######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008514 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: حسين بن غنام (أو ابن أبي بكر بن غنام) النجدي الأحسائي المالكي (المتوفى: 1225هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1225 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008514 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8514 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8514 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد بن عبد الله الهبدان #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1423هـ/2003م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مدخل. # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون. # تفرد _سبحانه_ بالوحدانية, وأبدى للعالمين آثارها, وتوحد بالصمدانية, ~~وأشرقت في السموات والأرض أنوارها, وأقر بألوهيته من سكن علوها وسفلها, ~~وقفارها وبحارها {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش ~~عما يصفون} (الأنبياء:22) الأحد الذي انفرد بالذات والصفات والأسماء, ~~المتفرد بالقدرة القاهرة, والعظمة الباهرة, والجلال الأسمى, الذي أحسن كل ~~شيء خلقه وأحاط به علما {وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ~~ويعلم ما تكسبون} (الأنعام:3) شهدت مصنوعاته بوحدته في الخلق والأمر ~~وانفراده, وجرت أحكامه فيها على وفق مراده, {ينزل الملائكة بالروح من أمره ~~على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} (النحل:2) ~~المتنزه عن مشابهة المحدثات صفاته, المتعالية عما لا يليق لعظيم سلطانه ~~ذاته, وقامت بالحجة على ذلك آياته {إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق ~~الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون} (يونس:6) القيوم الذي بحكمته ~~وتدبيره حسن نظام الوجود, والقائم بما يحتاج إليه كل موجود. فالهالك من ~~اتخذ من خلقه (معبودا) (1) {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر ~~أنفسهم ولا هم منا يصحبون} (الأنبياء:43) فسبحانه من إله؛ ملك الوجود ~~بأسره, وتضاءل من فيه تحت جبروته وقهره, وانقاد خضعانا لهيبته وأمره, {وله ~~من في السماوات والأرض كل له قانتون} (الروم:26) . PageV01P017 # أحمده وهو المحمود في جميع فعاله, على ما أولى من جوده ونواله, وأشكره ~~على إحسانه وإفضاله, فتعسا لقوم يعرفون نعمة الله ثم ينكرون {وهو الله لا ~~إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون} (القصص:70) ~~. # وأشهد أن لا إله إلا الله, ولا معبود بحق سواه, فقد ضل من عدل به المخلوق ~~وساوى {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا ~~المجرمون} (الشعراء:98-99) وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ونبيه, الذي خصه ~~بالرسالة واصطفاه, شهادة أرجو بها الفوز والنجاة, يوم يعرف المجرم ms001 بسيماه, ~~وينادي المنادي {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} ~~(الصافات:22) وأصلي وأسلم على محمد الذي بعث للعالمين رحمة, يتلوا عليهم ~~آياته, ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة, ويجدد الحنيفية, ويزيل عنها كل ~~وصمة (1) وعلى آله وصحبه خير القرون, المنزل في حقهم {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران: من ~~الآية 110) وتحققوا بمصداق {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} (التوبة: من الآية 111) ~~صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم يبعثون. # أما بعد: # فإن الله جل جلاله إنما خلق السماوات والأرض, وذرأ من فيهن بالطول ~~والعرض, للقيام بوظائف العبودية؛ امتثالا لأمره اللازم الفرض PageV01P018 # {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56) فمن فضله لم يتركهم ~~سدى, لا يفرقون بين الضلالة والهدى, ولا يعلمون الرشد من الردى, {وما كان ~~ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي ~~القرى إلا وأهلها ظالمون} (القصص:59) فأرسل إليهم رسله الكرام قطعا للحجة, ~~فرفعوا قواعد المحجة, ومهدوا سبيل التوحيد ونهجه, فاختار الأكثر طريق الشرك ~~وفجه {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} (يوسف:106) . # وخص سبحانه وتعالى نوحا عليه السلام بأول الرسالة, فدعا قومه إلى إخلاص ~~العبادة لمن لا تصلح إلا له, فسبوه ونسبوه إلى الضلالة, وقابلوه بأقبح ~~المقالة {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} (الشعراء:111) {فكذبوه فأخذهم ~~العذاب وهم ظالمون} (النحل: من الآية 113) ثم ختم النبوة والرسالة بصفوة ~~النبيين والمرسلين, وخيرته من الخلق أجمعين {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ~~ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} (الأحزاب:40) {هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} ~~(الصف:9) فقام بأعباء الرسالة عبده ورسوله محمد المصطفى, فأتى قومه صلى ~~الله عليه وسلم وهم من حفرة النار على شفا, فدعاهم إلى ما ينالون به في ~~الدارين عزا وشرفا, ملة أبيهم إبراهيم إمام الحنفاء {ووصى بها إبراهيم بنيه ~~ويعقوب يا بني إن الله ms002 اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~(البقرة:132) بعثه الله تعالى إلى كافة الخلق بشيرا ونذيرا, وداعيا إلى ~~التوحيد بإذنه وسراجا منيرا, فقال # PageV01P019 # تعالى {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} ~~(الفرقان:1) وقال تعلى {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي ~~له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله ~~النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (الأعراف:158) ~~وأيده بمعجزات أعظمها القرآن, الذي أخرست أقصر سورة منه كل لسان, فرجع عن ~~معارضتها خاسئا وحسيرا {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء:88) {أفلا ~~يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ~~(النساء:82) {فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا} ~~(النساء:55) {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون} (الزخرف:44) . # فلما أعلن فيهم بالكلمة العظيمة الشأن, التي خلقت لها السماوات والأرض ~~والإنس والجان, المتضمنة للتوحيد والإيمان, وإبطال عبادة الأصنام والأوثان, ~~أصروا على الكفر والضلال والطغيان {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} (الصافات:35-36) {أم ~~يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون} (المؤمنون:70) وتمالؤا ~~على الشرك والغي والفساد, ولزموا منهج البغي والعناد, {وانطلق الملأ منهم ~~أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد} (ص:6) {واتخذوا من دون الله ~~آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون} (يس:74-75) ~~أعرضوا عن السميع المجيب, الإله القادر القريب, وطلبوا من العاجز الشفاعة ~~والتقريب {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} (يونس: من الآية 18) {ما نعبدهم ~~إلا # PageV01P020 # ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون} ~~(الزمر: من الآية 3) . # فلم يبرح صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الكلمة الجامعة, ويهديهم للتي هي ~~أقوم, وهي الملة الحنيفية الساطعة, ويجاهدهم بالآيات والبراهين القاطعة, ~~وأكثرهم بها يكذبون {بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون} ms003 (المؤمنون: من ~~الآية 71) وهدى الله تعالى عباده المؤمنين إلى الصراط المستقيم, فآمنوا به ~~وعزروه, ونصروا دينه القويم, فنالوا بذلك الفوز العظيم {يبشرهم ربهم برحمة ~~منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} (التوبة:21) {لكن الرسول والذين ~~آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون} ~~(التوبة:88) . # فجد صلى الله عليه وسلم في الإعلان بالدعوة, واستمر, وجاهد هو وصحبه من ~~أعرض عن التوحيد ونفر, لا يبالون بما ينالون من الأذى والمحنة والضرر, ممن ~~أبى عن الحق وتولى وكفر {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل ~~لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون} (الأحقاف: من الآية 35) {فتول عنهم حتى حين ~~وأبصرهم فسوف يبصرون} (الصافات:174-175) فلم يزل هو وأتباعه يلقون من قومهم ~~ما يلقون, ويفتنون في ذات الله ويؤذون, فيصبرون على ذلك ويرضون {ألم* أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} (العنكبوت:2) إلى أن أذن ~~الله تعالى أن يعلي كلمته, وينصر دينه, ويمد في سائر الأقطار تمكينه, ويعمم ~~ظهوره وتبيينه, فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالمهاجرة إلى المدينة فهاجر ~~صلى الله عليه وسلم إليها, وتتابع على ذلك المهاجرون {وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} (الأنفال:33) . # فشرع الله تعالى لنبيه الجهاد, وفرض عليه قتال أهل الشرك # PageV01P021 # والضلال والإلحاد, ووعده النصر والتمكين, والله لا يخلف الميعاد {إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} (الصافات:172-173) . # فنهد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الحماة الكماة (1) الأبطال, مسارعين ~~لأداء الأمر في الامتثال, مشرعين أسنة زرقا كأنياب أغوال (2) , راجين جزيل ~~الثواب في القتال {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم ~~يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما} ~~(النساء:104) فأصبحت لوامع مرهفاتهم لغياهب الكفر جالية, لما بذلوا في ~~سبيله النفوس الغالية, فمنحهم مولاهم الدرجات العالية {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران:169) فرفع ~~الله قواعد المة السمحاء, وهد دعائم العوجاء, وأبدلها صبحا, وتوالت ms004 الفتوح ~~على أهل الإسلام فتحا, وحقق الله تعالى لهم من مأمولهم نجحا {وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} ~~(النور:55) . # فلما أكمل الله تعالى لأمته الدين, وأتم نعمته على المسلمين, أتاه من ربه ~~اليقين {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون} (الأنبياء:34) ~~فلم تزل أعلام الإسلام في خلافة خلفائه مرفوعة مشهورة, وألوية التوحيد في ~~الأمصار منصوبة منشورة, وعساكرهم على عداتههم منصورة, وعداتهم بالذل ~~مقهورة, وجنود الردى PageV01P022 # مهزومة مكسورة, وهم في سبيل الله لأعدائه يجاهدون, إلى أن مضى كل منهم ~~إلى السبيل, وانقضى ذلك الجيل, فوقع التغيير في الدين والتبديل, بظهور ~~القوم الذين أخبر الصادق أنهم من الذين يمرقون, وعمت الفتن, وكثرت أنصارها, ~~وطمت المحن, وربت أصهارها, وتمت على ذلك الأعصار أعصارها {أفمن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات إن الله عليم بما يصنعون} (فاطر:8) وعمرت البدع, وشيدت ربوعها, وأسست ~~أصولها, فامتدت فروعها, وحلت بكل ناحية من الأمصار جموعها {إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما ~~كانوا يفعلون} (الأنعام:159) فما برحت شبه البدع في القلوب دابة, ونار ~~الأهواء مضرمة شابة, وعواصف الضلال على من أراد الله تعالى خذلانه هابة ~~{ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن ~~السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} (الزخرف:36-37) حتى مضى سادس القرون, فتفاقم ~~الأمر والحال, وتعاظم التعصب للباطل والمحال, وتراكم سحاب المراء والجدال, ~~ولكن طائفة الحق منصورة لا تزال, فليسوا على الضلالة يجتمعون {كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} (الأنعام: من ~~الآية 108) فما زالت في ازدياد تلك الدعوى, وفي اتقاد تلك البدع والأهواء ~~(1) , إلى منتصف القرن الثاني ms005 عشر الذي جلت فيه البلوى, وحلت البدع فيه ~~والشرك عرى التوحيد والتقوى, والأكثر فيه متمسك من ملة آبائه بالسبب الأقوى ~~{إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم PageV01P023 # مهتدون} (الأعراف: من الآية 30) فشرح الله صدر من وفقه للإسلام وهداه, ~~وأبان له سنن رشده وهداه, وأوضح له سبيل الهدى, فقام ممتثلا لأمر مولاه؛ ~~شكرا لما منحه من العلم وأولاه, منكرا على من كانوا بربهم يشركون, {إن ~~الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} (البقرة:159) . # وهو شيخ المسلمين, وقدوة الموحدين, وغرة العلماء العاملين (الشيخ محمد بن ~~عبد الوهاب) , الذي أزال الله تعالى به ظلام الشرك والشك والارتياب, وأزاح ~~به من ركام الباطل كل سحاب, وكشف عن الدين الحق كثيف الحجاب, بعدما انقطعت ~~دونه الأسباب, وسد عن التوصل إليه كل باب, وواراه الافتراق والشقاق في ~~التراب, ونودي على التوحيد بالغربة والاغتراب, جعله الله تعالى من عباده ~~الذين يوم القيامة ينادون {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ~~الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} ~~(الزخرف:68-70) . ذلك أنه لما أشرقت له من الهداية أنوارها, ولمعت له من ~~الآيات المحكمات أسرارها, وتجلى له من العناية صبحها وأسفارها, ورأى أكثر ~~الناس وما يعتقدون, وما يتخذون من الأرباب دونه ويبغون, {قل أغير الله أبغي ~~ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم ~~إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} (الأنعام:164) . # شمر عن ساعد الجد إذ لم يجد بدا, وأعلن بتكفير من جعل من دون ربه ندا, ~~وقام بإخلاص الدعوة وقال: {لقد جئتم شيئا إدا} (مريم:89) {إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} (مريم:93) والذين تدعون من دون الله ~~لا يستجيبون, {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا # PageV01P024 # يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون} (الأحقاف:5) {قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ms006 أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين} (الأنعام:40) . # فلم يزل رحمه الله تعالى يدعو إلى منهاج الهدى, ويجادل بالتي هي أحسن أهل ~~الردى ويتلو عليهم {وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} (الجن:18) ~~{فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} (الجاثية: من الآية 6) (فأبى) (1) قومه ~~عن ذلك وصدوا, وعارضوه بالباطل وردوا, واجتهدوا في عداوته والبطش به وجدوا, ~~وقالوا {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} (الزخرف: من ~~الآية 22) فحاق بهم ما كانوا به يمكرون {أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون} ~~(الزخرف:79) بل أخرجوه من الديار, وحكموا بأنه من الخوارج والكفار, ولم يكن ~~لهم بالذكر الحكيم اعتبار {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون} (يس:9) فخسر الخسران المبين من أعرض عن التوحيد ~~والدين, وباء باعذاب المهين {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا ~~من المجرمين منتقمون} (السجدة:22) فأووه وعزروه وكانوا له أنصارا, من سبقت ~~لهم السعادة والشرف والفخار, وكتب لهم التمكين والظهور على الأعداء ~~والانتصار, والاستخلاف والاستيلاء على ممالك الملوك الذين يحاربون {إن ~~الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم ~~حسرة ثم يغلبون} (لأنفال: من الآية 36) . # وذلك أنه لما أخرج من البلاد ليقضي الله أمره الذي لا دافع له ولا راد, ~~وينيل من ساعده الإسعاد, ويبدلهم السعة والنعمة بعد الضيق PageV01P025 # والضنك والإنكاد, آواه (محمد (1) والد الإمام عبد العزيز) (2) وإخوته ~~وقرابته الأنجاد, وبذلوا في نصرته طريف المال والتلاد, وجردوا مرهفات ~~المواضي للجلاد, ولم يبالوا بما سار إليهم من العساكر والأجناد, والملوك ~~عليهم يحزبون {لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ~~ينصرون} (آل عمران:111) وقاموا معه على الناس في إخلاص الدعوة لله التي هي ~~سبيل الهداية والنجاة من المهالك في الغواية, صابرين على ما ينالهم من ~~الأذية, مستشعرين مضمون هذه الآية {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا ~~سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون} (إبراهيم:12) ~~. # فما زالوا معه داعين وهم في ms007 علو ونصر وتمكين على جميع المعتدين وجبابرة ~~الملوك المحزبين, حتى أتاه رحمه الله اليقين, وقد جاوز بضعا وثمانين من ~~السنين {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} ~~(الزمر:30-31) فلم يبرحوا بعد في ازدياد, واتساع ملك وامتداد, واستيلاء على ~~كثير من البلاد, وعداتهم من بأسهم يهربون {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم ~~وأهلها مصلحون} (هود:117) . # هذا ولما كان الإمام عبد العزيز بن سعود (3) , وابنه سعود (4) آمين ~~PageV01P026 # الجيوش والجنود, والإمام يعده بالبيعة المحكمة العقود, بلغهم الله تعالى ~~كل مأمول ومقصود, وكبت كل عدو لهم وحسود, على نشر العلم وتعليم الناس ~~والدخول في الدين يحرصون {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران:104) . # فعن لعبد العزيز _حفظه الله_ أن تجمع الأحاديث التي هي أصول الإسلام ~~والإيمان, ويضم ما يناسبها من آيات القرآن, وجاءت الإشارة إلي بشرحها, ~~والكلام على ما تحتاج إليه من البيان مع الإيجاز الذي لا يخل بالتبيان؛ ~~لتسهيل الدين الذي لا يقبل سواه من كل إنسان, ولعل الناس في دينهم يتفقهون ~~{فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} (التوبة: من الآية 122) فبادرت أمره بالامتثال ~~والقبول, وجعلت الكلام عليها في رسالة حاوية لسبعة فصول, عدد كلمات لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله, لأن (لا) كلمة و (إله) كلمة و (إلا) كلمة و ~~(الله) كلمة و (محمد) كلمة و (رسول) كلمة و (الله) كلمة, وأعضاء المكلفين ~~سبعة, وأبواب جهنم سبعة, وأرجو أن يكون لي بكل فصل منمها حجاب عنها يوم ~~الكفار وأهل البدع إلى أبوابها يدعون, ويكبكبون فيها هم والغاوون {إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} (الأنبياء:101) , وسميتها (العقد ~~الثمين في شرح أحاديث أصول الدين) . وأرجو بها القربة إلى الله, والوصول ~~والفوز في الدارين بالمأمول, وأن تتلقى بالإقبال والقبول, فالعلم النافع ~~أفضل ما يتقرب به المتقربون {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة ms008 طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل:97) # PageV01P027 # والمأمول ممن تصفح هذه الأوراق, وسرح في روضها الأحداق, وكان له بآداب ~~العلم اعتلاق, ومن صافي شراب العلماء كأس دهاق, وجنى من يانع أثمارها, ~~واقتطف من شميم أزهارها, واقتبس من لامع أنوارها, أن يستر ما رأى من ~~عوارها, فذلك من مكارم الأخلاق, وأهلها للمساوي يسترون {وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون} (الشورى:37) , مع أنها وإن كانت في ذاتها جميلة, فقد برزت شعثاء من ~~غير تحسين ولا تجميل, وصدرت وركاب حملتها مناخة للسفر بها والرحيل, ورسل ~~الإمام تحثني في البكرة والأصيل, وتحضني على الإنجاز والتعجيل, وعدم ~~الإطناب في الكلام والتطويل, والذهن بعد تغير الحال وتكدر البال كليل, ~~{ورحمت ربك خير مما يجمعون} (الزخرف: من الآية 32) {فما أوتيتم من شيء ~~فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون} (الشورى:36) . # وما ذكر من حال الشيخ ومبدأ عمره وأخباره, وسيرة الإمام وأولاده وأصهاره, ~~وكافة عصابته وأنصاره, سوى شذرة, تكون للمسترشد عبرة؛ لأن هذه ليست مصنفة ~~لذلك, ولا تدخل من التاريخ والمغازي في مسالك, فمن أراد تفصيل ما جرى, وما ~~نالوا من الممالك, فعليه بمطالعة التاريخ المسمى (بروضة الأفكار والأفهام) ~~؛ فإنه في الحقيقة حديقة الحقائق, ورقائق الحدايق والعيون. # PageV01P028 ### | الفصل الأول: فيما جاء في الإسلام أنه دين الله الذي لا يقبل سواه # قال الله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ~~قآئما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وما ~~اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر ~~بآيات الله فإن الله سريع الحساب} (آل عمران:18-19) . # وقول الله تعالى: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها وإليه يرجعون قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل ms009 منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران:83-85) . # وقال تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة: 130-132) # وقال تعالى: {قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد ~~اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} ~~(البقرة:136-137) . # وقال تعالى: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ~~وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين # PageV01P031 # آمنوا والله ولي المؤمنين} (آل عمران:67-68) . # وقال جل جلاله: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ~~شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين} (النحل:120-123) . # وعن الزبير ابن العوام رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو بعرفة يقرأ {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ~~قآئما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} (1) (آل عمران:18) فقال: "وأنا ~~على ذلك من الشاهدين يا رب". رواه الإمام أحمد عن أبي يحيى مولى الزبير بن ~~العوام (2) . # ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر قال: حدثنا علي بن حسين, حدثنا محمد بن ~~المتوكل العسقلاني, قال: حدثنا عمر بن حفص بن ثابت, حدثنا عبد الملك بن ~~يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده عن الزبير قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ هذه الآية {شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو} ms010 قال: "وأنا أشهد أي رب" 3. PageV01P032 # وروى الطبراني في معجمه بسنده إلى غالب القطان أنه سمع الأعمش يتهجد من ~~الليل فمر بهذه الآية {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ~~قآئما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام} ~~فقال: وأنا أشهد الله بما شهد الله به, وأستودع الله هذه الشهادة, وهي لي ~~عند الله وديعة {إن الدين عند الله الإسلام} قالها مرارا, وذكر أنه سأله هل ~~سمع فيها شيئا فقال: أو ما بلغك ما فيها, قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إلي, وأنا ~~أحق من وفى بالعهد, أدخلوا عبدي الجنة" (1) وفي قوله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام, والإيمان, والإحسان, ~~المروي عن جماعة من الصحابة, وخرجاه في الصحيحين, وفي آخره: "هذا جبريل ~~أتاكم يعلمكم" (2) ويعلم مطابقة ودلالة لما ذكرنا أقول: هذه الآيات ~~المحكمات بكفر الكتابيين والمشركين من الأميين حاكمة, وبراهينها القاطعة ~~لظهورهم قاصمة, وكفى بأصدق الشاهدين والقائلين شهيدا وبما تضمنته للعادلين ~~عنها وعيدا, شهد سبحانه سبحانه وتعالى أنه المنفرد بالألوهية بجميع ~~الخليقة, وأن الموجودات علوها وسفلها جميعهم عبيده وخلقه والفقراء إليه في ~~الحقيقة, وأنه الغني عمن سواه, وله الغناء المطلق العام, والفضل السابغ ~~التام, كما قال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا} (النساء:166) ثم قرن تعالى شهادة PageV01P033 # ملائكته والعاملين بالعلم من حملته, بشهادة ذاته العلية, وفيها للعلماء ~~منقبة جلية, وبين وحدانيته بنصب الدلائل الدالة عليها, وكرر ذلك بقوله: {لا ~~إله إلا هو} للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد والحكم به بعد ~~إقامة الحجة, العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء, الحكيم في أفعاله, ~~وأقواله, وشرعه, وقدره (1) . # وقوله: {إن الدين عند الله الإسلام} اتفقت كلمة أهل الحق من السلف والخلف ~~ومن بعدهم على ما تضمنه هذا الإخبار من الله أن الدين عنده الإسلام, ولا ~~يقبل من ms011 أحد سواه, وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين من أولهم ~~حتى ختمهم بأفضل النبيين محمد سيد المرسلين, فسد الله تعالى جميع الطرق ~~إليه, إلا من جهة نبينا (فمن لقي الله تعالى بعد إرسال محمد وبعثته, بدين ~~غير دينه وشرعته, فهو من الضالين الهالكين. كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران:85) . # ثم أخبر جل جلاله أن الذين آتوا الكتاب إنما اختلفوا بعد ما قامت الحجة ~~عليهم, بإنزال الكتب وإرسال الرسل إليهم, بغى بعضهم على بعض, وحملهم على ~~ذلك الحسد والبغض, فاختلفوا في الحق للتدابر والتحاسد, وآل بهم الحال إلى ~~مخالفته في الأقوال والأفعال والتجاحد, ومن جحد بما أنزله الله في الكتاب, ~~فإن الله يجازيه على ذلك يوم الحساب, ويعذبه أشد العذاب. (2) # وقوله تعالى: {فإن حاجوك} أي جادلوك في التوحيد {فقل PageV01P034 # أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} أي: فقل: أخلصت لله العبادة بأنواعها, وتبرأت ~~من ملة الشرك واتباعها, وكفرت بما يعبد من أتباعها. وقد ختم هذه الآية ~~بقوله: {فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد} (آل عمران: من الآية 20) يعني أن الله يهدي من يشاء برحمته وفضله, ~~ويضل من يشاء بإرادته وعدله, له في ذلك الحكمة البالغة القاهرة. وقوله ~~{أفغير دين الله يبغون} (آل عمران:83) أنكر سبحانه وتعالى على من أراد دينا ~~سوى دينه بعد إقامة حججه ودلائله وبراهينه, وشهادة الكتب المنزلة, وتصريح ~~الرسل المرسلة, بل جميع من في السماوات والأرض استسلم له طوعا, وهو المؤمن ~~بالقلب والقالب, والكافر بالتسخير والقهر والسلطان الذي لا يغالب. # وقوله: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} (آل عمران:85) أي من ~~سلك طريقا غير ما شرعه الله على لسان نبيه المختار فلن يقبل منه {وهو في ~~الآخرة} من أهل النار الذي باؤوا بالخسار, ونودي عليهم بالبوار. والحديث ~~الصحيح شاهد على ذلك: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (1) . # وقوله: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} (البقرة: ms012 من الآية 130) الآية تضمنت ~~هذه الآية وما بعدها الرد على الكفار فيما أحدثوه من الابتداع, وأتوه من ~~المخالفة لملة إبراهيم وعدم الاتباع, مع أنه إمام الحنفاء, وكفى به في ~~القدوة شرفا, وهو الذي أخلص العبادة لمولاه ولم يتخذ وليا سواه, فجرد لربه ~~التوحيد, ولم يدع أحدا من العبيد, ولم يشرك بربه طرفة PageV01P035 # عين, بل لم يخالط قلبه من شبه الإشراك رين, فتبرأ من الآلهة الباطلة التي ~~قومه لها عابدون, فقال: {قال يا قوم إني بريء مما تشركون} (الأنعام: من ~~الآية 78) فلهذا قال تعالى {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} أي التي هي الصراط ~~المستقيم, والدين الواضح القويم, وبترك طريقته السوية المنهاج, ويعدل بها ~~ذات الاعوجاج, {إلا من سفه نفسه} أي ظلمها بسفهه وتقصيره, وسوء نظره ~~وتدبيره, بتركه الحق وميله للضلال ومصيره, حيث خالف نهج من اصطفاه رب ~~العباد في الدنيا للهداية والرشاد, من حداثة سنه إلى بلوغ المراد, وفي ~~الآخرة من الصالحين الفائزين بالرضوان والإسعاد, فيا له من سفه ما أعظمه! ~~وجور ما أكبره وأفخمه. # وقوله: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة: من الآية 132) وصية منه ~~بإخلاص الدين لله, وإحسان العمل له في حال الحياة, وملازمة ذلك؛ ليرزقكم ~~الله بفضله عليه الوفاء. فإن المرء غالبا يموت على ما عليه في الدنيا يكون, ~~ثم يأتي على تلك الحال يوم يبعثون, والله الكريم من فضله العميم تفضل بأن ~~من قصد الخير يسر إليه, ومن نوى صالحا ثبت عليه, وأكف عنان القلم عن تفسير ~~باقي آيات القرآن, حتى يقف صافنا (1) عن اتساعه في هذا الميدان, ونكتفي بما ~~حررناه وقدرناه من البيان في هذه الآيات الرفيعة الشأن؛ لأن جميع معناها ~~الصحيح الواضح, ومقتضاها الصريح الصادع الصادح, يؤول إلى أن الدين المطلوب ~~المراد, المقصود من جميع العباد, الذي هو السر والحكمة في الإيجاد, دين ~~الإسلام العظيم, الذي هو الصراط المستقيم, الذي دعا الله عباده كافة ~~بالاستقامة عليه, وحثهم على الدخول فيه والمبادرة إليه. إذ لا عمل يقبل ~~PageV01P036 # بغيره لديه, ونهاهم عن تجاوز ما له الحدود, وحكم ms013 على من ألحد فيه النار ~~بالخلود. # ونختم هذا الفصل بالحديثين الصحيحين تكميلا للدلالة والإفادة, وتأميلا أن ~~يحصل بهما المسترشد مراده. # أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي (1) من حديث [النواس بن سمعان] (2) ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما, وعلى ~~جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة, وعلى الأبواب ستور مرخاة, وعلى باب ~~الصراط داع يقول: يأيها الناس ادخلوا الصراط جميعا, ولا تعرجوا, وداع يدعو ~~من جوف الصراط, فإذا أراد أحد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا ~~تفتحه؛ فإنك إن فتحته تلجه. والصراط الإسلام. والسوران حدود الله عز وجل, ~~والأبواب المفتحة محارم الله, وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله, ~~والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم". زاد الترمذي رحمه الله {والله ~~يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (يونس:25) . # وخرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "تجيء الأعمال يوم القيامة, فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا ~~الصلاة, فيقول: إنك على خير, وتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا PageV01P037 # الصدقة, فيقول: إنك على خير, ثم يجيء الصيام فيقول: أي يا رب أنا الصيام, ~~فيقول: إنك على خير, ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام وأنا ~~الإسلام, فيقول الله: إنك على خير اليوم بك آخذ وبك أعطى". # قال الله تعالى في كتابه: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو ~~في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران:85) # PageV01P038 ### | الفصل الثاني: في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان وتسمية كل منهما دينا # قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا} (الأنفال: 2-3) # وقال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد ms014 فقست قلوبهم} ~~(الحديد: من الآية 16) # وقوله تعالى: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} (ابراهيم: من الآية 12) ~~وقوله: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} (المائدة:23) وقوله: {وخافون إن ~~كنتم مؤمنين} (آل عمران: من الآية 175) وقال تعالى: {ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم ~~اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} (المائدة:93) قرن تعالى ~~الإحسان في هذه الآية بالإيمان. وكقوله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن فله أجره عند ربه} (البقرة: من الآية 112) قرنه بالإسلام. وقوله: {ومن ~~يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} (لقمان: من الآية ~~22) وقرنه تعالى بالتقوى فقال: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} ~~(النحل:128) وذكره الله تعالى مفردا فقال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ~~(يونس: من الآية 26) . # عن عمر رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر, لا يرى عليه ~~أثر السفر, ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فأسند # PageV01P041 # ركبتيه إلى ركبتيه, ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن ~~الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الإسلام أن تشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, ~~وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: ~~فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم ~~الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره, قال: صدقت, قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: ~~أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك, قال: فأخبرني عن ~~الساعة, قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل, قال: فأخبرني عن أماراتها, ~~قال: أن تلد الأمة ربتها, وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في ~~البنيان. ثم انطلق, فلبث مليا ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: ~~الله ورسوله أعلم, قال: فإنه ms015 جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" رواه مسلم (1) . # الكلام على هذه الآيات الساطعة الأنوار, وكشف ما احتوت عليه من الأسرار ~~وتنضيد مكنون معانيها, وتشييد مضمون مبانيها, لا يناسب مقتضى الحال؛ لأن حل ~~ما في ضمنها من المعاني تقتضيه ساعات الإهمال, والزمن المعين لإيجاد هذه ~~الرسالة لا تسع أيامه تفصيل المعاني والإطالة, مع أن أكثر معاني الآيات ~~المذكورة يتضمنه الحديث, وستوجد إن شاء الله تعالى فيه مشروحة مسطورة. # فنقول: هذا الحديث مما انفرد به مسلم في صحيحه عن عمر رضي الله عنه, ~~وخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (2) وفيه تقديم السؤال عن الإيمان على ~~السؤال عن الإسلام وزيادة (أن تعبد الله ولا تشرك به PageV01P042 # شيئا) . في الجواب عن الإسلام, وقد رواه جمع من الصحابة (1) , وهو حديث ~~عظيم جدا, لا يبلغ الفهم لإدراك معانيه مفصلة حدا, ولكن لا نجد عن الكلام ~~على شذرة منها بدا, وإلا فالأفهام على ما عليه انطوى, وما أحاط به احتوى, ~~تقف دون ساحل تياره, فضلا عن الغوص على جواهر أسراره, ولم لا ترجع نواظر ~~الإدراك من دون إدراكها حسرا, وتحجم عن زاخر أمواجها فلا تستطيع تعبيرا لها ~~ولا عبرا, وترى التقصير والإحجام بها أحرا. # والسائل عليه السلام في هذا المقام روح الله الأمين, والمجيب أفصح الخلق ~~أجمعين, وأفضل الأولين والآخرين. # وأيضا فقد اشتمل على شرح الدين كله, فأنى يرام في هذه الأرقام استقصاء ~~الكلام في إيضاحه وحله. # فنقول والله المستعان, وعليه الاعتماد والتكلان: # قوله: "إذ طلع علينا" أي: بدا وظهر. # وقوله: "شديد بياض الثياب" يستفاد من مجيئه عليه السلام على تلك الحالة ~~البهية, استحباب التجمل لطلب العلم وللقدوم على ذوي الرتب السنية, إذ لم ~~يقصد بذلك الفخر والمباهاة, وإنما القصد التحدث وإظهار نعمة الله. قال أبو ~~العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا. # وقال ابن عبد السلام: لا بأس بلباس شعار العلماء؛ ليعرفوا بذلك فيسألوا, ~~فإني كنت محرما, فأنكرت على جماعة محرمين لا يعرفونني ما أخلوا به من أدب ~~الطواف, فلم يقبلوا, فلما لبست ثياب الفقهاء PageV01P043 # وأنكرت عليهم ذلك سمعوا ms016 وأطاعوا, فإذا لبسها لمثل ذلك كان فيه أجر؛ لأنه ~~سبب لامتثال لأمر الله تعالى. # وقد نص العلماء على كراهة لبس الثياب الخشنة لغير غرض شرعي. # قلت: من البدع ما أحدثه من لم يتمسك من العلم بسبب, وما له سوى الدنيا ~~طلب, من لباس المرقعات والجبب, زاعمين أن الهدى العمري لهم قدوة, وفيه لهم ~~أعظم أسوة, وإني بذلك لقلوب من محبة الدنيا ملئت قسوة, كلا! بل طبع على ~~قلوبهم الرين, فلم يفرقوا بين القبيح والزين, وجعلوا تلك المراقيع لاقتناص ~~الدنيا آلة, ولأكل أموال الناس بالباطل حبالة, والسالم من ذلك منهم متعبد ~~على جهالة. # تنبيه: يؤخذ من هذا الحديث أفضلية الثياب البيض على غيرها من سائر اللباس ~~واستحباب لبسها, وإتيان جبريل فيها, وتكفين الأموات دليل على ذلك, وروى أبو ~~داود والترمذي (1) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم, وكفنوا ~~فيها موتاكم". # ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: "كفن رسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة ~~أثواب سحولية" (2) . # وقوله: "فأسند ركبتيه إلى ركبتيه" هذا فيه تصريح بأنه جلس بين يديه دون ~~جانبه, ولعل العلماء أخذوا استحباب جلوس المتعلمين بين أيديهم من جلسة ~~جبريل, ولكن جبريل بالغ في القرب حتى وضع كفيه على فخذيه. PageV01P044 # وقوله في الجواب: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله". اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر الإسلام (1) هنا بأعمال ~~الجوارح الظاهرة من القول والعمل, فأول ذلك "شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله "وهو عمل اللسان, ثم باقي الأعمال وهي منقسمة إلى: # - بدني: كالصلاة والصوم. # - وإلى عمل مالي: وهو إيتاء الزكاة. # - وإلى مركب منهما: وهو الحج. # ويدخل في مسمى الإسلام أيضا: جميع الواجبات الظاهرة, كما في رواية ابن ~~حبان (2) أنه أضاف إلى ذلك الاعتمار, والغسل من الجنابة, وإتمام الوضوء. ~~وإنما ذكر هنا أصول أعماله التي يبنى عليها كما يشهد له حديث "بني الإسلام ms017 ~~على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله, وإقام الصلاة, ~~وإيتاء الزكاة, وحج البيت, وصوم رمضان" رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما (3) ويدل على دخول جميع الأعمال الظاهرة في مسمى الإسلام قوله ~~صلى الله عليه وسلم "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (4) . # وقد روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أي PageV01P045 # الإسلام خير؟ قال: "أن تطعم الطعام, وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم ~~تعرف" (1) . # وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن للإسلام ~~[صوى] (2) ومنار كمنار الطريق, ومن ذلك أن تعبد الله, ولا تشرك به, وتقيم ~~الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ~~وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم, وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم, ومن ~~تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره" خرجه الحاكم في صحيحه (3) والأحاديث ~~الواردة في ذلك كثيرة. # وأما الإيمان: فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ~~بالاعتقادات الباطنة فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته ... " إلى آخره. # وقد ذكر الله عز وجل الإيمان بهذه الأصول فقال: {آمن الرسول بما أنزل ~~إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد ~~من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} (البقرة:285) وقال ~~تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} ~~(البقرة: من الآية 177) وقال تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة PageV01P046 # هم يوقنون} (البقرة:4) . # وقوله: {وملائكته} أي: وهم الأجسام النورانية, أي: يؤمن بأنهم عباد له ~~مكرمون, وأنهم سفراء الله بينه وبين خلقه, متصرفون فيهم كما أذن, صادقون ~~فيما أخبروا به عنه, وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله {وما ~~يعلم جنود ربك إلا هو} (المدثر: من الآية 31) . # وقوله: {كتبه} أي: أنها منزلة من عنده, وأنها كلامه [القائم بذاته المنزه ms018 ~~عن الحروف والصوت] . (1) # وقوله: {ورسله} أي: يؤمن بأنه تعالى أرسلهم إلى الخلق؛ لهدايتهم وتكميل ~~معادهم ومعاشهم, وأنه أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم, فبلغوا عنه ~~رسالته. # وقوله: {واليوم الآخر} هو من الموت إلى ما يقع يوم القيامة. # ولا شك أن الإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من ~~PageV01P047 # الأنبياء, والملائكة, والكتب, والبعث, والقدر, وغير ذلك من تفاصيل ما ~~أخبروا به من صفات الله وصفات اليوم الآخر, كالميزان, والصراط, والجنة, ~~والنار. # وقد أدخل في الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره, ولأجل هذه روى ابن عمر ~~هذا الحديث محتجا به على من أنكر القدر, وزعم أن الأمر أنف أي مستأنف أي: ~~لم يسبق به سابق قدر من الله تعالى وقد غلظ ابن عمر عليهم, وتبرأ منهم ~~وأخبر أنهم لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر. # وأول من قال بالقدر بالبصرة (معبد الجهني) وقد صرح العلماء بتكفيرهم. # والإيمان بالقدر على درجتين: # الأولى: الإيمان بأن الله سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ~~ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم, وما يترتب على ذلك من الثواب والعقاب يوم ~~الحساب قبل تكوينهم, وأنه كتب ذلك وأحصاه عنده, وأن أعمال العباد تجري على ~~ما سبق في علمه وكتابه. # والثانية: أن الله خلق أفعال عباده كلها من الكفر والإيمان والطاعة ~~والعصيان, وشاءها منهم (1) . # هذا وينبغي التمعن والتدبر لما ورد من الأحاديث التي فسر فيها ~~PageV01P048 # الإسلام بالأعمال المذكورة كهذا الحديث وغيره, والأحاديث التي فسر فيها ~~الإيمان بأعمال الجوارح المذكورة كقوله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: ~~"آمركم بأربع: الإيمان بالله. هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله ... " الحديث كما هو في الصحيحين من رواية ~~أبي هريرة (1) . وفيهما عنه أيضا "الإيمان بضع وسبعون فأفضلها قول لا إله ~~إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان" (2) . # فظاهرها يقتضي التعارض وتحقيق وجه الجمع كما ذكره الإمام ابن رجب _رحمه ~~الله تعالى_ إلى أن يقال: " أن من الأسماء ما يكون ms019 شاملا لمسميات متعددة ~~عند إفراده وإطلاقه, فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك ~~المسميات, والاسم المقرون به دال على باقيها وهذا كاسم الفقير والمسكين ~~فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج, فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد ~~الاسمين على بعض ذوي الحاجات, والآخر على باقيها. فهكذا اسم الإسلام ~~والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر, ودل بانفراده على ما يدل عليه ~~الآخر بانفراده, فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده, ~~ودل الآخر على الباقي" (3) . # ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عند ذكره مفردا كما في حديث ~~وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل, وفسر في ~~حديث آخر الإسلام بما فسر به الإيمان, كما في مسند الإمام PageV01P049 # أحمد عن عمرو بن عبسة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك لله. وأن يسلم المسلمون من ~~لسانك ويدك" , قال: أي الإسلام أفضل؟ قال: "الإيمان" , قال: وما الإيمان؟ ~~قال: "أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, والبعث بعد الموت" , قال: ~~فأي الإيمان أفضل؟ قال: "الهجرة" , قال: فما الهجرة؟ قال: "أن تهجر السوء" ~~, قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد" (1) .فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~الإسلام الإيمان, وأدخل فيه الأعمال. # وحاصل القول: أنه إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما ~~حينئذ, وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق؛ وهو أن يقال: إن الإيمان هو ~~تصديق القلب وإقراره ومعرفته. والإسلام هو: استسلام العبد لله تعالى وخضوعه ~~وانقياده, وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمى الله تعالى في كتابه الإسلام ~~دينا, وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان دينا, وهذا ~~أيضا مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر, وإنما يفرق ~~بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر, فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق ~~القلب, وبالإسلام جنس العمل. # وفي مسند الإمام أحمد عن ms020 أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" (2) ؛ وذلك لأن الأعمال تظهر ~~علانية والتصديق بالقلب لا يظهر. ومن هنا قال محققوا العلماء: كل ~~PageV01P050 # مؤمن مسلم, لأن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام, وانبعثت ~~الجوارح في ذلك؛ لان محله القلب, وهو إذا صلح صلح الجسد كله, وإذا فسد فسد ~~الجسد كله كما نص عليه في الحديث (1) وليس كل مسلم مؤمنا, لأن الإيمان قد ~~يضعف, فلا يتحقق به القلب تحققا تاما فيكون مسلما, وليس بمؤمن الإيمان ~~التام. # ويدل عليه آية: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم} (الحجرات: من الآية 14) فسرها ابن عباس وغيره ~~بأنهم لم يكونوا منافقين بالكلية , بل كان إيمانهم ضعيفا, وهذا هو الأصح, ~~ويدل عليه قوله تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} ~~(الحجرات: من الآية 14) أي لا ينقصكم من أجورها, فدل على أن معهم من ~~الإيمان ما تقبل به أعمالهم (2) , ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم ~~منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة, فإذا ترك شيئا من واجباته فهو محل الخلاف ~~بين أهل السنة, هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان؟ واختاره الأكثر, وهو أحد ~~الروايتين عن أحمد, أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم, واختاره جماعة , وهو ~~الرواية الأخرى عن أحمد, والذي يجول في خلدي, ويدخل في حفظي أن شيخ الإسلام ~~تقي الدين ابن تيمية يعتمد هذا القول, ويرى أن الذي يشهد له الكتاب والسنة ~~مع بعد عهدي بمطالعة شيء من كتبه (3) . PageV01P051 # وأما اسم الإسلام: فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته وانتهال بعض المحرمات, ~~وإنما ينتفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية, فإنه حينئذ يخرج من الملة. # وفد ذكر العلماء للإسلام نواقض, وعقدوا لذلك أبواب الردة, وأكثروا فيها ~~الأمور التي تنقضه قولا وفعلا. # والصحيح أن الإيمان القلبي يتفاضل, وهو أصح الروايتين عن أحمد؛ لأن إيمان ~~الصديقين ليس كإيمان غيرهم, والآيات والأحاديث دالة على ذلك. # ولاشك أن مسائل الإسلام والإيمان عظيمة الشأن؛ لا ms021 يجوز أن يغفل عنها ~~الإنسان أو يهملها أهل التوحيد والإيمان بل الواجب المتعين بذل الوسع في ~~تحقيقها والاجتهاد والجد حتى يتبين سبيل الرشاد؛ ويتميز الصواب والسداد؛ ~~لأن الله علق بها السعادة والإسعاد, وعلق على ضدها وهو الكفر والنفاق ~~والشقاوة والهلاك يوم التناد. # خاتمة الكلام على الإسلام والإيمان: # قد ثبت بما تقرر, وصح مما ذكر وتحرر من كلام خير الأنام, وأقوال الأئمة ~~الأعلام أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان والإسلام, وتقدم ما يدخل من ~~العمال الظاهرة فيهما, وأما الأعمال الباطنة فهي تدخل في مسماها , فيدخل في ~~أعمال الإسلام إخلاص الدين لله والنصح له وللمسلمين, وسلامة القلب لهم من ~~الغش والحسد والحقد وغير ذلك, ويدخل في مسمى الإيمان وجل القلوب من ذكر ~~الله وخشوعها عند سماع ذكره, وكتابه, وزيادة الإيمان بذلك, وتحقيق التوكل ~~على الله, وخوف الله سرا وعلانية, والرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ~~رسولا, واختيار تلف النفس على الكفر, وإيثار محبة الله ورسوله على # PageV01P052 # محبة ما سواهما, والمحبة في الله والبغض في الله, والعطاء والمنع له (1) ~~, وغير ذلك مما يطول ذكره, وكل ما ذكرناه من هذه الأنواع, فالأحاديث واردة ~~فيه, دالة عليه. # فمنها: رواه الإمام أحمد والنسائي عن معاوية بن حيدة قال: قلت يا رسول ~~الله, بالذي بعثك بالحق ما الذي بعثك به قال: "الإسلام, قلت: وما الإسلام, ~~قال: أن تسلم قلبك لله وان توجه وجهك إلى الله, وتصلي الصلاة المكتوبة, ~~وتؤدي الزكاة المفروضة" (2) . # وفي السنن عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا ~~يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله, ومناصحة ولاة الأمر, ولزوم جماعة ~~المسلمين, فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" (3) . # فبين عليه الصلاة والسلام أن هذه الثلاث تنفي الغل عن قلب المسلم. # وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا, وبالإسلام دينا, وبمحمد رسولا" (4) . # وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن فيه ms022 ~~وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وان يحب المرء ~~لا يحب إلا لله, وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما ~~يكره أن يلقى في النار" (5) . وفيهما عن أنس مرفوعا قال: "لا يؤمن أحدكم ~~PageV01P053 # حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" وفي رواية "من أهله ~~وماله والناس أجمعين" (1) فلا نطيل بإيرادها. # وقوله في الجواب عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه". # قد قدمنا من الآيات الواردة فيه, مقرونا ومفردا ما فيه كفاية لطالب ~~الهدى, وإنما أخر جبريل السؤال عنه في هذا الحديث, وإن كان ورد بعض ~~الأحاديث توسطه؛ لأن الإحسان هو غاية كمال الإسلام والإيمان, بل هو المقوم ~~إذ بعدمه يتطرق إلى أعمال الإسلام الظاهرة الرياء والشرك وإلى الإيمان ~~النفاق, فيظهره رياء أو خوفا. # قال الله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن} (البقرة: من الآية 112) ~~{ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا} (المائدة: من الآية 93) . # وحقيقة الإحسان: أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة ~~كأنه يراه بقلبه, وينظر إليه في حال عبادته, فإذا عبد الله تعالى على هذه ~~الصفة أوجبت له النصح في العبادة, وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها ~~وإكمالها. # فلهذا كان جزاء من عبد مولاه على حالة كأنه فيها يراه النظر إلى الله يوم ~~لقاه , ويشهد لذلك قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس: من ~~الآية 26) فقد فسرت بالنظر إلى وجه الله الكريم في جنات النعيم, جزاء لأهل ~~الإحسان بعد التفضل عليهم بدخول الجنان, وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم ~~جماعة من أصحابه بهذه الوصية, فعن أبي ذر قال: "أوصاني خليلي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أني أخشى الله كأني أراه, فإن لم أكن أراه فإنه يراني (2) ~~PageV01P054 # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض ~~جسدي فقال: "اعبد الله كأنك تراه" خرجه النسائي (1) . وحديث زيد بن أرقم: ~~"كن كأنك ترى الله, فإن لم تكن تراه ms023 فإنه يراك" (2) .وغير ذلك من الأحاديث. # قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" يحتمل أن يكون ~~التعليل إشارة إلى مقام الإخلاص وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله ~~إياه واطلاعه عليه وقربه, فإذا استحضر العبد هذا في عمله فهو مخلص لله ~~تعالى لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته ~~بعمله, ويحتمل أن يكون إشارة إلى مقام المشاهدة وهو أن يعمل العبد على ~~مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه وذلك أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة ~~في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان وهذا هو حقيقة مقام الإحسان (3) . # وقد فسر طائفة من العلماء المثل العلى في قوله جل جلاله: " {وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض} (الروم: من الآية 27) بهذا المعنى, وفي الحديث: ~~"أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت" (4) وحديث أبي أمامه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل حيث ~~توجه PageV01P055 # على أن الله معه" (1) وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة, قال ~~الله جل جلاله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} (البقرة: من الآية 186) ~~وقوله: {وهو معكم أين ما كنتم} (الحديد: من الآية 4) وقوله: {ولا أدنى من ~~ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} (المجادلة: من الآية 7) {ولا ~~يستخفون من الله وهو معهم} (النساء: من الآية 108) وغير ذلك من الآيات. # وقد وردت الأحاديث الصحيحة باستحباب استحضار هذا القرب في العبادات كقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه, أو ربه بينه ~~وبين القبلة" (2) . وقوله: "إن الله قبل وجهه إذا صلى" (3) وقوله: "إن الله ~~ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت" (4) وقوله: "إنكم لا تدعون أصم ~~ولا غائبا, إنكم تدعون سميعا قريبا" (5) وقوله: "أنا مع عبدي إذا ذكرني ~~وتحركت شفتاه" (6) , والأحاديث كثيرة (7) . # واعلم أن من فهم من شيء من هذه الآيات أو الأحاديث حلولا أو PageV01P056 # اتحادا كما فهمه من أزاغ ms024 الله قلوبهم عن أنوار الشريعة, أو فهم من ذلك ~~أيضا تشبيها, فقد ضل فهمه, وزل قدمه عن الصراط المستقيم {ليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور: من الآية 63) ~~والله ورسوله بريئان من أهل هذه الطرق الزائغة الزائفة, وأهل هذه البدع ~~الضالة من كل طائفة, قالوا بالحلول والإتحاد, وهذا هو عين الكفر والإلحاد ~~{إن ربك لبالمرصاد} (الفجر:14) فسبحان من ليس كمثله شيء وهو البر الوصول, ~~الذي تنزه قدرا عن التجسيم (1) والتعطيل والإتحاد والحلول. # وقوله في الجواب لجبريل في سؤاله عن الساعة: "ما المسئول عنها بأعلم من ~~السائل" يعني أن علم الخلق في وقتها سواء, ففيه إشارة إلى أن الله استأثر ~~بعلمها, فكأنه قال: "أنا لا أدري كما أنك كذلك, فيؤخذ من الحديث أنه ينبغي ~~للمفتي والعالم وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم, فإن ذلك لا ~~ينقص بل يستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه. # ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: "وا بردها على كبدي, إذا سئلت عما لا ~~أعلم أن أقول لا أعلم" (2) . # ويروى عن الإمام مالك أنه يسئل عن أكثر المسائل فلا يجيب ويقول: لا أدري ~~نصف العلم (3) . # والساعة هي: يوم القيامة وتسمى اليوم الآخر. PageV01P057 # وسمي الآخر: لأنه آخر انقراض الدنيا وآخر أيامها. # وهل منتهاه إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة, وأهل النار النار, أو ليس له ~~منتهى؟ # ورجح بعض العلماء أن مبدأها من النفخة الثانية إلى استقرار الخلق في ~~الدارين. # في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ثم قرأ {إن الله عنده علم ~~الساعة وينزل الغيث} (لقمان: من الآية 34) . (1) # وقال جل جلاله: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة} ~~(الأعراف: من الآية 187) . # قوله: "فأخبرني عن أمارتها" أي: علاماتها التي تدل على اقترابها, وقد ذكر ~~لها ms025 علامتين: # العلامة الأولى: "أن تلد الأمة ربتها" أي سيدتها ومالكتها, وفي حديث أبي ~~هريرة "ربها", وهذه إشارة إلى فتح البلدان وجلب الرقيق حتى تكثر السراري, ~~وتكثر أولادهن فتكون الأم رقيقة لسيدها, وأولادها منها بمنزلته, فإن ولد ~~السيد بمنزلة السيد, فيصير ولد الأمة بمنزل ربها وسيدها. # وقد فسره بعض بأنه يكثر جلب الرقيق حتى تجلب البنت فتعتق, ثم تجلب الأم ~~فتشتريها البنت, وتستخدمها جاهلة بأنها أمها, وقد وقع ذلك في الإسلام. ~~PageV01P058 # العلامة الثانية: قوله: "أن ترى الحفاة العراة" الحفاة هم: من لا نعال ~~لهم جمع حاف أي: لا نعل له, والعراة: جمع عار, وهو من ليس على جسده من ~~الثياب ما يستره, والعالة: الفقر. # قال تعالى: {ووجدك عائلا فأغنى} (الضحى:8) . # قوله: "رعاء الشاة" وهو بكسر أوله وبالمد: جمع راع , ويجمع أيضا على رعاه ~~بضم أوله, أخره هاء, والرعي: الحفظ, والمراد أن أسافل الناس يصيرون ~~رؤساءهم, وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته يعني إذا كثرت ~~أموال أهل الحاجة والفاقة والفقر بسبب كونهم ملكوا الحضر. وقسروهم بالغلبة ~~والقهر, فامتدت لهم الآمال, بعد اتساع الحال, وجمع أنواع المال, فصار همهم ~~تشييد المباني وهدم أركان الدين بعدم العمل بآيات المثاني, فهذا التفريط ~~والإضاعة هو من إمارات الساعة. # وقد صرح في حديث أبي هريرة بذكر ثلاث علامات منها: أن يكون الحفاة العراة ~~رؤوس الناس, ومنها أن يتطاول رعاء البهم في البنيان. # وفي حديث عبد الله بن عطا عن عبد الله بن بريدة فقال فيه: وأن ترى الصم ~~البكم العمي الحفاة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان ملوك الناس , قال: فقام ~~الرجل فانطلق فقلنا: يا رسول الله من هؤلاء الذين نعت؟ قال: "هم العريب" ~~(1) . وقوله: "الصم البكم" إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم. # والأحاديث في هذا المعنى متعددة, والأخبار والآثار فيه كثيرة مسندة, ~~فمنها: ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث حذيفة عن النبي PageV01P059 # صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا ~~لكع بن لكع" (1) . # وفي صحيح ابن حبان عن أنس عن ms026 النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تنقضي ~~الدنيا حتى تكون عند لكع بن لكع" (2) # وخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أنس عن النبي قال: "بين يدي الساعة ~~سنون خداعة يتهم فيها الأمين , ويؤمن فيها المتهم, وينطق فيها الرويبضة" , ~~قالوا: وما الرويبضة قال: "السفيه ينطق في أمر العامة" , وفي رواية "الفاسق ~~يتكلم في أمر العامة" (3) . # وفي حديث آخر "لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها" (4) . # والمعلوم انه إذا صار الرؤوس جهالا , والملوك على ما ذكر من الحال, ~~انعكست الأحوال والسباب, وانفتح للشر كل باب, وحان للساعة اقتراب, فلذا ~~يصدق الكاذب , ويكذب الصادق, ويخون الأمين, ويؤتمن الخائن المنافق, ويتكلم ~~الأحمق الجاهل, ويسكت العالم الفاضل, ويعدم العلم بالكلية, وتقبض أهله من ~~البرية, كما ثبت ذلك في الأحاديث PageV01P060 # الصحيحة, والنصوص الجلية الصريحة (1) . # فعنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم, ويظهر ~~الجهل" (2) . # وأخبر صلى الله عليه وسلم: " أنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق ~~عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا , فأفتوا بغير علم, فضلوا وأضلوا" (3) ~~. # وفي صحيح الحاكم عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "إن من أشراط الساعة أن ~~يوضع الأخيار, ويرفع الأشرار" (4) . # وسيصير هذا في آخر الزمان, وتنقلب حقائق الإيمان, وتنعكس فيه جميع ~~الأمور, ويصير المباح هو المحظور. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "يتطاولون في البنيان" فيه ذلالة على ذم ~~التباهي والتفاخر, والاستطالة في الدنيا وجمعها للمباهاة والتكاثر. ~~والتطاول في رفع البنيان فوق ما يحتاجه لضروريات الإنسان. ولم يكن البنيان ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالإطالة معروفا, بل كان بالقصر في زمنه ~~وزمن أصحابه موصوفا, ولا يزيد على قدر الحاجة , والسعيد من اقتفى منهاجه. # وقد خرج البخاري عن أبي الزناد وعن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان" ~~(5) PageV01P061 # وخرج الطبراني عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل ~~بناء وأشار بيده هكذا على رأسه ms027 أكثر من هذا فهو وبال" (1) . # وقال حريث ابن السائب عن الحسن: "كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم في خلافة عثمان, فأتناول سقفها بيدي" (2) . # وخرج ابن ماجة من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم ~~الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" (3) . # وخرج أيضا من حديث بن عباس عن النبي قال: "ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت ~~اليهود كنائسنا, وكما شرفت النصارى بيعها" (4) . PageV01P062 ### | الفصل الثالث: في إخلاص الأعمال لله تعالى وذلك لا يكون إلا بالنية وما جاء أن العمال بالنيات. # ... # الفصل الثالث: في إخلاص الأعمال لله تعالى وذلك لا يكون إلا بالنية وما ~~جاء أن الأعمال بالنيات # قال الله تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون} (الأعراف:29) . # وقال جل جلاله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص} (الزمر 1-3) ~~وقال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ~~ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} (الزمر: الآية 11-15) {والذين اجتنبوا ~~الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى} (الزمر: من الآية 17) ~~وقال تعالى {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} (الزمر:66) وقوله {وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك ~~دين القيمة} (البينة:5) . # وفي الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ~~ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (1) . # أقول: سيأتي ما في الباب من الأحاديث في الكلام على شرح هذا الحديث إن ~~شاء الله تعالى, وإنما أخرت هذا الفصل بعد الأولين ولم PageV01P065 # أقدمه قبلهما لأمرين: # الأول: ms028 أن الحكم على الشيء فرع تصوره, فلا يحكم على النية بصحة وفساد ~~وإخلاص وشرك قبل معرفة الإسلام وتفسيره والتوحيد وبيان أنه الدين الذي خلقت ~~لأجله السماوات والأرض ومن فيهن, وكلف به الإنس والجن. # الثاني: أن النية إنما تعتبر في الأعمال التي ظاهرها القبول, وهي الصادرة ~~من عاملها بعد الإقرار بالإسلام والدخول والتحلي بمسماه والتخلي عن ضده ~~وسواه, وتشييد أصل بنيانه, ورفع قواعده وأركانه, وإلا فمنكره الأبي عنه, لا ~~تقبل أعماله منه؛ لأنه صار بربه كفورا, {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا} (الفرقان:23) . # فإن قيل: إن الإسلام حقيقته معلومة بالضرورة, وقواعده محققة مشهورة, ~~يشترك في معرفتها الخاص والعام, ولا تلتبس على أحد من الأنام. # فالجواب: أن هذه دعوى يكذبها الوجدان , ويأنف منه الحس والعقل والجنان, ~~ويحكم بفسادها المشاهدة والعيان, ولا يختلف فيها اثنان, أنها من الزور ~~والبهتان, وعلى تقدير كون معرفته معلومة, وأصوله كما ادعى مفهومة, هل يحكم ~~به لجميع الناس, وتخرجهم من دائرة الكفر والإبلاس. # ونقول: كلهم يشملهم مسمى الإسلام, وإن لم يقروا به, ولم يلتزموا بماله من ~~الأحكام, فهذا لا يدعيه من انتقد, إذ لا يساعده عليه أحد, أو نقول كما هو ~~الواقع والمشاهد الموجود أهل الإسلام قليل ماهم في الوجود, بل هم كالشامة ~~البيضاء في الجلد الأسود, فبان بطلان ما زخرفه المنتقد وأورد, مع أن هذه ~~الرسالة موضوعة ومصنفة ومجموعة, للراغب في الدخول والمريد, والطالب ~~المستفيد. فلهذا اخترت تقديم رأس الأمر, # PageV01P066 # وأخرت الكلام على النية التي تصحح الأعمال ويثبت بها الأجر. # قوله تعالى: {قل أمر ربي بالقسط} (الأعراف: من الآية 29) أي: بالعدل, وهو ~~الوسط من كل أمر المتجافي, عن طريقي الغالي والجافي, السالم من وصمة ~~التفريط والإفراط, والبعيد عن ثلمة الإفساد والانحطاط. # أمر رب العالمين عباده أجمعين بالاستقامة في العبادات, ومتابعة المرسلين ~~المؤيدين بالمعجزات, فيما جاءوا به من الشرائع الجامعة, وما أخبروا به من ~~المغيبات الواقعة, وبإخلاص الدين كله لله, فلا يشركوا معه في عبادته أحدا ~~سواه؛ فإنه تعالى لا يقبل العمل حتى يكون للصواب ms029 مطابقا, ولمنهاج الشريعة ~~موافقا {كما بدأكم تعودون} (الأعراف: من الآية 29) يحييكم بعد موتكم, وقيل: ~~يحشركم حفاة عراة غرلا, والحديث يشهد لهذا (1) , وقيل من ابتدأ خلقه على ~~الهدى صار على الهدى, ومن ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها. وأحاديث ~~الصحيح دالة على ذلك ففي البخاري: " ... فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها (2) , وإنما الأعمال بالخواتيم" (3) . # ويجمع بين هذا وذلك قوله: "خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم ~~عن دينهم" (4) , وقوله {فطرت الله التي فطر الناس عليها} (الروم: من الآية ~~30) PageV01P067 # بأنه جل جلاله خلقهم؛ ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال, وإن كان قد ~~فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده, والعلم بأنه لا إله غيره, كما أخذ ~~عليهم بذلك الميثاق, ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدا {هو الذي خلقكم ~~فمنكم كافر ومنكم مؤمن} (التغابن: من الآية 2) وفي الحديث: "كل الناس يغدوا ~~فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها". (1) وقدر الله تعالى نافذ في بريته, وهو ~~الذي قدر فهدى من أراد, وأشقى من طرد من العباد بمحض الفضل والعدل, {لا ~~يسأل عما يفعل} (الأنبياء: من الآية 23) . # وقوله تعالى: {فاعبد الله مخلصا له الدين} (الزمر: من الآية 2) يعني: ~~استقم على التوحيد وعلى إفراده بالعبادة, ممحضا له جميع أنواعها من الشرك ~~والرياء؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك, وإنما خاطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك والمراد قومه, أي وحدوا الله تعالى ولا تدعوا مع الله شريكا في ~~عبادته لا ملكا ولا رسولا, فإنهم ليسوا أهلا لذلك {ألا لله الدين الخالص} ~~(الزمر: من الآية 3) يعني: أنه هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة؛ ~~فإنه المتفرد بصفات الألوهية والإطلاع على الأسرار والضمائر. وسبب ذلك: أن ~~كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد ~~الله, وملة جدك عبد المطلب وسادة قومك يعبدون الأصنام, فنزل: قل يا نبي ~~الله إني ms030 {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} (الزمر:11) يعني: ~~وحده, وأكفر بمن سواه {وأمرت لأن أكون أول المسلمين} (الزمر:12) يعني: أمرت ~~PageV01P068 # بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة؛ لأن قصب السبق في الدين ~~إنما هي بالإخلاص, أو لأنه أول من أسلم وجهه لله من قريش ومن دان بدينهم ~~(1) . # أقول: وكلا الأمرين مجتمع فيه؛ لأنه في الدارين هو المقدم, وأول من آمن ~~من قومه وأسلم {قل إني أخاف إن عصيت ربي} (الزمر: من الآية 13) بترك ~~الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء {عذاب يوم عظيم} لعظمة ~~ما يقع فيه من الأهوال والنكال {قل الله أعبد مخلصا له ديني} (الزمر:14) ~~أمره الله تعالى أن يخبر عن إخلاصه, وأن يكون {مخلصا له ديني} بعدما أمره ~~بالإخبار عن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص, وذلك لأجل الخوف من العقاب على ~~المخالفة, وفيه قطع لإطماع قومه. # وقوله: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} (الزمر: من الآية 15) وإن كان ظاهره ~~التخيير, فالمراد به التهديد, ويستفاد منه شدة الوعيد, كقوله: {اعملوا ما ~~شئتم} (فصلت: من الآية 40) وقوله: {قل تمتع بكفرك قليلا} (الزمر: من الآية ~~8) والكلام على باقي الآيات ظاهر, ومدلولها في المراد واحد. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما ~~نوى" (2) الخ هذا الحديث رواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ~~رحمه الله تعالى, ومسلم بن الحجاج, والإمام مالك رحمهم الله تعالى عن يحيى ~~بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة ابن وقاص الليثي عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه (3) . وقد صدر به PageV01P069 # البخاري كتابه الصحيح, وجعله قائما مقام الخطبة ونائبا منابها, وإشارة ~~منه إلى أن الأعمال لا تحصل للعامل ثوابها, وانه لا ثمرة لها في الدنيا ~~والآخرة إلا إذا كان لوجه الله تعالى طلابها, فكل عمل لغيره مراد نتيجته ~~البطلان والفساد, وبعيد عن الصواب والسداد. # وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها, ويشار في أصول الإسلام ~~إليها. فقال الشافعي: "إنه ثلث العلم, ms031 ويدخل في سبعين بابا من الفقه". وعن ~~الإمام أحمد قال: "أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر "إنما الأعمال ~~بالنيات" وحديث عائشة: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (1) , وحديث ~~النعمان بن بشير: "الحلال بين والحرام بين" (2) , وقال: " ينبغي أن يبدأ في ~~كل تصنيف بهذه الأحاديث" (3) . # وروى عثمان بن سعيد عن أبي عبيد قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم جميع ~~أمر الآخرة في كلمة: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" , وجمع أمر ~~الدنيا كلمة: "إنما العمال بالنيات" (4) . # والمراد بالأعمال: الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية, فأما ما لا يفتقر ~~إليها كالعادات من أكل وشرب ولبس وغيرها, أو مثل رد الأمانات والمضمونات ~~كالودائع والمغصوب فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية, فيختص هذا من عموم العمال ~~المذكورة, وإلى هذا ذهب جمع, وقال آخرون وحكى عن الجمهور وهو ظاهر كلام ~~أحمد: الأعمال هنا على PageV01P070 # عمومها لا يخص منها, والمعنى على كل من القولين أن حظ العامل من عمله ~~نيته, فإن كانت صالحة فعمله صالح فله أجره, وإن كانت فاسدة فعمله فاسد, ~~فعليه وزره. # فصلاح العمال وفسادها بحسب صلاح النية وفسادها؛ لقوله: " إنما العمال ~~بالخواتيم" (1) وقد تكون النية مباحة, فيكون العمل مباحا, فلا ثواب فيه ولا ~~عقاب. # والنية في اللغة: نوع من القصد والإرادة. # وعند العلماء: تمييز العبادات من العادات (2) . # والمراد منها: تمييز المقصود بالعمل هل هو لله وحده لا شريك له أم غيره؟ ~~وهذه هي التي ذكرها العارفون في كتبهم, وهي التي توجد في كلام السلف, وكذلك ~~هي المراده في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسلف أمته. # ويعبر عنها بالإرادة: كما في القرآن: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد ~~الآخرة} (آل عمران: من الآية 152) {تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة} ~~(لأنفال: من الآية 67) {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان ~~يريد حرث الدنيا نؤته منها} (الشورى: من الآية 20) {من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} (الإسراء: من ms032 الآية 18) {ومن أراد الآخرة ~~وسعى لها سعيها وهو مؤمن} (الإسراء: من الآية 19) {من كان يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} (هود: من الآية 15) . # وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء: كقوله: {إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى} (الليل:20) وقوله: {ابتغاء مرضات الله} (البقرة: من الآية 207) ~~وقوله: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} (البقرة: من الآية 272) وقوله: ~~{وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} (البقرة: من الآية 272) وقوله: {ومن يفعل ~~ذلك ابتغاء مرضات الله} (النساء: من الآية 114) PageV01P071 # وأما ما ورد منها في السنة وكلام السلف فكثير لا يحصى. # ففي الحديث: "من غزا ولم ينو إلا عقالا فله ما نوى" (1) . # وحديث جابر: "يحشر الناس على نيتهم" (2) . # وحديث عمر: "إنما يبعث المقتتلون على النيات" (3) . # واعلم أن إخلاص النية لله تعالى لم يزل شرعا لمن قبلنا ثم لنا من بعدهم. ~~قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} (الشورى: من الآية 13) . قال ~~أبو العالية: "وصاهم بالإخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له". # وقال الفضيل: في قوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (الملك: من الآية 2) ~~قال: "أخلصه وأصوبه, والخالص إذا كان لله تعالى, والصواب إذا كان على ~~السنة" (4) . # وقوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ... " الخ. # أخبر صلى الله عليه وسلم أن هجران بلد الشرك والكفر والانتقال منه إلى ~~الإسلام يختلف باختلاف النيات والمقاصد. # فمن كانت هجرته إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله, ورغبة في تعلم ~~PageV01P072 # دين الإسلام والتفقه في التوحيد, وإظهار الدين كما ينبغي, حيث كان يعجز ~~عنه في دار الشرك, ولا يتمكن من إظهاره, فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله ~~حقا, وكفاه شرفا وفخرا أنه حصل له ما نواه, وذلك نهاية المطلوب دنيا وأخرى. # ومن كانت هجرته إلى دار الإسلام لطلب دنيا, أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ~~ما هاجر إليه من ذلك. فالأول تاجر والثاني خاطب, وليس واحد منهما بمهاجر. # وفي قوله: "إلى ما هاجر إليه" تحقير لما طلب من أمر الدنيا واستهانة به, ~~والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر. # وقد كانت الهجرة ms033 من مكة إلى المدينة واجبة بنص الكتاب والسنة, فلذا كان ~~المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى المدينة للنبي (صلى الله عليه وسلم ~~وقد هاجر منهم رجال كثير ونساء قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي. انتهى, ~~هذا ملخص ما ذكره شراح هذا الحديث (1) . # وأقول: قد زعم قوم أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام والإيمان ليست ~~واجبة ولا متعينة في هذا الزمان؛ وأن محكم عقدها مفسوخ, ووجوبها المستمر ~~منسوخ, متمسكين من الدليل بما لا يبرد الغليل, ولا يشفي القلب العليل, وذلك ~~ظاهر قول خير البرية: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" (2) , وظاهر حديث ~~"المهاجر من هجر ما نهى الله PageV01P073 # عنه" (1) , وليس الأمر كما زعموا ولا المعنى كما فهموا, بل ليس الحكم كما ~~جزموا به وحكموا, وإنما المراد المقصود, والمنهج المسدود الهجرة من مكة إلى ~~المدينة بعد فتحها للمسلمين, وزوال المشركين, وإضاءة أرجائها بأنوار الدين, ~~ورفع قواعد التوحيد, وقصم كل جبار عنيد؛ لأن الله تعالى قد بدل الحال, ~~والمحذور فيها قد زال, والمهاجرة منها تؤدي إلى الإخلال بأم القرى ~~والتعطيل, فسد بعد مضي تلك الحكمة ذلك السبيل. # وأما الهجرة من بلاد المشركين والكفار, وعدم السكنى معهم والاستقرار, إلى ~~ما للمسلمين من الديار, حيث لا يمكن إقامة دين للموحد ولا إظهاره, ولا ~~تعزيز للإسلام وانتصاره, فحكمها إلى الآن ثابت الوجوب والإلزام, مستمر على ~~ممر السنين والأعوام, كما صرح بذلك الأئمة الأعلام, والآيات على ذلك دالة ~~صريحة, والأحاديث ثابتة صحيحة. # قال الله جل جلاله: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم ~~كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} (النساء:97) . # قال ابن كثير: "الآية دالة على وجوب الهجرة عامة, فكل من أقام بين ظهراني ~~المشركين وهو قادر على الهجرة, وليس متمكنا من إقامة دينه, فهو ظالم لنفسه ~~مرتكب محرما بالإجماع, وقد روى أبو داود بسنده عن سمرة بن جندب رضي الله ~~عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ms034 وسلم قال: " من جامع المشرك أو سكن معه ~~فإنه مثله (2) " (3) انتهى كلام ابن كثير في تفسيره. PageV01P074 # وقال البيضاوي: "الآية دالة على وجوب الهجرة, ففي الحديث: "من فر بدينه ~~من أرض إلى أرض استوجبت له الجنة, وكان رفيق أبيه إبراهيم عليه السلام ~~ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم" (1) .انتهى كلامه. # ولو لم يكن إلا قوله صلى الله عليه وسلم "أنا بريء من مسلم أقام بين ~~ظهراني المشركين" (2) وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة حتى ~~تنقطع التوبة, ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه أبو داود ~~عن معاوية رضي الله عنه (3) . # وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد" رواه سعيد ~~(4) , وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو" رواه ~~أحمد والنسائي (5) لكان في الدنيا كافيا, وبالمقصود وافيا, كيف وقد قال ~~الله جل جلاله: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ~~ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله} (النساء: من الآية 100) . # هذا ما خطر في البال من المقالة, حتى كتبي هذه العجالة, من غير مراجعة في ~~ذلك للأسفار, وإن كان صبح الحق فد تبلج بالأسفار, وأشرق بما ذكرناه من ~~الحجة المحجة الأنوار, وانجلى عن وسيم وجهها الغبار. # خاتمة: اعلم أن سائر الأعمال كطلب العلم, والجهاد, والصلاة, والصيام, ~~والحج والإنفاق, وغير ذلك, مثل الهجرة في هذا المعنى, فصلاحها PageV01P075 # وفسادها بحسب النية الباعثة عليها, وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله ~~عموما. # خرج الإمام أحمد من حديث أبي كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بشر ~~هذه الأمة بالثناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض, فمن عمل منهم عمل ~~الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب" (1) . # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله ~~تبارك وتعالى: أنا أغني الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري ~~تركته وشركه". وخرجه ابن ماجة بلفظ ms035 "فأنا منه بريء" (2) . # وخرج أحمد عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى ~~يرائي فقد أشرك, ومن صام يرائي فقد أشرك, ومن تصدق يرائي فقد أشرك, وإن ~~الله عز وجل يقول: أنا خير قسيم, فمن أشرك بي شيئا فإن عمله قليله وكثيره ~~لشريكه الذي أشرك به, أنا غني عنه" (3) . # وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم, والرجل يقاتل للذكر, والرجل ~~يقاتل ليرى مكانه, فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" وفي رواية لمسلم سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة, ويقاتل حمية, ويقاتل ~~رياء فأي ذلك PageV01P076 # في سبيل الله؟ فذكر الحديث (1) . وخرج النسائي من حديث أبي أمامة قال: ~~جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر ~~والذكر ماله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شيء؛ إن الله يقبل ~~إلا ما كان خالصا, وابتغى به وجهه" (2) . # وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن رجلا قال: "يا رسول الله, رجل يريد ~~الجهاد وهو يريد عرضا من عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا أجر له" فأعاد عليه ثلاثا (3) . # وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال قلت: يا رسول الله, أخبرني ~~عن الجهاد والغزو فقال: " إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا ~~وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا على أي حال قاتلت أو قتلت ~~بعثك الله بتلك الحال" 4) . # خرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة من حديث أبي سعد بن أبي فضالة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم ~~القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ~~ثوابه من عند غير الله فإن الله ms036 أغنى الشركاء عن الشرك" (5) . # وحديث الثلاثة الذين هم أول من يقضي فيهم, وتسجر بهم النار PageV01P077 # مشهور خرجه مسلم (1) . # فالحاصل أن الرياء يحبط العمل, إذا كان القصد اتفاقا, فإن كان طارئا في ~~أثناء العمل فمحل خلاف بين أئمة السلف, هل يبطل كله أو يثاب على نيته ~~الأولى؟ وأما إذا عمل لله خالصا ثم ألقى الله له الثناء في الناس, ففرح ~~بفضل الله ورحمته, فلا يضر. فقد خرج مسلم عن حديث أبي ذر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه فقال: ~~"تلك عاجل بشرى المؤمن" (2) . # وخرج الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله , ~~الرجل يعمل العمل فيسره, فإذا أطلع عليه أعجبه قال: "له أجران: أجر السر ~~وأجر العلانية" (3) . # وبالجملة فليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنها لا نصيب لها فيه (4) ~~, وبما ذكرته لمن تدبر وعقل أمر الله ونهيه كفاية. PageV01P078 ### | الفصل الرابع: في دعائم الإسلام التي يتم له بها النظام, ويكفر جاحدها أو بعضها من الأنام # وهي الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم وحج البيت الحرام. # قال الله جل جلاله: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون} (البقرة:3) . # {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون ~~أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} (البقرة:45-46) . # وقال الله جل جلاله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من ~~خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير} (البقرة:110) . # وقال تعالى: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا} (النساء: من الآية 103) . # وقال تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} (هود:114) . # وقال جل جلاله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا ~~لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله ~~غفور رحيم} (التوبة: من الآية 5) . # وقال الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في ~~الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون} (التوبة:11) . # وقال عز ms037 وجل: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} (طه: من الآية 132) . # وقوله: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو ~~معرضون والذين هم للزكاة فاعلون} (المؤمنون:1-4) إلى قوله # PageV01P081 # {والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون} (المؤمنون:9-11) . # وقد تعدد ذكر الصلاة والزكاة في القرآن مقرونتين ومفردتين, وآخر ذلك قوله ~~جل جلاله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} (البينة:5) . # وسيأتي أدلة باقي الأركان في موضعها. وأما الشهادة فقد تقدمت دلائلها قبل ~~هذا. # وأخرج الشيخان في صحيحهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة وحج البيت, ~~وصوم رمضان" (1) .قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} (البقرة: من الآية 3) ~~. # الإيمان في اللغة يطلق على: التصديق. # وأما الإيمان الشرعي المطلوب فقد قدمت من النصوص ما يشهد على القطع أنه ~~قول واعتقاد وعمل (2) وأكثر السلف على ذلك. # قال أبو العالية: {الذين يؤمنون بالغيب} أي: بالله, وملائكته, وكتبه, ~~ورسله, واليوم الآخر, وجنته, وناره, ولقائه, وفسره بعض السلف: بما غاب عن ~~العباد من أمر الجنة والنار, وقال ابن عباس: بما جاء منه أي: من الله, ~~وقيل: الغيب: القرآن, وقيل: القدر (3) . {ويقيمون الصلاة} (البقرة: من ~~الآية 3) قال ابن عباس: "أي يقيمون الصلاة بفروضها بإتمام الركوع والسجود ~~PageV01P082 # والتلاوة والخشوع". # {ومما رزقناهم ينفقون} اختار بعض العلماء عموم الآية في الزكاة والنفقات ~~أي: أنهم يؤدون اللازم لهم في أموالهم كالزكاة ونفقة من تلزمهم نفقته؛ لأن ~~الله عمم وصفهم ومدحهم بذلك, وكل من الزكاة والنفقة ممدوح به محمود عليه, ~~وإنما قرن الله بين الصلاة والزكاة؛ لأن الصلاة حقه تعالى وعبادته وهي ~~مشتملة على توحيده والثناء عليه, وتمجيده والابتهال إليه, ودعائه والتوكل ~~عليه. والإنفاق وهو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم, وأولى ~~الناس بذلك القرابات, والأهل, والمماليك, ثم الأجانب. ms038 # وقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} (النساء: من ~~الآية 103) . أي: فرضا مفروضا أو فرضا محدود الأوقات, لا يجوز إخراجها عن ~~أوقاتها في شيء من الأحوال, والأول قول ابن عباس. # ولنقتصر عن الكلام على تفسير هذه الآيات؛ لئلا يفوت الغرض من الاختصار, ~~والمقصود شرح حديث "بني الإسلام"، وإيضاح ما احتوى عليه من الأحكام. # والمقصود تمثيل الإسلام ببنيان, ودعائم البنيان "هذه الخمس", فلا يثبت ~~البنيان بدونها, وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان, فإذا فقد منها شيء نقص ~~البنيان, ولكنه قائم لا ينتقض, ينقض ذلك بخلاف نقض هذه الخمس الدعائم؛ فإن ~~الإسلام يزول بذلك. # قال ابن حجر: "هذا حديث عظيم, وهو أحد قواعد الإسلام, وجوامع الأحكام, إذ ~~فيه معرفة الدين, وما يعتمد عليه عامة المسلمين, # PageV01P083 # ولأنه حاور جميع الأركان التي كلها منصوص عليها في القرآن". (1) والمراد ~~من الشهادتين: الإيمان بالله ورسوله, وقد ذكر ذلك البخاري تعليقا فقال: ~~"بني الإسلام على خمس إيمان بالله ورسوله", وذكر بقية الحديث. وفي رواية ~~لمسلم "على خمس على أن يوحد الله". وفي رواية "على أن يعبد الله ويكفر من ~~دونه". # فأما الصلاة, فهي مشتقة من الدعاء؛ لاشتمالها عليه هذا قول أكثر أهل ~~العربية والفقهاء. # وشرعا: قربة فعلية ذات إحرام وسلام. # وهي أعظم الدعائم بعد الشهادتين, وفرضت ليلة الإسراء في السماء, وذلك ~~بمكة المشرفة قبل الهجرة بسنة, بخلاف سائر الشرائع؛ فإنها فرضت بالأرض. ~~وفرضها عليه, وعلى أمته صلى الله عليه وسلم وهو في السماء, دليل على مزيتها ~~على غيرها من الفرائض. # واختلاف العلماء, هل فرضت ركعتين وزيدت في الحضر أو أربعا ثم قصرت؟ على ~~قولين (2) . # وقد دل على مشروعيتها الكتاب والسنة, وأجمعت على فرضيتها الأمة, واتفقوا ~~على قتل الممتنع من فعلها, وإنما اختلفوا في قتله, هل كفرا؟ وهو قول جماعة ~~من السلف والخلف, منهم عبد الله بن المبارك, وأحمد , وإسحاق. # قال أيوب السختياني: "ترك الصلاة كفر, لا يختلف فيه". وحكى إسحاق: عليه ~~إجماع أهل السنة. وقال محمد بن نصر المروزي: "هو PageV01P084 # قول جمهور أهل الحديث". # وذهب طائفة ms039 منهم إلى أن: من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدا أنه ~~كافر بذلك. وروى عن سعيد بن جبير ونافع والحكم وهو رواية عن أحمد وبه قال ~~ابن حبيب من المالكية. (1) # وقد وردت أحاديث تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام. # ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة" (2) . # وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا تترك الصلاة متعمدا, فقد تركها متعمدا فقد خرج من ~~الملة" (3) . # وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"رأس الإسلام وعموده الصلاة" (4) , فجعل الصلاة كعمود الفسطاط, الذي لا ~~يقوم الفسطاط ولا يثبت إلا به, ولو سقط العمود لسقط الفسطاط, ولم يثبت ~~بدونه. # وقال عمر: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة" (5) . # وقال سعد (6) وعلي بن أبي طالب: "من تركها فقد كفر" (7) . PageV01P085 # وقد استدل الإمام أحمد وإسحاق رحمهما الله تعالى على كفر تارك الصلاة ~~بكفر إبليس بتركه السجود لآدم, وترك السجود لله أعظم. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرأ ~~ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي, ويقول: يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود ~~فسجد فله الجنة, وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" (1) . # وأما الزكاة: فقد فرضت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة, وقدر صلى الله ~~عليه وسلم نصاب كل مزكي من أنعام بأنواعها ومعشر ونقد, كما هو مبين في ~~الأحاديث الصحيحة. دل على فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب فقد قدمنا من الآيات, وأما السنة فالحديث المتقدم, وأما ~~الإجماع فقال القرافي: "اتفقوا على فرضيتها, فمن جحدها فهو كافر, ومن أقر ~~بها وامتنع من فعلها وأدائها قوتل عليها" قال ابن مسعود: تارك الزكاة ليس ~~بمسلم (2) . # وأما صوم رمضان: فهو فريضة, دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم} (البقرة: من الآية ms040 178) . ~~وقال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (البقرة: من الآية 185) . # والسنة تقدم, والإجماع انعقد على فرضيته, وكونه أحد أركان الإسلام, وفرض ~~في السنة الثانية من الهجرة بعد ليلتين خلتا من شعبان, فمن جحده قتل, ومن ~~اقر بذلك وامتنع عن الفعل استتيب, فإن تاب وإلا قتل. # وعن ابن عباس مرفوعا: "عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة, عليهن أسس ~~الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله , والصلاة, وصوم رمضان, من PageV01P086 # ترك منهن واحدة فهو بها كافر حلال الدم (1) . # وعن عمرو بن مالك مرفوعا: "من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر, ولا يقبل ~~منه صرف ولا عدل, وقد حل دمه وماله". # وأما الحج: فهو خامس الأركان, دل على ركنيته الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا} (آل عمران من الآية:97) . # والسنة: الحديث المتقدم, وما رواه مسلم والترمذي من حديث أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس, إن الله قد فرض عليكم ~~الحج, فقال رجل: أكل عام يا رسول الله, فسكت, حتى قالها ثلاثا, وقال: لو ~~قلت نعم لوجبت, ولما استطعتم" (2) . # وأجمعت الأمة على وجوبه فمن جحده كفر, ومن امتنع من فعله فالله حسيبه. # وروي عن عمر رضي الله عنه, فيمن تمكن من الحج ولم يحج, أنهم ليسوا ~~بمسلمين, وكان يعتقد كفرهم, ولذلك أراد أن يضرب عليهم الجزية, وقال: لم ~~يدخلوا في الإسلام بعد, فهم على كتابيتهم (3) . PageV01P087 # واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض, وروي أنه لا يقبل بعضها ~~بدون بعض. # ففي مسند الإمام أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أربع فرضهن الله في الإسلام, فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه ~~شيئا حتى يأتي بهن جميعا: الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت" (1) . # وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ملك ~~زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا ms041 أو ~~نصرانيا" رواه الترمذي (2) . # خاتمة: لم يذكر الجهاد في هذا الحديث, مع أن الجهاد من أفضل الأعمال, ~~وأنجح وسيلة يتقرب بها العبد إلى الله ذي الجلال, وينال بها السعادة في ~~الحال والمآل, والفوز ببلوغ السؤل والآمال, وأعظم ذلك الرضوان الأكبر في ~~النعيم الذي لا يزال. فالآيات المحكمات بفضله شاهدة, والأحاديث الصحيحة في ~~ذلك واردة. # قال الله تعالى: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا ~~بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} ~~(النساء:74) {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا ~~وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ~~ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما} (النساء:95-96) . PageV01P088 # وقال الله تعالى: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون بشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} (التوبة:2-21) . # وقال: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون ~~في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا} (التوبة111) . # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} (الصف: ~~من الآية 10-11) . # وفي الصحيحين: " تكفل الله للمجاهد في سبيل الله أن يدخله الجنة, أو ~~يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من أجر وغنيمة" (1) . # وفي المسند عن معاذ من حديث طويل: " ... والذي نفس محمد بيده, ما شحب وجه ~~ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في ~~سبيل الله, ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق في سبيل الله أو يحمل عليها في ~~سبيل الله" (2) . # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل ~~الأعمال إيمان بالله ثم جهاد في سبيل الله" (3) . # وعنه صلى الله عليه وسلم: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما ~~فيها" PageV01P089 # وعنه: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له ms042 الجنة" (1) . # وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: "إن رأس الإسلام وعموده الصلاة وذروة ~~سنامه الجهاد" (2) وذروة سنام كل شيء أعلاه. فبين انه أعلى شيء منه. # وإنما لم يذكره في هذا الحديث: # لأن المقصود منه بيان دعائمه وأركانه التي بسقوط أحدها يسقط جميع بنيانه, ~~والجهاد ليس من الدعائم؛ لأن أكثر أهل العلم على أنه ليس فرض عين, بل هو ~~فرض كفاية بخلاف هذه الأركان. # وأيضا الجهاد كما قال العلماء؛ لا يستمر فعله إلى آخر الدهر, بل إذا نزل ~~عيسى بن مريم عليه السلام لم يبق حينئذ ملة غير ملة الإسلام, فحينئذ تضع ~~الحرب أوزارها, ويحمد الله تعالى سائر الملل الضالة نارها, ويمحو من ظاهر ~~الغبراء آثارها, ويمحق أعوانها وأنصارها, فلا يبقى إلا ملة الإسلام, ~~وشريعته عليه الصلاة والسلام, والعمل على ما قررته من الأحكام, فلا حاجة ~~إلى الجهاد لزوال الكفر والإلحاد, بخلاف أركان الإسلام, فإنها لا تزال ~~ممهدة المسالك, والكل لها سالك, حتى يأتيهم أمر الله على ذلك (3) . ~~PageV01P090 ### | الفصل الخامس: في تعيين قبول شرعه المطهر صلى الله عليه وسلم ولزوم العمل بهديه الأنور وإلغاء مخالفة ضده, وإبطال العمل به ورده # قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب ~~الكافرين} (آل عمران:32) وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار} (النساء: من الآية 13) وقال عز وجل: {وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله} (النساء: من الآية 64) إلى قوله: {فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} (النساء:65) وقال سبحانه وتعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم} (النساء: من الآية 69) وقال جل جلاله: {وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (النحل: من الآية 44) ~~وقال تبارك وتعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا ~~فيه وهدى ورحمة لقوم ms043 يؤمنون} (النحل:64) وقال تعالى: {أولم يكفهم أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} ~~(العنكبوت:51) وقال الله جل جلاله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} (الحشر: من الآية 7) # أخرج البخاري ومسلم من حديث القاسم بن محمد عن عمته عائشة رضي الله عنها, ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما # PageV01P093 # ليس منه فهو رد" (1) . # وفي رواية لمسلم "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي بعض ألفاظ ~~الحديث "من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد". # قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} (آل عمران: من الآية 31) ~~أقول: هذه الآية المحكمة لأساس أكثر الناس هادمة, وعليها بالبدع والضلال ~~والهوى حاكمة, فكل من ادعى محبة الله عز وجل, وليس على طريقة نبيه المرسل, ~~فقد بلغ والله الغاية القصوى في الزور والكذب في الدعوى, بل هو في الخلد ~~الأبدي, والعذاب السرمدي, حتى يتبع الشرع المحمدي, ويقتدي بدين نبيه ~~ويهتدي, فيا لها من آية عظيمة الشأن والمقدار, جسيمة الفوائد والأسرار, ~~يفضح مضمونها غالب العمال, ويفصح مكنونها برد ما لهم من الأعمال, وتنبئ ~~بخيبة الرجاء لهم والآمال, وقطع الأسباب التي أملوا بها القرب من الله ~~والاتصال, وذلك أنه لم يقم فيهم برهانها, ولم يظهر على صفحات أعمالهم ~~سلطانها, فإن لكل قول حقيقة, ومن شغف بمحبوب سلك طريقه. # قال الحسن البصري: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله ~~إنا نحب ربنا حبا شديدا" فأحب الله تعالى أن يجعل لحبه علما, فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقال غيره من السلف: "زعم قوم أنهم يحبون الله تعالى فابتلاهم بهذه الآية ~~فقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} أي: يحصل لكم فوق ما ~~طلبتم من محبتكم إياه, وهو محبته إياكم, وهو أعظم من الأول كما قال بعض ~~الحكماء والعلماء ليس الشأن أن PageV01P094 # تحب إنما الشأن أن تحب, {ويغفر لكم ذنوبكم} بإتباعكم ms044 للرسول صلى الله ~~عليه وسلم والعمل على منهاجه, والأخذ بما جاءكم به, وترك ما نهاكم عنه, ~~فهذا حقيقة الإتباع الذي رتب الله عليه لمن اتصف به المحبة, التي هي غاية ~~المطلوب للمحب من المحبوب, التي يندرج تحتها التجاوز عن الذنوب {غفور رحيم} ~~لكل من لقيه لا يشرك به شيئا, {رحيم} بعباده المؤمنين. # {قل أطيعوا الله} (النور: من الآية 54) أمر جل جلاله كل خاص وعام أن ~~يطيعه في جميع ما أنزل من الأمر والنهي وسائر الأحكام. # {وأطيعوا الرسول} (النساء: من الآية 59) قرن سبحانه طاعته فيما أنزل ~~بطاعة رسوله فيما بين وفصل. {فإن تولوا} تخالفوا وتعرضوا عن أمره المبين, ~~{فإن الله لا يحب الكافرين} فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر صراح في ~~الحقيقة, والله-تعالى- لا يحب من اتصف بالكفر ورجسه, وإن ادعى وزعم أنه يحب ~~الله ويتقرب إليه في نفسه, حتى يتابع خاتم الرسل ورسوله إلى العالم جنه ~~وإنسه, الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم المرسلون من إخوانه ~~لما وسعهم إلا إتباعه, والدخول في طاعته وإتباع شريعته في زمانه (1) . فقد ~~تبين بما ذكرناه, واتضح بما قررناه, أن كل من ادعى محبة الله الكريم ولم ~~يتبع شرع نبيه القويم, فهو على غير الصراط المستقيم, بل هو كاذب في دعواه, ~~مؤثر على الحق متابعة هواه, قد تيمم الطريق المعوج, وسلك أقبح المنهج, ومع ~~كونه توسط من الضلال سننا, يرى سوء عمله حسنا. وأي محبة تجدي والمحب المدعي ~~يعصي محبوبه, ولا يحصل قصده ومطلوبه, بل يخالفه ويتعدى حدوده, ويجعل من ~~دونه حبه وإلهه ومعبوده. PageV01P095 # قال بعض العارفين: (1) # تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # فهذه الدعوى التي زعمها الملحدون, وتسمى بها المبطلون, هي التي ادعاها ~~قريش والمشركون, فكانوا بعبادة من عبدوه إلى الله يتقربون. # وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ~~(الزمر: من الآية 3) فأذاقهم الله تعالى من بأسه هلاكا وحتفا, وأذهب غيظ ms045 ~~قلب نبيه وأصحابه منهم وأشفى, واستبيحت دماؤهم وأموالهم, وساءت للكافرين ~~منهم أحوالهم, وصارت للجحيم عاقبتهم ومآلهم, {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من ~~دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} ~~(الأحقاف:28) . # بل ادعاها قبلهم النصارى واليهود, مع إصرارهم على قتل الأنبياء وتكذيب ~~الرسل والجحود, فلعنهم الله, وغضب عليهم, وجعل منهم الخنازير والقرود, {ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون} (المائدة: من الآية 78) . # ولا ريب أن الكلام على المحبة يستدعي طولا, بل يستلزم أبوابا وفصولا , ~~ولكن لا بد من نبذة يسيرة, حتى تكون للإفادة مسيرة, ولمريد الدين والتوحيد ~~بصيرة. # فأقول مستعينا بالله تعالى متوكلا عليه, رافعا أكف الضراعة في التوسل ~~إليه "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السماوات والأرض, عالم الغيب ~~والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء PageV01P096 # إلى صراط مستقيم" (1) , وأرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه, وأرنا الباطل ~~باطلا وارزقنا اجتنابه, ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل, واجعلنا للمتقين ~~إماما. # اعلم أن المحبة نوعان: محبة الطبع, ومحبة العقل: # فمحبة الطبع كمحبة أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم وليس الكلام فيها ~~وإنما الكلام في المحبة العقلية, وهي ما يقتضي العقل رجحانها, ويستدعي ~~اختيارها, وإن خالفها هواه, إلا ترى المريض يعاف الدواء, وينفر عنه طبعه, ~~ولكنه يميل إليه باختياره ويهوي تناوله بمقتضى عقله؛ لما يعلم أن صلاحه ~~فيه. فهذه نتيجة دخول الإيمان في القلب, بحيث يختلط باللحم والدم, فتنكشف ~~له محاسن الإسلام وزينه, وقبح الكفر وشينه. فهذه هي التي تشيد بها أصل ~~الكفر وأصل الإسلام, وافترق بسببها الأنام. # قال الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله} (البقرة: من الآية 165) . # فالكافر وسائر المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله ~~ورسوله. وقد وصف الله تعالى بذلك المشركين في مواضع من كتابه المبين. فقال ~~وهو أصدق القائلين: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ~~ممن ms046 اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ~~(القصص:50) . وقال: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض} ~~(المؤمنون: من الآية 71) وقال تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ~~فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه ~~أخلد إلى الأرض واتبع هواه} (الأعراف: من الآية 175-176) وقال جل جلاله: ~~{واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم} (الشورى: من الآية 15) وقال تعالى: {إن ~~يتبعون إلا PageV01P097 # الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} (النجم: من الآية 23) ~~وقال سبحانه وتعالى: {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ~~واتبعوا أهواءهم} (محمد:14) . # فأصل ما احتال به الشيطان عمن أراد الله إضلاله من العباد, وأول ما ~~أوقعهم به في مهواة الكفر والإلحاد, فنالوا بذلك الطرد والإبعاد محبتهم ~~لآلهتهم ومساواة الإله الحق بالأنداد, وكذلك أهل البدع والهوى, الذين عمت ~~في كل قطر بهم البلوى, تجارى بهم الهوى كما يتجارى بصاحبه الكلب, فانسلوا ~~إلى الضلالة من كل حدب, ولم يبق لهم من دين الله أدنى سبب. قدموا أهواءهم ~~على الشرع وآثروه, وأعلنوا بضلالهم وأظهروه, لم يقدموا محبة الله ورسوله ~~على السوى, بل كرهوها, فقدموا عليها الهوى, {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ~~فأحبط أعمالهم} (محمد:9) , {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل ~~على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم} (محمد:2) . # وأما محبة الله تعالى فهي مشكاة التوحيد ونبراسه, بل هي في الحقيقة أصله ~~وأساسه, ولكن المحبة الصحيحة هي التي تقتضي المتابعة في حب ما يحب وبغض ما ~~يكره, فمن أحب الله تعالى محبة صادق من قلبه, أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما ~~يحبه الله ورسوله, ويكره ما يكرهه الله ورسوله, ويرضى بما يرضى الله ~~ورسوله, ويسخط لما يسخط الله ورسوله, وأن يعمل بجوارحه الظاهرة والباطنة ~~بمقتضى هذا الحب والبغض, فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك, بأن ارتكب بعض ما ~~يكرهه الله ورسوله, أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله دل على ms047 نقص محبته ~~الواجبة؛ لأن الواجب على كل مسلم أن يحب ما أحبه الله # PageV01P098 # محبة توجب له الإيقان بما وجب عليه منه, وأن يكره ما كرهه الله كراهة ~~توجب له الكف عما حرم عليه منه. # ويدل على ذلك قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} (النساء:65) وقال ~~تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم} (الأحزاب: من الآية 36) وقال: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره} (التوبة: من الآية 24) . # فمن ملأت هذه المحبة زوايا قلبه صار قلبه مشكاة مصباحها معرفة الله تعالى ~~المشرقة أنوارها, البديعة أسرارها, فلا يبقى حينئذ فيه سوى عظمة الله تعالى ~~وخوفه ومهابته وإجلاله والأنس به والشوق إليه, وتصير هذه الأحوال في قليه ~~بسبب المعرفة مشاهدة له بعين البصيرة, فلا تستطيع الجوارح الظاهرة أن تبعث ~~إلى شيء من الأشياء أو عمل من الأعمال إلا بموافقة ما رسى ورسخ في القلب. ~~ولهذا السر البديع أشار صلى الله عليه وسلم بقوله في خطبته بعد قدومه ~~المدينة: "أحبوا الله من كل قلوبكم" (1) ؛ لأنه متى امتلأ بعظمة الله ~~تعالى, فينمحي إذ ذاك كل ما سواه, ولا يبقى للعبد شيء من نفسه وهواه, ولا ~~إرادة إلا ما يريده منه مولاه, فلا يتحرك إلا بأمره, ولا ينطق إلا بتوحيده ~~وذكره, ولا PageV01P099 # يلهج إلا بحمده وشكره, ويسهل عليه التعذيب فيه, وبذل نفسه محبة لمولاه, ~~ورغبة به عما سواه, ومحبة لرسوله وما جاء به من عند الله, فيحب لله, ويبغض ~~لله, ويعادي فيه, ويوالي له, ويتبرى من جميع عداته, ويعطي له, ويمنع, ويذل, ~~ويخضع, ويسارع بامتثال أوامره من الطاعة وأداء العبادة وصرف جميع أنواعها ~~له, فلا يدعو غيره, ولا يتقرب بنذر ولا نسك لسواه, ولا يخاف ولا يرجو إلا ~~إياه, ولا يرغب ms048 إلا فيه, ولا يرهب ولا يخشى إلا منه, ولا يستغيث إلا به, ~~ولا يتوكل إلا عليه, ولا ينيب إلا إليه. ومن كانت هذه حاله, صدق على ~~الحقيقة مقاله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا, وبمحمد رسولا, وتحقق حينئذ ~~بطعم الإيمان؛ لأنه لم يتخذ وليا من دون الله, ولم يبتغ غيره حكما, ولم يبغ ~~غيره ربا, فالرضا بربوبية الله التي هي عين التوحيد تستلزم الرضا بعبادته ~~وحده, والكفر بالأنداد, وتستلزم الرضا بتدبيره للعبد, واختياره له, والرضا ~~بالإسلام دينا يقتضي اختياره على سائر الأديان, والرضا بمحمد رسولا يقتضي ~~الرضا بجميع ما جاء به من عند الله, وقبول ذلك بالتسليم وانشراح الصدر به ~~كما قال: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} (النساء: ~~من الآية 65) , ودخل في زمرة {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك ~~لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام:82) , لأن هذا قام بحق الله تعالى الذي ~~خلقه لأجله وهو توحيده بالعبادة بأنواعها, فصار جزاؤه الأمن من عذاب النار ~~كما صرح بذلك معاذ في حديثه (1) , بل ما أجدر هذا أن يكون ممن حقق التوحيد ~~لرب الأرباب PageV01P100 # فيصير مع السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب (1) . # فهذا الذي ذكرنا هو تحقيق معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله, وتصديق ~~إياك نعبد وإياك نستعين؛ لأن معناها أنه لا يؤله غيره حبا ورجاء وخوفا ~~ورغبة ورهبة وطاعة وخضوعا وغير ذلك, ولا يعبد بأنواع العبادة إلا هو, ولا ~~يستعيذ ولا يستعين إلا به وكل ما ذكرته لا يختلف من أهل التوحيد فيه اثنان, ~~إذ كل ذلك قد قام عليه البرهان, ودلت عليه إجمالا وتفصيلا الأحاديث وآيات ~~القرآن. قال الله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (غافر: من الآية 60) ~~. # وفي حديث النعمان بن بشير "الدعاء هو العبادة" (2) . # وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "الدعاء مخ العبادة" (3) . # ومعلوم أن السؤال هو حقيقة العبادة, لأن فيه إظهار الذل والمسكنة والحاجة ~~والافتقار, والاعتراف بقدرة المسئول على دفع هذا الضرر ونيل المطلوب, وجلب ~~المنافع ودفع المضار, وكل ms049 هذا لا يصلح إلا لله وحده (4) . # ولولا اعتقاد المشرك فيمن يدعوه من دون الله, ما ذكرنا من قدرته على دفع ~~الضرر وإيصال المطلوب إليه لما دعاه, واتخذه إلها من دون الله. # ولهذا كفار قريش وغيرهم إذا تعاظم عليهم الخطب, وتفاقم الكرب PageV01P101 # استحقروا الآلهة ورغبوا عنها, فيطلبون رفع ذلك من الله ولا يطلبونه منها. # كما حكى الله تعالى ذلك عنهم فقال: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون ~~إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} (الأنعام: 4-41) وقال تعالى: {وإذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} (الإسراء: من الآية 67) والآيات ~~كثيرة, ومع هذا الإخلاص لله تعالى منهم في الشدة, أرسل الله إليهم محمدا ~~نبيه وعبده مبينا لهم أن هذا الاعتقاد هو الكفر بالله والشرك والإلحاد, ~~الذي لا يرضاه الله لأحد ولا من أحد من العباد, ودعاهم إلى توحيد الألوهية ~~الذي هو توحيد العبادة, فأبوا إلا الإصرار على ما رأى كل منهم عليه آباءه ~~وأجداده {إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون} (الصافات:70) ~~وأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. # فأمر نبيه بالقتال, وأباح له الدماء والأموال, ولم يعصمهم الإقرار ~~بالربوبية لله ولا الإخلاص له في اشتداد الحال, فأتم الله ما أراده من ~~النور, وحقق لنبيه النصر والتمكين والظهور, وأزال عن الحنفية كل محذور, ~~{وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (الروم:6) فإذا ~~كانت هذه حال من يخلص في الشدة الدعوة لله وحده, فما بالك بمن يخلص للند في ~~الشدة؟ وأعجب منه من أغواه الشيطان, وكان له قرينا, فظن أن هذا الشرك ~~الأكبر دينا, وكان مدة عمره به رهينا {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا ~~يعلمون} (الروم:59) وما ظنك بحال من كفر الدعاة إلى التوحيد, وتبين في ~~معاداة أهله وموالاة أعدائه من كل شيطان # PageV01P102 # مريد, ولم يخش ما بين يديه من العذاب الشديد {وما كان الله ليضل قوما ms050 بعد ~~إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} (التوبة: من الآية 115) هذا ما قدرته في ~~كون الدعاء حقيقة العبادة من قولي؛ لأن فيه إظهار الذل ... الخ, ينبغي أن ~~يتدبر, فإنه أصل ترجع سائر أنواع العبادة إليه, وميزان حقائقها توزن عليه. ~~فإن المتقرب بالنسك والنذر, وكذا الرجاء والخوف والرغبة والرهبة والتوكل ~~والإنابة, لو يعلم عجز المتقرب إليه وعدم دفعه الضر وجلبه النفع, وقدرته ~~عليه لما تضرع وتمسكن وأبدى الخضوع بين يديه. # ولم يشرع الله عز وجل التقرب بشيء من حقه إلى ملائكته أو رسله أو ~~الصديقين والصالحين من خلقه. # قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ~~(الشورى: من الآية 21) . # وقال سبحانه وتعالى: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا ~~من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم ~~إن كنتم صادقين} (الأحقاف:4) . # ولا يتقرب إلى الله إلا بما شرعه على لسان من لا ينطق عن الهوى {فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} (المؤمنون:7) . # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ~~وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} (المائدة:35) وقال سبحانه وتعالى: {أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه} (الإسراء: من الآية 57) . # ولم يشرع لهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس ونبيها صلى الله عليه ~~وسلم أفضل الخلق من غير التباس إلا ما شرعه لأولى # PageV01P103 # العزم من المرسلين, وهو إفراده بالعبادة وإخلاصها له وإقامة الدين. # قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (الشورى: ~~من الآية 13) . # وقال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} (الأنبياء:25) . # وقد قص الله علينا فيما أنزل إلينا ما جرى من نوح وقيامه بالدعوة, ~~وإبراهيم وتبرئه من أبيه وقومه وما كانوا يعبدون, وما جرى من خاتمهم ms051 عليه ~~الصلاة والسلام. # حيث قال: {أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله ~~واحد} (الأنعام: من الآية 19) . # وهؤلاء صفوة الرسل الذين أمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ~~أن يقتدي بهداهم فيما أمر الله تعالى به ونهاهم, مع أنهم من صغائر الذنوب ~~مبرءون. # أخبرنا سبحانه أنهم {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} (الأنعام: من ~~الآية 88) . # ولهذا كانت مخافتهم من الوقوع في الشرك, وسؤالهم الله أن يباعدهم منه, ~~واستعاذتهم به تعالى من الوقوع فيه, مع العلم والاستغفار من الوقوع فيه من ~~غير علم أكثر وأعظم وأشد من غيرهم مع أنهم مرسلون بإزالته, ومع وجوب عصمتهم ~~من الذنوب فضلا منه, وما ذاك إلا لكونهم أعلم بالله وأخوف واتقى من غيرهم, ~~وشرع لنا جل جلاله بعد الإيمان به الإيمان بملائكته وكتبه ورسله, والإيمان ~~بهم لا يصح إلا بتصديقهم فيما جاءوا به وجميع ما أخبروا به, من حق الله # PageV01P104 # الذي هو توحيده, وحقهم وهو المتابعة والمحبة, التي هي أصل طاعة الله ~~ورسوله, الذي أخبرنا صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن أحدنا حتى يكون أحب ~~إليه من ولده ووالده والناس أجمعين, كما رواه البخاري ومسلم (1) , وأخبر ~~أنه لا يؤمن أحدنا حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما, كما في ~~الصحيحين (2) . وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن أحدنا حتى يكون هواه ~~تبعا لما جاءوا به (3) , وحق أتباعهم الذين حازوا السعادة باتباعهم وهو ~~الدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار. قال تعالى في سياق المدح: {والذين ~~جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا ~~تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} (الحشر:10) , وقال: ~~{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} (الفتح: من ~~الآية 29) . # والأحاديث كثيرة في هذا المعنى. # فهذا ما شرعه وبينه لنا, وهذه المحبة هي المحبة الواجبة المشروعة ~~المحمودة, وضدها المحبة المذمومة الممنوعة المردودة, وهي التي جرى كلب ~~الغلو في قلوب أهلها وعظامهم وتجاري حتى ms052 صاروا بها فجارا كفارا, ولم يبالوا ~~بالإذاية فيها, ورأوا التعذيب فيها عذبا, ولم يرجعوا عنها حين أدخلوا نارا, ~~فهؤلاء زادوا على محبة اليهود عزيرا, والمسيح والنصارى. PageV01P105 # وهكذا شأن من يعتقد الألوهية في الأشخاص ويسميها أسرارا, ويصرف لهم أنواع ~~العبادة بل هم في قلبه أعظم رجاء وخوفا واعتمادا ودعاء وتعظيما ووقارا, ممن ~~أمدهم بالأموال والبنين وجعل لهم جنات وجعل لهم أنهارا, وأرسل بقدرته عليهم ~~السماء مدرارا {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات ~~والأرض شيئا ولا يستطيعون} (النحل:73) . # ومن تدبر الآيات المحكمات ورضي بها حكما, وكشف مولاه عن عين بصيرته ظلمة ~~العمى, تحقق أن الألوهية صفة تدور معها العبادة وجودا وعدما, وعلم يقينا أن ~~من صرف لنبي أو ولي نوعا من العبادة فقد جعله ندا لإله الأرض والسماء ~~{واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} ~~(الزخرف:45) وقوله: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة وهم عن دعائهم غافلون} (الأحقاف:5) , وبان له أن اعتقاد النفع ~~والضر هو معنى السر, الذين يدعى في الأنام, وعبرت عن ذلك قريش بالألوهية في ~~دعواها ذلك للأصنام, ولا تنقلب الحقائق بالأوضاع فإن كل وقت له مضياع, وهل ~~يحل [الخمر] إذا سمي نبيذا أو عتيق المدام؟ {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون} (الأنعام:121) {ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون} (الأنعام: من الآية 112) . وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه ~~يوضح للمهتدي المراد, ويكشف سر هذا الاعتقاد, ولا بأس بإيراده. # خرج الترمذي وصححه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى حنين, ونحن حدثاء عهد بكفر, وللمشركين سدرة يعكفون # PageV01P106 # عندها, وينوطوا عليها ثيابهم وأسلحتهم يقال لها ذات أنواط, فمررنا بسدرة ~~فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ms053 "الله أكبر, إنها السنن..! قلتم والذي نفسي بيده ~~كما قالت بنو إسرائيل, اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة, قال: إنكم قوم تجهلون, ~~لتركبن سنن من كان قبلكم" (1) . # قوله: "إلى حنين" هو واد بين مكة والطائف حارب فيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم هوازن وثقيفا, وكان المسلمون فيه اثنا عشر ألفا وهوازن وثقيف أربعة ~~آلاف. # قوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر" هذا فيه تمهيد عذر عما عسى أن يقال: كيف ~~يليق صدور هذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه صلى الله ~~عليه وسلم أول ما أتاهم بلا إله إلا الله, التي معناها ومقتضاها أن تكون ~~الألوهية, وكذا ما تستحقه الألوهية اعتقادا وقولا وعملا لله تعالى, وإبطال ~~للآلهة التي كانوا يعتقدون فيها البركة, ودفع الضر, وجلب النفع, وانه إنما ~~استباح دماءهم وأموالهم لأجل ذلك, فذكر أن المنتقل إلى الإسلام بعد الشرك ~~إذا كان قريب عهد بالجاهلية, لا يأمن أن يكون في قلبه بقية, بخلاف قديم ~~الإسلام, لا تكاد تخفى عليه الأحكام. # وقوله: "الله أكبر" أتى صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ المنبئ بالتفخيم, ~~المشعر بالتعظيم, الدال على التهويل والاستعظام لما أتوا من الكلام, مبالغة ~~منه عليه الصلاة والسلام عليهم في الجواب والرد, وإغلاظا في إبطال ما جنحوا ~~له من القصد؛ لتعي إرادة قلوبهم عظمة أمر مطلوبهم, مع أنهم PageV01P107 # ليس لهم قصد ولا طلبة, سوى الوسيلة إلى الله والقربة. لكنهم لم يفطنوا ~~حين صدور هذا المقال, لما يؤول له الحال, وأن الاعتقاد مثل هذا في ملك أو ~~بشر أو حجر أو شجر هو الشرك الأكبر الذي لا يغفر. # وقوله: "إنها السنن" أي: الطريق والسبل, عبر بضمير الشأن والقصة تفخيما ~~وتهويلا, وردعا في الرد وتنكيلا, وقد بلغت هذه الجملة الغاية, وتضمنت هذه ~~النهاية, من النهي والتغليظ في الزجر, عن سؤال مثل هذا الأمر. # وفي قوله: "إنها السنن" إشعار بأن النفوس إليه ما تميل, ولا تكاد تجنح ~~لغير ذلك السبل, وأن السالم منها في الناس قليل, إذ البواعث لها قوية, ~~والدواعي إليها ms054 والمبرأ منها نزر في البرية. # وقوله: "قلتم والذي نفسي بيده" أثبت صلى الله عليه وسلم ما أثبته الله ~~تعالى لذاته العلية, التي هي من التعطيل برية, وعن شبه المحدثات عرية, بل ~~هو منزهة سنية. # قال تعالى: {بل يداه مبسوطتان} (المائدة: من الآية 64) وقال تعالى: {يد ~~الله فوق أيديهم} (الفتح: من الآية 10) وقال جلاله {والسماوات مطويات ~~بيمينه} (الزمر: من الآية 67) وهذه وأمثالها من الصفات الواجبة الثابتة ~~بالدليل, نؤمن بها كما آمن السلف الصالح من غير تشبيه ولا تعطيل, ومن لجأ ~~إلى غير ذلك فقد ضل سواء السبيل. # أقسم صلى الله عليه وسلم في الجواب مع أنه الصادق المصدوق الناطق بالحق ~~والصواب, المبرأ خبره عن وصمة الخطأ والارتياب {وما ينطق عن الهوى إن هو ~~إلا وحي يوحى علمه شديد القوى} (النجم:5) ليتمكن في قلوبهم مقتضى الخطرات ~~والفحوى, فيأتوا من الإصغاء إليه # PageV01P108 # والإقبال عليه بالغاية القصوى. # وقوله: "كما قالت بنو إسرائيل" المراد بهم أهل [الكتاب] (1) , وإسرائيل: ~~هو لقب يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم السلام, لقب بالعبرانية بإسرائيل, ~~ومعناه صفوة الله, وقيل معناه: عبد الله, وقد ذكرهم الله تعالى ونوره ~~بفضلهم على أهل زمانهم, وما آتاهم من الكتاب والحكم والنبوة, وما رزقهم من ~~الطيبات, وما جرى منهم وعليهم في مواضيع كثيرة من كتابه. # وقد بين صلى الله عليه وسلم أن ما صدر من بعض الصحابة من ذلك القيل مشابه ~~لما قالته لموسى بنو إسرائيل, وقاعدة التشبيه غالبا اقتضاء المماثلة ~~والمساواة. # وفي ذكر بني إسرائيل تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما شاهده من قومه ~~ورآه, وذلك أن بني إسرائيل لما أهلك الله تعالى عدوهم, وأنجاهم, وفضلهم على ~~غيرهم, واجتباهم, ومنحهم أصناف نعمه وأولاهم, أراد اختبار حالهم, مع لأنه ~~لا يخفى عليه شيء فابتلاهم, وذلك أنهم لما جاوزوا البحر محفوفين بالسلامة ~~والنصر, متخوفين بالعز والفخر, مروا على قوم لهم أصنام تشابه صورة البقر, ~~وهم يغدون عليها للتبرك بالآصال والبكر, وعلى عبادتها يقيمون ويعكفون وهذا ~~أول شأن عبادة العجل الذي كانوا يعبدون, وكان القوم من ms055 العمالقة الذين أمر ~~الله تعالى نبيه موسى بقتالهم؛ لكفرهم وضلالهم, {قالوا يا موسى اجعل لنا ~~إلها} (الأعراف: من الآية 138) صنما يشابه صورته صورة البقر, نعبده ونتقرب ~~إلى PageV01P109 # الله بذلك {كما لهم آلهة} كل منهم مقيم على عبادتها وناسك, فأجابهم عليه ~~الصلاة والسلام بالجواب المسدد الموفق, والحكم الفصل المحقق, مفتتحا له ~~ببيان وصفهم وما هم عليه من الجهل المطلق قال: {قال إنكم قوم تجهلون} ~~(الأعراف: من الآية 138) إذ سؤالكم هذا بعد ما رأيتم الآيات لا يناسب ولا ~~يجوز لو كنتم تعلمون, ثم أفصح لهم في الجواب عن السؤال, بإيضاح عاقبة أولئك ~~القوم وما يصيرون إليه من الحال, وإنهم ولو كان قصدهم التقرب إلى الله ~~تعالى فهو عين الكفر والضلال, وأن الله تعالى هادم ما لهم من الدين, ومحطم ~~أصنامهم التي لا يزالون عليها عاكفين, فتقربهم بذلك إلى الله باطل, وضلالهم ~~وشركهم زائل, وحالهم إلى سوء العاقبة آيل. # قال: {قال أغير الله أبغيكم إلها} أي اطلب لكم غيره معبودا {وهو فضلكم ~~على العالمين} (الأعراف: من الآية 140) أي: من كان منكم موجودا. # وفيه غاية التنبيه على سوء هذه المقالة, حيث قابلوا ما هم فيه من النعم ~~والتفضيل وحسن الحالة, بالكفر والشرك والضلالة. # قوله: "لتركبن سنن من كان قبلكم" يحتمل أن يكون بفتح السين, أي: طريق من ~~كان قبلكم من الأولين, ويحتمل أن يكون بضمها, فيكون المراد بها الطرائق, ~~أي: لتأخذن أو لتأتين ما آتاه من قبلكم من الخلائق. # وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بهذا المقال, فوقع كما أخبر, وطابق المقال ~~وقائع الحال. # ولو نرخي لطرف الفهم في هذا الميدان الرسن, فيجول في تتبع ما آتاه أهل ~~الشرك والضلال من السنن, وما غيروه من الشرع القويم, والصراط المستقيم الذي ~~هو أقوم سنن, لاستوعب من الأسفار سفرا ضخما, مع أني لا أحيط بجميعه علما, ~~ولو وجدنا ما فعله أهل البدع والشرك # PageV01P110 # والجحود, يزيد بالضعف على ما فعله النصارى واليهود. # ويستفاد من قوله: "لتركبن سنن من كان قبلكم" أن سنن أهل الكتاب التي ~~ابتدعوها, والبدع ms056 التي اخترعوها, كلها خارجة من الشرع المقرر, والدين القيم ~~المطهر, وكذلك جميع سنن المبتدعين ومناهج أهل الهواء والمشركين. # ويستفاد منه أيضا النهي عن التشبيه بأهل الجاهلية, وأنه ينبغي للمؤمن ~~الموحد أن يجعل الخوف من الشرك نصب عينيه, وكذلك ينبغي له التفطن أنه إذا ~~خفي هذا على الصحابة مع جلالة قدرهم وعلمهم وكذلك بنو إسرائيل, فينبغي ~~التحرز عن أمثاله. # هذا وقد صرح في هذا الحديث الصحيح, بأن مراد السائلين على سبيل التلويح, ~~والتبرك والاعتقاد, كما هو طريقة من قبلهم من الآباء والأجداد, ولم يصرحوا ~~بغير ذلك في الطلبة, ولم يكن له سواه من رغبه, إذ لم يفصحوا بطلب الآلهة, ~~كما أفصحت بذلك بنو إسرائيل. # وقد ساوى النبي صلى الله عليه وسلم بين الطلبتين, وجعلهما من واحد ~~القبيل, ولم يراع صورة لفظ القيل, فقد ثبت بما قررناه, وتحقق مما سطرناه, ~~أن معنى السر المراد, وحقيقته التي تقصد وتراد, هو اعتقاد القدرة على جلب ~~النفع ودفع الضر عن الأنفس والأموال والأولاد, وهذه بعينها صفة الألوهية , ~~التي اختصت بها الذات العلية, دون سائر البرية, الذي جعل الأرض مهادا, ~~وأرسى الجبال أوتادا, وذرأ فيها جميع العباد, وانتظم بقدرته وحكمته أمر ~~المعاد والمعاش, ولكن لا يبصر الحق من على أبصار بصيرته غواش, فالشمس تعمي ~~أعين الخفاش, والنار يتهافت فيها الفراش, {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} (الأنعام:110) فإذا كان هذا ~~تغليظ النبي صلى الله عليه وسلم وتشديده, وزجره البليغ # PageV01P111 # وتهديده, ووعده بارتكاب السنن ووعيده, مع القرب عهد السائلين بالأصنام, ~~وحدوث الدخول في الإسلام, وجهل من سأل بما سأل, وكونه للمعنى المقصود ما ~~عقل, ولم يقترن ما طلبوه بالعمل, إذ لو عملوا بما طلبوه, وفعلوا المحظور ~~وارتكبوه, لخرجوا والله من الدين, وحكم عليهم بحكم المرتدين, بإجماع أئمة ~~المسلمين, فما بالك بمن يعتقد هذا الشرك دينا, ويتقرب به إلى الله يقينا؟ ~~{قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون} (يونس: من الآية 18) لقد ضل ms057 في مفازة الهلاك وقفره, وفي غي الجحيم ~~وقعره, لوقوعه في إبلاسه وكفره, {والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون} (يونس: من الآية 4) . # ومن تدبر ما حصلناه, وتأمل مكنون ما فصلناه, ووعى الأصل الذي أصلناه, وهو ~~أن الألوهية صفة تدور مع العبادة, تبين له أن أكثر الناس في وادي الشرك ~~يهيمون, {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن ~~وإن هم إلا يخرصون} (الأنعام:116) , وتحقق ان جميع أنواع العبادة محض حق ~~لله وحده, فمن صرف لملك أو رسول أو صالح أو جنى أو حجر أو شجر, شيئا منها ~~فقد أشرك بربه وكفر {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} (الأعراف:191) . # وقد ذكر الله تعالى أنواع العبادة مفصلة ومجملة في كتابه, وأفصح بأن ~~جميعها حق له كما صرح بذلك على خطابه, ومن طبع على قلبه فلا يزال في ~~ارتيابه, {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} (يونس: من الآية 101) ~~. قال الله جل جلاله: {قل إن صلاتي ونسكي # PageV01P112 # ومحياي ومماتي لله رب العالمين} (الأنعام:162) . وقال تعالى: {فصل لربك ~~وانحر} (الكوثر:2) وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "لعن الله من ذبح لغير الله" الحديث بطوله في مسلم (1) . وقال تعالى: ~~{وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من ~~أنصار} (البقرة:270) . # وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"من نذر ان يطيع الله فليطعه, ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (2) . # ولهذا لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب رجلا قائما في ~~الشمس فقال: "من هذا؟ " فقالوا هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس, ~~ويصوم, ولا يفطر, ولا يتكلم قال: "مروه فليستظل, وليتكلم, وليتم صومه" وهو ~~في البخاري (3) . # وقال تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} (المائدة: من الآية 23) ~~. # وقال: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} (الطلاق: من الآية 3) . # وعن ms058 أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا وقعتم في ~~الأمر العظيم فقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل" (4) . # وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حسبنا الله قالها إبراهيم ~~حين ألقي في النار, وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا إن الناس ~~PageV01P113 # قد جمعوا لكم فاخشوهم, فزادهم إيمانا, وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" ~~(1) . # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سره أن يكون أقوى ~~الناس فليتوكل على الله" (2) . # وفي السنن عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو ~~أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير, تغدو خماصا, وتروح ~~بطانا " (3) . # وقال تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران: من الآية ~~175) وقال تعالى: {فلا تخشوهم واخشوني} (البقرة: من الآية 150) . # وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من التمس رضا الناس ~~بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس, ومن التمس رضا الله بسخط الناس, ~~رضي الله عليه وأرضى عليه الناس" (4) {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (الكهف: من الآية 11) وفي الصحيح: "أنا ~~أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملا أشرك معي فيه, تركته وشركه" رواه مسلم ~~(5) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} (الأنبياء: من الآية 90) PageV01P114 # في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يقول هل من ~~داع فأستجيب له هل من سائل فأعطيه" (1) . وحديث ابن عباس في وصية النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (2) . وفي ~~الصحيح: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (3) . وقال تعالى: {إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} (لأنفال: من الآية 9) وقال تعالى: {وهما ~~يستغيثان الله ويلك آمن} (الأحقاف: من الآية 17) , وقال صلى الله عليه وسلم ~~حين آتاه أناس من أصحابه يستغيثون به من منافق كان يؤذيهم: ms059 "إنه لا يستغاث ~~بي وإنما يستغاث بالله" (4) . وقال تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له} ~~(الزمر: من الآية 54) وقال: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون} (النور: من الآية 31) وقوله صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي قال: ~~أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد: "عرف الحق لأهله" (5) . وقال تعالى: {قل ~~أعوذ برب الفلق} (الفلق:1) السورتين. # ومن أعظم العبادة الطاعة في تحليل ما حرم الله تعالى وتحريم ما أحل, وقد ~~سمى الله ذلك عبادة. قال تعالى: {يا أبت لا تعبد الشيطان} (مريم: من الآية ~~44) وقال تعالى {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا PageV01P115 # الشيطان} (يس: من الآية 60) أي: لا تطيعوه, وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} (التوبة: من الآية 31) . # وحديث عدي بن حاتم حين أتى النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقه صليب من ~~ذهب وكان على دين "الركوسية" فرقة من النصارى, وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ سورة براءة فقال اطرح هذا الذي في عنقك, فطرحه, فلما انتهى إلى ~~قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} قلت: يا رسول ~~الله, لم يكونوا يعبدونهم فقال: "أليسوا يحرمون ما أحل فيحرمونه, ويحلون ما ~~حرم فيحلونه. قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم" (1) . # ومن أنواع العبادة التعظيمات التي لا يستحقها سوى من له الكبرياء في ~~السماوات والأرض, ومن له العزة جميعا, ولذا جميع التحيات التي كانت تحيا ~~بها الملوك, المنبئة الخضوع, لما كانت ملكا له, وحقا لا يجوز صرف شيء منها ~~لغيره, جعل قراءتها في الصلاة واجبة وجوبا مكررا. # ومن ذلك الحلف بغيره, فمن حلف بغيره, معظما له تعظيم العبادة, فقد أجمع ~~أهل الإسلام على كفره, وإن لم يقصد ذلك صار كفرا دون كفر. # ففي الحديث: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم وأمهاتكم, من كان حالفا ~~فليحلف بالله أو ليصمت" هذا يروى في الصحاح (2) . وفي الصحيح: "من ~~PageV01P116 # حلف بغير الله فقد كفر" (1) . وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "من ms060 حلف بغير الله فقد أشرك" (2) . # وقد أبان صلى الله عليه وسلم لأمته معالم الديانة, وحمى جناب التوحيد ~~وصانه, وأعلى قواعده وأركانه, وسد كل طريق يوصل إلى الضلال, أو يكون للشرك ~~به اتصال. # ولهذا تغيظ صلى الله عليه وسلم وقال للمسيء في المقال الذي قرن مشيئته ~~بمشيئته ذي الجلال: "أجعلتني لله ندا, قل ما شاء الله وحده". والحديث رواه ~~النسائي (3) . # وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ~~تقولوا ما شاء الله وشاء فلان, ولكن قولوا ما شاء الله وحده ثم شاء فلان" ~~رواه أبو داود (4) . # فهذا نهيه الثابت الصحيح, وزجره البليغ الصريح, عن تعاطي مثل هذا التشريك ~~القبيح, مع أن الله جعل للعبد مشيئته فقال: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} ~~(الإنسان: من الآية 30) ولكن لصيانة التوحيد وجنابه, سد من الشرك جميع ~~أبوابه, فنهاهم عن تشريك مشيئة الخالق بالمخلوق, ومساواة الرازق بالمرزوق. ~~PageV01P117 # وهنا انتهى بنا الكلام على تفسير هذه الآية , ويكون به عن تفسير باقي ~~الآيات كفاية, وقد خرج بنا الحرص على الإفادة عما لنا من القصد والإرادة, ~~ونرجع إلى ما نحن بصدده ونعود, مستمدين من الإله القادر المعبود, الإعانة ~~على إنجاح المقصود. # قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (1) ~~. # أقول: هذا الحديث عظيم الشأن والمقدار, وعليه في الإسلام المدار, بل هو ~~في الحقيقة أصل من أصوله, إذ هو محتو على كثير من فصوله, وهو للأعمال ~~الظاهرة كالميزان, كما أن حديث "إنما العمال بالنيات" (2) ميزان لأعمال ~~الجنان, وما يريده من القصد كل إنسان. # فكل عمل لوجه الله غير مراد, مصيره إلى الإلغاء والفساد, فليس للعامل فيه ~~ثواب, وإنما يجب عليه منه المتاب. فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ~~ورسوله مردود, لخروجه عن السنن المقصود, والمنهج المطهر المحمود. فعمل ~~العامل رد عليه لسريان البطلان إليه, بعدوله عن الأمر المشروع, والهدي ~~المقرر المتبوع. # فالحديث يدل بمنطوقه على رد العمال المخالفة للسنة والكتاب, ويدل بمفهومه ~~على القبول ms061 لما وافقهما وحصول الثواب. # قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: (أما قوله: "ليس عليه أمرنا" أشار ~~إلى أن أعمال العاملين ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة, وتكون أحكام ~~الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها, فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشرع, ~~موافقا لها, فهو مقبول, ومن كان خارجا عن ذلك PageV01P118 # فهو مردود.. ويدخل تحت قوله: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله} (الشورى: من الآية 21) فمن تقرب إلى الله تعالى بعمل لم ~~يجعله الله ورسوله قربة إلى الله, فعمله باطل مردود عليه, وهو شبيه بحال ~~الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية. وهذا كمن تقرب إلى الله بسماع ~~الملاهي وبالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام, وما أشبه ذلك من المحدثات ~~التي يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية, وليس ما كان قربة في عبادة يكون ~~قربة في غيرها مطلقا, فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا قائما في ~~الشمس فسأل عنه, فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد , ولا يستظل وأن يصوم ولا ~~يفطر, فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد ويستظل ويتم صومه (1) , فلم ~~يجعل قيامه وبروزه للشمس قربة يوفي بنذرها.. مع أن القيام عبادة في مواضع ~~الصلاة والأذان والدعاء بعرفة, والبروز للشمس قربة للمحرم, فدل على أنه ليس ~~كلما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن, وإنما يتبع في ذلك ما وردت ~~به الشريعة في مواضعها) . انتهى كلامه رحمه الله (2) . # وأقول: قوله: "وذلك لمن تقرب إلى الله بسماع الملاهي وبالرقص" هذه إشارة ~~صريحة ونذارة فصيحة ونكتة مؤذنة بالخزي والفضيحة على من عبد الله تعالى ~~بالملاهي , وكان في العكوف عليها [لاهيا] ,وعما يراد به [غافلا ساهيا] (3) ~~, اتخذ معبوده وإلهه هواه, وعبادته دفه ورقصه وغناه. ومراده رحمه الله ~~تعالى ما وقع من أهل زمانه وما شاهده في PageV01P119 # أوطانه, من ترك أكثر الناس سنن الإتباع, وإتباعهم سنن الهوى والابتداع, ~~وتقربهم بالرقص المسمى بالسماع, مع أن ما حدث في ذلك الزمان المار, لا ms062 يفي ~~بالنسبة لما بعده بعشر معشار, فقد جرى بعده رحمه الله أمور وأمور, أذهبت من ~~السنة المحمدية مشرق النور, وهتكت من الملة المحمدية الستور, وارتكب من ~~البدع والأهواء كل محظور, وصار ذلك عندهم هو الدين المشهور, والمنهج ~~المحمود المأثور, شغلوا بسماع السماع, وشغفوا بنعمة اليراع , وأصغوا إلى ~~اللهو بالقلوب والأسماع, ونثلوا إليه بالإسراع, وما لهم إلى غيره إزماع, قد ~~هجروا السنة والقرآن, وأقبلوا على استماع الدف والألحان, التي هي رنة ~~الشيطان, وجعلوا العبادة رقصا وطربا, واتخذوا دين الله لهوا ولعبا, وحققوا ~~لمشايخهم الأسرار بملازمتهم للعود والدف والمزمار, وحكموا على من قام عليهم ~~لله بالإنكار, بأنه من جملة الكفار {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار} (إبراهيم:29) {وجعلوا ~~لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} (إبراهيم:30) ~~. # هذه أشعار الصوفية الأماثل, ونسبوا أنفسهم إلى أولئك الزهاد الأفاضل (1) ~~, وقد جعلوا ذلك الشعار حبايل إلى كل أموال الناس بالباطل, والكل منهم ~~محتال عليها وخاتل, أيحسبون أن الله تعالى عن صنيعهم غافل, أو ليس بمحاسب ~~لهم ومسائل؟ {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} ~~(الزخرف:80) {ولا تحسبن PageV01P120 # الله غافلا عما يعمل الظالمون} (إبراهيم: من الآية 42) وحكموا لأنفسهم, ~~وقضوا بأنهم وردوا عين الشريعة فارتووا, وزعموا أنهم شربوا من سلسالها ~~سلسبيلا, ولا يصدعون فيها ويصدون عنها سبيلا, وادعوا أنهم أهل الشوق ~~والذوق, وأصحاب الطريقة والحقيقة, صدقوا هم أهل الشوق ولكن إلى الطريقة ~~السامرية, الزائغة المنهاج, وهم أهل الذوق في الحقيقة, ولكن من ملحها ~~الأجاج (1) . # فقد ذكر القرطبي في تفسيره رحمه الله تعالى وغيره من المفسرين أن أول من ~~أحدث هذا وجعله عبادة "عباد العجل أصحاب السامري" فصار شريعة منقادة. # قلت: والعلماء بالله ولله تعالى لمثل هذه البدع الشركية منكرون, وأبو ~~القاسم الجنيد (2) , شيخ الطريقة وأمثاله من أقذار هذا الرجس مبرءون, ~~ويبالغون في الإنكار على من خالف الكتاب والسنة ويغضبون. # وقد صنف كثير من قدماء علماء المذاهب الأربعة في البدع مصنفات ms063 (3) , ~~وبينوا ما وقع في الملة الحنفية من السنن المحدثات, وما شانوها بها من ~~الأهواء والضلالات, وما غيروا به الصراط المستقيم, من PageV01P121 # مناسك الشرك العظيم: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم} (النور: من الآية 63) . # قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث" أي: أتى بشيء لم يكن موجودا في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو المسمى بالبدعة. # وقوله: "في أمرنا" الأمر يطلق على الشأن , قال تعالى: {وما أمر فرعون ~~برشيد} (هود: من الآية 97) والمراد به هنا الدين والشرع, أي ديننا وشرعنا. # وقوله "هذا" إشارة إلى دين النبي صلى الله عليه وسلم الذي رضيه ربنا لنا, ~~وأكمله أتم الكمال, بين شرائعه في العبادات والمعاملات من حرام وحلال. # فلينظر العقل فيمن أحدث فيه ما ليس منه, هل رآه ناقصا فأراد التكميل..؟! ~~, أو ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك شيئا من البيان فاستخرجه هذا ~~بالتأويل والاستنباط من الحديث والتنزيل, وإلا يكن الأمر كذلك, بل قد أوضحت ~~جميع المسالك, فليس وراء ذلك إلا التغيير في الدين والتبديل, وإتباع الهوى ~~والتضليل {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} (المائدة: من الآية ~~77) وفي هذا الحديث تصريح بان من عمل عملا لا يرجع إلى دليل شرعه صلى الله ~~عليه وسلم أنه مردود, فكيف إن خالفه أو نافاه أو انتهك منه الحدود..؟! ~~وسواء فعله هو أو غيره, إذ لا فرق بين أن يكون محدثا لما فعله أو سبقه غيره ~~به فسلك طريقه المحدود, فكل فعل لم يكن على أمر الرسول فهو مردود غير ~~مقبول, وفاعله آثم ملعون, لمخالفته للهدى المسنون, فقد صح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله" (1) . ~~PageV01P122 # وقوله في حديث علي كما في صحيح مسلم: "لعن الله من أوى محدثا" (1) يتناول ~~هذا. # فتبين أنه لا يصح شيء من الأعمال, ولا يقبل إلا ms064 ما وافق الشريعة ~~المحمدية, ووردت به السنة في مواضعه, وما خرج عن ذلك فهو مردود. # وقولي (وردت به السنة في مواضعه) احتراز عن العبادات المشروع أصلها, ولكن ~~ينهى عنها بخصوصها في مواضع كصيام يوم العيد, والصلاة في أوقات النهي, وكذا ~~الصلاة عند القبور, فهذه مردودة؛ إذ لا يتقرب إلى الله تعالى بما نهى عنه. # والأحاديث في النهي عما ذكرناه كثيرة شهيرة, فلا نطيل بها. ومن ذلك: # من عمل عملا أصله مشروع وقربة, وأدخل فيه ما ليس بمشروع وأخل فيه بمشروع, ~~فهذا أيضا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به, أو إدخاله ما أدخل فيه, ~~فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة كمن ~~اخل بالطهارة للصلاة مع القدرة عليها, أو أخل بالركوع أو بالسجود أو ~~بالطمأنينة فيهما, فهذا عمله مردود عليه, وعليه إعادته إن كان فرضا. # وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة ~~عند من يوجبها, فهذا لا يقال إن عمله مردود من أصله, بل هو ناقص. # وأما إن أراد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه, ~~PageV01P123 # ولا يثاب عليها إذ ليست قربة, ولكن: # تارة يبطل بها العمل من أصله, كمن زاد في صلاته ركعة عمدا مثلا. # وتارة لا يبطل بها العمل, ولا يرد من أصله, كمن توضأ أربعا أو واصل في ~~صيامه. # وقد يبدل بعض ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه, كمن ستر عورته في ~~الصلاة بثوب محرم, أو توضأ للصلاة بماء مغصوب, أو صلى في بقعة مغصوبة, فهذا ~~قد اختلف فيه العلماء هل عمله مردود فيه من أصله, أو أنه غير مردود وتبرأ ~~به الذمة من عهده الواجب. # وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله. # وعن الإمام أحمد رحمه الله في ذلك روايتان, كما هو صريح عبارة موفق الدين ~~في الكافي, رحمه الله ويشبه هذا الحج بمال حرام. # وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه, ولكنه حديث لا ms065 يثبت, قاله الحافظ ~~ابن رجب رحمه الله تعالى (1) . # وقد اختلف العلماء في ذلك أيضا, هل يسقط به الفرض أم لا؟ # والأكثر على أنه لا يبطله إلا ما نهى عنه في الإحرام وهو الجماع, ولا ~~يبطله ما لا يختص بالإحرام من المحرمات كالقتل والسرقة وشرب الخمر. # وكذا الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهى عنه فيه بخصوصه, وهو جنس الأكل ~~والشرب والجماع, بخلاف ما نهي عنه الصائم لا بخصوص PageV01P124 # الصيام كالكذب والغيبة عند الجمهور. # قلت: ومما نهي عنه فيه بخصوص الحجامة, فمذهب الإمام أحمد رحمه الله ~~تعالى: إن من حجم أو احتجم يبطل صومه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أفطر الحاجم والمحجوم" (1) قال في الكافي: رواه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أحد عشر نفسا, وقال أحمد: حديث ثوبان وشداد صحيحان ... انتهى. # وكذلك الاعتكاف إنما يبطله ما نهى عنه فيه بخصوصه كالجماع, وأما بطلانه ~~"بالسكر" عند الأكثر, فلنهي السكران عن قربان المسجد, فصار كالحائض, ولا ~~يبطل بغير ذلك من الكبائر وخالف في ذلك طائفة من السلف منهم عطاء والزهري ~~والثوري ومالك وغيرهم, فقالوا تبطل بالكبائر. ومما نهى عنه بعينه أيضا ذبح ~~المحرم للصيد. هذا حاصل العمال المتعلقة بالعبادات. # وأما ما يتعلق منها بالمعاملات: كالعقود والفسوخ ونحوهما. # فما غير الأوضاع الشرعية كجعل حد الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك, فهو ~~مردود من أصله, ولا ينتقل به الملك؛ لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام. # ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سأله أن ابني كان عسيفا ~~(2) على PageV01P125 # فلان, فزنى بامرأته, فافتديت منه بمائة شاة وخادم, فقال: النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "المائة الشاة والخادم رد عليك, وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" ~~(1) . # وما كان منها عقدا منهيا عنه في الشرع: إما لكون المعقود عليه ليس محلا ~~للعقد, أو لفوات شرط فيه, أو لظلم يحصل به للمعقود معه, أو عليه, أو لكون ~~العقد يشغل عن ذكر الله تعالى الواجب عند تضايق وقته.. أو غير ذلك, فهذا ~~العقد قد اضطرب ms066 الناس فيه. # قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والأقرب إن شاء الله تعالى أنه: # [إن] كان النهي عنه لحق الله عز وجل, فهذا يفسد الملك بالكلية ونعني بكون ~~الحق لله تعالى: أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه. # وإن كان النهي عنه لحق آدمي معين, بحيث يسقط برضاه, فإنه يقف على رضاه به ~~, فإن رضي لزم العقد واستمر الملك, وإن لم يرض به فله الفسخ, فإن كان الذي ~~يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكلية كالزوجة والعبد في الطلاق والعتاق, فلا ~~عبرة برضاه ولا بسخطه, وإن كان النهي رفقا بالمنهي خاصة لما يلحقه من ~~المشقة, فخالف وارتكب المشقة لم يبطل بذلك عمله. # فأما الأول: وهو ما كان النهي عنه لحق الله, فله صور كثيرة: # منها: نكاح من يحرم نكاحه, إما لعينه كالمحرمات على التأبيد بسبب أو نسب ~~أو للجمع أو لفوات شرط ولا يسقط بالتراضي بإسقاطه: كنكاح المعتدة والمحرمة ~~والنكاح بغير ولي ونحو ذلك, فهذا يفسد الملك بالكلية. PageV01P126 # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين رجل وامرأة تزوجها وهي حبلى ~~(1) فرد النكاح لوقوعه في العدة. # ومنها: عقود الربا, فلا تفيد الملك ويؤمر بردها, وقد أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم من باع صاع تمر بصاعين أن يرد (2) . # ومنها: بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والكلب, وسائر ما نهى عنه ~~بيعه كبيع الغرر والغش وما يلحق بذلك, وكبيع الطعام قبل قبضه, وغير ذلك مما ~~لا يجوز التراضي ببيعه. # وأما الثاني: وهو ما كان النهي عنه لحق آدمي, فله صور عديدة: # منها: نكاح الولي من لا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها بغير إذنها, وقد رد ~~النبي صلى الله عليه وسلم نكاح امرأة ثيب, زوجها أبوها وهي كارهة (3) . ~~وروي عنه أنه خير امرأة زوجت بغير إذنها (4) . وفي بطلان هذا النكاح ووقوفه ~~على الإجازة روايتان عن أحمد. # وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرف لغيره في ماله بغير إذنه ~~PageV01P127 # لم يكن تصرفه باطلا من أصله, بل يقف على إجازته, فإن أجاز ms067 جاز, وإن رده ~~بطل, واستدلوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه للنبي صلى الله عليه وسلم ~~شاتين, وإنما كان أمره بشراء واحدة, ثم باع أحدهما وقبل النبي صلى الله ~~عليه وسلم (1) . # ومنها: تصرف المريض في ماله كله: هل يقع باطلا من أصله أم يقع تصرفه في ~~الثلثين على إجازة الورثة؟ فيه اختلاف. # وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه أن رجلا أعتق ستة مماليك له ~~عند موته, لا مال له غيرهم, فجزأهم ثلاثة أجزاء, فأعتق اثنين وأرق أربعة, ~~وقال له قولا شديدا (2) ولعل الورثة لم يجيزوا عتق الجميع. # ومنها: بيع المصراة وبيع النجش وتلقي الركبان (3) ونحو ذلك وفي صحته كله ~~اختلاف مشهور, فذهبت طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه, والصحيح أنه يصح ويقف ~~على إجازة من حصل له ظلم بذلك (4) , فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه جعل مشتري المصراة بالخيار (5) , وأنه جعل للركبان الخيار إذا ~~PageV01P128 # هبطوا السوق, وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله. # وأما بيع الحاضر للبادي, فمن صححه جعله من هذا القبيل, ومن أبطله جعل ~~الحق فيه لأهل البلد كلهم وهم غير منحصرين, فلا يتصور إسقاط حقوقهم, فصار ~~كحق الله تعالى. # ومنها: لو باع رقيقا يحرم التفريق بينهم, وفرق بينهم كالأم وولدها, فهل ~~يقع باطلا مردودا؟ وهو قول الأكثر. # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برد هذا البيع (1) , ونص أحمد ~~على أنه لا يجوز التفريق بينهم, ولو رضوا بذلك, وذهبت طائفة إلى جواز ~~التفريق بينهم برضاهم. # ومنها: لو خص بعض أولاده بالعطية دون بعض, فقد صح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه أمر بشير بن سعد لما خص ولده النعمان بالعطية أن يرده, ولم يدل ~~ذلك على أنه لم ينتقل الملك بذلك إلى الولد, فإن هذه العطية تصح وتقع ~~مراعاة, فإن سوى بين أولاده في العطية أو استرد ما أعطى الولد جاز, وإن مات ~~لم يفعل شيئا من ذلك فقال مجاهد: تبطل, وحكى عن أحمد نحوه ms068 والجمهور على ~~أنها لا تبطل, وهل للورثة الرجوع فيها أم لا؟ قولان مشهوران, هما روايتان ~~عن أحمد. كذا قال ابن رجب رحمه الله (2) . # قلت: مذهب مالك أنها حيث كانت في الصحة وجيزت قبل الموت PageV01P129 # أنها لا تبطل, وليس للورثة رجوع فيها بعد الموت, وإن كانت في المرض فهي ~~موقوفة على إجازة الورثة. # ومنها: الطلاق المنهي عنه كالطلاق في الحيض, فإنه إنما قيل ينهى عنه لحق ~~الزوج, حيث كان يخشى عليه أن يعقبه فيه الندم, فمن فعل شيئا منهيا عنه رفقا ~~به, ولكنه تجشم المشقة فإنه لا يحكم ببطلانه, كمن صام في المرض أو السفر أو ~~صلى قائما مع تضرره بذلك, أو اغتسل مع خشية الضرر على نفسه وأنواع هذا ~~كثيرة. # وقيل: إنما ينهى عنه (1) لحق المرأة لما فيه من الإضرار بها بتطويل ~~العدة, فلو رضيت بذلك بأن سألته الطلاق بعوص في الحيض, فهل يزول بذلك ~~تحريمه؟ فيه قولان مشهوران للعلماء, مشهور مذهب الشافعية والحنابلة زوال ~~التحريم. # وقد أطلنا الكلام في إيضاح هذا المقام؛ حرصا على الإفادة, ولينال الراغب ~~مراده, مع أن هذه الفروع نبذة من تفاريع هذا الحديث المرفوع, وإلا فالذي ~~تشهد به الألباب, أن هذا من جوامع كلم من أوتي الحكمة وفصل الخطاب, ففرائد ~~جواهره مكنونة, وفوائد ظواهره مخزونة, لا تحصى بعد ولا حساب, ولا يرتقي إلى ~~ذروتها كل دراك, بل العجز عن دركها هو الإدراك. # واعلم أرشدني الله تعالى وإياك إلى أقوم سنن, وصرف عني وعنك مضلات الفتن ~~أن هذا الحديث صريح في الحث والحض على الإتباع, ناطق بالتحذير عن الأهواء ~~والابتداع, فمن أخذ به فبالحق قد تمسك, وبالدين القيم قد تنسك, ومن خالفه ~~فقد هلك, واتبع سبيل الغي وسلك. PageV01P130 # خاتمة: اعلم أن هذا الحديث, ومما قدمناه من الكلام على الإخلاص الذي هو ~~تجريد العمل لله , الذي هو حق له على الاختصاص من العمل المتقبل لابد له من ~~شرطين, بإجماع أهل العلم من غير نزاع ولا مين: # أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده. # والثاني: أن يكون موافقا للشريعة. ms069 # كما نطقت بذلك الآيات المحكمات الصريحة, والأحاديث المشهورة الصحيحة, ~~فمتى كان العمل خالصا لله تعالى ولم يكن صوابا, صار ذلك على القطع سرابا, ~~أو كان موافقا للشريعة ولكنه غير خاص لوجه الله الكريم, فهو رد على الشريك؛ ~~لأن الله خير قسيم. # فتبين من هذا أن عمل غلاة أهل الطريقة الصوفية, ممن تعبد لله على جهالة, ~~أنه لا شك سفه وضلالة؛ بل هو فعل الرهبان, الذين كذبوا الرسل وأنكروا ~~القرآن, ولو فرض أنهم فيه مخلصون, فهو غير مقبول؛ لعدم موافقة هدي الرسول. # فمن تدبر أحوال أهواء المنتسبين إلى الصوفية, وما ابتدعوه من الرهبانية, ~~رآه في الحقيقة خرقا للسنة السنية, فأعمالهم مثل أعمال الرهبان, الذين أخبر ~~الله تعالى عنهم في القرآن فقال جل جلاله: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا} (الفرقان:23) وقال عز وجل {والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده} ~~(النور: من الآية 39) وقال سبحانه وتعالى: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ~~تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية} (الغاشية6-5) فقد تأولها بعض السلف على ~~ما ذكرته (1) . PageV01P131 # فأين حال هؤلاء الذين خرقوا منهاج هذه الملة, وخرجوا من واضحها إلى ~~الهواء والبدع المضلة, من حال من قال الله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله ~~وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (البقرة:112) ؟. # قال سعيد بن جبير {بلى من أسلم} أي: أخلص {وجهه} , أي: دينه {وهو محسن} ~~أي: متبع الرسول صلى الله عليه وسلم وكذا قال غيره. وقيل: أخلص العمل لله ~~وحده لا شريك له. # وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة, ولكن عامله لم يخلص ~~القصد لله تعالى, فعمله أيضا مردود, وهذه حال المرائين والمنافقين. قال ~~الله جل جلاله: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} (النساء:142) ~~وقال تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ~~ويمنعون الماعون} ms070 (الماعون 4-7) وقال سبحانه وتعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (الكهف: من الآية 110) . # وقد ضمن عز وجل لمن أخلص العمل وأحسنه الأجور, وأمنهم من كل مكروه ~~ومحذور, فلا يجول ذلك لهم في صدور, ولا يحول ما هم فيه من الحبور, ولا يزول ~~ما آتوا من البشرى والأنس والسرور, {خوف عليهم} (البقرة: من الآية 38) فيما ~~يستقبلونه, {ولا هم يحزنون} على ما مضى مما يتركونه. # PageV01P132 ### | الفصل السادس: في أمره صلى الله عليه وسلم عند الاختلاف بالتمسك بسنته وسنة خلفائه الراشدين # , التي هي منهاج النجاة والهداية, وتحذيره من ارتكاب البدع التي هي سبيل ~~الضلالة والغواية # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (النساء:59) وقال تعالى: {وإذا ~~قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك ~~صدودا} (النساء:61) وقال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله} (النساء: من الآية 64) وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} ~~(النساء:65) وقال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء:115) وقال ~~تعالى: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ~~فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما} (النساء: 174-175) وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ~~ويميت} إلى قوله {واتبعوه لعلكم تهتدون} (الأعراف: 158) وقال تعالى: {كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز ~~الحميد} (إبراهيم: من الآية 1) وقال تعالى: {وادع إلى ربك إنك لعلى هدى ~~مستقيم} (الحج: من ms071 الآية 67) وقال: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل # PageV01P135 # ضلالا مبينا} (الأحزاب:36) وقال تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} (الأحزاب:46) وقال ~~تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما ~~في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} (الشورى:53) . # أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من رواية ثور بن يزيد عن ~~خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية قال: ~~وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة, وجلت منها القلوب, وذرفت ~~منها العيون فقلنا: يا رسول الله, كأنها موعظة مودع, فأوصنا قال: "أوصيكم ~~بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى ~~اختلافا كثيرا, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, عضوا عليها ~~بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل بدعة ضلالة" زاد ابن ماجة "فقد ~~تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (1) . # قوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله} أي: اتبعوا كتابه الكريم, ~~الهادي إلى سبل السلام والصراط المستقيم, واعتصموا به؛ فإنه الحبل المتين, ~~والنور الواضح المبين, والشفاء لما في الصدور, والمخرج من الظلمات إلى ~~النور. فمن ترك العمل ببراهينه وحججه, وعدل عن قيم منهجه, فقد نبذه وراء ~~ظهره, واتخذه نسيا منسيا, وتوغل في غلو كفره, وسوف يلقون غيا. # {وأطيعوا الرسول} أي: تمسكوا بسنته المضيئة النوار, وخذوا بطريقته ~~الوضيئة المنارة السمحة الرافعة للأغلال والآصار, فمن لزمها فاز بالرضوان ~~والسلامة, في دار النعيم والمقامة, ومن أخطأها فقد باء بالخسران والندامة. ~~PageV01P136 # وقد قرن الله تعالى في كتابه طاعته بطاعة نبيه المصطفى, وكفى بذلك لجنابه ~~شرفا, وبين في كثير من الآيات أن من أطاع رسوله فقد أطاعه, ومن عصى أمره ~~فقد عصى الله وأضاعه. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه ms072 وسلم: "من أطاعني فقد أطاع الله, ومن عصاني فقد ~~عصى الله" (1) . # وقوله: {وأولي الأمر} المراد بهم أمراء المسلمين في عهد الرسول (صلى الله ~~عليه وسلم وكذلك بعده؛ لأن السبب وإن كان خاصا فالحكم عام قطعا. # فقد روى البخاري عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس, إذ ~~بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية (2) . وروى الإمام أحمد بسنده عن ~~علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل ~~عليهم رجلا من الأنصار, فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال: أليس قد أمركم ~~رسول الله أن تطيعوني قالوا: بلى قال: فأجمعوا لي حطبا, ثم دعا بنار ~~فأضرمها فيه, ثم قال: قد عزمت عليكم لتدخلنها قال شاب: إنما فررتم إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من النار, فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها قال: فرجعوا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال لهم: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا, إنما الطاعة في ~~المعروف". وقد خرجاه أيضا في الصحيحين (3) . وقد دلت الآية على وجوب طاعة ~~الأمراء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده, ويندرج في ذلك القضاة ~~وأمراء السرايا. وفي الحديث: "من أطاع أميري فقد أطاعني, ومن عصى أميري فقد ~~عصاني" (4) . PageV01P137 # وصرحت الأحاديث على أن وجوب طاعتهم في غير المعصية. # فقوله: {وأولي الأمر} أي: وأطيعوا أولي الأمر فيما أمروكم به من طاعة ~~الله تعالى لا في معصية الله, فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, وفي ~~الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية, ~~فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (1) . وعن أبي هريرة أن النبي قال: ~~"سيلي عليكم بعدي ولاة, فيليكم البر ببره, ويليكم الفاجر بفجره, فاسمعوا ~~لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم, فإن أحسنوا فلكم ولهم, وإن ms073 ~~أساءوا فلكم وعليهم" (2) . # وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من رأى من أمير شيئا فكرهه فليصبر, فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا ~~فيموت إلا مات ميتة جاهلية" (3) . # وقيل: المراد ب {وأولي الأمر} أهل الفقه والدين, روي عن ابن عباس ومجاهد ~~وعطاء والحسن وأبو العالية قال الحافظ ابن كثير: "والظاهر أنها عامة في كل ~~من ولي أمرا كالأمراء والعلماء, قال الله تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون ~~والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} (المائدة: من الآية 63) وقال تعالى: ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (الأنبياء: 7) وقوله: PageV01P138 # {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} (النساء: من الآية 59) , ~~قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله" (1) # أمر الله تعالى عباده المؤمنين إذا اختلفوا في فرع أو أصل من أصول الدين ~~أمر إلزام وإيجاب أن يرجعوا في ذلك الأمر الكتاب وسنة الرسول الكاشفة لكثيف ~~الحجاب, الجالية دياجر الشك والارتياب, المسفرة بضياء الحق والصواب, فبهما ~~يكون فصل الخطاب. فما شهد له بالصحة فهو الحق الذي هم فيه مختلفون وماذا ~~بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون. ويشهد لذلك قوله: {وما اختلفتم فيه من ~~شيء فحكمه إلى الله} (الشورى: من الآية 10) أي: فما حكم به من كتاب الله ~~وسنة الرسول هو فصل التنازع, فلا يجوز عنه العدول, فمن لم يرض بهما حكما ~~عند النزاع, فهو كافر مباح الدم والمال بالإجماع. ولهذا قال: {إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر} . فإن الإيمان يوجب ذلك. وقوله: {ذلك خير} أي: ~~التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله, والرجوع إليهم في فصل النزاع في فروع ~~الدين وأصوله. {وأحسن تأويلا} أي: أحسن مآلا ومآبا, أو أحسن جزاء وثوابا. # وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} (النساء:61) سبب ~~نزول هذه الآية والتي قبلها, أن منافقا ويهوديا تخاصما, واليهودي يريد ~~النبي, والمنافق يريد كعب بن الأشرف, ثم تراضيا عمر بن الخطاب, فلما استقرأ ~~حالهما قتل المنافق, وقال: هكذا أقضي ms074 لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله. وقيل: ~~نزلت في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام PageV01P139 # أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. والآية كما قال ابن كثير أعم من ~~ذلك كله, فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من ~~الباطل (1) . # وقوله: {يصدون عنك صدودا} (النساء: من الآية 61) أي يعرضون عنك إعراضا ~~كالمستكبرين عن ذلك, ويقولون ما ذكر الله عنهم {بل نتبع ما ألفينا عليه ~~آباءنا} (البقرة: من الآية 170) وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله ~~فيهم: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا} (النور: من الآية 51) . # وقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} (النساء: من ~~الآية 64) أي: فرضت طاعته على من أرسلتهم إليهم, وأوجبت ذلك عليهم, ولكن لا ~~يطيع أحد إلا بإذني, وبتوفيقي ومشيئتي. # وقوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} (النساء: من ~~الآية 65) أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور, فما حكم به فهو الحق الذي تنشرح ~~به الصدور, ويجب له في الظاهر والباطن الانقياد, والرضا بما حكم والتسليم ~~وعدم الحرج والانتقاد. فيتلقى بالقبول من غير ممانعة, ولا مدافعة ولا ~~منازعة. ويشهد لهذا ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال صلى الله ~~عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". (2) # وسبب نزول هذه الآية كما رواه البخاري عن عروة قال: خاصم الزبير ~~PageV01P140 # رجلا من الأنصار في شراج (1) من الحرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"اسق يا زبير, ثم أرسل إلى جارك" فقال الأنصاري: إن كان ابن عمتك, فتلون ~~وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى ترجع ~~إلى الجدار ثم أرسل الماء إلى جارك" (2) الحديث. # وقد نزلت في الزبير وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء, فقضى النبي أن ~~يسقي الأعلى ثم الأسفل. (3) # وهذه ms075 الآية أيضا كما ترى صريحة الدلالة على أن من لم يرض بتحكيم سنته ~~فإنه كافر يستوجب القتل؛ لأن من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته. # قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} (النساء: من ~~الآية 115) أي: ومن سلك غير الطريقة التي أوضحها الرسول, والشريعة التي كل ~~ما سواه غير مقبول, من بعد ما اتضح له الهدى, وتبين له الضلال والردى, ~~{ويتبع غير سبيل المؤمنين} وهذا ملازم للصفة الأولى, ولكن قد تكون المخالفة ~~لنص الشارع, وقد تكون المخالفة لإجماع الأمة؛ لأنه كالنص القاطع؛ لأن الله ~~تعالى قد عصمها أن تجتمع على ضلالة, فلا يظهر على أهل الحق أهل الجهالة, ~~ولا يكون الحق مهجورا في جميع الأمصار والأعصار. ومن قال غير هذا فهو مخالف ~~لما صح في الأحاديث والأخبار, وتواترت به الآثار, بل زايغ عن سبيل نبيه ~~المختار. قوله: {نوله ما تولى} أي نجعله واليا لما تولى من الضلال والآصار, ~~PageV01P141 # ونخلي بينه وبين ما أحبه واختاره {ونصله جهنم} ندخله ونعذبه في النار ~~{وساءت مصيرا} للمنافقين والكفار. (1) # وقوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} (النساء: من الآية ~~174) هذا خطاب من الله لجميع الناس وإخبار بأنهم قد جاءهم برهان, وهو ~~الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة. # {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} ضياء واضحا, قال غير واحد: هو القران. # والبرهان: قيل إنه الرسول أيضا, ثم بين صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة ~~بقوله: {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به} , فاخبر أنهم في الدنيا في ~~منهاج الاستقامة وطريق السلامة, وفي الآخرة على الصراط المستقيم, المفضي به ~~إلى روضات النعيم. # وقوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} (الأعراف: من ~~الآية 158) أي: قل يا محمد {يا أيها الناس} الآية وهذا خطاب للأسود, ~~والحمر, والعربي, والعجمي, وهذا من شرفه أنه خاتم النبيين, وانه مبعوث إلى ~~الناس كافة, وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي ~~نفسي بيده, لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ms076 ثم لا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان ~~من أصحاب النار" رواه الإمام أحمد (2) . # وقوله تعالى: {وماكان لمؤمن ولا مؤمنة} (الأحزاب: من الآية 36) أي: ما صح ~~له {إذا قضى الله ورسوله أمرا} أي: إذا قضى رسول الله وإنما ذكر الله تعالى ~~لتعظيم أمر الرسول, وللإعلام بأن قضاءه الذي يقضي به وحكمه الذي يحكم به ~~أنه قضاء الله تعالى فلا يجوز عنه العدول, لأنه PageV01P142 # لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. # وقوله: {أن يكون لهم الخيرة} يعني: أن يختاروا من أمرهم شيئا, بل يجب ~~عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله ورسوله, والخيرة: (كعنبة) ما ~~يتخير. # وقوله تعالى: {وداعيا إلى الله} أي: إلى توحيده وعبادته {بإذنه} أي: ~~بتيسيره, {وسراجا منيرا} (الأحزاب:46) يستضاء به عن ظلمات الجهالة والردى, ~~وتقتبس من أنوار الهدى. ومن كان برهانا على جميع الخلق كان حقيقا بان يكتفي ~~به عن غيره. # قول العرباض: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة" في رواية أحمد ~~وأبي داود والترمذي "بليغة" وفي رواية: "أن ذلك كان بعد صلاة الصبح", وكان ~~كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة كالجمعة والأعياد, وقد أمره الله ~~تعالى بذلك فقال: {وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} (النساء: من الآية ~~63) , وقال: {ادع إلى سبيل ربك} (النحل: من الآية 125) ولكنه كان لا يديم ~~وعظهم بل يتخولهم به إحيانا والبلاغة في الموعظة مستحسنة؛ لأنها أقرب إلى ~~قبول القلوب واستجلابها. # والبلاغة: هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة, وإيصالها إلى قلوب ~~السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها, وأفصحها وأحلاها للأسماع ~~وأوقعها للقلوب, وكان يقصر خطبته ولا يطيلها, بل كان يبلغ ويجيز. # وقوله: "ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب" هذان الوصفان مدح الله ~~تعالى بهما المؤمنين عند سماع الذكر كما قال عز وجل: {الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم} (لأنفال: من الآية 2) وقال: {وبشر المخبتين الذين إذا # PageV01P143 # ذكر الله وجلت قلوبهم} (الحج: الآية 34-35) وقال: {ألم يأن للذين آمنوا ~~أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ms077 الحق} (الحديد: من الآية 16) وقال: ~~{الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} (الزمر: من الآية 23) وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتغير حاله عند الموعظة كما قال جابر: "كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه, وعلا صوته, واحمرت ~~عيناه, كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم". خرجه البخاري ومسلم (1) # وقوله: "يا رسول الله, كأنها موعظة مودع, فأوصنا" يدل على أنه صلى الله ~~عليه وسلم قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها, فلذلك فهموا أنها ~~موعظة مودع؛ فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل, وكذلك ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي صلاة مودع؛ لأن من استشعر أنه مودع ~~بصلاته أتقنها على أكمل وجهها, ولربما كان قد وقع منه تعريض بالتوديع في ~~تلك الخطبة, كما عرض بذلك في خطبته في حجة الوداع, وقال: "لا أدري لعلي لا ~~ألقاكم بعد عامي هذا" (2) وطفق يودع الناس, فقالوا: هذه حجة الوداع, ولما ~~رجع من حجه إلى المدينة, جمع الناس بماء بين مكة والمدينة يسمى خما, وخطبهم ~~فقال: "يا أيها الناس, إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب" ثم حض ~~على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته. خرجه مسلم. (3) (4) . PageV01P144 # وقولهم: (فأوصانا) يريدون وصية جامعة كافية, فإنهم لما فهموا أنه مودع ~~استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده, ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها, ~~وسعادة له في الدنيا والآخرة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "أوصيكم بتقوى الله, والسمع والطاعة" هاتان ~~كلمتان جامعتان للشرف والسيادة, والفوز والسعادة, وبهما تنال الدرجة ~~العالية الطولة في الآخرة والأولى (1) . # أما التقوى فهي أشرف الخصال وأسناها, وأجلها قدرا وأسماها, بل كل مكرمة ~~ناشئة عنها, وكل منقبة فاشية منها, وناهيك بها من خصلة خصها الله تعالى ~~بالوصية, وعم الإيصاء بها الأولين والآخرين من البرية, فقال: {ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا} (النساء: من الآية ms078 131) . # واصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقية من ذلك, ~~وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه. # وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله تعالى كقوله: {واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون} (المجادلة: من الآية 9) {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر ~~نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (الحشر:18) , فإذا ~~أضيفت التقوى إليه سبحانه, فالمعنى: اتقوا سخطه وغضبه, وهو أعظم ما يتقي, ~~وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي. قال تعالى: {ويحذركم الله نفسه} (آل ~~عمران: من الآية 28) وقال تعالى: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} (المدثر: من ~~الآية 56) فهو جل جلاله أهل أن يخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عباده, حتى ~~يعبدوه ويطيعوه, لما يستحقه من الإجلال والإكرام PageV01P145 # وصفات الكبرياء والعظمة, وقوة البطش وشدة البأس. # ففي الحديث عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: ~~"أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن أغفر له" ~~(1) . # وتارة تضاف إلى عقاب الله, وإلى ما كان عقابه وزمانه. قال تعالى: {واتقوا ~~النار التي أعدت للكافرين} (آل عمران:131) وقال تعالى: {واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله} (البقرة: من الآية 281) {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس ~~شيئا} (البقرة: من الآية 48) . # قال معاذ بن جبل: "ينادى يوم القيامة أين المتقون؟ فيقومون في كنف الرحمن ~~لا يحتجب عنهم ولا يستتر, قالوا له: من المتقون قال: قوم ألغوا الشرك ~~وعبادة الأوثان واخلصوا لله بالعبادة" (2) . فأعظم ما يتقى الشرك؛ لأنه ~~الذنب الذي لا يغفر كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء} (النساء: من الآية 48) وحرم الله على من أشرك به في ~~عبادته الجنة كما قال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه ~~النار} (المائدة: من الآية 72) . # وفي البخاري عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات وهو ~~يدعوا لله ندا دخل النار" (3) . # وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول ms079 الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي ~~الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة, ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار". (4) ~~PageV01P146 # قال ابن عباس: "المتقون الذي يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من ~~الهدى, ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به". # وقال الحسن: "المتقون اتقوا ما حرم عليهم, وأدوا ما افترض عليهم". # وفي الحديث: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به ~~حذرا مما به بأس" (1) . وحديث: "من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" (2) . # وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} (آل عمران: من ~~الآية 102) قال: "أن يطاع فلا يعصى, وأن يذكر فلا ينسى, وأن يشكر فلا ~~يكفر". خرجه الحاكم (3) وشكره يدخل في جميع فعل الطاعات. # ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته, وسكناته, ~~وكلماته, فيمتثلها, ونواهيه في ذلك كله فيجتنبها, وحقيقتها. اجتناب المناهي ~~وامتثال الأوامر في الباطن والظاهر. (4) # فبالجملة: هي وصية الله لجميع خلقه, ووصية رسوله لأمته. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه ~~بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا (5) . # وفي حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله أوصني قال: "أوصيك بتقوى الله؛ فإنه ~~رأس الأمر كله". وهو حديث طويل خرجه ابن حبان (6) . PageV01P147 # وحديث معاذ بن جبل: "اتق الله حيث ما كنت". # وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قلت يا رسول الله, أوصني ~~قال: "أوصيك بتقوى الله, فإنها رأس كل شيء, وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية ~~الإسلام" وفي رواية: "عليك بتقوى الله, فإنه جماع كل خير" (1) . # وخرج الترمذي عن يزيد بن سلمة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله, إني سمعت منك حديثا كثيرا فأخاف أن ينسيني أوله آخره, فحدثني ~~بكلمة تكون جماعا قال: "اتق الله فيما تعلم". (2) . # ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها, ويوصون بها في خطبهم. # والتقوى في السر: هي علامة كمال الإيمان, ولها تأثير عظيم في إلقاء ms080 الله ~~تعالى لصاحبها المحبة والثناء في قلوب المؤمنين. # ويدل على ذلك قوله جلاله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا} (مريم:96) . # وحديث: "إذا أحب الله تعالى عبدا نادى جبريل أني أحب فلانا ... إلى آخر ~~قوله فيوضع له القبول" (3) . # قال أبو الدرداء: "ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر, يخلو ~~بمعاصي الله, فيلقي الله تعالى البغض في قلوب المؤمنين". PageV01P148 # وقال سليمان التيمي: "إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته". ~~وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرات العمال في الدنيا ~~قبل الآخرة, ولا يضيع عنده عمل عامل, ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار, ~~فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله, فإن من أصلح ما بينه وبين الله, أصلح ~~الله ما بينه وبين الخلق, ومن التمس محامد الناس بسخط الله عاد حامده من ~~الناس ذاما. (1) # انتهى الكلام على التقوى, ومقامها يستدعي الإطناب لا الاختصار, ولكن لا ~~يليق بهذه الأوراق إلا الاقتصار, ولو تتبعنا ما ورد فيها من الآيات ~~والأخبار, وما ثبت عن السلف الصالح فيها من الآثار, لاستدعى حمله من ~~الأسفار. # وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا, وبها تنتظم ~~مصالح العباد في معايشهم, وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم, كما ~~قال علي رضي الله عنه: "إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر, إن كان ~~فاجرا عبد المؤمن فيه ربه, وحمل الفاجر فيها إلى أجله" (2) . # وقال الحسن في الأمراء: "هم يلون من أمورنا خمسا: الجمعة, والجماعة, ~~والعيد, والثغور, والحدود, والله ما يستقيم الدين إلا بهم, وإن جاروا ~~وظلموا, والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون, مع أن والله إن طاعتهم ~~لغيظ وأن فرقتهم لكفر". # وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي أمامة قال: سمعت PageV01P149 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: "اتقوا الله, ~~وصلوا خمسكم, وصوموا شهركم, وأدوا زكاة أموالكم, وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا ~~جنة ربكم" (1) . # وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي ms081 صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله ~~لا يشرك به شيئا, وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا, وسمع وأطاع فله ~~الجنة, أو دخل الجنة" (2) . # وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإن تأمر عليكم عبد" وفي رواية "حبشي" هذا ~~مما تكاثرت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما اطلع الله ~~تعالى النبي صلى الله عليه وسلم من أمر أمته بعده , وولاية العبيد عليهم, ~~وفي صحيح البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اسمعوا وأطيعوا ~~وإن أستعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" (3) . # وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن ~~أسمع وأطيع ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف" (4) (5) . # والأحاديث في هذا كثيرة لا تحصى, والآثار لا تعد ولا تستقصى. PageV01P150 # وقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا, فعليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ". # هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف ~~في أصول الدين وفروعه, وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات, وهذا موافق لما ~~روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة, وأنها كلها في النار إلا فرقة ~~واحدة وهي من كان على ما هو عليه وأصحابه. وكذلك في هذا الحديث الأمر عند ~~الاختلاف والافتراق بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده. # والسنة هي: الطريقة المسلوكة, فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه ~~الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال, وهذه هي السنة الكاملة. ولهذا ~~كان السلف قديما لا يطلقون السنة إلا على ما يشمل ذلك, وكثير من العلماء ~~المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين, والمخالف ~~على خطر عظيم. # وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه ~~لا طاعة لأولي الأمر إلا في طاعة الله تعالى, كما صح عنه أنه قال: "إنما ~~الطاعة في المعروف" (1) . # وفي المسند عن انس أن معاذ بن جبل قال: يا ms082 رسول الله, أرأيت إن كانت ~~علينا أمراء لا يستنون بسنتك, ولا يأخذون بأمرك, فما تأمر في أمرهم؟ فقال: ~~"سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون من السنة, ويعملون بالبدعة, ويؤخرون الصلاة ~~عن مواقيتها" فقلت: يا رسول الله, إن PageV01P151 # أدركتهم كيف أفعل؟ قال: "لا طاعة لمن عصى الله" (1) . # وفي أمره صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره ~~بالسمع والطاعة لولاة الأمور عموما دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة ~~كاتباع سنته, بخلاف غيرهم من ولاة الأمور. # وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم جلوسا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم, ~~فاقتدوا بالذين من بعدي, وأشار إلى أبي بكر وعمر, وتمسكوا بعهد عمار, وما ~~حدثكم ابن مسعود فصدقوه". وفي رواية "تمسكوا بعهد ابن أم عبد واهتدوا بهدي ~~عمار" (2) . # فنص صلى الله عليه وسلم في آخر عمره على من يقتدي به من بعده, والخلفاء ~~الراشدون الذين أمر الاقتداء بهم هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله ~~عنهم, فإن حديث سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الخلافة بعدي ثلاثون ~~سنة ثم تكون ملكا". (3) PageV01P152 # قال مالك رحمه الله: "قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: سن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا, الأخذ بها اعتصام بكتاب ~~الله, قوة على دين الله, ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها, ولا النظر في أمر ~~خالفها, من اهتدى بها, فهو مهتد, ومن استنصر بها فهو منصور, ومن تركها ~~واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى, وأصلاه جهنم وساءت مصيرا" (1) ~~. # وقال خلف بن خليفة: "شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة فقال ~~في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه, فهو وظيفة ~~دين نأخذ به وننتهي إليه" (2) . # وقد روى أبو نعيم من حديث عفيف الكندي (3) أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إنه سيحدث بعدي أشياء فأحبها إلي ms083 أن تلزموا ما أحدث عمر". # وكان علي يتبع أحكامه وقضاياه ويقول: "إن عمر كان رشيد الأمر" (4) . ~~PageV01P153 # وروى أشعث عن الشعبي قال: إذا اختلف الناس في شيء, فانظر عمر فخذوا به" ~~(1) . وكذا قال أيوب عنه. # وروي عن ابن مسعود أنه كان يحلف بالله: "إن الصراط المستقيم هو الذين ثبت ~~عليه عمر حتى دخل الجنة" (2) . # وبكل حال فما جمع عليه عمر الصحابة, فاجتمعوا عليه في عصره فلا شك أنه ~~الحق , ولو خالف فيه بعد ذلك من خالف. وإنما وصف الخلفاء بالراشدين؛ لأنهم ~~عرفوا الحق وقضوا به, والراشد ضد الغاوي, والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه ~~(3) . # وفي رواية "المهديين" يعني: أن الله تعالى يهديهم للحق, ولا يضلهم عنه, ~~فالأقسام ثلاثة: راشد, وغاو, وضال, فالراشد عرف الحق واتبعه, والغوي: عرف ~~الحق ولم يتبعه, والضال: لم يعرفه بالكلية. # فكل راشد فهو مهتد, وكل مهتد هداية تامة فهو راشد؛ لأن الهداية إنما تتم ~~بمعرفة الحق والعمل به أيضا. # وقوله: "عضوا عليها بالنواجذ" كناية عن شدة التمسك بها, والنواجذ: ~~الأضراس. # قوله: "إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة" تحذير للأمة من إتباع ~~الأمور المحدثة المبتدعة, وأكد ذلك بقوله: "كل بدعة ضلالة". # والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه, فأما ما ~~كان له أصل في الشريعة يدل عليه فليس ببدعة شرعا, وإن كان بدعة PageV01P154 # لغة, وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول في خطبته: "إن خير الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد, وشر ~~الأمور محدثاتها, وكل بدعة ضلالة" (1) . # وخرج الترمذي وابن ماجة من حديث كثير بن عبد الله المزني وفيه ضعف عن ~~أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتدع بدعة ضلالة لا ~~يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها, لا ينقص ذلك من أوزارهم ~~شيئا" (2) . # وخرج الإمام أحمد من رواية غضيف بن الحارث الثمالي قال: بعث إلي عبد ~~الملك بن مروان فقال: إنا قد جمعنا ms084 الناس على أمرين: رفع الأيدي على ~~المنابر يوم الجمعة, والقصص بعد الصبح والعصر, فقال: أما إنها أمثل بدعتكم ~~عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منها, لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما ~~أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة" فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة" (3) ~~. # فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج عنه ~~شيء, وهو أصل من أصول الدين, وهو شبيه بقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس ~~منه فهو رد" (4) . فكل من أحدث شيئا, ونسبه إلى الدين, ولم PageV01P155 # يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة, والدين بريء منه, وسواء في ذلك ~~مسائل الاعتقادات, أو الأعمال, أو الأقوال الظاهرة والباطنة (1) . # فالمحدثات ضربان: # ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلال. # وما أحدث من الخير مما لا خلاف فيه لواحد مما ذكر فهي محدثة غير مذمومة ~~(2) . # فمن ذلك: جمع عمر رضي الله عنه الناس في قيام رمضان على إمام واحد في ~~المسجد (3) . # ومن ذلك: أذان الجمعة الأول (4) زاده عثمان لحاجة الناس إليه, وأقره علي ~~رضي الله عنهما, واستمر عمل المسلمين. # ومن ذلك: جمع المصحف في كتاب واحد توقف فيه زيد بن ثابت, ثم وافق أبا بكر ~~وعمر رضي الله عنهم على جمعه لما علم انه مصلحة (5) . PageV01P156 # ومن ذلك: جمع عثمان الأمة على مصحف واحد, وإعدام ما سواه مما يخالفه خشية ~~تفرق الأمة, فاستحسنه علي وأكثر الصحابة, وكان ذلك عين المصلحة. # وكذلك قتال ما نعي الزكاة: توقف فيه عمر وغيره, حتى بين لهم أبو بكر رضي ~~الله عنه أصله الذي يرجع إليه من الشريعة, فوافقه الناس على ذلك. # ومن ذلك: كتابة الحديث نهى عنه عمر وطائفة من الصحابة, ورخص فيه ~~الأكثرون, واستدلوا بأحاديث من السنة. # وكذلك: تفسير الحديث والقرآن. # وفي هذه الأزمان التي بعد العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم ~~من ذلك كله, ليتميز به ما كان من العلم موجودا في زمانهم, وما ms085 حدث من ذلك ~~بعدهم, فيعلم بذلك السنة من البدعة. # وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على ~~الفطرة, وإنكم ستحدثون ويحدث لكم, فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول. ~~(1) وابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين. # وروى ابن مهدي عن مالك قال: "لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان" (2) . # وكأن مالكا يشير بالأهواء إلى ما حدث في التفرق في أصول PageV01P157 # الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة وغيرهم من الفرق الضالة, ~~وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال الله تعالى من قضائه وقدره, فكذب ~~بذلك من كذب, وزعم انه نزه الله بذلك من الظلم. # وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته مما سكت عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. # فقوم نفروا كثيرا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك, وزعموا أنهم فعلوه ~~تنزيها لله تعالى عما تقتضي العقول تنزيهه عنه, وزعموا أن لازم ذلك مستحيل ~~على الله تعالى. # وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى ~~المخلوقين, وهذه اللوازم نفيا وإثباتا درج صدر الأمة على السكوت عنها. # ومما حدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين: الكلام في الحلال والحرام ~~بمجرد الرأي, ورد كثير مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته للرأي والأقيسة ~~العقلية. # ومما حدث بعد ذلك: الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف, وزعم أن الحقيقة ~~تنافي الشريعة, وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة, وأنه لا حاجة إلى ~~الأعمال, وأنها حجاب, أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام, وربما انضم ~~إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يعلم قطعا مخالفته للكتاب والسنة ~~وإجماع سلف الأمة {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (البقرة: من الآية ~~213) . (1) PageV01P158 # خاتمة في الكلام على شيء من بدع الضلالة التي أحدثها أهل الأهواء والسفه ~~والجهالة, وعمت البلوى بها في سائر الأقطار, على توالي الأعوام والأعصار, ms086 ~~فهي في عامة البلدان, محكمة الدعائم والأركان, منشورة فيها لها الأعلام, ~~مشهورة بين الخاص والعام, غلب على أهلها الهوى فمالوا إليها, واستجالهم ~~الشيطان فحملهم عليها, وزين لهم أنها الوسيلة إلى رب الأرباب, والقربة التي ~~تنجي من العذاب, {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن ~~سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} (ص: من الآية 26) . # فمن ذلك: ما بني في كل بلد من القباب, والمشاهد التي لا ينكر وجودها أحد, ~~ولا تكاد تحصى بحساب ولا عدد, ورفع القبور التي فيها وتغطيتها بالتوابيت ~~المتخذة من الأخشاب, ونشر غالي اللباس عليها وغالي الثياب, وتخليقها في ~~كثير من الأيام والليالي بأنواع الأطياب, وغلقها بالأقفال والأبواب, واتخاذ ~~السدنة لها والنواب, وقصدهم بفعل هذه البدع الرجسية الذميمة, وتعظيمهم ~~لعظائم هؤلاء الموتى الرميمة, وإيقاع الإجلال لهم, والخوف منهم, والرغبة ~~فيهم, والتوقير في قلوب العباد, حتى استمالوها واستحوذوا عليها, وكانوا لها ~~عبادا, واعتقدوا فيها جلب النفع ودفع الضر ونيل المدد والإمداد, وحصول ~~السعادة والإسعاد وصيروهم من دون الله أندادا, والغاية من هذه الأمور التي ~~هي الكفر والشرك والإلحاد, والتوصل لإلى الدنيا والاصطياد بهذه الحبائل ~~التي لا تزال كل يوم لهم تصطاد, وقد أدركوا بهذا السؤال والمراد, ونالوا ~~كثيرا من الأموال بسبب ما أظهروه من الاعتقاد, ولم يبالوا بما وقعوا فيه من ~~الطرد والإبعاد, عن جناب من تقدس بوحدانيته, وتنزه في # PageV01P159 # صمدانيته, عن الشريك والمثيل والأنداد والأضداد, فويل لهم ثم ويل لهم يوم ~~يقوم الأشهاد. # واعلم أن ما ذكرته من هذه الأحوال والأمور, التي لا يفعلها إلا كل ظالم ~~كفور, من تعظيم أصحاب القبور, ووقوع الخوف في القلوب منها والمهابة, ولهذا ~~لا تهاب الكعبة المشرفة, ويهاب الميت فلا يطأ أحد بسوء أعتابه, ولا تنتهك ~~حتى في الظلمة حماه ولا جنابه. كلها مضادة للصراط المستقيم, ومنابذة لأوضاع ~~الشرع القويم, هاتكة جناب الحنفية السمحاء وحماها, ومغيرة رسومها بعد ما ~~شادها الرسول وحماها, عادلة عن منهاجها الأقوم, وصراطها الواضح الأعظم, ~~مائلة إلى الملة المظلمة المنهاج, ونائلة ms087 أربابها هلاك الأبد في تلك ~~الفجاج, البينة الانحراف عن الدين القيم والبالغة في الاعوجاج, فمن تدبر ~~كتاب الله المبين, وتأمل كلام رسوله الأمين, وتحقق أن ما ذكرته يزيد على ~~أفعال المشركين, ويشهد لذلك أن قريشا وغيرهم مخلصون لله في الشدائد, وهؤلاء ~~يدعون الأنداد إذا حل بهم الكرب العظيم الزائد. # فقد صح أمره صلى الله عليه وسلم بإزالة المعبدات والأوثان, وطمس التماثيل ~~وهدم القبور المشرفة البنيان, وفعل ذلك أصحابه اتباعا لهديه فيما فتحوه من ~~البلدان, إذا لا يجوز بقاء مراسم الشرك في مكان, بل تجب المبادرة إلى ~~إزالتها على أهل الإيمان وهذا مسجد الضرار, وقطع عمر رضي الله عنه الشجرة ~~التي بويع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها لما أخبر أن أناسا ينتابونها (1) ~~, وأمر صلى الله عليه وسلم أن يعموا قبر دانيال لما فتحوا تستر فوجدوه في ~~بيت الهرمزان على PageV01P160 # سرير, وعند رأسه صحف (1) , فأين قوله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي ~~طالب: "لا تدع تمثالا إلا طمسته, ولا قبرا مشرفا إلا سويته (2) " من حال ~~أصحاب هذه البدع التي زادت في غلوها وإشرافها, فرأوا دين الله في رفع ~~القبور وإشرافها. # وفي الحديث عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص ~~القبر, وأن يبنى عليه, وأن يعقد عليه. رواه مسلم (3) . وروى عقبة بن عامر ~~قال: "لا تجعل على القبر من التراب أكثر مما خرج منه" (4) . # ومن ذلك: دعاؤهم أصحاب هذه القبور, والالتجاء إليهم في كل شدة ومكروه ~~ومحذور, والإخلاص لهم في الشدات, ورفع الكف لهم في الدعوات, وسؤالهم منهم ~~جميع الحاجات, وكشف المضرات, وتفريح الكربات, والاستغاثة بهم في النوازل ~~والمهمات. # ويحكى عن بعض هؤلاء أنه إذا دعا أربابه يقول متبجحا إنهم أسرع إجابة, ~~وإنهم ينجحون له قصده وطلابه, فتعسا لكل مشرك ما أفظع جوابه؛ وتبا له ما ~~أشنع خطابه! # وبعضهم يحكى عنه أنه يقول: استغثت بفلان فأغاث, وعجل لي ما PageV01P161 # سألته من غير إبطاء ولا ارتياب, فمن كانت هذه حاله, وهذه عبادته وأفعاله, ~~وشاهده ما فصح به ms088 مقاله, فقد نبذ الدين الحق من غير مبالاة ولا اكتراث, ~~ولكنه قد أخذ هذا من ملة آبائه بطريقة الميراث, فصار من جملة المتمسكين ~~بالضلال والوراث. # وبعض هؤلاء يقول: قبر الشيخ فلان ترياق مجرب, وسائله لا يرد ولا يخيب, ~~وغالب هؤلاء استدرجهم الشيطان بشرك التقليد, وحسن لهم أن آباءهم وأجدادهم ~~على الدين الرشيد, والصراط المسلوك الحميد, وإنهم باتخاذ الوسائط توسطوا ~~غارب الرأي السديد. {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} (سبأ:49) ولهذا ~~كان جواب أسلافهم لمن جاءهم بالتوحيد من الرسل وأتباعهم الموحدين {قالوا ~~وجدنا آباءنا لها عابدين} (الأنبياء:53) {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون} (الشعراء:74) {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} ~~(الزخرف: من الآية 22) . # قال الله تعالى مبينا ضلالهم وضلال من هم مقلدون, وبآثارهم هم مقتدون: ~~{إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون} (الصافات:70) . # ومن شرح الله صدره للإسلام ورأى ما يفعله عند القبور والمشاهد أكثر ~~الأنام, يعلم بالقطع واليقين, أن هذه الأمور مضادة للدين, بل هي في الحقيقة ~~هدم لأصله الراسخ ودين محدث للدين القيم ناسخ. {أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم ~~عذاب أليم} (الشورى:21) . # وقال جل جلاله: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن # PageV01P162 # كنتم صادقين} (الأحقاف:4) . # وقد تضمنت هذه الآية الكريمة: الإلزام بعدم ما يدل على ألوهية من عبد من ~~دونه فلا يستحق العبادة, وهذا الإلزام بطريق العقل المتضمن له قوله: {أروني ~~ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات} . # وتضمنت أيضا: الإلزام بعدم ما يقتضي ألوهيتهم بطريق النقل كما هو صريح ~~{ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم} فإذا كان القرآن المجيد ناطقا ~~بالتوحيد, ولم يشرع الله تعالى لنبينا إلا ما شرعه لجميع الرسل, وهو إقامة ~~الدين كله لله والمراد بذلك أن يوحد جل جلاله ms089 في العبادة, فلا يشرك معه خلق ~~من خلقه. # قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} (الشورى: من الآية 13) إلى ~~قوله {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (الشورى: من الآية 13) . # وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} (النحل: من الآية ~~36) والآيات المحكمات كثيرة لا تحصى. # فإذا علم هذا بالبرهان الذي دلت عليه محكمات القرآن, وتحقق القلب والجنان ~~أن الله تعالى لم يأذن لإنس وجان, أن يصرفوا شيئا من أنواع العبادة التي هي ~~محض حقه إلى رسول أو ملك أو صالح أو أحد من جميع خلقه. # قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56) ومن صرف ~~شيئا منها إلى أحد فقد كفر بربه وجحد, وأن الرسل إنما أرسلوا بجميع ذلك, ~~وإزالة آثار تلك المسالك, وأن الدماء والأموال إنما استبيحت بعد الامتناع ~~عن هذه الحال, والإقلاع عن الشرك والضلال, # PageV01P163 # فحينئذ يتجه لنا سؤال, وهو أن يبحث ويقال لكل مشرك ضال (1) : ما تقول في ~~الدعاء هل عبادة أم لا؟ وإذا ثبت عندك أنه عبادة, هل تكفر من دعا غير الله ~~أم لا؟ وإذا تقرر أنه دعاء, وأنه يكفر من دعا أحدا غير الله, فيقال له: ما ~~تقول في الاستغاثة هل هي نوع من الدعاء أم لا؟ فإن قال إنها نوع منه, ~~فيقال: ما بالكم تفعلونها وتستغيثون بالأموات والعظام الرفات, وتسألونهم ~~الحوائج, وترون هذا منهجا من أحسن المناهج. # وإن باهت وقال: ليست من الدعاء في حال, قيل: هذا محال, ولا يجول في بال, ~~ولا يقوله إلا معتوه في عقله خبال, ولكن بين لنا ما فيها, وما حقيقتها التي ~~تدعيها, فإن لكل قول حقيقة, وكل سالك في طريق يعرف طريقه؟! فهناك يقف حماره ~~في العقبة, ولا يتم له ما طلبه, وحينئذ يلجئه الفلج والإلزام, ويلجمه ~~الخصام باللجام, وينكص على عقبه من فرط الإحجام, ودحوض حجته عند الخصام. # فيقول إذ ذلك: لسنا ندعوهم, ولا بهم نستغيث, وإنما نحن ms090 نطلب منهم الشفاعة ~~إلى الله فهو المغيث, فنقول هذه دعوى تقرب من الصدق, فلا نأبنها بالتكذيب, ~~ولكنها متضمنة لشرك التقريب, وهذه بعينها هي دعوى الجاهلية الأولى, وهي ~~مساوية لها في الشرك بالطريق الأولى, قال الله تعالى: {ويعبدون من دون الله ~~ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله ~~بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه PageV01P164 # وتعالى عما يشركون} (يونس:18) وقال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ~~ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (الزمر: من الآية 3) . # قال أكثر المفسرين: كانت الكفار إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض يقولون ~~الله كما حكاه الله تعالى عنهم فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام, {قالوا ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي: لأجل طلب شفاعتهم عند الله تعالى ~~وهذا كفر منهم. # قال الحافظ ابن كثير: " قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم: {إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} أي: ليشفعوا لنا, ويقربونا عنده. ولهذا كانوا ~~يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك, إلا شريكا هو ~~لك, تملكه وما ملك, وذلك أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة ~~المقربين في زعمهم, فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ~~ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا. فأما ~~المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به" انتهى (1) . # فإن قيل: إن الكفار إنما كانوا يعتقدون القربة ويرجونها, ويطلبون الشفاعة ~~ويسألونها, من أصنام ينحتونها, ونحن إنما نتقرب إليه بأكرم الخلق عليه؟! ~~(2) . # فالجواب أن يقال: ما ذكرتم ممنوع, وبنص القرآن معارض مدفوع, فعقيدتهم ~~المذكورة, وطلبتهم المشهورة, ليست على أصنام مقصورة, ولا في أوثانهم ~~محصورة, بل عموا الملائكة والرسل والأنبياء والصالحين, PageV01P165 # والأصنام والجن والشياطين. # قال الله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله} (المائدة: من الآية 116) وقال تعالى: {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} (التوبة: من الآية ~~31) وقال تعالى: {قل ادعوا ms091 الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه} (الإسراء: من الآية 57) وقال جل جلاله: {إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم} (الأعراف: من الآية 194) فقد ظهر من صريح ~~هذه الآيات ما ذكرناه من التعميم والمساواة, مع أنا لو فرضنا الأمر وقدرناه ~~على خلاف الواقع, وقلنا إنما طلبوا ذلك من الأصنام فهل يكون هذا دافعا (1) ~~للنص القاطع, والبرهان الساطع, فقد ساوى بين الملائكة والبشر والجن ~~والأصنام, في هذا الاعتقاد والحكم الشارع ولم يفرق بين عباد الشياطين والجن ~~والأشجار والأصنام, وبين عباد الملائكة والأنبياء والرسل الكرام, وسائر ~~الصالحين من الأنام, بل قاتلهم صلى الله عليه وسلم واستباح الدماء والموال, ~~وأذاقهم الله تعالى أعظم الوبال, ولم يزل على تلك الحال حتى أنقذ الله ~~تعالى من أنقذه منهم من الضلال, ومن سبقت له السعادة في المآل. قال الله ~~تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه ~~لا يفلح الكافرون} (المؤمنون:117) وقال سبحانه وتعالى: {وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (لأنفال: من الآية 39) وقال تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم} (التوبة: من الآية 5) . # فإن قيل: ما ذكرتم من الكفر بطلب هذه الشفاعة ظاهر في غير خاصة ~~PageV01P166 # الله من عباده ومسلم من غير نزاع, وأما خاصته وخيرته من عباده, فالكلام ~~معكم فيه من وجهين: # إما أن تمنعوا شفاعتهم, وتنفوا ما أثبت الله تعالى ونبيه لهم من الشفاعة, ~~فهذا كفر بواح. # وإما أن تثبتوها كما أثبتها الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم لهم ~~بطريق التفضل, وتعتقدون أنهم يشفعون ويشفعون, فكيف يكون سؤالها وطلبها منهم ~~كفرا مبيحا للدم والمال؟! (1) . # فنقول في الجواب عن هذا: اعلم أن أصدق الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي ~~محمد, والقرآن العظيم هو الصراط المستقيم, الذي لا يؤمه إلا الأتقى, ولا ~~يعدل عن نوره إلا الأشقى, فمن التمس الهدي من غيره ضل, ومن أضاع ms092 منه نصيبه ~~زل, ونحن نثبت ما أثبته القرآن, وننفي من الشفاعة ما نفى, ولا ندين الله ~~إلا بذلك, وكفى به شرفا, ومن ابتغى وراء ذلك فقد جاء إدا وسرفا. # وتحقيق الجواب عن هذه الشبهة والارتياب: أن الذي ندين الله به, ونعتقد أن ~~الله تعالى في الآخرة يتفضل على خاصته من عباده, وخيرته من خلقه بالشفاعة, ~~بعد إذنه لهم فيمن يشفعون له, وبعد رضاه أعمال المشفوع لهم وأقوالهم, وإنه ~~لا يرضى سبحانه وتعالى إلا التوحيد, فهذه الشفاعة المقيدة بهذه القيود ~~الثلاثة, يكفر منكرها, ويحرمها كل جاحد كنود؟!.. وأجلها وأعظمها شفاعة ~~نبينا في فصل القضاء, وهي المقام المحمود, فهي في الحقيقة لله تعالى, فإذا ~~أراد رحمة عبده شفع إلى نفسه, فأذن لمن شاء أن يشفع فيه وقد دل على ~~PageV01P167 # هذه الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة: # قال جل جلاله: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا} (الزمر: من الآية 44) وقال تعالى: ~~{ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} (السجدة: من الآية 4) . # وقال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (البقرة: من الآية 255) ~~وقال تعالى: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} ~~(طه:109) وقال تعالى: {يأذن الله لمن يشاء ويرضى} (لنجم: من الآية 26) ~~والآيات كثيرة. # وفي الصحيحين عنه في حديث الشفاعة قال: "إني آتي تحت العرش, فأخر لله ~~ساجدا, ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن, فيدعني ما شاء الله أن يدعني, ثم ~~يقال: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع, واشفع تشفع, قال: فيحد لي حدا ثم أدخلهم ~~الجنة ثم أعود" (1) فذكر أربع مرات. # وضد هذه الشفاعة الشفاعة الشركية التي أثبتها المشركون ونفاها الله ~~تعالى: فقال تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها ~~شفاعة} (البقرة: من الآية 48) وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} (البقرة: من ~~الآية 254) . # وفي الصحيح ms093 عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسعد الناس ~~بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" (2) . # وروى الترمذي عن عوف بن مالك قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: ~~"آتاني آت من عند ربي, فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة ~~PageV01P168 # فاخترت الشفاعة, وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا" (1) . # فتبين من هذه النصوص أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للمشرك؛ لأن الله ~~تعالى لا يرتضيه ولا يرضى قوله, فلا يأذن لأحد أن يشفع فيه, إذ هي معلقة ~~بأمرين: رضاه عن المشفوع, وإذنه للشافع. # فلا توجد إلا بمجموعهما, وهذه هي التي ننفيها كما نفاها الله تعالى (2) . # وأما الشفاعة المثبتة فهي التي لأهل التوحيد, كما صرح بها القرآن المجيد, ~~وتواترت بها الأحاديث الصحيحة الأسانيد (3) . # وأما كون الطلب لها والسؤال, كفرا مبيحا للدم والمال, فهذا كلام فيه غاية ~~الإجمال, بل هو من المغالطة في المناظرة والجدال, والذي نجزم به وندين هو ~~ما أفصح به النور المبين, وذلك أن الحكم مختلف باختلاف الحال, في صدور ~~السؤال والمقال: # فما كان في حياته عليه الصلاة والسلام فليس إلى منعه من سبيل, لورود النص ~~فيه والدليل, ولا يلزم على ذلك وقوع المحذور, وحاشا أن يقر أحدا على محظور. ~~فقد سأله الشفاعة من أصحابه جماعة (4) . ولو كان PageV01P169 # سؤالها في حياته شركا لسد بابه, بل لم تسأل ذلك الصحابة, فلا ريب في جواز ~~ذلك ولا إشكال, وليس للمقال فيه مجال. # وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فهو مما لا سبيل إليه, والطرق دونه ~~مسدودة, وما يتشبث به المخالف للصواب من موضوعات الأدلة وضعافها مردودة, لا ~~تقاوم قواطع النصوص ولا تعارض براهين المنع المنصوص, على استواء العموم في ~~ذلك والخصوص. # وحاصل التحقيق في إيضاح هذه الطريق أن نقول: # اعلم أن الشفاعة كالاستغاثة محض حق لله تعالى, لا خلاف فيه بين أهل الحق ~~في ذلك ولا نزاع, ولا عبرة بخلاف أهل الزيغ والابتداع, الذين يحرفون الكلم ~~على خلاف مراد ms094 واضعه, ويضعون على وفق أهويتهم لا على وفق مواضعه, بل ~~يبتدعون الأقوال, ويخترعون شبه الضلال. قال الله تعالى: {ما لكم من دونه من ~~ولي ولا شفيع} (السجدة: من الآية 4) وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} (الأنعام: من الآية 51) ~~وقال جل جلاله: {قل لله الشفاعة جميعا} (الزمر: من الآية 44) وغير ذلك من ~~الآيات. # فإذا تقرر أنها من خالص حق رب العالمين, وأنها داخلة في جملة أنواع ~~الدين, الذي قضاه وأمر به وأوجبه لنفسه دون البرية أجمعين. كما قال سبحانه ~~وتعالى في كتابه المبين: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} (الإسراء: من ~~الآية 23) وقال جل جلاله: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} ~~(يوسف: من الآية 40) وقال تعالى: {فادعوه مخلصين له الدين} (غافر: من الآية ~~65) وقال سبحانه وتعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ~~(البينة: من الآية 5) امتنع صرفها لغيره, فلا يجوز صرفها لرسول ولا نبي, ~~ولا ملك مقرب # PageV01P170 # ولا ولي, لأن ذلك من الشرك الجلي, إلا أن الدليل القاطع خص عموم النهي ~~بالأموات لقيام المانع, ودل على أن الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه ~~وكذلك الاستشفاع, كل منهما جائز من غير منازعة ولا دفاع, وأنهما خارجان من ~~عموم الامتناع. # قال الله جل جلاله: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} (القصص: ~~من الآية 15) . # وقال تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم ~~الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} (النساء: من الآية 64) . # فإن قيل: إذا كانتا من أنواع العبادات, فلم اختص الجواز بالأحياء دون ~~الأموات, والأصل العموم والمساواة؟! (1) . # قلنا: لا نسلم بكون صدور ذلك عبادة, ولا يواطئ لسان أحد في ذلك اعتقاده, ~~حتى يتسنى على ذلك الاعتراض, ويلزم الإيراد والانتقاض. # وغاية ما في ذلك, ونهاية ما هنالك, لسالكي هذه المسالك, التوصل إلى ~~التوسل بما يقدرون عليه, وبالدعاء لا التوسل بالذوات, وهذا مقدور عليه في ~~الحياة دون الممات, ولو كان هذا أمرا محظورا, وحجرا في ms095 حال الحياة محجورا, ~~وشركا برب المشارق والمغارب, وكفرا موردا لسوء العواقب, وموقعا في مهواة ~~المعاطب, لعتب عليه الصلاة والسلام على سواد من قارب, حين طرق قوله أسماعه, ~~فكن لي شفيعا يوم لا ذو PageV01P171 # شفاعة (1) , ولمنع عليه الصلاة والسلام غيره من الصحب الكرام. # فإن قيل: إن الرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين أحياء في ~~القبور, ونبينا صلى الله عليه وسلم له المزية عليهم, فكيف يكون سؤاله شركا ~~محظورا؟ (2) . # قلنا: هنا ضلت الأفهام, وزلت الأقدام, وصار لها على المحظور إقدام, ودخل ~~هذا الالتباس في قلوب أناس من المشهورين بالعلم والمنطق والذكاء والفهم, ~~فلهجوا بذلك بالأشعار, من غير تأمل ولا إشعار, ولا تدبرا لقول واستبصار, ~~فطفحت الأفهام, عن مدارك الأحكام. # وحاصل الجواب بإيجاز من غير إطناب: أن هذه الحياة المقررة, قد ذكرها الله ~~تعالى في كتابه مكررة, فليس فيها ارتياب ولا إنكار, والفاعل المختار يتصرف ~~كيف يشاء بما تقصر عن الإحاطة به الأفكار, وقدرته جل وعلا لا تحيط به ~~العقول, فلا يسوغ إلا الإيمان بما أخبر به وإتباع النقول, والتمسك بما أنزل ~~إلينا من النور, الذي هو شفاء لما في الصدور, وهو المنزل بالحق حكما للناس, ~~فيما وقع فيه الاختلاف والإلباس, فهذه الحياة التي أخبر بها الله تعالى ~~وحكم, ليست كالحياة التي حكم بفنائها على من برأه من النسم, وأوجده من ~~العدم, وأناط بها تكليف العباد, وافترقوا بسبب ذلك في المعاد, وإنما هي ~~حياة غير معقولة لنا ولا مكيفة, بل هي حياة برزخية نؤمن بها كما أخبر به ~~على أي صفة. PageV01P172 # ومن المعلوم أن الموت انتقال من دار إلى دار, ومن حال إلى حال, ونعوذ ~~بالله من حال أهل النار, وأن أرواح الأنبياء والشهداء, والصديقين والسعداء, ~~في الرفيق الأعلى قرارها, ومسرحها رياض الجنات وأنوارها, وروحه الشريفة صلى ~~الله عليه وسلم في أعلى مكان, من تلك الجنان, في جوار الرحمن, فتلك الأرواح ~~قد فارقت الأشباح, ولزمت الملأ الأعلى ليس لها عنه من براح {يا أيتها النفس ~~المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} (الفجر:28) وهذه والله ms096 هي العيشة ~~الهنية, غير أن لها اتصالا بأجسامها السفلية, وبهذا الاتصال والتعلق منها ~~بالأجسام يحصل النعيم في الضريح للأبدان, المصرح به في القرآن, ومنه يحصل ~~لنبينا عليه الصلاة والسلام رده على من سلم عليه السلام, فهذه الحياة لها ~~شأن, وللحياة الدنيوية شأن أي شأن, ولو ساوت الحياة البرزخية, حقيقة الحياة ~~الدنيوية, لزم مساواة الحادث للقديم, وتعالى عن ذلك الحي الباقي الوارث ~~الحكيم, والمبين للأمة أحكام التنزيل, هو الذي تلقيت عنه هذه الأحوال كلها ~~على الإجمال والتفصيل, وهو الذي بين شفاعة الأنبياء والمرسلين, والشهداء ~~والملائكة والصالحين, وقد قاتل من تعلق بهؤلاء من المشركين, فهلا فرق في ~~القضية بين طالب الشفاعة من الأصنام وطالبها من صفوة البرية, وما ذكر الله ~~تعالى في كتابه من الآيات, إعلاما لنبيه صلى الله عليه وسلم بحصول حقيقة ~~الممات, بخطاب التخصيص له والتعميم لسائر البريات, وإخباره عن نفسه بذلك, ~~وأنه بشر لا بد من سلوكه في هذه المسالك, وطلب فاطمة رضي الله عنها الميراث ~~(1) , واختلاف أصحابه PageV01P173 # في دفنه بعد تحققهم الموت (1) , وفي قتال أهل الردة (2) , وغير ذلك دليل ~~على ما ذكرنا, فإذا كان أصحابه أعلم الأنام, بمدارك الأحكام, فكيف يسوغ ~~منهم هذا الاختلاف, وهو حي في قبره كحياته بين أظهرهم؟. # ولما وقع التنازع في بيعة أبي بكر رضي الله عنه, هلا رجعوا في ذلك إليه, ~~وعرضوا ذلك كله عليه, ولم عدلوا إلى الاستشفاع بعده بدعاء عمه العباس (3) ~~وتركوا سيد الناس؟ وما ذاك إلا لما أتوا من العلم, ومنحوا من الفهم, ورزقوا ~~من الإتباع, وترك الأهواء والابتداع رضي الله عنهم أجمعين. # هذا ما ظهر لي في تحقيق هذه المسألة وتقريرها, وكشف أسرارها وتحريرها, ~~فعض عليها بالنواجذ والأنياب, فإنك قد لا تجده مسطرا في كتاب. # ومن ذلك: تقبيل هؤلاء القبور والطواف بها, والتمسح ببنائها, وأخذ تربتها ~~وأكلها, ونقلها للتبرك, وإيقاد النار والمسرج فيها, وشد الرحيل إليها, ~~وإلقاء الخرق عليها وكل هذا من الأوضاع الجاهلية, التي غيروا بها الحنفية, ~~ووضعوها للات والعزى, ورموا بها نصرا وعزا, حتى ظهر عليهم صلى ms097 الله عليه ~~وسلم فلم يبق منهم ركزا, فمن اعتصم بكتاب الله وتمسك بسنة PageV01P174 # رسوله صلى الله عليه وسلم , يعلم أن هذه الأمور كلها تضاد أمر الله ~~ونهيه, وما جاء به رسوله من عنده, فإن الذي شرعه لنا الرسول, لا يجوز عنه ~~العدول, وما زاد عليه باطل غير مقبول, فزيارة القبور التي أمر بها, وكان ~~يعلم بها أصحابه إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام عليكم أهل ~~الديار من المؤمنين والمسلمين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون, نسأل الله لنا ~~ولكم العافية" (1) . والحكمة فيها: إنما هو تذكرة الآخرة, والإحسان إلى ~~الميت بالدعاء له والترحم والاستغفار. ولذلك شرعت الصلاة للدعاء له ~~والشفاعة فيه, فإذا كان هذا ما شرعه الله لنا على لسان نبيه صلى الله عليه ~~وسلم قبل دفنه, فبعد الدفن أولى, ولكن هذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم2". # فلهذا بدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم, فبدلوا الدعاء للميت ~~بدعائه والشفاعة عند الله بطلب الشفاعة منه, وخصوا تلك القبور والمشاهد ~~بالدعاء والعبادة. # وقد وردت السنة بإبطال ذلك والتغليظ في الوعيد لمن فعله؛ لأن ذلك يصيرها ~~أوثانا تعبد من دون الله. وإنما حملهم على ذلك الغلو في الصالحين وفرط ~~محبتهم, وهذا هو الذين تغيرت به الحنفية من قديم الدهر وحديثه, وهو السبب ~~في كفر بني آدم كما حكى الله تعالى عن قوم نوح قال تعالى: {قالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا PageV01P175 # يغوث ويعوق ونسرا} (نوح:23) فإن هؤلاء أسماء رجال صالحين ماتوا, فعكفوا ~~على قبورهم, ثم صوروا تماثيلهم, ثم طال عليهم الأمد, فعبدوهم, قال صلى الله ~~عليه وسلم: "إياكم والغلو, فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (1) وقال عليه ~~الصلاة والسلام: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم, إنما أنا عبد ~~الله ورسوله". أخرجه البخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه (2) , وروى الإمام ~~مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد, ms098 اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (3) , فإذا ~~كان هذا قبر سيد ولد آدم, ولحده أفضل من السماء والأرض, والنبي دعا ربه أن ~~لا يجعله وثنا بسبب العبادة, فقد صرح أن من عبده أو دعاه أو عبد الله عنده, ~~فقد صيره وثنا, فما بالك بغيره؟! وهذا فيه من التهديد البليغ والزجر الشديد ~~ما ليس وراءه مزيد. وفي السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور, والمتخذين عليه المساجد والسرج" ~~(4) . PageV01P176 # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود مرفوعا: "إن من شرار أمتي من ~~تدركهم الساعة وهم أحياء, والذين يتخذون القبور مساجد" (1) . # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما نزل برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه, فإذا اغتم بها كشفها فقال: وهو كذلك ~~"لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما ~~صنعوا, ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" (2) . وقد صرح ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي من ذلك. # فروى مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يموت بخمس يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل, فإن الله ~~قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا, ولو كنت متخذا من أمتي خليلا, ~~لاتخذت أبا بكر خليلا, ألا وأن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم ~~مساجد, إني أنهاكم عن ذلك" (3) . # فنهى عليه الصلاة والسلام في مرض موته, ونهى وهو في السياق عن اتخاذ ~~القبور مساجد. # ومعلوم أن كل من كان يعبد فيه أو يدعى فيه, فقد جعل مسجدا, وهذا تحذير ~~منه لأمته عن مشابهتهم اليهود والنصارى في ذلك, فتدركهم اللعنة؛ لأن اللعنة ~~ليست خاصة باليهود والنصارى, بل من اتخذ القبور مساجد, وخصها بنوع من أنواع ~~العبادة, فهو ملعون ولو لم يبني عليها مسجدا ولكن تشابهت قلوبهم {فأبى ~~الظالمون إلا كفورا} PageV01P177 # (الإسراء: من الآية 99) . # ومن ذلك: ms099 صرفهم النذور إلى الأموات في القبور, وقد ثبت بالدليل القاطع ~~أنه نوع من العبادة كما نص عليه الشارع وأنه حق لله تعالى, لا يصلح لغيره, ~~فما يفعل عندها من التقرب بالعبادة والدعاء والنسك كله بدع شركية, وشرعة ~~جاهلية, مخالفة لدين الإسلام, مشابهة لأفعال عبدة الأوثان والأصنام ولو كان ~~قصد الناذر التقرب إلى الله بذلك, لم يجز فعله هنالك؛ لأن التقرب إلى الله ~~بذبح نسك في مكان يذبح فيه للنصب شرك. # ويدل على ذلك ما في سنن أبي داود عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل أن يذبح ~~إبلا ببوانه, فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " هل فيها وثن من أوثان ~~الجاهلية يعبد؟ قال: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا. قال ~~رسول الله: "أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله, ولا فيما لا يملك ~~بن آدم" (1) . # وروى الضياء في المختارة عن علي بن الحسين رضي الله عنهم أنه رأى رجلا ~~يجيء إلى فرجة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعوا, فنهاه ~~وقال: ألا أحدثكم بحديث سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا, ولا بيوتكم قبورا, وصلوا علي؛ فإن صلاتكم ~~تبلغني أينما كنتم" (2) . # وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا تجعلوا بيوتكم قبورا, ولا تجعلوا قبري عيدا, وصلوا علي؛ فإن صلاتكم ~~PageV01P178 # تبلغني حيثما كنتم" (1) . # فهذا أمره صلى الله عليه وسلم ونهيه الذي أمرنا به وعدم مخالفته. # قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر: ~~من الآية 7) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "كل أم تي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن ~~يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة, ومن عصاني فقد أبى" رواه ~~البخاري (2) . # وهذا هديه وشرعه في زيارة القبور, وهدي السلف والخلف رضي الله عنهم ~~أجمعين, الذين اقتبسوا من مشكاة أنواره, واقتدوا في جميع أقوالهم وأفعالهم ms100 ~~بآثاره, ولقد وقعت بهم الحوادث, ودهمتهم الخطوب الكوارث, وألمت بهم مدلهمات ~~النوائب, وحلت بهم غياهب المصائب, وأمطرت عليهم بالبلايا سحائب, ودرجت ~~عليهم من الشدائد غياهب, من مقتل عثمان رضي الله عنه, ثم ما بعده من الفتن, ~~وما حل بأهل المدينة في وقعة الحرة من المحن, واستباحة الدماء والأموال ~~والفروج, ومع ذلك لم يكن لهم عن هديه صلى الله عليه وسلم خروج, ولا إلى سنن ~~الجاهلية عدول وعروج, فلم ينقل عن أحد منهم أنه التجأ إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو استغاث به, أو دعاه واستنصر به, وإنما ذلك لعلمهم أنه ~~نهى عن ذلك وحذر, وتوعد عليه ونذر, بين لهم وأخبر أنه من الشرك الأكبر. قال ~~تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله PageV01P179 # بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله ~~عليه يتوكل المتوكلون} (الزمر: من الآية 38) . وقال: {ولا تدع من دون الله ~~ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} (يونس:106) وقال ~~تعالى: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا} (يونس: من الآية 49} وقال تعالى: ~~{وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} (الجن:18) وقوله في حديث (إنذاره ~~عشيرته*) : "يا معشر قريش, اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا, يا ~~صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا, يا عباس بن عبد المطلب لا ~~أغني عنك من الله شيئا, يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت, لا؟ أغني ~~عنك من الله شيئا" (1) . # فمن أنار الله تعالى قلبه بأنوار الإيمان, وشرح صدره لقبول الحق ~~والعرفان, اتضح له واستبان, ما وقع من الناس في الأزمان, عن القبور من ~~العبادة والنسك وإيقاد النيران, وعند الأشجار والأحجار في سائر البلدان, ~~ومن شاهد ما يفعل عن قبره الشريف, وما يفعل عند قبر كل صالح كالرفاعي (2) , ~~وأحمد البدوي بمصر (3) , وعبد القادر (4) ومعروف PageV01P180 # الكرخي (1) , وفي المشهد الذي يدعى أنه قبر علي وليس كذلك (2) , وما يفعل ~~في ms101 البصرة وعند الزبير ببغداد, وما يفعل عند قبر ابن عباس والمحجوب (3) ~~وأبي طالب, وما كان يفعل في مشاهد الأحساء قبل هذه الأيام, وبلدان فارس ~~وعمان, ومشاهد اليمن وكل بلاد إلا ما شاء الله تعالى, علم أن هذا فسخ لدين ~~الحق والهدى, ونسخ لبروده المحكمة السدى, ورفع لقواعد الشرك والضلال ~~والردى, وذلك لطول العهد بلوامع الشريعة الغراء وبعد المدى وتيقن أن هذا ~~مصداق قوله عليه الصلاة والسلام: "بدأ الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ, ~~فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس" (4) وفي آخر: "الذين يصلحون ما ~~أفسد الناس" (5) . # وقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم ووعد, وتطاول على غربة الإسلام ~~المد, فلا يمضي قرن إلا خلفه من هم أسوء من الأولين حالا, وأعظم فتنة وأقبح ~~أفعالا, والموفق فيه من رزقه الله تعالى فيه إخلاص الدين, وإسلام وجهه ~~وإحسان عمله لرب العالمين, وعرج فيه على معراج التسليم والصبر, إلى منهاج ~~الاحتساب للأجر. PageV01P181 # فقد صح عمن له غاية الشرف ونهاية الفخر: "يأتي على الناس زمان المتمسك ~~فيه بدينه كالقابض على الجمر" (1) . # وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يأتي على الناس زمان للعامل فيه ~~أجر خمسين منكم" (2) . فلأجل غربة الإسلام والدين, وإتباع سنن الغاوين ~~والمشركين, وخسوف بدر الحق وكسوف شمسه, وتغيير الصراط المستقيم وطمسه, يكفر ~~من قام يدعو إلى التوحيد, ويرمي بالخروج من ملة الإسلام من غير ترديد, ~~ويحكم عليه بالبدع والتضليل, من غير برهان ولا دليل {وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} (آل عمران: من الآية 19) . # ولكن الله وفق من شاء من الخلق لما اختلف فيه من الحق, فأرشد إلى الخير ~~والهدى, والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم, ويخذل من يشاء بعدله القويم, ~~وقضائه السوي الحكيم, ويستحب العمى على الهدى والجحيم على النعيم {يريدون ~~أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} ~~(التوبة:32) {وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~(الروم:6) ms102 . PageV01P182 ### | الفصل السابع: في الأمر بالاعتصام بكتاب الله المبين, والتمسك بحبله المتين, وذم الافتراق # في الدين, وإخبار الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم , بافتراق أمته ~~المجيبين, على ثلاث وسبعين, وأنها كلها في النار مع المكذبين, إلا من كان ~~على سنته وسنة أصحابه المهندين صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين, ~~وحشرنا في زمرتهم يوم الدين. # قال الله جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا ~~حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} (آل ~~عمران: 102-103) . # وقال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ~~ويهديهم إليه صراطا مستقيما} (النساء:175-175) وقال: {وهذا صراط ربك ~~مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} (الأنعام:126) . # وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} (الأنعام:153) وقال تعالى: {وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} (الأنعام:155) وقال تعالى: ~~{فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة} (الأنعام: من الآية 157) . # وقال جل جلاله: {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما ~~تذكرون} (الأعراف: 2-3) . # وقال تعالى: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~أولئك هم المفلحون} (الأعراف: من الآية 157) . # وقال جل جلاله: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما # PageV01P185 # في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون} (يونس:58) . # وقال تعالى: {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه} (يونس: من الآية 108) وقال تعالى: {ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذي بين ms103 يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} (يوسف: من ~~الآية 111) . وقال جل جلاله: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} (إبراهيم: من الآية 1) وقال ~~تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} ~~(النحل: من الآية 89) . # وقال عز وجل: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى ~~وبشرى للمسلمين} (النحل:102) . # وقال عز وجل: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا} (الإسراء:9) . # وقال سبحانه وتعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له ~~عوجا ماكثين فيه أبدا} (الكهف:3-1) وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان ~~على عبده ليكون للعالمين نذيرا} (الفرقان:1) وقال تعالى: {وإنه لتنزيل رب ~~العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك} (الشعراء: من الآية 194-192) وقال ~~عز وجل: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون} (العنكبوت:49) وقال تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} ~~(الزمر: من الآية 55) وقال تعالى: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا ~~فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم # PageV01P186 # عمى} (فصلت: من الآية 44) . # وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} (البقرة: من الآية ~~213) . # وقال جل جلاله: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} (آل عمران: من الآية ~~19) . # وقال سبحانه وتعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} (آل عمران:105) . # وقال تعالى: {الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم ms104 ~~إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} (الأنعام: من الآية 159) . # وقال سبحانه وتعالى: {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من ~~المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} (الروم: ~~من الآية:31-32) وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه ~~من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} (الشورى: من ~~الآية 13-14) . # وقال سبحانه وتعالى: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة} (البينة:4) . # عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كتاب ~~الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" رواه أبو جعفر الطبري بسنده ~~(1) . PageV01P187 # وروى ابن مردوية من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد ~~الله قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن هو حبل الله ~~المتين, وهو النور المبين, وهو الشفاء النافع, عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن ~~اتبعه" وروى من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك (1) . # وروى مسلم في صحيحه من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثا, ~~ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا, وأن تعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا, وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم, ويسخط لكم قيل ~~وقال, وكثرة السؤال, وإضاعة المال" (2) . # وأخرج الإمام أحمد بسنده عند عبد الله بن لحي (3) قال: حججنا مع معاوية ~~بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة قام حين صلى الظهر فقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إ ن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ~~ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة , يعني ms105 الأهواء كلها في ~~النار إلا واحدة وهي الجماعة, وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك ~~الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه, لا يدع فيه عرقا ولا مفصلا إلا دخله, ~~والله, يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~لغير من الناس أحرى أن لا يقوم به" وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ~~ومحمد بن يحيى كلاهما عن أبي المغيرة واسمه عبد القدوس بن الحجاج الشامي ~~بسنده (4) . PageV01P188 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} (آل عمران: من ~~الآية 102) . # قد تقدم الكلام على التقوى, وذكرنا ما فيه الكفاية. # وقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل وابن ~~حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} (التغابن: من الآية 16) وعن ابن عباس: أنها لم ~~تنسخ, ولكن {حق تقاته} أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله ~~لومة لائم, ويقومون بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. (1) # وفي قوله: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (آل عمران: من الآية 102) الأمر ~~بالمحافظة على الإسلام في حال الصحة والسلامة؛ ليموتوا على ذلك؛ لأن الكريم ~~قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه, ومن مات على شيء بعث ~~عليه. # وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو مؤمن بالله ~~واليوم الآخر, ويأتي إلى الناس ما يجب أن يؤتى إليه" رواه الإمام أحمد (2) ~~. # وعنه صلى الله عليه وسلم: "لو قطرت من الزقوم قطرة, لأمرت على أهل الأرض ~~معيشتهم, فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم" هكذا رواه أصحاب السنن (3) . # وقوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} (آل عمران: الآية 103) أمر الله تعالى ~~عباده المؤمنين أن يعتصموا بحبله المتين, وهو القرآن المبين الذي نزل به ~~PageV01P189 # الروح الأمين, وحفظه عن تحريف المبطلين, وسماه حبلا على سبيل الاستعارة ms106 ~~المرشحة, كما هو منصوص على ذلك عند علماء البيان, ووجه ذلك انه استعار ~~بالحبل من حيث إن التمسك به سبب النجاة من الردى, كما أن التمسك بالحبل ~~القوي سبب للسلامة عن التردي, ورشح ذلك بالاعتصام لأجل الوثوق به والاعتماد ~~عليه. (1) # وعن علي مرفوعا في صفة القرآن قال: "هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم" ~~(2) (3) . # وقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث النواس بن سمعان (4) عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي ~~الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة, وعلى باب الصراط ~~داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا, ولا تعرجوا, وداع يدعو من ~~جوف الصراط, فإذا أراد أن يفتح من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه؛ فإنك إن ~~فتحته تلجه, والصراط الإسلام, والسوران حدود الله, والأبواب المفتحة محارم ~~الله, وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله تعالى, والداعي من فوق واعظ ~~الله في قلب كل مسلم" (5) PageV01P190 # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"يمثل القرآن يوم القيامة رجلا, فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره, فيتمثل ~~له خصما فيقول: يا رب, حملته إياي فبئس حامل, تعدى حدودي, وضيع فرائضي, ~~وركب معصيتي, وترك طاعتي, فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال شأنك به, ~~فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار, ويؤتى بالرجل الصالح, ~~كان قد حمله, وحفظ أمره, فيتمثل خصما دونه فيقول: يا رب, حملته إياي فخير ~~حامل, حفظ حدودي , وعمل بفرائضي, واجتنب معصيتي, واتبع طاعتي, فما يزال ~~يقذف له بالحجج حتى يقول: شأنك به, فيأخذه بيده فيما يرسله حتى يلبسه حلة ~~الإستبرق, ويعقد عليه تاج الملك, ويسقيه كأس الخمر" (1) . # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "القرآن شافع مشفع, وماحل مصدق, فمن جعله ~~أمامه قاده إلى الجنة, ومن جعله خلفه قاده إلى النار" (2) . # وعنه قال: يجيء القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه, فيكون قائدا إلى الجنة, ~~ويشهد عليه, فيكون سائقا إلى النار ms107 (3) . # وقال أبو موسى الشعري: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرا, وكائن عليكم وزرا, ~~فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن؛ فإنه من اتبع القرآن هبط به إلى رياض ~~الجنة, ومن اتبعه القرآن زج في قفاه, فقذف في النار. (4) . PageV01P191 # قلت: وفي مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "الطهور شطر الإيمان" الحديث. وفيه "القرآن حجة لك أو عليك" (1) وفيه ~~أيضا: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما" (2) . # وفي الحلية عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن لكل شيء شرفا يتباهون بهو وإن بهاء أمتي وشرفها القرآن" (3) . # وخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يجيء ~~صاحب القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله, فليس تاج الكرامة, ثم يقول: يا ~~رب زده, فيلبس حلة الكرامة, ثم يقول: ارض عنه فيقول: رضيت عنه, ثم يقال له: ~~اقرأ وارق, ويعطى بكل آية حسنة" (4) . # وقوله في حديث ابن مسعود: "وماحل مصدق" أي خصم مجادل مصدق. # وقوله تعالى: {ولا تفرقوا} هذا أمر من الله تعالى لعباده بلزوم الجماعة, ~~ونهي لهم عن الفرقة التي هي منشأ نبذ الدين والإضاعة, بعد ما أمرهم جل ~~جلاله بالتمسك والاعتصام بالسبب المتين, اتبعه بالنهي عن ضده؛ لأنه الخالق ~~للدين. # وهو الداء العضال الذي وقع الاستيصال بالأمم السالفة, ثم بعدهم دب في ~~الأمم الخالفة, فصارت به ثاوية تالفة. # وقد وردت أحاديث كثيرة بالأمر بالاجتماع والائتلاف, والنهي عن التفرق ~~والاختلاف, والآيات والآثار في ذلك كثيرة, فلا نطيل بتعدادها؛ PageV01P192 # لكونها معلومة شهيرة. # وقوله: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا} (آل عمران: من الآية 103) ذكرهم جل جلاله نعمته وأجزل منة؛ ~~لأنها الهداية والتوفيق للإسلام, الذين هو السبب في دخول الجنة, وأعقب ~~النهي عن الفرقة عن الحق كما وقع لأهل الكتاب, وكما جرى بينهم في الجاهلية ~~من المحاربة والاستلاب بتذكيرهم نعمته العظيمة؛ ليكون أنفع لقبول الذكرى, ~~وأقمع عن تعاطي عادتهم القديمة, وأردع في الكف ms108 وأحرى. # وهذه الآية نزلت في الأوس والخزرج؛ فإنه كانت بينهم في الجاهلية حروب ~~كثيرة وعداوة شديدة وضغائن وأحوال, طال بينهم بسببها الوقائع والقتال, فلما ~~جاء الإسلام, ودخل فيه من دخل منهم اضمحل ذلك كله وزال, وصاروا متواصلين ~~متحابين في الله إخوانا, وعلى أعدائهم من الكفار أعوانا كما وصفهم الله ~~تعالى بذلك في كتابه, وأفصح به في جليل خطابه, فقال: {هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ~~ولكن الله ألف} (لأنفال: من الآية 63) (1) وقوله: {وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها} (آل عمران: من الآية 103) أي: مشفقين على الوقوع في ~~السعير, لما لهم فيه من الذنب الكبير, إذ لو ماتوا وهو كفار لكان مأواهم ~~النار وبئس المصير. # وقوله: {فأنقذكم منها} أي: بسبب الهداية للإسلام والإيمان, ذكرهم جل ~~جلاله ذلك في سياق الامتنان, فأخبرهم أنه قد أزال ما بينهم من التقاطع ~~والعداوة والأضغان, {وألف بين قلوبهم} , فصاروا يدا واحدة PageV01P193 # على العدوان, وأنقذهم من الوقوع في مهواة النيران, وهداهم إلى ما يعقبهم ~~الخلود في الجنان. # وقوله: {كذلك يبين الله لكم آياته} أي: مثل ذلك التبيين يبين لكم دلائله, ~~{لعلكم تهتدون} أي: تدومون على الهدى, وتزدادون فيه. # قيل: كان الأوس والخزرج أخوين لأبوين, فوقع بين أولادهم العداوة, وتطاولت ~~بينهم الحروب مائة وعشرين سنة, حتى أطفأها الله تعالى بالإسلام. # قوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا} (النساء:174) المراد بالبرهان: المعجزات, وبالنور: القرآن. # أي جاءكم دلائل العقل, وشواهد النقل, فلم يبق عذر ولا حجة لأحد, ممن كفر ~~وجحد. (1) # قوله: {وهذا} الإشارة إلى ما ذكر من البيان, الذي جاء به القرآن. # {صراط ربك} أي: طريقه الذي ارتضاه, وشاء بحكمته واقتضاءه, {مستقيما} ~~(الأنعام: من الآية 126) ليس فيه اعوجاج, بل هو عدل مطرد المنهاج يعني: أن ~~الذي شرعناه لك يا محمد هذا القرآن هو صراط الله المستقيم, كما في حديث ~~الحارث عن علي رضي الله عنه في نعت القرآن: "وهو ms109 صراط الله المستقيم وحبل ~~الله المتين, وهو الذكر الحكيم" الحديث. وقد رواه أحمد والترمذي بطوله (2) ~~(3) . PageV01P194 # وقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما} الإشارة فيه إما أن تكون إلى جملة ~~القرآن, أو إلى ما ذكر في هذه السورة من البيان, وهي من جملته مع أنها ~~بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة. (1) # وقوله: {فاتبعوه} أمر من الله تعالى بلزوم طريقه, والأخذ بما جاء به نهيا ~~وأمرا؛ لأن من خالف طريقه, ولم يقتبس من نوره فقد جاء ظلما وكفرا. # {ولا تتبعوا السبل} أي: الأديان المختلفة, والطرق الضالة التابعة للهوى, ~~فإن من أخطأ سبيل القرآن فقد هوى؛ لان سبيل الحق واحد, ومقتضى حجته كذلك, ~~ومقتضى الهوى متعدد, وسبله متعددة المسالك ولهذا وحد سبيل الحق وجمع ضده ~~قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية وفي قوله: {أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه} (الشورى: من الآية 13) قال: "أمر الله تعالى المؤمنين ~~بالجماعة ونهاهم عن الفرقة والاختلاف, وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم ~~بالمراء والخصومات في دين الله تعالى". (2) # وقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "خط لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيما, وخط عن ~~يمينه وعن شماله ثم قال: هذه السبل ليس فيها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو ~~إليه , ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله} (الأنعام: من الآية 153) . (3) # وروى أيضا بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا PageV01P195 # جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا هكذا أمامه فقال: "هذا سبيل ~~الله" , وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال: "هذه سبل الشيطان" , ثم وضع ~~يده في الخط الأسود ثم تلا هذه الآية. وكذا رواه ابن ماجة (1) . # وروى ابن جرير بسنده عن أبان أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط ~~المستقيم؟ قال: تركنا محمد في أدناه, وطرفه في الجنة, وعن يمينه جواد وعن ~~شماله جواد, وثم رجال يدعون من ms110 مر بهم: فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى ~~النار, ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة, ثم قرأ ابن مسعود الآية (2) ~~. # وخرج ابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث {قل تعالوا أتل ~~ما حرم ربكم عليكم} (الأنعام: من الآية 151) حتى فرغ من ثلاث الآيات قال: ~~ومن وفى بهن فأجره على الله, ومن انتقص منهن شيئا, فأدركه الله في الدنيا ~~كانت عقوبة له, ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه ~~وإن شاء عفا عنه" (3) . # وقوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} يعني: أن القرآن فيه بركة لمن آمن به ~~ومغفرة للذنوب, {فاتبعوه} (الأنعام: من الآية 153) أي: اعملوا بما فيه من ~~المر والنهي حتى تنالوا كل مطلوب, وفيه الدعوة إلى إتباع القرآن, وتعينها ~~على أهل الإيمان. # وقوله: {قد جاءكم بينة من ربكم} (الأنعام: من الآية 157) . PageV01P196 # أي: حجة واضحة تعرفونها, قيل: المراد به: محمد والقرآن. # وقال: {جاءكم} ولم يقل جاءتكم؛ لأنه انصرف إلى البيان, مع أن الفعل إذا ~~تقدم وكان الفعل مؤنثا مجاذيا جاز فيه التأنيث والتذكير, كما هو في كتب ~~العربية موضح التقرير. # {وهدى ورحمة} أي: جاءكم ما فيه البيان, وقطع الشبهات عنكم والارتياب, ~~وهدى لكم من الضلالة, ورحمة من العذاب. # وقوله تعالى: {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه} (الأعراف: من ~~الآية 2) يعني: هذا القرآن أنزل إليك يا محمد فلا يقعن في قلبك شك وارتياب, ~~إنه منزل من رب الأرباب, وقد وجه غليه الخطاب, والمراد غيره كقوله: {فإن ~~كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك} (يونس: من ~~الآية 94) , وقيل المعنى: فلا يضيقن صدرك بتكذيبهم. وأصل الحرج في اللغة: ~~الضيق. # وقوله: {لتنذر به} أي: أنزل إليك, لتنذر الكفار. # {وذكرى للمؤمنين} لأنهم أهل البصائر والاعتبار. # ثم قال جل جلاله مخاطبا عباده: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} (الأعراف: ~~من الآية 3) أي: اعملوا به, ms111 فإن عقابه السعادة, واقتفوا آثار نبيكم الذي ~~أنزل عليه, وسابقوا إلى هدية وسارعوا إليه, {ولا تتبعوا من دونه أولياء} ~~(الأعراف: من الآية 3) أي: لا تتخذوا من دونه أربابا, فمن اتخذهم فهو أشد ~~الناس عذابا, وأسوؤهم يوم القيامة مآبا, {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ~~(يوسف:103) {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} (الأنعام: من ~~الآية 116) {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} (يوسف:106) . # قوله تعالى: {فالذين آمنوا به} (: من الآية 157) أي: صدقوه وأقروا ~~بنبوته, {وعزروه} أي: عظموه بتقويته, {ونصروه} بالسيف والسنان # PageV01P197 # {واتبعوا النور الذي أنزل معه} يعني: القرآن, وقوله: {معه} راجع ومتعلق ~~بقوله: {واتبعوا} أي: اتبعوا النور المنزل, مع إتباع النبي المرسل, فيكون ~~فيه إشارة إلى إتباع الكتاب والسنة, {أولئك هم المفلحون} (الأعراف: من ~~الآية 157) , الفائزون بالرحمة الأبدية في الجنة (1) . # وقوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور} (يونس: من الآية 57) يعني: قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية ~~والنظرية: # أما الحكمة العملية: فهي الكاشفة عن محاسن الأعمال وقبائحها, والمرغبة في ~~المحاسن والفضائل, والزاجرة عن القبائح والرذائل. # أما الحكمة النظرية: فهي الشفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد, ~~وهدى إلى الحق واليقين والرشاد, ورحمة للمؤمنين نجوا بها من دركات العذاب, ~~وفازوا بها يوم الحساب, أو يقال خرجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور ~~الإيمان, وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران, بمصاعد من درجات الجنان (2) . # {قل بفضل الله} يعني: الإسلام {وبرحمته} يعني: القرآن. # قال مقاتل بن حيان وروى عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري والضحاك ومجاهد ~~أنهم قالوا: بفضل الله: القرآن, وبرحمته: الإسلام قاله غير واحد (3) . # {فبذلك فليفرحوا} أي: بالقرآن والإيمان, {هو خير مما يجمعون} PageV01P198 # (يونس:58) , وما يقتنيه من الحطام كل إنسان. # قوله تعالى: {ما كان حديثا يفترى} (يوسف: من الآية 111) يعني: ما كان هذا ~~القرآن, البالغ في الإعجاز والبيان, حديثا مفترى يقدر على التسلق عليه ~~الإنس والجان. {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو ms112 كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء:88) . {ولكن تصديق الذي ~~بين يديه} (يونس: من الآية 37) من الكتب الإلهية, {وتفصيل كل شيء} (يوسف: ~~من الآية 111) من الأمور الدنيوية, فكل ما يحتاج في الدين إليه, لابد وأن ~~يوجد فيه سند يدل عليه. وهذا من الكفر والضلال, {وهدى ورحمة} (يوسف: من ~~الآية 111) بها خير الدارين ينال. # وقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا} (النحل: من الآية 89) أي: ~~بيانا بليغا {لكل شيء} (النحل: من الآية 89) من أمور الدين, وما تتوقف عليه ~~مصالح المسلمين. # قال مجاهد: "ما يسأل الناس عن شيء إلا في كتاب الله تعالى تبيانه" (1) . # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كل شيء علمه في القرآن إلا أن أراء ~~الرجال تعجز عنه {وهدى ورحمة} (النحل: من الآية 89) للجميع, وإنما حرمان ~~المحروم من تفريطه, {وبشرى للمسلمين} (النحل: من الآية 89) خاصة بالجنة" ~~(2) . # قوله تعالى: {قل نزله روح القدس} (النحل: من الآية 102) يعني: جبريل عليه ~~السلام, وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر, مثل قولهم: حاتم الجود. ~~PageV01P199 # {من ربك بالحق} (النحل: من الآية 102) . # ملتبسا بالحكمة, {ليثبت الذين آمنوا} (النحل: من الآية 102) على الإيمان ~~بأنه كلامه, فإنهم إذا سمعوا الناسخ, وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح ~~والحكمة, رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم. # {وهدى وبشرى للمسلمين} (النحل: من الآية 102) المنقادين لحكمه العدل, ~~وقضائه الفصل. (1) # وقوله: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب} (العنكبوت: من الآية 48) أي: وما ~~كنت تقرأ قبل هذا القرآن, الذين تسنم من قمة البلاغة وقمة الفصاحة أرفع ~~مكان. # {من كتاب} حتى يتعلق المرتاب بعلاقة الشبهة والارتياب. # {ولا تخطه بيمينك} أي: ولم تكن تكتب شيئا بيدك, وهو محو للشبهة الزائفة, ~~وتقرير للمعجزة النائفة ولكن كما قال: {ما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون} (يونس: من الآية 101) {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} (النساء: من الآية 82) . # فإن ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة على من لم يعرف قبله ~~بالقراءة والخط والتعليم خارق للعادة. # {إذا لارتاب المبطلون} (العنكبوت: من الآية 48) أي: ولو كنت ممن يخط ms113 ~~ويقرأ لقالوا: لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأولين, وسماهم لكفرهم مبطلين. # وقيل: لارتاب أهل الكتاب لوجدناهم نعتك على خلاف ما في كتبهم مقرر, فيكون ~~إبطالهم باعتبار الواقع دون المقدر. # {بل هو} أي: القرآن {آيات} دلالات {بينات} وبراهين ساطعات, وحجج {في صدور ~~الذين أوتوا العلم} واضحات, وعن التحريف PageV01P200 # محفوظات, {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} (العنكبوت:49) إلا المتوغلون ~~في الظلم والمكابرة, بعد وضوح دلائل الإعجاز الباهرة. # وقوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} (الزمر: من الآية 55) ~~المراد به: القرآن؛ لأنه أحسن ما أنزل من كتاب, وأوثق ما يتوصل به إلى ~~النجاة من الأسباب, فاتبعوا ما أمركم به ونهاكم عنه, ولا تلتمسوا ما ~~تحتاجون له في دينكم إلا منه. # وقوله سبحانه وتعالى: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا} أي: ولو أنزلناه بلسان ~~العبرانية, لم تنفك تعنتاتهم الشيطانية, ولم تبرح أهويتهم النفسانية. # {لولا فصلت آياته} أي: هلا بينت بلسان نفقهه, فبين لنا الصواب, ويزول عنا ~~الارتياب. # {أأعجمي وعربي} أي: أكلام أعجمي ومخاطب عربي, فيشتد تكذيبهم للنبي. # والأعجمي: من كان من العجم, وإن كان فصيحا, ويقال أيضا لمن لا يفهم كلامه ~~(أعجمي) وإن كان من العرب, والمقصود: إبطال مقترحهم باستلزام المحذور, ~~والدلالة على أنهم لا ينفكون عما كانوا عليه من الإعراض والنفور. # {قل هو للذين آمنوا هدى} إلى الحق القويم والصراط المستقيم أو يقال: هدى ~~للمتقين من الضلالة. # {وشفاء} لما في الصدور من الشك والشبهة والجهالة. # {والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر} أي: ثقل وصمم. # {وهو عليهم عمى} (فصلت: من الآية 44) وذلك لتصامهم عن سماعه, وتعاميهم ~~عما يريهم من الآيات, بحيث لم يكن لهم بها ارعواء ولا التفات. # PageV01P201 # قوله جل جلاله: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} (البقرة: من ~~الآية 213) . # روى ابن جرير بسند عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "كان بين آدم ونوح عشرة ~~قرون, كلهم على شريعة من الحق, فاختلفوا, فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين". # قال: وكذلك في ms114 قراءة عبد الله: (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا) . # وكذلك كان أبي بن كعب يقرؤها (1) . # والمعنى: أن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام, فبعث الله إليهم ~~نوحا عليه السلام, فكان أول رسول إلى أهل الأرض, ولهذا قال: {وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} (البقرة: من الآية 213) أي: ~~بعد ما قامت عليهم الحجج, وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ~~{فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} (البقرة: من الآية ~~213) . # روي عن أبي هريرة في هذه الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"نحن الآخرون الأولون يوم القيامة, نحن أول الناس للجنة, بيد أنهم أوتوا ~~الكتاب من قبلنا, وأوتيناه من بعدهم, فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه, فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه, فهدانا الله له, فالناس لنا فيه تبع, ~~فغدا لليهود, وبعد غد للنصارى" (2) . # وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه في الآية , اختلفوا ~~PageV01P202 # في يوم الجمعة, فاتخذ اليهود يوم السبت, واتخذ النصارى يوم الأحد, فهدى ~~الله أمة محمد ليوم الجمعة. (1) # واختلفوا في القبلة, فاستقبلت النصارى المشرق, واليهود بيت المقدس, فهدى ~~الله أمة محمد للقبلة. # واختلفوا في الصلاة, فمنهم من يركع ولا يسجد, ومنهم من يسجد ولا يركع, ~~ومنهم من يصلي وهو يمشي, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. # واختلفوا في إبراهيم, فقالت اليهود: كان يهوديا, وقالت النصارى: كان ~~نصرانيا, وجعله الله حنيفا مسلما, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. # واختلفوا في عيسى, فكذبت به اليهود, وقالوا لأمه بهتانا عظيما, وجعلته ~~النصارى إلها وولدا, وجعله الله روحه وكلمته, فهدى الله أمة محمد للحق من ~~ذلك. # وقال الربيع بن أنس: في قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق بإذنه} (البقرة: من الآية 213) . "عند الاختلاف كانوا على ما جاء به ~~الرسل قبل الاختلاف أقاموا على الإخلاص لله ms115 عز وجل وحده وعبادته لا شريك له ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة, قاموا على المر الأول قبل الاختلاف, واعتزلوا ~~الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة, شهداء على قوم نوح وقوم هود ~~وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون, أن رسلهم قد بلغوهم, وأنهم قد كذبوا رسلهم. ~~وكان أبو العالية يقول: PageV01P203 # في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن (1) . # وقوله {بإذنه} أي: بعلمه, وبما هداهم له, {والله يهدي من يشاء} من خلقه ~~بفضله وكرمه {إلى صراط مستقيم} , يفضي به إلى جنات النعيم, وله الحكمة ~~التامة الباهرة, الحجة البالغة القاهرة. # وفي هذه الآية الكريمة من الدلالة على ذم الافتراق, ومدح الاجتماع ~~والاتفاق, ما لا يخفى على من له الفهم أدنى مذاق. # قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ~~(الأنعام: من الآية 159) أي: فرقوا دينهم الذي هو الإسلام, الذي ارتضاه ~~الله تعالى واختاره, ورفع في السماوات والأرض شأنه ومناره. # {وكانوا شيعا} لأهويتهم الغاوية متبعون, وكل حزب بما لديهم فرحون. # {لست منهم في شيء} من إصلاح الحال, حتى يحسن لهم المآل, وإنما عليك بلاغ ~~الرسالة, وهذا منسوخ بآية القتال لأهل الكفر والشرك والضلالة. {إنما أمرهم ~~إلى الله} (الأنعام: من الآية 159) مفوض إليه؛ لأن بيده التوبة والعذاب, ~~فلا يصلح أن يكون ذلك إلا للإله, {ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} , ثم يوم ~~القيامة يرون ما يوعدون, ويجازيهم بما كانوا يعملون. # قال المجاهد والضحاك والسدي وقتادة: "هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى, ~~اختلفوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا, فلما بعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم نزلت: {إن الذين فرقوا} . (2) # وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: PageV01P204 # {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} إنهم الخوارج" (1) . # وروى ابن جرير بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في هذه الآية: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وليسوا ~~منك هم أهل البدع وأهل الشبهات, وأهل الضلالة من ms116 هذه الأمة (2) . # وقال شعبة عن مجالد, عن الشعبي عن شريح عن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لعائشة: " {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} هم أصحاب ~~البدع والأهواء من هذه الأمة" (3) . # والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين محمد (وكان مخالفا له, فإن الله ~~بعث رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله, وشرعه واحد لا اختلاف ~~فيه ولا افتراق, فمن اختلف وكان شيعا, كان كذلك كأهل البدع والنحل ~~والضلالة, فإن الله قد برأ رسوله مما هم فيه, وهذا لقوله: {شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا} (الشورى: من الآية 13) فكل متمسك بشرع بعد الرسول ~~فجهالات وضلالات وأراء وأهواء, فالرسول بريء منه. (4) # قوله تعالى: {منيبين إليه} (الروم: من الآية 31) أي مقبلين عليه بالإقلاع ~~عن الكفر PageV01P205 # والرجوع إلى التوحيد, {واتقوه} واحذروه كما قال: {ويحذركم الله نفسه} ~~فالتقوى أفضل لباس العبيد. # {وأقيموا الصلاة} أداؤها في جميع أوقاتها بإخلاصها له كما شرعت. # قوله: {ولا تكونوا من المشركين} نهي من الله تعالى لرسوله وأمته أجمعين ~~أن يتبعوا سنن المشركين, الذين آثروا الهوى, فآل بهم إلى الافتراق في ~~الدين. # {من الذين فرقوا دينهم} أي: الإسلام الذي هو دين واحد. # {وكانوا شيعا} كل شيعة اختارت لها إماما قائدا, فتابعته على تأييد دينها ~~الفاسد, وسيوردهم يوم القيامة شر الموارد, {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم ~~النار وبئس الورد المورود} (هود:98) . # {كل حزب بما لديهم فرحون} (الروم: من الآية 32) كل أهل دين بما عندهم ~~راضون مسرورون, ظنا منهم انهم إلى الحق مهتدون {وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون} (الشعراء: من الآية 227) . # قوله سبحانه وتعالى: {شرع لكم من الدين} أي: بين لكم الدين وهو الإسلام, ~~واختاره لكم دينا وأكرمكم به, وهذا غاية الإكرام. # {ما وصى به نوحا} يعني: الذي أمر رسوله نوحا أن يستقيم عليه, وأن يدعو ~~الناس إليه. # {والذي أوحينا إليك} لتدعو إليه كافة العباد, وتجاهد من أبى عنه من أهل ~~الشرك والإلحاد. # {وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} أي: أمرناهم به, وهؤلاء ms117 هم أرباب ~~الشرائع, وهم ألو العزم من الرسل. # {أن أقيموا الدين} أي: التوحيد بأن لا يشرك في عبادته سواه. # PageV01P206 # {ولا تتفرقوا فيه} لا تختلفوا, فمن اختلف فيه كانت النار مثواه, النهي عن ~~الاختلاف إنما هو في الأصل, وأما فروع الشعائر فمختلفة كما قال: {لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا} . # {كبر على المشركين} أي: أهل مكة وغيرهم. # {ما تدعوهم إليه} من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده. # {يجتبي إليه من يشاء} أي: يختار لديه من كان أهلا لذلك. # {ويهدي إليه من ينيب} يرشده إلى سلوك دينه الذي هو أحسن المسالك. # {وما تفرقوا} يعني: المم السابقة, وقيل: أهل الكتاب؛ لقوله: {وما تفرق ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} (البينة:4) . # قوله: {إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} أي: العلم بأن التفرق ~~متوعد عليه, وأن الاجتماع في الدين هو المدعو إليه. # وقيل: العلم بمبعث الرسول, فلم يجنحوا إلى التصديق والقبول {بغيا بينهم} ~~حسدا وعداوة, آلت بهم إلى الشقاوة. # {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} (يونس: من الآية 99) {ولكن ~~حقت كلمة العذاب على الكافرين} (الزمر: من الآية 71) والأمر بإقامة الدين ~~والاجتماع عليه, والنهي عن الاختلاف فيه والتفرق المشار إليه صريح في هذه ~~الآية, والتي قبلها, فقبح الله شيع البدع والهوى, ما أضلها! # قوله في حديث أبي سعيد: "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى ~~الأرض" (1) سماه حبلا على سبيل الاستعارة يعني: أن كتاب الله تعالى هو ~~السبب الوثيق الممدود, المدرك من تمسك به كل مقصود. # وقال: "من السماء إلى الأرض" ولم يقل من الأرض إلى السماء؛ لأن ~~PageV01P207 # مبدأ إنزاله ومنها وغايته الأرض, وسيجاء به حجة بعد العرض. # وقوله في حديث عبد الله: "إن هذا القرآن هو حبل الله المتين" (1) يعني: ~~القوي الذي لا يخشى على المستمسك به انفصام, ولا تنال الهلكة من له به ~~اعتصام. # وهذا تمثيل للخلق بما يفهمونه من الأسباب التي يتوصلون بها إلى المآرب, ~~وإدراك المقصود والمطالب, وينجون بها من المعاطب. # وحاصل الأمر: أن ms118 من في الدنيا مثله كمثل من وقع في بئر فيها من كل نوع من ~~الآفات, فلا يمكنه الخروج منها والسلامة من آفاتها والنجاة إلا بحبل قوي ~~وثيق, حتى يكون له السلامة طريقا, فكذلك الدنيا دار محنة, وفيها كل نوع من ~~الآفات والفتنة, فلا سبيل إلى النجاة منها إلا بالتمسك بأقوى الأسباب, وذلك ~~كتاب الله الذي هو أعظم وأفخم كتاب. # قوله: "وهو الشفاء النافع" أي: شفاء لما في الصدور من أدواء الضلالة, ~~وأسقام السفة والجهالة. # قوله: "عصمة لمن تمسك به" من الهلاك. قال جل جلاله: {فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى} (طه: من الآية 123) . # قواه: "ونجاة لمن تبعه" أي عمل بما جاء به من المر والنهي في أصل ~~PageV01P208 # الدين وفروعه. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: "جمع الله تعالى في هذا الكتاب علوم ~~الأولين والآخرين, وعلم ما كان وعلم ما يكون والعلم بالخالق جل جلاله وأمره ~~وخلقه". قوله في حديث أبي هريرة: "إن الله يرضى لكم ثلاثا, ويسخط لكم ~~ثلاثا, يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا" (1) أي: تعبدونه وحده ~~بإخلاص على صواب, وقد قدمت الكلام على التوحيد والشرك, فليطلب في محله. # قوله: "وأن تعتصموا بحبل الله جميعا" هذه مما أمر الله تعالى بها جميع ~~العباد, ورضيها؛ لأنها سبب الاستقامة على المراد, وسبيل النجاة يوم المعاد. # قول: "وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" مثل هذا ما رواه أحمد عن جبير بن ~~مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يغلو عليهن قلب امرؤ ~~مسلم: إخلاص العمل, ومناصحة ولاة المر, ولزوم جماعة المسلمين" (2) . # وروى مسلم عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" قالوا: لمن؟ قال: "لله, ولكتابه, ولرسوله, ~~ولأئمة المسلمين, وعامتهم" (3) . # وقد أوجب الله النصيحة على المسلمين لأئمتهم, كما أوجب عليهم النصيحة له ~~ولكتابه ولرسوله. # فالنصيحة لله تعالى: صحة الاعتقاد في وحدانيته, وإخلاص النية في ~~PageV01P209 # عبادته. # والنصيحة لكتابه: الإيمان به والعمل بما فيه. # والنصيحة لرسوله: التصديق ms119 بنبوته, وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه. # والنصيحة لأئمة المسلمين: حب صلاحهم ورشدهم وعدلهم, وحب اجتماع الأمة ~~عليهم, وكراهة افتراق الملة عليهم, والتدين بطاعتهم في طاعة الله تعالى, ~~والبغض لمن رأى الخروج عليهم, وحب إعزازهم في طاعة الله. (1) # قوله في حديث أحمد: "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ~~ملة, وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (2) يعني: الأهواء. # "أهل الكتاب" هم بنو إسرائيل, وإسرائيل لقب يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم, ~~ومعناه بالعبرانية (عبد الله) وقيل: (صفوة الله) . # وقد ذكر الله تعالى بني إسرائيل في كتابه ذكرا متعددا, وعدد ما أمتن به ~~عليهم, وما أكرمهم به وفضلهم به على أهل زمانهم, وأخبر عما جرى منهم من ~~الاختلاف, وما قبلوا به النعم, وما أجرى عليهم من النقم. # قوله: "كلها في النار إلا واحدة" هذا يدل عليه القرآن والآثار: # قال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء:115) . # "ومن شذ شذ في النار" (3) . PageV01P210 # قوله: "إلا واحدة" وهي الجماعة أي: الذين اعتصموا بكتاب الله المبين, ~~واتبعوا سنة سيد المرسلين. # قوله: "إنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء". # التجاري: التفاعل من الجري, وهو الوقوع في الأهواء الفاسدة, والتداعي ~~فيها تشبيها بجري الفرس. # والأهواء: جمع هوى, والمعروف عند أهل العلم أنه إذا أطلق فالمراد به ~~الميل إلى خلاف الحق. قال تعالى: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} (ص: ~~من الآية 26) . # وقال –تعالى- {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي ~~المأوى} (النازعات:40-41) وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقا فيدخل ~~فيه الميل إلى الحق. # قالت عائشة: لما نزل قوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} ~~(الأحزاب: من الآية 51) "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك" (1) . # ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه في قصة المشاورة في أساري بدر, "فهوى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر, ولم يهو ms120 ما قلت" (2) (3) . # هذا وقد أخبر الصادق المصدوق أن تلك الأهواء التي مالوا إليها, وأقبلوا ~~بكليتهم من غير علم عليها, {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي ~~من أضل الله وما لهم من ناصرين} (الروم:29) إنها خالطت مشاشهم وسرت فيها؛ ~~بل لا تزال تتزايد, وتجري في عظامهم مجرى PageV01P211 # الدم وتتصاعد, لا تدع مفصلا إلا دخلته ولا عرقا, فقد صاروا في داء هذا ~~الهوى غرقا. # ولذا شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حالهم بحال من بداء الكلب قد ~~أصيب, فما لهم في عداد العقلاء من نصيب. # والكلب بفتح الكاف واللام داء معضل يحصل به أعظم الآلام, ويحدث بسببه سقم ~~من أشد الأسقام, وهو يعرض للإنسان من عض الكلب الكلب, فيصيبه شبه الجنون, ~~فلا يعض أحدا إلا كلب, ويعرض له أمراض رديئة, ويمتنع من شرب الماء حتى يموت ~~عطشا. # واجتمعت العرب على أن دواءه قطرة من دم الملك (1) يخلط بماء فيسقاه. (2) # وكتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى ابن عباس رضي الله عنهما حين أخذ ~~مال البصرة: "فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب والعدو قد حرب" يعني: ~~اشتد. # قوله: "لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم فغيركم من ~~الناس أحرى أن يقوم به". # مراده رضي الله عنه الحث والحض لهم على الاجتماع على كتاب الله وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم والاعتصام بذلك, وشدة الاهتمام والاعتناء بذلك, لان به ~~تحصل السعادة والسؤدد في العجل والآجل, وتكمل لمن قام به شريف الفضائل, ~~وهذا مع ما فيه من الحث على القيام بما جاءهم به PageV01P212 # عليه الصلاة والسلام, ففي ضمنه أخبار لهم وتذكير بما حازوا به من العز ~~الكبير, والخير الكثير, الواسع الغزير, بعد ما كانوا عليه من سوء الحال ~~وضيق العيش, وسفاهة الأحلام والطيش, فنالوا ببركة ما جاءهم من النور, المج ~~والشرف والنصر على الأعداء والظهور, ولو لم يكن إلا الهداية إلى الإسلام, ~~والإقلاع عن عبادة الأوثان والأصنام, ولا شرف أعظم من ذلك به ms121 يسعدون ~~ويشرفون {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون} (الزخرف:44) . # وقد بين لهم ذلك عليه الصلاة والسلام, وامتن عليهم في معرض العتب في ~~الكلام, فقال: "ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي, وكنتم متفرقين فألفكم الله ~~بي, وعالة فأغناكم الله بي, وكلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن" (1) , ~~فإذا كان صلى الله عليه وسلم منهم, والله قد فضلهم به, وأنجز لهم ما وعدهم ~~على لسانه, ولم يعملوا بما جاءهم به ولم يهتموا بشأنه, فغيرهم من الناس ~~بالإعراض أولى وأجدر, لأنهم إنما حسدوهم على هذا الشرف الأكبر, والذكر ~~الجميل الأنور. وهذا الحديث الذي رواه أحمد قد روي من طرق متعددة مختلفة. # فروى الحاكم في مستدركه: "افترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة, ~~وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة , قالوا: ومن ~~هم يا رسول الله؟ قال: "من كان على ما أنا عليه وأصحابي" (2) . PageV01P213 # وخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما أتي على بني إسرائيل حذو ~~النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتي أمه علانية, ليكونن من أمتي ما يصنع ~~ذلك, وإن بيني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث ~~وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة , قالوا: من هي؟ قال: من كان على ما ~~أنا عليه وأصحابي" (1) . # وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين ~~فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة, وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة ~~كلها في الهاوية إلا واحدة, وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في ~~النار إلا واحدة" (2) . # وروي أنه قال: "وستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلها في النار إلا من ~~كان على ما أنا عليه وأصحابي". والبضع: من الثلاث إلى التسع, والمراد به ~~هنا الثلاث, لأنه جاء كذلك في أكثر الروايات هذا الحديث. # وقد تبين ما ذكرنا من الآيات والأخبار, وجوب الاعتصام بكتاب الله المبين, ~~ولزوم التمسك ms122 بسنة سيد الخلق أجمعين, وأن الفرقة الناجية من العذاب الأليم, ~~هي التي تسلك سبيله المستقيم, وتأخذ بشرعه القويم, وباقي فرق الضلالة من ~~أمة الإجابة في نار الجحيم؛ لنبذهم العمل بالذكر PageV01P214 # الحكيم, ومخالفتهم لمنهاج الرسول الكريم. # فقد روى أبو داود بسنده عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين ~~وسبعين ملة, وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة, ثنتان وسبعون في ~~النار, وواحدة في الجنة وهي الجماعة" (1) . # واعلم أن أول ما حدث في الدين من المحن, ووقع في الإسلام من الفتن: # فتنة الخوارج: # وكان مبدؤهم بسبب الدنيا, حيث قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين ~~فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة "اعدل, فإنك لم تعدل" (2) الحديث, ففاجئوه ~~بفظيع هذه المقالة, فردهم الله إلى أسوأ حالة. # ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وضلالات, وأهواء ونحل كثيرة منتشرة ~~ومقالات. # وقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي غالب قال: سمعت أبي أمامة يحدث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه} (آل عمران: من الآية 7) قال: هم الخوارج, وفي قوله: {يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه} (آل عمران: من الآية 106) قال: هم الخوارج (3) . # وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} ~~PageV01P215 # إلى قوله: {إلا أولو الألباب} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله.. فاحذروهم" ~~(1) . # وروى الإمام أحمد عنها في هذه الآية قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا رايتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم" (2) . # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "الخوارج كلاب أهل النار" (3) . # وفي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه ms123 أنه ذكر الخوارج فقال: "فيهم رجل مخدج ~~اليد, أو مودن اليد, لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقاتلونهم ~~على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قلت: أنت سمعته من محمد صلى الله عليه ~~وسلم قال: إي ورب الكعبة ... إي ورب الكعبة ... إي ورب الكعبة" (4) . # وخرج الإمام أحمد بسنده عن زيد بن وهب قال لما خرجت الخوارج بالنهروان ~~قام علي رضي الله عنه في أصحابه فقال: "إن هؤلاء القوم قد سفكوا الدم ~~الحرام, وأغاروا في سرح الناس, وهم أقرب العدو إليكم, وإن تسيروا إلى ~~عدوكم, وأنا أخاف أن يخلفكم هؤلاء في أعقابكم, إني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول تخرج خارجة من أمتي ليس صلاتكم إلى صلاتهم بشيء, ولا صيامكم ~~إلى صيامهم بشيء, ولا قراءتكم إلى قراءتهم بشيء, يقرءون القرآن يحسبون أنه ~~لهم PageV01P216 # وهو عليهم لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية, وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليس لها ذراع عليها مثل حلمة الثدي ~~عليها شعرات بيض, لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما لهم على لسان نبيهم ~~لاتكلوا على العمل فسيروا على اسم الله عز وجل" (1) . # وفي الصحيحين عن سويد بن غفلة قال: قال علي رضي الله عنه: "إذا حدثتكم عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا, فو الله لان أخر من السماء أحب إلي من ~~أن أقول عليه ما لم أقل, وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم, فإن الحرب خدعة, ~~وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان ~~حدثاء الأسنان, سفهاء الأحلام, يقولون من خير البرية, يقرءون القرآن, لا ~~يجاوز حناجرهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم, فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم عند الله يوم القيامة" (2) . # وخرج أبو داود عن أبي سعيد وأنس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "سيكون في أمتي اختلاف وفرقة, قوم يحسنون القيل ويسيئون ~~الفعل, يقرءون القرآن لا يجاور ms124 تراقيهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية, ثم لا يرجع حتى يرتد على فوقه, وهم شر الخلق, طوبى لمن قتلهم ~~وقتلوه, يدعون إلى كتاب الله, وليسوا منه في شيء, من قاتلهم كان أولى بالله ~~تعالى منهم" (3) . PageV01P217 # الفوق: موضع وقوع الوتر من السهم. وخرجه الشيخان من رواية أبي سعيد بنحو ~~هذا (1) . # وخرج مسلم عن [عبيد الله] (2) بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه قالوا لا ~~حكم إلا لله قال علي كلمة حق أريد بها باطل إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا ~~منهم وأشار إلى حلقه من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو ~~حلمة ثدي فلما قتلهم علي قال انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال ارجعوا ~~فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى ~~وضعوه بين يديه قال عبيد الله وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم" (3) # وخرج الدارقطني بسنده عن أبي مجلز أن عليا رضي الله تعالى عنه نهى أصحابه ~~أن يبسطوا على الخوارج حتى يحدثوا حدثا, فمروا بعبد الله بن خباب فأخذوه ~~فانطلقوا به فمروا على تمرة ساقطة من نخلة, فأخذها بعضهم فألقاها في فمه, ~~فقال له بعضهم: تمرة معاهد فيم استحللها؟ قال عبد الله: أفلا أدلكم على من ~~هو أعظم حرمة عليكم من هذا؟ قالوا: نعم, قال: أنا. فقتلوه, فبلغ ذلك عليا ~~فأرسل إليهم أن أقيدونا بعبد الله بن خباب, قالوا: كيف نقيدك به وكلنا ~~قتله؟ قال: PageV01P218 # وكلكم قتله, قالوا: نعم قال: الله أكبر ثم أمر أن يبسطوا عليهم, وقال: ~~والله لا يقتل منكم عشرة. ولا ينفلت منهم عشرة قالوا: فقتلوهم, فقال اطلبوا ~~منهم ذا الثدية" (1) . # وخرج أبو داود عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لكل أمة ms125 مجوس, ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر, فمن مات منهم ~~فلا تشهدوا جنازته, ومن مرض منهم فلا تعودوهم, وإن ماتوا فلا تشهدوهم" (2) ~~. # وله من رواية مرفوعا: "لا تجالسوا أهل القدر, ولا تفاتحوهم بالكلام" (3) ~~. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"صنفان من أمتي ليس في الإسلام نصيف: المرجئة والقدرية" (4) القدرية الذين ~~يقولون الخير من الله والشر من الإنسان, وإن الله لا يريد أفعال العصاة. # وخرج أبو داود والترمذي عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنه ~~فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام فقال له إنه بلغني أنه قد أحدث فإن كان قد ~~أحدث فلا تقرئه مني السلام, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون ~~في هذه الأمة خسف ومسخ وذلك في المكذبين بالقدر". (5) PageV01P219 # وخرج الإمام أحمد عن أبي الطفيل أن رجلا ولد له غلام على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ ببشرة وجهه ودعا ~~له بالبركة قال: فنبتت شعرة في جبهته كهيئة (1) القوس وشب الغلام فلما كان ~~زمن الخوارج أحبهم فسقطت الشعرة عن جبهته فأخذه أبوه فقيده وحبسه مخافة أن ~~يلحق بهم قال: فدخلنا عليه فوعظناه وقلنا له فيما نقول ألم تر أن بركة دعوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعت عن جبهتك فما زلنا به حتى رجع عن ~~رأيهم, فرد الله عليه الشعرة وتاب." (2) # وروى الإمام أحمد عن سعيد بن جهمان قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو ~~محجوب البصر فسلمت عليه فقال: من أنت فقلت: أنا سعيد بن جهمان قال: فما فعل ~~والدك قلت قتله الأزارقة قال: لعن الله الأزارقة. حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنهم كلاب النار. # قلت الزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ # قال: بل الخوارج كلها. فقلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل لهم وبهم, ~~فتناول يدي فغمزها غمزة شديدة ثم قال: ويحك يا بن جهمان عليك بالسواد ~~الأعظم, عليك ms126 بالسواد الأعظم, إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته, ~~فأخبره بما تعلم, فإن قبل منك, وإلا فدعه, فإنك لست بأعلم منه (3) . # وخرج رزين بسنده عن سالم أن رجلا من أهل العراق سأل ابن عمر عن قتل محرم ~~بعوضا؟ فقال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة, PageV01P220 # وأجرأكم على الكبيرة, يقتل أحدكم من الناس ما لو كان عددهم سبحات لرأيت ~~أنه إسراف, وإنا كنا نسير مع رسول الله فنزلنا منزلا, فنام رجل من القوم, ~~ففزعه رجل, فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا يحل لمسلم ~~تفزيع مسلم" (1) . # وخرج البخاري ومسلم عن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد ~~الخدري فسألاه عن الحرورية هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها؟ , ~~قال لا أدري ما الحرورية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج في ~~هذه الأمة" ولم يقل منها "قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرءون القرآن لا ~~يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فينظر ~~الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم ~~شيء". (2) # وروى مسلم عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال دخلت المسجد فإذا عبد الله ~~بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه فأتيتهم فجلست ~~إليه فقال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر, فنزلنا منزلا فمنا ~~من يصلح خباءه, ومنا من ينتضل, ومنا من هو في جشره, إذ نادى منادي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة, فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ~~خير ما يعلمه لهم, وينذرهم شر ما يعلمه لهم, وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في ~~أولها, وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها وتجيء فتنة فينزلق أو PageV01P221 # فيرقق بعضها بعضا, وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي, ثم تنكشف ~~وتجيء الفتنة فيقول: هذه, فمن ms127 أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته ~~منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر, وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى ~~إليه" الحديث. (1) # وخرج الإمام أحمد عن أبي بكرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم مر برجل ~~ساجد وهو ينطلق إلى الصلاة فقضى الصلاة ورجع عليه وهو ساجد فقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "من يقتل هذا؟ فقام رجل فحسر عن يديه فاخترط سيفه ~~وهزه ثم قال: يا نبي الله بأبي أنت وأمي, كيف أقتل رجلا يشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله؟ ثم قال: "من يقتل هذا؟ " فقام رجل فقال: أنا ~~فحسر عن ذراعيه واخترط سيفه وهزه حتى أرعدت يده فقال: يا نبي الله كيف أقتل ~~رجلا ساجدا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها". ~~(2) # قلت: ومثل هذا ما رواه البيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: كان عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رجل يعجبنا تعبده وجهاده, فذكرناه لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم باسمه فلم يعرفه, ووصفاه بصفته, فلم يعرفه, فبينا نحن نذكره ~~إذ طلع علينا الرجل فقلنا هو هذا: "إنكم لتخبروني عن رجل على وجهه سعفة من ~~الشيطان" , فأقبل حتى وقف على القوم يسلم فقال: له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "نشدتك بالله هل قلت حين وقفت على المجلس: ما في القوم PageV01P222 # أحد أفضل مني وخير مني؟ ". # قال: اللهم نعم, ثم دخل يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ~~يقتل الرجل؟ " قال أبو بكر: أنا, فدخل عليه فوجده يصلي فقال: "سبحان الله ~~أأقتل رجلا يصلي وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب المصلين" (1) ~~. # ويظهر لي أن هذا الرجل المذكور في الحديث هو الرجل الذي حدث عنه أبو ~~بكرة, وأن القصة واحدة, ويحتمل التعدد؛ إذ لا مانع من ذلك. # وخرج الشيخان عن حذيفة رضي الله عنه ms128 قال: كان الناس يسألون رسول اله صلى ~~الله عليه وسلم عن الخير, وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني, فقلت: يا ~~رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر, فجاءنا الله بهذا الخير, فهل بعد هذا ~~الخير من شر؟ , قال: "نعم" قلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه ~~دخن". قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يستنون بغير سنتي, ويهتدون بغير هديي, تعرف ~~منهم وتنكر" , فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ , قال: "نعم دعاة على أبواب ~~جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها" , قلت: يا رسول الله فما تأمرني إن ~~أدركني ذلك؟ , قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" , قلت: فإن لم يكن جماعة ~~ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها, ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك ~~الموت وأنت على ذلك" (2) . # وخرج أبو داود عن حذيفة رضي الله عنه قال: "والله ما ادري أنسي أصحابي أم ~~تناسوا, والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنة إلى ~~PageV01P223 # أن تنقضي (1) الدنيا, يبلغ من معه من ثلاثمائة فصاعد إلا سماه لنا باسمه ~~واسم أبيه واسم قبيلته" (2) , فهؤلاء هم الذين استحوذ عليهم الشيطان ~~فأغواهم, فعدلوا عن الحق واتبعوا هواهم, كتب الله تعالى عليهم الخذلان, ~~فقيض لهم بعدله الشيطان, فحسن لهم القبيح, وزين لهم سيء الأعمال, فاستحبوا ~~طريق الغي والضلال, قادهم بمكره وكيده فأوداهم, واستدرجهم بخداعه فأرداهم, ~~فلما تمكن من قصده بهم ناداهم, وهم مصطادون في شبكة الاحتيال {فلا تلوموني ~~ولوموا أنفسكم} (إبراهيم: من الآية 22) , ما لكم من الله من وال, هيهات ~~تفرقت بهم السبل عن الصراط المستقيم, فطوحت بهم إلى سواء الجحيم, تيسيرا ~~إلى قضاء الله المحتوم, وقدره المبرم المختوم, وإبداء لذلك وتحقيقا, وتنجيز ~~الوعد لوعد الصادق المصدوق, وإظهارا لهذه المعجزة بعده وتصديقا, فقد حقق ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في أمته وعده, فظهروا وتفرقوا حتى ~~استكملوا تلك العدة, ولم يكن ذلك عن طول أمد, بل وقع في اقصر مدة, وكان ~~مبدؤهم كما ذكرنا من قسمة غنائم حنين, وظهور ms129 أسوأ القول ممن في قلبه رين, ~~غيرانه لم يقع بها تظاهره, ولا مساعدة ولا تناصر, ولم يشب لنارها ضرام, ولم ~~يكن وقودها جثث وهام, إلا أيام علي بن أبي طالب رضي اله عنه, فقتلهم ~~بالنهروان, فصار لها من تلك الأيام إعلان, وقام لها دعاة وأعوان, ونشرت ~~أعلامها في أكثر البلدان, فانبعثت القدرية, وأول من قال به وقام, معبد ~~الجهني بالبصرة فضل وأضل أقواما, ثم المعتزلة, ثم الجهمية, ثم الشيعة ~~والإمامية. PageV01P224 # والحاصل أن الفرق الكبار من أمة الإجابة ثمان: # الأولى: فرقة الحق أهل الإسلام والإيمان, والمعتزلة والشيعة, والمرجئة, ~~والجبرية, والخوارج, والنجارية, والمشبهة. فهؤلاء الذين سلكوا أقبح ~~المناهج. # والمعتزلة: # افترقوا عشرين فرقة, يكفر بعضها بعضا, وكل فرقة تروم لحجة الأخرى نقضا ~~(1) . # منهم الواصلية: قوم واصل بن عطاء الذي أظهر الاعتزال, وكان يجالس الحسن ~~البصري قبل تظاهره بالضلال. # ومنهم الهذيلية: أصحاب أبي الهذيل بن حمدان (2) العلاف, وهو شيخهم ومقرر ~~طريقتهم, مات سنة خمس وثلاثين ومائة (3) . # ومنهم النظامية: أصحاب إبراهيم بن سيار النظام, (4) وهذا من شياطين ~~القدرية, طالع كتب الفلسفة, وخلطها بكلام المعتزلة. # والإسكافية: أصحاب أبي جعفر الإسكاف. (5) # والجعفرية: أصحاب جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر. (6) PageV01P225 # والبشرية: أصحاب بشر بن المعتمر كان من أفاضل علماء المعتزلة. # ومنهم الهشامية (1) : أصحاب هشام بن عمرو الفوطي وكان من أشد المعتزلة ~~مبالغة في إنكار القدر. # والصالحية (2) , والخطابية, (3) والحدثية (4) والمعمرية, (5) . # والثمامية: أصحاب ثمامة بن أشرس النميري وكان هذا الشيطان جامعا بين ~~سخافة الدين وخلاعة النفس, ومن قبيح قوله أنه يقول: اليهود, والنصارى, ~~والمجوس, والزنادقة يصيرون في الآخرة ترابا لا يدخلون جنة ولا نارا. # ومنهم الخياطية: أصحاب أبي الحسن الخياط (6) . # والجاحظية: أصحاب عمر بن بحر الجاحظ, وكان هذا بليغا ظهر في أيام المعتصم ~~والمتوكل, وأخذ من كتب الفلاسفة. # ومنهم الكعبية: أصحاب القاسم بن محمد الكعبي (7) من معتزلة بغداد تلميذ ~~الخياط. ومنهم الجبائية: أصحاب أبي علي محمد بن عبد الوهاب PageV01P226 # الجبائي من كبار معتزلة البصرة, ومن قبيح مقالاته: إنكاره الكلام, ويقول: ~~إن الله يخلق كلامه في جسم, والمتكلم ذلك الجسم, وينكر ms130 رؤية الله في ~~الآخرة, ومرتكب الكبيرة يخلد في النار.. وغير ذلك, ولهم بقايا فرق. # وأما الشيعة: (1) # سموا أنفسهم بذلك, وادعوا أنهم شايعوا عليا. # فهم اثنتان وعشرون فرقة, يكفر بعضهم بعضا, وأصول فرقهم ثلاث فرق: # غلاة, وزيدية, وإمامية. # والغلاة ثماني عشر: # أولهم السبائية: أصحاب عبد الله بن سبأ, يقولون لعلي رضي الله عنه أنت ~~الإله حقا, وعلي لم يمت, وإنما قتل بن ملجم شيطانا تصور بصورة علي, وعلي في ~~السحاب, والرعد صوته, والبرق سوطه, وإنه ينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملؤها ~~عدلا. # ومنهم الكاملية: أصحاب أبي كامل, يكفرون الصحابة بترك بيعة علي, ويكفرون ~~عليا بترك طلب الحق. # ومنهم الغرابية: قالوا: محمد أشبه بعلي من الغراب بالغراب, والذباب ~~بالذباب, فبعث الله جبريل إلى علي فغلط جبرائيل في الرسالة من علي إلى ~~محمد. # ومنهم النصيرية والإسحاقية: قالوا: حل الله في علي, والذمية يقولون ~~PageV01P227 # علي هو الإله, وقد بعث محمدا يدعو له, فدعى لنفسه. # ومنهم الإسماعيلية: ويلقبون بالقرامطة, لأن رأسهم حمدان قرمط, وقيل عبيد ~~الله بن ميمون القداح, وهؤلاء هدموا الشريعة وأركانها جملة. # وباقي فرق الشيعة وروافضهم كثيرة, ومقالاتهم الفاسدة شهيرة. # وأما الزيدية: # الذين ينسبون أنفسهم إلى طريقة زيد بن علي بن الحسين زين العابدين, فهم ~~ثلاث فرق: # الجارودية: أصحاب ابي جارود الذي سماه الباقر شيطانا, فهؤلاء كفروا ~~الصحابة لمخالفتهم عليا. # والسليمانية, (1) والبترية (2) . # وأما الإمامية: # فقالوا بالنص الجلي على إمامة علي, وكفروا الصحابة ووقعوا في أعراضهم. # وأما الخوارج فهم عشرون فرقة: (3) # المحكمة: # وهم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه عند التحكيم وكفروه, وكانوا اثني ~~عشر ألفا, كانوا أهل الصلاة وصيام وقراءة, وفيهم قال صلى الله عليه وسلم: ~~"يحقر أحدكم صلاته في جنب صلاتهم, وصومه في جنب PageV01P228 # صومهم, ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم" (1) . وكفروا عثمان وأكثر ~~الصحابة. # ومنهم البيهسية: # أصحاب بيهس بن الهيصم بن جابر (2) , قالوا: من وقع في شيء لا يعلمه أحلال ~~أم حرام, فهو كافر. # ومنهم الأزارقة: # أصحاب نافع بن الأزرق, كفروا عليا بالتحكيم, وقالوا: إنه هو الذي نزل في ~~شأنه {ومن ms131 الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه ~~وهو ألد الخصام} (البقرة:204) وابن ملجم محق في قتله, وهو الذي نزل فيه ~~{ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} (البقرة: من الآية 207) وفيه ~~قال مفتي الخوارج وزادها عمران بن حطان (3) . # ياضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا (4) # وهؤلاء كفروا عثمان, وطلحة, والزبير, وعبد الله بن عباس, وعائشة, وسائر ~~المسلمين, وحكموا عليهم بالخلود في النار. PageV01P229 # ومنهم النجدية: أصحاب نجدة بن عامر النخعي (1) . # ومنهم العاذرية: الذين عذروا الناس في الجهالات في الفروع, وذلك أن نجدة ~~وجه ابنه مع جيش إلى أهل القطيف, فقتلوهم وأسروا نساءهم, ونكحوهم قبل ~~القسمة, وأكلوا الغنيمة, فلما رجعوا إلى نجدة, أخبروه بما فعلوا, فقال لهم: ~~لم يسعكم ما فعلتم, فقالوا: لم نعلم أنه لا يسعنا, فعذرهم بجهالتهم, فاختلف ~~أصحابه بعد ذلك, فمنهم من تابعه, ومنهم من خالفه. # ومنهم الصفرية: أصحاب زياد بن الأصفر. # ومنهم الأباضية: أصحاب عبد الله بن إباض, قالوا: مخالفوهم كفار. وكفروا ~~عليا وأكثر الصحابة, وافترقوا أربع فرق: # الحفصية: أصحاب حفص بن أبي المقدام. # واليزيدية: أصحاب يزيد بن أنيسة قالوا: يبعث نبي من العجم بكتاب يكتب في ~~السماء, ويترك ملة محمد, ويختار ملة الصابئة. # والحارثية: أصحاب أبي الحارث الأباضي, (2) خالفوا الإباضية في القدر. (3) # ومن فرق الخوارج: # العجاردة: أصحاب عبد الرحمن بن عجرد (4) وهم أربع فرق, كلها مشهورة ~~بالضلال, معلومة الحال. PageV01P230 # من الفرق الكبار المرجئة: (1) # لقبوا بذلك لأنهم يرجون العمل على النية, أي: يؤخرونه عنها, وعن الاعتقاد ~~من أرجأه إذا اخره, قال تعالى: {أرجه وأخاه} (الأعراف: من الآية 111) أي: ~~أمهله وأخره. # وقيل: إنما سموا بذلك, لانهم يقولون لا تضر مع الإيمان المعصية, كما لا ~~تنفع الطاعة مع الكفر, وقد افترقوا خمس فرق: # اليونسية: أصحاب يونس النميري, قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع, ~~ولا يضر مع ذلك ترك الطاعات. # والعبدية: (2) قبحهم الله وقبح مقالهم. # والغسانية: أصحاب غسان الكوفي, يقولون: ms132 إن الله فرض الحج, ولا ندري أهذه ~~الكعبة أم غيرها؟ وبعث محمدا ولا ندري اهو الذي بالمدينة أو غيره؟. # والثوبانية: أصحاب أبي ثوبان المرجىء. (3) # والتومنية: أصحاب أبي معاذ التومني, ومن مقالاتهم: ان السجود للصنم ليس ~~كفرا, بل علامة على الكفر, وتبعهم ابن الراوندي وبشر المريسي قبحهم الله ~~تعالى. # ومن الفرق الكبار الجبرية: # والجبر إسناد فعل العبد إلى الله, وهؤلاء يقولون بحدوث علمه تعالى, بل لا ~~يتصف بعلم ولا قدرة, ويقولون بنفي رؤيته, وبخلق PageV01P231 # القرآن, وهؤلاء وافقوا الجهمية أصحاب جهم بن صفوان, فقالوا: لا قدرة ~~للعبد يكتسب بها, بل هو بمنزلة الجمادات, فلذا لا يقولون بخلود احد في ~~النار, بل ولا في الجنة, ويقولون الجنة والنار يفنيان إذا دخل أهلهما ~~فيهما, فلا يبقى إلا الله. # ومن الفرق الكبار النجارية: # أصحاب محمد بن الحسين النجار (1) وهؤلاء يوافقون المعتزلة على نفس الصفات ~~وحدوث الكلام, ونفي الرؤية, وفرقهم ثلاث: # البرغوثية (2) , والزعفرانية (3) , والمستدركة (4) , وأكثر هؤلاء يكفرون ~~من لم يقل بخلق القرآن. # ومن الفرق الكبار المشبهة: (5) # شبهوا الله تعالى بالمخلوقات, ومثلوه بالحادثات تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا وثم فرقة واحدة؛ لأنهم وإن اختلفوا فالتشبيه يجمعهم, ~~والمشبهة صفة تعمهم. # فهذه فرق الأهواء والضلال, وشيع الغواة الضلال, الذين مرقوا من الملة ~~الحنيفية, مروق السهم من الرمية, فليس لهم حظ ول نصيب من الدين, {واتبع ~~الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين} (هود: من الآية 116) PageV01P232 # {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} ~~(النور:48) {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} ~~(التوبة: من الآية 115) . # وإنما أطلت بذكر هذه الفرق الضالة؛ ليتبين حال أهل التوحيد والدين من حال ~~أهل الزيغ والغي والجهالة, ولأمور غير ذلك, أرجو أنها حسنة المسالك: # منها: أن الموحد من أهل الدين, إذا سمع أقوال هؤلاء المبطلين, جد في ~~عبادة الله وحده على بصيرة ويقين. # ومنها: أنه يزداد بذلك إيمانا, ويدأب في الجهد والثناء على الله الذي ~~أهله للهداية, ووفقه لطريق العناية, فضلا منه وإحسانا. # ومنها: ms133 إظهار بطلان ما يقال في هذه الأزمنة والأعصار من المعادين ~~والمعاندين, والقائمين في عداوة أهل هذه الدعوة والمساعدين أن الرافضة ومن ~~شابههم هم زند الدين والهدى, ومن قام بإخلاص الدعوة لله تعالى هم أهل ~~الضلال والردى. # ومما يدل على أن هذا القيل كل رضيه وطاب به قلبا, أن هؤلاء الفرق قد ~~ملكوا البلدان شرقا وغربا, وجدوا فيمن قدروا عليه نهبا وسلبا, ولم نر أو ~~نسمع أن أحدا من الحكام الذين يدعون أنهم أهل السنة والجماعة, نصب لأحد من ~~هذه الفرق حربا, ولا قام ولا قعد في عداوتهم, وألب عليهم الجيوش عجما ~~وعربا, ولكن كما قال الله تعالى: {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا ~~يعلمون} (الروم:59) {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} ~~(الأعراف:186) . # PageV01P233 ### | الخاتمة # في الفرق الناجية من النيران, وهم أهل الإسلام والإيمان, الذين تمسكوا ~~بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم واعتصموا بالقرآن, فنالوا بذلك رفيع الدرجات ~~في الجنان. # قال الله جل جلاله: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} (البقرة:2) . # وقال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} (طه: من الآية 123) . # فوصف الله تعالى هذه الفرقة بالتقوى, ثم بين في كثير من الآيات أن القرآن ~~هدى لهم ورحمة وشفاء وبشارة, وأنهم لا يضلون في الدنيا, ولا يشقون في ~~الدنيا ولا في الآخرة. # وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تركت فيكم أمرين لن ~~تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله" (1) . # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لقد ~~تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (2) ~~. # وقال صلى الله عليه وسلم: "ما تركت من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثتكم ~~به, ولا شيء يقربكم من النار إلا وقد حدثتكم به" (3) # وقد تقدم قبل هذا حديث العرباض المتضمن لأمره صلى الله عليه وسلم بالتمسك ~~بسنته وسنة خلفائه الراشدين من بعده, عند حصول الاختلاف والافتراق, وحدوث ~~المنازعة والشقاق. PageV01P237 # فأما وجوب ms134 التمسك بالقرآن والاعتصام به وأن مخالفته كفر فهو معلوم من ~~الدين بالضرورة, وقد نطق بذلك القرآن كما ذكرته من قبل هذا. # ومن ذلك قوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} (الأعراف: من الآية ~~3) . # وقوله تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} (هود: من الآية 17) ~~. # وقال تعالى: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} (القلم: من الآية 44) . # وقد قدمت من دلائل الكتاب والسنة صدر هذا الفصل ما فيه كفاية وذكرى لكل ~~ذي عقل. # وقد خرج رزين بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نزل جبريل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنها ستكون فتن, قال: فما المخرج منها يا ~~جبريل؟ , قال: كتاب الله تعالى (1) . # وقد روى مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ألا وأني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله, وهو حبل الله الذي ~~من اتبعه كان على الهدى, ومن تركه كان على الضلالة, وعترتي أهل بيتي" ~~الحديث (2) . # وأما وجوب التمسك بسنة نبينا (وان مخالفتها كفر: فمن المعلوم بالضرورة ~~أيضا, والقرآن يصرح بذلك في آيات كثيرة, والأحاديث متواترة. # وقد قدمت في هذا الفصل ما فيه مقنع, لمن أراد أن يتبع سبيله الأرفع. ~~PageV01P238 # وأيضا كل ما أمر به أو نهى عنه أو حكم به أو فعله, فهو: # إما يكون ذلك بالوحي النازل عليه؛ لان الوحي كما ينزل بالقرآن ينزل ~~بالسنة, إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ~~"إني أوتيت القرآن ومثله معه" (1) يعني: السنة. # وإما أن يكون ذلك مما فهمه صلى الله عليه وسلم من القرآن. قال تعالى: ~~{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} (النساء: من ~~الآية 105) . # وقال سبحانه وتعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا ~~فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} (النحل:64) . # وقال جل جلاله: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون} (النحل: من الآية 44) . # وأما وجوب التمسك بعده بسنة خلفائه الراشدين, ms135 والاقتداء بأصحابه المهتدين ~~رضي الله تعالى عنهم أجمعين: # فالذي تقدم من الآيات والأحاديث الصحيحة, يدل على ذلك دلالة واضحة صريحة, ~~وقد ورد النهي بالتمسك بهديهم والاقتداء بهم خصوصا وعموما مما هو معلوم في ~~كتب السنة, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم" (2) . # وأيضا فقد ثبت لهم النجاة, والسلامة من النار والمعافاة كما دل على ذلك ~~كثير من الأحاديث والآيات: PageV01P239 # قال الله تعالى: {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون} (التوبة:88) . # وقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} (التوبة:100) . وقال جل جلاله: {لقد تاب الله ~~على النبي والمهاجرين والأنصار} (التوبة: من الآية 117) . # وقال تعالى: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات} (الحديد: من الآية 12) . # وقال سبحانه وتعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ~~فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} (الفتح:18) . # وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} (الفتح: من الآية 29) . # وقال تعالى: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين ~~أيديهم وبأيمانهم} (التحريم: من الآية 8) . # وقال تعالى: {وكلا وعد الله الحسنى} (النساء: من الآية 95) . # والأحاديث الواردة في خصوص الآحاد (كالعشرة) رضي الله عنهم, والواردة في ~~أهل بدر رضي الله عنهم, وبيعة الرضوان, وأهل أحد أشهر من أن تذكر وأجل من ~~أن تجحد أو تنكر, وما ورد في حقهم رضي الله عنهم عموما فكثيرة أيضا: # منها قوله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم" (1) . # وقوله: "لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد ~~PageV01P240 # أحدهم ولا نصيفه" (1) . # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي, لا تتخذوهم غرضا ~~بعدي, ms136 فمن أحبهم فبحبي أحبهم, ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم, ومن آذاهم فقد ~~آذاني, ومن أذاني فقد أذى الله فيوشك أن يأخذه" (2) . # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تختار أصحابي على العالمين سوى ~~النبيين والمرسلين" (3) . # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "من سب أصحابي فعليه لعنة الله, ~~والملائكة, والناس أجمعين, لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" (4) . # ومنها ما رواه الترمذي عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تمس النار مسلما رآني, أو رأى من رآني" (5) . # وخرج مسلم عن أبي موسى حديث: "أنا أمنة لأمتي, فإذا ذهب أصحابي آتى أمتي ~~ما PageV01P241 # يوعدون" (1) . # وخرج الترمذي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ~~أحد يموت من أصحابي بأرض ألا بعث لهم نورا وقائدا يوم القيامة" (2) . # ولولا أنهم على هديه المطهر ودينه الذي أظهر, وشرعه الذي قدر, لما أمر ~~صلى الله عليه وسلم بالتمسك بسنتهم عند الاختلاف والافتراق, وحدوث النزاع ~~في الدين والشقاق, وما ذلك إلا أنهم اتبعوا سبيله وسيره, واقتفوا في ~~أفعالهم وأقوالهم آثره, والتزموا طريقه ومنهاجه, ورفعوا قواعد الدين, ~~ومهدوا فجاجه, حتى أضاءت بلوامع الحنيفية حوالك الأفاق, وأشرقت بقواطع ~~مرهفاتهم كل الإشراق, وتلألأت بأنوار علومهم المغارب والمشارق, فأضحى بدر ~~الدين بعد الأفول شارقا, وأصل الزيغ والضلال مستأصلا زاهقا, فمن تأمل ~~آثارهم, وتدبر أحوالهم وأخبارهم, سيما عند النزاع والاختلاف, علم أنهم على ~~السبيل الأعدل, والهدي الأكمل, وطريق الحق والإنصاف. # ولقد جرى بينهم منازعة اجتهادية, في أمور ليست اعتقادية, فلم يعدلوا فيها ~~عن السنة والكتاب, بل كان ذلك فيما اختلفوا فيه فصل الخطاب, ولم يبغوا عن ~~كتاب ربهم حولا, ولا عن سنة نبيهم بدلا, إذ لا قصد لهم سوى إقامة الصراط ~~المستقيم, وإدامة مناهج الشرع القويم. # فمن ذلك اختلافهم عند قوله صلى الله عليه وسلم في مرض موته "ائتوني ~~بقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده , حتى قال عمر رضي الله عنه: إن رسول ~~PageV01P242 # الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع, ms137 حسبنا كتاب الله, وكثر اللغط في ~~ذلك حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع" ~~(1) . # ومن ذلك, اختلافهم عن التخلف عن جيش أسامة رضي الله عنه, فقال قوم بوجوب ~~الاتباع, لقوله صلى الله عليه وسلم: "جهزوا جيش أسامة" (2) , وقال قوم ~~بالتخلف, انتظارا لما يكون من رسول الله في مرضه. # ومن ذلك اختلافهم في موته, حتى قال عمر رضي الله عنه: من قال إن محمدا قد ~~مات علوته بسيفي, وإنما رفع إلى السماء, كما رفع عيسى بن مريم, وقال أبو ~~بكر رضي الله عنه: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات, ومن كان يعبد إله ~~محمد فإنه حي لا يموت, وتلا قوله تعالى: {ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل} (آل عمران: من الآية 144) فرجع القوم إلى قوله, وقال عمر رضي الله ~~عنه: كأني ما سمعت هذه الآية إلا الآن" (3) . # ومن ذلك اختلافهم في موضع دفنه بمكة أو المدينة أو القدس, حتى سمعوا ما ~~روي من أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون" (4) . # ومن ذلك اختلافهم في الإمامة, وفي ثبوت الإرث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورجوعهم للنصوص في ذلك. # ومن ذلك اختلافهم في قتال مانعي الزكاة, حتى قال عمر رضي الله عنه: كيف ~~نقاتلهم وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل الناس PageV01P243 # حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم" ~~, فقال له أبو بكر رضي الله عنه: أليس قد قال: "إلا بحقها", "ومن حقها إقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة, ولو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم لقاتلهم عليه" (1) . # ومن ذلك اختلافهم في تنصيص أبي بكر على عمر رضي الله عنه في الخلافة, ثم ~~في أمر الشورى حتى استقر الأمر على عثمان. # وقد وقع بينهم اختلاف في بعض أحكام فرعية: كاختلافهم في الكلالة, وميراث ~~الجد مع الأخوة, وعقل الأصابع, وديات الأسنان ... وغير ذلك. # فهذا هديهم رضي الله عنهم في حال الوفاق, وشأنهم عند اختلاف الآراء ms138 ~~والافتراق, والرجوع والرد إلى ما أمرهم الله تعالى عند التنازع بالرد إليه, ~~وندبهم إلى ذلك في كتابه وحثهم عليه. # فالفرقة الناجية من العذاب, الآمنة من فزع يوم الحساب, هم الذين سلكوا ~~سنن الصواب, وحكموا فيما اختلفوا فيه السنة والكتاب, واقتفوا في ذلك منهاج ~~الأصحاب, وهم الذين إذا تليت عليهم آيات الله زادتهم إيمانا, وامتلأت ~~قلوبهم معرفة به سبحانه وتعالى وإيقانا, فشدوا عقد الأعمال على الصواب ~~إحكاما وإتقانا, وصيروا كتاب الله تعالى نورا يستضيئون به في دجى المشكلات ~~وبرهانا, فإن قصرت أفهامهم فلم يستخرجوا منه على مرادهم سلطانا, ردوا إلى ~~السنة التي جعلها الله تعالى إيضاحا وإفصاحا لما اختلفوا فيه وتبيانا, وإلى ~~عمل الصحابة الذين اقتبسوا من مشكاته في حياته, فاستضاؤوا بلآلىء أنواره ~~بعد PageV01P244 # وفاته, فهم أعلم بذلك وأحكم, وإتباعهم يهدي للتي هي أقوم, ويرشد إلى ~~الطريق الأسلم, فمن اقتفى أثر نبيه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه, أدرك ~~السعادة والنجاة في مآبه, وحاز الفوز والنجاح, وفاز بالحسنى والفلاح, ومن ~~اتخذ ذلك وراءه ظهريا, وصير العمل بالكتاب والسنة شيئا فريا, وجعل دينه ~~هواه, فقد أضله الشيطان وأغواه, فاستبدل بالحق خرافات أهل البدع والأهواء, ~~واختار على الصراط المستقيم المنهج الإغواء. # خرج أبو داود عن أبي البختري قال حدثني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن يهلك الناس حتى يعذروا من ~~أنفسهم" (1) ومعناه: أن الله لا يهلكهم حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم, وتقوم ~~الحجة عليهم, ويتضح لهم عذر من يعاقبهم. وهذه الفرقة التي أخبر صلى الله ~~عليه وسلم بنجاتها من النار, هي التي وعدها بالظهور والتمكين والانتصار, ~~والقيام بأمره على الكفار, مستمرين على ذلك مدة الدهور والأعصار, لا يضرهم ~~من خالفهم حتى يأتي أمر الملك القهار. # فقد روى البخاري بسنده عن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية رضي الله ~~عنه خطيبا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد الله به ~~خيرا يفقه في الدين, وإنما أنا قاسم والله يعطي, ولن ms139 تزال هذه الأمة قائمة ~~على أمر الله تعالى لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" (2) . # وخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين, وإذا وضع السيف ~~في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة, ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل ~~PageV01P245 # من أمتي بالمشركين, وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان, وإنه سيكون في أمتي ~~ثلاثون كذابا كلهم يدعي أنه نبي, وأنا خاتم النبيين, لا نبي بعدي, ولا تزال ~~طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفه حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" ~~(1) . # واعلم أن الله جل جلاله قد أوجب على كل من دان الله تعالى بدين الإسلام, ~~واتبع سنة خير الأنام, لا سيما العلماء والأمراء والولاة والحكام, أن يدعوا ~~الناس إلى التوحيد, الذي هو أفراد الله بالعبادة وإخلاصها للملك الحميد, ~~ويجاهدهم على ما داموا به وراضت نفوسهم عليه من شرك التقريب والتقليد, الذي ~~يخلد صاحبه في العذاب الشديد. # قال الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين} (يوسف:108) . # وقال جل جلاله: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين} (فصلت:33) . # وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} (البقرة:159) . # وقال سبحانه وتعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون} (آل عمران:187) . # وقال: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران:104) . PageV01P246 # وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من ~~الدنيا وما فيها" (1) . # وقال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب حين أعطاه الراية يوم خيبر: ~~"فولله لأن يهدي بك الله رجلا واحدا خير ms140 لك من حمر النعم" (2) . # وخرج ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولا لله صلى الله ~~عليه وسلم: " أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علما ثم يعلم أخاه المسلم" ~~(3) , وإنما كان تعليم العلم أفضل أنواع الصدقة, لأن الانتفاع به فوق ~~الانتفاع بالمال, لأنه ينفد ويفنى والعلم باق. وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"ما من داع إلى هدى إلا كان له أجر من تبعه من غير أن بنقص من ثوابهم شيئا" ~~(4) . # وخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لولا آيتان أنزلهما ~~الله تعالى في كتابه ما حدثت شيئا أبدا {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى} . (5) # وورد من طرق متعددة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من سئل عن علم ~~فكتمه, ألجمه يوم القيامة بلجام من نار" (6) . PageV01P247 # وقال علي رضي الله عنه: "ما أخذ الله تعالى على أهل الجهل أن يتعلموا حتى ~~أخذ على أهل العلم أن يعلموا" (1) . # وخرج البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا, فكان ~~منها نقية قبلت الماء, فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, وكانت منها طائفة أجادب ~~أمسكت الماء, فنفع الله بها الناس فشربوا, وسقوا, وزرعوا, وأصاب منها طائفة ~~أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ, فذلك مثل من فقه في دين الله ~~ونفعه بما بعثني الله تعالى به, فعلم وعلم, ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم ~~يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (2) . # والمراد بالعلم: العلم النافع للقلوب, الموصل إلى خير المطلوب, وهو ما ~~جاء به صلى الله عليه وسلم من الهدى الذي أعظمه التوحيد. # وقد تضمن قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} ~~أبلغ وعيد, وأعظم زجر شديد, لمن كتم ذلك أو قصر فيما أمر به من القيام في ~~الدعوة على العباد, وبذل الوسع في الاجتهاد, والحث على سبيل الرشاد, فمن ~~دأب نفسه ms141 في ذلك نال الفوز والإسعاد؛ لأنه اقتفى آثار نبيه عليه الصلاة ~~والسلام؛ وهدي أصحابه وأتباعهم الذين سلكوا منهج السداد, ومن قصر فيه فقد ~~فرط وخالف المنهاج النبوي وباء بالسخط واللعنة والإبعاد. قال الله تعالى: ~~{أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} (البقرة: من الآية (159) . ~~PageV01P248 # وقال جل جلاله: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله} أي: قل يا محمد هذه الدعوة ~~التي تدعوا جميع الناس عليها, والطريقة السوية التي أنا عليها, {سبيلي} أي: ~~سنتي ومنهاجي القويم, {أدعو إلى الله} أي: إلى توحيده, الذي هو الصراط ~~المستقيم {على بصيرة} أي: على يقين ومعرفة أبين بها الحق والهدى, والضلال ~~والردى {أنا ومن اتبعني} أي: من آمن بي وصدق, وعرف الإيمان وحقق, يدعو إلى ~~مل دعوت إليه, ويجاهد الآبين عليه. # فظهر من هذا وبان, أن الدعوة واجبة وحق على كل إنسان, يدعي أنه من أهل ~~الإسلام والإيمان, وأنه متبع للسنة والقرآن, ولكن كل على حسب حاله في ذلك, ~~إذ ليسوا سواء في المراتب والمسالك. # وقال الحافظ العماد بن كثير: في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل ~~عمران:104) . أي: منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير, والأمر ~~بالمعروف, والنهي عن المنكر. # قال أبو جعفر الباقر (1) : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير} فقال: "الخير اتباع القرآن سنتي" رواه ابن مردودية. # والمقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن ~~كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه (2) . PageV01P249 # وهذا المقام مما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون, ويعتني بشأنه الناصحون, ~~ويرغب في تحصيل أجره الراغبون, {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون} (العنكبوت:43) . # والمدار في العمال الإخلاص والاحتساب, فعليهما يترتب القبول والثواب. # وقد آن لجواهر عقد هذه اللآلىء, أن تنتظم فرايدها في سلك الكمال, وحان ~~لها أن ترتسم غررا في صفحات محيا الوجود, وتلتئم دررا يفوق نظامها العقود, ~~وأذنت شموس بيانها أن تطلع غربا وشرقا, ms142 فتصبح نفوس أعدائها بكؤوس المر ~~شرقا, مع أنها لم تغص عليها قريحة لها في الفهم طول باع, ولا في العلم تبحر ~~وجودة وسعة اطلاع, بل فهم كليل, وذهن عليل, ومسحة من علم قليل, ولكن إذا ~~ساعدت الأقدار, رفعت الأغمار من الحضيض إلى اليفاع, وسهلت لمعارج المصاعد ~~إلى رقي مدارج المقاصد, ويسرت أسباب المطالب, وأنجحت الأماني والرغائب, ~~فزالت من المرء وصمة الاتضاع, وأرجو أن تكون إلى الصراط المستقيم داعية, ~~وأن تعيها من الناس أذن واعية, ولهدم شبه المبطلين ساعية, فلا يكون لها إن ~~شاء الله بعد هذه ارتفاع, وأن تكون في وجه أهل الضلال وسوما, ولشياطين ~~المشركين رجوما, ولهداة المسلمين نجوما, وان يعم النفع بها والانتفاع, ~~واسأل من يسرها منه بالمعونة, أن يجعلها عن شوب الرياء مصونة, وأن يصيرها ~~بالقبول مقرونة, وأن يحقق رجائي فيه يوم اشتداد الإفزاع, وأن يمن علي في ~~الحياة باقتفاء سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والاهتداء بهديه ~~والاتباع, وأن # PageV01P250 # يحشرني في زمرته وأصحابه والاتباع, وأن لا يجعلني ممن ضل سعيه وبطل عمله ~~وضاع. وأعوذ بك اللهم من علم لا ينفع, وقلب لا يخشع, ودعاء لا يسمع, ونفس ~~لا تشبع. نعوذ بك اللهم من شر هؤلاء الأربع. والحمد لله الذي هدانا لهذا, ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد, كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم, إنك حميد مجيد, وبارك على محمد وعلى آل محمد, كما باركت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين, إنك حميد مجيد. # وكان الفراغ من جمع هذه الدرر, وتسطير هذه الغرر, في رابع يوم من صفر عام ~~1216ه ألف ومائتين وستة عشر, أحسن الله لنا الختام, وتجاوز عما اقترفناه من ~~الآثام, ولا يؤاخذنا بما سعت الأقدام, وطغت به الأقلام, وطفحت فيه الأفهام, ~~فهو أهل التقوى وأهل المغفرة, وأهل الفضل وقبول المعذرة.. إنه على ما يشاء ~~قدير, وبعباده لطيف خبير. # وكان الفراغ من نسخ هذه الرسالة الجليلة ms143 المقدار نهار ثالث وعشرين من صفر ~~المذكور, بقلم أحوج العباد إلى عفو ربه الجبار, محمد بن علي بني النجار. ~~غفر الله له وللمسلمين القائمين بالدين, ولمن ألفها, وقرأها, وطالع فيها, ~~وتأمل معانيها, وامتثل أوامرها, وانتهى عن مناهيها. # غفر الله للجميع بمنه وكرمه.. أمين # PageV01P251 # وكان الفراغ من تحقيق هذه الرسالة ومراجعتها في نهار اليوم السادس من شهر ~~ربيع الأول, بقلم أفقر الخلائق إلى الجليل الخالق, أتم الله له حسن ~~الخاتمة, وتمام العاقبة في الدنيا والآخرة. # والله أعلم, وصلى الله وسلم على خير البشرية, وعلى أصحابه, ومن سار على ~~نهجه إلى يوم يرث الله البرية. PageV01P252 ms144