######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004046 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشيخ جعفر كاشف الغطاء #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1228 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: منهج الرشاد لمن أراد السداد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004046 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4046_منهج-الرشاد-لمن-أراد-السداد-الشيخ-جعفر-كاشف-الغطاء #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: جودت القزويني #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # مقدمة المؤلف الحمد لله الذي تفرد بالأزلية والقدم، واشتق نور الوجود من ~~ظلمة العدم، وأسس قواعد الشرع على وفق المصالح والحكم، وفضل أمة محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم على سائر الأمم، وأنزل القرآن فيه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات، وحذر عن اتباع الملاذ والشهوات، وأمر بالوقوف عند ~~الشبهات، وأنذر عن متابعة الآباء والأمهات، والصلاة والسلام على من قدمه ~~على جميع أنبيائه، وفضله على كافة أصفيائه، (محمد) المختار، صلى الله عليه ~~وعلى آله، ما أظلم ليل، وأضاء نهار. # أما بعد: فقد ورد - إلى المقصر مع ربه، التائب إليه من ذنبه، الطالب من ~~الله السداد، (جعفر) أقل طلبة أهل (بغداد) - كتاب كريم، مشتمل على كلمات ~~كالدر النظيم، ممن لم يزل بالمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا زاجرا، الآمر ~~بعبادة المعبود، الشيخ عبد العزيز بن سعود (1). فلما نظرته وتدبرته وتأملته ~~وتصورته، خلوت في زاوية من الدار، وتصفحته تصفح الأنصاف والاعتبار. وقلت ~~متهما لنفسي بالميل إلى العصبية والعناد، والركون إلى ما عليه الآباء ~~والأجداد: يا نفس اعرفي قدر دنياك، واحذري شر من أغوى أباك، لقد تخليت عن ~~نعيم الدنيا بحذافيرها، وقنعت بقليلها، ولو بقرص شعيرها، وتجنبت دار العزة ~~والوقار، واخترت العزلة والخمول في هذه الديار. # فلو كنت في كبار البلدان، من ممالك بني (عثمان)، أو في بعض بلدان فارس ~~وإيران لجاءت إليك الدنيا من كل جانب ومكان، ونلت من النعيم ما لم ينله ~~إنسان، فاحذري أن تكوني مع الأعراض عن هذه النعم الفاخرة، ممن قد خسر ~~الدنيا والآخرة. # فلما شممت منها رائحة التصفية، ورأيت أن نسبة المذاهب - لولا الله عندها ~~- على التسوية، وجهتها إلى الكشف عن حقيقة الجواب عن الشبة الموردة في ذلك ~~الكتاب، # PageV00P519 # ورأيت أن أشرح في الحال رسالة على وجه الاختصار، مستمدا من فيض الواحد ~~القهار، وسميتها (منهج الرشاد لمن أراد السداد). # فاقسم عليك - بمن جعلك متبوعا بعد أن كنت تابعا، ومطاعا بعد أن كنت لغيرك ~~مطيعا سامعا، وأعزك بعدما كنت ذليلا، وكثر جمعك بعدما كان نزرا قليلا - أن ~~تنظر ms01 ما رسمته سطرا سطرا، وتمعن في تحقيق ما رقمته نظرا وفكرا، متوحشا من ~~الناس وقت النظر، متحذرا من النفس الأمارة كل الحذر، طالبا من الله كشف ~~الحقيقة، سالكا في المناظرة واضح الطريقة، فلعله يظهر أنه ليس بيننا نزاع، ~~فنحمد الله على الإتفاق والاجتماع. وقد رتبتها على مقدمة، ومقاصد، وخاتمة. # أما المقدمة، فتشتمل على ثلاثة فصول: # الفصل الأول في أن الافعال والكلمات تختلف باختلاف المقاصد والنيات فمن ~~قال: يد الله، وعين الله، وجنب الله، وأراد الجوارح على نحو ما في الأجسام، ~~أو قال: إن الله على العرش استوى، أو في جهة الفوق، وأراد الحلول والاختصاص ~~التام، أو أسند الرحمة إليه، أو الغضب، وأراد رقة القلب، أو ثوران النفس ~~على نحو ما يعرف بين الأنام، أو أسند الرزق إلى المخلوق، أو دعاه، أو ~~استغاث به على نحو ما يسنده إلى الملك العلام، كان خارجا عن مقالة أهل ~~الإسلام. # وأما من قصد بها معاني أخر، فليس عليه من بأس ولا ضرر. وليس هذا كصنيع ~~المشركين، فأن الفرق ظاهر، كما سنبينه كمال التبيين، فالمستغيث بالمنسوب ~~مستغيث بالمنسوب إليه، والمستجير بالمكان مستجير بمن سلطانه عليه. # فمن أراد الأستاجرة والاستغاثة ب‍ (زيد) فله طريقان: # أحدهما: أن يهتف باسمه. # وثانيهما: أن ينادي بصفاته، أو مكانه، أو خدمه. # وثانيهما أقرب إلى الأدب، وأرغب لطباع أرباب الرتب، فلا يكون المستغيث ~~ببيت الله، أو بصفات الله، أو برسل الله، أو المقربين عند الله، إلا ~~مستغيثا بالله، فكلما دعا PageV00P520 # مخلوقا مقربا عند الله، أو استغاث به قاصدا بحسن التعبير الاستغاثة ~~باللطيف الخبير، فليس عليه بأس في ذلك، بل هو سالك في الآداب أحسن المسالك. # وكذلك من أسند تلك الأشياء لمجرد الربط الصوري، لا على قصد التأثير ~~الحقيقي، كما يقال: (أنبت الربيع البقل)، والمنبت هو الله، و (بنى الأمير ~~القصر)، والباني ظاهرا بناه (1). # فاطلاق (السيد) و (المالك) على غير الله، (وإضافة (العبد) و (المملوك) في ~~الأحرار إلى غير الله) (2)، إن أريد بها الملكية الحقيقة، كان خروجا عن ~~الطريقة الشرعية، وإلا لم يكن ms02 في ذلك بأس بالكلية. # ولهذا ورد في الأخبار النبوية إطلاق (السيد) على غير الله. # روى أبو هريرة (3) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنا سيد ~~ولد آدم يوم القيامة (4). # وعن أبي سعيد الخدري (5) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (6). # وعن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أبو بكر ~~وعمر سيدا كهول أهل الجنة (7). # وعن فاطمة عليها السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرني أني ~~سيدة نساء العالمين، رواه الترمذي (8). # وروى أبو نعيم الحافظ، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ادعوا لي ~~سيد العرب عليا. # PageV00P521 # وفي حلية الأولياء أنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي مرحبا ~~بسيد المؤمنين (1). # وعن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للحسن: ابني هذا ~~سيد (2). # وعن عائشة (3) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سار ابنته الزهراء، ~~فقال لها: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، أو نساء المؤمنين (4). # وروي ذلك عن الصحابة أيضا، فعن جابر (5) أن عمر كان يقول: أبو بكر سيدنا، ~~واعتق سيدنا، (يعني: بلالا)، رواه البخاري (6). # وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: أتقولون هذا شيخ قريش وسيدهم (7). # وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنا سيد ولد آدم، ~~وعلي سيد العرب. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن سادات النساء أربعة: خديجة، ~~وفاطمة، وآسية، ومريم. # وعن علي عليه السلام: أنا سيد البطحاء. إلى غير ذلك مما يزيد على ~~التواتر. # فالجمع بين ذلك وبين ما روي في الكتب المعتبرة أنه جاء وفد إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فقالوا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله (8). باختلاف ~~القصد في معنى (السيد). # وكذا ما ورد من المنع من قول السيد عبدي وأمتي، فقول العبد لمولاه ربي، ~~مع وجود ذلك في كلام يوسف (9). # وكذلك الاستغاثة بغير الله، إن أريد بها ms03 الصورة، أو من باب استغاثة العبد ~~بقصد # PageV00P522 # المعبود، فلا بأس بها، وعلى ذلك قوله تعالى (فاستغاثه الذي من شيعته على ~~الذي من عدوه) (1) وكذا قوله (يستصرخه) (2). # وكذلك إطلاق الرب في بعض المعاني على غير الله كفر، مع أن الصديق يوسف ~~عليه السلام قال (اذكرني عند ربك) (3)، وكذلك طلب الرزق من غير الله على ~~وجه الحقيقة كفر، وقال الله تعالى: (وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا ~~معروفا) (4) وقوله: (يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر) (5)، ونحوه (استطعما ~~أهلها) (6). # ومن ذلك قول القائل: لولا (فلان) لكان (كذا). فأن أراد أنه الفاعل ~~المختار، دخل في أقسام الكفار. وإن أراد العلية الصورية بمجرد رابطة جزئية، ~~لم يكن عليه بأس بالكلية. # ولذلك ورد عن سيد الأنام أنه قال: لولا قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت ~~الكعبة (7). # وعن سفيان الثوري أنه قال: لولا هذه الدنيا لكان الملوك صعاليك. # وعن عمر أنه قال لعلي عليه السلام لما أشار عليه بعدم أخذ حلي الكعبة: ~~لولاك لافتضحنا. # وعن النبي أنه قال لعلي: لولا أن تقول الناس فيك ما قالت النصارى لقلت ~~فيك مقالا. # وورد في صحيح الأثر، عن الفاروق عمر أنه قال: (لولا علي لهلك عمر). ولم ~~ينكر عليه أحد من الصحابة، إلى غير ذلك. # وكذا الحلف بغير الله إن أريد به الحلف على جهة إثبات الدعوى، كان خارجا ~~عن الشريعة، وإلا لم يكن قسما على الحقيقة. # والحديث الذي فيه: (من حلف بغير الله، فقد أشرك) (8) محمول على حقيقة ~~الحلف، # PageV00P523 # وسيجئ تفصيله في المقصد الخامس. وكذلك إطلاق اليد، والرجل، والقدم، وغير ~~ذلك بالنسبة إلى الله على الحقيقة، لا يوافق الطريقة من غير تأويل، لم ~~يتوهمه سوى نزر قليل. # مع أنه روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن النار لا ~~تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها (1). وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله قدمه فيها (2). ومن ذلك نسبة الضحك ~~والعجب إلى الله تعالى، فأن إرادة الحقيقة بعيدة عن الطريقة، ms04 مع أن أبا ~~هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لقد عجب الله، أو ضحك ~~الله، عن (فلان) و (فلانة)، ونقل قصته (3). # فباختلاف المعاني اختلفت المباني، وكذلك في مسألة الأفعال، فأنها شبيهة ~~الأقوال، فأن القيام للتواضع قد ورد النهي عنه. # روى أبو أسامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه خرج متكأ على عصى، ~~فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم بعضهم لبعض، رواه أبو داود ~~(4). # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يقوم الرجل ~~من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا (5). # عن أنس أنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهيته لذلك، رواه الترمذي، ~~وقال: هذا خبر صحيح (6). # فينبغي أن ينزل المنع على قيام خاص، كأن يقوم منحنيا على نحو ما يصنع ~~الأعاجم. وفي الخبر ما يرشد إليه اختلاف الأغراض والمقاصد. # كما روي عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من سره أن ~~يتمثل له الرجال قياما، فليتبوء # PageV00P524 # مقعده من النار (1). وحديث (ولا يقوم الرجل)، ظاهره اختصاص الجالس ~~مجالسه، وربما ينزل ما دل على كراهته كذلك على نحو كراهته لملاذ الدنيا، ~~وزهده في القيام كزهده في مباحاتها. # فقد روى أبو سعيد الخدري أن سعدا جاء على حمار، فلما دنا من المسجد، قال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار: قوموا إلى سيدكم (2). # وعن عائشة قالت: كنت جالسة متربعة، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأردت القيام، كما هي عادتي عند دخوله، فمنعني (3). فأن فيه دلالة على أن ~~ذلك كان معتادا لها، ولعل هذا المنع كان لسبب خاص، أو كزهد الدنيا، وكسر ~~النفس. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما قدم جعفر مبشرا بفتح ~~خيبر، قام، فقال: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر ~~(4). # وقيام الاحتمال في هذه الأخبار لا يمنع ms05 الاستناد إليها كما لا يخفى على ~~أولي الأنظار مع ما ورد في الأخبار الكثيرة، من استحباب تعظيم المؤمن، ~~ويدخل في تعظيم شعائر الله على نحو ما ورد في التفاسير المعتبرة. # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجلس معنا في المسجد ~~يحدثنا، فإذا قام قمنا لقيامه، حتى نراه دخل بعض بيوت أزواجه. # وعن واثلة (5) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن للمسلم ~~لحقا إذا رآه أخوة تزحزح له، رواه البيهقي في شعب الايمان (6). # PageV00P525 # ولعل هذا مبني على أن التواضع تختلف أقسامه باختلاف الأزمان، وكيف كان ~~فالذي يظهر بعد التأمل التام اختلاف الأقوال والأفعال باختلاف المقاصد. ومن ~~ذلك اختلاف أحوال الزهاد، فبعض ترك المآكل والملابس الحسان، واقتصر على ~~الجشب والخشن، وبعضهم يأكل من أطيب المأكول، ويلبس من أنعم الملبوس. ~~وباعتبار اختلاف النيات دخل (العملان) في قسم العبادات. # ثم إن الأفعال المختلفة بعضها لا ينسب إلى غير الله، كايجاد الكائنات، ~~وصنع المصنوعات. وبعضها لا ينسب إلى الله، كأفعال القبائح والمنفرات، ~~وبعضها تختلف معانيها ومقاصدها، فتنسب إلى الخالق مرة، والمخلوق أخرى. وهذا ~~الحكم متمش على قول من لم يثبت فاعلا سوى الله، وعلى قول من أثبت. # والمعيار أنه متى قام احتمال إرادة وجه صحيح بني عليه، لقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: (إدرؤا الحدود بالشبهات)، (ولا تقل في الناس إلا خيرا). ~~وما دل على النهي عن سوء الظن، فكيف بالشك. # وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إدرؤا الحدود عن المسلمين ~~ما استطعتم (1). # فالناس إذن في صدور أمثال هذه الأمور عنهم على أنحاء: # بين علماء عاملين، مقاصدهم صحيحة، فلا يتعمدون بالأقوال والأفعال، إلا ~~الوجوه السليمة من القيل والقال. # وبين أعوام جهال بنوا على ما بنى عليه علماؤهم على الإجمال، وليس لهم ~~قابلية التفتيش على حقيقة الحال، فهم أيضا معذورون عند رب العزة والجلال. # وبين من بنوا على طريق الضلال، وعليهم المؤاخذة بضروب النكال. # والتحقيق أن تبدل الأحكام بتبدل الموضوعات، ليس من باب التشريع والإبداع، ms06 ~~مثلا يستحل للنساء التزين لرجالهن، فمنذ كان لبس السواد زينة استحب، فإذا ~~انعكس وصار الميل إلى الأحمر والأصفر انعكس الخطاب. وألوان اللباس تختلف ~~باختلاف الناس، ففي كل بلاد يستحب لون ونوع، فإنه قد يكون في مكان لباس ~~شهرة، وفي آخر بعكسه، وفي موضع من لباس النساء، وفي موضع بعكسه. # وكذا كانت رغبة الناس في طيب الكافور، فكرهه اليوم. # PageV00P526 # وكذلك إكرام الضيف بالمآكل، وكذا المراكب، فيختلف الحال باختلاف الأحوال. # وكذا طريق التواضع، وتعلية البناء، ولباس الزهد. # والزهد في المأكول يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والمقاصد، ~~وعلى ذلك مبنى كثير من اختلاف الأخبار. # وكذا يستحب التأهب لجهاد الكفار بأحسن السلاح، وكان أطيبها السيوف ~~والرماح، وصار الأحسن في هذه الأيام (التفك) (1) المعروف بين الأنام. # وكذا الوصول إلى بعض الأرضين لا يستحب، حتى تجعل مقبرة للمسلمين. # فاختلاف الأزمنة والأمكنة والجهات، قد يبعث على اختلاف الأحكام، لاختلاف ~~الموضوعات، وربما بني على ذلك اختلاف كثير من الأخبار، وطريقة المسلمين على ~~اختلاف الأعصار. # وفقنا الله وإياكم لسولك الجادة المستقيمة، والأخذ بالطريقة السليمة، ~~وردني الله إليك إن كنت أنت على الحق، وردك إلي إن كان الحق معي، ومع أكثر ~~الخلق. # الفصل الثاني في بيان اختلاف ظواهر الآيات والروايات وإن لكل من الحق ~~والباطل مأخذا، كما روي: إن لكل حق حقيقة، ولكل صواب نورا، فمن أراد الحق ~~اهتدي إليه، ومن أراد الباطل كان له ميدان في المجادلة عليه. # فمن خرج عن جادة الأنصاف، وسلك طريق الغي والاعتساف، ولم يرجع إلي سيرة ~~الصحابة والتابعين، أمكنه أن يستند إلى ظاهر القرآن المبين، فيما يخرج عن ~~شريعة سيد المرسلين. # فأن (الوعيدية) المنكرين للعفو، الموجبين للمؤاخذة على المعاصي، يمكنهم ~~الاستدلال بآية سورة الزلزال (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعلم مثقال ~~ذرة شرا يره) (2)، و (الوعدية) القائلين برفع المؤاخذة بالكلية، وان الله ~~لا يعاقب على معصية، لهم الاستناد # PageV00P527 # إلى قوله تعالى: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) (1)، ووعده لا خلف فيه. # والمثبتون ms07 للرؤية في الآخرة يستندون إلى قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة ~~إلى ربها ناظرة) (2)، والنافون إلى قوله تعالى: (لا تدركه الابصار وهو يدرك ~~الأبصار) (3). # والقائلون بأن الله على العرش بآية (على العرش استوى) (4)، والنافون ~~بقوله تعالى: (إن الله معنا) (5) و (إن معي ربي سيهدين) (6) (وما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) (7). # والقائلون بالتجسيم على الحقيقة يستندون إلى مثل قوله: (يد الله فوق ~~أيديهم) (8)، والنافون إلى قوله (ليس كمثله شئ) (9) ونحوها. # والقائلون بجواز المعصية على الأنبياء يستندون إلى مثل قوله تعالى: (وعصى ~~آدم ربه فغوى) (10)، والنافون بمثل قوله: (لا ينال عهدي الظالمين) (11). # والقائلون باستناد جميع الأفعال إلى الله، استندوا إلى قوله: (خالق كل ~~شئ) (12) وقوله: (كل من عند الله) (13). # والآخرون إلى قوله (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك) (14). # والقائلون بأن الكفار مخاطبون بالفروع بعموم (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) ~~(15)، والنافون # PageV00P528 # لذلك لخطاب (يا أيها الذين آمنوا) (1) إلى غير ذلك. # وكذا في الفروع الفقهية، فأن كلا من الفقهاء له مأخذ من الكتاب والسنة، ~~مغاير لمأخذ صاحبه، كما لا يخفى على المتتبع، فلمن أراد أن يبيح جميع ~~الأشياء قوله تعالى: (خلق لكم ما في الأرض) (2) ومن قصر التحريم على أربعة ~~استند إلى ما دل على تحليل جميع الأشياء ما عدا الميتة، والدم، ولحم ~~الخنزير، وما أهل به لغير الله، من جميع ما خلق الله. والحاصل أن كل من ~~أراد العناد والعصبية، فله مدرك يتشبث به من آية قرآنية، أو سنة محمدية، ~~ويكون صاحب مذهب ورأي، يباحث الفضلاء، ويناظر أساطين العلماء، ما لم يكن له ~~حاجب من تقوى الله. ولقد أجاد بعض القدماء، من فحول العلماء حيث يقول: إن ~~المسائل الشرعية عندي بمنزلة الشمع اللين، أصوره كيف شئت لولا تقوى الله. ~~ونقل أن بعض الفضلاء أخذ قطعة من قرطاس في محفل من الناس، فأورد عليهم ~~براهين على أنها قطعة ذهب، حتى أقروا بذلك. # ولكن من أراد رضا الجبار، ورجا الفوز بالجنة، وخاف عذاب النار، ينظر إلى ~~المعادلة في ms08 الدلالات، ثم ينظر المرجحات الخارجيات، وأولاها التأمل في ~~طريقة الصحابة وسيرتهم، فأنها أعظم شاهد على ما حكم به الجبار، وجرت عليه ~~سنة النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم فأن لكل ملة طريقة يرجعون ~~إليها، ويعولون عند وقوع الاشتباه عليها. # وقد يحصل العلم بما عليه الأمراء، من النظر إلى عمل أتباعهم، وأشياعهم، ~~ورعاياهم، وخدمهم، وحشمهم، لأن الأثر يدل على مؤثره، والمنتهى يدل على ~~مصدره. # وبعد العهد بيننا وبين زمان (الصدور)، ربما أخفى علينا كثيرا من الأمور، ~~فإذا حصل الاجماع والاتفاق، ارتفع النزاع والشقاق، وكذلك إذا اشتهر أمر بين ~~السلف وظهر، فلا وجه للانصراف عنه إلى ما شذ وندر. # فقد علم أن الميزان الذي لا عيب فيه، ولا نقص يعتريه، هو الرجوع إلى كلام ~~الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، لأنه موضح وكاشف لحكم سيد المرسلين. # PageV00P529 # ولما اختلفت الأخبار في بعض ما أوردناه وشرحناه، لزم الرجوع إليهم، ~~والاعتماد في تصحيح الأخبار - بعد الله - عليهم. # على أن الأخبار الدالة على جواز ما منعه المانعون أكثر موردا، وأوفر ~~عددا، وأقرب إلى ظاهر الكتاب والسنة وكلام الأصحاب. # وفقنا الله وإياكم لأدراك حقائق الأمور، والتوفيق للسعادة يوم النشور، ~~وجعلنا من المتمسكين بالعروة الوثقى، والمتشوقين إلى دار الآخرة التي هي ~~خير وأبقى، والله ولي التوفيق، وبيده أزمة التحقيق. # الفصل الثالث في بيان الميزان التي يرجع إليها إذا تشابهت الأمور وهي ما ~~عليه الصحابة والتابعون، وما أجمع عليه المسلمون. قال الله تعالى: # (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) (1) وقال: (إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) (2). # وعن ابن عمر، أنه قال: لا تجتمع أمتي - أو قال: (أمة محمد) - على ضلال. ~~ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار، رواه الترمذي (3). # وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إتبعوا السواد ~~الأعظم، فأنه من شذ شذ في النار (4). # وعن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من سره بحبوحة الجنة ~~فليلزم الجماعة، فأن الشيطان مع الفرد، وهو من الاثنين ms09 أبعد (5). # وعن أسامة بن شريك (6)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أيما رجل يفرق ~~بين أمتي فاضربوا عنقه، # PageV00P530 # رواه النسائي (1). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله أجاركم من ثلاث خلال، وعد ~~منها: # أن تجتمعوا على الضلال (2). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما اجتمعت أمتي على الخطأ (3). # وقال علي عليه السلام: في بعض خطبه: عليكم بالسواد الأعظم، وإن الشاذة ~~للذئب (4). # وعن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم. # وعن رزين، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: سألت ربي عن ~~اختلاف أصحابي، فأوحى إلي: إن أصحابك بمنزلة النجوم. بعضها أقوى من بعض، ~~ولكل نور، فمن أخذ بما هم عليه من اختلافهم، فهو عندي على هدى (5). وعن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجى، ~~ومن تخلف عنها هلك (6). # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو سلك الناس واديا، ~~وسلك الأنصار واديا أو شعبا، لسلك وادي الأنصار (7). # وعن زيد بن أرقم (8)، قال: قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا، ~~فقال: # أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ~~الثقلين: # كتاب الله فيه الهدى، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، رواه مسلم ~~(9). # وعن جابر (10)، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجه يخطب، ~~فسمعته يقول: يا أيها # PageV00P531 # الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل ~~بيتي، رواه الترمذي (1). # وقريب منه ما رواه زيد بن أرقم (2). # وعن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وآله: إقتدوا باللذين من بعدي: أبي ~~بكر، وعمر (3). # وعن جبير بن مطعم (4)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن امرأته قالت ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن لم أجدك فإلى من أرجع، فقال: إئت أبا ~~بكر (5). # وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وضع ms10 الحق على لسان عمر ~~يقول به (6). # وعن أبي داود، عن أبي ذر، قال: إن الحق وضع على لسان عمر يقول به (7). # وعن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه قال: لو كان ~~بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب (8). # وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه ~~السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى (9). # وعن عبد الله بن عمرو (10)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، رواه ~~الترمذي (11). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: اللهم أدر الحق مع علي حيث ~~ما دار، رواه الترمذي (12). # PageV00P532 # وعن عمار، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا سلك الناس طريقا، ~~وسلك علي غيره، فأسلك طريق علي عليه السلام. # وعن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كان مستنا ~~فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا أفضل ~~هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما. إلى أن قال: فاعرفوا لهم فضلهم، ~~واتبعوهم على إثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرتهم، فإنهم كانوا ~~على الهدى المستقيم، رواه رزين (1). # وعن عرباض بن سارية (2)، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ووعظ ثم قال: إنه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، ~~وإياكم ومحدثات الأمور، فأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، (رواه أحمد، ~~وغيره) (3). # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه: من خرج عن الطاعة، ~~وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية (4). # وعن الحارث الأشعري (5)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من ~~خرج عن الجماعة قدر شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. # وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن من فارق الجماعة قدر ~~شبر مات ms11 ميتة جاهلية (6). # وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن أمته تفترق ~~ثلاث وسبعين فرقة، وليس فيها ناج سوى واحدة، فسئل عنها، فقال: ما أنا عليه ~~اليوم وأصحابي (7). # إلى غير ذلك من الأخبار. # PageV00P533 # ومقتضى ذلك أنه من اللازم الرجوع إلى سيرة الصحابة وطريقتهم، وانها ~~الميزان إذا اشتكلت علينا الأمور، وتعارضت علينا الأدلة، وسيتضح أن جميع ما ~~ينكر من هذه الأفعال الموردة صادرة عن الصحابة، وطريقتهم مستمرة عليه، مع ~~أن في السنة ما يدل على جوازه. # وما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا ~~(1)، فلا ينافي ما ذكرناه، لأن فرقة الإسلام بين طوائف الكفر كنقطة في بحر. # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنتم في ~~الناس إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود (2). وعوده غريبا في أيام ~~الدجال، ونحوه يكفي في صدق الخبر. # وروى عبد الله بن مسعود (3) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، رواه مسلم (4). # وعن أبي سعيد الخدري (5) عن النبي أنه قال: لا تقوم الساعة حتى لا يقال ~~في الدنيا الله (6). # وكل ما صدر في زمان الصحابة من الأعراب بمحضر منهم ولم ينكروه، فهو موافق ~~لرضاهم، وإلا لأنكروه. ولهذا أوردنا في هذه الرسالة كثيرا مما صدر في ~~زمانهم من غيرهم. # وعلى كل حال، فلا كلام في أن الأدلة فيها عام، وفيها خاص، وفيها ناسخ، ~~وفيها منسوخ، وفيها مجمل، وفيها مبين، وفيها مطلق، وفيها مقيد، ومنها قطعي ~~الصدور ظني الدلالة، ومنها قطعي الدلالة ظني الصدور، ومنها ظنيهما، ومنها ~~قطعيهما. ومن جهة اختلاف السند: منها صحيح، وضعيف، وحسن، وموثق، وقوي إلى ~~غير ذلك. # فإذا تعارضت الأدلة، فلابد من النظر إلى المرجحات: من جهة السند، أو من ~~جهة # PageV00P534 # الدلالة، أو من جهة سبك العبارة، أو من جهة كثرة الرواية، أو من جهة شهرة ~~الفتوى، أو من جهة موافقة الأصول ومخالفتها، أو من جهة موافقة العمومات ms12 ~~ومخالفتها، أو من جهة موافقة الكتاب وعدمها، إلى غير ذلك. # فإذا فقدت المرجحات، وقامت الحيرة، فلا يبقى مدار إلا على سيرة الأصحاب، ~~وطريقتهم، والنظر إلى ما هم عليه صاغرا عن كابر، وما عليه الأول والآخر. # وما نحن عليه اليوم من طريقة القوم أكثر الروايات موصلة إليه، وطريقة ~~الأصحاب والصحابة مستمرة عليه، وقد ذكرت منها قليلا من كثير ليعلم حال ~~السلف، ويرتفع الإنكار على خلفهم. # فيا أخي فوحق من رفع السماء، وبسط الأرض على الماء، إني لما أحببتك ~~لمكارم أخلاقك، وحسن سيرتك مع الناس، وإرفاقك، أخشى عليك من سراية القدح ~~إلى المشايخ الكبار، (1) والعلماء الأبرار، الذين هم للشارع نواب، ولأبواب ~~الشرع بواب (2)، عصمنا الله وإياكم، وكفانا شر الجهل وكفاكم، والله الموفق. # وأما المقاصد فثمانية: # المقصد الأول في تحقيق ضروب الكفر وأقسامه كثيرة: # أولها: كفر الإنكار بإنكار وجود الإله، أو ابات أن غير الله هو الله، أو ~~بإنكار المعاد، أو نبوة نبينا أشرف العباد. # ثانيها: كفر الشرك بإثبات شريك للواحد القهار، أو في النبوة للنبي ~~المختار. # ثالثها: كفر الشك، بالشك في إحدى الثلاثة التي هي أصول الإسلام في غير ~~محل النظر، ولا عبرة بالأوهام (3). # PageV00P535 # رابعها: كفر الهتك لهتك حرمة الدين، بالبول على المصحف، أو في الكعبة، أو ~~سب خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم. # خامسها: كفر الجحود، بأن يجحد باللسان أصول الإسلام، ويعتقدها بالجنان، ~~قال تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) (1). # سادسها: كفر النفاق، بأن ينكر في الجنان، ويقر باللسان، كما قال تعالى: ~~(ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين) (2). # سابعها: كفر العناد، بأن يقر بلسانه، ويعتقد بجنانه، ولم يدخل نفسه في ~~ربقة العبودية، بل يتجرأ على الحضرة القدسية، كإبليس (لعنه الله). # ثامنها: كفر النعمة، بأن يستحقر نعمة الله، ويرى نفسه كأنه ليس داخلا تحت ~~منة (3) الله. # تاسعها: كفر إنكار الضروري (4). # عاشرها: إسناد الخلق إلى غير الله على قصد الحقيقة. # وليست جميع المعاصي العظام مخرجة عن الإسلام، فأن المعاصي لا تنفك على ~~الدوام، حتى في مبدأ حدوث الإسلام، ms13 ولذلك وضعت الحدود والتعزيزات، وأقيمت ~~الأحكام على ممر الأوقات. # نعم قد يطلق على كثير منها اسم (الكفر) تعظيما للذنب، وتحذيرا منه، ~~وتشبيها لمؤاخذته، لعظمها بمؤاخذة الكفر. # فهو إذن في الشرع قسمان: كفر صغير، لا يخرج عن اسم الإسلام. وكبير مخرج ~~عن اسمه بلا كلام. # ولو بنينا على أن كل ما أطلق عليه اسم الكفر يكون مكفرا، لم تنج إلا ~~شرذمة قليلة من الورى. فاطلاق اسم الكفر قد يكون استعظاما للذنب - كما مر ~~-، وقد يراد أنه ربما أنجر بالأخرة إلى ذلك. كما ورد في الحديث: إن في قلب ~~المؤمن نكتة بيضاء، فإذا عصى # PageV00P536 # الله إسود منها جانب، وهكذا إلى أن يتم سوادها، فذلك الذي طبع الله على ~~قلبه (1). # ومما يدل على أن لفظ (الكفر) يطلق على سائر المعاصي كثيرا في كلام الشارع ~~منها: ما رواه أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا دين لمن ~~لا عهد له (2). # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب ~~الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن (3). # وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن علامة النفاق ~~الكذب، وسوء الخلق، والخيانة (4). # وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن النفاق ~~عبارة عن أربع: الخيانة، والكذب، والغدر، والفجور (5). # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن المراء في القرآن ~~كفر (6). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يترك (7) حضور الجماعة ~~إلا منافق (8). # وعن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: المسلم من سلم المسلمون ~~من يده ولسانه (9). # وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الرقي ~~والتمائم من الشرك (10). # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من قال: مطرنا ~~بكوكب كذا، فهو كافر ms14 (11). # PageV00P537 # وعن زيد بن خالد (1)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه من قال: ~~مطرنا بنوء كذا، فهو كافر (2). # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أتى حائضا ~~أو امرأته في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد، رواه الدارقطني، وابن ~~ماجة، والترمذي (3). # وروى عن عمر بن لبيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الرياء الشرك ~~الأصغر (4). # وعن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الرياء الشرك الخفي ~~(5). # وعن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن يسير الرياء ~~شرك. # وعن شداد بن أوس (6)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى برياء ~~(7)، فقد أشرك، ومن صام برياء، فقد أشرك، ومن تصدق برياء، فقد أشرك. # وروي: إن تارك الصلاة كافر (8)، إلى غير ذلك. # بل قلما يسلم شئ من المعاصي من إطلاق اسم الكفر، فلا تبقى ثمة حدود ولا ~~تعزيرات، ولزم الحكم بالارتداد، وكفر العباد، ولا ينجو من الكفر إلا قليل ~~من الأحياء والأموات، ولنادت الخطباء بذلك على رؤوس الأشهاد، ولشاع ذلك في ~~أقاصي البلاد، مع أن المعهود من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين معاملة الناس على الاكتفاء بأظهار ~~الشهادتين. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~الشهادتين. # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بمخنث قد خضب ~~يديه ورجليه بالحناء، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: يتشبه بالنساء، فنفاه إلى ~~(البقيع)، فقيل: يا رسول الله ألا تقتله؟ فقال: نهيت عن قتل المصلين. # PageV00P538 # وروى عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن قتال ~~المسلمين كفر (1). # وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن نسبة المسلم إلى ~~الكفر كفر (2). # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا قال الرجل هلك ~~الناس فهو أهلكهم (3). # وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه ms15 وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ~~ويؤتوا الزكاة، فأن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله ~~(4). # وعن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى صلاتنا، ~~واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ~~(5). # إلى غير ذلك من الأخبار. # وليس غرضي أنه لا طريق للكفر سوى ذلك، ولكن يستفاد منها أنه بعد إظهار ~~الشهادتين يبنى على الإسلام ما لم يعلم شيئا ينافيه، ولا حاجة إلى التجسس، ~~بل نهى الله تعالى عنه. # وبيان الأمر على التحقيق: هو أنه قد علم أن لسان الشارع جار على نحو لسان ~~العرب، ففيه حقائق، ومجازات، واستعارات، وكنايات، وخطابات، تشتمل على ~~المبالغات، كما أن لساننا يشتمل على ذلك من غير إنكار، فأن الذنب إذا صدر ~~من شخص وأردنا استعظامه، صح لنا أن نسميه كفرا، وأن نسمي فاعله كافرا. ولا ~~يزال ذلك يقع على مرور الأزمان من أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~هذا الآن، مع أنه ليس في ذلك إنكار، بل قد يعد من أفعال الأبرار، على أن كل ~~من صدر منه ذنب ولو صغير، لم يف بجزاء نعم اللطيف الخبير. # فاطلاق الكفر لعله من باب الكفر ببعض النعم الذي هو كفر صغير. # على أن أنظار الأنبياء والأولياء ليس إلى المعاصي، حتى يكون فيها صغير ~~وكبير، بل إلى من عصاه الناس وهو اللطيف الخبير. # PageV00P539 # فإذا لاحظت أن المعصية كانت في حق الله، تجدها - ولو صغرت - أكبر من ~~الجبال الرواسي، حتى أنه بلسان الورع والتقوى دون الفقه والفتوى، ربما لا ~~يفرق بين الصغائر والكبائر. بل ربما نقل عن بعض الأولياء أنه لا فرق بين ~~المكروه والحرام، والمسنونات وفرائض الأحكام، قال: لأن الكل مطلوب للملك ~~العلام. # وإذا بني على هذا استحسن هذا الاطلاق، وحسن إطلاق اسم المعاصي والمحرمات ~~على فعل المكروهات، والفرائض والواجبات على فعل المستحبات والمندوبات، ~~وكبائر الخطيئات على صغائر التبعات، ms16 والكفر والكفار على كل من عمل ما يوجب ~~دخول النار. # ولولا ذلك للزم كفر أكثر من في الأرض، لأنه قلما خلت معصية من هذا الغرض، ~~ولو علمنا بجميع ظواهر الأخبار، لاختلت علينا أحكام ملة النبي المختار، ~~وفقنا الله وإياك، وهدانا الله إلى الحق وهداك (1). # المقصد الثاني في تحقيق معنى العبادة لا ريب أنه لا يراد بالعبادة التي ~~لا تكون إلا لله، ومن أتى بها لغير الله، فقد كفر مطلق الخضوع والخشوع ~~والانقياد، كما يظهر من كلام أهل اللغة، وإلا لزم كفر العبيد والأجراء، ~~وجميع الخدام للأمراء، بل كفر الأبناء في خضوعهم لللآباء، وجميع من تواضع ~~للإخوان، أو لأحد من أصحاب الإحسان. # وإنما الباعث على الكفران، الانقياد لبعض العباد مع إعتقاد استحقاقهم ذلك ~~بالاستقلال من دون توجه الأمر من الكريم المتعال، وأن لهم تدبيرا واختيارا. # ولفظ (العبد) و (العبادة) قد يطلق على مطلق المطيع والطاعة، فقد ورد: أن ~~العاصي عبد الشيطان، وإنه عبد الهوى. وإن الإنسان عبد الشهوات، وإن من أصغى ~~إلى ناطق فقد عبده. # ثم من اتبع قول قائل لأنه مخبر عن غير، فهو عابد للمخبر عنه، لا للمخبر. ~~ومن خدم شخصا بأمر آمر، فالمعبود هو الآمر، ومن تبرك بشئ لأمره، كان ذلك من ~~عبادة الآمر. فالملائكة في سجودهم لآدم، ويعقوب في سجوده ليوسف، والناس في ~~تقبيلهم # PageV00P540 # للحجر الأسود والأركان، لم يعبدوا سوى من أمرهم بذلك. # ثم السجود والخضوع لعروض بعض الأسباب، لا ينافي الأخلاص لرب الأرباب. # روى أبو داود والترمذي، عن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: ماتت (فلانة) - ~~بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم -، فخر ساجدا، فقيل له: تسجد في ~~هذه الساعة؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا رأيتم آية ~~فاسجدوا، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1). # فعلى هذا لو سجد من رأى ميتا أو، قبرا، أو شيئا عجيبا، ذاكرا لعظمة الله ~~- كما يصنعه بعض العارفين - لم يكن به بأس. # وعبادة الأصنام وبعض الصالحين، مع نهي الأنبياء ms17 والمرسلين الذين دلت على ~~صدقهم المعاجز (2) والبراهين، محض عناد وخلاف على رب العباد، ولو أنهم ~~أخذوا عن قول الله ورسله، لم يكن عليهم إيراد. # كما أن (السيد) لو قال لعبده: تبرك بثياب (فلان)، ونعله، وترابه، ففعل، ~~كان عابدا للمولى. وأما لو نهاه المولى، أو أخذ بمجرد الظن الذي لا يغني عن ~~الحق شيئا، أو الخرص (3)، لكان عاصيا مخالفا. # ألا ترى أن من جعل المرضعات أمهات، ليس كمن جعل المصاهرات، ومن حرم ~~الوصيلة، والسائبة، والحام (4)، ليس كمن حرم الجلالة (5) من الأنعام. # وليس تحريم الأشهر الحرام كتحريم غيرها من باقي أشهر العام، وليس صيام ~~آخر شهر رمضان كصيام أول شوال. كل ذلك للفرق بين الأمر والاختراع، والقول ~~بمجرد # PageV00P541 # الابتداع (1). # ثم (العبادة) تختلف باختلاف النيات، فمن قصد حقيقة العبادة اختراعا ~~وابتداعا، ومخالفة لأمر الله سبحانه كان كافرا، سواء قصد القرب إلى الله ~~زلفى أو لا، بل هذا في الحقيقة عين العناد والشقاق بعد نهي الأنبياء ~~والرسل. # كما قال قوم (شعيب) له: (يا شعيب أصلاتك تأمرك ان نترك ما يعبد آباؤنا أو ~~أن نفعل في أموالنا ما نشاء) (2). # وقال الصديق: (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ~~ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) (3). # وحكى الله عن قوم نوح وعاد وثمود أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، وقالوا: # (إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) (4) إلى ~~غير ذلك من الآيات الدالة على ردهم على الأنبياء، وبنائهم على الاختراع ~~والابتداع. # وفي الاحتجاج: في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أقبل ~~في مشركي العرب، فقال لهم: وأنتم فلم عبدتم الأصنام من دون الله؟ فقالوا: ~~نتقرب بها إلى الله زلفى، فقال: أو هي سامعة مطيعة عابدة لربها حتى تتقربوا ~~بها إلى الله؟ # قالوا: لا، قال: أفأنتم نحتموها بأيديكم؟ فقالوا: نعم، قال: فلئن تعبدكم ~~هي أحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العالم بمصالحكم، ~~وعواقبكم، والحكيم فيما يكلفكم (5). # فإذا كان الله ms18 قد نهى على لسان أنبيائه عن عبادة الأصنام والصالحين من ~~الأنام، على نحو عبادة الصلاة والصيام، ففعلهم بعد ذلك رد لكلام العليم ~~العلام. # وكشف الحقيقة: إن العبادة إن أريد بها مجرد الامتثال والطاعة، كانت ~~الزوجة، والأمة، والعبد، والخادم، والأجير، ونحوهم، عابدين لغير الله. # وإن أريد الامتثال والانقياد للعظيم في ذاته، المستوجب للطاعة، لا بواسطة ~~أمر غيره، # PageV00P542 # فأين ذلك من أفعال المسلمين. # فأقسم عليك بمن سلطك على طائفة من عباده، ومكنك من كثير من بلاده، أن ~~تخلي نفسك من حب الانفراد، الباعث على الامتياز بين العباد، وتحذر من ~~قولهم. (لكل جديد لذة)، و (خالف تعرف). كما أني أحذر نفسي، وأصحابي من حب ~~اتباع الآباء والأجداد، وإرادة الدخول في الجماعة، وكراهة الإنفراد. # وأما ما صدر من أهل الإسلام، فإنما هو عن أمر زعموه، فأن كان حقا أثيبوا، ~~أو كان خطأ فكذلك. # فأين حال المسلمين من حال من جعل الآلهة ثلاثة، أو اثنين، واتخذ الملائكة ~~أربابا، واتخذ بعض المخلوقين أندادا وشركاء، يعبدون من دون الله أو مع ~~الله، إما لأهليتهم، أو لترتب التقرب إلى الله زلفى من دون أمر الله لهم ~~بذلك، قال تعالى: # (ما أنزل الله بها من سلطان) (1). # وروي أن (قريشا) كانوا يعبدون الأصنام، ويقولون: ليقربونا إلى الله، ولا ~~طاقة لنا على عبادة الله. وسيجئ في بعض المقامات الآتية ما يكشف عن حقيقة ~~ذلك. # وإن أردت تمام الكلام في هذا المقام، فأنظر بعين البصيرة إلى ما نحاول في ~~هذا المقام تحريره. # إعلم أن الألفاظ اللغوية والعرفية العامة، قد تبقى على حالها من المعاني ~~القديمة، فتلك لا تحتاج إلى بيان، سواء وردت في السنة أو القرآن. # وأما إذا نقلت عن المعاني الأولية إلى غيرها، أو استعملت في المعاني ~~الثانوية على وجه المجازية، فهي من المجمل المحتاج إلى البيان، كلفظ الصلاة ~~والصيام والحج، فأنه لو لم يبينها الشرع لبقيت على إجمالها، حيث لا يراد ~~منها مطلق الدعاء والامساك والقصد، بل معنى جديد، تتوقف معرفته على بيان ~~وتحديد. # ومن هذا القبيل ما نحن فيه ms19 من لفظ العبادة والدعاء ونحوهما، فأنه لا يراد ~~بهما في لحوق الشرك بهما المعنى القديم، وإلا للزم كفر الناس من يوم آدم ~~إلى يومنا هذا. # لأن العبادة بمعنى الطاعة، والدعاء بمعنى النداء والاستغاثة للمخلوق لا ~~يخلو منها أحد. # ومن أطوع من العبد لسيده، والزوجة لزوجها، والرعية لملوكها، ولا زالوا ~~ينادونهم، # PageV00P543 # ويطلبون إعانتهم ومساعدتهم، بل الرؤساء لم يزالوا يستغيثون بجنودهم ~~وأتباعهم ويندبونهم. # فعلم أنه لا يراد بهذه المذكورات، المعاني السابقات، وتعين إرادة المعاني ~~الجديدة، فصارت بذلك من المجملات والمتشابهات، فلا يجوز الحكم بمقتضاها، ~~إلا في الموضع المعلوم دون المشكوك والموهوم. # وإنما هو خطاب الوضيع لمن شأنه رفيع، على أن يكون ملك التصرف، أو خدمته ~~الخاصة لرفعته الذاتية، وشرافته الأصيلة، من دون أمر آمر، ولا تكليف مكلف، ~~بل من مجرد الابتداع والاختراع. # وأما ما كان عن أمر آمر، فالمعبود هو الآمر، ولا فرق بين أن يقول: ضع ~~جبهتك في الصلاة على الأرض، أو على بدن إنسان، أو غير ذلك، وبين أن يقول: ~~ضعها على (قبر) كذا، أو (حجر) كذا. # وإنما كفر عبدة الأصنام، لأنهم فعلوا ما يعد عبادة من دون أمر الله، ~~ولأنهم خالفوا أنبياء الله في نهيهم عن تلك الأشياء، فكانت قصد تقربهم فيما ~~نهى الله عنه. إما بناء على أن الأصنام للجبار قاهرون، فيقربونهم قهرا، أو ~~كان استهزاء بالرسالة، وتكذيبا لهم، وكل من الكافرين أعظم من الآخر، فأن ~~المتقربين محصل كلامهم أنا نخالف أمر الله، وأمر رسوله ونعبد ما نهينا عن ~~عبادته ليقربنا إلى الله. # المقصد الثالث في الذبح لغير الله لا يشك أحد من المسلمين في أن من ذبح ~~لغير الله ذبح العبادة (كما يذبح أهل الأصنام لأصنامهم حتى يذكروا على ~~الذبائح أسماءهم، ويهلون بها لغير الله) - خارج عن ربقة المسلمين، سواء ~~اعتقدوا آلهيتهم، أو قصدوا أن يقربوهم زلفى، لأن ذلك من عبادة غير الله ~~تعالى. # وأما من ذبح عن الأنبياء أو الأوصياء، أو المؤمنين ليصل الثواب إليهم، ~~كما يقرأ القرآن ويهدى إليهم، ونصلي لهم وندعو لهم، ونفعل جميع ms20 الخيرات ~~عنهم، ففي ذلك أجر عظيم، وليس قصد أحد من الذابحين للأنبياء أو لغيرهم سوى ~~ذلك. PageV00P544 # أما العارفون منهم، فلا كلام. وأما الجهال، فهم على نحو عرفائهم. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذبح بيده، وقال: اللهم هذا ~~عني، وعن من لم يضح من أمتي. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (1). وفي سنن ~~أبي داود أن عليا كان يضحي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكبش، وكان ~~يقول: # أوصاني أن أضحي عنه دائما (2). # وعن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصاني أن اضحي ~~عنه (3). # وعن بريدة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن امرأة سألته هل تصوم عن ~~أمها بعد موتها؟ وهل تحج عنها؟ قال: نعم (4). # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: تقضي البنت نذر ~~أمها (5). # وروي أن العاص بن وائل أوصى بالعتق فسأل ابنه عمرو النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن العتق له، فأمره به. # وروي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عند الذبح: اللهم ~~تقبل من محمد، وآله، وأمته. # والحاصل لا كلام ولا بحث في أن أفعال الخير تهدي إلى الموتى، ومن أولى ~~بالهدايا من أنبياء الله وأوصيائه، فليس الذبح لهم وباسمهم، حتى يكون ~~الأهلاك لذكرهم، وإنما ذلك عمل يهدي إليهم ثوابه كسائر الأعمال، حتى أنه لو ~~ذكر اسمهم على الذبيحة، كان ذلك عند المسلمين منكرا، فهو ذبح عنهم لا لهم. # وإني - والذي نفسي بيده - منذ عرفت نفسي إلى يومي هذا، ما رأيت، ولا سمعت ~~أحدا من المسلمين ذبح أو نحر، ذاكرا لأسم نبي، أو وصي، أو عبد صالح، وإنما ~~يقصدون إهداء الثواب إليهم، فإن كان في أطرافكم قبل تسلطكم مثل ذلك، (فصاحب ~~الدار أدرى بالذي فيها). # ولا شك أن نجدا وأعرابها قبل أن تظهروا فيها أمر الصلاة والصيام، ~~وتأمروهم بالملازمة # PageV00P545 # لعبادة الملك العلام، كانوا كالأنعام أو أضل سبيلا، وقد رفع الله عنهم ~~الشقاق، وحصل بينهم الاتفاق، وفرقوا ms21 بين الحلال والحرام، وتوجهوا لأوامر ~~الملك العلام. # ويؤيد ذلك ما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~اللهم بارك لنا في شآمنا، الله بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي ~~نجدنا، فقال: # اللهم بارك لنا في شامنا، وفي يمننا، ثم قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا، ~~فأظنه قال في الثالثة: هناك موضوع الزلازل والفتن، وبها (مطلع) قرن ~~الشيطان، رواه البخاري (1). وإلحاق غير أهل (نجد) بهم من قياس الشاهد على ~~الغائب. # وكيف يخفى على فحول العلماء، وأساطين الفقهاء الذين أقاموا الجمعات ~~والجماعات، وأقاموا الأحكام، وأوضحوا الشبهات، وأمعنوا نظرهم في فهم الآيات ~~والروايات، أن الذبح لا يكون إلا لجبار السماوات؟ مع أن ذلك تلقاه عن ~~الأكابر الأصاغر، وعن الأوائل الأواخر. فلم يزل أهل الإسلام من قديم الأيام ~~يذبحون للأنبياء والأوصياء والعباد الصالحين، ويهدون الثواب إليهم طلبا ~~لمرضاة رب العالمين. # واختيارهم للأماكن الشريفة، كحرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحوه، ~~لما ورد من أن الأعمال يتضاعف أجرها لشرف الزمان والمكان، كشرف الكوفة. # روى الأصبغ بن نباتة (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام أن الخضر قال له: ~~إنك في مدينة لا يريدها جبار بسوء إلا قصمه الله. # وروي أن البركة فيها على اثني عشر ميلا من سائر جوانبها. # وإن المسلمين كافة يتبرؤون ممن يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو ~~يذبح وينحر لغير الله، أو يحلف بغير الله، على النحو الذي وقع في نظركم ~~أنهم يقصدونه ويتعمدونه، ومعاذ الله أن يكونوا كذلك. # والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لو علمت منهم ذلك، لكفرتهم، وهاجرت عنهم، ~~معتقدا وجوب ذلك علي، لكن وحق من اشتق من ظلمة العدم نور الوجود، ما وجدت ~~ذلك منهم، ولا صدر ذلك عنهم، ولا بأس عليكم فربما افترى الحاضرون لديكم ~~تقربا بذلك إليكم، فأقتصر على حدودك التي أنت فيها، فأن النفس إذا قنعت، ~~قليل من الدنيا يكفيها. # PageV00P546 # وفي المشكاة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لست أخشى عليكم ~~أن تشركوا بعدي، ms22 ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها فتهلكوا، كما هلك ~~من كان قبلكم (1). # وبعد التأمل الصادق لا نجد - عند من شاهدناه ممن يدعي وينتسب إلى ملة سيد ~~الأنام - ذبحا، ولا نحرا، ولا نذرا، ولا عتقا ولا تصدقا، ولا وقفا، ولا ~~شيئا من العبادات مما يتعلق بالماليات أو البدنيات، ولا توسلا، ولا تقربا، ~~إلا إلى جبار الأرضين والسماوات، ولو أعلم ذلك منهم قبلت كلمة الإسلام ~~الصادرة عنهم. # فمهلا يا أخي مهلا مهلا، فأن القوم ليس حالهم كما وصل إليكم، وورد عليكم، ~~فإني بهم خبير، وبأحوالهم بصير، وليس غرضي تزكيتهم، ولكن - والله - هذا ~~الذي علمته من سيرتهم، والله الموفق. # المقصد الرابع في النذر لغير الله هذا المقام من مزال الأقدام، وإنما ~~كثرت فيه الأقاويل، لخفاء الموضوع إلا على القليل، فإنه لا ينبغي الشك في ~~أن النذر لغير الله على أنه أهل لأن ينذر له، لأنه مالك الأشياء وبيده ~~زمامها من الكفر والشرك، لأن النذر من أعظم العبادات، وإن أريد أنه ينعقد ~~بذلك وإن لم يذكر اسم الله عليه فهي مسألة فقهية فرعية. واعتقاد ذلك لا عن ~~دليل تشريع حرام، لا يخرج عن ملة الإسلام. # وليس المعروف في هذه البلدان النذر لغير الله إلا على معنى انه صدقة يهدى ~~ثوابها إلى أولياء الله، فمعنى النذر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلا ~~أنه صدقة منذورة يهدى ثوابها له، وهكذا النذر لسائر الأولياء. فلا يزيد هذا ~~على من نذر لأبيه وأمه، أو حلف، أو عاهد أن يتصدق عنهم، كما روي عنه صلى ~~الله عليه وآله أنه قال للبنت التي نذرت لأمها عملا: ف بنذرك (2). # PageV00P547 # فأن كان النذر للآباء والأمهات كفرا، كان هذا كفرا، وإلا فلا. فمن حاول ~~بالنذر حصول الثواب والتقرب إلى الله زلفى من المنذور له، على أن يكون ~~الفعل له لا على أن يكون الثواب له، فهو ضال مضل. وأما من قصد خلاف ذلك، ~~فلا بأس عليه. # واختيار بعض الأمكنة للنذور طلبا لشرف المكان، حتى يتضاعف ثواب العبادة، ~~كما يختار بعض الأزمنة ms23 لبعض العبادات، لا بأس به، بل لا بأس بتخصيص بعض ~~الأمكنة المباركة، وهو مستفاد من الأخبار، كما لا يخفى على من حام حول ~~الديار. # روى ثابت بن الضحاك (1)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا سأله ~~أنه نذر أن يذبح ببوانة، قال: هل كان فيها وثن يعبد؟ قال: لا، قال: فهل كان ~~فيها عيد من أعيادهم؟ فقال: لا، فقال: ف بنذرك (2). # ثم إني أعلم والله أنك لو وضعت مناديا ينادي في بلاد الإسلام، ويعلن ~~بصوته في كل مقام، ليجد شخصا يعد من نوع الإنسان يقصد بنذره غير وجه الملك ~~الديان، لرجع إليك صفر اليدين، ولم يجد ناذرا للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، أو الصحابة، أو الحسنين عليهما السلام. # وكيف يقصدونهم بنذورهم وعباداتهم مع علمهم بمماتهم؟ وإذا دخلوا إلى مواضع ~~قبورهم قرأوا لهم القرآن، وأهدوا إليهم من صلاتهم بعض ما كان، ودعوا لهم ~~برفعة الدرجات، وزيادة الأجر عند رب السماوات، فأن كانوا معبودين ~~باعتقادهم، فكيف يهدون إليهم عبادة العبيد؟! # ليت شعري كم من الفرق بين من يعبد ليقرب إلى الله زلفى، وبين من يعبد ~~الله عنه ليقربه الله زلفى. # والله ما نذرت نذور، ولا جزرت جزور، ممن يتصف بالأيمان، ويقر بالشهادتين ~~بالقلب واللسان، إلا لوجه الملك الديان، وطلبا لرضى الواحد المنان. # فمن كانت هذه مقاصدهم، وعلى ذلك بنوا قواعدهم، كيف ينسبون إلى عبادة غير ~~الله، ويشبهون بعبدة الأصنام المثبتين شريكا للملك العلام؟! # ليت شعري لو أن الرسل جاءت بالسجود للأحجار، أو لبعض الكواكب والأشجار، # PageV00P548 # لم يكن ذلك السجود إلا عبادة للملك الجبار، لأن الطاعة لللآمر لا لمن يكن ~~له في ذلك الأظهار. # ولو أن الناظر لصور الكواكب وهيئة الأفلاك، تدبرها تفكرا في عظمة الخالق، ~~وسجد، كان عابدا لمدبرها. # ثم ليس المراد بالعبادة مجرد الخضوع والتذلل، كما هو المعنى القديم، بل ~~يراد معنى جديد، وهو التذلل الخاص، على شرط أن يكون في كمال الصفاء ~~والإخلاص. # وعلى فرض أن يصدر من بعض أعوام المسلمين، لعدم قربهم من محال العلماء ~~العاملين. ms24 فلا ينبغي معاملة الجميع بهذه المعاملات، والبناء على نسبتهم إلى ~~الشرك من دون قيام البينات. # فقف يا أخي في مواضع الشبهات، لئلا تقع في الهلكات. وإني - والله - فرح ~~مسرور بدفعك عن أبناء السبيل كل محذور، وأمرك بالصلاة والصيام، وإنفاذ ما ~~شرع النبي (صلى الله عليه) من الأحكام، إلا أني أخشى عليك أن تأخذ العالم ~~بذنب الجاهل، والمنصف بورطة المعاند المجادل. وفقنا الله لطريق الصواب، ~~والفوز برضاه في يوم الحساب، فأنه أرحم الراحمين. # المقصد الخامس في القسم بغير الله لا يرتاب مسلم في أن القسم بغير الله، ~~على وجه إرادة صاحب العظمة والكبرياء والملكوت والقدرة والجبروت، باعث على ~~الخروج عن ربقة المسلمين. # وأما إرادة مجرد التأكيد، فلا يلزم منه كفر ولا إشراك بديهة، إذ ليس مدار ~~الكفر على مجرد العبارات، ويدل على ذلك أنه قد ورد القسم بغير الله متواترا ~~في كلام الصحابة والتابعين، بل في كلام خاتم النبيين صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # ففي كتاب علي عليه السلام إلى معاوية: لعمري لأن نظرت بعقلك دون هواك، ~~لتجدني أبرأ الناس من دم (عثمان) (1). # PageV00P549 # وفي كلام له آخر: وأما تحذيرك إياي أن يحبط عملي وسابقتي في الإسلام، ~~فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذرني ذلك. # وفي كتاب معاوية: فأن كنت أبا حسن إنما تحارب عن الأمرة والخلافة، فلعمري ~~لو صحت خلافتك لكنت قريبا من أن تعذر في حرب المسلمين. # وقد وقع هذا القسم بلفظ (لعمري) في كلام الصحابة والتابعين، في نثرهم ~~وشعرهم كثيرا، بحيث يتعذر ضبطه. # وعن بعض أهل البيت أن واحدا من أصحابه حلف عنده: وحق رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وحق علي ما فعلت (كذا)، وأقره على ذلك. # وفي حديث طلحة: إن رجلا من أهل (نجد) جاء يسأل عن الإسلام، فقال: أفلح ~~الرجل - والله - إن صدق (1). # وفي شرح مصابيح الطيبي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: أفلح الرجل وأبيه - ~~والله -. # وحمل على أنها لم يرد بها حقيقة القسم، وإنما تجري على اللسان لمجرد ~~التأكيد. # وروى نصر ms25 بن مزاحم (2)، عن رجاله، عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية، وكان ذكره ~~لأهل الشام قبل وقعه (صفين) بعشرين سنة فسمعه عبد الله ابن عمر العبسي، ~~وكان أعبد أهل زمانه، فخرج ليلا وأصبح في عسكر علي عليه السلام، فحدث الناس ~~بقول عمرو، وقال شعرا: # والراقصات بركب عابدين له * إن الذي جاء من عمرو لمأثور ما في مقال رسول ~~الله في رجل * شك، ولا في مقال الرسل تحبير ومن الشعر المنقول عن علي بن ~~الحسين قوله: # (نحن وبيت الله أولى بالنبي). # وكم للصحابة والتابعين من حلف بشيبة رسول الله، وضريحه وعينيه، وتربته، ~~وليس هذا من القسم الحقيقي في شئ، إذ المراد مجرد التأكيد والتثبت دون ~~حقيقة القسم التي هي مدار القضايا والحكومات، وتدور عليها ما لزم من ~~الكفارات. # PageV00P550 # فما ورد عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله نهاكم أن ~~تحلفوا بآبائكم (1). # وفي الصحيحين: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فلا يحلف ~~إلا بالله، أو يصمت (2). # وعن عبد الرحمن بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تحلفوا ~~بالطواغي، ولا بآبائكم، رواه مسلم (3). # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا تحلفوا ~~بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، رواه أبو داود، والنسائي (4). # وعن بريدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من حلف بآبائه ~~فليسم منها (5). # فهذه الأخبار محمولة على من قصد اليمين الحقيقي المثبتة والنافية التي ~~تترتب عليها الكفارة، فأنها لا تكون إلا بالله، كما يرشد إليه ذكر ~~الطواغيت، والأنداد. # ونقل عن أحمد أن الحلف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينعقد لأنه أحد ~~ركني الشهادة، أو يحمل على الكراهة، كما في شرح (المنهاج) وفيه: الحلف ~~بالمخلوق كالنبي، والكعبة، وغيرهما مكروه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا تحلفوا إلا بالله. # والتحقيق أن الحلف غير المقصود معناه لا ms26 بأس به. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: اليمين على نية ~~المستحلف. # القسم الثاني: أن يراد به الأثبات والنفي، فأن كان مأخوذا عن دليل، لم ~~يكن فيه بأس، وترتب عليه الأثر عند الفقيه المثبت له، ولم يكن عليه شئ، وإن ~~قصد بالحلف بالمخلوق أنه ذو الكبرياء والجبروت والملك والملكوت، فهو كفر. # وربما نزل عليه ما رواه ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن ~~من حلف بغير الله فقد أشرك، رواه الترمذي (6). # PageV00P551 # وروى عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن من حلف بغير الله ~~فقد كفر. # أو ينزل هذا على المبالغة، كما ورد في كثير من فعل المعاصي وترك ~~الواجبات، وما عدا هذا القسم والذي قبله بناؤه على الكراهة، إذ لو كان ~~حراما ما صدر من الصحابة بمحظر من الناس، ولم ينكر عليهم. # مضافا إلى أنه مما توفر الدواعي على نقله، ولو كان محرما للهجت به ألسنة ~~الخطباء والوعاظ، ولم يخف على الصبيان، فضلا عن العلماء الأعيان، وليس ~~الغرض المهم سوى دفع الكفر عن الناس إذا صدر منهم مثل ذلك. # وتفصيل الحال: أن القسم والعهد بغير الله إن قصد بهما ذو العزة والجلال، ~~والعلو فوق كل عال، كما يحلف المربوب بربه، فذلك كفر وإشراك. # وإن قصد ترتب الأحكام عليه من إثبات حقوق الناس، ولزوم الكفارات، فذلك ~~تشريع وعصيان، إلا من أثبت ذلك بزعم الدليل والبرهان، وإن رأى وجوب العمل ~~بذلك لمجرد الأكرام، لأن عدم العمل ينافي الاحترام، فلا أرى فيه بأسا في ~~المقام. # وإن أريد به مجرد التأكيد من دون ترتب بشئ من الأحكام، فأولى بالدخول في ~~المباح، والخروج من الحرام. وإن وقع لغوا، وهذرا من غير قصد، فلا يعد من ~~الأيمان، ولا مدار عليه في شئ كائنا ما كان، والله الموفق. # المقصد السادس في الاستغاثة لا يخفى أن الاستغاثة بالمخلوق على أنه ~~الفاعل المختار مدخل للمستغيث في أقسام الكفار، وإنما المراد منه طلب ~~الشفاعة، وسؤال الدعاء. # وقد ms27 روى النسائي، والترمذي في حديث الأعرابي أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم علمه قول: يا محمد إني توجهت بك إلى الله، ونحوه ما في حديث ابن حنيف ~~(1). # وروى البيهقي في خبر صحيح أنه في أيام عمر رضي الله عنه جاء رجل إلى قبر ~~النبي # PageV00P552 # صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمد استسق لأمتك فسقوا (1). # وروى الطبراني، وابن المقري، وأبو الشيخ أنهم كانوا جياعا، فجاءوا إلى ~~قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله الجوع، فأشبعوا. # وروى البيهقي عن مالك الدار خازن عمر رضي الله عنه، قال: أصاب الناس قحط، ~~فذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: استسق لأمتك فقد هلكوا، ~~فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، وقال له: قل لعمر أنهم ~~سقوا. # ومن ذلك قوله تعالى: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) (2). # وعن معاذ أنه لما كان في اليمن جاءه نعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فرجع وهو يقول: يا محمداه، يا أبا القاسماه، وبقي على ذلك برهة من الزمان. ~~وفيه ظهور بالاستغاثة. # وعن أبي بكر بن محمد بن الفضل أن (بلالا) لما أخذ في النزع، قالت امرأته: # واويلاه واحزناه، فقال لها: لا تقولي واحزناه، فأني قصدت الذهاب إلى ~~محمد، وحزبه. # وروى الكازروني ندبة الزهراء عليها السلام، وروى ندبة معاذ النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وعن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبد الله بن ~~رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: وا جبلاه (3). # وما روي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما من ميت ~~يموت، فيقوم باكيه ويقول: وا جبلاه، وا سيداه إلا وكل الله به ملكين ~~يلهزانه ويقولان له: # أكان هكذا. فمبني على النهي عن العزاء والبكاء. # وفي قصة إدريس أن المطر انقطع عن قومه عشرين سنة، فجاؤوا إليه يدعو لهم. # وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ملكا غضب الله عليه، فأهبط من ~~السماء، فأتى إدريس، ms28 فاستشفع به، فدعا له، فأذن له في الصعود، فصعد. # وفي الحقيقة أن المستغيث بالمخلوق إن أراد طلب الدعاء والشفاعة من ~~المستغاث به، فلا بأس به، وإن أراد إسناد الأمور بالاستقلال إليه، ~~فالمسلمون منه براء. # على أنا بينا فيما سبق أن الاستغاثة بدار (زيد)، وصفاته، وغلمانه، وخدمه، ~~ربما # PageV00P553 # أريد بها الاستغاثة به، فيكون هذا أولى في بيان ذل المستغيث، وإنه لا يرى ~~لسانه أهلا لأن يجري عليه اسم المولى، ولهذا ترى أن طاعة الله تذكر بعدها ~~طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورضاه يذكر بعد رضى الله ورسوله، ~~وإذا انفردت أحداهما دخلت فيها الأخرى. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من أطاعني فقد ~~أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص ~~الأمير فقد عصاني (1). # وكيف يستغاث حقيقة بمن لا يدفع عن نفسه ضرا ولا شرا، ولا يملك رزقا، ولا ~~موتا، ولا حياة ولا نشورا، المبدئ من تراب، ثم نطفة مودعة في الأصلاب، ثم ~~جسم معرض للبليات، ثم بعدها يكون من الأموات. # وإنما شرفه بالعبودية والانقياد للحضرة القدسية، ولولا أمر الله ما سمع ~~له كلام، ولا رفع له مقام، وليس بيننا وبينه ربط سوى أمر الملك العلام. # فليس المراد بالاستغاثة إلا طلب الدعاء من المستغاث به، لما في الحديث ~~القدسي: # يا موسى ادعني بلسان لم تعصني فيه، يا رب وأين ذلك؟ فقال: لسان الغير. # فالمستغيث إن طلب أصالة واستقلالا من المستغاث به، كان معولا عليه في كل ~~أمر يرجع إليه، وإلا فالمستغاث به حقيقة هو الذي تنتهي إليه الأمور. # وكذلك الدعاء إن قصد أن المدعو هو الفاعل المختار الذي تنتهي إليه ~~الأشياء، فذلك كفر برب السماء، وإن أريد المجاز، فلا يدخل تحت حقيقة ~~الدعاء. # ولا ريب أن كل من قال لشخص: أعني على بناء الدار، أو قضاء الدين، أو قال: # أعطني، أو غير ذلك، بقصد الدعاء، أعني: طلب المربوب من الرب، فهو كفر ~~وإشراك. وإن قصد الطلب لا ms29 على ذلك النحو، لم يكن كفرا. # ولو كان المدار على هذه الصورة، لكفرت الخلائق من يوم آدم إلى يومنا هذا، ~~بل صدور هذه العبارات عن الأنبياء والأوصياء أبين من الشمس. # وكذلك (الاستجارة)، و (الندبة)، ونحوهما، فأن كانت على الطور المعهود، ~~كقوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) (2) (فاستغاثه الذي من ~~شيعته على # PageV00P554 # الذي من عدوه) (1) (فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض) (2) فلا محيص ~~عن القول بجوازه. فتفاوت العبارات باختلاف النيات. # فمن كان داعيا دعاء الأصنام وسائر الأرباب، أو مستغيثا كذلك، فهو كافر ~~مشرك. # وإن أراد المتعارف بين سائر الناس، فليس به بأس. # فبحق من شق سمعك وبصرك، أن تمعن في هذا المقام نظرك، وتصفي نفسك عن حب ~~الانفراد، كما يلزمنا التخلية عن حب متابعة الآباء والأجداد. # ولا فرق بين الأحياء والأموات، لأن من استغاث بالمخلوق أو استجار، على ~~أنه فاعل مختار، فقد دخل في أقسام الكفار، فالاستغاثة بعيسى أو بمريم، حيين ~~أو ميتين، تقع على القسمين. # واعتقاد أن الميت يسمع أو لا يسمع، ليس من عقائد الدين التي تجب معرفتها ~~على المسلمين، فمن اعتقدها: فأما أن يكون مصيبا مأجورا، أو مخطأ معذورا. # ومن ذلك القبيل الألفاظ التي تفيد الرجاء، والتوكل، والاعتماد، والتعويل، ~~والالتجاء، والاستغاثة بغير الله، فأن هذه العبارات لو بني على ظاهرها لم ~~يبق في الدنيا مسلم، إذ لا يخلو أحد من الاستعانة على الأعداء، والاعتماد ~~على الأصدقاء، والالتجاء إلى الأمراء، ونحو ذلك. # إلا أنه إن قصد الملتجأ إليه والمعول عليه من المخلوقين له اختيار وتدبير ~~في العالم لنفسه لا عن أمر الله، فذلك كفر بالله، وإلا فلا بأس. # ومما يناسب نقله في هذا المقام ما نقله القتيبي، قال: كنت جالسا عند قبر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاء أعرابي، فسلم على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ثم أنشأ يقول: # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء ~~لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف، وفيه الجود والكرم ثم قال: ms30 ها أنا ذا يا رسول ~~الله، فقد ظلمت نفسي، وأنا أستغفر الله وأسألك يا رسول الله أن تستغفر لي. ~~قال القتيبي: ثم نمت، فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، ~~فقال: يا قتيبي أدرك الأعرابي وبشره أنه قد غفر الله له، قال: فأدركته ~~وبشرته. # PageV00P555 # المقصد السابع في التوسل ولا ريب أنه من سنن المرسلين، وسيرة السلف ~~الصالحين، ودلت عليه الأخبار والآثار. # نقل أن آدم لما اقترف الخطيئة، قال: يا ربي أسألك بحق محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما غفرت لي، فقال: يا آدم كيف عرفت، قال: لأنك لما خلقتني نظرت ~~إلى العرش، فوجدت مكتوبا فيه: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، فرأيت ~~اسمه مقرونا مع اسمك، فعرفته أحب الخلق إليك. صححه الحاكم (1). # وعن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن شئت ~~صبرت فهو خير لك، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ، ويدعو بهذا ~~الدعاء: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني ~~توجهت بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم شفعه في) (2). # وفيه دلالة على جواز الشفاعة في الدنيا، وعلى الاستغاثة، رواه الترمذي، ~~والنسائي، وصححه البيهقي، وزاد: فقام وقد أبصر. # ونقل الطبراني عن عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في ~~حاجته، فكان لا يلتفت إليه، فشكا ذلك لابن حنيف، فقال له: إذهب وتوضأ وقل: ~~(وذكر نحو ما ذكر الضرير)، قال: فصنع ذلك، فجاء البواب، فأخذه وأدخله على ~~(عثمان)، فأمسكه على (الطنفسة) وقضى حاجته (3). # وروي أنه لما دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة بنت أسد، قال ~~اللهم إني أسألك بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي (إلى آخر الدعاء) (4). # وفي الصحيح عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أقحط الناس ~~إستسقى # PageV00P556 # بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا ms31 نتوسل إليك ~~بعم نبيك، ونستشفع إليك بشيبته، فسقوا (1). # وروى الشيخ عبد الحميد (بن أبي الحديد) عن علي عليه السلام أنه قال: كنت ~~من رسول الله كالعضد من المنكب، وكالذراع من العضد، رباني صغيرا، وواخاني ~~كبيرا، سألته مرة أن يدعو لي بالمغفرة، فقام فصلى، فلما رفع يديه سمعته ~~يقول: اللهم بحق علي عندك إغفر لعلي، فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: أو ~~أحد أكرم منك عليه، فأستشفع به إليه (2). # وفي هذين الخبرين دلالة على شفاعة الدنيا. # وفي مسند ابن حنبل أن عائشة قال لها مسروق: سألتك بصاحب هذا القبر ما ~~الذي سمعت من رسول الله (يعني: في حق الخوارج) قالت سمعته يقول: إنهم شر ~~الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة، وأقربهم عند الله وسيلة (3). # وعن الأعمش أن امرأة ضريرة بقيت ستة ليال تقسم على الله بعلي!، فعوفيت. # فما رواه جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أتاه ~~أعرابي، فقال: جهدت الأنفس، وجاع العيال، فاستسق لنا، فأنا نستشفع بك إلى ~~الله، ونستشفع بالله عليك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ويحك أنه ~~لا يستشفع بالله على أحد، شأن الله أعظم)، فليس مما نحن فيه، لأنه نهى عن ~~الاستشفاع بالله لا بأحد إلى الله. # وعن علي أنه قال لسعد بن أبي وقاص: أسألك برحم ابني هذا، وبرحم حمزة عمي ~~منك ألا تكون مع عبد الرحمن (4). # وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي أسر إلى فاطمة سرا، فبكت بكاء شديدا، ~~فسألتها، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ~~قبض سألتها وقلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحق، (الخبر) (5). # وروى أبو مخنف عن أبي الخليل، قال: لما نزل طلحة والزبير في موضع (كذا)، ~~قلت: # PageV00P557 # ناشدتكما الله وصحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن علي عليه السلام أن يهوديا جاء إلى الني صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فقام بين يديه، وجعل يحد النظر إليه، فقال: يا يهودي ما حاجتك، فقال ms32 أنت ~~أفضل أم موسى فقال له: إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه، ولكن قال الله تعالى: ~~(وأما بنعمة ربك فحدث) إن آدم لما أصابته خطيئته التي تاب منها كانت توبته ~~(اللهم إني أسألك بمحمد وآل محمد لما غفرت لي)، فغفر له (1). # وعن علي عليه السلام أنه بعد دفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام عند ~~قبره الشريف، فقال مخاطبا له: طبت حيا وطبت ميتا، انقطع عنا بموتك ما لم ~~ينقطع بموت أحد سواك من النبوة والأنباء، وأخبار السماء، (والحديث طويل) ~~إلى أن قال: بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك وهمك. # ونقل الشيخ عبد الحميد أن معاوية سأل عقيلا عن علي عليه السلام، فقال له ~~عقيل: # يا معاوية جاءته زقاق عسل من اليمن، فأخذ الحسين منها رطلا واشترى إداما ~~لخبزه، فلما جاء علي ليقسمها قال: يا (قنبر) أظن أنه قد حدث بهذا حدث قال: ~~نعم، وأخبره بقصة الحسين عليه السلام فغضب، وقال علي (بحسين) فرفع الدرة ~~عليه، وقال: بعمي (جعفر)، (وكان إذا سئل بحق جعفر سكن)، فأجابه (الحسين) ~~بما أجاب. # ونقل الشيخ عبد الحميد أن رجلا وفد من مصر، فاستعاذ بعمر. # وكيف كان فقد بان أن من توسل إلى الله (بمعظم) من: قرآن، أو نبي، أو عبد ~~صالح، أو مكان شريف، أو بغير ذلك، فلا بأس عليه، بل كان آتيا بما هو أولى ~~وأفضل. # ولا بأس بالتوسط بحق المخلوقات، فأن للمولى على عبده حق المالكية، وللعبد ~~حق المملوكية، وللخادم حق الخدمة، وللأرحام حق الرحم، وللصديق حق الصداقة، ~~وللجار حق الجوار، وللصاحب حق الصحبة، فالحق عبارة عن الرابطة بأي نحو ~~اتفقت، وعلى أي جهة كانت. # وعلى ذلك جرت عادة السلف من أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~يومنا هذا، لا ينكره أحد من المسلمين، والدعوات، والمواعظ مشتملة عليه، ~~والاجماع منعقد عليه، فلم يبق في المقام إشكال، ولا بقي محل للقيل والقال، ~~والله ولي التوفيق، وهو أرحم الراحمين. # PageV00P558 # المقصد الثامن في الشفاعة الشفاعة - في الحقيقة - قسم من ms33 الدعاء والرجاء، ~~ليس من خواص الأنبياء والأوصياء، وليس لأحد على الله قبول شفاعته، وإنما ~~ذلك من ألطافه ومننه، ولا شفاعة إلا بإذنه ورضاه، والأخبار فيها متواترة. # روى محمد بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~من سأل الله لي الوسيلة، حلت عليه الشفاعة، رواه مسلم (1). # وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من سمع الأذان ودعا بكذا، ~~حلت له شفاعتي يوم القيامة)، رواه البخاري (2). # وعن عبد الله بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما من ~~رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا يشركون بالله شيئا، إلا ~~شفعهم الله فيه، رواه مسلم (3). # وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما ~~من ميت تصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه، ~~رواه مسلم (4). # وعن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أعطيت خمسا (وعد ~~منها الشفاعة) (5). # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أول شافع وأول مشفع ~~في القيامة ولا فخر (6). # وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أول شافع وأول مشفع. ~~ونحوه عن أنس (7)، وأبي بن كعب (8). # PageV00P559 # وعن جبير بن مطعم، عن عثمان بن عفان، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: يشفع يوم القيامة ثلاثون (وعد منهم الأنبياء). # وعن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الشفاعة على مراتب ~~الناس في القابلية (1). # وعن عبد الله بن مالك عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~أتاني آت من ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت ~~الشفاعة. # وعن عبد الله بن أبي الجذعاء، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه ~~والدارمي يدخل الجنة بشفاعة رجل (2) من أمتي أكثر من بني تميم، رواه ~~الترمذي والدارمي (3). # وعن أنس قال: سألت النبي صلى الله عليه ms34 وآله وسلم أن يشفع لي يوم ~~القيامة، فقال: أنا فاعل، قلت: فأين أطلبك، قال: أولا على الصراط، قلت: فأن ~~لم ألقك؟ قال: # عند الميزان، قلت: فأن لم ألقك، قال: عند الحوض، فأني لا أخطئ هذه ~~المواضع، رواه الترمذي (4). # وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله يقول بعد ~~فراغ الشافعين من الشفاعة: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ~~ولم يبق إلا أرحم الراحمين (5). # وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يحبس المؤمنون يوم ~~القيامة، فيقولون لو استشفعنا، فيأتون (آدم)، فيعتذر بخطيئته، ثم (إبراهيم) ~~فيعتذر بثلاث كذبات كذبهن، ثم (موسى) فيعتذر بقتل النفس، ثم (عيسى)، فيقول: ~~لست هناك، فيقول الله تعالى بعد أن أسجد له: إشفع تشفع (الخبر وهو طويل) ~~(6). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ملكا غضب عليه، فأهبط من السماء، ~~فجاء إلى إدريس فقال له: إشفع لي عند ربك، فدعا له، فأذن له في الصعود. ~~وفيه دلالة على الشفاعة في الدنيا. وستجئ في باب زيارة القبور أخبار كثيرة ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من زارني كنت له شفيعا) (7). # PageV00P560 # وبيان الحال: أن (الشفاعة) إن كانت من قبيل الدعاء، فيرجع طلبها إلى ~~التماس الدعاء من الأنبياء والأولياء، فتكون عبارة عن دعاء مخصوص لنجاة ~~الغير، أو قضاء حاجته في أمور الدنيا والآخرة، فلا كلام ولا بحث في جواز ~~طلبها من كل أحد، فهي كما لو سألت إخوانك الدعاء. ويؤيد ذلك أنه لما سئل ~~إدريس عليه السلام الشفاعة دعا. # ولا فرق بين الأحياء والأموات، فأنا سنبين - إن شاء الله - تواتر الأخبار ~~في أن الأموات يسمعون وينطقون، لكن الناس لا يسمعون كلامهم. فالشفاعة بهذا ~~المعنى لا غضاضة في طلبها، إذ لسنا في ذلك بمنزلة من قالوا لا طاقة لنا ~~بعبادة الله، ونحن نعبد الأصنام، وهم يوصلوننا إلى الله. # وإن أريد بالشفاعة منصب أعطاه الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأوليائه، فيدفعون بالأذن العام عن الناس، بمعنى أن الله أذن ms35 إذنا عاما ~~لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في إنقاذ بعض أهل العذاب من العذاب يوم يقوم ~~الحساب، فبهذا المعنى تكون مخصوصة في الآخرة. # ولا ريب أن المستشفع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأولياء في دار ~~الدنيا، يريد المعنى الأول. # فليت شعري ما الذي ينكر من طلب الشفاعة، أمن جهة خطاب الموتى فلذلك لا ~~يوجب كفرا ولا إشراكا، لو كان خطأ، فكيف لو كان صوابا، أو من جهة إسناد ~~الأمر إلى غير الله سبحانه، وهذا أعجب من السابق، فأن الداعي والساعي في ~~حاجة أحد إلى مولاه لا يرتفع عن درجة العبودية، ولا سيما إذا لم يحدث شيئا ~~إلا عن إذنه. # ومن البديهية (1) أن العبيد والخدام القائمين بشرائط العبودية والخدمة مع ~~الأذن يشفعون عند مواليهم في قضاء حوائج الناس، ولا يخرجهم ذلك عن العبودية ~~والخدمة، بل هذا نوع من العبودية. # وفي أحاديث الشفاعة ما يدل على عموم الشفاعة في دفع المضار الدنيوية ~~والأخروية. # وقد نقل عن الصحابة بطرق معتبرة أن الصحابة كانوا يلجأون إلى قبر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ويندبونه في الاستسقاء ورفع الشدائد والأغراض ~~الدنيوية. # روى البيهقي بطريق صحيح عن مالك الدار خازن عمر رضي الله عنه أنه أصاب ~~الناس قحط، فذهب رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم استسق لأمتك فقد هلكوا، فأتاه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في المنام، فقال له: قل لعمر: قد سقوا (2). # PageV00P561 # وقد روي أن من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نومه فكأنما رآه في ~~يقظته، لأن الشيطان لا يتمثل به (1). # وروى البيهقي بطريق صحيح أن رجلا في أيام عمر رضي الله عنه جاء إلى قبر ~~النبي صلى الله عليه وآله سلم، فقال: يا محمد استسق لأمتك (2). # وروى الطبراني وابن المقري أنهم كانوا جياعا، فجاؤوا إلى قبر النبي، ~~فقالوا: # يا رسول الله الجوع، فاشبعوا. # والغرض أن ذلك ظاهر بين الصحابة والسلف، لا يتناكرونه أبدا، وحيث كان لا ms36 ~~يزيد على سؤال الدعاء، واتضح في البحث الآتي أن الأنبياء والأولياء أحياء، ~~لا يبقى كلام أصلا. # الخاتمة وأما الخاتمة، فتشتمل على أبواب: # الباب الأول في حياة الأموات بعد موتهم وفيه فصول: # الفصل الأول في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته وإنه يسمع ~~الكلام ويرد الجواب، كما في حياته غير أن الله حبس سمع الناس إلا قليلا من ~~الخواص، ولا بعد في ذلك بعد الإقرار بعموم قدرة الجبار، فأن من أودع تلك ~~النطفة روح الإنسان، قادر أن يودعها في أي محل كان. # ولا ينافي ذلك إطلاق اسم الموت عليه، وأن الحياة إنما هي وقت البعث، لان ~~المراد أن عود تلك الأجسام على الحال السابق والكيفية السابقة، إنما يكون ~~في ذلك الوقت، وإن # PageV00P562 # ظهور ذلك للناظرين، إنما يكون في ذلك الحين، ولابد أن تتلقى ما ورد عن ~~النبي الكريم، بأشد القبول والتسليم. # روي عن أم سلمة رضي الله عنه، قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والتراب على شيبته، فسألته، فقال: شهدت قتل الحسين عليه السلام. # وعن ابن عباس أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، وفي يده ~~قارورة، فقلت وما هذه. فقال هذا دم الحسين عليه السلام (1). # وقال المبارزي: نبينا حي بعد وفاته. # وقال شيخ الشافعي (2): نبينا حي بعد وفاته، فأنه يستبشر بطاعات أمته، ~~ويحزن من معاصيهم، وتبلغه صلاة من يصلي عليه. # وعن علي عليه السلام أن أعرابيا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقال: يا رسول الله إستغفر لي، فنودي من داخل القبر ثلاث مرات: قد ~~غفر الله لك (3). # وروى أبو داود في مسنده، عن أبي هريرة، مرفوعا عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، قال: ما من أحد يسلم علي إلا رد الله روحي حتى أرد عليه. # وذكره ابن قدامة من رواية أحمد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما ~~من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي. وذكره بعض أكابر مشايخ ~~البخاري. # وفي ms37 خبر النسائي وغيره، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إن لله ~~ملائكة سياحين في الأرض، يبلغونني من أمتي السلام. # فعلى هذا لا فرق بين السلام من قرب، أو بعد. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من صلى علي عند ~~قبري سمعته (4). # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من صلى علي ~~عند قبري، وكل الله به # PageV00P563 # ملكا يبلغني (1). # وروى ابن أوس مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أكثروا ~~علي من الصلاة يوم الجمعة، فأن صلاتكم معروضة علي، قالوا: أو كيف تعرض عليك ~~وأنت رميم؟! فقال: إن الله حرم على الأرض لحوم الأنبياء (2). وهذا يعم ~~الأنبياء (صلى الله عليهم). # وروى الحافظ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: علمي بعد مماتي ~~كعلمي في حياتي (3). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله وكل ملكا يسمعني أقوال ~~الخلائق، يقوم على قبري، فلا يصلي علي أحد إلا قال: يا محمد (فلان) بن ~~(فلان) يصلي عليك، صلوا علي حيثما كنتم، فأن صلاتكم تبلغني. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن أعمالكم تعرض علي (4). # والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وفيها دلالة على أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم يخاطب في مماته كما يخاطب في حياته، بل يظهر من بعض الروايات (5) ~~أن كلامه يسمعه بعض الخواص. # أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة، عن سعيد بن المسيب، قال: لقد كنت في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان من ~~القبر. # وأخرج ابن سعد في الطبقات، عن سعيد بن المسيب أنه كان يلازم المسجد أيام ~~الحرة، فإذا جاء الصبح سمع أذانا من القبر الشريف (6). # وأخرج زبير بن بكار (7) في أخبار المدينة، عن سعيد بن المسيب، قال: لم ~~أزل أسمع الأذان والإقامة من قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيام ~~الحرة، حتى عاد الناس. # وأخرج الدارمي ms38 في مسنده، عن مروان، عن سعيد بن عبد العزيز أنه كان لا ~~يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة تخرج من القبر (8). # PageV00P564 # الفصل الثاني في حياة سائر الشهداء والأنبياء قد سبق أن الأرض لا تأكل ~~لحومهم. # قال البيهقي في كتاب الاعتقاد (1): إن الأنبياء بعدما قبضوا ردت إليهم ~~أرواحهم، فهم أحياء كالشهداء. # وقال القرطبي في التذكرة (2): الموت ليس عدما محضا، يدل على ذلك أن ~~الشهداء أحياء، فالأنبياء أولى، وقد صح أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، ~~وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الأسراء في بيت ~~المقدس وفي السماء. # وقال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي شيخ الشافعي: إن ~~الأنبياء لا تبلى أجسادهم، ولا تأكل الأرض منهم شيئا، وقد إلتقى نبينا محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم مع إبراهيم، وموسى بن عمران. # وعن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه مر بقتلى بدر فكلمهم، ~~فقال له أصحابه: كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟! فقال: لستم اسمع منهم ~~لكنهم لا يتكلمون. # وعن قتيبة وأبي الفضل، عن ابن عباس أن الحواريين قالوا لعيسى: أحي لنا ~~يحيى بن زكريا، حتى ننظر إلى وجهه، فخرج معهم وأحياه، وإذا نصف شعر رأسه ~~أبيض، وقد كان أسودا فسألوه، فقال: لما نوديت زعمت أنها القيامة، فقال ~~عيسى: أتريد أن أسأل الله أن يردك إلى الدنيا؟ فقال: إن مرارة الموت لم ~~تخرج من حلقي بعد. # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه مر بإبراهيم يصلي، ~~وبموسى يصلي. وفي حديث المعراج أنه مر بكثير من الأنبياء يصلون. # وقال الحافظ شيخ السنة أبو بكر البيهقي في الإعتقاد: إن الأنبياء ترد ~~إليهم أرواحهم بعدما يقبضون، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد رأى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم جماعة منهم، وصلوا خلفه، وقد أخبر هو عن ذلك، ~~وخبره صدق، أن صلاتنا تعرض عليه، وان # PageV00P565 # الأرض لا تأكل من لحمه. # وعن الشيخ عفيف الدين أن الأولياء من جملة خصائصهم رؤيا الأنبياء. # وقال الشيخ تقي ms39 الدين السبكي: إن حياة الأنبياء والشهداء في القبور ~~كحياتهم في الدنيا، ويدل عليه صلاة موسى وجماعة من الأنبياء ليلة الأسراء ~~مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وروى الثقات عن أنس مرفوعا، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن ~~الأنبياء أحياء في قبورهم. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: مررت بقبر موسى بن عمران ~~فرأيته يصلي (1). # وقال الله تعالى في حق من قتلوا في سبيل الله: (أحياء عند ربهم يرزقون) ~~(2) إلى غير ذلك من الأخبار. # الفصل الثالث في حياة سائر الموتى روى ابن عباس مرفوعا عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن فيسلم عليه إلا ~~عرفه، ورد عليه السلام. # وفي رواية: ما من أحد يمر بقبر رجل يعرفه إلا عرفه ورد عليه السلام (3). # ونقل أبو عبد الله البخاري أن الشهداء وسائر المؤمنين إذا زارهم المسلم ~~وسلم عليهم، عرفوه وردوا عليه السلام. # وروى الثعلبي في تفسيره، وابن المغازلي الواسطي في المناقب: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وأصحابه لما حملهم البساط، وصلوا إلى موضع أهل ~~(الكهف)، فقال: # سلموا عليهم، فسلموا عليهم، ولم يردوا، فسلم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عليهم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله (4). # وأخرج الشيخ ابن حيارة في كتاب (الوصايا)، عن قيس، قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: من # PageV00P566 # لم يوص، لم يؤذن له في الكلام مع الموتى، قيل، يا رسول الله الموتى ~~يتكلمون، فقال: # نعم ويتزاورون. # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى جعفرا يطير في ~~الجنة. # ونقل أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي أن عيسى لما دفن مريم، قال: ~~السلام عليك يا أماه، فأجابته من جوف القبر: وعليك السلام حبيبي، وقرة ~~عيني، فقال لها: كيف وجدت طعم الموت؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما ذهبت ~~مرارة الموت من حلقي، ولا خشونته من لساني. # وروى الحاكم عن سالم بن أبي حفصة قال: توفي أخ لي، فوضعته ms40 في القبر، ~~وسويت عليه التراب، ثم وضعت أذني على لحده، فسمعت قائلا يقول له: من ربك، ~~فسمعت أخي يقول بصوت ضعيف: ربي الله، فقال له: وما دينك، فسمعت أخي يقول ~~بصوت ضعيف: ديني الإسلام، فسمعته يقول له: ومن نبيك؟ فسمعته يقول بصوت ~~ضعيف: محمد نبيي، فسمعته يقول له: نم نوم العروس، وسمعت الملك الآخر يقول ~~له أبشر بروح وريحان، ورب غير غضبان (1). # وفي الأخبار، عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما من ميت يموت، يوضع على سريره، ~~فيخطى ثلاث خطوات، إلا وينادى بنداء يسمعه ما شاء الله من الخلائق غير ~~الثقلين. # فيقول: يا إخوتاه، يا خدماه، يا حملة نعشاه، لا تغرنكم الدنيا كما غرتني، ~~ولا يلعبن بكم الزمان كما لعب بي، خلفت ما جمعت لورثتي، ولم يحملوا من ~~خطيئتي شيئا، والديان يحاسبني، وأنتم تشيعون جنازتي، ثم تدعونني في لحدي. # وزيد في آخر: ثم تسلمونني إلى منكر ونكير، وا ندامتاه وا ندامتاه، وا ~~ندامتاه (2). # وعن الفقيه الزاهد إسماعيل بن الحسن، عن عمر بن الخطاب أنه دخل المقابر، ~~فنادى يا أهل المقابر الأموال قد قسمت، والدور قد سكنت، والأزواج قد نكحت، ~~فهذا خبر ما عندنا، فأخبرونا ما عندكم، قال: فهتف به هاتف، وهو ينادي ~~ويقول: يا ابن الخطاب وجدنا ما عملنا ربحا، وما خلفنا خسرانا، والجبار ~~سألنا عن جميع ما فعلنا، ثم سكت. # وعن كعب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يمر أحد بالمقابر ~~إلا ويناديه أهل القبور: يا # PageV00P567 # غافلا لو علمت بما نحن فيه لذاب لحمك وجسمك، كما يذوب الثلج في النار ~~(1). # وعن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن ~~الموتى ينادون في كل يوم ثلاث مرات من قبورهم: يا أهل الديار عجلوا عجلوا، ~~فأنما نحن محبوسون من أجلكم، الرحيل الرحيل، لا تحبسوا إخوانكم، خربوا ما ~~بنيتم، واتركوا ما جمعتم، نورتم البيوت، وأظلمتم القبور، وبنيتم البيوت، ~~ونسيتم القبور، وعمرتم البيوت، وخربتم القبور، ووسعتم البيوت، وضيقتم ~~القبور، (وذكروا غير ذلك) (2). # وعن ms41 أبي عبد الله محمد بن عمر، يروي عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ما من يوم يمضي إلا وملك يهتف: يا أهل القبور من تغبطون ~~اليوم فيقولون: # نغبط أهل المساجد، يصلون في مساجدهم، ويصومون ويصدقون، ولا نقدر نصلي ~~ونصوم ونتصدق. # وعن محمد بن أبي عبد الله بن الفضل، عن محمد بن كعب، قال: مر عيسى على ~~قبر، فرأى فيه عذابا شديدا، فدعا الله حتى أحياه، فقال له عيسى: فلم تعذب. ~~قال: كنت جالسا في سوق (مصر)، وقد أكلت شيئا، فأخذت عودة من حزمة شوك لأخلل ~~أسناني بها، ومت منذ أربعة آلاف سنة وأنا في عذابها، ثم قال: يا روح الله ~~منذ أربعة آلاف سنة ومرارة الموت باقية في حلقي. فقال عيسى: اللهم يسر ~~علينا سكرات الموت. # وعن وهب بن منبه أن عيسى عليه السلام مر على نهر فيه ماء عذب، وحوله ~~خابية (3)، كلما يوضع فيها من ذلك الماء يصير مالحا، فقال: إلهي ما خبر هذا ~~الماء المالح؟! فأذن الله للخابية بالكلام، فقالت: إني كنت آدميا، فبقيت في ~~قبري ثلاثمائة سنة، ثم جاء لبان، فضرب ترابي لبنا، وبنيت في قصر ثلاثمائة ~~سنة، ثم خرب القصر، فبقيت ترابا مائتي سنة، ثم جاء شخص فجعلني (حبا)، ~~ووضعني سقاية على شاطئ هذا النهر من مائة سنة وكل ما يجعل في يكون مالحا، ~~لما في من مرارة نزع الروح، وأنا معذب منذ مت، لأني أخذت إبرة من جاري، وما ~~رددتها حتى مت. فما أدري أن عذابي أشد أم مرارة الموت، فقال عيسى: اللهم ~~يسر علي الموت، ونجني من عذاب القبر (الحديث). وقد ذكرنا من مضمونه محل ~~الحاجة. # وعن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن أشد الأحوال على الميت ~~حين يدخل (الغسال) داره ليغسله، فيخرج خواتم الشبان من أصابعهم، وينزع قميص ~~العروس من بدنها، ويرفع # PageV00P568 # عمائم المشايخ عن رؤوسهم. فعند ذلك يقول بصوت يسمع الخلائق غير الثقلين: ~~يا غسال بالله عليك إنزع ثيابي برفق، فأني الساعة استرحت من ms42 مخاليب ملك ~~الموت، فإذا صب عليه الماء صاح كذلك. فإذا رفع عن المغتسل، وشد مواضع قدميه ~~بالكفن، يقول: بالله عليك لا تشد رأس كفني ليرى وجهي أهلي وأولادي وعروسي ~~التي كنت أحبها، وينظر إلى وجهي أقربائي، وأحبائي وإخواني، وجيراني، ~~ورفقائي، فأن هذه آخر رؤياي. # فإذا خرج من الدار، نادى بالله عليكم يا حملة نعشي لا تعجلوا بي، حتى ~~أودع داري التي بنيتها، وزينتها ونقشتها بأنواع النقوش، وأهلي ومالي ~~وأولادي، فأن هذا خروج لا مرد بعده إلى يوم القيامة. # فإذا رفعت الجنازة، نادى يا حملة نعشي بالله عليكم لا تعجلوا بي، حتى ~~أسمع أصوات أولادي الذين يعولون خلف جنازتي، وعروسي التي تبكي علي، ووالدي ~~الذي تقوس ظهره لموتي، ووالدتي التي شدت وسطها بالمنديل لمفارقتي، وقد نشرت ~~شعرها، وضربت صدرها، وتقوس ظهرها، وابيضت عيناها لفقدي. # فإذا صلي على جنازته، ورفع من المصلى، ورجع بعض أصدقائه، يقول: يا إخوتاه ~~كنت أعلم أن الميت ينساه الأحياء، لكن لا بهذه السرعة، رجعتم قبل أن ~~تدفنوني، ونسيتموني بهذه السرعة، وجسمي بعد بين أظهركم. # فإذا وضع في لحده، ووضع عليه التراب، ينادي وأورثتاه، تركت لكم الكثير، ~~فلا تنسوني، وتصدقوا عني على فقرائكم، ولو بكسرة خبز محترق، وعلمتكم القرآن ~~والأدب، فلا تنسوني من الدعاء، فأني صرت محتاجا، كفقرائكم على أبوابكم، ~~ومحتاجا إلى دعائكم، كصاحب حاجتكم إلى ساداتكم (1). # ومما يدل على بقاء حياتهم في قبورهم، ما دل على أن الميت بعدما يسأل، ~~يفتح له باب إلى الجنة، إن كان من أهل الخير، أو إلى النار إن كان من أهل ~~الشر، وبقاء اللذة والألم ظاهر في بقاء أثر الحياة. # وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا ~~مات أحدكم، عرض عليه مقعده بالغدوة والعشي، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الميت يسأل في قبره ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأن # PageV00P569 # أجاب بالحق قيل له: نم نومة العروس، وإلا فتح له ms43 باب إلى قبره يكون معذبا ~~إلى يوم القيامة (1). # وعن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: يأتيه ملكان ~~يجلسانه، ثم ذكر أنهما يسألانه، فأن أجاب بحق، فتح له باب إلى الجنة، ~~فيأتيه من روحها وطيبها، وإلا يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها ~~وسمومها. إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالة على أنهم في قبورهم ~~يتلذذون ويتألمون، وهذا من توابع الحياة ولوازمها. # وكيف كان فقد بلغت هذه الأخبار فوق التواتر، وبعد عموم قدرة الفاعل ~~المختار، لا بعد ولا غرابة في مداليلها. # وما دل من الكتاب والسنة على أن الأحياء يكون عند النفخ في (الصور)، فقد ~~بينا أن المراد: إما الحياة على النحو المعهود من تلك الأشخاص الخاصة ~~بعينها، أو يراد أنه يوم البروز والظهور على عيون الأشهاد. # وإذا تبين بهذه الأخبار المتواترة، أنهم يسمعون ويعقلون ويعرفون من ~~يخاطبهم، صح لنا أن نخاطبهم مخاطبة الأحياء فنلتمس دعاءهم، ونقسم عليهم ~~بالأقسام في أن يكونوا شفعاء لنا في الدنيا وفي يوم القيام، لأن الشفاعة ~~أظهر فرديها أنها دعاء خاص، واختصاص الخواص بها باعتبار قبولها. # فلو قال قائل لنبي، أو وصي، أو عبد صالح: إشفع لي، أو ادع لي، أو أغثني، ~~أو أعني (أي بدعائك)، أو قال: إقض لي حاجتي، أو ارزقني مالا، وأدفع الضرر ~~عني، ونحو ذلك ولا يريد سوى التوسط بالدعاء وسؤال الله، لم يكن عليه شئ. # وقد وقع كثير من ذلك في كلام الصحابة والتابعين، بل ربما كان هذا التعبير ~~أولى، لدلالته على قرب منزلة العبد عند مولاه واحترامه، فتكون شهادة له ~~بنبوته، وقرب منزلته. # وليس على من قال للعبد المقرب، أو إلى الخادم المقرب: إقض حاجتي، (بمعنى ~~اسع لي في قضاءها عند مولاك)، بأس، بل هو أنسب في التواضع إلى المولى. # وأما من قال مثل ذلك معتقدا أن الأنبياء والأوصياء بأيديهم الأمر أصالة، ~~يفعلون ما يشاؤون، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. # PageV00P570 # وإني قد طفت بشطر من بلاد المسلمين، وخالطت كثيرا منهم منذ سنين، فلم ms44 أر ~~أحدا يعتقد أن في الوجود فاعلا مختارا سوى الفاعل المختار العزيز الجبار ~~تبارك وتعالى، وذلك مراد (العوام) في خطاباتهم، فضلا عن العلماء الأعلام، ~~إلا أنهم لا يمكنهم كشف الحال، وإن كان مقصدهم ذلك على الأجمال. نسأل الله ~~وإياكم طريق السداد والنجاة من أهوال يوم المعاد. # الباب الثاني في الزيارات وفيه فصلان: # الفصل الأول في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم روى الدارقطني ~~في السنن وغيرها، والبيهقي، وغيرهما من طريق موسى بن هلال العبدي، عن عبد ~~الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: من زار قبري وجبت له شفاعتي. # وعن نافع، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعا، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: من جاءني زائرا ليس له حاجة إلا زيارتي، كان حقا علي أن أكون له ~~شفيعا يوم القيامة. # وعن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~من حج وزار قبري بعد وفاتي، كان كمن زارني في حياتي. # وروي عن عائشة أيضا، وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، قال: من زارني كنت ~~له شهيدا أو شفيعا. # وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: من حج فلم ~~يزرني، فقد جفاني (1). # وعن أبي هريرة مرفوعا، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: من زارني ~~بعد موتي، فكأنما زارني حيا (2). # PageV00P571 # وعن أنس مرفوعا، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال من زارني في ~~المدينة، كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة (1). # وعن أنس مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من زارني ميتا كمن ~~زارني حيا، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة. # وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من زارني في مماتي، ~~كان كمن زارني في حياتي، ومن لم يزرني فقد جفاني. # وعن علي عليه السلام مرفوعا، عن النبي صلى الله عليه وآله ms45 وسلم: من زار ~~قبري بعد مماتي، فكأنما زارني في حياتي، ومن لم يزرني فقد جفاني. # وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: من حج وقصدني في ~~مسجدي، كانت له حجتان مبرورتان. # وروى ابن عساكر، عن علي عليه السلام، قال من زار قبر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان في جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن بكر بن عبد الله مرفوعا، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: من ~~أتى المدينة زائرا لي، وجبت له الجنة. # وعن كعب الأحبار أن عمر لما فتح بيت المقدس، قال لي: هل لك أن تسير معي ~~إلى المدينة نزور قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذهبت معه، فلما دخل ~~بدأ بالمسجد، وسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وفي الموطأ عن ابن عمر كان يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فيسلم عليه، وعلى أبي بكر، وعمر. # وسئل نافع هل كان ابن عمر يسلم على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟! # فقال: رأيته مائة مرة أو أكثر يسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وعلى أبي بكر، وعمر. # وعن ابن عمر: أن سنة السلام من قبل القبلة. # ونقل الدارقطني، عن علي عليه السلام أنه دخل المسجد فسلم على القبر. وروي ~~عن آل الخطاب، وعن بعض الحفاظ زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # PageV00P572 # وكيف كان، فالروايات في استحباب زيارته وشفاعته لزواره، داخلة في قسم ~~المتواتر، وعمل الصحابة، والتابعين، وأهل البيت أجمعين على ذلك. # قال عياض: زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة، أجمع عليها ~~المسلمون. وروى غيره إجماع المسلمين قولا وفعلا على استحباب زيارته، وصريح ~~بعضها (1) أن شد الرحال إليها لا مانع منه. # وفيما دل على استحباب التعظيم، وان حرمة الأموات كحرمة الأحياء، كفاية. # الفصل الثاني في زيارة باقي القبور قد مر في الأخبار الماضية زيارة ~~الصحابة قبري الشيخين. # وروى بريدة عن النبي صلى الله عليه ms46 وآله وسلم: إني نهيتكم عن زيارة ~~القبور فزوروها (2). # ولعل السر - والله أعلم - أنه في مبدأ الإسلام كانت زيارة القبور وتذكار ~~الموتى والقتلى، باعثا على الجبن عن الجهاد، حتى إذا قوي الإسلام أمرهم ~~بها. ونحو ذلك في خبر آخر. # وعن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زار قبر أمه، ولم ~~يستغفر لها، قال: أمرت بالزيارة، ونهيت عن الاستغفار، فزوروا القبور، فأنها ~~تذكر الموت (3). # وعن بريدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج إلى المقابر، ~~قال: # (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين)، رواه مسلم (4). # وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج إلى البقيع آخر ~~الليل، فيقول: السلام عليكم (الخبر)، رواه مسلم (5). # PageV00P573 # وكيف كان فالأخبار متظافرة على زيارة القبور، ولا حاجة لنقل جميعها، ~~وفيما ورد من أن حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا دلالة على ذلك، وزيارة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، والصحابة لقبور الشهداء أوضح من الشمس في رابعة ~~النهار. # الباب الثالث في التبرك بالقبور ونحوها اختلف العلماء من أهل السنة ~~والجماعة في جواز التبرك بالقبور، فمنهم: من أجازه على كراهة. # قال النووي: لا يجوز أن يطاف بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويكره ~~إلصاق البطن والظهر به. قال: ويكره مسه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد ~~عنه، كما لو حضر في حياته. # وكلامه ظاهر في أن المس أبعد من التعظيم، وشبهة العبودية. # وذكر ابن عساكر في (تحفه)، عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. # ويظهر من بعضهم ندبه واستحبابه. # نقل عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب العلل والسؤالات، قال: سألت أبي عن ~~الرجل يمس منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يتبرك بمسه وتقبيله، ~~ويفعل بالقبر ذلك رجاء ثواب الله تعالى، فقال: لا بأس به. # وعن إسماعيل أن ابن المنكدر (1) يصيبه الصمات، فكان يقوم ويضع خده على ~~قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعوتب في ذلك، فقال: يستشفى ms47 بقبر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم. والاستشفاء أعظم من التبرك. # ونقل عن ابن أبي الضيف، والمحب الطبري، جواز تقبيل قبور الصالحين، وظاهره ~~الندب. # وفي رواية عن ابن حنبل أني لا أعرف التمسح بالقبر، أما المنبر فنعم، لما ~~روي أن ابن عمر كان يفعله. # ونقل عن مالك التبرك بالمنبر. # PageV00P574 # وروي عن يحيى بن سعيد شيخ مالك أنه حينما أراد الخروج إلى العراق، جاء ~~إلى المنبر، وتمسح به. # وقال السبكي: منع التمسح بالقبر ليس مما قام الاجماع عليه. وأستدل بما ~~رواه يحيى بن الحسن، عن عمر بن خالد، عن أبي نباته، عن كثير بن يزيد، عن ~~المطلب بن عبد الله، قال: أقبل مروان بن الحكم، فإذا رجل ملتزم القبر، فأخذ ~~مروان برقبته وقال: # ما تصنع؟! فقال: إني لم آت الحجر ولا اللبن، إنما جئت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وذكر رواية أحمد، قال: وكان الرجل أبا أيوب الأنصاري. # ونقل هذه الرواية أحمد، وزاد فيها: أنه قال: سمعت رسول الله يقول: لا ~~تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن إبكوا عليه إذا وليه غير أهله. # وعن أبي الدرداء أن بلالا رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، ~~فقال له: ما هذه الجفوة يا بلال، أما لك أن تزورني؟! فانتبه حزينا خائفا، ~~فركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل ~~يبكي عنده، ويمرغ وجهه عليه، إلى أن ذكر حضور الحسنين وبكاء أهل المدينة، ~~وأذان بلال، قال: فما رئي أكثر باكيا ولا باكية بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من ذلك اليوم. # وذكر ابن حملة أن (بلالا) وضع خديه على القبر، وأن ابن عمر كان يضع يده ~~اليمنى عليه. # ونقل عن مالك، والزعفراني تحريمه، وهو الظاهر من كلام أنس بن مالك، حيث ~~قال: # ما كنا نعرفه. # وكيف كان كيف يدعى المس والتبرك عبادة مع أنه أبعد من التعظيم، وقضية ~~الذم على عبادة يعوق ويغوث ونسر، ليس من جهة التبرك، كما نص عليه المفسرون ms48 ~~(1)، حيث قالوا: تبركت الآباء فانتهى الأمر إلى عبادة الأبناء، فوقع الذم ~~على الأبناء. # وتحقيق الحال: أن التقبيل على أنحاء: # منها: تقبيل المحبة، لأن من أحب شخصا أحب مكانه، وثيابه، وداره، ومزاره، ~~فلا يكون تقبيل الأعتاب، والجدران، والأبواب إلا كتقبيل بعض ثياب الأحباب، ~~فهو من قبيل قوله: # PageV00P575 # أمر على الديار ديار (ليلى) * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار ~~شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن تقبيل اليد، فنهى عن ذلك، إلا في تقبيل يد الزوجة للشهوة، ويد ~~الولد للمحبة. # وعن علي عليه السلام انه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بعد فتح خيبر: لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن ~~مريم، لقلت اليوم فيك مقالا، لا تمر على ملأ من المسلمين إلا أخذوا من تراب ~~رجليك، وفضل طهورك يستشفون به، ولكن حسبك أنك مني وأنا منك (1). # وروي عن علي عليه السلام أنه قال: قدم علينا أعرابي بعد دفن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على القبر، وحثا من ترابه على ~~رأسه. # وعلى كل حال فالذي يظهر بعد تحقيق النظر أن التقبيل للمحبة من قبيل تقبيل ~~الوالد لولده (2)، والأرحام بعضهم لبعض فلو قبل بعضهم جدران بعض، أو ثياب ~~بعض، أو مكان بعض، حبا وإرادة، لا تعظيما ولا عبادة، فليس فيه بأس. # وأما قصد التعظيم والأكرام، فليس فيه خروج عن ملة الإسلام، قصارى ما هناك ~~أنه عده بعض العلماء من الآثام، فليس على الفاعل عن دليل في الرد عليه من ~~سبيل. وأما من فعل مشرعا فهو عاص لربه، حتى يتوب عن ذنبه. # ولقد نقل عن بعض أمراء دار السلام بغداد أنه وشى بعض الوشاة على جماعة ~~أنهم يقبلون أعتاب الأولياء، فقال: سبحان الله في كل يوم تقبلون جلد الميتة ~~(يعني الفروة التي هو لا بسها)، ولا تقبلون أعتاب أبواب الأولياء. # وعلى أي تقدير، فالغرض إنما هو نفي (التكفير). ونسبة ms49 فعل هؤلاء إلى فعل ~~عبدة الأصنام خروج عن الأنصاف في هذا المقام، لأن الذاهبين إلى الجواز منا ~~إنما أخذوا عن الدليل، لا لمجرد الاختراع والابتداع، فأن اشتبهوا عذروا ~~وأجروا. # فمن قبل الحجر الأسود، والركن اليماني، أو باقي الأركان، أو مسها، أو لزم ~~المستجار، فقد تبرك بتلك الأحجار، لأنها بأمر من العزيز الجبار، ولو أخطأ ~~الأمر، كان # PageV00P576 # مثابا. # ومن طاف بين (المروتين)، عملا بالكتاب وسنة سيد الثقلين، لم يكن عليه ~~مؤاخذة في البين. # وطوائف المسلمين بأجمعهم لا يتبرك منهم أحد بقبر أو غيره، إلا أنه بزعم ~~أنه مأمور من الله، ومن تبرك قاصدا للعبادة، فهو خارج عن ربقة المسلمين. # ومن البين المعلوم أنه لو أمر (المولى) عبده بالتبرك بثياب عبده المقرب، ~~أو مكانه، أو قبره، فأمتثل، كان مطيعا لمولاه، لا للعبد الذي قربه وأدناه. # فأقسمت عليك بمن جمع بيننا في كلمة الإسلام، وألف بين قلوبنا في هذه ~~الأيام، أن تنفرد عن الأصحاب إذا ورد عليك (الكتاب)، وترى نفسك كأنك الآن ~~خلقت من تراب، وتبذل الجهد في تمييز الخطأ من الصواب، فأنه - والله (1) - ~~لا حاجة بنا إلا إليه، ولا إعتماد لنا إلا عليه. # وليس لنا مع الأنبياء والأولياء قرابة نسب، ولا لهم علينا ما نخاف منه ~~الطلب، وإنما عظمناهم لأمر الله، وأخذنا بأقوالهم عملا بقول رسول الله، وما ~~أبرء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. # وكشف الحال على وجه يدفع ما قيل أو يقال: إن التواضع والتبرك والأكرام ~~والاحترام لما هو معظم عند الملك العلام من تعظيم الله، كما أن قرآنه ~~وبيته، ومساجده لانتسابها إليه، احترام له تبارك وتعالى. فمن عظم عيسى ~~ومريم وعزير لعبوديتهم، وقرب منزلتهم، فهو معظم لله. # كما أن من عظم بيت السلطان وعبيده وغلمانه وأتباعه من حيث التبعية، يكون ~~معظما للسلطان. وأما من (وجدها) قابلة للتعظيم، وأهلا له من حيث ذاتها لا ~~لأجل العبودية والتابعية، وإن كان غرضه التقريب زلفى، إنما يكون معظما لها، ~~لا للسلطان. # وإني منذ ثلاثين حجة أنظر في حال طوائف المسلمين، ms50 محقيهم ومبطليهم، فلم ~~أجد أحدا يعظم كتابا، أو نبيا، أو مكانا، أو عبدا صالحا من غير قصد قربة من ~~الله، أو انتسابه إليه، فقد ظهر أن هذا كله من باب طاعة الله وتعظيمه. # وأما عبدة الأصنام والعباد الصالحين، فأنما أرادوا عبادتهم حق العبادة، ~~كأن يصلوا # PageV00P577 # لهم، ويصوموا ويكون ذلك لاستحقاقهم بربوبيتهم في أنفسهم، أو للتقريب ~~زلفى، فهي عبادة حقيقية على الوجهين. # وعلى كل من الاحتمالين على أني ذكرت مكررا أنهم عاندوا الرسل، وكذبوهم، ~~واستهزؤا بهم، وقالوا أيضا: لا طاقة لنا بعبادة الله، وإنما نعبد الأصنام ~~لأن عبادتهم مقدورة لنا، وهم يقربونا إلى الله زلفى، ولقد نقلت رواية ~~مشتملة على ذلك المعنى في مقام آخر. فالفرق بين الأمرين أوضح مما يرى رأي ~~العين. # فبحق من شق لك السمع والبصر، وسلطك على طوائف من الأعراب والحضر، أن توجه ~~ذهنك الوقاد، وفكرك النقاد، صافيا عن ملاحظة العصبية والعناد، وتجعل ~~مناظرتنا كأنها حين حلولنا في المقابر، وانصرفنا عن مرارة الدنيا، طالبين ~~للنعيم الفاخر، وحضورنا يوم فصل القضاء بين يدي جبار الأرض والسماء، وكأن ~~الملائكة بيننا شهود، وقد حضرنا في اليوم الموعود، وقد فارقنا الأموال ~~والأولاد، وانقطعنا إلى رب العباد. # اللهم إجمع بيننا بالحق، واعصمنا عن الميل إلى رضا الخلق. # الباب الرابع في بناء قبو الأنبياء والأولياء وتعميرها وتعلية بنائها ~~وتشييد أركانها لا يخفى على من أمعن النظر، وتتبع الآثار والسير، أن ~~الأزمنة مختلفة الأحوال بالنسبة إلى جميع الأقوال والأفعال، فرب شئ كان في ~~قديم الزمان في أعلى مراتب الاستحسان، فانعكس وصار أدنى ما يكون أو كان. # وحيث أن الشارع حكيم، وبالعباد رحيم، يراعي أحوالهم، ففي مبدأ الإسلام ~~لما كان المعاش ضيقا، والأسعار متصاعدة في المآكل والملابس، حافظ النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، والصحابة في أيامهم على المآكل الجشبة، والملابس ~~الخشنة أو الخلقة، لئلا تنكسر قلوب الفقراء، ولتطيب نفوسهم، فأنهم إذا رأوا ~~سيد الجميع لابسا رث اللباس، وآكلا أدنى المأكول، استقرت نفوسهم، واطمئنت ~~قلوبهم، وارتفعت كدورتهم. # ثم لما توسعت أحوال الناس، وقوي الإسلام، ورخصت ms51 الأسعار، استعمل الأكثر ~~من الخلفاء أحسن الملبوس، وأكلوا أطيب المأكول، وهذا التعليل مستفاد من ~~الأخبار أيضا. PageV00P578 # ولذلك نقول في أمر بناء (المساجد) و (الحضرات)، فأنهم كانوا لا يرفعون ~~البناء، ولا يزينون الدور، لما بهم من القصور، فإذا كانت بيوت الله، وبيوت ~~أنبيائه لم يرفع بناؤها طابت نفوس الفقراء، واطمئنت قلوبهم. # وأما في مثل هذه الأيام ونحوها، حيث ارتفع بناء الدور، فلا وجه لجعل بيوت ~~الله أخفض منها، ومن يرضى بتعلية بيوت الخلق على بيوت الخالق مع أن في ~~تعليتها تعظيما لشعائر الله، وهي البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه. # و (القباب) منها، لأنها جعلت للعبادة، وليس في بناء القباب تجديد قبر، ~~لأن القبر باق على حاله لم يجدد، وإنما وضع أساس القبة بعيدا عنه، ليكون ~~فيها علامة على (المزار) الذي ندب إلى زيارته العزيز الجبار، ولتكون ظلالا ~~للزائرين، فلا تدخل في باب التجديد أصلا، وكذا صندوق الخشب، فأنه أجنبي عن ~~القبر لا دخل له به. # وعن كل حال فأصل وضع البناء لهذه المقاصد الجليلة ليس فيه بأس أصلا، ولو ~~تركت العلامات ما أمكن التوصل إلى زيارة أكثر الأموات لاندراس آثارهم، فوضع ~~هذا للتمكن من إدراك فضيلة زيارة القبور، وكلما كان الشاهد أحكم، كانت ~~دلالته على المشعر أدوم. # وأما قضية (الزينة) فقد روي عن علي عليه السلام أن بعض الصحابة أشاروا ~~على عمر أن يأخذ زينة الكعبة ليقوي بها جيوش المسلمين، فقال له علي عليه ~~السلام: إن الأموال قسمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الفقراء، ~~وكانت في ذلك اليوم الحلي موجودة ولم يقسمها، فلا تخالف وضع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: (لولاك افتضحنا)، وأبقى الحلي ~~على حالها. # والأصل في بناء (القباب) وتعميرها، ما رواه البناني (واعظ أهل الحجاز) عن ~~جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن جده الحسين، عن أبيه علي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال له: والله لتقتلن في أرض العراق، وتدفن بها. فقلت: يا ms52 ~~رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها. فقال لي: يا أبا الحسن إن ~~الله جعل قبرك وقبر ولديك بقاعا من بقاع الجنة، وإن الله جعل قلوب نجباء من ~~خلقه، وصفوة من عباده تحن إليكم، ويعمرون قبوركم، ويكثرون زيارتها، تقربا ~~إلى الله تعالى، ومودة منهم لرسوله. يا علي من عمر قبوركم وتعاهدها، فكأنما ~~أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك ثواب ~~سبعين حجة بعد حجة الإسلام، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. # ونقل نحو ذلك أيضا في حديثين معتبرين: نقل أحدهما الوزير السعيد بسند، ~~PageV00P579 # وثانيهما بسند آخر غير ذلك السند، ورواه أيضا محمد بن علي بن الفضل. # فبعد دلالة هذه الأخبار على تعمير (القباب)، واستمرار طريقة الأصحاب، مع ~~أنها داخلة في المواضع المعدة للطاعات، كالمساجد، والمدارس، والرباطات، مع ~~أن فيها تعظيما لشعائر الإسلام، وإرغاما لمنكري دين النبي عليه الصلاة ~~والسلام. # وبعد أن بينا أن الحكم والمصالح تختلف باختلاف الأوقات، وذكرنا اعتضاد ~~ذلك بالروايات، لم يبق بحث من جميع الجهات. # وعلى تقدير ثبوت الخطأ في هذا الباب، لا يلزم على المخطئ تكفير ولا ~~عصيان، بل ربما يثاب، لأن الخالي من التقصير وإن اتصف بالقصور معذور كل ~~العذر، بل هو مأجور. # فيا أخي لا تعارض المسلمين فيما هم عليه إن لم تركن إلى ما ركنوا إليه، ~~وأحملهم على المحامل الحسان، فأنا هكذا أمرنا بحمل الأخوان، وفقنا الله ~~وإياكم، وهدانا وهداكم، والله ولي التوفيق. # وحيث إنتهى ما أردنا ذكره، وأحببنا رسمه وسطره، على غاية من السرعة ~~والاستعجال، وعدم التمكن لاستيفاء كثير مما يناسب هذا المجال، والاستقصاء ~~لما في كتب الأخبار والاستدلال، أحببنا أن نضيف إلى ذلك: PageV00P580 # كشف الجواب عما تضمنه ذلك الكتاب من الإنكار على أكثر المسلمين في جميع ~~الأقطار (1). # أقول: إن أريد بدعوة غير الله والاستغاثة إسناد الأمر إلى المخلوق على ~~أنه الفاعل المختار الذي تنتهي إليه المنافع والمضار، فذلك من أقوال ~~الكفار. والمسلمون بجملتهم براء من هذه المقالة ومن قائلها، وما أظن أن ~~أحدا ممن ms53 في بلاد المسلمين يرى هذه الرأي، ولا سمعناه من أحد إلى يومنا ~~هذا. # وإن أريد أن المدعو والمستغاث به له اختيار وتصرف في أمر الله تعالى، ~~فيحكم على الله، فهذا أشد كفرا من الأول. # وإن أريد دعاؤه والاستغاثة به للدعاء والشفاعة، أو من التصرف في العبارة، ~~كما تقول: يا رحمة الله، ويا بيت الله، ويا عبد الله، ولا تريد إلا نداء ~~الله ودعاءه، واستغاثته، فهذا من أعظم الطاعات، وفيه محافظة على الآداب من ~~كل الجهات. # وكون الدعاء عبادة إنما يجري في قسم منه، وهو الطلب من الخالق المدبر ~~الذي جل شأنه عن الأشباه والنظائر. ولو جعلت كل دعاء عبادة، للزم أن دعاء ~~(زيد) لاصلاح بعض الأمور، أو دفع بعض المحذور، وطلب الأفعال، كلها من قبيل ~~الكفر. # فالسؤال، والأزواج، والعبيد، والخدام في طلب المآكل والملابس مربوبون، ~~ومقابلوهم أرباب، فيكون ذلك مكفرا، وإن أقررت بالتخصيص خصصناه بما ذكرناه. # وبيانه: أن لفظ (الدعاء) لا يراد به المعنى اللغوي، وإلا لكفر جميع ~~الخلق، فالمراد دعاء العبودية والمربوبية، كمن دعا الأصنام أن الصالحين، مع ~~إعتقاد ربوبيتهم، وقصد عبوديتهم، مكتفين بها عن عبادة الله، أو مشركين ~~أولئك مع الله لقصد وصول النفع # PageV00P581 # إليهم منهم، وليقربوا إلى الله زلفى. # وأما ما ذكرته من (النذر لغير الله تعالى) و (الذبح لغير الله)، وهذا ~~أيضا إن أريد أنهم يذبحون مهلين باسم غير الله، أو ينذرون تعبدا لغير الله. ~~فذلك لم يصدر من أحد من المسلمين، وكل من فعل ذلك، فهم منه براء، سواء كان ~~ذلك عبادة لغير الله، أو كان لأجل أن يقرب إلى الله. # وأما لو كان من باب إهداء ثواب المذبوح والمنحور والمنذور إلى أولياء ~~الله وعباده الصالحين، فهو من أعظم الطاعات، وأفضل القربات، وقد بينا ذلك ~~في بعض المقامات. # قولك: إن ذلك حقيقة دين المشركين أعداء رسل رب العالمين، كقوم نوح وعاد ~~وثمود، وقوم إبراهيم، فأخبر الله عنهم بذلك في كتابه المبين، حيث يقول وهو ~~أصدق القائلين (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ms54 ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله) (1) فأخبر الله أنهم ما عبدوهم إلا ليقربوهم إلى الله ~~زلفى، وقال سبحانه وتعالى: # (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (2). # فتأمل كيف أخبر الله سبحانه عنهم أنهم ما قصدوا بعبادتهم غير الله إلا ~~التقرب إلى الله والشفاعة عنده، وإلا فهم مقرون أن الله هو المدبر لأمر هذا ~~العالم العلوي والسفلي، كما أخبر الله عنهم أنهم أقروا بذلك، قال الله ~~تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والبصر ومن يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله قل أفلا ~~تتقون) (3). # أقول: إن لكل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، إن عبدة غير الله قد اتخذوا ~~آلهة دون الله تعالى أو مع الله وجعلوا لهم أندادا وأمثالا لله، قال الله ~~تعالى: # (أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم نفعا ولا ضرا) (4)، وقال: (فلا ~~تجعلوا لله أندادا) (5)، وقال: (وجعلوا لله شركاء الجن) (6)، وقال: (لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) (7)، وقال: # PageV00P582 # (يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) (1)، ~~وقال: # (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى) (2)، وقال: (لقد كفر الذين قالوا ~~إن الله هو المسيح بن مريم) (3). # ثم المذمة لم تكن على اعتقاد الشفاعة، أو التقرب زلفى، بل على العبادة ~~بهذا القصد، والمراد بالعبادة أعمال خاصة كما بيناه. # وقولك (إن ذلك حقيقة دين المشركين، كقوم نوح وعاد وثمود) كيف ذلك، وقد ~~أخبر الله عنهم بقوله: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود)، ~~إلى قوله: # (فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به) (4) وأخبر عن ~~قوم (عاد) أنهم قالوا لهود: (وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك) (5) وعن قوم ~~صالح أنهم قالوا له: (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا) (6) وعن قوم شعيب ~~أنهم قالوا له: # (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا) (7)، وعن قوم إبراهيم أنهم كذبوا ~~الرسل. # فهؤلاء الطوائف بصريح القرآن كذبوا الرسل، وردوا قولهم، وعاندوهم، فلو ~~كانوا ms55 مقرين لكانوا كفارا لكفر العناد ككفر إبليس. # فيا أخي أقسمت عليك بمن خلقنا من تراب، ثم أودعنا الأصلاب أن تترك ~~الجدال، وتتأمل في حقيقة الحال، كيف تشبه أعمال المسلمين بأعمال عبدة ~~الأصنام وغيرها مع أنهم أنكروا نبوة الأنبياء، وردوا عليهم بعد أن أمروهم، ~~ولم يسمعوا لهم قولا، ولا قبلوا لهم فعلا. # ثم أنهم عبدوا طواغيتهم بالعبادة الحقيقية، لاعتقاد أن لهم تصرفا في ~~الأكوان، أو في إرضاء الملك الديان، وإلا لم يذمهم الرحمن، ولا أنكر عليهم ~~كل فعل كان. # ثم تعللوا بأنا لا نقدر على عبادة الله سبحانه، فنعبدهم ونكتفي بعبادتهم ~~وهم يقربونا، كما أوردنا بذلك بعض الروايات في بعض المقامات. # PageV00P583 # وعلى كل حال لا يتأمل مسلم في أن العبادة الحقيقية من الصلاة والصيام ~~وغيرهما لا تكون لغير الله، فأن كان التصديق عن الأولياء والذبح لهم والنذر ~~لهم عبادة، فنحن عبيد آبائنا وأمهاتنا وأمواتنا الذين نتصدق عنهم، أو ننذر ~~لهم، ونذبح لهم. # وإن كان طلب الدعاء منهم وندبتهم على الدعاء والشفاعة كفرا، فعلى الإسلام ~~السلام، فإنه ليس في الوجود أحد لا يلتمس الدعاء من إخوانه، أو يستغيث بهم ~~في طلب نجاته، وإن دعاء المؤمن للمؤمن أسرع للإجابة لأنه دعاء بلسان لم يعص ~~به. # فيا أخي، المقاصد متفاوتة، وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى (1)، ~~فرب كلمة ظاهرها الإسلام، تصير بالنية كلمة كفر، وبالعكس. # وأما قولك: فأن الذي يفعل عندنا في مشهد علي رضي الله عنه من دعوة، ~~واستغاثة، ورجاء، وخوف، وخشية. انه ليس بعبادة، فأنهم ما قصدوا بدعوتهم ~~(عليا) وغيره إلا ليشفع لهم عند الله. # فأن قلت: أولئك يدعون الأصنام، ونحن لا ندعو إلا الصالحين. # قلنا: وكذلك المشركون منهم يدعون الصالحين ويعبدونهم مع الله، كعيسى ~~ومريم والملائكة. # فأن قلتم: إن الدعوة لا تسمى عبادة. # قلنا: بل هي عبادة وأي عبادة، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: الدعاء هو العبادة. ويلي قوله تعالى: (ادعوني أستجب لكم) (2). # وأصل دين الإسلام هو إخلاص العبادة بجميع أنواعها من الذبح والدعوة، ~~والنذر، ms56 والتوكل، والخشية، والرغبة، والإنابة، ولا يقبل الله من الأعمال ~~إلا ما اجتمع فيه شرطان: # الأول: ألا يعبد إلا الله وحده. # الثاني: ألا يعبد إلا بما شرع على لسان رسوله، كما قال الله تعالى: (فمن ~~كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) (3). # PageV00P584 # أقول: إن كان المدار على الصور دون الحقائق، فسجود الملائكة لآدم، وسجود ~~يعقوب ليوسف، قاض بأنهما عبدا غير الله. # وإن قلت: بأن تعلق إرادة الشرع دفعت المنع. فقد أوردنا من الأخبار وكلام ~~الصحابة ما يفيد عدم المنع، من أمثال الصور التي ذكرت. # ثم بالله عليك أنصف، ما الفرق بين قول الصديق لصاحبه في السجن (أذكرني ~~عند ربك) (1) وبين قولنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اذكرني عند ~~ربك). # ثم كيف باستغاثة ولي موسى (2) ولم يحكم عليه بالكفر؟! ثم كيف باستطعام ~~موسى والخضر أهل القرية (3)؟ ثم كيف يقول أصحاب موسى (لن نصبر على طعام ~~واحد فادع لنا ربك) (4) ثم ما معنى قول الأسباط ليعقوب (إستغفر لنا ذنوبنا) ~~فقال: (سوف أستغفر لكم ربي) (5)؟! # وعلى كل حال إن أريدت الحقائق في الاستغاثات والدعوات وغيرها، ففي ذلك ~~خروج عن طريقة الإسلام، وإلا فلا بأس، وإلا للزم ألا يخرج من الكفر أحد من ~~العالم، ولا يمكنك والله ولا يسعك إلا أن تقول إنما يراد دعاء خاص، ~~واستغاثة خاصة ونحو ذلك، فيرتفع المحذور. # وأما من قصد حقيقة العبادة مع غير الله، ليتقرب إلى الله زلفى، أو لغير ~~ذلك، فهو خارج عن ربقة الإسلام. # وما ذكرتم من أنا نفرق بين الصالحين وغيرهم، فمعاذ الله أن نفرق بين من ~~يعبد موسى أو محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، أو يناديهم ويدعوهم، أو ~~يستغيث بهم أحياء وأمواتا، ويلجأ إليهم على أن لهم الأمر أو ليقربوه زلفى، ~~وبين من يعبد فرعون، وهامان، وإبليس. # أين النفوس المقرونة بالأبدان التي تتغير من أدنى حوادث الزمان، ولا زالت ~~موردا للأمراض، ومحلا للأغراض، لا تدفع شيئا من حوادث الدهور، وليس لها في ~~كل الأمور من أمر من ms57 رتبة المعبود. ومن لا يصلح لغيره الركوع والسجود، إنما ~~هم عبيد زادت علينا # PageV00P585 # عبوديتهم، وخدام سبقت خدمتنا خدمتهم. # فأن أمرنا بتقبيل بنائهم، أو تعظيم أبنائهم، أو التماس دعائهم، فعلنا ~~امتثالا لأمر ربنا، كما صنعنا ذلك في أحجار الكعبة وأركانها. وإن نهانا ~~تركنا، إذ لا خوف إلا من الله، ولا رجاء إلا له. # وأما قولك: إنه قد ورد في الحديث عن الصادق الصدوق، قال: (عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ~~ومحدثات الأمور، فأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) (1). # وفي الحديث الثاني، قال: إفترقت اليهود والنصارى عن اثنين وسبعين فرقة، ~~وستفترق هذه الأمة عن ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. وسئل عن ~~الواحدة، فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي (2) (انتهى). # أقول: اللهم إني رضيت بسنة الخلفاء الراشدين حكما، وما عليه أصحاب محمد ~~متمسكا وملتزما، فأحل ما أحلوه، وأفعل ما فعلوه. وهذه أقوالهم وسيرتهم في ~~هذه الرسالة أوضحتها، فلا أزيغ عنها، ولا أبعد مسافة منها، فتتبع ما رويت ~~من أخبارهم، وما نقلت من آثارهم، رزقني الله وإياكم حلاوة الأنصاف، وجنبنا ~~مرارة الجدال والاعتساف. # وأما قولك: (فلا تغتر بالكثرة وهذا الثابت عن نبيك، والله يقول: (وقليل ~~من عبادي الشكور) (3) وقال: (إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) ~~(4). # وفي الحديث: إن بعث الجنة من الألف واحد، فأنت اختر لنفسك، والمهدي من ~~هاده الله)، إنتهى. # أقول: يا أخي، الوصية مشتركة بيني وبينك، فالذي علي ألا تأخذني حمية ~~الآباء والأجداد، وحب الطريقة المأنوسة بين العباد، بل أنظر بعين البصيرة ~~وإخلاص السريرة. # وأما أنت فأني أخشى عليك من حب الانفراد، حتى لا تكون كبعض الآحاد، فأن ~~الأصابع لم تزل ممدودة إلى من ركب جادة غير معهودة، وقد ورد في المثل: ~~(خالف تعرف). # PageV00P586 # ثم إني - والله - أخشى عليك من جهة أنك كنت خالي البال، بعيد عن هذه ~~المحال فوردت عليك شبهات لم تستطع ردها، وخيالات لم تبلغ حدها، فكان الحال ~~كما قال: # (صادف قلبا خاليا فتمكنا) (1). # وأما ms58 اليوم، فليس لك عند الله عذر، فقد علمت بالأخبار، وسمعت بطريقة ~~الخلفاء الأبرار، فأجد نظرك، واستعمل فكرك، واخلع عن نفسك ربقة التقليد، ~~واطلب من ربك التأييد والتسديد. # ثم ما ذكرت إنما يدل على أن الحق مع القليل من المكلفين لا من المسلمين، ~~فأن أكثر أهل الأرض كفار من يهود، ونصارى، ومشركين، وجاحدين، وغيرهم، حتى ~~أن نسبة إقليم المسلمين إلى سائر الأقاليم أقل قليل. # فنحن نقول بأن من أطاع أكثر الخلق ضال، لأن أكثر الناس من أهل الكفر ~~والضلال، وان الشكور قليل، وان بعث أهل الجنة من الألف واحد، ولو استندت في ~~هذا إلى حديث الفرق، فوحدة الفرقة لا تنافي زيادة أفرادها على ألف فرقة. # والحق أنه لا ملازمة بين القلة والكثرة، وبين الحق والباطل، فكم من قليل ~~هدي إلى الصواب، وكثير حل عليه المؤاخذة والعقاب، وكم قد انعكس الأمر في ~~هذا الباب، والمدار على طلب العصمة والنجاة من رب الأرباب، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم. # تمت علي يد أقل العباد عملا، وأكثرهم زللا محمد قاسم ابن شيخ محمد بن ~~حمزة الدلبزي في سنة ألف ومائتين وعشرة. # PageV00P587 ms59