######OpenITI# #META# bkid: 17736 #META# bk: الفصيحة العجما في الكلام على حديث «أحبب حبيبك هونا ما» #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الفصيحة العجما في الكلام على حديث «أحبب حبيبك هونا ما» - سلسلة لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (10) #META# المؤلف: أحمد بن عبد اللطيف بن أحمد البربير الحسني، أبو الفيض (المتوفى: 1226 ه) #META# المحقق: رمزي سعد الدين دمشقية #META# الناشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان #META# الطبعة: الأولى، 1421 ه - 2000 م #META# عدد الأجزاء: 1 #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: أحمد البربير #META# authinf: البربير (1160 - 1226 ه = 1747 - 1811 م). عالم بالأدب، له شعر. بيروتي الأصل، ولد بدمياط وتعلم بها وبالقاهرة، وانتقل إلى بيروت سنة 1183 ه فولي قضاءها مدة واستعفى ورعا، وتحول إلى دمشق سنة 1195 ه فتوفي فيها. من كتبه. (الشرح الجلي، على بيتي الموصلي - ط). (مقامات البربير - خ). (المفاخرة بين الماء والهواء - ط) رسالة،. (زهر الغيضة في ذكر الفيضة) رسالة في فيضان وقع بدمشق سنة 1206 ه. (بديعية - خ). كتاب في (اقتباس آي القرآن). (ديوان شعر - خ). نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 17736 #META# over: 1 #META# seal: EB77D444 #META# oauth: 2410 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 2 #META# vername: None #META# cat: شروح الحديث #META# lng: أحمد بن عبد اللطيف بن أحمد البربير الحسني، أبو الفيض #META# higrid: 1226 #META# ad: 1226 #META# aseal: ED8AB476 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/17736 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله حمد معترف له بالفضل والإنعام، وأفضل الصلاة والسلام على ~~المبعوث رحمة للأنام، محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه البررة ~~الكرام. # أما بعد، فإن من البر تعاهد آثار الأجيال الماضية، والقيام بنشر أعمالهم ~~الحسنة وما دلوا عليه من الخير. وإن أولى من يبر المرء من كان منه قريب ~~الزمان لصيق المكان، لذا أحببت أن تكون مشاركتي لهذا العام الهجري -أعني ~~سنة 1420 ه- في لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام برسالتين لعالمين جليلين ~~من علماء بلدتي بيروت، قياما بحقهما وتعريفا للقاصي والداني بفضلهما، وفضل ~~أهل هذا الثغر الذي زخر بالعلماء منذ سكنه المسلمون ورابطوا فيه، وفي ~~مقدمتهم الإمام المجتهد، الصادع بالحق، والجامع بين العلم والعمل، عبد ~~الرحمن بن عمرو الأوزاعي رحمه الله تعالى وأحسن مثواه. # أما الرسالة الأولى فهي "الفصيحة العجما في الكلام على حديث: "أحبب حبيبك ~~هونا ما ... "" للشيخ الأديب أحمد بن عبد اللطيف البربير المتوفى سنة 1226 ~~ه، بين فيها معاني هذا الأثر النبوي وأظهر فصاحته وبلاغته، جاعلا جل شرحه ~~له من أبواب اللغة والنحو والأدب، ولا غرو فهو أحد فرسان هذا الميدان ~~البارعين فيه. PageV01P005 # وقد اعتمدت في إخراج هذه الرسالة على نسخة المؤلف بخطه، وهي من مخطوطات ~~المكتبة الظاهرية بدمشق (مكتبة الأسد حاليا)، ضمن مجموع برقم 10049، من (ق ~~139 - 142). # أما الرسالة الثانية فهي "تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور" للشيخ ~~أحمد بن عمر المحمصاني المتوفى سنة 1375 ه، وسيأتي الكلام عليها في أولها. # ومن الله نرجو العون والسداد والتوفيق والإمداد، وأن يتقبل منا ويعاملنا ~~بما هو أهله، إنه سميع قريب مجيب. # وكتبه # حامدا رب البرية # مصليا على النبي والذرية # رمزي سعد الدين دمشقية PageV01P006 # نص الحديث وتخريجه وشرحه # قال الإمام الحافظ الحجة أبو عيسى الترمذي في سننه في كتاب البر والصلة، ~~باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض 4/ 360 (ح 1997): # حدثنا أبو كريب، حدثنا سويد بن عمرو الكلبي عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ~~محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أراه ms01 رفعه قال: " أحبب حبيبك هونا ما عسى أن ~~يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما". # التخريج: # - قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، ~~وقد روي هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا رواه الحسن بن أبي جعفر وهو ~~حديث ضعيف أيضا بإسناد له عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والصحيح ~~عن علي موقوف قوله. # والحديث رواه عدا الترمذي: # - الحافظ الطبراني في معجمه الأوسط والكبير من حديث ابن PageV01P007 # عمر، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 88: وفيه جميل بن زيد، وهو ضعيف. # - وفي الأوسط والكبير أيضا من حديث عبد الله بن عمرو، قال الهيثمي 8/ 88: ~~وفيه محمد بن كثير الفهري، وهو ضعيف. # - والبخاري في الأدب المفرد ح 1321، من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب بلفظ: هل تدري ما قال الأول؟ أحبب حبيبك ... # - قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه الكافي الشافي بتخريج أحاديث ~~الكشاف ص 122 (أحاديث سورة الفرقان): # الحديث أخرجه الترمذي من رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، تفرد به ~~سويد بن عمرو عن حماد بن سلمة عن أيوب، قال الترمذي: غريب. # وقال ابن حبان في الضعفاء (¬1): سويد بن عمرو يضع المتون الواهية على ~~الأسانيد الصحيحة, وليس هذا من حديث أبي هريرة، وإنما هو من قول علي رضي ~~الله عنه، وقد رفعه الحسن بن أبي جعفر عن أيوب عن حميد بن عبد الرحمن عن ~~علي، وهو خطأ فاحش. # ورواية الحسن بن أبي جعفر في فوائد تمام (¬2). # وأخرجه ابن عدي (¬3) من طريق الحسن بن دينار عن ابن سيرين عن أبي هريرة، ~~قال: الحسن بن دينار أجمعوا على ضعفه. PageV01P008 # ورواه الطبراني في الأوسط من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ~~لكن الراوي له عن أبي الزناد متروك، وهو عباد بن كثير. # وفي الباب عن ابن عمر، أخرجه الطبراني، وفيه أبو الصلت الهروي، وهو متروك. # وعن ابن عمرو بن العاص، أخرجه أيضا من طريق محمد ms02 بن كثير الفهري عن ابن ~~لهيعة عن أبي قبيل عنه، وهذا إسناد واه جدا. # والموقوف عن علي، أخرجه البيهقي في الشعب في الحادي والأربعين من رواية ~~أبي إسحاق عن صبرة بن يزيد ثم عن علي. # وقال الدارقطني: الصحيح عن علي موقوف، اه (¬1). # - قال الشيخ المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير 1/ 177 بعد أن عرض ~~لروايات الحديث: وبعد أن علمت هذه الروايات فاعلم أن أمثلها الأولى -أي ~~رواية الترمذي-، وقد استدرك الحافظ # العراقي على الترمذي دعواه غرابته وضعفه، فقال: قلت: رجاله رجال مسلم، ~~لكن الراوي تردد في رفعه، انتهى. والمصنف -أي السيوطي في الجامع الصغير- ~~رمز لحسنه. # الشرح: # قوله: (أراه) هو بضم الهمزة، أي: أظنه، وهي الرؤية الذهنية، فإن أريد ~~الرؤية البصرية كانت بفتح الهمزة. PageV01P009 # قوله: (أحبب حبيبك هونا ما)، أي: حبا مقتصدا لا إفراط فيه. # قوله: (عسى أن يكون بغيضك يوما ما)، أي: فلربما انقلب هذا الحب بغضا ~~بتغير الزمان والأحوال فلا تكون قد أسرفت في حبه فتندم عليه إذا أبغضته. # قوله: (وأبغض بغيضك هونا ما)، أي: بغضا معتدلا لا إفراط فيه. # قوله: (عسى أن يكون حبيبك يوما ما)، إذ ربما انقلب هذا البغض حبا فلا ~~تكون قد أسرفت في بغضه فتستحي منه إذا أحببته. PageV01P010 # ترجمة المؤلف (¬1) # هو العلامة الأديب، والشاعر الناثر؛ أديب الفقهاء، وفقيه الأدباء؛ الشيخ ~~شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد اللطيف بن أحمد بن محمد البربير الحسني ~~البيروتي الأصل (¬2)، الدمياطي المولد، الدمشقي وفاة. PageV01P011 # مولده ونشأته: # ولد بدمياط سنة 1160 ه (1747 م) لأب تاجر، ولما نشأ أخذ بطلب العلم، فحفظ ~~القرآن الكريم صغيرا على الشيخ قاسم بن داود، ثم لما بلغ اثنتي عشرة سنة ~~حفظ ألفية ابن مالك، وحضر شرحها لابن عقيل على الشيخ عبد الحي بن فتح الله. ~~وعند الثالثة عشرة تعلق بنظم الشعر، فصار يشبب ويتغزل، فاعترض عليه في دعوى ~~الصبابة بعض الأدباء، فأنشد: # لقد أنكر اللاحي شجوني وصبوتي ... لكوني صغيرا قلت لا تنكروا الفضلا # رآني الهوى طفلا فمازح مهجتي ... ومن عادة المزاح أن ms03 يألف الطفلا # طلبه للعلم وشيوخه: # ثم حضر قراءة المنهج وتفسير البيضاوي على الشيخ محمد الدنهيجي، وجمع ~~الجوامع على الشيخ عبد السلام أبي النصر، وتجريد الخطيب وابن قاسم مرارا ~~على الشيخ عبد الحي، وقرأ عليه أيضا مختصر # السعد والسلم للأخضري وغيره، وحضر على الشيخ مصطفى المحلي -الشهير ~~بالسقا- شرح الهدهدي وشرح اللقاني على الجوهرة، والاستعارات لعصام، وحضر ~~على الشيخ أحمد البستاني في العروض والفرائض والأشموني على الألفية. # ومن شيوخه المصريين: الشيخ أحمد الجوهري المتوفى سنة 1214 ه، ومن شيوخه ~~بل من أعظمهم مكانة في نفسه وتأثيرا على سلوكه وثقافته السيد محمد مرتضى ~~الزبيدي "شارح القاموس" المتوفى بمصر سنة 1205 ه، فقد أخذ عنه علم الحديث ~~بمصر. PageV01P012 # هجرته إلى بيروت: # وفي سنة 1183 ه (1769 م) هاجر إلى بيروت موطن آبائه وأجداده بعد أن مر ~~بدمشق لفترة وجيزة، وفي بيروت تزوج ثم ما لبث أن طلق زوجته، فانضاف ذلك إلى ~~غربته عن أهله، فأنشد معبرا عن حاله: # لقد غرني إبليس قومي بقوله ... تغرب عن الأوطان في طلب المجد # كما غر إبليس الشياطين آدما ... وأخرجه بالمكر من جنة الخلد # تقلده القضاء والإفتاء في بيروت: # وقد طلب منه الأمير يوسف الشهابي أن يتولى الفتوى والقضاء في بيروت، ~~فامتنع الشيخ البربير عن ذلك حتى أقنعه الأمير بالموافقة، غير أن الشيخ وضع ~~شروطا لقبوله، فإذا أخل الأمير بإحداها اعتزل المنصبين، وكانت الشروط هي: # 1 - أن لا يتصدى الأمير للدعوى بعد أن يكون هو فصلها بمجلس قضائه، وأن ~~يأمر بتنفيذها دون إبطاء. # 2 - إذا كانت الخصومة بين الأمير وبين أحد المواطنين العاديين، وكان ~~الحكم ضد الأمير، فإن على الأمير أن ينقذ ما أمر به الشرع الحنيف. # 3 - أن يبعث الأمير من قبله أحد أتباعه ويجلس في المحكمة لتحصيل ما على ~~الدعوى من الرسوم المقررة بين القضاة. # 4 - أن لا يلتزم الشيخ البربير بارتداء الزي المقرر للقضاة من لبس ~~العمامة والفرجية (¬1). PageV01P013 # وقد نزل الأمير عند رغبة الشيخ وتعهد بالتزام الشروط التي طلبها. # لكن الشيخ كان يتمنى أن يخل الأمير ms04 بشرط حتى يتخلص من هذا المنصب الذي ~~قبله على مضض، ولم يكن يخفي تبرمه وضيق صدره، فمما نظمه معبرا عن ذلك قوله: # قد عدلنا وما عدلنا بغي ... وحكمنا بأمر رب السماء # فشكا الناس حكمنا ولعمري ... قل من يرتضي بحكم القضاء # وقوله: # رماني زماني بما يجهد ... فمن ذا أروم ومن أقصد # وأوقفني في القضاء القضا ... وما كنت أحسبه يوجد # وظيفة كرب، لأثقالها ... تراني لموتي الردى أحمد # وحسبي انقلاب صديقي بها ... عدوا، إذا فاته المقصد # فباطنها الذل والابتلا ... وظاهرها العز والسؤدد # وإذ ليس دأبي ولا ديدني ... ولا أرتضيه، ولا أعمد # وصعب على المرء تكليفه ... أمورا خلاف الذي يعهد # ولم تلق هذه المنظومات لدى الأمير أذن صاغية، مما اضطر الشيخ أن يوجه ~~للأمير قصيدة مطولة ضمنها رجاءه بإلحاح لإعفائه من هذا المنصب، واصفا نفسه ~~بالظلم وعدم الأهلية لتولي هذا المنصب، فمما قاله فيها: PageV01P014 # تنبه أخي فماذا العمى ... وقد بلغ السيل أعلى الربى # تواريت في جنح ليل الذنوب ... ولم تر إشراق فجر الدجى # فكيف رضيت ترى قاضيا ... وفوقك بالقهر قاضي السما # وكيف عجزت يحمل القميص ... وتقوى على حمل حق الملا # وأصبحت بالظلم في غاية ... ومرتبة ما لها منتهى # وقال: # أما في الألى سلفوا عبرة ... لمثلك دلت على ما نأى # فأين القضاة وأين الملوك ... وأين الحلي وأين الحلى # وأين الأحاديث في سردها ... وقد أنبأتك بذم القضا # فإن قلت إني امرؤ عادل ... فلا تنس "من حام حول الحمى" # درء المفاسد تقديمه ... على جلب مصلحة يرتضى # وإن قلت إني أمرؤ منكرة ... عليها فدونك رحب الفضا # وكل من تخلفهم للذي ... أحاط بما كان تحت الثرى # فقد رزق الطير في وكره ... وخص الجنين بطيب الغذا # وعش باليسير وأكل الشعير ... وترك الحرير ولبس العبا # فذلك أهون من بيع دينك ... يا غافلا بدين الدنى # فلما أن اطلع الأمير يوسف الشهابي على هذه الأبيات دخلت قلبه خشية الله، ~~فبادر إلى إعفاء الشيخ من القضاء وعين له مرتبا يكفيه، فامتدحه الشيخ ~~البربير بقوله: # أميرنا أكرم من حاتم ... له بنان ضاق عنها الفضا # بحلمه ms05 أدركت ما أشتهي ... وقد كفاني الله شر القضا PageV01P015 # وقال أيضا: # أمير عظيم له رتبة ... على غيره صعبة المرتقى # قصرت ثنائي على وصفه ... وأعطيته في الورى موثقا # ولا غرو في كونه وارثا ... ثنائي دون الورى مطلقا # فقد أعتق القلب من كربه ... وصح الولاء لمن أعتقا # وبعد ذلك أنشأ مكتبا (كتابا) لتعليم الأولاد قانعا بما يناله منه من ~~الرزق الكفاف، إلا أنه لم يسد حاجته، وافتقر. # انتقاله إلى دمشق: # وفي سنة 1195 ه تعرضت بيروت لعدوان من قراصنة روس مما حمل أهلها إلى ~~النزوح عنها إلى حيث يجدون الأمن والطمأنينة. فعزم الشيخ على الرحيل إلى ~~دمشق ورغب في سكناها، ورأى أنها خير البلاد. # فلما قصدها نزل ضيفا على الشيخ محمد بن خليل المرادي (¬1) مفتي دمشق، ~~فلما دخل عليه مدحه بقصيدة طرب لها ورفع شأنه عنده فأكرمه وشمله برعايته. # ثم سكن الصالحية واستقر بها وأعجب بها غاية الإعجاب، وذكرها بشعره مادحا يقول: # قد ظفرنا بعيشة مرضية ... مذ حللنا في جنة الصالحية # ورأينا الزهور تبسم لطفا ... عن ثنايا من الندى لؤلؤية # وجواري السحاب جللت الأر ... ض ببسط من غزلها سندسية PageV01P016 # رقص الماء من غنا الطير حتى ... نقطته أوراقها الذهبية # وجه روض يريك نجل عيون ... وخدودا من زهره عندمية # وقدودا من الغصون نشاوى ... من طلا الطل بكرة وعشية # حبذا حبذا معاني مغان ... كبروج حوت نجوما مضية # وبعد استقراره بدمشق تزوج مرة ثانية، ولكنه لم يرزق من زواجه هذا بولد، ~~وتوفي رحمه الله ولم يترك ذرية. # مقتطفات من شعره: # للشيخ أحمد البربير شعر كثير ضمنه كتبه، وفي رسالتنا التي نقدم لها شيء ~~من ذلك. ومن جميل ما قال، قوله في التوحيد: # لقد آمنت بالله ... وأصبحت به آمن # هو الأول والآخر ... والظاهر والباطن # وقوله في كبح الشهوات: # إن الذين يجاهدون ... النفس شبانا وشيبا # من الإله بنصرهم ... وأثابهم فتحا قريبا # وقال مادحا أهل دمشق مضمنا كلامه أسماء بعض كتب الحديث النبوي: # رعى الله في الدنيا أفاضل جلق ... فكم عمني منها سرور وإكرام # أناس وجدنا من شمائلها الشفا ... مصابيح ms06 هدي عين مشكاتها الشام (¬1) PageV01P017 # وقال يهجو شاعرا ويعيره بسوء ظنه: # سمعت شعر شاعر ... يشبه صوت الجلجلة # ألفاظه مهملة ... لكنها مستعملة # شيوخه بدمشق: # ومن شيوخه الذين أخذ عنهم بدمشق: المحدث الشيخ محمد الكزبري (المتوفى ~~1221 ه)، والشيخ أحمد العطار (المتوفى 1218 ه)، والشيخ حسين المدرس ~~(المتوفى 1225 ه)، والشيخ مصطفى الصلاحي (المتوفى 1265 ه)، وغيرهم من علماء ~~ذلك العصر في دمشق والوافدين عليها. # تلاميذه: # لقد كان لما بلغه البربير من مكانة رفيعة في العلوم الشرعية واللغة ~~العربية وآدابها الأثر بأن يقصده طلبة العلم لينهلوا من معين علومه وغزير أدبه. # فممن تلقى عنه: # - الشيخ عبد اللطيف فتح الله، الذي تسلم الفتوى ببيروت مدة طويلة حتى غلب ~~عليه لقب "المفتي"، وأصبح هذا اللقب علما عليه وعلى عائلته من بعده حتى ~~اليوم، توفي ببيروت سنة 1265 ه (1844 م). # - الشيخ أحمد الأغر، الذي تولى القضاء والإفتاء ببيروت أيضا، توفي بها ~~سنة 1274 ه (1857 م). # - الشيخ قاسم بن محمد تلحوق من عائلات مشايخ الدروز. PageV01P018 # - الشيخ قاسم بن بشير جنبلاط من زعماء العائلات الدرزية. # مما قيل فيه: # ترجم له الشيخ عبد الرزاق البيطار في كتابه "حلية البشر" قائلا: # "سهم الأغراض والأماني، وكنانة البيان والمعاني، ذو الأدب الباهي الباهر، ~~والأرب الزاهي الزاهر، والنفس الزكية، والأخلاق المرضية، من تستعذب النفوس ~~نثره، وتستطيب نظمه وشعره، ... أقبل على الترقي بهمة قوية إلى أن صار فردا ~~يشار إليه، وعمدة في المشكلات يعتمد عليه، وشهد له مشايخه بالفضل، وإنه لما ~~يثنى عليه به مستحق وأهل ... ". # وقال عنه الشيخ محمد جميل الشطي في كتابه "روض البشر": # "العالم الفاضل، الأديب الشاعر، المجيد المفلق، الناظم الناثر، المفنن ~~الأوحد". # وقال عنه الشيخ محمد عبد الجواد القاياني في رحلته "نفحة البشام في رحلة ~~الشام": "السيد أحمد البربير عالم فاضل نحرير، من كبار العلماء المشاهير، ~~له مؤلفات جليلة، ومصنفات جميلة، في العلوم العربية، والفنون الأدبية". # وذكره تلميذه مفتي بيروت العلامة عبد اللطيف فتح الله في ديوانه، حيث قال ~~مادحا جناب قرة عين الأدباء الكرام، وواسطة عقد الجهابذة ms07 الفخام، حضرة شيخه ~~السيد أحمد البربير، وكان إذ ذاك حضر من دمشق الشام سنة 1198 ه (¬1): PageV01P019 # شمس الكمال كسا بيروتنا حللا ... من نور طلعته لما حلا وحلا # غزال سرب غزا الألباب ناظره ... وثوب سقيم لجسمي بالهوى غزلا # بدر الجمال جمال البدر حل بها ... قد حل برج العلى والعز مكتملا # الجوهر الفرد عقد المجد من نظمت ... به الفضائل حتى زين الفضلا # ومن سما في سماء العز مرتفعا ... فوق السماك على أوج السهى وعلا # الألمعي حسن الأفعال ذو حسب ... علي قدر على أمثاله كملا # أعني بذا أحمد البربير من جمعت ... فيه مزايا بها قد نبلغ الأملا # نسل الأكارم بحر من مكارمه ... إكرام وافده إن نحوه وصلا # كل المحاسن نور من محاسنه ... لما على الحسن من دون الورى اشتملا # له حديث غريب النظم سلسله ... بكل معنى لطيف حير العقلا # هذا هو الكوكب الزهري الذي محيت ... عنا الغموم به لما الهموم جلا # شبهته البدر لكن ليس يشبهه ... فذا يغيب وهذا قط ما أفلا # هذا الذي قد حوى حلما بلا شبه ... لأنه من كمال الحلم قد جبلا # هذا الذي هام قلبي عند رؤيته ... شجا، فيا ويل من فيه لنا عذلا # تبسم الدهر من فيه به فرحا ... يشير لي أنه قطب الزمان بلا # يمم حماه لتجني من بدائعه ... در العقود إلى أن تبلغ الأجلا # واقصده تهدك نيران القرى سبلا ... لربعه المعتلى من غير أن تسلا # ولا نكن غافلا عن فيض راحته ... فليس ينكر ذا، إلا الذي جهلا # لا زال طالعه بالسعد مقترنا ... يزيده رفعة، لا تنتهي، وعلا # ما هز غصن الربى ريح وما نشدت ... شمس الكمال كسا بيروتنا حل PageV01P020 # مؤلفاته: # ترك الشيخ أحمد البربير مؤلفات عدة منها: # 1 - تشطير البردة. # 2 - شذور الياقوت والمرجان فيما حواه اسم سليمان من الفضائل الحسان، وهو ~~في تاريخ سليمان باشا الملقب بالعادل والي عكا. # 3 - الفصيحة العجما في الكلام على حديث "أحبب حبيبك هونا ما"، وهي ~~الرسالة التي بين أيدينا. # 4 - اقتباس آي القرآن في مدح عين الأعيان، وهي اقتباسات ms08 شعرية في بعض آي ~~الذكر الحكيم في مدح صديقه السيد عبد الرحمن العمادي المرادي مفتي الأحناف بدمشق. # 5 - دلائل الإعجاز في الأحاجي والمعمى والألغاز، وهي رسالة ألفها برسم ~~الأمير حسن الشهابي، وبدأها بالمعمى باسم حسن. النسخة الأصلية منها محفوظة ~~بمكتبة الأسد بدمشق ضمن مجموع رقم 10049، (178 أ-181 ب). # 6 - قصيدة بديعية، وهي منظومة شعرية شرحها شيخه الشيخ مصطفى الصلاحي. # 7 - مقامات البربير، توجد منه نسخة بدار الكتب المصرية بالقاهرة. # 8 - تحقيق ظهور المهدي، ألفها سنة 1223 ه. # 9 - سيرة حياته الذاتية بقلمه. PageV01P021 # 10 - زهر الغيضة في ذكر الفيضة، رسالة وصف فيها فيضان نهر بردى الذي أغرق ~~دمشق سنة 1256 ه، طبعها الشيخ محمد أحمد دهمان. # 11 - مفاخرة بين الماء والهواء، وهي مقامة طريفة أوردها الشيخ عبد الرزاق ~~البيطار كاملة في "حلية البشر"، وطبعت على حدة عدة طبعات (¬1). # 12 - الشرح الجلي على بيتي الموصلي، وهو موسوعة ضخمة تناول فيها المؤلف ~~عشرات الموضوعات من العلوم والمعارف في أبواب اللغة وفنون الأدب والشعر ~~والفقه والتفسير وغيرها، وذلك من خلال شرحه لبيتي شعر قالهما الشيخ عبد ~~الرحمن بن إبراهيم الموصلي المتوفى 1118 ه، وهما: # إن مر والمرآة يوما في يدي ... من خلفه ذو اللطف أسمى من سما # دارت تماثيل الزجاج ولم تزل ... تقفوه عدوا حيث سار ويمما # وقد ألف البربير هذا الكتاب استجابة لطلب صديقه محمد بك العظم # الذي سأله شرحهما وحل رمزهما. # والكتاب طبع سنة 1302 ه بالمطبعة الأدبية ببيروت تولى طبعه الشيخ محمد بن ~~عمر البربير، ثم أعاد طبعه مرة ثانية الطبيب نسيب البربير مؤسس مستشفى ~~البربير ببيروت لدى المكتب الإسلامي. PageV01P022 # وفاته ورثاء تلميذه له: # توفي الشيخ البربير رحمه الله تعالى بالصالحية بدمشق ليلة الخميس الثامن ~~عشر من ذي الحجة ختام سنة 1226 ه، ودفن بسفح جبل قاسيون في مدافن بني الزكي. # وقد رثاه تلميذه، مفتي بيروت، الشيخ عبد اللطيف فتح الله حيث قال (¬1): # ما للحمائم لا تكاد تطير؟ ... ما للأراضي بالأنام تمور؟ # ما للجبال الشامخات تدكدكت، ... وأبو قبيس قد هوى وثبير ms09 # ما للنفوس تكاد تزهق لوعة، ... ولها شهيق قد علا وزفير # ما للعيون دموعها مصبوبة ... مثل الدماء على الخدود تسير # فكأنها، حمرا وسودا، أحرف ... لكنها فوق الخدود سطور # ما بال قلبي قد تلهب حرقة ... من أين فيه جهنم وسعير # ما للنجوم غربن وهي طوالع ... جنح الدجى، وخسفن وهي بدور # ما للشموس لبسن في رأد الضحى ... ثوب الكسوف وما لهن ظهور # ما للجنان تزخرفت ثم اغتدى ... منها يلوح منازل وقصور # وتزينت ولدانها وتقلدت ... عقد الجواهر في النحور الحور # فعجبت من هذا وقلنا حادث ... في الكون بان وإنه لكبير # فأجبت: لا تذهل، وقيل لي: انتبه ... فاليوم مات العالم النحرير # شيخ الجهابذ والأفاضل مفردا ... نجم العلوم الجهبذ المشهور PageV01P023 # بدر الشريعة والطريقة والهدى ... شمس الحقيقة: أحمد البربير # بحر المعارف ما له من ساحل ... منه استمدت في الأنام بحور # رب الفطانة والفهوم مع الذكا ... في طوعه التحقيق والتحرير # عنه الحديث سماعه قد ينبغي ... والفقه، والتوحيد، والتفسير # وكذا الأصول، وكل فن ينتمي ... للنقل أو للعقل، وهو شهير # كم قلب علم سره تأليف ... وأقر منه طرفه تقرير # مولى القوافي قد تملك أمرها ... فأطاعه المنظوم والمنثور # فيها تصرف كيف شاء، وصاغها ... صوغا على الإتقان ظل يدور # من كل معنى ليس مسبوقا له، ... كلا، ولا بسواه فيه شعور # من كل مخترع يسيل بلاغة ... ويكاد في سحر البيان يطير # ما البحتري لديه؟ ما سحبان؟ ما ... نحو الفرزدق عنده وجرير # فيه أصبنا، والمصائب جمة، ... منها العظيم، كموته، وحقير # لا بدع إن ذهب الكرام فإنما ... عمر الكرام من الأنام قصير # يا ليت أعمار الكرام مديدة، ... ويكون فيها الطول والتأخير # يا ويح بيروت وقلة حظها، ... هيهات منها مثله ونظير # لكن لها فخر به لا ينتهي ... يفنى الزمان وما له تغيير # أرواحنا، لو كان فيها يفتدى، ... جدنا بها، وبها الفداء يسير # لكن فناء الخلق حكم نافذ ... لم ينج منه كبيرنا وصغير # ما كان في الدنيا خلود لامرئ ... ظن الخلود جهالة وغرور # لو كان فيها لم يمت فيها امرؤ ... بل لم يكن للأنبياء قبور # فالله يلهمنا ms10 الرضاء بحكمه ... والصبر عند الرزء، فهو قدير # والحكم لله العلي وإنما ... خير المصاب مسلم وصبور PageV01P024 # في صالحية جلق ورياضها ... أودى، فراح إلى الجنان يسير # وضريحه في روضة قد أنورت ... بضريح محيي الدين وهو منير # بجواره قد حل وهو ضجيعه ... نعم الجوار، وكم له تأثير # فعليه رضوان ورحمة ربه ... ما غردت فوق الغصون طيور # أو ما ابن فتح الله أنشد راثيا ... ما للحمائم لا تكاد تطير # * * * PageV01P025 # صورة غلاف المخطوط وهي بخط المؤلف PageV01P026 # صورة الورقة الأولى من المخطوط PageV01P027 # صورة الورقة الأخيرة من المخطوط# لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (10) # الفصيحة العجما في الكلام على حديث «أحبب حبيبك هونا ما» # تأليف # الشيخ أحمد بن عبد اللطيف البربير الحسني البيروتي (1160 - 1226 ه) # تحقيق # رمزي سعد الدين دمشقية # ----NO PAGE NO------ PageV01P028 ### | CHECK أول الرسالة # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي تعرف للمسيء بالإحسان بعد ما تنكر، وأحاط علمه بكل معلوم ~~فاستوى عنده الظاهر والمضمر؛ والصلاة والسلام على من أرشدنا لإصلاح المعاش ~~والمعاد، وكان بالمؤمنين رحيما أرحم بهم من الوالدين بالأولاد، وعلى آله ~~وأصحابه الذين قابلوا شريف أمره بالامتثال، فأفضى بهم ذلك إلى قضاء (¬1) ~~حقيقة الهدى من مجاز الضلال. # أما بعد، فقد تأملت في حديث: "أحبب حبيبك هونا ما .. " فوجدته من جوامع ~~الكلم التي قد انتهت معاني بيانها البديع بالإيجاز إلى حد الإعجاز، حتى لو ~~سمعه قس بن ساعدة (¬2) أو سحبان بن وائل (¬3)، لأصبح PageV01P031 # كل عند سماع مبانيه ورقة معانيه أعيى من بأقل (¬1)، ولا بدع في ذلك؛ إذ ~~كان من كلام من أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا (¬2)، وجعل الله ~~تعالى القرآن العظيم كتابه، فتحدى بأقصر سورة منه مصاقع البلغاء؛ حتى أقروا ~~بالعجز عن الإتيان بمثله جهارا، وقالوا من دهشهم من معانيه التي لا تعد ولا ~~تحصر: {فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} [المدثر: 24]. # وجيء إليه بلغة أبيه إسماعيل بعد اندراسها وهدم قواعدها وأساسها؛ فشيد ~~بنيانها، وثبت أركانها، وأظهر من سعتها ما تضيق عنه صدور الفحول ولا يحيط ~~به إلا ملك مقرب أو رسول، حتى ms11 كان لا # يخاطب أحدا إلا بلغة قومه من العربان، وحسبك في ذلك ما أتى به من غريب ~~اللغة في حديث زبان (¬3)؛ لأنه أغرب ما نطق به لسان ووعاه جنان. PageV01P032 # فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه في جميع حال الأوقات ومستقبلها، عدد PageV01P033 # كلمات اللغة العربية مهملها ومستعملها. # ولما رأيت هذا الحديث قد فعل بي ما لا يفعله الشراب القديم، من النشوة ~~والطرب بالنديم، كتبت عليه هذه الرسالة متوسلا بها إلى صاحب الوسيلة ~~والرسالة، وسميتها: # الفصيحة العجما في الكلام على حديث "أحبب حبيبك هونا ما" # والله المسؤول أن يمن عليها بالقبول، فأقول: # اعلم أنني قد رأيت الشمس الميداني ذكر هذا الحديث في أمثاله (¬1). # وقال الخطابي: إنه مثل من أمثال العرب. ولا مناقضة؛ فقد ثبت أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - تمثل كثيرا بأمثال العرب، فمنها ما بقي على معناه كهذا ~~الحديث، ومنها ما أخرجه عن معناه الذي وضع له بإرادة معنى آخر، كقوله: ~~"انصر أخاك ظالما أو مظلوما" (¬2)، وذلك لأن الجاهلية كانت ترى نصرة الأخ ~~وإن كان ظالما، فاستعمله النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما أرادت، وأراد ~~بنصرة الأخ الظالم دلالته على الحق وإعلامه أنه ظالم. فإذا فعل الفاعل به ~~ذلك فقد نصره على هوى نفسه وشيطانه وغضبه. # وقوله في الحديث: "أحبب"، أمر إرشاد لا أمر ندب؛ لأن المقصود به نفع ~~المخاطب في الدنيا. قال ابن أبي شريف في حاشيته على جمع الجوامع (¬3): PageV01P034 # قال التاج السبكي: الفرق بين الندب والإرشاد، أن الندب مطلوب لثواب ~~الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا ولا يتعلق به ثواب البتة؛ لأنه فعل متعلق ~~بغرض الفاعل ومصلحته (¬1). اه. # قلت: وهذا لا ينافي ترتب الثواب لأمر خارج، كالأكل والنوم بقصد التقوي ~~على الطاعة وتحصيل النشاط لقيام الليل والتهجد فيه، وكالنكاح يريد به كف ~~نفسه وتحصيل ولد يكثر به سواد الأمة. # قال التاج السبكي: والتحقيق أن فاعل ما أمر به إرشادا إن أتى به لمجرد ~~غرضه فلا ثواب له، وإن أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحة ولا قاصد ~~غير ms12 مجرد الانقياد لأمر ربه أثيب، وإن قصد الأمرين # أثيب على أحدهما دون الآخر، ولكن ثوابا أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرد ~~الامتثال. اه. # قلت: وهذه المسألة -وهي الجمع بين القصدين- تجري كثيرا فيمن يقرأ نحو ~~(المواقعة) لأجل حصول الغنى، و (يلس) لغرض من أغراض، ويدمن الاستغفار ~~لتوسعة الرزق، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - لقضاء حاجته. فجزى ~~الله الإمام السبكي خير جزاء حيث صرح بإثابة من ابتلي # بهذا الداء لأنه مما ابتلي به الجم الغفير والجمع الكثير، وهو مقام ~~العامة. # وأما مقام الخاصة، فهو تنزيه العمل عن شرك الإشراك وإخلاصه لملك الأملاك، ~~كما قال تعالى: {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110]، فتراهم لا يطلبون ~~في عبادتهم من غير الله مددا، فلما شغلتهم PageV01P035 # عبادته عمن سواه أعطى كلا منهم ما تمناه. كما قال تعالى في الحديث ~~القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (¬1). # ورحم الله من قال: [من مجزوء الرجز] # واعمل لوجه واحد ... يكفيك كل الأوجه # وفي الحديث القدسي أيضا: "يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه" (¬2). # وقوله في الحديث: "أحبب" خطاب عام لكل من يصلح للمخاطبة، لكن قرينة كونه ~~إرشاديا دلت على أن المراد بالخطاب المؤمن فقط؛ لأنه لو كان الأمر فيه ~~للندب لبقي على عمومه بناء على أن الكافر مخاطب بالأحكام الشرعية، وأنه ~~يعاقب على تركها زيادة على عقاب كفره. # وقوله: "حبيبك" من صيغ العموم؛ لأنه مفرد مضاف، لكنه هنا من العام الذي ~~أريد به الخصوص، وذلك لأنه أريد به كل من تستحيل محبته بغضا بقرينة السياق، ~~فيخرج بذلك محبة الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، وكذا محبة الحق ~~تعالى؛ لأنه لا يخشى في تلك المحبة إذا جاوز الشخص فيها حدها ما ذكر من ~~استحالتها بغضا، بل الإفراط فيها مطلوب مشكور، وفاعله ولو تجاوز الحد ~~معذور، ففي الحديث: "اذكر الله حتى يقولوا مجنون" (¬3). PageV01P036 # ورأيت الشيخ الأكبر قدس سره ذكر: أنه رأى رجلا من أهل المحبة في مجلس، ~~فتكلما فيه رجل على المحبة، فأخذ ms13 ذلك المحب يذوب جسمه حتى عاد نطفة، فقام ~~بعض الحاضرين وأخذ تلك النطفة فوضعها في قطنة ووضع القطنة في شق الحائط (¬1)!! # قلت: ولم أر من تكلم في الحديث بما ذكرته. # واعلم أنهم فرقوا بين العام المخصوص والذي أريد به الخصوص بفروق، منها: ~~أن العام المخصوص قرينته لفظية كالشرط والاستثناء وغيرهما، والعام الذي ~~أريد به الخصوص قرينته عقلية. ومنها: أن العام المخصوص مستعمل فيما وضع له ~~فهو حقيقة، والذي أريد به الخصوص مستعمل في غير ما وضع له فهو مجاز، وذلك ~~كقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: ~~173]؛ لأن المراد بالناس الأولى رجل واحد وهو نعيم بن مسعود الأشجعي (¬2)، ~~وكقوله: (أو PageV01P037 # {يحسدون الناس} [النساء: 54]؛ لأنه أراد بهم نبينا - صلى الله عليه وسلم ~~- كما ذكره المفسرون (¬1). # وبما تقرر علم أن الحديث من الدين المفسر بالنصيحة لخاصة المؤمنين ~~وعامتهم. # وقوله في الحديث: "هونا" بفتح أوله، أي: لينا سهلا رفيقا بسكينة ووقار. # قلت: وذلك لأن المؤمن هين لين، فناسب أن يكون حبه وبغضه مثله في اللين ~~والرقة والسهولة. تقول: هان الشيء يهون، كقال يقول؛ إذا سهل ولسان. وأما ~~الهون بضم أوله فهو الذل، ومنه قوله تعالى: {أيمسكه على هون} [النحل: 59]. # وقوله في الحديث: "ما" يصح أن يراد هنا من معانيها العشرة ثلاثة معان، ~~كما استخرجت ذلك من كلام القاضي البيضاوي (¬2) ومن كتب على عبارته كشيخ ~~الإسلام، والشهاب الخفاجي، وشيخي زاده، وابن تمجيد (¬3) PageV01P038 # وغيرهم، ومن شرح الميداني لأمثاله (¬1)، ومن إعراب القرآن المبين للسمين ~~(¬2)، ومن المناوي والعلقمي والعزيزي (¬3): # المعنى الأول: أن تكون "ما" زائدة للتأكيد. # المعنى الثاني: أن تكون صفة للنكرة التي قبلها، ويكون المعنى: أي هون. ~~قال البيضاوي (¬4): ف "ما" إبهامية تزيد النكرة إبهاما، أي: خفاء. وشياعا، ~~أي: عموما. قال ابن تمجيد: ويتفرع على الإبهام # الحقارة، كقولك: أعط شيئا ما، أي: شيئا حقيرا. أو الفخامة كقولهم: PageV01P039 # لأمر ما يسود من يسود. وقولهم: لأمر ما جدع قصير أنفه. اه. # قلت: لكن المراد في الحديث هنا التحقير؛ لأن المقصود حبا قليلا. ms14 # المعنى الثالث: أن تكون "ما" نكرة، كما نقله قطب دائرة الولاية وكنز در ~~بحر الهداية والعناية، من تشرف به العالم المثالي والعالم الحسي (¬1)، سيدي ~~العارف بالله تعالى الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره في كتابه "الحاوي على ~~البيضاوي" عن الفراء وثعلب والزجاج في تفسير قوله تعالى: (سلاما) [هود: ~~69]، وأنها إذا كانت نكرة كانت بدلا مما قبلها. اه. # والتقدير: أحبب حبيبك حبا متوسطا؛ لأن المبدل منه في نية الطرح فيكون ~~المقصود الأعظم هو التوسط في الحب الذي أفادته "ما". # قلت: وقد رأيت في "مجمع البحار" المؤلف في تفسير ألفاظ صحيح البخاري، ~~تأليف العلامة شمس الدين محمد طاهر الهندي الفتني (¬2) -بفتح الفاء وتشديد ~~المثناة من فوق وكسر النون وبياء النسبة- # نسبة إلى بلدة فتن من بلاد كجرات من قطر الهند: أن "ما" في الحديث ~~للتقليل. PageV01P040 # قلت: وهو كالذي قدمناه عن ابن تمجيد أنه يتفرع من كونها للإبهام التحقير ~~والتفخيم، ويصح في آية: (مثلا ما) هذه الأوجه الثلاثة، ويزاد على ذلك وجهان ~~في قراءة من رفع (بعوضة): # الأول: كونها موصولة حذف صدر صلتها والتقدير: مثلا الذي بعوضة. # والثاني: أنها استفهام، هي المبتدأ وبعوضة خبرها ويكون الاستفهام في ~~الآية لتقرير عدم الاستحياء. # قال شيخى زاده؛ ويكون المعنى: ما البعوضة فما فوقعها حتى لا يضرب الله ~~بها المثل، بل له تعالى أن يمثل بما هو أحقر من ذلك. اه. # قلت: وذلك لعدم تفاوت الخلق كما قال تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت} [الملك: 3]، # أي: في إحكام الصنعة؛ لأن البعوضة وإن كانت حقيرة لا تفاوت بينها وبين ~~الفيل في إحكام صنعتها. أو المراد بعدم تفاوت الخلق من حيث دلالة كل من ~~الكبير والصغير والعظيم والحقير على # وجود اللطيف الخبير، وعلى انفراده بالألوهية وبالصفات الكمالية، كما قيل: ~~[من المتقارب] # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد ورحم الله من قال: [من الكامل] # ورق الغصون إذا نظرت دفاتر ... مشحونة بأدلة التوحيد # وقوله في الحديث: "أحبب" بهمزة القطع في الرواية، فيكون مما ماضيه رباعي. ~~وفي ماضيه ms15 أربع لغات ذكرها في المصباح (¬1): # هذه أولها: وهي: أحبب. PageV01P041 # ثانيها: ثلاثية، وهي: حببته أحبه من باب ضرب، والقياس أحبه بالضم لكنه ~~غير مستعمل. اه. قلت: وإنما كان القياس فيه الضم لأنه فعل مضاعف متعد، وكل ~~ما كان كذلك كان مضارعه بالضم؛ لأنه يكون من باب قتل، وذلك كقولهم: رده ~~يرده، وعده يعده، وضره يضره، وسره يسره، وهكذا .. فجاء هذا مخالفا للقياس. # اللغة الثالثة: حببته أحبه، من باب تعب. # رابعها: لغة هذلية، وهي: حاببته حبابا، من باب قاتل، فهو محبوب وحبيب ~~والأنثى حبيبة، وجمعها حبائب، وجمع المذكر أحباء. # وكان القياس أن يجمع جمع شرفاء، لكنهم كرهوا اجتماع المثلين، وقد قال ~~أعلام اللغة: كل ما كان على فعيل من الصفات، فإن كان غير مضاعف فبابه فعلاء ~~كشريف وشرفاء، وإن كان مضاعفا فبابه أفعلاء مثل حبيب وطبيب وخليل. # واختلف في حد الحب واشتقاقه وسببه وفي كونه اختياريا أو اضطراريا. # أما الحد فقال قوم: إنه لا يحد، فقد حكي أنه قيل لامرأة عذرية: ما الحب؟ ~~فقالت: والله إنه أجل من أن يرى، وخفي عن أبصار الورى، فهو كامن كمون النار ~~في الحجر؛ إن قدحته ورى وإن تركته توارى. وعلى هذا قول سلطان العشاق سيدي ~~عمر بن الفارض في بكر من أبكار # أفكاره (¬1): [من الطويل] # هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنى به وله عقل PageV01P042 # فانظر كيف أتى بهذا الضمير الجليل الذي لا يؤتى به إلا في مقام التعظيم ~~والتهويل كقول أبي العلاء المعري: [من الطويل] # هو الهجر حتى ما يلم خيال ... وبعض صدود الزائرين وصال # والضمير في قوله: (هو الحب) عائد على حاضر في الذهن كأن الذهن استحضره ~~لعظمته وتصوره لرفعته وهو مبتدأ خبره الحب، والجملة بعده استئنافية والفاء ~~في المصراع الأول واقعة في جواب شرط مقدر تقديره حيثما حكمت بأن الحب في ~~هذه المرتبة العالية العظيمة، فأسلم بنفسك قبل أن تنشب المنية فيك أظفارها ~~وترسل عليك شواظها وشرارها. # وقال قوم: بل الحب يحد، وأنه ميل القلب، وذلك الميل ناشئ إما ms16 عن رؤية ~~المحبوب أو سماع أوصافه، ويقال للثاني حب موسوي كما قال بعضهم: [من مجزوء ~~الكامل] # فعلمت أني موسوي م ... العشق إدراكا # ويعني: أهوى بجارحة السماع ولا أرى عين المسمى. # وقال آخر (¬1): [من البسيط] # .................... والأذن تعشق قبل العين أحيانا # فإذا رأى الرائي صورة أو سمع بأوصافها صورها في ذهنه فمال إليها قلبه ~~متوهما أنها اختصت بصفات كمالية لا توجد في غيرها. ولا تقع محبة بين شخصين ~~إلا بعد وجود مشاكلة ما بينهما، ولذا قال الشاعر: [من السريع] # وقائل كيف تفرقتما ... فقلت قولا فيه إنصاف PageV01P043 # لم يك من شكلي ففارقته ... والقوم أشكال وأوصاف # ومن اللطائف ما حكي أن التيمور كان يحب السيد الجرجاني لفضله، وكان يبالغ ~~في إكرامه حتى مال السيد إليه لما جبلت عليه القلوب من حب من أحسن إليها، ~~فتذكر السيد يوما في ميله إلى ذلك الرجل وصحبته له وتردده عليه فشرع يوبخ ~~نفسه قائلا: لولا مناسبة ومشاكلة فيك لهذا الرجل لما كان منك ميل إليه. ثم ~~انقطع عن التردد إلى التيمور، فاستبطأه وأرسل يستحضره فلم يحضر، فذهب ~~التيمور إليه مستخفيا، فلما رآه قال له: سألتك بالله ما الذي قطعك عني؟ ~~فأخبره السيد بواقعة الحال، # فلما أتم كلامه قال: سبحان الله كيف خفيت عليك المناسبة بيني وبينك إلى ~~هذا الوقت، أتريد مناسبة أحسن من كوني وإياك نحب أهل البيت، فعند ذلك انشرح ~~صدر السيد لهذا المقال وكأنما نشط من عقال، وعاد إلى صحبته والتردد عليه (¬1). # وقال بعض الحكماء: الحب داء وسواسي لا يعرض إلا للقلوب الفارغة. وقيل: ~~الحب عمى المحب عن إدراك عيوب المحبوب، أو عرض وسواسي يجلبه الإنسان إلى ~~نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور. # قلت: وعليه قول المجنون (¬2): [من الطويل] # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا PageV01P044 # قلت: وبما قدمته علم سببه، والمعتمد أنه اختياري ابتداء اضطراري انتهاء، ~~وذلك كاستعمال الأفيون. # وأما اشتقاقه، فقيل: من حبة القلب فمعنى أحببت زيدا أصبت به حبة قلبي كما ~~أن الشغف إصابة شغاف القلب، وهو غشاؤه الذي ms17 يحيط به، وقيل: هو من حباب ~~الماء وحببه لصفائه ورقته. وقيل: من الحب بالضم وهو إناء كبير يوضع فيه ~~الماء، وذلك لأن الحب الذي هو ميل القلب يحتوي على الرقة واللطافة كما ~~يحتوي حب الماء على ذلك الجوهر اللطيف السيال. # واعلم أن الحب يزداد حتى يبلغ الشغف، وهو أن يصل إلى شغاف القلب كما ~~قدمنا، ومنه قوله تعالى: {قد شغفها حبا} [يوسف: 30]، أي: وصل حبه إلى شغاف ~~قلبها، فإن زاد على ذلك وجاوز الحد سمي عشقا مأخوذ من شجر تسمى العشقة تعود ~~بعد نضرتها وخضرتها معفرة الأوراق ثم تذبل وتصير هشيما تذروه الرياح، شبهوا ~~العاشق بها في ذلك. # فإن زاد العشق وأفرط كان هياما وصاحبه هايم، وهو الذي لا يدري أين يتوجه، ~~وحينئذ يختل نظامه ويقل كلامه ويطير كراه من وكر جفنه وينفد دهن مصباح عقله ~~وذهنه. فإذا انقلب والحالة هذه حبيبه بغيضا زادت البليه وعظمت الرزية، ~~فلذلك قال سيد المرشدين وإمام الهادين والمهتدين صلى الله علي وسلم وعلى من ~~آل بالقرابة أو المحبة أو بهما إليه: " أحبب حبيبك هونا ما"، أي: مقتصدا في ~~المحبة لا مائلا إلى إفراط ولا تفريط، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: لا يكن PageV01P045 # حبك كلفا ولا بغضك تلفا (¬1). # قوله: كلفا -بفتح الكاف واللام- هو العشق، وقد تقدم أنه مجاوزة حد ~~المحبة؛ وأما الكلف -بكسر اللام- فهو من قام به الكلف. وقوله: ولا بغضك ~~تلفا، أي: مفضيا بك إلى تلف من أبغضته. # وقال الشاعر: [مجزوء الرجز] # حب التناهي غلط ... خير الأمور الوسط # لأن ما يخرج عن الوسط خرج عن الاعتدال، ولذلك جعل الله هذه الأمة وسطا ~~عدولا غير مائلة إلى طرف من الأطراف، كالأمم قبلها، فإن منها من مال إلى ~~طرف الإفراط، ومنها من مال إلى طرف التفريط. # قلت: وقوله: "أحبب" ليس المراد به حقيقة الأمر بالحب بل المراد به الأمر ~~بمعاملة من يحبه معاملة من لا يفرط في محبته ولا يفرط، وذلك يفهم من قرينة ~~عقلية وهي أن الحب اختياري ابتداءا ضطراري ms18 انتهاء كما تقدم، وإذا كان كذلك ~~وأحب الشخص حبيبا كيف يتأتى له أن يجعل حبه غير مفرط، وقد ثبت أنه غير داخل ~~تحت اختياره فكيف يسوغ أمره بعدم جعله مفرطا، هذا وليس الأمر في الحديث ~~للندب حتى نقول برأي من يرى التكليف بالمحال، فتعين أن يكون قوله: "أحبب" ~~من المجاز المرسل وعلاقته هنا السببية لأن الحب سبب لمعاملة المحبوب، ويكون ~~المعنى: # عامل حبيبك معاملة من لا يخرج عن حد المحبة ولا تعامله معاملة من يخرج عن ~~حدها بحيث تطلعه على عجرك وبجرك وسرائرك وضمائرك PageV01P046 # وذخائرك، فلربما استحالت صداقته عداوة ومر ما كنت تعهده فيه من الحلاوة، ~~كما قال الشاعر: [من مجزوء الكامل] # احذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مره # فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أدرى بالمضره # وقال آخر: [من الوافر] # سلمت من العدو فما دهاني ... سوى من كان معتمدي عليه # وقال آخر: [من المجتث] # لو قيل لي سل أمانا ... من حادثات الزمان # لما سألت أمانا ... إلا من الإخوان # وقال آخر: [من المجتث] # أما العدو فيبدي ... ما عنده ويكاشف # لكن توق وحاذر ... من الصديق الملاطف # وقال ابن الوردي (¬1): [من الرمل] # لا يغرنك لين من فتى ... إن للحيات لينا يعتزل # وقلت في المعنى: [من الكامل] # لا تطمئن بلين فلكم ... من لين قد فتت القاسي # وانظر إذا استغربت قولي في ... فعل الرصاص بمعدن الماس # وفي الحديث: "أخوك البكري ولا تأمنه" (¬2). قوله: " أخوك" هكذا PageV01P047 # الرواية" وكان القياس: أخاك؛ لأن المقام مقام التحذير. # قال العزيزي (¬1): وهو مبتدأ. وقوله: "البكري" نعت له، والخبر محذوف ~~تقديره يخاف منه. وقال الخطابي: هذا مثل مشهور عند العرب، وفي هذا الحديث ~~إثبات الحذر واستعمال سوء الظن إذا كان على وجه السلامة. اه. # قوله: (واستعمال سوء الظن)، اعلم أن سوء الظن بالأخ المسلم حرام؛ لقوله ~~تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12]، فما ورد من ~~الأحاديث مما ظاهره يخالف ذلك كهذا الحديث، وحديث: "الحزم سوء الظن بالناس" ~~(¬2) محمول على معاملة الأصدقاء معاملة من يساء به الظن مع حسن ms19 الظن بهم، ~~فإن ترك ذلك كان تاركا PageV01P048 # للحزم فلربما ندم على تركه حيث لا ينفعه الندم. وعلى ما تقدم يحمل، مثل ~~قول الشاعر: [من الرمل] # لا يكن ظنك إلا سيئا ... إن سوء الظن من أقوى الفطن # ما رمى الإنسان في مهلكة ... غير حسن الظن والفعل الحسن # وقوله في الحديث: "البكري" -بكسر الباء- هو أول ولد الوالدين، فهذا لا ~~تأمنه فضلا عن الأجنبي. # وفي الحديث أيضا: "أخبر تقله" (¬1)، قوله: "أخبر" بإسكان الخاء المعجمة ~~وضم الموحدة، وقوله "تقله" بتثليث اللام كما قاله العزيزي (¬2)، وهو من ~~القلى وهو البغض. قلت: والأمر فيه بمعنى الخبر كما في قوله: "إذا لم تستح ~~فاصنع ما شئت" (¬3)، أي؛ صنعت، وهنا معناه إذا اختبرت الناس قليتهم لما ~~يظهر لك من سوء بواطنهم، وحذف معمول الخبر لإرادة العموم؛ لأن حذف المعمول ~~يؤذن بالعموم، والتقدير أخبر من شئت أو أي صاحب. والهاء في قوله: "تقله" ~~هاء السكت، ويصح أن تكون ضميرا # عائدا على المعمول المقدر، أي: أخبر صاحبك تقله. PageV01P049 # وفي المعنى قول الشاعر: [من البسيط] # جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود امرئ غرضا # ويرحم الله أبا نواس حيث يقول (¬1): [من الطويل] # إذا اختبر الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # وقال آخر: [من الطويل] # وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحبا بعد صاحب # فلم ترني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلا ساءني في العواقب # وقال آخر: [من الطويل] # وقد كان حسن الظن بعض مذاهبي ... فأذهبه هذا الزمان وأهله # وقال آخر: [من مجزوء الخفيف] # جنب الناس جانبا ... وارض بالله صاحبا # قلب الناس كيف شئ ... ت تجدهم عقاربا # وقال آخر: [من المجتث] # الناس بحر عميق ... والبعد عنهم سفينه # وقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينه # وقال آخر: [من الكامل] # جربتهم فإذا المعاقر عاقر ... والآل آل والحميم حميم PageV01P050 # وقلت في المعنى: [من الوافر] # لقد جربت أصحابي فكانوا ... على التجريب من شوك القتاد # قليتهم فباتوا يسلقوني ... إذا غابوا بألسنة حداد # وقلت أيضا: [من الوافر] # إلى ذي العدل أشكو من أناس ... إذا قابلتهم ms20 كانوا مرآئي # وإن غابوا عن العينين عادوا ... مقاريضا لعرضي في الخلاء # وقوله في الحديث: "عسى أن يكون بغيضك" عسى هذه من أفعال المقاربة، وهي ~~فعل ماض جامد، وفيه ترج وطمع، وعمله عمل كان، كما قال في الخلاصة (¬1): [من الرجز] # ككان كاد وعسى لكن ندر ... غير مضارع لهذين خبر # وتكون مثل كان ناقصة وتامة، فالناقصة مثل قولك: عسى زيد أن يقوم، والتامة ~~مثل: عسى أن يقوم زيد، فجملة أن يقوم فاعل، والتقدير: # قارب قيام زيد. فإن قيل: أين يكون الفاعل جملة في اللفظ؟ فقل: مثل أن ~~المصدرية توصل بالفعل، وكما تكون عسى للترجي والطمع كذلك تكون بمعنى ~~اليقين، كما في المصباح (¬2). # وقال بعضهم: إن كاد تختص عن أخواتها يكون إثباتها يكون نفيا ونفيها ~~إثباتا، وعلى ذلك قول أبي العلاء المعري: [من الطويل] # أنحوي هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لساني جرهم وثمود؟ PageV01P051 # إذا استعملت في حالة الجحد أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود # ومما يؤيد ما ذكره ما حكي أن ذا الرمة (¬1) -وهو غيلان صاحب مية- لما ~~أنشد قوله (¬2): [من الطويل] # إذا غير الهجر المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح # اعترضه السامعون بأن كاد إثباتها نفي ونفيها إثبات، وأن الواقع في بيته ~~منفي فيكون مثبتا، ويصير المعنى: أن رسيس الهوى قد زال من حب مية، مع أن ~~مراده دعوى عدم ذهابه. وأن ذا الرمة لما سمع اعتراضهم سلم فغير قوله: لم ~~يكد بلم تجد. # وقال المحققون: إن كاد كغيرها من الأفعال نفيا وإثباتا وأن المعترض مخطئ ~~وأن تسليم ذي الرمة له خطأ والصواب بقاء البيت على ما هو عليه. ويكون ~~معناه: لم يقرب رسيس الهوى من الزوال إذا زال # حب المحبين من البعاد بل قوله أبلغ من قولكم: لم يبرح رسيس الهوى، وذلك ~~لأن مقاربة الزوال إذا انتفت، فالزوال من باب أولى. ومثله قوله تعالى: {إذا ~~أخرج يده لم يكد يراها} [النور: 40]، وهو في الآية أبلغ من لم يرها لما ~~عرفت، ولأن من لم ير قد يقارب الرؤية. ms21 # وقالوا: إن عسى لا تكون من الله تعالى إلا واجبة، ومثلها لعل PageV01P052 # لاستحالة التوقع والطمع عليه تعالى، والتحقيق: أن عسى ولعل إذا وقعتا في ~~كلامه تعالى كانتا على معناهما الأصلي وهو التوقع والطمع ويكون ذلك بالنسبة ~~إلى المخاطبين لا بالنسبة للمتكلم، كما قال تعالى لموسى وهارون عليهما ~~السلام: ({فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44)} [طه: 44]، # والمعنى أن كلا من تذكره وخشيته متوقع ومظنون لكما، والذي في علمي القديم ~~أنه لا يتذكر ولا يخشى، ولكن أرسلتكما إليه لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل. # وقوله في الحديث: "وأبغض بغيضك" بهمزة القطع لأنه رباعي، يقال: أبغض زيد ~~عمرا، قال في المصباح (¬1): قالوا: ولا يقال: بغضته بغير ألف. اه. # قلت: وتعبيره بصيغة التبري تشير إلى أن بغضه لغة. أقول: ويشهد له ما في ~~الحديث وهو قوله: "بغيضك" لأن صفة فعيل لا تصاغ إلا من ثلاثي، لكن الإنسب ~~في الحديث أن يكون رباعيا، وتكون همزته همزة قطع ليشاكل قوله فيها قوله: ~~"أحبب". ولا يخفى أن المشاكلة من أنواع البديع. # وفي الحديث أيضا من أنواع البديع الطباق بين قوله: "حبيبك" و"بغيضك" ~~و"أحبب" و"أبغض"، وفيه الاشتقاق بين "أحبب" و"حبيبك" و"أبغض" و"بغيضك"، ~~وفيه الفرائد: وهو الإتيان بلفظة لا يقوم غيرها مقامها، وهي في الحديث لفظ: ~~"ما"، وفيه الانسجام والإيجاز، وفيه الموازنة بين قوله: "أحبب حبيبك" ~~و"أبغض بغيضك"، PageV01P053 ### | CHECK آخر الرسالة # وفيه المجاز كما عرفته مما تقدم. فهذه ثمانية أنواع من البديع، وفيه غيرها. # وأما رتبة هذا الحديث فالحسن (¬1)، كما ذكره العزيزي (¬2) عن شيخه (¬3). ~~واعلم أن الحديث الحسن قسمان: حسن لغيره: وهو ما في رجاله مستور لم تحقق ~~أهليته وليس بمغفل ولا متهم وعرف متنه بأن يروى من وجه آخر، والثاني: حسن ~~لذاته: وهو ما كان راويه مشهورا بالصدق لكنه مقصر عن رجال الصحيح في الحفظ ~~وهو مرتفع عن حال من يعد تفرده منكرا. # والله أسأل أن يمن علينا بحبه وحب من من عليه بحبه، وأن يحفظنا مما يوجب ~~بغضه من الآثام، وأن يتفضل علينا ms22 وعلى أحبابنا بحسن الختام. وقد قيدت هذه ~~الشوارد بالكتابة خوفا من شرودها من الأفكار التي تبلبلت، والأهوال التي ~~تسلسلت، وكفى بعصرنا هذا عذرا لكل معتذر، وعظة لكل مدكر، نسأل الله فيه ~~المعافاة الدائمة، وحفظ الدين وحسن الخاتمة بوسيلة من كان للأنبياء خير ~~ختام، عليه من الله تعالى أفضل الصلاة والسلام (¬4). PageV01P054 ms23