######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011210 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر النجدي التميمي الحنبلي (المتوفى: 1225هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1225 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل وفتاوى الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر (مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الثاني) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الفتاوى #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011210 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11210 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11210 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، بمصر 1349هـ النشرة الثالثة، 1412هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # رسائل وفتاوى الشيخ حمد بن ناصر ### | رسالة الاجتهاد والتقليد # فريضة طاعة الله وطاعة رسوله # بسم الله الرحمن الرحيم # (وبه استعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) # الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على نبينا ~~محمد وآله وصحبه أجمعين. # (مسألة) : ما قولكم -نور الله قلوبكم لفك المعضلات، ووفقكم للأعمال ~~الصالحات-: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناص على ~~كل مسألة، ومعرفة طرقه وصحته؟ أم تقليد المخرجين للحديث أنه صحيح أو حسن، ~~أو يكفيهم العمل بالفقهيات المجردة عن الدليل يغنيهم هذا فيمن طلب العلم ~~وتأهل له. فما الحال في العوام، هل يجزئهم مجرد التقليد؟ # وأيضا حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأحمد، فأفيدونا واحتسبوا؛ فإن الحاجة ماسة إلى هذه ~~المباحث، فإن تتفضلوا بطول الجواب، وذكر الدليل ومن قال به، فهو المطلوب. # فأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر -رحمه الله تعالى-: الجواب ~~وبالله التوفيق: # لا ريب أن الله سبحانه- فرض على عباده طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم قال الله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء} 1، وقال تعالى: {قل أطيعوا الله والرسول} 2 إلى قوله: {وإن تطيعوه ~~تهتدوا} 3. # ولم يوجب الله على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه، ~~إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P002 # واتفق العلماء على أنه ليس أحد معصوما إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم # وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون، فقال ~~أبو حنيفة: "علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه ~~قبلناه منه". # وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا ~~في قولي، فكل ما خالف الكتاب والسنة فاتركوه". # وقال ابن القاسم: كان مالك يكثر أن يقول: {إن نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين} 1. # وقال الشافعي: "إذا صح ms01 الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة على ~~الطريق فهي قولي". # والإمام أحمد كان يقول: "لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا ~~الثوري، وتعلموا كما تعلمنا". وكان يقول: "من قلة علم الرجل أن يقلد دينه ~~الرجال". وقال: "لا تقلد دينك الرجال؛ فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا". # وقال ابن عبد البر: "أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم، ~~وأن العلم معرفة الحق بدليله". # من شروط القاضي الاجتهاد # ولهذا جعل الفقهاء من شروط القاضي أن يكون مجتهدا، فلا يصح أن يتولاه ~~المقلد، هذا الذي عليه جمهور العلماء. # قال في "الإفصاح":2 اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل ~~الاجتهاد، إلا أبا حنيفة؛ فإنه قال: يجوز ذلك. # وقال الموفق في "المغني":3 يشترط في القاضي ثلاثة شروط: # (أحدها) : الكمال؛ وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الخلقة. # (والثاني) : العدالة. # (والثالث) : أن يكون من أهل الاجتهاد. # وبهذا قال مالك والشافعي وبعض PageV01P003 # الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض فصل ~~الخصومات، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقومين، ولنا قوله ~~تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} 1، ولم يقل بالتقليد، وقال: {لتحكم ~~بين الناس بما أراك الله} 2، وقال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} 3. # وروى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القضاة ثلاثة؛ ~~اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل ~~قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار" 4 رواه ~~ابن ماجه.5. # والعامي يقضي على جهل، ولأن الحكم آكد من الفتيا، لأنه فتيا وإلزام، ~~والمفتي لا يجوز أن يكون مقلدا، فالحاكم أولى، انتهى. # وقال في "الإنصاف"6: ويشترط في القاضي أن يكون مجتهدا، هذا المذهب ~~المشهور، وعليه معظم الأصحاب. # قال ابن حزم: "يشترط كونه مجتهدا إجماعا"، وقال: "أجمعوا على أنه لا يحل ~~لحاكم ولا لمفت تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله". # وقال ms02 في "الإفصاح": الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة، وأن ~~الحق لا يخرج عنهم، واختار في الترغيب: ومجتهدا7 في مذهب إمامه للضرورة. # واختار في "الإفصاح": والرعاية ومقلدا، (قلت) : وعليه العمل من مدة طويلة ~~وإلا تعطلت أحكام الناس، وقيل في المقلد: يفتي ضرورة. PageV01P004 # وذكر القاضي أن ابن شاقلا اعترض عليه بقول الإمام أحمد: "لا يكون فقيها ~~حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث"، فقال: إن كنت لا أحفظه فإنني أفتي بقول من ~~يحفظ أكثر منه. # قال القاضي: لا يقتضي هذا أنه كان يقلد أحمد لمنعه الفتيا بلا علم. قال ~~بعض الأصحاب: ظاهره تقليده إلا أن يحمل على أخذ طرق العلم عنه. # وقال ابن بشار من الأصحاب: لا أعيب على من يحفظ خمس مسائل لأحمد يفتي ~~بها. قال القاضي: هذا منه مبالغة في فضله، وظاهر نقل عبد الله يفتي غير ~~مجتهد، ذكره القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على الحاجة، انتهى ملخصا. # فتوى المقلد وحكمها # وذكر ابن القيم في مسألة التقليد في الفتيا ثلاثة أقوال: # (أحدها) : أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد، لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم ~~حرام؛ ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه ~~اسم عالم، وهذا قول أكثر الأصحاب، وهو قول جمهور الشافعية. # (والثاني) : أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز أن يقلد غيره من ~~العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به ~~لغيره، وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا. # (والقول الثالث) : أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، وهو أصح ~~الأقوال، وعليه العمل. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله. # فتبين بما ذكرناه أن المقلد ليس بعالم، وأن التقليد إنما يصار إليه عند ~~الحاجة للضرورة، ولكن قد دعت الحاجة والضرورة إليه من زمان طويل، لا سيما ~~في هذا الوقت، وحينئذ فيقال: التقليد ثلاثة أنواع: # (أحدها) : التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل، على خلاف قول # PageV01P005 # المقلد، فهذا لا يجوز، وقد اتفق السلف والأئمة على ذمه وتحريمه، قال ~~الشافعي -رحمه الله-: ms03 أجمع المسلمون على أنه من استبانت له سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. # (النوع الثاني) : التقليد مع القدرة على الاستدلال والبحث عن الدليل، ~~فهذا مذموم أيضا لأنه عمل على جهل، وإفتاء بغير علم، مع قدرته وتمكنه من ~~معرفة الدليل المرشد، والله تعالى- قد أوجب على عباده أن يتقوه بحسب ~~استطاعتهم، فقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} 1، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 2. # فالواجب على كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ~~ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله. ولم يكلف الله عباده ما لا يطيقونه، ~~بل الواجب على العبد ما يستطيعه من معرفة الحق، فإذا بذل جهده في معرفة ~~الحق فهو معذور فيما خفي عليه. # (النوع الثالث) التقليد السائغ، وهو تقليد أهل العلم عند العجز عن معرفة ~~الدليل، وأهل هذا النوع نوعان أيضا: # (أحدهما) : من كان من العوام الذين لا معرفة لهم بالفقه والحديث، ولا ~~ينظرون في كلام العلماء، فهؤلاء لهم التقليد بغير خلاف، بل حكى غير واحد ~~إجماع العلماء على ذلك. # (النوع الثاني) : من كان محصلا لبعض العلوم قد تفقه في مذهب من المذاهب، ~~وتبصر في كتب متأخري الأصحاب -ك"الإقناع" و"المنتهى" في مذهب الحنابلة، أو ~~"المنهاج" ونحوه في مذهب الشافعية، أو "مختصر خليل" ونحوه في مذهب ~~المالكية، أو "الكنز" ونحوه في مذهب الحنفية، ولكنه قاصر النظر عن معرفة ~~الدليل ومعرفة الراجح من كلام العلماء، فهذا له PageV01P006 # التقليد أيضا، إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه، و {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} 1. # ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة مشهورة؛ وذلك لقوله ~~تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} 2، وفي الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم-: "ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال" 3. # ولم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم يستفتون العلماء ~~ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء يبادرون إلى ms04 إجابة سؤالهم من غير ~~إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير؛ فكان إجماعا على ~~جواز اتباع العامي العلماء المجتهدين، ويلزم هذا العامي أن يقلد الأعلم ~~عنده، كما يلزمه في مسألة القبلة، فإذا اجتهد مجتهدان عند اشتباه القبلة ~~فاختلفا في الجهة، اتبع المقلد أوثقهما عنده. # ولا يجوز له أن يتبع الرخص، بل يحرم ذلك عليه، ويفسق به. قال ابن عبد ~~البر: "لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعا". ولا يلزم العامي أن يتمذهب ~~بمذهب يأخذ بعزائمه ورخصه. # قال الشيخ تقي الدين في الأخذ برخص المذهب وعزائمه: "طاعة4 غير النبي صلى ~~الله عليه وسلم- في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع، وتوقف أيضا في ~~جوازه". # من تؤخذ عنه الفتوى # وبالجملة، فالعامي الذي ليس له من العلم حظ ولا نصيب، فرضه التقليد. فإذا ~~وقعت له حادثة استفتى من عرفه عالما عدلا، أو رآه منتصبا للإفتاء والتدريس، ~~واعتبر الشيخ تقي الدين وابن الصلاح الاستفاضة بأنه أهل للفتيا، ورجحه ~~النووي في "الروضة"، ونقله عن أصحابه. وقال الشيخ تقي الدين: "لا يجوز أن ~~يستفتى إلا من يفتي بعلم وعدل". PageV01P007 # فعلى هذا لا يكتفي بمجرد اعتزائه إلى العلم -ولو بمنصب تدريس أو غيره- لا ~~سيما في هذا الزمان الذي غلب فيه الجهل، وقل فيه طلب العلم، وتصدى فيه جهلة ~~الطلبة للقضاء والفتيا، فتجد بعضهم يقضي ويفتي وهو لا يحسن عبارة الكتاب، ~~ولا يعلم صورة المسألة، بل لو طولب بإحضار تلك المسألة -وهي في الكتاب- لم ~~يهتد إلى موضعها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. # لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى استامها كل مفلس # قال في "شرح مختصر التحرير: ويلزم ولي الأمر منع من لم يعرف بعلم أو جهل ~~حاله من الفتيا. قال ربيعة: بعض من يفتي أحق بالضرب من السراق. # ولا تصح الفتيا من مستور الحال، وما يجيب به المقلد عن حكم فإخبار عن ~~مذهب إمامه لا فتيا، قاله أبو الخطاب وابن عقيل والموفق، ويعمل بخبره إن ~~كان عدلا، لأنه ناقل كالراوي. # ولعامي تقليد مفضول من ms05 المجتهدين عند الأكثر من أصحابنا، منهم القاضي ~~وأبو الخطاب وصاحب "الروضة"، وقاله الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية، ~~وقيل: يصح إن اعتقده فاضلا أو مساويا، لا إن اعتقده مفضولا لأنه ليس من ~~القواعد أن يعدل عن الراجح إلى المرجوح. # وقال ابن عقيل1 وابن سريج والقفال والسمعاني: يلزمه الاجتهاد، فيقدم ~~الأرجح، ومعناه قول الخرقي والموفق في "المقنع"، ولأحمد روايتان. # ويلزمه -إن بان له الأرجح- تقليده في الأصح، زاد بعض أصحابنا وبعض ~~الشافعية: "في الأظهر، ويقدم الأعلم على الأورع"، ويخير في تقليد أحد ~~مستويين عند أكثر أصحابنا. # قال في "الرعاية": ولا يكفيه من تسكن نفسه إليه، بل لا بد من سكون النفس ~~والطمأنينة به. ويحرم عليه PageV01P008 # تتبع الرخص ويفسق به. وإن اختلف مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم والآخر ~~بخلافه، تخير في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، اختاره القاضي والمجد وأبو ~~الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد. وقيل: يأخذ بقول الأفضل منهما علما ~~ودينا، وهذا اختيار الموفق في الروضة. # التساهل والتقليد في الفتوى # ويحرم تساهل مفت وتقليد معروف به، 1 لأن الفتيا أمر خطر، فينبغي أن يتبع ~~السلف الصالح في ذلك؛ فقد كانوا يهابون الفتيا كثيرا، وقد قال الإمام أحمد: ~~"إذا هاب الرجل شيئا لا ينبغي أن يحمل على أن يقول به". # قال بعض الشافعية: من اكتفى في فتياه بقول أو وجه في المسألة من غير نظر ~~في الترجيح، فقد جهل وخرق الإجماع. # وذكر عن أبي الوليد الباجي2 أنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول: "الذي ~~لصديقي علي أن أفتيه بالرواية التي توافقه"، قال أبو الوليد: "وهذا لا يجوز ~~عند أحد يعتد به في الإجماع". انتهى كلامه في شرح المختصر ملخصا. # وهذا الذي ذكره أبو الوليد ذكر مثله الشيخ تقي الدين وصاحب "الإنصاف" ~~وغيرهما. # قال في "الاختيارات": "وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، أو ~~بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له ~~وعليه إجماعا". # وشروط القضاء تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا ~~يدل كلام أحمد ms06 وغيره؛ فيولى -مع عدم العدل- أنفع الفاسقين وأقلهما شرا، ~~وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قدم ~~فيما قد يظهر حكمه ويخاف الهوى فيه، الأورع، وفيما ندر حكمه ويخاف فيه ~~الاشتباه، الأعلم، انتهى. PageV01P009 ### | معرفة الدليل ولو للمتعلم # هل يجب على المتعلم معرفة الدليل؟ # (وقول السائل) وفقه الله-: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة ~~الدليل الناص على كل مسألة؟ # (جوابه) : يعلم مما تقدم، وهو أن عليه أن يتقي الله بحسب استطاعته، ~~فيلزمه من ذلك ما يمكنه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، ولا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها. فلا يهجم على التقليد ويخلد إلى أرضه مع قدرته على معرفة الدليل، لا ~~سيما إذا كان قاضيا أو مفتيا وله ملكة قوية يقوى بها على الاستدلال ومعرفة ~~الراجح؛ فإن الرجل النبيه -الذي له فهم وفيه ذكاء- إذا سمع اختلاف العلماء ~~وأدلتهم في الكتب التي يذكر فيها أقوال العلماء وأدلتهم -ك"المغني" ~~و"الشرح"1 و"التمهيد" لابن عبد البر ونحو هذه الكتب- يحصل عنده في الغالب- ~~ما يعرف به رجحان أحد القولين. # فإذا كان طالب العلم متمذهبا بأحد المذاهب الأربعة، ثم رأى دليلا مخالفا ~~لمذهب إمامه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب، ولم يعلم له ناسخا ~~ولا معارضا، فخالف مذهبه، واتبع الإمام الذي قد أخذ بالدليل، كان مصيبا في ~~ذلك؛ بل هذا الواجب عليه، ولم يخرج بذلك عن التقليد فهو مقلد لذلك الإمام، ~~فيجعل إماما بإزاء إمام، ويبقى له الدليل بلا معارض. # قال في "الاختيارات": من كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل، لقوة ~~الدليل، أو لكون أحدهما أعلم وأتقى، فقد أحسن. # وقال أبو العباس في موضع آخر: بل يجب عليه، وإن أحمد نص عليه، ~~PageV01P010 # ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع. # وقال أيضا-: أكثر من يميز في العلم من المتوسطين، إذا نظر وتأمل أدلة ~~الفريقين بقصد حسن ونظر تام، ترجح عنده أحدهما؛ لكن قد لا يثق بنظره، بل ~~يحتمل أن عنده ما لا يعرف جوابه، والواجب على مثل هذا موافقته للقول الذي ~~ترجح عنده بلا ms07 دعوى منه للاجتهاد، كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة إذا ~~ترجح عنده أحدهما قلده، والدليل الخاص الذي يرجح به قول على قول أولى ~~بالاتباع من دليل عام، على أن أحدهما أعلم أو أدين، لأن الحق واحد ولا بد، ~~ويجب أن ينصب الله على الحكم دليلا1. انتهى. # وقال الشيخ تقي الدين في بعض أجوبته: قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" 2، ولازم ذلك أن ~~من لم يفقهه في الدين لم يرد به خيرا؛ فيكون التفقه في الدين فرضا. والفقه ~~في الدين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن لم يعرف ذلك لم يكن ~~متفقها. لكن من الناس من قد يعجز عن الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط ~~عنه ما يعجز عن معرفته، ويلزمه ما يقدر عليه. # تقليد القادر على الاستدلال # وأما القادر على الاستدلال فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقا. وقيل: يجوز ~~مطلقا. وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال. وهذا القول ~~أعدل الأقوال. # والاجتهاد ليس هو أمرا واحدا لا يقبل التجزي والانقسام، بل قد يكون الرجل ~~مجتهدا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة؛ وكل أحد فاجتهاده بحسب ~~وسعه. فمن نظر في PageV01P011 # مسألة: تنازع فيها العلماء، ورأى مع أحد القولين نصوصا لم يعلم لها ~~معارضا بعد نظر مثله فهو بين أمرين: # إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ~~ومثل هذا ليس بحجة شرعية، بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره باشتغاله على ~~مذهب إمام آخر. # وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، وحينئذ فيكون ~~موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض ~~بالعمل، فهذا هو الذي يصلح. # وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده ~~تاما في هذه المسألة، لضعف آلة الاجتهاد في حقه؛ أما إذا قدر على الاجتهاد ~~التام -الذي يعتقد معه أن القول ms08 الآخر ليس معه ما يدفع به النصوص- فهذا يجب ~~عليه اتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعا للظن وما تهوى الأنفس، وكان من ~~أكبر العصاة لله ورسوله. # بخلاف من يقول: قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا ~~أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} 1، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 2. # والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلك على أن هذا القول ~~هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك، ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضا ~~راجحا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده. # وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه، ~~بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه، وترك القول الذي ترجحت حجته، وأما ~~الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهذا مذموم. # وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه -لا سيما إن كان قد رواه ~~PageV01P012 # أيضا- فمثل هذا لا يكون عذرا في ترك النص؛ فقد بينا فيما كتبناه في "رفع ~~الملام عن الأئمة الأعلام" نحوا من عشرين عذرا للائمة في ترك العمل ببعض ~~الحديث، وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار. # وأما نحن فلسنا معذورين في تركنا لهذا القول، فمن ترك الحديث لاعتقاده أن ~~ظاهر القرآن يخالفه أو القياس أو عمل بعض الأمصار -وقد تبين لآخر أن ظاهر ~~القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس ~~والعمل-، لم يكن عذر ذلك الرجل عذرا في حقه. # فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه، لا ~~سيما إذا كان التارك للحديث معتقدا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار ~~من أهل المدينة النبوية، الذين يقال: إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم ~~أنه منسوخ أو له معارض راجح، وقد بلغ من بعده أن المهاجرين والأنصار لم ~~يتركوه، بل عمل به طائفة منهم ms09 أو من سمعه منهم، ونحو ذلك مما يقدح في هذا ~~المعارض. # وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: "أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ " كانت ~~هذه معارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد عارضه في هذه المسألة من هو نظيره ~~من الأئمة، فكما أن الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، وإذا ~~تنازعوا في شيء رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول -وإن كان بعضهم قد يكون ~~أعلم في مواضع أخر- فكذلك موارد النزاع بين الأئمة. # وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة "تيمم الجنب"، وأخذوا بقول من ~~هو دونهما، كأبي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول ~~عمر في "دية الأصابع"، وأخذوا بقول معاوية لما كان معه السنة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "هذه وهذه سواء" 1. PageV01P013 # عباس في "المتعة"، فقال له: إن أبا بكر وعمر يقولان.. فقال ابن عباس: ~~يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! # وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها، فعارضوه بقول عمر، فبين أن عمر ~~يرد ما يقولونه، فألحوا عليه، فقال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم- أحق ~~أن يتبع أم أمر عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر ~~وابن عباس. # ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما ~~عاب الله به اليهود والنصارى في قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله} 1. انتهى كلام الشيخ -رحمه الله تعالى. # تقليد نقاد الحديث # بحث تقليد نقاد الحديث في صحته وغيرها # وأما سؤال السائل عن الترقي إلى معرفة طرق الحديث وصحته، أم تقليد ~~المخرجين للحديث في أنه صحيح أو حسن يكفيهم. # فجوابه: أن ذلك يكفيهم. # قال في "شرح مختصر التحرير": "ويشترط في المجتهد أن يكون عالما بصحة ~~الحديث وضعفه سندا ومتنا، ولو كان ms10 علمه بذلك تقليدا، كنقله من كتاب صحيح من ~~كتب الحديث المنسوبة إلى الأئمة، كمالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبي ~~داود، والترمذي، والدارقطني، والحاكم ونحوهم، لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز ~~الأخذ بقولهم كما يؤخذ بقول المقومين في القيم، انتهى. # وقال في "مسودة بني تيمية": العامي الذي ليس معه آلة الاجتهاد في الفروع ~~يجوز له التقليد فيها عند الشافعية والجمهور، قال أبو الخطاب: ويجوز ~~PageV01P014 # له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر، وكون سنده صحيحا أو فاسدا، ولا يلزمه ~~أن يتعلم ذلك بالإجماع، انتهى. # وقال عبد الرحيم بن الحسين العراقي في ألفيته: # وأخذ متن من كتاب لعمل ... أو احتجاج حيث ساغ قد جعل # عرضا له على أصول يشترط ... وقال يحيى النووي أصل فقط # ثم قال المؤلف في شرحه: أي: وأخذ الحديث من كتاب من الكتب المعتمدة لعمل ~~به أو احتجاج به، إن كان ممن يسوغ له العمل بالحديث أو الاحتجاج به، جعل ~~ابن الصلاح شرطه أن يكون ذلك الكتاب مقابلا بمقابلة ثقة على أصول صحيحة ~~متعددة مروية بروايات متنوعة. # قال النووي: فإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه. وقال ابن الصلاح في قسم ~~الحسن، حين ذكر أن نسخ الترمذي تختلف في قوله: حسن، أو حسن صحيح ونحو ذلك: ~~"فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه. # فقوله: "ينبغي" قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك، وإنما هو مستحب، وهو كذلك. ~~انتهى كلام العراقي. # وقال أبو الحسن البكري الشافعي في كتابه "كنز المحتاج على المنهاج" -لما ~~ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا إلا إذا فوضت إليه واقعة خاصة-: ~~فيكفي الاجتهاد في تلك الواقعة بناء على تجزئ الاجتهاد وهو الأصح ... إلى ~~أن قال: وقد يحصل الاجتهاد في باب دون باب آخر، ولا حاجة لتتبع الأحاديث، ~~بل يكفي أصل مصحح اعتني فيه بجمع أحاديث الأحكام -كسنن أبي داود- ولا أن ~~يعرف مواقع كل باب فيراجعه عند الحاجة، ولا إلى البحث عن رواة حديث أجمع ~~السلف على قبوله أو تواترت عدالة # PageV01P015 # رواته ويقظتهم، وما عداه يكتفي ms11 في رواته بتعديل إمام مشهور عرفت صحة ~~مذهبه جرحا وتعديلا، ولا إلى ضبط جميع مواضع الإجماع والاختلاف، بل يكفي ~~معرفته بعدم مخالفة قوله الإجماع لموافقته بتقدم عليه أو غلبة ظن بتوليها ~~في عصره، وكذا في معرفة الناسخ والمنسوخ، انتهى. # وقال في "شرح الروض" للقاضي زكريا -لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون ~~مجتهدا- قال: والمجتهد من علم ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة، وعرف ~~منها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والنص والظاهر، ~~والناسخ والمنسوخ، والمتواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، وعدالة الرواة ~~وجرحهم، وأقاويل الصحابة -رضي الله عنهم- فمن بعدهم ... # إلى أن قال: ولا يشترط التبحر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة جمل منها، ~~وأن يكون له في كتب الحديث أصل صحيح يجمع أحاديث الأحكام -كسنن أبي داود- ~~فيعرف كل باب، فيراجعه إذا احتاج إلى العمل به. # ويكتفي في البحث عن الآحاد بما قبله منها السلف وتواترت أهلية رواته من ~~العدل والضبط، وما عداه يكتفي في أهلية رواته بتأهل إمام مشهور عرفت صحة ~~مذهبه في الجرح والتعديل. # ثم اجتماع هذه العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع ~~أبواب الشرع، ويجوز أن يتبعض الاجتهاد، بأن يكون العالم مجتهدا في باب دون ~~باب، فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه. انتهى كلام القاضي. # فتبين -بما ذكرناه من النقول- جواز الاعتماد على نقل الأحاديث من الكتب ~~المصححة، وكذلك التقليد لأهل الجرح والتعديل في تصحيح الحديث أو تضعيفه، ~~والله سبحانه- أعلم. # PageV01P016 ### | تقليد الأئمة الأربعة # ما قيل في تقليد الأئمة الأربعة # (وأما قول السائل) -وفقه الله لفهم المسائل-: حكى بعض المتأخرين الإجماع ~~على تقليد الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله. # فنقول: هذا الإجماع حكاه غير واحد من المتأخرين، وكلهم نسبوه إلى الوزير ~~أبي المظفر يحيى بن هبيرة صاحب "الإفصاح عن معاني الصحاح"؛ فإنه ذكر نحوا ~~من هذه العبارة، وليس مراده أن الإجماع منعقد على وجوب تقليد هؤلاء الأئمة ~~الأربعة، وأن الاجتهاد بعد استقرار هذه المذاهب لا يجوز، فإن كلامه يأبى ~~ذلك؛ وإنما أراد ms12 الرد على من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا، وأن المقلد ~~لا ينفذ قضاؤه، كما هو مذهب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين. # وحمل كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا على ما كانت عليه الحال قبل ~~استقرار هذه المذاهب الأربعة، وأما بعد استقرار هذه المذاهب فيجوز تولية ~~المقلد لأهلها، وينفذ قضاؤه. # وليس في كلامه ما يدل على أنه يجب التقليد لهؤلاء الأئمة؛ بحيث أن يلزم ~~الرجل أن يتمذهب بأحد هذه المذاهب الأربعة، ولا يخرج عن مذهب من قلده كما ~~قد يتوهم؛ بل كلامه يخالف ذلك ولا يوافقه. # وعبارته في الإفصاح: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من ~~أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة". فإنه قال: "يجوز ذلك". # ثم قال: والصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: لا يجوز تولية قاض حتى ~~يكون من أهل الاجتهاد، فإنه -إنما عنى به- ما كانت الحال عليه قبل استقرار ~~هذه المذاهب الأربعة التي أجمعت الأمة أن كل واحد منها يجوز العمل به لأنه ~~مستند إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV01P017 # فالقاضي الآن، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا يسعى في طلب الأحاديث ~~وابتغاء طرقها، ولا عرف من لغة الناطق بالشريعة صلى الله عليه وسلم ما لا ~~يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد، فإن ذلك ~~مما قد فرغ منه، ودأب له فيما سواه، وانتهى له الأمر من هؤلاء الأئمة ~~المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، ودونت ~~العلوم، وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق. # فإذا عمل القاضي في أقضية بما يأخذ عنهم -أو عن الواحد منهم, فإنه في ~~معنى من كان أداه اجتهاده إلى قول قاله. وعلى ذلك، فإنه إذا خرج من خلافهم ~~-متوخيا مواطن الاتفاق ما أمكنه- كان آخذا بالحزم، عاملا بالأولى، وكذلك ~~إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله ~~الجمهور دون الواحد؛ فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز علمه ms13 أن ~~يعمل بقول الواحد. # إلا أنني أكره له أن يكون ذلك، من حيث إنه قد قرأ مذهب واحد منهم، أو نشأ ~~في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على ~~مذهب فقيه من الفقهاء، فقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب. # حتى إنه إذا حضر عنده خصمان، وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء ~~الثلاثة فيه بحكم نحو الوكيل بغير رضاء الخصم، وكان الحاكم حنفيا، وقد علم ~~أن مالكا والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل، وأن أبا حنيفة ~~يمنعه، فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو ~~حنيفة، من غير أن يثبت عنده بالدليل ما قاله، ولا أداه اجتهاده إلى أن أبا ~~حنيفة أولى بالاتباع مما اتفق الجماعة عليه، فإني أخاف على هذا من الله عز ~~وجل بأنه اتبع في ذلك هواه، وأنه ليس من الذين يستمعون القول # PageV01P018 # فيتبعون أحسنه. # وكذلك إن كان القاضي مالكيا، فاختصم إليه اثنان في سؤر الكلب، فقضى ~~بطهارته مع علمه بأن الفقهاء كلهم قضوا بنجاسته. # وكذلك إن كان القاضي شافعيا، فاختصم إليه اثنان في متروك التسمية عمدا، ~~فقال أحدهما: هذا منعني من بيع شاة مذكاة. فقال الآخر: إنما منعته من بيع ~~الميتة. فقضى عليه بمذهبه وهو يعلم أن الأئمة الثلاثة على خلافه. # وكذلك إن كان القاضي حنبليا، فاختصم إليه اثنان، فقال أحدهما: لي عليه ~~مال. فقال الآخر: كان له علي مال فقضيته. فقضى عليه بالبراءة من إقراره، مع ~~علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه، فإن هذا وأمثاله -مما توخى اتباع ~~الأكثرين فيه- أقرب عندي إلى الإخلاص، وأرجح في العمل. # "وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا صحيحة، وإنهم قد سدوا ثغرا ~~من ثغور الإسلام سده فرض كفاية، ولو أهملت هذا القول ولم أذكره، ومشيت على ~~الطريق التي يمشي عليها الفقهاء، الذين يذكر كل منهم في كتاب إن صنفه، أو ~~كلام إن قاله، أنه لا يصح أن يكون قاضيا، إلا من كان من أهل الاجتهاد. # ثم ms14 يذكر من شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام، فإن هذا كالإحالة ~~والتناقض، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، وأن لا ينفذ حق، ولا يكاتب ~~به، ولا يقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية، وهذا غير صحيح، بل ~~الصحيح في المسألة أن ولاة الحكام جائزة، وأن حكوماتهم اليوم صحيحة نافذة، ~~وولاياتهم جائزة شرعا. انتهى كلام ابن هبيرة رحمه الله1. PageV01P019 # فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد جائزة إذا تعذرت تولية المجتهد، ~~لأنه ذكر أن شروط الاجتهاد ليست موجودة في الحكام، وأن هذا كالإحالة، وكأنه ~~تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، فينفذ قضاء المقلد للحاجة لئلا تتعطل ~~الأحكام. # وهكذا قال غير واحد من المتأخرين، الذين يذكرون أن من شروط القاضي أن ~~يكون مجتهدا يذكر هذا، ثم يذكر القول الثاني أنه يجوز تولية المقلد ~~للضرورة، كما ذكره متأخرو الحنابلة والمالكية والشافعية. # وتضمن أيضا كلام ابن هبيرة أن إجماع الأئمة الأربعة حجة، وأن الحق لا ~~يخرج عن أقوالهم، فلا يخرج القاضي عما أجمعوا عليه، فإن اختلفوا فالأولى أن ~~يتبع ما عليه الأكثر، وصرح بأنه يكره له أن يقضي بما انفرد به الواحد منهم ~~عما عليه الثلاثة، لكونه مذهب شيخه أو أهل بلده، وذكر أنه يخاف على هذا أن ~~يكون متبعا لهواه. # وتضمن كلامه أيضا- أن الإجماع انعقد على تقليد كل واحد من المذاهب ~~الأربعة دون من عداهم من الأئمة؛ لأن مذاهبهم مدونة قد حررت، ونقحها ~~أتباعهم، بخلاف أقوال غيرهم من الأئمة، فلأجل هذا جاز تقليدهم، فليس في ~~كلامه إلا حكاية الإجماع على جواز تقليدهم لا على وجوبه. # بل صرح بأن القاضي لا ينبغي له الاقتصار على مذهب واحد منهم لا يفتي إلا ~~به، بل ذكر أن الأولى للقاضي أن يتوخى مواطن الاتفاق # PageV01P020 # إن وجده، وإلا توخى ما عليه الأكثر، فيعمل بما قاله الجمهور، لا بما قاله ~~الواحد منهم مخالفا الأكثر. # فقضية كلامه أن المقلد لا يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة، بل يجتهد في ~~أقوالهم، ويتوخى ما عليه أكثرهم، إلا أن يكون للواحد منهم دليل، ms15 فيأخذ بقول ~~من كان الدليل معه، فيكون من {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} 1. # وهذا من جنس ما أشرنا إليه فيما تقدم، من أن المقلد إذا كان نبيها، وله ~~ملكة قوية، ونظر فيما تنازع فيه الأئمة الأربعة، وأمعن النظر في أدلتهم ~~وتعليلاتهم، تبين له الراجح من المرجوح، وحينئذ فيعمل بما ترجح عنده أنه ~~الصواب، ولا يخرج بذلك عن التقليد. # فإذا كان الرجل شافعيا أو حنبليا، ونظر في كتب الخلاف، ووجد دليلا صحيحا ~~قد استدل به مالك فعمل بالدليل، كان هذا هو المناسب في حقه، فيجعل إماما ~~بإزاء إمام، ويسلم له الدليل بلا معارض. # وليس هذا من الاجتهاد المطلق، بل هو من الاجتهاد المقيد، فهو يتبع ~~الدليل، ويقلد الإمام الذي قد أخذ به. # وأما الأخذ بالدليل من غير نظر كلام العلماء فهو وظيفة المجتهد المطلق، ~~وأما المقلد الذي لم يجتمع فيه الشروط، ففرضه التقليد وسؤال أهل العلم. # قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة ~~فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة والتابعين، وليس ~~للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن ~~يعمل بما شاء، ويتخير ما أحب منها، فيفتي به ويعمل به؟ # قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل ~~عن ذلك أهل العلم. انتهى كلامه. PageV01P021 # طالب العلم يمكنه معرفة الراجح من الكتب الكبار # وأما إذا وجد الحديث قد عمل به بعض الأئمة المجتهدين، ولا يعلم عند غيره ~~حجة يدفع بها الحديث فعمل به، كان قد عمل بالحديث، وقلد هذا الإمام المجتهد ~~في تصحيحه وعدم ما يعارضه، فيكون متبعا للدليل غير خارج عن التقليد. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: طالب العلم يمكنه معرفة الراجح ~~من الكتب الكبار، التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح، مثل ~~كتاب "التعليق" للقاضي أبي يعلى، و"الانتصار" لأبي الخطاب، و"عمل الأدلة" ~~لابن عقيل، و"تعليق" القاضي يعقوب البرزيني وأبي الحسن الزاغوني. # ومما يعرف منه ذلك ms16 كتاب "المغني" للشيخ أبي محمد، وكتاب "شرح الهداية" ~~لجدنا أبي البركات، ومن كان خبيرا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه ~~في عامة المسائل، ومن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع. # وأحمد -رحمه الله- أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة -رضي ~~الله عنهم-، والتابعين لهم بإحسان -رحمهم الله-؛ ولهذا لا يكاد يوجد له قول ~~يخالف نصا كما يوجد لغيره، ولا يوجد قول ضعيف في الغالب- إلا وفي مذهبه ما ~~يوافق القول القوي، وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها ~~راجحا. انتهى كلامه -رحمه الله. # وهو موافق لما ذكره صاحب "الإفصاح" من أن القاضي عليه أن يتوخى إصابة ~~الحق، فيتوخى مواطن الاتفاق، فيعمل بما اتفقوا عليه، فإن لم يكن الحكم ~~متفقا نظر فيما عليه الجمهور إذا لم يكن مع مخالفهم دليل، فليس الناظر في ~~كتب الخلاف ومعرفة الأدلة بخارج عن التقليد. وليس في كلام صاحب "الإفصاح" ~~ما يقتضي التمذهب بمذهب لا يخرج عنه، بل كلامه # PageV01P022 # صريح في ضد ذلك. # وهذه شبهة ألقاها الشيطان على كثير ممن يدعي العلم، وصار بها أكثرهم، ~~فظنوا أن النظر في الأدلة أمر صعب لا يقدر عليه إلا المجتهد المطلق، وأن من ~~نظر في الدليل، وخالف إمامه لمخالفة قوله لذلك الدليل فقد خرج عن التقليد، ~~ونسب نفسه إلى الاجتهاد المطلق. # واستقرت هذه الشبهة في قلوب كثير، حتى آل الأمر بهم إلى أن {فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} 1. وزعموا أن هذا هو الواجب ~~عليهم، وأن من انتسب إلى مذهب إمام فعليه أن يأخذ بعزائمه ورخصه، وإن خالف ~~نص كتاب أو سنة؛ فصار إمام المذهب عند أهل مذهبه كالنبي في أمته، لا يجوز ~~الخروج عن قوله، ولا تجوز مخالفته. # التعصب للمذهب # فلو رأوا أحدا من المقلدين قد خالف مذهبه، وقلد إماما آخر في مسألة لأجل ~~الدليل الذي استدل به، قالوا: هذا قد نسب نفسه إلى الاجتهاد، ونزل نفسه ~~منزلة الأئمة المجتهدين، وإن كان لم يخرج عن التقليد، وإنما قلد إماما ms17 دون ~~إمام آخر لأجل الدليل، وعمل بقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول} 2. # فالمتعصبون للمذاهب إذا وجدوا دليلا ردوه إلى نص إمامهم، فإن وافق الدليل ~~نص الإمام قبلوه، وإن خالفه ردوه واتبعوا نص الإمام. # واحتالوا في رد الأحاديث بكل حيلة يهتدون إليها، فإذا قيل: هذا حديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أنت أعلم بالحديث من الإمام الفلاني؟ # مثال ذلك: إذا حكمنا بطهارة بول ما يؤكل لحمه، وحكم الشافعي بنجاسته، ~~وقلنا له: قد دل على طهارته حديث العرنيين، وهو حديث صحيح، وكذلك حديث أنس ~~في الصلاة في مرابض الغنم، فقال هذا المنجس لأبوال مأكول PageV01P023 # اللحم: أنت أعلم بهذه الأحاديث من الإمام الشافعي؟ فقد سمعها ولم يأخذ ~~بها. # فنقول له: قد خالف الشافعي في هذه المسألة من هو مثله أو أعلم منه، كمالك ~~والإمام أحمد رحمهما الله-، وغيرهما من كبار الأئمة، فنجعل هؤلاء الأئمة ~~بإزاء الشافعي، ونقول: إمام بإمام. وتسلم لنا الأحاديث، ونرد الأمر إلى ~~الله والرسول عند تنازع هؤلاء الأئمة، ونتبع الإمام الذي أخذ بالنص، ونعمل ~~بقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} 1. # فنمتثل ما أمر الله به، وهذا هو الواجب علينا، ولسنا في هذا العمل خارجين ~~عن التقليد، بل خرجنا من تقليد إمام إلى تقليد إمام آخر لأجل الحجة التي ~~أدلى بها من غير معارض لها ولا ناسخ. # الانتقال من مذهب إلى مذهب لأمر ديني # فالانتقال من مذهب إلى مذهب آخر لأمر ديني بأن تبين له رجحان قول على ~~قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الدليل- مثاب على فعله، بل ~~واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر، أن لا يعدل عنه، ولا ~~يتبع أحدا في مخالفة حكم الله ورسوله؛ فإن الله فرض على الخلق طاعته، وطاعة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم في كل حال كما تقدم ذكره. # وقد ذكرنا أن الشافعي -رحمه الله- قال: أجمع المسلمون على أن من استبانت ~~له سنة رسول الله صلى الله ms18 عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من ~~الناس. # الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد الهوى # الانتقال من مذهب إلى آخر # وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد الهوى أو لغرض دنيوي، فهذا لا ~~يجوز، وصاحبه يكون متبعا لهواه؛ وقد نص الإمام أحمد -رحمه الله- على أنه ~~ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبا أو محرما، ثم يعتقده غير واجب PageV01P024 # أو محرم بمجرد هواه، وذلك مثل أن يكون طالبا للشفعة بالجوار، فيعتقدها ~~أنها حق، ويقول: مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أرجح من مذهب الجمهور. ثم ~~إذا طلبت منه الشفعة بالجوار اعتقد أنها ليست ثابتة، وقال: مذهب الجمهور في ~~هذه المسألة أرجح. # ومثل من يعتقد إذا كان أخا مع جد أن الإخوة تقاسم الجد -كما هو مذهب ~~الأئمة الثلاثة- فإذا كان جدا مع أخ اعتقد أن الجد يسقط الإخوة كما هو مذهب ~~أبي حنيفة، فهذا ونحوه لا يجوز، وصاحبه مذموم، بل يجب عليه أن يعتقد الحق ~~فيما له وعليه، ولا يتبع هواه، ولا يتبع الرخص، فمتبع الرخص مذموم، ~~والمتعصب للمذهب مذموم، وكلاهما متبع هواه. # المتعصبون لمذاهب الأئمة يأخذون من الأدنى دون الأعلى # والمتعصبون لمذاهب الأئمة تجدهم -في أكثر المسائل- قد خالفوا نصوص ~~أئمتهم، واتبعوا أقوال المتأخرين من أهل مذهبهم، فهم يحرصون على ما قاله ~~الآخر فالآخر، وكلما تأخر الرجل أخذوا بكلامه، وهجروا -أو كادوا- يهجرون ~~كلام من فوقه. # فأهل كل عصر إنما يقضون بقول الأدنى فالأدنى إليهم، وكلما بعد العهد ~~ازداد كلام المتقدمين هجرا ورغبة عنه، حتى إن كتب المتقدمين لا تكاد توجد ~~عندهم، فإن وقعت في أيديهم فهي مهجورة. # فالحنابلة قد اعتمدوا على ما في "الإقناع" و"المنتهى"، ولا ينظرون فيما ~~سواهما، ومن خالف مذهب المتأخرين فهو عندهم مخالف لمذهب أحمد -رحمه الله-، ~~مع أن كثيرا من المسائل التي جزم بها المتأخرون مخالفة لنصوص أحمد، يعرف ~~ذلك من عرفه. # وتجد كتب المتقدمين من أصحاب أحمد مهجورة عندهم، بل قد هجروا كتب ~~المتأخرين، ف"المغني" و"الشرح" و"الإنصاف" و"الفروع"، ونحو هذه الكتب التي ~~يذكر فيها أهلها ms19 خلاف الأئمة أو خلاف الأصحاب # PageV01P025 # لا ينظرون فيها. # فهؤلاء -في الحقيقة- أتباع الحجاوي وابن النجار لا أتباع الإمام أحمد. ~~وكذلك متأخرو الشافعية هم -في الحقيقة- أتباع ابن حجر الهيتمي صاحب ~~"التحفة"، وأضرابه من شراح "المنهاج"، فما خالف ذلك من نصوص الشافعي لا ~~يعبؤون به شيئا. # وكذلك متأخرو المالكية هم -في الحقيقة- أتباع خليل، فلا يعبأون بما خالف ~~مختصر خليل شيئا، ولو وجدوا حديثا ثابتا في الصحيحين لم يعملوا به إذا خالف ~~المذهب، وقالوا: الإمام الفلاني أعلم منا بهذا الحديث {فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} 1. # فكل أهل مذهب اعتمدوا على كتب متأخريهم، فلا يرجعون إلا إليها، ولا ~~يعتمدون إلا عليها. # وأما كتب الحديث -كالأمهات الست وغيرها من كتب الحديث وشروحها، وكتب ~~الفقه الكبار، التي يذكر فيها خلاف الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين- فهي ~~عندهم مهجورة، بل هي في الخزانة مسطورة، للتبرك بها لا للعمل. ويعتذرون ~~بأنهم قاصرون عن معرفتها؛ فالأخذ بها وظيفة المجتهدين، والاجتهاد قد انطوى ~~بساطه من أزمنة متطاولة، ولم يبق إلا التقليد، والمقلد يأخذ بقول إمامه، ~~ولا ينظر إلى دليله وتعليله. # ولم يميزوا بين المجتهد المطلق -الذي قد اجتمعت فيه شروط الاجتهاد، فهو ~~يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد ولا تقييد- ~~وبين المجتهد في مذهب إمامه، أو في مذهب الأئمة الأربعة من غير خروج عنها. ~~فهو ملتزم لمذهب إمام من الأئمة، وينظر في كتب الخلاف، ويمعن النظر في ~~الأدلة، فإذا رأى الدليل بخلاف مذهبه قلد الإمام الذي قد أخذ بالدليل، فهو ~~اجتهاد مشوب بالتقليد، فينظر إلى ما اتفقوا عليه ويأخذ به، فإن اختلفوا نظر ~~في الأدلة، فإن وجد مع أحدهم دليلا أخذ بقوله، فإن لم يجد في المسألة ~~PageV01P026 # دليلا من الجانبين أخذ بما عليه الجمهور، فإن لم يجد ذلك، بل قوي الخلاف ~~عنده من الجانبين التزم قول إمامه إذا لم يترجح عنده خلافه. # فأكثر المقلدين لا يميزون بين المجتهد المستقل من غيره، وجعلوهما نوعا ~~واحدا، وهذا غلط واضح؛ فإن من كان قاصرا في العلم لا يستقل بأخذ ms20 الأحكام من ~~الأدلة، بل يسأل أهل العلم، كما نص عليه الإمام أحمد رحمه الله- في رواية ~~ابنه عبد الله، وقد ذكرناه فيما تقدم. # الاجتهاد المقيد بمذاهب الأئمة وتوخي الحق بما دل عليه الدليل # وأما الاجتهاد المقيد بمذاهب الأئمة وتوخي الحق بما دل عليه الدليل وبما ~~عليه الجمهور، فهذا هو الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو الذي ذكره صاحب ~~"الإفصاح". # لزوم التمذهب بمذهب بعينه # وأما لزوم التمذهب بمذهب بعينه؛ بحيث لا يخرج عنه وإن خالف نص الكتاب أو ~~السنة، فهذا مذموم غير ممدوح، وقد ذمه صاحب "الإفصاح" كما تقدم ذكره، بل قد ~~ذمه الأئمة رضي الله عنهم. # قال الشافعي -رحمه الله-: طالب العلم بلا حجة كحاطب ليل يحمل حزمة حطب، ~~وفيها أفعى تلدغه، وهو لا يدري. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين ~~قلناه. # وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه ~~يستتاب، فكيف بمن ترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول من هو دون ~~إبراهيم أو مثله؟! # فقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم ابن ~~جميل (قال) : قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوما وضعوا ~~كتابا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه- بكذا وكذا، ~~وفلان عن إبراهيم بكذا. ويأخذ بقول إبراهيم، قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ ~~قلت: # PageV01P027 # إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال: هؤلاء يستتابون. # وقال أبو عمر بن عبد البر: يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به وخالفت ~~السلف في ذلك، فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قلدت؛ لأن كتاب الله لا علم لي ~~بتأويله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم- لم أحصها، والذي قلدته قد علم ~~ذلك، فقلدت من هو أعلم مني. # قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على تأويل شيء من الكتاب، أو حكاية عن ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم-، أو اجتمع رأيهم على شيء فهو ms21 الحق لا شك ~~فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد ~~بعضهم دون بعض وكلهم عالم، ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى ~~مذهبه؟ # فإن قال: قلدته؛ لأني أعلم أنه على صواب. قيل له: علمت ذلك من كتاب الله، ~~أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع؟ # فإن قال: نعم. أبطل التقليد، وطولب بما ادعاه من الدليل. # وإن قال: قلدته؛ لأنه أعلم مني. قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك ~~تجد من ذلك خلقا كثيرا، ولا تخص من قلدته، إذ علتك فيه أنه أعلم منك. # فإن قال: قلدته؛ لأنه أعلم الناس. قيل له: فهو إذا أعلم من الصحابة. فكفى ~~بقول مثل هذا قبحا1،. # فإن قال: أنا أقلد بعض الصحابة. قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد ~~منهم؟ ولعل من تركت منهم أفضل ممن أخذت بقوله؟ على أن القول لا يصح بفضل ~~قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. # وقد ذكر ابن مدين، عن PageV01P028 # عيسى بن دينار، عن القاسم عن مالك قال: ليس كلما قال الرجل قولا -وإن كان ~~له فضل- يتبع عليه؛ لقوله عز وجل-: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} 1. # فإن قال: قصري وقلة علمي تحملني على التقليد. قيل له: أما من قلد فيما ~~ينزل به أحكام شريعة عالما يتفق له على علمه، فيصدر في ذلك عما يخبره به ~~فمعذور لأنه قد أتى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من ~~تقليد عالم فيما جهله، لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في ~~القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك. # ولكن من كانت هذه حاله هل يجوز له الفتوى في شرائع دين الله، فيحمل غيره ~~على إباحة الفروج، وإراقة الدماء، واسترقاق الرقاب، وإزالة الأملاك، يصيرها ~~إلى غير من كانت في يده بقول لا يعرف صحته، ولا قام له الدليل عليه، وهو ~~مقر أن صاحبه يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما ms22 كان المصيب فيما يخالفه ~~فيه؟ # فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع، لزمه أن يجيزه ~~للعامة، وكفى بذلك جهلا وردا للقرآن، قال الله عز وجل-: {ولا تقف ما ليس لك ~~به علم} 2، وقال تعالى: {أتقولون على الله ما لا تعلمون} 3. # وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ولم يستيقن فليس بعلم، وإنما هو ظن، ~~والظن لا يغني من الحق شيئا. # ثم ذكر حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: "من أفتى بفتيا وهو يعمي عنها ~~كان إثمها عليه" 4 موقوفا ومرفوعا، قال وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث "5 قال: ولا خلاف بين أئمة الأمصار في ~~فساد التقليد. انتهى كلام أبي عمر -رحمه الله تعالى. # فتأمل ما في هذا الكلام، من الرد على من يقول بلزوم المتذهب بمذهب من هذه ~~المذاهب الأربعة، لا يخرج عن ذلك المذهب، ولو وجد PageV01P029 # دليلا يخالفه، لأن الإمام صاحب المذهب أعلم بمعناه، ويجعل هذا عذرا له في ~~رد الحديث، أو ترك العمل به. # وتأمل قوله: لا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد. ومراده: إذا كان ~~المقلد قادرا على الاستدلال، وأما العاجز عنه فهو كالأعمى، يقلد في جهة ~~القبلة، فهو معذور إذا كان عاجزا. # وقد حكى الإمام أبو محمد بن حزم الإجماع على أنه لا يجوز التزام مذهب ~~بعينه لا يخرج عنه، فقال: أجمعوا على أنه لا يجوز لحاكم ولا لمفت تقليد ~~رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله. انتهى. # فحكاية الإجماع من هذين الإمامين -أعني أبا عمر بن عبد البر وأبا محمد بن ~~حزم- كاف في إبطال قول المتعصبين للمذهب، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. # ونسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ~~والحمد لله رب العالمين. آمين. PageV01P030 ms23