أظهرت الخلق إلا لأعرف بهم ، فتجليت بهم في ~~قوالب العبودية ، لتظهر ربوبيتي في قوالب العبودية ، فتظهر قدرتي وحكمتي ، ~~فسبحان الحكيم العليم. # قال أبو السعود : ولعل السر في التعبير عن المعرفة بالعبادة للتبيه على ~~أن المعتبر هي المعرفة الحاصلة بعبادته تعالى ، لا ما يحصل بغيرها ، كمعرفة ~~الفلاسفة. ه. قلت : وكل معرفة وحقيقة لا تصحبها شريعة لا عبرة بها ، بل هي ~~زندقة أو دعوى. وبالله التوفيق. # 217 PageV07P316 ~~وقوله تعالى : {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} هذه الآية وأمثالها هي ~~التي غسلت الأمراض والشكوك من قلوب الصديقين ، حتى حصل لهم اليقين الكبير ، ~~فسكنت نفوسهم ، واطمأنت قلوبهم ، فهم في روح وريحان. والأحاديث في ضمان ~~الرزق كثيرة ، وأقوال السلف كذلك ، وفي حديث أبي سعيد الخدري عنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : " لو فر أحدكم من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت " وقال أيضا ~~عن الله عز وجل : " يقول : " يا ابن آدم تفرغ لعبادتي ، املأ صدرك غنى ، ~~وأسد فقرك ، وإلا تفعل موت يدك شغلا " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " من ~~كانت الآخرة همه ، جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا ~~وهي صاغرة ، ومن كانت الدنيا همه ؛ جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه ~~شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ". وقال المحاسبي : قلت لشيخنا : ~~من أين وقع ms2909 الاضطراب في القلوب ، وقد جاء الضمان من الله عز وجل ؟ قال : من ~~وجهين : من قلة المعرفة وقلة حسن الظن. ثم قال : قلت : شيء غيره ؟ قال : ~~نعم ، إن الله عز وجل وعد الأرزاق وضمنها ، وغيب الأوقات ، ليختبر أهل ~~العقول ، ولولا ذلك لكان كل المؤمنين راضين ، صابرين ، متوكلين ، لكن الله ~~- عز وجل - أعلمهم أنه رازقهم ، وحلف لهم ، وغيب عنهم أوقات العطاء ، فمن ~~هنا عرف الخاص من العام ، وتفاوت العباد ، فمنهم ساكن ، ومنهم متحرك ، ~~ومنهم ساخط ، ومنهم جازع ، فعلى قدر ما تفاوتوا في المعرفة تفاوتوا في ~~اليقين. ه. مختصرا. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 218 # جزء : 7 رقم الصفحة : 216 PageV07P317 ### | AUTO سورة الطور # جزء : 7 رقم الصفحة : 218 # يقول الحق جل جلاله : {والطور} هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بمدين ، ~~{وكتاب مسطور} وهو القرآن العظيم ، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب ~~، أو : اللوح المحفوظ ، أو : التوراة ، كتبه الله لموسى ، وهو يسمع صرير ~~القلم ، {في رق منشور} الرق : الجلد الذي يكتب فيه ، والمراد : الصحيفة ، ~~وتنكيره للتخفيم والإشعار بأنها ليست مما يتعارفه الناس ، والمنشور : ~~المفتوح لا ختم عليه ، أو : الظاهر للناس ، {والبيت المعمور} وهو بيت في ~~السماء السابعة ، حيال الكعبة ، ويقال له : الضراح ، وعمرانه بكثرة زواره ~~من الملائكة ، روي : أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، يطوفون به ، ويخرجون ~~، ومن دخله لا يعود إليه أبدا ، وخازنه ملك يقال له : " رزين ". وقيل ~~الكعبة ، وعمارته بالحجاج والعمار والمجاورين. # {والسقف المرفوع} أي : السماء ، أو : العرش ، {والبحر المسجور} أي : ~~المملوء ، وهو البحر المحيط ، أو الموقد ، من قوله تعالى : {وإذا البحار ~~سجرت} [التكوير : 6] والمراد الجنس ، روي " أن الله تعالى يجعل البحار يوم ~~القيامة نارا ، تسجر بها نار جهنم ، كما يسجر التنوير بالحطب " وعن ابن ~~عباس : المسجور : المحبوس ، أي : الملجم بالقدرة. والواو الأولى للقسم ، ~~والتوالي للعطف ، والمقسم عليه : {إن عذاب ربك لواقع} لنازل حتما ، {ما له ~~من دافع} أي : لا يمنعه مانع ، والجملة : صفة لواقع ، أي : وقع غير مدفوع. ~~و" من " مزيدة للتأكيد ms2910 ، وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها ؛ لأنها # 219 # أمور عظام ، تنبئ عن عظم قدرة الله تعالى ، وكمال علمه ، وحكمته الدالة ~~على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد ، وضطبها ، الشاهدة بصدق أخباره ، ~~التي من جملتها : الجملة المقسم عليها. PageV07P318 # الإشارة : أقسم الله تعالى بجبل العقل ، الذي أرسى به النفس أن تميل إلى ما ~~فيه هلاكها ، وبما كتب في قلوب أوليائه من اليقين ، والعلوم ، والأسرار ، ~~قال تعالى : {أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان} [المجادلة : 22] وذلك حين رقت ~~وصفت من الإغيار ، ثم أقسم أيضا بذلك القلب ، وهو البيت المعمور ؛ لأن ~~القلب بيت الرب ، " يا داوود طهر بيتا أسكنه... " الحديث ، وهو معمور ~~بالمعارف والأنوار ، وأقسم بسماء الأرواح المرفوعة عن خوض عالم الأشباح ، ~~وهو سقف بيت القلب ، وبحر الأحدية الذي عمر كل شيء ، وأحاط بكل شيء ، وأفنى ~~كل شيء ، فالوجود كله بحر متصل ، أوله وآخره ، وظاهره وباطنه. إن عذاب ربك ~~لأهل العذاب ، وهم أهل الحجاب ، لواقع ، وأعظم العذاب : غم الحجاب وسوء ~~الحساب ، ومن دعاء السري السقطي : اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل ~~الحجاب. اه. ماله من دافع ؛ لا يدفعه أحد من الخلق ، إلا من رحم الله ، أو ~~: من أهله الله لذلك من أهل التربية النبوية. # جزء : 7 رقم الصفحة : 219 PageV07P319 ~~يقول الحق جل جلاله : واذكر {يوم تمور} أو : لواقع يوم تمور {السماء} أي : ~~تدور كالرحى مضطربة {مورا} عظيما تتكفأ بأهلها كالسفينة ، {وتسير الجبال ~~سيرا} أي : تزول عن وجه الأرض ، فتصير في الهواء كالهباء. وتأكيد الفعل ~~بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة ، أي : مورا ~~عجيبا وسيرا بديعا ، لا يدرك كنههما. {فويل يومئذ للمكذبين} إذا وقع ذلك ، ~~أو : إذا كان الأمر كما ذكر ، فويل لهم إذا وقع ذلك ، أو : إذا كان الأمر ~~كما ذكر ، فويل لهم إذا وقع ذلك ، {الذين هم في خوض} أي : في اندفاع عجيب ~~في الأباطيل والأكاذيب {يلعبون}. يلهون ، فالخوض غلب بإطلاقه في الاندفاع ~~في الباطل والكذب ، ومنه قوله : {وكنا نخوض مع الخآئضين} [المدثر : 45]. ~~{يوم يدعون إلى نار جهنم دعا} أي : يدفعون إليها دفعا عنيفا شديدا ، بأن ms2911 ~~تغل أيديهم إلى أعناقهم ، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم ، فيدفعون إلى النار ~~على وجوههم ، ويقال لهم : {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} في الدنيا. # 220 PageV07P320 ~~{أفسحر هذا} توبيخ وتقريع لهم ، حيث كانوا يسمون الوحي الناطق بذلك العذاب ~~سحرا ، كأنه قيل : كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحرا ، أفهذا أيضا سحر ؟ ~~وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ. {أم أنتم لا تبصرون} أم أنتم ~~عمي عن المخبر عنه ، كما كنتم عميا عن الخبر ؟ وهذا تقريع وتهكم ، {اصلوها ~~فاصبروا أو لا تصبروا} أي : ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من ~~الصبر وعدمه ، {سواء عليكم} الأمران : الصبر وعدمه ، ف " سواء " : مبتدأ ~~حذف خبره. وعلل استواء الصبر وعدمه بقوله : {إنما تجزون ما كنتم تعملون} من ~~الكفر والمعاصي ، فالصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة ؛ ~~بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير ، وأما الصبر على العذاب ، الذي هو ~~الجزاء ، ولا عاقبة له ولا منفعة ، فلا مزية له على الجزع. نعوذ بالله من ~~موارد الهوان. # جزء : 7 رقم الصفحة : 220 PageV07P321 ~~الإشارة : يوم تمور سماء الأرواح ، أي : تتحرك الأرواح وتهيج بالواردات ~~الإلهية ، شوقا إلى اللقاء ، فإذا حصل اللقاء وقع لها السكون والطمأنينة ، ~~ولذلك قيل : " المحبة أولها جنون ، ووسطها فنون ، وآخرها سكون ". وسبب هذا ~~الاضطراب الذي يظهر على المريد في أول بدايته : أن جند الأنوار إذا أراد أن ~~يدخل على جند الأغيار ، ويخرجه من وطنه - الذي هو باطن العبد - وقع بينهما ~~تجارب وتضارب ، فجند الأنوار يريد أن يقلع جند الأغيار من باطن العبد ، ~~ويسكن هو ، وجند الأغيار يريد المقام في وطنه ، فلا يزال القتال بينهما ، ~~حتى يغلب واحد منهما ، فإذا غلب جند الأنوار سكن في الباطن ، وسكن الظاهر ، ~~ولم تقع فكرة العبد إلا في التوحيد ، أو ما يقرب إلى الحق تعالى ، وإذا غلب ~~جند الأغيار ، ولم يترك جند الأنوار يدخل إلى الباطل ، سكن الظاهر أيضا ، ~~ويبقى باطن البعد محشوا بالخواطر والوساوس الدنيوية كما كان ، ورجع العبد ~~إلى مقام العمومية. وقوله تعالى : {وتسير الجبال سيرا} أي : تزول جبال وجود ms2912 ~~العبد عند إشراق أنوار الحقائق ، {فويل يومئذ للمكذبين} أي : بعد لأهل ~~الإنكار عن حضرة الأسرار ، حين ظفر الطالب بالمطلوب ، ووصل المحب إلى ~~المحبوب ، الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون ، لا حديث لهم ~~إلا عليها ، ولا فكرة إلا فيها. يوم يدعون إلى النار القطيعة والبعد ، دعا ~~، لا خلاص منها ، ولا رجوع ، فتناديهم عزة الحق تعالى : {هذه النار التي ~~كنتم بها تكذبون} وتقولون : لا يقطعنا عن الله شيء من الدنيا ، وترمون أهل ~~التربية بالسحر ، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون حقائق هذه المعاني ؟ اصلوا ~~نار القطيعة ، فاصبروا على غم الحجاب ، {أو لا تصبروا} إذ لم تصبروا على ~~مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر ، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم ، {إنما ~~تجزون ما كنتم تعملون} في الدنيا ، من إيثار الهوى والحظوظ ، على مجاهدة ~~النفوس. # 221 PageV07P322 ~~جزء : 7 رقم الصفحة : 220 # يقول الحق جل جلاله : {إن المتقين} الشرك والمعاصي {في جنات} عظيمة ~~{ونعيم} أي نعيم ، فالتنكير للتفخيم ، أو : للتنوع ، أي : جنات مخصوصة بهم ~~، ونعيم مخصوص ، {فاكهين} ناعمين متلذذين {بما آتاهم ربهم} بما أتحفهم ، ~~{ووقاهم ربهم عذاب الجحيم} عطف على " آتاهم " على أن " ما " مصدرية ، أي : ~~فاكهين بإتياهنم وبوقايتهم ، أو : على " في جنات النعيم " أي : استقروا في ~~جنات ووقاهم ، أو : حال ، إما من المستكن في الخبر ، أو : من فاعل " آتى " ~~، أو : مفعوله بإضمار " قد ". وإظهار الرب في موضع الإضمار مضافا إلى ضمير ~~{هم} لتشريفهم ، ويقال لهم : {كلوا واشربوا} ما شئتم {هنيئا} أي : أكلا ~~وشربا هنيئا ، أو : طعاما وشرابا هنيئا ، لا تنغيص فيه بخوف انقطاعه أو ~~فواته ، {بما كنتم} أي : عوض ما كنتم {تعملون} في الدنيا من الخير ، أو جزاءه. # {متكئين على سرر مصفوفة} مصطفة ، وهو حال من الضمير في {كلوا واشربوا} ، ~~{وزوجناهم} أي : قرناهم {بحور} جمع حوراء {عين} : جمع عيناء ، أي : عظام ~~الأعين حسانها. وفي الكشاف : وإنما دخلت الباء في {بحور} لتضمن معنى ~~زوجناهم قرناهم. ه. وقال الهروي : {زوجناهم} أي : قرناهم ، والأزواج : ~~الأشكال والقرناء ، وليس في الجنة تزويج. ه. والمنفي : تحمل مؤنة التزويج ~~والمعاقدة ، وإنما ms2913 يقع التمليك والإقران. PageV07P323 # {والذين آمنوا} مبتدأ ، {واتبعتهم ذريتهم} عطف على {آمنوا} ، و{بإيمان} ~~متعلق بالاتباع ، والخبر : {ألحقنا بهم ذرياتهم} أي : تلحق الأولاد بدرجات ~~الآباء ؛ إذ شاركوهم في الإيمان ، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء ، ~~وكذلك الآباء تلحق بدرجة الأبناء ؛ لتقر بذلك أعينهم ، فيلحق بعضهم ببعض ، ~~إذا اجتمعوا في الإيمان من غير أن ينقص أجر من هو أحسن عملا شيئا ، بزيادته ~~في درجة الأنقص ، ولا فرق بين من بلغ من الذرية ، أو لم يبلغ ، إذا كان ~~الآباء مؤمنين. انظر الثعلبي. # جزء : 7 رقم الصفحة : 222 # وفي حديث ابن عباس : " إذا دخل أهل الجنة الجنة ، يسأل الرجل عن أبويه ، # 222 # وزوجته ، وولده ، فيقال : إنهم لم يدركوا ما أدركت ، فيقول : لقد عملت لي ~~ولهم أجمعين ، فيؤمر بإلحاقهم به " قال القشيري : ليكمل عليهم سرورهم بذلك ~~؛ فإن الانفراد بالنعمة والقلب مشتغل بالأهل والذرية ينغص العيش ، وكذلك من ~~يلاحظ قلبا من صديق وقريب وولي وخادم ، قال تعالى في قصة يوسف : {وأتونى ~~بأهلكم أجمعين} [يوسف : 93].ه. # قال في الحاشية : وربما يستأنس بما ذكر في الجملة بقوله : {ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم...} [النساء : 69] الآية ، وما ~~قيل في سبب نزولها ، وكذلك حديث : " المرء مع من أحب " ، وحال الجنة مما لا ~~يخطر على بال ، فيجوز أن يكون الأدنى مع الأعلى بمنازلته معه ، مع مباينته ~~له بحقيقته ، كما أن حيطة الحق تعالى شاملة للكل ، وكل يتعرف له على قدره ، ~~فالكل معه بمطلق التعرف ، مع تحقق التفاوت ، وأهل الجنة فيها على حكم ~~الأرواح ، وأحكامها لا تكيف ، واعتبر بالفروع مع الأصول ، مع تفاوتها. ~~والله أعلم. ه. # والحاصل : أنهم يلحقون بهم في الطبقة ، ويتفاوتون في نعيم الأرواح ~~والأشباح ، وفي الرؤية والزيادة. والله تعالى أعلم. PageV07P324 # {وما ألتناهم} أي : ما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق {من عملهم} من ثواب عملهم ~~{من شيء} بأن أعطينا بعض مثوباتهم لأبنائهم ، فتنقص مثوبتهم ، وتنحط درجتهم ~~، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان. والألت : البخس. وقرأ ~~المكي : (ألتناهم) بكسر اللام ، من : ألت يألت ، كعلم يعلم ، و" من ms2914 " ~~الأولى متعلقة ب " ألتناهم " ، والثانية زائدة لتأكيد النفي. {كل امرئ بما ~~كسب رهين} أي : كل امرئ مرهون عند الله بعمله ، فإن كان صالحا فله ، وإلا ~~أهلكه. والجملة : استئناف بياني ، كأنه لما قال : ما نقصناهم من عملهم شيئا ~~نعطيه الأبناء حتى يلحقو بهم على سبيل التفضل ، قيل : لم كان الإلحاق تفضلا ~~؟ قال : لأن كل امرىء بما كسب رهين ، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بسببه ~~بهم ، فألحقوا تفضلا. # {وأمددناهم} أي : وزودناهم في وقت بعد وقت {بفاكهة ولحم مما يشتهون} من ~~فنون النعماء وألوان اللآلئ ، وإن لم يطلبوا ذلك. {يتنازعون فيها كأسا} أي ~~: يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم كأسا فيها خمر ، يتناول هذا ~~الكأس من يد هذا ، وهذا من يد هذا ، بكمال رغبة واشتياق ، {لا لغو فيها} أي ~~: في شربها ، فلا يتكلمون في أثناء الشراب إلا بكلام طيب ، فلا يجري بينهم ~~باطل ، {ولا تأثيم} أي : لا يفعلون ما # 223 # يوجب إثما لصاحبه لو فعله في دار التكليف ، كما هو شأن المنادمين في ~~الدنيا ، وإنما يتكلمون بالحكم واحاسن الكلام ، ويفعلون ما يفعله الكرام. # جزء : 7 رقم الصفحة : 222 PageV07P325 ~~قال القشيري : {لا لغو فيها ولا تأثيم} لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه لوم ~~، كما يجري من الشرب اليوم في الدنيا ، ولا تذهب عقولهم ، فيجري بينهم ما ~~يخرج عن حد الأدب والاستقامة ، وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة ، على ~~المعلوم من يسقيهم بمشهد من مجلوسهم ، وعلى رؤية من شربهم ، والقوم عن ~~الدار وعن ما فيها مختطفون باستيلاء ما يستغرقهم ، فالشراب يؤنسهم ، ولكن ~~لا يمر بحاستهم. ه. # وقرأ المكي والبصري بالفتح فيها على إعمال " لا " النافية للجنس. PageV07P326 # الإشارة : إن المتقين ما سوى الله في جنات المعارف عاجلا ، وجنات الزخارف ~~والمعارف آجلا ، ونعيم المشاهدات والمكاشفات والمناجاة ، فاكهين ، معجبين ، ~~متلذذين بما آتاهم ربهم من أصناف ألطافه ، وتقريبه ، ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم ، أي : نار شهوة نفوسهم ، فبردت عنهم ، وسلموا منها ، كلوا من طعام ~~المشاهدات ، واشربوا من أمداد الزيادات والترقيات ، هنيئا بما كنتم تعملون ~~من المجاهدات والمكابدات ، متكئين ms2915 على سرر المقامات ، والدرجات ، مصفوفة في ~~منازل العبودية ، وزوجناهم بحور عين من أبكار الحقائق ، وثيبات العلوم ، ~~والذين آمنوا بهذه الطريق وسلكوها ، واتبعتهم ذريتهم ومن تعلق بهم من طلاب ~~الحق ، ألحقنا بهم ذريتهم ومن تعلق بهم ، وإن لم يبلغوا صفاء مشربهم من ~~الوصال والاتصال ، فيكونون معهم في الدرجة ، مع تفاوتهم في نعيم المشاهدة ، ~~وما ألتناهم من عملهم من شيء ، بل ألحقناهم بهم فضلا وكرما ، مع توفر ثواب ~~عمل الملحق بهم ، كل امرئ بما كسب رهين ، لا يزيد نعيم روحه على سعيه في ~~الدنيا ومجاهدته ، وإن تساوى في الدرجة مع غيره. وأمددناهم بفاكهة من حلاوة ~~المعاملة ، ولحم مما يشتهون من لذائذ المشاهدة ، يتنازعون فيها ؛ في جنة ~~المعارف ، كأس خمر المحبة والفناء ، فيفنون عن وجودهم في شهود محبوبهم. ~~يتناولون ذلك من أشياخهم واحدا بعد واحد ، وقد يجتمعون في كأس واحدة ، لا ~~لغو فيها ، أي : لا حديث للنفس في حال شربها ، بل الهم كله مجموع يها ، كما ~~قال القائل : # وإذا جلست إلى المدام وشربه # فاجعل حديثك كله في الكأس # فالخمرة التي يشوبها شيء من حديث النفس ليس بصافية من الأكدار. ولا تأثيم ~~بنزوع الروح إلى طبع النفس ، وإذا نزلت إلى سماء الحقوق ، أو أرض الحظوظ ، ~~بل تكون في ذلك بالله ، ومن الله ، وإلى الله ، تنزل بالإذن والتمكين ، ~~والرسوخ في اليقين ، جلعنا الله من ذلك القبيل بمنه وكرمه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 222 PageV07P327 ~~وقال الورتجبي : {يتنازعون...} الآية : وصفهم الله في شربهم كاسات شراب # 224 # الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القربة ، ثم وصف شرابهم أنه يورثهم ~~التمكين والاستقامة في السكر ، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة ، وما ~~يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق ، ولا يشابه حال أهل الحضرة ~~حال أهل الدنيا من جميع المعاني. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 222 PageV07P328 ~~يقول الحق جل جلاله : {ويطوف عليهم} أي : بالكأس أو : في شأن الخدمة كلها ~~{غلمان لهم} أي : مماليك مخصصون بهم ، قيل : أولاد الكفار الذين ماتوا ~~صغارا ، وقيل : توجدهم القدرة من الغيب ، وفي الحديث : " إن أدنى ms2916 أهل الجنة ~~منزلة من ينادي الخادم من خدامه ، فيجيبه ألف ، كلهم يناديه : لبيك لبيك " ~~قلت : هذا في مقام أهل اليمين ، وأما المقربون فإذا اهتموا بشيء حضر ، ~~بغلام أو بغير غلام ، من غير احتياج إلى نداء ، وقال ابن عمر رضي الله عنه ~~: (ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام ، كل غلام على عمل ما ~~عليه صاحبه). {كأنهم} من بياضهم وصفائهم {لؤلؤ مكنون} مصوف في الصدف ؛ لأنه ~~حينئذ يكون أصفى وأبهى ، أو مخزون ؛ لأنه لا يخزن إلا الثمن الغالي القيمة. ~~قيل لقتادة : هذا الخادم فكيف المخدوم ؟ فقال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : " والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة ~~البدر على سائر النجوم ". {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} يسأل بعضهم بعضا ~~عن أحواله وأعماله ، وما استحق به نيل ما عند الله ، فكل بعض سائر ومسؤول. ~~{قالوا} أي : المسؤولون في جوابهم ، وهم كل واحد منهم في الحقيقة : {قالوا} ~~أي : المسؤولون في جوابهم ، وهم كل واحد منهم في الحقيقة : {إنا كنا قبل في ~~أهلنا} أي : في الدنيا {مشفقين} أرقاء القلوب من خشية الله ، أو : خائفين ~~من نزع الإيمان وفوت الأمان ، أو : من رد الحسنات وأخذ بالسيئات ، أو : ~~واجلين من العاقبة ، {فمن الله علينا} بالمغفرة والرحمة {ووقانا عذاب ~~السموم} وهي الريح الحارة ، التي تدخل المسام ، فسميت بها نار جهنم ؛ لأنها ~~بهذه الصفة. {إنا كنا قبل} أي : من قبل لقاء الله والمصير إليه - يعنون : ~~في الدنيا : {ندعوه} نعبده ولا نعبد غيره ، أو نسأله الوقاية ، {إنه هو ~~البر} المحسن {الرحيم} الكثير الرحمة ، الذي إذا عبد أثاب ، وإذا سئل أجاب ~~، وقرأ نافع والكسائي بالفتح ، PageV07P329 ~~أي : لأنه ، أو بأنه. # 225 # الإشارة : ويطوف على قلوبهم علوم وهبية ، وحكم غيبية ، تزهو على اليواقيت ~~المكنونة. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون : كيف سلكوا طريق الوصول ، وكيف ~~كانت مجاهدة كل واحد ومسيره إلى الله ، إما تحدثا بالنعم ، أو : للاقتداء ~~بهم ، وفي الحكم : " عبارتهم إما لفيضان وجد أو : لهداية مريد ". إنا كنا ~~قبل الوصول في ms2917 أهلنا ، أي : في عالم الإنسانية مشفقين من الانقطاع والرجوع ~~، خائفين من سموم صفات البهيمية والشيطانية ، والشهوات الدنيوية ، فإنها ~~تهب بسموم قهر الحق ، قهر بها جل عباده فانقطعوا عنه ، فمن الله علينا ، ~~ووصلنا بما منه إلينا ، لا بما منا إليه ، ووقانا عذاب السموم ، وهو الحرص ~~والجزع ، والانقطاع عن الحبيب ، ولولا فضله ما تخلصنا منه ، إنا كنا من قبل ~~الوصول ندعوه أن يأخذ بأيدينا ، ويجذبنا إلى حضرته ، ويرحمنا بالوصول ، ~~ويبر بنا ، إنه هو البر بمزيده ، الرحيم بمن ينيب إليه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 225 # يقول الحق جل جلاله : {فذكر} أي : فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس ~~وموعظتهم ، {فما أنت بنعمت ربك} أي : بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة ~~العقل {بكاهن ولا مجنون} كما زعموا ، قاتلهم الله أنى يؤفكون ، {أم يقولون ~~شاعر نتربص به ريب المنون} أي : حوادث الدهر ، أي : ننتظر به نوائب الزمان ~~حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله ، زهير والنابغة. و" أم " في هذه الآي ~~منقطعة بمعنى " بل ". {قل تربصوا فإني معكم من المتربصين} أتربص هلاككم ، ~~كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم ، وقد جرب أن من تربص موت أحد ~~لينال رئاسته ، أو ما عنده ، لا يموت إلا قبله. # {أم تأمرهم أحلامهم} أي : عقولهم {بهذا} التناقض في المقالات ، فإن ~~الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور ، والمجنون مغطى عقله ، مختل فكره ~~، والشاعر يقول # 226 PageV07P330 ~~ما لا يفعل ، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد ؟ وكانت قريش يدعون أهل ~~الأحلام والنهي ، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة ، {أم هم ~~قوم طاغون} يجازون الحدود في المكابرة والعناد ، ولا يحومون حول الرشد ~~والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. # {أم يقولون تقوله} اختلقته من تلقاء نفسه ، {بل لا يؤمنون} رد عليهم ، أي ~~: ليس الأمر كما زعموا ، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل ، التي لا ~~يخفى بطلانها على أحد ، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من ~~العرب والعجم ، {فليأتوا بحديث مثله} أي : مثل القرآن في البلاغة والإعجاز ~~{إن ms2918 كانوا صادقين} في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه ؛ لأنه بلغاتهم ، وهم ~~فصحاء ، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة ، مع ما لهم من ~~طول الممارسة للخطب والأشعار ، وكثرة المقاولة للنظم والثر ، والمبالغة في ~~حفظ الوقائع والأيام ، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان ~~به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 226 # أم خلقوا من غير شيء} أي : أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع ، الذي ~~عليه فطرتهم ، من غير محدث ومقدر. أو : أم خلقوا من غير شيء من الحكمة ، ~~بأن خلقوا عبثا ، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب ؟ {أم هم الخالقون} ~~الموجدون لأنفسهم ؟ فيلزم عليه الدور ، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره ~~عنها ، {أم خلقوا السماوات والأرض} فلا يعبدون خالقهما {بل لا يوقنون} لا ~~يتدبرون في الآيات ، فيعلمون خالقهم ، وخالق السموات والأرض ، فيفردونه ~~بالعبادة. PageV07P331 # {أم عندهم خزائن ربك} من النبوة والرزق وغيرهما ، فيخصوا بما شاؤوا من ~~شاؤوا ، {أم هم المصيطرون} أي : الأرباب الغالبون ، المسلطون على الأمور ~~يدبرونها كيف شاؤوا ، حتى يدبروا أمر الربوبية ، ويبنوا الأمور على إرادتهم ~~ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. # {أم لهم سلم} منصوب يرتقون به إلى السماء ، {يستمعون فيه} كلام الملائكة ~~، وما يوحى إليهم من علم الغيب ، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق ، وما عليه ~~غيرهم باطل ، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب ، ~~ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم ، ~~وانفرادهم بالرئاسة. و" في " : سببية ، أي : يستمعون بسبب حصولهم فيه ، أو ~~: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج : {يستمعون فيه} أي : عليه ، {فليأت ~~مستمعهم بسلطان مبين} بحجة واضحة ، تصدق استماع مستمعهم. # ثم سفه أحلامهم بقوله : {أم له البنات ولكم البنون} حيث اختاروا لله ما ~~يكروهون وهم حكماء في زعمهم ، {أم تسألهم أجرا} على التبليغ والإنذار {فهم} ~~لأجل ذلك {من مغرم مثقلون} أي : من التزام غرامة فادحة محملون الثقل ، ~~فلذلك لا يتبعونك. # 227 # والمغرم : أن يلزم ms2919 الإنسان ما ليس عليه. {أم عندهم الغيب} أي : اللوح ~~المحفوظ ، المكتوب فيه الغيوب ، {فهم يكتبون} ما فيه ، حتى يتكلمون في ذلك ~~بنفي أو إثبات. PageV07P332 # {أم يريدون كيدا} هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة ، ~~{فالذين كفروا} وهم المذكورون ، ووضع الموصول موضع ضميرهم ؛ للتسجيل عليهم ~~بالكفر ، أي : ف {هم المكيدون} الذين يحيق بهم كيدهم ، ويعود عليه وباله ، ~~لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. {أم لهم إله غير ~~الله} يمنعهم من عذابه ، {سبحان الله عما يشركون} أي : تنزيها له عن ~~إشراكهم ، أو : عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من ~~الإضرابات : أحد عشر ، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة ، وثلاثة في جانب ~~الربوبية ، وهو قوله : {أم خلقوا من غير شيء} ، {أم خلقوا السماوات والأرض} ~~، {أم لهم إله غير الله} ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أي : كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي ، فاصبر حتى نأخذهم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 226 PageV07P333 ~~الإشارة : فذكر أيها الخليفة للرسول ، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون ، ~~وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري : قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء ~~من الكهانة والجنون ، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء ، كالسفيه إذا بسط ~~لسانه فيمن يشنأه ، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب ~~النبوة يقال مثله في جانب الولاية ، سنة ماضية.قال القشيري : طبع الإنسان ~~متنفرة من حقيقة الدين ، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ ، لا يمكن الخروج ~~منها إلا بجهد جهيد ، على قانون الشريعة ، ومتابعة الرسول عليه السلام ~~وخلفائه ، وهم العلماء الربانيون ، الراسخون في العلم بالله ، من المشايخ ~~المسلكين في كل زمان ، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب ~~، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة ، والانقطاع عن الخلق ، والتبتل إلى الله ، ~~وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان ، وأيدهم بروح منه ، وهو الصدق في ~~الطلب ، وحسن الإرادة المنتجة من بذر {يحبهم ويحبونه} وذلك فضل الله يؤتيه ms2920 ~~من يشاء. ه. مختصرا. # وقوله تعالى : {قل تربصوا...} الآية ، قال القشيري : ولا ينبغي لأحد أن ~~يتمنى نفاق سوقه بموت أحد ، لتنتهي النوبة إليه ، قل ما تكون هذه صفته إلا ~~سبقته منيته ، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره : الآية تشير إلى ~~التصبر في الأمور ، ودعوة الخلق إلى الله ، والتوكل على الله فيما يجري على ~~يد عباده ، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله : {أم ~~تأمرهم أحلامهم بهذا}... إلى قوله : {عما يشركون} هذه صفة أهل الانتقاد على ~~أهل الخصوصية في كل زمان ، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم ، نجانا الله من ~~جميع ذلك. # 228 # جزء : 7 رقم الصفحة : 226 PageV07P334 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإن يروا كسفا} قطعة {من السماء ساقطا} عليهم ~~لتعذيبهم ، {يقولوا} من فرط طغيانهم وعنادهم : هذا {سحاب مركوم} أي : تراكم ~~بعضها على بعض لمطرنا ، ولم يصدقوا أنه ساقط عليهم لعذابهم ، يعني : أنهم ~~بلغوا في الطغيان بحث لو أسقطناه عليهم حسبنا قالوا : {أو تسقط السمآء كما ~~زعمت علينا كسفا} [الإسراء : 92] لعاندوا وقالوا سحاب مركوم. {فذرهم حتى ~~يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون} ، وهو اليوم الذي صعقوا فيه بالتقل يوم بدر ~~، لا عند النفخة الأولى ، كما قيل ؛ إذ لا يصعق بها إلا من كان حيا حينئذ. ~~وقرأ عاصم والشامي بضم الياء ، يقال : صعقه ، فصعق ، أو : من أصعقه. # {يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا} من الإغناء ، بدل من " يومهم " ولا يخفى ~~أن التعرض لبيان عدم نفع كيدهم يستدعي استعمالهم له في الانتفاع به ، وليس ~~ذلك إلا ما دبروه في أمره صلى الله عليه وسلم من الكيد يوم بدر ، من ~~مناشبتهم القتال ، وقصد قتله خفية ، وليس يجري في نفخة الصعق شيء من الكيد ~~والحيل ، فلا يليق حمله عليه. {ولا هم ينصرون} من جهة الغير في دفع العذاب عنهم. # {وإن للذين ظلموا} أي : لهم ، ووضع الموصول موضع الضمير تسجيلا عليهم ~~بالظلم ، أي : وإن لهؤلاء الظلمة {عذابا} آخر {دون ذلك} دون ما لاقوه من ~~القتل ، أي : قبله ، وهو القحط الذي أصابهم ، حتى أكلوا الجلود الميتة. ms2921 أو ~~: وإن لهم عذابا دون ذلك ، أي : وراءه ، وهو عذاب القبر وما بعده من فنون ~~عذاب الآخرة. {ولكن أكثرهم # 229 # لا يعلمون} أن الأمر كما ذكر ، وفيه إشارة إلى أن فيهم من يعلم ذلك ، ~~وإنما يصر على ذلك عنادا : أو لا يعلمون شيئا أصلا ؛ إذ هم جاهلية جهلاء. PageV07P335 # الإشارة : أهل الحسد والعناد لا ينفعهم ما يرونه من المعجزات والكرامات ، ~~أو الحسد يغطي نور البصيرة ، فذرهم في غفلتهم وحيرتهم ، وكثافة حجابهم ، ~~حتى يصعقوا بالموت ؛ فيعرفون الحق ، حين لا تنفع المعرفة فيقع الندم ~~والتحسر ، وإن لهم عذابا دون ذلك ، وهو عيشهم في الدنيا عيش ضنك في هم وغم ~~وجزع وهلع ، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك ؛ لأنهم لا يرون إلا من هو مثلهم. ~~ومن توسعت دائرة معرفته ، فعاش في روح وريحان ، فهو غائب عنهم ، لا يعرفون ~~مقامه ، ولا منزلته. # جزء : 7 رقم الصفحة : 229 PageV07P336 ~~يقول الحق جل جلاله : لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن كان على قدمه : {واصبر ~~لحكم ربك} بإمهالهم إلى اليوم الموعود مع مقاساتك آذاهم ، أو : واصبر لما ~~حكم به عليك من شدائد الوقت ، وإذاية الخلق ، {فإنك بأعيننا} أي : حفظنا ~~وحمايتنا ، بحيث نراقبك ونكلؤك. والمراد بالحكم : القضاء السابق ، أي : لما ~~قضي به عليك ، وفي إضافة الحكم إلى عنوان الربوبية تهييج على الصبر ، وحل ~~عليه ، أي : إنما هو حكم سيدك الذي يربيك ويقوم بأمورك وحفظك ، فما فيه إلا ~~نفعك ورفعة قدرك. وجمع العين والضمير للإيذان بغاية الاعتناء بالحفظ ~~والرعاية. {وسبح بحمد ربك} أي : نزهه ملتبسا بحمده على نعمائه الفائتة ~~للحصر ، {حين تقوم} أي : من أي مكان قمت ، أو : من منامك. وقال سعيد بن ~~جبير : حين تقوم من مجلسك تقوم : سبحانك اللهم وبحمدك. وقال الضحاك والربيع ~~: إذا قمت إلى الصلاة فقل : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ~~، ولا إله غيرك. ه. {ومن الليل فسبحه} أي : في بعض الليل وأفراده ؛ لأن ~~العبادة فيه أشق على النفس ، وأبعد من الرياء ، كما يلوح به تقدميه على ~~الفعل ، والمراد إما الصلة في الليل ، أو التسبيح باللسان ms2922 ؛ سبحان الله ~~وبحمده ، {وإدبار النجوم} أي : وقت إدبارها ، أي : غيبتها بضوء الصبح ، ~~والمراد : آخر الليل ، وقيل : التسبيح من الليل : صلاة العشاء ، وإدبار ~~النجوم : صلاة الفجر. وقرأ زيد عن يعقوب بفتح الهمز ، أي : أعقابها إذا غربت. # الإشارة : في هذه تسلية لأهل البلاء والجلال ، فإن من علم أن ما أصابه ~~إنما هو حكم ربه ، الذي يقوم به ويحفظه ، وهو بمرئ منه ومسمع ، لا يهوله ما ~~نزل ، بل يزيده غبطة وسرورا ؛ لعلمه بأنه ما أنزله به إلا لرفعة قدره ، ~~وتشحير ذهب نفسه ، وقطع البقايا منه ، فهو في الحقيقة نعمة لا نقمة ، وفي ~~الحكم : " من ظن انفكاك لطف الله عن قدره ، # 230 # فذلك لقصور نظره ". PageV07P337 # قال القشيري : أي : اصبر لما حكم به في الأزل ، فإنه لا يتغير حكمنا الأول ~~إن صبرت وإن لم تصبر ، لكن إن صبرت على قضائي جزيت ثواب الصابرين بغير حساب ~~، وفيه إشارة أخرى ، أي : اصبر فإنك بأعيينا نعينك على الصبر لأحكامنا ~~الأزلية ، كما قال تعالى : {واصبر وما صبرك إلا بالله} [النحل : 127]. ه. ~~وقيل المعنى : فإنك من جملة أعيننا ، وأعيان الحق الكمل من الأنبياء ، ~~والرسل ، والملائكة ، وأكابر أوليائه ، فإنهم أعيان تجلياته ، ولذلك ~~الإشارة بقوله عمر رضي الله عنه في شأن علي - كرم الله وجهه - حين ضرب شخصا ~~فشكاه : " أصابته عين من عيون الله " ، وذلك لما تمكنوا من سر الحقيقة ، ~~صاروا عين العين. ومن ذلك قولهم : ليس الشأن أن تعرف الاسم ، إنما الشأن أن ~~تكون عين الاسم ، أي : عين المسمى ، وهو سر التصرف بالهوية عند التمكين ~~فيها ، وتمكن غيبة الشهود في الملك المعبود ، وقوله تعالى : {وسبح بحمد ~~ربك...} الخ ، فيه إشارة إلى مداومة الذكر ، والاستغراق فيه ، ودوام ~~التنزيه لله تعالى عن رؤية شيء معه. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه وسلم. # 231 # جزء : 7 رقم الصفحة : 230 PageV07P338 ### | AUTO سورة النجم # جزء : 7 رقم الصفحة : 231 # يقول الحق جل جلاله : {والنجم} أي : الثريا ، أو : جنس النجم {إذا هوى} ~~إذا غرب ، أو : انتثر يوم القيامة ، أو طلع ، يقال : هوى هويا ، بوزن ms2923 " ~~قيول " إذا غرب ، وهوى هويا ، بوزن دخول : إذا طلع. والعامل في {إذا} فعل ~~القسم ، أي : أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم : {ما ضل} عن ~~قصد الحق {صاحبكم} أي : محمد صلى الله عليه وسلم ، والخطاب لقريش. {وما ~~غوى} في اتباع الباطل ، أو : ما اعتقد باطلا قط ، أي : هو في غاية الهدى ~~والرشد ، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال ، نقيض ~~الهدى ، والغي نقيض الرشد ، ومرجعهما لشيء واحد ، وهو عدم اتباع طريق الحق. # وقال الفخر : أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال ، والفرق بينهما ~~: أن الغي في مقابلة الرشد ، والضلال أعم منه ، والاسم من الغي : الغواية - ~~بالفتح - والحاصل : أن الغي أقبح من الضلال ، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده ~~صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله ~~الشريفة ، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه ~~بالكلية ، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد ؛ فإن كون صحبتهم # 232 # له صلى الله عليه وسلم ، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك ~~حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى ؛ لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند ~~هبوطه أو صعوده ، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به ، ولا يعرف ~~المشرق من المغرب ، ولا الشمال من الجنوب. # ثم قال : {وما ينطق عن الهوى} أي : وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن ~~هواه ورأيه أصلا ، {إن هو إلا وحي} من الله تعالى {يوحى} إليه ، وهي صفة ~~مؤكدة لوحي ، لرفع المجاز ، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي ، واحتج بهذه ~~الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى ~~إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي ، لا نطقا عن الهوى. # { PageV07P339 ~~جزء : 7 رقم الصفحة : 232 # علمه شديد القوى} أي : ملك شديد قواه ، وهو جبريل عليه السلام : فإنه ~~الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء ، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من ~~الماء الأسود الذي تحت الثرى ، وحملها على جناحه ، ورفعاه إلى السماء ثم ~~قلبها ، وصاح صيحة بثمود ، فأصبحوا جاثمين ، وكان ms2924 هبوطه على الأنبياء ~~وصعوده أسرع من لحظة. # {ذو مرة} أي : ذو خصابة في عقله ، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة : ~~الشدة ، من مراير الحبل ، وهو فتله فتلا شديدا ، أو : ذو حسن في منظره ، ~~{فاستوى} : عطف على " علمه " بطريق التفسير ، فإنه إلى قوله : {ما أوحى} ~~بيان لكيفية التعليم ، أو : فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها ، دون ~~الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي ، وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها ، وكان صلى الله ~~عليه وسلم بحراء ، فطلع له جبريل من المشرق ، وسد الأرض من المغرب ، وملأ ~~الأفق ، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل في صورة الأدمي ، فضمه ~~إلى نفسه ، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل : ما رآه أحد من الأنبياء في ~~صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين ؛ مرة في ~~الأرض ، ومرة في السماء ، وقيل : استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. PageV07P340 # {وهو} أي : جبريل {بالأفق الأعلى} أفق الشمس ، أي : مطلعها ، {ثم دنا} ~~جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم {فتدلى} أي : زاد في القرب ، أو : ~~استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال : تدلت الشجرة ، ودلى رجله من السرير ، ~~ودلى دلوه ، والدوالي : الثمر المعلق. {فكان قاب قوسين} أي : مقدار قوسين ~~عربيين. والقاب : المقدار. قال قتادة وغيره : معناه : من طرف العود إلى ~~طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن : من الوتر إلى العود في وسط القوس ، أي : ~~فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين ، {أو أدنى} في ~~تقديركم ، كقوله : {أو يزيدون} [الصافات : 147] وهذا لأنهم خوطبوا على ~~لغتهم وفهمهم ، وهم يقولون : هذا مقدار قوسين أو أدنى. # {فأوحى إلى عبده ما أوحى} أي : فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي ~~جبريل {ما أوحى} من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة ، وقيل : أوحى ~~إليه : " أن الجنة # 233 # محرمة على الأنبياء حتى تدخلها ، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل ~~الآية على قصة المعراج ms2925 ، أي : {علمه شديد القوى} وهو الله تعالى ، {ذو مرة} ~~أي : شدة ومتانة ، ومنه : أسمه " المتين " ، {فاستوى} بنوره أي : تجلى بنور ~~ذاته من ناحية الأفق ، أي : العلو (فتدلى) ذلك النور {فكان قاب قوسين أو ~~أدنى} وفي البخاري : " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه ~~لنبيه ، وتنزله له ، وتعرفه له ، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة ~~والسلام - : " سمع النداء من العلي الأعلى : أدن يا خير البرية ، أدن يا ~~محمد ، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى : {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين ~~أو أدنى} " قال القشيري : ويقال : كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى ، ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 232 PageV07P341 ~~ما كذب الفؤاد} أي : فؤاد محمد عليه السلام {ما رأى} أي : ما رآه ببصره من ~~صورة جبريل على تلك الكيفية ، أو : من نور الحق تعالى الذي تجلى له ، أي : ~~ما قال فؤاده لما رآه : لم أعرفك ، ولو قال ذلك لكان كاذبا ؛ لأنه عرفه ~~بقلبه ، كما عرفه ببصره ، وقيل : على إسقاط الخافض ، أي : ما كذب القلب ~~فيما رآه البصر ، بل ما رآه ببصره حققه ، وفي الحديث : سئل صلى الله عليه ~~وسلم هل رأيت ربك ؟ قال : " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر : " جعل ~~نور بصري في فؤادي ، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى ~~نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة ، وجاء أيضا : أنه لما انتهى إلى ~~العرش صار كله بصرا ، وبهذا يرتفع الخلاف ، وأنه رآه ببصر رأسه ؛ وقوله ~~عليه السلام حين سأله أبو ذر : هل رأيت ربك ؟ فقال " نوراني أراه " وفي ~~رواية : " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام ، وفي طريق آخر : " رأيت نورا " ~~وحاصلها : أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته ؛ إذ لا يمكن أن ترى ~~الذات إلا بواسطة التجليات ، كما هو مقرر عند محققي الصوفية ، كما قال ~~الشاعر : # وليست تنال الذات من غير مظهر # ولو هتك الإنسان من شدة الحرص # وقال كعب لابن عباس : إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى ، فكلم ms2926 ~~موسى مرتين ، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس : ألم يقل الله : {لا تدركه ~~الأبصار} [الأنعام : 103] ، قال : ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي ~~، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون ، ولو تجلى بنوره الأصلي ~~لتلاشى الخلق ، كما قال في # 234 PageV07P342 ~~الحديث : " حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " ~~{أفتمارونه} أي : أفتجادلونه ، من : المراء ، وهو المجادلة ، واشتقاقه من : ~~مري الناقة ، وهو استخراج لبنها ، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند ~~صاحبه ، أي : يستخرجه. وقرئ في التواتر : " أفتمرونه " أي : أفتغلبونه. ~~ولما فيه من معنى الغلبة ، قال تعالى : {على ما يرى} فعدى بعلى ، كما تقول ~~: غلبته على كذا ، وقيل : أفتمرونه : أفتجحدونه ، يقال : مريته حقه : جحدته ~~، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين ، والمعنى : أفتخاصمونه على ما يرى ~~معانية ، وحققه باطنا. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 232 PageV07P343 ~~ولقد رآه} أي : رأى محمد جبريل على صورته الأصلية ، أو : رأى ربه على تجل ~~خاص وتعرف تام ، {نزلة أخرى} مرة أخرى ، والحاصل : أنه عليه السلام رأى ربه ~~بتجل خاص جبروتي مرتين ، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش ، عند السدرة ، ~~وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين ، لا يغيب ~~عنه طرفة عين. والنزلة : فعلة من النزول ، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". ~~{عند سدرة المنتهى} الجمهور : أنها شجرة النبق في السماء السابعة ، عن يمين ~~العرش ، وتسميتها المنتهى ؛ إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها ، أو : لأنها ~~لم يجاوزها أحد ، وإليها ينتهي علم الخلائق ، ولا يعلم أحد ما وراءها ، أو ~~: إليها ينتهي أرواح الخلائق ، أو : أرواح الشهداء ، وفي الحديث : " أنها ~~شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام ، لا يقطعها ، والورقة منها تظل الأمة ، ~~وتمرها كالقلال الكبار ". {عندها جنة المأوى} أي : الجنة التي يصير إليها ~~المتقون ويأوون إليها ، أو : تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين ~~والأنبياء. قال ابن جزي : يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند ~~سدرة المنتهى ، وقيل : هي جنة أخرى ، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما ms2927 في ~~الحديث : " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة ، كما في ~~الصحيح. {إذ يغشى السدرة ما يغشى} ظرف للرؤية ، أي : لقد رآه عند السدرة ~~وقت ما غشيها ما غشيها ، مما لا يكتنهه الوصف ، ولا يفي به البيان ، وصيغة ~~المضارع لحكاية الحال الماضية ، استحضارا لصوتها البديعة ، أو للإيذان ~~باستمرار الغشيان وتجدده ، وقيل : يغشاها الجم الغفير من الملائكة ، يعبدون ~~الله تعالى عندها ، وقيل : يزورونها متبركين بها ، كما يزور الناس الكعبة ، ~~وقيل : يغشاها فراش من ذهب ، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. {ما ~~زاغ البصر} أي : بصر محمد صلى الله عليه وسلم ، أي : ما عدل عن رؤية ~~العجائب التي مكن من رؤيتها ، {وما طغى} وما جاوز ما أمر PageV07P344 ~~برؤيته ، {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} # 235 # أي : والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق ~~العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة ~~المعراج. # جزء : 7 رقم الصفحة : 232 PageV07P345 ~~الإشارة : أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية ~~، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله ، وأشرقت عليه شمس الحقائق ، ~~لا يضل صاحبه ولا يغوى ، وما ينطق عن الهوى ؛ لأنه مستغرق في شهود الحق ، ~~لا يتجلى فيه إلا الحق ، {إن هو} أي : ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل ~~الإلهام الإلهي ، علمه شديد القوى ، وهو الوارد الرباني ، ذو مرة وشدة ؛ ~~لأنه من حضرة قهار ، ولا يصادم شيئا إلا دفعه ، فاستوى وهو بالأفق الإعلى ~~على من سماء الغيوب ، ثم دنا من القلب فتدلى ، فكان من القلب قاب قوسين أو ~~أدنى ، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم ~~الحقائق والأسرار ، ومن مكاشفات غيوب الأقدار ، ما كذب الفؤاد فيما رأى ~~لأنه حق ، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه ، أي : ~~رأى القلب أسرار ذات الحق ، نزلة أخرى في عالم الجبروت ، الخارج عن دائرة ~~التجليات الكونية ، وهي الأسرار اللطيفة ، المحيطة ms2928 في الأنوار الملكوتية ~~والملكية ، عند سدرة المنتهى ، وهي شجرة القبضة المحمدية ، التي انتهى ~~إليها علم العلماء ، وأرواح الشهداء ، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار ~~العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار ~~الراسخين ، إذا يغشى السدرة - أي : شجرة الكون - ما يغشى من الفناء ~~والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق ، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار ، ~~وما حجبه عنها أرض ، ولا سماء ، ولا عرش ، ولا كرسي ؛ لتلطف تلك العوالم في ~~نظر العارف ، وما طغى : وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه ~~الربوبية ، فإن الإحاطة لا تمكن ، لا في هذه الدار ، ولا في تلك الدار ، بل ~~يبقى الترقي في الكشوفات ، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا ، لقد رأى ~~هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى ، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا ~~سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام : في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه ، إذ رآه PageV07P346 ~~نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهى ، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول ~~لا يكون في الكون - أي : في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق ، فلما ~~رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان ، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد ~~يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم ، فهذا منه سبحانه إظهار كمال ~~حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة : أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس ~~، فلبس الأمر ، وظهر المكر ، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى ، كما بان من ~~شجرة العناب لموسى ، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة ، إذ ليس بعارف من لم يعرف ~~حبيبه في لباس مختلفة ، وبيان ذلك في قوله : {إذ يغشى السدرة ما يغشى} ~~وأبهم ما غشيه ؛ لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها ، وكيف يغشاها ، ~~والقدم منزه عن الحلول في الأماكن ؟ ! # 236 # كان ولا شجرة ، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه ، ما ألطف ظهوره ، لا ~~يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 232 PageV07P347 ~~يقول الحق جل جلاله : {أفرأيتم ms2929 اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} أي : ~~أخبروني عن هذه الأشياء التي تبعدونها من دون الله ، هل لها من القدرة ~~والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة حتى استحقت العبادة ، أم لا ~~؟ واللات وما بعدها : أصنام كانت لهم ، فاللات كانت لثقيف بالطائف ، وقيل : ~~كانت بنخلة تعبدها قريش ، وهي فعلة ، من : لوى ؛ لأنهم كانوا يلوون عليها ~~ويطوفون بها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ورويس بتشديد التاء ، على أنه اسم فاعل ~~، اشتهر برجلا كان يلت السويق بالزيت ، ويطعمه الحاج ، فلما مات عكفواعلى ~~قبره يبعدونه. {والعزى} كانت لغفطان ، وهي شجرة كانوا يعبدونها ، فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها ، فخرجت منها شياطنة ناشرة ~~شعرها ، واضعة يدها على رأسها ، وهي تولول ، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى ~~قتلها ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " تلك العزى ، لن تعبد ~~بعد اليوم أبدا ". {ومناة} : صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة ، وقيل : ~~بيت بالمشلل يعبدوه بنو كعب ، وسميت مناة ؛ لأن دماء النسائك تمنى ، أي : ~~تراق عندها ؛ لأنهم كانوا يذبحون عندها. وقرأ بان كثير بالهمزة بعد الألف ، ~~مشتق من النوء ؛ لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها ، تبركا بها ، وقيل : ~~سموا هذه الأصنام بأسماء الله ، وأنثوها ، كأنها بنات الله في زعمهم الفاسد ~~، فاللات من " الله " ، كما قالوا : عمر وعمرة ، وعباس وعباسة ، فالتاء ~~للتأنيث. والعزى : تأنيث العزيز ، ومناة : تأنيث منان ، فغير تخفيفا ، ~~ويؤيد هذا قوله تعالى ردا عيهم : {ألكم الذكر وله الأنثى}. و{الأخرى} : صفة ~~ذم لها ، وهي المتأخرة الوضيعة القدر ، كقوله : {قالت أخراهم لأولاهم} ~~[الأعراف : 38] أي : وضعاؤهم لرؤسائهم ، وقيل : وصفها بالوصفين ؛ لأنهم ~~كانوا يعظمونها أكثر من اللات والعزى ، والفاء في قوله : {أفرأيتم} للعطف ~~على محذوف ، وهي لترتيب ما PageV07P348 ~~بعدها على ما قبلها ، أي : عقب ما # 237 # سمعتم من كمال عظمته تعالى في ملكه وملكوته ، وأحكام قدرته ، ونفوذ أمره ~~في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما ، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها ~~بنات الله ، مع وأدكم البنات ، وكراهتكم لهن ؟ . # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 237 # ألكم الذكر وله ms2930 الأنثى} أي : أتحبون لكم الذكر وتنسبون له الأنثى كهذه ~~الأصنام والملائكة ؟ {تلك إذا قسمة ضيزى} أي : جائرة ، من : ضازه يضيزه : ~~إذا ظلمه ، وصرح في القاموس بأنه مثلث الضاد ضيزى وضوزى وضازى ، وهو هنا ~~فعلى بالضم ، من الضيز ، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء ، كما فعل في " بيض " ، ~~فإن " فعلى " بالكسر لم تأت وصفا ، وإنما هي من بناء الأسماء ، كالشعرى ~~والدفلى. وقال ابن هشام : فإن كانت فعلى صفة محضة وجب قلب الضمة كسرة ، ولم ~~يسمع من ذلك إلا " قسمة ضيزى " " ومشية حيكى " ، أي : يتحرك فيها المنكبان. ~~ه. وقرأ المكي بالهمز ، من : ضأزه : ظلمه ، فهو مصدر نعت به. # {إن هي} أي : هذه الأصنام {إلا أسماء} وليس تحتها في الحقيقة مسميات ؛ ~~لأنكم تدعون لها الألوهية ، وهي أبعد شيء منها ، {سميتموها} آلهة ، أو : ~~سميتم بها هذه الأصنام ، واعتقدتم أنها آلهة ، بمقتضى أهوائكم الباطلة ، ~~{أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها} بعبادتها {من سلطان} من حجة. {إن يتبعون} ~~فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها {إلا الظن} : إلا توهم أن ما هم عليه ~~حق ، توهما باطلا ، {وما تهوى الأنفس} أي : ما تشتهيه أنفسهم الأمارة ، ~~{ولقد جاءهم من ربهم الهدى} الرسول والكتاب فتركوه. PageV07P349 # {أم للإنسان ما تمنى}. " أم " : منقطعة ، والهمزة للإنكار ، أي : ليس ~~للإنسان كل ما يتمناه وتشتهيه نفسه من الأمور التي من جملتها أطماعهم ~~الفارغة في شفاعة الآلهة ونظائرها ، كقول بعضهم : {ولئن رجعت إلى ربى إن لى ~~عنده للحسنى} [فصلت : 50] ، وكتمني بعضهم أن يكون هو النبي ، {فلله الآخرة ~~والأولى} أي : الدنيا والآخرة ، هو مالكهما والحاكم فيهما ، يعطي الشفاعة ~~والنبوة من شاء ، لا من تمناها بمجرد الهوى ، وهو تعليل لانتفاء أن يكون ~~للإنسان ما تمنى ، فإن ختصاص أمور الآخرة والأولى به تعالى مقتض لانتفاء أن ~~يكون للإنسان شيء مما تمنى إلا ان يشاء ويرضى. # جزء : 7 رقم الصفحة : 237 # الإشارة : هذه الأصنام موجودة في كل إنسان ، فاللات : حب اللذات والشهوات ~~الجسمانية الفانية ، فمن كان حريصا عليها ، جامعا لأسبابها ، فهو عابد لها ~~، والعزى : حب العز والجاه والرئاسة وسائر الشهوات القلبية ms2931 ، فمن طلبها فهو ~~عبد لها ، ومناة : تمني البقاء في الدنيا الدنية الحقيرة ، وطول الأمل فيها ~~، وكراهية الموت ، فمن كان هذا وصفه فهو عبد الدنيا ، كاره لقاء الله ، ~~فيكره الله لقاءه ، فتوجه لهؤلاء العتاب بقوله تعالى : {أفرأيتم اللات ~~والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر} حيث تحبون ما هو كمال لأنفسكم ، ~~{وله الأنثى} ؟ حيث جعلتم هذه الأشياء الحقيرة شريكة لله في استحقاق ~~العبادة والمحبة ، تلك # 238 PageV07P350 ~~إذا قسمة ضيزى جائرة ، ما هي إلا أسماء ليس تحتها طائل ، تفنى ويبقى عليها ~~العذاب والعتاب ، سميتموها واعتنيتم بشأنها والانكباب عليها ، أنتم وآباؤكم ~~، ما أنزل الله بمتابعتها والحرص على تحصيلها من سلطان ولا برهان ، إن ~~يتبعون في ابتاعها والحرص عليها إلا الظن ، ظنوا أنها كانت مباحة في ظاهر ~~الشرع لا تضر القلب ولا تحجبه عن شهود الرب ، وهو رأي فاسد ؛ إذ ليس للقلب ~~إلا وجهة واحدة ، إن توجه لطلب الحظوظ أعرض عن الله قطعا ، وإن توجه لله ~~أعرض عما سواه ، وراجع ما تقدم في قوله : {أذهبتم طيباتكم} [الأحقاف : 20] ~~الآية. ويتبعون أيضا ما تهوى الأنفس الأمارة ؛ لأنها لا تهوى إلا ما فيه ~~حظها وهواها ، ولقد جاءهم من ربهم الهدى ، أي : من يهدي إلى طريق السلوك ، ~~بقطع العلائق النفسانية والقلبية ، وهم خلفاء الرسول عليه السلام ، الدعوان ~~إلى الله ، من شيوخ التربية في كل زمان ، أم للإنسان ما تمنى ، ليس له ما ~~يتمنى إلا بسابق العناية ، فلا يدرك العبد من الدنيا والآخرة ، ومن الله ~~تعالى ، إلا ما سبق به القدر ، كما قال الشاعر : # ما كل ما يتمنى المرء يدركه # تجري الرياح بما لا تشتهي السفن # فلله الآخرة والأولى ، قال القشيري : يشير إلى قهرمانية الحق تعالى على ~~العالم كله ، ملكه وملكوته ، الأخروي والدنيوي ، فلا يملك الإنسان من أمر ~~الدارين شيئا ، بل ملك الآخرة تحت تصرف يده اليمنى ، المتقضية لموجبات حصول ~~الآخرة من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ، يهبه باسمه الواهب لمن شاء أن ~~يكون مظهرا للطفه وجماله ، وملك الدنيا تحت تصرف يده اليسرى ، المقتضية ~~لأسباب حصول الدنيا ، من حب الدنيا الدنية ms2932 ، المنتجة للخطيئة ومتابعة النفس ~~الخبيثة ، وموافقة الطبيعة اللئيمة ، باسمه المقسط ، لمن شاء أن يكون مظهر ~~قهره وجلاله ، وليس ذلك يزيد في ملكه ، ولا هذا ينقص من ملكه ، وكلتا يديه ~~ملأى سحاء ، أي : فياضة. ه. PageV07P351 # جزء : 7 رقم الصفحة : 237 # قلت : {كم} : خبرية ، تفيد التكثير ، ومحلها : رفع بالابتداء ، والجملة ~~المنفية : # 239 # خبر ، وجمع الضمير في {شفاعتهم} لأن النكرة المنفية نعم. # يقول الحق جل جلاله : {وكم من ملك في السماوات} أي : كثير من الملائكة ~~{لا تغني شفاعتهم} عند الله تعالى {شيئا} من الإغناء في وقت من الأوقات ، ~~{إلا من بعد أن يأذن الله} لهم في الشفاعة {لمن يشاء} أن يشفعوا له ، ~~{ويرضى} ويراه أهلا للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان ، وأما من عداهم من ~~أهل الكفر والطغيان فيهم عن إذن الله بمعزل ، وعن الشفاعة بألف معزل ، فإذا ~~كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر ، فما ظنهم بحال الأصنام ؟ ! # ثم شنع عليهم في اعتقادهم الفاسد في الملائكة ، فقال : {إن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة} وما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي ~~{ليسمون الملائكة} المنزهين عن سمات النقص {تسمية الأنثى} فإن قولهم : ~~الملائكة بنات الله ، قول منهم بأن كلا منهم بنته - سبحانه ، وهي التسمية ~~بالأنثى ، وفي تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنهم في الشناعة ~~واستتباع العقوبة بحيث لا يجترئ عليها إلا من لا يؤمن رأسا. # {وما لهم به من علم} أي : بما يقولون. وقرىء " بها " أي " بالتسمية ، أو ~~بالملائكة. {إن يتبعون إلا الظن} وهو تقليد الآباء ، {وإن الظن} أي : جنس ~~الظن ، ولذلك أظهر في موضع الإضمار ، {لا يغني من الحق شيئا} من الإغناء ؛ ~~لأن الحق عبارة عن حقيقة الشيء ، وهو لا يدرك إلا بالعلم ، والظن لا اعتداد ~~به في باب المعارف الحقيقية ، وإنما يعتد به في العمليات وما يؤدي إليها. PageV07P352 # {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا} أي : عنهم ، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوصل ~~إلى وصفهم بما في حيز الصلة من الأوصاف القبيحة ، ولتعليل الحكم ، أي : ~~فأعرض عمن تولى عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني ms2933 ، وهو القرآن المنطوي على ~~علوم الأولين والآخرين ، المذكر بالأمور الآخرة ، أو : عن ذكرنا كما ينبغي ~~، فإن ذلك يستتبع ذكر الآخرة وما فيها من الأمور المرغوب فيها والمرهوب ~~عنها ، قال الطيبي : أعرض عن دعوة من تدعوه إلى لقاء ربه والدار الآخرة ، ~~وهو يقول : {ماهي إلا حياتنا الدنيا...} الخ ، {ولم يرد إلا الحياة الدنيا} ~~وزخارفها ، قاصرا نظره إليها ، والمراد بالإعراض عنه : إهماله والغيبة عنه ~~، فإن من أعرض عن الذكر ، وانهمك في الدنيا ، بحيث كانت هي منتهى همته ، ~~وقصارى سعيه ، لا تزيده الدعوة إلى خلافها إلا عنادا ، وإصرارا على الباطل. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 239 # ذلك} أي : ما هم فيه من التولي ، وقصر الإرادة على الحياة الدنيا ؛ هو ~~{مبلغهم من العلم} أي : منتهى علمهم ، لا يكادون يجاوزونه إلى غيره ، فلا ~~تجدي فيهم الدعوة والإرشاد شيئا. وجمع الضمير بعد أن أفرده باعتبار معنى " ~~من " ولفظها ، والمراد بالعلم : مطلق الإدراك الشامل للظن الفاسد. {إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى} أي : هو أعلم بالضال والمهتدي ~~ومجازاتهما ، وهو تعليل الأمر بالإعراض ، # 240 # وتكرير " هو أعلم " لزيادة التقرير ، وللإيذان بكمال تباين المعلومين ، ~~أي : هو المبالغ في العلم بمن لا يرعوي عن الضلال ، ومن يقبل الاهتداء في ~~الجملة ، فلا تتعب نفسك في دعوتهم ، فإنهم من القبيل الأول. PageV07P353 # الإشارة : شفاعة كل أحد على قدر جاهه وتمكنه من الله ، فقد يشفع الولي في ~~أهل زمانه ، كما تقدم في مريم. والاعتقاد في الملائكة : أنهم أنوار لطيفة ~~من تجليات الحق ، اللطافة فيهم أغلب ، لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة ، ~~يتشكلون كيف شاؤوا. وقوله تعالى : {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا...} الآية ، ~~فيه تحذير من مخالطة الغافلين والصحبة لهم ، فإن صحبتهم سم قاتل ، والجلوس ~~معهم تضييع وبطالة ، إلا أن يستولي نور من يصحبهم على ظلمتهم ، فيجرهم إلى ~~الله ، فهذا جلوسه معهم كمال ، وقال بعضهم : الوحدة أفضل من الجلوس مع ~~العامة ، والجلوس مع الخاصة أفضل من العزلة ، إلا من تحقق كماله ، فلا كلام معه. PageV07P354 # إشارة أخرى : {وكم من ملك...} الخ ms2934 ، أي : كثير من الأرواح الصافية السماوية ~~لا تغني شفاعتها في الأنفس الظلمانية الطبيعية ، لتنقلها من عالم الأشباح ~~إلى عالم الأرواح ، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء انتقاله وعروجه إلى ~~سماء الأرواح ، ويرضى أن يسكنه في الحضرة القدسية. إن الذين لا يؤمنون ~~بالحالة الآخرة ، هي الانتقال من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح ، وينكرون ~~على من يوصل إليها ، ليسمون الخواطر القلبية بتسمية الخواطر النفسانية ، أي ~~: لا يميزون بينهما ، لجهلهم بأحوال القلوب ، ما لهم به - أي : بهذا ~~التمييز - من علم ، إن يتبعون في جل اعتقاداتهم إلا الظن القوي ، وإن الظن ~~لا يغني عن الحق شيئا ، فلا ينفع مقام الإيمان إلا الجزم عن دليل وبرهان ، ~~ولا في مقام الإحسان إلا شهود الحق بالعيان ، فمن لم يحصل هذا فهو غافل عن ~~ذكر الله الحقيقي ، يجب الإعراض عنه ، قال تعالى : {فأعرض عن من تولى عن ~~ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا} وزخارفها ، ذلك مبلغهم من العلم ، يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة هم غافلون. وقال اللجائي ، في قطبه ~~: وإياك أن تكون دنياك إرادة قلبك تبعا لشهوات نفسك ، أو تكون دنياك أحب ~~إليك من آخرتك ، وقلبك من ذكر مولاك خاليا معرضا ، فإنها صفة الهالكين ، ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى : {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا...} الآية. وقيل ~~لأبي الحسن الشاذلي : يا سيدي ، بم فقت أهل عصرك ، ولم نر كل كبير عمل ؟ ~~فقال : بخصلة ، أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ، وتمسكت بها أنا ، ~~وهي الإعراض عنكم وعن دنياكم. ه. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن طريق الوصول ~~إليه ، وهو أعلم بمن اهتدى إليها ، فيعينه ، ويجذبه إلى حضرته ، فإن الأمر ~~كله بيده. # 241 # جزء : 7 رقم الصفحة : 239 PageV07P355 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولله ما في السماوات وما في الأرض} خلقا وملكا ، لا ~~لغيره ، لا استقالا ولا اشتراكا ، {ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا} بعقاب ما ~~عملوا من السوء ، أو : بسبب ما عملوا ، {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} ~~بالمثوبة الحسنى ، وهي الجنة ، والمعنى : أن الله تعالى ms2935 إنما خلق هذا ~~العالم والعلوي والسفلي ، وتصرف فيه بقدرته بين جلاله وجماله ، ليجزي ~~المحسن من المكلفين ، والمسيء منهم ؛ إذ من شأن الملك أن ينصر أولياءه ~~ويكرمهم ، ويقهر أعدائه ويهينهم. # وقال الطيبي : " ليجزي " راجع لقوله : {هو أعلم بمن ضل...} الآية ، ~~والمعنى : إن ربك هو أعلم بمن ضل وبمن اهتدى ليجزي كل واحد بما يستحقه ، ~~يعني : أنه عالم ، كامل العلم ، قادر ، تام القدرة ، يعلم أحوال المكلفين ~~فيجازيهم ، لا يمنعه أحد مما يريده ؛ لأن كل شيء من السموات والأرض ملكه ، ~~وتحت قهره وسلطانه ، فقوله : {ولله ما في السماوات وما في الأرض} : جملة ~~معترضة ، توكيد للاقتدار وعدم المعارض. ه. PageV07P356 # {الذين يجتنبون كبائر الإثم} : بدل من الموصول الثاني ، أو : رفع على المدح ~~، أي : هم الذين يجتنبون. والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الاجتناب ~~واستمراره. وكبائر الإثم : ما يكبر عقابه من الذنوب ، وهو ما رتب عليه ~~الوعيد بخصوصه. قال ابن عطية : وتحرير القول في الكبائر : إنها كل معصية ~~يوجد فيها حد في الدنيا ، أو توعد عليها بنار في الآخرة ، أو بلعنة ونحوها. ~~وقرأ الأخوان : (كبير الإثم) على إرادة الجنس ، أو الشرك ، {و} يجتنبون ~~{الفواحش} وهو ما فحش من الكبائر ، كأنه قيل : يجتنبون الكبائر وما فحش ~~منها خصوصا ، فيحتمل أن يريد بالكبائر : ما فيه حق الله وحده ، والفواحش ~~منها : ما فيه حق الله وحق عباده ، {إلا اللمم} أي : إلا ما قل وصغر ، فإنه ~~مغفور لمن يجتنب الكبائر ، وقيل : هي النظرة والغمزة والقبلة ، وقيل : ~~الخطرة من الذنب ، وقيل : كل ذنب لم يجعل الله فيه حدا ولا عذابا. ~~والاستثناء منقطع ؛ لأنه ليس من الكبائر ولا من الفواحش. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 242 # إن ربك واسع المغفرة} حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر ، أو : حيث يغفر ~~ما يشاء من الذنوب من غير توبة ، وهذا أحسن ، {هو أعلم بكم إذا أنشأكم} في ~~ضمن إنشاء أبيكم آدم عليه السلام {من الأرض} إنشاء إجماليا ، حسبما مر ~~تحقيقه مرارا ، {وإذا أنتم أجنة} أي : يعلم وقت كونكم أجنة {في بطون ~~أمهاتكم} على أطوار مختلفة ، لا يخفى # 242 ms2936 # عليه حال من أحوالكم ، ولا عمل من أعمالكم. PageV07P357 # {فلا تزكوا أنفسكم} فلا تنسبوها إلى زكاء الأعمال ، وزيادة الخير والطاعات ~~، أو : إلى الزكاة والطهارة من المساوئ ، ولا تثنوا عليها ، واهضموها ، فقد ~~علم الله الزكي منكم والتقي ، قبل أن يخرجكم من صلب آدم ، وقبل أن تخرجوا ~~من بطون أمهاتكم. وقيل : كان ناس يعملون أعمالا حسنة ، ثم يقولون : صلاتنا ~~وصيامنا وحجنا ، فنزلت. وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء ، لا على ~~سبيل الاعتراف بالنعمة ، والتحدث بها ، فإنه جائز ؛ لأن المسرة بالطاعة ~~طاعة ، وذكرها شكرها. والأحسن في إيراد الاعتراف والشكر أن يقدم ذكر نقصه ، ~~فيقول مثلا : كنا جهالا فعلمنا الله ، وكنا ضلالا فهدانا الله ، وكنا ~~غافلين فأيقظنا الله ، وهكذا نحن اليوم كذا وكذا. # قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون نهيا عن أن يزكي بعض الناس بعضا ، وإذا ~~كان هذا ، فإنما ينهى عن تزكية السمع ، أو القطع بالتزكية ، ومن ذلك الحديث ~~في " عثمان بن مظعون " عند موته ، وأما تزكية القدوة أو الإمام ، أو أحدا ، ~~ليؤتم به أو ليتهمم الناس بالخير ، فجائز ، وقد زكى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبا بكر وغيره ، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة ؟ للضرورة ~~إليها ، وأصل التزكية : التقوى ، والله تعالى أعلم بتقوى الناس منكم. ه. # وقال في القوت : هذه الذنوب تدخل على النفوس من معاني صفاتها ، وغرائز ~~جبلاتها ، وأول إنشائها من نبات الأرض ، وتركيب الأطوار في الأرحام ، خلق ~~من بعد خلق ، ومن اختلاط الامشاج بعضها مع بعض ، ولذلك عقبه بقوله : {هو ~~أعلم بكم إذ أنشأكم...} الآية. ه. # ثم قال تعالى : {هو أعلم بمن اتقى} فاكتفوا بعلمه عن علم الناس ، وبجزائه ~~عن ثناء الناس. وبالله التوفيق. PageV07P358 # الإشارة : ولله ما في سموات الأرواح من أنوار الشهود ، وما في أرض النفوس ~~من آداب العبودية ، رتب ذلك ليجزي الذين أساؤوا بوقوفهم مع أرض النفوس في ~~العالم المحسوس ، ويجزي الذين آمنوا بترقيهم إلى مقام الإحسان ، بالحسنى ، ~~وهي المعرفة ، حيث ترقوا من أرض الأشباح إلى عالم سماء الأرواح ، وهم الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم وهو شهود ms2937 وجودهم مع وجود الحق محبوبهم ، ووقوفهم مع ~~عالم الحس ، والفواحش ، وهو اعتراضهم على الله فيما يبرز من عنصر قدرته ، ~~وتصغيرهم شيئا مما عظم الله ، إلا اللمم ؛ خواطر تخطر ولا تثبت. # جزء : 7 رقم الصفحة : 242 # قال القشيري : كبائر الإثم ثلاث : محبة النفس الأمارة ، ومحبة الهوى ~~النافخ في نيران النفس ، ومحبة الدنيا ، التي هي رأس كل خطيئة ، ولكل واحدة ~~من هذه الثلاث # 243 # فاحشة لازمة لها ، أما فاحشة محبة النفس : فموافقة الطبيعة ومخالفة ~~الشريعة ، وأما فاحشة محبة الهوى : فحب الدنيا وشهواتها ، وأما فاحشة محبة ~~الدنيا فالإعراض عن الله ، والإقبال على ما سواه. وقوله {إلا اللمم} أي : ~~الميل اليسير إلى الهوى والنفس والدنيا ، بحسب ضرورته البشرية ؛ من استراحة ~~البدن ، ونيل قليل من حظوظ الدنيا ، بحسب الحقوق ، لا بحسب الحظوظ ، فإن ~~مباشر الحقوق مغفور ، ومباشر الحظوظ مغرور. ه. PageV07P359 # {إن ربك واسع المغفرة} يستر العيوب ، ويوصل إلى حضرة الغيوب. هو أعلم بكم ~~إذ أنشأكم من أرض البشرية ، ورقاكم إلى عالم الروحانية ، وإذ أنتم أجنة في ~~أول بدايتكم في بطون أمهاتكم ، في بطون الهوى والغفلة ، ودائرة الكون ، ~~فأخرجكم منها بمحض فضله ، فلا تزكوا أنفسكم ، فتنظروا إليها بعين الرضا ، ~~أو تنسبوا إليها شيئا من الكمالات قبل صفائها. قال القشيري : تزيكة المرء ~~نفسه علامة كونه محجوبا ؛ لأن المجذوب عن بقائه ، المستغرق في شهود ربه ، ~~لا يزكي نفسه. ه. قلت : هذا ما دام في السير ، وأما إن حصل له الوصول ؛ فلا ~~نفس له ، وإنما يزكي ربه إذا زكاها ، هو أعلم بمن اتقى ما سواه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 242 # يقول الحق جل جلاله : {أفرأيت الذي تولى} أعرض عن الإيمان {وأعطى قليلا ~~وأكدى} أي : قطع عطيته وأمسك ، وأصله : إكداء الحافر ، وهو أن تلقاه كدية - ~~وهي صلابة ، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس : " هو فيمن كفر بعد ~~الإيمان " ، وقيل : في الوليد بن المغيرة ، وكان قد اتبع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين ، وقال : تركت دين الأشياخ ، وزعمت أنهم ~~في النار ؟ قال : إني خشيت عذاب الله ، فضمن ms2938 له إن أعطاه شيئا من ماله ، ~~ورجع إلى شركه ، أن يتحمل عنه عذاب الله ، ففعل ذلك المغرور ، وأعطى الذي ~~عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. {أعنده علم الغيب فهو يرى} أي : ~~يعلم هذا المغرور أن له حق ؟ PageV07P360 # {أم لم ينبأ} يخبر {بما في صحف موسى} أي : التوراة ، {وإبراهيم} أي : وما ~~في صحف إبراهيم {الذي وفى} أي : أكمل وأتم ما ابتلي به من الكلمات ، أو : ~~ما أمر به ، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه. وعن الحسن : ما أمره ~~الله بشيء إلا وفى به. وعن عطاء بن السائب : عهد ألا يسأل مخلوقا ، فلما ~~قذف في النار قال له جبريل : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا. وقال الشيخ ~~المرسي : وفى بمقتضى قوله : {حسبي الله} # 244 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر ~~النهار " وهي صلاة الضحى. وروي : " ألا أخبركم لم سمى خليله " الذي وفى " ؛ ~~كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى : {فسبحان الله حين تمسون...} إلى {تظهرون} ~~وقيل : وفى سهام الإسلام ، وهي ثلاثون ، عشرة في التوبة : {التآئبون} ~~[التوبة : 112] الخ ، وعشرة في الأحزاب : {إن المسلمين...} [الأحزاب : 35] ~~وعشرة في المؤمنين : {قد أفلح المؤمنون}. وقيل : وفي حيث أسلم بدنه للنيران ~~، وولده للقربان ، وطعامه للضيفان. وروي : أنه كان يوم يضيف ضيفا ، فإن ~~وافقه أكرمه ، وإلا نوى الصوم ، وتقديم موسى لأن صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. # جزء : 7 رقم الصفحة : 244 # ثم فسر ما في تلك الصحف فقال : {ألا تزر وازرة وزر أخرى} أي : أنه لا ~~تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى ، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها ، يقال : وزر ~~يزر إذا اكتسب وزرا ، و" أن " مخففة ، وكأن قائلا قال : ما في صحف موسى ~~وإبراهيم ؟ فقال : ألا تحمل نفس مثقلة بوزرها وزر نفس أخرى. PageV07P361 # {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} هو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم ، وهو بيان ~~لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره ، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر ~~عنه به ، وأما ما ms2939 صح من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه ، فلأنه لما ~~نواه عنه كان كالوكيل عنه ، فهو نائب عنه. قال ابن عطية : الجمهور أن قوله ~~: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} محكم لا نسخ فيه ، وهو لفظ عام مخصص. ه ~~يعني : أن المراد : الكافر ، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن ، ~~وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره ، إذا وهب له من صدقة ~~ودعاء وشفاعة واستغفار ، ونحو ذلك ، وإلا لم يكن فائدة لمشروعية ذلك ، ~~فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان " : وفي السعي ، بأن يخص الإنسان بالكافر ~~، أو السعي بالصلاة ، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلا. والحاصل : أن ~~الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير ، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله ~~الفاسي : وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت ، ~~فلما مات رؤي في النوم ، فقال : وجدنا الأمر خلاف ذلك. # قلت : أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير ، إن نواه له ، وأما في ~~رفع الستور ، وكشف الحجب ، والترقي إلى مقام المقربين ، فالآية صريحة فيه ، ~~لا تخصيص فيها ؛ إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقرب إلا بقدر ما سعى ~~من المجاهدة. والله تعالى أعلم. # 245 # ثم قال : {وأن سعيه سوف يرى} أي : يعرض عليه ، ويكشف له يوم القيامة في ~~صحيفته وميزانه ، {ثم يجزاه} أي : يجزى العبد سعيه ، يقال : جزاه الله عمله ~~، وجزاه عليه ، بحذف الجار وإيصال الفعل ، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء ، ~~ثم فسره بقوله : {الجزاء الأوفى} أو : أبدله منه ، أي : الجزاء الأكمل بحيث ~~يزيده ولا ينقصه. PageV07P362 # الإشارة : أفرأيت الذي تولى عن طريق السلوك ، بعد أن أعطى نفسه وفلسه ، ~~وتوجه إلى حضرة مولاه ، ثم منته نفسه ، وغرته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة ~~، فقطع ذلك واشتغل بنفسه ، أو غره أحد حتى رده ، وضمن له الوصول ، بلا ذلك ~~، أعنده علم الغيب حتى علم أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة ؟ فهو يرى عاقبة ~~ما هو سائر إليه. وتصدق الإشارة بمن صحب شيخا ، وأعطاء بعض ماله أو نفسه ، ~~ثم رجع ms2940 ومال إلى غيره ، فلا يأتي منه شيء ، أعنده علم الغيب ، وأن فتحه على ~~يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده ؟ وهذا إن كان شيخه أهلا للتربية ~~، وإلا فلا. أم لم ينبأ هذا المنقطع بما في صحف موسى وإبراهيم ، أنه لا ~~يتحمل أحد عن أحد مجاهدة النفوس ورياضتها ؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود ~~والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة ، وبذل النفس والفلس ، وأن سعيه سوف يرى ~~؟ أي : يظهر أثره من الأخلاق الحسنة ، والرزانة والطمأنينة ، وبهجة المحبين ~~، وسيما العارفين. # جزء : 7 رقم الصفحة : 244 # وقسم القشيري السعي على أربعة أقسام : الأول : السعي في تزكية النفس ~~وتطهيرها ، ونتيجته : النهوض للعمل الصالح ، الذي يستوجب صاحبه نعيم ~~الجنان. الثاني : السعي في تصفية القلب من صداء ظلمات البشرية ، وغطاء ~~عورات الطبيعية ، ونتيجته : صحته من الأمراض القلبية ، كحب الدنيا والرئاسة ~~والحسد ، وغير ذلك ، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث : السعي في ~~تزكية الروح ، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية ، كطلب الكرامات ، والوقوف ~~مع المقامات ، وحلاوة المعاملات ، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام ~~المشاهدات ، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع : السعي في تزكية السر بتحليته ~~بالصفات الإلهية ، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء ، وهو ~~منتهى السعي وكماله. ه. بالمعنى. # جزء : 7 رقم الصفحة : 244 PageV07P363 ~~يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى : {وأن إلى ربك ~~المنتهى} أي : الانتهاء ، أي : ينتهي إليه الخلق ويرجعون ، إليه كقوله : ~~{وإلى المصير} [الحج : 48] أو : ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون ، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم : " لا فكرة في الرب " أي : كنه الذات ، وسيأتي في ~~الإشارة : {وأنه هو أضحك وأبكى} أي : خلق الضحك والبكاء ، أو : خلق الفرح ~~والحزن ، أو : أضحك المؤمنين في الأخرة ، وأبكى الكافرين ، أو : أضحك ~~المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب ، {وأنه هو أمات ~~وأحيا} أي : أمات الآباء وأحياء الأبناء ، أو : أمات بالكفر وأحيا ~~بالإيمان. # {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى} : إذ تدفق وتدفع في ~~الرحم. يقال : منى وأمنى ، {وأن عليه النشأة الأخرى} الإحياء بعد ms2941 الموت ، ~~{وأنه هو أغنى} أي : صير الفقير غنيا {وأقنى} أي : أعطى القنية ، وهو المال ~~الذي تأثلته ، وعزمت ألا تخرجه من يدك. {وأنه هو رب الشعرى} وهو كوكب يطلع ~~بعد الجوزاء في شدة الحر ، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة ~~" رجل من أشرافهم ، قال : لأن النجوم تقطع السماء عرضا ، والشعرى طولا ، ~~ويقال لها : شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ابن أبي كبشة ، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به ، ~~لمخالفته إياهم في دينهم ، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم ، فهو أحق بالعبادة وحده. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 246 PageV07P364 ~~وأنه أهلك عادا الأولى} وهم قوم هود ، وعاد الأخرى : عاد إرم ، وقيل : معنى ~~الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح ، وقال الطبري وغيره : ~~سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة ، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق ، وهم ~~بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. {قلت} : والتحقيق : أن عادا الأولى هي ~~عاد إرم ، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح ، ثم بقيت منهم بقايا ، فكثروا ~~وعمروا بعدهم ، فقيل لهم عاد الأخيرة ، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. ~~وها هنا قراءات ، وجهناها في كتاب الدرر. # {وثمودا} أي : وأهلك ثمودا ، وهم قوم صالح ، {فما أبقى} أحدا منهم ، {وقم ~~نوح من قبل} ؛ وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود ، {إنهم كانوا أظلم وأطغى} ~~من عاد وثمود ؛ لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك ، وينفرون منه حتى كانوا # 247 # يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه ، {والمؤتفكة} أي : والقرى التي ائتفكت ، ~~أي : انقلبت بأهلها ، وهم قوم لوط. يقال : أفكه فائتفك ، أي : قلبه فانقلب ~~، {والمؤتفكة} منصوب ب {أهوى} أي : رفعها إلى السماء على جناح جبريل ، ثم ~~أهواها إلى الأرض ، أي : أسقطها ، {فغشاها} ألبسها من فنون العذاب {ما غشى} ~~وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب ، وأمطر عليها من الصخر المنضود. {فبأي ~~آلاء ربك} أيها المخاطب {تتمارى} أي : تتشكك ؟ أي : فبأي نعم من نعم مولاك ~~تجحد ولا تشكر ؟ فكم أولاك من النعم ms2942 ، ودفع عنك من النقم ، وتسمية الأمور ~~المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم ؛ لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة ~~الأنبياء والمرسلين ، وعظة وعبرة للمعتبرين. {هذا نذير} أي : محمد منذر {من ~~النذر الأولى} من المنذرين الأولين ، وقال : " الأولى " على تأويل الجماعة ~~، أو : هذا القرآن نذير من النذر الأولى ، أي : إنذار من جنس الإنذارات ~~الأولى التي إنذر بها من قبلكم. PageV07P365 # {أزفت الآزفة} أي : قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله : {اقتربت الساعة} ~~[القمر : 1] ، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم ~~القيامة ، {ليس لها من دون الله كاشفة} أي : ليس لها نفس مبينة وقت قيامها ~~إلا الله تعالى ، وهذا كقوله : {لا يجليها لوقتهآ إلا هو} [الأعراف : 187] ~~أو : ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى ، فيكشفها ~~عمن شاء ، ويعذب بها من شاء. # ولما استهزؤوا بالقرآن ، الناطق بأهوال القيامة ، نزل قوله تعالى : {أفمن ~~هذا الحديث تعجبون} إنكارا ، {وتضحكون} استهزاء ، {ولا تبكون} خشوعا ، ~~{وأنتم سامدون} غافلون ، أو : لاهون لاعبون ، وكانوا إذا سمعوا القرآن ~~عارضوه بالغناء ، ليشغلوا الناس عن استماعه ، {فاسجدوا لله واعبدوا} ولا ~~تعبدوا معه غيره ، من اللات والعزى ومناة والشعرى ، وغيرها من الأصنام ، أي ~~: اعبدوا رب الأرباب ، وسارعوا له ، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر ~~بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء ، ووجوب تلقيه ~~بالإيمان والخضوع والخشوع ، أي : إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي ~~أنزله واعبدوه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 246 # الإشارة : {وأن إلى ربك المنتهى} انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله ~~، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله : العلم بأحدية ~~وجوده ، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب ، وتضمحل الكائنات في وجود المكون ~~، فتسقط شفيعة الأثر ، وتثبت وترية المؤثر ، كما قال القائل : # وبروح وراح # عاد شفعي وترى # وقال الآخر : # 248 # فلم يبق إلا الله لم يبق كائن # فما ثم موصول ولا ثم بائن # بذا جاء برهان العيان ، فما أرى # بعيني إلا عينه إذ أعاين # إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ms2943 ووجدانهم. PageV07P366 # ثم قال تعالى : {وأنه هو أضحك وأبكى} أي : قبض وبسط ، أو : أنه أضحك أرواحا ~~بكشف الحجاب ، وأبكى نفوسا بذل الحجاب ، أو : أضحك إذا تجلى بصف الجمال ، ~~وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال ، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة ، بمقتضى ~~اسمه القهار ، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة ، بمقتضى اسمه الغفار ، أو : ~~أمات نفوسا عن شهواتها الفانية ، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة ~~فاتصفت بالأوصاف الربانية ، أو : أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها ~~عليها ، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها ، وغلبة ونورها ، فحييت ~~وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين ، أي : الصنفين : الذكر والأنثى ، الحس ~~والمعنى ، الحقيقية والشريعة ، القدرة والحكمة ، كما تقدم. وقال القشيري : ~~الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية ، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية ، ~~لتحصل نتيجة القلب ، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال ~~بعضهم : والشيطان كالذكر ، والنفس كالأنثى ، يتولد بينهما المعصية. ه. PageV07P367 # {وأن عليه النشأة الأخرى} وهو بعث الأرواح من موت الغفلة ، وحشرها إلى موقف ~~المراقبة والمحاسبة ، ثم إدخالها جنة المعارف ، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف ~~أبدا ، أو : {النشأة الأخرى} : الجذب بعد السلوك ، والفناء بعد البقاء ، ثم ~~البقاء بعد الفناء ، البقاء الأول بوجود النفس ، والثاني بالله. وأنه هو ~~أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته ، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ~~ماله ، {وأنه هو رب الشعرى} ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا ، فكيف يعبد ~~المربوب اللئيم ، ويترك الرب الكريم ؟ ! وأنه أهلك عادا الأولى ؛ النفوس ~~المتفرعنة ، والأهوية المغوية ، أرسل عليهم ريح الهداية القوية ، حتى ~~اضمحلت وخضعت لمولاها ، وثمود الخواطر ، فما أبقى منها إلا خواطر الخير ، ~~التي تأمر بالخير ، وقوم نوح ؛ من القواطع الأربعة : النفس ، والشيطان ، ~~والناس ، والدنيا ، فطعنهم عن المتوجه من قبل ، أي : من قبل أن يتوجه إلينا ~~، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق ، والنفس ~~المؤتفكة ، أي : المنقلبة عن التوجه ، أهوى بها في أسفل سافلين ، باعتبار ~~أهل عليين ، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم ، ما غشى. # جزء : 7 رقم الصفحة : 246 # فإذا سلمت أيها العبد من ms2944 هؤلاء القواطع والعلائق ، وتوجهت إلى مولاك ، ~~{فبأي آلاء ربك تتمارى ؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل ~~والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى ، المتقدمين الداعين إلى ~~الله في كل زمان ، أزفت الآزفة ، أي : قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت ~~عنك العلائق ، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق ، ليس لها من دون الله كاشفة ، ~~لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك # 249 # بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري : أزفت الآزفة : قربت الحقيقة بالقرب ~~والدنو ، وأنت أيها السالك في عينها ، وما لك بها شعور ، لفنائك في أوصافك ~~النفسانية ، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب ، والغزل الرقيق الغريب ، ~~تعجبون ، إنكارا ، وتضحكون استهزاء ؟ قلت : وقد رأيت كثيرا ممن ينكر ~~الإشارة ، ويستهزئ بها ، ويتنكب مطالعتها ، وقد قيل : من كره شيئا عاداه. ~~ولا تبكون على أنفسكم ، حيث حرمت من هذه المواهب ، وأنتم سامدون غافلون ~~لاهون ، للدنيا طالبون ، فاسجدوا لله واعبدوا ، وتضرعوا إليه ، حتى يخرجكم ~~من سجن هواكم ونفوسكم. # وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وصلى الله عليه سيدنا ~~محمد وآله وصحبه وسلم. # 250 # جزء : 7 رقم الصفحة : 246 PageV07P368 ### | AUTO سورة القمر # جزء : 7 رقم الصفحة : 250 # يقول الحق جل جلاله : {اقتربت الساعة} قربت القيامة ، قال القشيري : ~~ومعنى قربها : أن ما بقي من الزمان إلى القيامة قليل بالإضافة إلى ما مضى. ~~ه. قال ابن عطية : وأمرها مجهول التحديد ، وكل ما يروى من التحديد في عمر ~~الدنيا فضعيف. ه. {وانشق القمر} نصفين ، وقرئ : و" قد انشق القمر " ، أي : ~~اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق ، كما تقول : ~~أقبل الأمير ، وقد جاء البشير بقدومه. PageV07P369 # قال ابن مسعود رضي الله عنه : انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~فرقتين ، فكانت أحداهما فوق الجبل ، والأخرى أسفل من الجبل ، فقال صلى الله ~~عليه وسلم : " اشهدوا " قال ابن عباس : إن المشركين قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم : إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين ، فقال : " إن فعلت ؛ ~~أتؤمنون ؟ " فقالوا : نعم ، وكانت ms2945 ليلة بدر ، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه ~~؛ فانشق فرقتين ، نصف على أبي قبيس ، ونصف على قعيقعان ، وقيل : سألوا آية ~~مجملة ، فأراهم انشقاق القمر. قال ابن عطية : وعليه الجمهور ، يعني عدم ~~التعيين. # 251 # وفي صحيح مسلم : أنه انشق مرتين وصرح في شرح مرتين وصرح في شرح المواقف ~~بأن انشقاقه متواتر. ه. وقيل : معناه : انشق ، أي : ينشق يوم القيامة ، وهو ~~ضعيف ، ولا يقال : لو انشق لما خفي على أهل الأقطار ، ولو ظهر عندهم لنقل ~~متواترا ؛ لأن الطباع جبلت على نشر العجائب ، لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم ~~بغيم أو غيره ، مع أنه كان ليلا ، وجل الناس نائمون ، وأيضا : عادة الله ~~تعالى في معجزاته أنه لا يراها إلا من ظهرت لأجله في الغالب. # تنبيه : قال القسطلاني في المواهب اللدنية : ما يذكره بعض القصاص أن ~~القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه ، ليس له أصل ، كما ~~حكاه الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير. ه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 251 PageV07P370 ~~وإن يروا} أي : أهل مكة {آية} تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم ~~{يعرضوا} عن الإيمان {ويقولوا سحر مستمر} محكم شديد قوي ، من : المرة ، وهي ~~القوة ، أو : دائم مطرد. روي : أنه لما انشق ؛ قالوا : هذا سحر ابن أبي ~~كبشة ؟ فسلوا السفار ، فلما قدموا سألوهم ، فقالوا : إنهم قد رأيته ، ~~فقالوا : قد استمر سحره في البلاد ، فنزلت. قال البيضاوي : دل قوله : ~~{مستمر} على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة ، ومعجزات سابقة. ه. أو : ~~مستمر ، ذاهب ومار ، يزول ولا يبقى ، من : مر الشيء واستمر : ذهب. # {وكذبوا واتبعوا أهواءهم} الباطلة ، وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ~~ظهوره ، حتى قالوا : سحر القمر ، أو : سحر أعيننا ، {وكل أمر} وعدهم الله ~~به {مستقر} كائن في وقته ، أو : كل أمر قدر واقع لا محالة يستقر في وقته ، ~~أو : كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب ، وقرئ " مستقر " ~~بالجر ، فيعطف على " الساعة " ، أي : اقتربت الساعة وكل أمر مستقر ، يعني : ~~أشراطها. {ولقد جاءهم} ms2946 أي : اهل مكة في القرآن ؛ {من الأنباء} من أخبار ~~القرون الماضية ، وكيف أهلكوا بالتكذيب {ما فيه مزدجر} أي : ازدجار عن ~~الكفر والعناد ، يقول : زجرته وازدجرته ، أي : منعته ، وأصله : ازتجر ، ~~افتعل ، من الزجر ، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا ؛ لأن ~~التاء حرف مهموس ، والزاي حرف مجهور. فأبدل من التاء حرف مجهور ، وهو الدال ~~؛ ليناسب الميم. # {حكمة بالغة} بدل من " ما " ، أو : خبر ، أي : هو حكمة بالغة ؛ ناهية في ~~الرشد والصواب ، أو : بالغة من الله إليهم ، قال القشيري : والحكمة البالغة ~~: الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن فكر فيها. ه. قال المحلي : وصفت بالبلاغة ؛ ~~لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها ه. {فما تغن النذر} ~~شيئا ، حيث سبق القدر بكفرهم ، و" ما " # 252 PageV07P371 ~~نافية ، أو استفهامية منصوبة ب " تغن " ، أي : فأي إغناء تغني النذر مع ~~سابق القدر ؟ والنذر : جمع نذير ، وهم الرسل ، أو : المنذر به ، أو : مصدر ~~بمعنى الإنذار ، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الإغناء ، واستمراره ~~حسب تجدد مجيء الزواجر واستمرارها. # {فتول عنهم} لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم شيئا ، واذكر {يوم يدع ~~الداع} وهو إسرافيل عليه السلام {إلى شيء نكر} أي : منكر فظيع ، تنكره ~~النفوس ، لعدم العهد بمثله ، وهو هول القيامة. {خشعا أبصارهم يخرجون} ف " ~~خشعا " : حال من فاعل " يخرجون " ، أي : {يخرجون من الأجداث} أذلة أبصارهم ~~من شدة الهول ؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما ، ومن قرأ : " ~~خاشعا " فوجهه : أنه أسند إلى ظاهر ، فيجب تجريده كالفعل ، وأما من قرأ ~~بالجمع ، فهو على لغة : " أكلوني البراغيث " ، {كأنهم جراد منتشر} في ~~الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار. قال ابن عطية : في الحديث : أن مريم ~~دعت للجراد ؛ فقال : اللهم أعشها بغير رضاع ، وتتابع بينها بغير شباع. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 251 # ثم وصف خروجهم من القبور ، فقال : {مهطعين إلى الداع} مسرعين مادي ~~أعناقهم إليه ، أو ناظرين إليه ، {يقول الكافرون} استئناف بياني ، وقع ~~جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال ، وأهله بسوء الحال ، كأن قائلا قال : ~~فماذا يكون حينئذ ؟ فقال ms2947 : {يقول الكافرون هذا يوم عسر} صعب شديد. وفي ~~إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. ~~والله تعالى أعلم. PageV07P372 # الإشارة : اقتربت ساعة الفتح لمن جد في السير ، ولازم صحبة أهل القرب ، قال ~~القشيري : الساعة ساعتان : كبرى ، وهي عامة ، وصغرى ، وهي خاصة بالنسبة إلى ~~السالك إلى الله ، برفع الأوصاف البشرية ، وقطع العلائق الطبيعية. قال : ~~وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : " من مات فقد قامت قيامته " ~~راجعة إلى الساعة الصغرى. ه. أي : من مات عن رؤية نفسه ؛ قامت قيامته بلقاء ~~ربه وشهوده. وقوله تعالى : {وانشق القمر} أي : قمر الإيمان ؛ فإنه إذا ~~أشرقت عليه شمس العيان ، لم يبق لنوره أثر ، ليس الخبر كالعيان ، وإن يروا ~~- أي : أهل الغفلة والحجاب - آية تدل على طلوع شمس العيان على العبد ~~المخصوص ، يعرضوا منكرين ، ويقولوا : {هذا سحر مستمر...} الآية ، وكل أمر ~~قدره الحق - تعالى في الأزل ، من أوقات الفتح أو غيره ، مستقر ، يستقر ويقع ~~في وقته ، لا يتقدم ولا يتأخر ، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل ~~إبانه ، فربما عوقب بحرمانه ، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية ~~، وما لحق أهل الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبعد ما فيه مزدجر ، كما فعل ~~بابن البراء وأمثاله ، حكمة من الله بالغة ، وسنة # 253 # ماضية ، يقول : " من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب " فما تغن النذر إذا سبق ~~الخذلان ، فتول أيها السالك عنهم ، وعن خوضهم ، واشتغل بالله عنهم ؛ ~~{فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} واذكر الموت وما بعده ، فإنه حينئذ ~~يظهر عز الأولياء ، وذل الأغبياء ، يقولون : هذا يوم عسر على من طغى وتجبر. # جزء : 7 رقم الصفحة : 251 PageV07P373 ~~يقول الحق جل جلاله : {كذبت قبلهم} أي : قبل أهل مكة {قوم نوح فكذبوا ~~عبدنا} نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب : أنهم كذبوا تكذيبا عقب ~~تكذيب ، كلما خلا منهم قرن مكذب ، جاء عقبه قرن آخر مكذب مثله ، وقيل : ~~كذبت قوم نوح الرسل ، {فكذبوا عبدنا} ؛ لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه ~~السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة ؛ تفخيم ms2948 له عليه السلام ورفع ~~لمحله ، وزيادة تشينع لمكذبيه ، {وقالوا مجنون} أي : لم يقتصروا على مجرد ~~التكذيب ، بل نسبوه للجنون ، {وازدجر} أي : زجر عن أداء الرسالة ؛ بالشتم ، ~~وهدد بالقتل ، أو : هو من جملة قولهم ، أي : قالوا : هو مجنون وقد ازدجرته ~~الجن ، أي : تخبطته وذهبت بلبه. # {فدعا ربه} حين أيس منهم {أني مغلوب} أي : بأني مغلوب من جهة قومي ، ~~بتسليطهم علي ، فلم يسمعوني ، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري : ~~مغلوب بالتسلط لا بالحجة ، إذ الحجة كانت له. ه. وهذا جار فيمن لم يستجب لك ~~، تقول : غلبني. ثم دعى عليهم بقوله : {فانتصر} ؛ فانتقم منهم بعذاب تبعثه ~~عليهم ، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد روي أن الواحد منهم كان ~~يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه ، فيقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. # {ففتحنا أبواب السماء بما منهمر} منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما ~~، قال يمان : حتى طبق بين السماء والأرض ، وقيل : كانوا يطلبون المطر سنين ~~، فأهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار ، وشدة إنصابها ، ~~وقيل : كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. # 254 PageV07P374 ~~{وفجرنا الأرض عيونا} وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر ، وهو أبلغ من ~~قولك : وفجرنا عيون الأرض ، ومثله : {واشتعل الرأس شيبا} [مريم : 4] في ~~إفادة العموم والشمول ، {فالتقى الماء} أي : مياه السماء ومياه الأرض ، ~~وقرئ : " الماءان " ، أي : النوعان من الماء السمائي والأرضي. {على أمر قد ~~قدر} أي : قضي في أم الكتاب ، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان ، أو : قدر أن ~~الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت. قيل : كان ماء السماء باردا ~~كالثلج ، وماء الأرض مثل الحميم ، ويقال : إن الماء الذي نبع من الأرض نضب ~~، والذي نزل من السماء بقي حارا. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 254 # وحملناه على ذات ألواح} أي : أخشاب عريضة ، والمراد : السفينة ، وهي من ~~الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له ، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه ، ~~{ودسر} ومسامير ، جمع : دسار ، وهو المسمار ، فعال من : دسره : إذا دفعه ؛ ~~لأنه يدسر به منفذه. {تجري بأعيننا} أي بمرأى منا ، أو : بحفظنا ms2949 ، وهو حال ~~من فاعل " تجري " ، أي : تجري محفوظة {جزاء} مفعول له ، أي : فعلنا ذلك ~~جزاء {لمن كان كفر} وهو نوح عليه السلام ، وجعله مكفورا ؛ لأن النبي نعمة ~~من الله ورحمة ، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف ، أي : عقابا ~~لمن كفر بالله. قيل : ما نجا من الغرق إلا عوج بن عنق ، كان الماء إلى ~~حجزته ، وسبب نجاته : أن نوحا احتاج إلى خشب الساج للسفية ، فلم يمكنه ~~نقلها ، فحمل عوج تلك الخشب إليه من الشام ، فشكر الله له ذلك ، ونجاه من ~~الغرق. قال الثعلبي. قلت : وقد تقدم إبطاله في سورة العقود ، وأنه من وضع ~~الزنادقة. ذكره القسطلاني. PageV07P375 # {ولقد تركناها} أي : السفينة ، أو : الفعلة ، أي : جعلناها {آية} يعتبر بها ~~من يقف على خبرها. وعن قتادة : أبقاها الله بأرض الجزيرة ، وقيل : على ~~الجودي ، حتى رآها أوائل هذه الأمة. {فهل من مدكر} من متعظ يتعظ ويعتبر ، ~~وأصله : مذتكر ، فأبدلت التاء دالا مهملة ، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج ~~، {فكيف كان عذابي ونذر} ؟ استفهام تعظيم وتعجيب ، أي : كان عذابي وإنذاري ~~لهم على هيئة هائلة ، لا يحيط بها الوصف ، والنذر : جمع نذير ، معنى ~~الإنذار. # {ولقد يسرنا القرآن للذكر} أي : سهلناه للادكار والاتعاظ ؛ بأن شحناه ~~بأنواع المواعظ والعبر ، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. ~~{فهل من مدكر} ؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه ، أي : فهل من متعظ يقبل ~~الاتعاظ ، وقيل : ولقد سهلناه للحفظ ، وأعنا من أراد حفظه ، فهل من طالب ~~لحفظه ليعان عليه ؟ قال القشيري : {ولقد يسرنا القرآن للذكر} يسر قراءته ~~على ألسنة قوم ، وعلمه على قوم ، وفهمه على قلوب قوم ، وحفظه على قلوب قوم ~~، وكلهم أهل القرآن ، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال : كاشف الأرواح من قوم ~~قبل إدخالها في الأجساد ، فهل من مدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه ؟ . ه. # 255 PageV07P376 ~~ويروى : أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها ~~إلا نظرا ، ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن ، وفي القوت : مما خص الله به هذه ~~الأمة ثلاثة أشياء : حفظ كتابنا هذا ms2950 ، إلا ما ألهم الله عزيزا من التوراة ~~بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها ، ومنها : تبقية الإسناد فيهم ، يأثره خلف ~~عن سلف ، متصلا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم ، وإنما كان يستنسخون الصحف ، ~~كلما خلقت صحيفة جددت ، فكان ذلك أثرة العلم فيهم ، والثالثة : أن كان مؤمن ~~من هذه الأمة يسأل عن علم الإيمان ، ويسمع قوله مع حداثة سنه ، ولم يكن مما ~~مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة : وهي ~~ثبات الإيمان في قلوبهم ، لا يعتوره شك ، ولا يختلجه شرك ، مع تقليب ~~الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى : {اجعل لنآ إلاها} [الأعراف : 138] ~~بعد أن رأوا الآيات العظيمة ، من انفلاق البحر وغيره. ه. قال أبو السعود : ~~وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 254 PageV07P377 ~~الإشارة : في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء ، وإجابة الدعاء على الظالم ~~، لهم إن أذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتف ، وإلا فالصبر أولى ، وجعل القشيري ~~نوحا إشارة إلى القلب ، وقومه جنود النفس ، من الهوى والدنيا وسائر العلائق ~~، فيكون التقدير : كذبت النفس وجنودها القلب ، فيما يرد عليه من تجليات ~~الحق ، وكشوفات الغيب ، وقالوا : إنما هو مجنون فيما يخبر به ، فزجرته ، ~~ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها ، فدعا ربه وقال : أني ~~مغلوب في يد النفس وجنودها ، فانتصر لي حتى تغيبني عنهم ، ففتحنا أبواب ~~سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهارية ، لتمحق تلك الظلمات ~~النفسانية ، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية ، فالتقى ماء الواردات ~~، التي هي من حضرة الربوبية ، مع ماء علوم العبودية ، على أمر قد قدر أنه ~~ينصر القلب ، ويرقيه إلى حضرة القدس ، وحملناه على سفينة الجذب والعناية ، ~~تجري بحفظنا ، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النفس وجنودها ، ولقد تركنا ~~هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا ، والطالبون لنا ، فهل من مدكر ؟ ~~فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النفس وجنودها ؟ وكيف كان إنذاري من غم ~~الحجاب ، وسوء الحساب ، ولقد يسرنا القرآن للذكر ؛ للاتعاظ ، فهل من مدكر ، ~~فينهض من غفلته إلى مولاه ms2951 ؟ . # جزء : 7 رقم الصفحة : 254 # يقول الحق جل جلاله : {كذبت عاد} هودا عليه السلام ، {فكيف كان عذابي # 256 # ونذر} ؟ ! أي : وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله ، والاستفهام لتوجيه قلوب ~~السامعين للإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره ؛ لتهويله وتعظيمه ، وتعجيبهم ~~من حاله قبل بيانه ، كما قبله وما بعده ، كأنه قيل : كذبت عاد فهل سمعتم ما ~~حل بهم ؟ أو : فاسمعوا ، فكيف كان عذابي وإنذاري لهم. PageV07P378 # ثم بين ما أجمل فقال : {إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا} باردة أو : شديدة ~~الصوت ، {في يوم نحس} شؤم {مستمر} شؤمه عليهم إلى أن أهلكهم ، وكان في ~~أربعاء آخر شوال ، {تنزع الناس} أي : تقلعهم ، وجاء بالظاهر مكان المضمر ؛ ~~ليشمل ذكورهم وإناثهم ، صغيرهم وكبيرهم. روي : أنهم كانوا يتداخلون الشعاب ~~، ويحفرون الحفر ، ويندسون فيها ، ويمسك بعضهم ببعض ؛ فتزعجهم الريح ، ~~وتصرعهم موتى. # قال ابن إسحاق : ولما هاجت عليهم الريح ، قام سبعة نفر من عاد فأولجوا ~~العيال في شعب بين جبلين ، ثم اصطفوا على باب الشعب ، ليردوا الريح عنهم ، ~~فجعلت الريح تجعفهم رجلا رجلا. ه. ثم صاروا بعد موتهم {كأنهم أعجاز نخل ~~منقعر} أي : أصول نخل منقلع من مغارسه ، وشبهوا بأعجاز النخلة ، وهي أصولها ~~التي قطعت روؤسها ؛ لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم ، فتبقى أجسادا بلا رؤوس ، ~~فيتساقطون على الأرض أمواتا ، وهم جثث طوال. وتذكير صفة النخل بالنظر إلى ~~اللفظ ، كما أن تأنيثه في قوله تعالى : {أعجاز نخل خاوية} [الحافة : 7] ~~بالنظر للمعنى. {فكيف كان عذابي ونذر} ؟ ! تهويل وتعجيب من أمرهما بعد ~~بيانهما ، فليس فيها شائبة تكرار ، وما قيل : من أن الأول لما حاق بهم في ~~الدنيا ، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة ، يرده ترتيب الثاني على العذاب ~~الدنيوي. # {ولقد يسرنا القرآن للذكرفهل من مدكر} ؟ ! وفي تكريره بعد كل قصة ؛ تنبيه ~~على أن إيراد قصص الأمم إنما هو للوعظ والتذكار ، وللانزجار عن مثل فعلهم ، ~~لا لمجرد السماع والتلذذ بأخبارهم ، كما هي عادة القصاص. # جزء : 7 رقم الصفحة : 256 PageV07P379 ~~الإشارة : من شأن النفوس العاتية المتجبرة العادية ؛ تكذيب أهل الخصوصية ~~كيفهما كانوا ، ولا ترضى بحط رأسها ms2952 لمن يدعوها إلى ربها ، فيرسل الله عليهم ~~ريح الهوى والخذلان ، فتصرعهم في محل الذل والهوان ، وتتركهم عبيدا لنفوسهم ~~الخسيسة ، وللدنيا الدنية ، فكيف كان عذابي هؤلاء وإنذاري لهم ؟ ! ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر ، وبينا فيه ما فعلنا بأهل التكبر والعناد من الإهانة ~~والطرد والإبعاد ، فهل من مدكر ، يتيقظ من سنة غفلته ، ويرحل من دنياه ~~لآخرته ، ومن نفسه إلى ربه ؟ # 257 # جزء : 7 رقم الصفحة : 256 # يقول الحق جل جلاله : {كذبت ثمود بالنذر} بصالح عليه السلام ؛ لأن من كذب ~~واحدا فقد كذب الجميع ؛ لاتفاقهم في الشرائع ، أو : كذبوا بالإنذارات ~~والمواعظ التي يسمعونها من صالح ، {فقالوا أبشرا منا} أي : كائنا من جنسنا ~~، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي : أنتبع بشرا منا {واحدا} منفردا لا ~~تباعة له ؟ أو : واحدا من الناس لا شرف له {نتبه} وندع ديننا ؟ {إنا إذا} ~~أي : على تقدير اتباعنا له ، وهو مفرد ونحن أمة جمة {لفي ضلال} عن الصواب ~~{وسعر} نيران تحرق ، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه ، لغاية ~~عتوهم ، وقالوا : إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل : المراد بالسعر : الجنون ~~، لأنها تشوه صاحبها ، أنكروا أن يكون الرسول بشرا ، وطلبوا أن يكون من ~~الملائكة ، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا ، أو : رجلا لا شرف له في زعمهم ، ~~حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله : {أألقي ~~الذكر} أي : الوحي {عليه من بيننا} وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة ؟ ~~{بل هو كذاب أشر} أي : بطر متكبر ، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ~~ادعائه ذلك. PageV07P380 # قال تعالى : {سيعلمون غدا} أي : عن قريب ، وهو عند نزول العذاب بهم ، أو ~~يوم القيامة ، {من الكذاب الأشر} أصالح أم من كذبه ؟ وقرأ الشامي وحمزة ~~بتاء الخطاب ، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. {إنا مرسلوا الناقة} ~~باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا ، {فتنة لهم} ابتلاء وامتحانا لهم ، ~~مفعول له ، أو : حال ، {فارتقبهم} فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون {واصطبر} ~~على أذاهم ، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 258 # ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} مقسوم ms2953 بينهم ، لها شرب يوم ، ولهم شرب يوم ، ~~وقال : " بينهم " تغليبا للعقلاء. {كل شرب محتضر} محضور ، يحضر القوم الشرب ~~يوما ، وتحضر الناقة يوما ، {فنادوا صاحبهم} قدار بن سالف ، حمير ثمود ، ~~{فتعاطى} فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم ، غير مكترث به ، {فعقر} الناقة ، ~~أو : فتعاطى الناقة فعقرها ، أو : تعاطى السيف فقتلها ، والتعاطي : تناول ~~الشيء بتكلف. وقال أبو حيان : هو مضارع عاطا ، وكأن هذه الفعلة تدافعها ~~الناس بعضهم بعضا ، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. # 258 PageV07P381 ~~{فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم} في اليوم الرابع من عقرها ، {صيحة ~~واحدة} صاح بهم جبريل عليه السلام {فكانوا} فصاروا {كهشيم المحتظر} كالشجر ~~اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة ، فالهشيم : الشجرة اليابس المتكسر ، ~~الذي يبس من طول الزمان ، وتتوطؤه البهائم ؛ فيتحطم ويتهشم ، والمحتظر : ~~الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس : " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر ~~والشوك ، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم ، وتفرق ~~أوصالهم ، بالشوك الساقط على الأرض ، {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر} فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة : سبب إنكار الناس على أهل ~~الخصوصية ؛ ظهور وصف البشرية عليهم ، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف ~~البشرية ، ووصف البشرية على قسمين : # قسم لازم ، لا تنفك العبودية عنه ، كالأكل والشرب والنوم والنكاح ، ~~وغيرها من الأوصاف الضرورية ، وهذه هي التي تجامع الخصوصية ، وبها سترت ، ~~واحتجبت حتى أنكرت ، فوجودها في العبد كمال ؛ لإنها صوان لسر الخصوصية. قال ~~في الحكم : " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية ، وظهر بعظمة ~~الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله ؛ وهي الأوصاف ~~المذمومة ، كالكبر والحسد والحقد ، وحب الدنيا والرياسة ، وغير ذلك ، فهذا ~~لا تجامعه الخصوصية ، ولا بد من التطهير منه في وجودها. PageV07P382 # وللقشيري إشارة أخرى ، وحاصلها : كذبت ثمود ؛ النفس الأمارة وجنودها : صالح ~~القلب ؛ حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها ، والتطهر من أوصافها المذمومة ، ~~فقالت النفس وجنودها : أنتبع واحدا منا ، لأنه مخلوق مثلنا ، ونحن عصبة ؟ ~~إنا إذا لفي ضلال سعر ، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا ms2954 ؟ بل هذ كذاب ~~أشر ، سيعلمون غدا ، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم ، من الكذاب الأشر ، ~~أثمود النفس وجنودها ، أم صالح القلب ؟ . إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم ، ~~ابتلاء ؛ ليظهر الخصوص من العموم ، فارتقبهم ، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من ~~النزاهة والطهارة ، واصطبر في مجاهدتهم ، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي ~~الخمرة الأزلية - قسمة بينهم ، من شرب منها ، صفا ، ومن تنكب عنها أظلم ، ~~كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس ~~، التي أرادت العروج إلى وطن الروح ، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس ، فكيف ~~كان عذابي لها وإنذاري إياها ؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر ، فسقطوا إلى ~~الحضيض الأسفل ، فكانا كهشيم المحتظر ؛ صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ~~ه. بالمعنى مع تخالف له. # جزء : 7 رقم الصفحة : 258 # ثم قال القشيري : اعلم أن النفس حقيقة واحدة ، غير متعددة ، لكن بحسب ~~توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها ، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا ؛ ~~سميت مطمئنة ، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا ؛ سميت أمارة ، ~~وإذا توجهت إلى الحق تارة ، # 259 # وإلى الطبيعة أخرى ؛ سميت لوامة. ه مختصرا. # جزء : 7 رقم الصفحة : 258 PageV07P383 ~~يقول الحق جل جلاله : {كذبت قوم لوط بالنذر} وقد تقدم ، {إنا أرسلنا عليهم} ~~أي : على قوم لوط {حاصبا} أي : ريحا تحصبهم ، أي : ترميهم بالحصباء ، {إلا ~~آل لوط} ابنتيه ومن آمن معه ، {نجيناهم بسحر} ملتبسين بسحر من الأسحار ، ~~ولذا صرفه ، وهو آخر الليل ، أو : السدس الأخير منه ، وقيل : هما سحران ، ~~فالسحر الأعلى : قبل انصداع الفجر ، والآخر : عند انصداعه ، {نعمة من ~~عندنا} أي : إنعاما منا ، وهو علة لنجينا ، {كذلك} أي : مثل ذلك الجزاء ~~العجيب {نجزي من شكر} نعمتنا بالإيمان والطاعة. # {ولقد أنذرهم} لوط {بطشتنا} أخذتنا الشديدة بالعذاب ، {فتماروا} فكذبوا ~~{بالنذر} بإنذاره متشاكين فيه ، {ولقد راودوه عن ضيفه} قصدوا الفجور ~~بأضيافه ، {فطمسنا أعينهم} فمسخناها وسويناها كسائر الوجه ، أي : صارت ~~وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها. # روي أنهم لما قصدوا دار لوط ، وعالجوا بابها ليدخلوا ، قالت الرسل للوط : ~~خل بينهم وبين الدخول ، فإنا رسل ms2955 ربك ، لن يصلوا إليك. وفي رواية : لما ~~منعوا من الباب تسوروا الحائط ، فدخلوا ، فصفعهم جبريل بجناحه ؛ فتركهم ~~عميا يترددون ، ولا يهتدون إلى الباب ، فأخرجهم لوط عميا. وقلنا لهم على ~~ألسنة الرسل ، أو بلسان الحال : {فذوقوا عذابي ونذر} أي : وبال إنذاري ، ~~والمراد به : الطمس ؛ فإنه من جملة ما أنذروا به. # {ولقد صبحهم بكرة} أول النهار {عذاب مستقر} لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى ~~النار ، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن عذاب الطمس ينتهي إليه ، {فذوقوا ~~عذابي ونذر} حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديدا للعتاب. PageV07P384 # {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} قال النسفي : وفائدة تكرير هذه ~~الآية ، أن يجددوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا إذا ~~سمعوا الحث على ذلك ، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك ~~، وهكذا حكم التكرير في قوله : {فبأي ءالآء ربكما تكذبان} [الرحمن : 13] ~~عند كل نعمة عدها ، وقوله : {ويل يومئذ # 260 # للمكذبين} [المرسلات : 15] عند كل آية أوردها ، وكذا تكرير القصص في ~~أنفسها ؛ لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب ، مصورة في الأذهان ، مذكرة غير ~~منسية في كل أوان. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 260 PageV07P385 ~~الإشارة : قال القشيري : يشير إلى أن كل من غلبته الشهوة البهيمية - شهوة ~~الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة ، ويكسرها بأحجار ذكر " لا إله إلا ~~الله " ، ويعالج تلك الصفة بضدها ، وهو العفة. ه. فالإشارة بقوم لوط إلى ~~الشهوات الجسمانية ، فقد كذب الروح حين دعتها إلى مقام الصفا ، ودعتها ~~النفس بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل ، فإذا أراد الله نصر عبده أرسل ~~عليها حاصب الواردات والمجاهدات ، فمحت أوصافها الذميمة ، ونقلتها إلى مقام ~~الروحانية ، قال تعالى : {إنا أرسلنا عليه حاصبا إلا آل لوط} يعني الأوصاف ~~المحمودة ، نجيناهم في آخر ليل القطيعة ، أو : الروح وأوصافها الحميدة ، ~~نجيناها في وقت النفحات من التدنس بأوصاف النفس الأمارة ، نعمة من عندنا ، ~~لا بمجاهدة ولا سبب ، كذلك نجزي من شكر نعمة العناية ، وشكر من جاءت على ~~يديه الهداية ، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروح ms2956 النفس وهواها ~~وجنودها بطشتنا : قهرنا ، بوارد قهري ، من خوف مزعج ، أو شوق مقلق ، حتى ~~يخرجها من وطنها ، فتماروا بالنذر ، وقالوا : لم يبق من يخرجنا من وطننا ، ~~فقد انقطعت التربية ، ولا يمكن إخراجنا بغيرها ، ولقد راودوه عن ضيفه ، ~~راودوا الروح عن نور معرفته ويقينه ، بالميل إلى شهوات النفس ؛ فطمسنا ~~أعينهم ، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية ، فيقال للنفس ~~وجنودها ، ذوقوا عذابي ونذري بالبقاء مع الخواطر والهموم ، ولقد صبحهم أول ~~نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر ، وهو محق أوصاف النفس ، ~~والغيبة عنها أبدا سرمدا. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 260 PageV07P386 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولقد جاء آل فرعون النذر} موسى وهارون ، جمعهما ~~لغاية ما عالجا في إنذارهم ، أو : بمعنى الإنذار ، وصدر قصتهم بالتوكيد ~~القسمي ؛ لإبراز كمال الإعتناء بشأنها ؛ لغاية عظم ما فيها من الآيات ، ~~وكثرتها ، وهول ما لاقوه من العذاب ، واكتفى بذكر آل فرعون ؛ للعلم بأن ~~نفسه أولى بذلك ، {كذبوا بآياتنا كلها} وهي التسع {فأخذناهم أخذ عزيز} لا ~~يغالب {مقتدر} لا يعجزه شيء. # الإشارة : النفوس الفراعنة ، التي حكمت المشيئة بشقائها ، لا ينفع فيها ~~وعظ ولا تذكير ؛ لأن الكبرياء من صفة الحق ، فمن نازع الله فيها قصمة الله ~~وأبعده. # 261 # جزء : 7 رقم الصفحة : 261 # يقول الحق جل جلاله : {أكفاركم} يا معشر العرب : أو : يا أهل مكة {خير من ~~أولئكم} الكفار المعدودين في السورة ؛ قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون ، ~~والمعنى : أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم قوة وآلة ومكانة في ~~الدنيا ، أو : كانوا أقل منكم كفرا وعنادا ، فهل تطمعون ألا يصيبكم مثل ما ~~أصابهم ، وأنتم شر منهم مكانة ، وأسوأ حالا ؟ {أم لكم براءة في الزبر} أم ~~نزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة : أن من كفر منكم وكذب ~~الرسول كان آمنا من عذاب الله ، فأمنتم بتلك البراءة ؟ # {أم يقولون نحن جميع} أي : جماعة أمرنا جميع {منتصر} ممتنع لا نرام ولا ~~نضام ، والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم ، وإسقاطهم عن رتبة ms2957 ~~الخطاب ، وحكاية قبائحهم لغيرهم ، أي : أيقولون واثقين بشوكتهم : نحن أولو ~~حزم ورأي ، أمرنا مجتمع لا يقدر علينا ، أو : منتصرون من الأعداء ، لا نغلب ~~، أو : متناصرون ، ينصر بعضنا بعضا. والإفراد باعتبار لفظ " جميع ". PageV07P387 # {سيهزم الجمع} جمع أهل مكة ، {ويولون الدبر} الأدبار. والتوحيد لإرادة ~~الجنس ، أو : إرادة أن كل منهم يولي دبره ، وقد كان كذلك يوم بدر. قال عمر ~~رضي الله عنه : لما نزلت : {سيهزم الجمع ويولون الدبر} كنت لا أدري أي جمع ~~يهزم ؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الدرع ، ~~ويقول : {سيهزم الجمع ويولون الدبر} فعرفت تأويلها ، فالآية مكية على ~~الصحيح ، {بل الساعة موعدهم} أي : ليس هذا تمام عقوبتهم ، بل الساعة موعد ~~أصل عذابهم ، وهذا طلائعه ، {والساعة أدهى وأمر} أي : أقصى غاية من الفظاعة ~~والمرارة من عذاب الدنيا. والداهية : الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى ~~الخلاص منه ، وإظهار الساعة في موضع إضمارها تربية لهولها. # {إن المجرمين} من الأولين والآخرين {في ضلال} عن الحق في الدنيا {وسعر} ~~ونيران تحرق في الآخرة ، أو : لفي هلاك ونيران مسعرة ، {يوم يسحبون في ~~النار} يجرون فيها {على وجوههم} ويقال لهم : {ذوقوا مس سقر} أي : قيسوا ~~حرها وألمها ، كقولك : وجد مس الحمى ، وذاق طعم الضرب ؛ لأن النار إذا ~~أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مسا بذلك ، و" سقر " غير مصروف للعلمية ~~والتعريف ؛ لأنها علم لجهنم ، من : سقرته النار : إذا لوحته. # 262 PageV07P388 ~~الإشارة : ما قيل في منكري خصوصية النبوة ، يقال في منكري خصوصية الولاية ~~إذا استغل بأذاهم ، يعني : أن من أنكر على الأولياء المتقدمين قد أصابهم ما ~~أصابهم ، إما ذل في الظاهر ، أو طرد في الباطن ، وأنتم أيها المنكرون على ~~أهل زمانكم مثلهم. أمنتقدكم خير من أولئكم أم لكم براءة من العذاب في كتب ~~الله تعالى ؟ أم يقولون : نحن جميع ، أي : مجتمعون على الدين ، لا يصيبنا ~~ما أصاب الكفار ، فيقال لهم : سيهزم جمعكم ، ويتفرق شملكم ، وتفضوا إلى ما ~~أسلفتم ، نادمين على ما فعلتم ، ولن ينفع الندم حين تزل القدم ، فتبقون في ~~حسرة البعد على ms2958 الدوام ، فالكفار حرموا من جنة الزخارف ، وأنتم تحرمون من ~~جنة المعارف ، مع غم الحجاب وذل البعد عن الحضرة القدسية ، إن المجرمين - ~~وهم أهل الطعن والانتقاد - في ضلال عن طريق الوصول إلى الله ، ونيران ~~القطيعة ، يوم يسبحون على وجوههم ، فينهمكون في الدنيا في الحظوظ والشهوات ~~، وفي الآخرة في نار البعد والقطيعة ، على دوام الأوقات ، ويقال لهم : ~~ذوقوا مرارة الحجاب وسوء الحساب ، وكل هذا بقدر وقضاء سابق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 262 PageV07P389 ~~يقول الحق جل جلاله : {إنا كل شيء خلقناه بقدر} أي : بتقدير سابق في اللوح ~~قبل وقوعه ، قد علمنا حاله وزمانه قبل ظهوره ، أو : خلقناه كل شيء مقدرا ~~محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة ، و" كل " : منصوب بفعل يفسره ~~الظاهر. وقرئ بالرفع شاذا ، والنصب ألأولى ؛ لأنه لو رفع لأمكن أن يكون " ~~خلقنا " صفة لشيء ، ويكون الخبر مقدرا ، أي : إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل ~~بقدر ، فيكون حجة للمعتزلة ، باعتبار المفهوم ، وأن أفعال العباد غير ~~مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر ، تعالى الله عن قولهم ، المفهوم ، وأن أفعال ~~العباد غير مخلوقة لله. فلم سبق لها قدر ، تعالى الله عن قولهم ، ويجوز أن ~~يكون الخبر : " خلقناه " ، فلا حجة فيه ، ولا يجوز في النصب أن يكون " ~~خلقنا " صفة لشيء ؛ لأنه يفسر الناصب ، والصفة لا تعمل في الموصوف ، وما لا ~~يعمل لا يفسر عاملا. قال أبو هريرة : جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخاصمونه في القدر ، فنزلت الآية ، وكان عمر يحلف أنها نزلت في ~~القدرية ، أي : على طريق الإخبار بالغيب. # {وما أمرنا إلا واحدة} أي : كلمة واحدة ، سريعة التكوين ، وهو قوله تعالى ~~: {كن} أي : وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له : كن ، فيكون ، أو ~~: إلا فعلة # 263 # واحدة ، وهو الإيجاد بلا معالجة ، {كلمح بالبصر} في السرعة ، أي : على قد ~~ما يلمح أحد ببصره ، وقيل : المراد سرعة القيامة ، لقوله تعالى : {ومآ أمر ~~الساعة إلا كلمح البصر} [النحل : 77]. # {ولقد أهلكنا أشياعكم} أي : أشباهكم في الكفر من الأمم ، وقيل : أتباعكم ~~، {فهل من ms2959 مدكر} من متعظ بذلك {وكل شيء فعلوه} من الكفر والمعاصي مكتوب على ~~التفصيل {في الزبر} في ديوان الحفظة ، {وكل صغير وكبير} من الأعمال ، ومن ~~كل ما هو كائن {مستطر} مسطور في اللوح بتفاصيله. PageV07P390 # ولما بين سوء حال الكفرة بقوله : {إن المجرمين...} الخ ، بين حسن حال ~~المؤمنين ، جمعا بين الترهيب والترغيب فقال : {إن المتقين} أي : الكفر ~~والمعاصي {في جنات} عظيمة {ونهر} أي : أنهار كذلك ، والإفراد للاكتفاء بذكر ~~الجنس ، مراعاة للفواصل ، وقرئ : " ونهر " جمع " نهر " ، كأسد وأسد. {في ~~مقعد صدق} في مكان مرضي ، وقرئ " فيمقاعد صدق " ، {عند مليك مقتدر} أي : ~~مقربين عند مليك قادر لا يقادر قدر ملكه وسلطانه ، فلا شيء إلا وهو تحت ~~ملكوته ، سبحانه ، ما أعظم شأنه. والعندية : عندية منزلة وكرامة وزلفى ، لا ~~مسافة ولا محاسة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 263 # الإشارة : هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار ، ~~وأراحت العبد من كد التدبير والاختيار ؛ لأن العاقل إذا علم علم يقين أن ~~شؤونه وأحواله ، وكل ما ينزل به ، قد عمه القدر ، لا يتقدم شيء عن وقته ولا ~~يتأخر ، فوض أمره إلى الله ، واستسلم لأحكام مولاه ، وتلقى ما ينزل به من ~~النوازل بالرضا والقبول ، خيرا كان أو شرا ، كما قال الشاعر : # إذا كانت الأقدار من مالك الملك # فسيان عندي ما يسر وما يبكي # وقال آخر : # تسل الهموم تسل # فما الدنيا سوى ثوب يعار # وسلم للمهيمن في قضاه # ولا تختر فليس لك اختيار # فما تدري إذا ما الليل ولى # بأي غريبة ياتي النهار PageV07P391 ~~وقوله تعالى : {وما أمرنا إلا واحدة..} الخ ، هذا في عالم الأمر ، ويسمى ~~عالم القدرة ، وأما في عالم الخلق ، ويسمى عالم الحكمة ، فجله بالتدريج ~~والترتيب ، سترا لأسرار الربوبية ، وصونا لسر القدرة الإلهية ، ليبقى ~~الإيمان بالغيب ، فتظهر مزية المؤمن ؟ ويقال لأهل العناد المتجبرة : ولقد ~~أهلكنا أشياعكم ؛ إما بالهلاك الحسي ، أو المعنوي ، كالطرد والبعد ، فهل من ~~متعظ ، يرجع عن عناده ؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم ، وكل صغير وكبير ~~من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إن المتقين ما ms2960 سوى الله ، # 264 # في جنات المعارف ، وأنهار العلوم والحكم ، في مقعد صدق ، هو حضرة القدس ، ~~ومحل الأنس ، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي : مقامات العندية جنانها زفارف ~~الأنس ، وأنهارها أنوار القدس ، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة ، ~~التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر ، ولا يزول عنها بالتستر والحجاب ؛ لذلك ~~سماه " مقعد صدق " أي : محل كرامة دائمة ، ومزية قائمة ، ومواصلة سرمدية ، ~~والله مقدر قادر. انظر تمام كلامه. # وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم. # 265 # جزء : 7 رقم الصفحة : 263 # الإشارة : هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار ، ~~وأراحت العبد من كد التدبير والاختيار ؛ لأن العاقل إذا علم علم يقين أن ~~شؤونه وأحواله ، وكل ما ينزل به ، قد عمه القدر ، لا يتقدم شيء عن وقته ولا ~~يتأخر ، فوض أمره إلى الله ، واستسلم لأحكام مولاه ، وتلقى ما ينزل به من ~~النوازل بالرضا والقبول ، خيرا كان أو شرا ، كما قال الشاعر : # إذا كانت الأقدار من مالك الملك # فسيان عندي ما يسر وما يبكي # وقال آخر : # تسل الهموم تسل # فما الدنيا سوى ثوب يعار # وسلم للمهيمن في قضاه # ولا تختر فليس لك اختيار PageV07P392 ~~فما تدري إذا ما الليل ولى # بأي غريبة ياتي النهار # وقوله تعالى : {وما أمرنا إلا واحدة..} الخ ، هذا في عالم الأمر ، ويسمى ~~عالم القدرة ، وأما في عالم الخلق ، ويسمى عالم الحكمة ، فجله بالتدريج ~~والترتيب ، سترا لأسرار الربوبية ، وصونا لسر القدرة الإلهية ، ليبقى ~~الإيمان بالغيب ، فتظهر مزية المؤمن ؟ ويقال لأهل العناد المتجبرة : ولقد ~~أهلكنا أشياعكم ؛ إما بالهلاك الحسي ، أو المعنوي ، كالطرد والبعد ، فهل من ~~متعظ ، يرجع عن عناده ؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم ، وكل صغير وكبير ~~من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إن المتقين ما سوى الله ، # 264 # في جنات المعارف ، وأنهار العلوم والحكم ، في مقعد صدق ، هو حضرة القدس ، ~~ومحل الأنس ، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي : مقامات العندية جنانها زفارف ~~الأنس ، وأنهارها أنوار القدس ، أجلسهم الله في بساط الزلفة ms2961 والمداناة ، ~~التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر ، ولا يزول عنها بالتستر والحجاب ؛ لذلك ~~سماه " مقعد صدق " أي : محل كرامة دائمة ، ومزية قائمة ، ومواصلة سرمدية ، ~~والله مقدر قادر. انظر تمام كلامه. # وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم. # 265 # جزء : 7 رقم الصفحة : 263 PageV07P393 ### | AUTO سورة الرحمن # جزء : 7 رقم الصفحة : 265 # يقول الحق جل جلاله : {الرحمن علم القرآن} عدد في هذه الصورة الكريمة ما ~~أفاض على كافة الأنام من فنون نعمه الدينية والدنيوية ، الأنفسية والآفاقية ~~، وأنكر عليهم إثر كل منها إخلالهم بموجب شكرها ، وبدأ بتعليم القرآن ؛ ~~لأنه أعظمها شأنا ، وأرفعها مكانا ، كيف لا وهو مدار السعادة الدينية ~~والدنيوية ؟ وإسناد تعليم القرآن إلى اسم " الرحمان " للإيذان بأنه من آثار ~~الرحمة الواسعة وأحكامها. # ثم ثنى بنعمة الإيمان ، فقال : {خلق الإنسان} أي : جنس الإنسان ، أو آدم ~~، أو محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد بخلقه : إنشاؤه على ما هو عليه من ~~القوى الظاهرة والباطنة. {علمه البيان} وهو المنطق الفصيح ، المعرب عما في ~~الضمير ، وليس المراد بتعليمه : تمكينه من بيان ما في نفسه ، بل منه ومن ~~فهم بيان غيره ، إذ هو الذي يدور عليه التعليم. وأخر ذكر خلق الإنسان عن ~~تعليم القرآن ؛ ليعلم إنما خلقه للدين ، وليحيط علما بوحي الله وكتبه ، ثم ~~ذكر ما تميز به من سائر الحيوان ، وهو البيان والإفصاح عما في الضمير. ~~والجمل الثلاث أخبار مترادفة للرحمن ، وإخلاء الأخيرتين عن العاطف لمجيئها ~~على نمط التعديد ، كما تقول : زيد أغناك بعد فقر ، أعزك بعد ذلك ، كثرك بعد ~~قلة ، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد ، فما تنكر إحسانه ؟ . # 266 PageV07P394 ~~ثم ذكر النعم الآفاقية ، فقال : {الشمس والقمر بحسبان} أي : يجريان بحساب ~~معلوم ، وتقدير سوي ، في بروجهما ومنازلهما ، بحيث ينتظم بذلك أمور ~~الكائنات السفلية ، وتختلف الفصول والأوقات ، ويعلم منها عدد السنين ~~والحساب ، ولو كان الدهر كله نهارا أو ليلا لبطلت هذه الحكمة ، ولم يدر أحد ~~كيف يحسب شيئا ، ولاختل نظام العالم بالكلية ، وقال مجاهد : (بحسبان) ~~كحسبان الرحا ms2962 ، يدوران في مثل قطب الرحا ، وهو مؤيد لأهل التنجيم. قال ~~بعضهم : إن الشمس قدر الدنيا مائة وعشرون مرة ، لأجل ذلك أن الإنسان يجدها ~~قبالته حيث صار. وقال في شرح الوغليسية : إن الشمس قدر الدنيا بمائة ونيف ~~وستين مرة ، والقمر قدر الدنيا ثمان مرات ، ويحيط بهما بصر أقل من حبة ~~السمسم ، الله أكبر وأعز وأعلا. ه. ويقال : مكتوب في وجه الشمس : " لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله ، خلق الشمس بقدرته ، وأجراها بأمره " وفي وجه ~~القمر مكتوب : " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، خالق الخير والشر ~~بقدرته ، يبتلي بهما من يشاء من خلقه ، فطوبى لمن أجرى الله الخير على يديه ~~، والويل لمن أجرى الله الشر على يديه ". # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 266 PageV07P395 ~~والنجم والشجر يسجدان} النجم : النبات الذي ينجم ، أي : يطلع من الأرض ولا ~~ساق له ، كالبقول ، والشجر : الذي له ساق. وقيل : {النجم} : نجوم السماء ~~وسجودهما : انقيادهما لما يراد منهما ، شبها بالساجدين من المكلفين في ~~انقيادهما ، واتصلت هاتان الجملتان بالرحمن بالوصل المعنوي ، لما علم أن ~~الحسبان حسبانه ، والسجود له لا لغيره ، كأنه قيل : الشمس والقمر بحسبانه ~~والنجم والشجر يسجدان له ، ولم يذكر العاطف في الجمل الأول وجيء به بعد ؛ ~~لأن الأول وردت على سبيل التعديد كما تقدم ، ثم رد الكلام إلى منهاجه في ~~وصل ما يجب وصله ؛ للتناسب والتقارب بالعطف وبيان والتناسب : أن الشمس ~~والقمر سماويان ، والنجم والشجر أرضيان ، فعطف أحد المتقابلين على الآخر ، ~~وأيضا : حسبان الشمس والقمر نوع من الانقياد لأمر الله ، فهو مناسب لسجود ~~النجم والشجر. ثم قال تعالى : {والسماء رفعها} أي : خلقها مسموكة مرفوعة ، ~~حيث جعلها منشأ أحكامه ، ومسكن ملائكته الذي يهبطون بالوحي على أنبيائه ، ~~ونبه بذلك على كبرياء شأنه ، وملكه وسلطانه ، {ووضع الميزان} أي : كل ما ~~يوزن به الأشياء ويعرف مقاديرها ، من ميزان ، وقرسطون ، ومكيال ، ومعيار ، ~~والقرسطون - بفتحتين : العدلة التي توزن بها الفضة ، أي : خلقه موضعا على ~~الأرض من حيث علق به أحكام العباد على التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم. ~~وقيل : معنى الميزان ، العدل ، أي : شرع ms2963 العدل وأمر به حتى يوفى كل ذي حق ~~حقه ، حتى انتظم أمر العالم واستقام ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " ~~بالعدل قامت السماوات والأرض " ، والعدل : ما حكمت به الشريعة المحمدية ، ~~من كتاب ، وسنة ، وإجماع ، وقياس. وأمر بذلك {ألا تطغوا في الميزان} أي : ~~لئلا تجوروا في الميزان بعد # 267 PageV07P396 ~~الإنصاف في حقوق العباد ، ف " أن " ناصبة ، أو مفسرة ، أو ناهية ، {وأقيموا ~~الوزن بالقسط} وأقيموا أوزانكم بالعدل {ولا تخسروا الميزان} ولا تنقصوه ~~بالتطفيف ، نهى عن الطغيان ، الذي هو اعتداء وزيادة ، وعن الخسران ، الذي ~~هو تطفيف ونقصان ، وكرر لفظ " الميزان " تشديدا للوصية ، وتقوية للأمر ~~باستعماله الحث عليه. # ولما ذكر نعمة الإمداد المعنوي ، وهو مدد الأرواح ، ذكر مدد الأشباح ، ~~فقال : {والأرض وضعها} خفضها مدحوة على الماء {للأنام} للخلق ، وهو ما على ~~وجه الأرض من دابة. وعن الحسن : الجن والإنس ، فهي كالمهاد ، يتصرفن فوقها. ~~{فيها فاكهة} ضروب مما يتفكه به ، {والنخل ذات الأكمام} وهي أوعية الثمر ، ~~واحدها : كم ، بكسر الكاف ، أو : كل ما يكم ، أي : يغطى ، من ليفه وسعفه ~~وكفراه ، والكفر : وعاء الطلع ، وكله منتفع به ، كما ينتفع بالمكموم من ~~ثمره وجماره وجذوعه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 266 # والحب ذو العصف} هو ورق الزرع ، أو التبن ، {والريحان} أي : الرزق وهو ~~اللب ، أي : فيها ما يتلذذ به ، والجامع بين التلذذ والتغذي ، وهو تمر ~~النخل ، وما يتغذى به فقط ، وهو الحب المشتمل على علق الدواب وزرق العباد. ~~وقرأ الأخوان : (والريحان) بالجر ، عطفا على " العصف " والباقون بالرفع ~~عطفا على " الحب " على حذف مضاف ، أي : وذو الريحان ، فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه. وقيل : معناه : وفيه الريحان الذي يشم. وقرأ الشامي ~~بنصب الجميع ، أي : خلق الحب والريحان. PageV07P397 # {فبأي آلاء ربكما} أي : نعمه التي عددها من أول السورة ، {تكذبان} والخطاب ~~للثقلين المدلول عليهما بقوله تعالى : {للأنام} وينطق به قوله : {أيه ~~الثقلان} والفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فصل من فنون النعماء ، ~~وصنوف الآلاء ، الموجبة للإيمان والشكر ، والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة ~~عن المالكية والتربية ، مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير وتشديد ms2964 ~~التوبيخ. ومعنى تكذيبهم آلائه تعالى : كفرهم بها ، وإما بإنكار كونه نعمة ~~في نفسه ، كتعليم القرآن وما يستند إليه من النعم الدينية ، وإما بإنكاره ~~كونه من الله تعالى مع الاعتراف بكونه نعمة في نفسه ، كالنعم الدنيوية ~~الواصلة إليهم بإسناده إلى غيره تعالى ، اشتراكا أو استقلالا ، صريحا أو ~~دلالة ، فإن إشراكهم لآلهتهم معه تعالى في العبادة من دواعي إشراكهم لها به ~~تعالى. انظر أبا السعود. أي : إذا كان الأمر كما فصل فبأي فرد من أفارد ~~نعمه تعالى تكذبان ، مع أن كلا منها ناطق بالحق ، شاهد بالصدق ؟ والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : اعلم أن " الرحمن " من الأسماء الخاصة بالذات العلية ، لا يوصف ~~به غيره تعالى ، لا حقيقة ولا مجازا ؛ لأنها مقتضية لنعمة الإيجاد ، ولا ~~يصح من غيره ، بخلاف # 268 # " الرحيم " فإنه مقتض لنعمة الإمداد ، وقد يصح من غيره تعالى مجازا ، ~~فلذلك يجوز أن يوصف العبد بالرحيم ، ولا يوصف بالرحمن ، ثم إن الرحمة ~~المشتمل عليها الرحمن على قسمين : رحمة ذاتية لا تفارق الذات ، ورحمة ~~صفاتية يقع بها الإمداد للخلق ، فيرحم بها من يشاء من عباده ، وتسمى الرحمة ~~الذاتية رحمانية ، ولما كانت لا تفارق الذات وقع التعبير بها في الاستواء ، ~~فقال تعالى : {الرحمان على العرش استوىا} [طه : 5] ، {ثم استوىا على العرش ~~الرحمان} [الفرقان : 59] ، وإليه أشار في الحكم بقوله : يا من استوى ~~برحمانيته على عرشه ، فصار العرش غيبا في رحمانيته... الخ. PageV07P398 # جزء : 7 رقم الصفحة : 266 # وأما الرحمة الصفاتية ، وهي التي يقع بها الإمداد ، فتتنوع بتنوع الأسماء ~~الحسنى ، وهي تسعة وتسعون. أما الأسماء الجمالية فالرحمة فيها ظاهرة ، وأما ~~الأسماء الجلالية فالرحمة فيها : عدم انفكاك لطف الله عن قدره ، والرحمة ~~الذاتية هي الموفية مائة ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى ~~خلق مائة رحمة ، أمسك عنده تسعة وتسعين ، وأنزل واحدة إلى الدنيا ، بها ~~يتراحم الخلق " الحديث ، أو كما قال عليه السلام. ولما كان القرآن من أجل ~~النعم عبر عن تعليمه بالرحمانية ، التي هي من الصفات الخاصة ؛ لأن القرآن ~~مظهر لأوصاف الذات وأسرارها وأفعالها ، وكاشف لحقائقها ، عند ms2965 من فتحت ~~بصيرته. PageV07P399 # وقوله تعالى : {خلق الإنسان} أي : أظهره من سر اللطافة إلى مظهر الكثافة ~~جاهلا به من جهة الجسمانية ، ثم {علمه البيان} أي : بيان السير إلى معرفته ~~، بأن ركب فيه العقل المميز ، ونصب له مظاهر يتعرف بها ، وبعث له دالا يدله ~~، ويعلمه أسرار الربوبية وآداب العبودية ، فلا يزال يحاذيه ، ويسير به حتى ~~يستنير قمر توحيده ، وتشرق شمس عرفانه ، وإليه الإشارة بقوله : {الشمس ~~والقمر بحسبان} أي : يجريان بحسب معلوم ، في زيادة نور التوحيد ونقصانه ، ~~على حسب استعداد العبد وتوجهه. قال القشيري بعد كلام : وكذلك شموس المعارف ~~، وأقمار العلوم - في طلوعها في أوج القلوب والأسرار - في حكم الله تعالى ~~وتقديره حساب معلوم ، يجريهما على ما سبق به الحكم. ه. والنجم والشجر ~~يسجدان ، أي : ونجم نور العقل الطبيعي ، وشجر الفكر الاعتباري يخضعان ~~ويضمحلان عند سطوع شمس نهار العرفان ، وأما نور العقل الوهبي ، والفكر ~~الاستبصاري ، فيطويان الكون طيا ؛ لان نورهما مستمد من العقل الأكبر ، وهو ~~أول الفيض الإلهي ، المتدفق من بحر الجبروت ، وسماء الأرواح ، رفعا عن لوث ~~عالم الأشباح ، وهو محل شهود أسرار الذات وأنوار الصفات ، وتجليات الأنبياء ~~والرسل ، فمن ترقى إليه لا تغيب عنه أرواح الأنبياء وذواتهم ، فالمتجلي ~~واحد. ووضع الميزان على النفوس الظلمانية ، ألا تطغوا في الميزان ، بتعدي ~~حدود الرياضة والمجاهدة ، وأقيموا عليها الوزن بالقسط ، ولا تخسروا # 269 # الميزان بإهمالها في هواها وحظوظها. والأرض ، أي : أرض البشرية وضعها ~~لقيام وظائف العبودية ، اليت رتبها للأنام ، فيها فاكهة العلوم الوهبية إن ~~صفت ، ونخل علوم الشريعة ذات الأكمام ، وهي البراهين التي تستخرج بها ~~مسائلها ، فمن وقف مع قشر الأكمام كان مقلدا. ومن نفذ إلى لبها كان مجتهدا ~~من نحريرا. # جزء : 7 رقم الصفحة : 266 PageV07P400 ~~وقال القشيري : {والنخل ذات الأكمام} من فواكه الوحدانيات المستورة عن ~~الأغيار ، المستورة عن غير أهلها. ثم قال : {والحب ذو العصف} من حبة المحبة ~~الذاتية ، غير القابلة للتغير والاستبدلال ، المشتملة على الأرزاق المكتنفة ~~بالمعارف والحاقئق والحكم. ه. والريحان هو قوت الأرواح من اليقين ، أو نسيم ~~الأذواق والوجدان ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ms2966 أيها الثقلان ، أو أيها النفس ~~والروح ؛ إذ كل منهما فاز بأمنيته ، ووصل إلى نهاية ما اشتهاه ، إذا عمل ~~بما تقدم ، وأصغى بأذن قلبه إلى ما عددناه. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 266 # يقول الحق جل جلاله : {خلق الإنسان} آدم {من صلصال} من طين يابس ، له ~~صلصلة ، أي : صوت {كالفخار} كالطين المطبوخ بالنار وهو الخزف. ولا تخالف ~~بين هذا وبين قوله : {من حمإ مسنون} [الحجر : 26] و{من طين لازب} [الصافات ~~: 11] لاتفاقهما معنى ، لأن المعنى : أن أصل خلقه من تراب ، ثم جعله طينا ، ~~ثم حمأ مسنونا ، ثم صلصالا. {وخلق الجان} أي : الجن ، او أبا الجن إبليس ، ~~{من مارج من نار} والمارج هو اللهب الصافي ، الذي لا دخان فيه ، وقيل : ~~المختلط بسواد النار ، من : مرج الشي : إذا اضطرب أو اختلط ، و" من " : ~~بيانية ، كأ ، ه قيل : من صاف النار ، أو مختلط من النار ، أو أراد : من ~~نار مخصوصة. # {فبأي آلاء ربكما تكذبان} مما أفاض عليكما في تضاعيف خلقكما من سوابغ ~~النعم. قال القشيري : وكرر سبحانه هذه الآية في غير موضع ، على جهة التقرير ~~بالنعمة على التفاصيل. نعمة بعد نعمة ، ووجه النعمة في خلق آدم من طين : ~~أنه رقاه إلى رتبة # 270 # بعد أن خلقه من طين ، وكذلك القول في {مارج من نار}.ه. يعني : أن آدم ~~رقاه إلى رتبة الروحانية والخلافة ، والجن إلى رتبة التصرف الباطني في ~~الآدمي وغيره. PageV07P401 # {رب المشرقين ورب المغربين} أي : مشرقي الشمس في الصيف والشتاء ، ومغربيها. ~~قال ابن الحشا : المشرق الشتوي : هو النقطة التي تطلع فيها الشمس فيها في ~~الأفق في نصف دجنبر ، أقصر ما يكون النهار من أيام السنة ، والمشرق الصيفي ~~: هو النقطة التي تطلع فيها الشمس في نصف يونية ، أطول ما يكون من أيام ~~السنة. والمغربان : حيث تغرب في هذين اليومين ، ومشارق الشمس ومغاربها في ~~سائر أيام السنة ليس هذين المشرقين والمغربين.ه. وقوله : في نصف دجنبر ونصف ~~يونية ، هذا في زمانه ، وأما اليوم فهي على ثمانية أيام ونحوها ، لزيادة ~~حركة الإقبال. قال ابن عطية : متى وقع ذكر المشرق ms2967 والمغرب فهو إشارة إلى ~~الناحيتين ، أي : مشرق الصيف والشتاء ومغربهما. ومتى وقع ذكر الشارق ~~والمغارب فيهو إشارة إلى تفصيل مشرق كل يوم ومغربه ، ومتى ذكر المشرقان فهو ~~إشارة إلى نهايتي المشارق والمغارب ؛ لأن ذكر نهايتي الشيء ذكر لجميعه. ه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 270 # فبأي آلاء ربكما تكذبان} قال القشيري : ووجه النعمة في مشرق الشمس ~~ومغربها : جريانه على ترتيب بديع ؛ ليكمل انتفاع الخلق بذلك. ه. PageV07P402 # {مرج البحرين يلتقيان} أي : أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين ~~متلاقيين ، لا فصل بين الماءين بإسماك أحدهما عن الآخر في مرأى العين. قال ~~في الحاشية : ويقرب ما ذكره ما هو مشهود في الريف مع الماء ، فاعتبر به ، ~~وبالأبيض من البيضة مع الأصفر منها ، وقيل : أرسل بحري فارس والروم يلتقيان ~~في المحيط ؛ لانهما خلجان يتشعبان منه ، {بينهما برزخ} حاجز من قدرة ا لله ~~تعالى ، {لا يبغيان} لا يتجاوزان حديهما ، ولا يبغي أحدهما على الآخر ~~بالممازجة وإبطال الخاصية ، أو : لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما ، ~~{فبأي آلاء ربكما تكذبان} وليس شيء منها يقبل التكذيب. {يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان} اللؤلؤ : الدر ، والمرجان : الخرز الأحمر المشهور. قلت : هو شجر ~~ينبت في الحجر في وسط البحر ، وهو موجود في بحر المغرب ، ما بين طنجة ~~وسبتة. وقال الطرطوشي : هو عروق حمر يطلع من البحر كأصابع الكف ، وشاهدناه ~~بأرض المغرب مرارا. ه. وقيل : اللؤلؤ : كبار الدر ، والمرجان : صغاره. ~~وإنما قال : " منهما " وهما إنما يخرجان من الملح ؛ لأنهما لما التقيا ~~وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال : يخرجان منهما. ونقل الأخفش عن قوم : ~~أنهما يخرجان من المالح والعذب ، وليس لمن رده حجة قاطعة ، ومن أثبت أولى ~~ممن نفى. ه. قال أبو حيان : والظاهر خروجهما منهما ، وحكاه الأخفش عن قوم. ~~ه. {فبأي آلاء ربكما تكذبان} مع ظهور هذه النعمة. # {وله الجوار} أي : السفن ، جمع : جارية ، {المنشئات} المرفوعات الشرع ، ~~وقرأ حمزة ويحيى بكسر الشين ، أي : الرافعات الشروع ، أي القلاع ، أو : ~~اللاتي ينشئن الأمواج # 271 # بمخرهن {في البحر كالأعلام} كالجبال الشاهقة ، جمع علم ، وهو الجبل ~~الطويل ، {فبأي ms2968 آلاء ربكما تكذبان} من خلق مواد السفن والإرشاد إلى أخذها ، ~~وكيفية تركيبها ، وإجرائها في البحر ، بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها ~~وترتيبها غيره سبحانه. PageV07P403 # {كل من عليها} على الأرض {فان ويبقى وجه ربك} أي : ذاته ، قال القشيري : ~~وفي بقائه سبحانه خلف من كل تلف ، وتسلية للمؤمنين عما يصيبهم من المصائب ، ~~ويفوتهم من المواهب. ه. {ذو الجلال} ذو العظمة والسلطان ، {والإكرام} أي : ~~الفضل التام بالتجاوز والإحسان. وهذه الصفة من عظم صفات الله تعالى ، وفي ~~الحديث : " ألظوا - أي : تعلقوا - بيا ذا الجلال والإكرام " يعني : نادوه ~~به ، يقال : ألظ بالمكان : إذا أدام به ، وألظ بالدعاء : إذا لزمه ، وروي ~~أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يصلي ، ويقول : يا ذا الجلال والإكرام ، ~~فقال : " قد استجيب لك " {فبأي آلاء ربكما تكذبان} فإن إفناءهم وإخراجهم من ~~ضيق هذه الدار الدنية ، وإحياءهم وإبقاءهم في الدار الباقية في النعيم ~~السرمدي من عظائم النعم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 270 # الإشارة : اختص مظهر الإنسان عن سائر المظاهر باعتدال خلقته ، لطافة ~~وكثافة ، معنى وحسا ، روحانيا وبشرية ، فلذلك فاقت معرفته إذا عرف سائر ~~المخلوقات ، بخلاف الجن والملائكة ، اللطافة غالبة عليهم ، فمن كان منهم ~~عارفا لا تجده إلا متحرفا ، غالبا عليه الهيمان والسكر ، وأما الآدمي فمن ~~غلبت روحانيته على صلصاليته ، ومعناه على حسه ، كان كالملائكة أو أفضل ، ~~ومن غلبت طينته على روحانيته ، وحسه على معناه ، كان كالبهائم أو أضل. PageV07P404 # وقوله تعالى : {رب المشرقين ورب المغربين} أي : رب مشرق شمس العرفان وقمر ~~الإيمان ، ومغربهما عند غين الأنوار والأغيار. وقال القشيري : يشير مشرق ~~الروح والقلب ، ومغرب النفس والهوى. ه. فإذا أشرق نور الروح والقلب غابت ~~ظلمة النفس والهوى ، وإذا استولت ظلمة النفس والهوى على الروح والقلب غربت ~~شمسهما ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان} مع ما في ذلك في اللطائف الغامضة ، ~~والغوامض الخفية ، من عدم سكون الروح والقلب إلى التجلي الجمالي ، وعدم ~~اضطراب النفس والهوى بالتجلي القهري الجلالي ؛ لأن الكامل من هذه الطائفة ~~هو الذي يشاهد الجمال في الجلال ، والجلال في الجمال ، فلا يسكن إلى شيء ، ~~ولا ms2969 يقف مع شيء. # وقوله تعالى : {مرج البحرين يلتقيان} يشير إلى بحر علم الشريعة ، وبحر ~~علم الحقيقة ، يلتقيان في الإنسان الكامل ، {بينهما برزخ} وهو العقل ، فإنه ~~يحجز الشريعة أن # 272 PageV07P405 ~~تعدو محلها ، والحقيقة أن تجاوز محلها ، فالشريعة محلها الظواهر ، والحقيقة ~~محلها البواطن ، والعقل برزخ بينهما ، يقوم بحكم كل واحدة منهما ، فمن خف ~~عقله غلبت إحداهما عليه ، إما الشريعة ، فيكون يابسا جامدا لا يخلو من فسوق ~~، وإما الحقيقة ، فيكون إما سكرانا أو زنديقا. {فبأي آلاء ربكما تكذبان ؟ } ~~حيث هدى العبد إلى القيام بحقهما ، وإنزال كل واحدة في محلها ، {يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان} فيخرج من بحر الحقيقة جواهر الحكم ويواقيت العلوم ، ومن ~~بحر الشريعة مرجان تحرير النقول ، وتحقيق مبانيها ، والإتيان بها من ~~معادنها ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان} حيث وفق غواص بحر الحقيقة إلى استخراج ~~أسرارها ، وغواص بحر الشريعة إلى إظهار أنوارها. {وله الجوار} ، أي : سفن ~~استخراج أسرارها ، وغواص بحر الشريعة إلى أظهار أنوارها. {المنشأت} في بحر ~~الذات ، مع رسوخ عقلها ، كالجبل الراسي ، فتعوم سفن أفكار العارفين في بحر ~~الجبروت وأنوار الملكوت ، ثم ترسي في مرساة العبودية ، للقيام بآداب ~~الربوبية ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان} مع عظيم هذا اللطف الكبير ، والمنة ~~الكريمة ، حيث يتلاطم عليهم أمواج بحر الذات ، فيكونوا من المغرقين في ~~الزندقة ، أو ذهاب العقل بالكلية ، لكن من صحب رئيسا عارفا لا يخاف من ~~الغرق إن شاء الله. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 270 # كل من عليها فان} كل من على بساط المملكة فان متلاش ، {ويبقى وجه ربك} أي ~~: ذاته المقدسة ، فلا موجود معها على الحقيقة ، كما قال الشاعر : # فالكل دون الله إن حققته # عدم على التفصيل والإجمال # وهذا معلوم عند أرباب الأذواق ، مقرر عند أهل الفناء والبقاء ، فلا يجحده ~~إلا جهول ، كما قال تعالى : {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ؟ . # جزء : 7 رقم الصفحة : 270 PageV07P406 ~~يقول الحق جل جلاله : {يسأله من في السماوات والأرض} من ملك وإنس وجن ~~وغيرهم ، لا غنى لأحد منهم عنه سبحانه ، كل منهم يسأل حاجته ، إما بلسان ~~مقاله ، أو بلسان حاله ، أهل ms2970 السموات يسأله قوت أرواحهم ، وأهل الأرض قوت ~~أشباحهم # 273 # وأرواحهم. وقال أبو السعود : فإنهم كافة ، من حيث حقائقهم الممكنة ، ~~بمعزل من استحقاق الوجود ، وما يتفرع عليه من الكمالات بأسره ، بحيث لو ~~انقطع ما بينهم وبين العناية الإلهية من العلاقة لم يشموا رائحة الوجود ~~أصلا ، فهم في كل أمر مستمدون على الاستدعاء والسؤال. ه. # ويوقف على قوله : {والأرض} ثم يبتدأ بقوله : {كل يوم} فهو ظرف لقوله : ~~{هو في شأن} أي : هو كائن كل وقت وحين في شأن من شؤون خلقه ، التي من ~~جملتها : إعطاؤهم ما سألوا ، فإنه تعالى لا يزال ينشئ أشخاصا ، ويفني آخرين ~~، ويأتي بأحوال ويذهب بأحوال ، حسبما تقتضيه مشيئته ، المبنية على الحكم ~~البالغة ، وسمعت شيخنا الفقيه العلامة ، سيدي " التاودي بن سودة " - رحمه ~~الله - يقول في تفسيرها : إن من شؤونه تعالى أنه كل يوم يجهز ثلاثة جيوش : ~~جيشا إلى الأرحام ، وجيشا إلى الدنيا ، وجيشا إلى المقابر. ه. وعن ابن ~~عيينة : الدهر عند الله يومان ، أحدهما : اليوم الذي هو مدة الدنيا ، فشأنه ~~فيه : الأمر والنهي ، والإحياء والإماتة ، والإعطاء والمنع ، والآخر : يوم ~~القيامة ، فشأنه فيه : الجزاء والحساب. PageV07P407 # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه تلاها ، فقيل له : ما هذا الشأن ؟ فقال : ~~" من شأنه أن يغفر ذنبا ، ويفرج كربا ، ويرفع قوما ويضع آخرين " وقيل : ~~نزلت في اليهود حين قالوا : إن الله لا يقضي يوم السبت شأنا ، فرد الله ~~عليهم ؛ والمراد بهذه الشؤون : أمور يبديها ولا يبتديها ، فقد جف القلم بما ~~هو كائن إلى ما لا نهاية له. ومنه : ما جاء في القضاء على الولد في الرحم ، ~~بسعادة أو غيرها ، ليس ذلك القضاء إنشاء وابتداء ، وإنما هو إبداء وإظهار ~~للملائكة ما سبق به قضاؤه وقدره ، وهو مسطور في اللوح ، ولذلك جاء : " إنه ~~يقال للملك : انطلق إلى أم الكتاب ، فينطلق ، فيجد قصة ذلك فيه... " ~~الحديث. وقيل : شأنه تعالى : سوق المقادير إلى المواقيت. # جزء : 7 رقم الصفحة : 273 # قال النسفي : قيل : إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل ، وقال له : ~~أشكلت علي ثلاث آيات ms2971 ، دعوتك لتكشفها لي ، قوله تعالى : {فأصبح من ~~النادمين} [المائدة : 31] وقد صح : أن الندم توبة ، وقوله : {كل يوم هو في ~~شأن} وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة ، وقوله : {وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى} [النجم : 39] فما بال الأضعاف ؟ فقال الحسين : يجوز ~~ألا يكون الندم توبة في تلك الآية. وقيل : إن ندم قابيل لم يكن على قتل ~~هابيل ، ولكن على حمله وتكلفه مشقته ، وقوله : {وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى} مخصوص بقوم إبراهيم وموسى - عليهما السلام- ، وأما قوله : {كل يوم هو ~~في شأن} فإنها شؤون يبديها لا يبتديها ، فقال عبد الله فقبل رأسه ووسع ~~خراجه. ه. # 274 # {فبأي آلاء ربكما تكذبان} مع مشاهدتكم لما ذكر من شؤون إحسانه تعالى. PageV07P408 # {سنفرغ لكم أيه الثقلان} سنتجرد لحسابكم وجزائكم ، مستعار من قول الرجل لمن ~~يتهدده : سأفرغ لك ، أي : سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك ، ويجوز ~~أن يراد : ستنتهي الدنيا ويبلغ آخرها ، وينتهي عند ذلك شؤون الخلق ، التي ~~أرادها بقوله : {كل يوم هو في شأن} فلا يبقى إلا شأن واحد ، وهو جزاؤكم ، ~~فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل ، و" الثقلان " : الجن والإنس ، سميا ~~بذلك ؛ لثقلهما على الأرض ، أو : لرزانة آرائهما ، أو : لأنهما مثقلان ~~بالتكليف ، {فبأي آلاء ربكما} التي من جملتها : التنبيه على ما يلقونه يوم ~~القيامة ، للتحذير عما يؤدي إلى سوء الحساب ، {تكذبان} بأقوالكما أو ~~بأعمالكما. # {يا معشر الجن والإنس} هو كالترجمة لقوله : " أيه الثقلان " {إن استطعتم ~~أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض} بأن تهربوا من قضائي ، وتخرجوا من ~~ملكوتي ، ومن أقطار سماواتي وأرضي ، {فانفذوا} وخلصوا أنفسكم من عقابي ، ~~{لا تنفذون} لا تقدرون على النفوذ {إلا بسلطان} إلا بقوة وقهر ، وأنتم من ~~ذلك بمعزل بعيد. قيل : يقال لهم هذا يوم القيامة ، حين تحدق بهم الملائكة ، ~~فإذا رآهم الجن والإنس هربوا ، فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة أحاطت ~~به. {فبأي آلاء ربكما تكذبان} التي من جملتها : التنبيه والتحذير ؛ ليقع ~~التأهب لتلك الأهوال. # {يرسل عليكم شواظ من نار} أي : لهب خالص ms2972 منها. وفيه لغتان : ضم الشين ~~وكسرها ، {ونحاس} أي : دخان ، من رفعه عطفه على " شواظ " ومن جره فعلى " ~~نار " ، والمعنى ، إذا خرجتم من قبوركم يرسل عليكم لهب خالص من النار ، ~~ودخان يسوقكم إلى المحشر ، {فلا تنتصران} فلا تمنعان منهما ، {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} فإن بيان العواقب لطف ونعمة لمن ينتبه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 273 PageV07P409 ~~فإذا انشقت السماء} أي : انصدعت يوم القيامة {فكانت وردة} فصارت كلون الورد ~~الأحمر {كالدهان} كدهن الزيت ، كما قال : {كالمهل} [المعارج : 8] وهو دردي ~~الزيت ، وهو جمع دهن ، وقيل : الدهان : الأديم الأحمر. وجواب " إذا " محذوف ~~، أي : يكون من الأهوال والأحوال ما لا يحيط به دائرة المقال. # قلت : وهذا الانشقاق يحصل للسموات والناس في المحشر ، ثم تدنو الشمس من ~~الخلائق ، فيعظم الخطب والهول ، إلا ما استثني في حديث السبعة. وقيل : يحصل قبل # 275 # البعث ، كما في البدور السافرة. والله أعلم بحقيقة الأمر. # {فبأي آلاء ربكما تكذبان} مع عظم شأنها ، {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ~~ولا جان} لأنهم يعرفون بسيماهم وذلك أول ما يخرجون من القبور ، ويحشرون إلى ~~الموقف أفواجا على اختلاف مراتبهم ، وأما قوله تعالى : {فوربك لنسئلنهم ~~أجمعين} [الحجر : 92] ونحوه ؛ ففي موقف المناقشة والحساب ، فيوم القيامة ~~يوم طويل ، وفيه مواطن ، يسألون في موطن ، ولا يسألون في آخر. وقال قتادة : ~~قد كانت مسألة ، ثم ختم على أفواه القوم. وقيل : لا يسأل ليعلم من جهته ، ~~ولكن يسأل للتوبيخ. وضمير {ذنبه} للإنس لتقدمه رتبة ، وإفراده لأن المراد ~~فرد من الإنس ، والمراد بالجان الجن ، فوضع الجان - الذي هو أبو الجن موضع ~~الجن ، كأنه قيل : لا يسأل عن ذنبه أنسي ولا جني ، {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} مع كثر منافعها ؛ فإن الإخبار بما ذكر يزجركم عن الشر المؤدي إليه. # الإشارة : يسأله من في سماوات الأرواح ما يليق بروحانيته ، من كشف ~~الأسرار ، وتوالي الأنوار ، فهو دائم سائل مفتقر ، لا يزول اضطراره ، ولا ~~يكون مع غير الله قراره ، وسؤاله إما بلسان حاله أو مقاله ، ويسأله من في ~~أرض البشرية ممن لم يترق إلى عالم الروحانية ما ms2973 يليق بضعف بشريته ، من ~~القوت الحسي ، وما يلائمه من ضرورية البشرية ، أو يكون سبب نجاته ونعيمه ~~يوم القيامة ، من الاستقامة الظاهرة. PageV07P410 # وأشار بقوله : {كل يوم هو في شأن} إلى اختلاف تجلياته في كل لحظة ، فيتجلى ~~في ساعة واحدة بقبض قوم وبسط آخرين ، ورفع قوم وذل آخرين ، وإعطاء قوم ومنع ~~آخرين ، وترقية قوم وخفض آخرين ، إلى ما لا نهاية له ، ولذلك تختلف ~~الواردات على قلوب العارفين ، ينسخ بعضها بعضا ، ولذلك أيضا تجد العارفين ~~لا يسكنون إلى شيء ، ولا يقفون مع شيء ولا يعولون على شيء ، بل ينظرون ما ~~يبرز من عنصر القدرة ، فيسيرون معه ، إذا أصبحوا نظروا ما يفعل الله بهم ، ~~وإذا أمسوا كذلك ، قد هدمت المعرفة أركان عزائمهم ، وحلت عقدهم ، فهم في ~~عموم أوقاتهم لا يريدون ولا يختارون ولا يدبرون ؛ لعلمهم أن الأمر بيد ~~غيرهم ، ليس لهم من الأمر شيء. # جزء : 7 رقم الصفحة : 273 # وقوله تعالى : {سنفرغ لكم أيه الثقلان} فسر القشيري الثقلين بالروح ~~وصفاتها الحميدة ، وبالنفس وصفاتها الذميمة ، أي : سنفرغ لإكرامكم ، ورفع ~~أقداركم يا معشر الأرواح المطهرة ، بأن أتجلى لكم ، فتشاهدوني في كل وقت ~~وحين ، وسنفرغ لكم أيتها النفوس الظلمانية بأنواع الامتحان بصنوف المحن ، ~~فلا تدخلوا جنتي حتى تتهذبوا وتصفوا من كدرات الأغيار ، ولا أتجلى لكم إلا ~~في وقت الاحتياج والاضطرار. والحاصل : أن المدار كله على هذه الدار ، فمن ~~صفا هنا صفي له ثم ، ومن كدر هنا كدر عليه هناك. ويقال لأهل النفوس ~~الظلمانية : {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض} بفكرة بصائركم فانفذوا ، ولا قدرة لكم على ذلك ؛ لسجن أرواحكم # 276 PageV07P411 ~~في هياكل ذواتكم ، وإحاطة دائرة الكون بكم ، لا تنفذون إلا بسلطان : إلا ~~بقوة سلطان أرواحكم على نفوسكم ، فتجذبها إلى عالم الروحانية ، بصحبة طبيب ~~ماهر ، فحيئذ تنفذ بصيرتكم عن دائرة الأكوان ، وتفضوا إلى فضاء العيان ، ~~وإذا كان يوم القيامة خرقت أرواحهم بأشباحهم محيطات الأكوان ، وأفضوا في ~~الهوى إلى سعة الجنان ، قال تعالى : {وأزلفت الجنة للمتقين} [الشعراء : 90] ~~، وقد تقدم معناه. PageV07P412 # {يرسل عليكم شواظ ms2974 من نار ونحاس...} الخ ، قال القشيري : يخاطب معشر جن ~~النفس بإرسال لهب البعد والقطيعة عليهم ، بواسطة انغماسهم وانهماكهم في ~~استيفاء اللذات الجسمانية ، والشهوات الحيوانية ، على الدوام والاستمرار ، ~~ويخاطب معشر إنس الروح بصب الصفر المذاب على رؤوسهم ، بسبب انحطاطهم من ~~المقام الروحي العلوي ، إلى المقام النفس السفلي بالتراجع ، ولا يقدر ~~أحدهما على نصرة الآخر. {فبأي آلاء ربكما تكذبان} فإن تعذيب مستحق العذاب ، ~~وتنعيم متسحق النعيم ، والتمييز بين جن النفس العاصي ، وبين إنس الروح ، من ~~الآلاء العظيمة. ه. فإذا انشقت السماء الحسية ، أي : ذابت وتلاشت بذكر اسم ~~الله عليها من العارف ، فكانت وردة يهب بنسيم المعاني من أكنافها ، كالدهان ~~: كالزيت المذاب ، حين تذوب بالفكرة الصافية ، والحاصل : أن سائر الكائنات ~~، تذوب وتتلطف حين تستولي عليها المعاني القائمة بها ، {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} مع ظهور هذه النعمة العظيمة ، التي خفيت عن جل الناس ، {فيومئذ لا ~~يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} ممن بلغ منهم إلى هذه المرتبة العظيمة ، فأهل ~~العيان لم يبق في حقهم طاعة ولا عصيان ، فلا يتوجه إليهم سؤال ولا عتاب ، ~~وفي مناجاة الحق لسيدنا موسى عليه السلام : لا يا موسى إنما يطيعني ويعصيني ~~أهل الحجاب ، وأما من لا حجاب بيني وبينه فلا طاعة في حقه ولا معصية. وقال ~~الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : يبلغ الولي مبلغا يقال له : افعل ما شئت ، ~~أصحبناك السلام ، وأسقطنا عنك الملامة. ه. وهذا بعد محق أوصاف النفس ، وبعد ~~التحقق بالفناء والبقاء. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 273 PageV07P413 ~~يقول الحق جل جلاله : {يغرف المجرمون} أي : الكفرة {بسيماهم} بسواد وجوههم ~~، وزرقة عيونهم ، أو : بما يعلوهم من الكآبة والحزن. قيل : هو تعليل لقوله ~~: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} أي : لا يسألون لأنهم معروفون ، ~~{فيؤخذ بالنواصي والأقدام} أي : يجمع بين نواصيهم وأقدامهم في سلسلة من ~~وراء ظهورهم ، # 277 # وقيل : تسحبهم الملائكة ، تارة يأخذ بالنواصي ، وتارة بالأقدام ، فالجار ~~نائب الفاعل ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان} فإن التخويف من هذه الأهوال قبل ~~وقوعها من أجل النعم ؛ ليقع ms2975 الزجر عما يؤدي إليها. # {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون} أي : يقال لهم : هذه جهنم التي كذبتم ~~بها ، توبيخا وعقابا ، {يطوف بينهما وبين حميم آن} أي : بالغ من الحرارة ~~أقصاها ، فالحميم : المار الحار ، " والآن " : البالغ في الحرارة ، فهم ~~يعذبون بين الحرق بالنار وشرب الحميم الحار. قال كعب : إن واديا من أودية ~~جهنم ، يجتمع فيه صديد أهل النار ، ينغمسون بأغلالهم فيه ، حتى يخلع ~~أوصالهم ، ثم يخرجون منها ، وقد أحدث اللهخ لهم خلقا جديدا ، فيلقون في ~~النار ، فذلك قوله تعالى : {يطوفون بينها وبين حميم آن} ، {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} ، وقد تقدم تفسير كون هذا نعما مرارا. PageV07P414 # الإشارة : فسر القشيري " المجرمون " هنا بطائفتين ، الأولى : المتشدقون من ~~علماء الكلام ، الذي يتكلمون في ذاته وصفاته وأفعاله بما ليس لهم به علم ، ~~ويجادلون أرباب الكشف والشهود بسبب علومهم الجدلية ، ويفوهون بقوة الجبهة ~~وصلابة الناصية ، فلا شك أنهم يجرون على ناصيتهم في نار البعد والطرد عن ~~مراتب أهل العرفان. الطائقة الثانية : المتصوفة الجاهلة ، المنقطعون عن ~~الطريق المستقيم ، والمنهج القويم ، بسبب دخولهم في هذه الطريق بالتقليد ، ~~من غير إذن شيخ كامل ، واصل موصل ، فلا شك أنهم يخرجون بأقدامهم المعوجة عن ~~سلوك طريق الحق إلى نار البعد والقطيعة. ه. بالمعنى. والسيما التي يعرفون ~~بها ، إما علو النفس ، وغلظة الطبع ، وطلب الجاه ، وإما قلقة اللسان ، ~~وإظهار العلوم ، فالعارف الكامل بعكس هذا كله ، متواضع ، سهل ، لين ، ~~الخفاء أحب إليه من الظهور ، لسان حاله أفصح من مقاله. ثم قال تعالى : {هذه ~~جهنم التي يكذب بها المجرمون} المتقدمون ، لأنهم ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا. وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، {يطوفون بينها} أي : بين نار ~~القطيعة وحميم التدبير والاختيار ، من هم الرز ، وخوف الخلق ، وغم الحجاب : ~~نسأل الله العصمة بمنه وكرمه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 277 # 278 PageV07P415 ~~يقول الحق جل جلاله : {ولمن خاف مقام ربه} أي : قيامه بين يديه للحساب {يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين} أو : قيامه تعالى على أحواله ، من : قام عليه ، ~~إذا راقبه ، كقوله : {أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت} ms2976 [الرعد : 33]. قال ~~مجاهد : هو الرجل يهم بالمعصية ، فيذكر الله تعالى ، فيدعها من خوفه. قال ~~السدي : شيئا ، مفقودان : الخوف المزعج ، والشوق المقلق. ه. أي : للخائف ~~{جنتان} أي : بستانان من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ، مسيرة كل بستان ~~: مائة سنة. وقال صلى الله عليه وسلم : " هل تدرون ما هاتان الجنتان ؟ هما ~~بستانان في بستانين ، قرارهما لابث ، وفرعهما ثابت ، وشجرهما نابت " ، أكرم ~~بهما المؤمن ليتكامل سروره بالتنقل لمن جنة إلى جنة ، وقيل : جنة لخوفه ~~وجنة لتركه شهوته ، أو : جنة لعقيدته وجنة لعمله ، أو : جنة لفعل الطاعة ~~وجنة لتركه المعصية ، أو : جنة يثاب بها وجنة يتفضل عليه بها ، أو : ~~روحانية وجسمانية ، أو : جنة للسابقين وجنة لأهل اليمين ، أو : جنة للإنس ~~وجنة للجن ؛ لأن الخطاب للثقلين ، كأنه قيل : لكل خائف منكما جنتان. والأول ~~أرجح ، وسيأتي في الإشارة بقيته ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان}. # ثم وصف تلك الجنتين بقوله : {ذواتا أفنان} أغصان ، جمع " فنن " ، وخص ~~الأفنان لأنها هي التي تورق ، ومنها تجنى الثمار ، وتعقد الظلال ، أو جمع ~~فن ، بمعنى النوع ، أي : ذواتا أنواع من الأشجار والثمار ، مما تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وليس فيها شيء يقبل ~~التكذيب. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 278 PageV07P416 ~~فيهما} أي : في الجنتين {عينان تجريان} حيث شاؤوا إلى الأعالي والأسافل. ~~وعن الحسن : تجريان بالماء الزلال ، إحداهما : التسنيم ، والأخرى : ~~السلسبيل ، وقيل : بالماء والخمر ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ، {فيهما من ~~كل فاكهة زوجان} صنفان ، صنف معروف وصنف غريب ، أو رطب ويابس. {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان}. # {متكئين} نصب على المدح للخائفين ، أو : حال منهم ؛ لأن من خاف في معنى ~~الجمع ، {على فرش بطائنها من إستبرق} من ديباج ثخين ، وحيث كانت بطائنها ~~كذلك فما ظنك بظاهرها ؟ وقيل : ظاهرها سندس ، وقيل : من نور ، وقيل : لا ~~يعلمها إلا الله. والبطائن : جمع بطانة ، وهو : ما يلي الأرض ، والإستبرق ~~معرب ، {وجنى الجنتين دان} أي : ما يجتنى من أشجارها من الثمار قريب ، ~~يناله القائم والقاعد والمضطجع. قال ابن عباس رضي الله عنه : تدنو الشجيرة ~~حتى يجنيها ولي الله ، إن شاء قائما ms2977 ، وإن شاء قاعدا ، وإن شاء مضطجعا. # قال القشيري : وفي الخبر المسند : " من قال سبحان الله ، والحمد لله ، ~~ولا إله إلا الله ، # 279 PageV07P417 ~~والله أكبر ، غرس له بها ألف شجرة في الجنة ، أصلها الذهب ، وفرعها الدر ، ~~وطلعها كثدي الأبكار ، ألين من الزبد ، وأحلى من العسل ، كلما أخذ منها شيء ~~عاد كما كان ، وذاك قوله تعالى : {وجنى الجنتين دان} إذا أرادوه أتى إلى ~~أفواههم ، حتى يتناولون من غير مشقة ، ويقال : ينالها القائم والقاعد ~~والنائم. ه. {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ، {فيهن} أي : الجنتين ؛ لاشتمالها ~~على أماكن وقصور ومجالس ، أو : في هذه الآلاء المعدودة ، من الجنتين ~~والعينين والفاكهة والغرس والجني ، {قاصرات الطرف} جوار قصرن أبصارهن على ~~أزواجهن ، لا ينظرن إلى غيرهم ، {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} أي : لم يمس ~~الإنسيات أحد من الإنس ، لا الجنيات أحد من الجن. والطمث : الجماع ~~بالتدمية. وفي الآية دليل على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس. {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان كأنهن} أي : تلك الجوار {الياقوت} صفاء {والمرجان} بياضا ، ~~على أن المرجان صغار الدر ، أو : في الصفاء وحمرة الوجه. قيل : إن الجواري ~~تلبس سبعين حلة ، فيرى مخ ساقها من ورائها ، كام يرى الشراب الأحمر في ~~الزجاجة. {فبأي آلاء ربكما تكذبان}. PageV07P418 # {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} هو استئناف مقرر لما فصل قبله ، أي : ما ~~جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسان في الثواب ، قال أنس : قرأها النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : " هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قال : هل جزاء من أنعمت ~~عليه بالتوحيد إلا الجنة " وفي لفظ آخر : " هل جزاء من أنعمت عليه بتوحيدي ~~ومعرفتي إلا أن أسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي " أو : هل جزاء من قال " لا ~~إله إلا الله " إلا الجنة. قال السدي : هل جزاء الذين أطاعوا في الدنيا إلا ~~الكرامة في الآخرة. وقال جعفر الصادق : هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا ~~حفظ الإحسان عليه في الأبد. قال الحسن : هي مسجلة - أي مطلقة - للبر ~~والفاجر ، للفاجر في دنياه ، وللبر في عقباه. ه. {فبأي آلاء ربكما تكذبان}. ms2978 # جزء : 7 رقم الصفحة : 278 # الإشارة : {ولمن خاف مقام ربه} فراقبه ، ثم شاهده ، {جنتان} جنة المعارف ~~معجلة ، وجنة الزخارف معها مؤجلة ، أو : جنة المعارف لأرواحهم ، وجنة ~~الزخارف لأشباحهم. قال القشيري : جنتان : جنة معجلة من حلاوة الطاعة وروح ~~القرب ، ومؤجلة في الآخرة ، وهي جنة الثواب ، وهم مختلفون في جنان الدنيا ~~على قدر تفاوت مقادير أحوالهم ، كما يختلفون في الآخرة في درجاتهم. ه. فجنة ~~حلاوة الطاعة لأهل اليمين ، وجنة روح القرب للمقربين. قال الورتجبي : جنتان ~~: جنة المشاهدة وجنة المكالمة ، جنة # 280 # المحبة وجنة المكاشفة ، جنة المعرفة وجنة التوحيد ، جنة المقامات وجنة ~~الحالات ، جنة القلب وجنة الروح ، جنة الكرامات وجنة المداناة. ه. أو : جنة ~~الوصال وجنة الكمال ، أو : جنة الكمال وجنة التكميل ، أو جنة الفناء وجنة ~~البقاء ، أو جنة البقاء وجنة الترقي إلى غير انتهاء. PageV07P419 # وقوله تعالى : {ذواتا أفنان} يشير إلى ما في هاتين الجنتين من فنون العلوم ~~والأذواق ، والأسرار والأنوار ، وتفنن الأفكار في بحار الأسرار ، فيهما لكل ~~واحد عينان تجريان ، إحداهما بعلوم الشريعة والمعاملة وآداب العبودية ، ~~وأخرى بعلوم الحقيقة والطريقة والتوحيد الخاص ، فيهما من كل فاكهة من فواكه ~~الأذواق صنفان : صنف حاصل ، وصنف يتجدد بتجدد الأنفاس ، أو : صنف لعالم ~~الحكمة ، وصنف لعالم القدرة ، أو : صنف للذات وصنف للصفات ، أو : صنف ~~لحلاوة المشاهدة وصنف لآداب المعاملة. متكئين على فرش الأنس ، بطائنها من ~~استبرق الروح والفرح ودوام البسط ، وجنا الجنتين دان لمن تمكن من الشهود ؛ ~~لأن ثمار المعارف من حلاوة الشهود والأنس صارت طوع يده ، فشهوده دائم ، ~~وقربه للحبيب لازم ، فمهما أجال فكرته غاصت في بحار الأحدية ، واستخرجت من ~~يواقيت الحكم ، وجواهر العلوم ، ما لا يحيط به المفهوم ، بخلاف غير المتمكن ~~، تعب الفكرة ينقص له من لذة الشهود. قال القشيري : إذ لا لذة في أوائل ~~المشاهدة ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم ارزقني لذة ~~النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة... " الحديث. ه. فيهن ~~قاصرات الطرف ، أي : أبكار الحقائق خاصة بهم لا تنكشف لغيرهم. لم يطمثهن ~~إنس قبلهم ولا ms2979 جان ؛ لم يمس تلك الحقائق غيرهم ، لأنها خاصة بأهل الأذواق ، ~~وكل واحد يمس من الحقائق ما لا يمس غيره ، وينكشف له ما لا ينكشف لغيره ، ~~لأنها على حسب الاستعداد. كأنهن - أي : تلك الحقائق - الياقوت في صفاء ~~معناها ، والمرجان في حسن مبناها ، هذا جزاء أهل مقام الإحسان. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 278 PageV07P420 ~~هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} أي : هل جزاء أهل مقام الإحسان إلا الإحسان ~~والتقريب والتخصيص بهذه العلوم والحقائق ، أو : هل جزاء الإحسان معنا إلا ~~الإحسان بكشف ذاتنا ، أو : هل جزاء الإحسان إلى عبادي إلا الإحسان بقربي ~~وولايتي. قال ابن جزي : ويحتمل أن يكون الإحسان هنا هو الذي سأل عنه جبريل ~~عليه السلام " أن تعبد الله كأنك تراه " فجعل جزاء ذلك الإحسان بهاتين ~~الجنتين ، ويقوي ذلك : انه جعل هاتين # 281 # الجنتين الموصوفتين هنا لأهل المقام العلي ؛ وجعل جنتين وجعل جنتين ~~دونهما لمن كان دون ذلك ، فالجنتان المذكورتان أولا للسابقين ، والمذكورتان ~~بعد ذلك لأصحاب اليمين ، حسبما ورد في الواقعة. انظر تمامه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 278 # يقول الحق جل جلاله : {ومن دونهما جنتان} أي : ومن دون تينك الجنتين ~~الموعودتين للمقربين {جنتان} أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين ، ويؤيده ~~حديث أبي موسى ، قال في هذه الآية. {ولمن خاف مقام ربه} قال : " جنتان من ~~ذهب للسابقين ، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه ، ولا شك أن الذهب ~~أرفع من الورق ، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب ، خلافا لمن قال : يلزم ~~حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة ، ~~واختار في نوادر الأصول أن قوله : {ومن دونهما} أي : في القرب إلى العرش ، ~~وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل ، إلى العرش ، وبسط القول في ذلك ، ومثله ~~ذكره ابن عطية عن ابن عباس ، واحتج لذلك ، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك ، ~~وسيأتي بيانه إن شاء الله. PageV07P421 # {فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان} خضراوان تميلان إلى السواد ، من شدة ~~الخضرة ، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين ~~المنبسطة على وجه الأرض ، وعلى الأوليين ms2980 الأشجار والفواكه ، ومن اشتهى فيها ~~شيئا يعطاه ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان} كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع ~~صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار ، {فيهما ~~عينان نضاختان} فوارتان بالماء ، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو ~~الرش ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان}. # {فيهما فاكهة ونخل ورمان} عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام ؛ ~~لفضلهما ، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء ، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة ~~: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث ، وقوفا مع ظاهر العطف ~~، وعندنا الأيمان مبنية # 282 # على الأعراف ، وهي تختلف باختلاف الأقطار. {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ولا ~~شيء منها يقبل الإنكار. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 282 PageV07P422 ~~فيهن خيرات حسان} أي : في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء {خيرات} ~~أي : فاضلات الخلق ، حسان الخلق ، وهو مخفف من " خير " بالتشديد ، وقرئ ~~(خيرات) على الأصل ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان}. {حور} بدل من " خيرات " ~~{مقصورات في الخيام} قصرن في خدورهن. يقال : امرأة قصيرة وقصورة ، ومقصورة ~~، أي مخدرة ، أو : مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري ~~: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن : نحن الناعمات فلا ~~نبأس ، الخالدات فلا نبيد ، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر : أن عائشة قالت : ~~" إن المؤمنات أجبنهن ، نحن المصليات وما صليتن ، نحن الصائمات وما صمتن ، ~~نحن المتصدقات وما تصدقتن ، قالت عائشة : فغلبنهن ". والخيام من الدر ~~المجوف ، {فبأي آلاء ربكنما تكذبان}. {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان}. PageV07P423 # {متكئين} نصب على الاختصاص ، {على رفرف} هو كل ثوب عريض ، وقيل : هو ~~الوسائد ، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر ، يركب فيه أهل ~~الجنة ، ويسير بهم حيث شاؤوا ، وقوله : {خضر} ، وصف لرفرف ؛ لأنه محلى ~~بثياب خضر ، والرفرف : إما اسم جنس ، أو اسم جمع ، واحده : رفرفة. {وعبقري ~~حسان} أي : طنافس ، وهي جياد البسط ، كالزرابي وشبهها. والعبقري : منسوب ~~إلى عبقر ، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن ، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال ~~أبو عبيد : هو منسوب إلى أرض ms2981 يعمل فيها الوشي ، فينسب إليها كل مبالغ في ~~الوصف ، وقال الخليل : كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب ~~عبقري ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في عمر : " فلم أر عبقريا من الناس ~~يفري فريه " والمراد به الجنس ، ولذلك وصفه بالجمع ، {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} قال النسفي : وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل ~~: [ومن دونهما] لأن {مدهامتان} دون {ذواتا أفنان} ، و{نضاختان} دون ~~{تجريان} ، و{فاكهة} دون {من كل فاكهة زوجان} ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. # {تبارك اسم ربك} أي : تنزه وتقدس ، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في ~~السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام ، {ذي الجلال} ذي العظمة. وقرأ ~~الشامي بالرفع ، صفة لاسم ، {والإكرام} لأوليائه بالإنعام. # 283 # قيل : لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله : {ويبقى وجه ربك ذي الجلال ~~والإكرام} ختم نعم الآخرة بقوله : {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} ~~وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى ، إذ ذكر فناء العالم ، وناسب ~~هنا ذكر ما امتن به من البركة ، وهي الخير والزيادة ، إذ جاء ذلك عقب ما ~~امتن به على المؤمنين ، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته ~~وديمومته. # جزء : 7 رقم الصفحة : 282 PageV07P424 ~~روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن ، فقال : " ما لي ~~أراكم سكوتا ، للجن كانوا أحسن منكم ردا ، ما أتيت على قول الله : {فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان} إلا قالوا : ولا شيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد ولك ~~الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة ، ذكرت ثمانية ~~منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله ، وبدائع صنعه ، ومبدأ الخلق ومعادهم ، ~~ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها ، على عدد أبوب جهنم ، وبعد ~~هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها ، على عدد أبوب الجنة ، وثمانية ~~أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما ، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل ~~بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. PageV07P425 # الإشارة : ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل ms2982 اليمين ، وهما جنة حلاوة ~~الطاعة وكمال الاستقامة ، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات ، أو حلاوة ~~المناجاة وحصول المداناة ، أو : جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم ، وأخرى بعد ~~البعث لأشباحهم ، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله : {مدهامتان} شديدة ~~خضرتها ؛ لان النظر إلى الخضرة أميل ، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين ~~يجدون حلاوتها ، ويقفون معها ، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم ، ~~فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم ، بخلاف أهل الباطن ، أهل الفناء والبقاء ، ~~لا ترى منهم إلا النيران ؛ لفرارهم من الخلق ، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ~~ونظرة ، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى ~~، لقوله تعالى : {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة : 282] ، وكثرة العلوم ~~كمال عند أهل الظاهر ، ولا يعتبره أهل الباطن ؛ إذ المدار عندهم على ~~الأذواق والوجدان ، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا ، سيدي " علي ~~العمراني " رضي الله عنه قال : علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند ~~المستشرف على المعركة ، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. # 284 PageV07P426 ~~فيها فاكهة ، أي : تفنن في تحقيق المسائل ، ونخل ؛ تضلع من علم الحديث ، ~~ورمان ؛ تغلغل في التفسير ، أو : فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة ، ونخل ~~تحقيق علم الاعتقادات المجازية ، ورمان تمسك بعلم التصوف ، الذي هو دواء ~~القلوب ، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان ، وهي ثمرة العلم ~~النافع ، حور مقصورات في الخيام ، أي : تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب ~~أهل الصفا ، لا تظهر إلا لهم ، أو : في تلك الجنان الذي هي القلوب ، علوم ~~غريبة ، لم تكشف لغيرهم ، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ؛ لم يفك انغلاقها ~~أحد قبلهم. وفي التسهيل : وإذا كانت العلوم منحا إلهية ، ومواهب اختصاصية ، ~~فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. ~~متكئين على رفرف ، أي : بساط فكرة الاعتبار ، يستخرج بها جواهر العلوم ، ~~ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم ، وفي الحديث ~~: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما ~~قال صلى الله عليه وسلم ، وكذلك وصفه ms2983 بالعبقرية والجودة ؛ لكماله في محله. ~~{تبارك اسم ربك} أي : تعاظم قدره {ذي الجلال والإكرام} حيث من بهذه النعم ~~الجسام على الفريقين ، وبالله التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم ، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه ، وسلم. # 285 # جزء : 7 رقم الصفحة : 282 PageV07P427 ### | AUTO سورة الواقعة # جزء : 7 رقم الصفحة : 285 # قال ابن عطية : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من دوام ~~على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود ~~إلى عطائه ، فأبى أن يأخذ ، فقيل له : خذ للعيال ، فقال : إنهم يقرؤون سورة ~~الواقعة ، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من قرأها لم يفتقر أبدا ~~" قال ابن عطية : فيها ذكر القيامة ، وحظوظ الناس في الآخرة ، وفهم ذلك غنى ~~لا فقر معه ، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق : من أراد أن يعلم ~~نبأ الأولين ، ونبأ أهل الجنة ، ونبأ أهل النار ، ونبأ الدنيا والآخرة ؛ ~~فليقرأ سورة الواقعة. ه. # يقول الحق جل جلاله : {إذا وقعت الواقعة} إذا قامت القيامة ، وذلك عند ~~النفخة الثانية ، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة ، فكأنها واقعة في ~~نفسها ، كأنه قيل : أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر : نزوله ، ~~يقال : وقع ما كنت أتوقعه ، وانتصاب {إذا} بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة ، ~~كأنه قيل : إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال ، أو : ~~بالنفي المفهوم من قوله : {ليس لوقعتها كاذبة} أي : لا كذب وقت وقوعها ، أو ~~: باذكر ، أو : بمضمون السورة قبلها ، أي : يكون ما ذكر من نعيم # 286 # الفريقين إذا وقعت الواقعة ، ثم استأنف بقوله : {يس لوقعتها كاذبة} أي : ~~لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله ، أو : تكذب في نفسها كما تكذب اليوم ~~، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة ، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات ، ~~واللام مثلها في قوله : {قدمت لحياتى} [الفجر : 24] ، أي : ظرفية ، أي : ~~ليس عند وقوعها كذب ، أو : تعليلية ، قال الفراء : {كاذبة} : مصدر ، ~~كالعاقبة والعالية ، وقيل : صفة لمحذوف ، كما تقدم. ms2984 # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 286 PageV07P428 ~~خافضة رافعة} أي : هي خافضة لأقوام ، رافعة لآخرين ، وهو تقرير لعظمها ~~وتهويل لأمرها ، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك ، أو : بيان لما يكون يومئذ ~~من حط الأشقياء إلى الدركات ، ورفع السعداء إلى الدرجات ، ومن زلزلة ~~الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها ، بنثر الكواكب وتسيير الجبال ، كما أبان ~~ذلك بقوله : {إذا رجت الأرض رجا} : حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء ~~فوقها ، من جبل وبناء ، وهو متعلق بخافضه ، أي : تخفض وترفع وقت رج الأرض ، ~~أي : عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ، ويرتفع ما هو منخفض ، أو : بدل من : {إذا ~~وقعت} ، وجواب الشرط : {فأصحاب الميمنة} ، والمعنى : إذا كان كذا فأصحاب ~~الميمنة ما أسعدهم ، وما أعظم ما يجازون به ، وما أعظم رتبتهم عند الله في ~~ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض الملتت ، من : بس السويق ~~: إذا لته ، أو : سيقت وسيرت عن أماكنها ، من : بس الغنم : إذا ساقها ، ~~كقوله تعالى : {وسيرت الجبال} [النبأ : 20]. {فكانت} أي : فصارت بسبب ذلك ؛ ~~{هباء} غبارا {منبثا} منتشرا متفرقا في الهواء ، والهباء : ما يتطاير في ~~الهواء من الأجزاء الدقيقة ، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة ، ~~{وكنتم} معاشر الخلق ، أو : أيتها الأمة {أزواجا} أصنافا {ثلاثة} صنفان في ~~الجنة ، وصنف النار ، قال قتادة : هي منازل الناس يوم القيامة. # ثم فسر تلك الأزواج ، فقال : {فأصحاب الميمنة} وهم الذي يؤتون صحائفهم ~~بأيمانهم {ما أصحاب الميمنة} ، تعظيم لشأنهم ، و" ما " : استفهام تعجب ~~مبتدأ ، و" أصحاب " : خبر ، والجملة : خبر المتبدأ الأول ، والأصل : فأصحاب ~~الميمنة ما هم ؟ أي : أي شيء هم في حالهم وصفتهم ؟ فوضع الظاهر موضع المضمر ~~زيادة في التعظيم ، ومثله : {الحآقة ما الحآقة} [الحاقة : 1 ، 2] ونظائرها. PageV07P429 # {وأصحاب المشئمة} أي : الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم {ما أصحاب المشئمة} أي ~~: أي شيء هم ؟ ! تعجيب من حالهم الفظيع ، أو : فأصحاب المنزلة السنية ؛ ~~وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة ، من قولك : فلان مني باليمين ، وفلان مني ~~بالشمال ؛ إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة ، وذلك لتيمنهم بالميامن ~~وتشاؤمهم بالشمائل ، وقيل : يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين ms2985 ، وبأل النار ذات ~~الشمال. وقال القشيري : أصحاب الميمنة : هم الذين # 287 # في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه ، وأصحاب المشئمة الذين ~~كانوا في جانب شماله. ه. قلت : وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~ليلة المعراج. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 286 # والسابقون السابقون} مبتدأ وخبر ، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه ؛ لأن ~~المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم ، كقوله الشاعر : # أنا أبو النجم وشعري شعري # والمعنى : والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم ، وعرفت محاسنهم ، أو : ~~والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات ، وقال أبو السعود : الذي ~~تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة " : خبر مبتدأ محذوف ، وكذا قوله ~~تعالى : {والسابقون} فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام ~~الثلاثة بيان أنفس الأقسام ، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك ~~بإسنادها إليه ، والتقدير : فأحدها أصحاب الميمنة ، والآخر أصحاب المشئمة ، ~~والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك ، فانظره. PageV07P430 # واختلف في تعيينهم ، فقيل : هم الذين سبقوا إلى الإيمان ، وإيضاحه ، عند ~~ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان ، وقيل : الذين سبقوا في حيازات الفضائل ~~والكمالات ، وقيل : هم الذي صلوا إلى القبلتين ، كما قال تعالى : ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} [التوبة : 100] وقيل : السابقون ~~إلى الصلوات الخمس ، وقيل : المسارعون في الخيرات. والتحقيق : أنهم ~~السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة ، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة ، ~~وهو مقام الإحسان. # {أولئك المقربون} أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد ؛ للإيذان ببعد ~~منزلتهم في الفضل والشرف ، أي : أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى ~~الله في الكرامة والتعظيم ، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء ، وهم {في ~~جنات النعيم} أي : ذات التنعم ، فتصدق بالفردوس ، التي هي مسكن المقربين ، ~~وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ؛ ليقترن ذكرهم ~~ببيان محاسن أحوالهم ، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي ، على أن إيرادهم ~~بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة : ~~إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين ؛ كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط ~~به عامة الأفكار ، ووقوع الحقيقة : برزوها ms2986 معهم ، وإشراق أنوارها على ~~قلوبهم ، # 288 PageV07P431 ~~فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات ، ويبقى الحي القيوم وحده ، كما ~~كان وحده ، ليس لوقعتها كاذبة ؛ لا كذب في وقوعها ، ولا شك في إظهارها على ~~من توجه إليها ، وصحب أهلها ، وحط رأسه لأربابها ، وامتثل كل ما يأمرونه به ~~، خافضة لمن توجه إليها ، ووصل لأنوارها ، وتحقق بأسرارها. يعني : هكذا ~~شأنها في الجملة ، تخفض قوما وترفع آخرين ، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا ~~رجت أرض النفوس منه رجا ، أي : تحركت واضطربت ، بمنازلة الأحوال ، وارتكاب ~~الشدائد والأهوال ، وتوالي الأذكار ، والاضطراب في الأسفار ، فإن كمون سرها ~~في الإنسان ككمون الزبد في اللبن ، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست ~~جبال العقل منه بسا ، فكانت هباء منبثا ؛ لأن نور العقل يتغطى بنور شمس ~~العرفان ، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس ، وكنتم أيها ~~الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة : قوم توجهوا إليها ، ثم قنعوا بما برز ~~لهم من شعاع أنوارها ، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا ~~أنوارها ، فرجعوا القهقرى ، وهم أهل الحرمان ، من أهل المشأمه. وقوم ~~أدركوها ، وتحققوا بها ذوقا وكشفا ، ففنوا وبقوا ، سكروا وصحوا ، وهم ~~السابقون المقربون في جنات المعارف ، ونعيم الشهود ، أبدا سرمدا ، جعلنا من ~~خواصهم آمين ، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين ~~وأصحاب اليمين. # جزء : 7 رقم الصفحة : 286 PageV07P432 ~~يقول الحق جل جلاله : {ثلة} أي : هم ثلة ، أي : جماعة كثيرة {من الأولين} ~~والثلة : الأمة الكثيرة من الناس ، {وقليل من الآخرين} ممن يتأخر من هذه ~~الأمة ، والمعنى : أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير ، وفي آخرها ~~قليل ، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير ، وظهرت فيها أنوار وأسرار ، ~~وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء ، بخلاف آخرها ، السابقون فيها ~~قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين ، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ~~" خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث # 289 # آخر أنهم جميعا من أمته ، فقال : " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ~~ثلة ، وسابق سائرها إلى يوم ms2987 القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل : المراد ~~بالأولين : الأمم الماضية ، والآخرين : الأمة المحمدية ، وهو بعيد أو فاسد ~~، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء ، وختموا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم ومن بعده الأولياء ، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا ~~تخليط. انظر الحاشية. # {على سرر} جمع سرير ، {موضونة} قال ابن عباس : " مرمولة " ، أي : منسوجة ~~بقضبان الذهب ، وقضبان اللؤلؤ الرطب ، طول السرير : ثلاثمائة ذراع ، فإذا ~~أراد الجلوس تواضع ، فإذا استوى عليه ارتفع ، {متكئين عليها} حال من الضمير ~~في الظرف ، وهو العامل فيه ، أي : استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء ~~الملوك على الأسرة ، {متقابلين} ينظر بعضهم في وجوه بعض ، ولا ينظر بعضهم ~~من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة ، وتهذيب الأخلاق ، وصفاء المودة. وهو ~~أيضا حال. PageV07P433 # {يطوف عليهم} يخدمهم {ولدان} غلمان ، جمع وليد ، {مخلدون} مبقون أبدا على ~~شكل الولدان ، لا يتحولون عنه إلى الكبر ، وقيل : مقرطون ، والخلدة : القرط ~~، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل : هم أطفال أهل الدنيا ، لم ~~يكن لهم حسنات يثابون عليها ، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث : " ~~أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. {بأكواب} جمع كوب ، وهو ~~آنية لا عروة لها ولا خرطوم ، {وأباريق} جمع إبريق ، وهو ما له خرطوم وعروة ~~، {وكأس} أي : قدح فيه شراب ، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا ، {من ~~معين} من خمر ، يجري من العيون ، {لا يصدعون عنها} أي : بسببها ، أي : لا ~~يصدر عنها صداع ، وهو وجع الرأس ، {ولا ينزفون} ولا يسكرون ، يقال : نزف ~~الرجل : ذهب عقله بالسكر ، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء ~~وكسر الزاي ، أي : لا ينفذ شرابهم ، يقال : أنزف القوم : إذا نفد شرابهم. ~~وفي الحديث : " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي : لا ينفذ ماؤها. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 289 # وفاكهة مما يتخيرون} أي : يختارونه ويأخذون خيره وأفضله ، يجنونه بأيديهم ~~، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا ، {ولحم طير مما يشتهون} مما يتمنون ~~مشويا أو مطبوخا ، {وحور عين} أي : وفيها حور عين ms2988 ، أو : لهم حور عين ، ~~ويجوز أن يعطف # 290 PageV07P434 ~~على " ولدان " أي : وتخدمهم حور عين ، زيادة في التعظيم ، ومن قرأ بالخفض ~~عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل : هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير ~~وحور {كأماثل اللؤلؤ المكنون} في الصفاء والنقاء. والمكنون : المصون في ~~صدفه. وقال الزجاج : كأمثال الدر حين يخرج من صدفه ، لم يغيره الزمان ~~واختلاف الأيدي عليه ، {جزاء بما كانوا يعملون} مفعول له ، أي : يفعل بهم ~~ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو : مصدر ، أي : يجزون جزاء ، فنفس الدخول ~~للجنة بمحض الرحمة ، وكثرة النعيم والغرف بالعمل ، والترقي باليقين ~~والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. # {لا يسمعون فيها} في الجنة {لغوا} باطلا {ولا تأثيما} هذيانا ، أو : ما ~~يؤهم صاحبه لو كف ، {إلا قيلا} أي : قولا {سلاما سلاما} أي : ذا سلامة. ~~والاستثناء منقطع ، و" سلاما " بدل من " قيلا " أو : مفعول به ل " قيلا " ، ~~أي : لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما ، والمعنى : أنهم يفشون ~~السلام فيسلمون سلاما بعد سلام ، أو : لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه ~~إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. PageV07P435 # الإشارة : أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير ، ~~وهو كذلك من جهة الكمية ، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان ~~أعظم رتبة ، وأوسع علما وتحقيقا ؛ لأنهم نهضوا في زمان الغفلة ، وجدوا في ~~زمان الفترة ، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا ، ولا من أهل الحق إلا نذرا ~~يسيرا ، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم ، ويشهد لهذا ~~قوله عليه السلام : " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه ، نحن إخوانك يا رسول ~~الله ؟ قال : " أنتم أصحابي ، إخواني قوم يأتون بعدي ، من نعتهم كذا وكذا " ~~ثم قال : " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا : يا رسول الله منهم ؟ ~~قال : " منكم " قيل : بماذا يا رسول الله ؟ قال : " إنكم وجدتم على الخير ~~أعوانا ، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر ، رواته ثقات : قالوا : ~~يا رسول الله ؛ هل أحد خير منا ؟ قال : " قوم يجيئون بعدكم ، فيجدون ms2989 كتابا ~~بين لوحين ، يؤمنون بما فيه ، ويؤمنون بي ، ولم يروني ، ويصدقون بما جئت به ~~، ويعملون به ، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. # جزء : 7 رقم الصفحة : 289 # ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية ، منسوجة بالعز والعناية ، ~~محفوفة بالنصر والرعاية ، متكئين عليها ، راسخين فيها ، متقابلين في ~~المقامات والأخلاق ، أي : يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم ، لا تباغض ~~بينهم ولا تحاسد ، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم ، " أنت مع الأكوان ما لم ~~تشهد المكون ، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " : يسقون بأكواب وأباريق ~~من علم الطريق ، وكأس من خمر الحقيقة ، فلا # 291 PageV07P436 ~~يتصدعون من أجلها ؛ إذ ليست كخمر الدوالي ، ولا ينزفون : لا يسكرون سكر ~~اصطلام ، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو ، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. ~~وفاكهة ؛ حلاوة الشهود ، مما يتخيرون ، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة ، وإن ~~شاؤوا بالذكر والمذاكرة ، وكان بعض أشياخنا يقول : خمرة الناس في الحضرة ، ~~وخمرتنا في الهدرة ، أي : المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة ، ~~مما يشتهون منها ، وحورق عين من أبكار الحقائق ، مصونة عن غير أهلها ، ~~كأمثال اللؤلؤ المكنون ، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة ~~المعارف لغوا ولا تأثيما ؛ لتهذيب أخلاق أهلها ، كما قال ابن الفارض رضي ~~الله عنه : # تهذب أخلاق الندامى ، فيهتدي # بها لطريقه العزم من لا له عزم # ويكرم من لا يعرف الجود كفثه # ويحلم عند الغيظ من لا له حلم # فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما ، كما قيل في حقيقة التصوف : ~~أخلاق كرام ، ظهرت من قوم كرام ، في زمن كريم.ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 289 # يقول الحق جل جلاله : {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} استفهام تعجيب ، ~~تفخيما لحالهم ، وتعظيما لشأنهم ، ثم ذكر نعيمهم فقال : {في سدر مخضود} ~~والسدر : شجر النبق ، والمخضود : الذي لا شوك له ، كأنه خضد شوكه ، أي : ~~قطع ، أي : ليس هو كسدر الدنيا ، وقيل : مخضود ، أي : ثنى إغصانه من كثرة ~~حمله ، من خضد الغصن : إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير : ثمرها أعظم من ~~القلال ، وثمار الجنة ms2990 كلها بادية ، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين ~~نظروا إلى واد بالطائف مخصب ، فأعجبهم سدرها ، وقالوا : يا ليت لنا مثله في ~~الجنة ، فنزلت ، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة : # إن الحدائق في الجنان ظليلة # فيها الكواعب ، سدرها مخضود PageV07P437 ~~{وطلح منضود} الطلح : شجرة الموز ، والنضود : الذي نضد بالحمل من أسفله إلى ~~أعلاه ، فليست له ساق بارزة ، وفي جامع العتبية عن مالك ، قال : بلغني أن ~~الطلح المنضود ، المذكور في الآية ، هو الموز ، وهو مما يشبه ثمار الجنة ، ~~لقوله تعالى : # 292 # {أكلها دآئم} [الرعد : 35] ، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. # {وظل ممدود} منبسط ، لا يتقلص ولا ينقطع ، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع ~~الشمس. {وماء مسكوب} جار بلا أخدود ، يسكب لهم أين شاؤوا ، وكيف شاؤوا ، ~~بلا تعب. {وفاكهة كثيرة} بحسب الأنواع والأجناس ، {لا مقطوعة} لا تنقطع في ~~بعض الأوقات ، كفواكه الدنيا ، بل هي دائمة ، {ولا ممنوعة} عن تناولها بوجه ~~من الوجوه ، أو : لا يحظر عليها ، كبساتين الدنيا ، أو : لا مقطوعة ~~بالأزمان ، ولا ممنوعة بالأثمان. # {وفرش مرفوعة} رفيعة القدر ، أو : مرفوعة على الأسرة ، وارتفاع السرير ~~خمسمائة سنة ، وقيل : كنى بالفرش عن النساء ؛ لأن المرأة يكنى عنها بالفراش ~~، مرفوعة على الأرائك ، قال تعالى : {هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك ~~متكئون} [يس : 65] ، ويؤيده قوله : {إنا أنشأناهن إنشاء} أي : ابتدأنا ~~خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد : اللاتي ابتدئ إنشاؤهن ، وهن ~~الحور ، أو : اللاتي أعيد إنشاؤن ، وهن نساء الدنيا ، وعلى غير هذا التأويل ~~أضمر لهن ؛ لأن ذكر الفرش ، وهي المضاجع ، دل عليه. {فجعلناهن أبكارا} أي : ~~عذارى ، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. {عربا} جمع عروب ، وهي المحببة ~~لزوجها ، الحسنة التبعل ، {أترابا} : مستويات في السن ، بنات ثلاث وثلاثين ~~، وأزواجهن كذلك. {لأصحاب} أي : أنشأناهن أصحاب {اليمين}. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 292 PageV07P438 ~~ثلة} أي : أصحاب اليمين ثلة : جماعة كثيرة {من الأولين} ، {وثلة} وجماعة ~~كثيرة {من الآخرين} فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين ، وأصحاب ~~اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله ~~تعالى أعلم. ms2991 # الإشارة : أصحاب اليمين هم أهل الحجاب ، المحصورون في سجن الأكوان ، ~~المحيط بهم دوائر حسهم ، من العباد والزهاد ، والعلماء بالشرائع ، ~~والصالحين الأبرار ، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود ؛ كثرة الأعمال ~~المخضودة من شوك الرياء والعجب ، المنزهة من الفتور والقصور ، وطلح منضود ؛ ~~حلاوة الطاعات ، وتحقيق المقامات ، وظل ممدود ؛ ظل راحة القناعة لمن أعطيها ~~، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب ؛ علم التوحيد البرهاني أو ~~الإلهامي ، وفاكهة كثيرة : حلاوة المناجاة ، وظهور الكرامات ، ولذة التفنن ~~في العلوم الرسمية ، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة ؛ ~~تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم : إنا أنشأناهن إنشاء ، لكل فريق مما تقدم ، ~~زيادة في عمله ، أو علمه ، أو زهده ، على ما يليق بحاله ، فكل صنف له ترق ~~في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا ؛ لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها # 293 # صاحبها ، عربا يعشقها وتعشقه ، أترابا ، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. ~~هذا لعامة أصحاب اليمين ، وهم كثيرون ، سلفا وخلفا. # جزء : 7 رقم الصفحة : 292 PageV07P439 ~~يقول الحق جل جلاله : {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} تفظيع لشأنهم ، ~~والشمال والمشأمة واحد. {في سموم} في حر نار تنفذ في المسام ، {وحميم} وماء ~~حار ، تناهي في الحرارة ، {وظل من يحموم} من دخان أسود بهيم ، {لا بارد} ~~كسائر الظلال ، {ولا كريم} فيه خير ما في الجملة ، سماه ظلا ، ثم نفى عنه ~~برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر ، وذلك كرمه - ليمحي عنه ~~ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه ، والمعنى : أنه ظل حار ضار. # {إنهم كانوا قبل ذلك} أي : في الدنيا {مترفين} منعمين بأنواع النعم ، من ~~المآكل والمشارب ، والمساكن الطيبة ، والمقامات الكريمة ، منهمكين في ~~الشهوات ، فمنعهم ذلك من الانزجار ، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل ~~لابتلائهم بما ذكر من العذاب ، {وكانوا يصرون} يداومون {على الحنث العظيم} ~~أي : على الذنب العظيم ، وهو الشرك ؛ لأنه نقض عهد الميثاق ، وخروج عن طاعة ~~الملك إلى نصر غيره. والحنث : نقض العهد الموثق باليمين ، أو : الكفر ~~بالبعث ، لقوله : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله ms2992 من يموت} [النحل ~~: 38] ، ثم صار يطلق على مطلق الذنب ، ومنه : بلغ الغلام الحنث ، أي : وقت ~~الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. # {وكانوا يقولون} لغاية عتوهم : {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما} أي : إذا ~~صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم ، بعضها ترابا ، وبعضها عظاما نخرة ، ~~نبعث بعد ذلك ؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. ~~والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله : {أئنا لمبعوثون} أي : أنبعث إذا صرنا ~~في هذه الحالة ؟ ولا يعمل فيه لفظه ؛ لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما ~~بعدها فيما قبلهما ، {أو آباؤنا الأولون} يبعثون أيضا ؟ دخلت همزة ~~الاستفهام على حرف العطف ، وحسن العطف على المضمر في {لمبعوثون} من # 294 PageV07P440 ~~غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة ، يعنون بذلك : أن بعث آبائهم ~~أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 294 # ثم رد عليهم بقوله : {قل إن الأولين والآخرين} أي : إن الأولين من الأمم ~~المتقدمين ، الذين من جملتهم آباؤكم ، والآخرين ، الذين من جملتهم أنتم. ~~وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد ، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد ~~مع مراعاة الترتيب ، {لمجموعون} بالبعث {إلى ميقات يوم معلوم} أي : إلى ما ~~وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم ، وهو يوم البعث والحساب ، ~~والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. # {ثم إنكم أيها الضالون} عن الهدى {المكذبون} بالبعث ، والخطاب لأهل مكة ~~وأضرابهم ، {لآكلون} بعد البعث والجمع ودخول جهنم {من شجر من زقوم} " من " ~~الأولى : لابتداء الغاية ، والثانية : لبيان الشجر. {فمالئون منها البطون} ~~أي : بطونكم من شدة الجوع ، {فشاربون عليه} عقب ذلك بلا ريث {من الحميم} ~~الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى ، وذكره على اللفظ في " منها " و" ~~عليه ". {فشاربون شرب الهيم} وهي الإبل التي بها الهيام ، وهو داء يصيبها ~~فتشرب ولا تروى ، أي : لا يكون شربكم شرابا معتادا ، بل يكون مثل شرب الإبل ~~الهيم ، واحدها : " هيماء وأهيم " وحاصل الآية : أنه يسلط عليهم من الجوع ~~ما يضطرون إلى شرب الحميم ، الذي يقطع أمعاءهم ، فيشربونه شرب الهيم ، ~~وإنما صح عطف ms2993 الشاربين على الشاربين ، وهما لذوات متفقة ، لأن كونهم شاربين ~~الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة ، وقطع الأمعاء ، أمر عجيب ، وشربهم ~~له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا ، فكانت صفتين مختلفتين. PageV07P441 # {هذا نزلهم} النزل : هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له ، {يوم الدين} يوم ~~الجزاء ، فإذا كان نزلهم هذا ، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار ، واطمأنت ~~بهم الدار في النار ؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. # {نحن خلقناكم فلولا} فلا {تصدقون} تحضيض على التصديق ، إما بالخلق ؛ ~~لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق ~~فكأنهم مكذبون به ، وإما بالعبث ؛ لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. # جزء : 7 رقم الصفحة : 294 # الإشارة : أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال ، في سموم ~~الجهل والبعد ، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم ، وحميم الحرص والتعب ، ~~والجزع والهلع ، وظل من يحموم ، وهو التدبير والاختيار ، لا بارد ولا كريم ~~، أي : ليس كظل الرضا وبرد التسليم ، بل هو ظل مشؤوم ، حاجب عن شمس العيان ~~، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك ؛ قبل وقت وصول ~~العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ ، منهمكين في الشهوات ، وكانوا يصرون ~~على الحنث العظيم ، وهو حب الدنيا ، الذي هو # 295 PageV07P442 ~~رأس كل خطيئة ، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان ، ويقولون ~~: {أئذا متنا وكنا ترابا} ، أي : أرضيين بشريين ، وعظاما يابسين بالقسوة ~~والبعد ، {أئنا لمبعوثون} من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة ~~؟ والحاصل : أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية ؛ الذي يحيي الله بهم ~~القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا ~~على هذا الوصف ، والآخرين إلى يوم القيامة ، لمجموعون إلى الحضرة ، إذا ~~صحبوا أهل التربية ، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم ، وهو الحد الذي ~~سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب ، الذي ~~يحيي الأرواح الميتة والقلوب ، {لآكلون من شجر من زقوم} وهي شجرة الجهل ~~وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم ، فمالئون ms2994 منها بطونكم ، بحيث لا يبقى ~~في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة ، فشاربون على ذلك من الحميم ، وهو ~~الغضب والتدبير والاختيار ، {فشاربون شرب الهيم} ، لا يملون منه ليلا ولا ~~نهارا ، كذا يظلون يبنون ويهدمون ، وهو عين البطالة والتضييع. {هذا نزلهم ~~يوم الدين} ، أي : يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. ~~{نحن خلقناكم} : أنشأناكم من العدم ، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم ~~والمعرفة بعد موتها ، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء ~~الأرواح. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 294 PageV07P443 ~~يقول الحق جل جلاله : {أفرأيتم ما تمنون} أي : تقذفونه في الأرحام من النطف ~~، {أأنتم تخلقونه} تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا {أم نحن الخالقون} ~~من غير علة ولا علاج " ؟ قال الطيبي : وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث ~~أن يقال : إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم ، وهو كالطل المنبث في أطراف ~~الأعضاء ، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها ، ~~ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية ، حتى إنها تجمع تلك ~~الأجزاء الطلية ، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف ~~العالم ، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان ، فتفرقت في # 296 # أطراف بدنه ، ثم جمعها الله في أوعية المني ، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار ~~الرحم ، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة ، وتكوين الحيوان ~~منها ، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى ؛ لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة ~~أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى : {يخرج من بين الصلب والترآئب} [الطارق : 7] ~~أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع ، وينفصل من جميع أجزاء البدن ، فيأخذ ~~من كل عضو طبيعته وخاصيته ، ومعظمه يتولد من الدماغ ، وهو أعظم الأعضاء ~~معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 296 PageV07P444 ~~نحن قدرنا بينكم الموت} أي : قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين ، حسبما ~~تقتضيه قسمتنا ، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري : فيكون في الوقت ~~الذي نريده ، منكم من يموت طفلا ، ومنكم من يموت شابا ، وكهلا وشيخا ، ~~وبعلل ms2995 مختلفة ، وبأسباب متفاوتة ، وأوقات مختلفة. ه. {وما نحن بمسبوقين} ~~بعاجزين {على أن نبدل أمثالكم} بل نحن قادرون على ذلك ، لا تسبقونني ولا ~~تغلبونني على أن نذهبكم ، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق ، والتبديل يكون ~~بالذات أو بالصفات ، {وننشئكم فيما لا تعلمون} ونخلقكم بعد التبديل في صورة ~~لا تعهدونها. قال الحسن : نجعلكم قردة وخنازير ، يعني : إنا نقدر على ~~الأمرين جميعا ، أي : خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. ~~و{أمثال} إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات ، أو : " مثل " ~~بالفتح ، وهو التبديل في الصفات ، أي : على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم ~~عليها ، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. {ولقد علمتم النشأة الأولى} أي : ~~فطرة آدم عليه السلام : أو : خلقتهم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة... ~~الخ ، {فلولا تذكرون} فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. PageV07P445 # ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد ، ذكرهم بنعمة الإمداد ، فقال : {أفرأيتم ما ~~تحرثون} أي : ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه ، {أأنتم تزرعونه} أن : ~~تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا {أم نحن الزارعون} المنبتون له ؟ وفي ~~الحديث : " لا يقل أحدكم ، زرعت ، وليقل : حرثت " {لو نشاء لجعلناه حطاما} ~~هشيما منكسرا قبل إدراكه ، {فظلتم} بسبب ذلك {تفكهون} تتعجبون من سوء حاله ~~إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون ، أو : تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم ~~عليه ، أو : على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها ، و" تفكه ~~" من أفعال الإزالة ، كتخرج ، وتأثم ، أي : أزال الفكاهة ، وهي المسرة ، ~~فتحصل الندامة ، {إنا لمغرمون} أي : قائلين : إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا ~~فيها ، أو : لمهلكون لهلاك قوتنا ، من : الغرام ، وهو الهلاك ، {بل نحن ~~محرومون} حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا ، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ~~ابن عباس : " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. # 297 # {أفرأيتم الماء الذي تشربون} أي : الماء العذب الصالح للشرب ، {أأنتم ~~أنزلتموه من المزن} السحاب الأبيض ، وهو أعذب ماء ، أو مطلق السحاب ، ~~واحدها " مزنة " ، {أم نحن المنزلون} بقدرتنا ، فأسكناه في الأرض ، ثم ~~أخرجناه عيونا وأنهارا ؟ {لو نشاء ms2996 جعلناه أجاجا} أي : ملحا ، أو مرا لا ~~يقدر على شربه ، {فلولا} فهلا {تشكرون} تحضيض على شكر الكل ، وحذف اللام ~~هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى ؛ لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد ، ~~فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب ؛ للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على ~~أمر المشروب ، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب ، من قبل أن المشروب إنما يحتاج ~~إليه تبعا للمطعوم ، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب ، وقيل غير ~~ذلك في حكمة إدخالها. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 296 PageV07P446 ~~أفرأيتم النار التي تورون} أي : تقدحونها وتستخرجونها من الزناد ، والعرب ~~كانت تقدح بعودين ، تحك أحدهما على الآخر ، ويسمون الأعلى : الزند ، ~~والسفلى : الزندة ، شبهوهما بالفحل والطروقة. {أأنتم أنشأتم شجرتها} التي ~~بها الزناد ، وهي المرخ والعفار ، {أم نحن المنشئون} الخالقون لها ابتداء ~~بقدرتنا ؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ ، المنبئ عن بديع الصنع ، المعرب عن ~~كمال القدرة والحكمة ؛ لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر ~~الأشجار ، التي لا تخلو عن النار ، حتى قيل : في كل شجر نار واستمجد المرخ ~~والعفار ، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله : {ثم أنشأناه ~~خلقا ءاخر} [المؤمنون : 14] كذلك. # ثم بين منافعها ، فقال : {نحن جعلناها تذكرة} تذكيرا لنار جهنم ، لينظروا ~~إليها ، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم ، أو : تذكرة وأنموذجا ، لما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي ~~جزء من سبعين جزءا من حر جهنم " وقيل : تبصرة في أمر البعث ؛ فإنه ليس أبدع ~~من إخراج النار من الشيء الرطب ، {ومتاعا للمقوين} منفعة للمقوين المسافرين ~~الذي ينزلون القواء ، وهو القفر. وفي القاموس : القي : فقر الأرض ، كالقواء ~~- بالكسر والمد : القفر. ه. وتخصيصهم بذلك ؛ لأنهم أحوج إليها ؛ فإن ~~المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد ، أو ~~: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام ، من قولهم : أقوت الدار : إذا خلت ~~من ساكنها. والأول أحسن. # بدأ أولا بنعمة الإيجاد ، ثم بإمداد الطعام ، ثم بالشراب ، وما يعجن به ~~من الطعام ، ثم بما يطبخ به ms2997 ؛ فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث ، ولا ~~يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. # 298 PageV07P447 ~~ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته ، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله ؛ لأن العقل ~~إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه ، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو ~~التعطيل ، فقال : {فسبح باسم ربك} أي : فنزه ربك عما لا يليق به أيها ~~المستمع المستدل ، فأراد بالاسم المسمى ، والباء صلة ، أي : نزه ربك ~~{العظيم} أو : نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم : صفة للرب ، أو للاسم ، ~~لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. # الإشارة : أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب ~~المريدين ، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة ، وتهيج ~~شجرة المحبة ، فتثمر بالمعرفة ، أم نحن الخالقون ؟ نحن قدرنا بينكم الموت ، ~~فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول ، ومنكم من يموت بعد ~~الوصول ، والموت المعنوي : هو الرجوع عن السير ، ولا يكون إلا قبل الوصول ، ~~وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ، ونغير صفاتكم ، فإن القلوب بيد ~~الله ، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى ~~، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال ، أفلا تذكرون ~~فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. # جزء : 7 رقم الصفحة : 296 PageV07P448 ~~أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات ، أأنتم ~~تزرعونه ، أي : تنبتونه حتى يقبل منكم ، وتجنون ثماره ، أم نحن الزارعون ؟ ~~لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا ، فظلتم تندمون على ما فات ~~منكم من المشاق ، حيث لم تجنوا ثمرتها ، تقولون : إنا لمغرمون ، حيث ~~افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى ، بل نحن محرمون من ثمار ~~مجاهدتنا وطاعتنا ، أفرأيتم الماء الذي تشربون ، وهو ماء الحياة الذي تحيا ~~به القلوب ، تشربونه بوسائط المشايخ ، يزقه الشيخ لروح المريد ، كما يزق ~~الطير أفراخه ، وبذلك تحيا روحه ، فتغيب عن عوالم حسها ، أأنتم أنزلتموه من ~~سحاب الهداية والعناية ، أم نحن المنزلون ؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه ~~الروح بعد شربها ، أو تمتنع من شربه ، فالأول للداخلين إذا ms2998 لم تسعفهم رياح ~~المقادير ، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب ، والثاني للطالبين المحرومين من ~~أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم ، حيث وفقكم لشرب الخمر ، ودمتم حتى ~~سكرتم وصحوتم ، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي ~~تورون ؛ تقدحونها في نفوسكم ، أأنتم أنشأتم شجرتها ، وهي النفس الطبيعية ، ~~أم نحن المنشئون ؟ نحن جعلناها تذكرة ، أي : إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى ~~مولاه ، وفي الحكم : " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه " : وجعلناها ~~متاعا للسائرين ؛ إذ بجهادها يتحقق سيرهم ، وبتصفيتها يتحقق كمالهم ، ~~وبفنائها يتحقق وصولهم ، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه ، يقول ~~: أما أنا فجزاها علي خيرا ، ما ربحت إلا منها. وقال القشيري : {أفرأيتم ~~النار...} الخ ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة ، # 299 PageV07P449 ~~بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية ~~الإلهية ، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين ~~سئل عن حقيقة المحبة ، فقال : هي العناية الإلهية السرميدة ، لولاها ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية ، ~~ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق ، ومتاعا للموقين ، أي غذاء أرواح المحبين ~~، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب ، كا روي عن سهل التستري : أنه ~~كان يطوي ثلاثين يوما ، وعن أبي عقيل المغربي : أنه ما أكل ستين سنة وهو ~~مجاور بمكة ، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. # وقوله تعالى : {فسبح باسم ربك العظيم} قال الورتجبي : أمره أن ينزهه لا ~~بنفسه بل بربه ، ثم قال : والاسم والمسمى واحد ، أي : قدسني بي فإني أعظم ~~من أن تقدسني بنفسك ، أو بشيء دوني ، ألا ترى إشارة قوله : {العظيم} أي : ~~عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة ، وأن تصفة البرية. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 296 # قلت : " فلا " : صلة ، كقوله : {فلا وربك...} [النساء : 65]. ومن قرأ ~~باللام فهي لام الابتداء ، دخلت على مبتدأ محذوف ، أي : فلأنا أقسم ، ولا ~~يصح أن تكون للقسم ؛ لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد. PageV07P450 # يقول الحق جل جلاله : {فلا أقسم بمواقع النجوم} ms2999 بمساقطها ومغاربها. وقرأ ~~الأخوان " بموقع " على الإفراد ، وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال ~~أثرها ، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير ، أو : لأن ذلك وقت قيام ~~المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى ، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها ، ~~واستعظم ذلك بقوله : {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} وهو اعتراض في اعتراض ، ~~لأنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله : {إنه لقرآن كريم} أي : حسن ~~مرضي ، أو نفاع جم المنافع ؛ لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح ~~المعاش والمعاد ، أو : كريم على الله تعالى ، واعترض بين الموصوف وصفته ب ~~{لو تعلمون} وجواب " لو " متروك ، أريد به نفي علمهم ، أو : محذوف ، ثقة ، ~~والتقدير : وإنه لقسم لو تعلمون ذلك ، لكن لا تعلمون كنه ذلك ، أو : لو ~~تعلمون ذلك لعظمتموه ، أو : لعملتم بموجبه ، {في كتاب مكنون} مصون من غير ~~المقربين من # 300 # الملائكة ، لا يطلع عليه من سواهم ، وهو اللوح المحفوظ. PageV07P451 # {لا يمسه إلا المطهرون} أي : الملائكة المنزهون عن الكدرات الجسمانية ، ~~وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون ، وهو اللوح ، وإن جعلته صفة ~~للقرآن ؛ فالمعنى : لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس ، ~~والمراد : المكتوب منه. قال ابن جزي : فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف ~~التي بأيدي الملائكة ، فالمطهرون يراد به الملائكة ؛ لأنهم مطهرون من ~~الذنوب والعيوب ، وإن قلنا أن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس ؛ ~~فيحتمل أن يريد بالمطهرين : المسلمين ؛ لأنهم مطهرون من الكفر ، أو يريد : ~~المطهرين من الحدث الأكبر ، وهو الجنابة والحيض ، فالطهارة على هذا : ~~الاغتسال. أو : المطهرين من الحدث الأصغر ، فالطهارة على هذا : الوضوء ، ~~ويحتمل أن يكون قوله : {لا يمسه} خبرا أو نهيا ، على أنه قد أنكر بعضهم أن ~~يكون نهيا ، وقال : لو كان نهيا لكان بفتح السين. والتحقيق : أن النهي يصح ~~مع ضم السين ؛ لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوما واتصل به ضمير المفرد ~~المذكر ضم عند التقاء الساكنين ، اتباعا لحركة الضمير ، وإذا جعلته خبر ؛ ~~فيحتمل أن يراد به مجرد الإخبار ، أو : يكون خبرا بمعنى النهي ، وإذا كان ms3000 ~~لمجرد الإخبار ، فالمعنى : لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون ، أي : هذا حقه ، ~~وإن وقع خلاف ذلك. # جزء : 7 رقم الصفحة : 300 PageV07P452 ~~واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية ، ~~فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر ، واختلفوا فيما سواه على أقوال ؛ فقال بعضهم ~~: لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث الحدث الأصغر ، وهذا قول ~~مالك وأصحابه ، ومنعوا أيضا أن يحمله بعلاقة أو وسادة ، وحجتهم : الآية ، ~~على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر ، وقد احتج مالك في ~~الموطأ بالآية ، ومن حجتهم أيضا : كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~عمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر. القول الثاني : أنه يجوز مسه للجنب ~~والحائض والمحدث حدثا أصغر ، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية ، وحملوا " ~~المطهرين " على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث : أنه يجوز مسه ~~بالحدث الأصغر دون الأكبر ، وحمل صاحب هذا القول " المطهرين " على أن يراد ~~من الحدث : الأكبر ، ورخص مالك في مسه على غير وضوء لمعلم الصبيان ؛ لأجل ~~المشقة. # واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن ، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا ، ~~وأجازه الظاهرية مطلقا ، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة ، أي : لتعوذ ~~ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب ، فعن مالك ~~روايتان ، وفرق بعضهم بين الكثير # 301 # واليسير. ه. قلت : المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقا. وقال ~~الكواشي عن ابن عطاء : لا يفهم إشارات القراءة إلا من طهر سره من الأكوان. ~~ه. وفي آخر البخاري ؛ " لا يمسه " : لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن ~~، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله : {مثل الذين حملوا التوراة} [الجمعة : 5]. ه. PageV07P453 # {تنزيل من رب العالمين} : صفة رابعة للقرآن ، أي : نزل من رب العالمين ، ~~وصف بالمصدر ؛ لأنه نزل منجما من بين سائر الكتب ، فكأنه في نفسه تنزيل ، ~~{أفبهذا الحديث} أي : القرآن {أنتم مدهنون} متهاونون به ، كمن يدهن في بعض ~~الأمر ، أي : يلين جانبه ، فلا يتصلب فيه تهاونا به. قال ابن عطية : قال ~~ابن عباس : المداهنة ms3001 هي المهاودة فيما لا يحل ، والمداراة : المهادوة فيما ~~يحل. ه. # {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} أي : وتجعلون شكر رزقكم التكذيب ، أي : ~~وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه ، وهي مروية عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : {وتجعلون شكركم أنكم تكذبون} أي : وتجعلون شكركم ~~لنعمة القرآن التكذيب. وقيل : نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها ، أي : ~~وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون كونه من الله ، حيث ~~تنسبونه إلى النجوم ، وتقولون : مطرنا بنوء كذا ، والمنهي إنما هو اعتقاد ~~التأثير للنجوم ، لا من بابا العلامة وقيل : مطلقا ، سدا للذريعة ، وهو ~~مقتضى كلام ابن رشد ، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية ، وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم : " إذا ذكرت النجوم فأمسكوا " ، ومنهم من فصل في المسألة ، فقال ~~: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم : " تعوذوا ~~بالله من شر هذا ، فإنه الغاسق إذا وقب " وأشار إلى القمر. وأما الحسنة ~~فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله ، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 300 # الإشارة : مواقع النجوم هي أسرار العارفين ؛ لأنه يغرق في بحارها كل ما ~~سوى الله ، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي ، وأقمار التوحيد ~~البرهاني ؛ لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان ، لم يبق لنور النجوم ~~والقمر أثر ، وقد قلت في قصيدتي العينية : # تبدت لنا شمس النهار وأشرقت # فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع PageV07P454 ~~قال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن الفاسي : كنت أعرف أربعة عشر علما ، فلما ~~تعلمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله. ه. يعني : وقع الاستغناء عنها ، فالكنز ~~الذي ظفر به من العلم بالله ، على نعت العيان ، فلم يبق للروح التفات إلى ~~شيء قط. " ماذا فقد من وجدك " ؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه ، بل لو ~~رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها ، ولكن ظفر بعلم يعد الاشتغال بغيره ~~بطالة ، كما قال الغزالي لابن العربي # 302 # المعافري : كنت الصاحب في زمن البطالة ، يعني : قبل ملاقاته بالشيخ. ~~وإنما كان القسم به عظيما ؛ لأنه ليس عند الله أعظم من ms3002 قلوب الواصلين ~~وأسرار العارفين ، لأنها وسعت الرب تعالى علما وتجليا ، " لم يسعني أرضي ~~ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن ". فالقسم عظيم ، والمقسم به أعظم ، ~~والمقسم عليه أعظم ، وهو القرآن الكريم ، {لا يسمه إلا المطهرون} قال ~~الجنيد : لا يمسه إلا العارفون بالله ، المطهرون سرهم عما سوى الله. ه. أي ~~: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلا القلوب المطهرة من الأكدار ~~والأغيار ، وهي قلوب العارفين : {تنزيل من رب العالمين} على سيد المرسلين ، ~~ثم غرفت أسراره قلوب خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال ~~القشيري : أي : أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق ، وتعجبون من ~~مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. ه. والعتاب لمن يتهاون بعلم الإشارة ~~وينكرها. ويتنكب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة ~~قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. # جزء : 7 رقم الصفحة : 300 PageV07P455 ~~يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله : {نحن ~~خلقناكم} [الواقعة : 75] ، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته ، من حيث ~~طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم ، عجزهم بقهرية الموت ، فقال : {فلولا} ~~أي : هلا {إذا بلغت} الروح عند الموت {الحلقوم} وهو ممر الطعام والشراب ، ~~وتداعت للخروج {وأنتم حينئذ} أيها الحاضرون حول صاحبها {تنظرون} إلى ما هو ~~فيه من الغمرات ، {ونحن أقرب إليه} علما وقدرة وإحاطة {منكم} حيث لا تعرفون ~~من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة ، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها ~~وأسبابها ، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها ، ونحن المتولون لتفاصيل ~~أحواله ، {ولكن لا تبصرون} لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا ، {فلولا إن كنتم ~~غير مدينين} غير مربوبين مقهورين ، من : دان السطلان رعيته : إذا ساسهم ~~واستعبدهم ، والمحضض عليه قوله : {ترجعونها} # 303 # تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم {إن كنتم صادقين} أنكم غير ~~مربوبين مقهورين. # وترتيب الآية : فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم ، وأنتم تنظرون إليه ، ~~يعالج سكرات الموت ، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين ، ف " لولا " ~~الثانية مكررة للأولى ؛ للتأكيد ، والمعنى : إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت ~~عليكم كتابا ms3003 قلتم : سحر وافتراء ، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم : ساحر ~~كذاب ، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم : صدق نوء كذا ، على مذهب التعطيل ، ~~فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم ، إن كنتم صادقين في ~~تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت ، المبدئ المعيد ، وأنكم غير مربوبين ~~مقهورين ؟ !. # جزء : 7 رقم الصفحة : 303 PageV07P456 ~~ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ ، فقال : {فأما إن كان} المتوفى ~~{من المقربين} من السابقين ، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة ، عبر ~~عنهم هنا بأجل أوصافهم ، وهو شدة القرب ، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق ، ~~فالسابقون هم المقربون ، وهم العارفون بالله معرفة العيان ، أهل الفناء في ~~الذات ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " سبق المفردون " ، قيل : ومن المفردون ~~يا رسول الله ؟ قال : " المستهترون بذكر الله " الحديث. فالسابقون هم ~~المولعون بذكر الله ، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم ، فحصل لهم القرب من الحق. # {فروح} أي : فلهم روح ، أي : راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها ~~، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح ، مع أن هذا حاصل لهم قبل ~~الموت ، لكن يتسع ميدانه بعد الموت ، أو : رحمة تخصهم ، أو : نسيم يهب ~~عليهم. وفي القاموس : الروح - بالفتح : الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. ~~وقرئ بالضم ، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم ، أي : الحياة والبقاء ، أو ~~: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها {وريحان} أي : رزق ، بلغة حمير ، ~~والمراد : رزق أرواحهم من العلوم والأسرار ، أو : أشباحهم ، فإن أرواحهم ~~تتطور على شكر صاحبها ، فتأكل من ثمار الجنة ، وتشرب من أنهارها. كما في ~~حديث الشهداء ، والصديقون أعظم منهم ، أو : جنة ، أو : هو الريحان الذي ~~يشم. قال أبو العالية : " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض ~~من ريحان الجنة فيشمه ، فتفيض روحه " ، {وجنة نعيم} تتنعم فيها روحه في ~~عالم البرزخ ، ثم جسمه وروحه بعد البعث ، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة ~~قبل البعث ، وهو خاص بالشهداء والصديقين. # {وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين} أي : فسلام لك # 304 PageV07P457 ~~يا ms3004 صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين ، أي : يسلمون عليك ؛ فإن الروح إذا ~~سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها ، فيتلقونه ويسلمون عليه ، ويهنونه ~~بالخروج من سجن الدنيا ، أو : سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين ، فلا ترى ~~فيهم إلا السلامة. # {وأما إن كان من المكذبين الضالين} هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة ~~، وهم الذين قبل لهم : {ثم إنكم إيها الضالون المكذبون}... الخ ، {فنزل من ~~حميم} أي : فله نزل من حميم يشربه ، {وتصليه جحيم} إدخال في النار ، ~~ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل ~~: معنى ذلك : ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل : أن الآية ~~لا تختص بعالم البرزخ ، بل تعم البرزخ وما بعده. # جزء : 7 رقم الصفحة : 303 PageV07P458 ~~وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث ~~والأخبار : أن أرواح الصديقين ، وهم المقربون ، تتشكل على صورة أجسامهم ، ~~وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر ، ~~تسرح في الجنة حيث شاءت ، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم ~~، سجنت في حواصل الطيور ، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت ~~والجبروت ؛ أطلقت أرواحهم بعد الموت ، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة ~~المؤمنين ، ممن لم ينفذ فيه الوعيد ؛ متفرقة في البرزخ ، فمنهم في ظل شجرة ~~المنتهى ، ومنهم في السموات ، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع ~~صنفه جماعة ، فالعلماء مع صنفهم ، والقراء كذلك ، والصالحون كذلك ، ~~والأولياء كذلك ، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم ~~كالنائم المستغرق ، لا يشعر بمرور الأيام ، حتى يستيقظ بنفخة البعث ، وأما ~~من نفذ فيهم الوعيد ، فهم يعذبون بأنواع من العذاب ، وتذكر حديث البخاري في ~~الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا ، وغيرهم. ~~وفي ابن حجر : أن أرواح المؤمنين في عليين ، وأرواح الكافر في سجين ، ولكل ~~روح بجسدها اتصال معنوي ، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا ، بل أشبه شيء ~~به حال النائم ms3005 ، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال : وبهذا يجمع بين ~~ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين ، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور : ~~أنها عند أفنية قبورها. قال : ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف ، وتأوي إلى ~~محلها من عليين أو سجين ، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر ، فالاتصال ~~المذكور متصل ، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. PageV07P459 # وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول : إذا قدم المؤمن على ربه لقاه ~~روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل ، وهو قوله : {إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة} [فصلت : 30] ، ثم يأمر له في قبره ~~بكسوة من فراش ودثار ورياحين ، وهو قوله : {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} ~~{الروم : 44] ، وينور له # 305 # في مضجعه ، ويؤنسه بملائكته الكرام ، إلى أن يلقاه عرصة القيامة ، فيبعثه ~~إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين : إن الشهداء يعجل ~~لهم تعالى اللقاء ، ويحييهم قبل نفخة الصور ، ويكلمهم كفاحا ، كما لأهل ~~الجنة ، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين ، فهم أجدر ~~بذلك ؛ لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم ، والشهداء بذلوها في طاعة ~~الله ساعة ، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه ، وأحرى منه الصديق. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 303 # وبالجملة : فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا ، ومنها ~~تحت العرش ، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت ، على أقدارهم من السعي ~~إلى الله أيام الحياة ، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها ، ومنها ما ~~يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان : إن الأرواح المؤمنين - أي : الكمل - ~~تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت ، بين السماء والأرض ، حتى يردها الله إلى ~~جسدها ، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء ، وإذا ورد عليهم من ~~الأحياء ميت ، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت : وهذه أرواح العارفين ~~دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر : إذا مات العارف قبل لروحه : ~~جل حيث شئت. PageV07P460 # {إن هذا} أي : الذي ذكر في السورة ms3006 الكريمة {لهو حق اليقين} أي : الحق ~~الثابت من اليقين ، أو : حق الخبر اليقين ، {فسبح باسم ربك العظيم} الفاء ~~لترتيب التسبيح ، أو الأمر به على ما قبلها ، فإن حقية ما فصل في تضاعيف ~~السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل ؛ من ~~الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. # الإشارة : فأما إن كان من المقربين ؛ فروح الوصال ، وريحان الجمال ، ومنة ~~الكمال ، أو : فروح الفضاء ، وريحان العطاء ، وجنة البقاء ، أو : فروح ~~الفناء ، وريحان البقاء ، وجنة الترقي أبدا سرمدا ، أو : فروح الأنس لقلبه ~~، وريحان القدس لروحه ، وجنة الفردوس لنفسه ، {وأما إن كان من أصحاب اليمين ~~فسلام لك} أي : فسلام عليك يا محمد {من أصحاب اليمين} فهم يسلمون عليك ، ~~ويشتاقون إلى لقائك ، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل : أن المقرب ~~راحته ونعيمه في وصاله بربه ، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله ، وراحته ونعيمه ~~في حصبته وجواره ، فالمقرب فان في ذات الحق ، وصاحب اليمين فان في رسوله ~~صلى الله عليه وسلم سيد الخلق ، فأهل الفناء في الذات هم المقربون ، وأهل ~~الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين ، فحاصل الآية : {فأما ~~إن كان من المقربين} فهو لي ، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم ، وأما إن كان ~~من أصحاب اليمين فمسلم لك ، وهو من أصحاب اليمين ، هذا حاصل ما حرره شيخ ~~شيوخنا الفاسي في حاشيته. # وفي الإحياء ما حاصله : أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك ، وصاحب اليمين # 306 # له النجاة ، وهو سالك ، والمقرب واصل ، والمعرض عن الله له الجحيم. ~~والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله ؛ لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. ~~وفي القوت بعد كلام : وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب ، ~~وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب ، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 303 # قال النسفي : روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي ~~الله عنه في مرض موته ، فقال : ما تشتكي ؟ فقال : ذنوبي ، فقال : ما ms3007 تشتهي ~~؟ فقال : رحمة ربي - وفي رواية : ما يقضي ربي - فقال : أفلا تدعوا الطبيب ؟ ~~فقال : الطبيب أمرضني ، فقال : ألا نأمر لك بعطاء ؟ فقال : لا حاجة لي فيه ~~، قال : ندفعه إلى بناتك ، قال : لا حاجة لهن فيه ، قد أمرتهن بأن يقرأن ~~سورة الواقعة ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من قرأ ~~سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا " وليس في هذه السور الثلاث ذكر ~~لفظ " الله " (اقتربت ، والرحمن ، والواقعة). ه. وبالله التوفيق ، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم. # 307 # جزء : 7 رقم الصفحة : 303 PageV07P461 ### | AUTO سورة الحديد # جزء : 7 رقم الصفحة : 307 # قلت : وقعت مادة التسبيح في القرآن بلفظ الماضي والمضارع والأمر والمصدر ~~؛ استيفاء لهذه المادة ، فقال هنا : {سبح} وفي الجمعة : {يسبح} [الجمعة : ~~1] و{سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى : 1] و{سبحان الذي أسرى} [الإسراء : 1]. ~~وهذا الفعل قد عدي باللام تارة ، وبنفسه أخرى في قوله : {وسبحوه} [الأحزاب ~~: 42] ، وأصله : التعدي بنفسه ؛ لأن معنى سبحته : بعدته من السوء ، من : ~~سبح : إذا ذهب وبعد ، فاللام إما أن تكون مثل اللام في : نصحته ونصحت له ، ~~وإما أن يراد ب " سبح لله " : اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا. قاله ~~النسفي. # يقول الحق جل جلاله : {سبح لله} أي : نزه الله عما لا يليق بجلاله ، ~~اعتقادا ، أو قولا وعملا ، من استقر {في السماوات والأرض} من الملائكة ~~والجن والإنس # 308 PageV07P462 ~~والجمادات ، بلسان الحال والمقال ، فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل ~~بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم ، الواجب الوجود ، المتصف بالكمال ، ~~المنزه عن النقائص ، وهو المراد بقوله تعالى : {وإن من شىء إلا يسبح بحمده} ~~[الإسراء : 44] قيل : إنما استغنى عن إعادة الموصل في خصوص هذه السورة ~~لتكرر ذكر الأرض هنا في أربعة مواضع. ه. {وهو العزيز} المنتقم ممن لم يسبح ~~له عنادا ، {الحكيم} في مجازاة من سبح له انقيادا. # {وله ملك السماوات والأرض} أي : التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما من ~~الموجودات ، من نعت الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. قال الورتجبي : ذكر ~~الله سبحانه ms3008 ملكه على قدر أفهام الخليقة ، وإلا فأين السموات والأرض من ~~ملكه ، والسموات والأرضون في ميادين مملكته أقل من خردلة! لما علم عجز خلقه ~~عن إدراك ما فوق رؤيتهم ، ذكر أن ملك السموات والأرض ملك قدرته الواسعة ، ~~التي إذا أراد الله إيجاد شيء يقول كن فيكون بقدرته ، وليس لقدرته نهاية ، ~~ولا لإرادته منتهى. ه. {يحيي ويميت} استئناف مبين لبعض أحكام الملك ، أي : ~~هو يحيي الموتى ويميت الأحياء ، {وهو على كل شيء} من الأشياء ، التي من ~~جملتها الإحياء والإماتة {قدير} لا يعجزه شيء. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 308 PageV07P463 ~~وهو الأول} القديم قبل كل شيء ، {والآخر} الذي يبقى بعد فناء كل شيء ، ~~{والظاهر} الذي ظهر بكل شيء ، {والباطن} الذي اختفى بعد ظهوره في كل شيء ، ~~وقد جاء في الحديث : " اللهم أنت الأول ، فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر ، ~~فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن ، فليس دونك شيء ~~" قال الطيبي : فالمعني بالظاهر على التفسير النبوي : الغالب الذي يغلب ولا ~~يغلب ، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء ؛ إذ ليس فوقه أحد ~~يمنعه ، وبالباطن ألا ملجأ ولا منجا دونه ، ينجي ملتجئا له. ه. وسيأتي في ~~الإشارة تحقيقه إن شاء الله. {وهو بكل شيء عليم} لا يعزب عن علمه شيء من ~~الظاهر والخفي. {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} من أيام الدنيا ~~، ولو أراد أن يخلقها في طرفة عين لفعل ، ولكن جعل الست أصلا ليكون عليها ~~المدار ، وتعليما للتأني ، {ثم استوى} أي : استولى {على العرش} حتى صار ~~العرش وما احتوى عليه غيبا في عظمة أسرار ذاته ، {يعلم ما يلج في الأرض} ما ~~يدخل فيها ، من البذر ، والقطر ، والكنوز ، والأمطار ، {وما يعرج فيها} من ~~الملائكة والأموات والأعمال ، {وهو معكم أينما كنتم} بالعلم والقدرة ~~والإحاطة الذاتية ، وما ادعاه ابن عطية من الإجماع أنه بالعلم ، فإن كان ~~مراده من أهل الظاهر فمسلم ، وأما أهل الباطن فمجمعون على خلافه ، انظر ~~الإشارة. # 309 # {والله بما تعملون بصير} فيجازي كلا بعمله. PageV07P464 # {له ملك السماوات والأرض} تكرير للتأكيد ms3009 ، وتمهيد لقوله : {وإلى الله ترجع ~~الأمور} أي : إليه وحده لا إلى غيره استقلالا واشتراكا ترجع جميع الأمور ، ~~{يولج الليل في النهار} يدخل الليل في النهار ، بأن ينقص من الليل ويزيد في ~~النهار ، {ويولج النهار في الليل} بأن ينقص من النهار ويزيد الليل ، {وهو ~~عليم بذات الصدور} أي : بمكنونها اللازمة لها من الهواجس والخواطر ، بيان ~~لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم وخواطرهم ، بعد بيان إحاطته ~~بأعمالهم التي يظهرونها على جوارحهم ، أو بحقائق الصدور من صلاحها وفسادها ~~، كنى بها عن القلوب. والله تعالى أعلم. # الإشارة : التسبيح مأخوذ من السبح ، وهو العوم ، فأفكار العارفين تعوم في ~~قلزوم بحر الذات وتيار الصفات ، وترجع إلى ساحل البر لتقوم بوظائف العبودية ~~والعبادات ، وقد سبح في بحر الذات وغرق فيه أهل السموات والأرض ، شعروا أم ~~لم يشعروا ، بل كل الكائنات غريقة في بحر الذات ، ممحوة بأحديتها. قال ~~القشيري : تنزيها لله تعالى من حيث الاسم الجامع لجميع الأسماء والصفات ~~الجلالية والجمالية ما في السموات الذات من الأسماء الذاتية ، المتجلية في ~~المظاهر الكلية ، وما في أرض الصفات من الأسماء الصفاتية ، المتجلية في ~~المظاهر الجزئية. اعلم أن فلك الذات سماء الصفات ، وفلك الصفات أرض الذات ، ~~وكذلك فلك الصفات سماء الأسماء ، وفلك الأسماء أرض الصفات ، وهذه السموات ~~والأرضون كلها مظاهر اسم الله الأعظم ، وهو المسبح - بالفتح - في مقام ~~التفصيل ، والمسبح - بالكسر - في مقام الجمع ، كما ذكرنا. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 308 PageV07P465 ~~قلت : ومعنى قوله : " فلك الذات سماء الصفات "... الخ ، أن أسرار الذات ~~اللطيفة الأصلية سقف لأنوار الصفات ، المتجلي بها ، وأنوار الصفات ، أرض ~~لتلك الأسرار ، وكذلك أنوار الصفات سقف لأرض الأسماء ، والأسماء أرض لسماء ~~الصفات ، وبقي عليه أن يقول : وفلك الأسماء سماء للأثر ، والأثر أرض لسماء ~~الأسماء ، فكل مقام سماء لما تحته ، وأرض لما فوقه ، فالأثار أرض لسماء ~~الأسماء ، والأسماء أرض للصفات ، والصفات أرض للذات ، دل بوجود آثاره على ~~وجود أسمائه ، وبوجود أسمائه على وجود صفاته ، وبوجود صفاته على وجود ذاته ~~، وهذا مقام الترقي ، ومقام التدلي بالعكس ، انظر الحكم ، وهو ms3010 العزيز أن ~~يدرك كنه ربوبيته ، الحكيم في اختفائه بعد ظهوره. له ملك سموات الأرواح ~~وأرض الأشباح ، أو : ملك سموات أفلاك الذات والصفات والأسماء ، وفلك أرضها ~~، على ما تقدم. يحيي قلوب أوليائه بمعرفته ، ويميت قلوب أعدائه بالجهل به ، ~~أو يحيي القلوب بالعلم به ، ويميت النفوس بالفناء عنها ، وهو على كل شيء ~~قدير من الأحياء والإماتة وغيرهما. هو الأول بلا بداية والآخر بل نهاية ، ~~وهو الظاهر ، فلا ظاهر معه ، وهو الباطن في حال ظهوره. أو : هو الظاهر ~~بتجلياته ، والباطن # 310 # بما نشر عليها من رداء كبريائه ، أو : الظاهر بقدرته ، والباطن بحكمته ، ~~أو : الظاهر بالتعريف ، والباطن باعتبار التكييف. والحاصل : أنه ظاهر في ~~بطونه ، باطن في ظهوره ، ما ظهر به هو الذي بطن فيه ، وما بطن فيه هو الذي ~~ظهر به ، اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء واستهلاكها وتلاشيها ؛ إذ لا ظاهر ~~معه ، واسمه الباطن يقتضي ظهور حسها ، ليكون باطنا فيها. وفي الحكم قال : " ~~أظهر كل شيء بأنه الباطن ، وطوى وجود كل شيء بأنه الظاهر ". ولا يفهم هذا ~~إلا أهل الأذواق. PageV07P466 # قال القشيري : هو الأول في عين آخريته ، والآخر في عين أوليته ، والظاهر في ~~عين باطنيته ، والباطن في عين ظاهريته ، من حيثية واحدة ، واعتبار واحد ، ~~في آن واحد ؛ لأنها ذاته المطلقة عن هذه الاعتبارات المختلفة ، والحيثيات ~~المتنافرة ؛ لإحاطته بالكل ، واستغنائه عن الكل. قيل لأبي سعيد الخراز : بم ~~عرفت الله ؟ قال : بجمعه بين الأضداد ، ثم تلا هذه الآية : {هو الأول ~~والآخر...} الخ ، ولا يتصور الجمع بين الأضداد إلا من حيثية واحدة ، ~~واعتبار واحد ، في آن واحد. ه. # {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} قال القشيري : يشير إلى مراتب ~~الصفات الستة ، وهي : الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والإرادة ، والسمع ، ~~والبصر ، أي : هو الذي تجلى للأشياء كلها بذاته الموصوفة بالصفاة بالصفات ~~الستة. انظر بقيته فيه. وتقدم الكلام على الاستواء في سورة الأعراف ~~والسجدة. يعلم ما يلج في أرض البشرية من المساوئ ، وما يخرج منها بالتخلية ~~والمجاهدة ، وما ينزل من سماء الغيوب على القلوب المطهرة ، من العلوم ~~والأسرار ، وما ms3011 يعرج فيها من حلاوة الشهود ، وهو معكم أينما كنتم بذاته ~~وصفاته ، على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه ؛ إذ الصفة لا تفارق ~~الموصوف فإذا كانت المعية بالعلم لزم أن تكون بالذات ، فافهم ، وسلم إن لم تذق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 308 # حدثني شيخي ، الفقيه المحرر " الجنوي " : أن علماء مصر اجتمعوا للمناظرة ~~في صفة المعية ، فانفصل مجلسهم على أنها بالذات ، على ما يليق به. وسمعته ~~أيضا يقول : إن الفقيه العلامة " سيدي أحمد بن مبارك " لقي الرجل الصالح ~~سيدي " أحمد الصقلي " ، فقال له : كيف تعتقد : {وهو معكم أين ما كنتم} ؟ ~~فقال : بالذات ، فقال له : أشهد أنك من العارفين. ه. قلت : فبحر الذات متصل ~~، لا يتصور فيه انفصال ، ولا يخلو منه مكان ولا زمان ، كان ولا زمان ولا ~~مكان ، وهو الآن على ما عليه كان. PageV07P467 # وقال الورتجبي : للعارفين في هذا مقامان : مقام عين الجمع ، ومقام إفراد ~~القديم من الحدوث. فمن حيث الوحدة والقدم تتصاغر الأكوان في عزة الرحمن ، ~~وسطوات عظمته ، # 311 # حتى لا يبقى أثرها. ثم قال : ومن حيث الجمع باشر نور الصفة نور العقل ، ~~ونور الصفة قائم بالذات ، فيتجلى بنوره لفعله من ذاته وصفاته ، ثم يتجلى من ~~الفعل ، فترى جميع الوجوه مرآة وجوده ، وهو ظاهر لكل شيء ، من كل شيء ~~للعموم بالفعل ، وللخصوص بالاسم والنعت ، ولخصوص الخصوص بالصفة ، وللقائمين ~~بمشاهدة ذاته بالذات ، فهو تعالى منزه عن البينونة والحلول والافتراق ~~والاجتماع ، وإنما هو ذوق العشق ، ولا يعلم تأويله إلا العاشقون. ه. وحاصل ~~كلامه : أنك إن نظرت للوحدة لم يبق من تحصل معه المعية ؛ إذ لا شيء معه ، ~~وإن نظرت من حيث الجمع والفرق أثبت الفرق في عين الجمع فتحصل المعية منه له ~~جمعا ، ومنه لأثره فرقا ، ولا فرق حقيقة ، فافهم ، ولا يفهم هذا إلا أهل ~~العشق الكامل ، وهم أهل الفناء ، كما قال ابن الفارض : # فلم تهوني ما لم تكن في فانيا # ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي # جزء : 7 رقم الصفحة : 308 PageV07P468 ~~يقول الحق جل جلاله : {آمنوا بالله ورسوله} أي : دوموا على ms3012 إيمانكم ، إن ~~كان خطابا للمؤمنين ، فيكون توطئة لدعائهم إلى ما بعده من الإنفاق وغيره ؛ ~~لأنهم أهل لهذه الرتب الرفيعة ، أو : أحدثوا الإيمان ، إن كان خطابا للكفار ~~، {وأنفقوا} أي : تصدقوا ، فيشمل الزكاة وغيرها ، {مما جعلكم مستخلفين فيه} ~~أي : جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة ، وما أنتم فيه إلا ~~بمنزلة الوكلاء والنواب ، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى ، وليهن عليكم ~~الإنفاق منها ، كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له ، أو : ~~جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما كان في أيديهم بتوريثكم إياه ، وسينقله ~~منكم إلى غيركم ، فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به ، {فالذين آمنوا} بالله ~~ورسوله {منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} لا يقادر قدره. # 312 # {وما لكم لا تؤمنون بالله} هو حال ، أي : أي شيء حصل لكم غير مؤمنين ، ~~وهو توبيخ على ترك الإيمان حسبما أمروا به ، بإنكار أن يكون لهم عذر ما في ~~الجملة ، {والرسول يدعوكم} وينبهكم عيله ، ويقيم لكم الحجج على ذلك ، ~~{لتؤمنوا بربكم وقد أخذ} قبل ذلك عليكم ميثاقه في عالم الذر ، على الإقرار ~~بالربوبية ، والتصديق بالداعي ، بعد أن ركب فيكم العقول ، فلم يبق لكم عذر ~~في ترك الإيمان ، أو : أخذ ميثاقه بنصب الأدلة والتمكين من النظر ، فانظروا ~~واعتبروا وآمنوا ، {إن كنتم مؤمنين} بأخذ هذا الميثاق ، أو : بموجب ما ، ~~فإن هذا موجب لا موجب وراءه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 312 PageV07P469 ~~هو الذي ينزل على عبده} محمد صلى الله عليه وسلم {آيات بينات} واضحات ، ~~يعني القرآن ، {ليخرجكم} أي : الله تعالى ، أو العبد {من الظلمات} أي : من ~~ظلمات الكفر والمعاصي والغفلة ، إلى نور الإيمان والتوبة واليقظة ، {وإن ~~الله بكم لرؤوف رحيم} حيث يهديكم إلى سعادة الدارين ، بإرسال الرسول ، ~~وتنزيل الآيات ، بعد نصب الحجج العقلية. # ثم وبخهم على ترك الإنفاق ، بعد توبيخهم على ترك الإيمان ، على ترتيب ~~قوله : {آمنوا} و{إنفقوا} فقال : {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله} أي : ~~أي شيء حصل لكم في ألا تنفقوا فيما هو قربة إلى الله تعالى ، وهو له حقيقة ~~، وإنما ms3013 أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عينه من المصارف ؟ {ولله ميراث ~~السماوات والأرض} يرث كل شيء فيهما ، لا يبقى لأحد شيء من ذلك ، وإذا كان ~~كذلك فأي عذر لكم في ترك إنفاقه {في سبيل الله} والله مهلككم ، فوارث ~~أموالكم ؟ فتقديمها لله أولى ، وهي أبلغ آية في الحث على الصدقة. وإظهار ~~اسم الجليل في موضع الإضمار في " لله " لزيادة التقرير ، وتربية المهابة. PageV07P470 # ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم باعتبار الزمان ، فقال : {لا يستوي منكم ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل} مع من أنفق بعد الفتح وقاتل ، حذفه لدلالة ما ~~بعده عليه من قوله : {أولئك أعظم درجة... } الخ ، والمراد : فتح مكة ، أي : ~~لا يستوي من أنفق قبل عز الإسلام وظهوره ، مع من أنفق بعد لك ، {أولئك} ~~الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا ، وهم السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار ، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم : " لو أنفق أحدكم مثل ~~أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ، ولا نصفه " ، فهم {أعظم درجة من الذين أنفقوا ~~من بعد وقاتلوا} لأن من أنفق وقت الحاجة والاضطرار ، أعظم ممن أنفق في حال ~~السعة والبسط ، {وكلا} أي : كل واحد من الفريقين {وعد الله الحسنى} وهي ~~الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ الشامي بالرفع ، مبتدأ ، أي : وعده الله ~~الحسنى ، {والله بما تعملون خبير} فيجازيكم على قدر أعمالكم. # {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} هو ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في # 313 # سبيله ، بعد الأمر به ، والتوبيخ على تركه ، وبيان درجات المنفقين ، أي : ~~من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله رجاء أن يعوضه مثل ذلك وأكثر ، فإنه كمن ~~يقرضه. وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه ، وتحري أكرم المال ، وأفضل الجهات ، ~~{فيضاعفه له} أي : يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا أضعافا كثيرة من فضله ، ~~{وله أجر كريم} وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه ، حقيق بأن ~~يتنافس فيه وإن لم يضاعف ، فكيف وقد ضوعف أضعافا كثيرة! ومن نصب فعلى جواب ~~الاستفهام. # جزء : 7 رقم الصفحة : 312 PageV07P471 ~~الإشارة : أمر الحق تعالى ms3014 مشايخ التربية ، والعلماء الأتقيا ، أن يؤمنوا ~~إيمان شهود وعيان ، أو إيمان تحقيق وبرهان ، فالأول للأولياء ، والثاني ~~للعلماء ، ثم قال : {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} من العلوم الوهبية ، ~~أو الرسمية ، فالذين آمنوا منكم كما تقدم ، مما عندهم سعة العلوم الوهبية ، ~~أو من ضيق العلوم الرسمية ، لهم أجر كبير : سكنى الحضرة ، في مقعد صدق ، أو ~~بحبوحة الجنة في نعيم الأشباح. وما لكم لا تؤمنون بالله ، أي : تجددوا ~~إيمانكم كل ساعة ، بفكرة الاستبصار والاعتبار ، والرسول يدعوكم لتجددوا ~~إيمانكم ، وقد أخذ ميثاقكم في عالم الذر ، ثم جدده ببعث الرسل وخلفائهم من ~~شيوخ التربية ، الداعين إلى الله ، إن كنتم مؤمنين بهذا الميثاق. هو الذي ~~ينزل على عبده آيات بينات ، وهو القرآن ، ينزل على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ليخرجكم من الظلمات إلى النور ، من ظلمة المعاصي إلى نور التوبة ~~والاستقامة ، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة ، ومن ظلمة الهوى والحظوظ إلى ~~نور الزهد والعفة ، ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى ، ومن ظلمة الجهل إلى نور ~~العلم بالله. PageV07P472 # وما لكم ألا تنفقوا مهجكم وأرواحكم في سبيل الله ، ببذلها في مرضاة الله ، ~~ولله ميراث السموات والأرض ، فيرثكم بأشباحكم وأرواحكم ، فمن بذلها عوضه ~~دوام الشهود ، ومن بخل بها عقبه حسرة الحجاب ، لا يستوي منكم من أنفق نفسه ~~وقاتلها قبل ظهور الطريق ، مع من أنفق وجاهد بعد ظهورها ، فالسابقون لم ~~يجدوا أعوانا ، والمتأخرون وجدوا أعوانا ، وكلا وعد الله الحسنى الجنة ~~الحسية ، وزاد السابقين الجنة المعنوية ، جنة المعارف. والله بما تعملون ~~خبير ، لا يخفى عليه من تقدم ممن تأخر. {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} ، ~~قال القشيري : هو أن يقرض وينقطع عن قلبه حب الدارين ، ففي الخبر : " خير ~~الصدقة ما كان عن ظهر غنى ". ه. فيضاعفه له بالترفي إلى ما لا نهاية له ، ~~وله أجر كريم ، وهو مقعد صدق عند مليك مقتدر. # 314 # جزء : 7 رقم الصفحة : 312 # يقول الحق جل جلاله : واذكر {يوم ترى} أو : لهم أجر كبير {يوم ترى ~~المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم} وهو نور الإيمان في ms3015 الدنيا ، يكون هناك ~~حسيا يسعى {بين أيديهم وبأيمانهم} وقيل : هو القرآن ، وعن ابن مسعود رضي ~~الله عنه : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة ، ~~ومنهك كالرجل القائم ، وأدناهم نورا من نوره على إبهام رجله ، يطفأ تارة ~~ويلمع تارة. PageV07P473 # قلت : ومنهم من نوره كالقمر ليلة البدر ، ومنهم من نوره كالشمس الضاحية ، ~~يضيء خمسمائة عام ، كما في أحاديث أخرى ، وذلك على قدر إيمانهم وعرفانهم. ~~قال الحسن : يستضيئون به على الصراط ، وهم متفاوتون في السرعة ، قال أبو ~~نصر الهمداني : أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سبعة أنواع : الصديقون ، ~~والعلماء ، والبدلاء ، والشهداء ، والحجاج ، والمطيعون ، والعاصون ، ~~فالصديقون يمرون كالبرق ، والعلماء ، أي : العاملون ، كالريح العاصف ، ~~والبدلاء كالطير في ساعة ، والشهداء كالجواد المسرع ، يمرون في نصف يوم ، ~~والحجاج يمرون يوم كامل ، والمطيعون في شهر ، والعاصون يضعون أقدامهم على ~~الصراط ، وأوزارهم على ظهرهم ، فيعثرون ، فتقصد جهنم أن تحرقهم ، فترى نور ~~الإيمان في قلوبهم ، فتقول : جز يا مؤمن ، فإن نورك قد أطفا لهبي. ه. قلت : ~~الصديقون على قسمين ، أما أهل الاقتداء ، الدالون على الله ، المسلكون ، ~~فتقرب الغرف لهم ، فيركبونها ، ويمرون ، وأما الأفراد فيطيرون كالبرق. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 315 # وقال مقاتل : يكون هذا النور لهم دليلا إلى الجنة ، وتخصيص الجهتين لأن ~~السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين {من بين أيديهم وعن إيمانهم} ~~كما أن الأشقياء يؤتون صحائفهم من شمائلهم ووراء ظهورهم ، فجعل النور في ~~الجهتين إشعارا لهم بأنهم بحسناتهم وبصحائفهم البيض أفلحوا. # وتقول لهم الملائكة : {بشراكم اليوم جنات} أي : دخول جنات ؛ لأن البشارة ~~تقع بالإجداث دون الجثث ، {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز ~~العظيم}. {يوم} بدل من " يوم ترى " {يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا} أي : # 315 PageV07P474 ~~انتظرونا ؛ لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف ، ويبقى المنافقون في ~~ظلمة ، فيقولون للمؤمنين : قفوا في سيركم لنستضيء بنوركم. وقرأ حمزة : " ~~أنظرونا " ، من الإنظار ، وهو التأخير ، أي : أمهلوا علينا. وقال الفراء : ~~تقول العرب : أنظرني ، أي : انتظرني ، فتتفق القراءتان. وقيل : من النظر ms3016 ، ~~أي : التفتوا إلينا وأبصرونا {نقتبس من نوركم} لأن نورهم بين أيديهم ، ~~فيقال طردا لهم وتهكما بهم من جهة المؤمنين أو الملائكة : {ارجعوا وراءكم} ~~أي : إلى الموقف ، إلى حيث أعطينا هذا النور {فالتمسوا نورا} فإنا هناك ~~اقتبسناه ، أو : التفتوا وراءكم ، فيلتفتون فيحال بينهم ، {فضرب} حينئذ ~~{بينهم} بين الفريقين {بسور} بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار ، {له باب} ~~يلي المنافقين ، ليروا ما فيه من المؤمنون من الأنوار والرحمة ، فيزدادون ~~حسرة ، {باطنه} أي : باطن ذلك السور ، وهو الجهة التي تلي المؤمنين {فيه ~~الرحمة وظاهره} الذي يلي المنافقين {من قبله العذاب} أي : العذاب حاصل من ~~قبله. فالعذاب : مبتدأ ، و{من قبله} : خبر ، أي : ظاهر السور تليه جهنم أو ~~الظلمة ، فيقابله العذاب ، فهم بين النار والسور. # {ينادونهم} أي : ينادي المنافقون المؤمنين : {ألم نكن معكم} في الدنيا ؟ ~~يريدون موافقتهم لهم في الظاهر ، {قالوا} أي : المؤمنون : {بلى} كنتم معنا ~~في الظاهر {ولكنكم فتنتم أنفسكم} أي : محنتموها وأهلكتموها بالنفاق والكفر ~~، {وتربصتم} بالمؤمنين الدوائر ، {وارتبتم} في أمر الدين {وغرتكم الأماني} ~~الفارغة ، التي من جملتها أطماعكم في انتكاس الإسلام ، أو : طول الأمل ~~وامتداد الأعمار {حتى جاء أمر الله} ؛ الموت ، {وغركم بالله} الكريم ~~{الغرور} أي : الشيطان بأن الله غفور كريم لا يعذبكم ، أو : بأنه لا بعث ~~ولا حساب. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 315 PageV07P475 ~~فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} فداء {ولا من الذين كفروا} جهرا ، {مأواكم ~~النار} أي : مرجعكم ، لا تبرحون عنها أبدا {هي مولاكم} أي : المتصرفة فيكم ~~تصرف المولى في ملكه ، أو : هي أولى بكم ، وحقيقة مكانكم الذي يقال فيه هو ~~أولى بكم ، أو : ناصركم ، على طريق : # تحية بينهم ضرب وجيع # فيكون تهكما بهم ، {وبئس المصير} أي : النار. # الإشارة : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ، الكاملين في الإيمان ، الطالبين ~~الوصول ، # 316 # يسعى نورهم ، وهو نور التوجه بين أيديهم وبأيمانهم ، فيهتدون إلى أنوار ~~المواجهة ، وهي المشاهدة ، فيقال لهم : بشراكم اليوم جنات المعارف ، تجري ~~من تحتها أنهار العلوم ، خالدين فيها ، ذلك هو الفوز العظيم. قال القشيري : ~~قوله تعالى : {يسعى نورهم...} الخ ؛ كما أن لهم في ms3017 العرصة هذا النور ؛ ~~فاليوم لهم نور في قلوبهم وبواطنهم ، يمشون في نورهم ، ويهتدون به في جميع ~~أحوالهم ، قال صلى الله عليه وسلم : {المؤمن ينظر بنور الله} ، وقال تعالى ~~: {فهو على نور من ربه} [الزمر : 22]. وربما سقط ذلك النور على من يقرب ~~إليهم ، وربما يقع من ذلك على القلوب ، فلا محالة لأوليائه هذه الخصوصية. ~~ه. قال الورتجبي : ونور الحق الذي ألبس العارف تخضع له الأكوان ومن فيها ، ~~ومثله لسهل. فانظره مستوف. PageV07P476 # يوم يقول المنافقون والمنافقات ، وهم الذين اعتنوا بتزيين الظواهر ، وغفلوا ~~عن البواطن ، فصارت خرابا من النور ، يقولون في الدنيا : انظرونا والتفتوا ~~إلينا ، نقتبس من نوركم ، قيل : ارجعوا وراءكم ، إلى دنياكم وحظوظكم ، ~~فاتلمسوا نورا ، تهكما بهم ، فضرب بينهم بسور معنوي ، وهو خرق العوائد ، ~~وتخريب الظواهر ؛ إذ لا يقدرون على ارتكابه ، له باب ليدخل معهم من أراد ~~نورهم ، باطن ذلك السور فيه الرحمة ، وهي الراحة ، والطمأنينة ، والبسط ، ~~وبهجة المعارف ، وظاهره الذي يلي العامة من قبله العذاب ، وهو ما هم فيه من ~~الحرص ، والتعب ، والجزع ، والهلع ، والقبض. ينادونهم : ألم نكن معكم في ~~عالم الحس ؟ وهو عالم الأشباح ، قالوا : بلى ، ولكنكم لم ترتقوا إلى عالم ~~المعاني ، وهو عالم الأرواح ، الذي هو محل الراحة والهنا والسرور ، بل ~~فتنتم أنفسكم بأشغال الدنيا ، واشتغلتم بطلب حظوظها وجاهها ، ورئاستها وطيب ~~مأكلها ، ومشربها وملبسها ، وتربصتم بأهل التوجه الدوائر ، أو الرجوع إلى ~~ما أنتم فيه ، وارتبتم في وجود خصوصية التربية ، وغرتكم الأماني : المطامع ~~الكاذبة ، وأنكم تنالون الخصوصية بغير صحبة ولا مجاهدة ، وغركم طول الأمل ~~والتسويف ، عن التوبة والتوجه ، وغرك بحلمه الغرور ، فزين لكم القعود ~~والتخلف عن مقامات الرجال ، فاليوم ، أي : حين ظهرت مقامات الرجال في ~~الدنيا والآخرة ، لا يؤخذ منكم فدية في التخلص من غم الحجاب ، ولا من الذين ~~كفروا ، مأواكم نار القطيعة ، هي مولاكم ومنسحبة عليكم ، وبئس المصير. # جزء : 7 رقم الصفحة : 315 # 317 # قلت : {ألم يأن} : مجزوم بحذف الياء ، من : أنى يأني ، كمضى يمضي : إذا ~~حان وقرب. و{أن تخشع} : فاعل. و{لا يكونوا} : عطف على " تخشع " ، وقرأ رويس ~~عن ms3018 يعقوب بالخطاب ، فيكون التفاتا ؛ للاعتناء بالتحذير ، أو نهيا. PageV07P477 # يقول الحق جل جلاله : {ألم يأن} ألم يحضر ، أو يقرب {للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله} أو : ألم يجيء وقت خشوع قلوب المؤمنين لذكر الله تعالى ، ~~وتطمئن به ، ويسارعون إلى طاعته ، بالامثال لأوامره والاجتناب لنواهيه. قيل ~~: كانوا مجدبين بمكة ، فلما هاجروا وأصابوا الرزق والنعمة ، ففتروا عما ~~كانوا عليه ، فنزلت. وبه تعلم أن الشدة هي عين الرخاء ، وأن الجلال هو ~~الجمال ، وأين هو حبيبك ثم هو عدوك. وعن ابن مسعود رضي الله عنه : ما كان ~~بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه : استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول ~~القرآن. # وعن أبي بكر رضي الله عنه : إن هذه الآية قرئت بين يديه ، وعنده قوم من ~~أهل اليمامة ، فبكوا بكاء شديدا ، فنظر إليهم فقال : " هكذا كنا حتى قست ~~قلوبنا ". قلت : مراده بالقسوة : التصلب والتثبت للورادات ، وذلك أن القلب ~~في البدايات يكون رطبا مغلوبا للأحوال والواردات ، يتأثر بأدنى شيء ، فإذا ~~استمر مع الأنوار والواردات ؛ استأنس بها وتصلب واشتد ، فلا تؤثر فيه ~~الواردات ، فيكون مالكا للأحوال ، لا مملوكا ، وهذا أمر ذوقي ، يرتفع ~~البكاء عن العارفين ، ويظهر على الصالحين والطالبين. وهذه الآية أيضا كانت ~~سبب توبة الفضيل ، كان صاعدا لجارية ، فسمع قارئا يقرأها ، فقال : قد آن ~~الخشوع والرجوع ، فتاب. PageV07P478 # والمراد بذكر الله ذكر اسمه تعالى على أي لفظ كان ، كقوله : {إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله...} [الأنفال : 2] الآية ، أو : القرآن ، فيكون قوله : ~~{وما نزل من الحق} عطف تفسير ، أو لتغاير العنوانين ، فإنه ذكر وموعظة ، ~~كما أنه حق نازل من السماء. والمراد بالخشوع : الإنابة والخضوع ، ومتابعة ~~الأمر والنهي. {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل} أي : اليهود ~~والنصارى ، {فطال عليهم الأمد} الزمن بينهم وبين أنبيائهم ، {فقست قلوبهم} ~~باتباع الشهوات ، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ، ~~وإذا سمعوا التوراة خشعوا له ، ورقت قلوبهم ، فلما طال عليهم الزمان غلب ~~عليهم الجفاء والقسوة ms3019 ، واختلفوا. # جزء : 7 رقم الصفحة : 317 # قال ابن مسعود : إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم ، ~~فاخترعوا كتابا # 318 # من عند أنفسهم ، استحلته أنفسهم ، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من ~~شهواتهم ، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، كأنهم لا يعلمون ، ثم قالوا : ~~اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل ، فإن تابعوكم فاتركوهم ، وإلا ~~فاقتلوهم. ثم اتفقوا أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم ، [وقالوا] : إن هو ~~تابعنا لم يخالفنا أحد ، وإلا قتلتموه ، فلا يختلف علينا بعده أحد ، ~~فأرسلوا إليه ، فكتب كتاب الله في ورقة ، وجعلها في قرن ، وعلقها في عنقه ، ~~ثم لبس عليه ثيابه ، وأتاهم ، فعرضوا عليه كتابهم ، وقالوا : أتؤمن بهذا ؟ ~~فأومئ إلى صدره ، وقال : آمنت بهذا - يعني المعلق على صدره - فافترقت بنو ~~إسرائيل على بضع وسبعين ملة. ه. PageV07P479 # قال تعالى : {وكثير منهم فاسقون} خارجون عن دينهم ، رافضون لما في الكتابين ~~، أي : وقليل منهم مؤمنون ، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. ~~وقال ابن عطية : الإشارة بقوله : {أوتوا الكتاب} إلى بني إسرائيل المعاصرين ~~لموسى عليه السلام ، ولذلك قال : {من قبل} ، وإنما شبه أهل عصر نبي بأهل ~~عصر نبي ، وقوله : {فطال عليهم الأمد} قيل : أمد الحياة ، وقيل : أمد ~~انتظار القيامة. ه. وقال مقاتل : {الأمد} هنا : الأمل ، أي : لما طالت ~~آمالهم لا جرم قست قلوبهم. ه. قيل : إن الصحابة ملوا ملالة ، فقالوا : ~~حدثنا ، فنزل : {نحن نقص عليك أحسن القصص} [يوسف : 3] ، وبعد مدة قالوا : ~~لو ذكرتنا ، فنزلت هذه السورة. # وهذه الآية {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها} قيل : هذا تمثيل لأثر ~~الذكر في القلوب ، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض ، وفيه إرشاد إلى أن ~~طريق زوال القسوة ليس إلا الالتجاء إلى الله ، ونفى الحول والقوة ؛ لأنه ~~تعالى القادر وحده على ذلك ، كما أنه وحده يحيي الأرض ، {قد بينا لكم ~~الآيات} التي من جملتها هذه الآية ، {لعلكم تعقلون} كي تعقلوا ما فيها ، ~~وتعملوا بموجبها ، فتفوزوا بسعادة الدارين. والله تعالى أعلم. PageV07P480 # الإشارة : خشوع القلب لذكر الله هو ذهوله وغيبته عند سطوع أنوار المذكور ms3020 ، ~~فيغيب الذاكر في المذكور ، وهو الفناء ، والخشوع لسماع ما نزل من الحق : أن ~~يسمعه من الحق ، لا من الخلق ، وهو أقصى درجات المقربين. ثم نهى تعالى ~~الخواص أن يتشبهوا بأهل العلوم الرسمية اللسانية ؛ لأنه طال بهم الأمل ، ~~وتنافسوا في الرئاسة ، وتهالكوا في الحظوظ العاجلة ، حتى قست قلوبهم ، ~~وخرجوا عن الإرادة بالكلية ، قال القشيري : وقسوة القلب إنما تحصل من اتباع ~~الشهوة ؛ فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان ، وموجب القسوة : انحراف القلب عن ~~مراقبة الرب ، ويقال : موجب القسوة أوله خطرة ، فإن لم تتدارك صارت فكرة ، ~~وإن لم تتدارك صارت عزيمة ، فإن لم تتدارك صارت مخالفة ، فإن لم تتلاف صارت ~~قسوة ، وبعد ذلك طبع ودين. ه. وحينئذ لا ينفع الوعظ والتذكير ، كما قال : # 319 # إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة # كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر # جزء : 7 رقم الصفحة : 317 # اعلموا أن الله يحيي أرض القلوب بالعلم والمعرفة ، بعد موتها بالغفلة ~~والجهل ، قد بينا الآيات لمن يتدبر ويعقل. # جزء : 7 رقم الصفحة : 317 # قلت : {المصدقين} من قرأ بالتشديد فيهما فاسم فاعل ، من : تصدق ، أدغمت ~~التاء في الصاد ، ومن قرأ بتخفيف الصاد فاسم فاعل صدق. و{أقرضوا} : عطف على ~~الصلة ، أي : إن الذين تصدقوا وأقرضوا. # يقول الحق جل جلاله : {إن المصدقين والمصدقات} أي : المتصدقين بأموالهم ~~والمتصدقات أو : المصدقين بالله ورسوله والمصدقات ، {وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا} وهو أن تتصدق من كسب طيب ، بقلب طيب ، {يضاعف لهم} بأضعاف كثيرة إلى ~~سبعمائة ، {ولهم أجر كريم} الجنة وما فيها. PageV07P481 # وقد ورد في الصدقات أحاديث ، منها : أنها تدفع سبعين بابا من السوء ، وتزيد ~~البركة في العمر. روي أن شابا وشابة دخلا على سليمان عليه السلام فعقد لهما ~~النكاح ، وخرجا من عنده مسرورين ، وحضر ملك الموت ، فقال : لا تعجب من ~~سرورهما ، فقد أمرت أن أقبض روح هذا الشاب بعد خمسة أيام ، فجعل سليمان ~~يراعي حال الشاب ، حتى ذهبت ستة أيام ، ثم خمسة أشهر ، فعجب من ذلك ، فدخل ~~عليه ملك الموت ، فسأله عن ذلك ، فقال : إني أمرت أن أقبض روحه كما ذكرت ms3021 لك ~~، فلما خرج من عندك لقيه سائل ، فدفع له درهما ، فدعا له بالبقاء ، فأمرت ~~بتأخير الأمر عنه ببركة صدقته. ه. وانظر عند قوله : {يمحوا الله ما يشآء} ~~[الرعد : 38] ، ومثله قضية الرجل الذي آذى جيرانه ، فدعا موسى عليه السلام ~~عليه ، ثم تصدق صبيحة اليوم برغيف ، فنزل الثعبان ، فلقيته الصدقة فسقط ~~ميتا على حزمة حطبه. # {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} المبالغون في التصديق ، أو ~~الصدق ، وهو أولى ؛ لأن وزن المبالغة لا يساغ من غير الثلاثي في الأكثر إلا ~~نادرا ، # 320 # كمسيك من أمسك. {و} هم أيضا {الشهداء عند ربهم} وظاهره : أن كل من آمن ~~بالله ورسله ينال درجة الصديقين ، الذين درجتهم دون درجة الأنبياء ، وفوق ~~درجة الخواص ، وأن كل من آمن ينال درجة الشهداء ، وليس كذلك ، فينبغي حمل ~~قوله : {آمنوا} على خصوص إيمان وكماله ، وهم الذين لم يشكوا في الرسل حين ~~أخبروهم ، ولم يتوقفوا ساعة ، أي : سبقوا إلى الإيمان ، واستشهدوا في سبيل ~~الله. وسيأتي في الإشارة حقيقة الصديق. وقيل : كل من آمن بالله ورسله مطلق ~~الإيمان فهو صديق وشهيد ، أي : ملحق بهما ، وإن لم يتساووا في النعيم ، ~~كقوله : {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين...} [النساء : 69]. # جزء : 7 رقم الصفحة : 320 PageV07P482 ~~والحاصل على هذه العبارة : الترغيب في الإيمان والحث عليه ، وهو وارد في ~~كلام العرب في مبالغة التشبيه ، تقول : فلان هو حاتم بعينه ، إذا شابهه في ~~الجود ، ويؤيد هذا حديث البراء بن عازب : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: " مؤمنو أمتي شهداء " قال مجاهد : (كل مؤمن صديق وشهيد) ، أي : على ما ~~تقدم ، وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء السبعة تشريفا على ~~رتب الشهداء غيرهم ، ألا ترى أن المقتول في سبيل الله مخصوص أيضا بتشريف ~~ينفرد به ، وقال بعضهم : معنى الشهداء هنا : أنهم يشهدون على الأمم. قال ~~ابن عباس ومسروق والضحاك : الكلام تام في قوله : " الصديقون " ، وقوله : " ~~الشهداء " استئناف كلام ، أي : والشهداء حاضرون عند ربهم ، أو : والشهداء ~~{لهم أجرهم ونورهم} عند ms3022 ربهم ، قال أبو حيان : والظاهر : أن " الشهداء " ~~مبتدأ ، خبره ما بعده. ه. # قلت : الظاهر : أن الآية متصلة ، فكل مؤمن حقيقي صديق وشهيد ، أي : يلحق ~~بهم ، وقوله : {لهم أجرهم ونورهم} أي : لهم أجر الصديقين ونورهم ، على ~~التشبيه ، ولا يبلغ المشبه درجة المشبه به. وإذا قيدنا الإيمان بالسبق ، ~~فالمعنى لهم أجرهم كامل ونورهم تام ، ويؤيد عدم التقييد : ذكر ضده عقبه ، ~~كما هو عادة التنزيل ، بقوله : {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم}. # الإشارة : إن المصدقين والمصدقات ، وهم الذين بذلوا مهجهم وأرواحهم في ~~مرضاة الله - ومن كان في الله تلفه كان على الله خلفه - وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا ، أي : قطعوا قلوبهم عن محبة ما سواه ، وحصروه في حضرة الله ، يضاعف ~~لهم أنوارهم وأسرارهم ، # 321 PageV07P483 ~~ولهم أجر كريم ، شهود الذات الأقدس ، وهؤلاء هم الصديقون المشار إليهم ~~بقوله : {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} فهذا الإيمان عند ~~الصوفية مقيد ، قال الورتجبي : هم الذين شاهدوا الله بالله بنعت المعرفة ~~والمحبة ، وتبعوا رسوله بنعت المحبة والمعرفة بشرفه وفضله ، والانقياد بين ~~يدي أمره ونهيه ، فأولئك هم الصديقون ؛ لأنهم معادن الإخلاص واليقين ، ~~وتصديق الله في قوله بعد أن شاهدوه مشاهدة الصديقية ، التي لا اضطراب فيها ~~من جهة معارضة النفس والشيطان ، وهم شهداء الله المقتولون بسيوف محبته ، ~~مطروحون في بحر وصلته ، يحيون بجماله ، يشهدون على وجودهم بفنائه في الله ، ~~وبفناء الكون في عظمة الله ، وهم قوم يستشرفون على هموم الخلائق بنور الله ~~، يشهدون لهم وعليهم ؛ لصدق الفراسة ؛ لأنهم أمناء الله ، خصهم الله ~~بالصديقية والسعادة والولاية والخلافة.ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 320 # وقال القشيري : الصديق من استوى ظاهره وباطنه ، ويقال : هو الذي يحمل ~~الأمر على الأشق ، لا ينزل إلى الرخص ، ولا يجنح إلى التأويلات ، والشهداء ~~: الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة ، ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة ~~، ونورهم : ما كحل الحق به بصائرهم من أنوار التوحيد. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 320 PageV07P484 ~~يقول الحق جل جلاله : {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب} كلعب الصبيان ، ~~{ولهو} كلهو الفتيان ، {وزينة} كزينة النسوان ، {وتفاخر بينكم} كتفاخر ms3023 ~~الأقران ، {وتكاثر} كتكاثر الدهقان - أي الفلاحين - {في الأموال والأولاد} ~~أي : مباهاة بهما. والتكاثر : الاستكثار ، والحاصل : أنها من محقرات الأمور ~~التي لا يركن إليها العقلاء ، فضلا عن الاطمئنان بها ، وأنها مع ذلك سريعة ~~الزوال ، وشيكة الاضمحلال ، ولذلك قال : {كمثل غيث أعجب الكفار} أي : ~~الحراث ، من : كفر الحب : ستره ، ويقال : كفرت الغمام النجوم : سترتها ، أي ~~: أعجب الزراع {نباته} أي : النبات الحاصل منه ، {ثم يهيج} أي : يجف بعد ~~خضرته ونضارته ، {فتراه مصفرا} بعد ما رأيته ناضرا مونعا ، وإنما لم يقل : ~~ثم تراه ؛ إيذانا بأن اصفراره مقارن لجفافه. {ثم يكون حطاما} متفتتا متكسرا ~~، شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ، فاستوى ~~وقوي ، وأعجب به حراثه ، أو : # 322 # الكفار الجاحدون لنعمة الله تعالى فيما رزقهم من الغيث والنبات ، فبعث ~~عليه العاهة ، فهاج ، واصفر وصار حطاما. # وهذا المثل هو لمن اشتغل بالدنيا ، والجري عليها ، وأما ما كان منها في ~~طاعة الله ، أو في الضرورات التي تقيم الأولاد ، وتعين الطاعات ، فلا يدخل ~~في هذا المثل ، وهذا مثال للإنسان ينشأ شابا قويا ، حسن المنظر والهيئة ، ~~ثم يأخذ في النقص والهرم ، ثم يموت ، ويضمحل أمره ، وتصير الأموال لغيره. ~~قال القشيري : الدنيا حقيرة ، وأحقر منها قدرا : طالبها ، وأقل منها خطرا : ~~المزاحم فيها ، فما هي إلا جيفة ، وطلاب الجيفة ليس لهم خطر ، وأخسهم من ~~يبخل بها. وهذه الدنيا المذمومة هي ما شغل العبد عن الآخرة ، فكل ما شغله ~~عن الآخرة فهي الدنيا. ه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 322 PageV07P485 ~~وفي الآخرة عذاب شديد} لمن أعرض عن الله ، {ومغفرة من الله ورضوان} لمن ~~أقبل على الله ، وزهد فيما سواه. والحاصل : أن الدنيا ليست إلا محقرات من ~~الأمور ، وهي اللعب ، واللهو ، والزينة ، والتفاخر ، والتكاثر ، وأما ~~الآخرة ؛ فما هي إلا أمور عظام ، وهي العذاب الشديد ، والمغفرة ، والرضوان ~~من الله الحميد. والكاف في " كمثل " في محل رفع ، خبر بعد خبر ، {وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} لمن ركن إليها ، واعتمد عليها ، ومتاع ~~الغرور : هو الذي يظهر ما حسن منه ، ويبطن ما قبح ms3024 ، يفعله من يغر الناس ~~ويغشهم ، وكذلك الدنيا تظهر لطلابها حلاوة وولوعا ، وتزداد عليهم شيئا ~~فشيئا ، فينهمكون في حلاوة شهواتها وبهجتها ، ويغفلون عن الاستعداد ، ~~والعمر يفنى من يدهم في البطالة ، فهي تغرهم وتخدعهم حتى تسوقهم إلى الموت ~~مفلسين. قال ذو النون : يا معشر المريدين ؛ لا تطلبوا الدنيا ، وإن ~~طلبتموها فلا تحبوها ، فإن الزاد منها ، والمقيل في غيرها. # ولما حقر الدنيا ، وصغ أمرها ، وعظم أمر الآخرة ، حث عباده على المسارعة ~~إلى نيل ما وعد من ذلك ، وهي المغفرة والرضوان ، فقال : {سابقوا} بالأعمال ~~الصالحة {إلى مغفرة من ربكم} أو : سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في ~~المضمار ، {وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} أي : كعرض سبع سموات ، وسبع ~~أرضين ، إذا مدت إحداها حذو الأخرى ، وذكر العرض دون الطول ؛ لأن كل ما له ~~عرض وطول فعرضه أقل من طوله ، فإذا وصف عرضه بالبسط عرف أن طوله أبسط ، ~~وهذا تقريب لأفهام العرب ، وإلا فالجنة أعظم من ذلك مرارا ، كيف لا والمؤمن ~~الواحد يعطي قدر الدنيا عشر مرات! {أعدت} تلك الجنة {للذين آمنوا بالله ~~ورسله} وهو دليل أنها مخلوقة ، {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} وهم المؤمنون ~~، وفيه دليل أنه " لا يدخل الجنة أحد بعمله " كما في # 323 PageV07P486 ~~الحديث : {والله ذو الفضل العظيم} وبذلك يؤتي من شاء ذلك الفضل ، الذي لا ~~غاية وراءه. # الإشارة : قد شبه بعض الحكماء الدنيا بسبعة أشياء ، شبهها بالماء المالح ~~، يغرق ولا يروي ، ويضر ولا ينفع ، وشبهها بظل الغمام ، يغر ويخذل ، وشببها ~~بالبرق الخاطف في سرعة الذهاب والإضرار ، وبسحاب الصيف ، يضر ولا ينفع ، ~~وبزهر الربيع ، يغر بزهرته ، ثم يصفر فتراه هشيما ، بأحلام النائم ، يرى ~~السرور في منامه ، فإذا استيقظ لم يجد في يديه شيئا إلا الحسرة ، وبالعسل ~~المشوب بالسم الرعاف ، يغر ويقتل. ه. قال حفيده : فتأملت هذه الحروف سبعين ~~سنة ، ثم زدت فيها حرفا واحدا فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها ، وتترك ~~من أعرض عنها. ه. وفي كتاب قطب العارفين ، لسيدي عبد الرحمن اللجائي ، قال ~~: فأول درجة الذاهبين إلى الله تعالى : بغض الدنيا ، التي هي ms3025 ظلمة القلوب ، ~~وحجاب لوائح الغيوب ، والحاجزة بين المحب والمحبوب ، فبقدر رفضها يستعد ~~للسفر ، ويصح للقلوب النظر ، فإن كانت الدنيا من قلب العبد مرفوضة ، حتى لا ~~تعدل عنده جناح بعوضة ، فقد وضع قدمه في أول درجة من درجات المريدين ، ~~فينظر العبد بعد ذلك ما قدمت دنياه ، ويقبل على أخراه. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 322 # وذكر القشيري في إشارة الآية : أنها إشارة إلى أطوار النفس والقلب والروح ~~والسر ، فقال بعد كلام : وأيضا يشير إلى تعب صبا النفس الأمارة بملاعب ~~المخالفات الشرعية ، والموافقات الطبيعية ، وإلى لهو شاب القلب بالصفات ~~القلبية ، مثل الزهد ، والورع ، والتوكل والتقييد بها ، وإلى زينة كهل السر ~~بالأحوال السرية ، والمنازلات الغيبية ، مثل الكشوفات والمشاهدات ~~والمعاينات ، وإلى تفاخر شيخ الروح بإنبات التجليات والتنزلات ، وإلى تكاثر ~~سر السر بالفناء عن ناسوتيته ، والبقاء بلاهوتيته الجامع. ه. إلا أنه قدم ~~السر على الروح ، والمعهود العكس ، فانظره. PageV07P487 # قوله : {سابقوا...} الآية ، فيه إغراء على النهوض إلى الله ، وسرعة السير ~~إلى الحق تعالى ، التنافس في السبق ، كما قال الشاعر : # السباق السباق قولا وفعلا # حذر النفس حسرة المسبوق # حكي عن أبي خالد القيرواني ، وكان من العباد ، المجتهدين : أنه رأى خيلا ~~يسابق بها ، فتقدمها فرسان ، ثم تقدم أحدهما الآخر ، ثم جد الثاني حتى سبق ~~الأول ، فتخلل أبو خالد ، حتى وصل إلى الفرس السابق ، فجعل يقبله ، ويقول : ~~بارك الله فيك ، صبرت فظفرت ، ثم سقط مغشيا. ه. قال الورتجبي : دعا ~~المريدين إلى مغفرته بنعت الإسراع ، يعني في قوله : {سارعوا} ودعا ~~المشتاقين إلى جماله بنعت الاشتياق ، وقد دخل الكل في مظنة الخطاب ؛ لأن ~~الكل قد وقعوا في بحار الذنوب ، حين لم يعرفوه حق معرفته ، فدعاهم إلى ~~التطهير برحمته من الغرور بأنهم عرفوه. ه. أي : دعاهم إلى التطهير من # 324 # الاغترار بمعرفته ، وهي لم تحصل. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 322 # قلت : {في الأرض} : نعت لمصيبة ، أي : كائنة في الأرض ، و(في كتاب) : حال. PageV07P488 # يقول الحق جل جلاله : {ما أصاب من مصيبة في الأرض} من الجدب وآفات الزروع ~~والفواكه ، {ولا في ms3026 أنفسكم} من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد {إلا} مكتوب ~~{في كتاب} اللوح {من قبل أن نبرأها} أي : من قبل أن تخلق الأنفس أو المصائب ~~، {إن ذلك على الله يسير} أي : إن إثباتها في اللوح سهل على قدرته كلحظة ، ~~وكما كتبت المصائب ، كتبت المسرات والمواهب ، وقد يدل عليها قوله تعالى : ~~{لكيلا تأسوا} أي : أخبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا {على ما فاتكم} من الدنيا ~~حزنا يقنطكم ، {ولا تفرحوا} فرح المختال الفخور {بما آتاكم} من الدنيا ~~وسعتها ، ومن العافية وصحتها ، فإن من علم أن الكل مقدر ، يفوت ما قدر ~~فواته ، ويأتي ما قدر إتيانه ، لا محالة ، لا يعظم جزعه على ما فات ، ولا ~~فرحه بما هو آت ، ومع هذا كل ما ينزل بالنفس من المصائب زيادة في درجاته ، ~~وتطهير من سيئاته ، ففي صحيح مسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~" ما يصيب المسلم من وصب ، ولا نصب ، ولا سقم ، ولا حزن ، حتى الهم يهمه ، ~~إلا كفر به من سيئاته " وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : " عجبت لقضاء الله ~~تعالى للمؤمن : إن قضى له بالسراء رضي وكان خيرا ، وإن قضى له بالضراء ورضي ~~كان خيرا له " ، وقال أيضا : " ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها ، إلا كتبت ~~له درجة ، ومحيت عنه بها خطيئة ". وليس أحد إلا وهو يفرح بمنفعة تصيبه ، ~~ويحزن عند مضرة تنزل به ، لأنه طبع بشري ، ولذلك كان عمر رضي الله عنه إذا ~~أوتي بغنيمة أو خير يقول : (اللهم إنا لا نستيطع إلا أن نفرح بما آتيتنا) ، ~~ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكرا ، والحزن صبرا ، وإنما يذم من الحزن الجزع ~~المنافي للصبر ، ومن الفرح الأشر المطغي الملهي عن الشكر ، والمؤدي إلى ~~الفخر ، {والله لا يحب كل مختال فخور} فإن من فرح بحظوظ الدنيا ، # 325 PageV07P489 ~~وعظمت في نفسه ، اختال وافتخر بها ، لا محالة. وفي تخصيص التنزيل الذم ~~بالفرح المذكور إيذان بأنه أقبح من الأسى. # جزء : 7 رقم الصفحة : 325 # ثم أبدل من " كل مختال " تفسيرا له فقال : {الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل} أي ms3027 : لا يحب الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالا أو حظا من ~~الدنيا ، فلأجل فرحهم به عز في نفوسهم ، فبخلوا به ، وأمروا غيرهم بإمساكه ~~، ويحضونهم على البخل والادخار ، {ومن يتول} يعرض عن الإنفاق ، أو عن أوامر ~~الله تعالى ونواهيه ، ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت ، والفرح ~~بالآتي ، {فإن الله هو الغني الحميد} أي : غني عنه وعن أنفاقه ، محمود في ~~ذاته ، لا يضره إعراض من أعرض عن شكره ، بالتقرب إليه بشيء من نعمه. وفيه ~~تهديد وإشعار بأن الأمر بالإنفاق إنما هلو لمصحلة المنفق فقط. وقرأ ~~المدنيان وابن عامر بغير " هو " الذي يفيد الحصر ، اكتفاء عنها بتعريف ~~الجزأين ، مع تأكيد " إن " ، وقرأ الباقون بزيادتها ؛ للتنصيص على الحصر ~~والتأكيد ، وهو ضمير فصل عن البصريين ، أي : الفرق ؛ لأنه يفرق بين الخبر ~~والصفة ، وعماد عند الكوفيين ، ورابطة عند المنطقيين. PageV07P490 # الإشارة : ما أصاب من مصيبة في أرض البشرية ، من غلبة الطبع ، والميل إلى ~~الحظوظ النفسانية ، ولا في أنفسكم ؛ ولا في باطن أنفسكم ، مما يصيب القلب ~~من الأمراض ، كالعجب والرياء والكبر والحسد ، وغيرها ، وما يصيب الروح من ~~الوقوف مع المقامات ، أو الكرامات ، أو الكشوفات ، إلا في كتاب سابق ، وهو ~~العلم القديم ، والقضاء المحتوم ، فمن وافقته رياح القضاء نهض رغما عن أنفه ~~، ومن انتكبته نكس على عقبيه ، أو وقف عن سيره ، فالرجوع إلى الله واجب في ~~الحالتين ، عبودية وأدبا ، فعلنا ذلك لكيلا تأسوا على ما فاتكم. فمن تحقق ~~بالعبودية لا يفوته شيء ، ولا تفرحوا بما آتاكم مما شأنه يزول. قال القشيري ~~: هذه صفة المتحررين من رق النفس ، وقيمة الرجال إنما تتبين بتغيرهم ، فمن ~~لم يتغير بما يرد عليه مما لا يريده من جفاء أو مكروه أو محبة فهو كامل ، ~~ومن لم يتغير بالمضار ، ولا يسره الوجد ، كما لا يحزنه العدم ، فهو سيد ~~وقته. ه. قلت : وهذه كانت سيرة الصحابة رضي الله عنهم كما قال كعب بن زهير ~~في وصفهم : # لا يفرحون إذا نالت رماحهم # قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # ثم قال : ويقال : إذا أردت أن ms3028 تعرف الرجل فاطلبه عند الموارد ، والتغيرات ~~من علامات بقاء النفس بأي وجه كان. ه. وقال الورتجبي عن الواسطي : العارف ~~مستهلك في كنه المعروف ، فإذا حصل بمقام المعرفة لا يبقى عليه قصد فرح ولا ~~أسى ، قال الله تعالى : {لكيلا تأسوا...} الآية. ه. قلت : وإليه أشار في ~~الحكم بقوله : " ما تجده # 326 # القلوب من الأحزان فلما منعت من الشهود والعيان " ، وقال ابن الفارض ، في ~~شان الخمرة إذا دخلت القلب : # جزء : 7 رقم الصفحة : 325 # وإن خطرت يوما على خاطر امرىء # أقامت به الأفراح وارتحل الهم PageV07P491 ~~أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : " يا داود ، قل للصديقين : بي ~~فليفرحوا ، وبذكري فليتنعموا " واحتج الغزالي بهذه الآية على أن الرزق لا ~~يزيد بالطلب ، ولا ينقص بتركه ، ولو كان يزيد بالطلب وينقص بالترك لكان ~~للأسى والفرح موضع ، إذ هو قصر وتوانى حتى فاته ، وشمر وجد حتى حصله ، وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم للسائل : " ما لك ، لو لم تأتها لأتتك " ، ثم أورد ~~كون الثواب والعقاب مكتوبين ، ويزيد بالطلب وينقص بتركه ، ثم فرق بأن ~~المكتوب قسمان : قسم مكتوب مطلقا ، من غير شرط وتعليق بفعل العبد ، وهو ~~الأرزاق والآجال ، وقسم معلق بفعل العبد ، وهو الثواب والعقاب. ه. # قلت : في تفريقه نظر ، والحق : التفصيل في النظر ، فمن نظر لعالم الحكمة ~~، وهو عالم التشريع ، وجدهما معا مقيدين بفعل العبد ، أما الرزق الحسي ~~فيأتي بسبب الفعل ، إن توجه للأسباب ونقص من التقوى ، وبغير سبب إن تجرد من ~~الأسباب ، وحصل مقام التقوى ؛ لقوله تعالى : {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا...} [الطلاق : 2] الآية ، فالمتقي المنقطع إلى الله ناب الله عنه في ~~الفعل ، ومن نظر لعالم القدرة ، وهو عالم الحقيقة ، وجد الفعل كله من الله ~~بلا واسطة {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} وكذلك أمر الرزق المعنوي ، وهو ~~الطاعة واليقين ، التي يتربت عليهما الثواب والعقاب ، فمن نظر لعالم الحكمة ~~وجده مقيدا بسبب العبد واجتهاده ، وبها جاءت الشريعة ، ومن نظر لعالم ~~القدرة امتحى العبد ووجوده ، فضلا عن فعله وتسببه ، فتأمله. PageV07P492 # قوله تعالى : {والله لا يحب ms3029 كل مختال فخور} قال القشيري : لأن الاختيال من ~~بقاء النفس ، والفخر رؤية خطر ما به يفتخر. ه. {الذين يبخلون} بما عندهم من ~~الأرزاق الحسية والمعنوية ، والبخل بها علامة الفرح بها ، والوقوف معها ، ~~وأما من وصل إلى شهود معطيهما ومجريها فلا يبخل بشيء ؛ لغناه بالله عن كل ~~شيء ، ومن يتول عن هذا كله ، فإن الله الغني عنه وعن جميع الخلق ، المحمود ~~قبل وجود الخلق. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 325 # يقول الحق جل جلاله : {لقد أرسلنا رسلنا} من البشر {بالبينات} الحجج ~~والمعجزات ، أو : لقد أرسلنا الملائكة إلى الإنبياء ، والأنبياء إلى الأمم ~~، ويؤيده قوله تعالى : {وأنزلنا معهم الكتاب} أي : جنس الكتاب الشامل للكل ~~؛ لأن الكتاب من شأنه أن ينزل مع الملائكة ، ويجاب : بأن التقدير : وأنزلنا ~~عليه الكتاب مصحوبا معهم لا تفارقهم أحكامه ، {و} أنزلنا {الميزان} أي : ~~الشرع ؛ لأنه عيار الأحكام الصحيحة والفاسدة ، {ليقوم الناس بالقسط} أي : ~~العدل ، وقيل المراد : الميزان الحسي. روي أن جبريل عليه السلام نزل ~~بالميزان ، فدفعه إلى نوح عليه السلام ، وقال : " مر قومك يزنوا به ". ~~{وأنزلنا الحديد} قال ابن عباس : " نزل آدم من الجنة ومعه آلة الحدادين ، ~~خمسة أشياء : السندان ، والكلبتان ، والميقعة ، والمطرقة ، والإبرة ". أو : ~~{أنزلنا الحديد} أخرجناه من المعادن ، والمعادن تتكون من الماء النازل في ~~الأرض ، فينعقد في عروق المعادن ، وقيل : المراد به السلاح. PageV07P493 # وحاصل مضمن الآية : أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتاب ، فمن تبع طوعا نجا ، ومن ~~أعرض فقد أنزلنا الحديد يحارب به حتى يستقيم كرها. {فيه بأس شديد} أي : قوة ~~وشدة يتمنع بها ويحارب ، {ومنافع للناس} يستعملونه في أدواتهم ، فلا تجد ~~صنعة تستغني عن الحديد ، {وليعلم الله} علم ظهور {من ينصره ورسله} باستعمال ~~السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين ، {بالغيب} غائبا عنهم ~~في مقام الإيمان بالغيب ، {إن الله قوي عزيز} فيدفع بقوته من يعرض عن ملته ~~، وينصر بعزته من ينصر دينه ، فيقوى جأشه على الثبوت في مداحض الحرب. # جزء : 7 رقم الصفحة : 327 # قال النسفي : والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة : أن الكتاب قانون ~~الشريعة ms3030 ، ودستور الأحكام الدينية ، يبين سبيل المراشد والعهود ، ويتضمن ~~جوامع الأحكام والحدود ، ويأمر بالعدل والإحسان ، وينهى عن البغي والطغيان ~~، والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة بها يقع التعامل ، ويحصل بها التساوي ~~والتعادل ، وهي الميزان. ومن المعلوم : أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية ، ~~والآلة الموضوعة للتعامل بالتسوية ، إنما يحافظ العوام على اتباعها # 328 # بالسيف ، الذي هو حجة الله على من جحد وعند ، ونزع من صفقة الجماعة اليد ~~، وهو الحديد ، الذي وصف بالبأس الشديد. ه. # {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم} خصا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء عليهم ~~السلام {وجعلنا في ذريتهما} أولادهما {النبوة} الوحي {والكتاب} جنس الكتاب. ~~وعن ابن عباس : " الخط بالقلم ". يقال : كتب كتابا وكتابة. {فمنهم} من ~~الذرية ، أو : من المرسل إليهم ، المدلول عليه من الإرسال ، {مهتد} إلى ~~الحق ، {وكثير منهم فاسقون} خارجون عن الطريق المستقيم ، والعدول عن سبيل ~~المقابلة للمبالغة في الذم ، والإيذان بكثرة الضلال والفساق. PageV07P494 # {ثم قفينا على آثارهم} أي : نوح وإبراهيم ، ومن مضى من الأنبياء ، أو : من ~~عاصروهم من الرسل ، {برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم} أي : أرسلنا رسولا بعد ~~رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم. والتقفية : من القفا ، كأن كل واحد جاء ~~في قفا صاحبه من ورائه ، {وآتيناه} أي : عيسى {الإنجيل} وفيه لغتان كسر ~~الهمزة وفتحه ، وهو عجمي لا يلزم فيه أبنية العرب ، {وجعلنا في قلوب الذين ~~ابتعوه} وهم النصارى {رأفة} مودة ولينا ، {ورحمة} تعطفا على إخوانهم ، وهذا ~~ظاهر في النصارى دون اليهود ، فأتباع عيسى أولا كانوا الحواريين ، وطائفة ~~من اليهود ، وكفرت به الطائفة الباقية ، فالنصارى أشياع الحواريين ، فما ~~زالت الرحمة فيهم ، وأما اليهود فقلوبهم أقسى من الحجر. {ورهبانية ~~ابتدعوها} من باب الاشتغال ، أي : وابتدعوا رهبانية ابتدعوها من عند ~~أنفسهم. أو : معطوفة على ما قبلها ، أي : وجعلنا في قلوبهم رهبانية مبتدعة ~~من عندهم ، أي : وقفيناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهابنية واستحداثها ، ~~وهي : المبالغة في الرهبة بالعبادة ، والانقطاع عن الناس ، وهي منسوبة إلى ~~الرهبان ، وهو الخائف ، فعلان من : رهب ، كخشيان ، من خشي. وقرئ بضم الراء ~~، نسبة إلى الرهبان جمع راهب ، كراكب وركبان. وسبب ms3031 ابتداعهم إياها : أن ~~الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى عليه السلام ، فقاتلوهم ثلاث ~~مرات ، فقتل المؤمنون حتى لم يبق منهم إلا القليل ، فخافوا أن يفتونهم في ~~دينهم ، فاختاروا الرهبانية في قلل الجبال ، فارين بدينهم ، مختلصين ~~أنفسهم. انظر الثعلبي فقد نقله حديثا. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 327 PageV07P495 ~~ما كتبناها عليهم} أي : لم نفرضها عليهم ، ولكن نذروها على أنفسهم. ما ~~فعلوا ذلك {إلا ابتغاء رضوان الله} عليهم ، قيل : الاستثناء منقطع ، أي : ~~ما كتبناها عليهم لكن فعلوها ابتغاء رضوان الله ، وقيل : متصل من أعم ~~الأحوال ، أي : ما كتبناها عليهم في حال من الأحوال إلا ابتغاء الرضوان ، ~~{فما رعوها حق رعايتها} كما يجب على الناذر رعاية نذره ؛ لأنه عهد مع الله ~~، لا يحل نكثه ، وقيل : في حق من أدرك البعثة فلم يؤمن بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم أي : فما رعوا تلك الرهبانية حقها ، حيث لم يؤمنوا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ، ويؤيده قوله تعالى : {فآتينا الذين آمنوا منهم} إيمانا ~~صحيحا ، وهو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم {أجرهم} ما # 329 # يخصهم من الأجر ، {وكثير منهم فاسقون} خارجون عن حد الاتباع ، كافرون ~~بالله ورسوله. PageV07P496 # الإشارة : كل زمان يبعث الله رسلا يدعون إلى الله ، وهم الأولياء العارفون ~~، خلفاء الرسل ، بالبينات الواضحة على ولايتهم ، لمن سبقت له العناية ، ~~وأنزلنا معهم الكتاب ، أي : الواردات الإلهية ، والميزان ، وهو إلهام ~~اصطلاح التربية المناسبة لذلك الزمان ، فيزن بها أحوال المريدين ، ويعطي كل ~~واحد ما يناسبه من الأوراد ، والأعمال ، والأحوال ، ليقوم الناس في أنفسهم ~~بالقسط ، من غير إفراط ولا تفريط ، وأنزلنا الحديد ، إشارة إلى الجذب ، ~~الذي في قلوب العارفين ، فيه بأس شديد ، يذهب العقول ، ومنافع للناس ، لأنه ~~هو النور الذي يمشي به الولي في الناس ، إذ بذلك الجذب يجذب قلوب المريدين ~~، ومن لم يكن له ذلك الجذب ، فلا يصلح للتربية ؛ لأنه ظاهري محض ، ولا بد ~~لهذا الجذب أن يصحبه سلوك في الظاهر ، وإلا فلا يصلح أيضا للتربية ~~كالمصطلمين. خص هذا النور بأوليائه ليعلم من ينصر دينه وسنة رسوله منهم ، ~~بالغيب ، أي ms3032 : مع غيب المشيئة عنهم ، فهم يجتهدون في نصر الدين ، وينظرون ~~ما يفعل الله ، وما سبق به القدر ، وأما أمر الربوبية فهم في مقام العيان ~~منها ، إن الله قوي ، يقوي قلوب المتوجهين ، عزيز يعز من يجتهد في نصر الدين. PageV07P497 # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ، خص هذين الرسولين ؛ لأن نوحا عليه السلام كان ~~في غاية القوة والشدة ، وإبراهيم كان في غاية الليونة ، وهكذا أولياء كل ~~زمان ، بعضهم يميل للقوة جدا ، وبعضهم يميل للرطوبة ، فإذا أراد الله أن ~~يظهر طريقة أملة جعل فيها هذين الضدين ، من الأولياء من يميل لليونة ومن ~~يميل للقوة ، ليعتدل الأمر في الوجود ، فإن انفرد صاحب القوة احترق الوجود ~~، أو غرق ، كما جرى في زمان نوح عليه السلام ، حين انفرد بالقوة ، وإن ~~انفرد صاحب الليونة وقعت برودة في الدين ، كما وقع في زمن إبراهيم عليه ~~السلام إذ لم تكن أمته كثيرة ، ولما اجتمعا في زمان موسى كثرت أتباعه ؛ لأن ~~موسى عليه السلام كان قويا ، وهارون كان لينا ، فكثرت أتباعه. وعظمت هذه ~~المة المحمدية لدوام اجتماعهما في أمته ، فكان عليه الصلاة والسلام سهلا ~~لينا ، وكان في مقابلته عمر من وزرائه قويا صلبا في دين الله ، ثم استخلف ~~أبو بكر على قدم الرسول صلى الله عليه وسلم فقابله عمر رضي الله عنه ، فلما ~~استخلف عمر ولان ؛ قابله علي رضي الله عنه ، وهكذا كل طائفة كثرت أتباعها ~~تجد فيها هذين الضدين. سبحان المدبر الحكيم ، الجامع للأضداد. # جزء : 7 رقم الصفحة : 327 # وقوله تعالى : {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} هي صفة المريدين ~~المتوجهين ، ورهبانية هذه الأمة : المساجد والزوايا ، كما في الحديث. وليس من شأن # 330 PageV07P498 ~~العارفين الانفراد في الجبال والفيافي ، إنما شأنهم خلط الناس وإرشادهم. ~~قال الورتجبي : وصف الله تعالى هنا أهل السنة وأهل البدعة ، أهل السنة : ~~أهل الرحمة والرأفة ، وأهل البدعة : أهل الرهبانية المبتدعة من أنفسهم. وصف ~~الله قلوب المتمسكين بسنة الأنبياء بالمودة والشفقة في دينه ومتابعة رسله ، ~~فتلك المودة من مودة الله إياهم ، وتلك الرحمة من رحمة الله عليهم ، حيث ms3033 ~~اختارهم في الأزل ؛ لأنهم خلفاء الأنبياء ، وقادة الأمة ، ووصف المتكلفين ~~الذي ابتدعوا رهبانية من أنفسهم ، مثل ترك أكل اللحم ، والجلوس في الزوايا ~~للأربعين ، عن الإتيان إلى الجمعة والجماعات ، لأجل قبول العامة ، فإنهم ~~ليسوا على الطريق المستقيم ، بل هم يتبعون شياطينهم ، الذي غوتهم في دينهم ~~، بل زينوا في قلوبهم المحالات والمزخافات ، وما كتبنا عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله ، ورضوان الله هو في الشريعة والطريقة الأحمدية صلى الله عليه ~~وسلم. ه. وقوله : " الأربعين " كان العباد ينذرون خلوة أربعين يوما ، ~~فيتخلفون عن الجمعة والجماعة ، والأمر كما قيل : إذا ثبت عدالة المرء ~~فليترك وما فعل ، فهو أسلم. والله تعالى أعلم. # جزء : 7 رقم الصفحة : 327 PageV07P499 ~~يقول الحق جل جلاله : {يأيها الذين آمنوا} بالرسل المتقدمة {اتقوا الله} أي ~~: خافوه {وآمنوا برسوله} محمد صلى الله عليه وسلم ، المذكور في كتابكم ، ~~{يؤتكم كفلين} نصيبين {من رحمته} لإيمانكم بالرسول صلى الله عليه وسلم وبمن ~~قبله ، لكن لا بمعنى أن شريعتهم باقية بعد البعثة ، بل على أنها كانت حقا ~~قبل النسخ ، وإنما أعطى من آمن بنبينا كفلين مع بطلان شريعته ، لصعوبة ~~الخروج عن الإلف والعادة ، {ويجعل لكم نورا تمشون به} يوم القيامة ، كما ~~سبق للمؤمنين في قوله : {يسعى نورهم...} [الحديد : 12] الخ ، {ويغفر لكم} ~~ما أسلفتم من الكفر والمعاصي ، {والله غفور رحيم} ويؤيد هذا التأويل وأن ~~الخطاب لأهل الكتاب : قوله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ~~: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي... " الحديث. وقيل : الخطاب ~~للمؤمنين ، أي : يأيها الذين آمنوا اتقوا الله فيما نهاكم عنه ، ودوموا على ~~إيمانكم ، يؤتكم كفلين...الخ ، ويؤيد هذا حديث الصحيحين : " مثل أهل الكتاب ~~قبلنا كمثل رجل استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط قيراط ، فعملت اليهود # 331 PageV07P500 ~~إلى نصف النهار ، ثم عجزوا ، ثم عملت النصارى إلى العصر ، فعجزوا ، ثم ~~عملتم إلى الليل ، فاستوفيتم أجر الفريقين ، فقيل : ما شأن هؤلاء أقل عملا ~~وأعظم أجرا ؟ فقال : هي ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : ذلك فضلي ~~أوتيه من أشاء ". قيل : لما نزل قوله : {أولئك ms3034 يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا} افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزل. ~~{يا أيها الذين آمنوا...} الخ. ولما نزلت هذه الآية الكريمة في هذا الوعد ~~الكريم للمؤمنين حسدتهم اليهود ، فأنزل الله : {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا ~~يقدرون على شيء...} الخ ، أي : إنما خصصت المسلمين بذلك ليعلم أهل الكتاب ~~أنه ، أي : الأمر والشأن لا يملكون فضل الله ، ولا يدخل تحت قدرتهم ، ف " ~~إن " مخففة ، واسمها : ضمير الشأن ، و(لا) مزيدة ، أي : ليعلم أهل الكتاب ~~أنه لا يقدرون {على شيء من فضل الله} ولا يملكونه ، حتى يخصوا به من شاؤوا ~~، {و} ليعلموا أيضا {أن الفضل بيد الله} في ملكه وتصرفه ، {يؤتيه من يشاء} ~~من عباده {والله ذو الفضل العظيم} لا نهاية لفضله. وعلى أن الخطاب لأهل ~~الكتاب يكون قوله : {لئلا يعلم أهل الكتاب} أي : من لم يؤمن منهم ، فيكون ~~راجعا لمضمون الجملة الطلبية ، المتضمنة لمعنى الشرط ، أي : {يا أيها الذين ~~آمنوا} بموسى وعيسى {اتقوا الله وآمنوا برسوله} فإن فعلتم ذلك {يؤتكم كفلين ~~من رحمته...} الخ ، وإنما جعلت هذا لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ~~ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا به أنهم لا يملكون من فضل الله شيئا ، ~~وأن الفضل بيد الله... الخ. # جزء : 7 رقم الصفحة : 331 # الإشارة : تنسحب هذه الآية من طريق الإشارة على من كانت في أسلافه خصوصية ~~ولاية ، أو صلاح ، أو شرف علم أو رئاسة ما ، ثم ظهرت التربية الحقيقية في ~~غير أسلافه ، فإن حط رأسه وصدق بالخصوصية لغيره أعطي أجره مرتين ، وعظم ~~قدره في مقام الولاية ، وإنما كانت تنتقل دولة الولاية ؛ ليعلم أهل ~~الخصوصية المتقدمة أن الفضل بيد الله ، يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل ~~العظيم. والله الموفق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله ~~على سيدنا محمد ، وآله وصحبه ، وسلم. # 332 # جزء : 7 رقم الصفحة : 331 PageV07P501 ### | AUTO سورة المجادلة # جزء : 7 رقم الصفحة : 332 # يقول الحق جل جلاله : {قد سمع الله قول التي تجادلك} وهي خولة ، {في ~~زوجها} ms3035 أوس ، أي : تراجعك الكلام في شانه ، وفيما صدر منه صدر منه في حقها ~~من الظهار ، أو تسألك وتستفيتك. وقال الكواشي : " قد سمع " أي : علم وأجاب ~~قولها ، أي : دعاءها. وفي " قد " هنا معنى التوق ؛ لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمرأة كانا يتوقعان أن ينزل الله في مجادلتهما ما يفرج الله به ~~عنهما. ه. وقال الفخر : هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه من الخلق ، ~~ولم يبق له في مهمه أحد إلا الخالق ، كفاه الله ذلك المهم. وقال القشيري : ~~لما صدقت في شكواها إلى الله ، وأيست من كشف ضرها من غير الله ، أنزل الله # 333 # في شأنها : {قد سمع الله...} ويقال : صارت قصتها فرجة ورحمة للمؤمنين إلى ~~يوم القيامة ، في قضية الظهار ، ليعلم العالمون أنه لا يخسر على الله أحد. ه. # ولما نزلت السورة بإثر الشكوى ، قالت عائشة رضي الله عنها : " ما أسمع ~~الله " تعجبا من سرعة نزولها. PageV07P502 # {وتشتكي إلى الله} أي : تتضرع إليه ، وتظهر ما بها من الكرب ، {والله يسمع ~~تحاوركما} مراجعتكما الكلام ، من : حاور إذا رجع. وصيغة المضارع للدلالة ~~على استمرار السمع ، حسب استمرار التحاور وتجدده ، وفي نظمها في سلك الخطاب ~~تشريف لها. والجملة استئناف ، جار مجرى التعليل لما قبله ، فإن إلحافها في ~~المسألة ، ومبالغتها في التضرع إلى الله تعالى ، ومدافعته صلى الله عليه ~~وسلم إياها ، منبئ عن التوقف وترقب الوحي ، وعلمه تعالى بحالهما من دواعي ~~الإجابة ، أي : قد سمع قول المرأة وأجاب طلبتها ؛ لأنه يسمع تحاوركما. وقيل ~~: هو حال ، وهو بعيد. {إن الله سميع بصير} تعليل لما قبله ، أي : مبالغ في ~~العلم بالمسموعات والمبصرات ، ومن قضيته : أن يسمع تحاوركما ، ويرى ما ~~يقارنه من الهيئات ، التي من جملتها : رفع رأسها إلى السماء ، وإثارة ~~التضرع ، وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة ، وتعليل الحكم ~~بوصف الألوهية ، وتأكيد الجملتين. # الإشارة : قد سمع الله قول الروح ، التي تجادل في شأن القلب ؛ لأنه مقرها ~~ومسكنها ، إن صلح صلحت ، وإن فسد بحب الدنيا ومتابعة الهوى ، فسدت ، فهي ~~تجادل رسول الإلهام وتشتكي إلى ms3036 الله من القلب الفاسد ، والله يسمع تحاورهما ~~وتضرعها إن صدقت في طلب الحق ، فيجيب دعاءها ، ويقيض لها طبيبا يعالجه ، ~~حتى ترجع لأصلها منه ، إن الله سميع بصير. # جزء : 7 رقم الصفحة : 333 # يقول الحق جل جلاله : {والذين يظهرون} وأصله : يتظهرون ، فأدمغت التاء في ~~الظاء ، وقرأ عاصم : بضم الياء وتخفيف الظاء ، مضارع ظاهر ؛ لأن كل واحد يباعد # 332 PageV07P503 ~~صاحبه ، وقرأ ابن عامر والأخوان وأبو جعفر وخلف بفتح الياء وشد الظاء بالمد ~~، مضارع " تظاهر " ، والحاصل في فعل الظهار ثلاث لغات : ظاهر وتظاهر وتظهر ~~، مأخذة من الظهر ؛ لأنه يشبه امرأته بظهر أمه ، ولا مفهوم للظهر ، بل كل ~~جزء منها مثل الظهر. وفي قوله : {منكم} توبيخ للعرب ، لأنه كان من أيمان ~~الجاهلية خاصة ، دون سائر الأمم ، {من نسائهم} من زوجاتهم ، {ما هن ~~أمهاتهم} : خبر الموصول ، أي : ليسوا بأمهاتهم حقيقة ، فهو كذب محض ، {إن ~~أمهاتهم} حقيقة {إلا اللائي ولدنهم} من بطونهن ، فلا تشبه بهن في الحرمة ~~إلا من ألحقها الشرع بهن من المرضعات وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فيدخلن بذلك في حكم الأمهات ، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة. {وزورا} ~~كذبا باطلا ، منحرفا عن الحق ، {وإن الله لعفو غفور} لما سلف منهم. PageV07P504 # ثم ذكر الحكم بعد بيان إنكاره ، فقال : {والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون ~~لما قالوا} أي : والذين يقولون ذلك القول المنكر ، ثم يعودون إلى ما قالوا ~~بالتدارك والتلافي ورفع التضرر ، أو : لنقيض ما قالوا : قال ابن جزي : في ~~معنى العود ستة أقوال : الأول : إيقاع الظهار في الإسلام ، فالمعنى أنهم ~~كانوا يظاهرون في الجاهلية ، فإذا فعلوه في الإسلام فذلك عود إليه ، هذا ~~قول ابن قتيبة ، فتجب الكفارة عنده بنفس الظهار ، بخلاف أقوال غيره ، فإن ~~الكفارة لا تجب إلا بالظهار والعود معا. القول الثاني : إن العود هو وطء ~~الزوجة ، روي ذلك عن مالك ، فلا تجب الكفارة على هذا حتى يطأ ، فإذا وطئها ~~وجبت عليه الكفارة ، أمسك الزوجة أو طلقها ، أو ماتت. الثالث : إن العود هو ~~العزم على الوطء ، وروي هذا أيضا عن مالك ، فإذا ms3037 عزم على الوطء وجبت ~~الكفارة ، أمسك ، أو طلق ، أو ماتت. الرابع : إن العود هو العزم على الوطء ~~والإمساك ، وهذا أصح الروايات عن مالك. الخامس : إنه العزم على الإمساك ~~خاصة ، وهذا مذهب الشافعي ، فإذا ظاهر ولم يطلقها بعد الظهار لزمته ~~الكفارة. السادس : إنه تكرار الظهار مرة أخرى ، وهذا مذهب الظاهرية ، وهو ~~ضعيف ، لأنهم لا يرون الظهار موجبا حكما في أول مرة ، وإنما يوجبه في ~~الثانية ، وإنما نزلت فيما ظاهر أول مرة ، فذلك يرد عليهم ، ويختلف معنى " ~~لما قالوه " باختلاف هذه الأقوال ، فالمعنى : يعودون للوطء الذي حرموه ، أو ~~للعزم عليه ، أو للإمساك الذي تركوه ، أو للعزم عليه. ه. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 332 PageV07P505 ~~فتحرير رقبة} أي : فتداركه ، أو فعليه ، أو فالواجب تحرير رقبة. واشترط ~~مالك والشافعي أن تكون مؤمنة ، حملا للمطلق على المقيد ؛ لأنه قيدها في ~~القتل بالإيمان ، والفاء للسببية ، ومن فوائدها : الدلالة على تكرر وجوب ~~التحرير بتكرر الظهار. {من قبل أن يتماسا} أي : المظاهر والمظاهر منها ، ~~ومذهب مالك والجمهور : أن المس هنا يراد به الوطء ، وما دونه من اللمس ~~والقبلة ، فلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئا من ذلك حتى # 335 # يكفر ، فإن فعل شيئا من ذلك تاب ولا يعود. وقال الحسن والثوري : أراد ~~الوطء خاصة ، فأباحا ما دونه من قبل الكفارة. {ذلكم} الحكم {توعظون به} لأن ~~الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية ، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى ~~لا تعودوا إلى الظهار ، وتخافوا عقاب الله عليه ، {والله بما تعملون خبير} ~~مطلع على ما ظهر من أعمالكم ، التي من جملتها الظاهر. # {فمن لم يجد} الرقبة {فصيام شهرين} أي : فعليه صيام شهرين {متتابعين من ~~قبل أن يتماسا} فإن أفسده باختياره من أوله باتفاق ، وإن أفسده بعذر ، كمرض ~~أو نسيان ، فقال مالك : يبني على ما كان معه ، في رواية عنه ، وقال أبو ~~حنيفة : يبتدئ ، وروي القولان عن الشافعي. {فمن لا يستطع} الصيام {فإطعام ~~ستين مسكينا} بمد هشام على مذهب مالك. واختلف في قدره ، فقيل : إنه مدان ~~غير ثلث بمد النبي صلى الله عليه وسلم ms3038 وقيل : إنه مد وثلث ، وقيل : إنه ~~مدان ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال الشافعي وابن القصار : يطعم مدا بمد النبي ~~صلى الله عليه وسلم لكل مسكين ، ولا يجزئه إلا كمال الستين ، فإن أطعم ~~مسكينا واحدا ستين يوما لم يجزه عند مالك والشافعي ، خلافا لأبي حنيفة ، ~~وكذلك إن أطعم ثلاثين مرتين ، والطعام يكون من غالب قوت البلد. PageV07P506 # وذكر الحق جل جلاله : {من قبل أن يتماسا} في العتق والصوم ، ولم يذكره في ~~الإطعام ، فاختلف العلماء في ذلك ، فحمل مالك الإطعام على ما قبله ، ورأى ~~أنه لا يكون إلا قبل المسيس ، وجعل ذلك من المطلق الذي يحمل على المقيد. ~~وقال ابو حنيفة : يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة ~~؛ لأن الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسيس ، وقال الشافعي : يجب تقديمه ~~على المسيس ، لكن لا يستانف إن مس في حال الإطعام. وجعل الأطعام. وجعل الحق ~~جل جلاله كفارة الظهار مرتبة ، فلا ينتقل عن الأول حتى يعجز عنه ، ومثلها ~~كفارة القتل والتمتع ، وقد نظم بعضهم أنواع الكفارات ، ما فيه الترتيب وما ~~فيه التخيير ، فقال : # جزء : 7 رقم الصفحة : 332 # خير بصوم ثم صيد وأذى # وقل لكل خصلة يا حبذا # ورتب الظهار والتمتعا # والقتل ثم في اليمين اجتمعا # {ذلك لتؤمنوا} الإشارة إلى ما مر من البيان والتعليم للأحكام ، ومحله رفع ~~أو نصب ، أي : ذلك واقع ، أو فصلنا ذلك لتؤمنوا {بالله ورسوله} وتعملوا ~~بشرائعه التي شرعها لكم ، وترفضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم ، {وتلك} أي : ~~الأحكام التي وصفنا في الظهار والكفارة ، {حدود الله} التي لا يجوز تعديها ~~، {وللكافرين} أي : الذين لا يعملون بها {عذاب أليم} عبر عنه بالكفر تغليظا ~~على طريق : {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران : 97]. # 336 PageV07P507 ~~الإشارة : الذين يباعدون من أنفسهم ، فيحرمون عليها التمتع بما أحل الله من ~~الطيبات ، تضييقا وتشديدا عليها ، مفرطين في ذلك ، محتجين لذلك بأنهم كانوا ~~في بطن الشهوات ، فقد ملكتهم ملك الأم لولدها ، قال تعالى : " ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ms3039 ، وإنهم ليقولون منكرا من القول ~~وزورا " حيث حرموا ما أحل الله ، والمراد بذلك الإفراط المؤدي إلى التلف. ~~قال القشيري : لأن النفس مطية الروح ، فلا تسلك طريق السير إلا بها ، وهي ~~مددها ومعونتها ، كما قال عليه السلام : " إن لنفسك عليك حقا " فلا بد ~~للروح من مسامحة النفس ومداراتها في بضع الأوقات ، لتميل النفس إلى تصرفها ~~وحكمها فيها ، وإلا ضعفت وكلت عن موافقتها ، فتنقطع الروح عن السلوك إلى ~~الله.ه. قلت : وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يكن أحدكم ~~كالمنبت ، لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى " {وإن الله لعفو غفور} لمن وقع له ~~شيء من هذا ورجع. PageV07P508 # والذين يظاهرون من نسائهم ، يباعدون من أنفسهم ، ثم يعودون إلى الترفق بها ~~والاستمتاع بما أحل الله لها ، فكفارته تحرير رقبة من ملك الشهوة ، فلا ~~يتناول شيئا من المباحات الطيبة ، إلا بنية التقرب إلى الله والشكر ، لا ~~بنية مجرد الاستمتاع ، ولا يتناول من الشهوات التي شرهت إليها النفس ، ~~وحرصت على تحصيلها قبل حصولها ، شيئا قط ، فإن لم يقدر عليها على هذا النمط ~~، فعليه صيام شهرين أو أكثر ، مجاهدة ورياضة ، حتى تقف على حد الضرورة ، ~~فإن لم يتسطع فإطعام ستين مسكينا أو أكثر ، بكل ما يدخل عليه من الحظوظ. ~~وقال القشيري : وإن لم يقدر على تحرير رقبته على هذا الارتباط ؛ فيجب على ~~الروح أن تصوم شهرين متتابين ، يعني يمسك نفسه عن الالتفات إلى الكونين على ~~الدوام والاستمرار ، من غير تخلل التفات ، وإن لم يتمكن من قطع هذا ~~الالتفات ، لبقية من بقايا أنانيته ، فيجب عليه إطعام ستين مسكينا من ~~مساكين القوى الروحانية ، المستهلك لسلطنة النفس وصفاتها ، ليقيمهم على ~~التخلق بالأخلاق الإلهية ، والتحقق بالصفات الروحانية ، ه. ذلك لتؤمنوا ~~بالله ورسوله الإيمان الكامل ، وتلك حدود الله لا يجوز تعديها بالأهوية ~~والبدع ، وللكافرين لهذه الحكم عذاب البعد ونار القطيعة ، المؤلم للروح ~~والقلب ، بغم الحجاب وسوء الحساب. # جزء : 7 رقم الصفحة : 332 PageV07P509 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يحادون الله ورسوله} أي : يعادونهما ~~ويشاقونهما ؛ فإن كلا من المتعادين في عدوة وشق ms3040 غير الآخر ، وكذلك يكون كل ~~واحد منهما في حد غير حد الآخر ، غير أن لذكر المحادة هنا لما ذكر حدود ~~الله من حسن الموقع ما لا غاية وراءه. ثم أخبر عنهم فقال : {كبتوا} أي : ~~أخذوا وأهلكوا ، أو : لعنوا {كما كبت الذين من قبلهم} من كفار الأمم ~~الماضية المعادين للرسل عليهم السلام. وقال القشيري : يحادون : يخالفون أمر ~~الله ، ويتركون طاعة رسول الله ، أذلوا وأخزوا كما أذل من قبلهم من الكفار ~~والعصاة. نزلت في المستهزئين يوم ا لخندق ، إذ الله أجرى سنته بالانتقام من ~~أهل الإجرام ، ومن ضيع لرسول الله سنة واحدة في دينه ببدعة انخرط في سلك ~~هذا الخزي ، ووقع في هذا الذل. ه. وقال ابن عطية : الآية نزلت في المنافقين ~~واليهود ، وكانوا يتربصون بالرسول والمؤمنين الدوائر ، ويتمنون فيهم ~~المكروه ، ويتناجون بذلك. ه. # {وقد أنزلنا آيات بينات} : حال من ضمير " كبتوا " أي : كبتوا بمحادتهم ، ~~والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله ورسوله ، ممن قبلهم من ~~الأمم وفيما فعلنا بهم ، أو : آيات على صدق الرسول وصحة ما جاء به ، ~~{وللكافرين} بهذه الآيات ، أو : بكل ما يجب الإيمان به ، فيدخل فيه تلك ~~الآيات دخولا أوليا ، {عذاب مهين} يذهب بعزهم وكبرهم. PageV07P510 # واذكر {يوم يبعثهم الله جميعا} أو : لهم ذلك العذاب {يوم يبعثهم الله ~~جميعا} أي : لا يترك أحدا منهم ، أو مجتمعين في حال واحد وصعيد واحد ، ~~{فينبئهم بما عملوا} من القبائح ، تخجيلا لهم ، وتشهيرا لحالهم ، وتشديدا ~~لعذابهم ، فيتمنون حينئذ المسارعة إلى النار ، لما يلحقهم من الخزي على ~~رؤوس الأشهاد ، {أحصاه الله} أحاط به عددا ، لم يفته منه شيء ، والجملة ~~استئناف بياني ، كأنه قيل : كيف ينبئهم بما عملوا ، وهي أعراض منقضية ~~متلاشية ، فقيل : {أحصاه الله ونسوه} أي : قد نسوه لأنهم تهاونوا به حين ~~ارتكبوه وإنما تحفظ معظمات الأمور. وهو حال أيضا. {والله على كل شيء شهيد} ~~لا يغيب عنه شيء. والجملة اعتراض تذييلي ، مقررة لإحصائه تعالى. # جزء : 7 رقم الصفحة : 337 # ثم استشهد على شمول شهادته تعالى ، فقال : {ألم تر أن الله يعلم ms3041 ما في ~~السماوات وما في الأرض} فهو كقوله تعالى : {ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم فى ~~ربه} [البقرة : 258] ، {ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون} [الشعراء : 225] أي ~~: ألم تعلم علما مزاحما # 338 PageV07P511 ~~للمشاهدة أن الله يعلم ما استقر في السماوات وما في الأرض من الموجودات ، ~~{ما يكون من نجوى ثلاثة} : استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه تعالى ، ~~ومبين لكيفيته ، و" كان " تامة ، أي : ما يقع من تناجي ثلاثة نفر في ~~مساررتهم {إلا هو} أي : الله تعالى {رابعهم} أي : جاعلهم أربعة من حيث إنه ~~تعالى يشاركهم في الاطلاع عليها ، {ولا خمسة} أي : ولا نجوى خمسة {إلا هو ~~سادسهم ولا أدنى} ولا أقل {من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} يعلم ما يتناجون ~~به ، فلا يخفى عليهم ما هم فيه. وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة ، فإن ~~الآية نزلت في المنافقين ، وكانوا يتناجون مغايظة للمؤمنين على هذين ~~العددين ، وقيل : المعنى : ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من ~~عددهم ولا أكثر ، إلا والله معهم ، يسمع ما يقولون ، ولأن أهل التناجي في ~~العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب ، وأول عددهم الاثنان فصاعدا ، إلى ~~خمسة ، إلى ستة ، إلى ما اقتضته الحال ، فذكر عز وجل الثلاثة والخمسة ، ~~وقال : {ولا أدنى من ذلك} فدل على الاثنين والأربعة ، وقال : {ولا أكثر} ~~فدل على ما فوق هذا العدد. قاله النسفي. # {ثم ينبئهم} يخبرهم {بما عملوا} تفضيحا وإظهارا لما يوجب عذابهم. {إن ~~الله بكل شيء عليم} لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل سواء ، فلا يخلو ~~منه زمان ولا مكان. PageV07P512 # الإشارة : في الحديث : " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " فمن حاد ~~أولياء الله فقد حاد الله ورسوله ، فيكبت كما كبت من قبله ممن اشتغل ~~بإذايتهم ، وقد أنزلنا آيات واضحات على ثبوت الولاية في كل زمان ، قال ~~تعالى : {ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منهآ أو مثلها} [البقرة : 106] ~~، وللكافرين الجاحدين لخصوصيتهم عذاب مهين ، وهو البعد والطرد وغم الحجاب ~~وسوء الحساب. يوم يبعثهم الله جميعا ، أي : أهل ms3042 الإنكار ، فينبئهم بما ~~عملوا من الانتقاد والإذاية ، أحصاه الله ونسوه ، لأنهم يعتقدون أنهم في ~~ذلك على صواب ؛ لجهلهم المركب ، فإذا تناجوا في شأنهم بما يسؤوهم فيقال في ~~حقهم : {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم...} الآية. قال القشيري : {إن ~~الذين يحادون الله ورسوله} ، يعني : يحادون مظاهر الله ، وهم الأولياء ~~المحققون ، العارفون القائمون بأسرار الحقائق ، ومظاهر رسول الله ، وهم ~~العلماء العاملون ، القائمون بأحكام الشرائع ، كبتوا : أفحموا بالحجج ~~وإظهار البراهين من الكرامات الظاهرة ، وخرق العادات الباهرة ، أو نشر ~~العلوم الشريعة ، ونشر الأحكام الفرعية ، وقد أنزلنا بصحة ولايتهم ، وقوة ~~وراثتهم ، علامات ظاهرة ، ودلالات زاهرة ، من المشاهدات والمعاينات ، أو ~~الحجج القاطعة # 339 # والبراهين الساطعة ، ومن ستر أنوار ولايتهم ، وآثار وراثتهم ، بساتر ~~إنكاره ، فله عذاب القطيعة والفضيحة مع إهانة من غير إبانة ه. ببعض البيان. # جزء : 7 رقم الصفحة : 337 PageV07P513 ~~قال الورتجبي : قوله تعالى : {إلا هو معهم} المعية بالعلم عموم ، وبالقرب ~~خصوص ، والقرب بالعلم عموم ، وبظهور التجلي خصوص ، وذلك دنو {دنا فتدلى ~~فكان قاب قوسين أو أدنى} ، فإذا ارتفع الأين والبين والمكان والجهات ، ~~واتصل أنوار كشوف الذات والصفات بالعارف ، فذلك حقيقة المعية ، إذ هو ~~سبحانه منزه عن الانفصال والاتصال بالحدث. ولو ترى أهل النجوى ، الذين ~~مجالستهم لله وفي الله ، لترى من وجوههم أنوار المعية ، أين أنت من العلم ~~الظاهر ، الذي يدل على الرسوم. ألم تعلم أن علمه تعالى أزلي ، وبالعلم ~~يتجلى للمعلومات ، فالصفات شاملة على الأفعال ، ظاهرة من مشاهد الملعومات ، ~~فإذا كان الذرات لا تخلو من قرب الصفات ، كيف تخلو عن قرب الذات الأرواح ~~العالية المقدسة العاشقة المستغرقة في بحر وجوده ، لا تظن في حقي أني جاهل ~~بأن القديم لا يكون محل للحوادث ، فإنه حديث المحدثين ، أعبر من هذا البحر ~~حتى لا تجد الحدثان ولا الإنسان في مشاهدة الرحمان ه. # قلت : وحاصل كلامه : أن المعية بالعلم تستلزم المعية بالذات ، إذا الصفة ~~لا تفارق الموصوف ، وإن بحر الذات اللطيف محيط بالكثيف منه من غير انفصال ، ~~وأما كون القديم لا يكون محل الحوادث فصحيح ، لكن الحوادث ms3043 عندنا فانية ~~متلاشية ، إذ ما ثم إلا تلوينات الخمرة الأزلية ، وقد قال الجنيد : " إذا ~~قرن الحادث بالقديم تلاشى الحادث وبقي القديم " ، فاعبر عن عالم الحس إلى ~~بحر المعاني ، حتى لا تجد إلا القديم الأزلي ، فافهم وسلم. # إن لم تر الهلال فسلم # لأناس رأوه بالأبصار # جزء : 7 رقم الصفحة : 337 PageV07P514 ~~يقول الحق جل جلاله : {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لنما ~~نهوا عنه} نزلت في اليهود والمنافقين ، كانوا يتناجون فيما بينهم ، ~~ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين ، يريدون أن يغيظوهم ، فنهاهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فعادوا لمثل فعلهم. والخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. والهمزة للتعجيب من حالهم ، وصيغة المضارع للدلالة على تكرير ~~عودهم وتجدده ، واستحضار صورته العجيبة. وفي السير : أنه أمر بإخراجهم من ~~المسجد ، # 340 # فأخرجوا مجرورين ، كما في الاكتفاء. {ويتناجون بالإثم والعدوان} أي : بما ~~هو إثم في نفسه وعدوان للمؤمنين ، {ومعصيت الرسول} أي : وتواص بمعصية ~~الرسول. وذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة بين الخطابين المتوجهين ~~إليه عليه السلام لزيادة تشنعهم واستعظام معصيتهم ، {وإذا جاؤوا حيوك} أي : ~~سلموا عليك {بما لم يحيك به الله} بما لا يسلم عليك الله تعالى ، فكانوا ~~يقولون في تحيتهم : السام عليك يا محمد. والسام : الموت ، والله تعالى يقول ~~في سلامه على رسوله : {وسلام على عباده الذين اصطفى} [النمل : 29] {وسلام ~~على المرسلين} [الصفات : 181]. {ويقولون في أنفسهم} أي : فيما بينهم ، أو ~~في ضمائرهم ، {لولا يعذبنا الله بما نقول} هلا يعذبنا الله بذلك ، فلو كان ~~نبيا لعاقبنا بالهلاك ، قال تعالى : {حسبهم} عذابا {جهنم يصلونها} يدخلونها ~~فيحترقون فيها ، {فبئس المصير} المرجع جهنم. PageV07P515 # الإشارة : ألم تر إلى الذين نهوا عن الوقوع في أهل الخصوصية ، والتناجي بما ~~يسؤوهم ثم يعودون لما نهوا عنه ، ويتناجون بالإثم والعدوان ، وما فيه فساد ~~البين وتشتيت القلوب ، ومعصية الرسول بمخالفة سنته ، وإذا جاؤوك أيها ~~العارف ، الخليفة للرسول ، حيوك بما لم يحيك به الله ، أي : خاطبوك بما لم ~~يأمر الله أن تخاطب به من التعظيم ، ويقولون في أنفسهم ، لولا يعذبنا الله ms3044 ~~بن نفعل من تصغيرهم ، حسبهم نار القطيعة والبعد ، مخلدون فيها ، فبئس ~~المصير. # جزء : 7 رقم الصفحة : 340 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم} في أنديتكم وفي ~~خلواتكم {فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول} كفعل هؤلاء المنافقين ~~، {وتناجوا بالبر والتقوى} أي : بما تضمن خير المؤمنين ، والاتقاء عن معصية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو : بأداء الفرائض وترك المعاصي ، {واتقوا ~~الله الذي إليه تحشرون} فيجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر ، {إنما ~~النجوى} المعهودة التي هي التناجي بالإثم والعدوان ، {من الشيطان} لا من ~~غيره ، فإنه المزين لها والحامل عليها {ليحزن} بها {الذين آمنوا} بتوهيمه ~~أنها في نكبة أصابتهم ، أو أصابت إخوانهم ، او في الاشتغال بثلمهم ~~وتنقيصهم. ولهذا نهى الشارع أن يتناجى اثنان دون الثالث ، لئلا يتوهم أنهم ~~يتكلمون فهي. قال تعالى {وليس بضارهم} أن يتناجى اثنان دون الثالث ، لئلا ~~يتوهم أنهم يتكلمون فهي. قال تعالى {وليس بضارهم} أي : وليس الشيطان أو ~~الحزن بضارهم {شيئا} من الأشياء ، أو شيئا من الضرر {إلا بإذن الله} ~~بمشيئته ، {وعلى الله فلتوكل المؤمنون} فلا تبالوا بنجواهم ، فإن الله ~~تعالى يعصمهم # 341 # من شره وضرره ، فيلكلوا أمرهم إلى الله ، ويتعوذوا من شر الشيطان ، فإن ~~كيده ضعيف. PageV07P516 # قال القشيري : إنما قبح التناجي منهم ، وعظم خطره ؛ لأنه تضمن فساد ذات ~~البين ، وخير الأمور ما عاد بإصلاح ذات البين ، وبعكسه يكون الأمر بالضد ، ~~يعني : فيعظم خطر التناجي بالبر والتقوى ، وبما يقرب إلى الله. ثم قال : ~~إذا كانت المشاهدة غالبة ، والقلوب حاضرة ، والتوكل صحيحا ، والنظر في ~~موضعه صائبا ، فلا تأثير لهذه الحالات ، أي : لحزن الشيطان وتوهيمه وإضراره ~~، وإنما هذا للضعفاء. ه. # الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم مع قلوبكم وأسراركم فلا ~~تتناجوا بالإثم ، وهو تدبير أمر الدنيا وشؤونها ، بل غيبوا عنها يأتيكم ~~نصيبكم منها ، مع الفوز بالحضور مع الله ، ولا تتناجوا بالعدوان ، وهو شغل ~~القلب بأمر الخلق ، دفعا وجلبا ، ضرا ونفعا ، إذ ليس بيدهم شيء ، ومعصية ~~الرسول ، وهو إضمار ترك السنة ، أو مخالفة أمر المشايخ ، وتناجوا ms3045 بالبر ، ~~وهو الفكرة في عظمة الله ، والتقوى ، وهو الغيبة عما سوى الله بحصر القلب ~~عن الخروج من الحضرة ، واتقوا الله بترك ما سواه ، الذي إليه تحشرون ~~فيدخلكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. إنما النجوى ، أي : الفكرة في الدنيا ~~، من الشيطان ؛ لأن له بيتا في القلب لجهة الشمال ، إذا ذكر الله انخنس ، ~~وإذا غفل القلب وسوس بهموم الدنيا ، ليحزن الذين آمنوا ؛ ليكدر عليهم وقتهم ~~، وليس بضارهم شيئا إذا قوي نور الإيمان إلا بإذن الله ومشيئته ، فلا تسليط ~~له من نفسه. وليس بضارهم شيئا إذا قوي نور الإيمان إلا بإذن الله ومشيئته ، ~~فلا تسليط له من نفسه. وعلى الله فليتوكل المؤمنون ، فإذا صح توكلهم حفظهم ~~منه ، لقوله تعالى : {إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون} [النحل : 99] ، وقد تقدم عن القشيري : أن الأقوياء لا يلحقهم شيء ~~من حزنه وإضراره. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 341 PageV07P517 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس} ~~[المجادلة : 11] أي : توسعوا فيه ، وقيل : " في المجلس " متعلق بقيل ، أي : ~~إذا قيل لكم في المجلس تفسحوا فافسحوا ، والمراد : مجلس الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، وكانوا يتضامون فيه تنافسا فيه صلى الله عليه وسلم وحرصا على ~~استماع كلامه. وقرأ عاصم " مجالس " أي : في مجالس الرسول التي تجلسونها. ~~وقيل : المراد : مجالس القتال ، وهي مراكز الغزاة ، كقوله تعالى : {مقاعد # 342 # للقتال} [آل عمران : 121] قيل : كان الرجل يأتي الصف ، فيقول : تففسحوا ، ~~فيأبوا ، لحرصهم. والأول أنسب بذكر النجوى أولا وثانيا. فإن امتثلتم ~~وتفسحتم {يفسح الله لكم} في كل ما تريدون التفسح فيه ، من الرزق ، والدار ، ~~والصدر ، والقبر ، والجنة ، والعلم ، والمعرفة. {وإذا قيل انشزوا} أي : ~~ارتفعوا من مجلسه ، وانهضوا للصلاة ، أو الجهاد ، أو غيرهما من أعمال البر ~~، أو : انشزوا للتوسعة في المجلس على المقبلين ، {فانشزوا} أي : فانهضوا ~~ولا تبطئوا ، وقيل : كانوا يطيلون الجلوس معه صلى الله عليه وسلم وربما جلس ~~قوم حتى يؤمروا بالقيام ، فأمروا بالقيام وعدم التثقيل. وفي مضارع " نشز " ~~لغتان الضم والكسر ، والأمر ms3046 تابع له. PageV07P518 # {يرفع الله الذين آمنوا منكم} بامتثال أوامره وأمر رسوله ، بالنصر وحسن ~~الذكر في الدنيا ، والإيواء إلى غرف الجنان في الآخرة. {و} يرفع {الذين ~~أوتوا العلم} خصوصا {درجات} عالية ، بما جمعوا من أثري العلم والعمل ، فإن ~~العلم مع علو رتبته يزيد مع العمل رفعة لا يدرك شأوها ، بخلاف العلم العاري ~~عن العمل ، وإن كان له شرف في الجملة ، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله فقط. ~~وفي هذه الدرجات قولان ، أحدهما : في الدنيا ، في الرتبة والشرف والتعظيم ، ~~والآخر : في الآخرة ، وهو أرجح. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : " يرفع ~~العالم فوق المؤمن سبعمائة درجة ، بين كل درجة كما بين السماء والأرض " ، ~~ومثل هذا لا يقال بالرأي. وتقدير الآية : يرفع الله الذي آمنوا منكم درجة ، ~~والذين أوتوا العلم درجات ، وقيل : " درجات " يرجع لهما معا ، وتفضيل أهل ~~العلم يؤخذ من خارج. # جزء : 7 رقم الصفحة : 342 # وعن ابن مسعود رضي الله عنه ، أنه كان إذا قرأها قال : " يا أيها الناي ~~افهموا هذه الآية ، ولترغبكم في العلم ". وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " ~~فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدرعلى سائر الكواكب " ، وعنه صلى ~~الله عليه وسلم : " عبادة العالم يوما واحدا تعدل عبادة العابد أربعين سنة ~~" يعني الجاهل ، وعنه صلى الله عليه وسلم : " يشفع يوم القيامة ثلاثة : ~~الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء " ، فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة ~~والشهادة ، بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويشمل الحديث العلماء ~~بالله وبأحكام الله ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : خير سليمان عليه ~~السلام بين العلم والمال والملك ، فاخترا العلم ، فأعطى المال والملك معه. ~~وقال صلى الله عليه وسلم : " أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام : يا ~~إبراهيم إني عليم ، أحب كل عليم # 343 PageV07P519 ~~" وعن بعض الحكماء : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيء فات من ~~أدرك العلم ؟ والعلوم أنواع ، وشرفها باعتبار المعلوم ، فأفضل العلوم : ~~العلم بالذات العلية ، على نعت الكشف والعيان ، ثم العلم بالصفات والأسماء ~~، ثم العلم بالأحكام ، ثم العلم بالآلات الموصلة ms3047 إليه. # {والله بما تعملون خبير} تهديد لمن لم يمتثل الأمر. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ما قيل في مجلس العلم يقال في مجلس الوعظ ، بل هو عينه ؛ لأنه ~~العلم النافع ، فإذا قدم واحد من الفقراء أو غيرهم لمجلس الشيخ ، فوجد فرجة ~~جلس فيها ، وإلا جلس خلف الحلقة ، ولو مع النعال ، فلا يزاحم ولا يقم أحدا ~~ليجلس ، إلا أن يأمره الشيخ بالتقدم لمنفعة فيه في إعانة الشيخ ، فليتقدم ~~برفق ولطافة وأدب. وإذا قيل لأهل المجلس : تفسحوا فليتفسحوا ، يفسح الله ~~لهم في العلم والعرفان ، والأخلاق والوجدان ، والمقامات ، وسائر ما يطلب ~~التوسع فيه. وإذا قيل : انشزوا لصلاة أو خدمة أو ملاقاة ، فانشزوا ، يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم ، وليس فيهم أهلية لصريح المعرفة درجة عن العامة ، ~~حيث صحبوا العارفين للتبرك والحرمة. ويرفع الذين أتوا العلم بالذات ، على ~~سبيل الكشف والعيان ، درجات ، سبعمائة درجة ، على العالم صاحب الدليل ~~والبرهان ، فيرفع العالم فوق الجاهل سبعمائة درجة ، ويرفع العارف فوق ~~العالم سبعمائة. فالناس أربع طبقات : الطبعة العيا الأولياء والعارفون ~~بالله ، ثم العلماء ، ثم الصالحون ، ثم عامة المؤمنين. والمراد بالأولياء ~~من من الله عليه بملاقاة شيخ التربية ، حتى دخل مقام الفناء والبقاء ، زاح ~~عنه حجاب الكائنات ، وأفضى إلى شهود المكون ، فهؤلاء هم المقربون الصديقون ~~، والمراد بالعلماء العاملون المخلصون. # جزء : 7 رقم الصفحة : 342 PageV07P520 ~~قال في " لطائف المنن " : وحيثما وقع العلم في كتاب الله عز وجل ، وكلام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما المراد به النافع ، المخمد للهوى ، ~~القامع للنفس ، الذي تكتنفه الخشية ، وتكون معه الإنابة ، قال الله تعالى : ~~{إنما يخشى الله من عباده العلماؤا} [فاطر : 28] ، فلم يجعل علم من لم يخش ~~من العلماء علما ، فشاهد العلم الذي هو مطلوب الله : الخشية ، وشاهد الخشية ~~: موافقة الأمر ، وأما علم من يكوم معه الرغبة في الدنيا ، والتملق ~~لأربابها ، وصرف الهمة لاكتسابها ، والجمع والإدخار ، والمباهاة والاستكثار ~~، وطول الأمل ونسيان الآخرة ، فما أبعد من هذا وصفه من أن يكون من ورثة ~~الأنبياء عليهم السلام ، وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة ~~التي ms3048 كان بها عند الموروث ، ومثل من هذه الأوصاف وصفه كمثل الشمعة تشيء على ~~غيرها وهي تحرق نفسها ، جعل الله علم من هذا وصفه حجة عليه ، وسببا في ~~تكثير العقوبة لديه ، ولا يغرنك أن يكون به انتفاع للبادي والحاضر ، فقد ~~قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " ، ومثل من # 344 # تعلم العلم لاكتساب الدنيا ، وتحصيل الرفعة بها ، كمثل من رفع العذرة ~~بملعقة من ياقوت ، فما أشرف الوسيلة ، وما أخس المتوسل إليه! ومثل من قطع ~~الأوقات في طلب العلم ، فمكث أربعين سنة يتعلم العلم ولا يعمل به ، كمثل من ~~قعد هذه المدة يتطهر ويجدد الطهارة ، ولم يصل صلاة واحدة ، إذ مقصود العلم ~~العمل ، كما أن المقصود بالطهارة وجود الصلاة ، ولقد سأل رجل الحسن البصري ~~عن مسألة ، فأفتاه فيها ، فقال الرجل للحسن : قد خالفك الفقهاء ، فزجره ~~الحسن ، وقال : ويحك ، وهل رأيت فقيها ، إنما الفقيه من فقه عن الله أمره ~~ونهيه. وسمعت شيخنا أبا العباس رضي الله عنه يقول : الفقيه من انفقأ الحجاب ~~عن عيني قلبه ، فشاهد ملكوت ربه. انتهى كلامه. PageV07P521 # فالعلماء المخلصون الذين عرفوا الله من طريق البرهان ، تلي درجتهم درجة ~~الأولياء الذين هم أهل الشهود والعيان ، ثم الصالحون الأبرار ، ثم عامة ~~المؤمنين ، ومن قال خلاف هذا فهو جاهل بمرتبة الولاية ، قال صلى الله عليه ~~وسلم : " عامة أهل الجنة البله " وعليون لذوي الألباب ، وذووا الألباب هم ~~أهل البصائر ، الذين فتح الله بصيرتهم ، وتطهرت سريرتهم بالمجاهدة والرياضة ~~، حتى شاهدوا الحق وعرفوه ، وقال تعالى : {فبشر عباد الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولائك الذين هداهم الله وأولائك هم أولو الألباب} [الزمر : ~~17 ، 18] ، وراجع ما تقدم في تفسيرها ، وكل من كان محجوبا عن الله ، يتسدل ~~بغيره عليه ، فهو من البله ، إلا أن صاحب الاستدلال أربع من المقلد ، أي : ~~سلم من الوسواس ، وإلا فالمقلد أحسن منه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 342 # ولما تكلم في الإحياء على درجات التوحيد ، قال : " والدرجة العليا في ذلك ~~للأنبياء ، ثم للأوياء العارفين ، ثم للعلماء الراسخين ، ثم الصالحين " ، ~~فقدم ms3049 الأولياء على العلماء. وقال الأستاذ القشيري في أول رسالته : فقد جعل ~~الله هذه الطائفة صفوة أوليائه ، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله ~~وأنبيائه. ه. سئل ابن رشد - رحمه الله - عن قول الغزالي والقشيري بتفضيل ~~الأولياء على العلماء ، فقال : أما تفضيل العارفين بالله على العارفين ~~بأحكام الله ؛ فقول الأستاذ أبي حامد متفق عليه ، ولا يشك عاقل أن العارفين ~~بما يجب لله من أوصاف الجلال ونعوت الكمال أفضل من العارفين بالأحكام ، بل ~~العارفون بالله أفضل من أهل الأصول والفروع ؛ لأن العلم يشرف بشرف المعلوم. ~~ثم أطال الكلام في الاستدلال على ذلك ، فانظر. ذكره في المعيار. PageV07P522 # وقال بعضهم في تفضيل العارف على العالم : إن العارف فوق ما يقول ، والعالم ~~دون ما يقول ، يعني : أن العارف إذا تكلم في مقام من مقامات اليقين ، كان ~~قدمه فوق ما # 345 # وصف ، لأنه يسلكه دوما ثم يصفه ، والعالم إنما يصفه بالنعت ، وأيضا : ~~العالم يدلك على العمل ، والعارف يخرجك عن شهود العمل ، العالم يحملك حمل ~~التكليف ، والعارف يروحك بشهود التعريف ، العالم يدلك على علم الرسوم ، ~~والعارف يعرفك بذات الحي القيوم ، العالم يدلك على الأسباب ، والعارف يدلك ~~على مسبب الأسباب ، العالم يدلك على شهود الوسائط ، والعارف يدلك على محرك ~~الوسائط ، العالم يحذرك من الوقوف مع الأغيار ، والعارف يحذرك من الوقوف مع ~~الأنوار ، ويزج بك في حضرة الأسرار ، العالم يحذرك من الشرك الجلي ، ~~والعارف يخلصك من الشرك الخفي ، إلى غير من الفروقات بين العارف والعالم. ~~ومن اصطلاحات الصوفية ، أن العالم بالأحكام يسمى عالما ، والعالم بالذات ~~عيانا وكشفا يسمى عارفا ، كما في القوت. وبالله التوفيق. # جزء : 7 رقم الصفحة : 342 PageV07P523 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول} أي : إذا ~~أردتم مناجاته في بعض شؤونكم المهمة ، {فقدموا بين يدي نجواكم} أي : قبل ~~نجواكم {صدقة} وهي استعارة ممن له يدان ، كقول عمر رضي الله عنه : " من ~~أفضل ما أوتيت العرب الشعر ، يقدمه الرجل أما حاجته ، فيستمطر به الكريم ، ~~ويستنزل به اللئيم " يريد : قبل حاجته. وفي هذا الأمر تعظيم ms3050 الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، وانتفاع الفقراء ، والزجر عن الإفراط في مناجاته وسؤاله ~~عليه الصلاة والسلام ، والتمييز بين المخلص والمنافق ، وبين محب الآخرة ~~ومحب الدنيا ، وهل الأمر للندب ، أو للوجوب لكنه نسخ بقوله : {أأشفقتم..} ~~الخ ؟ وعن علي رضي الله عنه : " إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري ، ~~كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته صلى الله عليه وسلم تصدقت به ". وقال ~~أيضا : " أنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين " ، قال رضي الله عنه : ~~فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه العبادة قد شقت على الناس ، فقال ~~: " يا علي كم ترى حد هذه الصدقة ؟ أتراه دينارا ؟ " قلت : لا ، قال : " ~~فنصف دينار " ؟ قلت : لا ، قال : " فكم " ؟ قلت : حبة من شعير ، قال : " ~~إنك لزهيد " فأنزل الله الرخصة ". قال الفخر : قوله صلى الله عليه وسلم ~~لعلي : " إنك لزهيد " معناه : إنك قليل المال ، # 346 # فقدرت على حسب حالك. وفي رواية : " شعيرة من ذهب " ، فقال : إنك لزهيد " ~~، أي : مصعر مقلل للدنيا. قاله في القوت. PageV07P524 # {ذلك} التقديم للصدقة {خير لكم} في دينكم {وأطهر} لنفوسكم من رذيلة البخل ، ~~ولأن الصدقة طهرة. {فإن لم تجدوا} ما تتصدقون به {فإن الله غفور رحيم} في ~~ترخيص المناجاة من غير صدقة. قيل : كان ذلك عشر ليال ، ثم نسخ ، وقيل : ما ~~كان إلا ساعة من نهار. وعن علي - كرم الله وجهه - أنه قال : سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن عشر مسائل ، فأجابني عنها ، ثم نزل نسخ الصدقة ، قلت ~~: يا رسول الله ؛ ما الوفاء ؟ قال : " التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " ~~قلت : وما الفساد ؟ قال : " الكفر والشرك بالله " قلت : وما الحق ؟ قال : " ~~الإسلام ، والقرآن والولاية إذا انتهات إليك " قلت : وما الحيلة ؟ قال : " ~~ترك الحيلة " ، قلت : وما علي ؟ قال : " طاعة الله وطاعة رسوله " ، قلت : ~~وكيف أدعو الله تعالى ؟ قال : " بالصدق واليقين " قلت : وماذا سأل الله ؟ ~~قال : " العافية " قلت : وما أصنع لنجاة نفسي ؟ قال : " كل حلالا ، وقل ~~صدقا " قلت : وما السرور ؟ قال : " الجنة " قلت : وما الراحة ؟ قال : " ~~لقاء ms3051 الله " فلما فرغت منها نزل نسخ الصدقة. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 346 # أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} أي : أخفتم الفقر من تقديم ~~الصدقات ، أو : أخفتم من هذا الأمر لما فيه من الإنفاق الذي تكرهه النفوس ، ~~{فإذ لم تفعلوا} ما أمرتم به وشق عليكم ، {وتاب الله عليكم} أي : خفف عنكم ~~، وأزال عنكم المؤاخذة بترك تقديم الصدقة على المناجاة ، كما أزال المؤاخذة ~~بالذنب عن التائب عنه ، {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أي : فإذا فرطتم ~~فيما أمرتم به من تقديم الصدقات ، فتداركوه بالمثابرة على إقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة ، {وأطيعوا الله ورسوله} في سائر الأوامر ، فإن القيام بها ~~كالجابر لما وقع في ذلك من التفريط ، {والله خبير بما تعملون} ظاهرا وباطنا ~~، وهو وعد ووعيد. PageV07P525 # الإشارة : إذا أردتم مناجاة المشايخ في زيارتكم ، فقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقة ، تدفع للشيخ ، أو لأهل داره ، فإنها مفتاح لفيض المواهب ، مثالها ~~كالدلو ، لا يمكن رفع الماء إلا به ، ذلك خير لكم ، وأطهر لقلوبكم من رذيلة ~~من البخل ، فإن لم تجدوا شيئا فإن الله غفور رحيم. أأشفقتم أن تقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقات ؛ لثقل ذلك على النفس ؟ فإذ لم تفعلوا وزرتم بلا صدقة ، ~~وقد تاب الله عليكم من هذا التفريط ، فأقيموا صلاة القلوب ، وهو التعظيم ، ~~ودوام العكوف في حضرة علام الغيوب ، وآتوا زكاة أبدانكم ، بإجهادها في خدمة ~~المشايخ والإخوان ، وأطيعوا الله ورسوله وخلفاءه فيما يأمرونكم به وينهونكم ~~عنه ، {والله خبير بما تعملون}. # 347 # جزء : 7 رقم الصفحة : 346 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم} وهم ~~اليهود ، لقوله : {من لعنه الله وغضب عليه} [المائدة : 60]. والغضب في حقه ~~تعالى : إرادة الانتقام. كان المنافقون يتولون اليهود ، وينقلون إليهم ~~أسرار المؤمنين ، ففضحهم الله. ثم قال تعالى : {ما هم منكم} يا معشر ~~المسلمين {ولا منهم} أي : من اليهود ، بل كانوا {مذبذبين بين ذلك لآ إلى ~~هؤلأء إلى هؤلآء} [النساء : 143]. {ويحلفون على الكذب} أي : يقولون : والله ~~إن لمسلمون لا منافقون ، {وهم يعلمون} أنهم كاذبون منافقون ، {أعد الله لهم ms3052 ~~عذابا شديدا} نوعا من العذاب متفاقما ، {إنهم ساء ما كانوا يعملون} فيما ~~مضى من الزمان ، كانوا مصرين على سوء العمل ، وتمرنوا عليه ، أو : هي حكاية ~~ما يقال لهم في الآخرة. PageV07P526 # {اتخذوا أيمانهم} الكاذبة {جنة} وقاية دون أموالهم ودمائهم ، {فصدوا} الناس ~~في خلال أمنهم وسلامتهم ، أو : فصدوا بأنفسهم {عن سبيل الله} عن طاعته ~~والإيمان به ، {فلهم عذاب مهين} يهينهم ويخزيهم ، وأعد لهم العذاب المخزي ~~لكفرهم وصدهم ، كقوله : {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق ~~العذاب} [النحل : 88]. {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله} من عذاب ~~الله {شيئا} قليلا من الإغناء ، أي : ما يخافون عليه من الأموال والأولاد ~~فيحلفون لأجله ، لا ينفعهم عند الله. روي أن رجلا منهم قال : لننصرن يوم ~~القيامة بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. فنزلت. {أولئك} الموصوفون بما ذكر من ~~القبائح {أصحاب النار} ملازموها {هم فيها خالدون}. # { # جزء : 7 رقم الصفحة : 348 # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له} أي : لله تعالى في الآخرة أنهم كانوا ~~مخلصين غير منافقين ، {كما يحلفون لكم} في الدنيا على ذلك ، {ويحسبون أنهم} ~~في الدنيا {على شيء} من النفع ، أو : يحسبون في الآخرة أنهم على شيء من ~~النفع ، من جلب منفعة أو دفع مضرة ، كما كانوا في الدنيا ، حيث كانوا ~~يدفعون بها عن أزواجهم وأموالهم ، {ألا إنهم هم الكاذبون} البالغون في ~~الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها ، حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام ~~الغيوب. # {استحوذ عليهم الشيطان} استولى عليهم وملكهم ، {فأنساهم ذكر الله} بحيث لم # 348 # يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم ، {أولئك حزب الشيطان} أي : جنوده وأتباعه ، ~~{ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} أي : الموصوفون بالخسران الذي لا غياية ~~وراءه ، حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم ، وأخذوا بدله العذاب الأليم ، ~~وفي تصدير الجمة بحرفي التنبيه والتحقيق ، وإظهار الشيطان معا في موضع ~~الإضمار ، وتوسيط ضمير الفصل ، من فنون التأكيد ما لا يخفى. PageV07P527 # الإشارة : منافقون الصوفية هم الذين يقرون أهل الظاهر وينصرونهم ، وينكرون ~~على أهل الباطن ، فإذا لقوهم أظهروا لهم المودة والوفاق ، وادعوا أنهم منهم ~~، فهم ms3053 مذبذبون بين ذلك ، لا إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء ، ليسوا من أهل ~~الظاهر المحض ، ولا من أهل الباطن ، لعدم تحققهم به ، تجر الآية ذيلها ~~عليهم. والعذاب المعد لهم غم الحجاب ، وتخلفهم عن درجات المقربين. قوله ~~تعالى : {اتخذوا أيمانهم جنة} قال القشيري : من استتر بحجة طاعته لأجل ~~دنياه ؛ انكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر ، ثم لا دينه يبقى ، ولا دنياه ~~تسلم. قال تعالى : {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} الآية. ~~ه. يوم يبعثهم الله جميعا فيتحاشون إلى المقربين ، ويحلفون بلسان حالهم : ~~أنهم كانوا منهم ، كما يحلفون اليوم ، ويظنون أنهم من أهل الباطن ، ويحسبون ~~أنهم على شيء ، فيبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ، وذلك لعدم ~~صحبتهم للعارفين المخلصين ، حصل لهم الغلظ ، فوقفوا مع حسبانهم الضال ، ولو ~~دامت صحبتهم لأهل التوحيد الخاص لتنبهوا لغلطهم. استحوذ عليهم الشيطان ، ~~فزين لهم الوقوف مع ما هم فيه ، فأنساهم ذكر العيان ، فكانوا من حزب ~~الشيطان في الجملة ، بالنسبة إلى من فوقهم. قال شاة الكرماني : علامة ~~استحواذ الشيطان على العبد : أن يشغله بعمارة ظاهره ، من المأكل والملبس ، ~~ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه ، والقيام بشكرها ، ويشغل لسانه ~~عن ذكر ربه ، بالكذب والغيبة والبهتان ، ويشغل قلبه عن التفكر والمراقبة ~~بتدبير الدنيا وجمعها. ه. # جزء : 7 رقم الصفحة : 348 PageV07P528 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يحادون الله ورسوله} أي : يخالفونهما ، ~~ويجعلون بينهم وبينهما حدا ، وهم حزب الشيطان المتقدم ، {أولئك في} جملة ~~{الأذلين} لا ترى أحدا أذل منهم من الأولين والآخرين ؛ لأن ذلة أحد ~~المتخاصمين على قدر عزة الآخر ، وحيث كانت عزة الله غير متناهية كانت ذلة ~~من يحاده كذلك. {كتب الله} في اللوح وقضاه ، وحيث جرى مجرى القسم أجيب بما ~~يجاب به ، فقال : {لأغلبن أنا ورسلي} بالحجة والسيف ، أو بأحدهما ، وهو ~~تعليل لما قبله من كون من حاد الله في # 349 # الأذلين. {إن الله قوي} على نصرة أوليائه ، {عزيز} لا يمتنع عليه ما يريد. # الإشارة : كل من يعادي أهل الله مخذول ، عاقبته ms3054 الذل في الدنيا والآخرة ، ~~{كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} وخلفاؤهم من أولئك ، {ولينصرن الله من ينصره ~~إن الله لقوى عزيز} [الحج : 40] ، إلا من تعدى منهم طوره ، كمن تعرض للظهور ~~، وهو من أهل الباطن ، فإن القدرة تخدمه وتؤدبه ؛ لأن الباطن لا ينقلب ~~ظاهرا ، ولا عكسه. والله تعالى أعلم. # 350 # جزء : 7 رقم الصفحة : 349 PageV07P529 ### | AUTO سورة الحشر # جزء : 8 رقم الصفحة : 3 # يقول الحق جل جلاله : {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} أي : نزهه ~~أهل السماوات السبع ، وأهل الأرضين السبع. وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير ~~، والتنبيه على استقلال كل من الفريقين بالتسبيح. قال الكواشي : فيه إيماء ~~إلى قدرة الله تعالى ، وأنه أهل لأن يسبح لمنه على المؤمنين بنصرهم على ~~أعدائهم ، {وهو العزيز الحكيم} ، قال ابن عطية : صفتان مناسبتان لما يأتي ~~بعد ، من قصة العدو الذي أخرجهم من ديارهم. ه. # روي أن هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير ، وهو رهط من اليهود ، من ~~ذرية هارون عليه السلام ، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى ~~الله عليه وسلم ، وقيل : هم بقية الحبرين اللذين كانا مع تبع ، فنزلا ~~المدينة انتظارا له صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين قدم المدينة صالحهم على ألا يكونوا عليه ولا له ، فلما ظهر يوم بدر ، ~~قالوا : هو النبي الذي نعته في التوراة : لا ترد له راية ، فلما كان يوم ~~أحد ما كان ، ارتابوا ونكثوا ، فخرج # 3 PageV08P003 ~~كعب بن الأشرف في أربعين راكبا ، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري في فتية ، ~~فقتل كعبا غيلة ، وكان أخاه من الرضاعة ، وقد كان عليه السلام اطلع منهم ~~على خائنة ونقض عهد ، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعلي ، ليستعينهم في دية ~~الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ، غلطا ، فأجابوه على ذلك ، ~~وأجسلوه تحت الحصن ، وأمروا رجلا منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه ~~وسلم رحى ، فنزل جبريل فأخذ ms3055 بيده وأقامه ، فرجع إلى المدينة ، وأمر ~~المسلمين بالخروج إلى بني النضير ، وهم بقرية يقال لها : زهرة ، فأمرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة ، فاستمهلوه عشرة أيام ~~ليتجهزوا للخروج ، فدس إليهم عبد الله بن أبي وأصحابهمن المنافقين : لا ~~تخرجوا من الحصن ، فإن قاتلوكم فنحن معكم ، لا نخذلكم ، ولئن خرجتم لنخرجن ~~معكم ، فحصنوا أسوارهم ، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ~~ليلة ، وأمر بقطع نخلهم ، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب ، وأيسوا من نصر ~~المنافقين ، طلبوا الصلح ، فأبى عليهم إلا الجلاء ، على أن يحمل كل ثلاثة ~~أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم ، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي ، ~~فخرجوا إلى الشام ، وإلى أذرعات وأريحا ، إلا بيتين ؛ آل أبي الحقيق ، وآل ~~حيي بن أخطب ، فإنهم لحقوا بخيبر ، ولحقت طائفة بالحيرة ، وذلك قوله تعالى : # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 3 PageV08P004 ~~هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم} بالمدينة ، أي : هو ~~الذي تولى إخراجهم ، لا بسبب فيه لأحد غيره. واللام في قوله : {لأول الحشر} ~~متعلق بأخرج ، وهو اللام في قوله : {قدمت لحياتي} [الفجر : 24] أي : أخرجهم ~~عند أول الحشر ، وكونه أول الحشر ؛ لأن هذا أول حشرهم إلى الشام ، وكانوا ~~من سبط لم يصبهم جلاء قط ، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب ~~إلى الشام ، وآخر حشرهم : إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام ، أو : آخر ~~حشرهم : حشر يوم القيامة ، قال ابن عباس رضي الله عنه : " من شك أن المحشر ~~بالشام فليقرأ هذه الآية " فهم الحشر الأول ، وسائر الناس الحشر الثاني. ~~وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجوا : " امضوا ، فإنكم أول ~~الحشر ونحن على الأثر " {ما ظننتم أن يخرجوا} ، لشدة بأسهم ، ومنعتهم ، ~~ووثاقه حصونهم ، وكثرة عددهم وعدتهم ، {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} ~~أي : ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفريق بين هذا التركيب والنظم ~~الذي جاء عليه التنزيل : أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلا على فرط ~~وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم ، وفي ms3056 مصير ضميرهم اسما ل " أن " ، وإسناد ~~الجملة إليه ، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة ، لا يبالى معها # 4 # بأحد يتعرض لهم ، أو يطمع في مغازيهم ، وليس ذلك في قولك : وظنوا أن ~~حصونهم تمنعهم. {فأتاهم الله} أي : أمره وعقابه {من حيث لم يحتسبوا} ؛ من ~~حيث لم يظنوا ، ولم يخطر ببالهم ، حتى قتل " كعب " رئيسهم على يد أخيه رضاعا. PageV08P005 # {وقذف في قلوبهم الرعب} ؛ الخوف والجزع ، {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين} ، فكانوا يخربون بواطنها ، والمسلمون ظواهرها ، لما أراد الله من ~~استئصال شأفتهم ، وألا تبقى لهم بالمدينة دار ، ولا منهم ديار. والذي دعاهم ~~إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة ، ليسدوا بها أفواه الأزفة ولئلا ~~يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين ، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من ~~جيد الخشب والساج ، وأما المؤمنون فدعاهم إلى التخريب إزالة متحصنهم ، وأن ~~تتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم إياها بأيدي المؤمنين : أنهم لما ~~عرضوهم بنكث العهد لذلك ، وكان السبب فيه ؛ فكأنهم أمروهم به ، وكلفوهم ~~إياه. {فاعتبروا يا أولي الأبصار} أي : فاتعظوا بما جرى عليهم من الأمور ~~الهائلة على وجه لا تهتدي إليه الأفكار ، أو : فتأملوا فيما نزل بهؤلاء ، ~~والسبب الذي استحقوا به ذلك ، فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم ، فتعاقبوا مثل ~~عقوبتهم. قال البيضاوي : اتعظوا بحالهم ، فلا تغدروا ، ولا تعتمدوا على غير ~~الله. ه. وهذا دليل على جواز القياس. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 3 # ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} ؛ الخروج من الوطن ، على ذلك الوجه ~~الفظيع {لعذبهم في الدنيا} بالقتل والسبي ، كما فعل ببني قريظة ، {ولهم في ~~الآخرة عذاب النار} الذي لا أشد منه ، {ذلك بأنهم} أي : إنما أصابهم ذلك ~~بسبب أنهم {شاقوا الله} ؛ خالفوه {ورسوله} وفعلوا ما فعلوا ، مما حكي عنهم ~~من القبائح ، {ومن يشاق الله} ، وقرئ : " يشاقق " على الأصل. والاقتصار على ~~مشاققته لتضمنها مشاققته عليه السلام ، وليوافق قوله تعالى : {فإن الله ~~شديد العقاب} ، والجملة : إما نفس الجزاء على حذف العائد ، أي : شديد ~~العقاب له ، أو : تعليل للجزاء المحذوف ، أي : يعاقبه لأن الله شديد ms3057 ~~العقاب. PageV08P006 # الإشارة : " سبح لله " نزه الله تعالى من وجود الغيرية والإثنينية ما في ~~سموات الأرواح من علوم الأحدية ، ونزهه ما في أرض النفوس والعقول من ~~البراهين القطعية عن الشبيه والنظير. والعارف الكامل هو الذي يجمع بين ~~التنزيه والتشبيه في ذات واحدة ، في دفعة واحدة ، فالتنزيه من حيث ذات ~~المعاني ، والتشبيه من حيث الأواني ، أو التنزيه من حيث الجمع ، والتشبيه ~~من حيث الفرق ، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن ، والتشبيه من حيث اسمه ~~الظاهر. وانظر القشيري في مختصر الإشارات ، ولعل هذا المنزع هو الذي رام ~~الجيلاني ، حيث قال في عينيته : # وإياك والتنزيه فهو مقيد # وإياك والتشبيه فهو مخادع # 5 # أي : لا تقف مع واحد منهما ، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى ، ولا تشبه ~~المعاني بشيء ، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزه المعاني عن شيء ، ~~فتقيد عن الشهود فيه ، وإياك أن تشببها بشيء ؛ إذ ليس مثلها شيء في الوجود. ~~والله تعالى أعلم. ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير. PageV08P007 # ثم قال تعالى : {هو الذي أخرج} الخواطر الردية ، والخبائث اليهودية ، من ~~ديار القلوب ، عند أول حشرها إلى الحضرة ، ما ظننتم أن يخرجوا ، لتمكنها من ~~النفس ، وتمرنها معها ، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ، حيث تحصنوا ~~بتمكن العوائد ورسوخها في النفس ، ومخالطة الأحباب والعشائر ، والرئاسة ~~والجاه والمال ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، حيث قيض لها شيخا عارفا ، ~~وقذف في القلب خوفا مزعجا ، أو شوقا مقلقا ، وقذف في قلوبهم الرعب ، فخرجت ~~تلك الخبائث قهرا ، يخربون بيوتهم ، أي : بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين ، أي : بإعانة المشايخ والإخوان ، فطهروا بواطنهم من الخبائث ، ~~وخربوا ظواهرهم من زينة الحس ، فحينئذ تعمرت بواطنهم بأسرار العلوم ~~والمعارف ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، وافعلوا مثل فعلهم ، ولولا أن كتب ~~الله عليهم الجلاء من القلوب ؛ لعذبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع ، ~~ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة ، بعد إسدال الحجاب في الدنيا ، ذلك بأنهم ~~شاقوا الله ورسوله ؛ إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم ~~الحكمة. # جزء : 8 ms3058 رقم الصفحة : 3 PageV08P008 ~~{ما قطعتم من لينة} ، قال القشيري : هو نوع من النخل ما عدا العجوة والبرني ~~، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعها من مال بني النضير ، فقطع بعضها ~~، فقالت اليهود : أي فائدة في هذا ؟ فبقي المسلمون في الجواب ، فأنزل الله ~~هذه الآية. ه. وأصلها : لونة ، من الألوان ، فقلبت ياء ، وقيل : اللينة : ~~النخلة الكريمة ، كأنهم اشتقوها من اللين ، أي : أي شيء قطعتم من لينة {أو ~~تركتموها قائمة على أصولها} من غير أن تتعرضوا لها بشيء {فبإذن الله} ؛ ~~فقطعها وتركها بإذن الله ، {وليخزي الفاسقين} أي : وليذل اليهود ويغيظهم ~~أذن في قطعها وقلعها وفي تركها ، وأمر المؤمنين أن يحتكموا في أموالهم كيف ~~شاؤوا. واستدل به على جواز هدم ديار الكفرة ، وقطع أشجارهم ، وحرق زروعهم ، ~~إذا لم يرج وكان فيه إنكاء للعدو. وتخصيص اللينة بالقطع ليكون غيظهم أشد. # الإشارة : قطع شجرة حب الدنيا من القلب واجب على المريد في بدايته ، ولو ~~أدى إلى إفساد المال لإصلاح قلبه ، ارتكابا لأخف الضررين ، ومنه : قضية ~~الشبلي في إحراق # 6 # ثوب وقلنسوته ، في حكاية التلميذ ، فإذا تمكن من المعرفة خير ، وله يقال ~~: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها...} الآية. وقال القشيري بعد تفسير الظاهر ~~: وفيه دليل على أن الشرع غير معلل ، فإذا جاء الأمر الشرعي بطل طلب ~~التعليل ، وسكتت الألسن عن المطالبة ب " لم " وخطور الاعتراض والاستقباح ~~بالبال خروج عن حد العرفان ، والشيوخ قالوا : من قال لأستاذه : " لم " لا ~~يفلح ، وكل مريد يكون لأمثال هذه الخواطر جولان في قلبه لا يجيء منه شيء ، ~~ومن لم يتجرد قلبه عن طلب الإعلال ، ولم يباشر حسن الرضا بكل ما يجري ، ~~واستحسان ، كل ما يبدو من الغيب من الله سره وقلبه فليس من الله في شيء. ه. ~~ومثله قول الحكم : " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما ~~أظهره الله فيه ". PageV08P009 # جزء : 8 رقم الصفحة : 6 # قلت : جملة {وما أفاء} : شرطية معطوفة على مثلها ، وهو : {ما قطعتم..} ~~الآية ، وكلتاهما إخبار وإعلام ، أي : اعلموا أن ms3059 ذلك القطع والترك كان بإذن ~~الله ، وذلك الفيء كان بتسليط الله لا بسعيكم ، لكنه لم يعلم منه كيفية ~~القسمة ، فبينها بعد بقوله : {وما أفاء الله على رسوله...} الخ ، وقيل : ~~غير ذلك على ما سيأتي. # يقول الحق جل جلاله : {وما أفاء الله على رسوله منهم} أي : ما أعاده الله ~~من مالهم ، وفيه إشعار بأنه كان حقيقا بأن يكون له صلى الله عليه وسلم ، ~~وإنما وقع في أيديهم بغير حق ، فرده الله تعالى إلى مستحقه ، لأنه تعالى ~~خلق الناس لعبادته ، وخلق ما خلق ليتوسلوا به إلى طاعته ، فهو جدير بأن ~~يكون للمؤمنين. {فما أوجفتم عليه} أي : فما أجريتم على تحصيله وتغنيمه ، من ~~: الوجيف ، وهو : سرعة السير ، و" من " في قوله : {من خيل ولا ركاب} زائدة ~~لتأكيد النفي ، أي : فما أجريتم على تحصيله خيلا ولا ركابا ، وهو ما يركب ~~من الإبل خاصة ، كما أن الراكب عندهم راكبها لا غير ، وأما راكب الفرس ~~فإنما يسمونه فارسا ، ولا واحد لها من لفظها ، وإنما الواحد منها : راحلة. ~~والمعنى : ما قطعتم لها شقة بعيدة ، ولا لقيتم مشقة شديدة ، وذلك لأن قراهم ~~كانت على ميلين من المدينة ، فمشوا إليها مشيا ، وما كان فيهم إلا النبي ~~صلى الله عليه وسلم ففتحها صلحا ، كأنه قيل : ما أفاء الله على رسوله فما ~~حصلتموه بكد اليمين ولا بعرق الجبين ، {ولكن الله يسلط رسله على من # 7 # يشاء} أي : ولكن جرت سنة الله أن يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم ، وقد ~~سلط رسوله صلى الله عليه وسلم تسليطا غير معتاد ، من غير أن تقتحموا الخطوب ~~، وتقاسموا شدائد الحروب ، فلا حق لكم في أموالهم. {والله على كل شيء قدير} ~~يفعل ما يشاء ، تارة على الوجوه المعهودة ، وأخرى على غيرها. PageV08P010 # جزء : 8 رقم الصفحة : 7 # ثم بين قسمة الفيء ، فقال : {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} ، فلم ~~يدخل العاطف ؛ لأن الجملة بيان للأولى ، وقيل : الأولى نزلت في أموال بني ~~النضير ، وقد جعلها الله لرسوله خاصة ، فقسمها على المهاجرين ، ولم يعط ~~الأنصار منها ms3060 ، إلا لثلاثة ، لفقرهم ، أبو دجانة ، وسهل بن حنيف ، والحارث ~~بن الصمة ، والثانية : نزلت في كل قرية فتحت عنوة ، وهو الظاهر ، فقال في ~~بيان مصرف الفيء : {فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل}. واختلف في قسمته ، فقيل : يسدس لظاهر الآية ، ويصرف سهم الله إلى ~~عمارة الكعبة وسائر المساجد ، وقيل : يخمس ، وذكر الله للتعظيم ، ويصرف سهم ~~الرسول للإمام على قول ، وإلى العساكر والثغور على قول ، وإلى مصالح ~~المسلمين على قول. وقد تقدم في سورة الأنفال تحقيقه. وإنما بينا قسمته ، ~~{كي لا يكون دولة} أي : كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء يعيشون ~~به {دولة بين الأغنياء منكم} أي : يتداوله الأغنياء بينهم ، ويختصون به. ~~والدولة : ما يدول للإنسان ، أي : ما يدور له من الغنى والجد والغلبة ~~وغيرها ، وقيل : الدولة - بالفتح - من الملك ، وبالضم من الملك - بالكسر-. # {وما آتاكم الرسول} أي : ما أعطاكموه من الفيء أو من الأمر ، {فخذوه} ~~فاقبلوه ، أو : افعلوه ، فإنه واجب ، {وما نهاكم عنه} أي : عن أخذه ، أو عن ~~تعاطيه {فانتهوا} عنه ، ولا تطلبوه ، أو : لا تفعلوه ، لما خص عليه السلام ~~المهاجرين بفيء بني النضير وما حولها من القرى ، قالت الأنصار : لنا معهم ~~سهم ، فنزلت {واتقوا الله} في مخالفته عليه السلام ، {إن الله شديد العقاب} ~~لمن خالف رسوله صلى الله عليه وسلم ، والأحسن : أن يكون عاما في كل ما جاء ~~به الرسول ، والفيء داخل في العموم. PageV08P011 # الإشارة : العلم على قسمين ؛ علم وهبي إلهي ، يفيض على رسول القلب ، بمحض ~~الفضل والجود ، وهو ما يختص بأسرار الربوبية فهذا يختص به صاحبه ، ولا ~~يبذله لغيره إلا من بذل نفسه له ، وإليه تشير الآية الأولى. وعلم كسبي ، ~~يكتسب بالجد والتشمير في تعلمه وأخذه ، فهذا يجب بذله لعامة الناس وخاصتهم ~~، وإليه تشير الآية الثانية. وإنما اختص علم السر بأهله كي لا يكون دولة ~~بين الأغنياء من أهل الظاهر ، فيبتذل ويشتهر ، وهو فساد نظام العالم. وقوله ~~تعالى : {وما آتاكم الرسول فخذوه} قال القشيري : هذا # 8 # أصل في وجوب متابعة الرسول ، ولزوم طريقته وسنته ، على ms3061 ما في العلم ~~تفصيله. والواجب على العبد عرض ما وقع له من الخواطر ، ويكاشف به من ~~الأحوال ، على العلم ، فما لم يقبله الكتاب والسنة فهو ضلال. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 7 # قلت : " للفقراء " يتعلق بمحذوف ، أي : يعطي ، أو : اعجبوا ، على أنه ~~استئناف ، وقيل : بدل من " ذي القربى ". و" وتبوؤوا الدار والإيمان " أي : ~~وألفوا الإيمان ، ولا يصح العطف ؛ لئلا يلزم أن الإيمان متبوأ ، وإنما ~~يتبوأ المنزل ؛ إذ التبوء : التهيؤ ، يقال : بوأت له منزلا ، أي : هيأته له ~~، وفي إعراب الحوفي في سورة آل عمران : يقال تبوأ فلان الدار إذا لزمها. ه. ~~فعلى هذا يصح العطف ، ولا يحتاج إلى تقدير عامل آخر. قال ابن هشام : ولا ~~يجوز كون الإيمان مفعولا معه ؛ لعدم الفائدة في تقييد الأنصار المعطوفين ~~على المهاجرين بمصاحبة الإيمان ، إذ هو أمر معلوم. ه. وانظر ابن جزي ، فإنه ~~هو الوجه المستحسن عنده في توجيه الآية ، والمعنى : أنهم جمعوا بين ~~الحالتين قبل المهاجرين ؛ لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان ، لا بنزول ~~الدار ، قال : فيكون الإيمان على هذا مفعولا معه ، وأصله لابن عطية ، وبهذا ~~الاقتراح يصح معنى قوله : {من قبلهم} فتأمله. انظر الحاشية. PageV08P012 # يقول الحق جل جلاله : {للفقراء} أي : يعطى الفيء للفقراء {المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم} حيث اضطرهم كفار مكة إلى الخروج من مكة ، ~~وكانوا مائة رجل. وفيه دليل على أن الكفار يملكون ما استولوا عليه من أموال ~~المسلمين ؛ لأن الله تعالى سماهم فقراء ، مع أنهم كانت لهم ديار وأموال ~~بمكة ، فخرجوا {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} أي : طالبين منه تعالى رزقا ~~في الدنيا ، ورضا في الآخرة ، أو : يطلبون الجنة ورضوان الله أو : زيادة في ~~الإيمان والرضوان ، {وينصرون الله ورسوله} أي : ناوين نصرة دين الله وإعانة ~~رسوله ، {أولئك} الموصوفون بما فصل من الصفات الحميدة {هم الصادقون} ؛ ~~الراسخون في الصدق ، حيث ظهر ذلك عليهم ؛ بما فعلوا من مفارقة الأوطان ~~والأهل والولدان. # 9 # {والذين تبوؤوا الدار والإيمان} ، هذا استئناف مسوق لمدح الأنصار بخصال ~~حميدة ، من جملتها : محبتهم للمهاجرين ، ورضاهم باختصاصهم بالفيء أكمل رضا ms3062 ~~، أي : اتخذوا المدينة والإيمان مباءة وسكنا وتمكنوا فيهما أشد تمكين ، {من ~~قبلهم} أي : من قبل هجرة المهاجرين ، أو تبوؤوا الدار ولزموا الإيمان ، ~~ولزومه : إخلاصه وظهور شعائره وأحكامه ، ولا ريب في تقدم الأنصار في ذلك ~~على المهاجرين ؛ لأن المهاجرين لم يتأت لهم أظهاره قبل الهجرة ، فتقدمهم في ~~إظهاره فقط ، لا في إخلاصه ؛ إذ لا يتصور تقدمهم عليهم في ذلك. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 9 PageV08P013 ~~يحبون من هاجر إليهم} حتى شاطروهم أموالهم ، وأنزلوهم منازلهم ، ونزل من ~~كانت له امرأتان عن إحداهما ليتزوجها المهاجري ، ومحبتهم للمهاجرين من حيث ~~هجرتهم لنصرة الدين لشدة محبتهم للإيمان ، {ولا يجدون في صدورهم} ؛ في ~~نفوسهم {حاجة} أي : شيئا محتاجا إليه ، يقال : خذ منه حاجتك ، أي : ما ~~تحتاج إليه ، يعني : أن نفوسهم لم تتبع ما أوتوا من الفيء ، ولم تطمح إلى ~~شيء منه تحتاج إليه ، وقيل : حاجة : حسدا أو كزازة ، مما أعطي المهاجرون من ~~الفيء ، حيث خصهم النبي صلى الله عليه وسلم به. {ويؤثرون على أنفسهم} أي : ~~يقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء من أسباب المعاش ، {ولو كان بهم ~~خصاصة} أي : حاجة وخلة ، وأصلها : خصاص البيت ، أي : فروجه. والجملة : حال ~~، أي : يؤثرون في حال خصاصتهم. قال ابن عباس : لما ظفر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأموال بني النضير ، قال للأنصار : إن شئتم قسمتم للمهاجرين من ~~أموالكم ودياركم ، وشاركتموهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم كانت لكم دياركم ~~وأموالكم ، ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة ، فقالت الأنصار : بل نقسم لهم من ~~ديارنا وأموالنا ، ونؤثرهم بالغنيمة ، ولا نشاركهم فيها ، فنزلت. وهذا صريح ~~في أن قوله تعالى : {والذين تبوؤوا الدار} استئناف غير معطوف على الفقراء ~~المهاجرين ، نعم يجوز عطفه عليهم باعتبار شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق ~~، دون الفيء ، فيكون قوله تعالى : {يحبون} وما عطف عليه استئنافا مقررا ~~لصدقهم ، أو حال. قاله أبو السعود. PageV08P014 # قلت : إذا جعلنا قوله تعالى : {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} ~~استئنافا غير مبين لما قبله ، بل في كل فيء يأتي بعد بني النضير ، صح عطف ~~الأنصار ms3063 على فقراء المهاجرين في كل شيء ، وكذا قوله : {والذين جاؤوا من ~~بعدهم} عطف عليهم ، فيكون المعنى : يقسم الفيء للفقراء المهاجرين ، وللذين ~~تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم ، وللذين جاؤوا من بعدهم. ويؤيد هذا ما روي ~~أن عمر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية إلى آخرها قال : هذه الآية استوعبت ~~المسلمين ، ما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا الفيء حق ، إلا ما ملكت ~~أيمانهم. ه. # وقيل : نزلت في ضيف نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يجد عنده شيئا ، ~~فقال صلى الله عليه وسلم : " من يضيف # 10 # هذا ؟ " فقال : رجل من الأنصار - قيل : أبو طلحة ، أنا يا رسول الله ، ~~فلم يجد من الطعام إلا ما يكفي الصبية ، فقال لامرأته : نومي الصبيان ، ~~وأطفئي السراج ، وقربي الطعام ، فنظهر للضيف أنا نأكل معه ، ونمضغ ألسنتنا ~~ليأكل ، فأكل الضيف وحده ، فلما أصبح قال صلى الله عليه وسلم للرجل : " إن ~~الله ضحك من فعلكما " عن أنس : أهدي لبعضهم رأس مشوي ، وهو مجهود ، فوجهه ~~إلى جاره ، وجاره وجهه إلى جاره ، فتداولته تسعة أنفس ، حتى عاد إلى الأول. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 9 PageV08P015 ~~ومن يوق شح نفسه} أي : من يقيه الله شح نفسه حتى يغالبها فيما يغلب عليها ، ~~من حب المال وبغض الإنفاق ، {فأولئك هم المفلحون} ؛ الفائزون بكل مطلوب ، ~~والناجون من كل مرهوب. والشح - بالضم والكسر - : اللؤم ، وأن تكون نفس ~~الرجل كزة حريصة على المنع. وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها ، وأما ~~البخل فهم المنع نفسه ، وقيل : الشح : أكل مال أخيك ظلما ، والبخل : منع ~~مالك ، وقيل : الشح : منع ما عندك والطمع في غيرك ، والبخل : منع مالك من ~~غير طمع ، فالشح أقبح من البخل. والجملة : اعتراض وارد لمدح الأنصار ~~بالسخاء ، بعد مدحهم بالإيثار. وجميع الإشارة باعتبار " من " لأنها واقعة ~~على الجمع. # ثم ذكر التابعين ، فقال : {والذين جاؤوا من بعدهم} هم التابعون بإحسان ~~إلى يوم القيامة ، وقيل : هم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام ، {يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} ، وصفوهم بذلك اعترافا ~~بفضلهم ، وعن عائشة رضي ms3064 الله عنها : " أمروا بأن يستغفروا لهم ، فسبوهم " ~~{ولا تجعل في قلوبنا غلا} أي : حقدا وعداوة {للذين آمنوا} على الإطلاق ، ~~{ربنا إنك رؤوف رحيم} ؛ مبالغ في الرأفة والرحمة ، فأنت حقيق بأن تجيب ~~دعاءنا برأفتك ورحمتك. PageV08P016 # الإشارة : الذين يستحقون المواهب ، والفيض الإلهي والاصطفاء ، ثلاث أصناف ، ~~الأول : الفقراء الذين هاجروا أوطانهم ، وتركوا ديارهم وعشائرهم ؛ طلبا ~~لصلاح قلوبهم وأسرارهم ، والثاني : القوم الذين نزلوا بهم إذا آووهم ~~وآثروهم بأموالهم وأنفسهم ، الثالث : من جاء بعدهم طلبا لذلك ، على الوصف ~~الذي ذكره الحق {يقولون ربنا اغفر لنا...} الخ. قال الورتجبي : قوله تعالى ~~: {والذين تبوؤوا الدار والإيمان...} الخ ، أثنى الله سبحانه على الفقراء ، ~~ووصفهم بأحسن الوصف ، إذ كانوا صادقين في فقرهم ، ثم أثنى على الأغنياء ~~لصدقهم في غناهم ، ووصفهم بالإيمان والمعرفة بالله من قبلهم ولزومهم مواضع ~~قربه ، وخفضهم جناحهم لإخوانهم من الفقراء ، ومحبتهم ، وتقديسهم من الحسد ~~والشح والبغض وحب الدنيا ، ثم وصفهم بالسخاء والإيثار ، فلم يبق في قلوبهم من حب # 11 # الدنيا وجاهها ذرة. ومن سجيته مقدسة من حرص نفسه أفلح وظفر برؤية ربه. ه. ~~قلت : كأنه يشير إلى أن قوله تعالى : {للفقراء المهاجرين} هم أهل السير من ~~المريدين ، وقوله تعالى : {والذين تبوؤوا الدار...} هو الواصلون العارفون ، ~~أي : تبوؤوا دار المعرفة ، حيث سكنوها ، ورسخوا فيها ، وألفوا الإيمان ~~وذاقوا حلاوته. # جزء : 8 رقم الصفحة : 9 PageV08P017 ~~وقوله تعالى : {ويؤثرون على أنفسهم...} الخ ، بعد أن وصفهم بقطع الطمع ~~والحرص ، والزهد فيما لم يملكوا بقوله : {ولا يجدون في صدورهم حاجة} وصفهم ~~بالإيثار فيما ملكوا ، وبذلك يتم تحقيق خروج الدنيا من قلوبهم ، بحيث لا ~~يتعلق القلب بما فات منها ، ولا يمسك ما وجد منها ، بل يؤثر به مع الحاجة ~~إليه ، فالآية تشير إلى سلامة الصدور ، وسخاوة الأنفس ، وهذا كان وصف ~~الصحابة - رضي الله عنهم - وبهذين الخصلتين فاقوا جميع الناس ، وهي أخلاق ~~الصوفية - رضي الله عنهم - قال الشيخ أبو يزيد : ما غلبني أحد غير شاب من ~~بلخ ، قدم حاجا ، فقال : يا أبا يزيد ، ما الزهد عندكم ؟ فقلت : إذا وجدنا ~~أكلنا ، وإذا فقدنا صبرنا ، فقال ms3065 : هكذا عندنا الكلاب ببلخ ، فقلت : وما ~~الزهد عندكم ؟ فقال : إذا وجدنا آثرنا ، وإذا فقدنا شكرنا. ه. وسئل ذو ~~النون : ما حد الزاهد المشروح صدره ؟ فقال : ثلاثة ؛ تفريق المجموع ، وترك ~~طلب المفقود ، والإيثار عند القوت. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 9 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر إلى الذين نافقوا} أي : ألم تر يا محمد ، ~~أو : يا من يسمع ، إلى عبد الله بن أبي وأشياعه ؟ حكاية لما جرى بين الكفرة ~~والمنافقين ، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة ، بعد حكاية محاسن أقوال ~~المؤمنين ، وأحوالهم الحميدة ، على اختلاف طبقاتهم. وقوله تعالى : {يقولون} ~~استئناف لبيان المتعجب منه ، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم ، أو ~~: لاستحضار صورته. واللام في قوله : {لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} ~~للتبليغ ، والمراد بالأخوة : أخوة الكفر ، واللام في قوله : {لئن أخرجتم} ~~موطئة للقسم ، و{لنخرجن} جوابه ، أي : والله لئن أخرجتم من دياركم # 12 PageV08P018 ~~{لنخرجن معكم} ، روي أن ابن أبي وأصحابه دسوا إلى بني النضير ، حين حاصرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم : لا تخرجوا من الحصن ، فإن قاتلوكم فنحن معكم ، ~~لا نخذلكم ، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم ، {ولا نطيع فيكم} ؛ في قتالكم {أحدا ~~أبدا} ، يعني رسول الله والمسلمين ، أو : لا نطيع في خذلانكم وإخلاف ما ~~وعدناكم من النصرة أحدا ، وإن طال الزمان ، {وإن قوتلتم لننصرنكم} ، قال ~~تعالى في تكذيبهم : {والله يشهد إنهم لكاذبون} في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم ~~الفاجرة. # {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم} ، وكان الأمر كذلك ~~، فلم يقدر أحد أن يرفع رأسه لنصرتهم ، ففيه معجزة واضحة ، {ولئن نصروهم} ~~على الفرض والتقدير ، {ليولن الأدبار} فرارا {ثم لا ينصرون} أبدا ، إما ~~المنافقون أو اليهود ، أي : لا تكون لهم شوكة أبدا. وإنما قال : {ولئن ~~نصروهم} بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم ، أي : على الفرض والتقدير كقوله : ~~{لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر : 65] ، والحق تعالى كما يعلم ما يكون ، ~~يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 12 # لأنتم أشد رهبة} أي : أشد مرهوبية ، مصدر : رهب ، المبني للمفعول ، أي : ~~أنتم أشد ms3066 خوفا {في صدورهم من الله} دلالة على نفاقهم ، يعني : إنهم يظهرون ~~لكم في العلانية خوف الله ، وأنتم أهيب في صدورهم من الله ، {ذلك} أي : ما ~~ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله {بأنهم قوم لا يفقهون} شيئا حتى ~~يعلموا عظمة الله تعالى ، فيخشوه حق خشيته. PageV08P019 # {لا يقاتلونكم} أي : اليهود والمنافقون ، أي : لا يقدرون على قتالكم ~~{جميعا} ؛ مجتمعين متفقين في موطن من المواطن ، {إلا في قرى محصنة} ، ~~بالدروب والخنادق ، {أو من وراء جدر} دون أن يصحروا ويبارزوكم ؛ لفرط ~~رهبتهم. وقرأ المكي : " جدار " بالإفراد. {بأسهم بينهم شديد} ، بيان لما ~~ذكر من أن رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم ، فإن بأسهم بالنسبة إلى ~~أقرانهم شديد ، وإنما ضعفهم وجبنهم بالنسبة إليكم ، بما قذف الله تعالى في ~~قلوبهم من الرعب. # {تحسبهم} أي : المنافقين واليهود {جميعا} أي : مجتمعين ذوي ألفة واتحاد ، ~~{وقلوبهم شتى} ؛ متفرقة لا ألفة بينها. قال ابن عطية : وهذه حالة الجماعة ~~المتخاذلة. ه. يعني : أن بينهم إحنا وعداوات ، فلا يتعاضدون حق التناصر ولا ~~ينصرون أبدا. قال القشيري : اجتماع النفوس مع تنافر القلوب أصل كل فساد ، ~~وموجب كل تخاذل ، واتفاق القلوب ، والاشتراك في الهمة ، والتساوي في القصد ~~، يوجب كل ظفر وسعادة. ه. وما وصف به الحق تعالى المنافقين واليهود كله ~~تجسير للمؤمنين ، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. {ذلك} التفرق {بأنهم قوم لا ~~يعقلون} شيئا ، حتى يعرفوا الحق ويتبعوه ، وتطئمن به قلوبهم ، وتتحد كلمتهم ~~، ويرموا عن قوس واحدة ، لكن لما جهلوا الحق # 13 # تشتتت طرقهم ، وتشتتت القلوب حسب تشتت الطرق ، وأما ما قيل من أن المعنى ~~: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قلوبهم ، فبعيد. PageV08P020 # الإشارة : إذا حاصر المريد قرية القلب ليخرج منها الأوصاف المذمومة لتتهيأ ~~لسكنى سلطان المعرفة ، تقول الحظوظ والأهوية المنافقة للنفس ، وأوصافها ~~اليهودية : لا تخرجوا ، فنحن نعاونكم ، وفي نصرتكم ، لئن أخرجتم لنخرجن ~~معكم ، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ، وإن قوتلتم بالمجاهدة والرياضة ؛ ~~لننصرنكم بالتخاذل والتثبط ، والله يشهد أنهم لكاذبون ؛ إذ لا قدرة لشيء ~~إلا بإذن الله. {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم...} الآية. ms3067 لا يقاتلونكم جميعا ~~، أي : لا يجتمع جند الهوى النفس على قتالكم ، إلا في قلوب غافلة ، شديدة ~~العلائق والمساوىء محصنة من دخول النور بأسوار الشواغل والعلائق ، أو : ~~توسوس من وراء جدر الإيمان ، وأما القلوب الفارغة من الشواغل ، المطهرة من ~~المساوئ ، فإنما يقاتلها البعض الباقي فيها. بأسهم بينهم شديد ، أي : الحرب ~~بينهم سجال ، إذا غلب جند النفس استولت ظلماتها على الروح ، وإذا غلب جند ~~القلب والروح استولى النور على ظلمة النفس ، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ، أي ~~: تظنون أن مهاوي الهوى ومهاوي النفس واحدة ، وقلوبهم شتى ، فالأهواء ~~مختلفة ، والحظوظ متفاوتة ، والمساوىء متفرقة ، فلكل شخص حظ ، ولكل نفس هوى ~~غير ما يشتهي الآخر ، وذلك بأنهم قوم لا يعقلون ، ولو عقلوا لاتفقت أهواؤهم ~~في محبة الله ورسوله ، قال صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون ~~هواه تابعا لما جئت به ". # جزء : 8 رقم الصفحة : 12 PageV08P021 ~~يقول الحق جل جلاله : مثلهم ، أي : مثل اليهود في حلول البأس بهم {كمثل ~~الذين من قبلهم} وهم أهل بدر {قريبا} أي : استقر من قبلهم زمنا قريبا ، ~~فكانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من بدر ، كما صدر به البخاري عن ~~الزهري. ثم قال : وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد. ه. قلت : وهو ~~الموافق لما تقدم في صدر السورة ، وهو المشهور ، {ذاقوا وبال أمرهم} أي : ~~ذاقوا سوء عاقبة أمرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القتل ~~في الدنيا ، {ولهم} مع ذلك في الآخرة {عذاب أليم}. # ومثل المنافقين {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك # 14 # إني أخاف الله رب العالمين} أي : مثل المنافقين في أغوائهم اليهود على ~~القتال ، ووعدهم إياهم النصر ، ثم مشاركتهم لهم وخذلانهم كمثل الشيطان إذ ~~استغوى الإنسان بكيده ، ثم تبرأ منه في العاقبة. وقيل : المراد : استغواؤه ~~قريشا يوم بدر ، وقوله : {لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} ~~[الأنفال : 48] إلى قوله : {إني برياء منكم} [الأنفال : 48]. قال أبو ~~السعود : وقد أجمل في النظم الكريم ، حيث أسند كلا ms3068 من الخبرين إلى المقدر ~~المضاف إلى ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه ، ثقة بأن ~~السامع يرد كلا من المثالين إلى ما يماثله ، كأنه قيل : مثل اليهود في حلول ~~العذاب ، كمثل الذين من قبلهم... الخ ، ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم ~~على القتال حسبما تقدم عنهم كمثل الشيطان...الخ. ه. {فكان عاقبتهما} أي : ~~عاقبة الإنسان الكافر والشيطان ، {أنهما في النار خالدين فيها} ، ف " ~~عاقبتهما " : خبر كان ، و" أنهما " اسمها ، و" خالدين " : حال. {وذلك جزاء ~~الظالمين} أي : الخلود في النار جزاء كل ظالم. وذكر الثعلبي هنا قصة برصيصا ~~الراهب الطويلة ، فانظرها فيه ، ففيها عبرة ، وقيل : فيه نزلت الآية. PageV08P022 # جزء : 8 رقم الصفحة : 14 # الإشارة : مثل الأوصاف المذمومة حيث ترد عليها أنوار الشهود ؛ كمثل كفار ~~قريش حين استولت عليها الأنصار والمهاجرون ، وأمدهم الله بملائكة السماء ، ~~فهزموهم وقتلوهم ، ودفنوهم في القليب ، ومثل النفوس الأمارة وجنودها ، كمثل ~~الشيطان يوسوس بالمعاصي ، ثم يرجع ، فكان عاقبتهما إذا أطاعه الإنسان أنهما ~~في النار القطيعة خالدين فيها ، وذلك جزاء الظالمين لنفوسهم ، حيث حرموها ~~الوصول. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 14 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} في كل ما تأتون ~~وتذرون ، {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} أي : أي شيء قدمت من الأعمال الصالحة ~~ليوم القيامة. سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له ، أو عبر عن الآخرة ~~بالغد ، كأن الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد ، وتنكيره لتفخيمه وتهويله ، ~~كأنه قيل : لغد لا يعرف كنهه لغاية عظمه. وعن مالك بن دينار : مكتوب على ~~باب الجنة : وجدنا ما عملنا ، ربحنا ما قدمنا ، خسرنا ما خلفنا. {واتقوا ~~الله} ، كرر تأكيدا للأمر بالتقوى ، أو الأول في أداء الواجبات ، كما يشعر ~~به ما بعده من الأمر بالعمل ، وهذا في ترك المعاصي ، كما يؤذن به الوعيد في ~~قوله : {إن الله خبير بما تعملون} أي : من المعاصي. # {ولا تكونوا كالذين نسوا الله} أي : نسوا حقوقه تعالى أو : تركوا ذكره ، ~~{فأنساهم أنفسهم} ؛ # 15 # فأهملهم ولم يذكرهم بتوفيق ولا هداية ، أو : جعلهم ناسين ms3069 لها حتى لم ~~يسمعوا ما ينفعها ، ولم يفعلوا ما يخلصها ، أو : أراهم يوم القيامة من ~~الأهوال ما أنساهم أنفسهم ، {أولئك هم الفاسقون} ؛ الكاملون في الفسق. PageV08P023 # {لا يستوي أصحاب النار} الذي نسوا الله فاستحقوا الخلود في النار {وأصحاب ~~الجنة} الذين اتقوا الله ، فاستحقوا الخلود في الجنة ، {أصحاب الجنة هم ~~الفائزون} ، وهذا تنبيه وإيقاظ وإيذان بأن غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة ، ~~وتهالكهم ، على إيثار العاجلة واتباع الشهوات ، كأنهم لايعرفون الفرق بين ~~الجنة والنار ، والبون العظيم بين أصحابها ، وأن الفوز العظيم لأصحاب الجنة ~~، والعذاب الأليم لأصحاب النار ، فمن حقهم أن يعلموا وينتبهوا له ، كما ~~تقول لمن يعق أباه : هو أبوك ، تجعله بمنزلة من لا يعرفه ؛ لتنبهه بذلك على ~~حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطف. واستدل بالآية على أن المسلم لا يقتل ~~بالكافر ، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين ، ورد بأن عدم الاستواء ~~إنما هو في الأحوال الأخروية ، لا الدنيوية. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 15 # الإشارة : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} ، أن تشهدوا معه سواه ~~{ولتنظر نفس ما قدمت لغد} من المعرفة ، فإن الشهود يوم القيامة على قدر ~~المعرفة هنا ، " واتقوا الله " فلا تؤثروا عليه سواه ، {ولا تكونوا كالذين ~~نسوا الله} أي : ذكره والتوجه إليه ، " فأنساهم أنفسهم " أي : غيبهم عن ~~إصلاحها وعلاجها ، حتى ماتت في أودية الخواطر والشكوك ، " أولئك هم ~~الفاسقون " الخارجون عن الحضرة المقدسة. " لا يستوي أصحاب النار " أي : نار ~~القطيعة والحجاب " وأصحاب الجنة " أي : جنة المعارف ، " أصحاب الجنة هم ~~الفائزون " بكل مطلوب ، الناجون من كل مرهوب. # جزء : 8 رقم الصفحة : 15 PageV08P024 ~~يقول الحق جل جلاله : {لو أنزلنا هذا القرآن} العظيم الشأن ، المنطوي على ~~فنون القوارع ، {على جبل} من الجبال ، مع كونه علما في القسوة وعدم التأثير ~~بما يصادمه ، {لرأيته خاشعا} ؛ خاضعا متصدعا متشققا {من خشية الله} أي : من ~~شأن القرآن وعظمته أنه لو جعل في الجبل تمييز ، ونزل عليه ، لخضع وتطأطأ ~~وتشقق من خشية الله ، وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن ، وقوة تأثير ما ~~فيه من المواعظ ، كما ms3070 ينطق به قوله تعالى : {وتلك الأمثال نضربها للناس ~~لعلهم يتفكرون} ، وهي إشارة إلى هذا المثل ، وإلى أمثاله في مواضع من ~~التنزيل. والمراد : توبيخ الإنسان على قسوة قلبه ، وقلة تخشعه عند تلاوة # 16 # القرآن ، وتدبر قوارعه وزواجره. PageV08P025 # الإشارة : قال ابن عطاء : أشار إلى فضله على أوليائه وأهل معرفته ، أن شيئا ~~من الأشياء لا يقوم لصفاته ، ولا يبقى مع تجليه ، إلا من قواه الله على ذلك ~~، وهو قلوب العارفين. ه. قلت : وهذا في تجلي الصفات ، فما بالك بتجلي الذات ~~؟ ! فلا يطيقه إلا قلوب الراسخين المقربين ، وقال العارف الورتجبي : لو ~~كانت الجبال مقام الإنسان في الخطاب لتدكدكت الجبال ، وتذررت ، وانفلتت ~~الصخور الصم ، وانهدمت الشامخات العاليات ، في سطوات أنواره ، وهجوم سنا ~~أقداره ، وذلك بأنها عرفت حقيقة ، وأقرت بالعجز عن حمل هذا الخطاب العظيم ~~حيث قال سبحانه : {فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} [الأحزاب : 72]. قلت : ~~وكأنه يشير إلى أن تجلي صفة كلامه من جملة الأمانة التي عرضت على السموات ~~والأرض والجبال ، فأبين أن يحملنها ، وهذه الأمانة هي تجلي الذات وتجلي ~~الصفات ، فلم يطق حملها إلا الإنسان الكامل ، وهو العارف الحقيقي ، أما عن ~~تجلي الذات فقد أشفقت من حمله السموات والأرض والجبال ، حسبما تقدم. أما ~~تجلي الصفات ؛ فذكر هنا أنه لو تجلت للجبل لخضع وتشقق ولم يطق حملها ، فلو ~~زالت حجب الغفلة عن القلوب لذابت من هيبة تجلي صفة كلامه وخطابه تعالى ، ~~إلا أن الله تعالى قوى قلوب أوليائه حتى أطاقوا شهود ذاته ، وسماع خطابه ، ~~بعد انقشاع الحجب عن قلوبهم. ثم قال الورتجبي : ولا تخض يا أخي في بحر كلام ~~المتكلمين أن الجبال ليس لها عقل ، فإن هناك أرواحا وعقولا لا يعلمها إلا ~~الله {يآجبال أوبي معه} [سبأ : 10] ولو لا هناك ما يقبل الخطاب لما خاطبها ~~، فإن ببعض الخطاب ومباشرة الأمر تهبط من خشية الله ، قال الله تعالى : ~~{وإن منها لما يهبط من خشية الله} [البقرة : 74] والخشية : مكان العلم ~~بالله وبخطابه. ه. قلت : أسرار المعاني القائمة بالأواني سارية في الجمادات ~~وغيرها ، فهي عاقلة عالمة في باطن الأمر. ms3071 PageV08P026 # والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 16 # يقول الحق جل جلاله : {هو الله الذي لا إله إلا هو} وحده {عالم الغيب ~~والشهادة} أي : ما غاب عن الحس من الأسرار القديمة ، وما حضر له من الأجرام ~~الحسية. قال الورتجبي : أي : عالم بالمعلومات الغيبية قبل وجودها ، وبعد ~~وجودها ، لا يزيد علمه بالغيب علمه بالعلانية ، لا علمه بالعلانية علمه ~~بالغيب. ه. وتقديم الغيب على # 17 # الشهادة لتقدمه في الوجود ، وتعلق العلم القديم به ، أو : المراد بالغيب ~~: المعدوم ، وبالشهادة : الموجود ، أو السر والعلانية ، {هو الرحمن الرحيم} ~~أي : الرحمن بجلائل النعم ، والرحيم بدقائقها ، أو : الرحمن بنعمة الإيجاد ~~، والرحيم بنعمة الإمداد. # {هو الله الذي لا إله إلا هو} ، كرر لإبراز الاعتناء بأمر التوحيد ، ~~{الملك} ؛ المتصرف بالإطلاق ، الذي لا يزول ملكه أبدا ، {القدوس} ؛ البليغ ~~في النزاهة عما لا يليق به. وقرىء بالفتح ، وهي لغة فيه ، {السلام} ذو ~~السلامة من كل نقص ، أو : الذي يسلم الخلق من ظلمه ، أو : ذو السلام على ~~أوليائه يوم القيامة ، {المؤمن} ؛ واهب الأمن ، أو : المؤمن من عذابه من ~~أطاعه ، أو المصدق لعباده إذا وحدوه ، أو : المصدق للرسل بالمعجزات ، ~~{المهيمن} ؛ الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل ، من : الأمن ، بقلب همزته هاء ، ~~{العزيز} ، الغالب الذي لا يغلب ، {الجبار} الذي جبر خلقه على ما أراد ، أو ~~: جبر أحوالهم ، أي : أصلحها ، {المتكبر} الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو ~~نقصا ، أو : البليغ الكبرياء والعظمة. {سبحان الله عما يشركون} ، نزه ذاته ~~عما يصفه به المشركون إثر تعداد صفاته التي لا يمكن أن يشارك في شيء منها أصلا. PageV08P027 # {هو الله الخالق} ؛ المقدر للأشياء على مقتضى حكمته ، {البارىء} ؛ الموجد ~~لها برية من التفاوت ؛ وقيل : المميز بعضها من بعض بالأشكال المختلفة ، ~~{المصور} ؛ الموجد لصورها وكيفيتها كما أراد. قال الغزالي : الخالق من حيث ~~إنه مقدر ، البارىء من حيث إنه موجد ، المصور ، من حيث أنه مصور صور ~~المخترعات أحسن ترتيب ، ومزينها أحسن تزيين. ه. قلت : وحاصل كلامه : أن ~~الخالق يرجع للإرادة ، والبارىء للقدرة ، والمصور للحكمة ، والأحسن : أن ~~يقال : إن الخالق : المخترع للأشياء ms3072 من غير أصل ، البارىء : المهيىء كل ~~ممكن لقبول صورته ، فهو من معنى الإرادة ؛ إذ متعلقه التخصيص ، المصور : ~~المعطي كل مخلوق ما هيىء له من صورة وجوده بحكمته ، فهو معاني اسمه " ~~الحكيم ". # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 17 # له الأسماء الحسنى} لدلالتها على المعاني الحسنة ، وتقدم عدها في آخر ~~الإسراء. {يسبح له ما في السموات والإرض} ؛ ينطق بتنزيهه عن جميع النقائص ~~تنزيها ظاهرا ، {وهو العزيز} لا يغلب ، {الحكيم} الذي لايمكن الاعتراض عليه ~~في شيء من تقديراته. ختم السورة بما بدأ به من التسبيح. عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أنه قال : سألت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله ~~الأعظم ؟ فقال : " عليك بآخر الحشر ، فأكثر قراءته " ، فأعدت عليه ، فأعاد ~~علي فأعدت عليه ، فأعاد علي ، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من قال ~~حين يصبح ثلاث مرات : أعوذ بالله السيمع # 18 PageV08P028 ~~العليم ، من الشيطان الرجيم ، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ، وكل الله ~~سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي ، فإذا مات في ذلك اليوم مات شهيدا ، ~~ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة " رواه الترمذي. وأسند ابن جزي حديثا ~~إلى عبد الله بن مسعود : أنه قال : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما ~~انتهيت إلى آخر الحشر ، قال : " ضع يدك على رأسك " قلت : ولم ذلك يا رسول ~~الله ؟ قال : " أقرأني جبريل القرآن ، فلما انتهيت إلى آخر الحشر ، قال : ~~ضع يدك على رأسك يا محمد ، قلت : ولم ذاك ؟ قال : إن الله تبارك وتعالى ~~افتتح القرآن فضرب فيه ، فلما انتهى إلى آخر الحشر ، أمر الملائكة أن تضع ~~يدها على رؤوسها ، فقالت : يا ربنا ولم ذلك ؟ قال : لأنه شفاء من كل داء ~~إلا السام " وسمعت من شيخنا الفقيه الجنوي أنه حديث ضعيب ، يعمل به الإنسان ~~وحده ، فإذا كان مع الناس تركه ، لئلا تعتقد العامة أنه مندوب أو واجب. ه. # الإشارة : قد ذكرنا في تفسير الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق ~~والتحقق بهذه الأسماء. وقال الورتجبي : بين بقوله : " الأسماء " أن لذاته ms3073 ~~النعوت والأسامي القديمة المقدسة عن الإشراك والإدراك ، فلما ظهر بهذه ~~الأوصاف أظهر أنوار صفاته في الآيات ، وألبس أرواح نوره الأرواح والأشباح ~~والأعصار والأدهار والشواهد والحوادث ، فسبحه الكل بألسنة نورية غيبية ~~صفاتية ، لقوله : {يسبح له...} الآية ، قلت : أرواح نوره هي أسرار ذاته ~~اللطيفة السارية في الأشباح والأرواح والجمادات وجميع الموجودات ، التي بها ~~قامت. قال : ثم بين أنه منزه بتنزيهه عن تنزيههم وإدراكهم وعلمهم بقوله : ~~{وهو العزيز الحكيم} العزيز عن الإدراك ، الحكيم في إنشاء الأقدار. تعالى ~~الله عما أشار إليه الواصف الحدثاني واللسان الإنساني. ه. # 19 # جزء : 8 رقم الصفحة : 17 PageV08P029 ### | AUTO سورة الممتحنة # جزء : 8 رقم الصفحة : 19 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء} أي : أصدقاء ، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ، وذلك أنه لما تجهز رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لغزوة الفتح ، كتب إلى أهل مكة ، إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يرديكم ، فخذوا حذركم. وفي رواية : كتب : إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسير إليكم بجيش كالليل ، يسيل كالسيل ، فالحذر الحذر ، ~~وأرسله مع " ساره " مولاة بني المطلب ، وقيل : كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ~~، فنزل جبريل عليه السلام بالخبر ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ~~وعمارا ، وطلحة ، والزبير ، والمقداد ، وأبا مرثد ، وقال : " انطلقوا حتى ~~تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة ، معها كتاب إلى أهل مكة ، فخذوه منها ، ~~وخلوها ، فإن أبت فاضربوا عنقها " فأدركوها ثمة ، فجحدت ، فسل علي سيفه ، ~~فأخرجته من عقاصها. زاد النسفي : أنه عليه السلام أمن يوم الفتح جميع الناس ~~إلا أربعة ، هي أحدهم ، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا ، وقال ~~: " ما حملك على # 20 # هذا " ؟ فقال : يا رسول الله! ما كفرت منذ أسلمت ، ولا غششت منذ نصحت ، ~~ولكني كنت امرءا ملصقا في قريش ، ليس لي فيهم من يحمي أهلي ، فأردت أن أتخذ ~~عندهم يدا ، وعملت أن كتابي لا يغني شيئا ، فصدقه صلى الله عليه وسلم ، ~~وقبل عذره ، فقال عمر : دعني يا رسول الله ms3074 أضرب عنق هذا المنافق ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه سلم : " وما يدريك يا عمر ، لعل الله قد اطلع على ~~أهل بدر ، فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ففاضت عينا عمر رضي ~~الله عنه ، أي : من بكاء الفرح. والعدو : فعول ، من : عدا ، ولكونه على زنة ~~المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. وفي الآية دليل على أن الكبيرة ~~لا تسلب الإيمان. # جزء : 8 رقم الصفحة : 20 PageV08P030 ~~وقوله : {تلقون إليهم بالمودة} : حال ، أي : لا تتخذوهم أولياء ملقين إليهم ~~، أو : استئناف ، أو : صفة لأولياء ، أي : توصلون إليهم المودة ، على أن ~~الباء زائدة ، كقوله : {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة : 195] ، ~~أو : تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم ~~وبينهم ، فتكون أصلية. {وقد كفروا بما جاءكم من الحق} : حال من فاعل " ~~تتخذوا " أو " تلقون " ، أي : لا تتولوهم ، أو : لا تودوهم وهذه حالتهم ~~يكفرون {بما جاءكم من الحق} ؛ الإسلام ، أو : القرآن ، جعلوا ما هو سبب ~~الإيمان سبب الكفر. {يخرجون الرسول وإياكم} من مكة ، وهواستئناف مبين ~~لكفرهم وعتوهم ، أو حال من " كفروا ". وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. ~~وقوله : {أن تؤمنوا بالله ربكم} تعليل للإخراج ، أي : يخرجونكم لإيمانكم ، ~~{إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي} ، هو متعلق ب " لاتتخذوا " ~~كأنه قيل : لا تودوا أعدائي إن كنتم أوليائي. # {تسرون إليهم بالمودة} أي : تفضون إليهم بمودتكم سرا ، أو تسرون إليهم ~~أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة ، وهو استئناف وارد على ~~نهج العتاب والتوبيخ. {وأنا أعلم} أي : والحال أني أعلم منكم {بما أخفيتم ~~وما أعلنتم} ومطلع رسولي على ما تسرون ، فإني طائل لكم في الإسرار ، وقيل : ~~الباء زائدة ، و" أعلم " مضارع و" ما " موصولة ، أو مصدرية. {ومن يفعله ~~منكم} أي : الاتخاذ {فقد ضل سواء السبيل} ؛ فقد أخطأ طريق الحق والصواب. # {إن يثقفوكم} أي : يظفروا بكم {يكونوا لكم أعداء} أي : يظهروا ما في ~~قلوبهم من العداوة ، ويرتبوا عليها أحكامها ، {ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء} ؛ بما يسوؤكم من القتل والأسر. {وودوا لو ms3075 تكفرون} أي : ~~تمنوا ارتدادكم. وصيغة الماضي لتحقق ودادهم قبل أن يثقفوكم. PageV08P031 # {لن تنفعكم أرحامكم} ؛ قراباتكم {ولا أولادكم} الذين توالون المشركين ~~لأجلهم ، وتتقربون إليهم محاماة عليهم ، {يوم القيامة يفصل بينكم} وبين ~~أقاربكم # 21 # وأولادكم ، بما اعتراكم من أهوال ذلك اليوم ، حسبما نطق به قوله تعالى : ~~{يوم يفر المرء من أخيه...} [عبس : 34-36] الآيات ، ويحتمل أن يكون ظرفا ل ~~" تنفعكم " ، أي : لا تنفعكم أقاربكم يوم القيامة ، ثم استأنف بقوله : ~~{يفصل بينكم} لبيان عدم نفعهم. وهنا قراءات بيناها في غير هذا. {والله بما ~~تعملون بصير} فيجازيكم على أعمالكم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 20 # الإشارة : أعدى الأعادي إليك نفسك ، فهي عدوة لله ولرسوله ولأوليائه ؛ ~~لأنها أمارة بالسوء ، ويضاف إليها جنودها ، فيقال {يا ايها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} ، من النفس وجنودها ، تلقون إليهم بالمودة ~~والموافقة ، وقد كفروا بما جاءكم من الحق من طريق المجاهدة ، يخرجون الرسول ~~: الوارد الحقيقي ، أو الإيمان العياني ، من قلوبكم ، ويخرجونكم من الحضرة ~~كراهة أن تؤمنوا بالله ربكم إيمانا حقيقيا ، إن كنتم خرجتم عن هواكم جهادا ~~في سبيلي ، وابتغاء مرضاتي ومعرفتي ، تسرون إليه بالمودة والموافقة ، وأنا ~~أعلم بما أخفيتم من الميل إلى حظوظها ، وما أعلنتم ، ومن يفعله أي : الميل ~~عن طريق المجاهدة فقد ضل سواء السبيل ؛ طريق الوصول ، فقد قيل : " من ~~رأيته يتبع الرخص والشهوات ، فاعلم أنه لا يأتي منه شيء ". لن تنفعكم ~~أقاربكم ولا حظوظكم ، بدلا من الله شيئا " ماذا وجد من فقدك " ، فالحظوظ ~~الفانية تفنى وتبقى الحسرة والندامة. يوم القيامة يفصل بينكم وبينها ؛ ~~لفنائها ، أو بينكم وبين ما تشتهون من دوام النظرة ، والله بما تعملون بصير ~~، فيجازي على قدر الكد والتعب. # جزء : 8 رقم الصفحة : 20 PageV08P032 ~~يقول الحق جل جلاله : {قد كانت لكم أسوة} أي : قدوة {حسنة} أو : خصلة حميدة ~~، حقيقة بأن يرتقى بها ويقتدى ، كائنة {في إبراهيم والذين معه} من أصحابه ~~المؤمنين ، أو : الأنبياء المعاصرين له ، وقريبا من عصره ، ورجحه الطبري ~~وغيره ؛ لأنه لم يروا لإبراهيم أتباع مؤمنون وقت مكافحته نمرودا. وقد قال ~~لسارة ، حين رحل ms3076 بها إلى الشام : " ليس على وجه الأرض من يعبد الله غيري ~~وغيرك ". {إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم} ، جمع بريء ، كظريف وظرفاء ، أي ~~: نتبرأ منكم {ومما تعبدون من دون الله} من الأصنام ، {كفرنا بكم} أي : ~~بدينكم ، أو : معبودكم ، أو : بكم وبأصنامكم ، فلا نعتد # 22 # بشأنكم وبآلهتكم ، {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا} أي : هذا ~~دأبنا أبدا {حتى تؤمنوا بالله وحده} وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك ، ~~فتنقلب العداوة حينئذ ولاية ، والبغضاء محبة. # وحاصل الآية : أن الحق تعالى يقول : إن كانت عداوة الكفار لكم إنما هي ~~لأجل إيمانكم بالحق ، فعادوهم أنتم ، وكافحوهم بالعداوة ، وأظهروا البغضاء ~~لهم والمقت ، وصرحوا أن سبب العداوة ليس إلا كفركم بالله ، وما دام هذا ~~السبب قائما كانت العداوة ، حتى إن أزلتموه انقلبت العداوة مولاة ، وأنتم ~~مقتدون في ذلك بالخليل عليه السلام وسائر الأنبياء ، حيث كافحوا الكفار ~~بالعداوة ، وتوكلوا على الله. قال ابن عطية : هذه الأسوة مقيدة بالتبري من ~~المشركين وإشراكهم ، وهو مطرد في كل ملة ، وفي نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أسوة حسنة على الإطلاق ، في العقائد وفي أحكام الشرع. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 22 PageV08P033 ~~فلكم أسوة فيمن تقدم. {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} ، وذلك لموعدة ~~وعدها إياه ، أي : اقتدوا به في كل شيء ، ولا تقتدوا به في استغفاره لأبيه ~~الكافر. واستغفاره عليه السلام لأبيه الكافر جائز عقلا وشرعا قبل النهي ، ~~لوقوعه قبل تبين أنه من أصحاب الجحيم ، لكنه ليس مما ينبغي أن يؤتسى به ~~أصلا. {وما أملك لك من الله من شيء} أي : من هداية ومغفرة وتوفيق. وهذه ~~الجملة من تمام قول المستثنى ، كأنه قال : أستغفر لك وما في طاقتي إلا ~~الاستغفار ، إظهارا للعجز وتفويضا للأمر. {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا} ~~أي : أقبلنا ، {وإليك المصير} ؛ المرجع ، وهو من تمام ما نقل عن إبراهيم ~~عليه السلام ومن معه من الأسوة الحسنة ، وهو راجع لما قبل الاستثناء ، ~~قالوه بعد المهاجرة ونشر البغضاء ، التجاء إلى الله تعالى في جميع أمورهم ، ~~لا سيما في موافقة الكفرة ، وكفاية شرورهم ms3077 ، وقيل : معناه : قولوا ، فيكون ~~أبتداء كلام خطابا لهذه الأمة ، وضعفه أبو السعود. وتقديم المعمول لقصر ~~التوكل والإنابة والمصير عليه تعالى. # {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} بأن تسلطهم علينا ، فيفتنونا بعذاب لا ~~نطيقه ، {واغفر لنا} ما فرط منا ، {ربنا إنك أنت العزيز} الذي لا يذل من ~~التجأ إليه ، ولا يخيب رجاء من توكل عليه ، {الحكيم} الذي لا يفعل إلا ما ~~فيه حكمة بالغة. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع والالتجاء. PageV08P034 # {لقد كان لكم فيهم} ؛ في إبراهيم ومن معه {أسوة حسنة} ، تكرير للمبالغة في ~~الحث على الاقتداء به ، ولذلك صدره بالقسم. وقوله : {لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر} بدل من " لكم " ، وحكمته : الإيذان بأن من يؤمن بالله واليوم ~~الآخر لا يترك الاقتداء بهم ، وأن تركه مخل بالإيمان بهما ، كما ينبىء عنه ~~قوله تعالى : {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} ، فإنه إنما يوعد ~~بأمثاله الكفرة ، أي : هو الغني عن الخلق ، الحميد المستحق للحمد وحده. # 23 # الإشارة : ينبغي للمريد أن يكون إبراهيميا ، يتبرأ من كل ما يشغله عن ~~الله ، أيا من كان ، ويظهر العداوة والبغضاء لكل من يقطعه عن مولاه ، حتى ~~يوافقه على طريقه وسيرته ، إلا على وجه النصيحة والدعاء إلى الله ، إن كان ~~أهلا لذلك ، فيذكر من خالفه في طريقه ، فإن أيس منه استغفر له ، ودعا له ~~بالهداية ، مقرا بالعجز عن هدايته وتوفيقه ، ثم يلتجىء إلى مولاه في جميع ~~أموره ، ويتحصن بالله من فتنة أهل الظلم والغفلة. والله غالب على أمره. # جزء : 8 رقم الصفحة : 22 # يقول الحق جل جلاله : {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم} ؛ ~~من أقاربكم المشركين ، {مودة} بأن يوافقوكم في الدين. وعدهم بذلك لما رأى ~~منهم من التصلب في الدين ، والتشديد في معاداة أقربائهم ، تطييبا لقلوبهم ، ~~ولقد أنجز وعده الكريم ، فأسلم كثير منهم يوم فتح مكة ، فتصافوا ، وتوادوا ~~، وصاروا أولياء وإخوانا ، وخالطوهم وناكحوهم. و" عسى " من الله واجبة ~~الوقوع. {والله قدير} أي : مبالغ في القدرة على تغيير الأحوال وتسهيل أسباب ~~المودة ، {والله غفور رحيم} ، فيغفر لمن ms3078 أسلم من المؤمنين ويرحمهم ، أو : ~~غفور لما فرط منكم من مولاتهم قبل ، وما بقي في قلوبكم من ميل الطبع إلى ~~الرحم بعد ، رحيم لمن لم تبق فيه بقية. PageV08P035 # الإشارة : عسى الله أن يجعل بينكم وبين نفوسكم ، التي عاديتموها وخالفتموها ~~، وقطعتم مواد هواها ، مودة ، حين تتهذب وتتأدب وترتاض بالمجاهدة ، فالواجب ~~حينئذ البرور بها ، والإحسان إليها ، لأنها انقلبت روحانية ، تصطاد بها ~~العلوم اللدنية ، والمعارف الربانية ، وفيها يقول شيخ شيوخنا ، سيدي عبد ~~الرحمن المجذوب رضي الله عنه : # سايس من النفس جهدك # صبح ومس عليها # لعلها تدخل في يدك # تعود تصطاد بها # فالآية تسلية وترجية لأهل المجاهدة من السائرين دون الواصلين ؛ فإن ~~المجاهدة لا تكون إلا قبل المشاهدة ، أو : تكون تسلية لهم عند مقاطعة ~~أقاربهم وعشائرهم ، حين فروا عنهم لله ، بأن يهديهم الله ، حتى يوافقوهم ~~على طريقهم. وبالله التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 23 # يقول الحق جل جلاله : {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} أي : لا ينهاكم عن البر بهؤلاء ، ف " أن ~~تبروهم " : بدل من الموصول ، {وتقسطوا إليهم} أي : تقضوا إليهم بالقسط ، أي ~~: بالعدل ، ولا تظلموهم ، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك ، فكيف في حق ~~المسلم ؟ {إن الله يحب المقسطين} ؛ الحاكمين بالعدل ، روي أن " قتيلة بنت ~~عبد العزى " قدمت مشركة على بنتها " أسماء بنت أبي بكر " رضي الله عنه ، ~~بهدايا ، فلم تقبلها ، ولم تأذن لها بالدخول فنزلت ، وأمرها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن تقبل منها ، وتكرمها ، وتحسن إليها. وقيل : المراد بهم ~~خزاعة ، وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يقاتلوه ، ولا ~~يعينوا عليه. قال المحلي : وهذا قبل الأمر بجهادهم. ومثله لابن عطية ، فإنه ~~نقل الخلاف ، ثم قال : وعلى أنها في الكفار فالآية منسوخة بالقتال. ه. PageV08P036 # قال الكواشي : نزلت رخصة في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم. ثم ~~قال : وفي هذه الآية دلالة على جواز صلة الكفار ، الذين لم ينصبوا لحرب ~~المسلمين ، وبرهم ، وإن انقطعت الموالاة بينهم. ه. قال القشيري ms3079 : من كان ~~فيهم حسن خلق ، أو للمسلمين منهم رفق ، أمروا بالملاينة معهم ، شاهد هذه ~~الجملة : " إن الله يحب الرفق في الأمر كله ". ه. المحشي. وهذا : فيما لا ~~ضرر فيه للمسلمين ، وفي المدارك : حكى الدارقطني أن عبد وزير المعتضد دخل ~~على القاضي إسماعيل ، وكان نصرانيا ، فقام له ورحب به ، فرأى إنكار من عنده ~~، فقال : علمت إنكاركم ، وقد قال تعالى : {لا ينهاكم الله...} الآية ، وهذا ~~رجل يقضي حوائج المسلمين ، وهو سفير بيننا وبين المعتضد ، وهذا من البر ، ~~فسكت الجماعة عند ذلك. ه. قال البرزلي : ولعله رأى ذلك ضرورة ، وتأنس بظاهر ~~الآية ، وخاف من أذاه إن لم يفعل ذلك. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 24 # وفي حديث الجامع : " بعثت بمداراة الناس " ، قيل : والفرق بينها وبين ~~المداهنة : أن المداهنة : إظهار الرضا بفعل الفاسق من غير إنكار عليه ، ~~والمداراة : هي الرفق في تعليم الجاهل ، والملاطفة في نهي الفاسق عن فعله ، ~~وقد قال تعالى : {فقولا له قولا لينا} [طه : 44] ، وقيل : المداهنة : ترك ~~الدين بالدنيا ، والمداراة : بيع الدنيا بحفظ الدين. # وقد عد السهروردي في " الآداب " من رخص الصوفية : التكلف مع أبناء الدنيا # 25 PageV08P037 ~~والرؤساء والسلاطين ، والقيام لهم ، وحسن الإقبال عليهم ، والأدب في ذلك : ~~إلا يكون طمعا في دنياهم ، ولا اتخاذ جاه عندهم كان صلى الله عليه وسلم ~~يدخل عليه سادات قريش فيكرمهم ، ويجلهم ، ويحسن مجالستهم ، وقال : " إذا ~~أتاكم كريم قوم فأكرموه " ه. وانظر الأصل الرابع والثمانين في إنزال الناس ~~منازلهم ، فقد ذكر فيه : أن العاقل عن الله يعاشر الناس على ما دبر الله ~~لهم ، فالغني قد أكرمه الله كرامة ابتلاء ، كما ذكر في تنزيله ، فإذا لم ~~تنزله المنزلة التي أنزله الله فيها ، فاستهنت به ، وحقرته من غير جرم ~~استحق بذلك الجفاء ، فقد تركت موافقة الله في تدبيره ، وأفسدت عليه دينه ~~وأثمته ، وكذلك معاملة الملوك والولاة على هذا السبيل ، فإذا عاملت الملوك ~~والسلاطين بمعاملة الرعية ، فقد استخففت بحق السلطان ، وكيف يجوز أن تستخف ~~بحقه ، والسلطان ظل الله في الأرض ؟ به تسكن النفوس ، وتجمع الأمور ، ~~والناظر إلى ظل الله ms3080 عليهم في الشغل عن الالتفات إلى أعمالهم. # ثم ذكر أن ضد ما ذكر من ضعف المعرفة واليقين ، وعدم التخلص من النفس ، ~~فلم تكن لقوتهم مطالعة ما ذكر ، فخافوا على نفوسهم من مخالطتهم أن يجدوا ~~حلاوة برهم ، فتخلط قلوبهم بقلوبهم ، فجانبوهم ، والآخرون نظروا إليهم بغير ~~الجمع ، فشغلوا بما ألبسهم من ظله عن جميع ما هم فيه ، فلم يضرهم اختلاطهم ~~بهم. وبهذه القوة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقون الأمراء ، ~~الذين قد ظهر جورهم ، ويقبلون جوائزهم ، فكان ابن دينار ومحمد بن واسع ، ~~ومن قبلهم ، والحسن البصري ، يلقون الأمراء ويقبلون منهم ، فكانوا يلقونهم ~~بما ذكر من رؤية ظل الله عليهم ، ويظهرون العطف عليهم والنصيحة لهم. PageV08P038 # ثم وجه حديث ابن عباس : " ملعون من أكرم بالغنى وأهان بالفقر " فإن معناه : ~~من عظم الدنيا وعظم أهلها ، فأما من دقت الدنيا في عينه ، يرى أهلها مبتلون ~~بها ، بما تقتضيه من القيام بالشكر ، ثم غرقه في حسابه ، فيرحمه كما يرحم ~~الذي ذهب به السيل ، ويكرمه ، ويبره بما عوده الله ، وأبقاه على دينه ، ~~لئلا يفسد ، فذلك فعل الأنبياء والأولياء ، وبذلك وصى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال : " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " فهو إنما يكرم لله ويهين ~~لله ، لا للدنيا ، ومن فعل ذلك للدنيا كان ملعونا ، ثم ذكر حديث : " من ~~أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة ، من حرمه حرم كذلك " ، ~~ثم ذكر قصة نسطور # 26 # صاحب ابن مريم عليه السلام ورفقه وتلطفه مع ذلك الملك الذي سجن صاحبيه ، ~~حتى استخلصهما منه برفق ، وأعلم الملك وجميع الناس في قضية عجيبة ، فعليك بها. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 24 PageV08P039 ~~إنما ينهاكم الله عن} موالاة {الذي قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم} ، ~~وهم عتاة أهل مكة ، {وظاهروا} أي : عاونوا {على إخراجكم} وهم سائر أهلها ، ~~{أن تولوهم} : بدل اشتمال من الموصول ، والمعنى : لا ينهاكم عن مبرة من لم ~~يتعرض لكم ، إنما ينهاكم عمن أذاكم {أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم ~~الظالمون} حيث وضعوا التولي في غير ms3081 موضعه. الإشارة : لا ينهاكم الله عن ~~النفوس المطيعة ، التي لم تصدكم عن السير إلى الحضرة ، أن تبروا بها ، ~~وترفقوا بها ، إنما ينهاكم عن النفوس الفاجرة ، التي قاتلتكم ، وصدتكم عن ~~الحضرة ، وأخرجتكم عن دائرة الولاية ، باتباع هواها أن تولوها ، وتسعوا في ~~حظوظها وهواها ، ومن يتولها ، وبقي في رقها ؛ فقد ظلم نفسه وبخسها ، حيث ~~حرمها نعيم الحضرة. أو : لا ينهاكم الله عن بعض العامة ، التي لا مضرة فيهم ~~، أن تبرهم بالوعظ والتذكير ، وتقسطوا إليهم بقول الإحسان ، إنما ينهاكم عن ~~أهل الإنكار المخالفين لكم ، من الجبابرة الغافلين ، والقراء المداهنين ، ~~والعلماء المتجبرين ، والفقراء الجاهلين ، أن تولوهم ؛ فإن مخالطتهم سم ~~قاتل للمريد ، ومن يتولهم لا يفلح أبدا. # جزء : 8 رقم الصفحة : 24 # قلت : {إذا جاءكم المؤمنات} إنما حذفت تاء التأنيث للفصل بالمفعول ، ورد ~~بأن الحذف مع الفصل بغير " إلا " مرجوح ، والصواب : أنه على حذف الموصوف ، ~~أي : النساء المؤمنات ، وهو اسم جمع ، يجوز في الأمران ، كقوله تعالى : ~~{وقال نسوة...} [يوسف : 30]. # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات} أي : ~~مشرفات على الإيمان ونطقن بالشهادة ، وإنما ظهر بعد الامتحان ، {مهاجرات} ~~من بين الكفار ، {فامتحنوهن} ؛ فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن ~~للسانهن. كان صلى الله عليه وسلم # 27 PageV08P040 ~~يستحلفهن : ما خرجن من بغض زوج ، ولا رغبة من أرض إلى أرض ، ولا التماس ~~دنيا ، ولا عشقا لرجل منا بل حبا لله ورسوله. وقد كان صلى الله عليه وسلم ~~صالح أهل مكة على أن من أسلم منهم يرده إليهم ، فجاءت " سبيعة بنت الحارث " ~~مسلمة بعد الفراغ من الكتاب ، فقال زوجها : اردد علي امرأتي ، فنزلت ، ~~فاستحلفها صلى الله عليه وسلم بما تقدم ، فحلفت ، فلم يردها عليه ، وأعطى ~~مهرها زوجها ، فتزوجها عمر ، فكان صلى الله عليه وسلم يرد من جاء من الرجال ~~، ولا يرد النساء. وعن ابن عباس : امتحانها : أن تقول : أشهد أن لا إله إلا ~~الله ، وأن محمدا رسول الله. # {الله أعلم بإيمانهن} ، لأنه المطلع على قلوبهن. وفيه إشارة إلى التخفيف ~~في الامتحان ، وأنه ليس المطلوب غايته ms3082 لتصلوا إلى العلم ، بل ما يحصل به ~~الظن القوي ، وأما العلم فخاص بالله تعالى. {فإن علمتموهن مؤمنات} ، العلم ~~الذي تبلغه طاقتكم ، وهو الظن القوي ، بظهور الأمارات. وتسمية الظن علما ~~يؤذن بأن الظن الغالب ، وما يفضي إليه القياس ، جار مجرى العلم ، وصاحبه ~~غير داخل في قوله : {ولآ تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء : 36]. قاله ~~النسفي. {فلا ترجعوهن إلى الكفار} أي : إلى أزواجهن الكفرة ، {لا هن حل لهم ~~، ولا هم يحلون لهن} ، تعليل للنهي ، أي : حيث خرجت مسلمة حرمت على المشرك. ~~والتكرير إما لتأكيد الحرمة ، أو الأول : لبيان زوال النكاح الأول ، ~~والثاني : لبيان امتناع النكاح الجديد ، ما دام مشركا ، فإن أسلم في عدتها ~~كان أولى بها. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 27 PageV08P041 ~~وآتوهم ما أنفقوا} أي : أعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا من المهور ، {ولا جناح ~~عليكم أن تنكحوهن} ، فإن إسلامهن حال بينهن وبين أزواجهن الكفار ، {إذا ~~آتيتموهن أجورهن} ؛ مهورهن ؛ لأن المهر أجر البضع ، وبه احتج أبو حنيفة على ~~ألا عدة على المهاجرة. قال الكواشي : أباح تعالى نكاحهن وإن كان لهن أزواج ~~في دار الحرب ؛ لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن بعد انقضاء العدة ، فإن ~~أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي امرأته عند مالك والشافعي وأحمد ، خلافا ~~لأبي حنيفة في غير الحامل. ه. {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ، العصمة : ما ~~يعتصم به من عقد وسبب. والكوافر : جمع كافرة ، وهي التي بقيت في دار الحرب ~~، أو : لحقت بدار الحرب مرتدة ، أي : لا يكن بينكم وبين النساء الكوافر ~~عصمة ولا علقة زوجية. قال ابن عباس رضي الله عنه : من كانت له امراة كافرة ~~بمكة فلا يعتدن بها من نسائه ؛ لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. ولما ~~نزلت الآية طلق عمر رضي الله عنه امرأتين كانتا له بمكة ، قريبة بنت أبي ~~أمية ، وأم كلثوم الخزاعية. # {واسألوا ما أنفقتم} من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار ، أي : اطلبوه من ~~الكفرة ، {وليسألوا ما أنفقوا} من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا. ~~{ذلكم حكم الله} أي : جميع ما ذكر في هذا الآية. ms3083 وقوله : {يحكم بينكم} : ~~كلام مستأنف أو : حال من " حكم الله " على حذف الضمير ، أي : يحكمه الله ، ~~وجعل الحكم حاكما على # 28 # المبالغة وقال : " يحكم " مستقبلا ، مع أن الحكم ماض باعتبار ظهور متعلقة ~~، {والله عليم حكيم} يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة. PageV08P042 # روي أنه لما نزلت الآية أدى المؤمنون ما أمروا به من مهور المهاجرات إلى ~~أزواجهن من المشركين ، وأبى المشركون أن يردوا شيئا من مهور الكوافر إلى ~~أزواجهن المسلمين ، فنزل قوله تعالى : {وإن فاتكم} أي : سبقكم وانفلت منكم ~~{شيء من أزواجكم إلى الكفار} أي : أحد من أزواجكم ، وقرىء به. وإيقاع " شيء ~~" موقعه للتحقير والتعميم ، {فعاقبتم} ، من المعاقبة ، لا من العقوبة ، أي ~~: صرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم ، وذلك بأن يفوت إليكم شيء من ~~أزواجهم ، شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين ، من أداء هؤلاء مهور نساء ~~أولئك تارة ، وأداء هؤلاء مهور نساء هؤلاء أخرى ، بأمر يتعاقبون فيه كما ~~يتعاقب في الركوب وغيره. {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم} منكم إلى الكفار {مثل ~~ما أنفقوا} ، تعطوه من مهر المهاجرة التي تزوجتموها ، ولا تؤتوا زوجها ~~الكافر شيئا ، أي : ما كنتم تعطونه للكفار من مهور أزواجهم المهاجرات أعطوه ~~لمن فاتت زوجته ولحقت بالكفار ، فأزال الله دفعها إليهم ، حين لم يرضوا ~~بحكمه ، على أن هذا حكم قد نسخ. قال ابن عطية : وهذه الآية كلها قد ارتفع ~~حكمها. ه. وذكر الكواشي الخلاف في النسخ وعدمه ، وأن رد المال مستمر ، وذكر ~~الخلاف في أن الإنفاق كان على الوجوب أو الندب. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 27 PageV08P043 ~~وقيل : معنى " فعاقبتم " من العقوبة ، أي : فأصبتموهم في القتال ، حتى ~~غنمتم ، فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم ، ولحقن بدار الحرب مهور ~~زوجاتهم من هذه الغنيمة. قال ابن عباس : خمس نسوة رجعن عن الإسلام ، ولحقن ~~بالمشركين ، من نساء المهاجرين : أم الحكم بنت أبي سفيان ، وكانت عند عياض ~~بن شداد ، وفاطمة بنت أبي أمية ، أخت أم سلمة ، وكانت تحت عمر بن الخطاب ، ~~وعزة بنت عبد العزى ، كانت تحت هشام بن العاص ، وأم كلثوم بنت ms3084 جرول ، كانت ~~تحت عمر أيضا ، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. ~~ه. {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} أي : احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به ؛ ~~فإن الإيمان يقتضي فعل ما أمر به صاحبه. # الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص ، وهم المشايخ العارفون ؛ ~~إذا جاءكم النفوس المؤمنه بطريقكم ، وأرادوا الانخراط في سلككم ، ~~فامتحنونهن ، هل هي صادقة الطلب ، أو تريد حرفا من حروف الهوى ، فإن علمتم ~~صدقهن ، فلا تردجعوهن إلى أهل الغفلة ، سيما أهل الإنكار ؛ إذ لا يحل ~~مخالطتهم في طريق الخصوص ، وآتوهم من العلوم والمعارف عوض ما أنفقوا من ~~أنفسهم وأموالهم ، ولاجناح عليكم أن تعقدوا عليهم عقدة الإرادة ، التي هي ~~كعقدة النكاح إذا آتيتموهن أجورهن ، وهو أن تبذلوا لهم ما عندكم من # 29 # السر ، قدر ما يطيقون ، ومن نقض العهد ورجع عن الإرادة فلا تمسكوا بعصمته ~~، وأطلقوه مع نفسه ، فإن سألكم شيئا مما كان بذل فسلوه عوض ما بذلتم له من ~~العلم ، وإن رجع أحد منكم إلى أهل الإنكار ، ثم جاء أحد منهم إليكم فآتوه ~~من العلم ما آتيتم من فر منكم ، واتقوا الله الذي توجهتم إليه ، فلا تعطوا ~~السر من لا يستحقه ، ولا تمنعوه من مستحقه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 27 PageV08P044 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات} حال كونهن ~~{يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن ~~أولادهن} ، يريد : وأد البنات ، {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن} ، كانت المرأة تلتقط المولود ، فتقول لزوجها : هو ولدي منك. كنى ~~بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا ؛ لأن ~~بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين ، وفرجها الذي تلد منه بين الرجلين. {ولا ~~يعصينك في معروف} أي : فيما تأمرهن من معروف ، وتنهاهن عن منكر. والتعبير ~~بالمعروف مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا به ؛ للتنبيه على ~~أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق. وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر ms3085 في ~~حقهن ؛ لكثرة وقوعها فيهن. {فبايعهن} على ما ذكر وما لم يذكر ؛ لوضوح أمره ~~، {واستغفر لهن الله} فيما مضى ، {إن الله غفور رحيم} أي : مبالغ في ~~المغفرة والرحمة ، فيغفر لهن ويرحمهن إذا وفين بما بايعن عليه. PageV08P045 # روي : أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال ، أخذ في ~~بيعة النساء ، وهو على الصفا ، وعمر قاعد أسفل منه ، يبايعهن عنه بأمره ، ~~وهند بنت عتبة امراة أبي سفيان متقنعه متنكرة مع النساء ، خوفا من النبي ~~صلى الله عليه سلم أن يعرفها ، فقال صلى الله عليه وسلم : " أبايعكن على ~~ألا تشركن بالله شيئا " فقالت هند : والله إنك لتأخذ علينا شيئا ما رأيتك ~~أخذته على الرجال لأنه عليه السلام بايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ولا تسرقن " فقالت هند : إن أبا سفيان ~~رجل شحيح ، وإني أصبت منم ماله هنات ، فقال أبو سفيان : هو لك حلال ، فقال ~~: " ولا تزنين " فقالت هند : أوتزني الحرة ؟ فقال : " ولا تقتلن أولادكن " ~~، فقالت هند : ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا ، وكان ابنها قتل يوم بدر ، ~~فقال : " ولا تأتين ببهتان... " الخ ، فقالت هند : والله إن البهتان لقبيح ~~، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق! فقال : " ولا تعصين في معروف " ~~فقالت : وما جلسنا في مجلسنا # 30 # هذا وفي أنفسان أن نعصيك في شيء ، فأقر النسوة بما أخذ عليهن. # جزء : 8 رقم الصفحة : 30 # وقالت أميمة : يا رسول الله ، صافحنا ؟ فقال : " إني لا أصافح النساء ، ~~إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة " ، قالت عائشة : ما مست يد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط ، إنما بايعهن كلاما ، وقيل : لف على يده ~~ثوبا ، وقيل : غمس يده في قدح ، فغمسن أيديهن فيه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : الشيخ في قومه كالنبي في أمته ، فيقال له : إذا جاءك النفوس ~~المؤمنة يبايعنك على ألا ترى مع الله شيئا ، ولا تميل إلى الدنيا ، ولا إلى ~~الهوى ، ولا تهمل ما تنتج أفكارها من الواردات ، ولا تأتي ببهتان تفتريه ؛ ~~بأن تنسب فعلا إلى ms3086 غير الله ، أو بأن تكذب في أحوالها وأقوالها ، ولا تعصي ~~فيما تأمرها وتنهاها ، فإن جاءت على ما ذكر فبايعها واستغفر لها الله فيما ~~فرطت فيه ، إن الله غفور رحيم. # 31 # جزء : 8 رقم الصفحة : 30 PageV08P046 ### | AUTO سورة الصف # جزء : 8 رقم الصفحة : 31 # يقول الحق جل جلاله : {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز ~~الحكيم}. ولما قال بعض الصحابة : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبذلنا في ~~أموالنا ، فنزلت أية الجهاد ، فتباطأ بعضهم ، فنزلت : {يا أيها الذين آمنوا ~~لم تقولون ما لا تفعلون}. وقيل : لما أخبر الله بثواب شهداء بدر ، فقالوا : ~~والله لئن شهدنا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ، ففروا يوم أحد ، فنزلت. وقيل : ~~نزلت فيمن يمدح كذبا ، حيث كان يقول : قتلت ، ولم يقتل ، وطعنت ، ولم يطعن ~~، وقيل : كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر ونكأ فيهم ، فقتله صهيب ، وانتحل ~~قتله آخر ، فنزلت في المنتحل. أي : لأي شيء تقولونه من الخير والمعروف ، ~~على أن مدار التوبيخ إنما هو عدم فعلهم ، وإنما وجه إلى قولهم تنبيها على ~~تضاعيف معصيتهم ، لبيان أن المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط ، بل الوعد به ~~أيضا ، وقد كانوا يحسبونه معروفا ، ولو قيل : لم لا تفعلون ما تقولون ، ~~لفهم منه أن المنكر إنما هو ترك المفعول. PageV08P047 # {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} ، هو بيان لغاية قبح ما فعلوا ~~، وفرط سماحته ، و" كبر " جارية مجرى نعم ، بزيادة معنى التعجب ، ومعنى ~~التعجب : تعظيم الأمر في قلوب السامعين ؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء ~~خارج عن نظائره ، وفي " كبر " ضمير مبهم مفسر بالنكرة بعده ، و" أن تقولوا ~~" هو المخصوص بالذم ، وقيل : قصد فيه التعجب من غير لفظه ، وأسند إلى " إن ~~تقولوا " ، ونصب " مقتا " على تفسيره ، دلالة على أن # 33 # قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه ، كأنه قيل : ما أكبر مقتا قولهم ~~بلا عمل. # ثم بين ما هو مرضي عنده ، بعد بيان ما هو ممقوت بقوله : {إن الله يحب ~~الذين يقاتلون في ms3087 سبيله} ، وهو المقصود بالذات من السورة ؛ وقوله : {صفا} ~~أي : صافين أنفسهم ، أو مصفوفين ، مصدر وقع موقع الحال ، {كأنهم بنيان ~~مرصوص} ؛ لاصق بعضه ببعض ، وقيل : أريد : استواء نياتهم في حرب عدوهم ، حتى ~~يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض ، وهو حال أيضا ، ~~أي : مشبهين بالبنيان الملاصق. قال ابن عرفة : التشبيه في الثبات وعدم ~~الفرار كثبوت البناء ولزومه. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 33 PageV08P048 ~~الإشارة : {سبح لله} ، قال الورتجبي : لما عاينوا آيات الله طلبوا فيها ~~مشاهدة الله ، فوجدوا في نفوسهم تأثير مباشرة نور قدرة الله ، فقدسوه أنه ~~باين بوجوده من الحدثان. ه. قوله تعالى : {كبر مقتا}... الخ ، قال القشيري ~~: خلف الوعد مع كل أحد قبيح ، ومع الله أقبح ، ويقال : إظهار التجلد من غير ~~شهود مواضع الفقر إلى الحق في كل نفس يؤذن بالبقاء مع ما حصل به الدعوى ، ~~والله يحب التبري من الحول والقوة. ويقال : لم يتوعد على زلة بمثل ما توعد ~~على هذا ، بقوله : {كبر مقتا عند الله}. ه. ولذا فر كثير من العلماء عن ~~الوعظ والتذكير ، وآثروا السكوت ، كما قال بعضهم : # لو كان ينفعني وعظي وعظتكم # أنا الغريق فما خوفي من البلل # قال أبو زيد الثعالبي : وهذا إن وجد من يكفيه ويقوم عنه في الوعظ ، وإلا ~~فلا ينبغي السكوت. قال الباجي في سنن الصالحين ، عن الأصمعي : بلغني أن بعض ~~الحكماء كان يقول : إني لأعظكم ، وإني لكبير الذنوب ، ولو أن أحدا لا يعظ ~~أخاه حتى يحكم أمر نفسه لترك الأمر بالخير ، واقتصر على الشر ، ولكن محادثة ~~الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس ، وتذكير من النسيان. وقال أبو حازم : ~~إني لأعظ الناس ، وما أنا بموضع الوعظ ، ولكن أريد به نفسي. ه. قلت : وكان ~~شيخ شيوخنا سيدي على الجمل العمراني رضي الله عنه يقول حين يذكر : نحن ما ~~ننبح إلا على نفوسنا. ه. PageV08P049 # ثم قال : وقال الحسن لمطرف : عظ أصحابك ، فقال : أخاف أن أقول ما لا أفعل ، ~~فقال : يرحمك الله ، وأينا يفعل ما يقول ، ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه ، ~~فلم ms3088 يأمر أحد منكم بمعروف ولم ينه عن منكر. ه. وفي حديث الجامع : " مروا ~~بالمعروف وإن لم تفعلوه ، وانهوا عن المنكر وإن لم تتجنبوه " وقال الغزالي ~~: من ترك العمل خوف الآفة والرياء ، فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه ، إذ ~~المراد منه ألا يفوته الإخلاص ، ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص. ~~ه. قلت : ولا شك أن الوعظ من المخلصين وأهل # 34 # القلوب ، أشد تأثيرا من غيرهم ، فإن الكلام إذا خرج من القلب وقع في ~~القلب ، وإذا خرج من اللسان حده الآذان ، وفي الحكم : " تسبق أنوار الحكماء ~~أقوالهم ، فحيث ما صار التنوير وصل التعبير ". فأهل النور تسري أنوارهم في ~~الجالسين قبل أن يتكلموا ، وربما انتفع الناس بصمتهم ، كما ينتفعون بكلامهم ~~، وأما أهل الظلمة وهو من في قلبه حب الدنيا فكلامهم قليل الجدوى ، تسبق ~~ظلمة قلوبهم إلى قلوب السامعين ، فلا ينتفع إلا القليل. # جزء : 8 رقم الصفحة : 33 PageV08P050 ~~يقول الحق جل جلاله : واذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين عن الجهاد قول موسى ~~لبنى إسرائيل ، حين ندبهم إلى قتل الجبابرة ، بقوله : {ياقوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة} [المائدة : 21] الآية ، فلم يمتثلوا أمره ، وعصوه أشد عصيان ، حيث ~~قالوا : {ياموسى إن فيها قوما جبارين...} [المائدة : 22] الآية ، إلى أن ~~قالوا : {فاذهب أنت وربك...} [المائدة : 24] الآية. وآذوه عليه السلام كل ~~الإذاية فقال : {يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} ، ~~فالجملة : حال ، والحال أنكم تعلمون علما قطعيا ، مستمرا ، بمشاهدة ما ترون ~~من المعجزات الباهرة ، أني رسول الله إليكم ، لأرشدكم إلى خير الدنيا ~~والأخرة ، ومن قضية علمكم أن تبالغوا في تعظيمي ، وتسارعوا إلى طاعتي ، ~~{فلما زاغوا} أي : أصروا على الزيغ عن الحق الذي جاءهم به ، واستمروا عليه ~~{أزاغ الله قلوبهم} ؛ صرفها عن قبول الحق ، والميل إلى الصواب ، لصرف ~~اختيارهم نحو الغي والإضلال ، {والله لا يهدي القوم الفاسقين} أي : لا يهدي ~~القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق ، المصرين على الغواية ، هداية موصلة ~~إلى الطاعة وحسن الأدب ، والمراد بهم المذكورون خاصة ، والإظهار في موضع ~~الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم الهداية ، أو جنس ms3089 الفاسقين ، وهم داخلون ~~في حكمهم دخولا أوليا ، وأيا ما كان فوصفهم بالفسق نظر إلى ما في قوله ~~تعالى : {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة : 25] ، هذا الذي ~~تقتضيه جزالة النظم الكريم ، # 35 # ويرتضيه الذوق السليم. انظر أبا السعود. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 35 PageV08P051 ~~وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل} ، لم يقل : يا قوم ، كما قال موسى ، ~~لأنه لا نسب له فيهم من جهة الأب ، حتى يكونوا من قومه : {إني رسول الله ~~إليكم} ، كان رسولا لهم ولمن دخل معهم ، كالنصارى ، {مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة} ، وهو من إحدى الدواعي إلى تصديقهم إياه ، {ومبشرا برسول يأتي من ~~بعدي} ، وهو من الدواعي أيضا إلى تصديقه ؛ لأن بشارته به عليه السلام واقعة ~~في التوراة ، أي : أرسلت إليكم في حال تصديقي للتوراة ، وفي حال بشارتي ~~برسول يأتي من بعدي ، يعني : أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه ، من تقدم ~~ومن تأخر ، وهذا الرسول {اسمه أحمد} وهو محمد صلى الله عليه وسلم. # قال القشيري : كل نبي بشر قومه بنبينا صلى الله وعليه وسلم ، وأفرد الله ~~عيسى بالذكر في هذا الموضع لأنه أخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ، ~~فبين أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى انتهى إلى عيسى ~~عليه السلام. ه. قال الكواشي : و" أحمد " بناء مبالغة ، والمعنى : أن ~~الأنبياء كلهم حمادون الله ، وهو أكثر حمدا من غيره ، وكلهم محمودون لما ~~فيهم جميل الأخلاق ، وهو أكثرهم خلالا حميدة. ثم قال : وعن كعب : قال ~~الحواريون : يا روح الله ؛ هل بعدنا من أمة ؟ قال : نعم ، أمة أحمد ، حكماء ~~، علماء ، أبرارا ، أتقياء ، كأنهم من الفقه أنبياء ، يرضون من الله ~~باليسير من الرزق ، ويرضى باليسير من العمل. ه. وقال السهيلي : في اسمه " ~~أحمد ومحمد " إشارة إلى كونه خاتما ؛ لأن الحمد مشروع عند انقضاء الأمور ~~واختتامها وتمامها.ه. # {فلما جاءهم} أيك عيسى ، أو محمد عليهما السلام {بالبينات} ؛ المعجزات ~~الظاهرة ، {قالوا هذا سحر مبين} ؛ ظاهر سحريته ، وقرأ الإخوان " ساحر " وصف ~~للرسول. PageV08P052 # {ومن أظلم ممن افترى على الله ms3090 الكذب وهو يدعى إلى الإسلام} أي : أي الناس ~~أشد ظلما ممن يدعى إلى سعادة الدارين ، فيضع موضع الإجابة الافتراء على ~~الله عز وجل ، بقوله لكلامه الذي دعا عباده إلى الحق : هذا سحر ؟ أي : هو ~~أظلم من كل ظالم ، {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي : لا يرشدهم إلى ما ~~فيه صلاحهم ؛ لعدم توجههم إليه. {يريدون ليطفئوا نور الله بإفواههم} أي : ~~دينه أو : كتابه ، أو حجته النيرة ، واللام مزيدة ، أي : يريدون إطفاء نور ~~الله ، أو للتعليل والمفعول محذوف ، أي : يريدون الكذب ليطفئوا نور الله ، ~~وهو تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام ، بقولهم في القرآن : هذا سحر ، ~~مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه ، {والله متم نوره} أي : ~~مبلغه إلى غاية ينشره في الآفاق ، ويعليه على الأديان {ولو كره الكافرون}. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 35 # هو الذي أرسل رسوله بالهدى} ؛ بالقرآن ، أو بالمعجزات ، أو بالهداية ~~{ودين الحق} ؛ الملة الحنيفية {ليظهره على الدين كله} أي : ليعليه على جميع ~~الأديان المخالفة # 36 PageV08P053 ~~له ، ولقد أنجز الله عز وعلا وعده ، حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان ~~إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد : إذا نزل عيسى لم يكن إلا ~~دين الإسلام. ه. {ولو كره المشركون} ذلك ، قال الطيبي : قوله تعالى : {ومن ~~أظلم...} الخ ، حذر تعالى مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب ، والحرمان من ~~التوفيق ، بسبب الأذى ، وما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات من تكذيبه ~~وقولهم فيه : " هذا سحر مبين " ، ألا ترى كيف جمع الكل في قوله : {ومن ~~أظلم...} الآية ، قال : وقضية الدعوة إلى الإسلام توقير من يدعو إليه ، ~~وإجابة دعوته. ثم قال : وأما قوله : {والله لا يهدي القوم الظالمين} هو ~~تذييل لقوله : {ومن أظلم ممن أفترى...} الآية ؛ لأن الظلم هو : وضع الشيء ~~في غير محله ، وأي ظلم أعظم من جعل إجابة الداعي إلى الله مفتريا ؟ ! ~~والكفر : التغطية ومحاولة إطفاء النور إخفاء وتغطية ، ودين الحق هو التوحيد ~~، والشرك يقابله ، ولذلك قال : {ولو كره المشركون}. ه. # الإشارة : سوء الأدب مع ms3091 الأكابر ، وإذايتهم ، سبب كل طرد وبعد ، وسبب كل ~~ذل وهوان ، وحسن الأدب معهم وتعظيمهم ، سبب كل تقريب واصطفاء ، وسبب كل عز ~~ونصر ، ولذلك قال الصوفية : " اجعل عملك ملحا ، وأدبك دقيقا ". ألآ ترى بنى ~~إسرائيل حين أساؤوا الأدب مع نبي الله موسى بقولهم : {فاذهب أنت وربك ~~فقاتلآ...} [المائدة : 24] الخ كيف أذلهم الله وأخزاهم إلى يوم القيامة ، ~~وانظر أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم حيث تأدبوا غاية الأدب ، وقالوا يوم ~~بدر : " لا نقول كما قالت بنو إسرائيل : اذهب أنت وربك ، ولكن اذهب أنت ~~وربك ونحن معك ، والله لو خضت بنا ضحضاح البحر لخضناه معك " كيف أعزهم الله ~~ونصرهم على سائر الأديان ، ببركة حسن أدبهم رضي الله عنهم وأرضاهم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 35 PageV08P054 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم} ، وكأنهم قالوا : وما هذه التجارة ، أو : ماذا نصنع ؟ فقال : ~~{تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} ، وهو خبر ~~بمعنى الأمر ، أي : # 37 # وجاهدوا ، وجيء به بصيغة الخبر للإيذان بوجوب الامتثال ، فكأنه قد وقع ، ~~فأخبر بوقوعه ، وقرىء " تؤمنوا " و" تجاهدوا " على إضمار لام الأمر. {ذلكم ~~خير لكم} ، الإشارة إلى الإيمان والجهاد بقسميه ، أي : هو خير لكم من ~~أموالكم وأنفسكم {إن كنتم تعلمون} أنه خير لكم ، وقد قلتم : لو نعلم أي ~~الأعمال أحب إلى الله لسارعنا ، فهذا هو أحب الأعمال إلى الله ، أو : إن ~~كنتم من أهل العلم ؛ فإن الجهلة لا يعتد بأفعالهم. # {يغفر لكم ذنوبكم} : جواب للأمر المدلول بلفظ الخبر ، على قول ، أو شرط ~~مقدر ، أي : إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم {ويدخلكم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ومساكن طيبة} ولا تطيب إلا بشهود الحبيب {في جنات عدن} أي : ~~إقامة لا انتقال عنها. وجنة عدن هي مدينة الجنة ووسطها ، يسكنها الصالحون ~~الأبرار من العلماء والشهداء ، وفوقها الفردوس ، هي مسكن الأنبياء ~~والصديقين من المقربين ، هذا هو المشهور ، كما في الصحيح ، {ذلك الفوز ~~العظيم} أي : ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة الموصوفة بما ذكر ms3092 من الأوصاف ~~الجليلة هو الفوز الذي لا فوز وراءه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 37 PageV08P055 ~~وأخرى} أي : ولكم إلى هذه النعمة العظيمة نعمة أخرى عاجلة {تحبونها} ~~وترغبون فيها ، وفيه شيء من التوبيخ على محبة العاجل. ثم فسرها بقوله : ~~{نصر من الله وفتح قريب} أي : عاجل ، وهو فتح مكة ، والنصر على قريش ، أو ~~فتح فارس والروم ، أو : هل أدلكم على تجارة تنجيكم ، وعلى تجارة تحبونها ، ~~وهي نصر وفتح قريب ، {وبشر المؤمنين} : عطف على " تؤمنوا " لأنه في معنى ~~الأمر ، كأنه قيل لهم : آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم ، وبشر أيها ~~الرسول بذلك المؤمنين. # {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله} أي : أنصار دينه {كما قال عيسى ~~ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله} ؟ أي : من يكون من جندي ومختصا بي ~~، متوجها إلى الله. ظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى : {من أنصاري إلى ~~الله} ولكنه محمول على المعنى ، أي : كونوا أنصار الله ، كما كان الحواريون ~~أنصار عيسى ، حينما قال لهم : من أنصاري إلى الله ؟ {قال الحواريون نحن ~~أنصار الله} أي : نحن الذين ينصرون دينه ، والحواريون : أصفياؤه ، وهم أول ~~من آمن به من بني إسرائيل ، قاله ابن عباس ، وقيل : كانوا اثني عشر رجلا. ~~وحواري الرجل : صفوته وخاصته ، من الحور ، وهو البياض الخالص ، وقيل : ~~كانوا قصارين يحورون الثياب ، أي : يبيضونها ، وقيل : إنما سموا حواريين ~~لأنهم كانوا يطهرون النفوس بإقامتهم الدين والعلم ، ولما كفرت اليهود بعيسى ~~عليه السلام ، وهموا بقتله ، فر مع الحواريين إلى النصارى بقرية يقال لها : ~~نصرى ، فنصوره ، فقاتل اليهود بهم مع الحواريين ، وهذا معنى قوله تعالى : ~~{فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة} به ، فقاتلوهم {فإيدنا الذين ~~آمنوا} بعيسى عليه السلام {على عدوهم} أي : قويناهم {فأصبحوا ظاهرين} ؛ ~~غالبين عليهم. # 38 PageV08P056 ~~الإشارة : هل أدلكم على تجارة ، وهي سلوك طريق التربية ، على أيدي الرجال ، ~~تنجيكم من عذاب أليم ، وهو غم الحجاب على الدوام ؛ تؤمنون بالله ورسوله ~~أولا ، وتجاهدون هواكم وسائر العلائق بأموالكم وأنفسكم ثانيا ، فالأموال ~~تدفعونها لمن يدلكم على ربكم ، والأنفس تقدمونها لمن يربيكم ، يتحكم فيها ~~بما ms3093 يشاء {في سبيل الله} في الطريق الموصلة إلى حضرته ، {ذلكم خير لكم إن ~~كنتم تعلمون} أي : إن كان لكم علم وعقل ، فهذا خير لكم ، يغفر لكم ذنوبكم ، ~~أي : يغطي مساوئكم ، فيغطي وصفكم بصوفه ، ونعتكم بنعته ، فيوصلكم بما منه ~~إليكم ، لا بما منكم إليه ، ويدخلكم جنات المعارف ، تجري من تحتها أنهار ~~العلوم ، ومساكن طيبة ، هي السكنى والأطمئنان في مقامات اليقين ، مع شهود ~~رب العالمين ، أو روح الرضا وريحان التسليم ، أو الإقامة في حضرة القدس ، ~~مع التنزه في المقامات ، في جنات عدن ، وهي الرسوخ والإقامة في جنات ~~المعارف ذلك الفوز العظيم. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 37 # وأخرى تحبونها} عاجلة ، {نصر من الله} : عز دائم ، {وفتح قريب} هو دخول ~~بلاد المعاني. وقال القشيري : الفتح القريب : الرؤية والزلفة ، ويقال : ~~الشهود ، ويقال : الوجود أبد الأبد. ه. {وبشر} بأنهم ظافرون بهذا ، إن ~~فعلوا ما أمروا به. وقال الورتجبي : نصر الله : تأييده الأزلي ، الذي سبق ~~للعارفين والموحدين ، والفتح القريب : كشف نقابه وفتح أبواب وصاله ، بنصره ~~ظهروا على نفوسهم ، فقهروها ، وبفتحه أبواب الغيب شاهدوا كل مغيب مستور من ~~أحكام الربوبية وأنوار الألوهية. ه. وباقي الآية يرغب في القيام في نصر ~~الدين ، وإرشاد العباد إلى الله ، حتى تظهر أنوار الدين ، وتخمد ظلمة ~~المعاصي والبدع من أقطار البلاد ، وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وسلم. # 39 # جزء : 8 رقم الصفحة : 37 PageV08P057 ### | AUTO سورة الجمعة # جزء : 8 رقم الصفحة : 39 # يقول الحق جل جلاله : {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض} ، وهذا ~~التسبيح إما أن يكون : تسبيح خلقة ، يعني : أنك إذا نظرت إلى شيء دلتك ~~خلقته على وحدانيته تعالى ، وتنزيهه عما لا يليق به ، وإما أن يكون تسبيح ~~معرفة ؛ بأن يخلق في كل شيء ما يعرفه به تعالى وينزهه ، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى : {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء : ~~44] ، أو : تسبيح ضرورة ، بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر ، من غير ~~معرفة له بذلك. قاله النسفي. # {الملك القدس} أي : المنزه عما لا ms3094 يليق به من الكمالات. ولا يقال : ~~المنزه عن النقائص ؛ إذ لا يصح اتصافه بها حتى تنفى عنه ، وربما يكون نقصا ~~في حقه ، كما يقال : الملك ليس بجزار. {العزيز الحكيم} ، وقرئت هذه الصفات ~~الأربع بالرفع على المدح. # {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} أي : بعث رجلا أميا في قوم أميين ، ~~وقيل : {منهم} : من أنفسهم ، يعلمون نسبه وأحواله وصدقه. والأمي : منسوب ~~إلى أمية العرب ؛ لأنهم لايقرؤون ولا يكتبون من بين الأمم. قيل. بدئت ~~الكتابة في العرب بالطائف ، وهم أخذوها من أهل الحيرة ، وأهل الحيرة من أهل ~~الأنبار. {يتلو عليهم آياته} ؛ # 40 # القرآن {ويزكيهم} ؛ يطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية ، {ويعلمهم الكتاب} ~~؛ القرآن {والحكمة} ؛ السنة ، أو الفقه في الدين ، أو إتقان العلم والعمل ، ~~{وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ؛ كفر وجهالة. و" إن " مخففة ، أي : وإن ~~الشأن كانوا في ضلال فظيع ، وهو بيان لشدة افتقارهم لمن يرشدهم ، وإزاحة ~~لما عسى أن يتوهم من تعلمه صلى الله عليه وسلم من الغير ؛ إذ كلهم كانوا ~~مغروقين في الجهل والضلال ، ليس فيهم من يعلم شيئا. PageV08P058 # {وآخرين منهم} : عطف على " الأميين " أي : بعث في الأميين ، الذين في عصره ~~، وفي آخرين من الأميين {لما يلحقوا بهم} أي : لم يلحقوا بهم بعد ، ~~وسيلحقون ، وهم الذين يأتون بعد الصحابة إلى يوم القيامة ، وقيل : هم العجم ~~، أي : وآخرين من جنسهم ، وقيل : عطف على " يعلمهم " أي : يعلم أخرين منهم ~~، وعلى كل فدعوته صلى الله عليه وسلم عامة. {وهو العزيز الحكيم} ؛ المبالغ ~~في العزة والحكمة ، ولذلك مكن رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم ، واصطفاه من ~~بين كافة البشر. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 40 # ذلك} الذي امتاز به محمد صلى الله عليه وسلم من بين سائر البشر {فضل ~~الله} وإحسانه ، أو : ذلك التوفيق حتى يؤمنوا من فضل الله ، لا باستحقاق ، ~~أو الاعتناء بالبعث وعدم الإهمال ، مع ما حصل منه من النتائج المذكورة ، ~~فضل من الله ، وقطع الأسباب في الجملة في استحقاق الفضل ؛ إذ علقه بالمشيئة ~~في قوله : {يؤتيه من يشاء} تفضلا وعطية ، {والله ms3095 ذو الفضل العظيم} الذي ~~يستحقر دونه نعم الدنيا والآخرة. الإشارة : كل من لم يعرف الله معرفة ~~العيان ، فهو من الأميين ، فكما من الله تعالى على عباده ببعثه الرسول ، ~~بعد أن كانوا في ضلال مبين ، كذلك من على أمته بعده ، فبعث مشايخ التربية ~~يتلو عليهم آياته الدالة على شهوده وظهوره ، ويزكيهم من الرذائل التي ~~تحجبهم عن الله ، ويعلمهم أسرار الكتاب ، وأسرار الحكمة ، وهي الشريعة ، إذ ~~لا يوقف على أسرارهما إلا بعد تطهير القلوب ، وتزكية النفوس ، وإن كانوا من ~~قبل ملاقاة المشايخ لفي ضلال مبين ، حائدين عن طريق الشهود ، وبعث أيضا في ~~آخرين منهم من يذكرهم ويعرفهم بالله ، وهكذا لا ينقطع الداعي إلى يوم ~~القيامة ، لكن لا يصل إليه إلا من أراد الله أن يوصله إليه ، ولذلك قال : ~~{ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء...} الآية. # جزء : 8 رقم الصفحة : 40 PageV08P059 ~~يقول الحق جل جلاله : {مثل} اليهود {الذين حملوا التوراة} أي : كلفوا علمها ~~، والعمل بما فيها ، {ثم لم يحملوها} ؛ لم يعملوا بما فيها ، فكأنهم لم ~~يحملوها ، {كمثل الحمار يحمل أسفارا} جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير ، شبه ~~اليهود بالحمار ، فإنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها ، ثم لم يعملوا ~~بها ، ولم ينتفعوا بآياتها ، وذلك : أن فيها بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والبشارة به ، فلم يؤمنوا ، فهم أشبه شيء بحمار حمل كتبا كبارا من كتب ~~العلم ، فهو يشمي بها ، ولا يدري منها إلا ما يلحقه من الكد والتعب. وفي ~~التلخيص : وجه الشبه : حرمان الانتفاع بأبلغ نافع ، مع تحمل التعب في ~~استصحابه ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله. قال الطيبي : لما تمسكت ~~اليهود بقوله : " في الأميين " ؛ لأنه خاص بالعرب ، أتبعه بضرب المثل لمن ~~تمسك بهذه الشبهة ، وترك الدلائل الواضحة المسطورة بعموم البعثة ، وأنه ~~كالحمار يحمل أسفارا ، ولا يدري ما حمل ، ولا ما فيه. ه. وجملة " يحمل " ~~حال ، والعامل فيها ، معنى المثل ، أو : صفة للحمار ؛ إذ ليس المراد به ~~معينا ، فهو كقوله : # ولقد أمر على اللئيم يسبني... # {بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات ms3096 الله} أي : بئس مثلا مثل القوم الذين ~~كذبوا ، أو بئس مثل القوم المكذبين مثلهم ، وهم اليهود الذين كذبوا بآيات ~~الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، {والله لا يهدي القوم ~~الظالمين} وقت اختيارهم الظلم ، أو : لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ~~ظالما ، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 41 PageV08P060 ~~قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين} ، كانوا يقولون : {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة ~~: 18] ، أي : إن كان قولكم حقا ، وكنتم على ثقة ، فتمنوا على الله أن ~~يميتمكم ويبعثكم سريعا إلى دار كرامته ، التي أعدها لأوليائه ، فإن الحبيب ~~يحب لقاء حبيبه ، وينتقل من دار الأكدار ، إلى دار السرور والهناء ، قال ~~تعالى : {ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم} من الكفر والمعاصي الموجبة ~~للنار. والباء متعلقة بما يدل عليه النفي ، أي : يأبون ذلك بسبب ما قدمت ~~أيديهم ، # 42 # {والله عليم بالظالمين} أي : بهم. وإيثار الإظهار في موضع الإضمار لذمهم ~~والتسجيل عليهم بالظلم في كل ما يأتون وما يذرون من الأمور ، التي من ~~جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل من ولاية الله. # ثم إنهم لم يجسر أحد منهم أن يتمناها ، بل فروا منها ، كما قال تعالى : ~~{قل إن الموت الذي تفرون منه} ولم تجسروا أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال ~~كفركم ، {فإنه ملاقيكم} لا محالة ، من خير صارف يلويه ، ولا عاطف يثنيه ، ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم : " لو تمنوه لماتوا من ساعتهم " ، وهذه إحدى ~~المعجزات. ودخلت الباء في خبر " إن " مع أنه لا يجوز : إن زيدا فمنطلق ؛ ~~لأن " الذي " قد عرف فيه معنى الشرط والجزاء ، كأنه قيل : إن فررتم من أي ~~موت كان ؛ من قتال أو غيره ، فإنه ملاقيكم ، {ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة} الذي لاتخفى عليه خافية ، {فينبئكم بما كنتم تعملون} من الكفر ~~والمعاصي ، بأن يجازيكم عليها. قال الكواشي : أكذب الله اليهود في ثلاث ، ~~افتخروا بأنهم أولياء الله فكذبهم بقوله : {فتمنواالموت} وبأنهم ms3097 أهل الكتاب ~~، والعرب لا كتاب لهم ، فشبهوا بالحمار يحمل أسفارا ، وبالسبت ، وأنه ليس ~~للمسلمين مثله ، فجعل الله لهم الجمعة. ه. ولذلك ذكرها بإثر تكذيبهم. PageV08P061 # الإشارة : مثل الذي يقرأ القرآن ويتلوه ولا يتدبر معانيه ، أو يقرأ العلم ~~ولا يعمل به ، كمثل الحمار..الخ. وعروض الموت على النفس ، أو العمل أو ~~الحال ، ميزان صحيح ، فكل حال وعمل ، أو شخص هزمه الموت فهو معلول ، وحب ~~البقاء للترقي والتوسعة في المعرفة محمود ، وغيره مذموم ، وقد تقدم في ~~البقرة تفصيل ذلك ، فراجعه إن شئت. # وأما تمني الموت فقد نهي عنه ، إلا لخوف الفتنة ، فقد قال ابن عباس لعمر ~~رضي الله عنهما : ما لك تكثر الدعاء بالموت ؟ وما الذي مللت من العيش ؟ أما ~~تقوم فاسدا وتعين صالحا ؟ فقال عمر : يا بن عباس! كيف لا أتمنى الموت ، ~~وأطلب القدوم على الله ، ولست أرى في الناس إلا فاتحا فاه للعدة من الدنيا ~~إما بحق لا يثق به ، أو بباطل لا يناله ، ولولا أن يسألني ربي عن الناس ~~لفررت منهم ، وتصبح الأرض مني بلاقع. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 41 # وقيل لسفيان الثوري : لم تتمن الموت ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنه ؟ فقال : إن سألني ربي عن ذلك أقول : لثقتي بك يا رب ، وخوفي من ~~الناس ، ثم أنشد : # قد قلت لما مدحوا الحياة وأسرفوا # في الموت ألف فضيلة لا تعرف # فيها أمان لقائه بلقائه # وفراق كل معاشر لا ينصف # وقال طاوس : لا يحرز المرء إلا حفرته ، وأنشدوا : # يبكي الرجال على الحياة وقد # أفنى دموعي شوقي إلى الأجل # 43 # أموت من قبل أن يفر مني # دهري فإني منه على وجل # جزء : 8 رقم الصفحة : 41 PageV08P062 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} ~~، والإمام على المنبر ، و" من " بيان ل " إذا " أو تفسير لها ، وقيل : " من ~~" بمعنى " في " كقوله : {ماذا خلقوا من ألأرض} [فاطر : 40 والأحقاف : 4] أي ~~: في الأرض. وإنما سمي جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة ، وقيل : أول من ~~سماها جمعة : كعب ms3098 بن لؤي ، وكان يسمى العروبة ، وقيل : إن الأنصار قالوا ~~قبل الهجرة : لليهود يوم يجتمعون فيه في كل سبعة أيام ، وللنصارى مثل ذلك ، ~~فهلموا نجعل يوما نجتمع فيه ، فنذكر الله نصلي ، فقالوا : يوم السبت لليهود ~~، ويوم الأحد للنصارى ، فاجعلوه يوم الجمعة ، فاجتعوا إلى سعد بن زرارة ، ~~فصلى بهم ركعتين ، وذكرهم ، فسموه يوم الجمعة ، لاجتماعهم فيه ، فأنزل الله ~~آية الجمعة أي : بعد ذلك تقريرا لفعلهم ، فهي أول جمعة كانت في الإسلام. ~~وأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي لما قدم المدينة ~~مهاجرا ، نزل قباء ، على بني عمرو بن عوف ، وأقام بها يوم الاثنين ~~والثلاثاء الأربعاء والخميس ، وأسس مسجدهم ، ثم خرج يوم الجمعة عامدا إلى ~~المدينة ، فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف ، في بطن واد لهم ، وقد بنوا ~~هناك مسجدا ، فخطب ، وصلى الجمعة فيه. انظر الثعلبي. # ويم الجمعة سيد الأيام ، وفي الحديث : " من مات يوم الجمعة كتب الله له ~~أجر شهيد ، ووقي فتنة القبر ". فإذا نودي للصلاة {فاسعوا إلى ذكر الله} أي ~~: امشوا واحضروا الخطبة والصلاة {وذروا البيع} أي : اتركوا المعاملة كلها ، ~~وإنما خص البيع ؛ لأن يوم الجمعة كان سوقا يتكاثر فيه البيع والشراء عند ~~الزوال ، فقيل لهم : بادروا إلى تجارة الآخرة ، واتركوا تجارة الدنيا ، ~~{واسعوا إلى ذكر الله} الذي لا شيء أنفع منه ، {ذلكم} أي : السعي إلى ذكر ~~الله {خير لكم} من البيع والشراء {إن كنتم تعلمون} الخير والشر الحقيقيين ، ~~أو : إن كنتم # 44 # من أهل العلم. # { PageV08P063 ~~جزء : 8 رقم الصفحة : 44 # فإذا قضيت الصلاة} أي : أديت وفرغ منها {فانتشروا في الأرض} ، أمر إباحة ~~، أي : اخرجوا لإقامة مصالحكم ، {وابتغوا من فضل الله} ؛ الرزق ، قال ابن ~~عباس : " إنما هي عيادة المريض ، وحضور الجنائز ، وزيارة أخ في الله " ~~ومثله في الحديث ، وعن الحسن : طلب العلم ، وقيل : صلاة التطوع. {واذكروا ~~الله كثيرا} ، أي : ذكرا كثيرا ، أو زمنا كثيرا ، ولا تخصوا ذكره بالصلاة ، ~~{لعلكم تفلحون} أي : كي تفوزوا بخير الدارين. # {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} ، روي أن أهل المدينة ms3099 أصابهم جوع ~~وغلاء شديد ، فقدم دحية بن خليفة ، بتجارة من زيت الشام ، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ، فقاموا إليها ؛ خشية أن يسبقوا إليه ، فما بقي ~~معه عليه السلام إلا ثمانية ، أو اثنا عشر ؛ العشرة المبشرون بالجنة ، ~~وبلال وابن مسعود ، وقيل : أربعون ، وهذا مبنى الخلاف في عدد الجماعة التي ~~تنعقد بهم وتجب عليهم ، فقال مالك : تنعقد باثني عشر غير الإمام ، وتجب على ~~قرية يمكنهم الإقامة والدفع عن أنفسهم في الغالب ، وقال الشافعي : أربعون ~~رجلا وقال أبو حنيفة : لا بد من المصر الجامع ، والسلطان القاهر ، وتصح ~~الصلاة عنده بأربعة. ولما انفضوا قال صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس ~~محمد بيده لو قاموا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا " وفي مراسيل أبي ~~داود : إن الخطبة كانت بعد الصلاة ، فتأولوا رضي الله عنهم أنهم قد قضوا ~~ما عليهم ، فحولت الخطبة بعد ذلك قبل الصلاة. ه. PageV08P064 # وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق ، وهو المراد باللهو. ~~وتخصيص التجارة برجع الضمير إليها ؛ لأنها المقصودة ، أو لأن الانفضاض إذا ~~كان للتجارة مع الحاجة إليها مذموما ، فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو ، فهو ~~مذموم في نفسه ، وقيل : التقدير : إذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، أو لهوا ~~انفضوا إليه ، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه. وقال أبو حيان : وإنما قال : ~~" إليها " ، ولم يقل : إليهما ، لأن العطف ب " أو " لا يثنى فيه الضمير ، ~~بل يفرد ، وقال الطيبي : الضمير راجع إلى اللهو ، باعتبار المعنى ، والسر ~~فيه : أن التجارة إذا شغلت المكلف عن الذكر عدت لهوا ، وتعد فضلا إن لم ~~تشغله ، كما ذكر قبل ذلك ، فراجعه. # {وتركوك قائما} على المنبر ، وفيه ندليل على طلب القيام في الخطبة إلا ~~لعذر. {قل ما عند الله} من الثواب {خير من اللهو ومن التجارة} فإن في ذلك ~~نفع محقق دائم ، بخلاف ما فيهما من النفع المتوهم. {والله خير الرازقين} ~~فإليه اسعوا ، ومنه اطلبوا الرزق ، أي : لا يفوتهم رزق الله بترك البيع ، ~~فهو خير الرازقين. # 45 # الإشارة : إذا نودي لصلاة القلوب في مقام الجمع ، من ناحية الداعي ms3100 إليها ~~، وهم المشايخ العارفون ، فاسعوا إلى ذكر الله ، ودوموا عليه باللسان ~~والقلب ، ثم بالقلب فقط ، ثم بالروح ، ثم بالسر ، فإن الذكر منشور الولاية ~~، ولا بد منه في البداية والنهاية ، قال الورتجبي بعد كلام : الساعي إلى ~~الذكر مقام المريدين ، والمحقق في المعرفة غلب عليه ذكر الله إياه بنعت ~~تجلي نفسه لقلبه. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 44 PageV08P065 ~~وذروا البيع} أي : اتركوا كل ما يشغل عن الله ، فلا تتجلى الحقائق إلا بعد ~~ترك العلائق ، ذلكم ، أي : ترك كل شاغل ، خير لكم إن كنتم تعلمون ، أي : إن ~~كنتم من أهل العلم بالله فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض... الخ ، أي : ~~إذا حصل لكم البقاء بعد الفناء ؛ فانتشروا في أرض العبودية ، واتسعوا في ~~ميادين البشرية ، بالاستمتاع بالشهوات المباحة بالإذن والتمكين ، والرسوخ ~~في اليقين ، وابتغوا من فضل الله ، بالتجارات الرابحة ، وهي إرشاد العباد ~~إلى الله ، {واذكروا الله كثيرا} أي : في كل شيء وعند كل شيء ، برؤية الحق ~~في كل شيء ، وإليه تشير وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ بقوله : " واذكر ~~الله عند كل حجر وشجر ". وقوله تعالى : {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها} ، قال القشيري : يشير إلى السالكين المحرومين من الجذبة وهو السالك ~~الأبتر إذا رأوا تجارة ، أي : طاعة توجب ثواب الآخرة ، يقومون إليها ، ~~ويثبون عليها ، نظرا إلى ثواب الآخرة ، كما قال عليه السلام : " لا تكونوا ~~كالأجير السوء ، إن أعطي عمل ، وإن لم يعط لم يعمل " ، أو لهوا أطرب النفس ~~برؤية الطاعة واستلذاذها بنظر الخلق إليها ، انفضوا إليها وتركوك أيها ~~السالك الحقيقي قائما بعبودية الحق ، ومشاهدة قيوميته ، قل : ما عند الله ~~من المواهب العالية ، والعطايا السنية ، خير من لهو النفس برؤية الغير ، ~~ومن التجارات بثواب الآخرة ، لقوله تعالى : {فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولآ يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف : 110] أو : ما عند الله نقدا ~~للعارفين من واردات القلوب ، وبواده الحقيقية ، خير مما يؤمل من الدنيا ~~والآخرة للغافلين ، والله خير الرازقين ، لإعطائه رزق النفس ، وهو الطاعة ~~على المنهاج والشرع ، ورزق القلب ، وهو ms3101 الأعمال القلبية ، كالزهد والورع ~~والرضا والتسليم والمراقبة ، والبسط والقبض ، والأنس والهيبة ، ورزق الروح # بالتجليات والمشاهدات ، والمعاينات والتنزلات ، ورزق السر برفع رؤية ~~الغير والغيرية ، ورزق الخفاء بالفناء في الله والبقاء به. ه. قال الورتجبي ~~: فيه تأديب المريدين حين اشتغلوا عن صحبة المشايخ ، بخلواتهم وعباداتهم ، ~~لطلب الكرامة ، ولم يعلموا أن ما يجدون في خلواتهم بالإضافة إلى ما يجدون ~~في صحبة مشايخهم لهو. ه. وهو حق. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد ~~، عين عيان التحقيق ، وعلى آله وصحبه وسلم. # 46 # جزء : 8 رقم الصفحة : 44 PageV08P066 ### | AUTO سورة المنافقون # جزء : 8 رقم الصفحة : 46 # يقول الحق جل جلاله : {إذا جاءك} أيها الرسول {المنافقون} أي : حضروا ~~مجلسك ، {قالوا نشهد إنك لرسول الله} ، أكدوا بإن واللام ؛ للإيذان بأن ~~شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلبهم ، وخلوص اعتقادهم ، ووفور رغبتهم ونشاطهم ~~، قال تعالى : {والله يعلم إنك لرسوله} حقيقة ، كما يدل عليه ظاهر كلامهم. ~~والجملة معترضة بين شهادتهم وتكذيبهم بقوله : {والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون} ، وحكمته : أنه لو لم يذكره لتوهم أن قوله : {والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون} إبطال للرسالة ، فوسطه بين حكاية قول المنافقين وبين ~~تكذيبهم ؛ ليزيل هذا الوهم ، ويحقق الرسالة. وقوله : " لكاذبون " أي : في ~~ادعائهم أنهم قالوا ذلك عن اعتقاد وصميم قلب ، كما يشير إليه ظاهر قولهم. ~~قال القشيري : كذبهم فيما قالوا : إنا نشهد عن بصيرة ، ونعتقد تصديقك ، فلم ~~يكذبهم في الشهادة ، ولكن كذبهم في قولهم : إنا مخلصون مصدقون بك. ه. PageV08P067 # {اتخذوا أيمانهم} الفاجرة {جنة} ؛ وقاية عما يتوجه إليهم من المؤاخذة ~~بالقتل والسبي ، وغير ذلك ، واتخاذها جنة عبارة عن إعدادهم وتهيئهم لها إلى ~~وقت الحاجة ، ليحلفوا بها ، ويتخلصوا عن المؤاخذة ، {فصدوا} بأنفسهم {عن ~~سبيل الله} وضلوا عن طريق الحق ، أو : فصدوا من أراد الدخول في الإسلام ~~بإلقاء الشبه ، وصدوا من أراد الإنفاق في سبيل الله بالنهي عنه ، كما سيجيء ~~عنهم ، ولا ريب أن هذا الصد منهم متقدم على حلفهم بالفعل ، ولذلك عبر ~~بالاتخاذ. {إنهم ساء ما كانوا يعملون} من النفاق # 47 # والصد. وفي " ساء " معنى التعجب ms3102 وتعظيم أمرهم للسامعين. # {ذلك} أي : ما تقدم من قولهم ، الناعي عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا ، ~~أو : ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستتار بالأيمان الفاجرة. ~~{بأنهم} ؛ بسبب أنهم {أمنوا} ؛ نطقوا بكلمة الشهادة ، كسائر من دخل في ~~الإسلام {ثم كفروا} أي : ظهر كفرهم بما شوهد منهم من شواهد الكفر ودلائله ، ~~أو : نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ونطقوا بالكفر عند شياطينهم ، {فطبع ~~على قلوبهم} ؛ ختم عليها ، حتى لا يدخلها الإيمان ، جزاء على نفاقهم ، ~~فتمرنوا على الكفر ، واطمأنوا به ، {فهم لا يفقهون} شيئا ، لا يعرفون حقية ~~الإيمان ولا حقيقته أصلا. # جزء : 8 رقم الصفحة : 47 PageV08P068 ~~الإشارة : قد يأتي إلى مشايخ التربية من ينافقهم ، طمعا في الدنيا ، فيقول ~~: نشهد إنك لمن العارفين ، أو من أهل التربية ، مثلا ، فتجر الآية ذيلها ~~عليه ، وقد يكون مذبذبا ، تارة تلوح له أنوار الولاية ، وتارة تستر عنه ، ~~فيصدق ثم يرجع ، ثم يطبع على قلبه. قال القشيري : {ذلك بأنهم آمنوا} : ~~استضاؤوا بنور الإجابة ، فلم ينبسط عليهم شعاع نور السعادة ، فانطفأ نورهم ~~بقهر الحرمان ، وبقوا في ظلمة القسمة السابقة بحكم الشقاوة. ه. وهنا إشارة ~~أخرى للقشيري ، وهو : إذا جاءك أيها الروح الصافية منافق الهوى والنفس ~~الأمارة ، قالوا : نشهد إنك لرسول الله ، أي : كاملة صافية ، يريدون بذلك ~~توقفها عن الترقي باستحسان ما أدركت ، والوقوف معه ، والله يعلم إنك لرسوله ~~، حين تصفى ، فتكون محل العلم الرباني ، والوحي الإلهامي ، والله يشهد إنهم ~~لكاذبون في ادعاء الشهادة بلا حقيقة ، اتخذوا أيمانهم جنة ، لئلا تكر عليهم ~~بأنوارها ، فتخرجهم عن عوائدهم وشهواتهم ، فصدوا عن سبيل الله ، حيث بقوا ~~مع عوائدهم ، أو : فصدوا الروح إن صدقتهم وطاوعتهم ، ذلك بأنهم أمنوا ، حيث ~~ترد عليهم أنوار الواردات ، ثم كفروا ؛ رجعوا إلى وطنهم ، من الحظوظ ، حيث ~~تخمد أنوار الواردات عنهم ، فطبع على قلوبهم ، حيث وقفوا مع عوائدهم فهم لا ~~يفقهون : لا يعرفون سر إيجادهم ، ولا لماذا خلقوا. ه. بالمعنى. # جزء : 8 رقم الصفحة : 47 PageV08P069 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} لضخامتها ، ويروقك ~~منظرهم ؛ لصباحة وجوههم ، والخطاب للرسول صلى الله ms3103 عليه وسلم ، أو : لكل ~~سامع ، {وإن يقولوا تسمع لقولهم} لفصاحتهم ، وذلاقة ألسنتهم ، وحلاوة ~~كلامهم ، وكان ابن أبي رجلا جسيما صبيحا ، وقوم من المنافقين في مثل صفته ، ~~فكانوا يحضرون مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويستندون فيه ، ولهم جهارة ~~المناظرة ، وفصاحة الألسن ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه يعجبون # 48 # بهم ، ويسمعون إلى كلامهم. {كأنهم خشب مسندة} أي : هم كخشب مسندة ، شبهوا ~~في جلوسهم في مجلس الرسول صلى الله عليهم وسلم مستندين فيها بخشب منظومة ، ~~مسندة إلى الحائط ، في كونهم أشباحا خاليه من العلم والخير ؛ لأن الخشب إذا ~~انتفع بها كانت في سقف ، أو جدار ، أو غير ذلك من مظان الانتفاع ، وما دام ~~متروكا غير منتفع به ، أسند إلى الحائط فشبهوا به في عدم الانتفاع. أو : ~~لأنهم أشباح بلا أرواح ، وأجرام بلا أحلام. و" خشب " بضمتين ، جمع خشبة ، ~~كثمرة وثمر ، ويسكن ، كبدنة وبدن. # {يحسبون كل صيحة} واقعة {عليهم} ، ف " كل " : مفعول أول ، و" عليهم " : ~~مفعول ثان ، أي : يظنون كل صيحة واقعة عليهم لاستقرار الرعب في قلوبهم ، ~~فإذا نادى مناد في العسكر ، أو انفلتت دابة ، أو نشدت ضالة ؛ ظنوه إيقاعا ~~بهم. {هم العدو} أي : الكاملون في العداوة ، الراسخون فيها ، فإن أعدى ~~الأعادي المكاشر ، الذي يكاشر وتحت ضلوعه الداء. فالألف واللام للجنس ، أو ~~: للعهد ، أي : العدو الذي يشهد لك ، ويعتقد خلاف ما يشهد ، {فاحذرهم} ولا ~~تغتر بحلاوة منطقهم ، {قاتلهم الله} ، دعاء عليهم ، أو : تعليم للمؤمنين أن ~~يدعوا عليهم ، {أنى يؤفكون} أي : كيف يعدلون عن الحق بعد وضوحه ، تعجبا من ~~جهلهم وضلالتهم. PageV08P070 # الإشارة : لا عبرة بالأجسام العريضة ، ولا بالألسن الفصيحة ، إنما العبرة ~~بالقلوب المطهرة ، والسرائر المنورة ، " إن الله لا ينظر إلى صوركم... " ~~الحديث ، و" رب أشعث أغبر ، مدفوع بالأبواب ، لو أقسم على الله لأبره في ~~قسمه " قال القشيري : قوله تعالى : {وإذا رأيتهم..} الخ ، أي : هم أشباح ~~وقوالب ، ليس وراءهم ألباب وحقائق ، والجوز الفارغ يؤنق ظاهره ، ولكن للعب ~~الصبيان. ه. وقال الشاعر : # جزء : 8 رقم الصفحة : 48 # وما الحسن في وجه الفتى شرفا ms3104 له # إذا لم يكن في فعله والخلائق # وقالت العامة : لا يتكلم إلا الجوز الفارغ ، ذما لشقشقة اللسان ، وفي ~~الحديث أيضا ذمهم والتحذير منهم. أما قوله صلى الله عليه وسلم : " التمسوا ~~حوائجكم عن حسان الوجوه " فإنما المراد : ما يظهر على الوجه من البهجة ~~والنور ، والخفة والملاحة ، مما خامر الباطن من بشاشة الإيمان ونور ~~المعرفة. والله تعالى أعلم. # 49 # جزء : 8 رقم الصفحة : 48 # يقول الحق جل جلاله : {وإذا قيل لهم} عند ظهور نفاقهم : {تعالوا يستغفر ~~لكم رسول الله لووا رؤوسهم} أي : عطفوا استكبارا. وقرأ غير نافع بالتشديد ~~للمبالغة. {ورأيتهم يصدون} أي : يعرضون عن القائل ، أوعن الاستغفار ، {وهم ~~مستكبرون} عن الاعتذار والاستغفار. PageV08P071 # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع ~~وهوماء لهم وهزمهم ، وقتلهم ، ازدحم على الماء " جهجاه " أجير لعمر مع ~~سنان حليف لعبد الله بن أبي المنافق فصرخ جهجاه : يا للمهاجرين! وصرخ ~~سنان : يا للأنصار! فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ، ولطم سنانا ، ~~فقال ابن أبي : أوقد فعلوها ، وقال : وما صحبنا محمدا إلا لنلطم! وما مثلنا ~~ومثلهم إلا كما قائل القائل : سمن كلبك يأكلك! والله لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم قال لقومه : كفوا طعامكم عن هذا الرجل ، ولا ~~تنفقوا على من عنده حتى ينفضوا ويتركوه ، فسمع ذلك زيد بن أرقم ، وكان حدثا ~~، فقال : أنت والله الذليل ، المبغض في قومك ، ومحمد على رأسه تاج ~~المعراج ، في عز من الرحمن ، وقوة من المسلمين ، فقال عبدالله : اسكت ، ~~فإنما كنت ألعب ، فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر رضي ~~الله عنه : دعني أضرب عنق المنافق! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ~~إذن ترعد أنوف كثيرة بيثرب " قال : فإن كرهت أن يقتله مهاجري ، فمر به ~~أنصاريا ، فقال : " فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ " فأرسل ~~صلى الله عليه وسلم له ، فأتى ، فقال : " أنت صاحب الكلام الذي بلغني " ؟ ~~فقال : والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك ، وإن زيدا لكاذب ، وهو ms3105 ~~قوله : {اتخذوا أيمانهم جنة} فقال الحاضرون : يا رسول الله! شيخنا وكبيرنا ~~، لا تصدق عليه كلام غلام ، عسى أن يكون قد وهم ، قال زيد : فوجدت في نفسي ~~، ولآمني الناس ، فلزمت بيتي ، فلما نزلت الآية ، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لزيد : " يا غلام إن الله قد صدقك وكذب المنافقين " ، فلما بان ~~كذب عبدالله ؛ قيل له : قد نزلت فيك آي شداد ، فاذهب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يستغفر لك ، فلوى رأسه ، وقال : أمرتموني أن أومن PageV08P072 ~~فآمنت ، وأمرتموني أن أزكي مالي ، فزكيت ، ما بقي لي إلا أن أسجد لمحمد ، ~~فنزل : {وإذا قيل لهم تعالوا...} الآية ، وما بقي إلا أياما حتى اشتكى ومات. # 50 # قاله النسفي ، فانظره ، مع أن سورة براءة متأخرة عن هذه ، وفيها : {ولآ ~~تصل على أحد منهم...} [التوبة : 84] التي نزلت فيه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 50 # قالت تعالى : {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} ، أي : لا مساغ ~~للنصح فيهم ، {لن يغفر الله لهم} أي : ما داموا على النفاق. والمعنى : سواء ~~عليهم الاستغفار وعدمه ؛ لأنهم لا يلتفتون إليه ، ولا يعتدون به ؛ لكفرهم ، ~~أو لأن الله لا يغفر لهم أبدا ، {إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} ؛ ~~لإصرارهم على الفسق ، ورسوخهم في الكفر والنفاق. والمراد : إما هم بأعيانهم ~~، والإظهار في موضع الإضمار لبيان غلوهم في الفسق ، أو : الجنس ، وهم ~~داخلون في زمرتهم دخولا أوليا. # {هم الذين يقولون} للأنصار : {لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا} ؛ يتفرقوا ، وهذه المقالة كانت السبب في استدعائه إلى الاستغفار ، ~~كما تقدم ، فحقها التقديم قبل قوله : {وإذا قيل لهم تعالوا} وإنما أخرت ~~ليتوجه العتاب إليه مرتين ، كما تقدم في سورة البقرة. # ثم قال تعالى ، في الرد على الخبيث : {ولله خزائن السموات والأرض} ، فهو ~~رد وإبطال لما زعموا من أن عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله ~~صلى الله عليه وسلم ببيان أن خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة ، يعطي من ~~يشاء ، ويمنع من يشاء ، فيرزق منها المهاجرين ، وإن أمسك أهل المدينة عنهم ms3106 ~~، {ولكن المنافقين لا يفقهون} ؛ ولكن عبد الله وأضرابه لايفقهون ذلك ~~فيهتدون ، بما يزين لهم الشيطان. PageV08P073 # {يقولون لئن رجعنا} من غزوة بني الصطلق {إلى المدينة ليخرجن الأعز منها} ~~يعني : نفسه لعنه الله {الأذل} يعني : جانب المؤمنين ، وإسناد القول بذلك ~~إلى المنافقين ؛ لرضاهم به ، فرد تعالى عليهم ذلك بقوله : {ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين} أي : ولله الغلبة والعزة ، ولمن أعزه من رسوله ~~والمؤمنين ، لا لغيرهم ، كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين ~~والمنافقين. وعن بعض الصالحات ، وكانت في هيئة رثة من الفقر : ألست على ~~الإسلام ، وهو العز الذي لا ذل معه ، والغنى الذي لا فقر معه ؟ وعن الحسن ~~بن علي رضي الله عنه : أن رجلا قال له : إن فيك تيها ؟ قال : ليس بتيه ، ~~ولكنه عزة ، وتلا هذه الآية. ه. # {ولكن المنافقين لا يعلمون} ذلك ؛ لفرط جهلهم وغرورهم ، فيهذون ما يهذون. ~~روي أن ولد عبدالله بن أبي ، واسمه عبدالله ، وكان رجلا صالحا ، لما سمع ~~الآية جاء إلى أبيه ، فقال له : أنت والله يا أبت الذليل ، ورسول الله ~~العزيز ، ووقف على باب السكة التي يسلكها أبوه ، وجرد السيف ، ومنعه الدخول ~~، وقال : والله لا دخلت منزلك إلا أن يأذن في ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، وعبد الله في أذل حال ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث ~~إليه : " أن خله يمضي إلى منزله ، وجزاه خيرا " فقال : الآن فنعم. ه. # 51 PageV08P074 ~~الإشارة : من تكبر عن حط رأسه للأكابر ففيه خصلة من النفاق ، والمراد ~~بالأكابر : الأولياء العارفون بالله ، من تكبر عنهم مات ، وفيه بقية من ~~النفاق ، إذ لا يخلو منه إلا بالتطهير الكبير على أيدي المشايخ ، وكذلك من ~~منع الناس من الإنفاق على أهل النسبة ، كائنا ما كانوا ، فشؤمه الحرمان من ~~نسيم أهل الوصلة ، {ولله خزائن السماوات والأرض} أي : خزائن الأرزاق الحسية ~~والمعنوية ، فقد يعطي أحدهما دون الآخر ، وقد يعطيهما معا ، أو : يمنعهما ~~معا ، على حسب المشيئة ، قال رجل لحاتم الأصم : من أين تأكل ؟ فقال : {ولله ~~خزائن السماوات والأرض} وقال الجنيد : خزائن السماوات ms3107 : الغيوب ، وخزائن ~~الأرض : القلوب ، وهم علام الغيوب ، ومقلب القلوب. وكان الشبلي يقرأ : ~~{ولله خزائن السماوات والأرض} ويقول : فأين تذهبون. ه. أي : حين تهتمون ~~بالرزق بعد هذه الآية. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 50 # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} ، قال بعضهم : عزة الله : قهره ، وعزته ~~لرسوله : إظهاره ، وعزته للمؤمنين : نصره إياهم على من آذاهم. وقيل : عزة ~~الله : الولاية {هنالك الولاية لله الحق} [الكهف : 44] ، وعزة الرسول : ~~الكفاية والعناية ، وعزة المؤمنين : الرفعة والرعاية ، وقيل : عزة الله : ~~الربوبية ، وعزة الرسول : النبوة ، وعزة المؤمنين : العبودية ، فإذا أردت ~~أيها العبد أن تكون عزيزا فارفع همتك عن الخلق ، وسد باب الطمع ، وتحل ~~بحلية الورع. قال بعضهم : والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق ، ~~وقال آخر : ما قذر لماضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه ، فامضغه ويحك بعز ~~، ولا تمضغه بذل. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 50 PageV08P075 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم} أي : ~~لايشغلكم الاهتمام بتدبير أمورها ، والاعتناء بمصالحها ، والتمتع بها ، ~~{ولا أولادكم} أي : سروركم بهم ، وشفقتكم عليهم ، والاستغراق في الأسباب ، ~~للنفقة عليهم {عن ذكر الله} أي : عن الاشتغال بذكره عز وجل ، من الصلاة ، ~~والذكر ، وسائر العبادات ، والمراد : نهيهم عن التلهي بها ، وتوجيه النهي ~~لهم للمبالغة ، كقوله تعالى : {ولآ يجرمنكم شنئآن قوم} [المائدة : 2] ، ~~{ومن يفعل ذلك} أي : التلهي بالدنيا عن الدين {فأولئك هم الخاسرون} ؛ ~~الكاملون في الخسران ، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. # {وأنفقوا من ما رزقناكم} أي : بعض ما رزقناكم ، تفضلا ، من غير أن يكون # 52 # حصوله من جهتكم ادخارا للآخرة ، وهو عام في المفروض والمندوب ، {من قبل ~~أن يأتي أحدكم الموت} بأن يشاهد دلائله ، ويعاين أمارته ومخايله. وتقديم ~~المفعول على الفاعل للاهتمام بما قدم ، والتشويق لما أخر ، {فيقول} حين ~~تيقنه بحلوله : {لولا أخرتني} ؛ أمهلتني {إلى أجل قريب} ؛ أمد قصير ، ~~{فأصدق} بالنصب ، جواب التمني ، {وأكن من الصالحين} بالجزم ، عطفا على محل ~~{فأصدق} أو : على توهم إسقاط الفاء ، كأنه قيل : إن أخرتني أصدق وأكن ، ~~وقرأ أبو عمرو بالنصب عطفا على اللفظ. ms3108 PageV08P076 # {ولن يؤخر الله نفسا} ؛ لن يمهلها {إذا جاء أجلها} ؛ آخر عمرها المكتوب في ~~اللوح. {والله خبير بما تعملون} فيجازيكم عليه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا ~~فشر ، فسارعوا إلى الخيرات ، واستعدوا لما هو آت. قال ابن عباس : ما قصر ~~أحد في الزكاة والحج إلا سأل الرجعة عند الموت. ه. والظاهر : أن كل من قصر ~~في الاجتهاد ، وتعمير الأوقات ، كله يطلب الرجعة ، وكل من أدركته المنية ~~قبل الوصول إلى الله مغبون ، ولذلك ذكر التغابن بعدها ، وفي الحديث : " ما ~~من أحد إلا سيندم عند الموت ، إن كان عاصيا أن لو تاب ، وإن كان طائعا أن ~~لو زاد " أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قال في غريب المنتقى : إن العبد ~~يقول عند كشف الغطاء : يا ملك الموت أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي ، وأتوب ~~وأتزود صالحا لنفسي ، فيقول الملك : فنيت الأيام ، فلا يوم ، فيقول : أخرني ~~ساعة ، فيقول : فنيت الساعات فلا ساعة. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 52 # قيل : لما كانت سورة المنافقين رأس ثلاث وستين سورة ، أشير فيها إلى ~~وفاته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء ~~أجلها} فإنه صلى الله عليه وسلم مات على رأس ثلاث وستين سنة ، وعقبها ~~بالتغابن ، ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم. ه. PageV08P077 # الإشارة : قد نهى الله تعالى عن الاشتغال عن ذكره بالأموال والأولاد ، ~~ويقاس عليه سائر القواطع ، فلا عذر للعبد في تركه في وقت من الأوقات ، فما ~~من وقت من الأوقات إلا وله حق جديد ، وأمر أكيد ، لا يقضى في غيره ، فحقوق ~~الأوقات لا تقضى ، بخلاف الحقوق التي لها أوقات محدودة ، فإنها تقضى في ~~غيرها ، ولما كان الذكر يطهر القلب ، ويخرج ما فيه من حب الدنيا وغيرها ، ~~أمر بالإنفاق بعد الأمر به ؛ ليسهل الإنفاق على العبد. قال بعض الحكماء في ~~مدح الذكر والترغيب فيه : الذكر منشور الولاية ، ولا بد منه في البداية ~~والنهاية ، وهو يثمر أحوالا شريفة ، وماقامات عالية منيفة ، وعلوما لطيفة ، ~~ويحيي عوالم طالما كانت قبل مواتا ، ويلبس النفس ms3109 وجنودها ذلة وسباتا ، ~~ونظيره إذا وصل للقلب : كدخول الماء في الأسراب ، فإنه يخرج ما فيها من ~~الحشرات والدواب ، فكذلك الذكر ، إذا صدم القلب ، ودخل سويداءه ، فإنه ~~يخلصه من مساكنة صلصال النفس ، ويزيل # 53 # عن ناظره الغشاوة واللبس ، ولهذا كان أفضل الأعمال ، وأزكى الأحوال ، ~~وفضل على جهاد السيف والقتال. ه. وأنفقوا مما رزقناكم من العلوم والمعارف ، ~~لمن يطلبها وكان أهلا لها ، بعد إنفاق ما عنده من الحس ، وإلا فلا خير في ~~فقير شحيح ، فإنه من أقبح كل قبيح. فانتهزوا الفرصة ، وبادروا نفوذ الأجل ، ~~فالترقي إنما تهو في هذه الدار. قال القشيري : لا تغتروا بسلامة أوقاتكم ، ~~وترقبوا بغتات آجالكم ، وتأهبوا لما بين أيديكم من الرحيل ، ولا تعرجوا في ~~أوطان التسويف. ه. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ، وسلم. # 54 # جزء : 8 رقم الصفحة : 52 PageV08P078 ### | AUTO سورة التغابن # جزء : 8 رقم الصفحة : 54 # يقول الحق جل جلاله : {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض} أي : ينزهه ~~سبحانه جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه ، قال ~~القشيري : المخلوقات بجملتها مسبحة لله ، ولكن لا يسمع تسبيحها من فيه طرش ~~النكرة. ه. {له الملك وله الحمد} لا لغيره ؛ إذ هو المبدىء لكل شيء ، وهو ~~القائم به ، والمهيمن عليه ، وهو المولي لأصول النعم وفروعها ، وأما ملك ~~غيره فاسترعاء من جنابه ، وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يديه. ~~فتقديم الظرفين للاختصاص. {وهو على كل شيء قدير} ؛ لأن نسبة ذاته المقتضية ~~للقدرة إلى كل سواء. # {هو الذي خلقكم} خلقا بديعا ، حائزا لجميع الكمالات العلمية والعملية ، ~~ومع ذلك {فمنكم كافر} أي : فبعض منكم مختار للكفر كاسبا له ، على خلاف ما ~~تستدعيه خلقته ، {ومنكم مؤمن} مختار للإيمان ، كاسبا له ، على حسب ما ~~تقتضيه خلقته ، وكان الواجب عليكم جميعا أن تكونوا مختارين للإيمان ، ~~شاكرين لنعم الخلق والإيجاد ، وما يتفرع عليهما من سائر النعم ، فما فعلتم ~~ذلك مع تمام تمكنكم منه ، بل تشعبتم شعبا ، وتفرقتم فرقا. وتقديم الكفر ~~لأنه الأغلب والأنسب للتوبيخ. قال القشيري ms3110 : {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} أي : ~~في سابق علمه سماه كافرا ، لعلمه أنه يكفر ، وكذلك المؤمن. ه. # 55 # قال أبو السعود : حمله على ذلك مما لا يليق بالمقام ، فانظره. {والله بما ~~تعملون بصير} فيجازيكم بذلك ، فاختاروا منه ما ينفعكم من الإيمان والطاعة ، ~~وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان. PageV08P079 # {خلق السماوات والأرض بالحق} ؛ بالحكمة البالغة ، المتضمنة للمصالح الدينية ~~والدنيوية ، حيث جعلها مقرا للمكلفين ليعملوا فيجازيهم ، {وصوركم فأحسن ~~صوركم} حيث أنشأكم في أحسن تقويم ، وأودع فيكم من القوى والمشاعر الظاهرة ~~والباطنة ، ما نيط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة ، وخصكم بخلاصة ~~خصائص مبدعاته ، وجعلكم أنموذج جميع مخلوقاته ، فالكائنات كلها منطوية في ~~هذه النشأة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 55 # قال النسفي : أي : خلقكم أحسن الحيوان كله ، وأبهاه ، بدليل : أن الإنسان ~~لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور ، ومن حسن صورته : ~~أنه خلق منتصبا غير منكب ، ومن كان دميما ، مشوه الصورة ، سمج الخلقة ، فلا ~~سماجة ثم ، ولكن الحسن على طبقات ، فلانحطاطها عما فوقها لا تستملح ، ~~ولكنها غير خارجة عن حد الحسن. وقال الحكماء : شيئان لا غاية لهما : الجمال ~~والبيان. ه. قلت : وما أشار إليه هو الذي نظمه الجيلاني في عينيته ، حيث قال : # وكل قبيح إن نسبت لحسنه # أتتك معاني الحسن فيه تسارع # يكمل نقصان القبيح جماله # فما ثم نقصان. ولا ثم باشع # {وإليه المصير} في النشأة الأخرى ، لا إلى غيره ، فأحسنوا سرائركم ، ~~باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما خلقن له. PageV08P080 # {يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون} أي : ما تسرونه ~~فيما بينكم ، وما تظهرونه من الأمور ، والتصريح به مع اندراجه فيما سبق ~~قبله ؛ لأنه الذي يدور عليه الجزاء ، ففيه تأكيد للوعد والوعيد ، وتشديد ~~لهما. وقوله تعالى : {والله عليم بذات الصدور} : تذييل لما قبله ، ومقرر له ~~، من شمول علمه تعالى لسرهم وعلنهم ، أي : هو محيط بجميع المضمرات المستكنة ~~في صدور الناس ، بحيث لا يفارقها أصلا ، فكيف يخفى عليه ما يسرونه وما ~~يعلنونه ، فحق أن يتقى ويحذر. وإظهار الجلالة للإشعار بعلية ms3111 الحكم ، وتأكيد ~~استقلال الجملة. قيل : وتقدم تقرير القدرة على تقرير العلم ؛ لأن دلالة ~~المخلوقات على قدرته تعالى بالذات ، وعلى علمه بما فيها من الإتقان ~~والاختصاص ببعض الأوصاف ، وكل ما ذكره بعد قوله : {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ~~في معنى الوعيد على الكفر ، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمه. # قال الطيبي : الفاء في " فمنكم " تفصيلية ، والآية كلها واردة لبيان عظمة ~~الله في ملكه وملكوته ، وذلك أنه تعالى لما أثبت لذاته الأقدس التنزيه ، ~~وأن كل شيء ينزهه ويقدسه عما # 56 # لا يليق بجلاله ، ثم خص أنه لوصفه بالمالكية على الإطلاق ، وكل كمال ~~وجمال ونعمة وإفضال منه ، وهو خالق كل مهتد وضال ، ونظم دليل الآفاق مع ليل ~~الأنفس ، وبين أن إليه المصير ، ختم ذلك بإثبات العلم الشامل للكليات ~~والجزئيات ، وكرره تكريرا ، وأكده توكيدا ، وكأن ذكر العلم في قوله : ~~{والله بما تعملون بصير} استطراد لذكر الخلق وتفصيله ، ولإثبات القضاء ~~والقدر ، ولما فرغ من بيان العظمة جاء بالتهديد والوعيد ، وقال : {ألم ~~يأتكم...} الآية. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 55 PageV08P081 ~~الإشارة : هو الذي خلقكم ، فمنكم كافر بطريق الخصوص ، ومنكم مؤمن بها ، ~~داخل فيها ، أي : فمنكم عام ومنكم خاص. قال القشيري : فمنكم كافر ، أي : ~~سائر للحق بالخلق ، ومنكم مؤمن ، أي : مصدق بظهور الحق في الخلق. ثم قسم ~~الناس على ثلاثة : من لا يرى إلا الخلق ، وهم أهل الفرق ، ومن لا يرى إلا ~~الحق ، وهم أهل الجمع ، ومن يرى الحق في الخلق ، والخلق في الحق ، لا يحجبه ~~أحدهما عن الآخر ، فهم أهل جمع الجمع. # خلق سماوات الأرواح ليعرف بها ، وأرض الأشباح ليعبد بها ، وهو الواحد ~~الأحد ، وصوركم فأحسن صوركم ، حيث جعلها جامعة للعوالم العلوية والسفلية ؛ ~~لأن الله تعالى خلق آدم على صورته ، وذاته المقدسة جامعة لمظاهر الصفات ~~والأسماء ، وتلك المظاهر كلها مجموعة في الصور الآدمية ، بخلاف سائر ~~الكائنات ، فما في صورتها إلآ بعض الأسماء والصفات ، فتأمله. وإليه المصير ~~، أي : وإلى ذاته ترجع جميع الصور والأشكال ، فما خرج شيء عن إحاطة الذات ~~والصفات ، يعلم ما تسرون من العقائد الصحيحة ms3112 ، وما تعلنون من العبادات ~~الخالصة ، أو : ما تسرون من الكشوفات الذوقية ، وما تعلنون من العبودية ~~الاختيارية ، هذا في خاصة أهل الظاهر وأهل الباطن ، أو : ما تسرون من ~~العقائد الفاسدة ، وما تعلنون من الأعمال الخبيثة ، أو : ما تسرون من ~~الاتحاد أو الحلول ، وما تعلنون من العمل والمعلول ، وهذا في طالحي ~~الفريقين. # جزء : 8 رقم الصفحة : 55 # 57 PageV08P082 ~~يقول الحق جل جلاله : لكفار مكة {ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل} ؟ كقوم ~~نوح ، ومن بعدهم من الأمم المصرة على الكفر ، {فذاقوا وبال أمرهم} أي : شؤم ~~كفرهم في الدنيا من الهلاك والاستئصال. والوبال : الثقل والشدة ، وأمرهم : ~~كفرهم ، عبر عنه بالأمر إيذانا بأنه أمر هائل ، وجناية عظيمة ، و" ذاقوا " ~~عطف على " كفروا " أي : ألم يأتكم خبر الذين كفروا فذاقوا من غير مهلة ما ~~يستتبعه كفرهم في الدنيا ؟ {ولهم في الآخرة عذاب أليم} لا يقادر قدره. # {ذلك} أي : ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا ، وما سيذوقونه في ~~الآخرة {بأنه} ؛ بسبب أن الشأن {كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} ؛ بالمعجزات ~~الظاهرة ، {فقالوا أبشر يهدوننا} أي : قال كل قوم من المذكورين في حق ~~رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين كون الرسول من البشر ، متعجبين من ذلك ~~{أبشر} من جنس البشر {يهدوننا} ، أنكروا رسالة البشر ، ولم ينكروا عبادة ~~الحجر ، {فكفروا} بالرسل {وتولوا} عن التدبر فيما أتوا به من البينات ، أو ~~: عن الإيمان بهم ، {واستغنى الله} أي : أظهر استغناءه عن إيمانهم وطاعتهم ~~، حيث أهلكهم وقطع دابرهم ، ولولا استغناؤه تعالى عنها ما فعل ذلك ، {والله ~~غني} عن العالمين ، فضلا عن إيمانهم وطاعتهم ، {حميد} يحمده كل مخلوق بلسان ~~الحال والمقال ، أو : مستحق للحمد بذاته ، وإن لم يحمده حامد. PageV08P083 # ثم ذكر كفرهم بالبعث ، فقال : {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا} ، الزعم : ~~ادعاء العلم ، فيتعدى إلى مفعولين ، سد مسدهما " أن " المخففة ، أي : أدعى ~~أهل مكة أن الشأن لن يبعثوا بعد موتهم ، {قل بلى وربي لتبعثن} ، ردا لزعمهم ~~وإبطالا لما نفوه مؤكدا بالقسم ، فإن قلت : ما معنى اليمين على شيء أنكروه ~~؟ قلت : هو جائز ؛ لأن ms3113 التهديد به أعظم موقعا في القلب ، فكأنه قيل : ما ~~تنكرونه والله إنه لواقع لا محالة ، {ثم لتنبؤن بما عملتم} أي : لتحاسبن ~~وتجزون بأعمالكم ، {وذلك} أي : ما ذكر من البعث والحساب {على الله يسير} ~~هين ، لتحقق القدرة التامة ، وقبول المادة للإعادة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 57 # الإشارة : ألم يأتكم يا معشر المنكرين على أولياء زمانكم ، خبر من أنكر ~~قبلكم ، ذاقوا وبال أمرهم حيث ماتوا محجوبين عن شهوده ، مطرودين عن ساحة ~~قربه ، ذاقوا وبال أمرهم في الدنيا ؛ الجزع والهلع وتسليط الخواطر والشكوك ~~، ولهم في الآخرة عذاب البعد والحجاب ، وسبب ذلك : إنكار الخصوصية عند بشر ~~مثلهم ، فكفروا به ، وتولوا عنه ، والله غني عنهم ، وعن توجههم ، وعن جميع ~~الخلق ، زعم الذين كفروا ؛ ستروا الحق بالخلق ، أي : احتجبوا بالخلق عن ~~شهود الحق ، أن لن يبعثوا على معتقدهم ، قل : بلى وربي لتبعثن ، كما عشتم ~~محجوبين عن رؤية الحق إلا نادرا ؛ لأن العبد يموت على ما عاش ، ويبعث على ~~ما مات ، من معرفة أو نكران ، ثم لتحاسبن على أعمالكم ، لا يغادر منها ~~صغيرة ولا كبيرة ، بخلاف العارفين ، لا يرفع لهم ميزان ، ولا يتوجه لهم ~~حساب ، حيث # 58 # فنوا عن أنفسهم ، وبقوا بالله ، وهم من السبعين ألفا. وبالله التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 57 # قلت : الفاء في قوله {فأمنوا} فصيحة ، مفصحة عن شرط مقدر ، أي : إذا كان ~~الأمر كما ذكرنا من وقوع البعث لا محالة فآمنوا وتأهبوا له. PageV08P084 # يقول الحق جل جلاله : {فآمنوا بالله ورسوله} محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~{والنور الذي أنزلنا} وهو القرآن ، فإنه بين حقائق الأشياء ، فيهتدي به كما ~~يهتدى بالنور. والالتفات في " أنزلنا " لكمال العناية بالإنزال ، {والله ~~بما تعملون} من الامتثال وعدمه {خبير} ، فيجازيكم عليه. وإظهار اسم الجليل ~~لتربية المهابة ، وتأكيد استقلال الجملة. # واذكر {يوم يجمعكم} أو : لتنبؤن ، أو خبير {يوم يجمعكم ليوم الجمع} وهو ~~يوم يجمع فيه الأولون والآخرون للحساب والجزاء ، {ذلك يوم التغابن} ، ~~مستعار من : تغابن القوم في التجارة ، وهو أن يغبن بعضهم بعضا ، لنزول ~~السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو ms3114 كانوا سعداء ، ونزول ~~الأشقياء منازل السعداء لو كانوا أشقياء ، كما ورد في الحديث. وقد يتغابن ~~الناس في ذلك اليوم بتفاوت الدرجات ، وذلك هو التغابن الحقيقي ، لا التغابن ~~في أمور الدنيا ، {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا نكفر} بنون العظمة لنافع ~~والشامي ، وبياء الغيبة ، أي : يكفر الله {عنه سيئاته وندخله جنات} أو : ~~يدخله الله {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك} أي : ما ذكر ~~من تكفير السيئات وإدخال الجنات {الفوز العظيم} الذي لا فوز وراءه ؛ ~~لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات ، والظفر بأجل الطلبات. # {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس ~~المصير} ؛ المرجع ، كأن هاتين الآيتين الكريمتين بيان لكيفية التغابن. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : فأمنوا بالله ورسوله إيمان العيان ، لا إيمان البرهان ، أي : ~~قدموا إيمان البرهان ، ثم سيروا إلى مقام العيان ، وآمنوا بالقرآن ، وصفوا ~~مرآة قلوبكم حتى تسمعوه منا بلا واسطة ، واذكروا يوم يجمعكم ليوم الجمع ~~الدائم لأهل الجمع في الدنيا ، ذلك يوم # 59 PageV08P085 ~~التغابن ، يغبن الذاكرون الغافلين ، والمجتهدون المقصرين ، والعارفون بالله ~~والمحجوبين عنه ، وهذا هو الغبن الكبير ، ومن يؤمن بالله ، ثم يجهد في شهود ~~الله ، ويعمل عملا صالحا ، وهو العمل بالله ، نكفر عنه سيئاته ، أي رؤية ~~أعماله ووجوده ، أي : نغطي وصفه بوصفي ، ونعته بنعتي ، وندخله جنات المعارف ~~، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم ، وذلك هو الفوز العظيم ، أي : خلع ~~الوجود المجازي عنه ، وإلباس الوجود الحقيقي هو الفوز العظيم. والذين كفروا ~~بطريق الخصوص ، وكذبوا بآياتنا ، وهم العارفون الدالون على الله ، أولئك ~~أصحاب النار ، أي : نار الحجاب وجحيم الاحتجاب ، خالدين فيها ، وبئس المصير ~~الحجاب والاحتجاب. # جزء : 8 رقم الصفحة : 59 # يقول الحق جل جلاله : {ما أصاب من مصيبة} دنيوية أو أخروية {إلا بإذن ~~الله} أي : بتقديره وإرادته ، كأنها بذاتها متوجهة إلى الإنسان ، متوقفة ~~على إذنه تعالى ، {ومن يؤمن بالله} أي : يصدق بأن المقادير كلها بيد الله ~~{يهد قلبه} للرضا والتسليم ، أو الاسترجاع ، فيقول : إنا لله وإنا إليه ~~راجعون ، أو : يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ms3115 ليخطئه ، وما أخطأه لم ~~يكن ليصيبه ، وعن مجاهد : إن ابتلي صبر ، وإن أعطي شكر ، وإن ظلم غفر. ونقل ~~ابن عطية عن المفسرين : أن المراد : من اعترف بالقدر هانت عليه المصيبة ، ~~وسلم لأمر الله تعالى. {والله بكل شيء عليم} فيعلم ما في القلوب من برد ~~الرضا أو حرارة التدبير. PageV08P086 # {وأطيعوا الله} فيما أمركم به ، ومن جملته : الرضا بقضائه عن المصائب ، ~~{وأطيعوا الرسول} فيما سن لكم من الأخلاق الطيبة ، وكرر الأمر للتأكيد ~~والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية ، {فإن توليتم} عن طاعتهما {فإنما ~~على رسولنا البلاغ المبين} ، وهو تعليل للجواب المحذوف ، أي : فإن تعرضوا ~~فلا بأس عليه ؛ إذ ما عليه إلا البلاغ ، وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه. ~~وإظهار الرسول مضافا إلى نون العظمة في مقام إضماره لتشريفه صلى الله عليه ~~وسلم والإشعار بأن مدار الحكم ، الذين هو وظيفته عليه السلام هو محض ~~التبليغ ، ولتشنيع التولي عنه. # {الله لا إله إلا هو} لا يستحق العبادة غيره ، ف " الله " : مبتدأ ، و" ~~لا إله إلا هو " : خبره ، {وعلى الله} دون غيره {فليتوكل المؤمنون} ، حث ~~رسوله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه حتى ينصره الله ، وهي عامة لغيره ~~، وإظهار الجلالة في موضع الإضمار للإشعار بعلية # 60 # التوكل والأمر به ، فإن الألوهية مقتضية للتبتل إليه تعالى بالكلية ، ~~وقطع التوكل عما سواه بالمرة. # الإشارة : ما من نفس تبديه ، إلا وله قدر فيك يمضيه. ما أصاب من مصيبة ~~قلبية أو نفسية ، ظاهرة أو باطنة ، إلا بإذن الله وقدره ، وكذلك ما أصاب من ~~مسرة أو زيادة إلا بإذنه تعالى. قال القشيري : أي : أي خصلة حصلت فمن قبله ~~، خلقا ، وبعلمه وإرادته حكما ، ومن يؤمن بالله يهد قلبه ، حتى يهتدي إلى ~~الله في السراء والضراء في الدنيا ، وفي الآخرة يهديه إلى الجنة ، وقيل : ~~يهديه للأخلاق السنية ، وقيل : لاتباع السنة ، واجتناب البدعة. ه. وقال أبو ~~بكر الوراق : ومن يؤمن بالله عند النعمة والرخاء فيعلم أنها من فضل الله ~~يهد قلبه للشكر ، ومن يؤمن بالله عن الشدة والبلاء ، فيعلم أنها من ms3116 الله ~~يهد قلبه للصبر والرضا. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 60 PageV08P087 ~~قال في الحاشية الفاسية : والظاهر والمتبادر : أن قوله : {ما أصاب...} ~~الآية جمع على الله ، ورد من الأسباب ، والوقوف معها ، إلى الوقوف مع قضائه ~~، وإنما يجد ذلك المؤمن بالله ، وأما غيره فصدره ضيق حرج عن قبول المعرفة ، ~~ولذلك قال : {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} لمعرفته والأطمئنان به ، أي : ومن ~~لم يؤمن يصلى نار القطيعة والبعد ، وحرارة التدبير ، ففيه ترغيب في الإيمان ~~وتحذير من الكفر ، وأن الإيمان تعقبه جنة الرضا والتسليم ، عاجلا ، والكفر ~~بضد ذلك ، فبعد أن ذكر الجزاء في الآخرة أشار إلى الجزاء المعجل من اليقين ~~والرضا للمؤمن ، وضده للكافر. والله أعلم. ه. # وأطيعوا الله في الفرائض ، والرسول في السنن ، وقد بقي بعد الرسول خلفاؤه ~~، يسنون السنن الخاصة ، فمن أعرض عنهم ، يقال له : {فإن توليتم...} الآية ، ~~وتقدم في آل عمران وغيرها الكلام على التوكل. وبالله التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 60 # 61 PageV08P088 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم} يشغلونكم عن طاعة الله تعالى ، ويخاصمونكم في أمور الدنيا ، أي : إن ~~من الأزواج أزواجا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم ، ومن الأولاد أولادا يعادون ~~آباءهم ويعقونهم ، {فاحذروهم} ؛ كونوا على حذر منهم إن شغلوكم عن الله ، ~~فالضمير للعدو ، فإنه يطلق على الجمع ، كقوله تعالى : {فإنهم عدو لي} ~~[الشعراء : 77] ، أو : للأزواج والأولاد جميعا ، فالمأمور به على الأول : ~~الحذر عن الكل ، وعلى الثاني : الحذر من البعض ، لأن منهم من ليس بعدو ، ~~وإما الحذر عن عموم الفريقين ، لاشتمالهما على العدو. {وإن تعفوا} عن ~~ذنوبهم القابلة للعفو ، بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا ، أو بأمور الدين لكن ~~مع التوبة ، أو : تعفوا إذا اطلعتم منهم على عداوة ، {وتصفحوا} ؛ تعرضوا عن ~~التوبيخ ، {وتغفروا} ؛ تستروا ذنوبهم ، {فإن الله غفور رحيم} يغفر لكم ~~ذنوبكم ، ويعاملكم مثل ما عاملتم. # روي أن ناسا من أهل مكة أرادوا الهجرة ، فتعلق بهم نساؤهم وأولادهم ، ~~وقالوا : تنطلقون وتضيعوننا ، فرقوا لهم ، ووقفوا ، فلما هاجروا بعد ذلك ، ~~ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين ms3117 ، وحازوا رئاسة التقدم ، أرادوا أن ~~يعاقبوا أزواجهم وأولادهم ، فرغبهم في العفو. PageV08P089 # {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} ؛ بلاء ومحنة ، يوقعون في الإثم والعقوبة ، ~~أو : امتحان واختبار ، يختبر بهما عباده ، هل يصدونهم عن الخير أم لا ، ~~فيعرف القوي في دينه من الضعيف. قال الحسن : أدخل " من " للتبعيض في ~~الأزواج والأولاد ؛ لأن كلهم ليسوا بأعداء ، ولم يذكر " من " في فتنة ~~الأموال والأولاد ؛ لأنها لا تخلو من فتنة واشتغال قلب بها. كان لابن مسعود ~~بنون كالبدور ، فقيل له وهم بين يديه : أيسرونك ؟ فقال : لا ، إنما يسرني ~~لو نفضت يدي من التراب عند دفنهم ، فنفوز بأجورهم ، قيل له : إن لك الأجر ~~في تربيتهم ، فقال : كل ما يشغل عن الله مشؤوم. ه. من اللباب. وعن ابن ~~مسعود : لا يقل أحدكم : اللهم اعصمني من الفتنة ؛ إذ لا يخلو منها أحد ، ~~ولكن ليقل : اللهم إنني أعوذ بك من مضلات الفتن. قال أبو بريدة : كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ، فجاءه الحسن والحسين ، عليهما ~~قميصان أحمران ، يجرانهما ، يعثران ، ويقومان ، فنزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن المنبر ، حتى أخذهما ، ثم قرأ : {إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة}...الآية ، ثم قال " إني رأيت هذين فلم أصبر " ثم أخذ في خطبته. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 61 # والله عنده أجر عظيم} لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال ~~والأولاد ، # 62 # والسعي في تدبير مصالحهم ، وليس في الآية ترهيب من مخالطة الأزواج ~~والأولاد ، إنما المراد النهي عن الاشتغال بهم عن ذكر الله وطاعته ، فإذا ~~تيسر ذلك معهم فالمخالطة أولى ، فعن أنس رضي الله عنه : قلت : يا رسول الله ~~؛ الجلوس مع العيال أحب إليك أم في المسجد ؟ قال : " جلوس ساعة مع العيال ~~أحب إلي من الاعتكاف في مسجدي هذا ، ودرهم تنفقه على العيال أفضل من أن ~~تنفقه في سبيل الله " انظر السمرقندي. PageV08P090 # {فاتقوا الله ما استطعتم} أي : ابذلوا جهدكم وطاقتكم في تقواه ، قال ابن ~~عطية : تقدم الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : {اتقوا الله حق ~~تقاته} [آل عمران : 102] أو : مبينة لها ms3118 ، والمعنى : اتقوا الله حق تقاته ~~فيما استطعتم ، وهذا هو الصحيح. ه. {واسمعوا} ما توعظون به ، {وأطيعوا} ~~فيما تؤمرون به {وأنفقوا} مما رزقناكم في الوجوه التي أمرتم ، فالإنفاق ~~فيها خالصا لوجهه {خيرا لأنفسكم} أي : وائتوا خيرا لأنفسكم ، {ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون} الفائزون بكل خير. # {إن تقرضوا الله} بصرف أموالكم إلى المصارف التي عينها {قرضا حسنا} ~~مقرونا بالإخلاص {يضاعفه لكم} بالواحدة عشرا إلى سبعمائة أو أكثر ، {ويغفر ~~لكم} ببركة الإنفاق ما فرط منكم ، {والله شكور} يعطي الجزيل في مقابلة ~~القليل ، {حليم} لا يعاجل بالعقوبة ، {عالم الغيب والشهادة} لا تخفى عليه ~~خافية ، {العزيز الحكيم} مبالغ في القدرة والحكمة. والله تعالى أعلم. PageV08P091 # الإشارة : كل ما يشغلك عن السير إلى الحضرة ، أو عن الترقي في معاريج ~~الوصلة ، فهو عدو لك ، فاحذره ، بالفرار من موافقته والوقوف معه ، فكن ~~إبراهيميا ، حيث رمى أهله وولده في واد غير ذي زرع ، وتركهم في كنف الله ~~وحفظه ، فانظر كيف حفظهم غاية الحفظ ، وتولاهم غاية التولي ، وجعل أفئدة ~~الناس تهوي إليهم من كل جانب ، وانصبت عليهم الأرزاق من كل ناحية ، فهذه ~~عادته تعالى مع أهل التوكل والانقطاع إليه. ومن الأزواج والأولاد من يزيد ~~بالرجل ويعينه على ربه ، فهؤلاء ليسوا بأعداء. قال سهل : من دعاك من أهلك ~~وولدك للميل للدنيا فهو عدو ، ومن واخاك على القناعة والتوكل فليس بعدو. ه. ~~قال القشيري : إن من أزواجكم : نفوسكم الأمارة ، وأولادكم : صفاتها ومناها ~~وأخلاقها الشهوانية ، عدوا لكم ، يمنعكم عن الهجرة إلى مدينة القلب ، الذي ~~هو بيت الرب ، فاحذروا متابعتهم بالكلية ، وإن تعفوا عن هفواتكم الواقعة في ~~بعض الأوقات ، لكونهم مطية لكم ، وتصفحوا عن التوبيخ ، وتغفروا : تستروا ~~ظلمتهم بنور إيمانكم وشعاع قلوبكم ، فإن الله غفور سائر لكم بستر لطفه ، ~~رحيم بإفاضة رحمته عليكم. ه. ببعض المعنى. # جزء : 8 رقم الصفحة : 61 # إنما أموالكم وأولادكم فتنة اختبار من الحق ، ليعلم من يقف معها ، أو ~~ينفذ عنها ، فأهل العناية لم يشغلهم عن الله شيء ، فحين توجهوا إليه كفاهم ~~أمرهم ، أو : بالغيبة عنها # 63 # بالخمرة القوية. ms3119 قال القشيري : أموالكم : أعمالكم المشوبة ، وأولادكم : ~~أخلاقكم المكدرة ، فكدورة الطبع فتنة توجب افتتانكم بالإعراض عن الحق ، ~~والإقبال على الدنيا ، وحب الجاه عند الناس ، والتفاتهم إليكم بحسن ~~الاعتقاد ، والله عنده أجر عظيم بالفناء عن الكل والبقاء بالحق. ه. PageV08P092 # {فاتقوا الله ما استطعتم} أي : غيبوا عما سوى الله طاقة جهدكم ، وتقدم أن ~~قوله تعالى : {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران : 102] خطاب لأهل التجريد ، ~~وهذا خطاب لأهل الأسباب ، والله تعالى أعلم. وقال ابن عطاء : الاستطاعة على ~~الظواهر والأعمال ، وحق تقاته على القلوب والأحوال. ه. أي : اتقوا الله حق ~~تقاته بتوجيه القلوب إليه بلا التفات ، واتقوا الله ما استطعتم بعمل ~~الجوارح قدر الطاقات. قال القشيري : ما أنتم في الجملة مستطيعين ، ويتوجه ~~إليكم التكليف ، فاتقوا الله ، والتقوى عن شهود التقوى ، بعد ألا يكون ~~تقصير في التقوى غاية التقوى. ه. واسمعوا منا بلا واسطة ، وأطيعوا فيما ~~نأمركم به مما يقرب إلينا ، وننهاكم عنه مما يبعد عنا. قال القشيري : ~~أطيعوا بالنفس لأحكام الشريعة ، وبالقلب لآداب الطريقة ، وبالروح بطلوع ~~الحقيقة. ه. وأنفقوا من أموالكم وعلومكم وأسراركم ، على الطالبين والسالكين ~~والواصلين ، يكن خيرا لأنفسكم ، لأن الناس نفس واحدة ، فإنفاقك على غيرك ~~إنفاق على نفسك ، لانتفاء الغيرية في الأحدية. ومن يوق شح نفسه بإنفاقها في ~~مرضاة الله ، بأن يقدمها للمتالف والمتاعب في طلب الوصول ، فأولئك هم ~~المفلحون الظافرون بشهود الحق. قال القشيري : ومن يوق شح نفسه حتى يرتفع عن ~~قلبه الأخطار ، ويتحرر من رق المكونات ، فأولئك هم المفلحون. ه. وعن بعضهم ~~: من أنفق بكره فهو شح ، ومن أنفق بطوع فهو الفرض ، ومن عوفي من بلاء الجمع ~~والمنع ، والرغبة والحرص ، فقد دخل في ميدان الفلاح. ه. # إن تقرضوا الله بإعطاء وجودكم قرضا حسنا ، من غير اعتبار الغرض والعوض ، ~~بالفناء عن شهود القرض والحس ، يضاعفه لكم بالوجود الحق ، المشتمل على جميع ~~الموجودات الإضافية ، ويغفر لكم : يستر عنكم مساوئكم وحس وجودكم قبل فنائكم ~~في الله وبقائكم به. والله شكور يقبل من توجه إليه بلا شيء ، حليم يغيب ~~العبد عن شهود مساوئه ، بإغراقه في ms3120 إحسانه. عالم الغيب : بواطن الأرواح ، ~~والشهادة : شهادة ظواهر الأشباح ، العزيز : المعز لأوليائه ومكل من انتسب ~~إليه ، الحكيم في قسمه المراتب على حسب التوجه. وبالله التوفيق ، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 64 # جزء : 8 رقم الصفحة : 61 PageV08P093 ### | AUTO سورة الطلاق # جزء : 8 رقم الصفحة : 64 # {ياأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ~~ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود ~~الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر...}. # جزء : 8 رقم الصفحة : 65 PageV08P094 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} ، خص النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالنداء ، وعم بالخطاب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إمام ~~أمته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم : يا فلان افعلوا كذا وكذا ؛ إظهارا ~~لتقدمه ، واعتبارا لترؤسه ، وأنه قدوة قومه ، فكان هو وحده في حكم كلهم ، ~~وسادا مسد جميعهم. ومعنى " إذا طلقتم " : إذا أردتم تطليقهن ، كقوله : {إذا ~~قمتم إلى الصلاة} [المائدة : 6] ، تنزيلا للمقبل على الشيء المشارف له ~~منزلة الشارع فيه ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " من قتل قتيلا فله سلبه " ~~، ومنه : كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي. {فطلقوهن ~~لعدتهن} أي : مستقبلات لعدتهن ، شارعة فيها ، بمجرد الطلاق ، من غير أن ~~تكون في حيض أو نفاس ، فإن المرأة إذا طلقت في طهر تعتد بذلك الطهر من ~~أقرائها ، فتخرج من العدة برؤية الحيض الثالث ، بخلاف إذا طلقت في غير طهر ~~، فتنتظر الطهر منه ، فلا تخرج إلا برؤية الحيض الرابع. والمراد أن يطلق في ~~طهر لم يمس فيه ، وهذا هو طلاق السنة. قال ابن جزي : واختلف في الطلاق : هل ~~هو مباح أو مكروه ، وأما إن كان على غير وجه السنة فهو ممنوع. ه. وفي قراءة ~~رسول ms3121 الله صلى الله عليه وسلم : # 65 PageV08P095 ~~" فطلقوهن في قبل عدتهن ". قال ابن جزي : واختلف في النهي عن الطلاق في ~~الحيض ، هل هو معلل بتطويل العدة ، أو تعبد ، والصحيح : أنه معلل بذلك ، ~~وينبني على هذا الخلاف فروع ، منها : هل يجوز إذا رضيت به المرأة أم لا ؟ ~~ومنها : هل يجوز طلاقها في الحيض وهي حامل أم لا ؟ ومنها : هل يجوز طلاقها ~~قبل الدخول وهي حائض أم لا ؟ فالتعليل بتطويل العدة يقتضي جواز هذه الفروع ~~، والتعبد يقتضي المنع ، ومن طلق في الحيض لزمه الطلاق ، ثم أمر بالرجعة ~~على وجه الإجبار عند مالك ، ودون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم ~~تطهر ، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك ، حسبما ورد في حديث ابن عمر ، حيث طلق ~~امرأته ، فأمره صلى الله عليه وسلم برجعتها ه. # {وأحصوا العدة} ؛ اضبطوها ، وأكملوها ثلاثة أقراء كوامل ، لما ينبني ~~عليها من الأحكام ، كالرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك ، {واتقوا الله ~~ربكم} في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن. وفي التعبير بعنوان الربوبية ~~تأكيد لما أمر ، ومبالغة في إيجاب الاتقاء. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 65 # لا تخرجوهن من بيوتهن} ؛ من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن ، ~~وإضافتها إليهن مع أنها للأزواج لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكانها ~~، كأنها أملاكهن. {ولا يخرجن} ولو بالإذن منكم ، فإن الإذن في الخروج في ~~حكم الإخراج ، وقيل : لا يخرجن باستبدادهن ، أما إذا اتفقا على الخروج جاز ~~، وهو خلاف مذهب مالك ، فلا يجوز لها في مذهبه المبيت عن بيتها ، ولا أن ~~تغيب عنه ، إلا لضرورة التصرف ، وذلك لحفظ النسب ، وصيانة المرأة ، فإن كان ~~المسكن ملكا للزوج ، أو مكترى عنده لزمه إسكانها فيه ، وإن كان المسكن لها ~~فعليه كراؤه مدة العدة ، وإن كان قد استمتعته فيه مدة الزوجية ؛ ففي لزوم ~~خراج العدة له قولان في المذهب ، والصحيح لزومه ؛ لأن الاستمتاع قد انقطع ~~بالطلاق. PageV08P096 # {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} ، قيل : الزنا ، فيخرجن لإقامة الحد ، قاله ~~الليثي والثعلبي ، وقيل : سوء الكلام وإظهار الفحش مع الأصهار ، فتخرج ~~ويسقط حقها من ms3122 السكنى ، وتلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظا للنسب. قاله ~~ابن عباس ، ويؤيده : قراءة أبي : " إلا أن يفحشن عليكم " ، وقيل : جميع ~~المعاصي من القذف والسرقة وغير ذلك. قاله ابن عباس أيضا. ومال إليه الطبري. ~~وقيل : الخروج من بيتها خروج انتقال ، متى فعلت ذلك سقط حقها. قاله ابن ~~الفرس ، وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في # 66 # العدة ، وقيل : هو النشوز قبل الطلاق ، فإذا طلقها بسبب نشوزها فلا سكنى ~~على زوجها قاله قتادة. # {وتلك حدود الله} أي : تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله التي عينها ~~لعباده ، {ومن يتعد حدود الله} المذكورة ، بأن يخل بشيء منها ، على أن ~~الإظهار في محل الإضمار لتهويل أمر التعدي ، والإشعار بعلة الحكم ، {فقد ~~ظلم نفسه} ؛ أضر بها ، إذ لعله يندم. والتفسير بتعريضها للعذاب يأباه قوله ~~: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون ~~الشرطية ، وقد قالوا : إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى : هو أن ينقلب قلبه ~~بغضها إلى محبتها ، أو : من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ، ويندم ، فلا بد ~~أن يكون الظلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه ، وهو الندم إن كان طلق ~~ثلاثا ، فيمنع من الرجعة ، أو : الحياء ، إن كان إخراجها من المسكن بلا سبب ~~، أو : فقد ظلم نفسه بتعريضها للعذاب الشامل ؛ الدنيوي والأخروي ، حيث خالف ~~ما أمره سيده. {لاتدري} أيها المخاطب {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} وهو ~~الرجعة ، والمعنى : أحصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به ، لعل الله يحدث ~~الرجعة لنسائكم. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 65 PageV08P097 ~~فإذا بلغن أجلهن} أي : قاربن آخر العدة {فأمسكوهن} ؛ راجعوهن {بمعروف} بحسن ~~معاشرة وإنفاق لائق ، {أو فارقوهن بمعروف} بإعطاء الصداق والإمتاع حين ~~الطلاق ، والوفاء بالشروط. والمعنى : فأنتم بالخيار ؛ إن شئتم فالرجعة ~~والإمساك بالمعروف ، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرر ، وهو أن ~~يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها ، تطويلا لعدتها وتعذيبا لها ، {وأشهدوا} ~~عند الرجعة والمفارقة {ذوي عدل منكم} من المسلمين ، وهذا الإشهاد مندوب على ~~المشهور لئلا يقع بينهما التجاحد. وفي قوله ms3123 : {ذوي عدل} دلالة على أنهم ~~ذكور ، فلا تجوز شهادة النساء في النكاح ولا في الطلاق عند الجمهور. ~~{وأقيموا الشهادة لله} أيها الشهود عند الحاجة إليها ، خالصا لوجهه تعالى. ~~{ذلكم} إشارة إلى الحث على الإشهاد في الرجعة ، أو : إلى جميع ما ذكر ، ~~{يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} إذ هو المنتفع به ، والمقصود ~~بتذكيره. # الإشارة : إذا طلقتم الدنيا وحظوظ نفوسكم ؛ فليكن ذلك إلى أجل معلوم ، ~~وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول ، وأحصوا العدة : اضبطوا أيام سيركم لئلا ~~تضيع في البطالة أو الفضول ، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه ، لا ~~تخرجوا نفوسكم من أشباحها بشدة مجاهدتها ، فإنها مغرفة السر ، ومطية السير ~~، نبر بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونخالف هواها ، ولا يخرجن ، إي : ~~ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد ، إلا أن تطغى وتفحش ، ~~فبالغ في مجاهدتها بما يقارب موتها ، وتلك حدود الله التي حدها للسائر ، ~~ومن يتعد شيئا منها فقد ظلم نفسه ، إما بتفريط أو إفراط ، فصاحب التفريط لا ~~يصل ، وصاحب الإفراط لا يدوم ، لا تدري أيها السائر لعل الله يحدث بعد ذلك ~~انقيادا # 67 PageV08P098 ~~وتسهيلا ، فإذا بلغ أجل الوصول ، وحل التمكين ، فلا ميزان على النفس ، إن ~~شاء أمسك عليها إبقاء ، وإن شاء غاب عنهما فناء ، وأشهدوا ذوي عدل منكم ، ~~وهم أهل الفن ، فلا يخرج من ربقة المجاهدة وعش الإرادة ، حتى يشهد له الشيخ ~~أو أهل الفن. والله تعالى أعلم. # ثم حض على التقوى التي هي مجمع الخير ، فقال : # {... ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا}. # جزء : 8 رقم الصفحة : 65 PageV08P099 ~~يقول الحق جل جلاله : {ومن يتق الله} بأن طلق للسنة ، ولم يضار بالمعتدة ، ~~ولم يخرجها من مسكنها ، واحتاط في الإشهاد ، وغير ذلك ، {يجعل له مخرجا} ~~مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والمضائق ، ويفرج عنه ما يعتريه من ~~الكروب. روي عن ابن عباس أنه ms3124 قال لمن طلق ثلاثا : " إنك لم تتق الله ، ~~فبانت منك امرأتك ". والمختار : أن الآية عامة ، أي : ومن يتق الله في ~~أقواله وأفعاله وأحواله يجعل له مخرجا من كرب الدنيا والأخرة. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قرأها ، فقال : " مخرجا من شبهات الدنيا ، ومن ~~غمرات الموت ، ومن شدائد يوم القيامة " ، قال ابن جزي : وهذا أي العموم ~~أرجح من خمسة أوجه ، الأول : حمل اللفظ على عمومه ، فيدخل فيه الطلاق ~~وغيره. والثاني : روي : أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي ، وذلك أنه أسر ~~ولده ، وضيق عليه رزقه ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره ~~بالتقوى ، وقال له : " أكثر من : لاحول ولا قوة إلا بالله " فلم يلبث إلا ~~يسيرا ، وانطلق ولده ، ووسع عليه زرقه. والثالث : أنه روي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم {ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا} " فما زال يكررها ، انظر بقيته. # {ويرزقه من حيث لا يحتسب} أي : من وجوه لاتخطر بباله ولا بحسبه ، {ومن ~~يتوكل على الله} أي : يكل أمره إليه من غير تعلق بغير ، ولا تدبير نفس ، ~~{فهو حسبه} ؛ كافيه في جميع أموره ، {إن الله بالغ أمره} ، بالإضافة في ~~قراءة حفص ، أي : منفذا أمره ، وبالتنوين والنصب عند غيره ، أي : مبلغ ما ~~يريد ، لا يفوته مراد ، ولا يعجزه مطلوب. {قد جعل الله لكل شيء قدرا} ؛ ~~تقديرا ، أو توقيتا ، أو مقدارا معلوما ووقتا محدودا ، لا يتقدمه ولا يتأخر ~~عنه ، وهذا حث على التوكل وترغيب فيه ، لأن العبد إذا علم أن الأمور # 68 PageV08P100 ~~كلها بيد الله ، من الرزق وغيره وأن لها وقتا محدودا لا يجاوزه ، توكل عليه ~~، وانجمع بكليته عليه ، ولم يبق له إلا التسليم للقدر السابق. قال ابن عطية ~~: في الآية حض على التوكل ، أي : لا بد من نفوذ أمر الله تعالى ، توكلت ~~أيها المرء أم لم تتوكل ، فإن توكلت على الله كفاك ، وتعجلت الراحة والبركة ~~، وإن لم تتوكل وكلك إلى جحدك وتسخطك ، وأمره نافذ في الوجهين. ه. # جزء ms3125 : 8 رقم الصفحة : 65 # الإشارة : ومن يتق الله التقوى الكاملة ، يجعل له من كمل مشكل وشبهة ~~ومتشابه مخرجا ، فينحل له كل ما أشكل على الناس في أمر الدين والدنيا ، ~~ويرزقه من العلوم والأسرار والمعارف ، ما لا يخطر على بال ، من حيث لا ~~يحتسب ، من غير تعلم ولا مدارسة ، وقال القشيري : إذا صدق العبد في تقواه ~~أخرجه من أشغاله ، كالشعرة من العجين ، لا يتعلق بها شيء ، يضرب على المتقي ~~سرادقات عنايته ، ويدخله في كنف الإيواء ويصرف الأشغال ، عن قلبه ، ويخرجه ~~عن تدبيره ، ويجرده عن كل شغل ، ويكفيه كل أمر ، وينقله إلى شهود قضاء ~~تقديره. ه. PageV08P101 # وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى : أن تكون ظاهرة ~~وباطنة ، ظاهرة من المعاصي ، وباطنة من المساوىء والدعاوى ، أما من طهر ~~ظاهره من المعاصي ، وسد الأفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه ، ~~فلا يقوم خيره بشره ، أي : فلا يدخل في الآية. ثم قال : إلا من وطن نفسه ~~على الأرياح إلى أي وجهة تقلب ، أي : دار مع رياح الأقدار حيث دارت ، ولم ~~يسكن إلى شيء ، وكان ممن قال الله فيه : {تتجافىا جنوبهم عن المضاجع} ~~[السجدة : 16] ، أتراه منع جنوبهم من مضاجع النوم ، وترك قلوبهم مضجعة ~~وساكنة لغيره ، بل رفع قلوبهم عن كل شيء ، ولا يضاجعون أسرارهم شيئا ، ~~فافهم هذا المعنى ، تتجافى جنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار ، ~~يدعون ربهم خوفا وطمعا ، فالخوف قطعهم عن غيره ، وبالشوق إليه أطمعهم فيه ، ~~ومما رزقناهنم ينفقون. ه. مختصرا. # وقوله تعالى : {ويرزقه من حيث لا يحتسب} قال في الحاشية الفاسية : أي : ~~يرزقه المقدر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه ، فيأكل ويلبس من ~~غير انتظار ، ولا استشراف نفس ، ولا تعب ، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما ~~يكفيه عن السؤال ، ومن عرف الله عرفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة ، ~~فيلقي زمام الاختيار إليه ، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة ، وهو السميع ~~العليم ، وقد قال سهل : التقوى : التبري من الحول والقوة. ه. # وقوله تعالى : {ومن يتوكل على الله ms3126 فهو حسبه} قال القشيري : فالله حاسبه ~~، أي : كافيه. {إن الله بالغ أمره} ، إذا سبق له شيء من التقدير ، فلا ~~محالة يكون ، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر ، ولكن المتوكل تكون ~~ثقته بقلبه ، غير كاره لما يرد عليه ، وهذا # 69 PageV08P102 ~~من أجل النعم. ثم قال في موضع آخر : التوكل : شهود نفسك خارجا من المنة ، ~~جاريا عليك أحكام التقدير من غير تدبير منك ولا اطلاع لك على حكمه ، فسبيل ~~العبد : الخمود والرضا دون استعلام الأمر. وفي الخبر : " أعوذ بالله من علم ~~لا ينفع " ومن جملته : أن يكون قد وقع لك شغل ، واستقبلك مهم ، وقد اشتبه ~~عليك وجه التدبير فيه ، وتكون مطالبا بالسكون ، فيطلبك العلم ، وتتمنى أن ~~تعرف متى يصلح هذا الأمر ، وبأي سبب ؟ وعلى أي وجه ؟ وعلى يد من ؟ فهذا كله ~~تخليط ، وغير مسلم شيء من ذلك للأكابر ، وهو من العلم الذي يجب التعوذ منه ~~، فيجب عليك السكون والرضا ، فإذا جاء وقت الكشف ، فسترى صورة الحال وتعرفه ~~، وربما ينظر العبد في هذه الحالة تعريفا في المنام ، أوينظر في فال من ~~الجامع اي : ككتاب وشبهه أو يرجو بيان حاله ، بأن يجري على لسان مستنطق ~~في الوقت ، كل هذا ترك للأدب ، والله لا يرضى بذلك من أوليائه ، بل الواجب ~~السكون. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 65 PageV08P103 ~~وقال في القوت : والحسب إلى الحسيب يجعله ما شاء كيف شاء ، فقد قيل : {فهو ~~حسبه} أي : التوكل حسبه من سائر المقامات ، ثم قال معربا باللطافة ، مسليا ~~للجماعة : {إن الله بالغ أمره} أي : منفذ حكمه فيمن توكل ، ومن لا يتوكل ، ~~إلا أن من توكل عليه يكون الله عز وجل حسبه ، أي : يكفيه أيضا مهم الدنيا ~~والآخرة ، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه ، كما لا ينقص ~~عليه ذرة من رزقه ، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه ، ويرفعه مقاما في ~~اليقين قدر تقواه ، ويعزه بعزه ، وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين ، ~~ويزيده من التعب والهم ، ويشتت قلبه ، ويشغل فكره ، فالمتوكل عليه يجب له ms3127 ~~تكفير السيئات ، ويلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات ، أما الكفاية فقد ~~ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه ، والوقاية قد وهبها لمن أحسن تفويضه ~~إليه ، إلا أن الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية ، يجعل ذلك ~~ما يشاء كيف شاء ، وأين شاء ، من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، من حيث يعلم ~~العبد ، ومن حيث لا يعلم ؛ لأن العبد تجري عليه الأحكام في الدارين ، وفقير ~~محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 65 # يقول الحق جل جلاله : {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} لكبرهن ، ~~وقدروه بستين ، أو : بخمس وخمسين. روي أن ناسا قالوا : قد عرفنا عدة ~~الأقراء ، فما # 70 PageV08P104 ~~عدة التي لم تحض ؟ فنزلت. وقوله : {إن ارتبتم} أي : إن أشكل عليكم حكمهن ~~كيف يعتددن ، {فعدتهن ثلاثة أشهر} أو : إن ارتبتم في حيضها ، هل انقطع أو ~~لم ينقطع ، فعدتها بالأشهر ، وهي المرتابة التي غابت حيضتها ، وهي في سن من ~~يحيض ، واختلف فيها ، فقيل : ثلاثة أشهر على ظاهر الآية ، وقيل : تسعة ، ~~وتستبرىء بثلاثة ، وهو المشهور في مذهب مالك ، وقدوته في ذلك عمر بن الخطاب ~~، لأن مذهبه عمري ، وقيل : تعتد بالأقراء ، ولو بلغت ثلاثين سنة ، حتى تبلغ ~~سن من لا يحيض ، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. {واللائي لم يحضن} من صغر ، ~~فعدتهن ثلاثة أشهر ، حذف لدلالة ما قبله ، {وأولات الأحوال أجلهن} أي : ~~عدتهن {أن يضعن حملهن} سواء كن مطلقات ، أو متوفى عنهن أزواجهن ، عند مالك ~~والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء. وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما : ~~إنما هذا في المطلقات الحوامل ، وأما المتوقى عنهن فعدتهن أقصى الأجلين ، ~~إما الوضع ، أو انقضاء أربعة أشهر وعشر ، وحجة الجمهور : حديث سبيعة ، أنها ~~لما مات زوجها ، ووضعت ، أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتزوج ، وقد ~~روي أن ابن عباس رجع إليه ، ولو بلغ عليا لرجع ، فهذه الآية مخصصة لما في ~~سورة البقرة من قوله تعالى : {والذين يتوفون منكم...} [البقرة : 234]. # تنبيه : وضع الحمل إنما يبرىء الرحم إذا كان من نكاح صحيح ، وأما من ~~الزنى ms3128 فلا يبرئ ، باتفاق ، فمن حملت من زنى وهي متزوجة فلا تحل للهارب الذي ~~حملت منه إذا طلقت بوضع حملها منه ، بل لا بد من ثلاثة قروء بعد الوضع ، ~~نعم من لا زوج لها من حرة أو أمة إذا حملت من زنى تم استبراؤها بوضع حملها. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 70 PageV08P105 ~~ومن يتق الله} في شأن أحكام العدة ومراعاة حقوقها {يجعل له من أمره يسرا} ~~أي : يسهل عليه أمره. ويتحلل عليه ما تعقد ببركة التقوى ، {ذلك} أي : ما ~~علمكم من الأحكام {أمر الله أنزله إليكم} لتعملوا به. وإفراد الكاف مع أن ~~المشار إليهم جماعة ؛ لأنها لتعيين الفرق بين البعد والقرب ، لا لتعيين ~~خصوصية المخاطبين {ومن يتق الله} بالمحافظة على أحكامه {يكفر عنه سيئاته} ~~فإن الحسنات يذهبن السيئات ، {ويعظم له أجرا} بالمضاعفة والتكثير. # الإشارة : والنفوس التي يئسن من المساوىء والميل إلى الدنيا ، ثم شككتم ~~في تحقق طهارتها ، تنتظر ثلاثة أشهر ، فإذا مضت هذه المدة ولم يظهر منها ~~ميل ، فالغالب طهارتها ، وكذلك النفوس الزكية ، الباقية على الفطرة ، التي ~~لم يظهر منها خلل ، تنتظر هذه المدة ، فإن ظهرت سلامتها فلا مجاهدة عليها ، ~~والنفوس الحوامل بكثرة الأشغال عدة تمام فتحها أن تضع كل ما يثقل عليها ~~ويمنعها من السير ، ولقد سمعت شيخنا البوزيدي رضي الله عنه # 71 # يقول : إن شئتم أن أقسم لكم ؛ إنه لا يدخل أحد عالم الملكوت وفي قلبه ~~علقة. ه. {ومن يتق الله} أي : يعزم على البر والتقوى يجعل له تعالى من أمره ~~يسرا ، يسهل عليه طريق السلوك ، ويكفيه كل ما يثقله ويشغله عنه ، إما ~~بإزالة ذلك له ، أو بغيبته عن شؤونه ، ومن يتق الله بالفعل يكفر عنه سيئاته ~~، أي : يغطي عنه أوصافه الذميمة بأوصافه الحميدة ، ويعظم له أجرا بأن يفتح ~~له باب مشاهدته. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 70 PageV08P106 ~~يقول الحق جل جلاله : {أسكنوهن} أي : المطلقات {من حيث سكنتم} أي : مكانا ~~من حيث سكنتم ، ف " من " للتبعيض ، أي : بعض مكان سكناكم. قال قتادة : لو ~~لم يكن له إلا بيت ms3129 واحد سكنها في بعض جوانبه. {من وجدكم} أي : وسعكم ، أي : ~~ما تطيقونه ، فهو عطف بيان ، أو بدل. قال أبو حيان : لا يعرف عطف بيان يعاد ~~فيه العامل ، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر ، ولذلك أعربه أبو البقاء ~~بدلا. ه. والوجد ، يجوز فيه الضم وهو أشهر والفتح والكسر. # قال ابن جزي : فأما المطلقات غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السكنى ~~والنفقة اتفاقا ، وأما المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال ، أحدها : أنها يجب لها ~~السكنى دون الفقة ، وهو مذهب مالك والشافعي ، والثاني : أنها يجب لها ~~السكنى والنفقة ، وهو مذهب أبي حنيفة ، والثالث : أنها ليس لها سكنى ولا ~~نفقة ، وهو قول محمد ، وثابت البناني ، وأبي بن كعب. فحجة مالك : حديث ~~فاطمة بنت قيس ، وهو أن زوجها طلقها البتة ، فقال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : " ليس لك عليه نفقة " ، فيوخذ منه : أن لها السكنى ، وحجة من ~~أوجب لها السكنى والنفقة : قول عمر بن الخطاب : لا ندع آية من كتاب الله ~~ربنا لقول امرأة ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لها ~~السكنى والنفقة " ، وحجة من لم يجعل لها سكنى ولا نفقة : أن في بعض ~~الروايات عنها أي : فاطمة بنت قيس أنها قالت : " لم يجعل لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى ". # {ولا تضاروهن} في السكنى {لتضيقوا عليهن} ويلجأن إلى الخروج ، {وإن كن} # 72 PageV08P107 ~~أي : المطلقات {أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} فيخرجن من العدة. ~~قال ابن جزي : اتفق العلماء على وجوب النفقة في العدة للمطلقة ، عملا ~~بالآية ، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا. واتفقوا أن للمطلقة غير الحامل ~~النفقة والسكنى في العدة إذا كان الطلاق رجعيا ، فإن كان بائنا فاختلفوا في ~~نفقتها حسبما ذكرناه ، وأما المتوفى عنها إذا كانت حاملا فلا نفقة لها عند ~~مالك والجمهور ، لأنهم رأوا أن هذه الآية إنما هي في المطلقات. وقال قوم : ~~لها النفقة في التركة. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 72 # فإن أرضعن لكم} هؤلاء المطلقات أولادكم {فآتوهن أجورهن} أي : أجرة ms3130 الرضاع ~~، وهي النفقة وسائر المؤن المفصل في كتب الفقه. {وأتمروا بينكم بمعروف} ، ~~خطاب للرجال والنساء ، أي : يأمر كل واحد منكم صاحبه بخير ؛ من المسامحة ~~والرفق والإحسان ، ولا يكن من الأب مماكسة ، ومن الأم معاسرة ، أو : ~~تشاوروا بينكم على التراضي في الأجرة ، ومنه : {إن الملأ يأتمرون بك} ~~[القصص : 20]. {وإن تعاسرتم} ؛ تضايقتم ، فلم ترض الأم بما ترضع به ~~الأجنبية ، {فسترضع له أخرى} ؛ فستوجد مرضعة أخرى ، غير متعاسرة ، وفيه ~~معاتبة للأم على المعاسرة. والمعنى : إن تشططت الأم على الأب في أجرة ~~الرضاع ، وطلبت منه كثيرا ، فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق ~~إلا ألا يقبل الولد غيرها ، فتجبر على رضاعة بأجرة المثل. PageV08P108 # {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} أي : لينفق ~~كل واحد من المعسر والموسر بما يبلغه وسعه ، يعني : ما أمر به من الإنفاق ~~على المطلقات والمرضعات ، {ومن قدر} أي : ضيق {عليه رزقه فلينفق} عليها ~~{مما آتاه الله} فيفرض الحاكم عليه ما يطيقه ، {لا يكلف الله نفسا إلا ما ~~آتاها} ؛ أعطاها من الرزق ، وفيه تطييب قلب المعسر ، وترغيب له في بذل ~~مجهوده ، وقد أكد ذلك بالوعد ، حيث قال : {سيجعل الله بعد عسر يسرا} أي : ~~بعد ضيق في المعيشة سعة فيها ، فإن عادته تعالى أن يعقب العسر باليسر ، كما ~~قال تعالى : {فإن مع العسر يسرا} [الشرح : 5] ، وكرره مرتين ، فلن يغلب عسر يسرين. # الإشارة : أسكنوا نفوسكم من حيث سكنتم بها قبل التوجه ، فينبغي للمريد أن ~~يسايس نفسه شيئا فشيئا ، حتى يغيب عنها في شهود الحق ، من غير تشديد في ~~إخراجها عن طبعها بالكلية ، فإنها حينئذ تمل وتكل ، فقد قيل : من سار إلى ~~الله بموافقة طبعه كان الوصول إليه أقرب إليه من طبعه ، ومن سار إلى الله ~~بمخالفة طبعه كان الوصول إليه على قدر بعده عن طبعه ، وفيه مشقة وحرج. ولذا ~~قال تعالى : {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} لئلا تمل وترجع من حيث جاءت ، ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " لا يكن أحدكم كالمنبت ، فلا أرضا قطع ولا ms3131 ~~ظهرا أبقى " ، نعم مخالفة طبعها في حب الظهور والجاه ، أو حب الدنيا ، # 73 PageV08P109 ~~واجب حتما لا رخصة فيه ، وهذه سيرة أشياخنا رضي الله عنهم لا يضيقون على ~~المريد في جوع ولا عطش ، ولا كثرة رياضة ، وإنما يأمرونه بالخمول وتخريب ~~الظاهر والزهد التام ، والورع الكامل ، فقد سمعت شيخ شيخنا مولاي العربي ~~الدرقاوي الحسني رضي الله عنه يقول : سدوا باب الطمع ، وافتحوا باب الورع ، ~~والله إن فعلتم ذلك حتى يستولي باطنكم على ظاهركم. ه. أي : تستولي المعاني ~~على الحس ، فيتحقق الشهود الكامل. وكان أيضا يقول : نحن لسنا مع جوع ولا مع ~~شبعة ، نحن مع الله. ه. أي : غائبون عن الجوع والشبع في ذكر الله وشهوده. # جزء : 8 رقم الصفحة : 72 # وإن كن أولات حمل ، أي : ثقل من كثرة العلائق ، فأنفقوا عليهن من ~~الواردات الإلهية بصحبة الرجال ، حتى تصادم تلك العلائق ، فتهدمها ، فتضع ~~الحمل عنها ، فإن أرضعن لكم ، بإن تهذبت ورجعت روحانية تأتيك بالعلوم التي ~~يرتضع منها القلب باليقين والمعرفة ، فأتوهن أجورهن من البر بها والرفق ، ~~وائتمروا بينكم بمعروف ، فتؤمر أنت بالإحسان إليها ، وتؤمر هي بالطاعة لك ، ~~وإن تعاسرتم ، بأن ضعفت همتكم ، وقلت أمدادكم ، بعدم صحبة أهل الإمداد ، ~~فسترضع له نفس أخرى ، أي : فليتخذ شيخا كاملا يرضع له نفسه من ثدي أسرار ~~العلوم والمعارف ، ولذلك قيل : من لا شيخ له فالشيطان شيخه ، لينفق ذو سعة ~~من سعته ، وهم الواصلون العارفون ، ينفقون من سعة علومهم وأسرارهم ، على ~~المريدين الذي استرضعوهم ، ومن قدر عليه رزقه من المريدين السائرين فلينفق ~~مما آتاه الله على من تعلق به من المريدين ، لا يكلف الله نفسا إلا ما ~~آتاها ، سيجعل الله بعد عسر وضيق في العلوم والأسرار يسرا ، فتتسع عليه ~~العلوم والأسرار بعد التمكين. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 72 PageV08P110 ~~يقول الحق جل جلاله : {وكأين من قرية} أي : كثير من أهل قرية {عتت} ؛ أعرضت ~~{عن أمر ربها ورسله} أي : عن طاعتهما على وجه العتو والعناد ، {فحاسبناها ~~حسابا شديدا} بالاستقصاء والتنقير والمباحثة في كل نقير وقطمير ، {وعذبناها ~~عذابا ms3132 نكرا} ؛ منكرا فظيعا ، والمراد : إما عذاب الآخرة ، والتعبير بالماضي ~~لتحقق وقوعه ، أو عذاب الدنيا ، وهو أرجح ؛ لأنه سيذكر عذاب الآخرة بعد ~~بقوله : {أعد الله لهم عذابا شديدا...} الخ ، # 74 # {فذاقت وبال أمرها} أي : وخامة شأنها ، وعقوبة فعلها. قال في الصحاح : ~~والوبلة بالتحريك : الثقل والوخامة ، وقد وبل المرتع بالضم وبلا ووبالا ، ~~فهو وبيل ، أي : وخيم. ه. وفي القاموس : وبل ككرم وبالة ووبالا ووبولا ، ~~وأرض وبيلة : وخيمة المرتع. ه. {وكان عاقبة أمرها خسرا} أي : خسارا وهلاكا. # {أعد الله لهم} في الآخرة {عذابا شديدا} ، وعلى أن الكل في الآخرة يكون ~~هذا تكريرا للوعيد وبيانا لكونه مترقبا ، كأنه قال : أعد الله لهم هذا ~~العذاب الشديد ، {فاتقوا الله يا أولي الألباب} في مخالفة أمره ، واحذروا ~~ما حل بمن طغى وعتا. وأولو الألباب هم أهل العقول الصافية ، ثم فسرهم بقوله ~~: {الذين آمنوا} إيمانا خالصا من شوائب الشرك والشك ، فالموصول عطف بيان ~~لأولي الألباب ، أو نعت ، أو منصوب بأعني ، {قد أنزل الله إليكم ذكرا} أي : ~~القرآن. # جزء : 8 رقم الصفحة : 74 PageV08P111 ~~وانتصب {رسولا} بفعل مضمر ، أي : وأرسل رسولا ، أو : هو بدل من " ذكرا " ~~كأنه في نفسه ذكر ، أو : على تقدير حذف مضاف ، قد أنزل ذا ذكر رسولا ، ~~وأريد بالذكر : الشرف ، كقوله : {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف : 44] أي : ~~ذو شرف ومجد عند الله ، أو : للمنزل عليه ، أو : لقارئه ، وبالرسول : جبريل ~~، أو محمد عليهما الصلاة والسلام {يتلوا} أي : الرسول ، أو الله عز وجل ~~{عليكم آيات الله مبينات} أي : واضحات ، قد بينها الله تعالى لقوله : {قد ~~بينا لكم الأيات} [آل عمران : 118والحديد : 17] وقرىء بكسر الياء ، أي : ~~تبين ما تحتاجون إليه من الأحكام ، {ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~الظلمات إلى النور} متعلق ب " يتلو " ، أو : ب " أنزل " ، وفاعل " يخرج " ~~إما الله ، أو الرسول ، أي : ليحصل لهم الله أو الرسول ما هم عليه الآن من ~~الإيمان والعمل الصالح ، أو : ليخرج من علم وقدر أنه سيؤمن ، {ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا} حسبما بين في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات {يدخله ~~جنات ms3133 تجري من تحتها الأنهار} ، وقرأ نافع والشامي بنون العظمة {خالدين فيها ~~أبدا} ، والجمع باعتبار معنى " من " كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة ~~باعتبار لفظها ، {قد أحسن الله له رزقا} في الدنيا والآخرة. قال القشيري : ~~الرزق الحسن : ما كان على حد الكفاية ، لا نقصان فيه ، ليضعف عن كفاية ~~صاحبه ، ولا زيادة فيه تشغله عن ربهم. ه. بالمعنى. وسيأتي في الإشارة بقيته. PageV08P112 # الإشارة : وكأين من قرية من قرى القلوب عتت عن أمر ربها ؛ عن تحمل أعباء ~~العبودية ؛ لأن القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة ، فإذا أراد العبد ~~أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عتا وتكبر ، وقد حكم الله تعالى ~~بالطبع على القلب المتكبر ، بقوله : {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ~~جبار} [غافر : 35] في قراءة الإضافة ، والمراد بالرسل : الواردات القهرية ، ~~فالقلب أيضا شأنه الفرار منها ؛ لأنها تهدم عليه عوائده ، وحسابه تعالى لها ~~إحصاؤه لخواطرها ، وعتابه عليها ، وتعذيبه بالجزع # 75 # والهلع ، والحرص والطمع ، وغم الحجاب وسوء الحساب ، فهذا وبال القلوب ~~المتكبرة على الله ، وعلى أولياء الله ، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة ، ~~ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب : القلوب الصافية ، أي : دوموا ~~على تقواكم ، واحذروا مما حل بالقلوب الخاربة ، الذين آمنوا إيمان الخصوص ، ~~قد أنزل الله إليكم ذكرا ، أي : مذكرا ، رسولا بعثه الله خليفة رسوله ~~الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وهو الشيخ الداعي إلى الله ، يتلو عليكم آياته ~~، أي : شواهده الموصلة إليه ، ليخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات ، ~~وهي آداب العبودية ، من ظلمات الجهل والغفلة ، وحس الكائنات إلى نور العيان ~~، ومن يؤمن بالله ، ويثق به في جميع أموره ، (ويعمل صالحا) يعرض عما سوى ~~الله ، يدخله جنات المعارف ، يخلد فيها ، قد أحسن الله له رزقا لقلبه وروحه ~~وسره ، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام : وكذلك أرزاق ~~القلوب أي : تكون على حد الكفاية ، من غير زيادة ولا نقصان ثم قال : ~~وحسنها : أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت من غير نقصان يجعله ~~يتعذب بتعطشه ، ولا تكون بزيادة ، فيكون على ms3134 خطر من مغاليط لا يخرج منها ~~إلا بتأييد من الله سماوي.ه. # 76 # جزء : 8 رقم الصفحة : 74 PageV08P113 ### | AUTO سورة التحريم # جزء : 8 رقم الصفحة : 76 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله}. في سبب نزول ~~هذه السورة روايتان ؛ إحداهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يوما ~~إلى بيت زوجه حفصة ، فوجدها ذهبت لزيارة أبيها ، فبعث إلى جاريته مارية ، ~~فقال معها في البيت ، فجاءت حفصة ، فقالت : يا رسول الله ؛ أما كان في ~~نسائك أهون مني ، أتفعل هذا في بيتي ، وعلى فراشي ؟ فقال لها عليه الصلاة ~~والسلام : " أيرضيك أن أحرمها " ؟ فقالت : نعم ، فقال : " إني قد حرمتها " ~~زاد ابن عباس : وقال مع ذلك : " والله لا أطؤها أبدا " ، ثم قال لها : " ~~لاتخبري بهذا أحدا ، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي " ثم إن ~~حفصة قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة ، وأخبرتها ، وكانتا مصادقتين ، ~~ولم تر في إفشائها حرجا ، واستكتمتها ، فأوحى الله إلى نبيه بذلك. وروي أنه ~~عليه السلام طلق حفصة ، واعتزل نساءه ، فمكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية ~~، فنزل جبريل ، وأمره بردها ، وقال له : إنها صوامة قوامة ، وإنها من نسائك ~~في الجنة ، فردها. # والرواية الثانية : أنه عليه الصلاة والسلام كان يدخل على زوجه زينب بنت ~~جحش ، فتسقيه عسلا ، فاتفقت عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له من دنا منهن ~~: أكلت مغافير ، وهو ضمغ العرفط ، وهو حلو كريه الريح ، ففعل ذلك ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ، ولكني شربت عسلا " ، فقلن له : جرست ~~نحله العرفط ، أي : أكلت ، ويقال للنحل : جراس ، فقال صلى الله عليه وسلم : ~~" لا أشربه أبدا " ، وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة ، فدخل بعد ذلك على ~~زينب ، فقالت : ألا أسقيك من ذلك العسل ؟ فقال : " لا حاجة لي به " فنزلت ~~الآية عتابا له على أن ضيق على نفسه تحريم الجارية والعسل. والرواية الأولى ~~أشهر عند # 79 # المفسرين والثانية خرجها البخاري في صحيحه. PageV08P114 # فإن قلت : لم عاتبه الله على هذا التحريم ، ولم ms3135 يعاتب يعقوب على تحريم لحوم ~~الإبل على ما ذكر في سورة آل عمران ؟ قلت : رتبة نبينا عليه الصلاة ~~والسلام أرفع في المحبة والاعتناء ، فلم يرض منه أن يضيق على نفسه ، أرأيت ~~إن كان لك ولد تحبه ، ووسعت عليه ، ثم أراد أن يضيق على نفسه ، فإنك لا ~~ترضى له ذلك ، محبة فيه ، وشفقة عليه. وانظر تفسير ابن عرفة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 79 # قال ابن جزي : ولنتكلم على فقه التحريم : فأما تحريم الطعام والمال وسائر ~~الاشياء ما عدا النساء فلا يلزم ، ولا شيء عليه فيه عند مالك ، وأوجب عليه ~~أبو حنيفة كفارة اليمين ، وأما تحريم الأمة فإن نوى به العتق لزم ، وإن لم ~~ينو به ذلك لم يلزم ، وكان حكمه ما ذكرناه في الطعام ، وأما تحريم الزوجة ، ~~فاختلف الناس فيه على أقوال كثيرة ، فقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ~~وابن عباس وعائشة وغيرهم : إنما يلزم فيه كفارة يمين. ه. قلت : وظاهره : ~~سواء قال لها : أنت حرام ، أو حلف بالحرام واحدا أو ثلاثا ، وسواء كان ~~منجزا أومعلقا ، كما إذا قال : كل امرأة تزوجتها عليك فهي حرام ، مثلا ، ~~فلا يلزم من ذلك شيء على قول هؤلاء السادات رضي الله عنهم. ثم قال : وقال ~~مالك في المشهور عنه : هي ثلاث تطليقات في المدخول بها وينوي في غيرها ، ~~وقال ابن الماجشون : هي ثلاث في الوجهين ، وروي عن مالك : أنها طلقة بائنة ~~قلت : وبهذا جرى العمل اليوم وقيل : رجعية. ه. PageV08P115 # {تبتغي مرضات أزواجك} : حال ، أو استئناف مبين للحال الداعي ، أي : تطلب ~~رضا أزواجك بالتضييق على نفسك ، والمراد : رضا حفصة ، وهذا يؤيد أنها نزلت ~~في تحريم الجارية ، وأما تحريم العسل فلم يقصد به رضا أزواجه ، وإنما تركه ~~لرائحته. {والله غفور} أي : غفور لك ما كان تركه أولى من الصدع بالحق من ~~غير مبالاة بأحد ، ولا تضيق على نفسك ، {رحيم} بك ، حيث وسع عليك ، ولم يرض ~~لك أن تضيق على نفسك. قال القشيري : ظاهر هذا الخطاب عتاب على كونه حرم على ~~نفسه ما أحله الله لمراعاة قلب ms3136 امرأته ، والإشارة فيه : وجوب تقديم حق الله ~~على كل شيء في كل وقت. ثم قال تعالى ، عناية بأمره : {قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم} وتجاوزا عنه بما كان تركه أولى. ه. # والحاصل : أنه تعالى غفر له ميله للسوى سهوا ، والسهو قهرية الحق تعالى ، ~~قهر بها عباده ليتميز ضعف العبودية من قوة الربوبية ، وهو ليس بنقص في حق ~~البشر ، لكنه لما # 80 # كان في الغالب لا يحصل إلا مع عدم العزم عد تفريطا وهفوة ، كما قال تعالى ~~في حق آدم : {فنسى ولم نجد له عزما} [طه : 115] ، فالمغفرة في الحقيقة ، ~~وطلب التوبة من السهو ، إنما هو لقلة العزم وعدم الحزم ، وحسنات الأبرار ~~سيئات المقربين ، ولا تصغ بأذنك إلى ما قاله الزمخشري ومن تبعه من كون ما ~~فعله عليه السلام زلة ، حيث حرم ما أحل الله ، فإنه تجاسر على منصب النبوة ~~، وقلة أدب. وقوله تعالى : {ما أحل الله لك} زيادة " لك " ترد ما زعمه ~~الزمخشري ، ولو كان كما قال لقال له : لم تحرم ما أحل الله. # جزء : 8 رقم الصفحة : 79 PageV08P116 ~~ثم قال تعالى : {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} أي : شرع لكم تحليلها ، وهو ~~حل ما عقده بالكفارة ، أو بالاستثناء متصلا ، والأول هو المراد هنا ، وهل ~~كفر عليه الصلاة والسلام ؟ قال مقاتل : أعتق رقبة ، وقال الحسن : لم يكفر ؛ ~~لأنه مغفور له. قال بعضهم : هذه التحلة إنما هي لليمين المقرونة بالتحريم ، ~~وقال بعضهم : بل هي لنفس التحريم ، وبه تمسك أبو حنيفة في تحريم الحلال ، ~~فأوجب كفارة اليمين. {والله مولاكم} أي : سيدكم ومتولي أموركم ، فلا يحب ما ~~ضيق عليكم. قال في الحاشية الفاسية : ومن تأمل هذه السورة لاح له منزلة ~~حبيب الله عند الله ، وحقق معنى قول عائشة : " يا رسول الله ؛ ما أرى ربك ~~إلا يسارع في هواك " الحديث متفق على صحته ه {وهو العليم} بما يصلحكم ، ~~فيشرعه لكم ، {الحكيم} المتقن في أفعاله وأحكامه ، فلا يأمركم ولا ينهاكم ~~ألا بما تقتضيه الحكمة البالغة. # الإشارة : هذا العتاب يتوجه لكل من سبقت له عند الله عناية ms3137 وزلفى ، إذا ~~ضيق على نفسه فيما أحل الله له ، فلا يرضى منه ذلك ، محبة فيه ، وقد صدر ~~مني مثل هذا زمان الوباء ، فحلفت لبعض أزواجي : أني لا أتزوج عليها ، وسبب ~~ذلك أنها كانت مصارمة لي ، في غاية الغضب والقطيعة ، وقد كان غلب على ظني ~~الموت ، لما رأيت من الازدحام عليه ، فخفت أن نموت متقاطعين ، فلما حلفت ~~لها رأى بعض الفقراء من أصحابنا : أنه يقرأ علي أو معي : {يا أيها النبي لم ~~تحرم...} الخ السورة ، ففهمت الإشارة على أن اليمين لا تلزم ، والله أعلم ، ~~لأن بساط اليمين كان غلبة ظن الموت ، فلما تخلف انحل اليمين ، كقضية الرجل ~~الذي وجد الزحام على اللحم ، فحلف لا يشتري لحما أبدا ، ثم وجد الفراغ ، ~~فقال مالك : لا يلزمه شيء. ه. PageV08P117 # وقال الورتجبي : أدب نبيه عليه الصلاة والسلام ألا يستبد برأيه ، ويبتع ما ~~يوحى إليه. ه. وجعل القشيري النبي إشارة إلى القلب ، أي : يا أيها القلب ~~المتوجه لم تحرم ما أحل الله من حلاوة الشهود ، تبتغي مرضاة نفسك وحظوظها ، ~~فتتبع هواها ، وتترخص في مباحات الشريعة ، وهي تحجب عن أسرار الحقيقة ، أو ~~: لم تحرم ما أحل الله من # 81 # الاستغراق في سكر بحر الحقيقة ، تبتغي مرضاة بقاء نفسك ، والشعور ~~بوجودها. وكان صلى الله عليه وسلم يقول : " لي وقت لا يسعني فيه غير ربي " ~~وكان يقول لعائشة حين يغلب عليه السكر والاضمحلال في الحق : " كلميني ~~حركيني يا حميراء " وكذلك القلب إذا غلب عليه الوجد ، وخاف من الاصطلام ، ~~أو من محق البشرية ، يطلب من يبرد عليه من نفسه أو من غيره ، وقد سمعت من ~~شيخ شيخنا رضي الله عنه أنه قال : كان يغلب علي الوجد والسكر ، فكنت أذهب ~~إلى مجالسة العوام ليبرد علي الحال ، خوفا من الاصطلام أو المحق ، وذلك بعد ~~وفاة شيخه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 79 # وقوله تعالى : {والله غفور رحيم} أي : فلا يؤاخذ العبد بهذا الميل اليسير ~~إلى الحس ، دواء لنفسه ، قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ، أي : الميل اليسير ~~إلى الرفق بالنفس ؛ لأنها مطية القلب ms3138 ، بمجاهدتها يصل إلى كعبة الوصول ، ~~وهي حضرة الرب. وبالله التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 79 PageV08P118 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإذ أسر} أي : واذكر أيها السامع حين أسر {النبي إلى ~~بعض أزواجه} يعني حفصة {حديثا} ؛ حديث تحريم مارية ، أو العسل ، أو إمامة ~~الشيخين ، {فلما نبأت به} أي : أخبرت حفصة عائشة بالحديث وأفشته ، فحذف ~~المفعول ، وهو عائشة ، {وأظهره الله عليه} أي : أطلع الله تعالى نبيه عليه ~~الصلاة والسلام على إفشاء حفصة على لسان جبريل عليه السلام ، أو : أظهر ~~الله عليه الحديث ، من الظهور ، {عرف بعضه} أي : عرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم حفصة بعض الحديث الذي أفشته ، قيل : هو حديث الإمامة ، روي أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال لها : " ألم أقل لك اكتمي علي " ؟ قالت : " والذي بعثك ~~بالحق ما ملكت نفسي " فرحا بالكرامة التي خص الله تعالى بها أباها. # {وأعرض عن بعض} فلم يخبرها تكرما. قال سفيان : ما زال التغافل من فعل ~~الكرام ، وقال الحسن : ما استقصى كريم قط. وقرأ الكسائي : " عرف " بالتخفيف ، أي : # 82 # جازى عليه ، من قولك للمسيء : لأعرفن لك ما فعلت ، أي : لأجازينك عليه ، ~~فاجازاها عليه السلام بأن طلقها ، وآلى من نسائه شهرا ، وقعد في مشربة ~~مارية حتى نزلت آية التخيير ، وقيل : هم بطلاقها ، فقال له جبريل : لا ~~تطلقها ، فإنها صوامة قوامة. ه. قيل : المعرف : حديث الإمامة ، والمعرض عنه ~~: حديث مارية. {فلما نبأها به} أي : أخبر صلى الله عليه وسلم حفصة بما عرفه ~~من الحديث ، قالت حفصة للنبي عليه السلام : {من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير} الذي لا تخفى عليه خافية. PageV08P119 # {إن تتوبا إلى الله} ، الخطاب لحفصة وعائشة ، على الالتفات للمبالغة في ~~العتاب ، {فقد صغت قلوبكما} ؛ مالت عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، من حب ما يحبه ، وكراهة ما يكرهه ، وكان عليه الصلاة والسلام ~~شق عليه تحريم مارية وكرهه ، وهما فرحا بذلك. وجواب الشرط : محذوف ، أي : ~~إن تتوبا إلى الله فهو الواجب ، فقد زالت قلوبكما عن الحق ، أو : تقبل ~~توبتكما ، أو هو : " فقد صغت " أي ms3139 : إن تتوبا زاغب قلوبكما فاستوجبتما ~~التوبة ، أو : فقد كان منكما ما يقضي أن يتاب منه. قال ابن عطية : وهذا ~~الجواب للشرط ، وهو متقدم في المعنى ، وإنما نزلت جوابا في اللفظ. ه. وقرىء ~~" زاغت " من الزيغ. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 82 # وإن تظاهرا عليه} أي : تتعاونا عليه بما يسوؤه ، من الإفراط في الغيرة ، ~~وإفشاء سره ، والفرح بتحريم مارية ، {فإن الله هو مولاه} ؛ وليه وناصره ، ~~وزيادة " هو " إيذان : أنه يتولى ذلك بذاته بلا واسطة ، {وجبريل} أيضا وليه ~~، الذي هو رئيس الملائكة المقربين ، {وصالح المؤمنين} أي : ومن صلح من ~~المؤمنين ، أي : كل من آمن وعمل صالحا ، وقيل : من برىء من النفاق ، وقيل : ~~الصحابة جملة ، وقال ابن عباس : أبو بكر وعمر ، وروي مرفوعا ، وبه قال ~~عكرمة ومقاتل ، وهو اللائق ؛ لتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم السلام ، ~~فإنه جمع بين التظاهر المعنوي والتظاهر الحسي ، فجبريل ظاهره عليه السلام ~~بالتأييدات الإلهية ، وهما وزيراه وظهيراه في أمور الرسالة ، وتمشية ~~أحكامها الظاهرة ، ولأن تظاهرهما له صلى الله عليه وسلم أشد تأثيرا في قلوب ~~ينتيهما ، وتوهينا في حقهما ، فكانا حقيقا بالذكر ، بخلاف ما إذا أريد به ~~جنس الصالحين ، كما هو المشهور. قاله أبو السعود. PageV08P120 # {والملائكة} مع تكاثر عددهم وامتلاء السموات من جموعهم {بعد ذلك} أي : بعد ~~نصرة الله عز وجل ، وناموسه الأعظم ، وصالح المؤمنين ، {ظهيرا} أي : فوج ~~ظهير معاون له ، كأنهم يد واحدة على من يعاديه ، فماذا يفيد تظاهر امرأتين ~~على من هؤلاء ظهراؤه ؟ ولما كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله ، قال ~~: {بعد ذلك} تعظيما لنصرتهم ومظاهرتهم. # {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله} بالتخفيف ، والتشديد للتكثير ، أي : يعطيه الله # 83 # تعالى بدلكن {أزواجا خيرا منكن} ، قال النسفي : فإن قلت : كيف تكون ~~المبدلات خيرا منهن ، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيرا من أمهات المؤمنين ؟ ~~قلت : إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيذائهن إياه لم يبقين على ~~تلك الصفة ، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيرا منهن. ه. وأجاب أبو ~~السعود : بأن ما علق بما لم يقع لا ms3140 يجب وقوعه. ه. وليس فيه ما يدل على أنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يطلق حفصة ، فإن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة. # ثم وصف المبدلات بقوله : {مسلمات مؤمنات} أي : مقرات مخلصات ، أو : ~~منقادات مصدقات ، {قانتات} ؛ طائعات ، فالقنوت : هو القيام بطاعة الله ، ~~وطاعة الله في طاعة رسوله ، {تائبات} من الذنوب {عابدات} ؛ متعبدات متذللات ~~، {سائحات} ؛ صائمات ، وقيل للصائم : سائح ؛ لأن السائح لا زاد معه ، فلا ~~يزال ممسكا إلى أن يجد من يطعمه ، فشبه به الصائم في إمساكه إلى وقت إفطاره ~~، أو : مهاجرات. قال زيد بن أسلم : لم يكن في هذه الأمة سياحة إلا الهجرة ، ~~{ثيبات وأبكارا} ، إنما وسط العاطف بين الثيبات والأبكار ، دون سائر الصفات ~~؛ لأنهما صفتان متباينتان ، وعطف الأبكار على الثيبات من باب الترقي من ~~الأدنى إلى الأعلى ، كقوله تعالى : {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة...} ~~[التوبة : 121]. والله تعالى أعلم. PageV08P121 # جزء : 8 رقم الصفحة : 82 # الإشارة : توجه العتاب له صلى الله عليه وسلم مرتين في تحريم الجارية ، ~~وفي إخفائه لذلك ، إذ فيه بعض مراقبة الخلق ، والعارف لا يراقب إلا الحق ، ~~فهذا قريب من قوله تعالى : {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب : ~~37] ، ففيه من التصوف : أن العارف يكون الناس عنده كالموتى ، أو كالهباء في ~~الهواء ، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون ~~الناس عنده كالأباعر " إذا ليس بيدهم نفع ولا ضر. # وإشارة الآية على ما قال القشيري : وإذ أسر القلب إلى بعض أزواجه ، وهي ~~النفس والهوى ، حديث المخالفة ، على طريق " شاوروهن وخالفوهن " فلما نبأت ~~النفس الهوى لتفعلا ذلك ، وأظهره الله عليه بوحي الإلهام ، عرف بعضه وأعرض ~~عن بعض ، أي : عاتبهما على البعض ، وسامحهما في الآخر ، فلما نبأ القلب ~~النفس بما أفشت للهوى ، قالت : من أنبأك هذا.. الخ ، إن تتوبا إلى الله ، ~~وتنقادا لحكمه فقد وقع منكما ما يوجب التوبة ، وإن تظاهرا على القلب بتزيين ~~المخالفة وتتبع الحظوظ والشهوات ، فإن الله هو مولاه ، ينصره بالأجناد ~~السماوية والأرضية ، من التأييدات والواردات ، عسى ربه إن طلقكن # 84 # وغاب ms3141 عنكن أن يبدله أخلاقا طيبة ، ونفوسا مطمئنة ، مسلمات مؤمنات قانتات ~~تائبات ، عابدات سائحات بأفكارها في ميادين الغيوب ، وبحار التوحيد ، ثيبات ~~، أي : تأتي بعلوم الرسميات وأبكار الحقائق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 82 PageV08P122 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم} أي : نجوها من النار ~~، بترك المعاصي وفعل الطاعات ، {وأهليكم} بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم ~~، أو بان تعلموهم وترشدوهم. قال القشيري : أظهروا من أنفسكم الطاعات ~~ليتعلموا منكم ويقتادوا بأفعالكم. ه. وفي الحديث : " رحم الله امرءا قال : ~~يا أهلاه ، صلاتكم صيامكم مسكينكم ، يتيمكم " أي : الزموا ما ينفعكم ، فمن ~~له أهل وأهملهم من التعلم والإرشاد عوتب عليهم ، أي : احملوهم على الطاعة ، ~~لتقوهم {نارا وقودها الناس والحجارة} أي : نوعا من النار لا تتقد إلا ~~بالناس والحجارةن كما تتقد غيرها بالحطب. قال ابن عباس : هي حجارة الكبريت ~~، فهي أشد الأشياء حرا. {عليها ملائكة} تلي أمرها والتعذيب بها ، وهي ~~الزبانية ، {غلاظ شداد} ؛ غلاظ الأقوال ، شداد الأحوال ، أو : غلاظ الخلق ، ~~شداد الخلق ، أقوياء على الأفعال الشديدة ، لم يخلق الله فيهم رحمة ، {لا ~~يعصون الله ما أمرهم} أي : لا يعصون أمره ، فهو بدل اشتمال من " الله " أو ~~: فيما أمرهم ، على نزع الخافض ، {ويفعلون ما يؤمرون} من غير تراخ ولاتثاقل ~~، وليست الجملتان في معنى واحد ؛ إذ معنى الأولى : أنهم يمتثلون أمره ~~ويلتزمونها ، ومعنى الثانية : أنهم يؤدون ما يؤمرون به ، ولا يتثاقلون عنه ~~ولا يتوانون فيه. # ويقال للكفرة يوم القيامة عند دخولهم النار : {يا أيها الذين كفروا لا ~~تعتذروا اليوم} إذ لا ينفعكم عذركم ؛ حيث فرطتم في الدنيا ، {إنما تجزون} ~~اليوم {ما كنتم تعملون} في الدنيا من الكفر والمعاصي ، بعدما نهيتم عنها ، ~~وأمرتم بالإيمان والطاعة ، فلا عذر لكم قطعا. PageV08P123 # الإشارة : قوا أنفسكم نار الحجبة والقطيعة ، بتخليتها من الرذائل ، ~~وتحليتها بالفضائل ، ليلحقوا بكم في درجاكم. ونار القطيعة وقودها الناس ، ~~أي : عامة الناس والقلوب القاسية ، عليها ملائكة غلاظ شداد ، وهم القواطع ~~القهرية ، فمن كفر بطريق الخصوصية لا ينفعه يوم القيامة اعتذاره ، حين يسقط ~~عن درجة المقربين الأبرار وبالله التوفيق. # 85 ms3142 # جزء : 8 رقم الصفحة : 85 PageV08P124 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} أي ~~: بالغة في النصح ، وصفت بذلك مجازا ، وهي وصف للتائبين ، وهو أن ينصحوا ~~بالتوبة أنفسهم ، فيأتوا بها على طريقتها ، وذلك أن يتوبوا عن القبائح ، ~~لقبحها ، نادمين عليها ، مغتمين أشد الاغتمام لارتكابها ، عازمين على أنهم ~~لا يعودون إلى قبيح من القبائح ، وقيل : نصوحا : صادقة ، وقيل : خالصة ، ~~يقال : عسل ناصح : إذا خلص من شمعه ، وقيل : من نصاحة الثوب ، أي : ترقيعه ~~، لأنها ترقع خروقك في دينك وترم خللك ، وقيل : توبة تنصح الناس ، أي : ~~تدعوهم إلى مثلها ؛ لظهور آثارها في صاحبها ، باستعمال الجد والعزيمة في ~~العمل على مقتضياتها ، ومن قرأ بضم النون فمصدر ، أي : ذات نصوح ، أو تنصح ~~نصوحا. وفي الحديث : " التوبة النصوح أن يتوب ، ثم لا يعود إلى الذنب إلى ~~أن يعود اللبن في الضرع " وعن حذيفة : " بحسب الرجل من الشر أن يتوب من ~~الذنب ثم يعود فيه " وعن ابن عباس رضي الله عنه : " هي الاستغفار باللسان ، ~~والندم بالجنان ، والإقلاع بالأركان ". {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم} ، ~~هذا على ما جرى به عادة الملوك من الإجابة بعسى ولعل ، ووقوع ذلك منهم موقع ~~القطع والبت. وقيل : عبر ب " عسى " للإشعار أن المغفرة تفضل وإحسان ، وأن ~~التوبة غير موجبة لها ، وليبقى العبد بين خوف ورجاء ولو عمل ما عمل. ~~{ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي}. هو ظرف ل " ~~يدخلكم " {والذين آمنوا معه} : عطف على " النبي " ، و" معه " : ظرف لآمنوا ~~، وفيه تعريض بمن أخزاهم الله من الكفرة. {نورهم} : مبتدأ ، و{يسعى} خبره ، ~~أي : يضيء {بين أيديهم وبأيمانهم} أي : على الصراط وفي مواطن القيامة ، ~~{يقولون} حال ، أي : قائلين حين ينطفىء نور المنافقين : {ربنا أتمم لنا ~~نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير} ، وقيل : يدعون بذلك تقربا إلى الله ~~مع تمام نورهم ، وقيل : تتفاوت أنوارهم PageV08P125 ~~بحسب أعمالهم ، فيسألون إتمامه تفضلا ، وقيل : السابقون إلى الجنة يمرون ~~مثل البرق على الصراط ، وبعضهم كالريح ، وبعضهم كأجاود الخيل ، وبعضهم ms3143 حبوا ~~، وزحفا ، وهم # 86 # الذين يقولون : {ربنا أتمم لنا نورنا}. وقد تقدم : أن من المقربين من ~~تقرب لهم غرف الجنات ، فيركبون فيها ، ويسرحون إلى الجنة ، ومنهم من يطير ~~في الهواء إلى باب الجنة ، فيقول الخزنة : من أنتم ؟ فيقولون : وحن ~~المتحابون في الله ، فيقول : اذهبوا فنعم أجر العاملين ، ويقول بعضهم لبعض ~~: أين الصراط الذي وعدنه ، فيقال لهم : جزتموه ولم تشعروا. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 86 PageV08P126 ~~الإشارة : توبة العامة من الذنوب ، وتوبة الخاصة من العيوب ، وتوبة خاصة ~~الخاصة من الغيبة عن حضرة علام الغيوب ، فهؤلاء أشد الناس افتقارا إلى ~~التوبة ؛ إذ لا بد للعبد من سهو وسنة حتى يجول بقلبه في الأكوان ، أو يميل ~~عن الاعتدال ، فيجب في حقهم الاستغفار منها ، ولذلك كان عليه الصلاة ~~والسلام يستغفر في المجلس الواحد سبعين أو مائة مرة. وقد تكلم السلف عن ~~التوبة النصوح دون ما تقدم ، فقال ابن جبير : هي التوبة المقبولة ، ولا ~~تقبل إلا بثلاثة شروط : خوف ألا تقبل منه ، ورجاء أن تقبل ، وإدمان الطاعة. ~~وقال ابن المسيب : توبة تنصحون بها أنفسكم ، وقال القرظي : يجمعها أربعة : ~~الاستغفار باللسان ، والإقلاع بالأبدان ، وترك العود بالجنان ، ومهاجرة ~~سيىء الخلان. وقال الثوري : علامتها أربعة : القلة ، والعلة ، والذلة ، ~~والغربة. وقال الفضيل : هو أن يكون الذنب نصب عينيه. وقال الواسطي : تكون ~~لا لعرض دنيوي ولا أخروي. وقال أبو بكر الوراق : هي أن تضيق عليك الدنيا ~~بما رحبت ، كحالة الذين خلفوا. وقال رويم : أن تكون لله وجها بلا قفا ، كما ~~كنت عند المعصية قفا بلا وجه ، وقالت رابعة : توبة لا ارتياب فيها ، وقال ~~السري : لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين ؛ لأن من صحت ~~توبته أحب أن يكون الناس مثله ، وقال الجنيد : هي أن تنسى الذنب فلا تذكره ~~أبدا ؛ لأن من أحب الله نسي ما دونه. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 86 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها النبي جاهد الكفار} بالسيف {والمنافقين} ~~بالحجة ، أو : بالقول الغليظ والوعظ البليغ ، أو : بإقامة الحدود ، ولم ~~يؤمر بقتالهم لتستر ظاهرهم ms3144 بالإسلام ، " أمرت أن أحكم بالظواهر ، والله ~~يتولى السرائر " ، {واغلظ # 87 PageV08P127 ~~عليهم} ؛ واستعمل الخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال ~~والمخاصمة باللسان. {ومأواهم جهنم} يباشرون فيها عذابا غليظا ، {وبئس ~~المصير} جهنم ، أو مصيرهم. # الإشارة : كل إنسان مأمور بجهاد أعدائه ، من النفس ، والهوى ، والشيطان ، ~~وسائر القواطع ، وبالغلاظ عليهم ، حتى يسلموا وينقادوا لحكمه أو تقل شوكتهم ~~، وهذا هو الجهاد الأكبر ، لدوامه واتصاله ، فمن دام عليه حتى ظفر بعدوه ، ~~أو لقي ربه ، كان من الصديقين ، الذين درجتهم فوق درجة الشهداء ، تلي درجة ~~المرسلين. وبالله التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 87 # قلت : " مثلا " : مفعول ثان لضرب ، أي : جعل ، و" امرأة " : مفعول أول ، ~~أي : جعل امرأة نوح وامرأة لوط مثلا مضروبا للذين كفروا. # يقول الحق جل جلاله : {ضرب الله مثلا للذين كفروا} ، ضرب المثل في أمثال ~~هذه المواقع عبارة عن : إيراد حالة غريبة ليعرف بها حالة أخرى ، مشاكلة لها ~~في الغرابة ، أي : ضرب الله مثلا لحال الذين كفروا حيث يعاقبون على كفرهم ~~وعداوتهم للمؤمنين ، ولا ينفعهم ما كان بينهم وبين المؤمنين من النسب ~~والمصاهرة بهاتين المرأتين ، {امرأت نوح وامرأت لوط} قيل : اسم الأولى : ~~واهلة ، والثانية : راعلة ، {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين} أي : كانتا ~~في عصمة نبيين عظيمين ، متمكنين من تحصيل خير الدنيا والأخرة ، وحيازة ~~سعادتهما ، {فخانتاهما} بإفشاء سرهما ، أو بالكفر والنفاق ، {فلم يغنيا ~~عنهما من الله شيئا} أي : فلم يغن الرسولان عن المرأتين بحق ما بينهما من ~~الزواج شيئا من الإغناء من عذاب الله تعالى ، {وقيل} لهما عند موتهما ، أو ~~يوم القيامة : {ادخلا النار مع الداخلين} أي : مع سائر الداخلين من الكفرة ~~، الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. # 88 PageV08P128 ~~قال القشيري : لما سبقت للمرأتين الفرقة يوم القسمة ، لم تنفعهما القرابة ~~يوم العقوبة. ه. قال ابن عطية : وقول من قال : إن في المثلين عبرة لأزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعيد. ه. قلت : لا بعد فيه لذكره إثر تأديب ~~المرأتين ، وليس فيه غض لجانبهن المعظم ، إنما فيه إيقاظ وإرشاد لما يزيدهم ~~شرفا وقربا من تعظيم ms3145 الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته ، وصيانة سره ، ~~والمسارعة إلى ما فيه محبته ورضاه ، وكل من نصحك فقد أحبك ، وكل من أهملك ~~فقد مقتك. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 88 # وضرب الله مثلا للذين آمنوا} في أنهم ينفعهم إيمانهم ، ولو كانوا تحت ~~قهرية الكفرة ، حيث لم يميلوا عنه ، {امرأة فرعون} ، وهي أسية بنت مزاحم ، ~~وهي عمة موسى عليه السلام ، آمنت به فعذبها بالأوتاد الأربعة ، وتد يديها ~~ورجليها وألقاها في الشمس على ظهرها ، وألقى عليها صخرة عظيمة ، فأبصرت ~~بيتها في الجنة ، من درة ، وانتزع الله روحها ، فلقيتها الصخرة بلا روح ، ~~فلم تجد ألما ، وقال سلمان : كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس ، فإذا انصرفوا ~~عنها أظلتها الملائكة ، وفيه بيان أنها لم تمل عن الإيمان مع شدة ما قاست ~~من العذاب ، وكذا فليكن صوالح النساء ، وأمر عائشة وحفصة أن يكونا كآسية ~~هذه. ه. من الثعلبي. # {إذ قالت} : ظرف لمحذوف ، أي : ضرب مثلا لحالها حين قالت : {رب ابن لي ~~عندك} أي : قريبا من رضوانك {بيتا في الجنة} أو : في أعلى درجات المقربين ، ~~روي : أنها لما قالت ذلك أريت بيتها في الجنة. {ونجني من فرعون وعمله} أي : ~~من نفسه الخبيثة وعمله السيىء {ونجني من القوم الظالمين} أي : من القبط ~~التابعين له في الظلم قال الحسن وابن كيسان : نجاها الله أكرم نجاة ، ~~ورفعها إلى الجنة ، فهي فيها تأكل وتشرب. ه. PageV08P129 # {ومريم ابنة عمران} : عطف على " امرأة فرعون " أي : وضرب الله مثلا للذين ~~آمنوا حالها وما أتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين ~~، مع كون قومها كفارا ، {التي أحصنت فرجها} ؛ حفظته {فنفخنا في من روحنا} ~~المخلوقة لنا ، أو : من روح خلقته بلا واسطة ، {وصدقت بكلمات ربها} ؛ بصحفه ~~المنزلة ، أو : بما أوحى الله إلى أنبيائه ، {وكتابه} أي : جنس الكتاب ~~الشامل للكل ، وقرأ البصري وحفص بالجمع ، أي : كتبه الأربعة ، وقرىء : " ~~بكلمة الله وكتابه " أي : بعيسى وبالكتاب المنزل عليه الإنجيل ، {وكانت من ~~القانتين} أي : من عدة المواظبين على الطاعة ، والتذكير للتغليب ، والإشعار ~~بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال ، حتى ms3146 عدت من جملتهم ، أو كانت من نسل ~~القانتين ؛ لأنها من أعقاب هارون ، أخي موسى عليهما السلام. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : " كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا أربع : ~~آسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وفضل عائشة على النساء كفضل # 89 # الثريد على سائر الطعام ". قال النسفي : وفي طي هذين التمثيلين تعريض ~~بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة ، وما فرط منهما من التظاهر على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه ، ~~وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الأخلاق كهاتين المؤمنتين ، وألا تتكلا ~~على أنهما زوجا رسول الله صلى عليه وسلم. ه. وفي الثعلبي : وقال ابن عباس ~~وجماعة : قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية ، ورجا أن ينفعه صلاح ~~غيره ، وأخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعا. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 88 PageV08P130 ~~الإشارة : قال القشيري : المرأتان الكافرتان إشارة إلى النفس الأمارة ~~والهوى المتبع ، أي : كانتا تحت القلب والروح ، فخانتاهما ، حيث غلبتا ~~القلب والروح ، وجذبتاهما إليهما ، فمال القلب إلى الحظوظ الجسمانية ، ~~ومالت الروح إلى الحروف الظلمانية ، كحب الجاه والرئاسة والكرامة ، فلم ~~تغنيا عنهما من الله شيئا ، حيث فاتهما اليقين والمعرفة العيانية ، ~~والمرأتان المؤمنتان إشارة إلى النفس المطمئنة والقلب المطمئن ، حيث غلبا ~~النفس الأمارة والهوى ، لم يضرهما صحبتهما ، فقالت النفس المطمئنة : رب ابن ~~لي عندك بيتا في الجنة ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، والقلب لما حفظ نفسه ~~من دخول العلل ، نفخ الحق فيه من روحه ، فأحياه به ، وأشهده أنوار قدسه ، ~~فصدق بكلمات الله الدالة على ذاته ، ثم ترقى إلى شهود المتكلم ، وكان من ~~القانتين ، فجمع بين شهود عظمة الربوبية وآداب العبودية. قال الورتجبي : ~~{فنفخنا فيه...} الآية ، أي : ظهر فيه نور الفعل ، ثم ظهر في نور الفعل نور ~~الصفة ، فظهر في نور الصفة نور الذات ، فكان بنور الذات والصفات حيا موصوفا ~~بصفاته ، ناظرا إلى مشاهدة نور ذاته ، لم ms3147 تنقطع عنه أنوار الذات والصفات ~~والفعل أبدا. وهذه خاصية لمن له أثر من روحه. قال بعضهم : نفخ من نوره في ~~روح عبده ، ليحيي بذلك الروح ، ويحيى به ، ويطلب النور ولا يغفل عن طلب ~~المنور ، فيعيش في الدنيا حميدا ، ويبعث في الآخرة شهيدا ، فلما وجدت روح ~~روح الله صدقت بظهوره في العالم ، وشبيه قلوب العالمين بأنه يكون مرآة الحق ~~للخلق ، وذلك قوله : {وصدقت بكلمات ربها} ولما باشر أنوار القدس وروح الأنس ~~كادت نفسها أن تميل إلى السكر في الأنانية ، فسبق لها العناية ، وأبقاها في ~~درجة العبودية ، حتى لا تسقط بالسكر عن مقام الصحو ، ألآ ترى كيف قال : ~~{وكانت من القانتين} أي : من المستقيمين في معرفتها بربها ، ومعرفتها بقيمة ~~نفسها أنها مسخرة عاجزة لربها. ه. وبالله # التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 90 # جزء : 8 رقم الصفحة : 88 PageV08P131 ### | AUTO سورة الملك # جزء : 8 رقم الصفحة : 90 # يقول الحق جل جلاله : {تبارك} أي : تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين ~~فالبركة : السمو والزيادة ، حسية أو عقلية ، وكثرة الخير ودوامه ، والمعنى ~~الأول أنسب للمقام ، باعتبار تعاليه عز وجل عما سواه في ذاته وصفاته ~~وأفعاله ، وصيغة التفاعل للمبالغة في ذلك ؛ فإن ما لا يصح نسبته إليه تعالى ~~من الصيغ ، كالتكثر ونحوه ، إنما ينسب إليه تعالى باعتبار غاياتها. وعلى ~~الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه تعالى على مخلوقاته من فنون الخيرات ، أي ~~: تعالى بالذات عن كل ما سواه. {الذي بيده الملك} أي : بيده التصرف التام ~~والاستيلا ء على كل موجود ، وهو مالك الملك ، يؤتيه من يشاء ، وينزعه عمن ~~يشاء ، واليد : مجاز عن القدرة التامة ، والاستيلاء الكامل. {وهو على كل ~~شيء} من المقدورات ، أو من الإنعام والانتقام {قدير} ؛ مبالغ في القدرة ~~يتصرف فيه على حسب ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة. # والجملة : معطوفة على الصلة ، مقررة لمضمونها ، مفيدة لجريان أحكام ملكه ~~تعالى في جلائل الأمور ودقائقها ، دالة على العموم والشمول في أنه متصرف في ~~أحوال الملك # 91 # في إيجاد أعيان الأشياء ؛ المتصرف فيها وفي إيجاد عوارضها الذاتية. ms3148 ولو ~~اقتصر على قوله : {بيده الملك} لأوهم قصوره على تغير أحوال الملك فقط. PageV08P132 # ثم أحال على ما هو مشاهد من التصرف بقوله : {الذي خلق الموت والحياة} أي : ~~موتكم وحياتكم أيها المكلفون. ومعنى خلق الموت والحياة : إيجاد ما يصحح ~~الإحساس وإعدامه. والموت عند أهل السنة : صفة وجودية مضادة للحياة ، وأما ~~ما روي عن ابن عباس : أنه تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح ، لا يمر بشيء ~~ويجد ريحه إلا مات ، وخلق الحياة في صورة فرس ، لا يمر والا يجد رائحتها ~~شيء إلا حيى " فوارد على منهاج التمثيل والتصوير ، ويجوز أن يكون حقيقة ، ~~إذ القدرة صالحة. وتقديم الموت لأنه أدعى لأحسن العمل ، الذي هو حكمة خلق ~~الموت والحياة ، المشار إليه بقوله : {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} أي : خلق ~~موتكم الذي يعم الأمير والأسير ، والحياة التي لا تبقى لعليل ولا طبيب ، ~~ليعاملكم معالمة من يختبركم أيكم أحسن عملا ؛ فيجازيكم على مراتب متفاوتة ، ~~حسب طبقات علومكم وأعمالكم ؛ فإن العمل غير مختص بالجوارح ، ولذلك فسره صلى ~~الله عليه وسلم بقوله : " أيكم أحسن عقلا ، وأردع عن محارم الله ، وأسرع في ~~طاعة الله " ، وفي رواية : " أيكم أحسن عقلا ، وأشدكم له خوفا ، وأحسنكم في ~~أمره ونهيه نظرا ، ون كانوا أقلكم تطوعا " وقال ابن عباس وغيره : أيكم أزهد ~~في الدنيا. # جزء : 8 رقم الصفحة : 91 PageV08P133 ~~قال القشيري : كيف تكونوا في الصبر في المحنة ، والشكر عند المنة. وقال ~~النسفي : {أيكم أحسن عملا} : أخلصه وأصوبه ، فالخالص : أن يكون لوجه الله ، ~~والصواب أن يكون على السنة ، والمراد : أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها ~~على العمل ، وسلط عليكم الموت ، الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على ~~القبيح ، فما وراءه إلا البعث والجزاء ، الذي لا بد منه ، ولما قدم الموت ~~الذي هو أثر صفة القهر على الحياة التي هي أثر صفة اللطف قدم صفة القهر ~~على صفة اللطف بقوله : {وهو العزيز} : الغالب ، الذي لا يعجزه من أساء ~~العمل ، {الغفور} ؛ الستور ، الذي لاييأس منه أهل الإساءة والزلل. ه. # ثم استشهد على تمام قدرته بقوله : {الذي ms3149 خلق سبع سموات طباقا} أي : ~~متطابقة بعضها فوق بعض ، من طباق النعل : أذا خصفها طبقا على طبق ، وهو ~~مصدر وصف به ، أو : ذات طباق ، أو : طوبقت طباقا. وقوله تعالى : {ما ترى في ~~خلق الرحمن من تفاوت} صفة أخرى لسبع سموات ، وضع فيها " خلق الرحمن " موضع ~~الضمير للتعظيم ، والإشعار بعلة الحكم ، وبأنه تعالى خلقها بقدرته ، رحمة ~~وتفضلا ، ولأن في إبداعها نعما جليلة. أو : استئناف. والخطاب للرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، أو لكل أحد يصلح للخطاب ، و" من " لتأكيد # 92 # النفي ، أي : ما ترى فيه شيئا من تفاوت ، أي : اختلاف وعدم تناسب أو ~~اضطراب. وعن السدي : من عيب. وحقيقة التفاوت : عدم التناسب ، كأن بعضا يفوت ~~بعضا. وقرأ الأخوان : " تفوت " كالتعاهد والتعهد ، والبناء لواحد. {فارجع ~~البصر} أي : رده إلى السماء ، حتى يصح عندك ما أخبرت به معاينة ، حتى لا ~~يبقى شبهة. {هل ترى من فطور} ؛ صدروع وشقوق ، جمع : فطر ، وهو الشق ، يقال ~~: فطره فانفطر. PageV08P134 # {ثم ارجع البصر كرتين} أي : كرره رجعتين مع الأولى ، فتكون ثلاثا ، أو : ~~بالأولى ، وقيل : لم يرد الاقتصار على مرتين ، بل أراد به التكرير بكثرة ، ~~أي : كرر نظرك ودققه مرارا ، هل ترى خللا أو عيبا في السموات ؟ وجواب الأمر ~~: {ينقلب} ؛ يرجع {إليك البصر خاسئا} ؛ ذليلا ، أو : بعيدا مما تريد ، وهو ~~حال من البصر ، {وهو حسير} أي : كليل لطول المعاودة ، وكثرة المراجعة ، ولم ~~يحصل ما قصد. # ثم بين حسنها وبهجتها ، فقال : {ولقد زينا السماء الدنيا} أي : القربى ~~منكم {بمصابيح} أي : بكواكب مضيئة بالليل إضاءة السراج فيه ، زينة لسقف هذه ~~الدار ، من السيارة والثوابت ، تتراءى كأنها كلها مركوزة فيها ، مع أن ~~بعضها في سائر السموات ، وما ذلك إلا لأن كل واحدة منها مخلوقة على نمط ~~رائق ، تحار في فهمه الأفكار ، وطراز فائق تهيم في دركه الأنظار. قال الفخر ~~: وليس في هذه الآية ما يدل على أن الكواكب مركوزة في سماء الدنيا ، وذلك ~~لأن السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في سماء الدنيا ، أو في ~~سماء أخرى فوقها ، فهي لا بد أن ms3150 تظهر في سماء الدنيا ، وتلوح فيها ، فعلى ~~كلا التقديرين فالسماء الدنيا مزينة بها. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 91 # وجعلناها رجوما للشياطين} أي : وجعلنا فيها فائدة أخرى ، هي : رجم ~~أعدائكم الذي يخرجونكم من النور إلى الظلمات ، بانقضاض الشهب المقتبسة منها ~~، فيأخذ الملك شعلة من نار الكوكب ، ويضرب بها الجني ، فيقتله ، أو يخبله ، ~~فيرجع غولا يفزع الناس ، وأما الكواكب فلا تزول عن أماكنها ؛ لأنها قارة في ~~الفلك. قال قتادة : خلق الله النجوم لثلاث : زينة السماء ، ورجوما للشياطين ~~، وعلامات يهتدى بها ، فمن تأول فيها غير ذلك ، فقد تكلف ما لا علم له به. ~~{وأعتدنا لهم} ؛ للشياطين {عذاب السعير} بعد الإحراق في الدنيا بالشهب. ~~والله تعالى أعلم. PageV08P135 # الإشارة : تبارك الذي بيده الملك ، الملك الظاهري والملك الباطني ، يعطيهما ~~من يشاء ، ويمنعهما من يشاء ، فالملك الظاهري عز يفنى والملك الباطني عز ~~يبقى ، وهما ضدان لا يجتمعان في شخص واحد ، ولا يتفقان ، بل أحدهما يغير من ~~الآخر ، والمراد بالملك الباطني : معرفة الشهود والعيان ، فلا يناسبها إلا ~~الخمول ، ولا تقوم إلا به ، ومهما ظهرت أخذ صاحبها وصدمته الحوافر. الذي ~~خلق الموت في بعض القلوب والأرواح ، فكانت ميتة جاهلة ذليلة حقيرة ، ~~والحياة في بعضها ، فكانت حية عارفة مالكة عزيزة ، فعل # 93 # ذلك ليبلوكم أيك أحسن عملا بالإقبال على الله ، والتوجه بكليته إليه ، أو ~~بالإدبار عنه ، والإعراض عن الداعي إليه. وقيل : أحسن العمل : نيسان العمل ~~ورؤية الفضل. ه. والمراد : أنه يجتهد في العمل ، ويغيب عنه ، ومن جعل الموت ~~نصب عينيه لا محالة يجتهد ، ولله در القائل : # وفي ذكر هول الموت والقبر والبلا # عن الشغل باللذات للمرء زاجر # أبعد اقتراب الأربعين تربص # وشيب فذاك منذر لك ذاعر # فكم في بطون الأرض بعد ظهورها # محاسنهم فيها بوال دواثر # وأنت على الدنيا مكب منافس # لحطامها فيها حريص مكاثر # على خطر تمسي وتصبح لاهيا # أتدري بماذا لو عقلت تخاطر # وإن أحد يسعى لدنياه جاهدا # ويذهل عن أخراه لآ شك خاسر # فجد ولا تغفل ، فعيشك زائل # وأنت إلى دار المنية صائر PageV08P136 ~~وهو العزيز يعز ms3151 من أقبل عليه ، والغفور لمن رجع بعد الإعراض إليه. الذي خلق ~~سبع سموات الأرواح ، وتقدم قريبا تفسيرها ، وعالم الأوراح في غاية الإتقان ~~، ليس فيه خلل ولا تفاوت ، ولقد زينا السماء الدنيا. قال القشيري : أراد ~~بسماء الدنيا سماء القلب ، لدنوه من سماء الروح ، أي : زينا ونورنا سماء ~~القلب بمصابيح العلم وأنوار الواردات القلبية ، وسبحات الإلهامات الربانية ~~، وجعلناها رجوما للشياطين ؛ الخواطر النفاسية ، والهواجس الظلمانية ~~الشيطانية ، وأعتدنا لتلك الخواطر عذاب السعير ، فيحترق بالخواطر الملكية ~~والرحمانية. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 91 # يقول الحق جل جلاله : {وللذين كفروا بربهم} أي : ولكل من كفر بالله من ~~الشياطين وغيرهم {عذاب جهنم} يعذبون بها جميعا ، {وبئس المصير} ، المرجع ~~جهنم. {إذا ألقوا فيها} ؛ طرحوا في جهنم ، كما يطرح الحطب في النار ، ~~{سمعوا لها} ؛ لجهنم {شهيقا} ؛ صوتا منكرا ، كصوت الحمير. شبه حسيسها ~~المنكر الفظيع بالشهيق. {وهي تفور} ؛ تغلي بهم كغليان المرجل بما فيه. # 94 PageV08P137 ~~{تكاد تميز} أي : تتميز ، يعني : تتقطع وتتفرق وينفصل بعضها من بعض {من ~~الغيظ} وذلك حين تمد عنقها إليهم ، لتستولي عليهم. وغيظها حقيقة بالإدراك ~~الذي خلقه الله فيها. {كلما ألقي فيها فوج} ؛ جماعة من الكفار {سألهم ~~خزنتها} مالك وأعوانه من الزبانية توبيخا لهم : {ألم يأتكم نذير} ؛ رسول ~~يخوفكم من هذا العذاب الفظيع ؟ {قالوا بلى قد جاءنا نذير} ، اعترفوا بعدل ~~الله ، وأن الله أزاح عذرهم ببعث الرسل ، وإنذارهم ما وقعوا فيه ، تحسرا ~~على ما فاتهم من السعادة ، وتمهيدا لما وقع منهم من التفريط تندما اغتماما ~~على ذلك ، {فكذبنا} ذلك النذير في كونه نذيرا من جهته تعالى : {وقلنا ما ~~نزل الله من شيء} مما يقولون من وعد ووعيد ، وغير ذلك ، {إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير} أي : قال الكفار للمنذرين : ما أنتم إلا في خطأ عظيم ، بعيد عن ~~الصواب. # وجمع ضمير الخطاب مع أن مخاطب كل فوج نذيره ؛ لتغليبه على أمثاله ، ~~مبالغة في التكذيب ، وتماديا في التضليل ، كما ينبىء عنه تعميم المنزل مع ~~ترك ذكر المنزل عليه ، فإنه ملوح لعمومه حتما ، أو : إقامة تكذيب الواحد ~~مقام تكذيب الكل. ms3152 ويجوز أن يكون قوله : {إن أنتم إلا في ضلال كبير} من كلام ~~الخزنة للكفار ، على إرادة القول ، ومرادهم بالضلال : الهلاك ، أو : سموا ~~جزاء الضلال باسمه ، كقوله : {وجزآء سيئة سيئة مثلها} [الشورى : 40] مشاكلة ~~، أو : يكون من كلام الرسل ، حكوه للخزنة ، اي : قالوا لنا هذا فلم نهتبله. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 94 PageV08P138 ~~وقالوا} أيضا معترفين بتفريطهم : {لو كنا نسمع} الإنذار سماع طالب الحق {أو ~~نعقل} شيئا {ما كنا في أصحاب السعير} في عددهم ، ومن أتباعهم ، من الشياطين ~~وغيرهم ، وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل ، وأنهما ~~حجتان. {فاعترفوا بذنبهم} ، الذي هو كفرهم وتكذيبهم الرسل في وقت لا ينفعهم ~~، {فسحقا لأصحاب السعير} أي : أبعدهم من رحمته وكرامته ، وهو مصدر مؤكد ~~لعامله ، أي : فسحقوا سحقا ، أو : فأسحقهم الله سحقا ، بحذف الزوائد. وفيه ~~معنى الدعاء. # الإشارة : وللذين كفروا بشهود ربهم في الدنيا عذاب جهنم ، وهو البعد ~~والحجاب ، وبئس المرجع ، حين يرجع المقربون إلى مقعد صدق ، عند مليك مقتدر ~~، إذا ألقوا في الحجبة والقطيعة سمعوا لها شهيقا غيظا عليهم ، وسخطة بهم ، ~~وبصفاتهم المضلة ، وهي تفور من قبح أعمالهم. تكاد تميز من الغيظ عليهم ، ~~كلما ألقي فيها فوج من أهل الغفلة ، قال لهم خزنتها وهم صور أعمالهم وهيئة ~~أخلاقهم الردية : ألم يأتكم نذير ؛ داع يدعوكم إلى الله ، من العارفين ~~بالله ؟ فاعترفوا بأنهم أنكروهم وجحدوا خصوصيتهم ، فماتوا محجوبين عن الله ~~، والعياذ بالله. # 95 # جزء : 8 رقم الصفحة : 94 # يقول الحق جل جلاله : {إن الذين يخشون ربهم بالغيب} أي : يخافون عذابه ~~غائبا عنهم ، أو : عن أعين الناس ، أو : بالقلب ؛ لأن القلب أمر غيبي ، أو ~~: يخشون ربهم ولم يروه معاينة ، {لهم مغفرة} لذنوبهم {وأجر كبير} لا يقادر ~~قدره ، الجنة وما فيها. PageV08P139 # {وأسروا قولكم أو اجهروا به} ، ظاهره : الأمر بأحد الأمرين ؛ الإسرار ~~والإجهار ومعناه : ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم ، فإنه في علم الله سواء. ~~كقوله : {سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به} [الرعد : 10] ، وكأنه تعالى ~~لما قال : {يخشون ربهم بالغيب} ربما يتوهم أن الله تعالى يغيب عنه شيء ms3153 ، ~~رفع ذلك. وقيل : إن المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، فيخبره جبريل عليه السلام بما قالوا فيه ونالوا منه ، فقالوا فيما بينهم ~~: أسروا قولكم لئلا يسمع رب محمد فيخبره ، فنزلت. وتقديم السر على الجهر ~~للإيذان بافتضاحهم ، ووقوع ما يحذرونه ، وللمبالغة في شمول علمه تعالى ، ~~المحيط بجميع المعلومات ، كأن علمه تعالى بما يسرونه أقدم منه بما يجهرونه ~~، مع كونهما في الحقيقة على السواء ، ولأن مرتبة السر أقدم وجودا ؛ لأن ما ~~يقع به الجهر يتقدم التحدث به في النفس. # وقوله تعالى : {إنه عليم بذات الصدور} تعليل لما قبله ، أي : عليم بضمائر ~~الصدور قبل أن تترجم الألسنة ، فكيف لا يعلم ما تتكلم به. وفي صيغة " فعيل ~~" ، وتحلية " الصدور " بلام الاستغراق ، ووصف الضمائر بصاحبتها من الجزالة ~~ما لا غاية وراءه ، كأنه قيل : إنه مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس ~~وأسرارهم الخفية ، المستكنة في صدروهم ، فكيف يخفى عليه ما يبدونه ؟ ويجوز ~~أن يراد ب {ذات الصدور} : القلوب التي في الصدور ، أي : عليم بالقلوب ~~وأحوالها ، فلا يخفى عليه من أسرارها ، {ألا يعلم من خلق} " من " فاعل ~~بيعلم ، {وهو اللطيف الخبير} أنكر أن يكون من خلق الأشياء وأوجدها غير عالم ~~بباطنها وظاهرها ، وصفته أنه اللطيف ، أي : العالم بدقائق الأشياء الخبير ؛ ~~العالم بحقائقها. ويجوز أن يكون (من) مفعولا ، أي : ألا يعلم الله من خلقه. PageV08P140 # وفيه على الأول دليل على خلق أفعال العباد ، وهو مذهب أهل السنة ، ووجه ~~الدليل : أنه تعالى لما قرر أنه عالم بالسر والجهر ، وبكل ما في الصدور ، ~~قال بعده : {ألا يعلم من خلق} ، وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله إذا كان ~~تعالى خالقا لكل ما يفعلونه في السر والجهر ، وفي القلوب والصدور ، فأنه لو ~~لم يكن خالقا لها لم يكن قوله : {ألا يعلم من خلق} مقتضيا كونه تعالى عالما ~~بتلك الأشياء ، وهو خالق الأشياء وأحوالها ، وعالم # 96 # بجميع ذلك ، ولذلك عقب ذلك بقوله : {وهو اللطيف الخبير}. # جزء : 8 رقم الصفحة : 96 # الإشارة : إن الذين يخشون ربهم بالغيب ، فراقبوه وعبدوه ، حتى عرفوه ms3154 ، ~~فصار الغيب عندهم شهادة. قال الورتجبي : وصف الله معرفة العارفين به ، قبل ~~رؤيتهم مشاهدته ، فإذا عاينوه استفادوا من رؤيته علم المعاينة ، وهو ~~المعرفة بالحقيقة ، خشوا منه في غيبة منه ، وهو خشية القلب ، فلما رأوه على ~~الخشية الإجلال ، وهو علم الروح والسر. ه. # وقوله تعالى : {وهو اللطيف الخبير} ، قال بعضهم : الحق تعالى منزه عن ~~الأين والجهة ، والكيف ، والمادة ، والصورة ، ومع ذلك لا يخلو منه أين ولا ~~مكان ، ولا كم ، ولا كيف ، ولا جسم ، ولا جوهر ، ولا عرض ؛ لأنه للطفه سار ~~في كل شيء ، ولنوريته ظاهر في كل شيء ، ولإطلاقه وإحاطته متكيف بكل كيف ، ~~غير متقيد بذلك ، ومن لم يذق هذا ، أو لم يشهده ، فهو أعمى البصيرة ، محروم ~~عن مشاهدة الحق. ه. وقال الغزالي : إنما يستحق هذا الاسم يعني اللطيف من ~~يطلع على غوامض الأشياء ، وما دق منها وما لطف ، ثم سلك في إيصالها إلى ~~المستصلح سبيل الرفق دون العنف ، والخبير هو الذي لا يعزب عنه الأخبار ~~الباطنة ، فلا يجري في الملك والملكوت شيء ، ولا يتحرك ذرة ولا تسكن ، ولا ~~تضطرب نفس ولا تطمئن ، إلا ويكون عنده خبرها. وهو بمعنى العلم ، لكن العلم ~~إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة يسمى خبرة ، ويسمى صاحبها خبيرا. ه. PageV08P141 # جزء : 8 رقم الصفحة : 96 # يقول الحق جل جلاله : {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا} ؛ مذللة لينة يسهل ~~عليكم سلوكها. وتقديم (لكم) على مفعول الجعل ؛ للاهتمام والتشويق ، {فامشوا ~~في مناكبها} ؛ جوانبها ، وهو تمثيل لفرط التذلل ، فإن منكب البعير أرق ~~أعضائه وأصعبها على أن يطأها الراكب بقدميه ، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث ~~يتأتى المشي في مناكبها لم يبق منها شد لم يتذلل ، {وكلوا من رزقه} أي : ~~والتمسوا من رزق الله في سلوكها ، أو إذا تعذر العيس في أرض فامشوا في ~~مناكبها إلى أرض أخرى ، كما قال الشاعر : # يا نفس مالك تهوي الإقامة في # أرض تعيش بين من ناواك بها # أما سمعت وعجز المرء منقصة # في محكم الوحي : فامشوا في مناكبها # 97 # أو : كلوا من رزق الله الخارج منها ms3155 ، {وإليه النشور} أي : الرجوع بالبعث ~~، فتسألون عن شكر هذه النعم. # ثم هدد من لم يشكر فقال : {أأمنتم من في السماء} من ملكوته وأسرار ذاته ، ~~وعبر بها ؛ لأنها منزل قضاياه ، وتدبيراته ووحيه ، ومسكن ملائكته وأوامره ~~ونواهيه ، فكل ما يظهر في الأرض إنما يقضي به في السماء ، وحينئذ يبرز ، ~~فكأنه قال : أأمنتم خالق السموات ؟ وقال اللجائي : كل شيء علا فهو سماء ، ~~وسماء البيت : سقفه ، وليس المقصود في الآية سماء الدنيا ؛ ولا غيرها من ~~السبع الطباق ، وإنما المعنى : أأمنتم من في العلو ، وهو علو الجلال ، وليس ~~كون الله في سماء الحوادث من صفات الكمال ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ~~ه. وسيأتي في الإشارة تحقيقة عند أهل التوحيد. أي : أأمنتم من في السماء ~~أسرار ذاته {أن يخسف بكم الأرض} كما خسف بقارون بعد ما جعلها لكم ذلولا ~~تمشون في مناكبها ، وتأكلون من رزقه فيها ، بحيث كفرتم تلك النعمة ، فقلبها ~~لكم {فإذا هي تمور} ؛ تضطرب وتتحرك. PageV08P142 # {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} ؛ حجارة من السماء كما أرسلها ~~على قوم لوط وأصحاب الفيل ، أو : ريحا فيها حجارة. و" أن " : بدل اشتمال في ~~الموضعين. {فستعلمون} عن قريب {كيف نذير} أي : إنذاري عن مشاهدتكم للمنذر ~~به ، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 97 # ولقد كذب الذين من قبلهم} ؛ من قبل كفار مكة ، من كفار الأمم السابقة ، ~~كقوم نوح وعاد وأضرابهم ، والالتفات إلى الغيبة ؛ لإبراز كمال الإعراض عنهم ~~، {فكيف كان نكير} ؛ إنكاري عليهم ، بإنزال العذاب ، أي : كان على غاية ~~الهول والفظاعة ، وهذا هو مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم فقط ، وفيه من ~~المبالغة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتشديد التهويل ما لا يخفى. ~~والله تعالى أعلم. # الإشارة : هو الذي جعل لكم أرض البشرية مذللة للعبودية ، والقيام بآداب ~~الربوبية ، فامشوا في مناكبها ؛ فسيحوا بقلوبكم في جوانبها ، تفكرا ~~واعتبارا لما فيهم من عجائب الإتقان ، وبدائع الحكم ، فقد جمعت أسرار ~~الوجود بأسره ، وكلوا من رزقه مما اكتسبه القلب بالنظر والتفكر ، من قوة ~~الإيمان ، وهو ms3156 قوت القلوب ، وشهود الحق فيها ، وهو قوت الأرواح والأسرار ، ~~وإليه النشور ببعث الأرواح من موت الغفلة والجهل ، إلى حياة اليقظة ~~والمعرفة ، أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ، أي : إذا أسأتم معه ~~الأدب. واعلم أن ذات الحق جل جلاله عمت الوجود ، فليست محصورة في مكان ~~ولا زمان ، {فأينما تولوا فثم وجه الله} ، فأسرار ذاته تعالى سارية في كل ~~شيء ، قائمة بكل شيء ، كما تقدم ، فهو موجود في كل شيء ، لا يخلو منه شيء ، ~~أسرار المعاني قائمة # 98 PageV08P143 ~~بالأواني ، وإنما خص الحق تعالى السماء بالذكر ؛ لأنها مرتفعة معظمة ، ~~فناسب ذكر العظيم فيها ، وعلى هذا تحمل الأحاديث والآيات الواردة على هذا ~~المنوال. وليس هنا حلول ولا اتحاد ؛ إذ ليس في الوجود إلا تجليات الحق ~~ومظاهر ذاته وصفاته ، كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ما كان عليه ، ~~فما مثال الكون إلا كجبريل حين يتطور على صورة دحية ، غير أن رداء الكبرياء ~~منشور على وجه ذاته وأسرار معانيه ، وهو ما ظهر من حسن الكائنات ، وما ~~تلونت به الخمرة من أوصاف العبوية. ولا يفهم هذا إلا أهل الذوق السليم. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 97 # يقول الحق جل جلاله : {أولم يروا} أي : أغفلوا ولم ينظروا {إلى الطير} ؛ ~~جمع طائر {فوقهم} في الهواء {صافات} ؛ باسطات أجنحتها في الجو عند طيرانها ~~{ويقبضن} ؛ ويضممنها إذا ضربن بها حينا فحينا ، للاستظهار به على التحرك ، ~~وهو السر في إيثار (ويقبضن) الدال على تجدد القبض تارة بعد تارة على " ~~قابضات " ، ف " يقبضن " : معطوف على اسم الفاعل حملا على المعنى ، أي : ~~يصففن ويقبضن ، أو : صافات وقابضات. والطيران في الهواء كالسباحة في الماء ~~، والهواء للطائر كالماء للسابح ، والأصل في السباحة : مد الأطراف وبسطها ، ~~وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك. {ما يمسكهن} في الجو ~~عند البسط والقبض على خلاف مقتضى الطبع {إلا الرحمن} الواسع رحمته كل شيء ، ~~ومن جملتها : إمساكه الطير في الهواء بقدرته ، وإلا فالثقيل يسفل طبعا ولا ~~يطفو ، وكذلك لو أمسك حفظه وتدبيره للعالم لتهافت ms3157 وتلاشى. {إنه بكل شيء ~~بصير} يعلم كيفية إبداع المبدعات ، وتدبير المصنوعات ، ومن مبدعاته : أن ~~الطير على أشكال وخصائص هيأهن للجري في الهواء. PageV08P144 # {أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن} ، هو تبكيت لهم ينفي أن ~~يكون لهم ناصر من عذابه غير الله ، أي : لا ناصر لكم إلا الرحمن برحمته. " ~~أم " منقطعة مقدرة ببل ؛ للانتقال من توبيخهم على ترك التأمل فيما يشاهدونه ~~من أحوال الطير المنبئة عن تعاجيب قدرة الله تعالى إلى التبكيت بما ذكر من ~~نفي نصرة غيره تعالى ، والالتفات # 99 # للتشديد في ذلك ، و(من) : مبتدأ و(هذا) : خبره ، و(الذي) وما بعده : ~~صفتهن وإيثار " هذا " تحقيرا له ، و(ينصركم) : صفة لجند ، باعتبار لفظه ، ~~و(من دون) : إما حال من فاعل " ينصركم " أو لمصدر محذوف ، أي : نصرا حاصلا ~~من دون الرحمن ، أو : متعلق بينصركم ، كقوله : {من ينصرنى من الله} [هود : ~~30] ، والمعنى : بل من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم ينصركم نصرا ~~كائنا من دون نصرة الرحمن ؟ ! {إن الكافرون إلا في غرور} أي : ما هم في ~~زعمهم أنهم محفوظون من النوائب بحفظ آلهتهم ، لا بحفظه تعالى فقط ، إلا في ~~غرور عظيم ، وضلال فاحش من الشيطان. والالتفات إلى الغيبة ؛ للإيذان ~~بافتضاح حالهم ، والإعراض عنهم ، وإظهار قبائحهم ، والإظهار في موضع ~~الإضمار لذمهم بالكفر ، وتعليل غرورهم به. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 99 PageV08P145 ~~أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك} الله عز وجل {رزقه} بإمساك المطر وسائر ~~مبادئه ، أي : من هذا الحقير الذي يقدر على إتيان رزقكم من آلهتكم إن أمسكه ~~الله ؟ {بل لجوا في عتو ونفور} ، إضراب عن مقدر يستدعيه المقام ، كأنه قيل ~~بعد تمام التبكيت والتعجيز : لم يتأثروا بشيء من ذلك ، ولم يذعنوا للحق ، ~~{بل لجوا} أي : تمادوا {في عتو} أي : استكبار وطغيان {ونفور} ؛ وشرود عن ~~الحق لثقله عليهم. ثم ضرب مثلا للمشرك والموحد ، فقال : {أفمن يمشي مكبا ~~على وجهه} أي : ساقطا على وجهه {أهدى} ، والفاء لترتيب ذلك على ما ظهر من ~~سواء حالهم ، وسقوطهم في مهاوي الغرور ، وركوبهم متن عشواء العتو والنفور. ~~والمكب ms3158 : الساقط على وجهه ، والمعنى : أفمن يمشي وهو يعثر في كل ساعة ، ~~ويخر على وجهه في كل خطوة أهدى إلى المقصود {أمن يمشي سويا} أي : قائما ~~سالما من الخبط والعثار {على صراط مستقيم} مستوي الأجزاء لا عوج فيه ، ولا ~~انحراف ؟ و" من " الثانية : معطوفة على الألى عطف المفرد. وقيل : المراد ~~بالمكب : الأعمى ، وبالسوي : البصير. وقيل : من يمشي مكبا هو الذي يحشر على ~~وجهه إلى النار ، ومن يمشي سويا : الذي يحشر على قدميه إلى الجنة. # {قل هو الذي أنشأكم} إنشاء بديعا ، {وجعل لكم السمع} لتسمعوا آيات الله ، ~~وتمتثلوا ما فيها من الأوامر والنواهي ، وتتعظوا بمواعظها ، {والأبصار} ~~لتنظروا بها إلى الآيات التكوينية الشاهدة بشؤون الله تعالى ، {والأفئدة} ~~لتتفكروا بها فيما تسمعونه وتشاهدونه من الآيات التنزيلية والتكوينية ؛ ~~لتترقوا في معاريج الإيمان والمعرفة ، {قليلا ما تشكرون} باستعمالها فيما ~~خلقت له. و" قليلا " : إما نعت لمحذوف ، أو : ظرف ، و(ما) : صلة لمحذوف ، ~~أي : شكرا قليلا ، أو : زمنا قليلا. وقيل : القلة عبارة عن العدم. {قل هو ~~الذي ذرأكم في الأرض} أي : خلقكم وكثركم فيها {وإليه تحشرون} للجزاء لا إلى ~~غيره ، فتهيؤوا للقائه. PageV08P146 # الإشارة : أولم يروا إلى طيور أفكار العارفين فوقهم منزلة ورفعة ، صافات ، تجول # 100 # في ميادين الغيوب ، ويقبضن عنانهن ، عكوفا في الحضرة ، وسكونا في النظرة ~~، ما يمسكهن فيها إلا الرحمن الذي من عليهم برحمته ، فأسكنهم فيها ، إنه ~~بكل شيء بصير ، فيبصر من توجه إليه ومن لا ، أمن هذا الذي هو جند لكم ~~ينصركم على طريق السلوك ، ويبلغكم إلى حضرة مالك الملوك ، من دون الرحمن ؟ ~~إن الكافرون بهذا إلا في غرور ، حيث حسبوا أن وصولهم بحسب جهادهم وطاعتهم ، ~~أمن هذا الذي يرزقكم إمداد قلوبكم من العلوم والمعارف واليقين الكبير ، إن ~~أمسك رزقه فلم يتوجه إليكم إلا القليل ، بل لجوا في عتو ونفور ، أفمن يمشي ~~مكبا على وجهه ، حيث رام سلوك الطريق بلا شيخ ولا دليل عارف ، أهدى أمن ~~يمشي سويا سالما من الانحراف ، على صراط مستقيم ، توصله إلى حضرة العيان ، ~~وهو من سلك الطريق على يد الخبير ، بل ms3159 من سلكه على يد الخبير أهدى وأصوب ، ~~قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم دلائل السلوك إلى معرفته ، لتستدلوا عليه ~~بالأدلة السمعية والعقلية ، ثم تترقون إلى صريح معرفته ، بسلوك الطريق على ~~يد الخبير ، قل هو الذي ذرأكم في أرض العبودية ، وإليه تحشرون بشهود عظمة ~~الربوبية. # جزء : 8 رقم الصفحة : 99 # يقول الحق جل جلاله : {ويقولون} من فرط عتوهم وعنادهم استهزاء : {متى هذا ~~الوعد} أي : الحشر الموعود {إن كنتم صادقين} فيما تعدونه من مجيء الساعة ؟ ~~والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين المشاركين له عليه السلام في ~~الوعد ، وتلاوة الآيات المتضمنة له ، وجواب الشرط : محذوف ، أي : إن صدقتم ~~فيه فبينوا وقته ؟ {قل إنما العلم} أي : العلم بوقته {عند الله} تعالى ، لا ~~يطلع عليه غيره {وإنما أنا نذير مبين} أنذركم وقوع الموعود لا محالة ، وأما ~~العلم بوقت وقوعه فليس من وظائف الإنذار. PageV08P147 # {فلما رأوه} أي : العذاب الموعود. والفاء فصيحة معربة عن تقدير جملة ، كأنه ~~قيل : قد أتاهم الموعود فلما رأوه... الخ ، نزل ما سيقع بمنزلة الواقع ~~لتحقق وقوعه ، و{زلفة} : حال من مفعول " رأوه " أي : قريبا منهم ، وهو مصدر ~~، أي : ذا زلفة ، {سيئت} أي : تغيرت {وجوه الذين كفروا} بأن غشيها الكآبة ~~ورهقها القتر والذلة. ووضع الموصول موضع ضميرهم ؛ لذمهم بالكفر ، وتعليل ~~المساءة به. {وقيل} توبيخا لهم ، وتشديدا لعذابهم : {هذا الذي كنتم به ~~تدعون} ؛ تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه # 101 # إنكارا واستهزاء ، وهو " تفتعلون " من الدعاء ، وقيل : من الدعوى ، أي : ~~تدعون ألا بعث ولا حشر. وروي عن مجاهد : أن الموعود يوم بدر ، وهو بعيد. # {قل أرأيتم} أي : أخبروني {إن أهلكني الله} أي : أماتني. والتعبير عنه ~~بالهلاك لما كانوا يدعون عليه صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك ، ~~{ومن معي} من المؤمنين {أو رحمنا} باخير آجالنا ، فنحن في جوار رحمته ~~متربصون إحدى الحسنيين {فمن يجير الكافرين من عذاب أليم} أي : لا ينجيكم ~~منه أحد ، متنا أو بقينا. ووضع " الكافرين " موضع ضميرهم ؛ للتسجيل عليهم ~~بالكفر ، وتعليل نفي الإنجاء به ، أي : لا بد من لحوق العذاب لكفركم ، متنا ~~أو ms3160 بقينا ، فلا فائدة في دعائكم علينا. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 101 PageV08P148 ~~قل هو} أي : الذي أدعوكم إليه {الرحمن} مولى النعم كلها ، {آمنا به} وحده ؛ ~~لعلمنا ألا راحم سواه ، {وعليه توكلنا} وحده ؛ لعلمنا أن ما عداه كائنا ما ~~كان بمعزل عن النفع والضر. {فستعلمون} عن قريب {من هو في ضلال مبين} منا ~~ومنكم ، {قل أرأيتم} ؛ أخبروني {إن أصبح ماؤكم غورا} ؛ غائرا في الأرض ~~بالكلية ، أو : لا تناله الدلاء {فمن يأتيكم بماء معين} ؛ جار أو ظاهر سهل ~~المأخذ ، يصل إليه من وصله ؟ . وفي القاموس : ماء معيون ومعين : ظاهر. ه. ~~وقال مكي : ويجوز أن يكون معين " فعيل " من معن الماء : كثر ، ويجوز أن ~~يكون مفعولا من العين ، وأصله : معيون ، ثم أعل ، أي : فمن يأتيكم بماء يرى ~~بالعين. ه. مختصرا. # وقرئت الآية عند ملحد ، فقال : يأتي بالمعول والفؤوس ، فذهبت عيناه تلك ~~الليلة وعمي ، وقيل : إنه محمد بن زكريا المتطبب ، أعاذنا الله من سوء ~~الأدب مع كتابه. قال ابن عرفة : ذكر ابن عطية في فضل السورة أربعة أحاديث ، ~~وقد تقرر أن أحاديث الفضائل لم تصح إلا أحاديث قليلة ، ليس هذا منها. ه. ~~وفي الموطأ : إنها تجادل عن صاحبها. # الإشارة : ويقولون أي : أهل الإنكار على المريدين : متى هذا الوعد ~~بالفتح إن كنتم صادقين في الوعد بالفتح على أهل التوجه ؟ قل أيها العارف ~~الداعي إلى الله : إنما العلم عند الله ، وإنما أنا نذير مبين ، أنذر ~~البقاء في غم الحجاب وسوء الحساب ، فلما رأوه أي رأوا أثر الفتح على ~~المتوجهين ، بظهور سيما العارفين على وجوههم ، ونبع الحكم من قلوبهم على ~~ألسنتهم زلفة ، أي : قريبا ، سيئت وجوه الذين كفروا بطريق الخصوص ، ~~وأنكروها أي ساءهم ذلك حسدا أو ندما ، وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ، أي : ~~تدعون أنه لا يكون ، وأنه قد انقضى زمانه ، وأهل الإنكار لا محالة يتمنون ~~هلاك أهل النسبة ، فيقال لهم : أرأيتم إن أهلكنا الله بالموت ، أو رحمنا ~~بالحياة ، فمن يجيركم أنتم من # 102 # عذاب القطيعة والبعد ، أي : هو لا حق لكم لا محالة ، متنا أو عشنا ms3161 ، قل ~~هو ، أي : الذي توجهنا إليه ، الرحمن وضمنا إليه ، آمنا به وعليه توكلنا في ~~كفاية شروركم ، فستعلمون حين يرفع المقربون في أعلى عليين ، ويسقط أهل ~~الحجاب في الحضيض الأسفل من الجنة ، من هو اليوم في ضلال مبين ، قل أرأيتم ~~إن أصبح ماؤكم ماء حياة قلوبكم من الإيمان والتوحيد ، غورا ، فمن يأتيكم ~~بماء معين ؟ أي : فمن يظهره لكم ، ما يأتي به إلا أهل العلم بالله. # جزء : 8 رقم الصفحة : 101 # والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وصلى ~~الله على سيدنا محمد وآله. # 103 # جزء : 8 رقم الصفحة : 101 PageV08P149 ### | AUTO سورة القلم # جزء : 8 رقم الصفحة : 103 # يقول الحق جل جلاله : {نا} ، هو من جملة الرموز ، ك {ص} و{ق} ، وكأنه ~~والله أعلم يشير إلى ما خص به نبيه من أسرار النبوة والخلافة ، أي : ~~نبأناك ونبهناك ونوبناك خليفة عنا ، أو نوهنا بك في ملكنا وملكوتنا ، أو : ~~أيها النبي المفخم ، والرسول المعظم ، وحق نون والقلم ما أنت بمجنون. وقيل ~~: مختصر من نور وناصر ونصير ، وقيل : من الرحمن ، لكن ورد في الحديث : " ~~أول ما خلق الله القلم ، ثم خلق النون " ، وهو الدواة ، وذلك قوله : {ن ~~والقلم} فإن صح الحديث فهو أولى في تفسير الآية ، وقد روي عن ابن عباس ~~وغيره ، في تفسير الآية : أنه الدواة والقلم الذي بأيدي الناس ، وروي عن ~~ابن عباس أيضا : أنه الحوت الأعظم ، الذي عليه الأرضون السبع. PageV08P150 # قال الكلبي ومقاتل : اسمه يهموت بالياء وقيل : ليوثا ، وقيل : باهوتا. ~~روي : أن الله تعالى لما خلق الأرض وفتقها ، بعث من تحت العرش ملكا ، فهبط ~~إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع ، فوضعها على عاتقه ، إحدى يديه ~~بالمشرق ، والأخرى بالمغرب ، باسطتين ، قابضتين على الأرضين السبع ، فلم ~~يكن لقدميه موضع قرار ، فأهبط الله من الفردوس ثورا ، له أربعون ألف قرن ، ~~وأربعون ألف قائمة ، وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم تستقر قدماه ، ~~فأهبط الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس ، غلظها خمسمائة عام ، ~~فوضعها على سنام الثور إلى أذنه ، فاستقرت ms3162 قدما الملك عليه ، وقرون ذلك ~~الثور خارجة من أقطار الأرض ، ومنخاره في البحر ، فهو يتنفس كل يوم # 104 # نفسا ، فإذا تنفس مد البحر ، وإذا هدأ نفسه جزر البحر ، فلم يكن لقوائم ~~الثور موضع قرار ، فخلق الله صخرة خضراء ، كغلظ سبع سموات وسبع أرضين ، ~~فاستقرت قوائم الثور عليها ، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه : {فتكن في ~~صخرة} [لقمان : 16] الآية ، فلم تستقر الصخرة ، فخلق الله نونا وهو الحوت ~~العظيم فوضع الصخرة على ظهره ، وسائر جسده عار ، والحوت على البحر ، ~~والبحر على متن الريح ، والريح على القدرة الأزلية ، يقل الدنيا بما فيها ~~حرفان " كن فيكون ". ه. من الثعلبي ، وهذا من باب عالم الحكمة ، وإلا فما ~~ثم إلا تجليات الحق وأسرار الذات ، والصفات الأزلية. وتفسير {ن} بهذا الحوت ضعيف. # جزء : 8 رقم الصفحة : 104 # قال ابن جزي : ويبطل قول من قال : إنه الحوت أو الدواة ، بأنه لو كان ~~كذلك لكان معربا ، ولكان في آخره تنوين ، فكونه موقوفا دليل على أنه حرف ~~هجاء ، نحو : {الام} وغيره. ه. PageV08P151 # ثم أقسم بالقلم ، فقال : {والقلم وما يسطرون} ، قيل : هو القلم الذي كتب ~~اللوح المحفوظ ، فالضمير في {يسطرون} للملائكة ، وقيل : القلم المعروف عند ~~الناس ، أقسم له بما فيه من المنافع والحكم. قال ابن الهيثم : من جلالة ~~القلم أنه لم يكتب الله كتابا إلا به ، ولذلك أقسم به. الأقلام مطايا الفطن ~~ورسل الكرام ، وقيل : البيان اثنان : بيان لسان ، وبيان بنان ، ومن فضل ~~بيان البنان أن ما تبينته الأقلام باق على الأيام ، وبيان اللسان تدرسه ~~الأعوام ، ولبعض الحكماء : قوام أمور الدين والدنيا : القلم ، والسيف تحت ~~القلم. وأنشد بعضهم في هذا المعنى : # قلم من القصب الضعيف الأجوف # أمضى من الرمح الطويل الأهيف # ومن النصال إذا انبرت لقسيها # ومن المهند في الصقال المرهف # وأشد إقداما من الليث الذي # يكوي القلوب إذا بدا في الموقف # وقال آخر : # قوم إذا عرفوا عداوة حاسد # سفكوا الدما بأسنة الأقلام # ولضربة من كاتب ببنانه # أمضى وأبلغ من رقيق حسام # فالضمير في {يسطرون} على هذا لبني آدم ، فالضمير يعود ms3163 على الكتبة ~~المفهومة من القلم اللازمة له. # ثم ذكر المقسم عليه ، فقال : {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} أي : ليس بك جنون ~~كما يزعمه الكفرة ، ف(بنعمة ربك) : اعتراض بين " ما " وخبرها ، كما تقول : ~~أنت بحمد الله فاضل ، وقيل : المجرور في موضع الحال ، والعامل فيه معنى ~~النفي ، كأنه قيل : أنت بريء # 105 PageV08P152 ~~من الجنون ، ملتبسا بنعمة ربك ، التي هي النبوة والرسالة. والتعبير بعنوان ~~الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى معاريج الكمال ، مع الإضافة إلى ضميره صلى ~~الله عليه وسلم لتشريفه عليه السلام والإيذان بأنه تعالى يتم نعمته عليه ، ~~ويبلغه من العلو إلى غاية لا غاية وراءه ، والمراد : تنزيهه عليه السلام ~~عما كانوا ينسبونه من الجنون حسدا وعداوة ومكابرة ، مع جزمهم بأنه صلى الله ~~عليه وسلم في غاية الغايات القاصية ، ونهاية النهايات الثابتة من حصافة ~~العقل ، ورزانة الرأي. {وإن لك} في مقابلة مقاساتك ألوان الشدائد من جهتهم ~~، وتحملك لأعباء الرسالة {لأجرا} عظيما لا يقادر قدره {غير ممنون} ؛ غير ~~مقطوع ، أو : غير ممنون به عليك من جهة الناس ، بأن أعطاه تعالى لك بلا واسطة. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 104 # وإنك لعلى خلق عظيم} لا يدرك شأوه أحد من الخلق ، ولذلك تحتمل من جهتهم ~~ما لا يحتمله أحد من البشر. وسئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلقة صلى ~~الله عليه وسلم ، فقالت : كان خلقه القرأن ، ألست تقرأ القرآن : {قد أفلح ~~المؤمنون...} [المؤمنون : 1] الآية. وقيل : المراد : التأدب بآداب القرآن ، ~~بامتثال أمره واجتناب نهيه. PageV08P153 # قال ابن جزي : وتفصيل ذلك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع كل فضيلة ~~، وحاز كل خصلة جميلة ، فمن ذلك : شرف النسب ، ووفور العقل ، وكثرة العلم ~~والعبادة ، وشدة الحياء ، والسخاء ، والصدق ، والشجاعة ، والصبر ، والشكر ، ~~والمروءة ، والتوءدة ، والاقتصاد ، والزهد ، والتواضع ، والشفقة ، والعدل ، ~~والعفو ، وكظم الغيظ ، وصلة الرحم ، وحسن المعاشرة ، وحسن التدبير ، وفصاحة ~~اللسان ، وقوة الحواس ، وحسن الصورة ، وغير ذلك ، حسبما ورد في أخباره ~~وسيره صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال : " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، ~~قال الجنيد : سمي خلقه عظيما ؛ لأنه لم تكن له ms3164 همة سوى الله عز وجل. ه. ~~والخلق : السجية والطبع. قال في القاموس : الخلق بالضم وبضمتين : السجية ، ~~والطبع ، والمروءة والدين. ه. # وعرف بعضهم حقيقة الخلق ، فقال : ملكة للنفس ، تصدر عنها الأفعال بسهولة ~~، من غير فكر ولا روية ، فخرج الصبر ؛ لأنه بصعوبة ، والفكرة ؛ لأنها تكون ~~بروية ، ثم ينظر في تلك الأفعال الصادرة عن تلك الملكة ؛ فإن كانت سيئة ، ~~كالغضب ، والعجلة ، والكبر ، والفظاظة ، والغلظة ، والقسوة ، والبخل ، ~~والجبن ، وغير ذلك من القبائح ، سمي خلقا سيئا ، وإن كانت تلك الأفعال حسنة ~~، كالعفو ، والحلم ، والجود ، والصبر ، والرحمة ، ولين الجانب ، وتحمل ~~الأذى ، سمي خلقا حسنا ، الذي اتصف به صلى الله عليه سلم على أكمل الوجوه ، ~~ومدحه بقوله : " ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق ، وإن صاحب حسن # 106 # الخلق يبلغ درجة الصائم القائم " وبقوله : " أفضل ما أعطي المرء الخلق ~~الحسن " في أحاديث كثيرة. وبالله التوفيق. PageV08P154 # الإشارة : قد يقال : أشار بقوله : {ن} إلى سرعة إنفاذ أمره بين الكاف ~~والنون ، ثم أقسم بالقلم على تنزيه نبيه من الجنون ، ويقال مثل ذلك لخلفائه ~~، إذا رموا بالجنون أو السحر أو سخافة العقل ، ويقال لهم في إرشاد الناس ~~وتذكيرهم ما قيل لنبيهم : {وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم} ، ~~فحسن الخلق دليل على ثبوت الخصوصية ، وعدمه دليل على عدم وجودها ؛ لأن ~~الخمرة إذا دخلت القلب والروح هذبت أخلاقهما ، وطهرت أكدارهما ، وما تبقي ~~إلا الذهب الإبريز. # جزء : 8 رقم الصفحة : 104 # وقال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن العارف : كان صلى الله عليه وسلم على ~~خلق عظيم ؛ لشرح صدره بالنور ، كما قال تعالى : {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح ~~: 1] ، ولحديث شرح صدره وشقه وتطهيره ، ونزع حظ الشيطان منه ، ثم إفراغ ~~الحكمة والنور فيه ، حتى ملىء بذلك ، فكان شيئا محضا لله تعالى ، لا تعلق ~~له بغيره ، فناسب القرأن ، وصار خلقا له ، منقوشا فيه ، من غير روية ، ولا ~~تكسب في ذلك ، بل طبع على ذلك ، وسرى فيه أمر الوحي ، وجرى على مقتضاه في ~~جميع أحواله ، ولذلك تجد السنة مشرعة من القرآن ، وخارجة ms3165 منه خروج اللبن من ~~الضرع ، والزبد من اللبن ، فصار متخلقا بالقرآن ، وفي الحقيقة متخلقا بخلق ~~الله ، ومظهر أوصافه ، ومجلاة سره وشأنه ، {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله} [الفتح : 10] الآية ، ومن رآه فقد رأى الحق. والله أعلم. ه. فعائشة ~~رضي الله عنها احتشمت وسترت حيث عبرت بالقرآن ، ولم تقل كان خلقه خلق ~~الرحمن. # جزء : 8 رقم الصفحة : 104 # يقول الحق جل جلاله : {فستبصر} يا محمد {ويبصرون} أي : كفار قريش عاقبة أمرك # 107 PageV08P155 ~~وأمرهم ، أو : من هو المجنون منكم. قال ابن عباس رضي الله عنه : فستعلم ~~ويعلمون يوم القيامة حين يتبين الحق من الباطل. ه. وقيل : في الدنيا بظهور ~~عاقبة أمرك بظهور الإسلام ، واستيلائك عليهم بالقتل والنهب ، ويبصرونك ~~مهابا معظما في قلوب العالمين ، وكونهم أذلة صاغرين. قال مقاتل : هذا وعيد ~~بعذاب يوم بدر. # والباء في قوله : {بأيكم المفتون} قيل : زائدة ، أي : تبصرون أيكم ~~المفتون ، أي : المجنون ، وقيل : غير زائدة ، أي : بأيكم الفتنة ، فالمفتون ~~مصدر ، كقولهم : ما لك معقول ، أي : عقل ، وقيل : الباء بمعنى " في " ، أي ~~: في أي فريق منكم المفتون ، هل في فريق المؤمنين أم المشركين ؟ والآية ~~تعريض بأبي جهل ، والوليد بن المغيرة ، وأضرابهما ، وتهديد ، كقوله تعالى : ~~{سيعلمون غدا من الكذاب الأشر(26)} [القمر : 26]. # {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} تعليل لمضمون ما قبله ، من ظهور جنونهم ~~، بحيث لا يخفى على أحد ، وتأكيد لما فيه من الوعد والوعيد ، أي : هو أعلم ~~بمن ضل عن طريقه الموصلة إلى سعادة الدارين ، وبمن هو في تيه الضلال ، ~~متوجها إلى ما يسوقه إلى الشقاوة الأبدية ، وهذا هو المجنون الذي لا يفرق ~~بين الضرر والنفع ، بل يحسب الضرر نفعا فيؤثره ، والنفع ضررا فيهجره ، {وهو ~~أعلم بالمهتدين} إلى سبيله ، الفائزين بكل مطلوب ، الناجين من كل مرهوب ، ~~وهم العقلاء المراجيح ، فيجزي كلا من الفريقين حسبما يستحقه من العقاب ~~والثواب. وإعادة {هو أعلم} لزيادة التقرير. PageV08P156 # وإذا تقرر أنك على الهدى ، ومكذبوك على الضلال {فلا تطع المكذبين} ، فالفاء ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي : دم على ما أنت عليه ms3166 ، من عدم طاعتهم ، ~~وتصلب في ذلك. وهذا تهييج للتصميم على عصيانهم ، وقد أرادوه على أن يعبدوا ~~الله مدة ، ويعبد آلهتهم مدة ، ويكفوا عنه غوائلهم ، فنهاه عن ذلك ، أو : ~~نهي عن مداهنتهم ومداراتهم ، بإظهار خلاف ما في ضميره صلى الله عليه وسلم ؛ ~~استجلابا لقلوبهم. {ودوا لو تدهن} ؛ لو تلين لهم {فيدهنون} ؛ فيلينون لك ، ~~ولم ينصب بإضمار " أن " مع أنه جواب التمني ؛ لأنه عدل به إلى طريق آخر ، ~~وهو أن جعله خبر مبتدأ محذوف ، أي : فهم مدهنون ، أي : فهم الآن يدهنون ~~لطمعهم في إدهانك ، فليس داخلا في حيز تمنيهم ؛ بل هو حاصل لهم ، وفي بعض ~~المصاحف : {فيدهنوا} على أنه جواب التمني. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 107 # ولا تطع كل حلاف} ؛ كثير الحلف في الحق والباطل ، وكفى به زجرا لمن يكثر ~~الحلف ، {مهين} ؛ حقير في الرأي والتدبير ، من المهانة ، وهي القلة ~~والحقارة ، أو : كذاب ؛ لأنه صغير عند الناس ، {هماز} ؛ عياب طعان مغتاب ~~{مشاء بنميم} ؛ نقال للحديث من قوم إلى قوم ، على وجه السعاية والفساد ~~بينهم ، فالنميم والنميمة : السعاية في إفساد ذات البين ، {مناع للخير} ؛ ~~بخيل ، والخير : المال ، أو : مناع أهله من الخير ، وهو الإسلام ، والمراد ~~: الوليد بن المغيرة ، عند الجمهور ، وكان يقول لبنيه العشرة : من أسلم ~~منكم منعته رفدي. ه {معتد} ؛ مجاوز في الظلم حده ، {أثيم} ؛ كثير الإثم ، ~~{عتل} ؛ غليظ جاف ، من عتله : إذا قاده بعنف وغلظة ، {بعد ذلك} ؛ بعدما عد ~~له من المثالب # 108 PageV08P157 ~~{زنيم} ؛ دعي ، أي : ولد زنا ، وكان الوليد دعيا في قريش ، ليس من سنخهم ، ~~ادعاه أبوه المغيرة بعد ثماني عشرة سنة من مولده ، وقيل : بغت أمه ولم يعرف ~~حتى فضحته الآية : والنطفة إذا خبثت خبث الناشىء عنها. روي : أنه دخل على ~~أمه ، وقال لها : إن محمدا وصفني بشعرة أوصاف ، وجدت تسعة في ، فأما الزنيم ~~فلا علم لي به ، فإن أخبرتني بحقيقته ، وإلا ضربت عنقك ، فقالت : إن أباك ~~عنين ، وخفت أن يموت ، فيصل المال إلى غير ولده ، فدعوت راعيا ، فأنت من ~~ذلك الراعي. ه. وقيل : هو الأخنس بن شريق ، أصله ms3167 من ثقيف ، وعداده في بني زهرة. # {أن كان ذا مال وبنين} : متعلق بقوله : {لا تطع} أي : لاتطع من هذه ~~مثالبه لأن كان صاحب مال وبنين مستظهرا بهم ، فإنه حظه من الدنيا ، وقيل : ~~متعلق بما بعده ، أي : لأن كان ذا مال وبنين كذب بآياتنا ، يدل عليه قوله ~~تعالى : {إذا تتلى عليه آياتنا} أي : القرآن {قال أساطير الأولين} أي : ~~أكاذيب المتقدمين ، ولا يعمل فيه " قال " ؛ لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما ~~قبله. ومن قرأ بكسر " إن " فشرط حذف جوابه ، أي : إن كان ذا مال فلا تطعه ، ~~والمعنى : لا تطع كل حلاف شارطا يساره. قيل : لما عاب الوليد النبي صلى ~~الله عليه وسلم كاذبا بأمر واحد ، وهو الجنون ، سماه الله تعالى صادقا ~~بعشرة أسماء ، فإذا كان من عدله أن يجزي المسيء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعشر ، كان من فضله أن يجزي المصلي عليه أو المادح له بعشر فأكثر. # {سنسمه على الخرطوم} ؛ سنعلمه على أنفه بالكي بالنار إهانة له ، وتخصيص ~~الأنف بالذكر ؛ لأن الوسم عليه أبشع ، وقيل : خطم بالسيف يوم بدر ، فبقيت ~~سمة على خرطومه ، وفيه نظر إذا قلنا هو الوليد ، فإنه مات قبل بدر ، لأنه ~~من المستنصرين الخمسة ، وقد ماتوا كلهم قبل وقعة بدر ، وقيل : سنعلمه يوم ~~القيامة بعلامة يشوه بها من بين سائر الكفرة. PageV08P158 # جزء : 8 رقم الصفحة : 107 # الإشارة : فستبصر أيها العارف ، والمتوجه إلى الله ، ويبصر أهل الانتقاد ~~من أهل الغفلة ، أيكم المفتون ، هل أنتم حين اجتمعت قلوبكم بالله ، وجعلتم ~~الهموم هما واحدا ، فكفاكم الله هم دنياكم ، أو : هم الذين تفرقت قلوبهم ، ~~وتشعبت همومهم ، حتى ماتوا في أودية الفتن ، فلم يبال الله بهم في أي أودية ~~الدنيا هلكوا ، كما في الأثر. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن طريقه الموصلة إليه ~~، وهو أعلم بالمهتدين إليها ، السائرين فيها ، حتى وصلوا إلى حضرة قدسه ، ~~فلا تطع أيها المتوجه المكذبين لهذه الطريق ، ودوا لو تلينون إليهم ، ~~وتشاركونهم فيما هم فيه من الحظوظ ، فيميلون إليكم ، طمعا فيكم أن يصرفوكم # 109 # عن ms3168 طريق الجد والاجتهاد ، ولا تطع كل حلاف مهين ، قال القشيري : مهين : ~~هو الذي سقط من عيننا ، فأقمناه بالبعد عنا ، هماز مشاء بنميم ، معذب ~~بالوقيعة في أوليائنا. ه. # قال بعضهم : بحث عن النمام فلم يوجد إلا ابن الزنا ، واستدل بالآية في ~~قوله : {بعد ذلك زنيم}. وقوله تعالى : {مناع للخير} ، وضده من أخلاق ~~الصوفية ، وهو أن يكون وصالا للخير لعباد الله ، حسا ومعنى ، {معتد أثيم} ~~وضده : كثير الإحسان والطاعة ، {عتل} وضده : سهل لين ، {بعد ذلك زنيم} أي : ~~لقيط ، لا أب له ، وكل من لا شيخ له يصلح للتربية فهو لقيط ، لا أب له ، ~~فلا يصلح للاقتداء كما لا يؤم الناس ابن الزنا ، وقوله تعالى : {أن كان ذا ~~مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال...} الخ. أي : إنما حمله على التكذيب ~~طغيانه بالمال ، وهذه عادته تعالى : أن المترفين لا ينالون من طريق ~~السابقين شيئا إلا النادر. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 107 PageV08P159 ~~يقول الحق جل جلاله : {إنا بلوناهم} ؛ أهل مكة ، أي : امتحناهم بالقحط ~~والجوع ، حتى أكلوا الجيف الرمم ، بدعاء النبي صلى الله عليه سلم حيث قال : ~~" اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " {كما بلونا ~~أصحاب الجنة} ، وهم قوم من أهل الصلاة ، قيل : كانوا مؤمنين ، أهل كتاب ، ~~بعد رفع عيسى عليه السلام وكانوا ب " ضروان " على فراسخ من صنعاء اليمن. ~~قال ابن جزي : كانوا من بني إسرائيل. ه. والجنة ، قال ابن عباس : هو بستان ~~، يقال له : الضروان ، دون صنعاء بفرسخين ، يطؤه أهل الطريق ، كان غرسه رجل ~~من أهل الصلاح ، فورثه ثلاثة بنين ، فإذا أصرموه كان للمساكين كل ما تعداه ~~المنجل والقطاف ، فإذا طرح من فوق النخل إلى البساط ، فكل شيء سقط عن ~~البساط ؛ فهو للمساكين ، فكان أبوهم يتصدق منها على المساكين ، فكان يعيش من ذلك # 110 # في حياة أبيهم اليتامى والأرامل والمساكين ، وفي رواية : كان يأخذ قوت ~~سنة ، ويتصدق بالباقي ، وكان ينادي على الفقراء وقت الصرام ، فلما مات ~~أبوهم ؛ قالوا : لقد قل المال ، وكثر العيال ، فتحالفوا بينهم ليغدوا ms3169 غدوة ~~قبل خروج الناس ، ويصرمونه ، ولا يشعر المساكين ، وهو قوله تعالى : # {إذ أقسموا} ؛ حلفوا {ليصرمنها مصبحين} ؛ ليقطفنها داخلين في الصباح ، ~~قبل انتشار الفقراء ، {ولا يستثنون} ؛ لا يقولون إن شاء الله ، وسمي ~~استثناء ، وإن كان شرطا صورة ؛ لأنه يؤدي مؤدى الاستثناء ؛ لأن قولك : ~~لأخرجن إن شاء الله ، و: لا أخرج إلا أن يشاء الله ، واحد ، أو : لا ~~يستثنون ؛ حصة المساكين ، كما كان يفعل أبوهم. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 110 PageV08P160 ~~فطاف عليها} أي : على الجنة {طائف من ربك} أي : نزل عليها بلاء من جهته ~~تعالى ، قيل : أنزل الله عليها نارا فأحرقتها ، وقيل : طاف بها جبريل ، ~~لأنه الموكل بالخسف ، فاقتلعها ، وطاف بها حول البيت ، ثم وضعها بالطائف ، ~~وليس بمكة وما قرب منها بستان غيرها ، وهي مدينة الطائف. انظر اللباب. {وهم ~~نائمون} أي : في حال نومهم ، أو : غافلون عما جرت به المقادير ، {فأصبحت} ~~أي : فصارت الجنة {كالصريم} ؛ كالبستان الذي صرمت ثماره ، بحيث لم يبق فيها ~~شيء ، وقيل : كالليل المظلم ، احترقت فاسودت ، أو : كالصبح ، أي : صارت ~~أرضا بيضاء بلا شجر. وفي القاموس : الصريم : الأرض المحصود زرعها ، والصبح ~~والليل. ه. # {فتنادوا} أي : نادى بعضهم بعضا {مصبحين} ؛ داخلين في الصباح : {أن ~~اغدوا} أي : اخرجوا غدوه {على حرثكم} ؛ بستانكم وضيعتكم ، وتعدية الغدو ب " ~~على " لتضمنه معنى الإقبال والاستيلاء ، {إن كنتم صارمين} ؛ قاصدين الصرم. ~~{فانطلقوا وهم يتخافتون} ؛ يتساررون فيما بينهم بطريق المخافتة ، لئلا يسمع ~~المساكين {أن لا يدخلنها} أي : الجنة ، و" أن " مفسرة ، أي : قائلين في تلك ~~المخافتة : لايدخلنها {اليوم عليكم مسكين} ، والنهي عن دخول المساكين نهي ~~عن التمكين على وجه المبالغة ، أي : لا تمكنوهم من الدخول. {وغدوا على حرد} ~~؛ على جد في المنع {قادرين} عند أنفسهم على المنع ، كذا عن نفطوية ، من ~~قولهم : حردت الإبل إذا قلت ألبانها فمنعتها ، و" حاردت السنة " إذا كانت ~~شهباء ، من قلة مطرها ، أو : الحرد : القصد والسرعة ، يقال : حرد حرده ، أي ~~: قصد قصده ، قال الشاعر : # 111 # أقبل سيل جاء من أمر الله # يحرد حرد الجنة المغله PageV08P161 ~~أي : يقصد قصدها ، أي : وغدوا قاصدين إلى ms3170 جنتهم بسرعة قادرين على صرامها ~~عند أنفسهم ، وقيل : معنى الحرد : الغضب ، يقال : حرد الرجل حردا : غضب ، ~~أي : غدوا على غضب على المسكين قادرين على المنع ، أو على صرامها في زعمهم ~~، وقيل : الحرد : اسم للجنة ، أي : غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها ~~عند أنفسهم. # {فلما رأوها} أي : جنتهم محترقة {قالوا إنا لضالون} أي : ضللنا جنتنا ، ~~وما هي بها ، لما رأوا من هلاكها ، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي ، قالوا : ~~{بل نحن محرومون} ؛ حرمنا خيرها بجنايتنا على أنفسنا ، {قال أوسطهم} أي : ~~أعدلهم وخيرهم رأيا ، أو : أكبرهم سنا : {ألم أقل لكم لولا تسبحون} ؟ ~~تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نياتكم ، وقد كان قال لهم حين عزموا على ~~ذلك : اذكروا الله ، وتوبوا إليه من هذه الجريمة الخبيثة من فوركم ، ~~وسارعوا إلى حسم شرها قبل حلول النقمة ، فعصوه. وقيل : المراد بالتسبيح : ~~الاستثناء ؛ لأنه تعظيم لله تعالى في الجملة ؛ لأن الاستثناء تفويض إليه ، ~~والتسبيح تنزيه ، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم ، والأول أنسب بقوله ~~: {قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين} فيما عزمنا عليه من المنع ، أو : في ~~عدم الاستثناء ، فتكلموا بعد نزول العذاب بما كان يدعوهم إلى التكلم به قبل نزوله. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 110 PageV08P162 ~~فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون} أي : يلوم بعضهم بعضا بما فعلوا من الهرب من ~~المساكين ، ويحيل كل واحد منهم اللائمة على الآخر ، ثم اعترفوا جميعا بأنهم ~~تجاوزوا الحد بقوله : {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} ؛ متجاوزين حدود ~~الله بمنع الفقراء حقهم ، وترك الاستثناء ، {عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها} ~~أي : يعطينا خيرا من جنتنا ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة ، {إنا إلى ~~ربنا راغبون} ؛ طالبون منه الخير ، راجون العفو منه. وعن مجاهد : ثابوا ~~فأبدلوا خيرا منها ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه : بلغني أنهم أخلصوا ، ~~فأبدلهم الله جنة تسمى الحيوان ، فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا ، وعن أبي ~~خالد اليماني أنه رآها ، ورأى كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم ، وقد ~~تقدم أنهم مؤمنون ، إما من بني إسرائيل أو غيرهم ، فلا معنى لمن ms3171 توقف في ~~قولهم : {إنا إلى ربنا راغبون} هل يكون إسلاما أم لا ؟ نعم ، قد قيل : إنهم ~~كانوا كفارا ، فيحتمل أن يكون قولهم هذا إسلاما ، أو يكون على حد ما يكون ~~من المشركين إذا أصابتهم شدة. قال تعالى : {كذلك العذاب} أي : مثل ذلك ~~العذاب الذي ذكرناه في حق أصحاب الجنة هو عذاب الدنيا لمن تخالف أمرنا ، ~~ولم يشكر نعمنا ، {ولعذاب الآخرة أكبر} ؛ أعظم منه وأشد ، {لو كانوا ~~يعلمون} أنه أكبر لا حترزوا عما يؤديهم إليه. # قال الطيبي : قال الإمام أي الفخر : المقصود من القصة أنه تعالى قال : ~~{أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال...} الخ ؛ أي : لأجل أن ~~أعطاه الله المال والبنين كفر # 112 PageV08P163 ~~بالله ، إنما أعطاه ذلك للابتلاء ، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه ؛ ~~لأن أصحاب الجنة لما أتوا بهذا القدر اليسير من المعصية ، دمر الله على ~~جنتهم ، فكيف حال من عاند الرسول ، وأصر على الكفر والمعصية ؟ أو : لأن ~~أصحاب الجنة خرجوا لينتفعوا بالجنة ، ويمنعوا الفقراء منها ، فقلب الله ~~عليهم القضية ، فكذا أهل ممكة ، حردوا إلى بدر أرادوا الكيد بمحمد وأصحابه ~~صلوات الله عليه فأخلف الله ظنهم ، فقتلوا وأسروا. ه. # الإشارة : من كان يفعل الإحسان ، ويوسع في العطاء ، ثم قبض يده ، فإن ~~الله يقبض فيضه عنه ، كما قبض هو إحسانه عن عباده ، فما دام يوسع فإن الله ~~يوسع عليه ، فإذا قبض قبض الله عنه ، {سيجزيهم وصفهم} [الأنعام : 139] ، ~~وكذلك من خالف عادة أسلافه في العطاء وشد يده ؛ فإن الله يخالف عنه ما كان ~~يفعل مع أسلافه ، من فيض الأرزاق الحسية أو المعنوية ، فإن تاب ورجع إلى ~~فعل ما كان عليه أسلافه ؛ أعاد الله عليه إحسانه ، كما فعل بأصحاب الجنة ~~حين تابوا ، وهذا صريح الآية ، وتصدق أيضا بمن كان ينفق من سعة علومه ~~ومواهبه ، ثم قبض ذلك من غير عذر ، فإن الله تعالى يقبض عنه زيادة المواهب ~~، وربما يطوف على باطنه طائف من الله ، فيصبح خاليا من ثمار المواهب ، حتى ~~يتوب ويرجع إلى ما كان عليه ، وبالله التوفيق. ms3172 # جزء : 8 رقم الصفحة : 110 # يقول الحق جل جلاله : {إن للمتقين عند ربهم} في الآخرة ، أو : في جوار ~~القدس {جنات النعيم} أي : جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص عن شائبة ما ~~ينقصه من المكدرات ، وخوف الزوال ، بخلاف جنات الدنيا ونعيمها ، وقال بعضهم ~~: لهم جنات النعيم ، من صفتها : أن العبد فيها مقيم ، والنبي فيها نديم ، ~~والمضيف فيها الكريم ، والثواب فيها عظيم ، والعطاء فيها جسيم ، والحزن ~~فيها عديم. ه. PageV08P164 # {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} ، تقرير لما قبله من فوز المتقين بجنات النعيم ~~، ورد لما يقوله الكفرة عند سماعهم لحديث الآخرة ، وما أعد للمسلمين ، ~~فإنهم كانوا يقولون : إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه ، لم يكن حالنا ~~وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا ، لم يزيدوا علينا ، ولم يفضلونا ، فرد ~~الله عليهم. والهمزة للإنكار ، والعطف على مقدر يقتضيه المقام ، أي : أنحيف ~~في الحكم ، فنجعل المسلمين الذين كابدوا مشاق # 113 # الطاعات ، وترك المخالفات ، كالكافرين الذين عجلت طيباتهم في الحياة ~~الدنيا ، ثم قيل لهم بطريق الالتفات ؛ لتأكيد الرد والتشديد : {ما لكم كيف ~~تحكمون} هذا الحكم الأعوج ، وهو التسوية بين المطيع والعاصي ، كأن أمر ~~الجزاء مفوض إليكم ، تحكمون فيه كيف شئتم! وهو تعجيب واستبعاد وإيذان بأنه ~~لا يصدر عن عاقل. {أم لكم كتاب} نازل من السماء {فيه تدرسون} ؛ تقرؤون في ~~ذلك الكتاب ، {إن لكم فيه} أي : في ذلك الكتاب {لما تخيرون} أي : إن ما ~~تختارونه وتشتهونه حاصل لكم! والأصل : تدرسون أن لكم ما تتخيرون ، بفتح " ~~أن " لأنه مدروس ، لوقوع الدرس عليه ، وإنما كسرت لمجيء اللام في خبره ، ~~ويجوز أن يكون حكاية للمدروس بلفظه ، كقوله : {وتركنا عليه في الأخرين سلام ~~على نوح في العالمين} [الصافات : 78 ، 79] أي : تركنا عليه السلام على قول. ~~وتخير الشيء واختاره : أخذ خيره. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 113 PageV08P165 ~~أم لكم أيمان علينا} أي : عهود مؤكدة بالأيمان {بالغة} ؛ متناهية في ~~التوكيد {إلى يوم القيامة} متعلق بالمقدر في {لكم} أي : ثابتة لكم إلى يوم ~~القيامة ، أو : ب " بالغة " ، أي : تبلغ ذلك اليوم وتنتهي إليه ، وافرة ms3173 لم ~~تبطل منها يمين ، إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم ، {إن لكم لما ~~تحكمون} به لأنفسكم ، وهو جواب القسم ، لأن معنى {أم لكم أيمان علينا} : أم ~~أقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد وقلنا والله إن لكم لما تحكمون ~~{سلهم} أي : المشركين ، وهو تلوين للخطاب ، وتوجيه له إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بإسقاطهم عن رتبة الخطاب ، أي : سلهم مبكتا لهم : {أيهم ~~بذلك} الحكم {زعيم} ؛ كفيل بأنه لا بد أن يكون ذلك. # {أم لهم شركاء} أي : ناس يشاركونهم في هذا القو ، ويذهبون مذهبهم فيه ؟ ~~{فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين} في دعواهم ، إذ لا أقل من التقليد فيه ~~، يعني : أن أحدا لا يسلم لهم هذا ، ولا يساعدهم عليه ، كما أنه لا كتاب ~~لهم ينطق به ، ولا عهد لهم بعد عند الله ، ولا زعيم لهم يضمن لهم من الله ~~هذا ، وإنما هو اختلاق وأماني من أنفسهم. وقيل : المراد بالشركاء : الأصنام ~~، أي : أم لهم أصنام يعبدونها تضمن لهم ذلك ؟ فليحضروها حتى يسمعوا منهم ~~ذلك ، وهو تهكم به. PageV08P166 # واذكر {يوم يكشف عن ساق} ، وجمهور المفسرين على أن الكشف عن ساق عبارة عن ~~شدة الأمر ، وصعوبة الخطب ، أي : يوم يشتد الأمر ويصعب ، وقيل : ساق الشيء ~~: أصله الذي به قوامه ، كساق الشجرة وساق الإنسان ، أي : يوم يكشف عن أصل ~~الأمر ، فتظهر حقائق الأمور وأصولها ، بحيث تصير عيانا. وتنكيره للتهويل ~~العظيم. قال النسفي : ولا كشف ثم ولا ساق ، ولكن كنى به عن شدة الأمر ؛ ~~لأنهم إذا ابتلوا بالشدة كشفوا عن الساق ، وقال : كشفت الحرب عن ساقها ، ~~وهذا كما تقول للشحيح : يده مغلولة ، ولا يد ثم ولا غل ، وإنما هو كناية عن ~~البخل ، وأما من شبه فلضيق عطفه وقلة نظره في علم # 114 # البيان ، ولو كان الأمر كما زعم المشبه ؛ لكان من حق الساق أن يعرف ؛ ~~لأنها ساق معهودة عنده. ه. قلت : انظر الثعلبي ، فقد نقل أحاديث الحشر ، ~~وكلها تدل على أن كشف الساق حقيقة ، وذكر حديث أبي موسى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ms3174 : " {يوم يكشف عن ساق} قال : عن نور عظيم ، يخرون له سجدا " ~~، ثم ذكر حديث الحشر بتمامه ، ومن كحل عينيه بإثمد التوحيد الخاص لم يصعب ~~عليه أمثال هذه المتشابهات ؛ إذ الحق جل جلاله غير محصور ، بل يتجلى كيف ~~شاء ، وقد ورد أنه يتجلى لفصل عباده ، فيجلس على كرسيه ، وورد أيضا في حديث ~~كشف الساق : أنه يتقدم أمامهم بعد كشف الساق وسجود المؤمنين له ، ثم ينطلق ~~بهم إلى الجنة. ذكر الحديث المنذري وغيره ، ونقله المحشي الفاسي في سورة ~~البقرة ، عند قوله : {هل ينظرون إلآ أن يأتيهم الله} [البقرة : 210] الآية ~~، وليس هذا تجسيم ولا حصر ؛ إذا ما في الوجود إلا تجليات الحق ، ومظاهر ذاته. # جزء : 8 رقم الصفحة : 113 PageV08P167 ~~ثم قال تعالى : {ويدعون إلى السجود} توبيخا وتعنيفا على تركهم له في الدنيا ~~، وتحسرا لهم على تفريطهم في ذلك ، لا تكليفا ، إذ ليست دار تكليف ، {فلا ~~يستطيعون} ذلك ؛ لأن ظهورهم تصير كصياصي البقر ، وفيه دلالة على أنهم ~~يقصدون السجود فلا يتأتى منهم ذلك. وعن ابن مسعود رضي الله عنه : تفقم ~~أصلابهم ، أي : ترد عظما بلا مفاصل ، لا تثنى عند الرفع والخفض. وفي الحديث ~~الصحيح : " يخرون لله سجدا أجمعون ، ولا يبقى أحد كان يسجد لله رياء وسمعة ~~ونفاقا إلا صار ظهره طبقا واحدا ، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ". {خاشعة ~~أبصارهم} أي : ذليلة ، حال من الضمير في " يدعون " ، أي : يدعون في حال ~~خشوع أبصارهم ، ونسبة الخشوع إلى الأبصار ؛ لظهور أثره فيها ، {ترهقهم} أي ~~: تلحقهم وتغشاهم {ذلة} شديدة ، {وقد كانوا} في الدنيا {يدعون} على ألسنة ~~الرسل {إلى السجود} ، والأصل : إليه ، وإنما أظهر لزيادة التقرير ، أو : ~~لأن المراد به الصلاة بما فيها من السجود ، والدعوة دعوة تكليف ، {وهم ~~سالمون} متمكنون منه أقوى تمكن ، فلا يجيبون إليه ويأبونه ، وإنما لم يذكره ~~معه لظهوره. # الإشارة : إن للمتقين ما سوى الله عند ربهم ؛ في حضرة قدسه ، جنات النعيم ~~، وهي جنات المعارف في نعيم دوام الشهود والرؤية ، أفنجعل المسلمين ~~المنقادين لأحكامنا القهرية والتكليفية ، كالمجرمين العاصين ، ثم وبخ من ~~سوى بينهم ms3175 وطالبه بالحجة. وقوله تعالى : {يوم يكشف عن ساق} أي : يوم يتجلى ~~لعباده بنور من نور ذاته ، على صورة آدم ، تشريفا لهذا الآدمي ، وفي الحديث ~~: " إن الله خلق آدم على صورته " أي : على # 115 PageV08P168 ~~صورته التي يتجلى بها لعباده في المحشر وفي الجنة ، ولا يفهم هذا إلا ~~الغواصون في بحر الأحدية ، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم ونفي التشبيه ، ~~فالعارفون يعرفون الله في جميع تجلياته ، ولا ينكرونه في شيء منها ، وأما ~~ما ورد في حديث التجلي الأول لأهل المحشر فينكرونه ، ويقولون : " حتى ~~يأتينا ربنا " ، فإنما يقول ذلك علماء الظاهر ، أهل الدليل ، وأما العارفون ~~فقد عرفوه وأقروه ، وسكتوا سترا للسر الذي عرفهم به ، ولذلك كتب ابن العربي ~~الحاتمي إلى الفخر الرازي فقال : تعال نعرفك بالله اليوم ، قبل أن يتجلى لك ~~يوم القيامة ، فتنكره فيمن ينكره. ه. # وقال الورتجبي : أخبر الله سبحانه أنه يكشف يوم الشهود لعشاقه وأحبابه ~~ومشتاقيه وعرفائه عن بعض صفاته الخاصة ، ويتجلى منها لهم ، وهو كشف في ستر ~~الغيرة عن أسرار القدم ، فيشاهدونها ، فيدعون إلى السجود من حيث غشيتهم ~~أنوار العظمة ، حتى لا يحرقوا في كشف سر الصفة ؛ فإنها موضع العظمة ~~والكبرياء ، وبدو لطائف أنوار أسرار الذات تظهر في لباس الالتباس ، حتى لا ~~يفنيهم فناء لا بقاء بعده ، والمقصود منه زوائد المحبة ، والنظر إلى وجود ~~العظمة. ه. قلت : وحاصل كلامه : أن الحق تعالى إنما تجلى لعباده في الصورة ~~الآدمية ، حتى كشف عن ساقه غيرة على سر الربوبية أن يظهر ، وهو المراد ~~بقوله : يكشف لعشاقه عن بعض صفاته ، ويتجلى منها أي : من تلك الصورة لهم ~~، وهو كشف في ستر الغيرة. وأيضا : لو كشف لهم عن أسرار جبروته بلا واسطة ~~لاحترقوا ، لكن تجلى بأنوار صفاته ليطيقوا رؤيته ، يظهر لهم في لباس ~~الالتباس ، وهو إظهار الصورة الآدمية ، ليبقوا بين فناء وبقاء ، بين سكر ~~وصحو ، ولو تجلى بأسرار ذاته الأصلية لاحترقوا ، أو سكروا بلا صحو ، وفنوا ~~بلا بقاء. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 113 PageV08P169 ~~يقول الحق جل جلاله : {فذرني ومن يكذب بهذا ms3176 الحديث} أي : القرآن ، والمعنى ~~: كل أمره لي ، وخل بيني وبينه ، فإني أكفيك أمره ؛ لأني عليم بما يستحق من ~~العذاب ، ومطيق له. والفاء لترتيب الأمر على ما قبلها من أحوالهم المحكية ، ~~أي : إذا كان حالهم في الآخرة كذلك فذرني ومن يكذب بالقرآن ، وتوكل علي في ~~الانتقام منه ، # 116 # {سنستدرجهم} ؛ سندنيهم من العذاب درجة درجة ، يقال : استدرجه إلى كذا ، ~~أي : استنزله إليه درجة بدرجة حتى يورطه فيه ، واستدراجه تعالى للعصاة أن ~~يرزقهم الصحة والنعمة ، فيجعلون رزق الله ذريعة إلى معاصيه. والجملة ~~استئناف مسوق لبيان التعذيب المستفاد من الأمر إجمالا في قوله : {فذرني} ~~والضمير ل " من " ، والجمع باعتبار معناها ، كما أن الإفراد في " يكذب " ~~باعتبار لفظها ، أي : سنسوقهم إلى العذاب {من حيث لا يعلمون} أي : من الجهة ~~التي لا يشعرون أنه استدراج ، قيل : كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة ~~وأنسيناهم شكرها. قال صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيت الله تعالى ينعم على ~~عبد ، وهو مقيم على معصية ، فاعلم أنه مستدرج " ثم تلا هذه الآية. # {وأملي لهم} ؛ وأمهلهم ليزدادوا إثما ، وهم يظنون أنه لإرادة الخير بهم ، ~~{إن كيدي متين} ؛ قوي شديد ، لا يوقف عليه ، فسمى إحسانه وتمكينه كيدا كما ~~سماه استدراجا ؛ لكونه في صورة الكيد ، حيث كان سببا للهلاك. والحاصل : أن ~~معنى الكيد والمكر والاستدراج ، هو الأخذ من جهة الأمن ، ولا يجوز أن يسمى ~~الله كائدا وماكرا ومستدرجا ؛ لعدم التوقيف ، وأسماؤه تعالى توقيفيه. # {أم تسألهم} على تبليغ الرسالة {أجرا} دنيويا {فهم من مغرم} أي : من أجل ~~غرامة {مثقلون} ؛ مكلفون حملا ثقيلا ، فيعرضون عنك لأجل ما تكلفهم به ؟ ~~والاستفهام بمعنى النهي. {أم عندهم الغيب} أي : اللوح المحفوظ ، أو علم ~~المغيبات ، {فهم يكتبون} منه ما يحكمون به ، فيستغنون عن علمه ؟ # { PageV08P170 ~~جزء : 8 رقم الصفحة : 116 # فاصبر لحكم ربك} أي : ما حكم به ، وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم ؛ ~~لأنهم وإن أمهلوا لم يهملوا ، {ولا تكن كصاحب الحوت} ؛ يونس عليه السلام في ~~العجلة والغضب على القوم حتى ابتلي ببلائه ، {إذ نادى} في بطن الحوت {وهو ~~مكظوم} مملوء غيظا. ms3177 والجملة حال من ضمير " نادى " وعليه يدور النهي ، لا ~~على النداء ؛ فإنه أمر مستحسن ، ولذلك لم يذكر المنادى ، و" إذ " منصوب ~~بمضاف محذوف ، أي : لا يكن حالك كحاله وقت ندائه ، أي : لا يوجد منك ما وجد ~~منه من الضجر والمغاضبة فتبتلى ببلائه ، {لولا أن تداركه نعمة} ؛ رحمة {من ~~ربه} أي : لولا أن الله أنعم عليه بإجابة دعائه ، وقبول عذره ، أو : ~~لتوفيقه للتوبة وقبولها منه ، {لنبذ بالعراء} ؛ بالأرض الخالية من الأشجار ~~{وهو مذموم} ؛ معاتب بعجلته ، لكنه رحم ، فنبذ غير مذموم ، بل مرضي مقبول. ~~{فاجتباه ربه} ؛ اصطفاه لرسالته ببركة دعائه وتسبيحه ، فأعاد إليه الوحي ، ~~وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون ، وقيل : استنبأه ، وكان لم ينبأ قبل هذه ~~الواقعة ، {فجعله من الصالحين} ؛ من الكاملين في الصلاح ، أو : من الأنبياء ~~والمرسلين. والوجه هو الأول ؛ لأنه كان نبيا مرسلا قبل ، لقوله تعالى : ~~{وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون} # 117 # [الصافات : 139 ، 140] الخ. روي أنها نزلت بأحد ، حين هم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يدعو على المنهزمين من المؤمنين ، وهو ضعيف ؛ لأن السورة ~~كلها مكية. والله تعالى أعلم. PageV08P171 # الإشارة : ذرني ومن يكذب بهذا الحديث ؛ حديث أهل الخصوصية ، وهو الكلام في ~~علم أسرار التوحيد ، الذي هو مدار علم الباطن ، فمن ينكره أو ينكر وجود ~~أهله فهو مستدرج مغرور ، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ، أي : ندرجهم إلى ~~مقام البعد درجة درجة ، من حيث لا يشعرون ، فهم يحسبون أنهم يصعدون ، وهم ~~يسقطون ، يطنون أنهم يرققون الحجاب بينهم وبين الله ، وهم يغلظونه. قيل : ~~حقيقة الاستدراج هو السكون إلى اللذات ، والتنعم بالنعمة ، ونسيان ما تحت ~~النعم من النقم. ه. وهذا حال من ينكر وجود التربية ، أو دخل فيها ولم يمتثل ~~ما يشير به عليه شيخه. ويقال لمن يدعو الناس إلى الله ، وهم يفرون : أم ~~تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون ، وإنما يثقل العطاء على من لم يذق ، وأما ~~من ذاق فلا يثقل عليه الوجود بأسره ، بل يبذل مهجته وروحه وماله ، ويستصغره ~~في جانب ما نال من ms3178 أسرار المعرفة. ويقال له أيضا حين يؤذى : فاصبر لحكم ربك ~~، ولا تستعجل حتى يجتبيك ربك ، فتكون من الصالحين لحضرته ، قال الواسطي : ~~الاجتبائية أورثت الصلاح ، لا الصلاح أورث الاجتبائية. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 116 PageV08P172 ~~يقول الحق جل جلاله : {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} ، يقال : ~~زلقه زلقا ، وأزلقه إزلاقا : أزاله عن مكانه ، و" إن " مخففة ، أي : وإن ~~الشأن يقرب الذي كفروا من شدة عداوتهم ، ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة أن ~~يزيلوك عن مكانك ، ويزلقوا قدمك عن مكانه ، أو : يهلكوك لشدة حنقهم عليك ، ~~وكانت في بني أسد عيانون ، فكان الرجل منهم يجوع ثلاثة أيام ، فلا يمر به ~~شيء فيقول فيه : لم أر كاليوم مثله ؛ إلا هلك ، فأراد بعضهم أن يعين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فعصمه الله من ذلك ، فنزلت. وفي الحديث : " ~~العين حق ، وإن العين لتدخل الجمل القدر ، والرجل القبر " ، وهي من خصائص ~~بعض النفوس. وعن الحسن : دواء الإصابة بالعين أن يقرأ هذه الآية. ه. # و{لما سمعوا} : ظرف ليزلقونك ، أي : يهلكونك وقت سماعهم {الذكر} أي : ~~القرآن ، أي : لاشتداد بغضهم وحسدهم وقت سماعه ، {ويقولون} لغاية حيرتهم في # 118 # أمره صلى الله عليه وسلم ، ونهاية جهلهم لما في تضاعيف القرآن من عجائب ~~الحكم وبدائع العلوم المحجوبة عن العقول : {إنه لمجنون} أي : إن محمدا ~~لمجنون ، حيرة في أمره ، وتنفيرا للناس عنه ، {وما هو} أي : القرآن {إلا ~~ذكر للعالمين} أي : وعظ وتذكير للجن والإنس ، والجملة : حال ، أي : يقولون ~~ذلك ، والحال أنه تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ، فإن ~~من أنزل ذلك ، وهو مطلع على أسراره طرا ، ومحيط بحقائقه خبرا ، عليم بما ~~قالوه. وقيل : معناه : شرف وفضل ، كقوله : {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف : ~~44] وقيل : الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكونه مذكرا وشرفا ~~للعالمين لا ريب فيه. # الإشارة : ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم ، مع الكفرة من إرادة إزلاقه ~~ببصرهم حسدا ، ورميهم له بالجنون ، يقال في أهل الإنكار على الأولياء معهم ~~، فهي سنة ماضيه ، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن ms3179 رضي الله عنه في حزبه الكبير ~~: ونعوذ بك من شر الحساد على ما أنعمت. وبالله التوفيق ، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 119 # جزء : 8 رقم الصفحة : 118 PageV08P173 ### | AUTO سورة الحاقة # جزء : 8 رقم الصفحة : 119 # قلت : {الحاقة} : مبتدأ ، وجملة الاستفهام خبر ، والأصل : الحاقة ما هي ؟ ~~فوضع الظاهر موضع المضمر ؛ تفخيما لشأنها ، وتهويلا لأمرها ، و" أدرى " ~~يتعدى إلى مفعولين ، علق عن الثاني بالاستفهام. # يقول الحق جل جلاله : {الحاقة} أي : الساعة الواجبة الوقوع ، الثابتة ~~المجيء ، التي هي آتية لا ريب فيها ، من : حق يحق : وجب ، أو : التي يحق ~~فيها الحقوق من الثواب والعقاب ، أو : التي تحق فيها الحقائق وتعرف ، من : ~~حقه : إذا عرف حقيقته ، جعل الفعل لها مجازا ، وهو لما فيها من الأمور ، ~~{ما الحاقة} أي : ما هي الحاقة ، فهي من الأمور التي يستفهم عنها ؛ ~~لغرابتها وهول مطلعها ، وأكد كذلك بقوله : {وما أدراك} وأي شيء أعلمك {ما} ~~هي {الحاقة} ، يعني : أنك لا علم لك بكنهها ؛ لخروجها عن دائرة علوم ~~المخلوقات ، على معنى : أن عظم شأنها ، ومدى هولها وشدتها ، بحيث لا يكاد ~~يبلغه دراية أحد ولا وهمه ، وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك. # ثم ذكر وبال من كذب بها ، فقال : {كذبت ثمود وعاد بالقارعة} أي : ~~بالحاقة. فوضعت القارعة موضعها لأنها من أسماء القيامة ، كالحاقة. وسميت ~~بذلك ؛ لأنها تقرع الناس بفنون الأفزاع والأهوال ، وتقرع السماء بالانشقاق ~~والانفطار ، والأرض والجبال # 120 PageV08P174 ~~بالدك والنسف ، والنجوم بالطمس والانكدار. قال أبو السعود : والجملة ~~استئناف مسوق لإعلام بعض أحوال الحاقة له صلى الله عليه وسلم إثر تقرير أنه ~~ما أدراه بها أحد كما في قوله تعالى : {ومآ أدراك ماهية نار حامية} ~~[القارعة : 10 ، 11] ونظائره ، خلا أن المبين هناك نفس المسؤول عنها ، وها ~~هنا حال من أحوالها ، كما في قوله تعالى : {ومآ أدراك ما ليلة القدر ليلة ~~القدر خير من ألف شهر} [القدر : 2 ، 3] ، كما أن المبين هناك ليس نفس ليلة ~~القدر ، بل فضلها وشرفها ، كذلك المبين هاهنا هول الحاقة وعظم شأنها ، ~~وكونها بحيث يحق إهلاك ms3180 من يكذب بها ، كأنه قيل : وما أدراك ما الحاقة كذب ~~بها عاد وثمود فأهلكوا. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 120 PageV08P175 ~~فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية} ؛ بالوقعة المتجاوزة للحد في الشدة ، وهي ~~الصيحة أو الرجفة ، وقيل : هي مصدر كالعاقبة ، من المعاقبة ، أي : بسبب ~~طغيانهم وعصيانهم ، والأول أنسب بقوله : {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر} أي : ~~شديدة الصوت ، لها صرصرة ، أو شديدة البرد ، تحرق ببردها ، من الصر ، كرر ~~بردها حتى أحرقهم ، {عاتية} ؛ شديدة الغضب ، كأنها عتت على خزانها فلم ~~يضبطوها بإذن الله ، غضبا على أعداء الله. قال صلى الله عليه وسلم : " ما ~~أرسل الله نسفة من ريح إلا بمكيال ، ولا قطرة من ماء إلا بمكيال ، إلا يوم ~~عاد ويوم نوح ، فإن الماء طغى على الخزان ، وكذلك الريح ، طغت على خزانها " ~~ثم قرأ الآية. أو طغت على عاد فلم يقدروا على ردها. {سخرها عليهم} أي : ~~سلطها عليهم ، وهو استئناف جيء به لبيان كيفية إهلاكهم بها ، {سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما} أي : متتابعات ، جمع حاسم ، كشهود وشاهد ، تمثيلا ~~لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي كرة بعد أخرى حتى ينحسم الداء ، ~~أو : محسمات ، حسمت كل خير واستأصلته ، أو قاطعات قطعت دابرهم ، وهو حال ، ~~ويجوز أن يكون مصدرا ، أي : تحسمه حسوما ، أي : تستأصلهم استئصالا ، ويؤيده ~~قراءة الفتح ، وكانت العرب تسمي هذه الأيام أيام العجوز ، من صبيحة ~~الأربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر ، وإنما سميت بذلك ؛ لأن عجوزا من عاد ~~توارت في سرب ، فانتزعتها الريح في اليوم الثامن ، فأهلكتها. وقيل : سميت ~~عجوزا لأنها في عجز الشتاء ، أي : آخره. وأسماؤها : الصن ، والصنبر ، ~~والوبر ، والآمر ، والمؤتمر والمعلل ، ومطفىء الجمر ، واليوم الثامن مكفي الظعن. PageV08P176 # {فترى القوم} إن كنت حاضرا حينئذ {فيها} أي : في تلك الليالي والأيام ، أو ~~في مهابها ، أو في ديارهم {صرعى} ؛ موتى هلكى ، جمع صريع ، {كأنهم أعجاز ~~نخل} أي : أصول نخل ، جمع نخلة ، {خاوية}. ساقطة ، أو بالية متآكلة الأجواف ~~، وكانت أجسامهم طوالا ، تبلغ مائة ذراع ، أو مائتين ، ولذلك شبهوا بالنخل ~~، {فهل ترى لهم من باقية} أي : بقاء ، فيكون مصدرا ، كالطاغية ms3181 ، أو من نفس ~~باقية. والله تعالى أعلم. # 121 # الإشارة : الحاقة هي تجلي الحقيقة الأحدية ، وظهور الخمرة الأزلية ، ~~لقلوب العارفين ؛ لأنها تحق الحق وتزهق الباطل ، تظهر بها حقائق الأشياء ~~على ما هي عليه في الأصل. قال الورتجبي : الحاقة يوم تحق حقائق الأمور ~~عيانا ، لا يبقى فيها ريب أهل الظنون ، ينكشف الحق لأهل الحق ، ولا معارضة ~~للنفس فيها ، ويتبين للجاهلين أعلام ولاية العارفين. ه. ثم عظمها وهول ~~أمرها ، فقال : {ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة} لا يدريها إلا الشجعان من ~~الرجال الأقوياء ، والكمال ، كما قال الجيلاني رضي الله عنه : # جزء : 8 رقم الصفحة : 120 # وإياك جزعا لا يهولك أمرها # فما نالها إلا الشجاع المقارع # ثم ذكر أن من أنكرها أو كذب بوجودها من النفوس العادية ، والقلوب القاسية ~~، يهلك في مهاوي الفروقات ، برجفة الوساوس والخواطر ، أو رياح الفتن ~~الباطنة والظاهرة ، سخرها عليهم سبع ليال على عدد الجوارح السبعة ، وثمانية ~~أيام. قال القشيري : أي : أيام كاشفات لسبع صفات الطبيعية ، وهي : الغضب ، ~~والشهوة ، والحقد ، والحسد ، والبخل ، والجبن ، والعجب ، والشره ، حسوما ، ~~أي : تحسم ، وتقطع أمور الحق وأحكامه من الخيرات والمبرات. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 120 PageV08P177 ~~يقول الحق جل جلاله : {وجاء فرعون ومن قبله} أي : ومن تقدمه. وقرأ البصري ~~والكسائي : ( ومن قبله) بكسر القاف ، أي : ومن عنده من أتباعه وجنوده ، ~~ويؤيده أنه قرىء " ومن معه ". {والمؤتفكات} وهي قرى قوم لوط ؛ لأنها ائتفكت ~~، أي : انقلبت بهم ، أي : وجاء أهل المؤتفكات {بالخاطئة} ؛ بالخطأ ، أو ~~بالفعلة ، أو الأفعال الخاطئة ، أي : ذات الخطأ ، التي من جملتها : تكذيب ~~البعث والقيامة. {فعصوا رسول ربهم} أي : عصت كل أمة رسولها ، حيث نهوهم عما ~~كانوا يتعاطونه من القبائح ، {فأخذهم} أي : الله عز وجل {أخذة رابية} أي : ~~زائدة في الشدة ، كما زادت قبائحهم في القبح ، من : ربا الشيء إذا زاد. # {إنا لما طغى الماء} ؛ ارتفع وقت الطوفان ، على أعلى جبل في الدنيا ، ~~خمسة عشر ذراعا ، بسبب إصرار قوم نوح على فنون المعاصي ، ومبالغتهم في ~~تكذيبه عليه السلام وما أوحي إليه من الأحكام ، التي من جملتها ms3182 أحوال ~~الحاقة ، {حملناكم} أي : في أصلاب آبائكم ، محمولين {في الجارية} ؛ في ~~سفينة نوح عليه السلام ، والمراد : حملهم فيها أيام الطوفان ، فالجار متعلق ~~بمحذوف حال ، لا صلة لحملنا ، أي : رفعناكم فوق الماء ، حال كونكم محمولين ~~في السفينة بأمرنا وحفظنا. وفيه تنبيه على أن مدار # 122 # حفظهم محض عصمته تعالى ، وإنما السفينة سبب صوري. PageV08P178 # {لنجعلها} أي : الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين ~~{لكم تذكرة} ؛ عبرة ودلالة على كمال قدرته تعالى وحكمته ، وقوة قهره ، وسعة ~~رحمته {وتعيها} أي : تحفظها. والوعي : أن تحفظ الشيء في نفسك ، والإيعاء : ~~أن تحفظه في غيرك ، {أذن واعية} أي : أذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه ، ~~بتذكيره وإشاعته والتفكر فيه ، ولا تضيعة بترك العمل به. والتنكير لدلالة ~~قلتها. قال قتادة : الأذن الواعية هي التي عقلت عن الله ، وانتفعت بما ~~سمعت. وعن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ~~سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي " قال : فما سمعت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شيئا ونسيته قط. # جزء : 8 رقم الصفحة : 122 PageV08P179 ~~الإشارة : وجاء فرعون النفس ، ومن تقدمه من شواغل الدنيا ، ووساوس الشيطان ~~، أو من قبله من هامان الهوى ، وقارون الحظوظ ، والمؤتفكات : القلوب ~~المنكسة عن قبول الحق ، أتت بالخاطئة ، وهي الإصرار على الوقوف مع العوائد ~~والحظوظ ، فعصوا رسول ربهم ، وهو من يدعوهم إلى الله ، بالخروج عن عوائدهم ~~، فأخذهم بالهلاك ، والبعد والطرد عن ساحة الحضرة ، أخذة رابية زائدة على ~~قبح فعلهم ، لتأبدهم في غم الحجاب. إنا لما طغا الماء ، وهو طوفان حب ~~الدنيا ، عم الناس وأغرقهم في بحر الهوى ، حملناكم يا معشر أهل النسبة ، ~~الذين أجابوا الداعي ، ودخلوا في حصن تربيته في سفينة النجاة ، ليعتبر بكم ~~من تقدم عنكم ومن تأخر ، أو : لما طغى الماء الغيبي وظهر ، وانطبق بحر ~~الأحدية عليكم ، حملناكم في سفينة الشريعة ؛ لئلا تصطلموا ، أو : حملناكم ~~في سفينة الأفكار الجارية في بحار الملكوت وأسرار الجبروت ، لنجلعها لكم ~~تذكرة وترقية ، وتعيها أذن واعية راسخة في علم الربوبية ms3183 ، فتدونها في الكتب ~~؛ لينتفع بها من يروم العوم في تلك البحار ، وهذا شأن من غنى بتلك الأسرار ~~، كالششتري وغيره ، أو ألف فيها كابن عطاء الله وأمثاله ، نفع الله ~~ببركاتهم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 122 # يقول الحق جل جلاله : {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} ، وهي النفخة ~~الأولى ، وتموت عندها الخلائق ، والثانية يحيون عندها ، {وحملت الأرض ~~والجبال} أي : قلعت # 123 PageV08P180 ~~ورفعت عن أماكنها ، بمجرد القدرة الإلهية ، أو بتوسط الزلزلة ، أو الريح ~~العاصفة ، {فدكتا دكة واحدة} أي : دقتا وكسرتا ، أي : ضرب بعضها ببعض حتى ~~تندق وترجع كثيبا مهيلا وهباء منثورا ، {فيومئذ} ، فحينئذ {وقعت الواقعة} ~~أي : قامت القيامة بعدها ، {وانشقت السماء} أي : فتحت أبوابا لنزول ~~الملائكة ، {فهي} أي : السماء {يومئذ واهية} ؛ ضعيفة مسترخية ، كالصوف أو ~~القطن ، بعدها كانت محكمة ، {والملك} أي : جنس الملك ، وهو بمعنى الجمع ، ~~فهو أعم من الملائكة ، {على أرجائها} ؛ جوانبها ، جمع رجا ، مقصور ، أي : ~~تنشق السماء ، التي هي مسكنهم ، فيلتجئون إلى أكنافها وأطرافها ، {ويحمل ~~عرش ربك فوقهم} أي : فوق الملك الذين هم على الأرجاء ، {يومئذ ثمانية} من ~~الملائكة ، واليوم تحمله أربعة ، وزيدت أربعة أخرى يوم القيامة إمدادا لتلك ~~الأربعة. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " هم اليوم أربعة ، فإذا ~~كان يوم القيامة قواهم الله تعالى بأربعة أخرى " ، وقال ابن عباس : هي ~~ثمانية صفوف من الملائكة ، لا يعلم أحد عدتهم. وقال ابن زيد : هم ثمانية ~~أملاك ، على هيئة الوعول. الوعل : تيس الجبل ، وقيل : على هيئة الناس ، ~~أرجلهم تحت الأرض السابعة ، وكواهلهم فوق السماء السابعة ، والعرش فوق ~~رؤوسهم ، وهم مطرقون. وفي بعض الأخبار : أن الأربعة التي تحمل العرش اليوم ~~؛ أحدهم على صورة الإنسان ، يطلب الرزق للأرض ، والآخر على صورة الثور ، ~~يطلب الرزق للبهائم ، والآخر على صورة النسر ، يطلب الرزق للطيور ، والآخر ~~على صورة الأسد ، يطلب الرزق للوحوش ، وقيل : المراد بالآية : تمثيل لعظمة ~~الله تعالى بما يشاهد من أحوال السلاطين ، يوم خروجهم على الناس للقضاء ~~العام ، لكونها أقصى ما يتصور من العظمة والجلال ، وإلا فشؤونه تعالى أجل ~~من كل ms3184 ما يحيط به فلك العبارة والإشارة. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 123 PageV08P181 ~~يومئذ تعرضون} للسؤال والحساب ، شبه ذلك بعرض السلطان الجيش ؛ ليعرف أحواله ~~، روي " أن في القيامة ثلاث عرضات ، فأما عرضتان : فاعتذار واحتجاج ، وأما ~~الثالثة : ففيها تنشر الكتب ، فيأخذ الفائز كتابه بيمينه ، والهالك بشماله ~~" ، وهذا وإن كان بعد النفحة الثانية لكن لما كان اليوم اسما لزمان متسع ~~يقع فيه النفحتان ، والصعقة والنشور والحساب ، وإدخال أهل الجنة الجنة ، ~~وأهل النار النار ، صح جعله ظرفا للكل ، وظاهر نظم الآية أن نشر الموتى من ~~القبور لا يكون إلا بعد دك الأرض ، وتسيير الجبال ، فلا يقع النشر إلا على ~~الأرض المستوية ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، وأما انشقاق السماء فمؤخر ، ~~يكون والله أعلم والناس في الموقف على ما في بعض أخبار الآخرة. # 124 # ثم قال تعالى : {لا تخفى منكم خافية} أي : سريرة ولا حال كانت تخفى في ~~الدنيا. والجملة : حال من ضمير " تعرضون " أي : تعرضون غير خاف عليه تعالى ~~السرائر ، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم بالياء ؛ لأن تأنيثها مجازي. PageV08P182 # الإشارة : فإذا نفخ في صور القلب الغافل ، الخالي من الحياة الأبدية ، نفخة ~~واحدة ، من همة شيخ كامل ، إما بوارد شوق مقلق ، أو خوف مزعج ، وحملت أرض ~~بشريته ، وجبال عقله ، فدكتا دكة واحدة ، فغاب حس البشرية وانخنس ، وغاب ~~نور العقل عند سطوع أنوار شمس العرفان ، فيومئذ وقعت الواقعة ، أي : ظهرت ~~الحقيقة العيانية ، وبدلت الأرض غير الأرض ، والسموات ، فصار الجميع نورا ~~ملكوتيا ، أو سرا جبروتيا ، وانشقت سماء الأرواح ، فظهرت أسرار المعاني خلف ~~رداء الأواني ، فهي أي : الأواني الحسية يومئذ واهية ضعيفة متلاشية ، لا ~~وجود لها من ذاتها ، والملك ، اي : الواردات الإلهية ، والخواطر الملكية ، ~~على أرجائها : على أطراف سماء الأرواح ، يلهمها العلوم اللدنية ، والأعمال ~~الصافية ، ويحمل عرش ربك ، أي : عرش معرفة الرب ، وهو القلب ، فهو سرير ~~سلطان المعرفة ، ومحل التجليات الذاتية ، ثمانية : الصبر ، والشكر ، والورع ~~، والزهد ، والتوكل ، والتسليم ، والمحبة ، والمراقبة ، وهو عرش المعرفة ، ~~يومئذ تعرض الخواطر على القلب ، لا يخفى عليه منها شيء ، فيقبل الحسن ، ~~ويرفع القبيح. والله ms3185 تعالى أعلم. وذكر في الحاشية الفاسية ما فوق العرش ~~الحسي ، وما تحت الأرض السفلى ، فقال ما نصه : وفي حديث " فوق السماء ~~السابعة بحر ، بين أعلاه وأسفله ، كما بين السماء والسماء ، وفوفق ذلك ~~ثمانية أوعال ، بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء ، وفوق ظهورهن ~~العرش ، بين أسفله وأعلاه ما بين سماء إلى السماء ، والله تبارك وتعالى فوق ~~ذلك " ، وفي حديث آخر : " عدد الأرضين سبع ، بين كل واحدة والآخرى خمسمائة ~~سنة ، والذي نفس محمد بيده ؛ لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على ~~الله " ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم : {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ~~[الحديد : 3]. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 123 PageV08P183 ~~فتحصل من حديث سيد العارفين ، وقدوة الواصلين ، أن الحق جل جلاله محيط ~~بكل شيء ، فأسرار ذاته العلية أحاطت بالوجود بأسره. فما فوق العرش هو عين ~~ما تحت الثرى ، فلو صعد أحد إلى ما فوق العرش لوجد الله ، ولو هبط إلى ما ~~تحت الأرض السفلى لوجد الله ؛ إذ عظمته أحاطته بكل شيء ، ومحت وجود كل شيء. ~~واعلم أن الحق جل جلاله منفرد بالوجود ، لا شيء معه ، غير أن عظمة الذات ~~الخارجة عن دائرة قبضة # 125 # التكوين باقية على أصلها من اللطافة والكنزية ، والعظمة الداخلة في ~~القبضة حين دخلها التكثيف ، وتحسست ليقع بها التجلي ، استترت وتردت برداء ~~الكبرياء ، فظهر فيها الضدان ؛ العبودية والربوبية ، والحس والمعنى ، ~~والقدرة والحكمة ، فاستترت الربوبية برداء الكبرياء ، فكان من اصطلاح الوحي ~~التنزيلي أن يخبر عن العظمة الأصلية ، وينعت أوصافها ، ويسكت عن العظمة ~~الفرعية ، التي وقع بها التجلي ، سترا لسر الربوبية أن يظهر ، إذ لو ظهر ~~لفسد نظام عالم الحكمة ، ولذلك قال سهل رضي الله عنه : للألوهية سر لو ~~انكشف لبطلت النبوات ، وللنبوات سر لو انكشف لبطل العلم ، وللعلم سر لو ~~انكشف لبطلت الأحكام. ه. PageV08P184 # فسر الألوهية هو قيامها بالأشياء ، وظهورها بها ، بل لا وجود للأشياء معها ~~، فلو انكشف هذا السر لجميع الناس لاستغنوا عن العبادة والعبودية ، ولبطلت ~~أحكام النبوة ، إذ النبوة إنما هي لبيان العبادة وآداب ms3186 العبودية ، وعند ~~ظهور هذا السر يقع الاستغناء عن تلقي الوحي. وأيضا ، ليست القلوب كلها تقدر ~~على حمل هذا السر ، فلو تجلى للقلوب الضعيفة لوقع لها الدهش والحيرة ، ~~وربما أداها إلى التلف. وسر النبوات هو سدل الحجاب بين الله وعباده ، حتى ~~يفتقر الناس إلى تلقي العلم بواسطة النبوة ، فلو انكشف هذا الحجاب لوقع ~~الاستغناء عن النبوة ، لتلقيه حينئذ كشفا بدونها من غير تكلف ، وسر العلم ~~هو إبهام العواقب ، فلو انكشف هذا السر وعرف كل واحد مآله للجنة أو النار ؛ ~~لبطلت الأحكام ؛ إذ من عرف أنه للجنة قطعا استغنى عن العبادة ، ومن عرف أنه ~~للنار قطعا انهمك في المعاصي ، فأخفى الله هذا السر ليعمل كل واحد على ~~الرجاء والخوف. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 123 # يقول الحق جل جلاله : {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول} تبجحا وابتهاجا ~~وسرورا ، لما يرى فيه من الخيرات خطابا لجماعته : {هاؤم} : اسم فعل ، بمعنى خذوا ، # 126 PageV08P185 ~~وفيه لغات ، أجودهن المطابقة تقول : هاء يا رجل ، وهاء يا امرأة ، بهمزة ~~مكسورة من غير ياء ، وهاؤما يا رجلان وامرأتان ، وهاؤم يا رجال وهاؤن يا ~~نساء. {اقرؤوا كتابيه} ، والأصل : هاؤم كتابي اقرأوا كتابيه ، فحذف الأول ~~لدلالة الثاني عليه ، والعامل في " كتابيه " اقرأوا ، عند البصريين ؛ لأنهم ~~يعملون الأقرب ، والهاء في " كتابيه " ، و" حسابيه " ، و" ماليه " ، و" ~~سلطانيه " للسكت ، وحقها أن تثبت في الوقف ، وتسقط في الوصل ، وقد استحب ~~إيثار الوقف إيثارا لثباتها ؛ لثبوتها في المصحف. {إني ظننت أني ملاق ~~حسابيه} أي : علمت وتيقنت أني سألقى حسابي ، ولعل التعبير بالظن للإشعار ~~بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها ~~العلوم النظرية. قاله أبو السعود ، وقد تقدم سره في البقرة. # {فهو في عيشة راضية} أي : ذات رضا يرضى بها صاحبها. جعل الفعل لها مجازا ~~، وهو لصاحبها ؛ لكونها صافية من الشوائب ، دائمة ، مقرونة بالتعظيم ، {في ~~جنة عالية} ؛ مرتفعة المكان ؛ لأنها في السماء السابعة ، أو : رفيعة ~~الدرجات ، أو المباني والأشجار والقصور ، وهو خبر بعد خبر ، {قطوفها دانية} ms3187 ~~؛ ثمارها قريبة من مريدها ، ينالها القاعد والمضطجع كالقائم. قال ابن عرفة ~~: هذه الجملة احتراس ؛ لأنه تعالى وصفها بالعلو ، وشأن المكان العالي أن ~~تكون ثماره كذلك ، فأزال ذلك بأنها مع علو ثمارها قريبة التناول ، سهلة ~~المأخذ. ه. والقطوف جمع قطف ، وهو ما يحثي بسرعة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 126 # ويقال لهم : {كلوا واشربوا هنيئا} أي : أكلا وشربا هنيئا ، لا مكروه ~~فيهما ولا أذى ، أو : هنئتم هنيئا {بما أسلفتم} أي : بمقابلة ما قدمتم من ~~الأعمال الصالحة ، {في الأيام الخالية} أي : الماضية في الدنيا ، وعن مجاهد ~~: أيام الصيام ، وقال ابن عباس : هي في الصائمين ، أي : كلوا واشربوا بدل ~~ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله تعالى. PageV08P186 # روي أن الله تعالى يقول : " يا أوليائي ، طالما نظرت إليكم في الدنيا ، وقد ~~قلصت شفاهكم عن الأشربة ، وغارت أعينكم ، وخمصت بطونكم ، فكونوا اليوم في ~~نعيمكم ، وكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية " ولا تقصر ~~الآية على الصوم ، بل كل ما أسلف الإنسان من الأعمال الصالحة داخل في الآية ~~، بدليل قوله تعالى : {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} [الطور : 19 ~~والمراسلات : 43]. # وهذه الآية وأمثالها هزت قلوب المجتهدين ، حتى عمروا أوقاتهم ، وحافظوا ~~على أنفاسهم ؛ لئلا تضيع ، وكان عمر رضي الله عنه يقول : حاسبوا أنفسكم قبل ~~أن تحاسبوا ، فإنه أهون ، أو أيسر لحسابكم ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ~~وتجهزوا للعرض الأكبر ، # 127 # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. ه. # {وأما من أوتي كتابه بشماله} ، ورأى ما فيه من قبائح الأعمال ، {فيقول يا ~~ليتني لم أوت كتابيه} أي : لم أعط كتابي ، {ولم أدر ما حسابيه} أي : يا ~~ليتني لم أعلم حسابي ، ولم أقف عليه ، لما شاهد من سوء العاقبة ، {يا ~~ليتها} : يا ليت الموتة التي متها {كانت القاضية} أي : القاطعة لأمري ، ولم ~~أبعث بعدها ، ولم ألق ما لقيت ، فضمير " ليتها " للموتة ، ويجوز أن يكون ~~لما شاهده من الحالة ، أي : يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي ؛ ~~لأنه وجدها أمر من الموت ، فتمناه عندها ، وقد جوز أن يكون للحياة ms3188 الدنيا ، ~~أي : يا ليت الحياة الدنيا كانت الموتة ولم أخلق حيا. {ما أغنى عن ماليه} ~~أي : ما نفعني ما جمعت من الأموال شيئا ، ف " ما " نافية ، أو استفهامية ~~للإنكار ، أي : أي شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار ؟ {هلك عني سلطانيه} ~~أي : ملكي وعزي ، وتسلطي على الناس ، وبقيت فقيرا ذليلا ، أو : حجتي التي ~~كنت أحتج بها في الدنيا. PageV08P187 # فيقول الله تعالى لخزنة جهنم : {خذوه فغلوه} أي : فشدوه بالأغلال ، بأن ~~تجمع يده إلى عنقه ، {ثم الجحيم صلوه} أي : أدخلوه ، أي : لا تصلوه إلا ~~للجحيم ، وهي النار العظيمة ؛ ليكون الجزاء على وفق المعصية ، حيث كان ~~يتعاظم على الناس ، {ثم في سلسلة ذرعها} أي : طولها {سبعون ذراعا} بذراع ~~الملك ، وقيل : لا يعرف قدرها إلا الله ، {فاسلكوه} أي : فأدخلوه فيها ، ~~وقيل : تدخل من دبره وتخرج من منخريه ، وقيل : تدخل من قبله وتخرج من دبره. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 126 # أنه كان لا يؤمن بالله العظيم} ، تعليل لاستحقاق العذاب ، ووصفه تعالى ~~بالعظيم ؛ للإيذان بأنه المستحق للعظمة وحده ، فمن نسبها لنفسه استحق أعظم ~~العقوبات ، {ولا يحض على طعام المسكين} أي : لا يحث على بذل طعام غيره ، ~~فضلا عن أن يبذل ماله ، وقيل : ذكر الحض للتنبيه على أن تارك الحض إذا كان ~~بهذه المنزلة ، فما ظنك بتاركه ؟ وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع ~~، وأن أقبح العقائد الكفر ، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب ، وفيه أيضا ~~إشارة إلى أنه كان لا يؤمن بالبعث ، لأن إطعام المساكين إنما يرجى جزاؤه ~~يوم القيامة ، فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم ، وفيه ~~دليل على عظم جرم حرمان المساكين ؛ لأنه عطفه على الكفر ، وجعله دليلا عليه ~~وقرينه. # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل ~~المساكين ، ويقول : خلعنا نصف السلسلة بالإيمان ، فلنخلع نصفها بهذا ، أي : ~~الصدقة. # قال النسفي : وهذه الآية ناطقة بأن المؤمنين يرحمون جميعا ، والكافرون لا ~~يرحمون ؛ لأنه تعالى قسم الخلق صنفين ، فجعل صنفا منهم أهل اليمين ، ووصفهم ~~بالإيمان بقوله ms3189 : {إني ظننت إني ملاق حسابيه} ، وصنفا منهم أهل الشمال ، ووصفهم # 128 PageV08P188 ~~بالكفر بقوله : {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم... } الخ ، وجاز أن الذي ~~يعاقب من المؤمنين إنما يعاقب قبل أن يؤتى كتابه بيمينه. ه. # قال ابن عطية : والذين يعطون كتابهم بأيمانهم هم المخلدون في الجنة من ~~أهل الإيمان ، واختلف العلماء في الفرقة التي ينفذ فيها الوعيد من أهل ~~المعاصي ، متى تأخذ كتبها ؟ فقال بعضهم : الأظهر أنها تأخذها مع الناس ، ~~وذلك يؤنسها مدة العذاب ، قال الحسن : فإذا أعطي كتابه بيمينه لم يقرأه حتى ~~يأذن الله له ، فإذا أذن له قال : {هاؤم اقرأوا كتابيه} ، وقال آخرون : ~~الأظهر أنها إذا خرجوا من النار ، والإيمان يؤنسهم وقت العذاب ، قال : وهذا ~~هو ظاهر الآية ؛ لأن من يسير إلى النار كيف يقول : {هاؤم اقرأوا كتابيه}. ~~ثم قال : والمخلدون في النار من أهل الكفر هم الذين يؤتون كتابهم بشمالهم ، ~~وقال في آية الانشقاق : من ينفذ فيه الوعيد من العصاة ، يعطى كتابه عند ~~خروجه من النار ، وقد جوز قوم أن يعطاه أولا قبل دخوله النار ، وهذه الآية ~~ترد عليه. ه. يعني قوله : {وينقلب إلى أهله مسرورا} [الانشقاق : 9]. # جزء : 8 رقم الصفحة : 126 # قلت : والذي يظهر من الأحاديث التي في أخبار البعث : أن الصحف تنشر دفعة ~~واحدة للطائع والعاصي ، والمؤمن والكافر ، فالمؤمن يأخذ كتابه بيمينه ، ~~فيسر ، فإن كان كاملا فسروره ظاهر ، وإن كان عاصيا فرح أن مآله للجنة ، ~~ويجوز أن يبهم الأمر عليه حينئذ ، فيفرح لظنه النجاة ، فإن مر على الصراط ~~زلت قدمه لمكان معاصيه ، فينفذ فيه الوعيد ، ثم يخرج ، وأما بعد خروجه من ~~النار وحسابه حينئذ فبعيد جدا ، لم يرد به نص. PageV08P189 # قال الشيخ ابن أبي جمرة رضي الله عنه : عادته تعالى في التنزيل أن يذكر ~~الكامل في الطاعة ، والكامل في العصيان أي : الكفر ويسكت عن المخلط ، فدل ~~على أنه يرى من هذا ويرى من هذا. ه. بالمعنى. فالذي يقول : {هاؤم اقرأوا ~~كتابيه} هو الكامل ، أو الذي حوسب وعفي عنه ، وأما العاصي الذي ينفذ فيه ~~الوعيد ، فلعله يسكت. ms3190 والله تعالى أعلم ، وسترد وتعلم. # ثم قال تعالى : {فليس له اليوم هاهنا حميم} أي : قريب يحميه ويدفع عنه ؛ ~~لأن أولياءه الذين يتحامونه يفرون منه ، {ولا طعام إلا من غسلين} وهو غسالة ~~أهل النار وصديدهم ، فعلين ، من الغسل ، والنون زائدة ، والمراد : ما يسيل ~~من جلودهم من الصديد والدم. وقال ابن عزيز : غسلين : غسالة أجواف أهل النار ~~، وكل جرح أو دبر غسلته ، فخرج منه شيء ، فهو غسلين. ه. {لا يأكله إلا ~~الخاطئون} ؛ الكافرون ، أصحاب الخطايا العظام. من خطىء الرجل : إذا تعمد ~~الذنب. أو من الخطأ ، المقابل للصواب ، وهو هنا : من أخطأ طريق التوحيد ، ~~وعن ابن عباس : هم المشركون. الإشارة : أهل اليمين من سبق لهم اليمن في ~~الأزل ، وأهل الشمال من سبق لهم الشؤم كذلك. وفي الحديث : " إن الله قبض ~~قبضة فقال : هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ، ثم # 129 PageV08P190 ~~قبض أخرى ، وقال : هؤلاء إلى النار ولا أبالي " أي : لا أبالي بما يعملون. ~~وقال القشيري : في إشارة الآية ما نصه : يشير إلى قوله عليه السلام في ~~أثناء حديث طويل : " قبض قبضة ، فإذا فيها آدم وبنوه ، فمسح بيده اليمنى ~~الجمالية اللطيفة على ظهره الأيمن الجمالي ، فأخرج منها ذراريه ، كالقبضة ~~البيضاء ، باليد الجمالية أصحاب اليمين ، ثم مسح بيده اليسى الجلالية ~~القهرية ، على ظهره الأيسر الجلالي ، فأخرج منه ذريته كالحمصة السوداء ، ~~باليد الجلالية ، أصحاب الشمال " أول ما في معناه. وقوله : (كتابيه) يشير ~~إلى الكتاب الاستعدادي ، المكتوب في الأزل ، على لوح جبين كل واحد ، بما ~~يعمل إلى الأبد. ه. فالكتاب الذي يعطى يوم القيامة نسخة مما سطر على لوح ~~الجبين ، الموافق للأزل ، فحكمته قيام الحجة في الظاهر ، فمن سبق له سهم ~~العناية تبجح به ، ويقول : هاؤم اقرأوا كتابيه ، إني تحققت في الدنيا أني ~~ملاق حسابيه. وعبر بالظن سترا لأهل الظنون والخواطر ، وتوسعة عليهم ، فهم ~~في الدارين في عيشة راضية ، في الدنيا في روح الرضا ونسيم التسليم وجنة ~~العرفان ، وفي الآخرة في مقعد صدق في جوار الرحمن ، في جنة عالية ، رفيعة ~~القدر حسا ومعنى ، قطوفها دانية. أما جنة المعارف ms3191 فقطوفها ما يتجتنى من ~~ثمار العلوم ، وفواكه الحكم ، وتزايد الفهوم ، وأما في الآخرة فزيادة ~~الترقي والكشف أبدا سرمدا ، ويقال لهم : كلوا من قوت أرواحكم وأشباحكم ، ~~واشربوا من خمرة قلوبكم وأسراركم ، من كأس المحبة ، والاجتباء ، هنيئا لا ~~كدر فيه ولا تعب ، بما أسلفتم في أيام مجاهدتكم الماضية ، ومن سبق لهم سهم ~~الشقاء يقول : يا ليته لم يكن شيئا ، ويتمنى بقاءه في حيز العدم ، ثم يلقى ~~من أنواع العذاب الجسماني والروحاني ، من البعد والطرد ما ذكره الحق تعالى ~~في بقية الآية ، نعوذ بالله من سوء القضاء ، ومن السلب بعد العطاء. # جزء : 8 رقم الصفحة : 126 PageV08P191 ~~يقول الحق جل جلاله : {فلا أقسم} أي : أقسم ، على أن " لا " مزيدة للتأكيد ~~، كقوله : {فلا وربك} [النساء : 65] أي : احلف {بما تبصرون} في عالم ~~الشهادة ، {وما لا تبصرون} مما هو في عالم الغيب ، أو بما تبصرون من الأرض ~~والسماء ، والأجسام والأجرام ، وما لا تبصرون من الملائكة والأرواح ، أو : ~~ما تبصرون من النعم الظاهرة ، وما لا تبصرون من النعم الباطنة. والتحقيق : ~~أنه أقسم بالكل {إنه} أي : القرآن {لقول رسول كريم} # 130 # على الله ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، أو جبريل عليه السلام ، أي : ~~يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله عز وجل ، {وما هو بقول شاعر} ~~كما تزعمون تارة ، {قليلا ما تؤمنون} أي : إيمانا قليلا تؤمنون ، {ولا بقول ~~كاهن} كما تزعمون ذلك تارة أخرى ، والكاهن هو الذي يخبر عن بعض المضمرات ، ~~فيصيب بعضها ويخطىء أكثرها ، ويزعم أن الجن تخبره بذلك ، ويدخل فيه : من ~~يخبر عن المغيبات من جهة النجوم أو الحساب ، {قليلا ما تذكرون} ، والقلة في ~~معنى العدم ، يقال : هذه أرض قلما تنبت ؛ أي : لا تنبت أصلا ، والمعنى : لا ~~تؤمنون ولا تذكرون ألبتة. # وقال ابن عطية : يحتمل أن تكون (ما) نافية ؛ فينتفي إيمانهم ألبتة ، ~~ويحتمل أن تكون مصدرية ، فيتصف إيمانهم بالقلة ، ويكون إيمانا لغويا ؛ ~~لأنهم صدقوا بأشياء يسيرة ، لا تغني شيئا. ه. فتحصل في (ما) ثلاثة أقوال ؛ ~~المشهور : أنها زائدة لتأكيد القلة. قال أبو السعود : قيل ms3192 : ذكر الإيمان مع ~~نفي الشاعرية ؛ لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بين ، لا ينكره إلا معاند ~~، بخلاف مباينته للكهانة ؛ فإنه يتوقف على تذكر أحواله صلى الله عليه وسلم ~~ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة ، ومعاني أقوالهم ، وأنت خبير بأن ~~ذلك أيضا مما لا يتوقف على تأمل قطعا. وقرىء بالياء فيهما. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 130 PageV08P192 ~~تنزيل من رب العالمين} أي : هو تنزيل ، وهو تقرير لكنه قول رسول كريم ، نزل ~~عليه من رب العالمين ، أنزله على لسان جبريل صلى الله عليه وسلم ، {ولو ~~تقول علينا} محمد {بعض الأقاويل} أي : ولو ادعى علينا شيئا لم نقله افتراء ~~علينا. سمى الافتراء تقولا ؛ لأنه قول متكلف ، والأقوال المفتراة أقاويل ، ~~تحقيرا لها ، كأنها جمع أفعولة ، من القول ، كالأضاحيك ، {لأخذنا منه ~~باليمين} أي : لقتلناه صبرا ، كما تفعل الملوك بمن يكذب عليهم ، معاجلة ~~بالسخط والانتقام ، فصور قتل الصبر بصورته ؛ ليكون أهول ، وهو أن يأخذ بيده ~~، وتصرب رقبته ، وخص اليمين ؛ لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه ~~أخذ بيساره ، وإذا أراد أن يوقعه في جيده ، وهو أن يكفحه بالسيف وهو أشد ~~على المصبور ؛ لنظره إلى السيف أخذه بيمينه ، ومعنى {لأخذنا منه باليمين} ~~: لأخذنا بيمينه ، {ثم لقطعنا منه الوتين} أي : لقطعنا وتينه ، وهو نياط ~~القلب ، إذا قطع مات صاحبه. {فما منكم} ، الخطاب للناس ، أو المسلمين ، {من ~~أحد} " من " زائدة ، {عنه} أي : عن القتل أو المقتول ، {حاجزين} ؛ دافعين ، ~~وجمعه ، وإن كان وصفا ل " أحد " ؛ لأنه في معنى الجماعة ؛ لأن النكرة بعد ~~النفي تعم. # {وإنه} أي : القرآن {لتذكرة} ؛ لعظة {للمتقين} لأنهم المنتفعون به ، ~~{وإنا لنعلم أن منكم مكذبين} فنجازيهم على تكذيبهم ، {وإنه لحسرة على ~~الكافرين} عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين له ، {وإنه لحق اليقين} أي : محض ~~اليقين الذي لا يحوم حوله ريب ما ، وحق اليقين فوق عين اليقين على ما يأتي. ~~{فسبح باسم ربك العظيم} أي : فسبح بذكر # 131 # اسمه العظيم ، تنزيها عن التقول عليه ، شكرا على ما أوحي إليك ، أي : قل ~~سبحان الله العظيم شكرا لنعمة الوحي والاصطفاء. PageV08P193 # الإشارة ms3193 : أقسم تعالى بذاته المقدسة ، ما وقع به التجلي وما لم يقع ، أي : ~~ما ظهر منها في عالم الشهادة ، وما لم يظهر ، على حقية القرآن ، وأنه خرج ~~من حضرة الحق ، إلى الرسول الحق ، ناطقا بالحق ، على لسان السفير الحق ، ~~متجليا من ذات الحق ، واصلا من الحق إلى الحق ، مشتملا على علم اليقين ، ~~وعين اليقين ، وحق اليقين ، فعلم اليقين : ما أدراك من جهة البرهان ، وعين ~~اليقين : ما أدراك بالكشف والبيان ، وحق اليقين : ما أدراك بالشمول والبيان ~~، ومثال ذلك تقريبا ، وجود مكة مثلا ، فمن لم يرها فقد حصل له بالإخبار علم ~~اليقين ، ومن رآها ، ولم يدخلها ، فقد حصل له عين اليقين ، ومن دخلها وعرف ~~أماكنها وأزقتها ، فقد حصل له حق اليقين ، وكذلك شهود الحق تعالى ، فمن ~~تحقق بوجوده من جهة الدليل فعنده علم اليقين ، ومن كشف له عن حس الكائنات ، ~~وشاهد أسرار الذات ، لكنه لم يتمكن من دوام شهودها ، فعنده عين اليقين ، ~~ومن تمكن من شهودها ورسخ في المعرفة ، فعنده حق اليقين. وبالله التوفيق ، ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # 132 # جزء : 8 رقم الصفحة : 130 PageV08P194 ### | AUTO سورة المعارج # جزء : 8 رقم الصفحة : 132 # يقول الحق جل جلاله : {سأل سائل} ، قرأ نافع والشامي بغير همز ، إما من ~~السؤال ، على لغة قريش ، فإنهم يسهلون الهمز ، أو من السيلان ، ويؤيده أنه ~~قرىء " سال سيل " أي : سال واد {بعذاب واقع للكافرين} يوم القيامة ، ~~والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه ، أو في الدنيا ، وهو عذاب يوم بدر ، وقرأ ~~الباقون بالهمز ، من السؤال ، أي : طلب طالب ، وهو النضر بن الحارث ، حيث ~~قال استهزاء : {إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء} ~~[الأنفال : 32] وقيل : أبو جهل ، حيث قال : {فأسقط علينا كسفا من السمآء} ~~[الشعراء : 187] ، وقيل : هو الحارث بن النعمان الفهري ، وذلك أنه لما بلغه ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ، ~~قال : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء ، فما ~~لبث حتى رماه الله ms3194 بحجر ، فوقع على دماغه ، فخرج من أسفله ، فهلك من ساعته. # 133 PageV08P195 ~~وقوله تعالى : {بعذاب} إذا كان " سال " من السيلان ، فالباء على بابها ، أي ~~: سال واد بعذاب للكافرين ، وإذا كان من السؤال فالباء بمعنى " عن " كقوله ~~تعالى : {فسئل به خبيرا} [الفرقان : 59] أي : سأل عن عذاب ، أو ضمن " سأل " ~~معنى دعا ، فعدى تعديته ، من قولك : دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه ، ومنه ~~قوله تعالى : {يدعون فيها بكل فاكهة} [الدخان : 55] أي : دعا داع بعذاب ~~واقع لا محالة ، إما في الدنيا أو الآخرة ، و" للكافرين " : صفة ثانية ~~لعذاب ، أي : بعذاب واقع حاصل للكافرين ، أو متعلق بسأل ، أي : دعا ~~للكافرين بعذاب واقع ، {ليس له} أي : لذلك العذاب {دافع} ؛ راد {من الله} : ~~متصل بواقع ، أي : واقع من عند الله ، أو بدافع ، أي : ليس له دافع من جهته ~~تعالى إذا جاء وقته ، والجملة : صفة أخرى لعذاب ، أو حال منه أو استئناف. ~~{ذي المعارج} أي : ذي المصاعد ، التي تصعد فيها الملائكة بالأوامر والنواهي ~~، وهي السموات المترتبة بعضها فوق بعض ، أو : ذي الفواضل العالية ، أو ~~معالي الدرجات ، أو الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب والعمل الصالح ، أو ~~: يرقى فيها المؤمنون في سلوكهم. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 133 PageV08P196 ~~تعرج الملائكة والروح} أي : جبريل عليه السلام ، أفرد بالذكر لتميزه وفضله ~~، أو الروح : خلق من الملائكة هم حفظة على الملائكة ، كما أن الملائكة حفظة ~~علينا ، أو : أرواح المؤمنين عند الموت ، فإنها تعرج إلى سدرة المنتهى ، ~~فتحاسب ، ثم تدخل الجنة لترى مقعدها ، ثم ترجع للسؤال في القبر ، وقوله ~~تعالى : {إليه} أي : إلى عرشه ومهبط أمره {في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة} مما يعده الناس ، وهو بيان لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها ، على ~~منهاج التمثيل والتخييل. والمعنى : أنها من الارتفاع بحيث لو قدر قطعها في ~~زمان ؛ لكان ذلك الزمان مقدار خمسين ألف سنة من سني الدنيا ، وقيل : معناه ~~: تعرج الملائكة والروح إلى عرشه تعالى في كل يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ~~، أي : يقطعون في يوم ما يقطعه الإنسان في خمسين ألف سنة. ms3195 # وقد تقدم الجواب في سورة السجدة عن المعارضة بين ما هنا وبين قوله هناك : ~~{كان مقداره ألف سنة} [السجدة : 5] ، وحاصله : أن الحق تعالى موجود في كل ~~زمان ومكان ، فلا يخلو منه مكان ولا زمان ، فحيث علق العروج بتدبير الأمر ~~قرب المسافة ، وحيث علقه بذاته ، بحيث جعل العروج إليها ، بعدها ؛ تنبيها ~~على علو شأنه وارتفاع عظمته. وقيل : هو من [صلة] قوله : {واقع} أي : يقع ~~ذلك العذاب في يوم طويل ، مقداره خمسون ألف سنة ، وهو يوم القيامة ، فإما ~~أن يكون استطالته كناية عن شدته على الكفار ، أو لأنه يطول حقيقة ، فقد قيل ~~: فيه خمسون موطنا ، كل موطن ألف سنة ، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين ~~الظهر والعصر أو أقل ، على قدر التخفيف اليوم ، وفي حديث أبي سعيد الخدري : ~~قيل : يا رسول الله ، ما أطول هذا اليوم ؟ فقال عليه السلام : # 134 PageV08P197 ~~" إنه ليخف على المؤمن ، حتى يكون أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا ". ~~وقال عبد الحق في العاقبة : إن طول اليوم ذلك المقدار ، ولكن من الناس من ~~يطول قيامه وحبسه إلى آخر اليوم ، ومنهم من ينفصل في مقدار يوم من أيام ~~الدنيا ، وفي ساعة من ساعته ، وفي أقل من ذلك ، يكون رائحا في ظل كسبه ، ~~وعرش ربه ، ومنهم من يؤمر به للجنة من غير حساب ولا عذاب ، كما أن منهم من ~~يؤمر به إلى النار في أول الأمر ، من غير وقوف ولا انتظار ، أو بعد يسير من ~~ذلك. ه. وقال القشيري ما معناه : يحاسب الخلق في يوم قصير ووقت يسير ، ما ~~لو كان الناس يشتغلون به لكان ذلك خمسين ألف سنة ، والله يجري ذلك ويمضيه ~~في يوم واحد. ه. بعيد. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 133 PageV08P198 ~~فاصبر} يا محمد {صبرا جميلا} ، وهو متعلق ب " سأل سائل " لأن استعجال النضر ~~بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والتكذيب بالوحي ، وكان ذلك مما يؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام فأمر ~~بالصبر عليه. والصبر الجميل : ألا يصحبه جزع ولا شكوى. ms3196 قال بعضهم : الأمر ~~بالصبر الجميل محكم في كل حال ، فلا نسخ فيه ، وقيل : نسخ بالقتال. {إنهم} ~~أي : الكفار {يرونه} أي : العذاب ، أو يوم القيامة {بعيدا} ؛ مستحيلا ، ~~{ونراه قريبا} ؛ كائنا لا محالة ، فالمراد بالبعيد : البعيد من الإمكان ، ~~وبالقريب : القريب منه ، أي : ونعلمه هينا في قدرتنا غير بعيد علينا ولا ~~متعذر. ثم بين وقته بقوله : {يوم تكون السماء كالمهل} ، فهو متعلق ب " ~~قريبا " أي : يمكن ويقع في ذلك اليوم. قال أبو السعود : ولعل الأقرب أن ~~قوله تعالى : {سأل سائل} حكاية لسؤالهم المعهود ، على طريقة قوله تعالى : ~~{يسئلونك عن الساعة} [الأعراف : 187والنازعات : 42] وقوله تعالى : {ويقولون ~~متى هذا الوعد} [يونس : 48] ونحوه ، إذ هو المعهود بالوقوع على الكافرين ، ~~لا ما دعا به النضر أو أبو جهل أو الفهري ، فالسؤال بمعناه ، والباء بمعنى ~~" عن " ، وقوله تعالى : {ليس له دافع ، من الله} : استئناف مسوق لبيان وقوع ~~المسؤول عنه لا محالة ، وقوله تعالى : {فاصبر صبرا جميلا} مترتب عليه ، أي ~~: فاصبر فإنه يقع لا محالة. وقوله تعالى : {إنهم يرونه بعيدا...} الخ تعليل ~~للأمر بالصبر. وقوله تعالى : {يوم تكون} : متعلق ب " ليس له دافع " أو : ~~بما يدل عليه ، أي : يقع يوم تكون السماء كالمهل ، وهو ما أذيب على مهل من ~~النحاس والقار ، وقيل : كدردي الزيت. ه. {وتكون الجبال كالعهن} ؛ كالصوف ~~المصبوغ ألوانا ؛ لأن الجبال {جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود} ~~[فاطر : 27] ، فإذا بست ، وطيرت في الجو أشبهت العهن المنفوش PageV08P199 ~~إذا أطارته الريح ، {ولا يسأل حميم حميما} أي : لا يسأل قريب عن قريبه ~~لاشتغاله بنفسه ، ومن قرأ بضم الياء فمعناه : لا يسأل عنه ، بل كل واحد ~~يسأل عن نفسه ، فلا يطالب أحد بذنب أحد. # 135 # {يبصرونهم} أي : يبصر الأحماء قرباءهم ، فلا يخفون عنهم ، وما يمنعهم من ~~السؤال إلا اشتغالهم بحال أنفسهم. والجملة صفة لحميم ، أي : حميما مبصرين ، ~~أو : استئناف بياني ، كأنه قيل : لعله لا يبصر به ، فقيل : يبصرونهم ولكن ~~لتشاغلهم لم يتمكنوا من التساؤل عنهم ، وإنما جمع الضميران ، وهما للحميمين ~~لعموم الحميم ، ولأن فعيلا يقع على الجمع. {يود المجرم} أي ms3197 : يتمنى الكافر ~~، وقيل : كل مذنب ، {لو يفتدي من عذاب يومئذ} أي : العذاب الذي ابتلي به ~~يومئذ. وقرأ نافع والكسائي بفتح الميم على البناء لإضافته إلى غير متمكن ، ~~{ببنيه وصاحبته} أي : زوجته {وأخيه} ، والجملة استئنافية ، لبيان أن اشتغال ~~كل واحد منهم بنفسه بلغ إلى حيث يتمنى أن يفتدى بأقرب الناس إليه ، و" لو " ~~تمنية ، أو مصدرية ، أي : يود فداء ببنيه.. الخ {وفصيلته} أي : عشيرته ~~الأدنين ، التي انفصل عنها ، {التي تؤويه} أي : تضمه في النسب ، أو عند ~~الشدائد ، {ومن في الأرض جميعا} من الخلائقن يتمنى الافتداء بهم ، {ثم ~~ينجيه} الافتداء ، وهو عطف على " يفتدي " أي : يود لوم يفتدي ثم لو ينجيه ~~الافتداء ، و" ثم " لاستبعاد الإنجاء ، يعني : يتمنى لو كان هؤلاء جميعا ~~تحت يده ، وبذلهم في فداء نفسه ، ثم ينجيه ذلك ، وهيهات. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 133 PageV08P200 ~~كلا} ، ردع للمجرم عن الودادة ، وتصريح بامتناع الافتداء ، {إنها} أي : ~~النار ، المدلول عليها بالعذاب ، أو ضمير مبهم ، ترجم عنه الخبر ، أو ضمير ~~القصة ، {لظى} علم للنار ، منقول من اللظى بمعنى اللهب ، {نزاعة للشوى} ؛ ~~خبر بعد خبر ، ومن نصب فعلى الحال المؤكدة ، أو على الاختصاص للتهويل. ~~والشوى : أطراف الإنسان ، كاليدين والرجلين ، أو : جمع شواة ، وهي جلدة ~~الرأس ، تنزعها النار نزعا ، فتفرقها ، ثم تعود إلى ما كانت. {تدعو} أي : ~~تجذب ، وتخطف ، أو : تدعوهم بأسمائهم : يا كافر يا منافق إلي ، وقيل : تدعو ~~المنافقين بلسان فصيح ، ثم تلتقطهم التقاط الحب ، أو : تهلك ، من قولهم : ~~دعاك الله ، أي : أهلكك ، أو : لما كان مصيره إليها جعلت كأنها دعته. وقيل ~~: تدعو زبانيتها ، ومفعول تدعو : {من أدبر} عن الحق {وتولى} ؛ أعرض عن ~~الطاعة ، {وجمع} المال {فأوعى} ؛ جعله في وعاء ، وكنزه ولم يؤد حق الله فيه ~~، أو تشاغل به عن الدين ، وزهى باقتنائه حرصا وتأميلا ، عائذا بالله من ذلك. # الإشارة : سال إلى قلوب أهل الغفلة والإنكار سايل من بحر الهوى ، بعذاب ~~واقع نازل بقلوبهم من الجزع والهلع والشكوك والخواطر ، أو : سأ سائل عن ~~عذاب واقع لأهل الإنكار ، وهو غم الحجاب ، وسوء الحساب ، ليس له ms3198 دافع من ~~جهته تعالى ؛ لأنه حكم به على أهل البعد والإنكار. وهو تعالى ذو المعارج ، ~~أي : ذو المراقي ، تترقى إليه الأرواح والأسرار ، من مقام إلى مقام ، من ~~مقام الإسلام إلى الإيمان ، ومن الإيمان إلى الإحسان ، أو : من عالم إلى ~~عالم ، من عالم الملك إلى الملكوت ، ومن عالم الملكوت # 136 PageV08P201 ~~إلى الجبروت ، ومن عالم الجبروت إلى الرحموت. تعرج الملائكة والروح إليه ، ~~أما الملائكة فتنتهي إلى الدهش والهيمان ، وأما الروح الصافية فتنتهي إلى ~~شهود الذات بالصحو والتمكين ، وهذا مقام خاصة الخاصة من النبيين والصديقين ~~، تنتهي إلى هذا المقام في زمن يسير ، إن سبقت العناية واتصل صاحبها ~~بالخبير ، وفي زمن طويل إن لم يتصل بالخبير ، ولذلك قال تعالى : {في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة} أي : يقطع ذلك في يوم كان مقداره لو صار بنفسه ~~خمسن ألف سنة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 133 PageV08P202 ~~واعلم أن الحق تعالى لا يتصف بقرب ولا بعد ، هو أقرب إلى كل شيء من كل شيء ~~، وإنما بعد النفوس جهلها به تعالى ووهمها وغفلتها ، فإذا ارتفع الجهل ~~والوهم ، وجدت الحق كان قريبا وهي لا تشعر. قال الورتجبي : ليس للحق مكان ~~ومنتهى ، حتى أن الخلق يعرجون إليه ، بل إن ظهور عزته وجلاله في كل ذرة ~~عيان ، فإذا رفعت القرب والبعد من حيث المسافة ، وأدرجت الأوهام والأفهام ؛ ~~لم يكن بين الحق والروح فصل ، وصول الحق لأهل الحق بأقل طرفة ، فإن الوصل ~~منه ، وهو قريب غير بعيد. ه. فاصبر أيها السائر صبرا جميلا ؛ لتظفر بالوصل ~~الدائم ، إنهم أي أهل الغفلة يرونه بعيدا ، ونراه قريبا لمن قربته عليه ، ~~يوم تكون السماء كالمهل ، أي : وقت الوصول هو حين تتلطف العوالم وتذوب ~~الكائنات ، فيتصل بحر الأزل بما لم يزل ، فلم يبق إلا الأزل ، قال بعض ~~المحققين : حقيقة المشاهدة : تكثيف اللطيف ، وحقيقة المعاينة : تلطيف ~~الكثيف ، فافهم. ولا يسأل حميم حميما ، أي : لا مودة بين أهل البعد وأهل ~~القرب ، ولو كان من أقرب الناس إليه نسبا ، وهذا مثل قوله : {لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم ألآخر يوآدون ms3199 من حآد الله ورسوله...} [المجادلة : 22] ~~الآية. يود المجرم ، حين يرى ما خص الله به أولياءه من العز والقرب ، لو ~~يفتدي بجميع ما يملك ، بل بجميع أهل الأرض مما نزل به من عذاب القطيعة ~~والبعد ، كلا إنها ، أي : نار القطيعة ، لظى ، نزاعة لرفعة الرؤوس ، بل ~~تحطها عن مراتب المقربين ، تدعوا من أدبر عن المجاهدة والتربية ، وجمع ~~الدنيا فأوعاها. # جزء : 8 رقم الصفحة : 133 # 137 PageV08P203 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الإنسان خلق هلوعا} ، قال ابن عباس : الهلوع : ~~الحريص على ما لا يجده ، وعن الضحاك : هو الذي لا يشبع. وأصل الهلع : أشد ~~الحرص وأسوأ الجزع ، قال صلى الله عليه وسلم : " شر ما أعطي العبد شح هالع ~~، وجبن خالع " ، وأحسن تفاسيره : ما فسره به الحق تعالى بقوله : {إذا مسه ~~الشر جزوعا} ؛ مبالغ في الجزع ، {وإذا مسه الخير} أي : السعة والعافية ~~{منوعا} ؛ مبالغا في المنع والإمساك ، وسئل ثعلب عن الهلوع ، فقال : قد ~~فسره الله تعالى ، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره ، وهو الذي إذا ناله شر ~~أظهر شدة الجزع ، وإذا ناله خير بخل ومنع ، وهذا طبعه ، وهو مأمور بمخالفة ~~طبعه ، وموافقة شرعه. والشر : الضر والفقر ، والخير : السعة والغنى. # ثم استثنى من الإنسان ؛ لأن المراد به الجنس ، فقال : {إلا المصلين الذين ~~هم على صلاتهم دائمون} لا يشغلهم عنها شاغل ؛ لاستغراقهم في طاعة الخالق ، ~~واتصافهم بالإشفاق على الخلق ، والإيمان بالجزاء ، والخوف من العقوبة ، ~~وكسر الشهوة ، وإيثار الآجل على العاجل ، على خلاف القبائح المذكورة ، التي ~~طبع عليه البشر. قال ابن جزي : لأن صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا ~~، فلا يجزعون من شرها ، ولا يبخلون بخيرها. ه. وسيأتي في الإشارة تحقيقها ~~إن شاء الله. {والذين في أموالهم حق معلوم} يعني الزكاة ؛ لأنها مقدرة ~~معلومة ، أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه ، يؤديها في أوقات معلومة ، ~~{للسائل} الذي يسأله ، {والمحروم} الذي لا يسأله تعففا ، فيظن أنه غني ، فيحرم. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 137 PageV08P204 ~~والذين يصدقون بيوم الدين} أي : يوم الجزاء والحساب ، فيتعبون أنفسهم في ~~الطاعات البدنية والمالية ؛ طمعا في المثوبة الأخروية ms3200 ، فيستدل بذلك على ~~تصديقهم بيوم الجزاء. {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} ؛ خائفون على أنفسهم ~~مع ما لهم من الأعمال الفاضلة ، استقصارا لها ، واستعظاما لجانبه عز وجل ، ~~كقوله : {والذين يؤتون مآ ءاتوا وقلوبهم وجلة...} [المؤمنون : 60] ، الخ ~~{إن عذاب ربهم غير مأمون} ، هو اعتراض مؤذن بأنه لا ينبغي لأحد أن يأمن من ~~عذابه تعالى ، ولو بلغ في الطاعة ما بلغ ، بل ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء ~~كجناحي الطائر. # {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم} ؛ نسائهم ، {أو ما ملكت ~~أيمانهم} أي : إيمائهم {فإنهم غير ملومين} على ترك الحفظ ، {فمن ابتغى} أي ~~: طلب منكحا {وراء ذلك} غير الزوجات والممولكات {فأولئك هم العادون} ؛ ~~المتعدون لحدود الله ، المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام. وهذه الآية تدل ~~على حرمة المتعة ووطء # 138 # الذكران والبهائم ، والاستمناء بالكف ، لكنه أخف من الزنا واللواط. # {والذين هم لأماناتهم} وهي تتناول أمانات الشرع ، وهي التكاليف الشرعية ، ~~وأمانات العباد ، {وعهدهم} أي : عهودهم ، ويدخل فيه عهود الخلق ، والنذور ~~والأيمان ، {راعون} ؛ حافظون ، غير خائنين ، ولا ناقضين ، وقيل : الأمانات ~~: ما تدل عليه العقول ، والعهد : ما أتى به الرسول. {والذين هم بشهادتهم ~~قائمون} يقيمونها عند الحكام بالعدل ، بلا ميل إلى قريب وشريف ، ولا ترجيح ~~للقوي على الضعيف ، وإظهار للصلابة في الدين ، وإحياء لحقوق المسلمين ، ~~وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في الأمانات ؛ لإبانة فضلها. PageV08P205 # {والذين هم على صلاتهم يحافظون} ؛ يراعون شرائطها ، ويكملون فرائضها وسننها ~~ومستحباتها ، وكرر ذكرها لبيان أنها أهم ، أو : لأن إحداهما للفرائض ، ~~والأخرى للنوافل. وقيل : الدوام عليها : الاستكثار من تكررها ، والمحافظة ~~عليها : ألا تضيع عن أوقاتها ، أو : الدوام عليها : أداؤها في أوقاتها ، ~~والمحافظة عليها : إتقانها وحفظ القلب في حضورها ، أو : المراد بالأولى : ~~صلاة القلوب ، وهي دوام الحضور مع الحق ، وبالثانية : صلاة الجوارح. وتكرير ~~الموصولات تنزيل لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذوات ، إيذانا بأن كل واحد ~~من الصفات المذكورة نعت جليل على حياله له شأن خطير ، حقيق بان يفرد له ~~موصوف مستقل ، ولا يجعل شيء منها تتمة للآخر. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 137 # أولئك} أي : أصحاب هذه ms3201 الصفات الجليلة. وما فيه من معنى البعد مع قرب ~~العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنهم وبعد منزلتهم في الفضل ، {في جنات ~~مكرمون} أي : مستقرون في جنات لا يقادر قدرها ، ولا يدرك كنهها ، معظمون ~~فيها ، منعمون ، وهما خبران للإشارة ، أو : : في جنات " متعلق بمكرمون. PageV08P206 # الإشارة : طبع الإنسان من حيث هو : الجزع والهلع ، لخراب الباطن من النور ، ~~إلا أهل التوجه ، وهم من من الله عليهم بصحبة أهل الغنى بالله ، وهم الذين ~~ذكر الله بقوله : {على صلاتهم دائمون} أي : صلاة القلوب ، وهي دوام الحضور ~~مع الحق ، باستغراق أفكارهم في أسرار التوحيد ، وهو مقام الفناء في الذات ، ~~فهم الذين تطهروا من الهلع لما باشر قلوبهم من صفاء اليقين ، فمن لم يبلغ ~~هذا لا ينفك طبعه عن الهلع والطمع ، ولو بلغ ما بلغ. قيل لبعضهم : هل ~~للقلوب صلاة ؟ قال : نعم إذا سجد لا يرفع رأسه أبدا. ه. أي : إذا واجهته ~~أنوار المواجهة خضع لها على الدوام ، {والذين في أموالهم} أي : فيما منحهم ~~الله من العلوم والأسرار ، حق معلوم للسائل ، وهو طالب الوصول ، والمحروم ، ~~وهو طالب التبرك ، لكثرة علائقه ، أو : لضعف همته ، أو : للسائل ، وهو من ~~دخل تحت تصرفهم ، والمحروم : من لم يدخل في تربيتهم ، فله حق ، بإرشاده إلى ~~ما يصلحه مما يقدر عليه وينفعه. والذين يصدقون بيوم الدين ، فيجعلونه نصب ~~أعينهم ، فيجتهدون في الاستعداد له. # 139 PageV08P207 ~~{والذين هم من عذاب ربهم} وهو عذاب القطيعة {مشفقون إن عذاب ربهم غير ~~مأمون} ولو بلغ العبد من التمكين ما بلغ ؛ لأن الله مقلب القلوب ولا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون. {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم} فإنهم ينزلون إلى القيام بحقهن بالإذن والتمكين ، ~~والرسوخ في اليقين ، فمن ابتغى وراء ذلك ؛ بأن قصد شهوة المتعة ، فأولئك هم ~~العادون ، تجب عليهم التوبة ، والذين هم لأماناتهم ، وهي أنفاس عمرهم ، ~~وساعات أوقاتهم ، أو : الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال ، ~~{وعهدهم} الذي أخذ عليهم في عالم الذر ، وهو الإقرار بالربوبية ، والقيام ~~بوظائف العبودية ، {راعون} ، فهم يراعون ms3202 أنفاسهم وساعاتهم ، ويحافظون عليها ~~من التضييع ، ويراعون عهودهم السابقة واللاحقة ، أي مع الله ، ومع عباده ، ~~فيوفون بها ما استطاعوا ، والمراد نية الوفاء ، لا الوفاء بالفعل ، فمن عقد ~~عهدا ونيته الوفاء ، ثم منعته الأقدار ، فهو واف به. والذين هم بشهادتهم ~~لأنوار الربوبية قائمون بالأدب معها. والذين هم على صلاتهم الواجبة يحافظون ~~، شكرا وأدبا. أولئك في جنات المعارف ، مكرمون في الدنيا والآخرة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 137 PageV08P208 ~~يقول الحق جل جلاله : {فمال الذين كفروا} ، وكتب مفصولا اتباعا للمصحف ، أي ~~: أي شيء حصل لهم حتى كانوا {قبلك} أي : حولك {مهطعين} مسرعين ، مادين ~~أعناقهم إليك ، مقبلين بأبصارهم عليك ، {عن اليمين وعن الشمال} أي : عن ~~يمينك وشمالك {عزين} ؛ متفرقين فرقا شتى. جمع : عزة ، وأصلها : عزوة ، من ~~العزو ، فعوضت التاء من الواو ، كأن كل فرقة تعزى إلى غير من تعزى إليه ~~الأخرى. والعزة : الفرقة القليلة ، ثلاثة أو أربعة. كان المشركون إذا رأوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الكعبة يقومون من مجالسهم مسرعين ~~إليه ، ويحلقون حوله حلقا حلقا ، وفرقا فرقا ، يستمعون ويستهزئون بكلامه ~~صلى الله عليه وسلم ويقولون : شاعر ، كاهن ، مفتر ، ثم يقولون : إن دخل ~~هؤلاء الجنة كما يقول محمد ، فلندخلنها قبلهم ، فنزلت : {أيطمع كل امرىء ~~منهم أن يدخل جنة نعيم} بلا أيمان. # 140 PageV08P209 ~~{كلا} ، ردع لهم عن ذلك الطمع الفارغ ، وهو دخولهم الجنة بلا إيمان {إنا ~~خلقناهم مما يعلمون} ، تعليل للردع ، أي : إنا خلقناهم من نطفة مذرة ، فلا ~~يستأهل الكرامة إلا من تحلى بالإيمان والطاعة ، وكسا لوث بشريته بنور ~~إيمانه ، وحلها بالتقوى ، التي بها العز والشرف والارتفاع في أوج القربى ~~والكرامة التي محلها الجنة ، إنما تكون بمخالفة الطبيعة ، وغلبة الروح على ~~الطينة الأرضية ، والفرض لعدم ذلك منهم ، فلا يطمعون في كرامات الروحانية ، ~~مع تمحض الطينة الجسمانية ، فإنه محال بمقتضى الحكمة. قال أبو السعود : ~~وقيل معناه : إنا خلقناهم من نطفة مذرة ، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ، ~~ويقولون : لندخلن الجنة قبلهم ؟ والفرض أنهم مخلوقون من نطفة قذرة ، لا ~~تناسب عالم القدس ، فمن لم يستكمل الإيمان ms3203 والطاعة ، ولم يتخلق بأخلاق ~~الملائكة ، لم يتأهل لدخولها. ثم قال : ولا يخفى ما في الكل من التمحل ، ~~والأقرب : أنه كلام مستأنف ، سيق تمهيدا لما بعده من بيان قدرته تعالى ، ~~على أن يهلكهم ، لكفرهم بالبعث والجزاء ، واستهزائهم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وبما نزل عليه من الوحي ، وادعائهم دخول الجنة بطريقة السخرية ~~، وينشىء بدلهم قوما آخرين ، فإن قدرته على ما يعلمون من النشأة الأولى حجة ~~بينة على قدرته تعالى على ذلك ، كما يفصح عنه الفاء الفصيحة في قوله تعالى ~~: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} ، والمعنى : إذا كان الأمر كما ذكرنا من ~~أنا خلقناهم مما يعلمون فأقسم برب المشارق والمغارب {إنا لقادرون على أن ~~نبدل خيرا منهم} أي : نهلكهم بالمرة ، حسبما تقتضيه جنايتهم ، ونأتي بدلهم ~~بخلق آخرين ليسوا على صفتهم. ه. {وما نحن بمسبوقين} ؛ بعاجزين ، أو ~~بمغلوبين إن أردنا ذلك ، لكن مشيئتنا المبنية على الحكمة البالغة اقتضت ~~تأخير عقوبتهم. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 140 PageV08P210 ~~فذرهم} ؛ فدع المكذبين {يخوضوا} في باطلهم ، التي من جملتها ما حكي عنهم ، ~~{ويلعبوا} في دنياهم {حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون} ، وهو يوم البعث عند ~~النفخة الثانية ، يدل عليه قوله تعالى : {يوم يخرجون من الأجداث} ؛ القبور ~~{سراعا} ؛ جمع سريع ، وهو حال من ضمير " يخرجون " أي : مسرعين إلى الداعي ~~{كأنهم إلى نصب} ، وهو كل ما نصب وعبد من دون الله ، وفيه السكون والفتح. ~~{يوفضون} ؛ يسرعون ، {خاشعة أبصارهم} ، ذليلة ، لا يرفعونها خوفا وذلة ، ~~{ترهقهم ذلة} : يغشاهم هوان شديد ، {ذلك} أي : الذي ذكر ما سيقع فيه من ~~الأحوال الهائلة هو {اليوم الذي كانوا يوعدون} في الدنيا ، وهم يكذبون به. # الإشارة : فما لأهل الإنكار والغفلة قبلك أيها الداعي مسرعين ، يحبون ~~الخصوصية بلا مجاهدة ، أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم الأرواح ، وهي ~~جنة المعارف ، كلا ، إنا خلقناهم مما يعلمون من الطينة الأرضية ، فلا يطمع ~~أحد في الخصوصية ، حتى تستولي روحانيته على بشريته ، ومعناه على حسه ، ~~وتخنس الطينية الطبيعية تحت أنوار # 141 # الحقيقة القدسية. قال الورتجبي : امتن الله على أوليائه الصادقين أنه ms3204 ~~يلبغهم إلى جواره ؛ لأنهم خلقوا من تربة الجنة ، وخلقت أرواحهم من نور ~~الملكوت ، وإلى مواضعها ترجع ، وللقائه خلقهم ، ومن نوره أوجدهم ، وإن أهل ~~الخذلان خلقوا من عالم الشهواني والشيطاني ، ومنبعهما النار ، فيدخلون ~~مواضعهم ؛ لأنهم ليسوا من أهل جواره ، ونحن لا ننظر إلى ما خلقنا منه من ~~النطفة والطين ، ولا نعتبر بهما ، نحن نعتبر بالاصطفائية والخاصية في ~~المعرفة ، فإن بهما نصل إلى جوار الله تعالى. ه. PageV08P211 # قلت : والتحقيق أن البشرية كلها من الطين ، والروح كلها من النور الملكوتي ~~، فمن غلب منهما فالحكم له ، فإن غلبت الروح تنورت البشرية بأنوار الهداية ~~، وأشرق الباطن بأسرار المعارف ، وإن غلبت البشرية تظلمت الروح ، فتارة ~~يبقى لها شعاع الإيمان ، وهو مقام أهل اليمين ، وتارة ينطمس عنها ، وهو ~~مقام الكفر ، والعياذ بالله. وقوله : لأنهم خلقوا من تربة الجنة ، أي : من ~~التربة التي رش عليها من ماء الجنة ، حتى أضيفت إليها ، وقد تقدم عن ~~القشيري. والله تعالى أعلم. ثم أقسم تعالى على أنه قادر على تبديل الأشباح ~~فيبدل الخبيث إلى الطيب ، وبالعكس ، على حسب مشيئته ، ثم قال : فذر أهل ~~الغفلة يخوضوا في بواطنهم مع الخواطر ، ويلعبوا في ظواهرهم في أمور دنياهم ~~، حتى يلاقوا ما يوعدون ، فيقع الندم حيث لا ينفع. وبالله التوفيق ، وصلى ~~الله على سيدنا محمد ، وآله. # 142 # جزء : 8 رقم الصفحة : 140 PageV08P212 ### | AUTO سورة نوح # جزء : 8 رقم الصفحة : 142 # يقول الحق جل جلاله : {إنا أرسلنا نوحا} وهو أول ألي العزم. قيل : معناه ~~بالسريانية : الساكن ، وقيل : سمي له لكثرة نوحه شوقا إلى ربه ، {أن أنذر ~~قومك} أي : بأن أنذر ، فحذف الجار وأوصل الفعل ، ومحله عند الخليل : الجر : ~~وعند غيره : نصب ، أو : " أن " مفسرة ؛ لأن الإرسال فيه معنى القول ، فلا ~~يكون للجملة محل ، وقرىء : " أنذر " بغير " أن " ، أي : خوف قومك {من قبل ~~أن يأتيهم عذاب أليم} ؛ عذاب الآخرة ، أو الطوفان ، لئلا يبقى لهم عذر أصلا. # {قال يا قوم} ، أضافهم إلى نفسه إظهارا للشفقة {إني لكم نذير مبين} ؛ ~~منذر موضح لحقيقة الأمر ، أبين لكم رسالة ربي بلغة تعرفونها ms3205 ، {أن اعبدوا ~~الله} أي : وحدوه ، و" أن " هذه نحو " أن أنذر " على الوجهين ، {واتقوه} ؛ ~~واحذروا عصيانه ، {وأطيعون} فيما آمركم به وأنهاكم عنه ، وإنما أضافه إلى ~~نفسه ؛ لأن الطاعة تكون لغير الله بخلاف العبادة ، وطاعته هي طاعة الله. # {يغفر لكم من ذنوبكم} أي : بعض ذنوبكم ، وهو ما سلف في الجاهلية ، فإن ~~الإسلام يجبه ، إلا حقوق العباد ؛ فإنه يؤديها ، وقيل : " من " لبيان الجنس ~~، كقوله : {فاجتنبوا الرجس من الأوثآن} [الحج : 30]. قال ابن عطية : وكونها ~~للتبعيض أبين ؛ لكونه لو قال : يغفر لكم ذنوبكم ؛ لعم هذا اللفظ ما تقدم به ~~من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم ، والإسلام إنما يجب ما قبله. ه. قال ~~القشيري : ولأنه لو أخبرهم بغفران ما تقدم وما تأخر لكان إغراء لهم ، وذلك ~~لا يجوز. ه. {ويؤخركم إلى أجل مسمى} وهو وقت # 143 # موتكم ، فتموتون عند انقضاء آجالكم الذي تعرفونه من غير غرق ولا هلاك ~~استئصال ، فإن لم تؤمنوا عاجلكم بالعذاب ، فيكون هو آجالكم ، ولما كان ربما ~~يتوهم أن الأجل قد يتقدم ، رفعه بقوله : {إن أجل الله} وهو الموت عند تمام ~~الأجل {إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون} أي : لو كنتم تعلمون لسارعتم إلى ~~الإيمان قبل مجيئه ، فلا حجة فيه للمعتزلة. وانظر ابن جزي. # جزء : 8 رقم الصفحة : 143 PageV08P213 ~~الإشارة : قال القشيري : إنا أرسلنا الروح إلى قومه ، وهم : النفس والهوى ~~وصفاتهم الظلمانية الطبيعية ؛ أن أنذرهم عن المخالفة الشرعية ، من قبل أن ~~يأتيهم عذاب القطيعة ، قال : يا قوم إني لكم نذير بين الإنذار ، أن اعبدوا ~~الله ، بأن تحبوه وحده ، ولا تحبوا معه غيره ، من الدنيا ، وشهواتها ~~وزخارفها ، واتقوا بأن لا تروا معه سواه ، وأطيعوني في أقوالي وأفعالي ~~وأخلاقي وصفاتي ، يغفر لكم ذنوب وجودكم ، فيغطيه بنور وجوده ، ويؤخركم إلى ~~أجل مسمى ، بتسمية الأزل ، إن أجل الله بالموت الحسي والمعنوي ، لا يؤخر ، ~~لو كنتم تعلمون ، لكن انهماككم في حب الدنيا بعد عنكم الأجل. ه. بالمعنى. # جزء : 8 رقم الصفحة : 143 # يقول الحق جل جلاله : {قال} نوح شاكيا إلى الله تعالى : {رب إني دعوت ~~قومي} ms3206 إلى الإيمان والطاعة {ليلا ونهارا} دائما بلا فتور ولا توان ، {فلم ~~يزدهم دعائي إلا فرارا} مما دعوتهم إليه ، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده ~~، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار ، وهو كقوله : {وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا} [التوبة : 125] ، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس ، ~~لكن لما حصل عنده نسب إليه ، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه ~~السلام ويقول له : احذر هذا ، فلا يعرنك ، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. # {وإني كلما دعوتهم} إلى الإيمان بك {لتغفر لهم} أي : ليؤمنوا فتغفر لهم ، ~~فاكتفى بذكر المسبب ، {جعلوا أصابعهم في آذانهم} أي : سدوا مسامعهم لئلا ~~يسمعوا كلامي ، {واستغشوا ثيابهم} أي : وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني ، ~~كراهة النظر إلى وجه من # 144 # ينصحهم في دين الله ، {وأصروا} ؛ أقاموا على كفرهم {واستكبروا استكبارا} ~~أي : تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. PageV08P214 # {ثم إني دعوتهم جهارا} أي : مجاهرا ، فيكون حالا ، أو : مصدر " دعوت " ، ~~كقعد القرفصاء ؛ لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني : أظهرت الدعوة في ~~المحافل والمجالس. {ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا} أي : جمعت لهم بين ~~دعاء العلانية والسر ، فكنت أدعو كل من لقيت ، فردا وجماعة. والحاصل : أنه ~~دعاهم ليلا ونهارا في السر ، ثم دعاهم جهارا ، ثم دعاهم في السر والعلن ، ~~وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف ، يبتدىء بالأهون فالأشد ، افتتح ~~بالمناصحة بالسر ، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة ، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع ~~بين الإسرار والإعلان. و" ثم " تدل على تباعد الأحوال ؛ لأن الجهار أغلظ من ~~الإسرار ، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 144 PageV08P215 ~~فقلت استغفروا ربكم} بالتوبة من الكفر والمعاصي ، فالاستغفار : طلب المغفرة ~~، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر ، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب ، ~~{إنه كان غفارا} لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه ، {يرسل السماء} بالمطر ~~{عليكم مذرارا} ؛ كثير الدرور ، أي : البروز ، و" مفعال " يستوي فيه المذكر ~~والمؤنث ، {ويمددكم بأموال وبنين} أي : يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم ms3207 ، ~~{ويجعل لكم جنات} ؛ بساتين {ويجعل لكم أنهارا} جارية لمزارعكم وبساتينكم. ~~وكانوا يحبون الأموال والأولاد ، فحركوا بهذا على الإيمان ، وقيل : لما ~~كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر ، وأعقم نساءهم أربعين سنة ~~، أو سبعين ، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب ، ورفع عنهم ما ~~كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه : أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار ، ~~فمطر ، فقيل له : ما رأيناك استسقيت ؟ فقال : لقد استقيت بمجاديح السماء ~~التي لا تخطىء ، ثم قرأ الآية. وفي القاموس : ومجاديح السماء : أنواؤها. ه. ~~وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة ، فقال له : استغفر الله ، وشكى إليه آخر الفقر ~~، وآخر قلة النسل ، وآخر قلة غلة أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقيل له ~~في ذلك ، فقال : ما قلت من عندي شيئا ، ثم تلا الآية. PageV08P216 # {ما لكم لا ترجون لله وقارا} أي : لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش : الرجاء ~~هنا : الخوف ؛ لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار : العظمة. وقال ~~أبو السعود : الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة (ترجون) : حال من ضمير ~~المخاطبين ، و" لله " متعلق بمضمر ، حال من (وقارا) ، ولو تأخر لكان صفة له ~~، أي : أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم ~~بالإيمان والطاعة. ه. أو : لا تأملون له توقيرا ، أي : تعظيما ، والمعنى : ~~ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب ، ~~{وقد خلقكم أطوارا} في موضع الحال ، أي : ما لكم لا تؤمنون بالله ، والحال ~~أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية ، وهي أنكم تعلمون أنه # 145 # خلقكم أطوارا ، أي : أحوالا مختلفة ، خلقكم أولا نطفا ، ثم خلقكم علقا ، ~~ثم مضغا ، ثم عظاما ولحما ، ثم إنسانا ، ثم خلقا آخر ، وبعد ظهوره إلى هذا ~~العالم يكون شبابا ، ثم كهلا ، ثم شيخا ، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه ~~من القدرة القاهرة والإحسان التام ، مع العلم بها ، مما لا يكاد يصدر عن ~~العاقل. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 144 PageV08P217 ~~الإشارة : ينبغي للداعي أن يكون على ms3208 قدم أولي العزم ، لا يمل من التذكير ~~والدعاء إلى الله ، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار ، فلأن ~~يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى : ~~{وأصروا واستكبروا} ، قال القشيري : ويقال : لما دام إصرارهم تولد منه ~~استكبارهم ، قال تعالى : {فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} [الحديد : 16]. ~~وقال الورتجبي : من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة ، حتى يرى ~~قبيح أفعاله مستحسنا ، فإذا رآه مستحسنا يستكبر ، ويعلو على أولياء الله ، ~~ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل : الإصرار على الذنب يورث الاستكبار ، ~~والاستكبار يورث الجهل ، والجهل يورث التخطي في الباطل ، وذلك يورث قساوة ~~القلب ، وهي تورث النفاق ، والنفاق يورث الكفر. ه. # وقوله تعالى : {استغفروا ربكم} قال القشيري : ليعلم العاملون أن ~~الاستغفار قرع أبواب النعمة ، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده ~~إلا بتقديم الاستغفار. ويقال : من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. ~~وقوله : {ما لكم لا ترجون لله وقارا} أي : ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما ~~وإجلالا ، فلا تراقبونه ، ولا تخافون سطوته ، فإن المشاهدة على قدر ~~المراقبة ، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم ~~أطوارا ، أي : درج بشريتكم في أطوار مختلفة ، وهي سبعة : النطفة ، ثم ~~العلقة ، ثم المضغة ، ثم الجنين ، ثم الطفولية ، ثم الكهولة ، ثم الشيخوخة ~~، ثم يرتحل إلى دار الدوام ، وكذلك الروح لها سبعة أطوار : التوبة ثم الورع ~~، ثم الزهد ، ثم التوكل ، ثم الرضاء والتسليم ، ثم المراقبة ، ثم المشاهدة. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 144 PageV08P218 ~~يقول الحق جل جلاله : {ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا} أي : ~~متطابقة بعضها فوق بعض ، والرؤية هنا علمية ؛ إذ لا يرى بالبصر إلا واحدة ، ~~وعلقت بالاستفهام ، وعلمهم بذلك من جهة الوحي السابق ، أو كانوا منجمين ، ~~{وجعل القمر فيهن نورا} أي : # 146 # ينور وجه الأرض في ظلمة الليل ، ونسبته إلى الكل مع أنه في سماء الدنيا ؛ ~~لأن بين السموات ملابسة ، من حيث إنها طباق ، فجاز أن يقال : فيهن ، وإن لم ms3209 ~~يكن في جميعهن ، كما يقال : في المدينة كذا ، وهو في بعض جوانبها. وعن ابن ~~عباس وابن عمر رضي الله عنهم : إن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السموات ، ~~وظهورهما مما يلي الأرض. فيكون نور القمر ساريا في جميع السموات ؛ لأنها ~~لطيفة لاتحجب نوره. {وجعل الشمس سراجا} ؛ مصباحا يزيل ظلمة الليل ، ويبصر ~~أهل الدنيا في ضوئها وجه الأرض ، ويشاهدون الآفاق ، كما يبصر أهل البيت في ~~ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره ، وليس القمر بهذه المثابة ، إنما هو نور ~~في الجملة ، فنور الشمس أقوى ، ومنه يستمد نور القمر ، وأجمعوا أن الشمس في ~~السماء الرابعة. # {والله أنبتكم من الأرض نباتا} أي : أنشأكم منها ، فاستغير الإنبات ~~للإنشاء ؛ لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض. و" نباتا " إما مصدر ~~مؤكد لأنبتكم ، بحذف الزوائد ، ويسمى اسم مصدر ، وحكمة إجراء اللفظ فيه على ~~غير فعله : التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفوذ حكمها ، حتى كأن إنبات الله ~~تعالى نفس النبات ، فقرن أحدهما بالآخر ، ونحوه قوله تعالى : {أن اضرب ~~بعصاك الحجر فانبجست} [الأعراف : 16] أي : فضرب فانبجست ، فجعل الانبجاس ~~مسببا عن الايحاء ، للدلالة على سرعة نفوذ حكم القدرة ، أو : لفعل مترتب ~~عليه ، أي : أنبتكم فنبتم نباتا ، {ثم يعيدكم فيها} بعد الموت {ويخرجكم} ~~يوم القيامة بالبعث والحشر {إخراجا} محققا لا ريب فيه ، ولذا أكده بالمصدر. PageV08P219 # {والله جعل لكم الأرض بساطا} تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم. ~~قال ابن عطية : وظاهر الآية أن الأرض بسيطة غير كروية ، واعتقاد أحد ~~الأمرين غير قادح في الشرع ، إلا أن يترتب على القول بالكورية قول فاسد ، ~~وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر في كتاب الله ، وهو الذي لا يلحق عنه ~~فساد البتة ، واستدل ابن مجاهد على ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور ، قال : ~~لو كانت الأرض كروية لما استقر الماء عليها. ه. المحشي الفاسي : وهو بعيد ؛ ~~لأن أهل الهيئة يرون أنها مستقرة فيه اي : في البحر لا العكس ، ولذلك ~~أرسيت بالجبال لتستقر ، كما علم من الشرع. ه. قلت : وإنما حكم الحق تعالى ~~ببساطتها باعتبار ما يظهر للعين ms3210 في ظاهر الأمر. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 146 # وتوسيط (لكم) بين الجعل ومفعوليه ، مع أن حقه التأخير ، للاهتمام بشأن ~~كون المجعول من منافعهم ، وللتشويق إلى المؤخر ، فإن النفس عند تأخر ما حقه ~~التقديم تبقى متشوقة مترقبة ، فيتمكن عند ورودها له فضل تمكن ، أي : بسطها ~~لكم في مرأى العين {لتسلكوا منها سبلا فجاجا} أي : طرقا واسعة ، جمع فج ، ~~وهو الطريق الواسع ، وقيل : هو المسلك بين الجبلين ، و" منها " متعلق ب " ~~تسلكوا " لما فيه من معنى الاتخاذ ، أو : # 147 # بمضمر هو حال من " سبلا " أي : كائنة منها ، ولو تأخر لكان صفة لهما. ~~الإشارة : تقدم تفسير سبع سموات الأرواح ، والقمر قمر التوحيد البرهاني ، ~~والشمس : شمس المعرفة ، والله أنبت بشريتكم من الأرض نباتا ، ثم يعيدكم ~~فيها بالبقاء بعد الفناء ؛ لتقوموا برسم العبودية ، ثم يخرجكم منها إلى ~~صعود عرش الحضرة ، والله جعل لكم أرض العبودية بساطا ؛ لتسلكوا منها إلى ~~الله في طرق واسعة ، قررها أئمة الطريق من الكتاب والسنة وإلهام العارفين ~~ومواجيد العاشقين. وبالله التوفيق. PageV08P220 # جزء : 8 رقم الصفحة : 146 # يقول الحق جل جلاله : {قال نوح رب} أي : يارب {إنهم عصوني} أي : داموا ~~على عصياني فيما أمرتهم ، مع ما بلغت في إرشادهم بالعظة والتذكير ، ولما ~~كان عصيانهم مستبعدا لكونه منكرا فظيعا ؛ لأن طاعة الرسول واجبة ، فأصروا ~~على عصيانه ، وعاملوه بأقبح الأحوال والأفعال ، أكد الجملة بإن ، {واتبعوا} ~~أي : اتبع فقراؤهم {من لم يزده ماله وولده إلا خسارا} ، وهم رؤساؤهم ، أي : ~~استمروا على اتباع رؤسائهم ، الذين أبطرتهم أموالهم ، وغرتهم أولادهم ، ~~وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة ، فصاروا أسوة لهم في الخسران. وفي ~~وصفهم بذلك إشعار بأنهم إنما ابتعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال ~~والأولاد ، لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة. ومن قرأ ~~بسكون اللام فجمع ولد ، كأسد ، وأسد. # {ومكروا} : عطف على صلة " من " ، والجمع باعتبار معناه ، كما أن الإفراد ~~في الضمائر الأول باعتبار لفظها ، والماكرون هم الرؤساء ، ومكرهم : ~~احتيالهم في الدين ، وكيدهم لنوح ، وتحريش الناس على أذاه ، وصد الناس عن ms3211 ~~الميل إليه ، {مكرا كبارا} ؛ عظيما في الغاية ، وهو أكبر من " الكبار " ~~بالتخفيف ، وقرىء به ، والكبار : أكبر من الكبير ، وقرىء شاذا بالكسر جمع ~~كبير. {وقالوا لا تذرن آلهتكم} أي : لا تتركوا عبادتها على العموم إلى ~~عبادة رب نوح ، {ولا تذرن ودا} بفتح الواو ، وضمها لغتان : صنم على صورة ~~رجل ، {ولا سواعا} ؛ صنم على صورة امرأة ، {ولا يغوث} ؛ صنم على صورة أسد ، # 148 PageV08P221 ~~{ويعوق} ؛ صنم على صورة فرس ، وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا ~~عربيين ، والتعريف والعجمة إن كانا عجميين ، {ونسرا} ؛ صنم على صورة النسر ~~، وخصوا بالذكر مع اندراجهم فيما سبق ؛ لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها ~~عندهم ، وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب ، فكان ود لكلب ، وسواع ~~لهمدان ، ويغوث لمذحج ، ويعوق لمراد ، ونسر لحمير. وقيل : هي أسماء رجال ~~صالحين ، كان الناس يقتدون بهم ، بين آدم ونوح عليهما السلام ، وقيل : ~~أولاد آدم ، فلما ماتوا ، قال إبليس لمن بعدهم : لو صورتم صورهم ، فكنتم ~~تنظرون إليهم ، وتتبركون بهم ، ففعلوا ، فلما مات أولئك ، قال لمن بعدهم : ~~إنهم كانوا يعبدونهم ، فعبدوهم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 148 PageV08P222 ~~وقال ابن عباس رضي الله عنه : أول ما عبد من الأصنام في زمن مهلائل بن ~~غينان بن أنوش بن شيت بن آدم عليه السلام ، وذلك لما مات آدم جعله بنو شيت ~~في مغارة بأرض الهند ، في جبل سرنديب ، لموضع يسمى نوره ، وهو أخصب جبل في ~~الأرض ، ثم كانوا يزورونه ، ويترحمون عليه ، ويعطمونه ، فلما قتل قابيل ~~أخاه هابيل نفوه من الأرض ، فكان بمعزل عنهم هو وبنوه ، فجاء الشيطان في ~~صورة رجل ناصح ، فقال لهم : إن بني شيت يتبركون بآدم ، وأنتم لا تلحقونه ، ~~فانحتوا صورته ، وتبركوا بها ، ففعلوا ، ثم كان لشيت ولد صالح ، اسمه يغوث ~~، فتوفي ، فكانوا يتبركون بقبره ، فنحت أولاد قابيل على صورة يغوث صورة ~~أخرى ، ثم يعوق ، ثم ود ، ثم سواع ، ثم نسر ، كلهم من أولاد شيت قوم صالحون ~~، كانوا يتبركون بهم في المحيا والممات ، ولم يكن لأولاد قابيل سبيل إليهم ~~، فنحتوا صورهم ، وصاروا يعظمونها ، ويتبركون بها مثلهم ms3212 ، فلما طال بهم ~~الزمان صاروا يعبدونهم دون الله ، إلى أن بعث الله نوح عليه السلام فنهاهم ~~عنها ، فلم ينتهوا ، فلما أهلك الله الأرض ومن عليها بالطوفان ، قذف ~~الطوفان تلك الأصنام إلى أرض جدة وما والاها من مكة ، وأخفتها الرمال هناك. ~~قال الكلبي : وكان عمرو بن لحي كاهنا ، يكنى أبا تمامة ، وكان يتراءى له ~~الجن ، فتراءى له يوما جني ، وقال له : عجل أبا تمامة بالسعد والسلامة إلى ~~صف جدة ، واستخرج ما فيها من الأصنام ، وأوردها ماء تهامة ، ولا تسأم ولا ~~تهب ، وادع العرب إلى عبادتها تجب ، فأتى عمرو بن لحي ساحل جدة ، حيث وصف ~~له الجني ، واستخرج الأصنام في خفية عنهم ، وأرودها ماء تهامة ، فلما حضر ~~الحج ، واجتمع الناس إلى الموسم ، دعا الناس إلى عبادتها ، فأجابته العرب ~~قاطبة ، وأول م أجابته بنو عوف بن عزرة ، فدفع لهم ودا ، فنصبوه بواد القرى ~~بدومة الجندل ، ولم يزل عندهم إلى الإسلام ، فكسره خالد بن الوليد ، لما ~~بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة PageV08P223 ~~تبوك لهدم دومة الجندل ، فحالت بينه وبينها العرب ، فقاتلهم وكسر صنمهم. ~~قال : الكلبي : قلت لمالك بن الحارث : صف # 149 # لي ودا ، وكان قد رآها مرارا ، قال : تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال ، ~~مؤتزر بحلة ، مرتد بأخرى ، مقلدا سيفا ، راكبا فرسا ، وفي يده حربة فيها ~~لواء ، ومعه قوس ، ونبل في جعبة. ه. ثم دفع عمرو لمضر سواعا ، فعكفت على ~~عبادته مع هذيل ، ثم فرق تلك الأصنام على القبائل على حسب ما تقدم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 148 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت عمرو بن لحي ليلة أسري بي ~~رجلا أحمر ، قصيرا أزرق ، وهو يجر قصبه في النار ، لأنه أول من بحر البحيرة ~~، ووصل الوصيلة ، وحمى الحام ، وغير دين إسماعيل " ، وهو من خزاعة ، كان ~~يسكن مكة ، فولد بها أولادا فكثروا ، فنفوا من كان منها من العماليق. انظر ~~اللباب. # ثم قال تعالى : {وقد أضلوا} أي : الرؤساء ، أو : الأصنام ، كقوله : {إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس} [إبراهيم : 36] {كثيرا} أي : خلقا كثيرا ms3213 ، {ولا تزد ~~الظالمين إلا ضلالا} ، قال المحشي : وقد يقال : إن هذه الجملة مسببة عما ~~قبلها فحقها الفاء ، لكن تركت لمكان الاستئناف ، أي : البياني ، كأنه قال : ~~فما تريد بهذا القول ؟ فقال : ولا تزد الظالمين. ه. ووضع الظاهر موضع ~~الضمير للتسجيل عليهم بالظلم المفرط ، وتعليل الدعاء عليهم به. والمراد ~~بالضلال : الهلاك ، كقوله : {إن المجرمين في ضلال وسعر} [القمر : 47]. PageV08P224 # {مما خطيئاتهم} أي : من أجل خطيئاتهم. " وما " مزيدة للتوكيد والتفخيم ، ~~{أغرقوا} بالطوفان. وتقديم " مما " لبيان أن إغراقهم ودخولهم النار ، إنما ~~كان لأجل خطاياهم ، لا لسبب آخر ، {فأدخلوا نارا} عظيمة ، والمراد : إما ~~عذاب القبر ؛ لأنه عقب الإغراق ، أو حين كانوا في الماء ، فقد روي أنهم ~~كانوا يغرقون من جانب ، ويحرقون من جانب. أو : عذاب جهنم ، والتعقيب لقربه ~~باعتبار تحقق وقوعه. وتنكير " النار " إما لتعظيمها وتهويلها ، أو لأنه ~~تعالى أعد لهم نوعا من العذاب على حسب خطيئاته ، {فلم يجدوا لهم من دون ~~الله أنصارا} ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله ، وفيه تعريض بعدم نفع ~~آلهتهم ، وعدم قدرتهم على نصرهم. قيل : كان قوم نوح أهل وسع في الزرق ، ~~فطغوا ، وكانوا يؤذون نوحا ، ويحرشون عليه ويضربونه ، حتى ربما يغشى عليه ، ~~فإذا أفاق قال : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". كما في الحديث. # {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} أي : أحدا يدور في ~~الأرض ، وهو " فيعال " من الدور ، وهو من الأسماء المستعلمة في النفي العام ~~، يقالك ما بالديار ديار وديور ، كقيام وقيوم ، أي : أحد ، وأصله : ديوار ، ~~ففعل به ما فعل بسيد. {إنك إن تذرهم} ولا تهلكهم {يضلوا عبادك} عن طريق ~~الحق ، يدعوهم إلى الضلال ، {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} أي : إلا من إذا ~~بلغ جحد وكفر ، وإنما قال ذلك ؛ لاستحكام علمه بما يكون منهم # 150 # ومن أعقابهم ، بعدما خبرهم واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة ، أو : يكون ~~بعد إخباره تعالى له بقوله : {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن} [هود : 36]. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 148 PageV08P225 ~~رب اغفر لي ولوالدي} وكانا مسلمين ، واسم أبيه : لمك ms3214 بن متوشلح ، واسم أمه ~~: شمخاء بنت أنوش ، وقيل : المراد : آدم وحواء. قال ابن عباس : لم يكفر ~~بنوح والد بينه وبين آدم عليه السلام ، وقرىء : " ولولدي " يريد ساما وحاما ~~، {ولمن دخل بيتي} أي : منزلي ، أو مسجدي ، أو سفينتي {مؤمنا} ، ولعله قد ~~علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعد إلى الكفر ، وبهذا القيد خرجت امرأته ~~وابنه كنعان ، ولم يجزم عليه السلام بخروجه إلا بعدما قيل له : {إنه ليس من ~~أهلك} [هود : 46] ، {وللمؤمنين والمؤمنات} إلى يوم القيامة. خص أولا من ~~يتصل به ؛ لأنهم أولى وأحق بدعائه ، ثم عمم ، {ولا تزد الظالمين} أي : ~~الكافرين {إلا تبارا} ؛ إهلاكا. قال ابن عباس رضي الله عنه : دعا نوح عليه ~~السلام بدعوتين ، إحداهما : للمؤمنين بالمغفرة ، وأخرى على الكفارين ~~بالتبار ، فاستجيب على الكافرين ، فاستحال ألا تجاب دعوته في حق المؤمنين. ~~واختلف في صبيانهم : هل أغرقوا ؟ فقيل : أعقم الله أرحام نسائهم قبل ~~الطوفان بأربعين سنة ، فلم يكن منهم صبي حين أغرقوا ، وقيل : أهلك أطفالهم ~~بغير عذاب ، ثم أغرق كبارهم ، وقيل : غرقوا معهم كما غرق سائر الحيوانات ، ~~وهو المشهور ؛ لأن المصيبة تعم ، ثم يبعثون على نياتهم. والله تعالى أعلم. PageV08P226 # الإشارة : وقال نوح الروح ، أي : شكت الروح إلى ربها ، وقالت : إن النفس ~~وجنودها عصوني ، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا ، الفانين في أموالهم ~~وأولادهم ، فلم يزدهم ذلك إلا خسارا ، ومكروا بي ، حيث راموا مني الميل ~~إليهم ، مكرا كبارا ، وقالوا : لا تذرن آلهتكم من الدنانير والدراهم ، ولا ~~تذرن ود الدنيا ومحبتها ، ولا سواع الهوى والحظوظ ، ولا يغوث الرياسة ~~والجاه ، ولا يعوق العلائق والشواغل ، ولا طيور الهواجس والخواطر ، يعني : ~~لا تستعملوا ما يخرجكم عن هذه الأشياء ، من خرق العوائد ، والزهد ، والورع ~~، بل أقيموا على تنمية دنياكم ، وتوفير هواكم ، وقد أضلوا كثيرا ممن يقتدي ~~بهم. وقالت أيضا : لا تزد الظالمين من هؤلاء إلا ضلالا ؛ هلاكها وانقطاعا. ~~مما خطيئاتهم أغرقوا في بحر الدنيا ، فأدخلوا نار القطيعة ، فلم يجدوا لهم ~~من دون الله أنصارا ، وقال نوح الروح أيضا : لا تذر على أرض البشرية من ~~الكافرين من القواطع ms3215 التي تقطعني عن السير بظلمتها ديارا ممن يدور بها ، ~~ويقوي حسها ، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير ، ويضلوا عبادك ~~عن الوصول إليك ، ولا يلدوا منها إلا خاطرا فاجرا كفارا. رب اغفر لي ، خطاب ~~من الروح ودعاء ، ولوالدي من العقل الكلي ، والنفس الكلي ، وهو الروح ~~الأعظم ، ولمن دخل بيتي ، أي : تمسك بطريقتي ، ودخل في زمرتي ، ولأرواح ~~المؤمنين والمؤمنات ، ولا تزد الظالين الخارجين عن طريقتي إلا تبارا. ~~وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه ، وسلم. # 151 # جزء : 8 رقم الصفحة : 148 PageV08P227 ### | AUTO سورة الجن # جزء : 8 رقم الصفحة : 151 # قلت : قد أجمعوا على فتح ( أنه) ؛ لأنه نائب فاعل " أوحى " ، و{وألو ~~استقاموا} [الجن : 16] و{وأن المساجد} [الجن : 18] للعطف على {أنه استمع} ف ~~" أن " مخففة ، و{أن قد أبلغوا} [الجن : 28] لتعدي " يعلم " إليها ، وكسر ~~ما بعد فاء الجزاء ، وبعد القول ، نحو : {فإن له نار جهنم} [الجن : 23] ~~و{قالوا إنا سمعنا} ؛ لأنه مبتدأ محكي بعد القول. واختلفوا في فتح الهمزة ~~وكسرها من {أنه تعالى جد ربنا} إلى : {وأنا منا المسلمون} ، ففتحها الشامي ~~والكوفي [غير] أبي بكر ؛ عطفا على {أنه استمع} ، أو على محل الجار والمجرور ~~في {آمنا به} تقديره : صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا {وأنه كان يقول ~~سفيهنا...} إلى آخره ، وكسرها غيرهم عطفا على {إنا سمعنا} ، وهم يقفون على ~~آخر الآيات. # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد لأمتك : {أوحي إلي أنه استمع} أي : ~~الأمر والشأن استمع للقرأن {نفر من الجن} ، وهم جن نصيبين ، كما تقدم في # 152 # الأحقاف ، وكانوا متمسكين باليهودية. والنفر ما بين الثلاثة والعشرة. ~~والجن عاقلة خفية ، يغلب عليهم الناري والهوائية ، وقيل : روح من الأرواح ~~المجردة. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم وباستماعهم ، ~~ولم يقرأ عليهم ، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته ، فسمعوها ، ~~فأخبره الله تعالى بذلك ، فهذه غير الحكاية التي حضر معهم ، ودعاهم ، وقرأ ~~عليهم سورة الرحمن ، كما في حديث ابن مسعود. {فقالوا} أي : المستمعون حين ~~رجعوا إلى ms3216 قومهم : {إنا سمعنا قرآنا} ؛ كتابا {عجبا} ؛ بديعا ، مباينا ~~لكلام الناس في حسن النظم ورقة المعنى. والعجب : ما يكون خارجا عن العادة ، ~~وهو مصدر وصف به للمبالغة. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 152 PageV08P228 ~~يهدي إلى الرشد} ؛ إلى الحق والصواب ، {فآمنا به} أي : بذلك القرآن ، ولما ~~كان الإيمان به إيمانا بالله وتوحيده ، وبراءة من الشرك ، قالوا : {ولن ~~نشرك بربنا أحدا} من خلقه ، حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد ، ويجوز ~~أن يكون الضمير في " به " لله تعالى ؛ لأن قوله : (بربنا) يفسره. # {وأنه تعالى جد ربنا} أي : ارتفع أو تنزه عظمة ربنا ، أو سلطانه ، أو ~~غناه ، يقال : جد فلان في عيني إذا عظم ، ومنه قول عمر : كان الرجل إذا قرأ ~~البقرة وآل عمران جد في عيننا ، أي : عظم في عيوننا ، {ما اتخذ صاحبة} ؛ ~~زوجة {ولا ولدا} كما يقول كفار الجن والإنس ، والمعنى : وصفوه بالاستغناء ~~عن الصاحبة والولد ؛ لعظمته وسلطانه ، أو لغناه ، وقرىء " جدا " على ~~التمييز ، أي : أنه تعالى ربنا جدا ، وقرىء بكسر الجيم ، أي : تنزه صدق ~~ربوبيته ، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد ، وذلك أنهم لما سمعوا ~~القرآن ، واهتدوا للتوحيد والإيمان ، تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن ~~من تشبيهه تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد ، فاستعظموه ونزهوه تعالى ~~عنه. {وأنه كان يقول سفيهنا} أي : جاهلنا من مردة الجن ، أو إبليس ؛ إذ ليس ~~فوقه سفيه ، {على الله شططا} أي : قولا ذا شطط ، أي : بعد وجور ، وهو الكفر ~~؛ لبعده عن الصواب ، من : شطت الدار : بعدت ، أو : قولا مجاوزا للحد ، ~~بعيدا عن القصد ، أو هو شطط في نفسه ؛ لفرط بعده عن الحق ، وهو نسبة ~~الصاحبة والولد لله تعالى. والشطط : مجاوزة الحد في الظلم وغيره. {وأنا ~~ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا} أي : قولا كذبا أو مكذوبا فيه ~~، أي : كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد ، فكنا ~~نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم. PageV08P229 # {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} ، كان الرجل من العرب ms3217 إذا ~~نزل بواد قفر وخاف على نفسه ، يقول : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، يريد # 153 # الجن وكبيرهم ، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا : سدنا الإنس والجن ، ~~وذلك قوله تعالى : {فزادوهم} ؛ زاد الإنس والجن باستعاذتهم بهم {رهقا} : ~~طغيانا وسفها وتكبرا وعتوا ، أو : فزاد الجن والإنس رهقا : إثما وغيا ؛ بأن ~~أضلوهم ، حتى استعاذوا بهم. {وأنهم} أي : الجن {ظنوا كما ظننتم} يا أهل مكة ~~{أن لن يبعث الله أحدا} بعد الموت ، أي : إن الجن كانوا ينكرون البعث ~~كإنكاركم يا معشر الكفرة ، ثم بسماع القرآن اهتدوا ، وأقروا بالبعث ، فهلا ~~أقررتم كما أقروا ؟ ! أو : ظنوا ألن يبعث الله رسولا من الإنس. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 152 PageV08P230 ~~الإشارة : كما كانت تسمع الجن من الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخذ عنه ، ~~كذلك تسمع من خلفائه من الأولياء والعلماء الأتقياء ، فهي تحضر مجالس الذكر ~~والتذكير والعلم ، على حسب ما يطلب كل واحد منهم ، وقد حدثني بعض أصحابنا ~~أنه بات في موضع خال ، فأتاه رجلان من الجن وتحدثا معه ، وأخبره أنهما من ~~الجن نازلان مع قومهما في ذلك الموضع ، وقالا له : إنا لنحضر مجلس شيخكما ~~أي : مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ونسمع منه. ه. ففيهم الأولياء ، ~~والعلماء ، والقراء ، وسائر الطرائق ، كما يأتي في قوله : {طرائق قددا}. ~~وقال الورتجبي : خلق الله بعض أوليائه من الجن ، لهم أرواح ملكوتية ، ~~وأجسام روحانية ، وهم إخواننا في المعرفة ، يطيعون الله ورسوله ، ويحبون ~~أولياءه ، ويستنون بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، ويسمعون القرآن ، ~~ويفهمون معناه ، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق ~~منه شفاها ، وخضعوا له إذعانا ، واستبشروا بروح الله ، وروح قضائه ~~استبشارا. ه. قلت : ومعرفة الآدمي أكمل ؛ لاعتدال بشريته وروحانيته ، والجن ~~الغالب عليه الانحراف للطافة بشريته واحتراقها. # وقوله تعالى : {يهدي إلى الرشد} ، قال الجنيد : يهدي إلى الوصول إلى الله ~~، وهو الرشد. ه. وقال الورتجبي : يهدي إلى معدن الرشد ، وهو الذات القديم. ~~ه. وقوله تعالى : {وأنه تعالى جد ربنا...} الخ ، أي : تنزهت عظمة ربنا ~~الأزلية ، عن اتخاذ الصاحبة ms3218 والولد ، إنما اتخاذ الصاحبة والولد من شأن ~~عالم الحكمة ، سترا لأسرار القدرة ، فافهم. وقال الجنيد : ارتفع شأنه عن أن ~~يتخذ صاحبة أو ولدا. ه. والشطط الذي يقوله السفيه الجاهل هو وجود السوي مع ~~الحق تعالى ، وهو أيضا الكذب الذين ظنت الجن أن لن يقال على الله ، ولذلك ~~قال الشاعر : # مذ عرفت الإله لم أر غيرا # وكذا الغير عندنا ممنوع PageV08P231 ~~وقال بعض العارفين : لو كلفت أن أشهد غيره لم أستطيع ، فإنه لا شيء معه حتى ~~أشهده. ه. وكل من استعاذ بغير الله فهو ضال مضل ، وكل من أنكر النشأة ~~الأخرى فهو تالف ملحد. # 154 # جزء : 8 رقم الصفحة : 152 # يقول الحق جل جلاله ، حاكيا عن الجن : {وأنا لمسنا السماء} أي : طلبنا ~~بلوغ السماء ، واستماع كلام أهلها ، واللمس ، : المس ، استعير للطلب لأن ~~الماس طالب متعرف ، {فوجدناها ملئت حرسا} أي : حراسا ، اسم جمع ، كخدم ، ~~مفرد اللفظ ، ولذلك قيل : {شديدا} أي : قويا ، أي : وجدنا جمعا أقوياء من ~~الملائكة يحرسونها ، {و} ملئت أيضا {شهبا} : جمع شهاب ، وهي الشعلة ~~المقتبسة من نار الكواكب ، {وأنا كنا نقعد منه} أي : من السماء ، قبل هذا ~~الوقت ، {مقاعد للسمع} ، لاستماع أخبار السماء ، يعني : كنا نجد بعض السماء ~~خالية من الحرس والشهب قبل المبعث ، فنقعد نسترق ، وقد فسر في الحديث صفة ~~قعود الجن ، وأنهم كانوا واحدا فوق واحد ، فمتى احترق الأعلى طلع الذي تحته ~~مكانه ، فكانوا يسترقون الكلمة ، فيلقونها إلى الكهان ، ويزيدون معها ، ثم ~~يزيد الكهان للكلمة مائة كذبة. PageV08P232 # هذا قبل المبعث ، وأما بعده فأشار إليه بقوله : {فمن يستمع} ؛ يريد ~~الاستماع {الآن} بعد المبعث {يجد له شهابا رصدا} أي : شهابا راصدا له ~~ولأجله ، يصده عن الاستماع ، أو هو اسم جمع لراصد ، على معنى : ذوي شهاب ~~راصدين بالرجم ، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ، ويمنعونهم من ~~الاستماع ، والجمهور على أن ذلك لم يكون قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم ~~، وقيل : كان الرجم في الجاهلية ، ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأوقات ~~، فمنعوا من الاستراق أصلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. ms3219 قلت : وهذا ~~هو الظاهر ، وأن الرمي كان موجودا قبل البعثة ، إلا أنه قليل ، وأشعار ~~الجاهلية محشوة بذلك. انظر الثعلبي. وروي في بعض الأخبار : أن إبليس كان ~~يسترق السمع من السموات ، فلما ولد عيسى عليه السلام وبعث ، حجبت الشياطين ~~عن ثلاث سموات ، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم حجبت عن السموات كلها ، ~~وقذفت بالنجوم ، ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 155 # وذكر أبو جعفر العقيلي ، بإسناد له إلى لهب بن مالك ، قال : حضرت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة ، فقلت : بأبي أنت وأمي ؛ نحن ~~أول من عرف حراسة السماء ، ورصد الشياطين ، ومنعهم من استراق السمع عند قذف ~~النجوم ، وذلك أنا جئنا إلى كاهن لنا ، يقال له " خطل " ، وكان شيخا كبيرا ~~، قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سننة ، فقلنا : يا خطل ؛ هل عندك علم بهذا ~~النجوم التي يرمى بها ، فإنا قد فزعنا منها ، وخفنا سوء عاقبتها ، فقال : ~~ائتوني بسحر أخبركم الخبر ، ألخير أم ضرر ، أم لأمن أو حذر ، # 155 PageV08P233 ~~فأتيناه غدا عند السحر ، فإذا هو قائم على قدميه ، شاخص إلى السماء بعينيه ~~، فناديناه : يا خطل ، فأومأ إلينا : أن أمسكوا ، فأنقض نجم عظيم من السماء ~~، وصرخ الكاهن رافعا صوته : أصابه إصابة ، خامره عقابه ، عاجله عذابه ، ~~أحرقه شهابه ، ثم قال : يا معشر قحطان ، أخبركم بالحق والبيان ، أقسم ~~بالكعبة والأركان ، لمنع السمع عتاة الجان ، لمولود عظيم الشأن ، يبعث ~~بالتنزيل والقرآن ، وبالهدى وفاصل الفرقان ، يمنع من عبادة الأوثان. فقلنا ~~: ما ترى لقومك ؟ فقال : أرى لقومي ما أرى لنفسي ، أن يتبعوا خير نبي الإنس ~~، برهانه مثل شعاع الشمس ، يبعث من مكة دار الحمس ، يحكم بالتنزيل غير ~~اللبس ، فقلنا : وممن هو ؟ فقال : والحياة والعيش ، إنه لمن قريش ، ما في ~~حلمه طيش ، ولا في خلقه هيش ، يكون في جيش ، وأي جيش!! فقلنا : بين لنا من ~~أي قريش هو ؟ فقال : والبيت ذي الدعائم ، والديار والحمائم ، إنه لمن نجل ~~هاشم ، من معشر أكارم ، يبعث بالملاحم ، وقتل كل ظالم ، هذا البيان ، ~~أخبرني به رئيس الجان ، ثم قال : الله ms3220 أكبر ، جاء الحق وظهر ، وانقطع عن ~~الجن الخبر. ه. # {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض} بحراسة السماء ، {أم أراد بهم ربهم ~~رشدا} ؛ خيرا ورحمة ، ونسبة الخير إلى الله تعالى دون الشر من الآداب ~~الشريفة القرآنية ، كقوله تعالى : {وإذا مرضت فهو يشفين} [الشعراء : 80] ~~وقوله : {مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء : ~~79] بعد أن ذكر ما في نفس الأمر بقوله : {قل كل من عند الله} [النساء : 78]. PageV08P234 # الإشارة : إذا كان الله تعالى قد حفظ السماء من استراق السمع ، فقلوب ~~أوليائه أولى بأن يحفظها من خواطر السوء ، فإذا تولى عبدا حفظ قلبه من ~~طوارق الشك ، وخواطر التدبير ، وسوء الأدب مع الربوبية ، فيملؤه باليقين ~~والطمأنينة ، ويهب عليه برد الرضا ونسيم التسليم ، فيخرج عن مراد نفسه إلى ~~مراد مولاه ، في كل وجهة وعلى كل حال. جعلنا الله من أهل هذا القبيل ، بمنه وكرمه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 155 # يقول الحق جل جلاله ، في مقالة الجن : {وأنا منا الصالحون} أي : ~~الموصوفون بصلاح الحال ، في شأن أنفسهم مع ربهم ، وفي معاملتهم مع غيرهم ، ~~{ومنا دون ذلك} # 156 # أي : ومنا قوم دون ذلك ، وهم المقتصدون في الصلاح ، غير الكاملين فيه على ~~الوجه المذكور ، لا في الإيمان والتقوى ، كما يتوهم ، فإن هذا بيان لحالهم ~~قبل استماع القرآن ، كما يعرب عنه قوله تعالى : {كنا طرائق قددا} أي : ~~مذاهب متفرقة ، وأديانا مختلفة ، وأما حالهم بعد استماعهم ، فسيحكي بقوله ~~تعالى : {وأنا لما سمعنا الهدى...} الخ ، أي : كنا قبل هذا ذوي طرائق ، أي ~~: مذاهب {قددا} أي : متفرقة مختلفة ، جمع قدة ، من : قد إذا شق ، كقطعة من ~~قطع. قاله أبو السعود. PageV08P235 # وقال الثعلبي : {وأنا منا الصالحون} السبعة الذين استمعوا القرآن ، {ومنا ~~دون ذلك} دون الصالحين ، {كنا طرائق قددا} أهواء مختلفة ، وفرقا شتى ، ~~كأهواء الإنس ، قيل : وقوله : {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك} ، يعنون ~~بعد استماع القرآن ، أي : منا بررة أتقياء ، ومنا دون البررة ، وهم مسلمون ~~، وقيل : معناه : مسلمون وغير مسلمين ، قال المسيب : كانوا مسلمين ويهودا ~~ونصارى ، وقال ms3221 السدي : {طرائق قددا} قال : في الجن مثلكم ، قدرية ، ومرجئة ~~، ورافضة ، وشيعة. ه. والحاصل : أن " دون " صفة لمحذوف ، وهي إما أن تكون ~~بمعنى الأدون ، فيكون الجميع مسلمين ، لكنهم متفاوتون ، أو بمعنى " غير " ~~فيكون المعنى : منا المسلمون ومنا غير المسلمين ، كنا مذاهب متفرقة ؛ نصارى ~~ويهود ومجوس كالإنس ، والظاهر : أنه قبل استماع القرآن ، بدليل ما يأتي في ~~قوله : {وأنا لما سمعنا الهدى...} الخ. # {وأنا ظننا} أي : تيقنا {أن لن نعجز الله} أي : أن الشأن لن نفوت الله ~~ونسبقه ، و{في الأرض} : حال ، أي : لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا ~~فيها ، {ولن نعجزه هربا} : مصدر في موضع الحال ، هاربين منها إلى السماء ، ~~أي : فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا ، لا في أرضه ولا في سمائه. {وأنا لما ~~سمعنا الهدى} ؛ القرآن {آمنا به} ؛ بالقرآن ، أو بالله تعالى ، {فمن يؤمن ~~بربه فلا يخاف} أي : فهو لا يخاف {بخسا} ؛ نقصا {ولا رهقا} أي : ولا ترهقه ~~ذلة ، كقوله : {ولآ يرهق وجوههم قتر ولآ ذلة} [يونس : 26] ، وفيه دليل على ~~أن العمل ليس من الإيمان ، وأن المؤمن لا يخلد في النار. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 156 PageV08P236 ~~وأنا منا المسلمون} ؛ المؤمنون ، {ومنا القاسطون} ؛ الجائرون عن طريق الحق ~~، الذي هو الإيمان والطاعة ، وهم الكفرة {فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا} ؛ ~~طلبوا هدى. والتحري : طلب الأحرى ، أي الأولى ، وجمع الإشارة باعتبار معنى ~~" من " ، {وأما القاسطون} ؛ الحائدون عن الإسلام ، {فكانوا} في علم الله ~~{لجهنم حطبا} ؛ وقودا ، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار وإن ~~كان منها ، والله أعلم بكيفية عذابه ، وقد تقدم أن المشهور أنهم يثابون على ~~طاعتهم بالجنة ، قال ابن عطية : في قوله تعالى : {فمن أسلم.. } الخ ، الوجه ~~فيه : أن تكون مخاطبة من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ويؤيده ما ~~بعده من الآيات. ه. # 157 PageV08P237 ~~{وأن لو استقاموا} أي : القاسطون {على الطريقة} ؛ طريقة الإسلام ~~{لأسقيناهم} المطر {ماء غدقا} أي : كثيرا ، والمعنى : لوسعنا عليهم الرزق. ~~وذكر الماء الغدق ؛ لأنه سبب سعة الرزق ، {لنفتنهم فيه} ؛ لنختبرهم فيه كيف ~~يشكرون ما خولوا منه. ms3222 وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل : " لو أن عبادي ~~أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل ، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ، ولم أسمعهم ~~صوت الرعد " ، وهذا كقوله تعالى : {ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض} [الأعراف : 96] ، وقيل : المعنى : وأن لو ~~استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماء غدقا ، استدراجا ، {لنفتنهم فيه} ~~فإذا لم يشكروا أهلكناهم ، وهذا كقوله تعالى : {ولولآ أن يكون الناس أمة ~~واحدة لجعلنا...} [الزخرف : 33] الخ. والأول أظهر ، بدليل قوله : {ومن يعرض ~~عن ذكر ربه} ؛ القرآن أو التوحيد أو العبادة ، {نسلكه} ؛ ندخله ، أو يدخله ~~الله {عذابا صعدا} ؛ شاقا صعبا ، يعلو المعذب ويغلبه ويصعد عليه ، ومنه قول ~~عمر رضي الله عنه : ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح ، أي : ما شق ~~علي. وهو مصدر وصف به ، مبالغة ، فعلى قول ابن عطية أن قوله تعالى : {فمن ~~أسلم} من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام ، فيكون قوله : {وأن لو استقاموا} ~~من تتمة الخطاب ، فلا تقدير ، وإذا قلنا : هو من قول الجن ، فالتقدير : ~~وأوحي إلي أن لو استقاموا... الخ. # جزء : 8 رقم الصفحة : 156 PageV08P238 ~~الإشارة : تقدم أن الجن فيهم الصالحون والعارفون ، إلا أن معرفة الآدمي ~~أكمل ؛ لاعتداله ، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب ، والأوتاد ، والنقباء ، ~~والنجباء ، وغير ذلك ، فلا تكون إلا من الإنس ؛ لشرفهم. قوله تعالى : {وأنا ~~ظننا ألن نعجز الله في الأرض...} الخ ، أي : تيقنا ألا مهرب منه ، فرجعنا ~~إليه اختبارا ، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان ، لا بسلاسل الامتحان ~~، {وأنا لما سمعنا الهدى آمنا} أي : أجبنا الداعي بلا تلعثم ولا تردد ، ~~وكذا في كل داع بعد الداعي الأكبر ، فيكون السابقون في كل زمان ، وهؤلاء ~~سابقو الجن ومقربوهم ، فمن يؤمن بربه ، ويتوجه إليه ، فلا يخاف نقصا ولا ~~ذلا ، بل كمالا وعزا ، من أي فريق كان ، وأنا منا المسلمون المنقادون ~~لأحكامه تعالى ، التكليفية والتعريفية ، وهي الأحكام القهرية ، فمن استسلم ~~ورضي فقد تحرى رشدا ، ومن قنط وسخط كان لجهنم حطبا ، وأن لو استقاموا على ~~الطريقة المرضية بالرضا والتسليم ، وترك الاختيار ؛ لأسقيناهم من خمرة ~~الأزل ، ومن ms3223 ماء الحياة ، ماء غدقا ، تحيا به قلوبهم وأرواحهم ، فيتنعمون ~~في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري : الاستقامة ~~تقتضي إكمال النعمة ، وإكساب الراحة ، والإعراض عن الله يجب تنقص النعمة ~~ودوام العقوبة. ه. # 158 # وقوله : {لنفتنهم} ؛ لنختبرهم ، من يعرف قدرها فيشكر ، أو لا يعرف قدرها ~~فينكر ، فيسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 156 PageV08P239 ~~{وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه ~~كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا ~~بلاغا من الله ورسالاته...} # يقول الحق جل جلاله : {وأن المساجد لله} أي : ومن جملة ما أوحي إلي : أن ~~المساجد ، أي : البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله ، وقيل : معناه : ولأن ~~المساجد لله {فلا تدعوا} ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي : فلا ~~تدعوا {مع الله أحدا} في المساجد ؛ لأنها خالصة لله ولعبادته ، فلا تعبدوا ~~فيها غيره تعالى ، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل : المراد : ~~المسجد الحرام ، والجمع ؛ لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة ، أو لأنه ~~قبلة المساجد ، وقيل : الأرض كلها ؛ لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~مسجدا وطهورا ، وقيل : أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد ، وهي : ~~القدمان ، والركبتان ، واليدان ، والوجه ، يقول : هذه الأعضاء أنعم الله ~~بها عليك ، فلا تسجد عليها لغيره ، فتجحد نعمه ، ولا تذلها لغير خالقها. ~~فإن جعلت المساجد المواضع ، فواحدها مسجد بكسر الجيم ، وإن جعلت الأعضاء ، ~~فبفتح الجيم. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 159 PageV08P240 ~~وأنه} أي : ومما أوحي إلي أن الشأن {لما قام عبد الله} ، وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم {يدعوه} ؛ يعبده في الصلاة ، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر ، كما ~~تقدم في الأحقاف ، ولم يقل : نبي الله ، أو رسول الله ؛ لأن العبودية من ~~أشرف الخصال ، أو : لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم ms3224 عن ~~نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع ، أو : لأن عبادة عبد الله ليست بأمر ~~مستبعد حتى يجتمعوا عليه ، كما قال : {كادوا} أي : كاد الجن {يكونون عليه ~~لبدا} ؛ جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه ، تعجبا مما رأوا من عبادته ، ~~واقتداء أصحابه به ، أو إعجابا مما تلي من القرآن ؛ لأنهم رأوا ما لم يروا ~~مثله ، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل : معناه : لما قام عليه السلام ~~يعبد الله وحده مخالفا للمشركين ، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد : ~~جمع لبدة ، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة : تلبدت الإنس والجن على ~~أن يطفئوا نوره ، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن # 159 # عطية : قوله تعالى : (وأنه...) الخ ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى ~~، وأن يكون إخبارا عن الجن. PageV08P241 # {قال إنما أدعو} أي أعبد {ربي ولا أشرك به} في عبادتي {أحدا} ، فليس ذلك ~~ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي ، وقرأ عاصم وحمزه " ~~قل " بالأمر ، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه ، وأن ذلك لله ~~وحده ، فلا يعبد إلا إياه ، فقال : {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} ، ~~والأصل : لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، ولا غيا ولا رشدا ، فترك من كلا ~~المتقابلين ما ذكر في الآخر ، أو أراد بالضر : الغي ، أي : لا أستطيع أن ~~أضركم ولا أنفعكم ؛ إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. {قل إني لن يجيرني من ~~الله أحد} أي : لن يدفع عني عذابه إن عصيته ، كقول صالح عليه السلام : {فمن ~~ينصرني من الله إن عصيته} [هود : 63] ، {ولن أجد من دونه ملتحدا} ؛ ملتجئا ~~{إلا بلاغا من الله} ، استثناء من {لا أملك} أي : لا أملك لكم شيئا إلا ~~تبليغ الرسالة ، و{قل إني لن يجيرني} : اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن ~~نفسه ، وبيان عجزه ، وقيل : {بلاغا} : بدل من {ملتحدا} ، أي : لن أجد من ~~دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به ، أي : لا ينجيني إلا أن أبلغ عن ~~الله ما أرسلت به فإنه ينجيني ، وقوله ms3225 : {ورسالاته} : عطف على " بلاغا " ، ~~كأنه قيل : لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات ، أي : إلا أن أبلغ عن الله ~~، فأقول قال الله كذا ، ناسبا قوله إليه ، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني ~~بها ، بلا زيادة ولا نقصان و(من) ليست صلة للتبليغ ، إنما هي بمنزلة (من) ~~في قوله : {برآءة من الله} [التوبة : 1] أي : بلاغا كائنا من الله وتبليغ ~~رسالاته ، قاله النسفي. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 159 PageV08P242 ~~الإشارة : وأن مساجد الحضرة لله ، والحضرة : شهود الذات الأقدس وحدها ، فلا ~~تدعوا مع الله أحدا ، أي : لا تروا معه غيره ، فتخرجوا من حضرته ، وأنه لما ~~قام عبد الله ، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه ، ويدعو إليه ، كادوا ~~يكونون عليه لبدا ، إما متعجبين منه ، أو مقتبسين من أنواره ، قال : إنما ~~أدعو ربي ولا أشرك به شيئا ، قل يا أيها الداعي لتلك اللبد ، لا أملك لكم ~~من الله غيا ولا رشدا ، إلا بلاغا ، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به ، فإنما ~~أنا أدعو ، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، قل يا أيها ~~الداعي : إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب ، ولن ~~أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. # ثم ذكر وبال من رد الرسالة ، فقال : # {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتىا إذا # 160 PageV08P243 ~~رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدريا أقريب ما ~~توعدون أم يجعل له ربيا أمدا عالم الغيب فلا يظهر علىا غيبه أحدا إلا من ~~ارتضىا من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا ~~رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصىا كل شيء عددا}. يقول الحق جل جلاله : ~~{وم يعص الله ورسوله} في رد رسالته ، وعدم قبول ما جاء به الرسول ، {فإن له ~~نار جهنم} ، وقرىء بفتح الهمزة ، أي : فحقه ، أو فجزاؤه أن له نار جهنم ، ~~{خالدين فيها} أي : في النار {أبدا} ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين ms3226 ~~" للفظ (من) ومعناه. {حتى إذا رأوا ما يوعدون} ، متعلق بمحذوف ، يدل عليه ~~الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم ، واستقلالهم لعدده ، ~~كأنه قيل : لا يزالون على ما هم عليه ، {حتى إذا رأوا ما يوعدون} من فنون ~~العذاب في الآخرة {فسيعلمون} عند حلول العذاب بهم {من أضعف ناصرا وأقل ~~عددا} أهم أم المؤمنون ؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ ، والمؤمنون ينصرهم ~~الله ويعزهم. وحمل {ما يوعدون} على ما رأوه يوم بدر ، ويبعده قوله تعالى : ~~{قل إن أدري أقريب ما توعدون} من العذاب ، {أم يجعل له ربي أمدا} ؛ غاية ~~بعيدة ، يعني : أنكم معذبون قطعا ، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل ؟ # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 159 PageV08P244 ~~عالم الغيب} أي : هو عالم الغيب ، {فلا يظهر} ؛ فلا يطلع {على غيبه أحدا ~~إلا من ارتضى من رسول} أي : إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ؛ ليكون ~~إخباره عن الغيب معجزة له ، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به ، ~~وإنما أخبر به بناء على رؤيا ، أو بالفراسة ، أو بتجل قلبي ، على أن كل ~~كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم : وفي هذه الآية دلالة على تكذيب ~~المنجمة ، وليس كذلك ، فإن فيهم من يصدق خبره ، وكذلك المتطببة ، فإنهم ~~يعرفون طبائع النبات ، وذا لا يعرف بالتأمل ، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من ~~جهة رسول انقطع أثره ، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل : أن إطلاع ~~النبي على الغيب قطعي ، وغيره ظني. # وقال أبو السعود : وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء ~~المتعلقة بالكشف ، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا ~~يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد ~~من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي ~~الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري ، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات ~~الأولياء ، قال : لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض ~~العلماء : ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء ms3227 ؛ إذ هم لم ~~يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط ، فكيف يعرفون الكرامة ~~؟ !!. ه. # 161 PageV08P245 ~~{فإنه يسلك} ؛ يدخل {من بين يديه} أي : الرسول ، {ومن خلفه} عند إظهاره على ~~غيبه ، {رصدا} ؛ حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان ، لما ~~أظهره عليه من الغيوب ، ويعصمونه من وساوسهم ، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي ، ~~{ليعلم} الله علم شهادة {أن قد أبلغوا} أي : الرسل {رسالات ربهم} كاملة ، ~~بلا زيادة ولا نقصان ، إلى المرسل إليهم ، أي : ليعلم ذلك على ظهور ، وقد ~~كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " ؛ مراعاة للفظ (من) ~~، وجمع في (أبلغوا) لمعناه ، و" أن " مخففة من الثقيلة ، واسمها : ضمير ~~الشأن ، والجملة خبرها ، {وأحاط} الله تعالى {بما لديهم} أي : بما عند ~~الرسل من العلم {وأحصى كل شيء عددا} ، من القطر ، والرمل ، وورق الأشجار ، ~~وزبد البحر ، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه ؟ ! و" عددا " : ~~حال ، أي : علم كل شيء معدودا محصورا ، أو مصدر ، أي : أحصاه إحصاء. # جزء : 8 رقم الصفحة : 159 PageV08P246 ~~الإشارة : ومن يعص الله ورسوله ، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية ~~النبوية ، فإن له نار القطيعة ، خالدين فيها أبدا ، وقد كانوا في حال ~~حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة ، وكثرة الأتباع ، حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون من أمارات الموت ، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ، قل : إن أدري ~~أقريب ما توعدون من الموت ، أم يجعل له ربي أمدا ، ولا بد أن ينتهي ، ويقع ~~الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر ، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب ، أي ~~: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته ، أي : يعلم أسرار ~~المعاني القائمة بالأواني ، فلا يظهر على غيبه أحدا ، أي : لا يكشف عن ~~اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول ، أو نائبه ، وهو العارف ~~الحقيقي ، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ، أي : يحفظه من جميع ~~القواطع ، من كل جهاته ، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته ، ليظهر أن قد ~~أبلغوا رسالات ربهم ، ودعوا الناس إلى ms3228 معرفة ذاته ، وقد أحاط تعالى بكل شيء ~~علما ، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 162 # جزء : 8 رقم الصفحة : 159 PageV08P247 ### | AUTO سورة المزمل # جزء : 8 رقم الصفحة : 162 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها المزمل} أي : المتزمل ، وهو الذي تزمل في ~~ثيابه ، أي : التف بها ، بإدغام التاء في الزاي. قال السهيلي : المزمل : ~~اسم مشتق من الحال التي كان عليها صلى الله عليه وسلم حين الخطاب ، وكذلك ~~المدثر. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان : إحداهما الملاطفة ؛ فإن العرب إذا ~~قصدت ملاطفة المخاطب ، وترك عتابه ، سموه باسم مشتق من حالته ، كقوله صلى ~~الله عليه وسلم لعلي حين غاضب فاطمة : " قم أبا تراب " إشعارا له أنه غير ~~عاتب عليه ، وملاطفة له. والفائدة الثانية : التنبيه لكل متزمل ، راقد ليله ~~، لينتبه إلى قيام الليل وذكر الله فيه ؛ لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك ~~فيه المخاطب ، وكل من عمل بذلك العمل ، واتصف بتلك الصفة. ه. # وكان صلى الله عليه وسلم ذات ليلة متزملا في ثيابه نائما ، فنزل جبريل ~~يأمره بقيام الليل بقوله : {قم الليل} أي : قم للصلاة بالليل ، ف " الليل " ~~نصب على الظرفية ، و{إلا قليلا} : استثناء من الليل ، و{نصفه} : بدل من " ~~الليل " الباقي بعد الثنيا ، بدل الكل ، أي : قم نصفه ، أو : من " قليلا " ~~، والتعبير عن النصف المخرج بالقليل لإظهار كمال الاعتداد بشأن الجزاء ~~المقارن للقيام ، والإيذان بفضله ، وكون القيام فيه بمنزلة القيام في أكثره ~~في كثرة الثواب. # 163 # {أو انقص منه} ؛ من النصف نقصا {قليلا} إلى الثلث ، {أو زد عليه} ، على ~~النصف إلى الثلثين ، فالمعنى : تخييره صلى الله عليه وسلم بين أن يقوم نصفه ~~أو أقل منه أو أكثر. وقيل : " نصفه " بدل من " الليل " ، و" إلا قليلا " ~~مستثنى من النصف ، فالضمير في " منه " و" عليه " للنصف ، والمعنى : التخيير ~~بين أمرين ، بين أن يقوم أقل من نصف على البت ، وبين أن يختار أحد الأمرين ~~، وهما النقصان من النصف ، والزيادة عليه ، والذي يليق بجزالة التنزيل هو ~~الأول. أنظر أبا السعود. PageV08P248 # جزء : 8 رقم ms3229 الصفحة : 163 # والجمهور : أن الأمر هنا للندب ، وقيل : كان فرضا وقت نزول الآية ، وقيل ~~: كان فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، وبقي كذلك حتى توفي. # {ورتل القرآن} في أثناء قيامك بالليل ، أي : اقرأه على تؤدة وتبيين حروف ~~ترتيلا بليغا بحيث يتمكن السامع من عدها ، من قولهم : ثغر رتل : إذا كان ~~مفلجا. وترتيل القرأن واجب ، فمن لم يرتله فهو آثم إذا أخل بشيء من أداء ~~التجويد ، كترك الإشباع أو غيره. والمقصود من الترتيل : تدبر المعاني ، ~~وإجالة الفكر في أسرار القرآن. قال في الإحياء : واعلم أن الترتيل أشد ~~تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال ، والمقصود من القرآن : التفكر ، ~~والترتيل معين عليه. وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء الله. # {إنا سنلقي} أي : سننزل {عليك قولا ثقيلا} وهو القرآن العظيم ، المنطوي ~~على تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين ، أو : ثقيلا على المنافقين ، أو : ~~ثقيلا لرزانة لفظه ، ومتانة معناه ، أو : ثقيلا على المتأمل ؛ لافتقاره إلى ~~مزيد تأمل وتفرغ للسر ، وتجريد للنظر ، أو ثقيلا في الميزان ، أو ثقيلا ~~تلقيه من جبريل ، فقد كان عليه السلام ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد ~~البرد ، فيفصم عنه ، وإن جبينه ليتفصد عرقا. PageV08P249 # {إن ناشئة الليل} أي : قيام الليل ، مصدر من " نشأ " إذا قام ونهض ، على ~~وزن فاعلة ، كالعافية العاقبة ، أو : إن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى ~~العبادة ، أي : تنهض ، أو : إن العبادة التي تنشأ بالليل ، أي : تحدث ، أو ~~: ساعات الليل ؛ لأنها تنشأ ساعة فساعة ، وكان زين العابدين يصلي بين ~~العشاءين ويقول : هذه ناشئة الليل. قلت : وهذا وقت كان السلف يحرصون على ~~عمارته بأنواع العبادات ؛ لأنه يمحوا ظلمة النهار التي تكتسب من شغل ~~الدنيا. {هي أشد وطأ} أي : موافقة للقلب. وقرأ البصري والشامي (وطاء) أي : ~~وفاقا ، أي : يوافق فيها القلب اللسان ، وعن الحسن : أشد موافقة بين السر ~~والعلانية ؛ لانقطاع رؤية الخلائق وغيرها ، أو : أشد ثبات قدم وكلفة ، أي : ~~أثقل على المصلي من صلاة النهار ؛ لطرد النوم في وقته ، من قوله عليه ~~السلام : " اللهم اشدد وطأتك على مضر " {وأقوم قيلا} ms3230 أي : أصوب مقالا ، وبه ~~قرأ أنس ، فقيل له : إنما هو # 164 # أقوم فقال : أقوم وأصوب واحد ، وإنما كانت قراءة الليل أصوب قولا ؛ لقلة ~~خطأ اللسان فيها ؛ لتفرغه من ثقل الطعام ، وقيل : المعنى : أثبت قراءة ؛ ~~لحضور القلب ؛ لهدو الأصوات ، وانقطاع الحركات. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 163 # إن لك في النهار سبحا طويلا} أي : تصرفا وتقلبا في مهماتك ، واشتغالا ~~بتعليم أمتك ، فتفرغ بالليل لعبادة ربك. {واذكر أسم ربك} أي : دم على ذكره ~~في الليل والنهار ، على أي وجه ، من تسبيح وتهليل وتكبير ، وقراءة قرآن ، ~~وتدريس علم. {وتبتل إليه} أي : انقطع إلى عبادته عن كل شيء ، بمجامع الهمة ~~، واستغراق العزيمة. والتبتل : الانقطاع إلى الله تعالى بتأميل الخير منه ~~دون غيره ، وقيل : رفض الدنيا وما فيها ، والتماس ما عند الله. وأكده بقوله ~~: {تبتيلا} زيادة في التحريض ، مع ما فيه من رعاية الفواصل. PageV08P250 # {رب المشرق والمعرب} أي : هو رب ، أو : مبتدأ خبره : {لا إله إلا هو} ، ومن ~~قرأه بالجر فبدل من " ربك " ، وقيل : على إضمار القسم ، وجوابه : لا إله ~~إلا هو ، أي : ورب المشرق لا إله إلا هو ، كقولك : والله لا أحد في الدار. ~~{فاتخذه وكيلا} أي : وليا وكفيلا بما وعدك من النصر والعز. والفاء لترتيب ~~ما قبله ، أي : إذا علمت أنه ملك المشرق والمغرب ، وأن لا إله إلا هو ، ~~فاتخذه كفيلا لأمورك. {واصبر على ما يقولون} في جانبي من الصاحبة والولد ، ~~وفيك من الساحر والشاعر ، {واهجرهم هجرا جميلا} بأن تجانبهم وتداريهم ولا ~~تجافهم ، بل كل أمرهم إلى ربهم ، كما يعرب عنه ما بعده ، أون : جانبهم ~~بقلبك ، وخالطهم بجسمك مع حسن المخالطة وترك المكافأة ، وقيل : هو منسوخ ~~بآية القتال. # الإشارة : يا أيها المتزمل بالعلوم والمعارف والأسرار ، قم الليل شكرا ~~لما أسدي إليك من النعم الغزار ، ولذلك لما امتثل هذا الأمر بغاية جهده حتى ~~تفطرت قدماه ، قال : " أفلا أكون عبدا شكورا " ، وقيام الليل لا يخص ~~بالصلاة ، بل لكل مقام مقال ، فقيام العباد والزهاد للتهجد والتلاوة ~~والأذكار والاستغفار بالأسحار ، وقيام العارفين لفكرة الشهود والاستبصار ، ~~وهي صلاة القلوب ms3231 الدائمة. # وقوله تعالى : {ورتل القرآن ترتيلا} خطاب لأهل التهجد ، وهم ألوان مختلفة ~~، فمنهم من يقطع الليل في سورة أو آية يرددها ، وهم أهل الخوف المزعج ، أو ~~الشوق المقلق ، ومنهم من يختم القرآن في مدة قليلة ، فمنهم من كان يختمه في ~~كل ليلة في ركعة ، ومنهم من كان يختمه في ليلة مرتين ، ومنهم من كان يختمه ~~بين الظهر والعصر ، أو بين المغرب والعشاء. وكان أبو حنيفة والشافعي ~~يختمانه في رمضان ستين مرة ، وابن القاسم صاحب مالك تسعين مرة ، وابن عباس ~~مائة مرة ، وكان سليمان بن عمير يختمه # 165 PageV08P251 ~~ثلاث ختمات في كل ليلة ، ويجامع أهله بعد كل ختمة. وكان رجل بالمشرق ، يقال ~~له " أبو عيسى التلمساني " ، يختم القرآن بين اليوم والليلة اثنتي عشرة ألف ~~مرة ، فذكر ذلك بمدينة سبتة ، بحضور الفقيه العزفي ، فقال الفقيه : لون كان ~~يقول : القرآن القرآن ما أتم اثنتي عشر ألف مرة ، فاغتاظ الرجل الذي نقل ~~ذلك ، فخرج إلى المشرق ، فأتى ببينة مصححة من قاض إلى قاض بصحة ذلك. # جزء : 8 رقم الصفحة : 163 # قلت : وهذا من باب الخوارق التي تكون للصالحين ، تطوي لهم مسافة الكلام ~~كما تطوى لهم مسافة الزمان والمكان ، وقد كان داود عليه السلام تسرج له ~~دابته ، فيقرأ الزبور قبل أن تسرج ، كما في الصحيح ، وذكر الفرغاني في شرح ~~التائية : أن رجلا كان يختم القرآن بين الحجر إلى الركن اليماني ، فأنكر ~~بعض ذلك عليه ، فأخذ بأذنه وقرأ فيها من الفاتحة إلى الختم ، وهو يسمع حرفا ~~حرفا ، فسبحان القادر على كل شيء ؟ !. PageV08P252 # وقوله تعالى : {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} ، قال القشيري : (ثقيلا) أي : ~~له خطر ، ويقال : لا يقوى عليه إلا من أيد بقوة سماوية ، وربي في حجر ~~التقريب. ه. قال الورتجبي : وكيف لا يثقل قوله سبحانه وهو قديم ، وأجدر أن ~~تذوب تحت سطوات عزيته الأرواح والأشباح والأكوان والحدثان ، بل هو بذاته ~~يحمل صفاته لا غير ، وكان عليه السلام مؤيدا بالاتصاف بالحق ، فكان يحمل ~~الحق بالحق. ه. المراد منه. (إن ناشئة الليل) أي : نشأة الفكرة في الليل ms3232 هي ~~أشد وطأ ، أي : موافقة ، وغرقا في بحر الذات ، وتيار الصفات ؛ لتفرغ القلب ~~حينئذ من شواغل الحس. وكان الشيخ " أبو يزيد " يخرج كل ليلة إلى الصحراء ، ~~ويبيت واقفا على أطراف قدميه ، شاخصا ببصره إلى السماء ، فقال لمن رآه كذلك ~~: دورني الحق تعالى في الفلك العلوي والسفلي ، وأطلعني على عجائب ملكوته... ~~الخ كلامه ، وما كانت إلا فكرته غاصت في بحر الذات ، ودارت مع التجليات ~~العلوية والسفلية ، ووقوفه في ذلك لغلبة الحال ، ولله رجال في زماننا هذا ~~يقلبون الوجود ، ويدورون معه ، وهم على فرشهم ، لتمكنهم من الشهود بلا تعب. PageV08P253 # وقوله تعالى : {إن لك في النهار سبحا طويلا} السبح هو العوم ، أي : إن لك ~~في النهار عوما طويلا في بحار الأحدية ، فاستغرق ليلك ونهارك في ذلك ، ~~واذكر اسم ربك بقلبك وروحك وسرك ، وهو عين السبح المتقدم ، وتبتل إليه ~~تبتيلا في الظاهر والباطن ، فبالتبتل يحصل الوصول ، وبذكر الاسم باللسان ~~يحصل الذكر للجنان ، ثم يسبح في بحر العيان. رب المشرق والمغرب ، أي : مشرق ~~العيان ومغرب قمر الإيمان ، بسطوع شمس العيان. لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ~~، وثق به كفيلا يعطك عطاء جزيلا ، ويمنحك فخرا جليلا ، واصبر على ما يقولون ~~في جانبك ، فإن الداخل على الله منكور ، والراجع إلى الناس مبرور. {واهجرهم ~~هجرا جميلا} ، قال القشيري : أي : عاشرهم بظاهرك ، وباينهم بسرك وقلبك ، ~~ويقال : الهجر الجميل : ما يكون بحق ربك ، لا بحظ نفسك. ه. # 166 # جزء : 8 رقم الصفحة : 163 # يقول الحق جل جلاله : {وذرني والمكذبين} أي : دعني وإياهم ، وكل أمرهم ~~إلي ، فإني أكفيكهم ، والمراد رؤساء قريش ، و" المكذبين " : مفعول معه ، أو ~~: عطف على الياء. {أولي النعمة} أي : أرباب التنعم ، وهم صناديد الكفرة ، ~~فالنعمة بالفتح : التنعم ، وبالكسر : ما يتنعم به ، وبالضم : المسرة. ~~{ومهلهم قليلا} أي : إمهالا قليلا ، أو زمنا قليلا إلى يوم بدر ، أو يوم ~~القيامة. PageV08P254 # {إن لدينا} للكافرين يوم القيامة ، {أنكالا} ؛ قيودا ثقالا ، جمع نكل ، ~~{وجحيما} ؛ نارا محرقة {وطعاما ذا غصة} الذي ينشب في الحلوق فلا يساغ ، ~~يعني : الضريع والزقوم. {وعذابا أليما} ؛ مؤلما يخلص وجعه إلى ms3233 القلب. روي ~~أنه صلى الله عليه وسلم قرأ الآية فصعق ، وعن الحسن : أنه أمسى صائما ، ~~فأتي بطعام ، فعرضت له هذه الآية ، فقال : ارفعه ، ووضع عنده الليلة ~~الثانية فعرضت له ، فقال : ارفعه ، وكذلك الليلة الثالثة ، فأخبر ثابت ~~البناني وغيره ، فجاؤوا ، فلم يزالوا به ، حتى شرب شربة من سويق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 167 # وهذا العذاب واقع {يوم ترجف الأرض والجبال} أي : تتحرك حركة شديدة مع ~~صلابتها وارتفاعها ، فالظرف منصوب بما في " لدينا " من معنى الفعل ، أي : ~~استقر للكفار كذا وكذا يوم ترجف...الخ. {وكانت الجبال كثيبا} ؛ رملا ~~مجتمعا. من : كثب الشيء إذ جمعه ، كأنه فعيل بمعنى مفعول. {مهيلا} ؛ سائلا ~~بعد اجتماعه. # {إنا أرسلنا إليكم} يا أهل مكة {رسولا} وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~{شاهدا عليكم} ؛ يشهد يوم القيامة بما صدر منكم من الكفر والعصيان ، {كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا} وهو موسى عليه السلام ، {فعصى فرعون الرسول} الذي ~~أرسلنا إليه ، أي : عصى ذلك الرسول ؛ لأن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين ~~الأولى. ومحل الكاف النصب على أنها صفة لمصدر محذوف ، أي : أرسلنا إليكم ~~رسولا فعصيتموه ، كما يعرب عنه قوله تعالى : {شاهدا} إرسالا كائنا كإرسال ~~موسى لفرعون ، فعصاه ، {فأخذناه أخذا وبيلا} ؛ شديدا غليظا. وإنما خص موسى ~~وفرعون ؛ لأن خبرهما كان منتشرا بين أهل مكة ؛ لأنهم كانوا جيران اليهود. # 167 PageV08P255 ~~{فكيف تتقون إن كفرتم} أي : بقيتم على كفركم {يوما} أي : عذاب يوم {يجعل ~~الولدان} من شدة هوله ، وفظاعة ما فيه من الدواهي {شيبا} جمع أشيب ، أي : ~~شيوخا ، إما حقيقة ، أو تمثيلا ، وذلك أن الهموم والأحزان إذا تفاقمت على ~~المرء ضعفت قواه وأسرع فيه الشيب ، فإذا قلنا : هو من باب التمثيل ، يكون ~~كقولهم في اليوم الشديد : يوم تشيب فيه نواصي الأطفال ، وإذا قلنا حقيقة ، ~~فلعله ممن بلغ الحلم ، وصحبه تفريط ، وهذا الوقت الذي يشيب الولدان هو حين ~~يقال لآدم عليه السلام : " أخرج بعث النار من ذريتك... " الحديث ، ف " يوما ~~" مفعول بكفرتم ، أي : جحدتم ، أو : ب " تتقون " ، أي : كيف تتقون عذاب يوم ~~كذا إن كفرتم بالله ms3234 ، أو : ظرف ، أي : فكيف لكم التقوى في يوم القيامة إن ~~كفرتم في الدنيا ، و" يجعل " صفة ليوم ، والعائد محذوف ، أي : فيه. {السماء ~~منفطر به} أي : السماء على عظمها وإحكامها منفطر به ، أي : متشققة من هوله ~~، فما ظنك بغيرها من الخلائق ؟ والتذكير لتأويل السماء بالسقف ، أو : ~~لإجرائه على موصوف مذكر ، أي : شيء منفطر ، وعبر عنها بذلك ؛ للتنبيه على ~~أنها تبدلت ، حقيقتها ، وزال عنها اسمها ورسمها ، ولم يبق منها إلا ما يعبر ~~عنه بشيء. والباء في " به " للآله ، يعني : أنها تتفطر لشدة ذلك اليوم ~~وهوله ، كما ينفطر الشيء بما يفطر به. {كان وعده} بالبعث {مفعولا} لا شك ~~فيه ، فالضمير لله عز وجل ، والمصدر مضاف إلى فاعله أول إلى مفعوله ، وهو ~~اليوم ، والفاعل هو الله عز وجل. {إن هذه تذكرة} أي : إن هذه الآيات ~~المنطوية على القوارع المذكورة موعظة ، {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} أي : ~~فمن شاء اتعظ بها ، واتخذ طريقا إلى الله تعالى بالإيمان والطاعة ، فإنه ~~المنهاج الموصل إلى مرضاته. # جزء : 8 رقم الصفحة : 167 PageV08P256 ~~الإشارة : قال القشيري : فذرني والمكذبين ، القائلين بكثرة الوجود وتعدده. ~~ه. أي : مع أنه متحد ، كما قال الشاعر : # هذا الوجود وإن تعدد ظاهرا # وحياتكم ما فيه إلا أنتم # أولي النعمة : الترفه ، فطلب اللذات والتنعم شغلهم عن التبتل ، حتى ~~افترقت قلوبهم وأرواحهم ، وأشركوا مع الله غيره ، و" مهلهم قليلا " أي : ~~زمن عمرهم ؛ لأنه قليل وإن طالت مدته ؛ إذ لا فائدة فيه. إن لدينا أنكالا ، ~~أي : قيودا من العلائق والعوائق تعلقهم وتعوقهم عن الوصول إلى أسرار ~~التوحيد ، وطعاما ذا غصة يغص الروح عن شراب الحمرة ؛ لضيق مسلكه بوجود ~~العوائق ، وعذابا أليما : البعد والطرد عن باب حضرتنا وجناب كبريائنا. يوم ~~ترجف أرض البشرية بهزها بذكر الله ، وجبال العقل بتجلي أنوار الذات ، فيصير ~~هباء منثورا. {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم} ، وهو الداعي إلى # 168 # هذه الأسرار التفريدية ، كما أرسلنا إلى فراعين كل زمان رسولا يدعوهم إلى ~~الله ، فعصى فرعون كل زمان رسوله ، وهو الخليفة عن الله ورسوله صلى الله ~~عليه ms3235 وسلم ، فأخذناه أخذا وبيلا ، فاختطفته المنية من سعة القصور إلى ضيق ~~القبور ، فكيف تتقون الله حق تقاته ، إن كفرتم يوم وقوفكم بين يدي الواحد ~~القهار ؟ يوم تشيب فيه الولدان خجلا من الملك الديان. السماء منفطر من هوله ~~، حين يحال بين المرء وعمله ، إذ ليس محل العمل ، وإنما هو محل إظهار ~~كرامات العمل ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون ، إن هذه تذكرة بالغة ، فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا يوصله إليه اليوم ، قبل أن يحال بينه وبينه بسور الموت. ~~وبالله التوفيق. # 169 # جزء : 8 رقم الصفحة : 167 PageV08P257 ### | AUTO سورة المدثر # جزء : 8 رقم الصفحة : 169 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها المدثر} أي : المتدثر ، أدغمت التاء في ~~الدال ، أي : المتلفف في ثيابه ، من الدثار ، وهو كل ما كان من الثياب فوق ~~الشعار ، والشعار : الثوب الذي يلي الجسد. قيل : هي أول سورة نزلت ، ~~والصحيح : أن أول ما نزل : {اقرأ باسم ربك...} [العلق : 1] إلى قوله ~~{...علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق : 5] ثم فتر الوحي نحو سنتين ، فحزن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى جعل يأتي شواهق الجبال ، فيريد أن ~~يتردى منها ، فأتاه جبريل عليه السلام ، وقال : إنك نبي الله ، فرجع إلى ~~خديجة ، فقال : دثروني وصبوا علي ماء باردا ، فنزل : {يا أيها المدثر} ، ~~وقيل : سمع من قريش ما كرهه ، فاغتم ، فتغطى بثوبه متفكرا ، كما يفعل ~~المغتم ، فأمر ألا يدع إنذارهم وإن آذوه ، فقال : {قم} أي : من مضجعك ، أو ~~قيام عزم وتصميم ، {فأنذر} أي : فحذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا ، أو ~~فافعل الإنذار من غير تخصيص ، كما ينبىء عنه قوله تعالى : {ومآ أرسلناك إلا ~~كآفة للناس بشيرا ونذيرا} [سبأ : 28]. # {وربك فكبر} أي : خص ربك بالتكبير ، وهو التعظيم قولا واعتقادا ، فلا ~~يكبر في عينك إلا الله ، وقل عندما يعروك من غيره : الله أكبر. روي أنه لما ~~نزل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر " فكبرت خديجة وفرحت ~~، وأيقنت أنه الوحي. وقد يحمل على تكبير الصلاة ، والفاء بمعنى الشرط ، ~~كأنه قيل : أي شيء ms3236 حدث فلا تدع تكبيره. # 172 PageV08P258 ~~{وثيابك فطهر} مما ليس بطاهر ، فإنه واجب في الصلاة ، فلا تصح إلا بها ، ~~ووصف كمال في غيرها ، وذلك بصيانتها عن النجاسات ، وغسلها بعد إصابتها ، أو ~~قصرها مخالفة للعرب في تطويلهم الثياب ، وجرهم الذيول كبرا ، فإن طولها ~~يؤدي إلى جرها على القاذورات ، وهو أول ما أمر به صلى الله عليه وسلم من ~~ترك العادات المذمومة ، وقيل : المراد تطهير النفس مما يستقبح من الأفعال ، ~~ويستهجن من الأحوال ، يقال : فلان طاهر الذيل والرداء ، إذا وصفوه بالنقاء ~~من المعايب ومدانس الأخلاق ، ولأن من طهر باطنه ظاهره غالبا. قال ابن ~~العربي في أحكامه : والذي يقول : إنها الثياب المجازية أكثر. ه. ومن قال : ~~إنها الحسية استدل بها على وجوب غسل النجاسة للصلاة ، وبه قال الشافعي ، ~~ومالك ، في أحدى الروايات عنه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 172 # والرجز فاهجر} أي : دم على هجرانها ، قاله الزهري وغيره. وقال ابن عباس : ~~أي : اترك المآثم التي توجب الرجز ، وهو العذاب ، وفيه لغتان : كسر الراء ، ~~وضمها ، وقرىء بهما معا. قال الكسائي : الرجز بالضم : الوثن ، وبالكسر : ~~العذاب. {ولا تمنن تستكثر} أي : ولا تعط متكثرا ، أي : رائيا لما تعطيه ~~كثيرا ، أو طالبا للكثير على ما أعطيت ، فإنك مأمور بأجل الأخلاق ، وأشرف ~~الآداب ، وهو من المن بمعنى الإنعام ، يقال : من عليه إذا أعطاه وأنعم عليه ~~، " وتستكثر " : حال ، أي : لا تعط حال كونك تعد ما أعطيت كثيرا ، أو طالبا ~~أكثر مما أعطى. وقرأ الحسن بالجزم جواب النهي. {ولربك فاصبر} أي : لوجه ~~الله استعمل الصبر على أوامره ونواهيه ، وعلى تحمل مشاق أعباء التبليغ وأذى ~~المشركين. PageV08P259 # {فإذا نقر في الناقور} أي : نفخ في الصور ، وهو فاعول من النقر ، بمعنى ~~التصويت ، وأصله : القرع ، الذي هو سبب الصوت ، والفاء سببية ، كأنه قيل : ~~اصبر على أذاهم ، فبين أيديهم يوم هائل ، يلقون فيه عاقبة أذاهم ، وتلقى ~~عاقبة صبرك ، والعامل في " إذا " قوله : {فذلك يومئذ يوم عسير} ، فإن معناه ~~: عسر الأمر على الكافرين إذا نقر في الناقور ، و" ذلك " إشارة إلى وقت ~~النقر ، وهو مبتدأ ، و{يومئذ} : مرفوع المحل ms3237 بدل منه ، و{يوم عسير} : خبر ، ~~كأنه قيل : يوم النقر يوم عسير {على الكافرين} ، وأكده بقوله : {غير يسير} ~~؛ ليؤذن بأنه يسير على المؤمنين ، أو عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا ، كما ~~يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. واختلف في أن المراد به : يوم النفخة ~~الأولى أو الثانية ، والحق إنها الثانية ؛ إذ هي التي يختص عسرها بالكافرين ~~، وأما النفخة الأولى ، فحكمها الذي هو الإصعاق يعم البر والفاجر ، على ~~أنها مختصة بمن كان حيا عند وقوعها ، وقد جاء في الأخبار : أن في الصور ~~ثقبا بعدد الأرواح ، وأنها تجمع في تلك الثقب في النفخة الثانية ، فتخرج ~~عند النفخ من كل ثقبة روح ، فترجع إلى الجسد الذي نزعت منه ، فيعود الجسد ~~كما كان حيا ، بإذن الله تعالى. # 173 # الإشارة : يا أيها المتدثر بالعلوم والأسرار والمعارف ؛ قم فأنذر الناس ، ~~والخطاب للداعي الأكبر صلى الله عليه وسلم ، ويتوجه لخليفته في كل زمان ، ~~وهو من وجهه الله لتذكير العباد ليحيي به الدين في أول كل عصر ، كما في الأثر. PageV08P260 # قال الورتجبي : يا أيها المدثر ، أي : يا أيها الغريق في قلزوم القدم ، قم ~~لدعوى محبتي ، وأنذر أحبائي عن الاشتغال بغيري ، وأظهر جواهر حقائب بحر ~~غيبي للمقبلين إلينا. ثم قال على قوله : (وربك فكبر) ، عن الحسين : عظم ~~قدره عن احتياجه إليك في الدعوة إليه ، فإن إجابة دعوتك ممن سبقت له ~~الهداية مني. ه. قال القشيري : كبر ربك عن احتياجه إلى تكبير أحد ، فإن ~~كبرياءه ذاتي له ، قائم بنفسه ، لا بغيره من المكبرين. ه. والمتبادر أنه ~~أمر الداعي بتعظيم الله وإجلاله دون غيره من سائر المنذرين ، فلا تمنعه ~~جلالة أحد من العظماء والمتكبرين عن التصدي لإنذاره وتذكيره. # جزء : 8 رقم الصفحة : 172 PageV08P261 ~~وقوله تعالى : {وثيابك فطهر} أي : نزه ثياب إيمانك وعرفانك عن لوث الطمع في ~~الخلق ، وخصوصا عند الدعوة ، فلا تسأل عليه أجرا ، ولا تؤمل في جانبه عوضا ~~، فتحرم بركة إنذارك ، ويقل الانتفاع به. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي ~~الله عنه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال ms3238 : يا علي ، طهر ~~ثيابك من الدنس ، تحظ بمدد الله في كل نفس ، فقلت : وما ثيابي يا رسول الله ~~؟ فقال : إن الله كساك حلة المعرفة ، ثم حلة المحبة ، ثم حلة التوحيد ، ثم ~~حلة الإيمان ، ثم حلة الإسلام ، فمن عرف الله صغر لديه كل شيء ، ومن أحب ~~الله هان عليه كل شيء ، ومن وحد الله لم يشرك به شيئا ، ومن آمن بالله أمن ~~من كل شيء ، ومن أسلم لله قلما يعصيه ، وإن عصاه اعتذر إليه ، وإذا اعتذر ~~إليه قبل عذره. قال : ففهمت حينئذ قوله تعالى : {وثيابك فطهر}. ه. والرجز : ~~كل ما يشغل عن الله ، فيهجر اشتغالا بالله ، ولا تمنن ببذل مهجتك على ربك ، ~~مستكثرا لذلك ، فإن قيمة وجودك لا تساوي عشر العشر من عظمة وجوده ، الذي ~~يمنحك بدلا من وجودك الذي أعطيته ، أو : ولا تمنن عليه بوجودك تطلب وجوده ، ~~فإن وجوده إنما ينال بكرمه ، لا بشيء من العلل ، ولربك فاصبر ، أي : ولأجل ~~الوصول إلى ربك فاصبر على مشاق السير ، أو : ولربك فاصبر على إذاية الخلق ~~في حال الدعوة. قال الورتجبي : ولربك فاصبر في بذل وجودك في جريان تقديره ، ~~أو مع ربك ، وفي ربك ، حين انكشف لك أنوار أسراره ، وخاصيتك في النظر إلى ~~جلاله وجماله ، ولا تنزعج ، فتسقط عن درجة التمكين. وقال القاسم : ولربك ~~فاصبر تحت القضاء والقدر. ه. فإذا نقر في الناقور : نفخ في صور الفناء ، ~~فتندك السموات والأرض ، بإظهار ما فيها من الأسرار ، فتطوى عن نظر العارف ، ~~فيفنى من لم يكن ، ويبقى من لم يزل ، فذلك يوم عسير على الكافرين بطريق ~~الخصوص ؛ إذ لا تنهدم # 174 PageV08P262 ~~العوالم لعين البصيرة إلا لمن هدم عوائد نفسه ، وخالف هواه. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 172 # يقول الحق جل جلاله : {ذرني ومن خلقت} أي : كل أمره إلي فأنا أكفيك أمره ~~، وهو الوليد بن المغيرة ، وقوله : {وحيدا} : حال من عائد الموصول ، أي : ~~خلقته منفردا ، لا مال له ولا ولدا ، أو من الياء ، أي : ذرني وحدي معه ، ~~فأنا أكفيكه ، أو من التاء ، اي : خلقته وحدي ولم ms3239 يشاركني في خلقه أحد ، ~~والأول أنسب بقوله : {وجعلت له مالا ممدودا} ؛ مبسوطا كثيرا ، أو ممدودا ~~بالنماء ، وكان له الزرع والضرع والتجارة ، وعن مجاهد : له مائة ألف دينار ~~، وكان له أرض بالطائف ، لا تنقطع ثمارها صيفا وشتاء ، {وبنين شهودا} ؛ ~~حضورا معه بمكة لغناهم ، يتمتع بشهودهم ، لا يفارقونه لعمل ، لكونهم مكفيين ~~، أو حضورا في الأندية والمحامل لوجاهتهم ، واعتيادهم ، وكانوا عشرة ، وقيل ~~: ثلاثة عشر ، وقيل : سبعة ، كلهم رجال ، الوليد بن الوليد ، وخالد ، وعمار ~~ة ، وهشام ، والعاصي ، وقيس ، وعبد شمس ، أسلم منهم خالد وهشام وعمارة ، ~~وجعل السهيلي بدل عمارة الوليد بن الوليد ، وهو الصحيح ، وفيه قال عليه ~~السلام : " اللهم أنج الوليد بن الوليد " حين كان يعذب بمكة على الإسلام ، ~~والوليد هذا كان سبب إسلام أخيه خالد ، وكان خالد فارا منه صلى الله عليه ~~وسلم ، فسمع الوليد النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لو أتانا لاأكرمناه ~~" ، فكتب إليه ، فوقع الإسلام في قلبه ، وسماه سيفا من سيوف الله ، به فتح ~~الله كثيرا من البلدان ، وأما عمارة فذكر غير واحد أنه مات مشركا عند ~~النجاشي ، ويروى أن النجاشي قتله بسبب اختلافه إلى زوجته ، ووشى به عمرو بن ~~العاص ، كما ذكره الطيبي. انظر المحشي. PageV08P263 # {ومهدت له تمهيدا} أي : بسطت له الجاه العريض ، والرياسة ، حتى كان يلقب ~~ريحانة قريش ، فأتممت عليه نعمتي الجاه والمال ، واجتماعهما هو الكمال عند ~~أهل الدنيا ، {ثم يطمع أن أزيد} على ما أوتيه من المال والولد والجاه من ~~غير شكر ، وهور استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه. وعن الحسن : يطمع أن أزيده ~~الجنة ، فأعطيه فيها مالا وولدا ، كما قال العاصي : {لأوتين مالا وولدا} ~~[مريم : 77] ، وكان من فرط جهله يقول : إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة ~~إلا لي. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 175 # كلا} : ردع وزجر عن طمعه الفارغ ، وقطع لرجائه الخائب ، أي : لا نجمع له بعد # 175 PageV08P264 ~~اليوم بين الكفر والمزيد من النعم ، فلم يزل بعد نزول الآية في نقصان من ~~المال والجاه ، وانتكاس ، حتى هلك ، {إنه كان لآياتنا} ؛ القرآن {عنيدا} ؛ ~~معاندا جاحدا ، وهو تعليل للردع ms3240 على وجه الاستئناف ، كأن قائلا قال : لم لا ~~يزاد ؟ فقال : إنه عاند آيات المنعم ، مع وضوحها ، وكفر نعمته مع سبوغها ، ~~وهو مما يوجب حرمانها بالكلية ، مع أن ما أوتيه إنما هو استدراج يوجب مزيد ~~العذاب ، كما قال تعالى : {سأرهقه صعودا} ؛ سأغشيه بدل ما يطمعه من الجنة ~~عقبة شاقة المصعد ، وهو مثل لما يلقى من العذاب الصعب الذي لا يطاق ، وفي ~~الحديث : " الصعود : جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ، ثم يهوي فيه كذلك ~~أبدا ". ثم علل استحقاقه لهذا العذاب بقوله : {إنه فكر} ما يقول في شأن ~~القرآن ، {وقدر} في نفسه ما يقوله وهياه ، كأنه تعالى عاجله بالفقر والذل ~~بعد الغنى والعز ، لعناده ، ويعاقبه في الآخرة بأشد العذاب ، لبلوغه ~~بالعناد غايته ، حيث قال في كلامه تعالى المعجز : سحرا ، وفي رسوله عليه ~~السلام : ساحرا ، {فقتل} أي : لعن {كيف قدر ثم قتل كيف قدر} ؟ كرر للتأكيد ~~، و" ثم " للإشعار بأن الدعاء الثاني أبلغ ، وقيل : هو تعجيب من تقديره ~~وإصابته فيه الغرض الذي كان ينتحيه قريش ، قاتلهم الله ، كما يقال : قاتله ~~الله ما أشجعه ، وأخزاه الله ما أشعره! روي أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ " حم " غافر ، أو فصلت ، ثم رجع إلى بني مخزوم ، فقال : والله ~~لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجن ، وإن له ~~لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو ~~ولا يعلى عليه ، فقالت قريش : صبأ والله الوليد ، لتصبون قريش كلها ، فقال ~~ابن أخيه أو جهل : أنا أكفيكموه ، فانطلق إليه حزينا ، فقال له : ما لي ~~أراك حزينا ؟ فقال : وما لي لا أحزن ، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك ~~على كبر سنك ، يزعمون أنك PageV08P265 ~~زينت كلام محمد ، تدخل على ابن أبي كبشة وأبي قحافة ، لتنال من طعامهم ، ~~فغضب الوليد ، وقصدهم ، وقال : تزعمون أن محمدا مجنون ، فهل رأيتموه يخنق ~~قط ؟ قالوا : لا ، قال : تزعمون أنه شاعر ، فهل رأيتموه ينطق بشعر قط ؟ ~~قالو : لا ، قال : تزعمون أنه كاهن ، فهل رأيتموه يتكهن ms3241 قط ؟ قالوا : لا ، ~~قال : تزعمون أنه كذاب ، فهل جريتم عليه من الكذب قط ؟ قالوا : اللهم لا ، ~~ثم قالوا له : فما هو ؟ ففكر فقال : ما هو إلا ساحر ، أما رأيتموه يفرق بين ~~الرجل وأهله وولده ومواليه ؟ وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن أهل بابل ، ~~فارتج النادي فرحا ، وتفرقوا معجبين بقوله متعجبين منه ، وهذا معنى قوله : ~~{إنه فكر...} الخ. # 176 # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 175 PageV08P266 ~~ثم نظر} أي : في القرآن مرة بعد مرة ، أو نظر بأي شيء يرد الحق ، أو فيما ~~قدر ، {ثم عبس} ؛ قطب وجهه لما لم يجد فيه مطعنا ، ولم يدر ماذا يقول ، ~~وقيل : نظر في وجوه الناس ، ثم قطب وجه ، {وبسر} ؛ زاد في العبوسة والكلوح ~~، {ثم أدبر} عن الحق ، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، {واستكبر} عن ~~اتباعه ، و{ثم نظر} : عطف على (قدر) ، والدعاء اعتراض ، وإيراد " ثم " في ~~المعطوفات لبيان أن بين الأفعال والمعطوفة تراخيا أو تفاوتا ، {فقال إن هذا ~~إلا سحر يؤثر} أي : يروى ويتعلم ، والفاء للدلالة على أن هذه الكلمة لما ~~خطرت بباله تفوه بها من غير تلعثم ولا تلبث ، وقوله : {إن هذا إلا قول ~~البشر} تأكيد لما قبله ، ولذلك أخلى عن العاطف. قال تعالى : {سأصليه} ؛ ~~سأدخله {سقر} ، وهو بدل من {سأرهقه صعودا} وسقر : علم لجهنم ، ولم ينصرف ~~للتعريف والتأنيث ، {وما أدراك ما سقر} ، تهويل لشأنها ، {لا تبقي ولا تذر} ~~، بيان لحالها ، أي : لا تبقي شيئا يلقى فيها إلا أهلكته ، وإذا هلك لم ~~تذره هالكا حتى يعاد ، أو : لا تبقي لحما ، ولا تذر عظما ، أو : لا تبقي ~~لحما إلا أكلته ، ولا تدع أن تعود عليه أشد ما كانت ، وقال الضحاك : إذا ~~أخذت فيهم لم تبق منهم شيئا ، وإذا أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم ، ولكل شيء ~~فترة وملالة إلا جهنم. ه. PageV08P267 # {لوحاة للبشر} أي : مغيرة للجلود حتى تسودها ، تقول العرب : لاحته الشمس ~~ولوحته ، أي : غيرته ، قيل : تلفح الجلد لفحة ، فتدعه أشد سوادا من الليل ، ~~وقال الحسن : تلوح لهم جهنم حتى يرونها عيانا ، نظيره : {وبرزت الجحيم ms3242 ~~للغاوين} [الشعراء : 91] والبشر : اسم ، جمع بشرة ، وهي ظاهر جلد الإنسان ، ~~ويجمع أيضا على أبشار ، {عليها تسعة عشر} أي : على أمرها تسعة عشر ملكا ، ~~خزنتها ، وقيل : تسعة عشر صنفا من الملائكة ، وقيل : صفا ، وقيل : نقيبا. ~~قيل : الحكمة في تخصيص هذا العدد لخزنة جهنم ؛ أن ذكرهم الذي يتقوون به ~~البسلمة ، وذلك عدد حروفها. ه. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 175 # الإشارة : هذه الآية تجر ذيلها على كل من آتاه الله المال والجاه البنين ~~، ثم جعل ينتقد على أولياء الله ، ويحتقر أهل النسبة ، بل على كل من يطلق ~~لسانه في أهل النسبة يناله ما نال الوليد ؛ لأنه كان لآيات الله وهم خاصة ~~أوليائه عنيدا جاحد القلب ، وحاسدا ، سأرهقه صعودا ، أي : عذابا متعبا له ~~، في الدنيا بالحرص والطمع ، وفقر القلب ، وكذا العيش في الآخرة بسدل ~~الحجاب ، والطرد عن ساحة المقربين ، إنه فكر فيما يكيد به أولياءه ، وقدر ~~ذلك ، فلعن كيف قدر ، ثم نظر إليهم فعبس وبسر. قلت : وقد رأيت بعض المتفقهة ~~المتجمدين ، إذا رأوا أحدا من أهل التجريد ، عبسوا وقطبوا وجوههم ، ولووا ~~رؤوسهم ، لشدة حنقهم على هذه الطائفة ، نعوذ بالله من الحرمان. وكل ما رمي ~~به صلى الله عليه وسلم من السحر وغيره قد رمي به خلفاؤه ، فيقال لمن رماهم ~~وعابهم : سأصليه سقر ، نار القطيعة والبعد ، لا تبقي له رتبة ، ولا تذر له ~~مقاما ولا جاها عند الله ، تزيل عنه سيما العارفين # 177 PageV08P268 ~~ومهجة المحبين وتغير بشريته بالكآبة والحسرة ، والتأسف عن التخلف عن مقام ~~المقربين ، عليها ، أي : على النار المحيطة بهم ، تسعة عشر حجابا ؛ حجاب ~~المعاصي القلبية والقالبية ، ثم حجاب الغفلة ، ثم حب الدنيا ، ثم حب الهوى ~~، ثم الحسد ، ثم الكفر ، ثم الحقد ، ثم الغضب ، ثم حب الظهور ، ثم حب الجاه ~~، ثم الطمع ، ثم الحرص ، ثم خوف الفقر ، ثم هم الزرق ، ثم خوف الخلق ، ثم ~~التدبير والاختيار ، ثم العجلة ، ثم الرعونة ، ثم حجاب الحسد والوهم. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 175 # يقول الحق جل جلاله : {وما جعلنا أصحاب النار} أي ms3243 : خزنتها ، المدبرين ~~لها ، القائمين بتعذيب أهلها ، {إلا ملائكة} لأنهم خلاف جنس المعذبين ، فلا ~~تأخذهم الرأفة والرقة ، ولأنهم أشد الخلق بأسا ، فللواحد منهم قوة الثقلين ~~، ونعتهم صلى الله عليه وسلم فقال : " كأن أعينهم البرق ، وكأن أفواههم ~~الصياصي ، يجرون أشعارهم ، لأحدهم قوة الثقلين ، يسوق أحدهم الأمة ، وعلى ~~رقبته جبل ، فيرميهم في النار ، ويرمي الجبل عليهم " وفي رواية : " بيد كل ~~واحد منهم مرزبة من حديد " وفي رواية عن كعب : " مع كل واحد منهم عمود ~~وشعبتان يدفع به الدفع يصرع به في النار سبعمائة ألف ، وبين منكبي الخازن ~~من خزنتها مسيرة مائة سنة " وفي حديث آخر : " ما بين منكبي أحدهم كما بين ~~المشرق والمغرب ، وليس في قلوبهم رحمة ، يضرب أحدهم الرجل ضربة ، فيتركه ~~طحينا من لدن قرنه إلى قدمه " وعن كعب : " يؤمر بالرجل إلى النار ، فيبتدره ~~مائة ألف ملك " قال القرطبي : المراد بقوله : {عليها تسعة عشر} رؤساؤهم ، ~~وأما جملة الخزنة فلا يعلم عددهم إلا الله تعالى. انظر البدور السافرة. PageV08P269 # روي أنه لما نزل قوله تعالى : {عليها تسعة عشر} قال أبو جهل : أيعجز كل ~~عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ، وأنتم ألدهم ، أي : الشجعان ؟ فقال أبو ~~الأشد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش : أنا أكفيكم سبعة عشر ، اكفوني أنتم ~~اثنين ، فنزلت الآية ، أي : وما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون. # 178 # {وما جعلنا عدتهم} تسعة عشر {إلا فتنة} أي : ابتلاء واختبارا {للذين ~~كفروا} حتى قال أبو جهل ما قال ، أي : وما جعلنا هذا العدد إلا سبب ~~افتتانهم ، فعبر بالأثر عن المؤثر ، وليس المراد جعل ذلك العدد في نفس ~~الأمر فتنة ؛ بل جعله في القرآن أيضا كذلك ، وهو الحكم بان عليها تسعة عشر ~~، إذ بذلك يتحقق افتتانهم ، وعليه يدور ما سيأتي من استيقان أهل الكتاب ، ~~وازدياد المؤمنين إيمانا. انظر أبا السعود. وقالوا في تخصيص الخزنة بهذا ~~العدد مع أنه لا يطلب في الأعداد العلل : أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى ~~النار ، وستة منهم يسوقونهم ، وستة يضربونهم بمقامع من الحديد ، والآخر ~~خازن جهنم ، وهو مالك ، وهو الأكبر. وقيل ms3244 : في النار تسعة عشر دركا ، قد ~~سلط على كل درك ملك ، وقيل يعذبون فيها بتسعة عشر لونا من العذاب ، وعلى كل ~~لون ملك موكل ، وقيل غير ذلك. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 178 PageV08P270 ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} ، لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين ، فإذا ~~سمعوا مثلها في القرآن تيقنوا أنه منزل من عند الله ، وهو متعلق بالجعل ~~المذكور ، أي : جعلناهم كذلك ليكتسبوا اليقين بنبوته صلى الله عليه وسلم ، ~~وصدق القرآن ، لموافقته لما في كتبهم ، {ويزداد الذين آمنوا} بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم {إيمانا} لتصديقهم بذلك ، كما صدقوا بسائر ما أنزل ، ~~فيزيدون إيمانا مع إيمانهم الحاصل ، أو : يزداد إيمانهم تيقنا ؛ لما رأوا ~~من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم ، {ولا يرتاب الذي أوتوا الكتاب والمؤمنون} ، ~~تأكيد لما قبله من الاستيقان وازدياد الإيمان ، ونفي لما قد يعتري المستيقن ~~من شبهة ما ، وإنما لم ينظم المؤمنين في سلك أهل الكتاب في الارتياب ، حيث ~~لم يقل : ولا يرتابوا ؛ للتنبيه على تباين النفيين حالا ، فإن انتفاء ~~الارتياب عن أهل الكتاب مما ينافيه لما فيه من الجحود ، وعن المؤمنين لما ~~يقتضيه من الإيمان ، وكم بينهما ؟ والتعبير عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم ~~بالموصول والصلة الفعلية المنبئة عن الحدث ؛ للإيذان بثباتهم على الإيمان ~~بعد ازدياده ورسوخهم في ذلك. قاله أبو السعود. PageV08P271 # وعطف على {يستيقن} ايضا قوله : {وليقول الذين في قلوبهم مرض} ؛ شك ؛ لأن ~~أهل مكة كان أكثرهم شاكين ، أو : نفاق ، فيكون إخبارا بما سيكون بالمدينة ~~بعد الهجرة ، {والكافرون} ؛ المشركون بمكة ، المصرون على الكفر : {ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا} ؟ أي : أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب ~~المثل ؟ وقيل : لما استبعدوه حسبوا أنه مثل مكذوب ، أو : أي حكمة في جعل ~~الملائكة تسعة عشر ، لا أكثر أو أقل ؟ وإيراد قولهم هذا بالتعليل ، مع كونه ~~من باب فتنتهم ؛ للإشعار باستقلاله بالبشاعة. و" مثلا " : تمييز ، أو حال ، ~~كقوله : {هذه ناقة الله لكم ءاية} [الأعراف : 73]. {كذلك يضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء} أي : مثل ذلك الضلال وتلك الهداية يضل الله من يشاء إضلاله ~~، بصرف اختياره ms3245 إلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله الناطقة بالحق ، # 179 # ويهدي من يشاء هدايته بصرف اختياره عند مشاهدته تلك الآيات إلى جانب ~~الهدى ، فمحل الكاف النصب على أنها صفة لمصدر محذوف ، أي : يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء ، إضلالا وهداية كائنين مثل ما ذكر من الإضلال والهداية. # {وما يعلم جنود ربك} أي : جموع خلقه ، التي من جملتها الملائكة المذكورون ~~، {إلا هو} ، إذ لا سبيل لأحد إلى حصر مخلوقاته ، والوقوف على حقائقها ~~وصفتها ، ولو إجمالا ، فضلا عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها ، من كم وكيف ~~ونسبة ، فلا يعز عليه جعل الخزنة أكثر مما هو عليه ، ولكن في هذا العدد ~~الخاص حكمة لا تعلمونها ، {وما هي إلا ذكرى للبشر} هذا متصل بوصف سقر ، أي ~~: ما سقر وصفتها إلا تذكرة للبشر ؛ لينزجروا عن القبائح. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 178 PageV08P272 ~~كلا} ؛ ردع لمن أنكرها ، أو نفي لأن يكون لهم تذكر ، بعد أن جعلها ذكرى ، ~~أي : لا يتذكرون لسبق الشقاء لهم ، {والقمر} ، أقسم به لعظم منافعه ، ~~{والليل إذ أدبر} أي : ذهب ، يقال : أدبر الليل ودبر : إذا ولى ، ومنه ~~قولهم : صاروا كأمس الدابر ، وقيل : أدبر : ولى ، ودبر جاء بعد النهار ، ~~{والصبح إذا أسفر} ؛ أضاء وانكشف ، وجواب القسم : {إنها} أي : سقر {لإحدى ~~الكبر} جمع كبرى ، أي : لإحدى الدواهي أو البلايا الكبر ، ومعنى كونها ~~إحداهن : أنها من بينهن واحدة في العظم لا نظيرة لها ، كما تقول : هو أحد ~~الرجال ، وهي إحدى النساء. {نذيرا للبشر} : تمميز لإحدى ، أي : إنها لإحدى ~~الدواهي إنذارا ، كقولك : هي إحدى النساء جمالا ، أو حال مما دلت عليه ~~الجملة ، أي : عظمت منذرة ، {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} : بدل من " ~~البشر " ، بإعادة الجار ، أي : نذيرا لمن شاء منكم أن يسبق إلى الخير أو ~~يتأخر عنه ، وعن الزجاج : أن يتقدم إلى ما أمر به ، ويتأخر عما نهى عنه ، ~~وقيل : " لمن شاء " : خبر ، و" أن يتقدم " : مبتدأ ، فيكون كقوله تعالى : ~~{فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر} [الكهف : 29]. قال المحشي : وحاصله : أن ~~العبد متمكن من كسب الخير وضده ms3246 ، ولذلك كلفه ؛ لأنه علق ذلك على مشيئته ، ~~وليس حجة ؛ لكونه مستقلا غير مجبور ؛ لأن مشيئته معلقة على مشيئة الله ، ~~{وما تشآءون إلا أن يشآء الله} [الإنسان : 30] {كلا إنه تذكرة فمن شآء ذكره ~~وما يذكرون إلا أن يشآء الله} [المدثر : 54-56] ، وما نبهت عليه من التمكن ~~والاختيار في الظاهر هو فائدة بدل " لمن شاء " من البشر. ه. PageV08P273 # الإشارة : من أسمائه تعالى الجليل والجميل ، فوكل بتنفيذ اسمه الجليل جنودا ~~يجرون الناس إلى أسباب جلاله ، من الكفر والعصيان ، ووكل بتنفيذ اسمه ~~الجميل جنودا يجرون الناس إلى أسباب جماله من الهدى والطاعة ، وما جعل ذلك ~~إلا اختبارا واتبلاء ، لمن يدبر عنه أو يقبل عليه ، وما جعلنا أصحاب نار ~~القطيعة إلا ملائكة ، وهم حراس الحضرة يملكون النفس ، ويقذفونها في هاوية ~~الهوى ، وما جعلنا عدتهم تسعة عشر # 180 # حجابا كما تقدم ، إلا فتنة لأهل الغفلة ، الكافرين بوجود الخصوصية ، ~~اختبارا لمن يقف معها ، فتحجبه عن ربه ، ولمن يتخلص منها ، فينفذ إلى ربه ، ~~ليستيقن أهل العلم بالله حين يطهروا منها ، ويزداد السائرون إيمانا ~~بمجاهدتهم في التخلص منها ، ولا يبقى في القلب ريب ولا وهم ، وليقول الذين ~~في قلوبهم مرض من ضعف اليقين : ماذا أراد الله بخلق هذه الأمراض في قلوب ~~العباد ؟ فيقال : أراد بذلك إضلال قوم عن حضرته ، بالوقوف مع تلك الحجب ، ~~وهداية قوم ، بالنفوذ عنها ، وما يعلم جنود ربك القاطعة عنه بقهره تعالى ، ~~والموصلة إليه برحمته ، إلا هو. وقال الورتجبي : جنوده : عظمته وكبرياؤه ~~وسلطانه وقهره ، الذي صدرت منه جنود السموات والأرض ، وله جنود قلوب ~~العارفين ، وأرواح الموحدين ، وأنفاس المحبين ، التي يستهلك بها كل جبار ~~عنيد ، وكل قهار عتيد. قيل : قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : إنكم لا ~~تقفون على المخلوقات ، فكيف تقفون على الأسامي والصفات ؟ !. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 178 # ثم حذر من سقر الحظوظ ، والسقوط في مهاوي اللحوظ ، وأقسم أنها من الدواهي ~~الكبر لمن ابتلي بها ، حتى سقط في الحضيض الأسفل من الناس ، فمن شاء ~~فليتقدم إلينا بالهروب منها ، ومن شاء فليتأخر بالسقوط فيها ms3247 ، والغرق في ~~بحرها. والعياذ بالله. # جزء : 8 رقم الصفحة : 178 PageV08P274 ~~يقول الحق جل جلاله : {كل نفس بما كسبت رهينة} أي : مرهونة ، محبوسة عند ~~الله تعالى بكسبها. ورهينة : فعلية ، بمعنى مفعولة ، وإنما دخلتها التاء ، ~~مع أن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ، تقول : رجل جريح ، ~~وامرأة جريح ؛ لأنها هنا لم تتبع موصوفا اصطلاحيا ، ومن قال : إن الخبر في ~~معنى الصفة فهي تابعة له ، جعل " رهينة " اسما بمعنى الرهن ، كالشتيمة ~~بمعنى الشتم ، وقيل : إن التاء في رهينة للنقل مع الوصفية للاسمية ، لا ~~للتأنيث ، كما في نصيحة وذبيحة. ه. فكل واحد مرهون بذنبه. # {إلا أصحاب اليمين} فإنهم فاكون رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم ، كما يفك # 181 PageV08P275 ~~الراهن رهنه بأداء الدين ، وقيل : هم أطفال المسلمين ؛ لأنهم لا أعمال لهم ~~يرهنون بها ، وقيل : هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى ، {في جنات} ، لا ~~يكتنه كنهها ، ولا يدرك وصفها ، أي : هم في جنات ، والجملة استئناف بياني ، ~~كأنه قيل : ما بالهم ؟ فقال : هم {في جنات يتساءلون} ؛ يسأل بعضهم بعضا ~~{عن} أحوال {المجرمين} ، فيقول بعضهم لبعض : قد سألناهم فقلنا له : {ما ~~سلككم في سقر} ؟ ف {قالوا لم نك من المصلين...} الخ. قاله النسفي ، ورده ~~أبو السعود ، فقال : وليس المراد بتساؤلهم أن يسأل بعضهم بعضا ، على أن ~~يكون كل واحد منهم سائلا ومسؤولا معا ، بل صدور السؤال عنهم مجردا عن وقوعه ~~عليهم ، فإن صيغة التفاعل وإن وضعت في الأصل للدلالة على صدور الفعل عن ~~المتعدد ، ووقوعه عليه معا ، بحيث يصير كل واحد فاعلا ومفعولا معا ، كما في ~~قولك : تراءى القوم ، أي : رأى كل واحد منهم الآخر ، لكنها قد تجرد عن ~~المعنى الثاني ، ويقصد بها الدلالة على الأول فقط ، فيذكر للفعل حينئذ ~~مفعول ، كما في قولك : تراءوا الهلال ، فمعنى {يتساءلون عن المجرمين} : ~~يسألونهم عن أحوالهم ، وقد حذف المسؤول لكونه عين المسؤول عنه ، أي : ~~يسألون المجرمين عن أحوالهم ، وقوله تعالى : {ما سلككم في سقر} : مقول لقول ~~هو حال من فاعل " يتساءلون " أي : يسألونهم قائلين : أي شيء أدخلكم في سقر ~~؟ فتأمل ms3248 ودع عنك ما يتكلف المتكلفون. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 181 PageV08P276 ~~قالوا} أي : المجرمين مجيبين للسائلين : {لم نك من المصلين} للصلوات ~~الواجبة ، {ولم نك نطعم المسكين} كما يطعم المسلمون ، وفيه دلالة على أن ~~الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة ، {وكنا نخوض مع الخائضين} أي : ~~نشرع في الباطل مع الشارعين فيه ، فنقول الباطل والزور في آيات الله ، ~~{وكنا نكذب بيوم الدين} ؛ بيوم الجزاء والحساب. وتأخير ذكر جنايتهم هذه مع ~~كونها أعظم من الكل ؛ لتفخيمها ، كأنهم قالوا : وكنا بعد ذلك مكذبين بيوم ~~الدين ، ولبيان كون تكذيبهم به مقارنا لسائر جناياتهم المعدودة مستمرا إلى ~~آخر عمرهم ، حسبما نطق به قوله تعالى : {حتى أتانا اليقين} ؛ الموت ~~ومقدماته ، {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} من الملائكة والنبيين والأولياء ~~والصالحين ، لأنها خاصة بالمؤمنين ، وفيه دلالة على ثبوت الشفاعة للمؤمنين ~~، وفي الحديث : " إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من ربيعة ومضر ". ~~{فما لهم عن الذكرة} ؛ عن التذكير والوعظ بالقرآن {معرضين} ؛ مولين ، ~~والفاء لترتيب ما قبلها من موجبات الإقبال عليه ، والاتعاظ به من سوء حال ~~المعرضين ، و" معرضين " : حال من الضمير الواقع خبرا ل " ما " الاستفهامية ~~، كقولك : ما لك قائما ؟ أي : فإذا كان حال المكذبين به على ما ذكر من سوء ~~الحال. فإي شيء حصل لكم حال كونكم معرضين عن القرآن ، مع تعاضد الدواعي إلى ~~الإيمان ؟ {كأنهم حمر} ؛ أي حمر الوحش # 182 # {مستنفرة} ؛ شديدة النفار ، كأنها تطلب النفار من نفوسها. وقرأ نافع ~~والشامي بفتح الفاء ، أي : استنفرها غيرها ، وجملة التشبيه حال من ضمير " ~~معرضين " أي : مشبهين بحمر نافرة {فرت من قسورة} أي : من أسد ، فعولة من ~~القسر ، وهو القهر ، وقيل : هي جماعة الرماة الذين يصطادونها ، شبهوا في ~~إعراضهم عن القرآن ، واستماع ما فيه من المواعظ ، وشرودهم عنه بحمر حدث في ~~نفارها ما أفزعها. وفيه من ذمهم وتهجين حالهم من تشبيههم بالحمر ما لا يخفى. PageV08P277 # {بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة} : عطف على مقدر يقتضيه الكلام ~~، كأنه قيل : لم يكتفوا بتلك التذكرة ، ولم يرضوا بها ، بل ms3249 يريد كل امرىء ~~منهم أن يؤتى {صحفا منشرة} ؛ قراطيس تنشر وتقرأ ، وذلك أنهم قالوا للرسول ~~صلى الله عليه وسلم : لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء ، ~~عنوانها : من رب العالمين إلى فلان بن فلان ، يؤمر فيها باتباعك ، وهذا ~~كقوله : {ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه} [الإسراء : 93]. وقيل ~~: قالوا : إن كان محمد صادقا فليصبح عند رأس كل واحد منا صحيفة ، فيها ~~براءته وأمنه من النار. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 181 # كلا} ، ردع لهم عن تلك الجرأة ، وزجر عن اقتراح الآيات ، {بل لا يخافون ~~الآخرة} فلذلك يعرضون عن التذكرة ، لا لامتناع إيتاء الصحف. {كلا إنه ~~تذكرة} زجرهم عن إعراضهم عن التذكرة ، وقال : إن القرآن تذكرة بليغة كافية ~~، {فمن شاء ذكره} أي : فمن شاء أن يذكره ذكره ، وحاز سعادة الدارين ، {وما ~~يذكرون} بمنجرد مشيئتهم {إلا أن يشاء الله} هدايتهم فيذكرون ، والاستثناء ~~مفرغ من أعم الأحوال ، أي : وما يذكرون لعلة من العلل ، وفي حال من الأحوال ~~، إلا أن يشاء الله ذلك ، وهو تصريح بأن أفعال العباد كلها بمشيئة الله ~~تعالى ، وقرأ نافع ويعقوب بتاء الخطاب للكفرة. {هو أهل التقوى} أي : حقيق ~~با ، يتقى عقابه ، ويؤمن به ويطاع ، {وأهل المغفرة} ؛ حقيق بأن يغفر لمن ~~آمن به وأطاعه ، وعنه عليه السلام في تفسيرها : " هو أهل أن يتقى ، وأهل أن ~~يغفر لمن اتقاه ". وفي رواية ابن ماجه والترمذي : " قال الله تعالى : أنا ~~أهل أن أتقى ، فلا يجعل معي إله آخر ، فمن اتقى ذلك فأنا أهل أن أغفر له " ~~قال ذلك عليه السلام لما قرأ الآية. ه. PageV08P278 # الإشارة : قال الورتجبي : قوله تعالى : {كل نفس بما كسبت رهينة...} الخ ، ~~كل واقف مع حال ، وملاحظ لمقام ، فهو مرتهن ، إلا من تجرد مما دون الله ، ~~وهم أصحاب يمين مشاهدة الحق ، فإنهم في جنان قربه ووصاله. ه. أي : كل نفس ~~واقفة مع حالها أو مقامها مرتهنة معه ، إلا من ينفذ إلى شهود الحق ، إنه ~~يكون من قبضة اليمين الذين اختارهم # 183 # الله بمحض الفضل ، فهم في جنات ms3250 المعارف يتساءلون عن الغافلين : ما سلككم ~~في سقر السقوط من درجة القرب والوصال ؟ قالوا : لم نك من المصلين الصلاة ~~الدائمة ، ولم نك نطعم المسكين ، بل كنا بخلاء بأموالنا وأنفسنا ، وكنا ~~نخوض في أودية الدنيا مع الخائفين ، وكنا نكذب بيوم الدين ؛ لأن أفعالهم ~~كانت فعل من لا يصدق بيوم الحساب ، حتى أتانا اليقين بعد الموت ، فندمنا ، ~~فلم ينفع الندم وقد زلت القدم ، فما تنفع فيهم شفاعة الشافعين ، حيث ماتوا ~~غافلين ؛ لأن الشفاعة لا تقع في مقام القرب والاصطفاء ، فمن مات بعيدا بسبب ~~الغفلة لا يصير قريبا ، ولو شفع فيه ألف نبي وألف ولي ، إذ القرب على قدر ~~الكشف ، وكشف الحجاب عن الروح إنما يحصل في هذه الدار ، لقوله عليه السلام ~~: " يموت المرء على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه " وإنما تقع ~~الشفاعة في النجاة ، أو في الدرجة الحسية ، والله تعالى أعلم. فما لهم ، أي ~~: لأهل الإعراض عن المذكر ، عن التذكرة منه معرضين ، كأنهم حمر الوحش فرت ~~من قسورة ، وتشبيههم بالحمر في البلادة والجهل ، وكل من طلب الكرامة من ~~الأولياء فهو كاذب في الطلب ، إذ لو صدق في الطلب لأراه الله الكرامات على ~~أيديهم كالسحاب ، كلا بل لا يخافون الآخرة ، ولو خافوها وجعلوها نصب أعينهم ~~لما توقفوا على كرامة ولا معجزة ، والأمر كله بيد الله ، هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة. وبالله التوفيق ، وصلى الله سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 184 # جزء : 8 رقم الصفحة : 181 PageV08P279 ### | AUTO سورة القيامة # جزء : 8 رقم الصفحة : 184 # يقول الحق جل جلاله : {لا أقسم} أي : أقسم. وإدخال " لا " النافية على ~~فعل القسم شائع ، كإدخاله على المقسم به في " لا وربك " و" لا والله " ، ~~وفائدتها : توكيد القسم ، وقيل : صلة ، كقوله : {لئلا يعلم أهل الكتاب} ~~[الحديد : 25] وقيل : هي نفي ورد لكلام معهود قبل القسم ، كأنهم أنكروا ~~البعث ، فقيل : لا ، أي : ليس الأمر كذلك ، ثم قال : أقسم {بيوم القيامة} ~~إن البعث لواقع. وأيا ما كان ففي الإقسام على تحقيق البعث بيوم القيامة من ~~الجزالة ما لا يخفى. وقيل ms3251 : أصله : لأقسم ، كقراءة ابن كثير ، على أن اللام ~~للابتداء ، و" أقسم " : خبر مبتدأ مضمر ، أي : لأنا أقسم ، ويقويه أنه في ~~الإمام بغير ألف ثم أشبع فجاء الألف. # {ولا أقسم بالنفس اللوامة} ، الجمهور على أنه قسم آخر ، وقال الحسن : ~~الثانية نفي ، أي : أقسم بيوم القيامة لا بالنفس اللوامة ، فيكون ذما لها ، ~~وعلى أنه قسم يكون مدحا لها ، أي : أقسم بالنفس المتقية ، التي تلوم صاحبها ~~على التقصير ، وإن اجتهدت في الطاعة. أو : بالنفس المطمئنة اللائمة للنفس ~~الأمارة ، وقيل : المراد الجنس ، لما روي أنه عليه السلام قال : " ما من ~~نفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة ، إن عملت خيرا ، قالت : ~~كيف لم أزد ؟ ! وإن عملت شرا ، قالت : ليتني كنت قصرت " وذكره # 185 # الثعلبي من كلام البراء : قال أبو السعود : ولا يخفى ضعفه ؛ لأن هذا ~~القدر من اللوم لا يكون مدرارا للإعظام بالإقسام ، وإن صدر عن النفس ~~المؤمنة المحسنة ، فكيف من الكافرة المندرجة تحت الجنس ، وقيل : بنفس آدم ~~عليه السلام ، فإنها لا تزال تتلوم على فعلها الذي خرجت به من الجنة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 185 PageV08P280 ~~وجواب القسم : لتبعثن ، دليله : {أيحسب الإنسان} أي : الكافر المنكر للبعث ~~{ألن نجمع عظامه} بعد تفرقها ورجوعها عظاما رفاتا مختلطا بالتراب ، أو : ~~نسفتها الرياح وطيرتها في أقطار الأرض ، أو : ألقتها في البحار. وقيل : إن ~~عدي بن ربيعة ، ختن الأخنس بن شريق ، وهما اللذان قال فيهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم : " اللهم اكفني جاري السوء ، عديا والأخنس " قال عدي : يا ~~محمد ، حدثنا عن يوم القيامة متى يكون ، وكيف أمرها وحالها ؟ فأخبره عليه ~~السلام ، فقال : يا محمد ؛ لو عاينت ذلك لم أصدقك ، ولم أومن بك ، أويجمع ~~الله هذه العظام ؟ فنزلت. {بلى} أي : نجمعها حال كوننا {قادرين على أن نسوي ~~بنانه} أي : أصابعه كما كانت في الدنيا بلا انفصال ولا تفاوت مع صغرها ، ~~فكيف بكبار العظام ؟ ! {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} : عطف على {أيحسب} ~~إما على أنه استفهام توبيخي ، أضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا ، أو ~~: على أنه إيجاب ms3252 انتقل إليه عن الاستفهام ، أي : بل يريد ليدوم على فجوره ~~فيما بين يديه من الأوقات ، وما يستقبله من الزمان ، لا يرعوي عنه. قال ~~القشيري : {ليفجر أمامه} أي : يعزم على أنه يستكثر من معاصيه في مستأنف ~~وقته ، ولا يحل عقدة الإصرار من قلبه ، فلا تصح توبته ؛ لأن التوبة من ~~شرطها : العزم على أن لا يعود إلى مثل ما عمل ، فإذا كان استحلى الزلة في ~~قلبه ، وتفكر في الرجوع إلى مثله فلا تصح ندامته. ه. وقيل : {ليفجر أمامه} ~~أي : يكفر بما قدامه ، ويدل على هذا قوله : {يسأل أيان يوم القيامة} أي : ~~متى يكون ؟ استبعادا واستهزاء. PageV08P281 # {فإذا برق البصر} أي : تحير ، من : برق الرجل : إذا نظر إلى البرق فدهش ~~بصره ، وقرأ نافع بفتح الراء ، وهي لغة ، أو من البريق ، بمعنى لمع من شدة ~~شخوصه ، {وخسف القمر} ؛ ذهب ضوؤه أو غاب ، من قوله : {فخسفنا به} [القصص : ~~81] وقرىء : خسف ، بضم الخاء. {وجمع الشمس والقمر} أي : جمع بينهما ، ثم ~~يكوران ويقذفان في النار ، أو يجمعان أسودين مكورين ، كأنهما ثوران عقيران. ~~وفي قراءة عبد الله : " وجمع بين الشمس والقمر ". وقال عطاء بن يسار : يجمع ~~بينهما يوم القيامة ، ثم يقذفان في البحر ، فيكونان نار الله الكبرى ، أو : ~~جمع بينهما في الطلوع من المغرب. {يقول الإنسان يومئذ} أي : حين تقع هذه ~~الأمور العظام : {أين المفر} أي : الفرار من النار ، يائسا منه ، والمراد ~~بالإنسان : الكافر ، أو : الجنس ، لشدة الهول. قال القشيري : وذلك حين تقاد ~~جهنم بسبعين ألف سلسلة ، كل سلسلة بيد سبعين ألف ملك ، فيقول الإنسان : أين ~~المفر ؟ فيقال : # 186 # لا مهرب من قضاء الله ، " إلى ربك يومئذ المستقر " ، أي : لا محيد عن ~~حكمه. ه. والمفر : مصدر ، وقرأ الحسن بكسر الفاء ، فيحتمل المكان أو ~~المصدر. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 185 PageV08P282 ~~كلا} ؛ ردع عن طلب المفر وتمنيه ، {لا وزر} ؛ لا ملجأ ولا حصن ، وأصل الوزر ~~: الجبل الذي يمتنع فيه. قال السدي : كانوا إذا فزعوا تحصنوا في الجبال ، ~~فقال تعالى : لا جبل يعصمكم يومئذ مني ، {إلى ربك يومئذ المستقر} أي : إليه ~~خاصة ms3253 استقرار العباد ، ومنتهى سيرهم ، أو : إلى حكمه استقرار أمرهم ، أو : ~~إلى مشيئته موضع قرارهم ، يدخل من يشاء الجنة ومن يشاء النار ، {ينبأ ~~الإنسان يومئذ} أي : يخبر كل امرىء ، برا كان أو فاجرا ، عند وزن الأعمال ~~{بما قدم} من عمله خيرا كان أو شرا ، فيثاب على الأول ، ويعاقب على الثاني ~~، {وما أخر} أي : لم يعمله خيرا كان أو شرا ، فيعاقب بالأول ويثاب على ~~الثاني ، أو : بما قدم من حسنة أو سيئة قبل موته ، وبما أخر من حسنة أو ~~سيئة سنها فعمل بها بعد موته ، أو : بما قدم في أول عمره ، وأخر عمله في ~~آخر عمره ، أو : بما قدم من أمواله أمامه ، وأخر آخره لورثته ، نظيره. ~~{علمت نفس ما قدمت وأخرت} [الانفطار : 5]. PageV08P283 # {بل الإنسان على نفسه بصيرة} أي : شاهد بما صدر عنه من الأعمال السيئة ، ~~كما يعرب عنه التعبير ب " على " وما سيأتي من الجملة الحالية ، والتاء ~~للمبالغة ، كعلامة ، أو : أنثه لأنه أراد به جوارحه ؛ إذ هي التي تشهد عليه ~~، أو : هو حجة على نفسه ، والبصيرة : الحجة ، قال الله تعالى : {قد جآءكم ~~بصآئر من ربكم} [الأنعام : 104] وتقول لغيرك : أنت حجة على نفسك. ومعنى " ~~بل " : الترقي ، أي : ينبأ الإنسان بأعماله ، بل هو يومئذ عالم بتفاصيل ~~أحواله ، شاهد على نفسه ، لأن جوارحه تنطق بذلك. و" بصيرة " : مبتدأ ، و" ~~على نفسه " : خبر مقدم ، والجملة : خبر " الإنسان " ، {ولو ألقى معاذيره} : ~~حال من الضمير في " بصيرة " ، أو : من مرفوع (ينبأ) أي : ولو جاء بكل معذرة ~~يعتذر بها عن نفسه أي : هو بصيرة على نفسه ، تشهد عليه جوارحه ، ويعمل ~~بشهادتها ، ولو اعتذر بكل معذرة ، أو ينبأ بأعماله ولو اعتذر..الخ. ~~والمعاذير : اسم جمع للمعذرة ، كالمناكير اسم جمع للمنكر ، لا جمع ؛ لأن ~~جمعها معاذر بالقصر ، وقيل : جمع " معذار " وهو : الستر ، أي : ولو أرخى ~~ستوره. وقيل : الجملة استئنافية ، أي : لو ألقى معاذيره ما قبلت منه ، لأن ~~عليه من يكذب عذره ، وهي جوارحه. والله تعالى أعلم. # الإشارة : قد قرن الله تعالى قسمه بالنفس اللوامة بقسمه بيوم القيامة ، ~~لمشاركتها له في التعظيم ، بل ms3254 النفس اللوامة أعظم رتبة عند الله ، لأنها ~~تكون لوامة تلوم صاحبها على القبائح ، ثم تكون لهامة تلهمه الخيرات والعلوم ~~اللدنية ، ثم تكون مطمئنة ، حين تطمئن بشهود الحق بلا واسطة ، بل تستدل ~~بالله على غيره ، فلا ترى سواه ، فحينئذ ترجع إلى أصلها ، وترجع الأشياء ~~كلها إلى أصولها ، وهو القدم والأبد ، فيتلاشى الحادث ويبقى # 187 PageV08P284 ~~القديم وحده ، كما كان وحده. فالنفوس أربعة : أمارة ، ولوامة ، ولهامة ، ~~ومطمئنة ، وهي في الحقيقة نفس واحدة ، تتطور وتتقلب من حال إلى حال ، ~~باعتبار التخلية والتحلية ، والترقية والتردية ، فأصلها الروح ، فلما تظلمت ~~سميت نفسا أمارة ، ثم لوامة ، ثم لهامة ، ثم مطمئنة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 185 # قال القشيري : أيحسب الإنسان ، أي : الإنسان المحجوب بنفسه وهواه ، ألن ~~نجمع عظامه ؛ أعماله الحسنة والسيئة ، بلى قادرين على أن نسوي بنانه ، أي : ~~صغار أفعاله الحسنة والسيئة ، بل يريد الإنسان المحجوب ليفجر أمامه ، بحسب ~~الاعتقاد والنية ، قبل الإتيان بالفعل ، أي : يعزم على المعاصي في المستقبل ~~قبل أن يفعل ، يسأل أيان يوم القيامة ؟ لطول أمله ، ونسيان آخرته ، ولو ~~فتحت بصيرته لشاهد القيامة في كل ساعة ولحظة ، بتعاقب تجلي الإفناء ~~والإبقاء. فإذا برق البصر : تحير من سطوات أشعة سبحات التجلي الأحدي الجمعي ~~، وخسف القمر ، أي : ستر نور قمر القلب بنور شمس الروح ، وجمع الشمس والقمر ~~، أي : جمع شمس الروح وقمر القلب ، بالتجلي الأحدي الجمعي ، يعني : فيغيب ~~نور قمر الإيمان في شعاع شمس العرفان ، يقول الإنسان يومئذ : أين المفر ؟ ~~من خوف الاضمحلال والاستهلاك ، وليس عنده حينئذ قوة التمكين فيخاف من ~~الاصطلام ، إلى ربك يومئذ المستقر بالرسوخ والتمكين ، بعد الفرار إلى الله ~~، قال تعالى : {ففروا إلى الله} [الذاريات : 50]. ه. بالمعنى. # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم من المجاهدة ، حيث يرى ثمرتها ، وما أخر ، ~~حيث يرى شؤم تفريطه فيها ، فالمشاهدة على قدر المجاهدة ، فبقدر ما يقدم ~~منها تعظم مشاهدته ، وبقدر ما يؤخر منها تقل. بل الإنسان على نفسه بصيرة ، ~~يرى ما ينقص من قلبه وما يزيد فيه ، ويشعر بضعفه وقوته ، إن صحت بصيرته ، ~~وطهرت سريرته ، فإذا فرط في حال ms3255 سيره لا يقبل عذره ، ولو ألقى معاذيره. ~~وبالله التوفيق. PageV08P285 # جزء : 8 رقم الصفحة : 185 # قلت : اختلف المفسرون في وجه المناسبة في هذه الآية ، فقال بعضهم : ما ~~تضمنه من الاقتدار على حفظه وإبقائه في قلبه ، بإخراجه عن كسبه وإمساكه ~~وحفظه ، فالقادر على # 188 # ذلك قادر على إحياء الموتى وجمع عظامها ، وتسوية بنانها. ونقل الطيبي عن ~~الإمام الفخر : أنه تعالى لما أخبر عن الكفار أنهم يحبون العاجلة ، وذلك ~~قوله : {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} بين أن العجلة مذمومة ، ولو فيما هو ~~أهم الأمور وأصل الدين ، بقوله : {لا تحرك به لسانك} فاعترض به ، ليؤكد ~~التوبيخ على حب العاجلة بالطريق الأولى. ه. وقيل : اعترض نزولها في وسط ~~السورة قبل أن تكمل ، فوضعت في ذلك المحل ، كمن كان يسرد كتابا ثم جاء سائل ~~يسأل عن نازلة ، فيطوي الكتاب حتى يجيبه ، ثم يرجع إلى تمام سرده. انظر ~~الإتقان. # يقول الحق جل جلاله : {لا تحرك به} ؛ بالقرآن {لسانك لتعجل به} ، وقد كان ~~عليه الصلاة والسلام يأخذ في القراءة قبل فراغ جبريل ، كراهة أن يتفلت منه ~~، فقيل له : لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ، ما دام جبريل يقرأ ، {لتعجل به} ~~؛ لتأخذه على عجلة ، لئلا يتفلت منك ، ثم ضمنه له بقوله : {إن علينا جمعه} ~~في صدرك ، {وقرآنه} ؛ وإثبات قراءته في لسانك ، فالمراد بالقرآن هنا : ~~القراءة ، وهذا كقوله : {ولآ تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه} [طه ~~: 114] ، {فإذا قرأناه} على لسان جبريل {فاتبع قرآنه} أي : قراءته ، {ثم إن ~~علينا بيانه} إذا أشكل عليك شيء من معانيه وأحكامه. PageV08P286 # الإشارة : لا تحرك بالواردات الإلهية لسانك لتعجل به حين الإلقاء ، بل تمهل ~~في إلقائه ليفهم عنك ، إن علينا جمعه وقرآنه ، أي : حفظه وقراءته ، فإذا ~~قرأناه على لسانك في حال الفيض فاتبع قرآنه ، ثم إن علينا بيانه. وفي الحكم ~~: " الحقائق ترد في حال التجلي جملة ، وبعد الوعي يكون البيان ، {فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه إن علينا بيانه} ". ولا شك أن الواردات في حال الفيض ~~تبرز مجملة ، لا يقدر على حصرها ولا تفهمها ، فإذا فرغ منها ms3256 قولا وكتابة ~~فتدبرها وجدها صحيحة المعنى ، واضحة المبنى ، لا نقص فيها ولا خلل ، لأنها ~~من وحي الإلهام ، وكان بعض المشايخ يقول لأصحابه : إني لأستفيد مني كما ~~تستفيدون أنتم ، وكان الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه إذا فاض بالمواهب يقول ~~: هلا من يكتب عنا هذه الأسرار. إلى غير ذلك مما هو مدون عند أهل الفن. ~~والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 188 # 189 # يقول الحق جل جلاله : {كلا} أي : انزجروا عما أنتم عليه من إنكار البعث ~~والفجور ، {بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} أي : بل أنتم يا بني آدم لما ~~خلقتم من عجل ، وجبلتم عليه ، تعجلون في كل شيء ، ولذلك تحبون العاجلة مع ~~فنائها وسرعة ذهابها ، {وتذرون الآخرة} مع بقائها ودوام نعيمها. قال بعضهم ~~: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من طين يبقى ، لكان العاقل يختار ~~ما يبقى على ما يفنى ، لا سيما والعكس ، الآخرة من ذهب يبقى ، والدنيا من ~~طين يفنى. ومن قرأ بالغيب فالكلام مع الكفرة. PageV08P287 # {وجوه يومئذ ناضرة} أي : وجوه كثيرة ، وهي وجوه المؤمنين المخلصين ، يوم إذ ~~تقوم القيامة ، بهية متهللة ، يشاهد عليها نضرة النعيم ، {إلى ربها ناظرة} ~~أي : مستغرقة في مشاهدة جماله ، فتغيب عما سواه. ورؤيته تعالى يوم القيامة ~~متفاوتة ، يتجلى لكل واحد على قدر ما يطيق من نور ذاته على حسب استعداده في ~~دار الدنيا ، فيتنعم كل واحد في النظرة على قدر حضوره هنا ، ومعرفته. # ورؤيته تعالى جائزة في الدنيا والآخرة ، واقعة في الدارين عند العارفين ، ~~وهذه الآية شاهدة لذلك ، وهي مخصصة لقوله : {لا تدركه الأبصار} [الأنعام : ~~103] أي : لا تراه ، على قول. قال بعضهم : هي واقعة للمؤمنين قبل دخول ~~الجنة وبعده ، حسبما ورد في الصحيح. وقوله في الحديث : " فيأتيهم الله في ~~الصورة التي لا يعرفونها " ، المراد بالصورة : الصفة ، والمعنى : أنهم ~~يرونه ثانيا على ما يعرفونه من صفاته العلية ، وأهل المعرفة لا ينكرونه في ~~حال من الأحوال. # جزء : 8 رقم الصفحة : 189 # والمقصود من الآية : تقبيح رأي حب العاجلة بذكر حسن عاقبة حب الآجلة ، أي ~~: كيف ms3257 يذر العاقل مثل تلك المسرة ، التي ليس فوقها شيء ، بدلا من هذه اللذة ~~الخسيسة الدنية ، أم كيف يغتر بعروض هذا السرور وعاقبته الهلاك والثبور ؟ ~~انظر الطيبي. وحمل النظرعلى الانتظار لأمر ربها ، أو لثوابها ، لا يصح ~~خلافا للمعتزلة ؛ لأن الانتظار لا يسند إلى الوجه ، وأيضا : المستعمل بمعنى ~~الانتظار لا يتعدى ب " إلى " ، مع أنه لا يليق الانتظار في دار القرار. PageV08P288 # {ووجوه يومئذ باسرة} أيك كالحة ، شديدة العبوسة ، وهي وجوه الكفار. {تظن} ~~أي : يتوقع أربابها {أن يفعل بها فاقرة} أي : داهية عظيمة ، تقصم فقار ~~الظهر. {كلا} ، ردع عن إيثار العاجلة على الآخرة ، أي : ارتدعوا عن ذلك ~~وتنبهوا لما بين أيديكم من الموت ، الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم ، ~~وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين ، وذلك {إذا بلغت} الروح ~~{التراقي} ، ولم يتقدم للروح ذكر ؛ إلا أن السياق يدل عليها ، والتراقي : ~~العظام المكتنفة لحفرة النحر عن يمين وشمال ، جمع : ترقوة ، أي : إذا بلغت # 190 # أعالي الصدور ، {وقيل من راق} أي : قال من حضر المحتضر : من يرقيه وينجيه ~~مما هو فيه من الموت ؟ وهو من الرقية ، وقيل : هو من كلام ملائكة الموت ، ~~أي : أيكم يرقى بروحه ، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ؟ من الترقي. {وظن ~~أنه الفراق} أي : تيقن المحتضر أن ما نزل به هو الفراق من دار الدنيا ~~ونعيمها التي كان يحبها {والتفت الساق بالساق} أي : التوت ساقاه بعضها على ~~بعض عند موته. وعن سعيد بن المسيب : هما ساقاه حين تلفان في أكفانه ، وقيل ~~: شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة ، على أن الساق مثل في الشدة. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه : همان : هم الولد ، وهم القدوم على الواحد الصمد. {إلى ~~ربك يومئذ المساق} أي : إلى الله وإلى حكمه يساق ، لا إلى غيره ، إما إلى ~~الجنة وإما إلى النار ، وهو مصدر : ساقه مساقا. PageV08P289 # {فلا صدق} ما يجب به التصديق ، من الرسول والقرآن الذي نزل عليه ، أو : فلا ~~صدق ماله زكاه ، {ولا صلى} مافرض عليه ، والضمير فيها للإنسان المذكور في ~~قوله : {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} ms3258 [القيامة : 3] ، أو : إلى المحتضر ~~المفهوم من قوله : {إذا بلغت التراقي} ، وهو أقرب. {ولكن كذب} بما ذكر من ~~الرسول والقرآن {وتولى} عن الإيمان والطاعة ، {ثم ذهب إلى أهله يتمطى} ؛ ~~يبختر بذلك ، وأصله : يتمطط ، أي : يتمدد ؛ لأن المتبختر يمد خطاه ، فأبدلت ~~الطاء ياء ؛ لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة ، قال في النهاية : مشية مطيطاء ، ~~بالقصر والمد ، أي : فيها تبخترن ويقال : مطوت ومططت بمعنى مددت ، وهي من ~~المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر. ه. أو : من المطا ، وهو الظهر فإنه يلويه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 189 PageV08P290 ~~أولى لك فأولى} أي : ويل لك ، وأصله : أولاك الله ما تكره ، واللام مزيدة ، ~~كما في قوله : {ردف لكم} [النمل : 72] أو : أولى الهلاك لك فأولى ، وقيل : ~~هو مقلوب من الويل ، وقيل : أولى بالعذاب وأحق به ، وقيل : من الولى ، وهو ~~القرب ، أي : قاربه ما يهلكه. {ثم أولى لك فأولى} ، كرر للتأكيد ، كأنه قيل ~~: ويل لك فويل لك ثم ويل لك فويل لك ، وقيل : التكرير فيه ، لأنه أراد ~~بالأول : الهلاك الدنيوي وفي القبر والبرزخ ، ثم في القيامة ، ثم في النار. ~~{أيحسب الإنسان أن يترك سدى} ؛ أيظن الكافر أن يترك مهملا ، لا يؤمر ولا ~~ينهى ولا يبعث ولا يجازى ، {ألم يك نطفة من مني تمنى} ؟ أي : تراق في ~~الأرحام ، {ثم كان علقة} أي : صار المني قطعة دم جامد ، بعد أربعين يوما ~~{فخلق فسوى} أي : فخلق الله منها بشرا سويا ؟ {فجعل منه} ؛ من الإنسان ، أو ~~: من المني {الزوجين} ؛ الصنفين {الذكر والأنثى} لحكمه بقاء النسل ، {أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} وهو أهون من البدء في قياس العقول ؟ كان ~~عليه السلام إذا قرأها يقول : " سبحانك! بلى ". # 191 # الإشارة : قال في الإحياء : اعلم أن رأس الخطايا والمهلكة هو حب الدنيا ، ~~ورأس أسباب النجاة هو : التجافي بالقلب عن دار الغرور. ثم قال : واعلم أنه ~~لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلا بتحصيل محبته والأنس به في ~~الدنيا ، ولا تحصل المحبة إلا بالمعرفة ، ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر ~~، ولا يحصل الأنس إلا بالمحبة ودوام ms3259 الذكر ، ولا تتيسر المواظبة على الذكر ~~إلا بإقلاع حب الدنيا من القلب ، ولا يقع ذلك إلا بترك لذات الدنيا ~~وشهواتها ، ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات ، ولا تنقمع الشهوات ~~بشيء كما تنقمع بنار الخوف المحرقة للشهوات. ه. على نقل صاحب الجواهر. PageV08P291 # ومن أسعده الله بلقاء شيخ التربية هان عليه معالجة النفس من غير تعب ، في ~~أقرب وقت ، بحيث يغيبه عنها ، ويزجه في الحضرة ، في أقرب زمان ، فيدخل في ~~قوله تعالى : {وجوده يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} فتحصل له النضرة والنظرة ~~في الدنيا والآخرة ، فيفنى عن نظره حس الكائنات ، وتظهر أسرار الذات ~~الأزلية للعيان بادية ، فيستدل بالله على غيره ، فلا يرى سواه ، وينشد ما ~~قال الشاعر : # فلم يبق إلا الله لم يبق كائن # فما ثم موصول ولا ثم بائن # جزء : 8 رقم الصفحة : 189 # بذا جاء برهان العيان فما أرى # بعيني إلا عينه إذ أعاين PageV08P292 ~~قال القشيري : قوله تعالى : {وجوه يومئذ ناضرة...} الخ ، يقال : هذه الآية ~~دليل على أنهم بصفة الصحو ، ولا يداخلهم حيرة ولا دهش ، لأن النضرة من ~~أمارات البسط ، والبقاء في حال اللقاء أتم من اللقاء ، والرؤية عند أهل ~~التحقيق تقتضي بقاء الرائي.. الخ كلامه. {ووجوه يومئذ باسرة} وهي وجوه أهل ~~الغفلة ، المحجوبين في الدنيا عن شهود الحق ، تظن أن يفعل بها داهية فاقرة ~~، لما فرطت في جنبه تعالى من عدم التوجه إليه ، كلا ، فلترتدع اليوم ، ~~ولتنهض قبل فوات الإبان ، وهو إذا بلغت الروح التراقي ، وقيل : من راق ؟ ~~والتفت الساق بالساق ، إلى ربك يومئذ المساق ، فيحصل الندم ، وقد زلت القدم ~~، فلا صدق بوجود الخصوصية عند أربابها ، فيصحبهم ليزول عنه الغين والمرض ، ~~أي : غين الحجاب ومرض الخواطر والشكوك ، ولا صلى صلاة القلوب ، ولكن كذب ~~بوجود الطبيب ، وتولى عنه مع ظهوره ، ثم ذهب إلى هواه ودنياه يتمطى ، أولى ~~لك فأولى ، أي : أبعدك الله وطردك ، ثم أولى لك فأولى ، أيحسب الإنسان أن ~~يتركه الحق سدى ، من غير أن يرسل له داعيا يدعوه إلى الحق ؟ ألم يك نطفة ~~مهينة ، ثم صوره ونفخ ms3260 فيه من روحه ، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ؟ ~~أي : القلوب والأرواح الميتة ، بالعلم والمعرفة ، بلى وعزة ربنا إنه لقادر ~~، " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته ، فقد ~~استعجز القدرة الإلهية ، وكان الله على كل شيء مقتدرا " وبالله التوفيق ، ~~وصلى الله على سيدنا محمد ، وآله. # 192 # جزء : 8 رقم الصفحة : 189 PageV08P293 ### | AUTO سورة الإنسان # جزء : 8 رقم الصفحة : 192 # يقول الحق جل جلاله : {هل أتى على الإنسان} ، والاستفهام للتقرير ~~والتعريف ، أو بمعنى " قد " ، أي : قد مضى على الإنسان قبل زمان قريب {حين ~~من الدهر} أي : طائفة محدودة كائنة من الزمن الممتد {لم يكن شيئا مذكورا} ~~بل كان شيئا منسيا غير مذكور بالإنسانية أصلا ، كالعنصر والنطفة وغير ذلك. ~~والجملة المنفية : حال من الإنسان ، أي : مضى عليه زمان غير مذكور ، أو صفة ~~ل " حين " على حذف العائد ، أي : لم يكن فيه شيئا ، والمراد بالإنسان : الجنس. # والإظهار في قوله : {إنا خلقنا الإنسان} لزيادة التقرير ، أو : يراد آدم ~~عليه السلام ، وهو المروي عن ابن عباس وقتادة ، فقد أتى عليه حين من الدهر ~~، وهو أربعون سنة مصورا قبل نفخ الروح ، وهو ملقى بين مكة والطائف ، وفي ~~رواية الضحاك عنه : أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة ، ثم من حمأ مسنون ، ~~فأقام أربعين سنة ، ثم من صلصال ، فأقام أربعين ، ثم خلقه بعد مائة وعشرين ~~سنة. ه. قلت : جمهور المؤرخين أن آدم صور في السماء ، ويقال : كان على باب ~~الجنة ، تمر به الملائكة وتتعجب منه ، ويمكن أن يكون صور في الأرض ، ثم رفع ~~إلى السماء ، القدرة صالحة. والله تعالى أعلم بما كان. # وقال بعضهم : المراد بالإنسان الأول : آدم عليه السلام ، وبالثاني : ~~أولاده ، أي : خلقنا نسل الإنسان {من نطفة أمشاج} أي : أخلاط ، من : مشجت ~~الشيء : إذا خلطته ومزجته ، وصف به النطفة ؛ لأنها مختلطة من ماء الرجل ~~وماء المرأة ، ولكل منهما أوصاف مختلفة ، من اللون ، والرقة ، والغلظ ، ~~وخواص متباينة ، فإن ماء الرجل أبيض غليظ ، فيه # 193 PageV08P294 ~~قوة العصب ، وماء المرأة أصفر رقيق ، فيه ms3261 قوة الانعقاد ، وتخلق منهما الولد ~~، فما كان من عصب وعظم وقوة فمن ماء الرجل ، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ~~ماء المرأة. قال القرطبي : وقد روي هذا مرفوعا. وقيل : إذا علا ماء الرجل ~~أشبهه الولد ، وإذا علا ماء المرأة أشبهها. وقيل : إذا سبق أحدهما فالشبه ~~له. وقيل : " أمشاج " مفرد غير جمع ، كبرمة أعشار ، وثوب أخلاق. وقيل : ~~أمشاج : ألوان وأطوار ، فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة. ~~وقال ابن السكيت : الأمشاج : الأخلاط ؛ لأنها ممتزجة من أنواع الأغذية من ~~نبات الأرض ، فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 193 # نبتليه} حال ، أي : خلقناه مبتلين له ، أي : مريدين ابتلاءه بالأمر ~~والنهي في المستقبل ، {فجعلناه سميعا بصيرا} ليتمكن من سماع الآيات ~~التنزيلية ، ومشاهدة الآيات التكوينية ، فهو كالمسبب عن الابتلاء ، فلذلك ~~عطف على الخلق بالفاء ، ورتب عليه قوله : {إنا هديناه السبيل} ؛ بينا له ~~الطريق ، بإنزال الآيات ، ونصب الأدلة العقلية والسمعية ، {إما شاكرا وإما ~~كفورا} : حال من مفعول {هديناه} ، أي : مكناه وأقدرناه على سلوك الطريق ~~الموصل إلى البغية ، في حالتي الشكر والكفر ، أي : إن شكر أو كفر فقد ~~هديناه السبيل في الحالين ، فإن شكر نفع نفسه ، وإن كفر رجع وبال كفره عليه ~~، أو : حال من " السبيل " ، أي : عرفناه السبيل ، إما سبيلا شاكرا ، وإما ~~سبيلا كفورا. ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز ، والمراد : سالكه. PageV08P295 # الإشارة : قد أتى على الإنسان حين من الدهر ، وهو قبل وقوع التجلي به ، لم ~~يكن شيئا مذكورا ، بل كان شيئا معلوما موجودا في المعنى دون الحس ، غير ~~مذكور في الحس ، فلما وقع به التجلي صار شيئا مذكورا ، يذكر بالخطاب ~~والتكليف ، ويمكن أن يكون الاستفهام إنكاريا ، أي : هل أتى عليه زمان لم ~~نذكره فيه ، بل لم يأت عليه وقت إلا وكان مذكورا لي. ويقال : هل غفلت ساعة ~~عن حفظك ؟ هل ألقيت ساعة حبلك على غاربك ؟ هل أخليتك ساعة من رعاية جديدة ، ~~وحماية مزيدة. ه. من الحاشية. # ثم بين كيفية التجلي به فقال : {إنا خلقنا الإنسان} أي : بشريته {من ms3262 نطفة ~~أمشاج} أي : من نطفة من أخلاط الأرض ، فلذلك كانت تنزع إلى أصلها ، وتخلد ~~إلى أرض الحظوظ والهوى ، نبتليه بذلك ، ليظهر الصادق في طلب الحق بمجاهدة ~~نفسه في إخراجها عن طبعها الأصلى ، والمعرض عن الطلب باسترساله مع طبعها ~~البشري ، ويقال : خلقته من أمشاج النطفتين فينزع طبع الولد إلى الإغلب ~~منهما ، فإن غلب ماء الرجل نزع إلى طبع أبيه ، خيرا كان أو شرا ، وإن غلب ~~ماء المرأة ، نزع إلى طبع أمه كذلك ، ابتلاء من الله وقهرية ، فلا بد أن ~~يغلب الطبع ، ولو جاهد جهده ، ولذلك قال عليه ا لسلام : " إذا سمعتم أن ~~الجبال انتقلت فصدقوا ، وإذا سمعتم أن الطباع انتقلت فلا تصدقوا " وفائدة الصحبة # 194 PageV08P296 ~~والمجاهدة : خمود الطبع وقهر صولته ، لا نزعه بكليته ، فيقع الرجوع إلى ~~الله من الطبع الدنيء ، ولا يقدح في خصوصيته إن رجع إلى الله في الحين ، ~~ولذلك تلونت أحوال الأولياء بعد مجاهدتهم ورياضتهم. والله تعالى أعلم. ~~فجعلناه سميعا بصيرا ، ونفخنا فيه روحا سماوية وقدسية ، تحن دائما إلى ~~أصلها ، فمنها من غلبت عليه النطفة الطينية ، فأخلدت بها إلى الأرض ، فبقيت ~~مسجونة في هيكلها ، محجوبة عن ربها ، ومنها : من غلبت روحانيتها على ~~الطينية ، فعرجت بها إلى الحضرة القدسية ، حتى رجعت إلى أصلها وإلى هذا ~~أشار بقوله : {إنا هديناه السبيل} أي : بينا له الطريق الموصل إلى الحضرة ، ~~فصار إما شاكرا بسلوكها أو كافرا بالإعراض عنها ، وعدم الدخول تحت تربية ~~العارف بها. # جزء : 8 رقم الصفحة : 193 # يقول الحق جل جلاله : {إنا أعتدنا} ؛ أعددنا {للكافرين سلاسلا} يقادون ~~بها إلى النار {وأغلالا} يقيدون بها {وسعيرا} يحرقون بها. و" سلاسل " لا ~~ينصرف ؛ لصيغة منتهى الجموع ، ومن صرفه فليناسب أغلالا ، إذ يجوز صرف غير ~~المنصرف للتناسب. وتقديم وعيد الكفرة مع تأخرهم في الجمع على طريق اللف ~~والنشر المعكوس ، كقوله : {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم...} [آل عمران : 106] الآية ليتخلص إلى الكلام على الفريق الأول ~~بطريق الإطناب ، فقال : PageV08P297 # {إن الأبرار} جمع بر وبار ، كرب وأرباب ، وشاهد وأشهاد ، وهو من يبر خالقه ~~، أي ms3263 : يطيعه ، وقيل : الأبرار هم الصادقون في الإيمان ، أو : الذين لا ~~يؤذون الذر ، ولا يعمدون الشر. {يشربون من كأس} وهو الزجاجة إذا كان فيها ~~خمر ، ويطلق على نفس الخمر ، ف " من " على الأول ابتدائية ، وعلى الثاني ~~تبعيضية ، {كان مزاجها} أي : ما تمزج به {كافورا} أي : ماء كافور ، وهو عين ~~في الجنة ، ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده. وفي القاموس : الكافور : ~~نبت طيب ، نوره كنور الأقحوان ، وطيب معروف ، يكون # 195 # من شجر بجبال بحر الهند والصين ، يظل خلقا كثيرا ، وتألفه النمور ، وخشبه ~~أبيض هش ، ويوجد في أجوافه الكافور ، وهو أنواع ، ولونها أحمر ، وإنما يبيض ~~بالتصعيد ، والتصعيد : الإذابة. ه. وقوله تعالى : {عينا} : بدل من " كافور ~~" ، وعن قتادة : تمزج لهم بالكافور ، وتختم لهم بالمسك ، وقيل : يخلق فيها ~~رائحة الكافور وبياضه ويرده ، فكأنها مزجت بالكافور ، وهذا أنسب بأحوال ~~الجنة ، ف " عينا " على هذين القولين : بدل من محل (من كأس) على حذف مضاف ، ~~أي : يشربون خمر عين ، أو : نصب على الاختصاص ، وقوله تعالى : {يشرب بها ~~عباد الله} : صفة لعين ، أي : يشربون منها ، أو : الباء زائدة ، ويعضده ~~قراءة ابن أبي عبلة : " يشربها " ، أو : هو محمول على المعنى ، أي : ~~يتلذذون بها ، أو يروون بها ، وإنما عبر أولا بحرف " من " وثانيا بحرف ~~الباء ؛ لأن الكأس مبتدا شرابهم وأول غايته ، وأما العين فيها يمزجون ~~شرابهم. قاله النسفي. وقيل : الضمير للكأس ، أي : يشربون العين بتلك الكأس ~~، {يفجرونها تفجيرا} أي : يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم إجراءا سهلا ، لا ~~يمتنع عليهم ، بل يجري جريا بقوة واندفاع. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 195 PageV08P298 ~~يوفون بالندر} بما أوجبوا على أنفسهم من الطاعات ، وهو استئناف مسوق لبيان ~~ما لأجله رزقوا ما ذكر من النعيم ، كأنه قيل : ماذا كانوا يفعلون حتى نالوا ~~تلك الرتبة العالية ؟ فقال : يوفون بما أوجبوا على أنفسهم ، فكيف بما أوجبه ~~الله عليهم ؟ {ويخافون يوما كان شره} ؛ شدائده أو عذابه {مستطيرا} ؛ منتشرا ~~فاشيا في أقطار الأرض غاية الانتشار ، من : استطار الفجر : انتشر. {ويطعمون ~~الطعام على حبه} أي : كائنين على حب الطعام والحاجة إليه ، كقوله تعالى ms3264 : ~~{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران : 92] أو : على حب ~~الإطعام ، بأن يكون ذلك بطيب النفس ، أو : على حب الله ، وهو الأنسب بقوله ~~: {لوجه الله} ، {مسكينا} ؛ فقيرا عاجزا عن الاكتساب ، أسكنه الفقر في بيته ~~، {ويتيما} ؛ صغيرا لا أب له ، {وأسيرا} أي : مأسورا كافرا. كان عليه ~~السلام يؤتى بالأسير ، فيدفعه إلى بعض المسلمين ، فيقول له : " أحسن إليه " ~~أو : أسيرا مؤمنا ، فيدخل فيه المملوك والمسجون ، وقد سمى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الغريم أسيرا فقال : " غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك ". ثم ~~عللوا إطعامهم فقالوا : {إنما نطعمكم لوجه الله} أي : لطلب ثوابه ، أو : هو ~~بيان من الله تعالى عما في ضمائرهم من الإخلاص ، لأن الله تعالى علمه منهم ~~، فأثنى عليهم وإن لم يقولوا شيئا ، وفيه نظر ؛ إذ لو كان كذلك لقال : " ~~يطعمهم " بضمير الغيب ، فالجملة على الأول محكية بقول محذوف ، حال من فاعل ~~" يطعمون " أي : قائلين بلسان الحال أو المقال ؛ لإزاحة توهم المن المبطل ~~للصدقة ، وتوقع المكافآت المنقصة للأجر : {إنما نطعمكم...} الخ. وعن ~~الصديقة رضي الله عنها كانت تبعث بالصدقة ، ثم تسأل الرسول ما قالوا ، ~~فإذا ذكر دعاءهم دعت لهم بمثله ، ليبقى لها ثواب الصدقة خالصا. {لا # 196 PageV08P299 ~~نريد منكم جزاء ولا شكورا} أي : لا نطلب على طعامنا مكافأة هدية ولاثناء ، ~~وهو مصدر : شكر شكرا وشكورا. # {إنا نخاف من ربنا} أي : إنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عذاب الله على ~~طلب المكافأة في الصدقة ، أو : إنا نخاف من ربنا فنتصدق لوجهه حتى نأمن من ~~ذلك الخوف ، {يوما عبوسا قمطريرا} ، وصف اليوم بصفة أهله ، نحو : نهاره ~~صائم. والقمطرير : الشديد العبوس ، الذي يجمع ما بين عينيه ، أي : نخاف ~~عذاب يوم تعبس فيه الوجوه أشد العبوسة. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 195 # فوقاهم الله شر ذلك اليوم} ؛ صانهم من شدائده ، لسبب خوفهم وتحفظهم منه ، ~~{ولقاهم} أي : أعطاهم بدل عبوس الفجار {نضرة} ؛ حسنا في الوجوه {وسرورا} في ~~القلب ، {وجزاهم بما صبروا} ؛ بصبرهم على مشاق الطاعات ، ومهاجرة المحرمات ~~، وإيثار الغير بالعطاء في الأزمات ، {جنة} ؛ بستانا يأكلون ms3265 منه ما يشاؤون ~~{وحريرا} يلبسونه ويتزينون به. PageV08P300 # وعن ابن عباس رضي الله عنه : أن الحسن والحسين رضي الله عنهما مرضا ~~فعادهما النبي صلى الله عليه وسلم في أناس معه ، فقالوا لعلي رضي الله عنه ~~: لو نذرت على ولدك ، فنذر علي وفاطمة وجاريتهما يقال لها : فضة إن برئا ~~مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام ، فشفيا ، فاستقرض علي من يهودي ثلاث أصوع ~~من الشعير ، فطحنت رضي الله عنها صاعا ، واختبزت خمسة أقراص على عددهم ، ~~فوضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل ، فقال : السلام عليكم أهل ~~بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين ، أطعموني ، أطعمكم الله من موائد ~~الجنة ، فآثروه ، وباتوا لم يذوقوا إلا الماء ، وأصبحوا صياما ، فلما أمسوا ~~وضعوا الطعام بين أيديهم ، فوقف عليهم يتيم ، فأثروه ، ثم وقف عليهم في ~~الثالثة أسير ، ففعلوا مثل ذلك ، فلما أصبحوا أخذ بيد الحسن والحسين ، ~~وأقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أبصرهم وهم يرتعشون ، كالفراخ ~~من شدة الجوع ، قال عليه السلام : " ما أشد ما يسوؤني مما أرى بكم " ، وقام ~~فانطلق معهم ، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها ، وغارت عيناها ~~، فساءه ذلك ، فنزل جبريل عليه السلام وقال : يا محمد هناك الله في بيتك ، ~~فأقرأه السورة. هكذا ذكر القصة الزمخشري وجمهور المفسرين ، وأنكر ذلك ~~الترمذي الحكيم في نوادره ، وجزم بعدم صحتها لمخالفتها لأصول الشريعة ، ~~وعدم جريه على ما تقتضيه من إنفاق العفو ، وكذا " ابدأ بمن تعول " و" كفى ~~بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " ، وغير ذلك. ه. # 197 PageV08P301 ~~قلت : ويجاب بأن هذا من باب الأحوال ، وللصحابة في الإيثار أحوال خاصة بهم ~~؛ لشدة يقينهم رضي الله عنهم ، وقد خرج الصديق رضي الله عنه عن ماله مرارا ~~، وقال : (تركت لأهلي الله ورسوله) ، وكذلك فعل الصحابي الذي قال لامرأته : ~~نومي صبيانك ليتعشى ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نزل فيه ، ~~{ويؤثرون على أنفسهم...} [الحشر : 9] الآية ، وصاحب الأحوال معذور ، غير ~~أنه لا يقتدى به في مثل تلك الحال ، فإنكار الترمذي بما ذكر غير صحيح. # { # جزء : 8 رقم ms3266 الصفحة : 195 # متكئين فيها} ؛ في الجنة ، حال من " جزاهم " ، والعامل جزاء ، {على ~~الأرائك} ؛ على الأسرة في الحجال ، {لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا} لأنه ~~لا شمس فيها ولا زمهرير أي : برد فظلها دائم ؛ وهواها معتدل ، لا حر شمس ~~يحمي ، ولا شدة برد يؤذي ، فالزمهرير : البرد الشديد ، وقيل : القمر ، في ~~لغة طيء ، أي : الجنة مضيئة لا يحتاج فيها إلى شمس ولا قمر. وجملة النفي ~~إما حال ثانية ، أو : من المستكن في (متكئين). PageV08P302 # {ودانية} : عطف على (جنة) ، أي : وجنة أخرى دانية {عليهم ظلالها} ؛ قريبة ~~منهم ظلال أشجارها ؛ قال الطيبي : إنما قال : (دانية عليهم) ولم يقل " منهم ~~" ؛ لأن الظلال عالية عليهم. ه. فظلالها فاعل بدانية ، كأنهم وعدوا جنتين ؛ ~~لأنهم وصفوا بالخوف ، وقد قال تعالى : {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن : ~~46] ، {وذللت قطوفها تذليلا} أي : سخرت ثمارها للقائم والقاعد ، والمتكىء ، ~~وهو حال من " دانية " أي : تدنو عليهم ظلالها في حال تذليل قطوفها. وقال في ~~الحاشية : جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية ؛ وفيه لطيفة : أن استدامة ~~الظل مطلوبة هناك ، وأما الذليل للقطف فهو على التجدد شيئا بعد شيء ، كلما ~~أرادوا أن يقطعوا شيئا منها ذل لهم ، ودنا لهم ، قعدا كانوا أو مضطجعين. ه. ~~وظاهر كلامه : أن " ظلالها " مبتدأ ، و" عليهم " خبر ، وظاهر كلام الطيبي : ~~أنه فاعل. والقطوف : جمع قطف ، وهو ما يجتنى من ثمارها. # {ويطاف عليهم بآنية من فضة} أي : يدير عليهم خدمهم كؤوس الشراب ، وكأنه ~~تعالى لما وصف لباسهم ، وهيئة جلوسهم ، وطعامهم ، ذكر شرابهم ، ثم يذكر ~~خدمهم ، وما هيأ لهم من الملك الكبير ، و(آنية) : جمع إناء ، وهو : وعاء ~~الماء ، {وأكواب} أي : من فضة ، جمع كوب ، وهو الكوز العظيم الذي لا أذن له ~~ولاعروة ، {كانت قواريرا} " كان " تامة ، أي : كونت فكانت قوارير بتكوين ~~الله. و(قوارير) : حال ، أو : ناقصة ، أي : كانت في علم الله قوارير ، ~~{قواريرا من فضة} : بدل من الأول ، أي : مخلوقة من فضة ، قال ابن عطية : ~~يقتضي أنها من زجاج ومن فضة ، وذلك ممكن ؛ لكونه من زجاج في شفوفه ، ومن ~~فضة في جوهره ، وكذلك ms3267 فضة الجنة شفافة. ه. فهي جامعة لبياض الفضة وحسنها ، ~~وصفاء القوارير وشفيفها ، حتى يرى ما فيها من الشراب من خارجها. قال ابن ~~عباس : قوارير كل أرض من تربتها ، وأرض الجنة فضة. ه. و" قوارير " ممنوع من # 198 PageV08P303 ~~الصرف ، ومن نونه فلتناسب الآي المتقدمة والمتأخرة ، {قدروها تقديرا} ؛ صفة ~~للقوارير ، يعني : أن أهل الجنة قدروها في أنفسهم ، وتمنوها ، وأرادوا أن ~~تكون على مقادير وأشكال معينة ، موافقة لشهواتهم ، فجاءت حسبما قدروها ، ~~تكرمة لهم ، أو : السقاة جعلوها على قدر ري شاربها ؛ لتكون ألذ لهم وأخف ~~عليهم. وعن مجاهد : لا تفيض ولا تغيض ، أو : قدروها بأعمالهم الصالحة ، ~~فجاءت على حسبها. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 195 # ويسقون فيها كأسا} ؛ خمرا {كان مزاجها زنجبيلا} أي : ما يشبه الزنجبيل في ~~الطعم والرائحة. وفي القاموس : الزنجبيل : الخمر ، وعروق تسري في الأرض ، ~~ونباته كالقصب والبرد ، له قوة سخنة هاضمة ملينة.. الخ. قلت : وهو ~~السكنجيبر بالراء ولعل العرب كانت تمزج شرابها به للرائحة والتداوي. ~~وقوله تعالى : {عينا} : بدل من " زنجبيلا " ، {فيها} أي : في الجنة {تسمى ~~سلسبيلا} ، سميت العين زنجبيلا ؛ لأن ماءها فيه رائحة الزنجبيل ، والعرب ~~تستلذه وتستطيبه ، وسميت سلسبيلا لسلاسة انحدارها ، وسهولة مساغها ، قال ~~أبو عبيدة : ماء سلسبيل ، أي : عذب طيب. ه. ويقال : شراب سلسبيل وسلسال ~~وسلسيل ، ولذلك حكم بزيادة الباء ، والمراد : بيان أنها في طعم الزنجبيل ، ~~وليس فيها مرارة ولا زعقة ، بل فيها سهولة وسلاسة. والله تعالى أعلم. PageV08P304 # الإشارة : إنا أعتدنا للكافرين بطريق الخصوص ، وهم أهل الحجاب سلاسل ~~الأشغال والعلائق ، وأغلال الحظوظ والعوائق ، فلا يرحلون إلى الله وهم ~~مكبلون بشهواتهم ، مغلولون بعوائقهم. وأعتدنا لهم سعير القطيعة والطرد. إن ~~الأبرار ، وهم المطهرون من درن العيوب ، المتجردون من علائق القلوب ، ~~يشربون من كأس خمر المحبة كان مزاجها كافور برد اليقين ، عينا يشرب منها ~~عباد الله المخلصون ، يفجرونها على قلوبهم وأرواحهم وأسرارهم تفجيرا ، ~~فتمتلىء محبة ويقينا ، يوفون بما عقدوا على أنفسهم من المجاهدة والمكابدة ~~إلى وضوع أنوار المشاهدة ، ويخافون يوما كان شره مستطيرا ، إذ فيه يفتضح ~~المدعون ، ويظهر المخلصون ، ويطعمون طعام الأرواح والأسرار ms3268 من العلوم ~~والمعارف ، على حبه ، إذ لا شيء أعز منه عندهم ، إذ هو الإكسير الأكبر ، ~~والغنى الأوفر ، مسكينا ، أي : ضعيفا من اليقين ، ويتيما لا شيخ له ، ~~وأسيرا في أيدي العلائق والحظوظ ، وإنما نفعل ذلك لوجه الله ، لا يريدون ~~بذلك جزاء ، أي : عوضا دنيويا ولا أخرويا ، ولا شكورا ؛ مدحا أو ثناء ؛ إذ ~~قد استوى عندهم المدح والذم ، والمنع والعطاء ، قائلين : إنا نخاف من ربنا ~~، إن طلبنا عوضا ، أو قصرنا في الدعاء إلى الله ، يوما شديدا تعبس فيه وجوه ~~الجاهلين ، وتشرق وتتهلل وجوه العارفين. فوقاهم الله شر ذلك اليوم ، فصبروا ~~قليلا ، واستراحوا كثيرا ، ولقاهم نضرة ؛ بهجة في أجسادهم ، وسرورا دائما ~~في قلوبهم وأسرارهم. وجزاهم بما صبروا في أيام سيرهم جنة المعارف والزخارف ~~، متكئين فيها على الأرائك ؛ على أسرة القبول ، وفرش الرضا وبلوغ المأمول ، ~~لا يرون فيها حر التدبير # 199 # والاختيار ولا زمهرير الضعف والانكسار ؛ لأن العارف باطنه قوي على الدوام ~~، لأن من عنده الكنز قلبه سخين به دائما. # جزء : 8 رقم الصفحة : 195 PageV08P305 ~~وقال القشيري : لا يؤذيهم شمس المشاهدة ؛ لأن سطوة الشهود ربما تفني صاحبها ~~بالكلية ، فيغلب عليه السكر ، فلا يتنعم بلذة الشهود ، ولا زمهرير الحجاب ~~والاستتار. ه. باختصار. ودانية ، أي : وجنة أخرى دانية ، وهي جنة البقاء ، ~~والأولى جنة الفناء ، عليهم ظلالها ، وهي روح الرضا ونسيم التسليم ، وذللت ~~قطوفها من الحكم والمواهب ، تذليلا ، فمهما احتاجوا إلى علم أو حكمة أجالوا ~~أفكارهم ، فتأتيهم بطرائف العلوم وغرائب الحكم ، ويطاف عليهم بأواني الخمرة ~~الأزلية ، فيشربون منها في كل وقت وحين ، كيف شاؤوا وحيث شاؤوا. جعلنا الله ~~من حزبهم ، آمين. # جزء : 8 رقم الصفحة : 195 # يقول الحق جل جلاله : {ويطوف عليه ولدان} أي : غلمان ينشئهم الله لخدمة ~~المؤمنين. أو : ولدان الكفرة يجعلهم الله تعالى خدما لأهل الجنة. {مخلدون} ~~لا يموتون ، أو : دائمون على ما هم عليه من الطراوة والبهاء ، {إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا} لحسنهم ، وصفاء ألوانهم ، وإشراق وجوههم ، وانبثاثهم ~~في مجالسهم ومنازلهم. وتخصيص المنثور لأنه أزين في المنظر من المنظوم. PageV08P306 # {وإذا رأيت ثم} أي : وإذا ms3269 وقعت منك رؤية هناك ، ف " رأيت " هنا : لازم ، ~~ليس له مفعول لا ملفوظ ولا مقدر ، بل معناه : أن بصرك أينما وقع في الجنة ~~{رأيت نعيما} عظيما {وملكا كبيرا} أي : هنيئا واسعا. وفي الحديث : " أدنى ~~أهل الجنة منزلا من ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ، ويرى أقصاه كما يرى أدناه ~~" ، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : " إن أدنى أهل الجنة منزلا الذي يركب ~~في ألف ألف من خدمه من الولدان ، على خيل من ياقوت أحمر ، لها أجنحة من ذهب ~~" ، ثم قرأ عليه السلام : {وإذا رأيت ثم...} إلخ. وقيل : ملكا لا يعقبه ~~زوال ، وقال الترمذي : ملك التكوين ، إذا أرادوا شيئا كان ه. وقيل : تستأذن ~~عليهم الملائكة استئذان الملوك. روي : إن الملائكة تأتيهم بالتحف ، فتستأذن ~~عليهم ، حاجبا بعد حاجب ، حتى يأذن لهم الآخر ، فيدخلون عليهم من كل باب ~~بالتحف والتحية والتهنئة. ه. # 200 # ثم وصف لباس أهل الجنة فقال : {عاليهم ثياب سندس} فمن نصبه جعله حالا من ~~الضمير في " يطوف عليهم " أي : يطوف عليهم ولدان عاليا للمطوف عليهم ثياب ~~سندس ، ومن قرأه بالسكون فمبتدأ ، و" ثياب " خبر ، أي : الذي يعلوهم من ~~لباسهم ثياب سندس ، وهو رقيق الديباج ، {خضر} ؛ جمع أخضر ، {وإستبرق} ؛ ~~غليظ الديباج ، فمن رفعهما حملهما على الثياب ، ومن جرهما فعلى سندس. ~~{وحلوا أساور من فضة} وفي سورة الملائكة : {يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ولؤلؤا} [فاطر : 33] ، والجمع بينهما : بأنه يجمع في التحلية بينهما. قال ~~ابن المسيب : (لا أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة ، واحد من فضة ~~، وآخر من ذهب ، وآخر من لؤلؤ) أو : يختلف ذلك باختلاف الأعمال ، فبعضهم ~~يحلى بالفضة ، وبعضهم بالذهب ، وبعضهم باللؤلؤ. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 200 PageV08P307 ~~وسقاهم ربهم} ، أضيف إليه تعالى للتشريف والتخصيص ، وقيل : إن الملائكة ~~يعرضون عليهم الشراب ، فيأبون قبوله منهم ويقولون : قد طال أخذنا من ~~الوسائط ، فإذا هم بكاسات تلاقي أفواههم بغير أكف من غيب إلى عبد. ه. قلت : ~~ولعل هؤلاء كانوا محجوبين في الدنيا ، وأما العارفون فالوسائط محذوفة في ~~نظرهم مع وجودنا. فيسقيهم ms3270 {شرابا طهورا} أي : ليس برجس كخمر الدنيا ، لأن ~~كونها رجسا بالشرع لا بالعقل ، أو : لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة ، ~~وتدوسه الأرجل الوسخة ، والوضر : الوسخ. قال البيضاوي : يريد به نوعا آخر ، ~~يفوق النوعين المتقدمين ، ولذلك أسند سقيه إلى الله ، ووصفه بالطهورية ، ~~فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية ، والركون إلى ما سوى الحق ، ~~فيتجرد لمطالعة جماله ، ملتذا بلقائه ، باقيا ببقائه ، وهو منتهى درجات ~~الصديقين ، ولذلك ختم به ثواب الأبرار. ه. ويقال لأهل الجنة : {إن هذا} أي ~~: الذي ذكر من فنون الكرامات {كان لكم جزاء} في مقابلة أعمالكم الحسنة ، ~~{وكان سعيكم مشكورا} ؛ مرضيا مقبولا عندنا ، حيث قلتم للمسكين واليتيم ~~والأسير : لا نريد منكم جزاء ولا شكورا. # الإشارة : ويطوف على قلوبهم وأسرارهم جواهر العلوم ، ويواقيت الحكم كأنها ~~اللآلىء المنثورة ، وإذا رأيت ثم إذا جالت فكرتك ، وعامت في بحار الأحدية ، ~~رأيت ببصيرتك نعيما من نعيم الأرواح ، وهي لذة الشهود والفرح برؤية الملك ~~الودود ، وملكا كبيرا ، وهي عظمة الذات الأولية والآخرية ، والظاهرة ~~والباطنة. وإذا رأيت ذلك كان الوجود كله تابعا لك ، ينبسط ببسطك ، وينقبض ~~بقبضك ، وحكمه حكمك ، وأمره عند أمرك ، تتصرف بهمتك على وفق إرادة مولاك ، ~~عاليهم ثياب العز والبهاء ، وثياب الهيبة والجلال ؛ وحلوا أساور من مقامات ~~اليقين ، وسقاهم ربهم شرابا طهورا ، وهو شراب الخمرة ، فإنها تطهر القلوب ~~والأسرار من البقايا والأكدار. PageV08P308 # جزء : 8 رقم الصفحة : 200 # وقال القشيري : ويقال : يطهرهم من محبة الأغيار ، ويقال : من الغل والغش # 201 PageV08P309 ~~والدعوى. ثم قال ويقال : من سقاه اليوم شراب محبته لا يستوحش في وقته من ~~شيء ، ومن مقتضى شربه بكأس محبته أن يجود على كل أحد بالكونين من غير تمييز ~~، لا يبقى على قلبه أثر للأخطار ، ومن آثر شربه بذل كله لكل أحد لأجل ~~محبوبه ؛ فيكون لأصغر الخدم تراب القدم ، لا يتحرك فيه للتكبر عرق ، وقد ~~يكون من مقتضى ذلك الشراب أيضا في بعض الأحيان أن يتيه على أهل الدارين ، ~~وأن يملكه سرور ، ولا يتمالك معه عن خلع العذار ، وإلقاء قناع الحياء ~~وإظهار ما به ms3271 من المواجيد. ومن موجبات ذلك السكر : سقوط الحشمة ، فيتكلم ~~بمقتضى البسط ، أو بموجب لطف السكون بما لا يستخرج منه في حال صحوه شبهة ~~بالمناقيش ، ، وعلى هذا قول موسى : {رب أرنيا أنظر إليك} [الأعراف : 143] ~~قالوا : سكر من سماع كلامه ، فنطق بذلك لسانه ، وأما حين يسقيهم شراب ~~التوحيد فينتفي عنهم شهود كل غير ، فيهيمون في أودية العز ، ويتيهون في ~~مفاوز الكبرياء ، وتتلاشى جملتهم في هوى الفردانية ، فلا عقل ولا تمييز ، ~~ولا فهم ولا إدراك. والعبد يكون في ابتداء الكشف مستوعبا ، ثم يصير مستغرقا ~~، ثم يصير مستهلكا {وأن إلىا ربك المنتهىا} [النجم : 42]. ه. وقال الورتجبي ~~: فتلك الكائنات المروقات عن علل الحجاب والعتاب دارت عليها في الدنيا حتى ~~ترجع إلى معادنها من الغيب. ثم قال : فإذا شربوا تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله ، سقاهم ذلك في الدنيا ، في ميدان ذكره ، بكأس محبته ، على منابر ~~أنسه بمخاطبة الإيمان ، وسقاهم في الآخرة ، في ميدان قربه ، بكأس رؤيته ، ~~على منابر من نور بمخاطبة العيان. ه. قلت : تفريقه بين الدنيا والآخرة غير ~~لائق بمقام المحققين من العارفين ، فالعارف لم تبق له دنيا ولا آخرة ، لم ~~يبق له إلا الله ، تتلون تجلياته ، فما هناك هو حاصل اليوم ، لولا تكثيف ~~الحجاب. ثم يقال لأهل التمكين : إن هذا PageV08P310 ~~كان لكم جزاء على مجاهدتكم وصبركم ، وكان سعيكم مشكورا ، وحضكم منه موفورا. ~~وبالله التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 200 # 202 # يقول الحق جل جلاله : {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا} أي : مفرقا ~~منجما ، شيئا فشيئا ، لحكم بالغة مقتضية لتفريقه ، لا غيرنا ، كما يعرب عنه ~~تكرير الضمير مع " إن " ، فهو تأكيد لاسم إن ، أو : ضمير فصل لا محل له ~~{فاصبر لحكم ربك} في تأخير نصرك ، فإن له عاقبة حميدة ، أو : اصبر لتبليغ ~~الرسالة ، وتحمل الأذى ؛ فإن العاقبة لك ، {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} أي ~~: لا تطع الآثم في إثمه ، ولا الكافر في كفره ، أي : لا تطع كل واحد من ~~مرتكب الإثم الداعي لك إليه ، أو من الغالي في الكفر الداعي إليه ، و" أو ms3272 " ~~للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به ، باعتبار ما ~~يدعون إليه ، فإن ترتيب الوصف على الوصفين مشعر بعليتهما ، فلا بد أن يكون ~~النهي عن الإطاعة في الإثم والكفر ، لا فيما ليس بإثم ولا كفر. # وقيل : الآثم : عتبة ، فإنه كان ركابا متعاطيا لأنواع الفسوق ، والكفور : ~~الوليد ، فإنه كان غاليا في الكفر ، شديد الشكيمة في العتو. والظاهر : أن ~~المراد كل آثم وكافر ، اي : لا تطع أحدهما ، وإذا نهى عن طاعة أحدهما لا ~~بعينه ، فقد نهى عن طاعتهما معا ، ولو كان بالواو لجاز أن يطيع أحدهما ؛ ~~لأن الواو للجمع ، فيكون منهيا عن طاعتهما ، لا عن طاعة أحدهما. PageV08P311 # {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} اي : دم على ذكره في جميع الأوقات. وتخصيص ~~الوقتين لشرفهما. قيل : لما نهى حبيبه عن طاعة الآثم والكفور ، وحثه على ~~الصبر على آذاهم وإفراطهم في العداوة ؛ عقب ذلك بالأمر باستغراق أوقاته في ~~ذكره وعبادته ، فهو كقوله تعالى : {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ~~فسبح...} [الحجر : 97 ، 98] الآية ، وفي إقباله راحة له من وحشته ؛ لجهلهم ~~بأنسه بربه ، وقرة عينه به. وفي ذلك أمره بالإفراد لربه بطاعته ، دون من ~~يدعوه ، لخلاف ذلك من ألإثم والكفور. ه. من الحاشية. أو : بكرة : صلاة ~~الفجر ، وأصيلا : الظهر والعصر ، {ومن الليل فاسجد له} ؛ وبعض الليل فصل ~~صلاة العشاءين ، {وسبحه ليلا طويلا} أي : تهجد له قطعا من الليل طويلا ؛ ~~ثلثه أو نصفه أو ثلثيه. وتقديم الظرف في (من الليل) لما في صلاة الليل من ~~مزيد كلفة وخلوص. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 202 # إن هؤلاء} الكفرة {يحبون العاجلة} وينهمكون في لذاتها الفانية ، ~~ويؤثرونها على الآخرة ، فلا يلتفتون إلى ذكر ولا صلاة ، {ويذرون وراءهم} ؛ ~~قدامهم ، فلا يستعدون له ، أو : ينبذونه وراء ظهورهم ، {يوما ثقيلا} ؛ ~~شديدا لا يعبؤون به ، وهو يوم القيامة ؛ لأن شدائده تثقل على الكفار. ووصفه ~~بالثقل لتشبيه شدته وهوله بثقل شيء فادح ، وهو كالتعليل لما أمر به ونهى عنه. # {نحن خلقناهم} لا غيرنا ، {وشددنا أسرهم} أي : قوينا خلقتهم حتى صاروا ~~أقوياء ، يقال : رجل حسن الأسر ms3273 : الخلق ، وفرس شديد الأسر ، أي : الخلقة ، ومنه # 203 # قوله لبيد : # ساهم الوجه شديد أسره # مشرف الحارك محبوك الكتد PageV08P312 ~~أو : أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب ، أو : أخذنا ميثاقهم على الإقرار ، ~~{وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} أي : إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم وبدلنا ~~أمثالهم في الخلقة ممن يطيع ولا يعصي. أو : بدلنا أمثالهم تبديلا بديعا لا ~~ريب فيه ، وهو البعث كما ينبىء عنه كلمة (إذا) لدلالتها على تحقق القدرة ~~وقوة الداعية. # {إن هذه تذكرة} ، الإشارة إلى السورة ، أو الآيات القريبة ، أي : هذه ~~موعظة بليغة ، {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} بالتقرب إليه بالطاعة واتباع ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ، {وما تشاؤون} اتخاذ السبيل إلى الله ، أو : ~~مايشاء الكفرة {إلا أن يشاء الله} ، وهو تحقيق للحق ، ببيان أن مجرد ~~مشيئتهم غير كافية في اتخاذ السبيل ، ولا يقدرون على تحصيله في وقت من ~~الأوقات ، إلا وقت مشيئته في تحصيله لهم ، إذ لا دخل لمشيئة العبد إلا في ~~الكسب ، وإنما التأثير لمشيئة الله تعالى ، {إن الله كان عليما حكيما} ؛ ~~عليما بما يكون منهم من الأحوال ، حكيما مصيبا في الأقوال والأفعال ، وهو ~~بيان لكون مشيئته تعالى مبنية على أساس العلم والحكمة ، أي : هو تعالى ~~مبالغ في العلم والحكمة ، فيعلم ما يستأهله كل أحد ، فلا يشاء لهم إلا ما ~~يستدعيه علمه وتقضيه حكمته. # وقوله تعالى : {يدخل من يشاء في رحمته} ، بيان لأحكام مشيئته ، المترتبة ~~على علمه وحكمته ، أي : يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها ، وهو الذي ~~يصرف مشيئته نحو اتخاذ سبيل الله تعالى ، حيث يوفقه لما يؤدي إلى دخول ~~الجنة من الإيمان والطاعة. {والظالمين} وهم الذين صرفوا مشيئتهم إلى خلاف ~~ما ذكر {أعد لهم عذابا أليما} متناهيا في الإيلام ، و" الظالمين " منصوب ~~بمضمر يفسره معنى ما بعده ، أي : أهان الظالمين أعد لهم عذابا أليما. # جزء : 8 رقم الصفحة : 202 PageV08P313 ~~الإشارة : إنا أنزلنا عليك أيها الخليفة القرآن ، أي : الجمع على ربك في ~~قلبك وسرك ، تنزيلا مترتبا شيئا فشيئا على حسب التهذيب والتدريب ، فاصبر ~~لحكم ربك ، أي : ما حكم ms3274 به عليك من قهرية الجلال ، وارتكاب الأهوال ، ~~ومقاسات الأحوال ، فإن العاقبة # 204 # شهود الكبير المتعالي ، وبذل المهج والأرواح قليل في حقه ، ولا تطع في ~~حال سيرك آثما يريد أن يميلك عن قصد السبيل ، أو كفورا بطريق الخصوص يريد ~~أن يصرفك عنها ، واذكر اسم ربك ، أي : استغرق أنفاسك في ذكر اسمه الأعظم ، ~~وهو الاسم المفرد ؛ الله الله ، فتكثر منه بكرة وأصيلا ، وآناء الليل ~~والنهار ، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ، أي : ومن أجل ليل القطيعة ~~اخضع وتضرع وسبح في الأسحار ، خوفا من أن يقطعك عنه ، فيظلم عليك ليل وجودك ~~، فتحجب به عن ربك ، إن هؤلاء المحجوبين بوجودهم وحظوظ نفوسهم ، يحبون ~~العاجلة ، فيؤثرون هواهم على محبة مولاهم ، ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ، يوم ~~يساق أهل التخفيف من المريدين إلى مقعد صدق زمرا ، ويتخلف أهل النفوس في ~~موقف الحساب. إن هذه تذكرة لمن فتحت بصيرته وأبصر الحق وأهله ، فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا ، بإيثار صحبته أهل الحق والتحقيق ، حتى يردون به حضرة ~~التحقق ، لكن الأمر كله بيد الله ، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، فمن شاء ~~عنايته أدخله في رحمة هدايته ، ومن شاء خذلانه سلك به مسلك الضلالة ، ~~والعياذ بالله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم. # 205 # جزء : 8 رقم الصفحة : 202 PageV08P314 ### | AUTO سورة المرسلات # جزء : 8 رقم الصفحة : 205 # يقول الحق جل جلاله : {والمرسلات} أي : والملائكة المرسلات {عرفا} أي : ~~بالمعروف من الأمر والنهي ، وانتصابه بإسقاط الخافض ، أو : فضلا وإنعاما ، ~~فيكون نقيض المنكر ، وانتصابه على العلة ، أي : أرسلهن للإنعام والإحسان ، ~~أو : متتابعة ، وانتصابه على الحال ، أي : يتلو بعضها بعضا ، وفي القاموس : ~~عرفا ، أي : بعض خلف بعض. ه. {فالعاصفات عصفا} أي : تعصفن في مضيهن عصف ~~الرياح ، {والناشرات} أجنحتها في الجو {نشرا} عند انحطاطها بالوحي ، أو : ~~الناشرات للشرائع نشرا في الأقطار ، أون : الناشرات للنفوس الميتة بالكفر ~~والجهل بما أوحين من الإيمان والعلم. {فالفارقات} بين الحق والباطل {فرقا} ~~، {فالملقيات} ، إلى الأنبياء {ذكرا عذرا} للمحقين {أو نذرا} للمبطلين ms3275 ، ~~ولعل تقديم النشر على الإلقاء ؛ للإيذان بكونه غاية للإلقاء ، فهو حقيق ~~بالاعتناء به. # أو : والرياح المرسلات متتابعة ، فتعصف عصفا ، وتنشر السحاب في الجو نشرا ~~، وتفرق السحاب فرقا على المواضع التي أراد الله إن يمطر عليها ، فيلقين ~~ذكرا ، أي : موعظة وخوفا عند مشاهدة آثار قدرته تعالى ، إما عذرا للمعتذرين ~~إلى الله تعالى برهبتهم وتوبتهم ، وإما نذرا للذين يكفرونها وينسبونها إلى ~~الأنواء. أو يكون تعالى أقسم بآيات القرآن المرسلة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فعصفن سائر الكتب بالنسخ ، ونشرن آثار الهدى في مشارق الأرض ~~ومغاربها ، وفرقن بين الحق والباطل ، فألقين الحق في أكناف العالمين ، عذرا ~~للمؤمنين ، ونذرا للكافرين. قال ابن جزي : والأظهر في المرسلات والعاصفات : ~~أنها الرياح ؛ لأن وصف الريح بالعصف حقيقة ، والأظهر في الناشرات والفارقات : # 206 # أنها الملائكة ؛ لأن الوصف بالفارقات أليق بهم ، ولذلك عطف المتجانسين ~~بالفاء ، ثم عطف ما ليس من جنسهما بالواو. ه مختصرا. PageV08P315 # ثم ذكر المقسم عليه ، فقال : {إن ما توعدون} أي : إن الذي توعدونه من مجيء ~~يوم القيامة ونزول العذاب بكم {لواقع} لا محالة. # الإشارة : أقسم تعالى بنفوس العارفين ، المرسلة إلى كل عصر ، بما يعرف ~~ويستحس شرعا وطبعا ، من التطهير من الرذائل والتحلية بالفضائل ، فعصفت ~~البدع والغفلة من أقطار الأرض عصفا ، ونشرت الهداية في أقطار البلاد ، ~~وحييت بهم العباد ، ففرقت بين الحق والباطل ، وبين أهل الغفلة واليقظة ، ~~وبين أهل الحجاب وأهل العيان ، فألقت في قلوب من صحبها ذكرا حتى سرى في ~~جميع أركانها ، فأظهرت عذرا للمنتسبين الذاكرين ، ونذرا للمنكرين ، ~~الغافلين. قال البيضاوي : أو أقسم بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان ~~لاستكمالها ، فعصفن ما سوى الحق ، ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء ، وفرقن ~~بين الحق بذاته ، والباطل في نفسه ، فرأوا كل شيء هالكا إلا وجهه ، وألقين ~~ذكرا ، بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر الله تعالى. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 206 # يقول الحق جل جلاله : {فإذا النجوم طمست} ؛ محيت ومحقت ، أو ذهب بنورها. ~~وجواب " إذا " محذوف ، وهو العامل فيها ، أي : وقع الفصل ونحوه ، أو : وقع ms3276 ~~ما وعدتم به. و" النجوم " : فاعل بمحذوف يفسره ما بعده ، {وإذا السماء ~~فرجت} ؛ فتحت ، فكانت أبوابا لنزول الملائكة ، {وإذا الجبال نسفت} ؛ قطعت ~~من أماكنها ، وأخذت من مقارها بسرعة ، فكانت هباء منبثا ، {وإذا الرسل ~~أقتت} أي : وقتت وعين لهم الوقت الذي يحضرون للشهادة على أممهم ، ففجأن ذلك ~~الوقت ، وجمعت للشهادة على أممهم ، أي : وإذا الرسل عاينت الوقت الذي كانت ~~تنتظره ، {لأي يوم أجلت} أي : ليوم عظيم أخرت وأمهلت ، وفيه تعظيم لليوم ، ~~وتعجيب من هوله. والتأجيل من الأجل ، كالتوقيت من الوقت. PageV08P316 # ثم بين ذلك اليوم ، فقال : {ليوم الفصل} أي : أجلت ليوم يفصل فيه بين ~~الخلائق ، وقال ابن عطاء : هو اليوم الذي يفصل فيه بين المرء وقرنائه ~~وإخوانه وخلانه ، إلا ما كان منها لله وفي الله. ه. وهو داخل في الفصل بين ~~الخلائق ، وجزء من جزئياته ، {وما أدراك ما يوم الفصل} أي : أي شيء جعلك ~~داريا ما هو يوم الفصل ، فوضع الظاهر موضع # 207 # الضمير ، تهويل وتفظيع لشأنه ، {ويل يومئذ للمكذبين} بذلك اليوم ، أي : ~~ويل لهم في ذلك اليوم الهائل ، و" ويل " أصله : مصدر منصوب بفعل سد مسده ، ~~لكن عدل به إلى الرفع على الابتداء ، للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه ~~للمدعو عليه ، و" يومئذ " ظرف له ، و" للمكذبين " خبره ، أي : الويل في ذلك ~~اليوم حاصل لهم. قال ابن عطية : وأما تكرير قوله تعالى : {ويل يومئذ ~~للمكذبين} في هذه السورة ، فقيل : لمعنى التأكيد فقط ، وقيل : بل في كل آية ~~منها ما يقتضي التصديق ، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك. ه. وهذا الآخر هو ~~الصواب ، وسيأتي التنبيه عليه في كل آية. PageV08P317 # الإشارة : إذا أشرقت شموس العرفان ، وبدت أسرار الذات للعيان ، انطمس نور ~~نجوم علم الفروقات الكونية ، والفروعات الوهمية ، ولم يبق إلا علم الوحدة ~~الذاتية ومعنى انطماسها : الغيبة عنها والفناء عنها بما هو أمتع وأحلى منها ~~، من شهود الذات الأقدس ، والاستغراق في شهود أنوارها وأسرارها. وإذا ~~السماء ، أي : سماء الأرواح فرجت عنها ظلمة الحس ، فظهرت للعيان. واعلم أن ~~أرض الأشباح وسماء الأرواح محلهما واحد ، وإنما تختلف باختلاف ms3277 النظرة ، فمن ~~نظر الأشياء بعين الفرق في محل الحدوث تسمى في حقه عالم الأشباح ، ومن رآها ~~بعين الجمع في مقام القدم ، تسمى في حقه عالم الأرواح ، والمظهر واحد. وإذا ~~الجبال ؛ جبال الوهم والخيالات ، أو : جبال العقل الأصغر ، نسفت ، أي : ~~تلاشت وذهبت ، وإذا الرسل أي : الدعاة إلى الله من أهل التربية ، أقتت : ~~عين لها وقت وقوع ذلك ، وهو يوم الفتح الأكبر بالاستشراف على الفناء في ~~الذات ، وأي يوم ذلك ، وهو يوم لقاء العبد ربه في دار الدنيا ، وهو يوم ~~الفصل ، يفصل فيه بين الخصوص والعموم ، بين المقربين وأهل اليمين ، بين أهل ~~الشهود والعيان ، وأهل الدليل والبرهان ، ويل يومئذ للمكذبين بطريق هذا ~~السر العظيم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 207 # يقول الحق جل جلاله : {ألم نهلك الأولين} كقوم نوح وعاد وثمود ، لتكذيبهم ~~بذلك اليوم ، وقرىء بفتح النون ، من : هلكه بمعنى أهلكه ، {ثم نتبعهم ~~الآخرين} أي : ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بهم ، لأنهم كذبوا ~~مثل تكذيبهم. و" ثم " وما بعده : استئناف ، تهديد لأهل مكة ، وقرىء بالجزم ~~عطف على " نهلك " فيكون المراد بالآخرين المتأخرين هلاكا من المذكورين ، ~~كقوم لوط وشعيب وموسى عليه السلام ، # 208 # {كذلك} أي : مثل ذلك الفعل الفظيع {نفعل بالمجرمين} أي : بكل من أجرم من ~~كل أمة ، {ويل يومئذ} أي : يوم وقوع الهلاك بهم {للمكذبين} بما أوعدنا. PageV08P318 # {ألم نخلقكم من ماء مهين} ؛ حقير ، وهو النطفة ، {فجعلناه في قرار مكين} أي ~~: مقر يتمكن فيه ، وهو الرحم ، {إلى قدر معلوم} ؛ إلى مقدار معلوم من الوقت ~~، قدره الله تعالى في أزله ، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ، وهو تسعة أشهر ~~في الغالب ، أو أكثر أو أقل على حسب المشيئة ، {فقدرنا} ذلك تقديرا لا ~~يتبدل ، أو : فقدرنا على ذلك {فنعم القادرون} أي : المقدرون له نحن ، أو : ~~فنعم القادرون على أمثال ذلك ، {ويل يومئذ للمكذبين} لقدرتنا على ذلك ، أو ~~: على الإعادة ، أو : بنعمة الفطرة من النشأة الدالة على صدق الوعيد ~~بالبعث. # {ألم نجعل الأرض كفاتا} ؛ ... وجامعة ، والكفات : اسم ما يجمع ويضم ، من ~~: كفت شعره : إذا ms3278 ضمه بخرقة ، كالضمام والجماع لما يضم ويجمع ، أي : ألم ~~نجعلها كفاتا تكفت {أحياء} كثيرة في ظهرها {وأمواتا} غير محصورة في بطنها. ~~ونظر الشعبي إلى الجبانة فقال : هذه كفات الموتى ، ثم نظر إلى البيوت فقال ~~: هذه كفات الأحياء. ه. ولما كان القبر كفاتا كالبيت قطع من سرق منه. و" ~~أحياء وأمواتا " منصوبان ب " كفاتا " لأنه في معنى اسم الفاعل ، أي : كافتة ~~أحياء وأمواتا ، أو : بفعل محذوف ، أي : تكفت على الحال ، أي : تكفتهم في ~~حال حياتهم ومماتهم. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 208 # وجعلنا فيها رواسي} ، أي : جبالا ثوابت {شامخات} ؛ طوالا شواهق ، ووصف ~~جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مطرد ، وتنكيرها للتفخيم ، وللإشعار ~~بأن فيها ما لم يعرف ، {وأسقيانكم ماء} بأن خلقنا فيها أنهارا ومنابع ~~{فراتا} ؛ عذبا صافيا {ويل يومئذ للمكذبين} بأمثال هذه النعم العظيمة. PageV08P319 # الإشارة : ألم نهلك الجبابرة الأولين ، المتكبرين على الضعفاء والمساكين ، ~~ثم نتبعهم الآخرين ، كذلك نفعل بالمجرمين في كل زمان ، أو : ألم نهلك ~~الغافلين المتقدمين والمتأخرين ، بموت قلوبهم وأرواحهم ، بالانهماك في ~~الشهوات ، كذلك نفعل بالطغاة المتكبرين ، ويل يومئذ للمكذبين الشاكين في ~~وقوع هذا الوعيد. ألم نخلقكم من ماء مهين حقير ؟ فكيف تتكبرون وأصلكم حقير ~~، وآخركم لحم منتن عقير ؟ ولعلي كرم الله وجهه : ما لابن آدم والفخر ، ~~وأوله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وهو فيما بينهما يحمل العذرة. ه. هذا ~~في الصورة البشرية ، وأما الروح السارية فيها ، فأصلها عز وشرف ، فمن غلبت ~~روحه على بشريته ، وعقله على هواه ، التحق بالملائكة الكرام في الشرف ~~والنزاهة ، ومن غلبت بشريته على روحانيته ، وهواه على عقله ، التحق ~~بالبهائم في الخسة والدناءة. # 209 # ألم نجعل أرض البشرية جامعة للقلوب والأرواح والأحياء بالعلم والمعرفة ، ~~حين غلبت الروح والعقل على البشرية والهوى ، وللنفوس والقلوب الميتة ، حين ~~غلب الهوى. وجعلنا فيها رواسي من العقول الثابتة ، لتميز بين النافع الضار ~~، وأسقيانكم من ماء العلوم التي تحيا به القلوب والأرواح ، ماء عذبا لمن ~~وفقه الله لشربه على أيدي الرجال. ويل يومئذ للمكذبين بها ، فإنه يعيش ~~ظمآنا ، ويموت عطشانا ، والعياذ بالله. ms3279 # جزء : 8 رقم الصفحة : 208 PageV08P320 ~~يقول الحق جل جلاله للكفرة المكذبين : {انطلقوا} أي : سيروا {إلى ما كنتم ~~به تكذبون} من النار المؤبدة عليكم ، {انطلقوا إلى ظل} ؛ دخان جهنم {ذي ~~ثلاث شعب} ، يتشعب لعظمه ثلاث شعب ، كما هو شأن الدخال العظيم ، تراه يتفرق ~~ذوائب ، وقيل : يخرج لسان من النار يحيط بالكفار كالسرداق ، ويتشعب من ~~دخانها ثلاث شعب ، فتظلم حتى يفرغ من حسابهم ، والمؤمنون في ظل العرش. قيل ~~: الحكمة في خصوصية الثلاث : أن حجاب النفس عن أنوار القدس ثلاث ، الحس ~~والخيال والوهم ، وقيل : إن المؤدي إلى هذا العذاب هو القوة الوهمية ~~الشيطانية ، الحالة في الدماغ ، والقوة الغضبية التي عن يمين القلب ، ~~والقوة الشهوانية البهيمية التي عن يساره ، ولذلك قيل : تقف شعبة فوق ~~الكافر ، وشعبة عن يمينه ، وشعبة عن يساره. # ثم وصف ذلك الظل بقوله : {لا ظليل} أي : لا مظل من حر ذلك اليوم أو من حر ~~النار ، {ولا يغني من اللهب} أي : وغير مغن عن حر اللهب شيئا لعدم البرودة ~~فيه ، وهذا كقوله : {وظل من يحموم لا بارد ولآ كريم} [الواقعة : 43 ، 44] ، ~~{إنها ترمي بشرر} وهو ما تطاير من النار {كالقصر} في العظم ، أي : كل شررة ~~كقصر من القصور في العظم. وقيل : هو الغليظ من الشجر ، الواحدة : قصرة ، ~~كجمر وجمرة ، {كأنه جمالات} جمع جمل. وقرأ أهل الكوفة ، غير شعبة " جمالة " ~~وهو أيضا جمع جمل ، وجمالات جمع الجمع. {صفر} فإن الشرار لما فيه من النار ~~يكون أصفر ، وقيل : سود ؛ لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة ، والأول تشبيه ~~لها في العظم ، وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط. وقيل : الضمير ~~في " إنه " يعود إلى القصر ، فيذهب به إلى تصوير عجيب وتطوير غريب. شبهت ~~الشرارة حين تنقض من النار في العظم بالقصر ، ثم شبه القصر # 210 PageV08P321 ~~المشبه به ، حين يأخذ في الارتفاع والانبساط ، بأن ينشق عن أعداد لا نهاية ~~لها بالجمالات المتكاثرة ، فيتصور فيها حينئذ العظم أولا ، والانشقاق مع ~~الكثرة والصفرة والحركة ثانيا ، فيبلغ بالتشبيه إلى الذروة العليا. ه. من ~~الحاشية. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 210 ms3280 # ويل يومئذ للمكذبين} بنار هذه صفتها مع شواهد القدرة على ذلك وعلى أكبر ~~منه ، {هذا يوم لا ينطقون} ، الإشارة إلى وقت دخولهم النار ، أي : هذا يوم ~~لاينطقون فيه بشيء ، إما لأن السؤال والجواب والحساب قد انقضت قبل ذلك ، ~~ويوم القيامة طويل ، له مواطن ومواقيت ، فينطقون في وقت دون وقت ، فعبر عن ~~كل وقت بيوم ، أو : لا ينطقون بشيء ينفعهم ، فإن ذلك كلا نطق. وقرىء بنصب ~~اليوم ، أي : هذا الذي ذكروا وقع يوم لا ينطقون ، {ولا يؤذن لهم} في ~~الاعتذار {فيعتذرون} : عطف على " يؤذن " منخرط في سلك النفي ، أي : لا يكون ~~لهم إذن ولا اعتذار يتعقب له ، وليس الإذن سببا للأعتذار وإلا لنصب. قال ~~الطيبي عن صاحب الكشف : التقدير : هذا يوم لا ينطقون بمنطق ينفعهم ، ولا ~~يعتذرون بعذر يدفع عنهم ، ف " يعتذرن " داخل في النفي ، ولو حملناه على ~~الظاهر لتناقض ؛ لأنه يصير : هذا يوم لا ينطقون فيعتذرون ؛ لأن الاعتذار ~~نطق أيضا. ه. {ويل يومئذ للمكذبين} بالبعث وما بعده. # {هذا يوم الفصل} بين الحق والباطل ، أو : بين المحق والمبطل ، {جمعناكم} ~~فيه ، والخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم {والأولين} من الأمم ، فيقع ~~الفصل بين الخلائق ، {فإن كان لكم كيد} هنا كما كان في الدنيا {فكيدون} فإن ~~جميع من كنتم تقلدون وتقتدون بهم حاضرون معكم. وهذا تقريع لهم على كيدهم ~~للمؤمنين في الدنيا ، وإظهار لعجزهم هناك ، {ويل يومئذ للمكذبين} بهذا ، ~~حيث أظهر ألا حيلة لهم في الخلاص من العذاب. PageV08P322 # الإشارة : انطلقوا إلى ضد ما كنتم به تكذبونن من رفع درجات المجتهدين ~~المقربين وسقوط درجة البطالين ، فانحطوا إلى نار البعد والحجاب. وتكذيبهم ~~بذلك هو من حيث لم يعملوا بمقتضاه. انطلقوا إلى ظل الحجاب ، ذي ثلاث شعب ، ~~تشعب عليه الحجاب ، وانسدل عليه ثلاث مرات ، ظل حجاب الغفلة ، وظل حجاب ~~الهوى ، وظل حجاب حس الكائنات. لا ظليل ؛ ليس فيه نسيم القرب ، ولا برد ~~الرضا والتسليم ، ولا يغني من لهب حر القطيعة والبعد ، أو حر التدبير ~~والاختيار ، إنها ترمي بشرر ، من كان باطنه في نار القطيعة رمى ms3281 بشررها على ~~ظاهره ، فيظهر منه الغضب والقسوة والغلظة والفظاظة. قال القشيري : يشير إلى ~~ما يترتب على هذه الشعب من الأوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية ، وأن كل ~~صفة منها بحسب الغلظة والشدة ، كالقصور المرتفعة ، والبروج المشيدة ، كأنه ~~جمالات عظيمة الهيكل ، طويلة الأثر ، صفر من شدة قوة النارية في ذلك الشرر ~~، وهي القوة الغضبية. ويل يومئذ للمكذبين بهذه التشبيهات اللطيفة ~~والإشعارات الظريفة ، المنبئة عن الحقائق والدقائق. ه. # 211 # هذا يوم لا ينطقون من شدة تحيرهم ، وقوة دهشهم ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ~~عن بطالتهم وتقصيرهم وقلة استعدادهم لهذا اليوم. {ويل يومئذ للمكذبين} قال ~~القشيري : لأنهم أفسدوا الاستعداد ، بالركون إلى الدنيا وشهواتها ، والميل ~~عن الآخرة ودرجاتها. ه. هذا يوم الفصل بين أهل الجد والاجتهاد ، وأهل ~~البطالة والفساد ، أو بين أهل القرب والوصال ، وبين أهل البعد والانفصال ، ~~أو بين أهل الشهود والعيان وأهل الدليل والبرهان ، أو : بين المقربين وعامة ~~أهل اليمين ، جمعناكم والأولين ، فيقع التمييز بين الفريقين من المتقدمين ~~والمتأخرين ، فإن كان لكم كيد وحيلة ترتفعون بها إلى درجات المقربين ، ~~فكيدونن ولا قدرة على ذلك ، حيث فاتهم ذلك في الدنيا. ويل يومئذ للمكذبين ~~بهذا الفصل والتمييز. PageV08P323 # جزء : 8 رقم الصفحة : 210 # يقول الحق جل جلاله : {إن المتقين} الكفر والتكذيب {في ظلال} ممدودة ~~{وعيون} جارية {وفواكه مما يشتهون} ؛ مما يستلذون من فنون الترفه وأنواع ~~التنعم. يقال لهم : {كلوا واشربوا} ، فالجملة : حال من الضمير المستقر في ~~الظرف ، أي : هم يستقرون في ظلال مقولا لهم : {كلوا واشربوا هنيئا} لا ~~تباعة عليه ولا عتاب ، {بما كنتم تعملون} في الدنيا من الأعمال الصالحة ، ~~{إنا كذلك} أي : مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنين} في عقائدهم ~~وأعمالهم ، فأحسنوا تنالوا مثل هذا أو أعظم. {ويل يومئذ للمكذبين} بهذا ، ~~حيث نال المؤمنون هذا الجزاء الجزيل ، وبقوا هم في العذاب المخلد الوبيل. # ويقال لهم في الدنيا على وجه التحذير : {كلوا وتمتعوا} كقوله : {اعملوا ~~ما شئتم} [فصلت : 40] أو : في الآخرة ، أي : الويل ثابت لهم ، مقولا لهم ~~ذلك ، تذكيرا لهم بحالهم في الدنيا ، بما جنوا على أنفسهم من ms3282 إيثارهم ~~المتاع الفاني عن قريب على التمتع الخالد ، أي : تمتعوا زمنا {قليلا} أو ~~متاعا قليلا ، لأن متاع الدنيا كله قليل ، {إنكم مجرمون} أي : كافرون ، أي ~~: إن كل مجرم يأكل ويتمتع أياما قلائل ، ثم يبقى في الهلاك الدائم. {ويل ~~يومئذ للمكذبين} ، زيادة توبيخ وتقريع ، أو : ويل يومئذ للمكذبين الذين كذبوا. # {وإذا قيل لهم اركعوا} أي : أطيعوا الله واخشعوا وتواضعوا لله ، بقبول ~~وحيه واتباع رسوله ، وارفضوا هذا الاستكبار والنخوة ، {لا يركعون} ؛ لا ~~يخشعون ولا يقبلون ذلك ، # 212 PageV08P324 ~~ويصرون على ماهم عليه من الاستكبار. وقيل : وإذا أمروا بالصلاة لا يفعلون ، ~~إذ روي أنها نزلت حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيفا بالصلاة ، ~~فقالوا : لا ننحني ، فإنها خسة علينا ، فقال صلى الله عليه وسلم : " لا خير ~~في دين ليس فيه ركوع ولا سجود " وقيل : هو يوم القيامة ، حين يدعون إلى ~~السجود فلا يستطيعون. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 212 # ويل يومئذ للمكذبين} بأمره ونهيه. وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون ~~بالفروع. {فبأي حديث بعده} أي : بعد القرآن الناطق بأحاديث الدارين ، ~~وأخبار النشأتين ، على نمط بديع ، ولفظ بليغ معجز ، مؤسس على حجج قاطعة ، ~~وأنوار ساطعة ، فإذا لم يؤمنوا به {فبأي حديث بعده يؤمنون} أي : إن لم ~~يؤمنوا بالقرآن ، مع أنه آية مبصرة ، ومعجزة باهرة ، من بين الكتب السماوية ~~، فبأي كتاب بعده يؤمنون ؟ فينبغي للقارىء أن يقول : آمنت بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر. # الإشارة : إن المتقين ما سوى الله في ظلال التقريب ، وبرد التسليم ، ~~ونسيم الوصال ، فما أطيب نسيمهم ، وما ألذ مشربهم ، كما قال الشاعر : # يا نسيم القرب ما أطيبكا # ذاق طعم الأنس من حل بكا # أي عيش لأناس قربوا # قد سقوا بالقدس من مشربكا # {وعيون} أي : مناهل الشرب من رحيق الوجدان ، وفواكه النظر ، مما يشتهون ، ~~أي : وقت يشتهون ، كلوا من رزق أرواحكم وأسراركم ، وهو الترقي في معاريج ~~العرفان ، وأشربوا من رحيق أذواقكم ، هنيئا بما كنتم تعملون أيام مجاهدتكم ~~، إنا كذلك نجزي المحسنين المتقين علومهم وأعمالهم. ويل يومئذ للمكذبين ~~بطريق هذا المقام الرفيع ، يقال ms3283 لهم : كلوا وتمتعوا وانهمكوا في الشهوات ~~أياما قلائل ، إنكم مجرمون ، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. وإذا قيل ~~لهم : اخضعوا لمن يربيكم ويرقيكم إلى تلك المراتب العلية المتقدمة للمتقين ~~، لا يخضعون ، فالويل لهم على تكذيبهم ، فبأي حديث وأي طريق بعد هذا يؤمنون ~~، وأي طريق يسلكون ، وبأي كتاب يهتدون ؟ إن حادوا عن طريق السلوك على أيدي ~~الرجال ، فماذا بعد الحق إلا الضلال. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه ، وسلم. # 213 # جزء : 8 رقم الصفحة : 212 PageV08P325 ### | AUTO سورة النبأ # جزء : 8 رقم الصفحة : 213 # يقول الحق جل جلاله : {عم يتساءلون} ، وأصله : " عما " فحذفت الألف ، كما ~~قال في الألفية : # وما في الاستفهام إن جرت حذف # ألفها وأولها الها إن تقف # وحذفها إما للفرق بين الاستفهامية والموصولة ، أو للتخفيف ، لكثرة ~~الاستعمال ، وقرىء بالألف على الأصل ، أي : عن شيء يتساءلون. والضمير لأهل ~~مكة ، وكانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم ، يسأل بعضهم بعضا ، ويخوضون ~~فيه إنكارا واستهزاء ، وليس السؤال عن حقيقته ، بل عن وقوعه ، الذي هو حال ~~من أحواله ، ووصف من أوصافه ، فإن " ما " كما يسأل بها عن الحقيقة يسأل بها ~~عن الصفة ، فتقول : ما زيد ؟ فيقال : عالم أو طبيب. PageV08P326 # وقيل : النبأ العظيم هو القرآن ، عجب من تساؤلهم واختلافهم وتجادلهم فيه. ~~والاستفهام للتفخيم والتهويل والتعجيب من الجدال فيه ، مع وضوح حقه وإعجازه ~~الدال على صدق ما جاء به ، وأنه من عند الله ، فكان ينبغي ألا يجادل فيه ، ~~ولا يتساءل عنه ، بل يقطع به ولا يشك فيه ، وقد قال تعالى : {قل هو نبؤا ~~عظيم} [صا : 67] الآية. وقال الورتجبي : النبأ العظيم : كلامه القديم ، ~~عظيم بعظم الله القديم ، لا ينال بركته إلا أهل الله وخاصته. ه. وقيل : ~~كانوا يسألون المؤمنين ، فالتفاعل قد يكون من واحد متعدد ، كما في قولك : ~~تراؤوا الهلال. انظر أبا السعود. # 214 # وقوله : {عن النبأ العظيم} يتعلق بمحذوف ، دل عليه ما قبله ، فيوقف على " ~~يتساءلون " ثم ليستأنف " عن النبأ... " الخ ، أي : يتساءلون عن الخبر ~~العظيم ، وهو البعث وما بعده ، أو القرآن ، فتكون المناسبة ms3284 بين السورتين ~~قوله : {فبأي حديث بعده يؤمنون} [المرسلات : 50] مع قوله : {عن النبأ ~~العظيم} ، والأحسن : أنه كل ماجاءت به الشريعة من البعث والتوحيد والجزاء ~~وغير ذلك. PageV08P327 # قال ابو السعود : هو بيان لشأن المسؤول عنه ، إثر تفخيمه بإبهام أمره ، ~~وتوجيه أذهان السامعين نحوه ، وتنزيلهم منزلة المستفهمين ، لإيراده على ~~طريقة الاستفهام من علام الغيوب ، للتنبيه على أنه لعدم نظيره خارج عن ~~دائرة علم الخلق ، حقيق بأن يعتنى بمعرفته ويسأل عنه ، كأنه قيل : عن أي ~~شيء يتساءلون ، هل أخبركم به ، ثم قيل بطريق الجواب : عن النبأ العظيم ، ~~على منهاج قوله تعالى : {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [غافر : 16] ف ~~" عن " متعلقة بما يدل عليه المذكور ، وحقه أن يقدر مؤخرا ، مسارعة إلى ~~البيان ، هذا هو الحقيق بالجزالة التنزيلية ، وقد قيل : هي متعلقة بالمذكور ~~، و" عم " متعلق بمضمر مفسر به ، وأيد ذلك بأنه قرىء " عمه " ، والأظهر : ~~أنه مبني على إجراء الوصل مجرى الوقف ، وقيل : " عن " الأولى للتعليل ، ~~كأنه قيل : لم يتساءلون عن النبأ العظيم ؟ والنبأ : الخبر الذي له شأن ~~وخطر. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 214 PageV08P328 ~~الذين هم فيه مختلفون} ، فمنهم من يقطع بإنكاره ، ومنهم من يشك ، فمنهم من ~~يقول : {ماهي إلا حياتنا الدنيا} [الجاثية : 24] ومنهم من يقول : {ما ندرى ~~ما الساعة} [الجاثية : 32] ومنهم من ينكر المعادين معا ، كهؤلاء ، ومنهم من ~~ينكر المعاد الجسماني ، كبعض أهل الكتاب. أو : في القرآن ، فمنهم من يقول : ~~سحر ، ومنهم من يقول : كهانة ، ومنهم من يقر بحقيته ، وينكره حسدا وتكبرا. ~~والضمير في " هم فيه " للتأكيد ، وفيه معنى الاختصاص ، ولم يكن لقريش ~~اختصاص بالاختلاف ، لكن لما كان خوضهم فيه أكثر ، وتعقبهم له أظهر ، جعلوا ~~كأنهم مخصوصون به. ه. قاله الطيبي. ف " فيه " متعلق ب " مختلفون " ، قدم ~~اهتماما به ورعاية للفواصل ، وجعل الصلة جملة اسمية للدلالة على الثبات ، ~~أي : هم راسخون في الاختلاف ، وقيل : المراد بالاختلاف : مخالفتهم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم في إثباته ، حيث أنكروه ، فيحمل الاختلاف على صدور ~~الفعل من متعدد ، لا على مخالفة بعضهم لبعض من الجانبين ، لأن الكل وإن ms3285 ~~استحق الردع والوعيد ، لكن استحقاق كل جانب لهما ليس لمخالفته للجانب الآخر ~~، إذ لا حقية في شيء منهما حتى يستحق من يخالفه المؤاخذة ، بل لمخالفته له ~~صلى الله عليه وسلم في إثباته. ه. انظر أبا السعود. # {كلا} ، ردع عن الاختلاف والتساؤل بالمعنى المتقدم ، {سيعلمون} عن قريب ~~حقيقة الحال إذا حل بهم العذاب والنكال ، {ثم كلا سيعلمون} ، تكرير للردع ~~والوعيد للمبالغة في التأكيد والتشديد. والسين للتقريب والتأكيد. و" ثم " ~~للدلالة على أن الوعيد # 215 # الثاني أبلغ وأشد ، وقيل : الأول عند النزع ، والثاني عند القيامة ، وقيل ~~: الأول للبعث ، والثاني للجزاء. وقرىء " ستعلمون " بالخطاب على نهج ~~الالتفات ، تشديدا للردع والوعيد ، لا على تقدير : قل لهم ؛ للإخلال بجزالة ~~النظم الكريم. PageV08P329 # الإشارة : إن ظهرت أنوار الطريق ، ولاحت أسرار أهل التحقيق ، كثر الكلام ~~بين الناس فيها ، والتساؤل عنها ، فيقال في شأنهم ، عم يتساؤلون عن النبأ ~~العظيم ، الذي هو ظهور الحق وشهوده ، الذي هم فيه مختلفون ، فمنهم من ينكره ~~رأسا ، ومنهم من يقره في الجملة ، ويقول : هم لقوم أخفياء لا يعرفهم أحد ، ~~كلا سيعلمون يوم تحق الحقائق وتبطل الدعاوى ، ويندم المفرط ، حيث لا ينفع ~~الندم وقد زلت به القدم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 214 # يقول الحق جل جلاله : {ألم نجعل الأرض مهادا} أي : بساطا وفراشا ، ~~فرشناها لكم حتى سكنتموها. وقرىء " مهدا " تشبيها لها بمهد الصبي ، وهو ما ~~يمهد له لينام عليه ، تسمية للممهود بالمصدر. ولما أنكروا البعث قيل لهم : ~~ألم يخلق من أضيف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة ، فلم تنكرون قدرته على ~~البعث ؟ وما هو إلا اختراع مثل هذه الاختراعات ، أو : قيل لهم : لم فعل هذه ~~الأشياء ، والحكيم لا يفعل شيئا عبثا ، وإنكار البعث يؤدي إلى أنه عابث في ~~كل ما فعل ؟ ومن هنا يتضح أن الذي وقع عنه التساؤل هو البعث ، لا القرآن أو ~~نبوة النبي صلى الله عليه وسلم كما قيل. والهمزة للتقرير. والالتفات إلى ~~الخطاب على القراءة المشهورة للمبالغة في الإلزام والتبكيت. # {والجبال أوتادا} للأرض ، لئلا تميد بكم ، فأرساها بها كما يرسى البيت ~~بالأوتاد ms3286 ، {وخلقناكم أزواجا} ذكرا وأنثى ، ليسكن كل من الصنفين إلى الآخر ~~، وينتظم أمر المعاشرة والمعاش ، ويتيسر التناسل. وقيل : خلقناكم أصنافا ~~وأنواعا في ألوانكم وصوركم وألسنتكم ، وهو عطف على المضارع المنفي ، داخل ~~في حكم التقرير ، فإنه في قوة : إنما جعلنا الأرض.. الخ. PageV08P330 # {وجعلنا نومكم سباتا} أي : راحة لكم ، أو : قطعا للأعمال والتصرف ، فتريحون ~~أبدانكم به من التعب. والسبت : القطع. أو : موتا ؛ لما بينهما من المشاكلة ~~التامة في انقطاع أحكام الحياة ، وعليه قوله تعالى : {وهو الذي يتوفاكم ~~باليل} [الأنعام : 60] وقوله : {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها} [الزمر : 42]. # 216 # {وجعلنا الليل لباسا} يستركم بظلامه ، كما يستركم اللباس ، شبهه بالثياب ~~التي تلبس ، لأنه يستر عن العيون ، وقيل : المراد به ما يستتر به عند النوم ~~من اللحاف ونحوه. {وجلعنا النهار معاشا} أي : وقت حياة تتمعشون فيه من ~~نومكم ، الذي هو أخو الموت ، كقوله : {وجعل النهار نشورا} [الفرقان : 47] ~~أي : تنتشرون فيه من نومكم ، أو تطلبون فيه معاشكم ، وتتقلبون في حوائجكم ، ~~على حذف مضاف ، أي : ذا معاش. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 216 # وبنينا فوقكم سبعا شدادا} أي : سبع سموات ، قوية الخلق ، محكمة البناء ، ~~لا يؤثر فيها مر الدهور ، ولا المرور والكرور. والتعبير عنها بالبناء مبني ~~على تنزيلها منزلة القبة المضروبة على الخلق ، وهو يؤيد كونها الأفلاك ~~المحيطة. {وجعلنا} فيها {سراجا وهاجا} أي : مضيئا وقادا ، أي : جامعا للنور ~~والحرارة ، وهو الشمس ، والوهاج : الوقاد المتلألىء ، من : وهجت النار إذا ~~أضاءت ، أو البالغ في الحرارة ، من : الوهج ، وهو الحر. والتعبير عنها ~~بالسراج مناسب للتعبير عن السموات بالبناء ، فالدنيا بيت وسراجه الشمس ~~بالنهار والقمر والنجوم بالليل. والجعل هنا بمعنى الإنشاء والإبداع ، ~~كالخلق ، غير أن الجعل مختص بالإنشاء التكويني ، وفيه معنى التقدير ~~والتسوية. PageV08P331 # {وأنزلنا من المعصرات} أي : السحاب إذا أعصرت ، أي : شارفت أن يعصرها ~~الرياح فتمطر ، ومنه : أعصرت الجارية : إذا دنت أن تحيض ، والرياح : إذا ~~حان لها أن تعصر السحاب ، وقد جاء : أن الله تعالى يبعث الرياح ، فتحمل ~~الماء إلى السحاب فتعصره كما يعصر الماء من الجفافة ، أي : أنزلنا ms3287 من ~~السحاب {ماء ثجاجا} أي : منصبا بكثرة ، يقال : ثج الدم ، أي : أساله ، ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم : " أفضل الحج العج والثج " أي : رفع الصوت ~~بالتلبية ، وصب دم الهدي. # {لنخرج به} ؛ بذلك الماء {حبا} يقتات به ، كالحنطة والشعير ، ونحوهما ~~{ونباتا} يعلف ، كالتبن والحشيش. قال الطيبي : النبات أريد به النابت. ~~وتقديم الحب مع تأخره في الإخراج لشرفه ؛ لأن غالبة قوت الإنسان. {وجنات} ؛ ~~بساتين ، من : جنة إذا ستره ، فالجنة تطلق على ما فيه النخل والشجر ~~المتكاثف ، لأنه يستر الأرض بظل أشجاره ، وقال الفراء : الجنة ما فيه النخل ~~، والفردوس مافيه الكرم. و{ألفافا} صفة ، أي : ملتفة الأشجار ، واحدها : " ~~لف " ككن وأكنان ، أو : لفيف ، كشريف وأشراف ، أو : لا واحد له ، كأوزاع ~~وأضياف ، أو جمع الجمع ، فألفاف جمع " لف " بالضم ، و" لف " جمع " لفاء " ~~كخضر وخضراء ، واللف : الشجر الملتف. # قال أبو السعود : اعلم أن فيما ذكر تعالى من أفعاله عز وجل دلالة على ~~صحة البعث من ثلاثة أوجه : # 217 # الأول : باعتبار قدرته تعالى ، فإن من قدر على إنشاء هذه الأفعال البديعة ~~، من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه ، كان على الإعادة أقدر وأقوى. # الثاني : باعتبار علمه وحكمته ، فإن من أبدع هذه المصنوعات على نمط رائع ~~، مستتبع لغايات جليلة ، ومنافع جميلة ، عائدة إلى الخلق ، يستحيل أن ~~يخليها من الحكمة بالكلية ، ولا يجعل لها عاقبة باقية. # جزء : 8 رقم الصفحة : 216 PageV08P332 ~~والثالث : باعتبار نفس الفعل ، فإن في اليقظة بعد النوم أنموذجا للبعث بعد ~~الموت ، يشاهدونها كل يوم ، وكذا إخراج الحب والنبات من الأرض الميتة ، ~~يعاينونه كل حين ، شاهد على إخراج الموتى من القبور بعد الفناء والدثور ، ~~كأنه قيل : ألم يفعل هذه الأفعال الآفاقية والأنفسية ، الدالة بفنون ~~الدلالات على حقية البعث ، الموجبة للإيمان به ، فما لكم تخوضون فيه إنكارا ~~، وتتساؤلون عنه استهزاء ؟ ه. # الإشارة : ألم نجعل أرض البشرية مهادا للعبودية والقيام بآداب الربوبية ، ~~وجبال العقل أوتادا ، يسكنونها لئلا يميلها الهوى عن الاعتدال في الاستقامة ~~وخلقناكم أزواجا أصنافا ؛ عارفين وعلماء ، وعبادا وزهادا ، وصالحين وجاهلين ~~، وعصاة وكافرين ، وجعلنا نومكم ، اي : سنتكم ms3288 عن الشهود ، بالميل إلى شيء ~~من الحس في بعض الأوقات ، سباتا ، أي : راحة للقلوب ، لأن دوام التجلي يمحق ~~البشرية ، وفي الأثر : " روحوا قلوبكم بشيء من المباحات " أو كما قال عليه ~~الصلاة والسلام. أو : نومكم الحسي راحة للأبدان ، لتنشط للعبادة ، وجعلنا ~~ليل القطيعة لباسا ساترا عن الشهود ، وجعلنا نهار العيان معاشا ؛ حياة ~~للأرواح والأسرار ، وبنينا فوقكم سبع مقامات شدادا صعابا ، فإذا قطعتموها ~~وترقيتم عنها أفضيتم إلى فضاء الشهود ، وهي التوبة النصوح ، والورع ، ~~والزهد ، والصبر على مجاهدة النفس ، وخرق عوائدها ، والتوكل ، والرضا ، ~~والتسليم ، وجعلنا في قلوبكم بعد هذه المقامات سراجا وهاجا ، وهي شمس ~~العرفان لا تغرب أبدا ، وأنزلنا من سماء الغيوب ماء ثجاجا ، تحيى به ~~الأوراح والأسرار ، وهو ماء الواردات الإلهية ، والعلوم اللدنية ، لنخرج به ~~حبا ؛ حكما لقوت الأرواح ، ونباتا ؛ علوما لقوت النفوس ، وجنات : بساتين ~~التوحيد ، مشتملة على أشجار ثمار الأذواق وظلال التقريب. # جزء : 8 رقم الصفحة : 216 PageV08P333 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن يوم الفصل} بين الخلائق ، فيتميز المحسن من ~~المسيء ، والمحق من المبطل ، {كان} في علم الله تعالى وتقديره {ميقاتا} ؛ ~~وقتا محدودا ، ومنتهى معلوما لوقوع الجزاء ، أو : ميعادا لجمع الأولين ~~والآخرين ، وما يترتب عليه من الجزاء ثوابا وعقابا ، لا يكاد يتخطاه ~~بالتقدم ولا بالتأخر ، وهو {يوم ينفخ في الصور} نفخة ثانية ، ف " يوم " بدل ~~من " يوم الفصل " ، أو عطف بيان له ، مفيد لزيادة تخفيمه وتهويله في تأخير ~~الفصل ، فإنه زمان ممتد ، في مبدئه النفحة ، وفي بقيته الفصل وآثاره. ~~والصور : القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : " لما خلق الله السموات والأرض خلق الصور ، ~~فأعطاه إسرافيل ، فهو واضع له على فيه ، شاخص ببصره إلى العرش ، حتى يؤمر ~~بالنفخ فيه ، فيؤمر به ، فينفخ نفخة لا يبقى عندها في الحياة غير ما شاء ~~الله ، وذلك قوله تعالى : {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات...} [الزمر : ~~68] الآية ، ثم يؤمر بأخرى ، فينفخ نفخه لا يبقى معها ميت إلا بعث وقام ، ~~وذلك قوله تعالى : {ثم ms3289 نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر : 68]. " ~~والفاء في قوله تعالى : {فتأتون} فصيحة تفصح عن جملة حذفت ثقة بدلالة الحال ~~عليها ، وإيذانا بغاية سرعة الإتيان ، كما في قوله تعالى : {أن اضرب بعصاك ~~البحر فانفلق} [الشعراء : 63] أي : فتبعثون من قبوركم فتأتون عقب ذلك من ~~غير لبث {أفواجا} ؛ جماعات مختلفة الأحوال ، متباينة ، الأوضاع ، حسب ~~اختلاف أعمالكم وتباينها ، من راكب ، وطائر ، وماش خفيف وثقيل ، ومكب على ~~وجهه ، وغير ذلك من الأحوال العظيمة ، أو : أمما ، كل أمة مع رسولها ، كما ~~في قوله تعالى : {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم} [الكهف : 47]. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 218 PageV08P334 ~~وفتحت السماء} أي : تشققت لنزول الملائكة ، وصيغة الماضي لتحقق وقوعه ، ~~{فكانت أبوابا} ؛ فصارت ذات أبواب وطرق وفروج ، وما لها اليوم من فروج. ~~{وسيرت الجبال} في الجو على هيئتها بعد قلعها من مقارها ، {فكانت سرابا} ؛ ~~هباء ، تخيل الشمس أنها سراب ، وهل هذا التسيير قبل البعث ، فلا يقع إلا ~~على أرض قاع صفصف ، وهو ما تقتضيه ظواهر الآيات ، كقوله : {ويوم نسير ~~الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم} [الكهف : 47] وقوله : {وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة} [الحاقة : 14 ، 15] والفاء ~~تقتضي الترتيب ، أو لا يقع إلا بعد البعث ، وهو ظاهر الآية هنا وسورة ~~القارعة. وهو الذي اقتصر عليه أبو السعود ، قال : يبدل الله الأرض ، ويغير # 219 # هيئاتها ، ويسير الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد ~~النفخة الثانية ليشاهدوها. ه. والله أعلم بحقيقة الأمر. PageV08P335 # ثم شرع في تفصيل أحكام الفصل بعد بيان هوله ، وقدم بيان حال الكفرة ترهيبا ~~، فقال : {إن جهنم كانت مرصادا} أي : موضع الرصد ، وهو الارتقاب والانتظار ~~، أي : تنتظر الكفار وترتقبهم ليدخلوا فيها ، أو طريقا يمر عليه الخلق ، ~~فالمؤمن يمر عليها ، والكافر يقع فيها ، أي : كانت في علم الله وقضائه موضع ~~رصد يرصد فيه الخزنة الكفار ليعذبوهم فيها ، {للطاغين مآبا} : نعت لمرصاد ، ~~أي : كائنا للطاغين مرجعا يرجعون إليه لا محالة ، {لابثين فيها} ، ماكثين ~~فيها ، وهو حال مقدرة من المستكن في الطاغين. وقرأ حمزة (لبثين) ، وهو أبلغ ~~من " لابثين ms3290 " لأن اللابث من يقع منه مطلق اللبث ، واللبث من شأنه اللبث ~~والمقام ، و{أحقابا} : طرف للبثهم ، جمع حقب ، كقفل وأقفال ، وهو الدهر ، ~~ولم يرد به عددا محصورا ، بل كلما مضى حقب تبعه حقب ، إلى غير نهاية ، ولا ~~يستعمل الحقب إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها. وقيل : الحقب ثمانون ~~سنة ، وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه ثلاثون ألف سنة. وقال الحسن : ~~ليس للأحقاب عدة إلا الخلود. PageV08P336 # {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا} : حال من ضمير " لابثين " أي : غير ذائقين ~~فيها {بردا} أي : نسيما باردا ، بل لهبا حارا ، {ولا شرابا} باردا ، {إلا ~~حميما} ؛ ماء حارا ، استثناء منقطع ، أي : لا يذوقون في جهنم ، أو في ~~الأحقاب ، بردا ، ولا ينفس عنهم غم حر النهار ، أو : نوما ، فإن النوم يطلق ~~عليه البرد ، لأنه يبرد سورة العطش ، ولا شرابا يسكن عطشهم ، لكن يذوقون ~~فيها ماء حارا ، يحرق ما يأتي عليه ، {وغساقا} أي : صديدا يسيل من أجسادهم. ~~وفي القاموس : وغساق كسحاب وشداد : البادر المنتن. وقال الهروي عن الليث : ~~(وغساقا) أي : منتنا ، ودل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " لو أن دلوا من ~~غساق يهراق في الدنيا ، لأنتن أهل الدنيا " ، وقيل : ما يسيل من أعينهم من ~~دموعهم يسقون به مع الحميم ، يقال : غسقت عينه تغسق ، إذا سالت. ثم قال : ~~ومن قرأ بالتخفيف ، فهو البارد الذي يحرق ببرده. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 218 # جزاء وفاقا} أي : جوزوا بذلك جزاء موافقا لأعمالهم الخبيثة ، مصدر بمعنى ~~الصفة ، أو : ذا وفاق. {إنهم كانوا لا يرجون حسابا} أي : لا يخافون محاسبة ~~الله إياهم ، أو : لا يؤمنون بالبعث فيرجعوا حسابه ، {وكذبوا بآياتنا} ~~الناطقة بذلك {كذابا} أي : تكذيبا مفرطا ، ولذلك كانوا مصرين على الكفر ~~وفنون المعاصي. و" فعال " في باب فعل فاش. {وكل شيء} من الأشياء ، ومن ~~جملتها أعمالهم الخبيثة ، {أحصيناه} أي : حفظناه وضبطناه {كتابا} ، مصدر ~~مؤكد لأحصينا ؛ لأن الإحصاء والكتابة من واد واحد ، # 220 PageV08P337 ~~أو : حال بمعنى مكتوب في اللوح المحفوظ ، أو في صحف الحفظة ، والجملة ~~اعتراض ، وقولة تعالى : {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا} ms3291 مسبب عن كفرهم ~~بالحساب ، وتكذيبهم بالآيات ، أي : فذوقوا جزاء تكذيبكم والالتفات شاهد على ~~شدة الغضب. روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن هذه الآية أشد ما في ~~القرآن على أهل النار ". الإشارة : إن يوم الفصل بين العمومية والخصوصية ، ~~أو تقول : بين الانتقال من مقام أهل اليمين إلى مقام المقربين ، كان في علم ~~الله ميقاتا ، أي : مؤقتا ، وهو يوم انتقاله من شهود الأكوان إلى شهود ~~المكون ، أو من مقام البرهان إلى مقام العيان. يوم ينفخ في صور الأرواح ~~التي سبقت لها العناية ، فيزعجها شوق مقلق أو خوف مزعج ، فتأتون إلى حضرة ~~القدس ، تسيرون إليها على يد الخبير أفواجا ، وفتحت سماء الأرواح ليقع ~~العروج إليها من تلك الأرواح السائرة ، فكانت أبوابا ، وسيرت جبال العقل ~~حين سطوع أنوار الحقائق ، فكانت سرابا ، فلا يبقى من نور العقل إلا ما يميز ~~به بين الحس والمعنى ، وبين الشريعة والحقيقة. إن جهنم البعد كانت مرصادا ، ~~للطاغين المتكبرين عن حط رؤوسهم للخبير ، الباقين مع عامة أهل اليمين ، ~~مآبا لا يبرحون عنها ، لابثين فيها أحقابا مدة عمرهم وما بعد موتهم ، لا ~~يذوقون فيها برد الرضا ، ولا شراب نسيم التسليم ، إلا حميما : حر التدبير ~~والاختيار ، وغساقا : نتن حب الدنيا وهمومها ، جزاء موافقا لميلهم إلى ~~الحظوظ والهوى ، إنهم كانوا لا يرجون حسابا ، فلم يحاسبوا نفوسهم ، ولا ~~التفتوا إلى إخلاصها ، وكذبوا بأهل الخصوصية ، وهم الأولياء الدالون على ~~الله ، ثم يقال لهم : ذوقوا وبال القطيعة ، فلن نزيدكم إلا تعبا وحرصا ~~وجزعا.عائذا بالله من سوء القضاء ، وشماتة الأعداء. # جزء : 8 رقم الصفحة : 218 PageV08P338 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن للمتقين مفازا} أي : فوزا ونجاة من كل مكروه ، ~~وظفرا بكل محبوب ، وهو مفعل من الفوز ، يصلح أن يكون مصدرا ومكانا ، وهو ~~الجنة ، ثم أبدل البعض من الكل ، فقال : {حدائق} ؛ بساتين فيها أنواع الشجر ~~المثمر ، جمع حديقة ، وأبدل من المفرد ، لأن المصدر لا يجمع ، بل يصلح ~~للقليل والكثير ، {وأعنابا} ، كرر لشرفه ، لأنه يخرج منه أصناف من النعم ، ~~{وكواعب} ؛ نساء نواهد ، وهي من لم تسقط ثديها ms3292 لصغر ، {أترابا} أي : لدات ~~مستويات في السن ، {وكأسا دهاقا} ؛ مملوءة. # 221 # {لا يسمعون فيها} ؛ في الجنة ، حال من ضمير خبر " إن " ، {لغوا} ؛ باطلا ~~، {ولا كذابا} أي : لا يكذب بعضهم بعضا ، وقرأ الكسائي بالتخفيف ، من ~~المكاذبة ، أي : لا يكاذبه أحد ، {جزاء من ربك} : مصدر مؤكد منصوب ، بمعنى ~~: إن للمتقين مفازا ، فإنه في قوة أن يقال : جازى المتقين بمفاز جزاء كائنا ~~من ربك. والتعرض لعنوان الربوبية ، المنبئة عن التبليغ إلى الكمال شيئا ~~فشيئا مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم مزيد تشريف له عليه الصلاة ~~والسلام ، {عطاء} أي : تفضلا منه تعالى وإحسانا ، إذ لا يجب عليه شيء ، وهو ~~بدل من " جزاء " ، {حسابا} أي : محسبا ، أي : كافيا ، على أنه مصدر أقيم ~~مقام الوصف ، أو بولغ فيه ، من : أحسبه إذا كفاه حتى قال حسبي ، أو : على ~~حسب أعمالهم. PageV08P339 # {رب السماوات والأرض وما بينهما} بدل من " ربك " ، {الرحمن} : صفة له ، أو ~~للأول ، فمن جرهما فبدل من " ربك ". ومن رفعهما ف " رب " خبر متبدأ محذوف ، ~~أو متبدأ خبره " الرحمن " ، أو " الرحمن " صفة ، و" لا يملكون " خبر ، أو ~~هما خبران ، وأيا ما كان ففي ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة إشعار ~~بمدار الجزاء المذكور ، {لا يملكون} أي : أهل السماوات والأرض {منه خطابا} ~~؛ معذرة أو شفاعة أو غيرهما إلا بإذنه ، وهو استئناف مقرر لما أفادته ~~الربوبية العامة ، من غاية العظمة والكبرياء ، واستقلاله تعالى بما ذكر من ~~الجزاء والعطاء ، من غير أن يكون لأحد قدرة عليه ، والتنكير في للتقليل ~~والنوعية. قال القشيري : كيف يكون للمكون المخلوق المسكين مكنة أن يملك منه ~~خطابا ، أو يتنفس بدونه نفسا ؟ كلا ، بل هو الله الواحد الجبار. ثم قال : ~~إنما تظهر الهيبة على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم. وأما الخصوص فهم ~~أبدا بمشهد العز بنعت الهيبة. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 221 PageV08P340 ~~يوم يقوم الروح} ؛ جبريل عليه السلام عند الجمهور ، وقيل : ملك عظيم ، ما ~~خلق الله تعالى بعد العرش أعظم منه ، يكون وحده صفا ، {والملائكة صفا} : ~~حال ، أي : مصطفين {لا يتكلمون} أي ms3293 : الخلائق خوفا ، {إلا من أذن له ~~الرحمن} في الكلام أو الشفاعة ، {وقال صوابا} أي : حقا. قال الطيبي عن ~~الإمام : فإن قيل : لما أذن له الرحمن في التكلم علم أنه حق وصواب ، فما ~~الفائدة في قوله : {وقا صوابا} ؟ فالجواب من وجهين ، أحدهما : أن التقدير : ~~لا ينطقون إلا بعد ورود الإذن والصواب ، ثم يجتهدون في ألا ينطقوا إلا ~~بالحق والصواب ، وهذا مبالغة في وصفهم بالطاعة. وثانيهما : أن التقدير : لا ~~يتكلمون إلا في محضر إذن الرحمن في شفاعته والمشفوع له ممن قال صوابا ، وهو ~~قول لا إله إلا الله. ه. قلت : والمعنى : أن يراد بالصواب : استعمال الأدب ~~في الخطاب ، بمراعاة التعظيم ، كما هو شأن الكلام مع الملوك. # ثم قال تعالى : {ذلك اليوم الحق} أي : الثابت المحقق لا محالة ، من غير ~~صارف يلويه ، ولا عاطف يثنيه. والإشارة إلى يوم قيامهم على الوجه المذكور ، ~~وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار أليه للإيذان بعلو درجته ، ~~وبعد منزلته في الهول والفخامة. # 222 # وهو مبتدأ ، و" اليوم " خبره ، أي : ذلك اليوم العظيم الذي يقوم الروح ~~والملائكة مصطفين ، غير قادرين على التكلم عنهم ولا عن غيرهم من الهيبة ~~والجلال ، هو اليوم الحق ، {فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا} ؛ مرجعا بالعمل ~~الصالح. والفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف ، أي : إذا كان الأمر كذلك من تحقق ~~اليوم المذكور لا محالة ، فمن شاء أن يتخذ إلى ربه مرجعا ، أي : إلى ثواب ~~ربه الذي ذكر شأنه العظيم ، فليفعل ذلك بالإيمان والطاعة ، و" إلى ربه " ~~يتعلق ب " مآب " قدم اهتماما وللفواصل. PageV08P341 # {إنا أنذرناكم} بما ذكر في السورة من الآيات الناطقة بالبعث وما بعده من ~~الدواعي ، أو بسائر القوارع الواردة في القرآن ، أي : خوفناكم {عذابا ~~قريبا} هو عذاب الآخرة ، وقربه لتحقق وقوعه ، وكل آت قريب ، {كأنهم يوم ~~يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} [النازعات : 46] ، وعن قتادة هو قتل ~~قريش يوم بدر ويأباه قوله تعالى : {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} فإنه بدل ~~من " عذاب " أو ظرف لمضمر هو صفة له ، أي ms3294 : عذابا كائنا يوم ينظر المرء ، ~~أي : يشاهد ما قدمه من خير وشر. و" ما " موصولة ، والعائد محذوف ، أو ~~استفهامية ، أي : ينظر الذي قدمته يداه ، أو : أي شيء قدمت يداه وقيل : ~~المراد بالمرء : الكافر. # جزء : 8 رقم الصفحة : 221 # وقوله : {ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} ، وضع الظاهر موضع الضمير ، ~~لزيادة الذم ، أي : يا ليتني كنت ترابا لم أخلق ولم أكلف ، أو : ليتني كنت ~~ترابا في هذا اليوم فلم أبعث. وقيل : يحشر الله تعالى الحيوان حتى يقتص ~~للجماء من القرناء ، ثم يرده ترابا ، فيود الكافر أن يكون ترابا مثله ، ~~وقيل : الكافر : إبليس يرى آدم وولده وثوابهم ، فيتمنى أن يكون من الشيء ~~الذي احتقره حين قال : {خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف : 12 وصا : ~~76]. قال الطيبي : والعموم في المرء هو الذي يساعده النظم. ثم قال عن ~~الإمام : فإن قلت : لم خص بعد العموم قول الكافر دون المؤمن ؟ قلت : دل قول ~~الكافر على غاية التحسر ، ودل حذف قول المؤمن على غاية التبجح ونهاية الفرح ~~بما لا يحصره الوصف. ه. قال المحشي : والظاهر أنه اقتصر على قول الكافر بعد ~~العموم في المرء ، لأنه المناسب للنذارة التي اقتضاها المقام. ه. قلت : ولو ~~ذكر قول المؤمن لقال : ويقول المؤمن هاؤم اقرؤوا كتابيه ، تبجحا وفرحا. ~~والله تعالى أعلم. PageV08P342 # الإشارة : إن للمتقين الله حق تقاته مفازا ، وهو التخلص من رؤية الأكوان ، ~~والإفضاء إلى رؤية الشهود والعيان ، وهو دخول حدائق العرفان ، واقتطاف ثمار ~~الوجدان ، ونكاح أبكار الحقائق ، وهن أتراب ، لاستوائها غالبا في لذة ~~الشهود لمن تمكن منها. ويشربون كأس الخمرة الأزلية ، لا يسمعون في حضرة ~~القدس لغوا ولا كذابا ، لغاية أدبهم ، جزاء من ربك على مكابدتهم في أيام ~~سيرهم ، عطاء كافيا مغنيا من الرحمن ، لا يملكون منه خطابا ، لغاية هيبتهم ~~، وهذا لقوم أقامهم مقام الهيبة ، وثم آخرون أقامهم مقام البسط والإدلال ، # 223 # وهم المتمكنون في معرفته ، ينبسطون معه ، ويشفعون في عباده في الدارين. ~~قال الورتجبي : من كان كلامه في الدنيا من حيث الكشف والمعاينة ، فهو مأذون ~~في الدنيا ms3295 والآخرة ، يتكلم مع الحق على بساط الحرمة والهيبة ، ينقذ الله به ~~الخلائق من ورطة الهلاك. ه. # يوم يقوم الروح ، أي : جنس الروح ، وهي الأرواح الصافية ، التي التحقت ~~بالملائكة ، فتقوم معهم صفا في مقام العبودية التي شرفت بها ، لا يتكلمون ~~هيبة لمقام الحضرة ، إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة ، على قدر مقامه ، ~~وقال صوابا ، أي : استعمل الأدب في مخاطبته فإذا استعمل الأدب شفع ، ولو ~~قصر مقامه عن عدد المشفوع فيه. حكي أن بعض الأولياء قال عند موته : يا رب ~~شفعني في أهل زماني ، فقال له الهاتف من قبل الله تعالى : لم يبلغ مقامك ~~هذا ، فقال : يا رب إذا كان ذلك بعملي واجتهادي فلعمري إنه لم يبلغ ذلك ، ~~وإذا كان ذلك بكرمك وجودك ، فهو أعظم من ذلك ، فشفعه الحق تعالى في الوجود. ~~هكذا سمعت الحكاية من شيخنا الفقيه العالم ، سيدي " التاودي بن سودة " رحمه ~~الله ، فحسن خطاب هذا الرجل بلغه ما لم يبلغه قدره. # جزء : 8 رقم الصفحة : 221 # ذلك اليوم الحق ، تحق فيه الحقائق ، وتبطل فيه الدعاوى ، ويفتضح أهلها ، ~~فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا ، يرجع به إلى ربه ، وهو حسن التوجه إليه ، برفض ~~كل ما سواه. {إنا أنذرناكم عذابا قريبا} قال القشيري : أي : عذاب الالتفات ~~إلى النفس والدنيا والهوى ، يوم ينظر المرء ما قدمت يداه من الإساءة ~~والإحسان ه. ويقول الكافر الجاحد لطريق الخصوصية ، حتى مات محجوبا : يا ~~ليتني كنت ترابا ، تحسرا على ما قاته من مقام المقربين. وبالله التوفيق. ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 224 # جزء : 8 رقم الصفحة : 221 PageV08P343 ### | AUTO سورة النازعات # جزء : 8 رقم الصفحة : 224 # فإن جواب القسم : لتبعثن ثم لتعذبن. # يقول الحق جل جلاله : {والنازعات} أي : والملائكة التي تنزع الأرواح من ~~أجسادها ، كما قال ابن عباس ، أو أرواح الكفرة ، كما قاله هو أيضا وابن ~~مسعود ، {غرقا} أي : إغراقا ، من : أغرق في الشيء : بالغ فيه غاية ، فإنها ~~تبالغ في نزعها فتخرجها من أقاصي الجسد. قال ابن مسعود : تنزع روح الكافر ~~من جسده ms3296 من تحت كل شعرة ، ومن تحت الأظافر ، ومن أصول القدمين ، ثم تفرقها ~~في جسده ، ثم تنزعها حتى إذا كادت تخرج تردها في جسده ، فهذا عملها بالكفار ~~دون المؤمنين. أو : تغرقها في جهنم ، فهو مصدر مؤكد. PageV08P344 # {والناشطات نشطا} أي : ينشطونها ويخرجونها من الجسد ، من : نشط الدلو من ~~البئر : أخرجها. {والسابحات سبحا} أي : يسبحون بها في الهوى إلى سدرة ~~المنتهى. شبه سرعة سيرهم بسبح الهوام ، أو يسبحون في إخراجها سبح الغواص ~~الذي يخرج من البحر ما يخرج ، {فالسابقات سبقا} فيسبقون بأرواح الكفرة إلى ~~النار ، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة ، {فالمدبرات أمرا} تدبر أمر عقابها ~~وثوابها ، بأن تهيئها لإدراك ما أعد لها من الآلام والثواب ، أو السابحات ~~التي تسبح في مضيها ، فتسبق إلى ما أمروا به ، فتدبر أمرا من أمور العباد ، ~~مما يصلحهم في دينهم ودنياهم كما رسم لهم. # 225 # أو : يكون تعالى أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب ، غرقا في ~~النزع ، بأن تقطع الفلك حتى تنحط في أقصى المغرب ، وتنشط من برج إلى برج ، ~~أي : تخرج ، من : نشط الثور : إذا خرج من بلد إلى بلد ، وتسبح في الفلك ، ~~فتسبق بعضها بعضا ، فتدبر أمرا نيط بها ، كاختلاف الفصول ، وتقدير الأزمنة ~~، وتدبير مواقيت العبادة ، وحيث كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسرية ~~أي : قهرية - وحركاتها من برج إلى برج ملائمة ، عبر عن الأولى بالنزع ، وعن ~~الثانية بالنشط. # جزء : 8 رقم الصفحة : 225 # أو : بأنفس الغزاة ، أو : بأيديهم التي تنزع القسي ، بإغراق السهام ، ~~وينشطون بالسهم إلى الرمي ، ويسبحون في البر والبحر ، فيسبقون إلى حرب ~~العدو ، فيدبرون أمرها ، أو : بصفات خيلهم ، فإنها تنزع في أعنتها نزعا ~~تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها ، لأنها عراب ، وتخرج من دار الإسلام إلى دار ~~الحرب ، وتسبح في جريها ، فتسبق إلى العدو ، فتدبر أمر الظفر والغلبة. ~~وسيأتي في الإشارة أحسن هذه الأقوال إن شاء الله. PageV08P345 # وانتصاب " نشطا " و" سبحا " و" سبقا " على المصدرية ، وأما " أمرا " فمفعول ~~به ، وتنكيره للتهويل والتفخيم. والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير ~~العنواني منزلة المتغاير الذاتي ؛ للإشعار ms3297 بأن كل واحد من الأوصاف المعدودة ~~من معظمات الأمور ، حقيق بأن يكون حياله مناطا لاستحقاق موصوفه للإجلال ~~والإعظام بالإقسام من غير انضمام أوصاف الآخر إليه. والفاء في الأخيرين ~~للدلالة على ترتيبهما على ما قبلهما بلا مهلة. والمقسم عليه محذوف ، تعويلا ~~على إشارة ما قبله من المقسم به إليه ، ودلالة ما بعد من أحوال القيامة ~~عليه ، فإن الإقسام بمن يتولى نزع الأرواح ، ويقوم بتدبيرها ، يلوح بكون ~~المقسم عليه من قبل تلك الأمور لا محالة ، ففيه من الجزالة ما لا يخفى. # أي : لتبعثن {يوم ترجف الراجفة} ، فالعامل في الظرف هو الجواب المحذوف. ~~والرجف : شدة الحركة. والراجفة : النفخة الأولى ، وصفت بما حدث عندها لأنها ~~تضطرب لها الأرض حتى يموت من عليها ، وتزلزل الجبال وتندك الأرض دكا ، ثم ~~{تتبعها الرادفة} ؛ النفخة الثانية ، لأنها تردف الأولى ، وبينهما أربعون ~~سنة ، والأولى تميت الخلق والثانية تحييهم. # {قلوب يومئذ} ، وهي قلوب منكري البعث ، {واجفة} ؛ مضطربة ، من : الوجيف ، ~~وهو الاضطراب ، {أبصارها} أي : أبصار أصحابها {خاشعة} ؛ ذليلة لهول ما ترى ~~، {يقولون} أي : منكرو البعث في الدنيا استهزاء وإنكارا للبعث : {أئنا ~~لمردودون في الحافرة} ، استفهام بمعنى الإنكار ، أي : أنرد بعد موتنا إلى ~~أول الأمر ، فنعود أحياء كما كنا ؟ والحافرة : الحالة الأولى ، يقال لمن ~~كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه : رجع إلى حافرته ، أي : إلى حالته الأولى ~~، يقال : لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه : رجع إلى حافرته ، أي : إلى ~~حالته الأولى ، ويقال : رجع في حافرته ، أي : طريقته التي جاء فيها ، فحفر ~~فيها ، أي : أثر فيها بمشيه ، وتسميتها حافرة مع أنها محفورة ، كقوله : {عيشة PageV08P346 ~~226 # راضية} [الحاقة : 21] على تسمية القابل بالفاعل. # جزء : 8 رقم الصفحة : 225 # أنكروا البعث ثم زادوا استبعادا فقالوا : {أئذا كنا عظاما نخرة} ؛ بالية. ~~ونخرة أبلغ من ناخرة ؛ لأن " فعل " أبلغ من فاعل ، يقال : نخر العظم فهو ~~نخر وناخر : بلى ، فالنخر هو البالي الأجوف الذي تمر به الريح فيسمع له ~~نخير ، أي : أنرد إلى البعث بعد أن صرنا عظاما بالية ؟ . و" إذا " منصوب ~~بمحذوف ، وهو ms3298 : أنبعث إذا كنا عظاما بالية مع كونها أبعد شيء في الحياة. # {قالوا} أي : منكروا البعث ، وهو حكاية لكفر آخر ، متفرع على كفرهم ~~السابق ، ولعل توسيط " قالوا " بينهما للإيذان بأن صدور هذا الكفر عنه ليس ~~بطريق الاطراد والاستمرار ، مثل كفرهم الأول المستمر صدوره عنهم في كافة ~~أوقاتهم ، حسبما ينبىء عنه حكايته بصيغة المضارع ، أي : قالوا بطريق ~~الاستهزاء ، مشيرين إلى ما أنكروه من الرد في الحافرة ، مشعرين بغاية بعدها ~~من الوقوع : {تلك إذا كرة خاسرة} أي : رجفة ذات خسران ، أو خاسر أصحابها ، ~~والمعنى : أنها إن صحت وبعثنا فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا بها ، وهذا استهزاء منهم. PageV08P347 # قال تعالى في إبطال ما أنكروه : {فإنما هي زجرة واحدة} أي : لا تحسبوا تلك ~~الكرة صعبة على الله ، بل هي أسهل شيء ، فما هي إلا صيحة واحدة ، يريد ~~النفخة الثانية ، من قولهم : زجر البعير : إذا صاح عليه. {فإذا هم ~~بالساهرة} أي : فإذا هم أحياء على وجه الأرض ، بعدما كانوا أمواتا في ~~جوفها. والساهرة : الأرض البيضاء المستوية ، سميت بذلك ، لأن السراب يجري ~~فيها ، من قولهم : عين ساهرة جارية ، وفي ضدها : عين نائمة ، وقيل : إن ~~سالكها لا ينام خوف الهلكة ، وقيل : أرض بعينها بالشام إلى جنب بيت المقدس ~~، وقيل : أرض مكة. وقيل : اسم لجهنم. وعن ابن عباس : أن الساهرة : أرض من ~~فضة ، لم يعص الله تعالى عليها قط ، خلقها حينئذ. وقيل : أرض يجددها الله ~~تعالى يوم القيامة. وقيل : الأرض السابعة ، يأتي الله بها يوم القيامة ~~فيحاسب عليها الخلائق ، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض ، وقيل : الساهرة : ~~أرض صحراء على شفير جهنم. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 225 # الإشارة : والأرواح النازعات عن ملاحظة السوى غرقا في بحار الأحدية. ~~والناشطات من علائق الدنيا ومتابعة الهوى نشطا ، والسابحات بأفكارها في بحر ~~أنوار الملكوت ، وأسرار الجبروت ، سبحا ، فالسابقات إلى حضرة القدس سبقا ، ~~فالمدبرات أمر الكون ، بالتصرف فيه بالنيابة عن الحق ، وهو مقام القطبانية ~~، أو النازعات عن الحظوظ والشهوات غرقا في التجرد إلى العبادات بأنواع ~~الطاعات. وهذه أنفس العباد ، والناشطات عن الدنيا ms3299 ، وأهلها فرارا إلى الله ~~نشطا ، وهي أنفس الزهاد ، والسابحات بعقولها في أسرار العلوم ، فتستخرج من ~~الكتاب والسنة دررا ويواقيت ، يقع النفع بها إلى يوم الدين ، وهي # 227 PageV08P348 ~~أنفس العلماء الجهابذة ، فالسابقات إلى الله بأنواع المجاهدات والسير في ~~المقامات ، حتى أفضت إلى شهود الحق عيانا ، سبقا ، وهي أنفس الأولياء ~~العارفين ، فالمدبرات أمر الخلائق بقسم أرزاقها وأقواتها ورتبها ، وهي أنفس ~~الأقطاب والغوث. وقال البيضاوي : هذه صفات النفوس ، وحال سلوكها ، فإنها ~~تنزع من الشهوات ، وتنشط إلى عالم القدس ، فتسبح في مراتب الارتقاء ، فتسبق ~~إلى الكمالات ، حتى تصير من المكملات ، زاد الإمام : فتدبر أمر الدعوة إلى ~~الله. وقال الورتجبي : إشارة النازعات إلى صولات صدمات تجلي العظمة ، فتنزع ~~الأرواح العاشقة عن معادن الحدوثية. ثم قال : والناشطات : الأرواح الشائقة ~~تخرج من أشباحها بالنشاط ، حين عاينت جمال الحق بالبديهة وقت الكشف. ثم قال ~~: والسابحات تسبح في بحار ملكوته وقاموس كبرياء جبروته ، تطلب فيها أسرار ~~الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية ، فالسابقات في مصاعدها عالم الملكوت ~~، وجنات الجبروت ، تسابق كل همة ، فالمدبرات هي العقول القدسية تدبر أمور ~~العبودية بشرائط إلهام الحقيقة. ه. PageV08P349 # والمقسم عليه : ليبعثن الله الأرواح الميتة بالجهل والغفلة ، حين تنتبه إلى ~~السير بالذكر والمجاهدة ، فإذا حييت بمعرفة الله كانت حياة أبدية. وذلك يوم ~~ترجف النفس الراجفة ، وذلك حين تتقدم لخرق عوائدها ومخالفة هواها ، تتبعها ~~الرادفة ، وهي ظهور أنوار المشاهدة ، فحينئذ تبعث من موتها ، وتحيا حياة لا ~~موت بعدها ، وأما الموت الحسي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام. قلوب ~~يومئذ أي : يوم المجاهدة والمكابدة واجفة ، لا تسكن حتى تشاهد الحبيب ، ~~أبصارها في حال السير خاشعة ، لا يخلع عليها خلع العز حتى تصل. يقول أهل ~~الإنكار لهذه الطريق : أئنا لمردودون إلى الحالة الأولى ، التي كانت ~~الأرواح عليها في الأزل ، بعد أن كنا ميتين بالجهالة ، مرمى بنا في مزابل ~~الغفلة ، كعظام الموتى ، قالوا : تلك كرة خاسرة ، لزعمهم أنهم إذا صاروا ~~إلى هذا المقام لم يبق لهم تمتع بشيء أصلا ، مع أن العارف إذا تحقق وصوله ~~تمتع بالنعيمين ؛ نعيم الأشباح ونعيم ms3300 الأرواح. قال تعالى في رد ما استحالوه ~~: فإنما هي زجرة واحدة من همة عارف ، أو نظرة ولي كامل ، فإذا هم في أرض ~~الحضرة القدسية. قال الشيخ أو العباس : والله ما بيني وبين الرجل إلا أن ~~أنظر إليه وقد أغنيته. قلت : والله لقد بقي في زماننا هذا من يفوق أبا ~~العباس والشاذلي وأضرابهما في الإغناء بالنظرة والملاحظة ، والحمد لله. # جزء : 8 رقم الصفحة : 225 PageV08P350 ~~يقول الحق جل جلاله : {هل أتاك حديث موسى} ، تشويقا لما يلقى إليه من خبره ~~، أي : هل أتاك حديثه ، أنا أخبرك به ، إن كان هذا أول ما أتاه من حديثه. ~~وإن كان تقدم قبل هذا حديثه ، وهو المتبادر ، فالمعنى : أليس قد آتاك ~~حديثه. وقوله : {إذ ناداه ربه} : ظرف للحديث لا للإتيان ، لاختلاف وقتهما ، ~~أي : هل وصلك حديثه ناداه ربه {بالواد المقدس} ؛ المبارك المطهر ، اسمه : ~~{طوى} بالصرف وعدمه. فقال في ندائه له : {اذهب إلى فرعون إنه طغى} ؛ تجاوز ~~الحد في الكفر والطغيان ، {فقل} له بعد أن تأتيه : {هل لك إلى أن تزكى} أي ~~: هل لك رغبة وتوجه إلى التزكية والتطهير من دنس الكفر والطغيان بالطاعة ~~والإيمان. قال ابن عطية : " هل " هو استدعاء حسن. قال الكواشي : يقال : هل ~~لك في كذا ؟ وهل لك إلى كذا ؟ كقولك : هل ترغب في كذا ، وهل ترغب إلى كذا. ~~قال : وأخبر تعالى أنه أمر موسى بإبلاغ الرسالة إلى فرعون بصيغة الاستفهام ~~والعرض ، ليكون أصغى لأذنه ، وأوعى لقلبه ، لما له عليه من حق التربية. ه. ~~وأصله : " تتزكى " ، فحذف إحدى التاءين ، أو : أدغمت ، فيمن شدد الزاي. # {وأهديك إلى ربك} ؛ وأهديك إلى معرفته ، بذكر دلائل توحيده وصفات ذاته ، ~~{فتخشى} ، لأن الخشية لا تكون إلا مع المعرفة ، قال تعالى : {إنما يخشى ~~الله من عباده العلماؤا} [فاطر : 28] أي : العلماء بالله. وقال بعض الحكماء ~~: اعرفوا الله ، فمن عرف الله لم يقدر أن يعصيه طرفة عين. فالخشية ملاك ~~الأمر ، فمن خشي الله أتى منه كل خير ، ومن أمن اجترأ على كل شر. ومنه ~~الحديث : " من خشي أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل " قال ms3301 النسفي : بدأ مخاطبته ~~بالاستفهام ، الذي معناه العرض ، كما يقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل بنا ~~؟ وأردفه الكلام الرقيق ، ليستدعيه باللطف في القول ، ويستنزله بالمداراة ~~من عتوه ، كما أمر بذلك في قوله : {فقولا له قولا لينا} [طه : 44] ه. # { PageV08P351 ~~جزء : 8 رقم الصفحة : 228 # فأراه الآية الكبرى} ، الفاء : فصيحة تفصح عن جملة قد طويت تعويلا على ~~تفصيلها في السور الأخرى ، فإنه عليه السلام ما أراه إياها عقب هذا الأمر ، ~~بل بعدما جرى بينه وبينه من المحاورات إلى أن قال : {إن كنت جئت بئاية فأت} ~~[الأعراف : 106]. والآية الكبرى : العصا ، أو : هي واليد ، لأنهما في حكم ~~آية واحدة. ونسبتها إليه عليه السلام بالنسبة إلى الظاهر ، كما أن نسبتها ~~إلى نون العظمة في قوله تعالى : {ولقد أريناه ءاياتنا كلها} [طه : 56] ~~بالنظر إلى الحقيقة {فكذب وعصى} أي : كذب موسى عليه السلام. وسمى معجزته ~~سحرا ، وعصى الله عز وجل بالتمرد ، بعدما علم صحة # 229 # الأمر ووجوب الطاعة ، أشد العصيان وأقبحه ، حيث اجترأ على إنكار وجود رب ~~العالمين رأسا. وكان اللعين وقومه مأمورين بعبادته عز وجل ، وترك القولة ~~العظيمة التي يدعيها الطاغية ، ويقبلها منه الفئة الباغية ، لا بإرسال بني ~~إسرائيل من الأسر فقط. قاله أبو السعود. # {ثم أدبر} أي : تولى عن الطاعة ، أو : انصرف عن المجلس {يسعى} في معارضة ~~الآية ، أو : أدبر هاربا من الثعبان ، فإنه روي أنه عليه السلام لما ألقى ~~العصا انقلب ثعبانا أشعر ، فاغرا فاه ، بين لحييه ثمانون ذرعا ، فوضع لحيه ~~الأسفل على الأرض ، والأعلى على القصر ، فتوجه نحو فرعون ، فهرب وأحدث ، ~~وانهزم الناس مزدحمين ، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه وقيل : إنها ~~ارتفعت في السماء قدر ميل ، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون ، وجعلت تقول : يا ~~موسى مرني بما شئت ، وجعل فرعون يقول : بالذي أرسلك إلا أخذته ، فأخذه فعاد عصا.. PageV08P352 # {فحشر} أي : فجمع السحرة ، كقوله : {فأرسل فرعون في المدآئن حاشرين} ~~[الشعراء : 53] أو : جمع الناس ، {فنادى} في المقام الذي اجتمعوا فيه ، قيل ~~: قام خطيبا ، {فقال أنا ربكم الأعلى} لا رب فوقي ، وكان لهم أصنام ms3302 ~~يعبدونها. وهذه العظيمة لم يجترىء عليها أحد قبله. قال ابن عطية : وذلك ~~نهاية في المخارقة ، ونحوها باق في ملوك مصر وأتباعهم. ه. قيل : إنما قال ~~ذلك ابن عطية لأن ملك مصر في زمانه كان إسماعيليا ، وهو مذهب يعتقدون فيه ~~إلهية ملوكهم. وكان أول من ملكها منهم : المعتز بن المنصور بن القاسم بن ~~المهدي عبيد الله ، وآخرهم العاضد. وقد طهر الله مصر من هذا المذهب ، بظهور ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذا رحمه الله وجزاه عن الإسلام ~~خيرا. ه. من الحاشية. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 228 # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} بالإغراق ، فالنكال : مصدر بمعنى ~~التنكيل ، كالسلام بمعنى التسليم ، وهو التعذيب الذي ينكل من رآه أو سمعه ، ~~ويمنعه من تعاطي ما يفضي إليه. وهو منصوب على أنه مصدر مؤكد ، كوعد الله ~~وصبغة الله ، وقيل : مصدر ل " أخذ " ، أي : أخذه الله أخذ نكال الآخرة ، ~~وقيل : مفعول من أجله ، أي : أخذه الله لأجل نكال الآخرة. وإضافته إلى ~~الدارين باعتبار وقوع بعض الأخذ فيهما ، لا باعتبار أن ما فيه من المنع ~~والزجر يكون فيهما ، فإن ذلك لا يتصور في الآخرة ، بل في الدنيا ، فإن ~~العقوبة الأخروية تنكل من يسمعها ، وتمنعه من تعاطي ما يؤدي إليها لا ~~محالة. وقيل : المراد بالآخرة والأولى : قوله : {أنا ربكم الأعلى} وقوله : ~~{ما علمت لكم من إلاه غيرى} [القصص : 38]. قيل : كان بين الكلمتين أربعون ~~سنة ، فالإضافة إضافة المسبب إلى السبب. # {إن في ذلك} أي : فيما ذكره من قصة فرعون وما فعل به {لعبرة} عظيمة {لمن} ~~شأنه أن {يخشى} وهو من عرف الله تعالى وسطوته. PageV08P353 # 230 # الإشارة : جعل القشيري موسى إشارة إلى القلب ، وفرعون إشارة إلى النفس ، ~~فيقال : هل أتاك حديث القلب حين ناداه ربه بالحضرة المقدسة ، بعد طي ~~الأكوان عن مرآة نظره ، فقال له : اذهب إلى فرعون النفس إنه طغى. وطغيانها ~~: إرادتها العلو والاستظهار ، فقل له : هل لك إلى أن تزكى وتتطهر من ~~الخبائث ، لتدخل الحضرة ، فأهديك إلى معرفة ربك فتخشى ، فإنما يخشى الله من ~~عرفه. فأراه ms3303 الآية الكبرى من خرق العوائد ومخالفة الهوى ، فكذب وعصى ، حين ~~رأى عزم القلب على مجاهدته ، فحشر جنوده من حب الدنيا والرئاسة ، وإقبال ~~الناس والحظوظ والشهوات ، فنادى ، فقال : أنا ربكم الأعلى ، فلا تعبدوا ~~غيري. هذا قول فرعون النفس ، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ، أي : استولى ~~جند القلب عليه ، فأغرقه في قلزوم بحر الفناء والبقاء. إن في ذلك لعبرة لمن ~~يخشى ، ويسلك طريق التزكية ، فإنه يصل إلى بحر الأحدية. والله تعالى أعلم ~~بأسرار كتابه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 228 # يقول الحق جل جلاله : مخاطبا أهل مكة ، المنكرين للبعث ، بناء على صعوبته ~~في زعمهم ، وتوبيخا وتبكيتا ، بعدما بين سهولته على قدرته بقوله : {فإنما ~~هي زجرة واحدة} {أأنتم أشد خلقا} أي : أخلقكم بعد موتكم أشق وأصعب في ~~تقديركم {أم السماء} أي : أم خلق السماء على عظمها وانطوائها على تعاجيب ~~البدائع التي تحار العقول عن ملاحظة أدناها ، وهذا كقوله : {أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر علىا أن يخلق مثلهم بلى} [يس : 81]. ثم بين كيفية ~~خلقها فقال : {بناها} أي : الله ، وفي عدم ذكر الفاعل ، فيه وفيما عطف عليه ~~، من التنبيه على تعينه وتفخيم شأنه عز وجل ما لا يخفى. PageV08P354 # {رفع سمكها} أي : أعلى سقفها من الأرض ، وذهب بها إلى سمت العلو مدا رفيعا ~~مسيرة خمسمائة عام {فسواها} أي : فعدلها مستوية ملساء ، ليس فيها تفاوت ولا ~~فطور ، أو : تممها بما جعل فيها من الكواكب والدراري ، وغيرها مما لا يعلمه ~~إلا الخلاق العليم ، من قولهم : سوى فلان أمره : إذا أصلحه. # {وأغطش ليلها} أي : أظلمه ، ويقال : غطش الليل وأغطشه الله ، كما يقال : ~~ظلم وأظلمه الله. {وأخرج ضحاها} أي : أبرز نهارها ، عبر عنه بالضحى ، لأنه ~~أشرف أوقاته وأطيبها ، فكان أحق بالذكر في مقام الامتنان. ويجوز أن يكون ~~أضاف الضحى إليها # 231 # بواسطة الشمس ، أي : أبرز ضوء شمسها. والتعبير بالضحى لأنه وقت قيام ~~سلطانها وكما إشراقها. # {والأرض بعد ذلك دحاها} أي : بسطها ومهدها لسكنى أهلها وتقلبهم في ~~أقطارها ، وكانت حين خلقت كورة غير مدحوة ، فدحيت من تحت مكة بعد خلق ~~السماء ms3304 بألفي عام. ثم فسر الدحو فقال : {أخرج منها ماءها} بتفجير عيونها ~~وإجراء أنهارها ، {ومرعاها} ؛ كلأها ، وهو ما ترعاه البهائم ، وهو في الأصل ~~: موضع الرعي ، أو : مصدر ميمي بمعنى المفعول ، وتجريد الجملة من العاطف ~~إما لأنها تفسير لدحاها ، أو تكملة له ، فإن السكنى لا تتأتى لمجرد البسط ، ~~بل لا بد من تهيئة أمر المعاش من المأكل والمشرب حتما ، أو : لأنها حال ~~بإضمار " قد " عند الجمهور ، أو بدونه عند الكوفيين. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 231 PageV08P355 ~~والجبال أرساها} أي : أثبتها وأثبت بها الأرض أن تميد بأهلها ، وإرساء ~~الجبال لها من باب الحكمة ، وإلا فالقدرة هي الحاملة للكل. وانتصاب الأرض ~~والجبال بفعل يفسره ما بعده. ولعل تقديم إخراج الماء والمرعى ذكرا مع تقديم ~~الإرساء عليه وجودا ؛ لإبراز كمال الاعتناء بأمر المأكل والمشرب. وهذا كما ~~ترى يدل بظاهره على تأخر دحو الأرض عن خلق السماء وما فيها ، كما يروى عن ~~الحسن : من أنه تعالى خلق الأرض في موضع بيت المقدس ، كهيئة الفهر ، عليه ~~دخان ملزق بها ، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات ، وأمسك الفهر في موضعها ~~وبسط منها الأرض ، وذلك قوله تعالى : {كانتا رتقا...} [الأنبياء : 30]. وفي ~~القاموس : الفهر بالكسر : الحجر قدر ما يدق به الجوز ، أو ما يملأ الكف. ه. # والتحقيق في المسألة : أن أول ما خلق الله العرش من القبضة النورانية ~~المحمدية ، ثم خلق ياقوتة صفراء ، فذابت من هيبته تعالى فصارت ماء ، ثم ~~اضطرب الماء فعلته زبدة ، فخلق منها الأرض ، ثم علا منه دخان فخلق منه ~~السماء ، ثم دحا الأرض وهيأ فيها أقواتها للناس والأنعام وغيرهما ، كما قال ~~تعالى : {متاعا لكم ولأنعامكم} أي : فجعل ذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم ، فهو ~~مفعول لأجله ؛ لأن فائدة البسط والتمهيد وإخراج الماء والمرعى واصلة ~~للإنسان والأنعام ، أو : مصدر من غير لفظه ، فإن قوله تعالى : {أخرج منها ~~ماءها ومرعاها} في معنى : متعكم بذلك. PageV08P356 # {فإذا جاءت الطامة الكبرى} أي : الداهية العظمى التي تطم على سائر الدواهي ~~، أي : تعلوها وتغلبها ، من قولك : طم الأمر : إذا علا وغلب ، وهي القيامة ~~، أو النفخة الثانية ms3305 ، أو : الساعة التي يساق فيها الخلائق إلى محشرهم ، أو ~~: التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ، {يوم يتذكر ~~الإنسان ما سعى} أي : يتذكر فيه كل واحد ما عمله من خير وشر ، بأن يشاهده ~~مدونا في صحيفته ، وقد كان نسيه من فرط الغفلة ، وطول الأمل ، كقوله تعالى ~~: {أحصاه الله ونسوه} [المجادلة : 6]. و" يوم " : بدل من " إذا " # 232 # والأحسن : أنه مفعول بفعل محذوف ، أي : أعني. {وبرزت الجحيم} أي : أظهرت ~~إظهارا بينا لا يخفى على أحد {لمن يرى} كائنا من كان ، فلا تتوقف رؤيتها ~~إلا على وجود حاسة البصر ، ولا مانع من الرؤية ولا حاجب. يروى أنه يكشف ~~عنها فتلتظي نيرانها كل ذي بصر. # {فأما من طغى} أي : جاوز الحد في العصيان {وآثر الحياة الدنيا} الفانية ، ~~فانهمك فيما متع به فيها ، ولم يستعد للحياة الآخرة الأبدية بالإيمان ~~والطاعة ، {فإن الجحيم} التي ذكر شأنها {هي المأوى} أي : مأواه. فاللام ~~سادة مسد الإضافة للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي ، وجملة " فأما " : جواب ~~" إذا " على طريقة : {فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى...} [البقرة : 38] ~~، وقيل : جواب " إذا " محذوف ، وهي تفصيل له ، أي : إذا جاءت انقسم الناس ~~على قسمين ، فأما من طغى.. الخ ، والذي يستدعيه فخامة التنزل ، ويقتضيه ~~مقام التهويل ؛ أن الجواب المحذوف تقديره : يكون من عظائم الشؤون ما لم ~~تشاهده العيون ، ثم فصل أحوال الناس بقوله : فأما.. الخ. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 231 PageV08P357 ~~وأما من خاف مقام ربه} أي : مقامه بين يدي مالك أمره يوم الطامة الكبرى ، ~~يوم يتذكر الإنسان ما سعى. {ونهى النفس عن الهوى} المردي ، أي : زجرها عن ~~اتباع الشهوات الفانية ، ولم يعتد بمتاع الحياة الدنيا وزهرتها ، ولم يغتر ~~بزخارفها وزينتها ، علما منه بوخامة عاقبتها ، وقيل : هو الرجل يهم ~~بالمعصية فيتذكر مقامه للحساب فيتركها. والهوى : ميل النفس إلى ما تهوى من ~~غير تقييد بالشريعة ، {فإن الجنة هي المأوى} له لا لغيره ، وسيأتي تحقيقه ~~في الإشارة. # الإشارة : فإذا جاءت الطامة ، وهو التجلي الجلالي الذي لايعرفه فيه إلا ~~الرجال ، يومئذ يتذكر الإنسان ms3306 ما سعى فيه من علم التوحيد ، فمن كان عارفا ~~بالله في جميع الأشياء عرفه في جميع التجليات ، كيفما تلونت ، ومن كان ~~قاصرا في المعرفة في البعض وأنكره في البعض ، كما في حديث القيامة ، حيث ~~يتجلى لبعض عباده في صورة لا يعرفونها ، فينكرونه ، ويقولون ، هذا موضعنا ~~حتى يأتينا ربنا ، ثم يتجلى لهم في صورة يعرفونها ، فيقرونه ، وهذا لقصورهم ~~في المعرفة ، ولو عرفوا الله في جميع تجلياته ما أنكروه في شيء منها ، ~~وبرزت الجحيم لمن يرى ، أي : وبرزت حينئذ نار القطيعة لمن يرى. قال القشيري ~~: أي : ظهرت جحيم الحجاب لمن يراه غير الأشياء ، فإنه عين الأشياء في جميع ~~التجليات ، الجمالية والجلالية ، العلوية والسفلية ، الصورية والمعنوية. ه. # فأما من طغى وتبع هواه ، وآثر الحياة الدنيا ، والاشتغال بها عن الإقبال ~~على الله ، فإن الجحيم هي المأوى ، أي : جحيم الحرمان عن مشاهدة الرحمن ، ~~وأما من خاف مقام ربه ، أي : قيام ربه بالأشياء ، أو على الأشياء ، واطلاعه ~~عليها ، أو قيامه بين يدي الله غدا للحساب ، فالأول لأهل المشاهدة ، ~~والثاني لأهل المراقبة ، والثالث لأهل المحاسبة ، ونهى # 233 PageV08P358 ~~النفس عن الهوى ، عن كل ما يشغل عن الله ، ويقسي القلب عن ذكر مولاه ، مما ~~تهواه النفوس ، فإن الجنة هي المأوى ، جنة المعارف لمن ترك ما تهوى نفسه من ~~المباحات ، وجنة الزخارف لمن ترك ما تهواه من المحرمات. # جزء : 8 رقم الصفحة : 231 # قال الورتجبي : خاطب تعالى العباد بهذه الآية في أوائل مقاماتهم ، حين ~~وجب عليهم ترك النفوس ، وشره هواها ، والميل إلى حظوظها ، لأنهم في وقت ~~قصودهم إلى الله لا يجوز لهم الرخص والرفاهية ، فقد وجب عليهم الإعراض عن ~~حظوظ أنفسهم ، خوفا من الاحتجاب عن الوصول إلى الله تعالى ، ولعلمهم بأنه ~~محيط بحركات شهوات نفوسهم الخفية ، حين تميل بخفاياها إلى مرادها دون الله ~~، فإذا جادوها وقهروها بتأييد الله أوصلهم الله مقام مشاهدته ، وهي جنة ~~العارفين ، فإذا ترقوا إلى درجات المعرفة لم يحتاجوا إلى قهر النفس عن ~~الهوى ، فإن نفوسهم وأجسامهم وشياطينهم صارت روحانية ، فجانست الأرواح ~~الملكوتية ، فشهوات نفوسهم هناك من ms3307 تواثير حلاوة أرواحهم في مشاهدة الحق ، ~~فتشتهي الأنفس ما تشتهي الأرواح في الغيوب والعقول والقلوب ، فيضطرهم هناك ~~إلى كل شيء يكون للنفوس والأرواح ، جنات تظهر فيها أنوار شهود الحق ، وأين ~~الكافر والمعطل والمدعي من هذا المقام ؟ وهم خلقوا من الجهالة ، فيموتون في ~~الضلالة ، وأصحاب القلوب والمعارف عيش أرواحهم عيش الربانيين ، وعيش نفوسهم ~~عيش الجنانيين أي أهل الجنة الحسية والله قادر بذلك يختص برحمته من يشاء ~~، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " أسلم شيطاني " وقال : " نحن معاشر ~~الأنبياء أجسادنا روح " ثم قال عن سهل : لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء ~~وبعض الصديقين ، ليس كلهم ، وإنما يسلم من الهوى من ألزم نفسه الأدب. ه. ~~قلت : الذي يلزم نفسه الأدب هو الذي ينزل إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ ~~بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين ، وقليل ما هم. PageV08P359 # جزء : 8 رقم الصفحة : 231 # يقول الحق جل جلاله : {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} أي : متى إرساؤها ~~، أي : إقامتها ، يريدون : متى يقيمها الله تعالى ويكونها ، وقيل : إيان ~~منتهاها ومستقرها ، كما أن مرسى السفينة المحل التي تنتهي إليه وتستقر فيه ~~، {فيم أنت من ذكراها} أي : في أي شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به ~~؟ أي : ما أنت من ذكراها وتبيين وقتها لهم في شيء حتى يسألونك بيانها ، ~~إنما أنت نذير بها ، كقولك : ليس فلان من العلم في شيء وهو إنكار ورد لسؤال ~~المشركين عنها ، لأن علمها مما استأثر به علام الغيوب # 234 # وقيل : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يذكر الساعة ويسأل عنها ~~حتى نزلت ، فكف ، فهو على هذا تعجيب من كثرة ذكره لها ، أي : أنت في شغل ~~وأي شغل أنت من الاهتمام بالسؤال عنها. # وقالت عائشة رضي الله عنها : كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة ~~كثيرا ، فما نزلت هذه الآية انتهى عن ذلك. ولا يرده قوله : {كأنك حفي عنها} ~~[الأعراف : 187] أي : إنهم يزعمون أنك مبالغ في السؤال عنها حتى علمتها ~~ولست كما يزعمون ، لأنا نقول هذه الآية نزلت قبل تلك ms3308 ، وأنه كان أولا يسأل ~~عنها حتى نهي بهذه الآية فانتهى ، كما ذكر في الحديث المذكور ، فنزلت تلك ~~مخبرة عن حاله بعد انتهائه. والله أعلم. قال القشيري : من أين لك علمها ولم ~~نعلمك بذلك ، وقيل : يوقف على قوله : " فيم " أي : هذا السؤال الذي يسألونك ~~فيم ، أي : في أي شيء هو ، فيكون إنكارا لسؤالهم ، ثم ابتدأ : " من ذكراها ~~" أي : إن ظهورك وبعثك وأنت خاتم النبيين من جملة ذكراها ، أي : أشراطها ~~وعلامتها ، ومؤذن بقيامها ، فلا حاجة لسؤالهم عنها ، ويرده : عدم الإتيان ~~بهاء السكت ، ويجاب : بأنه ليس بلازم ، وإنما تلزم فيما جر بإضافة اسم ، ~~لبقائه على حرف واحد ، كما هو مقرر في محله ، مع عدم ثبوته في المصحف. PageV08P360 # ثم أومأ تعالى إلى أنه مختص بحقيقة علمها ، فقال : {إلى ربك منتهاها} ؛ ~~منتهى علمها متى يكون ، لا يعلمها غيره ، {إنما أنت منذر من يخشاها} أي : ~~لم تبعث لتعلمهم وقت الساعة ، وإنما بعثت لتخوف من أهوالها من يخاف شدائدها ~~، {كأنهم يوم يرونها} أي : الساعة {لم يلبثوا} في الدنيا {إلا عشية أو ~~ضحاها} أي : ضحى العشية ، استقلوا مدة لبثهم في الدنيا لما عاينوا من الهول ~~، كقوله : {لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} [الأحقاف : 35] وإنما صح إضافة ~~الضحى إلى العشية للملابسة ، لاجتماعهما في نهار واحد ، والمراد : أن مدة ~~لبثهم لم تبلغ يوما كاملا ، ولكن أحد طرفي النهار عشية يوم واحد أوضحاه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 234 # وقال أبو السعود : الآية إما تقرير وتأكيد لما ينبىء عنه الإنذار من سرعة ~~مجيء المنذر به ، أي : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الإنذار إلا عشية ~~يوم واحد أو ضحاه ، فلما ترك اليوم أضيف ضحاه إلى عشيته. وإما رد لما ~~أدمجوه في سؤالهم ، فإنهم كانوا يسألون عنها بطريق الاستهزاء مسعجلين لها ، ~~فالمعنى : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الوعيد بها إلا عشية أو ضحاها ، ~~واعتبار كون اللبث في القبور أو في الدنيا لا يقتضيه المقام ، وإنما الذي ~~يقتضيه اعتبار كونه بعد الإنذار ، أو بعد الوعيد ، تحقيقا للإنذار ، وردا ~~لاستبطائهم. والجملة على الأول : حال ms3309 من الموصول ، فإنه على تقدير الإضافة ~~وعلى عدمها مفعول لمنذر ، كما أن قوله تعالى : {كأن لم يلبثوا إلا ساعة من ~~النهار} [يونس : 45] حال من الضمير في " نحشرهم " أي : نحشرهم مشبهين بمن ~~لم يلبث في الدنيا إلا ساعة من النهار ، خلا أن التشبيه هناك في الأحوال ~~الظاهرة من الزي والهيئة ، وفيما نحن فيه من الاعتقاد ، كأنه قيل : # 235 # عدهم مشبهين يوم يرونها في الاعتقاد بمن لم يلبث بعد الإنذار بها إلا تلك ~~المدة اليسيرة ، وعلى الثاني : مستأنفة ، لا محل لها من الإعراب. ه. # الإشارة : يسألونك أيها العارف عن الساعة التي يفتح الله فيها على ~~المتوجه بالدخول في مقام الفناء في الذات ، أيان مرساها ، إنما أنت منذر من ~~يخشى فواتها ، أي : إنما أنت مبين الطريق التي توصل إليها ، وتخوف من ~~العوائق التي تعوق عنها ، وليس من وظيفتك الإعلام بوقتها ، لأنها موهبة من ~~الكريم الوهاب ، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ، أي : ~~يستصغرون مدة مجاهدتهم وسيرهم في جانب عظمها. وبالله التوفيق ، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه ، وسلم. # 236 # جزء : 8 رقم الصفحة : 234 PageV08P361 ### | AUTO سورة عبس # جزء : 8 رقم الصفحة : 236 # يقول الحق جل جلاله : {عبس} أي : كلح {وتولى} ؛ أعرض {أن جاءه} أي : لأن ~~جاءه {الأعمى} ، وهو عبدالله ابن أم مكتوم ، وأم مكتوم : أم أبيه ، وأبوه : ~~شريح بن مالك بن ربيعة الفهري ، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعنده صناديد قريش ، عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل ، والعباس بن عبد ~~المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة ، يدعوهم إلى الإسلام ، رجاء ~~أن يسلم بإسلامهم غيرهم ، فقال : يا رسول الله ، علمني مما علمك الله ، ~~وكرر ذلك ، وهو لا يعلم تشاغله صلى الله عليه وسلم بالقوم ، فكره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه ، وعبس وأعرض عنه ، فنزلت ، فكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يكرمه ، ويقول إذا رأه : " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " ~~، ويقول : " هل لك من حاجة " ، واستخلفه على المدينة مرتين. PageV08P362 # ولم يواجهه تعالى ms3310 بالخطاب ، فلم يقل : عبست وتوليت ؛ رفقا به وملاطفة ؛ ~~لأن مواجهة العتاب من رب الأرباب من أصعب الصعاب ، خلافا للزمخشري وابن ~~عطية ومن وافقهما. و" أن جاءه " : علة ل " تولى " ، أو " عبس " ، على ~~اختلاف المذهبين في التنازع ، والتعرض لعنوان عماه إما لتمهيد عذره في ~~الإقدام على قطع كلامه عليه السلام بالقوم ، # 237 # والإيذان باستحقاقه بالرفق والرأقة ، وإما لزيادة الإنكار ، كأنه تولى ~~عنه لكونه أعمى. قاله أبو السعود. # {وما يدريك} أي : أي شيء يجعلك داريا بحال هذا الأعمى حتى تعرض عنه {لعله ~~يزكى} ؛ لعل الأعمى يتطهر بما سمع منك من دنس الجهل ، وأصله : يتزكى ، ~~فأدغم. وكلمة الترجي مع تحقق الوقوع وارد على سنن الكبرياء ، أو : على أن ~~الترجي بالنسبة إليه عليه السلام للتنبيه على أن الإعراض عنه عند كونه ~~مرجوا للتزكي مما لا ينبغي ، فكيف إذا كان مقطوعا بالتزكي ، وفيه إشارة إلى ~~أن من تصدى لتزكيتهم من الكفرة لا يرجى لهم التزكي والتذكر أصلا. وقوله ~~تعالى : {أو يذكر} : عطف على " يزكى " ، داخل في حكم الترجي ، قوله : ~~{فتنفعه الذكرى} : عطف على " يذكر " ، ومن نصبه فجواب الترجي ، أي : أو ~~يتذكر فتنفعه موعظتك إن لم يبلغ درجة التزكي التام ، أي : إنك لا تدري ما ~~هو مترقب منه من تزك أو تذكر ، ولو دريت لما فرط ذلك منك. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 237 PageV08P363 ~~أما من استغنى} أي : من كان غنيا بالمال ، أو : استغنى عن الإيمان ، أو عما ~~عندك من العلوم والمعارف التي انطوى عليه القرآن {فأنت له تصدى} ؛ تتصدى ~~وتتعرض له بالإقبال عليه ، والاهتمام بإرشاده واستصلاحه. وفيه مزيد تنفير ~~له صلى الله عليه وسلم عن مصاحبتهم ، فإن الإقبال على المدبر ليس من شأن ~~الكرام ، أهل الغنى بالله. {وما عليك ألا يزكى} أي : وليس عليك بأس في ألا ~~يزكى بالإسلام حتى تهتم بأمره ، وتعرض عمن أسلم وأقبل إليك ، وقيل : " ما " ~~استفهامية ، أي : أي شيء عليك في ألا يزكى هذا الكافر. # {وأما من جاءك يسعى} أي : حال كونه مسرعا طالبا لما عندك من أحكام الرشد ~~، وخصال الخير ، {وهو ms3311 يخشى} الله تعالى أو الكفار ، أي : أذاهم في إتيانك ، ~~أو : الكبوة ، أي : السقطة ، كعادة العميان ، {فأنت عنه تلهى} ؛ تتشاغل ، ~~وأصله : تتلهى. روي : أنه صلى الله عليه وسلم ما عبس بعدها في وجه فقير قط ~~، ولا تصدى لغني بعد. # {كلا} أي : لا تعد إلى مثلها. وحاصل العتاب : ترجيح الإقبال على من فيه ~~القبول والأهلية للانتفاع ، دون من ليس كذلك ممن فيه استغناء ، وإن كان ~~قصده عليه السلام صالحا ، ولكن نبهه الله تعالى على طريق الأولى في سلوك ~~الدعوة إليه ، وأن مظنة ذلك الفقراء ؛ لتواضعهم ، بخلاف الأغنياء ، لتكبرهم ~~وتعاظمهم. ولذلك لم يتعرض صلى الله عليه وسلم لغني بعدها ، ولم يعرض عن ~~فقير ، وكذلك ينبغي لفضلاء أمته من العلماء الدعاة إلى الله ، وقد كان ~~الفقراء في مجلس الثوري أمراء. ثم قال تعالى : {إنها تذكرة} ؛ موعظة يجب أن ~~يتعظ بها ، ويعمل بموجبها ، وهو تعليل للردع عما ذكر ببيان رتبة القرآن ~~العظيم الذي استغنى عنه من تصدى له ، {فمن شاء ذكره} أي : فمن شاء الله أن ~~يذكره ذكره. أي : ألهمه الله الاتعاظ به ، أو : من شاء حفظه واتعظ به ، ومن ~~رغب عنها ، كما فعله المستغني ، فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره. # 238 PageV08P364 ~~وذكر الضمير ؛ لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ. وقال أبو السعود : ~~الضميران للقرآن ، وتأنيث الأول لتأنيث خبره ، وقيل : الأول للسورة ، أو ~~للآيات السابقة ، والثاني للتذكرة ؛ لأنها في معنى الذكر والوعظ ، وليس ~~بذلك ؛ فإن السورة والآيات وإن كانت متصفة بما سيأتي من الصفات الشريفة ، ~~لكنها ليست مما ألقي على المستغنى عنه ، واستحق بسبب ذلك ما سيأتي من ~~الدعاء عليه ، والتعجب من كفره المفرط ، لنزولها بعد الحادثة ، وأما من جوز ~~رجوعهما إلى العتاب المذكور ، فقد أخطأ وأساء الأدب ، وخبط خبطا يقضي منه ~~العجب ، فتأمل. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 237 PageV08P365 ~~وحاصل المعنى : أن هذه الآيات أي آيات القرآن تذكرة ، فمن شاء فليتعظ بها ~~، حاصلة {في صحف} منتسخة من اللوح ، {مكرمة} عند الله عز وجل ، {مرفوعة} في ~~السماء السابعة ، أو : مرفوعة المقدار والمنزلة ، {مطهرة} عن مساس أيدي ms3312 ~~الشياطين ، أو : عما ليس من كلام الله تعالى أو : من خلل في اللفظ أو ~~المعنى ، {بأيدي سفرة} أي : كتبة من الملائكة ، يستنسخون الكتب من اللوح ، ~~على أنه جمع : " سافر " ، من السفر ، وهو الكتب ، وقيل : بأيدي رسل من ~~الملائكة يسفرون بالوحي ، بينه تعالى وبين أنبيائه ، على أنه جمع " سفير " ~~من السفارة ، وحمل " السفرة " على الأنبياء عليهم السلام أو على القراء ، ~~لأنهم يقرؤون الأسفار ، أو على الصحابة رضوان الله عليهم بعيد ؛ لأن هذه ~~اللفظة مختصة بالملائكة ، لا تكاد تطلق على غيرهم ، وقال القرطبي : " ~~المراد بقوله تعالى في الواقعة : {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة : 79] ~~هؤلاء السفرة ". {كرام} عند الله تعالى ، أو : متعطفين على المؤمنين ~~يكلؤونهم ويستغفرون لهم ، {بررة} ؛ أتقياء ، أو : مطيعين لله تعالى ، من ~~قولهم : فلان يبر خالقه ، أي : يطيعه ، أو : صادقين ، من قولهم : بر في ~~يمينه : صدق. والله تعالى أعلم. PageV08P366 # الإشارة : ينبغي للداعي إلى الله أن ينبسط عند الضعفاء ، ويقبل عليهم ~~بكليته ويواجههم بالبشاشة والفرح ، سواء كانوا ضعفاء الأموال ، أو ضعفاء ~~الأبدان ، كالعميان والمحبوسين والمرضى ، أو : ضعفاء اليقين ، إن أقبلوا ~~إليه ، فقد كان الشيخ أبو العباس المرسي يحتفل بملاقاة أهل العصيان ~~والجبابرة أكثر من غيرهم ، فقيل له في ذلك ، فقال : هؤلاء يأتونا فقراء ~~منكسرين ، بخلاف غيرهم من العلماء والصالحين. قلت : وكذلك رأيت حال أشياخنا ~~رضي الله عنهم يبرون بالجبابرة وأهل العصيان ، ليجروهم بذلك إلى الله ~~تعالى ، قالوا : يأتينا الرجل سبع فنهلس عليه فيرجع ذئبا ، ثم نهلس عليه ~~فيرجع قطا ، ثم نجعل السلسلة في عنقه ونقوده إلى ربه. نعم إن تزاحم حق ~~الفقراء وحق الجبابرة في وقت واحد قدم حق الفقراء ؛ لشرفهم عند الله ، إلا ~~إن كانوا راسخين ، فيقدم عليهم غيرهم ؛ لأنهم حينئذ يحبون الإيثار عليهم. # قال الورتجبي : بين الله تعالى هنا يعني في هذه الآية درجة الفقر ، ~~وتعظيم أهله ، # 239 # وخسة الدنيا ، وتحقير أهلها ، وأن الفقير إذا كان بنعت الصدق والمعرفة ~~والمحبة كان شرفا له ، وهو من أهل الصحبة ، ولا يجوز الاشتغال بصحبة ~~الأغنياء ، ودعوتهم إلى طريق الفقراء ، إذا كان سجيتهم لم ms3313 تكن بسجية أهل ~~المعرفة ، فإذا كان حالهم كذلك لا يأتون إلى طريق الحق بنعت التجريد ، ~~فالصحبة معهم ضائعة ، إلا ترى كيف عاتب الله نبيه بهذه الآية بقوله : {أما ~~من استغنى..} الآية ، كيف يتزكى من خلق على جبلة حب الدنيا والعمى عن ~~الآخرة والعقبى. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 237 PageV08P367 ~~يقول الحق جل جلاله : {قتل الإنسان} أي : لعن ، والمراد : إما من استغنى عن ~~القرآن الكريم الذي ذكرت نعوته الجليلة ، الموجبة للإقبال عليه ، والإيمان ~~به ، وإما الجنس باعتبار انتظامه له ولأمثاله من أفراده ، وقيل : المراد : ~~أمية أو : عتبة بن ربيعة. {ما أكفره} ، ما أشد كفره! تعجب من إفراطه في ~~الكفران ، وبيان لاستحقاقه الدعاء عليه ، وقيل : " ما " استفهامية ، توبيخي ~~، أي : أي شيء حمله على الكفر ؟ ! {من أي شيء خلقه} أي : من أي شيء حقير ~~خلقه ؟ ثم بينه بقوله : {من نطفة خلقه} أي : من نطفة مذرة ابتداء خلقه ، ~~{فقدره} ؛ فهيأه لما يصلح له ، ويليق به من الأعضاء والأشكال ، أو : فقدره ~~أطورا إلى أن تم خلقه. # {ثم السبيل يسره} أي : يسر له سبيل الخروج من بطن أمه ، بأن فتح له فم ~~الرحم ، وألهمه أن يتنكس ليسهل خروجه. وتعريف " السبيل " باللام للإشعار ~~بالعموم ، أو : يسر له سبيل الخير أو الشر ، على ماسبق له ، أو يسر له سبيل ~~النظر السديد ، المؤدي إلى الإيمان ، وهو منصوب بفعل يفسره ما بعده. # {ثم أماته فأقبره} أي : جعله ذا قبر يوارى فيه تكرمة ، ولم يجعله مطرودا ~~على وجه الأرض تأكله السباع والطير ، كسائر الحيوان. يقال : قبرت الميت : ~~إذا دفنته ، وأقبرته : أمرت بدفنه. وعد الإماتة من النعم ؛ لأنها وصلة في ~~الجملة إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم ، ولأنها سبب وصول الحبيب إلى ~~حبيبه. {ثم إذا شاء أنشره} أي : إذا شاء نشره ، على القاعدة المستمرة من ~~حذف مفعول المشيئة ، أي : ثم ينشره في الوقت الذي شاء ، وهو يوم القيامة ، ~~وفي تعلق الإنشار بمشيئته تعالى إيذان بأن وقته غير متعين ، قال ابن عرفة ~~: تعليق المعاد بالمشيئة جائز ، جار على مذهب أهل السنة ؛ لأنهم يقولون : ~~إنه ms3314 جائز # 240 # عقلا ، واجب شرعا ، وأما المعتزلة فيقولون بوجوبه ، بناء على قاعدة ~~التحسين والتقبيح العقليين. ه. # { PageV08P368 ~~جزء : 8 رقم الصفحة : 240 # كلا} ، ردع للإنسان عما هو عليه ، ثم بين سبب الردع فقال : {لما يقض ما ~~أمره} أي : لم يقض العبد جميع ما أمره الله به ؛ إذ لا يخلوا العبد من ~~تقصير ما ، فإن قلت : " لما " تقتضي توقع منفيها ، وهو هنا متعذر كما قلت ؟ ~~. قلت : الأمر الذي أمر الله به عباده في الجملة : هو الوصول إلى حضرة ~~الشهود والعيان ، وهو ممكن عادة ، متوقع في الجملة ، وقد وصل إليه كثير من ~~أوليائه تعالى ، فمن وصل إليه فلا تقصير في حقه ، وإن كانت المعرفة غير ~~متناهية ، ومن لم يصل إليه فهومقصر ، غير أن عقابه هو احتجابه عن ربه. ~~والله تعالى أعلم. # ثم أمر بالتفكر في نعم الله ، ليكون سببا للشكر ، الذي هو : صرف كلية ~~العبد في طاعة مولاه ، فلعله يقضي ما أمره فقال : {فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه} أي : فلينظر إلى طعامه الذي هو قوام بدنه ، وعليه يدور أمر معاشه ، ~~كيف صيرناه ، {أنا صببنا الماء} أي : الغيث {صبا} عجيبا ، فمن قرأ بالفتح ~~فبدل اشتمال من الطعام ، وبالكسر استئناف. {ثم شققنا الأرض} بإخراج النبات ~~، أو : بالحرث ، وهو فعل الله في الحقيقة ؛ إذ لا فاعل سواه ، {شقا} بديعا ~~لائقا بما يشقها من النبات ، صغرا أو كبرا ، وشكلا وهيئة ، أو : شقا بليغا ~~؛ إذ لا ينبت بمطلق الشق ، وإذا نبت لا يتم عادة. و" ثم " للتراخي التي بين ~~الصب والشق عادة ، سواء قلنا بالنبات أو بالكراب ، وهو الحراثة. PageV08P369 # {فأنبتنا فيها حبا} كالبر والشعير وغيرهما مما يتغذى به. قال ابن عطية : ~~الحب : جمع حبة بفتح الحاء ، وهو : كل ما يتخذه الناس ويربونه ، والحبة ~~بكسر الحاء : كل ما ينبت من البذور ولا يحفل به ولا هو بمتخذ. ه. {وعنبا} ~~أي : ثمرة الكرم ، وهذا يؤيد أن المراد بالشق : حفر الأرض بالحرث أو غيره ، ~~لأن العنب لا يشق الأرض في نباته ، وإنما يغرس عودا. وقال أبو السعود : ~~وليس من لوازم العطف أن ms3315 يقيد المعطوف بجميع ما قيد به المعطوف عليه ، فلا ~~ضرر في في خلو نبات العنب عن شق الأرض. ه. {وقضبا} وهو كل ما يقضب ، أي : ~~يقطع ليؤكل رطبا من النبات ، كالبقول والهليون ونحوه مما يؤكل غضا ، وهو ~~جملة النعم التي أنعم الله بها ، ولا ذكر له في هذه الآية إلا في هذه ~~اللفظة. قاله ابن عطية. والهليون بكسر الهاء وسكون اللام : جمع هليونة ، ~~وهو الهندبا. قاله ابن عرفة اللغوي ، وقيل : هو الفصفصة ، وهو ضعيف ؛ لأنها ~~للبهائم ، وهي داخلة في الأب. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 240 # وزيتونا ونخلا} ، الكلام فيهما كما تقدم في العنب ، {وحدائق} ؛ بساتين ~~{غلبا} : جمع غلباء ، أي : غلاظ الأشجار مع نعومتها ، وصف به الحدائق ~~لتكاثفها وكثرة أشجارها ، {وفاكهة} أي : ما تتفكهون به من فواكه الصيف ~~والخريف ، {وأبا} أي : # 241 # مرعى لدوابكم ، من : أبه : إذا أمه ، أي قصده ، لأنه يؤم وينتجع ، اي : ~~يقصد ، أو : من أب لكذا : إذا تهيأ له ؛ لأنه متهيأ للرعي ، أو : فاكهة ~~يابسة تؤب للشتاء. PageV08P370 # وعن الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الأب ، فقال : أي سماء تظلني ، وأي أرض ~~تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به. وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأ ~~هذه الآية ، فقال : كل هذا قد عرفناه ، فما الأب ؟ ثم رفع عصا كانت بيده ، ~~فقال : هذا لعمر الله التكلف ، وما عليك يا ابن أمر عمر ، ألا تدري ما الأب ~~؟ ثم قال : اتبعوا ما تبين لكم وما لا فلتدعوه. ه. وهذه اللفظة من لغات ~~البادية ، فلذلك خفيت على الحواضر. {متاعا لكم ولأنعامكم} أي : جعل ذلك ~~تمتيعا لكم ولمواشيكم ، فإن بعض هذه المذكورات طعام لهم ، وبعضها علف ~~لدوابهم ، و{متاعا} : مفعول لأجله ، أو : مصدر مؤكد لفعله المضمر بحذف ~~الزوائد ، أي : متعكم بذلك متاعا ، والالتفات لتكميل الامتنان ، والله ~~تعالى أعلم. # الإشارة : قتل الإنسان ؛ لعن الغافل عن ذكر الله ، لقوله عليه السلام : " ~~الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله وما والاه ، وعالما ومتعلما ~~" ، فلم يخرج من اللعنة إلا الذاكر والعالم والمتعلم إذا ms3316 أخلصا ، ثم عجب ~~تعالى من شدة كفره لنعمه ، حيث لم يشاهد المنعم في النعم ، فيقبض منه ، ~~ويدفع إليه ، ثم ذكر أول نشأته ومنتهاه ، وما تقوم به بنيته فيما بينهما ؛ ~~ليحضه على الشكر. قال القشيري : {من أي شيء خلقه..} الخ ، يعني : ما كان له ~~ليكفر ، لأنا خلقناه من نطفة الوجود المطلق وهيأناه لمظهرية ذاتنا وصفاتنا ~~، وأسمائنا. ه. PageV08P371 # ثم قال : {ثم السبيل يسره} أي : سهلنا عليه سبيل الظهور لمظاهر الأسماء ~~الجلالية والجمالية ، ثم أماته عن أنانيته ، فأقبره في قبر الفناء عن رؤية ~~الفناء ، ثم إذا شاء أنشره بالبقاء بعد الفناء. كلا ليرتدع عن كفرانه ~~لنعمنا ، وليستغرق أحواله في شهود ذاتنا ، ليكون شاكرا لأنعمنا ، لما يقض ~~ما امره ، وهو الوصول إلى حضرة العيان. فكل من وصل إلى حضرة الشهود بالفناء ~~والبقاء فقد قضى ما أمره به مولاه ، وكل من لم يصل إليها فهو مقصر ، ولو ~~أعطي عبادة الثقلين. قال القشيري : ويقال : لم يقض الله له أمره به ، ولو ~~قضى له ما أمره به لما عصاه. ه. وقال الورتجبي : لم يف بالعهد الأول ، حين ~~خاطبه الحق بقوله : {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف : 172] ولم يأت بمراد ~~الله منه ، وهو العبودية الخالصة. ه. قلت : يعني مع انضمام شهود عظمة ~~الربوبية الصافية. # جزء : 8 رقم الصفحة : 240 # وقوله تعالى : {فلينظر الإنسان إلى طعامه} أي : الحسي والمعنوي ، وهو قوت ~~القلوب والأرواح ، أنا صببنا الماء صبا ، أي : صببنا ماء العلوم والواردات ~~على القلوب # 242 # الميتة فحييت. قال القشيري : صببنا ماء الرحمة على القلوب القاسية فلانت ~~للتوبة ، وماء التعريف على القلوب الصافية فنبتت فيها أزهار التوحيد وأنوار ~~التجريد. ه. ثم شققنا أرض البشرية بأنواع العبادات والعبودية ، شقا ، ~~فأنبتنا فيها : في قلبها حب المحبة ، وكرم الخمرة الأزلية ، وقضب الزهد في ~~زهرة الدنيا وشهواتها ، وزيتونا يشتعل بزيتها مصابيح العلوم ، ونخلا يجنى ~~منها ثمار حلاوة المعاملة ، وحدائق ، أي : بساتين المعارف متكاثفة التجليات ~~، وأبا ، أي : مرعى لأرواحكم ، بالفكرة والنظرة في أنوار التجليات الجلالية ~~والجمالية ، فيأخذ النصيب من كل شيء ، ويعرف الله في كل شيء ms3317 ، كما قال شيخ ~~شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله عنه : PageV08P372 # الخلق نوار ، وأنا رعيت فيهم # هم الحجب الأكبر والمدخل فيهم # متاعا لكم ، أي : لقلوبكم وأرواحكم ، بتقوية العرفان في مقام الإحسان ، ~~ولأنعامكم أي : نفوسكم بتقوية اليقين في مقام الإيمان. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 240 # يقول الحق جل جلاله : {فإذا جاءت الصاخة} أي : صيحة القيامة ، وهي في ~~الأصل : الداهية العظيمة ، وسميت بذلك لأن الخلائق يصخون لها ، اي : يصيخون ~~لها ، من : صخ لحديثه : إذا أصاخ له واستمع ، وصفت بها النفخة الثانية لأن ~~الناس يصخون لها ، وقيل : هي الصيحة التي تصخ الآذان ، أي : تصمها ، لشدة ~~وقعها. وجواب (إذا) : محذوف أي : كان من أمر الله ما لا يدخل تحت نطاق ~~العبارة ، يدل عليه قوله : {يوم يفر المرء من أخيه} ، فالظرف متعلق بذلك ~~الجواب ، وقيل : منصوب بأعني ، وقيل : بدل من " إذا " أي : يهرب من أخيه ~~لاشتغاله بنفسه ، فلا يلتفت إليه ولا يسأل عنه ، {و} يفر أيضا من {أمه ~~وأبيه} مع شدة محبتهم فيه في الدنيا ، {وصاحبته} أي : زوجته {وبنيه} ، بدأ ~~بالأخ ثم بالأبوين ؛ لأنهما أقرب منه ، ثم بالصاحبة والبنين ؛ لأنهم أحب ، ~~فالآية من باب الترقي. وقيل : أول من يفر من أخيه : هابيل ، ومن أبويه : ~~إبراهيم ، ومن صاحبته : نوح ولوط ، ومن ابنه : نوح. {لكل امرىء منهم يومئذ ~~شأن يغنيه} أي : لكل واحد من المذكورين شغل شاغل ، وخطب هائل ، يكفيه في ~~الاهتمام به ، ويشغله عن غيره. # ثم بين أحوال المذكورين وانقسامهم إلى السعداء والأشقياء ، بعد ذكر ~~وقوعهم في داهية دهياء ، فقال : {وجوه يومئذ مسفرة} أي : مضيئة متهللة ، من ~~: أسفر الصبح : إذا # 243 PageV08P373 ~~أضاء ، قيل : ذلك من قيام الليل ، وقيل : من إشراق أنوار الإيمان في قلوبهم ~~، {ضاحكة مستبشرة} بما تشاهد من النعيم المقيم والبهجة الدائمة. {ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة} أي : غبار وكدور ، {ترهقها} أي : تعلوها وتغشاها {قترة} ~~أي : سواد وظلمة {أولئك هم الكفرة} ، الإشارة إلى أصحاب تلك الوجوه. وما ~~فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتهم في السوء ، أي : أولئك الموصوفون ~~بسواد الوجوه وغبرتها هم ms3318 الكفرة {الفجرة} أي : الجامعون بين الكفر والفجور ~~، ولذلك جمع الله لهم بين السواد والغبرة. نسأل الله السلامة والعافية. # جزء : 8 رقم الصفحة : 243 # الإشارة : فإذا جاءت الصاخة ، أي : النفحة الإلهية التي تجذب القلوب إلى ~~الحضرة القدسية ، فتأنست القلوب بالله ، وفرت مما سواه فترى الرجل حين تهب ~~عليه هذه النفحة ، بواسطة أو بغير واسطة ، يفر من الخلق ، الأقارب والأجانب ~~، أنسا بالله وشغلا بذكره ، لا يزال هكذا حتى يصل إلى مولاه ، ويتمكن من ~~شهوده أي تمكن ، فحينئذ يخالط الناس بجسمه ، ويفارقهم بقلبه ، كما قالت ~~رابعة العدوية رضي الله عنها : # إني جعلتك في الفؤاد محدثي # وأبحت جسمي من أراد جلوسي # فالجسم مني للجليس مؤانس # وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي # قال القشيري : قالوا : الاستقامة أن تشهد الوقت قيامة ، فما من ولي وعارف ~~إلا وهو اليوم يفر بقلبه من الجميع ؛ لأن لكل شأنا يغنيه ، فالعارف مع ~~الخلق لا بقلبه ، ثم ذكر شعر رابعة. وقال الورتجبي : أكد الله أمر نصيحته ~~لعباده ألا يعتمدوا إلى من سواه في الدنيا والآخرة ، وأن ما سواه لا ينقذه ~~من قبض الله حتى يفر مما دون الله إلى الله. ه. وقال في قوله تعالى : {لكل ~~امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه} : لكل واحد منهم شأن يشغله ، وللعارف شأن مع ~~الله في مشاهدته ، يغنيه عما سوى الله. ه. PageV08P374 # قوله تعالى : {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة} كل من أسفر عن ليل وجوده ~~ضياء نهار معرفته ، فوجهه يوم القيامة مسفر بنور الحبيب ، ضاحك لشهوده ، ~~مستبشر بدوام إقباله ورضوانه. وقال أبو طاهر : كشف عنها ستور الغفلة ، ~~فضحكت بالدنو من الحق ، واستبشرت بمشاهدته. وقال ابن عطاء : أسفر تلك ~~الوجوه نظرها إلى مولاها ، وأضحكها رضاه عنها. ه. قال القشيري : ضاحكة ~~مستبشرة بأسباب مختلفة ، فمنهم من استبشر بوصوله إلى حبيبه ، ومنهم بوصوله ~~إلى الحور ، ومنهم ، ومنهم ، وبعضهم لأنه نظر إلى ربه فرأه ، ووجوه عليها ~~غبرة الفراق ، يرهقها ذل الحجاب والبعاد. ه. # قال الورتجبي : {وجوه يومئذ مسفرة} ، وجوه العارفين مسفرة بطلوع إسفار ~~صبح تجلي جمال الحق فيها ، ضاحكة من الفرح ms3319 بوصولها إلى مشاهدة حبيبها ، ~~مستبشرة بخطابه # 244 # ووجدان رضاه ، والعلم ببقائها مع بقاء الله. ثم وصف وجوه الأعداء ~~والمدعين فقال : {ووجوه يومئذ عليه غبرة} الفراق يوم التلاق ، وعليها قتر ~~ذل الحجاب ، وظلمة العذاب نعوذ بالله من العتاب قال السري : ظاهر عليها ~~حزن البعاد ؛ لأنها صارت محجوبة ، عن الباب مطرودة ، وقال سهل : غلب عليها ~~إعراض الله عنها ، ومقته إياها ، فهي تزداد في كل يوم ظلمة وقترة. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 243 # اللهم أسفر وجوهنا بنور ذاتك ، وأضحكنا وبشرنا بين أوليائك في الدنيا ~~والآخرة ، إنك على كل شيء قدير ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما. # 245 # جزء : 8 رقم الصفحة : 243 PageV08P375 ### | AUTO سورة التكوير # جزء : 8 رقم الصفحة : 245 # يقول الحق جل جلاله : {إذا الشمس كورت} أي : ذهب بضوئها ، من كورت ~~العمامة : إذا لففتها ، أي : يلف ضوؤها لفا ، فيذهب انبساطه وانتشاره ، أو ~~: ألقيت عن فلكها ، كما وصفت النجوم بالانكدار ، من : طعنة فكوره : إذا ~~ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح : كورت : نكست ، وعن ابن عباس رضي الله عنه ~~: تكويرها : إدخالها في العرش. {وإذا النجوم انكدرت} أي : انقضت وتساقطت ، ~~فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه : النجوم ~~قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض ، بأيدي ملائكة من نور ، ~~فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم ، وقيل : انكدارها : ~~انطماس نورها ، ويروى : أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم ، ليراها من عبدها ، ~~كما قال : {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء : 98]. # {وإذا الجبال سيرت} عن أماكنها بالرجعة الحاصلة ، فتسير عن وجه الأرض حتى ~~تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. {وإذا العشار} جمع : عشراء ، ~~وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر ، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة ~~، وهي أنفس ما يكون عند أهلها ، وأعزها عليهم ، {عطلت} ؛ تركت مهملة ؛ ~~لاشتغال أهلها بأنفسهم ، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال ، فتركوها أحب ~~ما تكون إليهم ، لشدة الهول ، فيحتمل ms3320 أن يكون ذلك حقيقة ، تبعث كذلك ~~فيغيبون عنها لشدة الهول ، ويحتمل : إن يكون كناية عن # 246 PageV08P376 ~~شدة الأمر. {وإذا الوحوش حشرت} أي : جمعت من كل جانب ، وقيل : بعثت للقصاص ~~، قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص ، فإذا قضى بينها ردت ترابا ، ~~فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم ، كالطاووس ونحوه. {وإذا البحار ~~سجرت} أي : أحميت ، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض ، حتى تصير بحرا واحدا ، ~~كما قال تعالى : {وإذا البحار فجرت} [الأنفطار : 3] ، من سجر التنور : إذا ~~ملأه بالحطب ، وقيل : يقذف بالكواكب فيها ، ثم تضرم فتصير نيرانا ، فمعنى " ~~سجرت " حينئذ : قذف بها في النار ، وقد ورد أن في النار بحارا من نار. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 246 # وإذا النفوس زوجت} أي : قرنت بأجسادها ، أو : قرنت بشكلها ، الصالح مع ~~الصالح في الجنة ، والطالح مع الطالح في النار ، أو : بكتابها ، أو بعملها ~~، أو : نفوس المؤمنين بالحور ، ونفوس الكافرين بالشياطين. {وإذا الموؤدة} ~~أي : المدفونة حية ، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق ، أو لخوف العار ~~بهم من أجلهن ، وقيل : كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر ~~، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء ، وقد حفر لها حفرة ، فيلقيها ~~فيها ، ويهيل عليها التراب. وقيل : كانت الحامل إذا اقترتب ، حفرت حفرة ، ~~فتمتخض عليها ، فإذا ولدت بنتا رمت بها ، وإذا ولدت ابنا ضمته ، فإذا كان ~~يوم القيامة {سئلت بأي ذنب قتلت} ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها ، وإظهار ~~كمال الغيظ والسخط لوائدها ، وإسقاطه عن درجة الخطاب ، والمبالغة في ~~تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون ، وأن التعذيب لا يكون ~~بغير ذنب. PageV08P377 # {وإذا الصحف نشرت} أي : صحف الأعمال ، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند ~~الحساب ، قال صلى الله عليه وسلم : " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " ~~فقالت أم سلمة : فكيف بالنساء ؟ ! فقال : " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت : ~~وما شغلهم ؟ فقال : " نشر الصحف ، فيها مثاقيل الذر ، ومثاقيل الخردل " ~~وقيل : نشرت : فرقت على أصحابها ، وعن مرثد بن وداعة : إذا كان ms3321 يوم القيامة ~~تطايرت الصحف من تحت العرش ، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية ، وتقع ~~صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم ، أي : مكتوب فيها ذلك ، وهذه صحف غير ~~الأعمال. # {وإذا السماء كشطت} ، قطعت وأزيلت ، كما يكشط الجلد عن الذبيحة ، والغطاء ~~عن الشيء المستور ، {وإذا الجحيم سعرت} أي : أوقدت إيقادا شديدا ، غضبا على ~~العصاة ، {وإذا الجنة أزلفت} أي : قربت من المتقين ، كقوله تعالى : {وأزلفت ~~الجنة للمتقين غير بعيد} [ق : 31]. # عن ابن عباس رضي الله عنه : إن هذه ثنتا عشرة خصلة ، ست في الدنيا ، فيما بين # 247 # النفختين ، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى : {وإذا البحار سجرت} على ~~أن المراد بحشر الوحوش : جمعها من كل ناحية ، لا حشرها للقصاص ، وست في ~~الآخرة ، أي : بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث : أن تلك ~~الخصال كلها بعد البعث ، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر ، فإذا فرغ من ~~الحساب كورت ، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها ، وأما الجبال ~~ففيها اختلاف حسبما تقدم ، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. # جزء : 8 رقم الصفحة : 246 PageV08P378 ~~وقوله تعالى : {علمت نفس ما أحضرت} : جواب " إذا " ، على أن المراد زمان ~~واحد ممتد ، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال ، مبدؤه ، ~~النفخة الأولى ، ومنتهاه : فصل القضاء بين الخلائق ، أي : تيقنت كل نفس ما ~~أحضرت من أعمال الخير والشر ، والمراد بحضورها : إما حضور صحائفها ، كما ~~يعرب عنه نشرها ، وإما حضور أنفسها ، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في ~~الحسن والقبح ، وعلى ذلك حمل قوله تعالى : {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} ~~[التوبة : 49 ، العنكبوت : 54] ، وقوله تعالى : {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى...} [النساء : 10] ، الآية ، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في ~~آنية الذهب : " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك ، ألا ترى أن ~~العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن ، كما لا يخفى على من له خبرة ~~بأحوال الحضرات الخمس ، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال ms3322 : " يؤتى ~~بالأعمال الصالحة على صورة حسنة ، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة ، فتوضع ~~في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر ~~الله عز وجل ، كما نطق به قوله تعالى : {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا..} [آل عمران : 30] الآية ؛ لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها ~~أحضرتها في الموقف ، ومعنى علمها بها حنيئذ : أنها تشاهد جزاءها ، خيرا كان ~~أو شرا. PageV08P379 # الإشارة : اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد ، وهو اللطيفة ~~اللاهوتية السارية في الأبدان ، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت ~~نفسا ، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار ~~الذات سميت سرا ، فالإشارة في قوله : {إذا الشمس كورت} إلى تكوير النفس ~~وطيها ، حين انتقلت إلى مرتبة الروح ، وإذا النجوم : نجوم علم الرسوم ، ~~انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان ، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج ~~إليه من إقامة رسم العبودية ، يعني يقع الاستغناء عنها ، فإذا تنزل إليها ~~حققها أكثر من غيره ، إذا الجبال ؛ جبال العقل ، سيرت ؛ لأن نوره ضعيف كنور ~~القمر مع طلوع الشمس ، وإذا العشار عطلت ، أي : النفوس الحاملة أثقال ~~الأعمال والأحوال ، وأعباء التدبير والاختيار ، فيقع الغيبة عنها بأثقالها ~~، وإذا الوحوش ، أي : # 248 # الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية ، وإذا البحار بحار الأحدية ~~سجرت ، أي : فجرت وانطبقت على الوجود ، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره ~~، وظاهره بباطنه ، وإذا النفوس ، أي : الأرواح ، زوجت بعرائس المعرفة في ~~البقاء بعد الفناء ، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل : تآلفت نفس ~~الطبع مع نفس الروح ، ففرحت في نعيم الجنة ، كما كانتا متآلفتين في الدنيا ~~على إدامة الذكر. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 246 PageV08P380 ~~وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت ، أي : فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب ~~الدنيا والفناء فيها ، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها ، وتدبير شؤونها ، ~~فتسأل بأي ذنب قتلت ، حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد ؟ وقال القشيري : ~~هي الأعمال المشوبة بالرياء ، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف ؛ ~~الواردات الإلهية نشرت على ms3323 القلوب القدسية ، فظهرت أنوارها على الألسنة ~~بالعلوم اللدنية ، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية ، وإذا السماء كشطت ، إي ~~سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني ، وإذا الجحيم ، نار القطيعة ، سعرت لأهل ~~الفرق ، وإذا الجنة جنة المعارف ، أزلفت لأهل الجمع والوصال ، علمت نفس ما ~~أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 246 # يقول الحق جل جلاله : {فلا أقسم} ، " لا " صلة ، أي : أقسم {بالخنس} أي : ~~بالكواكب الرواجع ، من : خنس إذا تأخر ، وهي ما عدا النيرين من الدراري ~~الخمسة ، وهي : بهرام [المريخ] ، وزحل ، وعطارد ، والزهرة ، والمشتري ، ~~فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله ، {الجوار} أي : السيارة ~~{الكنس} أي : المستترة ، جمع كانس وكانسة ، وذلك أن هذه النجوم تجري مع ~~الشمس والقمر ، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس ، فخنوسها : رجوعها ، وكنوسها ~~: اختفاؤها تحت ضوئها ، من كنس الوحش : إذا دخل كناسه ، أي : بيته الذي ~~يتخذه من أغصان الشجر ، وقيل : هي جميع الكواكب ، تختنس بالنهار ، فتغيب عن ~~العيون ، وتكنس بالليل ، أي : تطلع في أماكنها. # {والليل إذا عسعس} ؛ أقبل بظلامه ، أو : أدبر ، فهو من الأضداد ، وقال ~~الفراء : أجمع المفسرون على أن معنى عسعس : أدبر ، تقول العرب : عسعس الليل ~~وسعسع : إذا # 249 # أدبر ولم يبق منه إلا اليسير ، قال الشاعر : # حتى إذا الصبح لها تنفسا # وانجاب عنها ليلها وعسعسا PageV08P381 ~~والحاصل : أنهما يرجعان إلى شيء واحد ، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره ~~في آخره ، {والصبح إذا تنفس} ؛ امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا ، ولما كان ~~إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا ، فقيل : تنفس الصبح. # وجواب القسم : {إنه} أي : القرآن {لقول رسول كريم} على ربه ، وهو جبريل ~~عليه السلام قاله عن الله عز وجل ، وإنما أضيف القرآن إليه ؛ لأنه هو ~~الذي نزل به. # {ذي قوة} ؛ ذي قدرة على ما كلف به ، لا يعجز عنه ولا يضعف ، {عند ذي ~~العرش مكين} أي : عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية ، ولما كانت المكانة ~~على حسب حال الممكن قال : {عند ذي العرش} ليدل على ms3324 عظم منزلته ومكانته ، ~~والعندية : عندية تشريف وإكرام ، لا عندية مكان. {مطاع ثم} أي : في السموات ~~يطيعه من فيها ، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون ، يصدون عن أمره ، ~~ويرجعون إليه ، وقال بعضهم : ومن طاعتهم له : فتحوا أبواب السموات ليلة ~~المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة ~~لمحمد حتى دخلها ، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. {أمين} على الوحي. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 249 PageV08P382 ~~وما صاحبكم} هو الرسول صلى الله عليه وسلم {بمجنون} كما تزعم الكفرة ، وهو ~~عطف على جواب القسم ، مدخول في المقسم عليه ، {ولقد رآه} أي : رآى محمد صلى ~~الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها ، {بالأفق المبين} أي ~~: بمطلع الشمس الأعلى ، وقال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لجبريل : " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال : ~~أتقدر على ذلك ؟ قال : " بلى " قال : فأين تشاء ؟ قال : " بالأبطح " ، قال ~~: لا يسعني ، قال : " بمنى " ، قال : لا يسعني ، قال : " فبعرفات " قال : ~~ذلك بالحري أن يسعني ، فواعده ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت ، ~~فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة ، قد ملأ ما بين المشرق ~~والمغرب ، ورأسه في السماء ، ورجلاه في الأرض ، فلما رآه النبي صلى الله ~~عليه وسلم خر مغشيا عليه ، فتحول جبريل في صورته ، فضمه إلى صدره ، وقال : ~~لا تخف ، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ، ورجلاه في التخوم ~~السابعة ، وإن العرش لعلى كاهله ، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى ~~حتى يصير مثل الوصع أي : العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. # أو : ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو : لقد رآى ربه ، وكان ~~محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. # {وما هو على الغيب} أي : وما محمد على الوحي ، وما يخبر به من الغيوب # 250 # {بضنين} ؛ ببخيل ، على قراءة الضاد ، من : ضن بكذا : بخل به ، أي : لا ~~يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان ، بل ms3325 يعلمه لكل من يطلبه ولا ~~يكتم شيئا منه ، أو : بمتهم على قراءة : المشالة ، من الظنة وهي التهمة ، ~~أي : لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه ، {وماهو بقول شيطان رجيم} ؛ ~~طريد ، وهو كقوله : {وما تنزلت به الشياطين} [الشعراء : 210] أي : ليس هو ~~بقول المسترقة للسمع ، وهو نفي لقولهم : إنه كهانة أو سحر. PageV08P383 # {فأين تذهبون} وتتركون الحق الواضح ؟ وهو استضلال لهم ، كما يقال لتارك ~~الجادة وذهب في التيه : أين تذهب ، مثلت حالهم في تركهم الحق ، وعدولهم عنه ~~إلى الباطل ، بمن ترك طريق الجادة ، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج : معناه ~~: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم ؟ وقال الجنيد : فأين ~~تذهبون عنا ، وإن من شيء إلا عندنا : ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها ، أي : لظهور أنه وحي مبين ، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه ~~؟ {إن هو إلا ذكر للعالمين} أي : موعظة وتذكير للخلق {لمن شاء منكم} : بدل ~~من العالمين بإعادة الجار ، {إن يستقيم} : مفعول " شاء " أي : القرآن تذكير ~~وموعظة لمن شاء الاستقامة ، يعني : إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في ~~الإسلام هم المنتفعون بالذكر ، فكأنه لم يوعظ به غيرهم ، {وما تشاؤون} ~~الاستقامة {إلا أن يشاء الله}. # جزء : 8 رقم الصفحة : 249 # ولما نزل قوله تعالى : {لمن شاء منكم أن يستقيم} قال أبو جهل : الأمر ~~إلينا ، إن شئنا استقمنا ، وإن شئنا لم نستقم ، فأنزل الله تعالى : {وما ~~تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} أي : مالك الخلق ومربيهم أجمعين ، ~~قال ابن منبه : قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله ، فوجدت فيها : من ~~جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي : أعجزك في جميع أوصافك ، ~~فلا تشاء إلا بمشيئته ، ولا تعمل إلا بقوته ، ولا تطيع إلا بفضله ، ولا ~~تعصي إلا بخذلانه ، فماذا يبقى لك ، وبماذا تفتخر من أفعالك ، وليس لك منها ~~شيء ؟ . ه. # وقال الطيبي عن الإمام : إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله ؛ لأن ~~مشيئة العبد محدثة ، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى ، ثم قال ms3326 : وقول ~~المعتزلة : إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف ؛ لأنا بينا ~~أن المشيئة الاختيارية حادثة ، ولا بد من محدث يحدثها. ه. PageV08P384 # الإشارة : فلا أقسم بالخنس ؛ الحواس الخمس ، وهي : السمع والبصر والشم ~~والذوق والوجدان الباطني ، فإنها تخنس ، أي : تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود ~~، وهي الجوار الكنس ؛ لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة ، ~~وتستتر عند الذكر أو اليقظة ، والليل إذا عسعس ، أي : ليل القطيعة إذا أظلم ~~على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع # 251 # عوائده ، والصبح ، أي : صبح الاستشراف على نهار المعرفة ، إذا تنفس ثم ~~تطلع شمسه شيئا فشيئا ، إنه ، أي : الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد ~~رباني ، ذي قوة ؛ لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين ، فلا يصادم شيئا من ~~المساوىء إلا دمغه ، عند ذي العرش مكين ، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق ، ~~واكتسب مكانة عنده ، حيث كان من المقربين السابقين ؛ مطاع ثم أمين ؛ لأن ~~الوارد الإلهي تجب طاعته ؛ لأنه يتجلى من حضرة الحق ، وهو أمين على ما يأتي ~~به من العلوم ، وما صاحبكم بمجنون ، يعني العارف صاحب الواردات الألهية ، ~~ولقد رآه ، أي : رأى ربه بعين البصيرة والبصر ، بالأفق المبين ، وهو على ~~الأسرار والمعاني ، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى ، أو : من ~~عالم الأشباح إلى عالم الأرواح ، وماه هو على الغيب بضنين ، أي : ليس ~~العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم ، ولا بخيل ، بل يجود به ~~على من يستحقه ، وما هو بقول شيطان رجيم ، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط ~~وسوسته بواردات قلوبهم ، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق ~~، إن هو إلا ذكر للعالمين ، أي : ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل ~~زمانه ، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية ، ~~ولكن الأمر كله بيد الله ، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم ~~شئنا بفضلك ، واقصدنا بعنايتك ، وخصنا برعايتك ، واجعلنا ممن سبقت لهم ~~العناية الكبرى ، آمين. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. ms3327 # 252 # جزء : 8 رقم الصفحة : 249 PageV08P385 ### | AUTO سورة الانفطار # جزء : 8 رقم الصفحة : 252 # يقول الحق جل جلاله : {إذا السماء انفطرت} أي : انشقت لنزول الملائكة ، ~~كقوله : {وفتحت السمآء فكانت أبوابا} [النبأ : 19] ، {وإذا الكواكب انتثرت} ~~أي : تساقطت متفرقة ، {وإذا البحار فجرت} ؛ فتح بعضها إلى بعض ، فاختلط ~~العذب بالأجاج ، وزال ما بينها من البرزخ والحاجز ، وصارت البحار بحرا ~~واحدا. روي : أن الأرض تنشق ، فتغور تلك البحار ، وتسقط في جهنم ، فتصير ~~نيرانا ، وهو معنى التسجير المتقدم عند الحسن. {وإذا القبور بعثرت} أي : ~~قلب ترابها ، وأخرج موتاها ، يقال : بعثرت الحوض وبحثرته : إذا جعلت أسفله ~~أعلاه ، وجواب " إذا " : {علمت نفس ما قدمت وأخرت} أي : إذا كانت هذه ~~الأشياء قرأ كل إنسان كتابه ، وجوزي بعمله ، لأن المراد بها زمان واحد ، ~~مبدأه : النفخة الأولى ، ومنتهاه : الفصل بين الخلائق ونشر الصحف ، لا ~~أزمنة متعددة حسب تعددها ، وإنما كررت لتهويل ما في حيزها من الدواهي ، ~~ومعنى " ما قدم وأخر " : ما سلف من عمل ؛ خير أو شر ، من سن سنة حسنة أو ~~سيئة يعمل بها بعده ، قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضا : ما ~~قدم من معصية وأخر من طاعة ، وقيل : ما قدم من أمواله لنفسه ، وما أخر ~~لورثته ، وقيل : ما قدم من فرض ، وأخر منه عن وقته ، وقيل : ما قدمت من ~~الأسقاط والأفراط ، وأخرت من الأولاد. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إذا سماء المعاني انفطرت ، أي : تشققت وظهرت من أصداف الأواني ~~، وإذا نجوم على الرسوم انتثرت عند طلوع شمس العيان ، وإذا بحار الأحدية ~~فجرت وانطبقت على الكائنات فأفنتها ، وإذا القلوب الميتة بعثت وحييت ~~بالمعرفة ، علمت نفس ما # 253 PageV08P386 ~~قدمت من المجاهدة ، وما أخرت منها ؛ إذ بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون ~~المشاهدة ، وبقدر الشكر يكون الصحو ، وبقدر الشرب يكون الري ، فعند النهاية ~~يظهر قدر البداية ، البدايات مجلاة النهايات " فمن أشرقت بدايته ، أشرقت ~~نهايته ". وبالله التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 253 # يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} ؛ أي شيء ~~خدعك وجرأك على عصيانه ، وقد ms3328 علمت ما بين يديك من الدواهي التامة ، ~~والعواطب الطامة ، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قدمت من أعمالك ، وما أخرت ~~؟ والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مدارا ~~للاغترار ، حسبما يغويه الشيطان ، ويقول : افعل ما شئت فإن ربك كريم ، قد ~~تفضل عليك في الدنيا ، وسيفعل مثله في الآخرة ، فإنه قياس عقيم ، وتمنية ~~باطلة ، بل هو مما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة ، والاجتناب عن الكفر ~~والعصيان ، كأنه قيل : ما حملك على عصيان ربك ، الموصوف بالصفات الزاجرة ~~عنه ، الداعية إلى خلافه. # روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأها قال : " غره جهله " وعن عمر رضي ~~الله عنه : غره حمقه ، وقال قتادة : غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان ~~وقيل للفضيل : لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك : {ما غرك ~~بربك الكريم} ماذا كنت تقول ؟ قال : أقول : ستورك المرخاة ، لأن الكريم هو ~~الستار وأنشدوا : # يا كاتم الذنب أما تستحي # والله في الخلوة رائيكا # غرك من ربك إمهاله # وستره طول مساويكا PageV08P387 ~~وقال مقاتل : غره عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة ، وقال السدي : غره ~~رفق الله به ، وقال يحيى بن معاذ : لو أقامني بين يديه ، فقال لي : ما غرك ~~بي ؟ لقلت : غرني بك برك سالفا وآنفا ، وقال آخر : أقول : غرني حلمك ، وقال ~~أبو بكر الوراق : لو قال لي : ما غرك بي ؟ لقلت : غرني بك كرم الكريم. وهذا ~~السر في التعبير بالكريم ، دون سائر الصفات ، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول : ~~غرني كرم الكريم ، وهكذا قال أبو الفضل العابد : # 254 # غرني تقييد تهديدك بالكريم ، وقال منصور بن عمار : لو قيل لي : ما غرك ؟ ~~قلت : ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك ، وصفحك عنهم. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 254 PageV08P388 ~~الذي خلقك فسواك} أي : جعلك مستوي الخلق ، سالم الأعضاء معدة لمنافعها ، ~~{فعدلك} ؛ فصيرك معتدلا متناسب الخلق ، غير متفاوت فيه ، ولم يجعل إحدى ~~اليدين أطول ، ولا أحدى العينين أوسع ، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود ، ~~أو : جعلك معتدلا تمشي قائما ms3329 ، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد ، ~~وقيل : معنى التخفيف : صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال ، فيكون من ~~العدول. {في أي صورة ما شاء ركبك} أي : ركبك في أي صورة شاءها من الصور ~~المختلفة ، و" ما " : مزيدة ، و(شاء) : صفة لصورة ، أي : ركبك في أي صورة ~~شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة ، كقوله تعالى : {لقد خلقنا ~~الإنسان فيا أحسن تقويم} [التين : 4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها ؛ ~~لأنها بيان ل " عدلك ". {كلا} ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى ، وجعله ~~ذريعة إلى الكفر المعاصي ، مع كونه موجبا للشكر والطاعة. والإضراب في قوله ~~تعالى : {بل تكذبون بالدين} عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام ، كأنه قيل ~~بعد الردع بطريق الاعتراض : وأنتم لا ترتدعون عن ذلك ، بل تجترئون على أقبح ~~من ذلك ، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث ، أو بدين الإسلام ، الذي هو من جملة ~~أحكامه ، فلا تصدقون به ، {وإن عليكم لحافظين} : حال مفيدة لبطلان تكذيبهم ~~، وتحقيق ما يكذبون به ، أي : تكذبون بالجزاء ، والحال أن عليكم من قبلنا ~~لحافظين لأعمالكم ، {كراما} عندنا {كاتبين} لها ، {يعلمون ما تفعلون} من ~~الخير والشر ، قليلا أو كثيرا ، ويضبطونه نقيرا أو قطميرا. وفي تعظيم " ~~الكاتبين " ، بالثناء عليهم ؛ تفخيم لأمر الجزاء ، وأنه عند الله من جلائل ~~الأمور ، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكرام. PageV08P389 # الإشارة : يا أيها الأنسان ، ما غرك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه ؟ ! ~~غره جهله ومتابعة هواه ، أو قناعته من ربه ، والقناعة من الله حرمان ، أو ~~غلطه ، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجه ، أو ظن أنه واصل ، وهو ما رحل عن ~~نفسه قدما واحدا ، ظن أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين ، وهذا الغلط ~~هو الذي غر كثيرا من الصالحين ، تراموا على مراتب الرجال ، وهم في مقام ~~الأطفال ، سبب ذلك عدم صحبتهم للعارفين ، ولو صحبوا الرجال لرأوا أنفسهم في ~~أول قدم من الإرادة ، وهذا هو الجهل المركب ، جهلوا ، وجهلوا أنهم جاهلون. ~~ثم شوقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته ، فإنه عدلها في أحسن تقويم ~~، ثم نفخ فيه ms3330 روحا قدسية سماوية من روحه القديم ، ثم لما زجر عن الاغترار ~~لم ينزجروا ، بل تمادوا على الغرور ، وفعلوا فعل المكذب بالبعث والحساب ؛ ~~مع أن عليهم من الله حفظة كراما ، يعلمون ما يفعلون ، فلم يراقبوا الله جل ~~جلاله ، المطلع على سرهم وعلانيتهم ، ولم يحتشموا من ملائكته المطلعين على # 255 # أفعالهم. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 254 PageV08P390 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الأبرار} أي : المؤمنين {لفي نعيم} عظيم ، وهو ~~نعيم الجنان {وإن الفجار} أي : الكفار {لفي جحيم} كذلك ، وفي تنكيرهما من ~~التفخيم والتهويل ما لا يخفى ، {يصلونها يوم الدين} يقاسون حرها يوم الجزاء ~~، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها ، كأنه قيل : ما حالهم ~~فيها ؟ فقال : يحترقون فيها يوم الدين ، الذي كانوا يكذبون به ، {وما هم ~~عنها بغائبين} طرفة عين بعد دخولها ، وقيل : معناه : وما كانوا عنها غائبين ~~قبل ذلك ، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم ، حسبما قال صلى الله عليه وسلم ~~: " القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ". {وما أدراك ما يوم ~~الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين} ، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي ~~يكذبون به ، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق ؛ فعلى أي صورة تصوروه ، ~~فهو فوقها ، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم ، أي : أي شيء جعلك داريا ~~ما هو يوم الدين ؟ على أن " ما " الاستفهامية خبر " يوم " ، كما هو رأي ~~سيبويه ، لما مر من أن مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ ، ولا ريب أن مناط ~~إفادة التهويل والفخامة هنا هو : ما يوم الدين أي شيء عجيب هو في الهول ~~والفضاعة ؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس رضي الله عنه : كل ما في القرآن ~~من قوله تعالى : {وما أدراك} فقد دراه ، وكل ما فيه من قوله : {وما يدريك} ~~فقد طوي عنه. ه. وينتقض بقوله تعالى : {وما يدريك لعله يزكىا} [عبس : 3]. PageV08P391 # ثم بين شأن ذلك اليوم إجمالا ، فقال : {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا} أي : لا ~~تستطيع دفعا عنها ، ولا ms3331 نفعا لها بوجه ، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن ، ~~و(يوم) : مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أو بدل من (يوم الدين) ، ومن نصب ~~؛ فبإضمار " اذكر " ، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه صلى الله ~~عليه وسلم إلى معرفته : اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره ، فإنه يدريك ماهو ، ~~{والأمر يومئذ لله} لا لغيره ، فهو القاضي فيه وحده دون غيره ، ولا شك أن ~~الأمر لله في الدارين ، لكن لما كان في الدنيا خفيا ، لا يعرفه إلا العلماء ~~بالله ، وأما في الآخرة فيظهر الملك لله لكل أحد ، خصه به هناك. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 256 # 256 PageV08P392 ~~الإشارة : قال القشيري : إن الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور ، وإن الفجار ~~لفي جحيم الحجاب والغيبة ، يصلونها يوم الدين ، يحترقون بنار الحجاب ، ~~ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب ، وما أدراك ما يوم الدين ، ثم ما ~~أدراك ما يوم الدين ، يشير إلى التعجب من كنه أمره ، وشأن شأنه ، يوم لا ~~تملك نفس لنفس شيئا ، لفناء الكل ، ذاتا وصفاتا وأفعالا. ه. {والأمر يومئذ ~~لله} ، قال الواسطي : الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله ، لكن الغيب ~~بحقيقته لا يشاهده إلا الأكابر من الأولياء ، وهذا خطاب للعموم ، إذا ~~شاهدوا الغيب تيقنوا أن الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمشاهد لهم الأمر ~~كمشاهدتهم يومئذ ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عيانا على مشاهدته لهم تصديقا ، ~~كعامر بن عبد القيس ، حين يقول : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. ه. وقاله ~~أيضا علي رضي الله عنه. وقال القشيري : الأمر يومئذ لله وقبله وبعده ، ولكن ~~تنقطع الدعاوى ذلك اليوم ، ويتضح الأمر ، وتصير المعارف ضرورية. ه. وقال ~~الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في رسائله الكبرى ، بعد كلام : وليت شعري ، أي ~~وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله : {الملك يومئذ لله} [الحج : ~~56] وقوله : {والأمر يومئذ لله} لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ~~ه. وقال الورتجبي : دعا بهذه الآية العباد إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ~~ترك ما سواه ، فإن الملك كله لله في الدنيا والآخرة ms3332 ، يضل من يشاء ، ويهدي ~~من يشاء. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 257 # جزء : 8 رقم الصفحة : 256 PageV08P393 ### | AUTO سورة المطففين # جزء : 8 رقم الصفحة : 257 # يقول الحق جل جلاله : {ويل للمطفيين} ، الويل : شديد الشر ، أو : العذاب ~~الأليم ، أو : واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره ~~، وقيل : كلمة توبيخ وعذاب ، وهو مبتدأ ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. ~~والتطفيف : البخس في الكيل والوزن ، وأصله : من الشيء الطفيف ، وهو القليل ~~الحقير ، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون ~~الكيل جدا ، فنزلت ، فأحسنوا الكيل ، وقيل : قدمها وبها رجل يعرف بأبي ~~جهينة ، ومعه صاعان ، يكيل بأحدهما ، ويكتال بالآخر ، وقيل : كان أهل ~~المدينة تجارا ، يطففون ، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة ، ~~فنزلت ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم ، وقال صلى الله ~~عليه وسلم : " خمس بخمس ، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ، ولا ~~حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر ، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا ~~فشى فيهم الموت ، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات ، وأخذوا بالسنين ، ولا # 258 # منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا ~~عليه الذم والدعاء عليهم بالويل ، فقال : {الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون} أي : إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم ~~وافية تامة ، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم ، ويتحامل فيه ~~عليهم ؛ أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك ، ويجوز أن يتعلق " على ~~" ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص ، أي : يستوفون ~~على الناس خاصة ، وقال الفراء : " من " و" على " يتعاقبان في هذا الموضع ؛ ~~لأنه حق عليه ، فإذا قال : اكتلت عليه ، فكأنه قال : أخذت ما عليه ، وإذا ~~قال : اكتلت منه ، فكأنه قال : استوفيت منه. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 258 PageV08P394 ~~وإذا كالوهم أو وزنوهم} أي : كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه ، فحذف ~~الجار وأوصل الفعل ، {يخسرون} ؛ ينقصون ، يقال : خسر الميزان وأخسره : إذا ~~نقصه. ms3333 وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل ، ولعل ذكر ~~الكيل والوزن في صور الإخسار ، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء ~~لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل ~~؛ لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن ، ويحتمل أن ~~المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال ~~من الاستيفاء والسرف ، كما تقدم ، وهذا بعيد ، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا ، ~~لتمكنهم من البخس في النوعين. # {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} وهو يوم القيامة ، وهو استئناف ~~وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة ~~الاستفهام على (ألا) توبيخا ، وليست " ألا " هذه للتنبيه ، و" أولئك " ~~إشارة إلى المطففين ، ووضعه موضع ضميرهم ؛ للإشعار بمناط الحكم الذي هو ~~وصفهم ، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه ، وأما ~~الضمير فلا يتعرض لوصفه ، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل ~~امتياز ، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد ~~، أي : ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ~~ولا يقادر قدره ، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة ، فإن من يظن ذلك ~~وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح ، فكيف بمن يتيقنه ؟ وعن ~~عبد الملك بن مروان : أن أعرابيا قال له : قد سمعت ما قال الله في المطففين ~~أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك ~~بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن ؟ !. {يوم يقوم الناس} ، ~~منصوب ب " مبعوثون " ، أي : يبعثون يوم يقوم الناس {لرب # 259 PageV08P395 ~~العالمين} أي : لحكمه وقضائه ، أو لجزائه بعقابه وثوابه ، وعن ابن عمر رضي ~~الله عنه أنه قرأ هذه السورة ، فلما بلغ هنا بكى نحيبا ، وامتنع من قراءة ~~ما بعده. # {كلا} ردع وتنبيه ، أي : ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن ~~البعث والحساب ، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه ، ثم علل الردع ~~المذكور ، فقال ms3334 : {إن كتاب الفجار} أي : صحائف أعمالهم {لفي سجين} ، جمهور ~~المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة ، كما أن " عليين " موضع فوق ~~السماء السابعة ، وفي القاموس : عليون جمع " علي " في السماء السابعة ، ~~تصعد إليه أرواح المؤمنين ، و" سجين " موضع في كتاب الفجار ، وواد في جهنم ~~، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال : " ~~سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة : قال صلى الله عليه وسلم : " الفلق ~~: جب في جهنم مغطى ، وسجين : جب في جهنم مفتوح " والمعنى : إن تاب أعمال ~~الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن ؛ لأن أرواح ~~الكفرة تسجن فيه ، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه ، وهو العلمية ، لأنه علم لموضع. # جزء : 8 رقم الصفحة : 258 PageV08P396 ~~ثم عظم أمره فقال : {وما أدراك ما} هو {سجين} أي : هو بحيث لا يبلغه دراية ~~أحد ، وقوله تعالى : {كتاب مرقوم} ، قال الطيبي : هو على حذف مضاف ، أي : ~~موضع كتاب مرقوم. ه. أو : فيه كتاب مرقوم ، وهو بدل من " سجين " أو : خبر ~~عن مضمر ، بحذف ذلك المضاف ، وأما من جعله تفسيرا لسجين ، بأن جعل سجينا هو ~~نفس الكتاب المرقوم ؛ فلا يصح ؛ إذ يصير المعنى حينئذ : إن كتاب الفجار لفي ~~كتاب ، ولا معنى له. {ويل يومئذ للمكذبين} هو متصل بقوله : {يوم يقوم الناس ~~لرب العالمين} وقيل : ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين {الذين يكذبون ~~بيوم الدين} ؛ الجزاء والحساب ، {وما يكذب به} ؛ بذلك اليوم {إلا كل معتد} ~~؛ مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة ، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى ~~استقصر قدرة الله على إعادته ، {أثيم} ؛ مكتسب للإثم منهمك في الشهوات ~~الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية ، وحملته على إنكارها ، ~~{إذا تتلى عليه آياتنا} التنزيلية الناطقة بذلك {قال} : هي {أساطير ~~الأولين} أي : أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين ، والقائل : قيل : الوليد ~~بن المغيرة ، وقيل : النظر بن الحارث ، وقيل : عام لمن اتصف بالأوصاف ~~المذكورة. # {كلا} ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له ، {بل ران على ~~قلوبهم ms3335 ما كانوا يكسبون} ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة ، ~~أي : ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة ، بل رانت ~~قلوبهم وغشاها ما كانوا # 260 # يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة ، فحال ذلك بينهم ~~وبين معرفة الحق ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " إن العبد كلما أذنب ذنبا ~~حصل في قلبه نكتة سوداء ، حتى يسود قلبه.. " الحديث ، أي : ولذلك قالوا ما ~~قالوا. والرين : الصدأ ، يقال : ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. PageV08P397 # {كلا} ردع وزجر عن الكسب الرائن {إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} لما رانت ~~قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة ، بخلاف المؤمنين ، لما صفت ~~مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك ~~: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي : ~~في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج : في هذه ~~الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة ، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة ~~، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. {ثم إنهم ~~لصالو الجحيم} أي : داخلو النار ، و" ثم " لتراخي الرتبة ، فإن صلي الجحيم ~~أشد من الإهانة ، والحرمان من الرؤية والكرامة. {ثم يقال} لهم : {هذا الذي ~~كنتم به تكذبون} في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 258 PageV08P398 ~~الإشارة : التطفيف يكون في الأعمال والأحوال ، كما يكون في الأموال ، ~~فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا ، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي ~~الله عنهما : الصلاة مكيال ، فمن وفى وفي له ، ومن طفف فقد علمتم ما قال ~~الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. ~~والتطفيف في الأحوال : عدم تصفية القصد فيها ، أو بإخراجها عن منهاج ~~الشريعة ، قال تعالى : {ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون...} الخ ، قال القشيري : يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة ، ~~الطالبين كمال الرأفة والرحمة ، الذين يستوفون من الله ms3336 مكيال أرزاقهم ~~بالتمام ، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران ، ذلك خسران مبين ، ألا ~~يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد ، مهيب المحضر ، فلذلك فسدت ~~أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين ، يوم يكثر فيه الهول ، ~~ويعظم فيه الخطب على المقصرين ، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة ~~العارفين. # {كلا} ليرتدع المقصر عن تقصيره ؛ لئلا ينخرط في سلك الفجار ، {إن كتاب ~~الفجار لفي سجين} المراد بالكتاب هنا : كتاب الأزل ، وهو ما كتب لهم من ~~الشقاوة قبل كونهم ، قال صلى الله عليه وسلم : " السعيد من سعد في بطن أمه ~~، والشقي من شقي في بطن أمه " # 261 PageV08P399 ~~و{وما أدراك ما سجين} فيه {كتاب مرقوم} لأهل الشقاء شقاوتهم. {ويل يومئذ ~~للمكذبين} بالحق وبالدالين عليه ، {الذين يكذبون بيوم الدين} وهم أهل ~~النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم ، {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} ؛ ~~متجاوز عن الذوق والوجدان ، محروم من الكشف والعيان ، {إذا تتلى عليه ~~آياتنا} الدالة علينا {قال أساطير الأولين} أي : إذا سمع الوعظ والتذكير من ~~الدالين على الله قال : خرافات الأولين. وسبب ذلك : الران الذي ينسج على ~~قلبه ، كما قال تعالى : {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون} لما رانت قلوبهم ، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى ، ~~حجبوا عن شهود الحق في الدنيا ، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة ~~، قال الحسن بن الفضل : كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن ~~رؤيته. ه. قال الواسطي : الكفار في حجاب لا يرونه البتة ، والمؤمنون في ~~حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي : والعارفون يرونه كل وقت ، ثم قال : ولا ~~حجاب له غيره ، وليس يسعه سواه ، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط ، ولا فارقت ~~عنه. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 258 PageV08P400 ~~وقال في الإحياء : النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى ، وعند ~~الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم ، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب ، قال ~~تعالى : {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم} فرتب ~~العذاب ms3337 بالنار على ألم الحجاب ، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار ، فكيف ~~إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف ~~الحقيقة ، فكل من طهر قلبه من ران الهوى ، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت ~~له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة ، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة ، ~~ويكون من المقربين أهل عليين ، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ~~ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب ~~عن الشهود ست : ران الكفر ، وران العصيان ، وران الغفلة ، وران حلاوة ~~الطاعات ، وران حس الكائنات ، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان ~~، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله ~~التوفيق. # جزء : 8 رقم الصفحة : 258 # يقول الحق جل جلاله : {كلا} ، ردع للمكذبين ، ثم بين حال الأبرار ، فقال ~~: {إن كتاب الأبرار} أي : ما كتب من أعمالهم ، والأبرار : المؤمنون ~~المطيعون ، لأنه ذكر في # 262 PageV08P401 ~~مقابلة الفجار ، وعن الحسن : البر : الذي لا يؤذي الذر ، {لفي عليين} ، قال ~~الفراء : هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له ، وقيل : واحده " علي " ، و" ~~عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة ، يسكنه المقربون. قال ابن عمر ~~رضي الله عنه : إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى ، فإذا أشرف رجل ~~أشرقت له الجنة ، وقالوا : قد اطلع علينا رجل من أهل عليين ، وقال في ~~البدور : " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه ، فلا تبقى خيمة من ~~خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه ، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون : ~~واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم : " ~~أكثر أهل الجنة البله ، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة ، ~~وفي حديث البراء : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " عليون في السماء ~~السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء ، فإذا عمل العبد عملا صالحا ~~عرج به وأثبت في ذلك الديوان ، وقد روي في الأثر : " أن الملائكة تصعد ~~بصحيفة فيها عمل ms3338 العبد ، فإن رضيه الله قال : اجعلوه في عليين وإن لم يرضه ~~قال : اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال : {وما أدراك ما عليون كتاب ~~مرقوم} أي : موضع كتاب ، أو فيه كتاب مرقوم {يشهده المقربون} أي : الملائكة ~~المقربون ، أو أرواح المقربين ؛ لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. ~~{إن الأبرار} من أهل اليمين {لفي نعيم} عظيم ، {على الأرائك} ؛ على الأسرة ~~في الحجال ، {ينظرون} إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم ، أو : إلى أعدائهم ~~يعذبون في النار ، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك ، {تعرف في وجوههم ~~نضرة النعيم} أي : بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ ~~من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة ، بحيث لا يختص ~~برؤيته راء دون راء. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 262 PageV08P402 ~~يسقون من رحيق} ؛ شراب خالص لا شوب فيه ، وقيل : هو الخمر الصافية ، ~~{مختوم} ؛ مغلق عليه ، {ختامه مسك} أي : مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان ~~الطين ، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها ، ولعله ~~تمثيل لكمال نفاسته ، أو : أخره وتمامه مسك ، أي : يجد الشارب عند آخر شربه ~~رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. {وفي ذلك} الرحيق أو ما ~~تقدم من نعيم الجنان {فليتنافس المتنافسون} ؛ فليرغب الراغبون ، وليجتهد ~~المجتهدون ، أو فليسبق المستبقون ، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات ، والكف عن ~~السيئات. وأصل التنافس : التغالب في الشيء النفيس ، وهو من النفس لعزتها ، ~~وقال البغوي : وأصله : من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس ، ويريده كل ~~أحد لنفسه ، وينفس به على غيره ، أي : يضن به. # 263 # قوله تعالى : {ومزاجه من تسنيم} : عطف على (ختامه) صفة أخرى للرحيق ، وما ~~بينهما اعتراض مقرر لنفاسته ، أي : ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء ~~التسنيم ، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى ، سميت بالتسنيم ~~الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه ، لأنها أرفع شراب في الجنة ، ثم فسرها ~~بقوله : {عينا} ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص ، أو على الحال مع ~~جمودها لوصفها بقوله : {يشرب بها} أي : منها {المقربون} ، قال ابن عباس ms3339 ~~وابن مسعود رضي الله عنهما : فيشربها المقربون صرفا ، وتمزج لأصحاب اليمين. ~~ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات ، أهل الشهود والعيان ، والأبرار أهل ~~الدليل والبرهان ، وهم أهل اليمين ، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم ~~لله ، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة ، وأهل ~~اليمين ، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم ، فالدنيا مزرعة الآخرة ، فمن ~~صفا صفي له ، ومن كدر كدر عليه. PageV08P403 # فإن قلت : لم أمر بالتنافس في الرحيق ، ولم يأمر به في التسنيم ، مع كونه ~~أرفع ؟ قلت : قال بعضهم : إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب ، بل بالسابقة ، ~~وقيل : إنه مقدم من تأخير ، وإن التنافس حاصل في الجميع ، أو يؤخذ بالأحرى ~~؛ لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله ~~تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 262 # الإشارة : قال الورتجبي : كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله ، رقمه ~~بسعادتهم الأزلية ، وولايتهم الأبدية ، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا ~~المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه ، المكاشفون بالحقائق الغيبية ، قال أبو ~~عثمان المغربي : الكتاب المرقوم : هو ما يجري الله على جوارحك من الخير ~~والشر ، رقمها بذلك ، وهو لا يخاف ما رقم به ، وذلك الرقم معلق بالقضاء ~~والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه ، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه ، ~~فهو في ذلك معذور في الظاهر ، غير معذور في الحقيقة ، هذا لعوام الخلق ، ~~وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده ، لم ~~يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون ، فهم أهل الإشراف ، فمن شاهد ذلك الرقم ~~من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة ، فيخبر عنه ، وهو ~~الإشراف والفراسة ، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله : ~~" كان في الأمم مكلمون... " الحديث ، أي : فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم ، ~~وعلى معاني الكتاب المرقوم ، فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق ~~بلا واسطة. قال الجريري : رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في ~~الأزل من السعادة ms3340 والشقاوة ، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد ، وظهر على ~~هياكلهم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " كل ميسر لما خلق له ". # 264 PageV08P404 ~~والحاصل : أن الكتاب المرقوم : هو ما سطر لكل أحد في الأزل ، فإن رقم له ~~بالسعادة جعل في عليين ، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به ، وإن رقم بالشقاوة ~~جعل في سجين ، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى : {يشهده المقربون} أي ~~: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم ، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض ~~أو الجذب ، وهؤلاء هم المكلمون ، وفي الحديث : " قد كان في الأمم مكلمون ، ~~وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. # ثم قال تعالى : {إن الأبرار لفي نعيم} لذة الطاعات وحلاوة المناجاة ، على ~~أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري : ينظرون في روضات ~~الجنان الروحية والسرية والقلبية ، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم ~~علميا لا ذوقيا ، لأن الذوق للمقربين ، تعرف في وجوههم نضرة النعيم ، وهو ~~ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ، ولعل المراد بالأبرار ~~هنا السائرون ، ولذلك قال : {يسقون من رحيق} خمرة المحبة الأزلية ، الصافية ~~من كدر الهوى ، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري : أواني ذلك ~~الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء ، ختامه مسك ، وهو محبة الحق ، لا يشرب ~~من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ~~ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم ، ~~كما قال ابن الفارض : # جزء : 8 رقم الصفحة : 262 # على نفسه فليبك من ضاع عمره # وليس له منها نصيب ولا سهم PageV08P405 ~~وقال القشيري : وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة ، وتعليق القلب ~~بالله ، والانسلاخ من الأخلاق الدنية ، وجولان الهمم في الملكوت ، واستدامة ~~المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم ، وهو عين بحر الوحدة الصافية ، التي قال ~~فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه : وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ ، ولذلك ~~فسرها تعالى بقوله : {عينا يشرب بها المقربون} فالمقربون يشربونه صرفا في ~~الدنيا والآخرة ، ويمزج لغيرهم ، قال بعضهم : لأنه ليس من ms3341 احتمل حمل الصفات ~~كمن قوي على مشاهدة الذات ، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات ~~جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى ، فصفى شرابهم في ~~دار البقاء ، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي ، كما قال الشاعر : # فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا # وإن غبت فالدنيا علي محابس # إذا لم أنافس في هواك ولم أغر # عليك ففي من ليت شعري أنافس # فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها # فكل امرىء يصبو إلى من يجانس # فتنافس الأبرار في حيازة النعيم ، وتنافس المقربين في حيازة المنعم ، ~~تنافس الأبرار # 265 # في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح ، ورضوان من الله أكبر ~~، ذلك هو الفوز العظيم ، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده ، آمنين. # جزء : 8 رقم الصفحة : 262 PageV08P406 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين أجرموا} ؛ كفروا ، كأبي جهل والوليد والعاص ~~بن وائل وأضرابهم ، {كانوا من الذين آمنوا} كعمار وصهيب وخباب وبلال ~~{يضحكون} استهزاء بهم ، {وإذا مروا بهم يتغامزون} ؛ يشير بعضهم إلى بالعين ~~طعنا فيهم وعيبا لهم ، وقيل : جاء علي في نفر من المسلمين ، فسخر منهم ~~المنافقون ، وضحكوا وتغامزوا ، وقالوا : أترون هذا الأصلع ؟ فنزلت قبل أن ~~يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتكون الآية على هذا مدنية ، {وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم} أي : إذا رجع الكفار إلى منازلهم {انقلبوا فاكهين} ، ~~متلذذين بذكرهم بالسوء ، أو متعجبين ، وقرأ حفص : {فكهين} بالقصر ، أي : ~~أشرين أو فرحين ، وقال الفراء : هما سواء كطاعن وطعن. # {وإذا رأوهم} أي : رأى الكافرون المؤمنين {قالوا إن هؤلاء لضالون} أي : ~~مخدوعون ، أي : خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة ~~من الكرامات ، فقد تركوا العاجل بالآجل ، والحقيقة بالخيال ، وهذا عين ~~الضلال ، ولم يشعر هؤلاء الكفرة أن ما اغتروا به وانهمكوا فيه هو عين ~~الضلال ، قال تعالى : {وما أرسلوا عليهم حافظين} أي : وما أرسل الكفار على ~~المسلمين ، يحفظون أعمالهم ، ويرقبون أحوالهم. والجملة حال ، أي : قالوا ~~ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم ، مهيمنين على ~~أعمالهم ، يشهدون برشدهم وضلالهم ms3342 ، بل أمروا بإصلاح أنفسهم ، فاشتغالهم ~~بذلك أولى من تتبع عورات غيرهم. PageV08P407 # {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} ، حين يرونهم مغلولين أذلاء ، قد ~~غشيتهم فنون العذاب والصغار بعد العزة والاستكبار ، وهم {على الأرائك} ~~آمنون ، ووجه ذلك : أنهم لما كانو أعداءهم في الدنيا جعل لهم سرورا في ~~تعذيبهم ، وقال كعب : بين الجنة والنار كوى ، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى ~~عدوه الذي كان له في الدنيا نظر إليه ، دليله : {فاطلع فرءاه في سوآء ~~الجحيم} [الصافات : 55] فضحكوا منهم في الآخرة كما كانوا يضحكون منهم في ~~الدنيا جزاء وفاقا. {على الأرائك ينظرون} حال ، أي : يضحكون منهم ناظرين ~~إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال ، وقيل : يفتح إلى الكفار باب إلى # 266 # الجنة ، فيقال لهم : هلموا إليها ، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم ، يفعل ~~ذلك بهم مرارا ، ويضحك المؤمنون ، ويأباه قوله تعالى : {هل ثوب الكفار ما ~~كانوا يفعلون} فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جبرا لضحكهم منهم في ~~الدنيا ، فلا بد من المجانسة والمشاكلة. والتثويب والإثابة : المجازاة ، أي ~~: ينظرون هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من السخرية بالمؤمنين أم لا ؟ # جزء : 8 رقم الصفحة : 266 # ويحتمل أن يكون مفعول : " ينظرون " محذوفا ، أي : ينظرون إلى أعدائهم في ~~النار ، أو إلى ما هم فيه من نعيم الجنان ، ثم استأنف بقوله : {هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون} أي : هل جوزوا بذلك إذا فعل بهم هذا العذاب المهين ~~، و" هل " على هذا للتقرير ، قال الرضي : وتختص " هل " بحكمين دون الهمزة ، ~~وهما : كونها للتقرير في الإثبات ، كقوله تعالى : {هل ثوب الكفار} أي : ألم ~~يثوبوا ، وإفادتها للنفي حتى جاز أن يجيء بعدها " إلا " قصدا للإيجاب ، ~~كقوله تعالى : {هل جزآء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن : 60] وقول الشاعر : # وهل أنا إلا من غزية إن غوت # غويت ، وإن ترشد غزية أرشد PageV08P408 ~~الإشارة : ما قاله الكفرة في ضعفاء المسلمين قاله أهل الغفلة في المنتسبين ~~الذاكرين ، حرفا بحرف ، وما أرسلوا عليهم حافظين ، فإذا تحققت الحقائق ، ~~ورفع الذاكرون مع المقربين ، وبقي أهل الغفلة مع الغافلين في أهل ms3343 اليمين ، ~~يضحكون منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى ~~الطريق ، وصلى الله عليى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 267 # جزء : 8 رقم الصفحة : 266 PageV08P409 ### | AUTO سورة الانشقاق # جزء : 8 رقم الصفحة : 267 # يقول الحق جل جلاله : {إذا السماء انشقت} أي : تشققت أبوابا لنزول ~~الملائكة في الغمام ، أو : انشقت وطويت كطي السجل للكتاب ، {وأذنت لربها} ~~أي : استمعت ، وفي الحديث : " ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن " ~~أي : ما استمع ، أي : انقادت وأذعنت لتأثير قدرته تعالى حين تعلقت إرادته ~~بانشقاقها ، ولم تأب ولم تمتنع ، {وحقت} أي : وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر ~~ربها ، إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى. # {وإذا الأرض مدت} ؛ بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها حتى تصير ~~كالصحفية الملساء ، عن أبن عباس : تمد مد الأديم العكاظي ، منسوب إلى عكاظ ~~سوق بين نخلة والطائف ، كانت تعمره الجاهلية في ذي القعدة ، عشرين يوما ، ~~تجمع فيه قبائل العرب ، فيتعاكظون ، أي : يتغامزون ويتناشدون ، قاله في ~~القاموس. {وألقت ما فيها} أي : رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز ، كقوله ~~تعالى : {وأخرجت الأرض أثقالها} [الزلزلة : 2]. {وتخلت} منها فلم يبق في ~~جوفها شيء ، وذلك ما يؤذن بعظم الأمر ، كما تلقي الحامل ما في بطنها قبل ~~الوضع. {وأذنت لربها} أي : استمعت في إلقاء ما في بطنها ، وتخليتها عنه ، ~~{وحقت} أي : وهي حقيقة بأن تنقاد لربها ولا تمتنع ، ولكن لا بعد إن لم تكن ~~كذلك ، بل في نفسها وحد ذاتها ، من قولهم : هو محقوق بكذا ، أو حقيق به ، ~~والمعنى : انقادت لربها وهي حقيقة بذلك من ذاتها ، وكذلك يقال في انشقاق ~~السماء. انظر أبا السعود. وجواب (إذا) محذوف ، ليذهب المقدر كل مذهب ، أي : ~~كان من الأمر # 268 # الهائل ما يقصر عنه الوصف ، أو حذف اكتفاء بما تقدم في سورة التكوير ~~والانفطار ، أو ما دل عليه {فملاقيه} أي : إذا السماء انشقت لاقى الإنسان ~~كدحه. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 268 PageV08P410 ~~الإشارة : إذا السماء ، أي : سماء الأرواح انشقت عن ظلمة الأشباح انشقاق ~~الفجر ms3344 عن ظلمة الليل ، فتغيب ظلمة الأشباح في نور عالم الأرواح ، فحينئذ ~~تظهر حقائق الأشياء على ما كانت عليه في الحقيقة الأزلية ، فينتفي الحدث ~~ويبقى القدم. قال الورتجبي : إذا أراد الله قلع الكون ، يلقي على السموات ~~والأرض أثقال هيبة عظمته وكبريائه ، فتنشق السماء ، وتمد الأرض من عكس تجلي ~~عظمته وكبريائه ، وحق لهما أن تتصدعا ، لما عليهما من أثقال قهريات جبروته ~~، حيث يشققهما ، وهما طائعتان لربهما ، وكيف لا تكون منهما طاعة ، وهما في ~~قبضة قهر جلاله أقل من خردلة ، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم : " ~~الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة " وكذلك يتجلى لسماء أرواح العارفين ~~وأرض قلوب المحبين بنعت العظمة والكبرياء ، فتنشق الأرواح وتزلزل القلوب من ~~وقوع نور هيبته عليها ، وبهذا الوصف وصف قلوب المقربين عند نزول خطاب ~~الهيبة ، قال الله تعالى : {حتىا إذا فزع عن قلوبهم...} [سبأ : 23] الآية. ~~قال بعضهم : خطاب الأمر إذا وقع على الهياكل فهي بين مطيع وعاص ، وخطاب ~~الهيبة إذا وردت تفني وتعجز الإقرار معه كقوله : {إذا السماء انشقت} ورد ~~عليها صفة الهيبة فانشقت وأذنت لربها وأطاعت وانقادت ، وحق لها ذلك ، وهو ~~الذي أوجدها. ه وإذا الأرض أرض البشرية مدت ، أي : بسطت ولانت لأحكام ~~الربوبية بالمجاهدة والرياضة ، وألقت ما فيها من الخبائث والعيوب ، وتخلت ~~عنها ، وأذنت لربها في أحكام العبودية والعبادة ، وحقت بذلك ؛ لأن في ذلك ~~شرفها وعزها ، وجواب " إذا " محذوف ، أي : كان من الأسرار والأنوار ~~والمعارف ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ، ولا تحيط به الإشارة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 268 PageV08P411 ~~يقول الحق جل جلاله : {يا أيها الإنسان} خطاب الجنس {إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه} أي : جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة : الجد ~~والاجتهاد ، أي : إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك ، لأن الزمان يطير ~~طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير ، فإنك سائر مسرع إلى الموت ~~، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام : في الآية نكتة لطيفة ، وهي : أنها ~~تدل على انتهاء الكدح والتعب ms3345 للمؤمن بانتهاء # 269 # هذه الحياة الدنيوية ، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. # قلت : إن كان كدحه في طلب مولاه ؛ حصل له بعد موته دوام الوصال ، وصار ~~إلى روح وريحان ، وجنات ورضوان ، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور ، بشر ~~بدوام السرور ، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى ، وإن كان كدحه في طلب ~~الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه ، وإن كان في طلب الحظوظ ~~والشهوات مع التقصير ، انتقل من تعب إلى تعب ، والعياذ بالله. وقال أبو بكر ~~بن طاهر : إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى ، فاجتهد ألا ~~تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. PageV08P412 # ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال : {فأما من أوتي كتابه بيمينه} أي : كتاب ~~عمله {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} ؛ سهلا هينا ، وهو الذي يجازي على الحسنات ~~ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث : " من يحاسب عذب " فقيل له : فأين قوله ~~تعالى : {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} فقال : " ذلكم العرض ، من نوقش الحساب ~~عذب " والعرض : أن يقال له : فعلت كذا وفعلت كذا ، ثم يقال له : سترتها ~~عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم. {وينقلب إلى أهله} أي : إلى عشيرته ~~إن كانوا مؤمنين ، أو : إلى فريق المؤمنين ، أو : إلى أهله في الجنة من ~~الآدمية أو الحور والغلمان ، أو : إلى من سبقه من أهله أو عشيرته ، إن قلنا ~~: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق ~~بأهلها وعشيرتها ، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى : {مسرورا} أي : ~~مبتهجا بحاله ، قائلا : {هآؤم اقرؤا كتابيه} [الحاقة : 19] أو : مسرورا ~~بلقاء ربه ودوام وصاله. # جزء : 8 رقم الصفحة : 269 # تنبيه : الناس في الحساب على أقسام ، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب ، ~~وهم العارفون المقربون ، أهل الفناء في الذات ، ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا ~~، وهم الصالحون الأبرار ، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة ، وهم ~~عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد ، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب ، ~~وهم الكفرة ، وإليهم أشار بقوله : PageV08P413 # {وأما من أوتي كتابه وراء ms3346 ظهره} ، قيل : تغل يمناه إلى عنقه ، وتجعل شماله ~~وراء ظهره. وقيل : يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره ، فيعطى كتابه بها وراء ~~ظهره ، {فسوف يدعو ثبورا} يقول : واثبوراه. والثبور : الهلاك ، {ويصلى ~~سعيرا} أي : يدخلها ، {إنه كان} في الدنيا {في أهله} أي : معهم {مسرورا} ~~بالكفر ، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل : كان لنفسه متابعا ، وفي هواه ~~راتعا ، {إنه ظن أن لن يحور} ؛ لن يرجع إلى ربه ، تكذيبا بالبعث. قال ابن ~~عباس : ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها : حوري. أي : ارجعي. ~~{بلى} جواب النفي ، أي : يرجع لا محالة ، {إن ربه كان به بصيرا} أي : إن ~~ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى # 270 # عليه منها خافية ، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. PageV08P414 # الإشارة : يا أيها الإنسان الطالب الوصول ، إنك كادح إلى ربك كدحا ~~بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء ، ~~فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين ~~والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب ، ~~" وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال ~~الورتجبي : مسرورا بلقاء ربه ، وما نال من قربه ووصاله ، وهذا للمتوسطين ، ~~ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من ~~أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل ، وراء ظهره ، بحيث غفل عن التوجه إلى ~~الله ، واتخذه وراء ظهره ، فسوف يدعو ثبورا ، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن ~~شيئا ، ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا ~~، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته ، ليس له من يؤذيه ، وهذا من علامة ~~الاستدراج ، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه ، يحركه إلى ربه ، قال بعض ~~الصوفية : قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي : الجاهل ~~ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة ، بل يرده الله ويحاسبه على ~~النقير والقطمير ، إنه كان به ms3347 بصيرا بظاهره وباطنه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 269 # يقول الحق جل جلاله : {فلا أقسم بالشفق} وهي الحمرة التي تشاهد في أفق ~~المغرب بعد الغروب ، أو : البياض الذي يليها ، سمي به لرقته ، ومنه : ~~الشفقة التي هي رقة القلب. {والليل وما وسق} ؛ وما جمع وضم ، يقال : وسقه ~~فاتسق ، أي : جمعه فاجتمع ، أي : وما جمعه من الدواب وغيرها ، أو : ما جمعه ~~من الظلمة والكواكب ، وما عمل فيه من التهجد ، {والقمر إذا اتسق} أي : ~~اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. PageV08P415 # {لتركبن طبقا عن طبق} ؛ لتلاقن حالا بعد حال ، كل واحدة منها مطابقة لأختها ~~في الشدة والفظاعة ، كأحوال شدائد الموت ، ثم القبر ، ثم البعث ، ثم الحشر ~~، ثم الحساب ، ثم الميزان ، ثم الصراط. أو : حالا بعد حال ، النطفة ، ثم ~~العلقة ، ثم المضغة ، ثم الجنين ، ثم الخروج إلى الدنيا ، ثم الطفولة ، ثم ~~الكهولة ، ثم الشيخوخة ، ثم الهرم ، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول ~~الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء : يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن ~~يهرم على نيف وثلاثين اسما : نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، # 271 # ثم عظاما ، ثم خلقا آخر ، ثم جنينا ، ثم وليدا ، ثم رضيعا ، ثم فطيما ، ~~ثم يافعا ، ثم ناشئا ، ثم مترعرعا ، ثم مزورا ، ثم مراهقا ، ثم محتلما ، ثم ~~بالغا ، ثم حملا ، ثم ملتحيا ، ثم مستوفيا ، ثم مصعدا ، ثم مجتمعا والشباب ~~يجمع ذلك ثم ملهورا ، ثم كهلا ، ثم أشمط ، ثم شيخا ، ثم أشيب ، ثم حوقلا ، ~~ثم مقتاتا ، ثم هما ، ثم هرما ، ثم ميتا. وهذا معنى قوله : {لتركبن طبقا عن ~~طبق}. ه. من الثعلبي. أو : لتركبن سنن من قبلكم ، حالا بعد حال. # هذا على من قرأ بضم الباء ، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان ~~المتقدم ، فيجري فيه ما تقدم ، أو : للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي : ~~لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال ، أو : لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء ~~، أو : لتركبن السماوات في الإسراء ، سماء بعد سماء. أو : لتركبن أحوال ~~أيامك ، حالا بعد حال ، حال البعثه ، ثم حال الدعوة ، ثم ms3348 حال الهجرة ، ثم ~~حال الجهاد وفتح البلاد ، ثم حال الحج وتوديع العباد ، ثم حال الرحيل إلى ~~دار المقام ، ثم حال الشفاعة ، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في ~~اللغة يطلق على الحال ، كما قال الشاعر : # جزء : 8 رقم الصفحة : 271 # الصبر أجمل والدنيا مفجعة # من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا # إذا صفا لك من مسرورها طبق PageV08P416 ~~أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا # ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض ، أي : ملأها ، ومنمهم قول ~~العباس في النبي صلى الله عليه وسلم : # تنقل من صالب إلى رحم # إذا مضى عالم بدا طبق # ومحل (عن طبق) : النصب ، على أنه صفة لطبق ، أي : طبقا مجاوزا لطبق ، أو ~~: حال من الضمير في " لتركبن " أي : مجاوزين لطبق. {فما لهم لا يؤمنون} ، ~~الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، من أحوال يوم القيامة وأهوالها ، أي ~~: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر ، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير ~~مؤمنين ، أي : أي شيء يمنعهم من الإيمان ، وقد تعاضدت موجباته ؟ {وإذا قرىء ~~عليهم القرآن لا يسجدون} ولا يخضعون ، وهي أيضا جملة حالية ، نسقا على ما ~~قبلها ، أي : أي : مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة ~~القرآن ؟ . قيل : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم : {واسجد واقترب} ~~[العلق : 19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين ، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر ، ~~فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس : " ليس في المفصل ~~سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها ، وقال : ~~" والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد # 272 # فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه : " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي ~~الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. PageV08P417 # {بل الذين كفروا يكذبون} بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها ~~، مع تحقق موجبات تصديقهم ، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته {والله أعلم بما ~~يوعدون} ؛ بما يضمرون في قلوبهم ، ويخفون في ms3349 صدورهم من الكفر والحسد والبغي ~~والبغضاء ، أو : بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ، ويدخرون لأنفسهم من ~~أنواع العذاب ، {فبشرهم بعذاب أليم} ؛ أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم ، {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ، استثناء منقطع ، {لهم أجر غير ممنون} ؛ غير ~~مقطوع ، أو غير ممنون به. PageV08P418 # الإشارة : أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته ، وما اشتمل عليه ليل ~~الحجاب من أنواع العمال ، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " ؛ بنور بداية ~~الإيمان ، الذي هو كبياض الشفق ، " والليل وما وسق " ؛ وليل الحجاب ، وما ~~اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء ، وقمر الإيمان ~~إذا جنح نوره ، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون ، طبقا عن طبق ؛ حالا ~~بعد حال ، حتى تنتهوا إلى شمس العيان ، فأول الأحوال : حال التوبة ، ثم حال ~~اليقظة ، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس ، ثم حال المراقبة ، ثم حال ~~الاستشراف ، على الحضرة ، ثم حال المشاهدة ، ثم حال المعاينة ، ثم حال ~~المكالمة ، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم ، أي : لأهل الإنكار ~~، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق ، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا ~~المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره ، بل الذين كفروا بطريق الخصوص ، ~~يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب ، أو من ~~الإنكار ، فبشرهم بعذاب البعد والحجاب ، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق ~~الخصوص ، وسلكوها معهم ، لهم آجر ، وهو مقام الشهود ، غير ممنون ؛ غير ~~مقطوع ، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية ، أو : غير ~~ممنون به ، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى ~~سواء الطريق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 273 # جزء : 8 رقم الصفحة : 271 PageV08P419 ### | AUTO سورة البروج # جزء : 8 رقم الصفحة : 273 # يقول الحق جل جلاله : {والسماء ذات البروج} الأثني عشر ، وهي الحمل ، ~~والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، ~~والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة ، ~~وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر ، أو : عظم الكواكب ، سميت بروجا لظهورها ~~، من : التبرج ، أي الظهور ، أو : أبواب ms3350 السماء ، فإن النوازل تخرج منها ، ~~{واليوم الموعود} أي : يوم القيامة. # {وشاهد ومشهود} أي : وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه ، والمراد بالشاهد : ~~من يشهد فيه من الخلائق كلهم ، وبالمشهود فيه : ما في ذلك اليوم من عجائبه ~~وأهواله ، إذا أريد بالشهود : الحضور ، وإذا أريد الشهادة ، فيقدر المعمول ~~، أي : مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود ، ~~فقيل : الشاهد : أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، والمشهود : سائر الأمم ؛ ~~لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل : الشاهد : عيسى # 276 # عليه السلام ، والمشهود : أمته ، لقوله : {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} ~~[المائدة : 117] ، وقيل : الشاهد : جميع الأنبياء ، والمشهود : أممهم ، ~~وقيل : الشاهد : الملائكة الحفظة ، والمشهود : الناس ، لأنهم يشهدون عليهم ~~يوم القيامة. وقيل : الشاهد : الجوارح ، والمشهود عليهم : أصحابها وقيل : ~~الشاهد : الله والملائكة وأولو العلم ، والمشهود به : الوحدانية ، لقوله ~~تعالى : {شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة} [آل عمران : 18] الخ. ~~وقيل : الشاهد : جميع المخلوقات ، والمشهود به : وجود خالقها وإثبات صفاته ~~من الحياة والقدرة... وغير ذلك. PageV08P420 # وقيل : الشاهد : النجم ، للحديث : " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " ~~أي : النجم والمشهود : الليل ، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. ~~وقيل : الشاهد : الحجر الأسود ، والمشهود : الناس يحجون ، لأنه يشهد عليهم ~~يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل : الشاهد : يوم الجمعة ، والمشهود : ~~يوم عرفة ، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال ، ويوم عرفة يشهده الناس ، وهذا ~~مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل : الشاهد : يوم عرفة ، والمشهود : يوم ~~النحر. قاله علي رضي الله عنه ، انظر ابن جزي. وقيل : الشاهد : الأيام ~~والليالي ، والمشهود : بنو آدم ، للحديث " ما من يوم إلا وينادي : أنا يوم ~~جديد ، وعلى ما يفعل به شهيد ، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة ، وأنشدوا : # جزء : 8 رقم الصفحة : 276 # مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا # وخلفت في يوم عليك شهيد # فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة # فثنه بإحسان وأنت حميد # ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد # لعل غدا يأتي وأنت فقيد # فيومك إن أتعبته نفعه غدا # عليك وماضي العيش ليس يعود # وجواب القسم إما ms3351 محذوف يدل عليه : {قتل...} الخ ، كأنه قيل : أقسم بهذه ~~الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن {أصحاب الأخدود} أو : هو قتل بعينه ~~على حذف اللام ، لطول الكلام ، أي : لقد قتل أصحاب الأخدود ، والمراد : ~~تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان ، وتصبيرهم على أذى الكفرة ، ~~وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب ، وصبرهم على ذلك ، حتى يأنسوا ~~ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم ، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة ~~أولئك ، ملعونون مثلهم. والأخدود : الخد في الأرض ، أي : الشق. # 275 PageV08P421 ~~روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كان لبعض الملوك ~~ساحر ، فلما كبر ، قال للملك : قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر ، فضم ~~إليه غلاما ليعلمه ، وكان في طريق الغلام راهب ، فسمع منه وأعجبه ، وكان ~~يحتبس عنده ، فيضربه الساحر ، فقال له الراهب : إذاخشيت الساحر ، فقل له : ~~حبسني أهلي ، وإذا خشيت أهلك ، فقل : حبسني الساحر ، فرأى في طريقه ذات يوم ~~دابة قد حبست الناس ، وقيل : كانت أسدا ، وقيل : ثعبانا ، فأخذ حجرا ، وقال ~~: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها ، فقتلها ، وكان الغلام ~~تعلم من الساحر اسم الله الأعظم ، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص ، ~~ويشفي من الأدواء ، فعمي جليس الملك فأبراه ، وأبصره الملك ، فقال : من رد ~~عليك بصرك ؟ فقال : ربي ، فغضب ، فعذبه ، فدل على الغلام ، فعذبه ، فدل على ~~الراهب ، فلم يرجع عن دينه ، فقد بالمنشار ، وأبى الغلام ، فذهب به إلى جبل ~~ليطرح من ذروته فدعا ، فرجف بالقوم ، فطاحوا ، ونجا ، فذهب به إلى قرقورة ~~وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه ، فدعا ، فانكفأت بهم السفينة ، فغرقوا ، ~~ونجا ، فقال للملك : لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد ، وتصلبني على جذع ~~، وتأخذ سهما من كنانتي ، وتقول : بسم الله رب الغلام ، ثم ترميني به ، ~~فرماه فوقع في صدغه ، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس : آمنا برب الغلام ، ~~فقيل للملك : نزل بك ما كنت تحذر ، فخد أخدودا ، فملأها نارا ، فمن لم يرجع ~~عن دينه طرحه فيها ، حتى جاءت امرأة معها صبي ، فتقاعست ، فقال ms3352 الصبي : يا ~~أماه! اصبري ، فإنك على الحق ، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها : قعي ولا تنافقي ~~، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 276 PageV08P422 ~~واسم الغلام : عبد الله بن الثامر ، واسم الراهب : فيميون ، واسم الملك : ~~ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل : تعددت قضية الأخدود ، ~~فكانت واحدة بنجران باليمن ، والأخرى بالشام ، والأخرى بفارس ، فنزل القرآن ~~في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب : كنا عند عمر ، إذ ورد ~~عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة ، وأصبعه على صدغه كما قتل ، ~~فكلما مدت يده رجعت مكانها ، فكتب عمر : أن واروه حيث وجدتموه.ه. # وقوله تعالى : {النار} ؛ بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير ، اي : ~~فيه ، وقيل : قاعدة الضمير أغلبية ، و{ذات الوقود} وصف لها بغاية العظم ، ~~وارتفاع اللهب ، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس ، {إذ هم عليها ~~قعود} ؛ ظرف لقتل ، أي : لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار ، قاعدين عليها ~~في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود ، # 276 # {وهم معلى ما يفعلون بالمؤمنين} من الأحراق {شهود} يشهد بعضهم لبعض عند ~~الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به ، وفوض إليه من التعذيب ، أو : : ~~إنهم {شهود} يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة ، يوم تشهد عليهم ~~ألسنتهم ، وقيل : " على " بمعنى " مع " أي : وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من ~~العذاب حضور ، ولا يرقون لهم ، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه ~~النظم الكريم ، وتنطق به الروايات المشهورة. # وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار ، وهم قعود عليها ، ~~علقت بهم النار ، فاحترقوا ، ونجا الله المؤمنين سالمين ، وإلى هذا القول ~~ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى : {ولهم عذاب ~~الحريق}. # {وما نقموا منهم} أي : وما عابوا منهم وأنكروا عليهم ، يقال : نقم ~~بالفتح والكسر : عاب ، أي : عابوا منهم {إلا أن يؤمنوا بالله} وهذا كقول ~~الشاعر : # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب PageV08P423 ~~وكقوله تعالى : {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} ms3353 ~~[الحج : 40] وعبر بلفظ المضارع ، ولم يقل : إلا أن آمنوا ، مع أن القصة قد ~~وقعت ، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان ، ولو كفروا بالرجوع ~~عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى : {العزيز الحميد} ، ذكر ~~الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به ، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا ، يخشى ~~عقابه ، حميدا منعما ، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه ، ليقرر أن وصف ~~الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم ، له جلالة ، وأن من رام صاحبه بالانتقام ~~والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي ، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 276 # الذي له ملك السموات والأرض} فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له ، ~~{والله على كل شيء شهيد} وعيد لهم شديد ، يعني : أنه تعالى علم بما فعلوا ~~وسيجازيهم عليه. # {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} أي : محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه ، ~~والمراد بهم : إما أصحاب الأخدود خاصة ، وبالمفتونين : المطروحين في ~~الأخدود ، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق ، وهم ~~داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية : الأشبه أن المراد بهؤلاء ~~قريش ، حيث طانوا يعذبون من أسلم ، ويقويه بعض التقوية : قوله تعالى : {ثم ~~لم يتوبوا} لأنه روي : أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم ، وأما قريش فكان ~~منهم من تاب بعد نزول الآية.ه. مختصرا. {فلهم عذاب # 277 PageV08P424 ~~جهنم} في الآخرة لكفرهم ، {ولهم عذاب الحريق} في الدنيا لما تقدم أن النار ~~انقلبت عليهم فأحرقتهم ، أو : عذاب الحريق : نار أخرى عظيمة تحرقهم في ~~الآخرة ، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة : خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين ~~المبتدأ معنى الشرط ، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. ~~الإشارة : والسماء ذات البروج ، أي : سماء الحقائق ، صاحبة المنازل التي ~~تنزل فيها السالك في ترقبه إليها ، من أرض الشرائع ، كمقام التوبة ، ثم ~~الصبر ، ثم الورع ، والزهد ، ثم التكل ، ثم الرضا والتسليم ، ثم المراقبة ، ~~ثم المشاهدة ، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر ، وهو وقت الخروج من شهود ~~الكون إلى شهود المكون ، وشاهد هو ms3354 الذي يشهد ذات الحق عيانا ، ومشهود ، هو ~~عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي : الشاهد هو والمشهود ~~هو ، يرى نفسه بنفسه ، أي : لا يراه أحد بالحقيقة سواه ، وأيضا : الشاهد هو ~~، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس ، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف ~~، وأيضا : اشاهد هو قلوب المحبين ، والمشهود لقاؤه ، وهو شاهدهم وهو ~~مشهودهم ، هو شاهد العارف والعارف شاهده.ه. قتل أصحاب الأخدود ، وهم ~~الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا ، المعذبون لأهل التوجه ، وما ~~نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان ، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل ~~التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب ~~والخوف والجزع. # ثم ثنى بأضدادهم ، فقال : # جزء : 8 رقم الصفحة : 276 PageV08P425 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين آمنوا} وصبروا على الإيمان {وعملوا ~~الصالحات} من المفتونين وغيرهم {لهم} بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح {جنات ~~تجري من تحتها الأنهار} ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ~~ظاهر ، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة ~~، فإن أشجارها ساترة لساحتها ، كما يعرب عنه اسم الجنة. {ذلك هو الفوز ~~الكبير} الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها ، ~~والفوز : النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة ~~بما ذكر ، والتذكير لتأويلها بما ذكر ، وإما إلى ما يفيده قوله : {لهم ~~جنات...} الخ ، من حيازتهم لها ، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا ~~، وما فيه # 278 # من البعد للإيذان بعلو درجته ، وبعد منزلته في الفضل. ومحله : الرفع ، ~~وخبره : ما بعده. PageV08P426 # {إن بطش ربك لشديد} ، البطش : الأخذ بعنف ، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم ~~وتعاظم أمره. والمراد : أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام ، وهو ~~استئناف ، خواطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا ~~موفورا من مضمونه ، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة ~~لضميره صلى الله عليه وسلم. {إنه هو يبدىء ويعيد} أي : هو يبدىء الخلق وهو ~~يعيده ، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه ms3355 ، فقد دل ~~باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه ، أو : هو يبدىء البطش بالكفرة ~~في الدنيا ويعيده في الآخرة. {وهو الغفور} الساتر للعيوب ، الغافر للذنوب ، ~~{الودود} المحب لأوليائه ، أو : الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود ، من ~~إعطائهم ما أرادوا ، {ذو العرش} أي : خالقه ومالكه ، وقيل : المراد بالعرش ~~: الملك ، أي : ذو السلطة القاهرة {المجيد} بالجر صفة للعرش ، وبالرفع صفة ~~لذو ، أي : العظيم في ذاته ، فإنه واجب الوجود ، تام القدرة {فعال لما ~~يريد} بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده ، ففيه ~~دلالة على خلق أفعال العباد ، وهو خبر عن محذوف. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 278 # هل أتاك حديث الجنود} أي : قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو ~~استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة ، والكفرة العتاة. ~~وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى ~~الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. {فرعون وثمود} ؛ بدل من الجنود ؛ لأن ~~المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم : ما صدر منهم من التمادي على ~~الكفر والضلال ، وما حل بهم من العذاب والنكال ، أي : قد أتاك حديثهم ، ~~وعرفت ما فعل بهم ، فذكر قومك ببطش الله تعالى ، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما ~~أصاب أمثالهم. PageV08P427 # {بل الذين كفروا في تكذيب} ، إضراب عن مماثلتهم ، وبيان لكونهم أشد منهم في ~~الكفر والطغيان ، كأنه قيل : ليسوا مثلهم في ذلك ، بل هم أشد منهم في ~~استحقاق العذاب واستيجاب العقاب ، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن ~~الكريم ، أو كأنه قيل : ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا ~~من حديثهم ، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك ، لكن لا أنهم ~~يكذبون بوقوع تلك الحادثات ، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع ~~وضوح أمره ، وظهور حاله ، بالبينات الباهرة. {والله من ورائهم محيط} ؛ عالم ~~بأحوالهم ، قادر عليهم ، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله ~~تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. # {بل هو قرآن مجيد} أي : بل هذا الذي ms3356 كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في ~~الكتب السماوية ، وفي نظمه وإعجازه ، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم ، ~~وتحقيق للحق ، أي : ليس الأمر كما قالوا ، بل هو كتاب شريف {في لوح محفوظ} ~~من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن ، والباقي بالجر صفة ~~للوح ، أي : محفوظ من # 279 # وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن : شيء يلوح للملائكة يقرؤونه ، وعن ~~ابن عباس رضي الله عنه : هو من درة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، ~~وعرضه ما بين المشرق والمغرب ، قلمه نور ، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل : ~~هو عن يمين العرش ، وقيل : أعلاه معقود بالعرش ، وأسفله في حجر ملك كريم ه. PageV08P428 # الإشارة : إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا ، وعملوا الصالحات بأيدي ~~القلوب والأرواح والأسرار ، يعني العمل الباطني ، لهم جنات المعارف ، تجري ~~من تحتها أنهار العلوم والحكم ، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن ~~بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد ، وهو غم الحجاب وسوء ~~الحساب ، إنه هو يبدىء ويعيد ، يبدىء الحجاب للمحجوبين ، ويعيد الشهود ~~للعارفين ، وهو الغفور للتائبين المتوجهين ، الودود للسائرين المحبين. قال ~~الورتجبي : الغفور للجنايات ، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش : ذو ~~السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي : وصف نفسه ~~بإيجاد العرش ، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه ، أي : بقوله : {المجيد} ~~إعلاما بأنه كان ولا مكان ، والآن ليس في المكان ، إذ جلاله وجماله منزه عن ~~مماسة المكان ، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري : ويجوز أن يكون ~~المراد بالعرش : قلب العارف المستوي للرحمن ، كما جاء الحديث : " قلب ~~العارف عرش الله " ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 278 PageV08P429 ~~فعال لما يريد ، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري : إن أراد ~~أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك ، وهو عادل في ذلك ~~، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره ، ولا ~~يكون مع غير الله قراره ، هل أتاك حديث الجنود ، أي : جنود النفس التي ~~تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل ، ثم ms3357 فسرها بفرعون الهوى ، ~~وثمود حب الدنيا ، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب ، ~~لهذا كله ، فلا يفرقون بين الروح والنفس ، ولا بين الفرق والجمع ، والله من ~~ورائهم محيط ، لا يفوته شيء ، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا ، ~~بل هو أي : ما يوحي إلى الأسرار الصافية ، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في ~~لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية ، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 280 # جزء : 8 رقم الصفحة : 278 PageV08P430 ### | AUTO سورة الطارق # جزء : 8 رقم الصفحة : 280 # يقول الحق جل جلاله : {والسماء والطارق} ، عظم تعالى قدر السماء في أعين ~~الخلق ؛ لكونها معدن رزقهم ، ومسكن ملائكته ، وفيها خلق الجنة ، فأقسم بها ~~وبالطارق ، والمراد : جنس النجوم ، أو جنس الشهب التي يرجم بها ، لعظم ~~منفعتها ، ثم عظمه ونوه به ، فقال : {وما أدراك ما الطارق} بعد أن فخمه ~~بالإقسام به ، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق ، فلا بد من ~~تلقيه من الخلاق العليم ، أي : أي شيء أعلمك بالطارق ، ثم فسره بقوله : ~~{النجم الثاقب} ؛ المضيء ، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه ، ووصف ~~بالطارق لأنه يبدو بالليل ، كما يقال للآتي ليلا : طارق ، أو : لأنه يطرق ~~الجني ، أي : يصكه. وقيل : المراد به كوكب معهود ، قيل : هو الثريا ، وقيل ~~زحل ، وقيل الجدي. # ثم ذكر المقسم عليه ، فقال : {إن كل نفس لما عليها حافظ} ، " إن " نافية ~~، و" لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها ، وهي لغة هذيل ، يقولون : " ~~نشدتك الله لما قمت " أي : إلا قمت ، أي : ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن ~~رقيب ، وهو الله عز وجل ، كما في قوله تعالى : {وكان الله علىا كل شيء ~~رقيبا} [الأحزاب : 52] أو : من يحفظ عملها ، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو ~~شر ، كما في قوله تعالى : {وإن عليكم لحافظين(10)} [الانفطار : 10] أو : من ~~يحفظها من الآفات ، ويذب عنها ، كما في قوله تعالى : {له معقبات من بين # 281 # يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد : 11] ، وفي الحديث عنه صلى ms3358 ~~الله عليه وسلم : " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك ، يذبون عنه ما لم يقدر ~~عليه ، كما يذب عن قصعة العسل الذباب ، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين ~~لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم : {إن كل نفس..} الخ. و" ما ~~" : صلة في قراءة من خفف ، أي : إنه ، أي : الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 281 PageV08P431 ~~فلينظر الإنسان مم خلق} ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا ، أمره بالنظر في ~~أول نشأته ، وبالتفكر فيها حق التفكر ، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه ~~من مواد لم تشم رائحة الحياة قط ، فهو قادر على إعادته ، فيعمل ليوم ~~الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به ، ولا يملي على حافظه ما يرديه ، ~~فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل ، أي : إذا علم أن على كل إنسان حفظة ~~يحفظونه من الآفات ، أو يكتبون أعماله ، خيره وشرها ، دقيقها وجليلها ، ~~وأنه لم يخلق عبثا ، ولم يترك سدى ، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له ~~صانعا ، فيعبده ولا يشرك به شيئا ، ثم فسر أصل نشأته فقال : {خلق من ماء ~~دافق} ، فهو استئناف بياني ، كأنه قيل : مم خلق ؟ فقال : خلق من ماء دافق ، ~~والدفق : صب فيه دفع وسرعة ، والدفق في الحقيقة لصاحبه ، والاستناد إلى ~~الماء مجاز ، ولم يقل : من ماءين ؛ لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. {يخرج ~~من بين الصلب والترائب} أي : صلب الرجل وترائب المرأة ، وهي عظام صدرها ، ~~حيث تكون القلادة ، وقيل : العظم والعصب من الرجل ، واللحم والدم من المرأة ~~، وقال بعض الحكماء : إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع ، وتنفصل عن ~~جميع الأعضاء ، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف ~~بعضها على بعض عند البيضتين ، فالدماغ أعظم معونة في توليدها ، ولذلك كان ~~الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه ، وله خليفة هو النخاع ، وهو في الصلب ، ~~وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب ، وهما أقرب إلى أوعية المني ، فلذا خصا ~~بالذكر ، فالمعنى على هذا : يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب ms3359 المرأة ~~وترائبها ، وهو الأحسن ، وبه صدر ابن جزي. PageV08P432 # {إنه} أي : الخالق ، لدلالة " خلق " عليه ، أي : إن الذي خلق الإنسان ~~ابتداء من نطفة ، {على رجعه} ؛ على إعادته بعد موته {لقادر} بين القدرة. ~~وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا ~~حشر ولا بعث ، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى ~~الأجساد ، {يوم تبلى السرائر} أي : تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات ~~وغيرها ، وما أخفي من الأعمال ، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر : ~~القلوب ، هو ظرف ل " رجعه " ، أي : إنه لقادر على رده بالبعث في هذا # 282 # اليوم الذي تفضح فيه السرائر ، {فما له من قوة} في نفسه يمتنع بها {ولا ~~ناصر} ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا ~~إما بقوة الأنسان ، وإما بنصر غيره له ، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 281 PageV08P433 ~~الإشارة : أقسم تعالى بقلب العارف ، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ~~ونجوم العلم ، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ، ثم نوه ~~بذلك الطارق ، فقال : {وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب} أي : هو نجم ~~العلم الثاقب لظلمة الجهل ، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما ~~عليها حافظ ، وهو الله ، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن ، ففيه حث على ~~تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة ~~بشريته ، خلق من ماء دافق ، يخرج من محل البول ويقع في محل البول ، فإذا ~~نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر ، وفي ذلك عزه وشرفه ، من تواضع رفعه ~~الله. وفيه روح سماوية قدسية ، إذا اعتنى بها وزكاها ، نال عز الدارين وشرف ~~المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي ، ومن جهة ~~روحانيته سماوي ، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه : أي : رده إلى أصله ، ~~حين برز من عالم الغيب ، بظهور روحه ، لقادر ، فيصير روحانيا سماويا ، بعد ~~أن كان بشريا أرضيا ، وذلك يوم تبلى السرائر ms3360 بإظهار ما فيها من المساوىء ، ~~ليقع الدواء عليها ، فتذهب ، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها ، فما لها من ~~قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله ، ولا ناصر ينصره على ~~الظفر بها إلا من الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # جزء : 8 رقم الصفحة : 281 PageV08P434 ~~يقول الحق جل جلاله : {والسماء ذات الرجع} أي : المطر ، لأنه يرجع حينا بعد ~~حين ، وسمته العرب بذلك تفاؤلا ، {والأرض ذات الصدع} أي : الشق ، لأنها ~~تنصدع عن النبات والأشجار ، لا بالعيون كما قيل ، فإن وصف السماء بالرجع ، ~~والأرض بالشق ، عند الإقسام بها على حقية القرآن الناطق بالبعث ؛ للإيماء ~~إلى أنهما في أنفسهما من شواهده ، وهو السر في التعبير عنه بالرجع والصدع ، ~~لأن في تشقق الأرض بالنبات محاكاة للنشور ، حسبما ذكر في مواضع من القرآن ، ~~لا في تشققها بالعيون. {إنه} أي : القرآن {لقول فصل} ؛ فاصل بين الحق ~~والباطل ، كما قيل له : فرقانا ، وصفه بالمصدر ، كأنه نفس الفعل ، {وما هو ~~بالهزل} أي : ليس في شيء منه شائبة هزل ، بل كله جد محض ، ومن حقه حيث ~~وصفه الله بذلك أن يكون مهابا في الصدور ، معظما في القلوب ، يرتفع به ~~قارئه وسامعه ، ويهتدي به الغواة ، وتخضع له رقاب العتاة. # 283 # {إنهم} أي : أهل مكة {يكيدون} في إبطال أمره ، وإطفاء نوره {كيدا} على ~~قدر طاقتهم {وأكيد كيدا} أي : أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده ، فأستدرجهم ~~إلى الهلاك من حيث لا يعلمون. فسمي جزاء الكيد كيدا ، كما سمي جزاء ~~الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة ، وإن لم يكن اعتداء وسيئة ، ولا يجوز إطلاق ~~هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه المشاكلة ، كقوله : {يخادعون الله ~~وهو خادعهم} [النساء : 142] إلى غير ذلك {فمهل الكافرين} أي : لا تدع ~~بهلاكهم ، ولا تشغل بالانتقام منهم ، بل اشتغل بالله يكفك أمرهم {أمهلهم ~~رويدا} أي : إمهالا يسيرا ، ف " أمهلهم " : بدل من " مهل " ، وخالف بين ~~اللفظتين لزيادة التسكين والتصبير. و" رويدا " : مصدر أرود ، بالترخيم ، ~~ولا يتكلم به إلا مصغرا ، وله في الاستعمال وجهان آخران : كونه اسم فعل ، ~~نحو ms3361 رويد زيدا ، وكونه حالا ، نحو : سار القوم رويدا ، أي : متمهلين. PageV08P435 # الإشارة : اعلم أن الحقيقة سماء ، والشريعة أرض ، والطريقة سلم ومعراج يصعد ~~إليها ، فمن لا طريقة له لا عروج له إلى سماء الحقائق ، فأقسم تعالى بسماء ~~الحقائق ، وأرض الشرائع ، على حقية القرآن ، ووصف الحقيقة بالرجع ، لأنه ~~يقع الرجوع إليها بالفناء ، ووصف أرض الشريعة بالصدع ؛ لأنها تتصدع عن علوم ~~وأنوار تليق بها ، ووصف القرآن بالفصل بين الحق والباطل ، فمن طلب الحق من ~~غيره أضله الله. ووصفه أيضا بالجد غير منسوب لشيء من الهزل ، فينبغي ~~للقارىء عند تلاوته أن يكون على حال هيبة وخشوع ، لا يمزج قراءته بشيء من ~~الهزل أو الضحك ، كما يفعله جهلة القراء. # جزء : 8 رقم الصفحة : 283 # ثم أمر بالغيبة عن الأعداء ، والاشتغال بالله عنهم بقوله : {فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا} ، قال بعض العارفين : لا تشتغل قط بمن يؤذيك ، ~~واشتغل بالله يرده عنك ، فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق ، ~~وقد غلط في هذا خلق كثير ، اشتغلوا بإذاية من آذاهم ، فدام الأذى مع الإثم ~~، ولو أنهم رجعوا إلى الله لكفاهم أمرهم. ه. # وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # 284 # جزء : 8 رقم الصفحة : 283 PageV08P436 ### | AUTO سورة الأعلى # جزء : 8 رقم الصفحة : 284 # يقول الحق جل جلاله : {سبح اسم ربك} أي : نزه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه ~~، بالتأويلات الزائغة ، وعن إطلاقه على غيره بوجه يوجب الاشتراك في معناه ، ~~فلا يسمى به صنم ولا وثن ولا شيء مما سواه تعالى ، قال تعالى : {هل تعلم له ~~سميا} [مريم : 65] فلا يقال لغيره تعالى : رب وإله ، وإذا كان أمر بتنزيه ~~اللفظ فتنزيه الذات أحرى ، أو : نزه اسمه عن ذكره لا على وجه الإجلال ~~والإعظام ، أو : نزه ذاته المقدسة عما لا يليق بها ، فيكون " اسم " صلة. و" ~~الأعلى " صفة لرب ، وهو الأظهر. وعلوه تعالى : قهريته واقتداره ، أو : ~~تعاليه عن سمة الحدوث وعن مدارك العقول ، فلا يحيط به وصف واصف أو علم عارف ~~، لا علو مكان. أو صفة للاسم ، وعلوه ms3362 بعلو مسماه ، وقيل : قل : سبحان ربي ~~الأعلى. لما نزل : {فسبح باسم ربك العظيم (74)} [الواقعة : 74] قال صلى ~~الله عليه وسلم : " اجعلوه في ركوعكم " فلما نزل : {سبح اسم ربك الأعلى} ~~قال : " اجعلوه في سجودكم " وكانوا يقولون في الركوع : لك ركعت ، وفي ~~السجود : لك سجدت ، فجعلوا هذا مكانه. # {الذي خلق فسوى} أي : خلق كل شيء فسوى خلقه ، ولم يأت به متفاوتا غير ~~متلائم ، ولكن على إحكام وإتقان ، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم ، أو : ~~سواه على ما يتأتى به كماله ويتيسر به معاشه ، {والذي قدر فهدى} أي : قدر ~~الأشياء في أزله ، فهدى # 285 PageV08P437 ~~كل واحد إلى ما سبق له من شقاوة وسعادة ، ورزق وأجل ، أو : ما قدر لكل ~~حيوان ما يصلحه ، فهداه إليه ، وعرفه وجه الانتفاع به ، فترى الولد بمجرد ~~خروجه من بطن أمه يلتمس غذاه ، وكذا سائر الحيوانات ، فسبحان المدبر الحكيم ~~: {الذي أخرج المرعى} أي : أنبت ما ترعاه الدواب غضا طريا ، {فجعله} بعد ~~ذلك {غثاء} يابسا هشيما {أحوى} ؛ أسود ، ف " أحوى " صفة لغثاء ، وقيل : حال ~~من المرعى ، أي : أخرجه أحوى من شدة الخضرة ، فمضت مدة ، فجعله غثاء يابسا. ~~وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولما تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة ~~بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 285 PageV08P438 ~~سنقرئك فلا تنسى} أي : سنعلمك القرآن فلا تنساه ، وهو بيان لهدايته تعالى ~~الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم ، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته ~~، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي ، وحفظ القرآن الذي هو أهدى ~~للعالمين ، مع ضمانه له. والسين إما للتأكيد ، وإما لأن المراد إقراء ما ~~أوحي إليه حنيئذ وما سيوحى إليه ، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن ~~الوعد بالإقراء ، أي : سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل ~~عليه السلام ، أو : سنجعلك قارئا فلا تنسى أصلا ، من قوة الحفظ والإتقان مع ~~أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة ، ليكون ذلك آية أخرى لك ، مع ما في ~~تضاعيف ما تقرأ من ms3363 الآيات البينات من حيث الإعجاز ، ومن حيث الإخبار ~~بالمغيبات. وقوله تعالى : {إلا ماشاء الله} : استثناء مفرغ من أعم المفاعيل ~~، أي : فلا تنسى شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه ؛ بأن ننسخ ~~تلاوته ، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي ، فلا يتفلت منه شيء ~~، إلا ما شاء الله نسخه ، فيذهب به عن حفظه ، ويرفع حكمه وتلاوته. قال ~~الكواشي : إلا ما شاء الله أن ننسيكه على سبيل النسخ ، أو تنساه ثم تذكره ~~بعد. روي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة ، فظن أبي أنها نسخت ، ~~فسأله ، فقال : " نسيتها " ، قال الشيخ السنوسي : والمحققون على منع ~~النسيان لشيء من الأقوال البلاغية قبل التبليغ ، لإجماع السلف ، وأما بعد ~~التبليغ ، فجائز ؛ لأنه من الأعراض البشرية. ه. وفي الحديث : " إنما أنا ~~بشر ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني " الحديث. فالسهو في حق الأنبياء ~~جائز ، لأنه من قهرية الربوبية ، لتتميز به العبودية من الربوبية ، فليس ~~بنقص في حقهم ، بل كما ، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل : " لا " ناهية ، ~~وإثبات الألف للفاصلة ، كقوله : {السبيلا} [الأحزاب : 67] أي : لا تغفل عن ~~قراءته وتكراره فتنساه ، إلا ما شاء الله أن ينسيك PageV08P439 ~~برفع تلاوته ، وهو ضعيف. # {إنه يعلم الجهر وما يخفى} أي : يعلم ما ظهر وما بطن ، التي من جملتها ما أوحى # 286 # إليك ، فينسى ما شاء الله إنساءه ، ويبقى محفوظا ما شاء إبقاءه ، أو : ~~يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت ، وما في نفسك مما يدعوك ~~إلى الجهر ، أو : ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان ، وما تجهر به ، أو : يعلم ~~ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم ، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. ~~قال الورتجبي : السر والعلانية عنده تعالى سواء ، إذا هو يبصرهما ببصره ~~القديم ، ويعلمهما بالعلم القديم ، وليس في القدم نقص ، بحيث يتفاوت عنده ~~الظاهر والباطن ؛ إذ هناك الظاهر هو الباطن ، والباطن هو الظاهر ؛ لأن ~~الظاهر ظهر من ظاهريته ، والباطن من باطنيته. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 285 # ونيسرك لليسرى} ، معطوف على " سنقرئك " وما بينهما اعتراض ms3364 ، أي : ونوفقك ~~للطريقة التي هي أيسر وأسهل ، وهي الشريعة السمحة التي هي أسهل الشرائع ، ~~أو : نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين ، علما ~~وتعليما ، هداية واهتداء ، فيندرج فيه تلقي الوحي والإطاحة بما فيه من ~~الأحكام التشريعية السمحة ، والنواميس الإلهية ، مما يتعلق بتكميل نفس صلى ~~الله عليه وسلم وتكميل غيره ، كما يفصح عنه قوله : {فذكر..} الخ. وتخصيص ~~التيسير به عليه السلام ، مع أنه يسري إلى غيره ، للإيذان بقوة تمكنه صلى ~~الله عليه وسلم من اليسرى والتصرف فيها ، بحيث صار ذلك ملكة راسخة له ، ~~كأنه عليه السلام جبل عليها. قاله أبو السعود. PageV08P440 # الإشارة : نزه ربك أن ترى معه غيره ، وقدسه عن الحلول والاتحاد ، قال ~~القشيري : أي : سبح ربك بمعرفة أسمائه ، واسبح بسرك في بحر عطائه ، واستخرج ~~من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. ه. قال الورتجبي : أي : ~~نزه اسمه عن أن يكون له سميا ، من العرش إلى الثرى ، حتى يكون بقدس اسمه ~~مقدسا عن رؤية الأغيار ، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات ، ثم إلى رؤية ~~قدس الذات. ه. (الأعلى) فوق كل شيء ، والقريب دون كل شيء ، فهو علي في قربه ~~، قريب في علوه ، ليس فوقه شيء ، وليس دونه شيء ، الذي خلق ؛ أظهر الأشياء ~~فسوى صورتها ، وأتقن خلقها. والذي قدر المراتب ، فهدى إلى أسباب الوصول ~~إليها ، والذي أخرج المرعى ، أي : ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من ~~مظاهر الذات ، وأنوار الصفات ، فجعله غثاء أحوى ، فتلون من طلعة الجمال إلى ~~قهرية الجلال. قال القشيري : أخرج المرعى : أي : المراتع الروحانية لأرباب ~~الأرواح والأسرار والقلوب ، ليرعوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا ~~اللاهوتية ، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمارة والهوى المتبع ~~، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. ه. سنقرك : سنلهمك من ~~العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول ، فلا تنسى ، إلا ما شاء الله أن تنساه ~~، إنه يعلم الجهر ، أي : ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم ، وما يخفى وما ~~يجب إخفاءه عن غير أهله. ونيسرك ms3365 للطريقة اليسرى ، التي توصل إلى الحضرة ~~الكبرى. قال القشيري : أي : طريق السلوك إلى # 287 # الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. ه. فحينئذ تصلح ~~للدعاء إلى الله والتذكير به. # جزء : 8 رقم الصفحة : 285 PageV08P441 ~~يقول الحق جل جلاله : {فذكر} الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق ~~الهادي إلى الحق ، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية ، كما كنت تفعل ، أي ~~: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم ، حرصا على إيمانهم ، فما كان يزيد ~~ذلك لبعضهم إلا نفورا ، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في ~~الجملة ، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر ، ولا يتعب نفسه في تذكير ~~من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا ، ممن طبع الله على قلبه ، فهو ~~كقوله : {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} [ق : 45] وقوله تعالى : {فأعرض عن من ~~تولىا عن ذكرنا} [النجم : 29] وقيل المعنى : ذكر إن نفعت وإن لم تنفع ، ~~فحذف المقابل ، كقوله : {تقيكم الحر} [النحل : 81] ، واستبعده ابن جزي ؛ ~~لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم ، كقوله : عظ زيد إن سمع منك ، تريد ~~: إن سماعه بعيد ، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق ، قلت : الأولى حمل الآية ~~على ظاهرها ، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه ، وأما من تحقق ~~عناده فلا يزيده إلا عنادا ، والقرائن تكفي في ذلك. # {سيذكر من يخشى} ؛ سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى {ويتجنبها} أي ~~: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها {الأشقى} الذي سبق له الشقاء ، أو : ~~أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل : نزلت في ~~الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. {الذي يصلى النار الكبرى} أي : الطبقة ~~السفلى من طبقات جهنم ، وقيل : الكبرى نار جهنم ، والصغرى : نار الدنيا ، ~~لقوله عليه السلام : " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، {ثم لا ~~يموت فيها} حتى يستريح {ولا يحيا} حياة تنفعه ، و" ثم " للتراخي في مراتب ~~الشدة ؛ لأن ms3366 التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. # { PageV08P442 ~~جزء : 8 رقم الصفحة : 288 # قد أفلح} أي : نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه {من تزكى} أي : تطهر من ~~الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك ، {وذكر اسم ربه} بقلبه ولسانه {فصلى} ؛ أقام ~~الصلوات الخمس ، أو : أفلح من زكى ماله ، وذكر الله في صلاته ، كقوله : ~~{وأقم الصلاة # 288 # لذكريا} [طه : 14] فيكون تفعل من الزكاة ، أو : أفلح من تزكى : أخرج زكاة ~~الفطر ، وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام ، فصلى صلاة العيد ~~، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية ، أو : ~~إخبارا بما سيكون ، إذ لم تشرع زكاة الفطر ، ولا صىلا العيد إلا بالمدينة. # {بل تؤثرون الحياة الدنيا} على الآخرة ، فلا تفعلون ما به تفلحون ، وهو ~~إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام ، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح : ~~فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية ، فتسعون لتحصيلها ، ~~وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة ، {والآخرة خير وأبقى} أي : خير في نفسها ، ~~لنفاسة نعيمها ، وخلوصه من شوائب التكدير ، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. ~~والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب ، وإيثارها حينئذ : نسيانها بالكلية ، ~~والإعراض عنها ، أو : للكل ، فالمراد بإيثارها : هو ما لا يخلوا الناس منه ~~غالبا ، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي ، إلا القليل. قال ~~الغزالي : إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان ، قل من ينفك عنه ، ~~ولذلك قال تعالى : {بل تؤثرون الحياة الدنيا}. وجملة : {والآخرة...} الخ : ~~حال من فاعل {تؤثرون} مؤكد للتوبيخ والعتاب ، أي : تؤثرونها على الآخرة ~~والحال أنها خير منها وأبقى ، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، ~~والآخرة من طين يبقى ، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى ، لا سيما ~~والأمر بالعكس. ه. PageV08P443 # وقوله تعالى : {إن هذا لفي الصحف الأولى} الإشارة إلى قوله : {قد أفلح من ~~تزكى} إلى قوله : {وأبقى} ، قال ابن جزي : الإشارة إلى ما ذكر قبل من ~~الترهيب من الدنيا ، والترغيب في الآخرة ، أو : إلى ما تضمنته السورة ، أو ms3367 ~~: إلى القرآن ، والمعنى : إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله ~~تعالى : {صحف إبراهيم وموسى} بدل من " الصحف الأولى ". # جزء : 8 رقم الصفحة : 288 # وفي حديث أبي ذر : قلت : يا رسول الله : كم كتابا أنزل الله ؟ قال : " ~~مائة كتاب وأربعة كتب ، أنزل على شيث خمسين صحيفة ، وعلى إدريس ثلاثين ~~صحيفة ، وعلى إبراهيم عشر صحائف ، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف ، وأنزل ~~التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال : قلت : يا رسول الله : ما كانت ~~صحف إبراهيم عليه السلام ؟ قال : " كانت أمثالا كلها ، أيها الملك المسلط ~~المغرور ، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكن بعثتك لترد على ~~دعوة المظلوم ، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها : وعلى العاقل أن ~~تكون له ساعات ، ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفكر ~~في صنع الله عز وجل إليه ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى ~~العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث : تزور لمعاد ، أو مرمة لمعاش ، أو لذة في ~~غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه ، مقبلا على شأنه ، حافظا ~~للسانه ، ومن حسب # 289 PageV08P444 ~~كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت : يا رسول الله ؛ فما كانت ~~صحف موسى عليه السلام ؟ قال : " كانت عبرا كلها ؛ عجبت لمن أيقن بالموت كيف ~~يفرح ، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب ، عجبت لمن رأى الدنيا ~~وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها ، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " ~~قلت : يا رسول الله ؛ وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى ، ~~مما أنزل الله عليك ، قال : " نعم ، اقرأ يا أبا ذر : {قد أفلح من تزكى..} ~~الآية إلى السورة " ثم قال : قلت : يا رسول الله ، أوصني. قال : " أوصيك ~~بتقوى الله عز وجل ، فإنه رأس أمرك " قلت : زدني ، قال : " عليك بتلاوة ~~القرآن وذكر الله عز وجل ، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت : ~~يا رسول الله ؛ زدني ، قال : " إياك وكثرة الضحك ، فإنه يميت القلب ، ويذهب ~~بنور ms3368 الوجه " ، قلت : يا رسول الله ؛ زدني ، قال : " عليك بالجهاد ، فإنه ~~رهبانية أمتي " ، قلت : يا رسول الله ؛ زدني ، قال : " عليك بالصمت إلا من ~~خير ، فإنه مطردة للشيطان ، وعون لك على أمر دنياك " ه. # وعن كعب الأحبار أنه قال : قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى ~~عليه السلام سبعة اسطار متصلة ، أول سطر منها : من أصبح حزينا على الدنيا ~~أصبح ساخطا على الله ، الثاني : من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف ~~الآخرة من قلبه ، الثالث : من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل ، ~~الرابع : من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه ، الخامس : من لا ~~يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني ~~من حلال أو حرام ، السادس : من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي ، ~~والسابع : من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 288 PageV08P445 ~~الإشارة : فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى ؛ إن رجوت أو ~~توهمت نفع تذكيرك ، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير ، فربما ~~يكون بطالة ، كتذكير العدو الحاسد لك ، أو المعاند ، أو المنهمك في حب ~~الرياسة ، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة ~~وملاطفة ، قال تعالى : {ادع إلىا سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة...} ~~[النحل : 125]الخ ، والحكمة : هي أن تقر كل واحد في حكمته ، وتدسه منها إلى ~~ربه ، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله ، ~~وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها ، وأهل العلم تقرهم في علمهم ~~وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره ، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم ~~في الصبر... وهكذا ، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله ~~عليه ، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير ، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم ~~لعياله ، كما في الحديث. وفي # 290 # حديث آخر : " إن أود الأوداء إلي من يحبني إلى عبادي ، ويحبب عبادي ms3369 إلي ، ~~ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام : PageV08P446 # {سيذكر من يخشى} أي : ينتفع بتذكيري من يخشى الله ، وسبقت له العناية ، ~~ويتجنبها الأشقى : أي : ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري : الشقي ~~: من يعرف شقاوته ، والأشقى : من لا يعرف شقاوته ، الذي يصلى النار الكبرى ~~، وهي الخذلان والطرد والهجران ، والنار الصغرى : تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ~~ثم لا يموت فيها ولا يحيى ، أي : لا تموت نفسه عن هذا ، ولا تحيا روحه ~~بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى ، أي : فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه ، ~~بأن طهر نفسه من المخالفات ، وقلبه من الغفلات والدعوات ، وروحه من ~~المساكنات إلى الغير ، وسره عن الأنانية ، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن ~~التوجه إلى الحضرة القدسية ، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير ~~وأبقى ، وهذا الأمر ، وهو التزهيد في الدنيا ، والتشويق إلى الله ، في صحف ~~الرسل والأنبياء ، قال القشيري : لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في ~~الشرائع. ه. وقال الورتجبي : (إن هذا) أي : الخروج عما سوى الله بنعت ~~التجريد ، في صحف إبراهيم ، كما قال : {إني برياء مما تشركون} [الأنعام : ~~78] والإقبال على الله ، بقوله : {إني وجهت وجهي} [الأنعام : 79] الخ. وفي ~~صحف موسى : سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات : بقوله : ~~{تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف : 143]. ه. أي : وبقوله : {وعجلت ~~إليك رب لترضىا} [طه : 84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 291 # جزء : 8 رقم الصفحة : 288 PageV08P447 ### | AUTO سورة الغاشية # جزء : 8 رقم الصفحة : 291 # يقول الحق جل جلاله : {هل أتاك حديث الغاشية} أي : قد أتاك ، والأحسن : ~~أنه استفهام أريد به التعجب مما في حيزه ، والتشويق إلى استماعه ، وأنه من ~~الأحاديث البديعة التي من حقها أن تتناولها الرواية ، ويتنافس في تلقيها ~~الوعاة من كل حاضر وباد. والغاشية : الداهية الشديدة التي تغشى الناس ~~بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها ، من قوله تعالى : {يغشاهم العذاب من فوقهم} ~~[العنكبوت : 55] الخ. # ثم فصل أحوال الناس فيها ، فقال : {وجوه يومئذ خاشعة} ، فهو استئناف ~~بياني نشأ عن سؤال من جهته صلى الله ms3370 عليه وسلم ، كأنه قيل : ما أتاني ~~حديثها فما هو ؟ فقال : {وجوه يومئذ} أي : يوم إذ غشيت {خاشعة} ؛ ذليلة ، ~~لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان ، و{وجوه} متبدأ ، سوغه التنويع ، ~~و(خاشعة) خبر ، و{عاملة ناصبة} : خبران آخران ، أي : تعمل أعمالا شاقة في ~~النار ، تتعب فيها من جر السلاسل والأغلال ، والخوض في النار خوض الإبل في ~~الوحل ، والصعود والهبوط من تلال النار ووهادها ، وقيل : عملت في الدنيا ~~أعمال السوء ، والتذت بها ، فهي يومئذ ناصبة منها ، {تصلى} أي : تدخل {نارا ~~حامية} ؛ متناهية في الحر مددا طويلة ، {تسقى من عين آنية} أي : من عين ماء ~~متناهية في الحر ، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه ، ~~والمراد أصحابها ، بدليل قوله : {ليس لهم طعام إلا من ضريع} ، وهو نبت يقال ~~لرطبه : الشبرق على وزن زبرج ، تأكله الإبل رطبا فإذا يبس عافته ، وهو ~~الضريع ، وهم سم قاتل ، وفي الحديث : " الضريع شيء # 292 PageV08P448 ~~في النار ، أمر من الصبر ، وأنتن من الجيفه ، وأشد حرا من النار " ، وقال ~~ابن كيسان : هو طعام يضرعون منه ويذلون ، ويتضرعون إلى الله تعالى طلباف ~~للخلاص منه. وقال أبو الدرداء والحسن : يقبح الله وجوه أهل النار يوم ~~القيامة ، تشبيها بأعمالهم الخسيسة في الدنيا ، وإن الله تعالى يرسل على ~~أهل النار الجوع ، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون ، ~~فيغاثون بالضريع ، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة ، فيذكرون أنهم كانوا ~~يحيزون الغصص في الدنيا بالماء ، فيستسقون ، فيعطشهم ألف سنة ، ثم يسقون من ~~غين آنية شديدة الحر ، لا هنيئة ولا مريئة ، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ ~~جلود وجوههم وشواها ، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها ، قال تعالى : {فقطع ~~أمعآءهم} [محمد : 15] ه. والعذاب ألوان ، والمعذبون طبقات ؛ فمنهم أكلة ~~الزقوم ، ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم آكلة الضريع.. فلا تناقض. # جزء : 8 رقم الصفحة : 292 # ولما نزلت هذه الآية ؛ قال المشركون : إن إبلنا لتسمن من الضريع ، فنزلت ~~: {لا يسمن ولا يغني من جوع} أي : ليس من شأنه الإسمان والإشباع ، كما هو ~~شأن طعام أهل الدنيا ، وأنما هو شيء يضطرون إلى أكله ms3371 دفعا لضرورتهم ، ~~والعياذ بالله من سخطه. # الإشارة : الغاشية هي الدنيا ، غشيت القلوب بظلمات محبتها ، ومودتها ~~بحظوظها وشهواتها ، وجوه فيها يومئذ خاشعة ، بذل طلبها ، عاملة بالليل ~~والنهار في تحصيلها ، ناصبة في تدبير شؤونها ، لا راحة لطالبها أبدا حتى ~~يأخذ الموت بعنقه ، تصلى نار القطيعة والبعد تسقى من عين حر التدبير ~~والاختيار ، ليس لطلابها طعام لقلوبهم وأرواحهم إلا من ضريع شبهاتها أو ~~حرماتها ، لا يسمن القلب عن هزال طلبها ، بل كلما زاد منها شيئا ، زاد جوعه ~~إليها ، ولا يغني الروح من جوع منها. # جزء : 8 رقم الصفحة : 292 PageV08P449 ~~يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة ، بعد بيان حال أهل النار ، ولم ~~يعطفهم عليهم ، بل أتى بالجملة استئنافية ؛ إيذانا بكمال تباين مضمونيهما ، ~~فقال : {وجوه يومئذ ناعمة} أي : ذات بهجة وحسن ، كقوله تعالى : {تعرف في ~~وجوههم نضرة النعيم (24)} [المطففين : 24] ، {لسعيها راضية} أي : لأجل ~~سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما # 293 # أعطاها عليه من الثواب الجسيم ، أو : رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما ~~أداهم إليه من الكرامة والثواب ، {في جنة عالية} علو المكان أو المقدار ، ~~{لا تسمع فيها لاغية} أي : لغو ، أو كلمة ذات لغو ، أو نفس لاغية ، فإن ~~كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم ، أو : لا تسمع يا مخاطب ، فيمن بناه ~~للفاعل. # {فيها عين جارية} أي : عيون كثيرة تجري مياهها ، كقوله : {علمت نفس} ~~[التكوير : 14] أي : كل نفس ، {فيها سرر مرفوعة} رفيعة السمك أو المقدار ، ~~ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم ، {وأكواب ~~موضوعة} بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها ، أو موضوعة على حافات العيون ~~معدة للشرب ، {ونمارق} ؛ وسائد ومرافق {مصفوفة} بعضها إلى جنب بعض ، بعضها ~~مسندة ، وبعضها مطروحة ، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة ، وأستند إلى ~~أخرى ، {وزرابي} أي : بسط فاخرة ، جمع " زربية " ، {مبثوثة} ؛ مبسوطة ، أو ~~مفرقة في المجالس. PageV08P450 # ولما أنزل الله هذه الآيات ، وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ~~ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب ، ~~لكثرتها ، وطول النمارق ms3372 كذا ، وعرض الزاربي كذا ، أنكر المشركون ذلك ، ~~وقالوا : كيف يصعد على هذا السرير ؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة ، وتطول ~~النمارق هذا الطول ، وتبسط الزاربي هذا الانبساط ، ولم نشهد ذلك في الدنيا ~~؟ ! ذكرهم الله بقوله : {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} طويلة عالية ، ثم ~~تبرك حتى تركب ؛ ويحمل عليها ، ثم تقوم ، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما ~~تطأطىء الإبل حتى يركب عليها ، أو : أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب ~~أعينهم ، يستعملونها كل حين ، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر ~~الحيوانات ، في عظم جثتها وشدة قوتها ، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما ~~يصدر منها من الأفاعيل الشاقة ، كالنوء بالأوقار الثقيلة ، وحمل الأثقال ~~الفادحة إلى الأقطار النازحة ، وفي صبرها على الجوع والعطش ، حتى إن ضمأها ~~ليبلغ العشر فصاعدا ، واكتفائها باليسير ، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر ، ~~وانقيادها إلى كل صغير وكبير ، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى ~~غارها ، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال ~~قدرته تعالى ، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت ، إلى ما فيها من المنافع من ~~اللحوم والألبان والأوبار والأشعار ، وغير ذلك ، والظاهر ما قاله الإمام ، ~~وتبعه الطيبي ، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء ~~الغاشية ، وأن المخبر بها قادر عليها ، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله ~~المحشي. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 293 PageV08P451 ~~وإلى السماء كيف رفعت} رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك ، أو بحيث لا ينالها ~~فهم ولا إدراك ، {وإلى الجبال} التي ينزلون في أقطارها ، وينتفعون بمياهها ~~وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها {كيف نصبت} نصبا رصينا ، فهي راسخة لا ~~تميل ولا تميد ، # 294 # {وإلى الإرض كيف سطحت} سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ~~ما عليها من الخلائق. # قال الجلال : وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة ، كما قال أهل ~~الهيئة ، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة ، في قوله ~~تعالى : {يكور الليل على النهار...} [الزمر : 5] أن الآية تدل على ms3373 أن ~~السماء كروية ، قال : لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما ~~دون مكان. ه. وفي الأبي : الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات ~~والأرض كرتان. ه. PageV08P452 # الإشارة : وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان ، لأجل سعيها بالمجاهدة ، ~~راضية ، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة ، في جنة عالية ، جنان المعارف ، لا ~~تسمع فيها لاغية ؛ لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث ، كلامهم ذكر ، وصمتهم ~~فكر ، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم ، فيها سرر المقامات مرفوعة ~~، يرتفعون منها إلى المعرفة ، وأكواب موضوعة ؛ كيسان شراب الخمرة ، وهي ~~محافل الذكر والمذاكرة ، ونمارق مصفوفة ، وسائد الروح والريحان حيث سقطت ~~عنهم الكلف ، ورموا حملهم على الحي القيوم ، وزرابي مبثوثة ؛ بسط الأنس في ~~محل القدس ، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة ، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة ، ~~فإن الفكرة سراج القلب ، فإذا ذهبت فلا إضاءة له ، وهي سير القلب إلى حضرة ~~الرب ، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت ، فإنه تجلي غريب ، وإلى السماء كيف ~~رفعت به ، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته ، وقال : القشيري : الإبل : النفوس ~~الأمارة ، لقوله عليه السلام : " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ~~ه وإلى الأرواح كيف رفعت ؛ لأنها محل أفكار العارفين ، وإلى جبال العقل كيف ~~نصبت لتمييز الحس من المعنى ، والشريعة من الحقيقة ، وإلى الأرض البشرية ~~كيف سطحت ، حيث استولت عليها الروحانية ، وتصرفت فيها. # جزء : 8 رقم الصفحة : 293 # يقول الحق جل جلاله : {فذكر} الناس بالأدلة العقلية والنقلية ، {إنما أنت ~~مذكر} ليس عليك إلا التبليغ {لست عليهم بمصيطر} ؛ بمسلط ، كقوله : {ومآ أنت ~~عليهم بجبار} [ق : 45] ، وفيه لغات : السين ، وهي الأصل ، والصاد ، ~~والإشمام. {إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر} ، الاستثناء منقطع ~~، أي : لست بمسلط عليهم ، تقهرهم على # 295 PageV08P453 ~~الإيمان ، لكن من تولى وكفر ، فإن لله الولاية والقهر ، فهو يعذبه العذاب ~~الأكبر ، وهو عذاب جهنم ، وقيل : متصل من قوله : (فذكر) أي : فذكر إلا من ~~انقطع طمعك من إيمانه وتولى ، فاستحق العذاب الأكبر ، وما بينها اعتراض. # {إن إلينا إيابهم} ؛ رجوعهم ، وفائدة تقديم الظرف : التشديد في الوعيد ms3374 ، ~~وأن إيابهم ليس إلا للجبار المقتدر على الانتقام ، {ثم إن علينا حسابهم} ~~فنحاسبهم على أعمالهم ، ونجازيهم جزاء أمثالهم ، و" على " لتأكيد الوعيد لا ~~للوجوب ، إذ لا يجب على الله شيء. وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم ، باعتبار ~~معنى " من " ، وإفراده فيما قبله باعتبار لفظها ، و" ثم " للتراخي في ~~الرتبة لا في الزمان ، فإن الترتيب الزماني إنما هو بين إيابهم وحسابهم لا ~~بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم. انظر أبا السعود. # الإشارة : ما قيل للرسول يقال لخلفائه من أهل التذكير ، ومن تولى منهم ~~يعذب بعذاب الفرق والحجاب وسوء الحساب. وبالله التوفيق ، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله. # 296 # جزء : 8 رقم الصفحة : 295 PageV08P454 ### | AUTO سورة الفجر # جزء : 8 رقم الصفحة : 296 # يقول الحق جل جلاله : {والفجر} ، إما وقته ، أقسم به لشرفه ، كما أقسم ~~بالصبح ، لما في ذلك من الاقتدار ، أو : صلاته ؛ لكونها مشهودة ، {وليال ~~عشر} ؛ عشر ذي الحجة ، أو العشر الأول من المحرم ، أو الأواخر من رمضان ، ~~ونكرت للتفخيم ، {والشفع والوتر} أي : شفع كل الأشياء ووترها ، أو : شفع ~~هذه الليالي ووترها ، أو : شفع الصلوات ووترها ، أو : يوم النحر ، لأنه ~~اليوم العاشر ، ويوم عرفة لأنه التاسع ، أو الخلق والخالق ، او صلاة ~~النافلة والوتر بعدها ، أو الأعداد ؛ لأن منها شفعا ومنها وترا ، والمختار ~~العموم ، كأنه تعالى أقسم بكل شيء ؛ إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو ~~الزوج ، أو وترا وهو الفرد ، والوتر بالفتح والكسر لغتان. # ولما أقسم بالليالي المخصوصة ، أقسم بالليالي على العموم ، فقال : ~~{والليل إذا يسر} إذا ذهب ، أو : يسري فيه السائر ، وقيل : أريد به ليلة ~~القدر ، وحذفت الياء في الوصل ؛ اكتفاء بكسرتها ، وسئل الأخفش عن سقوطها ، ~~فقال للسائل : لا أجيبك حتى تخدمني سنة ، فسأله بعد سنة ، فقال : الليل لا ~~يسري ، وإنما يسرى فيه ، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد ~~عليه : أنها حذفت في كلمات كثيرة ، ليس فيها هذه العلة. # {هل في ذلك} أي : فيما أقسمت به من هذه الأشياء {قسم} أي : مقسم به ، أو # 297 # إقسام ms3375 ، والمعنى : من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء ~~فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية ، فهو حقيق بان يقسم به ، وهذا ~~تفخيم لشأن المقسم بها ، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي ~~العقول ، وهذا كقوله تعالى : {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76)} [الواقعة : ~~76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر ، وما فيها من معنى البعد للإيذان ~~ببعد مرتبة المشار إليه ، وبعد منزلته في الشرف والفضل ، {لذي حجر} ؛ لذي ~~عقل ؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي ، كما سمي عقلا ونهية ~~لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل ؛ والمعنى : هل يحق عند ذوي العقول أن ~~تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها ؟ أو : هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر ، أي ~~: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه ؟ أو : هل في القسم بهذه الأشياء ~~قسم مقنع لذي لب وعقل ؟ والمقسم عليه محذوف ، أي : لتهلكن يا معشر الكفار ~~ثم لتبنؤن بالحساب ، يدل عليه قوله تعالى : # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 297 PageV08P455 ~~ألم تر كيف فعل ربك بعاد} فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل ~~بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد ، أي ~~: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم ، فيعذب هؤلاء أيضا ~~لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي ، والمراد بعاد : أولاد عاد بن عوص ~~بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام ، سموا باسم أبيهم ، ~~وقد قيل لأوائلهم : عاد الأولى ، ولآخرهم عاد الآخرة ، وقوله تعالى : {إرم} ~~عطف بيان لعاد ؛ للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف ، أي : سبط إرم ، أو ~~: أهل إرم ، على ما قيل : من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها ، ~~كقوله : {وسئل القرية} [يوسف : 82] ، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة ، ~~ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث ، قبيلة ، كانت أو أرضا. وقوله تعالى : {ذات ~~العماد} صفة لإرم ، فإذا كانت قبيلة فالمعنى : أنهم كانوا بدويين أهل عمد ، ~~أو : طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة ، وإن كانت صفة للبلدة ، ~~فالمعنى : أنها ms3376 ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم ، روي : أنها ~~كانت من ذهب ، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب ، أو ذات ~~أساطين. PageV08P456 # روي : أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد ، فملكا وقهرا ، ثم مات شديد وخلص ~~الأمر لشداد ، فملك الدنيا ، ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة ، فقال : ~~أبني مثلها ، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة ، وكان عمره ~~تسعمائة سنة ، وهي مدينة عظيمة ، قصورها من الذهب والفضة ، وأساطينها من ~~الزبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الأشجار والأنهار ، ولما تم بناءها سار ~~إليها بأهل مملكته ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة ، بعث الله عليه ~~صيحة من السماء فهلكوا ، وقيل : غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد ~~الله بن قلابة : أنه خرج في طلب إبل له ، فوقع عليها ، فحمل ما قدر عليه ~~مما ثم ، فبلغ خبره معاوية ، فاستحضره فقص عليه ، فبعث إلى كعب فسأله ، ~~فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك ، أحمر أشقر ~~، قصير ، على حاجبه # 298 # خال ، وعلى عنقه خال ، يرخج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة ، ~~فقال : هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. # {التي لم يخلق مثلها في البلاد} أي : مثل عاد في قوتهم ، كان الرجل منهم ~~يحمل الصخرة ، فيجعلها على الحق فيهلكهم ، وطول قامتهم ، كان طول الرجل ~~منهم أربعمائة ذراع ، أو : لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا ~~، ذكر في القوت : أن بعض الأولياء قال : دخلت مائة مدينة ، أصغرها إرم ذات ~~العماد ، ثم قال : وقوله تعالى على هذا : {لم يخلق مثلها في البلاد} أي : ~~بلاد اليمن. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 297 # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد} أي : قطعوا صخر الجبال ، واتخذوا فيها ~~بيوتا ، قيل : أول من نحت الجبال والصخور ثمود ، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة ~~كلها من الحجارة ، والمراد بالواد وادي القرى ، وقيل غيره. والوادي : ما ~~بين الجبلين ، وإن لم يكن فيه ماء. PageV08P457 # {وفرعون ذي الأوتاد} أي : وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد ، أي : الجنود ~~الكثيرة ، وصف بذلك ms3377 لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم ~~إذا نزلوا ، وقيل : كان له أوتاد يعذب الناس بها ، كما فعل بآسية. {الذين ~~طغوا في البلاد} ؛ تجاوزوا الحد ، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين ، أو ~~منصوب ، أو مرفوع على الذم ، أي : طغى كل طائفة منهم في بلادهم ، وكذا قوله ~~تعالى : {فأكثروا فيها الفساد} بالكفر القتل والظلم ، {فصب عليهم ربك} أي : ~~أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان ~~والفساد {سوط عذاب} أي : عذابا شديدا لا يدرك غايته ، وهو عبارة عما حل بكل ~~واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة ، وتسميته سوطا ~~؛ للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند ~~السيف ، والتعبير بالصب ، للإيذان بشدته وكثرته ، واستمراره ، أي : عذبوا ~~عذابا دائما مؤلما ، والعياذ بالله من أسباب المحن. # الإشارة : أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان ، وتمام قمر نور الإيمان ، ~~ليلة العشر ، وشفعية الأثر ، ووتر الوحدة ، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه ~~بالصدق والإخلاص ، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية ، ~~الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ؛ في ~~بلاد القواطع ، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا ، وثمود الذين جابوا الصخر ~~بالوادي. القشيري : يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات ~~الجثمانية ، وفرعون ذي الأوتاد ، يشير إلى فرعون القوة الغضبية ، وكثرة ~~تباعته ، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد ، أي : مدينة ~~القلب ، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات ، ممن أراد ~~الله تأييده وولايته. # 299 # جزء : 8 رقم الصفحة : 297 PageV08P458 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن ربك لبالمرصاد} ، قال ابن عباس : بحيث يرى ويسمع ~~فلا يعزب عنه شيء ، ولا يفوته أحد ، فتجب مراقبته لا الغفلة عنه في ~~الانهماك في حب العاجلة ، كما أشار إليه بقوله : {فأما الإنسان..} الخ ، ~~فإنه بضد المراد مما تقتضيه حال المراقبة لمن بالمرصاد. ه. وأصل المرصاد : ~~المكان الذي يترقب فيه الرصد ، أي : الانتظار ، مفعال ، من : رصده ، ~~كالميقات من وقته ms3378 ، وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة ، وأنهم لا يفوتونه ، ~~قال الطيبي : لما بين تعالى ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون ~~، حيث صب عليهم سوط العذاب ، أتبعه قوله : {إن ربك لبالمرصاد} تخلصا ، أي : ~~فعل بأولئك ما فعل ، وهو يرصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد ~~الرسل ، مما جاء به من الأمر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور ، والنهي عن ~~سفسافها ، ورذائلها ، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب ، ويعذبهم في الآخرة ~~عذابا فوق كل عذاب ، كما قال : {لا يعذب عذابه أحد} [الفجر : 25]. # جزء : 8 رقم الصفحة : 300 PageV08P459 ~~ثم فصل أحوال الناس بعد أن أعلم أنه مطلع عليهم ، فقال : {فأما الإنسان} ، ~~فهو متصل بما قبله ، كأنه قيل : إنه تعالى بصدد مراقبته أحوال عباده ~~ومجازاتهم بأعمالهم خيرا أو شرا {فأما الإنسان} الغافل فلا يهمه ذلك ، ~~وإنما مطمح نظره ومرصد أفكاره الدنيا ولذائذها ، {إذا ما ابتلاه ربه} أي : ~~عامله معاملة من يبتليه ويختبره {فأكرمه ونعمه} ، الفاء تفسيرية ، فالإكرام ~~والتنعم هو عين الابتلاء ، {فيقول ربي أكرمن} أي : فضلني بما أعطاني من ~~الجاه والمال حسبما كنت أستحقه ، ولا يخطر بباله أنه أعطاه ذلك ليبلوه ~~أيشكر أم يكفر ، وهو خبر المتبدأ الذي هو " الإنسان " ، والفاء لما في " ~~أما " من معنى الشرط ، والظرف المتوسط على نية التأخر ، كأنه قيل : فأما ~~الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام ، وإنما قدمه للإيذان من ~~أول مرة بأن الإكرام والتنعم بطريق الابتلاء. ونقل الرضي أن " إذا " هنا ~~جزائية ، فقال : وقد تقع كلمة الشرط مع الشرط في جملة أجزاء الجزاء ، ثم ~~استشهد بالآية ، وقال : والتقدير : فمهما يكن من شيء فإذا ابتلاه يقول. ه. ~~وقال المرادي : إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما ، والثاني مقيد ~~للأول ، كتقييده بحال واقعة موقعه ، ثم استشهد بما حاصله في الآية : فأما ~~الإنسان حال كونه مبتلى فيقول... الخ ، فالشرط الثاني في معنى الحال ، ~~والحال لا تحتاج إلى جواب. ه. مختصرا انظر الحاشية الفاسية. # 300 PageV08P460 ~~{وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} أي : ضيق عليه رزقه ، وجعله بمقدار ~~بلغته ms3379 ، حسبما تقتضيه ميشئته المبينة على الحكم البالغة ، {فيقول ربي ~~أهانن} ، ولا يخطر بباله أن ذلك ليبلوه أيصبر أم يجزع ، مع أنه ليس من ~~الإهانة في شيء بل التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين ، والتوسعة قد تفضي ~~إلى خسرانهما ، فالواجب لمن علم أن ربه بالمرصاد منه أن يسعى للعاقبة ، ولا ~~تهمه العاجلة ، وهو قد عكسن فإذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر قال ربي ~~أكرمني ، وفضلني بما أعطاني ، فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا ، وإذا ~~امتحنه بالفقر ، فقدر عليه رزقه ليصبر ، قال : ربي أهانني ، فيرى الهوان في ~~قلة الحظ من الدنيا ؛ لأنه لا يهمه إلا العاجلة ، وهو ما يلذه وينعمه فيها ~~، وإنما أنكر قوله : {ربي أكرمن} مع أنه أثبته بقوله : {فأكرمه ونعمه} ، ~~لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته ، وهو قصده إلى أن الله ~~أعطاه إكراما له لاستحقاقه ، كقوله : {إنمآ أوتيته علىا علم عنديا} [القصص ~~: 78] وإنما أعطاه الله ابتلاء من غير استحقاق منه ، فرد تعالى عليه زعمه ~~بقوله : {كلا} أي : ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته ، بل الإكرام ~~في التوفيق للطاعة ، والإهانة في الخذلان ف " كلا " ردع للإنسان عن مقالته ~~، وتكذيب له في الحالتين ، قال ابن عباس : المعنى : لم أبتله بالغنى ~~لكرامته علي ، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي ، بل ذلك بمحض القضاء والقدر. # جزء : 8 رقم الصفحة : 300 PageV08P461 ~~وقوله تعالى : {بل لا تكرمون اليتيم} انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان ~~سوء أفعاله ، والالفتات إلى الخطاب ؛ للإيذان بمشافهته بالعتاب ، تشديدا ~~للتقريع ، وتأكيدا للتشنيع ، والجمع باعتبار معنى الإنسان ، إذ المراد به ~~الجنس ، أي : بل لكم أحوال أشد شرا مما ذكر ، وأدل على تهالككم على المال ، ~~حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام ~~اليتيم بالمبرة به. # {ولا تحاضون على طعام المسكين} أي : يحض بعضكم بعضا على إطعام المساكين ، ~~{وتأكلون التراث} أي : الميراث ، وأصله الوراث ، فقلبت الواو تاء ، {أكلا ~~لما} أي : ذا لم ، وهو الجمع بين الحلال والحرام ، فإنهم كانوا لا يورثون ~~النساء والصبيان ms3380 ، ويأكلون أنصباءهم ، ويأكلون كل ما تركه المورث من حلال ~~وحرام ، عالمين بذلك ، {وتحبون المال حبا جما} أي : كثيرا شديدا ، مع الحرص ~~ومنع الحقوق ، {كلا} ردع عن ذلك ، وإنكار عليهم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : إن ربك لبالمرصاد ، المطلع على أسرار العباد ، العالم بمن أقبل ~~عليه أو أدبر عنه ، ثم يختبرهم بالجمال والجلال ، فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه في الظاهر ، فيقول ربي أكرمني ، ويبطر ويتكبر ، ~~وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني ، ويقنط ويتسخط ، كلا ~~لينزجرا عن اعتقادهما وفعلهما ، وليعلما أنه اختبار من الحق ، فمن شكر ~~النعم ، وأطعم الفير والمسكين ، وأبر اليتيم والأيم ، كان من الأبرار ، # 301 PageV08P462 ~~وإن عكس القضية كان من الفجار ، ومن صبر على الفقر ، ورضي بالقسمة ، وفرح ~~بالفاقة ، فهو من الأولياء ، ومن عكس القضية كان من البعداء ، فمن نظر ~~الإنسان القصير ظن النقمة نعمة ، والنعمة نقمة ، فبسط الدنيا على العبد قبل ~~معرفته بربه هوان ، وقبضها عنه أحسان ، وفي الحكم : " ربما أعطاك فمنعك ، ~~وربما منعك فأعطاك ". ثم زجر الحق تعالى عن التمتع الشهواني البهيمي ، وعن ~~محبة المال الفاني ، وهو من فعل أهل الانهماك في الغفلة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 300 # يقول الحق جل جلاله : {كلا إذا دكت الأرض} أي : زلزلت {دكا دكا} أي : دكا ~~بعد دك ، أي : كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا ، أو قاعا صفصفا ، {وجاء ~~ربك} أي : تجلى لفصل قضائه بين عباده ، وعن ابن عباس : أمره وقضاؤه ، ~~{والملك صفا صفا} أي : نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس ~~والجن ، {وجيء يومئذ بجهنم} ، قيل : برزت لأهلها ، كقوله : {وبرزت الجحيم ~~للغاوين (91)} [الشعراء : 91] وقيل : يجاء بها حقيقة ، وفي الحديث : " يؤتى ~~بجهنم يومئذ ، لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ، ~~حتى تنصب عن يسار العرش ، لها لغيط وزفير " رواه مسلم. # {يومئذ يتذكر الإنسان} أي : يتعظ ، وهو بدل من (إذا دكت) والعامل فيه : ~~(يتذكر) أي : إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط ~~فيه بمشاهدة جزائه ms3381 ، {وأنى له الذكرى} أي : ومن أين له الذكرى ؟ لفوات ~~وقتها في الدنيا ، {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} هذه ، وهي حياة الآخرة ، أي ~~: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. PageV08P463 # {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد} أي : لا يتولى عذاب الله أحد ؛ لأن الأمر لله ~~وحده في ذلك اليوم ، {ولا يوثق وثاقه أحد} ، قال صاحب الكشف : لا يعدب ~~بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله ، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ ~~الأخوان بفتح الذال والثاء ، بالبناء للمفعول ، قيل : وهي قراءة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره ، والضمير يرجع إلى ~~الإنسان الموصوف ، وهو الكافر. وقيل : هو أبي بن خلف ، # 302 # أي : لا يعذب أحد مثل عذابه ، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه ؛ لتناهيه في ~~كفره وعناده. PageV08P464 # ثم يقول الله تعالى للمؤمن : {يا أيتها النفس} يخاطبه تعالى إكراما له بلا ~~واسطة ، أو على لسان ملك ، {المطمئنة} بوجود الله ، أو بذكره ، أو بشهوده ، ~~الواصلة إلى بلج اليقين ، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم ، وقيل : المطمئنة ، ~~أي : الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن ، ويؤيده : قراءة من قرأ : يا ~~أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث ، أو عند تمام ~~الحساب ، أو عند الموت : {ارجعي إلى ربك} إلى وعده ، أو : إلى إكرامه ، ~~{راضية} بما أوتيت من النعيم {مرضية} عند الله عز وجل ، {فادخلي في عبادي} ~~أي : في زمرة عبادي الصالحين المخلصين ، وانتظمي في سلكهم ، {وادخلي جنتي} ~~معهم. وقال أبو عبيدة : أي : مع عبادي وبين عبادي. أي : خواصي ، كما قال : ~~{وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} [النمل : 19]. وقيل : المراد بالنفس : ~~الروح ، أي : وادخلي في أجساد عبادي ، لقراءة ابن مسعود : " في جسد عبادي " ~~ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته ، فدخل في نعشه ، فلما ~~دفن تليت هذه الآية على شفا قبره ، ولم يدر من تلاها ، وقيل : نزلت في حمزة ~~بن عبد المطلب ، وقيل : في خبيب بن عدي ، الذي صلبه أهل مكة ، والمختار : ~~أنها عامة في المؤمنين ms3382 ؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الإشارة : ~~إذا دكت أرض الحس ، باستيلاء المعنى عليها ، أو أرض البشرية ، باستيلاء ~~الروحانية عليها ، دكا بعد دك ، بالتدريج والتدريب ، حتى يحصل التمكين من ~~أسرار المعاني ، وجاء ربك ، أي : ظهر وتجلى للعيان ، والملك صفا صفا ، أي : ~~وجاءت الملائكة صفوفا ، وجيء يومئذ بجهنم ، أي : بنار البعد لأهل الفرق ، ~~يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع ، وأنى له الذكرى ~~مع إقامته في الفرق طول عمره ، يقول : يا ليتني قدمت لحياتي ؛ روحي ~~بالمشاهدة بعد المجاهدة ، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته ، فيعذب ~~أهل الحجاب بسلاسل العلائق PageV08P465 ~~والشواغل ، ويقيدهم بقيود البين ، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح ~~القدسية : يا أيتها النفس المطمئنة ، التي اطمأنت بشهود الحق ، ودام فناؤها ~~وبقاؤها بالله ، ارجعي إلى ربك ؛ إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة ، ~~راضية عن الله في الجلال والجمال ، مرضية عنده في حضرة الكمال ، وعلامة ~~الطمأنينة : أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال ، لأن من كانت ~~يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي ~~: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم ~~بنور القدم ، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله ، فدعاها الله إلى معدنها الأول ~~، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله ، راضية من الله ~~بالله ، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة : أمارة ، ~~ولوامة ، ومطمئنة ، وزاد بعضهم : اللامة. والله تعالى أعلم ، صلى الله على ~~سيدنا محمد وآله. # 303 # جزء : 8 رقم الصفحة : 302 PageV08P466 ### | AUTO سورة البلد # جزء : 8 رقم الصفحة : 303 # يقول الحق جل جلاله : {لا أقسم بهذا البلد} ؛ أقسم تعالى بالبلد الحرام ، ~~وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. ~~واعترض بين القسم وجوابه بقوله : {وأنت حل بهذا البلد} ، أي : وأنت حال ~~ساكن به ، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به ، أو : وأنت حل ، أي : تستحل ~~حرمتك ، ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل ms3383 صيد ولا بشر ، ولا قطع ~~شجر ، وعلى هذا قيل : " لا أقسم " نفي ، أي : لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه ~~إذاية ، وهذا ضعيف ، أو : وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل ~~كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك ، وهذا هو الأظهر ؛ لقوله صلى الله عليه ~~وسلم : " إن هذا البلد حرام ، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض ، لم يحل ~~لأحد قبلي ، ولا يحل لأحد بعدي ، وإنما أحل لي ساعة من نهار " ، يعني : فتح ~~مكة ، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل ، وهو متعلق بأستار ~~الكعبة. # فإن قلت : السورة مكية ، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة ؟ قلت : هو وعد ~~بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها ~~إلا بعد الهجرة ، كقوله تعالى : {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} ~~[فصلت : 6 ، 7] وقوله تعالى : {وشهد شاهد من بنيا إسرائيل علىا مثله} ~~[الأحقاف : 10] وغير ذلك. # 304 PageV08P467 ~~{ووالد وما ولد} أي : وآدم وجميع ولده ، أو نوح وولده ، أو إبراهيم وولده ، ~~أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم ، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ ~~إسماعيل ، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، أو محمد صلى الله عليه ~~وسلم وولده ، أو جنس كل والد ومولود. {لقد خلقنا الإنسان} أي : جنسه {في ~~كبد} ؛ في تعب ومشقة ، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح ~~إلى حين نزعها ، يكابد مشاق التعلم ، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور ~~معاشه وهموم دنياه وآخرته ، ثم يكابد نزع روحه ، ثم سؤاله في قبره ، ثم تعب ~~حشره ، ومقاساة شدائد حسابه ، ثم مروره على الصراط ، فلا راحة له إلا بعد ~~دخول الجنة لتكون حلوة عنده ، هذا في عموم الناس ، وأما خواص العارفين فقد ~~استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق ، فأسقطوا عنهم الأحمال ؛ لتحققهم أنهم ~~محمولون بالقدرة الأزلية ، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم ، لقوله : ~~{ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق : 3] ، يقال : كبد الرجل كبدا : إذا ~~وجعت كبده من مرض أو تعب. # { # جزء : 8 ms3384 رقم الصفحة : 304 PageV08P468 ~~أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} أي : أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه ~~أحد ، أو : أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد ، فعلى هذا نزلت في معين ، قيل ~~: هو أبو الأشدين الجمحي ، رجل من قريش كان شديد القوة ، مغترا بقوته ، كان ~~يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ، ويقول : من أزالني عنه فله كذا ، ~~فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا ، ولا تزال قدماه ، وقيل : عمرو بن عبد ود ، وهو ~~الذي اقتحم الخندق بالمدينة ، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. {يقول ~~أهلكت مالا لبدا} أي : كثيرا ، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض ، يريد ~~كثرة ما أنفقه ، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي ، رياء وفخرا. ~~{أيحسب أن لم يره أحد} ؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة ، وأنه تعالى لا ~~يحاسبه ولا يجازيه ، يعني : أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. # ثم ذكر نعمه عليه ، فقال : {ألم نجعل له عينين} يبصر بهما المرئيات ، ~~{ولسانا} يعبر به عما في ضميره ، {وشفتين} يستر بهما فاه ، ويستعين بهما ~~على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها ، {وهديناه النجدين} أي : طريقي ~~الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار ، فهو كقوله : {إنا هديناه ~~السبيل...} [الإنسان : 3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد ، بل ~~معنى الإلهام ، أو : الثديين ، وأصل النجد : المكان المرتفع ، ومنه سميت ~~نجد ، لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. # الإشارة : أقسم تعالى ببلد المعاني ، التي هي أسرار الذات ، ووالد ، وهو ~~الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات ، لقد خلق الإنسان في كبد : ~~في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله ، أعني : روحانيا قدسيا ، فإنه ~~حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي : عن بعضهم : الإنسان في كبد ما ~~دام قائما بطبعه ، واقفا بحاله ، فإنه في ظلمة وبلاء ، فإذا فني عن أوصاف ~~إنسانيته ، بفناء طبائعه عنه ، صار في راحة. ه. # 305 PageV08P469 ~~والحاصل : أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان ، ~~فإنه في روح وريحان ، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل ms3385 أن لن يقدر على حمل ~~أثقاله أحد ، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه ، بلى نحن قادرون على حمل ~~حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين ، فلينظر بهما من حمل ~~السموات والأرض ، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله ؟ فليرح نفسه من تعب ~~التدبير ، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه ، وجعلنا له لسانا ~~يشكر به نعم مولاه ، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه ، وهديناه الطريقين ؛ ~~الشريعة والحقيقة ، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. # جزء : 8 رقم الصفحة : 304 # أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} أي : أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على ~~بعثه أحد ، أو : أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد ، فعلى هذا نزلت في معين ، ~~قيل : هو أبو الأشدين الجمحي ، رجل من قريش كان شديد القوة ، مغترا بقوته ، ~~كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ، ويقول : من أزالني عنه فله كذا ، ~~فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا ، ولا تزال قدماه ، وقيل : عمرو بن عبد ود ، وهو ~~الذي اقتحم الخندق بالمدينة ، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. {يقول ~~أهلكت مالا لبدا} أي : كثيرا ، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض ، يريد ~~كثرة ما أنفقه ، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي ، رياء وفخرا. ~~{أيحسب أن لم يره أحد} ؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة ، وأنه تعالى لا ~~يحاسبه ولا يجازيه ، يعني : أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. PageV08P470 # ثم ذكر نعمه عليه ، فقال : {ألم نجعل له عينين} يبصر بهما المرئيات ، ~~{ولسانا} يعبر به عما في ضميره ، {وشفتين} يستر بهما فاه ، ويستعين بهما ~~على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها ، {وهديناه النجدين} أي : طريقي ~~الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار ، فهو كقوله : {إنا هديناه ~~السبيل...} [الإنسان : 3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد ، بل ~~معنى الإلهام ، أو : الثديين ، وأصل النجد : المكان المرتفع ، ومنه سميت ~~نجد ، لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. # الإشارة : أقسم تعالى ببلد المعاني ، التي هي أسرار الذات ، ووالد ، وهو ~~الروح الأعظم وما تولد ms3386 منه من الأرواح الجزئيات ، لقد خلق الإنسان في كبد : ~~في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله ، أعني : روحانيا قدسيا ، فإنه ~~حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي : عن بعضهم : الإنسان في كبد ما ~~دام قائما بطبعه ، واقفا بحاله ، فإنه في ظلمة وبلاء ، فإذا فني عن أوصاف ~~إنسانيته ، بفناء طبائعه عنه ، صار في راحة. ه. # 305 # والحاصل : أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان ، ~~فإنه في روح وريحان ، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل ~~أثقاله أحد ، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه ، بلى نحن قادرون على حمل ~~حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين ، فلينظر بهما من حمل ~~السموات والأرض ، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله ؟ فليرح نفسه من تعب ~~التدبير ، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه ، وجعلنا له لسانا ~~يشكر به نعم مولاه ، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه ، وهديناه الطريقين ؛ ~~الشريعة والحقيقة ، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. # جزء : 8 رقم الصفحة : 304 PageV08P471 ~~يقول الحق جل جلاله : {فلا اقتحم العقبة} ، الاقتحام : الدخول بشدة ومشقة ، ~~والعقبة : كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات ، و" لا " هنا إما ~~تحضيضية ، أي : هلا اقتح العقبة ، وإما نافية ، أي : فلم يشكر تلك الأيادي ~~والنعم ، من البصر وما بعده ، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره ، ~~فإن قلت : " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها ~~؟ فأجاب الزمخشري : بأنها مكررة في المعنى ، أي : فلا اقتحم ولا فك رقبة ~~ولا أطعم مسكينا..الخ. # ثم عظم تلك العقبة بقوله : {وما أدراك ما العقبة} أي : أي شيء أعلمك ما ~~هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها ، أو نفي عنه اقتحامها ؟ ثم فسرها ~~بقوله : {فك رقبة} أي : هي إعتاق رقبة ، أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن ~~جزي : وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق ؛ لأنه واجب ولو استغرقت ~~فيه أموال المسلمين ، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. # {أو إطعام في ms3387 يوم ذي مسغبة} أي : مجاعة {يتيما ذا مقربة} أي : قرابة ، ~~{أو مسكينا ذا متربة} ؛ ذا فقر ، يقال : ترب فلان : إذا افتقر والتصق ~~بالتراب ، ومن قرأ " فك " و" أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، {ثم ~~كان من الذين آمنوا} اي : دام على إيمانه ، أو : ثم كان حين فعل ما تقدم من ~~المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك ، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في ~~الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة ، لا في الوقت ، إذ الإيمان هو السابق ~~على غيره ، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به ، {وتواصوا بالصبر} عن المعاصي وعلى ~~الطاعات ، أو : المحن التي يبتلى بهما المؤمن ، {وتواصوا بالمرحمة} ؛ ~~بالتراحم # 306 PageV08P472 ~~فيما بينهم. {أولئك أصحاب الميمنة} أي : الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب ~~اليمين واليمن ، {والذين كفروا بآياتنا} ؛ بما نصبناه دليلا على الحق من ~~كتاب وحجة ، أو بالقرآن {هم أصحاب المشئمة} أي : الشمال أو الشؤم ، {عليهم ~~نار موصدة} ؛ مطبقة ، من أوصدت الباب وآصدته : إذا أغلقته. # جزء : 8 رقم الصفحة : 306 # الإشارة : هلا اقتحم مريد الوصول العقبة ، وهي سلوك الطريق ، بخرق عوائد ~~النفس وترك هواها ، وجرها إلى مكروهها ، وعن الحسن رضي الله عنه : عقبة ~~والله شديدة ، يجاهد الإنسان نفسه وهواه ، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك ~~الرقبة ، أي : رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى ، أو : يفكها من الذنوب ~~والعيوب ، أو فكها من رق الطمع في الخلق ، فإنه بذر شجرة الذل ، أو : فكها ~~من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون ، أو : فك رقبة الغافل الجاهل من رق ~~نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته ، أو إطعام روح جائعة من اليقين ، إما يتيما ~~لا أب له روحاني ، أي لا شيخ له ، فتذكره بما يتقوى به إيقانه ، أو فقيرا ~~من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا ، فترقيه إلى سماء الأسرار ، ثم كان ممن آمن ~~بطريق الخصوص ، وتواصى بالصبر على مشاق السير ، والتراحم والتوادد والتواصل ~~، كما هو شأن أهل النسبة ، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة ، وضدهم ممن جحدوا ~~أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. ms3388 # 307 # جزء : 8 رقم الصفحة : 306 PageV08P473 ### | AUTO سورة الشمس # جزء : 8 رقم الصفحة : 307 # يقول الحق جل جلاله : {والشمس وضحاها} أي : وضوئها إذا أشرقت وقام ~~سلطانها ، {والقمر إذا تلاها} ؛ تبعها في الضياء والنور ، وذلك في النصف ~~الأول من الشهر ، يخلف القمر الشمس في النور ، {والنهار إذا جلاها} أي : ~~جلى الشمس وأظهرها للرائين ، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه ؛ لأن الشمس ~~تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء ، وقيل : الضمير للظلمة ، أو الأرض ، وإن ~~لم يجر لها ذكر ، كقوله : {ما ترك علىا ظهرها من دآبة} [فاطر : 45] ، ~~{والليل إذا يغشاها} أي : يستر الشمس ويظلم الأفاق ، والواو الأولى في هذه ~~الأشياء للقسم باتفاق ، وكذا الثانية عند البعض ، وعند الخليل : الثانية ~~للعطف ؛ لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز ، ألا ترى : أنك ~~لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله ، وهما حرفا عطف ~~، وكذا الواو ، ومن قال : إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا ~~على عاملين ، لأن قوله : {والليل} [الليل : 1] مثلا مجرور بواو القسم ، ~~{إذا يغشى} منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم ، فلو جعلت الواو التي في ~~{والنهار إذا تجلىا} [الليل : 2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا ، ~~و{إذا تجلى} معطوفا على " يغشى " نصبا ، وكان كقولك : إن في الدار زيدا ، ~~والحجرة عمرا ، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل ، حتى لم يجز ~~إبراز الفعل معها ، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا ، وصارت كعامل واحد له ~~معمولان ، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق ~~، نحو : ضرب زيد # 308 # عمرا وأبو بكر خالدا ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. PageV08P474 # {والسماء وما بناها} أي : ومن بناها ، وإيثار " ما " على " من " لإرادة ~~الوصفية تفخيما ، كأنه قيل : والقادر العظيم الذي بناها ، وجعلها مصدرية ~~مخل بالنظم الكريم ، وكذا في قوله : {والأرض وما طحاها} أي : بسطها من كل ~~جانب ، ك " دحاها ". # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 308 # ونفس وما سواها} أي : والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها ، ~~مستعدة لكمالاتها ، والتنكير ms3389 للتفخيم ، على أن المراد نفس آدم عليه السلام ~~أو للتكثير ، وهو الأنسب للجواب ، أي : ومن سوى كل نفس ، {فألهمها فجورها ~~وتقواها} أي : ألهمها طاعتها ومعصيتها ، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة ، ~~أو عرفها طرق الفجور والتقوى ، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين ، ~~ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله : {إنا هديناه السبيل إما شاكرا ~~وإما كفورا} [الإنسان : 3] أي : ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه ، ~~وألهم من أراد سعادتها تقواها ، فسعت إليه. {قد أفلح من زكاها} أي : فاز ~~بكل مطلوب ، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان ~~والطاعة ، {وقد خاب من دساها} ؛ أغواها ، قال عكرمة : " أفلحت نفس زكاها ~~الله ، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد. ~~والتدسية : النفس والإخفاء ، أي : خسر من نقصها وأخفاها بالفجور ، وأصل دسى ~~: دسس ، كتقضى وتقضض ، فأبدل من الحرف الثالث ياء ، قال في الكافية : # وثالث الأمثال أبدلنه ياء # نحو تظنا خالد تظنينا # وجواب القسم محذوف ، والتقدير : ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم ~~كما دمدم على ثمود ، وقيل : " قد أفلح " وليس بشيء ، وقيل : " كذبت ثمود " ~~على إضمار " قد " والأول أحسن ، والله تعالى أعلم. PageV08P475 # الإشارة : والشمس شمس العرفان ، وابتداء ضحاها في أول الفناء ، والقمر قمر ~~الإيمان ، إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا ، ~~والنهار نهار التمكين إذا جلاها ، أي : ظلمة حس الكائنات ، وقلعها من أصلها ~~بشهود المكون ، والليل ؛ ليل القطيعة ، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا ، ~~هل يضطرب ويفزع فيرد عليه ، أو يتسلى فيسلب ، أو نهار البسط إذا جلاها ، أي ~~: ظلمة القبض ، وليل القبض إذا يغشاها ، أي : شمس نهار البسط ، أقسم تعالى ~~بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح ، وما بناها ؛ رفعها ، والأرض أرض الأشباح ~~، وما طحاها ، أي : بسطها للعبودية ، ونفس وما سواها ؛ ألقى صورتها وهيأها ~~للقرب والبعد ، فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل ، قال ~~الورتجبي : سواها بتسوية الصفة ، ورقمها بنور الآزلية ، ثم بين أنه تعالى ~~عرفها طرق لطيفات الذات ، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله : {فألهمها ~~فجورها ms3390 وتقواها} عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ، ثم عرفها طريق ~~اللطف حتى عرفت # 309 # معالجتها من المنجيات ، والمقصود منها : عرفانها عند الحق بطريق القهر ~~واللطف ، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 308 # قال القشيري : فألهمها فجورها وتقواها : بأن خذلها ووفقها ، ويقال : ~~فجورها : حركتها في طلب الرزق ، وتقواها : سكونها لحكم التقدير. ثم قال : ~~ويقال : أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب ، ثم عن الأطماع في الأعواض ، ثم ~~العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام ، وعن ارتكاب الحرام ، وقد خاب من خان ~~نفسه وأهملها عن المراعاة ، ودسها بالمخالفات ، وفي نوادر الأصول ما حاصله ~~: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة ، يمنع من دخول الضوء ، كذلك الهوى ~~والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 308 PageV08P476 ~~يقول الحق جل جلاله : {كذبت ثمود} صالحا {بطغواها} أي : بسبب طغيانها ، إذ ~~الحامل لهم على التكذيب هو طغيانهم ، وفيه وعظ لأمثالهم ، وتهديد للحاضرين ~~الطاغين ؛ لأن الطغيان أجرم الجرائم الموجبة للهلاك والخيبة في الدنيا ~~والآخرة. {إذ انبعث أشقاها} ، منصوب ب " كذبت " ، أي : حين قام أشقى ثمود ، ~~وهو : قدار بن سالف ، أو : هو ومن تصدى معه للعقر من الأشقياء ، فإن أفعل ~~التفضيل إذا أضيف يصلح للواحد والمتعدد ، والمذكر والمؤنث. وفضل شقاوتهم ~~على من عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به. # {فقال لهم} أي : لثمود {رسول الله} صالح عليه السلام ، عبر عنه بعنوان ~~الرسالة إيذانا بوجوب طاعته ، وبيانا لغاية عتوهم ، وهو السر في إضافة ~~الناقة إليه تعالى في تقوله : {ناقة الله} أي : احذروا عقرها ، أو احفظوها ~~، {و} الزموا {سقياها} فلا تدوروها في نوبتها ، وهما منصوبان على التحذير. ~~{فكذبوه} فيما حذرهم به من نزول العذاب بقوله : {ولا تمسوها بسواء فيأخذكم ~~عذاب أليم} [الأعراف : 73] ، {فعقروها} ، أسند الفعل إليهم ، وإن كان ~~العاقر واحدا ، لقوله : {فنادوا صاحبهم فتعاطىا فعقر (29)} [القمر : 29] ~~لرضاهم به. قال قتادة : بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم. ~~وذكرانهم وإناثهم ". {فدمدم عليهم ربهم} ؛ فأطبق عليهم العذاب حتى ~~استأصلهم. ms3391 قال الهروي : إذا كررت الإطباق قلت : دمدمت عليه ، أي : أدمت ~~عليه الدمدمة ، وقيل : فدمدم عليهم : عضب عليهم ، {بذنبهم} ؛ بسبب ذنبهم ، ~~وصرح به مع دلالة الفاء عليه للإيذان بأنه عاقبة كل ذنب ليعتبر # 310 PageV08P477 ~~به كل مذنب. {فسواها} أي : الدمدمة بينهم ، لم يفلت منهم أحد من صغيرهم ~~وكبيرهم ، أو فسوى ثمود بالأرض بتسوية بنائها وهدمه ، {ولآ يخاف عقبآها ~~(15)} [الشمس : 15] أي : عاقبتها وتبعتها ، كما يخاف سائر المعاقبين أي : ~~فعل ذلك غير خائف أن يلحقه تبعة من أحد ، كما يخاف من يعاقب من الملوك ~~وغيرهم ، لأنه تصرف في ملكه ، {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (23)} ~~[الأنبياء : 23]. ومن قرأ بالواو فهو للحال ، أو الاستئناف. # جزء : 8 رقم الصفحة : 310 # الإشارة : قال القشيري : كذبت ثمود النفس بسبب طغيانها على القلب ~~بالشهوات الحيوانية ، واللذات الجسمانية ، إذ انبعث أشقاها ، هو الهوى ~~المتبع ، الساعي في قتل ناقة الروح ، فقال لهم رسول الله ؛ القلب الصالح : ~~ناقة الله ، أي : اتركوا ناقة الله ترعى في المراتع الروحانية ، من ~~المكاشفات والمشاهدات والمعاينات ، فكذبوه ؛ فكذبت ثمود النفس وجنودها رسول ~~القلب ، فعقروها ، أي : الروح بالظلمة النفسانية والشهوة الحيوانية ، فدمدم ~~عليهم ربهم ؛ على ثمود النفس وقومها عذاب البعد والطرد ، بذنبهم ، فسواها ، ~~أي : فسوى الدمدمة ، وهي الإطباق على النفس وجنودها ، فلا يخاف عقباها ~~لغناه عن العالمين. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 311 # جزء : 8 رقم الصفحة : 310 PageV08P478 ### | AUTO سورة الليل # جزء : 8 رقم الصفحة : 311 # يقول الحق جل جلاله : {والليل إذا يغشى} أي : حين يغشى الشمس ، كقوله ~~تعالى : {والليل إذا يغشاها (4)} [الشمس : 4] أو : كل ما يواريه بظلامه. ~~وقال القشيري : إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. ~~{والنهار إذا تجلى} أي : ظهر وأسفر ووضح ، {وماخلق الذكر والأنثى} أي : ~~والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد ، وقيل : ~~هما آدم وحواء ، و" ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " ~~وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم : {إن سعيكم} أي : عملكم ~~{لشتى} ؛ لمختلف ، جمع شتيت ، أي : إن ms3392 مساعيكم لأشتات مختلفة. # ثم فصله فقال : {فأما من أعطى} حقوق ماله {واتقى} محارم الله التي نهى ~~عنها ، {وصدق بالحسنى} ؛ بالخصلة الحسنى ، وهي الإيمان ، أو بالكلمة الحسنى ~~، وهي كلمة التوحيد ، أو بالملة الحسنى ، وهي الإسلام ، أو بالمثوبة الحسنى ~~، وهي الجنة ، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه ، ولا ~~يجري على قلبه خاطر شك ، {فسنيسره لليسرى} ؛ فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى ~~الراحة واليسر ، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية : معناه : سنظهر عليه ~~تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير ، وحتم تيسيره كان في علم الله ~~أزلا. ه. يقال : يسر الفرس ، إذا أسرجها وألجمها. # {وأما من بخل} بماله ، فلم يبذله في سبيل الخير ، {واستغنى} أي : زهد ~~فيما عند الله تعالى ، كأنه مستغن عنه فلم يتقه ، أو : استغنى بشهوات ~~الدنيا عن نعيم الآخرة ، # 312 PageV08P479 ~~{وكذب بالحسنى} أي : بالخصلة الحسنى ، على ما ذكر من معانيها ، {فسنيسره ~~للعسرى} أي : للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة ، كدخول النار ومقدماته ، ~~لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة ~~والأمور المحمودة ، فذلك اليسرى ، وهو وصف كل الطاعات ، وكل ما أدت عاقبته ~~إلى التعب والردى ، فذلك العسرى ، وهو وصف كل المعاصي. ه. {وما يغني عنه ~~ماله} الذي بخل به ، أي : لا ينفعه شيئا {إذا تردى} ؛ هلك ، تفعل ، من ~~الردى ، أو تردى في حفرة القبر ، أو في قعر جهنم ، والعياذ بالله. # جزء : 8 رقم الصفحة : 312 # الإشارة : أقسم تعالى بليل الحجاب ، إذا يغشى القلوب المحجوبة ، ونهار ~~التجلي إذا يغشى القلوب الصافية ، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله ، ولطف ~~جماله ، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات ، إن سعي الناس لشتى ، فأما من ~~أعطى ماله ونفسه ، واتقى كل ما يشغله عن المولى ، فسنيسره لسلوك الطريق ~~اليسرى ، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي : سهل له طريق الوصول ~~إليه ، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري : نسهل عليه ~~الطاعات ، ونكره إليه المخالفات ، ونهيىء له القرب ، ونحبب له الإيمان ، ~~ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ms3393 ونفسه ، واستغنى عن معرفة ربه ~~معرفة العيان ، وقنع بمقام الإيمان ، فسنيسره للعسرى ، وهي طريق البعد ~~والحجاب ، كاشتغاله بحب الدنيا ، وجمع المال ، وما يغني عنه ماله إذا تردى ~~في مهاوي البعد والردى. # جزء : 8 رقم الصفحة : 312 PageV08P480 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن علينا للهدى} ؛ إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب ~~الدلائل ، وتبيين الشرائع ، أو : إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم ~~البالغة ، حيث خلقنا الخلق للعبادة ، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه ~~، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه ، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين ، ~~ترغيبا وترهيبا ، فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية ، لا ~~الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. # {وإن لنا للآخرة والأولى} أي : التصرف الكلي فيهما ، كيفما نشاء ، فنفعل ~~فيهما ما نشاء ، فنعطي الدنيا لمن نشاء ، والآخرة لمن نشاء ، أو نجمع له ~~بينهما ، أو نحرمه منهما ، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ ، أو : إن لنا كل ~~ما في الدنيا والآخرة ، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. # 313 # {فأنذرتكم} ؛ خوفتكم {نارا تلضى} ؛ تتلهب ، {لا يصلاها إلا الأشقى} ؛ لا ~~يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء ، {الذي كذب وتولى} أي : الكافر ~~الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتولى عن الإيمان ، {وسيجنبها} ؛ ~~وسيبعدها {الأتقى} ؛ المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي ، فلا يحوم ~~حولها ، فضلا عن دخولها ، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا ~~يبعد هذا البعد ، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور ، فلا ينافي الحصر ~~المذكور. {الذي يؤتى ماله} للفقراء {يتزكى} أي : يطلب أن يكون عند الله ~~زاكيا ، لا يريد به رياء ولا سمعة ، من : الزكا ، وهو الزيادة ، أو : تفعل ~~من الزكاة ، أو : يتطهر من الذنوب والعيوب ، وهو حال من ضمير " يؤتى ". ~~{وما لأحد عنده من نعمة تجزى} أي : ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى ~~وتكافأ ، {إلا ابتغاء وجه ربه} : استثناء منقطع ، أي : لكن يفعل ذلك ابتغاء ~~وجه ربه {الأعلى} أي : الرفيع بسلطانه ، المنيع في شأنه وبرهانه. PageV08P481 # جزء : 8 رقم ms3394 الصفحة : 313 # والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة ~~كان المشركون يؤذونهم ، فأعتقهم. ولذلك قالوا : المراد بالأشقى : أبو جهل ~~وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه : عذب المشركون بلالا ، وبلال ~~يقول : أحد أحد ، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ينجيك أحد أحد ~~" ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ، وقال له : " إن بلالا يعذب ~~في الله " فعرف مراده ، فاشتراه برطل من ذهب ، وقيل : اشتراه بعبد كان عنده ~~اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري ، وكان مشركا ، فقال ~~له الصديق : أسلم ولك جميع مالك ، فأبى ، فدفعه لأمية بن خلف ، وأخذ بلالا ~~، فأعتقه ، فقال المشركون : ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده ، فنزلت. روي ~~أنه اشتراه ، وهو مدفون بالحجارة ، يعذب على الإسلام ، قال عروة : أعتق أبو ~~بكر سبعة ، كلهم يعذب في الله ، بلال وعامر بن فهيرة ، والنجدية وبنتها ، ~~وزنيرة ، وبيرة ، وأم عبيس ، وأمة بني المؤمل. قال : وأسلم وله أربعون ألفا ~~، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير : كان أبو بكر يشتري الضعفة ~~فيعتقهم ، فقال له أبوه : لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك ، فقال : منع ظهري ~~أريد ، فنزلت فيه : {وسيجنبها الأتقى (17)} [الليل : 17] الآية. واسمه : ~~عبد الله بن عثمان ، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة ، فسماه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم عبد الله. # وقوله تعالى : {ولسوف يرضى} جواب قسم مضمر ، أي : والله لسوف نجازيه ~~فيرضى ، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها ، إذ به ~~يتحقق رضاه ، وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم : {ولسوف يعطيك ربك ~~فترضىا (5)} [الضحى : 5]. PageV08P482 # الإشارة : إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق ، فإنا ~~أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء ، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد ، وجعلنا ~~له خلفاء في كل زمان ، # 314 # يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا ، وإن لنا للآخرة لمن طلبها ، والأولى لمن ~~طلبها ، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها ، فأنذرتكم نارا تلظى ، وهي نار ~~البعد لا ms3395 يصلاها إلا الأشقى ، الذي سبق له البعد منا. {الذي كذب وتولى} ، ~~قال القشيري : أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك ، ~~وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم ، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية ~~الشهودية ، وسيجنبها الأتقى ، أي : يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى ~~السوى ، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية ، {وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى} أي : ليس إحسانه في مقابلة حرف {إلا ابتغاء وجه ~~ربه الأعلى} أي : إلا طلب معرفة ذاته العلية ، {ولسوف يرضى} بدوام شهود ~~الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 315 # جزء : 8 رقم الصفحة : 313 PageV08P483 ### | AUTO سورة الضحى # جزء : 8 رقم الصفحة : 315 # يقول الحق جل جلاله : {والضحى} ، المراد به : وقت الضحى ، وهو حدود ~~النهار حتى ترتفع الشمس ، وإنما خص بالإقسام به لأنه الساعة التي كلم الله ~~فيها موسى عليه السلام ، والتي وقع فيها السحرة ساجدين ، أو : النهار كله ؛ ~~لمقابلته بالليل في قوله : {والليل إذا سجى} ؛ سكن ، المراد : سكون الناس ~~والأصوات فيه ، أو ركد ظلامه ، من : سجا البحر إذا سكنت أمواجه ، وقيل : ~~المراد بالضحى : ساعة مناجاة موسى ، وبالليل : ليلة المعراج. # وجواب القسم : {ما ودعك ربك} أي : ما تركك منذ اختارك ، {وما قلى} أي : ~~وما أبغضك منذ أحبك ، والتوديع : مبالغة في الودع ، وهو الترك ؛ لأن من ~~ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك. روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أياما ، فقال المشركون : إن محمدا ودعه ربه وقلاه ، فنزلت ردا ~~عليهم ، وتبشيرا له صلى الله عليه وسلم بالكرامة الحاصلة. وحذف الضمير من " ~~قلى " إما للفواصل ، أو للاستغناء عنه بذكره قبل ، أو : للقصد إلى نفس صدور ~~الفعل عنه تعالى ، مع قطع النظر عما يقع عليه الفعل بالكلية ، وحيث تضمن ما ~~سبق من نفي التوديع ، والقلى أنه تعالى يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا ~~بشر صلى الله عليه وسلم بأن ما سيؤتاه في الآخرة أجل وأعظم بذلك ، فقيل : ~~{وللآخرة خير لك من الأولى} ، لأن ما فيها من النعم # 316 ms3396 # صافية من الشوائب على الإطلاق ، وهذه فانية مشوبة بالمضار ، وما أوتي صلى ~~الله عليه وسلم من شرف النبوة ، وإن كان مما لا يعادله شرف ، ولا يدانيه ~~فضل ، لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض الشاقة على النفس. # ووجه اتصال الآية بما قبلها : أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي أن ~~الله يواصلك بالوحي إليك ، وأنك حبيب الله ، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك ، ~~أخبر أن ما له في الآخرة أعظم وأشرف ، وذلك لتقدمه على الأنبياء في الشفاعة ~~الكبرى ، وشهادة أمته على الأمم ، ورفع درجات المؤمنين ، وإعلاء مراتبهم ~~بشفاعته ، وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تحيط بها العبارة. PageV08P484 # وقوله تعالى : {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وعد كريم شامل لما أعطاه الله تعالى ~~في الدنيا ، من كما اليقين ، وعلوم الأولين والآخرين ، وظهور أمره ، وإعلاء ~~دينه بالفتوح الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم ، وفي أيام خلفائه ~~الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية ، وفشو الدعوة ، وإعلاء منار الإسلام ~~في مشارق الأرض ومغاربها ، ولما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا ~~الله عز وجل ، وقد أنبأ ابن عباس عن شيء منها ، حيث قال : " أعطي في الجنة ~~ألف قصر من لؤلؤ أبيض ، ترابه المسك ". وفي الحديث : لما نزلت هذه الآية ~~قال صلى الله عليه وسلم : " أنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار " قال ~~بعضهم : هذه أرجى أية في القرآن. ودخل صلى الله عليه وسلم على فاطمة ، ~~وعليها ثياب من صوف وشعر ، وهي تطحن وترضع ولدها ، فدمعت عيناه ، وقال : " ~~يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة " ثم تلا : {ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى}. واللام للقسم ، وإنما لم تدخل نون التوكيد لفصل السين بين القسم ~~والفعل. # جزء : 8 رقم الصفحة : 316 # الإشارة : قال القشيري : يشير إلى القسم بضحوة نهار قلب الرسول ، عند ~~انتشار شمس روحه على بشريته ، وبليل بشريته عند أحكام الطبيعة وسلوك آثار ~~البشريه لغلبة سلطان الحقيقة ، ما ودعك ربك بقطع فيض النبوة والرسالة عن ~~ظاهرك ، وما قلى بقطع فيض الولاية عن قلبك ، {وللآخرة ms3397 خير لك من الأولى} ~~يعني : أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أحوال بدايتك ، لأنه صلى الله عليه وسلم ~~لا يزال يطير بجناحي الشريعة والطريقة في جو سماء الحقيقة ، ويترقى في ~~مقامات القرب والكرامة. ه. ويمكن الخطاب بالسورة الكريمة لخليفته من ~~العارفين ، الدعاة إلى الله. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 316 PageV08P485 ~~يقول الحق جل جلاله : {ألم يجدك يتيما} من أبويك {فآوى} أي : ضمك إلى جدك ، ~~ثم إلى عمك أبي طالب. روي أن أباه مات وهو جنين ، قد أتت عليه ستة أشهر ، ~~وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين ، فكلفه أولا جده عبد المطلب ، فلما مات جده ~~كفله عمه أبو طالب ، فأحسن تربيته ، وذلك إيواؤه ، وقال القشيري : ويقال : ~~بل آواه إلى ظل كنفه ، ورباه بلطف رعايته. ه. # والحكمة في يتمه صلى الله عليه وسلم : ألا يكون عليه منة لأحد سوى كفالة ~~الحق تعالى. وقيل : هو من قول العرب : درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل ، أي : ~~ألم يجدك وحيدا في شرفك وفضلك ، لا نظير لك فآواك إلى حضرته. PageV08P486 # {ووجدك ضالا} ؛ غافلا عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول ، {فهدى} ؛ ~~فهداك إليها ، كقوله : {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى : 52]. ~~وقال القشيري : أي : ضالا عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها ، وعرفناك ~~تفصيلها. ه. أو : ضالا عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة ، ولم يقل أحد ~~من المفسرين : ضالا عن الإيمان. قاله عياض : وقيل : ضل في صباه في بعض شعاب ~~مكة ، فرده أبو جهل إلى عبد المطلب ، وقيل : ضل مرة أخرى ، وطلبوه فلم ~~يجدوه ، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا ، وتضرع إلى الله ، فسمعوا هاتفا ~~ينادي من السماء : يا معشر الناس ، لا تضجوا ، فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا ~~يضيعه. وأن محمدا بوادي تهامة عند شجرة السمر ، فسار عبد المطلب وورقة بن ~~نوفل ، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة ، يلعب بالإغصان ~~والأوراق. وقيل : أضلته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته ، وجاءت به ~~لترده على عبد المطلب ، وقيل : ضل في طريق الشام ms3398 حين خرج به أبو طالب ، ~~يروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليل ظلماء ، فعدل به عن الطريق ، فجاء ~~جبريل عليه السلام ، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الهند ، ورده إلى ~~القافلة. وقوله تعالى : {فهدى} أي : فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في ~~تضاعيف ما يوحى إليك من الكتاب المبين ، وعلمك ما لم تكن تعلم. {ووجدك ~~عائلا} ؛ فقيرا من حس الدنيا ، {فأغنى} ؛ فأغناك به عما سواه ، وزوجك خديجة ~~، فقامت بمؤونة العيش ، أو بما أفاء عليك من الغنائم ، قال صلى الله عليه وسلم : # جزء : 8 رقم الصفحة : 317 PageV08P487 ~~" جعل رزقي تحت ظل رمحي ". {فأما اليتيم فلا تقهر} ، قال المفسرون : أي : ~~لا تغلبه على ماله وحقه ، لأجل ضعفه ، وأذكر يتمك ، ولا تقهره بالمنع من ~~مصالحه ، ووجوه القهر كثيرة ، والنهي يعم جميعها ، أي : دم على ما أنت عليه ~~من عدم قهر اليتيم. وقد ورد في الوصية باليتيم # 318 # أحاديث ، منها : قوله صلى الله عليه وسلم : " أنا وكافل اليتيم في الجنة ~~كهاتين إذا اتقى الله " وأشار بالسبابة والوسطى ، وقال صلى الله عليه وسلم ~~: " إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن ، فيقول الله تعالى : يا ~~ملائكتي ؛ من أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب ؟ فتقول الملائكة : ~~ربنا أنت أعلم ، فيقول الله تعالى : يا ملائكتي فإني أشهدكم أن لمن أسكته ~~وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة " ، فكان عمر إذا رأى يتيما مسح رأسه وأعطاه ~~شيئا. وقال أنس : " من ضم يتيما ، فكان في نفقته ، وكفاه مؤنته ، كان له ~~حجابا من النار يوم القيامة ، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ". # {وأما السائل فلا تنهر} أي : لا تزجره ولا تعبس في وجهه ، ولا تغلظ له ~~القول ، بل رده ردا جميلا ، قال إبراهيم بن أدهم : نعم القوم السؤال يحملون ~~زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي : السائل بريد الآخرة ، يجيء إلى ~~باب أحدكم فيقول : أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم : " ~~لا يمنعن أحدكم السائل وإن في يديه قلبين ، من ذهب " أي : سوارين. وقال ~~أيضا ms3399 : " أعط السائل ولو على فرسه " وقال صلى الله عليه وسلم : " إذا رددت ~~السائل ثلاثا فلم يرجع عليك أن تزبره " وقال الحسن : المراد بالسائل هنا : ~~السائل عن العلم. PageV08P488 # {وأما بنعمة ربك فحدث} بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها ، يرد ما أفاضه الله ~~تعالى عليه من فنون النعم ، التي من جملتها المعدودة والموعودة ، والنبوة ~~التي آتاه الله تأتي على جميع النعم ، ويدخل في النعم تعلم العلم والقرآن ، ~~وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " التحدث بالنعم شكر " ولذلك كان بعض ~~السلف يقول : لقد أعطاني الله كذا ، ولقد صليت البارحة كذا ، وهذا إنما ~~يجوز إذا ذكره على وجه الشكر ، أو ليقتدى به ، فأما على وجه الفخر والرياء ~~فلا يجوز. ه. # 319 # انظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم ، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث ~~وصايا ، فقال في قوله : {ألم يجدك يتيما} بقوله : {فأما اليتيم فلا تقهر} ~~وقابل قوله : {ووجدك ضالا} بقوله : {وأما السائل فلا تنهر} على من قال : ~~إنه طالب العلم ، وقابل بقوله : {وأما بنعمة ربك فحدث} على القول الآخر ، ~~وقابل قوله : {ووجدك عائلا فأغنى} بقوله : {وأما السائل فلا تنهر} على ~~القول الأظهر ، وقابله بقوله : {وأما بنعمة ربك فحدث} على القول الآخر ه. ~~من ابن جزي. # جزء : 8 رقم الصفحة : 317 # ولما قرأ صلى الله عليه وسلم سورة الضحى كبر في آخرها ، فسن التكبير ~~آخرها ، وورد الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها في رواية البزي. PageV08P489 # الإشارة : ألم يجدك يتيما فردا من العلائق ، مجردا مما سوى الله ، فآواك ~~إليه ، وهي طريقة كل متوجه ، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيما من الهوى ، ~~بل بقلب مفرد ، فيه توحيد مجرد. قال القشيري : ويقال فآواك إلى بساط القربة ~~، بحيث انفردت بمقامك ، فلم يشاركك فيه أحد. ه. {ووجدك ضالا} قيل : مترددا ~~في معاني غوامض المحبة ، فهداك بلطفه لها ، أو : وجدك متحيرا عن إدراك ~~حقيقتنا ، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا ، وفي هذا ملاءمة لمعنى ~~الافتتاح. قال القشيري : ويقال : ضالا عن محبتي لكن فعرفتك أني أحبك ، ~~ويقال : جاهلا شرفك ms3400 فعرفتك قدرك. ه. ووجدك عائلا فقيرا مما سواه ، فأغناك ~~به عن كل شيء ، إلا طلب الزيادة في العلوم والعرفان ، فلا قناعة من ذلك ، ~~{وقل رب زدني علما} [طه : 114]. وفي القوت : إنما أغناه بوصفه ، لا ~~بالأسباب ، وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. ه. ~~وكما أن الله تعالى غني بذاته ، لا بالأعراض والأسباب ، فالرسول صلى الله ~~عليه وسلم غني بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت : وكذلك الأولياء ~~رضي الله عنهم سرى فيهم اسمه تعالى " الغني " فصاروا أغنياء بلا سبب ، وما ~~وصى به الحق تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يوصى به خلفاؤه من قوله : {فأما ~~اليتيم فلا تقهر...} الخ. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم. # 320 # جزء : 8 رقم الصفحة : 317 PageV08P490 ### | AUTO سورة الشرح # جزء : 8 رقم الصفحة : 320 # يقول الحق جلا جلاله : {ألم نشرح لك صدرك} أي : ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى ~~عالم الغيب والشهادة ، وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة ، فما صدتك ~~الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية ، وما عاقك ~~التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق ، وقيل : المراد شرح جبريل ~~صدره في حال صباه ، حين شقه وأخرج منه علقة سوداء ، أو ليلة المعراج فملأه ~~إيمانا وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من ~~الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير " بلى ". # وزيادة " لك " وتوسطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأن الشرح من منافعة صلى ~~الله عليه وسلم ومصالحة ، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه ~~وسلم وتشويقا إلى ما يعقبه ، ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن. وقال في ~~الوجيز : هو استفهام معناه التقرير ، أي : ألم نفتح ونوسع لك قلبك بالإيمان ~~والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية : والظاهر أنه # 321 # إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله : {رب اشرح لي صدري} [طه : 25] ، ~~وأنه باداه به من غير طلب ، وهو قدر زائد على مطلق الرسالة ، متضمن حمل ثقل ~~تبليغها ، لكونه في ms3401 ذلك بربه ، ويناسبه ما بعده من وضع الوزر ، وهو لغة : ~~الحمل الثقيل ، كما في الوجيز ، وشرح الصدر : بسطه بنور إلهي. ه. PageV08P491 # {ووضعنا عنك وزرك} ، عطف على مدلول الجملة السابقة ، كأنه قيل : قد شرحنا ~~لك صدرك ووضعنا عنك وزرك ، أي : حططنا عنك عبأك الثقيل ، {الذي أنقض ظهرك} ~~أي : أثقله حتى سمع له نقيض ، وهو صوت الانتقاض ، أي : خففنا عنك أعباء ~~النبوة والقيام بأمرها ، أو : يراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل ، والأنبياء ~~يعاتبون بمثلها ، ووضعه عنه : أن يغفر له. قال ابن عرفة : التفسير السالم ~~فيه : أن يتجوز في الوضع بمعنى الإبعاد ، أو يتجوز في الوزر ، فإن أريد ~~بالوزر حقيقته فيكون المعنى : أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر ~~اللاحق لنوعك ، وإن أريد بالوزر المجازي ، وهو ما يلحقه قبل النبوة من الهم ~~والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية ، فيكون الوضع حقيقة ~~، والوزر مجازا. ه. قلت : والظاهر : أن كل مقام له ذنوب ، وهو رؤية التقصير ~~في القيام بحقوق ذلك المقام ، فحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فكلما علا ~~المقام طولب صاحبه بشدة الأدب ، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألا يكون قام ~~بحق المقام الذي أقامه الحق فيه ، فاهتم من أجله ، وجعل منه حملا على ظهره ~~، فأسقطه الحق تعالى عنه ، وبشره بأنه مغفور له على الإطلاق ؛ ليتخلى من ~~ذلك الاهتمام. # جزء : 8 رقم الصفحة : 321 PageV08P492 ~~وزاده شرفا بقوله : {ورفعنا لك ذكرك} أي : نوهنا باسمك وجعلناه شهيرا في ~~المشارق والمغارب ، ومن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمه مع اسمه ~~في الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد ، وفي مواضع من القرآن : ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء : 59] {ومن يطع الله ورسوله} [النساء ~~: 13] {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة : 62] ، وتسميته رسول الله ، ~~ونبي الله ، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية : رفع الذكر نعمة على ~~الرسول ، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس ، وخمول الذكر والاسم حسن ~~للمنفردين للعبادة. ه. قلت : والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه : ~~من أحب الظهور ms3402 فهو عبد الظهور ، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء ، ومن أحب ~~الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. ه. والخمول للمريد أسلم ، والظهور للواصل ~~أشرف وأكمل. # ثم بشر رسوله وسلاه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله : {فإن مع العسر ~~يسرا} أي : إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسرا ~~بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل : كان المشركون يعيرون رسول الله ~~والمسلمين بالفقر ، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله ، ~~فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ، ثم قال : # 322 PageV08P493 ~~{فإن مع العسكر يسرا} كأنه قال : خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله ، ~~{إن مع العسر} الذي أنتم فيه {يسرا} ، وجيء بلفظ " مع " لغاية مقارنة اليسر ~~للعسر ؛ زيادة في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم ، وكذلك تكريره ~~، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها : " لن يغلب عسر يسرين " لأن ~~العسر أعيد معرفا فكان واحدا ، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية ~~عين الأولى ، واليسر أعيد نكرة ، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير ~~الأولى ، فصار المعنى : إن مع العسر يسرين ، وبعضهم يكتبه بياءين ، ولا وجه له. # {فإذا فرغت} من التبليغ أو الغزو {فانصب} ؛ فاجتهد في العبادة ، وأتعب ~~نفسك شكرا لما أولاك من النعم السابقة ، ووعدك من الآلاء اللاحقة ، أو : ~~فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق ، وقيل : فإذا فرغت من صلاتك ~~فاجتهد في الدعاء ، أو : إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة ، أي ~~: في سبب استحقاق الشفاعة ، {وإلى ربك فارغب} في السؤال ، ولا تسأل غيره ، ~~فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقرىء : " فرغب " أي : الناس إلى ما عنده. # جزء : 8 رقم الصفحة : 321 # الإشارة : ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه ~~واستقراره بها ، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله ، حرفا بحرف ، فيقال ~~له : ألم نوسع صدرك لمعرفتي ، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهت إلينا ، أو : ~~وضعنا عنك أثقال السير ، فحملناك إلينا ، فكنت محمولا لا حاملا ms3403 ، ورفعنا لك ~~ذكرك حين هيأناك للدعوة ، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك ~~الناس عنا ، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة ، فإذا فرغت من الدعوة ~~والتذكير ، فأتعب نفسك في العكوف في الحضرة ، أو : فإذا فرغت من كمالك ~~فانصب في تكميل غيرك ، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق ، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 323 # جزء : 8 رقم الصفحة : 321 PageV08P494 ### | AUTO سورة التين # جزء : 8 رقم الصفحة : 323 # يقول الحق جل جلاله : {والتين والزيتون} ، أقسم بهما تعالى لما فيهما من ~~المنافع الجمة. روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدي له طبق من تين فأكل منه ، ~~وقال لأصحابه : " كلوا ، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه ، لأن ~~فاكهة الجنة ، بلا عجم ، فكلوها فإنها تقطع البواسير ، وتنفع من النقرس ". ~~وهو أيضا فاكهة طيبة لا فضل له ، وغذاء لطيف سريع الهضم ، كثير النفع ، ~~ملين الطبع ، ويحلل البلغم ، ويطهر الكليتين ، ويزيل ما في المثانة من ~~الرمل ، ويسمن البدن ، ويفتح سرد الكبد والطحال. وعن علي بن موسى الرضا : ~~التين يزيل نكهة الفم ، ويطيل الشعر ، وهو أمان من الفالج. ه. # وأما الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء ، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن ~~كثير المنافع لكفى به فضلا. وشجرته هي الشجرة المباركة ، المشهود لها في ~~التنزيل. ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون ، فأخذ منها قضيبا واستاك به. وقال ~~: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " نعم السواك الزيتون ، هي الشجرة ~~المباركة ، يطيب الفم ، ويذهب بالحفرة " وقال : " هو سواكي وسواك الأنبياء ~~قبلي " وعن ابن عباس : هو تينكم هذا ، وزيتونكم هذا. وقيل : هما جبلان ~~بالشام ينبتانهما. # {وطور سينين} ، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة ، وهو الجبل # 324 # الذي ناجى موسى عليه السلام ربه عليه ، ويقال له : سينين وسيناء. {وهذا ~~البلد الأمين} وهو مكة ، شرفها الله ، وأمانتها أنها تحفظ من دخلها كما ~~يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين ~~المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين. PageV08P495 # وجواب ms3404 القسم : {لقد خلقنا الإنسان} أي : جنس الإنسان {في أحسن تقويم} أي : ~~كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى ، حيث جعله الله ~~مستوي القامة ، متناسب الأعضاء ، متصفا بصفات البارىء تعالى من القدرة ~~والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام ، وهذا معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم : " إن الله خلق آدم على صورته " ، وفي رواية : " على صورة ~~الرحمن " على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 324 PageV08P496 ~~ثم رددناه أسفل سافلين} أي : جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح ~~، وأسفل من كل سافل ، لعدم جريانه على موجب ما خلقه عليه من الصفات ، التي ~~لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل : رددناه إلى أرذل العمر ، وهو ~~الهرم بعد الشباب ، والضعف بعد القدرة ، كقوله تعالى : {ومن نعمره ننكسه في ~~الخلق} [يس : 68] أي : ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفل من سفل في ~~حسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه ، فقوس ظهره بعد اعتداله ، وابيض شعره ~~بعد سواده ، وتكمش جلده ، وكل سمعه وبصره. {إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} ، استثناء متصل على التفسير الأول ، ومنقطع على الثاني ، {فلهم ~~أجر غير ممنون} أي : رددناه أسفل السافلين إلا من آمن ، أو : لكن الذين ~~آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى ، فلهم ثواب غير منقطع ، لطاعتهم وصبرهم على ~~الشيخوخة والهرم ، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة ، خصوصا وقت الكبر. ~~وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا بلغ المؤمن خمسين سنة ~~خفف الله حسابه ، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة ، فإذا بلغ سبعين أحبه ~~أهل السماء ، فإذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته ، فإذا ~~بلغ تسعين غفرت ذنوبه ، وشفع في أهل بيته ، وكان أسير الله في أرضه ، فإذا ~~بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ". ودخلت الفاء هنا ~~دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله : ~~{فما يكذبك بعد بالدين} للإنسان ، على طريقة الالتفات ، أي : فما سبب ~~تكذيبك بعد هذا ms3405 البيان القاطع ، والبرهان الساطع بالجزاء ، والمعنى : إن ~~خلق الإنسان من نطفة ، وتسويته بشرا سويا ، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى ~~أن يكمل ويستوي ، # 325 PageV08P497 ~~ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر ، لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق ~~، وأن من قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته ، ~~فما سبب تكذيبك بالجزاء ؟ ! أو : بالرسول صلى الله عليه وسلم : أي : فمن ~~ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع ؟ # {أليس الله بأحكم الحاكمين} وعيد للكفار ، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله ، ~~وهو من الحكم والقضاء ، أي : أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين ~~مكذبيك. وقيل : من الحكمة ، بمعنى الإتقان ، أي : أليس من خلق الإنسان ~~وصوره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها ~~قال : " بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين ". الإشارة : حاصل ما ذكره القشيري ~~: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء ، لغاية شرفها ؛ الأولى شجرة القلب التينية ~~المثمرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية ، ~~والثانية : شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها ، وإليه ~~الإشاره بقوله : {يكاد زيتها يضياء ولو لم تمسسه نار} [النور : 35] الخ. ~~والثالثة : شجرة السر ، الذي هو طور التجلي محل المشاهدة والمكالمة ~~والمناجاة. والرابعة : البلد الأمين ، الذي هو حال التلبيس والخفاء ، بعد ~~التمكين ، وهو الرجوع للأسباب ، قياما بآداب الحكمة ورسم العبودية ، وهو ~~مقام الكملة. والمقسم عليه : {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} قال ~~القشيري : أي : في المظهر الأكمل والأتم ، والمحل الأعم ، حامل الأمانة ~~الإلهية ، وصاحب الصورة الرحمانية ، روحانيته أم الروحانيات ، وطبيعته أجمع ~~الأمزجة وأعدلها ، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. ه. قلت : وإليه أشار ~~الششتري بقوله : # جزء : 8 رقم الصفحة : 324 # وفيك يطوى ما انتشر من الأواني # وقول الشاعر : # يا تائها في مهمه عن سره # انظر تجد فيك الوجود بأسره # أنت الكمال طريقة وحقيقة # يا جامعا سر الإله بأسره # وقال في لطائف المنن ، حاكيا عن شيخة أبي العباس المرسي : قرأت ليلة ~~{والتين والزيتون} إلى أن انتهيت إلى قوله : {لقد خلقنا الإنسان في ms3406 أحسن ~~تقويم ثم رددناه أسفل سافلين} ففكرت في معنى الآية ، فكشف لي عن اللوح ~~المحفوظ ، فإذا فيه مكتوب : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا ، ~~ثم رددنا أسفل سافلين نفسا وهوى. ه. فقوله تعالى : {إلا الذين آمنوا..} الخ ~~؛ هم أهل الروح والعقل ، الباقون في حسن التقويم ، وغيرهم أهل النفس والهوى ~~، والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 326 # جزء : 8 رقم الصفحة : 324 PageV08P498 ### | AUTO سورة العلق # جزء : 8 رقم الصفحة : 326 # يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، في أول الوحي : {اقرأ ~~باسم ربك} أي : اقرأ هذا القرآن مفتتحا باسم ربك ، أو مستعينا به ، فالجار ~~في محل الحال. ويحتمل أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو باسم ربك ، كأنه ~~قيل له : اقرأ هذا اللفظ. والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية ~~والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه ~~وسلم للإشعار بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية ~~والروحانية بإنزال الوحي المشتمل على نهاية العلوم والحكم. وقوله تعالى : ~~{الذي خلق} صفة للرب ، ولم يذكر له مفعولا ؛ لأن المعنى : الذي حصل منه ~~الخلق ، واستأثر به ، لا خالق سواه ، أو تقديره : خلق كل شيء ، فتناول كل ~~مخلوق ؛ لأنه مطلق ، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من البعض. PageV08P499 # وقوله تعالى : {خلق الإنسان} بتخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله ~~لشرفه ، ولأن التنزيل إنما هو إليه ، ويجوز أن يراد : الذي خلق الإنسان ، ~~إلا أنه ذكر مبهما ، ثم فسر تفخيما لخلقه ، ودلالة على عجيب فطرته. قيل : ~~لما ذكر فيما قبل أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ثم ذكر ما عرض له بعد ~~ذلك ، ذكره هنا منبها على شيء من أطواره ، وذكر نعمته عليه ، ثم ذكر طغيانه ~~بعد ذلك ، وما يؤول إليه حاله في الآخرة ، فإنه تفسير لقوله : {لقد خلقنا ~~الإنسان فيا أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين} [التين : 4 ، 5] ، ثم ذكر ~~أصل نشأته بقوله : {من علق} ولم يقل من علقة ؛ لأن الإنسان في معنى الجمع. ms3407 وفيه # 327 # إشارة إلى أن ابتداء الدين كابتداء خلق الإنسان ، كان ضعيفا ثم تقوى شيئا ~~فشيئا حتى انتهى كماله. # ثم كرر الأمر بالقراءة بقوله : {اقرأ} أي : افعل ما أمرت به ، تأكيدا ~~للإيجاب وتمهيدا لقوله : {وربك الأكرم} فإنه كلام مستأنف ، وارد لإزاحة ما ~~أظهر عليه السلام من العذر بقوله : " ما أنا بقارىء " يريد أن القراءة من ~~شأن من يكتب ويقرأ ، وأنا أمي ، فقيل له : {وربك} الذي أمرك بالقراءة ~~مستعينا باسمه هو {الأكرم} أي : من كل كريم ، ينعم على عباده بغاية النعم ، ~~ويحلم عنهم إذا عصوه ، فلا يعاجلهم بالنقم ، فليس وراء التكرم بهذه الفوائد ~~العظيمة تكرم. {الذي علم} الكتابة {بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} فدل على ~~كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور ~~العلم. ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة ، وما دونت ~~العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ، ولا كتب الله المنزلة ، ~~إلا بالكتابة ، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا ، ولو لم يكن على ~~دقيق حكمة الله تعالى دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به وفي ذلك يقول ابن ~~عاشر الفاسي : PageV08P500 # جزء : 8 رقم الصفحة : 327 # لله في خلقه من صنعه عجب # كادت حقائق في الوجود تنقلب # كلم بعين ترى لا الأذن تسمعها # خطابها حاضر وأهلها ذهبوا # الإشارة : اقرأ بربك لتكون به في جميع أمورك ، الذي أظهر الأشياء ليعرف ~~بها ، وأظهر المظهر الأكبر وهو الإنسان من علقة مهينة ، ثم رفعه بالعلم ~~إلى أعلى عليين ، فرفعه من حضيض النطفة الخبيثة إلى ارتفاع العلم والمعرفة ~~، ولذلكم قال : (اقرأ وربك الأكرم) الذي تكرم عليك وعلمك ما لم تكن تعلم ، ~~الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يكن يعلم. والله تعالى أعلم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 327 # يقول الحق جل جلاله : {كلا} ، هو ردع لمحذوف ، دل الكلام عليه ، كأنه قيل ~~: خلقنا الإنسان من علق ، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة ، ~~فكفر وطغى ، كلا لينزجر عن ذلك {إن الإنسان ليطغى} ms3408 ؛ يجاوز الحد ويستكبر عن ~~ربه. قيل : هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان ، وهو الظاهر. ~~وقوله : {أن رآه استغنى} مفعول له ، # 328 # أي : ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا ، على أن " استغنى " مفعول لرأى ، لأنه ~~بمعنى علم ، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني ~~وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا ، وجعل من ذلك قول عائشة ~~رضي الله عنها : " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام ~~إلا الأسودان ، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل ~~الآية : أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال ، وسبب تواضعه هو فقره. PageV08P501 # ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان ، على طريق الالتفات ، فقال : {إن ~~إلى ربك الرجعى} أي : الرجوع ، فيجازيك على طغيانك. {أرأيت الذي ينهى عبدا ~~إذا صلى} أي : أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ، ~~وهو تشنيع بحاله ، وتعجيب منها ، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث ~~يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش ، فقال : ~~لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه ، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، فجاءه ، ~~ثم نكص على عقبيه ، فقالوا : مالك ؟ فقال : حال بيني وبينه خندق من نار ~~وهول وأجنحة ، فنزلت ، فقال صلى الله عليه وسلم : " لو دنا من لاختطفته ~~الملائكة ". وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم ، والرؤية هنا ~~بصرية ، وأما في قوله : {أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى} وفي قوله ~~: {أرأيت إن كذب وتولى} فعلمية ، أي : أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا ~~للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. ~~والخطاب لكل من يصلح للخطاب. # جزء : 8 رقم الصفحة : 328 PageV08P502 ~~قال في الكشاف : قوله تعالى : (الذي ينهى) هو المفعول الأول لقوله : ~~(أرأيت) الأول ، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني ، وكررت ~~(أرأيت) بعد ذلك للتأكيد ، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله : {ألم يعلم بأن ~~الله يرى} هو جواب قوله : {إن كذب وتولى} ، وجواب ms3409 قوله : {إن كان على ~~الهدى} محذوف ، يدل عليه جواب قوله : {إن كذب وتولى} فهو في المعنى جواب ~~للشرطين معا. والضمير في قوله : {إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى} للناهي ~~، وهو أبو جهل ، وكذا في قوله : {إن كذب وتولى} ، والتقدير على هذا : ~~أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب ~~وتولى ، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله ، فمقصود الآية : تهديد له وزجر ~~، وإعلام بأن الله يراه. وخالفه ابن عطية في الضمائر ، فقال : إن الضمير في ~~قوله : {إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى} للعبد الذي صلى ، وأن الضمير في ~~قوله : {إن كذب وتولى} للناهي ، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة ~~للتأكيد ، فقال : " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف ، وأن جوابها في ~~المواضع الثلاثة : قوله : {ألم يعلم # 329 # بأن الله يرى} فإنه يصلح مع كل واحدة منها ، ولكنه جاء في آخر الكلام ~~اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر ، فكأنه تعالى حاكم قد حضره ~~الخصمان ، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى ، وكأنه قال : يا كافر إن كانت صلاته ~~هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى ، ثم أقبل على الآخر ، فقال : أرأيت إن ~~كذب. الخ. # وقال الغزنوي : جواب {إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى} محذوف ، تقديره : ~~أليس هو على الحق واتباعه واجب ، يعني : فكيف تنهاه يا مكذب ، متولي عن ~~الهدى ، كافر ، ألم تعلم أن الله يراك. ه. PageV08P503 # {كلا} ، ردع للناهي عن عبادة الله {لئن لم ينته} عما هو عليه {لنسفعا ~~بالناصية} ؛ لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع : القبض على ~~الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام ~~العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور ، ثم بينها بقوله : {ناصية ~~كاذبة خاطئة} فهي بدل ، وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها ، ووصفها بالكذب ~~والخطأ على المجاز ، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله : ~~ناصية كاذب خاطىء. # {فليدع ناديه} ، النادي : المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل ~~مر ms3410 بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، فقال : ألم أنهك ؟ فأغلط له النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال : أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا ؟ فنزلت. ~~{سندع الزبانية} ليجروه إلى النار. والزبانية : الشرط ، واحدة : زبنية أو ~~زبنى ، من الزبن ، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لو دعا ~~ناديه لأخذته الزبانية عيانا ". {كلا} ، ردع لأبي جهل {لا تطعه} أي : أثبت ~~على ما أنت عليه من عصيانه ، كقوله : {فلا تطع المكذبين (8)} [القلم : 8] ~~{واسجد} ؛ واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث {واقترب} ؛ وتقرب بذلك إلى ربك. # جزء : 8 رقم الصفحة : 328 # الإشارة : كل من أنكر على المتوجهين ، الذين هم على صلاتهم دائمون ، يقال ~~في حقه : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه : ~~لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك ، وتقرب بذلك إلى مولاك ، حتى تظفر بالوصول ~~إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 330 # جزء : 8 رقم الصفحة : 328 PageV08P504 ### | AUTO سورة القدر # جزء : 8 رقم الصفحة : 330 # يقول الحق جل جلاله : {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ، نوه بشأن القرآن ، ~~حيث أسند إنزاله إليه بإسناده إلى نون العظمة ، المنبىء عن كمال العناية به ~~، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للإيذان بغاية ظهوره ، كأنه حاضر في جميع ~~الأذهان ، وقيل : يعود على المقروء المأمور به في قوله : {اقرأ} [العلق : ~~1] فتتصل السورة بما قبلها. وعظم الوقت الذي أنزله فيه بقوله : {وما أدراك ~~ما ليلة القدر} لما فيه من الدلالة على أن علو قدرها خارج عن دائرة دراية ~~الخلق ، لا يدريها إلا علام الغيوب ، كما يشعر به قوله تعالى : {ليلة القدر ~~خير من ألف شهر} أي : ليس فيها ليلة القدر ، فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر ~~تشويقه صلى الله عليه وسلم إلى درايتها ، فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها ~~على ما تقدم. وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم ما لا يخفى. # والمراد بإنزاله : إما إنزاله كله إلى سماء الدنيا ، كما روي أنه أنزل ~~جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء ms3411 الدنيا ، ثم نزل نجوما ~~في ثلاث وعشرين سنة ، وإما ابتداء نزوله ، وهو الأظهر. وسميت ليلة القدر ~~لتقدير الأمور فيها ، وإبراز ما قضى تلك السنة ، لقوله تعالى : {فيها يفرق ~~كل أمر حكيم (4)} [الدخان : 4] ، فالقدر بمعنى التقدير ، أو لشرفها على ~~سائر الليالي ، فالقدر بمعنى الشرف ، وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان ~~على المشهور. لما روي أن أبي بن كعب كان يحلف أنها ليلة السابع والعشرين ، ~~وقيل غير ذلك ومظان التماسها في الأوتار من العشر الأواخر. ولعل السر # 331 # في إخفائها تعرض من يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي في طلبها ، وهذا ~~كإخفاء الصلاة الوسطى ، واسمه الأعظم ، وساعة الجمعة ، ورضاه في الطاعات ، ~~وغضبه في المعاصي ، وولايته في خلقه ليحسن الظن بالجميع. PageV08P505 # وتخصيص الألف بالذكر إما للتكثير ، أو لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر ، فعجب المؤمنون ~~وتقاصرت إليهم أعمالهم ، فأعطوا ليلة القدر هي خير من عمل ذل الغازي. وقيل ~~: إن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم كافة ، فاستقصر أعمار أمته ~~، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم ، فأعطاه الله ليلة القدر ، ~~جعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم. وقيل : كان ملك سليمان خمسمائة شهر ، ~~وملك ذي القرنين خمسمائة شهر ، فجعل الله هذه الليلة لمن قامها خيرا من ~~ملكيهما. # جزء : 8 رقم الصفحة : 331 PageV08P506 ~~ثم بين وجه فضلها ، فقال : {تنزل الملائكة والروح فيها} ، والروح إما جبريل ~~عليه السلام ، أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة ، أو ~~الرحمة. والمراد بتنزلهم : نزولهم إلى الأرض يسلمون على الناس ويؤمنون على ~~دعائهم ، كما في الأثر. وقيل : إلى سماء الدنيا. وقوله : {بإذن ربهم} يتعلق ~~ب " تنزل " ، أو بمحذوف هو حال من فاعله ، أي : ملتبسين بأمر ربهم ، أو : ~~ينزلون بإذنه ، {من كل أمر} أي : من أجل كل أمر قضاه الله تعالى لتلك السنة ~~إلى قابل ، روي أن الله تعالى يعلم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام كله ~~، وقيل : يبرز ذلك ms3412 من علم الغيب ليلة النصف من شعبان ، ويعطى الملائكة ليلة ~~القدر ، فلما كان أهم نزولهم هذا الأمر جعل نزولهم لأجله ، فلا ينافي كون ~~نزولهم للتسليم على الناس والتأمين ، كما قال تعالى : {سلام هي} أي : ما هي ~~إلا سلام على المؤمنين ، جعلها نفس السلام لكثرة ما يسلمون على الناس ، فقد ~~روي أنهم يسلمومن على كل قائم وقاعد وقارىء ومصل ، أو : ما هي إلا سلامة ، ~~أي : لا يقدر الله تعالى فيها إلا السلامة والخير ، وأما في غيرها فيقضي ~~سلامة وبلاء ، وقال ابن عباس : قوله : (هي) إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين ~~؛ لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة. # ثم ذكر غايتها ، فقال : {حتى مطلع الفجر} أي : تنتهي إلى طلوع الفجر ، أو ~~: تسلم الملائكة إلى مطلع الفجر ، أو : تنزل الملائكة فوجا بعد فوج إلى ~~طلوع الفجر. و" مطلع " بالفتح : اسم زمان ، وبالكسر مصدر ، أو اسم زمان على ~~غير قياس ؛ لأن ما يضم مضارعه أو يفتح يتحد فيه الزمان والمكان والمصدر ، ~~يعني " مفعل " في الجميع. PageV08P507 # الإشارة : أهل القلوب من العارفين ، الأوقات كلها عندهم ليلة القدر ، ~~والأماكن عندهم كلها عرفات ، والأيام كلها جمعات ، لأن المقصود من تعظيم ~~الزمان والمكان هو باعتبار ما يقع فيه من التقريب والكشف والعيان ، ~~والأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى ، كما قال شاعرهم : # 332 # لولا شهود جمالكم في ذاتي # ما كنت أرضى ساعة بحياتي # ما ليلة القدر المعظم شأنها # إلا إذا عمرت بكم أوقاتي # إن المحب إذا تمكن في الهوى # والحب لم يحتج إلى ميقات # وقال آخر : # وكل الليالي ليلة القدر إن بدا # كما كل أيام اللقا يوم جمعة # جزء : 8 رقم الصفحة : 331 # وسعي له حج ، به كل وقفة # على بابه قد عادلت ألف وقفة # وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه : نحن والحمد الله أوقاتنا كلها ~~ليلة القدر. ه. لأن عبادتهم كلها قلبية ، بين فكرة واعتبار ، وشهود ~~واستبصار ، و" فكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة " ، كما في الأثر ، بل ~~فكرة العيان تزيد على ms3413 ذلك ، كما قال الشاعر : # كل وقت من حبيبي # قدره كألف حجه # وقد يقال : ثواب هذه العبادة كشف الحجاب ، وشهود الذات الأقدسن هو لا ~~يقاس بمقياس. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 333 # جزء : 8 رقم الصفحة : 331 PageV08P508 ### | AUTO سورة البينة # جزء : 8 رقم الصفحة : 333 # يقول الحق جل جلاله : {لم يكن الذين كفروا} أي : بالرسول وبما أنزل عليه ~~{من أهل الكتاب} اليهود والنصارى ، {والمشركين} ؛ عبدة الأصنام {منفكين} ~~منفصلين عن الكفر ، وحذف لأن صلة " الذين " يدل عليه ، {حتى تأتيهم البينة} ~~الحجة الواضحة ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. يقول : لم يتركوا كفرهم حتى ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فلما بعث أسلم بعض ، وثبت على الكفر بعض. أو ~~: لم يكونوا منفكين ، أي : زائلين عن دينهم حتى تأتيهم البينة ببطلان ما هم ~~عليه ، فتقوم الحجة عليهم. أو : لم يكونوا لينفصلوا عن الدنيا حتى بعث الله ~~محمدا فقامت عليهم الحجة ، وإلا لقالوا : {لولاا أرسلت إلينا رسولا...} [طه ~~: 134] الآية. # وتلك البينة هي {رسول من الله} أي : محمد صلى الله عليه وسلم وهو بدل من ~~" البينة " {يتلو} يقرأ عليهم {صحفا} كتبا {مطهرة} من الباطل والزور والكذب ~~، والمراد : يتلو ما يتضمنه المكتوب في الصحف ، وهو القرآن ، يدل على ذلك ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه ، ولم يكن يقرأ مكتوبا ~~؛ لأنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ الصحف ، ولكنه لما كان تاليا معنى ما في ~~الصحف فكأنه قد تلى الصحف. ثم بين ما في الصحف ، فقال : {فيها} أي : في ~~الصحف {كتب قيمة} مستقيمة ناطقة بالحق والعدل. ولما كان القرآن جامعا لما ~~في الكتب المتقدمة صدق أن فيه كتبا قيمة. # 334 PageV08P509 ~~{وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} أي : وما ~~اختلفوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق ، ~~فمنهم من أنكر حسدا ، ومنهم من آمن. وإنما أفرد أهل الكتاب بعدما جمع إولا ~~بينهم وبين المشركين ؛ لأنهم كانوا على علم به ms3414 ؛ لوجوده في كتبهم ، فإذا ~~وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا. وقيل : المعنى : لم يكن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ، أي : منفصلين عن معرفة نبوة ~~محمد عليه الصلاة والسلام حتى بعثه الله. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 334 # وما أمروا إلا ليعبدوا الله} أي : ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا لأجل ~~أن يعبدوا الله وحده من غير شرك ولا نفاق ، ولكنهم حرفوا وبدلوا. وقيل : ~~اللام بمعنى " أن " أي : إلا بأن يعبدوا الله {مخلصين له الدين} أي : ~~جاعلين دينهم خالصا له تعالى ، أو : جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. قال ~~ابن جزي : استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء ، وهو بعيد ؛ لأن ~~الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك ، أو ترك الرياء. انظر كلامه ، ~~وسيأتي بعضه في الإشارة. {حنفاء} مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى ~~الإسلام ، {ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} إن أريد بهما ما في شريعتهم من ~~الصلاة والزكاة ، فالأمر ظاهر ، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما ~~في الكتابين أمرهم بالدخول في شريعتنا ، {وذلك دين القيمة} أي : الملة ~~المستقيمة. والإشارة إلى ما ذكر من عبادة الله وحده وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة ، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته. PageV08P510 # الإشارة : لم يكن الذين جحدوا وجود أهل الخصوصية من العلماء والجهال منفكين ~~عن ذلك حتى جاءتهم الحجة القائمة عليهم ، وهو ظهور شيخ التربية خليفة ~~الرسول ، يتلو كتاب الله العزيز على ما ينبغي ، وما تفرقوا في التصديق إلا ~~بعد ظهوره. وما أمروا إلا بالإخلاص وتطهير سرائرهم ، وهو لا يتأتى إلا ~~بصحبته. وتكلم ابن جزي هنا على الإخلاص ، فقال : اعلم أن الأعمال على ثلاثة ~~أنواع : مأمورات ومنهيات ومباحات ؛ فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن ~~: خلوص النية لوجه الله ، بحيث لا يشوبها أخرى ، فإن كانت كذلك فالعمل خالص ~~، وإن كانت لغير وجه الله من طلب منفعة دنيوية أو مدح أو غير ذلك ، فالعمل ~~رياء محض مردود ، وإن كانت النية مشتركة ؛ ففي ذلك تفصيل ، فيه نظر ms3415 ~~واحتمال. قلت : وقد تقدم كلام الغزالي في سورة البقرة عند قوله : {ليس ~~عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة : 198] ، وحاصله : أن الحكم ~~للغالب وقوة الباعث. انظر لفظه. # ثم قال ابن جزي : وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها ولم يكن ~~له أجر في تركها ، وإن تركها بنية وجه الله خرج عن عهدتها وأجر. وأما ~~المباحات ، كلأكل والشرب ، والنوم والجماع وغير ذلك ، فإن فعلها بغير نية ~~لم يكن له فيها أجر ، وإن فعلها # 335 # بنية وجه الله فله فيها أجر ، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إذا قصد به ~~وجه الله ، مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ، ويقصد بالجماع التعفف ~~عن الحرام ، وشبه ذلك. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 334 # ودرجات الإخلاص ثلاث : الأولى : أن يعبد الله لطلب غرض دنيوي أو أخروي من ~~غير ملاحظة أحد من الخلق ، والثانية : أن يعبد الله لطلب الآخرة فقط ، ~~والثالثة : أن يعبد الله عبودية ومحبة. # جزء : 8 رقم الصفحة : 334 PageV08P511 ~~يقول الحق جل جلاله : {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} المتقدمين ~~في أول السورة ، {في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية} أي : ~~الخليقة ؛ لأن الله براهم ، أي : أوجدهم. قرىء بالهمزة ، وهو الأصل ، ~~ويعدمه مع الإدغام ، وهو الأكثر. # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} لا غيرهم ، ~~{جزاؤهم عند ربهم جنات عدن} إقامة ، {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه} حيث بلغوا من الأماني قاصيها ، وملكوا من ~~المآرب ناصيتها ، وأتيح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب ~~بشر. {ذلك لمن خشي ربه} ، فإن الخشية التي هي من خصائص العلماء به مناطاة ~~بجميع الكمالات العلمية والعملية ، المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية. ~~والتعرض لعنوان الربوبية ، المعربة عن المالكية والتربية ؛ للإشعار بعلو ~~الخشية والتحذير من الاغترار بالتربية. قاله ابو السعود. # وقوله : {خير البرية} يدل على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة. وفيه ~~تفصيل تقدم ذكره في النساء. قال القشيري : قوله ms3416 تعالى : {خير البرية} يدل ~~على أنهم أفضل من الملائكة. ه. قال في الحاشية : أي : في الجملة ، ثم ذكر ~~حكاية الرجل الذي أحياه الله بعد موته بدعوة عيسى ، فقال : إنه كان في ~~الجنة ، وأنه مر بملأ من الملائكة ، وهم يقولون : إن من بني آدم لمن هو ~~أكرم على الله من الملائكة. ثم ذكر عن نوادر الأصول : أن المؤمن أكرم على ~~الله من الملائكة المقربين ، فانظره. وقال بعضهم : الملائكة عقل بلا شهوة ، ~~والبهائم شهوة بلا عقل ، والآدمي فيه عقل وشهوة ، فمن غلب # 336 # عقله على شهوته كان كالملائكة أو أفضل ، ومن غلبت شهوته على عقله كان ~~كالبهائم أو أضل. ه. PageV08P512 # الإشارة : من كفر بأهل الخصوصية من أهل العلم وغيرهم لهم نار الحجاب ~~والقطيعة ، ومن آمن بهم ، ودخل تحت تربيتهم ، له جنات المعارف خالدا فيها ، ~~رضي الله عنهم حيث قربهم إليه ، ورضوا عنه حيث سلموا الأمر إليه ، وخشوا ~~بعده وطرده. قال الإمام الفخر : اعلم أن العبد مركب من جسد وروح ، فجنة ~~الجسد هي الموصوفة في القرآن ، وجنة الروح هي رضا الرب. والأولى مبدأ أمره ~~، والثانية منتهى أمره. # جزء : 8 رقم الصفحة : 336 # وقال الورتجبي : عن الواسطي : الرضا والسخط نعتان قديمان ، يجريان على ~~الأبد بما جرى في الأزل ، يظهران الوسم على المقبولين والمطرودين. فقد بانت ~~شواهد المقبولين بضيائها عليهم ، كما بانت شواهد المطرودين بظلمتها عليهم. ~~ثم قال عن سهل : الخشية سر والخشوع ظاهر. ه. فالخشية محلها البواطن ، ~~والخشوع ظهور أثر الخشية في الظاهر. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه. # 337 # جزء : 8 رقم الصفحة : 336 # سورة الزلزلة # جزء : 8 رقم الصفحة : 337 PageV08P513 ### | AUTO سورة الزلزلة # جزء : 8 رقم الصفحة : 337 # يقول الحق جل جلاله : {إذا زلزلت الأرض} أي : حركت تحريكا عنيفا مكررا ~~متداركا ، {زلزالها} أي : الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية ~~، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه ، أو : زلزالها العجيب الذي لا ~~يقادر قدره. قال ابن عرفة : المراد : الأرض الأولى ؛ لأن الثانية ليس فيها ~~أموات. ولكن السموات عند المنجمين ms3417 متلاصقة بعضها مع بعض ، وكذلك الأرضون ، ~~وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلل ، وهو ظاهر حديث الإسراء. ه. # وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى : {وأخرجت الأرض أثقالها} أي : ما ~~في جوفها من الأموات والدفائن ، جمع : ثقل ، وهو : متاع البيت ، جعل ما في ~~جوفها من الدفائن أثقالا لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير ~~، أو : للإيماء إلى تبدل الأرض غير الأرض. {وقال الإنسان} أي : كل فرد من ~~أفراده ، لما يدهمهم من الطامة التامة ، ويبهرهم من الداهية العامة : {ما ~~لها} زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ، وأخرجت ما فيها من الأثقال ، استعظاما ~~لما شهدوه من الأمر الهائل ، وقد سيرت الجبال وفي الجو فصارت هباء. وهذا ~~قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام ، والكافر بطريق التعجب. # 338 # {يومئذ تحدث أخبارها} يوم إذا زلزلت الأرض تحدث الناس أخبارها بما وقع ~~على ظهرها ، قيل : ينطقها الله وتحدث بما وقع عليها خير وشر ، روي عنه صلى ~~الله عليه وسلم : " أنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها " {بأن ربك ~~أوحى لها} أي : بسبب أن ربك أوحى لها بأن تحدث ، أي : أمرها بذلك. والحديث ~~يستعمل بالباء وبدونها ، يقال : حدثت كذا وبكذا ، و" أوحى " يتعدى باللام ~~وب " إلى ". # {يومئذ} أي : يوم إذ يقع ما ذكر {يصدر الناس} من قبورهم إلى موقف الحساب ~~{أشتاتا} متفرقين طبقات ، منهم بيض الوجوه آمنين ، ومنهم سود الوجوه فزعين ~~، كما في قوله تعالى : {فتأتون أفواجا} [النبأ : 18] وقيل : يصدرون غن ~~الموقف أشتاتا ، ذات اليمين إلى الجنة ، وذات الشمال إلى النار ، {ليروا ~~أعمالهم} أي : جزاء أعمالهم ، خيرا أو شرا. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 338 PageV08P514 ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ، والذرة : النملة الصغيرة. وقيل : ما يرى في ~~شعاع الشمس من البهاء. و" خيرا " : تمييز ، {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ~~قيل : هذا في الكافر ، والأولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه : ~~ليس مؤمن ولا كافر ، عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا يراه في الآخرة ، فأما ~~المؤمن فيرى حسناته وسيئاته ، فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته ، وأما ms3418 ~~الكافر فيرد الله حسناته ويعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب : الكافر يرى ~~ثوابه في الدنيا ، في أهله وماله وولده ، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند ~~الله خير ، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا ، في نفسه وأهله وماله ، حتى يخرج ~~من الدنيا وليس له عند الله شر. وفي الحديث : " إذا تاب العبد عن ذنبه أنسى ~~الله الحفظة ذنوبه ، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض ، حتى يلقى الله ~~وليس عليه شاهد بذنب ". قال ابن جزي : هو على عمومه في الكافر ، وأما ~~المؤمنون فلا يجزون بذنوبهم إلا بستة شروط ؛ أن تكون ذنوبهم كبار ، وأن ~~يموتوا قبل التوبة منها ، وألا يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها ، وألا ~~يشفع فيهم ، وألا يكونوا ممن استحق المغفرة بعمل ، كأهل بدر ، وإلا يعفو ~~الله عنهم ، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له. ه. # الإشارة : إذا زلزلت أرض النفوس زلزالها اللائق بها ، وحركت بالواردات ~~والأحوال ، وتحققت الغيبة عنها بالكلية ، أشرقت شمس العرفان ، فغطت وجود ~~الأكوان ، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه منشدا : # 339 # فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت # أرض النفوس ودكت الأجبال # لرأيت شمس الحق يسطع نورها # يوم التزلزل والرجال رجال # وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم ، يومئذ تحدث أخبارها : أخبار الأسرار ~~الكامنة فيها ، بأن ربك أوحى لها إلهاما. يومئذ يصدر الناس من الفناء إلى ~~البقاء ، أشتاتا ، فمنهم الغالب حقيقته ، ومنهم الغالب شريعته ، ومنهم ~~المعتدل. أو : فمنهم الغالب عليه القبض والقوة ، ومنهم الغالب عليه البسط ~~والليونة ، وهذا أعم نفعا. والله أعلم. وذلك ليروا أعمال مجاهدتهم بالتنعم ~~في مشاهدتهم ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا بأن ينقص من نفسه عادة في سيره ير ~~جزاء ذلك ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا بأن يزيد من الحس شيئا في الظاهر يره ~~، فإنه ينقص من معناه في الباطن ، إلا إذا تمكن من الشهود. وبالله التوفيق ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 340 # جزء : 8 رقم الصفحة : 338 PageV08P515 ### | AUTO سورة العاديات # جزء : 8 رقم الصفحة : 340 # يقول ms3419 الحق جل جلاله : {والعاديات ضبحا} ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو ~~فتضبح ، والضبح : صوت أنفاسها إذا عدون ، وحكى صوتها ابن عباس ، فقال : أح ~~، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر ، أي : يضبحن ضبحا ، أو : بالعاديات ، ~~فإن العدو يستلزم الضبح ، كأنه قيل : والضابحات ضبحا ، أو : حال ، أي : ~~ضابحات. {فالموريات قدحا} ، الإيراء : إخراج النار ، والقدح : الصك ، يقال ~~: قدح فأورى ، أي : فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا ~~" كانتصاب ضبحا. {فالمغيرات} التي تغير على العدو ، {صبحا} أي : وقت الصبح ~~، وهو المعتاد في الغارات ، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو ، ويهجمون ~~عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة ~~العدو ، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل ، وهي حال الراكب عليها ، إيذانا ~~بأنها العمدة في إغارتهم. PageV08P516 # وقوله تعالى : {فأثرن به نقعا} أي : غبارا ، عطف على الفعل الذي دل عليه ~~اسم الفاعل ، إذا المعنى : واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن ، أي : هيجن به ~~غبارا ، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل ، كما أن الإيراء ~~الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل : أن العدو كان بالليل وبه يظهر ~~أثر القدح من الحوافر ، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. {فوسطن به} أي : ~~فوسطن بذلك الوقت {جمعا} من جموع الأعداء ، والفاء # 341 # لترتيب ما بعد كل على ما قبله ، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة ~~المترتب على الإغارة ، المترتبة على الإيراء ، والمترتب على العدو. # وجواب القسم : قوله تعالى : {إن الإنسان لربه لكنود} أي : لكفور ، من : ~~كند النعمة : كفرها. وقيل : الكنود هو الذي يمنع رفده ، ويأكل وحده ، ويضرب ~~عبده. وقيل : اللوام لربه ، يعد المحن والمصائب ، وينسى النعم والراحات. ~~وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على ~~نعمه ، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه ، وفي التعظيم لجنابه ، ~~وبالجملة فهو القليل الخير ، ومنه : الأرض الكنود ، التي لا تنبت شيئا. قال ~~: في الحاشية الفاسية : والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه ~~بدنياه دون آخرته ، ولذلك كان حريصا على المال ، ويرتكب المشاق ms3420 في جمعه ، ~~ولا يبالي بآخرته ، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته ، ولا يقدم لها ، وذلك ~~لغفلته وجهله بربه وما أراده منه ، وطلبه من السعي للآخرة ، وقد ضمن له ~~رزقه ، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله : {أفلا يعلم...} الآية. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 341 PageV08P517 ~~والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله ، وهو الأظهر ، أو في معين ، ~~كالوليد أو غيره. قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من ~~بني كنانة سرية ، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري ، وكان أحد ~~النقباء ، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا ، فقال المنافقون : إنهم ~~قتلوا ، فنزلت السورة بسلامتها ، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على ~~المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية ، وهو خلاف قول الجمهور ، كما تقدم. ~~{وإنه} أي : الإنسان {على ذلك} أي : على كنوده {لشهيد} يشهد على نفسه ~~بالكنود ، لظهور أثره عليه ، {وإنه لحب الخير} أي : المال {لشديد} أي : قوي ~~مطيق مجد في طلبه ، متهالك عليه ، وقيل : لشديد : لبخيل ، أي : وإنه لأجل ~~حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك ، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد ~~وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق ~~حب المال ؛ لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم ، ويحوزون من ~~الغنائم نصيبا. # ثم هدد الكنود ، فقال : {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور} أي : بعث فيها ~~، و" ما " بمعنى " من " ، {وحصل ما في الصدور} ؛ ميز ما فيها من الخير ~~والشر ، أي : أفلا يعلم مصيره ، وأن الله مطلع عليه ، في سيرته وسريرته ، ~~فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته ، فآثر العاجلة على ~~الآخرة ، وحظوظه ، على حقوق ربه والقيام بعبوديته. {إن ربهم بهم يومئذ ~~لخبير} أي : عالم بظواهر ما عملوا وباطنه ، علما موجبا للجزاء ، متصلا به ، ~~كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم ، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما ~~سيكون. وقوله : " بهم " و" يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية ~~الفواصل ، واللام غير قادحة ، وذلك لما يغتفر ms3421 في المجرورات ، وقرأ ابن ~~السماك : " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". # 342 PageV08P518 ~~الإشارة : أقسم تعالى بأرواح المتوجهين ، التي تعدو على الخواطر الردية ، ~~فتمحوها بقهرية المراقبة ، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة ، وتغير ~~على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان ، فتقهرهم بسيوف المخالفة ~~عند سطوع المشاهدة ، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة ، ~~فيذهب في الهواء ، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار ، فتحوزهم في خزانة قلبها ~~وسرها ، غنيمة وذخيرة ، وجوابه : إن الإنسان لربه لكنود ، مع أنه مغروق في ~~النعم ، وهو لا يشعر ولا يشكر ، لغفلته وعدم تفكره ، وهذا الإنسان هو ~~الغافل الجاهل. # جزء : 8 رقم الصفحة : 341 # قال الورتجبي : الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة ، وإنه ~~لكفور إذ لا يعرف منعمه ، ثم قال عن الواسطي : الكنود يعد ما منه من ~~الطاعات ، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد ؛ ~~يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته ، وإنه لحب الخير لشديد ، يأثره على ~~معرفة مولاه ، فخسر خسرانا مبينا ، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في ~~القبور ، فتظهر الأبطال من الأرذال ، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع ~~الكمال ، إن ربهم بهم يومئذ لخبير ، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان ، كلا ~~بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 343 # جزء : 8 رقم الصفحة : 341 PageV08P519 ### | AUTO سورة القارعة # جزء : 8 رقم الصفحة : 343 # يقول الحق جل جلاله : {القارعة ما القارعة} القرع هو الضرب باعتماد ، ~~بحيث يحصل منه صوت شديد ، وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى ، ~~ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق ، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع ~~بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ ، خبرها : قوله : (ما القارعة) على أن " ~~ما " استفهامية خبر ، والقارعة مبتدأ ، لا بالعكس ؛ لما مر من أن محط ~~الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة ~~هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة ، وقد وقع ~~الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. {وما ms3422 أدراك ما القارعة} هو تأكيد ~~لهولها وفضاعتها ، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق ، أي : أي شيء أعلمك ~~ما شأن القارعة ؟ ومن أين علمت ذلك ؟ و" أدري " يتعدى إلى مفعولين ، علقت ~~عن الثاني بالاستفهام. # ثم بين شأنها فقال : {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث} أي : هي يوم ، على ~~أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل ، وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين ، ~~والمختار أنه منصوب باذكر ، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه ~~الصلاة والسلام إلى معرفتها : اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في ~~الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير ~~الفراش إلى النار. والفراش : صغار الجراد ، ويسمى : غوغاء الجراد ، وبهذا ~~يوافق قوله تعالى : {كأنهم جراد منتشر} [القمر : 7] وقال أبو عبيدة : ~~الفراش : طير لا بعوض ولا ذباب ، والمبثوث : المتفرق. وقال الزجاج : # 344 PageV08P520 ~~الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ ~~يتساقط في النار ، ولا يزال يقتحم على المصباح ، قال الكواشي : شبه الناس ~~عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض ، وضعفهم وكثرتهم ، وركوب بعضهم بعضا ~~؛ لشدة ذلك اليوم ، كقوله : {كأنهم جراد منتشر} [القمر : 7] وسمي فراشا ~~لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار ؛ ~~لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 344 PageV08P521 ~~وتكون الجبال كالعهن المنفوش} كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق ~~أجزائها وتطايرها في الجو ، حسبما نطق به قوله تعالى : {وترى الجبال تحسبها ~~جامدة...} [النمل : 88] الآية ، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة ~~الثانية عند حشر الخلق ، يبدل الله الأرض غير الأرض ، بتغيير هيئاتها وتسير ~~الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر ، ~~وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى ، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد ~~النفخة الثانية ، كما ينطق به قوله تعالى : {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ~~ربي نسفا (105)} [طه : 105] الآية ، ثم قال : {يومئذ يتبعون الداعي} [طه : ~~108] وقوله تعالى : {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم : 48] ، الآية ، ~~فإن اتباع الداعي ، وهو إسرافيل ، وبروز الخلق ms3423 لله تعالى لا يكون إلا بعد ~~النفخة الثانية. قاله أبو السعود. قلت : دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب ~~مع أن قوله تعالى : {وحملت الأرض والجبال...} [الحاقة : 14] الخ صريح في دك ~~الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث ، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك ~~الأرض ، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر ، وبعضها تبقى ليشاهدها أهل ~~المحشر ، وهو ما كان جانبا ، والله تعالى أعلم بما سيفعل ، وسترد وترى. PageV08P522 # ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد ، فقال : {فأما من ثقلت موازينه} ~~باتباعه الحق ، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله ، ~~أو جمع ميزان ، قال ابن عباس رضي الله عنه : هو ميزان له لسان وكفتان ، ~~توزن فيه الأعمال ، قالوا : توضع فيه صحائف الأعمال ، فينظر إليه الخلائق ، ~~إظهارا للمعدلة ، وقطعا للمعذرة. قال أنس : " إن ملكا يوكل يوم القيامة ~~بميزان ابن آدم ، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان ، فيوزن عمله ، فإن ~~ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل : إلا سعد فلان سعادة ~~لا يشقى بعدها أبدا ، وإن خفت موازينه نادى : شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها ~~أبدا " وقيل : الوزن عبارة عن القضاء السوي ، والحكم العدل ، وبه قال مجاهد ~~والأعمش والضحاك ، واختاره كثير من المتأخرين ، قالوا : الميزان لا يتوصل ~~به إلى معرفة مقادير الأجسام ، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. ~~والمشهور أنه محسوس. # جزء : 8 رقم الصفحة : 344 # وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة ، ~~وبالأعمال # 345 PageV08P523 ~~السيئة على صورة قبيحة ، فتوضع في الميزان ، فمن ترجحت موازين حسناته {فهو ~~في عيشة راضية} أي : ذات رضا ، أو مرضية ، {ومن خفت موازينه} باتباعه ~~الباطل ، فلم يكون له حسنات يعتد بها ، أوترجحت سيئاته على حسناته ، {فأمه ~~هاوية} ، هي من أسماء النار ، سميت بها لغاية عمقها ، وبعد مداها ، روي أن ~~أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون ~~إليها كما يأوي الولد إلى أمه ، وعن قتادة ms3424 وغيره : فأم رأسه هاوية ، لأنه ~~يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله : {وما أدراك ما هيه} فإنه ~~تقرير لها بعد إبهامها ، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم ~~والتهويل ، وهي ضمير الهاوية ، والهاء للسكت ، ثبت وصلا ووقفا ، لثبوتها في ~~المصحف ، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها ، ثم فسرها فقال : {نار حامية} بلغت ~~النهاية في الحرارة ، قيل : وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة ~~إليها ليست بحامية ؛ فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها ، كما في ~~الحديث. PageV08P524 # الإشارة : القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء ، ~~لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء ، ثم قال : {يوم يكون ~~الناس كالفراش المبثوث} أو كالهباء في الهواء ، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد ~~الله عنده ، يعني : إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف ، فلم يبعد في ~~قلبه منهم هيبة ولا خوف. وتكون الجبال ، جبال العقل ، كالعهن المنفوش ، أي ~~: لا تثبت عند سطوع نور التجلي ؛ لأن نور العقل ضعيف كالقمر ، عند طلوع ~~الشمس ، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا ؛ إذ لا يثقل في الميزان ~~إلا الحق ، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه ، فهو في عيشة راضية ، لكونه دخل ~~جنة المعارف ، وهي الحياة الطيبة ، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه ~~هاوية ، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها ، يحترق فيها بالشكوك والأوهام ~~والخواطر ، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر : إنما ثقلت موازين ~~من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا ، وحق لميزان ~~لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل ، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم ~~الباطل وخفته في الدنيا ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # 346 # جزء : 8 رقم الصفحة : 344 PageV08P525 ### | AUTO سورة التكاثر # جزء : 8 رقم الصفحة : 346 # يقول الحق جل جلاله : {ألهاكم التكاثر} أي : شغلكم التغالب في الكثرة ~~والتفاخر بها. روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا ، وتعادوا بالسادة ~~والأشراف ، فقال ms3425 كل فريق منهم : نحن أكثر منكم سيدا ، وأعز عزيزا ، وأعظم ~~نفرا ، فكثرهم بنو عبد مناف ، فقالت بنو سهم : إن البغي في الجاهلية أهلكنا ~~، فعادونا بالأحياء والأموات ، ففعلوا ، وقالوا : قبر فلان ، وهذا قبر فلان ~~، فكثرهم بنو سهم. والمعنى : أنكم تكاثرتم بالأحياء {حتى زرتم المقابر} أي ~~: إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات ، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة ~~القبور تهكما بهم. وقيل : كانوا يزورون القبور ، ويقولون هذا قبر فلان ، ~~يفتخرون بذلك ، وقيل : المعنى : ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد ، حتى ~~متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا ، معرضين عما يمهمكم من السعي ~~للآخرة ، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت. # قال عبد الله بن الشخير : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {ألهاكم التكاثر} ~~فقال : " يقول ابن آدم : ما لي ، وليس له من ماله إلا ثلاث ، ما أكل فأفنى ~~، أو لبس فأبلى ، أو تصدق فأبقى " وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. ~~واللام في (التكاثر) للعهد الذهني ، وهو التكاثر بما يشغل عن الله ، فلا ~~يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق ، فإن ذلك مطلوب ؛ لأن ~~بذلك تنال السعادة في الدارين ، وقرينة ذلك قوله تعالى : {ألهاكم} فإنه # 347 # خاص بما يلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة ، حتى أنه لو تناول الدنيا ~~على ذكر الله لم تذم ، وليست بلهو حينئذ ، ولذلك جاء : " الدنيا ملعونة ~~ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه " قال الإمام : ولم يقل : ألهاكم ~~التكاثر عن كذا ، بل تركه مطلقا ؛ ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ ، فهو ~~أبلغ ؛ لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب ، أي : ألهاكم عن ذكر الله ، وعن ~~التفكر في أمور القارعة ، وعن الاستعداد لها ، وغير ذلك. ه. PageV08P526 # وقال بان عطية في قوله : {حتى زرتم المقابر} : عن عمر بن عبد العزيز ، قال ~~: الآية : تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة عن ذكره ~~، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ~~ولا تقولوا هجرا " فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية ، ثم أباح ~~بعد للاتعاظ ms3426 ، لا لمعنى المباهاة والافتخار ، كما يصنع الناس في ملازمتها ~~وتعليتها بالحجارة والرخام ، وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 347 # وقال ابن عرفة : زيارة المقابر محدودة ، أي : كيوم في شهر ، مثلا ، وكان ~~بعضهم يقول : إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر ، ~~ومن مطالعة رسالة القشيري ، فاعلم أنه لا يفلح ؛ لاشتغاله عن طلب العلم بما ~~لا يجدي شيئا. ه. أي : لا يفوز بعلم الظاهر ؛ لأن علم الباطن يفتر عن ~~الظاهر ، فينبغي لمن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده ، حتى يحرز منه ما قسم ~~له ، ثم يشتغل بعلم الباطن ، بصحبة أهله ، وإلا فمطالعة الكتب بلا شيخ لا ~~توصل إليه ، وإنما ينال بمحبة القوم فقط ، وفيها مقنع لمن ضعفت همته. # ثم زجر عن التكاثر فقال : {كلا} أي : ليس الأمر على ما أنتم عليه ، أو ~~كما يتوهمه هؤلاء ، فهو ردع وتنيبه على أن العاقل ينبغي ألا يكون معظم همه ~~مقصورا على الدنيا ، فإن عاقبة ذلك وخيمة ، {سوف تعلمون} سوء عاقبة ما أنتم ~~عليه إذا عاينتم عاقبته ، {ثم كلا سوف تعلمون} ، تكرير # 348 # للتأكيد ، و(ثم) دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول ، والأول عند الموت ~~أو في القبر ، والثاني عند النشور. PageV08P527 # {كلا لو تعلمون علم اليقين} أي : لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين ~~، كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم من الطاعات ما لا يوصف ، ولا يكتنه كنهة ، ~~فحذف الجواب للتهويل. قال الفخر : الآية تهديد عظيم للعلماء ، فإنها دلت ~~على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر ، ~~وهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له ، ~~فالويل للعالم الذي لا يكون عاملا ، ثم الويل له. ه. {لترون الجحيم} : جواب ~~قسم محذوف ، أكد به الوعيد وشدد به التهديد ، {ثم لترونها} : تكرير للتأكيد ~~، أو : الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد ، والثانية إذا وردوها ، أو الأولى ~~بالقلب ، والثانية بالعين ، ولذلك قال : {عين اليقين} أي : الرؤية التي هي ~~نفس اليقين وحاصلته ، فإن علم المشاهدة أقصى ms3427 مراتب اليقين. {ثم لتسألن ~~يومئذ عن النعيم} أي : عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين ~~وتكاليفه ، فإن الخطاب مخصوص بمن عكفت همته على استيفاء اللذات ، ولم يعش ~~إلا ليأكل الطيب ، ويلبس الطيب ، وقطع أوقاته في اللهو والطرب ، لا يعبأ ~~بالعلم والعمل ، ولا يحمل نفسه على مشاق الطاعة ، فأما من تمتع بنعمة الله ~~تعالى ، وتقوى بها على طاعته ، قائما بالشكر ، فهو من ذلك بمعزل بعيد. وفي ~~الحديث : " يقول الله تبارك وتعالى : ثلاث من النعم لا اسأل عبدي عن شكرهن ~~، وأسأله عما سواه : بيت يكنه ، وما يقيم به صلبه من الطعام ، وما يواري به ~~عورته من اللباس " فالخلائق مسؤولون يوم القيامة عما أنعم عليهم به في ~~الدنيا. والله تعالى أعلم بحالهم ، فالكافر يسأل تبكيتا وتوبيخا على شركه ~~بمن أنعم عليه ، والمؤمن يسأل عن شكر ما أنعم عليه. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 347 PageV08P528 ~~قلت : فكل من استعمل الأدب في تناول النعمة ، بأن شهدها من المنعم بها ، ~~وذكر الله عند أخذها أو أكلها ، وشكر عند تمامها ، فلا يتوجه إليه سؤال ، ~~أو يتوجه إظهارا لمزيته وشرفه ، وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم : " ~~هذا من النعيم الذي تسألون عنه " في حديث أبي الهيثم. والله تعالى أعلم. # الإشارة : ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد ، أو بالعلوم الرسمية ، عن ~~التوجه إلى الله ، لتحصيل معرفة العيان ، حتى متم غافلين ، كلا سوف تعلمون ~~عاقبة أمركم ، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين ، وتبقوا معاشر أهل الدليل ~~مع عامة أهل اليمين ، كلا لو تعلمون علم اليقين ؛ لتوجهتم إليه بكل حال ، ~~لترون الجحيم ، أي : نار القطيعة ، ثم لترونها عين اليقين ، ثم لتسألن ~~يومئذ عن النعيم ، هل قمتم بشكره أو لا ، وشكره : شهود المنعم في النعمة ، ~~فقد رأيت في عالم النوم شيخين كبيرين ، فقلت لهما : ما حقيقة الشكر ؟ فقال ~~أحدهما : ألا يعصى بنعمه ، فقلت : هذا شكر العوام ، فما شكر الخواص ؟ فسكتا ~~، فقلت لهما : شكر الخواص : الاستغراق في شهود المنعم. ه. وهو كذلك ؛ لأن ~~عدم العصيان بالنعم يحصل من بعض الأبرار ، كالعباد والزهاد ، بخلاف ms3428 ~~الاستغراق في الشهود ، فإنه خاص بأهل العرفان ، أهل الرسوخ والتمكين ، وقد ~~تقدم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. ~~وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 349 # جزء : 8 رقم الصفحة : 347 PageV08P529 ### | AUTO سورة العصر # جزء : 8 رقم الصفحة : 349 # يقول الحق جل جلاله : {والعصر} أقسم تعالى بصلاة العصر لفضلها الباهر ، ~~إذ قيل : هي الصلاة الوسطى ، أو : بالعشي الذي هو مابين الزوال والغروب ، ~~كما أقسم بالضحى ، أو بعصر النبوة ، لظهور فضله على سائر الأعصار ، أو ~~بالدهر مطلقا ؛ لانطوائه على تعاجيب الأمور النافعة والضارة ، وجوابه : {إن ~~الإنسان لفي خسر} ؛ لفي خسران في متاجرهم ومساعيهم ، وصرف أعمارهم في ~~حظوظهم وأمانيهم. {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنهم اشتروا الآخرة ~~بالدنيا ، فربحوا وسعدوا ، أو : فإنهم في تجارة لن تبور ، حيث باعوا الفاني ~~الخسيس ، وآثروا الباقي النفيس ، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالعاديات ~~الرائحات ، فيا لها من صفقة ما أربحها!. # وهذا بيان لتكميلهم لأنفسهم ، وقوله تعالى : {وتواصوا بالحق} بيان ~~لتكميلهم لغيرهم ، أي : وصى بعضهم بعضا بالأمر الثابت ، الذي لا سبيل إلى ~~إنكاره ، ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره ، وهو الخير كله ، من الإيمان ~~بالله عز وجل ، واتباع كتبه ورسله في كل عقد وعمل ، {وتواصوا بالصبر} عن ~~المعاصي التي تساق إليها النفس الأمارة ، وعلى الطاعة التي يشق عليها ~~أداؤها ، وعلى البلية التي تتوجه إليه من جهة قهريته تعالى ، وعلى النعمة ~~بالقيام بتمام شكرها ، وتخصيص هذا التواصي بالذكر ، مع اندراجه تحت التواصي ~~بالحق ؛ لإبراز كمال الاعتناء به ، أو : لأن الأول عبارة عن رتبة العبادة ، ~~التي هي فعل ما يرضي الله عز وجل ، والثاني عن العبودية التي هي الرضا بما ~~فعل الله تعالى ، فإن المراد ليس مجرد حبس النفس عما تتوق إليه من فعل وترك ~~، بل هو تلقي ما يرد منه تعالى بالجميل والرضا ظاهرا وباطنا. قاله أبو ~~السعود. # 350 # الإشارة : والعصر ، أي : عصر الذاكرين ، إن الإنسان لفي خسر ، حيث احتجب ~~عن ربه بنفسه وبرؤيته وجوده ، إلا الذين آمنوا إيمان الخصوص ، وعملوا عمل ~~الخصوص ، وهو ms3429 خرق العوائد واكتساب الفوائد ، حتى وصلوا إلى كشف الحجاب ، ~~فلم يروا مع الله غيره ، غابوا عن أنفسهم ، وعن وجودهم ووجود غيرهم ، في ~~شهود محبوبهم ، فلما تكملوا اشتغلوا بتكميل غيرهم ، كما قال تعالى : ~~{وتواصوا بالحق} أي : بفعل الحق ، وهو ما يثقل على النفس ، حتى لا يثقل ~~عليها شيء ، أو بالإقبال على الحق ، وتواصوا على مشاق السير ، ثم على عكوف ~~الهم في حضرة الحق. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~، وسلم. # 351 # جزء : 8 رقم الصفحة : 350 PageV08P530 ### | AUTO سورة الهمزة # جزء : 8 رقم الصفحة : 351 # يقول الحق جل جلاله : {ويل لكل همزة لمزة} ، " ويل " : مبتدأ ، و" لكل " ~~: خبره ، والمسوغ : الدعاء عليهم بالهلاك ، أو بشدة الشر ، والهمز : الكسر ~~، واللمز : الطعن ، أي : ويل للذي يحط الناس ويصغرهم ، ويشتغل بالطعن فيهم. ~~قال ابن جزي : هو على الجملة : الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم ، واشتقاقه ~~من الهمز واللمز ، وصيغة فعلة للمبالغة ، واختلف في الفرق بين الكلمتين ، ~~فقيل : الهمز في الحضور ، واللمز في الغيبة ، وقيل العكس ، وقيل : الهمز ~~باليد ، واللمز باللسان. وقيل : هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق ~~، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس ، وقيل : في آمية بن خلف ، وقيل : في ~~الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل من اتصف بهذه الصفة. ه. وبناء " ~~فعلة " يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. PageV08P531 # وقوله : {الذي جمع مالا} : بدل من " كل " ، أو : نصب على الذم ، وقرأ حمزة ~~والشامي والكسائي " جمع " بالتشديد للتكثير ، وهو الموافق لقوله : {عدده} ~~أي : جعله عدة لحوادث الدهر ، {يحسب أن ماله أخلده} أي : يتركه خالدا في ~~الدنيا لا يموت ، وهو تعريض بالعمل الصالح ، فإنه أخلد صاحبه في النعيم ~~المقيم ، فأما المال فما أخلد أحدا ، إنما يخلد العلم والعمل ، ومنه قول ~~علي كرم الله وجه : (مات خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي ~~الدهر) فالحسبان إما حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة ، كما قال القائل ~~: {ولئن رددت إلىا ربي...} [الكهف : 36] الآية. # {كلا} ردع له عن حسبانه. {لينبذن} ليطرحن {في الحطمة} في ms3430 النار التي من # 352 # شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها ، {وما أدراك ما الحطمة} تهويل لشأنها ، ~~{نار الله الموقدة} أي : هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه ، {التي ~~تطلع على الأفئدة} يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم ، وتطلع ~~على أفئدتهم ، وهي أوساط القلوب ، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده ، ~~ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه ، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم ، واستولت ~~عليه ؟ وقيل : خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة ، ومعنى ~~اطلاع النار عليها : أنها تشتمل عليها وتعمها. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 352 PageV08P532 ~~إنها عليهم} أي : النار ، أو الحطمة ، {مؤصدة} مطبقة {في عمد} جمع عماد. ~~وفيه لغتان " عمد " بضمتين ، و" عمد " بفتحتين ، {ممددة} أي : تؤصد عليهم ~~الأبواب وتمدد على الأبواب العمد ، استيثاقا في استيثاق ، والجار صفة ~~لمؤصدة. وفي الحديث : " المؤمن كيس فطن ، وقاف متثبت ، لا يعجل ، عالم ، ~~ورع ، والمنافق همزة ، لمزة ، حطمة ، كحاطب الليل ، لا يبالي من أين اكتسب ~~وفيم أنفق ". الإشارة : ويل لمن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه ، قال ~~الورتجبي : ويل الحجاب لمن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة ، حتى ~~يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد ، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع. ه. PageV08P533 # وقوله تعالى : {الذي جمع مالا وعدده} ذم لمن يجمع المال ويعدده ، كائنا من ~~كان ، والعجب من صلحاء زماننا ، يجمعون القناطير المقنطرة ، ويترامون على ~~المقام الكبير من الخصوصية ، وما هذا إلا غلط فاحش ، فأين يوجد القلب مع ~~نجاسة الدنيا ؟ ! وكيف يطهر وتشرق فيه الأنوار ، وصور الأكوان منطبعة في ~~مرآته ؟ ! وقد قال بعض العارفين : عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل ، ~~وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. ه. {يحسب أن ماله أخلده} ، أي : يبقيه ~~بالله ، كلا. قال الورتجبي : وصف الحق تعالى الجاهل بالله بأن ماله يصله ~~إلى الحق ، لا والله ، لا يصل إلى الحق إلا بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر : ~~يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. ه. كلا ، لينبذن في الحطمة التي تحطم كل ~~ما تصادمه ، وهي حب الدنيا ، تحطم ms3431 كل ما يلقى في القلب من حلاوة المعاملة ~~أو المعرفة ، فلا يبقى معها نور قط ، وهي نار الله الموقدة ، التي تطلع على ~~الأفئدة ، فتفسد ما فيها من الإيمان والعرفان ، إنها عليه مؤصدة ، يعني أن ~~الدنيا مطبقة عليهم ، حتى صارت أكبر همومهم ، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي : ~~لله نيران ، نار القهر ونار اللطف ، نار قهره : إبعاد قلوب المنكرين عن ~~ساحة جلاله ، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ~~ثم قال : عن جعفر : ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير ~~الله ، وكل ذكر سوى ذكره. ه. وبالله التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم. # 353 # جزء : 8 رقم الصفحة : 352 PageV08P534 ### | AUTO سورة الفيل # جزء : 8 رقم الصفحة : 353 # يقول الحق جل جلاله : {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} الخطاب للرسول ~~عليه الصلاة والسلام ، أو لكل سامع ، والهمزة للتقرير ، و" كيف " معلقة ~~لفعل الرؤية ، منصوبة بما بعدها. والرؤية : علمية ، أي : ألم تعلم علما ~~ضروريا مزاحما للمشاهدة والعيان باستماع الأخبار المتواترة ، ومعاينة ~~الآثار الظاهرة. وتعليق الرؤية بكيفية فعله عز وجل لا بنفسه ، بأن يقال : ~~ألم تر ما فعل ربك لتهويل الحادثة والإيذان بوقوعها على كيفية هائلة ، ~~وهيئة عجيبة ، دالة على عظم قدرة الله عز وجل ، وكمال علمه وحكمته ، وعزة ~~بيته ، وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك من الإرهاصات له ، لما روي ~~أن الوقعة وقعت في السنة التي ولد فيها صلى الله عليه وسلم. # وتفصيلها : إن أبرهة بن الصباح الأشرم ، مالك اليمن من قبل النجاشي ، بنى ~~بصنعاء كنيسة ، سماها القليس ، وأراد أن يصرف إليها الحاج ، فخرج رجل من ~~كنانة ، فأحدث فيها ليلا ، وذكر الواقدي : أن الرجل لطخ قبلتها بالعذرة ، ~~ورمى فيها الجيف ، قال : واسمه " نفيل الحضرمي " فغضب أبرهة ، وحلف ليهدمن ~~الكعبة ، فخرج من الحبشة ، ومعه فيل ، اسمه " محمود " وكان قويا عظيما ، ~~بعثه النجاشي إليه ، ومعه اثنا عشر فيلا غيره ، وقيل : ثمانية ، فلما بلغ " ~~المغمس " خرج إليه عبد المطلب ، وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع ms3432 ، فأبى ~~وعبأ جيشه ، وقدم الفيل ، فأخذ نفيل بن حبيب بأذنه ، وقال : أبرك محمود ، ~~فإنك في حرم الله ، وارجع من حيث جئت راشدا ، فبرك ، فكان كلما وجهوه إلى ~~الحرم برك ولم يبرح ، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول ، ~~فأرسل الله عليهم سحابة من الطير خرجت من البحر ، مع كل طائر حجر في منقاره ~~، وحجر في رجليه ، أكبر # 354 PageV08P535 ~~من العدسة ، وأصغر من الحمصة ، فكان الحجر يقع على رأس الرجل ، ويخرج من ~~دبره ، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ، ففروا وهلكوا في كل طريق ومنهل ، ~~ورمي أبرهة فتساقطت أنامله وآرابه ، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ، ~~وانفلت وزيره " أبو يسكوم " ، وطائر يحلق فوقه ، حتى بلغ النجاشي ، فقص ~~عليه القصة ، فلما أتمها وقع عليه الحجر ، فخر ميتا بين يديه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 354 # وروي : أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير ، فخرج إليه في شأنها ، فلما ~~رآه أبرهة عظم في عينه ، وكان وسيما جسيما ، فقيل له : هذا سيد قريش ، ~~وصاحب عير مكة ، الذي يطعم الناس في السهل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، فنزل ~~أبرهة عن سريره ، وجلس معه على بساطه ، وقيل : أجلسه معه ، وقال لترجمانه : ~~قل له : ما حاجتك ؟ فلما ذكر له حاجته ، وهو : أن يرد إليه إبله ، قال : ~~سقطت من عيني ، جئت لأهدم البيت ، الذي هو دينك ودين آبائك ، وعصمتكم ، ~~وشرفكم في قديم الدهر ، لا تكلمني فيه ، ألهاك عه ذود أخذت لك ؟ فقال عبد ~~المطلب : أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا يحيمه ، قال أبرهة : ما كان ليحميه ~~مني ، فقال : ها أنت وذلك. ثم رجع وأتى باب الكعبة ، وأخذ بحلقته ، ومعه ~~نفر من قريش ، فدعوا الله عز وجل ، فالتفت وهو يدعو ، فإذا هو بطير من نحو ~~اليمن ، فقال : والله إنها لطير غريبة ، ما هي نجدية ولا تهامية ، فأرسل ~~حلقة الباب ، ثم انطلق مع أصحابه ينظرون ماذا يفعل أبرهة ، فأرسل الله ~~تعالى عليهم الطير ، فكان ما كان. # وقيل : كان أبرهة جد النجاشي ، الذي كان في زمن النبي صلى ms3433 الله عليه ~~وسلم. وعن عائشة رضي الله عنها : رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين مقعدين ~~يستطعمان. PageV08P536 # وقوله تعالى : {ألم يجعل كيدهم في تضليل} بيان إجمالي لما فعل الله بهم ، ~~والهمزة للتقرير كما سبق ، ولذلك عطف على الجملة الاستفهامية ما بعدها ، ~~كأنه قيل : جعل كيدهم للكعبة وتخريبها في تضييع وإبطال بأن دمرهم أشد ~~تدمير. يقال : ضل كيده ، أي : جعله ضالا ضائعا ، وقيل لامرىء القيس : الملك ~~الضليل ؛ لأنه ضيع ملك أبيه باشتغاله بالهوى. # {وأرسل عليهم طيرا أبابيل} أي : جماعات تجيء شيئا بعد شيء. والجمهور : ~~أنه لا واحد له من لفظه ، كشماطيط وعبابيد ، وقيل : واحدها : إبالة. قالت ~~عائشة رضي الله عنها : أشبه شيء بالخطاطيف. قال أبو الجوز : أنشأها الله في ~~الهواء في ذلك الوقت ، وقال محمد بن كعب : طيرد سود بحرية ، وقيل : إنها ~~شبيهة بالوطواط حمر وسود. {ترميهم بحجارة} صفة لطير ، {من سجيل} من طين ~~متحجر مطبوخ مثل الآجر ، قال ابن عباس : " أدركت عند أم هاني نحو قفيز من ~~هذه الحجارة ". {فجعلهم كعصف مأكول} كورق زرع وقع فيه الأكل ، أي : أكلته ~~الدود ، أو : كتبن أكلته الدواب فراثته ، فجمع لهم الخسة والمهانة والتلف ، ~~أو : كتبن علفته الدواب وشتته. # 355 # فائدة : قال الغزالي عن غير واحد من الصالحين وأرباب القلوب : إنه من قرأ ~~في ركعتي الفجر في الأولى بالفاتحة و" ألم نشرح " ، والثانية بالفاتحة و" ~~ألم تر " قصرت يد كل عدو عنه ، ولو يجعل لهم إليه سبيلا ، قال : وهذا صحيح ~~لا شك فيه. ذكره في الجواهر. # جزء : 8 رقم الصفحة : 354 # الإشارة : قلب العارف هو كعبة الوجود ، وهو بيت الرب ، وجيوش الخواطر ~~والوساوس تطلب تخريبه ، فيحميه الله منهم ، كما حمى بيته من أبرهة ، فيقال ~~: ألم تر أيها السامع كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، وهم الأخلاق البهيمية ~~والسبعية ، والخواطر الردية ، ألم يجعل كيدهم في تضليل ، وأرسل عليهم طير ~~الواردات الإلهية ، فرمتهم بحجارة الأذكار وأنوار الأفكار ، فأسحقتهم ~~فجعلتهم كعصف مأكول. والله تعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 356 # جزء : 8 رقم الصفحة : 354 PageV08P537 ### | AUTO سورة قريش ms3434 # جزء : 8 رقم الصفحة : 356 # قلت : (لإيلاف) : متعلق بقوله : " فليعبدوا " ، والفاء لما في الكلام من ~~معنى الشرط ، إذ المعنى : أن نعم الله تعالى على قريش غير محصورة ، فإن لم ~~يعبدوا لسائر نعمه فليعبدوا لإيلافهم الرحلتين ، وجاز أن يعمل ما بعد الفاء ~~فيما قبلها ؛ لانها زائدة غير عاطفة ، ولو كانت عاطفة لم يجز التقديم ، ~~وقيل : يتعلق بمضمر ، أي : فعلنا من إهلاك أصحاب الفيل لإيلاف قريش ، وقيل ~~: بما قبله من قوله : {فجعلهم كعصف مأكول (5)} [الفيل : 5] ، ويؤيده : ~~أنهما في مصحف " أبي " سورة واحدة بلا فصل ، والمعنى : أهلك من قصدهم من ~~الحبشة ليتسامع الناس بذلك ؛ فيتهيبوا لهم زيادة تهيب ، ويحترموهم فضل ~~احترام ، حتى يتنظم لهم الأمن في رحلتيهم. PageV08P538 # يقول الحق جل جلاله : {لإيلاف قريش} أي : فلتعبد قريش رب هذا البيت لأجل ~~إيلافهم الرحتلين ، وكانت لقريش رحلتان ، يرحلون في الشتاء إلى اليمن ، وفي ~~الصيف إلى الشام ، فيمتارون ويتجرون ، وكانوا في رحلتهم آمنين ؛ لأنهم أهل ~~حرم الله وولاة بيته العزيز ، فلا يتعرض لهم ، والناس بين مختطف ومنهوب. ~~و(الإيلاف) : مصدر ، من قولهم : ألفت المكان إيلافا وإلافا وإلفا. وقريش : ~~ولد النضر بن كنانة ، وقيل : ولد فهر بن مالك ، سموا بتصغير القرش ، وهو ~~دابة عظيمة في البحر ، تعبث بالسفن فلا تطاق إلا بالنار ، والتصغير للتفخيم ~~، سموا بذلك لشدتهم ومنعتهم تشبيها بها. وقيل : من القرش ، وهو الجمع ~~والكسب ؛ لأنهم كانوا كسابين بتجارتهم وضربهم في البلاد. # وقوله تعالى : {إيلافهم رحلة الشتاء والصيف} بدل من الأول ، أطلق الإيلاف ~~، ثم أبدل منه المقيد بالرحلتين تفخيما لأمر الإيلاف ، وتذكيرا لعظيم هذه ~~النعمة. و" رحلة " # 357 # مفعول بإيلاف ، وأراد رحلتي الشتاء والصيف ، فأفرد لأمن الإلباس. # {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم} بسبب تينك الرحلتين اللتين تمكنوا ~~منها بواسطة كونهم من جيرانه ، {من جوع} شديد كانوا فيه قبلهما. قال الكلبي ~~: أول من حمل السمراء من الشام ، ورحل إليها : هاشم بن عبد مناف. ه. ولما ~~بعث الله نبيه ، الذي هو نبي الرحمة ، وأسلمت قريش ، أراح الله الناس من ~~تعب الرحلتين ، وجلبت إلى مكة الأرزاق من كل جانب ms3435 ، ببركة طلعته صلى الله ~~عليه وسلم. قال مالك بن دينار : ما سقطت أمة من عين الله إلا ضرب أكبادهم ~~بالجوع. وكان عليه الصلاة والسلام يقول : " اللهم إني أعوذ بك من الجوع ، ~~فإنه بئس الضجيع " والمذموم هو الجوع المفرط ، الذي لم يصحبه في الباطن قوة ~~ولا تأييد ، وإلا فالجوع ممدوح عند الصوفية ، أعني الوسط. # جزء : 8 رقم الصفحة : 357 PageV08P539 ~~ثم قال تعالى : {وآمنهم من خوف} أي : من خوف عظيم ، وهو خوف أصحاب الفيل ، ~~أو : من خوف الناس في أسفارهم ، أو : من القحط في بلدهم. وقيل : كان ~~أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة ، فرفعه الله عنهم بدعوته صلى ~~الله عليه وسلم ، فهذا معنى : {أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} ، وقيل : ~~الجذام ، فلا يصيبهم ببلدهم ، وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام بقوله : ~~{اجعل هاذا بلدا آمنا} [البقرة : 126] الآية. # الإشارة : كما أمن الله أهل بيته أمن أهل نسبته ، فلا تجد فقيرا متجردا ~~إلا آمنا حيث ذهب ، والناس يختطفون من حوله. قلت : وقد رأينا هذا الأمر عام ~~حصر " سلامة " على تطوان ، فكان كل من خرج من تطوان ينتهب أو يقتل ، ونحن ~~نذهب حيث شئنا آمنين بحفظ الله ، وهذا إذا لبسوا زي أهل النسبة ، من ~~المرقعة والسبحة والعصا ، فإن ترك زيه وأخذ فقد ظلم نفسه ، وقد ترك بعض ~~الفقراء زيه ، وسافر فتكشط ، فقال له شيخه : أنت فرطت ، والمفرط أولى ~~بالخسارة. ه. ويقال لأهل النسبة : فليعبدوا رب هذا البيت ، أي : بيت الحضرة ~~التي طلبتموها ، أو : بيت النسبة التي سكنتم فيها ، الذي أطعمكم من جوع ، ~~حيثما توجتهم ، مائدتكم منصوبة ، وآمنكم من خوف حيث سرتم. والله تعالى أعلم ~~، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 358 # جزء : 8 رقم الصفحة : 357 PageV08P540 ### | AUTO سورة الماعون # جزء : 8 رقم الصفحة : 358 # يقول الحق جل جلاله : {أرأيت الذي يكذب بالدين} استفهام أريد به تشويق ~~السامع إلى معرفة من سبق له الكلام والتعجب منه ، والخطاب للرسول صلى الله ~~عليه وسلم أو لكل سامع. والرؤية بمعنى المعرفة ، والفاء في قوله : {فذلك ~~الذي يدع اليتيم} : جواب ms3436 شرط محذوف ، والمعنى : هل عرفت هذا الذي يكذب ~~بالجزاء أو بالإسلام ، فإن أردت أن تعرفه فهو الذي يدع ، أي : يدفع اليتيم ~~دفعا عنيفا ، ويزجره زجرا قبيحا ، قيل : هو أبو جهل ، كان وصيا ليتيم ، ~~فأتاه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه دفعا شديدا ، وقيل : هو الوليد بن ~~المغيرة ، وقيل : العاص بن وائل. وقيل : أبو سفيان ، نحر جزورا فسأله يتيم ~~لحما فقرعه بعصاه ، وقيل : على عمومه. وقرىء : " يدع " أي : يتركه ويجفوه. ~~{ولا يحض} أهله وغيرهم من الموسرين {على طعام المسكين} فأولى هو لا يطعمه ، ~~جعل علامة التكذيب بالجزاء : منع المعروف ، والإقدام على أذى الضعيف ؛ إذ ~~لو آمن بالجزاء ، وأيقن بالوعيد ، لخشي عقاب الله وغضبه. # {فويل للمصلين الذي هم عن صلاتهم ساهون} غير مبالين بها ، {الذين هم ~~يراؤون} الناس بأعمالهم ، ليمدحوا عليها ، {ويمنعون الماعون} أي : الزكاة. ~~نزلت في المنافقين ؛ لأنهم كانوا يسهون عن فعل الصلاة ، أي : لا يبالون بها ~~، لأنهم لا يعتقدون وجوبها. # قال الكواشي عن بعضهم : ليس المراد السهو الواقع في الصلاة ، الذي لا ~~يكاد يخلو منه مسلم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسهو ، ويعضد ~~هذا ما روي عن أنس أنه قال : الحمد لله الذي لم يقل " في صلاتهم " لأنهم ~~لما قال : " عن صلاتهم " كان المعنى : أنهم # 359 PageV08P541 ~~ساهون عنها سهو ترك وقلة مبالاة والتفات إليها ، ولو قال " في صلاتهم " كان ~~المعنى : أن السهو يعتريهم وهم في الصلاة ، والخلوص من هذا شديد. وقيل " عن ~~" بمعنى " في " ، أي : في صلاتهم ساهون. ثم قال عن ابن عطاء : ليس في ~~القرآن وعيد صعب إلا وبعده وعيد لطيف ، غير قوله : {فويل للمصلين..} الآية ~~، ذكل الويل لمن صلاها بلا حضور في قلبه ، فكيف بمن تركها رأسا ؟ فقيل له : ~~ما الصلاة ؟ فقال : الاتصال بالله من حيث لا يعلم إلا الله. ثم قال الكواشي ~~: ومما يدل على أن من شرع في الصلاة خالصا لله ، واعترضه السهو مع تعظيمه ~~للصلاة ولشرائع الإسلام ، ليس بداخل مع هؤلاء : أنه وصفهم بقوله : {الذين ~~هم يراؤون}. ثم قال : وفي اجتناب الرياء ms3437 صعوبة عظيمة ، وفي الحديث : " ~~الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء ، في الليلة الظلماء ، على المسح ~~الأسود " وقال بعضهم : هم الذين لا يخلصون لله عملا ، ولا يطالبون أنفسهم ~~بحقيقة الإخلاص ، ولا يرد عليهم وارد من ربهم يقطعهم عن رؤية الخلق والتزين ~~لهم. ه. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 359 # ويمنعون الماعون} قيل : الماعون : كل ما يرتفق به ، كالفأس والماء والنار ~~، ونحوها ، أي : الماعون المعروف كله ، حتى القدر والقصعة ، أو : ما لا يحل ~~منعه ، كالماء والملح والنار ، قالوا : ومنع هذه الأشياء محظور شرعا ، إذا ~~استعيرت عن ضرورة ، وقبح في المروءة إذا استعيرت في غير حال الاضطرار. قال ~~عكرمة : ليس الويل لمن منع هذه الأشياء ، إنما الويل لمن جمعها فراءى في ~~صلاته وسهى عنها ، ومنع هذه الأشياء. ه. # قال ابن عزيز : الماعون في الجاهلية : كل عطية ومنفعة ، والماعون في ~~الإسلام : الزكاة والطاعة ، وقيل : هو ما ينتفع به المسلم من أخيه ، ~~كالعارية والإغاثة ونحوهما ، وقيل : الماعون : الماء ، نقله الفراء ، وفي ~~البخاري : الماعون : المعروف كله ، أعلاه الزكاة ، وأدناه عارية المتاع. ~~والله تعالى أعلم. PageV08P542 # الإشارة : الدين هو إحراز الإسلام والإيمان والإحسان ، فمن جمع هذه الثلاث ~~تخلص باطنه ، فكان فيه الشفقة والرأفة والكرم والسخاء ، وتحقق بمقام ~~الإخلاص ، وذاق حلاوة المعاملة ، وأما من لم يظفر بمقام الإحسان فلا يخلو ~~باطنه من عنف وبخل ودقيق رياء ، ربما يصدق عليه قوله تعالى : {أرأيت الذي ~~يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم..} الخ. وقال القشيري في قوله تعالى : ~~{فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} : يشير إلى المحجوبين عن أسرار ~~الصلاة ودقائقها ، الساهين عن شهود مطالعها وطرائقها ، الغافلين الجاهلين ~~عن علومها وأحكامها ، {الذين هم يراؤون} في أعمالهم وأحوالهم ، بنسبتها ~~وإضافتها إلى أنفسهم الظلمانية ، {ويمنعون الماعون} أي : ما يفيد السالك ~~إلى طريق الحق ، من الإرشاد والنصح ، وانظر عبارته نقلتها بالمعنى. وبالله ~~التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 360 # جزء : 8 رقم الصفحة : 359 PageV08P543 ### | AUTO سورة الكوثر # جزء : 8 رقم الصفحة : 360 # يقول الحق جل جلاله : {إنا أعطيناك الكوثر} أي : الخير الكثير ، من شرف ms3438 ~~النبوة الجامعة لخير الدارين ، والرئاسة العامة ، وسعادة الدنيا والآخرة ، ~~" فوعل " من الكثرة ، وقيل : هو نهر في الجنة ، أحلى من العسل ، وأشد بياضا ~~من اللبن ، وأبرد من الثلج ، وألين من الزبد ، حافتاه : اللؤلؤ والزبرجد ، ~~وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء ، لا يظمأ من شرب منه أبدا ، وأول وارديه : ~~فقراء المهاجرين ، الدنسو الثياب ، الشعث الرؤوس ، الذي لا يتزوجون ~~المنعمات ، ولا يفتح لهم أبواب الشدد أي : أبواب الملوك لخمولهم ، يموت ~~أحدهم وحاجته تلجلج في صدره ، لو أقسم على الله لأبره. ه. # وفسره ابن عباس بالخير الكثير ، فقيل له : إن الناس يقولون : هو نهر في ~~الجنة ، فقال : النهر من ذلك الخير ، وقيل : هو : كثرة أولاده وأتباعه ، أو ~~علماء أمته ، أو : القرآن الحاوي لخيري الدنيا والدين. # روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا رب اتخذت إبراهيم خليلا ، ~~وموسى كليما ، فبماذا خصصتني ؟ " فنزلت : {ألم يجدك يتيما فآوىا (6)} ~~[الضحى : 6] ، فلم يكتف بذلك ، فنزلت : {إنا أعطيناك الكوثر} فلم يكتف بذلك ~~، وحق له ألا يكتفي ؛ لأن القناعة من الله حرمان ، والركون إلى الحال يقطع ~~المزيد ، فنزل جبريل ، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تبارك ~~وتعالى يقرئك السلام ، ويقول لك : إن كنت اتخدت إبراهيم خليلا ، وموسى ~~كليما ، فقد اتخذتك حبيبا ، فوعزتي وجلالي لأختارن حبيبي على خليلي وكليمي ~~، فسكن صلى الله عليه وسلم. # 361 # والفاء في قوله : {فصل لربك وانحر} لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن ~~إعطاءه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام ما ذكر من العطية التي لم يعطها ~~ولن يعطها أحد من العالمين ، مستوجبة للمأمور به أي استيجاب ، أي : فدم على ~~الصلاة لربك ، الذي أفاض عليك هذه النعم الجليلة ، التي لا تضاهيها نعمة ، ~~خالصا لوجهه ، خلافا للساهين المرائين فيها ، لتقوم بحقوق شكرها ، فإن ~~الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر. {وانحر} البدن ، التي هي خيار أموال العرب ~~، وتصدق على المحاويج ، خلافا لمن يدعهم ويمنعهم ويمنع عنهم الماعون ، وعن ~~عطية : هي صلاة الفجر بجمع ، والنحر بمنى ، وقيل : صلاة العيد والضحية ، ~~وقيل : هي جنس الصلاة ، والنحر وضع اليمين على ms3439 الشمال تحت نحره. وقيل : هو ~~أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره. وعن ابن عباس : استقبل القبلة بنحرك ، ~~أي : في الصلاة. وقاله الفراء والكلبي. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 361 PageV08P544 ~~إن شانئك} أي : مبغضك كانئا من كان {هو الأبتر} الذي لا عقب له ، حيث لم ~~يبق له نسل ، ولا حسن ذكر ، وأما أنت فتبقى ذريتك ، وحسن صيتك ، وآثار فضلك ~~إلى يوم القيامة ، لأن كل من يولد من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك ، وذكرك ~~مرفوع على المنابر ، وعلى لسان كل عالم وذاكر ، إلى آخر الدهر ، يبدأ بذكر ~~الله ، ويثني بذكرك ، ولك في الآخرة ما لا يندرج تحت البيان ، فمثلك لا ~~يقال فيه أبتر ، إنما الأبتر شانئك المنسي في الدنيا والآخرة. قيل : نزلت ~~في العاص بن وائل ، كان يسمي النبي صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه " عبد ~~الله " : أبتر ، ووقف مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : مع من كنت ~~واقفا ؟ فقال : مع ذلك الأبتر ، وكذلك سمته قريش أبتر وصنبورا ، ولما قدم ~~كعب بن الأشرف لعنه الله لمكة ، يحرض قريشا عليه صلى الله عليه وسلم ~~قالوا له : نحن أهل السقاية والسدانة ، وأنت سيد أهل المدينة ، فنحن خير أم ~~هذا الصنبور المنبتر من قومه ؟ فقال : أنتم خير ، فنزلت في كعب : {ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت..} [النساء : 51] ~~، الآية ، ونزلت فيهم : {إن شانئك هو الأبتر}. # الإشارة : يقال لخليفة الرسول ، الذي تخلق بخلقه ، وكان على قدمه : إنا ~~أعطيناك الكوثر : الخير الكثير ، لأن من ظفر بمعرفة الله فقد حاز الخير كله ~~" ماذا فقد من وجدك " فصل لربك صلاة القلوب ، وانحر نفسك وهواك ، إن شانئك ~~ومبغضك هو الأبتر ، وأما أنت فذكرك دائم ، وحياتك لا تنقطع ، لإن موت أهل ~~التقى حياة لا فناء بعدها. وقال الجنيد : إن شانئك هو الأبتر ، إي : ~~المنقطع عن بلوغ أمله فيك. ه. وصلى الله على سيدنا محمد ، وآله. # 362 # جزء : 8 رقم الصفحة : 361 PageV08P545 ### | AUTO سورة الكافرون # جزء : 8 رقم الصفحة : 362 # يقول الحق جل جلاله : {قل يا ms3440 أيها الكافرون} المخاطبون كفرة مخصوصون ، ~~علم الله أنهم لا يؤمنون. روي أن رهطا من صناديد قريش قالوا : يا محمد هلم ~~تتبع ديننا ونتبع دينك ، تعبد آلهتنا سنة ، ونعبد إلهك سنة ، فإن كان دينك ~~خيرا شركناك فيه ، وإن كان ديننا خيرا شركتنا في أمرنا ، فقال : " معاذ ~~الله أن نشرك بالله غيره " فنزلت ، فغدا إلى المسجد الحرام ، وفيه الملأ من ~~قريش ، فقرأها عليهم ، فأيسوا. # أي : قل لهم : {لا أعبد ما تعبدون} فيما يستقبل ؛ لأن " لا " إذا دخلت ~~على المضارع خلصته للاستقبال ، أي : لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من ~~عبادة آلهتكم ، {ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي : ولا أنتم فاعلون في الحال ~~ما أطلب منكم من عبادة إلهي ، {ولا أنا عابد ما عبدتم} أي : وما كنت قط ~~عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه ، ولم يعهد مني عبادة صنم ، فكيف يرجى مني في ~~الإسلام ؟ {ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي : وما عبدتم في وقت من الأوقات ما ~~أنا على عبادته. وقيل : إن هاتين الجملتين لنفي العبادة حالا ، كما أن ~~الأوليين لنفيها استقبالا. وإيثار " ما " في (ما أعبد) على " من " ؛ لأن ~~المراد هو الوصف ، كأنه قيل : ما أعبد من المعبود العظيم الشأن الذي لا ~~يقادر قدر عظمته. وقيل " ما " مصدرية ، أي : لا أعبد عبادتكم ، ولا تعبدون ~~عبادتي ، وقيل : الأوليان بمعنى " الذي " ، والأخريان مصدريتان. # وقوله تعالى : {لكم دينكم ولي دين} تقرير لما تقدم ، والمعنى : إن دينكم ~~الفاسد ، الذي هو الإشراك ، مقصور عليكم ، لا يتجاوزه إلى الحصول لي ، كما ~~تطمعون فيه ، فلا # 363 # تعلقوا به أطماعكم الفارغة ، فإن ذلك من المحالات ، كما أن ديني الحق لا ~~يتجاوزني إليكم ، لما سبق لكم من الشقاء. والقصر المستفاد من تقديم المسند ~~قصر إفراد حتما. والله تعالى أعلم. PageV08P546 # الإشارة : إذا طلبت العامة المريد بالرجوع ، إلى الدنيا والاشتغال بها ، ~~يقال له : قل يا أيها الكافرون بطريق التجريد ، والتي هي سبب حصول التوحيد ~~والتفريد ، لا أعبد ما تعبدون من الدينا وحظوظها ، أي : لا أرجع إليها فيما ~~يستقبل من الزمان ، ولا أنتم ms3441 عابدون ما أعبد من إفراد الحق بالمحبة ~~والعبادة ، أي : لا تقدرون على ذلك ، ولا أنا عابد ما عبدتم من الدنيا في ~~الحال ، لكم دينكم المبني على تعب الأسباب ، ولي ديني المبني على التعلق ~~بمسبب الأسباب ، أو لكم دينكم المكدر بالوساوس والخواطر والأوهام ، ولي ~~ديني الخالص الصافي ، المبني على تربية اليقين ، أو : لكم دينكم المبني على ~~الاستدلال ، ولي ديني المبني على العيان. أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل ~~الشهود والعيان ، كما قال الشاذلي رضي الله عنه. وبالله التوفيق ، وصلى ~~الله على سيدنا محمد وآله. # 364 # جزء : 8 رقم الصفحة : 363 PageV08P547 ### | AUTO سورة النصر # جزء : 8 رقم الصفحة : 364 # يقول الحق جل جلاله : {إذا جاء نصر الله} " إذا " ظروف لما يستقبل ، ~~والعامل فيه : {فسبح} ، والنصر : الإعانة والإظهار على العدو ، والفتح : ~~فتح مكة ، أو فتح البلاد ، والإعلام بذلك قبل الوقوع من أعلام النبوة ، إذا ~~قلنا نزلت قبل الفتح ، وعليه الأكثر ، والمعنى : إذا جاءك نصر الله ، وظهرت ~~على العرب ، وفتح عليك مكة أو سائر بلاد العرب ، فأكثر من التسبيح ~~والاستغفار ، تأهبا للقاء أو شكرا على النعم ، والتعبير عن حصول الفتح ~~بالمجيء للإيذان بأن حصوله على جناح الوصول عن قريب. # وقيل : نزلت أيام التشريق بمنى في حجة الوداع ، وعاش بعدها النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثمانين يوما ، فكلمة (إذا) حينئذ باعتبار أن بعض ما في ~~حيزها أعني : رؤية دخول الناس أفواجا غير منقض بعد. وكان فتح مكة لعشر من ~~شهر رمضان ، سنة ثمان ، ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من ~~المهاجرين والأنصار وطوائف العرب ، وأقام بها خمس عشرة ليلة. وحين دخلها ~~وقف على باب الكعبة ، ثم قال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق ~~وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده " ، ثم قال : " يا أهل مكة ؛ ما ترون ~~إني فاعل بكم ؟ " قالوا : خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ، قال : " اذهبوا ~~فأنتم الطلقاء " فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان الله ~~تعالى أمكنه من رقابهم عنوة ، وكانوا لهم فيئا ، ولذلك سمي ms3442 أهل مكة الطلقاء ~~، ثم بايعوه على الإسلام ، ثم خرج إلى هوازن. # ثم قال تعالى : {ورأيت الناس} أي : أبصرتهم ، أو علمتهم {يدخلون في دين ~~الله} أي : ملة الإسلام ، التي لا دين يضاف إليه تعالى غيرها. والجملة على ~~الأول : حال من " الناس " ، وعلى الثاني : مفعول ثان لرأيت ، و{أفواجا} حال ~~من فاعل " يدخلون " أي : # 365 # يدخلون جماعة بعد جماعة ، تدخل القبيلة بأسرها ، والقوم بأسرهم ، بعدما ~~كانوا يدخلون واحدا واحدا ، وذلك أن العرب كانت تقول : إذا ظفر محمد بالحرم ~~وقد كان آجرهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان ، فلما فتحت مكة ~~جاؤوا للإسلام أفواجا بلا قتال ، فقد أسلم بعد فتح مكة بشر كثير ، فكان معه ~~في غزوة تبوك سبعون ألفا. وقال أبو محمد بن عبد البر : لم يمت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وفي العرب كافر ، وقد قيل : إن عدد المسلمين عند موته : ~~مائة ألف وأربعة عشر ألفا. ه. # جزء : 8 رقم الصفحة : 365 PageV08P548 ~~فإذا رأيت ما ذكر من النصر والفتح {فسبح بحمد ربك} أي : قل سبحان الله ، ~~حامدا له ، أو : فصل له {واستغفره} تواضعا وهضما للنفس ، أو : دم على ~~الاستغفار ، {إنه كان} ولم يزل {توابا} ؛ كثير القبول للتوبة. روت عائشة ~~رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : لما فتح مكة ، وأسلمت العرب ، ~~جعل يكثر أن يقول : " سبحانك اللهم وبحمدك ، وأستغفرك وأتوب إليك ، يتأول ~~القرآن " يعني في هذه السورة. وقال لها مرة : " ما أراه إلا حضور أجلي " ، ~~وتأوله العباس وعمر رضي الله عنهما بذلك بمحضره صلى الله عليه وسلم فصدقهما ~~، ونزع هذا المنزع ابن عباس وغيره. # الإشارة : إذا جاءتك أيها المريد نصر الله لك ، بأن قواك على خرق عوائد ~~نفسك ، وأظفرك بها (والفتح) وهو دخول مقام الفناء ، وإظهار أسرار الحقائق ، ~~ورأيت الناس يدخلون في طريق الله أفواجا ، فسبح بحمد ربك ، أي : نزه ربك عن ~~رؤية الغيرية والأثنينية في ملكه ، واستغفره من رؤية وجود نفسك. قال ~~القشيري : ويقال النصر من الله بأن أفناه عن نفسه ، وأبعد عنه أحكام ~~البشرية ، وصفاه ms3443 من الكدورات النفسانية ، وأما الفتح فهو : أن رقاه إلى محل ~~الدنو ، واستخلصه بخصائص الزلفة ، وألبسه لباس الجمع ، وعرفه من كمال ~~المعرفة ما كان جميع الخلق متعطشا إليه. ه. وقال الورتجبي (فسبح بحمد ربك) ~~أي : سبحه بحمده لا بك ، أي : فسبحه بالحمد الذي حمد به نفسه ، واستغفره من ~~حمدك وثنائك وجميع أعمالك وعرفانك ، فإن الكل معلول ؛ إذ وصف الحدثان لا ~~يليق بجمال الرحمن ، إنه كان قابل التوب من العجز عن إدراك كنه قدسه ، ~~والاعتراف بالجهل عن معرفة حقيقة وجوده. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 366 # جزء : 8 رقم الصفحة : 365 PageV08P549 ### | AUTO سورة المسد # جزء : 8 رقم الصفحة : 366 # يقول الحق جل جلاله : {تبت} ، أي : هلكت {يدا أبي لهب} هو عبد العزى بن ~~عبد المطلب ، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإيثار لفظ التباب على ~~الهلاك ، وإسناده إلى يديه ، لما روي أنه لما نزل : {وأنذر عشيرتك ~~الأقربين(214)} [الشعراء : 214] رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا ، ~~وقال : " يا صباحاه " فاجتمع إليه الناس من كل أوب ، فقال : " يابني عبد ~~المطلب! يابني فهر! أرأيتم إن أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقي ~~؟ " قالوا نعم ، قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو لهب : ~~تبا لك سائر اليوم ، ما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأخذ حجرا ليرميه به عليه الصلاة ~~والسلام ، فنزلت ، أي : خسرت يدا أبي لهب {وتب} اي : وهلك كله ، وقيل : ~~المراد بالأول : هلاك جملته ، كقوله : {بما قدمت يداك} [الحج : 10]. ومعنى ~~" وتب " : وكان ذلك وحصل ، ويؤيده قراءة ابن مسعود " وقد تب ". وذكر كنيته ~~للتعريض بكونه جهنميا ، لاشتهاره بها ، ولكراهة اسمه القبيح. وقرأ المكي ~~بسكون الهاء ، تخفيفا. # {ما أغنى عنه ماله وما كسب} أي : لم يغن حين حل به التباب ، على أن " ما ~~" نافية ، أو : أي شيء أغنى عنه ، على أنها استفهامية في معنى الإنكار ، ~~منصوبة بما بعدها ، أي : ما أغنى عنه أصل ماله وما كسب به من الأرباح ~~والمنافع ، أو : ما كسب من الوجاهة والأتباع ، أو : ماله الموروث من أبيه ms3444 ~~والذي كسبه بنفسه ، أو : ما كسب من عمله الخبيث ، الذي هو كيده في عداوته ~~عليه الصلاة والسلام ، أو : عمله الذي ظن أنه منه على شيء ، # 367 PageV08P550 ~~لقوله تعالى : {وقدمنآ إلىا ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا (23)} ~~[الفرقان : 23] ، وعن ابن عباس : " ما كسب ولده " ، روي أنه كان يقول : إن ~~كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفدي منه نفسي بمالي وولدي ، فاستخلص منه ، ~~وقد خاب مرجاه ، وما حصل ما تمناه ، فافترس ولده " عتبة " أسد في طريق ~~الشام ، وكان صلى الله عليه وسلم دعا عليه بقوله : " اللهم سلط عليه كلبا ~~من كلابك " وهلك هو نفسه بالعدسة بعد وقعة بدر بسبع ليال ، فاجتنبه الناس ~~مخالفة العدوى ، وكانوا يخافون منها كالطاعونن فبقي ثلاثا حتى تغير ، ثم ~~استأجروا بعض السودان ، فحملوه ، ودفنوه ، فكان عاقبته كما قال تعالى : # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 367 # سيصلى نارا} أي : سيدخل لا محالة بعد هذا العذاب الأجل نارا {ذات لهب} أي ~~: نارا عظيمة ذات اشتعال وتوقد ، وهي نار جهنم. قال أبو السعود : وليس هذا ~~نصا في أنه لا يؤمن أبدا ، فيكون مأمورا بالجمع بين النقيضين ، فإن صلي ~~النار غير مختص بالكفار ، فيجوز أن يفهم من هذا أن دخوله النار لفسقه ~~ومعاصيه ، لا لكفره ، فلا اضطرار إلى الجواب المشهور ، من أن ما كلفه هو ~~الإيمان بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إجمالا ، لا الإيمان بما ~~نطق به القرآن ، حتى يلزم أن يكلف الإيمان بعدم إيمانه المستمر. ه. PageV08P551 # {وامرأته} : عطف على المستكن في " يصلى " لمكان الفعل. وهي أم جميل بنت حرب ~~، أخت أبي سفيان ، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك والسعد ، فتنثرها ~~بالليل في طريق النبي ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطؤه كما يطأ ~~الحرير. وقيل كانت تمشي بالنميمة ، ويقال لمن يمشي بالنميمة ويفسد بين ~~الناس : يحمل الحطب بينهم ، أي : يوقد بينهم النار ، وهذا معنى قوله : ~~{حمالة الحطب} بالنصب على الذم والشتم ، أو : الحالية ، بناء على أن ~~الإضافة غير حقيقية ، لوجوب تنكير الحال ، وقيل : المراد : أنها تحمل ms3445 يوم ~~القيامة حزمة من حطب جهنم كالزقوم والضريع. وعن قتادة : أنها مع كثرة مالها ~~كانت تحمل الحطب على ظهرها ، لشدة بخلها ، فعيرت بالبخل ، فالنصب حينئذ على ~~الذم حتما. ومن رفع فخبر عن " امرأته " ، أو : خبر عن مضمر متوقف على ما ~~قبله. وقرىء " ومريته " فالتصغير للتحقير ، {في جيدها} في عنقها {حبل من ~~مسد} والمسد : الذي فتل من الحبال فتلا شديدا ، من ليف المقل أو من أي ليف ~~كان ، وقيل : من لحاء شجر باليمن ، وقد يكون من جلود الإبل وأوبارها. # قال الأصمعي : صلى أربعة من الشعراء خلف إمام اسمه " يحيى " فقرأ : " قل ~~هو الله أحد " فتعتع فيها ، فقال أحدهم : # أكثر يحيى غلطا # في قل هو الله أحد # 368 # وقال الثاني : # قام طويلا ساكتا # حتى إذا أعيا سجد # وقال الثالث : # يزحر في محرابه # زحير حبلى بوتد # وقال الرابع : # كأنما لسانه # شد بحبل من مسد # والمعنى : في جيدها حبل مما مسد من الحبال ، وأنها تحمل تلك الحزمة من ~~الشوك ، وتربطها في جيدها ، كما يفعل الحطابون ، تحقيرا لها ، وتصويرا لها ~~، بصورة بعض الحطابات ، لتجزع من ذلك ، ويجزع بعلها ، وهما من بيت الشرف والعز. # جزء : 8 رقم الصفحة : 367 PageV08P552 ~~روي أنها لما نزلت فيها الآية أتت بيته صلى الله عليه وسلم ، وفي يدها حجر ~~، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعه الصديق ، فأعماها الله عن ~~رسول صلى الله عليه وسلم ولم تر إلا الصديق ، قالت : أين محمد ؟ بلغني أنه ~~يهجوني ، لئن رأيته لأضربن فاه بهذا الفهر. ه. ومن أين ترى الشمس مقلة ~~عمياء ، وقيل : هو تمثيل وإشارة لربطها بخذلانها عن الخير ، ولذلك عظم ~~حرصها على التكذيب والكفر. قال مرة الهمداني : كانت أم جميل تأتي كل يوم ~~بحزمة من حسك ، فتطرحها في طريق المسلمين ، فبينما هي ذات ليلة حاملة حزمة ~~أعيت ، فقعدت على حجر لتستريح ، فجذبها الملك من خلفها بحبلها فاختنقت ، ~~فهلكت. ه. # الإشارة : إنما تبت يدا أبي لهب ، وخسر ، وافتضح في القرآن على مرور ~~الأزمان ، لأنه أول من أظهر الكفر والإنكار ، فكان إمام المنكرين ، فكل ms3446 من ~~بادر بالإنكار على أهل الخصوصية انخرط في سلك أبي لهب ، لا يغني عنه ماله ~~وما كسب ، وسيصلى نار القطيعة والبعد ، ذات احتراق ولهب ، وامرأته ، اي : ~~نفسه ، حمالة حطب الأوزار ، في جيدها حبل من مسد الخذلان. وبالله التوفيق ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 369 # جزء : 8 رقم الصفحة : 367 PageV08P553 ### | AUTO سورة الإخلاص # جزء : 8 رقم الصفحة : 369 # قلت : {هو} ضمير الشأن مبتدأ ، والجملة بعده خبر ، ولا تحتاج إلى رابط ، ~~لأنها نفس المبتدأ ، فإنها عين الشأن الذي عبر عنه بالضمير ، ورفعه من غير ~~عائد يعود عليه ؛ للإيذان بأنه الشهرة والنباهة بحيث يستحضرة كل أحد ، ~~وإليه يشير كل مشير ، وعليه يعود كل ضمير ، كما ينبىء عنه اسم الشأن ، الذي ~~هو القصد. والسر في تصدير الجملة به للتنبيه من أول الأمر على فخامة ~~مضمونها ، وجلالة حيزها ، مع ما فيه من زيادة تحقيق وتقرير ، فإن الضمير لا ~~يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم ، له خطر جليل ، فيبقى الذهن مترقبا ~~لما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه ، فيتمكن عند وروده له فضل تمكن. وكل ~~جملة بعد خبره مقرره لما قبلها على ما يأتي. # يقول الحق جل جلاله مجيبا للمشركين لما قالوا : صف لنا ربك الذي تدعونا ~~إليه ، وانسبه ؟ فسكت عنهم صلى الله عليه وسلم فنزلت ، أو اليهود ، لما ~~قالوا : صف لنا ربك وانسبه ، فإنه وصف نفسه في التوراة ونسبها ، فارتعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خر مغشيا عليه ، فنزل جبريل عليه السلام ~~بالسورة. ويمكن أن تنزل مرتين كما تقدم. # فقال جل جلاله : {قل هو الله} المعبود بالحق ، الواجب الوجود ، المستحق # 370 # للكمالات {أحد} لا شريك له في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، لا ~~يتبعض ولا يتجزأ ، ولا يحد ، ولا يحصى ، أول بلا بداية ، وآخر بلا نهاية ، ~~ظاهر بالتعريف لكل أحد ، باطن في ظهوره عن كل أحد. # وأصل {أحد} هنا " وحد " فأبدلت الواو همزة ، وليست كأحد ، الملازم للنفي ~~، فإن همزة أصلية. ووصفه تعالى بالوحدانية له ثلاث معان ، الأول : أنه لا ms3447 ~~ثاني له ، فهو نفي للعدد ، والآخر : أنه واحد لا نظير له ولا شريك له ، كما ~~تقول : فلان واحد عصره ، أي : لا نظير له ، الثالث : أنه واحد لا ينقسم ولا ~~يتبعض. والأظهر أن المراد هنا : نفي الشريك ، لقصد الرد على المشركين. انظر ~~ابن جزي. PageV08P554 # {الله الصمد} وهو فعل بمعنى مفعول ، من : صمد إليه : إذا قصده ، أي : هو ~~السيد المصمود إليه في الحوائج ، المستغني بذاته عن كل ما سواه ، المفتقر ~~إليه كل ما عداه ، افتقارا ضروريا في كل لحظة ، إذ لا قيام للأشياء إلا به. ~~أو الصمد : الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال ، أو : الذي يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد ، والذي يطعم ولا يطعم ولا يأكل ولا يشرب ، أو : الذي لا جوف ~~له ، وتعريفه لعلمهم بصمديته ، بخلاف أحديته. # جزء : 8 رقم الصفحة : 370 # وتكرير الاسم الجليل ، للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق ~~الألوهية ، والتلذذ بذكره. وتعرية الجملة عن العاطف ، لأنها كالنتيجة عن ~~الأولى ، بين أولا ألوهيته عز وجل ، المستوجبة لجميع نعوت الكمال ، ثم ~~أحديته الموجبة لتنزهه عن شائبة التعدد والتركيب بوجه من الوجوه ، وتوهم ~~المشاركة في الحقيقة وخواصها ، ثم صمديته المقتضية لاستغنائه الذاتي عما ~~سواه ، وافتقار المخلوقات إليه في وجودها وبقائها وسائر أحوالها ، تحقيقا ~~للحق ، وإرشادا إلى التعلق بصمديته تعالى. ثم صرح ببعض أحكام مندرجة تحت ~~الأحكام السابقة ، فقال : {لم يلد} أي : لم يتولد عن شيء ، ردا على ~~المشركين ، وإبطالا لاعتقادهم في الملائكة والمسيح ، ولذلك ورد النفي على ~~صيغة الماضي ، أي : لم يصدر عنه ولد ؛ لأنه لا يجانسه شيء يمكن أن يكون له ~~من جنسه صاحبة ليتوالدا ، كما ينطق به قوله تعالى : {أنىا يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة} [الأنعام : 101] ، ولا يفتقر إلى ما يعينه أو يخلفه ؛ ~~لاستحالة الحاجة عليه ، لصمدانيته وغناه المطلق. PageV08P555 # {ولم يولد} أي : لم يتولد عن شيء ، لا ستحالة نسبة العدم إليه سابقا ~~ولاحقا. والتصريح به مع كونهم معترفين بمضمونه لتقرير ما قبله وتحقيقه ، ~~وللإشارة إلى أنهما متلازمان ، إذ المعهود أن ما ms3448 يلد يولد ، وما لا فلا ، ~~ومن قضية الاعتراف بأنه لم يلد : الاعتراف بأنه لم يولد ، {ولم يكن له كفوا ~~أحد} أي : ولم يكن أحد مماثلا له ولا مشاكلا ، من صاحبة أو غيرها. و(له) : ~~متعلق ب " كفوا " ، قدمت عليه للاهتمام بها ؛ لأن المقصود نفي المكافأة عن ~~ذاته تعالى ، وأما تأخير اسم كان فلمراعاة الفواصل. ووجه # 371 # الوصل في هذه الجمل غني عن البيان. # هذا ولانطواء السورة الكريمة ، مع تقارب قطريها ، على أنواع المعارف ~~الإلهية والأوصاف القدسية ، والرد على من ألحد فيها ، ورد في الحديث النبوي ~~: أنها تعدل ثلث القرآن ، فإن مقاصده منحصرة في بيان العقائد والأحكام ~~والقصص ، وقد استوفت العقائد لمن أمعن النظر فيها. عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : " أسست السموات السبع والأرضون السبع على {قل هو الله أحد} " أي : ~~ما خلقت إلا لتكون دلائل توحيده ، ومعرفة ذاته ، التي نطقت بها هذه السورة ~~الكريمة. # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يقرؤها ، فقال : " " وجبت " فقيل : ~~وما وجبت ؟ فقال : " الجنة " ، وشكى إليه رجل الفقر وضيق المعاش ، فقال له ~~صلى الله عليه وسلم : " إذا دخلت بيتك فسلم ، إن كان فيه أحد ، وإلا فسلم ~~علي واقرأ : {قل هو الله أحد} " ففعل الرجل ، فأدر الله عليه الرزق ، حتى ~~أفاض على جيرانه " ، وخرج الترمذي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~" من قرأ {قل هو الله أحد} مائتي مرة في يوم غفرت له ذنوب خمسين سنة ، إلا ~~أن يكون عليه دين " ، وفي الجامع الصغير أحاديث في فضل السورة تركناه خوف ~~الإطناب. # جزء : 8 رقم الصفحة : 370 PageV08P556 ~~الإشارة : قد اشتملت السورة على التوحيد الخاص ، أعني : توحيد أهل العيان ، ~~وعلى التوحيد العام ، أعني : توحيد أهل البرهان ، فالتوحيد الخاص له مقامان ~~: مقام الأسرار الجبروتية ، ومقام الأنوار الملكوتية ، فكلمة (هو) تشير إلى ~~مقام الأسرار اللطيفة الأصلية الجبروتية. و(الله) يشير إلى مقام الأنوار ~~الكثيفة المتدفقة من بحر الجبروت ؛ لأن حقيقة المشاهدة : تكثيف اللطيف ، ~~وحقيقة المعاينة : تلطيف الكثيف ، فالمعاينة أرق ، فشهود الكون أنوارا ~~كثيفة فاضت من بحر الجبروت مشاهدة ms3449 ، فإذا لطفها حتى اتصلت بالبحر اللطيف ~~المحيط ، وانطبق بحر الأحدية على الكل سميت معاينة ، ووصفه تعالى بالأحدية ~~والصمدية والتنزيه عن الولد والوالد يحتاج إلى استدلال وبرهان ، وهو مقام ~~الإيمان ، والأول مقام الإحسان ، فالآية من باب التدلي. # قال القشيري : يقال كاشف تعالى الأسرار بقوله (هو) والأرواح بقوله : ~~(الله) وكاشف القلوب بقوله : (أحد) وكاشف نفوس المؤمنين بباقي السورة. ~~ويقال : كاشف الوالهين # 372 # بقوله : (هو) والموحدين بقوله : (الله) والعارفين بقوله : (أحد) والعلماء ~~بالباقي ، ثم قال : ويقال : خاطب خاصة الخاص بقوله : (هو) فاستقلوا ، ثم ~~خاطب الخواص بقوله (الله) فاشتغلوا ، ثم زاد في البيان لمن نزل عنهم ، فقال ~~: (أحد) ، ثم نزل عنهم بالصمد ، وكذلك لمن دونهم. ه. وقال في نوادر الأصول ~~: هو اسم لا ضمير ، من الهوية ، أي : الحقيقة. انظر بقية كلامه. PageV08P557 ### | AUTO سورة الفلق # جزء : 8 رقم الصفحة : 373 # يقول الحق جل جلاله : {قل} يا محمد {أعوذ برب الفلق} أي : أتحصن وأستجير ~~برب الفلق. والفلق : الصبح ، كالفرق ، لأنه يفلق عنه الليل ، فعل بمعنى ~~مفعول. وقيل : هو كل ما يفلقه الله تعالى ، كالأرض عن النبات ، والجبال عن ~~العيون ، والسحاب عن الأمطار ، والحب والنوى عما يخرج منهما ، والبطون ~~والفروج عما يخرج منهما ، وغير ذلك مما يفلق ويخرج منه شيء. وقيل : هو جب ~~في جهنم. # وفي تعليق العياذ بالرب ، المضاف إلى الفلق ، المنبىء عن النور بعد ~~الظلمة ، وعن السعة بعد الضيق ، والفتق بعد الرتق ، عدة كريمة بإعاذة ~~العامة مما يتعوذ منه ، وإنجائه منه وفلق ما عقد له من السحر وانحلاله عنه ~~، وتقوية رجائه بتذكير بعض نظائره ، ومزيد ترغيب في الاعتناء بقرع باب ~~الالتجاء إلى الله تعالى. PageV08P558 # قال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن العارف : والحاصل : أن الإشارة ب " هو " ~~مختصة بأهل الاستغراق والتحقق في الهوية الحقيقة ، فلانطباق بحر الأحدية ~~عليهم ، وانكشاف الوجود الحقيقي لديهم ، فقدوا من يشار إليه إلا هو ، لأن ~~المشار إليه لما كان واحدا كانت الإشارة مطلقة لا تكون إلا إليه ، لفقد ما ~~سواه في شعورهم ، لفنائهم عن الرسوم البشرية بالكلية ، وغيبتهم عن وجودهم ، ~~وعن إحساسهم ms3450 وأوصافهم الكونية ، وذلك غاية في التوحيد والإعظام. منحنا الله ~~ذلك على الدوام ، وجعلنا من أهله ، ببركة نبيه عليه الصلاة والسلام. وبالله ~~التوفيق ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # 373 # جزء : 8 رقم الصفحة : 370 # ثم ذكر المتعوذ منه فقال : {من شر ما خلق} من الثقلين وغيرهم ، كائنا ما ~~كان ، وهذا كما ترى شامل لجميع الشرور الجمادية ، والحيوانية ، والسماوية ، ~~كالصواعق وغيرها. وإضافة الشر إليه أي : إلى كل ما خلق لاختصاصه بعالم ~~الخلق ، المؤسس على امتزاج المراد المتباينة ، وتفاصيل كيفياتها المتضادة ~~المستتبعة للكون والفساد في عالم الحكمة ، وأما عالم الأمر فهو منزه عن ~~العلل والأسباب ، والمراد به : كن فيكون. # وقوله تعالى : {ومن شر غاسق إذا وقب} تخصيص لبعض الشرور بالذكر ، بعد ~~اندراجه فيما قبله ، لزيادة مساس الحاجة إلى الاستعاذة منه ، لكثرة وقوعه ، ~~أي : ومن شر الليل إذا أظلم واشتد ظلامه ، كقوله تعالى : {إلىا غسق الليل} ~~[الإسراء : 78]. وأصل الغسق : الامتلاء. يقال : غسقت عينيه إذا امتلأت دمعا ~~، وغسق الليل : انضباب ظلامه. وقوله : {إذا وقب} أي : دخل ظلامه ، وإنما ~~تعوذ من الليل لأنه صاحب العجائب ، وقيل : الغاسق : القمر ، ووقوبه : دخوله ~~في الكسوف واسوداده ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : أخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيدي ، وقال : " تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا ~~وقب " وقيل : وقوب القمر : محاقه في آخر الشهر ، والمنجمون يعدونه نحسا ، ~~ولذلك لا تستعمل السحرة السحر المورث للمرض إلا في ذلك الوقت ، قيل : وهو # 375 # المناسب لسبب النزول. وقيل : الغاسق : الثريا ، ووقوبها : سقوطها ، لأنها ~~إذا سقطت كثرت الأمراض والطواعين. وقيل : هو كل شر يعتري الإنسان ، ووقوبه ~~هجومه ، فيدخل فيه الذكر عند الشهوة المحرمة وغيره. # { # جزء : 8 رقم الصفحة : 375 PageV08P559 ~~ومن شر النفاثات في العقد} أي : ومن شر النفوس ، أو : النساء النفاثات ، أي ~~: السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط ، وينفثن عليها ، والنفث : النفخ مع ~~ريق ، وقيل : بدون ريق ، وتعريفها إما للعهد الذهني ، وهن بنات لبيد ، أو : ~~للجنس ، لشمول جميع أفراد السواحر ، وتدخل بنات لبيد دخولا أوليا. {ومن شر ms3451 ~~حاسد إذا حسد} إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه ، بترتيب مقدمات ~~الشر ، ومبادىء الإضرار بالمحسود ، قولا وفعلا ، والتقييد بذلك ؛ لأن ضرر ~~الحسد قبله إنما يحيق بالحاسد ، وقد تكلم ابن جزي هنا على الحسد بكلام ~~نقلناه في سورة النساء ، فانظره فيه. الإشارة : الفلق هو النور الذي انفلق ~~عنه بحر الجبروت ، وهي القبضة المحمدية ، التي هي بذرة الكائنات ، فأمر ~~الله بالتعوذ بربها الذي أبرزها منه ، من شر كل ما يشغل عن الله ، من سائر ~~المخلوقات ، ومن شر ما يهجم على الإنسان ، ويقوم عليه من نفسه وهواه وغضبه ~~وسخطه ، ومن شر ما يكيده من السحرة أو الحساد. والحسد مذموم عند الخاص ~~والعام ، فالحسود لا يسود. وحقيقة الحسد : الأسف على الخير عند الغير ، ~~وتمني زواله عنه ، وأما تمني مثله مع بقائه لصاحبه فهي الغبطة ، وهي ممدوحة ~~في الكمالات ، كالعلم والعمل ، والذوق والحال. وبالله التوفيق ، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله. # 376 # جزء : 8 رقم الصفحة : 375 PageV08P560 ### | AUTO سورة الناس # جزء : 8 رقم الصفحة : 376 # يقول الحق جل جلاله : {قل أعوذ برب الناس} مربيهم ومصلحهم ، {ملك الناس} ~~مالكهم ومدبر أمورهم. وهو عطف بيان جيء به لبيان أن تربيته تعالى ليست ~~بطريق تربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من ممالكهم ، بل بطريق الملك ~~الكامل ، والتصرف التام ، والسلطان القاهر. وكذا قوله تعالى : {إله الناس} ~~فإنه لبيان أن ملكه تعالى ليس بمجرد الاستيلاء عليهم ، والقيام بتدبير أمور ~~سياستهم ، والمتولي لترتيب مبادىء حفظهم وحمايتهم ، كما هو قصارى أمر ~~الملوك ، بل هو بطريق العبودية ، المؤسسة على الألوهية ، المقتضية للقدرة ~~التامة على التصرف الكلي فيهم ، إحياء وإماتة ، وإيجادا وإعداما. وتخصيص ~~الإضافة إلى الناس مع انتظام جميع العالمين في سلك ربوبيته تعالى وملكوته ~~وألوهيته للإرشاد إلى مناهج الاستعاذة المرضية عنده تعالى ، الحقيقة ~~بالإعاذة ، فإن توسل العبد بربه ، وانتسابه إليه تعالى بالمربوبية والملكية ~~والمعبودية ، في ضمن جنس هو فرد من أفراده ، من دواعي الرحمة والرأفة. أمره ~~تعالى بذلك من دلائل الوعد الكريم بالإعاذة لا محالة ، ولأن المستعاذ منه ~~شر الشيطان ms3452 ، المعروف بعداوتهم ، مع التنصيص على انتظامه في سلك عبوديته ~~تعالى وملكوته ، رمز إلى إنجائهم من ملكة الشيطان وتسلطه عليهم ، حسبما ~~ينطق به قوله تعالى : {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الإسراء : 65] فمن ~~جعل مدار تخصيص الإضافة مجرد كون الاستعاذة من المضار المختصة بالنفوس ~~البشرية فقد قصر في توفية المقام حقه. وتكرير المضاف إليه لمزيد الكشف ~~والتقرير والتشريف. قاله أبو السعود. # والآية من باب الترقي ، وذلك أن الرب قد يطلق على كثير من الناس ، فتقول : فلان # 377 PageV08P561 ~~رب الدار ، وشبه ذلك ، فبدأ به لاشتراك معناه ، وأما الملك فلا يوصف به إلا ~~آحاد من الناس ، وهم الملوك ، ولا شك أنهم أعلى من سائر الناس ، فلذلك جيء ~~به بعد الرب ، وأما الإله فهوأعلى من الملك ، ولذلك لا يدعي الملوك أنهم ~~آلهة ، وإنما الإله واحد لا شريك له ولا نظير قاله ابن جزي. # {من شر الوسواس} أي : الموسوس ، فالوسواس مصدر ، كالزلزال ، بمعنى اسم ~~الفاعل ، أو سمي به الشيطان مبالغة ، كأنه نفس الوسوسة ، و{الخناس} الذي ~~عادته أن يخنس ، أي : يتأخر عند ذكر الإنسان ربه ، {الذي يوسوس في صدور ~~الناس} إذا غفلوا عن ذكر الله ، ولم يقل : في قلوب الناس ؛ لأن الشيطان ~~محله الصدور ، ويمد منقاره إلى القلب ، وأما القلب فهو بيت الرب ، وهو محل ~~الإيمان ، فلا يتمكن منه كل التمكن ، وإنما يحوم في الصدر حول القلب ، فلو ~~تمكن منه لأفسد على الناس كلهم إيمانهم. # جزء : 8 رقم الصفحة : 377 # قال ابن جزي : وسوسة الشيطان بأنواع كثيرة ، منها : فساد الإيمان ~~والتشكيك في العقائد ، فإن لم يقدر على ذلك ثبطه عن الطاعات ، فإن لم يقدر ~~على ذلك أدخل الرياء في الطاعات ليحبطها ، فإن سلم من ذلك أدخل عليه العجب ~~بنفسه ، واستكثار عمله ، ومن ذلك : أنه يوقد في القلب نار الحسد والحقد ~~والغضب ، حتى يقود الإنسان إلى سوء الأعمال وأقبح الأحوال. وعلاج وسوسته ~~بثلاثة أشياء ، وهي : الإكثار من ذكر الله ، والإكثار من الاستعاذة منه ، ~~ومن أنفع شيء في ذلك : قراءة سورة الناس. ه. قلت : لا يقلع الوسوسة من ms3453 ~~القلب بالكلية إلا صحبة العارفين ، أهل التربية ، حتى يدخلوه مقام الفناء ، ~~وإلا فالخواطر لا تنقطع عن العبد. PageV08P562 # ثم بين الموسوس بقوله : {من الجنة} أي : الجن {والناس} ووسواس النار أعظم ؛ ~~لأن وسواس الجن يذهب بالتعوذ ، بخلاف وسوسة الناس ، والمراد بوسوسة الناس : ~~ما يدخلون عليك من الشبه في الدين ، وخوض في الباطن ، أو سوء اعتقاد في ~~الناس ، أو غير ذلك. # قال ابن جزي : فإن قلت : لم ختم القرآن بالمعوذتين ، وما الحكمة في ذلك ؟ ~~فالجواب من ثلاثة أوجه ، الأول : قال شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير : ~~لما كان القرأن من أعظم نعم الله على عباده ، والنعمة مظنة الحسد ، ختم بما ~~يطفىء الحسد ، من الاستعاذة بالله. الثاني : يظهر لي أن المعوذتين ختم بهما ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيهما : " أنزلت علي آيات لم ير ~~مثلهن قط " كما قال في فاتحة الكتاب : " لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ~~ولا في الفرقان مثلها " فافتتح القرآن بسورة لم ينزل مثلها ، واختتم ~~بسورتين # 378 # لم ير مثلهما ، للجمع بين حسن الافتتاح والاختتام. ألا ترى أن الخطب ~~والرسائل والقصائد ، وغير ذلك من أنواع الكلام ، ينظر فيها إلى حسن ~~افتتاحها واختتامها. # والوجه الثالث : أنه لما أمر القارىء أن يفتح قراءته بالتعوذ من الشيطان ~~الرجيم ، ختم القرآن بالمعوذتين ليحصل الاستعاذة بالله عند أول القراءة ~~وعند آخر ما يقرأ من القرآن ، فتكون الاستعاذة قد اشتملت على طرفي الابتداء ~~والانتهاء ، فيكون القارىء محفوظا بحفظ الله ، الذي استعاذ به من أول أمره ~~إلى آخره. ه. # الإشارة : لا ينجي من الوسوسة بالكلية إلا التحقق بمقام الفناء الكلي ، ~~وتعمير القلب بأنوار التجليات الملكوتية والأسرار الجبروتيه ، حتى يمتلىء ~~القلب بالله فحينئذ تنقلب وسوسته في أسرار التوحيد فكرة ونظرة وشهودا للذات ~~الأقدس ، كما قال الشاعر : # جزء : 8 رقم الصفحة : 377 # إن كان للناس وسواس يوسوسهم # فأنت والله وسواسي وخناسي PageV08P563 ~~وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وآله وصحبه ، وسلم تسليما. # كمل ms3454 " البحر المديد في تفسير القرآن المجيد " بحول الله وقوته. نسأل الله ~~سبحانه أن يكسوه جلباب القبول ، ويبلغ به كل من طالعه ، أو حصله القصد ~~والمأمول ، بجاه سيد الأولين والآخرين ، سيدنا ومولانا محمد ، خاتم النبيين ~~وإمام المرسلين. وعمدتنا فيه : تفسير البيضاوي ، وأبي السعود ، وحاشية شيخ ~~شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي ، وشيء من تفسير ابن جزي والثعلبي والقشيري. ~~وكان الفراغ من تبييضه زوال يوم الأحد ، سادس ربيع النبوي ، عام واحد ~~وعشرين ومائتين وألف ، على يد جامعه ، العبد الضعيف ، الفقير إلى مولاه ، ~~أحمد بن محمد بن عجيبة الحسني ، لطف الله به في الدارين. آمين ، وآخر ~~دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. # 379 # جزء : 8 رقم الصفحة : 377 # تم الكتاب والحمد لله أولا وآخر وظاهرا وباطنا. PageV08P564 # فهرس أجزاء الكتاب # 1 الجزء الأول من أول سورة الفاتحة وحتى آخر سورة آل عمران # 2 الجزء الثانى من أول سورة النساء وحتى آخر سورة الأعراف # 3 الجزء الثالث من أول سورة الأنفال وحتى آخر سورة الحجر # 4 الجزء الرابع من أول سورة النحل وحتى آخر سورة الحج # 5 الجزء الخامس من أول سورة المؤمنون وحتى آخر سورة السجدة # 6 الجزء السادس من أول سورة الأحزاب وحتى آخر سورة الشورى # 7 الجزء السابع من أول سورة الزخرف وحتى آخر سورة المجادلة # 8 الجزء الثامن من أول سورة الحشر وحتى آخر سورة الناس PageV08P565 ~~ ms3455