######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_000291Vols
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الميرزا القمي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 1231
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: غنائم الأيام
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: فقه الشيعة من القرن الثامن
#META# 022.BookVOLS :: 5
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_000291Vols
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/291_غنائم-الأيام-الميرزا-القمي-ج-1
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: عباس تبريزيان - مكتب الإعلام الإسلامي - فرع خراسان / المساعدان : عبد الحليم الحلي ، السيد جواد الحسيني
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1417 - 1375 ش
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنقذنا من شفا جرف
~~الهلكات، بمتابعة أمثل الأديان. وأرشدنا إلى سبيل ارتقاء مدارج أعلى
~~الغرفات، باقتفاء أفضل الإنس والجان. وأوضح محجتنا في ظلم الشبه والجهالة،
~~بإضاءة مصابيح آيات القرآن. وأفصح حجتنا في مهاوي الشكوك الفاسدة والأوهام
~~الكاسدة، ببيان أهل العصمة، وتبيان مهابط التنزيل والفرقان. صلى الله عليه
~~وعليهم، وعلى الأصحاب المرضيين، صلاة تبلغنا إلى منتهى الرضوان. وتسكننا
~~منازل القدس وبحابيح الجنان.
# وبعد، فهذا يا إخواني ما سمح به قلم الاستعجال، على صحائف المقال، ووسم
~~به مياسم الفكر والخيال، على وجوه وحوش الفرص في تقاليب الأحوال.
# فإني منذ تعارفت مع الزمان، فقد أخذني على طرف الخصام لدودا، وصيرني في
~~بوادي العطلة (1) والحيرة هائما كؤودا، وصار علي في هزيمة صفوف جيوش
~~اجتهادي مجاهدا كدودا. وكلما صافيته بوجه الإقبال، أدبر عني بتخييب الآمال.
# ومهما وافيته بعرض المطالب في معرض النوال، فجبهني بالرد وناقضني ببلبال
# PageV01P057
# البال. ومتى عانقني بوجه الالتفات، فعضني بضرس النائبات. وحيثما ضيفني
~~ببسط موائد العطيات، أطعمني بتشعبات الأمراض (1)، وسقاني بمشارب الحسرات،
~~فرب فجيعة تدهش منها مشاعر الخواطر، ورب نزيلة ينهش قذى سمومها أناسي
~~النواظر (2).
# وكم من ضنك في العيش وضيق في المعيشة؟ وكم من بائقة لا ترضى بصحبتها
~~العيشة؟
# ومع ذلك فقد كنت أختلس من آنات غفلاته فرصا، مع ما كنت أتجرع من مشارب
~~الإحن وكؤوس المحن غصصا (3).
# وكنت شرعت في عنفوان الشباب في استنباط المسائل من مآخذها، وأخذت في
~~تأليف كتاب يحتوي على مهمات مطالبها، وسميته كتاب مناهج الأحكام في مسائل
~~الحلال والحرام، وقصدت فيه بيان الأدلة والأقوال، وذكر ما تبتني عليه
~~الأحكام على التفصيل حسب ما اقتضاه الحال.
# وعاقني عن ذلك بوائق الزمان وعوائق الدهر الخوان، فربما سولت لي الأيام
~~بمخائل تبدل الحال بأرفه من الحال، وربما سوفتني النفس بتأميل حصول الفراغ
~~والوقت الآمن من القلق والزلزال.
# فاستصحبتني تلك الشيمة إلى الحين، وقد جاوزت الآن من الأربعين، ولم نكتب
~~منه بالظن والتخمين، إلا مثل العشرة بالنسبة إلى الستين، على تفرق ms0001 في
~~الأبواب، حسب ما ساعدتني الأسباب، واتفق لي سهولة جمع المسائل في ذلك
~~الباب.
# ثم قد رأيت ولى الشباب، وألم المشيب، وولى وجه المحبوب، وتدلت شدائد قهر
# PageV01P058
# الرقيب، وطار غراب الأمل عن الهامة، وعشش البوم، وذهب يمن الأيام بأدراج
~~رياح الخيبة، وبقي منها الشؤم، وخفت عدم مساعدة العمر والأسباب لختم ذلك
~~الكتاب، وسيما مع قصور همم أهل الزمان عن مراجعة مثله، وعدم إقبالهم إليه
~~بسبب الإطناب، فأخذت في تأليف هذه العجالة كهيئة العجلان، واقتصرت فيه بأقل
~~ما يقتضيه الوقت، ويساعدني الزمان.
# ثم اعلم يا أخي: إني لم أقصد من شكواي إلا النصح لك في عدم الاغترار،
~~وإياك وأن تسوف في طلب حصول الفراغ وتيسر القرار، فإن الراحة لم تخلق إلا
~~في الجنة، والفراغ والاطمئنان لم يودعا في دار البلاء والمحنة، واغتنم نفسا
~~بعد نفس، وإن كنت في غاية اضطراب ووجس، سيما في مثل هذا الزمان، الذي غلبت
~~عليه أحزاب الشيطان، ورفعت فيه أعلام الجهل والطغيان، وولت عنه آيات (1)
~~العلم والعرفان، واستمرت به تلك الشيمة والسجية حتى كاد أن تكون أيام
~~الجاهلية.
# هذا وإني كالآيس من إتمام ما أنا فيه إلا من روح الله، فكيف أقول برجاء
~~إتمام الكتاب الكبير بعد ذلك إلا أن يشاء الله.
# فشرعت فيه بحول الله وقوته، مستعينا في إتمامه بعونه ومنه، وسميته كتاب "
~~غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام ".
# جعلته على أقسام أربعة، في كل قسم منها كتب.
# PageV01P059
# القسم الأول في العبادات PageV01P061
# وهي: ما تحتاج صحتها إلى النية. والمكلف بها هو البالغ العاقل. والمندوب
~~ليس بتكليف كما حقق في محله.
# عبادات الصبي المميز (1) شرعية على الأقوى، لأن الأمر بالأمر أمر عرفا،
~~والقرينة نافية للوجوب، فيبقى الاستحباب. وللزوم الظلم عليه تعالى عن ذلك
~~لو خلا عمله عن الثواب.
# حجة القائل بكونها تمرينية: كونه غير مكلف، وخطاب الشرع إنما يتعلق
~~بالمكلفين، وأنه لو كان الأمر بالأمر أمرا لكان قولك لآخر: " مر عبدك
~~بالتجارة " عدوانا.
# الجواب عن الأول: أن المندوب ليس بتكليف، وتحمل مشقة الندامة على ترك
~~الفعل للحرمان ms0002 عن ثوابه ليس مشقة على الفعل المكلف به، وهو المراد من ظاهر
~~التكليف (2).
# عن الثاني: منع انحصار الحكم الشرعي فيه كما حقق في محله (3).
# عن الثالث: بأن القرينة قائمة على كونه للارشاد.
# أما استحباب تمرين الولي فلا إشكال فيه. والأخبار في مبدئه مختلفة،
~~محمولة على
# PageV01P063
# مراتب التأكيد.
# ثم لا إشكال في اشتراط البلوغ والعقل في التكليف، للاجماع، والأخبار (1)،
~~والاعتبار. وإنما الإشكال في حد البلوغ، وله علامات:
# الأولى: خروج المني معتادا مطلقا للذكر والأنثى، بالإجماع، والأخبار (2)،
~~وقوله تعالى: * (حتى إذا بلغوا النكاح) * (3) و * (لم يبلغوا الحلم) * (4)
~~ونحوهما مؤول بذلك، ولا يكفي الاستعداد.
# والثانية: إنبات الشعر الخشن على العانة، للاجماع، والأخبار (5). والحكم
~~معلق (6) عليه في الأخبار، فما ذهب إليه المشهور " من كونه علامة لسبق
~~البلوغ، لأن الأحكام متعلقة بالاحتلام، فلو كان غيره أيضا بلوغا لم يختص
~~الحكم بذلك " (7) فيه ما فيه. و كما أن السن مخصص لذلك فكذلك الإنبات. مع
~~أنه منقوض بما لم تسبقه إحدى العلامات جزما.
# وأما شعر الإبط والفخذ وغيرهما، فلم يعتبره الأصحاب. وفي شعر اللحية قول
~~بالبلوغ (8)، ويشعر به بعض الأخبار (9)، ولا يخلو من قوة.
# والثالثة: السن، والأقوى إكمال خمس عشرة سنة للذكر، وتسع للأنثى. للأصل،
# PageV01P064
# والأخبار المعتبرة (1)، وظاهر دعوى الاجماع من كنز العرفان في الأول (2)،
~~وصريحها في الثاني من ابن إدريس، حيث شنع على القائل " بكون كمال العشر
~~بلوغا للأنثى " بمخالفة الاجماع على التسع (3).
# وقيل بإكمال أربع عشرة في الذكر (4) لرواية غير واضحة (5)، وقيل بالدخول
~~فيه (6) لأخبار معتبرة الأسناد (7)، معارضة بأقوى منها.
# وأما الحيض والحمل فيثبت بهما البلوغ، للاجماع، والأخبار.
# والمشهور والمعروف من الأصحاب كونهما مع ذلك علامة لسبق البلوغ.
# فإن الحيض لا يكون إلا بإكمال التسع بالاجماع، فإمكان الحيض موجب للحكم
~~بكونه حيضا كما سيأتي، والحكم بكونه حيضا دليل على سبق إكمال التسع، لأن
~~الحيض لا يكون إلا بعد إكماله. لا أنه لا يجوز الحكم بالحيض إلا بعد العلم
~~بإكماله حتى يلزم الدور، فالكلام فيما جهل السن وحكم بكون الدم حيضا مع
~~إمكانه.
# وأما الحمل فلأنه ms0003 مسبوق بالانزال.
# ويرد على الأول أنهما قد يتقارنان في الوجود.
# وعلى الثاني - مضافا إلى ذلك - أن الإنزال الذي هو نفس البلوغ: هو الخروج
~~من الفرج، لا النزول في الرحم، ولا الاستعداد كما مر، إلا أن يقال بعدم
~~إمكان الحمل قبل
# PageV01P065
# إكمال التسع، فهو أيضا مسبوق به، فحينئذ يرد عليه إمكان المقارنة في
~~الوجود بالنسبة إلى بلوغ التسع.
# ويمكن الاعتذار عن ذلك: بأن السبق أعم من السبق بالعلية كحركة اليد
~~والمفتاح، فحينئذ يبقى النزاع بلا فائدة يعتد بها.
# والفائدة التي ذكروها هي صحة العقد منها إذا وقع متصلا بالحيض وانعقاد
~~النطفة، وقل ما يحصل العلم بذلك، ولعل نظرهم إلى ترجيح الظاهر على الأصل،
~~وهو وجيه.
# ثم إن الأخبار الكثيرة المختلفة في وجوب الصلاة بالستة والثمانية والتسعة
~~للذكر، وبحصول خمسة أشبار، وحصول البلوغ بالعشر إذا كان بصيرا، محمولة في
~~العبادات على التمرين ومراتبه. وقد يعمل على بعضها في غير العبادات،
~~كالوصايا والحدود، كما يجئ في أبوابها، والظاهر أنها من باب الوضع، لا أن
~~البلوغ والتكليف يختلف بحسب الموارد. وأما العبادات فالأقوال في ثبوت
~~الأحكام فيها منحصرة فيما ذكرنا، فلنشرع في العبادات مقدما للأهم.
~~PageV01P066
# كتاب الطهارة هو يستدعي رسم مقدمة وفصول: PageV01P067
# أما المقدمة فالطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة، وفي الاصطلاح: اسم
~~للوضوء والغسل والتيمم.
# والأظهر أنها حقيقة فيما يبيح الصلاة منها، بل ما لا يجامع (1) الحدث
~~الأكبر على إشكال، للتبادر، وصحة السلب عن غيرها.
# بل الظاهر كونها حقيقة شرعية في ذلك أيضا، سيما في زمان الصادقين ومن
~~بعدهما عليهم السلام، للاستقراء، ونفي اسم الطهارة عن وضوء الحائض في بعض
~~الأخبار.
# والأظهر كونها حقيقة في إزالة الخبث أيضا، فتكون مشتركة.
# ثم على الأول: الأظهر كونها مشككة، لا مشتركة بين الثلاثة، ولا متواطئة،
~~ولا حقيقة في المائية مجازا في الترابية.
# وكل منها ينقسم إلى واجب وندب:
# فالواجب من الوضوء ما كان لصلاة واجبة، أو طواف واجب، أو لمس كتابة
~~القرآن إن وجب.
# PageV01P069
# والغسل يجب لهذه، ولدخول المسجدين، والمكث في سائر المساجد إن وجبا،
~~ولقراءة العزائم ms0004 كذلك.
# وأما التيمم، فيجب لما تجب فيه الطهارتان، وفي بعض مواضع أخر يأتي
~~تفصيلها.
# وقد تجب الثلاثة بنذر وشبهه. PageV01P070
# الفصل الأول في الوضوء فيه مقاصد: PageV01P071
# المقصد الأول في أحكامه وأقسامه وموجباته وفيه مباحث:
# المبحث الأول: لا ريب في وجوب الوضوء للصلاة واشتراطها به. ومعنى وجوب
~~الشئ للغير: تعلق طلب الشارع به حتما لأجل تحصيل صحة الغير أو جوازه.
~~والطلب قد يكون بالصريح (1)، وقد يكون بالإشارة، مثل مقدمة الواجب على ما
~~حققناه في الأصول.
# والظاهر توجه الذم إلى ترك ذلك لأجل تركه أيضا إن تعلق به الخطاب صريحا،
~~كما صرح به جماعة من المحققين (2)، وادعى عليه الاجماع بعضهم، وهو صريح
~~أكثر القائلين بوجوب المقدمة أيضا مطلقا.
# ومعنى الاشتراط: هو توقف صحة الغير عليه أو جوازه. وقد يطلق عليه الوجوب
~~مجازا، كما في الوضوء للنافلة (3).
# PageV01P073
# وأما ما يقال: من أن الوجوب للغير معناه أن تاركه يعاقب لاستلزامه ترك
~~ذلك الغير، فلا يفهم منه معنى إلا الشرطية (1)، فإن ترك الشرط يستلزم بطلان
~~المشروط، فلم يبق لفرقهم بينهما وجه، وكلماتهم كما ترى تنادي بالتفرقة.
# ومما يؤيد ذلك: ما سنذكر في استحباب الوضوء للتأهب (2) للفريضة فلاحظ،
~~ووجوب قصد القربة في النية وعدم اشتراطها به عند السيد رحمه الله، فإن
~~الظاهر أنه لا ينكر الوجوب في النية (3).
# فأما الدليل على وجوب الوضوء للصلاة فهو الاجماع، بل الضرورة، والأخبار
~~الكثيرة المعتبرة.
# وكذلك اشتراطها به إجماعي، مدلول عليه بالأخبار، مثل قوله عليه السلام في
~~الصحيح " لا صلاة إلا بطهور " (4) فإن أقرب مجازاته نفي الصحة، وفي معناه
~~أخبار كثيرة. وبعد ثبوت الاشتراط يثبت دليل آخر على الوجوب، بناءا على وجوب
~~المقدمة أيضا.
# وأما الطواف، فوجوبه له أيضا إجماعي، كما نقله جماعة (5). وتدل عليه
~~الأخبار، منها صحيحة محمد بن مسلم: عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير
~~طهور، فقال: " يتوضأ ويعيد طوافه، وإن كان تطوعا توضأ وصلى ركعتين (6)
# PageV01P074
# وهي (1) تدل على اشتراطه به أيضا، كما تدل على عدم اشتراط النافلة به.
# وأما مس كتابة القرآن، فوجوبه من جهة حرمة ms0005 المس على المحدث بالحدث
~~الأصغر، فلا يتم الواجب إلا بالوضوء.
# وأما حرمة المس، فهو قول الأكثر، وادعى الشيخ الاجماع (2)، وتدل عليه
~~الآية (3) والأخبار، مثل موثقة أبي بصير (4)، ومرسلة حريز (5)، وغيرهما.
# وأما صحيحة علي بن جعفر القائلة بحرمة كتابة القرآن من دون وضوء (6)،
~~فالظاهر أنه لعدم انفكاك الكتابة عن المس غالبا، وإلا فلا قائل به.
# قيل بالعدم (7)، للأصل، وعدم معهودية منع الصبيان عن ذلك من السلف.
# والأصل لا يعارض الدليل. والثاني ممنوع، مع أنه لا يستلزم المدعى، فإن
~~عدم القول بالفصل ممنوع، وكذلك وجوب المنع على الولي.
# وأما القدح في دلالة الآية باحتمال إرادة اللوح المحفوظ عن مس غير
~~الملائكة المطهرين، فهو خروج عن الظاهر لوجوه كثيرة، مع أنه يظهر من
~~الطبرسي الاجماع
# PageV01P075
# على رجع الضمير إلى القرآن (1).
# المبحث الثاني: لا وجوب للوضوء بنفسه، إلا من جهة نذر وشبهه كما سيأتي.
# وقيل بوجوب الطهارات أجمع بنفسها عند حصول أسبابها، وجوبا موسعا لا يتضيق
~~إلا بظن الموت (2). والحق هو الأول، فلا يتعلق غرض بوجوبه إلا تصحيح
~~مشروطاته.
# وهذا المعنى لا يقتضي توقف الوجوب للغير على دخول وقت المشروط كما ظن، بل
~~مع ظن إدراكه الوقت صحيحا سالما يجب عليه الإتيان بمقدماته وجوبا موسعا ولو
~~قبل الوقت، إلا أن يقيد بدليل كما في خصوص الوضوء والغسل للصلاة. ولذلك
~~يجوز الاغتسال في أول الليل من شهر رمضان بنية الوجوب لصوم الغد مع ظن
~~السلامة وإدراك الصوم كما سيجئ، خلافا للمشهور.
# فتظهر الثمرة بين القولين حينئذ فيما لو حصل ظن الموت قبل الوقت، فلا يجب
~~على المختار، بخلاف القول الآخر.
# وأما تضيق وقته بتضيق المشروط، فإنما هو من جهة الوجوب الغيري الذي هو
~~محل الوفاق، فلا اختصاص له بأحد القولين.
# وأما الثمرة في خصوص الوضوء والغسل فتحصل في عدم جواز نية الوجوب قبل
~~الوقت على المختار، لخصوص الدليل على عدم الوجوب قبل الوقت، بخلاف القول
~~الآخر.
# لنا على ما اخترناه: الأصل، والإجماع نقله جماعة، منهم العلامة والمحقق
# PageV01P076
# الثاني والشهيد الثاني (1). والآية منطوقا (2)، لتبادر غرضية (3) الشرط ms0006
~~للجزاء في مثل هذه المادة المتكيفة بالهيئة التعليقية الشرطية. ومفهوما،
~~لحجيته على المختار المحقق.
# وصحيحة زرارة: " إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة " (4).
# وتوهم إرادة الجميع - فلا يحصل من المفهوم إلا عدم البعض وهو الصلاة بعيد
~~عن السياق، وعن المعنى المحقق للواو، وهو مطلق الجمع، لا الترتيب ولا
~~المعية.
# وفي الأخبار الواردة في علل الوضوء وغيرها أيضا إشارات لطيفة إلى ما
~~ذكرنا. ويؤيده كونه مما تعم به البلوى، ويحتاج إليه الناس، ولا بد أن يكون
~~الأمر في مثله أوضح من أن يحتاج إلى البيان، ومع ذلك صار مهجورا مثل هذا
~~الهجر، ولم يلتزم المؤمنون فعلها عند حدوث الأحداث سيما الصلحاء، ولم يعهد
~~ذلك في حق الظانين بالموت قبل الوجوب.
# وأما ما تعلق به الخصم من الإطلاقات والظواهر الكثيرة الدالة على وجوبه
~~بحصول الأحداث (5)، ففيه أولا: أن القرينة قائمة على كونها محمولة على ما
~~بعد دخول الوقت ووجوب المشروط بقرينة فهم الفقهاء وترك ظاهرها بحيث آل
~~الأمر إلى ما ترى، وظهورها في بيان الناقض لا الموجب، خصوصا مع تأدي
~~نظائرها من الواجبات الغيرية بمثلها، كغسل الثياب والأواني.
# وثانيا: إنها مقيدة بما ذكرنا، أو يحمل إطلاقها على الاستحباب.
# الثالث: إنما يجب الوضوء لما يجب له على غير المتطهر، وإن كان ظاهر الآية
# PageV01P077
# والأخبار الإطلاق أو (1) العموم، للإجماع، وعدم ثبوت تقييد إطلاقات
~~الصلاة باشتراط الوضوء إلا في غير المتطهر. مع أن السيد ادعى إجماع
~~المفسرين على أن المراد من الآية القيام من النوم (2)، وورد به الموثق (3).
# فعلى هذا فيجوز للمتطهر الدخول في الصلاة، نفلا كانت الطهارة أو فرضا،
~~لنافلة كانت أو لفريضة، للاجماع، نقله ابن إدريس (4)، ونفى عنه الخلاف في
~~التذكرة (5)، وتظهر دعواه من آخرين أيضا (6).
# ويدل عليه: أن الحدث حالة وجودية - كالطهارة - يوجب ارتفاعها حصول
~~الطهارة، أما الأول فللأخبار المستفيضة المعتبرة الواردة في علل الوضوء،
~~ففي الصحيح " أنه لتزكية الفؤاد " (7) ونحو ذلك. وتشير إليه الأخبار
~~الواردة في علة نجاسة البول والغائط، وأنها من أثر الشيطان حيث دخل في جوف
~~آدم عليه السلام وخرج ms0007 من دبره (8). والأخبار المستفيضة الدالة على أن من
~~بسمل (9) في أول وضوئه طهر جميع جسده، ومن لم يسم تطهر مواضع وضوئه (10)،
~~فهذه كلها تدل على أن خروج
# PageV01P078
# الأحداث يوجب حالة رذيلة في البدن، مسببة عن (1) غضاضة نفسانية تحصل
~~للنفس توجب عدم جواز الدخول في العبادة، أو عدم حصول كمالها إلا بإزالتها،
~~ولا نعني بالحدث إلا تلك الحالة (2).
# وأما الطهارة التي هي ضدها فهي إنما تحصل بسبب الوضوء وغيره، فإذا (3)
~~ارتفعت تلك الحالة فلا يبقى المنع. فالمستفاد من الأخبار أن الوضوء يرفع
~~الحدث، ولا مانع للدخول في الصلاة بالفرض إلا الحدث.
# واحتمال كون الحدث ذا مراتب يرتفع بعضها ببعض الوضوءات دون بعض، أو حصول
~~أحداث متعددة بالنسبة إلى المشروطات يحتاج رفع كل منها إلى وضوء، مما لا
~~تتطرق إليه أفهام أهل اللسان، بل ولا أفكار الفقهاء، ولا تنصرف إليه
~~إطلاقات الأخبار. والمستفاد منها رفع الحدث بالطهارات، لا رفع مرتبة من
~~مراتبه، أو شأن من شؤونه وشعبة من شعبه، والمتبادر أنهما حالتان بسيطتان لا
~~تركب فيهما أصلا.
# ويدل عليه أيضا: إطلاق صحيحة زرارة: " لا صلاة إلا بطهور " (4) وفي
~~معناها أخبار كثيرة، وموثقة ابن بكير: " إذا استيقنت أنك قد توضأت فإياك أن
~~تحدث وضوءا حتى تستيقن أنك أحدثت " (5) والأخبار المعتبرة الحاصرة للنواقض،
~~والإطلاقات الواردة بالمشروطات. هذا كله إذا كان الوضوء رافعا للحدث.
# وأما في مثل الوضوء التجديدي، والوضوء للنوم، والوضوء للمذي ونحو ذلك،
~~فإن قلنا بأن الوضوء للنوم إنما هو لرفع الحدث وحصول الطهر لينام
# PageV01P079
# على هذه الحالة - كما هو الأظهر - فيجئ الحكم بالجواز حينئذ.
# وأما الوضوء التجديدي إذا ظهر كونه محدثا قبله، فيشكل الأمر فيه، من جهة
~~عدم قصد الرفع والاستباحة فيه، ومن جهة إطلاق الطهر عليه في الأخبار، مثل
~~قولهم عليهم السلام: " الطهر على الطهر عشر حسنات " (1) ونحوه. والظاهر
~~كونه مجازا للمجاورة أو للشباهة، وكذلك الوضوء للمذي.
# وأما في لزوم قصد الإباحة والرفع، أو أحدهما، أو الاكتفاء بقصد ما لا
~~يجتمع مع الحدث صحة أو كمالا من الغايات فيدل عليهما بالالتزام، ms0008 أقوال
~~واحتمالات، الأظهر: الاكتفاء فيما نحن فيه بما يكون المقصود رفع الحدث
~~صريحا أو التزاما، وكذلك قصد الاستباحة فيما لا يباح إلا برفع الحدث. وأما
~~مع قصد رفع الحدث صريحا فلا إشكال، وسيجئ الكلام في اشتراط المذكورات في
~~أصل النية وعدمه.
# الرابع: لا يجب الوضوء إذا شك في حصول الناقض للطهارة السابقة، بالاجماع
~~والأخبار المعتبرة الدالة بعمومها على عدم جواز نقض اليقين إلا بيقين،
~~وبخصوصها في الوضوء (2). كما يجب فيما لو شك في حصول الطهارة عقيب الحدث
~~بالإجماع، والأخبار العامة المتقدمة.
# وكذلك يجب فيما لو تيقنهما وشك في المتأخر، سواء علم حاله قبلهما أم لا،
~~فإن الحالة السابقة قد انقطعت بهما جزما، إن حدثا فبالطهارة، وإن طهارة
~~فبالحدث.
# ثم لا يمكن استصحاب الطهارة اللاحقة لاحتمال تقدمه على الحدث، ولا الحدث
~~لاحتمال تأخر الطهارة عنه، فيتساقطان. وعموم الأدلة يقتضي
# PageV01P080
# وجوب الوضوء.
# وقيل: إن علم بالحالة السابقة فيأخذ بضدها، لأنها إن كانت طهارة فقد
~~ارتفعت بالحدث جزما فيستصحب الحدث لأنه يقيني، وإن كانت حدثا فقد ارتفع
~~بالطهارة فتستصحب لأنها يقينية (1).
# وفيه: أن الطهارة أيضا يقينية في الأولى، والحدث يقيني أيضا (2) في
~~الثانية، فلا مرجح لاستصحاب أحدهما دون الآخر، لتساوي احتمالي تعاقب
~~الحدثين أو الطهارتين مع عدمه، وارتفاع الحالة الأولى لا يستلزم ارتفاع
~~مثلها في اللاحق.
# وقيل: يأخذ بمثل الحالة السابقة، وربما يوجه ذلك بتعارض الحدث والطهارة
~~فيتساقطان، فتبقى الحالة الأولى سالمة. وهو كما ترى.
# واختار العلامة هذا المسلك (3)، لكنه أخرجه عن المسألة المفروضة، واشترط
~~اتحادهما في العدد، واعتبر في الحدث اللاحق الناقضية وفي الطهارة الرافعية،
~~فيرتفع احتمال تعاقب الطهارتين والحدثين، فالحدث الناقض يرفع الطهارة
~~السابقة لو علم كونها طهارة، فتكون الطهارة اللاحقة رافعة له، فهو متطهر،
~~والطهارة الرافعة ترفع الحدث السابق لو علم كونها حدثا، فالحدث اللاحق ناقض
~~لها، فهو محدث. وهذه المسألة خارجة عن صورة الشك إلا في بادئ النظر.
# ثم تصوير احتمال الجهل بالحالة السابقة فرض نادر جدا إلا في بادئ النظر،
~~وإلا فهي إما طهارة يقينية أو حدث يقيني، ms0009 أو مورد أحد المسائل الثلاث،
~~فيجري فيها حكم أحدها. هذا حكم أصل الوضوء.
# وأما لو شك في فعل من أفعاله، فإن كان متشاغلا بالوضوء فيأتي به وبما
~~بعده بلا خلاف، للأصل، ونقل الاجماع، وصحيحة زرارة في خصوص وجوب إعادة
# PageV01P081
# المشكوك (1)، وحسنة الحلبي وغيرها الدالة على وجوب تحصيل الترتيب، واتباع
~~بعض الوضوء بعضا في وجوب إعادة ما بعده (2).
# وما يتراءى معارضا لهما من الأخبار فلا يقاوم ما ذكرنا، لكونها مهجورة،
~~غير صريحة في الخلاف.
# والظاهر أن النية أيضا حكمها مثل سائر الأفعال، لظاهر الاجماع، واستصحاب
~~شغل الذمة.
# وإن فرغ من الوضوء ودخل في فعل آخر فلا يلتفت إجماعا، لصحيحة زرارة
~~المتقدمة، وموثقة ابن أبي يعفور (3)، وقوية بكير بل صحيحته (4) - (5).
# وأما قبل الدخول في فعل آخر، مثل إن كان قاعدا في مقامه، أو مستمرا على
~~حالته التي كان يتوضأ فيها، فيستفاد من كلام بعضهم كظاهر بعض الأخبار:
~~الإتيان به أيضا إذا لم يطل كثيرا، ولكن رواية بكير (6) المتقدمة تنفيه،
~~وسائر الأخبار لا تثبته.
# بل الظاهر أن المراد بالقيام من الوضوء الوارد في بعضها أيضا هو الفراغ.
# والمعيار في الشك في الرجل اليسرى: هو وجدان نفسه متشاغلا أو غير متشاغل،
~~كالشك في السلام بعد الفراغ من الصلاة.
# وأما لو تيقن بترك بعض الأفعال، فيأتي به وبما بعده بالاجماع والأخبار،
~~إلا أن
# PageV01P082
# يحصل الإخلال بالموالاة كما سيجئ.
# وأما ما في صحيحة زرارة من الإتيان بعد الفراغ والدخول في فعل آخر أيضا
~~في صورة الشك (1)، فمحمول على الاستحباب.
# ولا يعتبر الشك مع الكثرة كالصلاة، للعلة المنصوصة في صحيحة زرارة وأبي
~~بصير: " فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود " (2).
# الخامس: الأحداث الموجبة للوضوء (3): البول والغائط والريح الخارج من
~~المخرج المعتاد الطبيعي بالإجماع والأخبار المستفيضة (4) الصحاح.
# وأما الخارج من غيره ففيه تفصيلات وأقوال لا ترجع إلى تحقيق، والمحقق أن
~~المستفاد من الأخبار ليس إلا المعهود المتعارف، ولا دليل على حكم غيره إلا
~~الاجماع المنقول في المنتهى فيما انحصر المخرج في غير الطبيعي خلقة، أو كان
~~الطبيعي مسدودا (5). وأما ms0010 في غيره فلا نص ولا إجماع. والأصول متعارضة،
~~وبراءة الذمة عن التكليف اليقيني بالصلاة لا تحصل إلا بالوضوء.
# ولا عبرة بالريح الخارج من الإحليل أو قبل المرأة.
# والنوم الغالب على العقل، بل على السمع، وإن كان الظاهر تلازمهما، وكون
# PageV01P083
# الثاني أمارة للأول، للاجماع المستفيض فيه في الجملة، والآية، سيما على
~~ما مر من التفسير، والأخبار المعتبرة المستفيضة.
# وربما يسند إلى الصدوق الخلاف في النوم للمجتمع (1)، وإلى والده في مطلقه
~~(2)، لبعض الروايات الضعيفة المحمولة على التقية (3). وهو ضعيف كأصل
~~الإسناد.
# وضم العين إلى الإذن في الأحاديث وكلام الفقهاء، لتوجه النوم إليها أولا،
~~وإلا فهي أضعف من غير السمع أيضا.
# والمشهور إلحاق كل مزيل للعقل بالنوم، كالإغماء والجنون والسكر، للاجماع،
~~نقله عن المسلمين في الأولين الشيخ (4)، وعن الأصحاب في الثالثة صاحب
~~المدارك (5)، ويظهر من غيرهما أيضا (6)، والعلة المستفادة من الأخبار في
~~النوم وهو ذهاب العقل.
# وقد يستدل بصحيحة معمر بن خلاد (7)، ودلالتها ممنوعة (8).
# PageV01P084
# والاستحاضة القليلة، قال العلامة رحمه الله: إنه مذهب علمائنا (1)، ونقل
~~عن ابن أبي عقيل العدم (2)، وهو مخالف للأخبار المعتبرة، وغير موافق لدليل،
~~وصحيحة عبد الله بن سنان (3) لا تدل على مذهبه.
# وأما الكثيرة والمتوسطة فسيجئ في موجبات الغسل أنهما أيضا توجبان على
~~الأظهر، وسيجئ الكلام فيهما في خصوص الحالة التي توجبان فيها الغسل بعيد
~~هذا أيضا.
# وذهب ابن الجنيد إلى موجبية المذي الواقع عقيب الشهوة، والقبلة بشهوة،
~~والقهقهة في الصلاة، والحقنة، ومس باطن الفرجين (4). وفاقا للصدوق في
~~الأخير (5) (6)، لأخبار معارضة بأقوى منها سندا، وكثرة، وعملا، واعتضادا،
~~وأوجه محاملها التقية، ولا يبعد الحمل على الاستحباب السادس: الأشهر أن
~~الحيض والنفاس والاستحاضة الموجبة للغسل ومس الميت بعد البرد موجبات، فلا
~~يكتفى بالغسل في الدخول فيما منعت المذكورات من الدخول فيه، فيحصل بها حالة
~~توجب الوضوء أيضا، سواء حصل حدث أصغر أيضا أم لا.
# PageV01P085
# وبعبارة أخرى: لا يجوز الدخول بأغسال هذه المذكورات في الصلاة ونحوها إلا
~~مع الوضوء، بل لا يجوز الدخول بغسل من الأغسال فيها من دون الوضوء، إلا غسل
~~الجنابة، ms0011 فرضا كان أو نفلا، إلا أن يكون متطهرا. وهو المشهور بين الأصحاب،
~~وجعله الصدوق في الأمالي من دين الإمامية (1)، وخالف فيه السيد (2) وابن
~~الجنيد (3) وبعض المتأخرين (4).
# والأول أقرب، للأصل (5). والاستصحاب. وظاهر الآية وإن فسرت بالقيام من
~~النوم أيضا (6)، لشمولها هؤلاء مع عدم القول بالفصل، والأخبار المتواترة
~~الواردة في وجوب الوضوء الدالة بعمومها وإطلاقها على ما نحن فيه (7)،
~~وصحيحة ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان أو غيره، عن الصادق عليه السلام،
~~قال: " في كل غسل وضوء إلا الجنابة " (8) ومرسله كالمسند الصحيح لوجوه ذكرت
~~في محلها، مع أنه في المختلف بدون " أو غيره " (9) وهو ظاهر في الوجوب مثل
~~قولهم عليهم السلام: " في خمس من الإبل شاة " ونحوه سيما مع ملاحظة فهم
~~الجمهور.
# واستثناء غسل الميت أولى من حمله على الاستحباب، مع تبادر أغسال المكلفين
~~من
# PageV01P086
# الرواية. وفي الغوالي " كل الأغسال لا بد فيها من الوضوء إلا الجنابة "
~~(1) والسند منجبر بالشهرة.
# ويدل عليه صريح فقه الرضا أيضا (2)، ورواية علي بن يقطين (3).
# حجة القول الآخر: الأصل، والإطلاقات الواردة في غسل الحيض والاستحاضة من
~~دون ذكر الوضوء (4)، وما ورد من أن غسل الجنابة والحيض واحد (5).
# وصحيحة محمد بن مسلم: " الغسل يجزئ عن الوضوء، وأي وضوء أطهر من الغسل "
~~(6).
# وصحيحة حكم بن حكيم: عن غسل الجنابة، فقال: " أفض على كفك اليمنى " إلى
~~أن قال، قلت: إن الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل، فضحك وقال: "
~~وأي وضوء أنقى من الغسل؟ " (7).
# وموثقة عمار (8)، ومرسلة حماد (9)، ومكاتبة محمد بن عبد الرحمن الهمداني
~~(10)، والروايات الثلاث الدالة على أن الوضوء بعد الغسل بدعة (11).
# أما الأصل، فلا يقاوم الدليل، سيما في العبادات.
# PageV01P087
# وأما الإطلاقات، فإنها واردة في بيان أصل وجوب الغسل ووقته، لا جميع
~~شرائطه وتوابعه. وكذلك المراد بالتشبيه إنما هو في أصل الغسل كما لا يخفى.
# وأما الصحيحة، فمحمولة على غسل الجنابة بقرينة صحيحة حكم، وإن كان الجواب
~~فيها أيضا عاما، لأن الظاهر أن المراد بها الرد على العامة، وادعاء إشعار
~~العلة بالاطراد لعدم الفرق غريب، لأن علل الشرائع ms0012 مخفية غالبا، مع أن في
~~الأخبار ما يدل على كون غسل الجنابة أقوى من غيره، وصرح في فقه الرضا بأنه
~~مسقط للوضوء، لأن أكبر الفرضين يسقط أصغرهما (1). أما السنة مثل سائر
~~الأغسال فلا يسقط الفريضة.
# وأما سائر الأخبار فضعيفة لا جابر لضعفها.
# فتبقى موثقة عمار وإطلاق الصحيحة في مقابل ما ذكرنا من الأدلة، ولا ريب
~~في عدم المقاومة، لموافقتها للكتاب وعمل الأصحاب.
# والمشهور التخيير بين تقديم الوضوء وتأخيره، للأصل والإطلاقات.
# وعن جماعة من القدماء وجوب تقديم الوضوء، لصحيحة ابن أبي عمير، عن رجل،
~~عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة "
~~(2) وما دل على أن الوضوء بعد الغسل بدعة (3)، وصريح الفقه الرضوي وغيره
~~(4).
# الأقوى الأول، فيحمل ما دل على أن تأخيره بدعة على إرادة غسل الجنابة
~~بملاحظة ضرب من التقية، وصحيحة ابن أبي عمير على الأفضلية، كما ذهب إليه
# PageV01P088
# الشيخ في المبسوط (1). ولذلك لم نذكر الصحيحة في أدلة المختار، فإن
~~اعتبار الحيثية لا يكفي، وإرادة الواجب (2) والندب من لفظ واحد كما ترى.
# مع أن هذا الإشكال يرد على صحيحته الأخرى بالنظر إلى المشروطات المستحبة.
# والتحقيق أن نحملها على الوجوب الشرطي، فيتم الوجوب (3) في الواجب، ويصح
~~حينئذ حمل القبلية على الأفضلية.
# والمراد بالشرطية الشرطية للمشروطات لا للغسل، فلا تأثير للتقديم في صحة
~~الغسل، وإن كان يعصي بتأخيره على القول بوجوب التقديم.
# والسر في ذلك على ما أفهم: أن المراد بتلك الأخبار بيان اسقاط الغسل
~~للوضوء وعدمه. فأخبار القول الآخر تفيد أن الغسل يجزئ عن الوضوء، وإجزاء شئ
~~عن الآخر ظاهر في ثبوت الآخر بسبب آخر. فأخبار المشهور أيضا تحمل على إرادة
~~عدم السقوط لا الوجوب.
# وينقدح بما ذكرنا: أن الحيض والنفاس ومس الميت مثلا ليست موجبات للوضوء،
~~فالمراد أن (4) الغسل هل يسقط الوضوء الثابت بسبب أسبابه الموجبة أم لا؟
# ولذلك ترى كلام كثير منهم خال عن ذكر المذكورات في موجبات الوضوء، بل
~~يظهر من الإرشاد نفي كون هذه منها (5)، فليس المراد إثبات وجوب الوضوء
~~للأغسال ms0013 أو عند حدوث تلك الأحداث وجوبا ابتدائيا، أو نفيه، بل المراد بيان
~~بقاء
# PageV01P089
# التكليف الثابت بالوضوء وعدمه.
# وإن تأملت في كلام من جعلها من الموجبات أيضا تعرف أن مرادهم أيضا ذلك.
# ومما يشهد بذلك: تعميم الاستدلال بهذه الأخبار في الأغسال المستحبة، مع
~~أن الموجب هنا منحصر في غير المذكورات كما لا يخفى.
# وبالجملة: لم يظهر من أدلة المشهور - سيما مع مقابلتها لأدلة القول الآخر
~~- وجوب الوضوء لمس الميت مثلا.
# أما الاستحاضة فالدليل على موجبيتها للوضوء ثابت من خارج كما سيجئ.
# وأما الحيض فلا يكاد يتصور انفكاكه عن الأحداث الموجبة للوضوء، وكذلك
~~النفاس غالبا.
# فلعل مسامحة كثير منهم في جعلها موجبات إنما كانت بملاحظة أغلب الأحوال.
# ويشهد بما ذكرنا كلام الشيخ في التهذيب، حيث قال في الاستدلال على
~~المشهور: وأقوى ما يدل على ذلك أن الوضوء فريضة لا تجوز استباحة الصلاة من
~~دونها إلا بدليل شرعي، وليس ههنا دليل شرعي في سقوط الطهارة بهذه الأغسال
~~يقطع العذر، ولا يلزمنا مثل ذلك في غسل الجنابة، لأنا لم نقل ذلك إلا
~~بدليل، وهو إجماع العصابة والأخبار الدالة على ذلك (1).
# لا يقال: إن عموم الآية مع كون النفاس أو الحيض مثلا ناقضا ورافعا - وإن
~~لم يسلم كونهما موجبين - يثبت وجوب الوضوء مطلقا.
# لأنا نقول: مع التسليم، إن عموم الآية بحيث يشمل ما لو لم يحصل حدث أصغر
~~ممنوع، لما مر في المبحث الثالث، وأوضحناه في المناهج.
# PageV01P090
# ففذلكة ما اخترناه: وجوب الوضوء للمشروطات مع حصول أسباب الوضوء غير
~~المذكورات بوجوب شرطي، فيتبع (1) مشروطاته في الوجوب الشرعي واستحبابه، ولا
~~يجب تقديمه على الغسل، ولا تأثير له في صحته، ولا في رفع الحدث الأكبر، وإن
~~كان الأحوط تقديمه على الغسل والإتيان به بعد حصول المذكورات وإن لم يحصل
~~غيرها من أسباب الوضوء أيضا.
# والأظهر لزوم ترك الوضوء مع غسل الجنابة، وقيل باستحبابه لبعض الأخبار
~~(2)، وهو محمول على التقية.
# السابع: المشهور أن السلس - وهو من لا يتمكن من استمساك بوله - يتوضأ لكل
~~صلاة كالمستحاضة (3). وعن المبسوط: أنه يجوز ms0014 أن يصلي بوضوء واحد صلوات
~~كثيرة (4). وعن المنتهى: أنه يجمع بين الظهرين بوضوء واحد، وكذا العشاءين،
~~ويفرد كل صلاة غير هذه بوضوء (5).
# حجة المشهور: عموم ما دل على الوضوء بحدوث الحدث، خرج عنه حال الصلاة
~~للضرورة، وبقي الباقي. وكذلك عموم * (إذا قمتم) * (6) وما في معناه.
# واحتج الشيخ بعدم الدليل على تجديد الوضوء، وحمله على الاستحاضة قياس.
# ولعله منع شمول العمومين لما نحن فيه، فإن المتبادر من الحدث هو الشائع،
# PageV01P091
# وعموم (إذا قمتم) مخصص بالمحدثين كما مر، فيحتمل أن يكون مراده: منع
~~حدثية البول للسلس، ومنع حدثية المتقاطر منه دون المستمر إذا وجد له بول
~~معتاد أيضا.
# و (1) موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل أخذه تقطير في فرجه، إما دم أو
~~غيره، قال: " فليصنع (2) خريطة، وليتوضأ، وليصل، فإنما ذلك بلاء ابتلي به،
~~فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه " (3).
# فإن كان المسؤول عنه هو غير البول من الدم والقيح والصديد ونحو ذلك كما
~~هو الظاهر، فلا دلالة للرواية، بل هي دليل على خلافه. وإن جعل المسؤول عنه
~~أعم بمعونة الإطلاق وترك الاستفصال، فوجه دلالتها أن يجعل الحدث الذي يتوضأ
~~منه كناية عن البول المتعارف وغيره من الأحداث المتعارفة، لا البول الغير
~~المتعارف، فلا يجب الوضوء للمتقاطر.
# ولا يبعد أن يكون ذلك هو مراد الشيخ أيضا، لا نفي حدثية مطلق البول
~~للسلس، لأن جعل مطلق البول خارجا عن الحدث الذي يتوضأ منه بالنسبة إلى
~~السلس وإرادة ذلك من اللفظ إلغاز وتعمية، ولو كان الراوي يعلم ذلك فلا وجه
~~لسؤاله. وعلى هذا فتحصل قوة لقوله إن أراد ذلك.
# وتؤيده أيضا: حسنة منصور قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل
~~يعتريه البول، ولا يقدر على حبسه قال، فقال: " إذا لم يقدر على حبسه فالله
~~أولى بالعذر، يجعل خريطة " (4).
# ولم نجعلها دليلا، لأن العذر لا يتم إلا بلزوم الحرج، ولا حرج فيما ذهب
~~إليه
# PageV01P092
# المشهور. فكما أن الكون على الطهارة في الصلاة واجب، فالدخول فيها معها
~~أيضا واجب، ولا يسقط أحدهما بتعذر الآخر. ms0015
# حجة العلامة: صحيحة حريز، عن الصادق عليه السلام أنه قال: " إذا كان
~~الرجل يقطر منه البول والدم إذا كان حين الصلاة اتخذ كيسا، وجعل فيه قطنا،
~~ثم علقه عليه، وأدخل ذكره فيه، ثم صلى، يجمع بين الصلاتين (1)، الظهر
~~والعصر، يؤخر الظهر ويعجل العصر بأذان وإقامتين، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء
~~بأذان وإقامتين، ويفعل ذلك في الصبح " (2).
# وقد أورد عليها: بأن الحكمة في الجمع بين الصلاتين لعلها تقليل النجاسة
~~أو شئ آخر لا نعلمه، لا الجمع بوضوء واحد (3).
# وهو بعيد، بل الظاهر منها ما استدل به كما في المستحاضة، وهو أحوط من
~~مذهب الشيخ، كما أن المشهور أحوط منهما، سيما مع ملاحظة ما سيجئ من وجوب
~~الوضوء والبناء إذا حصل الحدث في أثناء الصلاة في البطن، فالعمل على
~~المشهور.
# وأما البطن - وهو الذي يعتريه غائط أو ريح على وجه لا يمكنه دفعه - فالذي
~~صرح به الفاضلان (4) وابن إدريس (5) والشهيد (6): أنه يجدد الوضوء لكل
~~صلاة، والظاهر أنه مذهب المشهور، بملاحظة حكمهم بالوضوء والبناء في الأثناء
~~كما سيجئ. ولم يخالفهم العلامة هنا، لكون النص مقصورا على السلس، والدليل
# PageV01P093
# عليه ما تقدم. ولم يظهر من المبسوط موافقته هنا لحكمه في السلس (1)، وإن
~~كان يظهر من الدروس نسبته إليه (2).
# والأولى أن صاحب السلس إذا كان له فترة معتادة تسع الطهارة والصلاة
~~انتظرها. وكذا وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الوضوء كما قالوه، وربما احتمل
~~عدمه، لعموم الأدلة.
# ثم إن المشهور في البطن إذا فاجأه الحدث في الصلاة أنه يتوضأ ويبني،
~~لصحيحة محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام أنه قال: " صاحب البطن الغالب
~~يتوضأ، ثم يرجع في صلاته، ويتم ما بقي " (3) وموثقته - لابن بكير - مثلها
~~(4).
# ويظهر من المختلف الاستمرار على الصلاة كصاحب السلس، لأنه لو انتقضت
~~الطهارة انتقضت الصلاة، وليس فليس (5). ومبناه اشتراط صحة الصلاة بالطهارة
~~المستمرة، وأنه لا يكفي مطلق وقوع الصلاة بأجمعها على الطهارة. وهذا وإن
~~كان ظاهر الأدلة، ولكن تخصصه الروايتان المعتبرتان.
# وقال في المختلف: إن كان يتمكن من التحفظ بمقدار الطهارة والصلاة، فيتوضأ ms0016
~~ويستأنف، لأنه متمكن من فعل الصلاة كاملة مع الطهارة المستمرة (6).
# ولعل المشهور أيضا يكون في ذلك موافقا للمختلف، وإنما الخلاف في غير ماله
~~فترة يمكن فيها التحفظ، وإلا فعلى المشهور أيضا يجب البناء لا الاستئناف،
~~والروايتان المتقدمتان ظاهرتان في غير ماله فترة.
# وأيضا الظاهر أن موضع الخلاف ما إذا تمكن من الدخول فيها مع الطهارة، وإن
# PageV01P094
# لم يمكن (1) ذلك فلا يجب الوضوء لما حدث في الأثناء. وكذا (2) لو تمكن من
~~التلبس وتكثر الحدث وتكرر بحيث يستلزم تجديد الوضوء العسر والحرج.
# وأما حكم السلس لو فجأه الحدث في الأثناء، فيظهر من جماعة أنه يتوضأ
~~ويبني (3)، والظاهر أن مرادهم فيما لو كان له فترة يمكن فيها التحفظ بمقدار
~~الطهارة والصلاة، كما صرح به في الدروس (4). وعن التذكرة أنه يستمر عند عدم
~~إمكان التحفظ، ويتطهر ويستأنف عند الإمكان (5). وهذا أوفق بما تقدم من
~~الأحكام، وألصق بالقواعد والأدلة.
# ولم نقف على ما دل على التوضؤ والبناء إلا رواية أبي سعيد القماط
~~المذكورة في التهذيب في باب أحكام السهو في الزيادات (6) (7)، وهي غير
~~واضحة السند والدلالة (8)، وعليك بالاحتياط في هذه المسائل، فإن أكثرها غير
~~منقحة في كلامهم.
# الثامن: يستحب الوضوء لنفسه كما أشرنا، ولأمور:
# منها: الصلاة المندوبة، وتشرط به أيضا، وكلاهما إجماعي. ويدل عليه
# PageV01P095
# الأخبار عموما، مثل قولهم عليهم السلام " افتتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها
~~التكبير " و " الصلاة ثلاثة أثلاث، ثلث طهور، وثلث ركوع، وثلث سجود " و "
~~لا صلاة إلا بطهور " وغير ذلك (1).
# وخصوصا في مثل صلاة الحاجة، وصلاة الاستخارة وغيرهما.
# ومنها: الطواف المندوب وسائر المناسك، للأخبار. وفي صحيحة معاوية بن عمار
~~إشارة إلى ما ذكر (2). وسيجئ الخلاف في اشتراط (3) الطواف به.
# ومنها: قراءة كتاب الله ومسه وحمله، وهو المشهور، وعللت بالروايات (4)،
~~وبالتعظيم، وفي عدة الداعي ما يدل على استحبابه للقراءة (5).
# ويرشد إلى حكم الأخيرين: ما ورد في حرمة مسه وكراهة حمله بلا طهر (6)،
~~مضافا إلى استحبابهما في نفسهما. ولو لم يكن إلا الشهرة لكفت، بل وأقل منها
~~أيضا، وكذا فيما سيجئ مما لم يظهر فيه ms0017 نص بالخصوص للمسامحة في أدلة السنن،
~~كما هو مسلم عند الخاصة والعامة، منصوص عليه بالأخبار المعتبرة المستفيضة،
~~وقد حققنا المقال في كتاب مناهج الأحكام.
# ومنها: دخول المساجد، للأخبار المستفيضة جدا (7).
# ومنها: الاستدامة، وهو المراد بالكون. والتغاير بين استحباب أصل الوضوء
~~والوضوء للكون عليه واضح، ويدل عليه * (يحب المتطهرين) * (8) وما رواه في
# PageV01P096
# البحار عن نوادر الراوندي، وعن مجالس ابن الشيخ، وفي غيرهما من الروايات
~~أيضا إشارات (1).
# ومنها: التأهب لصلاة الفريضة قبل دخول وقتها، لإيقاعها في أول الوقت.
# فلا يدخل فيه ما لو أراد تسهيل الأمر، لتعسر تأخيره حتى يدخل الوقت للبرد
~~أو الكسل أو غير ذلك، ويدخل فيه ما لو علم عدم تيسر الصلاة له أول الوقت،
~~لكن يريد التهيؤ (2) للشروع فيها أول زمان التيسر.
# والدليل عليه بعد الشهرة: ما رواه في الذكرى: " ما وقر الصلاة من أخر
~~الطهارة لها حتى يدخل وقتها " (3).
# وقضية هذه الرواية وكلام الأصحاب: أن هذا الوضوء هو وضوء الصلاة، لا أنه
~~مسقط عنه، إذ لم يثبت مما ذكرنا في أول الباب، إلا أن وجوبه لا يثبت إلا
~~بعد دخول الوقت، لخصوص (4) الآية والرواية، وإن كان مقتضى الوجوب الغيري
~~عدم التقييد، أما شرطيته له فلا اختصاص لها بدخول الوقت، فإذا ثبت الدليل
~~على استحباب التقديم فلا يلزمه حزازة.
# ويمكن الاستدلال عليه بما دل على استحباب إتيان الصلاة في أول الوقت
~~أيضا، لأن الأول الحقيقي من أفراد الأول العرفي، فيشمله، ولا يمكن إلا
~~بالاتيان به قبل الوقت. مع أن عموم ما دل على حسن استباق الخيرات والمسارعة
~~إلى المغفرة (5) مع عدم ثبوت المنع من تقديم الشرط وشمول أدلة إثبات
# PageV01P097
# الشرط له يثبته أيضا.
# ومنها: طلب الحوائج، للشهرة، ورواية عبد الله بن سنان (1 ").
# ومنها: زيارة قبور المؤمنين، وعلله الشهيدان وغيرهما بالنص (2).
# ومنها: صلاة الجنازة، وهو مشهور مدعى عليه الاجماع من التذكرة والمنتهى
~~(3). وكذلك عدم الوجوب.
# والأخبار، أما في نفي الوجوب فكثيرة، بل فيها التصريح بجوازها من الجنب
~~والحائض (4)، وأما الاستحباب ففي رواية عبد الحميد بن سعد دلالة عليه ms0018 (5).
# ومنها: التجديد، وهو إجماع العلماء إلا من شذ من العامة، لاستفاضة
~~الأخبار من الطرفين (6).
# ويستحب مطلقا، خلافا لظاهر الصدوق في التجديد الثالث (7)، وللشهيد في
~~أكثر من مرة لصلاة واحدة (8)، وتوقف فيه في المختلف (9)، كالشهيد فيما لو
~~لم يصل معه بعد.
# والأقوى: الجواز مطلقا، لاطلاق الأخبار. لكن الذي ينساق من الأدلة
~~والأخبار والفتاوى: اعتبار فصل معتد به، بل بحيث يحتمل فيه طروء حدث ولو
# PageV01P098
# ضعيفا، ليصدق عليه الجديد عرفا.
# وأما استحباب الوضوء متكررا متعاقبا ولو عشرين مرة بدون ذلك، فهو أجنبي
~~بالنسبة إلى المعهود من طريقة الشرع وأهله، وإن احتمله بعض الأصحاب، وكأن
~~نظره إلى مثل قوله عليه السلام: " الطهر على الطهر عشر حسنات " (1) و "
~~الوضوء على الوضوء نور على نور " (2) وفي الدلالة تأمل.
# والظاهر استحبابه على الغسل أيضا، لعموم الخبر السابق، وقول علي عليه
~~السلام: " الوضوء بعد الطهر عشر حسنات " (3) وكذلك استحبابه لغير الصلاة
~~أيضا، مثل الطواف والقراءة وغيرهما، للعموم.
# ومنها: النوم، للأخبار المستفيضة (4)، ويتأكد للجنب، ففي الصحيح: " يكره
~~ذلك حتى يتوضأ " (5) وفي رواية: " إن الصادق عليه السلام كان ينام على ذلك
~~إذا أراد العود إلى الجماع " (6).
# ويمكن أن يقال: إن النوم على الجنابة لا يستلزم عدم التوضؤ، لكن يلزمه
~~ترك الأفضل، أعني الغسل. ويمكن اختصاص الأفضلية بحال عدم إرادة العود.
# ومنها: جماع المحتلم، وعلله الشهيد بالنص (7)، وفي نزهة الناظر إشارة إلى
~~وجود الرواية (8)، وتكفي الشهرة أيضا.
# PageV01P099
# وللجماع بعد الجماع، وإن لم يذكره الأصحاب في الوضوءات المشهورة، لصحيحة
~~فلان بن محرز، رواها في كشف الغمة (1).
# ومنها: جماع الحامل، كما في وصية النبي لعلي عليهما السلام (2).
# ومنها: وطء جارية بعد أخرى، لرواية عثمان بن عيسى (3).
# ومنها: تغسيل الجنب للميت.
# ومنها: جماع غاسل الميت قبل الغسل، وتدل عليهما رواية شهاب بن عبد ربه
~~(4).
# ومنها: مريد إدخال الميت قبره.
# ومنها: تكفين الميت قبل الغسل لمن غسله.
# ومنها: وضوء الميت، وسيجئ.
# ومنها: ذكر الحائض وقت صلاتها على المشهور، لأخبار معتبرة ظاهرة في
~~الاستحباب (5). وأوجبه علي بن بابويه (6)، لصحيحة زرارة: " وعليها أن تتوضأ
~~وضوء الصلاة ms0019 عند وقت كل صلاة، ثم تقعد في موضع طاهر، فتذكر الله عز وجل "
~~(7) و (8) الأول أقوى.
# ومنها: وضوء ما بعد الاستنجاء للمتوضئ قبله، ولو كان قد استجمر على
# PageV01P100
# الأشهر (1) الأقوى. وأوجبه الصدوق إذا كان من البول (2)، لرواية سليمان
~~بن خالد وغيرها (3). وهي معارضة بأخبار كثيرة صحيحة وغيرها (4)، فيحمل على
~~الاستحباب.
# ومنها: الرعاف والقئ والتخليل المخرج للدم إذا كرهها الطبع، والخارج من
~~الذكر بعد الاستبراء من المذي والودي والوذي، والزيادة على أربعة أبيات شعر
~~باطل، والقهقهة في الصلاة عمدا، والتقبيل بشهوة، ومس الفرج، ومصافحة
~~المجوس، كما وردت في الروايات (5)، لكن يظهر من الأخبار في بعضها أنه مذهب
~~مغيرة بن سعيد لعنه الله، وفي بعضها أنه من باب التقية.
# نعم لا يبعد القول بالاستحباب في المذي إذا كان من شهوة، بل احتماله أيضا
~~يكفي في الباقي.
# ومنها: الوضوء عند الدخول بالزوجة لهما معا، ولم نقف على نص فيه.
# وصحيحة أبي بصير ظاهرها استحباب الوضوء لصلاة الزفاف (6). وتكفي الشهرة،
~~بل الأقل.
# وفي نزهة الناظر: الوضوء إذا قدم من سفر قبل الدخول على أهله، لما رواه
~~الصدوق في المقنع (7).
# ومنها: كتابة القرآن، وقد مرت الإشارة إلى دليله.
# PageV01P101
# ومنها: وضوء الحاكم إذا جلس للقضاء كما سيجئ.
# وقد ذكروا أكثر من ذلك أيضا، وبعد ما عرفت المسامحة في أدلة السنن، فتكفي
~~فتوى الفقيه في ذلك، والله الموفق. PageV01P102
# المقصد الثاني في أحكام التخلي وآدابه وفيه مباحث:
# الأول: يجب أن يجلس بحيث لا يرى عورته من يحرم عليه النظر إليها، كما يجب
~~أصل الستر عنه مطلقا، للإجماع، والأخبار الدالة على وجوب الإزار على من دخل
~~الحمام (1)، والمفسرة لآية * (ويحفظوا فروجهم) * (2) بذلك، الحاصرة معناه
~~فيه، والدالة على حرمة النظر إلى عورة المؤمن; الدالة على ما نحن فيه من
~~جهة كونه إعانة على الحرام (3).
# وما ورد فيها من أن المراد: إن رآه وعيبه وكشف قبائحه (4)، فلا ينافي ما
~~ذكرنا، سيما ما ورد فيه ذكر لزوم الإزار معللا بأن عورة المؤمن على المؤمن
~~حرام.
# والعورة: هو القبل والدبر والأنثيان على الأشهر ms0020 الأظهر، اقتصارا على موضع
# PageV01P103
# الوفاق، والأصل عدم الزائد، والنصوص أيضا دالة عليه، منها: " أن العورة
~~عورتان: القبل والدبر، والدبر مستور بالأليين، فإذا سترت القضيب والبيضتين
~~فقد سترت العورة " (1).
# وقيل: من السرة إلى الركبة (2)، لرواية بشير النبال (3)، وهي ضعيفة
~~محمولة على الاستحباب.
# وقيل: إلى نصف الساق (4)، ولا يحضرني دليله.
# والمشهور حرمة استقبال القبلة واستدبارها بالبدن، فلا يجدي انحراف العورة
~~عن القبلة في نفي ذلك كما ظن، لأن الأول هو الظاهر من الأخبار.
# والحكم مطرد حال الاستنجاء، لعموم الأخبار (5)، وخصوص رواية عمار، عن
~~الصادق عليه السلام: " الرجل يريد أن يستنجي كيف يقعد؟ قال: كما يقعد
~~للغائط " (6) ويستفاد منها مساواته في سائر الأحكام أيضا.
# والدليل على أصل الحكم: الأخبار المستفيضة، وضعفها منجبر بالشهرة، مع أن
~~مرسلة ابن أبي عمير كالصحيحة (7)، لأنه لا يروي إلا عن ثقة، وأجمعت العصابة
~~على تصحيح ما يصح عنه، فلا يضر احتمال كون الإرسال عن المروي عنه.
# PageV01P104
# ولا يضر اشتمال بعضها على ذكر المستحبات أيضا، لأن الأصل إنما يخرج عنه
~~بالدليل.
# قيل بتخصيص التحريم بالصحاري (1)، وقيل باستحباب تركه في الصحاري فقط
~~(2)، ولا دليل لهما يعتد به.
# وذهب بعض متأخري المتأخرين إلى الكراهة مطلقا، تضعيفا لأخبار المنع (3).
# وقد عرفت، وفي بعضها الأمر بالتشريق أو التغريب، ولعله للارشاد أو
~~للاستحباب.
# الثاني: يجب غسل مخرج البول بالماء بالاجماع، والصحاح المستفيضة الدالة
~~على وجوب غسل الذكر (4)، الظاهر في الماء، والمصرحة بعدم إجزاء غير الماء
~~(5).
# وذهب الفاضلان إلى لزوم استعمال الحجر ونحوه (6) لو لم يتمكن من استعمال
~~الماء، لأن المكلف به هو إزالة العين والأثر، فإذا (7) تعذرت إزالتهما لم
~~تسقط إزالة العين (8).
# وفيه منع، لأن التكليف إنما هو بالماء، وإجراء مثل قولهم عليهم السلام: "
~~ما لا يدرك كله لا يترك كله " (9) و " الميسور لا يسقط بالمعسور " (10)
~~والاستصحاب في الأجزاء العقلية غير واضح المأخذ.
# PageV01P105
# والأظهر الاكتفاء بما يصدق عليه الغسل مع إزالة العين، وفاقا لجماعة من
~~أصحابنا (1)، لاطلاق الصحاح المستفيضة وغيرها، حيث أمر فيها بالغسل والصب.
# والأكثر على أن أقل ما يجزئ: هو مثلا ما ms0021 على الحشفة، لرواية نشيط بن
~~صالح، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته كم يجزئ من الماء في الاستنجاء من
~~البول؟ فقال: " بمثلي ما على الحشفة من البلل " (2) ويمكن تنزيله على
~~المختار، فإن مثلي البلل أقل ما يمكن استيلاؤه على المخرج، ولا يمكن بدونه
~~عادة، مع أن نشيطا روى أيضا أنه يجزئ من البول أن يغسله بمثله (3).
# ثم إنهم اختلفوا في تفسير المثلين، فقيل: المراد مثلا البلل، لكن مع
~~التعدد (4).
# ويرد عليه: أن كلا من البللين لا يصدق معه الغسل المعتبر المدلول عليه
~~بالصحاح، لعدم حصول الاستيلاء، مع منع الدلالة على التعدد.
# وقيل: مثلا القطرة المتخلفة على الحشفة بعد خروج البول مع اعتبار التعدد
~~(5).
# وفيه: مع مخالفته لظاهر الرواية، ومنع دلالته على التعدد، أنه لا يقاوم
~~الإطلاقات، فيكفي الأقل، إلا أن يقال بانجبار سندها بالشهرة. مع أنه في
~~نفسه لا يخلو عن قوة.
# وقيل: إن المراد الغسلة الواحدة، لاشتراط الغلبة في المطهر، وهي لا تحصل
~~بالمثل (6).
# PageV01P106
# ولعل الباعث لهم على حمل الرواية على التعدد هو ما ورد في اعتبار
~~الغسلتين في البول إذا أصاب الجسد، كما ورد في حسنة ابن أبي العلاء بل
~~صحيحته (1) (2)، وحسنة أبي إسحاق النحوي (3) (4)، وغيرهما، وعمل عليها
~~الأصحاب، ونسبه في المعتبر إلى علمائنا (5).
# والإنصاف أن ظاهرها غير صورة الاستنجاء، ولا مانع من الفرق بين الاستنجاء
~~وغيره، وظاهر المحقق أيضا أن النسبة إلى العلماء في غير الاستنجاء، لأنه لم
~~يذكر ذلك في مبحث الاستنجاء، وذكره في تطهير البول عن الثوب والبدن. ولكن
~~الاحتياط في المرتين، والأفضل الثلاث، لصحيحة زرارة (6).
# وأما الدلك، فالظاهر عدم الوجوب، للأصل، والإطلاقات، وقال الكليني:
# وروي أنه ليس بوسخ ليحتاج أن يدلك (7)، انتهى.
# نعم إذا جف أو اختلط به مذي أو ودي فالظاهر عدم الاكتفاء مطلقا، بل لا بد
~~إما من الدلك أو تكاثر الماء وتوارده حتى يحصل العلم بالزوال.
# وأما مخرج الغائط، فيتخير فيه بين الماء، واستعمال جسم طاهر مزيل للعين
~~إذا
# PageV01P107
# لم يتعد المخرج.
# أما كفاية ذلك فإجماعية مدلولة عليها بالأخبار المعتبرة المستفيضة، ms0022 منها
~~صحاح زرارة الأربعة (1)، ورواية بريد بن معاوية (2).
# وأما موثقة عمار (3) ورواية عيسى بن عبد الله (4) وما في معناهما الدالة
~~على عدم كفاية الأحجار، فمحمولة على الاستحباب، لعدم المقاومة.
# وفي كفاية مطلق الإنقاء، أو لزوم ثلاث مسحات وإن نقي بدونها قولان،
~~كاشتراط تعدد الآلة في المسحات الثلاث. والأقوى فيهما العدم، فتكفي مسحة
~~واحدة إذا نقي، والجهات الثلاث لجسم واحد.
# لنا: حسنة ابن المغيرة، عن الكاظم عليه السلام قال، قلت له: للاستنجاء
~~حد؟
# قال: " لا حتى ينقى ما ثمة " (5) وموثقة يونس بن يعقوب قال: " يغسل ذكره
~~ويذهب الغائط " (6).
# ولهم: الأخبار المتضمنة لذكر ثلاثة أحجار، والاستصحاب، وبعض الأخبار
~~العامية الدالة على عدم كفاية أقل منها.
# ودلالة الأخبار على الوجوب ممنوعة، فإن في بعضها: " جرت السنة بذلك "،
~~وفي بعضها نقل فعل الإمام (7)، ولا يدل أحدهما على الوجوب.
# مع أن مثل هذا اللفظ كثيرا ما يستعمل ويراد تعدد الفعل لا الآلة، كما
~~يقال
# PageV01P108
# اضربه ثلاثة أسواط، فالمراد: ثلاث مسحات بالحجر، كما صرح به في الرواية
~~النبوية صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا جلس أحدكم فليمسح ثلاث مسحات " (1)
~~مع أن القيد وارد مورد الغالب، فلا حجة فيه. والاستصحاب لا يعارض الدليل.
# وبالجملة اعتبار العدد ضعيف، سيما مع الانفصال، وإلا فيلزم أن لا يجوز
~~التطهير بخرقة طولها عشرون ذراعا، وجاز بثلاث قطعات صغار، وهو كما ترى.
# والأشهر الأظهر المدعى عليه الاجماع من العلامة والشيخ: كفاية مطلق الجسم
~~(3)، لاطلاق الحسنة والموثقة (2) وصحيحتي زرارة الدالتين على جواز الخرق
~~والمدر والكرسف (4).
# وقيل بلزوم الحجر، لظاهر الروايات (5).
# وهو مدفوع بمنع الدلالة إلا على الاستحباب أولا، وبالحمل على الغالب
~~ثانيا، وبتلك الأخبار ثالثا.
# ووجوب إزالة العين إجماعي، ومنها الرطوبة.
# ولا تجب إزالة الأثر، لعدم انفكاكه عن ذلك، فيلزم عدم جواز الاستنجاء
~~بغير الماء، وهو خلاف الاجماع.
# والمراد به: هي اللزوجة المتخلفة في الموضع (6)، لا الريح واللون، فلا
~~يضر بقاؤهما، لصريح الحسنة المتقدمة في الأولى، ولاطلاق الموثقة وغيرها
~~فيها
# PageV01P109
# وفي اللون.
# وكذلك الكلام في الغسل. والتشكيك بتغير الماء بالريح يدفعه احتمال كون ms0023
~~الريح من المحل - وإن كان حصل من تلك النجاسة - لا من النجاسة.
# وكذلك التشكيك بعدم جواز انتقال الأعراض مع سلامته لا يليق بالفقه وأهله،
~~لبنائه على متفاهم العامة.
# ولا تجب إحاطة الموضع بكل حجر، فيكفي التوزيع، للاطلاق، خلافا للشرائع
~~(1).
# وأما طهارة الجسم، فادعى عليه الاجماع في المنتهى (2).
# وأما إذا تعدى المخرج على خلاف المعتاد، فلا يجزئ إلا الماء إجماعا، نقله
~~الفاضلان (3)، ولعدم صدق الاستنجاء في بعض الأحيان. وليس هذا التقييد إلا
~~في بعض الأخبار العامية (4).
# وفي وجوب غسل الجميع، أو ما تعدى المخرج إشكال، والاكتفاء بالقدر المتعدي
~~قوي لو لم يثبت الاجماع.
# قالوا: وحينئذ تجب إزالة العين والأثر، ولعل نظرهم إلى أن النقاء
~~والإذهاب الواردين في الأخبار لا يحصل إلا بذلك، وحينئذ فيجب القول بالعفو
~~والتخصيص في الاستجمار. ويتم الكلام مع الشك في النقاء بدون زوال الأثر
~~أيضا.
# ولا تجب تنقية الباطن ولا إدخال الأنملة والقطنة، للأصل والإجماع
~~والأخبار (5).
# PageV01P110
# ويحرم الاستنجاء بالعظم والروث والمطعوم وكل محترم على المعروف من مذهب
~~الأصحاب، المدعى على الأولين الاجماع من المعتبر (1)، وعلى الثلاثة من ظاهر
~~المنتهى (2). وفي بعض الأخبار تعليل المنع في الأولين: بأنهما طعام الجن،
~~وذلك ما شرطوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3).
# وأما الأخير - مثل ورق المصحف والأدعية والتربة الحسينية ونحوها - فلا
~~ريب في حرمتها، بل قد يؤول إلى الكفر.
# ثم هل يطهر الموضع أم لا؟ فيه قولان (4)، أقربهما نعم، للعمومات، ولعدم
~~دلالة النهي على الفساد. واستدل المانع بوجوه ضعيفة، منها خبر عامي ضعيف
~~(5).
# الثالث: يستحب ستر البدن ولو بالتباعد، للتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم (6). بل يمكن القول باستحباب نفس التباعد، لقول لقمان لابنه: " إذا
~~أردت قضاء حاجتك فأبعد المذهب في الأرض " حكى عنه الصادق عليه السلام (7).
# ويمكن حمله على الصحراء كما هو ظاهر الخبر.
# وتهيئة الأحجار، للخبر، ولما في جمعها بعد الحدث من خوف نشر النجاسة.
# وتغطية الرأس، ونقل عليه الاجماع (8). وفي المقنعة: أن تغطية الرأس
~~المنكشف
# PageV01P111
# من سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1). وفي ms0024 الفقيه: أنه للاقرار بأنه
~~غير مبرئ نفسه من العيوب (2). وكأنه إشارة إلى ما قاله صلى الله عليه وآله
~~وسلم لأبي ذر:
# " أستحي من الله، فإني والذي نفسي بيده لأظل حين أذهب إلى الغائط متقنعا
~~بثوبي استحياءا من الملكين اللذين معي " (3) ولكن التقنع مستحب آخر كما في
~~رواية أخرى، ولا منافاة.
# وربما علل بعدم وصول الرائحة الخبيثة إلى الدماغ (4).
# وتقديم الرجل اليسرى عند الدخول، عكس الخروج، عكس المكان الشريف، وتكفي
~~الشهرة في ذلك، مع أن الاستقراء يورث الظن القوي بل القطع باحترام اليمين،
~~سيما في اليد، بخلاف اليسار.
# والتسمية، للصحيح (5).
# والدعاء بالمأثور عند الدخول، والكشف، والقعود، والحدث، والنظر إليه،
~~والفراغ، والخروج.
# وأن يمسح بطنه عند الخروج داعيا بالمأثور.
# وأن يقدم الاستنجاء من الغائط، للتنظيف، ولموثقة عمار (6).
# واختيار الماء حيث يجزئ الاستجمار، للأخبار المستفيضة، منها الصحيح، بل
~~الصحاح (7)، والجمع أفضل، للخبر. وإطلاقه ككلام الأصحاب يشمل ما لو كان
~~فرضه الماء فقط أيضا، مع أنه أبلغ في التنظيف. وتقديم الحجر حينئذ، لذلك،
# PageV01P112
# وللتصريح به في الخبر قال: " جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار،
~~ويتبع بالماء " (1).
# ويستحب إيتار الأحجار، للخبر (2).
# ويستحب الاستبراء على المشهور، للأخبار المعتبرة (3). خلافا للاستبصار
~~فأوجبه (4)، وهو ضعيف، للأصل، وعدم وضوح دلالة الأخبار على الوجوب، وصحيحة
~~جميل عن الصادق عليه السلام: " إذا انقطعت درة البول فصب الماء " (5)
~~وموثقة روح بن عبد الرحيم (6)، ورواية داود الصرمي عن الهادي عليه السلام
~~قال:
# " رأيته غير مرة يبول ويتناول كوزا صغيرا ويصب الماء عليه من ساعته "
~~(7).
# وفائدته: عدم انتقاض الوضوء والتنجس بالبلل المشتبه.
# واختلف كلامهم في كيفيته، كظاهر الأخبار، وسيجئ تمام الكلام.
# الرابع: يكره الجلوس مستقبلا للريح ومستدبرا لها. ولا وجه لتخصيص بعض
~~الأصحاب ذلك بالبول (8) مع ورود الرواية مطلقة (9). واستنباط العلة غير
~~واضح.
# وفي الخصال عن علي عليه السلام: " وإذا بال أحدكم فلا يطمحن ببوله، ولا
~~يستقبل الريح " (10) وهو لا يقتضي الاختصاص أيضا.
# PageV01P113
# ومستقبلا بفرجه النيرين - قرصهما لا جهتهما - للبول، لحسنة الكاهلي
~~وغيرها (1)، بل الأولى عدم الاستقبال بمطلق الفرج. بل الغائط أيضا، حملا ms0025
~~للبول في الروايات على الأعم، لشيوع استعماله في ذلك استهجانا للغائط، مع
~~أن الغالب في الظهور لجرم النيرين هو مخرج البول كما لا يخفى، لعدم اعتبار
~~البدن هنا في الاستقبال والاستدبار.
# مع أنه قال في الفقيه: وفي خبر آخر: " لا تستقبل الهلال ولا تستدبره "
~~(2).
# ولم نقف على من صرح بكراهة الاستدبار هنا، مع دلالة الرواية عليه، بل على
~~اعتبار البدن أيضا.
# البول في الصلبة، للتوقي، وللأخبار المعللة بعضها بذلك أيضا (3).
# وفي الماء، سيما الراكد منه، فإن للماء أهلا كما في الخبر (4). والأخبار
~~النافية للبأس في الجاري محمولة على تخفيف الكراهة، لرواية مسمع المصرحة
~~بالنهي عنه إلا لضرورة (5)، وبعضهم عمم الحكم في الغائط، للأولوية (6).
# وفي الطرق النافذة، وهي أعم من الشوارع، لرواية عاصم بن حميد (7).
# وموارد المياه، كشطوط الأنهار المذكورة في الرواية (8)، ورؤس الآبار
~~المذكورة في رواية السكوني (9).
# PageV01P114
# ويدخل سائر أفرادها في اللعن (1)، فإنه أيضا مكروه بعمومه، وإن فسر في
~~رواية عاصم بأبواب الدور، فإن الظاهر أنه من باب التمثيل.
# وأفنية المساجد، لمرفوعة علي بن إبراهيم (2).
# ومنازل النزال، لتلك الرواية (3).
# وتحت الشجرة المثمرة، للأخبار الكثيرة المطلق بعضها، والمصرح بعضها بما
~~فيها ثمرتها، والمعلل بعضها بمكان الملائكة الموكلين بها، ولذلك يكون الشجر
~~والنخل أنسا إذا كان فيه حمله، لأن الملائكة تحضره، وفي بعضها " مساقط
~~الثمار " المشيرة بأن ذلك لأجل الإضرار (4).
# والحق الكراهة مطلقا، لعدم المنافاة، وتأكيدها فيما وجدت فيها.
# وذلك الإطلاق لا ينافي ما اخترناه في الأصول من اشتراط التلبس بالمبدأ في
~~صدق المشتق، لأن المبدأ هنا ليس نفس الثمر، بل الإثمار، وهو قد يراد منه
~~الملكة شبيه الملكة الانسانية، وقد يراد به الحال، والأظهر الأول. وأما
~~الثمر بمعنى ذا ثمر، كأغد البعير (5)، فهو خلاف المتبادر من مطلق اللفظ.
~~وقد تجعل الأخبار المفصلة قرينة لإرادة التقييد من المطلق منها، ولا حاجة
~~إليه.
# وفي الجحر (6)، لرواية عامية (7).
# PageV01P115
# وعلى القبر وبين القبور للأخبار (1).
# وقائما، للأخبار، معللا بمخافة تخبيل الشيطان (2).
# ومطمحا بوله إلى الهواء، رافعا به، توقيا عن الرد، وللرواية المتقدمة عن
~~الخصال (3). وفي روايات ms0026 أخر كراهة تطمحة البول من السطح في الهواء (4).
~~والجمع بينها وبين ظاهر أهل اللغة (5): أن يرفع بوله ويهويه من السطح، وإلا
~~فينافي ما دل على ارتياد الموضع المناسب والمكان المرتفع (6)، إلا أن يخصص
~~الارتفاع بما يحصل معه الأمن من التلوث.
# وطول الجلوس، للأخبار، معللا بايراث الباسور (7).
# والسواك، للخبر، معللا بايراث البخر (8).
# والكلام إلا بذكر الله، وآية الكرسي، وحكاية الأذان، كل ذلك للروايات
~~(9).
# والأكل والشرب.
# والاستنجاء باليمين، لأنه من الجفاء، كما في الأخبار (10)، إلا إذا اعتلت
~~اليسار
# PageV01P116
# كما في الخبر، قال في الفقيه: وقال أبو جعفر عليه السلام: " إذا بال
~~الرجل فلا يمس ذكره بيمينه " (1) ومنه تظهر كراهة الاستبراء باليمين أيضا
~~(2).
# والاستنجاء باليسار وفيها خاتم عليه اسم الله، ودخول الخلاء وهو عليه،
~~لموثقة عمار (3).
# وألحق الأصحاب: أسماء الأنبياء والأئمة وفاطمة عليهم السلام (4)، ولا بأس
~~به. وذلك إذا قصد بها هؤلاء، فلا عبرة بالاشتراك.
# هذا إذا لم يعلم وصول النجاسة، وإلا فيحرم، وقد يكفر إذا استهان بذلك.
# وفي بعض الروايات الكراهة إذا كان فصه حجر زمزم (5)، وعمل بها بعض
~~الأصحاب (6).
# PageV01P117
# المقصد الثالث في كيفية الوضوء وفيه مباحث:
# الأول: أجمع أصحابنا على أن الوضوء غسلتان ومسحتان، غسل الوجه واليدين
~~إلى المرفقين، ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين.
# أما الوجه، فحده طولا من قصاص الشعر إلى طرف الذقن، وعرضا: ما اشتملت
~~عليه الإبهام والوسطى، بلا خلاف بين أصحابنا. وادعى الاجماع على ذلك بعضهم
~~صريحا، وجماعة منهم ظاهرا (1).
# وتدل عليه: صحيحة زرارة، عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: أخبرني عن
~~حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ، الذي قال الله عز وجل؟ فقال: " الوجه الذي
~~أمر الله تعالى عز وجل بغسله، الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص
~~منه، إن زاد عليه لم يؤجر، وإن نقص منه أثم: ما دارت عليه الوسطى والإبهام،
~~من
# PageV01P118
# قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وما حوت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه،
~~وما سوى ذلك فليس من الوجه " فقلت له: الصدغ من الوجه؟ فقال: " لا " (1)
~~الحديث.
# ولا نعرف خلافا ms0027 في عدم وجوب غسل الصدغ، إلا عن (2) ظاهر الراوندي (3).
# وذلك (4) إما من جهة هذه الرواية بتخصيص بعض أجزائها لبعض، أو لأنه خارج
~~عن التحديد غالبا، هذا إذا أردنا من الصدغ مجموعه، أو المراد ما لم تبلغه
~~الإصبعان من جملته وإن وجب جزأه الذي شملاه.
# وهذا التقرير في بيان مذهب الأصحاب مبني على ما فهمه المحقق البهائي من
~~كلامهم (5)، وتبعه على ذلك المحقق الخونساري - رحمه الله - في شرح الدروس
~~(6)، غفلة عن حقيقة الحال، وزعما أن مرادهم من الصدغ هوما بين آخر العين
~~والأذن. ولذلك أورد المحقق البهائي عليهم بأن تحديدهم المذكور وتنزيلهم
~~الصحيحة عليه يوجب دخول ما هو خارج عن الحد، وهو الصدغ، نظرا إلى فتواهم
# PageV01P119
# في عدم وجوب غسله، ودلالة الصحيحة عليه أيضا.
# وأنت خبير بأن وجوب غسل ما تشمله الإصبعان إجماعي، مقطوع به في كلامهم،
~~ولم نقف على أحد منهم صرح بعدم وجوب غسل ما تشمله الإصبعان من الصدغ بهذا
~~المعنى، بل إما حكموا بعدم وجوب ما زاد على التحديد المذكور منه، أو أرادوا
~~من الصدغ معنى آخر مذكور في كتب اللغة، قال في الصحاح: الصدغ ما بين العين
~~والإذن، ويسمى أيضا الشعر المتدلي عليه صدغا، يقال صدغ معقرب، قال الشاعر:
# عاضها الله غلاما بعد ما * شابت الأصداغ والضرس نقد (1) انتهى. ومراد
~~أصحابنا في نفي وجوب غسله هو بهذا المعنى، فلاحظ كلماتهم مصرحة بذلك.
~~والمراد منه هو الشعر المتدلي من فوق الأذن، المتصل بالعذار، وهو الشعر
~~المحاذي للإذن، بينه وبين الأذن بياض، وينتهي إلى العارض، ولا ريب أنه ممتد
~~مع العذار بامتداد واحد، ولا تبلغه الإصبعان قطعا إلا في فرد نادر إن وجد،
~~فلاحظ المنتهى والذكرى وشرح القواعد والمدارك (2) وسائر الكتب تجد ما
~~ذكرنا، فإن شئت أذكر لك بعضها:
# قال في المنتهى في تحديد الوجه: مذهب أهل البيت عليهم السلام أنه من قصاص
~~الشعر إلى الذقن طولا، وما دارت عليه الإبهام والوسطى عرضا - إلى أن قال -
~~وقال بعض الحنابلة: الصدغان من الوجه - إلى أن قال - لا يجب غسل ما ms0028 خرج عما
~~حددناه ولا يستحب كالعذار - إلى أن قال - ولا الصدغ، وهو الشعر الذي بعد
~~انتهاء العذار، المحاذي لرأس الأذن، وينزل عن رأسها قليلا (3).
# ثم إنهم - رحمهم الله - نزلوا الصدغ المذكور في الصحيحة أيضا على ذلك،
# PageV01P120
# وهو الظاهر منها اللائق بسؤال مثل زرارة، فإنه لا معنى للسؤال عما نص
~~الإمام عليه السلام على وجوبه في ضمن قوله: " ما دارت عليه الوسطى والإبهام
~~" لأنه (1) شامل لشئ من الصدغ بالمعنى الأول، بل أغلبه، فلا وجه لإعادة
~~السؤال.
# ومما يوضح هذا المطلب، قول الشهيد في الذكرى: والصدغ ما حاذى العذار
~~فوقه، وقد تضمنت الرواية المشهورة سقوط غسله، وفيها إيماء إلى سقوط غسل
~~العذار، مع أن الإبهام والوسطى لا تصلان إليه غالبا (2)، انتهى.
# وبالجملة فالذي يظهر لي: أنه لا خلاف بين الأصحاب في وجوب غسل ما تشمله
~~الإصبعان من الصدغ بالمعنى الأول، وأن (3) الظاهر من الراوندي الخلاف في
~~المعنى الثاني كما يظهر من الذكرى، فإنه قال بعد ما نقلنا عنه: وظاهر
~~الراوندي في الأحكام غسل الصدغين، والرواية تنفيه.
# واختلف كلامهم في العذار، فظاهر جماعة منهم دخوله (4)، وظاهر الفاضلين
~~الاجماع على العدم (5). ولعل النزاع بينهم يؤول إلى شمول التحديد وعدمه،
~~وإلا فلا نزاع، فما تبلغه الإصبعان يجب غسله وإن كان بعضا منه.
# وأما العارضان، فاختلف كلامهم فيه أيضا، والظاهر أنه أيضا كذلك لما
~~ذكرنا، فالنافي إنما ينفي وجوب ما لا يصل إليه الإصبعان منه.
# وأما النزعتان، فلا يجب غسلهما، لأن المتبادر من قصاص الشعر: قصاص شعر
~~الناصية، مع أنهما خارجتان عن تسطيح الوجه، داخلتان في التدوير.
# وكذلك اختلف كلامهم في مواضع التحذيف، ولعل وجه المنع هو احتمال كون
# PageV01P121
# شعره شعر الرأس، وإلا فهو مما تبلغه الإصبعان، فيجب غسله، والأحوط الغسل
~~في الجميع.
# والعبرة في ذلك بمستوي الخلقة، فالأنزع والأغم (1) وقصير الأصابع وطويلها
~~يغسلون ما يغسله المستوي.
# ثم إن شيخنا البهائي (2) حمل صحيحة زرارة على معنى آخر أوجب نقص الوجه
~~عما ذكره الأصحاب بكثير، وهو أنه جعل إحاطة الإصبعين حدا لكل من الطول
~~والعرض، بمعنى أن ms0029 الخط المتوهم من قصاص الشعر إلى طرف الذقن، وهو الذي
~~تشتمل عليه الإصبعان غالبا إذا أثبت (3) وسطه وأدير على نفسه حتى يحصل شبه
~~دائرة، فذلك القدر هو الذي يجب غسله، وهو خلاف الظاهر من الرواية، والأجنبي
~~بالنسبة إلى مكالمات الشارع. مع أن الظاهر منه أيضا أنه يدخل في الحد شئ من
~~الصدغ، وهو خلاف صريح الصحيحة على ما فهمه.
# وذكر الإبهام والوسطى والإصبعان في الرواية وإرادتهما بنفسهما في الجملة
~~مما يناسب المقام، لكونهما آلة الغسل، ومعيار التحديد. وأما على ما فهمه
~~الشيخ فيفوت ذلك، لأن المراد هو مقدار ما بين طرفيهما، وكذلك يخلو الحديث
~~حينئذ عن إفادة الإشارة بوجه ما إلى الابتداء بالأعلى، بخلاف ما فهمه
~~الجمهور.
# والمشهور وجوب البدأة من الأعلى، خلافا للسيد (4) وابن إدريس (5).
# لنا: صحيحة زرارة على ما في التهذيب - في صفة وضوء رسول الله صلى الله
# PageV01P122
# عليه وآله وسلم - عن الباقر عليه السلام: " فدعا بقدح من ماء، فأدخل يده
~~اليمنى، وأخذ كفا من ماء، فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه، ثم مسح وجهه من
~~الجانبين جميعا، ثم أعاد يده اليسرى في الإناء، فأسدلها على يده اليمنى، ثم
~~مسح جوانبها، ثم أعاد اليد اليمنى في الإناء فصبها على اليسرى، ثم صنع بها
~~كما صنع باليمنى، ثم مسح بما بقي في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء
~~" (1).
# وصحيحته الأخرى في الكافي، عنه عليه السلام: " ثم غرف فملأها ماءا،
~~فوضعها على جبينه " (2) الحديث، ورواها في الفقيه مرسلا، وموضع جبينه جبهته
~~(3). وسائر الروايات البيانية الظاهرة في ذلك (4).
# وفي الفقيه بعد هذه الرواية ورواية أخرى بعدها قال، وقال الصادق عليه
~~السلام: " والله ما كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا مرة
~~مرة، وتوضأ النبي مرة مرة فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به "
~~(5).
# وربما يستشكل بمنع الدلالة، لأن البيان إنما تجب متابعته إذا كان للمجمل،
~~ولا إجمال في الغسل. مع احتمال وروده مورد الغالب، فلعل ذلك لأجل الإتيان
~~بالكلي في ضمن فرد منه، وليس ذلك ms0030 أمرا خارجا عن العادة.
# وأما مرسلة الفقيه، فمع تعقبها لهذه الرواية، وبعد تسليم (6) أن عدم
~~القبول هو عدم الاجزاء، لا بد أن تحمل على المثل لا الشخص كما هو واضح،
~~والمثلية في
# PageV01P123
# الوضوء تحصل عرفا بمجرد الاشتراك في الغسل، فإن التماثل العرفي يتحقق
~~بأدنى مناسبة، مع أن سائر مشخصات ذلك الفرد لم تعتبر جزما، فعلم عدم اعتبار
~~الإحاطة بالجميع، هذا كله مع تسليم أنه بيان لأقل الواجب، بل المسلم إنما
~~هو وضوء الغالب، هذا.
# ولكن اشتغال الذمة مع ملاحظة هذه الروايات، وملاحظة الاكتفاء فيها بذكر
~~أقل الواجب غالبا، وذكر خصوص الغسل من الأعلى مع عدم الاحتياج إلى ذلك لو
~~كان يكفي المطلق، سيما مع تلاحق فهم الأصحاب واستدلالهم، يوجب الظهور فيما
~~ذكروه. ولا أقل من الشك في الامتثال بدونه، فلا يتم الامتثال إلا بذلك.
# وكذلك مرسلة الفقيه ظاهرها ذلك، فإن المماثلة المطلقة في كلام الحكيم
~~تحمل على العموم كما حقق في محله، وعدم تعقب الرواية المتقدمة لا يضر، لأن
~~الظاهر أن البيان لم يقع من الأسفل، لمرجوحيته جزما، ولعدم حصول الالتزام
~~به من الأكثر، واحتمال بيان الجواز لو وقع كذلك خلاف الظاهر من البيان،
~~فالظاهر أن البيان كان من الأعلى، وتعقبه هذا الكلام.
# ويدل عليه أيضا: ما رواه في قرب الإسناد، عن أبي جرير الرقاشي قال، قلت
~~لأبي الحسن موسى عليه السلام: كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال: " لا تعمق في
~~الوضوء، ولا تلطم وجهك بالماء لطما، ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله
~~بالماء مسحا، وكذلك فامسح الماء على ذراعيك ورأسك وقدميك " (1).
# حجة السيد ومن تبعه: إطلاق الأدلة، وصدق الامتثال.
# ونخصصه بما ذكرنا، وأيضا سنبين وجوب البدأة من الأعلى في اليدين، والظاهر
~~عدم القول بالفصل.
# والمشهور عدم وجوب تخليل الشعر، لحية كان أو غيرها، خفيفا كان أو كثيفا.
# PageV01P124
# وفسروا الخفيف بما ترى بشرته في مجلس التخاطب.
# وعن طائفة من القدماء وجوب التخليل في الخفيف (1)، وتبعهم العلامة في بعض
~~أقواله (2).
# والشهيد نفى الخلاف بينهم، وذكر أنهم متفقون على عدم وجوب غسل المستور ms0031
~~بالشعر مطلقا، والوجوب في غير المستور، وحمل كلام العلامة في التذكرة على
~~أنه فهم من كلام الموجبين إيجاب غسل المستور بالشعر الخفيف، واعترض عليه
~~بأنه خلاف ظاهر الأصحاب، حيث لا يوجبون غسل المستور مطلقا، بل إنما يوجبون
~~غسل الظاهر (3).
# وتبعه على ذلك الشيخ علي (4) والشهيد الثاني (5) وغيرهما (6)، فنفوا
~~الخلاف عن وجوب غسل الظاهر من خلال الشعر الخفيف.
# وأنت خبير بأنه لا وجه لتلك المحامل والخروج عن ظواهر كلماتهم، فلاحظ
~~كلماتهم المصرحة بما ذكرنا والظاهرة فيه، ودعوى هذا الاتفاق إنما نشأ من
~~الشهيد، ومنشؤه من التوهم في فهم كلام الجماعة، وشبهة أن الوجه ما يواجه
~~به، وهذا الظاهر من خلال الشعر الخفيف أيضا كذلك، فلا بد من غسله، لعموم
~~الأوامر بغسل الوجه، وهذا لا يوجب تبديل أقوال القوم، سيما مع قيام الدليل
~~على
# PageV01P125
# تخصيص الوجه من الأخبار كما سنذكر.
# والمحقق البهائي - رحمه الله - أيضا اقتفى أثرهم في إثبات الوفاق ونفي
~~الخلاف في المطلبين، وجعل النزاع في صورة خاصة فقال: لا نزاع فيما يظهر في
~~مجلس التخاطب في كل الأحوال في وجوب غسله، كما لا نزاع في عدمه إذا لم يظهر
~~مطلقا، إنما النزاع فيما قد يظهر وقد لا يظهر. وهذا أيضا مما لا يرشد إليه
~~قول ولا دليل (1).
# وكيف كان فالمتبع هو الدليل، والمشهور إنما هو المطابق للدليل، فهو
~~المتبع، وإن كان الأحوط التخليل في الخفيف مطلقا.
# والدليل صحيحة محمد بن مسلم: عن الرجل يتوضأ، أيبطن لحيته؟
# قال: " لا " (2).
# وصحيحة زرارة، قلت له: أرأيت ما أحاط به الشعر؟ فقال: " كل ما أحاط الله
~~به من الشعر فليس على العباد أن يطلبوه، ولا يبحثوا عنه، ولكن يجرى عليه
~~الماء " (3).
# والروايات الكثيرة الدالة على إجزاء غرفة واحدة (4)، فإنها لا تكاد تجزئ
~~مع وجوب ذلك.
# وليس للخصم إلا ما ذكرنا من إطلاق الوجه، وهذه مقيدات، فتقدم عليه. مع أن
~~فيما رواه المفيد في الإرشاد في حكاية أمر الكاظم عليه السلام علي بن يقطين
~~بالوضوء على طريقة العامة (5)، تنبيها على أنه من بدع العامة.
# PageV01P126
# وأما ms0032 ما فهمه الشهيد من أن المنفي وجوبه هو المستور دون الظاهر وإن كان
~~في الخفيف، فمع (1) أنه خلاف ظاهر كلام القوم، وخلاف تلك الأدلة فيه: أنه
~~غير ممكن، إذ مع المسح وتحريك اليد وجريان الماء تنتقل الشعور من مواضعها،
~~فربما يغسل الموضع المستور ولا يغسل الظاهر، فلا بد من غسل الجميع من باب
~~المقدمة، فلا تبقى للنزاع ثمرة وفائدة إلا الفرق بين أقسام الوجوب، ولا
~~يخفى ما فيه.
# وأما على ما اخترناه من إجزاء الظاهر فيغسل الظاهر، ويمسح عليه، ولا يضر
~~عدم حصول غسل ما كان ظاهرا لمنع الشعر إياه، كما لا يضر غسل ما كان مستورا.
# وأما غسل ما زاد على الوجه المحدود فلا إشكال في عدمه.
# الثاني: يجب غسل اليدين إلى المرفقين.
# والتحديد للمغسول، لأن هذه العبارة تستعمل فيه وفي تحديد الفعل (2)،
~~كقولك اخضب يدك إلى الزند، وصيقل سيفي إلى القبضة، ولا مرجح، إلا أن
~~المتيقن هو تحديد المحل.
# ويجوز الابتداء من المرفقين بإجماعنا، بل العامة أيضا كما قيل (3)، ومصرح
~~به في الأخبار المعتبرة الكثيرة جدا (4).
# وأما وجوبه، فالمشهور فيه ذلك، خلافا للسيد (5) وابن إدريس (6)، واستدلوا
~~بمثل ما مر، والأخبار البيانية في خصوص المرفقين أكثر وأصرح، وفي رواية
~~الهيثم
# PageV01P127
# بن عروة التميمي القوية عن الصادق عليه السلام، عن قول الله عز وجل: *
~~(فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) * فقلت هكذا، ومسحت من ظهر كفي إلى
~~المرفق؟
# فقال: " ليس هكذا تنزيلها، إنما هي فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق "
~~ثم أمر يده من مرفقه إلى الأصابع (1) - (2).
# ودليل القول الآخر الدليل، والجواب الجواب.
# ويجب إدخال المرفق في الغسل، للاجماع، والرواية المتقدمة، لا لأن الغاية
~~داخلة في المغيا، لأن الأصل عدمه، سواء كانا من جنس واحد أو لا، ولا لمحض
~~كونه مقدمة للواجب وإن كان يجب لذلك أيضا.
# وتظهر الثمرة فيما لو بقي من اليد المرفق فقط، فلا يبقى وجوبه بعد انتفاء
~~ذي المقدمة على القول بوجوبه لكونه مقدمة.
# والحق أن الظاهر من طريقة العرف ومحاورات الشارع واختلاف الفقهاء في وجوب
~~غسل المرفق ms0033 وتفريعه على دخول الغاية في المغيا وغير ذلك: أن المرفق هو
~~مجموع منتهى العظمين، لا مجمع العظمين ومفصلهما، أعني به الخط المتوهم
~~الممتزج من الخطين الموهومين (3)، كما هو الظاهر من اللغة (4)، والموافق
~~للاشتقاق، فحينئذ فعلى القول بوجوب غسله بالأصالة فيجب غسله إذا بقي
~~مصداقه، وكذلك رأس عظم العضد فقط (وفاقا للتذكرة والذكرى) (5) للاستصحاب في
~~الأجزاء الخارجية.
# PageV01P128
# ولصحيحة رفاعة (1) وحسنته (2).
# ولصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن
~~رجل قطعت يده من المرفق، كيف يتوضأ؟ قال: " يغسل ما بقي من عضده " (3).
# وفهم جماعة من الأصحاب منها وجوب غسل نفس العضد (4)، موافقا لما نقلوه عن
~~ابن الجنيد، حيث قال: إذا كان أقطع من مرفقه غسل ما بقي من عضده (5)،
~~والعلامة في المنتهى ادعى الاجماع على عدمه (6).
# ويحتمل أن يكون المراد بما بقي: ما بقي من المرفق، فتكون من تبعيضية، لا
~~بيانية. وكذلك كلام ابن الجنيد فلم يكن قول ابن الجنيد مخالفا لما ذكرناه،
~~وهو قريب.
# وأما لو بقي من الساعد شئ، فوجوب الغسل اجماعي، والاستصحاب والأخبار
~~عموما وخصوصا دالة عليه (7)، كما أنه لو قطعت اليد من فوق المرفق فسقوط
~~الغسل إجماعي.
# الثالث: يجب مسح الرأس والرجلين إلى الكعبين، وهو أيضا تحديد للممسوح كما
~~مر.
# والمسح مبعض، بخلاف غسل الوجه واليدين، للاجماع، بل الضرورة
# PageV01P129
# والأخبار الصحيحة الناصة، منها: صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام،
~~المعلل إثبات التبعيض فيها بوجود الباء (1).
# وإنكار سيبويه ذلك لا يضر (2)، لمعارضته بإثبات الأصمعي وأبي علي وابن
~~كيسان وغيرهم (3). مع أنه عليه السلام يحتمل أن يكون استدلاله بسبب تغيير
~~الأسلوب وتعدية ما يتعدى بالنفس بواسطة الحرف.
# وخص في الرأس بمقدمه، وفي الرجل بظهر القدمين، للاجماع والصحاح (4).
# ولا يجب الاستيعاب، أما الرأس فيكفي فيه المسمى على الأشهر الأقوى،
~~لاطلاق الآية والأخبار، وخصوص الصحاح (5).
# وقيل بوجوب مقدار ثلاث أصابع (6) لصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام:
# " المرأة يجزئها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع، لا تلقي
~~عنها خمارها " (7) فإن الاجزاء ظاهر في أقل ms0034 الواجب.
# وأجيب بأنه راجع إلى عدم إلقاء الخمار (8)، ويؤيده ما ورد في الروايات من
~~أنها تلقي خمارها في الصبح، أو الصبح والمغرب (9). وبالحمل على الاستحباب،
~~لعدم
# PageV01P130
# المقاومة (1)، وهو كذلك.
# وكذلك رواية معمر بن عمر عنه عليه السلام قال: " يجزئ من المسح على الرأس
~~موضع ثلاث أصابع، وكذلك الرجل " (2).
# ويظهر من بعض من لا يوجب ثلاث أصابع عدم إجزاء الأقل من مقدار إصبع (3)،
~~لصحيحة حماد: في الرجل يتوضأ وعليه العمامة قال: " يرفع العمامة بقدر ما
~~يدخل إصبعه، فيمسح على مقدم رأسه " (4) ولا دلالة فيها، مع أن الإصبع آلة
~~للمسح، ولا بد منه.
# والظاهر أن المراد مقدار الأصابع الثلاث لا نفسها، فتكفي الإصبع الواحدة.
# ثم إن كلامهم متشابه في إفادة أن المستحب المسح على هذا المقدار من عرض
~~الرأس أو من طوله، ويظهر من شرح الدروس اعتبار العرض (5)، ومن المدارك في
~~تفريع اتصاف الزائد على الإصبع بالوجوب والاستحباب بعد تحقق مقدار الإصبع
~~والإشكال فيه اعتبار الطول (6)، وهذا أظهر.
# فيجزئ على الأول: وضع تمام إصبع واحدة طولا على عرض الرأس، وإمراره إلى
~~أسفل بقدر عرض إصبع أو أقل. وعلى الثاني: وضعها كذلك على طول الرأس كما
~~تقدم.
# PageV01P131
# الأولى ملاحظتهما معا على (1) إعمال ثلاث أصابع منضمة. ويجزئ في ذلك
~~وضعها بالطول على عرض الرأس وإمرارها بقدر عرض إصبع.
# وأما الرجل فكذلك أيضا، بلا خلاف ظاهر، وادعى عليه الفاضلان الاجماع (2).
# نعم يظهر من التذكرة قول بوجوب ثلاث أصابع مضمومة (3)، ولعله لرواية معمر
~~المتقدمة، وهي ضعيفة (4).
# وأما صحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام: " لا، إلا بكفه كلها " (5)
~~فمحمولة على الاستحباب، للاجماع على نفي الاستيعاب العرضي.
# وتوهم بعضهم أن المجمل والمطلق لا بد أن يحمل على المبين والمقيد،
~~فالأولى ذلك (6).
# وأنت خبير بأن الأخبار ناصة على المطلوب، وفي كثير منها عدم إبطان
~~الشراكين. وفي صحيحة زرارة وبكير عن الباقر عليه السلام: أنه قال في المسح
~~" تمسح على النعلين، ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشئ من رأسك أو
~~بشئ من قدميك ما بين الكعبين إلى ms0035 أطراف الأصابع فقد أجزأك " (7) وفي معناها
~~صحيحتهما الأخرى (8) وغيرها (9).
# PageV01P132
# والنعلان إن كانتا عربيتين فلا يبقى (1) الاستيعاب الطولي، وإن كانتا
~~غيره فينفيه أيضا، ولكن عدم انتفائه لعله إجماعي، ولم نقف على مخالف فيه،
~~وظاهر الفاضلين وغيرهما الاجماع عليه (2). ونقل بعض الأصحاب عن بعضهم
~~الاجماع عليه أيضا (3).
# وتردد فيه في المعتبر، ثم جزم به (4)، لقوله تعالى: * (إلى الكعبين) *،
~~وكذلك في التذكرة استند إليه (5).
# وربما يستشكل في ذلك بكون التحديد للممسوح كما في اليدين.
# أقول: بعد اعتبار إضافة البعض إلى الرجلين المستفاد من الباء، فالممسوح
~~هو جميع ذلك البعض، والغاية غاية ذلك البعض.
# وأما ابتداؤها فمعلوم بملاحظة قرينتها السابقة، فقد صرح الإمام عليه
~~السلام في الصحيح بأن الغسل لما تعدى إلى الوجه واليدين بالنفس علمنا وجوب
~~غسل الجميع، ولما دخلت الباء على الرأس والرجلين علمنا البعضية، فالبعض هنا
~~يقوم مقام الكل، فحال ابتداء الغاية في اليد والرجلين متساو.
# مع أن العلامة في التذكرة قال: ويجب استيعاب طول القدم من رؤس الأصابع
~~إلى الكعبين، لأنهما غاية، فيجب الانتهاء إليها، فيجب الابتداء من رؤس
~~الأصابع، لعدم الفارق (6). فإن الظاهر أن مراده عدم الفرق بينهما وبين
~~اليدين، أو عدم القول بالفرق بين الانتهاء والابتداء، و (7) بين الرجل
~~واليد.
# PageV01P133
# مع أن الأخبار المعتبرة ناطقة بذلك، منها: الصحيحة المتقدمة، فإن الظاهر
~~أن قوله عليه السلام: " ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع " بيان لشئ، لا
~~للقدمين.
# وصحيحة البزنطي أيضا منبهة على ذلك (1)، لأن غاية ما ظهر من التعارض رفع
~~وجوب الاستيعاب العرضي، فيبقى تتمة مدلولها.
# وكذلك حسنة أبي العلاء (2) الآمرة بالمسح على المرارة الموضوعة على ظفر
~~من انقطع ظفره، ولم يكتف بمسح ما فوقه (3).
# والاحتياط في المسح بجميع الكف، أما الوجوب فلا.
# واختلفوا في وجوب البدأة من الأعلى، والظاهر أن الأكثر على العدم، وهو
~~الأقوى، للاطلاقات، ولصحيحة حماد عن الصادق عليه السلام، قال:
# " لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا " (4).
# وكذلك الأشهر الأقوى في مسح الرجلين جواز البدأة بالكعبين، وتشمله
~~الصحيحة المتقدمة، وتدل عليه رواية يونس: " الأمر في مسح الرجلين ms0036 موسع، من
~~شاء مسح مقبلا، ومن شاء مسح مدبرا، إنه من الأمر الموسع إن شاء الله تعالى
~~" (5).
# لكن الأفضل البدأة من الأعلى في الرأس، ومن الأصابع في الرجل، بل
# PageV01P134
# الأحوط ذلك، لحصول اليقين به، وإشعار بعض الأخبار، وأما دلالة * (إلى
~~الكعبين) * فممنوعة لما تقدم.
# ومما ذكرنا ظهرت كفاية المسح في الرأس من جانب العرض أيضا، ولا يحضرني
~~الآن تصريح منهم بذلك.
# والظاهر الكفاية بمطلق اليد، وذكر الإصبع محمول على الغالب، ولكن الأولى
~~الإصبع، ثم باطن الكف، وإن تعذر فظهر الكف، وإن تعذر فالذراع، وإن كان أكثر
~~ما ذكر محل كلام.
# ثم في دخول الكعبين في المسح وعدمه قولان، والأصل والأخبار الصحيحة
~~الدالة على عدم تبطين الشراكين في المسح (1) يدل على عدم الدخول، كما ذكره
~~في المعتبر (2). والظاهر أن الوجوب هنا من باب المقدمة، إلا أنه لا يستلزم
~~إلا إدخال بعضه في المسح، فإن للكعب عرضا عريضا، بخلاف المرفق. والأحوط
~~إدخاله بالذات أيضا، بل الإيصال إلى المفصل، بل إلى فوقه، للخروج عن الخلاف
~~الآتي، والإتيان بمجامع المقدمات.
# فإن الكعب قد اختلف فيه كلام العلماء، فالذي عليه جمهور أصحابنا
~~المتقدمين والمتأخرين عدا العلامة وبعض متأخري المتأخرين: هو العظمان
~~الناتئان على ظهر القدم (3)، وصرح المفيد بأنه في وسط ظهر القدم ما بين
~~المفصل والمشط (4)، والشيخ في التهذيب ادعى الاجماع على أنه هو الكعب (5)،
~~وكذلك المحقق في المعتبر (6).
# PageV01P135
# وعبارات علمائنا لا تقبل التأويل، وكلها متطابقة على إرادة ذلك، مصرحة
~~باعتبار النتوء، وكونه في ظهر القدم. وهو المطابق للاشتقاق، وكلام أكثر أهل
~~اللغة (1).
# وقال العلامة: إنه مفصل الساق والقدم، وحمل عبارات الأصحاب عليه (2)، مع
~~عدم انطباق واحدة منها عليه، سوى ما يتوهم من ظاهر ابن الجنيد (3)، وليس
~~كما يتوهم.
# وربما انتصر له بعضهم: بأن المفصل محل الكعب الذي هو كعب باصطلاح أهل
~~التشريح، وهو ما يكون للحيوانات، ويلعب به الصبيان، وله ارتفاع ونتوء أيضا،
~~وهو في وسط القدم العرضي أيضا; فلا ينافي إطلاق كلماتهم.
# وأنت خبير بأن ظاهر كلمات الأصحاب بل تصريحهم في اعتبار الارتفاع ms0037
~~والنشوز؟ لا يلائم إرادة الوهدة التي يكون في عمقها شئ له نتوء ما.
# مع أن الشارع إنما يتكلم على العرف واللغة لا غير، مع أن المفصل مما لم
~~يظهر إطلاق الكعب عليه في كلام أهل اللغة إلا من صاحب القاموس (4). ومنشأ
~~توهمه:
# إطلاق الكعب على مفاصل قصب الرمح، وإنما هو لأجل النتوء الحاصل فيها، لا
~~لكونه مفصلا.
# وليس إسناد الرازي اعتبار المفصل إلينا حجة (5)، مع معارضته بإسناد ابن
~~الأثير إلينا المعنى المشهور عندنا (")، والأخبار الصحيحة المتظافرة بما
~~ذكرنا، مثل صحيحة
# PageV01P136
# البزنطي (1) وحسنة ميسر (2) وغيرهما مما دل على عدم تبطين الشراكين (3)،
~~فإنه مانع عن الاستيعاب الطولي على ما ذكره العلامة، وهو معتبر عنده بل
~~مجمع عليه.
# وأما العلامة فاستدل بصحيحة زرارة وبكير عن الباقر عليه السلام، قالا:
~~فأين الكعبان؟ قال: " ههنا " يعني المفصل دون عظم الساق، فقال: هذا ما هو؟
~~قال:
# " هذا عظم الساق " (4).
# وفي الكافي بعد قوله هذا عظم الساق: " والكعب أسفل من ذلك ".
# وحسنة زرارة، وفيها " ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه " (5).
# أما الأول، ففيه أنه لا بد من حمل المفصل على المجاز بإرادة ما دون
~~المفصل، لئلا يتناقض مع قوله عليه السلام: " والكعب أسفل من ذلك " وإرادة
~~التحتية من أسفل من ذلك، بعيدة.
# مع أن الظاهر أن المراد بالمفصل هو الكعب المشهور، فإنه مفصل أيضا، وتقطع
~~منه الرجل في السرقة، كما ورد في رواية القطع أنها تقطع من الكعب، وفي
~~الروايات " أنه يبقى العقب ليمشي بها، ويعبد الله تعالى بها " (6)، فعلم أن
~~الكعب ليس هو المفصل الذي فهمه العلامة، وإلا لم يبق هناك شئ.
# سلمنا، لكنها لا تعارض ما قدمنا من الأدلة، فتحمل على الاستحباب.
# PageV01P137
# وأما الرواية الثانية، ففيه أن تمام ظهر القدم لا يجب مسحه إجماعا منا
~~كما تقدم، فيحمل على ما اقتضته الأدلة.
# ثم يجب أن يكون المسح ببلة الوضوء بإجماع علمائنا، وتدل عليه الأخبار
~~البيانية على الوجه الذي قررنا، وخصوص صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام "
~~إن الله وتر يحب الوتر، فقد يجزئك من الوضوء ثلاث ms0038 غرفات، واحدة للوجه،
~~واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك، وما بقي من بلة يمناك ظهر قدمك
~~اليمنى، وتمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى " (1).
# وما رواه المفيد في الإرشاد في حكاية علي بن يقطين مع الرشيد، وأمر
~~الكاظم عليه السلام إياه بالوضوء على طريقة العامة أولا، ثم على طريقة
~~الخاصة بعد رفع الخوف عنه، قال: " وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل
~~نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف عليك والسلام " (2) والأخبار آتية (3).
# هذا إذا بقي في اليد بلة، وإلا فيأخذ من لحيته أو حاجبه أو أهدابه (4) أو
~~غير ذلك من مظانها، بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب، لما رواه الصدوق مرسلا عن
~~الصادق عليه السلام: " إن نسيت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلة
~~وضوئك، فإن لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شئ فخذ ما (5) بقي منه في
~~لحيتك، وامسح به رأسك ورجليك، وإن لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك وأشفار
~~عينيك، وامسح به رأسك ورجليك، فإن لم يبق من بلة وضوئك شئ أعدت الوضوء "
~~(6)
# PageV01P138
# ولا يضر الإرسال، للعمل، ورواية الفقيه، ولم يفرقوا بين النسيان وغيره.
# وفي معناه روايات كثيرة دالة على أن من نسي المسح ودخل في الصلاة وتذكر:
# أنه يأخذ من لحيته ويمسح، وبعضها في غير الصلاة أيضا بصيغة الأمر (1).
# إلا أنه قد يناقش بأن الغالب في المتلبس بالصلاة عدم إمكان أخذ الماء
~~الجديد، فهو وارد مورد الغالب، وهو ممنوع.
# والظاهر من الرواية موافقا لجماعة من الأصحاب: أن ذلك موقوف على جفاف
~~اليد (2)، واحتمل بعضهم جواز أخذ البلة وإن كانت اليد مبتلة أيضا، حملا
~~للرواية على الغالب (3)، وليس ببعيد، (والأول أحوط. والظاهر أن تقديم
~~اللحية في الرواية إرشادي، لكونه أسهل أخذا، فلا يجب الترتيب) (4).
# وأما: إذا جف الجميع، فالمشهور وجوب الإعادة. والمنقول عن ابن الجنيد
~~جواز المسح بالماء الجديد (5)، وربما نقل عنه إطلاق الجواز إذا جفت اليد
~~وإن بقيت البلة في غيرها (6). وكيف كان فالمذهب الأول لما ذكرنا.
# واحتجوا لابن الجنيد بصحيحة معمر بن خلاد ms0039 (7)، وهي مع أنها أعم من قوله
~~محمولة على التقية.
# PageV01P139
# وأما لو لم تمكن الإعادة أيضا لكثرة الحر أو الريح، ولا إبقاء جزء من
~~اليسرى وصب غرفة من الماء عليه في الآخر ليبقى الماء للمسح في يده،
~~فالمشهور جواز الماء الجديد حينئذ، لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله،
~~وللاستصحاب.
# ومقتضى القواعد الانتقال إلى التيمم، لعدم التمكن من الوضوء المطلوب،
~~وهوما يكون مسحه ببلة الوضوء، إلا أن يقال لم يثبت من أدلة وجوب المسح ببلة
~~الوضوء إلا حالة التمكن، لأن العمدة فيه الاجماع، وهو غير معلوم فيما نحن
~~فيه، ولمنع صراحة الأخبار البيانية في الوجوب، ولمنع دلالة الآخر، أو ضعفها
~~مع عدم الجابر فيما نحن فيه، فتبقى إطلاقات المسح بحالها، فيجوز بالماء
~~الجديد. وفيه أيضا إشكال.
# والأحوط التأخير إن رجا التمكن، أو الجمع بينه وبين التيمم.
# ولا بأس بكثرة الماء في المسح إذا سمي مسحا في العرف، وقصد به المسح
~~أيضا.
# وما ورد في الخبر " أنه يأتي على الرجل سبعون سنة ولا تقبل منه صلاة،
~~لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه " (1) فهو رد على العامة. وبالجملة يصدق
~~الامتثال بذلك.
# والظاهر أن النسبة بينهما عموم من وجه، ويكفي الافتراق في الجملة في تحقق
~~المقابلة بينهما في الآية وغيرها، ولا يلزم التباين.
# ومما ذكرنا يظهر عدم اشتراط جفاف موضع المسح، بل يجوز إذا كانت بلة
~~الوضوء غالبة، بل لا يبعد الجواز إذا لم تكن غالبة أيضا كما يظهر من بعضهم
~~(2).
# وعن ابن الجنيد جوازه في الماء أيضا (3).
# حجة الجواز: صدق الامتثال، وحجة المنع: أنه مسح بماء جديد. والأول
# PageV01P140
# أظهر، والثاني أحوط.
# وأما ماء اللحية المسترسلة وأطراف الوجه مما غسل من باب المقدمة، فالظاهر
~~أنه من ماء الوضوء، ولا يضر، مع أن اللحية بخصوصها منصوص عليها، وإطلاقها
~~أعم من قدر الواجب.
# وأما الرطوبة التي تحصل في العمامة والقلنسوة باعتبار صب الماء أولا، فلا
~~تدخل في ماء الوضوء.
# الرابع: يجب أن لا يكون على المغسول والممسوح حائل يمنع وصول الماء، لعدم
~~صدق الامتثال بدونه. ms0040 فيجب تخليل الشعر في اليدين، وغسل الأظفار وإن طالت.
~~وفيما خرج عن حد أطراف الأصابع عرفا إشكال، والأحوط عدم الترك.
# وأما الوسخ الحاصل أحيانا في أصول الأظفار، فإن كان له جسمية ظاهرة تمنع
~~وصول الماء فتجب إزالته (1) إذا كان ساترا للظاهر، بخلاف ما إذا ستر ما
~~يختفي عن الحس.
# واستشكل العلامة في أصل الوجوب، من جهة عدم منع الشارع عن ذلك (2)
~~والصحيحة الدالة على وجوب تحريك السوار والدملج ليدخل الماء تحتهما (3) لا
~~تدل على وجوب ذلك كما توهم، والأحوط بل الأظهر ما اخترناه.
# وأما السواد الذي يحصل في أصول الأظافير من الدخان والأوساخ الرقيقة
~~الغير المانعة عن الماء، فالظاهر عدم الإشكال فيها.
# وأما المسح، فاشتراط عدم الحائل فيه أيضا إجماعي، والأخبار الصحيحة ناطقة
# PageV01P141
# به (1); سواء كان مثل العمامة والمقنعة، أو مثل الحناء المانعة عن وصول
~~الماء. وبعض الأخبار الصحيحة المجوزة للمسح فوق الحناء (2)، فمع عدم
~~مقاومتها لأخبار المنع، محمولة على لون الحناء، أو على الرقيق الذي لا يمنع
~~وصول ماء المسح.
# وأما الشعر، فليس بحائل إن كان من مقدم الرأس ولم يخرج بمده عن حد المقدم
~~بلا إشكال، بالإجماع، والأخبار، وإن خرج عن حده فتمسح أصوله، وإلا فلا
~~يجوز، بلا خلاف بينهم، لعدم صدق الامتثال.
# والأخبار المعتبرة في عدم جواز المسح على الخفين تكاد أن تكون متواترة
~~(3)، حتى أن في بعضها أنه لا تقية فيها، مضافا إلى الاجماع والأخبار في منع
~~الساتر مطلقا.
# والمذهب جوازه للضرورة، من تقية أو خوف من برد أو غيره لرواية أبي الورد
~~(4).
# والمعارض مؤول، وظاهره مهجور.
# وإذا زال العذر ففي الاكتفاء به إشكال، والأحوط التجديد، بل نقضه ثم
~~التجديد، وسيجئ الكلام في الجبيرة.
# PageV01P142
# المقصد الرابع في شرائطه وفيه مباحث:
# الأول: يجب الترتيب في الوضوء بتقديم الوجه، ثم اليد اليمنى، ثم اليسرى،
~~ثم مسح الرأس، ثم الرجلين (1)، بالاجماع، والأخبار الصحيحة (2).
# بل الأقوى وجوب تقديم الرجل اليمنى أيضا، خلافا للمشهور، ووفاقا لجماعة
# PageV01P143
# من القدماء (1)، والشهيدين في اللمعة وشرحها (2)، لحسنة محمد بن مسلم
~~(3)، وما رواه النجاشي في كتاب ms0041 الرجال عن علي عليه السلام (4)، مضافا إلى
~~ما يستفاد من الأخبار البيانية (5)، مع توقف اليقين بالبراءة عليه.
# واستدل سائر الأصحاب بالاطلاقات، وحكموا بالأفضلية.
# واستدل عليها في المعتبر (6) وغيره (7) بقوله عليه السلام: " إن الله يحب
~~التيامن " (8) والظاهر أنهم غفلوا عن الرواية، وإلا فهي أولى بالاستدلال.
~~وعدم استدلالهم لا يدل على عدم اعتنائهم بها، سيما في الاستحباب.
# وروى الطبرسي في الاحتجاج، عن صاحب الأمر عليه السلام: عن المسح على
~~الرجلين بأيهما نبدأ، باليمين، أو نمسح عليهما جميعا معا؟ فأجاب عليه
~~السلام: " يمسح عليهما جميعا معا، فإن بدأ بإحداهما قبل الأخرى، فلا يبدأ
~~إلا باليمين " (9).
# فإن نسي فخالف، فليعد بما يحصل معه الترتيب، للصحاح (10). فلو غسل وجهه
~~ثم يساره ثم يمينه مثلا ثم تذكر، فهل يكتفي بإعادة اليسار، أم يعيد اليمين
~~ثم
# PageV01P144
# اليسار؟ ظاهر موثقة أبي بصير (1) وما رواه الصدوق مرسلا (2) بل صريحهما
~~الإعادة، وسائر الأخبار الصحيحة وغيرها أيضا لا تنافيه، بل تشملها بعموم
~~ترك الاستفصال أيضا.
# ولكن يظهر من صريح بعض فروع مسألة الترتيب في المعتبر والتذكرة وشرح
~~القواعد للمحقق الثاني: الاكتفاء بما صنع، فيعيد ما تقدم عليه (3)، وسائر
~~عبارات الفقهاء أيضا لا تنافيه، وتدل عليه الإطلاقات والعمومات. وفي شمولها
~~إشكال.
# نعم روى في السرائر، عن نوادر البزنطي في الموثق، عن ابن أبي يعفور ما
~~يدل عليه (4). فإن كانت المسألة إجماعية، وإلا فيشكل ترجيح الاكتفاء إلا
~~بملاحظة هذه الرواية، ولم يظهر لنا الاجماع ولا دعواه من أحد، ولم أقف على
~~أحد منهم استدل بهذه الرواية أيضا. والاحتياط في مراعاة ظاهر الأصحاب ثم
~~الإعادة.
# الثاني: تجب الموالاة في الوضوء بالإجماع، والأخبار (5).
# واختلفوا في معناها، والأكثر على أنها أن لا يؤخر بعض الأعضاء عن بعض
~~بمقدار ما يجف ما تقدم (6).
# وجماعة منهم المفيد فسروها: بأنها عدم التفريق بين الأعضاء والتزام
~~التتابع إلا
# PageV01P145
# لضرورة، وفي الضرورة يعتبر الجفاف (1).
# الظاهر أن مرادهم بالضرورة مثل انقطاع الماء في البين، أو حصول النسيان،
~~أو غير ذلك.
# ثم صريح بعض هؤلاء أن تركها بهذا المعنى بلا ضرورة حرام لا ms0042 مبطل (2)،
~~وظاهر بعضهم أنه مبطل وإن لم يحصل الجفاف في غير الضرورة، وأما فيها فيراعى
~~الجفاف (3).
# وكيف كان فظاهرهم الاتفاق على أن الجفاف مخل بالموالاة، مبطل للوضوء.
# وخلافهم في اعتبار الأزيد من ذلك، وهو التتابع وعدم التفريق.
# نعم يظهر من الصدوقين: أن إخلال الجفاف بالموالاة إنما هو إذا لم تحصل
~~الموالاة بالمعنى الثاني، بل المبطل إنما هو الجفاف الحاصل من التفريق (4).
~~واختاره صاحب المدارك (5) وشارح الدروس (6).
# ويظهر من ذلك أن الاجماع المدعى في كلامهم على اعتبار الجفاف إنما هو
~~فيما حصل من جهة التفريق، ولا تفيد عباراتهم في بيان مراعاة الجفاف أيضا
~~أزيد من ذلك، كما أن الأخبار الدالة على مراعاة الجفاف أيضا لا يستفاد منها
~~أزيد من ذلك.
# PageV01P146
# ولكن ذلك إنما يتم في الغسل، وأما في المسح فيضر الجفاف، للزوم استئناف
~~الماء، وهو غير جائز إجماعا كما تقدم، وكلام الصدوقين أيضا لا يفيد ما ذكر
~~إلا في الغسل. وابن الجنيد أيضا إنما كان يجوز الاستئناف في حال الضرورة
~~بالمعاني المتقدمة، وما نحن فيه ليس منها بالفرض.
# وأما الضرورة بمعنى عدم الإمكان فالكلام فيه قد تقدم.
# أما الدليل على مراعاة الجفاف فهو الاجماع، وصحيحة معاوية بن عمار (1)،
~~وموثقة أبي بصير (2)، ومرسل الصدوق المتقدم في عدم جواز استئناف الماء
~~للمسح (3)، وغيرها.
# ولكنها واردة فيما حصل الجفاف لانقطاع الماء في البين، أو عروض حاجة، أو
~~حصول نسيان، فلا تدل على اعتباره في جميع الأوقات. والإجماع المركب منتف
~~لما عرفت من كلام الصدوقين ومن تبعهما. مع أن كلام أصحابنا القائلين
~~بالاعتبار لا ينافيه (كما بينا) (4)، فلا يبعد الاقتصار على مورد الأخبار،
~~للأصل، والإطلاقات، وصدق الامتثال.
# وأما اعتبار التتابع، فذكروا له أدلة ضعيفة، أقواها قوله عليه السلام: "
~~إن الوضوء لا يبعض " في موثقة أبي بصير (5)، وقوله: " أتبع وضوءك بعضه بعضا
~~" في حسنة الحلبي (6)، وفعلهم عليهم السلام في الوضوءات البيانية.
# وكلها مدخولة، فإن الظاهر من الأول التبعض باليبس لا مطلقا، ومن الثاني
# PageV01P147
# وجوب مراعاة الترتيب كما يظهر بالتأمل فيهما، ويظهر الثاني من رواية
~~زرارة أيضا ms0043 (1).
# وأما البيانية، فقد يناقش فيها بعدم الدلالة على الوجوب، كما مرت الإشارة
~~إليه، وقد يعارض بما تقدم من الأخبار الدالة على الإعادة بما يحصل معه
~~الترتيب فيمن نسي الترتيب، وبما دل على أخذ الماء من اللحية وغيرها إذا نسي
~~المسح ودخل في الصلاة، وغيرها مما دل على عدم إضرار التفريق.
# ويمكن أن يقال: اجتماع أدلتهم يورث ظنا قويا بالاعتبار، وإن كان كل منها
~~مما يمكن المناقشة فيه، فيحصل الشك في الامتثال بدونه. وأما المعارضات،
~~ففيها أنها إما مخصصات، أو غير منافيات للتتابع المعتبر (2).
# ويمكن أن يجعل المعيار هو انمحاء صورة الوضوء في عرف المتشرعة، فيثبت به
~~مصطلح الشارع بأصالة عدم النقل، كما يتمسك بذلك في تحقيق منافاة الفعل
~~الكثير للصلاة، فلا ريب في أن من غسل وجهه ويده اليمنى (3) وجلس يأكل
~~الطعام ويكلم الجلساء مدة مديدة لا يقال له " إنه متوضئ " وإن قام بعد ذلك
~~وتممه أيضا، بل يصح سلب الاسم عنه، وإن بقت الرطوبة في أعضائه، فلا يكفي
~~مطلق اعتبار الجفاف.
# فالأولى تقديم اعتبار الموالاة بهذا المعنى، واشتراط الوضوء به أيضا،
~~وأما الوجوب الشرعي بمعنى العقاب على تركها على حدة (4) فلا نفهمه من
~~الأدلة.
# نعم تجب الموالاة أيا ما كانت من باب المقدمة.
# فحينئذ فما دل على اعتبار الجفاف وعدمه في صورة التفريق لعذر مخصص لهذه
# PageV01P148
# القاعدة، كما أشرنا، أو أن المراد منها ما لم يحصل فيه التراخي بما يصح
~~معه سلب اسم الوضوء; بل الأولى الاقتصار على ذلك، لعدم دلالة تلك الأخبار
~~على أزيد منه أيضا.
# والأحوط مراعاة عدم الجفاف مطلقا، فيعيد إلا في صورة عدم إمكان بقاء
~~الرطوبة كما مر.
# ثم المراد بجفاف ما تقدم: جفاف الكل عند الأكثرين، فيكفي في الموالاة
~~بقاء الرطوبة في الجملة، في أي عضو كان من الأعضاء، للأصل، والإجماع على
~~جواز أخذ البلل من اللحية وغيرها للمسح، والأخبار الدالة عليه.
# وجفاف البعض عند ابن الجنيد، فيعتبر فيها رطوبة الجميع (1). وذلك لا
~~ينافي تجويزه تجديد ماء المسح لو جفت اليد فيما تقدم، لأن ms0044 ذلك إنما يقوله
~~في غير حال الضرورة بالمعنى المتقدم.
# وجفاف العضو السابق عند السيد (2) وابن إدريس (3)، ولا وجه لهما يعتد به.
# ثم إن الأصحاب اعتبروا في الجفاف وعدمه اعتدال الهواء، فلا يجدي بقاء
~~الرطوبة (4) في مدة طويلة في غاية رطوبة الهواء، كما لا يضر الجفاف السريع
~~في الطرف المقابل.
# واعترض عليهم: بأن الحكم في الروايات التي استدلوا بها معلق على الجفاف،
~~وهو حقيقة في الحسي.
# وقد يحمل كلامهم على أنهم أرادوا اخراج طرف الإفراط في الحرارة الغالبة.
# وفيه أيضا إشكال، إلا أن يجعل ذلك من الأفراد الغير الممكنة فيها مراعاة
~~الموالاة
# PageV01P149
# كما مر في المسح.
# أقول: ولعلهم فهموا من الروايات اعتبار زمان يحصل فيه الجفاف، فيكون
~~الجفاف كناية عن مرور زمان يحصل معه الجفاف (1)، بأن يكون المضر هي
~~الفاصلة، والجفاف وعدمه علامة لتحققه، فحينئذ يحمل على الأفراد المتعارفة،
~~وهي المعتدلة، كما في نظائره. واستخراج ذلك من الرواية دونه خرط القتاد.
# وأما على ما اخترناه من تقديم اعتبار التتابع العرفي - سيما مع حمل
~~الأخبار المعارضة (2) على ما لم يحصل التراخي بما يصح معه سلب الاسم -
~~فيسهل الخطب والله العالم.
# الثالث: يشترط في ماء الوضوء أمور:
# الأول: أن يكون جائز التصرف، بأن يكون مباح الأصل، كالمياه التي لم يحزها
~~أحد قبله، أو مملوكا له بحيازة أو شراء أو استنباط، أو مأذونا فيه صريحا أو
~~فحوى أو بشاهد حال.
# وفسر شاهد الحال: بما إذا كان هناك أمارة تشهد بأن المالك لا يكره. وظاهر
~~ذلك كفاية الظن برضاه، وعن ظاهر كثير من الأصحاب اعتبار العلم، والأول أوفق
~~بعمومات الأدلة الآتية، وحصول العلم في غاية الندرة. مع أنا نراهم يحكمون
~~بجواز الصلاة في الصحاري والأرحبة وغيرها بلا خلاف بينهم، مع أنه لا يحصل
~~في الأغلب فيها إلا الظن.
# ولعل مراد من يظهر منه اعتبار العلم: هو الذي يتسامحون في إطلاق العلم
~~عليه في العرف، ولو نقب ودقق فيه، بل لو شكك فيه بأدنى تشكيك يزول الظن به،
~~فضلا
# PageV01P150
# عن علمه. كما ترى أن حلاب الأغنام ms0045 والبقرات في الليالي المظلمة مع اختلاط
~~أغنام القوم وبقراتهم بمجرد موافقة اللون والجثة واعتيادها في الرواح
~~والسراح، يحلبونها، ويعتقدونها أنعامهم، ويدعون العلم، ولا يشكون في كونها
~~أنعامهم، مع أنه لو قيل لهم: ألا يجوز أن يكون فرد من نعم القوم مشابها
~~لفرد من نعمك في جميع الجزئيات، أو يتفاوت معه بتفاوت قليل يشتبه عليك في
~~الظلمة؟ فلا يمكنه انكار الجواز ومنع هذا الاحتمال كما لا يخفى.
# وكذلك في الزوج والزوجة في الليلة المظلمة، سيما إذا حصلت المجامعة بعد
~~الإفاقة من النوم، لامكان نوم غير زوجته مكانها، وقد يجامعها في المنام
~~باعتقاد أنها زوجته، ولا ريب أن في بادئ النظر يعتقد أنه عالم بأنه يجامع
~~زوجته، وهكذا. بل الذي يظهر من الأدلة أن شاهد الحال أمره أسهل من ذلك
~~أيضا.
# ولا يذهب عليك أن ما ذكرناه مغاير لما يسمونه بالعلم العادي في الاصطلاح،
~~فإنه لا يقبل التشكيك بالنظر إلى مجرى عادة الله تعالى، كعدم انقلاب الجبل
~~الذي شاهدناه بالأمس ذهبا، أو صيرورة الأواني (1) التي رأيناها في البيت
~~علماء فضلاء عارفين بجميع العلوم، ونحو ذلك، وإن كان يجري فيه الاحتمال
~~العقلي بالنظر إلى قابلية المادة، وعموم قدرة الله تعالى لكل ممكن، فإن هذا
~~علم حقيقي جزما، بخلاف ما ذكرناه، فإن مدعيه بعد الالتفات وملاحظة الاحتمال
~~قد لا يبقى ظنه فضلا عن علمه، بخلاف ما نحن فيه.
# وظاهر الأصحاب جواز الشرب والتوضؤ والغسل وغسل الثياب من المياه المملوكة
~~في الأنهار والساقيات ونحوها، إلا مع النهي أو العلم بالكراهة أو الظن بها.
# وهل ذلك من باب الإذن بشاهد الحال، أو ذلك حق في ملكهم للمسلمين كحق
# PageV01P151
# الحصاد والجذاذ؟ ظاهر كثير ممن صرح بذلك كالعلامة في القواعد والتحرير
~~(1) والشهيد في الدروس (2) وغيرهما: أن ذلك بسبب شاهد الحال، وهو الظاهر من
~~الفاضل المتقي مولانا محمد تقي المجلسي في كتاب حديقة المتقين.
# وأما ولده العلامة المجلسي، فيظهر منه أن ذلك حق للمسلمين، قال في شرح
~~التهذيب: والظاهر أن للمسلمين في المياه حق الشرب والوضوء والغسل
~~والاستعمالات الضرورية، ms0046 كما تشهد به عادة السلف من عدم استئذان الملاك في
~~ذلك، والأخبار الكثيرة الدالة بفحاويها عليه، إلى آخر ما ذكره (3)، ويقرب
~~منه ما ذكره في رسالته الفارسية المسماة بحق اليقين، وقال: إنه الظاهر من
~~الأخبار المعتبرة، مثل ما ورد أن الناس في ثلاثة شرع سواء: الماء والنار
~~والكلاء (4). وهو الظاهر من صاحب المفاتيح في ختام كتابه (5).
# ويظهر ذلك من كلام ابن إدريس أيضا، قال في السرائر: الآبار على ثلاثة
~~أضرب، ضرب يحفره في ملكه، وضرب يحفره في الموات ليملكها، وضرب يحفره في
~~الموات لا للتملك، فما يحفره في ملكه فإنما هو نقل ملكه عن ملكه، لأنه ملك
~~المحل قبل الحفر، والثاني إذا حفر في الموات ليتملكها فإنه يملكها
~~بالاحياء، فإذا ثبت هذا فالماء الذي يحصل في هذين الضربين هل يملك أم لا؟
~~قيل: فيه وجهان، أحدهما أنه يملك، وهو مذهبنا، والثاني أنه لا يملكه لأنه
~~لو ملكه لم يستبح بالإجارة، وإنما قلنا إنه مملوك لأنه نماء ملكه، مثل ثمرة
~~الشجرة، وإنما يستباح بالإجارة لمجرى العادة، ولأنه لا ضرر على مالكه لأنه
~~يستخلف في الحال بالنبع، وما
# PageV01P152
# لا ضرر عليه فليس له منعه، مثل الاستظلال بحائطه، إلى آخر ما ذكره (1).
# ووجه دلالته على ما ذكرنا: أنه اعتمد على جواز التصرف في الماء بعدم
~~الضرر، وأن ما لا يضر صاحبه التصرف فيه فليس له منعه، وهو معنى استحقاق
~~الغير لذلك التصرف، ويدل على ما نحن فيه بطريق أولى.
# وتشكل الطريقة الأولى بالمياه المجهولة المالك، أوما علم كون مالكها
~~صغيرا أو مجنونا، وبأنه كيف يكفي مجرد عدم ظهور الكراهة والمنع؟! وكيف يكون
~~ذلك إذنا يعتمد عليه؟!
# والطريقة الثانية، بأن ذلك يقتضي الإطلاق، ولا يناسب التقييد بعدم مظنة
~~الكراهة ونحوه إلا أن يقال: المستفاد من الأدلة هو إثبات حق محدود، فيكون
~~ذلك حكما مستقلا، بأن يكون الشارع اقتصر في هذا التصرف في مال الغير على
~~عدم ظهور كراهية، وفي معنى ظهور الكراهة التضرر بذلك، فيكون ذلك نظير الإذن
~~في الأكل من بيوت من ذكر ms0047 في سورة النور (2).
# ولعل السر في ذلك الاعتماد على غالب أحوال المسلمين، من كونهم راضين بذلك
~~التصرف، ولذلك لا يجب التجسس والتفحص عن حال المالك وأنه هل له أهلية الإذن
~~والرضا أم لا. فالمناط هو عدم تضرر المالك، أو عدم مظنة الإكراه.
# والأول يشمل مياه الصغار واليتامى، مع أنه يمكن أن يقال: إن شهادة حال
~~الولي بالرضا وعدم ظهور كراهته كاف، وإن كان هو الإمام، وأن الإذن في ذلك
~~كما هو مقتضى إطلاق الفتاوى والأخبار، فتتم الطريقة الأولى أيضا.
# وممن صرح بذلك الشهيد في الذكرى في مكان المصلي والظاهر عدم الفرق
# PageV01P153
# لاتحاد المناط، قال: لو علم الكراهية من صاحب الصحراء وشبهها امتنعت
~~الصلاة، لأنه كالغاصب حينئذ، ولو جهل بنى على شاهد الحال، ولو علم أنها
~~لمولى عليه فالظاهر الجواز، لاطلاق الأصحاب، وعدم تخيل ضرر لاحق به، فهو
~~كالاستظلال بحائطه، ولو فرض ضرر امتنع منه ومن غيره، ووجه المنع: أن
~~الاستناد إلى أن المالك أذن بشاهد الحال، والمالك هنا ليس أهلا للإذن إلا
~~أن يقال: إن الولي أذن هنا، والطفل لا بد له من ولي (1)، انتهى.
# وصرح في المدارك أيضا بكفاية رضا الولي في مكان المصلي، لكنه يعتبر في
~~شاهد الحال حصول العلم (2) - (3).
# PageV01P154
# وكيف كان فالعمدة بيان الدليل على المطلوب، ولنا عليه وجوه:
# الأول: أن النسبة بين العمومات الدالة على طهورية الماء - خصوصا ما ورد
~~في مقام الامتنان مثل قوله تعالى: * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) * (1) و
~~* (ليطهركم) * (2) وقوله عليه السلام: " خلق الله الماء طهورا " (3) ونحو
~~ذلك - وما دل على حرمة التصرف في مال الغير عموم من وجه، والأولى معتضدة
~~بالأصل والاعتبار والعمل والاشتهار ورفع الضيق والحرج والإعسار، سيما مع
~~ملاحظة عمل المسلمين في الأعصار والأمصار من دون نكير.
# ويظهر لمن تأمل ذلك أن ذلك كان إجماعيا، لا يتخالج فيه ريبة ولا شك، لكن
~~القدر المستفاد من هذه الطريقة أيضا هو ما لم يظهر التضرر والكراهة.
# والثاني: أن المياه على الإباحة الأصلية، ولم يحصل اليقين برفعها إلا في
~~غير تلك الاستعمالات، ms0048 ولا ينصرف ما دل على المنع عن التصرف في مال الغير
~~إلى ذلك (4).
# الثالث: أنه لو توقف الاستعمال في المذكورات على الإذن لزم الحرج الشديد،
~~سيما في الأسفار في البلاد الكبيرة التي لم يردها قبله.
# الرابع: تتبع الأخبار، مثل صحيحة ابن أبي يعفور وعنبسة بن مصعب، عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " إذا أتيت البئر وأنت جنب، فلم تجد دلوا ولا
~~شيئا تغرف به فتيمم بالصعيد، ولا تقع في البئر، ولا تفسد على القوم ماءهم "
~~(5).
# PageV01P155
# وكل ما ورد في الأمر بالشرب (1) والتوضؤ إذا لم يتغير من الأخبار الكثيرة
~~إما من جهة الإطلاق أو ترك الاستفصال. ولنذكر منها واحدا، وهي موثقة سماعة،
~~قال: سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد أنتنت، قال: " إذا كان
~~النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ ولا تشرب " (2) بل الظاهر منها أن الرواة
~~كانوا يعلمون عدم الضرر من جهة عدم رضا المالك، وإنما كان سؤالهم عن مضرة
~~التغير وعدمها.
# وكذلك كل ما ورد في منزوحات البئر " أن بعد النزح يشرب ويتوضأ " من دون
~~تقييد واستفصال في البئر.
# وكل ما دل على نفي البأس عن البول في الماء الجاري (3)، وهي كثيرة، وكذلك
~~التعليل للمنع في بعضها بأن له أهلا (4)، فإنها بالاطلاق وترك الاستفصال
~~تدل على جواز مثل هذا التصرف في المياه المملوكة، فالتصرف بالشرب والتوضؤ
~~أولى بالجواز.
# ومثل صحيحة صفوان الجمال، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحياض
~~التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، ويشرب منها
~~الحمير، ويغتسل فيها الجنب، ويتوضأ منها، قال: " وكم قدر الماء؟ " قال: إلى
~~نصف الساق، وإلى الركبة، فقال: " توضأ منه " (5) مضافا إلى رواية أخرى دالة
~~على أن لها أهلا (6).
# PageV01P156
# ويقرب منها رواية أبي بصير الدالة على حكم الغدير الواقع في جانب القرية
~~(1).
# ثم يبقى الإشكال فيما لو جمعها في مخزن كالحمام للاغتسال، والمصانع
~~والحياض للشرب، فإن ثبت هناك استمرار وطريقة عمل يظهر منه إما الاجماع أو
~~رضا المالك، فهو، وإلا فإدخاله تحت حق الغسل والشرب ms0049 مشكل، فإن أخذ الماء
~~مجتمعا يصعب في نظر المالك، وإن كان صرفه متفرقا قد يكون أكثر من ذلك،
~~والمعهود المتعارف (2) في الشرب والاغتسال والتوضؤ إما الإتيان بالمذكورات
~~في شاطئ النهر، أو أخذ كل واحد من المسلمين بقدر حاجته في ذلك الوقت.
# والظاهر أن ما ذكرنا من الحكم لا يتفاوت في المغصوب وغيره، فإذا غصب
~~النهر المملوك فلا ينتفي بذلك حق شرب المسلمين وتوضئهم واغتسالهم، وهو
~~مستصحب، كما صرح به المرتضى (3) وغيره (4) في المكان المغصوب. نعم قد يمكن
~~الحكم بعدم جوازه للغاصب، لأن الظاهر كراهة المالك لذلك.
# وأما ما ادعاه السيد من الاجماع على بطلان الوضوء بالماء الغصبي (5)،
~~فالظاهر أن مراده ما تحقق فيه الغصب، كما إذا كان محرزا في آنية، فإن
~~الظاهر أن عدم جواز الوضوء به إجماعي، كما هو مدعى به في كلامهم. والظاهر
~~أن مرادهم البطلان، وإلا فالحرمة إجماعي العلماء كافة، وصرح بإرادة ذلك
~~السيد في المسائل الناصرية (6)، وقد استدلوا عليه بعدم جواز اجتماع الأمر
~~والنهي، وهو غير تام كما
# PageV01P157
# حققناه في الأصول، وسنشير إليه في مكان المصلي أيضا.
# وإنما حملنا كلام السيد على إرادة ما تحقق فيه الغصب، لأن القدر المسلم
~~كونه مصداقا للغصب هو ذلك، وكون ذلك التصرف في الماء المغصوب غصبا أول
~~الكلام.
# ويشهد بما ذكرنا: استدلاله - رحمه الله - على البطلان بعدم إمكان قصد
~~التقرب بما كان معصية، كما هو مقتضى القاعدة الأصولية.
# وإنما أطنبنا الكلام لتجدد عهد الإشكال فيه في هذه الأيام، بعد ما استمر
~~كونه موضوعا على طرف التمام، وعدم تكرر ذكره مستقصى في كتب الأقوام.
# وأما المشتبه بالمغصوب، فقالوا (1): لا يجوز استعماله، والظاهر أن مرادهم
~~إذا كان من جملة المحصور، كالمشتبه بالنجس، بناءا على وجوب الاجتناب في
~~الشبهة المحصورة.
# ولم نقف على مصرح بالاجماع على البطلان في خصوص ذلك إذا توضأ بالجميع،
~~فإن تم وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة بأجمعها وقلنا بدلالة النهي على
~~الفساد حتى مثل هذا النهي المستفاد من وجوب المقدمة فيثبت فيه البطلان
~~حينئذ، وإلا فللتأمل فيه مجال، لعدم ms0050 ثبوت الاجماع على البطلان حينئذ، لأن
~~المفروض حصول الطهارة بالماء المباح أيضا.
# وأما لو توضأ بأحدهما، فعلى القول بوجوب اجتناب مجموع المشتبه فيبطل
~~أيضا، لا لما قيل: إن ذلك لأجل عدم حصول اليقين بالمأمور به، وهو الطهارة
~~بالماء المباح، بل لحرمة الاستعمال، ودلالة النهي على الفساد، إذ القدر
~~المعلوم من القاعدة الأصولية هو البطلان فيما علمت الحرمة، لا ما كان
~~مغصوبا في نفس الأمر، ليتحقق عدم جواز اجتماعه مع الأمر، فما لم يعلم كونه
~~حراما - كما فيما نحن فيه -
# PageV01P158
# لا يصير موردا للقاعدة، ولم يعلم من مدعي الاجماع أيضا إلا الاجماع على
~~البطلان مع العلم بالغصب وحرمة التصرف، لا الاجماع على اشتراط الإباحة، حتى
~~يقال فيما نحن فيه: إن بطلان الوضوء بسبب عدم الإتيان بالمأمور به لا
~~للاتيان بالمنهي عنه، حتى يقبل منع دلالة النهي على الفساد.
# والأظهر عندي عدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة، إلا فيما يحصل معه
~~العلم بارتكاب الحرام، كما تدل عليه صحيحة عبد الله بن سنان وغيرها في كل
~~شئ يكون فيه حلال وحرام (1)، ووجوب المقدمة أيضا لا يجدي فيما نحن فيه، إذ
~~القدر المسلم من وجوب اجتناب الحرام هوما علمت حرمته، وحينئذ فيجوز التصرف
~~في أحد الماءين، فإذا جاز التصرف فإنه يصح الوضوء.
# وكذلك لو انقلب أحد الماءين المشتبهين بالمغصوب، خرجنا عن ذلك الأصل في
~~المشتبه بالنجس في خصوص الإناءين بدليل وبقي الباقي.
# ثم إن ما ذكرنا من المنع إنما يتم فيما لو وجد ماءا غير المغصوب
~~والمشتبه، وإلا فيتعين البطلان، لعدم بقاء مورد آخر للأمر، فتتحد جهتا
~~الأمر والنهي.
# الثاني: أن يكون طاهرا، فلا تجوز الطهارة بالماء النجس، والمراد بعدم
~~الجواز عدم ترتب الأثر، لا الحرمة المصطلحة، إلا أن يعتقدها جائزة، اعتقادا
~~ناشئا من غير حجة شرعية.
# وقد يستدل على الحرمة بالأخبار الكثيرة الناهية عن الوضوء به، ودلالتها
~~غير واضحة، إذ الظاهر منها عدم الاعتداد به، كما هو إجماعي، ومدلول عليه
~~بالأخبار أيضا، مثل صحيحة علي بن مهزيار، في حكاية مكاتبة سليمان بن راشد ms0051
~~الآتية في لباس المصلي (2)، وموثقة عمار الآمرة بإعادة الوضوء والصلاة لمن
~~وجد في الآنية
# PageV01P159
# التي توضأ منها فأرة متسلخة (1)، ومرسلة إسحاق (2) وغيرها.
# وأما المشتبه بالنجس، فلا تجوز الطهارة به أيضا بالاجماع (3) نقله الشيخ
~~(4) والفاضلان (5). وتدل عليه موثقة سماعة، عن الصادق عليه السلام: في رجل
~~معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر، لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على
~~ماء غيره، قال: " يهريقهما ويتيمم " (6) وموثقة عمار عنه عليه السلام.
# وقد استدل عليه أيضا بوجوه ضعيفة، أقواها: أن اجتناب النجس واجب قطعا،
~~وهو لا يتم إلا باجتنابهما معا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
# وفيه منع ظاهر، إذ الواجب إنما هو اجتناب ما علمت نجاسته، ولا يحصل العلم
~~في كل منهما، فالقاعدة تقتضي جواز استعمال كل واحد منهما. والحرام إنما هو
~~استعمال الجميع، ونظيره في الشرع موجود، كعدم وجوب الغسل على واجدي المني
~~في الثوب المشترك، فلو لم يكن في المسألة إجماع ولا الخبران لحكمنا بجواز
~~الطهارة بأحدهما.
# ومما ذكرنا تظهر سهولة الأمر في غير مورد الاجماع والخبر، كما سيجئ
~~الكلام في المشتبه بالنجس في مباحث النجاسات.
# والظاهر عدم الفرق بين الإناءين والأكثر، كما صرح به الشيخان (7)
# PageV01P160
# والفاضلان (1)، وربما يتعدى إلى غير الإناء ولا يخلو عن إشكال، بل
~~الإشكال ثابت في الأكثر من الإناءين أيضا لما ذكرنا.
# ولو انقلب أحدهما واشتبه الآخر بمتيقن الطهارة فالأظهر عدم وجوب
~~الاجتناب، للأصل، وعدم شمول النص، والإجماع.
# وأوجب العلامة الاجتناب هنا أيضا (2)، وكذلك حكم بوجوب اجتناب ملاقي
~~الإناءين، وجعل حكم المشتبه حكم النجس.
# وفيه أيضا منع واضح، لاستصحاب الطهارة، وعدم ثبوت حكم النجس للمشتبه به
~~إلا فيما ثبت فيه نص أو إجماع، وليس، فليس.
# ثم إن الاشتباه بالنجس إما بأن يكون ماء طاهر وماء نجس، ثم اشتبه أحدهما
~~بالآخر، أو (3) يكفي أحدهما ويبقى الآخر، أو بأن يكون ماءان طاهران وعلم
~~وقوع النجاسة في أحدهما، ولم يدر أيهما هو.
# وأما الشك في وقوع النجاسة في الماء، أو الشك في أن الواقع نجاسة أم لا، ms0052
~~فليس من هذا القبيل، لأصالة الطهارة، وسيجئ الكلام في تعارض البينتين في
~~مباحث النجاسات.
# وأما الفرق بين ما لو كان الاشتباه حاصلا من حين العلم بوقوع النجاسة،
~~وبين ما لو طرأ الاشتباه بعد تعين النجس في نفسه، بجريان الاستصحاب في
~~الثاني، لثبوت المنع اليقيني فيستصحب، بخلاف الأول، فهو مما لا وجه له (4)،
~~لعدم الفرق في حصول أصل اليقين، فتقييد النص وإطلاق كلام الأصحاب بلا دليل
~~كما ترى.
# الثالث: أن يكون مطلقا على المشهور، المدعى عليه الاجماع، خلافا
# PageV01P161
# للصدوق، حيث جوزه بماء الورد (1)، لرواية ضعيفة (2) (3). وأما سائر
~~المياه المضافة، فلا يجوز قولا واحدا.
# والإجماع المنقول وإطلاقات الآية والأخبار سيما الحاصرة بأنه هو الماء
~~والصعيد (4) تدفع قول الصدوق.
# ولو اشتبه المطلق بالمضاف مع فقد غيرهما، تطهر بكل منهما، لتوقف براءة
~~الذمة عليه، ولا يضر عدم الجزم بالنية، سيما في صورة عدم الإمكان، لعدم
~~الدليل.
# ولا يبعد القول بالجواز مع وجود ماء مطلق يقيني، وإن كان الأحوط
~~الاجتناب.
# ولو انقلب أحدهما فقال في المدارك: إن الأصحاب قطعوا بوجوب الوضوء
~~بالباقي والتيمم، مقدما للأول على الثاني (5). واعترض عليه بأن الواجب إن
~~كان هو استعمال ما علم كونه ماءا مطلقا في الوضوء فينحصر الأمر حينئذ في
~~التيمم، وإن كان هو استعمال ما لم يعلم كونه مضافا فينحصر في الوضوء.
# وفيه: أن الواجب استعمال الماء الواقعي، فإن الألفاظ أسام للمعاني النفس
~~الأمرية، فيجب الوضوء لاحتمال وجوده، ويجب التيمم لاحتمال عدمه، كما أنه
~~يجب الاجتناب عن المجهول الحال لاحتمال كونه فاسقا.
# PageV01P162
# والحاصل أن وجوب الوضوء معلق على نفس الماء، ووجوب التيمم على عدم وجدان
~~الماء، فإن كان المراد بالتعليق في التيمم أيضا هو عدم وجدان الماء في نفس
~~الأمر، فيتساويان في الاحتمال، ويجبان معا، لابراء (1) الذمة.
# وكذلك إن استفدنا من مفهوم التعليق في التيمم على عدم وجدان الماء:
~~التعليق في الوضوء على وجدانه أيضا، وإن قلنا حينئذ إن الظاهر من التعليق
~~على وجدان الماء في الوضوء، وعلى عدمه في التيمم، هو ما لو علم بالوجدان أو
~~ظن ms0053 به، فإنهما منتفيان فيما نحن فيه، فلا علم ولا ظن بوجدان الماء ولا
~~بعدمه، فيتساقطان معا، ولما كان من البديهي بقاء التكليف بطهارة، والأمر
~~منحصر فيهما، فيجبان معا لتحصيل البراءة، وربما يحتمل التخيير، لأصل
~~البراءة، كما في بعض نظائره، والأحوط، بل الأظهر ما عليه الأصحاب.
# الرابع: تجب المباشرة بنفسه في حال الاختيار، للاجماع، نقله جماعة من
~~الأصحاب (2)، ولظاهر الأوامر، ولفحوى قوله تعالى: * (ولا يشرك بعبادة ربه
~~أحدا) * (3) على ما ورد تفسيره في حسنة الوشاء (4) وغيرها. وعن ابن الجنيد
~~جواز تولية الغير (5)، وهو ضعيف.
# وأما في حال الاضطرار فتجوز توليته بمعنى وجوبها إجماعا، نقله الفاضلان
~~في المعتبر والمنتهى (6)، والأحوط نيتهما معا.
# PageV01P163
# الخامس: تشترط فيه النية، والأصل فيها الوجوب في كل ما لم يعلم الغرض فيه
~~من الأوامر، أو (1) علم أن الغرض منه بالذات هو تكميل النفس.
# وأما ما علم أن المقصود منه مجرد الوصول إلى الغير - كغسل الثياب
~~والأواني والجهاد ونحو ذلك - فلا تشترط النية فيها، فتترتب آثار الفعل عليه
~~فيها مع عدمها، بل إذا وقع مع نية الخلاف وعلى وجه المعصية أيضا (فيخرج عن
~~عهدة التكليف بحصولها كيف اتفق، وإن حصلت له المعصية) (2)، بخلاف غيرها،
~~فإن الامتثال المطلوب فيها لا يحصل إلا إذا قصد بها الإطاعة، فإن مجرد
~~موافقة المأمور به بعنوان الاتفاق لا يسمى في العرف امتثالا.
# وأما الواجبات التوصلية وإن كان يجري فيها ذلك أيضا، سيما إذا حصل الفعل
~~بدون اختيار المكلف، لكن المراد هنا بحصول الامتثال: هو ترتب الأثر والخروج
~~عن عهدة الفعل، فلا يكلف بالفعل ثانيا.
# فحقيقة النية: قصد الفعل المأمور به ممتازا عما سواه لله تعالى.
# فإذا كان الداعي على الفعل هو ذلك فقد حصلت النية، ولا حاجة إلى الإخطار
~~بالبال مفصلا في أول جزء من الأجزاء، كما فهمه أكثر المتأخرين (3).
# ولذلك فلا يتفاوت الحال بين أول الشروع فيه، وحال التلبس به، فإن الداعي
~~لا يجب فيه التذكر، بل يكفي وجوده في الحافظة، ولا يرتفع إلا بالذهول عن
~~الفعل بالمرة، أو بنية الخلاف. وذلك هو ms0054 المراد بالاستدامة الحكمية، فإذا
~~كان الداعي له في الشروع هو قصد التقرب إلى الآمر بالفعل المعين، ولو (4)
~~كان خطوره
# PageV01P164
# متقدما على زمان أول الشروع بكثير، فيكفي ويستمر ويصح إلا إذا حصل الداعي
~~إلى خلافه.
# فظهر عدم وجوب المقارنة لأول جزئه الذي ذكره الفقهاء أيضا، ولا الاستدامة
~~بمعنى تجديد العزم (1) كما ذكر، لامتناع التذكر في الجميع سيما فيما بعد
~~زمانه كما ذكروه.
# واختلفوا في وجوب قصد الوجه، معللا به وبدون التعليل، أو قصدهما معا، أو
~~وجه الوجه، وعدمه. وكذا في خصوص الطهارة في وجوب نية الاستباحة ورفع الحدث
~~معا، أو أحدهما، أو الاستباحة فقط، على أقوال. والأقوى العدم في الجميع.
# وكذا في القيود المأخوذة في غير الوضوء، أو ما عدا التقرب بالمتعين إلا
~~إذا كان مميزا.
# فإذا تردد الأمر بين الواجب والندب - كصلاة الفجر ونافلتها - ولم يتميز
~~الفعل إلا بالقصد فيجب، بخلاف ما لو تردد الأمر بين وجوب الفعل وعدمه، كغسل
~~الجمعة. وإن أمكنه تحصيل العلم به، فلا يجب، لتعين نفس الفعل، ولا دليل على
~~وجوب قصد الوجه.
# وكذلك إذا تردد الأمر بين الفائتة والحاضرة، ولم يتميز إلا بقصد أحدهما،
~~فيجب، بخلاف ما لو تردد الأمر بين صيرورة الصلاة قضاءا أو أداءا، كما لو
~~استيقظ قبيل (2) طلوع الشمس وتردد في الطلوع، فلا يجب قصد الأداء، ويكفي
~~التقرب بالفعل المعين، وهكذا.
# واحتجوا لوجوب نية الوجه: بأن الفعل لما جاز وقوعه على وجه الوجوب تارة
# PageV01P165
# والندب أخرى فاشترط تخصيصه بأحدهما حيث يكون هو المطلوب ليحصل الامتثال،
~~ولا يحصل ذلك إلا بالنية.
# وفيه: أنه إن أريد وجوب تعينه وتميزه حيث يشترك معه (1) فعل آخر في
~~الهيئة مع اختلافهما في الوجه - كالنافلة والفريضة - فهو كذلك كما أشرنا،
~~مع أنه يحتمل المنع فيه أيضا على القول بالتداخل فيما أمكن ذلك، كغسل
~~الجنابة والجمعة، وكالوضوء الواجب والمستحب.
# وإن أريد أن امتثال الأمر الإيجابي لا يحصل إلا مع قصد الوجوب وإن لم
~~تتعدد الأوامر، ولم يشتبه المكلف به بشئ آخر، كغسل الجمعة المتردد بين
~~الوجوب والاستحباب، فإن المأمور ms0055 به فيه متحد، وكذلك الأمر في نفس الأمر وإن
~~اختلفت فيه الأوامر ظاهرا، ففيه: أن الأصل عدم الاعتبار، والامتثال يحصل
~~بإيجاد فرد من ذلك الكلي المأمور به، وتصدق في العرف موافقة الأمر بمجرد
~~فعله امتثالا، ولا مدخلية لقصد الوجوب في تحققه في الخارج عرفا (2).
# وأما وجه الوجه، فالمراد به: اللطف الحاصل بالإيجاب في التكاليف العقلية،
~~فإن امتثال السمعيات مقرب لاتباع العقليات، مثل نفس بعثة النبي صلى الله
~~عليه وآله وغيرها، فإنها أيضا لطف، فالغرض (3) من الإيجاب اللطف، فاللطف
~~وجه الإيجاب، أو شكر المنعم على قول بعضهم، فإنه وجه الإيجاب وغيره. وأما
~~على مذهب الأشاعرة فلا وجه، ولا مرجح.
# وصرح المتكلمون: بأن حسن الفعل واستحقاق فاعله الثواب يتوقف على فعله
~~للوجه أو لوجهه. فإن كان مرادهم التقرب والامتثال اللازم لذلك كما هو
~~الظاهر فهو، وإلا فلا وجه له.
# PageV01P166
# ومما ذكرنا ظهر أن القول " باشتراط قصد الوجه والتعليل به معا منضما إلى
~~نية التقرب كما يظهر من بعض الأصحاب (1) " في غاية البعد.
# ولا دليل لاعتبار سائر القيود يعتد به، إلا ظاهر قوله تعالى: * (إذا قمتم
~~إلى الصلاة) * (2) الآية بناءا على ما تقدم من أن الظاهر منه كون الشرط
~~غرضا للجزاء، وأن قصد رفع الحدث مستلزم لإباحة الصلاة، فيتخير بينهما - أو
~~أن استلزام رفع الحدث للاستباحة لا يستلزم كون الوضوء المنوي (3) فيه رفع
~~الحدث مقصودا فيه الاستباحة كما هو مدلول الآية، فيتعين قصد الاستباحة (4).
# أو أن كون الوضوء واجبا للصلاة لا يستلزم وجوب قصد ذلك، فإن المراد: أن
~~الوضوء واجب للصلاة، لا أن الوضوء الكائن للصلاة واجب، فيثبت عدم اشتراط شئ
~~منها (5).
# واكتفى بعض من اشترط قصد الاستباحة في الوضوء للصلاة الواجبة باستباحة أي
~~مشروط كان وإن لم يكن فعله ممكنا (6). وهذا وهن في وهن.
# وقد استدل على الجمع بينهما: بأن الحدث مانع، فيجب رفعه، وأن الاستباحة
~~وجه لذلك الرفع، فيجبان.
# وفيه: أن وجوب الأول لا يستلزم وجوب قصده، وكذلك كون الثاني وجها للأول.
# PageV01P167
# وبأن الرفع والاستباحة قد يتفارقان في غسل الحائض بدون ms0056 الوضوء، والمتيمم،
~~ولا يكفي قصد أحدهما عن الآخر.
# ولا يخفى ضعفه، لمنع لزومه (أصلا) (1)، فضلا عن الاجتماع.
# ثم إن المتداول في ألسنتهم " من اشتراط الاستباحة للصلاة في الوضوء،
~~واستدلالهم على ذلك بالآية " مبني على الغالب، أو على العمدة التي هي
~~الوضوء للصلاة، وإلا فليس كلما يشرع له الوضوء صلاة، ولا مما لا يباح إلا
~~به، فإنه يستحب للقراءة ولدخول المساجد ونحوهما أيضا. ففي الطواف لا بد لهم
~~من اشتراط استباحته، وكذلك في مس كتابة القرآن ونحوهما، بخلاف ما تقدم، فإن
~~الوضوء إنما هو لتحصيل كماله، فلو نوى ما يكون الوضوء مكملا له فإما أن
~~يقصد استباحته أو كماله أو نفسه.
# فأما الأول فمقتضى أدلتهم عدم الصحة، كما حكم به الشيخ (2) وابن إدريس
~~(3)، لأنه مباح بدون ذلك.
# وأما لو قصد الكمال، فالظاهر الصحة، لاستلزامه قصد رفع الحدث، لأن الكمال
~~لا يحصل إلا برفع الحدث، ومع حصوله يجوز الدخول به في المشروطات أيضا،
~~وكلام الشيخ وابن إدريس لا ينفيه.
# وكذلك لو قصد أصل الفعل، لانصرافه إلى الوجه الصحيح، وهو تحصيل الكمال.
# وبالجملة يلزم على طريقتهم - على مجاراة (4) ما تقدم - قصد الغاية،
~~استباحة،
# PageV01P168
# أو كمالا، أو ما ينصرف إليهما، أو رفع الحدث على القول بالتخيير.
# وعلى ما ذكرنا، فيكفي تميز الفعل عما سواه، فإن كان من الوضوءات الرافعة
~~فيدخل به في كل مشروط به، وإن لم يقصد الغاية بالوضوء، وإن كان قل ما يخلو
~~المكلف عن قصدها. ولعله السر في التزامهم قصد الاستباحة أو ما يؤول إليه،
~~وذلك لا يستلزم وجوب قصدها.
# ويكفي قصد رفع حدث واحد وإن حصل متعددا، وكذا مشروط واحد وإن فعل به
~~متعددا، لما سنبينه في مسألة التداخل.
# وأما لو نفى غيره ففيه إشكال، لكونه لغوا بحتا، وللزوم الجمع بين
~~المتنافيين.
# والظاهر أن ذلك محض اللعب ولا يدخل شئ في القصد، فيكون قصد العدم كالعدم.
# بقي الكلام في معنى قصد التقرب، ودليله:
# قد سبق أن العرف يقتضي قصد الامتثال في صدق الإطاعة، فلا يحصل الامتثال
~~إلا بقصده.
# ونقول ههنا: ms0057 إن الأصحاب اتفقوا على وجوب قصد التقرب، كما نقله الشيخ (1)
~~والعلامة (2)، بل على اشتراط العبادة به.
# نعم نقل عن السيد المخالفة في ذلك، فيحكم بالصحة وسقوط العقاب مع عدم
~~التقرب، وإن لم يحصل له ثواب، فرقا بين الاجزاء والقبول (3). والظاهر أن
~~مراده من عدم العقاب: هو على ترك الصلاة، لا على ترك التقرب، فينافي
~~الاجماع على وجوبه.
# PageV01P169
# ويدل عليه أيضا: قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله) * (1) الآية
~~وما دل على حرمة الرياء وحرمة العمل المراءى فيه، كقوله تعالى: * (يراؤون
~~الناس) * (2) و * (لا يشرك بعبادة ربه أحدا) * (3) وغير ذلك، والنهي في
~~العبادات مستلزم للفساد.
# وذكروا في معنى القصد لله تعالى وجوها، أفضلها: الإتيان بالعبادة لكونه
~~تعالى أهلا لها، ثم للحياء منه والمهابة، ثم للشكر له والتعظيم، ثم لامتثال
~~أمره وموافقة إرادته، ثم للقرب منه والهرب عن البعد عنه، ثم لنيل الثواب
~~عنده أو الخلاص من عقابه.
# فلم يؤخذ في النظر شئ في الأول حتى أمر الآمر، بل لأن الحسن بالذات إنما
~~هو للحسن بالذات.
# وفي الثاني، وإن لم ينظر فيه إلى أمر الآمر أيضا، لكنه اعتبر هناك جاذب
~~إلى الفعل، وهو الحياء والمهابة، فكأنه شئ يضعف الاختيار، لكنه ليس بشئ
~~تعود فائدته إليه.
# وفي الثالث لا يخلو المقام عن النظر إلى الفائدة وإن كانت متقدمة، فينزل
~~عن سابقيه.
# وفي الرابع، ملاحظة أمره وموافقة إرادته، فالداعي الخارج عن نفس المكلف
~~هناك أقوى من سابقيه، فينزل عنهما.
# وفي الخامس، ملاحظة الفائدة المتأخرة عن الفعل وإن كانت روحانية.
# وأما الأخيران فيثوب (4) فيهما الدواعي من الملائمات الجسمانية.
# PageV01P170
# ولا خلاف في كفاية غير الأخيرين، وفيهما خلاف عن ابن طاووس (1)، ونسبه
~~الشهيد في القواعد إلى الأصحاب (2) (3)، والحق خلافه، كما هو مذهب جمهور
~~أصحابنا، المستفاد من الآيات، كقوله تعالى: * (يدعوننا رغبا ورهبا) * (4) و
~~* (افعلوا الخير لعلكم تفلحون) * (5) وغير ذلك.
# مضافا إلى الأخبار الكثيرة، وناهيك حسنة هارون بن خارجة، عن الصادق عليه
~~السلام قال: " العباد (6) ثلاثة: قوم عبدوا الله عز وجل خوفا، فتلك عبادة
~~العبيد، وقوم عبدوا الله ms0058 تبارك وتعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الأجراء،
~~وقوم عبدوا الله عز وجل حبا له; فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة "
~~(7).
# وكذلك الأخبار المستفيضة الدالة على أن من بلغه ثواب على عمل ففعله
~~التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن كما بلغه.
# ويجب أن يكون الداعي إلى الفعل هو التقرب لا غير، بأن يكون خالصا لله.
# فإن انضم إليه شئ آخر، فإن كان رياءا أو سمعة، فالمشهور بطلان العبادة -
~~خلافا للسيد (8) - لقوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له
~~الدين) * (9) فإن الظاهر أن اللام بمعنى الباء، وأن الدين هو الطاعة لا
~~الملة، وأن المراد أعم من
# PageV01P171
# الإخلاص عن تشريك الأوثان ونحوها، والحصر يفيد عدم كون غير الخالص مأمورا
~~به، فإذ لا أمر فلا امتثال.
# ولأن الظاهر مما دل على حرمة الرياء في العبادات من الآيات والأخبار: هو
~~حرمة العبادة المراءى فيها، لا مجرد الرياء، والنهي في العبادة مستلزم
~~للفساد.
# وإن كان فعلا راجحا، فظاهرهم الاتفاق على الجواز، كضم الحمية إلى الصوم،
~~والإرشاد إلى الوضوء، والإعلام إلى التكبير، أو إجهاره، ونحو ذلك.
# وظني أن مرادهم هنا: ما حصل الضم من جهة المكلف، بأن يكون بين الضميمة
~~والعبادة عموم من وجه. وأما ما نص عليه كالتسبيح في الصلاة لأجل إعلام
~~الغير (1) أو صلاة الليل لتوسيع الرزق (2)، ونحو ذلك مما هومن الكثرة
~~بمكان، فليس بمحل الإشكال، لترخيص الشارع، وإن كان من المباحات. ومن هذا
~~الباب استيجار الحج، والصلاة، وغيرهما (3).
# وأما غير ذلك مما لا رخصة فيه ولا رجحان، كضم التبرد والتسخن إلى الوضوء
~~والغسل ونحو ذلك، ففيه خلاف. للمجوزين: أصالة البراءة عن التكليف، ومنع
~~ثبوت الوجوب، وأن اللازم واجب الحصول وإن لم ينوه.
# وللنافي: اشتراط الإخلاص، وهو مناف له، فيرتفع الأصل، والنقض بالرياء،
~~فإن رؤية الناس أيضا لازمة وإن لم ينوها.
# ويمكن دفع الأول بعدم دلالة الآية على أزيد من الإخلاص عن الشرك والرياء،
~~وكذلك غيرها من الأدلة، والثاني بأنه مخرج بالدليل.
# PageV01P172
# نعم يرد المنع على أن اللازم واجب الحصول وإن لم ينوه ms0059 على الإطلاق، فإنه
~~لو اختار الماء البارد أو الحار للوضوء، وكان التبرد والتسخن جزء الداعي،
~~وبسببه حصل المكلف ما يوجبه، فليس كذلك.
# نعم يمكن ذلك فيما لو انحصر الماء في البارد مثلا، وضم إلى قصد التقرب
~~التبرد أيضا، وحينئذ فلنفرض النقض بالرياء في نظيره، ويجاب بما ذكرنا.
# والحاصل أن الأظهر عدم البطلان بهذه الضميمة مطلقا إذا كان الداعي إلى
~~التقرب قويا بحيث لولاها لفعله جزما، والاحتياط مما لا ينبغي تركه.
# وأما التلذذ بالماء البارد في أثناء الوضوء، فلا يضر أصلا.
# بل الظاهر أن السرور برؤية أحد إياه في حال العبادة أيضا لا يبطلها إذا
~~لم يكن الداعي إلى الفعل هو ذلك، كما في رواية زرارة عن الباقر عليه
~~السلام: عن الرجل يعمل الشئ من الخير فيراه انسان فيسره، قال: " لا بأس، ما
~~من أحد إلا ويحب (1) أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك "
~~(2).
# وأما طرآن الرياء في الأثناء، بأن يصير ضميمة للداعي، فالظاهر أنه مبطل
~~أيضا، وظاهر المفاتيح يوهم خلافه (3).
# وبالجملة الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على
~~الصخرة الصماء، ولكن رحمة الله أيضا أوسع مما بين الأرض والسماء، حيث سن
~~لنا الملة السهلة السمحة الحنيفة البيضاء، وراقب أحوال القاصرين عن نيل ذرى
~~العلياء، من الضعفاء والنساء، وكل ميسر لما خلق.
# فلو قلنا ببطلان العبادة بمجرد السرور في حال العمل باطلاع الغير و (4)
~~جزمنا
# PageV01P173
# ببطلانها بالضمائم المباحة أيا ما كانت، لزم العسر الشديد، والحرج
~~الوكيد، فعليك بالاجتهاد والورع وتصفية النية عن كدر الشوب حسب المقدور،
~~فإن الميسور لا يسقط بالمعسور.
# تنبيهان:
# الأول: لو قصد الخروج والقطع في الأثناء فتبطل النية في اللاحق، فإن عاد
~~قبل فوات الموالاة، فقالوا بالصحة لجمعه شرائطها، وهو ظاهر الإطلاقات
~~والعمومات.
# الثاني: قد ذكرنا عدم اشتراط نية الوجه (1)، وهو في صورة عدم القصد مع
~~التذكر أو النسيان أو الاشتباه واضح، والإشكال فيما لو بدلها عمدا، فقصد
~~الوجوب في الندب، أو عكس. أو جهلا بالمسألة، مع إمكان التعلم.
# ويظهر ms0060 من بعضهم، الصحة بناءا على عدم اشتراط نية الوجه (2) - (3).
# وفيه إشكال، بل الأظهر البطلان.
# وأما جواز الوضوء الندب حال اشتغال الذمة بالواجب، فظاهر المشهور العدم،
~~والأظهر الجواز، للأصل، والإطلاقات، والأمر بالشئ لو سلم اقتضاؤه النهي عن
~~الضد الخاص فإنما هو في المضيق، وعدم جواز التداخل وسقوط الوجوب بالوضوء
~~الندبي لا يستلزم خروج الواجب عن الوجوب، فإن إطلاق الوجوب يعارضه إطلاق
~~الندب، فالوجوب ثابت ما لم يتحقق مسقط له.
# PageV01P174
# المقصد الخامس في الجبائر من كان على بعض أعضائه جبيرة ينزعها مع المكنة،
~~وإلا مسح عليها، وكذا العصائب التي يعصب بها الجرح والكسر، وهو مذهب
~~علمائنا أجمع، قاله في المنتهى، ثم قال: لا فرق في المسح بين الطهارة
~~الكبرى والصغرى، وهو قول عامة العلماء، لأن الضرر يلحق بنزعها فيهما (1)،
~~والظاهر من ذلك أن وجوب الغسل مع المكنة والاكتفاء بالمسح مع عدمها إجماعي.
# ويدل على الأول أيضا: الأمر المطلق بالغسل. والظاهر أنه مخير بين النزع
~~وإدخال الماء تحته إن أمكن، لصدق الغسل، وعدم صراحة حسنة الحلبي الآتية في
~~وجوب النزع معينا.
# ولموثقة عمار الدالة على وضع موضع الجبر في الماء حتى يصل إلى جلده (2)،
~~وإن احتمل أن تكون واردة في الغير القادر على النزع، ولكنه لم يعهد قول
~~بذلك التفصيل (3).
# PageV01P175
# وعلى وجوب المسح عليها أيضا مضافا إلى الاجماع: حسنة الحلبي، عن الصادق
~~عليه السلام: عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه، أو نحو ذلك من موضع
~~الوضوء، فيعصبها بالخرقة ويتوضأ ويمسح عليها إذا توضأ، قال: " إن كان يؤذيه
~~الماء فليمسح على الخرقة، وإن كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم يغسلها
~~" قال: وسألته عن الجرح كيف يصنع به في غسله؟ قال: " يغسل ما حوله " (1).
# وحسنة كليب الأسدي، عنه عليه السلام: عن الرجل إذا كان كسيرا، كيف يصنع
~~بالصلاة؟ قال: " إن كان يتخوف على نفسه، فليمسح على جبائره وليصل " (2).
# ولا ينافي ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن الكاظم عليه السلام: عن
~~الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به جراحة، كيف يصنع بالوضوء وعند ms0061 غسل
~~الجنابة وغسل الجمعة؟ قال: " يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر، مما ليس عليه
~~الجبائر، ويدع ما سوى ذلك، مما لا يستطيع غسله، ولا ينزع الجبائر، ولا يعبث
~~بجراحته " (3) ومرسلة الصدوق: وقد روي في الجبائر، عن الصادق عليه السلام،
~~أنه قال: " يغسل ما حولها " (4).
# PageV01P176
# لأن المراد منها عدم وجوب غسل موضع الجبائر، ولا ينافي وجوب المسح عليها.
# ولا يجب إجراء الماء على الجبيرة، لعدم الدليل.
# وأما استيعاب المسح، ففيه إشكال: لصدق المسح بالمسمى كالمسح في الوضوء،
~~ولنيابته عن الغسل. ويضعف الأول: بأن ذلك من جهة الباء. نعم لا يشترط
~~الاجتهاد في تتبع الأجزاء (1)، فلا يضر عدم وصول البلة إلى الجميع.
# وكل ما ذكرنا يجري في موضع المسح أيضا، إلا أنه مشروط بعدم إمكان تحصيل
~~المسمى بدون ذلك، ولا يجب الاستيعاب فيه أيضا.
# وفي معنى الجبائر والعصائب الطلاء واللصوق، لحسنة الوشاء (2)، وحسنة عبد
~~الأعلى مولى آل سام (3)، وغيرهما.
# وفي اللصوق الذي يتضرر بإزالته مع عدم كون وضعه أولا للعلة، وإلحاقه
~~بالجبيرة والعصائب، إشكال. كالزائد من قدر الاحتياج في الجبائر والعصائب،
~~فلا تترك الاحتياط، وهو ضم التيمم.
# ثم إنهم ذكروا أن المسح على الجبائر، إنما هو إذا كانت طاهرة، وإلا فيجب
~~وضع شئ طاهر عليها ثم مسحها. واحتمل الشهيد الاكتفاء بغسل ما حولها حينئذ
~~كالجرح المجرد (4)، والأول أحوط، وقيل: بل الأحوط المسح على النجس أولا، ثم
~~على الطاهر فوقه (5).
# PageV01P177
# والإشكال إنما هو إذا لم يمكن تطهيره، وإلا فيطهر، وكان في وجوبه أيضا
~~إشكال.
# والمناص في أمثال ذلك هو الاحتياط.
# وأما الجرح المجرد، فإذا لم يمكن غسله فيجب غسل ما حوله، لصحيحة عبد الله
~~بن سنان (1)، وحسنة الحلبي المتقدمة (2).
# وفي وجوب المسح عليه إن أمكن قولان، من جهة الأصل وظاهر النص، ومن جهة
~~الإتيان بشبيه الغسل عند تعذره، والأول أظهر، والثاني أحوط.
# وأوجب بعض من قال بالثاني وضع شئ عليه ومسحه إن لم يمكن المسح أيضا (3)،
~~تفريعا على أصله، وكونه حينئذ أحوط إذا لم يكن اللصوق مانعا عن شئ من
~~الصحيح.
# وعلى ms0062 القول بعدم الوجوب، فلو وضعه فهل يجب حينئذ المسح عملا بظاهر حسنة
~~الحلبي، أو لا، لأن المتبادر منها العصائب المحتاج إليها أولا؟ إشكال.
# وظاهرهم إلحاق القرح والكسر المجردين وغيرهما أيضا بالجرح المجرد. وعليك
~~بالاحتياط فيما لا يستفاد من النص.
# ثم إن جماعة من متأخري المتأخرين قد اشتبه عليهم الأمر في المقام من جهة
~~كلمات الأصحاب، واختلاف الأخبار، وأخذوا تناقضا، واستشكلوا فيه، وهو أنهم
~~ذكروا في مسألة الجبيرة وجوب الوضوء على النهج المذكور، وذكروا في مبحث
~~التيمم أن من الأسباب الموجبة للتيمم القروح والجروح وما أشبههما وأطلقوا،
~~وكذلك الأخبار الصحيحة مستفيضة في وجوب التيمم على من به قرح أو
# PageV01P178
# جرح، وفي بعضها الكسر أيضا (1).
# وقد جمع بعضهم بين الأخبار بالتخيير، أو بحمل الموجبة على ما إذا تضرر
~~بغسل ما حول الجرح (2). وبعضهم بين الأقوال، بحمل قولهم في التيمم على من
~~استوعبت الجبيرة عضوه، أو على من كان عذره مرضا غير الجرح والقرح والكسر
~~(3).
# وأنت خبير بأن أكثر ما ذكر لا يتم بالنظر إلى الأخبار ولا كلام الأصحاب،
~~فإن مطلق الأخبار يحمل على المقيد، وكذلك مطلق كلام الأصحاب، فإن مرادهم من
~~إطلاقهم كون الجرح والقرح سببا للتيمم هو بيان السبب في الجملة، لا في جميع
~~الأحوال بقرينة إجماعهم وسائر تصريحاتهم.
# وعمدة ما أوقعهم في هذا التوهم: هو ما ذكره الشيخ في المبسوط والخلاف،
~~والعلامة في المنتهى والتذكرة، وغيرهما، قال في المبسوط: ومن كان في بعض
~~جسده أو بعض أعضاء طهارته ما لا ضرر عليه، والباقي عليه جراح أو ضرر في
~~إيصال الماء، جاز له التيمم، ولا يجب عليه غسل الأعضاء الصحيحة، وإن غسلها
~~وتيمم كان أحوط، سواء كان الأكثر عليلا أو صحيحا، ذكر ذلك في مبحث التيمم
~~بعد ما ذكر في مبحث الوضوء أحكام الجبيرة على ما تقدم من التفصيل (4)، وفي
~~معناه سائر العبارات (5) - (6).
# وظني أن ذلك ليس مخالفة لسابقه، بل هو رد على العامة، حيث ذهب أبو حنيفة
# PageV01P179
# ومالك إلى أن الأعضاء أو البدن إن كان الأكثر منها صحيحا يجب غسله ms0063 وإلا
~~فيتيمم (1) - (2)، والشافعي وأحمد إلى أنه يجب غسل ما أمكنه، ويتيمم للباقي
~~(3).
# ولما كان من المقرر الثابت عند الشيخ وسائر علمائنا وجوب العمل على مقتضى
~~ما تقدم في الجبائر، وكان من المفروغ عنه عندهم أن العدول إلى التيمم إنما
~~هو بعد العجز، فمرادهم هنا من وجوب التيمم وعدم غسل العضو الصحيح هو إذا لم
~~يمكن غسل العضو العليل ولو بطريق المسح على الجبيرة.
# والذي يشهد بذلك ملاحظة كلماتهم فيما قبل وفيما بعد، فإنها (4) يخصص
~~بعضها بعضا.
# قال في التذكرة في مبحث الوضوء: إذا كانت الجبائر على جميع أعضاء الغسل
~~وتعذر غسلها، مسح على الجميع مستوعبا بالماء، ومسح رأسه ورجليه ببقية
~~البلل، ولو تضرر بالمسح تيمم.
# وقال أيضا: الجبيرة إن استوعبت محل الفرض مسح عليه أجمع، وغسل باقي
~~الأعضاء، وإلا مسح على الجبيرة، وغسل باقي العضو، ولو تعذر المسح على
~~الجبيرة تيمم، ولا يجب غسل باقي الأعضاء (5).
# وقال في بحث التيمم: الطهارة عندنا لا تتبعض، فلو كان بعض بدنه صحيحا،
~~وبعضه جريحا، تيمم، وكفاه عن غسل الصحيح.
# ثم قال بعد ذلك: لو تمكن من المسح بالماء على العضو الجريح، أو على جبيرة
# PageV01P180
# وغسل الباقي، وجب، ولا يتيمم (1). وهذا صريح فيما ذكرنا.
# فالحاصل أن مرادهم في هذا المقام نفي التبعيض، ومع إمكان الجبيرة فيجب
~~ولا يتبعض (2).
# ومما أوقعهم في الحمل على التخيير: كلام العلامة في المنتهى، حيث أورد
~~نظير ما نقلنا عن المبسوط من الرد على العامة في التبعيض وعدم الفرق بين
~~أقل الأعضاء والأكثر، ثم استدل لمن أوجب الجمع منهم برواية جابر، قال: "
~~خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا شجة في وجهه، ثم احتلم، فسأل أصحابه هل تجدون
~~لي رخصة للتيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت قادر على الماء، فاغتسل فمات،
~~فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وآله أخبر بذلك، فقال: قتلوه، قتلهم
~~الله، ألا يسألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه
~~أن يتيمم و (3) يعصب على جرحه، ثم يمسح عليه، ثم يغسل سائر جسده ms0064 " (4).
# وأجاب عنه بما حاصله أن الواو بمعنى أو، يعني كان يكفيه أحد من الأمرين:
# التيمم، أو التعصب والمسح وغسل سائر الأعضاء، ففهم بعضهم من ذلك أنه يقول
~~بالتخيير بين الأمرين (5).
# أقول، أما أولا: فجواب العلامة من باب الجدل.
# وثانيا: إن العمل على مقتضى الجبيرة في الوضوء إجماعي بينهم، فلا معنى
~~للتخيير. وعدم القول بالفرق المدعى في المنتهى إنما هو في جانب الوجوب، أو
~~كان نظره إلى خلاف بعض العامة في نفي الوجوب أيضا.
# PageV01P181
# وبالجملة عدم القول بالفرق في الوجوب، ولا يستلزم وجود القول بنفي
~~الوجوب.
# وثالثا: إنه يمكن أن يكون مراد العلامة - رحمه الله - مطلق الترديد، يعني
~~أنه كان يكفيه التيمم أو العمل على مقتضى الجبيرة، وإن كان ذلك على
~~الترتيب، بتقديم الجبيرة على التيمم (1)، فالترديد بالنسبة إلى حال المكلف،
~~لا نفس الطهارة.
# ورابعا: بأنه يمكن أن يكون التيمم في الحديث بمعنى مطلق القصد، كقوله
~~تعالى: * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (2).
# ومما ذكرنا ظهر: أن حمل الأخبار على التخيير أيضا لا وجه له، فإن الأخبار
~~المجوزة للتيمم كلها مطلقة، لا إشارة في أحدها إلى جواز التيمم في صورة
~~إمكان الجبيرة، فتحمل على المقيدات الموجبة للمسح على الجبيرة.
# مع أن كلها واردة في الغسل، وليس فيها خبر يعارض ما ورد في وجوب المسح
~~على الجبيرة في الوضوء.
# وعدم القول بالفصل المدعى في المنتهى إنما هو على أن كل من يقول بوجوب
~~المسح على (3) الجبيرة في الوضوء يقول بوجوبه في الغسل، لا أن كل من لا
~~يقول بوجوبه في الغسل لا يقول بوجوبه في الوضوء.
# فلا إشكال في تعين وجوب المسح على الجبيرة في الوضوء أصلا، وإنما الإشكال
~~في الغسل من جهة معارضة تلك الأخبار المطلقة بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج
~~المتقدمة (4)، وإطلاق حسنة كليب (5) وكذلك رواية جابر المتقدمة، المقتضية
# PageV01P182
# للجمع بالتخيير (1)، ومن جهة خصوصية صحيحة عبد الرحمن، ودعوى الاجماع
~~المركب (2).
# وظني أن الإشكال هنا منتف أيضا، لما عرفت ما في رواية جابر مع ضعفها، وأن
~~المطلق يحمل على المقيد، فلا يبقى للتخيير وجه ms0065 ومستند.
# نعم لما كانت الصحيحة مختصة بحكم الجبائر، فالظاهر العمل على التيمم في
~~غير ذي الجبيرة وإن كان كسيرا، كما صرح به في صحيحة ابن أبي عمير (3)، وإن
~~كان الأحوط الجمع بينه وبين الغسل حينئذ أيضا. ونهاية الاحتياط الجمع
~~مطلقا.
# وإنما أطنبنا الكلام، لكونه من مزال الأقدام.
# تنبيهات:
# الأول: قد يتوهم عدم اطراد حكم الجبيرة في الغسل، وقد عرفت خلافه، بل
~~الظاهر عدم الخلاف، فلاحظ الشرائع كيف عمم مواضع (4) الطهارة، ولم يخصص
~~بالوضوء (5)، وصرح في المنتهى بما تقدم (6).
# وقال في الذكرى: لو كانت الجبيرة على مواضع التيمم واحتيج إليه، فكالوضوء
~~والغسل (7). إلى غير ذلك من العبارات الظاهرة والمصرحة، وكذلك الأخبار مثل
~~صحيحة عبد الرحمن وغيرها، ويظهر من ذلك اطراد الحكم في التيمم أيضا،
# PageV01P183
# ولا بأس به، لعموم البدلية المستفادة من الأدلة كما سيجئ.
# الثاني: صرح جماعة من الأصحاب بعدم الفرق بين اشتمال الجبيرة كل العضو
~~وبعضه ويظهر من التذكرة: اشتمال جميع أعضاء الغسل أيضا (1)، وهو مقتضى
~~الإطلاقات.
# الثالث: لا فرق بين كون ما تحتها طاهرا أو نجسا، للاطلاق.
# الرابع: لو زال المانع، ففي بقاء الطهارة قولان، أقواهما العدم، لعمومات
~~الطهارة. اكتفينا بها عن أصل الطهارة للضرورة، وهي باقية في غير حال
~~الضرورة على عمومها.
# واحتجوا بأن الأمر يقتضي الاجزاء، والإعادة تحتاج إلى دليل، وبأنها طهارة
~~رافعة، ولا ينقضها إلا حدث.
# ويرد على الأول: أن الاجزاء إنما يسلم للأمر المتعلق حال الضرورة لا
~~مطلقا، وذلك ليس بإعادة.
# وعلى الثاني: أن ارتفاع الحدث إنما يسلم لغاية لا مطلقا كالتيمم، والأحوط
~~نقضها ثم تجديدها.
# PageV01P184
# المقصد السادس في الآداب وفيه بحثان:
# الأول: يستحب عنده السواك بإجماعنا، وللأخبار، مثل قوله عليه السلام لعلي
~~عليه السلام: " وعليك بالسواك عند كل وضوء " رواه معاوية بن عمار في الصحيح
~~(1).
# وفي بعضها: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند وضوء كل صلاة "
~~(2).
# وفي بعضها: " السواك شطر الوضوء " (3).
# ومن نسيه قبله يستحب له فعله بعده، ففي رواية معلى بن خنيس: فيمن نسي حتى
~~يتوضأ قال: " يستاك ثم يتمضمض ثلاث ms0066 مرات " (4).
# PageV01P185
# والأخبار في مطلق استحبابه تبلغ حد التواتر، وفيها كمال التأكيد.
# ويجزئ للمضطر ولو بإمرار إصبع واحدة. وفي رواية السكوني: " السواك
~~بالابهام والمسبحة عند الوضوء سواك " (1).
# ويستحب وضع الإناء الذي يغترف منها على اليمين، والاغتراف بها، قال في
~~المعتبر: إنه مذهب الأصحاب، لعموم ما دل على حسن التيامن، والأخبار الكثيرة
~~الدالة على الاغتراف باليمين (2).
# ولكن في حسنة زرارة المنقولة في بيان وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله:
# " فدعى بقعب فيه شئ من ماء، فوضعه بين يديه، ثم حسر عن ذراعيه، ثم غمس
~~فيه كفه اليمنى - إلى أن قال - ثم غمس يده اليسرى، فغرف بها ملأها، ثم وضعه
~~على مرفقه الأيمن " (3). وكذلك في روايات أخر (4) الاغتراف باليسرى لغسل
~~اليد اليمنى (5).
# نعم في صحيحة محمد بن مسلم: " ثم أخذ كفا آخر بيمينه فصبه على يساره، ثم
~~غسل به ذراعه الأيمن " (6).
# وهي مستند الأصحاب. وكذلك صحيحة زرارة وبكير (7)، والعمل على الكل حسن إن
~~شاء الله تعالى.
# PageV01P186
# وأما مثل الإبريق، فيضعه على اليسار، ويصب على اليمين ويغسل بها الوجه،
~~ثم يصب عليها ويديرها إلى اليسار ليغسل بها اليمين.
# وتستحب التسمية عند الوضوء بالاجماع، للأخبار المستفيضة (1). والأمر
~~بالإعادة لمن لم يسم في بعض الأخبار محمول على التأكيد.
# وفي الصحيح: " إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم الله وبالله، اللهم اجعلني
~~من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فإذا فرغت فقل: الحمد لله رب العالمين
~~" (2).
# وأفضلها: بسم الله الرحمن الرحيم.
# وغسل الكفين قبل إدخالهما الإناء من النوم والبول مرة، ومن الغائط مرتين،
~~لصحيحة عبيد الله الحلبي (3)، وموثقة عبد الكريم بن عتبة (4); وفيهما تقييد
~~اليد باليمنى. ولكن حسنة حريز مطلقة (5)، ولا تنافي بينهما، وفيها استحبابه
~~للبول أيضا مرتين، ويمكن حملها على الأفضل.
# وتخصيص الاستحباب بحال الوضوء من الإناء مع عدم مخصص صريح في الأخبار
~~ووجود المطلق فيها لا يخلو عن إشكال، ومراعاة توهم النجاسة في علة الحكم
~~أيضا ضعيف كما لا يخفى.
# PageV01P187
# وفي استحباب الغسل عند الوضوء ثانيا إذا كان غسلها بعد الحدث إشكال،
~~كالاكتفاء بغسل اليدين والمضمضة ms0067 والاستنشاق بعد الجنابة لمطلق الأكل
~~والشرب.
# والمضمضة، ثم الاستنشاق، ثلاثا ثلاثا.
# أما الأول، فللاتفاق من غير ظاهر ابن أبي عقيل، فلا يفهم منه استحباب ولا
~~وجوب (1)، وللأخبار المستفيضة (2).
# وأما الثاني، أي الترتيب، فللتأسي بأمير المؤمنين عليه السلام، كما في
~~رواية عبد الرحمن بن كثير (3).
# وأما الثالث، فلما رواه ابن الشيخ في مجالسه (4)، ولما رواه المفيد في
~~الإرشاد، عن محمد بن إسماعيل بن الفضل: في أمر الكاظم عليه السلام علي بن
~~يقطين بالوضوء على طريقة العامة (5). ولكن فيها شئ، وتشير إليه رواية معلى
~~المتقدمة (6). مع أن فتوى الأصحاب كافية في ذلك، وقد اعترف كثير من الأصحاب
~~بعدم الوقوف على الدليل.
# والأفضل تثليث الأكف في كل منهما.
# والمضمضة: إدارة الماء في جميع فيه ثم مجه.
# والاستنشاق: جذب الماء إلى داخل الأنف ورده، وليبالغ فيهما.
# وفتح العين مجردا، لا منضما إلى غسل باطنها، للمضرة، وللإجماع على عدم
# PageV01P188
# استحبابه، نقله الشيخ في الخلاف (1). والأصل فيه قوله صلى الله عليه
~~وآله:
# " افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم " (2).
# وأن يدعو عند كل فعل بالمأثور في رواية عبد الرحمن بن كثير وغيرها (3).
# بدأة الرجل بظاهر ذراعيه، والمرأة بالباطن، لرواية محمد بن إسماعيل بن
~~بزيع، عن الرضا عليه السلام، أنه قال: " فرض الله على النساء في الوضوء أن
~~يبتدئن بباطن أذرعهن، وفي الرجال بظاهر الذراع " (4)، وما رواه الفقيه
~~مرسلا عن الرضا عليه السلام (5).
# وربما يقال: ظاهرهم استحباب البدأة بما ذكر في الغسلة الأولى، ولكن
~~الروايتان قابلتان لإرادة كل من الغسلتين (6).
# وفي المدارك: إن مقتضى كلام أكثر القدماء أن الثانية كالأولى، وعليه
~~العمل (7)، وكذا فهمه جده (8). وذهب جماعة منهم المحقق (9) والشهيد (10)
~~إلى استحباب بدأة الرجل بالظاهر في الأولى، وفي الثانية بالباطن، عكس
~~المرأة، والرواية لا تدل عليه.
# PageV01P189
# ويستحب إسباغ الوضوء، للأخبار المستفيضة (1).
# وأن يكون بمد، للاجماع، والأخبار (2). وهو رطلان وربع بالعراقي، ورطل
~~ونصف بالمدني، للصحيح على الأشهر الأقوى.
# ورواية سماعة مع ضعفها (3) لا تدل على مذهب البزنظي (4) من كونه رطلا
~~وربعا بالعراقي، والرطل العراقي مائة وثلاثون ms0068 درهما، أحد وتسعون مثقالا على
~~الأصح، وتطابقه رواية الهمداني: " إن الصاع يكون في الوزن ألفا ومائة
~~وسبعين وزنة " (5) فإن الظاهر أن المراد من الوزنة الدرهم.
# خلافا للعلامة في بعض أقواله، حيث جعله تسعين مثقالا، مائة وثمانية
~~وعشرين درهما، وأربعة أسباع درهم (6).
# والدرهم ستة دوانيق، والدانق ثمان حبات من أوسط حب الشعير بلا خلاف -
~~وسيجئ الكلام في خبر المروزي الدال على خلافه (7) - فيكون المد مساويا لربع
~~من تبريزي يوازي ثلاثين شاهيات من فلوس بإضافة ثلاث مثاقيل صيرفيات ونصف
~~ونصف ثمن مثقال.
# وإذا كان على وزان ثمان عباسيات من فلوس، كما هو المتداول الآن، فيكون
~~ربعه مع نقصان ستة مثاقيل وربع مثقال وربع ثلاثة أرباع مثقال.
# PageV01P190
# فيكون الصاع على الأول منا وأربعة عشر مثقالا وربعا، وعلى الثاني منا
~~بنقصان خمسة وعشرين مثقالا وثلاثة أرباع مثقال.
# وربما يقال: إن ماء الاستنجاء داخل في ذلك، لأن المد يزيد على ذلك. وقد
~~يستشهد ببعض الروايات (1)، ولا دلالة فيها أصلا.
# وأنت خبير بأن الوضوء الكامل سيما على القول باستحباب تثنية الغسلات لا
~~يكاد يفيه المد، إلا مع الاجتهاد.
# والقول باستحبابها هو المشهور بين الأصحاب، المدعى عليه الاجماع في
~~السرائر (2). ويظهر من الكليني (3) والصدوق (4) والبزنظي (5) عدم
~~الاستحباب.
# ونسب الشيخ القول بالحرمة إلى بعض الأصحاب (6).
# والأقوى الأول، للأخبار (7) المستفيضة، منها صحيحة معاوية بن وهب، قال:
# سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء، فقال: " مثنى مثنى " (8) وبهذا
~~المضمون روايات كثيرة.
# وظاهر الجملة الخبرية وإن كان هو الوجوب، إلا أن الاجماع على حملها على
~~الاستحباب، لكونه أقرب مجازاته.
# PageV01P191
# وحملها على الرخصة بعيد. ولا دلالة في رواية داود الرقي عن الصادق عليه
~~السلام عليه - رواية الكشي - قال، فقلت: جعلت فداك، كم عدة الطهارة؟
# فقال عليه السلام: " ما أوجبه الله تعالى فواحدة، وأضاف إليها رسول الله
~~صلى الله عليه وآله [واحدة] (1) لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة
~~له " (2) فإن ذلك بيان علة الندب وابتداء السنة، ولذلك يطرد مع عدم اطراد
~~العلة، ونظيره في الشريعة كثير، مثل غسل الجمعة وغيره. ms0069
# وحملها على الغرفتين أيضا بعيد، ولا دلالة لحسنة زرارة وبكير المروية في
~~بيان وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قالا، فقلنا: أصلحك الله
~~فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه وغرفة للذراع؟ قال: " نعم، إذا بالغت فيها،
~~والثنتان تأتيان على ذلك كله " (3) على هذا التأويل، إذ لا مانع من كونه
~~مستحبا على حدة إذا احتاج الإسباغ إليه، بل ولا نرى مانعا من الغرفات
~~الثلاث وأزيد إذا احتاج أصل الوضوء أو إسباغه إليها.
# وكذلك حملها على الغسلتين والمسحتين ردا على العامة، مؤيدا بما روي عن
~~ابن عباس: " إن الوضوء غسلتان ومسحتان " (4) مع عدم المنافاة بين المطلبين
~~أيضا.
# وكذلك حملها على التقية، سيما وفي بعضها أنه لا يؤجر على ما زاد على
~~الثنتين، وهو بدعة.
# ومما يبين ما ذكرنا ويوضحه (5): تتمة رواية داود حيث دخل داود بن زربي
~~حينئذ
# PageV01P192
# عليه عليه السلام وأمره بالغسل ثلاثا ثلاثا، إلى آخر ما أمره بالوضوء
~~بطريق العامة خوفا عليه من المهدي، وعمل على ذلك حتى رفع عنه الخوف، ثم
~~اجتمعا عنده عليه السلام وذكر حكايته مع المهدي ورفع الخوف عنه، ثم قال: "
~~يا داود بن زربي، توضأ مثنى مثنى، ولا تزدن عليه، فإنك إن زدت عليه فلا
~~صلاة لك " (1).
# وكذلك ما رواه المفيد في الإرشاد في حكاية علي بن يقطين نظير الحكاية
~~السابقة، إلى أن قال: " ابتدئ الآن يا علي بن يقطين، وتوضأ كما أمر الله
~~تعالى، اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى إسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك،
~~وامسح مقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف عليك
~~والسلام " (2).
# وروى في العيون عن الرضا عليه السلام أيضا: " أن الوضوء مرة فريضة
~~واثنتان إسباغ " (3).
# وتدل عليه موثقة ابن بكير، عن الصادق عليه السلام، قال: " من لم يستيقن
~~أن واحدة من الوضوء تجزئه لم يؤجر على الاثنتين (4) ورواية أبي جعفر الأحول
~~عمن رواه، ورواية عمر بن أبي المقدام أيضا، رواهما في الفقيه (5)، إلى غير
~~ذلك من الأخبار.
# ويؤيده: كل ما دل على رجحان الإسباغ، ms0070 وكل ما دل على استحباب الوضوء بمد
~~(6).
# PageV01P193
# واحتجوا بما روي في صفة الوضوء المتضمنة لفعلهم عليهم السلام مرة مرة في
~~بيان وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وغيره، وهي كثيرة معتبرة (1).
# وبموثقة عبد الكريم، عن الصادق عليه السلام قال: " ما كان وضوء علي إلا
~~مرة مرة " (2).
# وبعض الأحاديث المرسلة والضعيفة أن الوضوء مرة مرة، وفي بعضها: " إن
~~الوضوء واحدة فرض، واثنتان لا يؤجر، والثالثة بدعة " (3).
# وحسنة ميسر، عن الباقر عليه السلام، قال: " الوضوء واحد " (4).
# وصحيحة زرارة، عنه عليه السلام: " إن الله وتر يحب الوتر، فقد يجزئك من
~~الوضوء ثلاث غرفات، واحدة للوجه، واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك
~~ناصيتك (5) الحديث.
# والجواب عن الأخبار الأول بأنها في مقام بيان الواجب، فلاحظ ترك أكثر
~~المندوبات المهمة فيها.
# وأما الموثقة، فإنها وإن كان فيها ظهور ما، لكنها تحمل على الواجب، لعدم
~~مقاومة المعارض.
# وأما الأخبار المرسلة والضعيفة فلا جابر لها، فتحمل على ما ذكرنا. وكذلك
~~حسنة ميسر.
# وأما صحيحة زرارة، فتنادي بكون المراد أقل الواجب، أو عدم وجوب الماء
# PageV01P194
# الجديد للمسح، أو عدم غسل الرجل.
# وأما المسح فلا يستحب فيه التكرار، لعدم تبادره من تلك الأخبار. مع أن في
~~حكاية علي بن يقطين المتقدمة تصريحا بأن التعدد إنما هو في الغسل لا المسح،
~~وأن الظاهر من الإسباغ المطلوب في الأخبار إنما هو في الغسل.
# وبالجملة فلا خلاف في عدم الاستحباب، قال في المعتبر: ولا تكرار في
~~المسح، وهو مذهب الأصحاب (1)، والمشهور الكراهة، وقيل بالحرمة (2)، والظاهر
~~أن مرادهم الحرمة مع اعتقاد الرجحان.
# وأما بطلان الوضوء به فالظاهر العدم، ونفى عنه الخلاف في السرائر (3).
# وأما الغسلة الثالثة، فالمشهور أنها حرام وبدعة، وعن ابن أبي عقيل وابن
~~الجنيد نفي التحريم (4). وأما الاستحباب فمنفي قولا واحدا.
# لنا: ما تقدم في بعض الأخبار من التصريح بكونها بدعة، ولا ريب في حرمة
~~البدعة.
# وما يقال: إن اعتقاد المشروعية حرام لا نفس الفعل، فهو كما ترى، فإن أصل
~~صلاة التراويح والأضحى حرام، لا مجرد اعتقاد مشروعيتها، فإن كل بدعة ضلالة، ms0071
~~وكل ضلالة سبيلها إلى النار. والمراد بالبدعة نفس الفعل المبدع.
# وقد يستشكل في حرمة نفس الاعتقاد أيضا إذا كان ناشئا عن الاجتهاد أو
~~التقليد.
# وفيه: أن أحكام الشرع والعبادات لما كانت توقيفية، فابداعها من غير جهة
~~توظيفهم حرام، وفعل ذلك المبدع على هذا الوجه حرام.
# PageV01P195
# فالمراد من حرمة اعتقاد المشروعية في المبدعات: حرمة اعتقاد مشروعية (1)
~~ما لم يقم عليه دليل معتمد، سواء كان من محض الاشتهاء، أو من الاجتهاد
~~المنبعث عن الدليل الباطل، كالقياس والاستحسان.
# فإذا اتفق اعتقاد مجتهد منا لاستحبابه، فإنما هو من جهة دليل معتمد عنده،
~~وإن كان خطأ في الواقع، ولا يضر ذلك، وليس ببدعة، وتكون مثل هذه الرواية
~~الدالة على كونه بدعة معارضة لدليله، مثل سائر الأخبار المتعارضة
~~المتناقضة. فالذي نقول بكونه بدعة إنما هو إذا لم يثبت لهذه الرواية معارض
~~وكان العمل على مقتضاه.
# وبالجملة المقصود في الرواية التنبيه على ضلالة من أبدعها، وضلالة من
~~اتبعها من تلك الجهة، لا مطلقا.
# فحينئذ نقول: لما لم يقم دليل على مشروعيتها أصلا، فنحرمها.
# وأما من لا يقول بالحرمة فلعل مراده من دون جهة اعتقاد المشروعية، ودليله
~~الأصل، ورواية زرارة: " إن الوضوء مثنى مثنى، ومن زاد لم يؤجر عليه " (2)
~~وعدم الأجر عليه لا يدل على انتفاء الحرمة، والأصل لا يفيد جواز العبادة،
~~إلا أن يكون مراده إثبات الإباحة لا الاستحباب، وحينئذ يرجع الكلام معه إلى
~~جواز المسح بهذا الماء وعدمه.
# وربما يستشكل بمنافاته للموالاة أيضا. ولكنه ليس بذاك لما عرفت.
# وأما المسح بذلك الماء، فعلى ما ذكرنا من كون أصل الفعل بدعة وحراما،
~~فالظاهر بطلان أصل الوضوء، فكيف إذا مسح بذلك الماء أيضا، مع أنه ليس بماء
# PageV01P196
# الوضوء جزما، وقد مر أنه يجب أن يكون المسح بنداوة الوضوء.
# وقيل بعدم البطلان أصلا، للأصل، وعدم دليل على البطلان، واختاره في
~~المعتبر (1). ولعل نظره إلى صدق ماء الوضوء عليه، وأن المراد من الأمر
~~بالمسح بنداوة الوضوء: هو عدم أخذ الماء الجديد محضا للمسح، وإلا فالدليل
~~قائم على البطلان لما عرفت. ms0072
# وقيل بالبطلان إن كان المسح بماء الغسلة الثالثة، وإن كان في غير اليد
~~اليسرى، نظرا إلى أنه المسح بالماء الجديد (2).
# وما يقال (3): " إنه مشتمل على ماء الوضوء الأصلي أيضا فيصح "، ففيه أن
~~المستفاد من الأخبار أن المسح لا بد أن يكون بنداوة الوضوء، والمركب من
~~الداخل والخارج خارج; مع أن في بعضها التنبيه على عدم المسح بالغير.
# مع أن ذلك يشكل في الغسلة الثالثة بتداخل الماءين، وصيرورتهما ماء الغسلة
~~الثالثة، كالمطر الواقع على اليد قبل غسل اليسرى.
# مع أنه يلزم على هذا جواز أخذ الماء الجديد مع بقاء الرطوبة في اليد،
~~لصدق المسح بماء الوضوء حينئذ في بعض الأحيان، ولم يقل به أحد.
# ويظهر الفرق بين ما ذكر وبين الرطوبة القليلة الحاصلة في الرجلين حيث (4)
~~جوزنا المسح عليها بالتأمل.
# وقيل به إذا كان من اليد اليسرى (5)، ولعله لأن غسل اليسرى مرة أو مرتين
# PageV01P197
# لا يبقى معه الاحتياج إلى أخذ الماء للوضوء، فيكون ماءا جديدا، بخلاف
~~السابق عليه، وهو كما ترى.
# الثاني: تكره الاستعانة في الوضوء بمعنى صب الماء على اليد، لرواية شهاب
~~بن عبد ربه (1)، ورواية الوشاء عن الرضا عليه السلام (2). وإن كان يمكن
~~المناقشة في الأخيرة بإرادة الصب الذي هو نفس الغسل، لقوله عليه السلام
~~للوشاء حين سأل عن سبب منعه إياه عن الصب: " تؤجر أنت وأوزر أنا " فإن
~~الوزر ظاهر في الحرمة.
# وتمكن إرادة ترك الأولى منه. وتكفي الرواية الأولى واحتمال الآية المفسرة
~~في الروايتين بذلك، بل الشهرة أيضا.
# وأما النزح من البئر وإتيان الماء ونحوهما، فالظاهر عدم الكراهة، ويدل
~~عليه أمر علي عليه السلام ابنه محمدا بإتيان الماء في رواية عبد الرحمن بن
~~كثير (3).
# ويكره التوضؤ بالمشمس، لرواية السكوني، عن الصادق عليه السلام، عن رسول
~~الله صلى الله عليه وآله قال: " الماء الذي يسخن بالشمس لا تتوضئوا
# PageV01P198
# ولا تغتسلوا به، ولا تعجنوا به، فإنه يورث البرص " (1) وفي رواية أخرى
~~نفي البأس عنه (2).
# وتدل على الكراهة أيضا موثقة عبد الحميد أيضا، بالعلة المنصوصة في حكاية
~~منع الحميراء عن ms0073 استعمال ماء سخنته (3) بالشمس في القمقمة (4).
# ولا وجه لتخصيص الكراهة بما لو سخن في الأواني المنطبعة (5)، لعموم
~~الرواية الأخرى.
# وأما ما يسخن في الحياض والبرك فقال العلامة رحمه الله: لا تكره الطهارة
~~به إجماعا (6).
# وكذلك يكره بالماء الآجن، إلا إذا لم يوجد سواه، لحسنة الحلبي (7).
# (وكذلك ما أصابته الفأرة والوزغة والحية والعقرب كما يستفاد من الأخبار)
~~(8).
# وكذلك يكره من سؤر الحائض المتهمة، بل قيل بكراهته مطلقا، وفي غير الوضوء
~~أيضا (9)، ولعل دليله: حسن الاجتناب عن الشبهات، وإلا فالأخبار لا تزيد على
~~بيان حكم الوضوء، بل في بعضها التصريح بجواز الشرب والنهي عن التوضؤ (10).
# ومقتضى الجمع بينهما - بحمل مطلقاتها على مقيداتها - هو الاجتناب عن
~~التوضؤ من سؤر الحائض المتهمة.
# PageV01P199
# وحكم جماعة من الأصحاب بكراهة مباشرة سؤر كل متهم بالنجاسة. ودليلهم
~~الاحتياط (1).
# وأنت خبير بأنه ينافي المعهود من أفعالهم وأقوالهم عليهم السلام، حيث
~~حكموا بطهارة أواني المشركين، وبلبس الثياب التي نسجوها; بل ولبسوها (2)،
~~وبطهارة الثوب الذي استعاره الذمي ولبسه، وغير ذلك.
# مع أن في الفقيه روى عن علي عليه السلام أنه سئل: أيتوضأ من فضل وضوء
~~جماعة المسلمين أحب إليك، أو يتوضأ من ركو أبيض مخمر؟ فقال: " لا، بل من
~~فضل وضوء جماعة المسلمين، فإن أحب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة "
~~(3).
# ويمكن أن يكون ذلك لأجل الرخصة وتسهيل الأمر، لئلا يقع الحرج، وإن كان
~~الاحتياط أيضا حسنا، لكن إذا لم ينته إلى الوسواس المولد للمعاصي الكثيرة،
~~الباعث على الحرمان عن لذة الطاعة.
# واختلفوا في جواز الطهارة بالمستعمل في رفع الحدث الأكبر - بعد اتفاقهم
~~على جوازها بالمستعمل في رفع الحدث الأصغر - على قولين، الأشهر الأظهر
~~العدم (4)، وذهب جماعة إلى الكراهة (5).
# لنا: صحيحة محمد بن مسلم، عن ماء الحمام فقال: " ادخله بإزار، ولا تغتسل
~~من ماء آخر، إلا أن يكون فيه جنب، أو يكثر أهله فلا يدري فيهم جنب أم لا؟ "
~~(6)
# PageV01P200
# والنهي فيه لرفع توهم الوجوب، فمعناه الجواز، وبذلك يتم الاستدلال. وحكم
~~المشكوك فيه مخرج بالدليل، فلا يضر بالدلالة.
# ورواية عبد الله بن ms0074 سنان المجبورة بالعمل (1)، ورواية حمزة بن أحمد (2)،
~~وغيرها من الأخبار المؤيدة للمطلوب. واستصحاب شغل الذمة.
# احتجوا بالاطلاقات، وبصحيحة علي بن جعفر (3).
# والمطلق لا يقاوم المقيد، ولا الصحيحة ما ذكرنا من الأدلة، مع أن فيها ما
~~لا يخلو عن شئ.
# واعلم أن مباشرة يد الجنب للآنية التي يغتسل منها لأجل أخذ الماء لا تضر
~~وإن كان في الأثناء، ولا يدخل بذلك في محل النزاع، ولا وجه لتوقف بعضهم في
~~ذلك في الأثناء إذا وافق الجانب، فإنما الأعمال بالنيات. ولا تضره الطهارة
~~من البقية بعد الفراغ أيضا. ويستفاد ذلك من الأخبار أيضا (4).
# وكذلك لا يضر تقاطر الماء من جسده في الإناء، وما ينتضح من الأرض منه
~~ويدخل في الإناء، كما يستفاد من الأخبار وكلام الأصحاب، وإن كان يظهر من
~~بعضهم دخوله في المتنازع (5)، ولكن الظاهر العدم.
# وكيف كان، فالأخبار الخاصة بذلك ولزوم العسر والحرج يعين ما ذكرنا.
# فالمراد بالمستعمل: هو القدر المعتد به من الماء المنفصل دفعة أو المجتمع
~~بالتقاطر
# PageV01P201
# في موضع.
# والأظهر اشتراط الانفصال، فلو بقي في العضو لمعة لم يصبها الماء، وكان في
~~أطرافه من الرطوبة ما يحصل بها الغسل، يجوز صرفه إليها.
# ويؤيده عدم انفكاك مطلق الطهارة عن ذلك، لتعسر أخذ الماء لكل جزء جزء على
~~حدة.
# ومن أفراد المستعمل: ما لو غمس فيه العضو أو ارتمس فيه، والظاهر تحقق
~~الطهارة به، لأنه يصير مستعملا بعد تحقق الغسل، وكذلك بعد تمام الارتماس،
~~فإن الغسل في الارتماسي لا يتحقق إلا بانغماس الجميع.
# والظاهر عدم اشتراط الخروج في تحقق الاستعمال إذا نوى الغسل قبل الدخول.
# والظاهر من الأخبار وكلام الأصحاب: أن هذا الحكم في القليل، وأما الكثير
~~فلا، لعدم انصراف الأدلة إليه، وللزوم العسر والحرج، ولعمل الناس في كل عصر
~~ومصر من غير نكير، ولعدم التنبيه في الأخبار الواردة في إجزاء الارتماس على
~~أن ذلك إنما يكون لغسل واحد، مع عموم الابتلاء به.
# ثم إن الأدلة وإن كانت أكثرها مخصوصة بالجنابة، لكن عدم القول بالفصل،
~~ورواية ابن سنان على وجه بعيد، ms0075 وما دل على اتحاد غسل الجنابة والحيض يعمم
~~الحكم (1).
# والمشهور كراهة التمندل بعد الوضوء، وربما نقل عن بعضهم القول بالعدم
~~(2)، ونسبه العلامة إلى الشيخ في الخلاف (3)، وهو غير ظاهر.
# وكيف كان، فالمذهب هو الكراهة، لرواية محمد بن حمران، عن الصادق
# PageV01P202
# عليه السلام: " من توضأ وتمندل كانت له حسنة، وإن توضأ ولم يتمندل كانت
~~له ثلاثون حسنة " (1).
# وأورد عليه بالقدح في السند (2)، وبأنه يدل على قلة الثواب، وجعل الكراهة
~~في العبادات بمعنى أقلية الثواب محل نظر.
# وفيه: أن ورود الرواية في الكافي والفقيه مع عمل الأصحاب سيما في
~~المكروهات يدفع الضعف. وليست الدلالة من جهة قلة الثواب حتى يكون موردا
~~للنظر المذكور، بل لأن التمندل عارض وحابط للحسنات الزائدة، فإن الأصل هو
~~عدم (3) التمندل، وليس ذلك إلا لحزازة حاصلة من جهة التمندل، وهو معنى
~~الكراهة. وقد يستدل بوجوه أخر ضعيفة لا حاجة إلى ذكرها.
# وأما صحيحة محمد بن مسلم النافية للبأس في التمندل وغيرها (4)، فمحمولة
~~على نفي الحرمة وبيان الجواز.
# وصحيحة منصور الدالة على فعل الصادق عليه السلام أيضا (5) محمولة على
~~العذر من جهة عارض.
# وكذلك موثقة إسماعيل بن الفضل الدالة على مسح وجهه عليه السلام بأسفل
~~قميصه، وأمره ابنه إسماعيل أيضا بذلك (6).
# ويحتمل أن تكون الكراهة مختصة بالتمندل، والذيل ليس بمنديل، والأحوط
~~الاجتناب عنه أيضا.
# PageV01P203
# الفصل الثاني في الغسل فيه مقاصد: PageV01P205
# المقصد الأول في الأغسال الواجبة وفيه مباحث:
# الأول: الاغتسال الواجب على المكلفين في خمسة مواضع: الجنابة، والحيض،
~~والاستحاضة، والنفاس، ومس الميت.
# ويجب عليهم الغسل للميت على تفصيل يأتي.
# ووجوب غير غسل المس إجماعي، وسنفرد الكلام في الأخيرين.
# وأما ما سواهما، فوجوبها للصلاة الواجبة بالمعنى المتقدم في الوضوء
~~إجماعي، وكذلك شرطيتها لمطلق الصلاة. والأخبار ناطقة بأكثرها، وقد مر بعض
~~الأدلة من قوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة - إلى قوله - فاطهروا) * (1)
~~وقوله عليه السلام:
# " إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة " (2) و " لا صلاة إلا بطهور " (3).
# PageV01P207
# ومطلقات ما دل على وجوب الغسل للجنابة وغيرها (1) محمولة على ذلك، وأخبار
~~المستحاضة مصرحة (2).
# لا وجه ms0076 لانكار دلالة الأخبار على وجوب الغسل للصلاة.
# وكذلك للطواف الواجب، للاجماع كما نقلوه (3)، ولصحيحة علي بن جعفر وغيرها
~~(4).
# ولمس كتابة القرآن إن وجب، لحرمة مسه على الجنب والحائض، للاجماع كما
~~نقلوه (5).
# وكذلك النفساء، للإجماع المنقول في المعتبر وغيره على أنه يحرم عليها ما
~~يحرم على الحائض (6)، فيتوقف إتيان الواجب على الغسل، فيجب من باب المقدمة.
# وأما الاستحاضة، ففيه قولان. للمانع: الآية، فإن عنوان المحدث صادق
~~عليها، فلا تمسها إلا بعد التطهر.
# وللمجوز: الأصل; ومنع الدلالة، فإن الحدث من الأمور الإضافية، فإن البول
~~مثلا حدث بالنسبة إلى الصلاة، لا دخول المساجد وقراءة العزائم، والمسلم هنا
~~هو المنع عن الصلاة والطواف، والجواز في غيرهما مستصحب، سيما لو لم يطرأ
~~لطهارتها السابقة ناقض آخر. وكون الاستحاضة كالحدث الأصغر في إيجاب
# PageV01P208
# الوضوء لا يستلزم إلا وجوب الوضوء للصلاة ونحوها.
# نعم يمكن أن يقال: ظاهر الآية (1) ومثل قولهم عليهم السلام: " لا يمسه
~~وهو على غير وضوء " و " لا تمسه من غير طهر " (2) الطهارة التي حصل موجبها
~~للمكلف حين المس، لكن لا يثبت من ذلك إلا عدم جواز المس إلا في حال
~~الطهارة، لا وجوب الطهارة للمس.
# إلا أن يقال عدم جوازه إلا في هذه الحال مع وجوبه يستلزم تحصيل هذه
~~الحالة، فيثبت وجوبه له أيضا، أو تحمل الآية على المطهر من جميع الأحداث،
~~بأن لا يبقى له مانع من شئ من المشروطات بالطهارة بقرينة وقوع المطلق في
~~كلام الحكيم، فيستلزم ذلك لزوم ارتفاع كل ما يصدق عليه الحدث في الجملة.
# وهذا مع أن المس حينئذ من العبادات، واستصحاب شغل الذمة، والشك في الشرط،
~~يرجح المنع، وهو الأقوى.
# وكذلك يجب للمكث في المساجد ودخول المسجدين إن وجبا. أما غسل الجنابة
~~والحيض فللإجماع، نقله جماعة (3).
# وكذلك اشتراطهما، ويدل عليه أيضا أنهما حرام على الجنب والحائض بالاجماع
~~والأخبار المعتبرة، ولقوله تعالى: * (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا)
~~* (4) على التفسير الوارد في الصحيح.
# وخلاف سلار وقوله بكراهة ذلك (5) ضعيف، فيتوقف الامتثال على الغسل من باب
~~المقدمة.
# PageV01P209
# وربما قيل ms0077 بعدم الحرمة للحائض بعد الانقطاع ولما تغتسل، وفيه إشكال;
~~وقياسه على الطلاق والوقاع باطل.
# ثم إنهم حكموا بحرمة وضع الجنب والحائض شيئا في المساجد، وادعى بعضهم
~~عليه الاجماع (1).
# ويدل عليه الصحيحان الشاملان لما استلزم المكث وعدمه، والوضع من داخل أو
~~خارج (2)، فلا وجه للتفرقة. ومقتضى ذلك وجوب الغسل للوضع إن وجب.
# وخلاف سلار وحكمه بالكراهة أيضا ضعيف (3).
# وأما غسل النفاس، فيظهر مما سبق.
# وأما الاستحاضة، فالأقرب فيها الجواز للأصل.
# وكذلك يجب لقراءة العزائم، ويشترط به في الجنب والحائض بالاجماع والأخبار
~~المعتبرة (4).
# والإجماع على نفس السورة، مطابقا لما رواه في المعتبر عن جامع البزنطي
~~(5) وإن كان في سائر الروايات نفس السجدة.
# وألحق الأصحاب البسملة بقصدها أيضا.
# والكلام في اعتبار انقطاع الحيض كما تقدم، وكذلك الكلام في النفساء.
# PageV01P210
# وأما المستحاضة فلا وجه للمنع فيها.
# وهل تشترط قراءة القرآن غير العزيمة بالغسل أم تجوز بدونه؟ والمشهور
~~الجواز، بل ادعى عليه الاجماع السيد (1) والشيخ (2) والمحقق في المعتبر
~~(3)، وعن سلار التحريم مطلقا (4). وعن ابن البراج تحريم ما زاد على سبع
~~(5)، وعن بعض تحريم ما زاد على السبعين (6).
# واشتهر بين المتأخرين حمل رواية سماعة: " قال: سألته عن الجنب هل يقرأ
~~القرآن؟ قال: ما بينه وبين سبع آيات " (7) على الكراهة.
# وربما يؤيد ذلك بحكاية عبد الله بن رواحة مع زوجته وبعض الروايات الأخر
~~(8)، وكلاهما عاميان.
# فحمل المنع حيثما وجد على التقية أولى، لعدم مقاومتها للأخبار المتظافرة
~~عموما، وخصوصا الصحيحة المعتبرة جدا، فالحكم بكراهة ما زاد على السبع أيضا
~~في غاية الإشكال.
# وكذلك يجب غسل الجنابة للدخول في الصوم الواجب، وادعى عليه الاجماع
# PageV01P211
# في السرائر (1)، وهو المشهور بين الأصحاب (2).
# وظاهر إطلاقاتهم يقتضي عدم الفرق بين صوم رمضان وغيره من الواجبات.
# وتردد في المنتهى في غير رمضان من جهة تعميم الأصحاب في جعل تعمد البقاء
~~على الجنابة من المفطرات للصوم مطلقا، ومن جهة عدم التنصيص إلا على صوم شهر
~~رمضان أو قضائه (3).
# وكيف كان فالأقوى في شهر رمضان هو المشهور، للاجماع المنقول، والصحاح
~~المستفيضة (4).
# ويظهر من الصدوق في المقنع ms0078 عدم الوجوب (5)، ومال إليه المحقق الأردبيلي
~~رحمه الله (6)، لقوله تعالى: * (أحل لكم ليلة الصيام - إلى قوله - حتى
~~يتبين) * (7) والأخبار الصحيحة وغيرها (8).
# والجواب عن الآية بمنع رجوع المخصص إلى الجملة الأولى، وبمنع عموم الليل،
~~سيما وهو رفع للسلب الكلي، وهي الحرمة تمام الليل، وكونه في كلام الحكيم لا
~~يوجب أزيد من حمل الإطلاق على ما يخرجه عن اللغوية، وهو يحصل بما يبقى منه
~~مقدار الغسل.
# وعن الأخبار بحملها على التقية، كما ينادي بها إسنادها إلى عائشة في
~~بعضها (9)،
# PageV01P212
# ونسبة ذلك الفعل إليه صلى الله عليه وآله بعنوان الاستمرار في آخر (1).
~~ولبعضها محامل أخر.
# ومثله قضاؤه، للأخبار المعتبرة (2).
# وأما المستحبات، فالأقوى عندي عدم الاشتراط، لصحيحة حبيب الخثعمي (3)
~~وموثقة ابن بكير (4) فيجوز، وإن تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر.
# وأما غسل الحيض فقال في المنتهى: لم أجد لأصحابنا نصا صريحا، واختار في
~~المنتهى اشتراطه (5)، وفي النهاية عدمه (6)، وتردد في المعتبر (7).
# والأول أقرب، لموثقة أبي بصير (8)، ولتوقف اليقين بالبراءة عليه.
# فلو تعذر الغسل فالأقرب وجوب التيمم بدلا عن الغسل فيهما، لما سيأتي من
~~وجوبه لكل ما تجب له الطهارتان، والصواب الكون عليه حتى يدخل الفجر.
# وأما غسل الاستحاضة، فالمعروف من مذهب الأصحاب المدعى من بعضهم عليه
~~الوفاق (9) بطلان الصوم بالاخلال بالأغسال التي تجب عليها، لصحيحة علي بن
~~مهزيار قال، كتبت إليه: امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول شهر
~~رمضان، ثم استحاضت وصلت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمله
~~المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ قال: "
# PageV01P213
# " تقضي صومها، ولا تقضي صلاتها، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان
~~يأمر فاطمة عليها السلام والمؤمنات من نسائه بذلك " (1) وفي سند الرواية
~~ومتنها أسئلة وأجوبة ذكرناها في كتاب مناهج الأحكام (2).
# ويظهر من المدارك أن المشهور توقف الصحة على الأغسال النهارية، بلا إشكال
~~في عدم مدخلية الليلية (3) الآتية، ومع تردد في مدخلية الليلية الماضية
~~(4). وقيل: لو قدم غسل الفجر عليه فيجزئها عن الليلية (5) الماضية لو ms0079 كانت
~~تؤثر في تصحيح الصوم، سيما على القول بالتداخل (6).
# وفي كون المراد من الرواية ترك جميع أعمال المستحاضة، فيكون ذكر الغسل
~~لكل صلاتين بعنوان المثل، أو مجرد الغسل لكل صلاتين في الجملة أوكل ما وجب
~~على من وجب عليه الغسل لكل صلاتين، احتمالات. والظاهر أنه رفع للإيجاب
~~الكلي، فترك أحد الأغسال يكفي في بطلان الصوم والصلاة، لكنه بالنسبة إلى
~~ذلك اليوم. وفي استنباط حكم المتوسطة إشكال.
# تنبيه:
# الظاهر من كلام الجماعة وجوب الغسل للصوم قبل الفجر بمقدار أداء الغسل لو
~~لم يجب عليه مشروط آخر (7)، ومقتضى ما حققناه سابقا: " من أن الوجوب للغير
# PageV01P214
# لا يستلزم دخول وقت المشروط، ولا فعلية وجوبه، بل يكفي الظن بإدراك الوقت
~~صحيحا سليما " جوازه في تمام الليل كنية الصوم، فيجب بوجوب موسع حين حصول
~~الموجب إلى أن يتضيق الوقت، كما أنه يجب على المستطيع قبل الموسم طي
~~المسافة ليدرك الحج في الموسم، فتجب المقدمة بوجوب موسع للظان بإدراك وقت
~~الواجب متلبسا بصفة التكليف. وهو مقتضى الإطلاقات والأوامر المقيد وجوبها
~~بالغير كما مر في الوضوء ويأتي في الغسل.
# وإنما خرجنا عن مقتضى ذلك في الطهارات للصلاة لخصوص الأدلة، من مفهوم
~~الآية والصحيحة وغيرها، وإلا لجوزنا التوضؤ (1) والاغتسال قبل الوقت بنية
~~الوجوب للصلاة مع ظن إدراكها متلبسا بصفة التكليف، فيبقى غيره تحت الأصل،
~~ومن جملة ذلك الغسل للصوم.
# ففيما ذكروه شيئان، أحدهما: مخالفته لما ذكروه في تفسير الوجوب الغيري،
~~وثانيهما: مخالفته لمقتضى حقيقة الواجب الغيري على ما بينا.
# وبالجملة، فالأظهر: جواز الغسل للصوم بنية الوجوب في تمام الليل، ويؤيده
~~عدم إمكان التحديد (2)، وأن المطلوب الإصباح متطهرا.
# الثاني: قد عرفت أن وجوب الأغسال للمشروطات في الجملة إجماعي، وأما
~~وجوبها في نفسها فقد نقلنا قولا بوجوب جميع الطهارات لنفسها، وأشرنا إلى
~~دفعه في الوضوء.
# ونقول ههنا: إن المعروف من مذهب الأصحاب المدعى عليه الاجماع أن غير غسل
~~الجنابة من الأغسال أيضا لا وجوب لها في نفسها، وتشملها جميعا صحيحة
# PageV01P215
# زرارة (1)، والأصل، والاستصحاب، وعدم التزام المكلفين الإتيان بها عند
~~مظنة ms0080 الموت.
# وأما غسل الجنابة، فذهب جماعة من المتأخرين إلى كونه واجبا لنفسه (2)،
~~لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل "
~~(3) وما في معناه من الأخبار المعتبرة الكثيرة.
# وفيه: أن بعد ملاحظة تأدي نظائرها من سائر الطهارات من الأحداث والأخباث
~~بمثل ذلك - كقولهم: وجب الوضوء، وغسل الحيض واجب، وغسل النفاس واجب، واغسل
~~ثوبك، وما (4) ورد في غسل الأواني، وغيرها مما لا يحصى كثرة - مع أن المراد
~~منها الوجوب للغير، سيما مع معهودية اشتراط الغير بها; لا يبقى وثوق (5)
~~بالاتكال على أصالة الحقيقة لو سلم تبادر الواجب المطلق من مطلق الواجب.
~~سيما مع كون المحتاج إليه العام البلوى هو الوجوب الغيري المتفق عليه، لا
~~الوجوب النفسي النادر الاحتياج المختلف فيه، فينصرف إليه.
# ولذلك قال المحقق: اخراج غسل الجنابة من جميع ذلك تحكم بارد (6)، فالأصل
~~ينفيه ولا حاجة إلى دليل.
# ولو سلمنا دلالة المطلقات، فنجيب عنها بتقييدها بمفهوم الآية، فإن الظاهر
~~أن قوله تعالى: * (وإن كنتم جنبا) * عطف على قوله: * (فاغسلوا) * والظاهر
~~أن التقدير:
# فإن كنتم محدثين بالأصغر فاغسلوا وجوهكم، وإن كنتم جنبا فاطهروا. سيما مع
~~ما
# PageV01P216
# ورد في تفسيرها من الأخبار، وادعى السيد عليه الاجماع; من كون المراد:
~~إذا قمتم من النوم (1)، فإن النوم مظنة الجنابة غالبا، إما بالاحتلام أو
~~بمسبوقيته بالجماع.
# وتدل عليه: رواية محمد بن مسلم، حيث استدل عليه السلام بقوله تعالى:
# * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * على عدم وجوب الوضوء مع غسل الجنابة (2)،
~~وإن كان قوله: * (وإن كنتم) * عطف على قوله: * (إذا قمتم) * لم يثبت
~~التنافي، ولم يصح الاستدلال.
# ويدل عليه أيضا: مفهوم صحيحة زرارة (3)، وظاهر حسنة الكاهلي (4)، وغيرها
~~من الأخبار. وقد أطنبنا الكلام في كتاب مناهج الأحكام.
# الثالث: المشهور وجوب الغسل على من مس ميتا بعد برده وقبل الغسل، للصحاح
~~المستفيضة (5) خلافا للسيد (6)، وليس له ما يعتمد عليه، والأصل لا يقاوم
~~الدليل.
# والمشهور إلحاق القطعة المبانة من الحي والميت إذا كان فيها عظم، ولم
~~ينقل
# PageV01P217
# في التذكرة خلافا إلا من العامة (1). وعن الشيخ في الخلاف ms0081 الاجماع على
~~ذلك (2)، وتدل عليه: مرفوعة أيوب بن نوح (3).
# وتوقف في المعتبر (4) مع جزمه في النافع (5)، ولعله للإرسال، ولا وجه له
~~مع العمل والإجماع المنقول، واستصحاب شغل الذمة بالعبادة.
# والظاهر أن مس ما لا تحله الحياة كالشعر لا يشمله الحكم وإن كان على
~~الميت، لعدم الانفهام من الأخبار.
# وأما مس بعض الأعضاء المغسولة تماما قبل إتمام البواقي ففيه قولان،
~~أظهرهما:
# الوجوب، لعدم صدق الغسل قبل الإتمام.
# وقيل: لا يجب (6)، لما ورد في غسل الجنابة: " أن ما جرى عليه الماء فقد
~~طهر " (7) وما ورد: " أن غسل الميت مثل غسل الجنابة " (8).
# وفيه: أن التشبيه ظاهره بيان الكيفية، لا جميع الأحكام.
# وظاهر الأكثر أن وجوبه للغير، من الصلاة والطواف ومس كتابة القرآن لا
~~غير، وظاهر المحقق الشيخ علي - حيث ادعى إطباق الأصحاب على كون وجوب غير
~~غسل الجنابة من الطهارات للغير - كون ذلك إجماعيا (9).
# PageV01P218
# ويؤيده حمل النظائر عليه كما مر.
# مع أن صريح فقه الرضا عليه السلام هو ذلك، بل الحكم بإعادة الصلاة إذا
~~نسي الغسل وصلى (1).
# وهذه، مع استصحاب شغل الذمة، والإشارات الكثيرة في الروايات - وإن لم يكن
~~دليلا مستقلا - يقوي القول بكون المس حدثا بالنسبة إلى المشروطات المذكورة،
~~وكون وجوبه للغير.
# وربما قيل بكونه واجبا لنفسه كغسل الجمعة والإحرام على القول بوجوبهما،
~~لعدم ما يدل على الاشتراط به في شئ من المشروطات.
# وقد عرفت الوجه، مع أن كونهما لنفسهما على القول بالوجوب مع شذوذه ممنوع
~~أيضا، فإن الظاهر أنه للتطهر (2) في اليوم وللاحرام كما دلت عليه الروايات.
# PageV01P219
# المقصد الثاني في حقيقة موجبات الغسل وما يتعلق بها وفيه مباحث:
# الأول: في الجنابة وهي تحصل بخروج المني معتادا في أي حال من ذكر أو أنثى
~~بعنوان اليقين، ولا يجب الغسل مع الشك، للأصل.
# ويعتبر مع الاشتباه بالصفات، من قوة الدفع، وفتور الجسد بعده، ومقارنتها
~~للشهوة. ويكفي في المريض الشهوة، كما في الأخبار المعتبرة (1).
# ووجوب الغسل بذلك إجماعي منصوص عليه في الصحاح وغيرها (2).
# وبإدخال الحشفة، أما في قبل المرأة فبالاجماع والصحاح وغيرها (3)، وأما
~~في ms0082 دبرها، فعلى المشهور المدعى عليه الاجماع من السيد (4)، المدلول عليه
~~بقوله تعالى:
# * (أو لامستم النساء) * (5) والأخبار الكثيرة، مثل صحيحة محمد بن مسلم،
~~عن
# PageV01P220
# أحدهما عليه السلام، قال: سألته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة؟ فقال:
# " إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم " (1) وفي معناها ما رواه في
~~السرائر عن نوادر البزنطي (2).
# وحسنة داود بن سرحان، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا أولجه فقد وجب
~~الغسل والجلد والرجم، ووجب المهر كملا " (3).
# وصحيحة محمد بن إسماعيل (4)، ومرسلة حفص بن سوقة المصرحة بذلك (5).
# ويؤيده فحوى صحيحة زرارة القائلة: " أتوجبون عليه الجلد والرجم ولا
~~توجبون عليه صاعا من ماء " (6) وكل ما دل على وجوب الغسل بالجماع في الفرج،
~~فإن الفرج أعم.
# وذهب الشيخ إلى عدم الوجوب (7)، لصحيحة الحلبي (8)، ومرفوعة البرقي (9).
# PageV01P221
# ومع عدم وضوح دلالة الأولى وضعف الثانية، كيف يعارض بهما ما ذكرنا من
~~الأدلة، فيلزم طرحهما.
# وأما في دبر الغلام، فادعى السيد فيه أيضا الاجماع، وادعى أن من قال
~~بالوجوب في المرأة قال به هنا (1)، وقال الشيخ: إن لأصحابنا فيه روايتين
~~(2)، والأقوى قول السيد، للإجماع المنقول، وفحوى الصحيحة المتقدمة (3).
# وأما الوطء في فرج البهيمة، فعن الأكثر عدم الوجوب (4)، وعن السيد
~~الوجوب، واختاره في المختلف (5)، لفحوى الصحيحة (6).
# ويشكل ذلك على القول بعدم وجوب الحد، فإن فيه خلافا، فأوجب المشهور
~~التعزير فقط، ولا ريب أنه أحوط (7).
# ويؤيده استصحاب شغل الذمة، والشك في الشرط، هذا الكلام في الواطئ.
# وأما الموطوء، فالمرأة لا خلاف فيه ولا إشكال إذا كان الوطء في قبلها.
# وكذلك الموطوءة دبرا، على القول بكونه موجبا للغسل كما اخترنا، لما ادعى
~~السيد الاجماع على عدم الفرق، وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة،
~~ورواية السرائر، وغيرهما من الإطلاقات، وفحوى الصحيحة.
# وكذلك الموطوء دبرا على الأظهر، للاجماع المنقول عن السيد، وفحوى
~~الصحيحة.
# ثم إن الأكثر لم يفرقوا في المفعول بين الحي والميت مطلقا.
# PageV01P222
# الثاني: في الحيض وفيه أبحاث:
# الأول: قد يطلق الحيض ويراد به: الحالة المانعة عن الصلاة المعهودة.
# وقد يراد به نفس الدم المعهود، وهو ms0083 دم تعتاده المرأة في كل شهر غالبا،
~~مخلوق في رحمها لأجل مصالح، منها تغذية الجنين به وحفظه له، باكتنافه إياه
~~وصيرورته لبنا وغذاءا له بعد الوضع، كما يستفاد من الأخبار والتجربة
~~والاعتبار.
# والاستحاضة إنما تكون من عرض ومرض، فالأصل عدم كون الدم الخارج عن المرأة
~~غير الحيض، لأصالة الصحة، وعدم عروض العرض.
# وهو في الأغلب حار، عبيط، أسود، له دفع وحرقة، كما يستفاد من الأخبار
~~(1)، ويخرج من الطرف الأيسر على الأظهر، للخبر المعتضد بالتجربة (2) والفقه
~~الرضوي (3).
# ولما كان أغلب أحكام الشرع من باب سد الأبواب وحماية الحمى، فجعل لذلك
~~حدا محدودا، لتتناسق الأحكام المعلقة عليه، فجعل لأقله وأكثره حدا، ولتحققه
~~شرائط. فما أمكن أن يكون حيضا من جهة عدم المانع وحصول الشرائط فهو حيض،
~~وهو مجمع عليه، على ما نص عليه الفاضلان (4)، ومطابق للأصل والاعتبار،
~~ومستفاد من تتبع الأخبار.
# PageV01P223
# ولا عبرة بمخالفة الصفات مع الإمكان، كما في أيام العادة للصحيح وغيره
~~(1).
# وما قيل من أن الأصل هو العمل على الصفات لحسنة حفص بن البختري ونحوها
~~إلا ما خرج بالدليل (2)، ففيه مع تسليم دلالتها وحجية المفهوم وعمومه: أنه
~~معارض بأقوى منه من الأخبار (3) المعتضدة بالاعتبار والإجماع.
# فرع: لو رأت الدم ثلاثة فانقطع ورأت قبل تمام العشر، فالجميع حيض، لحسنة
~~محمد بن مسلم وغيرها (4)، وكذلك كلما تراه المرأة من الثلاثة إلى العشرة،
~~وهو المشهور بينهم.
# وكذلك لو تأخر مقدار عشرة أيام، ثم رأت دما جامعا لشرائط الحيض، فهما
~~حيضتان.
# الثاني: لا حيض قبل إكمال التسع، بالاجماع، والأخبار (5). وبعد اليأس،
~~وهو إكمال ستين للقرشية، والخمسين في غيرها، لمرسلة ابن أبي عمير المفصلة،
~~الجامعة بين ما دل على الخمسين مطلقا والستين مطلقا (6).
# وقد تلحق النبطية بالقرشية، ولم نعرف مستنده.
# والمعتبر الانتساب بالأب على الأظهر.
# والأظهر تحققه مع الحمل كما عليه الأكثر (7). وقيل: لا حيض مع الحمل (8)،
# PageV01P224
# وعن الشيخ في الخلاف الاجماع عليه إذا استبان، وقال: إنما الخلاف في غيره
~~(1).
# وقيل: ما تراه في أيام العادة حيض، وما تراه بعد عشرين يوما من العادة
~~فليس ms0084 بحيض (2).
# لنا: الأخبار المعتبرة المستفيضة جدا (3).
# وللمانع رواية ضعيفة عامية (4).
# وللمفصل صحيحة الحسين بن نعيم الصحاف (5)، ولا يبعد ترجيح هذا التفصيل،
~~لصحة الرواية، وكونها مقيدة، والأخبار المثبتة مطلقة. وخصوصا مع أنها واردة
~~مورد الغالب.
# نعم هنا كلام آخر، فللمانع أن يقول إن الحيض مما تستبرأ به الإماء وتحصل
~~العدة برؤيته، فإن ذلك لأجل أنه كاشف عن عدم الحمل.
# قلت: لما كان الغالب أن الحامل لا ترى الحيض، فرؤيته قرينة على عدم الحمل
~~غالبا، والتربص بهذا القدر مما يستبين به الحمل غالبا، فالعمدة هو مرور
~~الزمان الذي يحصل به الظن بعدم الحمل، ولذلك لم يعتبر الحيض في المسترابة،
~~واكتفي بالشهور الثلاثة، فإذا انضم إلى ذلك رؤية الدم فيقوى الظن بعدمه،
~~وقد عرفت أن ما يمكن أن يكون حيضا فهو حيض، وهذه الأخبار أيضا مما يشيد هذه
~~القاعدة ويؤيدها فتنبه.
# PageV01P225
# وأقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة كأقل الطهر بالاجماع والأخبار (1).
# والأظهر الأشهر اعتبار التوالي في الثلاثة، لأن اليقين لا يحصل إلا به،
~~والطهارة مستصحبة، وعمومات التكاليف ظاهرة الشمول، والأصل عدم ثبوت
~~التكاليف الحيضية، فلا يخرج عن هذه الأدلة إلا باليقين، وإطلاق الأخبار لا
~~يقاوم ما ذكر، مع أن صريح عبارة الهداية وفقه الرضا ثلاثة أيام متواليات
~~(2).
# وقد يتمسك بالتبادر.
# وفيه ما لا يخفى على المتأمل المتعمق، إذ قولهم عليهم السلام: " أقل
~~الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام " لا يتبادر منه إلا أقل زمان الحيض (لا
~~أقل أيام الحيض) (3).
# وانفهام اشتراط التوالي بالمعنى الأول لا يوجب اشتراطه بالمعنى الثاني،
~~فكون أقل أيامه أيضا ثلاثة وإن كان يفهم منه أيضا، إلا أنه لا يفهم اشتراط
~~التوالي بالنسبة إلى هذا المعنى.
# نعم لو قيل: أقل أيام الحيض ثلاثة كما رواه في الخصال في حديث شرائع
~~الاسلام (4) وصرح به في الهداية (5)، فيتبادر منه المعنى الثاني، مع أنه
~~صرح فيما بعده بالتوالي كما ذكرنا.
# فعلى هذا، فكون العشرة المحفوفة بثلاثة في أوله ويوم في آخره من جملة
~~أكثر الحيض إنما ثبت من دليل خارج، وما دل على عدم ms0085 تجاوز حكم الحيض عن
~~العشرة أيام يوجب تقييد أكثر أيام الحيض بالعشرة، وإلا فلا تقييد فيه كأقل
~~أيامه، فكان إطلاقه يقتضي تحقق تلك العشرة أيام في خمسة عشر يوما فصاعدا.
# PageV01P226
# ويكفي في التوالي تحقق مسماه في كل يوم على الأشهر، فيتحقق بمجرد دخول
~~اليوم الثالث وإن انقطع بعد لحظة.
# وقيل: يشترط اتصاله في مجموع الثلاثة (1).
# وقيل: يعتبر حصوله في أول الأول وآخر الآخر، وفي أي جزء كان من الوسط
~~(2).
# والتحقيق: أن يقال إن كان المراد من الحيض هو نفس الدم فالأقوى هو
~~الأوسط، وإن كان المراد حكمه، فالأقوى هو الأخير.
# وأما قول المشهور فيستلزم المجاز على التقديرين، ولا يبعد ترجيح المشهور
~~بملاحظة استقراء أخبار الحيض.
# الثالث: إذا اشتبه دم الحيض بدم العذرة فيعتبر بالقطنة، فإن خرجت مطوقة
~~فهو للعذرة، وإلا فهو حيض للصحاح (3).
# والأولى أن تضع القطنة فتستلقي على ظهرها، وترفع رجليها، ثم تصبر هنيئة،
~~ثم تخرجها إخراجا رقيقا، كما ذكره الشهيد الثاني (4)، ولعله استند في ذلك
~~إلى مرفوعة أبان (5)، وفيه إشكال.
# الرابع: المرأة تنقسم باعتبار رؤية الدم إلى: ذات عادة، ومبتدأة،
~~ومضطربة.
# والعادة تحصل باستقرار الوقت، أو العدد، أو كليهما، فأقسامها ثلاثة.
# ولا تحصل إلا بتكرره مرتين، للخبرين (6)، والإجماع. فتحيض في الثالث
# PageV01P227
# بمجرد الرؤية في الأول والثالث للاجماع والأخبار (1).
# وأما الثاني فظاهر كلام الأكثر هو ذلك أيضا، لظاهر الأخبار مثل صحيحة
~~محمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام، عن المرأة ترى الصفرة في أيامها،
~~فقال: " لا تصلي حتى تنقضي أيامها، فإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت
~~وصلت " (2).
# ورواية يونس، عن بعض رجاله، عنه عليه السلام: " فإذا رأت المرأة الدم في
~~أيام حيضها تركت الصلاة، فإن استمر بها الدم ثلاثة أيام فهي حائض " (3).
# ويشمله ظاهر دعواهم الاجماع، فإن الفاضلين بعد تقسيم ذات العادة وذكر
~~أقسامها قالا: تترك ذات العادة الصلاة والصوم برؤية الدم في أيامها، وهو
~~مذهب أهل العلم (4)، ثم قالا: وأما المبتدأة والمضطربة، وساقا الكلام
~~فيهما.
# ويظهر من الشهيدين الخلاف في ذلك بالحاقها بالمضطربة، لاضطرابها في
~~الوقت، فيجئ ms0086 فيه الخلاف الآتي (5).
# ولا يبعد ترجيح الأول، سيما إذا وافقت صفاته للحيض، وإن أمكن القدح بأن
~~ظاهر الأخبار هي الوقتية. ولعل ذلك لندرة هذا الفرض، وأن الإطلاقات محمولة
~~على الغالب.
# والحاصل أن الذي يقوى في نفسي هو أن ذلك يصير خلقا معروفا لها، سيما إذا
~~تكرر وكانت المرأة سليمة، فإن الأصل عدم الاستحاضة، لما مر في البحث الأول،
~~وإن كان الأحوط الاستظهار.
# PageV01P228
# وأما لو تقدم الدم أو تأخر بيوم أو يومين أو أكثر فظاهر الأكثرين أيضا
~~الحكم بالتحيض، ويدل عليه ما تقدم من العمومات، مضافا إلى موثقة سماعة وما
~~في معناها المصرحة بذلك (1)، ويظهر من الشهيدين أيضا الخلاف كما تقدم (2).
# ثم إن ذات العادة الوقتية فقط إنما تكون مستقرة الحكم بالنظر إلى الأول.
# وأما بالنظر إلى الآخر فقيل: إنها مضطربة العدد (3)، وقيل بالأخذ بالأقل
~~لتكرره (4)، والأول أرجح في النظر.
# وأما المبتدأة، ففي استظهارها ثلاثة أيام ثم التحيض، أو التحيض أولا،
~~قولان، أقواهما الأول، لاستصحاب الطهارة، وعدم حصول التكاليف الحيضية، وعدم
~~تخصيص العمومات التكليفية الظاهرة الشمول لها.
# والقاعدة المتقدمة المجمع عليها غير منطبقة عليه، لأن المدعى عليه
~~الاجماع هو ما يمكن أن يحكم عليه بالفعل أنه حيض، لا ما يمكن أن يكون في
~~نفس الأمر حيضا، وهو لا يتحقق إلا بمضي الثلاثة مع سائر شرائطها.
# وكل ما استدل به في المدارك والذخيرة وغيرهما من الأخبار على القول
~~الثاني فهي غير واضحة الدلالة (5)، وأقواها حسنة الحفص بن البختري المعتبرة
~~للوصف (6)، وهي في مستمرة الدم، ولا عموم فيها يشمل ما نحن فيه. ومحل
# PageV01P229
# النزاع مطلق، وتخصيص صاحب المدارك بالمتصف بصفة الحيض توهم.
# ومما ذكرنا يظهر الكلام في المضطربة.
# الخامس: التلوث في الباطن حيض، فلا يحصل الطهر بمجرد انقطاع الدم، فيجب
~~الاستبراء بالقطنة حين الانقطاع لدون العشرة، لصحيحة محمد بن مسلم (1).
# والأولى أن تقوم فتلصق بطنها بالحائط، وترفع رجلها كما يرفع الكلب وقت
~~البول، كما في موثقة سماعة (2). والأولى رفع الرجل اليسرى كما في رواية
~~شرحبيل (3)، لكونها أوفق بما رجحنا من اعتبار الأيسر. فإن ms0087 خرجت نقية فتغتسل
~~بالاجماع والأخبار.
# وقيل: ولو اعتادت النقاء في أثناء العادة فلا يجب عليها الغسل (4)، وليس
~~ببعيد، عملا بالعادة.
# ولو خرجت متلطخة ولو مثل رأس الذباب، فإن كانت مبتدأة فتصبر حتى تنقى أو
~~تمضي عشرة أيام، لما مر من أنه يمكن أن يكون حيضا فهو حيض، ولحسنة محمد ابن
~~مسلم وغيرها (5).
# وإن كانت ذات عادة، فتستظهر بترك العبادة إذا كانت عادتها دون العشرة إلى
~~العشرة، على الأقوى.
# PageV01P230
# وقيل: تستظهر بيوم أو يومين (1)، وقيل: أو ثلاثة (2).
# وطريقة الجمع بين الأخبار الواردة في كل منها: حمل ما ورد على طبق
~~الأقوال على مراتب عادة النساء وأمزجتهن، والمقصود اختبار الحال وأنه هل
~~يتجاوز العشرة أم لا.
# وفي كون ذلك واجبا أو جائزا أو مستحبا أقوال، أشهرها وأظهرها الثالث،
~~للأخبار الدالة على سقوطه، مثل ما ورد في المستحاضة، وهي كثيرة جدا (3)،
~~حيث لم تؤمر فيها بالاستظهار، بل أمرت فيها بالعبادة في غير أيام إقرائها،
~~فهي قرينة لإرادة الاستحباب الذي هو أقل مراتب الأمر، فسقط احتجاج الأولين
~~بكون الأمر للوجوب، مع أن الوارد بلفظ الأمر قليل، واختلاف الأخبار في
~~مقداره أيضا شاهد.
# والمراد من استحباب الاستظهار: رجحان الإتيان بتكاليف الحائض، والعبادة
~~التي لا يصح القول باستحباب تركها هي ما ثبت كونها عبادة مطلوبة، وهو أول
~~الكلام، فسقطت حجة القول بالجواز أيضا.
# وفي ثبوت الاستظهار للمبتدأة والمضطربة إشكال، وعن الدروس التصريح
~~باستظهارهما (4)، وعن الذكرى إيجاب استظهار المبتدأة بيوم (5) عند رجوعها
~~إلى عادة نسائها (6)، لموثقة زرارة ومحمد بن مسلم (7).
# PageV01P231
# ثم المشهور أنه إذا انقطع الدم في العشرة فيحكم بكون الجميع حيضا، وتقضي
~~صومها.
# وإذا تجاوز الدم العشرة ظهر أن ما بعد العادة طهر، فتقضي صلاة أيام
~~الاستظهار كصومها.
# واستشكله في المدارك بعدم الدليل على جميع ذلك (1).
# أقول: الدليل هو الأخبار الصحاح المستفيضة جدا، الدالة على ثبوت
~~الاستظهار.
# ومعنى الاستظهار طلب ظهور الحال حتى يعامل مع كل من الدمين معاملته، فحكم
~~من تترك الصلاة في الطهر القضاء، ومن تترك في الحيض العدم، وهكذا فالرخصة
~~في الترك لا ms0088 تستلزم سقوط القضاء.
# وما في بعضها من أنها بعد أيام الاستظهار مستحاضة (2) محمول على ما بعد
~~العشرة كما نبهنا عليه سابقا، فالمراد أنه إن تجاوزها فمستحاضة، فلا ينافي
~~سقوط القضاء لو انقطع على العشرة للصلاة، كما لا ينافيه (3) وجوب قضاء
~~الصوم، مع أنه لا ضير في كون المراد مستحاضة ظاهرا وفي البادئ.
# السادس: إذا تجاوز الدم عشرة أيام، فأما ذات العادة، فإن لم يكن لها
~~تمييزا، أو (4) وافق تمييزها أيام العادة، فترجع إلى عادتها، للاجماع،
~~والأخبار.
# ولو اختلفا، فإن كان بينهما أقل الطهر ففيه إشكال، من جهة الأخبار
~~الحاكمة باعتبار العادة مطلقا، ووجود ما يمكن أن يكون حيضا، والمنقول عن
~~جماعة
# PageV01P232
# جعلهما حيضا (1)، وقال في المعتبر: لا بحث في ذلك (2)، ولا يبعد ترجيحه.
~~لكنها بالنسبة إلى التمييز كالمبتدأة والمضطربة، فتستظهر إلى ثلاثة أيام،
~~ثم تتحيض إلى أن تحصل عادة أخرى بالتمييز، وإلا فإن أمكن الجمع بينهما بأن
~~لا يتجاوز المجموع عن العشرة فالأقرب أيضا جعلهما حيضا، لأن العادة تتقدم
~~وتتأخر، وتزيد وتنقص، والدم إلى العشرة مما يمكن أن يكون حيضا.
# وقيل: ترجع إلى التمييز (3)، وقيل إلى العادة (4)، ويظهر وجههما مما سبق.
# وإن لم يمكن الجمع فالأشهر الأظهر تقديم العادة، للأخبار الكثيرة
~~المعتبرة المصرحة بأن المستحاضة تجلس أيام حيضها، وتنتظر عدة ما كانت تحيض،
~~فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها، من غير تفصيل بانتفاء التمييز وعدمه (5).
# والظاهر أن العدد في العادة أيضا مقدم على التمييز، كما يظهر من صحيحة
~~محمد بن عمرو بن سعيد (6)، وصحيحة زرارة (7)، المشتملتين على حكم
~~الاستظهار، مضافا إلى سائر العمومات.
# والشيخ في النهاية على تقديم التمييز (8)، وكذا المحقق الشيخ علي (9)، إن
~~كانت العادة مستفادة من التمييز، دون الأخذ والانقطاع، لئلا يزيد الفرع على
~~الأصل، وهو كما ترى.
# PageV01P233
# وقيل بالتخيير جمعا بين الأدلة (1).
# وفيه: أن ما دل على العمل بالتمييز إنما هو فيما لم تعلم العادة، وما دل
~~على العادة أقوى.
# وأما المبتدأة فهي أيضا ترجع إلى التمييز إن أمكنها، بأن تختلف صفات
~~الدم، بأن يكون بعضه بصفة دم ms0089 الحيض دون بعض، كالأسود والأحمر، أو أشبه بها،
~~كالأحمر والأصفر، والأشقر والأصفر. والأظهر اعتبار مراتب الألوان والغلظة.
# واعتبر جماعة الرائحة أيضا ومراتبها (2).
# وبأن لا يكون المشابه له أقل من الثلاثة - ويعتبر فيها التوالي، والظاهر
~~أنه لا يضر فيه تخلل الدم الضعيف إذا حصل القوي في الأيام الثلاثة في
~~الجملة كما مر - ولا أكثر من عشرة، وأن لا ينقص الضعيف مع أيام النقاء من
~~أقل الطهر.
# وأصل اعتبار التمييز إجماعي، نقله الفاضلان (3)، وتدل عليه حسنة حفص بن
~~البختري وغيرها من الأخبار المعتبرة (4).
# ولم يظهر منهم خلاف فيما اعتبر فيه، إلا ما يظهر من الشيخ في المبسوط في
~~من اشتراط عدم التجاوز عن العشرة (5).
# ولعل وجهه أن العمل على حسنة حفص وما في معناها لا ينافي تركه فيما زاد
~~على العشرة لدليل (6).
# وفيه: أن اعتبار الوصف للكشف عن الحيض النفس الأمري بالأمارة، والحيض لا
~~يزيد عن عشرة في نفس الأمر. وترجيح المتقدم بالزمان بكونه حيضا لا مرجح
# PageV01P234
# له، مع أن ظاهر تلك الأخبار الحكم على كل ما بالصفة بكونه حيضا، فينحصر
~~فيما لو لم يتجاوز. وبعض الأخبار الدالة على عدم الاعتبار متروك الظاهر.
# وفي اشتراط عدم نقصان الضعيف عن أقل الطهر أيضا قول بالعدم (1)، ويظهر
~~وجهه وجوابه مما تقدم.
# قيل: فلو رأت خمسة أسود، ثم أربعة أصفر، ثم عشرة أسود، فعلى المشهور لا
~~تمييز لها، وعلى هذا القول حيضها خمسة (2).
# وإن لم يمكنها بفقدان أحد الأمور المذكورة، فترجع إلى عادة أقاربها، لأب
~~كانت أو لأم، أو لكليهما إن اتفقن، لرواية سماعة، قال: سألته عن جارية حاضت
~~أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر، وهي لا تعرف أيام إقرائها، قال: " إقراؤها
~~مثل إقراء نسائها، فإن كانت نساؤها مختلفات، فأكثر جلوسها عشرة أيام، وأقله
~~ثلاثة أيام " (3).
# وضعفها (4) منجبر بعمل الأصحاب، وادعى في الخلاف الاجماع على مضمونها
~~(5).
# وإطلاقها يشمل الحية والميتة.
# والظاهر إرادة العادة المتعارفة، فيبعد أخذ المبتدأة عادة أمها في أواخر
~~رؤيتها، بل الظاهر اعتبار حال تقارب أسنانهن، كما قربه العلامة في النهاية
~~(6)، ولا يبعد ms0090 اعتبار
# PageV01P235
# أكثرهن مع الاختلاف، كما اختاره الشهيد (1).
# وأما اعتبار اتحاد البلد كما اختاراه فمشكل، وخروج عن إطلاق النص. وإن
~~كان اعتبار الأغلب أيضا مثل ذلك، إلا أنه يمكن استفادة حكمه من الرواية
~~وتتبع موارد أحكام الحيض وخصوص موثقة زرارة ومحمد بن مسلم، فإن فيها: "
~~تنظر بعض نسائها فتقتدي بإقرائها " (2) ولكن العمل على إطلاقها بحيث يشمل
~~الواحدة منها أيضا متروك.
# قيل: وإن اختلفن أو فقدن فإلى أقرانها (3)، أي مماثلاتها في السن.
~~والظاهر صدقها على من ولدن في السنة والسنتين، ويحتمل الثلاثة أيضا. وقيل:
~~أو إلى أقرانها (4)، ولم نقف على مستنده.
# وقال الشهيدان: لفظ نسائها في رواية سماعة يشملها، لكفاية أدنى ملابسة في
~~الإضافة (5).
# وفيه نظر، لأن المتبادر هو الأقارب.
# فإن لم يمكن ذلك أيضا فتتحيض في كل شهر بسبعة على ما في رواية يونس (6)،
~~أو بعشرة في شهر وثلاثة في آخر، وهكذا، لموثقتي ابن بكير (7)، منضما إلى
~~رواية سماعة المتقدمة، وفهم الأصحاب، وإلا فالظاهر من الموثقتين الأخذ
# PageV01P236
# بثلاثة في كل شهر إلا في الدور الأول.
# والأولى العمل على السبعة كما في رواية يونس، لكونها أصفى من التشويش،
~~وإن كان فيها أيضا التخيير بين الستة والسبعة كما اختاره بعض الأصحاب أيضا
~~(1)، فإن التأمل في تمام الحديث يقتضي اختيار السبعة.
# والمحقق أسقط الأحاديث رأسا لضعفها، وتبع ابن الجنيد في الأخذ بالثلاثة
~~في كل شهر عملا بالمتيقن (2)، كما ذهب بعض فقهائنا إلى اختيار العشرة في كل
~~شهر (3)، لامكان كونه حيضا. وجعل في موضع من المبسوط الحيض عشرة والطهر
~~عشرة وهكذا (4). وعن السيد والصدوق أنها تجلس من ثلاثة إلى عشرة (5)،
~~وظاهره التخيير في هذه المدة. وقد يقال: إن ذلك مطابق لرواية سماعة
~~المتقدمة، وقيل أقوال أخر (6)، والأوجه ما اخترناه.
# والتخيير بين الأقل والأكثر في المذكورات غير مضر، فإنه يرجع إلى التخيير
~~بين تروك الحيض وأعمال المستحاضة; فلا إشكال، مع أن التخيير بين الزائد
~~والناقص غير عزيز في الشرع كالقصر والإتمام ونحوه.
# والظاهر أن التي رأت الدم مرارا لكنها لم يستقر لها عدد ووقت، فهي داخلة ms0091
~~في المضطربة، وسيجئ حكمها، ولذلك فسر المحقق المبتدأة بمن رأت الدم أول مرة
~~(7).
# وتظهر الثمرة في الرجوع إلى نسائها، فإنه معلق في الأخبار على من رأت أول
~~الدم
# PageV01P237
# واستمر دمها.
# وأما المضطربة، وهي الناسية لعادتها وقتا وعددا، وهي المسماة بالمتحيرة
~~عندهم، فترجع إلى التمييز، لحسنة حفص بن البختري (1)، ورواية يونس الطويلة
~~(2)، وغيرهما.
# ومع فقد التمييز، فترجع إلى الروايات، أي السبعة أو الثلاثة والعشرة على
~~المشهور كما مر، ونقل الشيخ في الخلاف الاجماع عليه (3).
# وذهب الشيخ في المبسوط إلى لزوم الاحتياط، بالجمع بين عمل الحيض
~~والاستحاضة، وغسل الحيض في كل وقت يحتمل انقطاعه (4).
# ونقل ابن إدريس فيه أقوالا ستة: الأخذ بالثلاثة ثم العشرة، وبالعكس،
~~وبسبعة أيام، وبستة أيام، وبثلاثة أيام في كل شهر، والتحيض بعشرة والطهر
~~بعشرة (5).
# والأقوى عندي العمل بالسبعة، لرواية يونس كما يستفاد من آخرها (6)، وإن
~~كان يظهر من أولها تخصيص الحكم بالمبتدأة. مع أن السبعة هي الغالبة في
~~العادة.
# وموثقتا ابن بكير صريحتان في المبتدأة (7)، وأما القول بالاحتياط فهو حرج
~~منفي في الدين.
# وأما الذاكرة للوقت فقط أو العدد فقط، فالظاهر أنهما ذات اعتبارين،
~~فتدخلان في المضطربة من وجه، وفي ذات العادة من آخر. فالاستدلال فيهما إنما
~~يستنبط من
# PageV01P238
# أدلتهما، وإلا فلا نص فيهما بالخصوص.
# أما الأولى: فإن ذكرت أولها، أكملته ثلاثة باليقين، وتبقى في السبعة
~~الباقية المحتملة مضطربة. فعلى الاحتياط تجمع بين الأعمال الثلاثة. وعلى
~~المشهور تجعله مع الثلاثة إحدى الروايات.
# وإن ذكرت آخرها، فتجعله نهاية الثلاثة، وتحتاط عند الشيخ في السبعة
~~المتقدمة بالعملين، وتتمها بإحدى الروايات على المشهور.
# وإن ذكرت الوسط، حفته بيومين، وتكمله عشرة على الاحتياط، أو تسعة إن لم
~~يمكن جعله وسط العشرة. كما لو ذكرت أن الوسط كان يوما واحدا وهكذا.
# أو تجعله وسط إحدى الروايا ت على المشهور، فيما لم يحصل لها العلم بكونه
~~أقل من أحدها أو أكثر، وإلا فتعمل على علمها، وكذا في جميع الصور. وعملها
~~على الاحتياط يظهر مما سبق.
# وإن ذكرت وقتا ما، فهو المتيقن، وتكمله عشرة على ms0092 الاحتياط، وتجمع فيها
~~بين التكاليف الثلاثة، وتجعله نهاية عشرة، تجمع فيها بين التكليفين. وعلى
~~المشهور تجعله إحدى الروايات، مخيرة في جعله أولا أو آخرا، أو وسطا. وعلى
~~الاحتياط تقضي صوم أحد عشر من شهر رمضان، مع احتمال التلفيق، وإلا فتقتصر
~~على ما حصل لها العلم به.
# وأما الثانية: فإن وجد التمييز فكالسابقة، والأظهر تقديم العدد على
~~التمييز، لما تقدم من تقديم العادة مطلقا، وخصوص صحيحتي محمد بن عمرو بن
~~سعيد (1) وزرارة (2). وإلا فالأكثر على أنها تضع عددها حيث شاءت من الشهر.
~~وقيل:
# تجتهد، ومع عدم الأمارة تتخير، وأول الوقت أولى (3).
# PageV01P239
# ومذهب المبسوط الاحتياط في كل الزمان بما يناسبه من الأعمال الثلاثة (1).
# والأول أظهر، للزوم العسر والحرج في الاحتياط، هذا إذا نقص العدد عن نصف
~~الزمان الذي أضلته فيه، أو ساواه.
# ولو زاد، كما لو أضلت ستة في العشر الأولى أو علمت أن عددها كان ستة
~~وأنها كانت تمزج أحد نصفي الشهر بالآخر، فهي متيقنة بشئ، فتكمله بالعدد،
~~فالخامس هنا والسادس محفوظ عندها في الأول، وكذا الخامس عشر والسادس عشر.
~~فعلى المشهور تختار بين إكمال العدد متقدما ومتأخرا وبالتلفيق. وعلى
~~الاحتياط تستكملها عشرة، تجمع في الأربعة المتقدمة بين العملين، وفي
~~المتأخرة بين الثلاثة.
# ثم إن ظاهر رواية يونس العمل بالسبعة للمضطربة مطلقا (2).
# ويشكل الحكم فيما لو علمت كون دورها أزيد من شهر، ولم تعرف مقدارها، أولم
~~تعلم مقدار الدور، ولا أولها، فالحكم بالتحيض في كل شهر بسبعة أو ستة إما
~~محمول على الغالب من حصول الحيض للنساء في كل شهر، أو تعبد واطراد في
~~الحكم.
# ويشكل الكلام في ذاكرة العدد، والبناء عليه حينئذ أيضا، إلا أنه بعد
~~البناء على الروايات حينئذ لا بد من ملاحظة العدد، فلا تأخذ بما أفاد الأقل
~~منه من الروايات.
# الثالث: في النفاس وهو دم الولادة، معها أو بعدها. والظاهر أن تعريف بعض
~~الفقهاء بما يتعقب
# PageV01P240
# الولادة (1) مبين على الغالب. وكيف كان فالمذهب عدهما في النفاس لشمول
~~الأدلة.
# وأما ما تراه قبلها فليس بنفاس إجماعا.
# ويتحقق بالسقط ms0093 ولو مضغة إذا حصل العلم بكونه مبدأ نشوء آدمي. ويظهر كون
~~ذلك معتبرا مع صدق العمومات من خصوص صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج في عدة
~~المطلقة، فقد سمى فيها سقط المضغة بوضع الحمل، بل وكل ما علم أنه حمل (2).
# وتتقوى دلالتها بانضمام صحيحة عبد الله بن سنان عن الباقر عليه السلام
~~قال:
# " إذا وضعت تزوجت، وليس لزوجها أن يدخل بها حتى تطهر " (3).
# وألحق في الذكرى العلقة لو فرض العلم ولو بقول أربع من القوابل (4).
# وأما النطفة، فلا وجه لذلك فيها.
# وليس لقليله حد شرعا.
# وأكثره أكثر الحيض مطلقا عند الأكثر، وذهب جماعة من المتأخرين إلى أن ذات
~~العادة تجلس عادتها، والمبتدأة، والمضطربة عشرة أيام (5). وجماعة منهم
~~جعلوه ثمانية عشر يوما مطلقا (6). وعن ابن أبي عقيل أنه واحد وعشرون يوما
~~(7).
# PageV01P241
# والقول الأول هو المستفاد من فحوى الأخبار المعتبرة المستفيضة جدا (1)،
~~والتي هي أدلة القول الثاني، فإن الاستظهار المأمور به فيها بيوم أو يومين
~~وإلى عشرة ناظر إلى (2) العشرة كما يظهر لمن تأملها. مضافا إلى ما مر في
~~الحيض.
# واستدل في المعتبر والمنتهى بأنه حيض في الأصل، فيعتبر فيه أكثره، وبأن
~~الأخذ به إجماع والأزيد منه مشكوك فيه، وجعلا تلك الأخبار مؤيدة لمذهبهما
~~(3).
# وظني أنها أدلة.
# ولعل نظر المفيد أيضا إلى تلك الأخبار، حيث قال: وقد جاءت الأخبار معتمدة
~~أن أقصى مدة النفاس عشرة أيام، وعليها أعمل لوضوحها عندي (4).
# والظاهر أن مرادهم من الاجماع المدعى في العشرة هو على إمكان كونه نفاسا،
~~مثل أن تكون عادتها ذلك، أو (5) انقطع الدم على العشرة (6)، لا أن العشرة
~~دائما نفاس بالاجماع (7).
# PageV01P242
# ويشهد بذلك أن الشيخ في التهذيب ادعى إجماع المسلمين على أن العشرة نفاس،
~~واستدل على ذلك بالأخبار الدالة على الأخذ بأيامها فلاحظ (1).
# وبملاحظة تلك الأخبار بانضمام ما حصل من الاعتبار وتتبع سائر الأخبار من
~~أن ذلك من فاضل دم الحيض الذي هو غذاء الطفل يعلم الارتباط بين الدمين،
~~ويعرف حكم المبتدأة والمضطربة، وأنهما لا تتجاوزان عن أكثر الحيض.
# وتظهر الثمرة بين القولين فيما لو ms0094 جاوز العشرة، فترجع إلى العادة على
~~القول الثاني، لأن ذلك هو فائدة الاستظهار، وتجعل الجميع نفاسا على القول
~~الأول.
# وظني أن مراد الأولين أيضا هو ذلك (2)، فلاحظ نهاية الشيخ، حيث اعتبر
~~الاستظهار إلى العشرة (3)، ولا معنى للاستظهار إلا ذلك، وكذلك غيره.
# لكن صريح المعتبر وغيره أن العشرة كلها نفاس حينئذ (4)، ويلزمه كون
~~الاستظهار في الأخبار لغوا، فإن ثبت الاجماع فهو المتبع، ولكنه يلزم طرح
~~تلك الأخبار.
# وقد عرفت أن أقدم المتصدين لنقل الاجماع لم يطرحها (5)، بل استدل بها،
~~وهو الشيخ في التهذيب، هذا.
# وأما المبتدأة والمضطربة، فإن انقطع دمهما على العشرة فما دون فلا إشكال،
~~ومع التجاوز فلم نقف في الأخبار على تصريح بحكمه، ومقتضى ارتباطه بدم
# PageV01P243
# الحيض الرجوع إلى التمييز، ثم النساء، ثم الروايات. ولكن مقتضى كلام
~~الجماعة الأخذ بالعشرة مطلقا، إلا أن الشهيد في البيان قال في المبتدأة إذا
~~تجاوزت العشرة فالأقرب الرجوع إلى التمييز ثم النساء ثم العشرة، والمضطربة
~~إلى العشرة بعد فقد التمييز (1) (2).
# ويمكن توجيه كلامهم: بأن ما يأتي " من الاجماع على اتحاد حكم الحائض
~~والنفساء إلا ما استثني " يقتضي الحكم بأن كل ما يمكن أن يكون نفاسا فهو
~~نفاس.
# وأما جريان أحكام التمييز والنساء والروايات فهو مستثنى، فتبقى المبتدأة
~~والمضطربة تحت حكم قاعدة الإمكان.
# فحصل من جميع ما ذكرنا كون ذلك إجماعيا عندهم، وإلا فالإجماع من الأدلة
~~القطعية، ولا يقبل التخصيص، فحينئذ مخالفة الشهيد غير مضرة لمن سبق عليه
~~بدعوى الاجماع، ولا يمكن مثل هذا الكلام في ذات العادة، ولاستلزامه ترك
~~الصحاح الكثيرة المعمول عليها.
# وأما ما دل على الثمانية عشر، فمحمولة على التقية، مع أن في تلك الأخبار
~~ما يدل على أن الحكم بالغسل بعد الثمانية عشر إنما كان لأن السؤال عن الحكم
~~كان عند
# PageV01P244
# مضي تلك المدة، ولو سألت قبلها لأمرت بالغسل، وبعضها مصرحة بذلك (1). مع
~~أن مخالفها من الأخبار أكثر عددا، وأصح سندا، وأوضح دلالة، وأوفق بالعمومات
~~وعمل الأصحاب.
# والعلامة في المختلف جمع بين الأخبار بحمل تلك على المبتدأة (2)، وهو كما
~~ترى، ms0095 إذ أكثر تلك الأخبار في حكاية أسماء، وقيل: إنها تزوجت بأبي بكر بعد
~~وفاة جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - بعد أن ولدت له عدة أولاد (3)،
~~ويبعد مع ذلك كونها مبتدأة.
# قالوا: وإذا رأت الدم يوم العاشر فقط فهو النفاس، واستشكله في المدارك
~~(4)، ولعل دليله أن حاصل ما استفيد من الأخبار أن النفاس لا يتجاوز عن عشرة
~~أيام من الولادة، لا من رؤية الدم، فما تراه في ظرف العشرة فهو نفاس.
# وعلى هذا فلو رأت الأول والعاشر وانقطع فالأمر أوضح لما ذكرنا، ولأن
~~الفاضلين (5) ادعيا إجماع أهل العلم على اتحاد أحكام الحائض والنفساء إلا
~~في الأقل والأكثر، فإن في أكثر النفاس خلافا، وفي الرجوع إلى عادة النساء
~~والروايات والتمييز، وفي مضي أقل الطهر بين نفاسين، وليس ذلك منها.
# وأما لو جاوز، فالكلام فيه بالنسبة إلى ما زاد عن العادة قد مر، وأما
~~بالنسبة
# PageV01P245
# إلى بعد العشرة فتعمل فيها ما تعمل المستحاضة، سواء صادف أيام العادة أم
~~لا، إلا أن يفصل أقل الطهر بينهما. ونسب الخلاف في المنتهى إلى بعض العامة
~~(1)، ويظهر منه (2) الفرق بين ما تراه قبل الوضع مع إمكان كونه حيضا، وما
~~تراه بعد أقصى النفاس; فيشترط في الثاني تخلل الطهر، دون الأول، وفي كليهما
~~إشكال.
# وأما إذا فصل أقل الطهر، فذات العادة تأخذ بعادتها، إلا أن يمكن في حقها
~~حيض جديد فتتحيض بها أيضا. وقد مر الكلام في مستمرة الدم.
# ويظهر بالتأمل فيما تقدم أحكام أقسام النساء.
# ولا يجب تخلل أقل الطهر بين النفاسين، فلو ولدت توأمين بفاصلة أيام فما
~~تراه بعد كل منهما فهو نفاس مستقل.
# الرابع: في الاستحاضة دم الاستحاضة في الأغلب بارد رقيق أصفر، وكلما لم
~~يثبت كونه من قرح أو جرح ولم يمكن كونه حيضا أو نفاسا فهو استحاضة.
# والمشهور أنها على ثلاثة أقسام: قليلة، وكثيرة، ومتوسطة. لأنه إذا اعتبر
~~بالقطنة، فإما أن يغمس القطنة ويثقبها ويسيل من خلفها إلى الخرقة، فكثيرة،
~~وإن غمس وثقب ولم يسل من خلفها، فمتوسطة. وإن لم يغمسها، ms0096 فقليلة، وإن دخل
~~في جوف القطنة أيضا.
# أما القليلة، فالمشهور أنه يجب عليها الوضوء لكل صلاة، وذهب ابن أبي عقيل
# PageV01P246
# إلى عدم وجوب شئ عليها (1)، وابن الجنيد إلى وجوب غسل واحد في اليوم
~~والليلة (2).
# والأول هو المذهب، للأخبار المعتبرة، منها صحيحة معاوية بن عمار (3)،
~~وصحيحة الصحاف (4)، وموثقة زرارة (5).
# ليس للمذهبين الآخرين ما يعتمد عليه، ولا دلالة لصحيحة عبد الله بن سنان
~~على الأول (6)، ولا لرواية سماعة على الثاني (7) كما توهم (8).
# وأما المتوسطة، فالمشهور أيضا أنه يجب عليها مع ذلك الغسل قبل صلاة
~~الغداة، وذهب ابن أبي عقيل إلى اتحاد حكمها مع حكم الكثيرة، وهو وجوب ثلاثة
~~أغسال: غسل للصبح، وغسل للظهرين، وغسل للعشاءين. وهو المنقول عن ابن الجنيد
~~(9) وصاحب الفاخر، واختاره الفاضلان في المعتبر والمنتهى (10)، وجماعة
# PageV01P247
# من متأخري المتأخرين (1)، للأخبار الصحيحة الدالة بعمومها على أن
~~المستحاضة تغتسل ثلاثة أغسال، أو الاستحاضة المثقبة للكرسف حكمها كذا.
# والأقوى مذهب المشهور، لخصوص صحيحة الصحاف، ففيها: " فإن كان الدم فيما
~~بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة "
~~(2) فإنها تشمل المتوسطة، ويبطل مذهب الخصم، ويثبت غسل الغداة من دليل آخر.
# وفيها أيضا: " وإن كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا
~~لا يرقأ، فإن عليها أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات " فإن مفهومها عدم
~~وجوب ذلك في غير هذه الصورة.
# ولصحيحة زرارة: " فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلت الغداة بغسل،
~~والظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وإن لم يجز الدم الكرسف صلت
~~بغسل واحد " (3) (4).
# وقد يناقش في إضمار الرواية، وهو غير مضر، سيما من مثل زرارة. مع أنه
~~يظهر من الشيخ في التهذيب فيما بعد نقل هذه الرواية بورقة تخمينا أنها عن
~~الباقر عليه السلام.
# ولموثقة سماعة قال، قال " والمستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل
~~صلاتين وللفجر غسلا، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة،
~~والوضوء لكل صلاة " (5) والتقريب ما تقدم.
# PageV01P248
# والإضمار من سماعة أيضا غير مضر، سيما ms0097 مع اعتضادها بعمل الأصحاب.
# ولما دل بمفهوم الشرط من الأخبار المعتبرة على أن هذا الحكم مخصوص بما
~~إذا كان الدم صبيبا لا يرقأ (1)، والفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام
~~صريح في مذهب المشهور (2)، وهذه الأدلة خاصة، والخاص مقدم على العام، سيما
~~إذا اعتضد بالعمل وموافقة الأصل ونفي العسر والحرج.
# وأما الوضوء لكل صلاة، فهو أيضا مستفاد من الأخبار، منها صحيحة الصحاف
~~وموثقة سماعة المتقدمتان.
# ومنها خبر يونس الطويل، ففي جملته: " فلتدع الصلاة أيام إقرائها، ثم
~~تغتسل وتتوضأ لكل صلاة " قيل: وإن سال؟ قال: " وإن سال كالمثقب " (3) ولم
~~يتعرض عليه السلام في هذا المقام لحكم الغسل، وهو موافق لعموم الكتاب أيضا.
# بل ويظهر من العلامة في التذكرة إسناد وجوب الوضوء لكل صلاة إلى علمائنا
~~في المستحاضة مطلقا، مؤذنا بدعوى الاجماع (4).
# وأما الكثيرة، فلا إشكال في حكمها، ولا خلاف. والصحاح بحكمها ناطقة (5)،
~~وإذا أرادت صلاة الليل فتجمع بينها وبين الغداة بغسل بلا خلاف في ذلك.
# وأما الوضوء لكل صلاة فأسنده في المختلف إلى المشهور (6)، وجعل المخالف
~~فيه
# PageV01P249
# المفيد في المقنعة (1)، وقال في التذكرة: اقتصر الشيخ على الأغسال، وكذا
~~المرتضى وابنا بابويه، وابن إدريس أوجب الوضوء لكل صلاة، وهو حسن، وعبارة
~~علمائنا لا تنافي ذلك (2).
# فيظهر من كلام العلامة أن المخالف في المسألة صريحا هو المفيد، ولكن
~~المحقق في المعتبر شنع على ابن إدريس بأن ذلك مما لم يذهب إليه أحد من
~~طائفتنا (3)، واختار عدم الوجوب جماعة من متأخري المتأخرين (4).
# وكيف كان فرواية يونس مع عموم الآية وإطلاق إسناد العلامة في التذكرة ذلك
~~إلى علمائنا يرجح المشهور. ولعل قول العلامة " وعبارة علمائنا لا تنافي ذلك
~~" تعريض على المحقق.
# ووجه العدم: هو إطلاقات الأخبار في حكم الكثيرة، حيث اقتصر فيها على ذكر
~~الغسل. وهو أيضا لا ينافي إثباته من خارج، كما أنه لا ينافي إثبات الوضوء
~~مع الغسل، إذ الظاهر أن خلاف هؤلاء في الوضوء للصلاة الثانية، وإلا فالكلام
~~في الوجوب مع الغسل قد عرفت.
# ولو لم يثبت الدليل على وجوب الوضوء لكل صلاة ms0098 مطلقا فيجزئ احتمال العموم
~~وشمول منع الوجوب مع الغسل على ما حققناه أيضا، من أن وجوب الوضوء مع
~~الأغسال ليس من تتمة الغسل، بل إنما هو الوضوء الذي تحقق موجبه، وإن اخترنا
~~وجوب الوضوء مع الغسل وعدم إجزائه عنه إذا حصل موجبه، وأيا ما كان فالأحوط
~~أن لا تترك الوضوء مطلقا.
# PageV01P250
# ثم إن الحكم دائر مدار تحقق الكثرة، وكذلك غيرها، فلو طرأت القلة بعد غسل
~~الغداة فغسلها واحد، وإن طرأت بعد الظهرين فغسلها اثنان، وكذلك لو طرأت
~~الكثرة على القلة بعد الصبح فتغتسل للظهرين، وإن طرأت بعدهما فللعشاءين،
~~وهكذا.
# والأظهر اعتبار مجرد المسمى في الكثرة والتوسط، ولا يشترط استمراره، ولا
~~اتصال الصفة بوقت الصلاة، كما اختاره جماعة (1)، وقيل باعتبار حصول السبب
~~في وقت الصلاة (2). والأول هو الموافق لعمومات الأدلة. وكذلك في القليلة
~~بالنسبة إلى الوضوء فهي موجبة له وإن ارتفعت قبل الصلاة.
# واعلم أن ظاهر جماعة من الأصحاب أن الجمع بين الصلاتين بغسل إنما هو
~~لتحصيل الكفاية وتسهيل الأمر، وإلا فيجوز إفراد كل صلاة بغسل (3). وذكر في
~~المنتهى بعد ما صرح باستحبابه: أنه لا نعرف فيه خلافا بين علمائنا، بل إنما
~~نسب القول بالوجوب إلى بعض العامة (4).
# وفي رواية يونس الطويلة: " إن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تغتسل لكل صلاة "
~~(5) فهي محمولة على الجواز.
# وفي موثقة يونس بن يعقوب: " فإن رأت الدم صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلاة "
~~(6).
# ثم إن الأولى معاقبة الصلاة للغسل، واشترطها جماعة في صحتها (7)، وهو
# PageV01P251
# أحوط. ولا يضره تحصيل بعض المقدمات اللازمة.
# وفي اشتراط معاقبة الوضوء قولان.
# تنبيهان:
# الأول: ذكر الأصحاب أنه يجب على المستحاضة تغيير القطنة في كل صلاة وعدم
~~العفو، وادعى عليه الاجماع في المنتهى (1). وألحق بذلك جماعة منهم غسل ظاهر
~~الفرج لو تلطخ به، بناء على عدم العفو عن هذا الدم (2). ويظهر من ذلك
~~الكلام في الخرقة، وسيجئ تمام الكلام.
# الثاني: لا تحديد في الأخبار للقطنة، ولا لزمان رؤية الدم، والمحكم في
~~ذلك العادة والعرف.
# الخامس: في مس الميت وقد مر الكلام فيه، ms0099 وأما الموت فسيجئ الكلام فيه
~~وفيما يتعلق به في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى.
# PageV01P252
# المقصد الثالث في الأغسال المسنونة وفيه بحثان:
# الأول: قد عرفت أن الأغسال المتقدمة لا وجوب لها في نفسها على التحقيق،
~~بل وجوبها إنما هو للغير، ولكنها مستحبة في نفسها عند حصول أسبابها، كما
~~يستفاد من الإطلاقات، ويقتضيه الخروج عن الخلاف وطريقة الاحتياط فيما
~~تعارضت فيه الأدلة، وخصوص الأخبار، مثل صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله،
~~عن الصادق عليه السلام: عن الرجل يواقع أهله، أينام على ذلك؟
# قال: " إن الله يتوفى الأنفس في منامها، ولا يدري ما يطرقه من البلية،
~~إذا فرغ فليغتسل " (1).
# وجعلها بعضهم مؤيدة للوجوب النفسي (2)، وهو باطل، لاجماع الفريقين على
~~عدم الوجوب حينئذ.
# وأما عموم ما دل على حسن التطهر، مثل قوله تعالى: * (إن الله يحب
~~التوابين
# PageV01P253
# ويحب المتطهرين) * (1) و " المؤمن معقب ما دام متطهرا " (2) ونحو ذلك،
~~فلا يدل إلا على استحباب الكون على الطهارة، هو غير ما نحن فيه كما مرت
~~الإشارة إليه.
# ويستحب أيضا لكل مندوب مشروط بالطهارة، صحة أو كمالا، كالصلاة، والطواف،
~~ومس كتابة القرآن، وقراءته، ودخول المساجد، وغيرها مما مر في الوضوء مما
~~استحب فيه الوضوء للمحدث بالحدث الأصغر، إما من جهة أن دليله ثمة كان يقتضي
~~استحباب مطلق الطهارة، أو لكون الغسل مجزئا عن الوضوء في غيرها، سواء كان
~~منفردا كغسل الجنابة، أو مع الوضوء كغسل الحيض.
# لا يقال: إن الشرط حينئذ هو الوضوء، فأين استحباب الغسل.
# لأنا نقول: حدث الحيض مثلا مناقض للوضوء، فلا يجدي الوضوء فقط، فهذه
~~الأغسال لا تشرع إلا مع حصول الأحداث الموجبة لها، المانعة عن المشروطات.
# ويظهر من المعتبر في مواضع متعددة استحباب أصل الغسل وإن لم يحصل له سبب
~~من الأسباب المتقدمة، ولا مما يجئ. والظاهر أنه كان من المسلمات عند
~~الفقهاء، فهو - رحمه الله - كثيرا ما يطعن في سند الروايات الواردة في
~~الأغسال الآتية، ويعتمد على أن فعل الغسل خير (3).
# وصرح بذلك في المنتهى أيضا (4)، وكذلك الشهيدان (5)، ولا بأس بمتابعتهم. ms0100
# ولكن الظاهر أنه لا يجزئ عن الوضوء، ولا يرفع الحدث. ويجئ على القول
~~بإجزاء مطلق الغسل عن الوضوء الاكتفاء به، وقد عرفت أن المذهب
# PageV01P254
# هو الأول.
# وهناك أغسال أخر لا تتوقف مشروعيتها على الحدث، بل تستحب للمتطهر وغيره
~~(1):
# منها: غسل الجمعة على المشهور، بل الظاهر عدم الخلاف، فإن نسبة القول
~~بالوجوب إلى الصدوق، أو هو مع أبيه (2)، إنما تتم لو كان المراد من الوجوب
~~في كلامه هو المصطلح الآن، وهو غير معلوم، سيما ويستفاد من أماليه أنه جعل
~~من دين الإمامية الإقرار بأنه ليس بفريضة (3)، فكيف يقول هو بوجوبه، أو كيف
~~يقول هذا مع كون أبيه قائلا بالوجوب؟
# وكيف كان فالمتبع هو الدليل، والأصل عدم الوجوب، والأخبار متعارضة في
~~إطلاق السنة والوجوب، ودعوى ثبوت الحقيقة الشرعية فيهما متصادمة،
~~فيتساقطان، ويبقى الأصل سليما.
# مع أن في أدلة المشهور من الأخبار قرائن جلية تدل على إرادة السنة
~~بالمعنى المصطلح، بل بعضها واضحة الدلالة على ذلك، مثل رواية علي بن أبي
~~حمزة، عن الصادق عليه السلام: عن غسل العيدين أواجب هو؟ فقال عليه السلام:
~~" هو سنة " قلت: فالجمعة؟ قال: " هو سنة " (4).
# PageV01P255
# ومثل ما دل على أن صلاة النافلة متممة صلاة الفريضة، وصيام النافلة متمم
~~صيام الفريضة، وغسل الجمعة متمم وضوء الفريضة (1)، وفي موضع آخر من التهذيب
~~" متمم وضوء النافلة " (2) إلى غير ذلك من الأدلة والأمارات.
# وأما ما دل على الوجوب، فنمنع ثبوت الحقيقة الشرعية في الوجوب.
# وأما ما اشتمل على الأمر وكلمة " على " فلا يبقى " مع كون غسل الجمعة
~~معدودا فيها في عداد المستحبات، ومنضما إلى فهم الأصحاب وطرحهم تلك الأخبار
~~مع كثرتها " وثوق في الدلالة على الوجوب.
# ويؤيد ذلك أنه من الأمور العامة البلوى، التي يحتاج إليها الرجال والنساء
~~في كل أسبوع، فمن البعيد اختفاء أمر الوجوب فيه لو كان ثابتا، ولكان الناس
~~يلتزمونه، سيما الصلحاء والعلماء، وقد ترى خلافه.
# ووقته ما بعد الفجر، فلا يجزئ قبله، للاجماع، ولإضافته إلى اليوم الظاهر
~~في النهار في الأخبار.
# وأما بعد الفجر، فيجزئ للاجماع والأخبار ms0101 المعتبرة، وسنصرح ببعضها.
# ويمتد وقته إلى الزوال على المشهور، المدعى عليه الاجماع من المحقق
~~والشهيد والشيخ في الخلاف (3)، ولكنه في موضع من الخلاف قال: إلى أن يصلي
~~الجمعة (4)، فيحتمل مخالفة المشهور وعدمه، بناءا على أن الغالب الإتيان
~~بالجمعة أول الزوال.
# مع احتمال أن يكون الاجماع المدعى وفتوى المشهور أيضا على ذلك، وذكرهم
# PageV01P256
# ما قبل الزوال من باب الغالب أيضا، فلم يلتفتوا إلى حكم النادر.
# وأما الأخبار، ففي حسنة زرارة: " وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال، فإذا
~~زالت فقم " (1) وفي موثقة عمار: عن الرجل ينسى الغسل حتى صلى، قال: " إن
~~كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة " (2) وفيه شئ، وهناك روايات أخر
~~دالة بظاهرها على ذلك، ذكرناها في المناهج.
# والأحوط ترك نية الأداء والقضاء قبل صلاة الجمعة، بل قبل صلاة الظهر
~~أيضا، لاطلاق الصلاة.
# وأما بعدهما فلا تجوز نية الأداء، للاجماعات المنقولة، وظواهر الأخبار
~~الكثيرة.
# وكلما قرب من الزوال كان أفضل، للحسنة المتقدمة وغيرها.
# ولو فاته الغسل قبل الزوال، فالمشهور أنه يقضي بعد الظهر أو يوم السبت،
~~لموثقة سماعة (3)، وموثقة عبد الله بن بكير (4)، وغيرهما من الأخبار. وعن
~~ظاهر الأكثر استحباب القضاء ليلة السبت أيضا، وهو مشكل. نعم إذا خاف عدم
~~التمكن يوم السبت فلا بأس به، اتباعا لهم.
# وفي الفقه الرضوي إلحاق سائر أيام الأسبوع (5)، ولم نقف على عامل بذلك.
# والمشهور استحباب تعجيله يوم الخميس لخائف عوز الماء يوم الجمعة. وعمم
# PageV01P257
# جماعة الحكم في خائف فوت الأداء (1)، والرواية لا تدل إلا على الأول، ولا
~~بأس بمتابعتهم.
# وألحق الشيخ بالخميس ليلة الجمعة، ناقلا عليه الاجماع (2).
# وتستحب الإعادة لمن وجد الماء يوم الجمعة، لاطلاق الأخبار.
# وأما لو وجده بعد الزوال إلى آخر السبت فإشكال. وإن أمكن القول به، لكون
~~دليل القضاء أقوى من دليل التقديم، ولاطلاقه.
# ومنها: غسل العيدين الفطر والأضحى، بلا خلاف من العلماء كافة، كما في
~~المعتبر والمدارك (3)، للصحاح وغيرها (4).
# وقته بعد الفجر، لتعليقه على اليوم، الظاهر في النهار، وفي قرب الإسناد
~~رواية مصرحة بعدم الاجزاء قبل الفجر (5).
# وظاهر ms0102 الإطلاقات وصريح بعض الأصحاب امتداده بامتداد اليوم (6)، وقال في
~~المنتهى: إنه يتضيق عند الصلاة (7)، وقال في الذكرى: إنه ظاهر الأصحاب،
~~تخريجا من تعليل الجمعة أنه إلى الصلاة، أو إلى الزوال الذي هو وقت صلاة
~~العيد (8).
# أقول: ويظهر ذلك من الروايات - وليس مستنده محض التخريج - مثل موثقة
# PageV01P258
# عمار (1)، وما رواه الصدوق في العلل والعيون في علة الغسل (2)، وهو صريح
~~فقه الرضا عليه السلام (3).
# ومنها: ليلة الفطر، لرواية الحسن بن راشد (4).
# وأما ليلة الأضحى، فلم نقف على قول بها، ولا مستند. وفي الإقبال: وروي
~~أنه يغتسل قبل الغروب إذا علم أنها ليلة العيد (5). وهو ظاهر في الفطر.
# ومنها: يوم عرفة، للاجماع (6)، والروايات المعتبرة (7).
# ومنها: يوم التروية، لصحيحة محمد بن مسلم وغيرها (8).
# ومنها: يوم الغدير، للاجماع المنقول في التهذيب (9)، ورواية علي بن
~~الحسين العبدي، وغيرها (10).
# ومنها: يوم المباهلة، والمشهور أنه الرابع والعشرون من ذي الحجة، وقال في
~~المعتبر: الخامس والعشرون (11).
# وفي الروايات ليس إلا المباهلة، سوى ما ذكره في المعتبر في نقل رواية
~~سماعة،
# PageV01P259
# قال: " غسل يوم المباهلة واجب " (1) والمراد تأكد الاستحباب، ولكنها على
~~ما رواه الشيخ بدون لفظ " اليوم ".
# ويحتمل الاستحباب لنفس المباهلة كما في صحيحة أبي مسروق (2).
# ومنها: يوم السابع عشر من ربيع المولود.
# ومنها: يوم دحو الأرض، الخامس والعشرون من ذي القعدة، ولم نقف على
~~مستندهما، وتكفي الشهرة.
# ومنها: يوم المبعث، السابع والعشرون من رجب، وليلة النصف منه. وفي
~~الإقبال نقل الرواية على استحباب الغسل في أول رجب ووسطه وآخره (3).
# ومنها: يوم النيروز، لرواية معلى بن خنيس (4).
# والأقوى أنه يوم حلول الشمس في برج الحمل، وقيل: عاشر أيار. وقيل:
# تاسع شباط. وقيل: أول يوم من فروردين القديم الفارسي (5).
# والمشهور المعروف الآن بحيث لم يوجد مخالف هو ما ذكرناه، وهو المعنى
~~المنصرف إليه في العرف، وهو المحكم، وله شواهد من العقل والنقل ذكرها ابن
~~فهد - رحمه الله - في المهذب (6).
# ومنها: ليلة النصف من شعبان، لرواية أبي بصير وغيرها (7).
# ومنها: غسل فرادى ليالي رمضان، نقل بها الرواية في الإقبال (8). وفي كثير
# PageV01P260
# منها ms0103 بالخصوص روايات أخر في الكتب المشهورة (1).
# بل في غير الفرادى أيضا، كالرابع والعشرين بالخصوص (2).
# ويتأكد في أول ليلة وليلة النصف منه، وسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى
~~وعشرين، وثلاثة وعشرين، بل فيها غسلان، في طرفيها.
# وفي حسنة زرارة وفضيل: أن الغسل في شهر رمضان عند وجوب الشمس قبيله (3)،
~~ثم يصلي، ثم يفطر (4).
# روى في الإقبال الغسل في جميع ليالي العشر الآخر (5).
# ومنها: غسل القاضي صلاة الكسوفين إذا تركها متعمدا مع الاستيعاب على
~~الأشهر، لصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام، قال: " الغسل في سبعة
~~عشر موطنا - إلى أن قال - وغسل الكسوف، إذا احترق القرص كله فاغتسل " (6).
# وكذلك صحيحة حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن الصادق عليه السلام قال: " إذا
~~انكسف القمر فاستيقظ الرجل ولم يصل، فليغتسل من غد، وليقض الصلاة، وإن لم
~~يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر، فليس عليه إلا القضاء بغير غسل " (7).
# وربما يقال باتحادها مع صحيحة محمد بن مسلم وما رواه الصدوق مرسلا عن
# PageV01P261
# الباقر عليه السلام (1).
# وسياق هذه الروايات ينافي حمل الأمر وما في معناه على الوجوب، سيما مع
~~فهم الأكثر خلافه، وجعل الصدوق من دين الإمامية الإقرار بعدم وجوبه (2).
# وذهب طائفة من المتأخرين إلى استحباب الغسل للأداء أيضا (3)، لظاهر صحيحة
~~محمد بن مسلم، وربما مال بعضهم إلى الوجوب (4).
# وقد عرفت ضعف الدلالة على الوجوب، وأما الأداء ففيه: أن ذلك مسامحة
~~باعتبار المعهودية، وفهم الأصحاب قرينة على إرادة القضاء، مع أن الظاهر أنه
~~سقط منها شئ، بدليل أن الصدوق رواها بسند حسن كالصحيح في الخصال بأدنى
~~تغيير، وفيها: " إذا احترق القرص كله فاستيقظت ولم تصل فاغتسل واقض الصلاة
~~" (5) ورواه في الفقيه والهداية أيضا موافقا للخصال (6). ولذلك لم يتعرض
~~القدماء لغسل الأداء.
# مع أنه يستلزم تأخير الواجب ليحصل العلم باستحباب الغسل إذا اطلع في أول
~~الاحتراق. وربما يفوت الواجب لو قلنا بفواته بالشروع في الانجلاء أو تقديم
~~المستحب مع عدم العلم بالتمكن من الواجب لو اطلع بعد الاحتراق.
# وحمل الرواية على صورة حصل العلم له بالتمهر في النجوم ms0104 ونحوه بالتمكن فرض
~~نادر.
# PageV01P262
# ويظهر مما نقل عن المفيد والسيد الغسل لقضاء مطلق الكسوف (1)، وهو خلاف
~~مقتضى الأخبار، فإنها لا تقتضي إلا صورة احتراق الجميع.
# ويظهر من ابن إدريس دعوى الاجماع على خلافه، ولعله حمل إطلاق كلامهما على
~~احتراق الجميع (2).
# وأيضا يظهر من الصدوق في الأمالي القول باستحباب الغسل في صورة احتراق
~~القرص كله، وإن لم يعلم به الرجل (3). ودليله أيضا غير ظاهر، ولا بأس
~~بمتابعته.
# ومنها: غسل الإحرام على المشهور، ويظهر من الشيخ في التهذيب الاجماع على
~~الاستحباب (4)، وكذلك من المفيد في المقنعة عدم الاختلاف في أنه سنة مؤكدة
~~(5)، وفي الأمالي أنه من دين الإمامية (6).
# وقيل بالوجوب (7)، ويظهر من السيد - رحمه الله - أن القائل به كثير (8).
# وكيف كان، فالأقوى الاستحباب، للأصل، ولظاهر الاجماعات المنقولة، وذكره
~~في الأخبار في عداد المستحبات وإن حكم فيها بوجوبه، لاشتراكه بينه وبين
~~سائر الأغسال المستحبة، وكذلك ما في معنى الوجوب، والأحوط أن لا يترك.
# ومنها: الغسل للطواف والحلق والذبح ورمي الجمار، كما سيجئ في محله.
# ومنها: غسل التوبة عن فسق أو كفر.
# PageV01P263
# والمراد بالفسق: هو ارتكاب الكبيرة، وإن كان بالاصرار على الصغيرة، ولذلك
~~قال في المقنعة: وغسل التوبة من الكبائر (1)، والرواية أيضا لا تفيد إلا
~~ذلك.
# وبالجملة الفسق مقابل العدالة، ولا يصدق بمجرد فعل الصغيرة، كما سيجئ،
~~فلا يحسن حمل كلام الفقهاء على خلاف الظاهر. هذا إن لم نقل بأن ترك الكبائر
~~مكفر للصغائر، وإلا فالأمر أظهر.
# والرواية التي استدلوا بها: ما رواه الكليني في الموثق، عن الصادق عليه
~~السلام: في حكاية دخول رجل على الصادق عليه السلام وسؤاله عن استمراره على
~~استماع غناء الجواري المغنيات التي كانت لجيرانه وصوت عودهن في الكنيف (2).
~~ولو لم نقل بكون سماع الغناء من الكبائر فيكفي كونه مصرا عليه، وإلا فقول
~~الزور ولهو الحديث مفسر بالغناء (2)، فيكون من الكبائر. وفي بعض الأخبار:
# " إن تعليم المغنيات كفر واستماعهن نفاق " (4).
# وأما الغسل للتوبة عن الكفر، فيظهر الاجماع عليه من الفاضلين (5)، ونقل
~~في البحار عن كتاب سلام بن أبي عمرة، عن ms0105 الباقر عليه السلام ما يدل عليه
~~(6).
# وحمل الروايتين على الاستحباب مع كونهما ظاهرتين في الوجوب للأصل،
~~والإجماع.
# PageV01P264
# ومنها: غسل زيارة النبي والأئمة عليهم السلام، للروايات الكثيرة في خصوص
~~النبي صلى الله عليه وآله (1)، وأمير المؤمنين (2)، والحسين (3)، وعلي بن
~~موسى الرضا عليهم السلام (4). وفي كامل الزيارة للكاظمين والعسكريين عليهم
~~السلام (5)، وما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة يشملهم جميعا (6). مع أن
~~في فلاح السائل عن مدينة العلم روى عن الصادق عليه السلام غسل الزيارة
~~مطلقا (7).
# ومنها: غسل دخول مكة، والكعبة، والحرم، والمسجد الحرام، والمدينة، ومسجد
~~النبي صلى الله عليه وآله، وكلها مستفادة من الأخبار (8).
# ومنها: الغسل للسعي إلى رؤية المصلوب بعد ثلاثة أيام عمدا مع حصول
~~الرؤية، لما رواه الصدوق مرسلا: " إن من قصد إلى مصلوب فنظر إليه وجب عليه
~~الغسل عقوبة " (9).
# وقيل بالوجوب (10)، وضعف المستند يمنعه.
# وتقييدهم بما بعد ثلاثة أيام لم نقف على مستنده.
# وعن الأكثر تعميم المصلوب لما كان بحق أو باطل، وعلى النهج الشرعي - من
~~ربطه بالشجرة مستقبل القبلة - أو غيره، وهو مقتضى الإطلاق.
# PageV01P265
# ومنها: غسل قتل الوزغة على المشهور، لما رواه في الفقيه (1) والكافي، ففي
~~الكافي عن الصادق عليه السلام قال: " هو رجس، وهو مسخ كله، فإذا قتلته
~~فاغتسل " (2).
# ومنها: غسل المولود حين يولد، وقيل بوجوبه (3)، لما في رواية سماعة: "
~~أنه واجب " (4) وفيه: أنه محمول على الاستحباب كنظائره في تلك الرواية،
~~وغيرها.
# ومنها: الغسل لصلاة الحاجة والاستخارة والاستسقاء، للروايات (5). والوجوب
~~في بعضها محمول على الاستحباب للاجماع.
# ومنها: الغسل لمس الميت بعد غسله، لصحيحة محمد بن مسلم (6).
# وقد ذكروا مواضع أخر لم نعرف مستند أكثرها، فعن ابن الجنيد: لكل مشهد أو
~~مكان شريف، أو يوم وليلة شريفة، وعند ظهور الآثار في السماء، وعند كل فعل
~~يتقرب به إلى الله ويلجأ فيه إليه (7).
# وعن الشيخ في التهذيب: لمن مات جنبا، مقدما على غسل الميت، لخبر العيص
~~(8).
# PageV01P266
# وعن ابن زهرة: لصلاة الشكر (1)، وعن المفيد في الإشراف: لمن أهريق عليه
~~ماء مظنون النجاسة (2).
# وفي فلاح السائل: لأخذ التربة من ضريح الحسين ms0106 عليه السلام في بعض
~~الروايات (3)، وقال فيه: ورأيت في بعض الأحاديث من غير كتاب مدينة العلم: "
~~إن مولانا عليا عليه السلام كان يغتسل في الليالي الباردة طلبا للنشاط في
~~صلاة الليل " (4).
# تنبيهان:
# الأول: يؤتى كل ما يستحب للزمان، فيه. وما للمكان، قبل دخوله. وما للفعل
~~قبله، إلا التوبة، ورؤية المصلوب، وقتل الوزغ.
# والظاهر من أبي الصلاح أن غسل الكسوف أيضا لكفارة معصية (5)، وإن جعل
~~للقضاء فيكون قبله.
# ودلالة ما ورد في التوبة وإن كانت خفية، إلا أن الأصحاب أفتوا بذلك، بحيث
~~لا نعرف فيهم مخالفا، ولعله لكون التوبة فورية، والرواية أيضا لا تنافيه
~~كما لا يخفى على المتأمل.
# والثاني: الأقرب إعادة غسل الفعل بتخلل الحدث، وما للوقت كفاه وإن أحدث،
~~وصرح بذلك العلامة (6) والشهيد (7).
# PageV01P267
# ولا بد من تقييده بما كان قبل الفعل مما كان للفعل. وما ذكرنا مقتضى
~~إطلاق الأدلة، وخصوص الأخبار في بعضها، كالطواف، ودخول مكة، والإحرام،
~~وغيرها.
# الثاني: إذا اجتمع على المكلف أغسال، فإما أن تكون واجبة، أو مستحبة، أو
~~مختلفة. وعلى أي تقدير، فهل يكفي غسل واحد مطلقا، أو بنية الجميع، أو تكفي
~~نية (1) البعض مطلقا، أوفي خصوص البعض؟ وجوه وأقوال، وسنفصلها.
# والذي يقتضيه الأصل هو عدم التداخل، كما هو ظاهر كثير من الأصحاب، فإن
~~الظاهر من الأمر: هو وجوب الامتثال، وهو لا يتم إلا بالقصد، لأن الموافقة
~~الاتفاقية لا تعد امتثالا، وامتثال أحد الأمرين المتماثلين لا يسمى امتثالا
~~للآخر، كما يشهد به العرف والعادة، والأصل عدم الخروج عن عهدة التكليف إلا
~~بإتيانها على حدة.
# ولا ريب أن الماهيات كما تتمايز بالأجزاء الخارجية أو الذهنية الموجبة
~~لمغايرتها للأخرى، كذلك تتمايز بالقصد والنية فيما لا تختلف أجزاؤها،
~~كركعتي الفجر ونافلتها وفائتتها.
# ولا ريب أن المميز هو النية.
# فالاتيان بأحد المتماثلين لا يجزئ عن الآخر بحكم العرف والعقل والشرع.
# وكفاك قوله عليه السلام: " إنما الأعمال بالنيات " (2) وما في معناه، وكل
~~ما يدل على التداخل في الأخبار كما سيأتي أيضا يدل على المغايرة كما بينا،
~~وكذلك مثل ما ورد في ms0107 الأخبار: " من أن غسل الجنابة واجب وغسل الحيض واجب
~~وغسل المس واجب " ونحو ذلك، سيما بعد التأمل في مواردها، والفرق في
~~مشروطها، واختلافها في رفع الأحداث، وضعفها وقوتها، كما يظهر من الأخبار،
~~فهو
# PageV01P268
# اسقاط، لا امتثال لكل واحد.
# فما قيل: " من أن الظاهر أن الأمر بشئ من جهة أسباب مختلفة يقتضي جواز
~~الاكتفاء بواحد، لأن المطلوب هو المسمى، فيصدق الامتثال بذلك " (1) فهو
~~بمعزل عن التحقيق.
# نعم إن ثبت دليل من الشرع على سقوط التكليف بالمتعدد بفعل واحد فهو
~~المتبع، والامتثال حينئذ إنما هو لهذا الدليل، لا للأوامر المتعددة بتعدد
~~الأسباب.
# وذلك لأن علل الشرع من قبيل المعرفات، بمعنى أنها علة حصول العلم بالشئ
~~لا وجوده، فلا يستحيل اجتماعها على معلول واحد، وإن كان ذلك يخالف فهم
~~العرف واللفظ.
# ثم إن كانت الأغسال واجبة، فإن كان فيها الجنابة، فإن قصد الجميع، فيكفي
~~غسل واحد. وظاهرهم الاتفاق على ذلك، وحسنة زرارة بل صحيحته ناطقة به، قال:
~~" إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة وعرفة والنحر والحلق
~~والذبح والزيارة، فإذا اجتمعت لله عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد " قال ثم
~~قال: " وكذلك المرأة يجزئها غسل واحد لجنابتها وإحرامها وجمعتها وغسلها من
~~حيضها وعيدها " (2).
# ورواية جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليه السلام، أنه قال: " إذا
~~اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه في ذلك
~~اليوم " (3).
# وصحيحة زرارة، عن الباقر عليه السلام: ميت مات وهو جنب، كيف يغسل، وما
~~يجزئه من الماء؟ قال: " يغسل غسلا واحدا، يجزئ ذلك للجنابة ولغسل الميت،
# PageV01P269
# لأنهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة " (1).
# والأخبار الكثيرة الواردة في إجزاء غسل واحد لجنابة المرأة وحيضها (2).
# وظاهرهم سقوط الوضوء، فإن كان إجماعا فهو، وإلا ففيه الإشكال.
# وإن نوى البعض، فإن كان هو الجنابة، فالمشهور أيضا الاجزاء، وادعى عليه
~~ابن إدريس الاجماع (3)، وتدل عليه الأخبار المتقدمة، وإن كان يمكن المناقشة
~~في صحيحة زرارة، فإنها في قصد الجميع أظهر، وتكفي رواية جميل وغيرها.
# وما قيل: إن النسبة ms0108 بينها وبين ما دل على وجوب الغسل على الحائض مثلا
~~عموم من وجه، فإن مقتضى المذكورات كفاية غسل واحد سواء اغتسلت للحيض أم لا،
~~ومقتضى ذلك وجوب الغسل على الحائض سواء كانت معه جنابة أم لا، وهذه أقوى
~~لأوضحيتها (4).
# ففيه: أن ما دل على وجوب غسل الحيض أعم مطلقا، لأن مقتضاها بناءا على ما
~~حققناه " من اقتضاء الأمر قصد خصوص الامتثال له، وعدم كفاية مطلق المماثل "
~~منضما إلى إطلاقها: وجوب الغسل للحيض منفردا في جميع الأوقات، والغسل بقصد
~~الغير أو بتشريكه مباين له، فكفاية المباين عنه في بعض الأوقات كما هو
~~مقتضى هذه الأخبار تقيدها وتخصصها. هذا كله إذا لم يقصد عدم رفع غير
~~الجنابة.
# وأما لو قصد عدم رفعه ففيه إشكال، وأدرجه بعضهم في عموم الأخبار وفيه
~~إشكال، اللهم إلا أن يقصد بذلك تعدد الغسل - بناءا على كون التداخل رخصة
# PageV01P270
# لا عزيمة كما سنحققه - بدا له الترك أو لم يتيسر له، فلا يبعد حينئذ
~~الاجزاء به، مع إشكال فيه أيضا.
# والكلام في الوضوء هنا مثل السابق، إلا أن الاجزاء هنا أظهر، لكونه غسل
~~جنابة.
# وإن كان المنوي غير الجنابة، فقد نفى الفاضلان وغيرهما البحث والإشكال في
~~الاجزاء على قول السيد، واستشكلوا على المشهور في إجزاء الغسل فقط، ثم
~~استشكلوا بعد الوضوء أيضا (1).
# وظني أن الفرق بين المذهبين مما لم يدل عليه دليل، ولعلهم نظروا إلى
~~مغايرة الأغسال حينئذ من جهة توهم كون الوضوء من متممات الغسل في غير
~~الجنابة، وقد حققنا سابقا خلافه، فلا منافاة بين إجزاء غسل الحيض عن
~~الجنابة مع وجوب الوضوء، فإن غاية ما ثبت سقوط الوضوء عن الأحداث الموجبة
~~له إذا اغتسل غسل الجنابة، وأما سقوطه إذا اغتسل ما يسقط غسل الجنابة فلا
~~برهان عليه. فظهر من ذلك أن الأظهر عدم سقوط الوضوء.
# وبالجملة فكلماتهم في المسألة مضطربة غير منقحة.
# وذهب جماعة من المتأخرين إلى الاجزاء، لصدق الامتثال (2).
# وأدلتهم المذكورة من الطرفين متهافتة، فمما يمكن أن يعتمد عليه من جانب
~~العدم: أصالة عدم التداخل، ومن ms0109 جانب الثبوت الأخبار. ودلالة الأخبار غير
~~واضحة، إذ ظاهر أكثرها قصد الجميع، وظاهر بعضها كفاية قصد
# PageV01P271
# الجنابة فقط.
# مع أن ظاهر موثقة سماعة عن الصادق والكاظم عليهما السلام، قالا في الرجل
~~يجامع المرأة فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة، قالا: " غسل الجنابة عليها
~~واجب " (1) لزوم قصد الجنابة إن لم نقل بإفادتها وجوب الانفراد.
# ويظهر من ابن إدريس أيضا أن عدم الاجزاء أيضا إجماعي (2).
# فلم يثبت ما يعتمد عليه في الخروج من الأصل، فالأحوط بل الأظهر عدم
~~الاجزاء. فلا بد إما من قصد الجميع أو الجنابة.
# واعلم أن ظاهرهم الاجزاء عن الحدث المنوي، وإنما الإشكال في غيره. وهو
~~كذلك، لعدم المنافاة، فعدم الدخول في المشروط إنما هو لبقاء الجنابة، لا
~~لعدم رفع الحدث المنوي، وهو مقتضى كون التداخل رخصة لا عزيمة كما سيجئ،
~~ومقتضى كون مقتضى الأمر الاجزاء وغيره.
# وإن لم يكن في جملتها غسل الجنابة، فقال في شرح الدروس: الظاهر من كلام
~~القوم إطباقهم على جواز التداخل، سواء نوى الجميع أو البعض، أو اكتفى برفع
~~الحدث، أو الاستباحة (3).
# وهذه الدعوى مشكلة، فإن الشهيد في البيان قطع بعدم تداخل غسل المستحاضة
~~المستمرة (4)، وفي الذكرى جعله أحوط لبقاء الحدث (5).
# ولعله نظر إلى أن إجزاء التداخل إنما هو من جهة رفع الحدث الذي هو مشترك
# PageV01P272
# بينها، وهو غير متحقق في المستحاضة المستمرة. وأنت خبير بأن الرفع
~~المحدود أو الاستباحة حاصلة، فيكفي في ذلك على ما ذكر.
# والتحقيق: أنه إن قصد الجميع فيكفي مطلقا، لقوله عليه السلام: " إذا
~~اجتمعت لله عليك حقوق " (1) الظاهر في قصد الجميع، وإلا فلا، لأصالة عدم
~~التداخل.
# وإن كانت الأغسال مستحبة، فالعلامة في المنتهى وجماعة من المتأخرين على
~~الاكتفاء بغسل واحد (2)، وفي القواعد والتحرير والإرشاد على العدم (3)،
~~وتبعه الشيخ علي (4)، وهو ظاهر الدروس (5).
# وفصل في المعتبر بالاجزاء إن نوى الجميع، وبالاختصاص بالمنوي لو نوى
~~البعض (6). وتبعه الشهيدان في ظاهر الذكرى وصريح روض الجنان (7).
# وهو الأقرب، لعموم قوله عليه السلام: " إذا اجتمعت " الظاهر في قصد
~~الجميع ولأصالة عدم التداخل في غيره. ms0110
# ويكفي القصد الاجمالي وإن لم يلتفت إليها تفصيلا ولم يتفطن لها أصلا،
~~ولكن لا بد أن يكون من حاله أنه لو تفطن لقصد.
# وتظهر أدلة القولين الآخرين وجوابهما مما سبق.
# ويظهر منهم أيضا نفي الإشكال على قول المرتضى، وفيه ما مر، مع أن بعضهم
~~صرح بأن المراد من المندوبات التنظيف (8)، فينوب ذلك عن رفع الحدث في
# PageV01P273
# الواجبات، فيلزمهم الاكتفاء على المشهور أيضا.
# وإن اختلفت الأغسال، فقيل بعدم التداخل مطلقا (1)، وقيل به مطلقا (2)،
~~وقيل إن نوى الجميع أو الواجب فيكفي وإلا فلا (3). نقله الشهيد الثاني عن
~~جماعة، وقال: لا يخلو من إشكال، لتضاد الوجه واعتبار نية السبب. وقيل
~~بكفاية قصد الجميع دون غيره (4)، وهو أقوى لما مر مرارا.
# وأما حكاية تضاد الوجه فلا يضر على ما حققناه في الأصول من جواز اجتماع
~~حكمين متضادين مع تعدد الجهة والحيثية، ورواية زرارة وغيرها من أعظم
~~الشواهد على صحة ما حققناه.
# وقد اضطرب كلامهم في توجيه المقام، ولم يأتوا بشئ يرجع إلى محصل، وقد
~~فصلناه في كتابنا الكبير.
# ولا تبعد كفاية قصد الجنابة لو كان فيها أيضا، لمرسلة جميل (5)، وإن أمكن
~~المناقشة في أن اللزوم فيها ظاهر في الوجوب.
# وأما لو نوى الجمعة فقط مثلا، أو الواجب فقط، فالظاهر أنهما مجزئتان عن
~~أنفسهما، لحصول الامتثال. وأما لو اغتسل ولم ينو شيئا فلا يجزئه عن شئ.
# وقد يستدل على التداخل في هذا القسم بما رواه الصدوق مقطوعا مرسلا: " إن
~~من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان عليه أن يغتسل
~~ويقضي صلاته وصومه، إلا أن يكون قد اغتسل للجمعة، فإنه يقضي صلاته
# PageV01P274
# وصيامه إلى ذلك اليوم، ولا يقضي إلى ما بعد ذلك " (1).
# ولا يمكن الاعتماد على ذلك في إثبات حكم مخالف للأصول والأخبار، سيما
~~المتواتر من قولهم عليهم السلام: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما
~~نوى " (2) وغيرهما.
# مع أن فيها ما يخالف الأصحاب من لزوم قضاء الصوم مع نسيان الغسل.
# تنبيهات:
# الأول: إن تداخل العلل قد يتصور في الغايات، وقد ms0111 يتصور في المبادئ، وقد
~~تشتبه الغايات والمبادئ في الأغسال المستحبة، ويمكن أن يجعل مثل نقص
~~الطهارات الواجبة علة لاستحباب غسل الجمعة، كما يستفاد من بعض الأخبار (3)،
~~والتطهر في اليوم أو حضور الصلاة أو جماعة المسلمين غاية، ومثل الحدث
~~الموهوم والجنابة الموهومة علة، والتطهر في اليوم غاية لمثل العيد وغيره،
~~وهكذا.
# فإن تعددت العلة واتحدت الغاية، فإن اتفقت - كاحتلامات وصلاة - فتتداخل
~~بالاجماع. وتنبه عليه الأخبار المتقدمة. لكن المتيقن هو ما لو نوى الجميع
~~أو الجامع بينها، كمطلق الحدث المانع. ومثله جماع واحتلام.
# وفيما لو نوى رفع أحدهما مع نفي الغير إشكال.
# وإن اختلفت كحيض وجنابة، أو حيض وجمعة، أو عيد وجمعة، فقد مر حكمه مفصلا.
# PageV01P275
# وإن اتحدت العلة وتعددت الغاية، فالظاهر أنه لا خلاف في التداخل أيضا،
~~سيما إذا نوى الجميع أو الجامع بينها، سواء اتفقت كصلاتين، أو اختلفت كصلاة
~~وطواف. ومما ذكر يظهر حكم ما لو تعددتا.
# واعلم أن الكلام في تداخل الوضوء غير محرر في كلامهم، وتجري فيه
~~الاحتمالات المذكورة، فإن تعددت العلة واتحدت الغاية فيتداخل بلا خلاف، ولا
~~فرق بين المتفقة والمختلفة هنا، ويدل عليه الاجماع، وظهور أن المراد هو رفع
~~الحدث.
# وإذا اتحدت العلة وتعددت الغاية، فإما أن تكون كلها واجبة، أو مندوبة، أو
~~مختلفة، والظاهر هو عدم الخلاف في التداخل في الأول.
# وأما الثالث، فالمشهور عدم استحباب الوضوء حين اشتغال الذمة بالواجب، وقد
~~مر أن التحقيق خلافه، فلا يبعد القول بالتداخل إذا نوى الجميع أو الجامع
~~بينها أيضا.
# وأما الثاني، فإنما يتصور فيما لو كانت الغايات مشروطات برفع الحدث، إما
~~صحتها أو كمالها، أو فيما لم يكن المطلوب فيها رفع الحدث أصلا، كجماع
~~الحامل، ووطء جارية بعد أخرى، وجماع المحتلم، ونحوها، لو أمكن تصوير تعدد
~~الغاية مع اتحاد العلة في هذا القسم.
# وما الأول فالظاهر فيها التداخل، ويظهر وجهه ووجه أكثر ما تقدم مما مر في
~~تداخل الأغسال، وفي أوائل مباحث الوضوء.
# وأما الثاني فالظاهر فيه عدم التداخل، للأصل، وعدم الدليل. ودلالة العلة
~~المنصوصة في غسل ms0112 الميت المتقدمة غير واضحة.
# وفي التأمل فيما ذكر يظهر حال ما لو تعددت العلة والغاية معا مطلقا. ومن
~~فروضه ما لو نام بعد جماع جارية واحتلم، ثم أراد وطء جارية حامل أخرى.
# الثاني: الحق أن التداخل رخصة لا عزيمة، للأصل، ولدلالة الأخبار، فإن
~~PageV01P276
# الأغسال تكليفات متغايرة كما حققنا، وكل منها يوجب امتثالا.
# غاية ما ثبت من الأخبار إجزاء غسل واحد عن الجميع، وهو لا ينفي جواز
~~الغير، بل ظاهره استحباب العدم، فإن الظاهر من الاجزاء هو أقل الواجب، كما
~~في الاستنجاء بالأحجار. مع أن أفضل الطاعات أحمزها. ولأنه ربما تفوت
~~الفضيلة كما في تقديم غسل الجمعة في أول الفجر. ولأنه محصل للاحتياط للخروج
~~عن الخلاف، وعن مخالفة الأخبار المتواترة بالمعنى من أن الأعمال بالنيات
~~وغير ذلك، وهو الظاهر من الأصحاب. وممن صرح به الفاضل الأردبيلي رحمه الله
~~(1).
# وحكم بعض المتأخرين بكونه عزيمة (2)، حيث توهم أن المطلوب هو المسمى،
~~وبعد حصول الطبيعة يحصل الامتثال، والأمر يقتضي الاجزاء، فلا يبقى أمر
~~وتكليف، فإتيانه ثانيا بدعة.
# ويظهر فساده مما تقدم. مع أن البدعة هو إدخال ما ليس من الدين في الدين
~~بقصد أنه من الدين، لا إتيان ما يحتمل كونه منه برجاء الثواب، فسبيل
~~الاحتياط على هذا القول أيضا غير مسدود.
# ويؤيد ما ذكرنا ما دل من الأخبار على جواز غسل الجنابة حال الحيض ونحوه.
# ومما ذكرنا يظهر الحال في الوضوء وغيره.
# الثالث: لا منافاة فيما اخترنا هنا من أصالة عدم التداخل، مع ما سبق منا
~~من جواز الدخول بالوضوء الذي قصد به رفع الحدث في كل مشروط بالطهارة، بعد
~~التأمل في المقامين.
# وكذا لا منافاة بين القول بالتداخل هنا، مع القول بعدم جواز الدخول
~~بطهارة واحدة في عبادات مختلفة إلا مع ثبوته بالدليل، كما ذهب إليه شارح
~~الدروس
# PageV01P277
# وغيره ثمة، كما يظهر بالتأمل (1).
# الرابع: لم نقف في كلام الأصحاب على تصريح بحكم التيمم في التداخل وعدمه،
~~ولا يبعد إلحاقه بمبدله بمقتضى البدلية، والله العالم.
# PageV01P278
# المقصد الرابع في كيفيته وفيه مباحث:
# الأول: تجب ms0113 فيه المباشرة بنفسه اختيارا، بلا خلاف إلا من ظاهر ابن الجنيد
~~(1)، لظاهر الآية (2) والأخبار (3).
# والنية مقارنة لأول أفعاله على ما مر في الوضوء.
# والابتداء بغسل الرأس، ثم الجانب الأيمن، ثم الأيسر، على المشهور المدعى
~~عليه الاجماع من السيد (4) والشيخ (5) وابن زهرة (6) وابن إدريس (7)، وهو
# PageV01P279
# ظاهر المنتهى (1).
# ولم يذكر الصدوقان (2) وابن الجنيد (3) إلا تقديم الرأس، موافقا لظاهر
~~الصحاح المستفيضة وغيرها (4)، ولم يظهر منهم مثل هذه الروايات القول بعدم
~~وجوب الترتيب.
# ومع ثبوت الترتيب بين الرأس والجسد فالظاهر عدم القول بالفصل، فيمكن
~~التمسك بالاجماع المركب أيضا، كما ادعاه في المنتهى والذكرى (5).
# ويدل على المشهور مضافا إلى ما تقدم، واستصحاب شغل الذمة: خصوص حسنة
~~زرارة قال، قلت له: كيف يغتسل الجنب؟ فقال: " إن لم يكن أصاب كفه شئ غمسها
~~في الماء، ثم بدأ بفرجه فأنقاه، ثم صب على رأسه ثلاث أكف، ثم صب على منكبه
~~الأيمن مرتين، وعلى منكبه الأيسر مرتين " (6).
# وقد رواه في المعتبر عن زرارة عن الصادق عليه السلام، وأورد عليه بأنه لا
~~يدل إلا على الترتيب بين الرأس واليمين، وتأخر اليمين عن الرأس لا ينافي
~~تقديم اليسار، لأن الواو لا تدل على الترتيب كتقديم الذكر (7).
# وفيه: أن الظاهر من الرواية تعقيب اليمين للرأس، ويلزمه تعقيب اليسار
~~لليمين، وإن لم يدل اللفظ عليه لغة.
# ويمكن أن يستدل عليه بما دل على أن الميت يغسل كغسل الجنابة (8)،
~~والأخبار
# PageV01P280
# الكثيرة الواردة في علة غسل الميت، وأنها للجنابة ولخروج المني منه (1)،
~~ويجب الترتيب فيه إجماعا، كما صرح به في المعتبر (2)، وادعاه في الذكرى
~~(3)، وللأخبار المستفيضة (4).
# وكيف كان فالظاهر أنه لا ترتيب بين أجزاء كل من الجانبين كما ذكروه، وتدل
~~عليه صحيحة أبي بصير في حكاية اللمعة المغفلة (5).
# وظاهر حسنة زرارة المتقدمة: أن العنق مع الرأس، كما صرح به جماعة (6)،
~~وتشعر به موثقة سماعة أيضا (1)، والأحوط: غسله بعد الرأس، ثم جعل كل نصف
~~منه مع جانبه.
# ويكفي فيه مسمى الغسل ولا يكفي المسح، للاطلاقات، واشتراط الجريان في
~~بعضها.
# وما ورد في بعض الروايات من الاكتفاء ms0114 بمثل الدهن (8)، فهو مع معارضته
~~بأقوى منه (9)، محمول على المبالغة في القلة، والظاهر أنه مما لا خلاف فيه.
# ويجب تخليل ما يمنع وصول الماء، لوجوب غسل جميع البدن إجماعا، ولا يتم
# PageV01P281
# إلا بذلك، ولاطلاق الأخبار، وخصوص صحيحة حجر بن زائدة، عن الصادق عليه
~~السلام: " من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار " (1) وصحيحة علي بن
~~جعفر (2) وغيرها. فتجب إزالة الموانع كلها.
# ولا بأس بالجسم الرقيق الذي لا يمنع الغسل العرفي، كما يستفاد من بعض
~~الأخبار. وعليه يحمل ما دل بظاهره على خلافه كصحيحة أبي محمود (3).
# ولا يجب غسل الشعر، للأصل، وعدم صدق الجسد عليه، ولخصوص صحيحة الحلبي
~~(4).
# وربما يتوهم من صحيحة حجر المتقدمة وجوبه، وهو في غاية البعد، لأن الظاهر
~~منها إرادة المقدار.
# وكيف كان، فالظاهر أن عدمه إجماعي كما يظهر من المحقق (5) والشهيد (6).
# ويتخير في مثل السرة والقضيب والأنثيين، والأحوط غسلها مع الجانبين.
# ولا يجب غسل البواطن بلا خلاف ما دام باطنا، فيجب الغسل على مقطوع الأنف
~~مثلا.
# وأما الثقب التي تكون في الأنف أو الأذن للحلقة ونحوها، فالأظهر أنها لو
~~كانت ضيقة بحيث لا يرى باطنها فهي في حكم الباطن، وصرح به جماعة من
# PageV01P282
# المحققين (1)، وعن الشيخ علي وجوب الإيصال مطلقا (2)، وهو بعيد، وإن كان
~~أحوط.
# والثاني: يجزئ عن غسل الجنابة أن يرتمس في الماء ارتماسة واحدة، للاجماع،
~~والأخبار، مثل صحيحة زرارة بعد ذكر غسل الجنابة: " ولو أن رجلا جنبا ارتمس
~~في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك، وإن لم يدلك جسده " (3).
# وحسنة الحلبي: " إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من
~~غسله " (4).
# ومرسلة الحلبي (5) ورواية السكوني (6).
# ويرجع في الارتماسة الواحدة إلى العرف، فلا تعتبر الوحدة الحقيقية، فلا
~~ينافيه تخليل ما يمنع الماء.
# ولا يجب انفصال الرجل من الأرض بعد الانغماس إذا نوى الغسل أول الارتماس،
~~بل لا يضر انغمار رجله في الوحل قبل انغماس الجميع، كما صرح به في المنتهى
~~(7). وكفاية قصد الغسل تحت الماء وتحريك نفسه غير منساق من الأخبار، بل
~~المتبادر منها الارتماس ms0115 من خارج الماء.
# PageV01P283
# ويحصل الإشكال في مثل ما لو كان في الماء إلى الترقوة ونحوها، والأحوط
~~عدم الاجتزاء.
# نعم لا يضر استنقاع القدم في الماء إلى الساق ونحوه إذا فصلهما عن الأرض.
# وما ذكروه (1) من كون هذا الغسل مرتبا حكما، أو لا بد فيه من قصد
~~الترتيب، وتفريعهم على ذلك فروعا، مثل ما لو نذر الغسل المرتب، وما لو غفل
~~عن لمعة (2) من بدنه، أو حصل منها مانع، فيأتي بها وبما بعدها لو كان
~~مرتبا، وإلا فيبطل أو نحو ذلك، فمما لم يدل عليه دليل.
# والتحقيق أن هذا الغسل نوع آخر مسقط عن نوع آخر، فإن قلنا بوجوب إحاطة
~~الماء جميع البدن كما هو الظاهر، فإن علم بعد الخروج ببقاء اللمعة فيجب
~~عليه الإعادة، وإن علم في الماء مع عدم المنافاة بالوحدة العرفية فيتداركه،
~~وإن قلنا بكفاية الارتماس مطلقا كما احتمله في المنتهى نظرا إلى ظاهر
~~الروايات (3)، فيصح (4).
# وذهب الشيخ (5) والعلامة (6) إلى أن القعود تحت المجرى، والوقوف تحت
~~المطر، يجري مجرى الارتماس، وأنكره ابن إدريس (7) والمحقق (8)، وهذا أقوى.
~~وصحيحة
# PageV01P284
# علي بن جعفر (1) ظاهرة في إرادة الترتيب ولا تنكره (2)، فينوي الغسل
~~ويدلك رأسه وعنقه تحت المطر، ثم شقه الأيمن، ثم الأيسر. وعليها تحمل رواية
~~محمد بن أبي حمزة أيضا (3).
# وأما المجرى والميزاب، فلم نقف في الأخبار على ما يدل عليهما، والكلام
~~فيهما أيضا كالمطر.
# وما دل من الأخبار على أن غسل الحيض مثل غسل الجنابة يدل على جواز
~~الارتماس فيه أيضا، وكذلك في غسل الميت كما سيجئ، مع خصوص تنصيص بعض
~~الأخبار به.
# وأما في غيرهما، فالظاهر أن الاعتماد ليس إلا على عدم القول بالفصل، كما
~~ادعاه في الذكرى (4).
# والثالث: يجب كون الماء مباحا، مطلقا، وطاهرا.
# أما الإطلاق والإباحة، فالكلام فيه كما تقدم في الوضوء.
# وأما الطهارة، فهو أيضا إجماعي، ومستفاد من الأخبار.
# وأما طهارة محل الغسل، فقال الشيخ في المبسوط: إن كان على بدنه نجاسة
~~أزالها ثم اغتسل، فإن خالف واغتسل أولا فقد ارتفع حدث الجنابة، وعليه أن
~~يزيل
# PageV01P285
# النجاسة ms0116 إن كانت لم تزل، وإن زالت بالاغتسال فقد أجزأه عن غسلها (1).
~~وقربه بعض متأخري المتأخرين، للاطلاقات، وعدم المقيد (2).
# ورده جماعة من المتأخرين، وحكموا باشتراط طهارة المحل (3)، وهو الأقرب.
# لنا: الاجماع، نقله ابن زهرة (4)، واستصحاب شغل الذمة، والأخبار الكثيرة،
~~مثل صحيحة حكم بن حكيم، عن الصادق عليه السلام: عن غسل الجنابة، فقال:
# " أفض على كفك اليمنى من الماء فاغسلها، ثم اغسل ما أصاب جسدك من أذى، ثم
~~اغسل فرجك وأفض على رأسك " (5).
# وصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام، قال: سألته عن غسل الجنابة،
~~قال: " تبدأ بكفيك فتغسلهما، ثم تغسل فرجك، ثم تصب على رأسك "، والأخبار
~~بهذا المعنى كثيرة معتبرة (6).
# ولا يضر اشتمالها على المستحبة، لكونها في جواب السؤال عن غسل الجنابة،
~~فالأصل اشتراط كل ما ذكر فيه إلا ما ثبت استحبابه من خارج.
# ويمكن أن يستدل بما ورد في المستحاضة الكثيرة الدم من وجوب التعصب
~~والتحشي بالكرسف حال الاغتسال (7)، لعدم القول بالفرق. وبما ورد في غسل
~~الميت من وجوب إزالة النجاسة أولا (8)، وأفتى به في المعتبر من غير نقل
~~خلاف،
# PageV01P286
# وكذلك في الذكرى (1).
# وهذا مع ما ورد " من أن غسل الميت مثل غسل الجنابة، أو أنه غسل جنابة "
~~(2) يتم المطلوب.
# وإن نوقش في دلالة الأخبار وظهورها، فلا أقل من حصول الشك في اشتراطها،
~~والشك في الشرط مستلزم للشك في المشروط.
# وكيف كان فالاجماع المنقول، والاستصحاب، وتلك المذكورات، كافية في إثبات
~~الحكم.
# وقد يستدل عليه بأصالة عدم التداخل.
# وفيه: أنه إنما يتم لو نوى التطهير عن الخبث فقط، أو نواهما معا.
# أما لو نوى الغسل، فالظاهر الاجزاء، لكون إزالة الخبث توصلية غير محتاجة
~~إلى القصد والنية، فإن كانت محتاجة إلى الغسلتين كالبول، فيغسله أخرى، وإلا
~~فتكفي المرة.
# وبأن طهارة ماء الغسل واجبة إجماعا، والقليل ينفعل بالملاقاة.
# وفيه: أن المسلم من الاجماع هوما قبل الوصول إلى المحل، كإزالة الخبث،
~~سيما إذا قلنا بعدم النجاسة إلا بعد الانفصال.
# وربما قيل بالصحة إذا ارتمس في الكثير للغسل مع زوال النجاسة، وهو أيضا
~~مشكل. ms0117
# ثم إن الظاهر الاكتفاء بإزالة النجاسة عن كل عضو قبل صب الماء بنية الغسل
~~عليه، ولا يجب تقديمها مطلقا، وإن كان أحوط بالنظر إلى بعض الروايات.
# PageV01P287
# المقصد الخامس في الآداب والسنن واللواحق وفيه مباحث:
# الأول: يستحب الاستبراء بالبول ثم الاجتهاد للمنزل قبل الغسل، لحفظ الغسل
~~عن الانتقاض بالبلل المشتبه، وللأخبار المستفيضة المعتبرة (1).
# وذهب جماعة إلى وجوبه (2)، ولا يساعدهم الدليل، وإن كان أحوط. فإن ما ورد
~~من الأخبار فيه لا دلالة فيها على الوجوب.
# وما دل على وجوب إعادة الغسل لو رأى البلل بعده إن لم يستبرئ أيضا (3) لا
~~يدل عليه كما لا يخفى.
# وكذلك صحيحة أحمد بن محمد في كيفية الغسل: " تغسل يدك اليمنى من المرفقين
~~إلى أصابعك، وتبول إن قدرت على البول، ثم تدخل يدك في الإناء، ثم
# PageV01P288
# اغسل ما أصابك منه " (1) الحديث، لا يدل على وجوب البول بملاحظة المقام.
# وكذلك رواية أحمد بن هلال: " إن الغسل بعد البول، إلا أن يكون ناسيا "
~~(2) مع أنها ضعيفة (3).
# واختلف كلام الأصحاب في كيفية الاستبراء كالأخبار، وما وجدناه من الأخبار
~~هي صحيحة حفص بن البختري، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يبول، قال: "
~~ينتره ثلاثا، ثم إن سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي " (4).
# وحسنة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي جعفر: رجل بال ولم يكن معه ماء، قال: "
~~يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات، وينتر طرفه " (5) الحديث (6).
# وحسنة عبد الملك بن عمرو، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يبول، ثم
~~يستنجي، ثم يجد بعد ذلك بللا، قال: " إذا بال فخرط ما بين المقعدة
~~والأنثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما ثم استنجى، فإن سال حتى يبلغ السوق فلا
~~يبالي " (7).
# وكلام بعض الأصحاب موافق لبعضها، وبعضها جامع لاثنين منها، وبعضها
# PageV01P289
# جامع لثلاثتها، وبعضها مشتمل على التنحنح ثلاثا أيضا، والقاعدة تقتضي
~~التخيير.
# والظاهر كفاية الاستظهار لاخراج البقايا كيف كان من هذه الوجوه المروية،
~~لكن الأحوط ما ذكره جماعة من الأصحاب: أن يمسح من المقعدة بقوة إلى أصل
~~القضيب، ثم إلى رأسه، ثم عصر الحشفة، ms0118 كل واحد منها ثلاثا، مضافا إلى
~~التنحنح، وإن لم نقف عليه في خبر.
# ويمكن جعل المراد من الموصول في " ما بينهما " في الرواية الأخيرة كناية
~~عن القضيب، ومرجع ضمير التثنية الأنثيين. وأرجعه بعضهم إلى المقعدة
~~والأنثيين، فيكون ذلك أمرا رابعا.
# ثم إن من رأى بللا بعد الغسل، فإما أن يعلم أنه مني أو بول، فيعمل على
~~مقتضاه من الغسل والوضوء إجماعا، ذكره غير واحد من الأصحاب (1).
# وإن علم أنه غيرهما، فلا يجب شئ منهما إجماعا أيضا كما يفهم من كلام
~~بعضهم، قاله في شرح الدروس (2).
# وأما إذا اشتبه ففيه صور أربع:
# الأولى: أنه بال واستبرأ قبل الغسل، فلا شئ عليه بالاجماع، والصحاح
~~المستفيضة، وغيرها، منها ما اشتمل على ذكر البول والاستبراء، وأنه لا شئ
~~عليه بعدهما. ومنها ما حكم فيها بسقوط الغسل إن بال، وعدمه إن لم يبل.
# ولنذكر من الجملة صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام
~~عن الرجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شئ، قال: " يغتسل ويعيد الصلاة، إلا
~~أن يكون بال قبل أن يغتسل، فإنه لا يعيد غسله ".
# PageV01P290
# قال محمد: وقال أبو جعفر عليه السلام: " من اغتسل وهو جنب قبل أن يبول ثم
~~يجد بللا فقد انتقض غسله، وإن كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض
~~غسله، ولكن عليه الوضوء، لأن البول لم يدع شيئا " (1).
# الثانية: أنه لم يبل ولم يستبرئ، فعليه إعادة الغسل على المشهور المدعى
~~عليه الاجماع من ابن إدريس (2) والعلامة (3)، للأخبار الكثيرة المعتبرة،
~~الدالة على وجوب إعادة الغسل إذا لم يكن بال (4) كما مر.
# ولا تقاومها الأخبار الضعيفة الدالة على سقوط الإعادة وإن لم يبل قبل
~~الغسل (5)، وربما تحمل على ما لو لم يتيسر له البول واستبرأ مع ذلك، وهو
~~بعيد.
# وظاهر الصدوق في الفقيه الاكتفاء بالوضوء، فإنه بعد ما نقل رواية الحلبي
~~المشتملة على وجوب الغسل إذا لم يكن بال قبل الغسل والتوضؤ إن بال، قال:
# وروي في حديث آخر: " إن كان قد رأى بللا ولم ms0119 يكن بال، فليتوضأ، ولا
~~يغتسل، إنما ذلك من الحبائل " ثم قال: إعادة الغسل أصل، وهذا الخبر رخصة
~~(6).
# وأنت خبير بأنه لا يقاوم ما مر.
# الثالثة: أنه بال ولم يستبرئ، ولم نقف على مخالف في عدم وجوب الغسل ووجوب
~~الوضوء، وادعى عليه ابن إدريس أيضا الاجماع (7). وتدل عليه الأخبار
~~المتقدمة أيضا.
# الرابعة: أنه استبرأ ولم يبل; والأقوى فيه لزوم إعادة الغسل لما مر من
~~الأخبار.
# PageV01P291
# وقيل بعدم اللزوم مطلقا (1)، وقيل بعدم اللزوم لو لم يتيسر له البول (2).
# ولا دليل لهذين القولين، وقد يستدل عليهما بتأويل الروايات الضعيفة
~~المتقدمة، وهو كما ترى.
# ثم إن الموجود في كلام الأصحاب تقييد البلل بالمشتبه، وأما الأخبار فهي
~~متفقة على إطلاق البلل وما في معناه، مثل لفظ شئ المنكر.
# ويقع الإشكال في موضوع المسألة أنه هل هو البلل الذي لا يعلم أنه بول أو
~~مني، أو غيرهما، بأن يحتمل كون مجموع ذلك البلل بولا أو منيا أو غيرهما. أو
~~أعم من ذلك، فيدخل ما لو علم أنه مذي مثلا، ولكن يشتبه عليه أنه مختلط
~~بالمني أو البول أم لا، أو يعلم أنه بول، ولكن يشتبه عليه أنه مختلط بالمني
~~أم لا.
# فإن خصصنا ه بالأول فلا يجب للثاني شئ.
# وعلى هذا فلو لم ير شيئا بعد الغسل، وبال باختياره بولا وافيا بعد الغسل،
~~فيلزم أن لا يكون عليه شئ أصلا، لعلمه بأنه بول.
# ويرد عليه: أن غاية ما علمه هو أن جل الخارج بول، وأما أنه لم يختلط بشئ
~~من المني في المخرج فأنى له العلم به؟! وكيف يحكم بأن الخارج إنما هو البول
~~لا غير؟!
# فالصورة المفروضة في كلام الأصحاب، المدعى عليها الاجماع إما مجرد فرض قد
~~يحصل بإخبار معصوم عليه السلام، وهو بعيد. أو مرادهم أن المعيار هو الخارج
~~بالأصل، لا بالتبع. وحينئذ فيلزمهم في المذي المظنون الاختلاط بالمني أو
~~المتساوي الطرفين عدم وجوب شئ، وهو بعيد.
# مع أنه يظهر من كلام بعضهم في تأويل بعض الأخبار الدالة على أن الودي
# PageV01P292
# يجب فيه الوضوء: ms0120 أنه إذا (1) لم يستبرئ، مثل صحيحة عبد الله بن سنان (2).
# ظاهر كلامهم في المشتبه هو ما يعم الاحتمال أيضا، لا خصوص الشك فقط،
~~ولكنه لا يستفاد منه أنه هل هو في المعنى الأول، أو أعم منه.
# وبالجملة فكلام الأصحاب في ذلك غير محرر، والأخبار أيضا غير مفصلة،
~~والبلل الوارد فيها وإن كان مطلقا، وكذا لفظ شئ، لكن المتبادر منها البلل
~~المشتبه بنفسه، لا المحتمل الاختلاط. لكن يستفاد منها أن احتمال كونه ناقضا
~~ناقض، فإن ثبتت عليته من الأخبار فلا إشكال، وإلا فلا بد من الرجوع إلى
~~الأصول.
# والأصول متعارضة، والإجماع المدعى في كلامهم أيضا غير متعين المورد،
~~واستصحاب شغل الذمة يقتضي الإعادة حتى في مثل ما لو بال مستقلا بدون سبق
~~بلل أصلا، سيما مع ملاحظة قوله عليه السلام: " لأن البول لم يدع شيئا " في
~~آخر الصحيحة (3).
# وبالجملة، فلوجوب الإعادة في نظري القاصر قوة (4)، مع كونه أحوط، (ولكن
~~المشهور أقوى) (5).
# ثم إن هذا ناقض جديد، وموجب مستقل، فلا تجب إعادة ما صلى، كما هو المعروف
~~من الأصحاب (6)، لأن الأمر يقتضي الاجزاء.
# وربما نقل عن بعض الأصحاب بطلان الغسل الأول، وإعادة الصلاة، لظاهر
# PageV01P293
# صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1)، وهي مؤولة بالصلاة الواقعة بعد البلل.
# وأما انزعاج المني عن مقره، فلا يمكن الاعتماد عليه في ثبوت الجنابة، بل
~~المعتبر هو الخروج. هذا الكلام في الرجل.
# وأما المرأة، فلا قائل فيها بالوجوب، ويظهر من بعضهم استحبابه لها بالبول
~~(2)، ومن بعضهم بالبول أو الاجتهاد (3)، ومن بعضهم التوقف (4).
# ولم نقف فيه على نص يركن إليه، ولكن لا بأس بالقول به للاستظهار.
# واختلاف مخرج البول والمني لا يوجب عدم الفائدة في ذلك، إذ ربما يورث
~~البول حصرا في مخرج المني، فتخرج به البقايا، كما نشاهده في ارتباط التغوط
~~بالبول مع اختلاف مخرجهما.
# وكذلك يظهر من بعضهم استحباب الاجتهاد لها بعد البول أيضا (5)، ولا بأس
~~بمتابعته.
# وذكروا في كيفيته: أن تستبرئ بأصابعها عرضا (6)، ثم إن ظهر بلل، فإما أن
~~يكون فيه مني رجل أم لا.
# على أي ms0121 تقدير، فإما أن تعلم أن الخارج مني نفسها أم لا.
# وعلى الثاني فإما أن تعلم أنه مني الرجل لا غير، أو يشتبه عليها.
# فإن علمت أن الخارج مني نفسها، فيجب عليها الغسل بلا إشكال، لما مر.
# كما أنه لو علمت أنه مني الرجل لا غير، فلا يجب عليها الغسل، للأصل،
# PageV01P294
# وعدم جواز نقض اليقين بالشك، ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1)،
~~وفحوى الروايتين الآتيتين.
# وأما في صورة الاشتباه، فالأظهر أيضا عدم الوجوب، لهذه الأدلة، ولخصوص
~~صحيحة منصور (2) وموثقة سليمان بن خالد (3) الناطقتين بعدم وجوب الغسل،
~~معللا بأن ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرجل، فلعله عليه السلام جعل
~~إمكان كونه ماء الرجل كافيا في الحكم بذلك، مع احتمال ذلك.
# خالف ابن إدريس في ذلك، مستدلا بقوله عليه السلام: " الماء من الماء "
~~(4) - (5).
# وهو مع ضعف دلالته محجوج بالأدلة المتقدمة.
# ولا يتفاوت الكلام في ذلك بين ما قبل البول والاجتهاد وما بعده، لأن ما
~~دل على إعادة الغسل مع عدم البول إنما ورد في الرجل، فلا يقاس عليه.
# وأما البلل المشتبه بالبول، فلا حكم فيه أيضا، للأصل، وعدم جواز القياس
~~بحكم الرجل.
# الثاني: تستحب التسمية، تبعا لفتوى جماعة (7)، وللعمومات (8).
# PageV01P295
# وغسل الكفين، للاجماع، والأخبار الكثيرة (1).
# وتثليثه، لحسنة الحلبي المتقدمة في الوضوء وغيرها (2)، والأخبار فيه وإن
~~كانت ظاهرة في الترتيبي، ولكن لا بأس به في غيره، كما صرح به العلامة (3).
~~وقيل باستحباب الغسل إلى المرفقين، للأخبار المعتبرة (4)، فهو أفضل.
# والمضمضة والاستنشاق بلا خلاف ظاهر، لصحيحة زرارة (5)، ورواية أبي بصير
~~(6). والنفي الوارد في بعض الأخبار (7) محمول على نفي الوجوب.
# وإمرار اليد على الجسد بلا خلاف ظاهر، وذهب إلى وجوبه بعض العامة (8)،
~~ويدفعه الأصل والإطلاقات، وخصوص أخبار قد مرت الإشارة إلى بعضها.
# وتخليل ما يصل إليه الماء، كالشعر الخفيف، وما تحت الثدي في المرأة، وعكن
~~بطن السمين، للاحتياط.
# وغسل الشعر، كما يستفاد من بعض الأخبار (9).
# والدعاء بالمأثور في الأثناء، وبعد الفراغ.
# والغسل بصاع، بلا خلاف بيننا في عدم الوجوب، ولا في الاستحباب،
# PageV01P296
# للأخبار ms0122 الكثيرة (1). وزاد جماعة من الأصحاب " فما زاد " (2) ولعلهم
~~أرادوا أن المستحب أن لا يغتسل بأقل منه، ولا يشترط فيه عدم التجاوز عنه،
~~إلا أن يحصل به الإسراف، وقد تقدم مقدار الصاع.
# والموالاة، كما ذكره جماعة (3)، لأنه مسارعة بالخير، وللتأسي بالمعصومين
~~عليهم السلام، ولحفظه عن طروء الإشكال من جهة حصول الحدث الأصغر في
~~الأثناء، فتحصل الشبهة والمعركة العظمى كما سيجئ.
# وأما الوجوب، فالظاهر أنه لا قائل به في شئ من معنييه المتقدمين في
~~الوضوء، ويظهر من الشيخ (4) والعلامة (5) الاجماع على عدمه، وتدل عليه
~~الإطلاقات، وخصوص صحيحة هشام بن سالم: في حكاية أم إسماعيل (6)، وحسنة
~~إبراهيم بن عمر اليماني (7)، وغيرهما.
# وتكرار الغسل ثلاثا في كل عضو. واستدل عليه بالاسباغ، وبإشارة أخبار
~~الصاع إليه، ولم نقف على نص في غير الرأس (8).
# نعم يمكن أن يستدل عليه بما ورد في غسل الميت بالتقريب المتقدم في
~~الترتيب.
# واكتفى ابن الجنيد بالرأس، وزاد للمرتمس تثليث الغوصات، مع تخليل الشعر،
# PageV01P297
# ومسح سائر جسده بيده في كل مرة (1)، ولم نقف على مستنده.
# الثالث: تكره الاستعانة بالمعنى المتقدم في الوضوء، لظاهر الآية (2)، على
~~ما فسرت به في رواية الوشاء وغيرها (3)، كما تقدم.
# والمشمس، لما مر.
# وقال المفيد رحمه الله: لا ينبغي الارتماس في الماء الراكد، فإنه إن كان
~~قليلا أفسده، وإن كان كثيرا فقد خالف السنة (4). ولعل نظره في الأول إلى
~~أنه يصير مستعملا، والمستعمل في الحدث الأكبر غير مطهر. وقد عرفت أنه إنما
~~يتم بالنسبة إلى الغير، لا هذا الغسل.
# وأما الثاني، فلاحتمال شمول المستعمل للكثير أيضا، وفي رواية عامية:
# " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة " (5).
# الرابع: لو أحدث في أثناء الغسل بالحدث الأصغر، فالشيخ (6) والصدوقان (7)
~~والعلامة (8) والشهيد الثاني (9) على البطلان والإعادة.
# PageV01P298
# والسيد (1) والمحقق (2) وبعض المتأخرين (3) على الصحة ووجوب الوضوء.
# ابن البراج (4) وابن إدريس (4) والشيخ علي (6) على الصحة بلا وضوء.
# حجة الأولين: ما رواه الصدوق في كتاب عرض المجالس على ما نقله في المدارك
~~(7)، وهو صريح في المطلوب، وأن الأدلة والإجماع تقتضي أن ms0123 الأحداث المعدودة
~~أسباب لوجوب الطهارة، فالأصل فيها أن يكون كل منها سببا تاما، إلا أن يدل
~~الدليل على خلافه، كما في صورة التداخل وغيره، فلا بد للحدث المذكور من
~~رافع، وليس هو الوضوء، لعدم مجامعته لغسل الجنابة بالاجماع، ولا بعض أجزاء
~~الغسل، لأن أجزاء الغسل كل واحد منها مؤثر ناقص في رفع الحدث الأكبر
~~والأصغر معا على تقدير وجود الأصغر قبل الغسل لا غير، فتعين أن يكون هو
~~الغسل بتمامه.
# ونوقش في الرواية بجهالة السند، وفي الاستدلال بأن الاجماع على كون هذا
~~الحدث سببا ممنوع، كيف وأصحاب القول الثالث لا يوجبون به شيئا، والقائلون
~~بالقول الأول لا يوجبون به إلا نقض ما تقدم من الغسل.
# وأما الأدلة المقتضية لوجوب الوضوء من إطلاقات الأخبار، فلا يرضى المستدل
~~بإعمالها، ولا دليل آخر يعتمد عليه.
# مع أنا نقول بكونه مؤثرا في الجملة، فلم لا يكون ذلك هو إيجاب الوضوء،
~~فإن
# PageV01P299
# الاجماع المدعى في عدم اجتماعه مع غسل الجنابة في موضع النزاع ممنوع كما
~~يظهر من مقالة السيد وأتباعه. والأخبار الدالة على عدم جواز الوضوء مع غسل
~~الجنابة أيضا لا يتبادر منها إلا بالنسبة إلى الوضوء للحدث الحاصل قبل
~~الغسل كما مرت الإشارة إليه، مع معارضتها بالأخبار الدالة على وجوب الوضوء
~~حين حدوث الأحداث.
# سلمنا أن الوضوء غير رافع له، لم لا تكون تتمة الغسل رافعة له، وانحصار
~~أمر أجزاء الغسل في كونها علة ناقصة لرفع الحدثين معا أو الحدث الأكبر فقط
~~ممنوع.
# وما يتشبث به من أن اليقين برفع الحدث لا يحصل إلا بذلك فهو ممنوع،
~~لاحتمال أن يكون رافع هذا الحدث إنما هو البعض، مع احتمال حرمة إبطال
~~العمل.
# وحجة القول الثاني: أن الحدث الأصغر ليس موجبا للغسل ولا لبعضه، فيسقط
~~وجوب الإعادة، وأن الحدث المتخلل لا بد له من رافع، وهو إما الغسل بتمامه،
~~أو الوضوء، والأول منتف لانعدام بعضه، فتعين الوضوء. لأنه يلزم على من
~~يكتفي بالاتمام ولا يوجب الوضوء، أنه لو بقي من الغسل بقدر الدرهم وتغوط،
~~أن يكتفي ms0124 عن وضوئه بغسل موضع الدرهم.
# وأجيب عن ذلك (1): بأن عدم إيجابه للوضوء والغسل لا يستلزم عدم انتقاض ما
~~تقدم بسببه، فوجوب إعادة الغسل إنما هو للجنابة السابقة، لا لذلك الحدث.
# وعن لزوم الوضوء بسبب الحدث بمثل ما تقدم.
# وعن الكلام الأخير: بأنه مجرد استبعاد، مع أن النائب عن الوضوء هو الغسل
~~الذي يتم بغسل موضع الدرهم، لا نفس غسل هذا الموضع.
# وحجة القول الأخير: إطلاقات الغسل، والأمر يقتضي الاجزاء، ونقض الحدث
~~للبعض المتقدم لا دليل عليه.
# PageV01P300
# وما يقال: " من أن الحدث كما ينقض الغسل الكامل فينقض بعضه بطريق أولى "
~~فإن أريد به النقض بمعنى إيجابه الغسل ثانيا فهو كما ترى، وإن أريد به رفع
~~استباحة الصلاة، فيحتاج إلى الطهارة في الجملة، فمقتضى ذلك كفاية الوضوء
~~فقط عنه كما في الأصل.
# سلمنا، لكن لم لا يكون ذلك هو البعض الباقي من الغسل، مع أن ذلك لا يتم
~~على أصولنا فإنه قياس، والأولوية ممنوعة، والحجة منه ما كان من باب المفهوم
~~من كلام الشارع.
# ولو تمسك بما دل على وجوب الوضوء بحدوث الأحداث من العمومات والإطلاقات،
~~فيعارض بما دل على عدم جواز الوضوء مع غسل الجنابة، هذا.
# وقد ظهر لك بما ذكرنا: أن القول الأخير أظهر من غيره بالنظر إلى ظواهر
~~الأدلة.
# ومما يبعده أن من لوازم هذا القول جواز الصلاة بمثل هذا الغسل بعد
~~إتمامه، وإن مضى بين الجزأين مقدار عام أو أزيد، ما لم يحصل حدث أكبر
~~بينهما.
# والانصاف أن شيئا من تلك الأدلة ليس بحيث يعتمد عليه ويركن إليه في
~~الفتوى، فإن الفرض من الفروض النادرة، ولا ينساق نقض ما تقدم من الغسل من
~~أدلة النواقض، ولا رافعية ما بقي من أدلة الطهارات، ولا إجزاء غسل الجنابة
~~عن الوضوء فيما نحن فيه من الأخبار الدالة على عدم اجتماع غسل الجنابة مع
~~الوضوء، ولا وجوب الوضوء هاهنا من أدلة موجباته، ولا غير ذلك، فإن اعتمد
~~على الرواية كما يظهر من الفقيه ونقله لهذا القول عن أبيه، وعمل جماعة من
~~القدماء ms0125 على مقتضاها، فهو، وإلا فلا مناص عن الاحتياط، وهو إتمام الغسل
~~وإعادته ثانيا، ثم الوضوء.
# أو يعيد ويتوضأ من دون إتمام الأول.
# وإتمام الأول إنما هو للاحتياط عن إبطال العمل، وعن أن قصد البطلان لا
~~يصير PageV01P301
# منشأ للبطلان، فاعتباره أحوط.
# وأما غير غسل الجنابة من الأغسال، فعلى قول السيد يجري الخلاف والأقوال
~~والأدلة، وأما على المشهور، فيسقط القول الأخير، مع إشكال فيه أيضا لو قلنا
~~بوجوب تقديم الوضوء على الغسل، وكونه جزء المؤثر في الحدث الأكبر أيضا، لا
~~(1) أنه وضوء الصلاة، وقد عرفت أن التحقيق خلافه، هذا إذا كان الغسل مرتبا.
# وإن كان ارتماسيا، فالأظهر جريان الأقوال والاحتمالات فيه أيضا، لأن
~~الظاهر أنه تدريجي الحصول، لا كما فهمه الشهيد في الذكرى " من أنه إنما
~~يحصل الغسل بعد إحاطة الماء، والولوج في الماء من مقدماته " (2)، لعدم
~~الدليل عليه.
# وما ذكرناه هو الظاهر من الأخبار والأدلة.
# وما يتوهم في بطلان هذا القول من استلزامه الاجتزاء ببعض الأعضاء
~~المرتمسة لو منعه مانع عن الباقي، يندفع بأن إبقاء العضو المرتمس إلى أن
~~يلحقه الباقي شرط في صحة الغسل، فالاتمام كاشف عن الاغتسال، لا أنه محصل له
~~من حينه.
# مع أنه يمكن إجراء الاحتمالات في الآن المفروض على ما احتمله الشهيد،
~~ولكنه بعيد، لعدم تحقيقه وتعيينه. ولا يهمنا الكلام فيه، هذا الكلام في
~~الحدث الأصغر.
# وأما الحدث الأكبر، فأما الجنابة فلا إشكال في وجوب الغسل ثانيا، وحصول
~~التداخل. مع إمكان تجويز إتمامه بناءا على كون التداخل رخصة، ثم الاستئناف.
# وأما غيره، فلا ريب أيضا في وجوب غسل مستقل له، إنما الكلام في الاعتناء
~~بما تقدم.
# وتظهر الفائدة في ارتفاع ما يتعلق بالحدث السابق من الموانع، فيتمه
~~ويغتسل للباقي على حدة، وقد مرت الإشارة إلى جوازه في المباحث السابقة.
# PageV01P302
# الفصل الثالث في التيمم فيه مقاصد: PageV01P303
# المقصد الأول في أقسامه وفيه مباحث:
# الأول: إنه يبيح عند فقد التمكن من المائية ما تبيحه المائية، على
~~المشهور من أصحابنا، بل الظاهر عدم الخلاف فيه إلى زمن فخر المحققين، فإن ms0126
~~العلامة في المنتهى لم ينقل في المسألة خلافا إلا عن أبي مخرمة من العامة
~~(1)، وسيجئ كلام ولده في بعض الموارد.
# لنا: ظاهر الاجماع، وقوله تعالى: * (ولكن يريد ليطهركم) * (2) بعد ذكر
~~التيمم، وإذا ثبت كونه مطهرا عن الجنابة والغائط كما استفيد من الآية (3)،
~~فلا قائل بالفصل، وإذا ثبتت الطهارة ارتفع الحدث، لما أشرنا إليه في أوائل
~~الكتاب، وإذا ثبت ارتفاع الحدث فلا يبقى مانع عن الدخول في المشروط. وقد مر
~~أن الحدث حالة بسيطة لا تركب فيه ولا تعدد، مع أن الأصل عدمه.
# والعبرة بقوله تعالى: * (ليطهركم) * فلا يضر كونه من مدخولات قوله تعالى:
# PageV01P305
# * (إذا قمتم) * مع أن رفع المانع عن الصلاة لا يتحقق إلا برفع نفس
~~الحالة، فلا يبقى مانع.
# وما يقال إن التيمم ليس برافع (1)، ففيه أن ذلك نزاع لفظي، إذ مرادنا رفع
~~وصف المانعية، لا ذات المانع، فالنافي إنما يصح منه منع الثاني. غاية الأمر
~~أنه محدود بغاية، ففي المائية يرتفع وصف المانعية مع موصوفها، وفي التيمم
~~الوصف فقط، ولذلك اخترنا كون الطهارة مشككة بين أقسامها، فنسبة أصل
~~الارتفاع إلى تلك الصفة في الوقت المحدود حقيقي، مثل ارتفاع ذات المانع في
~~المائية، لا إضافي حتى يتفاوت بالنسبة إلى المشروطات. مع أن المقام مقام
~~الامتنان وإظهار النعمة ونفي الحرج، فيناسبه التعميم.
# ويدل عليه أيضا: الأخبار الصحيحة وغيرها، المستفيضة جدا، المشتملة على
~~مساواة التراب للماء. ففي طائفة منها " إنه أحد الطهورين " (2)، وفي أخرى "
~~إنه بمنزلة الماء " (3)، وفي أخرى " إن رب الماء هو رب الأرض " (4)، وفي
~~أخرى " إن الله جعل التراب طهورا، كما جعل الماء طهورا " (5) وفي أخرى "
~~إنه طهور المسلم " (6) الدالة بظاهرها على مساواتهما في الطهورية.
# وهو مع قطع النظر عن ظهوره في العموم، لا بد من حمله عليه في كلام
~~الحكيم. وخصوص السبب في بعض الأخبار لا يوجب تخصيص العام، فالعبرة بعموم
~~اللفظ.
# PageV01P306
# مع أن الشباهة في مطلق الطهورية أيضا تكفي، فإن الطهارة لا تحصل إلا برفع
~~الحدث، ومع ارتفاعه لا يبقى مانع كما مر مرارا.
# ومن الأخبار رواية ms0127 أبي ذر عنه صلى الله عليه وآله، قال: يا رسول الله
~~هلكت، جامعت على غير ماء، قال: فأمر النبي صلى الله عليه وآله بمحمل
~~فاستترت به، وبماء فاغتسلت أنا وهي، ثم قال: " يا أبا ذر، يكفيك الصعيد عشر
~~سنين " (1).
# وذلك لا يتم إلا مع كفايته عن كل ما يحتاج إلى الماء.
# وما يقال: " إنه صلى الله عليه وآله لعله بين لأبي ذر سابقا أن التيمم
~~يجب لماذا، ويستبيح لما ذا، وكان ذلك حوالة له على ما أعلمه سابقا، فلا
~~يستفاد منه العموم " فهو في غاية البعد، مع أن الأصل عدمه.
# مع أنه أثبت الكفاية عن غسل الجنابة، فما يترتب عليه لا بد أن يترتب على
~~التيمم.
# وقد يستشكل: بأن مقتضى هذه الأخبار كفاية التيمم لما ثبت اشتراطه
~~بالطهارة، لا ما اشترط بخصوص الغسل فقط كصوم الجنب.
# وفيه: أن ما ثبت اشتراطه بالطهارة لا تمكن فيه إرادة المطلق تخييرا، فإن
~~المحدث بالأصغر لا يجوز له الغسل، وبالعكس، وهكذا.
# ولو أريد المطلق ترتيبا، فيرجع إلى إرادة الأفراد، فالمحدث بالأصغر أيضا
~~مكلف بالوضوء أولا، فإن لم يجد فبالتيمم، وهكذا.
# والقول بأن وجوب الوضوء على المحدث بالأصغر لأجل أنه طهارة بخلاف الغسل
~~لصوم الجنب، اعتساف.
# وقوله عليه السلام: " لا صلاة إلا بطهور " (2) مع أنه ظاهر في إرادة
~~الفرد،
# PageV01P307
# لا يستفاد منه أن اشتراطه به باعتبار أنه طهور. والتعليق على الوصف وإن
~~كان فيه إشعار بالعلية، لكنه ليس بحجة، مع معارضته باحتمال إرادة الاختصار
~~في اللفظ، وكون المقام مقام تعميم الحكم، مع أن إبقاءه على الإطلاق يقتضي
~~دخول التيمم مطلقا، هذا كله مع المعارضة بما بينا من عموم البدلية، فالمراد
~~بيان الأفراد مرتبا ومن جملتها التيمم.
# ونظير هذا الإشكال ما قيل: إن البدلية تسلم فيما ثبت فيه الاشتراط
~~بالمائية، نظرا إلى تسوية الماء والتراب في الأخبار، لا ما ثبت اشتراطه
~~بخصوص أحد المائيتين.
# ويظهر الجواب عنه مما تقدم.
# الثاني: إنه يجب عند فقد التمكن من المائية لكل ما تجب له المائية، أما
~~إجمالا فلما ظهر ms0128 من تلك الأخبار من عموم البدلية، وأيضا ظهر أنه يبيح ما
~~تبيحه المائية، فإذا ثبت اشتراط الواجب بالطهارة وتمكن منه بالفرض، فتجب من
~~باب المقدمة.
# وأما تفصيلا، فأما وجوبه للصلاة وشرطيته لها، فمما لا خلاف فيه، بل
~~الظاهر أنه من ضروريات الدين. وتدل عليه الآية (1)، وعموم الأخبار
~~المتقدمة، وعموم مثل قوله عليه السلام: " لا صلاة إلا بطهور " (2) وخصوص
~~الأخبار الكثيرة.
# وكذلك الطواف الواجب، ويدل عليه مضافا إلى إجماعهم: ظاهر الأخبار
~~المتقدمة، وقوله عليه السلام: " الطواف بالبيت صلاة " (3).
# وأما مس كتابة القرآن الواجب، فلقوله تعالى: * (لا يمسه إلا المطهرون) *
~~(4)
# PageV01P308
# بالتقريب المتقدم، واستصحاب شغل الذمة يقتضي اشتراطه به أيضا.
# وأما دخول المسجدين والمكث في المساجد إذا وجبا، فاشتراطهما بالطهارة مع
~~وجوبهما مضافا إلى ما تقدم من إباحة التيمم كل ما تبيحه المائية، يقتضي
~~وجوبه لهما.
# ويشكل هذا الاستدلال: بما تقدم من أن الثابت اشتراطهما بالغسل، إلا بمطلق
~~الطهارة.
# ويمكن دفعه: بأنهما محرمان على الحائض والجنب، والمعتبر في رفع الحيض
~~والجنابة هو الإطهار كما يستفاد من الآيات، وإن كان منحصرا في الغسل في
~~الآية الآتية، ويكفي ذلك لرفع الإشكال، سيما بعنوان الإلزام.
# مع أنه يكفي الاستدلال بعموم البدلية المستفادة من الأخبار المتقدمة.
# ويدل الاستصحاب المتقدم على اشتراطهما به، وقوله تعالى: * (وإن كنتم مرضى
~~أو على سفر) * (1) الآية بعد قوله تعالى: * (ولا جنبا إلا عابري سبيل) *
~~(2) على أحد الوجهين في الآية.
# ويؤيده ما سيجئ من وجوب التيمم على المحتلم في أحد المسجدين.
# ومنع فخر المحققين إباحة التيمم لذلك (3)، لقوله تعالى: * (حتى تغتسلوا)
~~* (4) فلو كانت الغاية أحد الأمرين، لم تكن الغاية غاية.
# والجواب عنه أولا: بما مر من كفاية الصعيد عشر سنين في رواية أبي ذر (5)،
~~مع أن صلاتهم كانت غالبا في المساجد.
# وثانيا: بمنع كون المراد من الصلاة مواضعها، بل المراد هو نفسها كما
~~يستفاد من
# PageV01P309
# روايات كثيرة، والمراد بعابري سبيل: المسافرون، يعني أن الجنب لا يقرب
~~الصلاة حتى يغتسل إلا أن يكون مسافرا لا يقدر على الماء.
# ووجوه الترجيح في التفسيرين متعارضة، وعلى ms0129 ما فهمه من إرادة المساجد
~~رواية صحيحة في العلل (1)، فبملاحظة الروايات في الموضعين تتشابه الآية.
# والأولى حملها على الاستخدام، كما ذكره بعض البارعين في البلاغة.
# فالتحقيق في الجواب إذن: أن الغاية واردة مورد الغالب، ولا عبرة
~~بمفهومها، سيما مع ما تحقق من أن التيمم بدل اضطراري.
# ثم إنه (2) - رحمه الله - طرد الكلام في مس الكتابة بدعوى عدم القول
~~بالفصل.
# وكذلك في عدم جواز دخوله في المسجدين.
# وربما ألزم عليه القول بعدم جواز الطواف أيضا، لاستلزامه دخول المسجدين.
# وفيه إشكال، إلا أن يحرم مطلق العبور، وإلا فالطواف لا يستلزم دخول الجنب
~~لاحتمال حصوله في المسجد، وسيجئ تمام الكلام.
# ويظهر الكلام في وجوبه لقراءة العزائم مما تقدم من العموم، ومن وجوب
~~المقدمة.
# وكذلك لصوم الجنب والحائض وغيرهما، يظهر الوجوب من إطلاقات الأخبار
~~المتقدمة، واقتضائها عموم البدلية، فإن مدلول كثير منها أزيد من الإباحة،
~~ويثبت من كثير منها الوجوب في كل ما وجبت له المائية، مثل رواية أبي ذر (3)
~~وغيرها.
# مع أن ثبوت الإباحة كاف، فإن المراد بها هو المعنى الأعم من الأحكام
~~الثلاثة كما لا يخفى. ولا قائل باستحباب التيمم للصوم ولا بكراهته فيما
~~يحضرني من مقالاتهم.
# PageV01P310
# وعلى الوجوب فالأولى إبقاء التيمم حتى يصح.
# الثالث: المشهور بين الأصحاب وجوب التيمم على المحتلم في أحد المسجدين
~~للخروج، ويظهر من الفاضلين أنه إجماعي (1)، وعن ابن حمزة أنه مستحب (2).
# والأصل فيه صحيحة أبي حمزة، عن الباقر عليه السلام: " إذا كان الرجل
~~نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، فاحتلم،
~~فأصابته جنابة، فليتيمم، ولا يمر في المسجد إلا متيمما " (3).
# ومرفوعة محمد بن يحيى عن أبي حمزة مثله، إلا أنه قال بعده: " حتى يخرج
~~منه ثم يغتسل، وكذلك الحائض إذا أصابها الحيض تفعل كذلك. ولا بأس أن يمرا
~~في سائر المساجد ولا يجلسا فيها " (4).
# ثم إن بعضهم (5) صرحوا بالوجوب ابتداءا جمودا على ظاهر الرواية (6).
# وجماعة أوجبوا الغسل أولا مع الإمكان، مع الأمن من تلويث المسجد ومساواة
~~زمان الغسل لزمان التيمم أو نقصانه عنه ms0130 (7).
# احتمل بعضهم إطلاق التقديم (8)، وربما اعتذر بعضهم (9) في اعتبار
~~المساواة
# PageV01P311
# بعدم العلم بالقائل بالاطلاق.
# والأقرب تقديم الغسل مطلقا، للإطلاقات والعمومات، سيما إذا تضيق وقت
~~المشروط كما هنا.
# والرواية (1) واردة مورد الغالب كما لا يخفى، فلا ينافيها.
# والإجماع على حرمة المكث في المساجد والعمومات لا ينهض حجة على حرمة هذا
~~المكث، أما الاجماع فهو منتف في محل النزاع، وأما العمومات فليس فيها ما
~~يدل على ما نحن فيه، فلاحظها، فإنها مصرحة بحرمة القعود في المسجد، وظاهرها
~~الجنب من الخارج أيضا، لا من أجنب فيه. والقياس باطل.
# سلمناها، لكنها مخصصة بقدر طهارة ما إجماعا، فإن كان مجملا فالعام المخصص
~~بالمجمل لا حجة فيه في قدر الاجمال.
# وإن كان مبينا، فإما أن يكون هو التيمم، فلا دليل عليه، إذ الرواية واردة
~~مورد الغالب، فيبقى أن يكون هو الغسل، مع أنها معارضة بعمومات الغسل،
~~وبينهما عموم من وجه، بل لا يبعد ادعاء الخصوص المطلق في جانب الغسل، بأن
~~يقال:
# الرواية في قوة: فليغتسل، وإن لم يتمكن فليتيمم.
# وما دل على حرمة تنجيس المسجد (") لا يثبت حرمة الغسل مطلقا، وكلامنا في
~~ثبوته في الجملة. مع أن بينه وبين عمومات الغسل أيضا تعارضا من وجه، أو هذه
~~أخص بالتقريب المتقدم، إلا أن الظاهر ثبوت الاجماع على حرمة التنجيس مطلقا،
~~فالصواب تقديم الغسل إلا في هذه الصورة.
# فأما فرق بعضهم (3) بين المساوي وغيره، والاعتذار بعدم العلم بالقائل،
~~فلا يعتمد عليه. مع أن الظاهر أن دعوى الاجماع في هذه الفروع الجزئية مركبا
# PageV01P312
# أو بسيطا في غاية الخفاء.
# نعم يشكل الكلام فيما لو كان زمان الخروج أقصر من زمان الغسل، بل يجري
~~هذا الإشكال في التيمم أيضا في هذه الصورة; ولا يبعد سقوط التكليف حينئذ
~~رأسا، لأن الظاهر أن تلك الطهارة لأجل أن لا يكون الكون خاليا عن الطهارة،
~~وحينئذ يصير الكون الخالي أكثر.
# ولهذه المسألة فروع وغصون أشرنا إلى أكثرها في كتابنا الكبير.
# وربما ألحقت الحائض بالجنب في هذا الحكم (1)، للمرفوع (2).
# ورد بضعف السند، وحمل على الاستحباب مسامحة ms0131 (3). وهو مشكل.
# والظاهر أن المراد إذا طرأها الحيض، وأما إذا اتفق نقاؤها عن الحيض، بأن
~~تدخل فيهما سهوا أو عمدا، وحصل النقاء، ثم أرادت الخروج، فهل يجب التيمم أو
~~لا؟ والقول بالوجوب هنا أقوى، وإن كان في استفادته من الأدلة إشكال.
# ويظهر من ذلك: الكلام في غير المحتلم في المسجدين من أقسام الجنابة.
# الرابع: قد يجب التيمم بالنذر وشبهه، كما مر في أخويه.
# والمراد بشبه النذر: اليمين، والعهد، والتحمل (4) عن الغير والمراد به ما
~~ثبت في ذمة الغير بالنذر وشبهه إن قلنا بصحة الاستئجار فيه.
# أما الطهارة للصلاة المستأجرة فتندرج حينئذ فيما يجب للصلاة.
# ولما كان في نذر الطهارات تفصيل وأحكام فلا بأس للتعرض لها في الجملة
~~بحيث يشمل الثلاثة، فنقول:
# PageV01P313
# النذر إما أن يتعلق بكل واحد من الثلاثة بالخصوص، أو الطهارة مريدا أحد
~~أفرادها، أو الطهارة من دون قصد فرد، لا بالعموم ولا بالخصوص.
# فأما الأول، فأما الوضوء: فينعقد نذره حيث لم يكن هناك مانع، فلا ينعقد
~~نذر وضوء الحائض في غير وقت الصلاة، ولا وضوء الجنب، ولا التجديدي قبل
~~الصلاة على القول باشتراطه بفعل الصلاة. فتعميم الشهيد الثاني انعقاده
~~دائما (1) محل نظر.
# فلو نذره مطلقا فوقته العمر، يأتي به حسبما نذر.
# ولو قيده بوقت، فإن امتنع فيه شرعا فلا ينعقد نذره، وإن أمكن بالفعل فلا
~~إشكال.
# وإن أمكن تحصيل الإمكان بالفعل، كإمكان الحدث للمتطهر حيث لم نقل بجواز
~~التجديد، ففي وجوبه إشكال. الأظهر العدم، وفاقا لجماعة (2)، لأن انعقاد
~~النذر تابع للرجحان بالفعل، لأن الراجح حقيقة في المتلبس بالمبدأ، ومجاز
~~فيما سيتلبس والوضوء للمتطهر لا رجحان له حينئذ. وثبوت استحباب الوضوء
~~الرافع مطلقا حتى يكون منذوره واجبا مطلقا حتى يثبت وجوب مقدمته من جهة أن
~~الواجب حينئذ هو الوضوء بعد الحدث لا الوضوء بشرط الحدث كما كان كذلك في
~~أصل الرجحان محل كلام، لعدم الدليل على ذلك، ولا تشمله إطلاقات الوضوء. وما
~~ثبت للوضوء من الاستحباب النفسي إنما هو للمحدث أو للمجدد مع حصول الشرط.
# ومن ذلك يظهر ضعف ms0132 ما يقال: إن مطلق الوضوء مستحب، فيصح نذر فرده وإن كان
~~مرجوحا كالصلاة في الحمام (3).
# PageV01P314
# وقد مر ما ينفعك في هذا المقام، فإن صحة النذر إذا (1) كان المتعلق هو
~~نفس الخصوصية المرجوحة محل كلام.
# مع أن هذا الفرد بنفسه مرجوح، بل هو كصلاة الأضحى حينئذ، والفرد الباطل
~~بنفسه لا يصير راجحا بسبب صدق الكلي عليه. واعتبار الجهتين إنما ينفع لو لم
~~يثبت بطلان الفرد بالخصوص، وعموم الوضوء مخصص بشرائط ما نحن فيه فاقدها، مع
~~أن ثبوت عام يظهر كون ذلك من أفراده غير معلوم. هذا كله مع أنه مفوت للكون
~~على الطهارة في حال التوضؤ ومقدماته، إلا أن يكون موجبا للكون على الطهارة
~~أزيد من السابق.
# وأما الغسل، فإن قلنا باستحبابه بلا سبب كما مرت الإشارة إليه، وقلنا
~~بجوازه في جميع الأحوال، فينعقد نذره دائما، وإلا ففيما لم يمنعه مانع.
# وإن منعناه رأسا، فينعقد حين حصول الأسباب. فلو نذر غسلا معينا فيتبعه،
~~ولو أطلق فيختار. ثم إن لم يوقته فوقته العمر كما مر، وإن وقته فالتفصيل
~~المتقدم.
# وربما يفرق بوجوب تحصيل السبب هنا في الصورة السابقة في مثل غسل الجنابة،
~~لرجحانه مطلقا، لما ورد من الثواب على فعله.
# وفيه: أنه منقوض بما ورد في الوضوء، والظاهر (2) أن ما ورد فيه إنما ورد
~~فيما ثبت رجحانه لا مطلقا، وبالجملة لم يثبت لنا من الأدلة إلا الرجحان (3)
~~المشروط.
# وأما التيمم، فيشترط فيه عدم التمكن من استعمال الماء، فيتوقع مع
~~الإطلاق، ويبطل مع التعيين إذا تمكن فيه، إلا في مثل التيمم للنوم. وكذلك
~~يختار مع الإطلاق بالنسبة إلى الأسباب، ويقتصر على ما عين في التعيين، ولا
~~يجب عليه تحصيل السبب كما مر.
# PageV01P315
# وأما الثاني (1): فيختار المكلف أي فرد شاء، ويعلم التفصيل مما مر.
# وأما الثالث (2): فإن قصد المعنى الشرعي فهو، وإلا فيبنى على عرف
~~المتشرعة.
# فعلى القول باشتراكه لفظا أو معنى متواطئا فالتخيير، وعلى القول بالحقيقة
~~والمجاز فالمائية، وعلى القول بالتشكيك فاحتمالان: بالنظر إلى أصل البراءة
~~واستصحاب اشتغال الذمة. والأقوى التخيير أيضا، كما ms0133 أن الأقوى التشكيك.
# ولو قلنا باشتراكه بينها وبين الطهارة عن الخبث، فحيث لم تثبت قرينة،
~~فالتخيير أيضا.
# الخامس: يستحب لما تستحب له المائية، لعموم البدلية المستفادة من صحيحة
~~حماد: عن الرجل لا يجد الماء، أيتيمم لكل صلاة؟ قال: " لا، هو بمنزلة الماء
~~" (3) ورواية أبي ذر: " يكفيك الصعيد عشر سنين " (4).
# وخصه جماعة بما لو كان المبدل رافعا (5)، وزاد بعضهم التيمم بدلا عن
~~الوضوء لذكر الحائض (6)، واستشكل بعض المتأخرين في الرافعات أيضا (7).
~~ويظهر وجه الأخير وجوابه مما قدمناه.
# والقول بالتفصيل ناظر إلى أن كون (8) التيمم أحد الطهورين، وكون التراب
~~طهورا، إنما يقتضي بدليته عن الطهور، والطهور حقيقة في الرافع كما أشرنا
~~إليه.
# PageV01P316
# وفيه: أن مفهوم اللقب لا حجة فيه. وكون التراب طهورا لا ينافي كونه بدلا
~~عن غير الطهور، كما أن كون الماء طهورا لا ينافي اتصافه بشئ آخر.
# السادس: يستحب التيمم لأمور أخر غير ما تقدم.
# منها: التيمم للنوم مع وجود الماء، لمرسلة الفقيه (1).
# وهي إنما تدل عليه (2) لمن ذكر في الفراش أنه على غير طهور، والظاهر أنه
~~وارد مورد الغالب، ولذلك قال: " فليتيمم من دثاره " فلو تمكن في الفراش من
~~الماء أو التراب فيشكل إطلاق الاستحباب، فإن اعتمد على إطلاق الفتوى فهو،
~~وإلا ففي الإطلاق إشكال. إلا أن يقال المستفاد من الرواية أن غرضه عليه
~~السلام تسهيل الأمر، وحصول فرد من المائية يساوي الترابية في السهولة بعيد.
# وأما لو وجد التراب، فيشكل تقديم الغبار، سيما إذا نام على التراب، ولم
~~يكن له دثار.
# ومنها: التيمم لصلاة الجنازة وإن وجد الماء، للاجماع، نقله الشيخ في
~~الخلاف (3)، ولحسنة حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن الصادق عليه السلام، قال:
~~" الطامث تصلي على الجنازة، لأنه ليس فيها ركوع ولا سجود، والجنب يتيمم
~~ويصلي على الجنازة " (4).
# والصدوق روى عن يونس بن يعقوب جواز صلاة الجنازة من غير وضوء (5)، ثم
# PageV01P317
# قال: وفي خبر آخر أنه يتيمم إن أحب. وتشهد له موثقة سماعة أيضا (1).
# ولا ينافي ما ذكرنا حسنة الحلبي (2) ورواية عبد الحميد بن سعد (3)
~~الحاكمتان بالتيمم ms0134 في جواب من سأل عن حالة لا يتمكن من الوضوء للجنازة، فإن
~~السؤال غير مخصص للجواب على التحقيق.
# وقد ظهر من مرسلة حريز جواز التيمم للطامث إذا أرادت صلاة الجنازة، وتدل
~~عليه موثقة سماعة أيضا (4).
# ومنها: استحباب التجديد بحسب الصلوات، للجمع بين صحيحة أبي همام، قال: "
~~يتيمم لكل صلاة حتى يوجد الماء " (5) وما دل على جواز الصلوات الكثيرة
~~بتيمم واحد.
# وهو بعيد، فإن الظاهر من الصحيحة التقييد بالحدث، كإطلاقات الوضوء.
# والأولى الاستدلال بعموم البدلية، وبقوله عليه السلام: " الطهر على الطهر
~~عشر حسنات " (6) وبرواية السكوني (7).
# PageV01P318
# المقصد الثاني في أسباب فقد التمكن من المائية وفيه مباحث:
# الأول: فقدان الماء بقدر ما يكفيه سبب لجواز التيمم.
# ولو أمكنه التتميم بالمضاف بحيث لا يخرج عن الإطلاق وجب من باب المقدمة.
# ولو لم يمكن فلا يجب استعمال البعض ولو في الغسل.
# وربما نقل عن الشيخ التبعيض (1)، واحتمله العلامة في النهاية في خصوص
~~الغسل (2)، نظرا إلى عدم وجوب الموالاة; لجواز وجود ما يكمله.
# وهو ضعيف، للآية، فإنه يصدق عليه عرفا أنه غير واجد للماء، ففرضه التيمم
~~(3). وهو المستفاد من الصحاح المستفيضة المشتملة على " السؤال عن جنب يكون
~~معه الماء بقدر الوضوء، هل يتوضأ، أو يتيمم؟ والجواب بوجوب التيمم من
# PageV01P319
# دون تجويز التبعيض " (1) ولو جاز لأجيب به.
# ولو كان معه ما يكفي الوضوء أو الغسل في غير الجنابة، فعلى قول المرتضى
~~يغتسل (2)، وعلى المشهور ففيه احتمالان، والأحوط تقديم الغسل.
# ولو وجد ما يكفيه لإزالة النجاسة، يقدمها ويتيمم بالاجماع، نقله الفاضلان
~~(3)، ويؤيده أن للطهارة بدلا، بخلاف الإزالة.
# وذلك فيما لم يعف عنه من النجاسات، أو فيما اضطر إليه من الثياب، وكذلك
~~فيما لو وجد ما يتيمم به; وإلا فالطهارة مقدمة على الإزالة، لاشتراط صحة
~~الصلاة بها مطلقا دون الإزالة.
# فلو تطهر بالماء حينئذ فقد أخطأ. وفي بطلانها إشكال، لأن القدر الثابت من
~~الاجماع هو وجوب الإزالة، لا حرمة الطهارة، ليتعلق النهي بالعبادة، فيثبت
~~البطلان. وأما تعلق النهي المستفاد من الأمر بالإزالة بهذه الطهارة، فهو
~~إنما يتم لو سلم ms0135 كون الأمر بالشئ مستلزما للنهي عن ضده الخاص، وأن متعلق
~~النهي هو الفرد لا الطبيعة.
# والحاصل أن ذلك على تسليم الاستلزام يصير من باب اجتماع الأمر والنهي في
~~شئ مع اختلاف الجهة، وبطلانه غير واضح، كما حققناه في الأصول.
# والاحتياط أن يتيمم بعد هذه الطهارة.
# ثم إن فاقد الماء، إما أنه متيقن بالتمكن من تحصيله فيجب الطلب مطلقا، أو
~~بعدمه فلا يجب عليه الطلب مطلقا، لعدم الفائدة، كما صرح به في المدارك (4).
# PageV01P320
# ولكن الشهيد - رحمه الله - في القواعد (1) عد من جملة ما وقع التعبد
~~المحض فيها ولا يكاد يهتدى فيها إلى العلة " وجوب طلب المتيمم ".
# وإن علم عدم الماء فلا يجوز التكليف به.
# وأما إن ظن بالتمكن فالظاهر أنه يجب الطلب ما دام الظن.
# وأما مع الظن بالعدم أو تساوي الطرفين، فالظاهر أن هذا المقام هو الذي
~~عنونوا به مسألة وجوب الطلب، وادعوا عليه الاجماع، نقله الفاضلان (2)
~~وغيرهما.
# واستدلوا عليه بظاهر الآية والأخبار، فإن عدم الوجدان لا يصدق عرفا إلا
~~بعد الطلب أو اليقين بالعدم.
# ولكن حدده جمهور أصحابنا: بغلوة سهم في الحزنة، وغلوة سهمين في السهلة،
~~في الجهات الأربع كما في قول بعضهم (3)، أو في أمامه ويمينه وشماله كما في
~~آخر (4)، أو في رحله ويمينه وشماله كما في آخر (5)، أو بزيادة في سائر
~~جوانبه كما في آخر (6)، أو بالاطلاق كما في آخر (7). وأنه لا يجب أكثر من
~~ذلك، لرواية السكوني (8)، وادعى عليه ابن إدريس تواتر الأخبار (9)، وابن
~~زهرة الاجماع (10)، وإلا فحيث يحصل له الظن بالماء، فيجب تتبعه مطلقا، مثل
~~أن يشاهد قافلة من بعد، أو خضرة يظن معها وجود الماء، ونحو ذلك. ويمكن بعد
~~التتبع واليأس في صورة
# PageV01P321
# الظن إدخال الجانب الذي تتبع فيه في الجوانب المأمور بالتتبع فيها حين
~~ارتفاع الظن.
# وكلام الأصحاب في موضوع المسألة غير محرر.
# ثم إن المحقق استشكل العمل على الرواية لضعفها، واستوجه أن يطلب في كل
~~جهة يرجو فيها الإصابة، ولا يكلف التباعد بما يشق، واستحسن العمل على حسنة
~~زرارة، عن أحدهما عليهما ms0136 السلام، قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب
~~ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته فليتيمم وليصل في آخر الوقت، وإذا وجد
~~الماء فلا قضاء عليه " (1) (2).
# وفيه: أن ظاهرها متروك، والرواية الأولى معتضدة بالعمل والإجماع المنقول
~~ونقل التواتر ونفي الحرج والعسر المنفيين، فالعمل عليها.
# ويمكن توجيه الحسنة بأن يقال: المراد أن وجوب الطلب وقته باق ما دام
~~الوقت باقيا، وذلك لا يستلزم وجوب الدوام. وعلى هذا فلا يعتبر (3) عند
~~المشهور صدق عدم الوجدان عرفا، وذلك ينافي استدلالهم على وجوب الطلب بعدم
~~صدق عدم الوجدان عرفا إلا بعد الطلب، إلا أن تكون تلك الرواية وعملهم قرينة
~~على اصطلاح في عدم الوجدان شرعا، وهو مشكل.
# ولعله لذلك بنى بعض المتأخرين (4) على صدق عدم الوجدان عرفا، سواء زاد عن
~~التحديد المزبور، أو نقص، فترك الروايتين.
# ولو خاف على نفسه أو ماله لو فارق مكانه لم يجب الطلب، لرواية الرقي (5)،
# PageV01P322
# ورواية يعقوب بن سالم (1)، وغيرهما، مع عموم نفي العسر والحرج.
# ويشكل الاعتماد على الطلب قبل الوقت إذا تجدد الإمكان بعده، سيما مع
~~ملاحظة الحسنة، وإطلاق الطلب في الخبر منصرف إلى ما بعد الوقت، هذا كله إذا
~~وسع الوقت للطلب.
# ولا يجب مع الضيق فيتيمم، مثل أن يستيقظ قبل طلوع الشمس.
# ومثله ما لو وجد الماء، ولكن كان استعماله مفوتا للوقت ولو بمقدار ركعة
~~إذا لم يقصر، وسيظهر وجهه.
# ولو أخل بالطلب حتى ضاق الوقت، فعن المشهور أنه عاص، ولكن يتيمم ويصلي،
~~ولا يعيد، لسقوط الطلب حينئذ، وكونه مأمورا بالتيمم، والأمر يقتضي الاجزاء.
# ويشكل بمنع سقوط الطلب، ولزوم التكليف بالمحال إذا كان المكلف هو السبب
~~لم يقم دليل على استحالته، ولعله لذلك ذهب الشيخ إلى بطلان تيممه (2)،
~~ويلزمه وجوب إعادة الصلاة، كما قطع به الشهيد (3).
# ومثله ما لو وجد الماء وأهمل استعماله حتى ضاق الوقت، والظاهر أن التكليف
~~بالمحال حينئذ هو كونه مأمورا بالمائية والصلاة في الوقت، والتيمم والصلاة
~~في الوقت، لا الأول فقط، وإلا فيلزم جواز ترك الصلاة مع التيمم فيجب التيمم
~~والصلاة ms0137 لأن الوقت لا عوض له، والأهم في نظر الشارع هو الوقت، حتى جوز
~~تفويت بعض الأجزاء لإدراك الوقت، بخلاف الطهارة المائية. فثمرة التكليف
~~بالمائية هو العقاب عليه وثبوت القضاء على إشكال في ذلك، للزوم وجوب الأداء
~~والقضاء في شئ واحد.
# PageV01P323
# وللأصحاب في استعمال الماء حينئذ وقضاء الصلاة، أو التيمم وأدائها في
~~الوقت، قولان: من جهة أن التيمم إنما يسوغ بعد العجز عن المائية، ولم يثبت
~~كون ضيق الوقت مسوغا له، والصلاة مشروطة بالمائية فتجب. ومن جهة أن الوقت
~~أيضا شرط فيها، بل هو أهم من المائية في نظر الشارع كما ذكرنا، ولمثل قوله
~~عليه السلام: " هو بمنزلة الماء " (1) وغيره.
# والثاني أقرب، وإن كان الأحوط القضاء، فاحتياط القضاء بناءا على ما
~~حققناه إنما هو لأجل فوت الصلاة بالمائية، لا من جهة بطلان ما فعله
~~بالترابية، والمسألة من المشكلات.
# الثاني: من الأعذار، عدم الوصلة إلى الماء من جهة زمانة، أو فقد آلة أو
~~فقد ثمن فيما لا يتيسر إلا بهما، أو خوف من لص أو سبع على النفس أو المال
~~أو البضع، لنفي الحرج والضرر، وللإجماع، نقله جماعة (2)، ولرواية يعقوب بن
~~سالم (3)، وغيرها.
# والظاهر أن الجبن الشديد أيضا بنفسه من الأعذار، فإن تحمله عسر وحرج، بل
~~ربما يورث فسادا في العقل أو المزاج.
# وكذلك إذا خاف من البرد، وشق عليه تحمله وإن أمن العاقبة، لانتفاء الحرج
~~والعسر. ويؤيده إطلاق صحيحة محمد بن مسلم (4).
# ولو تمكن من حفر بئر أو اخراج من بئر - ولو بتدلية الثياب فيها وعصرها
~~ونحو ذلك - وجب.
# وفي معناه تسخين الماء البارد إذا احتاج إليه.
# PageV01P324
# وكذا يجب شراء الماء أو الآلة، وكذا الحطب للتسخين إذا احتاج إليه، ونحو
~~ذلك إن وجد الثمن ولم يتضرر به في الحال (1) أو مطلقا فيما لا يتوقع المكلف
~~حصول ما يسد خلته في المال أيضا، لنفي الضرر والحرج، ودلالة فحوى رواية
~~يعقوب بن سالم عليه (2).
# أما في صورة عدم التضرر فيجب وإن كان بأضعاف ثمنه المعتاد على المشهور،
~~لأنه واجد للماء حينئذ، ولصحيحة صفوان ms0138 المشتملة على الأمر باشتراء قدر ما
~~يتوضأ به بألف درهم (3).
# خلافا لابن الجنيد، قال: إذا كان الثمن غاليا تيمم وصلى، وأعاد إذا وجد
~~الماء (4).
# ولعله نظر إلى ما دل على عدم وجوب الطلب إذا خاف أن يعرض له اللص، ولنفي
~~الضرر، ولأنه تضييع للمال.
# وفيه: أن الأول قياس مع الفارق، لأن في الأصل مهانة للنفس تستوحش منها،
~~بخلاف صرف المال في الخيرات، والمفروض عدم التضرر. وتحصيل الأجر بالمال عين
~~الإصلاح، فلا ضرر ولا تضييع أيضا.
# وربما قيد الزائد عن ثمن المثل بغير المجحف بالماء، للعسر والحرج، قال في
~~المنتهى: لو كانت الزيادة كثيرة تجحف بماله سقط عنه وجوب الشراء، ولا نعرف
~~فيه مخالفا (5) والإجحاف في اللغة بمعنى الإذهاب (6)، وبعد ما احترزنا عن
~~حصول
# PageV01P325
# الضرر فاشتراط ذلك محل إشكال، لو لم يكن إجماعا، إلا أن يقال باندراجه
~~تحت العسر والحرج المنفيين، فإن العسر والحرج قد يكونان من جهة محض التألم
~~من مفارقة المال وإن لم يكن مضرا به، خرج عنه غير المجحف كما دلت عليه
~~الصحيحة المتقدمة (1)، وبقي الباقي.
# ولو بذل له الماء أو وهب له وجب القبول، لصدق الوجدان حينئذ.
# وكذلك لو بذل له الثمن، كما أفتى به الشيخ (2) وتبعه العلامة في المنتهى
~~(3) وغيره.
# واستشكله المحقق بأن فيه منة، فلا يجب تحملها (4)، وذهب إليه العلامة في
~~التذكرة والنهاية (5) والشهيدان (6).
# والأظهر الأول، لما ذكرناه، ولعدم الفرق ظاهرا بين بذل الماء وهبته، وبين
~~بذل ثمنه. مع أن الكلام غير مطرد، فقد لا تكون منة، وقد يتعاكس، وقد يختلف
~~الحال بالنسبة إلى الباذل والقابل، بالنسبة إلى الماء والثمن.
# ولا تجوز مكابرة صاحب الماء، بخلاف الاضطرار لمثل الجوع والعطش.
# والظاهر وجوب القبول لو أعطاه بثمن مؤجل وكان قادرا على الأداء لما مر.
# الثالث: من الأعذار، المرض، سواء كان من جهة الخوف من الهلاك بسببه، أو
~~زيادته، أو بطء برئه، أو عسر علاجه، أو حدوثه، وكذلك القروح والجروح.
# PageV01P326
# ويدل على الجميع: انتفاء العسر والحرج عموما، وفي الطهارة المائية خصوصا
~~في آية التيمم. وقوله تعالى: * (إن ms0139 كنتم مرضى) * (1) في أكثر ما ذكر.
# وعلى بعضها قوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (2) وفي
~~خصوص القروح والجروح: الأخبار الصحاح المستفيضة (3) وغيرها التي مرت
~~الإشارة إليها في باب الجبائر.
# والمشهور عدم الفرق بين المتعمد وغيره، وذهب الشيخان إلى وجوب الغسل على
~~المتعمد وإن خاف التلف (4)، وعن الشيخ في بعض أقواله: وجوبه حينئذ وإن لحقه
~~برد، إلا أن يخاف التلف، وفي بعض آخر: يتيمم عند خوف البرد على نفسه حينئذ
~~ويعيد الصلاة. وعن ابن الجنيد عدم أجزاء التيمم للمتعمد (5).
# والمذهب هو المشهور، لعموم الآية وانتفاء الحرج والعسر، وقوله تعالى:
# * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * وإطلاقات الصحاح المستفيضة جدا.
# ويؤيده جواز الجماع لعادم الماء بالاجماع، كما نقله في المعتبر (6)، وهو
~~الظاهر من المنتهى (7) وإن كان معه ماء يكفيه للوضوء، فإنه إنما نقل
~~الكراهة عن بعض العامة، وتدل عليه موثقة إسحاق بن عمار رواها في آخر
~~السرائر أيضا عن كتاب
# PageV01P327
# محمد بن محبوب مع زيادة (1).
# واحتجوا بروايات مقدوحة إما من حيث السند، أو من حيث الدلالة، لاشتمالها
~~على غير المتعمد أيضا. مع أنها معارضة بالعقل القاطع من وجوب دفع الضرر
~~المظنون، قابلة للتقييد والتأويل، ومعارضة بالكتاب والسنة وعمل جمهور
~~الأصحاب.
# وأما الإعادة بعد الاغتسال، فقد استدل عليه برواية جعفر بن بشير (2)،
~~وصحيحة عبد الله بن سنان (3)، وهما مطلقتان، وظاهرهما مهجور، والأولى
~~ضعيفة. مع أنهما معارضتان بأقوى منهما وأكثر، من الأخبار الصحيحة الكثيرة
~~وغيرها.
# ففي صحيحة محمد بن مسلم: عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلى، ثم وجد الماء
~~فقال: " لا يعيد، إن رب الماء رب الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين " (4).
# وأيضا فالأمر يقتضي الاجزاء، والإعادة تحتاج إلى دليل يعتمد عليه.
# والمراد بالمرض: ما يشق معه تحمل الطهارة، أو يوجب زيادة ألم، فلا عبرة
~~بمسمى المرض، ولا ما لا يضره استعمال الماء، وإلى ذلك ينصرف ظاهر الآية.
# فالاكتفاء بمطلق اسم المرض في العدول إلى التيمم لا وجه له، سيما مع
~~ملاحظة الروايات التي استدل بها الشيخ في صورة تعمد الجنابة.
# والمرجع في معرفة الضرر ms0140 الظن الحاصل بالتجربة، أو إخبار عدل، بل وغير عدل
~~أيضا إذا حصل به، لكونه من موضوعات الأحكام، بل لا يبعد الاكتفاء
~~بالاحتمال. قال في المعتبر: يستبيح المريض التيمم مع خوف التلف إجماعا، ثم
# PageV01P328
# قال: وهل يستبيحه لخوف الزيادة في العلة أو بطئها، أو الشين؟ مذهبنا: نعم
~~حصول الترخيص بمجرد الخوف وإن لم يكن مع الظن، أو كان بمحض الجبن (1).
# وظاهره الاجماع، وكذلك ابن زهرة ادعى الاجماع على الترخيص لمطلق الخوف من
~~الاستعمال (2).
# ثم إنه قد ظهر من كلام المعتبر الاجماع على أن خوف الشين عذر (3)، وصرح
~~في المنتهى أيضا بالاجماع (4). قال الشهيد الثاني: هوما يعلو البشرة من
~~الخشونة المشوهة للخلقة، وربما بلغ تشقق الجلدة وخروج الدم (5). وقيده في
~~المنتهى بالفاحش (6).
# وربما استشكل فيه بعض المتأخرين، وقال: إن وصل إلى حد يسمى مرضا ويحصل به
~~الضرر الغير المتحمل فهو، وإلا فلا (7).
# وفيه: أن المناط هو مطلق العسر وإن لم يسم مرضا. ولعل الإجماعين
~~المنقولين يكفيان في ثبوت الحكم.
# والإشكال العظيم في أمثال ذلك من جهة احتمال البطلان لو تكلف الفعل، ولو
~~فعل فالأحوط ضم التيمم إليه أيضا إن لم تمكن الجبيرة.
# ومن الأعذار: خوف العطش الحاصل أو المتوقع في زمان لا يحصل فيه الماء
~~عادة، إن (8) لم يمكن جمع المتساقط من ماء الطهارة بحيث لا ينافي الغرض،
# PageV01P329
# للاجماع، نقله غير واحد، منهم الفاضلان (1)، وللأخبار المعتبرة (2).
# ولا ريب فيما لو حصل العلم بذلك، والظاهر أن الظن بحصوله أيضا كذلك، بل
~~الاحتمال المساوي أيضا، لظاهر الأخبار، فإن الحكم فيها معلق على خوف العطش،
~~وهو مطلق كفتوى الأصحاب.
# ولا فرق بين خوف الهلاك منه أو التضرر في الجسم بالمرض وغيره، بل يكفي في
~~ذلك عسر تحمله أيضا، لعموم الأخبار، وانتفاء الحرج.
# وألحق الأصحاب خوف عطش الرفيق المسلم، وهو كذلك، لأن حرمة المسلم آكد من
~~حرمة الصلاة، كما يستفاد من الأخبار، ولذلك يجوز قطع الصلاة لحفظه.
# غاية الأمر جواز أخذ الثمن.
# وألحق جماعة منهم الدواب المحترمة (3)، فإنه خوف على المال. ولا يقاس على
~~وجوب الشراء، ms0141 ولذلك يجوز إعطاؤها في ثمن الماء.
# وربما يحتمل وجوب الذبح، وصرف الماء، وهو بعيد، سيما فيما يكون (الذبح
~~فيه) (4) إضاعة من جهة التضييع، ومن جهة الإشكال في إيلام الحيوان، ولم
~~تثبت الرخصة في الذبح بهذا المقدار.
# وفي حيوان الغير إشكال، ولطف الله العام ورأفته الشاملة تقتضي ذلك، لأن
~~لكل كبد حري حقا.
# والنجس لا يجوز استعماله في الطهارة مطلقا، ولا للشرب، إلا اضطرارا،
~~فالواجد لهما يهريق النجس، ويحفظ الطاهر.
# وفي صحة الطهارة في صورة وجوب حفظ الماء الإشكال السابق.
# PageV01P330
# الرابع: لو لم يجد إلا الثلج، فإن أمكن تحصيل مسمى الغسل والجريان فلا
~~إشكال، وإلا فذهب الشيخان (1) وابن حمزة (2) إلى وجوب التمسح ببلته على
~~جميع أعضاء الوضوء أو الغسل. والسيد المرتضى إلى التيمم به (3). وابن إدريس
~~منعهما جميعا (4) وهو مذهب المحقق (5).
# واستدل على الأول بروايات كثيرة، منها: ما دل على كفاية مثل الدهن في
~~الماء، مثل صحيحة زرارة (6) ومحمد بن مسلم (7) وغيرهما. وحملها على حال
~~الضرورة ليس بأولى من حملها على المبالغة كما تقدم، مع أن ذلك لو تم لوجب
~~تقديمه على التيمم بالتراب.
# ومنها: ما دل على حكم خصوص الثلج والجمد، مثل رواية معاوية بن شريح (8)،
~~وصحيحة محمد بن مسلم (9)، وظاهرهما تقديم الغسل به إن أمكن على التيمم
~~بالصعيد، وأين هو مما نحن فيه؟!
# و (10) على مذهب السيد بصحيحة محمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام:
# عن الرجل يجنب في السفر، فلا يجد إلا الثلج، أو ماءا جامدا، قال: " هو
~~بمنزلة
# PageV01P331
# الضرورة، يتيمم " (1).
# ويمكن دفع دلالتها بإرادة التيمم على الصعيد أو ما يقوم مقامه، ومراد
~~الراوي عدم وجدان جنس الماء.
# وعلى الثالث، أن التيمم إنما هو بالتراب أو بالأرض، والثلج ليس بأحدهما،
~~فلا يجوز التيمم به، ولا التمسح، لأن المأمور به هو الغسل، ولا يحصل إلا
~~بالجريان.
# وهو قوي، لظاهر الكتاب الحاصر بين الغسل والتمسح بالصعيد، وعمومات
~~الأخبار، وخصوص ما دل على اعتبار الجريان، وإمكان حمل الروايات على
~~المبالغة كما أشرنا سابقا.
# ويظهر من الشيخ في كتابي الأخبار تقديمه على ms0142 التراب مع وجودهما أيضا،
~~لرواية علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل الجنب أو
~~على غير وضوء، ولا يكون معه ماء، وهو يصيب ثلجا وصعيدا، أيهما أفضل، أيتيمم
~~أو يمسح بالثلج وجهه؟ قال: " الثلج إذا بل رأسه وجسده أفضل، فإن لم يقدر
~~على أن يغتسل، فليتيمم " (2) وهو مختار العلامة في المنتهى (3).
# وفيه: مع ضعفها، أنها محمولة على المبالغة، واسم التفضيل ليس بمعناه
~~المعهود. وسبيل الاحتياط واضح.
# PageV01P332
# المقصد الثالث في كيفيته وفيه مباحث:
# الأول: تجب فيه النية مستدامة الحكم، كما مر في الوضوء.
# وادعى المحقق الاجماع على عدم جواز قصد رفع الحدث (1)، وجوزه الشهيد -
~~رحمه الله - إلى غاية (2)، وقد مر أن النزاع لفظي.
# وأما قصد البدلية، ففيه أقوال، ثالثها: الوجوب إن قيل باختلاف الهيئتين
~~(3).
# وفيه: أن ما يضر في صورة اختلاف الهيئتين هو عدم صدق الامتثال بسبب
~~الزيادة والنقصان في الأجزاء، ولا دخل للقصد فيه على ما هو مبنى هذا القول،
~~وإلا فلا فرق بين الاختلاف والاتحاد، لما بينا أن العبادتين المتماثلتين
~~تتباينان بالنية، كصلاة الفجر وفائتته.
# والتحقيق أنه إن كان مميزا للطاعة يجب، لما بينا في الوضوء، وإلا فلا.
# PageV01P333
# وموضعها عند ضرب اليدين، وقيل: عند مسح الوجه، تنزيلا للضرب منزلة أخذ
~~الماء للوضوء (1)، وهو ضعيف، لأن ضرب اليدين واجب بالأصالة.
# ويجب مسح الجبهة إجماعا، والجبينين على الأقوى، من القصاص إلى طرف الأنف
~~الأعلى. وزاد الصدوق مسح الحاجبين (2)، ووالده تمام الوجه (3).
# وعن السيد الاجماع على عدم وجوب الاستيعاب (4).
# أما الآية (5) فظاهرها مضافا إلى ما ورد في صحيحة زرارة من التفسير: مسح
~~بعض الوجه (6)، ومقتضاه الاكتفاء بأي بعض منه.
# والأخبار مختلفة، ففي طائفة من الأخبار المعتبرة: مسح الجبينين في مقام
~~البيان، وفي طائفة ذكر الجبهة فقط، وفي طائفة منها ذكر الوجه. والأخبار
~~كلها معتبرة صحيحة، أو كالصحيحة، أو غيرها (7).
# ومقتضى لجمع مع ملاحظة الآية مع تفسيرها: التخيير، وحمل ما دل على الجميع
~~على الاستحباب. ولكن الاجماع على الجبهة كما ادعاه في الذكرى (8) وظاهر
~~الآية مع تفسيرها وما دل ms0143 على كفاية البعض أوجب اخراج ما دل على التمام من
~~ظاهرها، فيحمل إما على البعض أو على الاستحباب، فيحصل الامتثال بها بمسح
~~الجبهة أيضا.
# فإنما يبقى الكلام في إيجاب الجبينين، والأظهر وجوبه، لصحيحة زرارة (9)،
# PageV01P334
# وحسنته (1)، وموثقة ابن بكير (2) الواردة في بيان التيمم. ويمكن حمل ما
~~دل على الجميع على التقية، لموافقته للعامة.
# ولم نقف على ما يدل على مسح الحاجبين.
# ثم يجب مسح ظاهر الكف اليمنى من الزند إلى رؤس الأصابع بباطن اليسرى، ثم
~~العكس كذلك.
# وعن ابن بابويه: المسح فوق الكف قليلا (3)، ولعله أراد من باب المقدمة،
~~فلا مخالفة.
# وعن أبيه: مسح اليدين من المرفقين إلى رؤس الأصابع (4).
# ونقل عن بعض الأصحاب المسح من أصول الأصابع إلى رؤسها (5).
# حجة الأولين - مضافا إلى التبعيض المستفاد من الآية مع تفسيرها - بناءا
~~على كون اليد حقيقة فيها إلى المنكب - وهو ينفي قول الصدوق - الأخبار
~~الكثيرة المعتبرة مثل صحيحة زرارة (6)، وصحيحة إسماعيل بن همام (7)، وغيرها
~~من الأخبار
# PageV01P335
# الكثيرة، المشتملة على ذكر الكف في مقام البيان، وفي بعضها: " ولم يمسح
~~على الذراعين " (1).
# وأما على القول بكون اليد حقيقة في الزند إلى رؤس الأصابع، فيتم أيضا
~~بملاحظة التبعيض بالنسبة إلى كفاية ظهر الكف. مع ما هو المتبادر المنصرف من
~~الأخبار من إرادة الظهر، أو المراد في الآية بعض يد الوضوء المحدودة إلى
~~المرفقين.
# وأما ما دل من الأخبار على مسح الذراعين أيضا (2) وعمل عليها والد
~~الصدوق، فهي مع أنها مخالفة لظاهر الكتاب على الوجهين المتقدمين وإن وافقه
~~على الوجه الأول، من كون اليد حقيقة فيها إلى المنكب، فهي محمولة على
~~التقية، لموافقتها للعامة، ومخالفتها لجمهور الإمامية. وحملها على
~~الاستحباب والتخيير محتمل، ولكن الأولى ما ذكرناه.
# وأما المسح فوق الكف قليلا، فربما أخذ من صحيحة داود بن النعمان (3)،
~~وحسنة أبي أيوب الخزاز (4)، وفيهما نقل فعل الإمام كذلك، وهو لا يدل على
~~أزيد من كونه من باب المقدمة.
# وأما القول الأخير، فتدل عليه رواية حماد بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن
~~الصادق عليه السلام (5)، وهي مع ضعفها ms0144 لا تقاوم ما تقدم من الأدلة.
# ويدل على كون موضع المسح ظهر الكفين - مضافا إلى عدم ظهور الخلاف -
# PageV01P336
# حسنة الكاهلي عن التيمم: " فضرب بيده على البساط فمسح بها وجهه، ثم مسح
~~كفيه إحداهما على ظهر الأخرى " (1).
# وذكروا أيضا أن المسح إنما هو بباطن الكف، وهو المتبادر من الآية
~~والأخبار، سيما بعد ملاحظة كيفية وضع اليد على التراب أو (2) ضربها عليه،
~~واعتبار العلوق، ونحو ذلك، فإن المتبادر من جميعها المسح بالباطن. وهو
~~المراد في مسح الوجه أيضا.
# ولو تعذر المسح بالباطن فالظاهر كفاية المسح بالظاهر، للاطلاقات، فإن
~~انفهام الباطن إنما هو للتبادر، والمتبادر إنما هو بالنسبة إلى الأفراد
~~الغالبة، وهي في حالة الاختيار.
# الثاني: يجب إمساس اليدين بالصعيد، فلا يكفي لصوق الصعيد بالكف
~~باستقبالهما العواصف (3).
# والأظهر اعتبار ضربهما بالصعيد، كما هو الأشهر في كلام الأصحاب، والأوفق
~~بأكثر الأخبار المعتبرة القولية.
# وأما الوضع كما في سائر الفتاوى والأخبار المعتبرة الفعلية (4)، فالأولى
~~حمله على الضرب، لا لكونه أعم منه، لأنه نقل فعل ولا عموم في الفعل، فلو
~~وجد (5) العموم فهو من جهة نقل الراوي، فلا يخفى أنهما متباينان عرفا.
# PageV01P337
# فتعبير بعضهم (1) عن المطلب بالوضع بالاعتماد جمعا بين الأخبار غفلة.
# فالوجه على ما ذكرنا جعله من باب الاستعارة.
# والجمع بالتخيير تمسكا بأن الغرض قصد الصعيد، مشكل. وكذلك حمل الضرب على
~~الاستحباب. مع أن التأويل في كلام الراوي أولى منه في كلام الإمام.
# وأخبار الوضع كلها نقل فعل، بخلاف الضرب.
# وكذلك تجب المعية، كما هو ظاهر الفتاوى والمتبادر من الأخبار، كقولهم
~~عليهم السلام: " تضرب بيديك " و " يضرب بيديه " وفي بعضها: " ضربة للوجه
~~وضربة للكفين " ونحو ذلك (2).
# ولو كان مقطوع الكف فإن استؤصلتا من الزندين فيسقط عنه مسحهما والمسح
~~بهما بالضرورة. ويمسح الوجه، للاستصحاب، ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور،
~~ولقوله صلى الله عليه وآله: " ما أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم "
~~والأولى مسحه بالذراع إن أمكن، وإلا فحيثما أمكن.
# ولو قطعت إحداهما فيمسح الوجه بالأخرى، ثم يمسح الأخرى بالتراب كما مر.
~~وكذلك الكلام في الجزء الباقي ms0145 من الكف.
# وما نقل عن الشيخ من سقوط التيمم عن مقطوع الذراعين (3)، فالظاهر أنه
~~أراد السقوط عن اليدين، وإلا للزم سقوط الصلاة عنه، وهو معلوم البطلان، كما
~~ذكره في المدارك (4). ويؤيده حكم مقطوع اليد في الوضوء.
# وفي حكم القطع ما لو كان عاجزا عن ضربهما أو وضعهما على الصعيد.
# PageV01P338
# الثالث: المشهور أن الواجب في بدل الوضوء ضربة واحدة للوجه واليدين،
~~وللغسل ضربة للوجه ثم ضربة لليدين.
# وعن المفيد (1) والسيد (2) في بعض كتبهما وابن الجنيد وابن أبي عقيل (3)
~~ضربة واحدة للجميع في الجميع.
# وعن المفيد في قول آخر (4) وعلي بن بابويه (5) ضربتان كذلك.
# وعن علي بن بابويه أيضا القول بالضربة الواحدة للوجه، ثم التفريق لليدين،
~~فيضرب باليسار ويمسح اليمين من المرافق إلى رؤس الأصابع، ثم بالعكس (6).
# ونقله في المعتبر عن قوم منا (7).
# والأخبار الواردة في ذلك على أصناف، فطائفة من الأخبار المعتبرة تدل على
~~كفاية المرة مطلقا.
# منها: موثقة زرارة لابن بكير، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن التيمم،
~~فضرب بيديه إلى الأرض، ثم رفعهما فنفضهما، ثم مسح بهما جبهته وكفيه مرة
~~واحدة (8). وتقرب منها صحيحة صفوان عن عمرو بن أبي المقدام (9).
# PageV01P339
# ومنها صحيحة صفوان أيضا عن الكاهلي (1) ورواية زرارة (2) وغيرها.
# وطائفة منها تدل على ذلك مع ورودها في بيان التيمم بدلا عن الغسل،
~~وأكثرها صحيحة، مثل ما ورد في حكاية عمار.
# وطائفة منها تدل على المرتين مطلقا، كصحيحة إسماعيل بن همام الكندي، عن
~~الرضا عليه السلام، قال: " التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين " (3).
# وصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام، قال: سألته عن التيمم،
~~فقال: " مرتين مرتين للوجه واليدين " (4).
# وستجئ صحيحة زرارة ورواية ليث المرادي، وفي طريقها ابن سنان، عن ابن
~~مسكان، ولعله محمد (5).
# والأظهر في الجمع بينها: حمل المرتين على الاستحباب، لظاهر الآية، ولكثرة
~~الأخبار الدالة على كفاية المرة، وصحتها وصراحة جملة منها في حكم الجنابة،
~~سيما مع ملاحظة موثقة عمار المصرحة باتحاد التيمم من الوضوء والجنابة
~~والحيض (6).
# PageV01P340
# وأما صحيحة محمد بن مسلم الدالة على مذهب علي بن ms0146 بابويه " من التفريق بين
~~ضرب اليدين " (1) فهي محمولة على التقية، ولا تقاوم ما ذكرناه من الأخبار
~~في إثبات التفريق أيضا.
# وأما مستند المشهور، فهي صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام قال، قلت:
# كيف التيمم؟ قال: " هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة، تضرب بيديك
~~مرتين ثم تنفضهما نفضة، مرة للوجه، ومرة لليدين " (2) الحديث وجعلوا الغسل
~~مرفوعا.
# ولا يخفى بعده بل الظاهر أنه مجرور، والمراد ب " ضرب واحد " قسم واحد.
# ونقله في المعتبر بلفظ " ضربة واحدة " (3) فإن ثبت لكان ظاهرا فيما
~~قالوا، ولكن الكلام في ثبوته، ولم نقف عليه في غير المعتبر، ولعله نقل
~~بالمعنى على ما فهمه.
# وأما ما استدل به في المنتهى من صحيحة محمد بن مسلم: " إن التيمم من
~~الوضوء مرة ومن الجنابة مرتان " (4) فالظاهر أنه توهم نشأ من الغفلة في فهم
~~كلام الشيخ في التهذيب (5)، كما حققه صاحب المنتقى (6)، واستحسنه من تأخر
~~عنه (7).
# هذا ولكن الأحوط أن لا تترك الضربتان، سيما في الغسل. وأحوط من ذلك أن
~~يجمع بين الكيفيتين لكل من الطهارتين، بأن يفعل تيممين كل منهما بنية
~~القربة.
# ثم إنه لا فرق في التيمم بين الأغسال أيضا، كما تصرح به موثقة سماعة،
# PageV01P341
# وصحيحة أبي بصير (1).
# والأظهر وجوب الوضوء أو تيمم آخر لو لم يتمكن من الوضوء في غير الجنابة.
# ولا تنافيه الروايتان، إذ المراد اتحاد التيمم الذي هو بدل عن الغسل أو
~~الوضوء في الكيفية كما هو ظاهر، وأما على قول المرتضى فيكفي تيمم واحد
~~مطلقا.
# الرابع: الأظهر اعتبار العلوق مما يتيمم به باليدين، خلافا للمشهور،
~~ووفاقا لجماعة (2). وربما أسندت المخالفة إلى ابن الجنيد خاصة (3)، وليس
~~كذلك، ولعله نظر إلى كلام المختلف. وحاصل كلام المختلف أن ابن الجنيد أوجب
~~التيمم من المرتفع على اليدين من الصعيد، والمشهور أوجبوا النفض (4)، وظاهر
~~ذلك أن ابن الجنيد لا يوجب النفض، لا أن المشترط للعلوق منحصر فيه.
# وكيف كان، فالأظهر الاعتبار، لظاهر الآية، بقرينة مقابلة الغسل في الوضوء
~~والتطهر، ودلالة من التبعيضية عليه، فإن الظاهر من قولك مسحت بدني ms0147 من الدهن
~~أو من الماء أو من التراب عرفا: هو المسح ببعضها، كما اعترف به الزمخشري
~~(5) مع كونه مخالفا لطريقته من مذهب أبي حنيفة (6).
# وحملها على السببية بإرجاع الضمير إلى الحدث أو عدم وجدان الماء بعيد.
~~وكذا على ابتداء الغاية بمعنى أن المسح موصول بالصعيد أو بالقصد. وكذا على
~~البدلية بمعنى بدل الماء.
# ولا يترك الظاهر للاحتمال البعيد، سيما مع ورود صحيحة زرارة في تفسيرها،
# PageV01P342
# قال عليه السلام بعد ذكر بيان آية الوضوء وذكر آية التيمم: " فلما وضع
~~الوضوء عمن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا، لأنه قال: * (بوجوهكم) * ثم
~~وصل بها * (وأيديكم) * ثم قال: * (منه) * أي من ذلك التيمم، لأنه علم أن
~~ذلك أجمع لم يجر على الوجه، لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف، ولا يعلق
~~ببعضها " (1) الحديث، والمراد بالتيمم ما يتيمم به كما هو واضح، إذ إرادة
~~المصطلح فاسد جزما، وإرادة المعنى اللغوي بعيد، والتعليل إنما هو للتبعيض
~~المستفاد من قوله: " أي من ذلك التيمم ".
# وربما يقال إنه تعليل لقوله عليه السلام: " أثبت بعض الغسل مسحا " وهو مع
~~أنه بعيد من اللفظ غير صحيح، إذ المناسب حينئذ أن يقال: إنه علم أن ذلك لم
~~يجر على الوجه أجمع إلى آخره لا ما ذكر.
# ويدل على اعتبار العلوق: نفس البدلية الثابتة للتيمم، وفهم عمار المنطبق
~~على متفاهم العرف. ويؤيده رجحان الضربة الثانية وغير ذلك مما سيجئ في تعيين
~~التراب أيضا، مع أن البراءة اليقينية لا تحصل إلا به.
# واحتجوا بالأصل. وأن الصعيد يشمل الحجر الصلد. وباستحباب النفض المجمع
~~عليه الوارد في الصحاح وغيرها (2) وبالاكتفاء بضربة في الأخبار، مع أنه لا
~~يبقى شئ بعد مسح الجبهة.
# الأول لا يقاوم الدليل، وستعرف بطلان الثاني، مع أن صاحب الذخيرة اعتبر
~~العلوق مع الحجر أيضا (3).
# والثالث لا ينافي ما ذكرناه، بل إنما هو لدفع تشويه الوجه، كما لا ينافي
~~تقليل
# PageV01P343
# الماء في مسح الوضوء اعتبار البلة، بل كل ما دل على استحباب النفض يشعر
~~باعتبار العلوق.
# والمطلوب اعتبار مطلق العلوق ولا ms0148 يوجب الاستمرار، مع أن الظاهر بقاؤه بعد
~~مسح اليدين أيضا، فضلا عما بعد الجبهة، مع أن رجحان الضربتين شاهد صدق على
~~ما ذكرناه، فبطل الرابع أيضا.
# الخامس: يجب الترتيب، بأن يضرب يديه معا على الأرض، ثم يمسح بهما جبهته
~~وجبينيه، ثم يمسح ظهر يده اليمنى ببطن اليسرى، ثم بالعكس. للاجماع بسيطا
~~كما نقله العلامة في المنتهى، وغيره (1)، ومركبا - كما نقله السيد (2) - أن
~~من قال به في المائية قال به في الترابية. وللأخبار المعتبرة الواردة في
~~مقام البيان، وفي جواب السؤال عن الكيفية (3).
# وتجب الموالاة أيضا، للاجماع كما يظهر من المنتهى (4)، ولوقوعهما في
~~البيانات وفي الجواب عن الكيفيات. ولا أقل من الشك في مدخليتها في ماهية
~~العبادة، فلا يحصل اليقين بالبراءة إلا بها (5).
# والظاهر عدم الفرق بين ما كان بدلا عن الوضوء أو الغسل.
# والأحوط اعتبار مدخليتها في الصحة أيضا.
# ويرجع فيها إلى التتابع العرفي.
# وتجب البدأة من الأعلى في الوجه، وكذلك اليد، لأنه المتيقن والمتبادر من
# PageV01P344
# الأخبار والمفتى به في كلام الأصحاب. وربما علل بتبعيته للوضوء، والأولى
~~ما ذكرناه.
# ويجب أيضا كون مواضع المسح طاهرة، على ما ذكره جماعة من الأصحاب (1).
~~والإطلاقات تقتضي عدمه، قال في المدارك: والمصرح باشتراط ذلك قليل من
~~الأصحاب (2).
# واستدل في الذكرى: بأن التراب ينجس، وبمساواته لأعضاء الطهارة المائية.
# ورد: بأن الأول أخص من المدعى، والثاني قياس.
# وإن تعذرت الإزالة فالاطلاقات تقتضي جوازه وإن تعدت النجاسة إلى التراب
~~أيضا، وقيده بعضهم بغير المتعدي (3)، وربما قيل بالعدول إلى ظهر الكف حينئذ
~~(4).
# وكذلك الكلام إذا كانت النجاسة حائلة، ولم يمكن رفعها. وربما منعه بعضهم
~~أيضا (5). ورد بجواز المسح على الجبيرة، وخصوصية النجاسة لا أثر لها. وفي
~~العدول إلى الظاهر حينئذ إشكال.
# والحاصل أن إطلاقات التيمم تقتضي الوجوب في الكل على النهج المعهود،
~~والعدول عنها باحتمال أن تنجيس عضو آخر مضر بالصلاة ليس بأولى من ترك
~~الصلاة، فإن الصلاة مع النجاسة جائزة، وبلا طهارة لا تجوز أصلا.
# هذا إذا لم يمكن تطهير الموضع المتعدى إليه، وإلا فالاشكال أقل.
# ولما ms0149 كانت الفروض نادرة غير متبادرة من الإطلاقات فلا تترك الاحتياط.
# وأما طهارة سائر الأعضاء مع الإمكان، فلا تشترط جزما، كما لا تشترط (6)
# PageV01P345
# في الوضوء.
# نعم يظهر من بعض الأصحاب وجوبه على القول باعتبار ضيق الوقت في التيمم
~~(1)، ولا بأس به. ولكن ثبوت الاشتراط والحكم بالبطلان مشكل، لمنع دلالة
~~الأمر بالشئ على النهي عن ضده الخاص.
# السادس: تجب المباشرة بالنفس، لما مر في الوضوء. وإذا عجز عن المباشرة
~~فيستنيب، والظاهر أنه إجماعي كما يظهر من المدارك (2).
# قال في الذكرى: لا يجزئ معك الأعضاء في التراب كما دل عليه الخبر، نعم لو
~~تعذر الضرب واستنابة الغير أجزأ، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، بل يمكن
~~تقديم المعك على نيابة الغير، وهو يجئ عند من لم يعتبر الضرب من الأفعال
~~(3)، انتهى.
# وقد عرفت أن الظاهر أنه من الأفعال، فيستنيب.
# فتضرب يدي العليل بالتراب ويمسح بهما إن أمكن، وإلا فبيديه. والنية على
~~العليل، والأحوط نيتهما جميعا.
# السابع: يجب استيعاب الممسوح بلا خلاف ظاهر، ونسبه في المنتهى إلى
~~علمائنا وأكثر العامة (4)، وإنما نقل الخلاف عن بعض العامة في جواز إبقاء
~~ما دون الدرهم، وعن بعضهم الفرق بين العمد والنسيان (5).
# PageV01P346
# وكيف كان فالمذهب الاستيعاب، وهو الظاهر من الأخبار، إذ الجبهة والجبين
~~واليد حقيقة في المجموع.
# وأما الماسح، فقال الشهيد الثاني: الظاهر عدم وجوبه، لاطلاق الأدلة (1)،
~~وتبعه صاحب الذخيرة (2).
# وقد استدل عليه بصحيحة زرارة في بيان التيمم لعمار: أنه صلى الله عليه
~~وآله مسح جبينيه بأصابعه (3).
# ويمكن أن يقال بعد ما بينا وجوب مسح الجبهة بالاجماع المنقول والأخبار:
~~أن المراد من ذلك لعله حصول مسح الجبينين بالأصابع، وهو لا ينافي استعمال
~~مجموع اليد في مجموع الجبهة والجبينين، فإنه يكفي مسح المجموع بالمجموع،
~~ولا يجب مسح كل من أجزاء أحدهما بكل من الآخر.
# والأحوط أن يمسح بالمجموع في المجموع في المسحين، لظاهر سائر الأخبار،
~~مثل قوله عليه السلام: " ثم مسح كفيه إحداهما على ظهر الأخرى " و " ضرب
~~بيديه على الأرض ثم مسح على جبينيه وكفيه " و " تضرب بكفيك وتمسح ms0150 وجهك
~~ويديك " (4) ونحوها.
# وأما صحيحة داود بن النعمان (5)، وحسنة أبي أيوب الخزاز (6) الدالتان على
~~أنه عليه السلام مسح فوق الكف قليلا، فالظاهر منهما أنه عليه السلام مسح
~~الكف وما فوقه قليلا، وأن ذلك كان لأجل استيعاب (7) الممسوح.
# PageV01P347
# الثامن: قال في الذكرى (1): الأقرب استحباب التسمية كما في المبدل منه،
~~لعموم " كل أمر ذي بال " (2) وتفريج الأصابع عند الضرب، ونص عليه الأصحاب،
~~لتتمكن اليد من الصعيد.
# قال: ولا يستحب تخليلها في المسح، للأصل. وقال أيضا: الأقرب استحباب أن
~~لا يرفع يده عن العضو حتى يكمل مسحه لما فيه من المبالغة في الموالاة.
# ويمكن تقدير الموالاة بزمان جفاف الماء لو كان وضوءا، فيستحب نقص زمان
~~التيمم عن ذلك، ولو بلغه فالأقرب البطلان. أقول: والأولى ما ذكرناه من
~~التتابع العرفي.
# PageV01P348
# المقصد الرابع فيما يتيمم به وفيه مباحث:
# الأول: الأقوى أنه لا يجوز التيمم اختيارا إلا بالتراب، وهو المنقول عن
~~المفيد (1) والمرتضى في أحد قوليه (2) وأبي الصلاح (3)، وهو قول الشافعي من
~~العامة (4).
# وعن الشيخ (5) وابن الجنيد (6) والمحقق (7) وأكثر المتأخرين (8) أنه لا
~~يجوز إلا على ما يقع عليه اسم الأرض، ترابا كان أو حجرا أو جصا أو غير ذلك.
~~وهو المنقول عن السيد أيضا في موضع آخر (9)، وهو مختار أبي حنيفة (10).
# PageV01P349
# وعن ابن أبي عقيل أنه جوز بكل ما كان من جنسها، كالكحل والزرنيخ (1)،
~~وادعى جماعة الاجماع على عدم الجواز بمثلهما (2).
# لنا: الآية (3)، والأخبار مما اشتمل على الأمر بالتيمم بالصعيد. والصعيد
~~وإن اختلف كلام أهل اللغة فيه، ولكن القرائن الخارجية مؤيدة لما اخترناه.
# والأظهر أن المراد منه التراب، فقال جماعة من اللغويين: إنه التراب (4)،
~~نقله المرتضى (5) والعلامة (6) عن ابن دريد في الجمهرة عن أبي عبيدة.
# وقال ابن فارس: الصعيد هو التراب (7)، وهو المنقول عن ابن عباس (8).
# وعن الغريبين: الصعيد التراب، والصعيد وجه الأرض. وكذلك في القاموس (9).
# وعن الخليل (10) والزجاج وابن الأعرابي والمطرزي: أنه وجه الأرض (11)،
~~وعن الزجاج: أنه لا يعلم في ذلك خلافا بين أهل اللغة (12).
# ويدل على المختار قوله عليه السلام: " جعلت لي الأرض مسجدا ms0151 وترابها طهورا
~~" (13) فذكر التراب بعد الأرض مع كون المقام مقام الامتنان والتسهيل يقتضي
# PageV01P350
# اختصاصه بالحكم كما لا يخفى. وما ورد بإسقاط لفظ ترابها في سائر الأخبار
~~لا ينافي ذلك. مع أن طريقة الجمع تقتضي حمل المطلق على المقيد.
# وكذلك قوله عليه السلام: " التراب طهور المسلم " (1).
# وصحيحة محمد بن حمران وجميل بن دراج، قال: قلنا لأبي عبد الله عليه
~~السلام: إمام قوم أصابته جنابة في السفر، وليس معه ماء يكفيه للغسل، أيتوضأ
~~بعضهم ويصلي بهم؟ قال: " لا، ولكن يتيمم الجنب ويصلي بهم، فإن الله قد جعل
~~التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (2) ويظهر وجه الدلالة مما سبق.
# وصحيحة رفاعة بن موسى، عنه عليه السلام، قال: " إذا كانت الأرض مبتلة ليس
~~فيها تراب ولا ماء، فانظر أجف موضع تجده، فتيمم منه، فإن ذلك توسيع من الله
~~عز وجل " (3).
# وحسنة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عنه عليه السلام قال: " يتيمم
~~المجدور والكسير بالتراب إذا أصابته الجنابة " (4).
# ورواية زرارة، عن أحدهما عليه السلام قال، قلت: رجل دخل الأجمة ليس فيها
~~ماء، وفيها طين، ما يصنع؟ قال: " يتيمم، فإنه الصعيد " (5) فإن الضمير يعود
~~إلى التراب الحاصل في الطين، وظاهره الحصر.
# ورواية علي بن مطر، عن بعض أصحابنا، قال: سألت الرضا عليه السلام عن
~~الرجل لا يصيب الماء ولا التراب، أيتيمم بالطين؟ قال: " نعم، صعيد طيب
# PageV01P351
# وماء طهور " (1).
# وما رواه ابن المغيرة في الصحيح، عن معاوية بن ميسرة، عن الصادق عليه
~~السلام: عن الرجل في السفر لا يجد الماء، ثم صلى، ثم أتى الماء وعليه شئ من
~~الوقت، أيمضي على صلاته أم يتوضأ ويعيد الصلاة؟ قال: " يمضي على صلاته، فإن
~~رب الماء رب التراب " (2).
# ومما يدل على: إرادة التراب من الصعيد في الآية: التبعيض المستفاد من
~~كلمة " من " كما صرح به في صحيحة زرارة الدالة على اعتبار العلوق (3)، وكل
~~ما دل على لزوم العلوق كما مر. وفي لفظ " تيمموا " أيضا إشارة إلى ذلك، فإن
~~تحصيل التراب أحوج إلى القصد إليه من مطلق الأرض، وكذلك في ms0152 تنكير الصعيد،
~~لأن التراب تراب في أي موضع كان، بخلاف وجه الأرض، مع أنه لا خلاف في عدم
~~لزوم صدق وجه الأرض حين التيمم.
# غاية الأمر تعارض القرائن، ولا ريب أن التراب مراد، ولكن إثبات غيره
~~يحتاج إلى الدليل.
# ويؤيد ما ذكرناه: كل ما ورد في الأخبار في كيفية التيمم المتضمنة للأمر
~~بنفض اليد (4).
# ويؤيدها جميع الأخبار الواردة في حكاية تمرغ عمار في التراب (5)، فإنه
~~كان فهم من الصعيد التراب وفعل ما فعل، وهو من أهل اللسان.
# ويؤيده أيضا: أن مقتضى بدلية التيمم عن الغسل والوضوء تقتضي المسح
# PageV01P352
# بشئ، سيما ما ورد في الأخبار الدالة على استيعاب الوجه واليدين إلى
~~المرفقين وغير ذلك.
# وبالجملة من تتبع الأخبار ولاحظ أحكام التيمم يحصل الجزم له بأن التيمم
~~على الحجر الصلد الأملس - سيما بعد وقوع المطر عليه وغسله - مع وجود التراب
~~أجنبي بالنسبة إلى الشريعة المقدسة.
# مع أن كون الحجر مصداق اسم الأرض محل تأمل. ودعوى الاجماع من المحقق على
~~ذلك غير واضحة (1)، فإن ذلك ليس من الأحكام الشرعية، وأهل العرف لا يفهمون
~~الحجر من الأرض. وربما يقال في العرف لمن جلس على الأرض: قم من الأرض واجلس
~~على الحجر، سيما إذا كان الحجر مرتفعا من الأرض.
# وبالجملة المتبادر من الأرض: الأجزاء المتماسكة من التراب ونحوه ما دام
~~متماسكا، فقد يقال: أخرج التراب من الأرض، وهو يفيد المغايرة للتراب أيضا،
~~فضلا عن كون الحجر مصداقها.
# وعلى هذا فحكم الأرض الصلدة التي لا تراب عليها إنما ثبت بالاجماع، وكذلك
~~الرمل، كما يظهر من المنتهى، حيث أسند الخلاف فيهما إلى بعض الجمهور، ونسب
~~صحة التيمم بهما إلى الأصحاب (2).
# وبالجملة، إن أريد من الأرض الكرة المطمئنة وما فيها، فلا ريب أنه معنى
~~مجازي لها، ويدخل فيها ما لا ترضى أنت به أيضا، وإن أريد نفس الأرض، فدخول
~~الحجر ونحوه فيه ممنوع. ألا ترى أنك لا تقدر أن تقول: إن الشمس سماء، أو
~~القمر وغيرهما من الكواكب سماء، بل يقال: إنها كواكب في السماء، فكذلك
~~الحجر مخلوق ms0153 في الأرض، وكذلك المعادن ونحوها. مع أن إطلاق الأرض على
~~الزرنيخ
# PageV01P353
# مثلا أو الكبريت ونحوهما أولى من إطلاقه على الأحجار العظيمة الواقعة على
~~وجه الأرض مع غاية الارتفاع، ومع ذلك ينكرونه.
# وعلى هذا يظهر أن ما اعتمدوا عليه من الأخبار الكثيرة الدالة على مساواة
~~الأرض للماء، وأنه يتيمم على الأرض وغير ذلك، لا دلالة فيها على جواز
~~التيمم بالحجر ونحوه.
# كما أن كلام اللغويين ممن فسر الصعيد بوجه الأرض أيضا لا يقتضي كون الحجر
~~أرضا، بل لما كان الغالب في وجه الأرض هو التراب ولو قليلا مما أزعجته
~~الرياح والأهوية، ففسروه بذلك.
# مع أنا لو سلمنا إطلاقها أيضا، نقول: إنها مقيدة بما ذكرنا من الأدلة.
# ولو عارضونا بأن ذكر التراب في بعض أخباركم أيضا محمول على الغالب.
# قلنا: فحكم الحجر مثلا غير مستفاد من شئ من أدلة الطرفين، مع أن استصحاب
~~شغل الذمة يقتضي ما ذكرنا.
# ومما يضعف قولهم: أنهم أيضا اختلفوا في التيمم بالحجر حال الاختيار،
~~والقول بالتفصيل لا دليل عليه من عقل ولا نقل.
# نعم نقل العلامة الاجماع على جواز التيمم على الحجر إذا تعذر التراب (1)،
~~فإن تم الاجماع فلا بأس، ولكنه لا يتم. مع ما عرفت من منع جماعة منهم
~~التيمم عليه مطلقا، إلا أن يقول بأنهم أيضا مرادهم حال الاختيار.
# ثم اختلفوا أيضا في تقديمه على الغبار، وكل ذلك مما يشوش المذهب.
# وأما الجص والنورة قبل الطبخ والإحراق، فعند الأكثر يجوز عليه التيمم
~~لصدق اسم الأرض، خلافا لابن إدريس (2)، حيث جعلهما من المعادن، والشيخ
# PageV01P354
# في النهاية حيث جوزه عند فقد التراب (1). وهذا أيضا مما يضعف اعتباره
~~مطلق وجه الأرض.
# وأما على ما اخترناه، فإن صدق عليه اسم التراب - كما في أكثر الأماكن في
~~خصوص الجص - فهو، وإلا فلا.
# وأما بعد الطبخ والإحراق، فالأقوى العدم مطلقا فيهما، كما هو المشهور
~~أيضا، لعدم صدق اسم الأرض أيضا، وعن المرتضى (2) وسلار (3) الجواز،
~~واستحسنه المحقق (4)، لعدم خروجه باللون والخاصية عن اسم الأرض، ولرواية
~~السكوني.
# وهما ضعيفان.
# وفي الخزف قولان، والأظهر: ms0154 العدم على القولين، لعدم صدق اسم الأرض أيضا.
# ثم إن الأكثرين اختلفوا في جواز التيمم بالحجر الصلد مع وجود التراب على
~~قولين، ونقل في المختلف الاجماع على جواز التيمم بالحجر عند فقد التراب
~~(5).
# ويشكل بما نقلوا عن السيد وأبي الصلاح وغيرهما (6) من عدم الجواز مطلقا،
~~فإن ثبت الاجماع في صورة الاضطرار - بأن يحمل منعهم على حالة الاختيار أو
~~لم تعتبر مخالفتهم - فهو، وإلا فالحق المنع مطلقا كما ذكرناه.
# وعلى أي حال فالقول بالتفصيل لا وجه له أصلا، فإن غاية ما ثبت من ذلك
~~الاجماع - لو ثبت - الجواز حال الاضطرار، وأما عدمه حال الاختيار فلا،
# PageV01P355
# فما وجه التفصيل؟
# الثاني: إذا فقد التراب فليتيمم بغبار ثوبه، أو لبد سرجه، أو عرف دابته،
~~وأصل الجواز إجماعي كما نقله الفاضلان (1)، والأخبار المعتبرة مصرحة به
~~(2). وعن ظاهر المرتضى في الجمل: الجواز به اختيارا (3)، وهو ضعيف.
# واختلفوا في تقديمه على الحجر على قولين، أشهرهما العدم، وهو أيضا يضعف
~~قول الأكثر كما ذكرنا. وبذلك يظهر أن الاجماع الذي نقله العلامة على جواز
~~التيمم بالحجر إذا فقد التراب ليس معينا في تقديمه على الغبار، بل إنما
~~يثبت الجواز في الجملة.
# والأحوط الجمع بينهما لو فقد التراب.
# والأظهر اعتبار نفضه ثم التيمم كما يستفاد من رواية أبي بصير (4)، وهو
~~الظاهر من جماعة من القدماء (5)، وإن كان سائر الأخبار مطلقة.
# والظاهر اعتبار الإحساس بالغبار، فلا يكفي وجوده في أعماق الجسم مع عدم
~~خروجه أصلا، كما هو ظاهر الفتوى والروايات.
# ولو فرض عدم الغبار أصلا، فيسقط التيمم به.
# ويجب أن يكون الغبار من التراب، فلا يكفي من الرماد ونحوه، كما هو الظاهر
~~من الأخبار والفتاوى.
# PageV01P356
# وإن فقد الغبار ووجد الوحل ولم يمكنه التجفيف فيتيمم به بلا خلاف، ونقل
~~عليه الاجماع (1). وتدل عليه الأخبار الصحيحة وغيرها (2).
# والظاهر من الأخبار: أنه يضع يديه على الوحل ويفركهما ويتيمم به، كما
~~ذكره الشيخان (3).
# وقيل: يضع يديه على الوحل ويتربص، فإذا يبس يتيمم به (4).
# وهو بعيد، إذ لو أمكنه التجفيف لزمه كما ذكرنا. مع أن ذلك ms0155 مستلزم لتفويت
~~الموالاة غالبا.
# ويعتبر في الوحل أن يكون طينا، فلا يصح بوحل الرماد ونحوه.
# والأظهر على ما اخترناه تقديم الوحل على الحجر أيضا، والأحوط الجمع
~~بينهما أيضا.
# وأما الثلج، فقد بينا أنه ليس هناك شئ يدل على جواز التيمم به، وإن كان
~~لو انحصر الأمر في التيمم به أحوط.
# الثالث: يجب أن يكون التراب طاهرا، للاجماع، كما يظهر من المنتهى (5)،
~~ويؤيده قوله تعالى: * (صعيدا طيبا) * ولا يبعد القول بظهوره، فيكون دليلا،
~~وإن لم يكن الطيب حقيقة في الطاهر.
# وربما يستدل بقوله عليه السلام: " جعل الله التراب طهورا ".
# وفيه أيضا إشكال، لمنع استلزام الطهورية الطهارة.
# PageV01P357
# وبالجملة يكفي ما ذكر مع استصحاب شغل الذمة.
# ويجب أن يكون مباحا، لحرمة التصرف في مال الغير. وفي بطلان التيمم إشكال.
# ولو حبس في مكان مغصوب ولم يقدر على الماء أو تضرر المكان باستعماله، ففي
~~جواز التيمم بتراب البيت إشكال، فإن شهد الحال برضا المالك فلا إشكال، وإلا
~~فوجهان.
# والمشهور كراهة التيمم بالسبخة والرمل، ولم نقف فيهما على نص، ولا بأس
~~بمتابعتهم.
# واستحباب أن يكون من عوالي الأرض، وأن لا يكون من أثر الطريق، لرواية
~~غياث بن إبراهيم، عن الصادق عليه السلام، قال: " نهى أمير المؤمنين عليه
~~السلام أن يتيمم الرجل بتراب من أثر الطريق " (1).
# PageV01P358
# المقصد الخامس في الأحكام واللواحق وفيه مباحث:
# الأول: لا يجوز التيمم قبل الوقت بلا خلاف ظاهر إلا ما يظهر من الذكرى،
~~حيث نقل قولا بوجوب الطهارات أجمع عند حدوث الأحداث بوجوب موسع (1).
# وأما في الوجوب الغيري فلا نعرف به قائلا، وادعى عليه الاجماع جماعة،
~~منهم الفاضلان (2) والشهيدان (3) وغيرهم (4).
# وأما بعد دخول الوقت، فالمشهور وجوب التأخير إلى آخر الوقت. والظاهر أن
~~مرادهم مقدار حصول الظن بفوات الوقت لو أخر عن ذلك الوقت، وعن الشيخ (5)
~~والمرتضى (6) وابن إدريس (7) دعوى الاجماع عليه.
# PageV01P359
# وذهب الصدوق إلى التوسيع (1)، وهو المنقول عن ظاهر الجعفي (2) والعلامة
~~(3) والشهيد في بعض كتبهما (4)، ومال إليه جماعة من متأخري المتأخرين (5).
# وعن ابن الجنيد الجواز عند العلم أو الظن الغالب بعدم القدرة ms0156 على الماء
~~إلى آخر الوقت (6)، وهو مختار المعتبر (7) والعلامة في بعض كتبه (8)، لكن
~~قيده بالعلم، ولم يذكر الظن.
# والأظهر بالنظر إلى ظواهر الأدلة: هو القول الثاني، وإن كان الثالث أيضا
~~لا يخلو عن قوة، وهو أحوط.
# وغاية الاحتياط العمل على المشهور، وليس لهم إلا الاجماعات المنقولة.
# وأما الأخبار التي استدلوا بها، فظاهرها يدل على مذهب ابن الجنيد،
~~لظهورها فيما يرجى حصول القدرة على الماء مثل حسنة زرارة المتقدمة: " إذا
~~لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت
~~فليتيمم، وليصل في آخر الوقت " (9) وظاهر الأمر بالطلب هو الرجاء. إلا أن
~~الشيخ ذكر في التهذيب موضع فليطلب فليمسك، وفي سنده قاسم بن عروة (10).
# PageV01P360
# وصحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعته يقول: " إذا لم تجد ماءا وأردت التيمم
~~فأخر التيمم إلى آخر الوقت، فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض " (1) ففي قوله
~~عليه السلام: " فإن فاتك الماء " إشعار برجاء حصوله. والإضمار غير مضر،
~~سيما من مثل محمد.
# وموثقة ابن بكير: عن الصادق عليه السلام: " فإذا تيمم الرجل فليكن ذلك في
~~آخر الوقت، فإن فاته الماء فلن تفوته الأرض " (2). ورواها في قرب الإسناد
~~أيضا مع تفاوت في اللفظ.
# وفي صحيحة محمد بن حمران: " واعلم أنه ليس ينبغي لأحد أن يتيمم إلا في
~~آخر الوقت " (3) وظاهره الاستحباب. وهذه الأخبار هي أدلة مذهب ابن الجنيد.
# وقد يستدل له بوجوه أخر ضعيفة أقواها: عدم صدق عدم وجدان الماء المعلق
~~عليه التيمم في الآية وغيرها مع رجاء الحصول.
# وأما أدلة التوسعة، فإطلاق الآية، فإن قوله تعالى: * (وإن كنتم مرضى) *
~~(4) من مدخولات قوله تعالى: * (إذا قمتم) * على الأظهر، كما مرت الإشارة
~~إليه في الغسل، فإنها تشمل بإطلاقها كل من أراد الصلاة ولم يجد ماءا، فإن
~~ظاهر الآية خطاب من أراد الصلوات المعهودة المعلومة أوقاتها بحسب تحديد
~~الزمان المعين بالذات. فما يقال: " من أن ذلك يتم إذا ثبت جواز الإرادة في
~~أول الوقت لفاقد الماء، بأن يجعل التعليق على فقدان الماء أيضا توقيتا "
~~بعيد، فإن السياق ms0157 يأبى عن
# PageV01P361
# ذلك، فإن الظاهر أن الآية على نسق واحد عن آخرها.
# وهذا هو الجواب، لا أن حرمة الإرادة لا تنافي وجوب التيمم حين الإرادة.
# ولا ما يقال: إن الإرادة أعم من المتصلة، ولا مانع في أول الوقت عن إرادة
~~الصلاة في آخر الوقت، لأن المتبادر من قوله: * (إذا قمتم) * هو مجاز
~~المشارفة. وإن لم يجعل من مدخولات * (إذا قمتم) * فالأمر أوضح. وكذلك الآية
~~الأخرى: * (ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) * (1) الآية.
# نعم يبقى الكلام في صدق قوله تعالى: * (ولم تجدوا ماء) * مع رجاء الحصول،
~~وقد أشرنا سابقا إلى أنه في صورة العلم بالتمكن في الوقت لا يجوز التيمم،
~~وكذا في صورة الظن.
# والإشكال في صدق عدم الوجدان في غير (2) صورة العلم بعدم التمكن أيضا،
~~وأن كلامهم في ذلك غير محرر، وكذلك ههنا لم يبينوا الاجمال، ولم يحققوا
~~المقال.
# والظاهر أن كلامهم هذا مسبوق بكلامهم ثمة، وأن هذا فيما لم يبق علم ولا
~~ظن بوجود الماء، فالمشهور يؤخرون إلى آخر الوقت مع إمكان حصول القدرة
~~وعدمه، والموسعون يتيممون في أول الوقت، وإن أمكن حصول الماء.
# وأما ابن الجنيد فيؤخر مع إمكان الحصول ويقدم مع عدمه بأن يعلم عدمه،
~~وأما ظن العدم فهو وإن كان داخلا في إمكان حصول الماء، لكن ابن الجنيد ألحق
~~الظن الغالب بالعلم بالعدم (3).
# وأما العلامة، فلم يذكر الظن، فراعى نفس الإمكان (4)، وهو الصواب، وحينئذ
# PageV01P362
# فالظاهر أنه يصدق على موضوع المسألة، أعني من يعلم عدم الماء أو يظنه أو
~~تساوى طرفاه بعد الطلب فيما احتاج إليه أنه غير واجد للماء، فيدخل في عنوان
~~الآية، ويتم الاستدلال.
# وتدل عليه أيضا: الأخبار المستفيضة الدالة على أنه بمنزلة الماء، وأنه
~~أحد الطهورين، وأنه يكفي عشر سنين ونحوها.
# والأخبار الصحيحة الدالة على عدم وجوب إعادة الصلاة إذا تيمم وصلى ثم وجد
~~الماء وهو في الوقت، فإن ترك الاستفصال فيها يقتضي شمولها لمن فعل ذلك في
~~سعة الوقت، ومن اجتهد للتضيق وانكشف فساد ظنه.
# ويؤيده أيضا ما سيجئ من جواز الصلاة الأخرى مع ms0158 بقاء التيمم في أول الوقت
~~وفعل الفائتة حيثما أراد، وما سيجئ من الأخبار الدالة على عدم جواز هدم
~~الصلاة إذا وجد الماء في الأثناء ما لم يركع من دون تفصيل، وغير ذلك.
# ويؤيده أيضا كونه أوفق بنفي العسر والحرج، سيما في مثل صلاة العشاء.
# وأما الإطلاقات مثل قولهم عليهم السلام: " إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم
~~تجد دلوا ولا شيئا تغترف به فتيمم بالصعيد " (1) و " إذا أجنب ولم يجد
~~الماء يتيمم " (2) ونحو ذلك، فهو من قبيل إذا التقى الختانان فقد وجب
~~الغسل، وإذا وجدت طعم النوم وجب الوضوء، كما أشرنا إليه سابقا، وظاهرها
~~بيان الموجب، وإن كان لا يخلو عن تأييد.
# والحاصل أن القول بالتوسعة قوي، لكن ترك الأخبار الدالة على التأخير،
~~سيما مع رجاء الزوال مشكل، وإن كان حملها على الاستحباب أيضا وجيها، سيما
~~مع ملاحظة رواية محمد بن حمران، فلا تترك الاحتياط.
# ثم إنا قد جرينا في الكلام إلى هنا على مذاق القوم، ويسنحني الآن كلام
~~آخر
# PageV01P363
# في تأييد مذهب ابن الجنيد، فنقول ممهدا لمقدمة في بيان دلالة الآية، وهي
~~أن لفظة " وجد " إما من باب الجدة مقابل الفقر، ومنه قوله تعالى: * (الذين
~~لا يجدون ما ينفقون) * (1) أو من باب الوجدان، كما في وجدت الضالة، ولم
~~أجدها. وترقب الحصول والطلب والرجاء مأخوذ في المعنى الثاني دون الأول.
# فحينئذ نقول: الأظهر تقديم العرف العام إذا لم تثبت حقيقة شرعية، وعدم
~~الوجدان عرفا مما ينبغي صدقه في جواز التيمم، وحيث ذكرنا سابقا استدلالهم
~~على وجوب الطلب بعدم صدق عدم الوجدان بدونه، فذلك يتصور في هذه المادة بكلا
~~المعنيين.
# أما في الأول فمن جهة أن الواجد والغني يطلق على من حصل المال عنده، وعلى
~~من كان له كسب يقتدر به على تحصيله بالقوة القريبة من الفعل، فصدق عدم
~~الوجود بهذا المعنى أيضا لا يتم إلا بعد اليأس عن حصوله بالأسباب المحصلة
~~له كالطلب والانتظار.
# وأما في الثاني فأظهر، إذ عدم وجدان الضالة، وعدم الوصول إلى المنى، إنما
~~يصح بعد الطلب، أو ms0159 انتظار زمان يترقب ويرجى حصوله فيه.
# ويمكن أن يقال: الأظهر في الآية إرادة المعنى الثاني، بقرينة قوله تعالى:
# * (أو على سفر) * إذ الظاهر أنه تعالى اكتفى بكونهم مرضى عن ذكر عدم تيسر
~~الاستعمال، لكونه مظنة ذلك، وبذكر المسافر أشار إلى عدم وجود الماء بالفعل
~~غالبا في الأسفار. وحينئذ يكون المعنى: إن كنتم على سفر ولم تجدوا الماء
~~بالفعل فطلبتم أو انتظرتموه فلم تجدوه بالمعنى الثاني فتيمموا.
# والظاهر أن الصدق العرفي لا يتم إلا في آخر الوقت، فيلزم تتبع موارد
~~الاحتمال، وانتظار حصوله منها، حتى يتضيق الوقت.
# PageV01P364
# فإن قلت لعبدك: اشتر لي فرسا للركوب، فإن لم تجد فحمارا، فعند أهل العرف
~~أنه لو لم يتفحص موارد احتمال وجود الفرس ومظانها، ولم ينتظر في تحصيله مدة
~~ينتفي فيها احتمال حصول الفرس، أو يتضيق وقت احتياج المولى إلى الركوب، لا
~~يعد ممتثلا، فيجب تتبع موارد الاحتمال وانتظارها إلى أن يتضيق زمان الحاجة.
# إذا عرفت هذا، فالذي نقل عن المشهور أمران الأول: تأخير التيمم إلى آخر
~~الوقت، والثاني: الطلب بعد دخول الوقت بمقدار رمية أو رميتين.
# ولا ريب أن المعنى الثاني ليس محصلا للصدق العرفي في عدم الوجود، فينافي
~~استدلالهم على وجوب الطلب لذلك كما أشرنا سابقا.
# فلا بد أن يكون مرادهم تحصيل الصدق من (1) القدر المشترك بين الأمرين،
~~فلا يكون الطلب المعين المحدود وحده علة لذلك، فلعل الشارع خفف الطلب
~~لتسهيل الأمر، واكتفى بالانتظار إلى آخر الوقت منضما إلى هذا القدر من
~~الطلب، كما أنه يجوز أن يقول المولى لعبده في المثال المتقدم: إنه يكفي في
~~تحصيل الفرس أن تراقب وجوده، فإن رأيته أو أعلمك أحد به فاشتره ولكن تفحص
~~عن الفرس في الخان الفلاني، أو السوق الفلاني، ولا يجب عليك تتبع جميع
~~الأسواق والخانات والسكك والدور والمحلات.
# ومن هذا ينقدح عدم وجوب التأخير إذا علم عدم التمكن من الماء في آخر
~~الوقت، لصدق عدم الوجود في أول الوقت، فإن كان معيار كلام المشهور هو
~~متابعة ظاهر الآية، فلا حاجة إلى التأخير في ms0160 صورة العلم، وإلا فلا معنى
~~لاستدلالهم بذلك على وجوب الطلب كما مر، فإما يوجبون الأمرين مضافا إلى
~~الصدق العرفي، أو يكتفون بهما وإن لم يحصل الصدق العرفي. وعلى الثاني
~~فيلزمهم
# PageV01P365
# الإعراض عن الآية، وعلى الأول فلا بد من الدليل في إثبات التأخير حتى في
~~صورة العلم.
# وعلى هذا فيكون اختيار الأمرين لمحض التعبد، لعدم مدخلية التأخر في الصدق
~~العرفي إذا علم بالعدم، وكذلك الطلب المحدود لا يوجب ذلك كلية، ولكن الشأن
~~في الدليل.
# ويشجعني ما ذكرته مضافا إلى القرائن الخارجة على أن أقول: إن نسبة وجوب
~~التأخير مطلقا إلى المشهور وهم نشأ من المتأخرين، والظاهر أنهم رأوا إطلاق
~~كلماتهم وفتواهم بوجوب التأخير مطابقا للروايات فظنوا أنهم قائلون بذلك حتى
~~في صورة العلم.
# وظني أنهم موافقون لابن الجنيد، إلا أن ابن الجنيد صرح بالتفصيل وهم
~~أطلقوا موافقا للروايات.
# وكما ذكرنا أن الروايات ظاهرها التفصيل فكذلك إطلاق كلام الفقهاء، ولم
~~أقف على مصرح بوجوب التأخير وإن علم فقدان الماء وعدم التمكن، وإنما نسب
~~ذلك في المختلف إلى المشهور (1).
# والذي يشهد بذلك أنه في المختلف بعد نسبته إلى المشهور قال: ذهب إليه
~~الشيخ والسيد وأبو الصلاح وسلار وابن إدريس وابن البراج ثم قال: وهو الظاهر
~~من كلام المفيد.
# والذي يحضرني من كلام هؤلاء المشايخ هو المقنعة ونهاية الشيخ والانتصار
~~والمسائل الناصرية والسرائر، وكلامهم لا ينافي مذهب ابن الجنيد قطعا، بل
~~الظاهر منهم موافقته.
# فقال المفيد في المقنعة: ومن فقد الماء فلا يتيمم حتى يدخل وقت الصلاة،
~~ثم
# PageV01P366
# يطلبه أمامه، وعن يمينه، وعن شماله، مقدار رمية سهمين من كل جهة إن كانت
~~الأرض سهلة، وإن كانت حزنة طلبه في كل جهة مقدار رمية سهم، فإن لم يجد
~~يتيمم في آخر أوقات الصلاة عند الأياس منه، ثم صلى بتيممه (1).
# وأما السيد في الانتصار، فبعد ما جعل وجوب تأخير التيمم إلى آخر الوقت من
~~منفردات الإمامية في مقابل خلاف أبي حنيفة في جواز التقديم على الوقت،
~~والشافعي في جوازه في أول الوقت، واستدل بالاجماع قال: وأيضا ms0161 فإن التيمم
~~بلا خلاف إنما هو طهارة ضرورة، ولا ضرورة إليه إلا في آخر الوقت، وما قبل
~~هذه الحال لم تتحقق فيه ضرورة (2).
# ويقرب منه كلامه في الناصرية (3).
# وليس ذلك من قبيل أكل الميتة من حيث مطلوبية تقليل زمان أكله كمقداره،
~~فإن من يرجو الحلال يجب عليه التأخير بقدر الطاقة حتى يحصل الحلال، ومن لا
~~يرجوه فيؤخر أيضا ليكون ذلك لمجرد سد الرمق، فيحصل التقليل في الأكل في
~~العدد كالكم.
# ولا يتصور ذلك في التيمم، فإن المتصور فيه إنما هو رفع الحاجة بالمائية،
~~وبعد العلم بعدمه إلى آخر الوقت، فلا يبقى مانع عن تحقق الضرورة.
# وأما ما ذكروه من أن من شرائط التيمم التأخير إلى آخر الوقت وعدم الماء
~~بعد الطلب المعلوم وجمعوا بين ذكر الشرطين، فهو أيضا لا ينافي ما ذكرنا كما
~~لا يخفى.
# وبالجملة فالأقوى هو التفصيل.
# وحينئذ، فعلى ما ذكرنا أن مراد المشهور هو أيضا ذلك، فالروايات كافية في
~~تخصيص ظاهر الكتاب لو سلم الصدق العرفي أيضا، وكذلك عموم سائر
# PageV01P367
# الأخبار والإجماعات المنقولة أيضا لم تعلم إرادة ناقليها ما يشمل خصوص
~~صورة العلم، بل الاجماعات أيضا مطلقة كفتاويهم، والإجماع لا يقبل التخصيص
~~كما ذكرنا.
# فعمل الأصحاب، مع تلك الاجماعات وهذه الروايات، يصير أقوى من العمل بتلك
~~العمومات، فإن الخاص مقدم على العام.
# مع أن فرض حصول العلم بعدم التمكن من الفروض النادرة التي لا تكاد توجد،
~~ولذلك لم يتعرض الجمهور لبيانه، فحسب من نسب إليهم التعميم لذلك، والعمومات
~~والخصوصات والفتاوى والإجماعات كلها واردة مورد الغالب.
# وأما الأخبار الدالة على عدم وجوب الإعادة في الوقت (1)، فمحمولة على ما
~~لو كشف فساد ظنه في اعتبار التضيق، إذ لا يعتبر فيه اليقين جزما، وذلك
~~التخلف شائع غير نادر كما لا يخفى.
# ثم لا وجه للقدح في دلالة الروايات، لأن الأمر حقيقة في الوجوب، ولا
~~تنفيه رواية محمد بن حمران (2)، لعدم المقاومة.
# فظهر بذلك ضعف التوسعة، وقوة التفصيل، وعليه اعتمد، وبه أفتي، والله
~~العالم.
# ثم إن الظاهر مما استفيد من الأخبار ms0162 الدالة على اعتبار الضيق: هو اعتباره
~~في صلاة الفريضة الحاضرة لغير المتيمم، ولم يعلم من نقل (3) الاجماع أيضا
~~إلا ذلك، فإن الاجماع من الأدلة القطعية التي لا تقبل التخصيص، فتدور حجيته
~~مدار العلم بالتحقق، أو بكونه مورد نقل الناقل قطعا.
# فعلى هذا، فلو تيمم لفريضة جاز له الدخول في أخرى من دون اعتبار التضيق
# PageV01P368
# لعموم الأدلة (1)، ولأنه متيمم.
# وتجوز الصلوات الكثيرة بتيمم واحد بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب، والصحاح به
~~مستفيضة (2)، مضافا إلى عموم المنزلة (3)، وأنه أحد الطهورين (4).
# والجواب عن عموم الآية (5) وكل ما دل على وجوب الطهارة عند القيام إلى
~~الصلاة قد مر في الوضوء والغسل (6).
# وأما صحيحة أبي همام (7) فقد مر وجهها وتأويلها في التيمم التجديدي.
# ويجوز للفائتة في جميع الأوقات، لما ذكرنا، ولقوله عليه السلام: " متى
~~ذكرت صلاة فاتتك صليتها " (8).
# وللمرتبة على الأظهر، بل المبتدأة، وكذلك الآيات وغيرها.
# قيل: وعلى هذا فتضعف فائدة التضيق، لجواز الحيلة بأكثر ما ذكر، ولا حاجة
~~إلى ما ارتكبه بعضهم من نذر ركعتين، فإنه مع ثبوت الإشكال في انعقاد مثله
~~إنما يحتاج إليه لو لم يصح الدخول في الفريضة بتيمم النافلة، وهو خلاف
~~التحقيق، بل نقل الاجماع على جوازه جماعة من الأصحاب (9) (10).
# الثاني: لا يعيد المتيمم ما صلى به مطلقا، ولا يقضي; لأن الأمر يقتضي
# PageV01P369
# الاجزاء، والقضاء يحتاج إلى أمر جديد، وللصحاح المستفيضة وغيرها (1).
# وعن السيد: أن الحاضر المتيمم لفقد الماء يعيد (2). وهو ضعيف غير معلوم
~~الوجه.
# وعن ابن أبي عقيل (3) وابن الجنيد (4): وجوب الإعادة إذا فعلها في سعة من
~~الوقت مع بقاء الوقت على القول بجوازه، لصحيحة يعقوب بن يقطين (5) وهي
~~محمولة على الاستحباب، لعدم مقاومتها لما ذكرناه، سيما ما صرح فيها بأنها
~~لا تعاد مع بقاء الوقت أيضا، والتصريح ببقاء الوقت في كثير منها وإن كان لا
~~يستفاد منها أكثر من بقاء الوقت الذي حصل من الاشتباه في تحديد آخر الوقت
~~بحسب المظنة، ولكن إطلاق بعضها يشمل ما لو فعلها في التوسعة أيضا.
# وتؤيده موثقة منصور بن حازم، عن الصادق ms0163 عليه السلام: في رجل تيمم وصلى ثم
~~أصاب الماء، قال: " أما أنا فإني كنت فاعلا، إني كنت أتوضأ وأعيد " (6).
# وما رواه أبو سعيد: إن رجلين تيمما فوجدا الماء وصليا في الوقت فأعاد
~~أحدهما، وسألا النبي صلى الله عليه وآله، فقال لمن لم يعد: " أصبت السنة،
~~وأجزأتك صلاتك "، وللآخر: " لك الأجر مرتين " (7).
# وعن الشيخ إعادة من تعمد الجنابة وخشي على نفسه وتيمم وصلى (8) وقد مر
~~الكلام فيه.
# PageV01P370
# وعن الشيخ (1) أيضا فيمن منعه زحام الجمعة وتيمم وصلى: أنه يعيد إذا وجد
~~الماء، لرواية السكوني (2) وموثقة سماعة (3). والمشهور خلافه، وهو الأقوى،
~~لعدم مقاومتهما للعمومات والإطلاقات، من الآية (4) والأخبار (5)، فتحملان
~~على الاستحباب.
# وعنه (6) أيضا فيمن اضطر إلى الصلاة في ثوبه النجس مع التيمم: أنه يعيد
~~إذا وجد الماء، لرواية عمار (7). والمشهور خلافه، وتحمل الرواية على
~~الاستحباب.
# والظاهر أن هذه الإعادة إنما هي لأجل النجاسة.
# الثالث: إذا تيمم ثم وجد الماء ومضى زمان يتمكن من استعماله شرعا وعقلا
~~فينتقض تيممه، وإن فقد الماء قبل استعماله، بالاجماع، والأخبار الكثيرة
~~(8).
# وأما لو لم يمض زمان يتمكن منه ففقده، ففيه وجهان، بل قولان: من جهة ظاهر
~~الأخبار، مثل صحيحة زرارة قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: يصلي الرجل
~~بتيمم واحد صلاة الليل والنهار كلها؟ قال: " نعم، ما لم يحدث أو يصب ماءا "
~~(9) وبمضمونها رواية السكوني (10).
# PageV01P371
# ومثل صحيحة زرارة، عن الصادق عليه السلام: في رجل تيمم، قال: " يجزئه ذلك
~~إلى أن يجد الماء " (1).
# فإن المعتبر من الوجدان وإن كان ما يتمكن منه شرعا وعقلا - ولذلك لا
~~ينتقض تيممه بمجرد أن يصيب ماءا مغصوبا - ولكن الظاهر أن ظن التمكن يكفي في
~~تعلق التكليف به، فهو مكلف في أول الإصابة بالتطهر بالماء، ولذلك يجزم في
~~النية، ومع التكليف بالوضوء لا معنى لبقاء التيمم وصحته.
# ويشكل بأن اقتضاء مطلق تعلق التكليف بالتطهر بالماء بطلان التيمم ممنوع،
~~وإنما المسلم ما لو كان المطلوب نفسه في نفس الأمر، لا الشروع فيه.
# ومن جهة أن التكليف مع العلم بانتفاء الشرط غير جائز عندنا، ففقدان الماء ms0164
~~قبل مضي زمان التمكن كاشف عن عدم تعلق التكليف.
# ويشكل بأنه لا مانع من أن يكون التكليف بالشروع أيضا مقتضيا لذلك، كما
~~أنا نمنع عدم وجوب الكفارة على الحائض في آخر نهار رمضان لو أفطرت في أوله.
# وتفريع عدم وجوب الكفارة على القول بعدم جواز التكليف مع علم الآمر
~~بانتفاء الشرط ممنوع، كما بيناه في كتاب القوانين المحكمة (2).
# وعلى تقدير تساقط الوجهين فأيضا الأظهر الأول، لاستصحاب شغل الذمة
~~بالصلاة، وظواهر الأخبار (3)، وإن كان يمكن منع تبادر هذا الفرد منها.
# وأما لو وجده بعد الدخول في الصلاة، ففيه أقوال، والمراد به على ما ذكره
~~جماعة (4) هو ما بعد إتمام التكبير. وربما يظهر من بعضهم كفاية التلبس
~~بالتكبير
# PageV01P372
# أيضا (1)، وليس ببعيد.
# والأقوى وفاقا لجماعة من القدماء (2) وأكثر المتأخرين (3) القول بالمضي
~~بمجرد الدخول، للاستصحاب، وقوله تعالى: * (لا تبطلوا أعمالكم) * (4) وقوله
~~عليه السلام: " الصلاة على ما افتتحت عليه " (5).
# وصحيحة محمد بن حمران - والظاهر أنه النهدي الثقة - عن الصادق عليه
~~السلام قال، قلت له: رجل تيمم ثم دخل في الصلاة، وقد كان طلب الماء فلم
~~يقدر عليه، ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة قال: " يمضي في الصلاة "
~~(6).
# وصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قال، قلت: في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلاة
~~فتيمم وصلى ركعتين، ثم أصاب الماء إلى أن قال: " فيتمها ولا ينقضها، لمكان
~~أنه دخلها وهو على طهور بتيمم " (7) فإن العلة المنصوصة تقتضي الحكم فيما
~~نحن فيه.
# ويدل عليه أيضا: كل ما ورد في الأخبار من التعليل بأنه أحد الطهورين (7)،
~~وأن
# PageV01P373
# رب الماء هو رب الصعيد (1)، ونحو ذلك.
# وذهب الصدوق (2) وجماعة إلى أنه يرجع ما لم يركع (3)، لصحيحة زرارة، عن
~~الباقر عليه السلام قال، قلت: فإن أصاب الماء وقد دخل في الصلاة؟ قال:
# " فلينصرف فليتوضأ ما لم يركع، فإن كان قد ركع فليمض في صلاته " (4)
~~وتقرب منها رواية عبد الله بن عاصم (5).
# وربما يجمع بينهما، بجعل صحيحة محمد بن حمران (6) مطلقة وهذه مقيدة، وأنت
~~خبير بأن الظاهر من قوله حين يدخل هو أول ms0165 الصلاة، وإرادة مطلق الكون في
~~الصلاة منه إلغاز.
# والأولى حمل الانصراف ما لم يركع على الاستحباب، وعلى هذا فلا يحرم قطع
~~الصلاة قبل الركوع وإن قلنا بتحريم إبطال العمل مطلقا أيضا.
# وأما الاستشهاد على القول الأخير بمثل قوله عليه السلام: " إلى أن يجد
~~الماء " في صحيحة زرارة المتقدمة ونحوها، وبعموم الآية ونحوها، فغير واضح،
~~لأن الظاهر منها ما قبل الصلاة والنظر فيها إلى بيان حال الطهارة في وقتها،
~~وهو ما قبل الصلاة.
# ولو سلمنا إطلاقا لمفهوم الغاية فلا يعارض به ما قدمناه لاعتضاده بالعقل،
~~والنقل، وعمل الأكثر، واليسر والسهولة، ونفي الحرج والعسر، وغير ذلك.
# وهنا أقوال أخر لا شاهد لها من عقل ولا نقل - وما يتراءى من دلالة بعض
# PageV01P374
# الأخبار على بعضها فهو ممنوع - أحدها: أنه يرجع ما لم يقرأ، والثاني:
~~يرجع إذا غلب على ظنه سعة الوقت للطهارة والصلاة، والثالث: أن يقطع ما لم
~~يركع الركعة الثانية إلا أن يخاف ضيق الوقت، فلا يقطع إذا صلى ركعة أيضا.
~~وأما قبله، فلا بد من القطع إذا وجد الماء.
# ثم إن في بطلان التيمم بالنسبة إلى صلاة أخرى لو فقد الماء قبل الفراغ
~~منه قولان، الأظهر عدم البطلان، لأن المراد بوجود الماء في الآية والأخبار
~~هو ما يتمكن من استعماله عقلا وشرعا، والمفروض خلافه فيما نحن فيه.
# وجواز القطع قبل الركوع كما قلنا باستحبابه أيضا لا ينافي عدم التمكن
~~بناءا على البناء على ما رخص فيه الشارع من إتمام الصلاة حينئذ.
# وبذلك يظهر أن الكلام في النافلة أيضا مثل الفريضة.
# الرابع: لو أحدث المجنب المتيمم بالحدث الأصغر فيتيمم بدلا عن الغسل، ولا
~~يتوضأ لو وجد الماء بقدر الوضوء أيضا على المشهور المعروف بين الأصحاب (1).
# وعن السيد - رحمه الله - القول بوجوب الوضوء لو وجد ما يكفيه (2)، ويلزمه
~~القول بالتيمم بدلا عنه لو لم يجد.
# حجة الأصحاب: أن التيمم لا يرفع الحدث بإجماع العلماء إلا من بعض العامة
~~(3)، ولأن الحدث السابق لو لم يكن باقيا فما الذي أوجب المائية عليه إذا
~~تمكن منها ms0166 من دون حدث؟ فإن وجود الماء ليس بحدث، للاجماع، كما ادعاه
# PageV01P375
# المحقق (1)، ولأنه لو كان حدثا للزم مساواة مقتضاه، فما الذي أوجب الفرق
~~بوجوب الغسل على المجنب والوضوء على غيره؟ فالذي حصل من التيمم هو إباحة
~~الدخول في المشروطات إلى أن يجد الماء، أو يحصل حدث جديد وإن كان حدثا
~~أصغر.
# ولا يذهب عليك أن المراد بعدم رفع الحدث المدعى عليه الاجماع هو رفع نفس
~~الحالة، فلا ينافي ما ذهب إليه بعض الأصحاب من ارتفاعه إلى زمان (2).
# والحاصل أن الحدث قد يطلق على السبب كالبول. وقد يطلق على الحالة المسببة
~~عنه، وهي المهانة الحاصلة للنفس المانعة عن الدخول في المشروطات كما أشرنا
~~إليه في أوائل الكتاب. وقد يطلق على وصف مانعية تلك الحالة.
# ولا كلام في الأول، والذي ادعي على عدم رفعه الاجماع هو نفس الحالة،
~~والذي جوز بعض الأصحاب ارتفاعه هو وصف تلك الحالة، ولا مانع من ارتفاعه في
~~وقت دون وقت. فالنزاع لفظي كما أشرنا إليه سابقا.
# وقد يستدل على المشهور بصحيحة زرارة، عن الباقر عليه السلام: " ومتى أصبت
~~الماء فعليك الغسل إن كنت جنبا، والوضوء إن لم تكن جنبا " (3).
# وبصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام: في رجل أجنب في سفر ومعه
~~قدر ما يتوضأ به، قال: " يتيمم ولا يتوضأ " (4) ودلالتهما غير واضحة.
# وحجة السيد: أن حدثه الأول قد ارتفع إلى زمان التمكن من الغسل، فلا يرجع
~~حكمه قبل حصول جنابة أخرى، أو حصول التمكن من الغسل، والحدث الأصغر لا يوجب
~~إلا الوضوء أو التيمم بدلا عنه (5).
# PageV01P376
# وفيه: أن ارتفاع الحالة إلى زمان التمكن من الغسل ممنوع، بل المسلم منه
~~هو إلى ذلك الزمان، أو حصول حدث آخر.
# ولا يمكن التمسك بالاستصحاب، لأن الاستصحاب السابق لم يرتفع بمجرد ذلك
~~الاحتمال، والقدر الثابت من الرافع هو الزمان المحدود، وغاية الأمر جهالة
~~الحد.
# والحاصل أن المستفاد من الأدلة أن قطعة محدودة من هذا الزمان مستثناة من
~~المنع - هو زمان التيمم مع العجز عن المائية إلى زمان معين - لا ms0167 بأن يكون
~~المخصص هو مطلق الرخصة في الدخول في المشروطات بعد التيمم حتى يمكن
~~استصحابه إلى زمان التمكن من الغسل. غاية الأمر أن الحد مشتبه، وهو لا يوجب
~~جواز الاستصحاب.
# على أنا نقول حينئذ: إن الدخول بالتيمم في المشروط أيضا مخصص بغاية،
~~ومحدود بحد مشتبه مشكوك فيه، والمخصص بالمجمل لا يمكن التمسك به في القدر
~~المجمل، فلا تثبت رافعية التيمم إلا إلى زمان حصول الحدث، ولا يستصحب إلى
~~زمان التمكن من الغسل.
# وبالجملة فالمسألة لا تخلو من إشكال، فالأحوط الجمع بين الوضوء والتيمم،
~~أو تيممين فيما لم يجد ما يكفي الوضوء.
# الخامس: من عدم الطهور مطلقا سقطت عنه الصلاة أداءا على المعروف من مذهب
~~الأصحاب (1). ونقل المحقق قولا بوجوب الصلاة والإعادة (2). وعن المفيد
# PageV01P377
# في رسالته إلى ولده أن عليه أن يذكر الله في أوقات صلاته بمقدارها (1).
# والأقوى الأول، لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " لا صلاة إلا بطهور "
~~(") فإن المراد نفي صورة الصحة مطلقا بدونه، فإن بقي التكليف به مع عدم
~~التمكن لزم التكليف بالمحال، وإلا فإن وجبت الصلاة بدونه فيلزم تحقق
~~المشروط بدون الشرط، فبقي عدم الوجوب.
# وأما القضاء، ففيه قولان، أظهرهما الوجوب، لقول الباقر عليه السلام في
~~صحيحة زرارة: " ومتى ذكرت صلاة فاتتك صليتها " (3) ويقرب منها صحيحته
~~الأخرى (4).
# واحتج المخالف: بأن الأداء لم يثبت وجوبه، ولم يثبت أمر جديد بالقضاء
~~(5).
# وفيه: أن القضاء ليس تابعا للأداء، وقد عرفت الأمر الجديد.
# PageV01P378
# الفصل الرابع في النجاسات وطريق إزالتها وتطهيرها وأنواع المطهرات وفيه
~~مقاصد: PageV01P379
# المقصد الأول في النجاسات وفيه مباحث:
# الأول: البول والغائط مما لا يؤكل لحمه نجس إذا كان له نفس سائلة، أي دم
~~سائل يخرج بقوة ودفع إذا قطع عرق من صاحبه لاجتماعه فيه، وهو في مقابل
~~الرشح، كدم السمك وغيره.
# وهو في غير الطير وبول الرضيع قبل الإطعام إجماعي، بل ضروري في بول
~~الانسان.
# وادعى الفاضلان إجماع علماء الاسلام على غيره إذا كان مما لا يؤكل لحمه
~~مما له نفس سائلة (1)، إلا أن العلامة حكى عن بعض العامة ms0168 طهارة أبوال جميع
~~البهائم والسباع، وقال: إنه خارق للاجماع.
# ويدل على نجاسة البول عموما وفي خصوص الانسان وعلى عموم ما لا يؤكل لحمه
~~من الحيوانات: الأخبار الصحاح وغيرها مما تقرب حد التواتر (2).
# PageV01P381
# وكذلك في الروث تدل الأخبار إما بعموم ذكر العذرة كما في الأخبار الكثيرة
~~إن قلنا بشمولها لخرء غير الانسان أيضا، كما هو ظاهر أهل اللغة، أو بخصوص
~~خرء السنور والكلب والفأرة كما في بعضها (1)، ويكفي الاجماع وعدم القول
~~بالفرق.
# وأما ما لا نفس له، فلا يتبادر رجيعه من هذه الأخبار، فإن أغلب ما لا نفس
~~له مما لا يؤكل لحمه لا لحم له يصلح للأكل. والمتبادر ما يكون معدا للأكل،
~~ولذلك لا نفهم الانسان منها أيضا، والأصل يقتضي طهارته.
# والظاهر عدم تحقق البول في أكثرها أيضا.
# مع أن لزوم التحرز منه مستلزم للحرج في كثير منها كالذباب والبق
~~والبراغيث والقمل ونحو ذلك، ولا قائل بالفصل.
# مضافا إلى أن الطهارة كأنها إجماعية، كما يظهر من العلامة في التذكرة
~~والمنتهى وغيره (2).
# وألحق الأصحاب بذلك: ما لم يؤكل لحمه بعرض، كالجلال، وشارب لبن الكلبة
~~والخنزيرة حتى يشتد لحمه، والموطوء.
# والظاهر أن ذلك أيضا إجماعي، كما يظهر من التذكرة (3)، وادعاه في المختلف
~~في خصوص ذرق الدجاج الجلال (4).
# ويدل عليه أيضا: عموم ما دل على نجاسة أبوال ما لا يؤكل لحمه، ومفهوم كل
~~ما دل على طهارة بول ما يؤكل لحمه.
# وقد يعارض ذلك بالأخبار الدالة على طهارة بول البعير والشاة ونحوهما
# PageV01P382
# بالخصوص (1)، فإن بينهما عموما من وجه، والأصل مع ما دل على الطهارة، ولو
~~سلم شمول عمومات نجاسة مطلق البول لما نحن فيه، فهي أيضا أعم مطلقا مما دل
~~على طهارة بول تلك الحيوانات بالخصوص، والخاص مقدم على العام، فلم يبق إلا
~~ظاهر الاجماع.
# وأما بول الرضيع قبل أن يطعم، فالمشهور فيه أيضا النجاسة، للاجماع
~~المنقول عن المرتضى (2) والعلامة (3)، والعمومات، وخصوص ما ورد في نجاسة
~~بول الصبي (4).
# وذهب ابن الجنيد إلى طهارته (5)، استنادا إلى رواية السكوني (6)، وبأنه
~~لو كان نجسا لوجب غسله ms0169 ولم يكتف فيه بالصب كما هو المشهور في طريق تطهيره
~~كما سيجئ.
# والرواية مع ضعفها (7) لا تنافي النجاسة، ونحن نقول بالنجاسة، ولكن نكتفي
~~بالصب، فإن طريق تطهير النجاسات مختلف.
# وأما رجيع الطير مما لا يؤكل لحمه فالمشهور فيه أيضا النجاسة (8)، وعن
~~ابن أبي عقيل (9) والصدوق (10) والشيخ في المبسوط (11) القول بالطهارة.
# PageV01P383
# حجة المشهور: مطلقات ما دل على نجاسة البول والعذرة، وخصوص حسنة عبد الله
~~بن سنان: " اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (1) وكل ما دل بالمفهوم
~~على ذلك كما مر.
# وحجة المخالف: حسنة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال: " كل شئ يطير
~~فلا بأس بخرئه، وبوله " (2).
# فنقول: إن لم يكن للطير بول فيشتمل دليلهم على ما يضعفه، ولا يعارض به ما
~~تقدم، وإن كان له بول فنقول أيضا: لا يقاوم هذه الحسنة ما ذكرنا من الأدلة،
~~فإن التخصيص مشروط بالتقاوم، واعتضاد ما تقدم بعمل جمهور الأصحاب يمنع من
~~تخصيصها بذلك، سيما والنسبة بين الحسنتين عموم من وجه كما لا يخفى.
# وأما الخرء، فإن سلم انصراف العذرة في الأخبار إلى خرء الطير كما يظهر من
~~الصحاح والقاموس من تفسير الخرء بالعذرة (3)، واعتمدنا على مفهوم موثقة
~~عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: " كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه
~~" (4) فالكلام فيه مثل ما تقدم.
# وإن لم نسلم كما نقل عن ظاهر ابن الأثير والهروي أنهما خصاه بعذرة
~~الانسان (5)، ولم تسلم حجية المفهوم، أو عمومه، أو عدم دلالة مفهوم نفي
~~البأس المنكر على النجاسة، فيكفي عدم القول بالفصل.
# والظاهر أن مفهوم الموثقة حجة، لأنه في معنى الشرط، أو معتضد بالقرينة
~~الخارجية إن قلنا بأنه مفهوم الوصف. والمفهوم عام كما حققناه في الأصول،
~~فيثبت
# PageV01P384
# به حكم الخرء والبول معا.
# وأما نفي البأس المنكر، فهو كناية عن الطهارة، فوجود البأس كناية عن
~~النجاسة، والقول بأن رفع السلب الكلي هو الإيجاب الجزئي في هذا المقام
~~وحصول بأس ما أعم من النجاسة، فهو كلام ظاهري.
# وقد يستدل على الطهارة بصحيحة علي بن جعفر، ms0170 عن أخيه عليه السلام: وعن
~~الرجل يرى في ثوبه خرء الطير أو غيره، هل يحكه وهو في صلاته؟ قال:
# " لا بأس " (1) فإن ترك الاستفصال يفيد العموم.
# وفيه: أن الظاهر أن السؤال ليس عن حال الخرء، بل عن جواز هذا الفعل في
~~الصلاة، فلا التفات إلى بيان حكم الخرء، كما أنه لم يستفصل عن غيره أيضا،
~~وهو أيضا أعم من النجس.
# ثم إن المشهور أن بول الخشاف أيضا نجس (2)، وكذلك الشيخ استثناه من الطير
~~مع قوله بطهارة خرئه في المبسوط (3)، لرواية داود الرقي (4)، ويظهر من
~~العلامة في المختلف الاجماع على ذلك.
# وأما رواية غياث الدالة على طهارتها (5)، فلا تقاوم رواية داود، وإن كانت
~~أقوى سندا منها، لاعتضادها بالشهرة، وحسنة ابن سنان وغيرها من الأدلة.
# وأما أبوال ما يؤكل لحمه فطاهرة كلها، وكذلك أرواثها، والظاهر أنه
~~إجماعي. وتدل عليه الأخبار الكثيرة الدالة بعمومها على طهارة أبوال ما يؤكل
~~لحمه
# PageV01P385
# منطوقا ومفهوما والدالة بخصوصها في البعير والشاة وغيرهما (1) مع عدم
~~القول بالفصل.
# نعم وقع الخلاف في أبوال وأرواث الحمولات الثلاث، والمشهور طهارتهما منها
~~مع كراهة (2)، والكراهة في البول أشد من غيره، والأمر في الحمار أشد من
~~غيره، لأن لحمه أشد كراهة من غيره على الأقوى.
# وذهب ابن الجنيد إلى نجاستهما منها (3)، واختاره الشيخ في النهاية، ولكن
~~رجع عنه في الاستبصار (4) والمعتمد الأول.
# لنا: الأصل، والاستصحاب، وكل ما دل بعمومه على طهارة أبوال ما يؤكل لحمه
~~منطوقا ومفهوما من الأخبار الصحيحة والحسنة والموثقة وغيرها.
# لا يقال: إن المتبادر مما يؤكل لحمه هو ما كان معدا للأكل ومخلوقا لهذه
~~المصلحة، وما يتعارف أكله.
# لأنا نقول: إن العرف وإن كان مقدما على اللغة في سائر المواضع، إلا أن
~~الظاهر أن المراد هنا ما يجوز أكله شرعا، وإلا فالعرف العام قبل ورود الشرع
~~أو مع قطع النظر عنه يأكلون الخنزير والثعلب والأرنب، بل اليربوع وغيرها،
~~وأكل هذه الأمور في العرف العام ليس بأقل من أكل اليحمور واليعفور وغيرهما.
# وهذا لا ينافي ما قدمنا من اخراج الانسان ومثل ms0171 الحشرات عن إطلاق تلك
~~الأخبار وعموماتها، فإن لهما وجها آخر. أما في الانسان فلأن فاعل الأكل هو
~~نوع الانسان، والمتبادر من المأكول هو المباين للأكل بالنوع.
# وأما في الحشرات، فلعدم وجود اللحم فيها، لعدم إطلاقه عليها عرفا
# PageV01P386
# في الأغلب.
# وبما ذكرنا تعرف أنه لا يمكن للقائل بالنجاسة قلب الدليل بأن هذه الدواب
~~مما لا يؤكل لحمها عرفا، فتكون أبوالها وأرواثها نجسة.
# وكيف كان، فلا ينحصر الدليل في العمومات، بل الخصوصات كثيرة، مثل رواية
~~أبي الأعز النحاس المروية في الكافي والفقيه، المصرحة بنفي البأس منكرا في
~~الأبوال (1)، ورواية معلى بن خنيس وابن أبي يعفور الصريحة في بول الحمار
~~(2).
# وموثقة الحلبي: في السرقين الرطب أطأ عليه، فقال: " لا يضرك مثله " (3).
# وصحيحة الحلبي النافية للبأس عن روث الحمير، الآمرة بغسل بولها (4)، فإن
~~عدم القول بالفصل يثبت الحكم في البول، والأمر محمول على الاستحباب.
# ويقرب من ذلك رواية أبي مريم (5)، ورواية عبد الأعلى بن أعين (6)، وما
~~رواه الحميري في قرب الإسناد صحيحا عن ابن رئاب، الدالة على جواز الصلاة مع
~~الروث.
# PageV01P387
# حجة المخالف: العمومات، وخصوص الأخبار المعتبرة المستفيضة، وكثير منها
~~صحيح (1)، ولكنها لا تقاوم ما ذكرنا.
# أما العمومات، فشمولها لما نحن فيه ممنوع، لأن المتبادر منها بول
~~الانسان.
# سلمنا، لكنها مخصصة بما ذكرنا.
# وأما الخصوصات فلا يعارض بها ما ذكرنا، لأن الصحيح فيها أيضا موجود، ومع
~~اعتضادها بالشهرة العظيمة التي كادت أن تكون إجماعا، وموافقتها لأصل
~~البراءة، والطهارة، والسهولة واليسر، ونفي الحرج والعسر، سيما في الأسفار،
~~وخصوصا في الأيام الكثيرة الريح، وخصوصا مع الاحتياج إليها في رض الأكداس.
~~فتترجح على معارضاتها وإن لم تكن معتبرة الأسناد، فكيف مع اعتبار سند كثير
~~منها، مع مهجورية معارضاتها عند الأصحاب، وتركهم العمل عليها، وانفراد ابن
~~الجنيد بالعمل عليها مع كونه في الأكثر موافقا للعامة، ومخالفتها للأصول
~~والعمومات والعمل.
# فلا بد من حملها على التقية، فإن ذلك مذهب بعض العامة، أو على الكراهة
~~كما صرح به في رواية زرارة، عن أحدهما عليهما السلام: في أبوال الدواب تصيب
~~الثوب، ms0172 فكرهه، فقلت: أليس لحومها حلالا؟ قال: " بلى، ولكن ليس مما جعله
~~الله للأكل (2).
# وإنما لم نعدها من جملة الأدلة، لعدم الحقيقة الشرعية في الكراهة في
~~المعنى المصطلح، ولكن بعد الجمع والتأويل فهو منطبق على المدعى.
# PageV01P388
# ثم إن المحقق في الشرائع تردد في طهارة ذرق الدجاج الغير الجلال (1)
~~لرواية ضعيفة جدا (2) معارضة بمثلها (3). ولا وجه له، للأصل، والعمومات،
~~وكل ما تقدم من الأدلة، ولا بأس باستحباب التنزه.
# الثاني: المني والدم من ذي النفس السائلة نجسان. أما المني فيدل عليه
~~مضافا إلى الاجماع المتكرر في كلامهم (4): الأخبار المستفيضة الصحيحة
~~وغيرها (5).
# والحق أنه ليس فيها ما يشمل جميع أفراده، بل الظاهر منها مني الانسان
~~(6).
# وقد يظن التعميم من صحيحة محمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام، قال:
# " ذكر المني فشدده، وجعله أشد من البول " (7) بأن فيه إشعارا بكونه أولى
~~بالتنجيس من البول، فكل ما حكم بنجاسة بوله فيكون منيه أولى بالتنجيس.
# وفيه مع ما فيه لا يتم فيما بوله طاهر.
# فالمعتمد هو الاجماع.
# PageV01P389
# والاستدلال بقوله تعالى: * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ويذهب
~~عنكم رجز الشيطان) * (1) ضعيف، إذ بعد تسليم كون المراد من الرجز المني دون
~~الجنابة أو غيرها ليس فيه دلالة على النجاسة، وإرادة الطهارة من الخبث من
~~قوله تعالى: * (ليطهركم) * ليس بأولى من إرادة الطهارة من الحدث.
# وأما مني ما لا نفس له، فقد تردد فيه بعض الأصحاب (2)، وصرح جماعة منهم
~~بطهارته (3)، وهو الأقوى، للأصل، وعدم استفادة حكمه من الأخبار.
# وأما الدم فأما بالاجمال فلا ريب في نجاسته، وهو إجماعي مدلول عليه
~~بالأخبار المعتبرة.
# وأما التفصيل، فإن كان من ذي النفس فنجس قليله وكثيره، خلافا لابن الجنيد
~~في الأقل من الدرهم (4)، وهو ضعيف.
# واستثني من ذلك: ما يتخلف في اللحم، وسيجئ الكلام فيه.
# أما نجاسة أصل هذا الدم، فإجماعية كما نقله الفاضلان (5) وغيرهما (6)،
~~وظاهر المدعين للاجماع على مطلقه، سواء كان مسفوحا - أي مصبوبا من عرق بقوة
~~- أو كان من أثر الخدشة والشوكة، وهو مقتضى إطلاق الفتاوى والأخبار.
# وما يتوهم من كلام ms0173 العلامة في المنتهى وغيره من تقييده بالمسفوح (7)،
~~فمراده اخراج المتخلف في اللحم، لا ما تقدم، كما تشهد به سائر كلماته.
# PageV01P390
# والظاهر أن التقييد في الآية أيضا ناظر إلى ذلك، فلا دلالة فيه على نفي
~~الحرمة فيما تقدم حتى تثبت الطهارة.
# وبالجملة فلا إشكال في نجاسة غير المتخلف في اللحم للاجماع، والأخبار
~~(1).
# وأما المتخلف في اللحم فهو طاهر حلال بالاجماع، كما يظهر من جماعة من
~~أصحابنا (2)، ونقطع به من تتبع أحوال السلف في كل زمان من غير نكير.
# وقد يستدل عليه بقوله تعالى: * (أو دما مسفوحا) * (3).
# وقد يستشكل فيه: بأن مفهوم الوصف لا حجية فيه، وعموم الدم في الآية
~~الأخرى يشمله، وكذلك سائر الأخبار، ولا يعارض الخاص المفهوم - سيما إذا ضعف
~~- العام المنطوق، وخصوصا إذا جهل التاريخ، إلا أن يقال: إنه من باب مفهوم
~~الحصر، وهو قوي.
# وقيل: عليه أن يعارض الآية الأخرى، إما مع الجزء السلبي من الحصر أو
~~الإثباتي، أما الأول فيفيد عكس المطلوب، فإن مطلق الدم حينئذ أخص، وأما
~~الثاني فيرجع إلى اعتبار مفهوم الوصف (4).
# أقول: وغاية ما يستفاد من الحصر نفي الحرمة عن غير الدم المسفوح، وغير
~~الدم المسفوح أعم من الدم المطلق من وجه، فإن غير الدم المسفوح أعم من الدم
~~الغير المسفوح، فلا بد من الرجوع إلى المرجحات، فلا يفيد عكس المطلوب أيضا.
# وكيف كان فما ادعينا من ظهور الآية في اخراج المتخلف وكون الحصر إضافيا
~~بالنسبة إلى ما حرمه العرب على أنفسهم مما في بطون الأنعام أيضا مع الاجماع
~~يكفي في إثبات المطلب، وإن كان الانفهام والظهور من جهة المفهوم الوصفي،
~~فإنه
# PageV01P391
# قد يصير حجة بانضمام المقام والتأيد بالقرائن.
# ثم إنهم اشترطوا في ذلك القذف المعتاد، فلو تخلف لعارض، كما لو جذبه
~~الحيوان بنفسه إلى جوفه، أو بسبب كون رأسه أعلى من جسده حال الذبح، فينجس
~~ما في البطن، بل ما في العروق أيضا لو علم أنه من ذلك، ولكن فرض حصول العلم
~~فيه بعيد.
# وبالجملة المسفوح حرام نجس، وغير المسفوح طاهر حلال، والألفاظ ms0174 موضوعة
~~للأمور النفس الأمرية، ومع عدم إمكان العلم فيتبع الظن.
# وعلى هذا فالأمر في المتخلف في العروق وداخل اللحم سهل، لكمال بعد حصول
~~العلم أو الظن بكونه من جملة الدم المسفوح، بخلاف ما يجتمع في البطن، فإن
~~الغالب حصول العلم أو الظن بكونه من الدم المسفوح.
# ولا يكتفى بمجرد عدم معلومية كونه مسفوحا، لاطلاقات النجاسة، وعدم العلم
~~بتحقق الاجماع ولا نقله في ذلك.
# ولا يبعد القول بعدم نجاسة ملاقيه مع القول بالحرمة، لأصالة الطهارة، بل
~~لا تبعد الطهارة والحل، للأصول، وصحيحة عبد الله بن سنان الآتية (1).
# وأما دم غير ذي النفس، فهو طاهر مطلقا، وادعى عليه الاجماع الشيخ (2)
~~والفاضلان (3).
# وقد يستدل عليه بقوله تعالى: * (أحل لكم صيد البحر) * (4) وفيه ضعف، لعدم
~~تبادر دمه.
# PageV01P392
# وبجواز أكل السمك حيا وفيه الدم. وفيه أيضا أن الأحكام تابعة للأسامي،
~~ولا يقال لأكله أكل الدم.
# وبقوله تعالى: * (أو دما مسفوحا) * (1) بالتقريب المتقدم، والجواب هنا
~~أظهر مما تقدم.
# وسيجئ في كتاب المطاعم أن الأشهر الأقوى حرمته، فلا وجه للاستدلال بالآية
~~أصلا. مع أن الظاهر من الآية الحصر الإضافي بالنسبة إلى المتخلف، كما تشهد
~~به مطابقته مع اشتراط التلبس بالمبدأ في المشتق، وأن المتبادر من المسفوح
~~وغيره ما من شأنه السفح، بخلاف ذي النفس السائلة وغير السائلة.
# وتؤيده رواية السكوني في السمك (2)، وصحيحة ابن أبي يعفور في دم البراغيث
~~(3)، وكذلك رواية الحلبي (4) ورواية غياث فيه وفي دم البق (5)، مع لزوم
~~العسر والحرج في اجتناب كثير منها أيضا.
# والظاهر أن الدم الذي يوجد في البيض أيضا نجس كما صرح به جماعة من
~~الأصحاب (6)، ولا يبعد كونه إجماعيا، فإنهم قالوا: إنه علقة، وادعى الشيخ
~~على نجاستها إجماع الفرقة (7)، وتشمله مطلقات الدم أيضا.
# والذي نشاهده أن هذا الدم خارج الصفرة، ويحتمل عدم إمكان تطهير الصفرة
~~كالبياض لميعانها، ويحتمل التطهير، لأن عليها جلدة رقيقة توجب تماسكها،
~~فيمكن
# PageV01P393
# إدخالها في الكر أو الجاري أو غيرهما.
# وأما ما يوجد في اللبن، فهو أيضا نجس، للاطلاقات. ولأن ضعف الحيوان منع
~~عن استحالته، فبقي على ms0175 حاله.
# ثم إن الأظهر في الدم المشتبه الطهارة، للأصل والإطلاقات. وأما الحلية،
~~فلا، لتفاوت المأخذ فيهما، وإن كان يحتمله أيضا، لصحيحة عبد الله بن سنان:
~~" كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (1) بل هو
~~الأظهر.
# الثالث: الميتة من ذي النفس السائلة نجسة بإجماع العلماء، إلا من الشافعي
~~في الانسان، معللا بأنه لو كان نجسا لما قبل التطهير (2)، وإلا من الشيخ في
~~الحيوان المائي (3)، لخبرين ضعيفي المأخذ والدلالة (4). ونقل الاجماع في
~~المسألة جماعة من الأصحاب (5).
# ويدل عليه الأخبار التي كادت أن تكون متواترة بالمعنى، مثل الصحاح
~~المستفيضة الدالة على أن الميتة والجيفة إذا غيرت الماء فلا يشرب منه ولا
~~يتوضأ (6).
# والصحاح وغيرها الواردة في منزوحات البئر، سيما ما دل على نجاستها مع
# PageV01P394
# تغيرها بها (1).
# والأخبار المستفيضة جدا من الصحاح وغيرها الدالة على أن السمن والزيت
~~الذي يموت فيه الجرذ والفأرة يحرم أكله إن كان مائعا ويستصبح به (2)، وما
~~ورد في إهراق مرق ماتت فيه الفأرة وغسل لحمه (3).
# وصحيحة محمد بن مسلم الدالة على حرمة الأكل في آنية أهل الكتاب إذا كانوا
~~يأكلون فيها الميتة (4).
# وحسنة الحلبي، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد
~~الميت فقال: " يغسل ما أصاب الثوب " (5).
# ولهذه الحسنة صدر أطلق فيه لفظ الميت على الانسان وغيره، فلا اختصاص له
~~بالإنسان.
# ورواية إبراهيم بن ميمون، عنه عليه السلام: عن الرجل يقع ثوبه على جسد
~~الميت، قال: " إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، وإن كان لم
~~يغسل الميت فاغسل ما أصاب ثوبك منه " (6).
# وكلمة " ما " تفيد العموم، وتشمل لعاب الفم والأنف والعين وغيرها.
# ولا وجه للقدح في دلالتهما كما وقع من صاحب المدارك (7) وبعض من قلده
~~(8)،
# PageV01P395
# ولو تؤمل في دلالة اغسل ولا تغسل على النجاسة وعدمها فلا اختصاص له بما
~~نحن فيه، مع تراكم أفهام الفقهاء على ذلك فيه.
# وأكثر الأخبار المتقدمة يدل على المطلوب بالعموم، إما من جهة المفرد
~~المحلى الدال على العموم بسبب حصول الطبيعة ms0176 في ضمن جميع الأفراد على
~~التحقيق، أو بسبب الوقوع في كلام الحكيم وخلوه عن القرينة على القول الآخر،
~~أو من جهة ترك الاستفصال.
# ورواية جابر عن الباقر عليه السلام تدل بالعموم صريحا، قال: أتاه رجل
~~فقال له: وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت، فما ترى في أكله؟ فقال له
~~أبو جعفر عليه السلام: " لا تأكله " فقال له الرجل: الفأرة أهون علي من أن
~~أترك طعامي من أجلها، قال، فقال له أبو جعفر عليه السلام: " إنك لم تستخف
~~بالفأرة، وإنما استخففت بدينك، إن الله حرم الميتة من كل شئ " (1) ولا يخفى
~~على المتأمل أن المراد الحرمة الحاصلة بسبب النجاسة.
# ثم: إن ظاهرهم الاتفاق على أن المبانة من الحيوان نجسة، حيا كان أو ميتا،
~~إلا ما يشعر به الفقيه من طهارة جلد الميتة (2).
# ويدل على نجاسة جزء الميت إذا بان - مضافا إلى ظاهر الاجماع وشمول بعض
~~الأخبار المتقدمة - الاستصحاب، وصحيحة الحلبي المجوزة للصلاة فيما كان من
~~صوف الميتة، معللا بأنه ليس فيه روح (3) وفي مثل البثور والثؤلول والأجزاء
~~الصغار من بدنه إشكال.
# وأما جزء الحي، فإن خرجت منه الروح ولما ينقطع فالأظهر الطهارة، وفي
~~المنقطع بعد خروج الروح إشكال.
# PageV01P396
# وأما لو خرجت منه الروح بعد الانقطاع، فالمذهب فيه النجاسة، وتدل عليه
~~الأخبار المستفيضة، منها: ما ورد في قطع أليات الغنم، وأنها ميتة، ويحرم
~~عدم الاجتناب عنها (").
# ومنها ما ورد في الصيد: " أن ما أخذت الحبالة وقطعت منه فهو ميتة ويذكى
~~سائر جسده " (2) وفيها الصحيح والحسن.
# ورواية أيوب بن نوح، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا قطع من الرجل
~~قطعة فهي ميتة " (3).
# نعم الظاهر في الأجزاء الصغار مثل البثور والثؤلول الطهارة، كما استقربه
~~العلامة (4) وجماعة ممن تأخر عنه (4)، لعدم شمول الأدلة، ولصحيحة علي بن
~~جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون به
~~الثؤلول أو الجرح، هل يصلح له أن يقطع الثؤلول وهو في صلاته، أو ينتف بعض
~~لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال: " إن لم ms0177 يتخوف أن يسيل الدم فلا بأس، وإن
~~تخوف أن يسيل الدم فلا يفعله " (6) وجه الدلالة: ترك الاستفصال مع أنه
~~مقامه، وفيه تأمل.
# وللزوم الحرج الشديد في مثل ما ينفصل عن الشفة وعن اليد في حال عصر
~~الثياب، ولا يترك الاحتياط فيما لم يحصل الحرج.
# PageV01P397
# ثم إن نجاسة الميتة مثل سائر النجاسات لا تتعدى إلا مع الرطوبة، وذهب
~~العلامة إلى تعديها مع اليبوسة (1).
# ويدل على المختار: الأصل، والاستصحاب، وعموم التعليل بالجفاف لعدم
~~التنجيس في العذرة وغيرها من النجاسات في الأخبار (2).
# وموثقة عبد الله بن بكير: " كل يابس ذكى " (3).
# وخصوص صحيحة علي بن جعفر، قال: سألته عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت قال:
~~" ينضحه بالماء، ويصلي فيه، ولا بأس " (4).
# وصحيحته الأخرى: عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل تصلح له الصلاة فيه
~~قبل أن يغسله؟ قال: " ليس عليه غسله، وليصل فيه، ولا بأس " (5).
# ولعل العلامة استند إلى إطلاق حسنة الحلبي ورواية إبراهيم المتقدمتين.
# وفيه: أنهما مطلقتان، فيجب الحمل على المقيد. مع أن قوله عليه السلام:
# " يغسل ما أصاب الثوب دون ما أصابه من الثوب " ونحو ذلك يشعر بالرطوبة.
# وذهب في المنتهى إلى تفصيل آخر، وهو أن النجاسة الحاصلة بمس اليابس
~~حكمية، فلو لاقى جسما رطبا لا يجب غسله (6)، وهو أيضا ضعيف.
# بقي في المقام شيئان:
# الأول: إن في نجاسة ميت الآدمي قبل البرد قولين: من جهة الإطلاقات، ومن
~~جهة صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: " مس الميت عند موته
# PageV01P398
# وبعد غسله والقبلة ليس به بأس " (1).
# الثاني: إن ميتة ما لا نفس له طاهرة بالاجماع كما نقله جماعة من الأصحاب
~~(2)، والأخبار. وخلاف الشيخ في نجاسة ميتة العقرب (3) ضعيف، وما ورد من
~~الأخبار الدالة على إراقة ماء وقعت فيه (4) محمول على الاستحباب، أو على
~~الاجتناب من سمه.
# الرابع: لا تطهر الميتة بالدباغ على المشهور، بل المجمع عليه، كما ادعاه
~~الشيخ في الخلاف والشهيد في الذكرى (5)، والعلامة عن غير ابن الجنيد (6)،
~~وادعى الشهيد تواتر الأخبار به.
# وإنا وإن لم نقف ms0178 على الأخبار المتواترة، لكن يمكن الاستدلال بصحيحة علي
~~بن أبي المغيرة، وفي التهذيب علي بن المغيرة (7) قال، قلت لأبي عبد الله
~~عليه السلام: جعلت فداك، الميتة ينتفع بشئ منها؟ قال: " لا " قلت: بلغنا أن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله مر بشاة ميمونة فقال: " ما كان على أهل هذه
~~الشاة إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها " فقال: " تلك شاة لسودة
~~بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وآله، وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها،
~~فتركوها حتى ماتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كان على أهلها
~~إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا
# PageV01P399
# بإهابها أي تذكى " (1).
# ورواية محمد بن أبي عمير، عن غير واحد، عنه عليه السلام: في الميتة قال:
# " لا يصلى في شئ منه ولا ينتفع " (2).
# وتؤدي مؤداهما رواية الفتح بن يزيد وغيرها (3)، ورواية عبد الرحمن بن
~~الحجاج عنه عليه السلام، حيث أنكر في آخرها على أهل العراق استحلالهم
~~الميتة لزعمهم أن دباغ جلد الميتة ذكاته: " ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك
~~إلا على رسول الله صلى الله عليه وآله " (4) وتؤدي مؤداها رواية أبي بصير
~~(5).
# وجه الاستدلال: أن الانتفاع بالرطب الملاقي لها كالماء والسمن انتفاع
~~بجلد الميتة غالبا، حيث لو لم تكن الجلدة لما تمكن من حفظ ذلك الرطب.
# ولم يقل أحد بحرمة تناول ذلك الرطب، سيما بعد اخراجه منها، من جهة أنه
~~كان في جلد الميتة، لا من جهة النجاسة، بل إنما يقول من يقول بالحرمة لأجل
~~النجاسة.
# وكذلك إنكار كون الدباغ ذكاة، فإن الذكاة تفيد الحل والطهارة كليهما في
~~ما يؤكل، والطهارة في غيره، وإطلاق الحل يحمل على العموم كما قرر في محله.
# ورواية أبي القاسم الصيقل، حيث سأل عن اضطراره إلى استعمال جلود الميتة
~~في السيوف وملامستها بثيابهم، فأجاب عليه السلام: " اجعلوا ثوبا للصلاة "
~~(6).
# فإن الظاهر أن تلك الجلود كانت مدبوغة، وعدم منعهم عن الاستعمال لعله كان
~~لأجل التقية.
# PageV01P400
# والحاصل أن تلك الأخبار مع اعتضادها بالاجماعين المنقولين وعمل الأصحاب
~~واستصحاب الحالة السابقة كافية ms0179 وافيه، وستجئ موثقة سماعة في تذكية السباع
~~أيضا، فلا وجه لتأمل جماعة من متأخري المتأخرين في هذا الحكم (1).
# والمخالف في المسألة ابن الجنيد والشلمغاني في غير الصلاة (2)، لرواية
~~حسين بن زرارة (3)، ورواية سماعة في جلد الميتة المملوح فرخص فيه وقال: "
~~إن لم تمسه فهو أفضل " (4) والروايتان مع ضعفهما محمولتان على التقية.
# وأما ما رواه الصدوق مرسلا في أوائل الفقيه، الشامل لغير المدبوغ أيضا
~~(5)، فالاعتماد على ظاهره أضعف مما تقدم.
# ثم إن ابن الجنيد خص الكلام بما كان الدباغ بالطاهر (6). ووجهه غير
~~معلوم، وتشعر به رواية ضعيفة (7).
# الخامس: استثنى الأصحاب من الميتة ما لا تحله الحياة، والظاهر أن حكم
~~المبانة من الحي أيضا كذلك، وهي: الصوف، والشعر، والريش، والوبر، والعظم
~~والقرن، والظلف، والحافر، والبيض، والإنفحة واختلفوا في اللبن.
# PageV01P401
# والأخبار باستثناء ما ذكر مستفيضة منها صحيحة الحلبي المتقدمة (1).
# ومنها: حسنة حريز قال، قال أبو عبد الله عليه السلام لزرارة ومحمد بن
~~مسلم: " اللبن واللباء والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر، وكل
~~شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي، وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل
~~فيه " (2).
# وصحيحة زرارة، عنه عليه السلام، قال: سألته عن الإنفحة تخرج من الجدي
~~الميت، قال: " لا بأس به " قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت، قال:
# " لا بأس به " قلت: والصوف والشعر وعظام الفيل والجلد والبيض يخرج من
~~الدجاجة، قال: " كل هذا لا بأس به " (3) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
# وتتميم المقام يستدعي بيان أمور:
# الأول: إنهم اختلفوا في الإنفحة كاختلاف أهل اللغة في أنه كرش الحمل
~~والجدي ما لم يأكل (4)، أو هو الشئ الأصفر الذي يحصل فيه وينجمد غالبا (5)،
~~وأصله من اللباء يدخل في اللبن، ويعمل منه الجبن.
# والأظهر من كلمات اللغويين هو الأول، ولكن الأظهر من الأخبار هو الثاني،
~~غاية الأمر كون الاستعمال مجازا، ومن القرائن ذكره في عداد ما لا تحله
~~الحياة.
# والتصريح في رواية أبي حمزة، عن الباقر عليه السلام: في جملة مكالماته مع
~~قتادة: " إن الإنفحة ليس لها عروق، ms0180 ولا فيها دم، وإنها مما يجعل في اللبن
~~ليحصل منه الجبن " (6) وغير ذلك من الأمارات.
# PageV01P402
# وظاهر إطلاقات الأخبار يقتضي عدم الحاجة إلى التطهير، ويظهر من بعض
~~الأصحاب لزومه، لملاقاة النجس رطبا، وأن الإطلاقات إنما تدل على طهارتها من
~~حيث الذات لا من جهة العارض، وكذلك الكلام في ظاهر الجلدة بناءا على
~~طهارتها.
# ولا يبعد القول بلزوم تطهيرها عما لاقاه مع الرطوبة بعد الموت، لا عن
~~الملاقي لها قبله.
# وبالجملة مقتضى الدليل أن ملاقاة النجس رطبا تنجس، لا أن تنجس الملاقي
~~الرطب يوجب تنجس ملاقيه، وفيما نحن فيه تنجس أحد المتلاقيين، لا أن أحدهما
~~لاقى نجسا.
# الثاني: اتفق الأصحاب ظاهرا على اشتراط اكتساء الجلد الأعلى في طهارة
~~البيضة، لرواية غياث بن إبراهيم، عن الصادق عليه السلام: عن بيضة خرجت من
~~است دجاجة ميتة، قال: " إن كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها "
~~(1).
# والظاهر أن مراد من اشترط اكتساء الجلد الصلب هو ما يصلب غالبا، وإلا فقد
~~يخرج من است الدجاج ولم يصلب، فالظاهر عدم الخلاف في المسألة.
# ومراد من عبر بالقشر الأعلى أو القشر الغليظ أو القشر الفوقاني أو الجلد
~~الصلب واحد.
# ويكفي في تقييد المطلقات هذه الرواية، مع اعتضادها بالشهرة، بل الاجماع.
# وفي لزوم تطهير ظاهر الجلدة الاحتمالان السابقان، بل القولان.
# الثالث: اختلفوا في طهارة اللبن المحلوب من ضرع الميتة، ويظهر من الدروس
~~أن المشهور بين القدماء الحل، حيث قال: القائل بالحرمة نادر (2)، وكذلك
~~يظهر من
# PageV01P403
# غيره أيضا، وعن الشيخ في الخلاف الاجماع على الطهارة (1).
# وذهب ابن إدريس (2) والفاضلان (3) وجماعة (4) إلى النجاسة.
# والأول أقوى، لحسنة حريز (5)، وصحيحة زرارة (6)، وقوية حسين بن زرارة
~~(7)، وغيرها من الأخبار.
# والقدح في الحسنة بأن ما قيل: إن قوله عليه السلام: " وإن أخذته منه بعد
~~أن تموت " لم يذكر فيها حكاية الموت واللبن مما لا يمكن غسله، فلا دلالة
~~فيها، لا وجه له، فإن الظاهر من سياق الرواية - سيما بملاحظة نظائرها - أن
~~المراد بالجميع هو المأخوذ من الميت.
# احتج الآخرون بأنه مائع ملاق للنجس، فيكون ms0181 نجسا، ورواية وهب بن وهب، عن
~~جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام: " إن ذلك الحرام محضا " (8).
# ويرد على الأول: منع كلية الكبرى أولا، وتخصيصه بما ذكرناه ثانيا، مع
~~كثرة نظائره في الشريعة، مثل ماء الاستنجاء، وطهارة المذي الخارج من ممر
~~البول، وبقية الغسالة في الثوب، وغير ذلك.
# PageV01P404
# على الثاني ضعف الرواية جدا (2)، مع أنها موافقة للعامة، فتحمل على
~~التقية، ولكن الاحتياط مما لا ينبغي تركه.
# الرابع: المشهور جواز استعمال الصوف وأخواته بالجز والقطع، ولكن حكموا في
~~صورة القلع بغسل موضع الاتصال (2).
# والشيخ اشترط الجز، لأن أصولها المتصلة باللحم من جملة أجزائه، وإنما
~~تستكمل استحالتها بعد تجاوزها عنه (3)، وهو ممنوع، لصدق التسمية أولا،
~~ولدلالة الأخبار ثانيا بإطلاقها وعمومها (4)، وهذه الإطلاقات مع اعتضادها
~~بالأصل تترجح على ما دل على نجاسة أجزاء الميتة لو سلم ما يدل عليه
~~بالعموم.
# وأما الغسل مع القلع، فلعله من جهة ملاقاتها الميتة رطبة، وخصوص الحسنة
~~المتقدمة (5)، وإن أمكن القدح فيه بأنه لما شمل غير صورة القلع، فلا يمكن
~~حمله على العموم، فلا بد من حمله على الاستحباب.
# والخلاف المذكور يمكن إجراؤه في القرن والسن والظلف والحافر أيضا، وإن لم
~~قف على تصريح به في كلامهم.
# والتعليل المتقدم وظاهر الحسنة يقتضي الغسل في صورة القلع لو صاحب رطوبة.
# الخامس: مقتضى الإطلاقات عدم الفرق في الأمور المذكورة بين ما يؤكل
# PageV01P405
# لحمه وغيره، وفرق العلامة في البيضة، فحكم بالنجاسة في غير المأكول (1)،
~~ولا وجه له.
# وتردد في المعالم (2) في إنفحة مثل الحيوان الموطوء من جهة أن الأخبار
~~مسوقة لبيان الحل، ومنه استفيدت الطهارة، وحيث لا حل فلا طهارة.
# وما ذكره ممنوع، لأن بعض الأخبار حكم بأنها ذكية ونحو ذلك، وهو أعم من
~~الحل.
# السادس: اختلف كلام العلامة في كتبه في فأرة المسك، فذهب في غير المنتهى
~~إلى طهارتها مطلقا (3) كالشهيد في الذكرى (4)، واستقرب في المنتهى نجاستها
~~لو انفصلت بعد الموت (5).
# وظاهر إطلاق صحيحة علي بن جعفر: " عن فأرة المسك تكون مع الرجل وهو يصلي،
~~وهي معه في جيبه أو ms0182 ثيابه، فقال: لا بأس بذلك " (6) مع الأول.
# وصحيحة عبد الله بن جعفر: " هل يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة مسك؟
# قال: " لا بأس بذلك إذا كان ذكيا " (7) مع الثاني.
# وأصل الطهارة يعضد الأول، سيما مع عدم انصراف ما دل على نجاسة الميتة
~~وكذلك ما دل على نجاسة المبان من الحي إلى ذلك، سيما مع احتمال إرادة عدم
~~عروض النجاسة الخارجية من الذكي في الصحيحة الأخرى، والأحوط الاجتناب.
# PageV01P406
# وقد يقال: إن شراءها من مسلم يكفي، وفيه تأمل لظهور الخلاف في المسألة
~~بينهم.
# وكيف كان فالظاهر عدم الخلاف في طهارة غير ما انفصل بعد الموت.
# وأما المسك فلا إشكال في طهارته، للاجماع، ولاستعمال المعصومين عليهم
~~السلام إياه، واحتمال ورود الإشكال بأنه لعله كان مأخوذا من الميتة أيضا
~~مدفوع باستصحاب الطهارة السابقة، مع أنه يمكن نفي البأس عما علم كونه منها
~~أيضا كالإنفحة.
# السادس: الذكاة إما أن تثمر الحل والطهارة معا كما في ما يؤكل لحمه
~~بالاجماع والكتاب والسنة، أو الحل فقط كالسمك، أو الطهارة فقط كما في
~~السباع.
# ولا ريب في عدم تأثير الذكاة أثرا في الآدمي والكلب والخنزير، كما لا ريب
~~في تأثيرها فيما يؤكل لحمه.
# والظاهر حلية استعمال السمك بعد حصول شرائط تذكيته وإن لم يكن محللا.
# واختلفوا في السباع والمسوخ والحشرات، أما السباع فالمعروف من مذهب
~~الأصحاب بحيث لا يعرف لهم مخالف وقوع الذكاة عليها، وتدل عليه صحيحة أبي
~~علي بن راشد، وفي آخرها: قلت فالثعالب يصلى فيها؟ قال: " لا، ولكن يلبس بعد
~~الصلاة " (1) وموثقة ابن بكير (2).
# ويظهر من تتبع الأخبار الواردة في النهي عن الصلاة في الثعالب والأرانب
~~وغيرها (3) أن أصل اللبس كان جائزا، وإنما المنع عن الصلاة.
# وما رواه في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال:
# PageV01P407
# وسألته عن القعدة والقيام على جلود السباع وركوبها وبيعها، أيصلح ذلك؟
~~قال:
# " لا بأس، ما لم يسجد عليها " (1).
# وموثقة سماعة، وهي مسندة إلى الصادق عليه السلام في الفقيه، وفي آخرها:
# " أما لحومها فإنا نكرهه، وأما الجلود ms0183 فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها
~~شيئا تصلون فيه " (2).
# والعجب من الشهيد ومن تأخر عنه حيث قدحوا بإضمار الرواية (3).
# وموثقته الأخرى، قال: سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ فقال: " إذا رميت
~~وسميت فانتفع بجلدها " (").
# ومع هذه الأخبار وعمل الأصحاب فلا وجه لمبالغة الشهيد الثاني في تقوية
~~عدم التذكية (5).
# ولعله لأنه لم يطلع إلا على هاتين الروايتين، وقدح فيهما بالوقف
~~والإضمار، وقد عرفت خلافه.
# وأما المسوخ، فمن قال بنجاستها فيلزمه المنع، واختلف الباقون.
# احتج المجوزون بالأصل، وهو باطل، لثبوت اشتراط التذكية والأصل عدمه، ولا
~~يكفي عدم العلم بكونها ميتة حينئذ، بل المستفاد من الأدلة أن التذكية شرط،
~~إلا أن حصول العلم بكونه ميتة محرم، فتتبع الأخبار تجد ما ذكرنا، وسيجئ في
~~كتاب المطاعم إن شاء الله تعالى، وبالعمومات مثل قوله تعالى: * (إلا ما
~~ذكيتم) * (6)
# PageV01P408
# وقولهم عليهم السلام: " ما أدركت حياته فذكه " و " إن أدركتها وعين تطرف
~~- إلى آخره - فقد أدركت ذكاتها " (1).
# وفيه: أنها ظاهرة بل أكثرها صريحة فيما يؤكل لحمه.
# ويمكن أن يستدل عليه بوقوع الذكاة على الذئب، لأنه من جملة السباع ومن
~~المسوخ، وقد بينا وقوعها على السباع، ولا قائل بالفصل.
# والمسوخ على ما في صحيحة محمد بن الحسن الأشعري (2): الفيل، والذئب،
~~والأرنب، والوطواط، والقردة، والخنازير، والجري، والضب، والفأرة، والعقرب،
~~والدب، والوزغ، والزنبور، وفي بعض الروايات الطاوس (3)، وفي بعضها إلحاق
~~الكلب (4).
# وفي الروايات وكلام الأصحاب: أن المسوخ لم تبق أكثر من ثلاثة أيام، وأن
~~هذه مثل لها، فنهى الله عز وجل عن أكلها (5).
# وأما الحشرات - وفسرت بما يسكن في الأرض كالفأرة والضب (6) - فلم نقف على
~~ما يعتمد عليه في الاستدلال، إلا أن يقال بعد الثبوت في المسوخ على النهج
~~السابق يثبت في الحشرات، لأن منها الفأرة، ولا قائل بالفصل.
# ثم في اشتراط الدباغة في جواز استعمال المذكورات بعد الذبح وإن قلنا
~~بالطهارة قولان، أقواهما العدم، للأصل والإطلاقات، وكلما ورد في الخز
~~والسنجاب، خصوصا رواية علي بن أبي حمزة (7).
# PageV01P409
# واحتج الشيخ (1) على العدم برواية أبي مخلد السراج (2)، وهي غير واضحة
~~الدلالة والسند. ms0184
# السابع: الكلب والخنزير غير المائيين نجسان عينا ولعابا بالاجماع،
~~والصحاح المستفيضة وغيرها (3).
# وأما المائيان، فقيل بنجاستهما (4)، لاطلاق الاسم، وفيه منع كونه حقيقة
~~فيهما، ثم عدم انصراف الإطلاقات إليهما، بل ظاهرها البريان، والقرينة قائمة
~~لو قيل باشتراكهما لفظا على إرادة البري.
# وما يظهر من الصدوق في الفقيه من الاكتفاء بالرش في ملاقاة كلب الصيد
~~رطبا (5)، فهو ضعيف لا مستند له.
# وكذلك قول الشيخ بعدم وجوب غسل موضع عضة الكلب من الصيد (6)، لقوله
~~تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * (7) لأن الالتفات في الآية ليس إلا إلى
~~بيان حل ما يقتله، ولا ينافي توقفه على الغسل بمقتضى سائر الأدلة.
# وكذلك الكافر الغير الكتابي، لا خلاف في نجاسته، وادعى عليه بل على نجاسة
~~مطلق الكافر الاجماع جماعة من الأصحاب (8).
# PageV01P410
# ويدل على نجاسة غير الكتابي مضافا إلى الاجماع المستفيض، قوله تعالى:
# * (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام) * (1) فإن الظاهر ثبوت
~~الحقيقة الشرعية، ويؤيده النهي عن قرب المسجد، سيما مع ملاحظة قوله عليه
~~السلام:
# " جنبوا مساجدكم النجاسة " (2).
# وحمل المصدر على باب المبالغة أولى وأظهر من تقدير المضاف، أي: ذو نجاسة
~~خارجية من جهة عدم توقيهم من الخمر والمني وغيرهما، سيما مع ملاحظة الحصر،
~~وقد يستدل بقوله تعالى: * (وكذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) *
~~(3) و هو ضعيف، والظاهر أن المراد به الشك أو العذاب والغضب.
# وأما اليهود والنصارى والمجوس، فالمعروف من المذهب نجاستهم، كما أن
~~المعروف من المخالفين طهارتهم.
# وعد نجاستهم في الانتصار مما انفردت به الإمامية (4)، وادعى عليه الاجماع
~~غير واحد من الأصحاب (5) وعن ابن الجنيد وابن أبي عقيل القول بطهارتهم (6).
# لنا: الآية المتقدمة، فإنهم مشركون. أما النصارى فلقولهم بالأقانيم، قال
~~الله تعالى: * (ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد) *
~~(1) وأيضا بإله له ابن هو المسيح، وليس هو الله في الواقع، فأخذوا له
~~شريكا. وكذلك اليهود، حيث قالوا بأن عزير ابن الله.
# PageV01P411
# وفي ذلك تأمل يظهر مما يأتي في المجبرة والمجسمة، مع أنه تعالى قال في
~~حقهم:
# * (سبحانه عما يشركون) * (1) بعد ms0185 ذكر اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من
~~دون الله، وعطف المشركين عليهم في القرآن لا يستلزم نفي الشرك عنهم.
# وأما المجوس فلقولهم بإلهين اثنين، النور والظلمة.
# ويدل عليه كل ما ورد في تفسير الآية الآتية من الأخبار المفسرة للطعام
~~بالحبوب، الحاصرة فيها، الدالة على عدم حل غير الحبوب (2). ولا وجه لها في
~~الرطبة منها غير اللحوم إلا النجاسة.
# وصحيحة محمد بن مسلم: " لا تأكلوا من آنيتهم، ولا من طعامهم الذي يطبخون،
~~ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر " (3). وكلمة " من " في الأولى مشعرة
~~بكون الطعام لهم، واختصاصهم بالآنية من حيث الأكل.
# وصحيحة زرارة، في آنية المجوس: " إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء "
~~(4).
# وموثقة سعيد الأعرج: عن سؤر اليهودي والنصراني أيؤكل أو يشرب؟ قال:
# " لا " (5).
# وصحيحة علي بن جعفر في النهي عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة (6).
# ورواية هارون بن خارجة (7).
# وصحيحة علي بن جعفر في النهي عن الاغتسال في الحمام مع اليهودي
# PageV01P412
# والنصراني (1). وتجويز التوضؤ بسؤرهم في حال الاضطرار في آخر الرواية لا
~~يقدح فيه، لامكان إرادة التقية من الاضطرار، وإلى غير ذلك من الأخبار.
# وتعليل المنع في بعض الأخبار بأنهم يأكلون الخمر أو الميتة أو نحو ذلك
~~(2)، لعله مفر من إيراد العامة، واصلاح لحال التقية، وتعليم وإرشاد للجواب
~~عنهم إذا اطلعوا على اجتنابهم عن ذلك.
# واحتج المخالف (3) بقوله تعالى: * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) *
~~(4) فإنه يشمل ما باشروه بالرطوبة. وبالأخبار الكثيرة الصحيحة وغيرها،
~~الواضحة الدلالة على المطلوب (5).
# وفيه: أن الطعام هو البر، كما نص عليه جماعة من اللغويين وأصحاب الحديث
~~من العامة، قال في المجمل: قال بعض أهل اللغة، الطعام البر خاصة (6)، وفي
~~الصحاح: وربما خص اسم الطعام بالبر (7).
# وفي المغرب: اسم لما يؤكل وغلب في البر (8).
# وفي القاموس: البر وكل ما يؤكل (9).
# سلمنا العموم، لكن الأخبار المستفيضة المعمول بها خصته بالحبوب، وحصرته
~~فيها. ووجه تخصيصهم بالذكر مع عدم الاختصاص لعله كان بملاحظة شأن النزول.
# PageV01P413
# لا يقال: عطف الخاص على العام إنما يكون لنكتة، فعطف طعامهم على الطيبات
~~إنما يتم ms0186 إذا حمل على العموم، وإلا فالحبوب من الطيبات، ولا وجه لافرادها.
# لأنا نقول: مظنة مباشرتهم له رطبا سيما في حال الرض والتصفية لما أوهم
~~خروجها من الطيبة أدخلها بعطفها على الطيبات.
# مع أنا نقول: حلية طعامهم من حيث إنه طعامهم لا ينافي نجاسته من جهة
~~مباشرتهم، كما أن حرمة عقد نسائهم دواما إنما هو من جهة أنها نساؤهم.
# وأما الأخبار، فهي محمولة على التقية، لموافقتها للعامة، سيما والقائل
~~بها من الأصحاب ابن الجنيد والذي أغلب فتاويه موافق لهم، ويلوح ذلك من خصوص
~~حسنة الكاهلي (1)، وصحيحة إسماعيل بن جابر (2) وغيرهما.
# وهذه الأخبار كلما ازدادت عددا وسندا ودلالة مع هجر معظم الأصحاب إياها
~~ازدادت ضعفا. خصوصا مع عملهم على ما هو أقل منها عددا وسندا ودلالة.
# ثم ما مر من الكافر هو ما قابل المسلم، وهو من أنكر أحد الأصول الثلاثة:
# التوحيد والنبوة والمعاد، بل الأصلين الأولين، فإن الثالث يرجع إلى إنكار
~~الأولين، لكونه إنكارا للبديهي من الدين، بل جميع الأديان، وكل منكر
~~للبديهي منه كافر، لأنه يرجع إلى إنكار المخبر عنه أو صدقه.
# فعلى هذا يكون الخارجي والناصبي كفارا منتحلين للاسلام، ولا خلاف في
~~نجاستهم، وفي عدة أخبار النهي عن الاغتسال بغسالة الحمام معللا بأن فيها
~~غسالة
# PageV01P414
# الناصب، وفي رواية ابن أبي يعفور: " إن الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب،
~~وأن الناصب أهون على الله من الكلب " (1) وفي رواية أخرى له موثقة: " إياك
~~أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي، والنصراني،
~~والمجوسي، والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم، إن الله لم يخلق خلقا أنجس من
~~الكلب، وإن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه " (2).
# وكذلك الغالي، وهو القائل بألوهية علي عليه السلام أو أحد من الناس،
~~فإنهم مشركون منكرون للتوحيد، فيكونون كفارا مندرجين تحت نقل الاجماعات
~~والآية، وبالجملة لا خلاف بينهم في كفرهم، والكافر نجس.
# وأما المجبرة، فلا دليل على نجاستهم، لأنهم مقرون بالشهادتين، ولا ينكرون
~~ما هو البديهي من الدين، وما به تحقن الدماء، وتحل الذبائح، وتثبت
~~المواريث، ms0187 وتجوز المشاورة والمعاشرة، وهو ظهور الاسلام بسبب الإقرار
~~بالشهادتين كما نطقت به الأخبار.
# وما استدل به في الكشاف على تكذيبهم للرسل والكتب بقوله تعالى: * (سيقول
~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب
~~الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا) * (3). بتقريب أن المستفاد من العقل
~~والكتب براءة الله تعالى من مشيئة القبيح، فإسناد القبيح إليه تعالى تكذيب
~~لله وكتبه (4) لا ينهض حجة، لأنهم لعلهم أرادوا أن ذلك مرضي لله تعالى،
~~مستحسن عنده، لا أنه قبيح لكنه حصل بمشيئته.
# ولعل التكذيب راجع إلى اخباره بأن الله تعالى منعهم عن الشرك ونحو ذلك،
# PageV01P415
# فيكون كذلك إشارة إلى قوله تعالى قبل هذا: * (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة
~~واسعة) * (1).
# وقد ورد عن علي عليه السلام: " إن التوضؤ بفضل وضوء المسلمين أحب إلي من
~~التوضؤ من ركو أبيض مخمر، فإن أحب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة "
~~(2).
# وأما المجسمة فاختلف فيهم كلام الأصحاب، فذهب الشيخ وجماعة إلى النجاسة
~~(3).
# وقد يعلل بأن القائل بالجسم لا بد أن يقول بحدوثه تعالى، لحدوث الأجسام.
# وفيه منع، إذ الاعتقاد بالملزوم لا يستلزم الاعتقاد باللازم، فلعل
~~اعتقادهم الفاسد: هو الجسمية مع القدم، وإن كان مستحيلا في نفس الأمر.
# وأما المخالفون غير النصاب، فلا إشكال في طهارتهم، كما يستفاد من عموم
~~الأخبار المعتضدة بالأصل.
# وقول السيد بنجاستهم مطلقا (4)، وابن إدريس بنجاسة غير المستضعفين منهم
~~(5)، ضعيف.
# وقد نقل عن السيد: الاستدلال بقوله تعالى: * (كذلك يجعل الله الرجس على
~~الذين لا يؤمنون) * (6).
# وبقوله تعالى: * (إن الدين عند الله الاسلام) * (7) * (ومن يبتغ غير
~~الاسلام
# PageV01P416
# دينا فلن يقبل منه) * (1) والإيمان تستحيل مغايرته للاسلام، فمن ليس
~~بمؤمن ليس بمسلم.
# وفيهما منع ظاهر.
# عن الصدوق (2) والسيد (3) وابن إدريس (4) القول بنجاسة ولد الزنا، لكفره،
~~لمرسلة الوشاء، عن الصادق عليه السلام: " إنه كره سؤر ولد الزنا واليهودي
~~والنصراني والمشرك، وكل من خالف الاسلام، وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب "
~~(5) بتقريب أن ظاهر السياق مخالفته للاسلام، وأن النجاسة ليست إلا من جهة
~~الكفر. ms0188
# ورواية حمزة بن أحمد، عن الكاظم عليه السلام: " لا تغتسل من البئر التي
~~يجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا
~~والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم " (6).
# ورواية ابن أبي يعفور، عن الصادق عليه السلام: " لا تغتسل من البئر التي
~~تجتمع فيها غسالة الحمام، فإن فيها غسالة ولد الزنا، وهو لا يطهر إلى سبعة
~~آباء " (7).
# قال في المعتبر: ربما يعلل المانع - يعني من سؤر ولد الزنا - بأنه كافر،
~~ونحن نمنع ذلك ونطالبه بدليل دعواه، ولو ادعى الاجماع كما ادعاه بعض
~~الأصحاب كانت المطالبة باقية، فإنا لا نعلم ما ادعاه (8).
# PageV01P417
# والحق أنه مسلم وطاهر، كما عليه سائر الأصحاب، للأصل، ولما استفيض عنه
~~عليه السلام: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه
~~" (1) فيبقى على الطهارة حتى تثبت النجاسة بدليل.
# وما ذكر من الأخبار مقدوح السند والدلالة، فلا يعارض ما ذكرنا، فإن من
~~المنهيات في بعضها غسالة الجنب، وليس ذلك للنجاسة، فيكون المراد بالكراهة
~~القدر المشترك مع عدم دلالته على الحرمة.
# ويمكن أن يكون ولد الزنا في الأخبار كناية عن الناصب، وهو المناسب لتكرر
~~وروده في الأخبار، فإن العلم بولد الزنا الحقيقي في غاية الندرة، فلا يناسب
~~الحكم بالجزم بوجود غسالته في المستنقع.
# ويؤيده إفراده بالذكر في رواية ابن أبي يعفور.
# وقد يستدل على منع كفره بلزوم تكليف ما لا يطاق.
# وهو إنما يلزم لو قيل بأنه يخلق كافرا، لا إذا قيل بأن هؤلاء يكفرون في
~~الواقع لسوء اختيارهم، كما في خصوص إيمان أبي لهب، فالقول بأنهم يكفرون بعد
~~البلوغ بسوء اختيارهم لا يستلزم تكليف ما لا يطاق، فيبقى الكلام مع دليلهم
~~في ثبوت كفرهم، وقد مر ضعفه.
# وأما الاجماع المنقول، فالأمارات شاهدة على خطأ ناقله، فلا اعتماد عليه.
# تذنيبات:
# الأول: الأشهر الأقوى نجاسة ما لا تحله الحياة من الحيوانات الثلاث،
~~خلافا للسيد، فطهره (2).
# PageV01P418
# لنا: إطلاق قول تعالى: * (إنما المشركون نجس) * (1) فإنه يشمل جميع
~~أجزائهم، وإطلاقات الأخبار الصحيحة الدالة على نجاستها، وهي مشتملة على تلك
~~الأجزاء، ms0189 والأخبار الصحاح وغيرها المستفيضة الدالة على أنه إذا أصاب الكلب
~~الثوب يجب غسله (2).
# وكذلك رواية علي بن جعفر في الخنزير (3) تدل على نجاسة شعرهما، فإن
~~الغالب أن الإصابة بالشعر، وخصوص الروايات الواردة في نجاسة شعر الخنزير.
# حجة السيد: أن ما لا تحله الحياة ليس من أجزاء نجس العين.
# وفيه منع واضح، سيما في العظام.
# وأن ما لا تحله الحياة منها مثله من الميتة، فيكون طاهرا، وهو قياس مع
~~الفارق، مع أن الأصل غير ثابت، فإن خروجه إنما كان من جهة النصوص، وصحيحة
~~الحلبي المتقدمة ثمة إنما دلت على أن الصوف ليس بنجس، لعدم خروج الروح عنه،
~~لا لمحض أنه غير ذي روح (4) كما لا يخفى.
# وصحيحة زرارة (5) ورواية حسين ابنه (6) في جواز الاستقاء بحبل يكون من
~~شعر الخنزير والتوضؤ من ذلك الماء. وهما لا تقاومان ما تقدم من الأدلة، مع
~~عدم استلزام الاستقاء به ملاقاة الماء.
# الثاني: ما يتولد من الكلب والخنزير، فمع مشاركته لأحدهما في الاسم فلا
~~إشكال في النجاسة.
# PageV01P419
# وإن باين كليهما فصرح جماعة بنجاسته، لنجاسة أصليه (1)، واستشكله بعضهم
~~(2)، والطهارة قوية، للأصل. ونجاسة الأصلين لم يثبت كونها علة لنجاسة
~~الفرع، فإن كونه جزءا منهما لا يوجب النجاسة، لاستحالته، كما أن المني
~~يستحيل حيوانا طاهرا.
# وإن تولد بين أحدهما وحيوان طاهر، فإن شارك النجس في الاسم فنجس، وإن
~~وافق الطاهر فطاهر، وإن باينهما ففيه الإشكال السابق، وهنا أضعف.
# الثالث: ظاهر أكثر الأصحاب تبعية ولد الكافرين لهما (3)، ويظهر من بعضهم
~~وجود الخلاف في ذلك (4).
# ولعل وجهه: أن الأصل الطهارة، وتبعية ولد الحيوان لأصله مطلقا غير مسلم
~~كما بينا، وإنما هو من جهة الاسم، والصبي قبل البلوغ لا يسمى كافرا، وإنما
~~ذلك وصف عرضي، فإن كان إجماع، وإلا فالحكم مشكل.
# وأما إذا سباه مسلم، فعن بعض الأصحاب: أن ظاهر الأصحاب عدم الخلاف بينهم
~~في طهارته والحال هذه، وإنما اختلفوا في تبعيته للمسلم في الاسلام، بمعنى
~~ثبوت أحكام المسلم له، فإن ثبت الاجماع فهو، وإلا ففيه إشكال، للاستصحاب
~~(5).
# نعم لما كان أصل ms0190 الحكم محل إشكال، فالطهارة حينئذ أقوى، لأن الاجماع
~~المتوهم لو ثبت في الأصل فإنما هو ما دام عند والديه، واستصحاب حال الاجماع
~~فيه ما فيه، هذا.
# ولكن الشهيد قال في الذكرى: ولد الكافرين نجس، ولو سباه مسلم وقلنا
# PageV01P420
# بالتبعية طهر، وإلا فلا (1).
# الثامن: المشهور نجاسة الخمر وكل مسكر مائع بالأصالة (2)، وعن الصدوق (3)
~~وابن أبي عقيل (4) والجعفي (5) القول بالطهارة.
# الأول أقوى، للاجماع، كما يظهر من السيد (6) والشيخ (7) وابن إدريس (8)
~~وابن زهرة (9) وفخر المحققين (10)، حتى أن ابن إدريس نسب إلى الصدوق مخالفة
~~المسلمين، فضلا عن طائفته. والأخبار الكثيرة من الصحاح والموثقات وغيرها،
~~المنجبر ضعفها بعمل الأصحاب، مثل الصحاح الواردة في نزح البئر (11).
# ومثل صحيحة علي بن مهزيار، وفي جملتها: " إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ -
~~يعني المسكر - فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله، وإن
~~صليت فيه فأعد صلاتك " (12).
# وصحيحة محمد بن مسلم: " لا تأكلوا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر "
~~(13).
# PageV01P421
# وصحيحتا عبد الله بن سنان الآمرتان بغسل ثوب أعير ممن يشرب الخمر (1)،
~~المحمولتان على الاستحباب من جهة عدم العلم بمباشرة الخمر.
# وموثقة عمار: " ولا تصلي في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل " (2).
# رواية يونس: " إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وإن
~~لم تعرف موضعه فاغسله كله، فإن صليت فيه فأعد صلاتك " (3).
# ورواية أبي بصير: " ما يبل الميل ينجس حبا من ماء "، يعني من النبيذ (4)،
~~فإنه لم يفرق الأصحاب بينه وبين الخمر، إلى غير ذلك من الأخبار.
# وأما الآية فالاستدلال بها ضعيف.
# واحتج الخصم بالأصل والاستصحاب والصحاح وغيرها من الأخبار مثل صحيحة علي
~~بن رئاب (5)، وصحيحة الحسن بن أبي سارة (6)، وصحيحة إسماعيل بن جابر (7)
~~وغيرها من الأخبار (8).
# والأصل والاستصحاب لا يعارضان الدليل، وهذه الروايات لا تقاوم تلك
# PageV01P422
# الروايات، فيجب طرحها أو تأويلها.
# وقد تؤول بحملها على التقية، لكون الطهارة مذهب أكثر العامة، على ما ذكره
~~الشيخ في الاستبصار (1).
# وقد يقال: بل أكثرهم على النجاسة، كما يظهر من ابن إدريس (2) - وقد عرفت
~~كلامه ms0191 - والسيد، فإنه قال: لا خلاف بين المسلمين في نجاسته إلا من شذاذ
~~منهم (3)، لا اعتبار بقولهم.
# وقد يجاب بأن ذلك تقية من أمرائهم، حيث كانوا مولعين بشرب الخمر.
# وقد يرد بأن ذلك ينافي عدم التقية في بيان تحريمه في الأخبار من دون
~~تقية.
# وقد يجاب بأن ذلك لأجل كونه ضروريا من الدين، مسطورا في الكتاب المبين.
# ويرد بأن المبالغة في الأخبار أزيد مما ظهر في الكتاب، والضرورة تخالف
~~التقية أزيد من بيان نجاسته التي هي موافقة لمذاهب علمائهم.
# أقول: ويمكن أن يقال: إن النجاسة مما تورث مهانة لصاحبها في أنظار
~~العوام، بخلاف أكل الحرام، فقد تستنكف النفوس عن نسبتهم إلى النجاسة وأكل
~~النجس، بخلاف الحرام، سيما الظلمة والمتغلبين، فناسب فيه التقية.
# وأما الحرمة، فمع علمهم بذلك وتجاهرهم بتعاطيه مع كمال وضوحه فليس بهذه
~~المثابة.
# وكيف كان، فالشهرة العظيمة مع الاجماعات المنقولة وملاحظة حماية الحمى
~~وسد الطرق إلى الاستهانة والاستخفاف بمثل هذا الخبيث الذي هو أبو المفاسد
~~العظام، ومادة جميع الفسوق والآثام مما يعين ترجيح أخبار المشهور.
# وأما سائر المسكرات المائعة بالأصالة، فلم يفرق الأصحاب بينهما، ولا خلاف
# PageV01P423
# بينهم في ذلك على ما يظهر من غير واحد منهم (1).
# وتدل عليه الأخبار الكثيرة مما يدل على كون كل ما كانت عاقبته عاقبة
~~الخمر مثل الخمر في الحكم، وأن كل مسكر خمر، فإن المراد به اتحادها في
~~الحكم، حتى ورد في بعض الصحاح أن الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع
~~من الزبيب، والبتع من العسل، والمزر من الشعير، والنبيذ من التمر (2).
# ويدل عليه خصوص الأخبار المتقدمة، وغيرها.
# وأما عدم نجاسة الغير المائع بالأصالة من المسكرات، وإن صار مائعا
~~بالعرض، فكأنه إجماعي كما يظهر من غير واحد (2)، والمتبادر مما مر من
~~الأخبار أيضا ذلك، إلا في بعض ما دل بالعموم على أن كل مسكر خمر، والإنصاف
~~أن المتبادر منه أيضا المائع.
# وكيف كان فطهارته مقتضى الأصل، وليس ما يعتمد عليه في خروجه عنه.
# وأما لو جمد المائع، فهو أيضا نجس، لاستصحاب النجاسة، وعدم ms0192 المخرج.
# ثم إن الأصحاب ألحقوا الفقاع بالخمر في الحكم، وإن لم يكن مسكرا، وادعى
~~عليه الاجماع الشيخ (4) وابن زهرة (5) والعلامة (6).
# ويدل عليه مضافا إلى نقل الاجماع، الأخبار المستفيضة بأنه خمر، وأنه خمر
~~مجهول، وهي الخمر بعينها، ونحو ذلك، وإن لم نقل بثبوت الحقيقة فيه كما هو
~~الأظهر، فلا ريب أن الظاهر من تلك الأخبار اتحاد حكمه معه.
# PageV01P424
# وخصوص رواية أبي جميلة البصري، عن يونس بن عبد الرحمن: أنه روى عن هشام
~~بن الحكم، قال: " لا تشربه، فإنه خمر مجهول، وإذا أصاب ثوبك فاغسله " (1).
# وأما العصير العنبي فيظهر من المختلف والشيخ علي أن أكثر الأصحاب قائل
~~بنجاسته إذا غلا (2)، والمحقق في المعتبر وغيره زاد عليه الاشتداد أيضا
~~(3)، وجعله بعضهم تفسير الغليان من جهة تصاعد الأجزاء المائية بالبخار (4).
# وكيف كان فحكم جماعة من المتأخرين بأنه لا دليل على ذلك وأصل البراءة
~~والطهارة يقتضي عدم النجاسة (5) كما هو مذهب ابن أبي عقيل (6).
# أقول: ويمكن أن يستدل عليه بالأخبار الدالة على أن العصير إذا غلا فهو
~~خمر بالتقريب الذي مر في الفقاع وسائر المسكرات.
# ويظهر من تتبع الأخبار أن ما أطلق عليه الخمر فهو مثل الخمر في الأحكام،
~~وإن لم نقل بثبوت الحقيقة اللغوية كما قيل (7)، أو الشرعية، فإن إطلاق
~~الخمر يقتضي المشابهة في كل الأحكام أو الأحكام الشائعة، والنجاسة من
~~جملتها.
# ومما يرشدك إلى ما ذكرنا: ما نقله الكليني في باب أصل حرمة الخمر (8)،
~~ويشهد به ما نقله الصدوق عن رسالة أبيه إليه (9)، وعبارة فقه الرضا (10)،
~~وغيرها.
# PageV01P425
# وأما اشتراط الاشتداد، فلم نعرف له دليلا.
# والجسم الطاهر الذي ينجس فيه بالغليان كالدقيق والجوز واللوز ونحوها،
~~فالأظهر طهارته بعد ذهاب الثلثين، لاطلاقات الأخبار، وإشعار بعض الأخبار،
~~حيث جوز إخلاط الماء مع العصير ثم حله بعد ذهاب الثلثين (1).
# ويكفي ذهاب الثلثين بأي نحو اتفق، ولا يجب أن يكون بالنار.
# وأما العصير الزبيبي والتمري فقال الشهيد الثاني: لا شبهة في عدم نجاسته
~~(2).
# أقول: ويظهر من بعضهم القول (بنجاسته) (3) (4)، ولعل نظر القائل أيضا إلى
~~ما ذكرنا من جعله ms0193 من جملة الخمر بسبب الغليان، وبرواية عيثمة قال: دخلت على
~~أبي عبد الله عليه السلام وعنده نساؤه، قال: فشم رائحة نضوح فقال: " ما
~~هذا؟ " قالوا: نضوح يجعل فيه الضياح، قال: فأمر به فأهريق في البالوعة (5)
~~- (6).
# مضافا إلى موثقة عمار في تفسير النضوح قال: " يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه.
# ويبقى ثلثه، ثم يتمشطن " (7) المشعرة بعدم جواز التمشط قبل ذهاب الثلثين.
# فلعل الأمر بالإهراق كان لذلك.
# وأما الحرمة فأما في العنبي فمما لا خلاف فيه، وفي الزبيبي والتمري خلاف،
~~والأظهر الحرمة كما يجئ في المطاعم والمشارب.
# التاسع: اختلف الأصحاب في نجاسة عرق الجنب من حرام، فعن جماعة من
# PageV01P426
# القدماء النجاسة (1)، وعن سلار (2) وابن إدريس (3) وعامة المتأخرين
~~الطهارة.
# والأول أقوى، للاجماع المنقول في الخلاف، حيث استند في الخلاف بإجماع
~~الفرقة والأخبار، ولم يذكر الأخبار.
# قال الشهيد: ولعله ما رواه محمد بن همام بإسناده إلى إدريس بن يزداد (4)
~~الكفرثوثي: أنه كان يقول بالوقف، فدخل سر من رأى في عهد أبي الحسن عليه
~~السلام، وأراد أن يسأله عن الثوب يعرق فيه الجنب أيصلى فيه؟ فبينما هو قائم
~~في طاق باب لانتظاره عليه السلام حركه أبو الحسن عليه السلام بمقرعه وقال
~~مبتدئا:
# " إن كان من حلال فصل فيه، وإن كان من حرام فلا تصل فيه " (5).
# ويدل عليه أيضا ما ورد من النهي عن الاغتسال من غسالة الحمام: " فإنه
~~يغتسل فيه من الزنا " وفي أخرى: " يغتسل فيه الجنب من الحرام " (6).
# وفي الغنية: وقد ألحق أصحابنا بالنجاسات عرق الإبل الجلالة، وعرق الجنب
~~إذا أجنب من الحرام (7).
# واحتج الآخرون بالاطلاقات والعمومات، والمقيد حاكم على المطلق إذا قاومه،
~~ولا يبعد القول بالمقاومة.
# واختلفوا أيضا في عرق الإبل الجلالة، فعن الشيخين (8) وابن البراج (9)
~~النجاسة،
# PageV01P427
# وعن ابن زهرة أنه نسبه إلى أصحابنا (1)، وعن سلار (2) وابن إدريس (3)
~~وجمهور المتأخرين الطهارة.
# للأولين: صحيحة هشام بن سالم (4) وحسنة حفص بن البختري (5).
# وللآخرين: الأصل، وحملوا الروايتين على الاستحباب. وهو مشكل، لعدم
~~المعارض. ولا ريب أن الأحوط بل الأظهر الاجتناب.
# العاشر: ذهب الشيخ في النهاية إلى نجاسة ms0194 الفأرة والوزغة والثعلب والأرنب
~~(6)، وقبله المفيد في الأولين (7)، وبعده أبو الصلاح (8) وابن زهرة في
~~الأخيرين، ونقل ابن زهرة الاجماع على ذلك (9).
# وذهب جمهور المتأخرين إلى الطهارة، وهو الأقوى، للأصل، وصحيحة البقباق في
~~الجميع (10)، ورواية الحسن بن شهاب في الثعالب (11)، وكذا جميع ما
# PageV01P428
# قدمناه في تذكية السباع مما يدل على جواز لبس جلودها.
# وتعارضها صحيحة علي بن جعفر في الفأرة (1)، وكذا موثقة عمار (2) وصحيحة
~~معاوية بن عمار فيها وفي الوزغة (3) ومرسلة يونس في الثعلب والأرنب (4).
# ولا بد من حمل المعارضات على الاستحباب، لعدم المقاومة.
# وقول السيد وابن الجنيد بنجاسة سؤر الجلال (5)، وقول الشيخ بنجاسة سؤر
~~آكل الجيف من الطير (6)، ضعيف مخالف للأصل والروايات، ولا مستند لهما يعتد
~~به، ولا بأس بالكراهة كسؤر الحائض المتهمة والدجاج مطلقا، وفيه تأمل.
~~والأخبار مستفيضة بنفي البأس عن سؤر ما يؤكل لحمه، وعما يشرب منه الطير،
~~وما ورد في خصوص الدجاجة (7).
# وكذا قول الشيخ في المبسوط وابن إدريس بنجاسة سؤر غير مأكول اللحم من
~~الحيوان الإنسي، سوى ما لا يمكن التحرز منه، كالفأرة والهرة والحية (8)
~~ضعيف، للأصل، وصحيحة البقباق وغيرها من الأخبار (9).
# واحتج الشيخ بمفهوم موثقة عمار: " كل ما أكل لحمه يتوضأ من
# PageV01P429
# سؤره ويشرب " (1).
# وقد يقال: إن مخالفة المنطوق والمفهوم تحصل بأن ينقسم المفهوم إلى قسمين،
~~يعني أن حكم كل ما يؤكل لحمه جواز شرب سؤره، وحكم ما لا يؤكل لحمه أنه
~~ينقسم إلى قسمين، قسم منه لا يجوز كالكلب والخنزير، وقسم منه يجوز كغيرهما،
~~فلا تبقى حجة في الاستدلال.
# ولكن فيه تأمل، لأنه طرح لاعتبار المفهوم بالنسبة إلى التعميم في
~~المنطوق، ولا وجه لإخراج ذلك القسم عن حكم المنطوق، فإن ذكر الوصف مخرج
~~لغير محله على ما هو مقتضى حجية المفهوم، فيبقى اخراجه خاليا عن الفائدة،
~~فذلك قول بعدم كون الفائدة في التقييد هي مخالفة حكم المسكوت للمنطوق، وهو
~~خروج عن القول بالحجية.
# فالتحقيق في الجواب: منع مقاومتها لما ذكرنا.
# ودليله على الاستثناء لعله لزوم العسر والحرج، والأخبار الكثيرة فيها،
~~هذا.
# ولكنك عرفت أن ms0195 للشيخ قولا في النهاية بنجاسة الفأرة أيضا (2). ولا ريب في
~~ضعفه أيضا.
# ولعل النهي عن استعمال ما دخلت فيه الحية لأجل السمية، ولا بأس بكراهتها
~~(3).
# وذهب الشيخ (4) وسلار (5) وابن حمزة (6) إلى نجاسة المسوخات، والأكثر على
# PageV01P430
# طهارتها عينا ولعابا، وهو الأقوى، للأصل وصحيحة البقباق (1) وغيرها من
~~العمومات والإطلاقات.
# واحتجوا بحرمة بيعها، وليس إلا لنجاستها. وهما ممنوعان، وليس للأول إلا
~~رواية مسمع الدالة على النهي عن بيع القردان (2)، وهي ضعيفة، ومع التسليم
~~فنمنع العلية.
# وذهب ابن الجنيد إلى نجاسة المذي عقيب الشهوة (3) لبعض الأخبار (4). وهو
~~مدفوع بالصحاح (5)، وإلى نجاسة لبن الجارية (6)، لرواية السكوني (7)، وهي
~~مع ضعفها مهجورة عند الأصحاب، وربما حملت على الاستحباب.
# ونقل في المبسوط قولا بنجاسة القئ (8)، وهو ضعيف، للأصل، والعمومات،
~~وخصوص رواية عمار (9).
# ولا إشكال في طهارة القيح والصديد إذا خلا عن الدم.
# وتردد المحقق في نجاسة الدود والصراصر إذا تخلق من النجاسة (10)، ولا وجه
~~له،
# PageV01P431
# للأصل، وضعف الاستصحاب هنا، لتغير الاسم، ولكل ما دل على طهارة ما مات
~~فيه ما لا نفس له سائلة.
# وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الدود يقع من
~~الكنيف على الثواب أيصلى فيه؟ قال: " لا بأس، إلا أن ترى فيه أثرا فتغسله "
~~(1).
# والظاهر أن ما يخرج من المقعدة أيضا كذلك، لما ذكرنا، بل الظاهر طهارة
~~الحبوب التي تخرج من المقعدة، مثل الحمص والعدس ونحوهما إذا خلت عن النجاسة
~~ما لم تستحل، ولا وجه لتحديده بعدم الإنبات.
# وأما لو كان متلطخا بالنجاسة ففي تطهيره التفصيل الآتي في محله، والظاهر
~~حرمتها، لكونها من الخبائث.
# وأما الحديد فهو طاهر قولا واحدا، واستفاضت به الأخبار المعتبرة (2).
~~ويدل عليه عمل المسلمين في الأعصار والأمصار. وما ورد من الأخبار بخلافه
~~(3) فهو مهجور، وربما حمل على الاستحباب.
# PageV01P432
# المقصد الثاني في إزالة النجاسات وتطهيرها وفيه مباحث:
# الأول: تجب إزالة النجاسة عن الثوب والبدن للصلاة والطواف الواجب، وعن
~~المأكول والأواني التي تستعمل في الأكل والشرب، على التفصيل الآتي في
~~مواضعها، باخراج حالة الاضطرار، أو العفو في بعض ms0196 أفرادها، كما ستجئ مع
~~أدلتها في محالها. ولا وجوب لها في نفسها بلا خلاف ظاهر.
# قالوا: وتجب إزالتها لدخول المساجد وعن المساجد، وهو في الجملة إجماعي
~~كما نقله الشيخ (1) وابن إدريس (2).
# واحتجوا عليه بقوله تعالى: * (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد
~~الحرام) * (3) لظهور إرادة النجاسة المصطلحة، وتعليل عدم القرب بالنجاسة
~~كما تفيده الفاء، وعدم القول بالفرق بين نجاسة الشرك وغيره، وكذا بين
~~المسجد الحرام وغيره.
# PageV01P433
# وبقوله تعالى: * (وطهرا بيتي) * (1).
# وفيه: مع منع ثبوت الحقيقة الشرعية وإمكان إرادة الطهارة عن الأصنام، أن
~~ذلك إنما كان قبل شرعنا.
# ويمكن دفعه بظهور مطلوبيته من حكايته تعالى لنا.
# وأما التمسك بالاستصحاب لعدم العلم بمنسوخية جميع الأحكام، وكون كل مشروع
~~ذا حسن ذاتي، فهو لا يتم كما سنشير إليه في صلاة الجمعة.
# وبقوله تعالى: * (وثيابك فطهر) * (2) وفيه ما فيه.
# وبقوله عليه السلام: " جنبوا مساجدكم النجاسة " (3) وهذا أظهر من الآيات.
# ولا وجه للقدح في السند، لانجباره بالعمل.
# ويمكن أن يستدل عليه بموثقة الحلبي، قال: نزلنا في مكان بيننا وبين
~~المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام قال، فقال: " أين
~~نزلتم؟ " فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: " إن بينكم وبين المسجد زقاقا
~~قذرا " أو قلنا له: إن بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا، فقال: " إن الأرض
~~يطهر بعضها بعضا " قلت:
# فالسرقين الرطب أطأ عليه؟ فقال: " لا يضرك مثله " (4).
# وما رواه في آخر السرائر من نوادر البزنطي، عن المفضل بن عمر، عن محمد
~~الحلبي، عنه عليه السلام قال، قلت له: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال
~~فيه، فربما مررت فيه وليس علي حذاء، فيلصق برجلي من نداوته، فقال: " أليس
~~تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ " قلت: بلى، قال:
# " فلا بأس، إن الأرض يطهر بعضها بعضا " قلت: فأطأ على الروث الرطب؟ قال:
# PageV01P434
# " لا بأس " (1) الحديث.
# وفي الموثق: " فلا تدخله إلا طاهرا " (2).
# وأما الأمر بتعاهد النعل في الأخبار (3)، فعلى تقدير تسليم دلالته محمول
~~على الاستحباب، لعدم الوجوب قبل العلم.
# وكيف كان فهذه الأدلة تكفي لاثبات أصل الحكم. ms0197
# ولكن خصصه جماعة من المتأخرين بالمتعدية (4)، وليس ببعيد، لعدم استفادة
~~المطلق من الدليل، غاية الأمر استفادة حرمة المماسة كما يظهر من الآية
~~وروايتي الحلبي، وأما مطلق إدخال النجاسة حتى يشمل ما لو كان معه خاتم نجس
~~أو منديل نجس يابس فلا.
# فالأقوى الاكتفاء بما حصلت به المماسة متعديا كان أم لا، وأما غير المماس
~~فلا.
# ثم إن فرش المسجد وبواريه لا يطلق عليها المسجد عرفا، لكن الأحوط
~~الاحتراز عن مماسته بالنجاسة.
# وأما الجدران والسقف فلا يظهر دليله، إلا أن يجعل السطح أيضا مسجدا.
# ويؤيد جواز إدخال الغير المتعدية من النجاسة جواز دخول الحيض في المساجد
~~بالاجماع كما نقله الشيخ مع كونهن غير منفكات عن النجاسة غالبا (5).
# وكذلك عدم استثناء ذوي القروح والجروح وصاحب السلس وغيرهم بل من على يده
~~شقاق دامية وغيرها من وجوب صلاة الجمعة، ولم يثبت نهي عن هؤلاء.
# ويظهر مما ذكرنا أنه لا دليل على حرمة إزالة النجاسة في الماء الكثير
~~الكائن
# PageV01P435
# في المسجد.
# وألحق جماعة بالمسجد: الضرائح المقدسة، والمصاحف المشرفة، وآلاتها
~~الخاصة، كالجلد والفرش ونحوهما، لاحترامها، ولزوم تعظيم شعائر الله (1).
# وذلك الاستدلال وإن كان لا يخلو عن تأمل، ولكن الأحوط ما ذكروه.
# الثاني: زوال حكم النجاسة يتوقف على زوال العين إن كان لها عين، أو
~~استحالتها، أو غير ذلك مما سيجئ، ولا عبرة باللون والريح إجماعا، كما نقله
~~في المعتبر (2).
# وربما يظهر من العلامة فيما بقي اللون والريح معا إشكال (3)، ولا وجه له،
~~لحسنة محمد بن المغيرة في الاستنجاء، قال: " الريح لا ينظر إليها " (4)
~~وللأخبار الدالة على جواز إخفاء لون دم الحيض الذي لا يزول بالغسل بصبغ
~~الثوب بمشق (5).
# بل ربما يظهر من حكاية الاستنجاء بالأحجار والخرق للغائط أن بقاء اللزوجة
~~والملاسة أيضا غير مضر كما أشرنا إليه في محله، إلا أن يقتصر على مورده،
~~ولا ريب أن الأحوط ذلك، بل الأظهر، للزوم تحصيل اليقين بزوال العين مهما
~~أمكن.
# ويجب في غسل الثوب والبدن من البول التثنية، وظاهر المحقق دعوى الاجماع
~~عليه، لكنه جعل المرتين في ms0198 الثوب غسلا وفي البدن صبا (6)، والظاهر أن مراده
~~عدم الاحتياج إلى العصر والدلك في البدن، لعدم نفوذ البول فيه، بخلاف
~~الثوب،
# PageV01P436
# وهو كما ذكره، لظاهر الروايات (1)، إلا إذا توقفت إزالة العين عليه، كما
~~إذا اختلط بمذي أو لزج آخر.
# واستدلال العلامة على وجوب الدلك بموثقة عمار (2) قياس، فإنه في إناء
~~الخمر مع أنه معارض بما رواه خاليا عن الدلك (3).
# ويدل على وجوب التثنية في الثوب الصحاح، منها صحيحة محمد بن مسلم، قال:
~~سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب يصيبه البول، قال: " اغسله في
~~المركن مرتين، فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة " (4).
# وعلى وجوب المرتين فيه وفي البدن مع الاكتفاء بالصب أيضا رواية الحسين بن
~~أبي العلاء، ولا يبعد أن تعد صحيحة (5) (6)، وكذلك حسنة أبي إسحاق النحوي
~~الآمرة بصب الماء مرتين على الجسد (7).
# ولا وجه لتأمل بعض الأصحاب في تثنية غسل البدن (8)، لاعتبار الروايتين
~~واعتضادهما بالشهرة.
# ولا لاكتفاء العلامة بالمرة فيما إذا جف، نظرا إلى بعض الاعتبارات (9).
# PageV01P437
# وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج غير دالة على كفاية مطلق الغسل (1) - (2)،
~~ولو سلم فتقيد بما مر كسائر إطلاقات الغسل.
# وفي إلحاق غير الثوب والبدن مثل الألواح والخشب والفرش إشكال، والتثنية
~~أحوط.
# والظاهر اعتبار الفصل الحسي بين الغسلتين، لظاهر الروايات. واعتبار جماعة
~~من الأصحاب التقديري (3) ضعيف.
# ثم قد عرفت دلالة صحيحة محمد بن مسلم على أن المرة كافية إذا كان في
~~الجاري، والأقوى العمل عليها، لخصوص تلك الصحيحة، وانصراف الإطلاقات إلى
~~القليل أيضا.
# والمشهور الاكتفاء به في مطلق الكثير (4)، وليس ببعيد.
# وعن الشيخ اعتبار التثنية في الجميع (5)، وعن الصدوق التفصيل، فيكفي في
~~الجاري دون الراكد (6)، ويظهر وجه الكل مما سبق، والاحتياط في التثنية
~~مطلقا، وفي الراكد آكد.
# وأما غير البول من النجاسات، ففي الاكتفاء بالمرة ولزوم التثنية قولان.
# PageV01P438
# وقال العلامة: بأن الثخينة أولى بتعدد الغسل (1)، وقد يستدل على ذلك
~~برواية الحسين بن أبي العلاء عن الصادق عليه السلام: وقد سأله عن البول
~~يصيب الجسد قال: " صب عليه الماء مرتين، فإنما هو ماء ms0199 " (2) فإن مفهومه أن
~~غير الماء أكثر عددا، وليس غيره بأقل من ذلك.
# وصحيحة محمد بن مسلم عنه عليه السلام: أنه ذكر المني فشدده، وجعله أشد من
~~البول (3).
# وقد يستدل بما في المعتبر بعد نقل رواية الحسين بن أبي العلاء، بعد قوله:
# " مرتين " الأولى للإزالة والثانية للانقاء (4).
# ودلالة الأولين ممنوعة، فإن ملاحظة المفهوم لعله من جهة كفاية الصب، وعدم
~~الاحتياج إلى الغسل والعصر والدلك، والتشديد في النجاسة لا يدل على تفاوته
~~في الغسل كما تراهم لا يفرقون في غسل دم الحيض ودم الشاة وإن عفي عن أقل من
~~الدرهم في الصلاة من الثاني دون الأول، مع أن التشديد لعله من جهة الاهتمام
~~في إزالته، لسماجته وصعوبة إزالته، وذلك لا يستلزم كثرة الغسلات.
# وأما الثالث، فقيل: إن الظاهر أنه كلام المحقق قد توهم من نسبه إلى
~~الرواية غفلة، لعدم وروده في الكتب المشهورة من الأحاديث، مع أنه لا يتم
~~فيما لم يبق له عين مثل ما أزيل الدم من البدن بالمرة بشئ غير الماء، فعلى
~~هذا فتبقى الإطلاقات الدالة على كفاية المرة في المني والكلب وغيرهما من
~~النجاسات سالمة (5)، والاحتياط في الجميع التثنية.
# PageV01P439
# ثم إن الأصحاب استثنوا بول الرضيع قبل الاغتذاء بالطعام، فلم يوجبوا
~~الغسل، بل اكتفوا بالصب، والظاهر أن الصب أعم من الغسل من وجه، وأن مرادهم
~~أنه لا يجب الغسل، بل يكفي الصب ولو كان في ضمن غير الغسل.
# وأنت خبير بأن الغسل بالقليل في العرف لا يصدق إلا بالجريان وانفصال
~~الماء، بخلاف الصب، وظاهر القائلين بكفاية الصب أنه لا يجب الغسل.
# قال السيد في المسائل الناصرية: وعندنا أن بول الغلام الصغير لا يجب غسله
~~من الثوب، بل يصب عليه الماء صبا، وإن كان قد أكل الطعام وجب غسله، وقال
~~الشافعي بمثل مذهبنا، ونص على أنه يكفي فيه الرش - إلى أن قال - وأما الذي
~~يدل على خفة بول الرضيع وجواز الاقتصار على صب الماء والنضح فهو إجماع
~~الفرقة المحقة، وما رواه أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه ms0200
~~وآله قال:
# " يغسل من بول الجارية، وينضح على بول الصبي ما لم يأكل الطعام " (1)
~~وروت لنا زينب بنت الجون أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ الحسين بن علي
~~عليه السلام فأجلسه في حجره فبال عليه قالت، فقلت له صلى الله عليه وآله:
~~لو أخذت ثوبا وأعطيتني إزارك لأغسله، فقال عليه السلام: " إنما يغسل من بول
~~الأنثى، وينضح على بول الذكر " (2) هذا كلامه (3).
# وهو كما ترى يدل على عدم اعتبار الجريان أصلا.
# ومثله كلمات غيره، قال في الذكرى: وقال الفاضل مراتب إيراد الماء ثلاثة:
~~النضح المجرد، ومع الغلبة، ومع الجريان، ولا حاجة في الرش إلى الجريان، بل
~~إلى النضح والغلبة، وجعل الرش لبول الرضيع (4) إلى غير ذلك من كلماتهم
# PageV01P440
# التي يستفاد منها عدم اعتبار الجريان في الصب على بول الرضيع فضلا عن
~~الانفصال.
# وأما استيعاب الماء للبول ونفوذه حيثما نفذ، فالظاهر أنه لا مجال
~~لانكاره، كما يظهر من كلماتهم أيضا، فيظهر مما ذكرنا مع اتفاقهم ظاهرا غير
~~ابن الجنيد (1) على النجاسة أن ذلك أيضا نوع تطهير، فلا مانع من أن تكون
~~مخالطة الماء بالبول من المطهرات ولم يلزم من ذلك وجوب إزالة عين النجاسة.
# فما يظهر من الذخيرة تبعا للمدارك من اعتبار انفصال الماء إذا توقف عليه
~~زوال عين النجاسة، وأن من قال بنجاسة هذا البول يوجب اخراج عينه منه (2)،
~~غير مرتبط بكلماتهم، وغير متناسق مع أدلتهم كما عرفت.
# ومن جملة أدلتهم حسنة الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول
~~الصبي، قال: " يصب عليه الماء، فإن كان قد أكل فاغسله غسلا، والغلام
~~والجارية شرع سواء " (3).
# وتؤيده رواية السكوني المتقدمة في لبن الجارية (4).
# ومقابلة الصب للغسل تنادي بعدم اشتراط الجريان في الصب، والقول بأن
~~المراد عدم اشتراط العصر فهو إنما يتم لو أخذنا العصر في مفهوم الغسل
~~وأردنا الغسل الخالي عن العصر من الصب، والأول ممنوع، بل إنما هو شرط في
~~تأثيره في بعض النجاسات، مع أنه لا يجري فيما أصاب البدن، فإنه لا عصر فيه
~~إجماعا.
# PageV01P441
# والثاني ms0201 تجوز لا قرينة عليه.
# فمن يعمل على هذا الحديث ومثله والإجماع، فليقطع النظر عن اخراج العين
~~واعتبار الجريان، وإلا فليبين الدليل والمأخذ.
# وأما رواية الحسين بن أبي العلاء، عن الصادق عليه السلام: عن الصبي يبول
~~على الثوب قال: " تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره " (1) وموثقة سماعة قال:
~~سألته عن بول الصبي يصيب الثوب، فقال: " اغسله " قلت: فإن لم أجد مكانه؟
~~قال:
# " اغسل الثوب كله " (2) فقد توجه الأولى بأن المراد بالعصر: اخراج أجزاء
~~النجاسة، وفيه ما فيه، بل الظاهر منه أنه لإيصال الماء إلى جميع ما وصل
~~إليه البول، كما يشعر به وصف الماء بالقلة، أو يكون للإرشاد، أو يحمل على
~~الاستحباب جمعا، لكون الروايات المتقدمة أقوى وأكثر وأشهر وأوفق بالأصل، أو
~~يحمل على من أكل.
# وكذلك موثقة سماعة.
# والمراد بالأكل: أن يطعم ما كان غذاءا له بالاشتهاء والإرادة، ولا عبرة
~~بالدواء والغذاء النادر.
# وتعليق الحكم بالحولين كما فعله ابن إدريس (3) غير واضح الوجه. نعم لا
~~يبعد اعتباره إن لم يأكل شيئا حتى تم الحولان، فإن المتبادر من الرضيع هو
~~ما لم يتجاوز عن الحولين وإن لم يأكل بعد.
# ثم إن العمومات وفتوى الأصحاب وخصوص ما رواه السيد كلها تدل على أن الحكم
~~مختص بالصبي، فإلحاق الصدوق الصبية به (4) ضعيف، وقوله عليه السلام:
# PageV01P442
# " والغلام والجارية شرع سواء " (1) مع منع دلالته على ذلك، إذ لعل المراد
~~بعد الأكل، لا يقاوم ما ذكرنا من الأدلة.
# مع أن الخروج عن الأصل بسبب هذه الرواية إنما كان من جهة اعتضادها بفتوى
~~الأصحاب، وإلا فهي بمجردها لا تقاوم ما دل على وجوب الغسل، فيقتصر على ما
~~وافق فتواهم.
# الثالث: في غسل الأواني فاتفق الأصحاب على اعتبار العدد في غسلها من بعض
~~النجاسات، واختلفوا في غيرها.
# أما الأولى، فهي: ولوغ الكلب، وهو شرب الكلب مما في الإناء بطرف لسانه،
~~والمشهور وجوب الغسل ثلاثا أولاهن بالتراب، بل ادعى عليه الاجماع جماعة
~~منهم السيد (2) والشيخ (3) والشهيد (4).
# وعن ابن الجنيد: أنه يغسل سبعا أولاهن بالتراب (5)، وهو مذهب الشافعي
~~(6).
# لنا: رواية ms0202 البقباق، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الكلب، فقال:
# " رجس نجس لا تتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب أول مرة، ثم
~~بالماء مرتين " نقله في المعتبر (7)، وتبعه جماعة ممن تأخر عنه (8)،
~~والرواية صحيحة
# PageV01P443
# على ما في التهذيب، ولكن ليس فيه ولا في غيره لفظ " مرتين " (1) ولعلهم
~~وقفوا عليه في غير الكتب الحديثية المتداولة.
# وكيف كان فرواية المحقق وغيره مع اعتضادها بعمل الطائفة تكفي.
# مع أن السيد - رحمه الله - نقل في المسائل الناصرية والانتصار أخبارا
~~متعددة من طرق العامة على وجوب ثلاث مرات (2)، وتقيدها هذه الرواية بكون
~~أولاهن بالتراب.
# وتلك مع الاجماعات المنقولة وافية.
# وعن المفيد: وسطاهن بالتراب (3)، ومستنده غير معلوم. واحتج ابن الجنيد
~~برواية عامية (4)، وبموثقة عمار (5)، ولا يبعد حملها على الاستحباب.
# واكتفى أكثر الأصحاب بالتعفير بالتراب، وصرح بعضهم بإجزاء الممتزج بالماء
~~(6)، واشترط الشهيد الثاني في ذلك عدم خروجه عن اسم التراب (7).
# واشترط ابن إدريس المزج تحصيلا لحقيقة الغسل (8).
# ورد بعدم حصول الحقيقة، والغسل في كليهما مجاز، ولا ترجيح.
# وأجيب بتقديم أقرب المجازات.
# PageV01P444
# وربما يقال: مدلول النص الغسل بالتراب، فإما يرتكب المجاز في الغسل أو في
~~التراب، ولا ترجيح لأحدهما.
# أقول: ولعل مبنى كلام ابن إدريس على اختيار المجاز في المجموع، ومجازان
~~قريبان خير من حقيقة ومجاز بعيد.
# وبالجملة فحمل اللفظين على الحقيقة لا يتمشى ظاهرا إلا على جعل الباء
~~للملابسة، فقد يمكن فيه الاكتفاء بأدنى ملابسة، فيصدق بالغسل الحقيقي مع
~~استعمال شئ من التراب لا يخرج الغسل عن الحقيقة.
# ولكن الأظهر جعله للاستعانة، وهو ظاهر في استقلال المستعان به في الآلية،
~~مثل كتبت بالقلم، فلا يكتفي بأدنى ملابسة مع بقاء الحقيقة، ولا يتصور ذلك
~~مع إبقاء اللفظين على حقيقتهما، ولا ترجيح لاختياره في أحد اللفظين، مع
~~كونه مرجوحا بالنسبة إلى اختياره فيهما كما أشرنا.
# وكيف كان فمذهب ابن إدريس أظهر من اللفظ.
# ومع قطع النظر عما يفهم من ظاهر كلامه من تحصيل الحقيقة، إن أريد مع ذلك
~~تحصيل الحقيقة، فلا بد أن لا يخرج الماء من الإطلاق ms0203 على القول باشتراط تحقق
~~الغسل بالماء المطلق، إلا أن يكتفى بصدق الاسم حقيقة قبل المزج وإن خرج
~~بالمزج عن الحقيقة، ولكن هذا إنما يتم على جعل الباء بمعنى المصاحبة
~~والملابسة لا الاستعانة.
# والاحتياط في الجمع بين التعفير بالتراب أولا ثم بالممزوج ثم غسله مرتين.
# ثم إن الظاهر من الرواية عدم لزوم الدلك بالتراب، سيما إذا لم نقل بلزومه
~~في الغسل، فيكفي الصب والتحريك والإفراغ، وإلا فيشكل الأمر في مثل الكوز من
~~الأواني الضيقة الرأس.
# والأظهر عدم جواز العدول إلى غير التراب من الرماد والنورة والأشنان
~~اختيارا، بل ولا اضطرارا، اقتصارا على النص، وتضعيفا للعلة المستنبطة.
~~PageV01P445
# وربما قيل ببدلية الغير مخيرا (1)، وقيل مرتبا (2)، وقيل بسقوطه رأسا إذا
~~فقد، فقيل بتبديله بالماء كغسل الميت (3)، وقيل بالاكتفاء بالمرتين (4).
~~والكل ضعيف، لأن شرط طهارة هذه النجاسة هو ما ورد به النص، والاضطرار لا
~~يوجب طهارة شئ نجس، ولا يلزم التكليف بما لا يطاق إذا ثبت العفو كأكل
~~الميتة.
# ومما ذكرنا يظهر أن خوف فساد الآنية بالتعفير أيضا لا يوجب سقوطه.
# ثم إن جماعة من الأصحاب جعلوا اللطع في حكم الولوغ نظرا إلى الأولوية
~~(5)، وفيه كلام، إلا أنه أحوط.
# وأما إلحاق وقوعه في إناء فيه ماء كما فعله الصدوقان (6)، أو لعابه
~~الحاصل من غير الولوغ، أو عرقه وسائر رطوباته، أو ماء الولوغ كما فعله
~~العلامة (7)، أو غسالة الولوغ كما نقل عن الشيخ علي (8)، فلا دليل عليه،
~~والاعتبار الذي قد يتمسك به ضعيف لا يعتمد عليه.
# والأظهر تداخل الولوغات المتعددة، بل وتداخلها مع غيرها من النجاسات، ولو
~~لاقاه في أثناء الغسل فيتم العدد لو اعتبر في اللاحق بعد إتمام العدد عن
~~الولوغ.
# وذلك لا ينافي ما قدمناه في مباحث الأغسال من أن الأصل عدم تداخل
~~الأسباب، فإن الظاهر أن الوجوب فيما نحن فيه توصلي، والعلة ظاهرة، والظاهر
~~أنه لا خلاف فيه أيضا.
# PageV01P446
# وأما الثاني، فمنها: ولوغ الخنزير، فالمشهور بين المتأخرين وجوب السبع
~~(1)، لصحيحة علي بن جعفر (2).
# وعن الشيخ أن حكمه حكم الكلب، لأنه كلب لغة، ولما ms0204 ورد من عموم وجوب تثليث
~~غسل الأواني (3).
# والأول ممنوع، والثاني على فرض تسليمه معارض بمثله كما سيجئ، مع أنه عام
~~والصحيحة خاصة. والدليل الثاني كالصحيحة لا يستلزم التراب، بخلاف الدليل
~~الأول.
# والمحقق حمل الصحيحة على الاستحباب (4)، فكأنها لم تقاوم عنده العمومات،
~~لعدم ظهور عمل من تقدم عليه بها كما ذكره بعض الأصحاب (5).
# ومنها: الخمر، فذهب جماعة من الأصحاب إلى وجوب السبع (6)، لموثقة عمار
~~الواردة في النبيذ (7). وجماعة إلى الثلاث (8)، لموثقته الأخرى. وبعضهم إلى
~~المرة بعد إزالة العين (9). وبعضهم إلى المرة المزيلة (10)، استضعافا
~~للموثقتين، وتمسكا بما ذكروه في غسل الإناء من سائر النجاسات كما سيجئ.
~~وبعضهم إلى المرتين بناءا على كفايته في مطلق غسل الإناء (11).
# PageV01P447
# والأظهر الاكتفاء بالثلاث، وحمل رواية السبع على الاستحباب.
# وصرح جماعة بعدم الفرق بين الخمر وسائر المسكرات المائعة (1)، وليس
~~ببعيد، كما يظهر مما سبق.
# وعن ابن الجنيد المنع عن جواز تطهير القرع والخشب من أواني الخمر وما
~~أشبههما، نظرا إلى حدة نفوذ الخمر وبعض الروايات (2) - (3).
# وفيه: أن الماء أسرع نفوذا، مع عدم الإشكال في طهارة الظاهر. ودلالة
~~الرواية غير واضحة، ولا بأس بالحمل على الاستحباب.
# ومنها: موت الفأرة، ذهب الشيخ (4) وجماعة (5) إلى وجوب السبع فيه، لموثقة
~~عمار، وهي واردة في خصوص الجرذ (6). ولعلهم لم يفرقوا بين أفراد الفأرة،
~~وحملها الباقون على الاستحباب.
# واكتفى جماعة بالثلاث (7)، وبعضهم اكتفى بالمرتين (8)، وبعضهم بالمرة
~~المزيلة (9)، وبعضهم بها بعد إزالة العين (10). ولعلهم نظروا إلى أدلتهم في
~~جعله في
# PageV01P448
# عداد سائر ما تغسل منه الأواني كما سيجئ. (1) وأما سائر النجاسات ففيها
~~الأقوال المتقدمة في موت الفأرة عدا السبع (1).
# الأول: الاستصحاب، وموثقة عمار الآتية.
# وللثاني: استنباطه مما مر في الثوب والبدن، والأصل عدم الزائد، وهو قياس.
# وللثالث: صدق الامتثال بالغسل، وهو إنما يتم فيما ثبت ورود الأمر في خصوص
~~الأواني بمطلق الغسل، ولا يحضرني الآن ما يدل عليه إلا فيما ذكرنا بخصوصه
~~من النجاسات مثل الكلب والخمر والخنزير.
# إلا أن يتشبث بمثل قوله عليه السلام: " الماء يطهر ولا يطهر " (2) في
~~الأخبار الكثيرة، وقول الصادق ms0205 عليه السلام في صحيحة داود بن فرقد: " كان
~~بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله
~~عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض، وجعل لكم الماء طهورا " (3) والاستدلال
~~بها لا يخلو عن إشكال.
# وقال الشيخ في المبسوط: وقد روي غسلة واحدة، فيظهر أن بها رواية، ولكن
~~صحتها غير معلومة.
# وقد يقال: صدق الامتثال إنما يتم إذا استفيدت النجاسة من الأمر بالغسل،
~~وإن استفيدت من الاجماع فلا، للاستصحاب.
# ويدفعه عدم القول بالفصل، مع أن ما ورد فيه الأمر في الثوب والبدن
~~وغيرهما كيف يستفاد منه حكم الآنية؟! وما الذي أوجب دلالة الأمر بالغسل على
~~النجاسة
# PageV01P449
# فيما أمر بغسله فضلا عما لم يؤمر بغسله؟! فهل يجوز التعدي إلا من جهة
~~الاجماع؟
# فيعود المحذور إلا في خصوص المورد.
# وللرابع: ما ذكر، مضافا إلى أن سبب التنجيس ما دام موجودا لم يؤثر ورود
~~الماء.
# وفيه: مع ظهور المنع الوارد عليه أن الرطوبة المتنجسة أيضا سبب كما
~~سنحققه.
# ومن يعمل بالموثقات - كما هو الأظهر - فلا مناص له عن القول الأول، سيما
~~مع استصحاب النجاسة، وحصول اليقين بالثلاث دون الأقل، ولا ريب أنه أحوط
~~أيضا.
# وأما كيفية غسل الأواني بالقليل كما ذكره كثير من الأصحاب، فهو أن يصب
~~فيها الماء، ثم يحرك حتى يستوعب ما تنجس منها، ثم يفرغ.
# ومستنده موثقة عمار، عن الصادق عليه السلام قال: سئل عن الكوز أو الإناء
~~يكون قذرا، كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: " ثلاث مرات، يصب فيه الماء فيحرك
~~فيه ثم يفرغ منه ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه ذلك
~~الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه، وقد طهر " وقال: " اغسل
~~الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات " (1).
# ولا يخفى أن هذا إرشاد لبعض الكيفيات، وإلا فيمكن في القصعة والإجانة
~~والطست وما أشبهها إدارة الماء عليها بإبريق ونحوه، بل هو أحوط وأمكن في
~~التطهير.
# نعم لما لم يمكن ذلك في كثير من الأواني الضيقة ms0206 الرأس، فاكتفى في الرواية
~~بما ذكر، ولكنه أيضا لا يمكن إجراء ظاهره في جميع الأواني، إلا أن يجعل
~~التحريك أعم من الإجراء بالإبريق ونحوه.
# PageV01P450
# وقال في الذخيرة: وعن جماعة من الأصحاب أنه لو ملأ الإناء ماءا كفى
~~إفراغه عن تحريكه، وأنه يكفي في التفريغ مطلقا وقوعه بآلة لكن بشرط عدم
~~إعادتها إلى الإناء قبل تطهيرها، وعن بعضهم اشتراط كون الإناء مثبتا بحيث
~~يشق قلعه، والشرط الثاني لا وجه له، والأول مبني على نجاسة الغسالة (1).
# أقول: ويشكل الاكتفاء بما ذكره الجماعة، لعدم صدق الغسل عرفا. نعم إذا
~~أدير عليها الماء فاجتمع في أسفله ثم استخرج، فإنه يصدق عليه.
# وحينئذ فالظاهر عدم الفرق بين المثبت وغيره، إلا أن يستشكل في طهارة أسفل
~~الآنية الذي يجتمع فيه الغسالة، لعدم صدق الغسل العرفي بدون التحريك، فيخرج
~~عن مقتضاه في المثبتة، لعدم الإمكان، ولزوم الحرج، فيبقى الباقي.
# وظني أن الجمع بين الحكم بنجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة وإن كان في
~~الآنية، وجواز التطهير به مع اشتراط طهارته قبل الشروع في الغسل، إنما يتم
~~في الغالب بملاحظة القصد والنية.
# فلو صب أحد ماءا في آنية نجسة لا بقصد الغسل، ثم أتى آخر بعد زمان فحركه
~~وأفرغه فالظاهر عدم الطهارة، بل ولو لم يحصل الفصل أيضا وفعله هو أيضا، ولو
~~صب فيه للغسل وحركه وأفرغه متتاليا فتحصل الطهارة. ويقع الإشكال فيما لو
~~ترك التعاقب والتوالي في الصورة المفروضة.
# ولكن يخدش فيه عدم اعتبار النية في الواجبات التوصلية، فالفرق إذا
~~بالتوالي والتعاقب وعدمه ليصدق الاسم عليه عرفا، وسيجئ في غسالة الاستنجاء
~~ما يوضح ذلك.
# نعم يمكن أن يقال: إن إطلاق ما سيجئ من جواز تطهير اللحم المتنجس بموت
~~الفأرة في المرق يدل على جوازه في المركن إذا تشرب الماء المتنجس، فلا يضر
~~طول
# PageV01P451
# المكث وعدم التعاقب، وإلا فلا يحصل النفوذ في الزمان القليل فلا يطهر.
# ثم إن المشهور سقوط اعتبار العدد في الأواني أيضا إذا غسلت في الماء
~~الكثير، لكن بشرط حصول التعفير فيما احتاج إليه قبله (1). وعن ms0207 الشيخ كفايته
~~عن غسلة، فيعفر بعده ويتم العدد (2). وموثقة عمار وغيرها مما تقدم ظاهرة في
~~القليل، فلا يبعد الاكتفاء بالمرة بعد إزالة العين، وإن كان التعدد أحوط.
# الرابع: يجب غسل ما لاقى المتنجس رطبا، كالملاقي لأصل النجس، سواء كانت
~~للنجاسة عين أم لا، وسواء بقيت عينها أو أزيلت، بلا خلاف ظاهر من الأصحاب،
~~على ما يستفاد من تضاعيف أبواب أحكام المياه والنجاسات والمطهرات، والأخبار
~~المعتبرة به مستفيضة، بل تقرب حد التواتر.
# وبالجملة هذه المسألة لا يبعد أن تعد من الضروريات، فضلا عن الإجماعيات.
# وقد ركب بعض المتفقهين هنا متن عمياء، فخبط خبط عشواء، ولقد أشط في القول
~~فأفرط، وتعدى عن الطور مجانبا عن المنهج وشحط، وحكم بأن المتنجس لا ينجس
~~بملاحظة بعض الأخبار (3) (4)، وحسب ذلك ضالته في بيادي الأفكار، فأضله ذلك
~~عن مرافقة الأبرار وموافقة الأخيار، فأخذ في الطعن والإزراء على الفقهاء
~~الكرام، ومؤسسي مسائل الحلال والحرام، بما لا يليق أن يذكر باللسان، أو
~~يكتب بالأقلام.
# واستند في ذلك تارة بظواهر تلك الأخبار الظاهر تأويلها، وأخرى بالأصل،
~~وأن دليل عدم النجاسة عدم دليلها.
# PageV01P452
# ومن تتبع أبواب تطهير الأواني وما ورد في وجوب غسل الآنية بمجرد ولوغ
~~الكلب والخنزير في الماء مع عدم إصابته الإناء وهي كثيرة معتبرة.
# وكذلك ما ورد أن الكلب إذا أصاب الثوب رطبا يجب غسل الثوب، مع أن الملاصق
~~بالثوب إنما هو الماء المتنجس، فإن الكلب لا رطوبة في جلده وهي أيضا كثيرة
~~معتبرة.
# وكذا فيما ورد في خنزير خرج من ماء فسال ماؤه في الطريق، وأنه يكفي في
~~رفع نجاسة الرجل الموضوعة عليه تطهير الأرض إياها.
# وكذلك ما ورد في أبواب المياه: أن الماء الذي ماتت فيه الفأرة واستعمل
~~يجب غسل ما أصاب ذلك الماء.
# وما ورد في وجوب غسل الثوب من استعمال ماء البئر المنتن.
# وفيما ورد من اشتراط جفاف قصب البوريا في جواز الصلاة عليه إذا ابتل بماء
~~قذر.
# وما ورد من المنع في الأكل والشرب في أواني المشركين، معللا بأنهم يشربون
~~فيها الخمر، ms0208 أو يأكلون لحم الخنزير وإن حمل إطلاقها على الاستحباب،
~~والتعليل لا يستلزم بقاء عين النجاسات فيها حتى تكون النجاسة باعتبار
~~ملاقاة عين النجس.
# وهكذا ما ورد في غسل الثياب المعارة عندهم أو ما نسجوها معللا بما ذكر،
~~إلى غير ذلك من الأخبار.
# يجد أن ذلك مما لا ينبغي التأمل فيه، وأن ذلك حق لا شبهة تعتريه.
# وأما الأخبار التي ذكرها، فأظهرها دلالة هي رواية سماعة قال، قلت لأبي
~~الحسن موسى عليه السلام: إني أبول ثم أتمسح بالأحجار، فيجئ مني البلل ما
~~يفسد سراويلي، قال: " ليس به بأس " (1) وهو ضعيف.
# PageV01P453
# والباقي له محمل ظاهر، فمنها موثقة حنان قال: سمعت رجلا سأل أبا عبد الله
~~عليه السلام فقال: إني ربما بلت فلا أقدر على الماء، ويشتد ذلك علي، فقال:
~~" إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك، وإن وجدت شيئا فقل هذا من ذلك " (1)
~~وهو على الخلاف أدل كما لا يخفى، وسائر الأخبار متقاربة المعنى.
# وهذه الأخبار مع هجرها ومتروكيتها عند الأصحاب لا تقاوم ما ذكرنا.
# ويدل على ما ذكرنا أيضا مضافا إلى ما تقدم: موثقة ابن بكير، عن الصادق
~~عليه السلام: الرجل يبول فلا يكون عنده الماء، فيمسح ذكره بالحائط، قال: "
~~كل شئ يابس زكى " (2) ومفهومه يقتضي أنه إذا صار رطبا ينجس.
# الخامس: ذهب جماعة منهم السيد إلى اشتراط ورود الماء على النجاسة في
~~التطهير، وإلا لنجس الماء ولم يفد الطهارة للمحل (3). وذلك مبني على ما ذهب
~~إليه من عدم نجاسة القليل إذا ورد على النجاسة.
# وتبعه بعض المتأخرين (4)، زعما منه أن كل ما ورد في نجاسة القليل إنما هو
~~فيما وردت النجاسة على الماء، فيبقى غيره تحت أصل الطهارة.
# وهو باطل كما سيجئ، بل في الأخبار ما يدل على الأعم من ذلك وعلى النجاسة
~~فيما يرد الماء على النجاسة أيضا، كما يظهر من رواية استسقاء غلام أبي عبد
~~الله عليه السلام، وخروج الفأرة في الدلو (5)، وحديث خروج الخنزير من
# PageV01P454
# الماء (1)، وما روي في المنع عن أن يجعل في دن الخمر ماء أو ms0209 خل أو غيره
~~إلى أن يغسل (2) إلى غير ذلك.
# مع أن ذلك لا يفيد عدم جواز التطهير في غير صورة الورود، لعدم ثبوت
~~التنافي بين النجاسة وتطهير المحل كما في حجر الاستنجاء.
# وبالجملة فنقول: أولا - بعد تسليم دلالة بعض الأخبار على النجاسة فيما
~~ورد الماء على النجاسة أيضا كما أشرنا - أنها في موارد خاصة، وليس ماء
~~التطهير من جملتها، وعدم القول بالفصل غير معلوم، لوقوع النزاع فيه.
# سلمنا، لكن لا منافاة بين التنجس والتطهير، فإن الأمر بالغسل يقتضي
~~الاجزاء، وقد تحقق عرفا فيما نحن فيه، وفائدته الطهارة، فتترتب عليه.
# وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في الغسل في المركن أيضا (3)،
~~وعمل بها في المنتهى، وقال: إذا غسل الثوب من البول في إجانة بأن يصب عليه
~~الماء فسد الماء وخرج من الثانية طاهرا، اتحدت الآنية أو تعددت (4). وقيد
~~صب الماء ليس في الرواية، بل هي أعم.
# واستوجه في الذكرى أيضا عدم اشتراط ورود الماء، لصدق الغسل بدونه، قال:
# وتنبه عليه رواية الحسن بن محبوب التي تجئ في مطهرية النار (5) (6).
# وربما يؤيد بموثقة عمار في غسل الأواني (7)، فإن تحريك الماء ليس نفس
~~الورود.
# PageV01P455
# ويمكن دفعه بأن يقال: يكفي الورود أولا، وأن الأصل طهارة الماء، خرج ما
~~ثبتت فيه النجاسة مما دلت الأخبار عليه من ورود النجاسة على الماء، وبقي
~~الباقي. إلا أن الأصل نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة إلا فيما ورد
~~الماء على النجاسة، فتبقى حكاية مثل التحريك في الآنية المشكوك فيه تحت أصل
~~الطهارة.
# وكيف كان فلا ريب أن الأحوط مختار السيد.
# وقد يخترع - تفريعا على الأصل الفاسد من عدم تنجيس المتنجس على القول
~~بنجاسة الماء القليل - القول بوجوب الغسل مرتين في جميع النجاسات، أحدهما:
# لزوال العين، فتكون الغسالة كالمحل متنجسة، والثاني: للتطهير، فيكونان
~~طاهرين.
# وهو مع فساد الأصل وعدم ذهاب أحد من الأصحاب إلى الفرق بين بقاء العين
~~وعدمها في كيفية الغسل أنه مبني على استلزام القول بنجاسة القليل بالملاقاة
~~عدم التطهير، وقد عرفت خلافه.
# ثم إنه قد ظهر ms0210 مما ذكرنا أن الأظهر طهارة الغسالة مطلقا، سيما إذا ورد
~~الماء على النجاسة، للأصل، والعمومات، وخصوص صحيحة ابن مسلم في حكاية
~~المركن، فإن ظاهرها يعطي طهارة الغسالة.
# وتنزيلها على القول بنجاسة الغسالة بعد الانفصال عن المحل أو الآنية
~~المغسول فيها بعيد، كأصل المنزل عليه، لاستلزامه انفكاك المعلول عن علته
~~التامة كما قيل، وعدم دلالة الإخبار بنجاسة الماء القليل عليه (1)، وضعف ما
~~سنذكره في دليل النجاسة، وهو ظاهر الشهيدين (2)، والمنقول عن الشيخ علي في
~~بعض أقواله (3)، وربما نسب إلى جماعة من متقدمي الأصحاب (4)، واختاره
# PageV01P456
# السيد (1) وابن إدريس فيما لو ورد الماء على النجاسة (2).
# وذهب الفاضلان (3) وجماعة من المتأخرين (3) إلى النجاسة.
# واختلف كلام الشيخ في المبسوط، وخص الكلام في موضع منه بذكر طهارة غسالة
~~ولوغ الكلب (5)، وعن الخلاف الحكم بنجاسة الأولى من غسالة الثوب دون
~~الثانية، وطهارة غسالة ولوغ الكلب مطلقا (6).
# وحجة القول بالنجاسة رواية عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام،
~~قال:
# " الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به من الجنابة لا يتوضأ به وأشباهه
~~" (7).
# ورواية العيص، قال: سألته عن رجل أصابته قطرة من طست فيه وضوء، فقال: "
~~إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه " (8).
# الرواية الأولى ضعيفة (9)، ولا دلالة فيها على المطلوب، وغايتها كونه من
~~باب غسالة الجنب في عدم الطهورية، فإنه لا إشكال فيه، فقد ادعى الفاضلان
# PageV01P457
# الاجماع على أن ما يزال به النجاسة لا يرفع الحدث مطلقا (1)، بل هي ظاهرة
~~في الطهارة.
# وأما الثانية - فمع أنا لم نقف عليها إلا في بعض الكتب الاستدلالية
~~كالذكرى والمعتبر وقد قدحا فيها بالقطع والضعف - دلالتها أيضا ليست بواضحة.
# وأما الإشكال (2) على نجاسة الماء القليل فقد عرفت.
# وقد يستدل بما ورد في غسالة الحمام، وفيه مع ما فيه - كما سيجئ - أنه
~~إنما يتم إذا ثبت الاجماع المركب وهو ممنوع.
# وإن أردت الاستدلال بالأخبار الواردة في المنع عن إدخال اليد في الإناء
~~إذا كانت قذرة (3)، والأمر بإهراقه لو فعل، بتقريب أنها أعم من الإدخال
~~لأجل الغسل وغيره.
# وفيه: بعد ms0211 تسليم ذلك، والإغماض عن أن الظاهر منها إرادة أخذ الماء لا
~~الغسل، فإنه قد يتفاوت الحكم بالقصد من أجل صدق الاسم وعدمه، فإن أحكام
~~الشرع تتبع العناوين غالبا.
# وقد مرت الإشارة وسنشير في غسالة الاستنجاء إلى أن الأمر بالاهراق لعله
~~كناية عن عدم الطهورية كما أشرنا، لأن ظاهر هذه الأخبار بل صريح بعضها أنه
~~يريد أن يتوضأ منه.
# وإن أردت الاستدلال بمفهوم قوله عليه السلام: " إذا كان الماء قدر كر لم
~~ينجسه شئ " (4).
# PageV01P458
# ففيه: أن النكرة الواقعة في سياق الإثبات لا عموم لها، ولا يمكن دعوى عدم
~~القول بالفصل في هذه المعركة العظمى.
# ودعوى أن المستفاد من تتبع أخبار نجاسة الماء القليل أن الأصل فيه
~~النجاسة حتى يثبت المخرج، فهي غير بينة ولا مبينة.
# وبالجملة لم نقف على ما تطمئن إليه النفس يدل على نجاسة الغسالة، سيما
~~فيما لو ورد الماء على النجاسة.
# ثم قال في المدارك: إن جماعة من الأصحاب ذكروا أن من قال بطهارة الغسالة
~~اشترط ورود الماء (1).
# أقول: وهو غير واضح المأخذ كما عرفت، إلا أن يثبت إجماع مركب، فيكون
~~القول بالطهارة مطلقا خرقا له، وهو غير معلوم، بل المستفاد من كلام
~~الشهيدين (2) وغيرهما عدمه.
# ومع هذا كله فلا ينبغي ترك الاحتياط سيما فيما ورد النجس على الماء، فإنه
~~لا يخلو عن إشكال، وإن كان ظاهر الأدلة ما ذكرنا.
# وأما دليل السيد ومن تبعه وجوابه فيظهر مما مر. وأما سائر الأقوال فلا
~~دليل عليها يعتد به، وتظهر أدلتها وجوابها من التأمل فيما مر.
# ثم إن الظاهر أن الغسالة على القول بنجاستها لا يلحق حكمها بالمحل، فيكفي
~~غسل ما أصابته مرة، وفاقا لجماعة من المتأخرين (3) كما هو مقتضى إطلاق بعض
~~أدلة القائلين بالنجاسة، وهي رواية العيص، وإن كان في الاستدلال بها إشكال.
# وههنا أقوال أخر نقلها ابن فهد (4)، ومنها: أن حكمها حكم المحل بعد تلك
# PageV01P459
# الغسلة، وهو قول الشيخ في موضع من الخلاف (1).
# ومنها: أن حكمها حكم المحل قبل الغسل، ونقله عن الفاضلين (2) وفخر
~~المحققين (3).
# ومنها: أن حكمها ms0212 حكم المحل قبل تلك الغسلة، فيجب غسل ما أصابه من الغسلة
~~الأولى مرتين، ومن الغسلة الثانية مرة، ونقله عن الشهيد (4)، واختاره هو -
~~رحمه الله - أيضا (5). وأدلة هذه الأقوال غير واضحة.
# ثم إن القول بطهارة الغسالة إنما هو إذا لم يتغير أحد أوصافها، وإلا فلا
~~خلاف في نجاستها.
# وكذلك ماء الاستنجاء المجمع على عدم وجوب اجتنابه، المدلول عليه بالأخبار
~~الصحيحة. واشترط في طهارته مضافا إلى عدم التغير: عدم وقوعه على نجاسة
~~خارجة عن المحل، وأن تكون من الحدثين.
# بل اشترط جماعة منهم عدم المخالطة بغيرهما أيضا كالدم، وأن لا ينفصل مع
~~الماء أجزاء متميزة، لأنها كالنجاسة الخارجة ينجس بها الماء بعد مفارقة
~~المحل (2)، وتوقف فيه بعض الأصحاب (7).
# وظني أن الأخبار في الاستنجاء واردة مورد الغالب، وهو عدم الاطلاع على
~~ذلك، والأصل عدمه، ولا يلزم التجسس، فمع العلم بوجود الأجزاء فيه يشكل
~~الحكم بالطهارة، ولم يعلم تحقق الاجماع في هذه الصورة أيضا.
# PageV01P460
# وأما اشتراط عدم زيادة الوزن (1) فهو بعيد، وأبعد منه توقف الطهارة على
~~العلم به، ولا ريب في بطلانه.
# ولا يضر التعدي عن المخرج إلا إذا خرج به عن اسم الاستنجاء.
# واشتراط سبق الماء على اليد ضعيف، لاطلاق الأدلة. نعم لو أصابت اليد
~~المخرج من دون قصد الاستنجاء وتنجست ثم أراد الاستنجاء فينجس بذلك، لأن غسل
~~هذه النجاسة لا يسمى استنجاءا، فيلزم صدق عنوان الاستنجاء، وهذا مركب من
~~غسالة الاستنجاء وغسالة اليد النجسة قبل الاستنجاء.
# ولا يذهب عليك أنه لا تناقض فيما ما ذكرنا سابقا وههنا من مدخلية القصد
~~في أمثال ذلك، وعدم اشتراط النية في الواجبات التوصلية كما يظهر بالتأمل.
# ثم إن الظاهر أنه لا خلاف في عدم وجوب غسل ملاقي غسالة الاستنجاء، وقد
~~تقدم نقل الاجماع عن الفاضلين في عدم جواز رفع الحدث بمطلق الغسالة أيضا
~~(2).
# ويبقى الإشكال في جواز رفع الخبث ثانيا وشربه، وفي هذا تظهر ثمرة نزاعهم
~~المشهورة في أن عدم وجوب الاجتناب عن ذلك إنما هو للعفو أو للطهارة،
~~والأظهر بالنظر إلى الأدلة هو الثاني.
# ولعل ms0213 نظر القائل بالأول إلى أن رفع الخبث مثلا مشروط بالماء الطاهر، ولا
~~يستفاد من تلك الأخبار والأدلة إلا عدم وجوب غسل الملاقي، وهو ليس بنص في
~~الطهارة، فلم يتحقق شرط إزالة الخبث، والشك في الشرط يستلزم الشك في
~~المشروط.
# السادس: المعروف بين الأصحاب توقف طهارة الثياب وغيرها مما يرسب فيه
# PageV01P461
# الماء على العصر (1)، واستشكل العلامة فيما لو جف الثوب بعد الغسل من غير
~~عصر (2)، وقال في البيان: لو أخل بالعصر في موضعه فالأقرب عدم الطهارة،
~~لأنا نتخيل (2) خروج أجزاء النجاسة به (4).
# وقد يستدل عليه بأن النجاسة ترسخ في الثوب فلا تزول إلا بالعصر. وفيه: أن
~~ذلك لا يتم فيما لم يبق فيه للنجاسة عين.
# وبأن الغسالة نجسة، فيجب اخراجها، وفيه المنع المتقدم.
# وبقوله عليه السلام: " ثم يعصره " في رواية الحسين بن أبي العلاء
~~المتقدمة في بول الرضيع (5). وهو أضعف من صاحبيه، ويظهر وجهه مما مر، فيحمل
~~على الاستحباب أو على ما ذكرنا ثمة.
# وأغرب المحقق - رحمه الله - حيث استند في هذا المطلب إلى أن العصر داخل
~~في مفهوم الغسل، وبدون العصر يكون صبا.
# واستشهد على ذلك برواية الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد الله
~~عليه السلام عن البول يصيب الجسد، قال: " صب عليه الماء مرتين، فإنما هو
~~ماء " وسألته عن الثوب يصيبه البول، قال: " اغسله مرتين " (6) - (7).
# وفيه نظر ظاهر، إذ لو أراد أن العصر داخل في مطلق مفهوم الغسل فلا يساعده
~~اللغة والعرف، والكتاب والسنة مشحونة بخلافه في الوضوء والغسل وغيرهما. وإن
# PageV01P462
# أراد أنه داخل في خصوص غسل الثوب، فلم نجد هذا الفرق في اللغة ولا في
~~العرف.
# مع أن ما استدل به من الرواية يضره، إذ ظاهر مقابلة الصب بالغسل أنه لا
~~يجب الغسل في البدن، وفيه أن الأمر به في الأخبار سيما في الاستنجاء من
~~البول وغيره مما لا يحصى.
# مع أن الرواية التي نقلناها في بول الرضيع ناطقة بأن بول الرضيع قبل
~~الأكل يصب عليه الماء، وإذا أكل فيجب غسله، وعلى هذا فيجب أن يكون ms0214 بول
~~الفطيم أقوى من بول الرجل.
# وقد ذكرنا ثمة أن المراد بالصب هو الأعم من الغسل، وأنه لا يجب في بول
~~الرضيع انفصال الماء، بل ولا جريانه، بخلاف ما لو أكل، فيجب الجريان
~~والانفصال، سواء في ذلك البدن والثوب، لاطلاق الرواية.
# فعلى ما ذكرنا لا بد لنا من تأويل هذه الرواية: بأن المراد فيها أن الصب
~~يكتفى به، يعني لا حاجة إلى الدلك، لا أنه لا يجب تحصيل مسمى الغسل عرفا،
~~لأن وجوب إجراء الماء وانفصاله مما ثبت بالاجماع والأخبار، وإلا فلم يبق
~~فرق بينه وبين بول الرضيع.
# فعلم أن المراد بالصب ليس هو الصب المذكور ثمة، بل المراد نوع مخصوص من
~~الغسل، وذلك لا يوجب عدم وجوب الغسل وعدم صدق الغسل عليه، ولا يوجب اختصاص
~~الغسل بما كان فيه عصر. وحينئذ فيلزم ارتكاب خلاف الظاهر في اللفظين هنا
~~(1) وإبقاؤهما على حقيقتهما في بول الرضيع.
# نعم لو خصصت رواية الرضيع بالثوب، وجعل معنى الصب في الروايتين واحدا،
~~لحصل فرق بين بول الرضيع وغيره في الثوب فقط، لكنه تقييد لا دليل عليه. مع
~~أنه يلزم على هذا التجوز في الروايتين بخلاف ما ذكرنا.
# PageV01P463
# والتحقيق: أن الغسل في اللغة والعرف هو إجراء الماء على الجسم وفصله عنه،
~~ففيما لا حاجة في تحقق ذينك المعنيين إلى أمر خارج سوى صب الماء فيتحقق
~~الغسل، وأما ما يحتاج إليه فهو الذي يجب فيه العصر والتغميز لاجراء الماء
~~على جميع أجزاء ذلك الجسم وفصله عنه، وذلك لا يوجب دخول العصر في مفهوم
~~الغسل، بل إنما هو شرط فيما لا يتم إلا به في تحقق المفهوم، ولا يوجب عدم
~~كون الصب على الأجسام الصلبة وفصله عنها غسلا، بل ومثل صب الماء على الصوف
~~و ما ينسج منه، فإنه يخرج منه الماء بنفسه بسهولة، وهذا واضح لا سترة فيه.
# ثم إن الغسل أمر متأصل قد يطلب هو بنفسه وقد يتعدى بمن، فقد يقال: اغسل
~~يديك وقد يقال اغسل يديك من البول، فما يتعدى إلى الغير تجب فيه ملاحظة ms0215
~~إزالة ذلك الشئ أيضا سواء كان حدثا أو خبثا، وسواء كان الخبث ذا جسم عيني
~~أو لا، فيجب الغسل فيما لا عين له لإزالة حكمه، وفيما له عين لإزالة العين
~~والحكم كليهما، فقد يكون العصر دخيلا في إزالة العين أيضا.
# فما ذكرنا من الأمرين هو السر في اعتبار الفقهاء العصر، لا أنه داخل في
~~مفهوم الغسل.
# وأما اخراج الماء وفصله بالجفاف فهو لا يفيد إتمام تحقق مفهوم الغسل
~~عرفا.
# وظهر مما ذكرنا ضعف ما قد يستدل على عدم لزوم العصر: بأن إطلاق ما دل على
~~طهارة الثوب بالغسل يقتضي طهارة الماء المتخلف في المحل، وأنه لا فرق بينه
~~وبين المتخلف بعد العصر وإن أمكن اخراجه بقوة، وهو ضعيف، لما عرفت.
# والأخير (1) قياس.
# وكذلك ما قيل: إن التحقيق يقتضي إناطة الحكم بما يتحقق منه مسمى الغسل في
~~العرف، ويعلم منه إزالة النجاسة بأسرها; وبناء الزائد على ذلك على نجاسة
~~الغسالة
# PageV01P464
# وطهارتها (1)، ويتفرع عليه أن وضع الثوب النجس في المركن في الماء القليل
~~بدون الغمز والعصر وتحقق الغسل العرفي يوجب نجاسته وإن أخرج من ساعته،
~~بخلاف ما لو تحققت المذكورات على القول بطهارة الغسالة أو نجاستها مع القول
~~بطهارة المحل أيضا.
# ثم إن المحقق أوجب بعد كل غسل عصرا (2)، والشهيد في اللمعة عصرا بين
~~الغسلتين (3)، والصدوق عصرا بعدهما (4).
# ولعل الأول ناظر إلى اعتبار العصر في مفهوم الغسل، فوجوب الغسلتين يوجب
~~العصرتين. وبناء الثاني على أنه لاخراج أجزاء النجاسة. وبناء الثالث على
~~أنه لنجاسة الغسالة مطلقا، فلا فائدة في العصر الأول، والأحوط بل الأظهر هو
~~الأول.
# وفي لزوم العصر إذا غسل في الكثير قولان، أشهرهما العدم (5)، بل الأظهر،
~~لعدم الإشكال في حكاية الغسالة بعد زوال العين، إنما الإشكال في اشتراط
~~انفصال الغسالة في تحقق الغسل، ولا يبعد جعله نظير الغسل الارتماسي.
# ويمكن أن يقال: إذا دخل الجسم في الماء تدريجا فكل جزء يدخل في الماء
~~فيمر عليه الماء وينفصل منه ولا ينفعل، ثم يمر على الجزء الآخر (6) وهكذا،
~~وذلك هو السر فيما اخترنا ms0216 في الغسل الارتماسي أنه يتم بتمام الانغماس، ولا
~~يحتاج إلى الخروج أو التحرك بعده، وإن كان ما اخترناه موافقا لاطلاق النص
~~الوارد فيه أيضا.
# ثم بعد ظهور وجه اعتبار العصر، فلا فرق فيه بين اللي والكبس والغمز.
# ويكفي في اللحاف والفرش الثخينة والوسائد الكثيرة الحشو الدق والتغميز
# PageV01P465
# ونحو ذلك مما يخرج الماء إذا سرت النجاسة إلى باطنها، وإلا فيغسل ظاهرها
~~ويمسح عليها بقوة ليخرج منها أجزاء النجاسة وماء الغسل. أما مع عدم العلم
~~بالنفوذ إلى الباطن فظاهر (1)، وأما مع النفوذ فيكفي أيضا غسل الظاهر في
~~طهارة الظاهر، لبطلان السراية.
# ويظهر من الشيخ في الخلاف عدم الخلاف في ذلك، حيث نسب القول به إلى بعض
~~العامة في مبحث عدم جواز تطهير بعض الثوب النجس، معللا بأنه مجاور لأجزاء
~~نجسة فتسري إليه النجاسة فيتنجس، ثم دفعه (2).
# والدليل على البطلان هو عدم الدليل عليه، وإشعار كثير من الروايات به،
~~وللزوم نجاسة مفازة رحبة الفضاء إذا ابتل جميعها بمجرد نجاسة جزء منها لو
~~قلنا بها، لأن الرطوبة لا يصدق عليها أنها ماء قليل حتى يشملها ما دل على
~~نجاسته، مع أن أدلة نجاسة القليل أخبار في موارد خاصة لا يتم الاستدلال بها
~~في أصل الماء إلا بضميمة الاجماع المركب، فكيف بما ليس بماء.
# وأما ما يتوهم أن النجاسة إذا لاقت شيئا رطبا تنجسه، فإذا انضم إليه أن
~~المتنجس ينجس فتثبت السراية، ففيه مع منع مثل ذلك العموم: أن ذلك إذا لاقى
~~النجس شيئا رطبا، أو لاقى رطب نجسا، لا إذا تنجس أحد المتلاقيين وإن كان
~~مجاورة رطبا.
# وأما الأخبار التي أشرنا إليها، فمنها ما ورد في السمن والعسل إذا ماتت
~~فيه فأرة: أنه تلقى هي وما حولها، ويؤكل الباقي (3).
# ومنها صحيحة إبراهيم بن أبي محمود في غسل الطنفسة والفراش الثخين
# PageV01P466
# يصيبهما البول، كيف يصنع بهما وهو ثخين كثير الحشو؟ قال: " يغسل منه ما
~~ظهر في وجهه " (1). وتؤيده رواية إبراهيم بن عبد الحميد (2).
# وبالجملة الأصل عدمه، وعدم الدليل دليل العدم. ويؤيده تطهير اللوح الوسيع
~~بمثل ms0217 الإبريق ونحوه.
# فمن فروع المسألة: جواز تطهير ما حول موضع الفصد إذا تعدى الدم، ولو وضع
~~الإصبع عليه فأظهر، بل وجواز غسل علم من سطح جسم محاط بالنجاسة، ويبقى
~~طرفاه على النجاسة.
# بقي الكلام في مقامات:
# الأول: المشهور في كلام المتأخرين أن ما لا يمكن اخراج الغسالة منه -
~~كالتراب والدقيق - لا يمكن تطهيره بالقليل، ويظهر وجهه بعد التأمل فيما
~~تقدم من اعتبار العصر أو نجاسة الغسالة.
# وأما تطهيره بالكثير فلعله لا خلاف فيه إذا علم وصول الماء إلى جميع
~~الأجزاء وإزالة النجاسة، وإن كان قد يستشكل فيه على القول بدخول العصر في
~~الغسل، وقد عرفت التحقيق.
# وعن الشيخ في الخلاف (3): جواز تطهير الأرض بأن يصب الماء عليها حتى
~~يكاثره ويقهره فيزيل لونه وطعمه ورائحته، واحتج بأن التكليف بما زاد حرج،
~~وبالرواية العامية المتضمنة لأمر النبي صلى الله عليه وآله بإهراق ذنوب من
~~ماء على بول الأعرابي في المسجد، وقوله بعده: " علموا ويسروا ولا تعسروا "
~~(4).
# PageV01P467
# وقد يستدل على ذلك بما ورد من الأمر برش الماء في البيع والكنائس وبيوت
~~المجوس والصلاة عليه في صحيحة عبد الله بن سنان (1) ورواية أبي بصير (2)،
~~فإن فيهما إشعار بإمكان التطهير. والاعتماد على هذه الأدلة مشكل وإن كان لا
~~يخلو من قرب.
# نعم لا يمكن الحكم بوجوب غسل الملاقي بعد ذلك، لتعارض الاستصحابين.
# وقد يقال: إنه يكفي في تطهير الأرض إجراء الماء على وجه الأرض بحيث
~~يغمرها ثم يجري إلى موضع آخر، فيكون ما انتهى إليه نجسا، ويشكل ذلك مع
~~رخاوة الأرض.
# نعم هذا حسن فيما لو كانت الأرض مفروشة بالآجر والساج ونحوهما، إلا أن
~~يتشبث بعموم مثل قوله عليه السلام: " الماء يطهر " و: " جعل الله الماء
~~طهورا " (3) وهو أيضا مشكل.
# الثاني: ذكر جمع من الأصحاب أنه لا يجوز تطهير مثل الصابون والفواكه
~~والخبز والقرطاس والحبوب والجبن مما لا تنفصل عنه الغسالة بالعصر في
~~القليل، ولا ينقل عنهم خلاف في الكثير.
# ولا بد أن يكون مرادهم من الصابون هو ما إذا كان رطبا، ومن الفاكهة ما ms0218
~~إذا كانت مقطوعة، وإلا فالصابون اليابس كالحجر، والتفاح الصحيح ليس بأرخى
~~من البدن، وكذلك قشر الرقي، ووجهه معلوم مما سبق.
# وقد يستشكل في ذلك: بأنه مستلزم للحرج والضرر. وأن المتخلف في المذكورات
~~ربما يكون أقل من المتخلف في الحشايا بعد الدق والتغميز. وقد حكموا
~~بطهارتها، بإطلاق الأمر بالغسل (4).
# PageV01P468
# والأول لا يمكن الاعتماد عليه في المقام، والثاني قياس، والثالث غير
~~معلوم، فإن الأمر بالغسل إنما هو في الثوب والبدن والأواني وبعض الموارد
~~المخصوصة التي ليس ما نحن فيه منها، إلا أن يتشبث بمثل عموم: " الماء يطهر
~~".
# وظني أنه لا إشكال في تطهير مثل الفواكه الصلبة مثل التفاح والكمثرى
~~والسفرجل وبعض أفراد البطيخ بعد القطع بالقليل أيضا، لانفصال الغسالة عنها
~~عرفا، ولبطلان السراية.
# نعم يشكل في مثل حب العنب المقطوع، وما يتلين من المباطخ والخوخ و المشمش
~~ونحو ذلك إلى أن يخرج إلى حد المضاف فيندرج فيما يأتي.
# وأما مثل اللحم وألية الضأن ونحوهما، فالظاهر جواز التطهير بالقليل، وفي
~~خصوص تطهير اللحم الذي ينجس في المرق بموت الفأرة أو بمسكر روايتان
~~معمولتان (1)، ولكن يشكل فيما يشرب الماء النجس إلا أن يعلم وصول الماء إلى
~~أعماقه، ولا تدل الروايتان صريحا على هذه الصورة (2)، بل الظاهر تنزيلهما
~~على ما لم يعلم مكث النجس في المرق كثيرا أو غليه معه، ولا يبعد دعوى
~~ظهورهما في ذلك أيضا.
# أما تطهيرهما في الكثير بعد التشرب أيضا فالظاهر عدم الإشكال فيه، وعدم
~~لزوم العصر أيضا.
# الثالث: المشهور بين الأصحاب عدم جواز تطهير المايعات النجسة إلا الماء،
~~وإن قيل إنه أيضا ليس بتطهير له، لعدم بقائه قائما بحاله متميزا، والمتبادر
~~من التطهير هو
# PageV01P469
# ذلك. نعم إن قلنا بكفاية الاتصال فيتحقق في بعض الصور كما يأتي، لكنه
~~ضعيف.
# وذهب العلامة إلى جوازه بممازجتها للمطلق الكثير وإن خرج عن إطلاقه أو
~~بقي اسمها في أحد قوليه (1)، وله قول آخر بطهارة الدهن خاصة إذا صب في
~~الكثير وضرب فيه حتى اختلطت أجزاؤه وإن اجتمعت بعد ذلك على وجهه (2).
# وهو ضعيف، لوجوب وصول ms0219 الماء إلى جميع أجزاء النجس، وهو غير ممكن إلا
~~بصيرورته مطلقا، فتنتفي الفائدة، إلا في مثل العسل والدبس بأن يغلى الماء
~~حتى يذهب ويبقى الدبس والعسل.
# وأما الدهن فهو لا تختلط أجزاؤه مع الماء بالعيان، إلا أن يغلى في الكثير
~~حتى يختلط، ومع ذلك أيضا لا يخلو عن تأمل. ويدل عليه مضافا إلى ما تقدم من
~~الأخبار المعتبرة الآمرة بالاستصباح بالدهن المتنجس الناهية عن الأكل (3).
# ثم إن الظاهر جواز الصبغ بالمائع النجس ثم تطهير المصبوغ بالماء حتى يزول
~~المائع النجس الموجود فيه واستهلاكه بالمطلق، وإن جف فيكفي وضعه في الماء
~~الكثير حتى يصل الماء إلى أغواره.
# وأما ليقة (4) الحبر والشنجرف المتنجسين، فالظاهر عدم جواز تطهيرها رطبة،
~~إلا بعد زوالهما بالكلية. وأما بعد التجفيف فالظاهر التطهير بالكثير إن فرض
~~عدم خروج الماء عن الإطلاق بالتداخل والتخلخل، والظاهر إمكانه.
# السابع: يشترط في ماء الغسل الطهارة بالاجماع - أعني ابتداءا - والإطلاق،
~~لأنه المتبادر من الغسل عند الإطلاق، والمنصوص عليه في الأخبار، مثل حسنة
# PageV01P470
# الحسين بن أبي العلاء (1) وحسنة أبي إسحاق النحوي (2) المتقدمتين.
# وصحيحة محمد الحلبي، عن الصادق عليه السلام: عن رجل أجنب في ثوبه وليس
~~معه غيره، قال: " يصلي فيه، فإذا وجد الماء غسله " (3).
# ولو سلم شمول إطلاقات الغسل لغير المطلق فنحملها على المقيد لو لم نقل
~~بأن الأمر بالغسل بالماء ورد مورد الغالب، وإلا فتكفي الإطلاقات، لانصرافها
~~إلى المطلق، فيبقى غيره مسكوتا عنه، ومطهريته تحتاج إلى دليل، ولأن النجاسة
~~اليقينية يحتاج زوالها إلى اليقين، وليس إلا في المطلق.
# مع أن الدخول في الصلاة مشروط بطهارة البدن والثوب، وحصول الطهارة مشكوك
~~فيه، إلا في المطلق.
# وما يقال: إن عموم قوله عليه السلام: " كل ماء طاهر حتى يعلم أنه قذر "
~~يفيد أن الماء القليل إذا لاقى ما غسل بالمضاف لا يتنجس، لعدم حصول العلم،
~~فيكون ذلك الجسم المطهر بالمضاف طاهرا. لا يخفى ما فيه، لأن المراد - والله
~~يعلم - حتى أنه ينجس بملاقاته للنجس الواقعي، لا أنه طاهر حتى يعلم أن ما
~~لاقاه نجس، مع أنه ms0220 لا منافاة بين إعمال الدليلين لتعارض الاستصحابين.
# وعن السيد (4) والمفيد (5) جواز الإزالة بسائر المائعات، وكذا عن ابن أبي
~~عقيل عند الضرورة (6).
# احتج السيد بالاجماع، وهو غريب.
# PageV01P471
# وبقوله تعالى: * (وثيابك فطهر) * (1) وهو أغرب، لأن المعنى اللغوي لا
~~يجدي في المطلوب، وثبوت المعنى الشرعي بالمضاف أول الدعوى. مع ما ورد
~~تفسيره بقصر وشمر وغير ذلك.
# وبإطلاق الأوامر بغسل البدن والثوب، وهو يشمل الغسل بالمضاف لغة وعرفا.
# وفيه مع أن الإطلاقات تنصرف إلى المتعارف كما في قولك: " اسقني " يحمل
~~على المقيد كما ذكرنا.
# وبأن الغرض من الطهارة إزالة العين، وهي تحصل به، مستشهدا بما دل على
~~جواز إزالة الدم بالبصاق كما دلت عليه موثقتا غياث بن إبراهيم (2)، وعمل
~~عليهما ابن الجنيد (3)، وبرواية حكم بن حكيم المتقدمة في مسألة المتنجس
~~(4).
# وفيه: أن انحصار الغرض ممنوع، والروايتان شاذتان مهجورتان مؤولتان، وما
~~أشبه هذا الاستدلال بأن يكون مأخذ ما ذهب إليه السيد - رحمه الله - في جواز
~~إزالة النجاسة، عن الأجسام الصقيلة كالمرآة والسيف بالمسح بما يذهب عين
~~النجاسة (5)، وهو أيضا شاذ مطروح، ولا يمكن الاعتماد على هذا الدليل، وزوال
~~النجاسة يحتاج إلى دليل شرعي.
# وأفرط بعضهم حيث جعل المعيار في غرض الشارع وجوب إزالة العين كيف ما
~~اتفق، خرج ما خرج بالدليل على وجوب الغسل بالماء مثل الثوب والبدن، وبقي
~~الباقي.
# وفرع على ذلك جواز إزالة عين النجاسة من الأجسام الصقيلة بالمسح، كما
# PageV01P472
# ذهب إليه السيد، وطهارة البواطن بمجرد زوال العين، وطهارة أعضاء الحيوان
~~المتنجسة غير الآدمي (1).
# ويظهر بطلانه من تتبع موارد ما ورد في أقسام التطهير، والنجاسة حكم ثابت
~~من الشرع، ورفعها يحتاج إلى دليل، وطهارة البواطن إنما تثبت بالاتفاق
~~ظاهرا، وبلزوم الحرج، وبموثقة عمار، عن الصادق عليه السلام: عن رجل يسيل من
~~أنفه الدم، هل عليه أن يغسل باطنه، يعني جوف الأنف؟ فقال: " إنما عليه أن
~~يغسل ما ظهر منه " (2).
# وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام: في الرجل يمس أنفه في
~~الصلاة فيرى دما، كيف يصنع؟ قال: " إن كان يابسا فليرم ms0221 به، ولا بأس " (3).
# وموثقة زرارة: في المضمضة والاستنشاق وأنهما ليسا بفريضة ولا سنة: " إنما
~~عليه أن يغسل ما ظهر " (4).
# ويشكل ببقايا الغذاء خلال الأسنان، ولا يبعد تطهيرها بالمضمضة مرتين.
# والأظهر أن الرطوبة الخارجة من الأنف مثلا طاهرة إذا خلت عن النجاسة، وإن
~~كان في باطنه دم، ويشكل مع العلم بمرورها على عين النجاسة.
# وأما طهارة أعضاء الحيوان غير الآدمي بزوال العين، فيدل عليه ظاهر
~~الاجماع المنقول عن الخلاف، فإنه بعد ما قال " إن الهرة لو أكلت ميتا ثم
~~شربت من الماء القليل لم ينجس بذلك سواء غابت أو لم تغب، وحكى عن بعض
~~العامة أنه قال: إن شربت قبل أن تغيب عن العين لا يجوز الوضوء به " استدل
~~بإجماع الفرقة على طهارة سؤر الهر، وعدم فصلهم، والأخبار الصحيحة المستفيضة
~~الدالة على طهارة
# PageV01P473
# سؤر الحيوانات، سيما الهرة، مع أن الغالب في الهرة أنها تأكل الميتة (1).
# ويمكن القدح فيها: بأن التأمل فيها يقتضي أن عدم المنع ونفي البأس إنما
~~هو من جهة كونه سؤرا لها.
# وموثقة عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: سئل عما يشرب منه باز أو صقر
~~أو عقاب فقال: " كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره
~~دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ ولا تشرب " (2) وزاد الشيخ: وسئل
~~عما شربت منه الدجاجة، فقال: " إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم
~~يشرب، وإن لم تعلم في منقارها قذرا فتوضأ واشرب " (3).
# وذهب العلامة في النهاية إلى اعتبار الغيبة في الهرة واحتمال ولوغها في
~~الجاري أو الكر (4)، وحاصله يرجع إلى تعارض الاستصحابين، فالاعتماد على
~~استصحاب طهارة الملاقي، لا ثبوت الطهارة للهرة، وهو بعيد للزوم الحرج
~~الشديد.
# والظاهر أن تلك الأخبار مع الاجماع المنقول وعمل الأصحاب كافية في إثبات
~~الطهارة.
# وأما الآدمي فتشترط الغيبة بمقدار إمكان التطهير فيه قطعا، ولكن اشترط
~~بعضهم علمه بالنجاسة وأهليته للإزالة (5)، وزاد بعضهم تلبسه بما يشترط
~~بالطهارة أيضا.
# والحق أن يقال: إن أريد الحكم بطهارة الانسان فيشترط فيه التلبس ms0222
~~بالمذكور، وإن أريد عدم نجاسة الملاقي فهو يثبت بمجرد حصول احتمال الطهارة
~~له على
# PageV01P474
# أي وجه اتفق.
# الثامن: إذا علم موضع النجاسة غسل، وإن اشتبه غسل ما يحصل فيه الاشتباه
~~وإن كان كله، فإن كان في ثوب واحد مثلا فالظاهر عدم الخلاف فيه، وتظهر دعوى
~~الاجماع عليه من الفاضلين وغيرهما (1). ويدل عليه مضافا إلى الاستصحاب وعدم
~~جواز نقض اليقين بالشك المستفاد من الصحاح وغيرها: خصوص الصحاح المستفيضة
~~(2). وكذلك الكلام في البدن.
# وإن كان في ثياب متعددة أو فرش متعددة أو نحو ذلك، فإن كانت محصورة،
~~فالمشهور وجوب اجتناب ما حصل فيه الاشتباه، وقيل: ظاهر جماعة من الأصحاب
~~أنه لا خلاف في ذلك (3).
# وعندي فيه تأمل، فإن الأصل براءة الذمة عن التكليف حتى يثبت المخرج، وليس
~~إلا فيما حصل العلم بالنجاسة، وحصول العلم إنما هو إذا استعمل الجميع،
~~والكلام فيه كالكلام في المشتبه بالحرام. ويؤيده عدم وجوب الغسل إذا وجد
~~المني في الثوب المشترك على أحد منهما.
# وما يتمسك به من أن الحرام والنجس يجب الاجتناب عنهما، ومع العلم
~~بحصولهما في المجموع لا يتم الاجتناب إلا بترك الجميع، وما لا يتم الواجب
~~إلا به فهو واجب. ففيه أن ما ثبت وجوب الاجتناب عنه هو ما علمت نجاسته أو
~~ما علمت حرمته، لا ما يكون حراما أو نجسا. نعم لما لم يمكن الاجتناب فيما
~~لو تناول الجميع فيجب التجنب عنه. ويؤيده في الحرام صحيحة عبد الله بن سنان
~~(4) وغيرها.
# PageV01P475
# وبالجملة النسبة بين أصل البراءة وقاعدة وجوب المقدمة عموم من وجه، وفي
~~الأحكام والأخبار لكل واحد منهما مخالف في الجملة، كحلية مال الغاصب
~~المختلط ومال السارق ونجاسة الإناءين المشتبهين، فإما أن تخصص قاعدة وجوب
~~المقدمة، أو قاعدة أصل البراءة، والترجيح لأصل البراءة. سيما وقاعدة وجوب
~~المقدمة لا تتم فيما نحن فيه كما عرفت.
# وبالجملة الحكم بوجوب الاجتناب في المحصور غير واضح المأخذ، إلا أن يدعى
~~عليه الاجماع، وهو غير معلوم.
# وكيف كان، فالأظهر أن المراد بنجاسة الجميع: هو أنه لا يجوز استعمالها في ms0223
~~المشروط بالطهارة، كالثوب في الصلاة، والأرض في السجود، والماء في الوضوء،
~~لا أن حكمها حكم النجاسة حتى يجب الاجتناب عما لاقاها رطبا، فإن الأصل
~~طهارة الملاقي، ولا يجوز نقض اليقين بالشك. ويظهر من العلامة في مسألة
~~الإناءين جعلها من باب النجاسات (1)، وهو ضعيف.
# وأما غير المحصور، فلم يختلفوا في عدم وجوب الاجتناب، وجميع الأجزاء
~~باقية على الطهارة، ويؤيده لزوم الحرج والعسر.
# وذكروا في تحديد المحصور وغير المحصور وجوها، أوجهها: حمل غير المحصور
~~على ما يعد اجتنابه حرجا وعسرا، وعدم تحديد ذلك في الأخبار وكلام الأصحاب
~~أيضا مؤيد لما ذكرنا.
# وقد جعلوا من المشتبه ما لو اشتبه من جهة تعارض البينتين على تقدير
~~قبولها في إثبات النجاسة، فقد تتعارضان في شئ واحد، بأن تشهد إحداهما
~~بطهارته والأخرى بنجاسته، فقيل: إنه ملحق بالمشتبه بالنجس (2)، وهو ضعيف،
~~لعدم حصول العلم بالنجس في الجملة، لتعارضهما وتساقطهما. وقيل: بترجيح بينة
# PageV01P476
# الطهارة لاعتضادها بالأصل (1)، وقيل: تترجح بينة النجاسة لتقديم الناقل
~~على المقرر (2)، وهو ضعيف.
# وإن تعارضتا في إناءين، وتصحيح فرضه بأن تنحصر النجاسة في شئ واحد، ولم
~~يعلم قبل البينة وصولها إلى أحدهما، فشهدت إحدى البينتين على وقوعها على
~~أحد الإناءين والأخرى على وقوعها على الآخر، فذهب جماعة إلى إلحاقه
~~بالمشتبه بالنجس (3)، ولا وجه له، لتعارض البينتين، وتساقطهما.
# وما يقال: إنهما مجتمعتان على نجاسة أحدهما، فهو كلام ظاهري، إذ أحدهما
~~الذي تشهد عليه إحداهما غير أحدهما الذي تشهد عليه الأخرى، كما لا يخفى.
# وأما لو فرضت صورة يمكن الجمع بينهما فيعمل عليهما، ولكنه خارج عن
~~المتنازع.
# واعلم أنه يظهر من تتبع الأخبار، مثل ما ورد في المني والبول المشكوكين،
~~وملاقاة الكلب وأخويه يابسا، والمذي وعرق الجنب وبول البعير والشاة، وما مر
~~من نضح البيع والكنائس وغير ذلك: أن ما شك في حصول النجاسة أو توهم هناك
~~نجاسة، أو لاقى مكروها، فيستحب نضح الماء عليه.
# وادعى المحقق على استحبابه في ملاقاة الكلب والخنزير والكافر يابسا إجماع
~~علمائنا (4).
# و تدل عليه صحيحة البقباق في الكلب (5)، ومرسلة حريز وغيرهما ms0224 (6)، وصحيحة
~~علي بن جعفر في الخنزير (7).
# PageV01P477
# وأما الكافر، فقال في المدارك: لم أقف فيه على نص، وكذا في الذخيرة (1).
# ويمكن أن يستدل عليه بصحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام: عن الصلاة في
~~ثوب المجوسي فقال: " يرش بالماء " (2) وعن ابن حمزة القول بالوجوب تبعا
~~لظاهر الأمر (3)، والأظهر الاستحباب; لأن فهم الأصحاب وعملهم وسياق الأخبار
~~قرينة على الاستحباب ظاهرة.
# وعن الشيخ استحباب المس بالتراب للبدن إذا لاقى النجس يابسا (4)، قال
~~المحقق: ولم يثبت (5)، وفي المدارك لم نقف على سنده (6).
# أقول: وتكفي فتوى الشيخ، مع أن رواية خالد القلانسي تدل عليه قال، قلت
~~لأبي عبد الله عليه السلام: ألقى الذمي فيصافحني، قال: " امسحها بالتراب "
~~(7).
# واختلفوا فيما إذا حصل الظن بالنجاسة، فاعتبره أبو الصلاح مطلقا (8)،
~~ومنعه ابن البراج كذلك (9).
# والمشهور بين المتأخرين اعتباره إذا حصل من شهادة العدلين (10)، واشترط
~~بعضهم تبيين السبب (11)، واعتبر بعضهم العدل الواحد مطلقا (12)، وقيده
~~بعضهم بما إذا أخبر
# PageV01P478
# بنجاسة إنائه (1)، واكتفى بعضهم باعتبار قول ذي اليد الفاسق أيضا (2)،
~~وقيد جماعة قبول خبر ذي اليد بما قبل استعمال الغير فلا يسمع بعد الاستعمال
~~(3).
# حجة أبي الصلاح: أن الشرعيات ظنية، وأن العمل بالمرجوح مع قيام الراجح
~~باطل.
# ورد بمنع الأول، وأن العمل بالمرجوح قبيح بعد ثبوت الدليل الراجح، ومطلق
~~الظن ليس بدليل.
# وربما يستدل له بأن الصلاة مشروطة بالثوب الطاهر، والوضوء بالماء الطاهر،
~~والألفاظ أسام للأمور النفس الأمرية، فلا أقل من لزوم تحصيل الظن بالطهارة،
~~فكيف يصح مع ظن النجاسة؟
# ولو منع وجود ما يدل على اشتراط الطاهر، فلا أقل مما دلت عليه الأخبار
~~والأدلة من اشتراط عدم وقوع القذر في الماء، وعدم وصول شئ من النجاسات إلى
~~الثوب والبدن (4)، فنقول أيضا: حصول ذلك مضر في نفس الأمر، ولا أقل من
~~كفاية الظن به.
# وتدفعه الأخبار المستفيضة المعتبرة الواردة في أن الماء طاهر حتى يعلم
~~أنه قذر، أوكل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر، وما في معناها (5). والصحاح
~~المصرحة بعدم جواز نقض اليقين إلا بيقين (6). وتتبع موارد الأحكام الشرعية
~~الدالة على ذلك ms0225 في عدم غسل الرجل إذا خرج من الحمام، وطهارة منسوجات الكفار
~~وملبوساتهم وأوانيهم وما أعير لهم، والتوضؤ من فضل وضوء المسلمين وغيرها،
~~مع عمل
# PageV01P479
# السلف من غير نكير، ولزوم العسر والحرج.
# بل الظاهر عدم استحباب اعتبار الظن غالبا، إلا أن يكون عليه نص بالخصوص،
~~لاستلزامه كسر قلوب المسلمين، وانجراره إلى الوسواس غالبا، بل و (1) عدم
~~إمكان ذلك في الجميع، وعدم المرجح للبعض.
# ومما ذكرنا ظهرت حجة ابن البراج، وهي في غاية القوة.
# وأما مستند قبول قول العدلين، فهو أنه معتبر في الشرع، ولذلك يرد المبيع
~~إذا ادعى عيبه بالنجاسة وشهد عليه عدلان.
# ورد بعدم ثبوت ما يدل على اعتباره فيما نحن فيه عموما أو خصوصا، وثبوت
~~الرد بذلك العيب لا يستلزم نجاسته مطلقا، ولي في ذلك توقف، فلا بد من
~~الاحتياط إلى أن يقع التأمل التام.
# وأما قبول قول العدل الواحد، فلا حجة عليه إلا القياس بالرواية، وهو كما
~~ترى.
# وأما قبول قول ذي اليد فهو أيضا مما لم تظهر عليه حجة واضحة، وما قرع
~~سمعك من تنزيل أقوال وأفعال المسلمين على الصحة والصدق لا يكفي في إثبات
~~الحكم، فإن المراد من ذلك حمل قوله على الصحة، يعني أنه مظنون الصدق، ولا
~~يلزم من ذلك أن يكون حجة على غيره في إثبات حكم أو تكليف أو رفع شئ ثابت
~~موافق لأصل البراءة.
# والحاصل أن أفعالهم صحيحة، وأقوالهم صادقة يعمل على مقتضى صحتها وصدقها،
~~إلا أن تكون معارضة بمثلها، أو موجبة لتكليف، أو مستلزمة لضرر على الغير.
# ولذلك تراهم لا يتعرضون لمن في يده شئ أو تحته زوجة أو غيرهما إلى أن
~~يدعي عليه آخر، وحينئذ يحتاج إلى قواعد أخر في طي الدعوى.
# PageV01P480
# ولعل من يحكم بالنجاسة غفل عن ذلك لما رأى أن قوله ينزل على الصدق، وكذا
~~فعله بالنسبة إليه نفسه، فإذا اجتنب من إنائه وقال إنه نجس، ليس لأحد أن
~~يمنعه ويردعه عن ذلك، ويقال إن اجتنابه صحيح، وقوله صادق، فحسب أن ذلك يثبت
~~النجاسة الواقعية، حتى يلزم على ms0226 غيره أيضا الاجتناب; وانفكاك الأحكام
~~المتلازمة في نظر الظاهر في غاية الكثرة، ولا ضير فيه.
# وقد يستدل عليه ببعض الأخبار الواردة في أن شراء الخف والفراء من سوق
~~المسلمين لا حاجة فيه إلى المسألة (1) حيث يظهر منها أن المسألة مثمرة
~~لقبول قول البائع فيما في يده.
# وأنت خبير بعدم دلالته أصلا، لأنه إذا قال " غير مذكى " فهو مطابق لأصالة
~~عدم التذكية، والذي اعتمدنا عليه في رفع تلك الأصالة هو يد المسلم وقوله،
~~وقد ارتفع فيما نحن فيه، إذ فعله ليس أقوى من قوله.
# وإذا قال " إنه مذكى " فهو إنما يقبل لأنه قول منه لا يوجب ضررا ولا
~~تكليفا على الغير ولا معارض له أيضا، ومن ذلك يظهر أن إخبار ذي اليد كاف في
~~الطهارة وإن علمت النجاسة قبله، بل الظاهر قبول قول المسلم في تطهير ثوب
~~غيره أيضا كالتذكية.
# وتؤيده حسنة ميسر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: آمر الجارية فتغسل
~~ثوبي من المني، فلا تبالغ في غسله، فأصلي فيه، فإذا هو يابس، قال: " أعد
~~صلاتك، أما إنك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شئ " (2) وللزوم العسر والحرج
~~العظيم لولا ذلك.
# ولعل من قيد قبول النجاسة بما قبل استعمال الغير نظر إلى بعض ما ذكرنا،
~~ولكنه لم يستوف التحقيق.
# وأما من اشترط بيان سبب النجاسة، فقد أصاب في المختلف فيه من النجاسات.
# PageV01P481
# التاسع: المعروف من مذهب الأصحاب بحيث لا يعرف خلاف بينهم أن الأرض تطهر
~~باطن الخف والنعل والقدم، ويظهر من العلامة في بعض كتبه استشكال في القدم
~~(1)، ولا وجه له، لدلالة الأخبار عليه.
# والأصل في هذا الحكم الصحاح المستفيضة وغيرها، ومنها روايتا محمد الحلبي
~~المتقدمتان في وجوب إزالة النجاسة عن المساجد (2).
# وحسنة المعلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخنزير
~~يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا، فقال: "
~~أليس وراءه شئ جاف؟ " قلت: بلى، فقال: " لا بأس، إن الأرض يطهر بعضها بعضا
~~" (3) وهذه العبارة واردة في حسنة محمد ms0227 بن مسلم المروية في الكافي أيضا
~~(4).
# والأظهر في تفسيرها أن المراد بالبعض الأخير: هو الأجزاء المخلوطة
~~بالنجاسة منها، والمراد من تطهيرها: تطهير محلها، كما في قولك: " الماء
~~يطهر البول " فمراد الإمام عليه السلام بيان طهارة الرجل والخف وغيرهما مما
~~لاقى النجاسة ولصقت بها النجاسة المخلوطة بأجزاء الأرض، لا تطهير نفس تلك
~~الأجزاء الصغار، كما فهمه بعضهم، وقال: إن الإزالة والإحالة والتجفيف
~~بالوطء عليها مرة بعد أخرى، وانتقال بعضها إلى بعض يوجب تطهير ذلك البعض
~~(5).
# وهو مشكل، لأن إرادة تطهير الأجزاء الأرضية دون الرجل والخف ونحوهما غير
~~ظاهر من الأخبار، سيما من غير حسنة محمد بن مسلم، بل إنما سيقت لأجل ذلك،
# PageV01P482
# وإرادة كليهما معا يوجب إرادة المعنيين: الحقيقي والمجازي، وهو خلاف
~~التحقيق.
# والحاصل: أن الظاهر من الكلام: هو أن الأرض تزيل حكم نجاسة الرجل وأخويها
~~الحاصلة بسبب الأجزاء المتنجسة منها، كما أن الحجر والخرق يذهب حكم النجاسة
~~من العجان، كما يشير إليه صحيحي زرارة (1)، فيشكل استفادة تطهير تلك
~~الأجزاء بذلك، إلا أن استهلاكها في الأرض وعدم تميزها يلحق مواضع الأقدام
~~بالمشتبه بالنجس، ولا يحكم بنجاسة ملاقيه، لعدم تميزها، لا لحصول الطهارة
~~بها.
# فحينئذ يشكل جواز السجود عليها والتيمم بها.
# وأما حسنة محمد بن مسلم فلا ارتباط لهذا الكلام فيها بما قبله، ولعلها
~~سقط منها شئ يوجب إفادة ذلك.
# ثم إن الظاهر كفاية المسح، ولا يحتاج إلى المشي. والتحديد بمشي خمسة عشر
~~ذراعا موافقا لصحيحة الأحول لا وجه له، لما في صحيحة زرارة: " ولكنه
~~يمسحهما حتى يذهب أثرها ".
# وفي صحيحة أخرى: " يجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلهما " (2) مع أنه ذكر في
~~صحيحة الأحول بعد ذلك: " أو نحو ذلك " (3)، فالمراد بيان ما يزيل غالبا.
# وظاهرهم عدم اشتراط الجفاف قبل الدلك، بل الظاهر من الأخبار هو ما كانت
~~رطبة، واستفادة حكم اليابس مشكل، وصحيحة زرارة وإن كانت مطلقة إلا أنها
# PageV01P483
# ظاهرة في ذات الجرم الرطبة بقرينة مقابلتها لحكم الاستنجاء من الغائط،
~~إلا أن الظاهر عدم الخلاف.
# وفي اشتراط طهارة الأرض إشكال، وصرح جماعة ms0228 باشتراطها (1)، ولا تخلو رواية
~~الأحول من إشعار ما من حيث احتمال التقرير، ويعضده الاستصحاب، لعدم انصراف
~~الإطلاقات إلى النجس، لأن الغالب في المطهرات الشرعية هو الطاهر إن لم نقل
~~باستفادة اشتراط الطهارة في أول الأمر من الاستقراء في جميع أبوابها.
# وكذلك في اشتراط الجفاف إشكال، ولا دلالة في حسنة المعلى بن خنيس على
~~ذلك، لأن الظاهر أن المراد من الجفاف عدم التلوث بالماء المتقاطر من
~~الخنزير.
# وبالجملة الظاهر أن النداوة القليلة غير مضرة. إنما الإشكال في الوحل،
~~سيما مع عدم صدق الأرض عليه، والمتبادر من المسح أيضا هو على غير الوحل،
~~إلا أن لزوم العسر والحرج سيما في فصل الشتاء يؤيد ذلك، ولا ينبغي ترك
~~الاحتياط.
# ويظهر من ذلك الإشكال في كفاية الحجر والشجر والخزف (2) وغيرها، وقيد
~~الأرض وإن كان واردا مورد الغالب، ولكن إطلاق المسح أيضا ينصرف إلى ذلك.
# ولا فرق بين أقسام الخف والنعل، من خشب كان أو من جلد أو من خرقة أو غير
~~ذلك، وإن لم يصرح ببعضها في الأخبار. ولا يفهم منها مثل الجورب.
# وألحق جماعة بذلك خشبة الأقطع (3) وفي القبقاب إشكال. وأما الحاق أسفل
~~العصا وكعب الرمح ونحوهما فلا وجه له.
# العاشر: المشهور أن الشمس تطهر ما تجففه من البول والنجاسات التي لا جرم
~~لها، أو لم يبق منها إلا نداوتها، في الأرض والبواري والحصر والأبنية
# PageV01P484
# والنباتات ونحوها (1).
# وخصصه بعضهم بالبول (2)، وبعضهم بالأرض وتالييها (3).
# وعن القطب الراوندي أنه يجوز السجود على الأرض وتالييها إذا أصابها البول
~~وجففته الشمس وإن لم تجز ملاقاتها مع الرطوبة (4)، ونقله بعضهم عن صاحب
~~الوسيلة (5)، ومال إليه بعض المتأخرين (6).
# والأقوى الأول، للاجماع، نقله الشيخ في الخلاف (7)، والصحاح المستفيضة
~~(8)، وموثقة عمار (9)، ورواية أبي بكر الحضرمي (10).
# فروى زرارة في الصحيح قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن البول يكون على
~~السطح أو في المكان الذي أصلي فيه، فقال: " إذا جففته الشمس فصل عليه فهو
~~طاهر " (11).
# ودلالتها على المطلوب إما من جهة إطلاق الأمر بالصلاة عليه الشامل لما
~~كان أعضاؤه رطبة، ولجواز السجود ms0229 عليها; مع أنا سنبين - إن شاء الله تعالى -
~~اشتراط
# PageV01P485
# صحة السجود بطهارة المحل، وأنه لا يكفي ما ذهب إليه الراوندي رحمه الله.
# وإما من جهة قوله عليه السلام: " فهو طاهر " فإن الظاهر ثبوت الحقيقة
~~الشرعية.
# سلمنا لكن القرينة قائمة على إرادة المعنى الشرعي لكمال بعد إرادة
~~اللغوي.
# وإطلاق صحيحته الأخرى (1) وصحيحة علي بن جعفر (2) مع ترك الاستفصال أيضا
~~يكفي في الاستدلال.
# ومطلق الجفاف واليبس فيها مقيد بمفهوم الصحيحة الأولى. وفي معناها موثقة
~~أخرى لعمار أيضا (3).
# وأخذ على ظاهر هذه الأخبار الراوندي، مستندا بأن جواز الصلاة عليها لا
~~يدل على طهارتها. ويؤيده أن علي بن جعفر الراوي لهذه روى أيضا جواز الصلاة
~~مع الجفاف بدون الشمس (4).
# ويدل عليه أيضا صحيحة محمد بن إسماعيل قال: سألته عن الأرض والسطح يصيبه
~~البول وما أشبهه، هل تطهره الشمس من غير ماء؟ قال: " كيف يطهر من غير ماء "
~~(5).
# والجواب عن استدلاله بظاهر الصحاح المتقدمة: أن الإطلاق الشامل لما كانت
~~الأعضاء رطبة، وترك الاستفصال يناقض مذهب الراوندي، ويوافق ما ذهبنا إليه.
# PageV01P486
# سلمنا، لكن صحيحة زرارة الأولى مع رواية أبي بكر المنجبر ضعفها بعمل
~~الأصحاب معتضدتين بالشهرة والإجماع المنقول.
# وعموم ما دل على طهورية التراب واليسر ونفي العسر والحرج وموافقتها للأصل
~~يكفي في المطلوب.
# مع أن صحيحة زرارة أوضح دلالة، ومن أصدع بالحق من زرارة، والمروي عنه
~~الباقر عليه السلام. وصحيحة ابن بزيع مع أنها مضمرة هنا، فهو يروي غالبا عن
~~الكاظم أو الرضا عليهما السلام (1)، وأخبارهما أقرب إلى التقية من أخبار
~~الباقر عليه السلام، كما لا يخفى على المطلع. مع أنه موافق لمذهب جماعة من
~~العامة (2)، فيحمل على التقية.
# ولها محمل سديد يمكن أن يجعل ذلك مدلولها، وهو أنه لعله سئل عما جف بدون
~~الشمس، فسئل أنه هل يكفي إشراق الشمس عليه من دون أن يصب عليه الماء حتى
~~يبتل فتجففه الشمس، فقال عليه السلام: " كيف يطهر من غير ماء؟ " وإلا فلا
~~حاجة إلى قوله من غير ماء في السؤال ولا في الجواب.
# وأما موثقة عمار، ms0230 فإن أخذناها على ما رواه في الاستبصار وبعض نسخ التهذيب
~~ونقله بعضهم في الكتب الاستدلالية، حيث قال عليه السلام: " وإن كان غير
~~الشمس أصابه حتى يبس فإنه لا يجوز ذلك " وجعلنا كلمة " إن " وصلية فهو صريح
~~في مذهبنا، وإن أخذناها على ما في بعض نسخ التهذيب، حيث روى فيها: " وإن
~~كان عين الشمس " بالعين المهملة والنون، فهو على مذهبهم أدل، غاية الأمر
~~تعارض الاحتمالين وترك هذه الموثقة لتهافتها وتشابهها، ولا يضرنا أصلا.
# ثم إن رواية أبي بكر عامة، فإن الباقر عليه السلام قال: " يا أبا بكر ما
~~أشرقت عليه الشمس فقد طهر " فيشمل البول وغيره، والأرض وغيرها، خرج ما خرج
# PageV01P487
# بالدليل. واشتهار العمل بمضمونها يجبر ضعفها، فلا يبعد العمل على عمومها
~~فيما بقي، مع أن في إحدى صحيحتي علي بن جعفر عليه السلام سئل عن قصب
~~البوريا المبتل بالماء القذر، ولا قائل بالفصل، وموثقة عمار أيضا تشمل
~~البول وغيره.
# ثم إن المشهور بين المتأخرين: أنه إذا جف المكان بغير الشمس ثم صب عليه
~~ماء غير مطهر له ثم جففته الشمس يكفيه، وهو كذلك، لما مر.
# وعن جماعة منهم أن باطن الجدار يطهر بإشراق الشمس على ظاهره إذا كانت
~~الرطوبة متصلة (1)، وهو ظاهر الأدلة، وأما طهارة الباطن بدون اتصال نجاستها
~~ورطوبتها بالظاهر فلا دليل عليه.
# ثم إن مذهب الجمهور أن الجفاف بغير الشمس من الهواء والأرياح لا يثمر
~~التطهير، للأصل، ونقل عليه العلامة الاجماع (2).
# وعن الشيخ في الخلاف: الأرض إذا أصابتها نجاسة مثل البول وما أشبهه وطلعت
~~عليها الشمس أو هبت عليها الرياح حتى زالت عين النجاسة فإنها تطهر، ويجوز
~~السجود عليها والتيمم بترابها، وإن لم يطرح عليها الماء. واحتج بإجماع
~~الفرقة (3)، ولكنه قال في موضع آخر منه: فإن جف بغير الشمس لم يطهر (4).
# وظني أن نظر الشيخ إلى صحيحة زرارة عن الصادق عليه السلام: السطح يصيبه
~~البول ويبال عليه، أيصلى في ذلك الموضع؟ فقال: " إن كان تصيبه الشمس والريح
~~وكان جافا فلا بأس به، إلا أن يكون يتخذ مبالا " (5) فتكون ms0231 " أو " في كلامه
~~بمعنى الواو، أو للتقسيم، فإن الظاهر عدم اشتراط الاستقلال للشمس بذلك، بل
~~لا يمكن ذلك غالبا.
# PageV01P488
# الحادي عشر: تطهر النار ما أحالته رمادا من الأعيان النجسة، للاجماع
~~المنقول في الخلاف (1)، وصحيحة الحسن بن محبوب: أنه سأل أبا الحسن عليه
~~السلام عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ويجصص به المسجد، أيسجد
~~عليه؟ فكتب إليه بخطه: " إن الماء والنار قد طهراه " (2).
# والأظهر أن المراد من تطهير الماء هو التطهير بماء المطر وغيره عما يتوهم
~~وصوله إليه من النجاسات من غير جهة العذرة أيضا، لئلا يلزم استعمال اللفظ
~~في المعنيين الحقيقي والمجازي.
# ويدل على المطلوب من باب الإشارة أيضا حيث لم يمنع عن تجصيص المسجد به،
~~وحينئذ فيمكن حمل التطهير فيها على المعنى المجازي، أعني التنظيف.
# وأما إرادة التطهير من نجاسة العذرة بالماء الذي يمزج بالجص فلا تستقيم
~~إجماعا كما نقله في المعتبر (3) ويدل عليه أيضا أن الأحكام تابعة للأسامي.
# وكذلك الكلام في الدخان، ويظهر من المعتبر الاجماع أيضا، وعن المبسوط
~~القول بنجاسة دخان الدهن النجس، لتصاعد الأجزاء الدهنية قبل الإحالة بواسطة
~~السخونة (4). وفيه تأمل واضح فيما لم يحصل العلم بذلك، وأنى يحصل؟ هذا
~~الكلام في الأعيان النجسة.
# وأما المتنجسة، فألحقه بعضهم بالنجس، نظرا إلى الأولوية (5)، وفيه تأمل.
~~نعم الأظهر عدم نجاسة ملاقيه رطبا، للأصل والاستصحاب.
# PageV01P489
# وأما الفحم، فألحقه بعضهم بالرماد (1) وتوقف بعضهم (2)، والإلحاق لا يخلو
~~عن رجحان ما.
# وأما الخزف ففيه قولان، أولهما لجماعة منهم الشيخ في الخلاف مدعيا عليه
~~الاجماع (3)، والثاني لجماعة (4) للاستصحاب، وتوقف فيه بعضهم (5)، والثاني
~~أرجح لو لم يثبت الاجماع.
# وأما خبز العجين النجس فلا يطهره على المشهور (6)، للاستصحاب، وصحيحتي
~~ابن أبي عمير (7).
# وذهب الشيخ في الاستبصار إلى الطهارة (8)، لصحيحة ابن أبي عمير (9)،
~~ورواية عبد الله بن الزبير (10)، وهما لا يقاومان ما مر. مع أن لهما محملا
~~ظاهرا، ويبنى الاستدلال بالرواية الثانية على نجاسة ماء البئر بالملاقاة،
~~وهو خلاف التحقيق
# PageV01P490
# كما سيجئ.
# ومن قبيل الاستحالة بالنار الاستحالة بغيرها أيضا، كصيرورة العذرة ترابا
~~أو دودا على ms0232 المشهور بين الأصحاب (1). وعن بعضهم المنع في الأول (2)، وعن
~~بعضهم التوقف في الأول (3).
# لنا: عمومات ما دل على طهارة التراب وطهوريته، وما دل على طهارة
~~الحيوانات، وخصوص ما ورد في دود الكنيف كما مر (4). والأحكام تابعة للأسامي
~~فلا مجال للتمسك بالاستصحاب.
# والتحقيق أن تغير الاسم فقط لا يجزئ، فإن طحن الحنطة المتنجسة لا يطهرها
~~مع تغير الاسم، وكذلك لا تطهر المسكة (5) المأخوذة من اللبن المتنجس، ولا
~~الجبن الحاصل منه، وهكذا.
# بل المعتبر تغير الحقيقة أيضا، فحقيقة الحنطة وخواصها الثابتة لها من حيث
~~إنها حنطة من التقوت بها والطعم والرائحة ونحوها لا تتفاوت بالطحن والخبز
~~وجعله جريشا وتوابل، بخلاف ما لو احترق وصار رمادا. وكذلك الزنجبيل المسحوق
~~والمنضوح ونحوهما.
# فالمراد أن الحكم ثابت له ما لم يخرج عن حقيقة مصداق هذا الاسم وماهيته،
~~وإن لم يصدق عليه الاسم حقيقة، فالإشكال المتقدم في الفحم والخزف إنما هو
~~من جهة الشك في الخروج عن الحقيقة وعدمه. والأظهر في الأول الخروج دون
~~الثاني.
# PageV01P491
# وأما صيرورة الكلب ملحا والعذرة الواقعة في البئر حمأة، ففيه أيضا قولان
~~(1)، وتوقف بعضهم (2)، والأقرب الطهارة، لعمومات ما دل على حلية ما عدا
~~أشياء مخصوصة، ولضعف الاستصحاب لتبدل الحقيقة والاسم.
# وهذا إنما يتم لو فرض ماء المملحة كرا، وإلا فلا مطهر للأرض والماء. وفي
~~صورة الكرية أيضا يحتاج إتمام المطلب إلى اعتبار تعارض الاستصحابين في بعض
~~الأحيان، كما لو صار جميع الماء مع الكلب ملحا، فلم يعلم تقدم استحالة
~~الكلب على قصور الماء عن الكرية بسبب استحالة بعضه ملحا.
# ومن هذا الباب استحالة النطفة حيوانا طاهرا، والماء والعلف النجسين بولا
~~وروثا لحيوان مأكول، والدم النجس قيحا، ونحو ذلك.
# وأما انتقال الدم إلى جوف البق والبعوض والقراد ونحو ذلك، فالظاهر أنه من
~~أجل عدم صدق الاسم فقط، فهو في العرف دم البق والقمل والبعوض والقراد مثلا،
~~لا دم الانسان، ودم ما لا نفس له طاهر، فالطهارة حينئذ إنما هي لتغير الحكم
~~بالشرع بسبب تغير الاسم يعني أن الشارع نص على تفاوت الحكم ms0233 بتفاوت الاسمين،
~~وهذا غير تغير الحكم بمجرد الاستحالة.
# ويقع الإشكال في مثل العلق (3).
# وأما انقلاب الخمر خلا، ففي جعله من باب الاستحالة إشكال، للتردد في تغير
~~الحقيقة، ولكنه لا إشكال في أصل الحكم، للاجماع، والأخبار المعتبرة
~~المستفيضة.
# ثم إنه لا إشكال كما لا خلاف في حله إذا انقلب بنفسه، وكذا لا إشكال إذا
# PageV01P492
# انقلب بعلاج، ونقل عليه الاجماع في الانتصار (1). وتدل عليه الأخبار
~~المعتبرة، وصحيحة عبد العزيز بن المهتدي مصرحة به (2)، وحسنة زرارة أيضا
~~كالصريحة، فإن جعل الخمر خلا ظاهر في العلاج، سيما في العتيقة منها، كما
~~سئل عنها في الحسنة (3)، وكذلك موثقتا عبيد بن زرارة لابن بكير (4)، فلا
~~وجه لتوقف الشهيد الثاني وحكمه بعدم ما يدل عليه من الأخبار المعتبرة
~~بالخصوص (5).
# ولكن لا بأس بالقول بالكراهة، لصحيحة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام:
# سئل عن الخمر يجعل فيها الخل فقال: " لا إلا ما جاء من قبل نفسه " (6)،
~~فإن ظاهرها مهجور عند الأصحاب، فيحمل على الكراهة، وكذلك موثقته لابن بكير،
~~بل لا تدل هذه إلا على الكراهة (7).
# وكذلك المشهور الأقوى المدعى عليه الاجماع بالعموم من السيد أنه لا فرق
~~بين ما لو كان المعالج به مائعا أو جامدا، باقيا أو هالكا.
# وما قيل باشتراط عدم بقاء العين المعالج بها لأنها تتنجس، والانقلاب إنما
~~يطهر الخمر، ولا مطهر للعين المعالج بها، فتستصحب النجاسة، وينجس الخل أيضا
~~(8)،
# PageV01P493
# ضعيف، لأن هذا الإشكال مقلوب عليه، فما يذوب فيها ويستهلك كالملح يتنجس
~~أيضا.
# سلمنا عدم الورود بتقريب ادعاء أنه حينئذ خمر عرفا لا غير فيطهر
~~بالانقلاب، لكن ما ذكرنا من الأدلة يشمله بعمومه، ولا يجتمع الحكم بطهارة
~~الخل مع بقاء العين المعالج بها على نجاستها. ويؤيده ما يدل على طهارة
~~الأشياء المودعة في العصير قبل ذهاب الثلثين، وحكمهم بحلية الملين وإن خرج
~~الخليط كلب اللوز والجوز والنشا (1) قبل ذهاب الثلثين.
# وقد نوقض على هذا القائل بطهارة الآنية، وهو غريب، لأن قول الشارع بطهر
~~الخمر وحله يدل على طهارة الآنية تبعا بالإشارة، لعدم الانفكاك عقلا، بخلاف ms0234
~~ما نحن فيه.
# فالاعتماد إنما هو على الإطلاقات والعمومات والخصوصات، سيما صحيحة عبد
~~العزيز، عن الرضا عليه السلام قال: كتبت إليه جعلت فداك العصير يصير خمرا
~~فيصب عليه الخل وشئ يغيره حتى يصير خلا قال: " لا بأس " (2) فلم يستفصل (3)
~~الإمام عليه السلام وحكم بالحل عموما.
# تذنيب:
# لو ألقي في الخل خمر قليل فاستهلكت فيه، فلا ريب أنه يتنجس، ولا يطهر
~~بذلك، خلافا لأبي حنيفة (4) ولكن الإشكال فيما لو بقي إلى زمان ينقلب فيه
~~الخمر خلا، والمشهور الأقوى عدم التطهير، لأنه لا يبقى حينئذ خمر عرفا حتى
~~يقال إن
# PageV01P494
# الخمر انقلب خلا، بل ليس هنا إلا خل متنجس، وبقاء الخل المتنجس لا يوجب
~~تطهيره.
# وما يتوهم من إلحاقه بالعين المعالج بها، فهو ضعيف، لعدم الإطلاق عرفا.
# وأضعف منه جعله أولى لكونه أقوى من الأعيان المعالج بها.
# وعن الشيخ (1) وابن الجنيد (2) القول بالطهارة بمضي زمان ينقلب فيه الخمر
~~خلا مستندا إلى موثقة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام: عن الخمر يصنع فيها
~~الشئ حتى تحمض فقال: " إذا كان الذي وضع فيها (3) هو الغالب على ما صنع فيه
~~فلا بأس به " (4) ولا دلالة فيها على المدعى، والأولى حملها على التقية.
# الثاني عشر: من جملة المطهرات الاسلام، والنقص.
# أما الأول، فإنما يطهر البدن من النجاسة الكفرية بالاجماع والأخبار، وأما
~~طهارة الثياب ونحوها فلا مطلقا، لعدم الدليل. والإسلام عن الكفر الأصلي محل
~~الوفاق، وأما عن ردة فطرية ففيه إشكال، والأظهر الطهارة، للزوم التكليف بما
~~لا يطاق لولاه (5).
# وأما حكم ولد الكافر، فقد أشرنا سابقا، وسيجئ تمام الكلام في محله إن شاء
~~الله تعالى.
# وأما النقص، فهو في العصير إذا حصل بذهاب الثلثين بعد الغليان على القول
~~بنجاسته كما هو الأظهر، وتطهر بتبعيته المزاولات. أما الإناء فبدلالة
~~الإشارة،
# PageV01P495
# وأما غيره فإن جعلنا التجفيف مطهرا مطلقا وإن كان للرطوبة فالأمر واضح
~~بعد الجفاف.
# وإن قلنا: إن ذهاب الثلثين إنما يطهر العصيرية، ولا يصدق العصير على هذه
~~الرطوبات، فالظاهر أن الدليل هو الاجماع. أما المنكرون للنجاسة فيقولون
~~بالطهارة ms0235 بالأصل، وأما القائلون بها فالظاهر أنهم لم يختلفوا في تبعية
~~المزاولات.
# ويقع الإشكال في كفاية جفاف الرطوبة العصيرية عن غير (1) المزاول، ولا
~~يبعد القول بالكفاية، والله العالم.
# PageV01P496
# المقصد الثالث في المياه وفيه مقدمة ومباحث:
# أما المقدمة:
# فهو في الأصل طاهر ومطهر بالكتاب والسنة والإجماع.
# أما الكتاب: فقوله تعالى: * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) * (1) ومقام
~~الامتنان يقتضي حمله على المطهرية، فإنه يستلزم الطهارة في بادئ الأمر
~~باستقراء موارد المطهرات، وإن كان يمكن المناقشة في الاستلزام، سيما في غير
~~الماء.
# وقوله تعالى: * (ليطهركم) * (2) في حكاية أصحاب بدر (3)، والتقريب ما مر.
# ويمكن فيه إرادة الطهارة والمطهرية بمعنييه بعنوان عموم المجاز، بملاحظة
~~شأن النزول
# PageV01P497
# ومقام الامتنان. ويتم الكلام في غير ماء السماء بعدم القول بالفصل، مع أن
~~في مثل قوله تعالى: * (فسلكه ينابيع) * (1) إشعار بالاتحاد، وإن كان فيه
~~تأمل.
# وأما السنة: فكثيرة جدا، مثل " الماء طاهر " و " خلق الله الماء طهورا "
~~و " الماء يطهر " وغير ذلك (2).
# وأما الاجماع فلا ريب فيه، بل هو ضروري، وإنما خالف بعض العامة في مطهرية
~~ماء البحر (3).
# المبحث الأول: في الماء الراكد القليل فالمعروف من مذهب الأصحاب بل
~~المتفق عليه من غير ابن أبي عقيل الانفعال بمجرد ملاقاة النجاسة (4)، وادعى
~~السيد الاجماع عليه في المسائل الناصرية (5)، وجعل في الأمالي من دين
~~الإمامية الإقرار بأنه لا يفسد الماء إلا ما له نفس سائلة (6).
# والإجماعات المنقولة في التطهير من الولوغ وغيره كثيرة. ويظهر منها
~~موافقة ابن أبي عقيل أيضا، ولم ينقل عنه أحد التفرقة بين النجاسات، ولعله
~~تغير رأيه أيضا.
# والأصل فيه: الأخبار المستفيضة جدا، بل القريبة حد التواتر، حتى ادعى
~~تواترها معنى جماعة (7)، وهي أنواع مختلفة، منها: الصحاح المستفيضة وغيرها
# PageV01P498
# التي كادت أن تبلغ حد التواتر القائلة بأن الماء إذا كان قدر كر لم ينجسه
~~شئ (1)، الدالة بمفهوم الشرط، فإن ثبوت الانفعال في الجملة يبطل عدم
~~الانفعال مطلقا.
# وما يتوهم من أن تنجس الأقل من الكر بشئ ما كما هو مفاد المفهوم يتم
~~بحمله على المغير ولا عموم فيه. فمدفوع ms0236 بأن ذلك لا اختصاص له بالقليل كما
~~لا يخفى.
# مع أن الظاهر أن المراد من قوله عليه السلام: " لم ينجسه شئ " مجرد بيان
~~عدم الانفعال، سيما مع ملاحظة سؤال الراوي في بعضها، لا تحقيق العموم في
~~النجاسات وعدم الانفعال بكل منها. فمفهومه حينئذ هو الانفعال بالنجاسات
~~مطلقا، وهذا يحتاج إلى لطف قريحة.
# ومنها: الصحاح المستفيضة الواردة في حكم الكلب وسؤره وولوغه، سيما صحيحة
~~البقباق، حيث سأل الصادق عليه السلام عن فضل جميع الحيوانات فقال:
# " لا بأس " حتى انتهى إلى الكلب فقال: " رجس نجس لا يتوضأ بفضله، واصبب
~~ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء " (2).
# فإنها تدل في أربعة مواضع منها، الأول: ظهور الحقيقة الشرعية في النجس،
~~ويؤكده الاتباع.
# والثاني: النهي عن التوضؤ للاجماع ظاهرا على أنه ليس من جهة عدم رافعيته
~~للحدث، فيكون للنجاسة، ويؤكده استلزامه - بإطلاقه - التيمم مع اشتراطه بفقد
~~الماء الطاهر.
# والثالث: إيجاب الصب مع كونه إسرافا، ويؤكده ما تقدم، سيما ويجب تحصيل
~~الماء بأعلى القيم، وبجعل المضاف مطلقا، وغير ذلك. والوجوب الغيري أيضا كاف
# PageV01P499
# للمطلوب، فلا يرد أنه ليس بوجوب أصلي.
# والرابع: الأمر بالغسل مؤكدا، فإن الظاهر أنه للنجاسة. وحملها على أنه
~~لعله من جهة وصول النجاسة إلى نفس الآنية في غاية البعد.
# ومنها: صحيحة علي بن جعفر: في دجاجة أو حمامة وطأت العذرة ودخلت في
~~الماء، ورواها في قرب الإسناد أيضا مع زيادة، فيها دلالة أيضا (1).
# وصحيحته الأخرى في حكم ما لا يدركه الطرف من الدم (2)، وصحيحة البزنطي
~~(3).
# وموثقة سماعة، قال: " إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس،
~~إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة، فإن أدخلت يدك في الإناء وفيها شئ من
~~ذلك فأهرق الماء " (4) وبهذا المضمون عشر روايات.
# وموثقتا عمار الدالتان على النهي عن التوضؤ من ماء شرب منه طائر في
~~منقاره دم (5)، وموثقته في الإناءين المشتبهين (6)، وموثقته الأخرى (7)،
~~والأخبار الدالة على أن ما له نفس سائلة يفسد الماء (8).
# PageV01P500
# وقد مر في نجاسة الكفار ما يدل عليه من الأخبار، ms0237 وكذا في نجاسة الخمر
~~والنبيذ ومطهرية الأرض.
# ويدل عليه أيضا كل ما ورد في تحديد الكر كما سيجئ، وخصوص صحيحة ابن بزيع
~~الآتية في ماء البئر، وما يدل على اشتراط الاتصال بالمادة في ماء الحمام
~~كما سيأتي، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
# حجة ابن أبي عقيل: الأصل، وعموم الآيات والأخبار، مثل ما نقل عنه أنه
~~قال: تواتر عن الصادق عليه السلام أن الماء طاهر لا ينجسه شئ إلا ما غير
~~لونه أو طعمه أو رائحته (1)، وهو غير مذكور في الكتب المشهورة.
# نعم أسند هذا المضمون الفاضلان في المعتبر والمنتهى إلى قول النبي صلى
~~الله عليه وآله في بعض المواضع مرسلا، وفي بعضها رواه الجمهور عنه صلى الله
~~عليه وآله (2).
# نعم روى الكليني والصدوق، عن الصادق عليه السلام: " الماء كله طاهر حتى
~~يعلم أنه قذر " (3).
# وفي الاستدلال به كلام.
# والتحقيق في الجواب أن العلم قد حصل بما ذكرنا.
# ومرسلة حريز أو صحيحته على ما في التهذيب (4)، وإن كان فيها إشكال،
# PageV01P501
# وصحيحة عبد الله بن سنان (1) وإن كان في صحتها كلام (2)، وصحيحة أبي خالد
~~القماط (3)، وقوية سماعة (4) (5).
# وكل هذه - مع أن ظاهرها كثرة الماء كما لا يخفى على المتأمل في سوق
~~السؤال والجواب - عمومات وإطلاقات، وما مر من الأدلة خصوصات، والخاص حاكم
~~على العام، سيما مثل هذا الخاص.
# وحسنة محمد بن ميسر (6)، وفيه: مع أن الحسن لا يقاوم الصحاح وغيرها، ومثل
~~هذه دلالتها موقوفة على ثبوت الحقيقة الشرعية في القذر وفي الماء القليل،
~~ولا يبعد حملها على التقية.
# وموثقة الحسين بن زرارة في حكاية الاستقاء بشعر الخنزير (7)، ورواية
~~زرارة في الاستقاء بجلده (8)، المتوقفة دلالتهما على نجاسة البئر
~~بالملاقاة، وهو خلاف التحقيق. فيحمل الأول على نفي البأس عن ماء البئر، لا
~~ما لاقاه (9) شعر الخنزير، والثاني على ذلك، وعلى جواز الانتفاع في غير
~~الشرب والتوضؤ، ونقلنا روايات أخر أيضا في كتابنا الكبير.
# وبالجملة أخبار هذا المذهب إما ضعيف السند، أو قاصر الدلالة، أو
# PageV01P502
# عام ضعيف، فلا يعارض به ما قدمنا، مع اعتضادها ms0238 بعمل جل الأصحاب
~~والإجماعات المنقولة، ومخالفتها لأكثر العامة، بل كونها متواترة بالمعنى
~~كما ادعاه بعضهم.
# وأما ما ذكره في المفاتيح من أنه لو انفعل القليل لما جاز تطهير النجاسة
~~بالماء القليل، وهو باطل بالضرورة (1)، فهو بمكان من الوهن، إذ هذه الأحكام
~~مما لا تبلغها عقولنا، فأي مانع من صيرورة المطهر نجسا وتطهيره للمحل؟ وأي
~~مانع من تخصيص ماء الغسالة بعدم التنجس مما ذكرنا بنص الشارع (2) كماء
~~الاستنجاء الطاهر بالاجماع والصحاح؟
# وكذلك ما أيده به من الاختلاف الوارد في تحديد الكر، مستندا بأن الواجب
~~لا تختلف مراتبه، فهو قرينة الاستحباب، مستشهدا بما ذكره جماعة من
~~المتأخرين في طهارة ماء البئر نظير ذلك في الاختلافات الواردة في منزوحات
~~البئر.
# وفيه: مع أن هذا الاختلاف مع تكرره وتداوله في الواجبات ومسلمية صحته
~~بحمل الأزيد على الأفضل كما في التسبيحات وغيرها، وأن الزائد أفضل أفراد
~~الواجب التخييري أن هذا الكلام في البئر، لعدم ثبوت النجاسة عندهم، وأما
~~بعد ثبوت النجاسة في القليل بالدليل فنحمل القدر الزائد في الكر على
~~الاستحباب.
# وزاد في كتاب الوافي كلمات سخيفة واهية، يظهر وهنها لمن لمحها (3)، ولا
~~حاجة إلى ذكرها وردها.
# ثم إن ههنا أمورا:
# الأول: إنه لا فرق في نجاسة القليل بين وروده عليها، وورودها عليه،
~~واقتصر
# PageV01P503
# السيد في المسائل الناصرية على الثاني (1)، وفاقا للشافعي (2)، وقال هذه
~~المسألة:
# لا أعرف فيها نصا لأصحابنا، ولا قولا صريحا، والشافعي يفرق بين ورود
~~الماء على النجاسة وورودها عليه. واستدل عليه بأنه لولاه لم يمكن التطهير
~~بالقليل، وقد مرت الإشارة إلى جوابه.
# ومال إلى هذا الفرق صاحب المدارك، مدعيا أن الأخبار في نجاسة القليل إنما
~~وردت فيما وردت النجاسة على الماء (3)، وقد أشرنا سابقا إلى أنه ليس كذلك،
~~وقد عرفت الأخبار.
# الثاني: حكم الشيخ بعدم نجاسة القليل بما لا يمكن التحرز منه مثل رؤس
~~الإبر من الدم وغيره، فإنه معفو عنه (4) وخصه في الاستبصار بمثل رؤس الأبر
~~من الدم (5) والمشهور خلافه، وهو الأقوى.
# احتج الشيخ بصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى ms0239 بن جعفر عليه السلام، قال:
~~سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه، هل يصلح
~~الوضوء منه؟ قال: " إن لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس، فإن كان شيئا
~~بينا فلا تتوضأ منه " (6).
# وجوابه: أن الظاهر منه أنه من جهة أنه لم يحصل العلم بوصوله إلى الماء،
~~ولا يضر الشك، لا أنه لا بأس به إذا وصل إلى الماء. " وكان " في المقامين
~~ناقصة " وشئ " اسمها، و " يستبين " خبرها، وضمير كان الثانية يعود إلى الشئ
~~الحاصل
# PageV01P504
# من الامتخاط.
# ويؤيده أن الكليني رواها صحيحا وزاد في آخرها: " وسألته عن رجل رعف وهو
~~يتوضأ، فتقطر قطرة في إنائه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا ".
# وأما في غير الدم، فلم نقف على دليل.
# وأما ما يستفاد من كلام الشيخ من عدم إمكان التحرز، فإن أريد الاستحالة
~~فواضح البطلان، وإن أريد الحرج فلم يثبت نفي مثل ذلك في الدين.
# الثالث: الجمد حكمه حكم القليل، وإن كان كرا، لعدم صدق اسم الماء، وأغرب
~~العلامة فجعله كالكر، بل آكد منه باعتبار قوة الأثر الصادر من الحقيقة، وهي
~~البرودة. مع أنه حكم في الجمد الأقل من الكر بنجاسة موضع الملاقاة فقط (1)،
~~وكذا الكلام في الثلج.
# الثاني: في الكر من الراكد ولا ينجسه شئ، إلا ما غير لونه أو طعمه أو
~~رائحته، وهو في الجملة إجماعي.
# وخلاف المفيد (2) وسلار (3) ومن تبعهما (4) في نجاسة الكر من مياه الحياض
~~والأواني بالملاقاة، ضعيف، ولعل نظرهم إلى عموم ما ورد من عموم النهي عن
~~استعمال الأواني بعد ملاقاة النجاسة، وهو محمول على الغالب من كونها أقل من
~~الكر، مع أنه لا يتم في الحياض أصلا.
# ويدل عليه الأصل، والإجماع، والآيات (5)، والأخبار بالعموم، مثل قولهم
# PageV01P505
# عليهم السلام: " كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر " و " كل شئ نظيف " ونحو
~~ذلك (1). وبالخصوص مثل ما دل على اشتراط الكرية في عدم نجاسة الماء (2)،
~~وقد مرت الإشارة إليها وغيرها.
# وأما نجاسته مع التغير بالنجاسة، فهو أيضا إجماعي، مدلول عليه بالأخبار،
~~مثل الخبر ms0240 النبوي المشهور (3)، وصحيحة حريز (4)، وصحيحة عبد الله بن سنان
~~(5)، وموثقة العلاء بن الفضيل في زيادات التهذيب المشتملة على ذكر اللون
~~(6)، وصحيحة شهاب بن عبد ربه على الظاهر المروية في بصائر الدرجات المشتملة
~~على حكم النجاسة بتغير اللون (7)، وكذا ما روي في دعائم الاسلام (8).
# فلا وجه لمنع صاحب المدارك ورود ذكر اللون في الأخبار الخاصة (9)، مع أن
~~العامية تكفي لانجبارها بالعمل.
# وتغير بعض الماء أيضا ينجس إذا لم يكن الباقي كرا، لأن الباقي قليل لاقى
~~نجاسة، فيدل عليه مفهوم قوله عليه السلام: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه
~~شئ " (10)
# PageV01P506
# والظاهر عدم الخلاف فيه أيضا.
# وما يتوهم من أن الثابت من تنجس الكر هو ما إذا تغير جميعه فإن الظاهر من
~~الماء في الخبر النبوي صلى الله عليه وآله وأمثاله هو مجموع الماء الواحد
~~لا بعضه، ويصدق على هذا أنه ماء لم يتغير مجموعه، فإذا كان كرا فلا ينجس،
~~لأن غاية ما ثبت خروجه من عموم الخبر النبوي صلى الله عليه وآله وأمثاله هو
~~الماء القليل، وأما الكر فيبقى على العموم.
# وفيه أولا: إنه مقلوب على المتوهم، بأن ما ثبت تنجسه من الرواية أنه هو
~~مجموع الماء الواحد لا بعضه، فيلزم أن لا يكون هذا القدر المتغير منه أيضا
~~نجسا.
# وثانيا: إن الماء اسم جنس يشمل الماء الواحد وبعضه، ولا منافاة بين إعمال
~~منطوق قوله عليه السلام: " إذا كان الماء قدر كر " ومفهومه، والجزء
~~الإثباتي من الخبر النبوي صلى الله عليه وآله وسلبه.
# فنقول: إن القدر المتغير من الكر ينجس بالجزء الإثباتي من الخبر النبوي
~~صلى الله عليه وآله، والغير المتغير منه الأقل من الكر بمفهوم قوله عليه
~~السلام: " إذا كان الماء قدر كر " وأما عدم تنجس الكر بالملاقاة فبمنطوق
~~قوله عليه السلام.
# مع أنه لا ريب في نجاسته إذا صارت تلك القطعة مضافة، ولا قائل بالفصل كما
~~سنشير إليه في الجاري أيضا.
# ولا يضر التغير بالمتنجس، للأصل، وانصراف الأخبار إلى النجس. وخلاف الشيخ
~~ضعيف (1)، ولا دلالة في الخبر النبوي صلى ms0241 الله عليه وآله، فإن النكرة في
~~سياق الإثبات لا تعم. ولا يضر التغير بالمجاورة، بل المستفاد من الأدلة
~~تغيره بملاقاتها، والظاهر عدم الخلاف فيه.
# PageV01P507
# والمراد بالتغير: هو الحسي على المشهور، واعتبار (1) العلامة للتقديري
~~(2) ضعيف.
# لنا (3): التبادر من الأدلة، فلا يضر الشك في التغير، كما لو كان الماء
~~متغيرا بطاهر محتملا للتغير لو لم يكن التغير (4)، ولا كون النجاسة مسلوبة
~~الصفات بمقدار لو كان متصفا بها لغيرها، إلا أن يسلبه الإطلاق.
# وأما ما شك في الإطلاق فيقع الإشكال، لتعارض الاستصحابين، والأظهر أن
~~يقال حينئذ بوجوب الاجتناب في المشروط بالطهارة، وعدم تنجس الملاقي،
~~كالشبهة المحصورة.
# ويمكن توجيه قول العلامة بأن المراد من قوله عليه السلام: " إلا ما غير
~~لونه " إلا مقدار من النجاسة يغير الماء، والقيد وارد مورد الغالب من كون
~~النجاسة ذات وصف مغير، وفاقد الوصف يحمل على واجده.
# وإن أراد ولده - رحمه الله - من استدلاله على مذهبه بأن الماء مقهور
~~بالنجاسة، لأنه كلما لم يصر مقهورا لم يتغير بها على تقدير المخالفة،
~~وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: " كلما تغير على تقدير المخالفة كان مقهورا
~~" (5) نظير ما ذكرنا فله وجه، لكن الكلام في ظهور إرادة المقدار من الأدلة،
~~وهو في محل المنع، بل الظاهر منها هو المغير بالفعل، وإلا فكلية الأولى
~~ممنوعة.
# ولو فرض تسليم اعتبار التقديري، فإنما يصح في غير مثل الجيفة في الماء،
~~بل مطلق الريح، إلا في مثل البول الممزوج بالماء كما ذكره بعضهم.
# PageV01P508
# والمعتبر حال أوساط الماء بسبب الصفاء والكدورة والعذوبة والملوحة، هذا
~~كله في المتغير بالنجاسة.
# وأما المتغير بالطاهر فهو طاهر مطهر ما لم يسلب عنه الإطلاق، سواء كان
~~مما دخل في الماء ولا يمكن التحرز منه، أو مما خرج، خلافا لبعض العامة (1)،
~~وهو ضعيف.
# تذنيبان:
# الأول: إن ظاهر الأخبار - مثل قولهم عليهم السلام: " إذا كان الماء قدر
~~كر لم ينجسه شئ " سيما مع ملاحظة سؤال الرواة ونحو ذلك - اعتبار استواء
~~سطوح الكر في الاتحاد وعدم التنجس، أو مع انحدارها قليلا، وهو المستفاد من
~~كلام الأصحاب ms0242 كالمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والتحرير والتذكرة
~~(2).
# وكلام التذكرة صريح في ذلك، حيث حكم بعدم تنجس الأعلى بتنجس الأسفل دون
~~العكس. وصرح باعتباره الشهيد (3) والمحقق الشيخ علي (4) رحمه الله.
# ورد عليهما الشهيد الثاني بأن كلام الأصحاب كالأخبار مطلق يشمل المتساوي
~~وغيره، واستشهد ببعض الإطلاقات التي لا تدل على ما ذكره، مثل ما أطلقوا عدم
~~نجاسة ما تحت المتغير من الجاري إذا انقطع عمود الماء إذا كان كرا، ولم
~~يشترطوا استواء السطوح ومسألة الغديرين وغيرهما (5).
# وأنت خبير بأن الإطلاق في الأول محمول على الغالب من الاستواء أو
# PageV01P509
# الانحدار الغير المفرط، مع أنهم في هذا المقام ليسوا في صدد بيان حكم
~~المسألة باعتبار الكرية والاتحاد، بل غرضهم بيان ما يتعلق بالجاري. وأما
~~مسألة الغديرين فهي ظاهرة في كلامهم في المتساوي، فلاحظ المعتبر والمنتهى
~~والتحرير وصريح التذكرة (1).
# والتحقيق أن ههنا مقامين، أحدهما: إن عدم تنجس الماء الذي هو بمقدار الكر
~~من حيث إنه كر مشروط باتصال أجزائه واتحادها عرفا، أو يكفي مطلق الاتصال.
# وثانيهما: إن الماء القليل إذا اتصل بالكر أو الجاري، هل يشترط في تقويه
~~بهما وعدم تنجسه مساواة سطحيهما أم لا؟ وقد يجتمع الاعتباران.
# والحق في الأول الأول، وفي الثاني الثاني، لكن مع علو الجاري أو الكثير.
# ووجه الأول ما ذكرنا، ووجه الثاني - مضافا إلى صدق الوحدة أيضا في بعض
~~أفراده كما إذا كان العالي هو الجاري - كل ما ورد في ماء الحمام كما سيجئ،
~~وصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (2)، والكلام في ماء الحمام من المقام
~~الثاني، واستثناؤهم ماء الحمام من أعظم الشواهد على أنه لا يعد هذا القليل
~~متحدا مع الكثير، ولذلك ألحقوه بالجاري.
# وقد اختلط المقام على كثير منهم، فربما قيل باشتراط استواء السطوح، وأن
~~استثناء الحمام من هذا الحكم بسبب الأخبار ولزوم الحرج. وربما قيل إن
~~الاكتفاء بكون ماء الحمام مع المادة كرا - كما ذكره بعضهم (3) - لأجل عدم
~~اعتبار استواء ونحو هذا.
# ومن تأمل فيما ذكرنا بعين الانصاف، وفرق بين المقامين لا يشتبه عليه
~~الأمر،
# PageV01P510
# وقد ms0243 حققنا المقام وأطنبنا الكلام في الكتاب الكبير.
# الثاني: في تحديد الكر.
# أما بالوزن. فهو: ألف ومائتا رطل، بلا خلاف ظاهر بيننا، قال في المعتبر
~~بعد نقل الرواية الدالة عليه: إني لا أعرف من الأصحاب رادا لها (1)، وكذلك
~~يظهر من العلامة في المنتهى (2)، وفي المعالم: ظاهرهم الاتفاق عليه (3)
~~وادعى عليه في الجملة الاجماع في الانتصار وورود آثار معروفة مروية (4)،
~~وكذلك جعله الصدوق في الأمالي من دين الإمامية (5)، ولكنهما فسراه بالمدني،
~~والأكثرون بالعراقي، وهو ثلثا المدني ونصف المكي، وهو أقوى، والرطل العراقي
~~مائة وثلاثون درهما.
# والأصل في هذا التحديد هو صحيحة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق
~~عليه السلام، قال: " الكر من الماء الذي لا ينجسه شئ ألف ومائتا رطل " (6)
~~وقال في المقنع: وروي أن الكر ألف ومائتا رطل (7). ولا يضر إرسال ابن أبي
~~عمير، سيما مع اعتضادها بالعمل.
# وقد يستدل على التحديد بالعراقي بأصل طهارة الماء، وأنه خلق للانتفاع،
~~ومرجعه إلى الاستصحاب، وإلا فلا منافاة. وبأن الأقل متيقن والزائد مشكوك
~~فيه، ومرجعه أيضا إلى الاستصحاب، أما الأول فاستصحاب جواز الانتفاع وعموم
~~الحكم، وأما الثاني فاستصحاب عدم ثبوت الشرط الزائد.
# PageV01P511
# والإيراد بأن ذلك إنما يتم في مثل النجاسة ووجوب الاجتناب، أما في مثل
~~العدول إلى التيمم فلا، لاستصحاب شغل الذمة بالصلاة بالمائية (1)، هو معارض
~~باستصحاب عدم وجوب الاجتناب عما لاقته النجاسة، فإن وجوبه مشروط بانتفاء
~~الكرية.
# والحق أن أمثال ذلك لا يستلزم الكرية ولا عدمها، بل إنما يثبت حكمها،
~~فيتبع حكم كل في موضعه.
# نعم يمكن إثباتها مع قطع النظر عن الموارد الخاصة بالأصل، فيكون ظنا
~~شرعيا اجتهاديا يقوم مقام اليقين.
# وكذلك الاستدلال بقولهم عليهم السلام: " كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر "
~~(2) بعد الإيراد بما تقدم والجواب عنه.
# والأحسن الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام، قال: "
~~إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ، والكر ستمائة رطل " (3) وما رواه الشيخ
~~عن ابن أبي عمير بهذا المضمون (4)، فإنه لا يجوز حمل الرطل ههنا إلا على
~~المكي،
# PageV01P512
# وهو ms0244 ضعف العراقي، فينطبق على المدعى. ويؤيده أن الحمل على العراقي يوجب
~~موافقة التقدير بالمساحة على المشهور كما سيجئ.
# واحتج من فسره بالمدني: بأنهم عليهم السلام من أهل المدينة، فينبغي الحمل
~~على عرفهم. وبالاحتياط.
# وفيه: أنهم عارفون بكل الاصطلاحات، والأنسب للحكيم ملاحظة حال المخاطب،
~~ولعله كان عراقيا، بل الظاهر أنه عراقي، لأن المرسل هو ابن أبي عمير، وقيل:
~~إن مشايخه كانوا عراقيين.
# وأما الاحتياط فمع أنه معارض بمثله، ليس بدليل شرعي، سيما مع ملاحظة
~~قولهم عليهم السلام: " كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر " (1).
# نعم يؤيد هذا المذهب ظاهر دعوى الاجماع في الانتصار (2)، والظاهر أن
~~مراده من الاجماع هو الاجماع على أصل العدد، والتفسير بالمدني كان من
~~اجتهاده وترجيحه في فهم الأخبار، مع أنه لا يعارض ما ذكرنا.
# وأما بالمساحة، فالمشهور أنه ما يبلغ تكسيره اثنين وأربعين شبرا وسبعة
~~أثمان شبر، وذهب القميون وجماعة من المتأخرين إلى أنه ما يبلغ تكسيره سبعة
~~وعشرين شبرا (3)، والراوندي إلى أنه ما تبلغ مساحته عشرة أشبار ونصفا طولا
~~وعرضا وعمقا (4).
# لنا: موثقة أبي بصير، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكر من
~~الماء كم يكون قدره؟ قال: " إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصفا، في مثله
~~ثلاثة أشبار ونصف، في عمقه في الأرض، فذلك الكر من الماء " (5).
# PageV01P513
# ووجود عثمان بن عيسى في السند غير مضر، لكونه موثقا (1). مع اعتضادها
~~بالعمل، بل ادعى ابن زهرة الاجماع عليه (2)، وكذلك أبو بصير، لأن الظاهر
~~أنه ليث، أو مشترك بين الثقات.
# ولا يرد القدح بترك أحد الأبعاد إما العرض أو العمق، لأن من المتعارف
~~الاكتفاء بذكر بعض الأبعاد، مع احتمال رجوع ضمير عمقه إلى ثلاثة أشبار
~~ونصف، لا الماء، وكون الإضافة بيانية.
# والأولى أن يعتمد على ما رواه في الكافي بجر لفظ نصف في الموضعين، على ما
~~في النسخ المتعددة عندنا، بأن يكون جره جر الجوار، أو بحذف المضاف إليه
~~وإعطاء إعرابه المضاف، فيكون ثلاثة أشبار ونصف الثاني خبرا بعد خبر لكان،
~~وتتم الأبعاد الثلاثة.
# ورواية الحسن بن ms0245 صالح الثوري، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا كان
~~الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ " قلت: وكم الكر؟ قال: " ثلاثة أشبار ونصف
~~عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها " (3).
# ولا وجه للقدح في السند لما مر، ولا في المتن لما مر، ولأن البعد الباقي
~~لو كان أقل مما ذكر لما كان طولا، فلا أقل من التساوي، والأصل عدم الزيادة.
~~مع أن الشيخ رواها في الاستبصار مشتملة على الأبعاد الثلاثة صريحا.
# وربما تحمل رواية أبي بصير معتضدة بهذه الرواية على المدور، لتقارب كر
~~القميين، ولا وجه له لما عرفت وستعرف.
# PageV01P514
# وقد يتوهم من كلام الشيخ حمل رواية الحسن على التقية (1)، وليس بذلك، إذ
~~مراد الشيخ التقية في حكم البئر، لا في مقدار الكر كما لا يخفى.
# احتجوا للقميين بصحيحة إسماعيل بن جابر، عن الصادق عليه السلام قلت: وما
~~الكر؟ قال: " ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار " (2) ولا يضر عدم ذكر جميع
~~الأبعاد، لما مر، مع أنه روى الصدوق في المجالس وفي المقنع مرسلا بذكر
~~الأبعاد الثلاثة.
# وتؤيده صحيحته الأخرى عنه عليه السلام، قلت: الماء الذي لا ينجسه شئ؟
# قال: " ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " (3) فإن الظاهر أنه في المستدير،
~~وحاصل ضربه إن جعلنا الذراع عبارة عن شبرين يبلغ ثمانية وعشرين شبرا مع شئ
~~زائد.
# وتوهم بعضهم أن هذا أقرب إلى التقدير الوزني من مساحة المشهور (4)، وهو
~~باطل، بل المشهور أقرب إليه، فإن أقلية كر القميين عن المشهور أكثر من
~~أكثرية كر المشهور كما لا يخفى على من وزنهما.
# نعم إن فرضنا الصحيحة الأخرى في المربع تكون أقرب الكل إليه، وتكسيره
~~حينئذ ستة وثلاثون شبرا، وأين هو مما نحن فيه.
# وتحقيق المقام أن الكر أمر تحقيقي لا تقريبي، لكونه معيارا لحكم شرعي،
~~والأصل فيه الوزن لكونه أضبط، والمفروض أن الطرفين يجمعون على اعتبار ألف
~~ومائتي رطل كما مر، ولا ريب أن كر القميين في الوزن أقل من ذلك، فيسقط
# PageV01P515
# اعتباره، بخلاف كر المشهور فإنه يزيد عليه بشئ زائد يحمل على الاستحباب،
~~فلا ms0246 مناص عن العمل على المشهور.
# فتوجيه التحديد بالأشبار أنه توسعة في التحديد بأخذ جانب الاحتياط غالبا
~~فيما تعذر التحديد بالوزن، فهو تقريب وتخمين في الأمر التحقيقي، أو اعتبار
~~زيادة للاستحباب في الأغلب، واعتبار التوجيه في ذلك أحسن منه في التحديد
~~الوزني، لدعواهم الاجماع عليه، وكونه أصلا وغير ذلك.
# وأما قول الراوندي فهو غير واضح المراد والمأخذ، فربما قيل إن مراده أن
~~تكون أبعاده الثلاثة عشرة أشبار ونصفا بالجمع لا بالضرب، وهو قد يكون
~~مساويا للمشهور، وقد يكون أنقص بقليل، وقد يكون أنقص بكثير (1).
# وقيل: أن يكون تكسيره بهذه المقدار (2)، وقيل غير ذلك (2)، ولا دليل على
~~واحد منها.
# وهناك مذاهب أخر، فقال ابن الجنيد: إن حده قلتان، ومبلغه وزنا ألف ومائتا
~~رطل، وتكسيره بالذراع نحو من مائة شبر (4)، والشلمغاني: إنه ما لا يتحرك
~~جنباه عند طرح حجر في وسطه (5)، وليس لهما ما يعتمد عليه، مع تهافتهما.
# وابن طاوس قال بجواز العمل بكل ما روي (6)، والظاهر أنه يأخذ بالأقل،
~~ويحمل الأزيد على الاستحباب، جمعا بين الأدلة، والتحقيق ما ذكرنا.
# PageV01P516
# الثالث: في الماء الجاري وهو السائل على وجه الأرض، النابع منها، أو ما
~~نبع منها ولم يكن بئرا، وهو لا ينجس بملاقاة النجاسة، إلا إذا تغير أحد
~~أوصافه الثلاثة.
# أما عدم التنجس إذا لم يتغير فهو في الجملة إجماعي، لكن العلامة اشترط
~~كريته في أكثر كتبه (1).
# لنا: الاجماع، نقله ابن زهرة (2) والمحقق (3)، وهو ظاهر كلام الشيخ في
~~الخلاف (4)، وفي الذكرى: إنه لم يقف على مخالف ممن سلف (5).
# وأصالة البراءة والطهارة الثابتة بالأخبار، مثل: " كل ماء طاهر حتى تعلم
~~أنه قذر " (6) و " كل شئ نظيف " (7) ونحوهما.
# وقد يتوهم أن المستفاد منهما إنما هي الطهارة إذا شك في عروض النجاسة، لا
~~في كون الشئ سببا للنجاسة شرعا، فإن الحمل على أن الجهل بالحكم الشرعي موجب
~~للطهارة بعيد غير مأنوس.
# وفيه نظر واضح، فإن الجهل بالحكم الشرعي لا يوجب ذلك مطلقا، بل بعد
~~استفراغ الوسع وبذل الجهد، كما في أصل البراءة، وهو نظير قوله عليه السلام: ms0247
# " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى " (8).
# PageV01P517
# والاستصحاب والصحاح المستفيضة الحاكمة بعدم جواز نقض اليقين إلا بيقين
~~(1).
# وصحيحة محمد بن إسماعيل الآتية في ماء البئر، الدالة بالعلة المنصوصة
~~(2)، ويؤيده ما ورد في ماء الحمام أيضا كما سيجئ.
# وعن نوادر الراوندي، عن علي عليه السلام: " الماء الجاري لا ينجسه شئ "
~~(3) وغير ذلك من الأخبار عموما وخصوصا.
# واحتج العلامة بقولهم عليهم السلام: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ
~~" (4) في الأخبار الصحاح المستفيضة، وترك الاستفصال في رواية إسماعيل بن
~~جابر، عن الصادق عليه السلام: عن قدر الماء الذي لا ينجسه شئ فقال: " كر "
~~قلت: وما الكر؟ قال: " ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار " (5) وصحيحة علي بن
~~جعفر المتقدمة في الماء القليل (6).
# والتحقيق في الجواب: أن تلك الأخبار وإن كانت خاصة، والخاص يقدم على
~~العام، لكنه مشروط بالمقاومة، ولا تقاوم تلك ما ذكرنا. أما دلالة فلأنها
~~مفاهيم، وظاهرها الراكد كما لا يخفى على المتأمل في سياق السؤال والجواب في
~~كثير منها.
# وأما رواية إسماعيل فالسؤال فيها عن قدر الماء الذي لا ينجسه شئ، وتحديد
~~عدم التنجس من جهة المقدار لا ينافي عدم التنجس من جهة وصف آخر كالجريان،
# PageV01P518
# مع أن في سندها نوع تأمل.
# وأما اعتضادا، فلموافقة أدلتنا للأصل والكتاب والسنة وعمل الطائفة،
~~واليسر والسهولة ونفي الحرج، وغير ذلك.
# مع أن النسبة بين تلك الأخبار وصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عموم من
~~وجه، ولا بد فيها من الرجوع إلى المرجحات الخارجية، وهي مع أدلتنا.
# ثم إن الجاري إذا انقطع عن المادة بحائل ونحوه فيخرج عن حكم الجاري.
# ولعله إلى ذلك ينظر اشتراط الشهيد دوام النبع (1)، لا إلى ما فهمه بعضهم
~~من لزوم استمراره طول السنة (2)، وإلا لزم نجاسة العيون العظيمة التي تجري
~~في الربيع وتنقطع في الصيف.
# ولا ما فهمه بعضهم من أن المراد أن لا يكون بعنوان الرشح، فإن ترشحه آنا
~~فآنا يدل على انعدام المادة بين الآنين (3). وفيه أنه يصح إذا انحصر دليل
~~الجاري في حكاية المادة، بل تكفي العمومات ms0248 والصدق العرفي.
# وإذا اتصل القليل بالجاري فهو في حكمه إذا استويا أو كان الجاري أعلى،
~~وقد مر وجهه.
# وذكر جماعة منهم الشهيد (4) والمحقق الثاني (5)، أن القليل يتقوى بفوران
~~الجاري من تحته، والظاهر ذلك. وأما تقويه بالكثير كذلك فالظاهر أنه أيضا
~~كذلك، لصيرورتهما ماءا واحدا، هذا إذا كانت الفوارة متصلة بالماء.
# وأما إذا كانت خارج الماء، ولم تتصل من تحت، فالأظهر عدم التقوي في
# PageV01P519
# الكر، وفي الجاري إشكال، ولا يبعد القول به، لصدق الجاري. مع إمكان القول
~~به في الكثير أيضا، لاندارجه في المقام الثاني من المقامين المتقدمين في
~~الكر، وتنبه صحيحة محمد بن إسماعيل وغيرها عليه، وليس ببعيد.
# وأما نجاسته إذا تغير أحد أوصافه، فبالاجماع، والأخبار المستفيضة (1)،
~~وقد مرت الإشارة إليها. والكلام في التغير وأحكامه.
# ثم إن تغير الجميع فلا ريب في نجاسة الجميع، وإن تغير بعضه فإن قطع عمود
~~الماء وهو ما بين حافتيه فينجس المتغير وما تحته إن لم يكن كرا، ويبقى ما
~~تحته على الطهارة إن كان كرا متساوي السطوح أو منحدرة كما مر، وأما ما فوقه
~~فيبقى على الطهارة مطلقا على الأقوى.
# وقد يستشكل في الحكم الأول: بأنه لم ينقطع عما فوق فلا يدخل في القليل،
~~فإن الماء يجري إلى ما تحت، ولا يضره توسط ماء نجس، والأصل الطهارة.
# وفيه: أنه لو سلب الإطلاق بسبب التغير فلا ريب في الانقطاع، ولا قائل
~~بالفصل. مع أن الظاهر أن المتبادر من الأدلة والمستفاد من العلة - وهو
~~الاستمداد من المادة - هو الاتصال بالمنبع ظاهرا، مع أن الظاهر أنه لا خلاف
~~في المسألة.
# تذنيب:
# الظاهر من كلام جماعة من الأصحاب منهم العلامة مع قوله باشتراط الكرية في
~~الجاري: عدم نجاسة ما فوق النجاسة من الجاري، وإن لم يكن كرا، وإن كان
~~الجاري لا عن مادة (2)، ولكن الظاهر أن الإطلاق في الجاري لا عن مادة وعلى
~~القول باشتراط الكرية مطلقا إنما هو فيما لو كان منحدرا، ولم أجد خلاف ذلك
~~في كلامهم، وذلك لأنه يدفع النجاسة عما فوق بتدافعه.
# PageV01P520
# الرابع: المعروف ms0249 من مذهب الأصحاب أن حكم ماء الحمام حكم الجاري في عدم
~~التنجس بالملاقاة ما لم يتغير إذا كان متصلا بالمادة، وكذلك في تطهيره.
~~وقيل:
# الظاهر أنه إجماعي (1)، وقال في المعالم: لا نعلم في الأصحاب مخالفا في
~~عدم الانفعال بالملاقاة مع بلوغ المادة كرا (2).
# والمراد به: هي الحياض الصغار التي يجري إليها الماء من المخزن، فإن ما
~~كان كرا منها لا حاجة إلى السؤال عنها، وهو الظاهر من الأخبار الواردة
~~فيها، وفهمها الفقهاء أيضا كذلك.
# والأصل فيه: الأخبار المستفيضة جدا، مثل قوله عليه السلام في صحيحة داود
~~بن سرحان، عن الصادق عليه السلام: ما تقول في ماء الحمام؟ قال: " هو بمنزلة
~~الجاري " (3).
# ورواية ابن أبي يعفور، عنه عليه السلام: " إن ماء الحمام كماء النهر يطهر
~~بعضه بعضا " (4) وظاهرها أنه لا يقبل النجاسة كماء النهر.
# وموثقة حنان عنه عليه السلام، حيث سأل عن انتضاح ماء الحمام الذي يرد
~~عليه الجنب وغيره فقال: " أليس هو جار؟ " قلت: بلى، قال: " لا بأس " (5).
# ورواية إسماعيل بن جابر في قرب الإسناد، عن الكاظم عليه السلام: " ماء
~~الحمام لا ينجسه شئ " (6).
# وقوية بكر بن حبيب، عن الباقر عليه السلام قال: " ماء الحمام لا بأس به
~~إذا
# PageV01P521
# كانت له مادة " (1) وعن الكاظم عليه السلام مثله (2).
# وفي فقه الرضا عليه السلام: " ماء الحمام سبيله سبيل الماء الجاري إذا
~~كانت له مادة " (3) إلى غير ذلك من الأخبار.
# ولو لم تكن هذه الأخبار لكان ينبغي الحكم بتنجسها، لقلتها، وعدم اندراجها
~~تحت الكر بملاحظتها مع مادتها إذا كان المجموع كرا، لما بينا أن التحقيق
~~اعتبار الاتحاد العرفي واستواء السطوح في الكر، وهذا أيضا من أعظم الشواهد
~~على ما بينا هناك، وإلا فلم يكن إشكال فيه مع الاتصال حتى يحتاج إلى
~~السؤال، ولكان الأولى الجواب عن سؤال الرواة عنه بأنه كر، لا أنه بمنزلة
~~الجاري وسبيله سبيل الجاري، أو أنه كماء النهر، ونحو ذلك.
# والتحقيق أن ذلك من باب تقوي القليل بالكثير، لا من جهة ملاحظتهما معا،
~~واندراجه تحت الكر إما على القول ms0250 بعدم اعتبار تساوي السطوح، ووجه السؤال عن
~~حكمه هو خفاء اندراجه تحت ما دل على حكم مطلق الكر، أو على جعل ذلك مستثنى
~~من ذلك الشرط بهذه الأخبار لكثرة الابتلاء به، ولزوم الحرج، فيقال باشتراط
~~استواء السطوح والاتحاد العرفي إلا في هذا الماء، ويخصص ذلك من جهة
~~الأخبار، واشترط في ذلك الاتصال بالمادة، فلو انقطع عنها فهو قليل.
# ثم: إن المشهور اشتراط كرية المادة (4)، وعن بعضهم اشتراط أزيد منه (5)،
~~ولعله
# PageV01P522
# لا يخالف المشهور، بل ذلك لتحقق الاستمداد والتقوي، لعدم إمكان العلم
~~بالاستمداد حين الملاقاة إذا كانت المادة لا تزيد على الكر أصلا، لأنه حين
~~الجريان غير قار، وهو على صدد التناقص.
# والمحقق لم يعتبر الكرية نظرا إلى الإطلاق، فاكتفى بصدق المادة عرفا (1)،
~~واكتفى بعضهم بكون المجموع كرا (2).
# ولعل نظر المشهور إلى أن الغالب في ماء الحمام هو التسنم من أنبوبة
~~ونحوها، ومع اعتبار اتحاد الماء وتساوي السطوح في الكر فلا يمكن الحكم بعدم
~~نجاسة هذا الماء بعد الملاقاة من جهة كونه كرا، فيبقى الاعتماد في هذا
~~الحكم بالتقوي والاستمداد لهذه الروايات، وإلا لكان يكفي بلوغ المجموع كرا
~~في ماء الحمام بطريق أولى، للزوم الحرج فيه أكثر من غيره.
# وربما يوجه اعتبارهم كرية المادة بأن ماء الحمام في معرض التلف، فلو لم
~~تكن المادة كرا لنقص بالأخذ والتلف، وربما يوجه بأن اعتبار الكرية إنما هو
~~لأجل التطهير لا لعدم التنجس، وهو بعيد، هذا.
# ولكن التحقيق أنه يمكن الاستدلال على اشتراط الكرية بالأخبار أيضا، بأن
~~يقال: إن الظاهر من المادة المذكورة في الأخبار هو ما كان كرا فصاعدا، لأنه
~~هو الفرد الشائع الغالب فيه كما لا يخفى.
# مع أن الحكم بعدم النجاسة في الأخبار مشروط بثبوت المادة وتحقق الشرط بما
~~ذكرنا متيقن، والباقي مشكوك فيه.
# ثم إن (3) الظاهر من لفظ المادة أيضا اعتبار الكثرة بهذا المقدار،
~~فالتمسك بالاطلاق لمذهب المحقق ضعيف.
# PageV01P523
# وأما كفاية كون المجموع كرا مع قطع النظر عن اندراجه في الكر، وعدم
~~اعتبار الاتحاد والتساوي، فيظهر من طريقة استدلال المحقق ms0251 أيضا، والفرق بينه
~~وبين قول المحقق هو أن المحقق يتكل على إطلاق المادة، والمادة على ما في
~~اللغة هي الزيادة المتصلة، وفي العرف أيضا يستفاد منها كثرة، وأما على قول
~~هذا القائل فيكفي ولو فرض كون ماء الحمام أكثر من مادته.
# تذنيب:
# المشهور بين الأصحاب نجاسة غسالة الحمام ما لم يعلم خلوها عن النجاسة،
~~وفسر بالمستنقع، وادعى عليه ابن إدريس الاجماع (1)، وذهب العلامة في
~~المنتهى إلى الطهارة (2).
# وقال في روض الجنان: وهو الظاهر إن لم يثبت الاجماع على خلافه (3)، ونسب
~~القول بالكراهة الفاضل المجلسي في شرحه الفارسي على الفقيه إلى أكثر
~~المتأخرين.
# والأصل في هذه المسألة روايات، وهي رواية حمزة بن أحمد، عن الكاظم عليه
~~السلام، قال: سألته أو سأله غيري عن الحمام، فقال: " ادخله بمئزر، وغض
~~بصرك، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما
~~يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم " (4).
# ورواية ابن أبي يعفور، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تغتسل من البئر
~~التي تجتمع فيها غسالة الحمام، فإن فيها غسالة ولد الزنا، وهو لا يطهر إلى
~~سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب وهو شرهما، إن الله لم يخلق خلقا شرا من
~~الكلب، وإن
# PageV01P524
# الناصب أهون على الله من الكلب " (1).
# وموثقته المنقولة في العلل، عنه عليه السلام، قال: " وإياك أن تغتسل من
~~غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا
~~أهل البيت، وهو شرهم، إن الله لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وإن الناصب لنا
~~أهل البيت لا نجس منه " (").
# وقد حصر في الذخيرة روايات الباب في ثلاثة: رواية حمزة، ورواية ابن أبي
~~يعفور، ورواية أبي يحيى الآتية، ومنع دلالتها على النجاسة وضعفها. وكذا منع
~~دلالة كلمات الأصحاب عليها، وذكر أن المراد في المقامين عدم جواز الغسل
~~(3).
# وكلاهما تعسف، لتصريح أكثر الأصحاب بالنجاسة، وظهور كلام آخرين.
# نعم عبارة الصدوق مطابقة لموثقة ابن أبي يعفور إلى قوله وهو شرهم.
# ومنع دلالة الروايات على النجاسة أيضا تعسف، سيما بعد ms0252 ملاحظة تشريك
~~الناصب، والتصريح بنجاسته، سيما في روايتي ابن أبي يعفور. إلا أن يقال: إن
~~الجنب وولد الزنا ليسا بنجسين، ونجاسة غسالة الناصب موقوفة على ثبوت نجاسة
~~الغسالة مطلقا، فلعل المراد التأكيد في عدم جواز الغسل بها. ولكن يمكن
~~القلب:
# بأن تلك الروايات أولى بأن تجعل دليلا على نجاسة الغسالة مطلقا، ويضم
~~إليها عدم القول بالفصل بين الغسلات، فتثبت به نجاسة الغسالة مطلقا.
# وفيه تأمل، فإن الشيخ قائل بطهارة الغسالة في غير غسالة الحمام (4)، ولم
~~ينقل عنه الطهارة هنا، وكذا غيره، مع أن الظاهر من الغسالة هو الحاصل من
~~التطهير، وهو منتف هنا كما لا يخفى.
# PageV01P525
# ولا وجه للتضعيف أيضا، سيما مع ورود الموثقة واعتضادها بعمل الأصحاب.
# نعم يشكل الاستدلال من جهة أن الأخبار مصرحة بوجود النجاسات المذكورة
~~فيها، فلا يتم فيما لم يحصل العلم، وفتوى جمهور الأصحاب الحكم بالنجاسة ما
~~لم يعلم طهارتها.
# ويمكن أن تنزل الأخبار على ذلك بإرادة أن غسالة الحمام مورد هذه الأمور
~~غالبا، ويكون ذكر المذكورات بعنوان المثال، فلا يرد أن يقال: لا يجري هذا
~~الحكم فيما علم انتفاء المذكورات بخصوصها، فإن الظن الغالب حاصل بحصول
~~النجاسات في الحمام وغسلها فيها.
# وهذا هو السر في جعل الفقهاء والأصوليين هذه المسألة مما يقدم الظاهر على
~~الأصل، وإلا فمع العلم لا معنى للظهور، وحينئذ فيبقى الإشكال في تنزيل
~~الأخبار على إرادة ذلك، لا ما علم وجود النجاسات المذكورة.
# ثم إثبات ترجيح الظاهر على الأصل، سيما وقد روى أبو يحيى الواسطي، عن بعض
~~أصحابنا، عن الكاظم عليه السلام، قال: سئل عن مجتمع الماء في الحمام من
~~غسالة الناس يصيب الثوب، قال: " لا بأس " (1).
# ولا يبعد ترجيح هذه الأخبار المعمول بها عند الأكثرين، وحمل هذه الرواية
~~مع ضعفها على غير المستنقع، بل هو صريح الرواية، فإن المستنقع خارج عن
~~الحمام غالبا.
# ويبقى الكلام حينئذ في أن هذه المياه إنما تجري من داخل الحمام إلى
~~الخارج، فلا وجه لتخصيص المستنقع، بل حكم صحن الحمام والمياه الجارية في
~~الصحن من الغسلات ms0253 مثله.
# وجوابه: أن الخروج عن الأصل يحتاج إلى دليل قوي، وهذه الأخبار بعد اللتيا
~~والتي إنما دلت على نجاسة الغسالة في المستنقع إذ الظاهر أنه نجس باعتبار
~~عدم
# PageV01P526
# سنوح التطهير له غالبا، بخلاف داخل الحمام وصحنه، فإنه كما أنه يتنجس
~~كثيرا يطهر كثيرا أيضا، فلا يبقى ظهور مثل الظهور في المستنقع، ولا دليل
~~يوجب الخروج عن الأصل.
# مع أن ههنا أخبارا كثيرة صحيحة تدل على طهارة الحمام (1)، وعدم وجوب غسل
~~الرجل منه.
# ومع ذلك يحصل الإشكال فيما حصل العلم بنجاسة صحن الحمام ولم يحصل العلم
~~بالتطهير، فإن الاستصحاب يقتضي النجاسة، وقل ما لم يتحقق ذلك في حمام على
~~ما وجدنا.
# والمناص عن ذلك ليس إلا بجعل زوال العلم بالنجاسة وحصول الشك فيها مطهر
~~للحمام بهذه الروايات الصحيحة، أو التشبث بتعارض الاستصحابين، وإبقاء حكم
~~الحمام وملاقيه على حالهما، فالملاقي طاهر والحمام نجس. والأظهر البناء على
~~الثاني.
# وتظهر الثمرة في مثل جواز السجدة.
# ويضعف التمسك بالروايات أنها نقل فعل أو قضية حال، ولا يفيد العموم حتى
~~يشمل ما لو حصل العلم بالنجاسة ولم يحصل العلم الشرعي بخلافه بعده.
# الخامس: المشهور بين الأصحاب بحيث لا يعرف منهم خلاف أن حكم ماء الغيث
~~حكم الجاري في عدم تنجسه بالملاقاة، وتطهيره للغير في حال تقاطره ونزوله من
~~السماء، سواء كان مجتمعا على الأرض أو نازلا من الميزاب أو غيره، للآيتين
~~المتقدمتين (2)، والأخبار المستفيضة جدا (3).
# PageV01P527
# واشترط الشيخ فيه الجريان (1)، وهو المنقول عن صاحب الجامع (2)، والظاهر
~~أن مراده مطلق الجريان، لا خصوص مثل الميزاب، لاستدلاله بصحيحة علي بن جعفر
~~الآتية. والأقوى الأشهر عدم اعتباره.
# لنا: إطلاق الآيتين، والأخبار المستفيضة، مثل صحيحة هشام بن سالم (3)،
~~وحسنة عبد الله بن يحيى الكاهلي (4).
# وصحيحة محمد بن إسماعيل، عن بعض أصحابنا، عن الكاظم عليه السلام، في طين
~~المطر: " إنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم أنه قد نجسه
~~شئ بعد المطر " (5) الحديث فإن إطلاق طهارة الطين يشمل ما لو كان قبله نجسا
~~ويدل عليه مفهوم الاستثناء، ms0254 فإنه لا معنى لتنجسه وطهارة الطين.
# وما يتوهم من عدم الاستلزام كالغسالة، فمع أنه قياس، فالفارق موجود،
~~لبقاء المطر في الطين.
# ومرسلة الصدوق في الفقيه أيضا في طين المطر (6) ورواية أبي بصير (7).
# احتج الشيخ بصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن
~~البيت يبال على ظهره ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر، أيؤخذ من مائه
~~فيتوضأ به للصلاة؟ فقال: " إذا جرى فلا بأس به " قال: وسألته عن رجل يمر في
~~ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه، هل يصلي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: "
~~لا يغسل ثوبه
# PageV01P528
# ولا رجله ويصلي فيه، ولا بأس " ونقله في قرب الإسناد أيضا (1)، ولعلي بن
~~جعفر أيضا روايتان أخريان في قرب الإسناد تقاربان هذا المضمون (2).
# والجواب أن الشرط وارد مورد الغالب، بل لا يكاد يمكن أخذ الماء للتوضؤ من
~~السطح إلا إذا جرى، مع أنه يمكن أن يكون ذلك لأجل تغير الماء لكون السطح
~~مبالا نفذت فيه النجاسة، وكذلك في الأخريين.
# ويمكن أن يراد من الجريان النزول من السماء كما فهمه العلامة (3)، فهذه
~~الروايات أيضا من جملة أدلة المشهور.
# وبالجملة لا إشكال في عدم تنجس ماء المطر حين النزول مطلقا، وكذا لا
~~إشكال في تطهيره للغير في غير الماء، لعموم حسنة الكاهلي على كل شئ يراه
~~المطر فقد طهر، وغيرها من الأخبار المتقدمة والآية وغيرها.
# والمعتبر هو التقاطر والاستيعاب مع زوال العين، وأما الجريان والكثرة فلم
~~يثبت اشتراطهما.
# وما تشعر به صحيحة هشام من اعتبار الأكثرية فلا يبعد اعتباره، بل لا مناص
~~عنه، لأن الأقل يستهلك بالنجاسة أو يتغير.
# وأما الماء فالأظهر أنه يتطهر به إذا جرى إليه من ميزاب أو غيره في حال
~~النزول ومازجه أو تقاطر عليه إلى أن تحصل الممازجة.
# وأما مجرد التقاطر أو الاتصال فالأظهر أنه لا يطهر، للأصل والاستصحاب،
~~وعدم الدليل، لمنع عموم الآيتين بل الروايات أيضا، والإجماع المركب غير
~~معلوم، وحسنة الكاهلي أيضا لا تدل عليه، لأن الظاهر أن المراد من الرواية
~~إصابة النجس،
# PageV01P529
# وهي ms0255 لا تحصل إلا للقطعة الفوقانية، وما سيجئ في القول بكفاية الاتصال في
~~التطهير من أن طهارة السطح الفوقاني مستلزمة لتطهير ما سواه، فستعرف
~~بطلانه.
# وبالجملة القدر الثابت بالدليل هو ما حصلت الممازجة المذكورة، والظاهر أن
~~الطهارة بها إجماعية، والظاهر أن من يكتفي بالاتصال في التطهير بالجاري
~~يكتفي هنا أيضا إذا جرى.
# وأما ما نقله الشهيد الثاني عن بعض معاصريه من أنه يكفي في تطهير الماء
~~النجس وقوع قطرة واحدة (1) فهو في غاية البعد.
# والأظهر أن الماء القليل المجتمع من المطر يتقوى بالمطر حين النزول (2)،
~~للعمومات، وخصوصا صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، وكذلك الأخبار الدالة على
~~طهارة ما يكف من السطح النجس، سيما إذا كان كنيفا وموضعا للعذرة، ويظهر من
~~بعض الأخبار حصولها فيه (3)، فإنه يجتمع في السطح غالبا، ثم يكف.
# وأما القليل المجتمع من غير المطر فهل يتقوى بالمطر؟ فيه وجهان، أظهرهما
~~نعم (4)، لمنع شمول ما يدل على نجاسة القليل لذلك، مع أنه حال النزول فيه
~~قليل من المطر مع شئ زائد من الماء، فيصير بذلك أقوى.
# ولكن مقتضى هذا الدليل اعتبار النجاسة بمقدار ماء المطر، فلو فرض التغير
~~لو انحصر في المطر لصار نجسا (5)، والحاصل أن الأصل والاستصحاب والعمومات
~~تقتضي الطهارة، ولم يظهر مخصص له.
# PageV01P530
# ثم إن العلامة لم يعتبر الكرية في ماء المطر وإن ألحقه بالجاري (1)، ولا
~~بأس به، لكون دلالة أخبار المطر أظهر وأقوى من أدلة الجاري.
# السادس: في ماء البئر وهو يصدق في العرف على أمور، والمراد بها هنا نوع
~~واحد منها، وهو مجمع ماء نابع من الأرض، ولا يتعداها غالبا، كما يستفاد من
~~ملاحظة الأخبار وكلام الأصحاب، ولا خلاف في نجاسته إذا تغير بالنجاسة.
# وأما بدونه، فالمشهور بين القدماء حتى ادعى عليه السيد الاجماع هو
~~النجاسة (2).
# وذهب ابن أبي عقيل (3) وابن الغضائري (4) وأكثر المتأخرين إلى الطهارة
~~واستحباب النزح (5).
# وذهب في المنتهى إلى الطهارة والنزح تعبدا، ولم يقيده بعدم جواز
~~الاستعمال قبله ليفرع عليه بطلان الوضوء به قبل النزح، لفساد المنهي عنه
~~(6).
# وذهب الشيخ في كتابي ms0256 الأخبار إلى الطهارة ووجوب النزح، فيحكم ببطلان
~~الوضوء قبل النزح إذا علم بوقوع النجاسة قبله (7).
# وذهب البصروي (8) من القدماء إلى نجاسة ما دون الكر منه (9)، وعن الجعفي
# PageV01P531
# نجاسة ما لم يكن كل واحد من أبعاده ذراعين (1).
# والأقرب مختار المتأخرين، للأصل، والعمومات، والأخبار المستفيضة جدا،
~~كصحيحة ابن بزيع المذكورة في التهذيب والاستبصار والكافي (2)، عن الرضا
~~عليه السلام - وفي بعض المواضع من التهذيب الرواية مكاتبة (3)، ولا يضر
~~سيما مع ورودها بدونها أيضا - " ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يتغير
~~ريحه أو طعمه فينزح منه حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لأن له مادة " ومما
~~يؤكده الاكتفاء بمزيل التغير لا أكثر الأمرين منه ومن المقدر كما يقوله
~~الأولون.
# وصحيحة معاوية بن عمار (4)، والقدح باشتراك حماد ضعيف (5).
# وصحيحة علي بن جعفر ورواها الحميري أيضا (6)، والمراد بالعذرة فيها غائط
~~الانسان بشهادة اللغة والعرف، وذكر السرقين بعدها أيضا.
# وموثقة عمار المشتملة على مثلها (7). وتقييد مائها بالكثرة فيها لا يضر،
~~لما سنبطل مذهب البصروي، مع منع دلالتها على النجاسة في القليل أيضا.
# PageV01P532
# وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام، الدالة بمفهوم الشرط (1).
# وصحيحة عبد الله بن المغيرة عن معاوية بن عمار (2)، وصحيحة أبان والظاهر
~~أنه ابن عثمان (3)، وصحيحة الشحام وأبي يوسف (4)، وموثقة أبي بصير (5)،
~~وقوية أبي عيينة (6)، ومرسلة الصدوق في الفقيه عن الصادق عليه السلام (7)،
~~ورواية محمد بن القاسم الآتية في مسألة البئر والبالوعة (8).
# وقد مرت صحيحة زرارة المشتملة على جواز التوضؤ من بئر يستقى منها بحبل من
~~شعر الخنزير (9)، وموثقة ابنه حسين (10)، وقوية زرارة (11)، ورواية علي بن
~~حديد (12)، ورواية أبي مريم الأنصاري (13).
# ويدل عليه استقراء سائر الأخبار الواردة في الباب لشدة اختلافها، ففي
~~بعضها ينزح دلاء يسيرة، وفي بعضها التخيير، وفي بعضها الجمع بين المتخالفات
~~في التقدير، وفي آخر الجمع بين الطاهر والنجس، وفي آخر ذكر الطاهر فقط، مع
# PageV01P533
# اختلافها في التقدير فيما له مقدر أيضا.
# هذا كله مع عدم تعيين الدلو وكميته إلى غير ذلك مما هو من شأن المستحبات،
~~ويؤيده الاعتبار، فإن ms0257 جعل الكثير مع المادة أضعف منه بدون مادة بعيد.
# ومما ذكرنا ظهر بطلان القول بوجوب النزح تعبدا أيضا، مع أنه يلزم تأخير
~~البيان عن وقت الحاجة ظاهرا فيما لم يبين المقدار.
# حجة الأولين: صحيحة ابن بزيع، قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن
~~الرضا عليه السلام عن البئر تكون في المنزل للوضوء، فيقطر فيها قطرات من
~~بول أو دم، أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى
~~يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع عليه السلام بخطه في كتابي: " ينزح دلاء منها
~~" (1) فإنها في قوة أن طهرها بأن ينزح منها دلاء ليطابق السؤال.
# وفيه: أن الامتثال بالأمر بالجمع المنكر يحصل بالثلاثة، ولا يقولون به،
~~والقول بأنها مقيدة بغيرها مع أنها خلاف الأصل يستلزم تأخير البيان عن وقت
~~الحاجة ظاهرا.
# والظاهر أن في الجواب تنبيها على الخطأ في السؤال، ولا تجب المطابقة
~~عموما.
# وصحيحة علي بن يقطين (2)، ويظهر الجواب عنها مما ذكر، سيما ودلالتها
~~أضعف، وسياقها كالسابقة سياق المستحبات.
# وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور الناهية عن اغتسال الجنب في البئر وعدم
~~إفساد ماء القوم الآمرة بالتيمم (3).
# وفيه منع ظاهر، إذ لا نجاسة في الجنب من حيث إنه جنب، سيما والظاهر أن
# PageV01P534
# الوقوع للغسل، ولا يجوز الغسل مع النجاسة. وعلى هذا فالمراد بعدم الإفساد
~~هنا لعله إثارة الحمأة أو الطين، أو حصول النفرة، ونحو ذلك، والأمر بالتيمم
~~أيضا يكفي فيه هذا العذر، بل الحرج اللازم من تحمل مشقة الدخول أيضا كاف في
~~جواز التيمم، كما تدل عليه صحيحة الحسين بن أبي العلاء (1).
# ورواية العلاء بن سيابة (2)، وهي ضعيفة محمولة على الاستحباب أو التغير.
# وأما ما دل على عدم جواز التوضؤ منها إلا بعد النزح مثل صحيحة علي بن
~~جعفر (3)، فالجواب عنها مع أنها غير صريحة في الحرمة، وعدم دلالة الحرمة
~~على النجاسة أيضا كما هو مذهب الشيخ: سياقها سياق الاستحباب، كما مر.
# وكذلك يحمل على الاستحباب كل ما ورد من الأمر بالنزح، لعدم ظهورها في
~~الوجوب، وعدم ms0258 دلالة الوجوب على النجاسة.
# والشهرة بين القدماء وإن كانت مرجحا قويا لكنها مع معارضتها بالشهرة بين
~~المتأخرين تتوقف حجيتها على وجود دليل يمكن الاعتماد عليه، إذ الشهرة في
~~نفسها لا حجية فيها، وقد عرفت عدم دلالة الأخبار عليها، وإذا منعنا دلالة
~~الأخبار على الوجوب يبطل مذهب الشيخ أيضا، وكذلك يظهر ضعف قول المنتهى
~~بالتعبد، فالظاهر أنه لرفع الكراهة والنفرة لا محض التعبد.
# وأما حجة قول البصروي: فهي عمومات قولهم عليهم السلام: " إذا كان الماء
~~قدر كر لم ينجسه شئ " وخصوص موثقة عمار (4)، ورواية الحسن بن صالح
# PageV01P535
# المتقدمة في مبحث الكر (1)، وعبارة الفقه الرضوي (2)، والعمومات مع كونها
~~مفاهيم مخصصة بما تقدم، والموثقة لا تقاوم الصحاح وغيرها، ورواية الحسن
~~ضعيفة، والاحتياط سبيل النجاة.
# السابع: الماء قابل للتطهير تغير بالنجاسة أو لا، بالاجماع بل ربما يعد
~~من الضروريات، وتدل عليه الإطلاقات، وخصوص رواية ابن أبي يعفور المتقدمة في
~~ماء الحمام (3)، ورواية السكوني وما في معناها، القائلة " إن الماء يطهر
~~ولا يطهر " (4)، وجه الدلالة فيها: أن حذف المفعول يفيد العموم، مع أنه لو
~~لم يحمل عليه لزم اللغو في كلام الحكيم، فيلزم منه تخصيص قوله عليه السلام:
~~" لا يطهر " بأن يراد من غير الماء، وإلا لزم التناقض، والثاني أولى
~~بالتخصيص كما لا يخفى.
# وما يتوهم في تفسيره من أنه إنما لا يطهر لأنه إن غلب على النجاسة حتى
~~استهلكت فيها طهرها ولم ينجس حتى يحتاج إلى التطهير، وإن غلبت عليه النجاسة
~~حتى استهلك فيها صار في حكم تلك النجاسة، ولم يقبل التطهير إلا بالاستهلاك
~~في الماء الطاهر، وحينئذ لم يبق منه شئ. فهو في غاية الضعف، أما الأول
~~فلأنه يبنى على عدم انفعال القليل، وقد مر بطلانه.
# وأما الثاني، فمبني على انحصار تطهير المتغير في الاستهلاك، وسيظهر لك
~~خلافه، مع أنه لا ينحصر تنجس الماء عند من لا يقول بانفعال القليل أيضا في
~~الاستهلاك بالنجاسة، ويكفي محض التغير في الجملة.
# PageV01P536
# الثامن: يطهر القليل بأمور:
# الأول: إلقاء الكر عليه دفعة عرفية، وهو في الجملة إجماعي. ms0259 ولكن الكلام
~~في اشتراط الممازجة وعدمه، واعتبار الدفعة وعدمه.
# أما الأول، فالأقوى فيه: نعم، لكونه اتفاقيا، ولم تثبت كفاية مجرد
~~الاتصال، ولأنه لا ريب في أن الكر إذا وقعت فيه النجاسة وشاعت فيه لا يجب
~~الاجتناب عنه ولا عن شئ من أجزائه، إلا إذا تغير، وذلك مستلزم لالغاء حكمها
~~حينئذ، فكذلك الماء النجس، بل هو أولى بذلك، بل نقول: إن " شيئا " في قوله
~~عليه السلام: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " نكرة في سياق النفي
~~فيشمل المتنجس، ومقتضى الرواية إلغاء حكم الملاقي.
# لا يقال: إنه معارض بمفهومه، ولا وجه للترجيح.
# لأنا نقول: تساقطهما يفيد المطلوب أيضا، وإعمالهما معا غير ممكن بأن
~~يجتنب عنه في المشروط بالطهارة، ولا يحكم بنجاسة الملاقي، لعدم القائل
~~بالفصل، فمن قال بطهارة الملاقي قال بجواز الطهارة به، مع أن المنطوق أقوى
~~دلالة واعتضادا كما لا يخفى.
# واحتج من قال بكفاية الاتصال (1) بالأصل. وبعدم تحقق الامتزاج، لعدم حصول
~~العلم به لو أريد الحقيقي، ولزوم الاكتفاء بالاتصال في البعض إن أريد
~~الامتزاج في الجملة. وبأن الأجزاء الملاقية للمطهر تطهر بالملاقاة، فيطهر
~~ما يليها بالاتصال بها، وهكذا.
# والجواب عن الأول: أنه قد ارتفع بالنجاسة، وأصالة عدم الاشتراط معارضة
~~بأصالة بقاء النجاسة، وأصالة عدم تحقق المطهر الشرعي
# PageV01P537
# وعن الثاني: بأن المراد هو الامتزاج العرفي الحاصل بامتزاج أكثر الأجزاء،
~~والإجماع دل على كفايته.
# وعن الثالث: بمنع طهارة ما يلي الأجزاء الملاقية للمطهر، والقدر المسلم
~~هو طهارة السطح الملاقي لا الأجزاء الجسمية، وإصابة المطهر شرط في التطهير،
~~والاكتفاء بإصابة البعض في الامتزاج بالاجماع لا يوجب كفايته مطلقا (1).
# وأما الثاني، فالأقوى فيه أيضا اعتباره، للاتفاق على كونه مطهرا، والشك
~~بدونه، سيما على ما اخترناه من اعتبار استواء السطوح في الكر في عدم
~~الانفعال.
# وربما يعلل بالنص أيضا، ولم نقف عليه، فهذا كله إذا لم يتغير القليل.
# وأما إذا كان متغيرا بالنجاسة فلا بد من أن يكون اتصال الكر أو ممازجته
~~بعد زوال التغير، فإذا تغير بعض أجزاء الكر قبل الممازجة فلا ms0260 يكفي، لتنجسه
~~بالملاقاة، فلا بد من كون الغير المتغير كرا أو إلقاء كر آخر حتى يزول،
~~وصرح بذلك في المعالم (2).
# لا يقال: إن هذا مستلزم لعدم التطهير في صورة التغير، أو اعتبار الممازجة
~~إلا مع العلم بعدم انقطاع أجزاء الكر أو الظن به، وهو إما متعذر أو متعسر.
# لأنا نقول: عدم العلم أو الظن بالانقطاع كاف، لأن الأصل عدمه، فيحصل الظن
~~بذلك أيضا. مع أن الاجماع واقع على ذلك مع اعتبار الدفعة. وكذلك يكفي عدم
~~العلم أو الظن بحصول الاختلاف في السطوح، والخروج عن الوحدة العرفية.
# الثاني: إلقاؤه في كر، ولا إشكال فيه مع حصول المزج، فلا يكفي إدخال
~~الكوز الممتلئ من الماء في الكر في التطهير، بل لا بد من التداخل
~~والامتزاج، وهو يحصل إما بقوة انصباب المطهر أو بعدم امتلاء الكوز بحيث
~~يحصل التداخل، هذا إذا لم يكن
# PageV01P538
# متغيرا، وإلا فيجب بقاء كر غير متغير بعد رفع التغير كما أشرنا.
# الثالث: تطهيره بالجاري، ولا إشكال فيه إذا استولى عليه ومازجه وقهره، أو
~~بعد إزالة التغير أيضا إن كان متغيرا.
# وأما مجرد الاتصال، فالأظهر عدم التطهير لما مر.
# ومثله الجاري عن مادة كماء الحمام، ولكنه يعتبر بقاء المادة بمقدار الكر
~~بعد المزج والقهر، فإن المعتمد هنا هو التقوي بالمادة، لا كونه كرا من ماء،
~~لما أشرنا إليه من اعتبار تساوي السطوح في عدم الانفعال، والمادة هنا
~~بمنزلة المنبع في النابع من الأرض.
# وقد مر وجه اشتراط الكرية في المادة حين الملاقاة، فلا بد من الاعتماد
~~على المادة حتى يحصل تمام التطهير، فلو نقص قبل تمام المزج عن الكر فيصدق
~~عليه أنه قليل لاقى النجاسة. وهذا فيما كانت المادة أعلى ظاهر.
# وأما في صورة التساوي، فالأقوى أنه يطهر مع الجريان والممازجة، واكتفى
~~بعضهم كالعلامة في المنتهى بمجرد الاتصال، كما اختاره في صورة إلقاء الكر
~~(1).
# والفرق بين هذه الصورة وسابقتها أنه لا يعتبر ههنا كون المطهر أزيد من
~~الكر، لأنه يندرج تحت قوله عليه السلام: " إذا كان الماء قدر كر لم ms0261 ينجسه
~~شئ " فيثبت التطهير بالتقريب المتقدم في إلقاء الكر، كما أنه يثبت في
~~السابقة من جهة ما دل على عدم تنجس الجاري عن مادة مما مر في ماء الحمام
~~بذلك التقريب بعينه، وإن أمكن جريان هذه الطريقة في الصورة الأخيرة أيضا لو
~~كان المطهر أزيد.
# وأما لو كان المطهر أسفل، فلو كان فورانه من تحت القليل مع صدق الوحدة
~~عليهما عرفا، بأن يكون القراران متوازيين، وكان الفوران داخل الماء لا
~~كالفوارات المتعارفة التي يثب الماء منها إلى الهواء، ثم يرجع، فيمكن إجراء
~~الطريقتين فيه.
# PageV01P539
# وأما لو كان قرار المنبع أعلى، أو كان من قبيل الفوارات المتعارفة، فيمكن
~~إجراء طريقة ماء الحمام فيه.
# وهذه الأحكام مما لم يرد فيها نص، وعمومات قولهم عليهم السلام: " الماء
~~يطهر ويطهر بعضه بعضا " وغيرها لا يدل إلا على ثبوت التطهير في الجملة.
~~وغاية ما يمكن أن يتمسك به هو الطريقة المستفادة من عموم قولهم عليهم
~~السلام: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " وعموم ما دل في ماء الحمام
~~بالعلة المنصوصة وغيرها بالتقريب المتقدم، فعليك بالتحري والاجتهاد ثم
~~الاحتياط، والله الهادي إلى سبيل الرشاد.
# الرابع: إتمام القليل كرا، وقد اختلفوا فيه على أقوال، ثالثها الفرق بين
~~الطاهر والنجس (1)، والأقوى عدم التطهير.
# لنا: أن الطهارة حكم شرعي يحتاج ثبوته إلى دليل، وما اقتضاه الأصل
~~والعمومات فقد ارتفع يقينا، وعوده يحتاج إلى دليل، والنجاسة مستصحبة، ولا
~~ترتفع إلا باليقين، ودعوى أصالة طهارة الطارئ مع أنها غير مجدية في النجسين
~~لا تفيد فائدة مع الامتزاج.
# احتجوا بأن البلوغ يستهلك النجاسة، فيستوي وقوعها قبل البلوغ وبعده.
~~وبأنه لولاه لما حكم بطهارة الماء الكثير إذا وجدت فيه نجاسة، لاحتمال
~~وقوعها فيه قبل البلوغ.
# والأول قياس مع الفارق، إذا لعل لطهارة الجميع مدخلية في رفع النجاسة،
~~وهو منتف فيما نحن فيه.
# والثاني مدفوع بأن الأصل طهارة الماء، ولم يثبت لها رافع، واحتمال طروئها
# PageV01P540
# قبل البلوغ معارض باحتمال طروئها بعده، فالأصل تأخر الطروء، وأصالة تأخر
~~البلوغ مع أنه لا يتم فيما ms0262 لم يعلم حصول الكر تدريجا لا يقاوم ما ذكرنا من
~~الأصول، سيما مع المعارضة.
# وقد يستدل بأن العلة للنجاسة هي قلة الماء، وقد زالت، فيزول معلولها،
~~لاستحالة انفكاك المعلول عن العلة.
# وفيه: أنا نمنع اتحاد علة الوجود والبقاء، فلعل العلة للبقاء هو أمر
~~معنوي حصل من التنجيس.
# استدل ابن إدريس (1) بالاجماع، والعمومات، مثل: * (ليطهركم) * (2) و *
~~(فاطهروا) * (3) وقوله عليه السلام: " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا "
~~(4) بتقريب أن معناه لم يظهر فيه خبث، كما ذكره جماعة من اللغويين.
# وجوابه منع الاجماع، وأما العمومات فلا ريب أن صحة الطهارة من الحدث
~~والخبث مشروطة بالطهارة، وطهارة هذا الماء أول الدعوى.
# وأما المستفاد من مثل " خلق الله الماء طهورا " (5) و * (أنزلنا من
~~السماء ماءا طهورا) * (6) ونحو ذلك، فليس إلا الطهارة بالأصل، ولا تنافي
~~نجاسته بالعرض، وهو يقيني.
# وأما الرواية، فلم نقف عليها في كتب أصحابنا، إلا ما رواه السيد والشيخ
~~في بعض كتبهم الاستدلالية مرسلا، واستدل بها السيد لأصل عدم انفعال الكر
~~بالنجاسة، وظاهرها أيضا ذلك.
# PageV01P541
# وما نقل عن جماعة من اللغويين معارض بما نقل عن جماعة أخرى أن معنى عدم
~~الحمل هو الدفع، وهو المتبادر، فإن معنى فلان لا يحمل الضيم: يأباه (1)، مع
~~أن مقتضى الشرطية أن بعد البلوغ لا يظهر فيه الخبث، والظاهر منه أن الماء
~~الخالي عن الخبث إذا بلغ كرا لم يحمل خبثا، ولو فرض له إطلاق أو عموم فهو
~~مخصص بما تقدم.
# الخامس: تطهيره بماء المطر، وقد مر.
# التاسع: ظاهر فتوى الأصحاب عدم التفرقة في طرق التطهير بين القليل
~~والكثير.
# ويشكل فيما لو اجتمع ألف كر من ماء نجس مثلا وألقي عليه كر واحد، فإنه
~~يستهلك في النجس، وتوجيهه أن يقال: إن الأصل في ذلك الكر عدم الانفصال حتى
~~تحصل منه الممازجة المطهرة بمقدار كر آخر مثلا، ثم تحصل من المجموع
~~الممازجة المعتبرة لآخر، وهكذا. فإذا حصل تمازج مجموع ذلك الماء المجتمع
~~بعضه مع بعض فيحصل التطهير للجميع، والكلام الذي يقرب من التصريح بذلك من
~~جملة كلماتهم هو ms0263 ما ذكروه في حكم المتغير بإلقاء كر فكر حتى يزول التغير.
# ثم إن الكثير إذا تغير فإما أن يبقى مقدار كر منه متصل غير متغير، أو لا.
~~والمحتاج إلى الخارج إنما هو الصورة الأخيرة، وأما الأولى فالمعروف بين
~~الأصحاب كفاية زوال التغير بالتموج وحصول الامتزاج بذلك مع عدم حصول العلم
~~بانقطاعه أو تغير
# PageV01P542
# شئ منه قبل تمام التطهير، وإن لم يحصل ذلك فيحتاج إلى الخارج.
# والمعتبر في إزالة التغير أيضا هو الحسي، فلو زال التغير بشئ ثم القي
~~عليه كر لم يكن يزيله لو كان التغير باقيا، فالظاهر كفايته.
# والمشهور أن زوال التغير بنفسه أو بتصفيق الرياح ونحوه لا يكفي في
~~التطهير (1)، خلافا ليحيى بن سعيد (2)، لاستصحاب النجاسة، وعدم ما يدل على
~~الطهارة.
# وحجة الطهارة: الأصل، وأن العلة للنجاسة هو التغير وقد زالت فتزول، وربما
~~يفرع ذلك على التطهير بتتميم القليل كرا.
# ويرد على الأول أنه قد ارتفع بالنجاسة، وعلى الثاني ما مر في جواب حجة
~~القائل بتطهير التتميم، وعلى الثالث - مع بطلان الأصل كما مر - أن تغير
~~المجموع قد أظهر فيه الخبث، ورفعه يحتاج إلى الدليل.
# والقول بأن المتغير نجس ما دام متغيرا دعوى خالية عن الدليل، بل القضية
~~إما دائمة لو قلنا بأن النهي يفيد الدوام، أو مطلقة ويكفي في صحة
~~الاستصحاب.
# العاشر: يطهر الجاري المتغير بتدافعه حتى يزول التغير، لقوله عليه
~~السلام:
# " يطهر بعضه بعضا " (3)، وفيه إشكال، لأن الظاهر منه عدم الانفعال لا
~~التطهير، ولكن الظاهر أن المسألة إجماعية، وظاهر العلامة أيضا أنه لا يعتبر
~~في المطهر حينئذ الكرية (4)، ولكن الظاهر أن هذا الحكم عنده مخصوص بما كان
~~منحدرا على الأرض، لعدم تنجس ما فوق النجاسة حينئذ كما مر.
# PageV01P543
# ولو زال تغيره بعلاج، فعلى ما اخترناه لا يكفي مجرد الاتصال، ويظهر من
~~المعالم أن بعض من قال بكفايته (1) لا يكتفي هنا، نظرا إلى تخصيص كلامهم في
~~الاكتفاء بما لو كان المطهر مساويا للنجس أو أعلى (3)، ولعل هذا القائل
~~نظره إلى أن الجاري الذي يحصل زوال تغيره بعلاج ms0264 قبل تدافع الماء إنما يكون
~~في المياه القليلة المجتمعة في العيون الصغار غالبا، وإلا فتحتية المادة في
~~الجاري مطلقا ممنوعة.
# وأما تطهير ماء الحمام، أي الحوض الصغير الذي تجري إليه المادة، فإن تغير
~~ثم انقطع قبل زواله أو تنجس بعد الانقطاع فحكمه حكم القليل، وقد مر حكمه،
~~وأنه يجوز تطهيره بالمادة.
# وأما لو تنجس بالتغير حال الاتصال فيطهر بزوال التغير بالتدافع من المادة
~~والامتزاج والقهر والاستهلاك، لكن مع بقاء كر من الماء في المادة بعد تمام
~~التطهير بما ذكر كما أشرنا. وتدل عليه الرواية المتقدمة على إشكال تقدم،
~~لكن الظاهر أن التطهير حينئذ أيضا إجماعي بالشروط المذكورة، هذا إذا كانت
~~المادة أعلى.
# ومع التساوي والتحتية، فالظاهر عدم اشتراط الزائد من الكر في المادة
~~أولا، لكن بالشروط والتفاصيل المتقدمة في تطهير القليل.
# ثم هل يعتبر تساوي السطوح في مادة ماء الحمام؟ فالأظهر بالنظر إلى
~~الإطلاق وعدم كون مادة الجاري مستوية: عدمه في أصل عدم التنجس، كما صرح به
~~في المعالم (3)، فإن ظهرت العلة بحيث يمكن الاعتماد فلا نعتبره في التطهير
~~أيضا، وإلا لكان للتوقف فيه مجال، سيما والغالب في مادة ماء الحمام استواء
~~السطوح، والمطلق ينصرف إليه. ومنه يظهر الإشكال في عدم الانفعال أيضا. هذا
~~حال تطهيره بمادته، وأما سائر الطرق فمثل ما مر.
# PageV01P544
# الحادي عشر: يحصل التطهير للبئر على القول بنجاسته بالنزح وغيره.
# أما النزح فكونه مطهرا اتفاقي، ويتفاوت بتفاوت النجاسات، وبحصول التغير
~~وعدمه. ونذكره في ضمن مسائل مقدما لحكم الغير المتغير.
# الأولى: يجب نزح الجميع لوقوع الخمر فيها بلا خلاف بينهم، وادعى ابن
~~إدريس (1) وابن زهرة (2) الاجماع عليه.
# وتدل عليه صحيحة الحلبي (3)، سيما على ما في الاستبصار، وصحيحة عبد الله
~~ابن سنان (4)، وصحيحة معاوية بن عمار (5)، وتشريك البول لها فيها غير مضر،
~~فيحمل فيه على الاستحباب، أو على صورة التغير.
# والمشهور عدم الفرق بين قليلها وكثيرها للاطلاقات في الأخبار المتقدمة،
~~مؤيدا بما ورد في الأخبار الكثيرة من عدم الفرق بين قليلها وكثيرها في
~~الحرمة (6)، والاستصحاب، خلافا للصدوق في المقنع، ms0265 فإنه قال: ينزح للقطرة
~~منه عشرون دلوا (7). وقد يستدل عليه برواية زرارة (8) ورواية كردويه (9)،
~~وفي
# PageV01P545
# دلالتهما قصور.
# والتحقيق: أن حكم القطرة لا يستفاد من شئ من الأخبار، والتمسك بالاستصحاب
~~يجعله من جملة ما لا نص فيه فالأولى إرجاعه إلى ما لا نص فيه، والأظهر على
~~المختار في ماء البئر الاكتفاء بمقتضى الروايتين المتقدمتين مسامحة في أدلة
~~السنن، وإن كان نزح الجميع أفضل.
# والمشهور إلحاق سائر المسكرات المائعة بالخمر، وعن الشيخ ومن تأخر عنه
~~إلحاق الفقاع (1)، ولا نص فيها من جهة الأخبار.
# وقد يستدل بالأخبار المستفيضة القائلة بأن كل مسكر خمر (2)، وأن ما كان
~~عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر (3)، وكذلك ما ورد في الفقاع من أنه خمر، وأنه
~~الخمر بعينها (4)، وقد مر بعضها. وجه الاستدلال نظير ما مر في نجاستها.
# وألحق الشهيد في الذكرى بها العصير بعد الاشتداد إن قيل بنجاسته (5)، وهو
~~مشكل، وقد نبهنا على ما يمكن الاستدلال به في نجاسته.
# والمشهور وجوب نزح الجميع للبعير أيضا، بل يظهر من المختلف والمعالم (6)
~~عدم الخلاف، وتدل عليه صحيحة الحلبي المتقدمة (7)، وتؤيده صحيحة عبد الله
~~بن سنان المتقدمة (8).
# PageV01P546
# وأما رواية عمرو بن سعيد بن هلال الدالة على كفاية نزح كر في الجمل (1)
~~فلا تقاوم ما ذكرنا.
# وعن الأكثر أن حكم الثور أيضا نزح الجميع، لصحيحة عبد الله بن سنان
~~المتقدمة، وذهب آخرون إلى كفاية نزح كر من ماء لرواية عمرو بن سعيد
~~المتقدمة (2)، وهي لا تقاوم الصحيحة دلالة ومتنا، بل لا دلالة فيها يعتمد
~~عليها.
# ومما ينزح له الجميع: المني والدماء الثلاثة على المشهور، بل المجمع عليه
~~في الأول.
# ويدل على حكم المني الاجماع، نقله ابن إدريس (3) وابن زهرة (4)، ولكن لم
~~يعلم تحقق الاجماع في غير مني الانسان، وإن شمله إطلاق كلماتهم، لما نقل عن
~~بعض الأصحاب تخصيصه الحكم بمني الانسان، وجعل غيره مما لا نص فيه (5).
# وأما الدماء الثلاثة، فلم نقف على ما يوجب مغايرتها لسائر الدماء من
~~الأخبار، وتخريج حكمه عن وجوب إزالة قليلها وكثيرها في الصلاة ضعيف.
# نعم نقل ms0266 ابن إدريس (6) وابن زهرة (7) الاجماع عليه، وعدم شمول ما سيجئ في
~~مطلق الدم من الأخبار لهذه ونقل الاجماع والشهرة يرجح قول المشهور.
# وأما إلحاق بعضهم عرق الإبل الجلالة، وعرق الجنب من حرام (8)، وإلحاق آخر
# PageV01P547
# بول وروث ما لا يؤكل لحمه عدا بول الرضيع والصبي والرجل (1)، فلا دليل
~~عليه.
# ومما يجب نزح الجميع له: ما لم يرد فيه نص على المشهور، للاستصحاب، وعدم
~~ثبوت المقدر. وذهب الشيخ في المبسوط (2) والعلامة في بعض كتبه (3) إلى
~~كفاية أربعين. واحتج الشيخ بقولهم عليهم السلام: " ينزح منها أربعون دلوا
~~إن صارت مبخرة " (4).
# وعن البشرى القول بكفاية ثلاثين دلوا (5)، لرواية كردويه الآتية في
~~المسألة السادسة (6).
# واعترض على احتجاج الشيخ بجهالة السند وعدم ذكر موجب النزح.
# وأجيب بأن الشيخ ثقة ثبت، فلا يضر إرساله، والظاهر من احتجاجه دلالة
~~صدرها المحذوف على ما نحن فيه (7).
# وفيه ما فيه، لأن ما ذكر لا ينفي الخطأ عن الشيخ في الاجتهاد، مع أنه لا
~~بد من تقييده بما لو زال البخر بأربعين.
# وعلى رواية كردويه بضعف السند (8)، وعدم الدلالة أيضا، إذ موردها الأمور
~~المذكورة، ولا دلالة فيها على غيرها.
# ويمكن أن يقال إن الظاهر من سياق السؤال والجواب حكم ماء المطر المخالط
~~لأي
# PageV01P548
# نجاسة كانت، والمذكورات إنما هي بعنوان المثال، فهي على العموم إلا ما
~~خرج بالدليل مما نص عليه بالخصوص.
# وقد اعترض على المشهور بمنع حجية الاستصحاب، وفيه ما فيه.
# وبمنع عدم ثبوت المقدر، فإن صحيحة ابن بزيع (1) تدل على كفاية نزح ما
~~يزيل التغير في المتغير، فلا يجب نزح الجميع إذا زال بدونه، فيثبت عدم وجوب
~~نزح الجميع في غير المتغير بطريق الأولى.
# وفيه: أن الأولوية المذكورة - مع أنها ممنوعة - ينافيها صدر الرواية،
~~فإنه يدل على عدم النجاسة أصلا، فالعجز يثبت شيئا من باب الأولوية، والصدر
~~ينفي كل شئ من باب التنصيص.
# والحاصل أن الكلام في المنزوحات بعد القول بالانفعال، وهذه الرواية لا
~~تناسبه، مع أن المراد بما لا نص فيه هو ما لم يرد ما يدل على وجوب ms0267 مقدار من
~~النزح في خصوص ما وقع بشخصه أو بنوعه كالفرس، أو بجنسه القريب كالدابة،
~~وأما الحكم بأن كل نجس لاقى البئر يجب نزح أربعين منه مثلا، أو كل نجس لاقى
~~البئر لا يجب منه شئ إلا ما غيره، فليس مما نحن فيه، ولذلك لم يعترض على
~~رواية أربعين وثلاثين بعد التوجيه الذي ذكرنا بأنهما من باب المنصوص عليه
~~لا ما لا نص فيه.
# وقد يقال: بعد البناء على الاستدلال بصحيحة ابن بزيع على ما ذكر أنه إذا
~~ثبت به نفي وجوب نزح الجميع، فتعين نزح أربعين، لعدم الدليل على الثلاثين
~~من جهة الاستصحاب.
# وقد يقال: إن بعد ذلك يتعين ثلاثون، لضعف الاستصحاب، وأصالة عدم الزيادة،
~~واختيار قول آخر يوجب خرق الاجماع المركب.
# وربما يقدح في الاجماع المركب بمنع تحققه، والأقوى على القول بالانفعال
~~هو
# PageV01P549
# نزح الجميع للاستصحاب.
# وقال صاحب المعالم: والمتجه عندي الاكتفاء بنزح ما يزيل التغير لو كان إن
~~وجد إلى العلم به سبيل، وإلا فالجميع، وليس ذلك بطريق التعيين على
~~التقديرين، بل لأن المقدار المطهر غير معلوم، ومع بلوغ أحدهما يعلم حصوله،
~~لاشتمال كل منهما عليه (1)، انتهى ونظره إلى اعتبار الأولوية في التغير
~~التقديري، قيل: والظاهر أن عند تقدير التغير إنما تقدر أقل مراتبه (2)،
~~وفيه نظر.
# تذنيب:
# المشهور أنه إذا تعذر نزح الجميع فيما قدر له لغلبة الماء، فيتراوح عليه
~~أربعة رجال يوما، كل اثنين دفعة، وعن المنتهى أنه لا يعرف فيه خلافا من
~~القائلين بالنجاسة (3).
# واستدلوا عليه بموثقة عمار، عن الصادق عليه السلام في خبر طويل، قال:
# وسئل عن بئر يقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير، قال: " تنزف كلها، فإن غلب
~~عليه الماء فلينزف يوما إلى الليل، ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين
~~فينزفون يوما إلى الليل، وقد طهرت (4).
# وقد حمل على صورة التغير، وإلا فلا يجب نزح الجميع للمذكورات، وهو إنما
~~يتم على القول بوجوب نزح الجميع للمتغير، ويمكن الحمل على الاستحباب، ولا
~~ينافي ذلك وجوب التراوح فيما يجب النزح، فإنه بيان لعلاج ms0268 ما يقتضي نزح
~~الجميع ولم يمكن، وجوبيا كان الاقتضاء أو ندبيا، ولا قائل بالفصل بين
~~الوجوب
# PageV01P550
# والندب، ولا بين الموجبات.
# وقد أورد عليها أيضا بأنها تدل على وجوب التراوح يوما بعد نزح يوم. وفيه
~~أنه إن قرئت كلمة " ثم " مفتوحة فلا إشكال، وإن ضمت فيمكن أن يراد بها
~~ترتيب بيان الكيفية على أصل الحكم، وذلك من حزازات كلمات عمار، مع أنه في
~~المعتبر رواها بدونها (1)، ولعله رواها عن غير الشيخ، أو عن نسخة صححت عنده
~~هكذا. وعبارة فقه الرضا مصرحة بالمطلوب من دون حزازة (2)، وفهم الأصحاب
~~عصرا بعد عصر، واستدلالهم بها على المطلوب أعظم مؤيد لها.
# ويؤيده أن التعطيل غير جائز بالاجماع، كما ادعاه بعض الأصحاب (3)،
~~والاقتصار على نزح البعض تحكم، ولا قائل بوجوب أزيد من ذلك.
# والظاهر أن ما ينزح من البئر قبل حصول العلم بالعجز عن المقدر لا يحسب من
~~يوم التراوح، وتنبه عليه الرواية المتقدمة وكلام الأصحاب.
# والظاهر أنه لا يحصل الظن بالعجز إلا مع نزح مقدار يحصل معه الظن بأن
~~الماء الذي كان موجودا في البئر لم يكن أزيد من ذلك، والاعتماد في ذلك على
~~حصول التجربة من حال البئر ونحوه نادر لا يلتفت إليه، لتفاوت الأحوال في
~~السنوات والتقلبات.
# وأيضا الظاهر وجوب نزح تمام ما كان في البئر، وإنما يجب نزح ما يخرج في
~~حال النزح أيضا من باب المقدمة، ففي صورة العجز لا يمكن تحصيل العلم بزوال
~~ما كان فيه، فيعتمد على الظن، وهو يحصل مع التراوح المذكور.
# ثم إن الظاهر من الرواية والفتوى حكم العجز من جهة غلبة الماء من جهة قوة
~~النبع، ويشكل فيما لو كان من جهة نفس كثرة الماء. ويمكن الاطراد، للزوم
~~العسر والحرج، وحمل الرواية وكلام الأصحاب على الغالب في أفراد كثرة الماء.
# PageV01P551
# وقال الشهيد: إن مراد الجماعة من اليوم يوم الصوم، فإنه المفهوم من اليوم
~~مع تحديده بالليل (1)، وتبعه المتأخرون، فأوجبوا إدخال شئ من الليل أولا
~~وآخرا من باب المقدمة (2).
# وزاد بعضهم تقديم التأهب قبل ذلك الجزء أيضا ms0269 (3).
# والحق أن كلمات الأصحاب لا تنافي حمله على الأقل من يوم الصوم، وكذلك
~~الرواية، لأنه يصدق اليوم على الممتد من أول طلوع الشمس إلى الغروب، بل
~~وعلى ما لو ذهب شئ قليل منه أيضا. ويستفاد ذلك من الأخبار أيضا (4).
# ولا يبعد ادعاء صيرورة اليوم حقيقة في القدر المشترك بين المعنيين،
~~فتعيين الزائد يحتاج إلى دليل كما في الصوم، ولا ريب أن اعتباره أحوط.
# ولا يكفي الليل، ولا الملفق، لبطلان القياس، ولا يجب تحري الأطول.
# والأظهر عدم الاجتزاء بالنساء والصبيان، لأن الظاهر من القوم الرجال بنص
~~أهل اللغة والفصحاء (5)، وظاهر الكتاب (6)، مع إمكان الاجتزاء بهن لو قوين
~~على مثل فعلهم.
# والظاهر أن الاقتصار بالأربعة، لكونه أقل ما يحصل به التراوح اثنين
~~اثنين، وإلا فالرواية أعم (7). نعم عبارة فقه الرضا مصرحة بالأربعة (8)،
~~ولا ريب أنه أحوط، سيما إذا أوجبت الزيادة بطئا في النزح.
# PageV01P552
# واعتبار كون أحدهما فوق البئر والآخر فيها يملأ الدلو كما ذكره بعض
~~الأصحاب (1) لا دليل عليه.
# واستقرب في التذكرة كفاية قويين ينهضان بعمل الأربعة (2)، وهو مشكل.
# والأحوط جعل الأكل والصلاة في حال الاستراحة، فلا يجتمعون بهما.
# الثانية: المشهور وجوب نزح كر من ماء لموت الدابة، أي الحمار والفرس
~~والبغل، وألحق جماعة بها البقرة (3).
# أما الحمار، فتدل عليه رواية عمرو بن سعيد المتقدمة، قال سألت أبا جعفر
~~عليه السلام عما يقع في البئر ما بين الفأرة والسنور إلى الشاة فقال: كل
~~ذلك يقول:
# " سبع دلاء " قال: حتى بلغت الحمار والجمل، فقال: " كر من ماء " (4) وفي
~~موضع آخر من التهذيب ذكر البغل (5)، وكذا في المعتبر (6).
# ولا يضر ذكر الجمل في الاستدلال مع وجوب الجميع فيه، لأن الجواب بمنزلة
~~أنه يجب في كل واحد من المذكورات كر من ماء، فيكون عاما قابلا للتخصيص في
~~الجمل بما مر، فلا يرد أن الجواب عن الكل وإرادة البعض تعمية.
# ويظهر مما ذكر حكم البغل أيضا.
# وأما الفرس، فيمكن أن يستدل عليه بصحيحة الفضلاء، عن الصادق عليه السلام:
~~في البئر يقع فيها الدابة والفأرة والكلب والطير ms0270 فيموت، قال: " يخرج ثم
# PageV01P553
# ينزح من البئر دلاء، ثم اشرب وتوضأ " (1) وتقرب منها رواية البقباق (2).
# وتوجيهه أن يقال: مقتضى الجمع المنكر إذا كان مدخولا للأمر حصول الامتثال
~~بأقل ما يصدق عليه كما حققناه في الأصول (3)، وهو ثلاثة أدل من دون فرق بين
~~جمع القلة والكثرة، وبذلك خرج ما نحن فيه من قسم ما لا نص فيه، فنحملها في
~~الفرس على الكر لما دل عليه في الحمار والبغل، لعدم القول بالفصل، فإن
~~الدابة تشمل المذكورات عرفا، وترك الاستفصال يفيد العموم.
# وقد تتوهم استفادة العموم من تعليق الحكم على الطبيعة، وليس بذلك، إذ
~~الظاهر هنا إرادة العهد الذهني.
# وبذلك يمكن إدراج البقرة أيضا لو بنينا على أن معناها ما يركب، كما هو
~~أحد معانيها العرفية، ولكن ركوب البقرة نادر لا تنصرف إليه الإطلاقات،
~~فينبغي حينئذ إدراجها في جملة ما لا نص فيه.
# ويشكل إدراجها فيه أيضا، لأن في الأخبار ما يمكن أن يستنبط منه حكمها،
~~لكن لا نعرف القائل به، مثل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة في الخمر (4)،
~~فإنها مشتملة على أن الثور ونحوه موجب لنزح الجميع على ما في التهذيب، وليس
~~كلمة " نحوه " في الاستبصار فمقتضاه نزح الجميع، وهكذا يمكن استفادة حكمها
~~من بعض الإطلاقات في الميتة وغيرها (5).
# أقول: ويمكن استنباط حكمها من رواية عمرو المتقدمة (6)، بأن يقال: إن "
~~بلغت " معناها الترقي في السؤال عن الحيوانات بحسب الجثة، فيكون حكم ما فوق
# PageV01P554
# الشاة إلى الجمل نزح كر من ماء، وهذا أولى من كل ما ذكروه فيها، ولم أقف
~~على من ذكره.
# ومن ذلك ظهر دليل آخر على حكم الفرس والبغل إن قطعنا النظر عن وجوده في
~~بعض النسخ أيضا.
# الثالثة: اتفق القائلون بالنجاسة كما ذكره الفاضلان (1) على وجوب نزح
~~سبعين دلوا لموت الانسان، لموثقة عمار، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام
~~عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر، فقال: " ينزح منها دلاء إذا كان ذكيا،
~~وما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكثره الانسان ينزح ms0271 منها
~~سبعون دلوا، وأقله العصفور ينزح منها دلو واحد " (2).
# وظاهر الرواية أن ذلك إنما هو لموت الانسان من حيث إنه موت الانسان، فلو
~~تلطخ بدنه بالمني ونحوه فلا يستفاد من الرواية الاكتفاء بسبعين دلو.
# وعلى هذا فاستفادة حكم الكافر من الرواية مشكل، ولكن الأصحاب لم يفرقوا
~~في ذلك، إلا ابن إدريس (3)، فحكم بوجوب نزح الجميع في الكافر وادعى عليه
~~الاجماع، وعارض الاستدلال بعموم الانسان بحكاية وجوب سبع دلاء في المجنب
~~بأنه لا يعم الكافر.
# وأجيب بمنع الاجماع، ومنع الحكم رأسا، ومنع الفرق في صورة المعارضة أيضا،
~~وعلى فرض ثبوته فإنما يثبت بدليل، ولا يستلزم تخصيص بعض العمومات تخصيص
~~مماثله (4).
# PageV01P555
# وظاهر الفقهاء عدم الفرق بين وقوع ميت الانسان في البئر أو موته في البئر
~~بعد وقوعه وليس بذلك البعيد، ولا تنافيه الرواية أيضا، وإن كان ظاهرها
~~الموت فيه، فإنه وارد مورد الغالب.
# ثم: إن الظاهر أن اعتماد ابن إدريس على الاجماع، لا على أن حكم ما لا نص
~~فيه نزح الجميع كما يظهر من كلامه، ودعوى الاجماع في غاية البعد مع انفراده
~~بالفتوى على الظاهر.
# وحيث عرفت ضعف دلالة الرواية على حكم النجاسة الكفرية وصعوبة الاعتماد
~~على نقل إجماع ابن إدريس، فلا بد من إرجاع حكمه إلى ما لا نص فيه.
# وأما حكم مباشرة الكافر حيا، فلو سلمنا عموم الرواية للكافر كما فهمه
~~الأصحاب، فيمكن استفادة حكمه من باب الإشارة من الرواية، وأن حكمها لا يزيد
~~على موته فيه، فإن الموت يزيد النجاسة، فلا يجب للأقل أكثر مما يجب للأزيد،
~~ولكن الاعتماد على ذلك أيضا لا يخلو عن إشكال. وإن لم نسلم فيدخل تحت ما لا
~~نص فيه أيضا.
# وكيف كان فالأمر على ما اخترناه من عدم الانفعال سهل، والاحتياط على
~~الطريقة الأخرى واضح.
# الرابعة: ذهب الشيخان (1) والمرتضى (2) إلى وجوب خمسين للعذرة الرطبة
~~والذائبة وعشر لليابسة.
# وقال الصدوق: للعذرة عشر، فإن ذابت فأربعون أو خمسون (3)، واختاره المحقق
~~(4)، وهو الأظهر، لرواية أبي بصير، عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن
# PageV01P556
# العذرة تقع ms0272 في البئر، فقال: " ينزح منها عشر دلاء، فإن ذابت فأربعون أو
~~خمسون دلوا " (1). ومثلها رواية علي بن أبي حمزة (2).
# والتخيير بين الأقل والأكثر يقتضي جواز الاكتفاء بالأقل.
# ولم نقف على ما يدل على القول الأول، إلا أن تحمل الرواية على ترديد
~~الراوي من جهة النسيان، فحينئذ لا يحصل اليقين بالبراءة إلا بالخمسين.
# ولا ينافي ما ذكرنا رواية كردويه الآتية (3)، لتفاوت الموضوع.
# وقيل: المراد بالذوبان تحلل الأجزاء وشيوعها في الماء بحيث يستهلكها (4)،
~~والظاهر أنه يطلق على مجرد تفرق الأجزاء وتقطعها عرفا. وفي اعتبار ذوبان
~~الجميع أو الاكتفاء بالبعض إشكال، والأحوط الثاني.
# ثم إن الرواية خالية عن ذكر الرطبة، وفي إلحاقها بالذائبة إشكال.
# وعن الشيخ (5) وأتباعه (6) وجوب الخمسين أيضا للدم الكثير، مثل دم ذبح
~~الشاة، وعن المفيد وجوب خمسة للقليل منه وعشرة للكثير (7)، وعن السيد في
~~الدم ما بين الواحد إلى عشرين (8).
# وعن الصدوق وجوب ثلاثين إلى أربعين في الكثير، ووجوب دلاء يسيرة في
~~القليل (9)، وارتضاه في الذكرى (10)، وهو أقرب.
# PageV01P557
# أما في القليل فلصحيحة محمد بن إسماعيل المتقدمة في حجة القائلين بانفعال
~~البئر (1)، وموثقة عمار المتقدمة في موت الانسان (2) وغيرها من الأخبار.
# ويدل على حكم الكثير والقليل كليهما صحيحة علي بن جعفر، قال: سألته عن
~~رجل ذبح شاة فاضطربت فوقعت في بئر ماء وأوداجها تشخب دما، هل يتوضأ من ذلك
~~البئر؟ قال: " ينزح منها ما بين الثلاثين إلى أربعين دلوا ثم يتوضأ منها،
~~ولا بأس به " قال: وسألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر، هل يصلح
~~أن يتوضأ منها؟ قال: " ينزح منها دلاء يسيرة ثم يتوضأ منها " قال: وسألته
~~عن رجل يستقي من بئر فرعف فيها، هل يتوضأ منها؟ قال: " ينزح منها دلاء
~~يسيرة " (3) والظاهر عدم القول بالفصل بين الدمين المذكورين في هذه
~~الروايات وغيرها.
# وربما يلحق غير المذكورات فيها بما لا نص فيه، وأما سائر المذاهب فليس
~~لها ما يمكن الاعتماد عليه.
# فاحتج الشيخ (4) لقول المفيد بصحيحة ابن بزيع المتقدمة (5)، بتقريب أن
~~أكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع ms0273 عشرة، فيجب أن يؤخذ به، إذ لا دليل على ما
~~دونه، وهو كما ترى، لعدم ذكر الكثرة في الخبر، بل الظاهر منه القلة. ولأن
~~هذه الصيغة ليست من صيغ جمع القلة. ولأنه لا فرق عند التحقيق عند علماء
~~الأصول بين جمع
# PageV01P558
# القلة والكثرة في احتمال أفراد الجموع، وفي أنه يحمل على الأقل في مثل
~~هذا الكلام (1).
# وإن قيل: مراد الشيخ أن الجمع المجرور لا يصير مميزا إلا للعشرة فما دون
~~فهي أكثر ما يضاف إليه (2)، ففيه أولا: إن لفظة هذا تنافي ذلك، بل الظاهر
~~منه خصوصية الجمع. وثانيا: إن اتحاد حكم ما ذكر معه المضاف وما لم يذكر أول
~~الكلام.
# وأما قول السيد (3) فقد يستدل عليه برواية زرارة المتقدمة في حكم القطرة
~~من الخمر (4)، وهي مقدوحة السند والدلالة (5).
# قدر جماعة من الأصحاب القليل بمثل دم ذبح الطير والرعاف القليل، والكثير
~~بدم ذبح الشاة (6)، ولعلهم استفادوا ذلك من مثل صحيحة علي بن جعفر الجامعة
~~بين حكمهما (7). ويؤيده الترديد في السؤال عن ذبح دجاجة أو حمامة وجعل حكم
~~الرعاف متحدا معهما فيها.
# وعن الراوندي أن الاعتبار في ذلك بماء البئر في الغزارة والنزارة (8)،
~~وهو غير مستفاد من دليل، لعدم ذكر القلة والكثرة في الرواية والاعتماد على
~~استنباط العلة ضعيف.
# PageV01P559
# الخامسة: ذهب الشيخان (1) والمرتضى (2) وأتباعهم (3) إلى وجوب أربعين
~~دلوا للثعلب والأرنب والكلب والخنزير، والسنور والشاة، لموثقة سماعة (4)،
~~ورواية علي (5)، وليس فيهما إلا الترديد بين الثلاثين والأربعين، أو مع
~~العشرين أيضا.
# ولا دلالة فيها على مطلوبهم.
# وقال الصدوق في الفقيه: في الكلب ثلاثون إلى أربعين وفي السنور سبع دلاء،
~~وفي الشاة وشبهها تسع دلاء إلى عشرة (6). وفي المقنع: إن وقع فيها كلب أو
~~سنور فانزح ثلاثين دلوا إلى أربعين. وقد روي سبع دلاء، وإن وقعت في البئر
~~شاة فانزح منها سبع دلاء (7).
# وهذان القولان يستفادان من أخبار متفرقة (8)، وههنا أخبار كثيرة معارضة
~~لما ذكر، ففي بعض الصحاح ما يدل على كفاية الخمس (9) وفي بعضها ما يدل على
~~نزح دلاء (10)، وفي بعضها ما يدل على ms0274 نزح الجميع (11)، ولكن لا يعهد على
~~ظاهرها عامل، وهذا كله دليل الاستحباب. ولا ريب أن الأحوط العمل على
~~الأربعين.
# PageV01P560
# وعن الشيخين (1) والمرتضى (2) وأتباعهم (3) وجوب أربعين في بول الرجل
~~أيضا، لرواية علي بن أبي حمزة (4)، ويعارضها أخبار مثل صحيحة معاوية بن
~~عمار (5) الدالة على وجوب نزح الجميع في انصباب البول، وصحيحة ابن بزيع
~~المشتملة على نزح دلاء لقطراته (6)، ورواية كردويه المشتملة على الثلاثين
~~(7). وربما رجح بعض المتأخرين العمل على الصحيحتين (8) في موردهما (9).
# والأظهر الأول، لاعتضاد الرواية بالشهرة، وهجرهم العمل على ظاهر الصحيحة
~~الأولى، بل الأخيرة أيضا.
# ثم إن الأكثر على تفاوت حكم بول الرجل والمرأة (10)، وابن إدريس ساوى
~~بينهما محتجا بتناول لفظ الانسان لهما (11)، ورد بعدم ورود النص معلقا على
~~بول الانسان (12).
# PageV01P561
# ثم إن جماعة من الأصحاب ألحق بول المرأة بما لا نص فيه (1)، وبعضهم أوجب
~~ثلاثين لرواية كردويه (2). وربما يستشكل الأول بوجود النص العام مثل صحيحة
~~معاوية وصحيحة ابن بزيع ورواية كردويه، ويمكن دفعه بأنها مهجورة عندهم في
~~البول، والأحوط فيه على القول بالنجاسة نزح الجميع.
# والظاهر عدم الفرق بين بول الكافر والمسلم، وكذلك الكلام في العذرة
~~والدم، لعموم النص (3)، واحتمل بعضهم الفرق (4)، لأن لنجاسة الكفر تأثيرا،
~~ولذلك يجب النزح لوقوع الماء المتنجس بملاقاة بدن الكافر. والإشكال هنا
~~أضعف منه في نزح سبعين لموت الكافر، لتطرق المنع إلى تعدد النجاسة في البول
~~مثلا حينئذ، وقوة الإطلاق وخفاء اعتبار الحيثية في الفهم العرفي، لظهور
~~جواز انفكاك نجاسة الكفر عن الموت بخلاف ما نحن فيه.
# السادسة: المشهور بين الأصحاب وجوب ثلاثين لماء المطر المخالط للبول
~~والعذرة وخرء الكلب، لرواية كردويه، عن أبي الحسن عليه السلام: عن بئر
~~يدخلها ماء المطر فيه البول والعذرة وأبوال الدواب وأرواثها وخرء الكلاب،
~~قال: " ينزح منها ثلاثون دلوا وإن كانت مبخرة " (5).
# وعن الشيخ أنها بضم الميم وسكون الباء الموحدة وكسر الخاء بمعنى منتنة
~~(6)، ويروى على صيغة اسم المكان أيضا، ولا بد من تقييد الرواية بإذهاب
~~النتن.
# PageV01P562
# والتعدي من الرواية فيما لو مازجه شئ آخر من النجاسات لا ms0275 يجوز، كما أن
~~الظاهر أنه يكفي الثلاثون لو كان الموجود بعض المذكورات.
# وأما الإشكال بمنافاة الرواية من جهة ترك الاستفصال لما تقرر من وجوب
~~الخمسين للعذرة الذائبة أو الرطبة، وكذلك أربعين لبول الرجل، سيما مع لحوق
~~غيرهما بهما أيضا، فمدفوع بأن المخالطة مع ماء المطر مما يصلح أن يكون
~~مغيرا للحكم، فلا إشكال وإن كان عين المذكورات موجودا فيه أيضا. مع أن دليل
~~الخمسين والأربعين قد عرفت حاله، وتخصيص الشهرة بالشهرة لا غائلة فيه.
# السابعة: المشهور وجوب سبع للطير، واغتسال الجنب، ولخروج الكلب حيا،
~~ولبول الصبي، ولموت الفأرة إذا تفسخت.
# أما الطير فتدل عليه أخبار كثيرة، منها الموثق كالصحيح (1). ولا يعارضها
~~ما ورد بنزح خمس دلاء كصحيحة أبي أسامة (2). وما تضمن نزح دلوين أو ثلاثة
~~كرواية إسحاق (3) لاعتضاد الأول بالعمل. وأما بعض الصحاح المتضمنة لنزح
~~دلاء (4) فيحمل على السبعة قضية للجمع.
# وأما اغتسال الجنب، فالأخبار الواردة فيه أربعة، ثلاثة منها دالة على
~~وجوب النزح للوقوع أو النزول أو الدخول، وهي صحيحة الحلبي (5)، وصحيحة ابن
# PageV01P563
# سنان (1)، وصحيحة محمد بن مسلم (2)، ورواية أبي بصير على وجوبه لاغتسال
~~الجنب حيث سئل فيها عن اغتسال الجنب (3).
# وخص ابن إدريس الحكم بالارتماس دون مطلق المباشرة (4)، والمشهور اشترطوا
~~الغسل (5)، واكتفى بعض الأصحاب بمجرد المباشرة (6)، وادعى ابن إدريس
~~الاجماع على الوجوب بالارتماس دون مطلق المباشرة (7)، ولا يبعد أن يكون
~~مراده الغسل ارتماسا، وإن كان لفظه مطلقا. وقد قدح المحقق في دعوى الاجماع
~~وشنع عليه (8).
# وأنت خبير بأن الأخبار لا تدل على مطلق المباشرة، وما يتوهم من الجمع
~~بينها بحمل المطلقات على المقيدات - وهي رواية أبي بصير - في غاية الضعف،
~~لأن إثبات الحكم في صورة الاغتسال لا ينافي ثبوته في غيره حتى يلزم
~~التقييد، سيما والقيد في كلام السائل.
# نعم لا يبعد أن يقال: إن فهم الأصحاب قرينة على ذلك، سيما والأصل عدم
~~الوجوب، فيخرج عن مقتضاه في موضع اليقين.
# وقد يوجه (9) اشتراط الاغتسال بأنه لا وجه للنزح بدونه، لأن المفروض عدم
~~استصحابه لنجاسة أخرى، وإلا لوجب له ms0276 مقدره سيما المني، فإنه يجب له نزح
~~الجميع، والاكتفاء بذلك شاهد باشتراط عدم المني، والأصل عدم غيره أيضا،
# PageV01P564
# فيكون ذلك من جهة سلب الطهورية.
# ورد بأن المني لما لم يثبت مقدره من غير الاجماع كما مر، وما نحن فيه ليس
~~من موارده، فلا مانع من الفرق بين ما صاحبه الجنب وغيره، فالأخبار واردة
~~مورد الغالب من استصحاب المني، مع أنه لا مانع من أن يكون سببه النجاسة
~~الحكمية جعلها الشارع منجسة في البئر نجاسة عينية، أو يكون لزوال النفرة،
~~فإن فهم من الأخبار الاغتسال أو اعتمد على فهم الأصحاب فهو، وإلا فلا يحسن
~~الاعتماد على مثل ذلك.
# وقد أغرب بعضهم (1) في دفع التمسك بسلب الطهورية، حيث قال: إن قوله عليه
~~السلام في صحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة في أوائل الباب: " لا تقع في البئر
~~ولا تفسد على القوم ماءهم " (2) يدل على حرمة الغسل، فيكون باطلا، فلا يكون
~~غسلا، فلا تكون غسالته رافعة للطهورية.
# وجميع هذه المقدمات ممنوعة، سيما وذلك لا يفيد العموم، فإن ظاهر الرواية
~~أنه في غير البئر المباحة له، وظاهر الفقهاء أيضا أن الاغتسال الصحيح موجب
~~لذلك لا الأعم منه، وإلا فيلزم أن يكون مراد كل من ذكر الاغتسال أيضا مجرد
~~المباشرة، وليس كذلك.
# والأولى أن يعتبر النزح لمجرد المباشرة كيف ما اتفق، ويسكت عن سببه كما
~~سكت الله عنه. وأما على المختار من استحباب النزح فيكفي للاستحباب مجرد
~~زوال النفرة ونحوه.
# ثم هل يرتفع الحدث لو اغتسل؟ فيه وجهان، بل قولان، من جهة أن النزح لسلب
~~الطهورية، ولا يكون إلا مع ارتفاع الحدث وصدق الامتثال، ومن جهة منع
~~المقدمتين.
# PageV01P565
# وأما خروج الكلب حيا، فالمشهور فيه أيضا ذلك، لرواية أبي مريم (1)
~~المعتضدة بعمل الأصحاب، فلا تعارضها صحيحة أبي أسامة المكتفية بالخمس (2)،
~~وعليها يحمل إطلاق صحيحة علي بن يقطين المتضمنة للدلاء (3).
# وذهب ابن إدريس إلى وجوب أربعين، طرحا للروايات على أصله، وتعديا عن حكمه
~~إذا مات في البئر من باب الأولوية (4).
# وأما بول الصبي، وهو غير البالغ، ولا يطلق ms0277 عرفا على الرضيع، يعني من كان
~~له دون الحولين على تفسير ابن إدريس (5)، أو من لم يأكل الطعام كما نقل عن
~~الشيخ (6)، وقيده بعضهم بكونه غالبا على اللبن أو مساويا له (7)، فهو على
~~قول الأكثر (8)، لمرسلة منصور (9).
# ولا تعارضها صحيحة معاوية بن عمار المتضمنة لوجوب نزح الجميع (10)، ولا
~~رواية علي بن أبي حمزة المتضمنة لدلو واحد (11)، لضعف الثانية (12)، وكون
~~الأولى مخالفة لإجماعهم ظاهرا.
# PageV01P566
# والصدوق (1) والسيد (2) أوجبا ثلاث دلاء، وربما يستدل عليه بصحيحة ابن
~~بزيع المتضمنة لنزح دلاء لقطرات البول (3) بضميمة الاجماع المركب في عدم
~~الفرق بين القليل والكثير.
# وفيه: أنه أعم من بول الصبي، ولا يقاوم صريح المرسلة (4) مع اعتضادها
~~بالشهرة.
# وأما الفأرة، فقيد الأكثرون السبع بالتفسخ، واكتفوا فيما دونه بالثلاث
~~(5)، وزاد جماعة منهم الانتفاخ (6)، وأطلق المرتضى السبع (7)، وذهب الصدوق
~~إلى الدلو الواحد في غير صورة التفسخ (8).
# حجة الأولين: الجمع بين ما ورد من إطلاقات السبع من الأخبار الكثيرة من
~~الصحاح وغيرها (9)، وبين ما ورد من إطلاقات الثلاث، مثل صحيحة معاوية بن
~~عمار (10)، وصحيحة عبد الله بن سنان (11)، مستشهدا برواية أبي عيينة، عن
~~الصادق عليه السلام: عن الفأرة تقع في البئر فقال: " إذا خرجت حية فلا بأس،
~~وإن تفسخت فسبع دلاء " (12) ورواية أبي سعيد المكاري (13)، ولكن في هذه
~~الرواية
# PageV01P567
# " تسلخت " موضع " تفسخت " في بعض نسخ التهذيب (1).
# وتدل عليه أيضا صحيحة أبي أسامة المتضمنة لنزح خمس دلاء ما لم تتفسخ (2)،
~~بحمل الخمس في غير التفسخ على الاستحباب.
# وأما الانتفاخ، فلم نقف على تصريح به في الأخبار يطابق الفتوى المذكورة.
# وربما قيل: إن أول درجة التفسخ هو الانتفاخ (3)، وهو غير واضح بالنسبة
~~إلى فهم العرف واللغة.
# وأما السيد فلعل أخبار السبع عنده كانت متواترة ولم يعارضها شئ من
~~الأخبار عنده، ولم نقف للصدوق على شئ في الأخبار.
# الثامنة: يجب نزح خمس لذرق الدجاج عند الشيخ (4)، وقيده جماعة بالجلال
~~(5)، ولعل إطلاق الشيخ مبني على قوله بنجاسته مطلقا، وعموم قول أبي الصلاح
~~بنزح الجميع لخرء ما لا يؤكل لحمه (6) يقتضي ذلك في الجلال إن ms0278 كان مراده
~~أعم من التحريم بالعرض.
# وقرب المحقق (7) إدخاله في حكم العذرة، واحتمل الثلاثين لرواية كردويه
~~(8).
# ولم نقف على نص يدل على الخمس مطلقا. وقد مر ضعف قول أبي الصلاح.
# PageV01P568
# والعذرة لا تصدق على الذرق عرفا، ورواية كردويه أيضا ممنوعة الدلالة.
# وقد يستدل على الخمس بالاجماع على عدم وجوب الزائد، وعدم تيقن البراءة
~~بالأقل. ولعله مبني على عدم الاعتناء بخلاف أبي الصلاح، أو يحمل كلامه على
~~المحرم بالذات. وكيف كان الأظهر الاكتفاء بالخمس.
# التاسعة: المشهور وجوب ثلاث للحية (1)، وعن علي بن بابويه وجوب سبع (2).
# ويدل على الأول صحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا سقط في
~~البئر شئ صغير فمات فيها فانزح منها دلاء " (3) تنزيلا لها على الأقل.
# وقد يناقش بمنع كون الحية ذات نفس سائلة، فتخرج من الصحيحة (4) بما ورد
~~في الأخبار من أن ما لا نفس له لا يفسد الماء (5). وبأنها مقيدة بصحيحة ابن
~~سنان الدالة على نزح سبع دلاء للدابة الصغيرة (6).
# والأول مدفوع بأن الحية ذات نفس، كما صرح به المحقق (7)، وسمعت ثقة قتلها
~~وشاهد أن لها دما سيالا في غاية القوة كالسائل عن الفصد، وسمعت بعض مشايخنا
~~أيضا أنه سمع ثقة آخر كذلك.
# مع أن ما لا نفس له أعم من الشئ الصغير من وجه كما يشاهد في السمك
~~الكبير،
# PageV01P569
# وترجيحه يحتاج إلى دليل، إلا أن يتمسك بالأولوية، فينحصر الترجيح في
~~اشتهار العمل، والدابة أيضا محمولة على المعنى العرفي، فلا تدخل فيها
~~الحية. ولعل دليل السبع هو صحيحة ابن سنان ودلالتها غير واضحة. وقد ذكر له
~~وجوه أخر كلها ضعيفة.
# وعن الشيخين (1) وجماعة من الأصحاب (2) وجوب الثلاث للوزغة أيضا، وعن
~~سلار (3) وأبي الصلاح (4) دلو واحد.
# حجة الأولين: صحيحة معاوية بن عمار (5) وصحيحة ابن سنان (6) المتقدمتين
~~في الفأرة، ولا يعارضهما رواية يعقوب بن عثيم الدالة على السبع لضعفها (7)
~~- (8).
# وحجة الدلو الواحد: رواية يعقوب بن عثيم المروية في الفقيه (9)، ومرسلة
~~عبد الله بن المغيرة المروية في الكافي (10)، ولا يعارض بهما ما تقدم.
# وقال ابن إدريس: إنه لا ms0279 يجب لها شئ، لأنه لا نفس لها سائلة (11).
# عن الشيخ (12) وابن البراج (13) وأبي الصلاح (14) أيضا وجوب ثلاث للعقرب.
# PageV01P570
# ولا دليل له، ورواية هارون بن حمزة الغنوي لا دلالة فيها أصلا (1)،
~~ورواية منهال المشتملة على نزح عشر دلاء مع ضعفها (2) (3) مهجورة عند
~~الأصحاب، ولعل وجهها الاجتناب عن سمها.
# وذهب المحقق إلى استحباب ثلاث فيهما (4)، ولا بأس به.
# العاشرة: المعروف من مذهب الأصحاب وجوب دلو للعصفور، ولم ينقل خلاف، إلا
~~أن الصدوق ذكر الصعوة مكان العصفور (5)، فإن ترادفا أو أراد منها العصفور
~~مجازا فلا خلاف، وإلا فالمرجع هو ما دل عليه من الأخبار (6).
# ويدل على المشهور موثقة عمار المتقدمة في موت الانسان (7)، ويخصص بها كل
~~ما ورد في مطلق الطير أو الشئ الصغير من نزح الدلاء أو غيره، وإن كان
~~صحيحا.
# ومن تأمل في هذه الموثقة وما ورد في وجوب السبع للطير (8)، سيما مع عطف
~~الدجاجة على الطير كما في موثقة أبي أسامة وأبي يوسف (9) ورواية علي (10)
~~يظهر له صحة ما ذهبوا إليه من أن العصفور وما أشبهه مما دونه وما فوقه إلى
~~الحمامة حكمه
# PageV01P571
# دلو واحد، ومن الحمامة وما فوقها إلى النعامة سبع، لا لأن العصفور حقيقة
~~فيما دون الحمامة والطير حقيقة فيها وفيما فوقها لغة أو عرفا، بل لأن
~~المستفاد من موثقة عمار المعمول بها عند الأصحاب التي لا يوجد لها راد كما
~~ذكره في المعتبر (1) بعد التأمل أن المعيار في أحوال الحيوانات ما بينهما
~~هو ملاحظة الجثة وموافقة المتقاربات.
# ثم بملاحظة التنصيص في الدجاجة والطير والمستفاد منه ثبوت السبع في
~~الدجاجة وما أشبهها في الجثة، وخصوصا بعد ملاحظة صحيحة البقباق (2) وصحيحة
~~الفضلاء (3) المتضمنتين لنزح الدلاء في الطير، المستحقتين لحملهما على
~~السبع جمعا، مع بعد بقاء جميع أفراد الطير تحت السبع مع تباعد جثثها، وعدم
~~اعتبار مقاربة جثة ما دون الحمامة من صغار الطيور عن الاعتبار، وعدم القول
~~بالواسطة بين نزح الدلو والسبع يتعين القول برجحان ما اشتهر من التفصيل.
# وعن الراوندي اخراج الخفاش عن شبه العصفور، معللا بنجاسته لأنه ms0280 مسخ (4).
# وأجيب بمنع المقدمتين.
# والأظهر أن المراد بالمشابهة هي المشابهة في الجثة في نوعها، لا في شخصها
~~كما توهمه بعض الأصحاب (5).
# والأكثر على وجوب دلو لبول الرضيع أيضا (6)، لرواية علي بن أبي حمزة
# PageV01P572
# المشتملة على نزح دلو لبول الفطيم (1)، ولعله من باب الأولوية. وقد
~~يستشكل مع القول بوجوب السبع في بول الصبي، ويمكن أن يمنع صدق الصبي على
~~الفطيم، فإن لإطلاق الفطيم زمانا قصيرا محدودا، والمشتق حقيقة في المتلبس
~~بالمبدأ، والأصل عدم ثبوت الزائد من الدلو الواحد.
# وعن أبي الصلاح (2) وابن زهرة (3) نزح ثلاث، وقد يستدل له بصحيحة ابن
~~بزيع المتضمنة لنزح دلاء لقطرات البول (4) بعمومها بحملها على الثلاث، مع
~~انضمام عدم القول بالفرق بين القليل والكثير.
# الحادي عشر: إذا تغيرت البئر بالنجاسة فالأقوى الاكتفاء بنزح ما يزول به
~~التغير، بلا خلاف ظاهر بين القائلين بعدم الانفعال (5)، للأخبار المعتبرة
~~منها صحيحة ابن بزيع (6) وصحيحة أبي أسامة (7).
# ولا يقاومها ما يدل على نزح الجميع مثل صحيحة معاوية بن عمار، عن الصادق
~~عليه السلام، قال: سمعته يقول: " لا يغسل الثوب، ولا تعاد الصلاة مما وقع
~~في البئر إلا أن ينتن، فإن أنتن غسل الثوب وأعاد الصلاة ونزحت البئر " (8)
~~لاعتضاد أخبارنا بالأصل، مع عدم وضوح دلالتها، فيحمل على ما يزيل التغير.
# PageV01P573
# وكذلك صحيحة أبي مريم، مع أنها لم يذكر فيها التغير، بل إنما هو تأويلها
~~(1).
# وكذلك موثقة عمار المشتملة على نزح كل الماء لوقوع الكلب والفأرة
~~والخنزير، مع ما فيها من الجمع بين المذكورات (2)، وكذلك رواية أبي خديجة
~~(3) لضعفها، فنحملها على الاستحباب.
# وللقائلين بالانفعال أقوال شتى، منها: نزح الجميع، فإن تعذر فالتراوح
~~(4)، للروايات المذكورة (5)، ولقيامه مقام ما تعذر فيه نزح الجميع مما له
~~مقدر. وضعفه ظاهر مما تقدم.
# منها: النزح حتى يزول التغير (6)، للمعتبرة التي اعتمدناها (7).
# وفيه: أن بينها وبين ما ورد في المقدرات عموما من وجه، ولم يمكن تخصيصها
~~بغير صورة التغير، للزوم كون التغير أنقص من عدمه في مقدار النزح. فالأولى
~~تخصيص المعتبرة، ومقتضاها الرجوع إلى أكثر الأمرين.
# ومنها: نزح الجميع، ms0281 فإن تعذر فإلى أن يزول التغير جمعا بين ما دل على نزح
~~الجميع وما دل على مزيل التغير (8).
# وفيه: أنه لا دليل على هذا الجمع من عقل ولا نقل، والأولى حمل الأول على
~~الاستحباب.
# PageV01P574
# ومنها: وجوب أكثر الأمرين إن كان مقدر، وإلا فالجميع، ثم التراوح مع
~~التعذر (1). أما الأول فلما مر من تخصيص ما ورد في مزيل التغير بما ورد في
~~المقدر. وأما الثاني فلكونه مما لا نص فيه، ويجب فيه نزح الجميع عندهم في
~~المتغير منه أيضا من باب الأولوية ونيابة التراوح عنه فيما لو تعذر مثل
~~القول الأول.
# والجواب عن الأول: منع المقاومة على أصلنا، فلا يخصص. وعن الثاني المنع
~~كما تقدم.
# ومنها: نزح الجميع، فإن غلب اعتبر أكثر الأمرين (2)، ويظهر دليله وجوابه
~~مما مر.
# ومنها: نزح مزيل التغير، ثم المقدر إن كان مقدر، وإلا فالجميع، ثم
~~التراوح إن تعذر (3)، لأصالة عدم تداخل الأسباب في الأول، وعدم إمكان
~~إعمالها إلا بتقديم مزيل التغير كما لا يخفى، ولكونه مما لا نص فيه في
~~الثاني ونيابة التراوح عنه عند التعذر كما مر.
# والجواب على أصلنا يتضح مما تقدم، وإن كنا نقول بأصالة عدم تداخل الأسباب
~~إلا فيما يدل عليه الدليل، مع أن الظاهر أن الدليل موجود هنا كما سيجئ.
# ومنها: أكثر الأمرين فيما له مقدر، والاكتفاء بزوال التغير في غيره (4)،
~~وهذا القول أنسب بالقول بالانفعال من غيره، ويظهر وجهه مما مر، وكذلك جوابه
~~على ما اخترناه في الأصل.
# PageV01P575
# الثانية عشر: الأقوى عدم تداخل النزح مع تضاعف النجاسات، سواء تخالفت في
~~النزح كالانسان والكلب، أو تماثلت في المقدار كالكلب والشاة، أو في الاسم
~~كالشاتين، لأن الأصل عدم التداخل كما مر في مباحث الأغسال، وهو مذهب جماعة
~~منهم الشهيدان رحمهما الله (1).
# وقد استثنوا من ذلك ما لو حصل بالتعدد في المماثل ما يوجب تفاوت الحكم،
~~كما لو لحق بالدم القليل بعد صبه ما يصيره كثيرا، وزاد في الذكرى ما لو زاد
~~به أصل الكثرة (2)، فإنه أيضا كثير. وفيهما أيضا إشكال.
# وذهب العلامة ms0282 إلى التداخل مطلقا (3)، واختار المحقق الأول مع الاختلاف
~~وإن تماثلت في مقدار النزح، وتردد في المتساويين كالشاتين (4).
# حجة العلامة: صدق الامتثال بالنزح لأكثر الأمرين مع التخالف، والمقدر
~~لهذا النوع مع التماثل، لمنع دلالة الأخبار على تعدد النزح، وقد يزاد في
~~الاستدلال في صورة التماثل تناول الاسم للقليل والكثير، ويظهر لك ما فيه
~~بالتأمل فيما مر. مع أن الأخير لا يتم فيما تعلق الحكم بفرد من الجنس.
# وأما تردد المحقق في المتساوي (5)، فمن ملاحظة اتحاد نوع النجاسة
~~كالنجاسة الكلبية أو البولية، ومن أن كثرة الواقع توجب كثرة مقدار النجاسة.
~~ولا يخفى ضعف الأول، سيما فيما تعلق الحكم بالفرد.
# والظاهر الاكتفاء بنزح الجميع فيما قصر الماء عن استيفاء كل منها، وكذا
~~لو زاد
# PageV01P576
# المقدر الواحد عن الجميع، لأن الحكم إنما تعلق بما فيه من الماء.
# وقد يتأمل في ذلك بأن طهارة أرض البئر لم تثبت إلا بنزح المقدر، فنجاستها
~~مستصحبة.
# وفيه: منع نجاسة الماء الخارج بعد ذلك، لعدم استفادتها من أدلة نجاسة
~~البئر، والأصل طهارة الماء الخارج، وسيجئ تمام الكلام.
# ولو تعدد موجب نزح الجميع وتعذر، ففي الاكتفاء بتراوح يوم إشكال، يظهر
~~وجهه من أصالة عدم التداخل، ومن كون البدل في حكم المبدل.
# الثالثة عشر: اختلفوا في حكم أبعاض ما له مقدر، فعن جماعة إلحاقها بالكل
~~(1)، ولا دليل عليه لتغايرهما. وألحقها بعضهم بما لا نص فيه (2). وفصل صاحب
~~المعالم بكفاية مقدر الكل إن كان أقل من منزوح ما لا نص فيه، تعديا من باب
~~الأولوية، وإلا فمنزوح ما لا نص فيه (3). وليس ببعيد.
# وأما لو تعددت الأجزاء، فإن وقع جميع الأجزاء دفعة ففيه إشكال، لعدم
~~انفهام ذلك من إطلاق الاسم.
# وربما يفهم مما تقدم من استثناء مثل مصير الدم القليل كثيرا استثناء ذلك
~~من عدم تداخل الأجزاء أيضا، بل الشهيد جعل الحكم هكذا فيما لو وقع جميع
~~الأجزاء في أكثر من دفعة أيضا (4).
# وفيه نظر، لعدم صدق اسم الكل عليه حينئذ، بخلاف الدم الكثير، فعلى
~~الاستثناء والقول بالتداخل يجب نزح المقدر مرة، ms0283 أو منزوح ما لا نص فيه مرة
~~على
# PageV01P577
# القولين. وأما على ما ذكرنا من الإشكال في أصل الاستثناء في أصل المسألة
~~فيعتبر كل واحد على حدة.
# ويظهر لك حكم التداخل وعدمه في الأجزاء في غير صورة الاستثناء أيضا مما
~~مر، وكذلك أجزاء ما لا نص فيه. وكذلك يظهر حكم جزءين من إنسانين وقعا في
~~البئر مما تقدم.
# وأما الحيوان الحامل إذا علم وصول الماء إلى جوفها، ففيه أيضا إشكال.
~~وكذلك الإشكال في ذات الرجيع النجس إذا وصل الماء إلى جوفها. والإطلاقات
~~تقتضي عدم التعدد، وإن كان قد يناقش في انصرافها إلى الأول.
# وأما نحن معاشر القائلين بعدم الانفعال فبمعزل عن تلك الإشكالات والحمد
~~لله.
# الرابعة عشر: النزح بعد اخراج النجاسة أو استهلاكها وانعدامها، لأنها ما
~~دامت باقية فيها يثبت لها حكم الملاقاة أولا، لصدق الملاقاة، والظاهر عدم
~~الخلاف فيه.
# وتدل عليه صحيحة الفضلاء (1)، وصحيحة البقباق (2).
# هذا إذا لم تكن موجبة لنزح الجميع، وإلا فلا يضر نزح بعض الماء قبل
~~الإخراج، ووجهه ظاهر.
# ولو تفرقت أجزاء الحيوان وشاعت في الماء، فينزح بعد خروج جميعها، والظاهر
~~الاكتفاء بالظن الغالب.
# وكذلك الشعر من نجس العين، أو مطلقا على القول بنجاسته باعتبار أصوله
~~المتصلة بالميتة، كما احتمله في الذكرى (2). ولو استمر خروجه نزح الجميع،
~~أو
# PageV01P578
# يعطل حتى يحصل العلم أو الظن بالخروج أو الاستهلاك.
# الخامسة عشر: يحمل الدلو في الأخبار على العرف العام، لعدم ثبوت الحقيقة
~~الشرعية، وجهالة عرف زمانهم عليهم السلام، وفي اعتبار معتاد تلك البئر أو
~~معتاد الآبار المتعارفة إشكال. وكذلك في اعتبار معتاد تلك البئر بحسب
~~المتعارف أو بحسب عادة أهلها.
# والأظهر اعتبار المتعارف في الآبار المتعارفة.
# وربما قيل بتحديد الدلو بثلاثين رطلا، وقيل بأربعين (1)، ولا يحضرني لهما
~~مأخذ.
# وهل يعتبر العدد في الدلو، أو يكفي النزح بآلة تسع العدد؟ فيه قولان،
~~أظهرهما: الأول، وقوفا مع النص (2).
# ووجه الثاني: أن العلة للتطهير هو اخراج ذلك المقدار من الماء، وتقييده
~~بالعدد لانضباطه، سيما والغالب ذلك، فالحكم وارد مورده.
# وفيه: منع العلة، إذ ms0284 لعل للتكرير وكثرة تمويج الماء مدخلية في التطهير
~~كما في تعدد الغسلات في التطهير، ونظيره كثير.
# وأما في مزيل التغير، فالظاهر أنه لا حاجة إلى اعتبار العدد، بل ولا
~~الدلو، وكذلك فيما يوجب نزح الجميع، وما يوجب نزح الكر.
# السادسة عشر: يعفى عن المتساقط من الدلو، وعن جوانبها إذا تساقط عليها
~~وحمأتها (1)، وبطهرها يطهر المباشر، والدلو والرشا (4).
# PageV01P579
# أما الأول: فلا إشكال في المتعارف منه وإلا لم يمكن التطهير عادة، وأما
~~غير المتعارف مثل أن يصب كل الدلو أو أغلبه فقيل: لا يوجب شيئا، للأصل (1).
# وفيه: أن كون ذلك نجاسة لم يرد فيها نص، - فيجب فيه ما يجب فيه - يخرجه
~~عن الأصل، وقيل: كذلك فيما عدا الدلو الأخير، فيجب فيه ما يجب في ما لا نص
~~فيه (2). وفرقه مبني على الفرق بين وصول النجاسة بالماء الطاهر والماء
~~النجس، وهو غير واضح، لأن لكل نجاسة تأثيرا.
# وقيل: بأقل الأمرين من منزوح أصل النجاسة ومنزوح ما لا نص فيه (3)، لأن
~~الفرع لا يزيد على الأصل، وهو أحسن الأقوال وإن كان لا يخلو عن إشكال.
# وأما الثاني: فلا إشكال فيه بعد الخلاص عن النزح، وأما قبله ففيه إشكال،
~~سيما في الحمأة. قال في الذكرى: وأجمعوا على طهارة الحمأة والجدران (4)،
~~وهذه العبارة محتملة لهما.
# وأما الثالث: فلا إشكال في طهارة الدلو والرشا، ويدل عليه استحباب بعض
~~مراتب النزح، كالأربعين فيما يجب فيه ثلاثون من دون لزوم تطهير بينهما،
~~وإلا لنبه عليه الشارع. والظاهر أن المباشر أيضا كذلك لذلك، وطريق الاحتياط
~~واضح.
# وكل ذلك مما يؤيد عدم الانفعال، هذه أحكام النزح.
# وأما تطهيرها بغير النزح فصريح جماعة من الأصحاب إمكانه، وأنه مثل غيره
~~من المياه (5)، وظاهر المحقق في المعتبر انحصاره في النزح (6)، والأظهر
~~الأول، فيمكن تطهيرها بالجاري والكثير والغيث بالشرائط المتقدمة في غيرها،
~~لما ذكرنا من
# PageV01P580
# الأدلة على الوجه الذي حققناه. ولعل المحقق تمسك باستصحاب النجاسة، ومنع
~~دلالة الأدلة في غير النزح.
# ثم الظاهر على القول بالنجاسة سقوط النزح بذلك، وأما على القول بالتعبد
~~فقيل (1): إنه ms0285 لو حصل التطهير بالممازجة والاستهلاك يسقط، لعدم بقاء الاسم،
~~ولو حصل بالاتصال لو قيل به لم يسقط.
# ولو أجريت البئر النجسة ففي طهارتها ونجاستها وطهارة ما بقي بعد جريان
~~قدر المنزوح أوجه، أوجهها الأخير، وأحوطها الأوسط.
# ولو زال تغير المتغير بالنجس من قبل نفسه أو بعلاج فلا يطهر، ولكن هل
~~يكتفى بنزح ما يزول معه التغير لو كان باقيا، أو يجب نزح الجميع؟ فيه
~~قولان، أظهرهما الأول.
# ولعل من يوجب نزح الجميع يتمسك بعدم إمكان ضبط مقدار مزيل التغير حينئذ،
~~وهو ممنوع في جميع الصور، فلا يطرد. وهذا الحكم يجري على المختار أيضا
~~للاستصحاب.
# وأما لو غار الماء ثم عاد، فقال كثير من الأصحاب بسقوط النزح (2)، لأن
~~علة الطهارة هو ذهاب الماء، وهو موجود هنا كما في النزح، ولأن ما يجب نزحه
~~هو ماء البئر المحكوم بنجاسته ولم يعلم وجوده حينئذ. ورد: بمنع العلة، فلعل
~~للنزح مدخلية لحصول الجريان إلى الخارج. وبأن ما ذكر لا يوجب طهارة أرض
~~البئر، فيتنجس الخارج بالملاقاة لاستصحاب النجاسة.
# ويمكن منع نجاسة الماء الخارج بالملاقاة، فإن ما دل على نجاسة ماء البئر
~~لا يشمل هذه كما لا يخفى.
# ويشكل بأن ذلك لا يرفع استصحاب نجاسة الأرض، إلا أن يقال بعدم استحالة
# PageV01P581
# الجمع بين الدليلين، فيعمل على مقتضاهما.
# وأما لو طهرت أرض البئر بعد الغور بالشمس أو المطر فالأمر فيه أسهل لما
~~ذكرنا.
# تنبيه:
# لا ينجس البئر بقرب البالوعة - أعني بها ما فيه الماء النجس فيشمل الكنيف
~~- ما لم يحصل اليقين بالاتصال عند من لا يعتبر الظن كما هو الحق، فإذا حصل
~~اليقين فلا ينجس إلا إذا تغير بها على المختار.
# ويدل عليه الأصل والأخبار عموما وخصوصا (1)، وكذلك الحكم إذا حصل التغير
~~ولم يعلم استناده إليها.
# ويستحب تباعدهما خمسة أذرع مع فوقية قرار البئر على قرار البالوعة، لا
~~مجرد وجه الأرض، أو مع صلابة الأرض. وسبعا بدونهما، للجمع بين رواية الحسن
~~بن رباط، عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن البالوعة تكون فوق البئر،
~~قال: " إذا ms0286 كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع، وإن كانت فوق البئر فسبعة أذرع
~~من كل ناحية، وذلك كثير " (2).
# ومرسلة قدامة بن أبي زيد، عن بعض أصحابنا، عنه عليه السلام قال: سألته كم
~~أدنى ما يكون بين بئر الماء والبالوعة؟ فقال: " إن كان سهلا فسبعة أذرع،
~~وإن كان جبلا فخمسة أذرع " ثم قال: " يجري الماء إلى القبلة إلى يمين،
~~ويجري عن يمين القبلة إلى يسار القبلة، ويجري عن يسار القبلة إلى يمين
~~القبلة، ولا يجري من
# PageV01P582
# القبلة إلى دبر القبلة " (1).
# ولعل المراد من كل ناحية في الأولى، من أي جهة كان من شرقها أو غربها أو
~~غير ذلك، والمساحة إنما تلاحظ بالنسبة إلى الجانب الذي يليها، وإن كان
~~بالنسبة إلى الآخر أزيد. والتقييد في الروايتين وإن كان ممكنا بالنسبة إلى
~~كل واحد من السبعة والخمسة إلا أن تقييدهما معا يوجب التساقط، فالمدار على
~~الترجيح، وهو مع الخمسة، لكونها موافقة للأصل وعمل الأصحاب.
# ثم إن ظاهر الأكثر اعتبار السبع في صورة المساواة (2)، ويظهر من الإرشاد
~~اعتبار الخمس (3)، والأول هو مقتضى إطلاق رواية قدامة، وتؤيده رواية محمد
~~بن سليمان الآتية (4).
# وجعل جماعة من المتأخرين (5) الكون في جهة الشمال بمنزلة الفوقية الحسية،
~~لرواية قدامة، ورواية محمد بن سليمان.
# وجعلوا ما تعارض فيه الفوقيتان بمنزلة التساوي، وذكروا أن صور المسألة
~~باعتبار ملاحظة وقوع كل من البئر والبالوعة في المشرق أو المغرب أو الشمال
~~أو الجنوب وتساوي القرارين وارتفاع أحدهما وصلابة الأرض أو رخاوتها أربع
~~وعشرون صورة. وما تقدم من جعل التعارض بمنزلة التساوي يقتضي أن يكون
~~التباعد بسبع في ثمان صور كلها في صورة رخاوة الأرض: ثلاث منها فيما لو
~~كانت البالوعة في جانب الشمال، وواحدة في صورة العكس إذا كان قرار البالوعة
~~فوق قرار البئر، واثنتان منها فيما كان البئر في جانب المشرق مع مساواتها
~~للبالوعة أو انخفاضها،
# PageV01P583
# واثنتان منها في العكس كذلك. ويبقى اعتبار الخمس وفي ست عشرة صورة أخرى
~~لا حاجة إلى ذكرها.
# وفي المدارك وغيره أن التباعد بخمس في سبع عشرة صورة، ms0287 وبسبع في سبع (1)،
~~وهو غفلة عن جعل التعارض بمنزلة التساوي، مع أن ذلك يوجب اعتبار السبع في
~~ست لا سبع. إلا أن يقال: التفوق بحسب الجهة إنما يعتبر في البئر دون
~~البالوعة جمودا على ظاهر النص، وهو بعيد، لأن ما دل على ذلك يدل على علو
~~الجهة، وهو لا يتفاوت في البئر والبالوعة.
# ثم إن ابن الجنيد خالف المشهور وقال: تكره الطهارة من بئر تكون بئر
~~النجاسة التي تستقر فيها من أعلاها في مجرى الوادي، إلا إذا كان بينهما في
~~الأرض الرخوة اثنا عشر ذراعا، وفي الأرض الصلبة سبعة أذرع، فإن كانت تحتها
~~والنظيفة أعلاها فلا بأس، وإن كانت محاذيتها في سمت القبلة فإذا كان بينهما
~~سبعة أذرع فلا بأس (2).
# واستدل له برواية محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، قال: سألت أبا عبد
~~الله عليه السلام عن البئر يكون إلى جانبها الكنيف، فقال لي: " إن مجرى
~~العيون كلها من جهة مهب الشمال، فإذا كانت البئر النظيفة فوق الشمال
~~والكنيف أسفل منها لم يضرها إذا كان بينهما أذرع، وإن كان الكنيف فوق
~~النظيفة فلا أقل من اثني عشر ذراعا، وإن كانت تجاها بحذاء القبلة وهما
~~مستويان في مهب الشمال فسبعة أذرع " (3).
# والرواية ضعيفة (4)، والعمل على المشهور وإن كان العمل عليها أيضا غير
~~مضر، حملا لها على الأفضلية.
# PageV01P584
# بسم الله الرحمن الرحيم PageV02P001
# غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام للفقيه المحقق الميرزا أبو القاسم
~~القمي (1152 - 1221 ه) الجزء الثاني كتاب الصلاة تحقيق مكتب الاعلام
~~الاسلامي - فرع خراسان PageV02P003
# الطبعة الأولى / 1418 ق، 1376 ش PageV02P004
# كتاب الصلاة وهو مشتمل على مقدمة وفصول: PageV02P019
# أما المقدمة فالصلاة في اللغة: الدعاء (1).
# وفي اصطلاح المتشرعة: هي مجموع الأفعال والصور المعهودة في ألسنة
~~المتشرعة المشروطة صحتها بالقبلة والقيام.
# أو أنها مجموع المذكورات، جامعة للشرائط التي لا تصح إلا بها.
# أو أنها مجموع المذكورات، مع كونها ذات ركوع وسجود.
# والأظهر ذلك مع الاعتبار (2) الأول من الاعتبارين، فيكون إدراج صلاة
~~الأموات بعنوان المجاز.
# ويؤيده قولهم عليهم السلام: " لا صلاة إلا بطهور ms0288 " (3) و " لا صلاة إلا
~~بفاتحة الكتاب " (4).
# وهذا هو صريح العلامة في التذكرة، وظاهر المحقق في المعتبر (5).
# PageV02P021
# وظاهر بعضهم - كالشهيد في جملة من كتبه - كونها حقيقة فيها (1). والنزاع
~~في ذلك قليل الجدوى.
# الحق أن ذلك كذلك عند الشارع أيضا، سيما الصادقين ومن بعدهما عليهم
~~السلام.
# وهي تنقسم إلى: واجبة ومندوبة، لاستحالة انفكاكها عن الرجحان.
# وأما المكروهات فترجع إلى أحدهما عند المشهور، ويلاحظ الرجحان فيها من
~~حيث نفس طبيعة العبادة عند غيرهم كما هو الأقوى (2).
# ولا ينافي ذلك زوال الرجحان لعارض وإبقاء الكراهة على معناها الحقيقي في
~~بعض الصور.
# أما المنهي عنها تحريما فبعضها فاسد أوليس بصلاة على الأصح، كالذي كان
~~بينه وبين المأمور به عموم وخصوص مطلق، وكذلك ما كان بينهما تعارض من وجه
~~لو قلنا بصدق المنهي عنه عليه على المشهور، لكن الأقوى خلافه، وقد حققنا
~~هذه المطالب في الأصول (3).
# ثم إن الواجبة على سبيل مطلق الاستعمال منحصرة في سبعة بحكم الاستقراء:
# اليومية، والجمعة، وصلاة العيدين، والآيات، والطواف، والأموات، وما تلتزم
~~بنذر وشبهه.
# وتلحق باليومية متعلقاتها من الاحتياط والقضاء ونحوهما.
# وصلاة الاستئجار يمكن أن تدرج في هذه وفي القسم الأخير.
# والمندوبة أيضا تنقسم إلى موقتة وغيرها.
# PageV02P022
# لفصل الأول في جملة أحكام الفرائض وأقسامها الثانوية كالظهر والعصر،
~~الثالثية كالقصر والإتمام، وأحكام النوافل وأقسامها.
# وأما تفصيل كيفياتها وأجزائها ولواحقها فوظيفة سائر الفصول.
# وفي هذا الفصل مقاصد: PageV02P023
# المقصد الأول في اليومية والجمعة وفيه مباحث:
# الأول: الصلاة اليومية خمس: الظهر والعصر كل واحدة منهما أربع ركعات،
~~والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أيضا أربع ركعات، والفجر ركعتان.
# تجب تلك في كل يوم وليلة على كل مكلف جامع لشرائط التكليف بالضرورة من
~~الدين، والآيات (1)، والأخبار بإيجابها والتأكيد عليها والتهديد على تركها
~~مشحونة (2).
# ومستحلها كافر يجب قتله من دون الاستتابة، إلا أن يمكن في حقه دعوى شبهة،
~~وذلك في الرجل المسلم فطرة دون غيره. وتفصيل ذلك وظيفة كتاب الحدود.
# وما ذكرنا من بداهة وجوب تلك الصلاة مطلق إلا الظهر في يوم الجمعة، فإنها
~~تتبدل بركعتين مع الشرائط الآتية ms0289 والتفاصيل التي ستسمعها.
# PageV02P025
# وجوب صلاة الجمعة في الجملة مما لا ريب فيه بالإجماع والكتاب (1) والسنة
~~المتواترة (2)، بل قد يدعى كونه بديهيا من الدين.
# الأمر والوجوب اللذان تضمنتهما تلك الأدلة وإن كان يتبادر منهما الواجب
~~العيني المطلق، ولكن جماعة من فقهائنا - وهم عشرة على ما يحضرني الآن -
~~ادعوا الاجماع في مواضع عديدة من كلماتهم على كون وجوبها مشروطا بحضور
~~المعصوم أو نائبه الخاص (3).
# ويشير إليه قوله عليه السلام في الصحيفة في دعاء يوم الأضحى ويوم الجمعة:
# " اللهم إن هذا المقام لخلفائك... (4).
# ومقتضى ذلك: عدم الجواز إذا لم يحصل الشرط، لأن التحقيق أن انتفاء الفصل
~~علة لانتفاء الجنس، ورفع الوجوب مستلزم لرفع الجواز، إلا أن يدعى الاجماع
~~على اشتراط العينية بذلك بحيث تدل تلك الدعوى على بقاء الجواز، فيكون دليلا
~~جديدا، وذلك غير معلوم من مدعيه.
# القول بأن الاجماع على نفي العينية في صورة عدم الشرط قرينة على أحد
~~معنيي المشترك - وهو التخييري - مدفوع بمنع الاشتراك أولا كما مر، وبعدم
~~جواز استعمال المشترك في معنييه بالنسبة إلى الواجد والفاقد كما هو التحقيق
~~ثانيا (5).
# PageV02P026
# ولذلك ذهب جماعة من أصحابنا إلى التحريم، مدعيا بعضهم الاجماع على اشتراط
~~انعقادها أيضا بما ذكر (1)، فيكون شرط الوجوب شرطا للصحة أيضا.
# رفع النزاع بين الفريقين إما بإثبات الجواز من دليل آخر، ومنع الاجماع
~~على اشتراط الصحة بذلك في غير حال التمكن من الشرط إذ هو القدر المتيقن عند
~~هؤلاء. أو تسليم التحريم، لأن عدم الدليل دليل العدم، وأن انتفاء الشرط
~~مستلزم لانتفاء المشروط لو سلم الاجماع، لا لما ادعى بعضهم أن براءة الذمة
~~لا تحصل إلا بالظهر (2) لظهور بطلانه.
# والجواز هو المشهور بين أصحابنا (3)، ولا يخلو من رجحان.
# والدليل هو الروايات، مثل ما رواه في " الأمالي " صحيحا عن الصادق عليه
~~السلام، قال: " أحب للمؤمن أن لا يخرج من الدنيا حتى يتمتع ولو مرة، ويصلي
~~الجمعة ولو مرة " (4) ونحو ذلك مما ورد بسياق المستحبات فينزل على ما نحن
~~فيه.
# وصحيحة زرارة، قال: حثنا أبو عبد الله عليه السلام على ms0290 صلاة الجمعة حتى
~~ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: " لا، إنما عنيت عندكم
~~(5).
# وموثقة عبد الملك، عن الباقر عليه السلام، قال: قال " مثلك يهلك ولم يصل
~~فريضة فرضها الله تعالى! " قال، قلت: كيف أصنع؟ قال: " صلوا جماعة " يعني
# PageV02P027
# صلاة الجمعة (1).
# فإن الظاهر أن مثل زرارة وعبد الملك لا يخفى عليهما أصل وجوب الجمعة،
~~وتركهما إنما كان من جهة عدم بسط يد الإمام، وكانا يعرفان الاشتراط، ولذلك
~~قال زرارة: " حتى ظننت " إلى آخره، وقال عبد الملك: " كيف أصنع؟ " والسياق
~~أيضا لا يفيد إلا الاستحباب.
# والحمل على أن المراد: صلوا عندكم سرا متقين من المخالفين، بعيد.
# وعلى فرض التسليم فيثبت الوجوب عينا، وقد أبطلته الاجماعات (2) وأقوى
~~منها وأوضح وأكثر بمراتب شتى أيضا.
# القول بأن ذلك إذن (3) ينافيه أن المعتبر هو الإذن الخاص، وهو المتنازع.
# ولا تفيده الروايتان، لعدم تعيين الإمام عليه السلام (4).
# وأصل صدور الرواية لو كان إذنا لزم أن تكون هذه المعركة في جميع الفرائض
~~والأحكام، ولا اختصاص له فيما نحن فيه بهذه الرواية، بل لا معنى للنزاع
~~حينئذ أصلا.
# والظاهر أنه لا قائل بالفصل بين زمان الحضور والغيبة، فيطرد الحكم.
# وأما ما يتمسك به (5) في حال الغيبة بأن الفقيه يقوم مقام الإمام عليه
~~السلام لعموم الدليل (6)، فهو إن سلم فلا يعطي إلا الوجوب العيني، كما هو
~~شأن المنوب عنه.
# PageV02P028
# الجواب بأن العينية مرفوعة في حال الغيبة بالإجماع، كما صرح به بعض نقلته
~~(1) يدير الكلام السابق، لأن رفع الفصل يستلزم رفع الجنس. اللهم إلا أن
~~يجعل ذلك تتميم الاستدلال بالروايتين السابقتين، فترتفع مؤنة دعوى عدم
~~القول بالفصل.
# ولولا دعوى الاجماع على رفع العينية في حال الغيبة لقوي القول بها على
~~ذلك، لعدم منافاته للإجماع على أصل الاشتراط.
# ولعل التتميم المذكور هو السر في دعوى بعض المحققين الاجماع على اشتراط
~~الجواز بالفقيه العادل (2)، ونسب دعوى الاجماع إلى جماعة من علمائنا (3).
# ولم نقف على تصريحهم بذلك، وإن كان ليس أصل الدعوى بذلك البعيد كما يظهر
~~من تتبع كلماتهم.
# والإشكال والخلاف ms0291 في موافقة الغائبين للحاضرين في الخطابات الشفاهية إنما
~~هو في اشتراط الإمام أو نائبه وعدمه لا غير، فمع ثبوت النيابة في الفقيه لا
~~تبقى هذه المخالفة، مع أنها ليست بمنحصرة في خطاب المشافهة.
# ولا بد أن يحمل كلامه على الأعم من مباشرة الفقيه بنفسه كما يقتضيه عموم
~~النيابة، ويظهر من رخصة الإمام عليه السلام لزرارة بدون تعيين شخص معين
~~أيضا، فتكفي رخصته لمن له أهلية الإمامة. فحينئذ عدم اشتراط الفقيه مطلقا
~~خلاف الاحتياط.
# كيف كان فالاحتياط في الجمع بينهما، لاشتغال الذمة أول الظهر بأحدهما
~~يقينا، خروجا عن احتمال الوجوب عينا، كما ادعاه جماعة من متأخري
# PageV02P029
# المتأخرين (1)، ونسبه بعضهم (2) إلى إطلاق كلام جماعة من القدماء متشبثا
~~بإطلاق الآية (3) والأخبار (4)، ولكن الأظهر جعل الجمعة أصلا، وتكفي نية
~~التقرب فيهما.
# وذلك الجمع ليس تشريعا في الدين، لأنه إدخال ما ليس من الدين فيه بقصد
~~أنه من الدين، لا الإتيان بما يحتمل كونه من الدين.
# بل لا يبعد وجوبه فيما لم يحصل ترجيح أصلا من باب مقدمة إبراء الذمة عما
~~اشتغلت به يقينا، كما ذهب إليه بعض المتأخرين (5).
# إعلم أنه يظهر من كلمات بعض الأصحاب أن النزاع في الاجتماع، وأما بعد
~~الاجتماع فتجب (6).
# وهذا التفصيل لا يظهر دليله، ولعل هذا القائل نظر إلى ما سيجئ من صيرورة
~~الجائز واجبا في الذين وضع الله عنهم الجمعة بعد الحضور، وهو قياس.
# الثاني: تشترط في الجمعة الجماعة بالإجماع والأخبار (7).
# ويشترط في الإمام: البلوغ، بلا خلاف إلا من الشيخ في الصبي المراهق على
~~ما يفيد إطلاق كلامه (8)، وقد حمل على غير الجمعة (9)، وفي رواية إسحاق بن
# PageV02P030
# عمار: " ولا يؤم حتى يحتلم (1).
# العقل، لعدم صحة عبادة المجنون، وعدم الاعتداد بفعله. وفي الأدواري حال
~~الإفاقة قولان، أجودهما الكراهة.
# والذكورة، بالإجماع في إمامة الرجال، وأما غيرها فالظاهر أيضا ذلك، سيما
~~على القول بعدم انعقاد الجمعة بالمرأة كما سيجئ.
# الإيمان، والعدالة، وطهارة المولد، بالإجماع والأخبار (2).
# يكفي في الأخيرة عدم ثبوت كونه ولد زنا، لأنه يحكم بكونه طاهر المولد
~~حينئذ شرعا.
# وقيل: تكره ms0292 إمامة ولد الشبهة، ومن لم يعرف أبوه، ومن تناله الألسن. لنفرة
~~النفوس (3).
# وأما الإيمان، فالمراد منه كونه اثني عشريا، لما ذكرنا، ولخصوص ما دل على
~~بطلان عبادة المخالف (4) وعدم جواز الاقتداء بالواقفية (5).
# وفي اشتراط كونه آخذا عقائده على اليقين لا مجرد الإظهار في اللسان كما
~~هو معناه الآخر إشكال، وهل يكفي عدم ظهور الخلاف فيه وفي العدالة أو يجب
~~العلم بهما؟
# ولما كان المراد من العدالة هنا معناها الأخص، فنقتصر على الكلام في
~~العدالة فنقول: الأقوى أنه يجب في جواز إمامته وقبول شهادته ظهور ما يحصل
~~به الظن
# PageV02P031
# بالعدالة من المحاسن.
# وتحقيق المقام: أن اشتراط العدالة في الإمام إجماعي، فذهب جماعة إلى أنها
~~ملكة نفسانية تبعث على التقوى والمروءة (١).
# وجماعة من القدماء إلى أنها اجتناب المحارم جميعا (٢).
# وجماعة منهم إلى أنها اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر (٣).
# والمشهور اشتراط عدم الإتيان بما ينافي المروءة أيضا (٤).
# وهذا الخلاف مسبوق بالخلاف في أن المعاصي صغيرة وكبيرة أو كبيرة كلها،
~~والأول هو المشهور سيما بين المتأخرين (٥).
# وذهب جماعة من القدماء إلى الثاني (٦)، ويظهر من الطبرسي (٧) وابن إدريس
~~(٨) انحصار مذهب الأصحاب في ذلك، وجعلا الصغير والكبير إضافيين بالنسبة إلى
~~مراتب المعاصي.
# والأقوى الأول، لقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾
~~(٩) و ﴿الذين يجتنبون كبائر
~~الإثم﴾ (10).
# وفي الصحيفة السجادية: " وقد هربت إليك من صغائر ذنوب موبقة، وكبائر
# PageV02P032
# أعمال مردية (١).
# وعن الصادق عليه السلام: " من اجتنب الكبائر كفر الله عنه ذنوبه (٢) إلى
~~غير ذلك من الأخبار القريبة من التواتر، سيما ما ورد في تعداد الكبائر
~~وتحديدها (٣)، وهي كثيرة جدا.
# ظاهر إطلاقاتها تغايرهما بالذات لا بالإضافة.
# وتمسك الآخرون بأخبار قاصرة: إما سندا أو دلالة، أوضحها قول الصادق عليه
~~السلام: " شفاعتنا لأهل الكبائر من شيعتنا، وأما التائبون فإن الله عز وجل
~~يقول:
# ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ (4) "
~~(5) حيث قوبل أهل الكبائر بالتائب، فلا ثالث.
# وفيه ما فيه من عدم ms0293 الدلالة، سيما مع ملاحظة ما دل على أنه لا تبقى صغيرة
~~مع اجتناب الكبيرة (6)، فلا اعتناء بها.
# والأقوى: أن الكبائر ما أوعد الله عليها النار أو العذاب في كتابه، كما
~~نطقت به الأخبار المعتبرة (7)، وهو المشهور (8).
# وقيل: ما يوجب الحد (9).
# PageV02P033
# قيل: ما يوجبه في جنسه (١).
# قيل: ما حرم بدليل قاطع (٢).
# وقيل: كل ما توعد عليه الشارع توعدا شديدا في الكتاب أو السنة (٣).
# وقيل ذلك (٤). والأقوى الأول.
# والسبع الواردة في جملة من الأخبار أكبر الكبائر (٥)، فلا يحكم بالانحصار
~~فيها كما يظهر من تقييده في الصحيح بالسبع الموجبات (٦).
# من يقول بأنه ترك جميع المعاصي لعله أخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق﴾ (7).
# ومثل ما ورد في الأخبار من تعليق قبول الشهادة على عدم ظهور الفسق، ففي
~~رواية العلاء بن سيابة عن الصادق عليه السلام: عن شهادة من يلعب بالحمام،
~~قال:
# " لا بأس إذا لم يعرف بفسق " (8) فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة، وارتكاب
~~كل
# PageV02P034
# واحد من المعاصي خروج عن الطاعة.
# من فصل أخذه من مثل صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، حيث قال فيها: " إنها
~~تعرف باجتناب الكبائر " (1)، ويخصص بها تلك الإطلاقات.
# ومن فحوى الآيات (2) والأخبار (3) الدالة على كون الصغائر مكفرة بترك
~~الكبائر، فكأن تارك الكبائر لا ذنب له، سيما مع ملاحظة أن الإصرار على
~~الصغيرة كبيرة.
# خصوص مثل صحيحة أبي بصير - على الظاهر - عن الصادق عليه السلام، قال:
~~سمعته يقول: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) قال: معرفة الإمام،
~~واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار.. " (4).
# ومن لزوم الحرج والعسر الشديدين المنفيين لولا ذلك، بل عدم تحقق ذلك عادة
~~إلا للمعصومين.
# وما اعتذر به ابن إدريس بأنه قادر على التوبة، وإذا تاب تقبل شهادته (5)،
~~ففيه:
# أن التوبة تتوقف على العزم على عدم العود، والعزم في جميع المعاصي متعذر
~~أو متعسر، إلا أن لا يعتبر العزم في التوبة على قول جماعة (6).
# وقد يعمم هذا الإشكال بالنسبة إلى المفصل بالنظر إلى نفس التوبة، فإنها
~~واجبة اتفاقا، ms0294 فتاركها بالنسبة إلى الصغيرة - لو سلم كونها صغيرة - لا يخلو
~~عن إصرار، إلا أن يقال بعدم الوجوب، لكون ترك الكبائر مكفر لها.
# ولكن الانصاف أن ظواهر ما دل على كفاية الاستغفار (7) تدل على كفاية
~~إظهار
# PageV02P035
# التوبة، ولا يجب العلم بالعزم على الترك أو بالندامة على الفعل، مع أن
~~فعل المسلم محمول على الصحة.
# وأما الإصرار على الصغيرة فهو أيضا من الكبائر، لما ورد في الأخبار: "
~~إنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار " (1).
# وهو المداومة على الفعل وإكثاره أو العزم عليه ثانيا، سواء اتحد الفعل أو
~~اختلف.
# وأما لو فعل وذهل عن قصد العود أو التوبة ثم عن له ثانيا فليس بإصرار حتى
~~تحصل الغلبة كذلك.
# وأما من عرف العدالة بالملكة المذكورة فلعله أخذه من ملاحظة أن المناط في
~~العدالة هو حصول الاعتماد، ولا يحصل إلا بكون الشخص صاحب ملكة التقوى،
~~وإليه يشير ما في المعتبر: " ولا تصل إلا خلف من تثق بدينه وأمانته " (2).
# وظاهر بعض الآيات والأخبار أيضا أنها أمر وجودي، وليست حقيقتها محض عدم
~~العصيان.
# ليس هذا ببعيد وإن كنا نكتفي بحسن الظاهر في الكاشف عنه، لعدم المنافاة،
~~لاختلاف المقامين، فإنهم اختلفوا بعد هذا الخلاف فيما تثبت به العدالة.
# ذهب جماعة من القدماء إلى كفاية ظاهر الاسلام مع عدم ظهور الفسق (3)،
~~وادعى الشيخ في الخلاف على ذلك الاجماع وقال: إن البحث في شهادة العدول كان
~~من محدثات شريك بن عبد الله القاضي (4).
# PageV02P036
# ونقل عن بعض الأصحاب القول باعتبار أزيد من ذلك من حسن الظاهر و كونه
~~ظاهر الصلاح (١).
# والمشهور بينهم - سيما المتأخرين - وجوب التفحص والتفتيش المحصل للظن
~~الغالب بحصول العدالة، أو شهادة عدلين (٢).
# وأوسط الأقوال أوسطها.
# حجة الأولين: عموم قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (3) وصحيحة حريز عن
~~الصادق عليه السلام، وفيها: " على الوالي أن يجيز شهادتهم إلا أن يكونوا
~~معروفين بالفسق " (4)، وقد مرت رواية العلاء بن سيابة (5)، والروايات في
~~هذا المعنى كثيرة.
# وحجة الآخرين: قوله تعالى: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * (6) مع ms0295 ملاحظة
~~الآية السابقة، فإن الاسلام قد استفيد من رجالكم، فهذا التقييد شئ زائد.
# ورد بأن الزائد هو عدم ظهور الفسق، أو ظهور حسن ما.
# وقوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ) * (7) سيما مع ملاحظة العلة
~~المنصوصة.
# ويمكن الجواب عنه أيضا بعدم وجوب العلم بذلك بالتفحص، بل يكفي كونه ظاهر
~~الصلاح لما سنذكر.
# وبذلك يدفع استدلالهم أيضا بأن شغل الذمة بوجوب تحصيل العادل لا تحصل
~~البراءة منه إلا بالتفتيش والتفحص.
# PageV02P037
# وأما الحجة على ما اخترناه فصحيحة عبد الله بن أبي يعفور رواها في الفقيه
~~(1).
# وهناك أخبار أخر معتبرة اكتفي فيها بكون ظاهره مأمونا، أو بكونه صالحا في
~~نفسه، أو بأن يكون فيه خير ونحو ذلك (2).
# وتلك المطلقات محمولة على التفصيل المستفاد من صحيحة ابن أبي يعفور.
# ولا يبعد أن يقال: العمل على مقتضاها هو الظاهر من عبارات كثير منهم، مثل
~~المفيد (3) والشيخ في النهاية (4) والمبسوط (5) وابن البراج (6)، حيث نقل
~~عن كل منهم أنها أن يعرف بالستر والصلاح واجتناب الكبائر، وأن يكون معروفا
~~بالورع عن محارم الله.
# ويمكن أن يكون مراد الشيخ في الخلاف أيضا أن التفتيش عن الباطن والخلوات
~~لم يكن معهودا، وهو من المحدثات، لا مطلق الاستطلاع عن حاله.
# ثم إن اعتبار عدم ظهور ما ينافي المروءة - وهي ملكة تبعث على مجانبة ما
~~يؤذن بخسة النفس ودناءة الهمة من المباحات والمكروهات وصغائر المحرمات إذا
~~لم يحصل الإصرار، كالأكل في الأسواق، والبول في الشوارع وقت سلوك الناس،
~~وأشباه ذلك مما يستهجن أمثاله، وسرقة لقمة، والتطفيف بحبة - هو المشهور بين
# PageV02P038
# الأصحاب، وذلك يتفاوت في الأزمان والأوقات والأشخاص.
# ووجه ذلك: بأنه إما أن يكون من جهة خبل أو قلة حياء، وكلاهما يوجبان رفع
~~الثقة.
# ويمكن الاستدلال على ذلك أيضا بصحيحة ابن أبي يعفور، حيث قال عليه
~~السلام: " أن يكون ساترا لعيوبه " (1).
# ولا يعتبر الإتيان بالمندوبات، إلا أن يؤذن تركها بالتهاون بالشرع.
# وأما الحرف الدنيئة والصنائع المكروهة فغير مضرة جزما.
# وكذلك مثل الاكتحال بالإثمد، والتحنك بالعمامة في البلاد التي كان فيها
~~مهجورا، لورود الشرع بها ms0296 (2).
# ثم إن الظاهر أن العدالة ترجع بالتوبة لو ظهر ما ينافيها على المشهور
~~(3)، بل نفى بعضهم فيه الخلاف (4).
# بل نقل عن بعضهم الاجماع على رجوعها بالتوبة عما يوجب الحد وإن حد فيه
~~(5).
# والظاهر عدم التفرقة في ذلك بين القول بالملكة وغيرها كما يظهر من
~~الأصحاب. والأظهر كفاية ظهور التوبة كما مر.
# الثالث: اختلفوا في اشتراط الحرية والسلامة من الجذام والبرص والحد
~~الشرعي والأعرابية والعمى في الإمام.
# PageV02P039
# وجواز إمامة العبد مبني على القول بانعقاد الجمعة به، وسيجئ الكلام فيه.
# وأما سائر المذكورات فالكلام فيها هو الكلام في مطلق الإمامة، إلا في
~~المجذوم والمبروص فقد فصل فيه ابن إدريس فأجازه في غير الجمعة والعيد (1)،
~~وهو ضعيف.
# ولا يبعد القول باشتراط السلامة عن غير العمى، وسيجئ تمام الكلام في
~~الجماعة إن شاء الله تعالى.
# الرابع: وجوب الجمعة مختص بالمكلف، الذكر، الحر، الحاضر، السالم عن
~~العمى، والمرض، والهم، والبعد عن أزيد من فرسخين، والمطر.
# واشتراط التكليف إجماعي.
# والمفيق خطابه مراعى بإفاقته إلى آخر الصلاة.
# وكذلك الذكورة والحرية.
# وفي المبعض - ولو في يومه إذا (2) هاياه المولى واتفق جمعة - والخنثى
~~إشكال، وترجيح السقوط غير بعيد، للأصل، ومنع العموم.
# وأما الحضر فهو أيضا مقطوع به في كلامهم، مدعى عليه الاجماع (3). وفسر
~~هنا به وبمن في حكمه كالكثير السفر وناوي الإقامة، والضابط عدم التقصير.
# وفي المخير إشكال وأقوال، ثالثها التخيير، وترجيح السقوط فيه أيضا غير
~~بعيد، لصدق المسافر. والتفسير السابق لو سلم فإنما يسلم فيمن فرضه التمام
~~لا لمن يجوز له.
# PageV02P040
# وأما العمى فهو أيضا كذلك، ونقل عن بعضهم تخصيصه بصورة المشقة (1)، وهو
~~تقييد النص (2) والفتوى من غير دليل.
# وأما المرض فإطلاق النص والفتوى يقتضي العموم، وخصه في روض الجنان بما
~~يشق معه الحضور، أو يوجب زيادة المرض (3)، والمعيار صدق المريض عرفا، وهو
~~لا ينفك عن المشقة.
# وأما الهم - وهو كونه شيخا فانيا - فهو أيضا مقطوع به في كلامهم، مدعى
~~عليه الاجماع (4).
# وقيده بعضهم بالمزمن أو البالغ حد العجز (5). وبعضهم بذلك أو بما يوجب
~~المشقة الشديدة (6).
# وإطلاق النص ms0297 (7) يدفع كل ذلك، إلا أن يدعى القطع بالعلة، ولا نعلمه،
~~وجميع ما ذكر منصوص به في صحيحة زرارة وغيرها (8).
# وأما البعد عن أزيد من فرسخين فأما اشتراطه بعدم البعد في الجملة فهو
~~أيضا مما لا خلاف فيه، وتدل عليه أيضا صحيحة زرارة وغيرها من الأخبار
~~الكثيرة.
# لكنهم اختلفوا في تحديد البعد، فذهب جماعة إلى وجوبها على من كان بعيدا
# PageV02P041
# بفرسخين وإذا زاد فلا تجب (1)، لحسنة محمد بن مسلم عن الصادق عليه
~~السلام، قال: " تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين، فإذا زاد ذلك فليس
~~عليه شئ " (2).
# وآخرون إلى عدم وجوبها إلا على من كان دونهما (3)، لصحيحة زرارة الناطقة
~~بالسقوط عمن كان على رأس فرسخين.
# الثمرة في هذا الخلاف نادرة جدا.
# ولا يبعد القول بأن المفهوم من الأولى الكون في جملة الفرسخين، ومن
~~الثانية خروجه منهما بسبب إقحام الرأس، فهما متفقتان في اشتراط عدم البعد
~~بفرسخين.
# وكيف كان فالأظهر عدم الوجوب على من بعد بنفس الفرسخين، لو تحقق الفرض.
# وهناك قولان آخران لابن الجنيد وابن أبي عقيل بالوجوب على من إذا خرج بعد
~~صلاة الغداة أدركها، وبالوجوب على من إذا فرغ من الجمعة وصل إلى منزله قبل
~~دخول الليل (4). ومستندهما صحيحة زرارة (5)، والأولى حملها على الاستحباب.
# واعلم أن المراد بمن كان على رأس فرسخين هو ما دام كذلك، فإن حضر
# PageV02P042
# فلا يصدق عليه هذا العنوان، لا أنه هو ولكنه وجب عليه بالدليل الآخر،
~~ولذلك أجمعوا على الوجوب عليه واستشكلوا في غيره كما سيجئ.
# وأما المطر فادعى على اشتراط ارتفاعه الاجماع في التذكرة (1)، وتدل عليه
~~صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2).
# وألحق به بعضهم الوحل والحر والبرد الشديدين مع خوف الضرر وغير ذلك (3).
# والتحقيق أن كل ما يوجب العسر والحرج فيشترط ارتفاعه، ومن ذلك العرج
~~البالغ حد العجز، أوما يوجب العسر والحرج.
# ثم إن هؤلاء إذا تكلفوا الحضور هل تجوز لهم الجمعة أم لا؟ المشهور نعم،
~~ونسب في المدارك نفي الجواز للمرأة إلى المحقق (4)، ولم نجد في كلامه ما
~~يدل ms0298 على ذلك، فالظاهر أن أصل الجواز وفاقي، وفي كلامهم دعوى الاجماع في
~~كثير منها موجودة (5).
# ويدل عليه في خصوص المرأة صحيحة أبي همام (6)، وفي خصوص المسافر ما رواه
~~الصدوق في الأمالي صحيحا (7)، وفيهما وفي العبد رواية حفص بن غياث (8).
# PageV02P043
# ولولا هذه الروايات ودعوى الاجماع لتعين الحكم بعدم الجواز، لما تقدم من
~~أن انتفاء الفصل يقتضي انتفاء الجنس، فما يتمسك به من أن الساقط هو وجوب
~~السعي لا وجوب الجمعة لا يتم إلا بضميمة دليل خارجي.
# وإذا ثبت الجواز ثبت إجزاؤها عن الظهر، لأنه لا معنى لندبية الجمعة
~~بالذات، فيكون أحد فردي التخييري إن لم يثبت التعيين.
# لكنهم قالوا: إنه يتعين عليهم بعد الحضور في غير المسافر والعبد والمرأة،
~~فقد اختلف كلامهم فيهم، فالشيخ في التهذيب والنهاية (1) والأكثرون (2)
~~أطلقوا الوجوب، وتدل عليه رواية حفص بن غياث المتقدمة.
# يظهر من الشيخ في المبسوط عدم الوجوب في العبد والمسافر والمرأة وغير
~~المكلف (3)، وتبعه المحقق في المرأة وتردد في العبد (4).
# أما الإيجاب على غيرهم فلسقوط المشقة التي هي المناط في السقوط، فيندرج
~~هؤلاء في العمومات.
# وأما في المذكورات فلعدم كون هؤلاء أهل هذه الفريضة مع ضعف الرواية (5)،
~~ويمكن دفعه بأن ضعف الرواية منجبر بالشهرة.
# ثم إنهم اتفقوا بعد تعين الوجوب على هؤلاء على انعقاد الجمعة بهم
~~واحتسابهم من العدد، إلا في المسافر والعبد فإنهم اختلفوا فيهما.
# وأما المرأة فظاهرهم عدم الانعقاد بها بلا خلاف، وهو المتبادر من أخبار
# PageV02P044
# العدد أيضا (1).
# أما الانعقاد بغيرهما فيدل عليه مضافا إلى ظاهر الاجماع كونهم أهلا
~~للخطاب، وثبوت الوجوب عليهم بعد السقوط عنهم بالحضور كما تقدم، ويدخلون في
~~الأخبار الدالة على اشتراط العدد أيضا.
# وأما القائلون بالانعقاد بالعبد والمسافر فمستندهم تلك الأخبار بعد إثبات
~~الوجوب والجواز بما تقدم.
# أما النافون فتمسكهم أنهما ليسا من أهل هذه الفريضة فكانا كالصبي،
~~وبالالزام بصحة انعقاد الجمعة بالمسافرين أو العبيد المنفردين.
# وأجيب بمنع ذلك بعد الحضور، وبعدم الوجوب على الصبي على التقديرين،
~~وبالتزام صحة الجماعة المذكورة، وادعى في الذكرى الاتفاق ظاهرا على صحتها ms0299
~~(2).
# واستشكله في المدارك بأن المستفاد من الأخبار أن فرض المسافر هو الظهر لا
~~الجمعة (3).
# أقول: والأولى أن يقال: إن ذلك خارج عن المسألة، فإن ذلك لا يسمى حضور
~~المسافر، ولا يصدق ذلك إلا مع كون الإمام حاضرا، أو هو مع بعض المأمومين،
~~فإذا استتم العدد بالمسافرين أو العبيد فلا بأس.
# الخامس: يشترط في وجوبها تحقق العدد في الجملة بإجماع العلماء.
# وذهب الأكثرون إلى أنه خمسة أحدهم الإمام (4)، وآخرون إلى كون ذلك
# PageV02P045
# شرطا للجواز فيثبت التخيير، ويتعين الوجوب إذا كانوا سبعة (1)، وهو أقوى،
~~لصحيحة زرارة قال، قلت له: على من تجب الجمعة؟ قال عليه السلام: " تجب على
~~سبعة نفر من المسلمين، ولا جمعة لأقل من خمسة " (2).
# وصحيحة عمر بن يزيد الدالة بمفهوم الشرط على نفي الوجوب عن أقل من سبعة
~~(3).
# ورواية محمد بن مسلم المصرحة بذلك (4)، وصحيحة منصور بن حازم المشعرة
~~بذلك (5).
# وأما سائر الأخبار الدالة على اعتبار الخمسة مطلقا (6) فمع عدم وضوح
~~دلالتها على الوجوب عينا لا تقاوم ما ذكرنا، فتحمل على كون الخمسة شرط
~~الجواز.
# وأما إطلاق الآية (7) وسائر الأخبار فبعد ثبوت التقييد في الجملة إجماعا
~~لا يصح الاعتماد عليه.
# السادس: يشترط في صحتها أن لا تكون هناك جمعة أخرى وبينهما أقل من
# PageV02P046
# فرسخ لإجماع أصحابنا، وموثقتي محمد بن مسلم (1).
# وظاهر الروايتين أن المعتبر مراعاة المسافة الحاصلة بين الجماعتين، وتلك
~~إنما تكون بملاحظة منتهى إحداهما ومبدأ الأخرى، فلا يكفي حصول الفرسخ بين
~~إحداهما وبين من تنعقد الجمعة به من الجماعة الأخرى مثل الصف الأول.
# قيل: تعتبر من المسجد إن صليت فيه، وإلا فمن نهاية المصلين (2).
# لعل نظر هذا القائل إلى كون المسجد مظنة الامتلاء، فإنما يصح عقد الجمعة
~~الأخرى إذا علم عدم الامتلاء إلى حد تحصل به المسافة، وهو غير معلوم.
# فإن اتفقتا بطلتا، لعدم المرجح، وعدم إمكان صحتهما، ويعيدان جمعة.
# ويحصل الاتفاق بالاستواء في التكبير على ما نسب إلى مذهب علمائنا (3)،
~~وعن بعض العامة في الشروع في الخطبة (4)، وعن الآخر في الفراغ (5).
# وإن سبقت إحداهما بطلت الأخرى، وادعى ms0300 في التذكرة عليه الاجماع (6)، ووجهه
~~ظاهر.
# قد تقيد صحة السابقة بعدم علم كل منهما بصلاة الآخر، للنهي عن الانفراد
~~عن الأخرى الموجب للفساد (7).
# PageV02P047
# وقد يستشكل فيما لو علمت السابقة بالسبق ولو لم تتحقق السابقة، فيعيدان
~~أيضا ظهرا عند الأكثر (1)، للعلم بحصول جمعة صحيحة فلا تتكرر، ولا تحصل
~~البراءة اليقينية إلا بإعادتهما ظهرا.
# وقيل: يعيدان جمعة على نحو يجوز، لعدم الاعتداد بما حصل، وإلا فلم تجب
~~الإعادة (2).
# والمسألة محل إشكال، وهناك فروع واحتمالات مذكورة في كتب الأصحاب لا
~~يهمنا الآن ذكرها.
# فائدة:
# الفرسخ: هو ثلاثة أميال بالإجماع والأخبار (3).
# والميل: أربعة آلاف ذراع، كما نص عليه الأصحاب (4) ودل عليه كلام أهل
~~اللغة (5) و (6).
# والذراع: أربعة وعشرون إصبعا غالبا.
# والإصبع: سبع شعيرات، وقيل: ست شعيرات (7).
# والشعيرة: سبع شعرات من شعر البرذون..
# فما ورد في مرسلة محمد بن يحيى الخزاز أن الميل ثلاثة آلاف ذراع
# PageV02P048
# وخمسمائة (1)، وفي أخرى واردة فيما وردت فيه السابقة أنه ألف وخمسمائة
~~ذراع (2)، متروك عندهم، والمحكم في أمثال ذلك اللغة والعرف، ولم تثبت حقيقة
~~شرعية فيه، والرواية ضعيفة مهجورة.
# ثم إن الظاهر من اعتبار الفرسخ هنا والفرسخين في السابق وثمانية فراسخ في
~~القصر ملاحظة البلد، لا خصوص الدار، ولا موضع القيام والجلوس، أو محل إقامة
~~الجماعة، لكن الموثقتان (3) لما كانتا ناطقتين باعتبار ملاحظة الجماعتين،
~~فلا يبعد فيه اعتبارهما.
# والظاهر في غيره اعتبار البلد مع احتمال أن يعتبر هنا أيضا في موضع
~~الجمعة محل الاجتماع وفي الطرف الآخر البلد، ويعتبر البلد على مقدار الضيق
~~والسعة، فقد يعتبر أصل البلد، وقد تعتبر المحلة ونحو ذلك.
# السابع: تشترط في صحتها الخطبتان بالإجماع والأخبار، منها قولهم عليهم
~~السلام: " وإنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين (4) وقولهم عليهم السلام:
# " يصلون أربعا إن لم يكن من يخطب (5).
# والمشهور أنه يجب فيهما الحمد، والصلاة على النبي وآله عليهم السلام،
~~والوعظ، والقراءة، بل يظهر من المنتهى أنه إجماعي، حيث نسب الخلاف إلى
~~العامة، ونقل عن أبي حنيفة الاكتفاء ب " الحمد لله " (6).
# ولعل الدليل على الوجوب هو الاجماع، لأن الأخبار المتضمنة ms0301 لذلك لا تدل
# PageV02P049
# على أزيد من مطلق الرجحان.
# وعن المرتضى إلحاق الشهادة لمحمد صلى الله عليه وآله بالرسالة موضع
~~الصلاة في الأولى، وافتتاح الثانية بالحمد والاستغفار والصلاة على النبي
~~صلى الله عليه وآله، والدعاء لأئمة المسلمين (1).
# واختلف كلامهم في القراءة، فيظهر من بعضهم لزوم سورة خفيفة في كليهما
~~(2)، ومن آخر في الأولى خاصة (3)، ومن آخر كفاية قراءة آية تامة الفائدة
~~فيهما (4) أو في الأولى خاصة (5).
# والمشهور قراءة سورة في الأولى خاصة في آخرها كما تضمنته صحيحة محمد بن
~~مسلم، ولكن في آخر الخطبة الأخرى فيها قال: " ويكون آخر كلامه * (إن الله
~~يأمر بالعدل والإحسان) * (6) الآية " (7).
# فالأولى أن لا تترك القراءة في الخطبتين، ولا يكتفى بآية في الأولى،
~~للأمر بقراءة سورة فيها.
# يكفي في المذكورات المسمى، ولا يتعين فيها لفظ، وإن كان الأفضل العمل
~~بالمأثور لفظا وترتيبا.
# والمشهور وجوب العربية، للتأسي.
# وقال في الذكرى: لو لم يفهم العدد العربية احتمل جوازه بالعجمية
# PageV02P050
# تحصيلا للغرض (1).
# أقول: ومقتضى الدليل وجوبه حينئذ.
# وربما احتمل سقوط الصلاة لانتفاء الشرط وعدم ثبوت التوظيف بالعجمية.
# والأظهر الوجوب بالعجمية حينئذ، لأن الظاهر أن الخطبة مثل العقود
~~الشرعية، وورودها بالعربية لموافقة السنة المخاطبين، والاحتياط في الجمع.
# ولا يبعد وجوب تعلمهم معناها على القول بعدم جواز العجمية أولا،
~~والاكتفاء بها مع العجز.
# ويجب تقديمهما على الصلاة بلا خلاف معروف، والأخبار به مستفيضة (2).
# وما خالفها منها شاذ مهجور.
# ويجب القيام إلا مع العجز، للإجماع، والأخبار، منها صحيحة معاوية بن وهب
~~(3)، والظاهر أنه شرط الصحة، وجواز الجلوس مع العجز إذا لم تمكن الاستنابة
~~(4).
# وفي وجوب اتحاد الخطيب والإمام قولان (5)، أظهرهما نعم، لتوقف البراءة
~~اليقينية عليه، وهو المعهود من صاحب الشرع. وينبه كونهما بمنزلة الركعتين
~~على ذلك.
# PageV02P051
# ومن ذلك ينقدح اعتبار الطمأنينة حالها أيضا.
# ويجب الفصل بينهما بجلسة خفيفة، لخصوص صحيحة معاوية بن وهب، بل ولا يتكلم
~~فيها كما في الصحيحة، واعتبروا فيها الطمأنينة أيضا للتأسي (1).
# وفي اشتراط الطهارة خلاف واشكال، والأظهر الاشتراط، لتحصيل البراءة
~~اليقينية، ولظاهر صحيحة عبد الله بن سنان: " فهي ms0302 صلاة حتى تنزل " (2) وما
~~رواه في الفقيه مرسلا عن أمير المؤمنين عليه السلام (3)، وانفهام بدليتهما
~~من الركعتين من غيرهما أيضا (4).
# ويؤيده ظاهر استمرار العمل والتزامه في الأعصار والأمصار، وما يستفاد من
~~الأخبار أنه إذا تمت الخطبة يقوم فيصلي (5).
# وليس للمنكر إلا الأصل.
# والأظهر وجوب رفع الصوت بها بحيث يسمع العدد، لحصول الغرض.
# ولو منع عن السمع مانع سقط الوجوب. وربما احتمل سقوط الصلاة أيضا إذا لم
~~يتمكن العدد المحصل للجمعة منه، لعدم ثبوت التعبد. والمسألة مشكلة.
# ومما تقدم يظهر أن الأقوى وجوب الاستماع.
# أما الإنصات فالأكثر أيضا على الوجوب، وعن الشيخ أنه إجماعي (6)، ويؤيده
~~قوله عليه السلام: " فهي صلاة حتى تنزل (7) وما في معناه.
# PageV02P052
# وقيل بالاستحباب للأصل (1)، وظاهر صحيحة محمد بن مسلم: " فلا ينبغي لأحد
~~أن يتكلم حتى يفرغ " (2).
# والأول أقوى، سيما إذا توقف الاستماع عليه.
# ومن جميع ذلك يظهر أن الأقوى تحريم الكلام على الخطيب أيضا في الأثناء،
~~بل الحرمة فيه أولى وأظهر.
# وبالجملة الظاهر من بدليتهما عن الركعتين وكونهما مثل الصلاة ترتب أحكام
~~كثيرة عليها، حتى ذهب السيد إلى تحريم جميع ما يحرم في الصلاة فيها (3).
# وفي الفقيه مرسلا عن أمير المؤمنين عليه السلام: " لا كلام والإمام يخطب،
~~ولا التفات إلا كما يحل في الصلاة، وإنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل
~~الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الأخيرتين، فهي صلاة حتى ينزل الإمام " (4).
# وهل تبطل الخطبة؟ قيل: لا، لتعلق النهي بالخارج (5) و (6)، ولا يخلو من
~~الإشكال.
# وأما وجوب السكوت بين الخطبتين فلا دليل عليه وإن كان راجحا، لصحيحة محمد
~~بن مسلم (7).
# وأما بعد الفراغ قبل أن تقام فلا بأس به، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة،
# PageV02P053
# وصحيحته الأخرى (1).
# ويستحب للخطيب التردي ببرد يمنية، وأن يتعمم ويتوكأ على عصا أو قوس أو
~~سيف، وأن يستقبل الناس ويسلم عليهم أول ما يصعد، ويجلس حتى يفرغ المؤذن،
~~وكل ذلك مستفاد من الأخبار (2)، ولا بأس بضعف سند بعضها.
# وأن يكون بليغا متعظا بجميع ما يعظ به، ليكون كلامه أوقع في النفوس.
# تذنيبان الأول: يستحب يوم ms0303 الجمعة الغسل، وقد تقدم الكلام في كيفيته
~~وأحكامه، والبكور إلى المسجد الأعظم، ففي الخبر: " إنكم تتسابقون إلى الجنة
~~على قدر سبقكم إلى الجمعة " (3).
# وأن يكون ذلك بعد حلق الرأس، وقص الأظفار، وأخذ الشارب، بل تستحب هذه في
~~ذلك اليوم مطلقا.
# وكذلك التطيب، وتسريح اللحية، ولبس أفضل ثيابه وأنظفها، بل ومطلق التزين.
# وكونه على سكينة ووقار، وفعل الخير ما استطاع.
# وأن يدعو أمام توجهه إلى الجمعة بالمأثور (4).
# كل ذلك مأثور إلا حلق الرأس (5)، فيمكن استفادته من التزين، ويمكن
~~الاستدلال برواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " إني لأحلق كل
~~جمعة
# PageV02P054
# فيما بين الطلية إلى الطلية " (1).
# الثاني: يحرم السفر والبيع بعد زوال الجمعة.
# أما السفر، فلاجماع أصحابنا وأكثر العامة (2).
# ولتنبيه قوله تعالى: * (وذروا البيع) * (3) على ذلك، سيما مع التعليل
~~بقوله تعالى: * (ذلكم خير لكم) *.
# ولقوله عليه السلام: " من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه
~~الملائكة، لا يصحب في سفره، ولا يعان على حاجته " (4).
# وقد يستدل بأنه مستلزم لترك الجمعة، والصغرى وكلية الكبرى بل أصلها
~~ممنوعات.
# أو بأنه ضد المأمور به، فيكون منهيا عنه، وهو أيضا ممنوع كما حققناه في
~~الأصول (5).
# ولو كان بين يديه جمعة أخرى يدركها في محل الترخص ففي جواز السفر قولان
~~(6)، أظهرهما العدم، لأن المكلف بها الجمعة المتأصلة في التكليف، لا
~~الجائزة بعد الحضور، فتشمله الأدلة.
# وقيل: يجوز بناءا على أن السفر الطارئ (7) على الوجوب لا يسقطه، كوجوب
~~التمام على المسافر لو دخل الوقت وهو في البلد (8).
# PageV02P055
# وهذا وهن على وهن، لبطلان الأصل كما سنحققه.
# وأما البعيد بفرسخين فلما كان تكليفه الخروج قبل الزوال إلى الجمعة من
~~باب المقدمة كالحج، فلا يبعد القول بتحريم سفره بعد ضيق الوقت إلا عن
~~المقدمة إن كان على غير صوب الجمعة.
# وأما لو سافر في صوب الجمعة فقيل: يجب عليه الحضور عينا (1).
# واحتمل في الذكرى عدم كون هذا المقدار محسوبا من المسافة، لوجوب قطعه على
~~كل تقدير (2).
# وربما يضعف بأن ذلك لا يخرجه عن كونه جزء المسافة (3).
# والذي يمكن أن ms0304 يستدل به للوجوب أن كل ما يستلزم وجوده عدمه فهو باطل
~~بديهة، ويلزم من تحريم هذا السفر عدم تحريمه لأن الحرمة إنما هي لأجل تفويت
~~الجمعة، وحينئذ فإن كان حراما كانت الجمعة واجبة فيه كما تقدم، وإذا بقي
~~وجوب الجمعة فتنتفي الحرمة.
# فإن قلت: إن هذه الحرمة توصلية، وسنقول في مباحث القصر إنه لا يجب التمام
~~على المسافر التارك لتحصيل الواجب، ولا يعتبر اقتضاء الأمر بالشئ النهي عن
~~ضده.
# قلت: قد بينا في الأصول الفرق بين ما كان من المقدمات منصوصا عليها
~~وغيرها، فلا نمنع من صدق المعصية الواردة في أخبار القصر على ما نص الشارع
~~بالنهي عنه، مضافا إلى ما أشار إليه بالأمر بأصل الواجب، بخلاف ما انحصر
~~أمره في الثاني، وما نحن فيه من قبيل الأول.
# ثم إنهم ذكروا أن حرمة السفر إنما هي إذا لم يكن واجبا كالحج، أو مضطرا
~~إليه
# PageV02P056
# لدفع الضرورة (1).
# وأما البيع فلاجماع العلماء وصريح الآية (2)، والظاهر أن النداء كناية عن
~~حضور الوقت.
# وفي إلحاق سائر المعاملات إشكال، والأظهر الإلحاق، لتنبيه الآية على ذلك،
~~سيما مع ملاحظة ما بعدها إلى آخر السورة.
# وفي صحته قولان، أظهرهما ذلك، لعدم دلالة النهي في المعاملات على الفساد
~~مطلقا. مع أن الظاهر أنه عن أمر خارج، وهو الحرمان عن الصلاة، وتحقيقه في
~~الأصول (3).
# PageV02P057
# المقصد الثاني في باقي الصلوات المفروضة وفيه مطالب:
# المطلب الأول في صلاة العيدين الفطر والأضحى وفيها مباحث:
# الأول: في وجوبها وجوبها عينا إجماعي كما نقله جماعة من الأصحاب (1)،
~~والأخبار المستفيضة جدا ناطقة بأن صلاة العيدين فريضة (2).
# وذكر جماعة من المفسرين أن المراد من الصلاة في آيتي الأعلى والكوثر هما
~~الصلاتان (3)، ووردت به الرواية أيضا (4).
# PageV02P058
# ويعتبر فيها أكثر شروط الجمعة.
# أما السلطان العادل أو من نصبه، فظاهر الفاضلين (1) وصريح الشهيد الثاني
~~(2) الاجماع عليه، ولم ينقل في ذلك مخالف من الأصحاب.
# واستدل عليه بروايات كثيرة معتبرة متطابقة الدلالة على أنه " لا صلاة إلا
~~مع إمام في جماعة، أو إلا مع الإمام في جماعة " ونحو ذلك (3).
# وقد يناقش ms0305 في دلالتها، لاحتمال إرادة إمام الجماعة.
# ويمكن دفعه بعد تسليم عدم الظهور في المعصوم سيما العبارة الأخيرة: أن
~~التشابه في الدلالة أيضا يكفي، لأن العام المخصص بالمجمل إنما يجوز التمسك
~~به في غير ما يحتمله المخصص.
# مع أن ظاهر موثقة سماعة عن الصادق عليه السلام أيضا إرادة المعصوم قال،
~~قلت له: متى ذبح؟ قال: " إذا انصرف الإمام " قلت: فإذا كنت في أرض ليس فيها
~~إمام فأصلي بهم جماعة؟ فقال: " إذا استقبلت الشمس " وقال: " لا بأس أن تصلي
~~وحدك، ولا صلاة إلا مع إمام " (4) بأن يجعل " فأصلي بهم جماعة " استفهاما،
~~وجوابه عليه السلام تقريرا له وتعيينا للوقت، وقوله " لا صلاة إلا مع إمام
~~" نافيا للفريضة، بل يتم إن جعل " فأصلي " عطفا على كنت أيضا.
# وتدل عليه أيضا عبارة الصحيفة السجادية المتقدمة في الجمعة (5) وما ورد
~~في الأخبار من تجديد الحزن لآل محمد صلى الله عليه وآله في كل من العيدين،
~~لأنهم
# PageV02P059
# يرون حقهم في يد غيرهم (1).
# وأما العدد، فهو أيضا إجماعي كما ادعاه في المنتهى، ويظهر من المعتبر
~~(2).
# والأقوى اعتبار الخمسة، لصحيحة الحلبي (3).
# واشترط ابن أبي عقيل السبعة (4)، ولم نقف على دليله.
# وكذلك اشتراط الجماعة منصوص عليه بالأخبار المعتبرة (5).
# وأما الاتحاد فظاهرهم حيث أطلقوا مساواتها للجمعة في الشرائط (6)، وصريح
~~بعضهم اعتبار الاتحاد (7)، بمعنى اعتبار الفرسخ بين الصلاتين.
# ويمكن استفادة ذلك من عموم الأخبار الدالة على نفي الصلاة إلا مع إمام
~~(8) إذا جعلناها ظاهرة في المعصوم.
# وربما يستدل عليه بقول أمير المؤمنين عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم:
# " لا أخالف السنة " في جواب من قال له: " ألا تخلف رجلا يصلي في العيدين؟
~~" (9).
# والظاهر أن المراد التخليف في البلد للضعفة الذين لا يقدرون على الخروج
~~كما يظهر من الذكرى (10)، وصرح به في المعتبر والخلاف (11).
# PageV02P060
# وحينئذ فالدلالة لا تخلو من ظهور، لأن الظاهر استحباب العيد للمعذورين
~~كما سيجئ، فمخالفة السنة إنما تكون لانعقاد الجماعتين.
# وتوقف بعضهم في ذلك (1)، ولا ريب أن الأحوط عدم التعدد، بل الأقوى، لعدم
~~العموم في دلائل وجوب صلاة العيدين، ms0306 والأصل عدم الصحة.
# ثم إن الشهيد (2) ومن تأخر عنه (3) اعتبروا ذلك مع وجوبهما، وأما مع
~~ندبهما أو ندب إحداهما فلا، وليس ببعيد، لأن ما ذكرنا من التنبيهات
~~واتحادها مع الجمعة إنما يفيد ذلك، وإن كان للتأمل في أصله مجال.
# وأما الخطبتان، فالمشهور استحبابهما، وادعى عليه الاجماع في المعتبر (4)،
~~والظاهر أنه أراد مطلق الرجحان.
# وذهب العلامة (5) وابن إدريس (6) إلى وجوبهما.
# عن الشيخ في المبسوط اشتراطها بهما أيضا كالجمعة (7).
# والأخبار خالية عن الدلالة إلا على مطلق الرجحان. ويؤيده الاجماع على عدم
~~وجوب الاستماع، والخبر النبوي المنقول في المنتهى والمعتبر (8)، وإن كان
~~الأحوط الوجوب، بل الاشتراط أيضا.
# وكيفيتهما مثل خطبة الجمعة، إلا أنه يذكر في خطبة كل من العيدين ما
~~يناسبه من أحكام الفطرة والأضحية ونحوهما.
# PageV02P061
# وموضعهما بعد الصلاة بالإجماع والأخبار (1)، وسائر أحكامها من التكبير
~~والقنوت وغيرهما يجئ في مواضعه إن شاء الله تعالى.
# الثاني: إذا اختلت الشرائط فتستحب جماعة وفرادى.
# أما الثاني - وهو المشهور - فلصحيحة عبد الله بن سنان وغيرها (2).
# وقيل بعدم مشروعيتها فرادى (3)، نظرا إلى قولهم عليهم السلام: " لا صلاة
~~إلا مع إمام " (4)، وهو ضعيف، سيما مع ملاحظة موثقة سماعة المتقدمة (5)،
~~وقد عرفت المراد منها.
# وأما الأول - وهو المشهور أيضا - فلرواية عبد الله بن المغيرة، عن بعض
~~أصحابنا، عن الصادق عليه السلام: عن صلاة الفطر والأضحى، فقال: " صلهما
~~ركعتين في جماعة وغير جماعة " (6) بل يكفي في ذلك فتوى المشهور وعملهم
~~مسامحة في السنن.
# قال القطب الراوندي: جمهور الإمامية يصلونها جماعة، وعملهم حجة (7).
# عن السيد (8) وأبي الصلاح (9) أنها تصلى فرادى مع اختلال الشرائط، وهو
~~ضعيف، وموثقة عمار في نهي الرجل عن إمامة أهله في السطح
# PageV02P062
# أو بيت (1) لا تدل عليه، ولو سلم فيحمل على نفي التأكيد.
# الثالث: تسقط صلاة العيد عمن تسقط عنه الجمعة بلا خلاف ظاهر، وادعى في
~~التذكرة عليه الاجماع (2). وتدل عليه أخبار معتبرة (3).
# ولكنها تستحب لهم وإن أقيم في البلد فرضها، وهو المشهور بينهم أيضا،
~~ويكفي في ذلك فتواهم، مع استفادة حكم النساء والمسافر من الأخبار أيضا، بل
~~لا ms0307 تبعد استفادة ذلك من صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة أيضا (4).
# وقال الشيخ: لا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لهن من النساء في صلاة
~~الأعياد، ولا يجوز ذلك لذوات الهيئات والجمال (5)، وكذلك العلامة (6).
# وقال في المعتبر: لا شبهة عندي أنه لا يستحب في حق ذوات الهيئة، ويستحب
~~لمن عداهن (7).
# ويظهر من الشهيد في الذكرى الميل إلى استحبابها لهن مطلقا، بل وجوبها في
~~الجملة (8)، لما رواه عن كتاب أبي إسحاق الثقفي الدال على وجوبها عليهن
~~مطلقا (9)، ولعموم الأدلة.
# PageV02P063
# وعن ابن الجنيد: جواز الخروج للعجائز والعواتق (1).
# والأقوى الأول، لروايتي محمد بن شريح (2) ويونس بن يعقوب (3) الدالتان
~~على المنع إلا للمسنة، وموثقة عمار المانعة مطلقا (4).
# وصحيحة عبد الله بن سنان، قال: " إنما رخص رسول الله صلى الله عليه وآله
~~للنساء العواتق في الخروج في العيدين للتعرض للرزق " (5) وقيل: هو كناية عن
~~تحصيل الأزواج (6)، فيختص المنع بالمحصنات.
# الرابع: يحرم السفر بعد طلوع الشمس، لاستلزامه ترك الواجب. وتفصيل القول
~~فيه يعلم مما سبق في الجمعة.
# ويكره بعد طلوع الفجر، لصحيحة أبي بصير (7)، وظاهرها الحرمة، إلا أن
~~الأصحاب حملوها على الكراهة (8)، فكأن عدم الحرمة إجماعي عندهم.
# وأما قبل الفجر فيجوز السفر إجماعا كما ادعاه العلامة (9).
# PageV02P064
# الخامس: يستحب الإصحار بهذه الصلاة بالإجماع والأخبار المعتبرة (1)، وفي
~~صحيحة أبي بصير: " إنما تصلى في الصحراء أو في مكان بارز " (2).
# ويظهر من ملاحظة الأخبار استحباب اختيار موضع ينظر فيه إلى آفاق السماء
~~(3)، فعلى هذا يدخل في المستحب السطح العالي وداخل الحائط.
# ويمكن القول بالترتيب، فالصحراء أفضل لجمع الصفات، ثم السطح لجمعه صفتين،
~~ثم داخل الدار والحائط والفضاء الواقع في البلد، ولم أقف على غير الإصحار
~~في كلامهم.
# استثنوا من ذلك مكة شرفها الله (4)، فتستحب في المسجد الحرام للخبر (5).
# وعند المطر والوحل والعذر يصلى في المسجد أو البيت، ويطلب الأجر بالنية.
# وينبغي أن يكون ذلك معنى قولهم يسقط الإصحار حذرا من المشقة المنافية
~~لليسر في التكليف، وإلا فلا تكليف في المندوب عند التحقيق.
# ويستحب أيضا السجود على الأرض ومباشرتها بجميع الجسد، للأخبار ms0308 المعتبرة
~~(4).
# ويستحب للإمام أن يخرج حافيا ماشيا على سكينة ووقار، ذاكرا لله، كما فعل
# PageV02P065
# الرضا عليه السلام (1).
# بل يستحب للكل، لقوله عليه السلام: " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما
~~الله على النار " (2).
# ويستحب الغسل قبل الخروج بعد التطيب لغير النسوان، والتزين، ولبس أفضل
~~الثياب، والتعمم، والتردي، وهما هنا آكد منهما في الجمعة، والدعاء
~~بالمأثور، والذهاب من طريق، والعود من آخر، للخبر (3)، وربما يقال باستحباب
~~اختيار الأبعد في الذهاب لزيادة الثواب.
# وأن يطعم قبل خروجه في الفطر وبعد عوده في الأضحى مما يضحي به، للإجماع
~~والأخبار (4).
# وظاهر رواية جراح المدائني أن التأخير عن الصلاة مستحب برأسه وإن لم يفطر
~~من الأضحية (5).
# وظاهر الروايات الإفطار من أضحية نفسه، فمع عدمها يسقط الاستحباب، مع
~~احتمال التعميم فيما يضحى به، ولا تفصيل في كلام الأصحاب.
# ويستحب الإفطار في الفطر على الحلو.
# وقيل باستحباب الإفطار بالتربة الحسينية عليه السلام (6) للرواية (7)،
~~وهو
# PageV02P066
# ضعيف، إلا إذا كان به علة فأفطر بها بقصد الاستشفاء، لعدم جواز تخصيص ما
~~دل على حرمة الطين بخبر واحد.
# ويستحب أن لا ينقل المنبر من الجامع، بل يعمل شبه المنبر من الطين، ونقل
~~الاجماع على استحبابهما (1)، ودلت عليه الأخبار (2).
# والظاهر أن ذلك فيما جاز نقله، وإلا فيحرم.
# والظاهر أن النهي في الروايات عن نقل المنبر، والأمر بالعمل من الطين ليس
~~إرشاديا، فلو فرض وجود منبر هناك فالأولى تركه ومباشرة الطين، مع كونه أدخل
~~في الموافقة للخضوع المطلوب في هذا اليوم، سيما مع قوله عليه السلام في
~~صحيحة إسماعيل بن جابر: " وليس فيها منبر، ولكن يصنع للإمام شبه المنبر من
~~الطين (3).
# ويستحب أن يقول المؤذن بأرفع صوته " الصلاة " ثلاثا موضع الأذان بلا
~~خلاف، فإن الأذان مخصوص بالفرائض الخمسة، وتدل عليه صحيحة إسماعيل بن جابر
~~(4).
# وعن ظاهر الأكثر أن ذلك للإعلام (5).
# وعن أبي الصلاح أنه بعد القيام إلى الصلاة (6).
# قال في المدارك: والظاهر تأدي السنة بكلا الأمرين (7)، وهو كذلك، بل
# PageV02P067
# لا بأس بتكرارها.
# ويستحب أن يكبر في الفطر عقيب أربع صلوات، أولها المغرب، وأخيرتها ms0309 صلاة
~~العيد، وأوجبه السيد (١).
# وزاد الصدوق الظهرين (٢)، وابن الجنيد النوافل (٣).
# والأقوى الأشهر هو الأول، للأصل، ولتصريح رواية سعيد النقاش التي وردت
~~فيها بكون ذلك مسنونا (٤).
# وكيفيته على هذه الرواية " الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا
~~الله، والله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا
~~".
# قال عليه السلام: " وهو قول الله تعالى: (ولتكملوا العدة) يعني الصيام ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ (5)
~~".
# واستدل في الانتصار (6) بالإجماع وبظاهر الآية.
# والرواية المعمول بها عند الأصحاب المفسرة للآية مصرحة باستحبابه (7)،
~~ولو كانت الآية بظاهرها دالة على الوجوب لخصصناها بتلك الرواية، وكيف
~~والظهور غير مسلم.
# PageV02P068
# ورواية معاوية بن عمار تدل بظاهرها على أنه مثل تكبير أيام التشريق (١)،
~~والعمل على الأولى.
# وأما الأضحى فعقيب خمس عشرة صلاة إن كان بمنى، أولها ظهر يوم النحر، وفي
~~الأمصار عقيب عشر.
# والمشهور أيضا استحبابه، والسيد على الوجوب مدعيا عليه الاجماع (٢)، وكذا
~~الشيخ (٣) وابن الجنيد (٤)، لحسنة (٥) محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام:
~~في تفسير قوله تعالى: ﴿واذكروا الله
~~في أيام معدودات﴾ (6) قال: " التكبير في أيام التشريق " (7) الحديث.
# واختلفوا في كيفيته، والأولى العمل على صحيحة معاوية بن عمار: " الله
~~أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما
~~هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله على ما أبلانا
~~" (8).
# السادس: يكره الخروج بالسلاح، إلا أن يكون عدو ظاهر، لرواية السكوني (9)،
~~ولمنافاته الخضوع. وأن يتنفل قبل الزوال إلا ركعتين في مسجد النبي صلى الله
~~عليه وآله قبل الخروج إلى المصلى.
# PageV02P069
# قال في المنتهى: ذهب إليه علماؤنا أجمع (1).
# ولعله أراد من الكراهة مطلق المرجوحية، وإلا فأبو الصلاح وابن حمزة وابن
~~زهرة قالوا: لا يجوز التنفل قبلها وبعدها (2).
# وزاد أبو الصلاح القضاء، والظاهر أنه أراد قضاء النافلة كما فهمه الشهيد
~~أيضا (3).
# والحكم بالكراهة مع ظهور الأخبار في الحرمة مشكل، ففي صحيحة زرارة:
# " ليس قبلهما ولا بعدهما ms0310 صلاة " (4) وأقرب مجازاته نفي الصحة، وكذلك
~~روايته الأخرى (5).
# وفي صحيحة حريز عن الباقر عليه السلام: " لا تقض وتر ليلتك إن كان فاتك
~~حتى تصلي الزوال في يوم العيدين " (6).
# ورواية محمد بن الفضل الهاشمي ناطقة بالفرق بين مسجد النبي صلى الله عليه
~~وآله وغيره (7).
# السابع: إذا اتفق عيد وجمعة فالمشهور التخيير لمن صلى العيدين حضور
~~الجمعة وعدمه، لصحيحة الحلبي (8).
# PageV02P070
# قيل بالتخيير لمن كان قاصي البلد (1)، لرواية إسحاق بن عمار (2)، ورواية
~~سلمة (3).
# وقيل بالوجوب (4)، لأن دليل الحضور قطعي، ولا يقاومه خبر الواحد.
# والأظهر الأول، لصحة الرواية، وعمل الأكثر عليها، وقطعية دليل الحضور من
~~الآية والأخبار إنما تسلم منه قطعية الوجوب في الجملة، غاية الأمر كونه
~~عاما، فهو في مرتبة الدلالة ظني، والظن الحاصل من الخاص أقوى كما حقق في
~~الأصول.
# وفي وجوب الحضور على الإمام قولان، الأكثر على الوجوب (5)، وهو أحوط، بل
~~أقوى، وتنبه عليه صحيحة الحلبي (6)، ورواية إسحاق (7).
# المطلب الثاني في صلاة الآيات وفيه مباحث:
# الأول: في وجوبها أما الكسوفان، فالظاهر أن وجوب صلاتهما إجماعي كما يظهر
~~من جماعة من
# PageV02P071
# الأصحاب (1)، وتدل عليه الأخبار المعتبرة (2).
# وأما الزلزلة فادعى الاجماع على وجوبها لها في التذكرة (3)، ونسبه في
~~المنتهى والمعتبر إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع (4).
# وبالجملة لا نعرف فيه خلافا ظاهرا، إلا أن أبا الصلاح لم يتعرض لغير
~~الكسوفين كما ذكره في الذكرى (5).
# وكيف كان فالمذهب الوجوب، للإجماع المنقول (6)، وصحيحة الفضلاء الدالة
~~على أن الصلاة في هذه الآيات كلها سواء (7)، ورواية سليمان الديلمي (8).
# وأما سائر الآيات السماوية المخوفة لعامة الناس من الظلمة العارضة،
~~والحمرة الشديدة، والرياح العاصفة والصاعقة الخارجتين من المتعارف، فالأكثر
~~على الوجوب (9).
# وعن الجمل انحصار الوجوب في الأربعة: الكسوفين، والزلزلة، والرياح السود
~~المظلمة (10) وقد عرفت قول أبي الصلاح.
# PageV02P072
# والأقوى الأول، لصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم الآمرة بالصلاة لكل أخاويف
~~السماء (1)، وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله وغيرها (2).
# وفي وجوب صلاة الكسوفين إذا لم يتسع الوقت إشكال، من جهة لزوم التكليف
~~بالمحال، فلو شرع في أول الانكساف وانجلى قبل الإتمام وجب ms0311 القطع، وربما
~~اكتفى بعضهم بإدراك ركعة نظرا إلى ما ورد في اليومية (3).
# ومن أن ذلك من قبيل الأسباب لا التوقيت كالزلزلة، فيصلي ولو لم يكن بقدر
~~الركعة أيضا.
# ويمكن القول بواسطة: وهو أن الثابت من الأخبار المسلم منها هو تحديد أول
~~الوقت بمعنى وجوب الشروع، وأما ما ذكر فيها من تحديد الآخر على الاختلاف
~~بين كونه الانجلاء أو الأخذ فيه فهو لبيان جواز الشروع وإدراك الصلاة
~~وعدمه، لا لوجوب التلبس إلى ذلك الحين. ولا يستفاد منها أكثر من ذلك،
~~فالفرق بينها حينئذ وبين صلاة الزلزلة هو تضيق وقتها دون الزلزلة، فالأحوط
~~بل الأقوى الوجوب.
# وأما كونه سببا محضا كالزلزلة فقال في الذكرى: إنه مرفوض بين الأصحاب
~~(4).
# وبالجملة فما ذكرنا أيضا نوع من التوقيت، وإلى هذا ينظر من يقول بكون
~~الصلاة المدركة ركعة منها في الوقت من الفرائض أداءا.
# PageV02P073
# الثاني: في كيفيتها وهي ركعتان بعشر ركوعات وأربع سجدات، بلا خلاف،
~~للأخبار المعتبرة (1)، وسيجئ أحكام أوقاتها والقراءة فيها وسائر أحكامها في
~~أبوابها.
# الثالث: يستحب أن تكون تحت السماء، وإن صليت في المسجد ففي رحبته
~~المكشوفة، وهو أفضل من الصحراء، للتأسي، وللأخبار، ففيها: " بادروا إلى
~~مساجدكم " (2) و " فافزعوا إلى مساجدكم " (3).
# وأن يطيلها بمقدار الآية بإجماع العلماء، صرح به في المعتبر (4)، وتدل
~~عليه صحيحة الفضلاء (5).
# وينبغي التقييد بما إذا علم بوفاء الوقت أو ظن به ظنا قويا، وإلا فيتم
~~ويعيد، فإن الإعادة أيضا مستحبة مطلقا على الأشهر الأظهر، لصحيحة معاوية بن
~~عمار (6).
# وقيل بوجوبها (7)، وهو موافق لظاهر الأمر في الصحيحة، وحملوه على
~~الاستحباب، لصحيحة محمد بن مسلم: " فإن فرغت قبل أن ينجلي فاقعد وادع الله
~~" (8).
# PageV02P074
# قال في المدارك: ومقتضى الجمع الوجوب تخييرا، إلا أني لا أعلم به قائلا.
~~(١) وقيل بالمنع مطلقا (٢)، وهو أضعف.
# ويستحب أن يقرأ عند الزلزلة آية: ﴿إن الله يمسك السماوات﴾ (3) والدعاء كما في رواية
~~سليمان الديلمي (4) ورواية علي بن يقطين (5). وأن يكبر عند الرياح رافعا
~~صوته، ويدعو بالمأثور (6).
# المطلب الثالث تجب الصلاة للطواف الواجب، وتستحب للمستحب. ms0312
# وقيل باستحبابه للواجب أيضا (7)، وهو ضعيف، وسيجئ الكلام في تمام ذلك في
~~موضعه إن شاء الله تعالى.
# المطلب الرابع الصلاة الملتزمة أما الملتزمة بالاستئجار فتجب به،
~~للإجماع، نقله جماعة من أصحابنا.
# وقد يستدل على جوازها بالأخبار، ولا دلالة فيها، إذ الظاهر منها التبرع.
# قد يستدل بعمومات الإجارة (8) فتجب بعد الإجارة، فيصح التقرب بها،
# PageV02P075
# لكونها واجبة.
# وهو مستلزم للدور، لأن المنفعة لا بد أن تكون مباحة، والإباحة في الصلاة
~~لا تتصور إلا مع الرجحان، ولا دليل عليه قبل الإجارة، وإلا لما احتاج إلى
~~التمسك بعمومات الإجارة، فصحة الإجارة موقوفة على جواز الصلاة، وإثبات
~~جوازها بالإجارة دور ظاهر.
# وقد استقصينا الكلام في ذلك في كتاب مناهج الأحكام، وسيجئ تمام الكلام في
~~المكاسب.
# ولا مخالفة فيها مع صلاة نفسه إلا بالنية، مع إشكال في الجهر والإخفات
~~إذا اختلف النائب والمنوب عنه ذكورة وأنوثة، والأحوط في المرأة أن تفعل
~~كالمنوب عنه، وفي الرجل أن يفعل صلاته الصحيحة، ووجهه ظاهر.
# وأما الملتزمة بالنذر وشبهه، فيجب الإيفاء به حسب ما شرط، فإن كان الشرط
~~راجحا فلا إشكال فيه، وإلا فإن كان وقتا فظاهرهم الانعقاد أيضا، بخلاف
~~المكان.
# وفرقهم بأن الزمان قد يصير سببا كالدلوك دون المكان فإنه من لوازم الفعل
~~(1) تحكم، مع أنه منقوض بصلاة التحية مثلا. وجعله تابعا للزمان تحكم آخر.
# وكيف كان ففي انعقاده في المكان قولان، فللمثبت: أن الصلاة في البيت من
~~أفراد مطلق الصلاة الراجحة، فتكون راجحة، وللنافي: إباحة القيد، ولا يجوز
~~نذر المباح.
# والأقوى الأول، لأنا لو سلمنا عدم تعلق النذر بالمباح فالقيد لا ينفصل عن
~~المقيد.
# ولعل نظر النافي إلى أن الحكم المتعلق بالمقيد إنما يرجع إلى القيد نفيا
~~وإثباتا.
# وفيه: أن ذلك إنما يتم لو نذر إيقاع صلاة الظهر مثلا في البيت، أما لو
~~نذر إيقاع
# PageV02P076
# نافلة مبتدأة فيه فلا ريب أن المقيد أيضا منذور، والكلام إنما هو في
~~الثاني، وإن لم يحضرني الآن كلام من الفقهاء في هذا الفرق.
# وعلى الصحة فهل يجوز العدول إلى الأفضل أو غيره ms0313 أم لا؟ الأقرب العدم، لأن
~~الماهية تنتفي بانتفاء فصلها، فلا تبقى حقيقة المنذور، ويجب الإيفاء على ما
~~نذر.
# ووجه العدول: أن النذر إنما انعقد على المقيد، فلا يضره إلغاء القيد.
# وفيه: أن الجنس لا يبقى بدون الفصل كما هو المحقق.
# ومما ذكرنا يظهر عدم جواز العدول عن ذي المزية إلى الأعلى بطريق الأولى.
~~PageV02P077
# المقصد الثالث في النوافل وفيه مطالب:
# المطلب الأول في الرواتب وفيه مباحث:
# الأول: في أعدادها وهي أربعة وثلاثون ركعة: ثمان للظهر قبلها، ومثلها
~~للعصر قبلها، وأربع للمغرب بعدها، وركعتين من جلوس بعد العشاء تعدان بركعة
~~تسميان وتيرة، وثمان صلاة الليل، ثم ركعتان للشفع، وركعة للوتر، ثم ركعتان
~~للفجر، بلا خلاف ظاهر في هذا العدد، بل ادعي عليه الاجماع (1)، والأخبار
~~المعتبرة بها مستفيضة (2).
# PageV02P078
# نعم ورد في بعض الصحاح ذكرها بدون الوتيرة، فتكون ثلاثا وثلاثين (1).
# وفي بعضها بدون أربع بعد الظهر والوتيرة، فتكون تسعا وعشرين (2).
# وفي بعضها بدون ذلك وركعتين قبل العشاء أيضا، فتكون سبعا وعشرين (3).
# وهذه محمولة على تأكد الاستحباب في غير ما لم يذكر فيها، لعدم دلالتها
~~على عدم استحباب الزائد.
# ويؤكد ذلك صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام: " لا تصل أقل
~~من أربع وأربعين " (4) وفيها إشعار باستحباب الزائد أيضا.
# وكيف كان فتلك النوافل بأجمعها استحبابها آكد من غيرها، بل قد عد في بعض
~~الأخبار الصحيحة تركها معصية (5).
# وفي الأخبار المعتبرة المستفيضة أنها متممة لنقص الفرائض من جهة عدم
~~الإقبال، ففي صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: " إن العبد
~~ليرفع له من صلاته ثلثها ونصفها وربعها وخمسها، فما يرفع له إلا ما أقبل
~~منها بقلبه، وإنما أمروا بالنوافل ليتم لهم ما نقصوا من الفريضة " (").
# ثم إن المشهور استناد الثمان قبل العصر إلى العصر، وعن ابن الجنيد أن
~~نافلة العصر ركعتان قبلها فتكون الست الباقية للظهر (7)، لظاهر بعض
~~الروايات (8).
# PageV02P079
# والأول أقوى، لظواهر الأخبار المعتبرة (1)، وفتوى الأصحاب، وثمرة النزاع
~~قليلة جدا.
# الثاني: يستفاد من بعض الروايات أفضلية القيام في ركعتي الوتيرة (2). وعن
~~جمع ms0314 من الأصحاب (3) مطابقا للروايات المعتبرة - سيما ما دل على حصر عدد
~~الصلاة في الإحدى والخمسين، وما صرح فيها بأنها ثنتان تعدان بواحدة (4) -
~~أفضلية القعود.
# وجمعوا بينهما بالتخيير (5).
# ومع تسليم المقاومة فالتسوية بينهما مع كون القيام أحمز أو القول بأفضلية
~~القعود مع ذلك أو أفضلية القيام مع أوضحية طريق القعود مشكل.
# والأحمزية وإن كانت حكمة في الفضيلة لكنه قد يكون التسهيل أيضا حكمة،
~~فالأولى الرجوع إلى قوة أخبار الطرفين، والقوة لما دل على القعود، للصحة
~~والكثرة وغير ذلك، فالأقوى أفضلية القعود.
# الثالث: يكره الكلام بين أربع ركعات المغرب، وبينها وبين المغرب، لرواية
~~أبي الفوارس في الأول (6)، ورواية أبي العلاء في الثاني (7).
# والظاهر أنه لا يضر التعقيب، سيما تسبيح الزهراء عليها السلام، خلافا
~~للمفيد
# PageV02P080
# حيث ندب إلى البدار إليه بعد الفراغ (1)، والشهيد في الذكرى بعد التسبيح
~~(2).
# الرابع: تستحب الضجعة بعد نافلة الفجر على اليمين، وقراءة الآيات الخمس
~~في أواخر آل عمران، والدعاء بالمأثور، للأخبار المستفيضة (3)، وهو المشهور
~~بين الأصحاب (4).
# وذكروا بدل الضجعة السجدة والمشي والكلام (5)، إلا أن الضجعة أفضل.
# تدل على السجدة رواية إبراهيم بن أبي البلاد (6)، وعلى المشي والكلام
~~والقيام والقعود مرسلة الحسين بن عثمان (7) ورواية زرارة (8).
# في رواية سليمان بن حفص: " إياك والنوم بين صلاة الليل والفجر، ولكن ضجعة
~~بلا نوم، فإن صاحبه لا يحمد على ما قدم من صلاته " (9).
# الخامس: من فاتته صلاة الليل فقام قبل الفجر فصلى الوتر وسنة الفجر كتبت
~~له صلاة الليل، لصحيحة معاوية بن وهب (10).
# والرواية وإن كانت مطلقة لكنها محمولة على حالة الضرورة، مثل النوم
~~والنسيان أو الاشتغال بحاجة
# PageV02P081
# والمراد بالوتر: الشفع والوتر، كما يستفاد من الروايات المعتبرة
~~المستفيضة (1).
# ومذهب الأصحاب انفصال الأخيرة عن الأوليين بالتسليم، وما دل على خلاف ذلك
~~من الأخبار مؤول، وسيجئ الكلام فيه.
# السادس: يستحب يوم الجمعة التنفل بعشرين ركعة زيادة عن كل يوم بأربع، بلا
~~خلاف ظاهر منهم، للأخبار المعتبرة (1)، وفي بعضها زيادة ركعتين بعد العصر
~~أيضا (3)، وفي بعضها الاكتفاء بالست عشرة رخصة (4).
# والروايات في كيفية ترتيبها مختلفة ككلام ms0315 الأصحاب، ففي بعضها: ست ركعات
~~عند ارتفاع النهار، وست ركعات قبل نصف النهار، وركعتان إذا زالت الشمس قبل
~~الجمعة، وست ركعات بعد الجمعة (5).
# وفي بعضها: ست ركعات بكرة، وست بعد ذلك اثنتا عشرة ركعة، وست بعد ذلك
~~ثماني عشرة ركعة، وركعتان بعد الزوال، وركعتان بعد العصر (6).
# وفي بعضها غير ذلك (7).
# وتقديمها على الفريضة أفضل، لصحيحة علي بن يقطين (8). وما في بعضها أن
~~تأخير النافلة عن الفريضة أولى (9) فأولها الشيخ بمن أدرك الوقت
# PageV02P082
# ولم يصلها (1)، والعمل على الكل حسن للمسامحة في المستحبات.
# السابع: تسقط في السفر نافلة الظهرين بلا خلاف، للأخبار المعتبرة
~~المستفيضة (2).
# والوتيرة على المشهور بينهم، المدعى عليه الاجماع من ابن إدريس (3)،
~~للأخبار المعتبرة المستفيضة القائل كثير منها إن الصلاة في السفر ركعتان
~~ليس قبلهما ولا بعدهما شئ إلا المغرب (4).
# وقيل بعدم سقوطها (5)، لقوية الفضل بن شاذان المعلل عدم تركها فيها بأنها
~~زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع
~~(6)، فتحمل سائر الأخبار على إرادة الرواتب.
# ولكن استثناء المغرب في تلك الأخبار يجعلها في حكم النص على سقوط نافلة
~~العشاء، إلا أن يقال بأن هذه القوية تقيد ما بقي بعد اخراج المغرب، ولا بأس
~~به، سيما مع المسامحة في أدلة السنن، وخصوصا مع ملاحظة صحيحة محمد بن مسلم:
~~" لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئا نهارا " (7) مع أن المتبادر من سائر
~~الأخبار أيضا صلاة النهار، وعموم موثقة سماعة: " وليتطوع بالليل ما شاء "
~~(8).
# PageV02P083
# المطلب الثاني في صلاة الاستسقاء واستحبابها عند غور الأنهار وفتور
~~الأمطار إجماعي، وتدل عليه الأخبار المستفيضة (1).
# وكيفيتها مثل صلاة العيدين بلا خلاف، والأخبار ناطقة بتسويتها معها (2).
# ومن جملة كيفياتها: تأخر الخطبتين كما نص عليه في الأخبار (3)، وما في
~~بعض الأخبار من تقديمهما (4) فهو مهجور.
# نعم يذكر في القنوت ما يناسب المقام من طلب الرحمة والاستعطاف، وكذلك
~~يذكر في الخطبة ما يناسب المقام، والأولى اختيار المأثور (5).
# ويستحب أن يصوم الناس ثلاثة أيام قبلها، ويكون الخروج اليوم الثالث
~~للرواية (8).
# وأن يكون اثنين كما فيها ms0316 (7)، أو الجمعة، لكونها محل الإجابة وأفضل
~~الأيام.
# وأن يغتسلوا للصلاة، بل يمكن الاستحباب قبل الصيام أيضا، لعموم موثقة
~~سماعة حيث ذكر غسل الاستسقاء (8)، وفي فلاح السائل عن مدينة العلم غسل صلاة
~~الاستسقاء (9).
# PageV02P084
# أن يخرجوا إلى الصحراء للرواية (1)، وحفاة على سكينة ووقار، للتذلل
~~والخشوع المطلوب في المقام.
# وأن يخرجوا معهم الشيوخ والأطفال والعجائز، لقوله عليه السلام:
# " لولا أطفال رضع وشيوخ ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا " (2) وقال:
# " إذا بلغ الرجل ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " (")
~~فهؤلاء أقرب إلى الرحمة.
# وأن يفرقوا بين الأطفال والأمهات، ليكثر البكاء والعجيج.
# وأن يحول الإمام رداءه حين يفرغ، بأن يجعل ما على يمينه على يساره
~~وبالعكس، للروايات (4). ويستقبل القبلة ويكبر مائة رافعا صوته. ويسبح إلى
~~يمينه كذلك، ويهلل عن يساره كذلك، ويستقبل الناس بوجهه ويحمد الله كذلك،
~~فيدعو ثم يدعون ثم يخطب. وذكر المحقق أنهم يتابعونه في الأذكار (5).
# وأن يكرر الخروج إن تأخرت الإجابة، للإجماع، ولأن الله يحب إلحاح الملحين
~~في الدعاء فيستمرون بالصوم حتى تنزل بهم الرحمة، وفتواهم بإطلاقها تقتضي
~~الخروج مطلقا، فلا حاجة إلى تحديد الصيام ثلاثة أيام إلا أن لا يستمروا
~~عليه.
# المطلب الثالث في نوافل شهر رمضان فالمشهور استحباب ألف ركعة في شهر
~~رمضان زيادة على غيره، وربما نقل عن
# PageV02P085
# الصدوق نفيه (1)، وكلامه في الفقيه لا يقتضيه (2).
# والمذهب هو الأول، للأخبار المستفيضة (3)، والعمومات، خصوصا قوله عليه
~~السلام: " الصلاة خير موضوع " (4).
# والأخبار الظاهرة في نفيها، الناطقة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~كان لا يصلي، وأنه لو كان فضلا كان هو صلى الله عليه وآله أعمل به وأحق
~~ونحو ذلك (5) مؤولة مهجورة.
# ويحتمل أن يكون الغرض فيها نفي صلاة التراويح.
# ولعله إلى ذلك يشير تأويل الشيخ، حيث أولها بأنه صلى الله عليه وآله لم
~~يكن يصلي النافلة جماعة في شهر رمضان (6) كما يشهد به بعض الأخبار أيضا
~~(7).
# واستحباب هذا العدد إنما يحصل من مجموع الروايات الواردة فيها مع اختلاف
~~في توظيفها وتوزيعها على الليالي.
# فالمشهور أنه ms0317 يصلى في كل ليلة عشرين ركعة: ثمان بعد المغرب، واثنتي عشرة
~~ركعة بعد العشاء، وفي كل ليلة من العشر الأواخر ثلاثين على الترتيب المذكور
~~(8). ويظهر من بعض الروايات العكس (9)، ولذا قيل بالتخيير (10).
# PageV02P086
# وكيف كان فيبقى بعد ذلك ثلاثمائة تصلى في ليالي الإحياء الثلاثة مضافا
~~إلى ما تقدم، في كل ليلة مائة على قول (1).
# عن الأكثر (2) موافقا لرواية المفضل (3) الاقتصار في تلك الليالي على
~~المائة، فتبقى ثمانون توزع على الجمعات، يصلى في كل جمعة عشر ركعات بصلاة
~~علي وفاطمة وجعفر عليهم السلام، وفي آخر جمعة عشرين بصلاة علي عليه السلام،
~~وفي عشية تلك الجمعة عشرين بصلاة فاطمة عليها السلام، والعمل على الكل حسن.
# وقال في الذكرى: لو فات شئ من تلك النوافل يقضيها نهارا (4)، وقد تأمل
~~فيه بعض المتأخرين (5)، ولا بأس بمتابعة الشهيد رحمه الله.
# المطلب الرابع في سائر النوافل وهي كثيرة جدا، مذكورة في كتب الأدعية،
~~إلا أنا نذكر كثيرا منها إجمالا.
# فمن آكدها وأفضلها:
# صلاة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وتسمى صلاة التسبيح، وصلاة الحبوة،
~~وهو إجماع علمائنا وأكثر المسلمين.
# والأخبار الصحيحة في فضلها مستفيضة (6).
# PageV02P087
# وهي أربع ركعات بتسليمتين، متى صليتهن غفر لك ما بينهن، إن استطعت كل
~~يوم، وإلا فكل يومين، أو كل جمعة، أو كل شهر، أو كل سنة، فإنه يغفر لك ما
~~بينهما كما في بعضها.
# ويجوز جعلها من النوافل الرواتب وقضائها، لصحيحة ذريح، وغيرها من الأخبار
~~(1).
# وفي الذكرى يظهر من بعض الأصحاب جعلها من قضاء الفرائض أيضا (2)، ويطابقه
~~إطلاق الصحيحة: " وإن شئت جعلتها من قضاء صلاة ".
# وكيفيتها: أن يقرأ في كل ركعة الحمد وسورة.
# ويستحب أن تكون إذا زلزلت الأرض في الأولى، والعاديات في الثانية، وإذا
~~جاء في الثالثة، والتوحيد في الرابعة.
# ويقول بعد السورة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر،
~~خمس عشرة مرة على المشهور، وقيل: قبل القراءة (3)، ثم يركع ويقولها عشرا،
~~ثم يرفع ويقولها عشرا، ثم يسجد ويقولها عشرا، وكذلك في الرفع وفي السجود
~~الثاني، وفي الرفع ms0318 عنه، وهكذا يفعل في باقي الركعات.
# ويجوز تجريدها عن التسبيح ثم قضاؤه بعدها وهو ذاهب في حوائجه لمن كان
~~مستعجلا، كما في رواية أبي بصير (4) وأبان (5).
# ويدعو بالمأثور، وفي رواية الحسن بن محبوب في آخر سجدة منها (6).
# ومنها: صلاة أمير المؤمنين عليه السلام أربع ركعات، في كل ركعة الحمد مرة
# PageV02P088
# وقل هو الله أحد خمسين مرة.
# ومنها: صلاة فاطمة، وهي ركعتان، في الأولى الحمد مرة والقدر مائة مرة،
~~وفي الثانية الحمد مرة والتوحيد مائة مرة.
# ومنها: صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله والحسن والحسين عليهما السلام.
# ومنها: صلاة يوم الغدير وأول ذي الحجة، وليلة المبعث، ويومه، وليلة النصف
~~من شعبان.
# وصلاة الغفيلة تصلى في ساعة الغفلة، وهي ما بين مغيب الشمس إلى مغيب
~~الحمرة بين العشاءين.
# وصلاة هدية المعصومين، والأعرابي، والاستخارة، والحوائج، والشكر، وتحية
~~المسجد، والزيارة، وليلة الدفن، والاستطعام، والحبل، والدخول بالزوجة،
~~وإرادة التزويج، والسفر، وغير ذلك مما هو مذكور في كتب الأدعية مع آدابها
~~وشرائطها وكيفيتها لا يسعها هذا الكتاب، وقد ذكر أكثر ما ذكرنا الشهيد في
~~الذكرى (1)، هذا كله في ذات السبب.
# وتستحب الصلاة بدون ذلك أيضا مبتدأة، فإنها خير موضوع، فمن شاء استكثر،
~~ومن شاء استقل، كما في الحديث (2).
# كل النوافل ركعتان، إلا صلاة الأعرابي، فهي عشر ركعات بثلاث تسليمات،
~~ثنتان منها بتسليم، وثمان منها بتسليمتين، وسيجئ بعض أحكام النوافل في
~~تضاعيف الأبواب.
# PageV02P089
# المقصد الرابع في القصر والإتمام وفيه مباحث:
# الأول: وجوب القصر في الرباعيات للمسافر إجماعي عند علمائنا، مدلول عليه
~~بالأخبار (1)، وتركه مبطل للصلاة إذا كان عالما عامدا.
# وأما إذا كان جاهلا فأتم فيما يجب فيه القصر فالمشهور صحة صلاته، لصحيحة
~~زرارة ومحمد بن مسلم (2)، فلا تجب الإعادة مطلقا. وهذا مستثنى من بطلان
~~عبادة الجاهل بالتفاصيل كما هو مذهب جمهور أصحابنا.
# والظاهر أن ذلك لا ينافي كونه عاصيا بترك تحصيله إذا علم إجمالا بأن
~~للشرع أحكاما وللصلاة شرائط.
# وقال ابن الجنيد (3) وأبو الصلاح (4): إنه يعيد في الوقت لصحيحة العيص،
# PageV02P090
# الشاملة بإطلاقها للجاهل والناسي (1).
# ومذهب ابن ms0319 أبي عقيل الإعادة مطلقا (2)، لصحيحة الحلبي (3)، وظاهرها حكم
~~الناسي، فتحمل على الإعادة في الوقت.
# وعلى المختار فيقتصر في أصل المسألة ولا يتعدى إلى سائر أحكام القصر
~~والإتمام، لعدم دلالة الرواية إلا على ذلك، ولا إلى القصر في موضع الإتمام
~~وإن وردت به رواية صحيحة (4) وعمل بها صاحب الجامع (5)، لعدم مقاومتها مع
~~متروكيتها لما دل على بطلان عبادة الجاهل (6).
# وأما الناسي، فالمشهور فيه الإعادة في الوقت، لصحيحة العيص المتقدمة (7)،
~~وصحيحة أبي بصير (8).
# وقيل: يعيد مطلقا (9)، لصحيحة الحلبي المتقدمة (10). ونحملها على الإعادة
~~في الوقت أو الاستحباب.
# الثاني: في شرائط القصر واستمراره، وهي أمور:
# PageV02P091
# الأول: المسافة، ولا خلاف بين العلماء في اشتراطها، وأجمع أصحابنا على
~~أنه لا يجوز التقصير في أقل من ثمانية فراسخ أو مسيرة يوم على ما نقله
~~جماعة منهم (1).
# والمشهور عندهم اشتراط الثمانية ممتدة، أو أربعة يعود فيها ليومه (2).
# وقيل: يتخير في الثاني بين القصر والتمام، وهو قول الشيخ على ما فهمه من
~~كتابي الأخبار جماعة (3)، ونقله في الذكرى عن المبسوط وقواه (4).
# وأما إذا لم يرد الرجوع ليومه، فذهب جماعة منهم إلى التخيير (5).
# وفصل الشيخ في النهاية فجوز قصر الصلاة دون الصوم (6).
# وقيل باللزوم فيما أراد الرجوع ليومه، والتخيير فيما أراد الرجوع غدا
~~(7).
# وذهب ابن أبي عقيل إلى لزوم القصر في الثمانية الممتدة والأربعة التي عاد
~~فيها ليومه أو ما دون عشرة أيام، وقال: إنه كذلك عند آل الرسول صلى الله
~~عليه وآله (8)، وهو الأقرب عندي، وفاقا لجماعة من علمائنا المعاصرين
~~والسابقين المقاربين لعصرنا (9).
# وإنما نشأ الخلاف من اختلاف الأخبار، وهي على ثلاثة أصناف:
# لأول: ما دل على اعتبار ثمانية فراسخ، أو بريدين، أو مسيرة يوم، أو بياض
~~يوم، وفي صحيحة علي بن يقطين: " يجب عليه القصر إذا كان مسيرة يوم، وإن كان
# PageV02P092
# يدور في عمله " (1) وأكثر تلك الأخبار صحيحة أو موثقة.
# والثاني: ما دل على وجوب القصر في بريد أو أربعة فراسخ، وهي أيضا في غاية
~~الكثرة، وأكثرها صحيحة أو موثقة أو حسنة، ومنها روايات عرفات (2).
# والثالث: ما دل ms0320 على أنه إذا كانت المسافة بريدا ذاهبا وبريدا جائيا فيكفي
~~في القصر، وهي أيضا كثيرة، وأكثرها صحيحة أو موثقة (3).
# وبملاحظة الصنف الأول والثالث تعرف أن المراد بالصنف الأوسط هو ما إذا
~~أريد العود، فالمراد بالأربعة المطلقة هي نفس المسافة وإن صارت ثمانية بسبب
~~العود.
# والحاصل أن مقتضى ما دل على اعتبار الثمانية مطلقا وصدقها على الأربعة
~~المعادة أيضا واضح، وتقييدها بالعود ليومها لم يدل عليه دليل، سيما مع
~~ملاحظة روايات عرفات، فإنها نص في الباب. ولا وجه للجمود عليها، لعدم القول
~~بالفصل، سيما مع ما يستفاد منها من العلة مثل قولهم عليهم السلام " وأي سفر
~~أشد منه " (4).
# وأما موثقة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن التقصير،
~~قال: " في بريد " قال، قلت: بريدا؟! قال: " إذا ذهب بريدا ورجع بريدا شغل
~~يومه " (5) فلا تدل على اعتبار العود في يومه، ولا على تحتمه في ذلك
~~والتخيير في العود غدا كما هو واضح.
# بل لما سمع الراوي الأخبار الدالة على ثمانية فراسخ ومسيرة يوم تعجب من
~~كون البريد فقط مسافة فسأل متعجبا، فرفع الإمام عليه السلام تعجبه بأنه إذا
~~اعتبر
# PageV02P093
# العود فيشغل يومه، يعني يصير سفره بحيث يكون مسيرة يوم، وإلا فلا تجب
~~إحاطة اليوم في السفر مطلقا كما لا يخفى.
# بالجملة يظهر من اعتبار بياض يوم أو مسيرة يوم، ومن إطلاق الثمانية في
~~الأخبار (1)، ومن العلة الواردة في اعتبار هذا المقدار من أنه لو لم يجب في
~~مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، لأن كل يوم بعد هذا اليوم فإنما هو
~~نظير هذا اليوم وغير ذلك، يظهر أن المناط في القصر هو ما إذا كانت المسافة
~~بهذا المقدار على أي نحو كان، خرجنا عما (2) لو حصل له قاطع من الخارج من
~~إقامة العشرة أو الوصول إلى الوطن ونحوها بدليل، وبقي الباقي.
# والظاهر كفاية عدم نية قصد الإقامة بينها، ولا تلزم نية عدم قصد الإقامة
~~بينها.
# وعلى ما بينا فتختلف فروع المسافة، ويختلف (3) الحكم عما حكم به جمهور ms0321
~~علمائنا مما يتفرع على تحقيق (") حد المسافة، فمنها أنهم لا يضمون الإياب
~~إلى الذهاب، بل ادعى الشهيد الثاني عليه الاجماع (5).
# ومما صرحوا به في مسألة طالب الآبق إذا بلغ حد المسافة أو ما دونها وعرف
~~أنه لا بد أن يذهب فرسخا أو فرسخين أو نحوهما فإنهم لا يحكمون بالقصر إلا
~~إذا شرع في الإياب، ونحن نحكم بالقصر في الذهاب والإياب، لأنه قاصد
~~للمسافة، ويصدق أنه يقطع ثمانية فراسخ أو مسيرة يوم، ونحو ذلك.
# وكذلك في البلد ذي الطريقين إحداهما مسافة والأخرى دونها، فيحكمون بالقصر
~~مطلقا إذا ذهب من الأبعد، وإذا ذهب من الأقرب وعاد من الأبعد فيقصر في
# PageV02P094
# العود لا غير، ويظهر من ذلك أنهم لا يضمون الذهاب إلى الإياب مطلقا.
# ونحن نقول: إن لم يكن البلد وطنه ولا دار إقامته ولا يريد حصول قاطع فيها
~~ويريد الرجوع قبل حصول القاطع فيقصر مطلقا، سواء ذهب من الأقرب وعاد من
~~الأبعد أو بالعكس، وذهب وعاد من الأقرب إذا كانت المسافة أربعة مطلقا.
# وكذلك فيما سيجئ فيمن يخرج من دار إقامته ولم يقصد مسافة جديدة، لكنه
~~أراد الرجوع إلى منزله، فيقصر ذهابا وإيابا، وغير ذلك من الفروع.
# ويظهر مما ذكرنا أن مبنى فتواهم هذه على تحقيقهم في أصل المسافة أن مدعي
~~الاجماع في هذه المسائل وهو الشهيد الثاني صرح بعلة ذلك في نتائج الأفكار،
~~وقال: إن الإياب لا يضم إلى الذهاب.
# قال: المعروف بينهم أن للذهاب حكما منفردا عن العود، فلا يكمل أحدهما
~~بالآخر إلا فيمن قصد أربعة فراسخ عازما على العود في يومه أو ليلته، وإنما
~~أخرجت هذه بحكم النص. إلى أن قال: إذ لو اعتبر تكميل الذهاب بالعود صدق عزم
~~المسافة فيمن قصد الرجوع من غده، وهو معلوم البطلان (1). فلاحظ.
# وإذا لم يثبت الاجماع في أصل المسألة ولم نسلم ذلك، فلئن لم نسلم ما
~~يتفرع عليه لكان أولى.
# ومما يدل على فساد دعوى الاجماع أنه - رحمه الله - أيضا نقل في نتائج
~~الأفكار (2) عبارة الشيخ في المبسوط (3) ومتابعة المتأخرين له (4)،
~~وسننقلها ms0322 في مسألة الخارج عن بلد الإقامة (5).
# PageV02P095
# أيضا تحقق الاجماع في أمثال هذه الفروع بعيد.
# مع أن غاية ما يستفاد من كلمات الجمهور هو عدم ضم الإياب إلى الذهاب في
~~تحقق المسافة، أما لو تحققت المسافة بدون ذلك ويكون هذا الذهاب ملحقا بأصل
~~المسافة فلا.
# ما بينته لك مما لم يسبقني إليه أحد فيما أعلم، لكن دأب الغير المتأمل لا
~~سيما المقلد للجمهور الرد من غير روية، عصمنا الله عما يكرهه.
# على ما ذكرنا، فما نقل عن الأكثر من وجوب التمام على المتردد في ثلاثة
~~فراسخ خارج حد الترخص ليس على ما ينبغي.
# واستدل عليه في التذكرة بأنه لو لزم عليه القصر للزم على من تردد في واحد
~~ثماني مرات (1). وهو كما ترى، إذ الملازمة وبطلان التالي كلاهما ممنوعان.
# ولو سلمنا بطلان التالي فإنما يكون من جهة كونه من الأفراد النادرة أو
~~عدم إطلاق المسافر عليه عرفا، لا لعدم ضم العود إلى الذهاب.
# ثم إن المسافة المقصودة إن علمت بتفصيلها فلا إشكال، وإلا فإن جهلت رأسا
~~ولم يمكن تحصيل العلم بها فيتم أيضا بلا خلاف ظاهر.
# وأما لو لم يتعذر العلم بها ففي وجوب تحصيل العلم بها وجهان، من جهة
~~أصالة التمام، واستصحاب كونه أهلا للحكم به، وأصالة براءة الذمة عن التكليف
~~بالاعتبار. ومن جهة توقف اليقين بالبراءة على تحصيل العلم به.
# والثاني أحوط، بل أظهر، لأن وجوب القصر موقوف على قصد ما هو مسافة في نفس
~~الأمر، فإن الثمانية مثلا اسم لما هو ثمانية، لا ما علم أنه ثمانية، كما أن
~~التثبت في خبر الفاسق إنما يجب فيما هو في نفس الأمر فاسق، لا من علم فسقه
~~فقط، فلذا يثبت خبر مجهول الحال إذ لا واسطة.
# PageV02P096
# فيجب حينئذ التفحص والتثبت في تحصيل العلم بالشرط، لأن المكلف حينئذ كما
~~يحتمل عنده وجوب التمام لعدم العلم بحصول شرط القصر، فيحتمل عنده وجوب
~~القصر، لاحتمال عدم تحقق شرط التمام، فكما أن الأصل عدم تحقق شرط القصر
~~فالأصل عدم تحقق شرط التمام.
# وجعل قصد ms0323 المسافة مانعا عن التمام لا عدمه شرطا كأنه محض تغيير في
~~العبارة.
# وبالجملة فمع الإمكان لا تجوز المسامحة في التفحص، نظير المريض الذي
~~يحتمل التضرر من استعمال الماء، فلا يجوز له استعمال الماء حتى يحصل الظن
~~بعدم الضرر، ويتفحص عن ذلك.
# وعلى الأول، فلو صلى تماما فلا يعيد إذا ظهر خلافه، لأن الأمر يقتضي
~~الاجزاء، ولو دخل الوقت ولم يصل ومضى بمقدار الصلاة فالعبرة بحال الأداء،
~~ولا يجري فيه الخلاف الآتي.
# وبعد حصول العلم فهل تعتبر المسافة التامة بعد حصول العلم، أم يكفي كون
~~المجموع مسافة؟ الأظهر ذلك، وفاقا لجماعة من الأصحاب (1)، لأنه قاصد نهاية
~~معينة بقدر المسافة، غاية الأمر الجهل بمقدارها تفصيلا، بخلاف طالب الآبق
~~فإن مقصده غير معلوم، فلا يقاس به.
# ربما الحق به الصبي القاصد للمسافة إذا بلغ في الأثناء، وفيه إشكال.
# وتثبت المسافة بشهادة عدلين، مع احتمال قبول الواحد لجعله من باب الخبر.
# ويمكن الاكتفاء بالشياع المتاخم للعلم وإن كان باب الإشكال في الجميع
~~مفتوحا لفقد النص، ولكن لزوم العسر والحرج ينفيه.
# ثم قد ذكرنا أن كل واحد من التقدير بالفراسخ ومسيرة يوم يكفي في القصر،
# PageV02P097
# وربما يرجح الأول لكونه تحقيقا.
# وربما يرجح الثاني لأظهريته من الأخبار (1)، يعني أن بيان الفرسخ مجمل
~~فيها.
# وفيه: أنه يرجع فيه إلى اللغة والعرف، فلا إجمال كما بينا سابقا.
# والمعتبر في السير هو سير الإبل القطار والقوافل، لحسنة الكاهلي (2)،
~~وموثقة عبد الرحمن بن الحجاج (3).
# والمعتبر الأرض المتوسطة والسير المتوسط واليوم المتوسط.
# وعلى البناء على التقدير فلا فرق بين سرعة السير وبطئه، فلو قطع راكب
~~السفينة المسافة في ساعة يقصر، كما لو قطعها راكب الفرس في البر أربعة
~~أيام.
# وأما لو قطع المسافة في سنة مثلا فلا، لخروجه عن اسم المسافر عرفا كما
~~ذكره في الذكرى، وجعل من ذلك ما لو قارب بلده وتعمد ترك الدخول وبقي في قرى
~~تقاربه زمانا يخرج به عن اسم المسافر (4).
# الثاني: القصد إلى المسافة المعهودة، سواء كان عالما بمقدارها تفصيلا أو
~~علم مجرد الغاية.
# وتظهر ms0324 الثمرة فيما لو علم في أواخر المسافة بكونها ثمانية فيقصر، وإن بقي
~~منها أقل من المسافة المشروطة، لما ذكرنا من أن حكم القصر معلق في الأخبار
~~على مسافة ثمانية فراسخ ومسيرة يوم ونحوهما، والألفاظ أسام للأمور النفس
~~الأمرية، غاية الأمر عدم وجوب القصر إلا بعد العلم، وذلك لا ينافي عدم
~~اشتراط العلم التفصيلي في القصد.
# والمراد بالقصد: هو القصد الجازم بإيقاع السفر، لا بوقوعه، كما في قصد
# PageV02P098
# الإقامة كما سيجئ.
# ويدل على اشتراطه مضافا إلى الاجماع رواية صفوان (1) وموثقة عمار (2).
# فطالب الآبق والغريم وهو لا يدري أين هو لا يقصران وإن بلغ سفرهم ما بلغ،
~~إلا أن يقصد العود ووصل إلى حد يكون مسافة، أو هو مع ضميمة بقية الذهاب
~~الذي يجزم بقطعها.
# والغالب في القاطنين في مكان سيما إذا كانوا ذوي عيال إرادة العود وإن لم
~~يخطر ببالهم ذلك، وذلك يكفي في القصد، فإطلاق الأصحاب الحكم بالتمام وإن
~~بلغ ما بلغ مشكل. ولا بد أن يقيد بما ذكرنا.
# تخصيص الحكم بالقصر بالإياب فقط إذا قصد العود وبلغ مسافة غير ظاهر
~~الوجه، فإن قصد المسافة المعتبرة موجود فيمن يعلم قطع المسافة بما في
~~الذهاب ويضم إليه العود.
# ويظهر لمن تتبع الأخبار أن ذلك معتبر عندهم عليهم السلام، بل أقل من ذلك
~~وأبعد، فلاحظ صحيحة أبي ولاد (3)، حيث اكتفي فيها بانضمام الأربعة الإيابية
~~لمن بدا له العود من سفر كانت مسافته عشرين فرسخا إلى الأربعة الذهابية
~~وحكم فيها بالقصر، وكذلك صحيحة زرارة (4) ورواية المروزي (5) وغيرها (6).
# ثم إن قصد المسافة لا يجب فيه الرضا به، فالأسير والعبد وغيرهما يتبعون
~~قصد من يذهب بهم، فإن علموا قصده المسافة فيجب عليهم القصر بلا خلاف ظاهر،
# PageV02P099
# إلا عن الشيخ في الأسير فإنه لو خلي رجع. ونقض بالعبد والزوجة (1).
# والتحقيق: أنه لو علم عدم التخلص أو ظن ذلك فيبقى على القصر بناءا على
~~ظاهر الحال، وإن احتمل الأمرين أو جهل بقصدهم لم يقصر.
# ذلك العبد والزوجة إذا ظهر لهما أمارة الطلاق والتحرير وعزما على الرجوع
~~متى ms0325 حصلا يتمان، وبدونهما يقصران.
# الثالث: استمرار القصد، فلو رجع أو حصل له التردد قبل بلوغ المسافة أتم،
~~لصحيحة زرارة (2)، وصحيحة أبي ولاد (3)، ورواية المروزي (4) وغيرها (5)،
~~ويكفي في بلوغ المسافة طي أربعة فراسخ بانضمام الإياب كما صرح به في صحيحة
~~أبي ولاد (6) ورواية إسحاق بن عمار (7).
# نعم اختلفوا في من خرج قاصدا للمسافة وسنح له انتظار رفقة معلقا ذهابه
~~على مجيئهم، فالشيخ (8) وابن البراج (9) على أنه إذا سار أربعة فراسخ
~~فيقصر، إلا أن يتبين له العزم على المقام أو يمضي ثلاثون يوما مع التردد،
~~وإن كان مسيره أقل من أربعة وجب عليه التمام، إلا أن يسير.
# ويظهر من ذلك اكتفاؤه بالأربعة الإيابية، فهو قاصد للمسافة ومستمر القصد
~~إلى
# PageV02P100
# إتمامها وإن تبدل أربعة منها بأربعة أخرى، وهو منطبق على صحيحة أبي ولاد،
~~وتدل عليه أيضا رواية إسحاق بن عمار (1).
# وذهب الفاضلان (2) وبعض المتأخرين (3) إلى اشتراط كون ذلك في رأس ثمانية
~~فراسخ، وإلا فيرجع إلى التمام.
# ونظرهم إلى اعتبار امتداد الثمانية، أو أن المتبادر من المسافة هي ما
~~كانت منظورة بشخصها، وحصول الاستمرار فيها بعينها، لا في مطلق المسافة.
# والأظهر عندي قول الشيخ، لخصوص صحيحة أبي ولاد، ورواية إسحاق بن عمار
~~(4)، وعمومات أدلة المسافة، وللعلة المستفادة للتقصير من اعتبار المسافة
~~كيف ما كان.
# وهل يعيد ما صلى قصرا لو حصل الانتظار قبل قطع المسافة المعتبرة؟ قيل:
~~لا، لأن الأمر يقتضي الاجزاء (5)، ولخصوص صحيحة زرارة (6).
# وقيل: نعم في الوقت (7)، لصحيحة أبي ولاد (8)، ورواية المروزي (9).
# والأول أقوى، لأنه أوفق بالأصل والاعتبار، وزرارة أصدع بالحق، مع أن
~~التفصيل بالوقت أيضا غير مستفاد.
# الرابع: أن لا يجمع قصد المسافة مع نية إقامة عشرة أيام في أثناء
~~المسافة، وأن
# PageV02P101
# لا تعرض له نية الإقامة في أثنائها أيضا.
# أما الثاني فوفاقي، مدلول عليه بالأخبار الصحيحة، فهي قاطعة للسفر (1).
# واكتفى ابن الجنيد بالخمسة (2) لبعض الأخبار (3)، وهو شاذ.
# وأما الأول، فالظاهر عدم الخلاف فيه أيضا، بل اشترط الشهيد نية عدم
~~الإقامة في الابتداء (4)، ولا يدل على أصل الحكم نص بالخصوص، فضلا ms0326 عما ذكره
~~الشهيد.
# نعم: يستفاد من تتبع الأخبار، سيما من ملاحظة الجمع بين أخبار المسافة
~~وما دل على اتحاد حكم الإقامة مع الوطن وغيرها.
# وظاهر اتفاقهم على أن الرجوع إلى التقصير بعد الإقامة يحتاج إلى إنشاء
~~سفر جديد أن من يريد مسافة يريد في أثنائها الإقامة بعينها مثل من يريد
~~وطنه الذي يكون دون المسافة.
# والمعتبر العشرة العرفية، فيكفي طلوع الشمس وغروبها في اليوم، ولا يحتاج
~~إلى الليل في الأول، ولا يعتبر التلفيق كالاعتكاف والعدة.
# وهل يشترط التوالي بحيث لا يخرج ما دام مقيما إلى حد الترخص؟ اشترطه
~~الشهيدان (5)، وبالغ الثاني في نتائج الأفكار حتى نفى القول برخصة الخروج
~~المذكور من جميع من تعتبر فتواهم (6).
# والأظهر اعتبار العرف في ذلك، فلو نوى ما يقال له في العرف: إنه إقامة في
~~تلك البلد فهو يكفي وإن انضم إليه الخروج إلى بعض الحدود، وكذلك لا يضر
# PageV02P102
# إذا طرأ الخروج في الأثناء.
# ونقل فيه عن فخر المحققين أيضا القول بعدم ضرر الخروج إلى القرى
~~المتقاربة والمزارع الخارجة عن الحدود سواء (قارنت) (1) النية الأولى أم
~~لا، لكن ذكر أن النسبة غير موثوق بها (2).
# ثم إن المستفاد من الأخبار (3) والأدلة أن ناوي الإقامة حكمه التمام ما
~~دام مقيما، وحكمه حكم من وصل إلى الوطن.
# وظاهر أكثرهم بل المجمع عليه على ما صرح به الشهيد الثاني (4) - وإن كان
~~فيه تأمل - توقف الرجوع إلى القصر على قصد مسافة جديدة إن لم يكن في نيته
~~ذلك.
# وتدل عليه صحيحة أبي ولاد (5)، فإنه كوفي وخروجه إلى المدينة كان إلى صوب
~~المقصد، وهو مسافة.
# فمن طرأ له الخروج، فإن لم يصدق عليه عرفا أنه خارج عن الإقامة، وقيل له:
# إنه مقيم، فلا يقصر لوجهين، الأول: كونه مقيما في البلد وفرضه التمام حتى
~~يرتفع عنه هذا الوصف كما يظهر من صحيحة أبي ولاد، فإن الظاهر من قوله عليه
~~السلام:
# " حتى يخرج " حتى يسافر.
# والثاني: أن الرجوع إلى القصر يحتاج إلى إنشاء مسافة جديدة لو لم ينوها
~~أولا.
# ويقع الإشكال فيما لو ms0327 خرج إلى دون المسافة، وخرج عن كونه مقيما في هذا
~~البلد عرفا، فإن أراد إقامة جديدة بعد العود فيتم مطلقا بلا خلاف ظاهر،
~~وادعى عليه
# PageV02P103
# الشهيد الثاني الاجماع (1)، وإلا فالذي تقتضيه الأصول المتقدمة المستفادة
~~من تتبع الأقوال والأخبار، وأن الأصل في الصلاة التمام كما يستفاد من
~~الغلبة واستصحاب حال المكلف وأهليته لذلك، أنه يتم حتى يريد مسافة تامة،
~~وهو الظاهر من الأكثر.
# والذي يقتضيه عموم ما دل على أن المسافر يقصر من الآية (2) والأخبار
~~الكثيرة (3) سيما مع حصول القصد إلى المسافة المعتبرة ابتداءا، أنه يقتصر
~~في التمام فيما دل عليه الدليل في حال الإقامة، فيبقى الباقي تحته، فيلزمه
~~القصر وإن لم يكن الباقي مقدار المسافة، وهو ظاهر بعضهم (4).
# ويظهر من آخر التفصيل، فيتم ذاهبا لعدم قصد المسافة الجديدة، ويقصر آئبا،
~~لكون مقصده الرجوع إلى بلده في الجملة مع عدم قصد الإقامة. واختلف كلامه في
~~ذلك المكان الذي يذهب إليه، ونظره إلى عدم انضمام الذهاب إلى الإياب كما هو
~~ظاهر الأكثر (5). وقد أشرنا سابقا إلى الكلام في نظيره وأنه غير ظاهر
~~الوجه، إلا أن يكون إجماعا كما ادعاه الشهيد الثاني (")، وهو غير معلوم كما
~~بيناه.
# ومما ينادي بفساد دعوى هذا الاجماع ما نقله هو - رحمه الله - عن الشيخ في
~~المبسوط، وعن المتأخرين التابعين له في هذه المسألة.
# وهذا لفظ الشيخ: إذا خرج حاجا إلى مكة وبينه وبينها مسافة تقصر فيها
~~الصلاة ونوى أن يقيم عشرا قصر في الطريق، فإذا وصل إليها، أتم، وإن خرج إلى
~~عرفة يريد قضاء نسكه لا يريد مقام عشرة أيام إذا رجع إلى مكة كان له القصر،
~~لأنه نقض مقامه بسفر بينه وبين بلده يقصر في مثله، وإن كان يريد إذا قضى
~~نسكه مقام عشرة
# PageV02P104
# أيام بمكة أتم بمنى وعرفة ومكة حتى يخرج من مكة مسافرا فيقصر (1)، انتهى.
# وأنت خبير بأن دعوى الاجماع على العموم مع عدم الثبوت في خصوص الموارد لا
~~معنى لها، إذ هو من الأدلة القطعية ولا يقبل التخصيص. وقد ظهر من عبارة
~~الشيخ ms0328 هذه والمتأخرين بعده (2) أنهم يضمون الذهاب إلى الإياب، فكيف يدعى
~~الاجماع على ذلك؟ وقد ذكرنا لك أن منشأ توهمه ما ذا.
# وكأني بمن لا يتأمل في الكلام فيبادر ويقول بأن مخالفة معلوم النسب غير
~~مضرة في الاجماع، وليس غرضي القدح في ذلك بسبب نفس وجود المخالف، بل أقول:
# إن ما ذكرته قرائن لكون تلك الدعوى توهما، فافهم.
# وبالجملة فالأرجح في المسألة التمام إلا إذا قصد مسافة ولو بانضمام ما
~~بقي من الذهاب إلى العود، والاحتياط مما لا ينبغي تركه في أمثال هذه
~~المواضع.
# ثم إن رجع ناوي الإقامة عن قصده رجع إلى التقصير ما لم يصل فريضة تامة
~~بلا خلاف في ذلك، وادعوا عليه الاجماع (3)، ونطقت به صحيحة أبي ولاد (4).
# وأما لو عن له الرجوع في الأثناء، فقيل: يرجع إلى التقصير، لعدم إتمامه
~~الفريضة (5).
# وقيل: لا يرجع، لأن الصلاة على ما افتتحت عليه (6).
# وقيل: يرجع إن لم يتجاوز محل القصر، لأنه لم يصل صلاة تامة، ومع التجاوز
~~يلزم إبطال العمل المنهي عنه لو رجع فيتم، فيصدق أنه صلى صلاة تامة (7).
# PageV02P105
# وتردد المحقق (1)، وهو في محله.
# ولا يبعد ترجيح الأول، لظاهر الصحيحة، ومنع حرمة الإبطال ههنا.
# ولا يكفي مضي وقت الصلاة إن لم يفعل عمدا أو سهوا أو لإغماء وجنون، ولا
~~النافلة التي تسقط في السفر.
# كذلك لا يكفي الصوم الواجب وإن أتمه قبل الرجوع، لصحيحة أبي ولاد (2).
# وقيل: يكفي مطلقا (3).
# وقيل: يكفي إن رجع بعد الزوال، لما دل من العمومات على وجوب المضي في
~~الصوم إذا سافر بعد الزوال، فإذا صح فلا بد أن لا تبطل إقامته، وإلا فيلزم
~~وقوع الصوم في السفر (4).
# وشمول العمومات لما نحن فيه ممنوع، لأنها الظاهر في من سافر من المكان
~~الذي يتحتم فيه الصوم. مع أن بطلان وقوع الصوم في السفر مطلقا أيضا ممنوع،
~~وإنما هو إذا كان مجموعه في السفر.
# وربما يستدل للكفاية مطلقا بصحته قبل الزوال، فتكون إقامته صحيحة، وإلا
~~لزم جواز الصوم في السفر.
# وفيه: أنه مراعى بعدم الرجوع، أو بإتمام ms0329 فريضة تامة، وهو واسطة بين الصحة
~~الحتمية والبطلان الحتمي، فالصوم صحيح ما لم يرجع أو يصلي فريضة تامة. وأما
~~الصلاة فلا بد من تقصيرها ما لم يصل فريضة تامة وإن صام صوما تاما ثم رجع
~~أو رجع بعد الزوال وقلنا بوجوب تمامه أيضا.
# PageV02P106
# لا يقال: عكس نقيض قوله عليه السلام " إذا قصرت أفطرت " (1) يقتضي
~~الإتمام حينئذ.
# أنا نمنع عموم " إذا " أولا، ومقاومته لصحيحة أبي ولاد ثانيا، لأن بينهما
~~عموما من وجه، وعمل الأكثر عليها، مع كونها أظهر دلالة، مضافا إلى أن في
~~ثبوت عكس النقيض للشرطيات كلاما.
# ومع ثبوت القصر في الصلاة فيجب الإفطار، لقوله عليه السلام: " إذا قصرت
~~أفطرت ".
# ثم لو نوى الإقامة في أثناء المقصورة يتم الصلاة بلا خلاف ظاهر، ويظهر من
~~بعضهم الاجماع (2).
# وتدل عليه صحيحة علي بن يقطين (3) وحسنة سهل بن اليسع (4).
# وفي الاكتفاء بذلك في المسألة السابقة وجهان، أقربهما ذلك.
# الخامس: أن لا يقطع سفره بوصوله إلى الوطن، وأن لا ينوي ذلك في أول
~~المسافة.
# والوطن في اللغة: هو محل الانسان، كما صرح به الجوهري، والمحل: هو المكان
~~الذي يحله كما صرح به أيضا (5).
# ولا يفهم من ذلك إلا مجرد الحلول والقرار.
# وأوطنت الأرض ووطنتها واستوطنتها اتخذتها وطنا، وكذلك الاتطان.
# وأما في العرف، فيفهم منه أزيد من ذلك.
# PageV02P107
# وأما كونه مولدا له أو لآبائه مع استمرارهم فيه، كما هو متداول في كثير
~~من إطلاقات أهل العرف، فلم يثبت انحصار العرف فيه.
# بل الظاهر من العرف العام ما يشمل ذلك، وما يجعله محل سكناه مستمرا ولا
~~يتزلزل في ذلك ولا يريد الخروج منه، وإن كان لا ينوي عدم الخروج عنه ما دام
~~العمر أبدا.
# فيكفي فيه ما يظهر منه إرادة ذلك، مثل بناء الدار وغرس البساتين والأشجار
~~ونحو ذلك، منضما إلى قطع العلاقة عن غير ذلك المكان، وإرادة السكون في ذلك.
# وكما لا تجب نية عدم الخروج عنه ما دام العمر، فقد لا تجب نية البقاء
~~مستمرا وقصده مخطرا بالبال.
# فيكفي الاستمرار الفعلي لمن سكن في ms0330 محل آبائه، ويستمر على ذلك، وإن لم
~~يتفطن لقصد البقاء ولا الخروج.
# والظاهر أن الاستيطان والاتطان ونحوهما يدل على أن الوطن قد يحصل قهرا
~~كما في الصورة المفروضة، فاختياره غير هذا الموضع القهري استيطان.
# وأما مجرد السكون في محل بلا قصد الاستمرار فلا يسمى وطنا عرفا، وإن طال
~~مقامه فيه، وإن كان معه أهله.
# ثم إن ما يفهمه أهل العرف هو أن يكون له فيه مقر، ولا يفهمون اعتبار
~~ملكية المقر، ولا ثبوت مطلق الملك له، فتكفي إجارة البيت ولو إلى آخر عمره،
~~سيما في البلاد التي يتعارف ذلك فيها.
# ثم إن الأقوى عندي في تحقق صدق المشتق حقيقة هو اعتبار وجود المبدأ،
~~وكذلك ما في معنى المشتق كالوطن، بل وكذلك الجامدات كالماء، فلا يطلق الماء
~~على الهواء المنقلب عنه حقيقة.
# إذا عرفت هذا فالوطن لا يطلق حقيقة إلا على ما كان وطنا بالفعل.
~~PageV02P108
# وأما إطلاق كثير من أهل العرف الوطن على المولد أو مقر الآباء مع حصول
~~الاستمرار فيه مدة معتدا بها وإن انقطعت علاقته عنه فهو مجاز أو اصطلاح
~~خاص.
# فإن سلمنا كونه حقيقة فيه، فيكون اللفظ مشتركا، لأن كون الإطلاق على غيره
~~مما أخذه وطنا واستمر فيه مدة ثم انقطعت علاقته عنه حقيقة غير مسلم، بل هو
~~مجاز، لما بينا، بل الظاهر كون الأول أيضا مجازا، لأن المتبادر هو محل
~~السكون بالفعل، والمجاز خير من الاشتراك.
# إذا عرفت هذا فنقول: إن الأصحاب اتفقوا على أن الوصول إلى الوطن قاطع
~~للسفر في الجملة، واشتهر بينهم أن الوصول إلى ضيعة له أو قرية له أقام بها
~~ستة أشهر يكفي في ذلك، وإن كان قبل عشر سنين، بل ادعى الشهيد الثاني (1)
~~والعلامة (2) الاجماع على ذلك.
# وبعضهم كالفاضلين صرح بأن ذلك يوجب إطلاق الوطن عليه عرفا (3).
# وبعضهم كالشهيد في الذكرى صرح بأن هذا وطن شرعي (4).
# وفيما ذكروه أمور:
# الأول: منع الإطلاق العرفي بمجرد المقام ستة أشهر، بل لا بد من قصد
~~المقام مستمرا.
# والثاني: إنه لا يكفي في تحققه حصوله في ms0331 الماضي مع انقطاعه.
# والثالث: إنه لم تثبت حقيقة شرعية في ذلك.
# والرابع: إن ما استدلوا به عليه من الأخبار لا دلالة فيها على ما ذكروه.
# وغاية توجيه كلامهم أنهم فهموا من ذلك حقيقة شرعية، أو كان مرادهم أنه
~~قصد
# PageV02P109
# التوطن العرفي، لكن اتفق أنه قطع علاقته بعد إتمام ستة أشهر، ويكفي عندهم
~~حصول المبدأ في الماضي كما هو مختارهم في المشتق.
# وثبوت الحقيقة الشرعية ممنوع، سيما مما استدلوا به عليه.
# والتوجيه بما ذكرنا من قصد التوطن العرفي، وكون الستة أشهر اتفاقية، غير
~~مطابق لإطلاقات كلماتهم، بل صريح بعضهم. وكون المشتق حقيقة فيما انقضى عنه
~~المبدأ خلاف التحقيق كما بيناه في الأصول (1).
# فالمعتبر إذن الوطن، بالفعل، ولا يكفي حصوله في الماضي مع انقطاعه.
# والمعتبر هو ما يصدق عليه عرفا، فلا تعتبر إقامة الستة أشهر.
# وتدل عليه الأخبار الصحيحة (2)، ففي كثير منها: " كل منزل لا تستوطنه
~~فعليك فيه التقصير " (3).
# وفي بعضها: " إنما هو المنزل الذي توطنه " (4) في ردع السائل عن الإتمام.
# والظاهر أنه بلفظ المضارع المخاطب أو الغائب، والمضارع حقيقة في الحال أو
~~الاستقبال، والإجماع قرينة على عدم إرادة الاستقبال فتعين الحال.
# وأيضا معنى الاستيطان هو اتخاذه وطنا، وهو يحصل بقطع العلاقة عن غير ذلك
~~المكان، وإرادة الاستقرار مستمرا في ذلك المكان، والشروع في الاستقرار
~~والتمكن.
# ولا يشترط أهل العرف في ذلك فعلية الإقامة ستة أشهر جزما، ولا يضر كون
~~الإقامة أقل منها بكثير، فضلا عن يوم أو يومين، كما يضر ذلك عند المشهور،
~~وسيجئ الكلام في مستند المشهور.
# PageV02P110
# والحاصل أن طريقة فهم أهل العرف لا تقتضي إلا ما ذكرنا، وبذلك يخرج عن
~~صدق المسافر أيضا، فيجب عليه التمام بذلك.
# استدل الأصحاب بصحيحة محمد بن إسماعيل عن الرضا عليه السلام، قال:
# سألته عن الرجل يقصر في ضيعته، فقال: " لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام،
~~إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه " فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: " أن يكون
~~له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى ms0332 يدخلها " (1).
# وأنت خبير بأنه لا دلالة فيها على ما ذكروه، فإن المضارع لا دلالة له على
~~الماضي بوجه.
# وحينئذ فتطبيق الرواية على المختار هو أن يقال: الظاهر من لفظ الاستيطان
~~في الأخبار الصحاح أخذ الضيعة وطنا، ومعناه عرفا هو ما تقدم، فانطباق تفسير
~~الإمام عليه السلام مع ظاهر لفظ الاستيطان إنما هو بجعل " يقيم " مفيدا
~~للتجدد، كما هو الظاهر من المضارع، والموافق للاستمرار المعتبر في معنى
~~الوطن عرفا، والاستمرار العرفي يحصل بجعلها أحد الموطنين، بل أحد المواطن،
~~فيصدق على الأعراب والأكراد الذين لهم رحلتان في الصيف والشتاء ولهم منزلان
~~فيهما أنهما وطن لهما، بل على من له أربع زوجات في أربعة مواضع، وله فيها
~~أربع منازل يقوم في كل منها فصلا في طول السنة أن له مواطن أربع، وهذا مما
~~يشهد به الوجدان، ولا يثبت بمجرد هذه الرواية حقيقة شرعية فيما ذكروه.
# ولا يوجب سؤال الراوي عن حقيقة الاستيطان مع كونه من أهل العرف واللسان
~~علمه بأن الشارع وضع الوطن لمعنى جديد في الجملة لكن لا يعرفه بالخصوص، فإن
~~الظاهر أن سبب السؤال هو حصول الاشتباه في أفراد المعنى العرفي، فإن من
~~الظاهر أن المسؤول عنه في هذه الأخبار هو الورود في الضيعة والقرية والمنزل
~~مع كون
# PageV02P111
# مسكنه في موضع آخر، فلما كان تعدد الموطن والمسكن نادرا لأهل الأمصار،
~~واعتباره موهما لاعتبار أمر آخر من الشارع سأل الراوي عن الاستيطان، فأجاب
~~عليه السلام أيضا بما يوافق العرف في صورة التعدد أيضا. ونظائر هذا السؤال
~~كثيرة، مثل السؤال عن الكر ونحوه.
# فالمراد - والله وقائله أعلم - هو التمثيل، لا اعتبار نفس الستة بالخصوص،
~~يعني إذا كان يقيم في كل سنة ستة أشهر فهو وطنه، كما يظهر من تفسير الصدوق
~~في الفقيه (1)، وتبعه جماعة منهم الفاضلان المحققان صاحب المنتقى وصاحب
~~المدارك، بل ادعى في المدارك تصريح الخبر بذلك (2).
# فعلى هذا فيكفي في ذلك العزم على الإقامة ستة أشهر أو أقل أو أكثر في كل
~~سنة في مكان مع تأسيس منزل ومسكن فيه مثلا ms0333 مع الشروع فيه وحصول الاستقرار
~~في الجملة، ولا يجب إتمام الستة أشهر كالبلد الواحد.
# ولا يضر في ذلك عدم حصول الإقامة في أحد السنوات بسبب سفر أو عارض آخر
~~إذا لم يتغير أصل العزم، فاعتبار ذلك ليس باعتبار مضي ستة أشهر فيه، بل
~~باعتبار فعلية العزم وحصول شئ من الفعل.
# وبالجملة حكمه مستمر ما لم تنقطع عنه العلاقة ويتغير العزم.
# فليس في أخبار اعتبار الاستيطان ما يدل على المشهور.
# نعم في صحيحة سعد بن أبي خلف قال: سأل علي بن يقطين أبا الحسن الأول عليه
~~السلام عن الدار تكون للرجل بمصر أو الضيعة فيمر بها، قال:
# " إن كان مما قد سكنه أتم فيه الصلاة، وإن كان مما لم يسكنه فليقصر " (3)
~~وهو لا يتم مذهبهم، لعدم الدلالة على الستة أشهر، والجمع بينها وبين صحيحة
# PageV02P112
# محمد بن إسماعيل غير ممكن، فإنها تدل على الستة الواقعة في الحال، فينفي
~~اعتبار الماضي.
# وأما على ما بينا فعدم إمكان الجمع أوضح، فنحملها على السكون في الماضي
~~المتصل بالحال الغير المنقطع.
# لا يقال: عدم اعتبار جزء من الخبر لا يستلزم بطلان الاستدلال بباقيه، فإن
~~المستفاد من الرواية اعتبار الحال والستة أشهر، فإذا سقط اعتبار خصوصية
~~الحال فتنضم المدة إلى صحيحة سعد فيتم المطلوب.
# لأنا نقول: إن الأجزاء العقلية مما لا يجري فيها ما ذكرت، والثابت من
~~الرواية هي الستة الواقعة في الحال، فالحال بمنزلة الفصل، ولا بقاء للجنس
~~بدونه كما حقق في محله.
# لا يبقى للمشهور إلا الإجماعان المنقولان، وهما لا يعارضان الأخبار
~~الصحاح المستفيضة (1)، مع أن في أصل دعواه إشكالا، سيما مع ملاحظة فتوى
~~الصدوق (2)، وإطلاق جماعة من الأصحاب مثل الشيخ في النهاية (3) وابن البراج
~~(4) وأبي الصلاح (5) اعتبار الاستيطان من دون تصريح باعتبار الستة، وإنما
~~أطنبنا الكلام في هذا المرام لكونه من مزال الأقدام.
# بقي هنا أمور:
# الأول: إن الذين اعتبروا إقامة ستة أشهر في حصول الاستيطان صرح طائفة
# PageV02P113
# منهم باشتراط الملك ولو نخلة (1)، واكتفى طائفة بالمنزل (2)، وصرح جماعة
~~بأن المنزل لا يشترط فيه الملك، ms0334 بل يكفي ولو بالإعارة ونحوها (3)، ويمكن
~~إدخال الغصب أيضا.
# حجة المعتبرين للملك: الجمع بين ما دل على أن من نزل قريته أو ضيعته يتم
~~من الأخبار المعتبرة الكثيرة، وما دل على أنه يقصر، مع ملاحظة ما ورد
~~بالتفصيل من أنه يتم إذا أقام عشرة أو إذا استوطنه ستة أشهر، مثل صحيحة
~~محمد بن إسماعيل.
# وجه الاستدلال: أن الحكم بالتمام في الضياع والقرى إنما يتم مع الاستيطان
~~ستة أشهر، والحكم بكفاية استيطان ستة أشهر إنما ورد فيمن ورد ضيعته،
~~والسؤال وإن لم يكن مخصصا على ما هو المحقق في الأصول، لكنه لا عموم في
~~الجواب.
# مع أنا إذا اعتبرنا هذا الاستيطان واعترفنا بأنه استيطان شرعي لا عرفي،
~~فيكون توقيفيا، ولا يحصل الجزم بحصوله إلا فيما حصل الملك كما هو مورد
~~السؤال.
# مع أن في صحيحة إسماعيل بن الفضل: " إذا نزلت قراك وضيعتك فأتم الصلاة،
~~وإذا كنت في غير أرضك فقصر " (4) إشعارا بذلك، فإنها بعد تخصيصها بصحيحة
~~محمد بن إسماعيل (5) تقتضي عدم تأثير الاستيطان المعهود في غير أرضه.
# وفي موثقة عمار: الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها،
~~قال:
# PageV02P114
# " يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة " (") وهو ظاهر في ذلك.
# وزاد المحقق دعوى مدخلية الملك في تحقق ماهية الاستيطان (2)، وبذلك أدخله
~~في الاستيطان العرفي.
# وأما المكتفون بالمنزل، فتمسكوا بالصحاح الواردة في اعتبار الاستيطان
~~بالمنزل، مثل صحيحة محمد بن إسماعيل المتقدمة وغيرها.
# وفيه: أنه يوجب طرح تلك الأخبار رأسا، سيما صحيحة الهاشمي (3) وموثقة
~~عمار.
# وأما نحن، فلما نحمل (4) الاستيطان على العرفي الذي لا يشترط فيه الملك،
~~ولا نقول بمخالفة صحيحة محمد بن إسماعيل لسائر ما دل على اعتبار مطلق
~~الاستيطان، فالجواب في صحيحة محمد بن إسماعيل عام في المعنى عندنا كسائر
~~المطلقات، مثل قولهم عليهم السلام: " كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل "،
~~و " إنما هو المنزل الذي توطنه " (5) ونحو ذلك، فيخصص كل ما دل على التمام
~~في الضيعة والقرية بتلك الإطلاقات، لأنها مقيدات لها، ومن جملتها ms0335 صحيحة
~~محمد بن إسماعيل، لكن على الوجه الذي بيناها.
# فتبقى في مقابل هذه الأدلة موثقة عمار فقط (6)، وهي لا تقاوم ما ذكرنا.
# PageV02P115
# وأما صحيحة الهاشمي (1) فمبنية على عدم الالتفات إلى غير أرضه، لمعلومية
~~عدم الاستيطان فيه.
# ولكن الانصاف أن تلك الأخبار باب على حدة يظهر منها اعتبار الملك من حيث
~~هو، وليس فيها إشارة إلى التفصيل، وكذا ما خالفها من الحكم بالقصر.
# وحينئذ فالمكتفي بالمنزل ستظهر [صحة ما ذهب إليه]، وصحة ما ذهبنا إليه
~~أظهر.
# ولو لم يكن الحكم بعدم اعتبار الملك فقط إجماعيا لكان للحكم بالتخيير
~~فيها فيما لم يكن وطنا ولم تحصل الإقامة عشرا بين القصر والإتمام وجه كما
~~ذكره في الوافي (2)، ولكن العمل على ما ذكرنا أولا (3).
# الثاني: كلام الأصحاب ممن صرح بإلحاق دار الإقامة التي اتخذها مسكنا
~~مستمرا بما كان له ملك فيه صريح في اشتراط التوطن ستة أشهر فيه أيضا، نظرا
~~إلى ظاهر الصحيحة، بل وصرح بعضهم بالأولوية (4)، ويلزمهم الاكتفاء بذلك
~~بحصوله في الماضي، فتكون نية كونه بلد الإقامة قائمة مقام الملك.
# وهذا أضعف من المسألة السابقة، لعدم دعوى الاجماع فيه بالخصوص، ولعدم
~~ظهور الصحيحة فيه على ما فهموه.
# والاستدلال بالصحيحة هنا يضعف ما بينا لهم من كيفية الاستدلال بها في
~~المسألة السابقة، فإن البناء هنا على عموم الجواب بخلافه ثمة.
# نعم صرح العلامة في التذكرة هنا باعتبار استمرار النية في وجوب التمام
~~(5).
# PageV02P116
# وعلى ما بينا فيكفي جعله دار إقامته مستمرا وإن لم يقم فيه ستة أشهر،
~~لخروجه بذلك عن اسم المسافر وصدق الاستيطان عرفا.
# الثالث: اعتبر جماعة من مشترطي الملك سبق الملك على الاستيطان ودوامه،
~~وكونه ملك الرقبة لا المنفعة، ولا بأس به على أصلهم.
# الرابع: اختلف كلامهم في اعتبار التوالي في الستة أشهر، والأظهر ذلك.
# وأيضا الظاهر عدم اعتبار الاتفاق، فإن اتفق مكثه في ضيعة له سنة أو سنتين
~~مترددا فالظاهر عدم الاكتفاء به كما يظهر من بعض الأصحاب نظرا إلى صدق
~~الإقامة عرفا.
# وفيه: أن الظاهر من اللفظ أن الستة أشهر قيد ms0336 للحدث، لا للنسبة، فبعد
~~تقييد الإقامة بالستة ترد عليه النسبة الحكمية، وهو يستلزم نيته أولا نظير
~~(1) إقامة العشرة.
# الخامس: الكلام في اعتبار المسافة إلى الوطن وما بين الوطنين والخروج من
~~الوطن إلى منتهى المقصد أو أقل المسافة وغير ذلك من الفروع يعلم مما سبق في
~~قصد الإقامة وغيره، إلا أن الظاهر عدم اعتبار الصلاة التامة في عدم الرجوع
~~إلى القصر هنا، لأن ذلك الحكم مخصوص بإقامة العشرة، وفيما نحن فيه ليس
~~بمسافر، فيترتب عليه حكم الحاضر إلى أن يخرج.
# السادس: أن لا يبقى مترددا في بلد في الأثناء ثلاثين يوما، وإلا فيجب
~~عليه التمام ولو صلاة واحدة بالإجماع، والأخبار المعتبرة (2).
# والمحكم العرف، فلا يكفي التلفيق، ويضره الخروج المخرج عن مصداقه عرفا،
~~ولا يضر التردد في أثناء الطريق حال قطع المسافة.
# PageV02P117
# ولا يكفي الشهر الهلالي وإن ورد بلفظ الشهر في بعض الأخبار (1)، حملا
~~للمطلق على المقيد.
# السابع: أن لا يكون السفر عمله، ولا يكون بيته معه، سواء كان أحد
~~العناوين الواردة في الأخبار أعني المكاري، والكري (2)، والراعي، والاشتقان
~~(3)، والملاح، والجابي، والتاجر، الذي يدور في تجارته، والطالب مواضع القطر
~~والكلاء وغيرها مما تشمله العلتان المتقدمتان المنصوصتان في صحيحة زرارة
~~(4) ورواية سليمان بن جعفر الجعفري (5).
# وتعبير الفقهاء عن ذلك بأن لا يكون كثير السفر، لعله مبني على تحقيق أن
~~المناط هو كثرة السفر.
# ولذلك اشترط بعضهم في تحققه السفر ثلاث مرات بشرط عدم إقامة العشرة (6).
# وبعضهم اشترط ذلك مع استثناء من كان السفر عمله لقيام صنعته مقام التكرر
~~(7).
# واعتبر بعضهم ثلاثة أسفار مع اشتراط عدم الإقامة عشرة عقيب الأول (8)،
# PageV02P118
# وقيل غير ذلك (").
# ولعلهم أخذوا المبادئ في تلك العناوين الملكات، ولا تتحقق إلا بالتكرار،
~~أو نظروا إلى رواية يونس الآتية الدالة على رجوعهم بعد الإقامة عشرة أيام
~~إلى القصر حتى يتكرر السفر (2).
# والجمع بينهما مشكل، لأن الملكة لا تزول بمجرد الإقامة عشرة، فتكون
~~الرواية واردة على التعبد، فيبقى محض استنباط العلة أو ظهور المبادئ في
~~الملكات، والأول ليس بحجة، والثاني غير مسلم، لإمكان إرادة ms0337 الحال، فقد
~~يشترك اللفظ بين الحال والملكة كالقارئ.
# ع أنه يمكن أن يكون المراد من المبادئ هو الاتخاذ حرفة، وهو معنى غير
~~بعيد، وهذا لا يحتاج إلى التكرر في صدقه عرفا كما لا يخفى.
# فالأولى الرجوع إلى صدق العناوين عرفا أو صدق العلتين المنصوصتين.
# نعم يشكل الأمر على تساوي احتمال المبدأ للملكة والحرفة والحال، وعدم
~~تمييز العرف في ذلك، فعمومات قصر المسافر للمشهور، وأصالة التمام حتى يثبت
~~شرط القصر مع كون عمومات القصر مخصصة بمجمل بالفرض لنا، والعام المخصص
~~بالمجمل لا حجية فيه في قدر الاجمال، وهذا أظهر.
# وكيف كان فأصل الحكم مما لا إشكال فيه، ولا خلاف فيه إلا عن ظاهر ابن أبي
~~عقيل (3)، والأخبار المعتبرة به مستفيضة (4).
# نعم في صحيحة البقباق (5) وصحيحة محمد بن مسلم (6) ومرسلة عمران بن
# PageV02P119
# محمد (1): " إن المكاري والجمال إذا جد بهما السير يقصران ".
# وعمل عليها الكليني (2) وجماعة من المتأخرين (3) خلافا للمشهور، ولا بأس
~~به، لاعتبار سند الروايات، واعتضادها بالاعتبار، فإن أظهر معاني الحديث
~~إرادة المشقة الشديدة الخارجة عن معتادهم، وإلى ذلك ينظر تفسير الكليني -
~~رحمه الله - بأن معناه أن يجعل منزلين منزلا، ولكن في مرسلة عمران تخصيص
~~القصر، بما بين المنزلين.
# والأوجه العمل على الإطلاق، لعدم مقاومته للمطلقين الصحيحين.
# وفي التعدي عن موردي النص إلى غيرهما من للعناوين إشكال، فنقف عليهما.
# ثم إن الظاهر أن المراد بالسفر الذي يتم هؤلاء فيه هو السفر الذي كان
~~عملهم، فلو ذهب المكاري إلى الحج أو الزيارة ونحوهما فيقصر، لأنه المتبادر
~~من الأخبار، ولخصوص روايتي إسحاق بن عمار، وإحداهما صحيحة إليه (4).
# ثم يشترط عند الأصحاب في وجوب التمام عليهم أن لا يقيموا عشرة أيام في
~~بلدهم مطلقا، ولا عشرة منوية في غير بلدهم عند المحقق (5) ومن تأخر عنه
~~(6)، ونسب في المهذب كليهما إلى المشهور (7)، وكذا إلحاق الثلاثين مترددا
~~في غير بلده.
# PageV02P120
# وأما العشرة المترددة في غير البلد فلم يعتبرها أحد، وادعى في روض الجنان
~~على عدم اعتبارها الاجماع (1). وألحق الشهيد بذلك العشرة المترددة بعد
~~الثلاثين مترددا (2).
# وتحقيق هذا ms0338 الاشتراط من أصله لا يخلو عن إشكال، إذ الأخبار التي ترتبط
~~بذلك ما بين ضعيف في السند وقاصر في الدلالة مشتمل على ما لا يقول به
~~الأصحاب.
# وأسلمها من حيث الدلالة مرسلة يونس، عن بعض رجاله، عن الصادق عليه
~~السلام، قال: سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم، قال: " أيما مكار أقام
~~في منزله أو في البلد الذي يدخله أقل من عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام
~~أبدا، وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام
~~فعليه التقصير والإفطار " (3).
# ومع ضعفها لا تدل على حكم نفس العشرة إلا بضميمة عدم القول بالفصل، فإنه
~~أعم من الأحد عشر ونحوه، ومما يوجب سلب الاسم.
# ولكنه يظهر منها وجوب القصر وإن بقي صدق العناوين، وهو مشكل، والعمل بها
~~مع الاكتفاء بصدق الاسم في ابتداء العمل أشكل، سيما مع بقاء الاسم.
# نعم له وجه على قول من يعتبر فعلية كثرة السفر، وهو أيضا يتم لو سلب عن
~~ذلك اسم كثير السفر.
# وبالجملة اعتضاد الرواية بالروايتين الأخيرتين مع صحة إحداهما وعمل جمهور
~~الأصحاب، بل إجماعهم، كما يظهر من بعض المتأخرين (4) - وإن غلطه المحقق
# PageV02P121
# في الدعوى (1) - يشجع على تخصيص العمومات بها، ولكن الظاهر أنها محض
~~تعبد، أما كون العلة هو زوال كثرة السفر فيحتاج إلى تجدد الكثرة، فلا نجد
~~عليه دليلا.
# فعلى ما بينا وحققنا فعملنا على هذه الرواية محض تعبد، فنقتصر على ما به
~~يحصل الامتثال، وهو التقصير في سفر واحد، وفاقا لابن إدريس (2) وغيره (3)،
~~وتبقى العمومات في الباقي سليمة عن المعارض.
# واعتبر الشهيد في الذكرى في العود إلى الإتمام هنا المرة الثالثة، لأن
~~الاسم قد زال بالإقامة (4)، وهو ممنوع.
# ثم إني لم أقف في هذه الأخبار على ما يدل على الفرق بين بلدهم وغير بلدهم
~~في كون العشرة منوية وغير منوية، فإن حملنا مقام عشرة أيام وإقامة عشرة
~~الواردتين في الروايات على المنوية فالكلام فيهما سواء، وإن أبقيناهما على
~~الإطلاق فتحتاج النية في غير البلد إلى دليل، إلا ms0339 أن يقال: الاجماع الذي
~~ادعاه في روض الجنان (5) على عدم اعتبار المترددة يخصصه، وإن قلنا بظهورهما
~~في المنوية، فعدم اعتبار المشهور إياها في بلدهم يحتاج إلى دليل.
# وأما إلحاق الثلاثين والعشرة بعدها فإنما هو من باب التخريج.
# ويمكن تعميم العشرة في الأخبار بحيث تشمل العشرة الحاصلة في الثلاثين،
~~لكن يقدحه دعوى الاجماع المتقدم. إلا أن يقال: إن ما علم من دعواه، هو ما
~~إذا لم يضم إليها شئ آخر، وحينئذ فاعتبار العشرة اللاحقة أولى بالاعتبار.
# PageV02P122
# ثم إن المشهور إتمام هؤلاء لو لم يقيموا عشرة أيام، واكتفى ابن الجنيد
~~بالخمسة (1) كما فعله في الإقامة للإتمام.
# وخالف الشيخ وابن حمزة وابن البراج في إقامة الخمسة إلى ما دون العشرة،
~~فقالوا بوجوب تقصير صلاة النهار وأما الصوم وصلاة الليل فلا (2)، لرواية
~~عبد الله بن سنان المروية في التهذيب (3)، وصحيحته المروية في الفقيه (4).
# وهما تدلان على أن الأقل من الخمسة أيضا كذلك (5)، فالاستدلال بهما للشيخ
~~وأتباعه أضعف من استدلال المشهور بهما في حكم العشرة، واستدلال ابن الجنيد
~~بهما أضعف منهما.
# أما الأول، فلاقتران الخمسة فيهما بالأقل وانفراد العشرة.
# وأما الثاني، فلبعده عن الصواب بمرحلتين.
# ويدل على المشهور مضافا إلى العمومات قوله عليه السلام: " إذا قصرت أفطرت
~~" (6).
# ثم إن الروايات مخصوصة بحكم المكاري، ويظهر منهم اتحاد حكم الباقين، ولم
~~ينقل أحد منهم خلافا في إلحاق الباقين إلا المحقق في النافع (7). وقال ابن
~~فهد:
# لعله سمع من بعض معاصريه، وإلا فليس تخصيص ذلك بالمكارين في كتاب ولا
~~مصنف (8)، وفيه إشكال.
# PageV02P123
# الثامن: أن لا يكون سفره معصية كالفرار من الزحف، ولا عاصيا بسفره في
~~نفسه كالراكب للدابة المغصوبة في طريق الحج، أوفي غايته كالذي يذهب ليسعى
~~في فساد وإضرار.
# والحاصل أن لا يكون مقصوده من السفر حصول ما هو معصية، فلا يضر حصولها
~~فيه اتفاقا، ولا ما هو من لوازم شقاوة النفس وإن استمر مع السفر، كمن يشتغل
~~بالغيبة غالبا، أو بسائر المناهي مع قطع النظر عن السفر.
# وأما ما يتوهم من عدم جواز القصر لمن كانت ms0340 ذمته مشغولة بواجب لا يتمكن
~~منه في السفر، كتحصيل العلم الواجب ونحوه (1)، فهو بعيد، لأنه إنما يتمشى
~~على القول باقتضاء الأمر بالشئ النهي عن ضده الخاص، وهو خلاف التحقيق.
# وجعل الإباق والنشوز وقطع الطريق المخوف من هذا القبيل أبعد، لأن هذه
~~أفعال يقصد بها ما هو معصية، ولكن التارك للتحصيل لا يقصد بسفره ترك
~~التحصيل وإن حصل له ذلك اتفاقا.
# وترك الضد وإن سلم كونه من مقدمات المأمور به، ولكن فعله ليس علة لترك
~~الواجب مع وجود الصارف، وإذا انضم إليه عدم القصد أيضا فلا يبقى مجال
~~للإشكال، سيما والقول بكون علة الحرام حراما أيضا ممنوع كوجوب المقدمة.
# واعلم أنا نقول باقتضاء الأمر وجوب مقدمته والنهي عن ضده اقتضاءا تبعيا
~~من باب دلالة الإشارة، لكنه ليس من الأحكام الأصلية، بل هو من الخطابات
~~التوصلية... فالوجوب والتحريم فيهما لأجل الغير، والمعصية التي اعتبر كونها
~~موجبة للتمام في السفر هي ما كان العقاب على تركه بالذات، إذ هو المتبادر
~~من المعصية.
# PageV02P124
# وأصل هذا الشرط إجماعي مدلول عليه بالأخبار المعتبرة، ففي صحيحة عمار بن
~~مروان: " من سافر قصر وأفطر، إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد، أوفي معصية
~~الله، أو رسولا لمن يعص الله، أو في طلب شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم
~~مسلمين " (1).
# ومن جملة ذلك السفر لصيد اللهو بلا خلاف، ففي الموثق: " يتم لأنه ليس
~~بمسير حق " (2)، وفي أخرى: " إنه مسير باطل " (3)، والأخبار ناطقة بوجوب
~~التمام، وذلك إما لكون اللهو حراما مطلقا كما يظهر من المحقق في المعتبر
~~(4)، أو في خصوص الصيد لتلك الأخبار.
# وأما لو كان لقوت عياله فلا إشكال ولا خلاف في جوازه، وتدل عليه الأخبار
~~أيضا، خصوصا مرسلة عمران بن محمد المفصلة (5).
# وأما للتجارة فالأقوى أيضا جواز القصر، للعمومات والإطلاقات، وخصوص صحيحة
~~صفوان (6)، وصحيحة العيص (7) وغيرهما (8)، ومطلق ما نهى عن التقصير في
~~الصيد محمول على اللهو.
# PageV02P125
# وذهب جماعة (1) منهم ابن إدريس إلى وجوب التقصير في الصوم دون الصلاة،
~~وقال ابن إدريس: روى أصحابنا بأجمعهم أنه يتم الصلاة ms0341 ويفطر الصوم (2)، وفهم
~~العلامة من ذلك دعوى الاجماع (3).
# ولم أقف على هذه الروايات، ويدفعه مضافا إلى ما مر الصحيحة الدالة على
~~ملازمة القصر والإفطار (4) المدعى على مضمونها الاجماع في الانتصار (5).
# التاسع: الخروج إلى حد الترخص، فعن أكثر المتقدمين اعتبار أحد الأمرين من
~~خفاء الجدران والأذان (6)، للجمع بين صحيحة محمد بن مسلم الدالة على اعتبار
~~التواري (7)، وصحيحة عبد الله بن سنان الدالة على اعتبار خفاء الأذان (8).
# وعن أكثر المتأخرين اعتبارهما معا (9) للجمع بتخصيص كل منهما بالآخر.
# وقيل باختفاء الأذان للصحيحة الثانية (10).
# وعن الصدوق في المقنع: اختفاء حيطان المدينة عنه (11) للصحيحة الأولى.
# وعن أبيه: إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه (12)، لما رواه مرسلا
# PageV02P126
# عن الصادق عليه السلام (1).
# والتحقيق: أن الصحيحتين متوافقتان غالبا، والمرسلة لا تقاومهما.
# والمعتبر الأذان المتوسط والأرض المتوسطة كما هو الغالب المتعارف.
# وأما حكاية التواري فلفظ الحديث: متى يقصر؟ قال: " إذا توارى من البيوت "
~~والمقصود التواري من جهة البعد، فلا يضر الحائل.
# والذي أفهمه أن المراد أن تتوارى عنه البيوت من حيث إنها بيوت، فلا عبرة
~~بسواد المدينة وشبحها، ولا بالمنائر والقلاع ونحوها، فيتقارب مع خفاء
~~الأذان.
# وأما التعبير بالجدران والحيطان فلا أعرف وجهه، إلا أن يكون مبنيا على أن
~~البيوت لما كان الغالب - سيما في البلاد الكبيرة والأمصار - مختفية بالسور
~~أو بنفس الجدران فاعتبر تميز السور والجدران عن الأشجار والبساتين والنسمات
~~وغيرها، أو تمييز الجدران من حيث إنها من اللبن أو الحجر أو الطين ونحو
~~ذلك.
# وأما ما قيل: من أن المراد اختفاؤه من البيوت أي عن أهلها (2)، للجمع بين
~~الروايتين، لكمال التفاوت بينهما لو أريد اختفاء السواد والشبح. ففيه: مع
~~أنه مستلزم للحذف لا يحصل به الجمع أيضا، إذ البعد على هذا أيضا أكثر من
~~اختفاء الأذان.
# وإن اعتبر اختفاؤه على أهل البيوت من حيث الشكل والهيئة متميزا عن غيره،
~~ففيه: مع أنه لا يفهم من الرواية لا يحصل به الجمع أيضا، لأنه يصير أقل من
~~اختفاء الأذان بكثير.
# فما اعتبرنا وإن كان يستلزم القلب ms0342 أيضا، ولكنه أوجه وأوفق بفهم جمهور
~~الأصحاب.
# PageV02P127
# وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه إذا سار فرسخا قصر (1)، فهو
~~مع أنه فعل، فإن وافق ما ذكرنا وإلا فنحمله على الاستحباب.
# ويكفي سماع الأذان من آخر البلد، وكذا آخر البيوت في الرؤية، إلا إذا
~~اتسعت خطة البلد بحيث خرج عن العادة، فتعتبر محلته وأذانها، كذا في الذكرى
~~وغيرها (2)، ولا بأس بذلك، لأن ذلك موافق لإطلاق الأدلة وفهم العرف.
# وهل يعتبر ذلك في الرجوع؟ المشهور نعم، لصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة
~~المعتضدة بالاعتبار.
# وذهب جماعة إلى استمرار القصر إلى الدخول (3)، لصحيحة إسحاق بن عمار (4)،
~~وصحيحة العيص (5)، وما رواه الصدوق مرسلا.
# والمسألة محل إشكال، وإن كان المشهور لا يخلو عن رجحان، لعدم إمكان
~~التأويل في صحيحة ابن سنان، وقربه في صحيحة العيص، بأن المراد أنه لا يقصر
~~بعد الدخول، فيكون ردا على من يعتبر حال الوجوب في المسألة الآتية، فإنه
~~روى هذه في رواية أخرى بعد ذكر حكاية دخول الوقت في الطريق والحكم بالتمام
~~بعد الوصول كما سيأتي.
# وفي موثقة إسحاق بن عمار أيضا بأن المراد منها أن المعتبر في حد الترخص
~~في مثل الكوفة من البلاد العظيمة هو اعتبار محلته التي بيته فيها، فلا يقصر
~~بمجرد ورود الكوفة، لا أنه يقصر حتى يدخل البيت.
# وهل يعتبر ذلك في بلد يريد فيه إقامة عشرة أيام قبل الوصول إليه، أو إذا
# PageV02P128
# خرج منه؟ وجهان، من جهة كونه بمنزلة الوطن في الأحكام كما مرت الإشارة
~~إليه، ومن جهة عدم الدليل بالخصوص.
# وربما يقال: إن التواري من البيوت في صحيحة ابن مسلم يشمله (1)، وفيه
~~إشكال.
# وأما فيمن كان سفره معصية أو بلا قصد فتبدل ففيه الوجهان، والأقرب عدم
~~الاعتبار، للعمومات وعدم المخصص.
# المبحث الثالث: إذا اجتمعت الشرائط المذكورة يجب القصر، ولا يجزئ التمام
~~إلا في أربعة مواطن: مكة، والمدينة، ومسجد الجامع بالكوفة، والحائر، فيجوز
~~التمام، بل يستحب على المعروف من جمهور أصحابنا، للأخبار الكثيرة التي كادت
~~تبلغ حد التواتر (2)، المشتملة على الصحاح والحسان ms0343 والموثقات وغيرها.
# وقال السيد: لا يقصر (3).
# وقال الصدوق: يقصر (4)، لأخبار منها الصحاح الأربعة التي هي عمدتها صحيحة
~~أبي ولاد المتقدمة (5)، وصحيحة محمد بن إسماعيل (6) وصحيحة معاوية بن عمار
~~(7)، وصحيحة معاوية بن وهب التي رواها في العلل (8)، الدالة على أن
# PageV02P129
# الأمر بالتمام لأجل التقية، رواها الشيخ أيضا بسند ضعيف (1).
# وحمل أخبار التمام على التقية تأبى عنه ملاحظة نفس تلك الأخبار، والتصريح
~~بالتخيير في كثير منها ودلالة أكثرها على أن ذلك أمر مخصوص بتلك الأماكن،
~~ولا وجه لتخصيص التقية بها، لأن العامة يخيرون بين القصر والإتمام مطلقا من
~~غير تفصيل، مع تصريح رواية عبد الرحمن بن الحجاج بأن ذلك ليس من أجل
~~التقية، بل لتحصيل الفضل (2).
# مع أنه يمكن أن يقال: التقية في التقصير، لأن ذلك الفرق من مذهب الشيعة
~~أغرب من حتم القصر، فهذه أيضا مخالفة جديدة لهم، والقصر كان معروفا من
~~مذهبهم، فالتمام أولى بالتقية فيه.
# مع أنه يمكن أن يكون المراد في صحيحة معاوية بن وهب ردع الأصحاب عن
~~تخلفهم عن الناس في الصلاة، لا عن مخالفتهم في القصر والإتمام.
# وحمل الأخبار الكثيرة على صورة الإقامة أيضا مما لا تقبله ملاحظة تلك
~~الأخبار، مع سهولة حمل أخبار الصدوق على الجواز، أو على أن قصد الإقامة
~~والإتمام مستحب آخر.
# وبالجملة الأقوى أفضلية التمام، لأكثرية رواياته وأصحيتها وأوضحيتها
~~وموافقتها للأصحاب، وإن كان الاحتياط في القصر، سيما ويظهر مما رواه في
~~كامل الزيارات أن أجلاء فقهاء الأصحاب كانوا يقصرون (3).
# والأظهر اعتبار نية القصر والإتمام، لتغاير ماهيتهما، وحكم جماعة من
~~الأصحاب بعدمه (4)، وهو مشكل.
# PageV02P130
# ثم إن الظاهر استحباب النافلة المقصورة أيضا، لأنه من باب الإتمام، وتدل
~~عليه رواية علي بن حديد (1)، والترغيبات في أخبار التمام على إكثار الصلاة
~~(2).
# وأما الصوم فلا يجوز كما حكم به جماعة من الأصحاب (3)، لعدم الدليل،
~~وبطلان القياس، وإشعار موثقة عثمان (").
# وقد يستشكل بعكس نقيض قوله عليه السلام: " إذا أفطرت قصرت " (5).
# ويمكن دفعه باحتمال إرادة إذا جاز لك الفطر جاز لك القصر، مع ثبوت
~~الإشكال في أصل الاستدلال.
# بقي ms0344 الكلام في تحديد الأماكن، فالأشهر الأظهر ما ذكرنا، وفي كلام السيد
~~وابن الجنيد: مكة ومسجد النبي صلى الله عليه وآله ومشاهد الأئمة عليهم
~~السلام (6).
# وعن الشيخ: مكة والمدينة والكوفة (7).
# وعن يحيى بن سعيد في البلدان الأربعة، لورود الحديث بحرم الحسين عليه
~~السلام، وقدر بخمسة فراسخ، وبأربعة، وبفرسخ، قال: والكل حرم وإن تفاوت في
~~الفضيلة (8).
# وعن ابن إدريس والشهيد الثاني نفس المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد
# PageV02P131
# الكوفة والحائر (1)، وهو أحوط.
# وأما الحائر ففي تحديده إشكال، فعن المفيد في الإرشاد أن الحائر محيط
~~بالشهداء إلا العباس، فإنه قتل في المسناة (2)، وقال ابن إدريس: ما دار
~~عليه سور المشهد لا سور البلد (3)، والأحوط الأول، سيما وفي بعض الأخبار: "
~~وعند قبر الحسين عليه السلام " (4).
# الرابع: لو دخل الوقت وكان المصلي قادرا على الصلاة تماما ولم يفعل وسافر
~~فالأقرب وجوب القصر، وفاقا لمعظم الأصحاب.
# وذهب ابن أبي عقيل والصدوق في المقنع والعلامة إلى وجوب التمام (5)،
~~ونسبه في روض الجنان إلى المشهور بين المتأخرين (6).
# وقيل: باستحباب التمام (7).
# وقيل: إن وسع الوقت يتم، وإلا فيقصر (8).
# لنا: ظاهر الآية، والعمومات والإطلاقات الموجبة للتقصير على المسافر،
~~وخصوص صحيحة إسماعيل بن جابر الصريحة المؤكدة بتأكيدات عديدة (9)،
# PageV02P132
# وصحيحة محمد بن مسلم الواردة في حد الترخص (1).
# احتج المتممون بالاستصحاب، وبأن اليقين يحصل بالتمام، وبصحيحة محمد بن
~~مسلم الدالة على اعتبار حال الوجوب في الموضعين (2)، ورواية بشير النبال
~~(3)، وموثقة عمار (4)، ورواية الوشاء (5).
# أما الاستصحاب، فمع أنه لا يقاوم الدليل لا يجري فيما نحن فيه، لأن
~~استصحاب نفس الحضر قد انقطع، وأما حكمه فتعلق الإتمام به عينا أول الكلام،
~~لأنه مكلف في أول الوقت بإيقاع صلاة الظهر في أجزاء وقته مخيرا بينها،
~~والتخيير بين إيقاعها في الأوان يستلزم تخييره بين ما يستتبعه كل آن، فقد
~~يصير تكليفه الصلاة بالتيمم، وقد يصير تكليفه صلاة الخوف والمطاردة إلى غير
~~ذلك، فهذا وإن كان ليس تخييرا بالذات وبدلا بالأصالة لكنه يصير تخييرا
~~وبدلا بالعرض، فافهم ذلك.
# وأما حصول اليقين بالتمام فغريب، لأن القصر والتمام ماهيتان مختلفتان،
~~ولا ms0345 يستلزم مجرد الزيادة حصول اليقين، بل اليقين إنما يحصل باتيانهما معا.
# وأما رواية بشير والوشاء فضعيفتان (6)، مع أن الثانية ممنوعة الدلالة،
~~فتبقى الصحيحة والموثقة.
# PageV02P133
# وأما الموثقة، فمع اشتمالها على عدم اعتبار أول الوقت، بل تدل على اعتبار
~~الوقت إذا مضى وقت النافلة والفريضة معا، فلا تقاوم ما ذكرنا من الأدلة.
# وكذلك الصحيحة، فإنها أوفق بالكتاب، والسنة، وعمل الأصحاب، ومذهب
~~الإمامية ونفي الحرج والعسر، مع إمكان التأويل في الصحيحة بالحمل على ما لم
~~يبلغ حد الترخص، بخلاف صحيحة إسماعيل.
# وأما التخيير، فوجهه الجمع بين الأخبار (1)، وهو إنما يتم لو تكافأت وقد
~~عرفت خلافه.
# وأما التفصيل بالمواسعة والمضايقة فتمسكوا فيه برواية إسحاق بن عمار
~~الآتية في المسألة الثانية (2)، وهي غير دالة على المطلوب بالأصل، فكيف
~~بالفرع وستعرف.
# وأما لو دخل الوقت في السفر وكان قادرا ولم يصل ودخل فالأقوى أيضا
~~التمام، وفاقا للمعظم.
# وقيل: يقصر (3).
# وقيل بالتخيير (4).
# وقيل باعتبار المواسعة والمضايقة (5).
# لنا: الإطلاقات والعمومات الدالة بمفهوم الغاية على وجوب القصر حتى يدخل.
# وخصوص صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة.
# وصحيحة العيص بن القاسم: عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر،
# PageV02P134
# ثم يدخل بيته قبل أن يصليها، قال: " يصليها أربعا " وقال: " لا يزال يقصر
~~حتى يدخل بيته " (1).
# وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: في الرجل يقدم من الغيبة
~~فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال: " إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل
~~فليتم، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصر " (2).
# واستدل الشيخ بذلك على اعتبار المواسعة والمضايقة، وأنت خبير بأنه لا
~~دلالة فيها عليه أصلا.
# وعلى ذلك تحمل موثقة إسحاق بن عمار، ورواية حكم بن مسكين (3)، وكذلك
~~رواية منصور بن حازم (4) التي استدل بها في المختلف (5) للتخيير محمولة على
~~أنه إن شاء صلى في السفر وقصر، وإن شاء جاء إلى المنزل وأتم.
# وأما حجة التقصير فصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (6)، ورواية زرارة (7)
~~الواردة في قضاء هذه الصلاة لو لم يفعلها في المنزل أيضا، وهما لا تقاومان
~~ما ذكرنا. ms0346
# PageV02P135
# الفصل الثاني في مقدمات الصلاة وقد مر الكلام في الطهارة بقسميها ونذكر
~~الباقي في طي مقاصد: PageV02P137
# المقصد الأول في المواقيت وفيه مباحث:
# الأول: توقيت الصلوات الخمس بوقت محدود إجماعي.
# والمشهور أن لكل منها وقتين، للصحاح المستفيضة وغيرها (1).
# وقيل: للمغرب وقت واحد عند غروب الشمس (2)، لأخبار كثيرة منها صحيحة
~~الشحام: " فإن وقتها واحد، ووقتها وجوبها " (3).
# وفي صحيحة زرارة والفضيل: " إن لكل صلاة وقتين، غير المغرب، فإن وقتها
~~وجوبها، ووقت فوتها غيبوبة الشفق " (4).
# وربما يرفع التنافي بينهما بجعل الأولى محمولة على بيان وقت المغرب
# PageV02P139
# بشرائطها وآدابها ونوافلها مع السكوت، فالمراد أنه يجب الابتداء بها عند
~~وجوب الشمس، وهو حينئذ يتم مع سقوط الشفق. والأولى حمل هذه الأخبار على
~~تأكد الاستحباب.
# فأما الوقت الأول للظهر: فهو زوال الشمس إلى أن يصير الفئ مثل الشاخص عند
~~الأكثر، للأخبار المعتبرة، خلافا للشيخ في التهذيب (1)، فاعتبر المماثلة
~~بين الفئ والظل الباقي لرواية ضعيفة (2)، وهو وقت فضيلتها على الأقوى،
~~خلافا للشيخ في الخلاف، حيث جعله وقتا للمختار (3).
# والثاني إلى أن يبقى للغروب مقدار أربع ركعات على الأشهر الأقوى، وهو وقت
~~للمضطر عند الشيخ (4).
# لنا على امتداده إلى بقاء مقدار الأربع ركعات: ظاهر الآية (5)، وصحيحة
~~زرارة الدالة على امتدادهما إلى الغروب أو العصر فقط (6) مضافا إلى عدم
~~القول بالفصل بين الظهر والعصر كما نقله في المنتهى (7).
# وصحيحة عبيد بن زرارة على الظاهر المصرحة بامتدادهما إلى الغروب، إلا أن
~~هذه قبل هذه (8).
# PageV02P140
# ورواية داود بن فرقد (1)، ورواية الحلبي (2)، وغيرهما (3).
# ولنا على تحديد وقت الفضيلة: صحيحة أحمد بن عمر (4)، وصحيحة أحمد بن محمد
~~(5)، منضما إلى صحيحة عبد الله بن سنان: " لكل صلاة وقتان، وأول الوقتين
~~أفضلهما " (6).
# واحتج الشيخ بالصحيحتين حملا لهما على المختار (7).
# والأوجه ما ذكرنا، لصحيحة ابن سنان، وصريح الأخبار المعتبرة الموافقة
~~لعموم الآية.
# وهناك قولان آخران، أحدهما للشيخ في النهاية والتهذيب (8)، وهو اعتبار
~~ذهاب الفئ أربعة أقدام مقام مثل الشاخص للمختار، لرواية إبراهيم الكرخي،
# PageV02P141
# وهي ضعيفة (1). وموثقة الفضل بن يونس (2)، وهي لا تقاوم ما ذكرنا.
# وثانيهما للمفيد، وهو ms0347 اعتبار ذهابه قدمين للمختار (3)، وقد يستدل له بما
~~لا دلالة فيه، وظاهره أن المراد بيان ابتداء وقت الظهر للمتنفل، لا انتفاء
~~وقت الظهر للمختار (4). ولعل في عبارة المفيد مسامحة ومراده أيضا ذلك.
# وأما الوقت الأول للعصر: فهو حين الفراغ من الظهر إلى أن يذهب الفئ مثل
~~الشاخص، والثاني إلى المغرب.
# والمشهور أن الأول للفضيلة والثاني للإجزاء.
# وجعل الأول الشيخ وجماعة وقتا للمختار والثاني للمضطر (5).
# وجعل المفيد وقت الاجزاء إلى اصفرار الشمس بالغروب، وللمضطر والناسي إلى
~~مغيبها (6)، والسيد إلى ذهاب الفئ ستة أقدام للمختار (7).
# والأقوى الأول، لما مر من الأدلة، ولعموم صحيحة معمر بن يحيى (8) وغيرها
~~(9).
# PageV02P142
# ويظهر دليل الشيخ وجوابه أيضا مما تقدم.
# وتدل على مذهب المفيد رواية أبي بصير: " إن تضييع العصر هو أن يدعها حتى
~~تصفر الشمس وتغيب " (1).
# وعلى مذهب السيد رواية سليمان بن خالد: " العصر على ذراعين، فمن تركها
~~حتى يصير على ستة أقدام فذلك المضيع " (").
# ولا يعارض بهما ما تقدم من الأدلة، فلا بد من الحمل على مراتب الاستحباب.
# وأما الوقت الأول للمغرب: فهو من الغروب إلى سقوط الشفق، وهو أفضلهما.
# والثاني إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار أربع ركعات على المشهور الأقوى.
# وجعل الشيخ في أكثر كتبه الأول للمختار، وجعل وقت المضطر إلى ربع الليل
~~(").
# وربما قيل بامتدادهما إلى الصبح (4).
# لنا على الوقت الثاني: إطلاق الآية، والأخبار المعتبرة المستفيضة جدا،
~~مثل صحيحة زرارة (5)، وصحيحة عبيد بن زرارة (6)، وروايته الأخرى (7)،
~~ورواية
# PageV02P143
# داود بن فرقد (1)، وصحيحة عمر بن يزيد (2) وغيرها (3).
# وعلى الوقت الأول صحيحة علي بن يقطين (4)، وصحيحة إسماعيل بن جابر (5)،
~~ورواية إسماعيل بن مهران (6)، بل وصحيحة زرارة والفضيل المتقدمة (7).
# وبالجملة كل ما دل على تحديد وقت المغرب بسقوط الشفق، مضافا إلى صحيحة
~~ابن سنان الدالة على أن أول الوقتين أفضلهما (8).
# وهذه الأخبار هي حجة الشيخ على الوقت الأول، حملا لها على المختار، ولا
~~وجه له، لما ذكرنا ولما سنذكر.
# مع أن زرارة روى في الموثق عن الصادق عليه السلام: أن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله صلى ms0348 بهم المغرب والعشاء قبل سقوط الشفق من غير علة جماعة، وإنما
~~فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ليتسع الوقت على أمته (9). وتؤدي
~~مؤداها رواية إسحاق بن عمار (10)، وغيرها أيضا (11).
# وحجة الثاني: صحيحة عمر بن يزيد على الظاهر، عن الصادق عليه السلام،
# PageV02P144
# قال: " وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل " (1).
# وفي روايته الأخرى: " إذا كان أرفق بك وأمكن لك في صلاتك وكنت في حوائجك
~~فلك أن تؤخرها إلى ربع الليل " (2) الحديث.
# وهما محمولتان على الأفضلية، لعدم المقاومة.
# وفي رواية أخرى له صحيحة ظاهرا: " إن وقت المغرب في السفر إلى ثلث الليل
~~" (3) وهي أيضا محمولة على مراتب الفضيلة.
# حجة القول بامتداده إلى أن يبقى للصبح مقدار أربع: صحيحة عبد الله بن
~~سنان (4)، ورواية عبيد بن زرارة (5).
# وحملهما المحقق في المعتبر على الضرورة (6)، ولا بأس به. وأولى منه
~~الاقتصار على النوم والنسيان كما هو مورد الصحيحة، وإن كانت رواية عبيد
~~مطلقة، والأولى عدم قصد القضاء والأداء.
# وأما أول وقت العشاء: فالمشهور الأقوى أنه إذا مضى من المغرب مقدار
~~صلاتها، وتدل عليه الصحاح المستفيضة وغيرها (7).
# وقال الشيخان: إن أول وقتها سقوط الشفق (8)، لصحيحة الحلبي (9)، وصحيحة
# PageV02P145
# بكر بن محمد (1) وغيرهما (2)، وهي محمولة على الأفضلية، لعدم المقاومة.
# وآخر وقت إجزائها نصف الليل على الأشهر الأقوى لما مر من الأدلة.
# وللمضطر إلى الصبح على احتمال قوي لما مر، ولكن الأفضل أن لا يتجاوز عن
~~ثلث الليل، لرواية زرارة (3)، ورواية يزيد بن خليفة (4).
# وجعله الشيخ وقتا للمختار، ونصف الليل للمضطر (5)، والمفيد والشيخ في
~~قوله الآخر جعلاه آخر وقتها مطلقا (6)، ولعل مستندهما الروايتان
~~المتقدمتان، وهما محمولتان على الأفضلية لعدم المقاومة.
# وأما الوقت الأول للصبح: فهو طلوع الفجر الثاني المستطير المنبسط في عرض
~~الأفق المتصل إلى إسفار الصبح عند الشيخ (7)، وإلى طلوع الحمرة المشرقية
~~عند ابن أبي عقيل (8).
# وأما الوقت الآخر، فهو إلى طلوع الشمس، والمشهور أنه وقت الاجزاء مطلقا.
# وعند الشيخ وابن أبي عقيل أنه للمضطر، كما أن ما ذكراه أولا وقت للمختار
~~عندهما.
# والمختار ثبوت الفضيلة ms0349 إلى الإسفار، لصحيحة عبد الله بن سنان (9) وحسنة
# PageV02P146
# الحلبي (1). واحتج بهما الشيخ لمذهبه (2)، ودلالتهما عليه ممنوعة.
# وأما الأخبار الدالة على امتداد الاجزاء إلى طلوع الشمس مطلقا فهي كثيرة
~~معتبرة (3)، ولم يحضرني الآن ما يدل على مذهب ابن أبي عقيل.
# تنبيهات:
# الأول: المشهور المعروف من المذهب اختصاص الظهر بمقدار أربع ركعات من
~~أوله، كالعصر عند الغروب، لرواية داود بن فرقد (4)، ورواية الحلبي (5)،
~~وغيرهما (6).
# وعن ظاهر الصدوق اشتراك الظهرين فيما بين الدلوك والغروب كالمغرب والعشاء
~~في حديهما الآتيين (7)، للأخبار الكثيرة المعتبرة، مثل صحيحة زرارة: " إذا
~~زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب
~~والعشاء الآخرة " (8).
# وفي صحيحة عبيد بن زرارة وغيرها بعد ذلك: " إلا أن هذه قبل هذه " (9)،
~~ويمكن استشعار الاختصاص من هذه العبارة، فالمراد الاشتراك فيما بعد الوقت
~~المخصوص، أو أن مجموع هذا الوقت لمجموع الصلاتين، لكن بهذا التفصيل.
# PageV02P147
# وعلى هذا فالأخبار كلها منطبقة على مذهب المشهور، فإن مطلقات ما دل على
~~دخول الوقتين بمجرد الزوال أو بالغروب مقيدة بما فيه هذه العبارة، وهو يفيد
~~اشتراط تقديم الظهر، وهو لا ينافي كون مجموع الوقت وقت المجموع.
# فبعد التأمل يظهر أن المراد من ذلك أن كل زمان يسع مقدار أحدهما من ذلك
~~المجموع فهو مما يصلح أن يفعل فيه كل واحد منهما، لكن بشرط أن يكون الظهر
~~قبل العصر، والعصر بعد الظهر، وذلك لا يتحقق إلا باخراج مقدار الظهر عن
~~الأول ومقدار العصر عن الآخر.
# ثم إن الظاهر أن هذه العبارة في حكم توقيت الوقت وتقييده، فإن وقت الشئ
~~قد تعلق وقتيته على شئ آخر، مثل أن أول الزوال وقت لصلاة الظهر إذا كان
~~متطهرا قبله، وهو لا ينافي عدم وقتيته لو لم يكن متطهرا.
# فعلى هذا فيكون ذلك التعليق أيضا من باب حكم الوضع كأصل الوقت، فلا وجه
~~للفرق بين العامد والناسي.
# وعلى هذا فيشكل ما ذكروه في ثمرة الخلاف، وفرعوا عليه من إعادة من قدم
~~الصلاة المتأخرة في الوقت المخصوص بالأولى نسيانا وعدمها كما سيجئ، و ms0350 سيجئ
~~تمام الكلام.
# وربما يعتذر من عدم التحديد فيها بمقدار الأربع من الطرفين في الظهرين
~~مثلا، لعدم انضباط الوقت أحيانا، فإنه قد يقصر (1)، للصلاة بتسبيحتين، أو
~~قد يدخل الوقت في آخر الصلاة لو فعلها بظن الوقت وتقع الأخرى بعدها بلا فصل
~~(2)، وفيه نظر.
# الثاني: المشهور أن (الوقت الأول) (3) فيما ذكرنا من الوقتين في الفرائض
# PageV02P148
# للفضيلة، وعند الشيخين للمختار (1)، والأول أقرب.
# لنا: الأصل، وعموم الآية، والأخبار، وخصوص الصحاح وغيرها، ففي صحيحة
~~معاوية بن عمار أو ابن وهب عن الصادق عليه السلام: " لكل صلاة وقتان، وأول
~~الوقت أفضلهما " (2).
# وصحيحة عبد الله بن سنان عنه عليه السلام مثلها، ثم قال: " وليس لأحد أن
~~يجعل آخر الوقتين وقتا، إلا في عذر من غير علة " (3).
# وصحيحته الأخرى المتضمنة لهذا المضمون (4)، ولا تحصل الأفضلية إلا مع
~~المساواة في أصل الفضل.
# وبقرينة صدر الرواية يظهر أن آخر صحيحة عبد الله بن سنان ليس على ظاهره،
~~وهو محمول على نفي الجواز الذي لا كراهة فيه.
# واستدل الشيخ بهما على مذهبه (5)، وهما على خلاف مذهبه أدل كما ذكرنا.
# وكذلك لا دلالة في رواية ربعي عنه عليه السلام، قال: " إنا لنقدم ونؤخر،
~~وليس كما يقال: من أخطأ أول وقت الصلاة فقد هلك، وإنما الرخصة للناسي
~~والمريض والمدنف والمسافر والنائم في تأخيرها " (6) إذ الظاهر أن كلمة "
~~إنما " إلى آخره تتمة ما يقال.
# فكل ما ورد في الأخبار من جعل آخر الوقت للمعذور لبيان أنه لا ينبغي
# PageV02P149
# للمختار أن يؤخر عن الأول، فإن أخر فلا يدرك الفضل، بخلاف المضطر فإنه لا
~~تفوت عنه الفضيلة بذلك.
# وأما ما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق عليه السلام: " أول الوقت رضوان
~~الله، وآخره عفو الله، والعفو لا يكون إلا عن ذنب " (١) فمحمول على ترك
~~الأولى مثل قوله تعالى: ﴿عفا الله
~~عنك﴾ (2).
# وقد رفع بعض المتأخرين التنافي بين قول الشيخ وكون الأول أفضل وكون
~~الثاني وقتا، بأن ما يفعله المختار أفضل مما يفعله المضطر أبدا، والوقت
~~الثاني أداء في حق ms0351 المضطر، مستندا بأن العبد كما أنه يستحق المقت بقدر
~~التقصير، فيستوجب البعد بقدر حرمانه عن الفضائل، غاية الأمر عدم معاتبته
~~إذا كان العذر من جهته تعالى (3).
# وهو كما ترى، سيما بعد ملاحظة ما ورد أن الندامة على فوت العمل ربما تكون
~~أحسن من العمل، وأن نية المؤمن خير من عمله، بل ويلزم الظلم في بعض
~~الأحيان.
# فعلى ما ذكره يلزم أن تكون صلاة من صار زمنا عاجزا بسبب جرح أو ضرب في
~~الجهاد في حال القعود أو الاضطجاع مع كمال الحضور وعدم القصور أخفض درجة من
~~صلاة القائم كذلك في حال الدعة والسرور.
# ثم إن الشيخ جعل العذر أربعة: السفر، والمطر، والمرض، وشغل يضر تركه
~~بدينه أو دنياه، والضرورة خمسة: الكافر يسلم، والصبي يبلغ، والحائض تطهر،
~~والمجنون، والمغمى عليه يفيقان (4)، والأخبار تدل على ما هو أعم من ذلك
~~(5).
# PageV02P150
# الثالث: لا خلاف عندنا في جواز الجمع بين الصلاتين، وأخبارنا به ناطقة
~~(1).
# وأما استحباب التفريق، فالذي يظهر من الذكرى أنه معلوم من المذهب كجواز
~~الجمع، ولكن الذي يظهر من دعواه هو القدر المشترك بين تأخير الأخيرة عن وقت
~~فضيلة الأولى أو الفصل بمقدار النافلة، وهو ظاهر من استمرار عملهم عصرا بعد
~~عصر.
# وأما استحباب تفريق الاجتماع بحيث يحتاج إلى أذان الإعلام ثانيا - كما هو
~~المستمر عند المخالفين بالخصوص - فالحق أنه لم يقم عليه دليل، بل إنما هو
~~لأنه أحد أفراد مطلق التفريق.
# قال في الذكرى: والأصحاب في المعنى قائلون باستحباب التأخير، وإنما لم
~~يصرح به بعضهم اعتمادا على صلاة النافلة بين الفريضتين، وقد رووا ذلك في
~~أحاديثهم كثيرا، إلى آخر ما ذكره (2).
# ومما يدل على خصوص التفريق بالنافلة رواية محمد بن حكيم، قال: سمعت أبا
~~الحسن عليه السلام يقول: " الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع،
~~وإذا كان بينهما تطوع فلا جمع " (3) وفي معناها روايته الأخرى (4).
# إنما الإشكال في استحباب اختيار التعجيل في الإتيان بالثانية بعد النافلة
~~كما يظهر من المحقق (5)، واختاره في المدارك، أو تأخيره إلى خروج فضيلة
~~الأولى كما ms0352 نسبه إلى جمع من الأصحاب في المدارك (6).
# ولا يبعد ترجيح الأول، لأنه مسارعة إلى المغفرة، واستباق بالخيرات،
~~وتعجيل
# PageV02P151
# في إبراء الذمة.
# وللصحاح المستفيضة وغيرها الدالة على أفضلية أول الوقت، منها صحيحة
~~زرارة: " إعلم أن أول الوقت أبدا أفضل، فعجل الخير ما استطعت " (1) وفي
~~معناها صحيحته الأخرى (2) وغيرها (3).
# وللروايات الواردة في تحديد الوقت بالنافلة، الدالة على رجحان فعل نافلة
~~الظهر في أول الزوال - طولت أو قصرت - ثم الظهر، ثم نافلة العصر كما مر، ثم
~~العصر، المؤداة بكلمة الفاء (4) وغيرها (5).
# ولصحيحة زرارة قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: بين الظهر والعصر حد
~~معروف؟ فقال: " لا " (6) وهي مخصصة بأداء النافلة.
# ولصحيحة سعد بن سعد عن الرضا عليه السلام: " إذا دخل الوقت عليك فصلهما،
~~فإنك لا تدري ما يكون " (7).
# ولرواية العباس الناقد عن الصادق عليه السلام: " أجمع بين الصلاتين الظهر
~~والعصر ترى ما تحب " (8) وهي محمولة على فعل النافلة أيضا.
# وللأخبار الكثيرة الواردة في أنه صلى الله عليه وآله جمع بين الصلاتين،
~~وفي كثير منها من غير علة (9).
# PageV02P152
# وأما ما يمكن أن يستدل به للقول الآخر: فروى في الذكرى، عن كتاب عبد الله
~~بن سنان، عن الصادق عليه السلام: أنه صلى الله عليه وآله كان يجمع بين
~~الصلاتين إذا كان مستعجلا، وتفريقهما أفضل (").
# وجوابه: أن النافلة أيضا يحصل بها التفريق كما مر.
# ورواية يزيد بن خليفة: " فإذا صار الظل قامة دخل وقت العصر " (2) وهي
~~محمولة على بيان وقت الفضيلة المختصة بالعصر، لمعارضتها بما هو أقوى منها
~~بوجوه ومراتب.
# وحسنة زرارة أو موثقته قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أصوم فلا
~~أقيل حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس صليت نوافلي، ثم صليت الظهر، ثم صليت
~~نوافلي، ثم صليت العصر، ثم نمت، وذلك قبل أن يصلي الناس، فقال:
# " يا زرارة إذا زالت الشمس فقد دخل الوقت، ولكن أكره لك أن تتخذه وقتا
~~دائما " (3) ولعل المراد من الناس العامة، فهي محمولة على الاتقاء.
# وقد يقال: إن كل ما ورد في جمعه صلى الله عليه وآله بين ms0353 الصلاتين يشعر
~~بذلك، لإشعاره بأغلبية تفريقه عليه السلام، وكذلك ما ورد في جمع الأئمة
~~عليهم السلام.
# وكما أن الأقوى في فعله صلى الله عليه وآله الرجحان فكذلك في أغلبه،
~~والنادر محمول على بيان الرخصة.
# وفيه: أن مرجع هذا الاستدلال إلى فعل المعصوم عليه السلام، وجوابه - بعد
~~تسليم حمل الغالب على الرجحان - أن المسلم من الرجحان إنما هو الرجحان له
~~صلى الله عليه وآله، ومن كان في زمانه صلى الله عليه وآله مثلا.
# PageV02P153
# وتحقيقه: أنه كما أن الخطاب الشفاهي مخصوص بحاضري مجلس الخطاب أو
~~الموجودين في زمانه كما حققناه في الأصول ويتم الاستدلال في المعدومين أو
~~الغائبين بانضمام دليل آخر من إجماع أو غيره، فكذلك الرجحان المستفاد من
~~فعله إنما يتم على تقدير التسليم لزمانه عليه السلام.
# ودعوى استصحاب الرجحان إنما تتم لو ثبت كون الرجحان ذاتيا للفعل، لم لا
~~يكون بالوجوه والاعتبارات كما هو المحقق.
# فلعل تفريقه عليه السلام غالبا لم يكن لحسنه بالذات، بل لاقتضاء الوقت
~~ذلك، ولوجود شرطه للحاضرين دون الغائبين، كمقاربتهم لزمان الجاهلية، وعدم
~~اعتيادهم العبادات (1)، سيما والمستحب تأخير العشاء عن ذهاب الحمرة كما مر
~~(2)، فحبسهم إلى ذهاب الحمرة كان يقتضي عسرا لهم وحرجا.
# وكذلك حبسهم في الهاجرة - سيما في الصيف في تلك البلاد - حتى تؤدى
~~النوافل والصلاتين بأجمعها، سيما والتأخير في الحر راجح وإن كان في الظهر،
~~إلى غير ذلك من الوجوه.
# ويؤيد ما ذكرنا التزام أصحابنا الجمع في كل عصر ومصر، وعدم ردع أئمتهم عن
~~ذلك، والتزام العامة التفريق حتى قال أكثرهم بالوجوب (3)، والرشد في
~~خلافهم.
# وكيف كان، فالأظهر الاكتفاء في التفريق بالنوافل، وأفضلية التعجيل مع
~~النافلة من التأخير إلى آخر وقت فضيلة الأولى.
# وهل يستحب الفصل لغير المتنفل أيضا، بل لغير المعقب أيضا، أو الفصل إنما
~~هو بالنافلة أو التعقيب ولا يستحب التفريق في غير المتنفل والمعقب؟ الأظهر
~~نعم،
# PageV02P154
# فإن ملاحظة الأخبار الواردة في النوافل يقتضي اختصاص مقدار النوافل من
~~الوقت بالنوافل، فكان ذلك الوقت ليس بوقت الفريضة، لكن رخص إتيانها فيه،
~~فكان للفريضة ms0354 خصوصية بذلك الوقت تفوت بتقديمها عليه.
# مع أنه لو لم يكن كذلك فيرجع المبحث إلى استحباب النافلة والتعقيب، لا
~~الجمع والتفريق.
# ولكن يمكن الإشكال: بأن التفريق إلى خروج فضيلة الأولى أيضا لعله للإتيان
~~بالنوافل والتعقيبات على وجه أكمل وطريقة أوفى، ولا ريب أن ذلك الكمال أيضا
~~مطلوب، فيتم فيه الكلام السابق، ولكن ذلك لا يقاوم ما ذكرنا من الأدلة.
# وبالجملة المسألة قوية الإشكال، ولكن الأظهر ما ذكرنا.
# الرابع: لا ريب في أفضلية الوقت الأول وتأكد الاهتمام بمحافظته كما ورد
~~في الأخبار (1)، وكذلك مطلق المبادرة كما نطقت بها في مطلق الوقت، فإن الله
~~يحب التعجيل في الخير.
# وقد استثنوا من ذلك مواضع، منها: المتنفل يؤخر حتى يتنفل لما مر (2)
~~ويأتي.
# ومنها: المستحاضة تؤخر الظهر والمغرب إلى آخر وقت فضيلتهما لتجمع بينهما
~~وبين العصر والعشاء بغسل واحد، وقد مر ما يدل عليه من الأخبار الصحيحة (3).
# ومنها: تأخير العشاء حتى يذهب الشفق لما مر (4).
# ومنها: تأخير المغرب للصائم إلى ما بعد الإفطار في الصورتين المشهورتين،
~~ويأتي في محله.
# ومنها: مدافع الأخبثين حتى يخرجهما، لأنه لا صلاة لحاقن ولا حاقب كما في
# PageV02P155
# الصحيح (1)، حملا على نفي (الأفضلية) (2).
# ومنها: القاضي للفرائض، فيؤخر الحاضرة حتى يضيق وقتها، وقيل بالوجوب (3)،
~~وسيأتي الكلام فيه.
# ومنها: الظان دخول الوقت ولا طريق له إلى العلم حتى يحصل اليقين، وسيأتي.
# ومنها: التأخير لصاحب العذر الراجي للزوال، لتقع صلاته على الوجه الأكمل،
~~كالعاجز عن القيام في الصلاة لضعف يرجو زواله. وأوجبه السيد وابن الجنيد
~~وسلار (4). والأول أقوى، لعموم ما دل على فضيلة المبادرة والمسابقة إلى
~~إبراء الذمة (5).
# ومنها: ما كان التأخير مشتملا على صفة كمال، كانتظار الجماعة، أو طول
~~الصلاة وحضور البال والتمكن من استيفائها. وتدل عليه روايات عمر بن يزيد
~~(6).
# ومن جملة ذلك تأخير الظهر في الحر لأجل الإبراد، لصحيحة معاوية بن وهب عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " كان المؤذن يأتي النبي صلى الله عليه وآله في
~~صلاة الظهر، فيقول له رسول الله: أبرد أبرد " (7).
# PageV02P156
# وفسره الصدوق بالتعجيل (1)، وهو بعيد. وقد ms0355 روى في الذكرى عن عن النبي صلى
~~الله عليه وآله ما هو كالصريح فيما فهمه جمهور الأصحاب (2).
# قيل: ولو تحمل المشقة وأتى بها في أول الوقت لكان أفضل، لعدم مقاومة
~~الرواية الصحاح المستفيضة وغيرها في رجحان المبادرة، لإجمال دلالتها، وهذه
~~الأخبار تنبه على رجحان التأخير في سابقته أيضا (3).
# الخامس: يعرف الزوال بحصول الظل الجديد كما يستفاد من الأخبار (4)، سواء
~~كان بزيادته بعد نقصه كما في بعض البلاد، أو بحدوثه بعد انعدامه كما في بعض
~~آخر.
# وبميلها إلى الحاجب الأيمن لمن استقبل القبلة في بعضها، وهو ما كانت
~~قبلته على نقطة الجنوب.
# والمحكم هو ميل الشمس عن دائرة نصف النهار.
# وقد يستفاد ذلك من ميل الظل عن خط نصف النهار.
# ولاستخراج خط نصف النهار طرق، أشهرها الدائرة الهندية، وأسهلها كما قيل:
~~أن يخط على ظل خيط الشاقول عند طلوع الشمس خطا، وعند غروبها آخر، فإن اتصلا
~~خطا واحدا نصف ذلك الخط بخط آخر على القوائم، وإن تقاطعا نصفت الزاوية التي
~~حصلت من تقاطعهما بخط، فالخط المنصف في الصورتين هو خط نصف النهار (5).
# السادس: في معرفة الغروب أقوال، أشهرها أنه يعرف بزوال الحمرة المشرقية.
# PageV02P157
# وعن الشيخ في المبسوط والسيد في بعض مسائله وابن بابويه في علل الشرائع
~~وابن الجنيد (1) وجماعة من المتأخرين (2) باستتار القرص عن النظر من دون
~~حائل من جبل أو جدار أو نحو ذلك.
# وعن ابن أبي عقيل باسوداد الأفق من المشرق (3).
# وعن علي بن بابويه ببدو ثلاثة أنجم (4).
# وأظهرها بالنظر إلى الصحاح المستفيضة وغيرها من الأخبار المعتبرة المصرحة
~~والظاهرة التي كادت أن تبلغ التواتر (5) القول الثاني.
# وأحوطها بالنظر إلى الاستصحاب والشهرة بين المتأخرين: الأول، لمرسلة ابن
~~أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله، قال: " وقت سقوط القرص ووجوب الإفطار
~~أن تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق إذا جازت قمة
~~الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار وسقط القرص " (6).
# ورواية علي بن أحمد بن أشيم، عن بعض أصحابنا، عنه عليه السلام، قال:
# سمعته يقول: " وقت المغرب ms0356 إذا ذهبت الحمرة من المشرق، وتدري كيف ذلك؟ "
~~قلت: لا، قال: " لأن المشرق مطل على المغرب هكذا، ورفع يمينه فوق يساره،
~~فإذا غابت ههنا ذهبت الحمرة من ههنا " (7).
# PageV02P158
# وعلي بن أحمد بن أشيم مجهول بل ضعيف كما صرح في المعتبر (1)، ومع ذلك
~~فمرسل، وفي سند مرسلة ابن أبي عمير سهل.
# وكذلك سائر ما يمكن استفادة ذلك منها مثل رواية عمار الساباطي (2) ورواية
~~بكر بن محمد الأزدي (3) فإنها لا تخلو عن قصور في دلالة أو ضعف في سند،
~~وأظهرها ما ذكرنا.
# وكيف كان فاعتضاد هذه بالشهرة لا يقاوم كثرة تلك الأخبار ووضوح دلالتها
~~وموافقتها للاعتبار ولنفي الحرج. مع أن الظاهر أن المشهور بين القدماء كان
~~خلافه، فإن الشيخ في المبسوط (4) أفتى بذلك، ونسب القول الأول إلى بعض
~~أصحابنا، مع أن العامل بالقول الثاني من الأصحاب أيضا كثير.
# ويظهر من طائفة من الأخبار أن ذلك للاحتياط، حتى لا يتسامح في ملاحظة
~~استتار القرص فيما يكون مظنة حائل عن النظر، مثل موثقة يعقوب بن شعيب عن
~~الصادق عليه السلام قال: قال لي: " مسوا بالمغرب قليلا، فإن الشمس تغيب من
~~عندكم قبل أن تغيب من عندنا " (5) وغيرها من الروايات (6).
# وقد يستشم من بعض الروايات أن الروايات المعتبرة الكثيرة واردة مورد
~~التقية، وهي رواية جارود قال، قال لي أبو عبد الله عليه السلام: " يا
~~جارود، ينصحون فلا يقبلون، وإذا سمعوا بشئ نادوا به، أو حدثوا بشئ أذاعوه،
~~قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلا، فتركوها حتى اشتبكت النجوم، فأنا الآن أصليها
~~إذا سقط
# PageV02P159
# القرص " (1) وهو مشكل لضعف الرواية (2) وعدم وضوح الدلالة.
# وأما سائر الأقوال، فيدل على قول ابن أبي عقيل رواية محمد بن علي المشترك
~~بين الضعيف وغيره، قال: صحبت الرضا عليه السلام في السفر فرأيته يصلي
~~المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد (3). ودلالتها أيضا ممنوعة.
# وقد يستدل لوالد الصدوق بصحيحة أبي همام (4) وهي أيضا غير واضحة الدلالة.
# وأما صحيحة بكر بن محمد الأزدي (5) ورواية شهاب بن عبد ربه (6) الدالتان
~~على اعتبار رؤية النجم، فمحمولتان ms0357 على حال الاشتباه أو ما لا ينافي
~~المختار، فإن رؤية الزهرة أو المشتري أو نحوهما لا تنافي اعتبار استتار
~~القرص.
# الثاني: المشهور أن أول وقت صلاة الجمعة الزوال، وعن السيد في بعض أقواله
~~جوازها عند قيام الشمس (7)، وفي سائر مصنفاته موافق للمشهور (8)، وهو
# PageV02P160
# ضعيف، لمخالفته للمنقول عن فعله صلى الله عليه وآله (1)، وظاهر الآية (2)
~~والصحاح المستفيضة مثل صحيحة زرارة: " إنما لها وقت واحد حين تزول " (3).
# ورواية وكيع الأسلمي في فعل أبي بكر (4) لا حجة فيها، وعلى ما سنحققه من
~~تأخير الخطبتين عن الزوال أيضا فالأمر أوضح.
# وأما آخره، فالمشهور أنه صيرورة ظل كل شئ مثله، نسبه في المعتبر إلى أكثر
~~أهل العلم (5)، وعن المنتهى أنه مذهب علمائنا أجمع (6).
# وعن أبي الصلاح خروجه إذا مضى مقدار الأذان والخطبتين والركعتين فتقام
~~ظهرا (7).
# وعن الجعفي وقتها ساعة من النهار (8).
# وقال ابن إدريس: يمتد وقتها بامتداد الظهر (9).
# وظاهر الأخبار الدالة على أن وقتها أول الزوال مع أبي الصلاح، وهو مقارب
~~لمذهب الجعفي، ويدل على مذهب الجعفي صريحا مرسلة الصدوق الآتية (10)،
~~وملاحظة عموم البدلية المستفادة من الأخبار مع ابن إدريس.
# والتحقيق مع المشهور، فإن الأخبار الدالة على أن وقتها واحد وأنها مضيقة
~~وأن وقتها حين تزول مع كثرتها وصحتها إذا لوحظت عن آخرها - سيما مع ملاحظة
~~ما
# PageV02P161
# دل على أن وقتها واحد في السفر والحضر، وسيما ما صرح فيها بأنه إذا زالت
~~الشمس لا يمنع من الظهر إلا السبحة، يعني النافلة، وما سوي فيها بينهما
~~وبين صلاة المسافر مثل موثقة سعيد الأعرج عن الصادق عليه السلام: عن وقت ا
~~لظهر، فقال: " بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك، إلا في السفر أو يوم الجمعة،
~~فإن وقتها إذا زالت " (1) وفي معناها موثقة إسماعيل بن عبد الخالق (2) -
~~يستفاد منها أن المراد سقوط النافلة، فلا وجه لتأخيرها، لا عدم الجواز
~~بعده. ويحمل التضييق والتأكيد في بعضها على الأفضلية.
# وبذلك يندفع قول أبي الصلاح والجعفي.
# مع أن قول أبي الصلاح غير مضبوط المعنى، والأخبار لا تدل عليه، بل إنما
~~تدل ms0358 على أن أول الزوال وقت الشروع فيها، لا أن وقتها إلى أن يمضي مقدار
~~المذكورات. ويؤكده أيضا وجوب السعي بعد النداء في الآية (3) وعمل المسلمين
~~في الأعصار والأمصار بمبادرتهم إليها بعده.
# وتدل عليه أيضا مرسلة الصدوق في الفقيه، قال أبو جعفر عليه السلام: " أول
~~وقت الجمعة ساعة زوال الشمس إلى أن تمضي ساعة " (4). فإن الظاهر أن المراد
~~وقت الشروع، لا تحديد أول وآخر الصلاة كما لا يخفى.
# وكذلك موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " وقت صلاة الجمعة إذا
~~زالت الشمس شراك أو نصف " (5).
# وكذلك ما دل على استحباب ركعتي النافلة عند الزوال وبعده.
# PageV02P162
# وأما قول ابن إدريس فهو وإن كان قويا لوضوح دلالة البدلية على ذلك
~~المستفادة من الأخبار المستفيضة، إلا أن المنقول عن فعله صلى الله عليه
~~وآله أنه كان يفعلها إلى صيرورة الظل مثل الشئ دائما (1)، والإجماع المنقول
~~عن العلامة (2) يحجبنا عن التعدي.
# والظاهر أن مراد ناقل الفعل أنه علم من حاله صلى الله عليه وآله أن ذلك
~~كان غاية ما يجوز أن تؤخر فيه، لا أنه علم فعلها إلى ذلك الوقت مع عدم
~~العلم بحال ما بعده، حتى يرد عليه أنه عليه السلام كان يقدمها في أول الوقت
~~وكانت تنقضي الصلاة قبل ذلك في الأكثر، وهو لا يدل على وجوبها في ذلك الحين
~~عند المشهور، فكذلك ما نحن فيه.
# وتفوت الجمعة بفوات وقتها، ثم تجب الظهر بقي وقتها أو خرج بالإجماع
~~والأخبار (3).
# وتدرك بإدراك ركعة، ويضيف إليها أخرى، للصحاح المستفيضة (4)، بل وبإدراك
~~الإمام راكعا لما سيجئ في محله.
# ولو أدرك منها ركعة وخرج الوقت فتصح، لعموم قوله عليه السلام: " من أدرك
~~ركعة كمن أدرك الوقت كله " (5).
# وعن الشيخ (6) وجماعة (7) كفاية مجرد التلبس بها في الوقت، وهو مشكل، هذا
# PageV02P163
# حال وقت الصلاة.
# وأما الخطبة فمعظم الأصحاب على أن وقتها بعد الزوال، لظاهر الآية، وحسنة
~~محمد بن مسلم (1)، ولكل ما دل على أن الخطبتين بدل الركعتين (2)، وكل ما دل
~~على أن الخطبة صلاة (3)، وكل ما دل على استحباب ms0359 الركعتين عند الزوال وبعده
~~(4) لوجوب وقوع الصلاة بعد الخطبة.
# وجوزها الشيخ قبل الزوال، وادعى عليه في الخلاف إجماع الفرقة (5)، وهو
~~مختار المحقق (6)، لصحيحة عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: "
~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك،
~~ويخطب في الظل الأول، فيقول جبرئيل: يا محمد قد زالت الشمس فأنزل فصل،
~~وإنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، فهي صلاة حتى ينزل الإمام "
~~(7).
# وهي لا تقاوم ما ذكرنا من الأدلة، مع أن دلالتها غير واضحة، إذ الظل
~~الأول وإن كان ظاهرا فيما قبل الزوال، لكن القرائن المحفوفة به تضعف
~~دلالتها، فإن الصلاة عند صيرورة الفئ قدر الشراك إذا تمت الخطبة قبل الزوال
~~تستلزم فصلا كثيرا بين الخطبة والصلاة، بل هو قرينة على أن التأخير إلى
~~مقدار الشراك لأجل الخطبة، فلا بد أن يحمل على إرادة الشروع في الخطبة في
~~الظل الأول، وهو لا يستلزم جواز إتمامها بحيث إذا تمت زالت الشمس، فنحملها
~~على إرادة الشروع في منتهى الظل
# PageV02P164
# الأول بإرادة أول الفئ مبالغة.
# أو يقال: إن المراد بالظل الأول الظل الحادث بعد الزوال، والمراد بقول
~~جبرئيل:
# " قد زالت الشمس " الزوال المعهود المذكور في الكلام، وهو الزوال بقدر
~~الشراك، وما ذكرناه ليس ببعيد عند التأمل والإنصاف.
# ويؤيده تمام الخبر لما أشرنا إليه سابقا.
# وأولها العلامة ببعيد (1)، فالرواية لنا لا علينا.
# وعلى هذا فموثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " وقت صلاة الجمعة إذا
~~زالت الشمس شراك أو نصف " (2) أيضا تشهد بما ذكرنا، فإن الظاهر أن ذلك لأجل
~~الخطبة كالقدمين للظهر.
# الثالث: لا خلاف في أن وقت صلاة العيدين ما بين طلوع الشمس إلى الزوال.
# والمشهور أن أوله من أول الطلوع.
# وعن الشيخ إذا طلعت وارتفعت وانبسطت (3)، وربما يؤيد بحسنة زرارة عن
~~الباقر عليه السلام: " ليس في الفطر والأضحى أذان ولا إقامة، أذانهما طلوع
~~الشمس، إذا طلعت خرجوا " (4).
# وموثقة سماعة، قال: سألته عن الغدو إلى المصلى في الفطر والأضحى، فقال: "
~~بعد طلوع الشمس " (5) فإن ms0360 كون طلوع الشمس وقت الخروج يقتضي تأخرها عن أول
~~الطلوع.
# PageV02P165
# وهو كما ترى، فإن مساواة الطلوع للأذان يقتضي كونه أول الوقت كما لا
~~يخفى.
# وتستحب زيادة التأخير في الفطر عن الأضحى بإجماع العلماء، نقله في
~~المدارك، وعلل باستحباب الإفطار قبل الخروج، ولتوسعة الوقت لإخراج الفطرة
~~(1).
# الرابع: وقت صلاة الكسوفين من ابتدائهما إلى انجلائهما، وفاقا للشيخ (2)
~~والمحقق (3) وجماعة (4)، لما روي عنه صلى الله عليه وآله: " فإذا رأيتم ذلك
~~فافزعوا إلى ذكر الله تعالى والصلاة حتى ينجلي " نقله في الذكرى (5).
# ومن طريق الخاصة عموم قوله عليه السلام: " إذا انكسفتا أو واحدة منهما
~~فصلوا " (6) وما في معناها من العمومات والإطلاقات.
# وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام قال، قال: " إن صليت الكسوف إلى أن
~~يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطول في صلاتك فإن ذلك أفضل، وإن أحببت أن
~~تصلي فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف فهو جائز " (7) وللاستصحاب.
# وتؤيده الأخبار الصحيحة الدالة على رجحان الإعادة ما لم ينجلي بالتمام
~~(8)،
# PageV02P166
# فإن الظاهر من الإعادة هو الإتيان في الوقت، وإن لم نقل بثبوت الحقيقة
~~الشرعية فيها أيضا.
# ونقل في الذكرى عن الأكثر القول بأن وقته إلى حين الأخذ في الانجلاء (1)،
~~لصحيحة حماد بن عثمان عن الصادق عليه السلام، قال: ذكرنا انكساف القمر وما
~~يلقى الناس من شدته قال، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا انجلى منه
~~شئ فقد انجلى " (2).
# ودلالتها ممنوعة، لأن ظاهرها إرادة بيان مساواة الحال في الشدة والخوف
~~ورفعهما، لا بيان الوقت.
# ويمكن أن يستدل لهم بصحيحة جميل عنه عليه السلام، قال: " وقت صلاة الكسوف
~~في الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس وعند غروبها " (3).
# وفيه: أن المضارع مشترك بين الحال والاستقبال، ولو سلم كونه مجازا في
~~الحال فالقرينة هنا قائمة على إرادتها ليشمل حالة احتراق القرص بأجمعه،
~~وإذا غاب القرص بعد الانكساف أو ستره غيم فهو أداء حتى يتيقن الانجلاء،
~~للاستصحاب.
# وأما الزلزلة، فوقت صلاتها تمام العمر على المشهور، لإطلاق الأدلة، وقيل
~~بقضائها بعد السكون (4)، وهو ضعيف.
# والأظهر كونه موسعا، وقال في ms0361 الذكرى بوجوبها فورا وإن لم يصر قضاءا
~~بالتأخير كالحج (5)، وهو ممنوع.
# PageV02P167
# وألحق العلامة الصيحة بها (1)، وهو حسن.
# وأما سائر الآيات كالرياح المخوفة، والظلم، وغيرها، فأسند في الذكرى إلى
~~الأصحاب اشتراط سعة وقتها لأداء الصلاة (2).
# وجعلها في الدروس كالزلزلة (3)، واختاره العلامة في بعض أقواله (4).
# واستدل على الأول بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قال، قلنا لأبي جعفر عليه
~~السلام: هذه الرياح والظلم التي تكون هل يصلى لها؟ فقال: " كل أخاويف
~~السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن " (5).
# وتؤيده صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، حيث سوى فيها بين صلاتها وصلاة
~~الكسوف (6).
# وعلى الثاني بالإطلاقات.
# ويمكن ترجيح الأول بحمل المطلق على المقيد، فإن كلمة " حتى " تحتمل
~~الغاية وتحتمل التعليل، وكلاهما يفيدان التوقيت.
# ولكنه يشكل بما لا يسع الصلاة، فلا يمكن تقييد الإطلاق بذلك مطلقا، ولا
~~قائل بالفرق.
# فالأولى جعلها من باب الأسباب كالزلزلة.
# مع أنه تحتمل إرادة سكون الخوف والفزع لا نفس الآية، وربما احتملت إرادة
~~التكرار كالكسوفين، وهو لا ينافي المشهور.
# PageV02P168
# وعن التذكرة: كل آية يقصر وقتها عن العبادة يكون وقتها دائما، أما ما
~~ينقص من فعلها وقتا دون وقت فإن وقتها مدة الفعل، فإن قصر لم يصل (1).
# وفيه: منع اقتضاء وسعة الآية للوقت التوقيت، وكذلك قصورها عن الفعل لنفي
~~الوجوب كما مرت الإشارة، مع أن مراده من ذلك جعل توقيت الصلاة بالعمر مختصا
~~بالزلزلة والصيحة، وهو إنما يتم إذا لم تتحقق زلزلة تسع للصلاة، وهو ممنوع،
~~إلا أن يراد الغالب.
# ثم إن الظاهر عدم تداخل الأسباب، فيجب تكرار الصلاة لزلازل متعددة
~~وغيرها، مع إشكال فيما لا يسع بينهما للصلاة، سيما على القول بوجوب الفور،
~~والأحوط التكرار مطلقا.
# الخامس: في وقت نافلة الظهر أقوال، أظهرها أنه من أول الزوال إلى أن يبلغ
~~الفئ ذراعا، مقدمة على الفريضة، والعصر إلى أن يبلغ ذراعين كذلك، للأخبار
~~المعتبرة المستفيضة جدا.
# منها صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن وقت الظهر فقال:
# " ذراع من زوال الشمس، ووقت ms0362 العصر ذراع من وقت الظهر، فذلك أربع أقدام من
~~زوال الشمس ".
# وقال زرارة: قال لي أبو جعفر عليه السلام حين سألته عن ذلك: " إن حائط
~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله كان قامة، فكان إذا مضى من فيئه ذراع
~~صلى الظهر، وإذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر " ثم قال: " أتدري لم جعل
~~الذراع والذراعان؟ " قلت: لم جعل ذلك؟ قال: " لمكان الفريضة، فإن لك أن
~~تتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي الفئ ذراعا، فإذا بلغ فيئك ذراعا من
~~الزوال
# PageV02P169
# بدأت بالفريضة وتركت النافلة، وإذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت
~~النافلة " (1) وهو قول الشيخ في النهاية (2).
# وقال في الخلاف والمبسوط على ما نقله في المختلف والمدارك: إنه من أول
~~الزوال إلى أن يبقى لصيرورة الفئ مثل الشاخص مقدار ما يصلي الفريضة للظهر،
~~ومثليه كذلك للعصر (3).
# وأما في المعتبر فأطلق نقل المثل والمثلين كالذراع والذراعين (4).
# واستدل في المعتبر على هذا القول بصحيحة زرارة المتقدمة، لما دل على أن
~~المراد بالقامة الذارع من الأخبار، مثل رواية علي بن حنظلة وغيرها (5)،
~~وقال:
# فيعود اختلاف كلام الشيخ لفظيا (6).
# وأنت خبير بأن ذلك خلاف مقتضى تلك الأخبار المعتبرة، بل خلاف صريح
~~الصحيحة المذكورة أيضا، لإضافة الفئ إلى المخاطب في آخرها، مع أن القامة
~~ظاهرة في قامة الانسان.
# وأما رواية علي بن حنظلة وغيرها، فهي مع عدم مقاومتها لتلك الأخبار
~~محمولة على ما لو كان الشاخص مقدار الذراع.
# وتوضحه رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام أنه قال له: كم القامة؟
~~فقال:
# PageV02P170
# " ذراع، إن قامة رحل رسول الله صلى الله عليه وآله كانت ذراعا " (1)
~~فلذلك عبر عن أحدهما بالآخر.
# والأولى الاستدلال على هذا القول بعموم ما ورد من الأخبار في تحديد وقت
~~الفريضتين بالمثل والمثلين (2)، مضافا إلى ما ورد من الأخبار الكثيرة
~~الدالة على استحباب النافلة مقدمة على الفريضة، وما ورد أنه لا يمنعك من
~~الفريضة إلا سبحتك (3).
# ونقل في الشرائع قولا بامتداد وقتها بامتداد الفريضة (4)، وهو أيضا مقتضى
~~الإطلاقات.
# وههنا أخبار أخر معتبرة ms0363 تدل على جواز تقديمها على أوقاتها وتأخيرها، مثل
~~حسنة محمد بن عذافر، عن الصادق عليه السلام: " صلاة التطوع بمنزلة الهدية،
~~متى ما أتي بها قبلت، فقدم منها ما شئت وأخر ما شئت " (5).
# وحملها الشيخ على الرخصة لمن علم من حاله أنه إن لم يقدمها اشتغل عنها
~~(6)، لرواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام: عن الرجل يشتغل عن
~~الزوال، أيعجل من أول النهار؟ فقال: " نعم، إذا علم أنه يشتغل فيعجلها في
~~صدر النهار كلها " (7).
# PageV02P171
# ولكن عموم أكثرها بل صريح بعضها الجواز مطلقا، إلا أن الأفضل الإتيان في
~~أوقاتها المحدودة.
# وأما ما ورد في التحديد بمقدار النافلة طولت أو قصرت (1)، وبأربعة أقدام
~~في الظهر، وكذلك ثلث القامة، فهي محمولة على مراتب تطويل النافلة وتقصيرها،
~~وتفويض الأمر إلى المكلف في ذلك. ولعل الأفضل التقصير كما هو صريح بعضها
~~(2)، فالجميع جائز إن شاء الله تعالى.
# ولكن الأفضل التعجيل بها إلى أن يبقى للمثل والمثلين مقدار الفريضة، فذلك
~~آخر مراتب الفضل، ثم يجوز فعلها بعد ذلك مقدما وإن كان تأخيرها أفضل، وترك
~~قصد القضاء والأداء حينئذ أولى، سيما على المختار في النية.
# وكيف كان: فلو خرج الوقت وقد تلبس من النافلة بركعة زاحم بها الفريضة
~~مخففة، كما نقل عن الشيخ وأتباعه (3)، لموثقة عمار (4)، وليس فيها الدلالة
~~على التخفيف، لكن لا بأس به.
# وينبه عليه ما دل على تخفيف نافلة الزوال في أول الوقت، مثل رواية أبي
~~بصير قال: ذكر أبو عبد الله عليه السلام أول الوقت وفضله، فقلت: كيف أصنع
~~بالثمان ركعات؟ قال: " خفف ما استطعت " (5).
# ويستفاد ذلك من صحيحة زرارة المتقدمة أيضا.
# وذكروا في التخفيف الاكتفاء بالحمد والذكر الواحد في الركوع والسجود ونحو
~~ذلك (6). ولا بأس به.
# PageV02P172
# وأول وقت نافلة المغرب بعدها إلى ذهاب الحمرة المغربية، قال في المعتبر:
# وهو مذهب علمائنا (1)، وظاهر هذه العبارة دعوى الاجماع على عدم الجواز
~~بعده، وهو بعيد.
# ونسب القول في الذكرى إلى الشيخ في النهاية (2)، ومال هو إلى امتدادها
~~بامتداد المغرب (3).
# واستوجهه في المدارك (4) واستشهد عليه بصحيحة ms0364 أبان بن تغلب قال: صليت خلف
~~أبي عبد الله عليه السلام المغرب بالمزدلفة، فقام فصلى المغرب ثم صلى
~~العشاء الآخرة، ولم يركع بينهما، ثم صليت خلفه بعد ذلك بسنة فلما صلى
~~المغرب قام فتنفل بأربع ركعات، ثم أقام فصلى العشاء الآخرة (5). وهو حسن،
~~وهو مقتضى الإطلاقات والعمومات.
# وأما ما استدل به في المعتبر من أن عند ذهاب الحمرة يقع الاشتغال بالفرض
~~فلا يصلح للنافلة، مستندا بما ورد من أنه لا تطوع في وقت فريضة (6)، فهو
~~ضعيف، لأنه منقوض بجوازها قبل ذلك أيضا عندنا.
# نعم يمكن القول بأفضلية التأخير حينئذ لو قلنا باستحباب تقديم العشاء
~~والتعجيل بها عند سقوط الشفق، ولا دليل عليه إلا ما دل على أفضلية أوائل
~~الأوقات (7)، مع خروج ما قبل سقوط الشفق هنا بالدليل.
# وأما ما ورد في بعض الأخبار من تحديد وقت العتمة بغيبوبة الشفق، مثل
# PageV02P173
# حسنة الحلبي (1)، ورواية بكر بن محمد الأزدي (2) وغيرهما (3)، فهي محمولة
~~على الفضيلة، أو لرفع الحظر التنزيهي عما قبله، أو لرفع توهم وجوب التأخير،
~~أو رجحان التأخير كما يستفاد الطرفان من الأخبار، وقد تقدم الكلام فيهما.
# وبالجملة الأقرب الجواز، إلا أن الأفضل التقديم عليه لما مر، وللتأسي
~~بالنبي صلى الله عليه وآله كما رواه عمرو بن حريث (4).
# وبما ذكرنا ظهر أنه لو شرع في ركعتين منها ثم زالت الحمرة أتمهما، سواء
~~كانت الأوليين أو الأخريين بطريق الأولى.
# وجزم به الشهيد في الذكرى على القول بفوات الوقت بذهاب الحمرة أيضا (5)،
~~لأن الصلاة على ما افتتحت عليه (6)، وللمنع عن إبطال العمل (7)، بل يتم
~~الأربع لو شرع فيها أيضا كما نقله عن ابن إدريس (8).
# وهل الأفضل تقديم النافلة على كل شئ كما اختاره ابن الجنيد (9)، أو
~~تأخيرها عن التسبيح فقط كما اختاره المفيد (10)؟ قولان، والثاني أوجه.
# PageV02P174
# وأما الوتيرة فيمتد وقتها بامتداد العشاء بلا خلاف، وهو مقتضى الإطلاقات.
# وعن الشيخ (1) وأتباعه (2) استحباب جعلها خاتمة كل نافلة يصليها في تلك
~~الليلة، ولا يحضرني الآن مستنده، ويكفي في ذلك فتواهم.
# ووقت صلاة الليل بعد انتصافه بلا خلاف، ms0365 للصحاح وغيرها (3) ويعرف بانحدار
~~النجوم كما في رواية عمر بن حنظلة أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام، فقال
~~له:
# زوال الشمس نعرفه بالنهار، فكيف لنا بالليل؟ فقال: " لليل زوال كزوال
~~الشمس " قال: فبأي شئ نعرفه؟ قال: " بالنجوم إذا انحدرت " (4).
# قيل: والمراد بها النجوم الطالعة عند غروب القرص (5)، وهو غير مطرد في
~~الكواكب والأحوال، وسيأتي الكلام فيه.
# واعتبر الجعفي منازل القمر وقاعدة طلوعه وغروبه، قال: ويغرب في ليلة
~~الهلالي في نصف السبع، وهكذا إلى الليلة الأربع عشرة، ثم يتأخر هكذا إلى
~~الثمان والعشرين، وبذلك تتم منازل القمر (6).
# والمشهور أنه كلما قرب من الفجر كان أفضل، واستدلوا عليه بقوله تعالى:
# (وبالأسحار هم يستغفرون) (7) منضما إلى ما ورد في الصحيح أن المراد به
~~الاستغفار في الوتر (8)، وهو لا يدل إلا على استحباب قرب الوتر إلى الفجر،
~~وكذلك صحيحة إسماعيل بن سعد (9).
# PageV02P175
# وأما رواية مرازم عن الصادق عليه السلام قال، قلت له: متى أصلي صلاة
~~الليل؟ فقال: " صلها آخر الليل " قال، فقلت: إني لا أستنبه، فقال: " تستنبه
~~مرة فتصليها، وتنام فتقضيها، فإذا اهتممت بقضائها بالنهار استنبهت " (1)
~~فمع سلامتها غير واضحة الدلالة، فإن مقام السؤال والجواب طلب الرخصة
~~للتقديم، فإن من لا يستنبه آخر الليل كيف يستنبه نصفه أو آناءه!؟
# ويمكن أن تكون فتواهم بذلك في مقابل فعلها أجمع في منتصف الليل، وذلك لا
~~ينافي أفضلية توزيعها على آناء الليل، وتوسيط نومتين، والإيتار بين
~~الفجرين، كما ورد في الأخبار المعتبرة من فعل النبي صلى الله عليه وآله
~~(2)، وأفتى على طبقها ابن الجنيد (3).
# فلا يبعد القول بأفضلية ذلك لهذه الروايات، ولما ورد في الصحيح وغيره: "
~~إن الساعة التي لا يدعو فيها العبد ربه إلا استجيب له في الليل وهو ما بين
~~نصف الليل إلى الثلث الباقي " (4).
# والمشهور جواز تقديمها على النصف للمعذور، كالمسافر والخائف من غلبة
~~النوم وغيرهما، للصحاح المستفيضة (5)، خلافا لما نقل عن زرارة (6) وابن
~~إدريس والعلامة في المختلف (7)، بل ويستفاد من الصحيح (8) وغيره (9) الجواز
~~مطلقا، وأن
# PageV02P176
# التأخير إلى النصف أفضل. ويؤيده ما مر ms0366 من الأخبار العامة في النوافل.
# والمعروف من مذهبهم أن القضاء أفضل من التقديم، لصحيحة معاوية بن وهب
~~(1)، وصحيحة محمد بن مسلم، (2) وغيرهما (3).
# وآخر وقتها الفجر الثاني عند الأكثر، وعن السيد الفجر الأول (4)، وهو
~~الضوء المستدق المستطيل الذي يتوسط بينه وبين الأفق ظلمة، محتجا بأن ذلك
~~وقت ركعتي الفجر، وسيجئ بطلان اختصاصه بهما.
# والمعروف من مذهب الأصحاب أنه إذا تلبس بأربع فيتمها مخففة وإن طلع
~~الفجر، لرواية مؤمن الطاق (5).
# ورواية يعقوب البزاز مشتملة على أنه إذا تخوف طلوع الفجر بعد ما صلى
~~أربعا فيوتر ويؤخر الركعات حتى يقضيها في صدر النهار (6)، ولا بأس به.
# والمشهور أنه إذا لم يتلبس بأربع أخرها، وبدأ بركعتي الفجر مع بقاء وقتها
~~ثم يصلي الفريضة، لرواية مفضل بن عمر (7)، وصحيحة إسماعيل بن جابر قال، قلت
~~لأبي عبد الله عليه السلام: أوتر بعد ما يطلع الفجر؟ قال: " لا " (8)
~~تتميما بالأولوية في غير الوتر.
# وفي الأخبار الصحيحة جواز فعلها جميعا بعد طلوع الفجر مقدما على الفريضة،
# PageV02P177
# مقيدا بعدم الاعتياد (1)، ولا بأس بالعمل عليها، إلا أن تقديم الفريضة
~~أفضل.
# وإذا ضاق الوقت عن صلاة الليل فيقتصر على الوتر، لصحيحة محمد بن مسلم
~~(2)، وصحيحة معاوية بن وهب (3).
# والظاهر أن قضاء الباقي لا يسقط عنه بذلك، للعمومات.
# وفي رواية معتبرة عن الصادق عليه السلام قال، قال: " إذا قام الرجل من
~~الليل فظن أن الصبح قد أضاء فأوتر، ثم نظر فرأى أن عليه ليلا، قال: " يضيف
~~إلى الوتر ركعة، ثم يستقبل صلاة الليل ثم يوتر بعده " (4)، وعلى هذا فيمكن
~~القول بإعادتها في القضاء أيضا إذا ضاق الوقت إلا عنها.
# وأما وقت ركعتي الفجر فأوله بعد الفراغ من صلاة الليل على المشهور
~~الأقوى، للصحاح وغيرها من الأخبار الكثيرة (5). وعن السيد والشيخ في
~~المبسوط طلوع الفجر الأول (6)، ولم نقف على ما يصلح مستندا لذلك، مع تصريح
~~الأخبار الصحيحة بجوازها بعد الصبح (7).
# وآخره طلوع الحمرة، لصحيحة علي بن يقطين (8).
# وعن ابن الجنيد أنه طلوع الفجر الثاني (9)، لصحيحة زرارة عن الباقر عليه
~~السلام، قال: سألته عن ms0367 ركعتي الفجر، قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: " قبل
~~الفجر، إنهما
# PageV02P178
# من صلاة الليل، أتريد أن تقايس، لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع،
~~إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة " (1).
# وتؤيده صحيحة البزنطي القائلة: " احش بهما صلاة الليل وصلهما قبل الفجر "
~~(2) وما في معناها (3).
# والأولى حملها على الأفضلية جمعا بين الأخبار.
# والظاهر أن الإمام عليه السلام أراد في صحيحة زرارة تعليمه المجادلة
~~بالتي هي أحسن.
# وأما صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال، قال أبو عبد الله عليه السلام:
# " صلهما بعد ما يطلع الفجر " (4) فهي مع جهالة مرجع الضمير محمولة على
~~الرخصة. وربما تحمل على الفجر الأول (5)، فتكون دليلا للسيد والشيخ.
# ويمكن الحمل على التقية كما يظهر من الشيخ في التهذيب (6)، وتدل عليه
~~رواية أبي بصير قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: متى أصلي ركعتي الفجر؟
~~قال، فقال لي: " بعد طلوع الفجر " قلت له: إن أبا جعفر عليه السلام أمرني
~~أن أصليهما قبل طلوع الفجر، فقال: " يا أبا محمد إن الشيعة أتوا أبي
~~مسترشدين فأفتاهم بمر الحق، وأتوني شكاكا فأفتيتهم بالتقية " (7).
# والحاصل أن المستفاد من مجموع الأخبار والجمع بينها جوازها قبل الفجر
~~وبعده
# PageV02P179
# كما هو مقتضى صريح طائفة من الأخبار (1)، وأن تعيين ما قبله كما هو مقتضى
~~طائفة منها (2) محمول على الأفضلية، وأن تعيين ما بعده محمول على التقية،
~~كما هو مقتضى الروايتين (3).
# ثم إن جماعة من الأصحاب حكموا باستحباب إعادتهما بعد الفجر لو صلاهما
~~قبله (4)، ولا بأس به، لكن الأولى تقييده بما إذا نام بعدها كما هو مقتضى
~~صحيحة حماد بن عثمان (5)، وموثقة زرارة (6)، ويؤيده ما ورد من كراهة النوم
~~بعدهما (7).
# تنبيه:
# المشهور بين الأصحاب أن اليوم حقيقة فيما بين الفجر والغروب، كالليل فيما
~~بينهما.
# وعن الأعمش (8) أنه ما بين طلوع الشمس إلى الغروب حتى في الصوم (9).
# ونقل الشيخ في الخلاف عن طائفة أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ليس من
~~الليل ولا من النهار (10).
# PageV02P180
# وفي الأدلة من الآيات والأخبار لكل منها دليل. وتفصيل القول فيه ms0368 يقتضي
~~بسطا لا يسعه هذا الكتاب.
# وجملته: أن الأقوى الأول، ويظهر من ابن البراج وغيره دعوى الاجماع عليه
~~(1)، ويدل عليه التبادر، وعدم صحة السلب، وصحة سلب اسم الليل، فلا يصح أن
~~يقال لما قبل طلوع الشمس إنه ليس بنهار وإنه ليل، كما لا يخفى على من راجع
~~وجدانه في محاورات أهل العرف، وهو الموافق لكلام عامة أهل اللغة، وتدل عليه
~~الآيات الكثيرة، والأخبار المستفيضة القريبة من التواتر، والأدعية الواردة
~~عن الأئمة عليهم السلام.
# وكفاك قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار) (2). فنقل العلامة (3) اتفاق
~~المفسرين على أن المراد بهما صلاة الفجر والعصر، وما يمكن الاستدلال به من
~~الآيات يبلغ عشرين أو يزيد عليه.
# وأما الأخبار فلا تحصى كثرة، وكفاك ما سيجئ في مباحث الأذان والإقامة من
~~صحيحة الحلبي (4) وصحيحة عبد الله بن سنان (5) وغيرهما (6) المتضمنة لأن
~~ابن أم مكتوم كان يؤذن بليل، وبلال كان يؤذن بعد الفجر، فقوبل الليل
~~بالفجر، وسيجئ ضعف الواسطة.
# وفي صحيحة الحلبي حين سأل الصادق عليه السلام: عن الخيط الأبيض من الخيط
~~الأسود، فقال: " بياض النهار من سواد الليل " (7).
# PageV02P181
# وفي الصحيفة السجادية في دعاء الصباح: " وهذا يوم حادث جديد - إلى أن قال
~~- اللهم وفقنا في يومنا هذا " إلى قوله: " واجعله أيمن يوم عهدناه " (1).
# وفي دعاء سماع الأذان: " اللهم إني أسألك بإدبار ليلك وإقبال نهارك "
~~(2).
# وفي دعاء الصباح عن الصادق عليه السلام: " الحمد لله الذي أذهب الليل
~~بقدرته، وجاء بالنهار برحمته " (3) إلى غير ذلك من الدعوات الكثيرة جدا.
# وأما ما يمكن أن يستدل به للقول الثاني، فهي أيضا أخبار كثيرة، مثل صحيحة
~~الحلبي عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد
~~السفر وهو صائم، فقال: " إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض (4) ذلك
~~اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم صومه " (5) حيث جعل الزوال ونصف النهار
~~واحدا.
# وجوابه الحمل على المجاز، وأنه مبني على التقريب والتخمين، والاعتماد في
~~فهم الزوال عن نصف النهار إنما هو بالقرائن وملاحظة سائر الأخبار الواردة
~~في هذا الباب، ms0369 ومطلق الاستعمال لا يدل على الحقيقة، والمجاز خير من
~~الاشتراك، مع أنا قد بينا ما ينفي كونها حقيقة في غير ما ذكرنا.
# وأما ما في نهج البلاغة أنه سئل عليه السلام عن مسافة ما بين المشرق
~~والمغرب، قال: " مسيرة يوم للشمس " (6) فهو أيضا مبني على التقريب.
# مع أنه روى في الاحتجاج، عن الحسن بن محبوب، عن سماعة قال، قال
# PageV02P182
# أبو حنيفة لأبي عبد الله عليه السلام: كم بين المشرق والمغرب؟ قال: "
~~مسيرة يوم، بل أقل من ذلك " قال: فاستعظمه، فقال: " يا عاجز، لم تنكر هذا؟
~~إن الشمس تطلع من المشرق وتغرب في المغرب في أقل من يوم " (1).
# وقد يستدل على ذلك برواية عمر بن حنظلة المتقدمة (2)، وهي أيضا لا تدل
~~على مطلوبهم، إذ هي لا تتم إلا في كوكب كان قوس نهاره موافقا لقوس ليل درجة
~~الشمس من منطقة البروج أو قريبا منه.
# وجعل مثل ذلك قاعدة للعوام أو مناطا لأحكامهم من باب الإلغاز والتعمية،
~~مع أنه يختلف الحال بحسب الليالي والأزمان، وتعيين كوكب في كل ليلة من
~~الأمور العسرة بل المتعذرة.
# مع أن الانحدار أيضا لا يظهر للعوام إلا بعد تجاوز كثير عن دائرة نصف
~~النهار، فالظاهر أن ذلك الاحتياط (3) في صلاة الليل بملاحظة الكواكب التي
~~تظهر فوق الأبنية عند ابتداء الظلمة.
# وأيضا معرفة كون الكواكب على الأفق حين الغروب مما لا يظهر للحس فكيف
~~يعرفه العوام؟!
# وما كان على الأفق عند ظهورها للحس فهو إذا بلغ نصف النهار فقد تجاوز
~~الليل حينئذ عن النصف بكثير، فلا يتم الاستدلال لهم بوجه.
# وظني أن الذي أوجب توهم كون اليوم والليل حقيقة فيما بين طلوع الشمس
~~وغروبها هو اصطلاح أهل النجوم ومسامحة أهل العرف في الأشغال والأعمال
~~والصناعات، فيقولون لمن عمل من أول طلوع الشمس إلى غروبها: إنه عمل يوما،
~~وذلك مسامحة في الإضافة، لا أنه اصطلاح في اليوم، فالمراد أنه شغل يوم،
~~وعمل
# PageV02P183
# يوم، لا أن اليوم هو هذا لا غير.
# ألا ترى أنهم يقولون: نمت هنا الليلة، وههنا ليلتين، ms0370 ولا يريدون إلا ما
~~يتعارف من مقدار النوم، ولا ريب أنه لا ينام عادة وغالبا إلا بعد التعشي
~~وإتمام الصلاة وجلوس ما بعدهما.
# وهذا ظاهر لا يخفى على من راجع وجدانه، ولذلك اكتفينا في مبحث التراوح
~~بنزح البئر من طلوع الشمس إلى غروبها، فإنه يصدق عليه عرفا أنه نزح يوم.
# وأما التفصيل فتدل عليه بعض الأخبار، مثل ما رواه علي بن إبراهيم في
~~تفسيره، عن عمر بن أبان الثقفي، قال: سأل نصراني الشام الباقر عليه السلام
~~عن ساعة ما هي من الليل ولا هي من النهار، أي ساعة هي؟ قال أبو جعفر عليه
~~السلام:
# " ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ".
# قال النصراني: إذا لم تكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي
~~الساعات هي؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: " من ساعات الجنة، وفيها تفيق
~~مرضانا " فقال النصراني: أصبت (1).
# وقيل: وهذا مبني على اصطلاح كان مشهورا بين أهل الكتاب أجاب الإمام عليه
~~السلام على طبق طريقتهم (2)، ويمكن أن تنزل عليه أكثر الأخبار الدالة على
~~أن الزوال نصف النهار، وغيرها.
# وكيف كان فلا يقاوم ما دل على المذهب المنصور كما لا يخفى.
# ونقل عن أبي ريحان البيروني أن مذهب براهمة الهند أن ما بين طلوع الفجر
~~وطلوع الشمس، وكذلك ما بين غروب الشمس وغروب الشفق خارجان عن الليل
~~والنهار، بل هما بمنزلة الفصل المشترك، ويضعفه ما تقدم من الأدلة.
# PageV02P184
# السادس: يجب الإتيان بالصلاة في أوقاتها عالما بها، فلو صادفت صلاة
~~الجاهل والناسي الوقت فالأشهر الأظهر بطلانها، لعدم صدق الامتثال والإطاعة،
~~وتحقيق ذلك في الأصول، وقد أطنبنا الكلام في شرح الألفية الشهيدية.
# ولا يجوز الاعتماد على الظن مع التمكن من تحصيل العلم بالوقت، وهو
~~المعروف من المذهب، المدعى عليه الاجماع (1).
# ويدل عليه الأمر بإيقاع الصلاة في الأوقات المعلومة (2)، والألفاظ أسام
~~للأمور النفس الأمرية، فلا يحصل الامتثال إلا مع العلم.
# وخصوص رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: في الرجل يسمع الأذان
~~فيصلي الفجر ولا يدري أطلع الفجر أم لا، ms0371 غير أنه يظن لمكان الأذان أنه طلع،
~~قال:
# " لا يجزئه حتى يعلم أنه طلع " (3).
# وجوز في المعتبر الاعتماد على أذان الثقة المستظهر، لقوله عليه السلام: "
~~المؤذن مؤتمن " (4) ولأن وضعه للإعلام، فلو لم يجز تقليده لما حصل الغرض
~~(5).
# وأجيب بتقييد الأول وجعله مؤتمنا لذوي الأعذار، وعن الثاني بذلك، أو أنه
~~لتنبيه المتمكن على الاعتبار (6).
# وأما إذا حصل العلم به فلا إشكال.
# وربما يحمل على ذلك مثل صحيحة ذريح المحاربي عن الصادق عليه السلام:
# PageV02P185
# " صل الجمعة بأذان هؤلاء، فإنهم أشد شئ مواظبة على الوقت " (1) وفيه نظر.
# ومما ذكرنا يظهر عدم الاعتداد بإخبار الثقة عن علم أيضا إلا إذا أفاد
~~العلم، ويمكن الاعتماد على الثقتين. هذا إذا تمكن من تحصيل العلم.
# وأما إذا لم يتمكن، فالمشهور المدعى عليه الاجماع (2) جواز العمل على
~~الأمارات الظنية، لظواهر الروايات، مثل رواية أبي الصباح الواردة في
~~الإفطار (3)، لعدم القائل بالفصل، وصحيحة زرارة، وموثقة أبي بصير، ورواية
~~إسماعيل بن رباح الآتيات (4) وغيرها (5).
# وعن ابن الجنيد عدمه (6)، للأصل السابق، ولرواية علي بن جعفر السابقة.
# وأنت خبير بأن العام لا يقاوم الخاص، فالأقوى المشهور، والأحوط تحصيل
~~اليقين.
# وأما إذا انكشف فساد ظنه، فإن تبين وقوعها قبل الوقت بأجمعها فيعيد
~~إجماعا، ولصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: في رجل صلى الغداة بليل، غره
~~من ذلك القمر، ونام حتى طلعت الشمس، فأخبر أنه صلى بليل، قال: " يعيد صلاته
~~" (7).
# وموثقة أبي بصير عن الصادق عليه السلام: " من صلى في غير وقت
# PageV02P186
# فلا صلاة له " (1).
# وإن ظهر دخول الوقت في البين ولو قبل التسليم فالأكثر على الصحة، وهو
~~الأقوى، لأن الأمر يقتضي الاجزاء، ولصحيحة ابن أبي عمير، عن إسماعيل بن
~~رباح، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت ولم
~~يدخل الوقت فدخل الوقت وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك " (2).
# وعن السيد (3) وجماعة (4) وجوب الإعادة، تمسكا بموثقة أبي بصير، وضعف
~~الرواية لجهالة إسماعيل، ولعموم ما دل على وجوب أداء الصلاة في الوقت (5)
~~ولم يحصل الامتثال.
# وفيه: أن الموثقة لا تدل ms0372 على أن ما لم يصل في الوقت فهو باطل، بل إنما
~~تدل على أن من صلى في غير الوقت فصلاته باطلة. ومع التسليم فنخصصها برواية
~~إسماعيل.
# ولا وجه لتضعيفها، بل هي قوية، لمكان ابن أبي عمير، واعتضادها بالعمل
~~ونفي الحرج، مع أن الأمر يقتضي الاجزاء.
# والعمومات مع أنها قد انقطعت بما دل على جواز العمل بالظن فهي مخصصة
~~بالرواية، وبقاء الأمر الأول بعد الثاني ممنوع.
# ودعوى الاستصحاب مع ظهور وحدة التكليف ممنوعة.
# ودعوى العرفية العامة في الأمرين بأن يقال: تجب الصلاة في الوقت ما دام
~~يمكن تحصيل العلم وإن كان بعد الفصل بالصلاة المذكورة، ممنوعة، بل غاية
~~القضية
# PageV02P187
# هي المطلقة، وهي مقطوعة بالمطلقة الأخرى، وهو جواز فعلها بظن الوقت. وقد
~~حققنا هذه القاعدة في القوانين المحكمة.
# وإذا ظن ضيق الوقت إلا عن العصر أو العشاء فصلاها ثم ظهر بقاء الوقت، فهل
~~يعيد الثانية بعد الأولى في الوقت لو وسعهما، أو يكتفي بالأولى بعدها؟
# وهل يكتفي بالأولى إذا لم يسع الوقت إلا لها، أو يعيد الثانية ثم يقضي
~~الأولى، أم يعدل بنيته إلى الأولى ثم يفعل الثانية؟ فيها وجوه واحتمالات
~~يظهر وجهها مما تقدم ومما يأتي.
# ولعل الأظهر الاكتفاء بها عن الثانية، لأن الأمر يقتضي الاجزاء، ويفعل
~~الأولى أداءا إن كان في الوقت المشترك على المشهور، وقضاءا إن كان في
~~المختص، والأحوط عدم نية القضاء والأداء، بل لو فعل أربعا من دون تعيين
~~الظهر والعصر لكفى.
# السابع: من تمكن من تحصيل الشرائط المفقودة وركعة من الصلاة في آخر الوقت
~~لزمه أداؤها، بمعنى أنه وقت له لا بمعنى أنه أداء في الوقت المعهود لمطلق
~~تلك الصلاة، بل هو حكم منفرد مستفاد من النصوص الواردة في ذلك.
# فظهر بطلان الأقوال الثلاثة: بكونها أداءا، أو قضاءا، أو بعضها أداء
~~وبعضها قضاء، كما لا يخفى.
# والأصل في المسألة الأخبار الكثيرة من الطرفين، مثل قوله صلى الله عليه
~~وآله:
# " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (1).
# وفي آخر: " من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك ms0373 الوقت " (2).
# وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " فإن صلى ركعة من الغداة ثم
# PageV02P188
# طلعت الشمس فليتم الصلاة وقد جازت صلاته " (1) وتؤدي مؤداها رواية الأصبغ
~~بن نباتة (2).
# والأظهر تحقق الركعة بالرفع عن السجدة الثانية، واحتمل في الذكرى
~~الاجتزاء بالركوع (3)، وهو بعيد.
# وكيف كان فأصل المسألة إجماعي.
# ويترتب عليها أنه لو أدرك الشرائط المفقودة وخمس ركعات قبل الغروب لزمه
~~الفرضان، وأفتى به الأصحاب (4).
# وكذلك لو أدرك ذلك قبل انتصاف الليل.
# وأما لو أدرك مقدار أربع قبل الانتصاف فقالوا: إنه يختص بالعشاء (5) وإن
~~أمكن حينئذ إدراك ركعة من العشاء في الوقت، لعدم وقوع المغرب حينئذ في
~~وقتها إلا على مذهب الصدوق (6).
# والتحقيق عندي: لزوم الفرضين حينئذ على المشهور أيضا، لأن غاية ما يستفاد
~~من الأخبار ويدل على مذهب المشهور اختصاص الأول بالظهر بمقدار صلاة الظهر،
~~وكذلك الآخر بالنسبة إلى العصر، وأما تعيين مقدار الأربع ركعات فكلا.
# وصلاة الظهر والعصر تختلفان باختلاف المكلفين السالمين والمعذورين،
~~والحاضرين والمسافرين، والواجدين للماء وغيره من الشرائط والفاقدين، أتراك
~~أن تقول إذا بقي للغروب مقدار أربع ركعات للمسافر فلا يصلي إلا العصر
~~حينئذ؟!
# فحينئذ نقول: إن صلاة المضطر هي ما يكون ركعة منها في الوقت المعهود
# PageV02P189
# ويستتبع الباقي في خارجه بدلالة تلك النصوص المتقدمة، ولا مخصص لعمومها.
# وأما رواية داود بن فرقد الناصة على اختصاص مقدار الأربع من الطرفين
~~بالظهر والعصر (1)، فمع تسليمها وقطع النظر عن ورودها مورد الغالب، فلا
~~تضرنا، إذ نحن نقول فيه بالاختصاص بالعصر.
# ومما يدل على ورودها مورد الغالب حكاية المسافر وعدم جواز اقتصاره على
~~العصر حينئذ.
# مع أن صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السلام فيمن نام أو نسي أن يصلي
~~المغرب والعشاء الآخرة واستيقظ قبل الفجر، قال: " فإن خاف أن تفوته إحداهما
~~فليبدأ بالعشاء " (2)، وكذلك رواية الحلبي (3) مع انضمامها إلى النصوص
~~السابقة تفيد ذلك، فإن خوف الفوت فيما نحن فيه مع التنصيص بعدمه لمن أدرك
~~ركعة منها كما ترى.
# وبعد ملاحظة ما سبق منا في معنى الأداء في صدر البحث مع التأمل ms0374 فيما
~~ذكرناه في ذيل التحقيق يعرف أنه لا محصل للنزاع في أن مقدار الثلاث ركعات
~~للظهر في الأولى والاثنان للمغرب في الثانية هل هو مختص بالأوليين، أو
~~الثانيتين وتزاحمهما الأوليان، ولا للثمرة التي ذكرها بعضهم من لزوم وجوب
~~العشاءين لو بقي مقدار الأربع على الأول، والاكتفاء بالعشاء على الثاني
~~(4). مع أن هذه الثمرة إنما يصح ترتبها إذا قيل بجواز الشروع في المغرب
~~حينئذ، ومفروضهم عدم الجواز، فاضبط ما ذكرناه واغتنم.
# وأما لو أدرك شيئا من الصلاة في أول الوقت فلا يكفي، وإنما يجب عليه
# PageV02P190
# القضاء لو أدرك مقدار ما يتم فيه الصلاة مع شرائطها المفقودة، للأصل،
~~والأخبار المستفيضة المعتبرة فيهما (1).
# ولا تجري النصوص السابقة فيما نحن فيه، لإمكان استتباع تتمة الصلاة في
~~آخر الوقت، بخلاف الأول، فإن عدم الحيض مثلا شرط للصلاة، سيما مع ورود النص
~~بذلك أيضا فيما طرأ في الأثناء في الأخبار (2).
# وعن ظاهر المرتضى والصدوق وابن الجنيد كفاية إدراك أكثر الصلاة (3)، ولا
~~يحضرني الآن ما يدل عليه.
# الثامن: من نسي الظهر أو المغرب واشتغل بالعصر أو العشاء، فإن ذكر وهو في
~~الصلاة فيعدل بنيته، بمعنى أنه ينوي أن هذه الصلاة بأجمعها ما مضى منها وما
~~بقي هي الصلاة السابقة. وهو المعروف من مذهب الأصحاب المدعى عليه الاجماع
~~(4)، المنصوص عليه في الصحاح وغيرها (5).
# والمشهور أن ذلك يجوز ما لم تحصل زيادة ركن، فيجوز العدول من العشاء إلى
~~المغرب ما لم يركع للرابعة. وعن المنتهى ما لم يزد واجبا (6)، والأول هو
~~الموافق للأصل والإطلاقات.
# والظاهر أنه لا فرق في ذلك بين الحاضرة والفائتة، بل يجوز العدول من
~~الحاضرة
# PageV02P191
# إلى الفائتة أيضا، ففي صحيحة زرارة ما يدل على العدول من المغرب إلى
~~العصر لو ذكرها وهو فيها، وكذلك من الفجر إلى العشاء (1)، ويجئ تمام الكلام
~~في موارد العدول.
# وأما لو ذكر بعد الفراغ فيكفي عن الأخيرة ويأتي بالأولى بعدها، كما في
~~الأخبار، منها صحيحة زرارة: " وإن كنت صليت العشاء الآخرة ونسيت المغرب فقم
~~فصل المغرب " (2).
# وصحيحة صفوان: وقد سأله عن ms0375 رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس وقد كان صلى
~~العصر، قال: " إن أمكنه أن يصليها قبل أن تفوت المغرب بدأ بها، وإلا صلى
~~المغرب ثم صلاها " (3).
# ولكنهم ذكروا أن ذلك إذا وقعت الأخيرة في الوقت المشترك بناءا على ما
~~اختاروا من اختصاص أول الوقت بالأولى، وأما على مذهب الصدوق فيكفي مطلقا.
# قلت: هذه الأخبار مطلقة، فتشمل الوقت المختص أيضا، إلا أن يقال: إن
~~الظاهر منها الوقت المشترك، لكمال بعد فعل الثانية في أول الوقت نسيانا.
# والحق أن ذلك تعبد، لأجل هذه الأخبار، وإلا فلا دلالة لاشتراك الوقت
~~بينهما - على ما هو مفاد أدلتهم - على كفايته في صورة النسيان، فإن تقديم
~~إحداهما على الأخرى معتبر وملحوظ في تلك الأخبار، وهو من أحكام الوضع.
# وحينئذ نقول: موثقة أبي بصير (4) وما في معناها (5) الدالة على أنه لا
~~صلاة لمن
# PageV02P192
# لم يصل في الوقت، منضما إلى الأخبار الدالة على اعتبار تقديم الأولى على
~~الثانية في جميع الوقت (1)، المقتضية للاختصاص في الطرفين، يقتضي وجوب
~~الإعادة إذا تقدمت الأخيرة، خرجنا عن مقتضاها بتلك الأخبار فيما هو ظاهر
~~فيها، وهو غير أول الوقت، وبقي الأول تحت المنع.
# ثم إن في صحيحة زرارة قال: " إن نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت
~~في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثم صل العصر، فإنما هي أربع مكان
~~أربع " (2) وتؤدي مؤداها صحيحة الحلبي (3).
# ولا يبعد العمل عليها في خصوص الظهرين. وقد أولها الشيخ بما تذكرها قريبا
~~من الفراغ (4).
# وعلى تقدير العمل فالظاهر عدم الفرق بين ما لو كان في الوقت المختص أو
~~غيره.
# التاسع: إذا حصلت الآية في وقت فريضة حاضرة قدمت المضيقة إجماعا، وإن
~~تضيقتا قدمت الحاضرة بلا خلاف، كما صرح به في الذكرى (5)، وتدل عليه
~~الصحيحتان الآتيتان وغيرهما، وعموم ما دل على كونها أهم.
# ولو توسعتا فالمشهور التخيير، للأصل.
# وعن الصدوق تقديم الحاضرة وجوبا (6)، لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما
# PageV02P193
# عليهما السلام: عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة، فقال: " ابدأ بالفريضة "
~~(1).
# وحملت على الاستحباب جمعا بينها وبين صحيحة ms0376 محمد بن مسلم ويزيد بن معاوية
~~عنهما عليهما السلام، قالا: " إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلها ما
~~لم تتخوف أن يذهب وقت الفريضة، فإن تخوفت فابدأ بالفريضة واقطع ما كنت فيه
~~من صلاة الكسوف، فإذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت واحتسب بما
~~مضى " (2).
# ثم إن وجوب القطع لا ريب فيه، للإجماع نقله في المدارك (3)، ولخصوص هذه
~~الصحيحة وغيرها من الأخبار الصحيحة (4).
# وأما البناء على ما مضى فهو مذهب الأكثر، للأخبار الصحيحة (5).
# وعن المبسوط وجوب الاستئناف (6) واختاره في الذكرى تحصيلا لليقين (7)،
~~والأقوى الأول.
# تنبيه:
# ولم يعلم ضيق الآية كأول الانكساف إذا لم يعلم من الخارج بالحال فعلى
~~اعتبار سعة الانكساف للصلاة الأصل عدم الوجوب حتى يعلم ذلك، فيجوز تقديم
~~الحاضرة الموسعة أيضا.
# وعلى عدمه - كما رجحنا سابقا - فيشكل الأمر، من جهة أصالة عدم وجوب
# PageV02P194
# الفور، ومن جهة توقف براءة الذمة على البدار، والأحوط تقديمه على الحاضرة
~~حينئذ مع توسعة وقتها.
# العاشر: المشهور تحريم النافلة في وقت الفريضة غير الرواتب، لعموم
~~الروايات المستفيضة، مثل صحيحة زرارة المروية في الذكرى في مباحث الفوائت
~~عن الباقر عليه السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا دخل
~~وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة " (1) الحديث.
# وصحيحته الأخرى المروية في التهذيب، وفي آخرها: " ولا يتطوع بركعة حتى
~~يقضي الفريضة " (2).
# ورواية محمد بن مسلم (3)، ورواية أديم بن الحر عن الصادق عليه السلام:
# " لا يتنفل الرجل إذا دخل وقت الفريضة " قال، وقال: " إذا دخل وقت
~~الفريضة فابدأ بها " (4) إلى غير ذلك من الروايات، خرج من عمومها النوافل
~~الرواتب وبقي الباقي.
# والأولى حمل تلك الأخبار على الكراهة وتعميمها للرواتب كما يظهر من جماعة
~~من المتأخرين (5) مع تخصيص الوقت بوقت الفضيلة.
# ويستفاد ذلك من ملاحظة مجموع الروايات مثل حسنة محمد بن مسلم قال، قلت
~~لأبي عبد الله عليه السلام: إذا دخل وقت الفريضة أتنفل أو أبدأ بالفريضة؟
~~فقال: " إن الفضل أن تبدأ بالفريضة، وإنما أخرت الظهر ذراعا من عند الزوال
~~من ms0377
# PageV02P195
# أجل صلاة الأوابين " (1).
# وصحيحة زرارة المتقدمة في وقت نافلة الفجر المشتملة على المقايسة (2) وما
~~في معناها (3).
# وقد مرت الأخبار الدالة على وسعة وقت النافلة وأنها بمنزلة الهدية قبلت
~~متى أتيت بها (4).
# وظهر من ملاحظة الأخبار المتقدمة في مباحث الأوقات أن تلك التحديدات
~~للمتنفلين، مثل صحيحة زرارة قال، قال لي: " أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟
~~" قال، قلت: لم؟ قال: " لمكان الفريضة، لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن
~~يبلغ الفئ ذراعا، فإذا بلغ الفئ ذراعا بدأت بالفريضة وتركت النافلة " (5).
# فبملاحظة تلك الروايات منضما إلى الأخبار المانعة تظهر كراهة الرواتب بعد
~~خروج أوقاتها المحدودة أيضا.
# وتؤيده رواية منهال قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوقت الذي لا
~~ينبغي لي إذا جاء الزوال، قال: " الذراع إلى مثله " (6).
# والظاهر أن المراد بالزوال نافلته.
# وموثقة سماعة عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يأتي المسجد وقد صلى
~~أهله، أيبتدئ بالمكتوبة أو يتطوع؟ فقال: " إن كان في وقت حسن فلا بأس
~~بالتطوع قبل الفريضة، وإن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ
~~بالفريضة،
# PageV02P196
# وهو حق الله، ثم ليتطوع بما شاء " (1).
# وفي تتمة هذه الرواية في الكافي وفي غيرها من الروايات الفرق بين الجماعة
~~والمنفرد، وأن الأفضل للمنفرد تقديم الفريضة.
# ويظهر منها عدم كراهة المبادرة بالنافلة في وقت فضيلة الفريضة أيضا إذا
~~كان منتظرا للجماعة (2).
# ويؤيد ما ذكرنا أيضا صحيحة زرارة المروية في الذكرى، فإن في آخرها في
~~حكاية فعل رسول الله صلى الله عليه وآله من قضاء النافلة قبل قضاء فريضة
~~الفجر حين نام عنها، فقد قال الباقر عليه السلام تعليما لزرارة في رد حكم
~~ابن عتيبة وأصحابه حيث ردوا عليه ذلك وأخذوا عليه بالتناقض حيث روى ذلك بعد
~~ما روى ما ذكرنا في أول الحديث، فقال: " يا زرارة، ألا أخبرتهم أنه قد فات
~~الوقتان " (3).
# وبالجملة الحكم بالحرمة في غاية الإشكال إلا ما كان مفوتا للفريضة رأسا،
~~فإن أردت حمل أخبار المنع على التحريم فلا بد من إرادة ذلك.
# وفي ms0378 نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " لا قربة
~~بالنوافل إذا أضرت بالفرائض " (4).
# وقال عليه السلام: " إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها " (5).
# والكلام في جواز النافلة لمن كان عليه قضاء فريضة أيضا مثل ذلك وسيأتي.
# PageV02P197
# الحادي عشر: المشهور كراهة النافلة المبتدأة عند طلوع الشمس، وعند
~~غروبها، وعند قيامها، وهو وصولها إلى دائرة نصف النهار أو ما قاربها، وبعد
~~صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر.
# وعمم الشيخ الكراهة في النهار عند الطلوع والغروب، ولم يفرق بين ذات
~~السبب وغيرها (1).
# وعن الخلاف: عدم الفرق بين الصلوات والبلاد فيما نهي لأجل الوقت، إلا يوم
~~الجمعة، فيصلي النوافل عند قيامها فيها، وفرق فيما بعد صلاة الصبح والعصر
~~بين ذات السبب وغيرها، فخص الكراهة بالثانية (2).
# وذهب السيد في المسائل الناصرية إلى عدم الجواز (3).
# ونسب إلى الصدوق التوقف في هذا الحكم (4). والظاهر أنه ليس كذلك، بل رجح
~~عدم الكراهة، بل صرح في الخصال بذلك (5) كما يظهر من الوسائل (6)، وهو
~~مختار جماعة (7)، وهو الأقوى عندي.
# والأخبار الواردة من الطرفين في المنع عن ذلك محمولة على التقية، كما
~~حملها الشيخ أيضا (8)، فإن ذلك مذهب العامة.
# ويدل على ذلك ما رواه الصدوق في الفقيه عن محمد بن عثمان العمري
# PageV02P198
# رضي الله عنه، وفي كتاب إكمال الدين في الصحيح عنه عن صاحب الدار عليه
~~السلام: " وأما ما سألت عنه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فلئن
~~كان كما يقول الناس: إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني
~~الشيطان، فما أرغم أنف الشيطان بشئ أفضل من الصلاة، فصلها وأرغم أنف
~~الشيطان " (1).
# وهناك أخبار كثيرة معتبرة مصرحة بجواز ما فات من الصلاة في كل ساعة، وفي
~~الساعات كلها، منها صحيحة زرارة (2)، وفي بعضها خصوص النافلة (3)، وفي كثير
~~منها التصريح بجواز قضاء النوافل بعد الظهر والعصر، وعند طلوع الشمس، وعند
~~غروبها (4).
# وروى في الخصال عدة أخبار عن عائشة في أن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم لم يترك صلاة ركعتين بعد العصر حتى لقي الله عز وجل، وفي بعضها ms0379 بعد
~~الغداة وبعد العصر، وقال: مرادي من إيراد هذه الأخبار الرد على العامة،
~~لأنهم لا يرون بعد العصر وبعد الغداة صلاة (5).
# ومستند المشهور في التفصيل حمل المطلقات على المقيدات، للجمع بينها وبين
~~تلك الأخبار.
# وأما غيرها من ذوات الأسباب، فلعموم ما دل على رجحانها، فإن النسبة بينها
~~وبين تلك الأخبار وإن كانت عموما من وجه، لكن الترجيح لإبقاء عموم ذوات
# PageV02P199
# الأسباب، لتطرق التخصيص إلى هذه الأخبار في الجملة، ولاعتضاد تلك
~~العمومات بعموم رجحان مطلق الصلاة وغير ذلك.
# ويظهر جوابه مما مر، سيما وما رواه في الخصال يثبت المبتدأة أيضا.
# وكيف كان فالأظهر عدم الكراهة مطلقا، ويظهر دليل سائر الأقوال وجوابه من
~~التأمل فيما ذكرنا. PageV02P200
# المقصد الثاني في مكان المصلي وفيه مباحث:
# الأول: تجوز الصلاة في كل مكان مباح من مسجد، أو مملوكة عينه أو منفعته
~~كالمستأجر والمحتبس والموصى بمنفعته ونحوها.
# ومأذون فيه صريحا، مثل " صل فيه ". أو فحوى، كإدخال الضيف في المنزل، أو
~~بشاهد الحال بأن يحصل له العلم برضا المالك بسبب القرائن المفيدة له،
~~كالصحراء الخالية من الزرع التي لا يتضرر صاحبها بذلك أصلا على ما يظهر من
~~كثير من عباراتهم.
# فلا يكفي الظن " لا يحل مال امرئ مسلم إلا من طيب نفسه " كما روي عنه صلى
~~الله عليه وآله في عدة أخبار، منها ما رواه في الكافي في الحسن لإبراهيم بن
~~هاشم (1).
# أقول: ولا يبعد الاكتفاء بالظن كما أشرنا إليه في ماء الوضوء.
# PageV02P201
# ولا تجب معرفة المالك وتعيينه، بل قيل: إنه لا يضر في ذلك كونه لمولى
~~عليه أيضا (1)، تمسكا بأن التصرف الذي لا يحصل له ضرر أصلا يجوز للمولى،
~~ومنه إذنه في الصلاة فيما نحن فيه، فشهادة الحال برضا الولي تكفي في ذلك،
~~وإن كان هو الإمام.
# مع أنه لا تبعد دعوى أن في جميع الأراضي حق صلاة للمكلفين بمقتضى استصحاب
~~الإباحة الأصلية التي لم يعلم زوالها في خصوص ذلك، وبمقتضى بعض الروايات
~~التي يستفاد ذلك منها، ومن جملتها الأخبار المستفيضة الدالة على أن الأرض
~~كلها جعلت ms0380 مسجدا وطهورا لنبينا صلى الله عليه وآله وأمته (2)، وسيجئ بعضها،
~~خرج عنه ما خرج من المغصوب صريحا، وبقي الباقي.
# ولذلك ذهب بعض المتأخرين مع قوله بعدم اجتماع الأمر والنهي إلى صحة
~~الصلاة في المكان المغصوب (3).
# ويمكن الإشكال في دلالة تلك الأخبار بأن الظاهر منها أنه لا يجب عليهم
~~الصلاة في المساجد والمواضع الخاصة كما كان لسائر الأمم.
# والمشهور بين الأصحاب بطلان الصلاة في المكان المغصوب، أعني الغير
~~المأذون فيه بأحد الوجوه المتقدمة، وادعى عليه الاجماع السيد المرتضى في
~~المسائل الناصرية وصاحب المدارك (4)، وهو الظاهر من العلامة حيث أسنده إلى
~~علمائنا (5)، والشهيد حيث أسنده إلى الأصحاب (6).
# ويشكل ذلك مع فتوى الفضل بن شاذان من القدماء بالصحة (7)، ويظهر من
# PageV02P202
# كلامه أن ذلك كان مشهورا بين القدماء كما فهمه العلامة المجلسي أيضا (1).
# الظاهر أن مستندهم في الحكم هو استحالة اجتماع الأمر والنهي، وأن اتفاقهم
~~على ذلك أيضا مستند إليها، ويشهد به اتفاقهم على الصحة إذا كان جاهلا
~~بالغصب كما صرح في المدارك، معللا بأن البطلان تابع للنهي، وهو إنما يتوجه
~~إلى العالم (2).
# وقد حققنا في الأصول عدم استحالته.
# وليس في الأخبار ما يدل عليه.
# وقول أمير المؤمنين عليه السلام لكميل: " يا كميل انظر فيما تصلي، وعلى
~~ما تصلي، إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول " كما روي في تحف العقول وبشارة
~~المصطفى صلى الله عليه وآله (3)، وكذلك قول الصادق عليه السلام: " لو أن
~~الناس أخذوا ما أمرهم الله به فأنفقوه فيما نهاهم عنه ما قبله منهم، ولو
~~أخذوا ما نهاهم عنه فأنفقوه فيما أمرهم الله ما قبله منهم حتى يأخذوه من حق
~~وينفقوه في حق " (4) فتتوقف دلالته على اتحاد القبول والإجزاء، وهو ممنوع.
# وأما قوله عليه السلام في نهج البلاغة: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
~~" (5) فهو أيضا لا يدل على ذلك كما فهمه ابن ميثم وقال: وذلك كالتقرب في
~~الوضوء بالماء المغصوب والصلاة في الدار المغصوبة، والنفي هنا لذات الطاعة
~~الشرعية كما هو مذهب أهل البيت عليهم السلام، وعند الشافعي يحمل ms0381 على نفي
~~الفضيلة (6)، انتهى.
# PageV02P203
# وذلك لأن الظاهر منه أنه لا تجوز إطاعة المخلوق كالوالد في معصية الخالق
~~كما في قوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على
~~أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ (1).
# وبالجملة أدلة المشهور لا تخلو من ضعف، بل ليس لهم دليل إلا شبهة
~~الاجماع، فإن ثبت فهو، وإلا فالأقوى قول الفضل بن شاذان، للأصل،
~~والإطلاقات، وقوله صلى الله عليه وآله في الأخبار الكثيرة: " جعلت لي الأرض
~~مسجدا وطهورا " (2).
# وفي المحاسن عنه صلى الله عليه وآله: " الأرض كلها مسجد إلا الحمام " (3)
~~وبعض تلك الأخبار صحيحة.
# وروى الشيخ في القوي، عن عبيد بن زرارة، عن الصادق عليه السلام:
# " الأرض كلها مسجد إلا بئر غائط أو مقبرة أو حمام " (4).
# وفي المعتبر عنه صلى الله عليه وآله: " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها
~~طهورا، أينما أدركتني الصلاة صليت " (5).
# ولا وجه لتوهم اختصاصه به صلى الله عليه وآله، لما يظهر من رواية أبان بن
~~عثمان المروية في الكافي (6).
# ومع ملاحظة ذلك مضافا إلى أن القضاء بفرض جديد يشكل الحكم بوجوب الإعادة
~~والقضاء فيما لو صلى في المغصوب، سيما في كثير من الفروع التي تشكل دعوى
~~الاجماع فيها، وسيجئ بعضها، ولكن الاحتياط مما لا ينبغي تركه.
# وإذا عرفت أن المعيار في الحكم هو اجتماع الأمر والنهي فيتفرع عليه أن
~~المعتبر
# PageV02P204
# هو المغصوبية بالنسبة إلى تصرف المصلي، أي المعيار حرمة تصرف المصلي،
~~فتجوز الصلاة في الدار المغصوبة إذا شهد الحال برضا المالك بها، وإذا جهل
~~المصلي بالغصب، وإذا نسيها.
# ولقد أفرط في القول من قال بعدم صحة صلاة المالك فيها أيضا لصدق عنوان
~~الغصب (1)، وهو بظاهره لا يليق بأنظار العلماء.
# وأما مع جهل الحكم فالمشهور أنه غير معذور، وهو كذلك إذا علم إجمالا
~~بالشريعة وأحكامها، وقصر في تحصيل تفاصيلها كما حققناه في محله.
# والظاهر أن صورة النسيان للغاصب أيضا كذلك إذا كان مستمرا على الغصب غير
~~تائب عنه، لعدم استحالة مثل هذا التكليف بالمحال، لكونه هو الباعث عليه. ms0382
# ويظهر من جميع ما ذكرنا حكم المضطر، كالمحبوس في المغصوب، أو المجبور على
~~الصلاة فيه، والظاهر عدم الإشكال في الثاني.
# وأما الأول فيمكن الإشكال في أن الكون المضطر إليه غير الأكوان الخاصة
~~للصلاة، فيقتصر عليه ويومئ للركوع والسجود ونحوهما.
# ويمكن القول بشهادة الحال عن الله تعالى، إذ هو المجيز حينئذ في التصرف.
# والتحقيق أنه إن لم يتصور في تفاوت الأكوان الصلاتية - ومنها التيمم إذا
~~احتاج إليه - ضرر على المالك فلا مانع منه.
# وتوضيحه: أن يفرض المالك مجيزا للكون في البيت اختيارا، فإن استلزمت
~~إجازته تلك رضاه بالصلاة فتجوز، وإلا فلا.
# قالوا: وإذا ضاق الوقت وهو آخذ في الخروج صحت صلاته، لأنهما حقان مضيقان،
~~فيجب الجمع بينهما بحسب الإمكان، بأن يخرج بما يكون أقل ضررا فلا معصية
~~عليه، للزوم التكليف بالمحال، فتصح صلاته (2).
# PageV02P205
# أقول: وهذا إنما يسلم إذا علم بالغصب حين التضيق، وأما قبله فلا، لعدم
~~استحالة التكليف بالمحال حينئذ كما بينا.
# ولو دخل بإذن المالك، ثم أمره بالخروج، فيجب، ولا تجوز بعده الصلاة. فعلى
~~المشهور تبطل لو صلى والحال هذه، وإن ضاق الوقت فيصلي وهو خارج سالكا ما
~~يقل الإضرار.
# وإن تلبس بالصلاة ثم أمره بالخروج ففي قطعها مع السعة وخروجه متشاغلا مع
~~الضيق عملا بمقتضى الحقين، والإتمام مع الاستقرار للاستصحاب وأن الصلاة على
~~ما افتتحت عليه، والتفصيل بأن الإذن إن كان صريحا فيستمر، والعمل على الوجه
~~الأول إن كان مطلقا أقوال، أظهرها أوسطها، وإن كان الأول أيضا لا يخلو من
~~قوة.
# تنبيهان:
# الأول: لا يزول شاهد الحال بطرآن الغصب على الأرض كما مر في الماء كما
~~صرح به السيد في الصحراء، للاستصحاب (1). والأولى تخصيص ذلك بغير الغاصب
~~كما قيل (2)، عملا بالظاهر من ملاحظة غالب الأحوال.
# الثاني: إن حكم المشهور إذا كان مبتنيا على المسألة الأصولية، فالحكم
~~يدور مع ما استلزمته الصلاة من التصرف، فالمراد بالمكان المغصوب ما يستقر
~~عليه المصلي ولو بالوسائط، والفراغ الذي يشغله شئ من بدن المصلي. فلا مانع
~~من وضع ثوب مغصوب بين مسجد الجبهة والركبتين ms0383 حال السجود إذا لم يلاصقه بدن
~~المصلي.
# فحرمة السقف والجدران فقط لا تضر.
# وفي السطح المباح القائم على الجدارين المغصوبين إشكال.
# PageV02P206
# الثاني: لا خلاف في وجوب طهارة محل الجبهة، وادعى عليه الاجماع جماعة من
~~الأصحاب (1)، ومخالفة الراوندي وابن حمزة لو ثبتت في خصوص ما جففته الشمس
~~(2) لا تضر، وتنبه عليه صحيحة الحسن بن محبوب المتقدمة في مطهرية النار
~~(3).
# والأشهر الأقوى عدم اشتراط طهارة سائر المساجد والمواضع ما لم تكن
~~متعدية، للأصل، والإطلاقات، والأخبار الصحيحة المستفيضة (4).
# وموثقة ابن بكير عن الصادق عليه السلام: عن الشاذكونه يصيبها الاحتلام،
~~أيصلى عليها؟ فقال: " لا " (5) مع معارضتها بصحيحة زرارة (6) وقوية ابن أبي
~~عمير (7) في الشاذكونه بعينها لا تعارض ما تقدم، فتحمل على الاستحباب، أو
~~على المتعدية، أو على موضع الجبهة. ويقربه كون الشاذكونه مثل الخمرة سجادة
~~صغيرة من سعف النخل كما في المغرب، ولكن فيه أيضا: وفراش ينام عليه (8).
# وذهب السيد إلى اشتراط طهارة المكان كله (9)، وأبو الصلاح إلى اشتراط
~~طهارة
# PageV02P207
# المساجد السبعة (1)، ولم نقف لأبي الصلاح على مستند.
# وربما يستدل (2) لقول السيد بما ورد من النهي في مظان النجاسة، كالمجزرة
~~والحمام والمزبلة (3)، وربما يوجه ذلك بأنه إذا كان مع المظنة مكروها فمع
~~اليقين يحرم، وهو كما ترى.
# والأظهر أن النجاسة المتعدية إذا كانت معفوة عنها في الثوب والبدن فلا
~~تضر، لعدم زيادة حكمها على ما لو كانت على الثوب والبدن. ونقل فخر المحققين
~~عن والده الاجماع على اشتراط خلو المكان عنها أيضا (4)، وهو بعيد.
# الثالث: تستحب للرجل الصلاة في المسجد مؤكدا، إلا ما استثني، كالعيدين في
~~غير مكة كما مر، وهو إجماعي منصوص عليه بالأخبار المستفيضة المعتبرة (5).
# وتتأكد في المسجد الحرام، وهو أفضل من غيره، ثم مسجد النبي صلى الله عليه
~~وآله، ثم مسجد الكوفة، ثم الأقصى، ثم الجامع من كل مصر، ثم مسجد القبيلة،
~~ثم مسجد السوق.
# وقد تتفاوت المساجد غير الأربعة بفضائل أخرى، كمسجد السهلة. وغيرها. وهذا
~~في الفريضة.
# وأما النافلة فالأكثرون على أن إيقاعها في البيت أفضل، لما روي عن النبي ms0384
~~صلى الله عليه وآله: " أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة "
~~(6). وغيرها
# PageV02P208
# من الأخبار المستفيضة المعتبرة (1). ويظهر من الفاضلين الاجماع على ذلك
~~(2).
# وذهب الشهيد الثاني إلى الاستحباب (3) للاطلاقات والخصوصات الصحيحة
~~وغيرها الواردة في ذلك أيضا، وهي أيضا كثيرة.
# منها ما ورد في فعل النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يفعل صلاة الليل في
~~المسجد كما رواه معاوية بن وهب في الموثق (4)، وصحيحة ابن أبي عمير المجوزة
~~لصلاة الفريضة والنافلة في مساجد المخالفين (5).
# ومنها ما روي في فضل مسجد الكوفة: " إن المكتوبة فيه تعدل ألف صلاة،
~~والنافلة تعدل خمسمائة " (6) وفي أخرى: " الفريضة فيها تعدل حجة، والنافلة
~~تعدل عمرة " (7) إلى غير ذلك (8).
# وربما يجمع بينها بحمل ما دل على رجحان فعلها في البيت على ما لو لم يأمن
~~من نفسه عن الرياء والوسواس، وإلا فالمسجد أفضل، سيما إذا رجا اقتداء الناس
~~به.
# وهو بعيد، بل يظهر من الأخبار المزية للفعل في البيت مع قطع النظر عن ذلك
~~أيضا، ففي رواية حريز المروية في الكافي عن الصادق عليه السلام، قال: "
~~اتخذ مسجدا في بيتك " (9) الحديث.
# PageV02P209
# وفي أخبار عديدة في المحاسن وقرب الإسناد منها الصحيح ومنها الموثق " إن
~~عليا عليه السلام كان يتخذ بيتا لصلاته في الليل (1).
# وفي مجالس ابن الشيخ بإسناده، عن أبي ذر، عنه صلى الله عليه وآله: في
~~وصيته له، قال بعد ما ذكر فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى
~~الله عليه وآله: " وأفضل من هذا كله صلاة يصليها الرجل في بيته حيث لا يراه
~~إلا الله عز وجل " إلى أن قال: " يا أبا ذر، إن الصلاة النافلة تفضل في
~~السر على الصلاة في العلانية كفضل الفريضة على النافلة " (2) الحديث، إلى
~~غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالة على فضيلة الإسرار بالنافلة (3).
# وبالجملة فدلالة هذه الأخبار على المطلوب أظهر، والرواية المروية عنه صلى
~~الله عليه وآله غير واضحة السند، وموثقة معاوية بن وهب أيضا ممنوعة
~~الدلالة، فإن الظاهر أن المراد من المسجد فيها هو مصلاه صلى الله عليه ms0385 وآله
~~في البيت بقرينة آخر الرواية: " ثم يستن ويتطهر ويقوم إلى المسجد فيوتر
~~ويصلي الركعتين، ثم يخرج إلى الصلاة ".
# وأما صحيحة ابن أبي عمير فهي لرفع توهم الحظر، فلا تفيد إلا الجواز.
# وأما ما ورد في مسجد الكوفة فهو مخصوص بمورده، أو يكون المراد منها
~~النوافل الموظفة لها، فإنها ليست من محل النزاع في شئ، وكذا ما وظف لسائر
~~المساجد من النوافل، وكذلك صلاة التحية لجميعها.
# وأما المرأة، فصلاتها في البيت أفضل على ما هو المعروف من الأصحاب،
~~المصرح به في الأخبار، منها حسنة هشام بن سالم: " صلاة المرأة في مخدعها
~~أفضل
# PageV02P210
# من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في الدار " (1).
# وفي أخبار عديدة: " خير مساجد نسائكم البيوت " (2).
# وفي مكارم الأخلاق عنه صلى الله عليه وآله: " صلاة المرأة وحدها في بيتها
~~كصلاتها في الجمع خمسا وعشرين درجة " (3).
# الرابع: أجمع العلماء على استحباب السترة، والظاهر أن السر في استحبابها
~~هو دفع مضرة المارة، فإنه أيضا مستحب للأخبار الكثيرة، مثل حسنة الحلبي عن
~~الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل أيقطع صلاته مما يمر بين يديه؟
# فقال: " لا يقطع صلاة المسلم شئ، ولكن ادرأ ما استطعت " (4) وفي معناها
~~موثقة ابن أبي يعفور (5).
# وموثقة أبي بصير عنه عليه السلام: " لا يقطع الصلاة شئ كلب ولا حمار ولا
~~امرأة، ولكن استتروا بشئ، فإن كان بين يديك قدر ذراع رافع من الأرض فقد
~~استترت " (6).
# وصحيحة أبي بصير عنه عليه السلام، قال: " كان طول رحل رسول الله صلى الله
~~عليه وآله ذراعا، وكان إذا صلى وضعه بين يديه يستتر به ممن يمر بين يديه "
~~(7) إلى
# PageV02P211
# غير ذلك من الأخبار (1).
# والظاهر أن المراد من دفع مضرة المارة والاستتار من المارة هو ما يعم دفع
~~ضررها بتوجه الخاطر إليها، وتشويش الحواس بسببها، ومانعيتها عن أفعال
~~الصلاة، وغير ذلك.
# فالمطلوب أولا وبالذات هو منعها من المرور مع الإمكان، ثم تقليل أذيتها
~~ولو بجعل شئ بينه وبينها، وسواء منعها عن الأذية ولو بسبب الالتفات بأن
~~يكون حاجزا ms0386 رأسا، أو لا، فيكون مثل العصا والعنزة والقلنسوة والخط تصويرا
~~للحاجز حسب ما أمكن تأديبا للنفس، وتذكيرا وتوجيها لها إلى مكان معين، حتى
~~لا تتفرق.
# وكأن ذلك تحديدا للنفس حتى لا يمر عليها شئ من الخواطر، فكما يستحب هذا
~~التحديد لئلا تمر المارة الظاهرية تجاه وجهه الظاهري، فكذا يكون تنبيها على
~~أنه لا بد أن لا يمر على خاطره شئ من الخواطر، فالمطلوب التحرز عن آفة
~~المارة الظاهرية والباطنية ولو بمثل الخط ونحوه.
# وعلى هذا فالحكمة في السترة باقية ولو أمن هناك من ورود مارة، ولذلك عم
~~استحبابها.
# ولذلك يكره المرور بين يدي المصلي أيضا، سواء كان له سترة أم لا، وحرمه
~~بعض العامة (2) لرواية أبي جهم الأنصاري: " لو يعلم المار بين يدي المصلي
~~ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه " (3).
# ثم إن الظاهر من هذه الأخبار استحباب التحرز عن آفة المارة، وقد يفهم
~~منها التسلط على الدفع بمعنى أنه لو قام المصلي في أرض مباحة الأصل يحصل له
# PageV02P212
# الأولوية في ذلك المكان حتى يحصل له هذا التسلط، حتى أن بعض العامة جوز
~~المدافعة والمقاتلة في المنع (1).
# وفرع على ذلك الإشكال في أن جواز الدفع وكراهة المرور بين يديه هل هو
~~مختص بمن استتر لأنه لم يقصر في حق نفسه ولم يضيعه حيث جعل لنفسه ما يحصل
~~له الحق، بخلاف من لم يجعل لنفسه ذلك، فإنه قد ضيع حق نفسه، فإن في بعض
~~الأخبار أنه لا تضر المارة بعد وضع السترة، مثل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه
~~عليه السلام: عن الرجل يصلي وأمامه حمار واقف، قال: " يضع بين يديه وبينه
~~قصبة أو عودا أو شيئا يقيمه بينهما ثم يصلي فلا بأس " (2)، أو مطلق، نظرا
~~إلى إطلاق حسنة الحلبي (3) وغيرها من الأخبار (4)؟
# قال في الذكرى: ويمكن أن يقال بحمل المطلق على المقيد، يعني أن تجويز
~~الدفع إنما هو للمستتر (5).
# أقول: وهو بعيد، إذ ظاهر الأوامر في هذه الأخبار رجحان المنع والتحرز عن
~~مضرتها، وهو ms0387 تابع لما ثبت جوازه، لا أن تلك الأخبار مثبتة للتسلط ومجوزة
~~للتصرف الموصوف، فيكون معناه: اختر مكانا للصلاة لا تتضرر فيه من المارة.
# ويؤيده ذكر الكلب والحمار وغيرهما، فإنه لا معنى لدفعهما بسبب الأولوية
~~والأحقية، بل المراد فعل ما يدفع به الضرر، فإبقاؤها على إطلاقها أحسن،
~~فإنك قد عرفت من ملاحظة الأخبار أن السترة أخفى أفراد الدرء والمنع، لا أنه
~~شئ مغاير لها ومباين لها.
# PageV02P213
# ويستحب الدنو من السترة للخبر النبوي صلى الله عليه وآله (1)، وقدره ابن
~~الجنيد بمربض شاة (2)، لخبر سهل الساعدي (3)، وفي صحيحة عبد الله بن سنان
~~في الفقيه حدد أقله بمربض شاة، وأكثره بمربط فرس (4).
# وتتحقق السترة بالقرب من الحائط والسارية، وبالعنزة، والرحل، والقلنسوة،
~~والكومة من التراب، وبخط يخطه بين يديه، كما ورد في الأخبار (5).
# والظاهر أن الخط يخط عرضا، وقال بعض العامة: طولا أو مدورا أو كالهلال
~~(6).
# ولا بأس بترك السترة في مكة كما يستفاد من حسنة معاوية بن عمار (7)
~~وغيرها (8)، لازدحام الناس فيها، وإن كان ذلك لا ينافي استحبابها.
# الخامس: المشهور بين المتأخرين أنه يكره لكل من الرجل والمرأة أن يصلي
~~بحذاء الآخر، سواء صلت بصلاته أم لا، أو تصلي المرأة قدام الرجل.
# وذهب الشيخان (9) وجماعة إلى التحريم والبطلان (10)، وادعى في الخلاف
~~عليه
# PageV02P214
# الاجماع (1)، واعتبر الجعفي في صحة صلاة من بحياله امرأة تصلي قدر عظم
~~الذراع (2).
# والأول أقرب، حملا للنهي الوارد في بعض الأخبار (3) على الكراهة، جمعا
~~بينها وبين الأخبار الصحيحة وغيرها المنافية لها، المصرحة بعضها بنفي البأس
~~مطلقا كصحيحة جميل (4)، وبعضها مقيدا بفصل لا يرضى به المحرمون (5)، لكونها
~~أصح وأكثر، ومعتضدة بالأصل والإطلاقات والعمومات ونفي العسر والحرج، وإشارة
~~بعض الأخبار إليه مثل أدائها بلفظ " لا ينبغي " (6).
# ومثل ما رواه في العلل في الصحيح، عن الفضيل عن الباقر عليه السلام، قال:
# " إنما سميت مكة بكة لأنها تبك " (7) فيها الرجال والنساء، والمرأة تصلي
~~بين يديك وعن يمينك وعن يسارك ومعك، ولا بأس بذلك، وإنما يكره في سائر
~~البلدان " (8) وغير ذلك مع اختلافها غاية الاختلاف في تحديد ms0388 الحاجز بينهما
~~الرافع للمرجوحية المشعر بالكراهة، المحمول على مراتبها.
# واحتج المحرمون بموثقة عمار عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن الرجل
~~يستقيم له أن يصلي وبين يديه امرأة تصلي؟ قال: " لا يصلي حتى يجعل بينها
~~وبينها أكثر من عشرة أذرع، وإن كانت عن يمينه وعن يساره جعل بينه وبينها
~~مثل ذلك، فإن كانت تصلي خلفه فلا بأس وإن كانت تصيب
# PageV02P215
# ثوبه " (1) وصحيحة محمد بن مسلم الآتية، وصحيحة علي بن جعفر (2).
# والجواب فيها: عدم وضوح دلالة الأخيرة، وحمل الأوليين على الكراهة، سيما
~~وصحيحة محمد بن مسلم تعطي عدم جواز صلاة المزاملين في المحمل وإن كان
~~بينهما ساتر، فلا بد من تقييدها بغيره، وذلك أيضا مما يوهنها.
# مع أن موثقة عمار لم يعمل بها المحرمون في تحديد الفصل، فإنهم اكتفوا
~~بالعشرة.
# وقد يتوهم أنه لا معارض للموثقة وما في معناها في صورة التقدم، فليعمل
~~على المنع فيها.
# وفيه: أنه لا قائل بالفصل، وقد مرت صحيحة الفضيل.
# وتدل عليه أيضا صحيحة ابن أبي يعفور: أصلي والمرأة إلى جنبي وهي تصلي؟
# فقال: " لا، إلا أن تتقدم هي أو أنت " (3) فإن الظاهر أن المراد التقدم
~~بالنفس لا بالصلاة، وفيه تأمل.
# ومما يؤيد ما ذكرنا اختلاف الأخبار الواردة في حد التقدم والتأخر، ففي
~~بعضها بشبر، وفي بعضها بصدر المصلي، وفي بعضها بجعل سجودها مع ركوعه، إلى
~~غير ذلك (4).
# ثم إن المرجوحية تزول بالحائل والفصل بمقدار عشرة أذرع، وادعى عليه
~~الاجماع في المعتبر (5)، ويدل عليه الأصل في الحائل أيضا، ولكن يشكل أمر
~~المحرمين نظرا إلى الموثقة (6).
# PageV02P216
# نعم روى الحميري في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام،
~~قال: سألته عن الرجل يصلي الضحى وأمامه امرأة تصلي بينهما عشرة أذرع، قال:
# " لا بأس، ليمض في صلاته " (1).
# والأحوط في التقدير إذا تقدمت ابتداؤه من موضع السجود، وإن احتمل اعتباره
~~من الموقف. وأما إذا كانت إلى جانبه فلا يتفاوت الأمر.
# قال في المدارك: ولو كان أحدهما على مرتفع بحيث لا يبلغ من موقف الآخر
~~إلى أساس ذلك ms0389 المرتفع عشرة أذرع، ولو قدر إلى موقفه إما مع الحائط مثلا أو
~~ضلع المثلث الخارج من موقفه إلى موقف الآخر بلغه ففي اعتبار أيها نظر،
~~ويحتمل قويا سقوط المنع مع عدم التساوي في الموقف (2)، انتهى.
# والأظهر ما قواه، لعدم تبادره من الأخبار، والأصل يعضده.
# والظاهر الاكتفاء بتقدم الرجل بمقدار شبر في رفع المرجوحية، وادعى
~~العلامة الاجماع عليه (3)، وهو مقتضى بعض الأخبار (4)، ومطابق للأصل
~~والإطلاقات المقتضية للتقدم.
# والأفضل تقدمه بجميع بدنه، ثم بأقل منه متنزلا إلى أن يبلغ الشبر.
# وظاهر الحائل أن يكون جسما، فلا تعتبر الظلمة والعمى وتغميض العين.
# وفي اعتبار المنع عن الرؤية وعدمه وجهان، لظهور الاعتبار بما ورد بلفظ
~~الستر مثل ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر (5)، وعدمه من صحيحة علي بن
~~جعفر عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل في مسجد حيطانه كوى كله
~~قبلته
# PageV02P217
# وجانباه وامرأته تصلي حياله يراها ولا تراه، قال: " لا بأس " (1) وهو
~~أيضا قرينة على الكراهة.
# ثم إن الحكم بفساد الصلاة بل وحرمتها إنما يتم إذا لم يعلم فساد أحدهما،
~~فإذا علم به فتصح صلاة الآخر إذا علم به قبل الشروع، إذ الفاسدة كالعدم،
~~وإلا فهو عاص بظنه غير ممتثل لربه - كمن جامع امرأة بمظنة الأجنبية -
~~فيبطل.
# ولو لم يعلم أحدهما بالآخر صحت صلاتهما إن علما بعد الفراغ، ويستمران على
~~الأقوى لو علما في الأثناء. وكذلك الحكم بالنسبة إلى أحدهما لو جهل أولا.
# ثم إن شرع أحدهما قبل الآخر فاللاحقة باطلة خاصة، وإن اقترنتا بطلتا لعدم
~~المرجح، هذا كله مع الاختيار.
# أما مع الاضطرار فلا تحريم ولا كراهة كذا ذكروه (2).
# ويشكل ذلك بأنه يتم إن لم يكن ذلك من الأحكام الوضعية، ولكن الظاهر أن
~~الحكم طلبي. مع أن الأصل عدم الاشتراط حيث حصل الشك في الشرطية.
# ولو حصلا في موضع لا يتمكنان من التباعد، فإن ضاق الوقت يصليان معا،
~~لبقاء التكليف جزما، واستحالة التكليف بما لا يطاق، وإلا فيصلي الرجل أولا،
~~لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته ms0390 عن المرأة تزامل
~~الرجل في المحمل يصليان جميعا؟ فقال: " لا، ولكن يصلي الرجل، فإذا فرغ صلت
~~المرأة " (3).
# والظاهر استحباب ترخيص المرأة له وإن كان ملكا لها، ولا يجب عليها
~~التأخر.
# PageV02P218
# ويشكل في المباح المشترك إذا لم ترض المرأة بالتقدم، فهل ذلك حق للرجل أو
~~المراد استحباب العمل عليه؟ الأظهر الثاني، للأصل. ويمكن العمل بالقرعة لو
~~تشاحا.
# السادس: تكره الصلاة بين القبور كما هو مقتضى الجمع بين الأخبار المجوزة
~~مثل صحيحة علي بن يقطين (1)، وصحيحة علي بن جعفر (2)، والأخبار المانعة مثل
~~رواية عبد الله بن الفضل (3)، ورواية النوفلي (4)، ورواية يونس بن ظبيان
~~(5).
# وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام في حديث، قال: سألته عن الرجل يصلي
~~بين القبور، قال: " لا يجوز ذلك، إلا أن يجعل بينه وبين القبور إذا صلى
~~عشرة أذرع من بين يديه، وعشرة أذرع من خلفه، وعشرة أذرع عن يمينه، وعشرة
~~أذرع عن يساره " (6).
# ويتأكد إذا جعل القبر قدامه، وحرمه المفيد (7)، وقد يستدل له برواية معمر
~~بن خلاد عن الرضا عليه السلام، قال: " لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم
~~يتخذ القبر قبلة " (8). وهي مع سلامة سندها دلالتها ممنوعة.
# PageV02P219
# وفي إلحاق القبر والقبرين بالمقابر تردد، والأظهر العدم إلا في جانب
~~القبلة، لما تشعر به رواية معمر، ويستشم من صحيحة الحميري الآتية.
# ثم إن الكراهة تزول بالفصل المذكور في الموثقة، وضم الأصحاب إليه الحائل،
~~واكتفوا فيه ولو بمثل عنزة، ولا بأس بمتابعتهم، سيما والمتبادر من الأخبار
~~المانعة هو ذلك. ويؤيده اعتبار ذلك في الفصل بين الرجل والمرأة.
# ولكن في التحديد بمثل العنزة تأمل، وفي رفع الكراهة بسترها بالفرش تأمل.
# ثم إن المفيد (1) عمم المنع عن الصلاة إلى القبور لقبور الأئمة عليهم
~~السلام أيضا، وتدفعه الأخبار الكثيرة الواردة في زيارة الحسين عليه السلام
~~وغيرها.
# ومنها صحيحة الحميري، قال: كتبت إلى الفقيه عليه السلام أسأله عن الرجل
~~يزور قبور الأئمة عليهم السلام، هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ وهل يجوز
~~لمن صلى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر ms0391 قبلة ويقوم عند رأسه
~~ورجليه؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعله خلفه أم لا؟ فأجاب وقرأت
~~التوقيع ومنه نسخت: " أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة
~~ولا زيارة، بل يضع خده الأيمن على القبر، وأما الصلاة فإنها خلفه يجعله
~~الإمام، ولا يجوز أن يصلي بين يديه، لأن الإمام لا يتقدم، ويصلي عن يمينه
~~وشماله " (3).
# وروى الطبرسي في الاحتجاج، عن الحميري، عن صاحب الزمان عليه السلام مثله،
~~إلا أنه قال: " ولا يجوز أن يصلي بين يديه، ولا عن يمينه، ولا عن شماله لأن
~~الإمام لا يتقدم ولا يساوى " (3).
# قال في الوسائل: الظاهر تعدد الرواية والمروي عنه، والأولى محمولة على
# PageV02P220
# الجواز، والثانية على الكراهة (1).
# أقول: والظاهر الاتحاد، لأن محمد بن عبد الله الحميري كان كاتب صاحب
~~الأمر عليه السلام، فالمراد بالفقيه هو عليه السلام، فالأحوط ترك التساوي.
# ويؤيده أنه أطبق بالسؤال عما في الحديث الأول، ويمكن أن يقال بسقوط كلمة
~~" لا " عما قبل يصلي عن يمينه فيتطابقان.
# والأحوط عدم التقدم في غير الصلاة أيضا.
# وأما ما رواه الصدوق في العلل في الحسن لإبراهيم بن هاشم، عن زرارة، عن
~~الباقر عليه السلام قال، قلت له: الصلاة بين القبور، قال: " بين خللها، ولا
~~تتخذوا شيئا منها قبلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك وقال:
~~لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدا، فإن الله لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم
~~مساجد " (2).
# وروى في الفقيه كلامه صلى الله عليه وآله مرسلا، إلا أنه قال: " لعن
~~اليهود لأنهم اتخذوا " (3) الحديث، فنحملها على المنع من جعلها كالكعبة
~~يصلى إليها من كل جانب.
# السابع: تكره الصلاة في مواضع، وورد في الأخبار المنع عن الصلاة في
~~أكثرها حمله الأصحاب على الكراهة، ومنها ما قيل فيه بالتحريم أيضا.
# فمنها: جوف الكعبة، وحرمها بعضهم (4)، وكذلك سطحها، وسيأتي الكلام فيه
~~(5).
# ومنها: جواد الطرق، بخلاف الظواهر التي بين الجواد، وقال المفيد
# PageV02P221
# بالتحريم (1)، كما تفيده ظواهر الأخبار الصحيحة وغيرها (2).
# وليس ما ينافيها من الأخبار ظاهرا إلا صحيحة معاوية بن ms0392 عمار عن الصادق
~~عليه السلام، قال: " لا بأس أن يصلى بين الظواهر، وهي الجواد جواد الطريق،
~~ويكره أن يصلى في الجواد " (3) إلا أن عمل الأكثر يرجحها (4).
# وبعض الأخبار يدل على كراهة مطلق الطريق، وبعضها على كراهة ظهر الطريق
~~أيضا (5).
# ومنها: مرابط الخيل والبغال، ومعاطن الإبل، بل مطلق مباركها، بل مرابض
~~الغنم والبقر أيضا.
# وترتفع كراهتها أو تقل بالكنس والرش بالماء كمعاطن الإبل كما في الأخبار
~~(6).
# ويظهر من صحيحة الحلبي جواز الصلاة في مرابض الغنم من دون كراهة (7)، وفي
~~موثقة سماعة: " إن نضحته بالماء وقد كان يابسا فلا بأس " (8).
# وفي الذكرى عن أبي الصلاح أنها لا تحل في كل ذلك (9).
# ومنها: بيت فيه خمر أو مسكر، لموثقة عمار (10)، حملا لها على الكراهة،
~~لعدم
# PageV02P222
# مقاومتها للعمومات والأصل.
# وعن المقنع: لا يجوز أن يصلى في بيت فيه خمر محصور في آنية، قال: وروي
~~أنه يجوز (1) ورواية الجواز وإن كانت مجهولة إلا أن العمل وما تقدم يرجحها.
# ومنها: ما في تجاهه نار، مضرمة كانت أو غير مضرمة، والمضرمة منها كالسراج
~~أشد، والمرتفع منها آكد شدة، لموثقة عمار (2) المحمولة على الكراهة، جمعا
~~بينها وبين صحيحة علي بن جعفر (3)، ورواية عمرو بن إبراهيم الهمداني (4).
# وحرمها أبو الصلاح لظاهر النهي (5).
# وروى في إكمال الدين في سند قوي، عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي فيما
~~ورد عليه من محمد بن عثمان العمري، عن صاحب الزمان عليه السلام في جواب
~~مسائله: " وأما ما سألت عنه من أمر المصلي والنار والصورة والسراج بين
~~يديه، وأن الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك فإنه جائز لمن لم يكن من أولاد
~~عبدة الأصنام والنيران " (6).
# رواه الطبرسي في الاحتجاج عن أبي الحسين محمد بن جعفر، وزاد:
# " ولا يجوز ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان والنيران " (7).
# ومقتضى الرواية عدم الكراهة لبني هاشم.
# منها: ما يواجه تماثيل وصور، للأخبار المستفيضة (8)، وتخف أو تزول
# PageV02P223
# بالتغطية والتغيير.
# وفي أخبار كثيرة النهي عن الصلاة في بيت فيه تمثال. ويمكن تخصيصها بما
~~يواجه القبلة كما يظهر من صحيحة ms0393 محمد بن مسلم (1) وغيرها.
# وعن أبي الصلاح أنها لا تحل (2).
# وفي مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن الصادق عليه السلام: في
~~التمثال يكون في البساط فتقع عينك عليه وأنت تصلي، قال: " إن كان بعين
~~واحدة فلا بأس، وإن كان له عينان فلا " (3) وفي معناها غيرها من الأخبار
~~(4).
# والأولى تغطيتها أيضا.
# ومنها: بيت فيه كلب أو إناء يبال فيه.
# ومنها: بيوت النار، وحرمها أبو الصلاح (5)، وخصصها في المدارك بما كان
~~معدا لعبادتها (6)، وعممها العلامة لكل بيت معد للنار، لأن في الصلاة فيها
~~تشبيها بعبادتها (7)، ولا تحضرني الآن رواية تدل عليه.
# ومنها: ما واجهه مصحف مفتوح، لموثقة عمار (8)، وحرمها أبو الصلاح (9).
# ورواية علي بن جعفر في قرب الإسناد تعطي كراهة ما يشغله من خاتم منقوش
# PageV02P224
# أو كتاب أو نحو ذلك (1).
# ومنع أبو الصلاح عن الانسان المواجه والباب المفتوح (2).
# ويمكن استفادة الحكم الأول مما ورد في اتخاذ السترة، وكذلك الثاني أيضا،
~~فإنه شاغل له، وتكفي فتوى أبي الصلاح في الكراهة.
# ومنها: بيت فيه مجوسي، ولا بأس باليهودي، والنصراني، لرواية أبي أسامة
~~(3).
# وكذلك بيوت المجوس، للأخبار الكثيرة المرخصة للصلاة فيها بعد الرش
~~بالماء، المؤذنة بالكراهة من دون ذلك (4).
# وكذلك البيع والكنائس، ولعل العلة في الكراهة هي مظنة النجاسة، فإن
~~الاستقراء يقتضي أن الرش بالماء مطهر للقذارة المكروهة والنجاسة الموهومة
~~كما مر في محله، ومع ذلك فلا يبعد إلحاق بيت اليهودي والنصراني.
# وفي صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الصلاة على
~~بواري اليهود والنصارى الذين يقعدون عليها في بيوتهم، أتصلح؟ قال:
# " لا يصلى عليها " (5).
# ومنها: البيت المعد للبول والغائط، أو ما نز حائط قبلته من البالوعة،
~~لرواية عبيد بن زرارة (6) في الأول، ورواية محمد بن أبي حمزة (7) ورواية
~~ابن أبي نصر (8)
# PageV02P225
# في الثاني.
# وفي رواية الفضيل: التنحي عن العذرة إذا كانت في جانب القبلة ما استطعت
~~(1)، وحرمها أبو الصلاح (2).
# وكذا استقبال السلاح المشهور، لما رواه في الخصال عن علي عليه السلام:
# " ولا يصلين أحدكم وبين يديه سيف، فإن ms0394 القبلة أمن " (3) وحرمه أبو الصلاح
~~أيضا (4).
# وكذا يكره استقبال مطلق الحديد لما ورد في بعض الأخبار (5).
# ومنها: الحمامات، وحرمها أبو الصلاح أيضا (6)، والأصل فيه الأخبار، مثل
~~رواية عبد الله بن الفضل: " عشرة مواضع لا يصلى فيها: الطين والماء والحمام
~~" (7) الحديث.
# وحديث النوفلي عنه صلى الله عليه وآله: " الأرض كلها مسجد إلا الحمام
~~والقبر " (8).
# وأما صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: عن الصلاة في بيت الحمام،
~~فقال: " إذا كان الموضع نظيفا فلا بأس " (9) وموثقة عمار (10)، بمعناها،
# PageV02P226
# فحملها الشيخ على بيت المسلخ (1)، وكذلك الصدوق (2)، وقال في الاستبصار:
~~أو على ضرب من الرخصة (3).
# والتحقيق: أن حمل النظيف على الطهارة الشرعية بمعنى اشتراط طهارة المكان
~~غير واضح، لأنه لا اختصاص بالحمام في المنع عن الصلاة في الموضع النجس،
~~سيما إذا كان مسريا.
# مع أنه لا معنى للكراهة حينئذ، فلا بد أن تحمل على الخلو من الشبهة وخوف
~~الرشاش (4)، فلو فرض حصول اليقين بطهارة الموضع، ومنه ما لو قام على ساجة
~~مطهرة ولو كان صحن الحمام نجسا أيضا فلا كراهة.
# وتختص الكراهة بما لو كان معرضا للرشاش أو مظنون النجاسة، ويكون الحكم
~~الوارد في الحمام بالمنع مطلقا واردا مورد الغالب، هذا إذا كانت العلة في
~~المنع عن الحمام هي احتمال النجاسة.
# وإن كانت هي كونه مأوى الشياطين كما ذكره الصدوق (5) أو غير ذلك، فلا بد
~~أن تحمل الروايتان على تقليل الكراهة، وهو أظهر بالنسبة إلى الإطلاقات
~~والشهرة والعمل.
# ولذلك حملها الشيخ (6) والصدوق (7) على المسلخ مع بعد الحمل، لأن
~~المتبادر من الحمام هو البيت الحار.
# PageV02P227
# ومنها: بطون الأودية، لرواية أبي هاشم الجعفري (1)، وقد يعلل بكونها مظنة
~~السيل، وكذلك كل ما ذكر في مرسلة عبد الله بن الفضل (2).
# ومنها: الطين، والماء، وقرى النمل، ومجرى الماء، والسبخ، والثلج.
# وعلل السبخ والثلج بعدم استقرار الجبهة.
# وفي رواية داود الصرمي: " إن أمكنك أن لا تسجد على الثلج فلا تسجد، وإن
~~لم يمكنك فسوه " (3) والظاهر أن المراد الدق والتسوية للاستقرار والتمكن،
~~لا للرخصة في السجود.
# وفي صحيحة أبي بصير ms0395 عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الصلاة في
~~السبخة لم تكرهه؟ قال: " لأن الجبهة لا تقع مستوية " فقلت: إن كان فيها أرض
~~مستوية؟ فقال: " لا بأس " (4).
# ومنها: ما اشتملت عليه صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال:
~~" الصلاة تكره في ثلاثة مواطن من الطريق: البيداء وهي ذات الجيش، وذات
~~الصلاصل، وضجنان " (5) الحديث.
# والمراد بالطريق طريق مكة، وضجنان بالمعجمة والألف بين النونين جبل
~~بناحية مكة.
# PageV02P228
# ومنها: وادي الشقرة لمرسلة ابن فضال (١)، وهي بضم الشين وسكون القاف
~~بادية في المدينة خسف بأهلها.
# قال في الذكرى: وقيل: إنها والبيداء وضجنان وذات الصلاصل مواضع خسف (٢)،
~~قال في التذكرة: وكذا كل موضع خسف به (٣)، انتهى.
# ويؤيده أن عليا عليه السلام ترك الصلاة في أرض بابل لذلك حتى عبر وصلى في
~~الموضع المشهور بعد ما ردت له الشمس إلى وقت الفضيلة (٤).
# الثامن: لا تجوز صلاة الفريضة راكبا وماشيا، سفرا وحضرا مع الاختيار، قال
~~في المعتبر: إنه مذهب العلماء كافة (٥)، وتدل عليه الأخبار المعتبرة (٦).
# ويجوز مع الاضطرار من مرض أو خوف أو وحل أو مطر أو غيره، والظاهر أنه
~~أيضا إجماعي، وتدل عليه الأخبار الصحيحة المستفيضة وغيرها (٧).
# وقوله تعالى: ﴿وإن خفتم فرجالا أو
~~ركبانا﴾ (8).
# وفي صحيحة الحميري: " يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة " (9).
# والظاهر أن المعيار هو ما يلزم منه العسر الذي يصعب تحمله غالبا كما هو
~~مقتضى إطلاق سائر الأخبار.
# ومقتضى إطلاق الأخبار وكلام الأصحاب تعميم الفريضة لغير اليومية، ففي
# PageV02P229
# موثقة عبد الله بن سنان: " لا تصل شيئا من المفروض راكبا " (1) وتقرب منه
~~روايته الأخرى، وفيها: " إلا من ضرورة " (2).
# وظاهرهم عدم الفرق بين المنذورة وغيرها. وقال في الذكرى: لا تصح الفريضة
~~على الراحلة اختيارا إجماعا، لاختلال الاستقبال وإن كانت منذورة، سواء
~~نذرها راكبا أو مستقرا على الأرض، لأنها بالنذر أعطيت حكم الواجب (3).
# وربما يفرق بين الواجب بالأصل وبالنذر، عملا بالأصل، وتؤيده رواية علي بن
~~جعفر عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن رجل جعل لله عليه أن يصلي وكذا ms0396
~~وكذا، هل يجزئه أن يصلي ذلك على دابته وهو مسافر؟ قال: " نعم " (4) وهو
~~قريب لو لم يثبت الاجماع على خلافه.
# والإشكال في خصوص ما نذره راكبا أظهر، بل الأظهر جوازه حينئذ، بل تعينه
~~عملا بالنذر إذا كان المنذور الفعل المقيد لا نفس القيد كما أشرنا إليه
~~سابقا.
# ويجب الاستقبال فيه مهما أمكن كما صرح به المحقق (5) ومن تأخر عنه (6)،
~~للآية (7) والعمومات (7)، وخصوص صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل
~~القبلة، وتجزئه فاتحة الكتاب، ويضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شئ،
# PageV02P230
# ويومئ في النافلة إيماء " (١).
# وأما صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " الذي يخاف اللصوص والسبع
~~يصلي صلاة المواقفة إيماءا على دابته " ثم قال: " ويجعل السجود أخفض من
~~الركوع، ولا يدور إلى القبلة، ولكن أينما دارت دابته، غير أنه يستقبل
~~القبلة بأول تكبيرة " (٢) فهي ظاهرة في حال التعذر أو التعسر.
# وكذلك الكلام في أفعال الصلاة يؤتى بها على حسب المقدور، فإنه لا يترك
~~الميسور بالمعسور (٣)، وما لا يدرك كله لا يترك كله (٤)، وهو المستفاد من
~~تتبع الأخبار، مثل صحيحة عبد الرحمن المتقدمة.
# ورواية محمد بن عذافر: في الصلاة في المحمل للغير المتمكن من الأرض: " هو
~~بمنزلة السقيفة إن أمكنه قائما، وإلا قاعدا، وكل ما كان من ذلك فالله أولى
~~بالعذر، يقول الله عز وجل: ﴿بل الانسان على نفسه بصيرة﴾ (5) " (6).
# ويؤيده ما سيجئ في صلاة العاجز عن القيام والركوع والسجود.
# فما ورد في الأخبار الكثيرة من الاكتفاء بالايماء (7) فهو محمول على حال
~~العجز إلا عنه، بل هو ظاهر تلك الأخبار، بل صريح بعضها.
# ولو تمكن من الركوب والمشي في الفريضة ففي تقديم أيهما إشكال، والأقرب
~~تقديم أكثرهما استيفاءا للأفعال، وإن تساويا فالتخيير.
# PageV02P231
# ثم هل يعم النهي عن الصلاة راكبا ما لو فرض التمكن من جميع الأفعال
~~حينئذ؟
# المشهور نعم، لاطلاقات الأخبار (١)، ولانصراف الأوامر الواردة بالصلاة
~~إلى الأفراد الغالبة الشائعة من القرار ms0397 على الأرض وما في معناه.
# وربما يستدل بقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ (2) فإن الدابة معرض التزلزل
~~ونقصان الأفعال.
# وقيل بالصحة، لعدم انصراف أخبار المنع إلى ذلك، وصدق الامتثال (3).
# وتؤيده صحيحة علي بن جعفر: في الرف المعلق بين النخلتين: " إن كان مستويا
~~يقدر على الصلاة عليه فلا بأس " (4) ولا يخلو من قوة.
# ومن أفراد ذلك السرير المعلق بين دابتين، وهما تمشيان.
# وأما الصلاة على الدابة المعقولة بحيث لا تتحرك فمنعه في الذكرى أيضا
~~(5)، لأنه ليس من القرار المعهود. والأظهر الصحة، سيما مع ظن استقراره إلى
~~الإتمام، للاطلاقات، والتعليل المستفاد من صحيحة علي بن جعفر (6).
# وأما الصلاة في السفينة فتجوز مع عدم الاستطاعة للخروج بالاجماع والصحاح
~~المستفيضة وغيرها (7). ويجب الاستقبال مطلقا إن أمكن، وإلا فبالتكبيرة وبما
~~أمكن، ثم حيث توجهت، ويتحرى القبلة. وكذلك القيام والركوع والسجود، ومع
~~العجز يومئ كما يستفاد من الأخبار (8).
# PageV02P232
# وأما مع الاستطاعة ففيه قولان، فعن الأكثر الجواز، لروايات، منها صحيحة
~~جميل، إنه قال لأبي عبد الله عليه السلام: تكون السفينة قريبة من الجد (1)
~~فأخرج وأصلي؟ قال: " صل فيها، أما ترضى بصلاة نوح عليه السلام " (2).
# وعن أبي الصلاح (3) وابن إدريس (4) المنع، لحسنة حماد بن عيسى (5)،
~~ورواية علي بن إبراهيم (6). والأقرب حملهما على صورة عدم التمكن من
~~الاستقبال والقيام في السفينة كما هو ظاهر الروايتين، أو على الاستحباب.
# وأما النوافل فيجوز فعلها في السفينة، للأخبار (7)، وكذلك على الدابة
~~وماشيا، في الضرورة والاختيار، بلا خلاف في السفر والحضر، إلا عن ابن أبي
~~عقيل في الحضر (8).
# والأخبار الصحيحة وغيرها المستفيضة جدا ناطقة بذلك وبعضها مصرحة بحكم
~~الحضر (9)، وإن كان الأفضل الاستقرار، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: " فإن
~~صلاتك على الأرض أحب إلي " (10).
# ويستحب الاستقبال بتكبيرة الإحرام، لصحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران، قال:
~~سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة بالليل في السفر في المحمل، قال: "
~~إذا
# PageV02P233
# كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثم كبر وصل حيث ذهب بك بعيرك " (١)
~~الحديث.
# وأوجبه ابن إدريس، ونقله عن جماعة ms0398 (٢)، وتدفعه الإطلاقات الكثيرة، وخصوص
~~موثقة الحلبي: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة النافلة على
~~البعير والدابة فقال: " نعم، حيث ما كان متوجها " قلت: أستقبل القبلة إذا
~~أردت التكبير؟ قال: " لا، ولكن تكبر حيثما كنت متوجها، وكذلك فعل رسول الله
~~صلى الله عليه وآله " (٣).
# وفي الصحيح عن أبان بن عثمان، عن إبراهيم الكرخي، عنه عليه السلام قال،
~~قلت له: إني أقدر على أن أتوجه إلى القبلة في المحمل، فقال: " ما هذا
~~الضيق، أما لك برسول الله أسوة؟! " (٤).
# والأخبار الواردة في تفسير قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (5) أنها في النافلة
~~في السفر المذكورة في مجمع البيان (6) وتفسير العياشي (7) وغيرهما (8).
# ويجزئ الإيماء عن الركوع والسجود وإن أمكن له. ولكن سجوده أخفض من ركوعه
~~كما نطقت به صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (9) المتقدمة وغيرها من
~~الأخبار الكثيرة.
# PageV02P234
# ولو ركع الماشي وسجد مستقبلا للقبلة كان أفضل، لصحيحة معاوية بن عمار
~~(١)، هذا.
# ويظهر من المحقق جواز النافلة مستقرا على الأرض إلى غير القبلة (٢)، وهو
~~مشكل، لما عرفت أن الأخبار المفسرة للآية مقيدة بحال السفر (٣)، وإن وجد
~~فيها مطلق فيحمل عليها.
# مع أن الصدوق قال: إنها وردت في قبلة المتحير (٤). والظاهر أن هذا الكلام
~~من تتمة صحيحة معاوية بن عمار التي ذكرها، ولا دليل آخر يوجب التعدي عن
~~الأصل الموظف في الشرع.
# خاتمة:
# يستحب اتخاذ المساجد، لقوله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ (5) الآية، وللأخبار
~~المستفيضة، منها حسنة أبي عبيدة الحذاء، قال: سمعت أبا عبد الله عليه
~~السلام يقول: " من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة " قال أبو عبيدة:
~~فمر بي أبو عبد الله عليه السلام في طريق مكة وقد سويت بأحجار مسجدا، فقلت
~~له:
# جعلت فداك، نرجوا أن يكون هذا من ذلك، قال: " نعم " (6).
# ورواه عنه في الفقيه وزاد: " من بنى مسجدا كمفحص قطاة " (7).
# وهو إجماعي، بل هو بديهي الدين.
# PageV02P235
# وأن تكون مكشوفة، ويكره أن تكون مسقفة لحسنة ms0399 عبد الله بن سنان (1) وغيرها
~~من الأخبار.
# وأما مطلق التظليل فلا بأس به كالعريش، كما تضمنته الحسنة المذكورة
~~وغيرها.
# وأما صحيحة الحلبي قال: سألته عن المساجد المظللة يكره القيام فيها؟ قال:
# " نعم، ولكن لا تضركم الصلاة فيها اليوم، ولو كان العدل لرأيتم كيف يصنع
~~في ذلك " (2) فهي محمولة على المسقفة، لما يظهر من الأخبار أن القائم عليه
~~السلام إذا ظهر يكسر السقوف ويجعلها عريشا كعريش موسى (3).
# ويشكل ذلك في أكثر البلاد التي لا يمكن الانتفاع بالمسجد غالبا إلا مع
~~السقف، فلعل المراد من المنع هو تسقيف جميع المسجد أو خصوص بعض الأمكنة.
# مع أنه يمكن أن يقال: بأن الاهتمام في التردد إلى المساجد يرتفع بالثلج
~~والمطر ونحوه، لقوله عليه السلام: " إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال "
~~(4) ولكن يبقى مع ذلك الاحتياج من جهة الحر والبرد إذا لم يتيسر اندفاعهما
~~بالعريش.
# وأن تجعل الميضأة للحدث والخبث في أبوابها، لا في وسطها، لرواية إبراهيم
~~بن عبد الحميد عن الكاظم عليه السلام، قال: " قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله:
# جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعكم وشراءكم، واجعلوا مطاهركم على
~~أبواب مساجدكم " (5).
# PageV02P236
# وجه الاستدلال: اشتراك الطهارة فيصير مجملا، والامتثال به لا يحصل إلا
~~بمراعاة معنييه، سيما بانضمام ما دل على عدم إدخال الخبث في المساجد
~~واستحباب عدم دخول المساجد إلا طاهرا ومتطهرا (1).
# هذا كله إذا كان ذلك قبل البناء، وإلا فلا يجوز التوسيط جزما.
# وأن تكون المنارة مع الحائط فيكره تطويلها زيادة عن سطح المسجد، لرواية
~~السكوني أن عليا عليه السلام مر على منارة طويلة فأمر بهدمها، ثم قال: " لا
~~ترفع المنارة إلا مع سطح المسجد " (2) وهذه الرواية تشير إلى المنع عن
~~التوسيط أيضا.
# وأما التوسيط بعد البناء فهو حرام.
# ومنعه الشيخ مطلقا (3)، ولا يظهر وجهه إلا من جهة كونه مانعا عن رؤية
~~الإمام والصف المتقدم ونحو ذلك.
# ولا دليل على استحباب وضع المنارة، بل صريح رواية علي بن جعفر عدمه (4).
# وتكره تعليتها تأسيا بالنبي صلى الله عليه وآله، حيث كان جدار مسجده قامة ms0400
~~(5).
# وأن يجعل لها شرفا، لرواية طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن
~~علي عليه السلام، وفيها أنه عليه السلام، قال: " إن المساجد تبنى جما لا
~~تشرف " (6) ورواية أبي بصير المروية في إرشاد المفيد أيضا (7).
# وأن يجعل لها محاريب، لرواية طلحة بن زيد أيضا عنه عليه السلام: إنه كان
# PageV02P237
# يكسر المحاريب إذا رآها في المساجد، ويقول: " كأنها مذابح اليهود " (1).
# وربما قيدت المحاريب في كلام الفقهاء بالداخلة في المسجد، وربما قيدت
~~بالداخلة في الحائط.
# ولعله مرادهم بحيث يكون الإمام بأجمعه داخلا في الحائط، والظاهر أنهم
~~فهموه من الكسر المذكور في الرواية، والأول أنسب بها.
# وتكره زخرفتها وتصويرها، لرواية عمرو بن جميع (2).
# والمتبادر من المصورة فيها هي ذوات الأرواح.
# وعن المعتبر تحريم النقش مطلقا، مستدلا بهذه، وبأنه لم يفعل في زمن النبي
~~صلى الله عليه وآله ولا الصحابة فهو بدعة (3)، وهو ضعيف.
# وتستحب عمارتها بالمرمة والعبادة، للآية (4)، وصحيحة علي بن جعفر المروية
~~في العلل (5)، ورواية السكوني المروية في ثواب الأعمال (6).
# وفي الحديث القدسي: " إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمارها،
~~فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره "
~~(7).
# وكثرة الاختلاف إليها وملازمتها، ولا يتأكد إذا كانت الأرض مبتلة.
# والجلوس فيها سيما لانتظار الصلاة.
# PageV02P238
# ودخولها متطهرا، والتطهر في البيت قاصدا لها، كل ذلك للأخبار (1).
# وتعاهد النعل عند أبوابها، وحفظها من النجاسة، لقوله صلى الله عليه وآله
~~في رواية عبد الله بن ميمون القداح: " تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم "
~~(2). وقد مر الكلام في تحريم إدخال النجاسة في المسجد وإزالتها فيه في كتاب
~~الطهارة.
# وتقديم الرجل اليمنى عند الدخول، واليسرى عند الخروج، والدعاء بالمأثور
~~(3).
# وكنسها، سيما في يوم الخميس وليلة الجمعة.
# والإسراج فيها، كل ذلك للأخبار (4).
# والتحية فيها بركعتين، لرواية أبي ذر المروية في معاني الأخبار والخصال
~~وفي مجالس الشيخ (5).
# وروى في الذكرى، عن أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: " إذا
~~دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع، وليدع الله عقبهما، ms0401 وليصل على النبي
~~صلى الله عليه وآله " (6) الحديث.
# ويكره الدخول فيها مع الرائحة المؤذية كالثوم والبصل وغيرهما، للأخبار
~~(7)، ويتأكد في الثوم.
# والبصاق، وفي رواية غياث بن إبراهيم: " إنه خطيئة، وكفارته دفنه " (8)
~~وفي
# PageV02P239
# الروايات: إن الباقر عليه السلام فعل ذلك ولم يدفن حتى في المسجد الحرام
~~(1).
# والتنخم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عنه كما في حديث المناهي
~~في الفقيه (2).
# وفي المجازات النبوية عنه عليه السلام، قال: " إن المسجد لينزوي من
~~النخامة كما تنزوي الجلدة من النار إذا انقبضت واجتمعت " (3).
# ويستحب أن يردها في جوفه، لروايات، منها رواية عبد الله بن سنان عن
~~الصادق عليه السلام: " من تنخع في المسجد ثم ردها في جوفه لم تمر بداء إلا
~~أبرأته " (4).
# وقتل القمل فتدفنه، ونسبه في الذكرى إلى الجماعة (5)، ويمكن أن يستدل
~~عليه بصحيحة أبان، عن محمد بن مسلم، قال: كان أبو جعفر عليه السلام إذا وجد
~~قملة في المسجد دفنها في الحصى (6).
# ويكره إنشاد الشعر، لقوله صلى الله عليه وآله في رواية جعفر بن إبراهيم:
~~" من سمعتموه ينشد الشعر في المساجد فقولوا: فض الله فاك، إنما نصبت
~~المساجد للقرآن " (7).
# وفي رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: " لا بأس به " (8).
# PageV02P240
# والصواب تقييدها بصحيحة علي بن يقطين: إنه سأل أبا الحسن عليه السلام عن
~~إنشاد الشعر في الطواف، فقال: " ما كان من الشعر لا بأس به فلا بأس به "
~~(1).
# ولعله من ذلك ما يستشهد به من أشعار العرب في تفسير كتاب أو سنة كما يظهر
~~من الذكرى (2)، فلا يضر عدم حقانية مضمونه حينئذ.
# والبيع والشري، وتمكين المجانين والصبيان، لرواية إبراهيم المتقدمة (3)،
~~وقد تخصص الصبيان بغير المميز، ولا بأس به.
# وإنشاد الضالة، ونشدها، أعني تعريفها وطلبها، لرواية علي بن جعفر عليه
~~السلام (4)، ورواية علي بن أسباط (5).
# ورفع الصوت الخارج عن المعتاد.
# وكذلك الأحكام، للرواية الأخيرة.
# وفي إطلاق الكراهة وعدمه بتخصيصها بمحض الإنفاذ كالحبس والتعزير وإجراء
~~الحدود، أو بصورة الإدمان، أو بما فيه جدل وخصومة وجوه وأقوال.
# والأظهر في الجمع بين الروايات ms0402 القول بالكراهة في صورة الإدمان لا مطلقا.
# ولا تنافيه حكاية دكة القضاء (6)، لامكان وضعها لذلك إذا احتيج إليه في
~~المسجد، أو اختصاصه به عليه السلام.
# وعمل الصنائع، وحديث الدنيا، وسائر الملاهي، ومنه الرمي بالحصى خذفا.
# ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " نهى رسول الله
# PageV02P241
# صلى الله عليه وآله عن سل السيف في المسجد، وعن بري النبل في المسجد،
~~قال:
# إنما بني لغير ذلك " (1) وقد مرت رواية جعفر بن إبراهيم (2) ويستفاد
~~منهما (3) كراهة سائر الملاهي.
# وروى ورام بن أبي فراس في كتابه قال، قال عليه السلام: " يأتي في آخر
~~الزمان قوم يأتون المساجد فيقعدون حلقا، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا
~~تجالسوهم، فليس لله فيهم حاجة " (4).
# وفي رواية السكوني: إن النبي صلى الله عليه وآله أبصر رجلا يخذف الحصاة
~~في المسجد، فقال: " ما زالت تلعنه حتى وقعت " ثم قال: " الخذف في النادي من
~~أخلاق قوم لوط " (5) الحديث.
# وفسر الخذف بالرمي بالأصابع مرة، وبوضع طرف الإبهام على السبابة أخرى،
~~وبغيرها أيضا.
# وإخراج الحصى من المسجد، والمراد به غير القمامة، فيرد إلى مكانه أو إلى
~~مسجد آخر فإنها تسبح كما في أخبار متعددة (6).
# ولا يبعد القول بوجوبه إذا كان جزءا من المسجد أو آلاته، والظاهر أنه
~~مراد المحقق حيث حرمه في الشرائع (7).
# ولا يكره النوم إلا في مسجد النبي والمسجد الحرام، ويتأكد فيما كان منه
~~مسجدا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. ويستفاد المجموع من أخبار
~~عديدة، منها
# PageV02P242
# صحيحة زرارة (1) في حكاية نوم الباقر عليه السلام في الموضع الذي لم يكن
~~مسجدا على عهد رسول الله من المسجد الحرام.
# وكشف العورة مع الأمن عن المطلع، للوقار والستر، وعدم الاستخفاف، وفي
~~رواية السكوني أنه قال: " كشف السرة والفخذ والركبة في المسجد من العورة "
~~(2).
# ورطانة الأعاجم، ففي رواية السكوني (3) ورواية مسمع (4): إن النبي صلى
~~الله عليه وآله نهى عنها، وهي كلام لا يفهمه الجمهور، بل هي مواضعة بين
~~اثنين أو جماعة، والعرب تخص بها غالبا كلام العجم كذا قيل (5).
# وحكم ms0403 الشهيد في الذكرى (6) وكذا غيره (7) بكراهة التكلم بالعجمية، وهو
~~مشكل، وظني أن تخصيص العرب كلام العجم بالرطانة إنما هو من باب التشبيه، لا
~~أنه هو.
# ويكره التوضؤ عن البول والغائط في المسجد، لصحيحة رفاعة، قال: سألت أبا
~~عبد الله عليه السلام عن الوضوء في المسجد فكرهه من البول والغائط (8)،
~~وربما حمل على الاستنجاء، ولا وجه له، لثبوت الحقيقة الشرعية.
# ويؤيده ما ورد في الموثق: " إذا كان الحدث في المسجد فلا بأس بالوضوء في
# PageV02P243
# المسجد " (1) إذ الظاهر عدم كونهما مما يقع في المسجد.
# وكذا ما ورد من فضل التوضؤ في البيت لمن أراد المسجد (2) وإن كنا لا نمنع
~~كراهة الاستنجاء أيضا بل تحريمه.
# PageV02P244
# المقصد الثالث في لباس المصلي وفيه مباحث:
# الأول: ستر العورة في الصلاة واجب بإجماع العلماء، وشرط في الصحة أيضا
~~عند أصحابنا (1)، وهو في الجملة إجماعي مستفاد من الأخبار (2).
# وهل هو شرط مع التمكن منه مطلقا، أو إلا في حال النسيان وعدم العلم
~~مطلقا، (أو إذا لم يكن صلى) (3) غير مستور من أولها إلى آخرها دون ما صار
~~غير مستور في الأثناء؟ فيه أقوال.
# فعن ابن الجنيد لو صلى وعورتاه مكشوفتان غير عامد أعاد في الوقت فقط (4)،
~~ولعله لدعوى الشرطية مطلقا، فلا يتفاوت بسبب النسيان. وعدم القضاء، لأنه
~~بفرض جديد.
# PageV02P245
# وفيه: منع الشرطية مطلقا، وأنه لو سلم ذلك فيثبت القضاء لعموم ما ورد في
~~قضاء الفائتة (1)، لصدق الفوت حينئذ.
# وعن المبسوط: إن انكشفت عورتاه في الصلاة وجب عليه سترهما ولا تبطل
~~صلاته، قل المنكشف منهما أو كثر، بعضها كان أو كلها (2)، واختاره في
~~المختلف (3).
# وفي المعتبر: لو انكشفت العورة ولم يعلم سترها ولم تبطل صلاته، تطاولت
~~المدة قبل علمه أو لم تطل، كثيرا كان الكشف أو قليلا (4).
# ووجه هذا القول أن غير العالم غير مأمور به لقبحه، ومنع الشرطية مطلقا،
~~وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل صلى
~~وفرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة أو ما حاله؟ قال: (لا إعادة عليه، ms0404
~~وقد تمت صلاته (5).
# وقال الشهيد في الذكرى بعد ذكر الأقوال والأدلة كما ذكرنا: ولو قيل بأن
~~المصلي عاريا مع التمكن من الساتر يعيد مطلقا، والمصلي مستورا ويعرض له
~~التكشف بغير قصد لا يعيد مطلقا كان قويا، نعم يبطل لو أخل بالستر عند الذكر
~~(6)، انتهى.
# والتحقيق: أن الصحيحة مع ملاحظة ترك الاستفصال تفيد العموم في الفرج
~~بجميع أفراده وأجزائه، وجميع أحوال التكشف، فيشمل ما لو كان مكشوفا من أول
~~الصلاة ولم يعلم بها.
# PageV02P246
# فهذه الصحيحة مع عدم ثبوت الشرطية إلا في حال العلم والتذكر وأن الأصل
~~عدمه تكفي في عموم الحكم بالصحة إلا مع الإخلال بالستر بعد الذكر.
# والتشكيك في أن أصل العدم لا يجري في مهية العبادات ليس بشئ كما حقق في
~~محله.
# ثم إن الأظهر عندي أنه إذا ساوى الورق والحشيش الثوب في الستر فلا ترتيب،
~~وما ورد في الأخبار (1) من أن أدنى ما يجزئ درع وملحفة ونحو ذلك، فهو وارد
~~مورد الغالب.
# ما يتوهم من أن الساتر في الأخبار لا ينصرف إليه فهو ضعيف، إذ الستر
~~المذكور في الأخبار المراد به مجرد حصول الستر، ففي صحيحة علي بن جعفر: (إن
~~أصاب حشيشا يستر به عورته أتم صلاته بالركوع والسجود، وإن لم يصب شيئا يستر
~~به عورته أومأ وهو قائم) (2) وكذلك لا يستفاد من سائرها إلا ذلك.
# ولو لم يوجد الورق والحشيش، فإن أمكن الستر بالطين اللازب بحيث يستر
~~الحجم أيضا وأمن من التناثر في البين فالظاهر أنه يكفي لحصول الستر، وعدم
~~جواز الانتقال إلى الإيماء مع الإمكان، وعدم انصراف أخبار الإيماء (3) إلى
~~ذلك، والتكليف باق يقينا. ومفهوم آخر الصحيحة المتقدمة أيضا يؤيده.
# والظاهر مساواته حينئذ لغيره من الورق والحشيش، بل الثوب أيضا، وإن كان
~~الترتيب أحوط.
# وإن لم يمكن إلا ستر اللون كالنورة ففي الاكتفاء به إشكال - وإن ورد في
~~الأخبار ما يدل على كفايته في جواز النظر في أخبار آداب الحمام (4) - بل
~~الأظهر أنه
# PageV02P247
# يومئ حينئذ، والأحوط التستر به حينئذ ثم الإيماء.
# ويظهر من بعضهم إطلاق مساواة ms0405 الطين حتى مع الثوب (1)، فإن أراد هذه
~~الصورة فهو مشكل، وإن أراد ما ذكرنا فنعم الوفاق.
# فالقول بالترتيب بالثوب، ثم الورق والحشيش، ثم الطين، وكذلك بالتخيير
~~مطلقا، وكذلك تقديم الثوب ثم التخيير مما لم يقم عليه دليل.
# وفي وجوب الولوج في الوحل ونحوه للستر إشكال، وكذلك لو أمكنه ولوج حفيرة
~~والصلاة فيها قائما، وأوجبه الشيخ (2).
# وهل يجب الركوع والسجود حينئذ؟ فعن المحقق: نعم (3)، لحصول الستر،
~~ولمرسلة أيوب بن نوح (4).
# ويشكل تخصيص الأخبار الصحيحة بها لإرسالها، وأن المعتبر الساتر الملاصق،
~~وهو المتبادر من الأخبار.
# ويقوى الإشكال فيما لو كانت الحفرة مماسة للبدن، بأن يسد الخلل بالتراب
~~ونحوه، وأمكن الركوع والسجود، ولا يبعد حينئذ القول بالوجوب إذا لم يتعسر
~~عليه.
# فإذا فقد الساتر مطلقا حتى بالشراء ما لم يحصل الضرر والحرج أو الاستئجار
~~كذلك أو الاستعارة فيصلي عريانا مومئا للركوع والسجود، فلو ركع وسجد حينئذ
~~تبطل صلاته، عمدا كان أو سهوا، لعدم الإتيان بفرضه حينئذ، وليكن السجود
~~أخفض.
# وفي وجوب القيام في الصلاة أو الجلوس أقوال، ثالثها: القيام إن أمن
# PageV02P248
# المطلع (1)، وهو الأشهر الأظهر جمعا بين الأخبار الصحيحة، مثل صحيحة علي
~~بن جعفر المتقدمة، وصحيحة عبد الله بن سنان (2)، وحسنة زرارة لإبراهيم بن
~~هاشم (3) الدالة على القيام.
# وصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن قوم صلوا
~~جماعة وهم عراة، قال: (يتقدمهم الإمام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس)
~~(4).
# ولصحيحة عبد الله بن مسكان، عن بعض أصحابه، عن الصادق عليه السلام:
# في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة، قال: (يصلي عريانا قائما إن لم يره
~~أحد، فإن رآه أحد صلى جالسا) (5).
# واحتمل في المعتبر التخيير مطلقا استضعافا للرواية (6)، وحسنه في المدارك
~~(7).
# ولا وجه له، لأن العمل يجبر ضعفه بالإرسال. مع أن إرسال ابن مسكان غير
~~مضر، لأنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه (8)، مع أن الراوي عنه
~~ابن أبي عمير.
# وروى في المحاسن في الصحيح، عن محمد بن أبي حمزة، عنه (9)، عن أبي عبد
~~الله عليه السلام: ms0406 في رجل عريان ليس معه ثوب، قال: (إذا كان حيث
# PageV02P249
# لا يراه أحد فليصل قائما) (1).
# ويجب الإيماء بالرأس إن أمكن، لحسنة زرارة المتقدمة (2)، وإلا فبالعينين،
~~وأوجب في الذكرى ملاحظة الأصل، فينحني بحسب المكنة بحيث لا تبدو معه العورة
~~(3)، وفي وجوبه إشكال بالنظر إلى إطلاقات الإيماء.
# وكذا الاشكال (4) في مراعاة الأصل في أوضاع السجود، وكذا في وضع شئ يسجد
~~عليه على جبهته وتقريب مرتفع يسجد عليه إن أمكن.
# ونفى البعد في المدارك عن وجوب الأخير، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج
~~الواردة في صلاة المريض (5) و (6)، ويظهر من الذكرى التعدي بطريق الأولى
~~(7).
# والأظهر عندي عدم الوجوب في الجميع. والأولوية ممنوعة، وفي الاستدلال بها
~~إشكال.
# وإطلاق كلام الأصحاب كظاهر الروايات أن المصلي قائما يومئ للسجود قائما
~~أيضا، ونقل في الذكرى عن شيخه عميد الدين تقوية الجلوس، لأنه أقرب إلى
~~الأصل، وإتيان بالمأمور به بحسب الاستطاعة.
# وضعفه الشهيد بأنه تقييد للنصوص، وألزم عليه وجوب القيام لإيماء الركوع
~~لو جلس (8).
# فيه: أن النصوص لا تنافي ما ذكره، لأن المراد بالقيام فيها الصلاة
~~بالقيام، مقابل
# PageV02P250
# مقابل الصلاة جالسا، لا أنه يجب الإيماء قائما مطلقا كما لا يخفى على
~~المتأمل.
# والنقض غير وارد، لأن الجالس في الصلاة يركع جالسا، كما أن القائم في
~~الصلاة يسجد (قائما) (١) فما نقله أقرب إن لم يلزم منه انكشاف العورة.
# ثم إن صلاة العاري هل تصح مع سعة الوقت ورجاء حصول الساتر كما ذكره الشيخ
~~(٢)، أو لا تصح إلا مع ضيق الوقت كما هو مذهب المرتضى (٣) وسلار (٤)، أو
~~يجب التأخير مع ظن حصوله كما هو مذهب المعتبر (٥)؟ الأقوى وجوب التأخير مع
~~ظن الحصول، بل مع رجائه أيضا، للاستصحاب، وعدم صدق عدم الوجدان عرفا إلا
~~بعد الانتظار والطلب.
# ويؤيده ما رواه في قرب الإسناد، عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن
~~جعفر، عن أبيه عليهما السلام، أنه قال: (من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن
~~يصلي حتى يخاف ذهاب الوقت يبتغي ثيابا، فإن لم يجد صلى عريانا جالسا يومئ
~~إيماءا، يجعل سجوده ms0407 أخفض من ركوعه، فإن كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ثم
~~صلوا كذلك فرادى (٦).
# ولو وجد الساتر في الأثناء، فإن أمكنه الستر من غير فعل المنافي فعل،
~~وإلا ففي صحته مطلقا لأن الصلاة على ما افتتحت عليه، وللاستصحاب، وقوله
~~تعالى:
# ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (7). وبطلانه
~~إذا اتسع الوقت ولو لركعة وجهان، بل قولان، أظهرهما الأول.
# PageV02P251
# بقي أمور:
# الأول: قال في الذكرى: الستر يراعى من الجوانب ومن فوق، ولا يراعى من
~~تحت، فلو كان على طرف سطح ترى عورته من تحته أمكن الاكتفاء، لأن الستر إنما
~~يلزم من الجهة التي جرت العادة بالنظر منها، وعدمه، وهو الذي اختاره
~~الفاضل، لأن الستر من تحت إنما لا يراعى إذا كان على وجه الأرض لعسر التطلع
~~حينئذ، أما صورة الفرض فالأعين تبتدر لإدراك العورة، ولو قام على محرم لا
~~يتوقع ناظر تحته فالأقرب أنه كالأرض، لعدم ابتدار الأعين (1)، ولا بأس بما
~~ذكره وذكره الفاضل رحمه الله (2).
# والأظهر عدم وجوب الستر عن نفسه، للأصل، وتنبيه بعض الأخبار عليه (3)،
~~فلو بدت له العورة حال الركوع بحيث لا تبدو لغيره ممن حاذاه فلا تبطل.
# فما ورد في بعض الروايات من منع الصلاة في الثوب المحلول الأزرار إذا لم
~~يكن عليه إزار (4) محمول على الاستحباب، كما هو ظاهر بعضها (5)، أو على ما
~~يظهر للغير حينا ما.
# وفي بطلان الصلاة في مثله من أولها أو من حين الظهور وجهان، أظهر هما
~~الثاني، ونقل الأول في الذكرى عن بعض العامة (6)، ويتفرع على ذلك ما لو
~~استدرك الستر في الأثناء وغير ذلك.
# الثاني: لو كان في الثوب خرق يحاذي العورة وجمعها بيده فلا يضر، وأما لو
# PageV02P252
# سترها بوضع يده عليها أو يد الغير حيث يجوز فالأظهر البطلان، لعدم انفهام
~~ذلك من الستر في الأخبار، وليس ذلك من باب الحشيش والورق والطين حتى يناقض
~~ما قدمناه فلا تغفل.
# الثالث: لا يجوز لبس الحرير إذا فقد غيره، لحرمته مطلقا، ولو وجد الحرير
~~والنجس واضطر إلى أحدهما فيقدم النجس، لورود الرخصة ms0408 به دونه، ولأنه ممنوع
~~بالذات دون النجس.
# الرابع: تستحب الجماعة للعراة رجالا ونساءا، خلافا لبعض العامة (1)،
~~ورواية أبي البختري المتقدمة مع ضعفها محمولة على الجواز، أو على التقية.
# ويصلون صفا واحدا يتقدمهم الإمام بركبتيه كما في صحيحة عبد الله ابن سنان
~~(2).
# ويومئون على المشهور المدعى عليه الاجماع من ابن إدريس (3)، وقال الشيخ
~~في النهاية: إن الإمام يومئ ويركع ويسجد من خلفه (4)، لموثقة (ابن بكير)
~~(5) وحسنته في المعتبر (6)، والأول أقوى.
# ولو لم يمكن إلا بتعدد الصفوف فالظاهر الجواز، ويتفاوت حكم الأول والثاني
~~بالنظر إلى قول الشيخ، فيصير الصف الأول كالإمام بالنسبة إلى الثاني.
# PageV02P253
# الثاني: قد تقدم الكلام في تحقيق العورة في كتاب الطهارة، والذي يجب هنا
~~ستره من الرجل فهو ما حققنا (1) أنه العورة منه: من القبل والقضيب
~~والأنثيان والدبر أعني نفس المخرج.
# وأما المرأة فيجب عليها ستر تمام بدنها إلا الوجه والكفين والقدمين على
~~المشهور بين الأصحاب، ووجوب ستر ما عدا الأمور المذكورة اتفاق من أصحابنا،
~~عدا ابن الجنيد، فإنه جوز للمرأة الحرة وغيرها أن تصلي مكشوفة الرأس حيث لا
~~يراها غير ذي محرم (2).
# وربما يشتبه كلام بعض الأصحاب (3) في نقل قول ابن الجنيد بأنه لا يقول
~~بوجوب ستر غير القبل والدبر على المرأة في الصلاة، وليس كذلك، بل مراد ابن
~~الجنيد بيان العورة بمعنى ما يجب ستره حتى عن المحارم، لا في خصوص حال
~~الصلاة. واشتراط تجويزه كشف الرأس بعدم وجود غير ذي محرم شاهد صدق على ذلك.
# قال في الذكرى (4): وأجمع العلماء على عدم وجوب ستر وجهها إلا أبا بكر بن
~~هشام، وعلى عدم وجوب ستر الكفين إلا أحمد وداود.
# قال: وأما القدمان فالمشهور عندنا أنهما ليستا من العورة لبدوهما غالبا،
~~ولقضية الأصل. ويظهر من كلام الشيخ في الاقتصاد (5) وكلام أبي الصلاح (6)
~~منع
# PageV02P254
# كشف اليدين والقدمين، لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله: (المرأة عورة)
~~(1) انتهى.
# وليس في الأخبار تصريح في تحديد ما يجب ستره من المرأة، لكن ظاهر بعضها
~~يفيد ما قدمنا، مثل صحيحة محمد بن مسلم ms0409 عن الباقر عليه السلام، وفيها:
~~(والمرأة تصلي في الدرع والمقنعة إذا كان الدرع كثيفا، يعني إذا كان ستيرا)
~~قلت: رحمك الله الأمة تغطي رأسها إذا صلت؟ فقال: (ليس على الأمة قناع) (2).
# وصحيحة زرارة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أدنى ما تصلي فيه
~~المرأة، قال: (درع وملحفة تنشرها على رأسها و تجلل بها (3).
# وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام: عن المرأة ليس
~~عليها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي؟ قال: (تلتف بها وتغطي رأسها وتصلي، فإن
~~خرجت رجلها وليس تقدر على غير ذلك فلا بأس (4).
# وجه الاستدلال: أن الدرع لا يستر اليدين والقدمين بل العقب غالبا، أو
~~نقول:
# إنه عليه السلام أطلق جواز الصلاة فيه، وقد تظهر معه اليدان والقدمان،
~~وكذلك المقنعة لا تستر الوجه غالبا.
# ولكن الإشكال في استفادة وجوب ستر غير المذكورات، وهو متوقف على كون
~~المقنعة ساترة للعنق وساتر الجيب الدرع حتى لا يظهر شئ من الصدر، أو يكون
~~الدرع ساترا له، وكل ذلك مشكل.
# وكذلك ما يقرب الكف والقدم من الساقين، فالعمدة هو الاجماع، ولذلك
# PageV02P255
# قالوا بلزوم ستر شئ من الكفين والقدمين من باب مقدمة ستر الساق (1)، فإن
~~ثبت الاجماع فهو، وإلا لكان في ذلك للتوقف مجال.
# وأيضا يشكل الأمر في تحديد الدرع والمقنعة وتعيينهما، والظاهر أن المعتبر
~~منه ما هو المتعارف في زمان الراوي والمروي عنه وبلادهم، ولا يمكن معرفته
~~إلا بالنقل، أو بأصالة عدم النقل، وذلك يتم إذا كان الدرع والمقنعة
~~المتداولة في بلاد الحجاز والعراق الآن كذلك.
# مع أن في بعض روايات أصحابنا الواردة في شأن نزول آية الحجاب (2) أنهن كن
~~في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يتقنعن خلف آذانهن (3)، وبالجملة لا
~~ملجأ في الحكم إلا الاجماع.
# نعم لو قلنا بأن حصول الشك في ذلك يكفي لعدم الصحة إلا مع ستر ما عدا
~~المذكورات، لاستصحاب شغل الذمة ووجوب الامتثال بالمجمل، وهو لا يحصل إلا
~~بستر ما يحصل اليقين معه لكان وجها آخر لإثبات المطلوب، لكن يحتاج ms0410 في اخراج
~~مجموع الكفين والقدمين حينئذ إلى الاجماع أيضا.
# مع أن المستفاد من تلك الأخبار تجويز خروج شئ ما من الكفين والقدمين
~~حينئذ على (إجمال) (4) في انضمام شئ آخر إليهما من الساق، فهو في معنى
~~المخصص بالمجمل، ولم تثبت حجيته في قدر الاجمال. وكون الأصل وجوب الستر إلا
~~ما خرج بالدليل أيضا محل تأمل.
# وأما الشعر والأذنان فيظهر من الذكرى أن في وجوب سترهما خلافا، فإنه قال:
# الأقرب وجوب ستر الأذنين والشعر من المرأة، لرواية فضيل عن الباقر عليه
~~السلام،
# PageV02P256
# قال: (صلت فاطمة عليها السلام وخمارها على رأسها، ليس عليها أكثر مما
~~وارت به شعرها وأذنيها) (1).
# قال: وفي الصدغين وما لم يجب غسله من الوجه نظر من تعارض العرف اللغوي
~~والشرعي، وأما العنق في شك في وجوب ستره من الحرة، وأما الأمة فالأقرب
~~تبعيته للرأس لتعسر ستره من دون الرأس (2).
# أقول: ورواية فضيل قد يقدح في سندها باشتمالها على مهمل، وتمنع دلالتها،
~~والحق أنه لا وجه للقدح في الدلالة، فإن ظاهرها أنه عليه السلام في مقام
~~بيان أقل ما يجزئ.
# ومع اعتضادها بما ذكرنا من الشك في حصول البراءة بدون ذلك، وورود الرواية
~~في الفقيه، وتأيدها بظاهر صحيحة زرارة وصحيحة علي بن جعفر المتقدمتين (3)
~~يندفع القدح في السند أيضا.
# وأما قوله في حكاية الصدغين فلم نقف على رواية مصرحة باستثناء الوجه حتى
~~يتفرع عليه ما ذكره.
# نعم روى الشيخ في الموثق عن سماعة قال: سألته عن الرجل يصلي فيتلو القرآن
~~وهو متلثم، فقال: (لا بأس به، وإن كشف عن فيه فهو أفضل) قال: وسألته عن
~~المرأة تصلي متنقبة، قال: (إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس، وإن أسفرت فهو
~~أفضل) (4).
# وكيف كان، فالأظهر أن المعتبر هو ما يتعارف خروجه من المقنعة، وبالنظر
~~إلى هذه الموثقة أيضا الأظهر الرجوع إلى العرف.
# PageV02P257
# وأما حجة ابن الجنيد: فهي موثقة ابن بكير عن الصادق عليه السلام، قال:
# (لا بأس بالمرأة المسلمة الحرة أن تصلي وهي مكشوفة الرأس) (1) ولا تقاوم
~~ما ذكرنا وما سنذكر، وقد ms0411 حملت على الصغيرة أو الضرورة.
# وأما حجة الاقتصاد: فهو ما روي عنه صلى الله عليه وآله: (إن المرأة عورة)
~~(2) وهو مع أن دلالته ممنوعة مخصصة بالأخبار الخاصة. ثم إن هذا حكم الحرة
~~البالغة.
# وأما الأمة والصبية فتصليان بغير خمار بإجماع العلماء إلا الحسن البصري
~~(3) إذا تزوجت الأمة أو اتخذها الرجل لنفسه. قال في الذكرى: وهو محجوج بسبق
~~الاجماع وتأخره (4)، وتدل عليه الصحاح وغيرها من الأخبار المستفيضة (5).
# وفي استحباب الستر لهما إشكال، وقال به المحقق معترفا بعدم النص، لما فيه
~~من الستر والحياء (6).
# ويظهر من بعض الأخبار العدم، بل استحباب الترك، مثل ما رواه الصدوق في
~~العلل، عن حماد اللحام، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الخادم تقنع
~~رأسها في الصلاة، قال: (اضربوها حتى تعرف الحرة من المملوكة) (7) وتقرب
~~منها روايته الأخرى فيه أيضا (8).
# PageV02P258
# وروى مثله البرقي في المحاسن (1)، ويؤدي مؤداه ما رواه في الذكرى عن كتاب
~~علي بن إسماعيل الميثمي (2).
# وإطلاق الأخبار وكلام الأصحاب يعطي عدم التفرقة بين القن والمدبرة
~~والمكاتبة المشروطة أو المطلقة التي لم تؤد شيئا وأم الولد. وصحيحة محمد بن
~~مسلم ناطقة بأكثرها (3).
# وأما مفهوم صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قال، قلت له:
# الأمة تغطي رأسها؟ فقال: (لا، ولا على أم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن
~~لها ولد) (4) فلا يقاوم ما ذكرنا من الأدلة.
# واحتمل في المدارك إلحاقها مع حياة ولدها بالحرة لذلك (5)، والأحوط العمل
~~بمضمونها.
# وأما المبعضة فكالحرة، للعمومات (6) وعدم صدق الأمة، ولخصوص قوية حمزة بن
~~حمران (7).
# ولو أعتقت في الأثناء وجب عليها الستر، فإن افتقرت إلى فعل كثير فقال في
~~الذكرى: استأنفت مع سعة الوقت، وأتمت لا معه، لتعذر الشرط حينئذ، فتصلي
~~بحسب المكنة (8).
# PageV02P259
# وفي الخلاف (١): تستمر المعتقة وأطلق، لأن دخولها كان مشروعا والصلاة على
~~ما افتتحت عليه (٢).
# لنا: أن الستر شرط وقد أمكن فتجب مراعاته.
# قال: أما الصبية فتستأنف لو بلغت في الأثناء، لأن النفل لا يجزئ عن
~~الفرض، ولو ضاق الوقت عن الركعة والطهارة أتمت مستترة إن ms0412 أمكن.
# الثالث: تجب طهارة الثوب والبدن في الصلاة، وتشترط صحتها بها، فتبطل إذا
~~علم بالنجاسة و صلى معها عمدا، سواء بقي الوقت أو خرج، ونقل الاجماع على
~~ذلك غير واحد من أصحابنا (٣).
# ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾
~~(4) أما على ثبوت الحقيقة الشرعية فظاهر، وأما على عدمه فلقرينة الأمر
~~الدال على الوجوب لعدم القول بوجوب غيرها.
# ويعاضده ما ورد في بطن الآية من أن المراد هو تقصير الثياب أو تشميرها،
~~فإن الظاهر أنه للاحتراز عن النجاسات، والإجماع على عدم الوجوب لنفسه يعين
~~وجوبه للصلاة، والأخبار المتظافرة ناطقة به أيضا (5)، وستجئ جملة منها.
# والأظهر أن الجاهل بالحكم أيضا كالعالم إذا كان مقصرا في التحصيل.
# وأما الجاهل بالنجاسة، فإن علم بها بعد الفراغ وخروج الوقت فلا يقضي قولا
~~واحدا، وادعى عليه الاجماع العلامة في المنتهى (6) وابن إدريس (7)
# PageV02P260
# وابن فهد (1)، ويدل عليه أن الأمر يقتضي الاجزاء، والقضاء فرض جديد،
~~وكذلك الأخبار الآتية.
# وأما لو علم بها في الوقت فالمشهور الأقوى عدم وجوب الإعادة أيضا، للصحاح
~~وغيرها من الأخبار المستفيضة جدا، مثل صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه
~~السلام، قال: (إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة
~~الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة
~~عليك، وكذلك البول) (2).
# وصحيحة أبي بصير عنه عليه السلام: في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم
~~علم به، قال: (عليه أن يبتدئ الصلاة).
# قال: وسألته عن رجل صلى وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم،
~~قال: (قد مضت صلاته ولا شئ عليه (3).
# وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله أو موثقته لأبان، قال: سألت أبا عبد
~~الله عليه السلام عن الرجل يصلي في ثوبه وفيه عذرة من انسان أو سنور أو
~~كلب، أيعيد صلاته؟ فقال: (إن كان لم يعلم فلا يعيد) (4) إلى غير ذلك من
~~الأخبار، وسيجئ بعضها أيضا، مثل صحيحة الجعفي الآتية ms0413 في الدم المعفو (5)
~~وغيرها مما نذكره هنا.
# وعن الشيخ في النهاية والمبسوط الإعادة في الوقت دون خارجه، قياسا على
# PageV02P261
# ما لو علم بالنجاسة في أثناء الصلاة كما سيجئ (1) وهو باطل.
# وقد يستدل له بصحيحة وهب بن عبد ربه، عن الصادق عليه السلام: في الجنابة
~~تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه، فيصلي فيه ثم يعلم، قال: (يعيد إذا لم يكن
~~علم (2).
# قال في التهذيب: يعني إذا لم يكن علم حال الصلاة وقد سبقه العلم به (3).
# أقول: ويمكن التوجيه بأن الإعادة لعلها لمكان الجنابة لا النجاسة، ولزوم
~~إلغاء المفهوم مشترك الإلزام، وربما احتمل سقوط كلمة (لا) من يعيد، وقد
~~يحمل على الاستحباب.
# وموثقة أبي بصير عنه عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى وفي ثوبه بول أو
~~جنابة، فقال: (علم به أو لم يعلم فعليه إعادة الصلاة إذا علم به) (4) ووجهه
~~أيضا في التهذيب بما تقدم (5)، ويجري فيها بعض ما تقدم، مع احتمال
~~الاستفهام أيضا.
# وكيف كان فلا يقاومان ما ذكرنا.
# وقال في الذكرى بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة: ولو قيل (لا إعادة
~~على من اجتهد قبل الصلاة ويعيد غيره) أمكن لهذا الخبر، ولقول الصادق عليه
~~السلام في المني تغسله الجارية ثم يوجد: (أعد صلاتك، أما أنك لو كنت غسلت
~~أنت لم يكن عليك شئ) (6) إن لم يكن إحداث قول ثالث (7)، انتهى، وهذه
# PageV02P262
# الأخيرة هي حسنة ميسر.
# وقد يستدل عليه أيضا برواية ميمون الصيقلي عنه عليه السلام، قال، قلت له:
# رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل وصلى فلما أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة،
~~فقال: (الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وقد جعل له حدا، إن كان حين قام نظر
~~ولم ير شيئا فلا إعادة عليه، وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الإعادة) (1).
# والجواب عن الأول: أن الشرط وارد مورد الغالب.
# وعن الثاني بمنع الدلالة، فإن العلة هنا عدم تحقق الغسل الصحيح، يعني:
# لو غسلته أنت لغسلته صحيحا ولم تحتج إلى الإعادة.
# وعن الثالث بضعف السند.
# وعن الجميع بعدم ms0414 المقاومة على فرض التسليم، لعدم ظهور القول بها حتى من
~~الشهيد (2).
# وإن علم بها في الأثناء وحصل له العلم بالسبق أيضا، فعن جماعة من الأصحاب
~~(3) وجوب إزالة النجاسة وستر العورة مع الإمكان، وعدم تحقق المبطل
~~والبطلان، ووجوب الإعادة لو لم يمكن.
# وبنى جماعة الإعادة هنا على القول بإعادة الجاهل في الوقت وعدمه بعد
~~الفراغ (4).
# والأول لا دليل عليه من الأخبار، والثاني أيضا غير ظاهر الوجه، لمنع
~~الملازمة، مع أن الشيخ في المبسوط قال بوجوب المضي في الصلاة مع التمكن من
~~إلقاء الثوب
# PageV02P263
# وستر العورة بغيره مع حكمه فيه قبل ذلك بلا فصل بإعادة الجاهل في الوقت
~~(1).
# والذي يظهر من الأخبار الكثيرة البطلان مطلقا والإعادة (2) مثل صحيحة
~~زرارة الطويلة قال، قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت
~~أثره إلى أن أصيب له الماء، فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت،
~~ثم إني ذكرت بعد ذلك، قال: (تعيد الصلاة وتغسله) إلى أن قال، قلت: إن رأيته
~~في ثوبي وأنا في الصلاة، قال: (تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم
~~رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة،
~~لأنك لا تدري لعله شئ أوقع عليك) (3).
# ولا وجه للطعن بالإضمار من مثل زرارة كما لا يخفى، مع أن الصدوق رواها في
~~العلل مسندا إلى الباقر عليه السلام في الحسن لإبراهيم بن هاشم (4).
# وصحيحة محمد بن مسلم وصحيحة أبي بصير المتقدمتين (5).
# ويؤيده عموم قوله عليه السلام: (إذا علم) في موثقة أبي بصير المتقدمة
~~(6)، فالعمل على هذه الأخبار أولى.
# وجوز في المدارك (7) العمل على حسنة محمد بن مسلم قال، قلت له: الدم يكون
~~في الثوب علي وأنا في الصلاة، قال: (إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل،
~~وإن لم يكن عليك غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك، وما لم يزد
# PageV02P264
# على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ، رأيته أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته
~~وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت ms0415 غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت
~~فيه) (1). واستدل على ذلك أيضا بصحيحة علي بن جعفر الآتية (2) وجعل العمل
~~بالاستئناف أولى.
# وفيه: أن الحسنة مع أنها لا تقاوم ما ذكرنا من الأدلة مختلفة المتن في
~~الأصول، ففي التهذيب كما نقلنا، وفي الكافي بحذف كلمة الواو من قوله (وما
~~لم يزد) وزيادة (وما كان أقل) قبل قوله (من ذلك فليس بشئ) وفي الاستبصار
~~مثل التهذيب بحذف الواو، والاستدلال إنما يتم على ما في التهذيب، وبذلك
~~يحصل ضعف آخر فيها.
# بل ويمكن الاستدلال بها على ما في الاستبصار والكافي بحسب المفهوم على ما
~~اخترناه، وإرجاع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط - مع أنه خلاف الظاهر -
~~يوجب قولا لم يقل به أحد.
# وأما صحيحة علي بن جعفر فستعرف حالها (3).
# وأما موثقة داود بن سرحان عن الصادق عليه السلام: في الرجل يصلي وأبصر في
~~ثوبه دما، قال: (يتم) (4) فمحمولة على الأقل من الدرهم.
# وكذلك ما رواه في السرائر، عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب، عن عبد الله
~~بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن رأيت في ثوبك دما وأنت
~~تصلي ولم تكن رأيته قبل ذلك فأتم صلاتك، فإذا انصرفت فاغسله)، قال:
# PageV02P265
# (وإن كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف
~~فاغسله وأعد صلاتك) (1).
# وإن لم يحصل له العلم بالسبق، فإن حصل العلم بعدمه فإطلاق كلام المعتبر
~~يقتضي البناء على القول بإعادة الجاهل في الوقت (2)، وهو أشكل من سابقه.
# والأقوى العمل على التفصيل المتقدم، للأصل، والإطلاقات فيما لو لم يوجب
~~الإزالة والبناء مبطلا، والروايات المتقدمة ظاهرة في تقدم النجاسة على
~~الصلاة.
# وأما الاستئناف فيما أوجبه فلكل ما دل على بطلان الصلاة بفعل المبطل (3)،
~~والصحاح المستفيضة وغيرها، مثل صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق، قال: سألته عن
~~الرجل يكون في جماعة من القوم يصلي بهم المكتوبة فيعرض له رعاف كيف يصنع؟
~~قال: (يخرج، فإن وجد ماءا قبل أن يتكلم فيغسل الرعاف ثم ليعد وليبن على
~~صلاته) (4).
# وصحيحة محمد ms0416 بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يأخذه
~~الرعاف أو القئ في الصلاة كيف يصنع؟ قال: (ينفتل فيغسل أنفه ويعود في
~~صلاته، فإن تكلم فليعد صلاته وليس عليه وضوء) (5).
# ولعل المراد بالتكلم في الروايتين المثال، فلا يرد أنهما يقتضيان البناء
~~مع عدم الكلام مطلقا، ولم يقل به أحد.
# PageV02P266
# وصحيحة ابن أذنيه عن الصادق عليه السلام: أنه سأله عن الرجل يرعف وهو في
~~الصلاة وقد صلى بعض صلاته، فقال: (إن كان الماء عن يمينه وعن شماله وعن
~~خلفه فليغسله من غير أن يلتفت، وليبن على صلاته، فإن لم يجد الماء حتى
~~يلتفت فليعد الصلاة) قال: (والقئ مثل ذلك) (1).
# قال الصدوق: وفي رواية أبي بصير عنه عليه السلام: (إن تكلمت أو صرفت وجهك
~~عن القبلة فأعد الصلاة) (2).
# وحسنة الحلبي - لإبراهيم بن هاشم - عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل
~~يصيبه الرعاف وهو في الصلاة، فقال: (إن قدر على ماء عنده يمينا أو شمالا أو
~~بين يديه وهو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثم ليصل ما بقي من صلاته، وإن لم
~~يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته) (3) ويؤدي مؤدى ذلك
~~صحيحة معاوية بن وهب (4) وغيرها، وبضميمة عدم القول بالفصل يتم الكلام في
~~غير الرعاف.
# وإن لم يحصل له العلم بعدم السبق أيضا بأن يكون شاكا فلا يحضرني الآن في
~~كلام الأصحاب تفرقة بينه وبين السابق، فإن ثبت إجماع على عدم الفرق فيلحق
~~حكمه به، وإلا فالأظهر إلحاقه بهذه الصورة لصحيحة زرارة المتقدمة (5). هذه
~~صور الجهل.
# وأما صورة النسيان، فإن علم بها ونسي حتى فرغ من الصلاة فالأكثر على
# PageV02P267
# وجوب الإعادة مطلقا (1)، ونفى ابن إدريس (2) الخلاف فيه بين أصحابنا، إلا
~~عن الشيخ في الاستبصار (3).
# وعن الشيخ في بعض أقواله عدمه مطلقا (4)، ومال إليه في المعتبر (5).
# وقال في الاستبصار: يعيد في الوقت دون خارجه (6)، واختاره العلامة في
~~الإرشاد (7).
# والأول أقوى، للصحاح المستفيضة وغيرها، مثل صحيحة زرارة المتقدمة (8)،
~~وصحيحته الأخرى، قال: توضأت يوما ولم أغسل ذكري ثم صليت، فسألت ms0417 أبا عبد
~~الله عليه السلام عن ذلك، فقال: (اغسل ذكرك وأعد صلاتك) (9).
# وصحيحة عمرو بن أبي نصر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أبول وأتوضأ
~~وأنسى استنجائي ثم أذكر بعد ما صليت، قال: (اغسل ذكرك وأعد صلاتك ولا تعد
~~وضوءك) (10) وفي معناها موثقة ابن بكير (12) وموثقة سماعة (13) وصحيحة
# PageV02P268
# عبد الله بن أبي يعفور الآتية في الدم المعفو (1).
# وموثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرى بثوبه
~~الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي، قال: (يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في
~~ثوبه عقوبة لنسيانه) (2) الحديث، والعلة عامة.
# وصحيحة أبي بصير على الظاهر من كون ابن سنان في سندها هو عبد الله (3)،
~~ورواية الحسن بن زياد (4)، ورواية ابن مسكان (5) في مسألة الذي سأل من
~~الصادق بواسطة إبراهيم بن ميمون إلى غير ذلك من الأخبار.
# وحجة القول الثاني: الأصل، وأن الأمر يقتضي الاجزاء، وما ورد من اغتفار
~~الخطأ والنسيان (6).
# وصحيحة العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيب ثوبه
~~الشئ فينجسه فينسى أن يغسله فيصلي فيه ثم يذكر أنه لم يكن غسله، أيعيد
~~الصلاة؟ فقال: (لا يعيد، قد مضت صلاته وكتبت له)) (7).
# وموثقة عمار بن موسى قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (لو أن
~~رجلا نسي أن يستنجي من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة) (8).
# ورواية عمرو بن أبي نصر - وفي طريقها المثنى الحناط - قال، قلت لأبي عبد
~~الله
# PageV02P269
# عليه السلام: إني صليت فذكرت أني لم أغسل ذكري بعد ما صليت، أفأعيد؟ قال:
# (لا) (1).
# ورواية هشام بن سالم عنه عليه السلام: في الرجل يتوضأ وينسى أن يغسل ذكره
~~وقد بال، فقال: (يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة) (2). وستجئ صحيحة علي بن جعفر
~~أيضا (3).
# والأصل لا يقاوم الدليل، واقتضاء الأمر الاجزاء لا ينافي ثبوت الإعادة
~~والقضاء بدليل آخر، فيبقى بيان ترجيح الأخبار. ولا ريب أنه مع الأكثر،
~~لأكثريتها، وأصحيتها، وأوفقيتها بالعمل، والعمومات الدالة على وجوب إزالة
~~النجاسة للصلاة (4)، وكون موثقة سماعة (5) معللة. وحكم الشيخ ms0418 بشذوذ صحيحة
~~العلاء (6)، وهو أعرف.
# ولا وجه للقدح في دلالة أخبارنا بأن الإعادة ظاهرة في الوقت، لمنع
~~الحقيقة الشرعية، ويستعمل في الخارج في غاية الكثرة في الأخبار، منها الخبر
~~المفصل الآتي.
# وأما دليل التفصيل: فهو الجمع بين الأخبار بحمل أخبار الإعادة (7) على
# PageV02P270
# الوقت، وأخبار العدم (1) على خارج الوقت بشهادة ما رواه الشيخ في الصحيح،
~~عن علي بن مهزيار، قال: كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنه بال في ظلمة
~~الليل، وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه ولم يره، وأنه
~~مسحه بخرقة ثم نسي أن يغسله، وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ
~~وضوء الصلاة فصلى، فأجابه بجواب قرأته بخطه: (أما ما توهمت مما أصاب يدك
~~فليس بشئ إلا ما تحقق، فإن حققت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلوات اللواتي كنت
~~صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا إعادة
~~عليك لها، من قبل أن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في
~~وقت، وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات
~~اللواتي فاتته، لأن الثوب خلاف الجسد، فاعمل على ذلك إن شاء الله تعالى)
~~(2).
# وأنت خبير بأن مطلق الجمع لا دليل له، سيما والجمع لا يصح مع عدم
~~المقاومة.
# وأما الرواية فمع كونها مكاتبة مضمرة فيها تشويشات واختلاطات وحكم جمع من
~~المتأخرين بتهافتها (3) لا تقاوم ما ذكرنا من الأدلة.
# وقد يتمحل في توجيهها بتكلفات بعيدة، أوجهها أن يقال: لفظة (من قبل) ظرف
~~محذوف الإضافة، أي من قبل أن يتحقق ويجزم به، فيكون مرتبطا بما تقدم، و (أن
~~الرجل) ابتداء كلام وتحقيق في الفرق بين الثوب والجسد، وتعليل للحكم السابق
~~وتأكيده.
# فمآل الكلام التفرقة بين النجاسة الخبثية والحدثية المعبر عنها بالثوب
~~والجسد، وعلى هذا فيصح الاستدلال مع عدم حزازة في مقاصد الحديث، ولكنه غير
~~ظاهر من اللفظ بحيث يمكن الاستدلال به، هذا.
# PageV02P271
# ولكن الانصاف أنه لو لم تكن الشهرة والتعليل في ms0419 موثقة سماعة لكان هذا
~~القول في غاية القوة، لخصوص هذه الرواية، ولو كان من جهة بعض كلماتها، إذ
~~لا يضر في حجية بعض ألفاظها تساقط الباقي، ولعدم تبادر غير الوقت من
~~الأخبار، ولكن ذلك ليس بحيث يترجح على مرجحات المشهور.
# وأما لو تذكر في الأثناء فلم أجد في كلامهم تصريحا بحكمه، والأظهر إلحاقه
~~بالجاهل الذي علم في الأثناء مع العلم بالسبق بطريق الأولى.
# ويدل عليه التعليل في موثقة سماعة المتقدمة.
# وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن رجل ذكر
~~وهو في صلاته أنه لم يستنج من الخلاء، قال: (ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد
~~الصلاة، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأ ذلك ولا إعادة عليه) (1).
# ويخدشها أن آخرها مناف لما حققناه سابقا، ولكنه لا يضر بالاستدلال بالجزء
~~الأول.
# وأما صحيحته الأخرى عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه
~~خنزير فلم يغسله، فذكر وهو في صلاته، كيف يصنع به؟ قال: (إن كان دخل في
~~صلاته فليمض، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، إلا أن يكون
~~فيه أثر فيغسله) (2) فلا ينافي ما ذكرناه إن لم يؤيده.
# وهذه الصحيحة هي التي وعدناك ذكرها، وأنت خبير بأنه لا دلالة فيها على ما
~~استدل به في المدارك (3)، لأن الظاهر رجوع الاستثناء إلى الحكمين كما يشهد
~~به اعتبار النضح قبل الدخول في الصلاة، وأما الحكم بعد الغسل فغير معلوم من
~~الخبر.
# وأما لو تذكر في الأثناء وضاق الوقت عن التدارك والاستئناف ففيه إشكال،
# PageV02P272
# والأحوط الإتمام والقضاء.
# بقي هنا أمور:
# الأول: إذا علم بالنجاسة بعد التمام وشك أنها كانت معه في الصلاة أو حصلت
~~بعدها فالأصل يقتضي عدم الالتفات، وظاهر المنتهى أنه عليه الاجماع بين أهل
~~العلم (1).
# الثاني: إذا وقعت عليه النجاسة في الصلاة وزالت ثم اطلع عليها فالأصل عدم
~~الالتفات، ولا تشمله أدلة البطلان والإعادة.
# وبناه في المعتبر على القول بإعادة الجاهل في الوقت (2)، وفيه ما فيه.
# الثالث: لو علم بالنجاسة السابقة في ms0420 الأثناء وتضيق الوقت عن الإزالة
~~والإعادة، فعن الشهيد في البيان القطع بوجوب الاستمرار (3). واحتمله في
~~الذكرى، مستندا باستلزامه القضاء المنفي قطعا (4)، وهو الظاهر من المحقق في
~~المعتبر (5).
# واستشكله في المدارك (6)، ومنع بطلان استلزام القضاء من جهة إطلاق الأمر
~~بالاستئناف المتناول لهذه الصورة.
# وأنت خبير بأن المتبادر من تلك الأخبار الاستئناف في الوقت، والأظهر
~~القول بالاستمرار والدوام، لأن وجوب إزالة النجاسة إنما هو للصلاة، لا
~~لنفسه، والوجوب الغيري لا معنى له مع عدم التمكن من الغير، ووجوب القضاء
~~بفرض
# PageV02P273
# جديد، وهو غير مستفاد من الأخبار المتقدمة كما ذكرنا، فيكون وجوب إزالة
~~النجاسة هنا للصلاة في معنى سقوط فرض الصلاة عنه في الوقت، ولا ريب أنه لا
~~يجوز القول بسقوط ما وجب عليه يقينا بسبب احتمال اشتراطه بشئ، وهذا هو
~~الكلام فيما لو علم بالنجاسة قبل الصلاة وضاق الوقت عنه، ونظيره ما لو ضاق
~~الوقت عن المائية مع وجود الماء فيتيمم ويصلي كما مر.
# ويؤيد ما ذكرنا سقوط القبلة والقراءة والركوع والسجود في أوقات الضرورة
~~لمراعاة الوقت، ومن قضاها بعد الوقت فقد احتاط.
# وفذلكة المختار في هذا المبحث: أن المصلي إذا دخل في الصلاة مع النجاسة،
~~فإما أن يكون عالما بالنجاسة قبل الصلاة، أو يكون جاهلا.
# وعلى الأول، فإما أن يدخلها مع ذلك عامدا عالما، أو يدخلها ناسيا.
# وعلى الأول فتبطل صلاته، سواء كان عالما بالمسألة أو جاهلا بها، وبطلان
~~صورة العلم بالمسألة مخصوصة بما إذا اتسع الوقت، وإلا فيجوز الدخول فيها مع
~~النجاسة.
# وعلى الثاني فإما أن يتذكرها بعد الفراغ أو في الأثناء، وعلى الأول فيعيد
~~مطلقا، سواء بقي الوقت أو خرج، وكذلك على الثاني، ولو ضاق الوقت فالأحوط
~~الإتمام والإعادة.
# وأما مع الجهل بالنجاسة، فإما أن يعلم بها بعد الفراغ أو في الأثناء،
~~وعلى الأول، فلا يعيد سواء بقي الوقت أو خرج، اجتهد في صورة حصول الشك
~~قبلها أم لم يجتهد.
# وعلى الثاني، فإن حصل له العلم بسبق النجاسة على الصلاة فيعيد مطلقا إلا
~~مع ضيق الوقت فيتم، ولا يجب ms0421 القضاء وإن كان أحوط. وإن حصل له العلم بحصولها
~~في الأثناء فيزيلها ويبني على صلاته لو لم يوجب مبطلا، ويستأنف بعد الإزالة
~~مع إيجابه، والكلام مع ضيق الوقت كما تقدم. PageV02P274
# والأظهر فيما لو شك في سبقها وعدمه أيضا التفصيل.
# وإذا رأى نجاسة بعد الصلاة وشك في استصحابها حال الصلاة فلا يلتفت، وكذا
~~لو وقعت النجاسة عليه في الصلاة وارتفعت ثم علم بها.
# الرابع: قد عفي عن الصلاة مع النجاسة في مواضع:
# الأول: دم القروح والجروح، والظاهر عدم الخلاف فيه في الجملة، ولكنهم
~~اختلفوا في الحد الموجب للترخيص، فاعتبر بعضهم سيلان الدم دائما من غير
~~انقطاع، مثل المفيد في المقنعة (1)، والعلامة والشهيد في بعض كتبهما (2).
# وزاد في المعتبر: أو تعاقب الجريان على وجه لا تتسع فتراته لأداء الفريضة
~~(3).
# واعتبر في القواعد حصول المشقة (4).
# وزاد في المنتهى والتحرير على ذلك عدم وقوف الجريان (5).
# وأوجب في المنتهى إبدال الثوب مع الإمكان، معللا بانتفاء المشقة، فينتفي
~~الترخيص.
# ويشكل اعتبار المشقة: بأن المراد منها إن كان هي المشقة والعسر والحرج
~~المنفيات في الشرع، فلا اختصاص لها بهذه النجاسة، وإن كان غيرها فلا دليل
~~عليه، مع أن الظاهر أنهم متفقون على ثبوت خصوصية لهذا الدم.
# والأظهر أنه معفو مطلقا ما لم يبرأ، كما اختاره المحقق الشيخ علي (6)،
# PageV02P275
# والشهيد الثاني (1)، وجماعة من المتأخرين (2)، وهو الظاهر من الصدوق في
~~الفقيه (3).
# لنا: الإطلاقات الكثيرة، بل العمومات المستفادة من ترك الاستفصال وغيره،
~~مثل صحيحة ليث المرادي قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يكون به
~~الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوءة دما وقيحا، فقال: (يصلي في ثيابه ولا
~~يغسلها ولا شئ على) (4) وتقرب منه صحيحته الأخرى (5).
# بل صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام كالصريحة في عدم اشتراط
~~دوام السيلان، قال: سألته عن الرجل يخرج به القروح فلا يزال يدمي، كيف
~~يصلي؟ فقال: (يصلي وإن كانت الدماء تسيل (6) فجعل فيها جواز الصلاة بدون
~~السيلان الفرد الأظهر.
# وقيد عدم زوال الإدماء في كلام الراوي لا يدل على اشتراطه، مع أنه ms0422 لا
~~يفيد الاستمرار عرفا أيضا، كما يقال فلان يتكلم دائما بالبذاء، ويراد بذلك
~~حصوله منه مكررا لا دائما.
# وكذلك رواية سماعة عن الصادق عليه السلام، قال: (إذا كان بالرجل جرح سائل
~~فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسل حتى يبرأ وينقطع الدم (7) مع أن ثبوت السيلان
~~للجرح لا يستلزم ثبوته دائما.
# PageV02P276
# ومع ذلك كله فهذه الرواية لا تقاوم الصحاح وغيرها.
# والظاهر أن المراد بالبرء هو صيرورته بحيث ينقطع دمه لا الاندمال. ويحتمل
~~الاندمال، كما هو مقتضى ظاهر موثقة أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر عليه
~~السلام وهو يصلي، فقال لي قائدي: إن في ثوبه دما، فلما انصرف قلت له:
# إن قائدي أخبرني أن بثوبك دما، فقال: (إن بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى
~~تبرأ (1).
# ولا فرق بين القليل والكثير، والثوب والبدن، كما يستفاد من الأخبار (2).
# ولا يجب إبدال الثوب، ولا تخفيف النجاسة، ولا تعصيب موضع الدم، وعن ظاهر
~~الشيخ في الخلاف أنه إجماعي بين الطائفة (3)، وكل ما ذكرنا مستفاد من
~~الأخبار.
# وأما صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، أو موثقته لأبان، عن الصادق عليه
~~السلام قال، قلت له: الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم
~~والقيح فيصيب ثوبي، فقال: (دعه فلا يضرك أن لا تغسله (4) فهو لا يفيد وجوب
~~الربط لو قدر عليه كما لا يخفى، غاية الأمر قصر الجواب على السؤال، فلا
~~ينفي حكم ما عداه.
# والأحوط الاقتصار على ما تصله الدماء عادة من الثوب والبدن، فلو تعدى
~~الدم عن محل الضرورة فالأظهر عدم العفو، وإن كان محتملا بالنظر إلى
~~الإطلاقات.
# وأما لو لاقاه جسم رطب فلاقى بدن المصلي أو ثوبه ففيه وجهان، ويجئ نظيره
# PageV02P277
# في الأقل من الدرهم. وأما مثل العرق الذي قل ما ينفك عنه البدن فالظاهر
~~العفو.
# ويستحب لصاحب القروح والجروح غسل ثوبه كل يوم مرة، لرواية سماعة قال:
~~سألته عن الرجل به القرح أو الجرح ولا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه، قال:
~~(يصلي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلا ms0423 مرة، فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة
~~(1).
# وحملناها على الاستحباب، لعدم مقاومتها للأخبار الكثيرة المعتبرة (2) وإن
~~كان سندها لا يخلو من قوة أيضا.
# الثاني: الدم المسفوح الأقل من الدرهم بإجماع أصحابنا، نقله الفاضلان (3)
~~وغيرهما.
# ولا خلاف في عدم العفو عن الأزيد منه أيضا، وادعى عليه الاجماع العلامة
~~في جملة من كتبه.
# ويستفاد الحكمان من الأخبار أيضا (4) كما سنذكر جملة منها.
# واختلفوا فيما ساواه، فعن السيد (5) وسلار (6) العفو، والأكثرون على
~~العدم (7)، وهو المختار، لاستصحاب شغل الذمة، والعمومات، وخصوص صحيحة عبد
~~الله بن أبي يعفور قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في دم
~~البراغيث؟
# قال: (ليس به بأس قال، قلت: إنه يكثر ويتفاحش، قال: (وإن كثر) قال، قلت:
# PageV02P278
# فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم، ثم يعلم به فينسى أن يغسله فيصلي،
~~ثم يذكر بعد ما صلى أيعيد صلاته؟ قال: (يغسله ولا يعيد صلاته، إلا أن يكون
~~مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة (1).
# ورواية جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد
~~الله عليه السلام أنهما قالا: (لا بأس بأن يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم
~~متفرقا شبه النضح، وإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن
~~مجتمعا قدر الدرهم) (2).
# وأما صحيحة إسماعيل الجعفي عن الباقر عليه السلام، قال: (في الدم يكون في
~~الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر
~~الدرهم وكان رآه ولم يغسله حتى صلى فليعد صلاته، وإن لم يكن رآه ولم يغسله
~~حتى صلى فلا يعيد الصلاة) (3) فلا يمكن الاستدلال بها، لتعارض المفهومين
~~وتساقطهما، ولعل عدم الالتفات إلى صورة المساواة لندرتها.
# حجة القول بالعفو: حسنة محمد بن مسلم المتقدمة في المبحث السابق (4).
# والجواب عنها عدم مقاومتها لما ذكرنا وإن قلنا بحجية الحسن وعدم ضرر
~~الإضمار من مثل محمد كما هو الحق. وفي دلالتها أيضا تأمل، ويظهر وجهه
~~بالتأمل فيما ذكرنا في صحيحة الجعفي. ومن ذلك ms0424 يظهر بطلان الاستدلال بصحيحة
~~الجعفي على ذلك أيضا.
# ومرادهم من الدرهم سعته لا مقداره بالاتفاق، وتدل عليه الأخبار أيضا، فلا
~~حظ صحيحة ابن أبي يعفور وغيرها تجد ما ذكرنا، هذا.
# PageV02P279
# ولكن الإشكال في تحديد مقدار سعة الدرهم والمراد منه، وظاهرهم الاتفاق
~~على أن المراد من هذا الدرهم ليس هو الدرهم المتداول في نصاب الزكاة
~~والديات وغيرها، وهو ما كان وزنه ستة دوانيق، كل دانق ثمان حبات من أوسط حب
~~الشعير، والمشهور أنه الدرهم الوافي المضروب من درهم وثلث (1).
# وقال المحقق: إن ذلك المذكور يسمى بالبغلي نسبة إلى قرية بالجامعين (2).
# وعن جماعة أنه على هذا التفسير بفتح الغين وتشديد اللام (3).
# وقيل: البغلي بسكون الغين منسوبا إلى رأس البغل (4).
# وعن ظاهر العلامة الاتفاق على أن الدرهم المعفو يسمى بالبغلي (5).
# ويظهر من ابن إدريس الخلاف، فقال: إن الشارع عفا عما دون الدرهم الوافي
~~المضروب من درهم وثلث، وبعضهم يقول دون قدر الدرهم البغلي منسوب إلى مدينة
~~يقال لها (بغل) قريبة من بابل بينها وبينها قريب من فرسخ متصلة ببلد
~~الجامعين، يجد فيها الحفرة والغسالون دراهم واسعة شاهدت درهما من تلك
~~الدراهم، وهذا الدرهم أوسع من الدرهم المضروب بمدينة السلام المعتاد تقرب
~~سعته من سعة أخمص الراحة (6)، انتهى.
# وقيل: إن الدراهم البغلية هي الدراهم الكسروية التي وزنها ثمانية دوانيق،
~~وحدثت له التسمية لنسبته إلى رأس البغل، ضربه الثاني في ولايته بسكة كسروية
~~والمقدار بحاله، وجرت في المعاملة مع الطبرية التي هي أربعة دوانيق، فلما
~~كان زمن عبد الملك جمع بينهما، واتخذ الدراهم منهما، واستقر أمر
# PageV02P280
# الاسلام على ستة دوانيق (1).
# قال في الذكرى: ونقل هذه التسمية ابن دريد (2).
# وصاحب الذخيرة بعد ما نقل أكثر ما ذكر، قال: ويعلم من ذلك أن الدرهم كان
~~يطلق على البغلي وغيره، وأن البغلي ترك في زمان عبد الملك، وزمان الباقر
~~والصادق عليهما السلام متأخر عن ذلك، فيشكل حمل الدرهم على ذلك في الأخبار
~~(3).
# أقول: واتفاقهم على عدم إرادة الدرهم المعهود في سائر الأحكام ظاهرا يسهل
~~الأمر في ذلك، فإن ms0425 تفاسيرهم للدرهم في هذا المقام لا تخرج عن ذلك، فهو
~~قرينة على إرادة غير المعهود.
# مع أن العلامة في التحرير قال: الدراهم في صدر الاسلام كانت صنفين: بغلية
~~وهي السود، كل درهم ثمانية دوانيق، وطبرية، كل درهم أربعة دوانيق، فجمعا في
~~الاسلام وجعلا درهمين متساويين وزن كل درهم ستة دوانيق، فصار وزن كل عشرة
~~دراهم سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكل درهم نصف مثقال وخمسه، وهو الدرهم
~~الذي قدر به النبي صلى الله عليه وآله المقادير الشرعية، إلى أن قال:
~~والدانق ثماني حبات من أوسط حب الشعير (4)، انتهى.
# ولكن الإشكال في تحديد سعة الدرهم الوافي المضروب من درهم وثلث، وسعة
~~الدرهم البغلي، وهو مجهول لنا الآن.
# (وقيل) (5): إن كلام ابن إدريس بظاهره يفيد مخالفة التفسيرين، وأنهما
~~متغايران، وإن كان يمكن إرجاعه إلى النزاع في التسمية.
# PageV02P281
# والذي بلغنا في مقدار السعة هو تحديد ابن إدريس ومن وافقه (1) بأخمص
~~الراحة، وابن الجنيد بعقد الإبهام الأعلى (2)، وابن أبي عقيل بسعة الدينار
~~(3)، والكل متقارب، لكن الكل تقريبي.
# والأحوط أن لا يتجاوز عن مقدار محمدية حويزاوية، أو ظفر الإبهام، فإن
~~الأصول متعارضة، واستصحاب شغل الذمة بالعبادة يقتضي الاقتصار على الأقل،
~~كما أن الاحتياط فيما يسجد عليه أن لا يقصر عن أخمص الراحة إن اعتبرنا فيه
~~مقدار الدرهم.
# ثم إن الأخبار وردت في الثوب، والظاهر أن حكم البدن أيضا كذلك، وأسنده في
~~المنتهى إلى الأصحاب (4).
# وتؤيده رواية مثنى الحناط، عن الصادق عليه السلام قال، قلت له: إني حككت
~~جلدي فخرج منه دم، فقال: (إن اجتمع منه قدر حمصة فاغسله، وإلا فلا (5).
# ولعل المراد بمقدار الحمصة سعة دم يكون وزنه بمقدار الحمصة، ويؤيد ذلك
~~اتفاقهم على اعتبار السعة دون الوزن، والتشبيه بالحمصة لا يناسب إرادة سعة
~~الحمصة. مع أن الدم إذا خرج من البدن يكون مجتمعا في البادئ ثم ينبسط.
# واستثنى الأصحاب من هذا الحكم دم الحيض، لرواية أبي بصير، عن الصادق
# PageV02P282
# عليه السلام، أو أبي جعفر عليه السلام، قال: (لا تعاد الصلاة من دم لم
~~تبصره إلا ms0426 دم الحيض، فإن قليله وكثيره في الثوب إن رآه وإن لم يره سواء (1)
~~ولا يضر ضعفها لانجبارها بالعمل، بل الاجماع كما يظهر من ابن إدريس (2).
# وكلام فقه الرضا عليه السلام أيضا صريح بعدم العفو عن قليله وكثيره، ثم
~~قال:
# (وأعد منه صلاتك علمت به أو لم تعلم (3).
# وأما الاستحاضة والنفاس فنقل إلحاقهما بالحيض في المنتهى عن الشيخ ومن
~~تبعه، واختار هو أيضا ذلك (4)، للآية (5)، والأصل، ولأن دم النفاس دم الحيض
~~في الحقيقة، وأراد بالأصل العموم، أو هو مع استصحاب شغل الذمة.
# والصواب الاستدلال على ذلك بظاهر الاجماع المنقول، فإن ابن إدريس نفى
~~الخلاف عندنا في عدم العفو عن قليل الدماء الثلاثة وكثيرها في الثوب والبدن
~~للصلاة (6)، ومع اعتضاده بما استدل به العلامة ينهض حجة.
# وأما الاستدلال بالإجماع المنقول في المنتهى (7) على وجوب تبديل القطنة
~~لكل صلاة فإنما يتم لو كان ذلك من جهة عدم العفو مطلقا، وهو غير معلوم،
~~ولذلك لم يستدل هو - رحمه الله - بذلك ههنا.
# وكذا الأخبار، مثل صحيحة صفوان، عن أبي الحسن عليه السلام قال، قلت له:
~~جعلت فداك، إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم ثم طهرت، فمكثت
# PageV02P283
# ثلاثة أيام طاهرا ثم رأت الدم بعد ذلك، أتمسك عن الصلاة؟ قال: (لا، هذه
~~مستحاضة، تغتسل وتستدخل قطنة بعد قطنة، وتجمع بين صلاتين بغسل، ويأتيها
~~زوجها إن أراد (1).
# وموثقة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال في آخرها: (فإذا تمت ثلاثون
~~يوما فرأت دما صبيبا اغتسلت واستثفرت واحتشت بالكرسف في وقت كل صلاة، فإذا
~~رأت صفرة توضأت (2).
# ورواية إسماعيل الجعفي، عن الباقر عليه السلام، قال: (المستحاضة تقعد
~~أيام قرئها، ثم تحتاط بيوم أو يومين، فإن هي رأت طهرا اغتسلت، وإن هي لم تر
~~طهرا اغتسلت واحتشت، فلا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف،
~~فإن ظهر أعادت الغسل وأعادت الكرسف (3) لا دلالة فيها على أن تغيير القطنة
~~لعدم العفو عن تلك النجاسة، خصوصا بعنوان العموم، بل لا دلالة فيها على
~~التبديل أصلا، ولعل المراد من استدخال ms0427 القطنة بعد القطنة اعتبار حال
~~الاستحاضة ومعرفة أقسامها وأحكامها.
# وعلى فرض التسليم فلعله من جهة حفظه عن السيلان بين الصلاة، فالمعيار
~~تقليل حالته الحدثية أو غير ذلك.
# مع أنه سيجئ أن نجاسة ما لا تتم فيه الصلاة معفوة أية نجاسة كانت،
~~فاستثناء قطنة المستحاضة إما مستثناة من ذلك بخصوصها لو سلم شمول الدليل
~~لها، أو حكم بخصوصه ثبت من دليل خاص (أو عدم) (4) العفو ليس من جهة خصوصية
~~نجاسة دم الاستحاضة، بل لبعض ما ذكرنا.
# PageV02P284
# وألحق القطب الراوندي بالدماء الثلاثة دم نجس العين (1)، ولم نقف له على
~~ما يعتمد (2) عليه.
# وقد يخرج له بأنه بسبب ملاقاته لجسد نجس العين، فلعله مبني على أن عنوان
~~ما دل على العفو عن الدم إنما يفهم منه العفو عن نجاسة الدم من حيث إنه دم،
~~نظير ما مر في وقوع الانسان الكافر في البئر.
# ولا ريب أن ما ذكره أحوط، ولكن ابن إدريس نسبه إلى مخالفة الاجماع، وقال:
~~إنه هدم وجرح لإجماع أصحابنا (3).
# ثم إنهم اختلفوا في الدم المتفرق على أقوال، فالأكثر على وجوب إزالته إذا
~~بلغ المجموع مقدار الدرهم على تقدير الاجتماع (4).
# واختار ابن إدريس (5) والمحقق في الشرائع (6) عدم الوجوب.
# وعن الشيخ في النهاية لا تجب إزالته ما لم يتفاحش (7)، وهو خيرة المعتبر
~~(8).
# والأول أظهر، لصحيحة عبد الله بن أبي يعفور (9)، فإن المتبادر منها هو أن
~~الدم المسؤول عنه إذا كان مقدار الدرهم حال كونه مقدرا فيه الاجتماع تجب
~~الإعادة.
# وهذا ليس من باب الحال المقدرة مثل قولهم: مررت برجل معه صقر صائدا به
~~غدا، حتى يرد أنه لا بد من مخالفة زمان الحال مع العامل فيها، وما نحن فيه
~~ليس
# PageV02P285
# كذلك، بل بمعنى تقدير الاجتماع مع كون الحال محققة، مثل قولهم: هذا بسرا
~~أطيب منه رطبا.
# وفي الرواية احتمالات ثلاثة أخر تمسك بها المانعون من اعتبار التقدير،
~~أحدها:
# أن تكون (مجتمعا) خبرا ليكون، ومقدار الدرهم اسمها.
# وثانيها: أن يجعل (مجتمعا) حالا محققة، يعني: إلا أن يكون الدم مقدار
~~الدرهم حال كونه مجتمعا. ms0428
# وثالثها: أن يجعل (مجتمعا) خبرا بعد خبر.
# وكلها بعيدة، فإن السؤال عن الدم المتفرق، ولا تلائمه تلك الأجوبة إلا
~~بتكلف.
# ومرسلة جميل (1) أيضا ظاهرة فيما ذكرناه أو محتملة للأمرين.
# والعمومات (2) وإطلاق حسنة محمد بن مسلم (3) وغيرها واستصحاب شغل الذمة
~~كلها مع المختار، وهو معتضد بالاعتبار من عدم التفرقة بين المجتمع
~~والمتفرق.
# ثم في جريان الحكم فيما لو كان التفرق في أكثر من ثوب، أو في البدن، أو
~~الثوب والبدن، وعدمه، أو انفراد كلها منهما في حكمه وجوه.
# ثم إن المحكم في وحدة الدم وتعدده هو العرف، فإذا أصاب الدم وجهي الثوب
~~بالتفشي فهو دم واحد، ولا فرق بين الرقيق والصفيق كما فعله الشهيد (4).
# وفيما لاقى الدم المعفو رطب طاهر قولان (5)، أظهرهما العفو، سيما في مثل
~~العرق، فالأحوط الاجتناب في غيره.
# PageV02P286
# ولو أزيلت العين بما لا يطهرها - مثل أن يحكها - فالأقرب بقاء العفو.
# وأما التفاحش المذكور فلم نعرف له وجها، ومستندا، ومقدرا.
# قال في المعتبر (1): وقد اختلف قول الفقهاء فيه، فبعض قدره بالشبر (2)،
~~وبعض بما يفحش في القلب (3)، وقدره أبو حنيفة بربع الثوب (4)، والمرجع فيه
~~إلى العادة لأنها كالأمارة الدالة على المراد باللفظ إذا لم يكن له قدر
~~شرعا ولا وضعا.
# فائدة:
# قال في الدروس: لو اشتبه الدم المعفو بغيره فالأقرب العفو، ولو اشتبه
~~الطاهر بغيره فالأصل الطهارة (5).
# أما الحكم الثاني فكما ذكره، لكن بمعنى أصالة بقاء محله على الطهارة وعدم
~~تنجس ملاقيه.
# وأما الأول فلا يخلو عن إشكال، وإن كان الأظهر ذلك، لأصالة عدم وجوب
~~الإزالة.
# ولا يعارضه عموم وجوب إزالة مطلق الدم عن الثوب، سيما مع اعتضاد ما ذكرنا
~~بأن الظن يلحق بالأعم الأغلب، وبعموم ما دل على العفو عن الدم (6).
# الثالث: نجاسة ما لا تتم فيه الصلاة منفردا، أية نجاسة كانت، وهو في
~~الجملة مما لم يظهر فيه خلاف.
# والأقوى العفو مطلقا، سواء كان من الملابس أو غيرها، في محالها كانت أو
~~في
# PageV02P287
# غيرها، للأصل وعدم الدليل على كون حمل النجاسة مبطلا. والذي ثبت من
~~الأدلة هو وجوب ms0429 طهارة الثوب أو عدم نجاسته، ولا يصدق على غير الملابس جزما
~~كالسكين والسيف والمحبرة والمنديل ونحو ذلك، بل ولا على الملابس كالتكة
~~والقلنسوة والجورب والخف والكمرة ونحوها أيضا.
# مع أن الأخبار المستفيضة ناطقة بذلك، مثل صحيحة صفوان، عن حماد بن عثمان،
~~عمن أخبره، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يصلي في الخف الذي قد أصابه
~~قذر، فقال: (إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة فلا بأس (1) والظاهر أن المراد
~~التعليل لا الشرط، لظهور أن الخف ليس مما تتم فيه الصلاة.
# وموثقة زرارة، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (كل ما كان لا تجوز فيه
~~الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشئ، مثل القلنسوة والتكة والجورب (1).
# ورواية عبد الله بن سنان، عمن أخبره، عن الصادق عليه السلام، قال: (كل ما
~~كان على الانسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلى فيه
~~وإن كان فيه قذر، مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك
~~(3) إلى غير ذلك من الأخبار.
# وابن إدريس خص الحكم بالملابس (4)، ولا وجه له، لعدم الدليل على إبطال
~~حمل النجاسة للصلاة مطلقا.
# ومن ذلك يظهر ضعف ما اختاره العلامة (5) والشهيد (6) في بعض أقواله من
# PageV02P288
# اشتراط كونها في محالها أيضا مع ذلك.
# وحصره الراوندي في القلنسوة والتكة والجورب والخف والنعل (1)، وتدفعه
~~الأخبار (2).
# وفي العمامة إشكال، وألحقها الصدوق بالمذكورات (3)، وهو المنقول عن والده
~~(4). ووجهه الراوندي بإرادة العمامة الصغيرة كالعصابة (5).
# ويدل على استثناء العمامة صريح فقه الرضا عليه السلام (6)، وليس بذلك
~~البعيد، لعدم شمول اسم الثوب لها وإن سترت العورة إذا نشرت وفك أكوارها،
~~لأنها لا تسمى حينئذ عمامة.
# لا يقال: إن القميص القصير الذي لا يستر لا تتم معه الصلاة على هذا الوصف
~~أيضا، فلا تضر نجاسته، لأنه داخل في الثوب جزما، ويشمله ما دل على وجوب
~~طهارة الثوب، وعلى هذا فيصير حال المنطقة الكبيرة مثل ما تداول الآن للرجال
~~نظير حال العمامة.
# نعم لو جعلت العمامة والمنطقة بعد النشر إزارا مثلا أو رداءا فيشملهما ms0430
~~الحكم.
# ويشكل المقام بمثل من كان حاملا لكرباس مطوي نجس يمكن ستر العورة به، لأن
~~المتبادر من الأثواب الواردة في الأخبار الدالة على وجوب طهارتها أثواب
~~المصلي التي يلبسها.
# ولا يمكن التمسك بمفهومات هذه الأخبار أيضا، فإن الظاهر منها الملابس
~~بالفعل أو ما يتعارف كونها معه كالكمرة في الكيس، بل يمكن القول بذلك فيما
~~إذا كان
# PageV02P289
# حاملا لثوب مخيط، كقميص أو سراويل غير قميص وسراويل نفسه اللذين يلبسهما
~~بالفعل.
# وأما قميصه الملبوس بالفعل أو قباؤه إذا أخرجه وألقاه على عاتقه ونحو ذلك
~~ففيه إشكال، بالنظر إلى عدم التبادر من الثوب المشترط طهارته في الأخبار،
~~ومن شمول مفهوم مثل رواية ابن سنان بمقايسة المنطوق.
# والأحوط الاجتناب عن الجميع، سيما في المنطقة الكبيرة في محلها.
# وأما ما ورد في صلاة المختضب من التجويز إذا كانت خرقته طاهرة (1) فلا
~~يدل على مذهب ابن إدريس، فإن الغالب أن نجاسة الخرقة توجب نجاسة البدن في
~~المختضب.
# ثم إذ قد عرفت أنه لا دليل واضح على بطلان الصلاة بحمل النجاسة مطلقا كما
~~هو مختار ابن إدريس (2) والعلامة (3) بعد الشيخ في المبسوط (4)، فيتجه
~~القول بعدم مضرة حمل المصلي قارورة مشدودة الرأس فيها نجاسة، بل مفتوحته
~~أيضا إذا لم يسر إلى الثوب والبدن، كما هو مختار الشيخ في الخلاف (5)
~~والمحقق (6) وغيرهما.
# ولو أدخل دما نجسا تحت جلده، فإن صار من جملة البواطن فلا دليل أيضا على
~~وجوب اخراجه وبطلان الصلاة معه، ولو احتقن الدم تحت الجلد فهو أولى بعدم
~~الضرر أصلا.
# ولا بأس بحمل الانسان صبيا أو حيوانا طاهرا مأكولا، للأصل، وفعل النبي
# PageV02P290
# صلى الله عليه وآله (1).
# وعلى ما ذكرنا فلو نسي واستصحب منديلا نجسا ونحوه فأولى بعدم المضرة،
~~لعدم ثبوت الاشتراط في حال النسيان ولو سلمناه.
# الرابع: ثوب المربية للصبي، فالمشهور أنه يكتفى بغسله كل يوم مرة (2)،
~~لرواية أبي حفص، عن الصادق عليه السلام، قال: سئل عن امرأة ليس لها إلا
~~قميص، ولها مولود فيبول عليها، كيف تصنع؟ قال: (تغسل القميص في اليوم مرة)
~~(3).
# وربما يستدل بالحرج، ms0431 وهو لا يتم في خصوص المطلوب، إذ قد يستلزم أقل من
~~ذلك، وقد لا يلزم في الأزيد.
# وتأمل بعض المتأخرين في أصل الحكم (4) لضعف المستند (5)، وفيه: أن العمل
~~يجبره.
# والمولود يشمل الصبية، فلا وجه للاقتصار على الصبي، ولذلك ذهب أكثر
~~المتأخرين إلى التعميم (6)، خلافا لبعضهم حيث ادعى تبادر الصبي (7).
# ويمكن التعدي إلى المربي مع وجود العلة، وكذا إلى أزيد من ثوب لو اضطر
~~إلى ذلك، وإلى أزيد من ولد، وهكذا إلى الغائط، سيما مع شيوع إطلاق البول
~~عليهما للاستهجان.
# والظاهر من اليوم هو مع ليلته.
# PageV02P291
# ويمكن التعدي إلى البدن على إشكال.
# وفي وجوب الغسل والاكتفاء بالصب فيما لو كان صبيا رضيعا وجهان، والأقوى
~~الأول، لظاهر النص (1).
# وجعل جماعة من الأصحاب إيقاعه في آخر النهار - لتقع الصلوات الأربع على
~~الطهارة بحسب المقدور - أولى (2)، ولا بأس به.
# قال في الذخيرة: ولو أخلت بالغسل فالظاهر وجوب قضاء آخر الصلوات، لجواز
~~تأخير الغسل إلى وقته (3).
# وألحق بثوب المربية جماعة من الأصحاب (4) نجاسة ثوب الخصي الذي يتواتر
~~بوله إذا غسله مرة في النهار، للحرج، ورواية عبد الرحيم القصير، قال: كتبت
~~إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن خصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل
~~بعد البلل، فقال: (يتوضأ وينضح ثوبه في النهار مرة واحدة) (5).
# وأنت خبير بأن الرواية مخالفة للفتوى مع ضعفها، وظاهره في المنتهى العمل
~~بمضمون الرواية، والأولى الاعتماد على العسر والحرج والدوران مدارهما، فإن
~~آل أمرهما إلى العمل بالرواية فلا بأس به كما يظهر من التذكرة.
# الخامس: لو لم يقدر على تطهير الثوب ولم يكن له غيره فلا خلاف بين
~~الأصحاب ظاهرا في جواز الصلاة عريانا. قال في المنتهى: فلو صلى عاريا لم
~~يعد
# PageV02P292
# الصلاة قولا واحدا (1).
# وهل تجوز له الصلاة في الثوب النجس أم لا؟ فذهب الفاضلان في بعض أقوالهما
~~(2)، والشهيدان (3) وجماعة من المتأخرين (4) وابن الجنيد من المتقدمين (5)
~~إلى الجواز، ولكن ابن الجنيد قال بأنه أفضل، وتبعه الشهيدان، فمقتضى قولهم
~~التخيير.
# وعن الشيخ (6) وابن البراج (7) وابن إدريس (8) والمحقق في الشرائع (9)
~~والعلامة ms0432 في أكثر كتبه (10) وجماعة أخرى (11) وجوب طرحه والصلاة عريانا،
~~وهذا أقوى.
# لنا: الاجماع المنقول، نقله الشيخ في الخلاف (12)، وعمومات ما دل على
~~اشتراط طهارة الثوب (13)، فإن الظاهر من الأدلة اشتراط طهارة الساتر، فلا
~~عبرة بالساتر النجس، فلا يرد أن يقال إن ستر العورة شرط وطهارة الثوب أيضا
~~شرط ولا وجه لترجيح أحدهما على الآخر (14).
# وخصوص موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض وليس عليه
~~إلا ثوب واحد، وأجنب فيه، وليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال:
# PageV02P293
# (يتيمم ويصلي عريانا قاعدا ويومئ إيماءا) (1).
# وموثقته الأخرى قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب، وليس
~~عليه إلا ثوب فأجنب فيه، وليس يجد الماء، قال: (يتيمم ويصلي عريانا قائما
~~يومئ إيماءا) (2).
# ورواية محمد بن علي الحلبي عن الصادق عليه السلام: في رجل أصابته جنابة
~~وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد وأصاب ثوبه مني، قال: (يتيمم، ويطرح
~~ثوبه، ويجلس مجتمعا، ويصلي فيومئ إيماءا) (3).
# وليس في سندها من يتأمل فيه إلا محمد بن عبد الحميد وسيف بن عميرة، أما
~~محمد بن عبد الحميد فالظاهر أنه ابن سالم العطار الثقة بقرينة رواية محمد
~~بن أحمد بن يحيى عنه (4).
# وأما سيف بن عميرة فقد وثقه الشيخ (5) والعلامة (6) والشهيد في شرح
~~الإرشاد، وضعف فيه القول بتضعيفه.
# وقال ابن شهرآشوب: إنه واقفي (7)، فلو ثبت ما ذكره فتكون الرواية موثقة،
~~وظاهر الشهيد عدم الوقف، ووصف الرواية بالصحة الفاضل المجلسي في شرح الفقيه
~~(8).
# PageV02P294
# وكيف كان فالرواية في غاية الاعتبار، فإذا تعاضدت بمثل هذا العمل فلا
~~يبقى للتأمل في سندها مجال.
# وأنت خبير بأن ظاهرها الحكم بالصلاة عريانا، وحملها على الجواز خروج عن
~~الظاهر.
# وهناك أخبار صحيحة أخر ظاهرها الحكم بالصلاة فيه بعنوان الحتم أولها
~~الآخرون وجمعوا بينهما بالتخيير، منها صحيحة الحلبي قال، قلت لأبي عبد الله
~~عليه السلام: رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره، قال: (يصلي فيه، وإذا
~~وجد الماء غسله (1) وصحيحته الأخرى (2).
# وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عنه عليه السلام: ms0433 عن الرجل يجنب في
~~ثوب وليس معه غيره ولا يقدر على غسله، قال: (يصلي فيه (3).
# قال الصدوق: وفي خبر آخر قال: (يصلي فيه، فإذا وجد الماء غسله وأعاد
~~الصلاة (4).
# صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن رجل عريان حضرت
~~الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله، يصلي فيه أو يصلي عريانا؟ فقال:
# (إن وجد ماءا غسله، وإن لم يجد ماءا صلى فيه، ولم يصل عريانا (5).
# وأجاب الشيخ عنها بحمل الصلاة على صلاة الجنازة، أو بأن المراد الصلاة
~~فيه إذا لم يتمكن من نزعه، وحمل الدم في صحيحة علي بن جعفر على دم تجوز فيه
~~الصلاة كدم السمك (6).
# PageV02P295
# وأنت خبير بأن ذلك كله بعيد، وارتكابه شاهد صدق على عدم الاعتماد على
~~ظاهر هذه الأخبار. ولذلك حمل الشيخ رواية عمار الآتية (1) على حال الضرورة،
~~مع أنه لا دلالة فيها على ذلك.
# ولا يخفى أن حمل الأخبار على التخيير خروج عن ظاهر الطرفين، وهو إنما يتم
~~مع التكافؤ.
# ولا ريب أن العمل على الروايات الأولة موجب ليقين البراءة بالإجماع،
~~بخلاف هذه، مع أن العمل بهذه الصحاح أيضا ليس بذلك البعيد.
# وأما القول بالأفضلية بسبب أنه يوجب الستر وحصول كمال الصلاة بأركانها
~~فيشكل، مع أن المرجحات في الطرف الآخر.
# ومما يضعف التخيير كثرة هذه الأخبار وصحتها، فإنها مع ذلك مهجورة عند
~~قدماء الأصحاب إلى زمان المحقق والعلامة، وهما أيضا تختلف فتاواهما فيه في
~~كتبهما.
# والكلام في القيام والقعود قد مر، واختلاف الروايتين منزل على ما اخترناه
~~من التفصيل بحالتي الأمن من المطلع وعدمه، هذا كله في غير صورة الاضطرار.
# وأما لو اضطر إلى لبس الثوب لأجل البرد ونحوه فتجوز الصلاة فيه اتفاقا،
~~بل قد تجب.
# وعن الشيخ (2) وجماعة (3) أنه يعيد مع ذلك، لموثقة عمار عن الصادق عليه
~~السلام: إنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب ولا تحل له الصلاة فيه، وليس يجد
~~ماءا يغسله، كيف يصنع؟ قال: (يتيمم ويصلي، فإذا أصاب ماءا غسله وأعاد
~~الصلاة) (4) ويمكن أن يكون
# PageV02P296
# ما ms0434 نقلنا عن الصدوق إشارة إلى هذه.
# وحملها في الاستبصار على حال الضرورة (1)، وفي التهذيب على إيجاب إعادة
~~الصلاة مع الثوب، فلو صلى عاريا لم تجب عليه الإعادة (2)، فإن كان مراده
~~الإعادة مطلقا فيكون هذا قولا آخر في المسألة، أو مراده أنه يعيد لأنه فعل
~~ما لا يجوز، ويمكن إرادة حمله على الاضطرار كما في الاستبصار.
# وأسند في الذخيرة عدم الإعادة إلى المشهور (3). ولعله نظر إلى إطلاقات
~~فتاوى المتأخرين بالتخيير، استنادا إلى الجمع بين الأخبار، فإنه يقتضي سقوط
~~القضاء رأسا، وفي صورة الاضطرار بطريق أولى، فلا تقاوم هذه الموثقة الأصل
~~والإطلاقات، مع أن الإعادة تحتاج إلى دليل جديد.
# وأما لو كان مراده الشهرة بين القائلين بلزوم الصلاة عريانا أيضا
~~وحملناها على صورة الضرورة، فليس لزوم القضاء بذلك البعيد بالنسبة إلى
~~فتاويهم، ولا أخبارهم، وإن كان مخصصا بحال الضرورة اتفاقا، وليس معهم ما
~~ينافي لزوم القضاء على مذاقهم من جهة الأخبار، فلا يبقى من جهة نفي الإعادة
~~على مذاقهم إلا القدح في سند الرواية أو دلالتها، والظاهر حجية الموثق ولكن
~~حمل الرواية على الاضطرار تأويل لها، لأنهم لا يجوزون الصلاة في حال
~~الاختيار. والتأويل لا ينهض حجة في إثبات الدعوى المخالفة للأصل.
# مع أنه إنما يدل على ذلك إذا كان متيمما، فالأقوى عدم الوجوب، وإن كان
~~الأحوط الإعادة.
# السادس: لو كان مع المصلي ثوبان وأحدهما نجس ولا يعلمه بعينه
# PageV02P297
# فالشيخ (1) وأكثر الأصحاب (2) على وجوب الصلاة في كل منهما منفردا.
# ونقل الشيخ عن بعض علمائنا أنه يطرحهما ويصلي عريانا (3)، واختاره ابن
~~إدريس بعد نقله عن بعض الأصحاب (4).
# والأول أقوى، للتمكن من الصلاة مع الشرائط فلا يتجاوز إلى غيره.
# ولحسنة صفوان - لإبراهيم بن هاشم - عن أبي الحسن عليه السلام: أنه كتب
~~إليه يسأله عن رجل كان معه ثوبان فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو، وحضرت
~~الصلاة، وخاف فوتها، وليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: (يصلي فيهما جميعا) (5)
~~قال ابن بابويه: يعني على الانفراد (6)، ولا قائل بالفصل بين البول وغيره
~~فيتم الاستدلال.
# وقد يستدل ms0435 أيضا بأن الصلاة في المتيقن النجاسة جائزة كما مر، فتجوز في
~~المشكوك بطريق أولى.
# وفيه: منع الأصل أولا كما مر، ووجود الفارق ثانيا، لأن غاية ما ثبت ثمة
~~التخيير، والمطلوب ههنا الحتم، مع أن ذلك يقتضي الجواز في أحدهما أيضا إلا
~~أن يقال: إن الصورة الأولى في ما لو فقد الطاهر مطلقا، لا في علم المكلف.
# ولا يذهب عليك أنه لا يمكن أن يقال هنا نظير ما مر في الوضوء بالماء
~~المشتبه بالنجس أن الدليل لم يقتض إلا الاجتناب عن الماء النجس في الوضوء،
~~لا ثبوت الطهارة ففي صورة الاشتباه لم ينتقض يقين الطهارة السابقة بالشك في
~~كل واحد
# PageV02P298
# منهما، فتصح الطهارة بأحدهما، لأنه ماء ولم تثبت نجاسته، لأن الظاهر أن
~~اشتراط الطهارة في الثوب ثابت فيما نحن فيه باستقراء الأخبار، فلا تتم
~~الصلاة في الثوب الطاهر إلا بإتيانها فيهما معا.
# واحتج ابن إدريس (1) بما حاصله أنه يجب اقتران الصلاة بقصد الوجوب، ولا
~~يمكنه الحكم بوجوب أحدهما إلا بعد تمامها وبأنه يجب أن يقطع بطهارة الثوب
~~عند افتتاح الصلاة، وهو منتف عند كل واحد منهما.
# ويرد على الأول: المنع أولا، وفي خصوص حال الضرورة ثانيا، وبأن الواجب هو
~~المجموع من باب المقدمة فيقترن به الوجوب ثالثا.
# وعن الثاني: أيضا بمنع الاشتراط، سيما في حال الاضطرار.
# ثم إن الظاهر عدم الفرق بين ثوبين وأكثر، فيصلي على قدر الثياب النجسة مع
~~زيادة واحدة في تلك الثياب، إلا أن يستلزم الحرج بسبب كثرتها فيحتمل حينئذ
~~التخيير والقرعة، ويحتمل الوجوب بقدر المكنة.
# ولو ضاق الوقت عن الصلاة صلى فيما يحتمله الوقت مخيرا بينها، إلا أن يظن
~~طهارة أحدها فلا يبعد القول بالتعين فيه حينئذ كما اختاره في المدارك (2).
# وذهب في الشرائع إلى الصلاة عاريا إذا تكثرت الثياب وضاق الوقت (3)، وليس
~~ببعيد، نظرا إلى المسألة المتقدمة إن قلنا بأن العلة فيها فقد الثوب
~~المتيقن الطهارة، وإن قلنا بأن العلة هي كون الثوب معلوم النجاسة فلا تجوز
~~الصلاة فيشكل الاطراد.
# والأظهر جواز الصلاة فيه، بل تعينها ms0436 للاستصحاب.
# وقد يستدل عليه بأن فقد الوصف أولى من فوات الموصوف، وفيه تأمل.
# PageV02P299
# ولو كان معه ثوب طاهر متعين، فهل يجوز حينئذ الاكتفاء بالصلاة في
~~المشتبهين؟ الأقوى العدم كما اختاره في المنتهى (1) لأن الأصل انفراد
~~الصلاة، والخروج عن الأصل إنما يصح بالدلالة ولم يثبت هنا، ومنع وجوبه في
~~المدارك (2)، ولعله نظر إلى صدق الامتثال، وهو في معرض المنع.
# ولو فقد أحد المشتبهين قيل: صلى في الآخر وعاريا (3)، واكتفى في المدارك
~~بالصلاة في الثاني، نظرا إلى الأولوية بالنسبة إلى المتيقن النجاسة (4)،
~~والأول أحوط.
# والأحوط فيما لو كان عليه صلوات مرتبة أن يفعل كلا منها في كل من
~~الأثواب، ثم يفعل أخرى هكذا وهكذا، وإن كان الظاهر أنه يجوز فعل كل واحدة
~~منها في ثوب ثم هكذا في ثوب آخر وهكذا، لحصول الترتيب بذلك أيضا.
# وأما لو فعل الظهر مثلا في ثوب والعصر في آخر، ثم الظهر في ذلك الآخر، ثم
~~العصر في الأول، فلم تصح إلا الظهر، لإمكان كون الطاهر هو الآخر ولم يحصل
~~فيه الترتيب بين الصلاتين.
# السابع: لا تجوز الصلاة في جلد الميتة ولو كان مما يؤكل لحمه بإجماع
~~علمائنا، سواء دبغ أو لم يدبغ، من غير فرق بين كونه ساترا للعورة أم لا.
# وقول ابن الجنيد بطهارته بالدباغ (5) مع أنه باطل لمخالفته للإجماعات
~~المنقولة (6)
# PageV02P300
# والنصوص المستفيضة (1) لا يفيد جواز الصلاة فيها. والظاهر أن بطلان
~~الصلاة فيه أيضا إجماعي.
# وتدل عليه النصوص المتظافرة، مثل صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه
~~السلام، قال: سألته عن الجلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال: (لا، ولو
~~دبغ سبعين مرة) (2).
# وصحيحة ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن الصادق عليه السلام: في الميتة،
~~قال: (لا تصل في شئ منه ولا شسع) (3).
# والظاهر أن الميتة والمذكى من باب العدم والملكة، وهما شيئان لا يعرفهما
~~أهل العرف، وإنما هما من جعل الشارع، والذي يفهمه أهل العرف هو الموت
~~والحياة، وثبوت الملكات يحتاج إلى الدليل، فالأصل عدم التذكية، ولا يجوز
~~الخروج عنه إلا بدليل. ms0437
# وما ذكره بعضهم (4) من أن هذا الأصل لا أصل له، وأن الأصل براءة الذمة
~~حتى يحصل العلم بكونها ميتة، وأن المتبادر من الميتة في العرف هو ما مات
~~حتف أنفه فلا يشمل ما ذبح وإن كان مشكوك التذكية شرعا إما بسبب الشك في أصل
~~الحكم كما في السباع والمسوخ ونحوهما أو بسبب الشك في الموضوع كالشك في قطع
~~الأوداج ونحو ذلك، وأن الآيات (5) والأخبار (6) وردت في حرمة الميتة، فما
~~لم يحصل العلم بكونها ميتة فالأصل براءة الذمة فهو في غاية الوهن، لثبوت
# PageV02P301
# اشتراط التذكية من الآية (1) والأخبار (2) جزما، فلا يكفي عدم صدق الميتة
~~عرفا لو سلم كون ذلك من المفاهيم العرفية، فضلا عما لو لم يسلم.
# وكيف كان فالمعتبر ثبوت التذكية شرعا، وطريق ثبوتها إما بحصول العلم بها،
~~أو الظن الشرعي، كشهادة العدلين، أو أخذه إما من يد مسلم أو سوق المسلمين،
~~فإنه يجوز شراء ما يباع في أسواقهم من الذبائح واللحوم والجلود ولا يجب
~~الفحص، بل قيل: لا يستحب (3)، بل قيل: يكره (4).
# ولا فرق بين فرقهم مؤالفهم ومخالفهم، ولا بين أخذه من يد رجل معلوم
~~الاسلام أو غيره، حملا على الغالب، كما يستفاد من موثقة إسحاق بن عمار
~~الآتية (5)، ولا بين من يستحل ذبائح أهل الكتاب وغيره على الأشهر الأصح.
# وخالف فيه العلامة، فاعتبر كونه ممن لا يستحل ذلك (6).
# قال في المسالك: وهو ضعيف جدا، لأن جميع المخالفين يستحلون ذبائحهم،
~~فيلزم أن لا يجوز الأخذ من يد أحدهم، والأخبار ناطقة بخلافه (7) و (8).
~~ونعم ما قال.
# والظاهر أن الحكم كذلك إذا أخذ من يد مسلم ولو كان في غير بلاد الاسلام.
# ويدل على جميع ما ذكرنا، مضافا إلى ما دل على حمل أفعال المسلمين على
# PageV02P302
# الصحة من الأخبار في المعاملات والمناكحات والمواريث وغيرها، الأخبار
~~المعتبرة المستفيضة جدا، مثل صحيحة الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم: أنهم
~~سألوا أبا جعفر عليه السلام عن شراء اللحم من الأسواق ما ندري ما يصنع
~~القصابون، قال عليه السلام: (كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ms0438 ولا تسأل عنه)
~~(1).
# وصحيحة الحلبي قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الخفاف عندنا في
~~السوق نشتريها، فما ترى في الصلاة فيها؟ فقال: (صل فيها حتى يقال لك: إنها
~~ميتة بعينها) (2).
# وصحيحة البزنطي قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري
~~أذكية هي أم غير ذكية، أيصلي فيها؟ فقال: (نعم، ليس عليكم المسألة، إن أبا
~~جعفر عليه السلام كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، وإن
~~الدين أوسع من ذلك) (3).
# وصحيحته الأخرى (4)، وصحيحة سليمان بن جعفر الجعفري (5).
# ورواية إسماعيل بن عيسى، عن أبيه، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن
~~جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجيل، أنسأل عن ذكاته إذا كان
~~البائع مسلما غير عارف؟ قال: (عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين
~~يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه) (6).
# وموثقة إسحاق بن عمار عن العبد الصالح عليه السلام أنه قال: (لا بأس
~~بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الاسلام) قلت: فإن كان فيها
~~غير
# PageV02P303
# أهل الاسلام؟ قال: (إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس (1).
# وأما رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في
~~الفراء، فقال: (كان علي بن الحسين عليه السلام رجلا صردا لا تدفئه فراء
~~الحجاز لأن دباغتها بالقرظ، وكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلهم بالفرو
~~فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي تحته الذي يليه، وكان
~~يسأل عن ذلك فقال: إن أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة، ويزعمون أن
~~دباغه ذكاته (2).
# فيها مع ضعف سندها بجماعة من الضعفاء و المجاهيل (3): أنها لا تدل إلا
~~على رجحان الفعل، بل تدل على الطهارة حيث كان يلبسه في غير الصلاة، فتحمل
~~على الكراهة كما صرح به في حسنة أخرى عنه عليه السلام، قال: (تكره الصلاة
~~في الفراء إلا ما صنع في أرض الحجاز، أو ما علمت منه ذكاة (4).
# ولكن لا بد من حصر الكراهة على سوق من يستحل الميتة بالدباغة، أو ms0439 يد من
~~كان كذا، بل ولا بد من التخصيص بما لم يستلزم الاجتناب فسادا آخر وحزازة
~~أخرى.
# وكذلك رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (5)، مع عدم معارضتها لما ذكرنا
~~لا تدل على خلاف ما ذكرنا، فلاحظها.
# PageV02P304
# وأما الجلد المطروح فلا تحل مباشرته وإن كان يمكن الحكم بطهارته، بمعنى
~~عدم نجاسة ملاقيه.
# وقد يستشكل في مثل جلد المصحف، بل الجلود المتداولة الاستعمال في بلاد
~~المسلمين، مثل ما كانت مدبوغة ومصنوعة ومصبوغة. والأمر فيه مشكل إلا مع
~~حصول العلم بالقرائن أو الظن المتاخم للعلم أنه لمسلم.
# ومثل ذلك المشربة التي سقطت من قافلة المسلمين.
# وأما الذبيحة المطروحة فدعوى حصول العلم بحلها دونه خرط القتاد، فلا أقل
~~من الشك في حصول جميع شرائطها غير إسلام الذابح.
# ومن جميع ما ذكرنا ظهر ضعف قول العلامة وتمسكه بأصالة عدم التذكية (1)،
~~فإن منشأ استدلاله هو أن قيام فعل المسلم مقام العلم بالتذكية إنما هو من
~~أجل حمل فعل المسلم على الصحة، وهو لا ينافي كونها ميتة مدبوغة، إذ
~~استعمالها حينئذ صحيح عند من يستحلها.
# والمراد بحمل الفعل على الصحة هو ما يكون صحيحا عند ذلك المسلم لا مطلقا،
~~فإن الاختلاف في المسائل الفقهية في غاية الكثرة.
# وهو خيال متين، لكنه مدفوع، نظرا إلى عمومات تلك الأخبار، وإطلاقات
~~النصوص والفتاوى، والتفاتا إلى الحمل على الغالب، فإن استحلال ذبيحة أهل
~~الكتاب أو طهارة الميتة بالدباغة لا ينافي كون الغالب هو كون الذبائح
~~مذبوحة للمسلم.
# مع أن هذه الأخبار تؤسس أصلا بنفسه مع قطع النظر عن تلك القواعد، فلا
~~مناص عن العمل بها.
# نعم إذا أخبر ذو اليد بعدم التذكية فالأظهر عدم الجواز كما اختاره الشهيد
~~(2)،
# PageV02P305
# لأن المتبادر من الأخبار هو غير هذه الصورة، فتبقى تحت أصالة عدم
~~التذكية، وتدل عليه صحيحة الحلبي المتقدمة أيضا (1).
# ثم إن المتبادر من الإطلاقات هي ميتة ذي النفس السائلة، والأصل يقتضي عدم
~~وجوب الاجتناب عن غيرها.
# وقال المحقق البهائي: إن المنع من الصلاة في جلد الميتة يشمل بإطلاقه
~~ميتة ذي النفس وغيره، ms0440 سواء كان مأكول اللحم أولا، وفي كلام بعض علمائنا
~~جواز الصلاة في ميتة غير ذي النفس من مأكول اللحم كالسمك الطافي مثلا،
~~والمنع من الصلاة في ذلك متجه، لصدق الميتة عليه، وكونه طاهرا لا يستلزم
~~جواز الصلاة فيه، وكان والدي - قدس سره - يميل إلى هذا القول، ولا بأس به
~~(2)، انتهى.
# وهل يضر استصحاب شئ من الميتة من غير الملابس المتعارفة؟ فيه إشكال.
# قال في المدارك: والظاهر تحريم استصحاب غير الملبوس، لقوله عليه السلام:
# (لا تصل في شئ منه ولا شسع (3) و (4) وفيه ما فيه، إذ الشسع من جملة
~~الملابس وأجزائها.
# ويمكن الاستدلال عليه بموثقة سماعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام
~~عن تقليد السيف في الصلاة فيه الفراء والكيمخت، فقال: (لا بأس ما لم يعلم
~~أنه ميتة (5).
# وموثقة ابن مسكان، عن الحلبي، عنه عليه السلام، قال: (لا بأس بالصلاة
~~فيما كان من صوف الميتة، إن الصوف ليس فيه روح) قال عبد الله: وحدثني علي
~~بن
# PageV02P306
# أبي حمزة أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن الرجل يتقلد
~~السيف ويصلي فيه، قال: (نعم) فقال الرجل: إن فيه الكيمخت! فقال: (وما
~~الكيمخت؟) فقال: جلود دواب منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة، فقال: (ما
~~علمت أنه ميتة فلا تصل فيه (1).
# وقد تقدم في مباحث النجاسات من كتاب الطهارة قوله عليه السلام في فأرة
~~المسك إذا كانت مع المصلي: (لا بأس إذا كان ذكيا (2).
# وهذه الموثقة تدل على جواز الصلاة فيما لا تحله الحياة من الميتة، وهو
~~إجماعي مستفاد من الأخبار المستفيضة (3)، وقد تقدم كثير منها في كتاب
~~الطهارة.
# الثامن: لا خلاف في أن كل ما تقع عليه الذكاة مما لا يؤكل لحمه طاهر بعد
~~الذكاة جائز الاستعمال في الجملة، وادعى عليه الاجماع جماعة (4).
# ولكن الشيخ (5) اشترط في ذلك دباغته تمسكا بالشك قبل الدباغة، فإن المجمع
~~عليه هو ما بعدها، وهو ضعيف.
# وأما استعماله في الصلاة فلا يجوز، قال في المدارك: وهو إجماعي كما نقله
~~جماعة، وكذا لا ms0441 يجوز استعمال ما لا تحله الحياة منه بلا خلاف بين أصحابنا
~~إلا فيما نستثنيه (6).
# والنصوص بجميع ما ذكره متظافرة، منها صحيحة إسماعيل بن سعد
# PageV02P307
# الأحوص، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في جلود السباع،
~~فقال:
# (لا تصل فيها (1).
# وموثقة سماعة (2) وغيرها (3) مما ورد في السباع وقد مرت في باب النجاسات.
# وموثقة عبد الله بن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد الله عليه السلام عن
~~الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر، فأخرج لنا ما زعم أنه
~~إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله
~~فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وألبانه وكل شئ منه فاسدة (4)
~~الحديث.
# ولا وجه للقدح في مثل ابن بكير مع أنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما
~~يصح عنه (5)، سيما مع اعتضادها بالعمل المعلوم، بل بالإجماع، وسيجئ كثير
~~منها فيما بعد.
# وأما ما ورد في جواز الصلاة في الثعالب ونحوها مثل صحيحة جميل (6) وصحيحة
~~عبد الرحمن بن الحجاج (7) وغيرهما (8)، فهي مع أنها معارضة بالأخبار
~~المتضافرة الصحيحة وغيرها خصوصا وعموما (9) محمولة على التقية، ومتروكة عند
~~الأصحاب.
# والمتبادر مما لا يؤكل لحمه هو غير الانسان.
# PageV02P308
# وكذلك لا يتبادر منه مثل النحل والذباب وغيرهما كما أشرنا إليه في باب
~~النجاسات.
# ويعضده لزوم العسر والحرج، سيما في الانسان، بل يظهر من الأخبار - من
~~الأمر بالتصافح والتعانق سيما في الصيف في البلاد الحارة ورخصة الصلاة في
~~ثوب الآخر مع عدم الانفكاك عن الوسخ والعرق، وجواز مضاجعة النسوان وتقبيلهن
~~- الجواز.
# وصحيحة علي بن الريان ناطقة بجواز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر
~~الانسان وأظفاره (1)، وهو أعم من شعر نفسه وشعر غيره.
# وكذلك الكلام في استصحاب الشمع والعسل وفضلات الذباب وغيرها.
# ثم إن الحكم هل يشمل ما لا تتم الصلاة فيه أو لا؟ المشهور نعم، وهو
~~الأقوى.
# وذهب الشيخ في النهاية والمحقق في المعتبر إلى كراهة التكة والقلنسوة
~~المأخوذتين من وبر غير مأكول اللحم (2).
# لنا: عموم الأخبار المتقدمة، وخصوص صحيحة ms0442 علي بن مهزيار قال: كتب إليه
~~إبراهيم بن عقبة: عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الأرانب، فهل تجوز الصلاة
~~في وبر الأرانب من غير ضرورة ولا تقية؟ فكتب: (لا تجوز الصلاة فيها (3)
~~وبمضمونها رواية أحمد بن إسحاق الأبهري (4).
# وروى الشيخ عن الريان بن الصلت: أنه سأل الرضا عليه السلام عن أشياء منها
~~الخفاف من أصناف الجلود، فقال: (لا بأس بهذا كله إلا الثعالب (5).
# PageV02P309
# واحتجوا بالأصل وصحيحة محمد بن عبد الجبار، قال: كتبت إلى أبي محمد عليه
~~السلام أسأله هل يصلى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه وتكة حرير أو
~~تكة من وبر الأرانب؟ فكتب: (لا تحل الصلاة في حرير محض، وإن كان الوبر ذكيا
~~حلت الصلاة فيه إن شاء الله (1).
# وفيه: أن الأصل لا يقاوم الدليل، والصحيحة محجوجة بأقوى منها اعتضادا من
~~الشهرة والعمومات والمخالفة للعامة وغيرها، فهي محمولة على التقية.
# مع أن في دلالتها أيضا تأملا، فإن اشتراط الذكاة في الوبر خلاف المحقق من
~~حلية ما لا تحله الحياة من الميت إن أريد من الذكاة هو المتبادر منها، وإن
~~أريد بها الطهارة فلا اختصاص للوبر بهذا الجواب، وما هو الفارق بين
~~السؤالين.
# والعدول عن الجواب على أسلوب السؤال إيماء إلى التقية، فيكون المراد من
~~الذكاة هو كون الوبر مما تجوز الصلاة فيه.
# وهل يختص الحكم بالملابس، أو يشمل مطلق المصحوب فتبطل الصلاة بسبب
~~الشعرات الملقاة على الثوب من سنور أو فأرة أو نحو ذلك، وكذلك استصحاب عظام
~~الفيل ونحو ذلك؟ الأشهر الأظهر نعم، للعمومات (2).
# ولقوية إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إليه: يسقط على ثوبي الوبر
~~والشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية ولا ضرورة، فكتب: (لا تجوز الصلاة فيه
~~(3) و لا قائل بالفصل بين الوبر وغيره.
# ويعضد التعميم أيضا ما سيجئ في الخز من قوله عليه السلام: (إذا حل وبره
~~حل جلده (4) فيستفاد منه أن الجلد المصحوب أيضا حكمه كذا.
# PageV02P310
# والرواية معتضدة بالشهرة وبالعمومات (1)، سيما موثقة ابن بكير (2).
# وتؤيده الأخبار (3) التي وردت في النهي عن ms0443 الصلاة في الثوب الذي يلي
~~الثوب الذي هو من جلود الثعالب، فإن الظاهر أن المنع من جهة توهم لصوق
~~الشعر به ونحو ذلك.
# وحمل على الكراهة لعدم اليقين بذلك، ومن الأصحاب من حرمه لظاهرها (4)،
~~وهو ضعيف.
# وذهب الشهيدان (5) وجماعة (6) إلى الاختصاص بالملابس، نظرا إلى صحيحة
~~محمد بن عبد الجبار المتقدمة (7)، وقد مر الجواب عنها.
# واستدلالهم بهذه الصحيحة يقوي استدلالنا بموثقة ابن بكير (8)، لاستعمال
~~كلمة (في) في المصحوب فيها أيضا. مع أن فيها قرينة أخرى من جهة تشريك البول
~~والروث ثم التأكيد بكل شئ منه.
# ولا وجه لتضعيف دلالتها بأن المراد منها الملابس مما لا يؤكل لحمه، أو
~~الثوب المتلطخ بشئ منه، مع أن التلطخ بالبول والروث ليس مضرا بخصوص أنه من
~~أجزاء غير المأكول اللحم أو فضلاته، بل لأن الثوب نجس حينئذ، هذا.
# ولا يحضرني في كلامهم فيما لو نسي وصلى مع مصاحبة شئ، وفيه إشكال من جهة
~~عموم موثقة ابن بكير، ومن أن غاية الأمر ثبوت الاشتراط حال التذكر،
# PageV02P311
# والحرمة لا تستلزم الاشتراط مطلقا، ولا يتبادر من الموثقة إلا ذلك. ولعل
~~عدم وجوب الإعادة أظهر حتى في الملابس، لأن الإعادة فرض جديد، والأمر يقتضي
~~الاجزاء، والاحتياط في الإعادة، سيما في الملابس.
# وخصوصا فيما تتم فيه الصلاة، وإن لم يحضرني الآن دليل لوجوبه إلا إطلاق
~~تلك الموثقة.
# ثم إن العلامة استشكل في المنسوج من وبر الغير المأكول وغيره ممتزجا،
~~نظرا إلى جواز الممتزج بالحرير (1)، ولا وجه له، للعمومات، ولا يقاس على
~~الحرير، لوجود الدليل هنا.
# وأولى من ذلك بالحكم بالبطلان فيما لو دخلت قطعة منه أو أكثر في ثوب تجوز
~~الصلاة فيه.
# وأما لو شك في كون الصوف والوبر من مأكول اللحم، فمنعه في المنتهى (2)،
~~لأن الصلاة مشروطة بالساتر الذي لا يكون من غير المأكول، والشك في الشرط
~~يستلزم الشك في المشروط. واستحسن الجواز في المدارك (3)، للأصل، وصحيحة عبد
~~الله بن سنان: (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه
~~(4).
# أقول: إن قلنا بأن المراد مما ms0444 يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه في الأخبار هو
~~ما كان كذلك في نفس الأمر - كما هو الأظهر لأنه هو مقتضى وضع الألفاظ - فلا
~~مناص عما ذكره في المنتهى، وإن قيل بأن المراد أن ما علم كونه كذلك لا تجوز
~~الصلاة فيه
# PageV02P312
# فالوجه ما ذكره في المدارك. هذا إذا حصل الاشتباه في الأصل.
# وأما لو اشتبه أحد المتيقنين بالآخر فالأقوى الاجتناب عنهما معا كما في
~~نظائره.
# ثم إن الأصحاب استثنوا من ذلك شيئين:
# الأول: الخز، واختلف الأصحاب والأخبار في حقيقته، فقيل: إنه دابة بحرية
~~ذات أربع قوائم تصاد من الماء وتموت بفقده، وتدل عليه رواية ابن أبي يعفور،
~~قال:
# كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من الخزازين فقال له:
~~جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخز؟ فقال: (لا بأس بالصلاة فيه).
# فقال له الرجل: جعلت فداك إنه ميت، وهو علاجي وأنا أعرفه، فقال له أبو
~~عبد الله عليه السلام: (أنا أعرف به منك).
# فقال له الرجل: إنه علاجي، وليس أحد أعرف به مني، فتبسم أبو عبد الله
~~عليه السلام ثم قال: (أتقول: إنه دابة تخرج من الماء أو تصاد من الماء
~~فتخرج فإذا فقد الماء مات؟)، فقال الرجل: صدقت جعلت فداك هكذا هو.
# فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (فإنك تقول: إنه دابة تمشي على أربع
~~وليس هو على حد الحيتان فتكون ذكاته خروجه من الماء؟) فقال الرجل: إي والله
~~هكذا أقول.
# فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (فإن الله تبارك وتعالى أحله وجعل
~~ذكاته موته، كما أحل الحيتان وجعل ذكاتها موتها (1).
# والمحقق توقف في الرواية لضعفها (2) واشتمالها على خلاف إجماعهم من حرمة
~~غير ذات الفلس من السمك من حيوان البحر، قال: وحدثني جماعة من التجار أنه
# PageV02P313
# القندس، ولم أتحققه (1).
# ورده الشهيد بأن مضمونها مشهور بين الأصحاب، فلا يضر ضعفه، ويجوز أن يكون
~~المراد تشبيه الحل بالحل لا في جنس الحلال، فالمراد حلية الصلاة فيه.
# وقال: لعله ما يسمى في زماننا بمضر ms0445 وبر السمك، وهو مشهور هناك، ومن الناس
~~من يزعم أنه كلب الماء، وعلى هذا تشكل ذكاته بدون الذبح، لأن الظاهر أنه ذو
~~نفس سائلة (2).
# وقال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: وكأنها اليوم مجهولة أو مغيرة الاسم
~~أو موهومة، وقد كانت في مبدأ الاسلام إلى وسطه كثيرة جدا (3)، انتهى.
# وروى الكليني في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سأل أبا عبد الله
~~عليه السلام رجل وأنا عنده عن جلود الخز، فقال: (ليس بها بأس) فقال الرجل:
# جعلت فداك إنها في بلادي، وإنما هي كلاب تخرج من الماء، فقال أبو عبد
~~الله عليه السلام: (إذا أخرجت من الماء تعيش خارجه؟) فقال الرجل: لا، فقال:
# (لا بأس (4).
# وفي رواية حمران بن أعين عن الباقر عليه السلام: (إنه سبع يرعى في البر و
~~يأوي الماء (5).
# وفي الصحيح على الأظهر عن زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن عليه السلام
~~فقلت: إن أصحابنا يصطادون الخز فآكل من لحمه؟ قال، فقال: (إن كان له ناب
~~فلا تأكله) قال: ثم مكث ساعة فلما هممت بالقيام قال: (أما أنت فإني
# PageV02P314
# أكره لك أكله (1).
# وفي رواية ابن أبي يعفور - وفي سندها محمد بن سنان - قال: سألت أبا عبد
~~الله عليه السلام عن أكل لحم الخز، قال: (كلب الماء إن كان له ناب فلا
~~تقربه، وإلا فأقربه (2).
# ويمكن الجمع بين تلك الأخبار بحيث ترتفع المنافاة، ولا تنافي القاعدة
~~المجمع عليها من حرمة غير السمك ذي الفلس من حيوان البحر، بأن يقال: إنه
~~يموت بخروجه عن الماء إذا طالت مدته لئلا ينافي رواية حمران، أو يقال: إنه
~~صنفان بري وبحري، وكلاهما تجوز الصلاة فيه، لكنه خلاف ظاهر مجموع الأخبار.
~~وإن أبيت عن ذلك فهذه الرواية أولى بالطرح.
# وبأن المراد من الشرطية في الأخبار الأخر التنبيه على الواقع وعلة الحرمة
~~بأن يكون الخز منحصرا في ذي الناب، فليس فيها ما يدل على حلية أكله صريحا.
# وقال في التذكرة: لا فرق بين كونه مذكى أو ميتا عند علمائنا، لأنه طاهر
~~في حال ms0446 الحياة، فلا ينجس بالموت (3).
# ولما عنون المسألة فيها بحكم الوبر، ثم ذكر حكم الجلد في جملة الفروع،
~~فلا يفهم من كلامه إلا دعوى الاجماع على طهارة الوبر من دون التذكية، لا أن
~~الجلد أيضا لا يحتاج إلى التذكية فيكون كالغنم.
# وكون ذكاته بالموت خارج الماء كالحيتان لا يستلزم كونها غير ذي نفس سائلة
~~كما فهمه الراوي، واستغرب (4) ذلك مع كونها دابة ذات أربع، حتى يوجب ذلك
~~حمل كلام العلامة على ما يشمل الجلد أيضا، لجواز كونه مستثنى من ذي النفس
~~بهذه
# PageV02P315
# الأخبار، مع أنها لا تجدي في الصلاة في الجلد وإن قلنا بالطهارة،
~~والمطلوب إنما هو حكم الصلاة في الجلد لا طهارته.
# ويمكن أن يعمم كلامه ويقال: إنه مبني على كونها غير ذي النفس السائلة،
~~وإنه لا تضر الصلاة في ميتة غير ذي النفس كما مرت الإشارة، وهو مشكل.
# وكيف كان فحقيقته اليوم غير معلومة لنا، والرجوع إلى العرف مع اختلافه
~~واختلاف العلماء في كل عصر - بل واختلاف العرف في أعصار السالفين كما يظهر
~~من المحقق (1) والشهيد الثاني (2) وغيرهما (3) - يوجب إشكالا عظيما، فيكون
~~من باب المشتبه، وقد مر الكلام في حكم المشتبه.
# ثم إن استثناء الوبر مما لا خلاف فيه بين أصحابنا، ونقل عليه الاجماع
~~جماعة منهم إذا كان خالصا عن وبر الأرانب والثعالب وغيرهما (4).
# والأخبار الصحيحة وغيرها بذلك متظافرة، سيما ما اشتمل على أنهم عليهم
~~السلام كانوا يلبسونها، فإنها بخصوصها أيضا في غاية الكثرة، ولا حاجة إلى
~~ذكرها (5).
# وأما الممتزج بما ذكر فالمشهور أيضا عدم الجواز، ونقل غير واحد من
~~الأصحاب كالمحقق (6) والعلامة (7) وغيرهما (8) عن كثير منهم أنه إجماعي.
# PageV02P316
# ويدل عليه عموم ما دل على المنع عن وبر الأرانب والثعالب ونحوهما عموما
~~وخصوصا (1)، وخصوص مرفوعة أحمد بن محمد (2)، ومرفوعة أيوب بن نوح (3).
# وأما رواية داود الصرمي قال: سألته عن الصلاة في الخز يغش بوبر الأرانب
~~فكتب: (يجوز ذلك) (4) ومثلها روايته الأخرى (5)، فحملها الشيخ على التقية،
~~ونسبها إلى الشذوذ (6).
# ولكن الصدوق قال بعد نقلها: وهذه رخصة، الآخذ بها مأجور، ورادها ms0447 مأثوم،
~~والأصل ما ذكره أبي في رسالته إلي: (وصل في الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر
~~الأرانب (7)، ولعل مراده الرخصة في حال التقية.
# وأما جلده فالمشهور فيه الجواز أيضا، ومنعه ابن إدريس، وادعى عدم الخلاف
~~فيه (8)، واختاره العلامة في المنتهى (9)، والأقرب الأول.
# لنا: الإطلاقات، والعمومات، منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة
~~(10)، وموثقة معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن
~~الصلاة في الخز، فقال: (صل فيه (11).
# PageV02P317
# وخصوص رواية ابن أبي يعفور المتقدمة (1).
# وصحيحة سعد بن سعد عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن جلود الخز، فقال:
~~(هو ذا نحن نلبس) فقلت: ذاك الوبر جعلت فداك، قال: (إذا حل وبره حل جلده
~~(2) فإن تعليق حكم الجلد على حكم الوبر الذي جواز الصلاة فيه إجماعي يقتضي
~~جواز الصلاة في الجلد.
# وللمانع: الأخبار الدالة على المنع في كل ما لا يؤكل لحمه (3)، والجواب
~~التخصيص بتلك الأخبار.
# لا يقال: إن النسبة بين تلك العمومات المجوزة عموم من وجه، فلا وجه
~~للترجيح.
# لأنا نقول: مع أن لنا خاصا مطلقا أيضا، فعموماتنا معتضدة بالأصل والشهرة،
~~ولا تعارضها هذه العمومات.
# والثاني: السنجاب، وفيه للأصحاب قولان، نسب الجواز إلى الأكثر العلامة
~~(4)، وعدمه الشهيد الثاني (5)، وادعى في المبسوط عدم الخلاف في الجواز فيه
~~وفي الحواصل (6)، وظاهر ابن زهرة نقل الاجماع على العدم (7) على ما نقل
~~عنهما، والأخبار فيه مختلفة.
# PageV02P318
# ولا يبعد ترجيح الجواز للنصوص المستفيضة، منها الصحاح، مثل صحيحة الحلبي
~~عن الصادق عليه السلام: إنه سأله عن أشياء منها الفراء والسنجاب، فقال:
# (لا بأس بالصلاة فيه) (1).
# ورواية مقاتل بن مقاتل قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في
~~السمور والسنجاب والثعالب، فقال: (لا خير في ذلك كله، ما خلا السنجاب، فإنه
~~دابة لا تأكل اللحم) (2).
# وفي رواية علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله وأبا الحسن عليهما
~~السلام عن لباس الفراء إلى أن قال، فقال: (لا بأس بالسنجاب، فإنه دابة لا
~~تأكل اللحم) (3).
# و صحيحة أبي علي بن راشد قال، قلت لأبي ms0448 جعفر عليه السلام: ما تقول في
~~الفراء أي شئ يصلى فيه؟ قال: (أي الفراء؟) قلت: الفنك والسنجاب والسمور،
~~قال: (فصل في الفنك والسنجاب، وأما السمور فلا تصل فيه) (4).
# ورواية بشير بن بشار، قال: سألته عن الصلاة في الفنك والفراء والسنجاب
~~والسمور والحواصل التي تصاد ببلاد الشرك أو بلاد الاسلام، أيصلى فيه من غير
~~تقية؟ قال، فقال: (صل في السنجاب والحواصل الخوارزمية، ولا تصل في الثعالب
~~ولا السمور) (5) إلى غير ذلك من الأخبار (6).
# ولا يضر بالاستدلال وجود غير السنجاب مما لا يرضى به الفقهاء في بعضها
# PageV02P319
# كما مر غير مرة.
# احتج المانع بالعمومات.
# وفيه: أنها لا تقاوم الخاص.
# فإن قيل: إن موثقة ابن بكير المتقدمة (1) مبتنية على السؤال عن الخاص،
~~فهي في حكم المنصوص بالخصوص.
# قلت: نعم، ولكنها لا تقاوم الخاصة الصريحة، سيما مع كثرتها واعتضادها
~~بغيرها. والظاهر أن العاملين على الجواز أكثر.
# وأما ما قيل في توجيه أخبار الجواز بالحمل على التقية (2)، ففيه: أنها
~~مشتملة على المنع عما يقول به العامة أيضا، فإنهم يجوزون الصلاة في غير
~~مأكول اللحم مطلقا.
# ومع هذا كله فالأحوط الاجتناب.
# ثم إن الجواز مشروط بالتذكية، وهو ذو نفس سائلة فميتته نجسة أيضا.
# قال في الذكرى: وقد اشتهر بين التجار المسافرين أنه غير مذكى، ولا عبرة
~~بذلك، حملا لتصرف المسلمين على ما هو الأغلب (3).
# وأما السمور والفنك، فالمشهور فيهما المنع، وعن الصدوق في المقنع القول
~~بالجواز (4)، والأخبار الواردة بجوازهما (5) محمولة على التقية.
# قال في المصباح المنير: إن الفنك نوع من جراء الثعلب الرومي، ولهذا قال
~~الأزهري وغيره: هو معرب، وحكى له بعض المسافرين أنه يطلق على فرخ ابن آوى
# PageV02P320
# في بلاد الترك (1)، انتهى.
# التاسع: أجمع علماء الاسلام على حرمة الحرير على الرجال، نقله غير واحد
~~من أصحابنا (2)، والأخبار به متضافرة (3).
# وكذلك بطلان الصلاة فيه للرجال إجماعي كما نقله غير واحد (4)، ووافقنا
~~بعض العامة فيما لو حصل الستر بالحرير (5)، وأطبق الباقون على صحتها (6).
# وتدل عليه الصحاح وغيرها من الأخبار الكثيرة، منها صحيحة محمد بن عبد
~~الجبار المتقدمة ms0449 في المبحث السابق (7).
# ومنها صحيحته الأخرى قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله هل يصلى
~~في قلنسوة حرير محض، أو قلنسوة ديباج؟ فكتب عليه السلام: (لا تحل الصلاة في
~~حرير محض) (8).
# وصحيحة إسماعيل بن سعد الأحوص قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام، هل
~~يصلي الرجل في ثوب إبريسم؟ فقال: (لا) (9).
# PageV02P321
# وصحيحته الأخرى قال: سألته عن الثوب الإبريسم هل يصلي فيه الرجال؟
# قال: (لا) (1) إلى غير ذلك (2).
# وأما صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن
~~الصلاة في ثوب ديباج، فقال: (ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس) (3) فقد
~~حملها الشيخ على حال الحرب (4)، ولا بأس به.
# ولا خلاف بين الأصحاب في جواز اللبس حال الحرب، وادعى عليه المحقق اتفاق
~~علمائنا في المعتبر (5)، والشهيد في الذكرى (6).
# وتدل عليه أخبار كثيرة، مثل موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن لباس الحرير والديباج، فقال: (أما في الحرب فلا بأس به، وإن كان
~~فيه تماثيل) (7).
# وموثقة ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عنه عليه السلام، قال: (لا يلبس الرجل
~~الحرير والديباج إلا في الحرب) (8).
# ورواية إسماعيل بن الفضل (9).
# PageV02P322
# ورواية الحسين بن علوان (1) إلا أنه قيد فيها بما لم يكن فيه التماثيل،
~~ويحمل على الأولوية.
# وقد يعلل بأنه موجب لتقوية القلب، ولمحافظة الجسد عن ضرر الزرد (2)،
~~والعمدة هو الاجماع والأخبار.
# وكذلك لا خلاف بينهم في جواز اللبس مع الاضطرار إليه من جهة البرد والحر
~~وغيرهما، ونقل عليه الاجماع جماعة (3).
# ويدل عليه العقل والنقل من الكتاب (4) والسنة (5)، مثل ما دل على نفي
~~العسر والحرج، وقولهم عليهم السلام: (ليس شئ مما حرم الله إلا وقد أحله لمن
~~اضطر إليه (6) و (رفع عن أمتي ما لا يطيقون)) (7) وغير ذلك.
# وقد روى العامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه رخص لعبد الرحمن بن عوف
~~والزبير بن العوام في القميص الحرير في السفر من حكة كانت بهما أو وجع كان
~~بهما (8)، وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله، ولم ms0450 يذكر السفر (9)، وفي
~~رواية أخرى: أنهما شكوا القمل فرخص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما (10).
# PageV02P323
# والشهيد في الذكرى (1) والعلامة في التذكرة (2) جعلا القمل من العذر
~~المجوز لذلك تعديا عن النص، اعتمادا على العلة، وهي الضرورة.
# واستدل على ذلك في التذكرة بقوله عليه السلام: (حكمي على الواحد حكمي على
~~الجماعة) (3).
# وقال في المعتبر: ويقوى عندي عدم التعدية (4).
# أقول: إن ثبت الأصل فالظاهر التعدي لأنه من باب دلالة التنبيه، ولم نقف
~~على الرواية من طريق الأصحاب، إلا ما ذكره الصدوق في الفقيه، قال: (لم يطلق
~~النبي صلى الله عليه وآله لبس الحرير لأحد من الرجال إلا عبد الرحمن بن
~~عوف، وذلك أنه كان رجلا قملا) (5) وهو غير معلوم السند، نعم إن بلغ ذلك حد
~~الضرورة بحيث يستلزم الحرج فهو داخل تحتها.
# واعلم أن عدم وجود الساتر غير الحرير ليس من باب الضرورة، فلا يصلي فيه
~~حينئذ، بل يصلي عريانا، لعدم الساتر المشروع.
# وتتميم المبحث يستدعي رسم مسائل:
# الأولى: اختلفوا في جواز الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة منه، مثل التكة
~~والقلنسوة والجورب ونحو ذلك.
# والأقوى العدم، وفاقا للمفيد (6) وابن الجنيد (7) والعلامة في المختلف
~~(8)
# PageV02P324
# وفخر المحققين (1) والشهيد في البيان (2) والمحقق الأردبيلي (3) وصاحب
~~المدارك (4) والمحقق البهائي (5)، وجل من تأخر عنه، مثل العلامة المجلسي
~~(6)، ووالده (7)، وصاحب الكفاية (8) وغيرهم (9).
# وقال الصدوق: لا تجوز الصلاة في تكة رأسها من إبريسم (10).
# وذهب الشيخ إلى الكراهة (11)، وكذا أبو الصلاح (12) وابن إدريس (13)،
~~واختاره كثير من المتأخرين (14).
# لنا: استصحاب شغل الذمة بالصلاة، والعمومات الكثيرة المانعة عن الحرير
~~(15)، وخصوص صحيحتي محمد بن عبد الجبار المتقدمتين (16)، وهو مقتضى
# PageV02P325
# صريح فقه الرضا (1).
# واحتجوا بالأصل، وبجواز الصلاة فيها إذا كانت نجسة، وبما رواه الحلبي عن
~~الصادق عليه السلام، قال: (كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة
~~فيه، مثل التكة والقلنسوة والخف والزنار تكون في السراويل، ويصلى فيه) (2).
# والأصل لا يقاوم الدليل، سيما مثل هذه الأدلة.
# والثاني قياس محض، مع أنه مع الفارق، للفرق بين المانع الذاتي والعرضي،
~~ولذلك لا نقول بجوازها ms0451 من الميتة أيضا وكذلك مما لا يؤكل لحمه كما مر.
# والرواية ضعيفة بأحمد بن هلال (3). وما ذكره ابن الغضائري من قبول روايته
~~إذا روى عن ابن أبي عمير عن نوادره والحسن بن محبوب عن كتاب المشيخة (4)
~~معارض بعدم قبول العلامة له مطلقا (5)، مع أنه لم يعلم أن ما رواه عن ابن
~~عمير هنا رواه عن نوادره.
# والقول بانجبار ضعفها بالشهرة مدفوع بأن الشهرة التي يحصل بها جبر الضعف
~~غير معلومة فيما نحن فيه، فلاحظ نقلة الأقوال مثل العلامة في المختلف
~~والمحقق في المعتبر وابن فهد في المهذب وغيرهم (6)، فإنهم إنما نسبوا القول
~~إلى الشيخ وابن إدريس وأبي الصلاح، والمحقق نسبه إلى الشيخ فقط، وتردد هو،
~~ثم رجح الكراهة في كتبه الثلاثة (7).
# مع أن الشيخ في الاستبصار عقد الباب هكذا (باب كراهة الصلاة في الإبريسم
# PageV02P326
# المحض) ثم ذكر الأخبار الواردة في المنع عن الصلاة في الثوب الحرير المحض
~~من جملتها صحيحة محمد بن عبد الجبار (1)، فظهر أن مراده بالكراهة الحرمة أو
~~القدر المشترك، فليست الكراهة صريحة في المصطلح.
# لا يقال: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع المتقدمة (2) عامة في الجواز،
~~خرج الساتر وملابس النساء بالدليل وبقي الباقي. فإنه تخصيص لا يرضى به أهل
~~التحقيق كما لا يخفى على المطلع بالأصول.
# لا يقال: إن صحيحة محمد بن عبد الجبار (3) أيضا عامة ولا بد من تخصيصها
~~بغير النساء، لأن السؤال عن القلنسوة وهي من ملابس الرجال، مع أن الغالب من
~~الرواة أنهم يسألون عن حال الرجال، لظهور حال النساء عندهم كما سنشير إلى
~~ذلك.
# مع أنا لو عملنا على رواية الحلبي فلا بد أن نطرح تلك الصحاح أو نحملها
~~على الكراهة، وهو مطلقا غير صحيح، وإرادة الكراهة والحرمة معا استعمال للفظ
~~في المعنى الحقيقي والمجازي، وهو غير صحيح كما حققناه في الأصول (4)،
~~وإرادة عموم المجاز يحتاج إلى قرينة.
# مع أن التأويل إنما يصح مع التكافؤ والغلبة، وقد عرفت الحال.
# مع أن صحيحة محمد بن إسماعيل لا تخلو من شئ، فإنه قد يتأمل في ms0452 كون
~~الديباج حريرا محضا، وإن كان الأظهر ذلك بالنسبة إلى ملاحظة بعض الأخبار.
# PageV02P327
# وقال في المغرب: الديباج الثوب الذي سداه ولحمته إبريسم وعنده اسم للنقش
~~(1).
# قال في الوافي: الديباج نوع من الثياب يتخذ من الحرير، وكأنه حرير منقوش،
~~فارسي معرب، ويقال لثوب الكعبة ديباج الكعبة لنقشه كما ورد في حديث مسمع
~~(2)، فلعل الحرير يطلق على ما لا نقش له ويقابل الديباج (3).
# وأما ما اعترض بعضهم على صحيحة محمد بن عبد الجبار: بأن نفي الحلية لا
~~يفيد الحرمة، فإن انتفاء الإباحة بالمعنى المصطلح يحصل بثبوت الكراهة أيضا
~~(4)، فهو في غاية الوهن، لأن المتبادر من الحلال هو الإباحة بالمعنى الأعم،
~~بنفيها تثبت الحرمة.
# وأما ما يؤيد ذلك بما دل على جواز الكف، فتحقيق الجواب عنه: أن كلام
~~الفقهاء معنون بمقامين، وذكروا كلا من المسألتين على حدة، أحدهما: ما ذكرنا
~~من اختلافهم في الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة. والثاني: الصلاة في الثوب
~~المكفوف بالحرير، فالمعروف بين المتأخرين الجواز فيه (5).
# وقال في الذكرى بعد نقل الرواية الدالة على الكراهة الآتية: وبه أفتى
~~الأصحاب (6).
# وقال في المدارك: وربما ظهر من عبارة ابن البراج المنع عنه (7) وبه قطع
~~المرتضى
# PageV02P328
# في بعض مسائله (1)، ومال إلى المنع المحقق البهائي (2)، والمحقق
~~الأردبيلي (3)، وتردد فيه صاحب الكفاية (4). والأظهر الأول.
# واحتجوا على ذلك بما رواه العامة عن عمر: إن النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم نهى عن الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع (5).
# وروت أسماء في الصحاح أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله جبة كسروانية لها
~~لبنة ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج، وكان النبي صلى الله عليه وآله
~~يلبسها (6).
# وبما رواه أصحابنا عن جراح المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه
~~كان يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج (7).
# وفي دلالة الأخيرة تأمل، لمنع ثبوت الحقيقة الشرعية في الكراهة، وضعف
~~الأخبار لا يضر مع انجبارها بعمل الأصحاب.
# وحجة المنع: العمومات.
# والجواب: منع تبادر ذلك منها، إذ لا يصدق عليه الثوب، ولا يصدق على من
~~صلى في الثوب ms0453 الموصوف أنه صلى في الحرير، بخلاف الصلاة في القلنسوة والجورب
~~والخف، بل والتكة أيضا، سيما في اصطلاح الأخبار، وخصوصا فيما ورد في الصلاة
~~في الثياب فلاحظها. وتؤيده الرواية الآتية في الأزرار أيضا.
# والمراد بالكف ما يجعل على رؤس الأكمام وحول الذيل، سواء جعل على بطانته
~~أو ظهارته، وحول الزنق، وهو موضع الزناق، أعني الجلدة التي هي تحت
# PageV02P329
# الحنك، وبعبارة أخرى: ما يحيط بالعنق من الثوب. وكذلك اللبنة، وهو الجيب،
~~ويقال له: جريبان الثوب، والظاهر أنه معرب كريبان، فيشمل ما يفتل من
~~الإبريسم أو ينسج مسطحا أو مدورا وغير ذلك، وعدم شمول أخبار المنع لكل ذلك
~~ظاهر.
# وأما الزرور التي تسوى مثل الحبوب والحبال التي يعقد بها مفاصل الثياب،
~~فالظاهر أنها غير داخلة في شئ من العناوين، والأظهر اتحاد حكمها مع الكف،
~~لعدم انصراف الإطلاقات والعمومات إليها، ولخصوص صحيحة صفوان بن يحيى، عن
~~يوسف بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا بأس بالثوب أن
~~يكون سداه وزره وعلمه حريرا، وإنما كره الحرير المبهم للرجال) (1).
# وروى ابن بابويه بإسناده عن يوسف بن محمد بن إبراهيم مثله (2)، ولعله عمل
~~به أيضا، ولا ينافي ذلك قوله بالمنع عن الصلاة في تكة رأسها من إبريسم، إذ
~~لعله كان من جهة نص خاص.
# وأما موثقة عمار عن الصادق عليه السلام في حديث قال: وعن الثوب يكون علمه
~~ديباجا، قال: (لا يصلى فيه) (3) فلا تعارض ما ذكرنا، لاعتضاده بعمل
~~الأصحاب.
# وكذلك ما رواه في قرب الإسناد بسنده، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه
~~السلام، قال: سألته عن الرجل، هل يصلح له لبس الطيلسان فيه الديباج
~~البرنكان (4) عليه حرير؟ قال: (لا) (5) وسألته عن الديباج، هل يصلح لبسه
~~للنساء؟
# قال (لا بأس) (6) سيما وهي غير واضحة الدلالة كما لا يخفى.
# PageV02P330
# الثانية: الحرير المنهي عنه هو الحرير المحض، فلا يضر المخلوط بالقطن أو
~~الكتان أو الخز أو غيره مما تجوز الصلاة فيه، وهو إجماعي كما نص عليه غير
~~واحد.
# ويدل عليه لفظ (المحض) في الأخبار المتقدمة، ms0454 وخصوص الأخبار الكثيرة
~~الناصة على جواز المخلوط، مثل صحيحة البزنطي (1)، ورواية عبيد بن زرارة
~~(2)، ورواية إسماعيل بن الفضل (3) وغيرها.
# ولا فرق بين كون الخليط أقل أو أكثر، ويصدق ولو كان عشرا، ما لم يكن
~~مستهلكا بحيث يصدق على الثوب أنه إبريسم، كما نص عليه في المعتبر (4).
# ولا ترفع المحضية خياطته بغير الإبريسم، ولا كون بطانته فقط غير الحرير
~~أو ظهارته فقط، ولا النقش عليه بغير الإبريسم.
# ولا يخفى أن المتبادر من المحض والخليط هو ما كان بحسب النسج، وأما لو
~~وصلت قطعات من حرير بقطعات من كرباس ونحوه وخيط منها ثوب ففيه إشكال، ويمكن
~~جعله من باب العلم، ويظهر حكمه مما سبق.
# ويمكن أن يقال بالمنع، نظرا إلى العمومات والاستثناء المذكور في الأخبار
~~الكثيرة، مثل رواية زرارة (5) وغيرها الناهية عن الحرير إلا إذا كان من
~~حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه خز أو قطن أو كتان، والمشترطة نفي البأس عن
~~القز بما إذا كان سداه أو لحمته من قطن أو كتان ونحو ذلك (6)، فيبقى الباقي
~~تحت المستثنى منه، ورواية إسماعيل بن الفضل عن الصادق عليه السلام: في
~~الثوب يكون فيه الحرير،
# PageV02P331
# فقال: (إن كان فيه خلط فلا بأس) (1).
# وأما قولهم عليهم السلام: (إنما يكره الحرير المبهم للرجال) فلا يفيد
~~الجواز، إذ المبهم في مقابل المخلوط، لا الموصول بالغير كما لا يخفى.
# فلو فرض نسج ثوب له خطوط متساوية كل خط منها موضع أربع أصابع أو أكثر،
~~ويكون خط منها حريرا محضا والآخر مخلوطا وهكذا فتصح الصلاة فيها.
# ولو وصلت القطعات على هذا الأسلوب فالأظهر عدم الجواز.
# ومما ذكرنا يظهر الإشكال في حكم ما لو خيط من الإبريسم على الكرباس متصلا
~~بحيث يحيط الثوب كما هو المتداول الآن في سراويل النساء.
# وأما المحشو بالقز، ففيه قولان، ظاهر المشهور المنع على ما يظهر من
~~المعتبر (2) والتذكرة (3)، حيث نسبا الجواز إلى الشافعي، وظاهر الذكرى
~~جوازه (4)، واستحسنه بعض المتأخرين (5).
# واحتجوا بالعمومات، وبأنه إسراف. وفي تبادره من العمومات منع، وكذلك في
~~كونه إسرافا مطلقا.
# ويدل ms0455 على الجواز ما رواه الحسين بن سعيد قال: قرأت في كتاب محمد بن
~~إبراهيم إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن الصلاة في ثوب حشوه قز، فكتب
~~إليه قرأته: (لا بأس بالصلاة فيه) (6) وطريق الشيخ إلى الحسين صحيح كما في
~~الخلاصة (7).
# PageV02P332
# وظاهره جزم الحسين بكون ذلك عن الإمام، فلا يرد تضعيف المحقق بأنه لم
~~يسمعه من محدث، وإنما رآه في كتاب (1).
# وفي معنى هذه الرواية رواية سفيان بن السمط، وفي الفقيه كتب - يعني
~~إبراهيم بن مهزيار - إلى أبي محمد الحسن عليه السلام: في الرجل يجعل في
~~جبته بدل القطن قزا، هل يصلي فيه؟ فكتب: (نعم، لا بأس به) وأوله بقز
~~الماعز، وهو أيضا بعيد (2).
# ولكن الاحتياط في الترك، ويمكن حمل الروايات على التقية.
# الثالثة: لا خلاف في جواز لبس الحرير للنساء عند أهل العلم، بل هو بديهي
~~من الدين.
# وأما جوازه في الصلاة فالمشهور فيه أيضا ذلك، خلافا للصدوق، فقال:
# لم ترد الرخصة بجواز صلاتهن فيه، فالنهي عن الصلاة في الإبريسم المحض على
~~العموم للرجال والنساء (3).
# ولعله أراد بذلك العموم رواية زرارة، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام نهى
~~عن لباس الحرير للرجال والنساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه
~~خز أو قطن أو كتان، وإنما يكره الحرير المحض للرجال والنساء (4).
# وهي مع ضعفها وعدم وضوح دلالتها لا تقاوم أدلة المشهور، مثل موثقة ابن
~~بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام، قال: (النساء يلبسن الحرير
~~والديباج إلا في الإحرام) (5).
# PageV02P333
# ورواية يوسف بن إبراهيم المتقدمة (1)، وروايته الأخرى، وفي آخرها: (إنما
~~يكره المصمت من الإبريسم للرجال، ولا يكره للنساء) (2) وجهالة يوسف لا تضر
~~مع كون صفوان بن يحيى من جملة الرواة عنه.
# وأما وجه عدم شمول مثل صحيحة محمد بن عبد الجبار لها فظهر مما مر.
# ويؤيد ذلك أيضا: أن الرواة مكررا كانوا يسألون عن حال الرجال، فكأن حكم
~~الجواز للنساء كان مفروغا عنه عندهم، ولزوم الحرج والعسر الشديد في نزعهن
~~إياه في حال الصلاة وتبديله.
# ويشهد ms0456 بحقية ذلك فعل المسلمين في الأعصار والأمصار من دون نكير، مع كونه
~~مما تعم به البلوى.
# وبالجملة فالظاهر عدم الإشكال في المسألة والحمد لله.
# الرابعة: الأظهر جواز الافتراش بالحرير والركوب عليه، قال في المدارك:
~~وهو المعروف من مذهب الأصحاب (3)، وممن صرح بجواز الصلاة عليه أيضا الشهيد
~~في الذكرى (4) وابن الجنيد (5).
# وحكى في المختلف عن بعض المتأخرين القول بالمنع (6)، وتردد في المعتبر
~~لعموم تحريمه على الرجال (7).
# لنا: الأصل، وصحيحة علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن
# PageV02P334
# الفراش الحرير ومثله من الديباج، والمصلى الحرير هل يصلح للرجل النوم
~~عليه والتكأة والصلاة؟ قال: (يفترشه ويقوم عليه، ولا يسجد عليه) (1).
# ورواية مسمع بن عبد الملك عن الصادق عليه السلام أنه قال: (لا بأس أن
~~يأخذ من ديباج الكعبة فيجعله غلاف مصحف، أو يجعله مصلى يصلي عليه) (2)
~~والعمومات يخرج عنها بعد تسليم تبادر ما نحن فيه منها بما ذكرنا من الخبر
~~المشهور الصحيح المتكرر في الكتب وغيره.
# الخامسة: في وجوب اجتناب الخنثى عن الحرير قولان، والأحوط الاجتناب.
# وأما الصبي فالأظهر عدم وجوب المنع على الأولياء كما اختاره المحقق (3)
~~ومن تأخر عنه (4)، للأصل.
# وقيل: يجب (5)، لقوله عليه السلام: (حرام على ذكور أمتي) (6). وفي شموله
~~للصبي منع واضح.
# وأما قول جابر: (كنا ننزعه عن الصبيان ونتركه على الجواري) (7) فقال في
~~المعتبر: يمكن أن يكون للتنزه والمبالغة في التورع، قال: والأشبه عندي
~~الكراهة، ولا بأس به خروجا عن الخلاف، واحتياطا للشبهة (8).
# PageV02P335
# العاشر: لا خلاف بين الأصحاب في تحريم لبس الذهب للرجال كما صرح به
~~الفاضل المجلسي رحمه الله.
# والظاهر أن اتفاقهم على حرمة اللبس للرجال مستلزم لاتفاقهم على بطلانها
~~به أيضا.
# قال في البحار: وأما تحريم لبس الذهب للرجال فلا خلاف فيه، وإنما الخلاف
~~في بطلان الصلاة فيما لا تتم فيه، ذهب العلامة والأكثر إلى البطلان (1)،
~~انتهى، وهو الظاهر من كلام الفاضلين (2) وغيرهما (3)، حيث خصوا ذكر الخلاف
~~في البطلان بما لا تتم فيه الصلاة.
# وأما المموه والمخلوط بالذهب بأن تكون لحمته أو سداه ذهبا، وكذلك ms0457 الخاتم
~~المموه ففيه أيضا خلاف بينهم، وصرح في التحرير بالبطلان (4)، ولعله قول
~~الأكثر.
# وقال في الذكرى: ورابعها الذهب، والصلاة فيه حرام على الرجال، فلو موه به
~~ثوبا وصلى فيه بطلت، بل لو لبس خاتما منه وصلى فيه بطلت صلاته، قاله الفاضل
~~(5)، لقول الصادق عليه السلام: (جعل الله الذهب حلية لأهل الجنة، فحرم على
~~الرجال لبسه والصلاة فيه) رواه موسى بن أكيل النميري (6)، وفعل المنهي عنه
~~مفسد للعبادة.
# وقوى في المعتبر عدم الإبطال بلبس الخاتم من الذهب لإجرائه مجرى لبس خاتم
~~مغصوب (7)، والنهي ليس عن فعل من أفعال الصلاة، ولا عن شرط من شروطها.
# PageV02P336
# ثم قال: ولو موه الخاتم بالذهب فالظاهر تحريمه، لصدق اسم الذهب عليه، نعم
~~لو تقادم عهده حتى اندرس وزال مسماه جاز، ومثله الأعلام على الثياب من
~~الذهب، أو المموه به في المنع من لبسه والصلاة فيه، ونقل فيه عن أبي الصلاح
~~كراهة المذهب والملحم بالذهب والحرير (1)، وهو الظاهر من ابن حمزة (2)،
~~وكذلك الخاتم المموه بالذهب (3).
# فلنذكر الأخبار الواردة في هذا الباب:
# وهي موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، رواها الشيخ والصدوق في العلل في
~~جملة حديث، وقال: (لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلي فيه، لأنه من لباس أهل
~~الجنة) (4).
# ورواية موسى بن أكيل النميري عنه عليه السلام: في الحديد: (أنه حلية أهل
~~النار، والذهب حلية أهل الجنة، وجعل الله الذهب في الدنيا زينة النساء،
~~فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه، وجعل الله الحديد في الدنيا زينة الجن
~~والشياطين، فحرم على الرجل المسلم أن يلبسه في الصلاة، إلا أن يكون قبال
~~عدو فلا بأس به) قال، قلت: فالرجل في السفر يكون معه السكين في خفه لا
~~يستغني عنها، أو في سراويله مشدودا، والمفتاح يخشى إن وضعه ضاع أو يكون في
~~وسطه المنطقة من حديد، قال: (لا بأس بالسكين والمنطقة للمسافر في وقت
~~ضرورة، وكذلك المفتاح إذا خاف الضيعة والنسيان) (5) الحديث.
# وروى في الخصال، عن جابر الجعفي، عن الباقر عليه السلام، قال: (يجوز
# PageV02P337
# للمرأة لبس الديباج أو الحرير في ms0458 غير صلاة، وإحرام، وحرم ذلك على الرجال
~~إلا في الجهاد، ويجوز أن تتختم بالذهب وتصلي فيه، وحرم ذلك على الرجال، قال
~~النبي صلى الله عليه وآله: (يا علي لا تتختم بالذهب فإنه زينتك في الجنة،
~~ولا تلبس الحرير فإنه لباسك في الجنة) (1).
# وفي عوالي اللآلي: قال النبي صلى الله عليه وآله مشيرا إلى الذهب
~~والحرير:
# (هذان محرمان على ذكور أمتي دون إناثهم) (2).
# وفي الفقه الرضوي: (ولا تصل في جلد الميتة على كل حال، ولا في خاتم ذهب،
~~ولا تشرب في آنية الذهب والفضة، ولا تصل على شئ من هذه الأشياء إلا ما يصلح
~~لبسه) (3).
# وفي أخبار كثيرة أخر المنع عن التختم بالذهب (4).
# وهذه الأخبار وإن كان في دلالة أكثرها على المطلوب تأمل باعتبار سياق
~~الروايات، وأكثر أسنادها ضعيفة، إلا أن عمل الأصحاب في غير ما لا تتم فيه
~~الصلاة وعمل الأكثر فيما لا تتم فيه الصلاة يعين ما ذكرنا.
# وفي استفادة حرمة الأزرار والكف من تلك الأخبار تأمل واشكال ينشأ من
~~العمومات، سيما مثل قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله) (5) ومن التعليل
~~الوارد في تلك الأخبار بأنه الزينة في الجنة، وعموم قوله عليه السلام:
~~(هذان محرمان على ذكور أمتي) (6) وغير ذلك.
# وعلى تقدير التحريم كما هو الأظهر ففي بطلان الصلاة فيها واستفادة ذلك من
# PageV02P338
# هذه الأخبار أيضا إشكال، والأحوط الاجتناب، بل الأظهر. وكذلك العلم وغيره
~~كما صرح به في الذكرى (1).
# ولا يبعد استفادة الحكمين من رواية النميري، فإن تفريع تحريم اللبس على
~~تحريم التزين به - ومن أفراد التزين به أن يلبس ثوبا علمه من الذهب أو زره
~~أو كفه - يفيد ذلك.
# ولعل العلامة والشهيد وغيرهما أيضا فهموا ذلك من هذه الرواية فأفتوا
~~ببطلان الصلاة في المموه به والملحم وغير ذلك، سيما وصدق لبس الذهب في
~~العرف إنما يتحقق غالبا في أمثال ذلك لغاية ندرة لباس يكون من الذهب
~~الخالص، هذا الكلام في الرجال.
# وأما النساء فلا خلاف في عدم المنع مطلقا، وتدل عليه الروايات أيضا.
# وأما حمله واستصحابه مسكوكا ms0459 كان أو غير مسكوك فلم نقف على شئ يدل على
~~بطلان الصلاة به، فلا وجه للتأمل فيه.
# نعم إن اجتنب عنه سيما لو لم يخف نسيانه وتلفه وخصوصا في غير المسكوك كما
~~قد يستفاد من رواية النميري لكان أولى وأحوط، بل الظاهر أن اخراجه فيما لو
~~خيف ضياعه مرجوح بل قد يحرم.
# الحادي عشر: المشهور بين أصحابنا بطلان الصلاة في الثوب المغصوب، وأنه
~~يجب أن يكون مباح الاستعمال بالملك أو بالإذن الصريح أو الفحوى أو بشاهد
~~الحال، حتى قال الشهيد في البيان: لا يجوز في الثوب المغصوب ولو خيطا (2).
# وادعى في الذكرى الاجماع على أصل الحكم (3).
# PageV02P339
# لكن المنقول عن الفضل بن شاذان من قدمائنا عدمه كالمكان، ويظهر من كلامه
~~أنه كان ذلك مشهورا بين الشيعة (1).
# قال في المعتبر: لم أقف على نص عن أهل البيت عليهم السلام بإبطال الصلاة،
~~وإنما هو شئ ذهب إليه المشايخ الثلاثة منا وأتباعهم، والأقرب أنه إن كان
~~ستر به العورة أو سجد عليه أو قام فوقه كانت الصلاة باطلة، لأن جزء الصلاة
~~يكون منهيا عنه وتبطل الصلاة بفواته. وأما إذا لم يكن كذلك لم تبطل وكان
~~كلبس خاتم مغصوب (2).
# وقال في المدارك: المعتمد ما اختاره، لتوجه النهي إلى شرط العبادة فيفسد،
~~فيفسد المشروط (3).
# وقد ظهر لك مما حققناه في المكان أنه لا وجه لجميع ما ذكر، لمنع امتناع
~~اجتماع الأمر والنهي، سيما فيما كان بينهما عموم من وجه كما فيما نحن فيه.
# وكذلك لا يدل النهي على فساد الشرط، والحرمة لا تستلزم الفساد، سيما فيما
~~كان الشرط من الأمور التوصلية ولم يكن نفس عبادة، وجميع ذلك قد حققناه في
~~الأصول.
# وكذلك لا وجه لما قد يستدل بأن رد المال إلى المالك واجب، وقد يوجب ذلك
~~منافاة الصلاة كما إذا استوجب الفعل الكثير، والأمر بالشئ يستلزم النهي عن
~~ضده الخاص لمنع الاستلزام أولا، ومنع دلالة النهي على الفساد ثانيا، ومنع
~~دلالة خصوص مثل هذا النهي ثالثا.
# ولو أذن المالك للغاصب وغيره جازت الصلاة فيه، وأما مع ms0460 الإذن المطلق فقد
~~لا ينصرف إلى الغاصب لحكم عادة الغالب بذلك، إلا أن يظهر رضاه مطلقا.
# وكيف كان فلا دليل على بطلان الصلاة يمكن أن يعتمد عليه، والإجماع الذي
# PageV02P340
# ادعاه بعضهم إن كان مستندا إلى هذه القاعدة كما هو الظاهر فحاله ظاهر،
~~سيما مع مخالفة الفضل بن شاذان، وإلا فيمكن الاعتماد عليه، فلم يبق إلا
~~الشهرة والروايتان المتقدمتان في المكان، وقد عرفت حالهما، والاحتياط مما
~~لا ينبغي أن يترك على كل حال.
# الثاني عشر: تكره الصلاة في أمور:
# منها ثوب فيه تمثال، وكذلك الخاتم، وهو المشهور بين الأصحاب.
# وقال في المبسوط: إذا كان فيه تماثيل وصور لا تجوز الصلاة فيه.
# وقال فيه: لا يصلى في ثوب فيه تماثيل ولا في خاتم كذلك (1).
# وعن ابن البراج تحريم الصلاة في الخاتم الذي فيه صورة (2).
# والأقوى الكراهة، جمعا بين الأخبار المانعة والمجوزة مثل صحيحة ابن بزيع:
~~إنه سأل الرضا عليه السلام عن الثوب المعلم فكره ما فيه التماثيل (3).
# وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام: عن الثوب يكون في علمه مثال طير أو
~~غير ذلك، أيصلى فيه؟ قال: (لا) وعن الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير
~~أو غير ذلك، قال: (لا تجوز الصلاة فيه (4).
# وما رواه في المحاسن في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام،
~~قال: وسألته عن الثوب يكون فيه التماثيل أو في علمه، أيصلى فيه؟ قال:
# (لا يصلى فيه) (5).
# PageV02P341
# وفي قرب الإسناد بسنده، عن علي بن جعفر، عنه عليه السلام، قال: وسألته عن
~~الخاتم يكون فيه نقش تماثيل، سبع أو طير، أيصلى فيه؟ قال: (لا بأس (1).
# وصحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام: في حديث أنه أراه خاتم أبي الحسن
~~عليه السلام وفيه وردة وهلال في أعلاه (2)، إلى غير ذلك مما ورد في النهي
~~والرخصة.
# ثم إن ظاهر الأكثر عدم الفرق بين صورة الحيوان وغيره، وخصه ابن إدريس
~~بصورة الحيوان (3).
# ولا يبعد ترجيح مذهب ابن إدريس، نظرا إلى تتبع الأخبار واستفادة إرادة ذي
~~الروح منها، وكذلك بالنظر إلى كلام ms0461 بعض اللغويين (4)، وإن كان ظاهر أكثرهم
~~العموم.
# وقال في المصباح المنير: وفي ثوبه تماثيل، أي صور حيوانات مصورة (5).
# ويؤيده كل ما دل على جواز تصوير غير ذوات الأرواح من الآية والأخبار
~~المتظافرة المعتبرة، وكل ما دل من الأخبار على أن إحداث نقص في صورة
~~الحيوان يكفي في رفع الكراهة، مثل صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه
~~السلام، قال:
# (لا بأس أن تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه (6).
# ويستفاد من بعض الأخبار الواردة في الصلاة على البساط أن الصورة إذا كانت
~~لها عين واحدة لا تضر (7)، وفي بعضها الاكتفاء بكسر رؤس التماثيل، فإن
~~الحيوان
# PageV02P342
# الناقص ليس بأقل من صورة شجرة وغيرها (1).
# وأما الدراهم التي فيها التماثيل فالمشهور فيها أيضا كراهة استصحابها في
~~الصلاة، وتزول أو تخف بشدها في هميان أو خرقة وشدها في وسطه بحيث تكون
~~الدراهم خلفه، كما يستفاد من الأخبار (2)، لا بمعنى أن يضعها خلفه. ولعل
~~النكتة أن ذلك أبعد من توهم عبادة غيره تعالى، فلا يجعل بينه وبين القبلة
~~شيئا.
# والأخبار الواردة في المنع، أكثرها ظاهرة في الكراهة، واردة بمثل لفظ (لا
~~أحب) و (لا أشتهي) ونحو ذلك.
# فمن جملة ما ورد صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق عليه السلام:
# أنه سأل عن الدراهم السود تكون مع الرجل وهو يصلي مربوطة أو غير مربوطة،
~~فقال: (ما أشتهي أن يصلي ومعه هذه الدراهم التي فيها التماثيل) ثم قال:
# (ما للناس بد من حفظ بضائعهم، فإن صلى وهي معه فلتكن من خلفه، ولا يجعل
~~شيئا منها بينه وبين القبلة) (3).
# وصحيحة حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الدراهم
~~السود التي فيها التماثيل، أيصلي الرجل وهي معه؟ فقال: (لا بأس بذلك إذا
~~كانت مواراة) (4).
# ويدل على الجواز صريحا صحيحة ابن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن
~~الرجل يصلي وفي ثوبه دراهم فيها تماثيل، فقال: (لا بأس بذلك) (5).
# وفي الخصال في حديث الأربعمائة عن علي عليه السلام: (ولا يعقد الرجل
# PageV02P343
# الدراهم التي ms0462 فيها صورة في ثوبه وهو يصلي، ويجوز أن تكون الدراهم في
~~هميان أو في ثوب إذا خاف ويجعلها في ظهره) (1).
# ومنها: استصحاب الحديد، خاتما كان أو غيره، للنصوص المستفيضة إلا إذا كان
~~مستورا.
# وقال الشيخ في النهاية: لا تجوز الصلاة إذا كان مع الانسان شئ من حديد
~~مشتهر، مثل السكين والسيف، وإن كان في غمد أو قراب فلا بأس بذلك (2)، ويؤدي
~~مؤداه كلام ابن البراج (3).
# والأول أقرب، حملا للأخبار المانعة على الكراهة، لأنها بين ضعيفة في
~~السند وقاصرة في الدلالة، مع أن جمهور الأصحاب حملوها على ذلك، وفهمهم
~~قرينة واضحة، منها موثقة عمار عن الصادق عليه السلام: في الرجل يصلي وعليه
~~خاتم حديد، قال: (لا، ولا يتختم به الرجل، فإنه من لباس أهل النار) (4).
# ورواية السكوني وقد مرت (5).
# ورواية النميري (6).
# وفي مرسلة أحمد بن محمد بن أبي الفضل المدائني عن الصادق عليه السلام،
~~قال: (لا يصلي الرجل وفي تكته مفتاح حديد) (7) قال الكليني: وروي إذا كان
# PageV02P344
# المفتاح في غلاف فلا بأس (1).
# ويظهر من هذه الرواية عدم الاكتفاء بالستر بالثياب، فلا يكفي كون المفتاح
~~في الكيس مثلا حتى يلف في خرقة أو يدرج في غلاف، لأن الغالب أن التكة
~~مستورة بالقميص.
# وقال المحقق: وتسقط الكراهة مع ستره، وقوفا بالكراهة على موضع الوفاق ممن
~~كرهه (2).
# ولا يبعد الاكتفاء بمطلق الستر كما هو ظاهر الأصحاب، لما رواه الطبرسي في
~~الاحتجاج، عن الحميري: أنه كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام يسأله عن الفص
~~الخماهن، هل تجوز فيه الصلاة إذا كان في إصبعه؟ فكتب الجواب: (فيه كراهية
~~أن يصلى فيه).
# وسأله عن الرجل يصلي وفي كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد، هل يجوز
~~ذلك؟ فكتب في الجواب: (جائز) (3).
# والخماهن: هو الحجر الأسود الذي يجعل منه الفص كما ذكره بعض أهل اللغة
~~(4)، وقيل: هو الحديد الصيني (5)، ولعلهما واحد.
# والأحوط الاجتناب عن الحديد في غير الغلاف والخرقة، سيما الخاتم، للتأكيد
~~الوارد في الأخبار.
# ومنها: الصلاة في ثوب من لا يتحرز عن النجاسة، للأخبار الكثيرة، منها
~~صحيحة ms0463 عبد الله بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام عن الذي
~~يعير ثوبه
# PageV02P345
# لمن يعلم أنه يأكل الجري ويشرب الخمر فيرده، أيصلي فيه قبل أن يغسله؟
~~قال:
# (لا يصلي فيه حتى يغسله) (1).
# وصحيحة العيص بن القاسم عنه عليه السلام: في الرجل يصلي في إزار المرأة
~~وفي ثوبها ويعتم بخمارها، قال: (نعم إذا كانت مأمونة) (2) إلى غير ذلك.
# وإنما حملناها على الكراهة، للأصل والاستصحاب، والأخبار الكثيرة الدالة
~~على عدم جواز نقض اليقين إلا بيقين، فقد روى عبد الله بن سنان في الصحيح،
~~عنه عليه السلام، قال: سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر: إني
~~أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي،
~~فأغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: (صل فيه ولا تغسله
~~من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجسه) (3).
# وفي صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: عن الصلاة في ثوب المجوس، قال:
~~(يرش بالماء) (4).
# ويمكن تخصيص الكراهة بغير الأثواب التي ينسجها الكفار، كالثياب السابرية
~~وغيرها، لشيوع البلوى، وعظم الابتلاء، فقد روى معاوية بن عمار في الصحيح،
~~قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثياب السابرية تعملها المجوس وهم
~~أخباث يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال، ألبسها ولا أغسلها وأصلي فيها؟
~~قال:
# (نعم).
# قال معاوية: فقطعت له قميصا وخطته وفتلت له أزرارا ورداءا من السابري، ثم
# PageV02P346
# بعثت بها إليه في يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فكأنه عرف ما أريد، فخرج
~~فيها إلى الجمعة (1).
# ومنها: ما مر من كراهة الصلاة فيما يشترى من مستحل الميتة بالدباغ من
~~المسلمين، وفي الثوب الذي يلي الفراء المعمول من جلود الثعالب وأشباهها،
~~وقيل فيه بالتحريم (2)، وهو ضعيف.
# ومنها: الإمامة بغير رداء عند أكثر الأصحاب (3)، ومطلق الصلاة عند
~~الشهيدين (4)، وهو أظهر، ولكنه لقليل الثوب أو رقيقه، أو لمن كان عليه
~~سراويل فقط، أو إزار فقط آكد، حتى أنه يضع تكة على عاتقه أو حبلا إن لم يجد ms0464
~~غيرهما.
# وقال بعض المتأخرين: إن الذي يظهر من الأخبار أن الرداء إنما يستحب
~~للإمام وغيره إذا كان في ثوب واحد لا يستر منكبيه، أو يكون صفيقا وإن ستر
~~منكبيه، لكنه في الإمام آكد. وإذا لم يجد ثوبا يرتدي به مع كونه في إزار أو
~~سراويل فقط يجوز أن يكتفي بالتكة والسيف والقوس ونحوها. ويمكن القول
~~باستحباب الرداء مع الأثواب المتعددة أيضا (5).
# لكن الذي ورد التأكيد الشديد فيه يكون مختصا بما ذكرنا.
# وأما ما هو الشائع من جعل منديل أو خيط على الرقبة في حال الاختيار مع
~~لبس الأثواب المتعددة ففيه شائبة بدعة.
# واستدل على ذلك بصحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن رجل أم قوما في قميص ليس عليه رداء، فقال: (لا ينبغي إلا
# PageV02P347
# أن يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها) (1).
# ورواية أبي مريم الأنصاري قال: صلى بنا أبو جعفر عليه السلام في قميص بلا
~~إزار ولا رداء ولا أذان ولا إقامة، فلما انصرف قلت له: عافاك الله صليت بنا
~~في قميص بلا إزار ولا رداء ولا أذان ولا إقامة؟! فقال: (إن قميصي كثيف، فهو
~~يجزي أن لا يكون علي إزار ولا رداء، وإني مررت بجعفر وهو يؤذن ويقيم فلم
~~أتكلم فأجزأني ذلك) (2).
# وصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، أنه قال: (أدنى ما يجزئك أن تصلي
~~فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحي الخطاف) (3).
# وصحيحة عبد الله بن سنان قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل ليس
~~معه إلا سراويل، قال: (يحل التكة منه فيطرحها على عاتقه، ويصلى) قال:
# (وإن كان معه سيف وليس معه ثوب فليتقلد السيف ويصلي قائما) (4).
# وصحيحة محمد بن مسلم (5) ورواية جميل (6) أيضا تدلان على استحباب أن يجعل
~~على عاتقه حبلا أو منديلا أو نحو ذلك لمن صلى في سراويل أو إزار.
# وأنت خبير بأن هذه الأخبار لا تنفي استحباب الرداء في غير الصور المذكورة
~~كما لا يخفى على المتأمل، لأن غاية السبب الخاص إفادة حكم الخاص ms0465 فقط لو لم
~~يكن الجواب عاما، وأما نفيه عن الغير فلا.
# فإن قلت: نعم، ولكن ثبوته في الغير يحتاج إلى دليل.
# قلت: يمكن الاستدلال بصحيحة زرارة المتقدمة، فإنها مطلقة لا اختصاص لها
# PageV02P348
# بالعاري أو رقيق الثوب، وقوله عليه السلام: (أدنى ما يجزئ) يشعر بإرادة
~~الرداء الاضطراري.
# مع أنه يمكن ادعاء الظهور للإمام مطلقا من صحيحة علي بن جعفر قال: سألته
~~عن الرجل هل يصلح له أن يجمع طرفي ردائه على يساره؟ قال: (لا يصلح جمعهما
~~على اليسار، ولكن أجمعهما على يمينك أو دعهما) وسألته عن السيف هل يجري
~~مجرى الرداء يؤم القوم في السيف؟ قال: (لا يصلح أن يؤم في السيف إلا في حرب
~~(1).
# وفي رواية أخرى: (إن عليا عليه السلام، قال: السيف بمنزلة الرداء تصلي
~~فيه ما لم تر فيه دما، والقوس بمنزلة الرداء (2).
# بل يمكن ادعاء أنه يظهر من الأخبار كون ذلك شعارا للمسلمين مطلقا، وأن
~~هذا كان من جهة استفادتهم ذلك من الشرع، مع أن الشيخ أبا الفتح الكراجكي
~~روى في كنز الفوائد عن علي عليه السلام أنه قال لنوف البكالي: (هل تدري من
~~شيعتي؟) قال: لا والله، قال: (شيعتي الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين
~~تعرف الرهبانية والربانية في وجوههم، رهبان بالليل، أسد بالنهار، الذين إذا
~~جنهم الليل اتزروا على أوساطهم، وارتدوا على أطرافهم، وصفوا على أقدامهم،
~~وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم
~~(3) الحديث.
# وربما يستشكل بأن الظاهر من صحيحة محمد بن مسلم وما في معناها: أن المصلي
~~لا يحسن أن يكون منكبه مكشوفا، لا استحباب الرداء، وتؤيده رواية أبي بصير
~~أنه قال لأبي عبد الله عليه السلام: ما يجزئ الرجل من الثياب أن يصلي فيه؟
# فقال: (صلى الحسين بن علي عليهما السلام في ثوب قد قلص عن نصف ساقه
# PageV02P349
# وقارب ركبتيه، ليس على منكبيه منه إلا قدر جناحي الخطاف، وكان إذا ركع
~~سقط عن منكبيه، وكلما سجد يناله عنقه فرده على منكبيه بيده، ولم يزل ذلك
~~دأبه ودأبه مشتغلا به ms0466 حتى انصرف) (1).
# وفيه: مع ما فيه من خلاف الظاهر وعدم ظهور التأييد أن رواية جميل تدفعه،
~~قال: سأل مرازم أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر معه، عن الرجل الحاضر
~~يصلي في إزار مؤتزرا به، قال: (يجعل على رقبته منديلا أو عمامة يرتدي بها)
~~(2).
# وأما كيفية الارتداء فهو أن يلقي الثوب على المنكبين، ثم يفعل بطرفيه ما
~~تضمنته صحيحة علي بن جعفر المتقدمة.
# ويظهر من الصحيحة وغيرها مثل رواية ابن بكير التي رواها الصدوق جواز
~~الإسدال (3).
# فأما الإسدال المنهي عنه في الأخبار المحكوم عليه بالكراهة في كلام
~~الأكثر، فربما فسر بأن يضع وسط الرداء على رأسه، ويرسل طرفيه، والذي لا ضرر
~~فيه هو فيما لو وضع وسطه على المنكبين.
# وربما فسر بأن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك.
# وروى الصدوق بسنده، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: (خرج أمير
~~المؤمنين عليه السلام على قوم فرآهم يصلون في المسجد قد أسدلوا أرديتهم،
~~فقال لهم: ما لكم قد سدلتم ثيابكم كأنكم يهود وقد أخرجوا من فهرهم، يعني
~~بيعهم، إياكم وسدل ثيابكم) (4) وجعل ابن الأثير مبنى هذا الحديث هو التفسير
~~الأول (5).
# PageV02P350
# وأما سدل الثوب مطلقا كما في العباءة فوق الأثواب والممطرة والفراء وغير
~~ذلك فالظاهر عدم الكراهة، وتدل عليه موثقة ابن بكير أنه سأل أبا عبد الله
~~عليه السلام عن الرجل يصلي ويرسل جانبي ثوبه، قال: (لا بأس) (1).
# في قرب الإسناد، عن الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه
~~السلام، قال: (إنما يكره السدل على الأزر بغير قميص، وأما على القميص
~~والجباب فلا بأس (2).
# ومنها: الصلاة في العمامة من دون حنك إجماعا كما في المعتبر والمنتهى
~~(3)، وبعبارة أخرى تكره الصلاة مقتعطا وفي الطابقية، لا أن الصلاة تكره في
~~القلنسوة الخالية أيضا، فمن حاول التعمم ينبغي أن لا يترك التحنك، إلا على
~~القول بكون ترك المستحب مكروها.
# وعن الصدوق القول بالتحريم، قال: وسمعت مشايخنا - رضي الله عنهم -
~~يقولون: لا تجوز الصلاة في الطابقية، ولا يجوز للمعتم ms0467 أن يصلي إلا وهو
~~متحنك (4).
# وقد ذكر جماعة من أصحابنا أنه لا نص في خصوص استحباب العمامة للصلاة (5)،
~~وليس كذلك، بل الروايات موجودة، منها ما ذكره في مكارم الأخلاق عن النبي
~~صلى الله عليه وآله، قال: (ركعتان بعمامة أفضل من أربع بغير عمامة) (6) وفي
~~كتاب عوالي اللآلي (7) وكتاب جامع الأخبار (8) أيضا ما يدل على ذلك.
# PageV02P351
# وكذلك ذكروا أنه لا خبر يدل على كراهة العمامة بدون التحنك في الصلاة، بل
~~ما يدل على ذلك عام لجميع الأوقات (1)، وعن عوالي اللآلي أيضا أنه صلى الله
~~عليه وآله، قال: (من صلى بغير حنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا
~~نفسه (2).
# ثم إن الظاهر من التحنك الوارد في الأخبار هو أن يدير جزء من العمامة تحت
~~الحنك ويغرزه في الطرف الآخر، وهو صريح كلام اللغويين (3).
# وقال في البحار: الذي نفهمه من الأخبار هو إرسال طرف العمامة من تحت
~~الحنك وإسداله، وأورد شطرا من الأخبار الدالة على كيفية عمامة رسول الله
~~صلى الله وآله والملائكة المسومين، وكيفية عمامة أمير المؤمنين عليه السلام
~~يوم الغدير، وعمامة علي بن الحسين عليه السلام، والأخبار الواردة في تعميم
~~الميت، فإنها كلها مشتملة على إسدال طرف العمامة (4).
# ويظهر من بعضها استحباب إسدال الطرفين أحدهما الذي بين الكتفين أقصر من
~~الذي على الصدر.
# فلنذكر منها ما رواه الكليني في الصحيح عن الرضا عليه السلام: في قول
~~الله عز وجل * (مسومين) * (5) قال: (العمائم، اعتم رسول الله صلى الله عليه
~~وآله فسدلها من بين يديه ومن خلفه، واعتم جبرئيل عليه السلام فسدلها من بين
~~يديه ومن خلفه (6).
# وما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال: (عمم رسول الله صلى الله
~~عليه وآله عليا عليه السلام بيده فسدلها من بين يديه، وقصرها من خلفه قدر
~~أربع
# PageV02P352
# أصابع، ثم قال: أدبر، فأدبر، ثم قال: أقبل، فأقبل، ثم قال هكذا تيجان
~~الملائكة) (1).
# وما رواه ابن طاوس عن كتاب الولاية لابن عقدة بإسناده إلى عبد الله بن
~~بشير صاحب رسول الله صلى الله ms0468 عليه وآله، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه
~~وآله يوم غدير خم إلى علي عليه السلام فعممه وأسدل العمامة بين كتفيه،
~~وقال: (هكذا أيدني ربي يوم حنين بالملائكة معممين قد أسدلوا العمائم، وذلك
~~حجز بين المسلمين والمشركين)) إلى آخر الخبر (2).
# وفي مقابل هذه الأخبار أخبار كثيرة تدل بظاهرها على إدارة العمامة تحت
~~الحنك، مثل ما رواه الكليني في الحسن عن ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن الصادق
~~عليه السلام: (من تعمم ولم يتحنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا
~~نفسه) (3).
# وعن عيسى بن حمزة قال: (من اعتم فلم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا
~~دواء له فلا يلومن إلا نفسه) (4).
# وروى الصدوق بسنده، عن عمار الساباطي، عن الصادق عليه السلام، قال:
# (من خرج في سفر فلم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا
~~يلومن إلا نفسه) (5).
# قال الصدوق: وقال النبي صلى الله عليه وآله: (الفرق بين المسلمين
~~والمشركين التحلي بالعمائم) قال الصدوق: وذلك في أول الاسلام وابتدائه (6).
~~وفي معنى
# PageV02P353
# ما ذكر أخبار أخر لا حاجة إلى ذكرها (1).
# وأنت خبير بأن ظاهر هذه الأخبار الإدارة تحت اللحيين، وما أوله صاحب
~~البحار بأن في صورة الإسدال أيضا إدارة من الخلف إلى جانب الصدر (2)، فهو
~~خروج عن ظاهر هذه الأخبار، وعن كلام اللغويين، فلاحظ كلماتهم (3).
# وجمع في الوسائل بين الأخبار بجعل هذه محمولة على وقت إرادة السفر
~~والحاجة (4).
# والسيد ابن طاوس جعل الروايات الأول في بيان العمامة التي يعتم بها
~~المسافر ليأمن عن خطر السفر (5).
# وظني أن كليهما حسن، والجمع بينهما أحسن.
# ثم إن التحنك لما صار في أمثال هذه البلاد مهجورا، فربما يقال: إن فعله
~~صار من لباس الشهرة المنهي عنه في الأخبار، مثل حسنة أبي أيوب الخزاز، عن
~~الصادق عليه السلام، قال: (إن الله يبغض شهرة اللباس) (6).
# ورواية ابن مسكان، عن رجل، عنه عليه السلام، قال: (كفى بالمرء خزيا أن
~~يلبس ثوبا لشهرة، أو يركب دابة لشهرة) (7).
# وفي رواية أخرى: (من لبس ثوبا يشهره ms0469 كساه الله يوم القيمة ثوبا من النار)
~~(8).
# PageV02P354
# وفي أخرى عن الصادق عليه السلام: (الشهرة خيرها وشرها في النار) (1).
# وربما يؤيد ذلك: بأن مضامين أكثر الأخبار المرغبة في التحنك مشتملة على
~~أن تاركه يصيبه داء لا دواء له، وما نراه بالعيان خلاف ذلك، بل ربما نرى
~~غير المتحنكين أسلم من المتحنكين، فلعله لأجل أنه صار من لباس الشهرة.
# ومنها: اشتمال الصماء، ففي الحسن عن زرارة، عن الباقر عليه السلام أنه
~~قال: (إياك والتحاف الصماء) قلت: وما التحاف الصماء؟ قال: (أن تدخل الثوب
~~من تحت جناحك فتجعله على منكب واحد) (2) ورواه في معاني الأخبار بسند صحيح
~~(3).
# وكلام أهل اللغة مختلف فيه، فقيل: أن تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الأعراب
~~بأكسيتهم، ويرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده
~~ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن، فيغطيهما جميعا (4).
# وقيل: أن يشتمل الرجل بثوب يجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا يخرج منه
~~يده (5) وقال في التذكرة: وتعبير الفقهاء أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره
~~ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه، فربما يبدو منه فرجه، والفقهاء
~~أعرف بالتأويل لما ورد عن الأئمة (6)، وهكذا نقله أبو عبيدة أيضا عن
~~الفقهاء (7).
# PageV02P355
# وكيف كان، فكراهة ذلك إجماعية بين العلماء، والأحوط الاجتناب عن الجميع،
~~سيما ما لا تنافيه الحسنة المتقدمة.
# ومنها: الاتزار فوق القميص، كما نقل عن أكثر الأصحاب (1)، وقيل:
# لا تستفاد كراهته من الأخبار (2)، بل الظاهر منها عدمها، وإنما ورد فيها
~~النهي عن التوشح فوق القميص، وهو غير الاتزار، قال الجوهري: توشح الرجل
~~بثوبه وسيفه إذا تقلد بهما (3).
# ونقل عن بعضهم أن التوشح إدخال الثوب تحت اليد اليمنى وإلقاؤه على المنكب
~~الأيسر كما يفعله المحرم (4)، وقيل غير ذلك (5).
# أقول: والأخبار واردة في كليهما، ففي صحيحة أبي بصير عن الصادق عليه
~~السلام، قال: (لا ينبغي أن تتوشح بإزار فوق القميص وأنت تصلي، ولا تتزر
~~بإزار فوق القميص إذا أنت صليت، فإنه من زي الجاهلية) (6) فهذه الرواية تدل
~~على كراهة ms0470 الاتزار أيضا، والأخبار الدالة على المنع من التوشح كثيرة (7).
# وأما صحيحة موسى بن القاسم قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام يصلي في قميص
~~قد اتزر فوقه بمنديل وهو يصلي (8).
# وصحيحة موسى بن عمر بن بزيع قال، قلت للرضا عليه السلام: أشد الإزار
# PageV02P356
# والمنديل فوق قميصي في الصلاة، فقال: (لا بأس) (1) فمحمولتان على الرخصة
~~والجواز، فلا ينافي الكراهة، مع احتمال إرادة التحزم كما يشهد به الاتزار
~~بالمنديل وعليه يحمل ما نقلناه عن كتاب الكراجكي، وعلى الاتزار تحت القميص،
~~فإنه لا كراهة فيه إجماعا كما نقله العلامة (2).
# وأما صحيحة حماد بن عيسى قال: كتب الحسن بن علي بن يقطين إلى العبد
~~الصالح عليه السلام، هل يصلي الرجل الصلاة وعليه إزار متوشح به فوق القميص؟
# فكتب: (نعم) (3) فهي محمولة على الرخصة جمعا بين الأخبار.
# ومنها: القباء المشدود في غير الحرب، ذكره أكثر الأصحاب، وحرمه ابن حمزة
~~(4).
# وقال المفيد: لا يجوز لأحد أن يصلي وعليه قباء مشدود إلا أن يكون في
~~الحرب فلا يتمكن أن يحله، فيجوز ذلك للاضطرار (5).
# وقال الشيخ في التهذيب بعد نقل العبارة: ذكر ذلك علي بن الحسين بن
~~بابويه، وسمعناه من الشيوخ مذاكرة، ولم أعرف به خبرا مسندا (6).
# وربما فهم منه المحزم (7)، واستدل عليه بما رواه العامة أنه صلى الله
~~عليه وآله قال: (لا يصلي أحدكم وهو محزم) (8).
# PageV02P357
# ورد بأنه لا دلالة فيه على ذلك (1).
# ومنهم من فهم منه مشدود الأزرار.
# ورد بأن ظاهر الأخبار كراهة حل الأزرار في الصلاة، وأنه من عمل قوم لوط
~~(2).
# وفيه: أن الظاهر من الأخبار المانعة عن الصلاة في الثوب المحلول الأزرار
~~هو ما يكون مظنة لتكشف العورة، وما دل على أنه من عمل قوم لوط الظاهر منه
~~إرادة الحل بين الصلاة، فإنه من العبث كسائر أعمالهم، أو تكون العلة فيها
~~أيضا ما ذكرنا معللا بأنه من عمل قوم لوط.
# أقول: ويحتمل إرادة الضيق الذي يوجب عدم حضور القلب ويمنع من بعض الآداب،
~~سواء حصل الضيق بسبب شد الأزرار أو غيره أيضا.
# ومنها: الصلاة في ms0471 الثوب الرقيق الغير الحاكي للون، لأخبار كثيرة، مثل
~~صحيحة محمد بن مسلم قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام صلى في إزار واحد ليس
~~بواسع قد عقده على عاتقه، فقلت له: ما ترى للرجل يصلي في قميص واحد؟
# فقال: (إذا كان كثيفا فلا بأس (3) وغيرها (4).
# فإن حكى لون العورة فلا تجوز الصلاة فيه.
# وفيما حكى الحجم قولان، أظهرهما الكراهة، للأصل، وحصول الستر عرفا، ولما
~~يظهر من الأخبار المعتبرة جواز الاكتفاء بقميص واحد إذا كان كثيفا، والغالب
~~أن القميص الكثيف قد يحكي الحجم، سيما إذا كان رطبا، وخصوصا في النسوان،
~~فإن أبدانهن عورة.
# PageV02P358
# وقيل بالبطلان (1)، محتجا بمرفوعة أحمد بن حماد عن الصادق عليه السلام،
~~قال: (لا تصل فيما شف أو وصف) (2) يعني الثوب الصيقل.
# قال في المدارك: كذا فيما وجدناه من نسخ التهذيب (3)، وذكر الشهيد في
~~الذكرى أنه وجده بلا (واو) بخط الشيخ أبي جعفر رحمه الله، وأن المعروف أو
~~وصف بواوين، قال: ومعنى شف لاحت منه البشرة، أو وصف حكى الحجم (4).
# وقريبة منها مرفوعة محمد بن يحيى (5).
# ولا يعارض بذلك ما قدمناه من الأدلة، وقد مر الإشكال في حديث التستر
~~بالنورة، والظاهر عدم الاكتفاء به في الصلاة.
# ومنها: اللثام للرجل والنقاب للمرأة، لصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه
~~السلام قال، قلت له: أيصلي الرجل وهو متلثم؟ فقال: (أما على الأرض فلا،
~~وأما على الدابة فلا بأس) (6) ويظهر منه خفة الكراهة في حال الركوب، وقد
~~مرت موثقة سماعة في مباحث ستر العورة، وههنا أخبار كثيرة تدل على الجواز
~~(7)، ووجه الجمع بينها وبين ما ذكرنا الكراهة.
# وأما صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، هل يقرأ الرجل في
~~صلاته وثوبه على فيه؟ فقال: (لا بأس بذلك إذا سمع الهمهمة) (8) وفي معناها
# PageV02P359
# روايات أخر (1)، فالظاهر أن المراد من مفهومها التحريم بناءا على وجوب
~~إسماع المصلي نفسه. وأما إذا منعا عن القراءة أو الأذكار الواجبة فلا ريب
~~في حرمتهما.
# ومنها: صلاة المرأة في خلخال له صوت، لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه ms0472 عليه
~~السلام، قال: سألته عن رجل صلى وفي كمه طير، قال: (إن خاف الذهاب عليه فلا
~~بأس) وقال: سألته عن الخلاخل هل يصلح للنساء والصبيان لبسها؟ فقال: (إن
~~كانت صماء فلا بأس، وإن كان لها صوت فلا يصلح (2).
# وعن ابن البراج: أنه لا تصح الصلاة فيه (3)، والرواية لا تدل عليه.
# قيل: والرواية تفيد الكراهة مطلقا، فلا وجه للتخصيص بحال الصلاة (4)،
~~ويمكن استشعار ذلك بمناسبة صدر الرواية.
# ومنها: صلاة المرأة عطلا - بضم العين والطاء المهملتين وتنوين اللام - أي
~~خال جيدها من القلائد، ففي رواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن علي عليه
~~السلام، قال: (لا تصلي المرأة عطلا) (5).
# وفي الفقيه قال الصادق عليه السلام: (لا ينبغي للمرأة أن تعطل نفسها، ولو
~~أن تعلق في عنقها قلادة، ولا ينبغي لها أن تدع يدها من الخضاب، ولو أن
~~تمسحها بالحناء مسحا وإن كانت مسنة) (6) وفي بعض الأخبار: (ولو تعلقن في
~~أعناقهن سبرا) (7)
# PageV02P360
# ومنها: الصلاة مختضبا، وإن كانت خرقته نظيفة، وهو مقتضى الجمع بين
~~الأخبار المانعة والمجوزة والمفصلة.
# ومنها: الصلاة في الثياب السود إلا في الخف والعمامة والكساء، وهو مضمون
~~روايات كثيرة.
# وفي الفقيه قال أمير المؤمنين عليه السلام فيما علم أصحابه: (لا تلبسوا
~~السواد، فإنه لباس فرعون) (1).
# وفي رواية عن الصادق عليه السلام: أنه لبسه من جهة التقية عن بني العباس،
~~ثم قال: (أما إني ألبسه وأنا أعلم أنه لباس أهل النار) (2) وهذه الأخبار
~~كلها مطلقة.
# وقال الكليني: وروي (لا تصل في ثوب أسود، وأما الخف والعمامة والكساء فلا
~~بأس) (3).
# وفي القلنسوة السوداء روايتان مصرحتان بالنهي عنها في الصلاة معللتان
~~بأنها لباس أهل النار، إحداهما في الكافي، والأخرى في العلل (4).
# ومنها: الصلاة في الثوب المشبع اللون بالحمرة، أو الأعم، ففي قوية مالك
~~بن أعين قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وعليه ملحفة حمراء شديدة
~~الحمرة، فتبسمت حين دخلت، فقال: (كأني أعلم لم ضحكت، ضحكت من هذا الثوب
~~الذي هو علي، إن الثقفية أكرهتني عليه، وأنا أحبها فأكرهتني على لبسها، ثم
~~قال:
# PageV02P361
# (إنا ms0473 لا نصلي في هذا، ولا تصلوا في المشبع المضرج) (1) الحديث.
# وفي موثقة حماد بن عثمان عن الصادق عليه السلام، قال: (تكره الصلاة في
~~الثوب المصبوغ المفدم) (2) وفسر المفدم بالحمرة المشبعة وبكل مشبع أيضا
~~(3).
# وفي رواية يزيد بن خليفة عنه عليه السلام: أنه كره الصلاة في المشبع
~~بالعصفر، والمضرج بالزعفران (4).
# ومنها: الصلاة فيما يستر ظهر القدم ولا يغطي المفصل الذي بين القدم
~~والساق وشيئا من الساق، فعن أكثر القدماء التحريم (5)، وهو فتوى الفاضلين
~~(6)، والباقون على الكراهة (7)، وصرح كثير من الأصحاب بعدم النص (8).
# واستدل المانعون بعدم صلاة النبي صلى الله عليه وآله والصحابة والتابعين
~~في هذا النوع.
# ولعلهم أرداوا بذلك عدم الصلاة بعنوان الالتزام الدال على الحرمة، وإلا
~~فلا يتم الاستدلال بعد تسليم النقل.
# أقول: قال ابن حمزة في الوسيلة: وروي أن الصلاة محظورة في النعل السندية
~~والشمشك (9)، فهذه الرواية مع عمل القدماء واستصحاب شغل الذمة
# PageV02P362
# يقوي الحرمة.
# ولكن الشيخ روى في كتاب الغيبة والطبرسي في كتاب الاحتجاج عن الحميري أنه
~~كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام يسأله، هل يجوز للرجل أن يصلي وفي رجليه
~~بطيط لا يغطي الكعبين أم لا يجوز؟ فكتب في الجواب: (جائز) (1).
# قال في القاموس: البطيط رأس الخف بلا ساق (2).
# أقول: وعلى ما حققنا في مباحث الوضوء من معنى الكعب لا يدل على مطلبهم.
# سلمنا عدم تعين معنى الكعب على ما ذكرنا، فلا أقل من تشابه دلالة تلك
~~الرواية، ومقتضى الجمع بين الروايتين حمله على ما لا يستر ظهر القدم.
# والظاهر أن الحرمة أو الكراهة ثابتتان فيما يستر أكثر ظهر القدم أيضا.
~~وأما ما لا يستر أكثر ظهر القدم كالنعال العربية، أو ما له ساق كالجرموق
~~والخف فلا خلاف في جواز الصلاة فيه، وعدم الكراهة، بل ويظهر من الأخبار
~~استحبابها في النعال (3)، والظاهر أنها العربية، بل ذكر بعض الأصحاب أنه
~~تستحب الصلاة فيها عند علمائنا (4).
# فائدة:
# يستحب التطيب في الصلاة بالمسك وغيره، فعن الصادق عليه السلام، قال:
# (صلاة متطيب أفضل من سبعين صلاة بغير طيب) (5).
# PageV02P363
# المقصد الرابع في ms0474 القبلة وفيه مطلبان:
# المطلب الأول: في حقيقتها وفيه مباحث:
# الأول: اختلف الأصحاب في حقيقة القبلة، فعن أكثر القدماء منهم الشيخان
~~(1) وسلار (2) وابن حمزة (3) وابن البراج (4) أن البيت قبلة المسجد،
~~والمسجد قبلة الحرم، والحرم قبلة الدنيا، وهو مذهب المحقق في الشرائع (5)،
~~وعن الشيخ (6) والمحقق الطبرسي ادعاء الاجماع عليه.
# PageV02P364
# عن السيد (1) وابن الجنيد (2) وأبي الصلاح (3) وابن إدريس (4) والمحقق في
~~المعتبر والنافع (5) والعلامة (6) وأكثر المتأخرين (7): أنه عين الكعبة لمن
~~يتمكن (8) من غير مشقة كثيرة، كمن كان في بيوت مكة، بمعنى وجوب محاذاتها لا
~~مشاهدتها، وجهتها لغيره، وهو أقرب.
# أما وجوب المحاذاة للمشاهد ومن بحكمه فالظاهر أنه إجماع من الفريقين كما
~~نقله المحقق (9)، وإن كان المنقول عن بعض أصحاب القول الأول خلاف ذلك (10).
~~وتدل عليه موثقة عبد الله بن سنان الآتية وغيرها من الأخبار الآتية (11).
# وأما أن جهتها قبلة لغيرهما فللأخبار المتظافرة، مثل حسنة الحلبي عن
~~الصادق عليه السلام، قال: سألته هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي
~~إلى بيت المقدس؟ قال: (نعم) فقلت: كان يجعل الكعبة خلف ظهره؟ فقال: (أما
~~إذا كان بمكة فلا، وأما إذا هاجر إلى المدينة فنعم، حتى حول إلى الكعبة)
~~(12).
# وفي رواية معاوية بن عمار - الموثقة ظاهرا - عنه عليه السلام قال، قلت
~~له:
# متي صرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الكعبة؟ قال: (بعد رجوعه
# PageV02P365
# من بدر) (1)، والأخبار المروية بهذا المعنى من الكثرة بمكان لا حاجة إلى
~~ذكرها (2).
# وروى الطبرسي في الاحتجاج عن العسكري عليه السلام: في احتجاج النبي صلى
~~الله عليه وآله على المشركين قال: (إنا عباد الله مخلوقون مربوبون، نأتمر
~~له فيما أمرنا، وننزجر مما زجرنا) إلى أن قال: (فلما أمرنا أن نعبده
~~بالتوجه إلى الكعبة أطعنا، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان
~~التي نكون بها فأطعنا، فلم نخرج في شئ من ذلك من اتباع أمره) (3).
# واحتج الآخرون برواية عبد الله بن محمد الحجال، عن بعض رجاله، عن الصادق
~~عليه السلام، قال: (إن الله تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد، وجعل
~~المسجد ms0475 قبلة لأهل الحرم، وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا) (4) وبمضمونها
~~روايات أخر (5)، وكلها ضعيفة.
# لكن الصدوق روى في العلل في الصحيح عن أبي غرة قال، قال أبو عبد الله
~~عليه السلام (البيت قبلة المسجد، والمسجد قبلة مكة، ومكة قبلة الحرم،
~~والحرم قبلة الدنيا) (6) وصححه (7) الفاضل المجلسي في شرح الفقيه (8)، ولم
~~أقف لأبي غرة على شئ في الرجال، ولعله أراد الصحة إليه.
# وكيف كان فهذه الأخبار لا تعارض ما قدمناه، والآية الشريفة (9) أيضا أوفق
# PageV02P366
# بإرادة الجهة والجانب، وإلا لكان ذكر الحرم متعينا.
# وأما ذكر المسجد الحرام فلعله كان لمقابلة المسجد الأقصى مقابلة لشماتة
~~الخصوم أبلغ قبال، فالمراد من الشطر الجانب والجهة، مع أنه يلزم على أرباب
~~هذا القول لو أبقي على ظاهره ما أورد عليهم من خروج بعض الصف المستطيل عن
~~سمت القبلة.
# ومما يرد عليهم أنه لا مناص لهم عن العمل بالأمارات في النائين، ومعلوم
~~أنها لا تفيد العلم بالمقابلة الحقيقية، وظاهرهم أنهم متفقون على ذلك،
~~والتفرقة بين جهة الحرم وجهة الكعبة غير معلومة الجهة. وبالجملة إبقاء هذه
~~الأخبار على ظاهرها والعمل عليها في غاية الإشكال.
# وقال الشهيد - رحمه الله ونعم ما قال - إن ذكر المسجد والحرم في هذه
~~الأخبار لعله إشارة إلى الجهة، فيرتفع الخلاف، وأن ذلك على سبيل التقريب
~~إلى أفهام المكلفين، وإظهارا لسعة الجهة، فإن البعد كلما كان أكثر كانت
~~الجهة أوسع (1).
# ويؤيد ذلك صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، أنه قال: (لا صلاة إلا إلى
~~القبلة) قلت له: أين حد القبلة؟ قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة كله) (2)
~~وفي معناها غيرها من الأخبار (3).
# والمراد من جهة الكعبة: هو جهة الفضاء المشتغل بها من تخوم الأرض إلى
~~أعنان السماء بلا خلاف بين العلماء، فتصح الصلاة على جبل أبي قبيس، وفي
~~السرداب تحت الكعبة.
# ويدل عليهما مضافا إلى الاجماع ظاهرا: أما الأول فروايات، منها موثقة عبد
~~الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: سأله رجل قال: صليت فوق
# PageV02P367
# أبي قبيس العصر، فهل يجزئ ذلك والكعبة تحتي؟ قال: (نعم، ms0476 إنها قبلة من
~~موضعها إلى السماء) (1).
# وأما في الثاني فهذه الروايات منضما إلى ما رواه الصدوق مرسلا قال، قال
~~الصادق عليه السلام: (أساس البيت من الأرض السابعة السفلى إلى الأرض
~~السابعة العليا) (2).
# الثاني: تجوز النافلة في جوف الكعبة مطلقا، والفريضة في حال الاضطرار
~~بإجماع العلماء كافة، نقله في المدارك (3). وتدل عليهما الأخبار أيضا (4).
# واختلفوا في الفريضة حال الاختيار، فنسب جوازها في التذكرة إلى أكثر
~~علمائنا (5)، وذهب الشيخ في أحد قوليه إلى التحريم (6)، وتبعه ابن البراج
~~(7)، وعن الشيخ دعوى إجماع الفرقة عليه، وهو أقوى.
# لنا: استصحاب شغل الذمة، وظاهر الآية (8) والأخبار المتظافرة (9)، فإن
~~التوجه إلى الشئ والاستقبال إليه لا يفهم منه عرفا إلا بأن يكون قدامه
~~بأجمعه، ولا يفهم منه استقبال الجزء حال كون المصلي داخلا فيه أو قائما
~~عليه.
# وخصوص الصحاح المستفيضة، وغيرها، مثل صحيحة محمد بن مسلم عن
# PageV02P368
# أحدهما عليهما السلام، قال: (لا تصل المكتوبة في الكعبة) (1).
# وصحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال: (لا تصلى المكتوبة في
~~جوف الكعبة، فإن النبي صلى الله عليه وآله لم يدخل الكعبة في حج ولا عمرة،
~~ولكنه دخلها في الفتح فتح مكة، وصلى ركعتين بين العمودين ومعه أسامة بن
~~زيد) (2) ومثلها موثقته (3).
# وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: (لا تصلح صلاة
~~المكتوبة في جوف الكعبة) (4).
# احتجوا (5) بأن القبلة نفس العرصة، لا مجموع البنية، ويكفي منها كل جزء
~~من أجزائها. ويظهر ضعفه مما تقدم.
# وموثقة يونس بن يعقوب قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: حضرت الصلاة
~~المكتوبة وأنا في الكعبة، أفأصلي فيها؟ قال: (صل) (6). وهي لا تقاوم ما
~~ذكرنا، لكونها موافقة للكتاب والسنة والاستصحاب. والرواية وإن كانت قوية
~~إلا أن رواياتنا أكثر وأصح (7).
# ولفظة (لا تصلح) في الرواية الأخيرة وإن سلمنا عدم دلالتها على الحرمة
~~فلا تدل على الكراهة أيضا.
# وأما الاعتضاد بالشهرة فهو أيضا غير واضح، لأن الاجماع المنقول لا يقصر
~~عن الشهرة، مع أن في أخبارنا المعلل أيضا، وهو مقدم على غيره، فنحملها
# PageV02P369
# على ms0477 الضرورة.
# ويدل على صحتها حال الضرورة مضافا إلى الاجماع موثقة محمد بن مسلم عن
~~أحدهما عليهما السلام، قال: (لا تصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة) (١)
~~وأما إذا خاف فوت الصلاة فلا بأس أن يصليها في جوف الكعبة.
# ورواية محمد بن عبد الله بن مروان، قال: رأيت يونس بمنى يسأل أبا الحسن
~~عليه السلام عن الرجل إذا حضرته صلاة الفريضة وهو في الكعبة فلم يمكنه
~~الخروج من الكعبة، قال: (يستلقي على قفاه، ويصلي إيماءا، وذكر قول الله عز
~~وجل:
# ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (2)
~~(3).
# والأمر بالاستلقاء فيه أيضا شاهد لما ذكرنا من عدم تحقق الاستقبال
~~باستقبال جدار البيت، سيما مع استدلاله عليه السلام بالآية التي وردت عنهم
~~عليهم السلام أنها نزلت في قبلة المضطر.
# وقال الكليني بعد نقل صحيحة محمد بن مسلم الأولى: وروي في حديث آخر:
~~(يصلي في أربع جوانبها إذا اضطر إليها) (4) ويظهر منه أيضا أنه لا يجوز في
~~حال الاختيار.
# ولعل المراد من الصلاة إلى أربع جوانب الرخصة في الصلاة إلى أيها شاء، لا
~~وجوب الصلاة إلى الجميع، لعدم وجود القائل به ظاهرا.
# PageV02P370
# وظاهرهم جواز الصلاة إلى أي جدرانها شاء، وكذلك القائل بالاستلقاء في
~~الكعبة غير معلوم.
# وأما الصلاة على سطح الكعبة مطلقا فلم نقف على مخالف في جوازه بين
~~الأصحاب، وإنما اختلفوا في كيفية الصلاة، فذهب الأكثر إلى الجواز قائما مع
~~إبرازه شيئا من السطح بين يديه ليصلي إليه، فيقوم ويركع ويسجد (1)، لما دل
~~على وجوب القيام والقعود والركوع والسجود.
# وذهب الشيخ في أحد قوليه (2) والصدوق (3) إلى أنه يصلي مستلقيا إلى البيت
~~المعمور، مومئا بركوعه وسجوده، لرواية عبد السلام بن صالح، عن الرضا عليه
~~السلام: في الذي تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة، قال: (إن قام لم يكن له
~~قبلة، ولكن يستلقي على قفاه، ويفتح عينيه إلى السماء، ويعقد بقلبه القبلة
~~التي في السماء البيت المعمور، ويقرأ، فإذا أراد أن يركع غمض عينيه، فإذا
~~أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه، والسجود ms0478 على نحو ذلك) (4) وادعى
~~الشيخ الاجماع على ذلك (5).
# قال بعض المتأخرين: ولو قيل إن تمكن من النزول وجب تحصيلا للبراءة
~~اليقينية وإلا صلى قائما لم يكن بعيدا، إلا أن يثبت الاجماع على نفي هذا
~~التفصيل (6)، انتهى. ويؤيده حكم الفريضة في جوفها على ما اخترناه.
# وربما تحمل الرواية على النافلة، وليس ببعيد إن لم يكن جواز الفريضة
~~إجماعيا.
# PageV02P371
# فائدة:
# قال في الذكرى: ظاهر كلام الأصحاب أن الحجر من الكعبة بأسره، وقد دل عليه
~~النقل أنه كان منها في زمن إبراهيم وإسماعيل إلى أن بنت قريش الكعبة
~~وأعوزتهم الآلات فاختصروها بحذفه، وكان كذلك في عهد النبي صلى الله عليه
~~وآله، ونقل عنه صلى الله عليه وآله الاهتمام بإدخاله في بناء الكعبة، وبذلك
~~احتج ابن الزبير حيث أدخله فيها، ثم أخرجه الحجاج بعده ورده إلى ما كان.
# ولأن الطواف يجب خارجه.
# وللعامة خلاف في كونه من الكعبة بأجمعه أو بعضه أوليس منها، وفي الطواف
~~خارجه، وبعض الأصحاب له فيه كلام أيضا، مع إجماعنا على وجوب إدخاله في
~~الطواف، وإنما الفائدة في جواز استقباله في الصلاة بمجرده، فعلى القطع بأنه
~~من الكعبة يصح، وإلا امتنع، لأنه عدول عن اليقين إلى الظن (1)، انتهى.
# قال في المدارك: ولم نقف على هذا النقل من طريق الأصحاب (2)، والمستفاد
~~من النصوص الصحيحة أن الحجر ليس من الكعبة، منها صحيحة معاوية بن عمار،
~~قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحجر، أمن البيت؟ قال: (لا، ولا
~~قلامة ظفر، ولكن إسماعيل دفن أمه فيه فكره أن توطأ فحجر عليه حجرا، وفيه
~~قبور أنبياء) (3) ولا تلازم بين وجوب إدخاله في الطواف وجواز الصلاة إليه
~~وحده.
# الثالث: يجب أن يتوجه أهل كل إقليم إلى جهة ركنهم، وذكر العلماء لكل منهم
~~علامات مشهورة مذكورة في كتب أصحابنا، مثل كتاب إزاحة العلة في معرفة
# PageV02P372
# القبلة لشاذان بن جبرئيل القمي (1)، وكتاب الذكرى (2)، وغيرهما.
# والمروي من جملة تلك العلامات: هو علامة أهل المشرق، أعني عراق العرب وما
~~والاه، فقد روى محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما ms0479 السلام، قال: سألته عن
~~القبلة، قال: (ضع الجدي في قفاك وصل) (3).
# وقال الصدوق: قال رجل للصادق عليه السلام: إني أكون في السفر، ولا أهتدي
~~إلى القبلة بالليل، فقال: (أتعرف الكوكب الذي يقال له جدي؟ قال:
# نعم، قال: اجعله على يمينك، وإذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك)
~~(4).
# ووجه أن ذلك علامة لأهل المشرق أن أغلب الرواة من أهل المشرق، ومحمد بن
~~مسلم كوفي.
# ولكن الذي ينطبق على الضوابط الهيئوية أو يقاربها: هو أن يكون ذلك علامة
~~لأواسط العراق كالكوفة وبغداد، وأما أطرافه الشرقية كالبصرة وما ساوها
~~فتحتاج إلى زيادة انحراف نحو المغرب، فيجعلون الجدي على الخد الأيمن كما
~~ذكره جماعة من الأصحاب (5).
# وأما أطرافه الغربية كالموصل وما ساواها فعلامتهم جعل المشرق والمغرب
~~الاعتداليين على اليسار واليمين. وجعل الشمس على طرف الحاجب الأيمن مما يلي
~~الأنف عند الزوال.
# وذكروا أيضا من جملة علاماتهم: جعل القمر ليلة السابع من كل شهر عند غروب
~~الشمس بين العينين، وكذلك ليلة إحدى وعشرين عند طلوع الفجر.
# PageV02P373
# قالوا: إن هذه المذكورات غير الجدي مأخوذة من القواعد الهيئوية (1)،
~~وكذلك كل ما ذكروه في غيرها مثل الاعتماد على الأرياح الأربع: الصبا
~~والدبور والشمال والجنوب، والكواكب وغيرها.
# وأوثقها العلامات الكوكبية، مثل أنهم ذكروا لأهل الشام جعل الجدي خلف
~~الكتف اليسرى، وسهيل عند طلوعه بين العينين، وعند غروبه على العين اليمنى،
~~وبنات النعش عند غيبوبتها خلف الأذن اليمنى.
# ولأهل المغرب جعل الجدي على الخد الأيسر، والثريا والعيوق على اليمين
~~واليسار.
# ولأهل البصرة وفارس جعل الجدي على الخد الأيمن، والشولة إذا نزلت للمغيب
~~بين العينين، والنسر الطائر عند طلوعه بين الكتفين.
# ولأهل السند والهند جعل الجدي على الأذن اليمنى، وسهيل عند طلوعه خلف
~~الأذن اليسرى وبنات النعش عند طلوعها على الخد الأيمن، والثريا عند غيبوبته
~~على (2) العين اليسرى.
# ولأهل اليمن جعل الجدي بين العينين، وسهيل عند غيبوبته بين الكتفين.
# وقال في الذكرى: أكثر الأصحاب ذكر خراسان في قبلة أهل العراق، وحكم
~~باتحاد العلامات، وبلغني أن بها محرابا للإمام أبي الحسن ms0480 الرضا عليه
~~السلام، فإن صح النقل فلا عدول عنه، وإلا فالأولى جواز الاجتهاد في التيامن
~~والتياسر، وإن كان الاستقبال إلى الركن العراقي، وكلام الأصحاب لا ينافيه
~~(3)، انتهى، هذا.
# وبعد ما تأملت في هذه العلامات، والمسامحة الفاحشة في كثير منها لعدم
# PageV02P374
# انضباطها، سيما الأرياح وحركة القمر، وخصوصا في العلامات المروية، فإن
~~جعل الإمام عليه السلام الجدي علامة من دون تحديد حال ارتفاعه وانخفاضه مع
~~تفاوت أوساط العراق أيضا وتفاوت طريق مكة أيضا يظهر لك أنه لا مناص عن
~~اعتبار الجهة، ويظهر لك وسعة دائرة أمر القبلة، وتسهيل الأمر فيها.
# وقال في الذكرى: إن تلك الأمارات أكثرها مأخودة من علم الهيئة، وهي مفيدة
~~للظن الغالب بالعين، وللقطع بالجهة (1).
# ولا أدري ما أراد بالعين والجهة، فإن أراد بالظن الغالب بالعين الظن
~~باتصال خط مستقيم خارج عن موقف المصلي لو فرض اخراجه إلى أصل البيت،
~~وبالجهة ما ذكره قبل ذلك حيث قال: (إن المراد بالجهة السمت الذي يظن كون
~~الكعبة فيه لا مطلق الجهة كما قال بعض العامة إن الجنوب قبلة لأهل الشمال
~~وبالعكس، والمشرق قبلة لأهل المغرب، وبالعكس، لأنا نتيقن بالخروج هنا عن
~~القبلة، وهو ممتنع، انتهى) (2)، فنقول: لا ريب أن الظن الغالب بذلك غير
~~ممكن، إذ الصف المستطيل المستقيم الذي بمقدار ألف نفر، بل وكل من يحاذي
~~المصلي في جانب طول البلد إلى فراسخ كذلك يستحيل حصول الظن بذلك (لكل واحد
~~منهم، فضلا عن الظن الغالب، بل يستحيل حصول ذلك الظن) (3).
# وإن أراد من العين محاذاة جهة العين كما يحاذي الهلال ألف ألف نفر، وكلهم
~~يصدق عليهم أنهم محاذون له عرفا، فإن الشئ الصغير كلما ازداد القوم عنه
~~بعدا ازدادوا محاذاة، فحصول الظن الغالب بذلك مسلم، ولكن لا يبقى لمعنى
~~الجهة شئ يقابل ذلك بعد ما ذكرنا سابقا، إلا أن يريد بها ما أراده بعض
~~العامة كما نقله العلامة (4)، وهو موجب للتهافت والإلغاز، اللهم إلا أن
~~يريد الظن في بادئ النظر
# PageV02P375
# ومع قطع النظر عن ملاحظة الآخر.
# تذنيب: المشهور بين الأصحاب استحباب ms0481 تياسر أهل المشرق عن مقتضى علائمهم،
~~وذهب الشيخ إلى وجوبه (1)، لرواية مفضل بن عمر: إنه سأل أبا عبد الله عليه
~~السلام عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة وعن السبب فيه، فقال: (إن
~~الحجر الأسود لما أنزل به من الجنة ووضع في موضعه، جعل أنصاب الحرم من حيث
~~يلحقه النور نور الحجر، فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال، وعن يسارها ثمانية
~~أميال، كلها اثني عشر ميلا، فإذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن حد
~~القبلة لقلة أنصاب الحرم، وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا من حد
~~القبلة) (2) وتقرب من ذلك مرفوعة علي بن محمد (3).
# وأورد على ذلك: بأن الانحراف إن كان إلى القبلة فواجب، وإن كان من القبلة
~~فحرام.
# وأجيب بأنه انحراف منها إليها، بمعنى اختيار التوسيط، وهذا إنما يتم على
~~القول بجعل قبلة خارج الحرم هو الحرم لتفاوت طرفيه.
# وقد جرى في ذلك سؤال وجواب بين المحقق الطوسي - قدس سره القدسي - والمحقق
~~الحلي - طاب ثراه - وحاصلهما ما ذكرنا، وكتب المحقق الحلي في ذلك رسالة،
~~وهي بتمامها مذكورة في مهذب ابن فهد (4).
# PageV02P376
# وأنت خبير بأن ملاحظة الجهة وامتناع اعتبار هذا التفاوت في النائي عادة
~~ينفي هذه الملاحظة، إلا أن يكون ذلك حكما تعبديا ذكر في الرواية علة لأصل
~~تشريعه، ولا يلزم الاطراد، ويشكل مع القول باعتبار جهة الكعبة مطلقا كما هو
~~المختار.
# ويظهر من بعض الأصحاب الجواب كذلك مع قطع النظر عن القول بكون الحرم قبلة
~~أهل الدنيا أيضا، بدعوى مزية بعض أجزاء البيت على بعض آخر. وهو أبعد من
~~الأول بالنظر إلى الواقع، وبالنظر إلى الرواية أيضا.
# وربما يقال: وجه هذا الحكم التنبيه على لزوم التياسر عن قبلة مساجد
~~العراق، فإن أكثرها بنيت خلافة الثاني وغيره، وكانت محاريبها منحرفة إلى
~~اليمين، وعلل في الرواية بما علل إسكاتا لهم على وجه خطابي لأجل التقية،
~~وهو بعيد.
# المطلب الثاني في الأحكام وفيه مباحث:
# الأول: يجب استقبال القبلة في الفرائض كلها مع الاختيار، بالكتاب (1)
~~والسنة (2) والإجماع، بل البديهة من الدين.
# وأما ms0482 حال الاضطرار كالخوف والمطاردة وغيرهما فلا يجب، لعدم التمكن، و
~~لقوله تعالى: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) * (3) فإنها ردت في قبلة
~~المتحير،
# PageV02P377
# ولصحيحة زرارة المتقدمة في الصلاة راكبا (1)، وما ورد في صلاة الخوف (2).
# وكذلك في النافلة إلا حال الاستقرار وعدم العذر، وخلاف المحقق فيه (3)
~~ضعيف، وقد مر.
# الثاني: يجب تحصيل العلم بالقبلة مع الإمكان، وقد مر الكلام في المتمكن
~~من المشاهدة، وأن وجوبها إجماعي.
# وكذلك العلم بالجهة لمن تمكن منه، لظاهر الآية والأخبار.
# وطرق العلم كثيرة، مثل التواتر، والخبر المحفوف بالقرائن، ومحراب
~~المعصوم، وقد يحصل العلم بإعمال القواعد الهيئوية.
# وأما فاقد العلم فيعتمد على الأمارات المفيدة للظن، وهو إجماعي، بل ادعى
~~في المعتبر عليه اتفاق أهل العلم (4)، وأكثر العلامات المتقدمة لا تفيد إلا
~~الظن، بل كلها.
# نعم بعضها في بعض المواضع من البلاد التي جعل علامة لها يفيد القطع فيما
~~انطبق على مقتضي القواعد الهيئوية، ومن باب العمل بالظن الظن بتلك
~~العلامات، مثل ما لو حصل الظن بالشمس في يوم الغيم أو ببعض الكواكب في ليلة
~~بسبب النور في الشمس أو العين أيضا في الكواكب، وبمثل الاعتماد ببعض
~~الكواكب، كما لو كان إذا كان في بلدة كانت الجوزاء مثلا في أول المغرب قبال
~~القبلة، ثم تحير في بادية فيحصل بذلك ظن قوي ونحو ذلك.
# PageV02P378
# وتدل عليه الأخبار، مثل صحيحة زرارة قال، قال أبو جعفر عليه السلام:
# (يجزئ التحري أبدا إذا لم يعلم أين وجه القبلة) (1).
# وموثقة سماعة قال: سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم ير الشمس ولا
~~القمر ولا النجوم، قال: (اجتهد رأيك، وتعمد القبلة جهدك) (2).
# وأوضح الأخبار في ذلك ما رواه السيد في رسالة المحكم والمتشابه نقلا عن
~~تفسير النعماني، عن الصادق عليه السلام (3).
# وبالجملة المعيار ما يفيد الظن للمكلف (من أي) (4) شئ يكون من القواعد
~~المذكورة والعلامات والأمارات المشهورة وغيرها مما يحصله المكلف.
# ولا يجوز العمل بالظن الأضعف مع وجود الأقوى، لكون الأضعف حينئذ وهما،
~~فتسميته ظنا إنما هو مع قطع النظر عن الأمارة الأخرى كما لا ms0483 يخفى، وتشعر
~~بذلك الروايات المتقدمة.
# وأما المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين، ومقابرهم، وطرقهم، فهي مما
~~تفيد الظن القوي، ويجوز الاكتفاء بها بلا خلاف بينهم، وقال في التذكرة إنه
~~إجماعي (5).
# ومقتضى إطلاقهم جواز العمل عليها مع إمكان تحصيل العلم أيضا، واختار في
~~المدارك العدم، لإمكان تحصيل اليقين (6)، وهو غير بعيد، حملا لإطلاقهم
# PageV02P379
# على الغالب.
# وأما مع عدم الإمكان فقالوا: لا يجوز الاجتهاد في الجهة حينئذ، لأن الخطأ
~~في الجهة مع استمرار الخلق واتفاقهم ممتنع أو بعيد، فلو خالف اجتهاده إياهم
~~فالخطأ منه، ولا يجوز العمل عليه.
# وأما في التيامن والتياسر ففيه قولان (1): من جهة أن إصابة الخلق الكثير
~~أقرب، ومن جهة عموم الأخبار (2)، وأنه لما لم يجب عليهم الاجتهاد فيهما
~~فلعل اكتفاءهم بالجهة لاعتمادهم على قبلة من قبلهم، لا لحصول الاجتهاد من
~~جميعهم وتوافقهم في ذلك.
# قال في الذكرى: وقد وقع في زماننا اجتهاد بعض علماء الهيئة في قبلة مسجد
~~دمشق وأن فيه تياسرا عن القبلة مع انطواء الأعصار الماضية على عدم ذلك (3).
# أقول: ولا يبعد ترجيح الجواز، سيما مع ما عرفت من المسامحة في أمر القبلة
~~والعلائم التي بنوا أمرها عليها. ثم إن إخبار الغير بالقبلة أيضا مما يفيد
~~الظن، فإن حصل له بسببه ظن أقوى من اجتهاده فيعمل عليه، لظاهر الأخبار (4)،
~~فإنه أيضا نوع من التحري والاجتهاد، فإن المأمور به الذي هو تحصيل الظن له
~~مقدمات، والمقدمات قد تكون من فعل المكلف، وقد يقوم فعل غيره مقامه أيضا،
~~فقد يكون وجوب المقدمة تخييرا بين المقدورات، وقد ينوب غير المقدور عن
~~المقدور كما حققناه في الأصول (5)، فلو استخبر المكلف من غيره لتحصيل الظن
~~فهو من فعله، وإن أخبره الغير من دون الاستخبار فهو
# PageV02P380
# نائب عن فعله.
# وقول الشيخ بعدم جواز العمل على خبر الغير إذا خالف اجتهاده لأن المجتهد
~~لا يجوز له تقليد غيره (1)، ففيه من الضعف ما لا يخفى.
# ومن لا يمكنه الاجتهاد من جهة عدم الاستعداد أو المانع كالأعمى ومن أطبقه
~~الغيم ونحوهما فيعول على خبر العدل، بل ms0484 وغيره أيضا إذا أفاد الظن، ولو كان
~~كافرا، ويقدم قول من يحصل منه الظن الأقوى. والدليل على ذلك كله الأخبار
~~المتقدمة.
# وذهب الشيخ في الخلاف إلى عدم جواز الاعتماد على خبر الغير للأعمى وغيره،
~~ووجوب الصلاة إلى أربع جهات للإجماع على براءة الذمة بذلك والشك فيها بدونه
~~(2)، وهو ضعيف.
# أما من فقد العلم والظن بأقسامه فالمشهور أنه يصلي إلى أربع جهات (3)،
~~لرواية خراش، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت: جعلت
~~فداك إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا أطبقت السماء علينا أو أظلمت فلم
~~نعرف السماء كنا وأنتم سواء في الاجتهاد، فقال: (ليس كما يقولون، إذا كان
~~ذلك فليصل لأربع وجوه) (4) ولأن الاستقبال واجب، ولا يحصل حينئذ إلا بذلك.
# والظاهر أن مرادهم وقوعها على خطين مستويين وقع أحدهما على الآخر بحيث
~~يحدث عنهما زوايا قوائم، لأنه المتبادر من النص.
# وذهب ابن أبي عقيل إلى أنه يصلي حيث شاء صلاة واحدة (5)، وهو الظاهر من
# PageV02P381
# الصدوق (1) والكليني (2) والعلامة في المختلف والشهيد في الذكرى (3)
~~والمحقق الأردبيلي (4) وصاحب المدارك (5)، وهو الأظهر عندي، لقوله تعالى:
~~(ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) * (6) فقد ورد أنها نزلت
~~في قبلة المتحير (7).
# وصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، أنه قال: " يجزئ
~~المتحير أبدا أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة) (8).
# وصحيحة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن
~~قبلة المتحير، فقال: (يصلي حيث يشاء) (9).
# وربما يحمل على ما لو لم يتمكن إلا من صلاة واحدة، فإنه يكفي حينئذ قولا
~~واحدا.
# قالوا: ويجب الإتيان في الجوانب بحسب المكنة ثلاثا أو اثنتين أو واحدة.
# أقول: وحمل مستند المشهور على الاستحباب أيضا لضعف الرواية (10)،
~~ومهجورية ظاهرها من سقوط الاجتهاد، ولموافقة الصحيحين للكتاب والأصل والملة
~~السمحة السهلة النافية للعسر والحرج.
# وأما حديث توقف الاستقبال على ذلك فهو مع معارضته بالأصل ففيه أنه قد
~~يحصل الاستقبال بالثلاث أيضا إذا صلى على مثلث لم يخرج كلها عما بين المشرق ms0485
# PageV02P382
# والمغرب، فلا أقل من وقوع أحدها ما بين المشرق والمغرب، وهو قبلة للمضطر
~~كما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار (1).
# وأما قول ابن طاوس باستعمال القرعة (2) فهو أيضا ضعيف، لعدم الإشكال مع
~~هذه الأخبار.
# الثالث: إذا صلى إلى جهة القبلة ظانا لها، ثم تبين الخطأ وهو بين المشرق
~~والمغرب، فإن كان في الصلاة استدار، لأنه متمكن من الإتيان بشرط الصلاة
~~فيجب، ولو تبين بعد فراغه لم يعد، وهو مذهب العلماء، لقوله عليه السلام:
~~(ما بين المشرق والمغرب قبلة) (3) قاله في المعتبر (4).
# وتدل عليه قوية القاسم بن وليد قال: سألته عن رجل تبين له وهو في الصلاة
~~أنه على غير القبلة، قال: (يستقبلها إذا ثبت ذلك، وإن كان فرغ منها فلا
~~يعيدها) (5).
# وأما في غيره (فيستأنف الصلاة، لفوات شرط الصلاة وعدم ثبوت توظيف الصلاة
~~الملفقة) (6) من الجهتين هنا، فلا يمكن القول بالانحراف.
# وتدل عليه صريحا في صورة الاستدبار موثقة عمار الآتية (7).
# ويؤيده في غير الاستدبار ما سيجئ من وجوب الاستئناف في الوقت إذا ظهر له
# PageV02P383
# ذلك بعد الفراغ في الوقت.
# وأما مع ضيق الوقت عن الإعادة فينحرف ولو استدبر، ويظهر وجهه مما مر في
~~مبحث اللباس، وحاصله أنه يستلزم سقوط التكليف لولاه، لأن القضاء فرض جديد
~~يحتاج إلى الثبوت، وليس فليس، فلو أبطل هذه لبقي بلا صلاة. ويؤيده أن
~~الصلاة على ما افتتحت عليه (1).
# وأما لو ظهر الخلل بعد الفراغ، فإن كان الانحراف فيما بين المشرق والمغرب
~~فيصح بلا خلاف، وادعى عليه الاجماع جماعة منهم المحقق في المعتبر (2).
# وتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار: أنه سأل الصادق عليه السلام عن الرجل
~~يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا أو
~~شمالا، فقال له: (قد مضت صلاته، وما بين المشرق والمغرب قبلة) (3).
# ورواية الحسين بن علوان المروية في قرب الإسناد (4). وتؤيده صحيحة زرارة
~~المتقدمة في أوائل الفصل (5).
# وكذلك الحكم إذا ظهر أنه صلى إلى المشرق أو المغرب إن خرج الوقت بلا
~~خلاف، للصحاح المستفيضة وغيرها، ms0486 منها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن
~~الصادق عليه السلام، قال: (إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك
~~صليت وأنت على غير القبلة وأنت في وقت فأعد، وإن فاتك الوقت فلا تعد) (6).
# PageV02P384
# وبمضمونها صحيحة يعقوب بن يقطين (1) وصحيحة زرارة (2) وصحيحة سليمان بن
~~خالد (3) وغيرها.
# ولا عبرة برواية معمر بن يحيى المنافية لذلك (4)، لهجرها، وعدم مقاومتها
~~لما ذكرنا.
# وإن كان بالاستدبار ففيه قولان، أصحهما أنه كذلك أيضا، لأن القضاء يحتاج
~~إلى فرض جديد، ولإطلاق الأخبار المتقدمة، وهو مذهب المرتضى (5).
# وذهب الشيخان إلى وجوب القضاء خارج الوقت أيضا (6)، لموثقة عمار عن
~~الصادق عليه السلام، قال في رجل صلى إلى غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة
~~قبل أن يفرغ من صلاته، قال: (إن كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليحول
~~وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، وإن كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة
~~ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة) (7).
# وهي مع عدم مقاومتها لما ذكرنا سندا (8) لا تنهض على المطلوب دلالة كما
~~لا يخفى.
# ثم إن الظاهر أن حكم الظان بالجهة يطرد إلى المتحير الذي صلى إلى جهة
~~واحدة، سواء ضاق وقته عن الأربع أو صلى إلى جهة واحدة اختارها على القولين
# PageV02P385
# في المسألة، وحكمه حكم الظان كما صرح به في المدارك (1)، ويشمله إطلاق
~~الروايات المتقدمة.
# وفي إلحاق الناسي وجهان، من جهة إطلاق الروايات، ومن جهة تقصيره.
# واستشكله في المعتبر (2)، والأظهر الإلحاق.
# وأما جاهل المسألة المقصر في التحصيل فالأظهر عدم الإلحاق، لأنه في حكم
~~العامد على الأقوى.
# وأما العامد في الخلل فتبطل صلاته مطلقا قولا واحدا عن العلماء.
# PageV02P386
# الفصل الثالث في الأذكار والأفعال المقدمة على الصلاة والمتأخرة عنها
~~والمقارنة لها.
# وفيه مقاصد: PageV02P387
# المقصد الأول في الأذان والإقامة وفيه مقدمة ومباحث:
# أما المقدمة:
# مشروعيتهما إجماع المسلمين، بل من ضروريات الدين، وأصلهما من الوحي
~~المنزل بوسائط الروح الأمين على سيد المرسلين صلى الله عليه وآله أجمعين،
~~بإجماع علمائنا وأخبارهم مستفيضة (1).
# نقل في الذكرى عن ابن أبي عقيل أن الشيعة ms0487 أجمعت عن الصادق عليه السلام
~~أنه لعن قوما زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ الأذان من عبد الله بن
~~زيد فقال: " نزل الوحي على نبيكم فتزعمون أنه أخذ الأذان من عبد الله بن
~~زيد (2).
# قد أجمع العامة على نسبته إلى رؤيا عبد الله بن زيد، فروى ابن طاوس في
~~الطرائف عن أبي داود وابن ماجة أنهما ذكرا في كتاب السنن أن النبي صلى الله
~~عليه وآله هم بالبوق وأمر بالناقوس فرأى عبد الله بن زيد في المنام رجل
~~عليه ثوبان
# PageV02P389
# أخضران فعلمه الأذان (1).
# لنذكر من أخبارنا رواية هي صحيحة منصور بن حازم عن الصادق عليه السلام،
~~قال " (لما هبط جبرئيل عليه السلام بالأذان على رسول الله صلى الله عليه
~~وآله كان رأسه في حجر علي عليه السلام، فأذن جبرئيل عليه السلام، وأقام،
~~فلما انتبه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي سمعت؟ قال: نعم يا
~~رسول الله، قال: حفظت؟ قال: نعم، قال: ادع بلالا، فدعا علي عليه السلام
~~بلالا فعلمه (2).
# المبحث الأول: لا يجوز الأذان والإقامة في غير الفرائض اليومية والجمعة
~~بإجماع علماء الاسلام.
# أما في المذكورات، فالمشهور الأقوى استحبابهما، للأصل، وصحيحة حماد عن
~~الصادق عليه السلام في تعليم الصلاة إياه، فلم يتوجه عليه السلام فيها إلى
~~بيان الأذان والإقامة (3).
# الأخبار المستفيضة الواردة في أن من صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صفان من
~~الملائكة، ومن صلى بإقامة بغير أذان صلى خلفه صف من الملائكة، وهي كثيرة
~~منها صحيحة الحلبي (4).
# أما الأخبار الدالة على استحباب الأذان فكثيرة معتبرة، مثل صحيحة الحلبي،
~~عن الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه السلام: (أنه كان إذا صلى وحده في
~~البيت
# PageV02P390
# أقام إقامة واحدة ولم يؤذن (1).
# صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: (يجزئك إذا خلوت في
~~بيتك إقامة واحدة بغير أذان (2).
# صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: أنه سأله رجل نسي الأذان والإقامة
~~حتى دخل في الصلاة، قال: (فليمض على صلاته، الأذان سنة) (3) إلى غير ذلك،
~~وسيجئ بعضها. ms0488
# إذا ثبت بهذه الأخبار استحبا ب الأذان مطلقا، ثبت استحباب الإقامة، لئلا
~~يلزم خرق الاجماع المركب كما ادعاه في المختلف (4).
# في الفقه الرضوي: " إنهما من السنن اللازمة وليستا بفريضة " (5).
# قال الشيخان (6) وابن البراج (7) وابن حمزة (8) بوجوبهما في صلاة
~~الجماعة.
# الشيخ قال في المبسوط: إن فضيلة الجماعة تفوت بتركهما (9).
# قال أبو الصلاح: إنهما شرط في الجماعة فتبطل الصلاة بتركهما (10).
# احتجوا برواية أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته أيجزئ أذان
~~واحد؟ قال: " إن صليت جماعة لم يجز إلا أذان وإقامة، وإن كنت وحدك تبادر
~~أمرا
# PageV02P391
# تخاف أن يفوتك تجزئك إقامة، إلا الفجر والمغرب فإنه ينبغي أن يؤذن فيهما
~~ويقيم، من أجل أنه لا يقصر فيهما كما يقصر في سائر الصلوات " (1).
# في سندها ضعف (2)، وكذلك دلالتها: إذ الاجزاء وعدمه لا ينحصران في
~~الواجبات كما لا يخفى.
# عدم دلالتها على قول أبي الصلاح أظهر، لاحتمال عدم إرادة الاجزاء عن
~~الأذان، لا عن الصلاة، بل هو أظهر، فالرواية محمولة على التأكيد.
# ولا ريب في تأكدهما في الجماعة، وفي رواية الحسن بن زياد الصيقل قال، قال
~~أبو عبد الله عليه السلام: " إذا كان القوم لا ينتظرون أحدا اكتفوا بإقامة
~~واحدة " (3).
# والأمر في الإقامة آكد، والأحوط أن لا تترك أبدا، سيما مع ملاحظة القول
~~باشتراط صحة الجماعة بها، وحصول الإشكال في ترك القراءة خلف مثل هذا
~~الإمام.
# قال في الشرائع: ويتأكدان فيما يجهر به، وأشدهما في الغداة والمغرب "
~~(4).
# أما مطلق الجهرية فلا يحضرني مستنده الآن، بل ربما تشعر رواية صباح بن
~~سيابة بعدمه، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا تدع الأذان في
~~الصلوات كلها، فإن تركته فلا تتركه في المغرب والفجر، فإنه ليس فيهما تقصير
~~" (5).
# وكذلك موثقة سماعة عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تصل الغداة والمغرب
~~إلا بأذان وإقامة، ورخص في سائر الصلوات بالإقامة، والأذان أفضل " (6).
# PageV02P392
# وأما المغرب والغداة فيدل على التأكيد فيهما مضافا إلى ما مر أخبار
~~كثيرة، مثل صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " يجزئك في ms0489
~~الصلاة إقامة واحدة، إلا الغداة والمغرب " (1).
# وصحيحة عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الإقامة بغير
~~أذان في المغرب، فقال: " ليس به بأس، وما أحب أن تعتاد " (2) إلى غير ذلك.
# وأما النساء، فلا يتأكدان فيهن، ولكنهما راجحان لهن بإجماع الأصحاب.
# وروى عبد الله بن سنان في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن
~~المرأة تؤذن للصلاة؟ فقال: " حسن إن فعلت، وإن تفعل أجزأها أن تكبر وأن
~~تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله " (3).
# وفي صحيحة جميل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة عليها
~~أذان وإقامة؟ قال: " لا " (4).
# وفي صحيحة أبان، عن أبي مريم الأنصاري، قال: سمعت أبا عبد الله عليه
~~السلام، يقول: " إقامة المرأة أن تكبر، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأن
~~محمدا عبده ورسوله " (5) إلى غير ذلك من الأخبار.
# ويجوز أن تؤذن المرأة للنساء ويعتدون به، وعليه علماؤنا، قاله في المعتبر
~~(6).
# ولا يبعد اعتداد المحارم به أيضا. وأما الأجانب، فعن الأكثر عدم
~~الاعتداد، (7)
# PageV02P393
# وعن ظاهر المبسوط الاعتداد به (1).
# قيل: وإنه مبني على أن صوتها ليس بعورة (2).
# عندي في اعتداد المحارم أيضا توقف، لعدم الانصراف من الإطلاقات، ولم نقف
~~على توظيف به.
# وأما الخنثى، فقال في الذكرى: إنها في حكم المرأة (3)، ويظهر حالها مما
~~ذكرنا.
# ثم في حكم الأذان والإقامة أقوال أخر ضعيفة، منها: وجوب الإقامة على
~~الرجال في كل فريضة، والأذان على الرجال والنساء في الصبح والمغرب والجمعة،
~~وعلى الرجال خاصة في الجماعة، وهو قول المرتضى في الجمل (4).
# وعن ابن أبي عقيل: يجب الأذان في الصبح والمغرب، والإقامة في جميع الخمس
~~(5).
# وعن ابن الجنيد: يجبان على الرجال، جماعة وفرادى، سفرا وحضرا، في الصبح
~~والمغرب، وتجب الإقامة في باقي المكتوبات، قال: وعلى النساء التكبير و
~~الشهادتان فقط (6).
# وأنت بعد التأمل فيما مر تقدر على استنباط أدلة تلك الأقوال والجواب
~~عنها.
# الثاني: يسقط الأذان في مواضع:
# منها: العصر والعشاء لمن أراد الجمع، ويرجع في ms0490 معناه إلى العرف، وسيجئ
~~بعض الأخبار المفسرة له ولو لوحظا معا كان أولى.
# PageV02P394
# والدليل على السقوط الصحاح المستفيضة وغيرها، منها صحيحة ابن أذينة، عن
~~رهط منهم الفضيل وزرارة، عن الباقر عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء
~~بأذان واحد وإقامتين " (1).
# لا يقال: إن الجمع بين الصلاتين بأذان لا يعطي إلا تداخل الأذانين، وهو
~~يحصل مع الفصل بينهما أيضا.
# أنا نقول: المتبادر من لفظ ذلك، نعم لو قيل " شرك بينهما بأذان أو اكتفى
~~لهما بأذان " لتم ما قلت، مع أن الظاهر أن الظرف مستقر، والباء للملابسة،
~~فلا يثبت كون مدخولها آلة للجمع، مضافا إلى أن سياق هذه الصحيحة وغيرها من
~~الأخبار الكثيرة " (2)، هو ترخيص الجمع ورفع لزوم التفريق، مع ملاحظة تلك
~~الأخبار والتأمل في مواردها لا يبقى شك فيما ذكرنا.
# ولنذكر منها رواية أخرى، وهي رواية صفوان الجمال قال: صلى بنا أبو عبد
~~الله عليه السلام الظهر والعصر عندما زالت الشمس بأذان وإقامتين، ثم قال: "
~~إني على حاجة فتنفلوا " (3).
# ظهر من تلك الأخبار أن المراد من الجمع: هو الجمع المعهود المقابل
~~للتفريق، لا مجرد تشريك الصلاتين في أذان.
# على أنا نقول: يستفاد من أخبار أخر أن الجمع معنى محصل مستقل معهود، مثل
~~رواية محمد بن حكيم قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: " الجمع بين
~~الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع، وإذا كان بينهما تطوع فلا جمع " (4).
# PageV02P395
# وروايته الأخرى عنه عليه السلام، قال: سمعته يقول: " إذا جمعت بين
~~الصلاتين فلا تطوع بينهما " (1).
# والظاهر من التطوع الصلاة، فلا يضر التعقيب والتسبيح في الجمع كما صرح به
~~بعض الأصحاب (2).
# وصحيحة منصور عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن صلاة المغرب والعشاء
~~بجمع، فقال: " بأذان وإقامتين، لا تصلي بينهما شيئا، هكذا صلى رسوله الله
~~صلى الله عليه وآله " (3).
# ولا تبعد دعوى ظهور هذا الحديث في مدخلية سقوط الأذان في تحقق حقيقة
~~الجمع أيضا، ويظهر احتمال ذلك من الشهيد في الذكرى (4).
# وتظهر الثمرة ms0491 فيما ورد استحباب الجمع فيه كعصر عرفة وعشاء مزدلفة، وعلى
~~هذا فيكون مدخول الباء في الصحيحة المتقدمة آلة للجمع لكن مع معطوفه لا هو
~~فقط، فيكون المراد أنه صلى الله عليه وآله حصل الجمع بمجموع الأذان
~~والإقامتين، فحينئذ لا بد من دعوى تبادر الاجتماع العرفي المقابل للتفريق
~~هنا أيضا من مجموع الكلام، لا من لفظ جمع فقط. وهذا الحديث يحتمل إرادة حكم
~~عشاء المزدلفة باعتبار لفظ جمع كما سيجئ.
# وكيف كان فالظاهر من الروايات الرخصة لا العزيمة، ويمكن القول بأفضلية
~~الترك لفعلهم عليهم السلام، فمعنى الرخصة حينئذ يتحصل في أصل الجمع، لا في
~~ترك الأذان.
# وأما ما اشتهر أن الأذان للأولى إن جمع بينهما في وقت الأولى، وإن جمع
# PageV02P396
# بينهما في وقت الثانية أذن للثانية ثم أقام فصلى الأولى لمكان الترتيب ثم
~~أقام للثانية فالإطلاقات لا تعطيه، ولم نقف على مقيد لها.
# ومما يسقط فيه الأذان: عصر عرفة وعشاء مزدلفة، لأخبار كثيرة، منها صحيحة
~~عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " السنة في الأذان يوم عرفة
~~أن يؤذن ويقيم للظهر، ثم يصلي ثم يقوم ويقيم للعصر بغير أذان. وكذلك في
~~المغرب والعشاء بمزدلفة " (1).
# وفي كون السقوط هنا للرخصة أو الكراهة أو الحرمة أقوال (2)، أصحها
~~الحرمة، لأن خلاف السنة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار
~~كما ورد في الخبر الصحيح (3).
# وجعل في الذكرى سقوط الأذان هنا لمقتضى مطلق الجمع المستحب هنا، لا
~~لخصوصية البدعة (4).
# وهو كما ترى خلاف كلام أكثرهم، حيث أفردوا العنوان (5)، مع أنه صرح في
~~الأخبار بأنه السنة في الأذان يوم عرفة (6)، فهو حكم للأذان فهذا الجمع
~~الخاص، لا أنه حكم بالسقوط لمكان الجمع، فانفهام سقوط الأذان من رجحان
~~الجمع ليس بأولى من انفهام (7) رجحان الجمع باعتبار سقوط الأذان.
# ثم إن الشهيد في الذكرى قال: إن الساقط من الأذان في الجمع الغير المستحب
# PageV02P397
# هو أذان الإعلام، لا أذان الذكر والإعظام (1). وهو غير ظاهر المأخذ،
~~وخلاف المتبادر من الأخبار الكثيرة التي قد مر بعضها (2) كما ms0492 لا يخفى، بل
~~قد ينعكس الأمر لو كان الأذان الإعلامي أذان المصر، وكان المحتاج إلى الجمع
~~بعض أهله.
# ومنها: عصر يوم الجمعة، لرواية حفص بن غياث، عن جعفر، عن أبيه، قال:
# " الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة " (3) وفهم جمهور أصحابنا مع كون الراوي
~~من العامة (4) يعين إرادة أذان العصر، وضعف الرواية منجبر بعمل الأصحاب.
# واحتمال إرادة الأذان الذي أبدعه عثمان (5) أو معاوية (6) قبل ظهر الجمعة
~~" إما بتغليب اسم الأذان على الإقامة بتقريب أن النبي صلى الله عليه وآله
~~شرع للصلاة أذانا وإقامة فالزائد ثالث، وهو بدعة، كما قيل (7)، أو إرادة
~~ذلك بأن يكون ثالث الأذانات، يعني أذان الصبح وأذان الظهر والأذان البدعي
~~كما قيل بعيد.
# مع أن الأمر إذا دار بين السنة والبدعة فالأولى تركه، مع أن ابن إدريس
~~ادعى الاجماع على سقوط استحبابه عن العصر إذا صلى جمعة (8).
# فظهر من جميع ذلك أن رجحان الترك هنا لخصوصية الزمان، كما أن في عرفة
~~والمزدلفة لخصوصية المكان، لا لمطلق الجمع، وإلا فلا ريب في استحباب الجمع
~~في الجمعة، ومع الجمع يجوز الترك رخصة كما مر.
# PageV02P398
# وعلى الاحتمال الذي ذكرنا من كون ترك الأذان محصلا لحقيقة الجمع فيثبت
~~الرجحان أيضا، فلا وجه لجعله من باب الرخصة مطلقا من دون الرجحان مع
~~الإعراض عن رواية حفص أيضا.
# وكيف كان فالأقوال في المسألة ثلاثة: مذهب الشيخ في النهاية التحريم (1)،
~~وفي المبسوط أطلق السقوط (2)، وعن المفيد في الأركان (3) وابن البراج (4)
~~والمحقق الأردبيلي (5) استحبابه للعمومات (6) وضعف الخبر، واختاره في
~~المدارك (7)، والأحوط بل الأقوى الترك لما ذكرنا.
# ومنها: القاضي للصلوات الكثيرة من غير أول وروده، وتكفي في البواقي
~~الإقامة، لصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: " إذا نسيت صلاة أو صليتها
~~بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولاهن وأذن لها وأقم ثم صلها، ثم
~~صل ما بعدها بإقامة، إقامة لكل صلاة " (8).
# ولما روي أن النبي صلى الله عليه وآله شغل يوم الخندق عن أربع صلوات فأمر
~~بلالا فأذن للأولى وأقام، ثم أقام للبواقي من غير أذان (9)، وهو لا ms0493 ينافي
~~العصمة، لما روي (10) أن الصلاة كانت تسقط أداءا مع الخوف، ثم تقضى، ثم نسخ
~~بقوله
# PageV02P399
# تعالى * (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) * (1) الآية.
# وهذا القول نقله في الذكرى (2)، واختاره في المدارك (3)، بل قوى كون
~~تكرار الأذان حينئذ بدعة، لظاهر الروايتين.
# والمشهور أن تركه حينئذ رخصة، وفعله أفضل، لقوله صلى الله عليه وآله: "
~~من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته (4).
# وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سئل عن الرجل إذا أعاد الصلاة
~~هل يعيد الأذان والإقامة؟ قال: " نعم (5).
# وأنت خبير بأنه لا دلالة فيهما على المطلوب كما لا يخفى، فالعمل على
~~الأول.
# وإطلاق الصحيحة يشمل ما لو فاتت الصلوات المتفرقات أيضا، بل ولو كانت على
~~غير ترتيب أصل الصلوات أيضا، كما لو أراد قضاء صبح ثم عشاء ثم مغرب ثم عصر.
# ومنها: السفر، لصحيحة محمد بن مسلم والفضيل بن يسار عن أحدهما عليهما
~~السلام، قال: " تجزئك إقامة في السفر (6).
# ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق عليه السلام، قال: سمعته
~~يقول: " يقصر الأذان في السفر كما تقصر الصلاة، تجزئ إقامة واحدة " (7).
# ومنها: الإمام إذا سمع أذانا، لمنفرد كان أو جماعة، وسواء كان لمسجد أو
# PageV02P400
# مصر، بل الإقامة أيضا، لرواية أبي مريم المتقدمة في كراهة الإمامة بلا
~~رداء (1).
# ورواية عمرو بن خالد عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كنا معه نسمع إقامة
~~جار له بالصلاة، فقال: " قوموا " فقمنا فصلينا معه بغير أذان ولا إقامة،
~~قال:
# " يجزئكم أذان جاركم " (2).
# واستدلوا عليه بفعل النبي صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم
~~أيضا (3)، قال في الذكرى: والروايتان معتضدتان بعمل الأصحاب (4).
# وتؤيده بل تدل عليه أيضا موثقة عبد الله بن سنان - لعبد الله المغيرة -
~~عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا أذن مؤذن فنقص الأذان وأنت تريد
~~أن تصلي بأذانه فأتم ما نقص هو من أذانه " (5).
# وفي اجتزاء المنفرد بهذا الأذان نظر، أقربه ذلك، لأنه من باب التنبيه
~~بالأدنى على الأعلى.
# أقول: ويدل عليه قوله عليه السلام " يجزئكم أذان جاركم " أيضا، ms0494 وكذلك
~~ظاهر الموثقة.
# وقد ظهر من الرواية أن التكلم يقدح في الاجتزاء بالإقامة، ويؤيده ما سيجئ
~~من استحباب إعادة الإقامة بعد التكلم، للخبر الصحيح وغيره (6).
# والظاهر أن سقوط الأذان حينئذ رخصة، فالاستحباب باق بحاله في غير ما كان
~~الأذان للجماعة الخاصة، فلا يستحب للإمام ولا المأمومين الإعادة جزما،
~~وكأنه إجماعي بملاحظة عمل المسلمين في جميع الأعصار والأمصار.
# PageV02P401
# والمشهور استحباب إعادة الأذان والإقامة للمنفرد إذا أراد الجماعة،
~~لموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: وسئل عن الرجل يؤذن ويقيم
~~ليصلي وحده، فيجئ رجل آخر فيقول له: نصلي جماعة، هل يجوز أن يصليا بذلك
~~الأذان والإقامة؟ قال: " لا، ولكن يؤذن ويقيم " (1).
# واستشكله في المعتبر (2) لرواية أبي مريم المتقدمة (3)، ودعوى الأولوية
~~في الاجتزاء بأذان نفسه.
# وفيه: أن الاستماع بقصد الجماعة لعله كان علة للاجتزاء، وليس في المنفرد
~~قصد الجماعة، فثبت الفارق، فكيف بالأولوية.
# ومنها: الجماعة الثانية إذا لم تتفرق الأولى، وإن فرغوا من الصلاة، وربما
~~قيد بكون ذلك في المسجد.
# وتدل على ذلك روايات، مثل صحيحة أبي بصير، قال: سألته عن الرجل ينتهي إلى
~~الإمام حين يسلم، فقال: " ليس عليه أن يعيد الأذان، فليدخل معهم في أذانهم،
~~فإن وجدهم قد تفرقوا أعاد الأذان " (4).
# وصحيحته الأخرى أو موثقته - لأبان - عن أبي عبد الله عليه السلام قال،
~~قلت:
# الرجل يدخل المسجد وقد صلى القوم، أيؤذن ويقيم؟ قال: " إن كان دخل ولم
~~يتفرق الصف صلى بأذانهم وإقامتهم، وإن كان تفرق الصف أذن وأقام " (5).
# ورواية عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام، قال: " دخل
~~رجلان المسجد وقد صلى علي عليه السلام بالناس، فقال لهما: إن شئتما فليؤم
# PageV02P402
# أحدكما صاحبه ولا يؤذن ولا يقيم " (1).
# ورواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام، أنه كان يقول:
# " إذا دخل رجل المسجد وقد صلى أهله فلا يؤذنن ولا يقيمن ولا يتطوع حتى
~~يبدأ بصلاة الفريضة " (2) الحديث.
# ورواية أبي علي الحراني قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فأتاه
~~رجل، فقال: جعلت فداك ms0495 صلينا في المسجد الفجر وانصرف بعضنا وجلس بعض في
~~التسبيح، فدخل علينا رجل المسجد فأذن فمنعناه ودفعناه عن ذلك، فقال أبو عبد
~~الله عليه السلام: " أحسنت، ادفعه عن ذلك، وامنعه أشد المنع " فقلت: فإن
~~دخلوا وأرادوا أن يصلوا فيه جماعة؟ قال: " يقومون في ناحية المسجد ولا يبدر
~~بهم إمام " (3).
# وأنت خبير بأن هذه الروايات لا تدل على انحصار الحكم في مريد الجماعة، بل
~~هي أظهر في حكم المنفرد.
# نعم ربما يظهر من رواية أبي علي المنع عن الجماعة الثانية أو إظهارها،
~~إما لأجل احترام الإمام الراتب، أو لأجل الاختفاء عن العامة لئلا يعرفون
~~فيؤذون، وهو غير المدعى، فلا وجه لاقتصار الشيخين (4) وجماعة (5) على حكم
~~الجماعة، وعن ابن حمزة (6) التصريح بمنع الحكم في المنفرد، وهو بعيد.
# والظاهر أن ذكر المسجد في الروايات مبني على الغالب، فلا فرق في الحكم.
# وفي مقابل هذه الأخبار موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل
~~عن
# PageV02P403
# الرجل أدرك الإمام حين سلم، قال: " عليه أن يؤذن ويقيم ويفتتح الصلاة "
~~(1) وهي محمولة على صورة التفرق، لعدم المقاومة.
# وربما يقال: إن المراد من الأخبار كلها هي الجماعة في المسجد بمعونة فهم
~~الأصحاب، وأنها محمولة على (الأمر بالتقية) (2) سيما بملاحظة رواية أبي علي
~~مستدلا برواية عمار.
# وفيه: أن كلام العامة في ذلك مختلف، ولم يظهر منهم عدم الجواز. نعم أبو
~~حنيفة وبعضهم الآخر يقول بكراهة الجماعة الثانية في المسجد، وهو غير القول
~~بسقوط الأذان والإقامة.
# وأما رواية أبي علي فغاية ما يسلم منها أيضا هو الإشعار بالإرشاد على
~~الاختفاء والانزواء خوفا من الضرر، وهو لا يوجب اطراد الحكم، وأين هذا من
~~كون الحكم كذلك تقية بمعنى كونها موافقة للعامة، ولو سلم فلا يعارض بها
~~ظواهر الأخبار الكثيرة المعمول بها والشهرة بين الأصحاب، هذا.
# ولكن لا يحصل من مجموع ما ذكر إلا الرخصة لا العزيمة، والأظهر كما يظهر
~~من أكثر الأخبار وكلام بعض الأصحاب أن ذلك لمريد الجماعة (بذلك) (3)
~~الأذان، وينقدح منه اعتبار وحدة الصلاة أيضا.
# الثالث: المشهور ms0496 أن فصول الأذان ثمانية عشر: التكبير أربعا، ثم الشهادة
~~بالتوحيد، ثم بالرسالة، ثم الدعاء إلى الصلاة، ثم إلى الفلاح، ثم إلى خير
~~العمل، ثم التكبير، ثم التهليل، كل واحد مرتان.
# والإقامة سبعة عشر: بنقص تكبيرتين من الأول، وتهليل من الآخر، وزيادة
# PageV02P404
# قد قامت الصلاة مرتين بعد الدعاء إلى خير العمل، لصحيحة أبان عن إسماعيل
~~الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " الأذان والإقامة خمسة
~~وثلاثون حرفا. فعد ذلك بيده واحدا واحدا، الأذان ثمانية عشر حرفا، والإقامة
~~سبعة عشر حرفا " (1).
# ويظهر بيانه من الأخبار الأخر (2)، وعدم القول بالفصل، وفهم الفقهاء،
~~والعمل عليه في الأعصار والأمصار، وعن العلامة (3) وابن زهرة (4) دعوى
~~الاجماع عليه.
# ويدل على حكم الأذان أيضا رواية أبي بكر الحضرمي وكليب الأسدي، وفي آخرها
~~" والإقامة كذلك " (5) وكذلك رواية المعلي بن خنيس (6).
# وفي صحيحة عبد الله بن سنان في وصف الأذان " الله أكبر " في الأول مرتين
~~(7).
# وكذلك رواية زرارة والفضيل بن يسار، وفي آخرها: " والإقامة مثلها، إلا أن
~~فيها قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة بين حي على خير العمل حي على خير
~~العمل، وبين الله أكبر " (8)، والعمل على الأول.
# وقد تؤول تثنية التكبير في أول الأذان بإرادة إفهام السائل كيفية التلفظ،
# PageV02P405
# وهو بعيد.
# ونقل الشيخ عن بعض الأصحاب تربيع التكبير في آخر الأذان (1)، وهو ضعيف.
~~ونقل أيضا عن بعض الأصحاب أن فصول الإقامة مثل الأذان بزيادة قد قامت
~~الصلاة (2).
# وما قيل: لو زيد في آخر الإقامة تهليلة لا بقصد الجزئية لعدم القائل به
~~فلا بأس (3)، ففيه ما فيه، لوجود القائل، ووجود ما يدل على زيادة التكبيرين
~~في الأول أيضا.
# والمشهور جواز النقص عن المشهور في الأذان والإقامة عند السفر والعذر،
~~للأخبار المعتبرة منها صحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال: رأيت أبا جعفر عليه
~~السلام يكبر واحدة واحدة في الأذان، فقلت له: لم تكبر واحدة واحدة؟ فقال: "
~~لا بأس به إذا كنت مستعجلا " (4).
# وفي رواية يزيد بن معاوية عنه عليه السلام، قال: " الأذان يقصر في السفر
~~كما تقصر الصلاة، الأذان واحدا ms0497 واحدا والإقامة واحدة " (5).
# وروى ابن مسكان في الصحيح عن يزيد مولى الحكم، عمن حدثه، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام، قال: سمعته يقول: " لأن أقيم مثنى مثنى أحب إلي من أن أؤذن
~~وأقيم واحدا واحدا " (6).
# ويجب الإتيان بهما على الترتيب المقرر في الأخبار للتوقيف، فلو تخلف بطل.
# PageV02P406
# ولو سها في التقديم والتأخير فيرجع إلى المقدم بالوضع ثم يأتي بما بعده،
~~لصحيحة زرارة عن الصادق عليه السلام، قال: " من سها في الأذان فقدم أو أخر
~~أعاد على الأول الذي أخره حتى يمضي على آخره " (1).
# وفي الفقيه مرسلا عن الباقر عليه السلام: في الأذان والإقامة، قال: "
~~ابدأ بالأول فالأول، فإن قلت: حي على الصلاة قبل الشهادتين تشهدت ثم قلت:
~~حي على الصلاة " (2).
# وهنا روايتان أخريان، إحداهما: موثقة عمار: أنه قال سئل أبو عبد الله
~~عليه السلام عن رجل نسي من الأذان حرفا فذكره حين فرغ من الأذان والإقامة،
~~قال: " يرجع إلى الحرف الذي نسيه فليقله، وليقل من ذلك الحرف إلى آخره، ولا
~~يعيد الأذان كله، ولا الإقامة " (3).
# والثانية: موثقته الأخرى عنه عليه السلام: " إن نسي الرجل حرفا من الأذان
~~حتى يأخذ في الإقامة فليمض في الإقامة فليس عليه شئ، فإن نسي حرفا من
~~الإقامة عاد إلى الحرف الذي نسيه ثم يقول من ذلك الموضع إلى آخر الإقامة "
~~(4).
# وأما في صورة الشك فلا يبعد القول بأنه يأتي بكل فصل يشك فيه متى لم يدخل
~~في الآخر، للحديث العام في أصل الشك كما سيأتي (5).
# وأما لو شك في الأذان قبل الدخول في الإقامة وفي الإقامة قبل الشروع في
~~التكبير، فلا ريب أنه يأتي به، لصحيحة زرارة الواردة في مطلق حكم الشك في
~~الأجزاء (6).
# PageV02P407
# الرابع: يستحب استقبال القبلة فيهما بالإجماع، واستدل عليه بقوله عليه
~~السلام: " خير المجالس ما استقبل القبلة " (1) وفيه إشكال، وستجئ رواية
~~أخرى (2).
# ويتأكد في الشهادتين وفي الإقامة، أما الشهادتان فلصحيحة محمد بن مسلم عن
~~أحد عليهما السلام، قال: سألته عن الرجل يؤذن وهو يمشي أو على ظهر دابته
~~وعلى غير طهور، فقال: ms0498 " نعم، إذا كان التشهد مستقبل القبلة فلا بأس " (3)
~~وتؤدي مؤداها حسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام (4).
# وأما الإقامة، فلرواية سليمان بن صالح عن الصادق عليه السلام، قال:
# " لا يقيم أحدكم الصلاة وهو ماش ولا راكب ولا مضطجع، إلا أن يكون مريضا،
~~وليتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة، فإنه إذا أخذ في الإقامة فهو في
~~صلاة " (5).
# وعن السيد القول بالوجوب فيهما (6)، وهو ضعيف.
# ويكره الالتفات به يمينا وشمالا، وعن بعض العامة استحباب الإدارة بالأذان
~~في المأذنة (7)، وهو مخالف للسنة، والاكتفاء بالالتواء بالعنق أيضا لا يكفي
~~في دفع ذلك كما لا يخفى.
# وعن دعائم الاسلام رواية عن علي عليه السلام، قال: " يستقبل المؤذن
# PageV02P408
# القبلة في الأذان والإقامة، فإذا قال: حي على الصلاة حي على الفلاح، حول
~~وجهه يمينا وشمالا " (1).
# ويستحب القيام فيهما، أما في الأذان فلرواية حمران، قال: سألت أبا جعفر
~~عليه السلام عن الأذان جالسا، قال: " لا يؤذن جالسا، إلا راكب أو مريض "
~~(2).
# أما في الإقامة، فلأخبار كثيرة، منها ما مر، ومنها صحيحة محمد بن مسلم
~~قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يؤذن الرجل وهو قاعد؟ قال: " نعم، ولا
~~يقيم إلا وهو قائم " (3) وفي معناها أخبار كثيرة (4).
# وفي تلك الأخبار أيضا إشعار باستحباب القيام في الأذان أيضا كما لا يخفى
~~على المتأمل فيها.
# ويظهر من بعضهم (5) اشتراط القيام في الإقامة، وهو في غاية القوة بملاحظة
~~الأخبار، فلا يترك إلا مع الاضطرار.
# وتستحب الطهارة، للإجماع، والحديث النبوي صلى الله عليه وآله: " حق وسنة
~~أن لا يؤذن أحد إلا وهو طاهر " (6) وعن المعتبر أنه فتوى العلماء (7).
# وأما ما يدل على ذلك في الإقامة من الأخبار فبمكان من الكثرة، منها صحيحة
~~عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " لا بأس أن تؤذن
~~وأنت على غير طهور، ولا تقم إلا وأنت على وضوء " (8) وتلك الأخبار أيضا
~~تشعر بحكم
# PageV02P409
# الطهارة في الأذان أيضا.
# وعن السيد (1) والعلامة في المنتهى (2) اشتراط الإقامة بها، وهو قوي.
# التأني في الأذان، والحدر في الإقامة، لحسنة ms0499 زرارة عن الباقر عليه
~~السلام:
# " الأذان جزم بإفصاح الألف والهاء، والإقامة حدر " (3).
# ورواية الحسن بن السري عن الصادق عليه السلام، قال: " الأذان ترتيل،
~~والإقامة حدر " (4).
# وصحيحة معاوية بن وهب: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الأذان،
~~فقال:
# " اجهر وارفع به صوتك، فإذا أقمت فدون ذلك، ولا تنتظر بأذانك وإقامتك إلا
~~دخول وقت الصلاة، واحدر إقامتك حدرا " (5) إلى غير ذلك.
# وأما في حديث يونس الشيباني من قول الصادق عليه السلام: " أقمت فأقم
~~مترسلا، فإنك في الصلاة " (6) فلا يقاوم ما ذكرنا، مع احتمال إرادة التؤدة
~~والتثبت في البدن كما قيل (7).
# وأن يقف عند الفصول، للإجماع، ولحسنة زرارة المتقدمة، ورواية خالد بن
~~نجيح عن الصادق عليه السلام أنه قال: " التكبير جزم في الأذان مع الإفصاح
~~بالهاء والألف " (8).
# وروايته الأخرى عنه عليه السلام، قال: " الأذان والإقامة مجزومان " ورواه
# PageV02P410
# الصدوق وقال: في خبر آخر: " موقوفان " (1). والظاهر أن المراد من الوقف
~~أيضا الجزم، والمراد من الجزم الإسكان وترك الإعراب، بل الروم والإشمام
~~والتضعيف (2).
# وتحقيق الحال أن السكتة معتبرة في الوقف كما يفهم منه عرفا، وصرح به أئمة
~~التصريف (3)، فلا يتم الوقف بدون السكتة، كما لا يتم بالسكتة فقط مع
~~التحريك.
# وأما الروم والإشمام فليسا بتحريك حقيقي.
# والحاصل أن الوقف على ما حققوه بحكم الاستقراء يرتقي إلى أحد عشر قسما،
~~أحدها الجزم، وهو الإسكان المجرد، والمطلوب في الأذان هو هذا بحكم الاجماع
~~والأخبار (4)، فالقول باستحباب الوقف مع تفسيره بالجزم إنما هو في مقابل
~~التحريك مع عدم السكتة على وجه يصح، أو الوقف بالروم والإشمام، والتضعيف مع
~~السكتة.
# وأما الجزم مع عدم القطع والسكتة أو التحريك مع السكتة فهو لحن في كلام
~~العرب، ويشكل الاكتفاء به وإن قيل: إن التسكين بدون الوقف أيضا لغة عربية،
~~وأنه أولى من التحريك مطلقا (5).
# فالمراد بالترتيل في مقابل الحدر في رواية الحسن بن السري هو إطالة
~~الوقوف، وإلا فالإقامة أيضا موقوفة.
# ومما ذكرنا يظهر حال سائر الأذكار كتسبيح الزهراء عليها السلام وغيرها.
# وأما اللثغ في الكلام، وهو تبديل حرف بحرف ms0500 بسبب عجز في اللسان،
# PageV02P411
# كما نقل عن بلال أنه كان يبدل الشين بالسين (1)، فهو غير مضر.
# وأما اللحن في الإعراب وتبديل الحركات وغيره من دون جهة العجز فربما
~~يتردد فيه.
# وربما يفرق بين ما كان مغيرا للمعنى كأن يفتح اللام من رسول الله صلى
~~الله عليه وآله فإنه يوهم التوصيف فتبقى " أن " بلا خبر، وكاشباع فتحة
~~الباء من أكبر فيصير أكبار جمع كبر وهو الطبل، بخلاف تبديل فتحة همزة أن
~~بالضمة، فيحكم بالبطلان في الأول دون الثاني.
# والأحوط بل الأقوى الاجتناب عن الجميع، فإن الامتثال لا يحصل إلا بإتيان
~~الألفاظ على وضعها، ويشكل دعوى صدق قراءة المأمور به حقيقة مع ذلك.
# وأما المراد بالألف والهاء في الأخبار المتقدمة، فقال المحقق الشيخ علي
~~(2) وغيره (3): إن المراد به الألف الغير المكتوبة في كلمة الجلالة والهاء
~~في آخرها. والأظهر إرادة الهمزات في الأوائل والهاءات فيها وفي كلمة الصلاة
~~(4)، لأنها مظنة المسامحة والالتباس غالبا، فلا بد من افصاحها، وكذلك الحاء
~~من الفلاح.
# وجعل ابن إدريس المراد هي هاء إله، لأنها هي التي يدغمها بعض الناس، وأما
~~هاء أشهد والله فمبينتان مفصحتان (5)، وهو كما ترى.
# وأن يرفع صوته بالأذان، وأن يجعل إصبعيه في أذنيه حين الأذان، لصحيحة
~~زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " لا يجزيك من الأذان إلا ما أسمعت نفسك
~~أو
# PageV02P412
# فهمته، وأفصح بالألف والهاء، وصل على النبي صلى الله عليه وآله كلما
~~ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره، وكلما اشتد صوتك من غير أن تجهد
~~نفسك كان من يسمع أكثر، وكان أجرك في ذلك أعظم " (1).
# ورواية محمد بن مروان عن الصادق عليه السلام، يقول: " المؤذن يغفر الله
~~له مد صوته، ويشهد له كل شئ سمعه " (2) وسيجئ ما يدل عليه أيضا.
# وفي صحيحة الحسن بن السري عن الصادق عليه السلام، قال: " من السنة أن تضع
~~إصبعيك في أذنيك في الأذان " (3).
# ويستحب أن يفصل بينهما بركعتين، أو سجدة، أو جلسة، أو خطوة، إلا المغرب
~~فإنه يفصل بينهما بخطوة أو سكتة أو تسبيحة، ms0501 ذهب إليه علماؤنا، قاله في
~~المنتهى (4)، ومثله قال في المعتبر (5).
# والأخبار بعضها يعين القعود بينهما مطلقا، كقوية الحسن بن شهاب (6).
# وبعضها يخير بينه وبين الصلاة ركعتين مطلقا أيضا، كصحيحة سليمان بن جعفر
~~الجعفري، قال: سمعته يقول: " أفرق بين الأذان والإقامة بجلوس أو بركعتين "
~~(7).
# وبعضها يدل على الفصل بالركعتين في الظهر والعصر، مثل قوية أبي علي صاحب
~~الأنماط (8).
# PageV02P413
# وتدل على الفصل بنافلة الصبح بينهما صحيحة عبد الله بن سنان الآتية (1).
# وفي صحيحة البزنطي المروية في قرب الإسناد عن الرضا عليه السلام: عن
~~القعدة بين الأذان والإقامة فقال: " القعدة بينهما إذا لم يكن بينهما نافلة
~~" وقال:
# " تؤذن وأنت راكب وجالس، ولا تقيم إلا على الأرض وأنت قائم " (2).
# وروايته الأخرى عن أبي الحسن عليه السلام المروية في الكافي والتهذيب
~~(3).
# بعضها يدل على أن بينهما قعدة إلا المغرب، فإن بينهما نفسا، كمرسلة سيف
~~ابن عميرة (4).
# ويمكن أن يكون المراد بالنفس هو امتداد الاصطبار على عدم النفس ثم التنفس
~~في الغالب والعادة.
# وربما يشعر ذلك بجواز الجزم على أواخر الفصول والوقوف عليها بدون التنفس.
# وفي بعضها: " من جلس فيما بين أذان المغرب والإقامة كان كالمتشحط بدمه في
~~سبيل الله " كرواية إسحاق الجريري (5).
# وفي بعضها التخيير بين القعود والتسبيح والكلام وأن أقل ما يجزئ قول "
~~الحمد لله " كموثقة عمار (6).
# والأفضل الفصل بالركعتين إن كان هناك نافلة، كالظهرين والصبح على وجه.
# ولا بد من الاجتهاد في الحالات والأوقات والصلوات، فمع قطع النظر عن
# PageV02P414
# الموانع والدواعي الخارجية فالأفضل التوسيط بالنافلة إذا كان هناك نافلة،
~~ثم السجدة في غير المغرب لضيق وقته، ويستحب الدعاء بالمأثور (1).
# واعترف غير واحد من الأصحاب بعدم النص في السجدة، حتى في غير المغرب،
~~وكذلك الخطوة فيه (2).
# ومع إن ابن طاوس روى في فلاح السائل عن بكر بن محمد الأزدي عن الصادق
~~عليه السلام، قال: " كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول لأصحابه: من سجد
~~بين الأذان والإقامة فقال في سجوده: رب لك سجدت خاضعا خاشعا ذليلا، يقول
~~الله تعالى: ملائكتي وعزتي وجلالي لأجعلن محبته في ms0502 قلوب عبادي المؤمنين،
~~وهيبته في قلوب المنافقين " (3).
# وعن ابن أبي عمير، عن أبيه، عنه عليه السلام، قال: رأيته أذن ثم أهوى
~~للسجود، ثم سجد سجد بين الأذان والإقامة، فلما رفع رأسه قال: " يا أبا عمير
~~من فعل مثل فعلي غفر الله تعالى له ذنوبه كلها ". وقال: " من أذن ثم سجد
~~فقال: لا إله إلا أنت سجدت لك خاضعا خاشعا، غفر الله له ذنوبه " (4).
# وروى فيه أيضا، عن معاوية بن وهب عن الصادق عليه السلام رواية: أنه جلس
~~بعد أذان المغرب ثم دعا بدعاء ذكره في الرواية، وقال عليه السلام: " إنه
~~دعاء أمير المؤمنين ليلة بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ".
# ثم قال ابن طاوس: وقد رويت روايات أن الأفضل أن لا يجلس بين أذان المغرب
~~وإقامتها، وهو الظاهر من عمل جماعة من أهل التوفيق (5).
# PageV02P415
# أقول: ولعل الإمام عليه السلام كان ينتظر أمرا تمكن معه من ذلك، كما
~~أشرنا إلى تفاوت مراتب الأشخاص والأوقات.
# وأما الخطوة فهي مذكورة في في الرضا عليه السلام (1).
# وتستحب حكاية الأذان للسامع، وهو مذهب العلماء كافة كما في المنتهى (2)،
~~وتدل عليه الأخبار المستفيضة، منها رواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه
~~السلام:
# أنه قال له: " يا محمد بن مسلم لا تدع ذكر الله على كل حال، ولو سمعت
~~المنادي ينادي للأذان وأنت على الخلاء فاذكر الله عز وجل " (3).
# وصحيحته عنه عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا
~~سمع المؤذن يؤذن قال مثل ما يقول في كل شئ " (4).
# وعن الشيخ في المبسوط أنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يقول
~~إذا قال حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله " (5).
# وعنه في المبسوط (6) أيضا جواز قطع الصلاة للحكاية، للعموم، وهو مشكل،
~~وكذلك قراءة القرآن، ولا بأس به.
# وأما الحكاية في الصلاة فلا تنصرف من الإطلاقات وإن كانت في غير
~~الحيعلات، وأما الحيعلات فالأظهر عدم الجواز بل المتعين، فتبطل معها.
# ويستحب الدعاء عند سماع الأذان في الصبح والمغرب ms0503 بالمأثور، والظاهر أنه
~~لا ينافي الحكاية، فيقرأ بعد الفراغ.
# الخامس: يكره الكلام في أثناء الأذان والإقامة، لمنافاته للإقبال
~~المطلوب،
# PageV02P416
# ولتنبيه كل الأخبار الرافعة للمنع عنه عليه (1).
# وللأخبار المستفيضة جدا في الإقامة، منها صحيحة عمرو بن أبي نصر قال، قلت
~~لأبي عبد الله عليه السلام: أيتكلم الرجل في الأذان؟ قال: " لا بأس " قلت:
# في الإقامة؟ قال: " لا " (2).
# ويدل على رفع المنع فيها أيضا أخبار كثيرة، منها صحيحة حماد بن عثمان،
~~قال:
# سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل أيتكلم بعد ما يقيم الصلاة؟ قال:
~~" نعم " (").
# وصحيحة محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم
~~في أذانه أو في إقامته، فقال: " لا بأس " (4).
# ورواية الحسن بن شهاب عنه عليه السلام، يقول: " لا بأس بأن يتكلم الرجل
~~وهو يقيم الصلاة، وبعد ما يقيم إن شاء " (5).
# وهذا الكلام فيما قبل قد قامت الصلاة واضح، وأما بعده فالمشهور فيه أيضا
~~الكراهة، لكن مع التغليظ، وهو حسن مع الانفراد، لما تقدم، ولعدم دلالة
~~الأخبار الآتية على التحريم فيه.
# وأما مع الجماعة، أي لجمع يريدون الجماعة ويجتزؤن بإقامة المقيم، فلا
~~يبعد القول بالتحريم، وفاقا للشيخين (6) والسيد (7)، وخلافا للمشهور، حيث
~~قالوا فيه بالكراهة المغلظة أيضا، بل الذي وجدت في كلامهم هو تغليظ الكراهة
~~في
# PageV02P417
# الجماعة، ولم أقف على تصريح في كلامهم بتسويته مع المنفرد في الكراهة.
# لنا: الأخبار المستفيضة، مثل صحيحة ابن أبي عمير: قال: سألت أبا عبد الله
~~عليه السلام عن الرجل يتكلم في الإقامة، قال: " نعم، فإذا قال المؤذن قد
~~قامت الصلاة فقد حرم الكلام على أهل المسجد، إلا أن يكونوا قد اجتمعوا من
~~شتى وليس لهم إمام، فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض: تقدم يا فلان " (1).
# وصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " إذا أقيمت الصلاة حرم الكلام
~~على الإمام وأهل المسجد، إلا في تقديم إمام " (2).
# وموثقة سماعة (عنه) (3) عليه السلام: " إذا أقام المؤذن الصلاة فقد حرم
~~الكلام، إلا أن يكون القوم ليس يعرف لهم إمام ".
# وصحيحة حماد (4) وما يليها ms0504 لا تنافي ما ذكرنا حتى يحمل على الكراهة بسبب
~~معارضتها لظهورها في المنفرد، غاية الأمر الإطلاق وهذه مقيدات.
# نعم روى في السرائر، عن كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن جعفر بن بشير، عن
~~عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: أيتكلم الرجل بعد
~~ما تقام الصلاة؟ قال: " لا بأس " (5) فهذه مع الشهرة والتأمل في ثبوت
~~الحقيقة الشرعية في لفظ الحرمة ترجح المشهور.
# وأما القول بتحريم التكلم في الإقامة مطلقا كما هو ظاهر الشيخين (6)
~~فضعيف لما مر.
# PageV02P418
# وكيف كان، فيستحب لمن تكلم أن يعيدها، لصحيحة محمد بن مسلم قال، قال أبو
~~عبد الله عليه السلام: " لا تتكلم إذا أقمت الصلاة، فإنك إذا تكلمت أعدت
~~الإقامة " (1).
# ثم إنهم استثنوا من التكلم ما كان لمصلحة الصلاة، كتقديم إمام أو تسوية
~~صف أو غير ذلك، والمنصوص إنما هو تقديم الإمام، وتقدم يا فلان، ولعل
~~الإلحاق من باب اتحاد الطريق.
# ويحرم التثويب بمعنى قول " الصلاة خير من النوم " في الأذان مع اعتقاد
~~الجزئية، لكونه من بدع عمر. والظاهر أنه لا نزاع فيه، واتفاق بين الفرقة،
~~كما أنه لا خلاف في جوازه مع التقية.
# وأما بدونها (2) فالأظهر الحرمة أيضا، مع اعتقاد الرجحان، وأما بدونه
~~فالأظهر القول بالكراهة، لكونه من الكلام المكروه.
# وذهب جماعة إلى التحريم (3).
# وابن الجنيد على أنه لا بأس به في أذان الفجر خاصة (4).
# والجعفي على الجواز بعد قول " حي على خير العمل " مرتين في أذان الصبح.
# والمنقول عنه أنه ليس من الأذان (5)، وهو الظاهر من ابن الجنيد.
# وأما موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " كان أبي ينادي
~~في بيته بالصلاة خير من النوم، ولو رددت ذلك لم يكن به بأس " (6) فهي
~~محمولة
# PageV02P419
# على التقية، سيما بملاحظة ما ورد أنه من بدع بني أمية، خصوصا في زمان
~~أبيه عليه السلام.
# ويمكن أن يكون قوله " ولو رددت " إيهاما وتورية بإرادة الرد لا الترديد
~~بمعنى التكرير.
# وكذلك موثقة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " النداء والتثويب ms0505 في
~~الإقامة من السنة " (1).
# وكذلك ما رواه في المعتبر عن كتاب البزنطي، قال: حدثني عبد الله بن سنان
~~عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد
~~أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله " وقال في آخره: " لا إله إلا
~~الله مرة، ثم قال: إذا كنت في أذان الفجر فقل: الصلاة خير من النوم بعد حي
~~على خير العمل، وقل بعده: الله أكبر الله أكبر " (2).
# ولا ينافي ذكر حي على خير العمل، إذ لعله أراد الإجهار بذلك بعد الإخفات
~~بحي على خير العمل.
# مع أنه مشتمل على خلاف ما يقوله الأصحاب من تربيع التكبير في الأول
~~وتثنية التهليل في الآخر، وقد أجمع مخالفونا على وحدة التهليل (3).
# وبعد حمل تلك على التقية، يبقى عموم ما دل على حسن الترغيب إلى الخير (4)
~~معارضا لما دل على عدم جواز الخروج عن الموظف (5)، ولم يثبت
# PageV02P420
# توظيف أذان غير متوالي الأجزاء، خصوصا مع ذكر مثل هذا اللفظ فيه
~~فيتعارضان.
# فإن رجح الثاني فهو دليل الحرمة، وإن رجح الأول فهو دليل الرجحان إن ثبت
~~به قول، وإن تساقطا بسبب عدم الترجيح فيبقى مندرجا تحت مطلق الكلام المنهي
~~عنه فيكون مكروها.
# وأحب أن أذكر هنا رواية تدل على عدم جواز الخروج عن الموظف ولو بالذكر،
~~فروى الصدوق في كمال الدين، عن عبد الله بن سنان قال، قال أبو عبد الله
~~عليه السلام: " سيصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى، وينجو منها
~~إلا من دعا بدعاء الغريق " قلت: وكيف دعاء الغريق؟ قال، تقول: " الله يا
~~رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " فقلت: يا مقلب القلوب
~~والأبصار ثبت قلبي على دينك، فقال: " إن الله عز وجل يقلب القلوب والأبصار،
~~ولكن قل كما أقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " (1).
# وهذا هو المشهور في تفسير التثويب، من ثاب بمعنى رجع، فإنه رجوع إلى
~~الدعاء إلى الصلاة بعد الدعاء إليها أولا.
# وقيل: إنه تكرير الشهادتين ms0506 والتكبير (2).
# وقيل تكرير الشهادتين دفعتين (3).
# وقيل: بأنه ما يقال بين الأذان والإقامة من الحيعلتين مثنى في أذان الصبح
~~(4).
# والكلام في حكمها يظهر مما مر، فلا يبعد القول بالكراهة، والأحوط الترك،
~~والظاهر أن كل ذلك من تصرفات العامة.
# PageV02P421
# وأما الترجيع - سواء قلنا بأنه تكرار الشهادتين جهرا بعد إخفاتهما، أو
~~تكرار التكبير والشهادتين في أول الأذان، أو تكرار الفصل زيادة على الموظف
~~- فيظهر الكلام فيه أيضا مما مر، فيحرم مع اعتقاد الجزئية، ويجوز مع
~~التقية، ويكره بدون ذلك، بل الأحوط تركه.
# أما لو دعت إلى ذلك حاجة كإشعار المصلين وجمعهم ونحو ذلك فلا بأس به،
~~لرواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " لو أن مؤذنا أعاد في
~~الشهادة أو في حي على الصلاة أو في حي على الفلاح المرتين والثلاث أو أكثر
~~من ذلك إذا كان إماما يريد القوم ليجمعهم لم يكن به بأس " (1)، وعن ظاهر
~~المختلف الاتفاق على العمل بمضمونها (2).
# وأما قول " أشهد أن عليا ولي الله " " وأن محمدا وآله خير البرية "
~~فالظاهر الجواز.
# قال الصدوق: والمفوضة - لعنهم الله - قد وضعوا أخبارا وزادوا في الأذان
~~أن محمدا وآل محمد خير البرية مرتين، وفي بعض رواياتهم بعد أشهد أن محمدا
~~رسول الله: أشهد أن عليا ولي الله مرتين، ومنهم من روى بدل ذلك أشهد أن
~~عليا أمير المؤمنين حقا مرتين، ولا شك في أن عليا ولي الله، وأنه أمير
~~المؤمنين حقا، وأن محمدا وآله صلوات الله عليهم خير البرية، ولكن ليس ذلك
~~في أصل الأذان (3).
# وقال الشيخ في النهاية: وأما ما روي في شواذ الأخبار من قول أن عليا ولي
~~الله، وأن محمدا وآله خير البشر، فمما لا يعمل عليه في الأذان والإقامة،
~~فمن
# PageV02P422
# عمل به كان مخطأ (1)، وتقرب من ذلك عبارة المنتهى (2).
# وكذلك قال في المبسوط ما يقرب من ذلك، ولكنه قال: ولو فعله الانسان لم
~~يأثم به، غير أنه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله (3).
# ويظهر من هؤلاء الأعلام ورود الرواية، فلا يبعد القول بالرجحان، سيما مع
~~المسامحة ms0507 في أدلة السنن، ولكن بدون اعتقاد الجزئية.
# ومما يؤيد ذلك ما ورد في الأخبار المطلقة: " متى ذكرتم محمدا صلى الله
~~عليه وآله فاذكروا آله، ومتى قلتم: محمد رسول الله، فقولوا: علي ولي الله "
~~(4) والأذان من جملة ذلك.
# ومن جملة تلك الأخبار ما رواه أحمد بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج عن
~~الصادق عليه السلام، وفي آخره: " فإذا قال أحدكم: لا إله إلا الله محمد
~~رسول الله، فليقل: علي أمير المؤمنين " (5).
# السادس: لو ترك الأذان والإقامة حتى تمت صلاته فلا يعيد بلا إشكال،
~~والنصوص به مستفيضة (6).
# ولو تركهما حتى دخل في الصلاة فالأكثر على أنه يهدم الصلاة ويجئ بهما، ثم
~~يستفتح الصلاة ما لم يركع إذا كان سهوا، ويمضي على صلاته إذا تعمد (7).
# PageV02P423
# أما الثاني، فلأنه مستحب وقته قبل الصلاة بالأصل، وتركه يقتضي الإعراض
~~عنه فيسقط الأمر، فلا دليل على جوازه، ويؤيده عموم ما دل على حرمة إبطال
~~الصلاة (1)، بل وهذا الكلام يجري على القول بوجوبهما أيضا كما لا يخفى.
# وأما الأول، فلصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا
~~افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذن وتقيم، ثم ذكرت قبل أن تركع فانصرف فأذن وأقم
~~واستفتح الصلاة، وإن كنت قد ركعت فأتم على صلاتك " (2).
# والأمر بالانصراف للاستحباب، وتدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة في استحباب
~~الأذان (3)، فإنها محمولة على الرخصة، فإنها مورد توهم الوجوب.
# ويؤيده التعليل بأنه سنة.
# وقال الشيخ في النهاية بالعكس (4)، وتبعه ابن إدريس (5)، ولعل حجتهما في
~~العود في صورة العمد الإطلاقات (5)، وفي صورة النسيان صحيحة زرارة
~~المتقدمة، ورواية زرارة عن الصادق عليه السلام قال، قلت له: رجل نسي الأذان
~~والإقامة حتى يكبر، قال: " يمضي على صلاته، ولا يعيد " (6).
# والجواب عن الأول: منع الشمول لما مر.
# وعن الثاني يظهر مما مر.
# وأما الرواية فضعيفة محمولة على الرخصة.
# PageV02P424
# ويظهر من الشيخ في التهذيب استحباب الإعادة ما لم يفرغ (1)، لصحيحة علي
~~بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل ينسى أن يقيم الصلاة
~~وقد افتتح الصلاة، قال: " إن كان ms0508 قد فرغ من صلاته فقد تمت صلاته، وإن لم
~~يكن فرغ من صلاته فليعد " (2).
# وقال في المعتبر: إنه محتمل، ولكنه تهجم على إبطال الفريضة بالخبر النادر
~~(3).
# حمله في المختلف على ما قبل الركوع (4)، وهو بعيد.
# والأحوط عدم الرجوع بعد الدخول في الركوع للصحيحة الأولى، معتضدة بعمومات
~~المنع عن إبطال العمل (5).
# وهناك روايات أخر دالة على الرجوع قبل القراءة دون ما بعدها معتبرة، منها
~~صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام، إنه قال في الرجل ينسى الأذان
~~والإقامة حتى يدخل في الصلاة، قال: " إن كان ذكر قبل أن يقرأ فليصل على
~~النبي صلى الله عليه وآله وليقم، وإن كان قرأ فليتم صلاته " (6). ومثلها
~~صحيحة زيد الشحام (7).
# وإذا لوحظ تعارض تلك الأخبار مع صحيحة الحلبي فيدور الأمر بين تخصيص
~~الصحيحة بإرادة ما قبل القراءة، أو حمل الأوامر بالإتمام في تلك الصحاح على
~~المجاز بإرادة الرخصة، واعتضاد الصحيحة بالشهرة مع ظهور ما قبل الركوع
# PageV02P425
# فيما بعد القراءة يرجحها، فنحمل تلك الأخبار على تأكد الاستحباب فيما قبل
~~القراءة على الطرف المقابل لما قبل الفراغ من الصلاة في صحيحة علي بن يقطين
~~لو عملنا بها.
# وبعد ملاحظة حال القراءة فالظاهر أن المعيار الشروع فيها، لحسنة الحسين
~~بن أبي العلاء عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يستفتح صلاته
~~المكتوبة ثم يذكر أنه لم يقم، قال: " فإن ذكر أنه لم يقم قبل أن يقرأ
~~فليسلم على النبي صلى الله عليه وآله ثم يقيم ويصلي، وإن ذكر بعد ما قرأ
~~بعض السورة فليتم على صلاته " (1).
# ولعله بهذا استدل ابن الجنيد (2) على أنه إن كان ناسيا للإقامة وحدها رجع
~~ما لم يقرأ عامة السورة.
# ثم إنه لم يظهر من الأخبار حال الأذان وحده، وادعى فخر المحققين الاجماع
~~على عدم الرجوع إلى الأذان مع الإتيان بالإقامة (3)، وهو المنقول عن الأكثر
~~(4).
# لكن ظاهر المحقق في الشرائع الإعادة للأذان فقط أيضا (5)، وهو المنقول عن
~~ابن أبي عقيل (6).
# وأغرب الشهيد الثاني - رحمه الله - حيث حكم بالإعادة للأذان وحده دون
~~الإقامة ms0509 (7).
# PageV02P426
# ثم إن المحقق خص الكلام في المنفرد (1)، قال في المدارك: إطلاق النص
~~وكلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في المصلي بين الإمام والمنفرد، فتقييده
~~بالمنفرد يحتاج إلى دليل (2).
# أقول: والتأمل في روايات الباب يشهد بأن كلها ظاهرة في المنفرد، ولا يفهم
~~منها إطلاق يشمل غيره، ولا يفهم من إطلاق كلماتهم أيضا تعميم.
# السابع: لا يجوز الأذان للصلاة قبل دخول وقتها في غير الفجر بإجماع
~~علمائنا، بل علماء الاسلام كما قيل (3).
# وأما الفجر فالمشهور جوازه، قال في المنتهى: وعليه فتوى علمائنا (4).
# وعن ابن أبي عقيل أنه قال (5): الأذان عند آل الرسول عليهم السلام
~~للصلوات الخمس بعد دخول وقتها إلا الصبح، فإنه جائز أيؤذن لها قبل دخول
~~وقتها، بذلك تواترت الأخبار عنهم، وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله
~~مؤذنان، أحدهما بلال، والآخر ابن أم مكتوم، وكان أعمى، وكان يؤذن قبل
~~الفجر، ويؤذن بلال إذا طلع الفجر. وكان صلى الله عليه وآله يقول: " إذا
~~سمعتم أذان بلال فكفوا عن الطعام والشراب " (6).
# والصدوق نقل قوله " وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله " إلى آخره، ثم
~~قال: فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته، وقالوا: إنه صلى الله عليه وآله
~~قال: " إن بلالا يؤذن بليل فإذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان
# PageV02P427
# ابن أم مكتوم " (1).
# وخالف في هذا الحكم ابن إدريس، فمنع من تقديمه (2)، وكذلك السيد في
~~الناصرية (3) وابن الجنيد والجعفي (4)، وحجتهم أنه للإعلام والدعاء إلى
~~الصلاة، فتقديمه وضع له في غير موضعه، وما روي أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر
~~فأمره النبي صلى الله عليه وآله أن يعيد الأذان (5). ويظهر ضعفهما مما
~~يأتي.
# ثم إن ظاهر فتوى أكثر الأصحاب - مثبتيهم ومانعيهم - أن ذلك الأذان أذان
~~الفجر، منها العبارات المتقدمة، وقال في الشرائع: ولا يؤذن إلا بعد دخول
~~الوقت، وقد رخص تقديمه على الصبح، لكن تستحب إعادته بعد طلوعه (6).
# ولكن المستفاد من الأخبار المعتبرة أن المقدم إنما هو للتنبيه، وليس هو
~~بأذان الفجر، ولا تتأدى معه السنة (7).
# والحاصل أني لم أقف على رواية تدل على ms0510 جواز الاكتفاء بالأذان المتقدم على
~~الفجر، وعلى هذا فيمكن حمل كلام المثبتين على جواز ذلك من باب التنبيه
~~والإعلام للتهيؤ، لا للسنة الفجرية، كما صرح به جماعة منهم المفيد (8) -
~~رحمه الله - والعلامة في المختلف (9) وغيرهما، وكلام النافين على عدم جواز
~~تقديم السنة الفجرية، فيكون النزاع لفظيا.
# PageV02P428
# ويشير إلى ما ذكرنا ما نقلناه من حجة المانعين، وحجتهم لا تنافي ثبوت
~~الأذان بالمعنى الآخر.
# فلنذكر من تلك الأخبار صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام قال، قلت له: إن لنا مؤذنا يؤذن بليل، فقال: " إن ذلك ينفع الجيران
~~لقيامهم إلى الصلاة، وأما السنة فإنه ينادي مع طلوع الفجر، ولا يكون بين
~~الأذان والإقامة إلا الركعتان " (1). ويقرب منها صحيحته الأخرى (2).
# وأما صحيحة الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأذان قبل
~~الفجر،: " إذا كان في جماعة فلا، وإذا كان وحده فلا بأس " (3) فلم أقف على
~~عامل بها.
# وقال العلامة في المنتهى: الشرط في الرواية حسن، لأن القصد به الإعلام
~~للإجماع، والجماعة لا تحتاج إلى الإعلام للتأهب، بخلاف المنفرد (4).
# والظاهر أن مراده أن الجماعة الذين يريدون الصلاة به إذا كانوا مجتمعين
~~فلا حاجة إلى الإعلام، وأما إذا كانوا متفرقين أو كان الإمام وحده منتظرا
~~لهم فليؤذن.
# ثم إنه يجوز تعددهما واتحادهما، بل التعدد أولى كما فعله صلى الله عليه
~~وآله (5).
# ليتميز الصوتان، لتكثر الفائدة.
# وكذلك المناسب أن يحدد لذلك وقت ليكون مفيدا. وتحديده بسدس الليل
# PageV02P429
# لا دليل عليه، وكذلك تخصيص أصل الحكم بشهر رمضان، ولعل أمثال ذلك من
~~العامة.
# الثامن: لا يعتد بأذان غير المميز للوقت، ولا للصلاة، لعدم صحته بالذات،
~~لأن الفهم شرط الخطاب، ولأنه غير مكلف، فلا يتعلق به التكليف فيخلو أذانه
~~عن الخطاب، وإذ لا خطاب فلا طاعة ولا امتثال.
# وأما سقوط العباد عن الاعتبار مع عدم الخطاب فواضح، وأما أنه غير مكلف
~~ولا يتعلق به التكليف، فعلى القول بأن الندب تكليف ولا يتعلق بالطفل، وأن
~~عباداته تمرينية لا شرعية، فواضح.
# وأما على القول بأنه ms0511 تكليف، ولكنه لا مانع من تعلقه بالطفل، إذ القدر
~~المسلم هو انتفاء الوجوب والتحريم عنه ولا مانع من اختصاصه ببعض التكاليف
~~فلأن القدر المسلم من تعلق المندوبات بالطفل إنما هو بعد التمييز بالإجماع،
~~والأخبار، فإن الأخبار الآمرة بأمرهم بالصلاة إنما هو إذا بلغوا ست سنين
~~فما فوقها (1)، وهو مطابق للتمييز غالبا.
# وأما المميز فيصح أذانه ويعتد به ويجتزأ به، لما مر، وللإجماع والأخبار
~~الكثيرة، منها موثقة عبد الله بن سنان لابن المغيرة - عن أبي عبد الله عليه
~~السلام في حديث، قال: " لا بأس أن يؤذن الغلام الذي لم يحتلم " (2).
# لا يقال: إن هذا يعم غير المميز أيضا، لأنه مع أنه لا يعارض الاجماع
~~وغيره ظاهر في المراهق كما لا يخفى، ولا يضر الاستدلال بمثله على من لم
~~يراهق مع كونه مميزا، لعدم القول بالفصل.
# PageV02P430
# ويظهر مما ذكرنا حال المجنون، فلا يعتد به أيضا إجماعا.
# ويشترط الاسلام أيضا، فلا يعتد بأذان الكافر أيضا، للإجماع، ولما سيجئ في
~~اشتراط الإيمان.
# ولا ينافي الكفر التلفظ بالشهادتين، لأن ما دل على ثبوت الاسلام بذلك
~~إنما هو إذا كان على وجه الإقرار وفهم ذلك منه، لا مطلق التكلم، لاحتمال
~~الحكاية والاستهزاء وعدم فهم المعنى وغير ذلك، مع أنه قبل التكلم
~~بالشهادتين كان كافرا جزما، فينقص الأذان عن وظيفته.
# ومما ذكرنا يظهر ضعف ما قيل: إنه يحكم بالإسلام بمجرد ذلك، لقوله عليه
~~السلام: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها
~~عصموا مني دماءهم " (1).
# ولا فرق فيما ذكرنا في عدم الاعتداد بين الاعتداد في دخول الوقت لذوي
~~الأعذار - أو مطلقا على القول به - وبين الاعتداد في أذان الصلاة، خصوصا مع
~~الأخبار الكثيرة الواردة " أن المؤذنين أمناء، وأن المؤذن مؤتمن " (2)
~~والمراد أنه لا بد أن يكون أمينا حتى يجعل مؤذنا، لا أن كونه مؤذنا يوجب
~~الأمانة.
# والأصح اشتراط الإيمان أيضا، لأن الأقوى بطلان عبادة المخالف، للأخبار
~~المستفيضة (3)، وإن قلنا بسقوط القضاء عنه ولحوق الثواب إياهم لو فعلوها
~~صحيحة عندهم بعد استبصارهم.
# ولموثقة عمار ms0512 عن الصادق عليه السلام: " لا يجوز أن يؤذن إلا رجل مسلم
~~عارف، فإن علم الأذان وأذن به ولم يكن عارفا لم يجز أذانه ولا إقامته
# PageV02P431
# ولا يقتدى به " (1).
# والأظهر عندي اشتراط الذكورة أيضا إذا أذن للرجال، فلا يعتد بأذان النساء
~~إلا للنساء.
# وقد مر الكلام في المحارم، وأن الأظهر عندي عدم الاكتفاء لعدم انصرافه من
~~الأدلة.
# ويستحب أن يكون عدلا، لما رواه الصدوق مرسلا، عن علي عليه السلام، قال،
~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يؤمكم أقرؤكم، ويؤذن لكم خياركم "
~~(2).
# ولقولهم عليهم السلام: " المؤذن مؤتمن والمؤذنون أمناء " (3).
# ولأن يعتمد عليه ذووا الأعذار.
# وقول ابن الجنيد بمنع الاعتداد بأذان الفاسق لفقد الأمانة (4) ضعيف تدفعه
~~الإطلاقات، وهذه الألفاظ محمولة على الاستحباب.
# وأن يكون صيتا، لعموم النفع، فيكون أدل على الخير.
# وأما الاستدلال على ذلك بقوله عليه السلام لبلال: " اعل فوق الجدار وارفع
~~صوتك بالأذان " (5) فهو غير واضح كما لا يخفى، بل رفع الصوت هو مستحب آخر.
# وكذلك القيام على المرتفع لهذا الخبر.
# وأما كونه منارة فلم يظهر من النصوص استحبابه، وفي رواية علي بن جعفر،
# PageV02P432
# قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الأذان في المنارة، أسنة هو؟ فقال: "
~~إنما كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وآله في الأرض، ولم يكن يومئذ منارة "
~~(1).
# وقد يستدل على الاستحباب بقول علي عليه السلام حيث مر على منارة طويلة
~~فأمر بهدمها: " لا ترفع المنارة إلا مع سطح المسجد " (2)، وأنه لولا
~~استحباب الأذان فيها لكان الأمر بوضعها عبثا، وفيه تأمل.
# وأن يكون المؤذن حسن الصوت لإقبال القلوب إليه.
# وأن يكون مبصرا - وإن جاز من الأعمى إذا كان له مسدد - وبصيرا بالأوقات
~~ليأمن الغلط.
# قال في المدارك: ولو أذن الجاهل في الوقت جاز واعتد به إجماعا (3)، فإن
~~أراد مع تسديد الغير إياه فهو حسن، وأما لو وقع موافقا للوقت رجما بالغيب
~~ففيه إشكال واضح، إلا أن يثبت الاجماع، ولا أفهم دعواه في هذا لصورة من
~~كلامه صريحا.
# وهل يجوز الاعتداد بأذان من يأخذ على الأذان أجرا؟ الأظهر ms0513 لا، لمنافاته
~~للإخلاص، فيبطل من جهة النية، ولأنه منهي عنه في رواية السكون وغيرها (4)
~~المعتضدة بعمل الأصحاب حيث حرموه، خلافا للسيد فكرهه (5)، وتبعه بعض
~~المتأخرين (6) استضعافا للرواية.
# وأما قول بعضهم: إنه ينعقد لو أخذ وإن قيل بالتحريم، لأنه عبادة وشعار،
~~فإن
# PageV02P433
# فات أحدهما لم يفت الآخر (1)، فلا يخفى ضعفه لأن اسقاط الأذان إنما هو من
~~جهة العبادة.
# وأما الارتزاق من بيت المال فلا بأس به، لأنه من المصالح العامة
~~للمسلمين.
# PageV02P434
# المقصد الثاني في القيام وفيه مباحث:
# الأول: يجب القيام في الفرائض مع الاختيار بالإجماع، والكتاب (1)،
~~والأخبار الصحيحة وغيرها (2)، وهو ركن في الصلاة، تبطل بالإخلال به عمدا أو
~~سهوا، ادعى عليه الاجماع في المعتبر والمنتهى (3).
# وينبغي أن يكون مرادهما الركنية في الجملة، لعدم ثبوتها إلا في حال
~~التكبير، والقدر المتصل منه بالركوع، بل في حال النية أيضا، وإن كانت لا
~~تنفك عن التكبير، لأجل اشتراط المقارنة، وكون الجزء المتصل بالركوع في
~~القنوت غير مضر، لأن القنوت غير القيام، وإن أبيت فاعتبر الجهتين.
# والدليل بعد الاجماع هو أنه جزء للصلاة، والكل ينتفي بانتفاء جزئه،
~~فالأصل في الأجزاء الركنية، وعدم بطلانها بنسيان سائر الأجزاء أو زيادتها
~~إنما
# PageV02P435
# ثبت بالدليل.
# وقد يستدل على ذلك بموثقة عمار عن الصادق عليه السلام: في رجل نسي حين
~~افتتح الصلاة وهو قاعد، قال: " يقوم فيفتتح وهو قائم، ولا يعتد بافتتاحه
~~وهو قاعد " (1).
# وفي دلالتها نظر لا يخفى على من تأمل صدر الخبر.
# وحده الانتصاب، ويظهر من بعض الأخبار أنه نصب فقار الظهر، ففي صحيحة أبي
~~بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام:
~~من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له " (2).
# وروى الصدوق عن الصادق عليه السلام، قال: " وقم منتصبا، فإن رسول الله
~~صلى الله عيه وآله قال: من لم يقم صلبه فلا صلاة له " (3) وفي معناهما
~~موثقة أبي بصير في القيام بعد الركوع (4).
# ولكن في صحيحة حماد التي علمه الصادق عليه السلام فيها آداب الصلاة إشعار
~~باستحباب الانتصاب، فإن الظاهر أن ms0514 ما استدركه حماد مما فعله الصادق عليه
~~السلام ولم يفعله هو كان من المستحبات (5).
# ولا يخل به الإطراق وإن كان تركه أولى، لمرسلة حريز، عن رجل، عن أبي جعفر
~~عليه السلام قال، قلت له: فصل لربك وانحر، قال: " النحر: الاعتدال في
~~القيام، أن يقيم صلبه ونحره " (6) الحديث وفي معناها رواية في الخصال (7).
# PageV02P436
# قال في الذكرى: حد القيام الانتصاب مع الإقلال، ولا يخل بالانتصاب إطراق
~~الرأس، إذ المعتبر نصب الفقار، ويخل به الميل إلى إليه واليسار اختيارا
~~بحيث يزول عن سنن القيام، وكذا إذا انحنى ولو لم يبلغ حد الراكع لم يجزئه
~~(1)، انتهى.
# وفي عبارته إشكال، ويمكن توجيهه بإرجاع الضمير المجرور في قوله " يخل به
~~" إلى القيام.
# وقال أيضا: الأقرب وجوب الاعتماد على الرجلين معا في القيام، ولا تجزئ
~~الواحدة مع القدرة، لعدم الاستقرار، وللتأسي بصاحب الشرع، ولا يجوز
~~تباعدهما بما يخرجه عن حد القيام (2).
# والظاهر أن هذا هو المشهور بين الأصحاب، كما نسبه في البحار إليهم (3)،
~~ولعله في مقابل رفع أحد الرجلين والقيام على الأخرى، وإلا فقد عد من
~~المكروهات أن يتكئ مرة على هذه ومرة على هذه، بل نسب القول بالكراهة أيضا
~~إلى الجعفي (4).
# وتدل عليه عبارة فقه الرضا عليه السلام (5)، وما رواه الثمالي عن فعل
~~السجاد عليه السلام: فأطال القيام حتى جعل مرة يتوكأ على رجله اليمنى، ومرة
~~على رجله اليسرى (6)، فمحمول على العذر كما هو ظاهر الخبر.
# وكذلك نسب إلى الجعفي القول بكراهة التقدم مرة والتأخر أخرى، لمنافاته
~~للخشوع (7).
# PageV02P437
# ويدل على الجواز ما رواه في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه عليه
~~السلام، قال: سألته عن رجل يقوم إلى الصلاة هل يصلح له أن يقدم رجلا ويؤخر
~~أخرى من غير مرض ولا علة؟ قال: " لا بأس " (1).
# ولا بد أن يقيد بما لم يخرج عن حد الاستقرار، فإن الاستقرار أيضا واجب في
~~القيام كالاستقلال.
# ويدل على الأول عدم تحقق القيام بدونه، وفي رواية السكوني إشارة إليه
~~(2).
# أما الاستقلال بمعنى أن لا يكون مستندا إلى شئ بحيث ms0515 لو رفع لسقط، فتدل
~~عليه صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " لا تستند
~~بخمرك وأنت تصلي، ولا تستند إلى جدار إلا أن تكون مريضا " (3).
# ولصحيحة حماد الطويلة (4)، وفيه تأمل.
# ولاستصحاب شغل الذمة، وأن المتبادر من القيام هو ما كان بالاستقلال.
# أبو الصلاح على الجواز على كراهة (5)، للنصوص، ففي الصحيح: عن الرجل هل
~~يصلح له أن يستند إلى حائط المسجد وهو يصلي، أو يضع يده على الحائط وهو
~~قائم من غير مرض ولا علة؟ فقال: " لا بأس " وعن الرجل يكون في صلاة فريضة
~~فيقوم في الركعتين الأوليين، هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض
~~يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علة؟
# PageV02P438
# قال: " لا بأس " (1).
# وفي الموثق: عن الرجل يصلي متوكئا على عصا أو على حائط، فقال: " لا بأس
~~بالتوكؤ على عصا والاتكاء على الحائط " (2).
# ويمكن تقوية مذهب أبي الصلاح لكثرة الأخبار وصراحتها، وعدم صراحة مستند
~~المشهور، لعدم تعلق النهي (بالصلاة) (3) صريحا وحملها على الكراهة. لكن
~~الشهرة، وفهم الأصحاب، وعدم تحقق القيام يقينا إلا بذلك يؤيد الأول، وعليه
~~العمل، ولا ينبغي تركه.
# وينبغي أن يقتصر في ذلك على الاستناد في حال الصلاة بشخصه والاتكاء
~~بنفسه، لا مطلق الاستعانة والاستمداد، لعدم منافاة ذلك لمستند المشهور،
~~ووجود الرخصة فيه في تلك الأخبار، وظهور الاستناد المذكور في مستندهم في
~~استناد الشخص في حال القيام، لا استعانته للقيام.
# ونقل عن بعض المتأخرين التصريح بأن حكم الاستعانة حكم الاستناد (4)، وهو
~~ضعيف.
# الثاني: كل ما تقدم مع القدرة على القيام، وأما مع العجز فيعتمد، والظاهر
~~عدم الخلاف في ذلك، للعمومات (5)، والاستصحاب، وأنه قيام حقيقة، والأخبار
~~المتقدمة.
# ولو عجز عن البعض فيأتي به على قدر المقدور، لأن الميسور لا يسقط
# PageV02P439
# بالمعسور، ولقوله: " إذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم " (1)
~~وللاستصحاب والعمومات والصحيحة الآتية.
# وقد نقل عن الشيخ أنه قال: قد روى أصحابنا أنه إذا لم يقدر على القيام في
~~جميع الصلاة قرأ جالسا، فإذا أراد الركوع نهض وركع عن قيام ms0516 (2).
# ولكن هذه الأدلة لا تثبت أزيد مما يدخل في عنوان القيام منتصبا أو منحنيا
~~أو متكئا.
# وأما ما لا يدخل فيه ففيها إشكال، لعدم شمول العمومات والخصوص أيضا،
~~وجريان الدليلين الأولين في الأجزاء العقلية محل كلام، ولا يظهر عندي له
~~وجه، ولا نقض علينا باعتباره مع عدم التمكن من الانتصاب، لأن الانتصاب واجب
~~والقيام واجب آخر، فإذا صح سلب اسم القيام عنه فلا بد من الانتقال إلى
~~القعود، لعدم الدليل على صحة مثل هذه الصلاة.
# ولا فرق في التزام القيام مع القدرة بين كونه قادرا على الركوع والسجود
~~معه أم لا، فإذا قدر عليهما بدونه لم يجز العدول عنه، بل يومئ للركوع
~~والسجود بالإجماع، نقله في التذكرة والمنتهى (3)، ولأن القيام ركن لا يجوز
~~العدول عنه إلى الجلوس، ومع الإيماء يحصل الركن أعني الركوع والسجود، ومع
~~الجلوس فيهما لا يحصل القيام والركوع قائما وعن قيام.
# فإن قلت: عمومات الركوع تعارضه، فلا وجه للترجيح.
# قلت: إن أردت منها الركوع المعروف المتداول الذي هو الركوع عن قيام وفي
~~حال القيام نمنع الصغرى، وإن أردت الأعم منه فنمنع كلية الكبرى.
# فإن قلت: لم يثبت عموم اعتبار القيام في الركوع.
# PageV02P440
# قلت: لم يثبت عموم اعتبار الانخفاض بقدر الركوع، وأيضا هذا أشبه بما
~~جوزها الشارع في المواضع الكثيرة مثل صلاة العاري وغيرها، وإطلاق الركوع
~~على الإيماء في الشرع واقع (1)، ولا ترجيح لإطلاقه على ما ذكرتم على إطلاقه
~~على ما ذكرنا.
# وقولهم عليهم السلام: " الميسور لا يسقط بالمعسور " وغيره لا ينفعهم بل
~~يضرهم.
# وبالجملة الأقرب ما ذهب إليه الأصحاب.
# ثم إن عجز عن القيام بهذا النحو أيضا فيقعد، للإجماع، نقله غير واحد من
~~أصحابنا (2)، وللنصوص المستفيضة (3).
# ففي خبر: " يصلي المريض قائما، فإن لم يقدر على ذلك صلى قاعدا " (4).
# وفي آخر: " فإن لم يقدر على ذلك صلى جالسا " (5).
# وفي حسنة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام: " في قول الله عز وجل *
~~(الذين يذكر الله قياما وقعودا) * (6) المريض يصلي جالسا * (وعلى جنوبهم) *
~~الذي يكون أضعف من المريض الذي ms0517 يصلي جالسا " (7).
# ويرجع في العجز إلى نفسه، فإنه أعلم بنفسه من غيره على المشهور بين
~~الأصحاب، ففي صحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام: أنه سئل ما حد المرض
~~الذي يفطر صاحبه، والمرض الذي يدع صاحبه فيه الصلاة قائما؟ قال: " بل
# PageV02P441
# الانسان على نفسه بصيرة، قال: ذاك إليه هو أعلم بنفسه " (1).
# وفي صحيحة جميل أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام ما حد المريض الذي يصلي
~~قاعدا؟ فقال: " إن الرجل ليوعك ويحرج (2) لكنه أعلم بنفسه، ولكنه إذا قوي
~~فليقم " (3).
# وتؤيده الأدلة الدالة على وجوب القيام (4).
# قيل: حده أن لا يتمكن من المشي بمقدار زمان الصلاة (5)، لخبر سليمان:
# " المريض إنما يصلي قاعدا إذا صار بالحال التي لا يقدر فيها أن يمشي
~~مقدار صلاته إلى أن يفرغ قائما " (6).
# وفيه: مع ضعف السند، ومتروكية ظاهره عند أكثر الأصحاب (7) أنه مخالف
~~للاعتبار، وغير منضبط في المعيار، والعمل به يوجب ترك القيام في بعض
~~الأحيان كما لا يخفى، وقد عرفت عدم الجواز بقدر المقدور.
# ويجوز الاعتماد على قول الطبيب في قوله بأن القيام يضر مع عدم علمه بعدم
~~الضرر لدفع الضرر، والضرر أعم من العنت وشدة المرض وبطء برئه وازدياده.
# PageV02P442
# وكذا بما يوجب ترك القيام، كأمره باستلقاء من كان في عينيه الماء ثلاثين
~~يوما وأربعين يوما، ونحو ذلك، أو بجلوسه كذلك لمرض وإن لم يكن في نفسه
~~عاجزا عن القيام، للنصوص، منها صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله
~~عليه السلام عن الرجل والمرأة يذهب بصره فيأتيه الأطباء فيقولون نداويك
~~شهرا أو أربعين ليلة مستلقيا كذلك يصلي، فرخص في ذلك، وقال: " فمن اضطر غير
~~باغ ولا عاد فلا إثم عليه (1) " (2).
# وفي حكم ما ذكر الخوف من اللص والسبع والجرح والحبس تحت السقف المنحط
~~وغير ذلك.
# ثم إنه لو دار الأمر بين الصلاة متكئا وماشيا مستقلا فلا ريب في رجحان
~~الأول، ويظهر وجهه مما تقدم. والقول بالثاني ضعيف (3).
# ما لو دار الأمر بين القعود والصلاة ماشيا ففيه قولان، أقربهما تقديم
~~الأول، لما مر ms0518 من النصوص المستفيضة (4)، إذ القيام لا يصدق على المشي. ويصح
~~سلب اسم الماشي عن القائم وبالعكس.
# وأيضا لم يعهد من الشرع للمريض الصلاة ماشيا، والعبادة موقوفة عن
~~التوظيف.
# وأما الاستدلال على القول الثاني بأن ترك وصف القيام - وهو الاستقرار -
~~أولى من ترك نفسه، فهو ضعيف جدا، لأنا لو سلمنا كون المشي من أفراد القيام
~~لا نسلم كون الاستقرار وصفا له، بل هو وصف للمصلي مثل القيام، ولا وجه
~~لترجيح أحد الوصفين على الآخر.
# PageV02P443
# وهكذا الاستدلال عليه بخبر سليمان (1)، لما تقدم من ضعف السند والدلالة،
~~ولما يلزم عليه من الفساد فتنبه.
# وكذا الاستدلال عليه بالعلة المذكورة في الرواية المذكورة في صدر المبحث
~~السابق، فإن الظاهر من التعليل أنه للانتصاب لا للقيام كما لا يخفى على
~~الطبع السليم، وهو يتحقق مع القعود أيضا فتأمل.
# ومن العجب استدلال بعضهم (2) بمثل قوله عليه السلام: " يصلي قائما، فإن
~~لم يقدر على ذلك صلى قاعدا " (3) وأنت خبير بأنه لو فرض أن المشي من أفراد
~~القيام أيضا لا ينساق هذا النوع منه إلى الذهن أصلا من هذه العبارة، مع أن
~~في الحسن:
# " المريض يصلي جالسا " (4) وقد تقدم، وفي آخر: " ما حد المريض الذي يصلي
~~قاعدا " (5) وقد تقدم أيضا.
# وبالجملة الذي يقوى في نفسي هو الأول.
# ولو عجز عن القعود بجميع الأنحاء كالقيام، فيضطجع متوجها إلى القبلة على
~~اليمين، ويومئ في الركوع والسجود. فإن عجز فعلى اليسار كذلك، وإلا فيستلقي
~~كالمحتضر ويومئ.
# أما الانتقال من القعود إلى الاضطجاع فالظاهر أنه لا خلاف فيه بين
~~الأصحاب، وتدل عليه النصوص، منها الحسن المتقدم.
# وفي رواية: " يصلي قائما، فإن لم يستطع صلى جالسا، فإن لم يستطع صلى على
~~جنبه الأيمن، فإن لم يستطع صلى على جنبه الأيسر، فإن لم يستطع
# PageV02P444
# استلقى ويومئ إيماءا، وجعل وجهه نحو القبلة، وجعل سجوده أخفض من ركوعه "
~~(1).
# وفي رواية أخرى: عن المريض لا يستطيع الجلوس، قال: " فليصل وهو مضطجع،
~~وليضع على جبهته شيئا إذا سجد فإنه يجزئ عنه " (2) الحديث.
# وأما تقديم الأيمن على الأيسر فهو ظاهر ms0519 الأكثر (3)، وادعى في المنتهى
~~الاجماع على الانتقال من القعود إلى الجانب الأيمن، وكذلك ظاهر المعتبر،
~~وظاهر جماعة منهم التخيير (4)، وصرح بجواز تقديم الأيسر في التذكرة (5).
# والأخبار أيضا مختلفة، فبعضها مطلق، وبعضها مقيد بالترتيب المذكور ككلام
~~الأصحاب، فالأولى حمل المطلق على المقيد ليكون مبرئا للذمة يقينا، فيكون
~~المختار التفصيل والترتيب.
# وأما الانتقال من الاضطجاع إلى الاستلقاء فالظاهر عدم وجود المخالف فيه
~~أيضا.
# وفي بعض الأخبار الانتقال من القعود إلى الاستلقاء (6)، ولا بد من حمله
~~على العجز من الاضطجاع أيضا، لاعتضاد الأخبار المفصلة (7) بعمل الأصحاب
~~ومتروكية ظاهر ذلك عندهم.
# PageV02P445
# ثم إنه لو تجدد العجز للقائم جلس، وهكذا إلى أدنى الحالات، وبالعكس،
~~لقوله عليه السلام: " ولكن إذا قوي فليقم " (1).
# فإذا عرض الضعف قبل القراءة فليقرأ جالسا، وفي الأثناء فيه قولان،
~~فالمشهور أنه يقرأ في حال الهوي لكونه أقرب إلى القيام (2)، وقيل: إنه يقرأ
~~بعد الجلوس، لأن الاستقرار شرط مع القدرة (3)، وفي كليهما نظر والتحقيق:
~~أنه ما دام يصدق عليه عنوان القائم لو كان بهذه الحالة فلا بد أن يكون حاله
~~حال القائم لما تقدم، وأما أدون منه فحكمه أيضا كذلك، لعدم القائل بالفصل
~~والاستصحاب، فتكون القوة مع المشهور.
# ولا بد في الانتقالات من ملاحظة عدم ازدياد الركن ونقصه.
# أما لو تجددت القوة فيترك القراءة أو الذكر في الركوع ليؤديها في الحالة
~~العليا، ويبني على ما مضى، وقيل: باستحباب الاستئناف (4)، وهو مشكل.
# يعتبر في حال تجدد القوة بعد القراءة الانتصاب عرفا ليركع عن قيام، ولا
~~دليل على الطمأنينة.
# الذي يقدر على ذلك القدر من القيام يجب عليه، ولو تركه بطلت الصلاة ولو
~~كان سهوا.
# وههنا تنشعب مسائل وفروع من جهة مواضع تجدد القوة والعجز ما قبل القراءة
~~وبعدها وفي أثناء الركوع وقبل الذكر وبعده، وكذا حال السجود، فعليك بالتأمل
~~في المذكورات، واستخراجها مما ذكرنا.
# PageV02P446
# الثالث: ما تقدم حكم الفرائض، وأما النوافل فيجوز الجلوس فيها اختيارا،
~~للإجماع، نقله الفاضلان (1). وخالف في ذلك ابن إدريس في غير الوتيرة (2).
# وتدفعه الصحاح المستفيضة وغيرها.
# ولو ركع عن قيام ms0520 بعد القراءة جالسا متمما قراءته قائما ولو بآيتين تكون
~~صلاته صلاة القائم للصحاح، منها صحيحة حماد عن أبي الحسن عليه السلام، قال:
~~" إذا أردت أن تصلي وأنت جالس ويكتب لك بصلاة القائم، فاقرأ وأنت جالس،
~~وإذا كنت في آخر السورة فقم وأتمها واركع، فتلك تحسب لك بصلاة القائم "
~~(3).
# قال في البحار: وأوجبوا ذلك في الفريضة مع القدرة عليه والعجز عن القيام
~~في الجميع، وهو حسن (4)، انتهى.
# أقول: ومقتضى ذلك مع ما مر من وجوب القيام إذا قوي عليه أنه إذا قوي على
~~القيام بقدر معين إما في أول القراءة أو في آخره، فيجب عليه أن يختار
~~الآخر.
# في النصوص أن المستطيع على القيام والكسل يضعف ركعتين بركعة (5) و (6).
# وحملها في التهذيب على الأفضلية (7)، والإطلاق يعطي عدم التفرقة بين
~~الرواتب وغيرها.
# يبقى الكلام في ما روي عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: إنا نتحدث
~~نقول: من صلى وهو جالس من غير علة كانت صلاته ركعتين بركعة، وسجدتين
# PageV02P447
# بسجدة، فقال: " ليس هو هكذا، هي تامة لكم " (1).
# والظاهر أن المراد منه بيان أن الصلاة جالسا مسقطة للنافلة ومجزئة، لا
~~أنه لأفضل للتضعيف.
# وينقدح من هذا الخبر أن الضعف مستحب خارج وليس بنفس النافلة، فتدبر.
# وذكر جمع من الأصحاب (2) أن الأفضل في الوتيرة الجلوس، لما في الأخبار
~~الكثيرة من توصيفها بركعتين من جلوس تعدان بركعة قائما (3).
# قيل بأفضلية القيام للخبرين (4)، قال في أحدهما: " والقيام أفضل " (5)
~~وفي الآخر قال الصادق عليه السلام: " كان أبي يصليهما وهو قاعد، وأنا
~~أصليهما وأنا قائم " (6).
# الأقوى بالنظر إلى الخبرين والعمومات وأحمزية القيام هو الثاني، لكن
~~الأحوط هو الأول، سيما مع تداول ذلك واستمرار العمل عليه في الأعصار
~~والأمصار، ولكنه يظهر من جعلهم النزاع في الأفضلية عدم الخلاف في الجواز.
# في جواز الاضطجاع والاستلقاء فيها اختيارا قول للعلامة (7)، وفيه بعد،
~~لعدم ثبوت التوظيف كذلك.
# والاستدلال بأن الأصل مستحب فكذا الفرع ضعيف، لأنها مشروطة بذلك،
# PageV02P448
# وتنتفي بانتفاء الشرط. وكذلك الاستدلال بالخبر النبوي (1)، لضعف السند،
~~وركاكة المتن.
# ويستحب التربع في حال ms0521 القعود، ويثني رجليه في ركوعه، للصحيح:
# " كان أبي عليه السلام إذا صلى جالسا تربع وإذا ركع ثنى رجليه " (2) وفي
~~المنتهى:
# وليس هذا على الوجوب بالإجماع (3).
# والتربع: هو أن ينصب فخذيه وساقيه على ما ذكره المحقق الشيخ علي (4)، وفي
~~القاموس: تربع في جلوسه خلاف جثى وأقعى، وتثنية الرجلين: هو أن يفترشهما
~~تحته ويجلس على صدورهما بغير إقعاء (5).
# وذكروا في كيفية ركوع القاعدين وجهين، أحدهما: أن ينحني بحيث يصير
~~بالنسبة إلى القاعد المنتصب كالراكع القائم بالنسبة إلى القائم المنتصب.
# وثانيهما: أن ينحني بحيث تحاذي جبهته موضع سجوده، وأدناه أن تحاذي جبهته
~~ما قدام ركبتيه.
# قال في البحار: ولا يبعد تحقق الركوع بكل منهما (6).
# والظاهر عدم وجوب رفع الفخذين عن الأرض، وأوجبه الشهيد في بعض كتبه
~~مستندا إلى وجه ضعيف (7)، انتهى.
# يجوز الجلوس بأي نحو اتفق، للخبر: أيصلي الرجل وهو جالس متربع
# PageV02P449
# ومبسوط الرجلين؟ فقال: " لا بأس " (1).
# وفي آخر: في الصلاة في المحمل: " صل متربعا، وممدود الرجلين، وكيف ما
~~أمكنك " (2).
# ويكره الإقعاء للنص (3)، هكذا عمم الحكم بعض الأصحاب (4)، لكن الأخبار
~~واردة في التشهد، وما بين السجدتين.
# ويمكن تأييد التعميم بصحيحة زرارة: " فإذا قمت إلى الصلاة فعليك بالإقبال
~~" إلى أن قال: " ولا تقع على قدميك " (5).
# ويمكن التأييد بصحيحته الأخرى أيضا، قال في جملتها: " وإياك والقعود على
~~قدميك فتتأذى بذلك " (6)، فإنها وإن كان الظاهر منها التشهد، ولكن العلة
~~عامة، فتدبر.
# الرابع: يستحب الدعاء بالمأثور في رواية أبان ومعاوية بن وهب (7) وغيرها
~~(8) عند القيام إلى الصلاة، وأن لا يلصق قدمه بالأخرى فيدع بينهما إصبعا
~~أقل ذلك إلى شبر أكثره، ويسدل منكبيه، ويرسل يديه، ولا يشبك أصابعه،
~~وليكونا على فخذيه قبالة ركبتيه، وليكن نظره إلى موضع سجوده كما في صحيحة
~~زرارة.
# PageV02P450
# وفي رواية أخرى " اجعل بينهما قدر ثلاث أصابع إلى شبر " (1). وهو محمول
~~على مراتب الاستحباب.
# وفي جملتها: " لا تأتها متكاسلا، ولا متناعسا، ولا مستعجلا، فإذا دخلت
~~فيها فعليك بالتخشع، واخشع ببصرك لله عز وجل، ولا ترفعه إلى السماء، واشغل
~~قلبك بصلاتك، فإنه لا يقبل من صلاتك ms0522 إلا ما أقبلت منها بقلبك، وليكن قيامك
~~في الصلاة قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، وصل صلاة مودع، ولا
~~تعبث بلحيتك ولا برأسك ولا بيديك، ولا تفرقع أصابعك، ولا تقدم رجلا على
~~رجل، ولا تتمطى، ولا تتثائب، ولا تلتفت عن يمينك ولا يسارك " (2).
# أن يستقبل بأصابع رجليه جميعا القبلة، كما في صحيحة حماد (3).
# وقيل: يكره الوطء مرة على هذه القدم ومرة على هذه، والتقدم مرة والتأخر
~~أخرى (4).
# والمرأة تجمع بين قدميها، ولا تفرج بينهما، وتضم يديها إلى صدرها، لمكان
~~ثدييها، وهكذا في الحسن (5).
# والمراد بضم اليدين: إلصاقهما مرسلا لهما معا، لا وضعهما عليهما كما فهمه
~~بعض الأصحاب (6).
# يحرم التكفير حال الصلاة للصحيحين وغيرهما (7)، بل الظاهر البطلان، لأن
# PageV02P451
# الظاهر من النهي عن التكفير حال الصلاة النهي عن الصلاة مكفرا فتكون
~~باطلة، لأن النهي يدل على الفساد، فلا مجال للقول بأن النهي تعلق بالخارج.
# وللإجماع، نقله الشيخ (1) والمرتضى (2) رحمهما الله.
# ولعدم ثبوت التوظيف بمثل هذه الصلاة.
# وهذا هو المشهور بين الأصحاب، وقيل: فعله مكروه (3)، وقيل: تركه مستحب،
~~لضعف دلالة الأخبار، سيما مع ملاحظة التعليل بأنه فعل المجوس وانسباكه مع
~~المكروهات في الذكر (4).
# وهذا لا يتمشى في صحيحة محمد بن مسلم قال، قلت: الرجل يضع يده في الصلاة
~~وحكى اليمنى على اليسرى، فقال: " ذلك التكفير، لا تفعل " (5).
# وحكم الشيخ بمساواة وضع اليسرى على اليمنى للعكس (6) فحينئذ ينبغي ترك
~~جميع ما فسر به التكفير ليحصل اليقين بالبراءة، لكون بعض الأخبار مطلقة،
~~وعدم ثبوت انحصار التفسير من هذه الصحيحة. وهكذا حكم بعدم التفرقة في
~~وضعهما فوق السرة وتحتها.
# وصرح بهذين التعميمين الشيخ علي في حاشية الإرشاد.
# حكم في التذكرة بعدم الفرق مع الحائل وبدونه. واستشكل في وضعه على الساعد
~~(7).
# والأولى الاجتناب عن الكل.
# PageV02P452
# هذا كله في غير حال التقية، وأما معها فيجوز، بل قد يجب.
# وأما لو تركها مع الوجوب ففي البطلان إشكال. يظهر من ملاحظة ما تقدم،
~~وعلى ما اخترنا يقوى القول بالبطلان، والأولى عدم الترك.
# وحكم الشيخ بعدم جواز التطبيق في الصلاة، ms0523 بأن يطبق إحدى يديه على الأخرى،
~~ويضعهما بين ركبتيه، وادعى عليه الاجماع (1).
# PageV02P453
# المقصد الثالث في النية والتكبير وفيه مباحث:
# الأول: النية واجبة بالإجماع، وقد مر تحقيقه.
# ونقول ههنا: يجب القصد إلى الفعل المخصوص بحيث يمتاز عن جميع ما عداه
~~متقربا إلى الله تعالى، فإن كان لاعتبار القضاء والأداء والوجوب والندب
~~وغير ذلك من المشخصات دخل في التعيين فيجب ليحصل الامتثال والإتيان
~~بالمأمور به، وإلا فلا.
# وأما مع الامتياز بدون ذلك فالأولى أيضا عدم ترك أمثال تلك القصود،
~~والاحتياط في ذلك للشهرة، ولادعاء بعضهم على بعضها الاجماع (1)، لكن الذي
~~يقوى في نفسي هو الاكتفاء بتميز الفعل وقصد التقرب ليس إلا.
# وتجب المقارنة للصلاة، للإجماع، ويتحقق بأن يكبر عن نية للإجماع، نقله في
~~التذكرة (2). وجوز فيها استحضارها من أول التكبير إلى آخره
# PageV02P454
# وقيل (1): بجعلها بين الألف والراء، وليسا بشئ، سيما مع استلزام الأخير
~~خلو جزء من الصلاة عن النية، ومنافاتهما لحضور القلب، ولزوم الغفلة عن
~~المهم، وهو استصغار ما سوى الله، والانقطاع الكلي إليه كما ورد (2)، مضافا
~~إلى لزوم العسر والحرج، وإفضائه إلى الوسواس.
# ويجب استمرارها حكما إلى الفراغ، لا فعلا، بأن لا ينوي نية تنافي نيته
~~الأولى، للإجماع، نقله في التذكرة (3).
# وإن جعلناها هي الداعي إلى الفعل كما هو التحقيق، فيكون الاستمرار فعليا
~~أيضا.
# ولو نوى الخروج عن الصلاة ولم يخرج قيل (4): تبطل، لأنه صار سببا لرفع
~~نية الصلاة، فتكون باطلة، لأنه كان مشغول الذمة بالصلاة يقينا، ومع عدم
~~الاستمرار على حكم النية يكون الامتثال مشكوكا فيه، لعموم أدلة وجوب النية
~~(5). وقد عرفت نقل الاجماع على وجوب الاستمرار الحكمي.
# وقد يقال: إنه يستلزم وقوع ما بعده من الأفعال بلا نية، وهو خروج عن
~~المتنازع.
# وقيل: لا تبطل (6)، لأن الصلاة على ما افتتحت عليه (7)، والصحة مستصحبة.
# وعموم الأول ممنوع، واستصحاب الصحة لو سلم فمعارض باستصحاب عدم تحقق
~~العبادة في الخارج، سيما إذا قلنا بأن النية جزء أولم يعلم أنها شرط خارج،
# PageV02P455
# أو قلنا بأن العبادات أسامي للصحيحة.
# مع أن استصحاب شغل الذمة ms0524 وعدم تحقق العبادة مقدمان على استصحاب الصحة،
~~ولا ينقضان بالشك أبدا، واستصحاب البراءة الأصلية قد زال باشتغال الذمة
~~بالعبادة المحتملة كون ما نحن فيه من أجزائها أو شرائطها.
# ومن جميع ما ذكرنا ينقدح ضعف التمسك بإطلاق الأوامر، فتدبر.
# وبالجملة الذي يقوى في نفسي هو البطلان، سيما ونحن نجد من ملاحظة ما ورد
~~في الصلاة أن للصلاة (1) حالة ممتدة كأنها روحها، أو أنها سمط انتظم به
~~جواهر أذكارها وأفعالها، فالأكوان الخالية من الأفعال والأذكار أيضا يمكن
~~القول بكونها من الصلاة، وذلك التخلل ينافي هذا الامتداد ويقطعها.
# وهذا الإشكال يجري أيضا فيما لو أراد الخروج في الآن الثاني أو في الركعة
~~الثانية، ولكنه أضعف هنا.
# واختار الفرق في ذلك العلامة في المختلف (2)، هذا كله إذا بت في القصد
~~ونجزه.
# أما لو علقه على أمر متحقق الوقوع ففيه احتمالان، ذكرهما في التذكرة (3)،
~~والأقوى البطلان أيضا، لما ذكرنا سابقا. ولأن هذه الصلاة التي يقصد قطعها،
~~بأن تصير الرباعية ثنائية مثلا ليست ما أراده الشارع، وليس إتيانا بالمأمور
~~به في هذه الحالة، وإذا خرجت عن كونها مأمورا بها فتبطل، ولا يفيد في ذلك
~~الرجوع عن نيته ثانيا.
# وأما لو علقه على أمر ممكن الوقوع ففيه احتمالان أيضا، ذكرهما فيها (4)،
~~والأقوى هنا أيضا البطلان لما ذكرنا.
# PageV02P456
# ولا يذهب عليك أن ما جوزه الشارع من القطع بسبب عروض عارض، ومن ضرورة أو
~~دفع ضرر، قليلا كان أو كثيرا، أو مثل ذلك فقصده لا يضر - مثل أن يقصد حال
~~الصلاة أنه لو أشرف الصبي على البئر فأقطع صلاتي فأنقذه - بالاتفاق، لأنه
~~مما جوزه الشارع، وليس القطع هناك على وفق هواه.
# وعندي أنه لا فرق بين قصد الخروج وبين قصد فعل المنافي، والمنقول عن
~~المشهور أنه لا يبطل إذا لم يفعل.
# ربما بني هذا على تنافي إرادة الضدين وعدمه، وليس بشئ، لأنه لا شك في
~~التنافي مع الاستشعار بالضدية، فقصد فعل المنافي يستلزم قصد الخروج، فتنتفي
~~الاستدامة الحكمية، فتبطل الصلاة.
# وأما مع الغفلة فالظاهر عدم البطلان ما لم يفعل، ms0525 ولعله خارج عن موضوع
~~المسألة. هذا كله فيما لو قصد الخروج أو فعل المنافي.
# وأما لو قصد بجزء من أجزاء الصلاة غيره، مثل أن يقصد بالتكبير التنبيه،
~~وبالركوع أخذ شئ، أو أراد به الرياء، فأطلق الحكم بالبطلان حينئذ جماعة من
~~الأصحاب (1).
# والحق أنه إن قصد الصلاة به أيضا فإن كان ركنا تبطل الصلاة مطلقا -
~~لنقصان الركن لو لم يعد، لأن المطلوب هو ما كان خالصا لله، وزيادته لو أعاد
~~- سواء كان ناسيا أو عامدا.
# وإن لم يكن ركنا فيحتمل البطلان أيضا مطلقا، لخروجه عن الموظف، وعدم
~~المعهودية من الشرع، وذلك كما إذا أراد من القراءة التنبيه أو الرياء أو
~~غير ذلك.
# وتحتمل الصحة لو أعاد إن لم يصر فعلا كثيرا، ولم نقل ببطلان الصلاة
~~بتكرار الواجب، أو بالزيادة على السورة، ومثل ذلك، وقلنا بأنه يصدق عليه
~~أنه قرأ
# PageV02P457
# القرآن، وهو جائز في الصلاة مطلقا، والكلام في ذلك إنما هو في صورة
~~العمد، فتدبر.
# وإن لم يقصد به الصلاة أصلا، فإن كان ركنا فيحتمل الوجهين: لاحتمال
~~الاكتفاء في حكم الركن زيادة ونقصانا بمجرد الصورة، فتكون الصلاة باطلة على
~~تقدير الإعادة وعدمها.
# واحتمال كون الحكم مقصورا فيما يصدق عليه اسم الركن حقيقة فيرجع إلى نظير
~~الشق الثاني الذي ذكرنا فيمكن القول بالصحة على وجه.
# وعلى الاحتمال الأول لا فرق بين العمد والنسيان، بخلاف الثاني، كالشق
~~الثاني المتقدم.
# وإن لم يكن ركنا فاختار الفاضل صاحب المدارك عدم البطلان فيما كان من
~~قبيل القراءة (1)، فإن قراءة القرآن في الصلاة جائزة مطلقا، وكذا الذكر،
~~وجعلهما لغير الصلاة لا يخرجهما عن كونهما قرآنا وذكرا، وإن لم يعتد به
~~ووجبت الإعادة، لعدم التقرب به.
# واستدل على جواز ذلك في الذكر أيضا بصحيحة الحلبي: عن الرجل يريد الحاجة
~~وهو يصلي، فقال: " يومئ بيده، ويشير برأسه، ويسبح " (2).
# وهذا الخبر مع أنه غير ظاهر في أن المراد الإشعار بالتسبيح أيضا، وأن
~~التسبيح من جزء الصلاة، إذ لعله كان ذكرا خارجيا قرره للتنبيه، بل الظاهر
~~منه أن الإشعار بالإيماء باليد والرأس ms0526 وإبقاء التسبيح بحاله السابق،
~~ومعارضته بالإجماع الذي نقله بعض الأصحاب على البطلان، فهو لا يدل على صورة
~~استقلال قصد غير الصلاة بجزئها.
# PageV02P458
# والقدر الذي يمكن أن يؤيد في هذا المقام هو عدم البطلان بتشريك القصد في
~~مثل القراءة والذكر، سيما إذا أعاد ولم نقل بأنه مضر لظهور ذلك من تتبع
~~موارد الأخبار، كالصحيح المتقدم، والأخبار الدالة على الجهر في صلاة الليل،
~~وعلل ثبوت الجهر فيها (1)، وإسماع الإمام من خلفه في التشهد والتكبير وغير
~~ذلك.
# وهذا إنما يجري في غير قصد الرياء، وأما تشريكه فلم يثبت من الأخبار صحة
~~تلك الصلاة، سيما مع عدم الإعادة.
# أما إحداث ذكر للتنبيه أو قراءة آية بأن لم يكن من أجزاء الصلاة المقررة،
~~لا واجبة ولا مندوبة، فلعله أيضا لم يكن به بأس، لعمومات جواز الذكر لو لم
~~تخدش في شمولها لمثل هذا. وفي الصحيحة المتقدمة إشعار به كما ذكرنا.
# وأما أذكار الصلاة وأفعالها وأكوانها المندوبات فيظهر حكمها مما ذكرنا،
~~ولعل الأمر فيها أسهل.
# فإذن القول بعدم بطلان صلاة من أراد برفع اليدين في التكبيرات إن قلنا
~~بالاستحباب الرياء قوي، لكونه خارجا عن ماهية الصلاة.
# والضابط عدم تشريك شئ في القصد وإخلاص النية إلا ما ثبت من الشرع جوازه،
~~أو ثبت عدم إبطاله. وعدم المنع لا يكفي، ليقين اشتغال الذمة المستدعي ليقين
~~البراءة، والله يعلم.
# الثاني: لا يجوز العدول عن النية إلى نية أخرى إلا في مواضع استثناها
~~الأصحاب ونطقت بها الأخبار:
# منها: العدول عن الصلاة اللاحقة إلى السابقة مؤداتين كانتا أو مقضيتين،
# PageV02P459
# أو الأولى مقضية والثانية مؤداة، مثل أن تفوت منه صلاة العصر ولم يتذكرها
~~إلا في صلاة المغرب، أو صلاة العشاء ولم يتذكرها إلا في صلاة الغداة،
~~والأخبار فيما ذكر كثيرة غاية الكثرة (1).
# وأما العدول عن المقضية إلى المؤداة فلم نجد فيها بالخصوص نصا، نعم في
~~الأخبار الكثيرة دلالة على أنه يجب الإتيان بالفائتة ما لم تتضيق الحاضرة،
~~ومع التضيق يجب الابتداء بالحاضرة (2).
# وللشهيد قول بالعدول فيها أيضا مع ضيق الوقت (3)، ويمكن الاستدلال ms0527 عليه
~~بالعمومات الدالة على وجوب مراعاة الوقت (4)، والأدلة القاطعة على وجوب
~~أداء الصلوات الخمس في الأوقات المخصوصة ولم يثبت التخصيص.
# ويظهر من الشارع تقديم الوقت على كثير من لوازم الصلوات، حتى الأركان
~~والركعات، كما يظهر من ملاحظة أبواب التيمم وصلاة الخوف ونجاسة اللباس
~~والمرض وأمثال ذلك.
# وعلى هذا فالأقوى نقض الصلاة والإتيان بالحاضرة في الوقت بالتمام لو وسعه
~~الوقت، أو كان قادرا على تحصيل مثل ركعة لو نقض الصلاة، وإلا فيبني على
~~العدول على تردد في ذلك، لعدم النص بالخصوص، وأنه مكلف بالإتيان في الوقت
~~بقدر الطاقة، والأشبه العدم.
# ومنها: العدول عن نية الائتمام إلى الإمامة، والظاهر أن هذا أيضا إجماعي،
~~ولا مخالف فيه.
# والأخبار في ذلك كثيرة أيضا غاية الكثرة فيما لو مات الإمام أو عرض له
~~عارض
# PageV02P460
# يقدم واحد من المأمومين (1).
# ومن الائتمام إلى الانفراد مطلقا عند المشهور، وادعى العلامة عليه
~~الاجماع (2)، ومع العذر عند الشيخ في المبسوط (3)، ودليل المثبت غير ناهض
~~على تمام المطلوب.
# نعم لو ثبت الاجماع فالأمر كذلك، والإجماع المنقول لا يعارض أدلة المانع،
~~منها عدم ثبوت التعبد بهذا النحو بلا عذر، والعبادة توقيفية، ومنها أصالة
~~عدم جواز سقوط القراءة إلا مع الاستمرار بموجبه، ومع المفارقة لا دليل
~~عليه.
# وربما يؤيد بالصحيح: عن إمام أحدث فانصرف ولم يقدم أحدا، ما حال القوم؟
# قال: " لا صلاة لهم إلا بإمام " (4) وفيه تأمل، وسيجئ تمام الكلام،
~~وبالجملة الأحوط عدم العدول إلا لعذر.
# وأما في صورة العذر فلا خلاف في الجواز، والأخبار المعتبرة ناطقة بذلك
~~(5)، وذلك إنما هو في الجماعة المستحبة لا الواجبة.
# وأما العدول من الانفراد إلى الائتمام فلم يظهر من الأخبار ما يدل على
~~ذلك، وادعى الشيخ في الخلاف الاجماع على الجواز (6)، ومال إليه في التذكرة
~~(7).
# والأقوى العدم، لعدم ثبوت التعبد، ومخالفته للأصول والقواعد، ولا يقاومها
~~ذلك الاجماع.
# وفي بعض الأخبار إشعار بخلافه، مثل الأخبار التي وردت فيمن يصلي ودخل
~~عليه جماعة فليس في واحد منها تجويز العدول، بل العدول إلى النافلة أو
~~القطع
# PageV02P461
# إن كان إمام ms0528 عادل (1).
# وأما العدول من الائتمام بإمام إلى آخر فقد ظهرت صحته في الجملة، وأما
~~صحته مطلقا حتى لو دخلت جماعة أخرى وكان لهم إمام ووصل إليهم بدون عذر
~~وجهان، والأقوى العدم، لما ذكرنا.
# وكذا لو أراد الائتمام بآخر بعد خلاص الإمام في بقية ما سبق عليه الإمام،
~~سواء كان هو أيضا مثله في المسبوقية بهذه الجماعة، أو كان شخصا آخر،
~~والأقوى أيضا فيها العدم.
# ومنها: جواز النقل من الفرض إلى النفل لمن يخاف فوت الجماعة فيتمها
~~ركعتين، وذلك إذا لم يوجب زيادة النافلة على الركعتين. والظاهر أنه أيضا
~~إجماعي، ولم يعرف فيه مخالف من أصحابنا، وتدل عليه صحيحة سليمان بن خالد
~~(2) وموثقة سماعة (3).
# ولمن ينسى قراءة الجمعة يوم الجمعة وبادر إلى سورة أخرى، فيتمها ركعتين
~~نفلا ويستأنف الصلاة بها، لصحيحة صباح بن صبيح (4) وغيرها (5).
# ومن القصر إلى الإتمام، لصحيحة علي بن يقطين (6).
# ومن الإتمام إلى القصر على المشهور، وقد يستشعر ذلك من صحيحة أبي ولاد
~~الحناط (7)، وفيه تأمل.
# PageV02P462
# واستثني أيضا ناسي الأذان والإقامة استدلالا بأنه إذا جاز القطع لدركهما
~~فالعدول إلى النفل أولى، وفيه تأمل.
# وأما العدول من النفل إلى الفرض فلا دليل عليه، ولم يعرف به قائل إلا ما
~~نقل عن الشيخ في عدول الصبي في أثناء الصلاة لو بلغ (1)، وهو ليس مما نحن
~~فيه.
# وقد حكم الأصحاب بجواز العدول من النفل إلى النفل إذا تذكر السابقة في
~~الأثناء، ولا دلالة في الأخبار على ذلك.
# وعلى ما ذكرنا من تقوية كلام الشهيد (2) ينقدح تجويز العدول من النفل إلى
~~الفرض لو ضاق الوقت.
# ثم إن المشهور أن موضع العدول هو أثناء الصلاة، وأما بعد الفراغ فمال إلى
~~الجواز فيه بعض المتأخرين (3) للأخبار (4)، ومنها صحيحة زرارة عن الباقر
~~عليه السلام: في العدول عن العصر إلى الظهر، قال: " فإنما هي أربع مكان
~~أربع " (5) ولا يبعد العمل عليها في خصوص الظهرين.
# تنبيه:
# روى الطبرسي في الاحتجاج، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن صاحب
~~الزمان عليه السلام: أنه كتب إليه يسأله ms0529 عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة
~~العصر، فلما صلى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلى الظهر ركعتين كيف
~~يصنع؟ فأجاب عليه السلام: " إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها
# PageV02P463
# الصلاة أعاد الصلاتين، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين
~~تتمة لصلاة الظهر، وصلى العصر بعد ذلك " (1).
# ونبه على ذلك الشهيد الثاني - رحمه الله - في روض الجنان (2)، ونقله عن
~~صاحب الزمان عليه السلام، وعده من المواضع التي لا تضر فيها زيادة الركن في
~~الصلاة، وبأس بالعمل بها.
# الثالث: تكبيرة الافتتاح واجبة وركن في الصلاة، وتبطل الصلاة بالإخلال
~~بها عمدا أو سهوا إجماعا، والمخالف فيه شاذ من العامة (3).
# ويدل عليه مضافا إلى الاجماع أنه جزء الصلاة، والأصل في الأجزاء الركنية
~~بالمعنى المذكور، إذ مع انتفاء الجزء ينتفي الكل حتى يثبت الخلاف، والصحاح
~~المستفيضة (4).
# وما يدل على خلاف ذلك بظاهره من الأخبار (5) فمؤول بإرادة الشك أو مطروح،
~~لمخالفتهما لما هو أقوى منها. وحملها على التقية أيضا احتمال، لكفاية النية
~~عند بعضهم عنها.
# وأما زيادتها فالحق أنها أيضا توجب البطلان، لأنه يصير بذلك خارجا عن
~~الكيفية الموظفة، فلا يكون ممتثلا، فلو كبر ثانيا بطلت صلاته، ولو كبر
~~ثالثا صحت.
# القول بأن التكبير الثاني مبطل لكنه ليس بباطل سيما إذا كان نسيانا فلا
~~مانع
# PageV02P464
# من كونه مبطلا للقصد الأول ومفتتحا للصلاة الثانية (1)، فليس بذاك.
# أما مع العمد فظاهر، لكونه منهيا عنه.
# وأما مع النسيان فلأنه بالنسبة إلى القصد الثاني غير مأمور به، فإذ لا
~~أمر فلا امتثال، وبالنسبة إلى القصد الأول موجب لخروجها عن الموظف، فيبطل
~~كما هو الأصل، وقد أشرنا إليه.
# وأما الشك فيه فكالشك في سائر الأفعال وسيأتي.
# والقول بأنه مبطل مطلقا، لأنه ركن، وحكمه حكم الركعة لبطلانها من جهته،
~~وحكم الشك في الركعتين الأوليين البطلان (2) فمبني على الأصل الباطل وسيجئ.
# ويجب الاقتصار فيه على ما هو المعهود من الشارع، وهو قول " الله أكبر "
~~بقطع الهمزتين، أما في الثاني فظاهر.
# وأما في الأول فلعدم مسبوقيته بكلام، ولم يعهد من ms0530 الشارع وصله بشئ،
~~والقطع بالبراءة لا يحصل إلا بالقطع.
# وقيل: ومن هنا ينقدح تحريم الكلام المتصل به قبله، لأنه يلزم منه إما
~~الوصل المخالف للشرع، وإما القطع المخالف لأهل اللغة (3).
# ولا تمد همزة الله لتشتبه بالاستفهام، ومعه فلو قصد الاستفهام بطل جزما،
~~وإلا فاحتمالان، أقواهما البطلان لما تقدم.
# وكذلك إشباع فتحة الباء في أكبر وغير ذلك.
# وجوز بعض العامة الله الجليل ونحوه، وأن يأتي بالترجمة وغير ذلك (4)،
# PageV02P465
# وبعض أصحابنا (1) وفاقا لبعض العامة (2) الله الأكبر، وليسا على شئ.
# والإطلاقات في التكبير تنصرف إلى المعهود، وهو هذا اللفظ، وفي الخبر:
# " ويقول: الله أكبر " وهو المذكور في صحيحة حماد (3).
# والعاجز يتعلم، فإن عجز يأتي بترجمتها بأي لسان كان، كذا ذكر الأصحاب،
~~فإن ثبت الاجماع فهو، وإلا فإيجاب الترجمة عليه مشكل مع العجز. ويشكل القول
~~بأن الميسور لا يسقط بالمعسور هنا، إلا أنه أولى وأحوط.
# والأخرس يأتي بالميسور، وبما استطاع، ولا يترك كل ما لا يدرك كله.
# وفي الخبر: " إن تلبية الأخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك
~~لسانه، وإشارته بإصبعه " (4) وفيه تأييد.
# ولم يظهر من الأصحاب مخالف لهذا الحكم - وبعض العامة على السقوط للعجز
~~(5) - فلعل ثبوت هذا في الأخرس يؤيد ثبوت ذلك في العاجز.
# ويستحب رفع اليدين بها، ولا ريب أن رجحانه إجماعي، ولكن كونه بعنوان
~~الاستحباب هو المشهور بين أصحابنا (6)، وأكثر العامة (7).
# والقول بالوجوب منسوب إلى السيد - رحمه الله - بل في جميع التكبيرات،
# PageV02P466
# وادعى على ذلك الاجماع في الانتصار (1).
# وقال المحقق رحمه الله: ولا أعرف ما حكاه رحمه الله (2). وربما يقال: لعل
~~مراد السيد - رحمه الله - أيضا الاستحباب، كما أنه قد يؤديه بلفظ الوجوب.
# ويظهر من العلامة (3) والمحقق (4) الاجماع على الاستحباب.
# ويدل على مطلق الرجحان مضافا إلى الاجماع الأخبار الكثيرة المعتبرة، منها
~~الصحاح.
# وفي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، قال: " على الإمام أن يرفع
~~يده في الصلاة، ليس على غيره أن يرفع يده في الصلاة " (5).
# وفي قرب الإسناد، قال: " على الإمام أن يرفع يديه في الصلاة، وليس على
~~غيره ms0531 أن يرفع يديه في التكبير " (6).
# وربما يقال: إنه إذا لم يجب على غير الإمام فيثبت عدم الوجوب له أيضا
~~بعدم القول بالفصل، كما ادعاه الشيخ في التهذيب (7)، فهذا دليل الاستحباب،
~~مضافا إلى الأصل.
# ويؤيده خلو خبر حماد عن ذلك، ولكنه ذكره في تكبير السجود (8)، ولعله سها
~~ذكر ذلك في تكبير الافتتاح. ويمكن الاستدلال بذلك أيضا على الاستحباب، لعدم
~~القول بالفصل، فإن الظاهر من ذكر حماد هذا الحديث هو الاستحباب
# PageV02P467
# كما لا يخفى.
# وكذا ما ورد من أنه زينة الصلاة والعبودية (1).
# واحتج الموجب: بقوله تعالى: * (فصل لربك وانحر) * (2) ففي صحيحة عبد الله
~~بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " هو رفع يديك حذاء وجهك " (3) وفي
~~معناه أخبار أخر في تفسيره.
# ويدل عليه الأمر به في حسنة زرارة أيضا، قال: " إذا قمت للصلاة فكبرت
~~فارفع يديك، ولا تجاوز بكفيك أذنيك، أي حيال خديك " (4).
# والجواب عن الآية: أن الخطاب مختص بالنبي صلى الله عليه وآله، ولم يثبت
~~الاجماع على التعدي. وعن الأخبار بالحمل على الاستحباب، وآكديته في الإمام
~~كما في الصحيح المتقدم جمعا، والاحتياط عدم الترك.
# ولا يسقط استحباب التكبير في التكبيرات المستحبة بترك الرفع، فإنه مستحب
~~آخر.
# ولا يبعد القول بعدم سقوط استحباب الرفع بترك التكبير أيضا كما يظهر من
~~الأخبار، مثل موثقة عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
~~" في الرجل يرفع يده كلما أهوى للركوع والسجود، وكلما رفع رأسه من ركوع أو
~~سجود، قال: " هي العبودية " (5).
# ورواية زرارة عن الصادق عليه السلام، قال: " رفعك يديك في الصلاة زينة "
~~(6).
# PageV02P468
# وفي مجمع البيان: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لكل شئ
~~زينة، وإن زينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة " (1).
# وروى محمد بن مسلم وزرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما
~~السلام، في قوله تعالى: * (وتبتل إليه تبتيلا) * " إن التبتل هنا رفع
~~اليدين في الصلاة " (2).
# وفي المحاسن مرفوعا عن الصادق عليه السلام، قال: " قال النبي صلى الله
~~عليه وآله لعلي عليه السلام: عليك ms0532 برفع يديك إلى ربك، وكثرة تقلبهما " (3).
# والمستحب من الرفع يحصل برفع اليدين أسفل من وجهه قليلا كما في صحيحة
~~معاوية بن عمار (4)، وحتى يكاد يبلغ أذنيه كما في صحيحة صفوان الجمال (5).
# وفي صحيحة عبد الله بن سنان قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يصلي
~~يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح (6).
# ويستحب أن لا يجاوز بهما أذنيه كما في الحسنة المتقدمة (7) وموثقة أبي
~~بصير (8)، ويمكن القول بحصول الاستحباب بمطلق الرفع أيضا، نظرا إلى
~~المطلقات.
# قيل: والظاهر من الأخبار ومقتضى الجمع بينهما محاذاة أسفل اليد النحر،
~~وأعلاها الأذن، أو التخيير بين تلك المراتب بحيث لا يجاوز الوجه (9).
# PageV02P469
# والمشهور الابتداء بالرفع مع ابتداء التكبير، والانتهاء مع الانتهاء، لأن
~~الرفع بالتكبير لا يتحقق إلا بذلك.
# قال في المعتبر: وهذا قول علمائنا، ولم أعرف فيه خلافا (1). وقريب منه
~~كلام المنتهى (2).
# ويظهر من الأخبار كالحسن المتقدم وغيره من الصحاح جوازه بعد التكبير.
# وأن يستقبل ببطن الكفين القبلة، لموثقة منصور بن حازم (3).
# ويبسطهما لحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا افتتحت الصلاة
~~فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا " (4).
# وعن جماعة من الأصحاب استحباب ضم الأصابع حين الرفع (5).
# ونقل الفاضلان عن المرتضى وابن الجنيد تفريق الإبهام وضم البواقي (6)،
~~ونقله في الذكرى عن المفيد وابن البراج وابن إدريس وجعله أولى (7).
# ويستحب الجهر به للإمام، للإجماع، والأخبار المعتبرة (8)، ففي صحيحة
~~الحلبي قال: " وإذا كنت إماما يجزئك أن تكبر واحدة تجهر فيها وتسر ستا "
~~(9).
# وللمأموم الإسرار، لقوله عليه السلام: " ولا ينبغي لمن خلف الإمام أن
~~يسمعه شيئا مما يقول " (10). PageV02P470
# والمنفرد مختار، للإطلاق (1).
# وقيل باستحبابه مطلقا (2).
# ويجوز للمصلي اختيار أي التكبيرات السبع التي تفتتح بها الصلاة شاء بلا
~~خلاف ظاهر بينهم، وقال الشيخ في المبسوط (3) ومن تبعه (4) بأفضلية الأخيرة.
# والأخبار الواردة في حكاية الحسين عليه السلام وتنطقه بالتكبيرة يشعر بأن
~~الأولى أنسب بذلك (5).
# بل قال بعض المتأخرين (6): إنه يستفاد من هذه الأخبار ومن حسنة الحلبي،
~~قال: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا، ثم كبر ثلاث
~~تكبيرات، ثم قل: اللهم ms0533 أنت الملك الحق إلى آخره، ثم تكبر تكبيرتين، ثم قل:
~~لبيك وسعديك إلى آخره، ثم تكبر تكبيرتين ثم تقول: وجهت وجهي للذي إلى آخره،
~~ثم تعوذ من الشيطان الرجيم، ثم أقرأ فاتحة الكتاب " (7) أن الأولى من هذه
~~التكبيرات هي تكبيرة الإحرام، وما ذكره جماعة من الأصحاب من التخير في
~~جعلها أي السبع شاء (8) لا مستند له، ويستفاد من هذا الحديث أيضا أن وقت
~~دعاء التوجه بعد إكمال السبع وإن افتتح بالأولى.
# وأقول: الأخبار المطلقة كثيرة لم يظهر منها اعتبار تخصيص أصلا، ففي حسنة
~~PageV02P471
# زرارة: " أدنى ما يجزئ من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة، وثلاث تكبيرات
~~أحسن، وسبع أفضل " (1).
# وفي صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام: " الإمام تجزئه
~~تكبيرة واحدة، وتجزئك ثلاث مترسلا إذا كنت وحدك " (2).
# وفي موثقة زرارة قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام أو سمعته استفتح الصلاة
~~بسبع تكبيرات ولاءا (3).
# وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " التكبيرة الواحدة في
~~افتتاح الصلاة تجزئ، والثلاث أفضل، والسبع أفضل كله " (4) بل ويظهر منها
~~عدم القصد إلى التعيين أصلا، والاكتفاء بذلك العدد.
# ومما ذكرنا ظهر عدم دلالة حسنة الحلبي على تعين الأولى أيضا.
# وأما الصحيحان اللذان وردا في حكاية الحسين عليه السلام وإن كانا مشعرين
~~بذلك من جهة أنهما كانا مبدأ جري السنة فلا بد من الجري على وفقه، لكن
~~الإطلاقات المذكورة وبعض الأخبار الأخر التي وردت في علة سبع تكبيرات من أن
~~النبي صلى الله عليه وآله لما أسري به إلى السماء قطع سبع حجب فكبر عند كل
~~حجاب تكبيرة، فأوصله الله عز وجل بذلك إلى منتهى الكرامة (5)، يضعف هذا
~~الظهور.
# ويضعفه أيضا ما رواه التهذيب في أبواب الزيادات في الجزء الثاني من كتاب
~~الصلاة في باب صلاة العيدين ما يدل على أن هذه الحكاية كانت في صلاة العيد
~~في PageV02P472
# التكبيرات القنوتية، لا في التكبيرات الافتتاحية (1).
# وكذلك ما نقل عن مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب من أن ذلك كان في صلاة
~~العيد للحسن عليه ms0534 السلام (2).
# والصحيحان المذكوران رواهما في العلل، وليس فيهما تصريح بوقوع ذلك في
~~الصلاة اليومية، ويمكن حملهما على رواية التهذيب.
# مع أنه ورد في الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام: " واعلم أن السابعة
~~هي الفريضة، وهي تكبيرة الافتتاح، وبها تحريم الصلاة " (3) ولعله هو مستند
~~الشيخ وتابعيه بحمله على الأفضلية.
# ونقل عن الشيخ في المصباح تعين الأخيرة (4)، فهو نص عليه.
# ومما يؤيد تعين السابعة الأخبار الواردة في أن تكبيرات الصلوات الخمس خمس
~~وتسعون (5)، فإنه لا يتم إلا بجعل التكبيرات الست خارجة عن الصلاة.
# وورد في رواية أخرى: " يقول قبل أن يحرم ويكبر: يا محسن قد أتاك المسئ "
~~إلى آخره رواها ابن طاوس في فلاح السائل (6).
# فلو جعلنا الأولى هي تكبيرة الافتتاح فلا بد من التقديم على السبع، وإن
~~جعلناها الأخيرة فلا بد من جعلها بعد السادسة، ولا تنافي حسنة الحلبي.
# وقال الشهيد في الذكرى: وقد ورد الدعاء بذلك بعد السادسة (7)، ولم أقف
~~على غير هذه الرواية، فإن كان غرضه أنه هو ما قبل تكبيرة الإحرام وأنها
~~PageV02P473
# هي السابعة فله وجه لو سلمنا كونها هي، ولا بد من ملاحظة المأخذ. وقال
~~أيضا: ورد أيضا أنه يقول - يعني بعد السادسة - رب اجعلني مقيم الصلاة إلى
~~آخره (1).
# وما يظهر من كلام الفقهاء " أن دعاء التوجه إنما هو قبل القراءة وبعد
~~تكبيرة الإحرام " فهو لا يساوق الحسن المتقدم مع القول بأنه يدل على كونها
~~هي الأولى، وبدونه فلا منافاة، لكن التزام ذلك لا يتم إلا بجعل السابعة هي
~~الفريضة.
# وأما ما يستفاد من الأخبار أنه لا بد أن يكون دعاء التوجه بعد الدخول في
~~الصلاة (2) فهو تمام إن قلنا بكون الأولى تكبيرة الافتتاح، وعملنا بالحسن
~~المتقدم أيضا، لكن تقديم التوجه على سائر الأدعية والتكبيرات محل إشكال وإن
~~قلنا بأن الأولى تكبيرة الافتتاح أيضا، لمخالفته ما أفاده الحسن في موضع
~~الدعاء.
# والذي تترجح أفضليته في النظر فهو جعل السابعة هي تكبيرة الإحرام، والعمل
~~في الأدعية بمقتضى حسنة الحلبي، مع جواز زيادة الدعاءين بعد السادسة ووصل
~~دعاء فلاح ms0535 السائل بالسابعة.
# ثم إن العلامة المجلسي وفاقا لوالده (3) - رحمهما الله - مال إلى أن
~~المصلي مخير بين الافتتاح بواحدة وثلاث وخمس وسبع، ومع اختيار كل منها يكون
~~الجميع فردا للواجب المخير كما قيل في تسبيحات الركوع والسجود، لظهوره من
~~أكثر الأخبار، بل بعضها كالصريح في ذلك (4).
# ولعله أراد بذلك البعض مثل رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال:
# " إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة، وإن شئت ثلاثا، وإن شئت خمسا،
~~وإن PageV02P474
# شئت سبعا، فكل ذلك مجزئ عنك " (1).
# وفيه نظر من وجوه، فإن ظاهر هذه الأخبار وإن كان ما ذكره، لكن تتبع سائر
~~الأخبار يعطي أن التخيير بين الأعداد المذكورة إنما هو في التكبيرات
~~المستحبة، لا تكبيرة الإحرام، وأن الاكتفاء بلفظ التكبير سيما بعد قوله
~~عليه السلام: " إذا افتتحت الصلاة " من باب التغليب.
# فمن تلك الأخبار: ما ذكر فيها تكبيرة الإحرام مع تاء الوحدة، فإنها صريحة
~~في كونها واحدة، وهي مستفيضة جدا، منها صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام:
# عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح، قال: " يعيد " (2).
# ومن تلك الأخبار: كلما ورد في جهر الإمام بواحدة منها والإسرار بالبواقي،
~~مثل صحيحة الحلبي المتقدمة (3).
# ومنها: ما دل على كون التكبير موجبا للتحريم، مثل ما ورد أن افتتاح
~~الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم (4).
# ومنها: ما رواه في العلل والعيون، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه
~~السلام:
# " فإن قال: فلم جعل التكبير في الاستفتاح سبع مرات؟ قيل: إنما جعل ذلك
~~لأن التكبير في الصلاة الأولى التي هي الأصل سبع تكبيرات: تكبيرة
~~الاستفتاح، وتكبيرة الركوع، وتكبيرتين للسجود، فإذا كبر الانسان أول الصلاة
~~سبع تكبيرات فقد أحرز التكبير كله، فإن سها في شئ منها وتركها لم يدخل
~~عليها نقص في صلاته " (5) والمراد من الصلاة الأولى هي الركعتان بمقتضى
~~وضعها الأول، ومن PageV02P475
# تكبيرة الركوع والسجود استفتاحاتها.
# وفي معناها أخبار أخر، منها صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام (1):
# في بيان استحباب التكبيرات الإحدى والعشرين عقيب الاستفتاح لتجزئه عن
~~تكبيرات الصلاة لو نسيها كلها وأراد بها ms0536 الرباعية، وهكذا في الثلاثية
~~والثنائية بالنسبة.
# وأيضا الاجماع بل الضرورة حاصل بأن التحريم إنما يحصل بالتكبير، وبأنه
~~جزء الصلاة، وكما يحرم فعل المنافي بعده فكذا في أثنائه، ومع جعل المجموع
~~فردا للواجب المخير يلزم حرمة الكلام ونحوه في أثناء المجموع.
# فإن قال: يجوز إلى التكبيرة السابعة وبعده لا يجوز لأن التكبير لم يتم
~~إلا بالسابعة، ففيه: أنه يستلزم جواز التكلم في أثناء السابعة أيضا، مع أن
~~مقتضى الواجب التخييري في الزائد والناقص هو استحباب الزائد إذا كان تدريجي
~~الحصول كالتسبيحات، بخلاف ما حصل بكل منهما هيئة على حدة، كالقصر والإتمام،
~~وجعل ما نحن فيه من قبيل الثانية تعسف.
# وعلى الأول فيلزم تحقق التكبير بمجرد التكبيرة الأولى، فيلزم القول بحرمة
~~الكلام بعده مطلقا، ويلزم ذلك على الثاني أيضا بطريق الأولى، وعلى المشهور
~~من لزوم قصد التحريم بإحدى التكبيرات، وجعله تكبيرة الافتتاح، فيصير كلما
~~وقع بعد تكبيرة الافتتاح من الأجزاء المستحبة للصلاة كالقنوت وسائر الأذكار
~~المستحبة، فلا يجوز التكلم في أثنائها، لكونها جزءا حينئذ، بخلاف ما وقع
~~قبلها، فإنها ليست حينئذ من الأجزاء المستحبة، بل هي من المقارنات، كالأذان
~~والإقامة.
# وقياس ما نحن فيه بجواز النية قبل غسل اليدين في الوضوء قياس باطل، لوجود
~~الفارق، لأنه ليس في الوضوء من المحرمات ما هو موجود في الصلاة ليعتبر
~~الدخول PageV02P476
# فيه بالدخول في أول جزء منه.
# وما يفرض منافيا في الوضوء مثل تغير النية وذهوله عنها فهو مبطل لو تحقق
~~هناك أيضا، ويحتاج إلى تجديد النية، والقول بأن غسل اليدين من الأجزاء
~~المستحبة للوضوء أول الكلام، بل هو كالسواك والتسمية.
# مع أن جوازه في الوضوء أيضا محل الخلاف. والإشكال عند من يعتبر إخطار
~~النية، وإخطارها في أول جزء من العبادات.
# بقي الكلام في مواضع استحباب التكبيرات الستة، فقيل باستحبابها مطلقا
~~(1).
# وقيل: مختص بالفرائض (2).
# وقيل: في سبع صلوات: أول كل فريضة، وأول ركعة من صلاة الليل، وفي المفردة
~~من الوتر، وفي أول ركعة من ركعتي الزوال، وفي أول ركعة من نوافل المغرب،
~~وفي أول ركعة ms0537 من ركعتي الإحرام، فهذه ستة ذكرها علي بن الحسين بن بابويه
~~رحمه الله (3)، وزاد المفيد الوتيرة (4)، ويدل على الأول الإطلاقات، وهو
~~المعتمد.
# ويمكن أن يكون دليل الثاني عدم تبادر غير الفرائض منها.
# ولم يظهر للتفصيل مستند إلا ما رواه ابن طاوس في فلاح السائل عن الباقر
~~عليه السلام، قال: " افتتح في ثلاثة مواطن بالتوجه والتكبير: في أول
~~الزوال، وصلاة الليل، والمفردة من الوتر، وقد يجزئك فيما سوى ذلك من التطوع
~~أن تكبر تكبيرة لركعتين " (5) وقد حمله ابن طاوس على التأكيد في هذه
~~الثلاثة بعد تخصيصها PageV02P477
# بسبع مواضع كما ذكرنا.
# وبالجملة لا مانع من القول بالاستحباب في الجميع، وتأكدها في السبع، وكون
~~الثلاثة المذكورة من النوافل آكد من غيرها للمسامحة في هذه المواضع.
~~PageV02P478
# المقصد الرابع في القراءة وفيه مباحث:
# الأول: أجمع علماؤنا وأكثر أهل العلم على وجوب الفاتحة في الصلاة للمنفرد
~~والإمام في ركعتي الثنائية وأوليي الثلاثية والرباعية. والنصوص بها مستفيضة
~~منها الصحاح (1).
# تبطل الصلاة بتركها عمدا لا سهوا، فلا تكون ركنا، للإجماع، نقله الشيخ
~~(2)، وللصحاح الكثيرة وغيرها (3).
# ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: " إن الله فرض الركوع
~~والسجود والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، ومن نسي
~~القراءة فقد تمت صلاته) (4) وبمضمونها صحيح آخر (5).
# PageV02P479
# لكن الحكم بالمضي وتمام الصلاة مقيد بما إذا ركع، وأما لو لم يركع فيقرأ
~~الفاتحة، للأخبار المعتبرة (1).
# ففي موثقة سماعة قال: سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب،
~~قال: " فليقل: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم،
~~ثم ليقرأها ما دام لم يركع، فإنه لا قراءة حتى يبدأ بها في جهر أو إخفات،
~~فإنه إذا ركع أجزأه إن شاء الله " (2).
# وفي قوية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أم
~~القرآن، قال: " إن كان لم يركع فليعد أم القرآن ئ " (3).
# وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: عن الذي لا يقرأ فاتحة
~~الكتاب في صلاته، قال: " لا صلاة له ms0538 إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات " (4)
~~خرج منه الناسي المتذكر بعد الركوع مما مر، وبقي الباقي.
# ونقل في المبسوط عن بعض أصحابنا قولا بكون القراءة ركنا، مستدلا بهذا
~~الخبر (5)، وهو مؤول بالعامد، بل ظاهر فيه، ولا خلاف في البطلان حينئذ.
# نعم ظاهر بعضهم أنه لو تركها عمدا وشرع في السورة ثم أعادها وأعاد السورة
~~فيصح (6)، وهو ضعيف.
# ثم إن الأدلة تقتضي وجوب الإتيان بالفاتحة قبل الركوع وإن أخذ في السورة،
~~بل وأتمها، فيجب الإتيان بالفاتحة وبسورة كاملة، ولا تجب إعادة ما أخذ
~~فيها،
# PageV02P480
# ولا مخالف في هذا الحكم بين الأصحاب كما قاله بعضهم (1).
# ويدل على ذلك أيضا الإطلاقات والأصول، وربما يشعر به الموثق المتقدم: "
~~فإنه لا قراءة حتى يبدأ بها " (2) فتدبر.
# ظاهر فقه الرضا عليه السلام إعادة ما أخذ فيها (3)، وهو ظاهر الإرشاد
~~(4)، والأظهر هو ما عليه الأكثر.
# أما لو شك بعد الأخذ في السورة فجماعة من الأصحاب على الإعادة (5)،
~~وبناؤهم في ذلك كأنه على أن محل القراءتين واحد كما ذكره المحقق (6).
# وقد يتمسك في ذلك بصحيحة زرارة: رجل شك في الأذان وقد دخل في الإقامة؟
~~قال: " يمضي " قلت: رجل شك في الأذان والإقامة وقد كبر؟ قال:
# " يمضي " قلت: رجل شك في التكبير وقد قرأ؟ قال: " يمضي " قلت: شك في
~~القراءة وقد ركع؟ قال: " يمضي " قلت: شك في الركوع وقد سجد؟ قال: " يمضي
~~على صلاته " ثم قال: " يا زرارة، إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس
~~بشئ " (7) فإن قول زرارة قلت: شك في القراءة وقد ركع، يقتضي عدم المضي لو
~~لم يركع.
# هو كما ترى، إذ هو مورد سؤال الراوي، وليس في الجواب، مع أنه مفهوم ضعيف
~~لا يعارض المنطوق.
# PageV02P481
# واختار المفيد (1) وابن إدريس (2) والمحقق (3) وغيرهم (4) عدمه نظرا إلى
~~كونهما شيئين، والصحاح تدل على أنه إذا خرج من شئ ثم دخل في غيره فشكه ليس
~~بشئ، منها الصحيح المتقدم، وتدل عليه أيضا الأصول والعمومات، ولا شك أنه
~~أحوط بل وأقوى.
# فائدة:
# قال العلامة في التذكرة: ms0539 لا تجب القراءة في النافلة للأصل (5)، وليس بشئ،
~~إذ العبادة توقيفية، ولم يثبت توظيفها بهذا النحو، وعدم وجوب الأصل لا
~~ينافي وجوبه، إذ المراد من الوجوب هنا الشرطي.
# الثاني: المشهور بين الأصحاب وجوب قراءة الفاتحة في عشر ركعات صلوات
~~الآيات كلها إن كان يقرأ في كل ركوع سورة كاملة، وإن كان يبعض فكلما كملت
~~السورة يجب قراءة الفاتحة فيما يليها، للصحاح (6).
# ففي الصحيح على الظاهر بسند، والحسن بإبراهيم بن هاشم بسند آخر، عن زرارة
~~ومحمد بن مسلم، قالا: سألنا أبا جعفر عليه السلام عن صلاة الكسوف، إلى أن
~~قال، قلت: كيف القراءة فيها؟ فقال: " إن قرأت سورة في كل ركعة فاقرأ فاتحة
~~الكتاب، وإن نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت،
# PageV02P482
# ولا تقرأ فاتحة الكتاب " (1).
# وفي صحيحة الفضلاء عن كليهما، ومنهم من رواه عن أحدهما عليهما السلام:
~~بعد وصفه عليه السلام للصلاة أيضا، وذكره أنه يقرأ في كل ركوع فاتحة الكتاب
~~وسورة، قلت: وإن هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات ففرقها بينها؟
# قال: " أجزأه أم القرآن في أول مرة، وإن قرأ خمس سور فمع كل سورة أم
~~الكتاب " (2).
# وفي صحيحة الحلبي: " وإن شئت قرأت سورة في كل ركعة، وإن شئت قرأت نصف
~~سورة في كل ركعة، فإذا قرأت سورة في كل ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن قرأت
~~نصف السورة أجزأك أن لا تقرأ فاتحة الكتاب إلا في أول ركعة حتى تستأنف أخرى
~~" (3) الحديث.
# خالف في ذلك ابن إدريس، فقال باستحبابه محتجا بأن الركعات كالركعة
~~الواحدة (4)، وما يظهر من بعض الأخبار (5) موافقته له فهو مع سلامته مؤول
~~أو مطروح.
# الذي يظهر من تلك الأخبار جواز التفريق في كل الصلاة وإتمام السورة في كل
~~الركعات، والتفريق بين الركعتين بالاتمام والتبعيض والتلفيق بين الركعات،
~~وفي كل منهما بالتبعيض والإتمام (6)، ولا بأس به.
# وقد احتمل بعضهم انحصار المجزئ في الواحدة المبعضة في الخمسة أو الخمس
# PageV02P483
# سور كاملة، لدورانها بين كونها ركعتين أو عشر ركعات، فعلى الأول الأول،
~~وعلى الثاني الثاني (1)، ولازمه الاكتفاء ms0540 بأحدهما في كل من الركعتين، ويبقى
~~الكلام في التعين.
# والحق أن هذا الاحتمال مبني على عدم جواز القران، وبعد تسليم عدم جوازه
~~لا عموم لدليله بحيث يشمل ما نحن فيه.
# الإطلاقات ههنا تنادي بأعلى صوتها بالجواز.
# نعم لو قلنا بعدم جواز الاقتصار على أقل من سورة في كل ركعة لكان وجيها
~~كما قربه العلامة في النهاية (2)، لكونها ركعة، ولا يجوز الاقتصار في ركعة
~~على أقل من سورة، وإن كانت الإطلاقات تقتضي ذلك.
# وهل يجب مع التبعيض في إحدى الركعتين بعد إتمام سورة إتمام المبعضة قبل
~~السجود أم لا؟ فيه وجهان، ظاهر الإطلاقات العدم، وهو أقرب.
# وبعد ما بنينا على ذلك فهل يجب الإتمام بعد القيام عن السجود أم لا؟
~~وجهان، أظهرهما من الحديث الأول " فاقرأ من حيث نقصت " والصحيح الآخر " حتى
~~تستأنف أخرى " الوجوب.
# وبعد البناء على ذلك فهل تجب قراءة الحمد قبله أم لا؟ قرب الأول العلامة
~~- رحمه الله - في التذكرة، لأنه قيام عن سجود، فوجبت فيه الفاتحة، لكنه
~~قال:
# يبتدئ بسورة أخرى بعدها، وجعل الاكتفاء بمجرد تتمة السورة بدون الحمد
~~احتمالا، وأوجب لو فعل ذلك قراءة الحمد في الثانية، حيث لا يجوز له
~~الاكتفاء بالحمد مرة في الركعتين (3).
# وربما يظهر من الصحيح الآخر: " فإن قرأت نصف السورة أجزأك أن لا تقرأ
# PageV02P484
# فاتحة الكتاب إلا في أول ركعة حتى تستأنف أخرى " التأييد لذلك، فيكون
~~مخصصا للخبر الأول.
# وكذا يظهر ذلك من الصحيح الأوسط، قال: " أجزأه أم القرآن في أول مرة ".
# وهل تحرم قراءة فاتحة الكتاب ما لم يتم السورة في الركعات أم تركها رخصة؟
# احتمالان النهي في الخبر الأول يعين الأول، وظاهر الخبرين الأخيرين ينبئ
~~عن الثاني، ولعل الترك أولى وأحوط.
# وهل يجوز اختيار بعض سورة أخرى قبل إتمام المبعضة في أثناء الركعات أو
~~إعادة ما مضى منها؟ ومع ذلك فهل تجب إعادة الحمد أم لا؟ أوجه.
# الأحوط إتمام السورة في الركعة الأولى قبل السجود، سواء اكتفى بسورة أو
~~أكثر، وعدم العدول عن سورة إلى أخرى حتى يتمها، بل ms0541 وعدم إعادة ما مضى من
~~المبعضة. وكل ذلك يستفاد من تلك النصوص.
# وغاية الاحتياط الاكتفاء بخمس سور في كل ركعة، أو سورة مبعضة يتمها في كل
~~واحدة منهما، والله أعلم بحقائق أحكامه.
# الثالث: أجمع علماؤنا على أنه لا تتعين قراءة الفاتحة في الثالثة
~~والرابعة من الثلاثية والرباعية، بل يختار المصلي بينها وبين التسبيح، نقله
~~غير واحد من أصحابنا.
# وإنما الخلاف في مقامين، الأول: كيفية التسبيح وكميته، والثاني: بيان
~~الأفضلية بين البدلين.
# ففي المقام الأول ترتقي الأقوال إلى ستة وأزيد:
# لأول: وجوب العبارة الآتية ثلاث مرات، وهو قول الشيخ في النهاية
~~والاقتصاد والشهيد في الدروس (1)، وقال الصدوق في الفقيه: وقل في الركعتين
~~الأخيرتين
# PageV02P485
# إماما كنت أو غير إمام: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله
~~أكبر، ثلاث مرات، وإن شئت قرأت في كل ركعة منها الحمد لله، إلا أن التسبيح
~~أفضل (1).
# يدل عليه صريح الفقه الرضوي (2)، وما روى في العيون عن رجاء بن أبي ضحاك:
~~أنه صحب الرضا عليه السلام من المدينة إلى مرو، فقال: كان يسبح في
~~الأخراوين يقول: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر "
~~ثلاث مرات ثم يركع (3).
# لكن الفاضل المجلسي في البحار قال: إن في النسخ القديمة المصححة بدون
~~التكبير (4)، ويظهر من بعض الأصحاب أيضا أن بها رواية (5)، ولعل إيراده في
~~النهاية والفقيه أيضا لا يقصر عن الرواية كما هو ظاهر عند المطلع، ولها
~~أيضا من الأخبار شواهد (6).
# والثاني: وجوب العبارة الآتية ثلاث مرات، وقد نسب إلى الصدوق (7) - رحمه
~~الله - وذلك لأنه نقل الصحيحة الآتية في أبواب الجماعة، ولا يخفى أنه لا
~~يدل على تعينه عنده، لأنه قال: ما قلناه في أوائل كتاب الصلاة، وذكر بعد
~~هذه الصحيحة بعينها أيضا روايات أخر تدل على سائر المذاهب، وقد نسب ذلك إلى
~~حريز بن عبد الله (8) وأبي الصلاح أيضا (9).
# PageV02P486
# وتدل عليه صحيحة زرارة أنه قال: " لا تقرأ في الركعتين الأخيرتين من
~~الأربع الركعات المفروضات شيئا، إماما كنت أو غير إمام " قلت: فما أقول
~~فيهما؟ ms0542 قال:
# " إن كنت إماما أو وحدك فقل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،
~~ثلاث مرات، تكمل تسع تسبيحات، ثم تكبر وتركع " (1).
# الثالث: وجوب ما ذكر مع زيادة تكبير في آخره، فيكون عشرا، وهو مختار
~~جماعة (2)، ومنهم ابن إدريس وقال: ويجزئ المستعجل أربع وغيره عشر (3)، ولم
~~نقف له على مستند واضح، ولعله استدل عليه بالصحيحة المتقدمة، والظاهر أن
~~التكبير المذكور فيها تكبيرة الركوع.
# الرابع: وجوب العبارة الآتية مرة، وهو اختيار المفيد (4) وجماعة من
~~المتأخرين على ما قيل، وتدل عليه صحيحة زرارة قال، قلت لأبي جعفر عليه
~~السلام:
# ما يجزئ من القول في الركعتين الأخيرتين؟ قال: " أن يقول: سبحان الله
~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (6).
# الخامس: القول بما في صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال:
# " إذا قمت في الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما، فقل: الحمد لله وسبحان
~~الله والله أكبر (7).
# والسادس: الذي يقال مكان القراءة تحميد وتسبيح وتكبير يقدم ما شاء،
# PageV02P487
# وظاهره الاجتزاء بمطلق الذكر، فلا مانع على هذا من العمل بكل ما ذكر، بل
~~وبغيره أيضا.
# تدل عليه صحيحة عبيد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الركعتين
~~الأخيرتين من الظهر، قال: " تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك، وإن شئت فاتحة
~~الكتاب، فإنها تحميد ودعاء (1).
# وفي رواية علي بن حنظلة عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الركعتين
~~الأخيرتين ما أصنع فيهما؟ فقال: " إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن شئت
~~فاذكر الله فهما سواء " قال، قلت: فأي ذلك أفضل؟ فقال: " هما والله سواء،
~~إن شئت سبحت، وإن شئت قرأت " (2)، والأخبار من هذا القبيل بحد الاستفاضة.
# ويظهر من العلامة في المنتهى " حيث قال: الأقرب عدم وجوب الاستغفار "
~~وجود القول به لصحيحة عبيد (3).
# وربما أجيب عنه بجعل الواو بمعنى حتى، مثل قولهم: تحتمي عن النهم وتصح،
~~ويعبد الله ويكون حرا، أي حتى يصح وحتى يكون حرا، بمعنى أن التسبيحات موجبة
~~لمغفرة الذنوب، وكلاهما بعيدان، سيما الأخير.
# لسابع: التخيير بين العمل بصحيحة زرارة وصحيحة الحلبي وصحيحة عبيد ورواية ms0543
~~علي بن حنظلة، لكنه يرجع إلى التخيير بين المطلق والمقيد، وهو مختار
~~المعتبر، ولكنه جعل العمل على المتضمنة للأربعة وتكريرها ثلاث مرات أحوط
~~(4).
# وربما يسند القول بالاكتفاء بثلاث تسبيحات إلى أبي الصلاح (5). وتدل عليه
# PageV02P488
# رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " أدنى ما يجزئ من القول في
~~الركعتين الأخيرتين ثلاث تسبيحات تقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله "
~~(1) والذي يقوى في نفسي هو ترجيح الكفاية بمطلق الذكر، لاختلاف الأخبار
~~غاية الاختلاف، ونصوصية بعضها في الإطلاق، وظهور كثير من الصحاح في ذلك،
~~فقيل فيها: " لا تقرأ فيهما، إنما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء " ويظهر
~~ذلك بملاحظة بعض ما ذكرنا منها أيضا.
# في حسنة زرارة لإبراهيم بن هاشم: " وفوض إلى محمد صلى الله عليه وآله
~~فزاد النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة سبع ركعات، هي سنة ليس فيهن
~~قراءة، إنما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء " (2) إلى غير ذلك من الأخبار.
# وهل يجب الذكر بمقدار القراءة: احتمالان بالنظر إلى البدلية وكون البدل
~~بمقدار المبدل منه، ولليقين بالبراءة. ومن أن الظاهر من الأخبار كما ذكرنا
~~هو أصالة الذكر المطلق، ونفي أصالة القراءة، أو كونهما في ذلك على السواء،
~~وأصالة عدم تقييد تلك النصوص المستفيضة، والأحوط أن لا يكتفى بأقل من
~~الأربعة، وأحوط منه بناء العمل على القول الأول كما ذكره المحقق (3).
# أما المقام الثاني، فالمنقول عن طائفة من الأصحاب أفضلية التسبيح مطلقا،
~~منهم ابن إدريس (4).
# قيل بالتساوي (5).
# PageV02P489
# قيل بالتخيير للمنفرد، وأفضلية القراءة للإمام (1).
# وقيل باستحباب التسبيح للإمام إذا تيقن عدم المسبوق معه، ومع العلم
~~بالدخول يقرأ، والمنفرد يجزئه مهما فعل (2).
# وقيل: الأفضل للإمام القراءة وللمأموم التسبيح (3).
# ويظهر من صاحب المدارك أفضلية القراءة مطلقا (4).
# والأقرب هو القول الأول، ويدل عليه - مضافا إلى الإطلاقات الكثيرة غاية
~~الكثرة - تعميم صحيحة زرارة المتقدمة.
# بل ويظهر من بعض الأخبار أن الأفضلية كانت معلومة عند الرواة، وكانوا
~~يسألون عن علتها، ففي رواية محمد بن حمران (5) حيث سأل أبا عبد الله عليه
~~السلام عن علة أفضلية التسبيح وقال: لأي ms0544 علة صار التسبيح في الركعتين
~~الأخيرتين أفضل من القراءة؟ قال: " لأن النبي صلى الله عليه وآله لما كان
~~في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة الله عز وجل فدهش، فقال: سبحان الله
~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فلذلك صار التسبيح أفضل من
~~القراءة " (6).
# بل ويظهر من ملاحظة صدر الخبر أنه كان في الجماعة لأنه صلى الله عليه
~~وآله كان يصلي إماما بالملائكة، فيصير أوضح في التعميم المطلوب.
# ويدل عليه أيضا ما رواه في الفقيه مرسلا عن الرضا عليه السلام (7)، وتشير
~~إليه
# PageV02P490
# صحيحة عبيد بن زرارة المتقدمة (1).
# وتدل على القول الثاني رواية علي بن حنظلة المتقدمة (2).
# وتدل على القول الثالث صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال: " إذا كنت إماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وإن كنت
~~وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل " (3) والجمع بين ما دل على أفضلية القراءة
~~ورواية علي بن حنظلة.
# ولم أقف للقول الرابع على حجة يعتد بها.
# ويدل على القول الخامس مضافا إلى صحيحة منصور المتقدمة منضمة إلى ما دل
~~على أفضلية التسبيح: صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين، فقال: " الإمام يقرأ
~~فاتحة الكتاب، ومن خلفه يسبح، فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما، وإن شئت فسبح "
~~(4).
# وعلى القول السادس ظاهر صحيحة منصور المتقدمة، ورواية محمد بن حكيم (5)
~~وما في معناهما (6)، وما رواه في الاحتجاج عن الحميري، عن صاحب الزمان عليه
~~السلام: إنه كتب إليه يسأله عن الركعتين الأخيرتين قد كثرت فيهما الروايات،
~~فبعض يروي (7) أن قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يروي (8) أن التسبيح فيهما
~~أفضل، والفضل أيهما لنستعمله؟ فأجاب عليه السلام: " قد نسخت قراءة أم
~~الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، والذي نسخ التسبيح قول
# PageV02P491
# العالم عليه السلام: كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج إلا للعليل، أو من
~~يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه " (1).
# والجواب منع دلالة الصحيحة، وباقي الأخبار مؤولة أو محمولة على التقية،
~~فالوجه ms0545 إذن أفضلية التسبيح مطلقا، والبناء على القول الأول في المقام
~~الأول، سيما إذا كان إماما، لملاحظة حال مسبوق لو وجد.
# وهل يستحب أزيد من ذلك؟ المنقول عن ابن أبي عقيل: أنه يقول سبعا أو خمسا
~~وأدناه ثلاث (2)، وقال في الذكرى: ولا بأس باتباع هذا الشيخ العظيم الشأن
~~في استحباب ذكر الله تعالى (3)، هذا إذا قطع النظر عن كونه من أفراد مطلق
~~الذكر بناءا على ترجحه، وإلا فلا ريب في استحبابه من حيث كونه مندرجا تحت
~~المطلق، بل يكون أفضل أفراده.
# ثم إن ههنا فوائد:
# الأولى: هل يجوز العدول عن التسبيح إلى القراءة وبالعكس؟ وهل يجوز
~~التفكيك بهما بين الركعتين؟ وجهان، أقربهما بالنسبة إلى الإطلاقات الجواز،
~~وبالنسبة إلى عدم معلومية التوظيف بهذا النحو والشك في حصول البراءة مع ذلك
~~العدم.
# وأما مع السهو عما أراده أولا ثم التذكر والرجوع فلعل الأمر فيه كان
~~أسهل، بل لا يبعد القول بتعيين الرجوع إليه أو إعادة ذلك لو لم يرد الرجوع،
~~فتأمل.
# الثانية: هل يجب الإخفات بها؟ وجهان، اختار الشهيد - رحمه الله - الوجوب،
~~لعموم البدلية (4) وقيل: لا، للأصل، والإطلاقات، وعدم ثبوت
# PageV02P492
# المخصص (1)، ولعل الأول أقوى، لظهور التساوي من الأخبار، وهو أحوط.
# الثالثة: لو نسي القراءة في الأوليين لا تتعين عليه القراءة في
~~الأخيرتين، لعمومات التخيير، ولصحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه
~~السلام، قال، قلت: الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأوليين فيذكر في
~~الركعتين الأخيرتين أنه لم يقرأ، قال: " أتم السجود والركوع؟ " قلت: نعم،
~~قال: " إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها " (2).
# ويحتمل أن يكون المراد كراهة قراءة السورة مع الحمد، لا مطلق القراءة،
~~فهي باقية على التخيير بينها وبين التسبيح، ولمنع شمول أدلة وجوب القراءة
~~لما نحن فيه.
# الشيخ في الخلاف على وجوب القراءة في الأخيرتين (3)، لظاهر رواية الحسين
~~بن حماد عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: أسهو عن القراءة في الركعة
~~الأولى، قال: " اقرأ في الثانية " قلت: أسهو في الثانية، قال: " اقرأ في
~~الثالثة " قلت: أسهو في صلاتي، قال: " إذا ms0546 حفظت الركوع والسجود فقد تمت
~~صلاتك " (4). والمرسلة الآتية في مسألة وجوب السورة (5). وعموم " لا صلاة
~~إلا بفاتحة الكتاب " (6).
# والأولتان، مع ضعفهما غير واضحتي الدلالة كما لا يخفى، والثاني مخصص بما
~~هو أقوى منه.
# لرابعة: لو شك في عددها بنى على الأقل، لأنه المتيقن، وهو المحصل
~~للبراءة.
# PageV02P493
# الرابع: تجب قراءة سورة كاملة عقيب الفاتحة فيما تجب فيها عينا من
~~الفرائض في حال الاختيار، وهو المشهور بين الأصحاب.
# ونسب إلى الشيخ في النهاية (1) وابن الجنيد (2) وسلار (3) القول
~~بالاستحباب، وقواه جماعة من المتأخرين (4).
# لنا: مضافا إلى استمرار العمل بذلك في الأزمان السابقة، وفي عهد الرسول و
~~الأئمة صلوات الله عليهم، والتزامهم ذلك، وعدم معهودية خلافه من أفعالهم،
~~الصحاح المستفيضة.
# ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال، قال: " إذا أدرك الرجل بعض
~~الصلاة، وفاته بعض خلف إمام يحتسب بالصلاة خلفه، جعل ما أدرك أول صلاته، إن
~~أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كل
~~ركعة مما أدرك خلف الإمام في نفسه بأم الكتاب وسورة، فإن لم يدرك السورة
~~تامة أجزأته أم الكتاب، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما،
~~لأن الصلاة إنما يقرأ فيها في الأوليين في كل ركعة بأم الكتاب وسورة، وفي
~~الأخيرتين لا يقرأ فيهما، إنما هو تسبيح وتكبير وتهليل ودعاء " (5).
# وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " لا بأس أن يقرأ
~~الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين إذا أعجلت به حاجته
~~أو تخوف شيئا " (6).
# PageV02P494
# ويقرب من هذا المضمون ما رواه في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه
~~عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون مستعجلا يجزئه أن يقرأ في الفريضة
~~بفاتحة الكتاب وحدها؟ قال: " لا بأس " (1).
# وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من غلط في
~~سورة فليقرأ قل هو الله أحد ثم ليركع (2).
# وتدل عليه أيضا الأخبار الكثيرة المعتبرة التي تدل على عدم العدول من قل
~~هو ms0547 الله أحد إلى غيرها، وكذلك قل يا أيها الكافرون (3).
# ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: " ومن افتتح بسورة ثم بدا
~~له أن يرجع في سورة غيرها فلا بأس، إلا قل هو الله أحد، فلا يرجع منها إلى
~~غيرها، وكذلك قل يا أيها الكافرون " (4).
# ويدل عليه أيضا خبر في سنده مروك بن عبيد وقد وثقه ابن فضال، عن رجل، عن
~~الباقر عليه السلام قال، قال لي: " أي شئ يقول هؤلاء في الرجل الذي تفوته
~~مع الإمام ركعتان؟ " قلت: يقولون يقرأ فيهما بالحمد وسورة، فقال: " هذا
~~يقلب صلاته، يجعل أولها آخرها " قلت: فكيف يصنع؟ قال: " يقرأ فاتحة الكتاب
~~في كل ركعة " (5) وفي معناه الأخبار الكثيرة، منها الصحيح.
# ويظهر من المجموع أن أول الصلاة هو ما كان يجب فيه الفاتحة وسورة، بل هو
~~صريح بعضها كما ذكرنا.
# صحيحة محمد بن إسماعيل قال: سألته قلت: أكون في طريق مكة فننزل
# PageV02P495
# للصلاة في مواضع فيها الأعراب، أنصلي المكتوبة على الأرض فنقرأ أم الكتاب
~~وحدها، أم نصلي على الراحلة فنقرأ فاتحة الكتاب والسورة؟ قال: " إذا خفت
~~فصل على الراحلة المكتوبة وغيرها، وإذا قرأت الحمد وسورة أحب إلي، ولا أرى
~~بالذي فعلت بأسا " (1) وجه الدلالة ترخيصه عليه السلام لترك القيام الواجب
~~من أجل السورة.
# ويدل عليه أيضا ما رواه يحيى بن أبي عمران الهمداني في الصحيح قال: كتبت
~~إلى أبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك، ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله
~~الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أم الكتاب، فلما صار إلى غير أم الكتاب من
~~السورة تركها فقال العباسي: ليس بذلك بأس؟ فكتب بخطه: " يعيدها مرتين على
~~رغم أنفه " يعني العباسي (2).
# وتدل عليه الأخبار الدالة على عدم جواز إفراد والضحى وألم نشرح وألم تر
~~كيف ولإيلاف (3) والإجماع المنقول على ذلك من الجماعة الآتية كما لا يخفى.
# وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم على الأظهر - لمكان محمد بن عيسى عن يونس - عن
~~أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الذي لا يقرأ فاتحة الكتاب ms0548 في صلاته،
~~قال: " لا صلاة له، إلا أن يبدأ بها في جهر أو إخفات " قلت: أيهما أحب إليك
~~إذا كان خائفا أو مستعجلا، يقرأ بسورة أو فاتحة الكتاب؟ قال: " فاتحة
~~الكتاب " (4).
# ويظهر منه أنه كان وجوب السورة عنده واضحا معلوما، حتى أنه يسأل عن
# PageV02P496
# التخيير بينها وبين الحمد في مقام الاضطرار، والراوي من أجلاء الأصحاب.
# وتدل عليه أيضا رواية منصور بن حازم قال، قال أبو عبد الله عليه السلام:
# " لا يقرأ في المكتوبة بأقل من سورة ولا بأكثر " (1).
# والقوي إلا أنه قال: " أمر الناس بالقراءة في الصلاة لئلا يكون القرآن
~~مهجورا مضيعا، وليكون محفوظا مدروسا فلا يضمحل ولا يهجر ولا يجهل، وإنما
~~بدأ بالحمد دون سائر السور لأنه ليس شئ من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع
~~الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد " (2) الحديث.
# ويظهر من الأمر بالقراءة والتفضيل بتقديم الحمد فيها على السورة وجوب
~~المجموع كما لا يخفى على المنصف المتدبر.
# وصحيحة عبد الله بن سنان على الأظهر، لمكان العبيدي، قال: " يجوز للمريض
~~أن يقرأ فاتحة الكتاب وحدها، ويجوز للصحيح في قضاء صلاة التطوع بالليل
~~والنهار " (3) ويظهر من هذا الخبر أنه بيان المواضع التي يجوز فيها تركها،
~~حتى أنه لم يذكر عليه السلام نفس النوافل، مع أنها لا يجب فيها إجماعا،
~~فحينئذ وإن لم نقل بحجية مفهوم الوصف لكن مع انضمامه بقرينة المقام يظهر في
~~المطلوب.
# ثم إن في الأخبار ما يدل على ذلك وما يؤيده ويشعر به من الصحاح وغيرها من
~~الكثرة بمكان، فتتبع الأخبار وتأمل، هذا.
# ويدل على ما اخترناه مضافا إلى ما ذكرنا استصحاب شغل الذمة، والإجماع
# PageV02P497
# المنقول، ونقله الصدوق في الأمالي والسيد في الانتصار (1)، وهو ظاهر
~~الشيخ في التهذيب والخلاف والمبسوط (2).
# واحتج الخصم بالأصل، وبصحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال: " إن فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة " (3).
# ورواها أخرى عن الحلبي عنه عليه السلام، قال: " إن فاتحة الكتاب وحدها
~~تجزئ في الفريضة " (4).
# وبالصحاح وغيرها من الأخبار الدالة على جواز ms0549 التبعيض، لأنه إذا ثبت جواز
~~التبعيض ثبت الاستحباب إذ لا قائل بالفصل.
# (وفيه: أن الظاهر من كلام المبسوط (5) وابن الجنيد على ما نقل عنهما
~~القول بوجوب شئ إما السورة أو بعضها، فلا يتم عدم القول بالفصل) (6) فنقول:
~~إن هذه الأخبار مع معارضتها بما ذكرنا موافقة للعامة ومخالفة لمذهب
~~الإمامية، قال في التذكرة: وهو - يعني استحباب السورة - مذهب الجمهور كافة
~~إلا عثمان بن أبي العاص، فإنه أوجب بعد الفاتحة قدر ثلاث آيات (7)، فلا بد
~~من حملها على حال الاضطرار أو التقية، وكثير من تلك الأخبار مما ينادي
~~بأعلى صوته أنه للتقية. والأصل لا يقاوم الدليل، سيما مع معارضته باستصحاب
~~شغل الذمة يقينا بالعبادة التوقيفية.
# وبالجملة لا يبقى بعد ملاحظة ما ذكر مجال للتأمل في الوجوب، وإنما أطنبنا
# PageV02P498
# الكلام في هذا المقام لما زل فيه أقدام كثير من الأعلام، وحكموا صريحا
~~بالاستحباب (1)، والله أعلم بحقائق الأحكام.
# ومما يتفرع على القول بوجوب السورة الكاملة وحرمة الزيادة: حرمة قراءة
~~وما يفوت به الوقت، فلو علم بالتفويت فقال في المسالك: إنه تبطل صلاته
~~بمجرد الشروع وإن لم يخرج الوقت، نعم لو ظن السعة فتبين الضيق بعد الشروع
~~عدل وإن تجاوز النصف (2)، انتهى. ولعلك تطلع على وجهه فيما سيأتي إن شاء
~~الله تعالى.
# وفي الصحيح عن سيف بن عميرة، عن عامر بن عبد الله، قال: سمعت أبا عبد
~~الله عليه السلام، يقول: " من قرأ شيئا من ال حم في صلاة الفجر فاته الوقت
~~" (3).
# الخامس: تجب البسملة في ابتداء الحمد والسورة عدا براءة بإجماع علمائنا،
~~نقله جماعة عن أصحابنا (4)، نعم نسب القول بعدم الجزئية في السورة إلى ابن
~~الجنيد، قال: إنها في الفاتحة جزء، وفي غيرها افتتاح (5).
# ويدل على جزئيتها للفاتحة مضافا إلى ضبطها كذلك في المصاحف، واستمرار
~~العمل بذلك، وعدم تركها الظاهر منه الجزئية: الأخبار المعتبرة، منها صحيحة
~~محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السبع المثاني والقرآن
~~العظيم هي الفاتحة؟ فقال: " نعم " قلت: بسم الله الرحمن الرحيم من السبع،
~~قال:
# " نعم، ms0550 أفضلهن " (6).
# PageV02P499
# ويدل على الجزئية في السورة أيضا ما رواه العياشي عن صفوان الجمال قال،
~~قال أبو عبد الله عليه السلام: " ما أنزل الله من السماء كتابا إلا وفاتحته
~~بسم الله الرحمن الرحيم، وإنما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم الله
~~الرحمن الرحيم ابتداءا للأخرى " (1).
# وعن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال:
# " بلغه أن أناسا ينزعون بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: هي آية من كتاب
~~الله، أنساهم إياها الشيطان " (2). ويؤدي مؤداه ما رواه عن أبي خالد بن
~~المختار عن الصادق عليه السلام أيضا (3)، وفي دلالتهما تأمل.
# رواية الهمداني المتقدمة (4).
# ولو نوقش في إثباتها الجزئية فلا ريب في أنها تثبت الوجوب، ويكفي الاجماع
~~وسائر الأخبار في إثبات الجزئية، وأما ما يدل على مطلق ثبوت البسملة لها
~~فكثيرة.
# فالأقوى التزام البسملة في غير الفاتحة أيضا.
# وتظهر الثمرة في غير الصلاة، لثبوت الوجوب فيها من مثل رواية الهمداني،
~~وكلما دل من الأخبار على جواز ترك البسملة في الحمد وغيرها (5) فمحمولة على
~~التقية.
# وتجب قراءتها عربية بالنحو المنقول بالتواتر، وأن لا يخل بشئ منها ولو
~~بحرف، حتى التشديد، لأنه بدون ذلك لا يكون آتيا بالمأمور به، والظاهر عدم
~~الخلاف في ذلك بيننا.
# PageV02P500
# وأما الإعراب - والمراد به الأعم من حركات البناء والجزم - فالمشهور أيضا
~~بطلان الصلاة بالإخلال به، ونقل الاجماع عليه بعض الأصحاب (1).
# والسيد فصل فقال: لو كان مغيرا للمعنى يبطل (2)، ولعل نظره - رحمه الله -
~~إلى الإطلاق العرفي، ويشكل الاتكال على ذلك.
# والأقرب الأول، لأن القرآن هيئة مجموعة مخصوصة، والامتثال بإتيانها لا
~~يحصل إلا بإتيانها كما هي.
# وقد يلحق بذلك المد المتصل، وكأن نظرهم في ذلك إلى التزام القراء بذلك،
~~وإيجابهم، ونحن مأمورون بما كانوا يقرؤن.
# وقد نقل عن جماعة من الأصحاب الاجماع على تواتر القراءات السبع (3)،
~~وادعى في الذكرى التواتر على العشر أيضا (4).
# فما ثبت لنا تواتره منها لا بد أن يكون هو المعتمد.
# فربما قيل: إن المراد بتواتر السبع انحصار وجود التواتر فيها، لا تواتر
~~جميع ما ms0551 نسب إليهم، فما علم كونه من السبعة فالمشهور جواز العمل به، إلا أن
~~العلامة - رحمه الله - قال: أحب القراءات إلي ما قرأه عاصم من طريق أبي بكر
~~بن عياش، وطريق أبي عمرو بن العلاء، فإنها أولى من قراءة حمزة والكسائي،
~~لما فيهما من الإدغام والإمالة وزيادة المد، وذلك كله تكلف، ولو قرأ به صحت
~~صلاته بلا خلاف (5).
# وقال الشيخ الطبرسي بعد نقل الاجماع ظاهرا على العمل بما تداولت القراء
# PageV02P501
# بينهم من القراءات: إلا أنهم اختاروا القراءة بما جاز بين القراء، وكرهوا
~~تجديد قراءة منفردة (1).
# إعلم أن المراد بالإعراب الذي ذكرنا أيضا هو الإعراب المتداول بينهم، لا
~~ما يقتضيه قانون العربية لما ذكرنا.
# ويمكن بعد إثبات رخصة العمل على قراءة القراء من الشارع الاكتفاء بنقل
~~التواتر أيضا، لأنه لا يقصر عن الاجماع المنقول بخبر الواحد كما ذكره
~~المحقق الشيخ علي رحمه الله (2).
# وما قيل: إن هذا غير جيد لأنه رجوع عن اعتبار التواتر (3)، ليس على ما
~~ينبغي كما لا يخفى على المتدبر.
# والحاصل أنه لا إشكال في جواز موافقة قراءة السبع المشهورة كما دلت عليه
~~الأخبار المستفيضة إلى زمان ظهور القائم عليه السلام (4).
# ولعل البناء على قراءة عاصم كما اختاره العلامة رحمه الله (5) وتداولها
~~في هذه الأعصار يكون أولى وأحوط.
# وبعد البناء على ذلك فلا بد من التزام ما التزمه القراء، كالمد المتصل،
~~والوقف اللازم وغيرهما إن ثبت التزامهم بعنوان الوجوب الشرعي، وهو غير
~~معلوم، لإمكان أن يريدوا تأكيد الفعل كما اعترفوا في اصطلاحهم على الوقف
~~الواجب على ما نسب إليهم الشهيد الثاني (6) - رحمه الله - واستحباب ما
~~استحسنوه من المحسنات.
# PageV02P502
# وأما أداء الحروف عن المخارج بحيث تكون متميزة فلا شبهة في وجوبه، لأن
~~الآتي بخلافه غير آت بالمأمور به.
# وأما ملاحظة صفاتها من الهمس والجهر والإطباق وأمثال ذلك بحيث لم يكن
~~التميز منحصرا فيها بل يكون محض التزيين والتحسين فهو محل كلام، وسيجئ.
# وتجب الموالاة في القراءة، ومراعاة الترتيب بحيث لا يخرج عن كونه قارئا،
~~فلو أخل في ذلك بأن يقرأ ms0552 شيئا خلالها بحيث أخرجها عن المعهود المتعارف، أو
~~قدم بعضها على بعض بخلاف وضعه بطلت الصلاة لما ذكرنا، هذا إذا كان عمدا.
# وأما مع النسيان فيتدارك مع تحصيل الموالاة، مع احتمال العدم في الأول
~~أيضا إذا تداركها قبل الركوع، نظرا إلى ما ذكرنا سابقا من احتمال عدم
~~البطلان بزيادة القراءة والذكر بغير القربة أو مع التشريك. ولو عد بذلك
~~خارجا عن الصلاة كما في السكوت الطويل فلا شك في بطلانها مطلقا.
# ويحتمل استئناف القراءة في صورة العمد والبناء على ما مضى في صورة
~~النسيان، ذهب إلى كل من الاحتمالات قائل (1)، والأقوى والأحوط ما اخترناه.
# ومن لا يحسنها تعلم، لتوقف الواجب عليه، وللإجماع، نقله غير واحد من
~~أصحابنا على ما قيل (2).
# وإن عجز تخير بين الائتمام إن أمكنه والقراءة من المصحف إن أحسنها، ولو
~~لم يكن نقل الاجماع لأمكن القول بالتخيير أولا.
# وهل تجوز القراءة من المصحف بلا عذر ومع التمكن من الحفظ؟ قولان، بالنظر
~~إلى الإطلاقات، وخصوص رواية الحسن بن زياد الصيقل قال، قلت لأبي عبد الله
# PageV02P503
# عليه السلام: ما تقول في الرجل يصلي وهو ينظر في المصحف يقرأ ويضع السراج
~~قريبا منه؟ قال: " لا بأس بذلك " (1) الجواز.
# وإلى عدم المعهودية، وعدم ثبوت التوظيف، واستصحاب شغل الذمة، وخصوص ما
~~رواه في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، قال:
# سألته عن الرجل والمرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه ويقرأ ويصلي، قال: "
~~لا يعتد بتلك الصلاة " (2) العدم، والثاني أقوى وأحوط.
# وإن لم يقدر على ذلك أيضا أو ضاق الوقت، فإن علم الفاتحة بتمامها دون
~~السورة فيجب الإتيان بالفاتحة إجماعا، ولا عوض عن المتروك من السورة أو
~~بعضها بلا خلاف في ذلك على ما قيل (3).
# وإن كان إنما يحسن بعض الفاتحة، فإن كان آية منها تجب قراءتها إجماعا
~~أيضا، ويظهر من المدارك والذخيرة (4).
# وأما في الأقل منها ففيها أقوال، ثالثها الوجوب إذا كان قرآنا، أي لو سمي
~~قرآنا في العرف، ونسب ذلك إلى المشهور بين المتأخرين (5)، ولعله يكون أقوى. ms0553
# فإن من عرف " إياك مثلا، أو لفظة " غير أو لفظة " المغضوب " يشكل القول
~~بجواز التكلم بذلك، لعدم صدق القرآن على ذلك، فيكون كلاما أجنبيا، فيضعف
~~الإيجاب مطلقا.
# وأيضا استصحاب شغل الذمة وعدم سقوط الميسور بالمعسور وغير ذلك مع صدق
~~القرآن مما يضعف القول بالعدم على الإطلاق.
# PageV02P504
# وهل يجوز الاكتفاء بذلك، أو يعوض عن الفائت بتكرار ذلك، أو بقراءة غيره
~~من القرآن إن علمه أو الذكر مطلقا؟ أقوال، أوهنها الأول.
# ولعل الأوسط أوسط، لصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال:
~~" إن الله فرض من الصلاة الركوع والسجود، ألا ترى لو أن رجلا دخل في
~~الاسلام لا يحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبر ويسبح ويصلي " (1).
# ولو لم يحسن شيئا من الفاتحة فالمشهور وجوب القراءة من غيرها لو علم،
~~والأولى قراءة سورة كاملة إن علم، وإلا فالذكر للصحيح المتقدم.
# وقيل بالتخيير بينه وبين الذكر (2)، ولا وجه له.
# والمشهور بين الأصحاب في الذكر: أنه يسبح الله ويهلله ويكبره.
# وقيل: بالذكر والتكبير.
# وقيل: بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير (3).
# وقيل: ما يقوله في الأخيرتين (4).
# وقد عرفت الرواية (5)، وفي أكثر الأقوال روايات عامية رواها في الذكرى.
# وفي وجوب مساواة البدل للمبدل منه وجهان، أشهرهما الوجوب.
# ولو عجز عن الذكر أيضا فالمشهور أنه يكتفي بالترجمة، وفي قرب الإسناد
~~رواية تشير إليه (6).
# لكن اختلفوا في أنه هل يأتي بترجمة القرآن، أو بتر جمة الذكر مع عدم
~~القدرة عليهما والقدرة على ترجمتهما معا؟ ولعل ترجمة القرآن أولى.
# PageV02P505
# واحتمل في الذكرى تقديم ترجمة القراءة على الذكر لأنه أقرب (1). وتدفعه
~~الصحيحة المتقدمة.
# والأخرس يأتي بالممكن، ولا يجب عليه الائتمام، ووجهه ظاهر.
# والمشهور أنه يحرك لسانه بها (ويعقد بها) (2) قلبه.
# وعن بعض المتأخرين زيادة الإشارة باليد (3)، فروى الكليني عن السكوني عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " تلبية الأخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة
~~تحريك لسانه، وإشارته بإصبعه (4).
# السادس: لا يجوز قول " آمين " بعد الحمد في الصلاة مطلقا، بل ويبطلها،
~~وفاقا للمشهور.
# ويدل على ذلك - مضافا إلى الاجماع الذي نقله غير واحد ms0554 من أصحابنا على
~~التحريم والبطلان، منهم الشيخان (5) والمرتضى (6) كما صرح بذلك في الذكرى
~~أيضا، حيث قال: والمعتمد تحريمها وإبطال الصلاة بفعلها بقول الأكثر ودعوى
~~الاجماع من أكابر الأصحاب (7) - حسنة جميل لإبراهيم، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال: " إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد ففرغ من قراءتها فقل أنت:
~~الحمد لله رب العالمين، ولا تقل: آمين " (8).
# PageV02P506
# ورواية الحلبي - وفي طريقها محمد بن سنان - قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام:
# أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين؟ قال: " لا " (1) وذلك لأن النهي
~~حقيقة في الحرمة.
# وهذا اللفظ وإن كان خارجا من الصلاة، ولكن لا يبعد دعوى أنه يفهم من سياق
~~النهي في الخبر كون الصلاة التي هو فيها (غير مطلوبة للشارع) (2) سيما
~~بضميمة فتوى الأصحاب وفهمهم، فتكون فاسدة.
# ونقل عن ابن الجنيد: الجواز عقيب الحمد وغيرها (3)، وقواه بعض المتأخرين
~~(4)، لصحيحة جميل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الناس في
~~الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب آمين، قال: " ما أحسنها وأخفض الصوت "
~~(5).
# ولا يخفى أن متن الخبر مجمل، بل ربما يدل على خلاف المطلوب وإن بني على
~~ما أرادوه، فلا يتم الاستدلال به على الكراهة كما قالوه، لمنافاتها مع
~~التحسين، بل الأولى حمله على التقية، وتشهد له صحيحة معاوية بن وهب قال،
~~قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أقول " آمين " إذا قال الإمام: غير المغضوب
~~عليهم ولا الضالين؟ فقال: " هم اليهود والنصارى " ولم يجب في هذا (6)،
~~ووجهه ظاهر بناءا على أن يكون المرجع هو المغضوب عليهم ولا الضالين.
# وأما إن قلنا بأن المراد أن القائلين بذلك هم اليهود والنصارى فتحتمل
~~إرادة العامة بذلك.
# وتحتمل إرادة المعنى الحقيقي، كما رواه في دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد
# PageV02P507
# عليه السلام، قال: " إنما كانت النصارى تقولها " (1) وفسرها بذلك الصدوق
~~أيضا (2).
# وأما الجمع بحمل صحيحة جميل على الجماعة وغيرها على المنفرد ينفيه عدم
~~القول بالفصل.
# فالترجيح مع المشهور، لصراحة الخبرين، وتعاضدهما بالشهرة والإجماع
~~المستفيض واستصحاب شغل الذمة ومخالفة العامة.
# وهل الحكم في ms0555 كل الصلاة مثل القول بعد الحمد؟ الأقرب الابتناء في ذلك على
~~كونه من كلام الآدميين أو اسم فعل كما قاله بعضهم (3)، أو دعاء وليس باسم
~~فعل كما يظهر من المحقق الرضي في صه وغيره (4)، فعلى الأول يتجه البطلان،
~~والأولى تركه مطلقا.
# السابع: الأقرب عدم جواز القران بين السورتين في الصلاة بعد الحمد،
~~للإجماع، نقله السيد في الإنتصار (5) والصدوق في الأمالي (6)، والروايات
~~المستفيضة، مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال:
# سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة، فقال: " لا، لكل سورة ركعة "
~~(7).
# وفي رواية منصور المتقدمة في وجوب السورة (8)، وموثقة زرارة - لابن بكير
~~-
# PageV02P508
# قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقرن بين السورتين في
~~الركعة، قال: " إن لكل سورة حقا، فأعطها حقها من الركوع والسجود " (1)
~~الحديث.
# رواية عمر بن يزيد، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أقرأ سورتين في ركعة؟
# قال: " نعم " قلت: أليس يقال أعط كل سورة حقها من الركوع والسجود؟ فقال:
# " في الفريضة، فأما النافلة فليس به بأس " (2).
# وروي في مجمع البيان عن العياشي بإسناده عن الصادق عليه السلام، قال:
# " لا تجمع سورتين في ركعة واحدة، إلا الضحى وألم نشرح، وألم تر كيف
~~ولإيلاف قريش " (3).
# وفي الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام أيضا: " إن القران غير جائز في
~~الفريضة " (4).
# وفي المعتبر والمنتهى نقلا عن جامع البزنطي، عن الفضيل بن صالح، قال:
# سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لا تجمع بين سورتين في ركعة
~~واحدة، إلا الضحى وألم نشرح، والفيل ولإيلاف " (5).
# وفي بعض الأخبار أيضا تأييد (6).
# وذهب ابن إدريس (7) ومعظم المتأخرين إلى الكراهة (8)، للعمومات، وصحيحة
~~علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن القران بين السورتين في
# PageV02P509
# المكتوبة والنافلة، قال: " لا بأس " وعن تبعيض السورة، قال: " أكره، ولا
~~بأس به في النافلة " (1).
# موثقة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " إنما يكره أن يجمع بين
~~السورتين في الفريضة، وأما النافلة فلا بأس " (2).
# والعمومات مع تسليم شمولها لما نحن فيه مخصصة بما تقدم.
# والخبران ms0556 بعد تسليم ثبوت الحقيقة الشرعية في الكراهة ودلالتهما على
~~المطلوب من هذه الجهة لا يقاومان أدلة المشهور، سيما مع اشتمال الأول على
~~جواز التبعيض، وقد أثبتنا بطلانه. وكون الثاني موافقا للتفصيل المذكور في
~~رواية عمر بن يزيد (3)، فإن ظاهرها التحريم، ولكثرتها واعتبار سندها
~~وتعاضدها بالعمل والإجماع المنقول والطريقة المعهودة المستمرة من أهل بيت
~~العصمة إلى الآن إلى غير ذلك. بل لا بد من حملهما على التقية، وفيهما من
~~المقربات لهذا الحمل أيضا ما لا تخفى. مع ملاحظة أن عدمه كان من دين
~~الإمامية ومنفرداتهم كما قاله الصدوق (4) والسيد (5).
# وبالجملة براءة الذمة لا تحصل إلا بتركه.
# وقال الشهيد الثاني - رحمه الله - في المسالك: إن الكراهة إذا لم يعتقد
~~المشروعية، وإلا حرم قطعا (6).
# وكأنه أراد من المشروعية الاستحباب الخاص، وأما القائل بالحرمة والبطلان
~~فمراده الأعم من ذلك كما لا يخفى، وإلا فلا نزاع معنوي.
# PageV02P510
# ثم قال رحمه الله: ويتحقق القران بقراءة أزيد من سورة وإن لم يكمل
~~الثانية، بل بتكرار السورة الواحدة أو بعضها، مثل تكرار الحمد (1).
# والأقوى والأحوط مراعاة ذلك، سيما بالنظر إلى رواية منصور المتقدمة (2).
# وكيف كان فالعدول عن سورة إلى أخرى مخرج بدليل، فلا نقض.
# ثم إن محل الخلاف ينبغي أن يكون فيما إذا قارن السورة التي يقرأها بسورة
~~أخرى، وأما مثل قراءة سورة أو آية في القنوت وغيره فيشكل تعميم الحكم
~~بالنسبة إليه.
# بل قال السيد الفاضل في المدارك: وكيف كان فموضع الخلاف قراءة الزائد على
~~أنه جزء من القراءة المعتبرة في الصلاة، إذ الظاهر أنه لا خلاف في جواز
~~القنوت ببعض الآيات، وإجابة المسلم بلفظ القرآن، والإذن للمستأذن بقوله
~~ادخلوها بسلام، ونحو ذلك (3)، انتهى.
# وفي الموثق عن عبيد بن زرارة: أنه سأل الصادق عليه السلام عن ذكر السورة
~~من الكتاب يدعو بها في الصلاة مثل قل هو الله، فقال: " إذا كنت تدعو بها
~~فلا بأس " (4).
# والاحتياط ترك السورة الكاملة في غير محل النزاع أيضا، وإن كان الظاهر من
~~ذلك الموثق الجواز.
# وأما الآية والآيات فيه فلا أجد ms0557 بها بأسا، بل ولا عقيب السورة أيضا لو لم
~~نجعلها من تتمة القراءة ولو استحبابا أو بلا قصد، هذا كله للاستدلال على
~~الجواز والحرمة.
# PageV02P511
# وأما البطلان، فيمكن الاستدلال عليه بأنه غير آت بالمأمور به، فيبقى في
~~عهدة التكليف كما ذكره في المختلف (1)، وذلك لأن الذي ظهر من الأدلة أن
~~المطلوب هي الصلاة التي كان جزؤها سورة واحدة، وهذا غيره، بل النهي يتعلق
~~بهما، فإن الظاهر أن النهي يتعلق بقراءة السورتين لا بمحض وصف اثنينيتهما،
~~والسورة جزء الصلاة على ما حققناه، والنهي المتعلق بجزء العبادة مستلزم
~~لفسادها، وهذا فيما لو أراد أولا قراءة السورتين واضح.
# وأما لو طرأ قصد الأخرى بعد قراءة الأولى، فيمكن دعوى أنه يفهم منها أن
~~المطلوب هو صلاة لا يقرأ فيها سورة بعد سورة.
# واعلم أن الخلاف في هذه المسألة في الصلاة الواجبة، وأما المندوبة فلا
~~خلاف في الجواز، والأخبار بها متضافرة، لكن ورد في بعضها: " ما كان من صلاة
~~الليل فاقرأ بالسورتين والثلاث، وما كان من صلاة النهار فلا تقرأ إلا بسورة
~~سورة " (2).
# ولم أجد من الأصحاب مفصلا، ولعله يراد منه الاستحباب.
# تتميم:
# إعلم أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، وكذلك لإيلاف وألم تر كيف،
~~بالإجماع، نقله السيد في الانتصار (3)، ويظهر من الصدوق في الأمالي (4).
# وقال في الاستبصار: إن الضحى وألم نشرح سورة واحدة عند آل محمد صلى الله
~~عليه وآله (5)، ونسبه المحقق إلى روايات أصحابنا (6).
# PageV02P512
# ويظهر ذلك من أخبار كثيرة، منها ثلاثة أخبار نقلت عن كتاب القراءات لأحمد
~~بن محمد بن سيار في أنهما سورة واحدة (1)، وهو صريح الفقه الرضوي أيضا (2)،
~~وهو صريح الصدوق في الفقيه أيضا (3).
# روى العياشي، عن أبي العباس، عن أحدهما عليهما السلام، قال: " ألم تر كيف
~~فعل ربك ولإيلاف قريش سورة واحدة " (4).
# وروي أن أبي بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه، فتجوز قرأتهما معا في
~~الركعة الواحدة (5).
# ويدل على ذلك أيضا صحيحة زيد الشحام (6)، ورواية المفضل (7).
# والأقوى عدم سقوط البسملة بينهما، لثبوت ذلك في المصاحف، وعدم معهودية
~~خلاف ذلك، ولا ms0558 مانع من كونهما آيتين من سورة واحدة كسورة النمل، وللشيخ قول
~~بالسقوط قضية للاتحاد (8)، وهو مشكل.
# الثامن: لا تجوز قراءة إحدى العزائم الأربع في الفرائض عند أكثر أصحابنا،
~~بل ادعى عليه جماعة من أصحابنا الاجماع، منهم السيد (9)، والشيخ (10)،
~~والعلامة، قال في التذكرة: لا يجوز أن يقرأ في الفرائض شيئا من العزائم
~~الأربع عند علمائنا،
# PageV02P513
# خلافا للجمهور كافة (1).
# ويدل عليه مضافا إلى الاجماع قوية زرارة عن أحدهما عليهما السلام، قال:
# " لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة "
~~(2).
# وموثقة سماعة - وفي طريقها عثمان بن عيسى - قال: " من قرأ * (إقرأ باسم
~~ربك) * فإذا ختمها فليسجد، فإذا قام فليقرأ فاتحة الكتاب وليركع " قال: "
~~وإن ابتليت بها مع إمام لا يسجد فيجزئك الإيماء والركوع، ولا تقرأ في
~~الفريضة، اقرأ في التطوع " (3).
# ولأن فعل السجدة إن أوجبناه يورث الاختلال في كيفية العبادة التوقيفية،
~~ولا يحصل اليقين بالبراءة، وإن لم نوجبه يلزم خروج الواجب الفوري عن كونه
~~واجبا، ووجوبه فورا إجماعي كما قالوه (4).
# وقد يمنع شمول أدلة الفور لما نحن فيه. ويدفعه ظاهر الخبرين المتقدمين
~~وغيرهما.
# وقال ابن الجنيد: لو قرأ سورة من العزائم في النافلة سجد، وإن كان في
~~فريضة أومأ، فإذا فرغ قرأها وسجد (5).
# وأما الأخبار الدالة على الجواز مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما
~~عليهما السلام، قال: سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى يركع ويسجد،
~~قال: " يسجد إذا ذكر، إذا كانت من العزائم " (6) وحسنة الحلبي
# PageV02P514
# الآتية (1)، وصحيحة علي بن جعفر (2) وغيرها (3) فبعضها محمولة على
~~النافلة، وبعضها على التقية، ولهما فيها شواهد وقرائن واضحة.
# ولكن يستفاد مما رواه في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه
~~السلام، قال: سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم، أيركع بها أو
~~يسجد ثم يقوم فيقرأ بغيرها؟ قال: " يسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب
~~ويركع، ولا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة " (4) الكراهة، فحينئذ إما لا بد من
~~طرحها، أو وجود القول بالكراهة في العامة.
# وبالجملة لا يقاوم أدلة المشهور، ms0559 فموافقتها مذهب العامة ومخالفتها
~~للأصحاب وتركهم العمل عليها مع كثرتها وصحتها أعظم شاهد على عدم جواز العمل
~~على ظاهرها.
# وبعد البناء على ما حققناه من وجوب السورة الكاملة، وبطلان القران يتجه
~~القول ببطلان الصلاة، سواء تركنا موضع السجدة وقرأنا سورة أخرى أو لم نقرأ
~~أو لم نتركه وتركنا السجدة وقلنا بأن المنهي عنه هو الخارج، إذ لا تنفك
~~الصلاة عن تعلق النهي بها على حال.
# وهل تبطل الصلاة بمجرد الشروع، أو بقراءة السجدة؟ رجح أولهما الشهيد
~~الثاني (5) - رحمه الله - وهو كذلك، سيما على ما بنى عليه أمره في القران،
~~للزوم التعدد أو التبعيض أو الإكمال المنهي عنه، وكلها باطلة، مع أن الظاهر
~~من الأدلة هو عدم جواز قراءة أصل السورة، فيكون تكلما منهيا عنه، لعدم شمول
~~أدلة جواز قراءة
# PageV02P515
# القرآن لذلك، فتأمل.
# أو نقول: إن الظاهر من أمثال المقام أن الصلاة الكذائية ليست مطلوبة
~~للشارع، مضافا إلى استصحاب شغل الذمة.
# وأما موثقة عمار الدالة على الصحة (1)، وأنه يترك موضع السجدة أو يعود
~~إلى سورة أخرى إن أحب، فهي متضمنة لما أثبتنا عدمه من التبعيض والقران.
# ولو قرأها سهوا فالأقرب العدول وإن جاوز النصف لعدم إتيانه بالمأمور به
~~بدونه.
# وأما ما يدل على عدم جواز العدول إن جاوز النصف فمع تسليمه غير ثابت فيما
~~نحن فيه، وستعرف، وربما كان في الموثق المتقدم تأييد لذلك.
# أما لو أتمها سهوا، ففيها أقوال، قيل: يومئ ويقضي بعد الصلاة (2).
# وقيل: يتخير بينهما (3).
# وقيل: يمضي ويقضي (4).
# ولا يظهر لواحد منها وجه وجيه.
# ومقتضى الأدلة فورية السجود.
# ولعله يكون الاحتياط في السجود وإتمام الصلاة والإعادة، بل وقضاء السجود
~~أيضا على احتمال، وذلك لأن الأخبار وإن كان يظهر من بعضها السجود في
~~الأثناء، ومن بعضها الإيماء، لكنها متشابهة جدا، لعدم ظهور الحكم فيها إلا
~~من جهة التقية، وإن لم نبن الأمر فيها على التقية أو النافلة لكنا قلنا
~~بجوازه في الفريضة عمدا أيضا، فإذا سقطت الأخبار من الدلالة على ما نحن فيه
~~تبقى الأصول والأدلة.
# PageV02P516
# ولعل ما ذكرنا ms0560 هو طريقة الجمع والاحتياط والله يعلم.
# ولعلك بعد خبرتك بما ذكرنا فيمن أتم السورة سهوا تحيط خبرا بحال من قرأ
~~السجدة فيها سهوا وإن لم يتم بعد.
# أما لو لم يتفطن للسجدة وأتم السورة سهوا ثم تذكر وقد انقضت آنات فالحق
~~أن المسألة تبتني على أن الوجوب ينتفي بانتفاء الفور أم لا، هذا حال
~~الفرائض.
# وأما النوافل فلم أقف في جواز قرائتها فيها على مخالف، ويعمل بما في
~~موثقة سماعة المتقدمة (1)، وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن
~~الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة، قال: " يسجد ثم يقوم فيقرأ فاتحة
~~الكتاب، ثم يركع ويسجد " (2) وربما قيل بزيادة سورة أو آية بعدها أيضا (3).
# هذا إذا كانت السجدة في آخر السورة، وإلا فيسجد ويقوم ويتم ما بقي ويركع.
# ولو نسي السجدة فيسجد حيث يتذكر، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (4).
# تتميم فيه فوائد:
# الأولى: لا خلاف بين الأصحاب في أن سجدات القرآن خمس عشرة: في الأعراف،
~~والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، وسورة مريم، والحج في موضعين، والفرقان،
~~والنمل، وألم تنزيل، وص، وحم فصلت، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ،
~~وادعى الاجماع عليه في الذكرى (5).
# وأربعة منها واجبة، وهي: ألم تنزيل، وحم فصلت، والنجم، واقرأ
# PageV02P517
# بالإجماع والأخبار (1).
# وموضع السجود عند الفراغ من الآية، لا عند التلفظ بلفظ السجدة.
# وما قيل: إن الشيخ قال في الخلاف: تكون السجدة في سورة فصلت عند قوله: *
~~(واسجدوا لله) * (2) (3) فهو توهم ظاهر كما بينه الشهيد في الذكرى (4)، بل
~~هي عند قوله: * (إياه تعبدون) * وادعى الشيخ عليه الاجماع (5) كما نقله
~~الشهيد (6)، بل قال في الذكرى: إنه لا لخلاف فيه بين المسلمين، إنما الخلاف
~~في تأخيرها إلى قوله: * (يسأمون) * فإن ابن عباس والثوري وأهل الكوفة
~~والشافعي يذهبون إليه (7).
# وعن الصدوق أنه قال: يستحب أن يسجد في كل سورة فيها سجدة (8)، فيدخل فيه
~~آل عمران عند قوله تعالى: * (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي) * (9)
~~وغيرها.
# وقد يقال: إنه يشعر به ما رواه الصدوق في العلل، عن جابر، عن الباقر عليه
~~السلام، قال: ms0561 " إن أبي عليه السلام ما ذكر لله نعمة إلا سجد، ولا قرأ آية
~~من كتاب الله عز وجل فيها سجدة إلا سجد " إلى أن قال: " فسمي السجاد لذلك "
~~(10) وهو كذلك. ولكن الاجماع الذي نقله الشهيد على الحصر يشكل معه الاعتماد
~~على هذا
# PageV02P518
# الإشعار مع ضعف الخبر.
# واختلفوا في وجوب السجدة على السامع من غير إصغاء، بعد اتفاقهم على
~~الوجوب على القارئ والمستمع، وادعى الشيخ الاجماع على عدم الوجوب (1)، وابن
~~إدريس على الوجوب (2).
# والأخبار مختلفة، فمما دل على الوجوب رواية أبي بصير القوية - لقاسم بن
~~محمد - عن علي بن أبي حمزة قال، قال: " إذا قرئ شئ من العزائم الأربع
~~فسمعتها فاسجد، وإن كنت على غير وضوء، وإن كنت جنبا، وإن كانت المرأة لا
~~تصلي " (3).
# وموثقة أبي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الطامث تسمع
~~السجدة، قال: " إن كانت من العزائم تسجد إذا سمعتها " (4).
# وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن الرجل
~~يعلم السورة من العزائم فتعاد عليه مرارا في المقعد الواحد، قال: " عليه أن
~~يسجد كلما سمعها، وعلى الذي يعلم أن يسجد " (5).
# وما رواه في السرائر عن نوادر البزنطي في الموثق لعبد الله بن المغيرة،
~~عن الوليد بن صبيح، عن الصادق عليه السلام، قال فيمن قرأ السجدة وعنده رجل
~~على غير وضوء، قال: " سجد إن كان من العزائم " (6).
# وعن علي بن رئاب، عن الحلبي، قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يقرأ
# PageV02P519
# الرجل السجدة وهو على غير وضوء؟ قال: " يسجد إذا كانت من العزائم " (1).
# وفي كتاب المسائل لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال:
~~سألته عن الرجل يكون في صلاة في جماعة فيقرأ انسان السجدة، كيف يصنع؟ قال:
~~" يومئ برأسه " (2) الحديث.
# ومما دل على العدم صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن رجل سمع السجدة تقرأ، قال: " لا يسجد إلا أن يكون منصتا لقراءته
~~مستمعا لها، أو يصلي بصلاته، وأما أن يكون يصلي ms0562 في ناحية وأنت تصلي في
~~ناحية أخرى فلا تسجد لما سمعت " (3) وتؤيده روايته في كتاب دعائم الاسلام
~~أيضا (4).
# ويمكن حمل المطلق على المقيد، وربما يحمل ما دل على عدم الوجوب على
~~التقية، لموافقته لمذهب العامة.
# والأقوى الوجوب، لأن صحيحة عبد الله بن سنان لا تخلو عن شئ في متنها
~~بالنظر إلى فتوى جمهور أصحابنا، وفي سندها محمد بن عيسى عن يونس، وفيه كلام
~~مشهور، فلا تصلح لتقييد سائر الأخبار، مع موافقتها للعامة.
# قال في الذكرى: ولا شك عندنا في استحبابه على تقدير عدم الوجوب، ثم قال:
~~أما غير العزائم فيستحب مطلقا، ويتأكد في حق التالي والمستمع (5).
# وهل تشترط الطهارة فيها أم لا؟ الأقرب العدم، للأصل، والأخبار المتقدمة.
# والروايات في خصوص الحائض متعارضة، منها رواية أبي بصير وموثقة
# PageV02P520
# أبي عبيدة المتقدمتين في الجواز، ومنها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله
~~(1) في العدم، والأظهر الوجوب، والأحوط عدم استماعها، والسجود مع السماع،
~~بل والقضاء بعد الطهر.
# وأما ستر العورة والطهارة من الخبث واستقبال القبلة، فقال في البحار: إن
~~ظاهر الأكثر أنه لا خلاف في عدم اشتراطها، ويظهر الخلاف فيها أيضا من
~~بعضهم، والأقوى عدمه (2)، وهو كذلك، للأصل، والإطلاق.
# وأما وضع غير الجبهة من أعضاء السجود، وكذلك وضع الجبهة على ما يصح
~~السجود عليه فاختلفوا فيه، وليس للطرفين ما يعتمد عليه، والأصل مع العدم،
~~والاحتياط مع الاشتراط.
# وفي كتاب دعائم الاسلام، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام، أنه قال:
~~" إذا قرأت السجدة وأنت جالس فاسجد متوجها إلى القبلة، وإذا قرأتها وأنت
~~راكب فاسجد حيث توجهت، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي على
~~راحلته وهو متوجه إلى المدينة بعد انصرافه من مكة " يعني النافلة قال: "
~~وفي ذلك قول الله تعالى: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) * (3) (4).
# وفي تفسير العياشي، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
# سألته عن رجل يقرأ السجدة وهو على ظهر دابته قال: " يسجد حيث توجهت، فإن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله ms0563 كان يصلي على ناقته النافلة وهو مستقبل
~~المدينة، يقول: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) * (5).
# PageV02P521
# وكيف كان فيجب وضع الجبهة على الأرض، فلو تمكن الراكب والماشي من ذلك وجب
~~عليه، وإلا فيومئ كما صرح به في المنتهى (1).
# والمعروف من الأصحاب بل نقل إجماعهم في المدارك على أنه ليس لها تكبير في
~~الافتتاح ولا تشهد ولا تسليم (2).
# نعم يستحب التكبير عند الرفع، لصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه
~~السلام (3)، ويظهر من بعض الأصحاب وجوبه (4)، وهو أحوط.
# ولا يجب الذكر فيها، بل يستحب، وقال الصدوق في الأمالي فيما وصفه من دين
~~الإمامية: وأما سجدة العزائم فيقال فيها: " لا إله إلا الله حقا حقا، لا
~~إله إلا الله إيمانا وتصديقا، لا إله إلا الله عبودية ورقا، سجدت لك يا رب
~~تعبدا ورقا، لا مستنكفا ولا مستكبرا، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير " قال:
~~ويكبر إذا رفع رأسه (5).
# وفي صحيحة أبي عبيدة الحذاء عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا قرأ أحدكم
~~السجدة من العزائم فليقل في سجوده: سجدت لك تعبدا ورقا، لا مستكبرا عن
~~عبادتك، ولا مستنكفا، ولا مستعظما، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير " (6).
# وفي بعض الروايات عن الصادق عليه السلام: " لا تكبر إذا سجدت، ولا إذا
~~قمت، وإذا سجدت قل ما تقول في السجود " (7) وهو المنقول عن
# PageV02P522
# ابن الجنيد (1)، ووردت في الروايات أذكار أخر (2)، والكل حسن.
# والأحوط أن ينوي السجود حين الهوي إليه، وقيل: وقته عند وضع الجبهة (3).
# ثم إن وجوب السجدة فوري، وادعوا عليه الاجماع (4)، ويرجع في الفور إلى
~~العرف، فإذا تخلف عنه بعد الفراغ من الآية بما ينافيه كان آثما ويأتي به
~~بعد ذلك كالحج، كما يستفاد من صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في قراءة
~~العزيمة في الفرائض. والأولى ترك نية القضاء والأداء، وكذلك المستحب.
# وتتعدد السجدة بتعدد السبب، سواء تخللت السجدة فيها أم لا، لأصالة عدم
~~التداخل كما حققناه في مباحث الأغسال، ولخصوص صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.
# التاسع: يجوز العدول من سورة إلى أخرى، سوى التوحيد والجحد، ms0564 فإنه يحرم
~~العدول عنهما، وادعى عليه السيد الاجماع في الانتصار (5)، وقيل: يكره فيهما
~~(6)، وليس بشئ.
# ولا فرق في الجواز فيما أراد أولا العدول إليها ونسيه، أو بدا له قراءتها
~~في الأثناء. وربما خص بالناسي، ولا وجه له.
# ويدل على مجموع ما قلنا روايات (7)، ففي صحيحة عمرو بن أبي نصر قال، قلت
~~لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يقوم في الصلاة فيريد أن يقرأ سورة فيقرأ
# PageV02P523
# * (قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون) * فقال: " يرجع من كل سورة إلا
~~من * (قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون) * (1).
# وفي صحيحة الحلبي - على تردد بسبب احتمال سقط في السند - قال، قلت لأبي
~~عبد الله عليه السلام: رجل قرأ في الغداة سورة قل هو الله أحد، قال:
# " لا بأس، ومن افتتح بسورة ثم بدا له أن يرجع في سورة غيرها فلا بأس إلا
~~قل هو الله أحد، فلا يرجع منها إلى غيرها، وكذلك قل يا أيها الكافرون (2).
# وموثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أراد أن
~~يقرأ في سورة فأخذ في أخرى، قال: " فليرجع إلى السورة الأولى إلا أن يقرأ
~~بقل هو الله أحد " (3).
# وفي موثقته الأخرى عنه عليه السلام: في الرجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ
~~غيرها، فقال: " له أن يرجع ما بينه وبين أن يقرأ ثلثيها " (4).
# ثم إن الأصحاب اختلفوا في موضع جواز العدول، فقيل: ما لم يتجاوز النصف
~~(5)، وقيل: ما لم يبلغه (6)، وليس في هذه الأخبار ما يدل صريحا على هذا
~~التفصيل، بل هي كما ترى مطلقة، والموثق المتقدم لا يدل على واحد منهما.
# نعم روى الشهيد في الذكرى، عن كتاب البزنطي، عن أبي العباس: في الرجل
~~يريد أن يقرأ السورة فيقرأ أخرى، قال: " يرجع إلى التي يريد وإن بلغ النصف
~~" (7).
# PageV02P524
# وفي قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن
~~الرجل أراد سورة فقرأ غيرها، هل يصلح له أن يقرأ نصفها ثم يرجع إلى السورة
~~التي أراد؟ قال: ms0565 " نعم ما لو لم يكن قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون "
~~(1).
# وتشعر عبارة الفقه الرضوي عليه السلام الآتية بمانعية قراءة النصف أيضا
~~عن العدول في الجملة (2).
# وقد يوجه ذلك بأنه أشبه بالقرآن، وأنه يتحقق بسورة وبمعظم أخرى.
# وفيه تأمل، ولعله يمكن أن يقال: إن المعهود من السورة في الصلاة والقدر
~~اليقيني المعتبر في كونها قراءة عقيب الحمد هو سورة كاملة لا غير، فالزيادة
~~خروج عن الأصل، وتقتصر فيه على موضع اليقين، والذي يظهر من أكثر الأخبار هو
~~الرجوع حين الافتتاح وحين الأخذ، وأمثال ذلك، وكذلك يظهر ذلك من لفظ
~~الرجوع، فإن الرجوع عن القراءة حقيقة في الرجوع عن مجموعها، ولما تعذرت
~~الحقيقة بعد الافتتاح فيحمل على أقرب المجازات، وهو ما كان الرجوع دون
~~النصف، ليبقى أزيد منه، فالذي يثبت من تلك الإطلاقات وينساق منها إلى الذهن
~~هو ذلك، والزائد خلاف الأصل فتأمل.
# وقد يوجه بتوجيهات لا طائل تحتها، ولعله كان إجماعيا بينهم، ولم يظهر لنا
~~بعد.
# وبالجملة الاحتياط يقتضي عدم التجاوز عن النصف بل ولا يبلغه.
# ثم إن حرمة العدول عن الجحد والتوحيد أيضا مخصص بالعدول إلى الجمعة
~~والمنافقين في ظهر الجمعة وصلاتها ما لم يتجاوز النصف أو لم يبلغه على
~~المشهور بين الأصحاب.
# PageV02P525
# وخالف في ذلك المحقق، حيث لم يجوز العدول فيهما (1)، وهو ظاهر المرتضى
~~حيث ادعى الاجماع ولم يستثن (2).
# والأقرب قول المشهور، للروايات المعتبرة، مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، قال: " إذا افتتحت صلاتك بقل هو الله أحد وأنت تريد أن
~~تقرأ غيرها فامض فيها ولا ترجع، إلا أن تكون في يوم الجمعة فإنك ترجع إلى
~~الجمعة والمنافقين منها " (3).
# وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: في الرجل يريد أن يقرأ
~~سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ قل هو الله أحد، قال: " يرجع إلى سورة الجمعة
~~" (4).
# وموثقة عبيد بن زرارة قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل صلى
~~الجمعة فأراد أن يقرأ سورة الجمعة فقرأ قل هو الله أحد، قال: " يعود إلى ms0566
~~سورة الجمعة " (5).
# وقال بعض المتأخرين: هذه الأخبار إنما تدل على جواز العدول لمن أراد سورة
~~الجمعة، وأما من آثر التوحيد والجحد على الجمعة فلا يثبت حكمه من هذه
~~الأخبار (6)، وهو كذلك، إلا أن يقال بعدم القول بالفصل. ويمكن الاستدلال
~~بعموم رواية قرب الإسناد (7).
# PageV02P526
# وبعضهم خصص الحكم بالناسي (1) وصحيحة الحلبي تدفعه، لأن الظاهر أن المراد
~~ب " أنت تريد " أي حال الافتتاح أو بعد الافتتاح، لأنه أقرب المجازات،
~~وكذلك رواية قرب الإسناد الآتية (2).
# والكلام في اعتبار النصف والتجاوز منه نظير ما تقدم.
# وفي الفقه الرضوي: " وتقرأ في صلاتك كلها يوم الجمعة وليلة الجمعة سورة
~~الجمعة والمنافقين وسبح اسم ربك الأعلى، وإن نسيتها أو في واحدة منها فلا
~~إعادة عليك، فإن ذكرتها من قبل أن تقرأ نصف سورة فارجع إلى سورة الجمعة،
~~وإن لم تذكرها إلا بعد ما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك " (3).
# ثم إن ما ذكرنا من التعميم بالنسبة إلى ظهر الجمعة وصلاتها لعله يستفاد
~~من الأخبار، وقد يقال بكون الجمعة مشتركا معنويا بينهما (4)، وهو غير ظاهر،
~~لأن إطلاق لفظ الجمعة على ظهرها وإن ورد في الأخبار، لكن الاستعمال أعم من
~~الحقيقية، بل هو مجاز.
# نعم المذكور في كثير منها يوم الجمعة، وهو أعم من صلاتها.
# وإخراج سائر أوقاتها من جهة عدم الفهم من ذلك، سيما بملاحظة تخصيص الحكم
~~في كثير منها بلفظ الجمعة، وهو ظاهر بل صريح في خروج سائر الأوقات.
# ولعل عدم الفرق بينهما يكون مما لا خلاف فيه كما يظهر من بعضهم (5).
# وبعضهم عمم بالنسبة إلى العصر (6)، وبعضهم إلى الأوقات الخمسة (7)،
# PageV02P527
# وهو مشكل، لضعف دلالة يوم الجمعة مع ما ذكرنا على ذلك، سيما مع قوة
~~عمومات التحريم، وكون العدول خلاف الأصل.
# ثم اعلم أن المذكور في الأخبار المذكورة هو التوحيد، ولعل الجحد يثبت
~~حكمه بعدم القول بالفصل، بل وربما تدعى الأولوية (1)، وفيه تأمل.
# نعم روى في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال:
# سألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ؟ قال: " بسورة الجمعة، وإذا ms0567 جاءك
~~المنافقون، وإن أخذت في غيرهما وإن كان قل هو الله أحد فاقطعها من أولها
~~وارجع إليها " (2) ودلالتها على المطلوب واضحة، مع اعتضادها بالشهرة بين
~~القدماء والمتأخرين.
# ثم اعلم أن الأصحاب صرحوا بجواز العدول إذا تعسر إتمام السورة أو نسي،
~~وهو كذلك، فروى معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق عليه السلام، قال:
# " من غلط في سورة فليقرأ قل هو الله أحد ثم ليركع " (3) وتعيين قل هو
~~الله أحد محمول على الاستحباب، لعدم قائل به.
# تتميم:
# الذي يقوى في نفسي أنه لا ضرورة إلى قصد تعيين السورة المخصوصة قبلها،
~~فلو قام إلى الصلاة وقرأ الحمد وسورة صح سواء جرى بلسانه بعد الحمد ذاهلا
~~أو قصدها حين الشروع فيها، وسواء كان قصد قبل الشروع فيها قراءة سورة مطلقة
~~أو شرع بلا قصد ذلك أيضا، للإطلاقات، وصدق الامتثال.
# وأما لو قصد سورة مخصوصة فسها فقرأ أخرى قاصدا لها أو ذاهلا ولا عن قصد،
~~فظاهر الحكم بجو از العدول دون الوجوب كما يستفاد من أكثر أخبار العدول
# PageV02P528
# المطلق بالنسبة إلى القصد والذهول في قراءة المعدول عنها ومن كلام
~~الأصحاب الصحة.
# وكذلك تقتضيه الإطلاقات وصحيحة الحلبي: في الرجل يقرأ في المكتوبة نصف
~~السورة، ثم ينسى فيأخذ في أخرى حتى يفرغ منها، ثم يذكر قبل أن يركع، قال: "
~~يركع ولا يضره " (1).
# وأما لو قصد ترك سورة فقرأها سهوا أو ذاهلا فقد يتوهم أنه لا يصح لعدم
~~إتيان هذه السورة بنية التقرب.
# وفيه ما لا يخفى، إذ عدم قصد التقرب بالسورة في الآن السابق لا ينافي
~~التقرب بها في الآن اللاحق، فإن الداعي على فعلها حينئذ هو التقرب إلى
~~الله، فليس السورة حينئذ خالية عن قصد التقرب. وإطلاق الصحيحة المتقدمة
~~أيضا يحقق الصحة.
# واعلم أن الاعتياد على السورة بحيث تجري على لسانه بلا قصد، أو تعينها
~~عليه بنذر وشبهه، أو كونها معينة في موضع كالحمد يقوم مقام القصد إليه،
~~فيكون الأمر فيها على ما اخترناه أظهر.
# وهل يشترط القصد في تعيين البسملة في أول السورة أم ms0568 لا؟ وحينئذ فإذا عدل
~~عن السورة إلى الأخرى فهل تجب إعادة البسملة أم لا؟.
# ذهب جماعة من الأصحاب إلى وجوب الإعادة، لصيرورتها بقصد تلك السورة
~~جزأها، فحينئذ لا يصير جزءا لسورة أخرى، فبدون الإعادة لا تتم السورة (2).
# ومنعه بعض المحققين، حيث قال: إنا لا نسلم أن للنية مدخلا في صيرورة
# PageV02P529
# البسملة جزءا (1).
# ولو قرأ البسملة بعد الحمد غير قاصد لسورة، أو قصد سورة ولم يشرع فيها،
~~فهل يصح الاكتفاء به بعد قصد سورة معينة أم لا؟ ظاهر بعض الأصحاب أنه يكتفى
~~(2).
# والحق عدم الاكتفاء في المقامين، وأنه يجب القصد إلى تعيين البسملة سواء
~~قلنا بأنها جزء من السورة كما هو المختار أو واجب على حدة.
# أما الأول فلأن الامتثال لا يتم إلا بالنية والقصد، وحيث كان القصد مميزا
~~للفعل فيجب، لحصول الامتثال، فإذا اشترك جزء السورة بين سور مختلفة فلا يتم
~~الامتثال إلا بقصد التعيين.
# فلنمثل لك بمثال ليتضح الأمر: وهو أنا إذا قرأنا في الصلاة سورة الفرقان
~~مثلا، فإذا بلغنا إلى قوله تعالى: * (الذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب
~~جهنم) * (3) إلى آخره فقلنا بقصد الدعاء بعد قوله تعالى: * (يقولون) * ربنا
~~اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما، لأجل استحباب التعوذ من النار حيث
~~ما تذكر في القرآن، ونسينا التكلم به أولا من جهة قراءة القرآن، فهل يحسب
~~هذا الكلام بعد التذكر من القراءة ويجوز الاكتفاء به، أو تجب الإعادة؟ فلا
~~ريب أن هذا الكلام مشترك بين الدعاء والقرآن، ولا تميز إلا بالقصد، وبدونه
~~لا يحصل الامتثال عرفا، وكذلك إذا اشترك اللفظ بين سورتين.
# وأما الثاني: فلأنه حينئذ يصير من باب الاستعاذة، ولا ريب أنا مأمورون
~~بذكر بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة، ولا يحصل الامتثال إلا بقصد
~~الامتثال، والامتثال هو موافقة الأمر، وكل أمر يقتضي امتثالا، إذ الأصل عدم
~~التداخل كما حققناه في كتاب الطهارة.
# PageV02P530
# وقياس ما نحن فيه بما لو كتب كاتب " بسم الله الرحمن الرحيم " بقصد سورة،
~~ثم كتب بعده سورة أخرى والقول بأنه ms0569 يقال له في العرف " أنه كتب سورة تامة "
~~باطل للفرق الواضح بين المقامين، لأن المقصود هنا النقش، وثمة التكلم، وهو
~~مأمور به.
# نعم إذا أمرنا الشارع بكتابة سورة، وعلمنا أن مراده ليس مجرد النقش، بل
~~ما نقرأه في الصلاة، فلا يبعد القول بعدم الامتثال حينئذ أيضا. وكذلك لو
~~كان لمصاحبة بعض السور خاصية، فلا يكتفى فيه بالبسملة المقصودة بها غيرها.
~~ومما ذكرنا لعله يظهر حال أوائل السور المشتركة بين سور، كحم وألم والحمد
~~لله وغيرها.
# العاشر: المشهور بين الأصحاب وجوب الجهر بالحمد والسورة في الصبح، وفي
~~الأوليين من المغرب والعشاء، والاخفات في الظهرين وتتمة المغرب والعشاء،
~~وادعى عليه الشيخ الاجماع (1) وكذا ابن زهرة (2)، والسيد - رحمه الله - على
~~أنه من السنن الأكيدة (3).
# ونقل الاستحباب عن ابن الجنيد أيضا (4).
# والأول أقرب، للاجماع المتقدم، ولصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام قال،
~~قلت له: رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغي أن يجهر فيه، أو أخفى فيما لا
~~ينبغي الاخفات فيه، فقال: " أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته، وعليه
~~الإعادة، وإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه، فقد تمت
~~صلاته " (5).
# PageV02P531
# وصحيحته الأخرى عنه عليه السلام، قلت: رجل جهر فيما لا ينبغي الجهر فيه،
~~وأخفى فيما لا ينبغي الاخفات فيه، وترك القراءة فيما ينبغي القراءة فيه،
~~فقال:
# " أي ذلك فعل ناسيا فلا شئ عليه " (1).
# وما رواه الصدوق، عن الفضل بن شاذان في علة الجهر والاخفات، عن الرضا
~~عليه السلام: " علة الجهر في صلاة الجمعة والمغرب العلة التي جعل من أجلها
~~الجهر في بعض الصلوات دون بعض، أن الصلاة التي يجهر فيها إنما هي في أوقات
~~مظلمة، فوجب أن يجهر فيها ليعلم المار أن هناك جماعة " (2) وفي معناها
~~رواية أخرى في هذا المقام (3).
# وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: " وأما الصلاة التي تجهر فيها فإنما أمر
~~بالجهر لينصت من خلفه، فإن سمعت فانصت، وإن لم تسمع فاقرأ " (4).
# والمؤيدات والمقربات لهذا المطلب في الأخبار من الكثرة بمكان فلاحظ
~~وتأمل.
# يدل عليه أيضا: ms0570 استمرار تلك الطريقة في زمن النبي صلى الله عليه وآله
~~والأئمة، والتزامهم إياها بحيث لا يجوزون تركها.
# واستدل الخصم بصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال:
# سألته عن الرجل يصلي من الفرائض ما يجهر فيه بالقراءة، هل عليه أن لا
~~يجهر؟
# قال: " إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر " (5).
# PageV02P532
# بقوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) (1)
~~إذ المراد ليس نفي الحقيقة، للزوم المحال، فالمراد الجهر العالي والاخفات
~~الذي يكون بحيث لا تسمع الأذن كما يظهر من الأخبار (2)، وهذا القدر مشترك
~~بين الجهر والاخفات، ويثبت حكمهما في الصلوات كلها للاطلاق.
# وقد يؤيد أيضا بصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام: عن الذي لا
~~يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته، قال: " لا صلاة له، إلا أن يقرأ بها في جهر أو
~~إخفات " (3).
# والجواب عن الأولى: أنها محمولة على التقية، لموافقتها لمذهب العامة، كما
~~ذكره الشيخ رحمه الله (4).
# وأما ما يقال من أنه تحكم منه، لوجود القائل به من أصحابنا، فليس بشئ،
~~لأنه لا يلزم في الحمل على التقية أن يكون الحكم إجماعيا عند الأصحاب حتى
~~يحمل خلافه على التقية.
# وما حمله - رحمه الله - حمل واضح، سيما مع ملاحظة أن خبر القول الثاني عن
~~الكاظم عليه السلام، والأولة (5) عن الباقر عليه السلام، وهو أبعد من
~~التقية كما هو معلوم من حالهما.
# أما الآية فغاية الأمر أنه يثبت وجوب ابتغاء الأواسط، فيكون اختيار أفراد
~~الأواسط وجوبا تخييريا، ودلالتها على ذلك بالنسبة إلى الصلوات (6) كلها
# PageV02P533
# متساوية، فحاصلها أنه يعمل بالأواسط في كل الصلوات (1) وجوبا بعنوان
~~التخيير، وذلك ينفي القول باستحباب الجهر فيما يجهر فيه، والاخفات فيما
~~يخافت فيه، بل الكل في ذلك سواء، وإنما المدار في التفرقة حينئذ على
~~الخارج، والذي وجد في الخارج هو اتفاق الأصحاب على التفصيل المذكور في مطلق
~~الرجحان، فيؤول الكلام إلى دعوى أن الرجحان هل هو بعنوان الوجوب أو
~~الاستحباب، فالخصم ينفي الزيادة بالأصل، لانكار الاجماع على أزيد من مطلق
~~الرجحان، ونحن ms0571 نثبته بالأدلة التي ذكرناها، والمعارض لا يقاومها،
~~لأكثريتها، وأشهريتها، واعتضادها بالعمل والاجماع ومخالفة العامة إلى غير
~~ذلك من المرجحات.
# وحاصل التحقيق: أن مبنى الخصم إما على أن الآية مسبوقة بتعين الجهر
~~والاخفات في مواضعهما ورجحانهما بالأدلة الخارجية أولا.
# أما على الأول فلا يخفى أنه لا يصح حينئذ بناء الآية على التحديد الجديد،
~~بل يكون معاضدا للبناء السابق، وحينئذ فيجب حملها على ما يناسب المقامين.
# فالمراد حينئذ والله أعلم: لا بد أن يكون غاية، لا يجهر غاية الجهر، أي
~~فيما يجهر به، فإنه لا مجال للاخفات فيه، لكونه خلاف المبني عليه، ولا
~~تخافت غاية الاخفات بحيث لا تسمع نفسك فيما تخافت فيه، لأنه لا مجال للجهر
~~فيما يخافت فيه لما ذكرنا، فحينئذ تكون الآية لتحديد حال كل من المقامين،
~~لا لتحديد أصل الحكم، فافهم.
# وكأن ما ذكرنا هو الظاهر من الآية، وحينئذ لا دلالة في الآية على
~~المطلوب.
# ويرجع الكلام في النزاع في أصل التحديد والترجيح معنا كما ذكرنا.
# وأما على الثاني، فمع تسليم ذلك وأن الظاهر ليس كما ذكرنا فيخصص عموم
~~الآية ويقيد مطلقها بما ذكرنا من الأدلة، فإن الصلاة في الآية مطلقة،
# PageV02P534
# وكذلك السبيل.
# فهذه الأدلة قرينة على أنه ليس المراد أنك ابتغ في أي صلاة أردت أي سبيل
~~شئت من سبل الأواسط، بل ابتغ في كل صلاة مخصوصة منها سبيلا مخصوصا من
~~الأواسط.
# وتظهر تلك الخصوصيات من إجماع الأصحاب والأخبار والأدلة التي ذكرنا
~~وبعنوان الوجوب أيضا موافقة للآية، إذ تخصيص القرآن وتقييده بمثل هذا الخبر
~~الواحد المعتضد بما ذكرنا لا مجال للتأمل في جوازه.
# والموافقة للكتاب وإن كانت من المرجحات، لكن هذه الموافقة المجملة - سيما
~~مع وجود أقوى منها من المرجحات ما هو من الكثرة بمكان للمذهب المنصور - لا
~~يعتمد عليها.
# بل لعله يمكن أن نقول: إن تلك الأدلة مبينة لمجمل (1) الآية، وبيان الآية
~~بالنص والاجماع أيضا كأنه مما لا خلاف فيه.
# بالجملة فالترجيح مع وجوب التفصيل. وفي هذا المقام أبحاث أخر طويناها على
~~غرها تركا للاكثار.
# ويظهر ms0572 من جماعة من الأصحاب أن الجهر أن يسمع غيره القريب تحقيقا أو
~~تقديرا. والاخفات أن يسمع نفسه كذلك، وادعى الفاضلان على ذلك الاجماع (2).
# ويظهر من جماعة منهم مع ذلك اعتبار صدق العرف وظهور جوهر الصوت في
~~الاخفات، فرب إخفات يسمع القريب، ورب جهر لا يسمعه (3)، وهو المعتمد.
# PageV02P535
# ويدل على اعتبار إسماع نفسه في الاخفات مضافا إلى عدم صدق الاخفات عرفا
~~باعتبار عدم صدق الكلام ظاهرا، ظاهر الآية، بناءا على التفسير المستفاد من
~~الأخبار، ويظهر من بعض الأخبار أيضا (1).
# والذي يقوى في نفسي هو اعتبار الأمرين معا، أما اعتبار العرف فظاهر، وأما
~~اعتبار الاسماع فللإجماع الذي نقله الفاضلان، ولاستصحاب شغل الذمة.
# وما ورد في بعض الأخبار الصحيحة وغيرها " من جواز الاكتفاء بمثل حديث
~~النفس وبأن يتحرك لسانه في لهواته من غير أن يسمع نفسه " (2) فقد حملها
~~الشيخ على من يصلي خلف من لا يقتدى به (3)، وهو صريح صحيحة علي بن يقطين
~~(4).
# وأما ما ورد في الصحيح من الاكتفاء بسماع الهمهمة إذا كان على فيه ثوب
~~(5)، فهو إما محمول على الاضطرار، أو أن المراد بالهمهمة الصوت الضعيف كما
~~في القاموس (6).
# ثم ههنا فوائد:
# الأولى: لا يجب الجهر على النساء في مواضع الجهر، لاجماع العلماء، نقله
~~الفاضلان (7) والشهيدان (8)، هكذا خصص الكلام كثير من الأصحاب (9).
# PageV02P536
# والحق عدم وجوب الاخفات عليهن أيضا في مواضعه، للأصل، وعدم ظهور حكمهن من
~~الأدلة، للاطلاقات، ولاختصاص حكم الاخفات في الأخبار بالرجل، أو عدم فهم
~~حكم المرأة منها.
# وتشير إلى ذلك العلة المذكورة في نفي وجوب الجهر عليهن من كون صوتهن
~~عورة، وهو منتف مع عدم سماع الأجنبي كما ذكر في الذكرى (1)، والأصل عدم
~~الاشتراك، فتكون مختارة.
# والأحوط الاخفات ههنا، للاشكال في كون الأصل عدم الاشتراك، بل الظاهر
~~الاشتراك إلا ما خرج بالدليل، لا لشمول الخطاب والحكم الوارد في الخصوصيات،
~~بل للاجماع المنقول على اشتراك المكلفين حاضرهم وغائبهم، ذكرهم وأنثاهم في
~~التكاليف، إلا ما علم اختصاصه بفرقة دون فرقة، كأحكام الحيض والنفاس،
~~وأحكام اللواط والخصيان ونحو ذلك. إذ القول بلزوم ms0573 تحمل إثبات الاجماع في
~~خصوصيات كل ما ورد فيه خبر أو غيره في خصوص الرجل أو المرأة على إثبات
~~الحكم لغيره كلفة لا يمكن التصدي لها. ودعوى ذلك تعسف.
# ويشهد لما ذكرنا تعرضهم هنا لنقل الاجماع على المخالفة وبيان الدليل،
~~وإلا فليس في الأخبار ما يوهم الاشتراك ظاهرا.
# وقيد الأصحاب جواز الجهر بعدم إسماع الأجنبي، وفيه كلام، للتأمل في كون
~~الصوت عورة، وبعض الأخبار المروية في الفقيه في باب المناهي المانع عن
~~التكلم مع الأجنبي بأزيد من خمس كلمات (2) مع ضعفها غير دالة على حرمة مطلق
~~إسماع صوتها.
# وكذلك ما دل على النهي عن السلام عليهن سيما مع ملاحظة حسنة ربعي الواردة
~~في كراهة أمير المؤمنين عليه السلام السلام على الشابة منهن، معللا بخوف
# PageV02P537
# الوقوع في الإثم بسبب التلذذ (1).
# وبعد تسليم الحرمة فلا دليل على البطلان من جهة مثل هذه الحرمة.
# ويظهر من ذلك عدم ثبوت حرمة سماع الأجنبي أيضا إلا مع خوف الريبة
~~والتلذذ.
# الثانية: لو خافت في موضع الجهر أو عكس جاهلا أو ناسيا فلا إعادة، وهذا
~~مذهب الأصحاب، قاله في المدارك (2). وتدل عليه صحيحتا زرارة المتقدمتان
~~(3).
# ويظهر منهما أيضا أنه لا يجب التدارك وإن كان قبل الركوع، وهو كذلك.
# الثالثة: المشهور استحباب الجهر في باقي الأذكار للإمام وكراهته للمأموم،
~~والتخيير للمنفرد.
# ويستفاد ما ذكر من الأخبار مثل صحيحة علي بن جعفر: عن الرجل له أن يجهر
~~بالتشهد والقول في الركوع والسجود والقنوت؟ قال: " إن شاء جهر، وإن شاء لم
~~يجهر " (4) وفي معناها صحيحة علي بن يقطين (5).
# وصحيحة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " ينبغي للإمام أن يسمع من
~~خلفه كلما يقول، ولا ينبغي لمن خلف الإمام أن يسمعه شيئا مما يقول (6).
# وصحيحة حفص بن البختري عنه عليه السلام، قال: " ينبغي للإمام أن يسمع من
~~خلفه التشهد، ولا يسمعونه شيئا " (7).
# PageV02P538
# ولا بد من حمل الصحيحين الأولين إما على نفي الوجوب، أو على المنفرد.
# وقيل باستحباب الجهر في القنوت مطلقا (1)، لصحيحة زرارة: " القنوت كله
~~جهار " (2) وقد يحمل على ms0574 غير المأموم. وقد يقال بالتخيير له، لأن بين
~~العمومين تعارضا من وجه، وسيأتي الخلاف في بعضها.
# الرابعة: قيل: حكم القضاء حكم الأداء في وجوب اعتبار الجهر والاخفات (3)،
~~والظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب.
# لحادي عشر: المشهور استحباب الجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) فيما
~~يخافت به مطلقا، وابن الجنيد على اختصاصه بالإمام (4)، وابن إدريس
~~بالركعتين الأوليين، وادعى الاجماع على وجوب الاخفات في غيرهما (5)، وأبو
~~الصلاح على الوجوب فيهما (6)، وابن البراج على الوجوب مطلقا (7)، والأول
~~أقرب.
# لنا: الأصل، وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: عمن يقرأ (بسم
~~الله الرحمن الرحيم) حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب، قال: " نعم، إن شاء سرا،
~~وإن شاء جهرا " (8).
# وما رواه الشيخ في المصباح عن أبي الحسن الثالث عليه السلام: " من أن
~~علامات المؤمن خمس: صلاة الإحدى والخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم
# PageV02P539
# باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (1).
# وما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته التي يشكو فيها من الناس:
# " لو أمرتهم بالجهر ببسم الله الرحمن الرحيم لتفرقوا عني " نقله الكليني
~~في الروضة (2).
# وقال ابن أبي عقيل: تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام " أن لا تقية في
~~الجهر بالبسملة " (3).
# بل قال الصدوق في الأمالي: من دين الإمامية الاقرار بأنه يجب الجهر
~~بالبسملة عند افتتاح الفاتحة، وعند افتتاح السورة وبعدها (4).
# وفي العيون: أنه كتب إلى المأمون: " من محض الاسلام الاجهار ببسم الله
~~الرحمن الرحيم في جميع الصلوات " (5).
# وروي عن كشف الغمة عن جابر، قال: " أجمع آل الرسول عليهم السلام على
~~الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأن لا يمسحوا على الخفين " (6).
# ونقل عن ا بن خالويه، أن هذا مذهب الشيعة ومذهب أهل البيت (7)، وهو
~~المنقول من فعل الرضا عليه السلام في جميع صلواته بالليل والنهار نقله في
~~العيون (8).
# والأخبار الدالة على جهر الإمام في الأوليين وعلى رجحانه في الجملة
~~كثيرة،
# PageV02P540
# ولكنها لا تنافي مطلق الرجحان أصلا، فلاحظ.
# ولابن الجنيد: أن الأصل وجوب الاخفات لكونها جزء الحمد، خرج الإمام بالنص
~~والاجماع، فبقي الباقي.
# وفيه أولا: أن ms0575 الأصل عدمه، لعدم شمول الأدلة لها كما هو ظاهر، وعلى فرض
~~التسليم فهو مخصص بما ذكرنا.
# ولابن إدريس: أن الأصل في ذلك التأسي، ولم يثبت في غير الأوليين، لعدم
~~معلومية أنهم يقرؤن الحمد أو يسبحون.
# ويدفعه ما ذكرنا من الأدلة.
# وللموجبين للجهر: التزامهم عليهم السلام ذلك وعدم الاخلال.
# والجواب منع الدلالة، والمعارضة بما هو أقوى منه.
# والتفصيل بين قوليهما يظهر من ملاحظة دليل ابن إدريس فتدبر، هكذا نقل
~~عنهم الاستدلال (1).
# ويمكن الاستدلال عليه، بما ذكره الصدوق وظواهر بعض ما أسلفناه، والأحوط
~~الالتزام بالجهر بها مطلقا.
# الثاني عشر: المشهور استحباب الجهر بالقراءة في ظهر الجمعة.
# ويدل على استحبابه في صلاة الجمعة، مضافا إلى الاجماع المنقول، ما يجئ من
~~الخبرين (2).
# وعلى استحبابه في الظهر صحيحة الحلبي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه
~~السلام وسئل عن الرجل يصلي الجمعة أربعة ركعات، أيجهر فيها بالقراءة؟
# PageV02P541
# قال: " نعم، والقنوت في الثانية " (1).
# وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال لنا: " صلوا
~~في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة، واجهروا بالقراءة " فقلت: إنه ينكر
~~علينا الجهر بها في السفر، فقال: " اجهروا بها " (2).
# وحسنة الحلبي عنه عليه السلام: عن القراءة في الجمعة إذا صليت وحدي أربعا
~~أجهر القراءة؟ فقال: " نعم " وقال: " اقرأ بسورة الجمعة والمنافقين يوم
~~الجمعة وغيرها " (3).
# ورواية محمد بن مروان عنه عليه السلام: عن صلاة الظهر يوم الجمعة كيف
~~يصليها في السفر؟ فقال: " يصليها في السفر ركعتين، والقراءة فيها جهرا "
~~(4).
# وقال ابن إدريس: يستحب الجهر بالظهر إن صليت جماعة (5)، وتدفعه الأدلة
~~المتقدمة.
# وقيل: بعدم جواز الجهر بالظهر مطلقا (6)، ومال إليه المحقق في المعتبر
~~(7)، مستدلا عليه بصحيحة ابن مسلم قال: سألته عن صلاة الجمعة في السفر،
~~فقال:
# " يصنعون كما يصنعون في الظهر، ولا يجهر الإمام فيها بالقراءة، وإنما
~~يجهر
# PageV02P542
# إذا كانت خطبة " (1).
# وصحيحة جميل عن الجماعة يوم الجمعة في السفر قال: " يصنعون كما يصنعون في
~~غير يوم الجمعة في الظهر، ولا يجهر الإمام، إنما يجهر إذا كانت خطبة " (").
# وحملهما الشيخ على حال ms0576 التقية والخوف (3).
# وقال الفاضل المجلسي - رحمه الله - في شرح الفقيه: والاحتياط في الاخفات
~~في الظهر، وإن كان الأظهر جواز الجهر فيها (4)، وهو كذلك.
# الثالث عشر: ويستحب أن يستعيذ قبل القراءة في الركعة الأولى من كل صلاة
~~للآية (5)، وحسنة الحلبي (6)، منضما إلى الاجماع.
# قال في الذكرى: لا تتكرر الاستعاذة عندنا وعند الأكثر، ولو نسيها في
~~الأولى لم يأت بها في الثانية (7).
# وذهب أبو علي ابن الشيخ إلى وجوبها (8)، ويدفعه الاجماع الذي نقله الشيخ
~~في الخلاف (9)، وهو ظاهر الطبرسي في مجمع البيان (10).
# وفي رواية فرات بن أحنف عن أبي جعفر عليه السلام: " فإذا قرأت بسم الله
# PageV02P543
# الرحمن الرحيم، فلا تبالي أن لا تستعيذ " (١).
# ولها صور كثيرة منقولة عن القراء ومن أهل البيت عليهم السلام، والمشهور
~~منها صورتان: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " رواه في الذكرى عن أبي سعيد
~~الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقوله قبل القراءة (٢).
# و " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " رواه الشهيد عن جامع
~~البزنطي في رواية معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام (٣).
# ويستحب الاسرار بها، للاجماع المنقول في الخلاف (٤) وإشعار صحيحة صفوان
~~به (٥).
# وأما رواية حنان بن سدير الدالة على جهر الصادق عليه السلام بها (٦)
~~فمحمولة على بيان الجواز.
# الرابع عشر: يستحب ترتيل القراءة للاجماع، ولقوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ (7)، وقد فسره
~~أهل اللغة بالترسل والتأني والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر
~~المرتل، وهو المشبه بنور الأقحوان (8).
# وفسر في الأخبار بما رواه ابن سنان عن الصادق عليه السلام في تفسيره قال،
# PageV02P544
# قال أمير المؤمنين عليه السلام: " بينه تبيينا، ولا تهذه هذ الشعر، ولا
~~تنثره نثر الرمل، ولكن اقرعوا قلوبكم القاسية، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة
~~" (١).
# وقال عليه السلام أيضا على ما روي عنه في تفسيره: " إنه حفظ الوقوف وبيان
~~الحروف " (٢).
# وقد مر ما ينفعك ذكراه فيما يجب من القراءة من مراعاة الصفات، وأن
~~المستحب من تبيين الحروف هو ماذا.
# فإن أردنا من التأني والترسل وتبيين الحروف وحفظ ms0577 الوقوف هو أداء الحروف
~~عن المخارج بحيث لا يدمج أحدها في الآخر ولا يتميز (٣)، وأن لا يقف على
~~الحركة، ولا يصل بالسكون، فهو واجب، لاتفاق القراء وأهل العربية على ذلك،
~~كما صرح به بعض المحققين (٤)، فالخروج عن مقتضاه خروج عن اللغة العربية،
~~فحينئذ تتطابق الآية والأخبار، ويبقى الأمر في الآية منزل على حقيقته وهو
~~الوجوب.
# وإن أريد به ما اعتبره القراء من ملاحظة صفات الحروف من الجهر والاطباق
~~والاستعلاء وغيرها، والوقف على مواضعها على ما قرروه، فيحمل الأمر على
~~الاستحباب أو على القدر المشترك.
# وقد يستشكل في استحباب مراعاة ما اصطلحوا عليه، لكونها متجددة بعد زمان
~~أمير المؤمنين عليه السلام، وإنما نشأ ذلك من أفهامهم في التفاسير، ولذلك
~~منعوا عليهم السلام عن الوقف في بعض المواضع الذي ألزموا فيه الوقف (٥)،
~~مثل قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا
~~الله﴾ (6).
# PageV02P545
# ويمكن دفعه بما ورد عنهم عليهم السلام: " اقرؤا كما يقرؤن إلى زمان
~~القائم " (1) في غير ما ورد مخالفته بالخصوص عنهم عليهم السلام، وللخبر،
~~قال: " ينبغي للعبد إذا صلى أن يرتل في قراءته، فإذا مر بآية فيها ذكر
~~الجنة وذكر النار، سأل الله الجنة، وتعوذ بالله من النار " (2).
# ويستحب أن يقف على مواضعه المقررة عند القراء، فيقف على التام، ثم الحسن،
~~ثم الجائز، وعلل بحصول فائدة الاستماع (3)، إذ به يسهل الفهم ويحصل النظم.
# وقيل: ليس ترك الوقف في موضع قبيحا، ولا فعله واجبا عند القراء أيضا، بل
~~ذلك إنما هو اصطلاح لهم، ولا يعنون المعنى الشرعي كما صرح به محققوهم (4).
# وقد ورد في الصحيح: جواز قراءة الفاتحة والسورة في النفس الواحد (5).
# وفي بعض الأخبار: كراهة قراءة قل هو الله أحد بنفس واحد (6).
# ويستحب أن يسكت هنيئة عقيب السورة كما في صحيحة حماد (7).
# ويستفاد من بعض الأخبار نقلا عن أبي بن كعب: أنه كان لرسول الله صلى الله
~~عليه وآله سكتتان: إذا فرغ من أم القرآن، وإذا فرغ من السورة (8).
# ويستحب أن يقرأ عقيب الآيات بما اقتضاه المأثور. ms0578
# PageV02P546
# الخامس عشر: تستحب قراءة سورة بعد الحمد في النوافل بإجماع العلماء قاله
~~في المعتبر (1)، وقد مر جواز القران فيها، وتفصيل اليومية والليلية، ولا حد
~~لتعدادها، بل قال عليه السلام في رواية: " لا بأس أن تجمع في النافلة من
~~السور ما شئت " (2).
# ويستحب الاجهار بها في الليل والاسرار بها في النهار، وهو قول علمائنا
~~أجمع، قاله في المعتبر (3)، وتدل عليه أيضا مرسلة ابن فضال: " السنة في
~~صلاة النهار الاخفات، والسنة في صلاة الليل الاجهار " (4).
# والمشهور استحباب القراءة في الصلاة بسور المفصل، وهو من سورة محمد إلى
~~آخر القرآن، ومطولاته في الصبح، وهي من الأول إلى سورة عم، ومتوسطاته في
~~العشاء، وهي منها إلى الضحى، وقصاره في الظهرين والمغرب، وهي منها إلى آخر
~~القرآن، وليس في النصوص تصريح بذلك، نعم رواه الجمهور عن عمر (5).
# وعن كتاب الدعائم منسوبا إلى جعفر بن محمد عليه السلام، قال: " ولا بأس
~~أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل، وفي الظهر والعشاء الآخرة بأوساطه، وفي
~~العصر والمغرب بقصاره (6).
# وفي صحيحة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: القراءة في
~~الصلاة فيها شئ موقت؟ قال: " لا، إلا الجمعة يقرأ بالجمعة والمنافقين "
~~فقلت له:
# فأي السور تقرأ في الصلاة؟ قال: " أما الظهر والعشاء الآخرة يقرأ فيهما
~~سواء،
# PageV02P547
# والعصر والمغرب سواء، وأما الغداة فأطول، وأما الظهر والعشاء الآخرة فسبح
~~اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها ونحوهما، وأما العصر والمغرب فإذا جاء نصر
~~الله وألهاكم التكاثر ونحوهما، وأما الغداة فعم يتساءلون، وهل أتاك حديث
~~الغاشية، ولا أقسم بيوم القيامة، وهل أتى على الانسان حين من الدهر " (1).
# وفي رواية أخرى: " في الغداة تقرأ بعم، وهل أتاك، ولا أقسم بيوم القيامة
~~وشبهها، والظهر بسبح اسم، والشمس، وهل أتاك وشبهها، والمغرب بقل هو الله
~~أحد، وإذا جاء نصر الله، والعشاء بنحو الظهر، والعصر بنحو المغرب، وأنه كان
~~رسول الله صلى الله عليه وآله يفعل كذا " (2).
# وهذان التفصيلان وإن كانا يتفاوتان بالنسبة إلى المشهور، لكنه ليس بذلك
~~التفاوت، ولا بأس بذلك كله. وضعف المستند ms0579 لا يضر مع الانجبار بالشهرة.
# وقد روى ابن أذينة في الحسن كالصحيح عن الصادق عليه السلام في حديث
~~المعراج ما يدل على قراءة التوحيد في الأولى والقدر في الثانية من جميع
~~الفرائض (3).
# وأفتى الصدوق بالعكس، معللا بأن القدر سورة النبي صلى الله عليه وآله
~~وأهل بيته عليهم السلام، فيتوسل به إلى الله، ولأن التوحيد يستجاب أثرها
~~الدعاء، وهو القنوت، قال: إنه من عمل الرضا عليه السلام حين أشخص إلى
~~خراسان (4).
# وكذلك رواه في العيون عن الحسن الصائغ، وعن رجاء بن أبي ضحاك (5).
# PageV02P548
# وفي رواية محمد بن الفرج التي نقلها في فلاح السائل: إنه كتب إلى الرجل
~~عليه السلام يسأله عما يقرأ في الفرائض، عن أفضل ما يقرأ فيها، فكتب عليه
~~السلام: " إن أفضل ما يقرأ في الفرائض، إنا أنزلناه في ليلة القدر، وقل هو
~~الله أحد " (1).
# وفي رواية أ بي علي بن راشد قال، قلت لأبي الحسن عليه السلام: إنك كتبت
~~إلى محمد بن الفرج، تعلمه أن أفضل ما يقرأ في الفرائض إنا أنزلناه، وقل هو
~~الله أحد، وإن صدري ليضيق بقراءتهما في الفجر، فقال: " لا يضيقن صدرك بهما،
~~فإن الفضل والله فيهما " (2) ويظهر منها أن القدر مقدمة.
# وروى في الاحتجاج عن الصاحب عليه السلام: " إذا ترك سورة فيها الثواب،
~~وقرأ التوحيد والقدر لفضلهما، أعطي ثوابهما وثواب السورة التي ترك " (3)
~~والكل حسن إن شاء الله.
# وتستحب قراءة " هل أتى و " هل أتيك " في الركعة من صلاتي غداة الاثنين
~~والخميس، ليقيه الله بهما شر اليومين " هل أتى " في الركعة الأولى " وهل
~~أتاك " في الثانية، وهو المحكي عن فعل الرضا عليه السلام أيضا، على ما ذكره
~~الصدوق في الفقيه، وروى ذلك أيضا في العيون عن رجاء (4).
# وتستحب قراءة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة وظهرها على المشهور.
# ويظهر من ابن بابويه وجوبهما في الظهر (5)، ونسب إلى أبي الصلاح أيضا
~~(6)، والسيد على وجوبهما في الجمعة، وأنه لا يجزئ الإمام أن يقرأ بغير
~~الجمعة
# PageV02P549
# والمنافقين في صلاة الجمعة (1).
# والأول أقوى، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة ms0580 (2)، وصحيحة منصور بن حازم في
~~معناها (3).
# وحسنة الحلبي المتقدمة (4).
# ورواية أبي الصباح: " إذا كان ليلة الجمعة فاقرأ في المغرب سورة الجمعة،
~~وقل هو الله أحد، وإذا كان في العشاء الآخرة، فاقرأ سورة الجمعة، وسبح اسم
~~ربك الأعلى، فإذا كان صلاة الغداة يوم الجمعة فاقرأ سورة الجمعة، وقل هو
~~الله أحد، فإذا كان صلاة الجمعة، فاقرأ سورة الجمعة، والمنافقين، وإذا كان
~~صلاة العصر يوم الجمعة، فاقرأ سورة الجمعة، وقل هو الله أحد " (5).
# وصحيحة حريز وربعي، رفعاه إلى الباقر عليه السلام، قال: " إن كانت ليلة
~~الجمعة يستحب أن يقرأ في العتمة سورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، وفي
~~صلاة الصبح مثل ذلك، وفي صلاة الجمعة مثل ذلك، وفي صلاة العصر مثل ذلك "
~~(6) إلى غير ذلك من الأخبار (7).
# وهذه المذكورات تدل على رجحان قراءتهما في صلاة الجمعة، ويدل على أن
~~الأمر والتأكيد فيها وفي غيرها محمول على الاستحباب صحيحة علي بن يقطين:
# PageV02P550
# عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا، قال: " لا بأس
~~بذلك " (1). وصحيحة سهل الأشعري (2)، وهي في معناها.
# ورواية يحيى الأزرق، قلت: رجل صلى الجمعة، فقرأ سبح اسم ربك الأعلى، وقل
~~هو الله أحد، قال: " أجزأه " (3).
# وصحيحة ابن سنان، وقد نفى عليه السلام فيها البأس عن قراءة غيرهما إذا
~~كان مستعجلا (4).
# وتدل على استحبابهما في الظهر حسنة عمر بن يزيد: " من صلى الجمعة بغير
~~الجمعة والمنافقين، أعاد الصلاة في سفر أو حضر " (5) وحسنة الحلبي المتقدمة
~~(6).
# وعلى نفي الوجوب، صحيحتا محمد بن مسلم ومنصور المتقدمتان (7)، ورواية علي
~~بن يقطين: عن الجمعة في السفر ما أقرأ فيهما؟ قال: " اقرأ فيهما بقل هو
~~الله أحد " (8).
# والتأكيدات والأمر بالإعادة محمول على تأكد الاستحباب، ترجيحا لأدلة
~~المشهور، لموافقتها للأصول وعدم ثبوت ما يقاومها.
# والأحوط عدم تركهما من دون عذر، سيما في صلاة الجمعة.
# PageV02P551
# وتستحبان في العصر أيضا، للأخبار المتقدمة.
# وتستحب قراءة الجمعة والتوحيد في فجرها، للأخبار المستفيضة، منها ما
~~تقدم.
# وفي الصحيح عن الحسين بن أبي حمزة قال، قلت: لأبي عبد الله عليه السلام
~~بما ms0581 أقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة؟ فقال: " اقرأ في الأولى بسورة الجمعة،
~~وفي الثانية بقل هو الله أحد " (1) وقيل: يقرأ المنافقين في الثانية (2)،
~~وقد تقدم ما يصلح مستندا له.
# وتستحب قراءة الجمعة والأعلى ليلة الجمعة في العشاءين عند الأكثر، لرواية
~~أبي بصير: " اقرأ في ليلة الجمعة الجمعة وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الفجر
~~سورة الجمعة وقل هو الله أحد " (3) وفي معناها رواية ابن أبي نصر المنقولة
~~عن قرب الإسناد (4).
# ولا يخفى أن أدلة هذا المذهب كنفسه محتملة، والظاهر أنه يحمل على استحباب
~~كليهما في كليهما، مع تقديم الجمعة في كليهما.
# وقيل: يقرأ في ثانية المغرب قل هو الله أحد (5). وتدل عليه رواية أبي
~~الصباح (6).
# وبخصوص الجمعة، وسبح اسم في عشائها أيضا روايات (7). وهو الذي نقله
~~الصدوق عن أصحاب الرضا عليه السلام (8)، ورواه أيضا في العيون (9).
# PageV02P552
# وقيل: يقرأ في عشائها بالجمعة والمنافقين (1) للمرفوعة المتقدمة (2).
# ولعل البناء على الجمعة والتوحيد في المغرب، والجمعة وسبح اسم في العشاء،
~~كان أوجه، وإلا فالكل حسن إن شاء الله تعالى.
# وتستحب قراءة التوحيد والجحد في المواضع السبعة، ففي الحسن عن معاذ بن
~~مسلم عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تدع أن تقرأ قل هو الله أحد وقل يا
~~أيها الكافرون في سبع مواطن: في الركعتين قبل الفجر، وركعتي الزوال،
~~وركعتين بعد المغرب، وركعتين في أول صلاة الليل، وركعتي الاحرام، والفجر
~~إذا أصبحت بها، وركعتي الطواف " (3).
# وقال الشيخ في التهذيب: وفي رواية أخرى: إنه يقرأ في هذا كله بقل هو الله
~~أحد، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، إلا في الركعتين قبل الفجر، فإنه
~~يبدأ بقل يا أيها الكافرون، ثم يقرأ في الثانية قل هو الله أحد (4).
~~والأولى العمل بهذا التفصيل.
# PageV02P553
# المقصد الخامس في الركوع وفيه مباحث:
# الأول: أجمع العلماء كافة على وجوب الركوع في كل ركعة مرة، عدا صلاة
~~الآيات، فإنه فيها خمس مرات بالاجماع والنصوص (1). ويدل عليه الكتاب (2)
~~والسنة (3).
# وأيضا هو (4) ركن تبطل الصلاة بالاخلال به عمدا أو سهوا، وكونه كذلك في
~~الجملة مما لا ms0582 خلاف فيه بين الأصحاب، وتدل عليه الأخبار المستفيضة (5)،
~~وسيأتي.
# فلو سها عن الركوع، وتذكر قبل السجدة، ولو هوى إلى الأرض يتداركه
# PageV02P554
# ويسجد، وكأنه مما لا خلاف فيه بين الأصحاب، وقال في المدارك: إنه مجمع
~~عليه بين الأصحاب (1).
# وتدل عليه مضافا إلى الاطلاقات، واشتغال الذمة به، مع تمكن الاتيان به،
~~صحيحة ابن سنان إنه قال: " إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو
~~تكبيرا، فاصنع الذي فاتك سهوا " (2) خرج منه ما دل على بطلانها فيما إذا
~~جاوز المحل، وبقي الباقي.
# وربما يؤيد ذلك بأن الشاك، يرجع ما دام الوقت باقيا، فالساهي أولى،
~~فتأمل.
# وهل يجب القيام ليركع عن قيام، أم يكفي الانتصاب إلى حد الركوع وجهان.
# وقد يوجه الأول بأن القيام المتصل به ركن، فلا بد من الاتيان به، أو أن
~~المتبادر من تدارك الركوع والاتيان به هو ذلك، أو لأن الهوي بقصد الركوع
~~واجب. وقد نقله بعضهم عن غير واحد من الأصحاب وتأمل هو فيه (3)، ولا شك أن
~~تحصيل البراءة اليقينية يقتضي الركوع من قيام، فلا بد أن لا يترك هذا إذا
~~كان السهو أولا.
# أما لو سها بعد الهوي بقصد الركوع، فالظاهر أنه يقوم منحنيا إلى حد
~~الركوع لو كان بلغ إلى حده سابقا، وإلا فيقوم منتصبا بالمقدار المعلوم
~~ويركع عنه.
# ولو كان تحققت منه صورة الركوع قبل النسيان، فالحكم بتدارك الطمأنينة
~~والذكر في غاية الاشكال، للزوم تعدد الركن. والظاهر عدم الخلاف في عدم
~~الرجوع كما سيجئ ".
# وقد استشكل بعضهم أيضا تدارك القيام لو نسي الانتصاب بعد إكمال الذكر
~~(4)،
# PageV02P555
# ووجوب تداركه لعله قوي، سيما مع ملاحظة القول بركنيته.
# ولو تذكر بعد السجود، فالمشهور بين الأصحاب البطلان، للزوم زيادة الركن
~~لو تداركه، ونقصانه لو لم يتدارك.
# وقيل: يحذف السجدتين ويركع ويعيدهما ولا يعتد بالزيادة (1)، واختاره
~~الشيخ في المبسوط، إلا أنه اقتصر في ذلك على الأخيرتين من الرباعية (2)،
~~وهكذا قال في كتابي الأخبار أيضا (3).
# وبناء الشيخ في ذلك على أن لا وهم في الأوليين. وسيأتي بيان ذلك إن شاء
~~الله، ms0583 وأن المراد الشك في العدد فيهما لا سائر الأحكام.
# وهناك أقوال أخر شاذة (4)، والأول أقرب.
# لنا: ما ذكرنا من اللازم والاطلاقات، وعدم حصول البراءة بذلك، لعدم الجزم
~~بحصول الهيئة المطلوبة، وصحيحة رفاعة عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن
~~الرجل ينسى أن يركع حتى يسجد ويقوم؟ قال: " يستقبل " (5)، ورواه في الكافي
~~أيضا في الحسن لإبراهيم (6).
# وفي صحيحة أبي بصير عنه بطريقين، والراوي عنه في أحدهما صفوان، قال:
# PageV02P556
# " إذا أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة، وقد سجد سجدتين وترك الركوع
~~استأنف الصلاة " (1).
# وصحيحة إسحاق بن عمار: عن الرجل ينسى أن يركع، قال: " يستقبل حتى يضع كل
~~شئ من ذلك موضعه " (2) خرج ما قبل إكمال السجود بدليل، وبقي الباقي.
# ورواية أبي بصير - وفيها محمد بن سنان - عن الباقر عليه السلام: عن رجل
~~نسي أن يركع، قال: " عليه الإعادة " (3) والتقريب ما مر.
# وتدل على القول بالتلفيق صحيحة محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام: في
~~رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع، قال: " يمضي في صلاته حتى يستيقن أنه لم
~~يركع، فإن استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما، فيبني على صلاته على
~~التمام، وإن كان لم يستيقن إلا بعد ما فرغ وانصرف فليتمم الصلاة بركعة
~~وسجدتين ولا شئ عليه " (4) وهو لا يدل على التفصيل الذي ذكره الشيخ.
# وربما جمع بينه وبين الأخبار الأولة بالتخيير (5)، ولا وجه له، لعدم
~~مقاومتها لها مع كثرتها وتعاضدها بعمل الأصحاب والأصول.
# ولو تذكره بعد الدخول في السجدتين وإن كان سجد وجلس بينهما فالأظهر أيضا
~~وجوب الاتيان بالركوع، لعدم لزوم زيادة الركن، ولشمول الاطلاقات والعمومات
~~لذلك.
# PageV02P557
# وأما إذا دخل في الثانية، وتذكر ولما يكمل ففيه إشكال، ولعل البطلان
~~أقوى، التفاتا إلى عدم مدخلية النية في الرفع، فتأمل.
# ولو زاده سهوا، فتبطل الصلاة أيضا، قال في المدارك: وهو مذهب الأصحاب لا
~~نعلم فيه مخالفا (1).
# ويدل عليه مضافا إلى أنه مغير للهيئة المطلوبة مانع عن تحصيل البراءة،
~~حسنة زرارة وبكير عن الباقر عليه السلام، قال: " إذا استيقن أنه ms0584 زاد في
~~الصلاة المكتوبة لم يعتد بها، واستقبل صلاته استقبالا " (2).
# وصحيحة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " من زاد في صلاته فعليه
~~الإعادة " (3).
# وصحيحة منصور عنه عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى فذكر أنه زاد سجدة،
~~قال: " لا يعيد الصلاة من سجدة، ويعيدها من ركعة " (4) يظهر وجه الدلالة من
~~مقابلة الركعة بالسجدة.
# وموثقة عبيد بن زرارة، عن رجل شك فلم يدر أسجد ثنتين أم واحدة فسجد أخرى
~~ثم استيقن أنه زاد سجدة، فقال: " لا والله، لا تفسد الصلاة زيادة سجدة "
~~وقال: " لا يعيد صلاته من سجدة، ويعيدها من ركعة " (5).
# وأما لو شك في الركوع وهو قائم فيأتي به وبما بعده، وإذا سجد فيمضي في
~~الصلاة، والصحاح بذلك كثيرة مستفيضة، ففي صحيحة الحلبي قال، قلت:
# PageV02P558
# الرجل يشك وهو قائم، فلا يدري أركع أم لم يركع، قال: " فليركع " (1).
# وصحيحته الأخرى أيضا: في الرجل لا يدري أركع أم لم يركع، قال: " يركع "
~~(2).
# ورواية أبي بصير - وفي طريقها محمد بن سنان -: " إن شك في الركوع بعد ما
~~سجد، فليمض، وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه مما قد جاوزه
~~ودخل في غيره فليمض عليه " (3).
# وروى إسماعيل بن جابر - في الحسن بمحمد بن عيسى الأشعري - مثلها (4).
# وصحيحة زرارة قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل شك في الأذان وقد
~~دخل في الإقامة، قال: " يمضي " قلت: رجل شك في الأذان والإقامة وقد كبر،
~~قال: " يمضي " قلت: رجل شك في القراءة وقد ركع، قال: " يمضي " قلت:
# شك في الركوع وقد سجد، قال: " يمضي على صلاته " ثم قال: يا زرارة إذا
~~خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " (5) إلى غير ذلك من الأخبار
~~(6).
# وأما إذا شك فيه هاويا إلى السجود ففيه وجهان: أظهرهما العدم، لصدق
~~الدخول في الغير، المعتبر في الأخبار المعتبرة.
# ولخصوص صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال، قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام: رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع، ms0585 قال: " قد ركع "
~~(7).
# PageV02P559
# وقوى العود الشهيد الثاني رحمه الله (1)، وليس بشئ، وكأن نظره إلى أن
~~الهوي ليس من أفعال الصلاة، بل هو من المقدمات العقلية للسجود.
# والصحيحة المذكورة تدفعه، مع أن الحكم بكونه مقدمة محضة محل إشكال، سيما
~~مع عموم لفظة غيره في كلام الإمام عليه السلام.
# ولو شك في حال قوله " سمع الله لمن حمدها " في حال القيام ففيه إشكال،
~~لأن موضعه بعد الرفع عن الركوع، ولاحتمال ذكره قبل الهوي إلى الركوع سهوا،
~~والأقوى الاتيان بالركوع لعدم الجزم بالخروج عن موضعه.
# ولو شك في الركوع، فأهوى إليه حتى وصل إلى حد الركوع، ثم تذكر قبل الرفع،
~~فمختار أكثر المتأخرين البطلان، لأنه تلزم منه زيادة الركوع (2).
# وذهب الكليني (3) والشيخ (4) والمرتضى (5) إلى الصحة، وأنه يرسل نفسه إلى
~~السجود قبل الرفع.
# وقد يوجه بأنه ليس بركوع وإن كان في صورته لتبين خلافه، والهوي إلى
~~السجود مشتمل عليه وهو واجب، فيتأدى الهوي إلى السجود به، فلا تتحقق
~~الزيادة حينئذ، بخلاف ما لو ذكر بعد رفع رأسه من الركوع (6)، وهو كما ترى.
# وربما يقال: إن فهم إبطال مثل هذه الزيادة بهذا النحو غير متبادر من
~~الاطلاقات، ولم يثبت من الاجماع أيضا، وإنه كان مأمورا به على
# PageV02P560
# الظاهر (1)، والمسألة محل تردد، والاحتياط في الاتمام والإعادة.
# وإذا بنينا على اعتبار القصد في الهوي وأوجبنا الهوي فيشكل الأمر فيما لو
~~لم يبلغ إلى حد الركوع أيضا، ومع البناء على مذهب الكليني - رحمه الله -
~~ومن تبعه فالأمر ههنا أسهل.
# الثاني: يجب الانحناء في الركوع بقدر ما تصل راحتاه عين ركبتيه.
# أما أصل وجوب الانحناء فيدل عليه الاجماع والنص (2)، بل العرف واللغة
~~(3).
# وأما تحديده بهذا الحد فلم أقف في النصوص على ما يصرح به بهذا التحديد،
~~ولكنه مجمع عليه بين العلماء كافة، عدا أبي حنيفة على ما نقله جماعة من
~~أصحابنا منهم الفاضلان (4).
# وأما ما في صحيحة حماد " وملأ كفيه من ركبتيه " (5) فلا يدل على الوجوب،
~~لأنه عليه السلام أراد بذلك تعليم آداب الصلاة، ومن المعلوم أن جل ما ms0586 علمه
~~بها من المستحبات، فلا يبقى وثوق عليها.
# وكذا قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " وتمكن راحتيك من ركبتيك " فإن
~~ذلك مستحب إجماعا، سيما وقال عليه السلام بعده: " فإن وصلت أطراف أصابعك في
~~ركوعك إلى ركبتيك أجزأك، وأحب إلي أن تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في
~~عين الركبة " (6).
# PageV02P561
# وصرح بعدم الاعتداد بوصول أطراف الأصابع إلى الركبة المحقق الشيخ علي (1)
~~والشهيد الثاني (2).
# ولكن يظهر من بعض الأصحاب كفاية وصول أطراف الأصابع إلى الركبتين (3) كما
~~هو ظاهر الصحيحة المتقدمة.
# وربما يقال: إن من ذكر الراحتين أو الكفين قد سامح، ومراده وصول جزء من
~~اليد (4)، مستشهدا بأن المحقق في المعتبر (5) مع أنه ادعى الاجماع على وجوب
~~وصول الكفين الركبتين، استدل بصحيحة زرارة المتقدمة.
# ويمكن أن يقال: المراد بإجزاء وصول أطراف الأصابع إلى الركبتين فيها هو
~~مقابل تمكن الراحة من الركبة، لا عدم وصول الراحة إليها، فلا منافاة.
# وكيف كان فاستصحاب شغل الذمة يقتضي التزام مقتضيات الاجماعات، ولا يجب
~~وضع اليد على الركبة للاجماع، نقله غير واحد من أصحابنا (6)، فالمراد بوصول
~~أطراف الأصابع في الصحيحة السابقة حينئذ الحد الذي يمكن الوصول، أو المراد
~~أقل الفضل.
# ويجب في الركوع الذكر، والظاهر أنه إجماعي بين أصحابنا والنصوص به
~~مستفيضة (7).
# واختلفوا في مقامين:
# الأول: في أنه يكفي مطلق الذكر أم يجب التسبيح، والأقوى بالنظر إلى
# PageV02P562
# الأخبار الصحيحة المعتبرة الأول.
# وبالنظر إلى الشهرة والاجماعات بالمنقولة عن جماعة من الأصحاب منهم
~~المرتضى والشيخ (1) الثاني.
# ففي صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له:
# أيجزئ أن أقول مكان التسبيح في الركوع والسجود: لا إله إلا الله والحمد
~~لله والله أكبر؟ فقال: " نعم "، كل هذا ذكر الله " (2). وصحيحة هشام بن
~~سالم مثلها (3).
# وحسنة هشام بن الحكم قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " ما من كلمة
~~أخف على اللسان منها ولا أبلغ من سبحان الله " قال: يجزئ في الركوع والسجود
~~أن أقول مكان التسبيح: لا إله إلا الله والحمد لله والله أكبر؟ قال: " نعم،
~~كل ms0587 ذا ذكر الله " (4).
# وحسنة مسمع عنه عليه السلام، قال: " يجزئك من القول في الركوع والسجود
~~ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسلا، وليس له ولا كرامة أن يقول: سبح سبح سبح "
~~(5).
# وفي معناها أيضا بعض الأخبار (6)، وهذه تدل على إجزاء مطلق الذكر.
# وصحيحة علي بن يقطين عن الكاظم عليه السلام، قال: سألته عن الركوع
~~والسجود، كم يجزئ فيه من التسبيح؟ فقال: " ثلاث، وتجزئك واحدة إذا أمكنت
~~جبهتك من الأرض " (7).
# PageV02P563
# وصحيحة ابنه حسين عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يسجد كم يجزئه من
~~التسبيح في ركوعه وسجوده؟ فقال: " ثلاث، وتجزئه واحدة " (1).
# وصحيحة معاوية بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخف ما يكون
~~من التسبيح في الصلاة؟ قال: " ثلاث تسبيحات مترسلا، يقول: سبحان الله،
~~سبحان الله، سبحان الله " (2).
# ونقل السيد - رحمه الله - في الانتصار، عن النبي صلى الله عليه وآله من
~~طريق العامة: أنه لما أنزل فسبح باسم ربك العظيم، قال صلى الله عليه وآله:
~~" اجعلوها في ركوعكم " ولما نزل سبح اسم ربك الأعلى قال صلى الله عليه
~~وآله: " اجعلوها في سجودكم " (3) واستدل على وجوب التسبيح بهذا الخبر بعد
~~الاجماع، واشتغال الذمة المستدعي للبراءة اليقينية.
# وفي قوية هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام: عن التسبيح في الركوع
~~والسجود، فقال: " تقول في الركوع سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي
~~الأعلى، الفريضة من ذلك تسبيحة، والسنة ثلاث، والفضل في سبع " (4).
# وفي صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: ما يجزئ من القول في الركوع
~~والسجود؟ فقال: " ثلاث تسبيحات في ترسل، وواحدة تامة تجزئ " (5).
# وفي مضمرة سماعة: " أما ما يجزئك من الركوع فثلاث تسبيحات، تقول:
# سبحان الله ثلاثا " (6).
# PageV02P564
# وفي رواية، قال: " أدنى التسبيح ثلاث مرات وأنت ساجد " (1).
# وفي أخرى: أدنى ما يجزئ من التسبيح في الركوع والسجود؟ فقال: " ثلاث
~~تسبيحات " (2).
# وهذه المذكورات هي التي يمكن أن يستدل بها على تعيين التسبيح، وأنت خبير
~~بأن أكثرها لا يخلو عن ضعف في سند أو قصور في دلالة، وأظهرها دلالة هي
~~الرواية العامية، ورواية هشام ms0588 بن سالم ومضمرة سماعة، وصحيحة زرارة.
# وحينئذ فيقع التعارض بينها وبين الأخبار الأولة، وهي وإن كانت أصح سندا،
~~وأظهر دلالة، ومعمولا بها أيضا عند الحليين (3) الأربعة (4)، وجماعة من
~~المتأخرين (5) كما قيل (6).
# لكن هذه الأخبار أيضا معتضدة بالاجماعات المنقولة (7)، وبظاهر الكتاب،
~~والشهرة، واستصحاب شغل الذمة اليقيني، وبالأخبار الكثيرة التي ذكرناها،
~~واليقين يحصل بالتسبيح.
# فالأولى: عدم الاكتفاء بغير التسبيح وإن كان القول بالجواز أيضا قويا.
# والثاني: في كيفية التسبيح، فقيل: يجوز مطلقا، ونسب إلى المرتضى في
~~الانتصار (8)، ويظهر ذلك من استدلاله بعمومات التسبيح في القرآن أيضا، وإن
~~كان
# PageV02P565
# استدل بالرواية المتقدمة أيضا، وهو أقوى.
# يظهر ذلك من ملاحظة أدلة المشهور في المقام الأول، سيما وهو مؤيد بأدلة
~~الخصم ثمة أيضا فتدبر.
# وحينئذ فلا بد من حمل ما أفاد أن أقل ما يجزئ ثلاثة على الأفضلية، وهو
~~أظهر من حمل الواحدة على الاضطرار كما قيل (1)، لكن أكثريتها مع اعتضادها
~~بالاستصحاب يضعف هذا الحمل.
# وأقرب المحامل: حمل التسبيحات الثلاث على الناقصة، والواحدة على التامة،
~~كما يظهر ذلك من نفس بعض الأخبار أيضا، وهذا هو قول الشيخ في التهذيب (2)
~~وبعض الأصحاب (3)، فيبقى الاطلاق في اختيار أيهما شاء دون العدد.
# ثم لو بنى الأمر على إطلاق الجواز أيضا فبعد البناء على قول المشهور ههنا
~~لا ينبغي العدول عن الهيئتين المخصوصتين المعهودتين.
# وأوجب الشيخ في النهاية تسبيحة كبرى، لرواية هشام المتقدمة (4).
# وقيل: بوجوب التسبيح ثلاث مرات للمختار، وواحدة للمضطر، وأن الأفضل هي
~~الكبرى، فتكون ثلاث تسبيحات كبرى من أفراد الواجب التخييري، وهو المنقول عن
~~أبي الصلاح (5).
# وتدل عليه رواية أبي بكر الحضرمي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام:
# أي شئ حد الركوع والسجود؟ قال: " تقول: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا في
~~الركوع، وسبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثا في السجود، فمن نقص
# PageV02P566
# واحدة نقص ثلث صلاته، ومن نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته، ومن لم يسبح فلا
~~صلاة له " (1).
# وهي مع عدم مقاومتها لمعارضها وعدم تماميتها إلا من خارج، لا يظهر منها
~~الوجوب، بل سياقها ظاهر في الاستحباب.
# ونسب ms0589 إلى بعض الأصحاب: وجوب ثلاث تسبيحات كبريات (2)، وظاهره الوجوب
~~العيني، ولم أقف على ما يصلح له سندا، ولعله أيضا كان نظره إلى هذا الخبر،
~~وهو كما ترى.
# واعلم أن الأخبار الواردة في التسبيحة الكبرى ليس في أكثرها لفظة "
~~وبحمده " ولعل سقطه من جهة السهولة، وهذا كناية عن تمامه كما هو المتعارف.
# وبالجملة بعد الاجماع على استحبابه كما قيل (3)، وثبوته في بعض الأخبار
~~لا مجال للتأمل في استحبابه.
# فغاية الاحتياط في هذه المسألة الاتيان بثلاث تسبيحات كبريات، وإلا
~~فالاكتفاء بواحدة كبرى أو بثلاث صغريات جائز إن شاء الله تعالى، بل ولا
~~أستبعد الاكتفاء بمطلق الذكر، ولكنه خلاف الاحتياط.
# ويجب في الركوع الطمأنينة بمقدار الذكر بعد إكمال الهوي الواجب، للاجماع
~~نقله غير واحد من أصحابنا (4)، وحسنة زرارة عن الباقر عليه السلام قال:
~~بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس في المسجد، إذ دخل رجل فقام فصلى،
~~فلم يتم ركوعه ولا سجوده، فقال صلى الله عليه وآله: " نقر كنقر الغراب، لئن
~~مات هذا
# PageV02P567
# وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني " (1).
# ويمكن الاستدلال عليه أيضا بصحيحة زرارة المتقدمة: " ثلاث تسبيحات في
~~ترسل " (2)، وحسنة مسمع المتقدمة (3) ونحوهما (4)، وقضية هذا الحكم عدم
~~جواز الشروع في الذكر قبل الاكمال.
# فلو كان عاجزا عنها فالأظهر أنه لا يسقط عنه الذكر لو اقتدر عليه، إن
~~جاوز قدر الواجب من الانحناء بعد أخذه في الذكر عند الاكمال، وإكماله قبل
~~الخروج عن موضع الاكمال بحيث لم يخرج بذلك عن كونه راكعا، لأن الذكر واجب،
~~والطمأنينة واجب آخر.
# وقيل: لا، للأصل (5)، وهو ضعيف.
# وأما لو اقتدر على الذكر بأن يأخذ فيه حين الأخذ بالهوي، والاكمال حين
~~إكماله أو ما يقرب من ذلك، فالذي وجدته في كلمات الأصحاب مما رأيتها عدم
~~الاجتزاء بذلك.
# ولعل ذلك لأن الركوع في الشرع هو الانحناء المخصوص، سواء قلنا بأنه صار
~~حقيقة فيه عند الشارع أم لا، والركوع له إطلاقات: معناه المصدري، ومعناه
~~العلمي، والثاني لا يصدق إلا مع تحقق الانحناء المخصوص، وبعد التحقق يقال
~~له الركوع.
# وما ms0590 ورد في الأخبار من أن القول في الركوع كذا، وتقول في الركوع كذا
~~ونحوهما، يدل على أن الذكر يجب بعد تحقق ذلك وفي حاله، لأنه هو المعنى
# PageV02P568
# الحقيقي حينئذ.
# ومن هذا يمكن أخذ دليل لوجوب الطمأنينة أيضا بعنوان الالتزام، لكنه إنما
~~يتم بالنظر إلى مطلق حركة الهوي والانتصاب.
# وأما الحركة العرضية يمينا وشمالا، أو تكرير الحركة فيما دون قدر أقل
~~الواجب علوا وسفلا أيضا، فيشكل إلا إذا قلنا بعدم وجوب ملاحظتها وهو مشكل،
~~أو بعدم صدق الركوع عليه حينئذ أيضا وهو أشكل.
# وإن جعلنا المراد منه فيها هو معناه المصدري، فيمكن القول بالجواز حينئذ،
~~إذ قد يصدق أنه ذكر في الركوع، والطمأنينة واجب على حدة، فإذا لم يقدر على
~~الطمأنينة فلا يسقط، ولكنه بعيد.
# وأما معناه اللغوي، فلعله يمكن القطع بعدم إرادته.
# وليست الطمأنينة ركنا في الصلاة، خلافا للشيخ في الخلاف (1).
# وتدل عليه العمومات الدالة على نفي إعادة الصلاة إلا من أمور مخصوصة،
~~كصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة:
~~الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود " (2).
# وصحيحة عبد الله بن القداح، عنه، عن أبيه عليهما السلام: " إن عليا عليه
~~السلام سئل عن رجل ركع ولم يسبح ناسيا قال: تمت صلاته " (3).
# وما رواه الشيخ عن علي بن يقطين عن الكاظم عليه السلام: عن رجل نسي
~~تسبيحة في ركوعه وسجوده، قال: " لا بأس بذلك " (4).
# والاعتماد في هذه المسألة وفيما بعدها لعله على الاجماع، فقد صرح غير
~~واحد
# PageV02P569
# منهم في مسألة سهو الطمأنينة بأنه لا خلاف في أن ناسي هذه المذكورات لا
~~يعيد (1).
# مع أنهم نسبوا الخلاف ههنا إلى الشيخ بأنه قال بالركنية، فحينئذ يضطرب
~~المقام، لكن الأظهر ما عليه الجماعة.
# وكذا يجب رفع الرأس من الركوع منتصبا، للاجماع، نقله غير واحد من أصحابنا
~~(2)، ورواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا رفعت رأسك
~~من الركوع، فأقم صلبك، فإنه لا صلاة لمن لم يقم صلبه " (3)، وغيرها من
~~الأخبار (4).
# والطمأنينة فيه، وهي ما تسمى بها عرفا لا ms0591 غير، للاجماع المنقول عن جماعة
~~أيضا (5)، وخلاف الشيخ هنا مثل السابق، وجوابه الجواب.
# وأما لو سها ذكر الركوع أو طمأنينته حتى انتصب فحكمه حكم الشك المدلول
~~على حكمه بالعمومات السابقة وغيرها، للاجماع كما نقلوه (6)، ولأن تداركه
~~يوجب زيادة الركن، ولظاهر الأخبار المتقدمة، وكذلك الرفع عن الركوع
~~والطمأنينة فيه حتى يسجد للدليلين الأولين.
# أما إطلاق الحكم حتى بالنسبة إلى الانتقال إلى الهوي ولم يسجد، فلا أعرف
~~له وجها في ناسي الطمأنينة حال الرفع.
# وقد يقال: إن الوجه لزوم زيادة الركن أيضا، لكون المعتبر فيها هو حال
~~القيام عن الركوع، وهو لا يتحقق إلا به، فتلزم زيادته، وفيه تأمل.
# PageV02P570
# ولعل المستند فيه هو الاجماع، ومع ملاحظة خلاف الشيخ أيضا يشكل الأمر.
# تنبيه:
# وربما يستدل للشيخ على كون الطمأنينة في الرفع ركنا برواية أبي بصير، وهي
~~مطلقة، وبالصحيحة المتقدمة في أول مبحث القيام القائلة: " إن من لم يقم
~~صلبه فلا صلاة له " (1) ولكنهما معارضتان بصحيحة زرارة المتقدمة.
# وأما الرواية الأولى: فلما كانت خاصة فيمكن تخصيص صحيحة زرارة بها.
# وأما الثانية: وإن كان يقع بينها وبين صحيحة (زرارة تعارض من وجه، إذ كل
~~منهما أعم من الآخر) (2)، لكنه مع ملاحظة رواية أبي بصير، يثبت بها مطلب
~~الشيخ، فيبقى التعارض في غير تلك المادة من القيام، ولا يضر في إثبات
~~المطلوب.
# وفيه: أن هذا خروج عن المسألة، إذ الطمأنينة غير إقامة الصلب، لأنها
~~معتبرة في القيام، والطمأنينة واجب زائد على القيام.
# ثم إنه ينقدح مما ذكرنا إشكال في ركنية القيام مطلقا، بل وغيره أيضا، لأن
~~الصحيحة المذكورة وصحيحة زرارة عمومان تعارضا (3) فلم تثبت ركنية القيام.
# والجواب: أنه مخرج بالاجماع والأدلة، وهكذا الصحيحة المذكورة ليست باقية
~~على عمومها، لخروج القيام حال القراءة بالأدلة المقررة.
# نعم يبقى خصوص القيام بعد الركوع تحت العموم لعدم المخرج، ولكونه منصوصا
~~عليه بالخصوص، كما يتقوى حينئذ قول الشيخ مع الاغماض عما أوردنا عليه هنا،
~~إلا أن يقال: ليس هو من الأحكام الوضعية والمكلف هو غير الناسي، فتأمل.
# PageV02P571
# الثالث: إذا عجز عن ms0592 الركوع بقدر الواجب يأتي بما استطاع، لقوله عليه
~~السلام:
# " إذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم " (1) ولأن الميسور لا يسقط
~~بالمعسور، وللاستصحاب.
# وفي ثبوته بما ذكرنا تأمل، لأنه تفكيك في الأجزاء العقلية، ومع انتفاء
~~أحدها لا مقوم للباقي حتى يتعلق به حكم. بل الحجة في ذلك استصحاب شغل
~~الذمة، بل لعله إجماعي.
# وأما الاستدلال عليه بعموم الآية بناءا على منع ثبوت الحقيقة الشرعية في
~~القدر الواجب، فيكون المطلوب هو الانحناء عرفا أو لغة كما هو معناه (2)،
~~والزيادة واجب على حدة، ومع تعذر أحدهما لا يسقط الآخر.
# ففيه أولا: بعد الاغماض عن ثبوت الحقيقة الشرعية، أن الظاهر غير معناه
~~اللغوي، ومع ذلك فالأولى الحمل على مجازه الشائع الذائع المستفيض، وهو ههنا
~~الانحناء المخصوص، لأنه صار من القرب بحيث صار محلا للنزاع في كونه حقيقة،
~~وكيف إذا كان عدم إرادة اللغوي ظاهرا.
# وثانيا: أن القدر الثابت منه حينئذ وجوب مطلق الانحناء (3) بحسب المقدور،
~~وأما المنحني خلقة بقدر الركوع، فيجب عليه الانحناء يسيرا للركوع على
~~الأظهر، لأن الركوع الشرعي المأمور به له أفراد كثيرة، وأقل ما يجزئ فيه هو
~~الانحناء بقدر ما تصل يداه إلى ركبتيه، فلو جاوز عن ذلك، بل وعن القدر
~~المستحب أيضا
# PageV02P572
# تصح صلاته وركوعه، فكيف يمكن الحكم بسقوط المطلق مع تعذر بعض أفراده، ولم
~~يشترط في التكليف به القدرة على جميع أفراده؟!
# فالتمسك في منع ذلك بأن ذلك حد الركوع، فلا تلزم الزيادة للأصل كما يظهر
~~من المعتبر (1) وغيره (2)، فيه ما فيه.
# وإن عجز عن الركوع أصلا أومأ بالرأس، ثم بالعينين، كذا ذكره الأصحاب، ولا
~~يظهر هذا الترتيب من الأخبار، بل مقتضى الجمع التخيير، والأولى والأحوط
~~مراعاة ذلك، سيما مع ملاحظة كونه أقرب إلى الركوع.
# ويمكن أن يقال: ما دل على جواز الاكتفاء بالايماء بالعين يتضمن بيان حال
~~المريض الذي يعجز عن الايماء بالرأس، مثل: مرسلة محمد بن إبراهيم الهمداني
~~(3)، فإنها في بيان حال المريض الذي يعجز عن القعود بل الاضطجاع أيضا ويصير
~~تكليفه الاستلقاء، والأخبار الكثيرة المعتبرة الواردة ms0593 في الأسير (4)
~~والخائف من اللص والسبع (5) مصرحة بوجوب الايماء بالرأس.
# وروى في الفقيه مرسلا عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: " دخل رسول
~~الله صلى الله عليه وآله على رجل من الأنصار وقد شبكته الريح، فقال: يا
~~رسول الله صلى الله عليه وآله كيف أصلي؟ فقال: إن استطعتم أن تجلسوه
~~فأجلسوه، وإلا فوجهوه إلى القبلة، ومروه فليؤم برأسه إيماءا، ويجعل السجود
~~أخفض من الركوع، وإن كان لا يستطيع أن يقرأ فاقرؤا عنده وأسمعوه " (6).
# واعلم أن المعتبر في التحديد المذكور هو مستوي الخلقة، لحمل الأخبار على
# PageV02P573
# المتعارف، فلا يسقط من الطويل اليدين، ولا يراد من قصيرهما أو مقطوعهما
~~أزيد مما يحصل به للمستوي، ولعله إجماعي.
# الرابع: يستحب التكبير قبل الركوع على المشهور.
# ما الرجحان فلصحيحة زرارة (1) وحماد (2) وغيرهما (3).
# وأما عدم الوجوب فللأصل، ولرواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام: عن
~~أدنى ما يجزئ من التكبير في الصلاة، قال: " تكبيرة واحدة " (4) وليس في
~~طريقها إلا محمد بن سنان.
# ونقل عن ابن أبي عقيل وجوب تكبير الركوع (5)، وعن سلار وجوب تكبير الركوع
~~والسجود والقيام والقعود (6)، وعن بعض الأصحاب القول ببطلان الصلاة بترك
~~تكبير الركوع (7).
# ونقل عن الشهيد أنه قد استقر الاجماع على خلاف قول ابن أبي عقيل وسلار
~~(8).
# وغير خاف أن ملاحظة سياق كل ما يدل على رجحان التكبير يرشد إلى
~~الاستحباب، سيما مع معارضتها برواية أبي بصير المعتضدة بالاجماع والشهرة
~~العظيمة.
# PageV02P574
# ويستحب أن يكبر منتصبا في حال القيام رافعا يديه حيال وجهه، وأن يعمل بما
~~تضمنته صحيحة زرارة، فقد قال الباقر عليه السلام فيها: " إذا أردت أن تركع
~~فقل وأنت منتصب: الله أكبر، ثم اركع، وقل: اللهم لك ركعت، ولك أسلمت، وبك
~~آمنت، وعليك توكلت، وأنت ربي، خشع لك سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي
~~ومخي وعصبي وعظامي وما أقلته قدماي، غير مستنكف، ولا مستكبر، ولا مستحسر،
~~سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات في ترسل، وتصف في ركوعك بين قدميك، تجعل
~~بينهما قدر شبر، وتمكن راحتيك من ركبتيك، وتضع يدك اليمنى على ركبتك ms0594 اليمنى
~~قبل اليسرى، وتلقم بأطراف أصابعك عين الركبة، وفرج أصابعك إذا وضعتها على
~~ركبتيك، وأقم صلبك، ومد عنقك، وليكن نظرك بين قدميك، ثم قل: سمع الله لمن
~~حمده وأنت منتصب قائم ، الحمد لله رب العالمين أهل الجبروت، والكبرياء
~~والعظمة لله رب العالمين، تجهر بها صوتك، ثم ترفع يديك بالتكبير وتخر ساجدا
~~" (1).
# وقد مضى الخلاف في رفع اليد حيال الوجه وحكمه، والأمر بالتكبير محمول على
~~الاستحباب جمعا، مع أن السياق لا يفيد أزيد من الرجحان.
# والتسبيحات الثلاثة أول مراتب الفضل، وفوقه الخمس على ما قيل (2)، وفوقه
~~السبع، وقد مر الثلاث والسبع في رواية هشام (3)، وفوقه ما اتسع صدره،
~~لمضمرة سماعة: " ومن كان يقوى على أن يطول الركوع والسجود فليطول ما استطاع
~~" إلى أن قال: " فأما الإمام فإنه إذا قام بالناس فلا ينبغي أن يطول بهم،
~~فإن في الناس الضعيف " (4) الحديث.
# PageV02P575
# وفي صحيحة أبان بن تغلب: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وهو يصلي،
~~فعددت له في الركوع والسجود ستين تسبيحة (1)، وفي رواية أخرى أربعا أو
~~ثلاثا وثلاثين مر (2)، وفي رواية خمسمائة (3).
# وربما يظهر من جماعة انتهاء الفضل بالسبع (4)، وليس بذلك، وإن أشعرت به
~~رواية هشام، ولعله محمول على الغالب.
# ويستحب استواء الظهر بحيث لو صب عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل، كما تضمنته
~~صحيحة حماد.
# ويستحب تذكر " آمنت بك ولو ضربت عنقي " عند مد العنق فيه، ففي الخبر سئل
~~أمير المؤمنين عليه السلام: ما معنى مد عنقك في الركوع؟ فقال: " تأويله:
~~آمنت بالله ولو ضرب عنقي " (5).
# وفي صحيحة حماد " غمض عينيه " والجمع بينه وبين هذا الخبر إما بالتخيير
~~كما قيل (6)، أو بالحمل على الاشتباه، فإن القول أقوى من الفعل.
# وادعى الاجماع على استحباب " سمع الله لمن حمده " غير واحد من أصحابنا
~~(7)، وتدل عليه أخبار أخر أيضا على الاطلاق (8).
# PageV02P576
# وربما يقال: لو اقتصر المأموم على التحميد كان أحسن (1)، لصحيحة جميل:
# ما يقول الرجل خلف الإمام إذا قال: سمع الله لمن حمده؟ قال: " يقول:
~~الحمد لله رب العالمين، ويخفض من الصوت ms0595 " (1).
# وقال الشيخ رحمه الله: ولو قال: ربنا لك الحمد، لم تفسد صلاته (2).
# ونقل الشهيد في الذكرى حديثا وقال بصحته: " إن الإمام إذا قال: سمع الله
~~لمن حمده، قال من خلفه: ربنا لك الحمد " ونقله عن بعض الأصحاب أيضا (4).
# ولكن المنقول من المنتهى أن تركه أولى، مؤذنا بنسبته إلى الأصحاب (5)،
~~والمنقول في روايتنا بدون الواو (6)، والعامة مختلفون على ما قيل (7).
# ولعل قول ذلك لم يكن مفسدا كما ذكره الشيخ، إلا أن التسميع أحسن.
# وربما توجه رواية جميل أيضا بإرجاع الضمير إلى المأموم (8)، فتوافق
~~العمومات.
# ثم إن المعلوم من الروايا ت المعتبرة (9) والاجماع المنقول كما يظهر من
~~بعضهم (10)، والمشهور بين الأصحاب أن ذلك بعد الانتصاب. والمنقول عن ظاهر
~~جماعة منهم أنه في حال الارتفاع، وسائر الأذكار حال القيام (11)، والمشهور
~~أقوى.
# PageV02P577
# وينبغي الجهر به لغير المأموم، للعمومات، هكذا اختار في الذكرى (1).
# ونسب إلى ابني بابويه وصاحب الفاخر القول باستحباب رفع اليدين حال الرفع
~~من الركوع (2).
# وقال المحقق: فإذا رفع من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده، من غير
~~تكبير ولا رفع يد، وهو مذهب علمائنا (3). وقال الشهيد في الذكرى: إنه مذهب
~~جماعة من العامة (4).
# وتدل على القول الأول روايتان معتبرتان من أن رفع اليد مطلقا زينة الصلاة
~~وأنه العبودية (5)، وإحداهما خصوص الرفع من الركوع مذكور فيها أيضا (6)،
~~فحينئذ القول بالاستحباب مشكل، فتأمل.
# ثم إن استحباب السمعلة بعد الركوع إنما هو في غير صلاة الآيات، أما فيها
~~فيكبر إلا في الخامسة والعاشرة فهي كغيرها فيهما، لصحيحة محمد بن مسلم
~~وزرارة المتقدمة (7).
# وأفتى المحقق في المعتبر بكراهة الركوع ويداه تحت ثوبه (8)، وهو خيرة
~~المبسوط (9) وأبي الصلاح (10)، إلا أن أبا الصلاح كره كونهما في الكمين
~~أيضا.
# ولم يظهر لهم من الأخبار مستند واضح، ولكن لا بأس باتباع هؤلاء الأعيان
# PageV02P578
# فيما يتسامح في دليله مع تأمل في ذلك من جهة خصوص المقام، لصحيحة محمد بن
~~مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي ولا يخرج يديه عن
~~ثوبه، قال: " إن أخرج يديه فحسن، ms0596 وإن لم يخرج فلا بأس " (1).
# وعن ابن الجنيد: لو ركع ويداه تحت ثيابه جاز ذلك إذا كان عليه مئزرا
~~وسراويل (2).
# وربما يستشهد له (3) برواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل
~~يدخل يده تحت ثوبه، قال: " إن كان عليه ثوب آخر فلا بأس " (4).
# ويستحب التجنيح بالمرفق، لصحيحة زرارة (5) وغيرها (6)، ويرد ركبتيه إلى
~~العقب كما في صحيحة حماد (7)، ويفرج بين أصابع يديه كما في صحيحة زرارة
~~(8).
# ويستحب للمرأة إذا ركعت أن تضع يديها فوق ركبتيها على فخذيها، لئلا تطأطئ
~~كثيرا فترتفع عجيزتها، كما في حسنة زرارة (9)، أفتى بذلك جماعة من
~~المتأخرين (10).
# PageV02P579
# نقل عن الشيخ وجماعة من الأصحاب مساواة المرأة للرجل في جميع أحكام
~~الصلاة إلا في الجهر والاخفات (1).
# وقضية ذلك عدم الفرق إلا فيهما، وعلى هذا فيقع الاشكال في العمل على ما
~~تضمنته هذه الأسنة في هذا المقام، إذ الحد المقرر للركوع هو ما وصلت به
~~اليد إلى الركبتين، والانحناء بهذا القدر واجب، ولا شك أن ارتفاع العجيزة
~~تابع للانحناء لا لوضع اليد، فالتعليل بعدم ارتفاع العجيزة يقتضي إما عدم
~~وجوب الانحناء بالقدر المقرر للمرأة، أو يستلزم الالغاء للتعليل، لعدم
~~تأثير الوضع الكذائي في ارتفاع العجيزة، وعدمه بعد اعتبار أقل الواجب وعدم
~~التجاوز عنه.
# ويشكل تخصيص الاجماع الذي نقلوه في مقام تحديد الركوع (2) مع عدم فرق
~~أحدهم ثمة بين الرجل والمرأة بهذه الرواية التي لم يظهر اتفاقهم على العمل
~~عليها، بل ظهر عدمه، وإن كان العمل بها أيضا غير بعيد، لكون عمل الجماعة
~~هنا شاهدا على عدم وفاقهم ثمة على العموم.
# ويمكن أن يوجه بأن ملاحظة قضية النقل السابق كون التقام الركبة بالأصابع
~~أو وضع اليد مطلقا أو التجنيح بالمرفق في حال الركوع مستحبا للمرأة أيضا لو
~~لم يناف الأخير قوله عليه السلام في هذه الأسنة قبل ذلك: " وتضم يديها إلى
~~صدرها لمكان ثدييها " فإذا كانت مستحبة فلا شك أن الالتقام بالأصابع أو
~~مطلق الوضع بل والتجنيح بالمرفق أيضا يقتضي زيادة انحناء عن قدر الواجب،
~~لكثرة تنزل اليد وانحنائها ms0597 في هذه الصورة، بخلاف ما لو لم تفعل هذه الأمور.
# وتكتفي بالانحناء بمقدار أنها لو أرادت وصول اليد لوصلت، فيكون حينئذ
~~مراد المعصوم والله أعلم وقائله أن ترك هذا المكروه أحب من ارتكاب هذا
~~المستحب، فأمرها بترك استحباب الالتقام ونحوه، وأخذ استحباب عدم ارتفاع
~~العجيزة، وإلا
# PageV02P580
# فارتفاع العجيزة مع ترك الالتقام والوضع وغيرهما مع الاكتفاء بقدر الواجب
~~لا يتفاوت فيه الأمر بسبب وضع اليد فوق الركبة فتدبر.
# فائدتان:
# الأولى: قال في الذكرى: تجوز في الركوع والسجود الصلاة على محمد وآله صلى
~~الله عليه وآله، بل تستحب (1)، وصرح في الدروس أيضا بالجواز (2).
# ويدل عليه ما رواه الصدوق في كتاب ثواب الأعمال بسند معتبر كالصحيح، عن
~~محمد بن أبي حمزة، عن أبيه قال، قال أبو جعفر عليه السلام: " من قال في
~~ركوعه وسجوده وقيامه: اللهم صل على محمد وآل محمد، كتب الله له ذلك بمثل
~~الركوع والسجود والقيام " (3).
# الثانية: يستحب أن يكون ركوعه في صلاة الآيات بقدر زمان كل من قراءته
~~وقنوته، لصحيحة محمد بن مسلم وزرارة (4) وغيرها (5).
# PageV02P581
# المقصد السادس في السجود وفيه مباحث:
# الأول: تجب سجدتان في كل ركعة بإجماع المسلمين، بل وبضرورة الدين والآيات
~~(1) والأخبار المستفيضة (2).
# وهو في الشرع: الانحناء المخصوص.
# ويجب فيه أن ينحني حتى يساوي موضع جبهته موقفه تساويا متعارفا، وعفي عن
~~علوه عنه مقدار لبنة لا أزيد.
# أما عدم جواز الارتفاع أزيد منه فهو إجماع علمائنا كما يظهر من الفاضلين
~~(3)، ونسب الشهيد ذلك إلى الأصحاب أيضا (4)، وهو المنقول عن صاحب الشرع
# PageV02P582
# كما قالوه، ويظهر من الأخبار الكثيرة (1).
# وأما التحديد باللبنة في مرتبة الجواز فقد نسب إلى الشيخ (2)، واستدلوا
~~على ذلك بالحسن على الظاهر، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام،
~~قال:
# سألته عن السجود على الأرض المرتفعة، فقال: " إذا كان موضع جبهتك مرتفعا
~~عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس " (3).
# وقال في الكافي: وفي حديث آخر في السجود على الأرض المرتفعة، فقال:
# " إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن رجليك قدر لبنة فلا بأس " (4).
# وتعارضهما صحيحة ms0598 ابن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن موضع
~~جبهة الساجد أيكون أرفع من مقامه؟ فقال: " لا، ولكن يكون مستويا، أو ليكن
~~مستويا " (5) على اختلاف النسخ.
# ولا بد من توجيهها وحملها على الأفضلية، أو طرحها، لمخالفتها للخبرين
~~المعتضدين بالشهرة وعمل الأصحاب.
# وتشهد لحملها على الأفضلية صحيحة أبي بصير على الظاهر، قال: سألت أبا عبد
~~الله عليه السلام عن الرجل يرفع موضع جبهته في المسجد، فقال: " إني أحب أن
~~أضع وجهي في موضع قدمي " وكرهه (6).
# وألحق الشهيدان (7) الخفض بالرفع في هذا التحديد، تمسكا بموثقة عمار عن
~~الصادق عليه السلام، قال: سألته عن المريض أيحل له أن يقوم على فراشه ويسجد
# PageV02P583
# على الأرض؟ قال، فقال: " إذا كان الفراش غليظا قدر آجرة أو أقل استقام له
~~أن يقوم عليه ويسجد على الأرض، وإن كان أكثر من ذلك فلا " (1).
# وفي رواية محمد بن عبد الله عن الرضا عليه السلام قال، قلت: فيصلي وحده
~~فيكون موضع سجوده أسفل من مقامه، فقال: " إذا كان وحده فلا بأس " (2).
# وادعى العلامة في التذكرة الاجماع على جواز الصلاة إذا كان موضع السجود
~~أخفض (3)، وتدل عليه الاطلاقات أيضا، لكن الأولى تقييد الاطلاقات والاجماع
~~بالموثقة (4)، لأصول البراءة اليقينية.
# ومما ذكرنا يظهر وجه تأييد لحمل صحيحة ابن سنان المتقدمة على الاستحباب.
# ثم إن الاستواء المطلوب في الأخبار يحتمل معنيين: كون الأرض بحيث لو أخرج
~~من أحد طرفيه خط مستقيم إلى طرفه الآخر وجعل قاعدة لخط مستقيم آخر أحدث
~~زوايا قوائم، وكونه بحيث لو أخرج من أحد طرفيه خط مستقيم كان مماسا لتمام
~~ما يحاذيه من السطح بحيث لا يتجافى عنه أصلا.
# وعلى الثاني تندرج فيه الأرض المسطحة المنحدرة التي لم يكن فيها نبكات
~~وكومات، دون الأول.
# وعلى فرض الاندارج فلا يجوز الارتفاع عن سطح المنحدر في محل السجود أزيد
~~من قدر لبنة وإن صار بذلك مساويا للموقف، أو لم يبلغه أيضا، لاطلاق الأدلة.
# وكذا لا يضر على هذا لو كان الطرف الأعلى من المنحدر هو موضع السجود، وإن
~~كان أرفع ms0599 من الموقف بهذا المقدار، أو أكثر منه، وهكذا الكلام في جانب
# PageV02P584
# الانخفاض من جهة نفس الانحدار.
# وبالجملة تضر الكومات والنبكات إذا كانت أزيد من مقدار لبنة، ولا يضر
~~الارتفاع والانخفاض الذاتي للمنحدر وإن كان أزيد منه.
# وعلى فرض عدمه يصير الأمر بالعكس، فتضر الذاتيات إذا بلغت المقدار
~~المعلوم، وتنفع الكومات والنبكات لو صارت سببا للتساوي، أو مخرجا عن الحد
~~المحظور، وإن جاوزت هي بنفسها عن المقدار المذكور.
# وإلى أول الوجهين - أي فرض الاندراج - يشير كلام بعض المحققين رحمه الله،
~~حيث قال: ولا فرق في اعتبار عدم العلو بين الأرض المنحدرة وغيرها، لاطلاق
~~النص والفتوى (1).
# وانسحابه في عدم الانخفاض على القول باعتباره مشكل، لعدم العموم في النص
~~الذي هو مستنده، مع احتمال كلامه للوجه الثاني أيضا، أي فرض عدم الاندارج.
# والذي يقوى في نفسي هو الوجه الثاني، إذ البراءة لا تحصل إلا به.
# مع أن الظاهر من الاستواء هو المعنى الأول، بل الظاهر من إطلاق الأخبار
~~المانعة عن العلو أيضا ذلك فتدبر.
# وألحق بعض الأصحاب سائر المساجد بالجبهة (2)، ونقل عن العلامة في النهاية
~~أيضا القول بوجوب تساوي الأعالي والأسافل، أو انخفاض الأعالي (3)، ولم يظهر
~~وجهه، ولا ريب أن الأحوط تساوي الجميع.
# وأما ملاحظة سائر المواضع التي تكون ما بين المقام وموضع الجبهة، فلا
~~دليل على اعتبار شئ من ذلك فيها أصلا، فيجوز أن يسجد وما بين ركبتيه وجبهته
~~مرتفع
# PageV02P585
# أزيد من المقدار المقرر، أو انخفاض أزيد منه، وهكذا.
# تنبيه:
# لو وقعت جبهته على موضع مرتفع بأزيد من المقدار المقرر، فقد نقل عن
~~الفاضلين (1) وغيرهما (2) القطع بأنه يرفع رأسه ويسجد على المساوي، لعدم
~~تحقق السجود معه.
# ولرواية حسين بن حماد قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أسجد فتقع
~~جبهتي على الموضع المرتفع، قال: " ارفع رأسك ثم ضعه " (3).
# وفي رواية أخرى له عنه عليه السلام: عن الرجل يسجد على الحصى، قال:
# " يرفع رأسه حتى يتمكن " (4) وفي دلالتها على ما نحن فيه تأمل.
# وتعارضها صحيحة ابن سنان، عن حسين بن حماد، عنه عليه ms0600 السلام قال، قلت له:
~~أضع وجهي للسجود، فيقع وجهي على حجر أو على شئ مرتفع، أحول وجهي إلى مكان
~~مستو؟ قال: " نعم، جر وجهك على الأرض من غير أن ترفعه " (5).
# وصحيحة معاوية بن عمار قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا وضعت
~~جبهتك على نبكة فلا ترفعها، ولكن جرها على الأرض " (6).
# وتعارض روايته الأخيرة صحيحة علي بن جعفر على الظاهر، قال: سألت عن
# PageV02P586
# الرجل يسجد على الحصى، ولا يمكن جبهته من الأرض، قال: " يحرك جبهته حتى
~~يمكن، فينحي الحصى عن جبهته ولا يرفع رأسه " (1).
# ومع هذا يشكل ترك ظواهر هذه الأخبار المعتبرة، خصوصا مع صدق السجدة بمجرد
~~وضع الجبهة كما هو الظاهر، سيما لو لم يكن بذلك الارتفاع، فحملها على
~~الاستحباب والخبر الأول على الجواز مشكل، سيما مع كون الراوي في طرف
~~المعارض هو أيضا حسين بن حماد، فيظهر فيه وهن من هذه الجهة، وروايته هذه
~~معتضدة بصحيحة ابن عمار وغيرها.
# وأيضا ظهور الروايات المانعة في الدلالة أزيد منها، وهي أقبل للتوجيه،
~~فتحمل على أن المراد من الرفع والوضع هو الحاصل بالجر من العالي إلى
~~السافل.
# وبالجملة استصحاب شغل الذمة والاحتراز عن لزوم تعدد الركن على احتمال
~~يقتضي التزام العمل بتلك الروايات المعتبرة.
# وجمع المحقق بينهما بحمل الرواية الأولى على ما لو وضع جبهته على غير ما
~~يصح السجود عليه فلا يتعدد السجود، والروايات الأخر على ما يصح فيجب الجر
~~لئلا يتعدد (2)، وهو بعيد لما ذكرنا.
# وجمع بينهما في الاستبصار بحملها على صورة عدم التمكن من الجر، وحمل
~~غيرها على صورة التمكن (3)، والأوجه ما ذكرنا.
# ويظهر مما ذكرنا أنه لو وقعت جبهته على ثوب ونحوه، وإن لم يكن مرتفعا،
~~فالوجه جر الجبهة لا رفعها، كما اختاره الشيخ علي رحمه الله (4).
# أما الروايتان المتعارضتان في وضع الجبهة على الحصى فلعل الوجه في الجر
~~عنها
# PageV02P587
# أو الرفع والوضع هو حصول التعب بذلك، وعدم تحمل المصلي لذلك، أو كون
~~الحصى بالقدر الذي لا يكفي في السجود.
# والأخير بعيد بالنظر إلى الاكتفاء بالمسمى ms0601 كما هو التحقيق، وسيجئ إن شاء
~~الله تعالى، والأولى في ذلك أيضا العمل بالرواية الأخيرة، والله أعلم
~~بحقائق أحكامه.
# الثاني: من كان على جبهته دمل أو جراحة حفر حفيرة ليقع السليم منها على
~~الأرض، ومع التعذر فعلى أحد الجبينين، ومع التعذر فعلى الذقن على المشهور
~~بين الأصحاب.
# ويدل على الأول مضافا إلى إجماع العلماء كما قاله في المدارك (1)، وكونه
~~مقدمة للواجب المطلق، رواية مصادف قال: خرج بي دمل فكنت أسجد على جانب،
~~فرأى أبو عبد الله عليه السلام أثره، فقال: " ما هذا؟ " فقلت: لا أستطيع أن
~~أسجد من أجل الدمل، فإنما أسجد منحرفا، فقال لي: " لا تفعل، ولكن احفر
~~حفيرة واجعل الدمل في الحفيرة حتى تقع جبهتك على الأرض " (2).
# وعلى الثاني إجماع الأصحاب كما نقله في المدارك (3)، ويظهر من غيره أيضا
~~(4)، وعبارة الفقه الرضوي: " إن كان على جبهتك علة لا تقدر على السجود
~~فاسجد على قرنك الأيمن، فإن تعذر فعلى قرنك الأيسر، فإن لم تقدر فاسجد على
~~ظهر كفك، فإن لم تقدر فاسجد على ذقنك " ثم استشهد بالآية (5).
# PageV02P588
# وعلى الثالث مضافا إلى هذا ما رواه الكليني مرسلا عن الصادق عليه السلام:
# أنه سئل أبو عبد الله عليه السلام عمن بجبهته علة لا يقدر على السجود
~~عليها، قال:
# " يضع ذقنه على الأرض، إن الله تعالى يقول: (ويخرون للأذقان سجدا) " (1).
# وظاهر الأصحاب التخيير في الجبينين، والأولى مراعاة الترتيب لما ذكرنا،
~~وللخروج عن خلاف الصدوقين، حيث أفتيا بوفق العبارة المنقولة (2)، وهناك
~~أقوال أخر أدلتها ضعيفة.
# والأقوى ما ذهب إليه المشهور، ولا بد من تقييد المرسلة بالعاجز عن
~~الجبينين.
# وهل يجب كشف اللحية لو سجد على الذقن؟ فالاطلاق يقوي العدم، وعدم صدق
~~الذقن الوجوب، ولعل الأول أقرب.
# والمراد بالمشقة ما لا يتحمل عادة، وإن تمكن من تحمله بالعسر.
# والذي عجز عن السجود على النحو المطلوب يرفع موضع السجود بحيث يقدر على
~~وضع الجبهة عليه ويسجد عليه، لأنه مقدمة الواجب، ولأن الميسور لا يسقط
~~بالمعسور، والظاهر أنه إجماعي.
# وتدل عليه أيضا حسنة عبد الرحمن بن ms0602 أبي عبد الله - لثعلبة بن ميمون - عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل
~~بوجهه القبلة، وتجزئه فاتحة الكتاب، ويضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من
~~شئ، ويومئ في النافلة إيماءا " (3).
# ورواية إبراهيم بن أبي زياد الكرخي، رواها الشيخ في التهذيب والصدوق في
~~الفقيه قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل شيخ كبير لا يستطيع القيام
~~إلى الخلاء لضعفه، ولا يمكنه الركوع والسجود، فقال: " ليؤم برأسه إيماءا،
~~وإن
# PageV02P589
# كان له من يرفع الخمرة إليه فليسجد، وإن لم يمكنه ذلك فليؤم برأسه نحو
~~القبلة إيماءا " (1).
# ومع العجز عن ذلك مطلقا فليؤم بالرأس ثم بالعينين، والظاهر أنه لا خلاف
~~في ذلك بين الأصحاب.
# وأما صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام قال: سألته عن المريض، قال:
# " يسجد على الأرض، أو على مروحة، أو على سواك يرفعه، وهو أفضل من الايماء
~~" (2).
# وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن المريض إذا لم يستطع
~~القيام والسجود، قال: " يومئ برأسه إيماءا، وإن يضع جبهته على الأرض أحب
~~إلي " (3) فلا بد من تأويلهما، لمخالفتهما للأدلة السابقة المعمول بها عند
~~الأصحاب، لمتروكية ظاهر الخبرين عندهم، ومخالفته للأصول.
# وقد حاول الفاضل صاحب المدارك - رحمه الله - الاستدلال بهما على استحباب
~~وضع شئ على الجبهة حال الايماء (4)، وهو خلاف ظاهر الروايتين، سيما صحيحة
~~زرارة، فإنها كالصريحة (5) في التخيير بين السجود على الأرض أو الشئ
~~المرتفع والايماء، ومع القدرة على هذا لا يجوز الايماء، والمطلوب هو وضع شئ
~~على الجبهة حال الايماء بعد العجز عن ذلك، وتوجيههما بحيث يرجع إلى ذلك
~~بعيد غاية البعد، سيما الصحيحة.
# وقد يوجه بأن المراد منها الترديد بالنسبة إلى حالتي التمكن من السجود
~~على
# PageV02P590
# الأرض وغيره، والمراد برفع السواك والمروحة هو وضعهما على الجبهة (1).
# وقد روى هذه الصحيحة في الفقيه هكذا: سألته عن المريض كيف يسجد؟
# فقال: " على خمرة أو على مروحة " (2) الحديث، وعلى هذا التوجيه أسهل.
# ولا بد حينئذ من توجيه الحسنة أيضا بما يقرب من هذا، لكن ms0603 الاستدلال بمثل
~~هذا مشكل.
# نعم يمكن الاستدلال بمضمرة سماعة، قال: سألته عن المريض لا يستطيع
~~الجلوس، قال: " فليصل وهو مضطجع، وليضع على جبهته شيئا إذا سجد، فإنه يجزئ
~~عنه، ولن يكلف الله ما لا طاقة له به " (3).
# واستدل الشهيد بذلك، وبأن الواجب في السجود أمور، فإذا تعذر بعضها لم
~~يسقط الباقي، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور على وجوب الوضع، مع الاعتماد
~~كان أم لا (4). ولا يخفى أنه أولى وأحوط، لكن كونه بحيث يقيد الاطلاقات
~~الكثيرة مشكل.
# تتميم:
# إعلم أن ما ورد في صلاة العاجز وفاقد الساتر والأرض والخائف وغير ذلك من
~~الأمر بالايماء مختلف، فروايات صلاة المريض بعضها مطلق، وبعضها مخصوص بغمض
~~العين، وبعضها بالرأس.
# أما الروايات الواردة بغمض العين فهي في حال الاستلقاء، كمرسلة محمد بن
~~إبراهيم، عمن حدثه، عن الصادق عليه السلام، قال: " يصلي المريض قائما، فإن
# PageV02P591
# لم يقدر على ذلك صلى قاعدا، فإن لم يقدر صلى مستلقيا: يكبر ثم يقرأ، فإذا
~~أراد الركوع غمض عينيه ثم يسبح ثم يفتح عينيه، فيكون فتح عينيه رفع رأسه من
~~الركوع، فإذا أراد أن يسجد غمض عينيه ثم يسبح، وإذا سبح فتح عينيه، فيكون
~~فتح عينيه رفع رأسه من السجود " (1).
# وأما الايماء بالرأس فكثيرة، منها إذا استطاع المريض للجلوس، فقد روى في
~~الفقيه مرسلا عن أمير المؤمنين عليه السلام: " دخل رسول الله صلى الله عليه
~~وآله على رجل من الأنصار وقد شبكته الريح، فقال: يا رسول الله صلى الله
~~عليه وآله كيف أصلي؟ فقال: إن استطعتم أن تجلسوه فأجلسوه، وإلا فوجهوه إلى
~~القبلة ومروه فليؤم برأسه إيماءا، ويجعل السجود أخفض من الركوع " (2) وأما
~~المطلقات فكثيرة غاية الكثرة (3).
# فالذي تقتضيه الأصول والجمع بين الأخبار هو اختصاص الايماء بالعين في
~~صورة الاستلقاء ونحو ذلك.
# والظاهر أن ذلك لعدم القدرة على غير ذلك غالبا، وتقديم الايماء بالرأس
~~فيما يمكن غيره. فالاطلاقات موزعة بالقيدين في مواضعهما.
# وما يتخيل من الجمع بالتخيير (4) فلا وجه له، ولا تحصل البراءة اليقينية
~~إلا بالعمل بما اقتضاه المشهور.
# ومما ذكرنا ms0604 ظهر بعض أحوال الركوع أيضا، فتدبر.
# وهل الحكم في المذكورات حكم المبدل منه في الركنية والصحة والبطلان
# PageV02P592
# بالزيادة والنقصان؟ فيه وجهان، بالنظر إلى عموم البدلية، أو اشتراك
~~الركوع والسجود بينهما (معنى) (1)، وعدم تبادر ذلك منهما، ومنع العموم بهذا
~~المقدار، والأحوط اعتبار ذلك، بل الأقوى، لتوقف يقين البراءة على ذلك.
# وهل يعتبر قصد البدلية؟ فيه وجهان، ناشئان من الوجهين الأولين في أول
~~وجهي الترديد في المسألة المتقدمة.
# الثالث: السجدتان ركن في الصلاة، لا بالمعنى الشائع في سائر الأركان، بل
~~بمعنى أن زيادتهما معا مبطلة للصلاة، ونقصانهما معا.
# وذكروا في وجه ركنية السجدة بحيث يجامع ما ذكروه في معنى الركن وجوها
~~ضعيفة.
# وأوجهها ما ذكره العلامة المجلسي - رحمه الله - في البحار، وهو أن الركن
~~المفهوم المردد بين سجدة واحدة بشرط لا، وسجدتين لا بشرط شئ، فإذا أتى
~~بواحدة سهوا فقد أتى بفرد من الركن، وكذا إذا أتى بهما، ولا ينتفي الركن
~~إلا بانتفاء الفردين بأن لا يسجد أصلا، وإذا سجد ثلاث سجدات لم يأت إلا
~~بفرد واحد، وهو الاثنان لا بشرط شئ، وأما الواحدة الزائدة فليست فردا له
~~لكونها مع أخرى، وما هو فرد له على هذا الوجه هو بشرط أن لا يكون معها شئ
~~وإذا أتى بأربع فما زاد أتى بفردين من الاثنتين، قال: وهذا وجه متين لم أر
~~أحدا سبقني إليه، ومع ذلك لا يخلو من تكلف (2)، انتهى.
# والأولى ما ذكرنا، لعدم ذكر الركن في الأخبار، وأما كلام العلماء فمخصص
~~بغير حكم السجدتين، ونظيره في كلامهم كثير، منها ما أشرنا إليه في ركوع
~~المرأة (3).
# PageV02P593
# وبالجملة معنى الركنية في كلامهم إنما يثمر فيما قام الدليل عليه في
~~محتملات موردها، وهو يحتاج إلى تأمل صادق.
# ومما يقع فيه الاشكال ركنية القيام المتصل بالركوع، والذي يمكن أن ينزل
~~عليه بحيث يتعين له مصداق وتترتب عليه الأحكام هو جعله شأنا من شؤون
~~الركوع، فيقال: إن الركوع ركن، وكون الركوع عن قيام ركنا آخر.
# وذلك لأن من أحكام الركن أنهم ذكروا أن من سها عن ms0605 جزء من الصلاة فيجب
~~عليه الاتيان به ما لم يدخل في ركن آخر.
# ولا يمكن حصول العلم بالدخول في القيام المتصل بالركوع إلا إذا تحقق
~~الركوع، ألا ترى أنهم حكموا بأن ناسي التشهد يتداركه ما لم يركع، ونطقت
~~بذلك الأخبار المستفيضة (1) كما سيجئ، ولم يقولوا ما لم يدخل في القيام
~~المتصل بالركوع.
# فلو فرض أنه هوى من القيام إلى الركوع، وتذكر أنه لم يتشهد قبل أن يصل
~~إلى حد الراكع، فيرجع ويتشهد ولا يلزم منه تعدد الركن، إذ علمت أن معنى
~~القيام المتصل بالركوع لا يتحقق إلا بالركوع عن قيام، وهو لم يتحقق بعد.
# وبالجملة جميع أجزاء القيام قبل الركوع قابلة لأن تصير ركنا، ولا تحصل
~~فعلية الركن إلا بتحقق الركوع الحقيقي في جزء من تلك الأجزاء.
# فهذا الركن لا تظهر له ثمرة في الزيادة، وإنما تظهر ثمرته في الترك،
~~لامكان تحقق الركوع بدون القيام المتصل به، وعدم إمكان تحقق الركوع عن قيام
~~بدونه، وأما الزيادة فلا تحصل إلا بتكرير الركوع، ومع تكرير الركوع فلا
~~ثمرة في تعدد القيام المتصل به.
# واعلم أن الثمرة في النقصان أيضا إنما تظهر لو انفك عن القيام في حال
~~التكبير، وإلا فيتداخل معه، كما لو أراد المأموم أن يلحق بالإمام في حال
~~الركوع مستعجلا
# PageV02P594
# فلا يجب لتصحيح صلاته قيام آخر غير القيام حال التكبير ومعه حصل القيامان
~~معا.
# ومن ذلك يظهر عدم الثمرة في القيام حال التكبير في حال الزيادة أيضا،
~~لعدم انفكاكه عن الزيادة في التكبير، فما ذكروه من الأحكام في الأركان لا
~~يجب أن يتحقق جميعها في جميعها، بل هو حكم جميعها.
# فلنرجع إلى ما كنا فيه ونقول: فلا تبطل زيادة سجدة سهوا، ولا نقصانها
~~كذلك، وإذا تذكرها قبل الركوع يأتي بها، وكذا السجدتين، هذا هو المشهور بين
~~الأصحاب.
# وأما بطلان الصلاة بتركهما معا وبزيادتهما معا فهو في الجملة إجماع
~~العلماء كافة، قاله في المعتبر (1)، وادعى الاجماع أيضا في التذكرة (2).
# وتدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة: " لا تعاد الصلاة إلا من خمس " (3) وأن ms0606
~~التارك لهما أو الزائد عليهما مخرج للعبادة عن الهيئة المطلوبة، فيبقى تحت
~~عهدة التكليف. وتؤيده رواية معلى الآتية (4).
# وخالف في هذه الأحكام الشيخ في المبسوط، حيث جعلهما ركنا في الأوليين
~~وثالثة المغرب خاصة (5)، وذلك لما عرفت سابقا من أنه كان يجوز التلفيق في
~~غير الأوليين والمغرب في مبحث الركوع، وهو كان يستلزم تكرار السجدتين.
# وفي التهذيب، حيث أوجب الإعادة بترك السجدة الواحدة من الأوليين (6).
# وابن أبي عقيل حيث اختار هذا ولم يخصص بالأوليين (7).
# PageV02P595
# والأقوى في جميع ذلك المشهور.
# لنا: على الأول مضافا إلى ما سبق هنا عموم ما ذكرنا في مبحث الركوع
~~لاثبات بطلان الصلاة بزيادته سهوا، ولا خصوصية لها بالأوليين وثالثة
~~المغرب.
# وقد عرفت الجواب عما استدل به في مبحث الركوع على جواز التلفيق، وقد
~~ذكرنا أن نظره (1) في تخصيص الأخيرتين من الرباعية إلى ماذا، وأن دليله في
~~التلفيق ماذا، لكنه لا دليل له في التلفيق ههنا.
# وإلحاق السجدتين بالركوع من غير دليل كما وجهه في المختلف (2) لا وجه له.
# فالذي تقتضيه الأدلة هو بطلان الصلاة بزيادتهما مطلقا وتركهما معا مطلقا،
~~وتخصيص الأدلة القوية بغير الأخيرتين من الرباعية من دون دليل لا وجه له.
# وعلى الثاني الاطلاق وترك الاستفصال في الأخبار المعتبرة، منها صحيحة أبي
~~بصير، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عمن نسي أن يسجد سجدة واحدة
~~فذكرها وهو قائم، قال: " يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فإن كان قد ركع
~~فليمض على صلاته، فإذا انصرف قضاها وحدها وليس عليه سهو " (3).
# ومنها صحيحة إسماعيل بن جابر عنه عليه السلام: في رجل نسي أن يسجد السجدة
~~الثانية حتى قام، فذكر وهو قائم أنه لم يسجد، قال: " فليسجد ما لم يركع،
~~فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم، ثم يسجدها
~~فإنها قضاء " (4).
# ومنها موثقة عمار عنه عليه السلام: في رجل نسي سجدة، فذكرها بعد ما قام و
# PageV02P596
# ركع، قال: " يمضي في صلاته ولا يسجد حتى يسلم، فإذا سلم سجد مثل ما فاته
~~" قلت: فإن ms0607 لم يذكر إلا بعد ذلك؟ قال: " يقضي ما فاته إذا ذكره " (1).
# ومنها صحيحة ابن أبي يعفور، عنه عليه السلام، قال: " إذا نسي الرجل سجدة
~~وأيقن أنه قد تركها فليسجدها بعد ما يقعد قبل أن يسلم، وإن كان شاكا فليسلم
~~ثم ليسجدها، وليتشهد تشهدا خفيفا، ولا يسميها نقرة، فإن النقرة نقرة الغراب
~~" (2).
# واستدل الشيخ بصحيحة ابن أبي نصر البزنطي، عن الرضا عليه السلام، قال:
~~سألته عن رجل صلى ركعة ثم ذكر وهو في الثانية وهو راكع أنه ترك سجدة من
~~الأولى، فقال: " كان أبو الحسن عليه السلام يقول: إذا تركت السجدة في
~~الركعة الأولى ولم تدر واحدة أم ثنتين استقبلت الصلاة حتى تصح لك ثنتان،
~~وإذا كان في الثالثة والرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون قد حفظت الركوع أعدت
~~السجود " (3).
# ولا يخفى أن هذا الخبر غير متناسق الدلالة، غير منطبق على واحد من الأصول
~~على ظاهره كما لا يخفى.
# وغاية توجيهه بما يقرب من مقصود الشيخ هو أن يكون المراد من قوله عليه
~~السلام: " لم تدر واحدة أم ثنتين " أنك لم تدر أن المتروك هو واحدة أو
~~ثنتين، وهذا أيضا لا يقتضي أثبات تمام المطلب، وللخبر تأويلات وتوجيهات لا
~~طائل تحتها، فأعرضنا عن ذكرها.
# وما كان هذا شأنه فكيف تخصص به الأخبار الصحيحة الظاهرة الدلالة المعمول
~~بها عند الأصحاب، مع أن الشهيد - رحمه الله - ادعى عليه الاجماع
# PageV02P597
# على ما نقل عنه (1).
# وهو معارض بخبر محمد بن منصور، قال: سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية
~~من الركعة الثانية أو شك فيها، فقال: " إذا خفت أن لا تكون وضعت وجهك إلا
~~مرة واحدة، فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة، وتضع وجهك مرة واحدة، وليس عليك سهو
~~" (2) ورواية معلى بن خنيس صريحة أيضا وستأتي.
# وإذا عرفت هذا فاعلم أن نظر الشيخ في هذا التخصيص أيضا إلى ما ذكرنا
~~سابقا من أنه لا وهم في الأوليين والثالثة، ولازمه بطلانهما بمطلق الوهم،
~~ومن هذا يلزمه القول بأن زيادة سجدة فيهما أيضا مبطلة، وتدفعه الاطلاقات
~~والعمومات الكثيرة، سيما ms0608 الخبران اللذان ذكرناهما في مبحث الركوع:
# " ولا تفسد الصلاة بزيادة سجدة " (3) وفيهما إشعار بمذهب المشهور في
~~النقصان أيضا، فراجع وتأمل، مع أنا ذكرنا وسنذكر - إن شاء الله - أنه لا
~~وجه لنفي الوهم فيهما مطلقا.
# ويدل على تعميم ابن أبي عقيل ما رواه معلى بن خنيس في الضعيف، قال:
# سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام في الرجل ينسى السجدة من صلاته، قال:
# " إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته، ثم سجد سجدتي السهو بعد
~~انصرافه، وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة، ونسيان السجدة في الأوليين
~~والأخيرتين سواء " (4).
# وفي طريق هذا الخبر ضعف وإرسال، واشتهر أن معلى بن خنيس قتل في
# PageV02P598
# زمان الصادق عليه السلام، فكيف يروي عن الكاظم عليه السلام؟! ويمكن دفع
~~هذا الايراد.
# وبالجملة لا يصلح هذا الخبر لتقييد أقوى منه بمراتب شتى.
# وحملها الشيخ على أن المراد من السجدة السجدتين (1)، وهو غير بعيد.
# ثم اعلم أن صريح صحيحة أبي بصير ورواية ابن منصور المتقدمتان وظواهر سائر
~~الأخبار المعتبرة المذكورة ههنا عدم وجوب سجدتي السهو فيما لو سها سجدة،
~~ونسب ذلك إلى ابن أبي عقيل (2) وابن بابويه (3).
# والمشهور بين الأصحاب وجوبهما، ونقل العلامة عليه الاجماع في التذكرة
~~والمنتهى (4)، واستدلوا على ذلك برواية ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن
~~سفيان بن السمط، عن الصادق عليه السلام، قال: " تسجد سجدتي السهو في كل
~~زيادة تدخل عليك أو نقصان " (5) وأما ما تشعر به رواية معلى فلا يمكن
~~التعويل عليه.
# وبالجملة إما لا بد من تخصيص الخبر بهذه الأدلة القوية، أو حمله على
~~الاستحباب، لكون المخرج منه بالأدلة من الكثرة بمكان لا يرضى المحققون بمثل
~~هذا التخصيص، ويكون المثبت للوجوب في الموارد الأدلة الخارجية.
# وعلى الثاني يبقى الاجماع معارضا لتلك الأدلة، وهي معتضدة بالأصل، وهو
~~اشتغال الذمة بالعبادة التوقيفية، والمسألة محل تردد، ولعل القول
~~بالاستحباب يكون أقوى، والأولى عدم تركهما.
# PageV02P599
# ثم إن الدليل على وجوب تدارك السجدة أو السجدتين قبل الركوع قد ظهر مما
~~ذكرناه في المباحث السابقة، وما ذكرنا ههنا أيضا ms0609 من الأخبار.
# والذي تقتضيه الأدلة هو ملاحظة حال الطمأنينة بين السجدتين أيضا، فإذا
~~كان المنسي السجدة الثانية مع الطمأنينة بينهما فتجب الطمأنينة ثم السجود.
# ونقل عن المفيد - رحمه الله - القول بأن من ترك سجدتين من ركعة واحدة
~~أعاد على كل حال، وإن نسي واحدة منهما ثم ذكرها في الركعة الثانية قبل
~~الركوع أرسل نفسه وسجدها ثم قام (1)، ومستند التفصيل غير واضح.
# وحكم الشك في السجود حكمه في الركوع للصحاح المتقدمة (2).
# الرابع: يجب السجود على سبعة أعضاء: الجبهة، والكفين، والركبتين، وإبهامي
~~الرجلين، وهو المعروف من مذهب الأصحاب، لا نعرف فيه مخالفا، إلا ما نقل عن
~~السيد - رحمه الله - من أنه جعل عوض الكفين المفصل عند الزندين (3)، وادعى
~~عليه في التذكرة إجماع علمائنا (4)، وكذا في الذكرى (5).
# وتدل عليه صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: السجود على سبعة أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين،
~~والإبهامين، وترغم بأنفك إرغاما، فأما الفرض فهذه السبعة، وأما الارغام
~~بالأنف فسنة من النبي صلى الله عليه وآله " (6).
# PageV02P600
# وصحيحة حماد فيما علمه الصادق عليه السلام: أنه سجد على الثمانية الأعظم:
~~الكفين، والركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والجبهة، والأنف، وقال:
# " سبعة منها فرض، ووضع الأنف على الأرض سنة " (1).
# وهذان الخبران مشتملان على المجموع في الأخبار وما يستفاد منها متفرقة
~~أيضا.
# ثم إن الخبرين مطلقان، ويحصل الامتثال بمجرد المسمى، لصدق الطبيعة بإيجاد
~~فرد ما منها، وكأنه لا خلاف في ذلك بين الأصحاب في غير الجبهة.
# نعم يظهر من العلامة في المنتهى التردد في الكف، فقال: هل يجب استيعاب
~~جميع الكف بالسجود؟ عندي فيه تردد، والحمل على الجبهة يحتاج إلى دليل،
~~لورود النص في خصوص الجبهة، إلى آخر ما قال (2).
# ولعل نظره - رحمه الله - إلى أن هذه الأعضاء أسامي لمجموعها حقيقة، ومجاز
~~في البعض، فالأصل الحقيقة، وأما الركبتان والإبهامان لما خرجا بالدليل من
~~جهة عدم القدرة على وضع التمام فيهما، أو الاتفاق على جواز المسمى، وكذلك
~~الجبهة لما سنحققه، فتبقى اليد مندرجة تحت العموم.
# ولا يخفى أن ms0610 المصلي متمكن من وضع تمام الكف، وصدق وضع الكف على وضع بعضها
~~لعله في مقام المنع، فلا بد من وضعها كذلك، سيما مع الشك في البراءة عنه
~~إلا بذلك.
# ويمكن القدح في ذلك بأن كون هذه حقيقة في الكل مسلم، لكن وضعها يكون
~~حقيقة في وضع الكل في مقام المنع، والكلام إنما هو في المضاف فتدبر.
# والمشهور بين الأصحاب والمنقول عن ظاهر علمائنا إلا المرتضى - رحمه الله
~~-
# PageV02P601
# عدم الاجتزاء إلا بالباطن (1) و (2)، لأن ذلك هو المعهود من صاحب الشرع،
~~فلا يجوز وضع الظاهر على الأرض.
# وظاهر الخبرين الاطلاق بالنظر إلى الباطن والظاهر ككلام الأصحاب، والخبر
~~الأول بالنظر إلى الأنملة وغيرها.
# والأظهر جواز الاكتفاء بمسمى وضع الابهام، والأولى وضع الأنامل كما يظهر
~~من خبر حماد، وأما الاعتماد على الظاهر أو الباطن فلم يظهر من الأخبار،
~~ولعل الثاني آنس وأقرب بالمعهود والمتعارف.
# وأما قول السيد - رحمه الله - فلم يظهر وجهه.
# ويتحقق السجود بالاعتماد على هذه الأعضاء كما نقل عن صريح جماعة من
~~الأصحاب (3)، وهو الظاهر من معنى السجود أيضا، فإذا سجد على مثل لحاف فيه
~~قطن، أو صوف يجب الاعتماد حتى يستقر، ثم يحسب من سجدته.
# وأما الجبهة فالأقوى فيها أيضا الاجتزاء بمسمى الوضع، وفاقا لأكثر
~~الأصحاب.
# لنا: الأخبار الكثيرة المعتبرة، ففي صحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السلام
~~قال، قلت: الرجل يسجد وعليه قلنسوة أو عمامة، قال: " إذا مس شئ من جبهته
~~الأرض فيما بين حاجبيه وقصاص شعره فقد أجزأ عنه " (4).
# وصحيحته الأخرى عن الصادق عليه السلام، قال: " ما بين قصاص الشعر إلى طرف
~~الأنف مسجد، أي ذلك أصبت به الأرض أجزأك " (5) وموثقة عمار
# PageV02P602
# عنه عليه السلام مثلها (1).
# وفي رواية بريد بن معاوية العجلي عن الباقر عليه السلام، قال: " الجبهة
~~إلى الأنف، أي ذلك أصبت بها الأرض في السجود أجزأك، والسجود عليه كله أفضل
~~" (1).
# وفي ذيل صحيحة زرارة التي أوردناها في سجود العاجز: " إنما كره من كره
~~السجود على المروحة من أجل الأوثان التي كانت تعبد من دون الله، وإنا لم
~~نعبد ms0611 غير الله قط، فاسجد على المروحة وعلى السواك وعلى عود " (2) إلى غير
~~ذلك من الأخبار (4).
# وذهب ابن بابويه وابن إدريس إلى اعتبار مقدار الدرهم (5)، ولعل مستندهما
~~في ذلك حسنة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " الجبهة كلها من قصاص شعر
~~الرأس إلى الحاجبين موضع السجود، فأيما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك مقدار
~~الدرهم، أو مقدار طرف الأنملة " (6) وهو كما ترى ينادي بخلاف مذهبهم.
# اللهم إلا أن يجعل مقدار طرف الأنملة عطفا تفسيريا، ويكون مرادهم هذا
~~القدر، ولا يخفى ما فيه.
# ونقل عن ابن الجنيد القول بوجوب وضع تمام الجبهة (7)، وتدل عليه صحيحة
# PageV02P603
# علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن المرأة تطول قصتها،
~~فإذا سجدت وقع بعض جبهتها إلى الأرض وبعضها يغطيها الشعر، هل يجوز ذلك؟
~~قال: " لا، حتى تضع جبهتها على الأرض " (1) وهي محمولة على الأفضلية
~~لمعارضتها بأقوى منها، وتشهد له رواية العجلي المتقدمة.
# وأعلم أن الظاهر من هذه الرواية وصحيحة زرارة وموثقة عمار أن الجبهة ما
~~بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف، ومن غيرها يظهر أنها منه إلى الحاجبين.
# وعلى الأول يلزم دخول البياض المتوسط بين الحاجبين فوق الأنف في الجبهة،
~~وعلى الثاني خروجه منها ودخول الحاجبين فيها.
# ويمكن البناء على الأول والقول بأن المراد من الانتهاء إلى الحاجبين حيث
~~ما ينتهي إليهما، وههنا لم ينته إليهما لانتفائهما ههنا، فيدخل في الجبهة،
~~ومنع دخول الحاجبين لأن من المعلوم أنه يصح سلب اسم الجبهة عنهما، ولا شك
~~أنه لا يجب السجود على غيرها.
# وأما تحديد الجبهة بذلك فلا ينافي ذلك أيضا، لأنها مطلقة، وانتهاؤها إليه
~~في الجملة لا يستلزم انتهاؤها إلى كل ما يحاذيه أيضا.
# مع احتمال البناء على الثاني أيضا، والتزام أن المراد من الانتهاء إلى
~~الحاجبين ما يحاذيهما أيضا، والترجيح للأول.
# والحق أن النزاع في ذلك إنما يثمر (2) غالبا على القول المختار، لأن بعض
~~هذا البياض مما ينبغي أن لا يعتنى به من باب مقدمة الأنف، وعدم الخروج عن
~~الجبهة (3)، فلا يبقى إلا ms0612 قليل.
# ويشكل فيما لو دار الأمر بين ذلك القليل وبين الجبين أو الذقن، والحكم
~~بأن
# PageV02P604
# الاحتياط هو جعله من الجبهة أيضا مشكل حينئذ، ولعل كونه منها أقرب، والله
~~تعالى يعلم حقائق أحكامه.
# الخامس: لا يجوز السجود إلا على الأرض ونباتها الذي لا يؤكل ولا يلبس
~~بالاجماع، كما نقله جماعة من الأصحاب (1).
# وتدل على ذلك الروايات المستفيضة، منها صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، قال له: أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز؟
# قال: " السجود لا يجوز إلا على الأرض، أو على ما أنبتت الأرض، إلا ما أكل
~~أو لبس " (2).
# وصحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول:
# " السجود على ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس " (3).
# وحسنة زرارة - لإبراهيم - عن أبي جعفر عليه السلام قال، قلت له: أسجد على
~~الزفت، يعني القير؟ فقال: " لا، ولا على الثوب الكرسف، ولا على الصوف، ولا
~~على شئ من الحيوان، ولا على طعام، ولا على شئ من ثمار الأرض، ولا على شئ من
~~الرياش " (4) ورواها في الكافي بطريق صحيح أيضا.
# ورواية أبي العباس - وفي طريقها قاسم بن عروة - قال، قال أبو عبد الله
~~عليه السلام: " لا تسجد إلا على الأرض، أو ما أنبتت الأرض، إلا
# PageV02P605
# القطن والكتان " (1).
# وحسنة بريد العجلي - لإبراهيم - عن أحدهما عليهما السلام، قال: " لا بأس
~~بالقيام على المصلى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الأرض، فإن كان من
~~نبات الأرض فلا بأس بالقيام عليه والسجود عليه " (2).
# وصحيحة حمران عن أحدهما عليهما السلام، قال: " كان أبي يصلي على الخمرة
~~يجعلها على الطنفسة ويسجد عليها، فإذا لم يكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث
~~يسجد (3).
# ورواية الحلبي - وليس فيها إلا محمد بن سنان - قال، قال أبو عبد الله
~~عليه السلام:
# " ودعا أبي بالخمرة فأبطأت عليه، فأخذ كفا من حصباء فجعله على البساط ثم
~~سجد " (4).
# وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي
~~على الرطبة النابتة ms0613 قال، فقال: " إذا ألصق جبهته بالأرض فلا بأس ". وعلى
~~الحشيش النابت الثيل، وهو يصيب أرضا جددا، قال: " لا بأس " (5).
# وعلى ما ذكرنا ينقدح عدم جواز السجود على المعادن، كالذهب، والفضة،
~~والزرنيخ، والعقيق، وكل مستحيل منها كالزجاجة ونحوها، وعلى ما يؤكل
# PageV02P606
# ويلبس من نباتها.
# أما الأول فلعدم صدق الأرض على المعادن ونظائرها، وقد ثبت من الحصر في
~~الروايات عدم الجواز على غير الأرض وما نبت منها، ولرواية يونس بن يعقوب عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، قال: " لا يسجد على الذهب والفضة " (1).
# وصحيحة محمد بن الحسين: إن بعض أصحابنا كتب إلى أبي الحسن الماضي عليه
~~السلام يسأله عن الصلاة على الزجاج، قال: فلما نفذ كتابي إليه تفكرت وقلت:
~~هو مما أنبتت الأرض، وما كان لي أن أسأله عنه، فكتب إليه: " لا تصل على
~~الزجاج، وإن حدثتك نفسك أنه مما أنبتت الأرض، ولكنه من الملح والرمل، وهما
~~ممسوخان " (2).
# قال الفاضل المجلسي في شرح الفقيه: أي خرجا بالاستحالة عن اسمها، فيفهم
~~من التعليل عدم جواز السجود على كل مستحيل (3).
# وأما الثاني فيظهر وجهه أيضا مما ذكرنا.
# ثم إن الروايات اختلفت في جواز السجود على القير (4)، وقضية الأدلة
~~السابقة عدم الجواز، ولعله كان وفاقيا بين الأصحاب أيضا.
# ويدل عليه - مضافا إلى ما ذكرنا من الاطلاقات، وخصوص حسنة زرارة - رواية
~~محمد بن عمر بن سعيد عن الرضا عليه السلام، قال: " لا يسجد على القفر، ولا
~~على القير، ولا على الصاروج " (5).
# PageV02P607
# وفي مقابلتها أخبار تدل على الجواز، منها صحيحة معاوية بن عمار، قال: سأل
~~المعلي بن خنيس أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن السجود على القفر
~~وعلى القير، فقال: " لا بأس " (1).
# وصحيحته الأخرى: في الصلاة في السفينة: " ويصلي على القير والقفر ويسجد
~~عليه " (2).
# وصحيحته الأخرى: إنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن السجود على القار،
~~قال: " لا بأس به " (3).
# وفي رواية أخرى: " إنه من نبات الأرض " (4).
# ولا بد من حمل المذكورات على التقية.
# وضعف الرواية المذكورة لا يضر مع اعتضادها بحسنة زرارة بل ms0614 صحيحته، وصحيحة
~~هشام، وغيرهما من الاطلاقات، سيما مع اشتهار العمل بها، بل وكونها إجماعية،
~~فلا وجه للحمل على الكراهة كما يتوهم (5).
# والمنقول عن ظاهر كثير من الأصحاب عدم جواز السجود على الجص، ويمكن
~~الاستدلال على ذلك بالحصر المعلوم، وادعاء أنه لا يسمى أرضا.
# ولا يخفى أن لزوم اخراج الأجزاء المنفصلة عن الأرض لو سلم عدم صدقها
~~عليها حقيقة من الشطر المنفي في الحصر لا يستلزم (عدم) (6) اعتبار حصرها
~~وعدم
# PageV02P608
# الاعتناء بها كما يتوهم، فإن الاجماع والأدلة مثل الاستصحاب وغيرها
~~أخرجتها ونهضت على جواز الصلاة عليها، والعام حجة في الباقي، ولم يثبت مخرج
~~للجص، فيبقى تحت عموم النفي مندرجا، لعدم كونه أرضا ولا ما نبت منها، ولولا
~~ذلك لا نسد باب الاستدلال بالعمومات والأخبار الكثيرة، مثل ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾ (1) وغير
~~ذلك، وهو كما ترى، هذا.
# ولكن نفي اسم الأرض عن أرض الجص قبل الطبخ مشكل، فالظاهر جواز السجود
~~عليه مع ذلك، وبعد طبخه حكم الجواز مستصحب.
# والتمسك بأنه تغير الموضوع فيه فيستلزم انتفاء الحكم أيضا; مشكل، لمنع
~~ذلك، ولعدم ثبوت ذلك الحكم مطلقا.
# ويمكن استشعار المنع من العلة المنصوصة في حديث الزجاجة أيضا.
# ويدل على جواز السجود - كما ذهب إليه الشيخ في المبسوط (2) ويظهر من ابن
~~بابويه أيضا (3) - صحيحة الحسن بن محبوب عن أبي الحسن عليه السلام: أنه
~~سأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد، أيسجد
~~عليه؟
# فكتب إليه بخطه عليه السلام: " إن الماء والنار قد طهراه " (4).
# فإن الظاهر أن جواب المعصوم عليه السلام مطابق لتمام السؤال، إذ السؤال
~~كان عن جواز السجود على مثل هذا الجص الذي يتردد في نجاسته، فكأن جواز
~~السجود مطلقا كان مفروغا عنه، وكان يسأل عن خصوص المادة، فأجابه عليه
~~السلام بأن هذا لا يصير سببا لمنع السجود، فإن النار والماء طهراه.
# PageV02P609
# وقد يوجه بأن ظاهر جواب المعصوم عليه السلام يكشف عن أن الاستشكال كان من
~~جهة التردد في النجاسة، وأن الانسان في حال السجود ms0615 قل ما ينفك عن ملاقاته
~~لذلك المكان، فهل هو طاهر ولا تضر ملاقاته أم لا؟ فأجاب عليه السلام بما
~~أجاب.
# وبالجملة المسألة محل تردد، والاحتياط يقتضي الاحتراز عنه حسب ما أمكن.
# ويظهر من كلام جماعة من المتأخرين القطع بجواز السجود على الخزف (1)، وقد
~~استدل بعضهم على ذلك بصدق الاسم عليه، وبالجملة لم نجد الحكم بعدم الجواز
~~من واحد منهم.
# والاطلاقات والأدلة تقتضي عدم الصحة، ولا نص فيها على الجواز بالخصوص،
~~واستفادة ذلك من الخبر السابق دونه خرط القتاد، فإن ثبت الاجماع في المسألة
~~فهو المعتمد، ولم أقف على دعواه صريحا من أحد، وإلا فلا ريب أن السجود عليه
~~مشكل.
# وعبارة فقه الرضا عليه السلام ظاهرة في عدم جواز السجود على الآجر (2).
# والكلام فيه نظير ما سبق فتدبر. وهذا ما يتعلق بنفس الأرض.
# وأما ما ينبت منها وكان مأكولا أو ملبوسا فلا خلاف في عدم السجود عليه
~~إلا في موضعين:
# الأول: القطن والكتان، وخالف فيهما السيد المرتضى - رحمه الله - فيجوز
~~السجود عليهما (3)، والاستدلال المنقول عنه اعتبار ضعيف لا يعتمد عليه.
# وجوز العلامة في النهاية السجود على القطن والكتان قبل غزلهما (4)، وهو
~~أيضا ضعيف.
# PageV02P610
# وتدل على الجواز رواية داود الصرمي قال: سألت أبا الحسن الثالث عليه
~~السلام، هل يجوز السجود على الكتان والقطن من غير تقية؟ فقال: " جائز "
~~(1).
# ورواية الصنعاني قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن
~~السجود على القطن والكتان من غير تقية، ولا ضرورة، فكتب إلي: " جائز " (2)
~~وربما يستفاد من بعض الأخبار الضعيفة أيضا (3).
# وأما ما روي عن الباقر عليه السلام: إنا نكون بأرض باردة يكون فيها
~~الثلج، أفنسجد عليه؟ فقال: " لا، ولكن اجعل بينك وبينها شيئا قطنا أو كتانا
~~" (4) فلا دلالة فيه أصلا، لأن الظاهر منه كونه فاقدا للأرض، ومع فقد الأرض
~~وعدم وجدان غير الثلج لا بد من بسط ثوب على الثلج كما هو منصوص عليه في
~~موثقة عمار (5)، وهو أعم من القطن والكتان أيضا، فلاحظ الأخبار في باب فاقد
~~الأرض (6).
# وبالجملة تبقى المعارضة بين ms0616 تلك الأخبار والأخبار التي ذكرناها، مثل
~~صحيحتي هشام (7) وحماد (8)، وحسنة زرارة (9)، وخصوص رواية أبي العباس (10).
# PageV02P611
# ولا يخفى أن الترجيح لها، لكثرتها، واعتبار أسنادها، واعتضادها بعمل
~~الأصحاب، وبالإجماع المنقول عن السيد في المصباح على ذلك (1)، وتلك الأخبار
~~محمولة على التقية والاضطرار، ولا تنافي الحمل على التقية رواية الصنعاني
~~كما لا يخفى على المتأمل.
# وقد يتوهم أن تلك الأخبار تفيد جواز السجود على القطن والكتان، فلا تنافي
~~بينها وبين عدم الجواز على الثوب القطن أو ما ليس من النبات، فيجوز السجود
~~على القطن والكتان قبل أن يصيرا ثوبا، لعدم كونهما ثوبا ولا ملبوسا.
# ولا يخفى ما فيه، لأن المراد مما أكل ولبس في الأخبار هو ما من شأنه ذلك
~~كما يفهم في العرف، فلا وجه للقول بعدم المنافاة، والتخصيص بغيرهما من جهة
~~تلك الأخبار إنما يصح لو ثبتت المقاومة، وقد عرفت الحال.
# مع أن رواية أبي العباس صريحة في المطلوب، وسندها أيضا أقوى من تلك
~~الأخبار، مع اعتضادها بما ذكرنا.
# ويظهر مما ذكر ضعف قول العلامة أيضا، مع أن مجرد الغزل لا يوجب إطلاق
~~الملبوس عليه حقيقة.
# وقد ورد في بعض الأخبار النهي عن السجود على الصوف ونحوه (2)، وهو أيضا
~~دال على بطلان قوله بضميمة عدم القول بالفصل.
# الثاني: الحنطة والشعير قبل الطحن، فقد خالف فيه العلامة رحمه الله (3).
# ومما ذكرنا هنا يظهر أن خلافه أيضا في جواز السجود عليهما ليس بشئ.
# والاحتجاج في ذلك بأن القشر الأعلى مما لا يؤكل عادة أيضا ضعيف، سيما في
# PageV02P612
# الحنطة، مع أن الصدوق روى في الخصال عن الصادق عليه السلام، قال: " قال
~~أمير المؤمنين عليه السلام: لا يسجد الرجل على كدس حنطة، ولا على شعير، ولا
~~على لون مما يؤكل، ولا يسجد على الخبز " (1).
# والمحكم في المأكول والملبوس هو العادة والعرف العام، فلا عبرة بأكله
~~نادرا كبعض العقاقير.
# ولا يمكن القول بأن المعتبر عند كل قطر هو مأكولهم وملبوسهم، لأن ما يمكن
~~أن يستند به في فهم كلام المعصوم هو العرف العام، ومع الاختلاف فيشكل ms0617
~~الأمر.
# وربما يمكن استنباط تعميم من قول الصادق عليه السلام في ذيل صحيحة هشام
~~المتقدمة، حيث سأله عن العلة في ذلك الحكم، قال: " لأن السجود خضوع لله عز
~~وجل، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لأن أبناء الدنيا عبيد ما
~~يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عز وجل، فلا ينبغي أن يضع
~~جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها " (2) فتأمل.
# والذي يختلج في الخاطر أن المراد بكونه مأكولا في العرف أو ملبوسا أنه لو
~~اطلع عليه أهل العرف لحكموا بذلك، لا أنه يكون متداولا عندهم معروفا
~~بالأكل، وإلا فربما وجد مأكول لم يطلع عليه كثير منهم، ومع ذلك لو رأوه
~~حكموا بأنه مما يؤكل.
# وبملاحظة ذلك تتفاوت الأحكام في مقامات كثيرة فتنبه.
# ويجوز السجود على القرطاس، والظاهر أنه إجماعي، قال في المدارك:
# PageV02P613
# إنه مذهب الأصحاب (1)، ونقل عن جده الاجماع على ذلك (2)، ويظهر من غيرهما
~~أيضا (3).
# ويدل عليه مضافا إلى ما يظهر من تضاعيف ما ذكرنا صحيحة علي بن مهزيار،
~~قال: سأل داود بن أبي يزيد أبا الحسن عليه السلام عن القراطيس والكواغذ
~~المكتوب عليها، هل يجوز السجود عليها أم لا؟ فكتب: " يجوز " (4).
# وصحيحة صفوان الجمال، قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام في المحمل يسجد
~~على القرطاس، وأكثر ذلك يومئ إيماءا (5).
# وصحيحة جميل بن دراج عن الصادق عليه السلام: أنه كره أن يسجد على قرطاس
~~عليه كتابة (6).
# وإطلاق تلك الروايات يقتضي إطراد الحكم في جميع الأقسام.
# واستثنى العلامة - رحمه الله - من ذلك ما كان من الحرير (7)، ولا يخفى
~~أنه تقييد للنص من غير دليل.
# ولعل نظره إلى أن المنع من غير الأرض وما ينبت منها غير المأكول والملبوس
~~عموم، وجواز السجود على القراطيس عموم، ويتعارضان من وجه، فلم يثبت الجواز
~~لهذا القسم، وهو منقوض بالقرطاس المعمول من القطن والكتان بعينه.
# PageV02P614
# فإن قيل: إنه ورد عموم جواز السجود على النبات أيضا، والقدر المخرج منه
~~بالدليل هو ما قبل صيرورته قرطاسا، فيضعف اندارجه تحت عموم ms0618 المنع، وليس هذا
~~في جانب الحرير.
# قلت: سلمنا ذلك، لكن استصحاب الحالة السابقة يؤيد المنع فيما نحن فيه
~~أيضا.
# والحل: منع أعمية " ما يلبس " المذكور في الأخبار من القرطاس، بل لعله
~~مباين له.
# وأما بالنسبة إلى غير الملبوس فلا ينفعه أصلا، لعدم دخول الحرير فيه.
# ومع تسليم ذلك كله فعموم التجويز أقوى، لاعتضاده بعمل الأصحاب، بل
~~والاجماع ظاهرا. وعدم ثبوت العموم في الطرف المقابل بحيث يشمل ما نحن فيه.
# ومما ذكرنا يظهر أن استثناء الشهيد في الدروس مع ذلك المعمول من القطن
~~والكتان (1) أيضا ليس شئ.
# اللهم إلا أن يقال: المعمول من الحرير من الأفراد النادرة، فلا يتبادر من
~~تلك الاطلاقات، سيما والظاهر من صحيحة علي بن مهزيار أن السؤال كان من جهة
~~الكتابة، فلا يفيد العموم، وإن كان الجمع المحلى وكذلك ترك الاستفصال
~~يفيدان العموم. وكذلك الخبران الآخران لا عموم فيهما يعتد به.
# وقال في الذكرى: أكثر ما يتخذ منه القرطاس القنب (2)، فإن ثبت ذلك فيظهر
~~في أساس الجواز في المتخذ من القطن والكتان أيضا وهن، لكن الشأن في إثبات
~~ذلك. والأظهر الجواز فيهما، وإن كان الأحوط الترك بالنسبة إلى الأمور
~~الثلاثة.
# ويكره السجود على المكتوبة منها.
# وربما يقيد بأن يكون غير مستوعب بالحبر لئلا تقع الجبهة على الحبر محضا،
~~لأنه
# PageV02P615
# مما لا يجوز السجود عليه (1).
# والقول بأنه عرض لا يمنع عن ذلك الحر، للاجماع والروايات المعتبرة، منها
~~صحيحة القاسم بن الفضل قال، قلت للرضا عليه السلام:
# الرجل يسجد على كمه من شدة أذى الحر والبرد، قال: " لا بأس " (2) وفي
~~معناها أخبار كثيرة (3).
# وإذا لم يتمكن منه يسجد على ظهر يده، لرواية أبي بصير عن الباقر عليه
~~السلام قال، قلت له: أكون في السفر فتحضر الصلاة وأخاف الرمضاء على وجهي،
~~كيف أصنع؟ قال: " تسجد على بعض ثوبك " قلت: ليس علي ثوب يمكنني أن أسجد على
~~طرفه ولا ذيله، قال: " اسجد على ظهر كفك، فإنها أحد المساجد " (4).
# قال بعض الأصحاب: ولا يضر ضعف السند بعد اعتضادها بالشهرة وسلامتها عن
~~المعارض ms0619 وموافقتها للاعتبار (5).
# ثم إنه لا بد من اعتبار ذلك بعد العجز عن كل ما يصح السجود عليه.
# وظاهر الاطلاقات يقتضي جواز ذلك وعدم تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، بل وفي
~~بعضها أنه يريد الصلاة في المسجد ويكره السجود على الحصى للحرارة، فرخصه
~~المعصوم في سجوده على ثوبه (6) مع ترك الاستفصال في شئ.
# فيظهر أيضا أنه لو تمكن من المعادن ونحوها لا يقدم على الثوب.
# PageV02P616
# وفي تقديم المعادن ونحوها على اليد وجهان، لظاهر الخبر، ولأقربيتها إلى
~~الأرض. ولذلك تنظر الشهيد في البيان في ذلك (1).
# والأخبار الكثيرة أيضا تدل على تقديم القطن والكتان (2)، بل ومطلق الثوب
~~كما في بعضها إذا لم يقدر إلا على الثلج (3).
# وفي تقديم المعادن عليه أيضا وجهان، وفي بعض الأخبار: " إن أمكنك أن لا
~~تسجد على الثلج فلا تسجد عليه، وإن لم يمكنك فسوه واسجد عليه " (4) وإطلاقه
~~يقتضي التسوية.
# ولا يجوز السجود على الوحل، لعدم صدق الأرض، ولموثقة عمار عن الصادق عليه
~~السلام: إنه سئل عن حد الطين الذي لا يسجد عليه ما هو؟ فقال: " إذا غرقت
~~الجبهة ولم تثبت على الأرض " (5).
# وإذا اضطر أومأ، وهو المشهور، للحرج والعسر، وموثقة عمار الأخرى عنه عليه
~~السلام، قال: سألته عن الرجل يصيبه المطر وهو في موضع لا يقدر أن يسجد فيه
~~من الطين، ولا يجد موضعا جافا، قال: " يفتتح الصلاة، فإذا ركع فليركع كما
~~يركع إذا صلى، فإذا رفع رأسه من الركوع فليؤم بالسجود إيماءا وهو قائم،
~~يفعل ذلك حتى يفرغ من الصلاة، ويتشهد وهو قائم، ثم يسلم " (6).
# وفي إبقاء الخبر على إطلاقه والاجتزاء بالايماء مطلقا إشكال، ولذا ذهب
~~بعض
# PageV02P617
# الأصحاب إلى العمل بقاعدة عدم سقوط الميسور بالمعسور (1)، وأنه يأتي
~~بالأفعال بحسب المقدور، وإن كانت الرواية معتضدة بالشهرة، والاحتياط سبيل
~~النجاة.
# وهل يجوز السجود على شئ يضعه في كور عمامته حاملا له؟ فيه وجهان، اختار
~~الجواز في الذكرى، ورد على الشيخ منع ذلك (2)، ونسب القول بالمنع بسبب
~~الحمل إلى بعض العامة.
# وقال: وإن احتج الشيخ برواية عبد الرحمن عن الصادق ms0620 عليه السلام: " في
~~السجود على العمامة لا يجزئه حتى تصل جبهته إلى الأرض " (3) قلنا: لا دلالة
~~فيها على كون المانع الحمل، بل لكونه مما لا يسجد عليه (4).
# وربما يستدل على المنع بعدم صدق وضع الجبهة على الشئ، والمعتبر في السجود
~~هو الوضع عليه، والأحوط الاجتناب اختيارا، والله أعلم بحقائق الأحكام.
# السادس: يجب الذكر في حال السجود، وقد مر الكلام فيه في الركوع، والكلام
~~فيهما سواء، والخلاف الخلاف، والمختار المختار; إلا أن فيه عوض العظيم "
~~الأعلى ".
# وتجب الطمأنينة حال السجود بقدر الذكر الواجب، للاجماع، نقله غير واحد من
~~أصحابنا (5)، ولما يظهر من الأخبار (6). والكلام في هذا المعنى أيضا مثل ما
~~مر
# PageV02P618
# في الركوع. ونقل عن الشيخ أيضا أنها ركن (١)، ويظهر ضعفه من تضاعيف ما
~~ذكرنا وما سنذكره إن شاء الله.
# ويجب رفع الرأس من السجود والطمأنينة بعد الرفع من السجدة الأولى،
~~للاجماع، نقله جماعة من أصحابنا (٢)، وللنصوص المستفيضة (٣)، ويكفي تحقق
~~مسماها عرفا.
# السابع: في صحيحة حماد: في ما علمه الصادق عليه السلام، قال: ثم كبر وهو
~~قائم ورفع يديه حيال وجهه، ثم سجد وبسط كفيه مضمومتي الأصابع بين يدي
~~ركبتيه حيال وجهه وقال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاث مرات، ولم يضع شيئا
~~من جسده على شئ منه، وسجد على ثمانية أعظم: الكفين والركبتين وأنامل إبهامي
~~الرجلين والجبهة والأنف، وقال: " سبعة منها فرض يسجد عليها، وهي التي ذكرها
~~الله في كتابه، فقال: ﴿إن المساجد لله
~~فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ (4) وهي الجبهة والكفان والركبتان والإبهامان،
~~ووضع الأنف على الأرض سنة " ثم رفع رأسه من السجود، فلما استوى جالسا، قال:
~~" الله أكبر " ثم قعد على فخذه الأيسر وقد وضع ظاهر قدمه الأيمن على بطن
~~قدمه الأيسر وقال: " أستغفر الله ربي وأتوب إليها " ثم كبر وهو جالس وسجد
~~السجدة الثانية وقال كما قال في الأولى ولم يضع شيئا من بدنه على شئ منه في
~~ركوع ولا سجود، وكان مجنحا ولم يضع ذراعيه على الأرض " (5).
# PageV02P619
# ويستحب العمل بمضمون ما ms0621 تضمنته، وقد عرفت الخلاف في وجوب التكبير ووجوب
~~الرفع والمختار.
# ويستحب الابتداء بوضع اليدين قبل الركبتين، وأن يضعهما معا، وأن لا يفترش
~~ذراعيه افتراش السبع ذراعه، وأن لا يضع ذراعيه على ركبتيه وفخذيه، كل ذلك
~~لصحيحة زرارة، وفيها أيضا: " ولا تلزق كفيك بركبتيك، ولا تدنهما من وجهك
~~بين ذلك حيال منكبيك، ولا تجعلهما بين يدي ركبتيك، ولكن تحرفهما عن ذلك
~~شيئا، وابسطهما على الأرض بسطا، واقبضهما إليك قبضا; وإن كان تحتهما ثوب
~~فلا يضرك، وإن أفضيت بهما إلى الأرض فهو أفضل، ولا تفرجن بين أصابعك في
~~سجودك، ولكن ضمهن جميعا " (1).
# والأولى تقييد مطلقات خبر حماد بهذه الصحيحة، وكذا حمل ما ينافيها ظاهرا
~~على ما يوافقها، لأن القول أقوى من الفعل.
# وما تضمنه خبر حماد من إتمام التكبير حال القيام هو المشهور بين الأصحاب.
# وقال في الذكرى: ولو كبر في هويه جاز وترك الأفضل، وقال ابن أبي عقيل:
# تبدأ بالتكبير قائما، ويكون انقضاء التكبير مع مستقره ساجدا، وخير الشيخ
~~في الخلاف بين هذا وبين التكبير قائما، ثم نقل رواية معلى بن خنيس عن
~~الصادق عليه السلام: " إن علي بن الحسين عليه السلام كان إذا أهوى ساجدا
~~أنكب وهو يكبر " (2) انتهى ملخصا (3)، والعمل على الأول أفضل، وربما تحمل
~~الرواية على النافلة.
# وخالف الصدوق في استحباب الارغام بالأنف، وأوجبه (4)، نظرا إلى حسنة
# PageV02P620
# ابن المغيرة، قال: أخبرني من سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لا
~~صلاة لمن لم يصب أنفه ما يصيب جبينه " (1).
# وموثقة عمار، عن جعفر، عن أبيه قال، قال علي عليه السلام: " لا تجزئ صلاة
~~لا يصيب الأنف ما يصيب الجبين " (2).
# وتدفعه ظواهر الأخبار المستفيضة، وخصوص رواية محمد بن مصادف، قال:
# سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إنما السجود على الجبهة، وليس على
~~الأنف سجود " (3).
# والظاهر من استحباب الارغام: هو وضعه على ما يصح السجود عليه، كما ذكره
~~بعض الأصحاب (4)، وإن كان الرغام هو التراب (5).
# ويظهر من بعضهم أن السجود على الأنف سنة، والارغام سنة على حدة (6).
# والذي ظهر من ms0622 بعض الأخبار - كالخبرين المتقدمين - هو كونه مما وقعت
~~الجبهة عليه.
# ويظهر من بعض الأصحاب كفاية مطلق المماسة وإن لم تكن على سبيل الاعتماد
~~(7).
# ونسب إلى السيد - رحمه الله - اعتبار الطرف الأعلى (8)، والأخبار مطلقة،
~~وعن ابن الجنيد أنه يماس الأرض بطرف الأنف وحدبته إذا أمكن ذلك للرجل
# PageV02P621
# والمرأة (1)، وهذا التفسير آنس بالعرف والعادة.
# واعلم أن ما ذكرناه من المستحبات في طي الحديثين لا ينحصر دليله فيهما،
~~بل الاجماع والأخبار الدالة عليها كثيرة (2).
# وتستحب جلسة الاستراحة بعد الرفع عن السجدة الأخيرة عند أكثر الأصحاب
~~(3).
# ويدل على رجحانها صحيحة عبد الحميد بن عواض عن الصادق عليه السلام، قال:
~~رأيته إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى جلس حتى يطمئن ثم
~~يقوم (4).
# ورواية أصبغ بن نباتة، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا رفع رأسه
~~من السجود قعد حتى يطمئن ثم يقوم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، كان من قبلك
~~أبو بكر وعمر إذا رفعوا رؤسهم من السجود نهضوا على صدور أقدامهم كما تنهض
~~الإبل، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: " إنما يفعل ذلك أهل الجفاء من
~~الناس، إن هذا من توقير الصلاة " (5).
# وعلى رفع الوجوب: صحيحة عبد الله بن بكير عن زرارة، قال: رأيت أبا جعفر
~~وأبا عبد الله عليهما السلام إذا رفعا رؤسهما عن السجدة الثانية نهضا ولم
~~يجلسا (6).
# وذهب السيد - رحمه الله - إلى وجوبه، وادعى في الانتصار الاجماع عليه
~~(7)،
# PageV02P622
# وهو ظاهر الأمر في موثقة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا
~~رفعت رأسك من السجدة الثانية من الركعة الأولى حين تريد أن تقوم فاستو
~~جالسا ثم قم " (1).
# وتمسك أيضا بأنه لا يتحقق اليقين بالبراءة إلا بذلك، وقال فيه: إنه روى
~~مخالفونا كلهم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يجلس هذه الجلسة ونسب
~~الموافقة لنا في هذه المسألة إلى الشافعي منهم.
# فمع ملاحظة ذلك، وكون ذلك شعارا للشيعة، ومخالفا للعامة مع ادعاء السيد
~~على وجوبه الاجماع، وظهور كون الأخبار للتقية، سيما مع ملاحظة رواية رحيم
~~عن الرضا عليه ms0623 السلام قال، قلت: جعلت فداك أراك إذا صليت فرفعت رأسك من
~~السجود في الركعة الأولى والثالثة تستوي جالسا ثم تقوم، فنصنع كما تصنع،
~~قال:
# " لا تنظروا إلى ما أصنع أنا، اصنعوا ما تؤمرون " (2) فالأحوط عدم تركه.
# ويكره الاقعاء بين السجدتين.
# قال ابن الأثير في النهاية: الاقعاء أن يلصق الرجل أليته بالأرض وينصب
~~ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب، وقيل: هو أن يضع أليتيه
~~على عقبيه بين السجدتين، والقول الأول، ومنه الحديث " أنه عليه السلام أكل
~~مقعيا " أراد أنه كان يجلس عند الأكل على وركيه مستوفزا غير متمكن (3).
# ونسب في المعتبر التفسير الثاني مع زيادة الاعتماد على صدر القدمين إلى
~~الفقهاء (4)، وكذا العلامة في المنتهى (5)، ورجحا (6) ذلك لأن تفسيرهم
~~وبحثهم
# PageV02P623
# على تقديره.
# والمشهور بين الأصحاب هي الكراهة، ونقل عن الشيخ - رحمه الله - الاجماع
~~على ذلك في الخلاف (1)، وتدل عليه موثقة أبي بصير عن الصادق عليه السلام،
~~قال: " لا تقع بين السجدتين إقعاءا " (2).
# وصحيحة الحلبي وابن مسلم وابن عمار، قالوا، قال عليه السلام: " لا تقع في
~~الصلاة بين السجدتين كإقعاء الكلب " (3).
# وقد يؤيد ذلك بقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " إياك والقعود على
~~قدميك فتتأذى بذلك، ولا تكون قاعدا على الأرض، فيكون إنما قعد بعضك على
~~بعض، فلا تصبر للتشهد والدعاء " (4) فإن العلة عامة.
# وحمل الأخبار على ما فسروه به سيما الرواية الثانية في غاية البعد، إلا
~~أن يقال: لفظة إقعاء في الموثق للنوع، فيكون نكرة في سياق النفي، فيفيد
~~العموم. وهو بعيد، لاستلزامه استعمال اللفظ في المعنيين الحقيقيين، أو
~~الحقيقي والمجازي، كما أن كونه تأكيدا للمنفي (5) والوحدة أيضا كذلك، إلا
~~أن يجعل تأكيدا للنفي.
# مع أن المحقق نسب القول بكراهته إلى محمد بن مسلم وابن عمار (6)، ولعل
~~مرادهما إقعاء الكلب كما روياه.
# ويدل على تفسير الفقهاء ما رواه في معاني الأخبار، عن عمرو بن جميع قال،
# PageV02P624
# قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا بأس بالاقعاء في الصلاة بين
~~السجدتين، وبين الركعة الأولى والثانية، وبين الركعة الثالثة والرابعة،
~~وإذا ms0624 أجلسك الإمام في موضع يجب أن تقوم فيه فتجافى، ولا يجوز الاقعاء في
~~موضع التشهدين، ولا (1) من علة، لأن المقعي ليس بجالس، إنما جلس بعضه على
~~بعض، والاقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه في تشهديه، فأما الأكل مقعيا فلا
~~بأس به لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أكل مقعيا " (2).
# وبملاحظة هذه الرواية تظهر موافقة صحيحة زرارة أيضا لهذا التفسير، ويمكن
~~أن يكون تفسير الاقعاء من كلام الصدوق كما هو الظاهر، فلا دلالة.
# ولو سلم عدم ثبوت كراهة الاقعاء بتفسير الفقهاء من الأخبار فلا شك أن
~~السنن والمكروهات مما يتسامح في أدلتها، وفتوى الفقهاء في ذلك تكفي،
~~والأحوط الاجتناب عن كل ما يسمى إقعاء.
# والشيخ في المبسوط (3) والمرتضى (4) - رضي الله عنهما - على أنه ليس
~~بمكروه.
# ولعل مستندهما صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " لا بأس
~~بالاقعاء بين السجدتين " (5) وقد حمل البأس على ما يساوق الحرمة جمعا بين
~~الأدلة (6).
# ثم إن الظاهر أنه يكره في جلسة الاستراحة أيضا كما ذكره الشهيد الثاني،
~~ويظهر منه أنه قول الأكثر (7).
# PageV02P625
# وربما عمم بعضهم الحكم لجميع حالات الجلوس (1)، وفي الصحيحة المتقدمة
~~إشارة إلى ذلك، مع أن قول الفقهاء في ذلك يكفي.
# وفي السرائر نقلا عن كتاب حريز قال، قال أبو جعفر عليه السلام: " لا بأس
~~بالاقعاء فيما بين السجدتين، ولا ينبغي الاقعاء بين التشهد في الجلوس،
~~وإنما التشهد في الجلوس وليس المقعي بجالس " (2). وسيجئ " في حسنة الحلبي
~~إشارة إليه في خصوص جلسة الاستراحة ببعض الوجوه مع إشكال في الدلالة كما
~~يظهر بالتأمل.
# ويستحب التورك بينهما.
# والمشهور في تفسيره هو ما مر في صحيحة حماد.
# ونقل عن المرتضى في المصباح أنه قال: يجلس مماسا بوركه الأيسر مع ظاهر
~~فخذه اليسرى للأرض رافعا فخذه اليمنى على عرقوبه الأيسر، وينصب طرف إبهام
~~رجله اليمنى على الأرض، ويستقبل بركبتيه معا القبلة (3). وعن ابن الجنيد
~~بنحو آخر (4)، والعمل على المشهور.
# ويمكن جعله أفضل الأفراد للمسامحة.
# وتظهر الفائدة في صورة العجز عن المشهور مع القدرة على غير المشهور ms0625 من
~~الأوضاع.
# والأفضل فيما يسجد عليه المصلي اختيار الأرض، لكونه أقرب إلى الخشوع،
~~ولصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث، قال: " السجود
~~على الأرض أفضل، لأنه أبلغ في التواضع والخضوع لله عز وجل " (5).
# PageV02P626
# ولرواية إسحاق بن الفضل: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن السجود على
~~الحصر والبواري، فقال: " لا بأس، وإن تسجد على الأرض أحب إلي، فإن رسول
~~الله صلى الله عليه وآله كان يحب أن يمكن جبهته من الأرض، فأنا أحب لك ما
~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبه " (1).
# والأفضل منها التربة الحسينية على مشرفها الصلاة والسلام، فروى الشيخ في
~~المصباح عن معاوية بن عمار، قال: كان لأبي عبد الله عليه السلام خريطة
~~ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله عليه السلام، فكان إذا حضرته الصلاة
~~صبه على سجادته وسجد عليه، ثم قال: " إن السجود على تربة أبي عبد الله عليه
~~السلام يخرق الحجب السبع " (2).
# وروى ابن بابويه مرسلا عن الصادق عليه السلام: " إن السجود على الأرض
~~فريضة، وعلى غير ذلك سنة، وإن السجود على طين قبر الحسين عليه السلام ينور
~~إلى الأرضين السبع، ومن كان معه مسبحة من طين قبر الحسين عليه السلام كتب
~~مسبحا وإن لم يسبح بها، والتسبيح بالأصابع أفضل منه بغيرها، لأنها مسؤلات
~~يوم القيامة " (3).
# فحيث ناسب هذا ذكر السبحة فنقول: قد روى الشيخ في المصباح، عن الحلبي، عن
~~الكاظم عليه السلام، قال: " لا يخلو المؤمن من خمسة: سواك، ومشط، وسجادة،
~~وسبحة فيها أربع وثلاثون حبة، وخاتم عقيق " (4).
# وأيضا عن الصادق عليه السلام: " من أدار الحجر من تربة الحسين عليه
~~السلام فاستغفر ربه مرة كتب الله له سبعين مرة، فإن مسك السبحة ولم يسبح
~~بها ففي كل
# PageV02P627
# حبة منها سبع مرات " (١).
# وفي التهذيب في الصحيح عن الحميري، قال: كتبت إلى الفقيه أسأله، هل يجوز
~~أن يسبح الرجل بطين القبر، وهل فيه فضل؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت: "
~~تسبح به، فما في شئ من التسبيح أفضل منه، ms0626 ومن فضله أن المسبح ينسى التسبيح
~~ويدير السبحة فيكتب له ذلك التسبيح " (٢).
# ويستحب تمكين الجبهة على المسجد لتحصيل أثره، لقوله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾
~~(3).
# ولرواية إسحاق بن الفضل المتقدمة، ورواية السكوني، وفيها: " إني لأكره
~~للرجل أن أرى جبهته جلجاة " (4).
# وأن يدعو فيها قبل الذكر، وكذا بين السجدتين بالمأثور، ففي حسنة الحلبي
~~عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا سجدت فكبر، وقل: اللهم لك سجدت، وبك
~~آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه
~~وبصره، والحمد لله رب العالمين، تبارك الله أحسن الخالقين، ثم قل:
# سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاث مرات، فإذا رفعت رأسك فقل بين السجدتين:
# اللهم اغفر لي وارحمني وأجرني وادفع عني وعافني، إني لما أنزلت إلي من
~~خير فقير، تبارك الله رب العالمين " (5).
# ويجوز أن يدعو فيها للدنيا والدين، ففي صحيحة عبد الرحمن بن سيابة على
# PageV02P628
# الظاهر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أدعو وأنا ساجد؟ قال: " نعم
~~ادع للدنيا والآخرة، فإنه رب الدنيا والآخرة " (1).
# وفي رواية عبد الله بن هلال قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام تفرق
~~أموالنا وما دخل علينا، فقال: " عليك بالدعاء وأنت ساجد، فإن أقرب ما يكون
~~العبد إلى الله وهو ساجد " قال، قلت: فأدعو في الفريضة وأسمي حاجتي؟ فقال:
# " نعم، قد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فدعا على قوم بأسمائهم
~~وأسماء آبائهم وفعله علي عليه السلام بعده " (2) وفي صحيحة محمد بن مسلم
~~(3) أيضا دلالة على ما ذكر.
# ويستحب أن لا يكون حين القيام كالعجان، بل يبسط الكفين، لحسنة الحلبي عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " إذا سجد الرجل ثم أراد أن ينهض فلا يعجن بيديه
~~في الأرض، ولكن يبسط كفيه من غير أن يضع مقعدته على الأرض " (4). ولعل هذا
~~كناية عن عدم الاقعاء.
# وأن يقول في حال القيام معتمدا على كفيه: " بحول الله وقوته أقوم وأقعد "
~~فإن عليا عليه السلام كان يفعل ذلك، وهو مضمون صحيحة ms0627 سيف، عن الحضرمي، عن
~~الصادق عليه السلام (5).
# وفي صحيحة ابن سنان عنه عليه السلام، قال: " إذا قمت من السجود قلت:
# اللهم ربي بحولك وقوتك أقوم وأقعد، وإن شئت قلت وأركع وأسجد " (6).
# وفي صحيحة ابن مسلم عنه عليه السلام، قال: " إذا قام الرجل من السجود
# PageV02P629
# قال: بحول الله أقوم وأقعد " (1) والكل حسن إن شاء الله تعالى.
# ويستحب السبق برفع الركبتين عند القيام، لصحيحة محمد بن مسلم قال:
# ورأيت أبا عبد الله عليه السلام يضع يديه قبل ركبتيه إذا سجد، وإذا أراد
~~أن يقوم رفع ركبتيه قبل يديه (2). والظاهر أن هذا إجماعي، كالاعتماد على
~~الكفين عنده.
# ويستحب للمرأة أن تجلس على ألييها ليس كما يقعد الرجل، وإذا سقطت للسجود
~~بدأت بالقعود بالركبتين قبل اليدين، ثم تسجد لاطئة بالأرض، فإذا كانت في
~~جلوسها ضمت فخذيها ورفعت ركبتيها من الأرض، وإذا نهضت انسلت انسلالا لا
~~ترفع عجيزتها أولا، كل ذلك مذكور في حسنة زرارة (3).
# وفي موثقة ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا سجدت المرأة
~~بسطت ذراعيها " (4) وفي أخرى: " إذا سجدت تضممت، والرجل إذا سجد يفتح "
~~(5).
# ونقل عن المفيد القول بأنه إذا كان القيام من التشهد يقوم بالتكبير (6)،
~~وهو مخالف لقول أكثر الأصحاب، ولظاهر صحيحة الحضرمي المتقدمة، وللأخبار
~~المعتبرة الدالة على أن التكبيرات خمس وتسعون (7)، وستجئ "، ولم نقف للمفيد
~~على حجة.
# ويستحب في آخر سجدة من نافلة المغرب ليلة الجمعة، بل كل ليلة بما رواه
# PageV02P630
# عبد الله بن سنان في الصحيح سبع مرات، فينصرف وقد غفر له، وهو: " اللهم
~~إني أسألك بوجهك الكريم، واسمك العظيم، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن
~~تغفر لي ذنبي العظيم " (1).
# PageV02P631
# بسم الله الرحمن الرحيم PageV03P001
# غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام للفقيه المحقق الميرزا أبو القاسم
~~القمي (1152 - 1221 ه) الجزء الثالث كتاب الصلاة تحقيق مكتب الاعلام
~~الاسلامي - فرع خراسان PageV03P003
# الميرزا القمي، أبو القاسم بن محمد حسن، 1152 - 1221 ق.
# غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام / للميرزا أبو القاسم القمي، حققه
~~مكتب الاعلام الاسلامي، فرع خراسان. - قم: ms0628 مكتب الاعلام الاسلامي، مركز
~~النشر، 1376.
# ج. - (دفتر تبليغات اسلامي حوزه علمية قم، مركز انتشارات، 534) مندرجات:
~~ج. 1. كتاب الطهارة. - ج. 2. كتاب الصلاة. - ج. 3. كتاب الصلاة. - 1. فقه
~~جعفري - قرن 13. ألف. دفتر تبليغات اسلامي حوزه علمية قم شعبه خراسان،
~~محقق. ب. دفتر تبليغات اسلامي حوزه علمية قم، مركز انتشارات. ج. عنوان.
# 9 غ 9 م / bp 183 342 / 297 فهرست نويسى پيش از انتشار توسط مركز
~~انتشارات دفتر تبليغات اسلامي شابك 3 - 251 - 424 - 964 3 - 251 - 424 -
~~ISBN 964 الكتاب: غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام / ج 3 المؤلف:
~~الميرزا أبو القاسم القمي التحقيق: مكتب الاعلام الاسلامي - فرع خراسان
~~المحقق: عباس تبريزيان المساعدان: عبد الحليم الحلي، السيد جواد الحسيني
~~الناشر: مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي المطبعة: مطبعة مكتب
~~الاعلام الاسلامي الطبعة: الأولى / 1418 ق، 1376 ش PageV03P004
# المقصد السابع في القنوت وفيه مباحث:
# الأول: فعل القنوت في الصلاة راجح بالإجماع، وإنما وقع الخلاف في وجوبه
~~واستحبابه، وفي موضع الوجوب والاستحباب من الصلوات والركعات.
# والمشهور استحباب القنوت في جميع الصلوات، وادعى المرتضى - رحمه الله -
~~إجماع الإمامية على ذلك (1).
# وقال الصدوق: إنه سنة واجبة، من تركه عمدا أعاد (2).
# والمنقول عن ظاهر ابن أبي عقيل الوجوب في الصلاة الجهرية (3)، والأول
~~أقرب.
# لنا: مضافا إلى ما سبق، الأخبار المعتبرة المستفيضة، مثل صحيحة زرارة، عن
~~الباقر عليه السلام، قال: " القنوت في كل الصلوات (4).
# وصحيحته الأخرى، عنه عليه السلام، قال: " القنوت في كل صلاة في الركعة
# PageV03P019
# الثانية قبل الركوع) (1).
# وصحيحة صفوان بن مهران، قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام أياما
~~فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها أولا يجهر فيها (2).
# وهذه الرواية مذكورة في الكتب الثلاثة بالطرق المعتبرة.
# وموثقة ابن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن القنوت في الصلوات
~~الخمس، قال: " اقنت فيهن جميعا " قال: فسألت أبا عبد الله عليه السلام بعد
~~ذلك، فقال: " أما ما جهرت فيها فلا شك " (3).
# وصحيحة الحسن بن علي بن فضال، عن ابن بكير، عن محمد بن مسلم، عنه ms0629 عليه
~~السلام، قال: " القنوت في كل ركعتين في التطوع والفريضة " (4).
# قال الحسن: وأخبرني عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه
~~السلام، قال: " القنوت في كل الصلوات " (5).
# وقال محمد بن مسلم: فذكرت ذلك لأبي عبد الله عليه السلام، فقال:
# PageV03P020
# " أما ما لا تشك فيه فما جهر فيه بالقراءة " (1).
# وموثقة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القنوت، فقال:
# " فيما يجهر فيه بالقراءة " قال، فقلت له: إني سألت أباك عن ذلك فقال: "
~~في الخمس كلها " فقال: " رحم الله أبي، إن أصحاب أبي أتوه فسألوه فأخبرهم
~~بالحق، ثم أتوني شكاكا فأفتيتهم بالتقية " (2).
# ويدل على نفي الوجوب مضافا إلى الأصل خصوص صحيحة البزنطي، عن الرضا عليه
~~السلام قال، قال أبو جعفر عليه السلام في القنوت: " إن شئت فاقنت، وإن شئت
~~لا تقنت " قال أبو الحسن عليه السلام: " وإذا كانت التقية فلا تقنت، وأنا
~~أتقلد هذا " (3).
# وأما ما ورد في الأخبار الكثيرة من الاختصاص ببعض الصلوات دون بعض، كقوله
~~عليه السلام في موثقة يونس بن يعقوب: " لا تقنت إلا في الفجر " (4) وفي
~~صحيحة وهب - ولعله ابن عبد ربه -: " القنوت في الجمعة والعشاء والعتمة
~~والوتر والغداة، فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له " (5) وغير ذلك من
~~الأخبار (6). وما يظهر منها نفي الاستحباب، كصحيحة عبد الملك بن عمرو، قال:
~~سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال: " لا
~~قبله، ولا بعده " (7) فمحمولة
# PageV03P021
# على التقية كما تنادي بها الأخبار المتقدمة، سيما موثقة أبي بصير. أو
~~نحملها على الأفضلية والتأكد فيما خص بالذكر، وعلى نفي الوجوب في مثل الخبر
~~الأخير.
# واستدل الصدوق بقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (1) يعني: مطيعين داعين (2).
# ودلالته ممنوعة، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية. وتخصيص مطلق الدعاء والإطاعة
~~بحيث يبقى المتحصل في ضمن هذا الفرد منه مما لا ترضى به السليقة، ولا يلائم
~~التحقيق.
# بالجملة الاستدلال بالآية في غاية الوهن من وجوه لا تخفى على المتدبر.
# وربما يستدل له بصحيحة ms0630 وهب المتقدمة.
# وهي محمولة على التأكيد لعدم مقاومتها الأدلة المشهورة، مع أنها أخص من
~~المدعى من وجهين، الأول: من حيث المورد. وإثبات الاجماع المركب مشكل كما لا
~~يخفى.
# والثاني: لأن الترك رغبة عنه غير الترك المطلق، وهو المدعى.
# ويمكن الاستدلال أيضا بموثقة عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: " إن نسي
~~الرجل القنوت في شئ من الصلوات حتى يركع فقد جازت صلاته، وليس عليه شئ،
~~وليس له أن يدعه متعمدا " (3).
# وهي أيضا محمولة على التأكيد.
# ويدل على قوله أيضا ما رواه في العيون في الحسن، عن الفضل: فيما كتب
~~الرضا عليه السلام للمأمون من شرائع الدين، قال عليه السلام: " والقنوت سنة
~~واجبة في الغداة والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة " (4).
# PageV03P022
# وفي الخصال، عن الأعمش، عن الصادق عليه السلام، قال: " القنوت في جميع
~~الصلوات سنة واجبة، في الركعة الثانية قبل الركوع وبعد القراءة " (1) وقال:
# " فرائض الصلاة سبع: الوقت، والطهور، والتوجه، والقبلة، والركوع،
~~والسجود، والدعاء " (2).
# وربما يحمل الدعاء على القنوت; فيستدل به على الوجوب.
# وقد يحتمل كون المراد منه قراءة الفاتحة، لاشتمالها على الدعاء، ولذا
~~تسمى سورة الدعاء أيضا، ويشكل الاستدلال بكل المذكورات.
# ويدل على قول ابن أبي عقيل صحيحة وهب المتقدمة، وصحيحة سعد بن سعد
~~الأشعري، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن القنوت، هل يقنت في الصلاة
~~كلها، أم فيما يجهر فيها بالقراءة؟ قال: " ليس القنوت إلا في الغداة
~~والجمعة والوتر والمغرب " (3) ومثل ذلك من الأخبار (4).
# ويظهر لك الجواب مما تقدم.
# والقنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع إلا ما يذكر فيها
~~المخالفة فيما بعد.
# وهذا الحكم مشهور بين الأصحاب، بل نقل في المنتهى الاجماع على ذلك (5).
# ويظهر من المحقق في المعتبر على ما نقل عنه التخيير بين ما قبل الركوع
~~وما بعده، وما قبله أفضل (6)، لرواية إسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى (7)، عن
~~الباقر عليه السلام،
# PageV03P023
# قال: " القنوت قبل الركوع، وإن شئت فبعد " (1).
# والأول أقرب لما ذكرنا ههنا، ولصحيحة زرارة المتقدمة، وصحيحة معاوية بن
~~عمار عن الصادق عليه السلام، قال: ms0631 " ما أعرف قنوتا إلا قبل الركوع " (2).
# موثقة سماعة، قال: سألته عن القنوت في أي صلاة هو؟ فقال: " كل شئ يجهر
~~فيه بالقراءة فيه قنوت، والقنوت قبل الركوع وبعد القراءة " (3) إلى غير ذلك
~~من الأخبار المعتبرة الصحيحة والموثقة (4).
# لا ريب أن تلك الرواية مع ضعفها ومتروكيتها عند الأصحاب لا تقاوم هذه
~~الأدلة.
# وما وقع فيه المخالفة لهذا الحكم أمور:
# الأول: صلاة الجمعة، فالمشهور فيها أن لها قنوتين: في الركعة الأولى قبل
~~الركوع، وفي الثانية بعد الركوع.
# ونقل عن ظاهر ابن أبي عقيل وأبي الصلاح أن في الجمعة قنوتين قبل الركوع
~~(5)، مع احتمال موافقتهما للمشهور.
# ظاهر ابن بابويه في الفقيه أن فيها قنوتا واحدا في الركعة الثانية قبل
~~الركوع، حيث قال بعد صحيحة زرارة الآتية: وتفرد بهذه الرواية حريز عن
~~زرارة، والذي استعمله وأفتي به ومضى عليه مشايخي - رحمة الله عليهم - هو أن
~~القنوت في
# PageV03P024
# جميع الصلوات في الجمعة وغيرها في الركعة الثانية بعد القراءة وقبل
~~الركوع (1).
# مع احتمال عدم انكاره للقنوت الأول أيضا كما لا يخفى.
# وقال المفيد: إن للجمعة قنوتا واحدا في الركعة الأولى قبل الركوع (2)،
~~وكذا العلامة في المختلف (3)، وهو المنقول عن ظاهر ابن الجنيد (4).
# والأول أقوى، لصحيحة أبي بصير قال: سأل عبد الحميد أبا عبد الله عليه
~~السلام وأنا عنده عن القنوت في يوم الجمعة، فقال له: " في الركعة الثانية.
# فقال له: حدثنا بعض أصحابنا أنك قلت في الركعة الأولى، فقال: " في
~~الأخيرة وكان عنده ناس كثير، فلما رأى غفلة منهم قال: " يا أبا محمد هي في
~~الركعة الأولى والأخيرة.
# قال، قلت: جعلت فداك قبل الركوع أو بعده؟ قال: " كل القنوت قبل الركوع
~~إلا الجمعة، فإن الركعة الأولى القنوت فيها قبل الركوع، والأخيرة بعد
~~الركوع (5) ومثله مع تفاوت ما في صحيحة أبي أيوب الخزاز (6).
# ولكن الراوي في الخبر الأول عن أبي بصير هو أبو أيوب أيضا.
# وصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال الصدوق - رحمه الله - في الفقيه
~~في أول باب وجوب الجمعة: قال أبو جعفر عليه السلام ms0632 لزرارة بن أعين، وساق
~~الحديث إلى أن قال: " وعلى الإمام فيها قنوتان: قنوت في الركعة الأولى قبل
~~الركوع، وفي الركعة الثانية بعد الركوع، ومن صلاها وحده فعليه قنوت واحد في
# PageV03P025
# الركعة الأولى قبل الركوع (1) ثم قال ما نقلنا عنه سابقا.
# وموثقة سماعة قال: سألته عن القنوت في الجمعة، قال: " أما الإمام فعليه
~~القنوت في الركعة الأولى بعد ما يفرغ من القراءة قبل أن يركع، وفي الثانية
~~بعد ما يرفع رأسه من الركوع قبل السجود، وإنما صلاة الجمعة مع الإمام
~~ركعتان، فمن صلى من غير إمام وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر، فمن شاء
~~قنت في الركعة الثانية قبل أن يركع، وإن شاء لم يقنت، وذلك إذا صلى وحده
~~(2) وتدل على مذهب المفيد صحيحة معاوية بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله
~~عليه السلام يقول في قنوت الجمعة: " إذا كان إماما قنت في الركعة الأولى،
~~وإن كان يصلي أربعا ففي الركعة الثانية قبل الركوع (3).
# وصحيحة عمر بن حنظلة قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: القنوت يوم
~~الجمعة، فقال " أنت رسولي إليهم في هذا، إذا صليتم في جمعة ففي الركعة
~~الأولى، وإذا صليتم وحدانا ففي الركعة الثانية (4).
# وصحيحة سليمان بن خالد عنه عليه السلام، قال: " القنوت يوم الجمعة في
~~الركعة الأولى (5). ويظهر ذلك من بعض الأخبار الأخر أيضا (6) والجواب عنها:
~~بأن دلالتها على ذلك إنما هو من جهة المفهوم اللقبي، وهو ليس بحجة.
# PageV03P026
# وأما قرينة المقابلة المؤيدة للحجية في خصوص المقام سيما في مثل صحيحة
~~عمر بن حنظلة; فتضعف بملاحظة العمومات والإطلاقات الكثيرة الدالة على ثبوت
~~القنوت في جميع الصلوات، وفي الركعة الثانية منها، إذ الظاهر فيما لم يصرح
~~فيها بكونه في الثانية أيضا ذلك، لأن الظاهر كونها على وتيرة واحدة في
~~المجموع فإن قلت: لو كان كذا فلا بد أن يكون هذا أيضا ما قبل الركوع على
~~وتيرتها.
# قلت: إنما يثبت التخصيص في ذلك بالأدلة المتقدمة مع اعتضادها بالشهرة
~~والعمل، وهذا لا ينافي ثبوت أصل القنوت. مع أن الأخبار المتقدمة ms0633 أقوى من
~~جهة الصراحة وعمل الأصحاب واستصحاب شغل الذمة وغير ذلك.
# وليس لأحد أن يقول: هذه مخالفة للعامة وموافقة للخاصة كما يظهر من صحيحة
~~أبي بصير المتقدمة، لأن الذي ظهر منها أن الموافقة تحصل بهما معا، لا
~~بالأول فقط، وإنما يثبت الترجيح لو كان فعلهما معا موافقا للعامة، ومجرد
~~المخالفة للعامة لو كانت تصير منشأ للاعتبار لكان الوجه غير منحصر فيما
~~ذكرت، بل المدار على ملاحظة ذلك بالنسبة إلى القولين، فتدبر.
# وأما بعض الأخبار التي يظهر منها نفي القنوت قبلا وبعدا (1) فمحمولة على
~~نفي الوجوب أو التقية أو غير ذلك.
# ثم إنه يمكن تقوية تقديم القنوت على الركوع في الأخيرة أيضا، نظرا إلى
~~الإطلاقات، وإلى ما أشار إليه الصدوق من أنه فتوى مشايخه رضوان الله عليهم،
~~وأن تقديمه مما تفرد بروايته حريز عن زرارة، وظهور كون ذلك مشهورا عند
~~القدماء من كلامه، فلم يبق من جهة ذلك الاعتماد التام على مثل الشهرة في
~~هذا المقام.
# فإن قلت: هذا قول ثالث، ولا يجوز خرق الاجماع قلت: ممنوع، لأن الصدوق ليس
~~كلامه نصا في خلاف المشهور من جهة نفس
# PageV03P027
# القنوت وعدده، فليس بقول ثالث، فتأمل، فغاية الأمر التخيير، إلا أن نقل
~~ذلك عن المشايخ بطريق واحد لا يقاوم ما ظهر من أكثر علمائنا القول بخلافه،
~~مع كثرة الروايات كما ذكرنا، سيما وهو في المقنع موافق للمشهور على ما نقل
~~عنه (1)، فالأقرب إذن قول المشهور.
# ومما ذكرنا ظهر الاستدلال على ما نقل من ظاهر ابن أبي عقيل والجواب عنه.
# الثاني: صلاة العيدين، فيجب فيها بعد القراءة تسعة قنوتات: خمسة في
~~الأولى، وأربعة في الثانية، قبل كل منها تكبيرة، فيزيد فيها تسع تكبيرات:
~~خمس في الأولى غير الافتتاح، وتكبيرة الركوع، وأربع في الثانية غير
~~الأخيرة، وهذا الحكم مشهور بين الأصحاب.
# ويدل عليه: النصوص المستفيضة، فروى يعقوب بن يقطين في الصحيح، قال:
# سألت العبد الصالح عليه السلام عن التكبير في العيدين، أقبل القراءة أو
~~بعدها؟
# وكم عدد التكبير في الأولى وفي الثانية والدعاء بينهما؟ وهل ms0634 فيهما قنوت
~~أم لا؟
# فقال: " تكبير العيدين للصلاة قبل الخطبة: يكبر تكبيرة يفتتح بها الصلاة،
~~ثم يقرأ ويكبر خمسا ويدعو بينها، ثم يكبر أخرى يركع بها، فذلك سبع تكبيرات
~~بالتي افتتح بها، ثم يكبر في الثانية خمسا; يقوم فيقرأ ثم يكبر أربعا ويدعو
~~بينهن، ثم يكبر التكبيرة الخامسة (2).
# وروى إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام: في صلاة العيدين، قال:
# تكبر واحدة تفتتح بها الصلاة، ثم تقرأ أم الكتاب وسورة، ثم تكبر خمسا
~~تقنت بينهن، ثم تكبر واحدة وتركع بها، ثم تقوم فتقرأ أم القرآن وسورة، تقرأ
~~في الأولى (سبح اسم ربك الأعلى) وفي الثانية (والشمس وضحيها) ثم تكبر أربعا
~~فتقنت
# PageV03P028
# بينهن ثم تركع بالخامسة (1).
# وروى محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التكبير في
~~الفطر والأضحى، فقال: " ابدأ فكبر تكبيرة، ثم تقرأ، ثم تكبر بعد القراءة
~~خمس تكبيرات، ثم تركع بالسابعة، ثم تقوم فتقرأ، ثم تكبر أربع تكبيرات، ثم
~~تركع بالخامسة (2).
# وروى أبو بصير في الصحيح عنه عليه السلام، قال: " التكبير في الفطر
~~والأضحى اثنتا عشرة تكبيرة، تكبر في الأولى واحدة ثم تقرأ، ثم تكبر بعد
~~القراءة خمس تكبيرات والسابعة تركع بها، ثم تقوم في الثانية فتقرأ، ثم تكبر
~~أربعا، والخامسة تركع بها (3) الحديث.
# وروى علي بن أبي حمزة عنه عليه السلام: في صلاة العيدين، قال: " يكبر ثم
~~يقرأ، ثم يكبر خمسا ويقنت بين كل تكبيرتين، ثم يكبر السابعة ويركع بها (4).
# وروى الكناني عنه عليه السلام: عن التكبير في العيدين، قال: " اثنتا عشرة
~~تكبيرة: سبع في الأولى، وخمس في الأخيرة (5) إلى غير ذلك من الأخبار (6).
# وقد خالف في تلك الأحكام ابن الجنيد، حيث جعل التكبيرات في الأولى قبل
# PageV03P029
# القراءة، وفي الثانية بعدها (1)، لصحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري، عن
~~الرضا عليه السلام، قال: سألته عن التكبير في العيدين، قال: " التكبير في
~~الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الأخيرة خمس بعد القراءة (2).
# وصحيحة هشام بن الحكم والحلبي كليهما عنه عليه السلام: في صلاة العيدين،
~~قال: " تصل القراءة ms0635 بالقراءة وقال: " تبدأ بالتكبير في الأولى ثم تقرأ، ثم
~~تركع بالسابعة (3) أقول: والمراد بالتكبير التكبيرات كما لا يخفى. وللكناني
~~رواية أخرى تدل على مذهبه (4).
# ولا بد من حمل تلك الأخبار على التقية كما فعله الشيخ (5) وقول المحقق: "
~~إنه ينبغي أن يقال هذه أشهر الروايتين، ولا يحسن الحمل على التقية، لقول
~~الصدوق وابن الجنيد من أصحابنا (6) في غاية الوهن.
# والمفيد; حيث نقل عنه القول بأنه يكبر للقيام إلى الثانية قبل القراءة،
~~ثم يكبر بعد القراءة ثلاثا، ويقنت ثلاثا (7).
# وتدفعه الأخبار المتقدمة، ولم يظهر له وجه.
# والشيخ في الخلاف، حيث قال باستحباب القنوتات (8)، واختاره المحقق في
# PageV03P030
# المعتبر، تمسكا بالأصل، وخلو بعض الأخبار الواردة في موضع البيان عن ذكره
~~(1).
# ويدفعه ما تقدم من الأخبار، فإن الظاهر منها الوجوب، مع أنه يتوقف تحصيل
~~اليقين بالبراءة على ذلك.
# وادعى المرتضى - رضي الله عنه - على وجوبه إجماع الإمامية أيضا (2).
# والمفيد في المقنعة، حيث قال باستحباب التكبيرات (3)، لما دل عليه ظاهر
~~بعض الأخبار، مثل صحيحة زرارة: إن عبد الملك بن أعين سأل أبا جعفر عليه
~~السلام عن الصلاة في العيدين، فقال: " الصلاة فيهما سواء، يكبر الإمام
~~تكبيرة الصلاة قائما كما يصنع في الفريضة، ثم يزيد في الركعة الأولى ثلاث
~~تكبيرات، وفي الأخرى ثلاثا سوى تكبير الصلاة والركوع والسجود، وإن شاء
~~ثلاثا وخمسا، وإن شاء خمسا; وسبعا بعد أن يلحق ذلك إلى وتر (4).
# ورواية هارون بن حمزة الغنوي عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن
~~التكبير في الفطر والأضحى، فقال: " خمس وأربع، فلا يضرك إذا انصرفت عليا
~~وتر (5).
# وحملهما الشيخ على التقية لموافقتهما لمذهب كثير من العامة، قال: ولسنا
~~نعمل به، وإجماع الفرقة المحقة على ما قدمناه (6).
# ولا ريب أن الأخبار المتقدمة مع توقف البراءة اليقينية عليها مع ما عرفت
~~من
# PageV03P031
# الاجماع على وجوب القنوتات المستلزم لوجوب التكبيرات كما يظهر من الأخبار
~~يرجح العمل على المشهور.
# ثم اعلم أن المستفاد من خبر إسماعيل الجعفي وصحيحة يعقوب بن يقطين: هو:
# أن القنوت والدعاء بين تكبيرات صلاة العيد، لا بينها ms0636 وبين تكبير الركوع،
~~وعلى هذا يلزم كون القنوت سبعا كما لا يخفى، والمشهور خلاف ذلك كما قد
~~عرفت.
# والمنقول عن ظاهر الشيخ في النهاية والمبسوط هو أيضا ما يفهم من الخبرين
~~(1).
# ويمكن أن يقال: إن الخبرين وإن كانا غير ظاهرين في المشهور، أو ظاهرين
~~على خلافهم، لكن في رواية علي بن أبي حمزة ظهور ما لما ذهبوا إليه.
# وهو يظهر من أخبار أخر أيضا، مثل رواية بشير (2) بن سعيد عن الصادق عليه
~~السلام، قال: " تقول في دعاء العيدين بين كل تكبيرتين: الله ربي أبدا،
~~والإسلام ديني أبدا، ومحمد نبيي أبدا، والقرآن كتابي أبدا، والكعبة قبلتي
~~أبدا، وعلي وليي أبدا، والأوصياء أئمتي أبدا، وتسميهم إلى آخرهم، ولا أحد
~~إلا الله (3).
# ورواية محمد بن عيسى بن أبي منصور عنه عليه السلام، قال: " تقول بين كل
~~تكبيرتين في صلاة العيدين: اللهم أهل الكبرياء والعظمة (4) الحديث.
# وصحيحة الحسن بن محبوب، عن أبي جميلة، عن جابر، عن الباقر عليه السلام،
~~قال: " كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا كبر العيدين قال بين كل
~~تكبيرتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده
~~ورسوله، اللهم أهل
# PageV03P032
# الكبرياء إلى آخره (1) إلى غير ذلك مما يشعر بذلك (2).
# ولا ريب أن البراءة اليقينية أيضا لا تحصل إلا بذلك، سيما مع ملاحظة فهم
~~الأصحاب، وتداولهم على ذلك.
# والمشهور بين الأصحاب عدم تعين القنوت المخصوص، للأصل، والإطلاقات، وخصوص
~~بعض الأخبار، كصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن
~~الكلام الذي يتكلم به فيما بين التكبيرتين في العيدين، فقال: " ما شئت من
~~الكلام الحسن (3).
# والمنقول من ظاهر أبي الصلاح وجوب الدعاء بالمرسوم (4)، وهو ضعيف.
# ويستحب رفع اليدين بالتكبيرات، لرواية يونس، قال: سألته عن تكبير
~~العيدين، أيرفع يده مع كل تكبيرة أم يجزئه أن يرفع يديه في أول تكبيرة؟
~~فقال: " يرفع مع كل تكبيرة (5).
# والتكبيرات ليست ركنا فيها، فلو نسيها أو بعضها فالظاهر عدم بطلان الصلاة
~~لصحيحة زرارة: " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة (6) وقد ms0637 تقدمت.
# ولكن الشيخ أوجب القضاء بعد الفراغ على ما نقل عنه (7)، لقول الصادق عليه
~~السلام في صحيحة ابن سنان: " إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو
~~تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك سهوا (8).
# PageV03P033
# ونفاه جماعة من المتأخرين على ما نقل عنهم، للأصل.
# والأول أظهر، وإن كان للتوقف في كلا الحكمين مجال، لعدم انصراف الإطلاق
~~في الخبرين إلى صلاة العيد، والأصل في الأجزاء الركنية كما تقدم، فدلالة
~~الخبر الأول على الصحة ممنوعة، وبعد نفي الركنية بالدليل كما هو الأظهر
~~دلالة الخبر الأخير على القضاء ممنوعة، فتأمل (2).
# وأما مع الشك فيبني على الأقل، لأنه المتيقن، سواء في ذلك الحكم التكبير
~~والقنوت.
# الثالث: الوتر، فإنه يستحب القنوت فيه في الركعة الثالثة، لصحيحة ابن
~~سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " القنوت في المغرب في الركعة الثانية،
~~وفي العشاء والغداة مثل ذلك، وفي الوتر في الركعة الثالثة (3).
# ومحله قبل الركوع، لصحيحة معاوية بن عمار عنه عليه السلام، قال: " ما
~~أعرف قنوتا إلا قبل الركوع (4).
# وصحيحته الأخرى عنه عليه السلام: عن القنوت في الوتر، قال: " قبل الركوع
~~قال: فإن نسيت; أقنت إذا رفعت رأسي؟ قال: " لا (5) إلى غير ذلك من الأخبار
~~(6).
# ثم إن الظاهر من صحيحة ابن سنان - مع ملاحظة أن المستفاد من الأخبار
# PageV03P034
# الصحيحة والمعتبرة الكثيرة أن الوتر هو الركعات الثلاث (1) - أن القنوت
~~منحصر في الثالثة. ولا قنوت في الشفع، إلا أن الصدوق روى في العيون، عن
~~رجاء بن أبي الضحاك فيما ذكر من عمل الرضا عليه السلام في طريق خراسان، إلى
~~أن قال: " ثم قام إلى صلاة الليل، فيصلي ثمان ركعات يقنت في كل ركعتين في
~~الثانية قبل الركوع، ثم يقوم فيصلي ركعتي الشفع ويقنت في الثانية قبل
~~الركوع وبعد القراءة، فإذا سلم قام وصلى ركعة الوتر ويقنت فيها قبل الركوع
~~وبعد القراءة (2) الحديث.
# قال في البحار: هذا الخبر صريح في استحباب القنوت في صلاة الشفع، وقد
~~شملها عموم الأخبار الصحيحة الصريحة الواردة بأن القنوت في كل صلاة في
~~الثانية قبل الركوع، ms0638 ثم نقل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، قال: ولهذا
~~الخبر مال بعض المتأخرين في العصر السابق إلى سقوط القنوت في الشفع، مع أنه
~~لا دلالة فيه إلا بالمفهوم، والمنطوق مقدم، ولم يستثنها أحد من قدماء
~~الأصحاب، فيمكن حمل الخبر على أن القنوت المؤكد الذي تستحب إطالته إنما هو
~~في الثالثة، ويمكن حمله على التقية أيضا، لأن أكثر المخالفين يعدون الشفع
~~والوتر صلاة واحدة ويقنتون في الثالثة (3)، انتهى.
# وأما ما روي عن أبي الحسن عليه السلام أنه يقول بعد الرفع عن الركوع "
~~اللهم هذا مقام من حسناته نعمة منك (4) الحديث، فليس بقنوت، ولا بأس به.
# الثاني: لو نسي القنوت يأتي به بعد الركوع، للإجماع، كما يظهر من جماعة
# PageV03P035
# من الأصحاب (1)، والأخبار الصحيحة، كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم، قالا:
# سألنا أبا جعفر عليه السلام عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع، قال: " يقنت
~~بعد ركوعه، فإن لم يذكر فلا شئ عليه (2).
# وصحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام: عن القنوت ينساه الرجل،
~~فقال: " يقنت بعد ما يركع، وإن لم يذكر حتى ينصرف فلا شئ عليه (3).
# وموثقة ابن فضال قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: عن الرجل ذكر أنه
~~لم يقنت حتى يركع قال، فقال: " يقنت إذا رفع رأسه (4).
# وأما بعض الأخبار النافية للإعادة بعد الركوع (5) فمحمول على نفي الوجوب.
# وأما لو لم يذكره بعد الركوع فيقضيه بعد الفراغ، نقل ذلك عن الشيخين في
~~المقنعة والنهاية (6)، وتدل عليه صحيحة أبي أيوب، عن أبي بصير، قال: سمعته
~~يذكر عند أبي عبد الله عليه السلام، قال: " في الرجل إذا سها في القنوت قنت
~~بعد ما ينصرف وهو جالس (7).
# وصحيحة زرارة قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل نسي القنوت فذكره وهو
~~في الطريق، فقال: " يستقبل القبلة ثم ليقله ثم قال: " إني لأكره للرجل أن
~~يرغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله أو يدعها (8) .
# PageV03P036
# ورواية محمد بن سهل النافية (1) محمولة على نفي الوجوب، أو نفي إعادة
~~الصلاة.
# الثالث: يستحب الجهر في القنوت ms0639 مطلقا، لصحيحة زرارة، عن الباقر عليه
~~السلام، قال: " القنوت كلها جهار (2).
# وربما قيل بالتبعية للصلاة (3)، لما دل على أن صلاة النهار سر وصلاة
~~الليل جهر (4).
# وفيه: أنه عام وهذا خاص، فلا بد من حمل العام على الخاص.
# وقد يستشكل في المأموم، لأن بين ما دل على أنه لا ينبغي لمن خلف الإمام
~~أن يسمعه شيئا مما يقول (5) وبين ذلك عموم من وجه، ولعل تخصيص الجهر أقوى،
~~وصحيحة علي بن جعفر (6) وصحيحة ابن يقطين (7) تدلان على التخيير، ولا ينافي
~~أفضلية الجهر.
# ويستحب التكبير قبله، لحسنة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال:
~~"
# PageV03P037
# التكبير في صلاة الفرض الخمس صلوات خمس وتسعون تكبيرة، منها تكبيرة
~~القنوت خمس (1).
# ورواه أيضا ابن المغيرة في الحسن، وفسرهن: في الظهر إحدى وعشرون تكبيرة،
~~وفي العصر إحدى وعشرون تكبيرة، وفي المغرب ست عشرة تكبيرة، وفي العشاء
~~الآخرة إحدى وعشرون تكبيرة، وفي الفجر إحدى عشرة تكبيرة، وخمس تكبيرات
~~القنوت في خمس صلوات (2).
# ورواية الصباح المزني قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " خمس وتسعون
~~تكبيرة في اليوم والليلة للصلوات، منها تكبير القنوت (3).
# ونقل الشيخ عن المفيد - رحمه الله - أنه كان يفتي بهذه الروايات، ولكنه
~~عن له في آخر العمر العدول عن ذلك والعمل على رفع اليدين بغير تكبير (4)،
~~والعمل على المشهور.
# ويستحب رفع اليدين فيه تلقاء وجهه مبسوطتين يحاذي ببطونهما السماء
~~وظهورهما الأرض، قاله الأصحاب، ولم أقف في هذا التفصيل على نص صريح.
# نعم روى عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق عليه السلام، قال: " تدعو
~~في الوتر على العدو، وإن شئت سميتهم، وتستغفر، وترفع يديك في الوتر حيال
~~وجهك، وإن شئت فتحت ثوبك (5).
# وفي الذكرى روى عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام: " وترفع يديك
# PageV03P038
# حيال وجهك، وإن شئت تحت ثوبك، وتتلقى بباطنهما السماء (1).
# ورواية عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخاف أن أقنت وخلفي
~~مخالفون، فقال: " رفعك يديك يجزئ، يعني رفعهما كأنك تركع (2).
# ولا يخفى وجه الدلالة على مطلق الرفع.
# ورواية علي بن ms0640 محمد بن سليمان - ولا تخلو من قوة ما - قال: كتبت إلى
~~الفقيه أسأله عن القنوت، فكتب: " إذا كانت ضرورة شديدة فلا ترفع اليدين،
~~وقل ثلاث مرات بسم الله الرحمن الرحيم (3) ودلالتها من جهة المفهوم.
# وتؤيده موثقة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال في جملتها: " فإذا
~~افتتحت الصلاة فكبرت فلا تجاوز أذنيك، ولا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة
~~تجاوز بهما رأسك (" 4).
# وبالجملة مع قول الأصحاب ووجود هذه الأخبار لا مجال للتأمل فيما يتسامح
~~في دليله.
# ونقل عن المفيد: أنه يرفع يديه حيال صدره (5)، وعن المعتبر قول (6) بجعل
~~باطنهما إلى الأرض (7)، ولم نقف على مأخذهما، نعم يمكن شمول الإطلاقات
~~المتقدمة لهما، لكن الاختصاص لا وجه له.
# وعن ابن إدريس: أنه يفرق الإبهام من الأصابع (8)، ولا بأس باتباعه.
# PageV03P039
# وذكر الأصحاب استحباب النظر إلى الكف حال القنوت، وربما يخرج ذلك من
~~ملاحظة ما ورد من النهي عن الالتفات إلى السماء، بل وإلى الأطراف (1)، وعن
~~التغميض (2)، لأنه ينحصر حينئذ في النظر إلى الكف، فيرجع في الحقيقة إلى
~~استحباب تلك الأمور.
# ويستحب تطويل القنوت، ففي الحسن: " أطولكم قنوتا في دار الدنيا; أطولكم
~~راحة يوم القيامة (3).
# وأن يدعو بالمأثورات.
# ونقل عن غير واحد من الأصحاب جواز الدعاء للمؤمنين بأسمائهم، والدعاء على
~~الكفرة والمنافقين (4)، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه دعا في قنوته
~~لقوم بأعيانهم، وعلى آخرين بأعيانهم (5).
# ويدل عليه أيضا قول الصادق عليه السلام حين سئل عن القنوت وما يقال فيه
~~قال: " ما قضى الله على لسانك، ولا أعلم فيه شيئا موقتا (6).
# وفي جوازه بالفارسية قولان، أجازه الصفار (7) وابن بابويه (8) والشيخ في
~~النهاية (9) والفاضلان (10) وغيرهم (11) على ما نقل عنهم، ومنعه سعد بن
# PageV03P040
# عبد الله (1).
# واحتج الأولون بصحيحة علي بن مهزيار عن الباقر عليه السلام: عن الرجل
~~يتكلم في صلاة الفريضة بكل شئ يناجي ربه؟ قال: " نعم (2).
# وما نقل الصدوق عنه عليه السلام مرسلا: " كلما ناجيت به ربك في الصلاة
~~فليس بكلام (3) ويشعر به ما تقدم.
# وعموم مثل تينك الخبرين بحيث يشمل الفارسية ممنوع، إذ ms0641 الكيفية التوقيفية
~~المتلقاة من الشارع هي العربية، وهي المعهودة منه، وليس معنى " كل شئ يناجي
~~به كل لسان يناجي به. وبالجملة براءة الذمة لا تحصل إلا بالاجتناب عن ذلك.
# والصدوق - رحمه الله - بعد اختياره ذلك واستدلاله بالخبر الأول قال: إنه
~~لو لم يكن هذا الخبر أيضا لكنت أجيزه بقول الصادق عليه السلام: " كل شئ
~~مطلق حتى يرد فيه نهي (4) وهو مبني على جريان أصل البراءة في مهية العبادة،
~~سيما في مثل هذا المقام الذي ظهر أنه خلاف المعهود والمقصود من الشارع.
# PageV03P041
# المقصد الثامن في التشهد وفيه مباحث:
# الأول: يجب التشهد في الثانية مطلقا، والثالثة من الثلاثية، والرابعة من
~~الرباعية، بالإجماع على ما نقله غير واحد من الأصحاب (1).
# ويجب فيه الجلوس مطمئنا بمقداره بالإجماع والأخبار (2)، ويدل على وجوبه
~~أيضا - مضافا إلى وجوب تحصيل البراءة - الأخبار المستفيضة، وسيأتي جملة
~~منها.
# وليس بركن، فلو تركه عمدا بطلت الصلاة.
# وأما لو تركه سهوا; فإن كان المنسي هو التشهد الأول وذكر قبل تجاوز محله
~~- وهو ما لم يدخل في ركن - فيأتي به، والظاهر أنه إجماعي على ما يظهر من
~~جماعة (3)، وتدل عليه النصوص المستفيضة، فروى سليمان بن خالد في الصحيح
~~قال: سألت
# PageV03P042
# أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأولتين فقال:
~~" إن ذكر قبل أن يركع يجلس، وإن لم يذكر حتى يركع فليتم الصلاة، حتى إذا
~~فرغ فليسلم وليسجد سجدتي السهو (1).
# وروى ابن أبي يعفور في الصحيح أيضا عنه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل
~~يصلي ركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما، فقال: " إن كان ذكر وهو قائم في
~~الثالثة فليجلس، وإن لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين وهو جالس
~~قبل أن يتكلم (2).
# والحلبي أيضا في الصحيح عنه عليه السلام: عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى
~~التشهد، قال: " يرجع فيتشهد قلت: أيسجد سجدتي السهو؟ فقال: " لا، ليس في
~~هذا سجدتا السهو (3) والظاهر من هذا الخبر نفي سجدة السهو في صورة التذكر
~~قبل الركوع، إلى غير ذلك من ms0642 الأخبار (4).
# وإن جاوز محله فيجب عليه المضي في الصلاة وسجدتا السهو بعدها، والظاهر أن
~~هذا أيضا إجماعي كما يظهر من جماعة (5)، وتدل عليه الصحاح المستفيضة
~~وغيرها، منها ما تقدم، ومنها ما سيجئ.
# والمشهور وجوب القضاء عليه أيضا بعد الفراغ والتسليم، وكأن كونه بعد
~~التسليم إجماعي، بخلاف السجدة، لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما
~~السلام: في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف، فقال: "
# PageV03P043
# إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد، وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه وقال:
~~" إنما التشهد سنة في الصلاة (1).
# ورواية علي بن أبي حمزة قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا قمت في
~~الركعتين الأوليين ولم تتشهد فذكرت قبل أن تركع فاقعد وتشهد، وإن لم تذكر
~~حتى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما،
~~ثم تشهد التشهد الذي فاتك (2).
# ونقل عن المفيد وابني بابويه القول بعدم وجوب القضاء، وأن التشهد الذي في
~~السجدة يجزئ عنه (3).
# ويدل عليه مضافا إلى الأصل ظواهر الأخبار الكثيرة في مقام البيان، منها
~~ما تقدم.
# ومنها صحيحة الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام
~~عن الرجل يصلي الركعتين من المكتوبة لا يجلس فيهما حتى يركع في الثالثة،
~~قال: " فليتم صلاته ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو وهو جالس قبل أن يتكلم (4).
# ومثلها صحيحة ابن أبي يعفور (5).
# ومنها: حسنة فضيل بن يسار - لإبراهيم بن هاشم - عن الباقر عليه السلام:
~~في الرجل يصلي ركعتين من المكتوبة ثم ينسى فيقوم قبل أن يجلس بينهما، قال:
~~" فليجلس ما لم يركع وقد تمت صلاته، فإن لم يذكر حتى ركع فليمض في صلاته،
# PageV03P044
# وإذا سلم سجد سجدتين (1) وفي معناها حسنة الحلبي (2)، إلى غير ذلك من
~~الأخبار (3)، ولا يخلو هذا القول من قوة.
# ولو كان المنسي التشهد الأخير; فالظاهر أن المشهور فيه أيضا لزوم القضاء،
~~وأن لا فرق فيما بين التشهدين، ونص في الذخيرة على أنه لم يقف على أحد من
~~الأصحاب ذهب إلى التفصيل (4).
# ولكن نسب ms0643 في المفاتيح التفرقة إلى الصدوق، حيث نقل عنه في المقام الأول
~~مشاركته للمفيد، وههنا للمشهور، ورجحه هو أيضا، متمسكا بأن ظاهر صحيحة ابن
~~مسلم المتقدمة أنه هو للتشهد الثاني (5).
# ولا بد للمفصل من توجيه رواية علي بن أبي حمزة بأن المراد من التشهد فيها
~~التشهد في سجدتي السهو، فيوافق الأخبار الكثيرة.
# وهكذا لا بد من حمل موثقة أبي بصير قال: سألته عن الرجل ينسى أن يتشهد،
~~قال: " يسجد سجدتين يتشهد فيهما (6) على المقام الأول.
# وحينئذ فالجمع بين الروايات إما بحمل الأخبار كلها على الروايتين،
~~والتزام القضاء في المقامين، لاشتهار العمل بهما بين الأصحاب، وعدم التفرقة
~~بين المقام الأول والثاني.
# وإما بحمل رواية علي بن أبي حمزة على ما ذكرنا، لعدم مقاومتها لظهور
~~الأخبار الكثيرة الصحيحة المقتصر فيها على سجدتي السهو في المقام الأول،
~~وحمل الصحيحة على الاستحباب لما ذكر من عدم المقاومة، أو القول بعدم
~~استفادة المقام
# PageV03P045
# الأول منها لما ذكر من الظهور في المقام الثاني، ولعل ادعاء الظهور من
~~جهة أنه عليه السلام قال: " إن كان قريبا رجع إلى مكانه والظاهر منه أن
~~الغرض وصل الجزء بالصلاة متلبسا بالهيئة السابقة، فتبقى حجة في المقام
~~الثاني.
# ويخدش هذا الظهور قوله: " وقد نسي التشهد حتى ينصرف فإنه ظاهر في المقام
~~الأول، مع أن الظاهر من تقييد المكان بالنظيف هو أن الرجوع إلى مكان الصلاة
~~إذا كان قريبا لأجل كونه مكانا نظيفا.
# سلمنا، لكنها تشمله بإطلاقها. هذا مع ما عرفت من كلام الذخيرة، ولكل وجه،
~~والمشهور أولى وأحوط، بل هو متعين.
# ويدل على لزوم القضاء مطلقا أيضا كما هو المشهور صحيحة ابن سنان: " إذا
~~نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذي فاتك سهوا (1).
# وصحيحة حكم بن حكيم، عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل نسي ركعة أو
~~سجدة أو الشئ منها ثم تذكر بعد ذلك، قال: " يقضي {ذلك} بعينه قلت: أيعيد
~~الصلاة؟ فقال: " لا (2) وقد يقال: إن المراد من الركعة هو معناها الحقيقي،
~~فالمراد من الشئ منها ms0644 هو القنوت والتشهد ونحو ذلك (3).
# ونقل في الذكرى بعد نقل هذه الرواية رواية الحلبي عنه عليه السلام: " إذا
~~نسيت من صلاتك فذكرت قبل أن تسلم أو بعد ما تسلم أو تكلمت فانظر الذي كان
~~نقص من صلاتك فأتمه (4).
# وربما يستدل بهذه الأخبار على قضاء جميع أبعاض الصلاة، وربما يستقرب ذلك
~~في أبعاض ما ثبت له القضاء; كما هو ظاهر صحيحة ابن حكيم، وليس
# PageV03P046
# بذلك البعيد.
# وبالجملة إثبات القضاء الذي هو بفرض جديد على التحقيق يشكل في غير ما قام
~~عليه دليل يعتمد عليه.
# ويمكن ادعاء ظهور رواية الحلبي في قضاء الركعة، ولا يفهم ظهور يعتمد عليه
~~من رواية ابن حكيم أيضا في الأبعاض، إلا أنه أحوط.
# ويمكن أن يكون المراد من قوله عليه السلام " أو الشئ منها أي شيئا من هذا
~~القبيل، لا شيئا يكون من أجزاء المذكورات، فتأمل.
# بقي الكلام في ثبوت سجدتي السهو في المقام الثاني من المقامين، ولا دليل
~~عليه سوى عموم رواية سفيان بن السمط المتقدمة سابقا (1)، وإطلاق موثقة أبي
~~بصير المتقدمة ههنا إن لم ندع ظهورها في المقام الأول بملاحظة تناسقه مع
~~تلك الأخبار أو لم نحملها عليها. وحكم بلزوم السجدة في التذكرة (2)، وهو
~~أحوط، بل وأظهر.
# ثم إن ابن إدريس أيضا خالف المشهور فيما ذكر وقال ببطلان الصلاة لو كان
~~المنسي هو التشهد الأخير وأحدث قبل القضاء (3)، والظاهر أن بناءه في ذلك
~~على أنه بعد لم يخرج من الصلاة، لكون التسليم مستحبا عنده، فالمحدث حينئذ
~~محدث في أثناء الصلاة، بخلاف ما لو كان المنسي التشهد الأول، فإنه قد انقضت
~~الصلاة، والحدث خارج عنها.
# وقد يجاب عنه أولا: بمنع كلية بطلان الصلاة بالحدث المتخلل.
# وثانيا: بأن الفراغ إنما هو بالتسليم، والتسليم باعتبار السهو وقع موقعه،
# PageV03P047
# وسيجئ وجوب التسليم أيضا.
# وثالثا: بأن إطلاق صحيحة حكم بن حكيم المتقدمة يدفعه، وكذا ما في معناها
~~مما تقدم.
# ولو أحدث قبل التشهد الأخير فتبطل الصلاة، عمدا كان أم لا على المشهور،
~~بل يحتمل أن يكون إجماعيا، لما قاله في ms0645 التذكرة، قال: فإن فعله عمدا أو
~~سهوا في الصلاة بطلت إجماعا.
# وقال بعد الاستدلال على ذلك: فإن وجد بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه
~~وآله قبل التسليم، فمن جعل التسليم واجبا أبطل الصلاة، وبه قال الشافعي،
~~ومن جعله ندبا لم تبطل صلاته، وبه قال أبو حنيفة (1). ويظهر من المدارك أن
~~من قال به قال به إجماعا منهم (2).
# ويدل عليه مضافا إلى عدم حصول البراءة بذلك والشك في تحققه رواية الحسن
~~بن الجهم، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل صلى الظهر أو العصر
~~فأحدث حين جلس في الرابعة، فقال: " إن كان قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن
~~محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يعيد، وإن كان لم يتشهد قبل أن
~~يحدث فليعد (3).
# وإطلاق موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سئل عن الرجل يكون في
~~صلاته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع؟ قال: " إن كان خرج نظيفا من العذرة
~~فليس عليه شئ ولم ينقض وضوءه، وإن خرج ملطخا بالعذرة فعليه أن يعيد
# PageV03P048
# الوضوء، وإن كان في صلاته قطع الصلاة وأعاد الوضوء والصلاة (1).
# وإطلاق صحيحة محمد بن الفضيل، عن الكناني، عنه عليه السلام، قال:
# سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة، فقال: " إن كان لا يحفظ حدثا منه -
~~إن كان - فعليه الوضوء وإعادة الصلاة، وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس
~~عليه وضوء ولا إعادة (2).
# وعموم موثقة أبي بكر الحضرمي عن الباقر عليه السلام والصادق عليه السلام:
# أنهما كانا يقولان: " لا يقطع الصلاة إلا أربعة: الخلاء، والبول، والريح،
~~والصوت (3).
# وخالف في ذلك الصدوق قال: إنه لو لم يتشهد وأحدث ينصرف ويتوضأ وجلس حيث
~~شاء وتشهد (4)، وكلامه أعم من السهو والعمد.
# ويدل على ذلك صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: في الرجل يحدث بعد أن
~~يرفع رأسه من السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهد، قال: " ينصرف فيتوضأ، فإن شاء
~~رجع إلى المسجد، وإن شاء ففي بيته، وإن شاء حيث شاء يقعد فيتشهد ثم يسلم،
~~وإن كان الحدث ms0646 بعد الشهادتين فقد مضت صلاته (5).
# وموثقة عبيد بن زرارة - لابن بكير - عن الصادق عليه السلام، قال: سألته
~~عن رجل صلى الفريضة، فلما فرغ ورفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة
~~الرابعة
# PageV03P049
# أحدث، فقال: " أما صلاته فقد مضت، وبقي التشهد، وإنما التشهد سنة في
~~الصلاة، فليتوضأ وليعد إلى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهد (1).
# وموثقة أبيه - لابن بكير أيضا - قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
~~الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير، فقال: " تمت صلاته، وإنما
~~التشهد سنة في الصلاة، فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد (2).
# وهذا القول لا يخلو من قوة، إلا أن المشهور أولى وأحوط.
# ونقل في الذخيرة (3) عن الشهيد الاستدلال على المشهور برواية الحسن بن
~~الجهم المتقدمة، وبأن الحدث وقع في الصلاة فيفسدها. ورد الأول بضعف الخبر،
~~والثاني بأنه اجتهاد في مقابل النص (4).
# والضعف منجبر بالشهرة وغيرها مما ذكرنا.
# ونظر الشهيد - رحمه الله - في بطلان الصلاة بوقوع الحدث إلى العمومات،
~~وقد ذكرنا بعضها، ولا ريب أن العام إذا كان أقوى من الخاص من الجهات الأخر
~~غير الدلالة فلا يجوز تخصيصه بأضعف منه، فلا معنى لجعل التشبث بالعمومات
~~اجتهادا، بل هو متابعة للنص.
# نعم يمكن المناقشة بأن العمومات من هذا الطرف أيضا موجودة، مثل ما يدل من
~~الأخبار على البناء لو أحدث في الأثناء بعد الوضوء، ولكن فيها كلام وسيأتي.
# ومثل صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: " إنه لا تعاد الصلاة إلا من
~~خمسة:
# الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود ثم قال: " القراءة سنة، والتشهد
~~سنة،
# PageV03P050
# ولا ينقض الفريضة السنة (1) وتجئ تتمة الكلام، والاحتياط واضح والحمد
~~لله.
# وإن كان الحدث بعد الشهادتين فيمضي في صلاته، للأخبار الكثيرة وقد مضى
~~بعضها. ومنها صحيحة أبان، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن
~~الرجل يصلي ثم يجلس فيحدث قبل أن يسلم، قال: " قد تمت صلاته، وإن كان مع
~~إمام فوجد في بطنه أذى فسلم في نفسه وقام فقد تمت صلاته (2).
# وقوية غالب بن عثمان عن الصادق عليه السلام، ms0647 قال: سألته عن الرجل يصلي
~~المكتوبة فيقضي صلاته ويتشهد ثم ينام قبل أن يسلم، قال: " تمت صلاته، وإن
~~كان رعافا غسله ثم رجع فسلم (3).
# ومع القول باستحباب التسليم لا إشكال في هذا الحكم.
# وأما مع وجوبه فأيضا لا يبعد القول به وإن قلنا ببطلان الصلاة بتخلل
~~الحدث، ولو قبل التشهد وقطع بذلك بعض المتأخرين من دون نقل خلاف (4)، وهو
~~الظاهر من الصدوق أيضا كما ذكرنا.
# ولكنك عرفت كلام التذكرة. ولعل ملاحظة التفصيل الذي ذكره فيها أولى، سيما
~~بملاحظة توقف البراءة على ذلك، والاحتياط الاتمام والإعادة. هذا في
~~الفريضة.
# وأما النافلة، فقد ورد في الأخبار أنه إن سها حتى ركع في الثالثة أنه
~~يلقي الركوع ويجلس ويتشهد ويسلم، ثم في بعضها أنه يستأنف، وفي بعضها أنه
~~يقوم ويتم.
# ففي صحيحة الحلبي، قال: سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة
# PageV03P051
# فلم يجلس بينهما حتى قام فركع في الثالثة، قال: " يدع ركعة، يجلس ويتشهد
~~ويسلم ثم يستأنف الصلاة بعد (1).
# وفي حسنة ابن المغيرة عن الصادق عليه السلام: في الرجل يصلي الركعتين من
~~الوتر ثم يقوم فينسى التشهد حتى يركع ويذكر وهو راكع، قال: " يجلس من ركوعه
~~يتشهد ثم يقوم فيتم قال، قلت: أليس قلت في الفريضة إذا ذكره بعد ما ركع مضى
~~ثم سجد سجدتي السهو بعد ما ينصرف يتشهد فيهما؟ قال: " ليس النافلة مثل
~~الفريضة (2) والأولى حمل هذه على الاستئناف أيضا.
# الثاني: اعلم أن الأخبار الواردة في حكم التشهد وبيانه مختلفة جدا، فيظهر
~~من بعضها عدم الوجوب، كرواية بكر بن حبيب، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام
~~عن التشهد، فقال: " لو كان كما يقولون واجبا على الناس هلكوا، إنما كان
~~القوم يقولون أيسر ما يعلمون، إذا حمدت الله أجزأ عنك (3).
# وروايته الأخرى قال قلت لأبي جعفر عليه السلام: أي شئ نقول في التشهد
~~والقنوت؟ قال: " قل بأحسن ما علمت، فإنه لو كان موقتا لهلك الناس (4).
# وصحيحة سعد بن بكر، عن حبيب الخثعمي، عن أبي جعفر عليه السلام يقول: "
~~إذا جلس الرجل ms0648 للتشهد فحمد الله أجزأه (5).
# ويظهر من بعضها أن ما يقال فيه هو مطلق الشهادتين، مثل رواية سورة بن
# PageV03P052
# كليب، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أدنى ما يجزئ من التشهد، فقال:
# " الشهادتان (1).
# وتؤيده صحيحة الفضلاء عنه عليه السلام، قال: " إذا فرغ من الشهادتين فقد
~~مضت صلاته، وإن كان مستعجلا في أمر يخاف أن يفوته فسلم وانصرف أجزأ (2)
~~وهذا يدل على وجوب التشهد أيضا.
# وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا التفت في صلاة مكتوبة من
~~غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا، وإن كنت قد تشهدت فلا تعد
~~(3) وهذا أيضا يدل على الوجوب.
# وفي بعضها تصريح بوجوب " أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له،
~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله كصحيحة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد الله
~~عليه السلام: التشهد في الصلاة؟ قال: " مرتين قال، قلت: وكيف مرتين؟ قال: "
~~إذا استويت جالسا فقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن
~~محمدا عبده ورسوله. ثم تنصرف.
# قال: قلت، قول العبد: التحيات لله، والصلوات الطيبات لله؟ قال: " هذا
~~اللطف من الدعاء، يلطف العبد بربه (4) (5).
# وتؤيده موثقة عبد الملك بن عمرو الأحول، عنه عليه السلام، قال: " التشهد
~~في الركعتين الأوليين: الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك
~~له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد، وتقبل
~~شفاعته،
# PageV03P053
# وارفع درجته (1).
# ويتم إثباته في الثانية بضميمة عدم القول بالفصل، وبصحيحة أحمد بن أبي
~~نصر قال، قلت لأبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك، التشهد الذي في الثانية
~~يجزئ أن أقوله في الرابعة؟ قال: " نعم (2).
# وبما ذكرناه يمكن أن تنطبق على هذا المذكور صحيحة زرارة قال، قلت لأبي
~~جعفر عليه السلام: ما يجزئ من القول في التشهد في الركعتين الأوليين؟
# قال: " أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له قلت: فما يجزئ
~~من التشهد في الركعتين الأخيرتين؟ فقال: " الشهادتان (3) بنوع من التوجيه،
~~وهو ms0649 أن يكون اقتصاره عليه السلام في الشهادة بالتوحيد لأنه في صدد بيان
~~الكيفية لا الكمية، أو لأنه علم من حال الراوي علمه بحال التشهد بالرسالة
~~أو نحو ذلك، فيحمل مطلق الثاني على مقيد الأول، سيما مع ملاحظة رواية يعقوب
~~بن شعيب عن الصادق عليه السلام، قال: " التشهد في كتاب علي شفع (4).
# والمشهور بين الأصحاب وجوب الشهادتين، بل وهو إجماعي على ما نقله غير
~~واحد من الأصحاب، منهم المرتضى (5) والشيخ (6) والعلامة (7) والشهيد (8).
# ونقل عن الصدوق في المقنع أنه اقتصر على الشهادتين، ولم يوجب الصلاة على
~~النبي صلى الله عليه وآله، ثم القول بأن أدنى ما يجزئ الشهادتان أو يقول
# PageV03P054
# بسم الله وبالله ثم يسلم (1)، ورده في الذكرى بأنه معارض بإجماع الإمامية
~~(2).
# والمشهور بينهم الاكتفاء بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا
~~رسول الله صلى الله عليه وآله، ولهم الأخبار المتقدمة، لكن الظاهر منها أنه
~~لا اختصاص بهذه الهيئة، بل يشمل ما لو تغيرت بأدنى تغيير، كحذف كلمة أشهد
~~في الثاني والعطف بالسابق، أو بوضع المضمر موضع المظهر في الثاني، أو بحذف
~~حرف العطف، أو غير ذلك، ولكن المعهود المتعارف من الشهادتين هو الأول، فعلى
~~القول بالمشهور الأولى عدم التجاوز عنه.
# وقيل: يجب " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا
~~عبده ورسوله (3) ولهم الأخبار المتقدمة، والاحتياط في ذلك، وإن كان المشهور
~~أقوى.
# وأما ما دل على نفي الوجوب وكفاية ما أجمع الأصحاب على عدمه فيجب التأويل
~~فيه على ما اقتضاه الحال، فما ذكر فيها لفظ السنة (4)، فالمراد منه مقابل
~~الفريضة التي ثبتت من الكتاب، ولا ينافي ذلك الاستحباب.
# وما تضمن كفاية ذكر الحمد لله أو أي قول حسن كان ونحو ذلك (5) فإما محمول
~~على ما ينبغي من الأذكار المستحبة في التشهد، وهو أظهر، أو على التقية;
~~لعدم وجوب التشهد عند جماعة منهم (6); لأنها معارضة بما هو أقوى منها،
~~والمعول عليها عند الأصحاب، بل والمجمع على مضمونها كما ذكرنا.
# الثالث: وتجب بعد ذكر الشهادتين ms0650 الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله على
# PageV03P055
# المشهور، وادعى عليه الاجماع جماعة من أصحابنا، منهم الشيخ (1) والفاضلان
~~(2) والصدوق (3) وابن زهرة (4)، وقال الشيخ: إنه ركن (5)، وهو قول أحمد من
~~العامة (6)، والشافعي في الأخيرة (7)، واستحبها أبو حنيفة في الموضعين (8)،
~~وكذا مالك (9).
# وليس من أخبار الخاصة ما كان نصا في الوجوب.
# وأظهرها دلالة هي صحيحة أبي بصير وزرارة عن الصادق عليه السلام أنه قال:
~~" من تمام الصوم إعطاء الزكاة، كما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله
~~من تمام الصلاة، ومن صام ولم يؤدها فلا صوم له إذا تركها متعمدا، ومن صلى
~~ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله وترك ذلك متعمدا فلا صلاة له، إن
~~الله تعالى بدأ بها قبل الصلاة، فقال: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى
~~(10).
# وقد يناقش في دلالته بأن قرينة التشبيه بحمل ذلك على نفي الفضيلة،
~~للإجماع
# PageV03P056
# على صحة الصوم بدون الزكاة، ولا دلالة في الخبر على الصلاة على آله صلى
~~الله عليه وآله.
# واستدلوا أيضا بعموم قوله تعالى: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ (1) خرج ما خرج بالدليل
~~وبقي الباقي.
# وفي دلالته خفاء وبعد، لأن المناسب لقوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون
~~على النبي) إرادة الاعتناء بإظهار الشرف، وهو يحصل بمطلق الثناء، وهو حاصل
~~بالشهادة بالرسالة، مع أن الأمر لا يقتضي إلا طلب الطبيعة، وهي تحصل
~~بالمرة. نعم وردت الأخبار في تفسيرها بالصلاة المعهودة (2).
# وأما مثل موثقة عبد الملك المتقدمة، ومثل موثقة أبي بصير الطويلة
~~المتضمنة للأذكار المستحبة فيه حيث قال عليه السلام: " فقل بسم الله وبالله
~~والحمد لله إلى أن قال بعد الشهادتين وبعض الأذكار المستحبة " اللهم صل على
~~محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد (3) الحديث، فيشكل الاستدلال أيضا،
~~سيما بالأخيرة، لتضمنها المستحبات الكثيرة; الذي يوجب ضعفا في ظهور الأمر
~~في الوجوب.
# ويمكن الاستدلال عليه أيضا بصحيحة زرارة، عن الباقر عليه السلام أنه قال:
~~" وصل على النبي صلى الله عليه وآله كلما ذكرته أو ذكره ذاكر ms0651 عندك (4).
# وبرواية محمد بن هارون عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا صلى أحدكم ولم
~~يذكر النبي صلى الله عليه وآله في صلاته يسلك بصلاته غير سبيل الجنة، وقال
# PageV03P057
# رسول الله صلى الله عليه وآله: من ذكرت عنده ولم يصل علي فدخل النار
~~فأبعده الله قال: " وقال صلى الله عليه وآله: من ذكرت عنده فنسي الصلاة علي
~~خطئ بطريق الجنة (1).
# ورواية أبي بصير عنه عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه
~~وآله:
# من ذكرت عنده فنسي أن يصلي علي خطأ الله به طريق الجنة (2).
# ويتمم المطلب برواية عبد الله بن ميمون عنه عليه السلام، قال: " سمع أبي
~~رجلا متعلقا بالبيت وهو يقول: اللهم صل على محمد، فقال له أبي: يا عبد الله
~~لا تبترها، لا تظلمنا حقنا، قل: اللهم صل على محمد وأهل بيته (3) ونحوها من
~~الأخبار (4).
# ولكن هذه الأخبار تدل على وجوب الصلاة بسبب ذكره صلى الله عليه وآله، لا
~~من جهة خصوص ذكر التشهد.
# واستدل المحقق (5) بما رواه من طريق العامة " أن رسول الله صلى الله عليه
~~وآله كان يقول في صلاته: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم
~~إنك حميد مجيد (6) فتجب متابعته، لقوله صلى الله عليه وآله: " صلوا كما
~~رأيتموني أصلي (7).
# PageV03P058
# ثم إنه بعد تسليم الاستدلال بتلك الأخبار على المطلوب، فهل هي باقية على
~~ظاهرها من العموم أو مخصصة بحال التشهد؟ نقل الفاضلان الاجماع على عدم وجوب
~~الصلاة كلما ذكر (1)، وقال بالوجوب الفاضل المقداد - رحمه الله - في كنز
~~العرفان، ونقله عن الصدوق (2)، وذهب إليه بعض المتأخرين أيضا (3)، وللعامة
~~أقوال منتشرة (4).
# وقد يضعف الوجوب بعدم ذكرها في الأخبار الكثيرة والأدعية الكثيرة، مع
~~ذكره صلى الله عليه وآله، وكذا لم يعلموا المؤذنين ذلك ونحو ذلك، وكذا يظهر
~~الاستحباب من سياق الأخبار الواردة في فضلها وثوابها فلاحظ (5)، والأحوط
~~عدم الترك بحال.
# ونقل العلامة - رحمه الله - في التذكرة أخبارا من طريق العامة ظاهرة في
~~المطلوب (6).
# وبالجملة مع ما ذكرنا من الأدلة لا يبقى مجال للتأمل في ms0652 وجوب الصلوات على
~~النبي صلى الله عليه وآله في التشهد، سيما مع توقف البراءة على ذلك.
# (وأما في غير الصلاة) (7) كلما ذكر اسمه صلى الله عليه وآله فموضع تأمل،
~~بالنظر إلى الاجماعات المنقولة، ولزوم العسر والحرج غالبا. والأحوط عدم
~~الترك مهما أمكن، لغاية التأكيد المستفاد من الأخبار.
# PageV03P059
# والظاهر أنه لا اختصاص باسمه الشريف، بل المعتبر هو المسمى وإن كان
~~بالوصف، كالرسول والنبي، أو بالضمير، ونحوهما.
# وهل يجب في التشهد مطلق الصلاة أو لفظ مخصوص؟ الأقوى والأحوط الاقتصار
~~بما تضمنته الموثقتان (1)، وإن كان الاكتفاء بمطلقها لا يخلو من قوة.
# ويكفي فيمن ذكر اسمه الشريف أو ذكر عنده مطلقا مثل قوله " ورب صل عليه
~~وآله وغير ذلك، ويمكن الاكتفاء بمطلق طلب الرحمة والدعاء له، والأحوط فيه
~~أيضا الإتيان بلفظ الصلاة.
# الرابع: يستحب أن يلصق ركبتيه بالأرض ويفرج بينهما شيئا.
# وأن يتورك كما تقدم.
# وأن يكون طرف إبهام اليمنى على الأرض.
# وأن لا يقعد (2) على قدميه فيتأذى بذلك، ولا يكون قاعدا على الأرض فيكون
~~إنما قعد بعضه على بعض فلا يصبر للتشهد والدعاء.
# كل هذا مضمون صحيحة زرارة المتقدم بعضها (3).
# ويستحب العمل بالمأثور من الأدعية، مثل ما ورد في موثقة أبي بصير الطويلة
~~(4) وغيرها (5)
# PageV03P060
# المقصد التاسع في التسليم وفيه مباحث:
# الأول: اختلف الأصحاب في وجوب التسليم، والمختار عندي هو الوجوب لوجوه:
# الأول: استصحاب الحالة المتلبس بها في حال الصلاة من التزام الشرائط
~~واجتناب الموانع واستمرار النية الحكمية، وسيجئ أن هذا المعنى لا يتأتى مع
~~الاستحباب، وعدم براءة الذمة يقينا إلا بذلك.
# الثاني: استمرار العمل به بطريق اللزوم في زمن النبي صلى الله عليه وآله
~~ومن بعده من الصحابة والتابعين والأئمة المعصومين عليهم السلام.
# الثالث: ما رواه المشايخ الثلاثة الصدوق والشيخ مرسلا والكليني مسندا، عن
~~أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
~~مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (1).
# PageV03P061
# ولا وجه للقدح في السند بالإرسال، وبأنها لم ترد من طريق الخاصة، سيما مع
~~ورودها في الفقيه والكافي، بل ms0653 في الإرسال إشارة إلى كمال الاعتماد على
~~الصحة، مع أن السيد المرتضى - رحمه الله - نقل هذه الرواية معتمدا عليها
~~(1)، وهو لا يعمل بخبر الواحد، إلى غير ذلك من المؤيدات.
# مع أن كون تحليل الصلاة هو التسليم ورد في أخبار كثيرة خاصة (2) سيجئ
~~بعضها (3).
# وفي كتاب الهداية للصدوق عن الصادق عليه السلام: " تحريم الصلاة التكبير،
~~وتحليلها التسليم (4).
# وظاهر الخبر الحصر كما لا يخفى على المطلع بضوابط العربية، والمفرد
~~المضاف يفيد العموم حيث لا عهد، مع أن معنى التحليل هو أن يؤثر الشئ في
~~حلية شئ فلو كان قبله حلالا فلا معنى للتحليل.
# ولا ريب أنه مع القول بالاستحباب فبعد تمام التشهد تنقضي الصلاة وتحل
~~المنافيات، والتحليل حينئذ تحصيل للحاصل.
# وبالجملة لا ينبغي التأمل في دلالتها.
# ومما ذكرنا ظهر اندفاع ما قيل من أن التحليل قد يحصل (بغير) (5) التسليم
~~كالمنافيات وإن لم يكن الإتيان بها جائزا، وحينئذ لا بد من تأويل التحليل
~~بالتحليل الذي قدره الشارع، وحينئذ كما أمكن إرادة التحليل الذي قدره
~~الشارع على سبيل الوجوب، أمكن إرادة التحليل الذي قدره على سبيل الاستحباب،
~~وليس للأول
# PageV03P062
# على الآخر ترجيح واضح (1)، لأن بعد ما ثبت عدم حلية فعل المنافيات قبل
~~التسليم بمقتضى مفهوم التحليل، فلا معنى لاستحباب المحلل.
# ولا يخفى أن النسبة حينئذ مجازية، وهي خلاف الأصل، وذلك (2) لأن التحليل
~~لم يحصل حينئذ بالتسليم، بل فعل المنافيات حلال قبل التسليم، لأن المفروض
~~تمامية الصلاة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله على القول بالاستحباب.
# فإن قلت: نعم إنه قد فرغ من واجبات الصلاة ولكنه باق في مستحباتها، فهذه
~~الصيغة تخرج عن الواجبات والمستحبات جميعا.
# قلت: البقاء في المستحبات لا ينفع مع تجويز فعل ما كان محرما سابقا، فكيف
~~يصح مع ذلك القول بكون التسليم مخرجا عن الصلاة ومحللا.
# فإن قلت: البقاء في الصلاة لا يستلزم وجوب ما يجب عليه فيها وتحريم ما
~~يحرم عليه، بل يحصل بالمحافظة على الشروط وثواب المصلي واستجابة الدعاء.
# قلت: هذا خروج عن الظاهر لوجوه، أما في معنى ms0654 التحليل فظاهر.
# وأما في معنى الخروج فكذلك أيضا، لأنه تخصيص بعيد لم يقم عليه دليل.
# وأيضا ادعى السيد - رحمه الله - الاجماع على أن الخروج من الصلاة واجب
~~كالدخول فيها (3)، فإن لم يقف الخروج منها على التسليم دون غيره جاز أن
~~يخرج بغيره من الأفعال المنافية للصلاة كما يقول أبو حنيفة (4)، وأصحابنا
~~لا يجيزون ذلك، فثبت وجوب التسليم.
# PageV03P063
# ويظهر ذلك من المحقق في المعتبر أيضا، حيث قال في جواز الخروج عن الصلاة
~~بلفظ " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لا يقال: ما ذكرتم من السلام
~~علينا خروج عن الاجماع; لانحصاره بين السلام عليكم وفعل المنافي، قلنا: لا
~~نسلم ذلك، والمنقول عن أهل البيت ما ذكرناه، وقد صرح الشيخ بما ذكرناه في
~~التهذيب، فإنه قال: عندنا أن من قال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
~~فقد انقطعت صلاته، إلى آخر ما ذكره (1).
# ومما يدل على استفادة وجوب السلام من الرواية مقابلة التحليل بالتحريم،
~~لعدم الخلاف في وجوب التكبير.
# بل لا يبعد استفادة الجزئية أيضا من هذه القرينة، إذ جزئية التكبير مما
~~لا ينبغي التأمل فيها، وكونه خارجا عن الصلاة هو المنقول عن أبي حنيفة (2).
# ومما ينادي بجزئيتها الأخبار الدالة على أن تكبيرات الصلاة خمس وتسعون
~~(3).
# ولا حاجة في هذا المطلب إلى الاستدلال. على أنا (4) نقول: بعد ثبوت
~~الإطلاق أو العموم ولو بقرينة الوقوع في كلام الحكيم، فالأصل عدم التقييد
~~والتخصيص.
# مع أن الأفعال المنافية ليست بمحللة، بل هي منافية ومبطلة، والإبطال غير
~~التحليل.
# وربما يقال بعد التسليم: إن الحمل على الوجوب أقرب المجازات أيضا.
# وفي معنى هذا الخبر موثقة عمار الآتية.
# وكون السلام تحليل الصلاة يظهر من أخبار أخر أيضا، منها ما روى الفضل بن
# PageV03P064
# شاذان في علة جعل السلام تحليلا (1)، ومنها رواية المفضل في العلل (2)
~~وغيرهما، وهي كثيرة مروية في العيون والعلل وكتاب معاني الأخبار وكتاب
~~المناقب لابن شهرآشوب (3).
# مع أن في رواية المفضل بن عمر دلالة أخرى على الوجوب من جهة تقرير الإمام
~~عليه السلام، قال: سألت أبا عبد الله ms0655 عليه السلام عن العلة التي من أجلها
~~وجب التسليم في الصلاة، قال: " لأنه تحليل الصلاة (4).
# الرابع: موثقة أبي بصير - لسماعة وعثمان بن عيسى (5) - قال: سمعت أبا عبد
~~الله عليه السلام يقول في رجل صلى الصبح فلما جلس في الركعتين قبل أن يتشهد
~~رعف، قال: " فليخرج وليغسل أنفه، ثم ليرجع فليتم صلاته، فإن آخر الصلاة
~~التسليم (6).
# الخامس: الأخبار الكثيرة المستفيضة، بل المتواترة من الصحاح وغيرها،
~~المشتملة على ثبوته بصيغة الأمر أو الجملة الخبرية وبما يجزئ ونحو ذلك (7).
# السادس: صحيحة الفضلاء عن الباقر عليه السلام: في صلاة الخوف " فصار
~~للأولين التكبير وافتتاح الصلاة، وللآخرين التسليم (8) وربما نشير إلى أدلة
~~أخرى للوجوب.
# PageV03P065
# وربما يؤيد ذلك بقوله تعالى: ﴿وسلموا تسليما﴾ (1).
# وبأن السلام لو لم يكن واجبا لما بطلت صلاة المسافر إذا زاد ركعة أو
~~ركعتين، والتالي باطل، لرواية زرارة ومحمد بن مسلم قالا، قلنا لأبي جعفر
~~عليه السلام:
# رجل صلى في السفر أربعا، أيعيد؟ قال: " إن كان قرئت عليه آية التقصير
~~وفسرت وصلى أربعا أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة (2).
# وإنما جعلناهما من المؤيدات لتطرق المناقشة فيهما كما لا يخفى.
# وذهب الشيخان في بعض أقوالهما (3) وابن البراج (4) وابن إدريس (5) وأكثر
~~المتأخرين (6) إلى الاستحباب.
# وقد استدلوا على ذلك بالأصل، وبشطر من الأخبار، ومنها ما يتضمن أن المصلي
~~يتشهد وينصرف من دون ذكر السلام، كصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في التشهد.
# وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون
~~خلف الإمام، ويطول الإمام التشهد، فيأخذ الرجل البول، أو يتخوف على شئ
~~يفوت، أو يعرض له وجع كيف يصنع؟ قال: " يتشهد هو وينصرف ويدع الإمام (7).
# وتؤدي مؤداهما صحيحة محمد بن مسلم أيضا عن الصادق عليه السلام: عن
# PageV03P066
# رجل صلى ركعتين فلا يدري ركعتان هي أو أربع، قال: " يسلم ثم يقوم فيصلي
~~ركعتين بفاتحة الكتاب ويتشهد وينصرف، وليس عليه شئ (1).
# وفيه: أن عدم ذكر السلام لا يدل على عدم الوجوب، لعدم كونه في ms0656 مقام
~~البيان.
# بل نقول: إنهما تدلان على الوجوب، لظهور لفظ الانصراف في التسليم كما
~~يظهر من أخبار كثيرة، وستأتي الأخبار الدالة عليه في غضون (2) هذا المبحث.
# سلمنا عدم الدلالة، لكن الدلالة على المطلوب أيضا مفقودة، سيما في
~~الصحيحة الأخرى، بل أولها قرينة على أن الاقتصار ليس للاستحباب، على أنه
~~يحتاج إلى إثبات عدم القول بالفصل، فتأمل.
# ومنها: ما ورد في باب الشك والسهو وغيره مما تضمن أنه يفعل كذا ويتشهد
~~بدون ذكر السلام (3).
# ويظهر جوابه أيضا مما ذكرنا، مع أنها معارضة بأكثر منها بمراتب شتى في
~~أمثال هذه المقامات قد ذكر فيها السلام بلفظ الأمر وغيره (4).
# ومنها: ما ورد في الحسن عن الصادق عليه السلام: " إذا فرغت من طوافك فأت
~~مقام إبراهيم وصل ركعتين، واجعله أمامك، فاقرأ فيها قل هو الله أحد، وفي
~~الثانية قل يا أيها الكافرون، ثم تشهد واحمد الله واثن عليه وصل على النبي
~~صلى الله عليه وآله واسأله أن يتقبل منك (5). ويتم الاستدلال بضميمة عدم
~~القول بالفصل.
# وفيه: أنه ليس في مقام بيان الهيئة التي لمهية الصلاة من حيث هي، بل
~~الظاهر
# PageV03P067
# منه بيان الآداب المخصوصة بهذه الصلاة وهذا المقام كما لا يخفى على ذي
~~السليقة المستقيمة المتدبر في سوق الحديث.
# وقد يستدل على ذلك أيضا بالأخبار التي مر بعضها فيمن أحدث قبل التسليم
~~أنه يمضي ويتم صلاته (1).
# وفيه: أنه مع أن آخر صحيحة أبان عن زرارة (2) وموثقة غالب بن عثمان (3)
~~المتقدمتين يدل على خلاف ذلك، فهي لا تنافي الوجوب، لأن بعض الأصحاب مع
~~قوله بالوجوب لا يضايق عن ذلك فيجعله واجبا خارجا عن الصلاة (4)، بل لا
~~يبعد القول به مع القول بالجزئية أيضا نعم يشكل القول بما نقلناه سابقا عن
~~التذكرة من أنه من قال بوجوب التسليم يقول ببطلان الصلاة حينئذ (5)، وما
~~نقلناه من المدارك أيضا من الاجماع على ذلك (6).
# ويخدشه أن صاحب الفاخر ذهب إلى ذلك مع قوله بوجوب التسليم (7).
# وكذا ما قاله في المدارك أيضا في مباحث الخلل الواقع في الصلاة قال:
~~الأجود ms0657 عدم بطلان الصلاة بفعل المنافي وإن قلنا بوجوبه، لما رواه الشيخ في
~~الصحيح، عن
# PageV03P068
# زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، ونقل أول صحيحة زرارة المتقدمة في
~~التشهد، وصحيحته الأخرى التي نقلناها ثمة قبل هذه الصحيحة (1).
# مع أن لنا أن نقول: بأن هذه الروايات لا تقاوم ما دل على بطلان الصلاة
~~بالحدث، فنعمل على التفصيل المذكور.
# والأحوط الإتمام والإعادة.
# ثم على القول بعدم البطلان مع القول بالوجوب، فهل يجب السلام حينئذ بدون
~~الطهارة، أم يسقط؟ وجهان، والأحوط بل الأظهر أن لا يترك.
# ثم إن الأخبار الواردة في ذلك وإن كانت بظاهرها مطلقة، لكن المتبادر منها
~~حصول الحدث سهوا أو من دون الاختيار، فمع تعمده تجب الإعادة على الأقوى.
# وبالجملة لم أقف للقائلين بالاستحباب على دليل يعتد به.
# ثم يبقى الكلام في أن الواجب في السلام أي لفظ، والمخرج أي شئ، هل هو
~~خصوص السلام عليكم، أو خصوص السلام علينا، أو بالتخيير، أو كلاهما؟
# احتمالات، وذهب إلى كل قائل.
# فاعلم: أن الذي يستفاد من الأخبار أن المصلي يخرج عن الصلاة بقول السلام
~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، ففي صحيحة الحلبي قال، قال أبو عبد الله
~~عليه السلام: " كلما ذكرت الله عز وجل به والنبي صلى الله عليه وآله فهو من
~~الصلاة، فإن قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد انصرفت (2).
# ورواية أبي بصير - وليس في طريقها، إلا محمد بن سنان - عنه عليه السلام،
~~قال: " إذا كنت إماما فإنما التسليم أن تسلم على النبي عليه وآله السلام،
~~وتقول:
# السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة،
~~ثم تؤذن القوم فتقول وأنت مستقبل القبلة: السلام عليكم، وكذلك إذا كنت وحدك
# PageV03P069
# تقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، مثل ما سلمت وأنت إمام،
~~فإذا كنت في جماعة فقل مثل ما قلت، وسلم على من على يمينك وشمالك، فإن لم
~~يكن على شمالك أحد فسلم على الذين عن يمينك، ولا تدع التسليم على يمينك وإن
~~لم يكن على شمالك أحد (1).
# ورواية ms0658 أبي كهمس، عنه عليه السلام، قال: سألته عن الركعتين الأوليين إذا
~~جلست فيهما للتشهد فقلت وأنا جالس: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
~~وبركاته، انصراف هو؟ قال: " لا، ولكن إذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله
~~الصالحين فهو الانصراف (2).
# وحسنة ابن ميسر - لثعلبة بن ميمون - عن الباقر عليه السلام، قال: " شيئان
~~يفسد الناس بهما صلاتهم: قول الرجل: تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك،
~~وإنما هو شئ قالته الجن بجهالة، فحكى الله عز وجل عنهم، وقول الرجل: السلام
~~علينا وعلى عباد الله الصالحين (3).
# والظاهر أنه عليه السلام أراد ذلك في التشهد الأول كما يجئ التصريح في
~~رواية العيون.
# وروى الصدوق مرسلا عن الصادق عليه السلام: " أفسد ابن مسعود على الناس
~~صلاتهم بشيئين، بقوله: تبارك اسمك وتعالى جدك إلى آخر الحديث السابق (4).
# والظاهر أن العلة في إبطال القول الثاني هو كونه موضوعا للتحليل، وليس
~~ههنا موضع التحليل، ولعله لظهور الأمر فيه لكونه طريقة واضحة في أصحابهم
~~عليهم السلام كما ستعرف اقتصر في التعليل للقول الأول فتأمل.
# PageV03P070
# وروى في العيون عن الرضا عليه السلام فيما كتب للمأمون: " من محض الاسلام
~~ولا يجوز أن تقول في التشهد الأول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين،
~~لأن تحليل الصلاة التسليم، فإذا قلت هذا فقد سلمت (1).
# وروى أبو بصير في الموثق عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا نسي الرجل أن
~~يسلم، فإذا ولى وجهه عن القبلة وقال: السلام علينا وعلى عباد الله
~~الصالحين، فقد فرغ من صلاته (2).
# وقال الشيخ في التهذيب: عندنا أن من قال: السلام علينا في التشهد فقد
~~انقطعت صلاته، فإن قال بعد ذلك: السلام عليكم ورحمة الله جاز، وإن لم يقل
~~جاز أيضا، ذكر ذلك في تسليم ركعتي الوتر (3).
# ويظهر منه أنه كان مذهب الإمامية وشعارا لهم.
# ومع ملاحظة ما ذكرنا من الأخبار يثبت الخروج والانصراف بقول " السلام
~~علينا فحينئذ لا بد من حمل التسليم في قوله عليه السلام " وتحليلها التسليم
~~(4) على الأعم.
# وربما يقال: إنه راجع إلى المعهود بين العامة والخاصة، وهو ms0659 قول " السلام
~~عليكم وذلك يظهر من الأخبار أيضا (5)، كما في موثقة أبي بصير الطويلة، قال
~~في آخرها: " والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم تسلم (6). ويظهر
~~منه أن السلام هو السلام عليكم فقط.
# وكذا موثقة عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التسليم ما هو؟
# PageV03P071
# قال: " هو إذن (1) مع ملاحظة رواية أبي بصير المتقدمة.
# وكذا ما رواه الفاضلان والشهيد - رحمهم الله - عن جامع البزنطي، عن ابن
~~أبي يعفور، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن تسليم الإمام وهو مستقبل
~~القبلة، قال: " يقول: السلام عليكم (2).
# وتؤيده صحيحة علي بن جعفر الآتية.
# وفي صحيحة المعراج الطويلة: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرة تجاه
~~القبلة (3).
# ولعل معهودية ذلك بين العامة أكثر، فتكون محللية " السلام علينا مخالفة
~~لمذهبهم كما يشير إليه قول الشيخ " وعندنا كذا (4).
# مع أنه قد ظهر من رواية أبي بصير أن التسليم هو هذا، وأن " السلام عليكم
~~إذن، وكذا يظهر من بعض الأخبار الأخر.
# ولعله يمكن إرجاع موثقة يونس بن يعقوب أيضا إلى ذلك قال، قلت لأبي الحسن
~~عليه السلام: صليت بقوم صلاة فقعدت للتشهد ثم قمت ونسيت أن أسلم عليهم،
~~فقالوا: ما سلمت علينا، فقال: " ألم تسلم وأنت جالس قلت: بلى، قال: " لا
~~بأس عليك، ولو نسيت حتى قالوا ذلك استقبلتهم بوجهك فقلت: السلام عليكم (5)
~~فإن الظاهر من قوله " بلى أنه سلم حين جلوسه، ونسيان السلام لا يلائم ذلك،
~~فلا بد من كون المراد من قوله عليه السلام ألم تسلم قول السلام علينا،
~~فحينئذ يستقيم معنى الحديث أيضا.
# PageV03P072
# والعجب من بعض المتأخرين استدلاله بهذا الحديث على نفي وجوب السلام (1)،
~~وهو في الدلالة على نقيضه أظهر.
# وحينئذ فيبقى الكلام في أن الأكثر من القائلين بوجوب السلام يقولون: إن
~~الخروج إنما هو " بالسلام عليكم، وادعى على كونه مخرجا عن الصلاة وأن به
~~ينصرف المصلي الاجماع من علماء الاسلام الفاضلان (2) والشهيد (3).
# فأما كلام الأكثر فلا حجية فيه من حيث هو كلامهم.
# وأما الاجماع المنقول فهو لا ينافي ما حققناه، إذ الاجماع ms0660 في أنه يحصل
~~الخروج بذلك، لا أنه لا يحصل بغيره، وذلك يتحقق إذا أبى المصلي إلا عن
~~القول بالسلام عليكم، أو قدمه على قول السلام علينا، أي جوزنا ذلك. وإن قدم
~~السلام علينا فالحق أنه لا يبقى مجال (4) تأثير لقول " السلام عليكم لأنه
~~مخرج كما حققناه.
# وبالجملة ما ادعيناه مطلقا، وما ادعوه أيضا مطلقا، ولا يتناقضان أبدا،
~~وما أوردناه من الأدلة لا يثبت التعين، بل يثبت حصول الانصراف مطلقا.
# وأما الحصر المستفاد من رواية أبي كهمس فهو إضافي بالنسبة إلى السلام
~~عليك أيها النبي.
# وأما الحصر المذكور في رواية أبي بصير فلعله محمول على أنه إن كنت إماما
~~وأردت القول بكلا اللفظين فالتسليم المعهود الذي هو تحليل الصلاة إنما هو
~~مجموع ذلك القول، ويصير الآخر إذنا، فتأمل.
# وارتكبنا ذلك للجمع بين الأدلة.
# ثم إن أكثر القائلين بوجوب التسليم أوجبوا قول " السلام عليكم بل قال في
# PageV03P073
# البيان: إن " السلام علينا لم يوجبه أحد من القدماء (1).
# وقال في الدروس: إن الموجبين على قول السلام عليكم (2).
# ونقل في الذكرى قول المحقق بالتخيير بينهما، وقال: إنه قول محدث (3)،
~~ولكنه قواه في موضع آخر (4)، واختاره في الألفية واللمعة (5).
# وأوجب الفاضل يحيى بن سعيد " السلام علينا وتعين الخروج به (6).
# وأنكره الشهيد، وقال: إنه خروج عن الاجماع من حيث لا يشعر به قائله (7)،
~~وهو - رحمه الله - إن أراد من التعيين ذلك فله وجه، وإلا فلم يعلم إجماع
~~على ذلك كما ذكرنا.
# فحينئذ يقع الإشكال من جهة أن ما ينصرف به وتحلل به الصلاة لا بد أن يكون
~~واجبا كما حققناه سابقا، والقول بوجوب السلام علينا يناقض تلك الاجماعات
~~المنقولة كما لا يخفى، وأن الأكثر قائلون بوجوب " السلام عليكم وأن القدماء
~~لم يقولوا بوجوب " السلام علينا كما ذكره الشهيد.
# ومن جهة الأخبار الدالة على أن الانصراف يقع ب " السلام علينا.
# ويمكن دفعه بأنه لم يثبت الاجماع على وجوب قول " السلام عليكم بالخصوص،
~~ولا على عدم وجوب " السلام علينا مطلقا، وذهاب الأكثر إلى وجوب ذلك.
# ونقل الشهيد - رحمه الله ms0661 - عدم ذهاب أحد من القدماء إلى هذا لا يصير حجة
# PageV03P074
# على شئ، سيما مع اختياره ذلك في اللمعة، وهو آخر تأليفاته.
# والإشكال إنما يرد إذا قلنا بأن السلام علينا واجب بالخصوص مع تعين
~~تقديمه على قول السلام عليكم فإنه حينئذ لا يبقى تأثير لقول " السلام
~~عليكم، فلم يبق معنى للإجماعات.
# وأما إذا أوجبناهما (بدون ترتيب أو أوجبناهما) (1) بعنوان التخيير، أو
~~أوجبنا واحدا منهما وأسقطنا المندوب; فلا تنتفي الثمرة مع ملاحظة ما ذكرنا
~~سابقا.
# فالذي يقوى في نفسي هو التخيير، كما اختاره المحقق (2)، والعلامة في
~~المنتهى (3)، والشهيد في اللمعة (4)، لعدم إثبات الأخبار وغيرها الانحصار
~~في السلام علينا، أو يثبت ولكنه لا بد من التوجيه لمكان المعارض،
~~وللإجماعات المنقولة، والإطلاقات الدالة على كون مطلق السلام أو السلام
~~عليكم مخرجا، فبأيهما بدأ يكون الثاني مستحبا، كخصلتين من خصال الكفارة.
# والحاصل أن الذي يظهر من الأخبار أن المخرج هو " السلام علينا لكن
~~الاجماعات المنقولة وبعض " الأخبار (5) يلجئنا إلى القول بالتخيير وإخراج
~~بعض الأخبار عن ظاهرها، ومن لم يعتمد على مثل هذه الاجماعات فلا بد من أن
~~يقتصر على ما يظهر من الأخبار، ولكني إذا ضاق علي الوقت فلعلي أختار السلام
~~علينا.
# فالأولى الجمع بينهما، وتقديم " السلام علينا (6)، اقتفاءا لأثر الأخبار،
~~مع اعتقاد الخروج بالأول عن الصلاة.
# ومن ههنا يتضح مختارنا من كون السلام خارجا عن الصلاة أو داخلا، إذ
~~السلام
# PageV03P075
# المخرج أيهما كان فهو داخل في الصلاة; لما ذكرنا في بيان معنى التحليل،
~~ولظاهر بعض الأخبار، ولتصريح موثقة أبي بصير المتقدمة (1)، وغيره خارج عن
~~الصلاة، وهو واضح.
# واتضح أيضا أن المخرج واجب، والخارج مستحب، ونعم ما قيل: إنه لعله هو
~~السر في دعوى الدخول والخروج والوجوب والاستحباب (2)، وحينئذ فما يدل من
~~بعض الأخبار على كونه خارجا عن الصلاة مثل صحيحة سليمان بن خالد (3) وصحيحة
~~الحسين بن أبي العلاء (4) المتقدمتان (5) في أول مبحث التشهد لا بد من حمله
~~على ما يوافق ذلك، بأن يكون المراد من الإتمام الإتمام بالسلام المخرج،
~~وبالسلام السلام الخارج.
# تتميم:
# قال ms0662 العلامة في المنتهى: ولو قال: " السلام عليكم ورحمة الله جاز وإن لم
~~يقل (وبركاته) بلا خلاف (6).
# ونقل عن أبي الصلاح وجوب ذلك (7).
# وربما يستدل عليه بصحيحة علي بن جعفر، قال: رأيت إخوتي موسى وإسحاق ومحمد
~~بني جعفر يسلمون في الصلاة على اليمين والشمال السلام عليكم
# PageV03P076
# ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (1). وليس بشئ، وكثير من الأخبار
~~خال عنه (2).
# وعن ابن زهرة مع ذلك وجوب (وبركاته) أيضا (3).
# والظاهر كفاية (السلام عليكم) وفاقا للصدوق وابن الجنيد وابن أبي عقيل
~~(4)، والاحتياط في قول ابن زهرة.
# والوجه الاقتصار على المنقول في الأخبار من قول (السلام عليكم) فيشكل
~~الاقتصار بقول (سلام عليكم) ونحو ذلك.
# وهل يعتبر في التسليم قصد الخروج؟ نقل عن المبسوط أنه ينبغي ذلك (5)، وعن
~~بعض الأصحاب وجوب ذلك (6)، والأصل عدمه، ووجهه غير معلوم، وسبيل الاحتياط
~~واضح.
# الثاني: مذهب الأصحاب أن المنفرد يكتفي بتسليمة واحدة مستقبل القبلة،
~~والمشهور أنه مع ذلك يومئ بمؤخر عينه (7) إلى يمينه.
# ويدل على ذلك صحيحة عبد الحميد بن عواض، عن الصادق عليه السلام، قال: (إن
~~كنت تؤم قومك أجزأك تسليمة واحدة عن يمينك، وإن كنت مع إمام فتسليمتين، وإن
~~كنت وحدك فواحدة مستقبل القبلة) (8).
# PageV03P077
# ورواية أبي بصير المتقدمة (1)، وإطلاق صحيحة الرهط الآتية (2).
# وموثقة سماعة عنه عليه السلام، قال: (إذا انصرفت من الصلاة فانصرف عن
~~يمينك) (3).
# وما رواه البزنطي في جامعه، عن أبي بصير قال، قال أبو عبد الله عليه
~~السلام:
# (إذا كنت وحدك فسلم تسليمة واحدة عن يمينك) (4).
# وقد يناقش في دلالة تلك الأخبار على الإيماء بمؤخر العين إلى اليمين.
# ويمكن دفعها بأن المراد من التسليم ههنا لعله هو المحلل، لكونه أقل
~~الواجب، فإذا كان هو فيكون واجبا كما ذكرنا، وداخلا في الصلاة كما عرفت،
~~فحينئذ يجب أن لا يفعل فيه ما ينافي الصلاة.
# ولا يخفى أن التسليم عن اليمين والانصراف عن اليمين والتسليم على اليمين
~~وعلى من كان في اليمين إلى غير ذلك مما ورد في الأخبار يستلزم التفاتا إلى
~~اليمين كما هو طريقة السلام وظاهر أسلوب ms0663 مثل هذا الكلام.
# ولعل الالتفات بالجنان غير متفاهم العرف، وغير منساق إلى الوجدان، فانحصر
~~في الحسي.
# ولما كان الانحراف عن القبلة في الصلاة حراما، وكذا الالتفات إلى غير
~~جهتها من دون تحريف عنها مكروها، فالقدر المتيقن من الرخصة الحاصلة بسبب
~~هذه الأخبار المعمول بها عند الأصحاب هو ذلك، ولعل النكتة في استحبابه هي
~~الإشعار بالانصراف حينئذ.
# ويظهر الاكتفاء بإشارة العين ونحوها من رواية الفضل بن شاذان في العلل،
# PageV03P078
# التي رواها عن الرضا عليه السلام أيضا وستأتي.
# وعلى هذا يبقى الكلام في أن الظاهر من هذه التسليمات في هذه الأخبار
~~وغيرها هو (السلام عليكم) لكونه المناسب للسلام على الغير، وهذا أيضا مما
~~يؤيد القول بوجوبه بل وتعينه.
# وأقول: لا منافاة بين ذلك وإرادة (1) القدر المشترك من السلام المخرج كما
~~أثبتناه بالأدلة سابقا، سيما وفي الأغلب لا يلزم وجود أحد عن يمين المنفرد
~~ليسلم عليه، بل الظاهر من السلام على من في اليمين هو الاختصاص بالمأموم
~~على أنا نقول: كما أن (السلام عليكم) يصلح للتسليم على الغير، فكذلك
~~(السلام علينا) بل هو أقرب لو كان واحدا، وقد عرفت أيضا قوله عليه السلام
~~في موثقة أبي بصير المتقدمة سابقا: (فإذا ولى وجهه عن القبلة وقال: السلام
~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد فرغ من صلاته).
# ومن مجموع ما ذكرنا حصل أن لا وجه لقول من يستدل بتلك الالتفاتات على كون
~~السلام خارجا عن الصلاة.
# ثم ما عرفت من أن المراد بالتسليم التسليم المخرج ظاهرا، وأن ذلك المذكور
~~من الاستحباب يتأدى به في الجملة لا ينافي ما لو جمع بين اللفظين وأدى تلك
~~الاستحبابات باللفظة الأخيرة، لإطلاق التسليم.
# ولكنه يشكل بما في الأخبار من أنه ينصرف عن يمينه ونحو ذلك من الظواهر
~~(2)، فإن وصف الانصراف مطلوب في إرادة التسليم من لفظ الانصراف كما هو
~~ظاهر.
# وهكذا الظاهر من قولهم عليهم السلام (يسلم عن يمينه) (3) ونحو ذلك ظاهر
~~في إرادة المخرج، فإرادة المطلق من المقيد لا وجه لها.
# PageV03P079
# وأيضا الوجه الذي ذكرنا لتوجيه الإيماء بمؤخر ms0664 العين إنما يناسب إرادة
~~المخرج.
# ولعله يمكن دفع الأخير بأن مراد الفقهاء بيان ما يجري في جميع الموارد
~~ويجوز تحققه فيها ويتأدى المستحب في ضمنه وإن لم تكن في بعض الصور مراعاة
~~ذلك واجبة، كما لو تلفظ بهما، ولكن الإشكال من جهة الأخبار بعد باق بحاله،
~~فالدليل على ذلك لعله الاجماع.
# وأما قولهم عليهم السلام: (التسليمة الواحدة والتسليمتين) فالمراد به
~~الوحدة والتعدد الشخصي لا النوعي; فلا تغفل.
# والذي يختلج بالبال من العناية في التوجيه وجهان:
# الأول: إنا لما بنينا الأمر ههنا على التخيير بين اللفظين فيكونا هما معا
~~أحد أفراد الواجب التخييري وأفضلها.
# فالمحلل قد يكون اللفظ الأول، وقد يكون الثاني، وقد يكون هما معا، بمعنى
~~تحققه بالمجموع، فيصدق على المجموع أيضا أنه مخرج ولو باعتبار أحدهما،
~~ويحصل الانصراف به، فيتم التقريب، لأن حصول الاستحباب المذكور بالمجموع
~~يكفي فيه حصوله باللفظ الآخر، فتأمل.
# الثاني: إن في رواية أبي بصير إشعارا بأن المأموم بعد قول السلام علينا
~~وعلى عباد الله الصالحين يسلم على من على يمينه وشماله، وفي سوق الرواية
~~لهذا أيضا تأييد فلاحظها، فإذا ثبت ذلك فلا قائل بالفصل، ولكن إثبات ذلك
~~مشكل فتفكر.
# ويستحب للإمام أيضا ما يستحب للمنفرد على المشهور، إلا أنه يومئ بصفحة
~~وجهه، وتدل عليه صحيحة عبد الحميد المتقدمة (1).
# وصحيحة منصور قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: (الإمام يسلم واحدة،
# PageV03P080
# ومن وراءه يسلم اثنتين، فإن لم يكن عن شماله أحد سلم واحدة) (1).
# ورواية أبي بصير المتقدمة.
# ولم أجد للتفرقة بمؤخر العين وصفحة الوجه وجها، ويمكن أن يقال: إن في
~~موثقة يونس بن يعقوب وموثقة أبي بصير المتقدمتين دلالة على ذلك مع ضرب من
~~التوجيه فتدبر، ورواية المفضل الآتية تثبت ما يقرب من عكس ذلك.
# ونقل عن ابن الجنيد القول بأنه لو كان داخل الصف سلم عن جانبيه (2)،
~~وربما كان في صحيحة علي بن جعفر السابقة تأييد له.
# قال في الذكرى بعد نقلها: ويبعد أن تختص الرواية بهم مأمومين لا غير، بل
~~الظاهر الإطلاق، وخصوصا منهم ms0665 الإمام عليه السلام، ففيه دلالة على استحباب
~~التسليمتين للإمام والمنفرد أيضا، غير أن الأشهر الوحدة فيهما (3).
# وقال الفاضل المجلسي في شرح الفقيه: ولعله رآهم خلف أبيه مأمومين (4).
# ويستحب للمأموم التسليم عن الجانبين إذا كان على يساره أحد، وإلا فعن
~~يمينه على المشهور، لصحيحتي عبد الحميد ومنصور المتقدمتين، ورواية أبي بصير
~~المتقدمة.
# وصحيحة عنبسة بن مصعب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقوم
~~في الصف خلف الإمام وليس على يساره أحد، كيف يسلم؟ قال: (يسلم واحدة عن
~~يمينه) (5).
# وأما ما رواه زرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما في الصحيح عن الباقر عليه
~~السلام، قال: (يسلم تسليمة واحدة، إماما كان أو غيره) (6) فحمل
# PageV03P081
# على الرخصة.
# واكتفى ابن بابويه في استحباب التسليمتين بوجود الحائط من يسار المصلي،
~~وكذا أبوه (1).
# والمشهور أنه أيضا يومئ بصفحة وجهه.
# ثم إن الصدوق - رحمه الله - أيضا أضاف إلى التسليمتين تسليمة أخرى أولا
~~ردا على الإمام، وقال أيضا: إن الإمام يميل بعينه إلى اليمين، والمنفرد
~~بأنفه (2).
# وكل ما ذكره - رحمه الله - مذكور فيما رواه في العلل بإسناده عن المفضل
~~بن عمر، إلا أن المذكور فيها في حكاية الحائط قلت: فلم يسلم المأموم ثلاثا؟
~~قال:
# (تكون واحدة ردا على الإمام، وتكون عليه وعلى ملكيه، وتكون الثانية على
~~يمينه والملكين الموكلين به، وتكون الثالثة على من على يساره والملائكة
~~الموكلين به، ومن لم يكن على يساره أحد لم يسلم على يساره، إلا أن يكون
~~يمينه إلى الحائط ويساره إلى المصلي معه خلف الإمام فيسلم على يساره) (3).
# وهو مخالف لظاهر كلام الصدوق كما فهمه الأصحاب، وحكموا بأنه لا حجة له،
~~ولعله ينبغي إرجاع كلامه - رحمه الله - إلى ظاهر الخبر، لأن الظاهر من سياق
~~كلامه - رحمه الله - هذا أنه أخذه من هذا الخبر، وأما مخالفاته للمشهور فلا
~~بد من التوجيه أو الطرح.
# ويستحب القصد بالتسليم على الأنبياء والأئمة والحفظة والمأمومين، ويستفاد
~~هذا من الأخبار، كصحيحة المعراج، قال: (ثم التفت فإذا بصفوف من الملائكة
~~والمرسلين والنبيين، فقيل: يا محمد سلم عليهم، فقال: ms0666 السلام عليكم ورحمة
~~الله وبركاته، فأوحى الله إليه: أنا السلام، والرحمة والبركات أنت وذريتك،
~~ثم أوحى
# PageV03P082
# وبركاته فأوحى الله إليه: أنا السلام، والرحمة والبركات أنت وذريتك ثم
~~أوحى الله إليه أن لا يلتفت يسارا) (١) وهذا ينفي ما ذكره الشهيد في الذكرى
~~في ذيل صحيحة علي بن جعفر.
# وأما التسليم على المأمومين، ورد المأموم على الإمام، وقصد الملائكة
~~والحفظة أيضا; فكل هذا يظهر من رواية المفضل أيضا، مضافا إلى أن الأنبياء
~~والرسل والملائكة المقربين وجبرئيل وميكائيل كلهم مذكورون في أدعية التشهد،
~~كما في موثقة أبي بصير الطويلة (٢).
# وقد يقال باستحباب قصد المسلمين من الجن والإنس (٣)، ولا بعد فيه، سيما
~~في قوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
# ويستحب أيضا أن يترجم الإمام للمأمومين بالسلامة والأمان من العذاب، فروى
~~في الفقيه مرسلا عن الصادق عليه السلام: أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه
~~السلام عن معنى قول الإمام السلام عليكم، فقال: (إن الإمام يترجم عن الله
~~عز وجل ويقول في ترجمته لأهل الجماعة: أمان لكم من عذاب الله يوم القيامة)
~~(٤) وفي رواية المفضل بن عمر (إنه يقول لمن خلفه: سلمتم وآمنتم من عذاب
~~الله عز وجل (٥).
# وقيل: يجب أن يقصد المأموم بالأولى الرد على الإمام (٦)، لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو
~~ردوها﴾ (7)
# PageV03P083
# وفيه إشكال، للعموم، ولعدم الانصراف إلى ذلك، لاشتراكه بين الشاهد
~~والغائب، وغرض الإيذان والتحليل.
# وكذلك في رد أحد المأمومين على الآخر، ولعل إلى بعض ما ذكر يرجع كلام
~~الصدوق، ولكن اتكاله (1) على النص كما ذكرنا.
# الثالث: المعهود من حال السلف والأئمة عليهم السلام أن النافلة كلها
~~ركعتين ركعتين، ولا يجوز الخروج عما ثبت توظيفه من الشارع مما يتوقف توظيفه
~~على الوصول منه للزوم التشريع، وهو المشهور المعروف بين الأصحاب، وتدل عليه
~~أيضا رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل
~~يصلي النافلة، هل يصلح له أن يصلي أربع ركعات لا يفصل بينهن؟ قال: (لا، إلا
~~أن يسلم بين ms0667 كل ركعتين) (2).
# واستثنوا من ذلك مقامين، الأول: نافلة الوتر، فإن المستفاد من الأخبار
~~المستفيضة أن الوتر اسم للثلاث الركعات (3)، فإن بنينا على ما هو المعروف
~~من مذهب الأصحاب وهو الحق من لزوم الفصل; فالمخالفة من جهة أن التسليم هنا
~~ثبت في ركعة واحدة، ولو بنينا على احتمال التخيير كما يميل إليه جماعة من
~~متأخري أصحابنا (4) فالمخالفة من جهة وقوع السلام في الثالثة.
# والحق في المسألة لزوم الفصل، للصحاح المستفيضة، ففي صحيحة أبي بصير عن
~~الصادق عليه السلام، قال: (الوتر ثلاث ركعات، ثنتين مفصولة وواحدة) (5)
# PageV03P084
# وفي صحيحة سعد بن سعد، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الوتر أفصل
~~أم وصل؟ قال: (فصل) (1).
# وفي صحيحة معاوية بن عمار قال، قال لي: (اقرأ في الوتر في ثلاثتهن بقل هو
~~الله أحد، وسلم في الركعتين توقظ الراقد وتأمر بالصلاة) (2) إلى غير ذلك من
~~الصحاح وغيرها (3).
# وتدل على التخيير صحيحة يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن التسليم في ركعتي الوتر فقال: (إن شئت سلمت، وإن شئت لم تسلم (4)
~~ومثلها صحيحة معاوية بن عمار (5).
# وحملتا على التقية (6) مع أنهما وما يؤيدهما من بعض الأخبار الضعيفة (7)
~~لا تقاوم الصحاح المستفيضة وغيرها مع اعتضادها بعمل الأصحاب والطريقة
~~المستمرة، وقد يوجه بتوجيهات أخر بعيدة.
# الثاني: صلاة الأعرابي; ونسب استثناؤها إلى المشهور بين المتأخرين، وهي
~~كالصبح والظهرين في الترتيب والتسليم، ومستنده ما رواه الشيخ في المصباح عن
~~زيد بن ثابت، قال: أتى رجل من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
~~فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنا نكون في هذه
~~البادية بعيدا من المدينة، ولا نقدر أن نأتيك في كل جمعة، فدلني على عمل
~~فيه فضل صلاة الجمعة إذا مضيت إلى أهلي أخبرتهم به، فقال له رسول الله صلى
~~الله عليه وآله:
# PageV03P085
# (إذا كان ارتفاع النهار فصل ركعتين تقرأ في أول ركعة الحمد مرة وقل أعوذ
~~برب الفلق سبع مرات، واقرأ في الثانية الحمد مرة وقل أعوذ ms0668 برب الناس سبع
~~مرات، ثم قم فصل ثماني ركعات بتسليمتين واقرأ في كل ركعة منها الحمد مرة
~~وإذا جاء نصر الله مرة وقل هو الله أحد خمسا وعشرين مرة، فإذا فرغت من
~~صلاتك فقل:
# سبحان الله رب العرش الكريم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
~~سبعين مرة، فوالذي اصطفاني بالنبوة ما من مؤمن ولا مؤمنة يصلي هذه الصلاة
~~يوم الجمعة كما أقول إلا وأنا ضامن له الجنة، ولا يقوم من مقامه حتى يغفر
~~له ذنوبه ولأبويه ذنوبهما) (1) تمام الخبر.
# وروى فيه بعض الصلوات الأخر في يوم الجمعة، والروايات فيها مطلقة بأربع
~~ركعات، ولا بد من توجيهها وحملها على المفصولة.
# PageV03P086
# المقصد العاشر في التعقيب وفيه مباحث:
# الأول: قال في الصحاح: التعقيب في الصلاة، الجلوس بعد أن يقضيها لدعاء أو
~~مسألة (1).
# ونحوه قال ابن فارس (2)، وفي معناه قال في القاموس (3)، ويقرب من ذلك
~~كلام ابن الأثير (4)، وبالجملة الظاهر منهم اعتبار الجلوس.
# وقد نقل عن بعض الأصحاب أنه فسره بالاشتغال عقيب الصلاة بدعاء أو ذكر أو
~~ما أشبه ذلك (5).
# ولعل ما أشبهه القرآن، والتفكر في صنائع الله، والتذكر لآلائه، والبكاء
~~من
# PageV03P087
# خوف نقماته، وغير ذلك، ولعل ما ذكره - رحمه الله - هو الوجه.
# وفي مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب) قال الصادق عليه
~~السلام: (وهو الدعاء في دبر الصلاة وأنت جالس) (1) وفي كلمة الفاء إشعار
~~بعدم الفصل.
# وفي صحيحة هشام بن سالم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أخرج في
~~الحاجة وأحب أن أكون معقبا، فقال: (إن كنت على وضوء فأنت معقب) (2).
# وروى في الفقيه مرسلا عن الصادق عليه السلام: (المؤمن معقب ما دام على
~~الوضوء (3).
# واستحبابه إجماعي بين المسلمين، والأخبار به متواترة، فروى شهاب بن عبد
~~ربه وعبد الله بن سنان كلاهما في الصحيح، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، قال: (التعقيب أبلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد)
~~يعني بالتعقيب: الدعاء بعقيب الصلوات (4).
# وروى زرارة في الصحيح عن الباقر عليه ms0669 السلام، قال: (الدعاء بعد الفريضة
~~أفضل من الصلاة تنفلا، وبذلك جرت السنة) (5).
# ولا بد من حمله على غير الرواتب، لأنها أهم، سيما وما يفعل بعد الفريضة
~~منها هو نافلة المغرب وفيها غاية التأكيد والتشديد، بل وربما يقال بلزوم
~~تقديمها على التعقيب كما سيجئ.
# وروى بزرج في المرسل عن الصادق عليه السلام، قال: (من صلى صلاة
# PageV03P088
# فريضة وعقب إلى أخرى فهو ضيف الله، وحق على الله أن يكرم ضيفه) (1).
# وأفضل التعقيبات تسبيح الزهراء صلوات الله عليها، والأخبار في فضله في
~~غاية الكثرة، ففي صحيحة عبد الله بن سنان قال، قال أبو عبد الله عليه
~~السلام:
# (من سبح تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام قبل أن يثني رجليه من صلاة
~~الفريضة غفر له، ويبدأ بالتكبير (2).
# وروى أبو هارون المكفوف عنه عليه السلام، قال: (يا أبا هارون إنا نأمر
~~صبياننا بتسبيح فاطمة عليها السلام، كما نأمرهم بالصلاة، فألزمه، فإنه لم
~~يلزمه عبد فشقي) (3).
# وروى عقبة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (ما عبد الله بشئ من التمجيد
~~أفضل من تسبيح فاطمة عليها السلام، ولو كان شئ أفضل منه لنحله رسول الله
~~صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام) (4).
# وروى أبو خالد القماط قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: (تسبيح
~~فاطمة عليها السلام في كل يوم في دبر كل صلاة أحب إلي من صلاة ألف ركعة في
~~كل يوم) (5) والمشهور في ترتيبه هو ما رواه محمد بن عذافر في الصحيح على
~~الظاهر، فإن
# PageV03P089
# فيه عمرو بن عثمان، ولعله الثقفي الثقة بقرينة رواية أحمد عنه (وكأنه
~~البرقي) (1) قال: دخلت مع أبي على أبي عبد الله عليه السلام، فسأله أبي عن
~~تسبيح فاطمة عليها السلام، فقال: (الله أكبر) حتى أحصى أربعا وثلاثين مرة،
~~ثم قال: (الحمد الله) حتى بلغ سبعا وستين مرة، ثم قال: (سبحان الله) حتى
~~بلغ مائة يحصيها بيده جملة واحدة (2).
# وأبو بصير في القوي عنه عليه السلام، قال في تسبيح فاطمة عليها السلام:
# (تبدأ بالتكبير أربعا وثلاثين، ثم التحميد ثلاثا وثلاثين، ثم ms0670 التسبيح
~~ثلاثا وثلاثين) (3).
# ورواية هشام بن سالم عنه عليه السلام قال: (تسبيح فاطمة الزهراء إذا أخذت
~~مضجعك فكبر الله أربعا وثلاثين، واحمده ثلاثا وثلاثين) (4) الحديث.
# ونقل عن الصدوق القول بتقديم التسبيح على التحميد (5)، ويدل عليه ظاهر ما
~~رواه في الفقيه مرسلا، عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل، فقال
~~صلى الله عليه وآله: (أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم، إذا أخذتما
~~منامكما فكبرا أربعا وثلاثين تكبيرة، وسبحا ثلاثا وثلاثين تسبيحة، واحمدا
~~ثلاثا وثلاثين تحميدة) (6) الحديث.
# وما رواه داود بن فرقد في الصحيح، عن أخيه: أن شهاب بن عبد ربه سأله أن
~~يسأل أبا عبد الله عليه السلام قال، وقل له: إن امرأة تفزعني في المنام
~~بالليل فقال،
# PageV03P090
# قل له: (اجعل سباحا، فكبر الله أربعا وثلاثين تكبيرة، وسبح الله ثلاثا
~~وثلاثين، واحمد الله ثلاثا وثلاثين) (1).
# وما رواه الشيخ في باب فضل شهر رمضان، عن المفضل بن عمر، عنه عليه
~~السلام: في جملة حديث طويل: (فإذا سلمت في الركعتين سبح تسبيح فاطمة
~~الزهراء عليها السلام، وهو الله أكبر أربعا وثلاثين مرة، وسبحان الله ثلاثا
~~وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة، فوالله لو كان شئ أفضل منه
~~لعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله إياها) (2).
# ويمكن أن يقال: الواو لا تدل على الترتيب، فلا ينافي المشهور، فالاعتماد
~~على المشهور.
# وقال بعض المتأخرين: والتخيير مطلقا وجه وجيه، وأراد بالإطلاق حين النوم
~~وما بعد الصلاة، وغيرهما، قال: وربما يشعر به قول الصادق عليه السلام في
~~الأخبار الماضية (وتبدأ بالتكبير)، فإن سكوته عن ترتيب الأخيرين دليل على
~~الخيار (3).
# ويدفع كلامه قوية أبي بصير، لمكان (ثم) بعد قوله عليه السلام تبدأ
~~بالتكبير، وكذا صحيحة ابن عذافر على الظاهر.
# ويستحب أن يقول بعد تمامه (لا إله إلا الله) مرة، فقد روى الكليني عن
~~الصادق عليه السلام قال: (من سبح الله في دبر الفريضة تسبيح فاطمة المائة
~~مرة وأتبعها بلا إله إلا الله مرة غفر له) (4).
# PageV03P091
# ويظهر من بعض الأخبار أفضلية الدعاء من القرآن، بل ms0671 ومن الصلاة أيضا،
~~والظاهر عدم التفرقة في حال التعقيب وغيره.
# والأخبار مذكورة في ذكر فضل الدعاء في الكافي والتهذيب، ففي صحيحة عبيد
~~بن زرارة عن الصادق عليه السلام: إنه سأله عن رجلين قام أحدهما يصلي حتى
~~أصبح، والآخر جالس يدعو، أيهما أفضل؟ قال: (الدعاء أفضل) (١).
# وفي صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجلين
~~افتتحا الصلاة في ساعة واحدة، فتلا هذا القرآن، فكانت تلاوته أكثر من
~~دعائه، ودعا هذا أكثر، فكان دعاؤه أكثر من تلاوته، ثم انصرفا في ساعة
~~واحدة، أيهما أفضل؟ قال: (كل فيه فضل، كل حسن) قلت: إني قد علمت أن كلا
~~حسن، وأن كلا فيه فضل، فقال: (الدعاء أفضل، أما سمعت قول الله عز وجل ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين
~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ (2) هي والله العبادة، هي
~~والله أفضل، هي والله أفضل، أليست هي العبادة، هي والله العبادة، هي والله
~~العبادة، أليست هي أشدهن، هي والله أشدهن، هي والله أشدهن) (3).
# ويستحب أن يبتدئ بثلاث تكبيرات رافعا بها كفيه حيال وجهه مستقبلا بظهرهما
~~وجهه وببطنهما القبلة، واضعا لهما في كل مرة على فخذيه، أو قريب منهما كما
~~ذكروه.
# وقال في المنتهى: أفضل ما يقال ما نقل عن أهل البيت عليهم السلام، وهو
~~أنه إذا سلم كبر ثلاثا، يرفع يديه إلى شحمتي أذنيه قبل أن يثني رجليه (4).
# PageV03P092
# وروى ذلك ابن طاوس في فلاح السائل بروايتين (1)، والذي تضمنتاه هو رفع
~~اليدين بالتكبير ثلاثا بعد التسليم.
# ويستحب أن يأتي بالموجبتين، لحسنة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال:
# (لا تنسوا الموجبتين) أو قال: (عليكم بالموجبتين في دبر كل صلاة) قلت: ما
~~الموجبتان؟ قال: (يسأل الله الجنة، ويعوذ بالله من النار) (2).
# وأن يقرأ كل يوم بعد صلاة الصبح خمسين آية من القرآن، لصحيحة معمر بن
~~يحيى (3).
# وأما تفصيل التعقيبات والأذكار المأثورة عقيب الصلاة فهو ليس وظيفة هذا
~~المختصر، بل هو محمول على ما ألفه أصحابنا رضوان الله عليهم في ms0672 هذا النمط.
# قيل: ويستحب أن يكون جلوسه في التعقيب كجلوسه في التشهد، متوركا، مستقبل
~~القبلة، ملازما لمصلاه، مستديما طهارته، متجنبا كل ما يبطل الصلاة أو ينقص
~~ثوابها، فقد روي (أن ما يضر بالصلاة يضر بالتعقيب) (4).
# وأقول: أكثر ما ذكره يظهر من بعض ما قدمنا ذكره ومن غيره، ولم أطلع على
~~ما ذكره من الرواية مسندا.
# نعم في مفتاح الفلاح لشيخنا البهائي - رحمه الله - روى أن ما يضر بالصلاة
~~يضر بالتعقيب (5).
# وفي الذكرى: ورد أن المعقب يكون على هيئة المتشهد في الاستقبال و التورك،
# PageV03P093
# وأن ما يضر بالصلاة يضر بالتعقيب (1)، ويظهر من بعض الأخبار أنه يستديم
~~على قعوده كما كان في الصلاة (2).
# وحينئذ فهل ينسحب هذا الحكم في المغرب أيضا، أو تقدم نافلته على
~~التعقيب؟.
# قال المفيد في المقنعة: إن الأولى القيام إلى نافلة المغرب عند الفراغ
~~منها قبل التعقيب، وتأخيره إلى أن يفرغ من النافلة (3)، واستدل له برواية
~~أبي العلاء الخفاف، عن جعفر بن محمد عليه السلام، قال: (من صلى المغرب ثم
~~عقب ولم يتكلم حتى يصلي ركعتين كتبتا له في عليين، فإن صلى أربعا كتبت له
~~حجة مبرورة) (4) ولا دلالة لها على المطلوب كما لا يخفى.
# وقال الشهيد في الذكرى: الأفضل المبادرة بها - يعني نافلة المغرب - قبل
~~كل شئ سوى التسبيح، ونسب ذلك إلى المفيد أيضا (5)، واستدل عليه بأن النبي
~~صلى الله عليه وآله فعل كذلك، فإنه لما بشر بالحسن عليه السلام صلى ركعتين
~~بعد المغرب شكرا، فلما بشر بالحسين عليه السلام صلى ركعتين ولم يعقب حتى
~~فرغ منها (6).
# والخبر وإن كان ضعيفا لكنه لا مانع من العمل به في مثل هذا المقام، ولكن
~~ظاهره يثبت التقديم على التسبيح أيضا، وهو معارض بالأخبار المعتبرة التي
~~تتضمن ذكر التسبيح قبل أن يثني رجليه، والتخصيص به مشكل، فيقتصر على غيره.
# PageV03P094
# الثاني: تستحب سجدتا الشكر عقيب الصلاة شكرا على التوفيق لأدائها، قال في
~~التذكرة: إنه مذهب علمائنا خلافا للجمهور (1).
# ويدل على ذلك روايات كثيرة، ففي صحيحة مرازم عن الصادق عليه السلام، قال: ms0673
~~(سجدة الشكر واجبة على كل مسلم، تتم بها صلاتك، ويرضى بها ربك، وتعجب
~~الملائكة منك، وأن العبد إذا صلى ثم سجد سجدة الشكر فتح الرب تبارك وتعالى
~~الحجاب بين العبد وبين الملائكة، ويقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي، أدى
~~فرضي، وأتم عهدي، ثم سجد لي شكرا على ما أنعمت به عليه، ملائكتي ماذا له
~~عندي؟ قال، فتقول الملائكة: يا ربنا رحمتك، ثم يقول الرب تبارك وتعالى: ثم
~~ماذا له؟ فتقول الملائكة: يا ربنا جنتك، ثم يقول الرب تبارك وتعالى: ثم
~~ماذا له؟
# فتقول الملائكة: يا ربنا كفاية مهمه، فيقول الله تبارك وتعالى: ثم ماذا؟
~~قال:
# فلا يبقى شئ من الخير إلا قالته الملائكة، فيقول الله تبارك وتعالى: يا
~~ملائكتي ثم ماذا؟ فتقول الملائكة: ربنا لا علم لنا، قال، فيقول الله تبارك
~~وتعالى: أشكر له كما شكر لي، وأقبل إليه بفضلي، وأريه وجهي) (2). وفي
~~التهذيب: (وأريه رحمتي) (3). والأخبار في هذا الباب كثيرة (4).
# بقي الكلام في محلهما، قيل: يستحب جعلهما خاتمة للتعقيب (5)، ويمكن أن
~~يستدل عليه بما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا، قال: كان أبو الحسن موسى بن
~~جعفر عليه السلام يسجد بعد ما يصلي، فلا يرفع رأسه حتى يتعالى النهار (6).
# PageV03P095
# ويزيد ذلك ظهورا في الدلالة ما رواه في العيون أن دار السندي بن شاهك
~~التي كان الكاظم عليه السلام محبوسا فيها كانت قريبة من دار الرشيد، وكان
~~الرشيد إذا صعد سطح داره أشرف على الحبس، فقال يوما للربيع: يا ربيع، ما
~~ذلك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟ فقال له الربيع: ما ذاك بثوب،
~~وإنما هو موسى بن جعفر عليه السلام، له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت
~~الزوال (1).
# وفي العيون أيضا، عن رجاء بن أبي الضحاك، عن الرضا عليه السلام أيضا أنه
~~كان إذا صلى الغداة، فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله
~~ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله حتى تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة يبقى
~~فيها حتى يتعالى النهار - إلى أن ms0674 قال - وكان يسجد بعد الفراغ من تعقيب
~~الظهر سجدة يقول فيها مائة مرة شكرا لله، ثم قال: وكان يسجد بعد تعقيب
~~المغرب قبل النافلة وبعد تعقيب العشاء) (2).
# ويلائمه أن السجدتين مستحبتان عند تجدد النعم ودفع النقم بالإجماع
~~والأخبار (3)، ولا شك أن التوفيق للتعقيب أيضا من عظائم النعم، فإيقاع
~~السجدتين عقيبه في محله.
# والظاهر أن تقديمهما على التعقيب لا يخرج التعقيب عن كونه تعقيبا، وأنه
~~لو ثبت استحباب التأخير لكان مستحبا آخر كما تقتضيه الإطلاقات في جانب
~~التعقيب والسجدتين.
# ويؤيده ما ورد من تقديم السجدتين على نافلة المغرب مع ملاحظة ما عرفت من
~~رجحان تقديم النافلة فيه على التعقيب.
# ففي صحيحة سعدان بن مسلم، عن جهم بن أبي جهم، قال: رأيت أبا الحسن
# PageV03P096
# موسى بن جعفر عليه السلام وقد سجد بعد الثلاث ركعات من المغرب، فقلت له:
# جعلت فداك رأيتك سجدت بعد الثلاث فقال: ورأيتني؟! فقلت: نعم، قال:
# (فلا تدعها، فإن الدعاء فيها مستجاب) (1).
# وفي الاحتجاج عن الحميري، عن صاحب الزمان عليه السلام: أنه كتب إليه
~~يسأله عن سجدة الشكر في صلاة المغرب بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات
~~النافلة؟
# فأجاب عليه السلام: (إن فضل الدعاء والتسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعد
~~النوافل كفضل الفرائض على النوافل، والسجدة دعاء وتسبيح، فالأفضل أن تكون
~~بعد الفرض، فإن جعلت بعد النوافل أيضا جاز) (2).
# وفي توقيعات صاحب الأمر عليه السلام أنها بعد الفريضة أفضل (3).
# وقد مرت رواية رجاء أيضا.
# وأما صحيحة حفص الجوهري، قال: صلى بنا أبو الحسن علي بن محمد عليه السلام
~~صلاة المغرب فسجد سجدتا الشكر بعد السابعة، فقلت له: كان آباؤك يسجدون بعد
~~الثلاثة فقال: (ما كان أحد من آبائي يسجد إلا بعد السبعة) (4) فحملها الشيخ
~~في الاستبصار على التقية (5). قيل: ويشعر به قول الكاظم عليه السلام في
~~الخبر الأول (ورأيتني) (6) أقول: ويشكل ذلك مع ثبوتها عقيب السابعة أيضا،
~~والكل حسن إن شاء الله تعالى، ولعل التقديم يكون أولى - سيما مع ملاحظة
~~تأخير التعقيب - يشعر بذلك
# PageV03P097
# ملاحظة مجموع الأخبار، ولعل الاحتياط ms0675 في التكرار.
# وهذا الذي ذكرنا من الأولوية والظهور هو في صلاة المغرب، وإلا فباقي
~~الصلوات لعله يكون جعلهما خاتمة في تعقيباتها أولى لما ذكرنا.
# ثم إن ما يظهر من الإطلاقات في الصلاة وعموم النعمة التي تستحب السجدتان
~~لها اطراد الحكم في جميع الصلوات; واجبة ومندوبة.
# ويستحب أن يطولهما ما استطاع، وتدل عليه المرسلة المتقدمة (1).
# ويفترش ذراعيه فيهما ويلصق صدره وبطنه بالأرض، ويدل عليه ما رواه الكليني
~~في الحسن، عن جعفر بن علي، قال: رأيت أبا الحسن عليه السلام وقد سجد بعد
~~الصلاة فبسط ذراعيه على الأرض، وألصق جؤجؤه بالأرض في دعائه (2).
# وروى أيضا، عن يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، قال: رأيت أبا الحسن الثالث
~~عليه السلام سجد سجدة الشكر فافترش ذراعيه وألصق صدره وبطنه بالأرض، فسألته
~~عن ذلك، قال: " كذا نحب أو يجب " (3). ويستحب التعفير بينهما بالجبينين
~~والخدين، وبذلك يتحقق تعدد السجود.
# ويدعو بالأدعية المأثورة، ففي حسنة عبد الله بن جندب - لإبراهيم بن هاشم
~~- قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عما أقول في سجدة الشكر، فقد
~~اختلف أصحابنا فيه، فقال: " قل وأنت ساجد: اللهم إني أشهدك، وأشهد ملائكتك
~~وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك أنك أنت الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي،
~~وفلان وفلان إلى آخرهم أئمتي، بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ، اللهم إني
~~أنشدك دم المظلوم ثلاثا، اللهم إني أنشدك بإيوائك على نفسك لأعدائك
~~لتهلكنهم
# PageV03P098
# بأيدينا وأيدي المؤمنين، اللهم إني أنشدك بإيوائك على نفسك لأوليائك
~~لتظفرنهم بعدوك وعدوهم أن تصلي على محمد وعلى المستحفظين من آل محمد;
~~ثلاثا، اللهم إني أسألك اليسر بعد العسر; ثلاثا، ثم ضع خدك الأيمن على
~~الأرض وتقول: يا كهفي حين تعييني المذاهب وتضيق علي الأرض بما رحبت، يا
~~بارئ خلقي رحمة بي وقد كنت عن خلقي غنيا، صل على محمد وعلى المستحفظين من
~~آل محمد، ثلاثا، ثم ضع خدك الأيسر على الأرض وتقول: يا مذل كل جبار ويا معز
~~كل ذليل قد وعزتك بلغ مجهودي ثلاثا، ثم تقول: يا حنان يا منان يا كاشف ms0676
~~الكرب العظام ثلاثا، ثم تعود للسجود فتقول مائة مرة: شكرا شكرا، ثم تسأل
~~حاجتك إن شاء الله) (1).
# وفي الفقيه بعد محمد نبيي: (وعلي إمامي والحسن والحسين وعلي بن الحسين
~~واحدا بعد واحد مع اسم آبائهم إلى قوله والحجة بن الحسن بن علي أئمتي)
~~والذي يدل على تعفير الخد من الأخبار كثير.
# وأما الجبينين فلم أقف عليه بالخصوص، ويدل عليه عموم قوله عليه السلام:
# (علامات المؤمن خمسة) (2) وعد منها التعفير بالجبين، ولعله مر سابقا.
# قال في الذكرى: وروى الأصحاب أن أدنى ما يجزي فيه يقول: شكرا لله ثلاثا
~~(3). وفي رواية المروزي أنه يقول مائة مرة: شكرا شكرا، وإن شئت عفوا عفوا
~~(4).
# وفي وجوب السجود على الأعضاء السبعة إشكال، وقطع في الذكرى
# PageV03P099
# باشتراطه، معللا بأن مسمى السجود يتحقق بذلك (1).
# وأما اشتراط وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه فلم نقف على ما يدل عليه،
~~والأصل عدمه.
# وقال في الذكرى: ليس في سجود الشكر تكبيرة الافتتاح، ولا تكبيرة السجود،
~~ولا رفع اليدين، ولا تشهد، ولا تسليم (2)، وعن الشيخ في المبسوط استحباب
~~التكبير لرفع رأسه من السجود (3).
# PageV03P100
# الفصل الرابع في اللواحق وفيه مقاصد: PageV03P101
# المقصد الأول في الجماعة وفيه مباحث الأول: تستحب الجماعة في الفرائض
~~كلها، وهو مذهب علمائنا أجمع، قاله في المنتهى (١)، وتتأكد في اليومية. قال
~~في المدارك: وهو من ضروريات الدين (٢).
# ويدل عليه قوله تعالى: ﴿واركعوا مع
~~الراكعين﴾ (3).
# والأخبار المستفيضة ناطقة بما ذكرنا، فروى الشيخ في الصحيح، عن عبد الله
~~بن سنان قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: (الصلاة في جماعة تفضل على
~~صلاة الفذ بأربعة وعشرين درجة، تكون خمسة وعشرين صلاة) (4).
# وقال الصدوق في الفقيه - وكأنها عبارة الحديث - وصلاة الرجل في جماعة
~~تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة في الجنة، والصلاة في
# PageV03P103
# جماعة تفضل صلاة الفذ بأربع وعشرين صلاة، فيكون خمسا وعشرين صلاة (1).
# والظاهر أن العبارة الأخيرة هي رواية ابن سنان المتقدمة.
# وروى الكليني في الحسن - لإبراهيم - عن زرارة قال، قلت لأبي عبد ms0677 الله
~~عليه السلام: ما يروي الناس أن الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده
~~بخمس وعشرين صلاة، قال: (صدقوا) فقلت: الرجلان يكونان جماعة؟ فقال:
# (نعم، ويقوم الرجل عن يمين الإمام) (2).
# ولا يمكن الجمع بين الأخبار إلا بالحمل على مراتب الفضيلة بالنسبة إلى
~~الأشخاص والأمور الخارجية كما لا يخفى على المتأمل.
# ويؤيد ذلك أيضا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (أنها تفضل بسبع
~~وعشرين درجة) (3).
# وما رواه الشهيد الثاني - رحمه الله عن الشيخ أبي محمد جعفر بن أحمد
~~القمي في كتاب الإمام والمأموم بإسناد متصل إلى أبي سعيد الخدري، وهو طويل،
~~وفيه: (الصلوات الخمس في الجماعة إذا كانا اثنين كتب الله له بكل ركعة مائة
~~وخمسين صلاة.
# وإذا كانوا ثلاثة كتب الله لكل واحد بكل ركعة سبعمائة صلاة.
# وإذا كانوا أربعة كتب الله لكل واحد بكل ركعة ألفا ومائتي صلاة.
# وإذا كانوا خمسة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ألفين وأربعمائة صلاة.
# وإذا كانوا ستة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة أربعة آلاف وثمانمائة
~~صلاة.
# وإذا كانوا سبعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة آلاف وستمائة
~~صلاة.
# PageV03P104
# وإذا كانوا ثمانية كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة عشر ألفا ومائتي
~~صلاة.
# وإذا كانوا تسعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ستة وثلاثين ألفا
~~وأربعمائة صلاة.
# وإذا كانوا عشرة كتب الله لكل واحد بكل ركعة سبعين ألفا وألفين وثمانمائة
~~صلاة.
# فإن زادوا على العشر فلو صارت السماوات والأرض كلها صفحات، والبحار
~~مدادا، والأشجار أقلاما، والثقلان مع الملائكة كتابا لم يقدروا أن يكتبوا
~~ثواب ركعة واحدة) (1) الحديث، وفيها ذكر فضائل كثيرة لصلاة الجماعة.
# والأخبار في فضيلة الجماعة والتعيير على تاركها أكثر من أن تحصى.
# وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد
~~مع المسلمين) (2).
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا غيبة إلا لمن صلى في بيته ورغب
~~عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب ms0678 على المسلمين غيبته، وسقطت
~~بينهم عدالته، ووجب هجرانه، وإذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذره، فإن
~~حضر جماعة المسلمين وإلا أحرق عليه بيته) (3).
# ويدل على التأكيد في اليومية سيما الغداة والعشاء مضافا إلى ما سبق ما
~~رواه الصدوق مرسلا، قال الصادق عليه السلام: (من صلى الغداة والعشاء الآخرة
~~في جماعة فهو في ذمة الله عز وجل، ومن ظلمه فإنما يظلم الله، ومن حقره
~~فإنما
# PageV03P105
# يحقر الله عز وجل) (1) وحسنة زرارة، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه قال،
~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من صلى الصلوات الخمس في جماعة فظنوا
~~به خيرا) (2).
# ورواية محمد بن عمارة قال: أرسلت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله
~~عن الرجل يصلي المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل أو صلاة في جماعة؟
# فقال: (الصلاة في جماعة أفضل) (3).
# ولا بد من حمل ذلك على ما إذا كانت الجماعة عددا يكون ثوابه أكثر من مسجد
~~الكوفة كما ذكرنا في حديث الخدري (4).
# وقول رسول الله صلى الله عليه وآله في رواية ابن أبي يعفور لضرير البصر
~~الذي اعتذر بعدم وجدان القائد إلى الجماعة: (شد من منزلك إلى المسجد حبلا
~~واحضر الجماعة) (5).
# واعلم أن ظاهر ما ادعاه العلامة من الاجماع وكذا الشهيد هو استحباب
~~الجماعة في الفرائض كلها مؤداة كانت أو مقضية، وأصالة كانت أو منذورة، وفي
~~مثل صلاة الاحتياط وصلاة الطواف.
# واستفادة ذلك العموم من الأخبار محل تأمل كما ذكره بعض المتأخرين (6)،
~~وكذا تحقق الاجماع فيها، ولم ينقل على جميع ذلك بالخصوص أيضا إجماع،
~~والاقتصار فيما خالف الأصل على موضع اليقين أولى.
# PageV03P106
# ولا تجب الجماعة بالأصالة إلا في الجمعة والعيدين، وقد تقدمتا، وهذا
~~الحكم إجماعي بين الأصحاب.
# والمخالف في ذلك أكثر العامة، فقيل بوجوبها كفاية في الصلوات الخمس (1)،
~~وقيل باشتراط صحة الصلوات بها (2).
# ويدل على مذهب الإمامية - مضافا إلى الأصل والإجماع - ظاهر الأخبار
~~المتقدمة، وسياقها مساق الاستحباب كما لا يخفى وأما الاستدلال بصحيحة زرارة
~~والفضيل قالا قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ قال: (الصلاة فريضة، ms0679 وليس
~~الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها، ولكنها سنة من تركها رغبة عنها وعن جماعة
~~المؤمنين من غير علة فلا صلاة له) (3) فيمكن المناقشة فيه بأن المراد
~~بالسنة ما قابل الفريضة، وهو أعم من المستحب.
# ويشكل بالآية (4)، ومع ملاحظتها فالاستحباب أقرب مجازاتها لو لم نقل
~~بثبوت الحقيقة الشرعية فيه، إما مع متروكية الأول أو مع الاشتراك. ولو قلنا
~~فالأمر أوضح، أما على الأول فظاهر لأصالة الحقيقة وظهور عدم إرادة المعنى
~~اللغوي، وعلى الثاني فالآية قرينة معينة.
# وإن أبيت عن جميع ذلك فنقول: إن سياق الخبر كالأخبار الكثيرة الأخر ظاهر
~~في ذلك، وإنما قلنا إنه لا تجب أصالة إذ قد تجب لعارض كالنذر وشبهه، وكما
~~لو عجز المصلي عن القراءة فيلزمه الائتمام كما مر.
# ولا تجوز الجماعة في النوافل عدا ما استثني، منها صلاة الاستسقاء، ومنها
~~صلاة العيدين مع اختلال الشرائط، وقد تقدم الكلام فيهما، قال في المنتهى:
~~وذهب إليه
# PageV03P107
# علماؤنا أجمع (1).
# ويظهر من الشهيد في الذكرى أن المسألة ليست بإجماعية (2).
# قيل (3): ويظهر وجود المخالف من كلام المحقق في الشرائع، فإنه قال: يجوز
~~أن يأتم المتنفل بالمفترض والمتنفل والمفترض بالمتنفل في أماكن، وقيل مطلقا
~~(4).
# والأقوى عدم الجواز وبطلان مثل هذه الصلاة.
# لنا: مضافا إلى أصالة عدم الجواز، لكونها من الأمور التوقيفية، وعدم ثبوت
~~جواز اسقاط القراءة، وصحة هذه الهيئة بتوقيف من الشارع، والإجماع المتقدم:
# صحيحة الفضلاء عن الصادقين عليهما السلام، قالا: " إن النبي صلى الله
~~عليه وآله كان إذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثم يخرج من آخر
~~الليل إلى المسجد فيقوم فيصلي، فخرج من أول ليلة من شهر رمضان ليصلي كما
~~كان يصلي فاصطف الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته فتركهم، ففعلوا ثلاث ليال،
~~فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس
~~إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة " (5).
# ورواية إسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام، وسماعة عن الصادق عليه
~~السلام، قال في جملتها: " فلما كان من الليل ms0680 قام يصلي فاصطف الناس خلفه،
~~فانصرف إليهم فقال: يا أيها الناس إن هذه الصلاة نافلة، ولن يجتمع
# PageV03P108
# للنافلة، فليصل كل رجل منكم وحده، وليقل ما علمه الله في كتابه، واعلموا
~~أن لا جماعة في نافلة " (1) الحديث.
# وحسنة زرارة - لإبراهيم بن هاشم - عن الصادق عليه السلام، قال: " كان
~~رسول الله صلى الله عليه وآله يزيد في صلاته في شهر رمضان; إذا صلى العتمة
~~صلى بعدها يقوم الناس خلفه، فيدخل ويدعهم ثم يخرج أيضا، فيجيئون ويقيمون
~~خلفه، فيدخل ويدعهم مرارا " (2) الحديث.
# ورواية محمد بن يحيى قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فسئل، هل
~~يزاد في شهر رمضان في صلاة النوافل؟ فقال: " نعم، قد كان رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يصلي بعد العتمة في مصلاه فيكثر، وكان الناس يجتمعون خلفه
~~ليصلوا بصلاته، فإذا كثروا خلفه تركهم ودخل منزله، فإذا تفرق الناس عاد إلى
~~مصلاه فصلى كما كان يصلي، فإذا كثر الناس خلفه تركهم ودخل، وكان يصنع ذلك
~~مرارا " (3).
# ومع ملاحظة عموم رواية إسحاق بن عمار، وملاحظة خصوص تلك الأخبار مع عدم
~~القول بالفصل لا يبقى مجال لترجيح الجواز.
# ويدل على الجواز روايات، منها صحيحة أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد
~~الله، عن الصادق عليه السلام، قال: " صل بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة،
~~فإني أفعله " (4) والأخبار التي في جواز إمامة المرأة للنساء في النافلة
~~(5)
# PageV03P109
# وسيجئ.
# والجواب عن الأول: مع عدم مقاومتها للأخبار المتقدمة أنها محمولة على
~~التقية.
# ويشهد لذلك موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الصلاة في
~~رمضان في المساجد، قال: " لما قدم أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة أمر
~~الحسن بن علي عليه السلام أن ينادي في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في
~~المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسن بن علي عليه السلام بما أمره به أمير
~~المؤمنين عليه السلام، فلما سمع الناس مقالة الحسن بن علي صاحوا: وا عمراه
~~وا عمراه " (1) الحديث.
# وعن الثاني: فمع ما سيجئ فيما بعد نقول: إنها أخص من المطلوب، وإثبات ms0681 عدم
~~القول بالفصل مشكل، مع أنها لا تقاوم أدلة المشهور لكثرتها واعتضادها
~~بالإجماع، والأصل، بل الأصول وغير ذلك، فالحق مع المشهور.
# ومما ذكرنا ظهر ضعف ما ذهب إليه أبو الصلاح في صلاة الغدير، وإن قال:
# وردت به رواية (2).
# وتنعقد الجماعة باثنين أحدهما الإمام، وهو قول فقهاء الأمصار، قاله في
~~المنتهى (3). ويدل عليه مضافا إلى حسنة زرارة المتقدمة (4) أخبار كثيرة،
~~منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: " الرجلان يؤم
~~أحدهما صاحبه،
# PageV03P110
# يقوم عن يمينه) (1).
# ومنها صحيحة محمد بن يوسف، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام
~~يقول: إن الجهني أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله
~~عليه وآله إني أكون في البادية ومعي أهلي وولدي وغلمتي فأؤذن وأقيم وأصلي
~~بهم، أفجماعة نحن؟ فقال: " نعم " فقال: يا رسول الله فإن الغلمة يتبعون قطر
~~السحاب وأبقى أنا وأهلي وولدي، فأؤذن وأقيم وأصلي بهم، أفجماعة نحن؟ فقال:
~~" نعم " فقال: يا رسول الله فإن ولدي يتفرقون في الماشية فأبقى أنا وأهلي،
~~فأؤذن وأقيم وأصلي بها، أفجماعة نحن؟ فقال: " نعم " فقال: يا رسول الله إن
~~المرأة تذهب في مصلحتها فأبقى أنا وحدي، فأؤذن وأقيم وأصلي، أفجماعة أنا؟
~~فقال: " نعم، المؤمن وحده جماعة " (2).
# وروى في الفقيه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الاثنان جماعة "
~~(3).
# وأيضا فيه: وقال صلى الله عليه وآله: " المؤمن وحده حجة، المؤمن وحده
~~جماعة " (4).
# وروى الشيخ في الصحيح، عن أبي مسعود، عن الصادق عليه السلام، قال:
# سألته كم أقل ما يكون الجماعة؟ قال: " رجل وامرأة " (5).
# وروى عن أبي البختري عنه عليه السلام: " إن عليا عليه السلام قال: الصبي
~~عن يمين الرجل إذا ضبط الصف جماعة، والمريض القاعد عن يمين الصبي جماعة "
~~(6).
# PageV03P111
# ويظهر من هذا الخبر تحقق الجماعة بالصبي، ولعله يحمل على المميز الذي كلف
~~بالصلاة تمرينا، وتشمله العمومات أيضا.
# وهل تصح إمامة الصبي المميز أم يشترط التكليف؟ المشهور على عدم الصحة،
~~وخالف في ذلك الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2)، والأول أقرب.
# لنا: - مضافا إلى أصالة ms0682 عدم الصحة، وكون الجماعة وظيفة شرعية يتوقف
~~ثبوتها على وظيفة الشرع وغير ذلك مما ذكرنا، وعدم وضوح كون عبادة الصبي
~~شرعية، وأنه لا يؤمن عليه الخطأ، فلا تثبت العدالة التي هي شرط عندنا البتة
~~- ما رواه إسحاق بن عمار، عن جعفر عليه السلام، عن أبيه عليه السلام: " إن
~~عليا عليه السلام كان يقول: لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم، ولا يؤم
~~حتى يحتلم، فإن أم جازت صلاته وفسدت صلاة من يصلي خلفه " (3).
# ولعل عموم قوله عليه السلام في رواية ابن راشد: " لا تصل إلا خلف من تثق
~~بدينه وأمانته " (4) يشمله.
# واحتج الشيخ في الخلاف برواية طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي
~~عليهم السلام، قال: " لا بأس أن يؤذن الغلام الذي لم يحتلم وأن يؤم " (5)
~~وحملها الشيخ على الغلام الذي بلغ السن أو أنبت.
# وقد يضعف ذلك بتوارد الروايتين على صفة واحدة، فالأولى العمل بالأولى،
~~لكون طلحة ضعيفا (6)، ولكونها مخالفة لما عليه أكثر الأصحاب، وللأصول
~~المعتمدة.
# PageV03P112
# وأما غياث بن كلوب الذي في سند الرواية الأولى فهو وإن كان عاميا، لكن
~~الشيخ ذكر أن الطائفة عملت برواياته (1)، وعمومات الجماعة حيث تشمل ما نحن
~~فيه محل تأمل.
# ويدل على قول الشيخ أيضا موثقة غياث بن إبراهيم، عن الصادق عليه السلام،
~~قال: " لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤم القوم، وأن يؤذن " (2).
# وتؤيده أيضا موثقة سماعة عنه عليه السلام، قال: " تجوز صدقة الغلام
~~وعتقه، ويؤم الناس إذا كان له عشر سنين " (3) ويمكن حمله على من أنزل أو
~~أنبت.
# وقال الشهيد: إن عدم الجواز مخصوص بغير أمثالهم، لكن الصلاة بأمثالهم
~~جائزة (4).
# ويشترط العقل، فلا تصح إمامة المجنون.
# وأما لو كان دوريا فقيل: الظاهر جواز إمامته في حال الإفاقة، للعمومات،
~~وكرهه العلامة، للنفرة الموجبة لعدم الإقبال إليه (5). وقطع بالعدم في موضع
~~آخر; لعدم الأمن من العروض في الأثناء، ولجواز عروض الاحتلام حال جنونه من
~~دون شعور (6).
# وقد يقال: إن تجويز العروض لا يرفع تحقق الأهلية، والتكليف يتبع العلم،
~~وليس ms0683 ببعيد، وبالجملة الجواز أظهر في النظر ويشترط الإيمان والعدالة وطهارة
~~المولد بالإجماع، كما نقله جماعة (7)
# PageV03P113
# والأخبار بها متضافرة (1)، ومر تمام الاستدلال وتحقيق المقال في صلاة
~~الجمعة.
# الثاني: لا تجوز إمامة المرأة للرجال ولا للرجال والنساء معا باتفاق
~~العلماء كافة، كما قال في المعتبر (2)، ونقل الاجماع غيره أيضا (3).
# واستدل عليه في المعتبر (4) بقول النبي صلى الله عليه وآله: " أخروهن من
~~حيث أخرهن الله " (5) ولأنها مأمورة بالحياء والاستتار، وهو ينافي الإمامة.
# وبالجملة لا ينبغي التأمل في هذا الحكم بعد عدم ثبوت التوظيف فيما هو
~~وظيفة الشارع، سيما بعد وقوع الاتفاق على خلافه.
# ولا يجوز أن تأم الخنثى، لاحتمال كونها رجلا، ولا خنثى بمثلها، لاحتمال
~~كون الإمام امرأة والمأموم رجلا، ولا بالرجل بطريق أولى.
# وأما إمامة الخنثى للمرأة فيرجع إلى جواز إمامة النساء للنساء.
# والظاهر أن جواز إمامتها لهن إجماعي بين علمائنا، قال في التذكرة: إنه
~~قول علمائنا أجمع (6).
# وقال في المختلف: المشهور أن المرأة يجوز أن تؤم النساء في الفرائض، ونقل
~~ابن إدريس عن السيد المرتضى - رحمه الله - المنع، وهو اختيار ابن الجنيد
~~(7)، انتهى.
# ولم يظهر من هذه العبارة إلا نسبة المنع في الفرائض إلى السيد، وأما
~~النوافل
# PageV03P114
# فيفهم جوازها من مفهوم هذه العبارة.
# ومما قاله - رحمه الله - بعد نقل اختيار التفصيل كما سنذكره: وقول السيد
~~لا بأس به، لصحة الأخبار الدالة عليه وضعف الحديثين الأولين مع احتمالهما
~~للتفصيل، وهو جواز إمامة المرأة في النفل دون الفرض (1).
# وأراد بهما رواية سماعة وعبد الله بن بكير الآتيتين، فظهر من العلامة هنا
~~نسبة التفصيل إليهما، وهكذا فهمه صاحب المدارك - رحمه الله - أيضا (2).
# ونسب في الذخيرة المنع مطلقا إلى السيد والجعفي، وقال: ونفى عنه البأس
~~المصنف في المختلف، ونسب التفصيل إلى ابن الجنيد (3).
# وكلام المفاتيح مشتبه، قال: فجازت إمامة المرأة على المشهور، خلافا للسيد
~~والإسكافي والجعفي، فلم يجوزوا إمامتها مطلقا، واختاره في المختلف للصحاح
~~تؤمهن في النافلة أما المكتوبة فلا (4).
# وبعد ما عرفت ما ذكرنا من المختلف تتنبه على ما في الكلامين. ويمكن أن
~~تكون ms0684 كلمة مطلقا في المفاتيح قيدا للمنفي لا للنفي، فيوافق ما فهمناه من
~~المختلف، وبالجملة وجود الأقوال الثلاثة محتمل.
# ويدل على المشهور مضافا إلى الإطلاقات والعمومات صحيحة علي بن يقطين، عن
~~أبيه، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام، قال: سألته عن المرأة تؤم النساء،
~~ما حد رفع صوتها بالقراءة والتكبير؟ فقال: " بقدر ما تسمع " (5). وصحيحة
# PageV03P115
# علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام مثله (1).
# وموثقة ابن بكير - وهو لا يروي إلا عن ثقة وأجمعت العصابة على تصحيح ما
~~يصح عنه - عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يؤم المرأة؟
# قال: " نعم، تكون خلفه " وعن المرأة تؤم النساء؟ قال: " نعم، تقوم وسطا
~~بينهن ولا تتقدمهن " (2).
# وموثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تؤم النساء؟
~~فقال:
# " لا بأس به " (3).
# ويؤيدها تأييدا ما موثقة غياث، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه
~~السلام، قال: " المرأة صف، والمرأتان صف، والثلاث صف " (4) سيما مع ملاحظة
~~بعض الأخبار المتقدمة في أدنى الجماعة.
# ويدل على التفصيل صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن المرأة تؤم النساء، فقال: " إذا كن جميعا أمتهن في النافلة، فأما
~~المكتوبة فلا، ولا تقدمهن، ولكن تقوم وسطا بينهن " (5).
# وصحيحة هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام مثله بأدنى تفاوت في اللفظ
~~(6).
# وقوية الحلبي - وفيها الحسن بن الجهم ولعله الثقة - عن الصادق عليه
~~السلام،
# PageV03P116
# قال: " تؤم المرأة النساء في الصلاة وتقوم وسطا بينهن، ويقمن عن يمينها
~~وشمالها، تؤمهن في النافلة، ولا تؤمهن في المكتوبة " (1).
# وروى زرارة في الصحيح عن الباقر عليه السلام قال، قلت: المرأة تؤم
~~النساء؟
# قال: " لا، إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطا معهن في
~~الصف فتكبر ويكبرن " (2).
# وجوز الشيخ في الاستبصار حمل النهي عن إمامتها في المكتوبة أو سوى الصلاة
~~على الميت على الكراهة واستحباب الترك، جمعا بين الأخبار (3).
# وليس للمانع مطلقا ما يعتمد عليه وقال في المختلف: احتج بأنه عليه السلام
~~وصفها بنقص الدين، فلا تصلح ms0685 للإمامة المنوطة بكماله (4).
# والظاهر على ما ذكرنا من أنه نسب التفصيل إلى السيد لا ينطبق احتجاجه على
~~مطلبه أيضا فتدبر. ومع ذلك فأنت خبير بأنه لا ينهض دليلا في مقابل ما ذكرنا
~~من الأخبار.
# فبقي الكلام في التفصيل.
# ورد المحقق في المعتبر على خبر سليمان بن خالد والحلبي بأنهما نادران لا
~~عمل عليهما (5).
# وحينئذ فالمسألة محل إشكال، نظرا إلى عموم ما دل على عدم جواز النافلة في
~~الجماعة وعمومات الجماعة والإطلاقات الواردة في خصوص جماعة المرأة،
# PageV03P117
# فيبقى الكلام في أن تلك عمومات وإطلاقات والأخبار الدالة على التفصيل
~~خصوصات ومقيدات، والخاص يحكم على العام، والمقيد حاكم على المطلق.
# ولنا أن نقول: العام إذا كان أقوى من جهة الأمور الخارجة مع قطع النظر عن
~~أنه ظاهر والخاص نص فلا شك أنه لا يجوز التخصيص والتقييد، إذ يعتبر فيهما
~~المقاومة بسبب المعتضدات الخارجة، فإذا تساويا من جهة الأمور الخارجة
~~فالخاص مقدم بسبب النصوصية.
# وغير خفي أن عدم جواز الجماعة في النافلة والأخبار الدالة عليه سيما قوله
~~عليه السلام: " واعلموا أنه لا جماعة في نافلة " (1) مع اعتضادها بالشهرة
~~العظيمة والإجماع المنقول وكونها مخالفة للعامة وموافقة للأصحاب ومعتضدة
~~بالأصول المتقدمة مع أنها في نفسها أيضا كثيرة، وكذا الإطلاقات التي
~~استدللنا بها على جواز إمامتها مطلقا قوية معتضدة بالشهرة، بل الاجماع
~~المنقول.
# فلا وجه لترجيح الخاص الذي لا يساويها كثرة ولا يعارضها اعتضادا، مع
~~مخالفته للأصل المدعى عليه الاجماع، وهو عدم جواز الجماعة في النافلة.
# ويمكن أن يقال: إن الأدلة الدالة على عدم جواز الجماعة في النافلة لا
~~عموم فيهما غير خبر واحد لا يبلغ حد الصحة، وعدم القول بالفصل أول المسألة،
~~فيبقى الأصل هنا مع الخبر العام.
# وأما الإطلاقات التي ذكرتها فالصحيحين الأولين لا عموم فيهما، لأن السؤال
~~إنما هو عن رفع الصوت، وليس ههنا موضع الاحتجاج بتقرير المعصوم كما لا يخفى
~~على المتدبر، فيحتمل أن يكون مراد الراوي أن المرأة التي تؤم فيما يجوز لها
~~الإمامة كيف تفعل (2).
# نعم ينهضان دليلا على المانع مطلقا، ms0686 فيبقى الخبران الآخران، وهما مطلقان
~~غير
# PageV03P118
# بالغين درجة الصحة، ومعارضهما أخبار كثيرة صحيحة مفصلة (1)، مع أن جماعة
~~من الأصحاب قائلون بمضمونها، فينبغي حمل المطلق على المقيد.
# وبالجملة اشتهار الجواز في الفريضة بين الأصحاب، ومخالفة جواز النافلة
~~جماعة للأصل، وكون الجماعة في النافلة من الأمور النادرة، سيما مع انضمام
~~عدم تجويزها في الفريضة، يضعف التفصيل.. وصحة الأخبار وكثرتها وظهور
~~دلالتها يضعف الإطلاق.
# والجمع بين الأخبار وكلام الأصحاب يمكن بوجهين: إما حمل النافلة على ما
~~تجوز فيه الجماعة، والنهي عن الجماعة في الفريضة على نفي التأكد والكراهة
~~بمعنى أقلية الثواب.
# أو حمل المطلقات على النافلة، والحكم بتحريم الجماعة في الفريضة لهن.
# والأول أقوى.
# ويمكن حمل النافلة على الجماعة المندوبة، فيكون كناية عن عدم جواز
~~الإمامة في صلاة الجمعة مثلا.
# وبالجملة الأقوى جواز إمامتهن في الفرائض، وإن كان الاحتياط في ترك ذلك،
~~سيما مع وجود الرجل، والله أعلم بحقائق أحكامه.
# الثالث: ذهب الشيخ في النهاية والخلاف إلى المنع عن إمامة المجذوم
~~والأبرص (2).
# وكذا السيد - رضي الله عنه - في بعض أقواله (3)، وقال في الانتصار: ومما
~~انفردت الإمامية به كراهية إمامة الأبرص والمجذوم والمفلوج، والحجة فيه
~~إجماع الطائفة (4).
# PageV03P119
# ووافقه ابن حمزة (1) والعلامة (2) والمحقق (3)، ونسب ذلك إلى أكثر
~~المتأخرين (4)، وهو قول ابن إدريس إلا في الجمعة والعيدين، فلم يجوز فيهما
~~(5).
# ولا يخفى أن لفظ الكراهة في كلام السيد وأمثاله غير ظاهر في المعنى
~~المصطلح، إذ كثيرا ما نراهم يريدون منها الحرمة.
# ومن الاتفاقات أنه ذكر قبل هذه المسألة إجماع الإمامية على كراهة إمامة
~~ولد الزنا، وهو قال بعد أسطر قلائل: والظاهر من مذهب الإمامية أن الصلاة
~~خلفه غير مجزئة، والحجة الاجماع المتقدم وطريقة البراءة.
# وقال بعد هذه المسألة: ومما انفردت به الإمامية كراهة صلاة الأضحى، وأن
~~التنفل بعد طلوع الشمس إلى وقت زوالها محرم إلا في يوم الجمعة خاصة (6)، بل
~~يمكن ادعاء ظهور أنه أراد الحرمة.
# وذهب الشيخ في المبسوط (7) وأبو الصلاح (8) وابن البراج (9) إلى المنع
~~بغير مثلهم والجواز معهم.
# ويدل على المنع أخبار كثيرة، فروى ms0687 أبو بصير في الصحيح، عن الصادق عليه
~~السلام، قال: " خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم، والأبرص،
# PageV03P120
# والمجنون، وولد الزنا، والأعرابي " (1).
# وروى محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام أنه قال: " خمسة لا يؤمون الناس
~~ولا يصلون بهم صلاة فريضة في جماعة: الأبرص، والمجذوم، وولد الزنا،
~~والأعرابي حتى يهاجر، والمحدود " (2).
# وروى زرارة في الحسن - لإبراهيم بن هاشم - عنه عليه السلام قال، قلت له:
# الصلاة خلف العبد، فقال: " لا بأس به إذا كان فقيها، ولم يكن هناك أفقه
~~منه " قال، قلت له: أصلي خلف الأعمى؟ قال: " نعم إذا كان له من يسدده وكان
~~أفضلهم " قال: " وقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يصلين أحدكم خلف
~~المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا، والأعرابي لا يؤم المهاجرين
~~" (3) ورواها الصدوق مرسلا من قوله عليه السلام " قال أمير المؤمنين عليه
~~السلام " (4) الحديث.
# وتدل على الجواز مطلقا رواية عبد الله بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله
~~عليه السلام عن المجذوم والأبرص يؤمان المسلمين؟ فقال: " نعم " قلت: هل
~~يبتلي الله بهما المؤمن؟ قال: " نعم، وهل كتب الله البلاء إلا على المؤمن "
~~(5) وحملها الشيخ على حال الضرورة، أو إذا كانا يؤمان بأمثالهما.
# والذي يقوى في نفسي من جهة الأخبار وكلام جمع من الأصحاب الحرمة.
# وتأويل الأخبار الكثيرة المعتبرة المعمول بها عند جماعة بسبب خبر لم يوثق
~~راويه (6) مشكل، وكون عمل الأصحاب عليه أكثر لينجبر به فيعارض تلك الأخبار
# PageV03P121
# محل كلام.
# وقد عرفت ما ذكرنا في كلام السيد، سيما مع ظهور دلالة تلك الأخبار
~~ووضوحها وتأكدها بتأكيدات مثل قوله عليه السلام: " على كل حال " ومثل
~~النكرة في سياق النفي في رواية محمد بن مسلم، والنهي المؤكد مع ذكر لفظ
~~أحدكم في حسنة زرارة، إلى غير ذلك، مع أنها أيضا موافقة لأصالة عدم صحة
~~الصلاة وانعقاد الجماعة وسقوط القراءة.
# وأما العمومات والإطلاقات كقولهم عليهم السلام: " يؤمكم أقرؤكم " (1)
~~وغير ذلك ففي شمولها لما نحن فيه تأمل، لكونها من الأفراد النادرة، سيما مع
~~صدور هذه الأخبار أيضا، وأيضا يلزم القائلين بالجواز ms0688 مع حمل تلك الأخبار
~~على الكراهة استعمال اللفظ المشترك في معنييه، للاتفاق على حرمة إمامة ولد
~~الزنا، إلا أن يقال إنه على سبيل عموم المجاز، ولا ريب أنه مجاز أيضا،
~~والأصل الحقيقة، وعدم جواز الجمع بين الأخبار بهذا النحو إلا من دليل، وقد
~~عرفت ضعفه.
# ولم أقف لتفصيل ابن إدريس على حجة.
# وأما تفصيل أبي الصلاح وابن البراج والشيخ في المبسوط فلم أقف فيه على نص
~~بالخصوص، ويمكن أن يكون نظرهما إلى القطع بالعلة، سيما مع ملاحظة تقييدهم
~~عليهم السلام إمامة الأعرابي بغير المهاجرين، وعدم شمول أخبار المنع لذلك
~~واندراجها تحت إطلاقات الجماعة، فتأمل.
# وأما الأعمى فالأصح جواز إمامته، وفاقا للمشهور، وقال في المنتهى: إنه
~~مذهب أهل العلم، ونسب المخالفة إلى أنس (2)، وهذا إذا كان من ورائه من
~~يسدده ويوجهه إلى القبلة، وهكذا ادعى عليه الاجماع في التذكرة (3).
# PageV03P122
# ويدل عليه مضافا إلى الاجماع (في التذكرة) (1) والإطلاقات حسنة زرارة
~~المتقدمة (2).
# وصحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس بأن يصلي الأعمى
~~بالقوم وإن كانوا هم الذين يوجهونه " (3).
# ورواية السكوني، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه السلام، قال: " قال
~~أمير المؤمنين عليه السلام: لا يؤم المقيد المطلقين، ولا يؤم صاحب الفالج
~~الأصحاء، ولا صاحب التيمم المتوضئين، ولا يؤم الأعمى في الصحراء إلا أن
~~يوجه إلى القبلة " (4).
# ورواية ابن مسلم المتقدمة، وقال في آخرها: وقال الباقر عليه السلام
~~والصادق عليه السلام: " لا بأس أن يؤم الأعمى إذا رضوا به وكان أكثرهم
~~قراءة وأفقههم " (5)، وقال أبو جعفر عليه السلام: " إنما العمى عمى القلب،
~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ". روى هذا المقدار
~~منه الصدوق أيضا مرسلا (6).
# وصحيحة محمد بن مسلم، قال: صلى بنا أبو بصير في طريق مكة فقال وهو ساجد
~~وقد كانت ضلت ناقة لجمالهم: اللهم رد على فلان ناقته، قال محمد فدخلت على
~~أبي عبد الله عليه السلام فأخبرته فقال: " وفعل " قلت: نعم، قال: فسكت قلت:
~~فأعيد الصلاة؟ قال: " لا " (7).
# PageV03P123
# ونقل عن العلامة في النهاية القول ms0689 بالمنع (1)، وعلله في التذكرة بعدم
~~التمكن من تحرز النجاسات، وأن الإمامة مرتبة جليلة وهو لا يليق بها (2)،
~~وهو كما ترى.
# وأما الأعرابي، وهم سكان البادية، فيعم العرب وغيرهم.
# وقال الفاضل المجلسي في شرح الفقيه: المراد بالتعرب سكنى البادية مع
~~الأعراب بعد أن هاجر منهم، والظاهر من الأخبار سقوط وجوب الهجرة بعد فتح
~~مكة، وألحق بعضهم سكنى القرى مع التمكن من سكنى الأمصار لاكتساب العلوم
~~والكمالات، وبعضهم ترك التعلم (3).
# ومما ذكرنا يظهر معنى الأعرابي والمهاجر.
# واختلف الأصحاب في إمامة الأعرابي، فلا تجوز إمامته عند الشيخ (4) وجماعة
~~(5).
# وذهب آخرون إلى الكراهية (6).
# وفصل المحقق - رحمه الله - في المعتبر تفصيلا، وارتضاه جماعة من
~~المتأخرين، وهو أنه إن كان وصل إليه ما يكفيه في اعتماده عليه ويدين به ولم
~~يكن ممن يلزمه المهاجرة وجوبا جاز; لقوله عليه السلام: " يؤمكم أقرؤكم "
~~(7) وقول الصادق عليه السلام " ولا يتقد من أحدكم الرجل في منزله ولا
~~سلطانه " (8)، وإن لم يكن
# PageV03P124
# كذلك فلا يجوز (1).
# ويدل على المنع في الجملة الأخبار الثلاثة المتقدمة.
# واعلم أن ظاهر الأصحاب أن محل النزاع هو إمامة الأعرابي بالمهاجرين،
~~وكأنه لا نزاع لهم في إمامة الأعرابي بمثله، حملا للخبرين المطلقين على
~~المقيد، بل الظاهر من رواية محمد بن مسلم في نفسها أيضا ذلك، بل ويمكن
~~القول بأنه لا ينساق من صحيحة أبي بصير أيضا إلا ذلك.
# وبالجملة التي وقعت (2) من كلماتهم في هذا الباب هي صلاة الأعرابي
~~بالمهاجر، فحينئذ يصير حاصل الأخبار - مع ملاحظة أن المقرر في شرعنا أنه
~~تشترط الإمامة بالعدالة والفقه بأحكام الصلاة وسائر الشرائط، وملاحظة
~~التقييد المذكور، واعتبار مفهومه، وهو جواز الإمامة بمثلهم، وأنه لا فرق
~~بين الأعرابي وغيره في سائر الشرائط - أنه لا تجوز صلاة الأعرابي بالمهاجر،
~~وإن كان الأعرابي عارفا بالأحكام، قادرا على شرائط الإمامة في الجملة.
# (فحينئذ لا يبقى [وجه] لتفصيل المحقق - رحمه الله - في المعتبر، وأن ذلك
~~محمول على الغالب، لأن غالب الأعراب) (3) أنهم غير عارفين بالأحكام، فيكون
~~للمنع (4) لذلك قوام وحقيقة. وكذلك تحسين جماعة من المتأخرين لذلك.
# اللهم ms0690 إلا أن يكون نظر إلى العموم كما في صحيحة أبي بصير، وهو مع ما
~~ذكرنا من الظهور غير جيد في نفسه، لما عرفت من لزوم التقييد.
# إلا أن يقال: إن المنع الوارد في الأخبار من جهة التنبيه على أنه فاسق من
~~جهة ترك هذا الواجب، وإن كان حصل ما يجب عليه من معرفة الصلاة وغيرها،
~~وحينئذ
# PageV03P125
# فلا وجه لجوازه لمثله كما ذهب إليه أيضا.
# فيبقى الكلام في أن النهي هل هو بظاهره أم لا؟ والأنسب بظاهر الحقيقة
~~والمرجحات التي ذكرناها في الأجذم والأبرص هو عدم الجواز، بل البطلان، ولعل
~~المجوز رجح العمومات، وحمل النهي على المجاز لعدم المقاومة، أو لأنه بنى
~~الأمر في المجذوم وغيره على الكراهة، فيحصل بسبب ذلك وهن في الدلالة، وهو
~~مشكل.
# وأسند في المدارك إطلاق المنع من إمامة الأغلف إلى الأكثر (1)، وذهب
~~بعضهم إلى الكراهة (2)، ونقل عن أبي الصلاح تجويزه لمثله (3).
# وصرح الفاضلان في المختلف والمعتبر بتفصيل آخر (4) وارتضاه بعض من تأخر
~~عنهما (5)، وهو أنه إن كان فرط في ذلك مع القدرة فلا تجوز إمامته باعتبار
~~فسوقه، وإلا فتجوز، وليس بذلك البعيد.
# وعلى الأول فهل تبطل الصلاة وأم لا؟ وجهان، بالنظر إلى القول بأن الأمر
~~بالشئ نهي عن ضده أم لا، فعلى الثاني يصح، لأن النهي متعلق بخارج.
# وأما رواية عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام،
~~قال: " الأغلف لا يؤم القوم وإن كان أقرأهم، لأنه ضيع من السنة أعظمها، ولا
~~تقبل له شهادة، ولا يصلى عليه، إلا أن يكون منع ذلك خوفا على نفسه " (6)
~~فهي على الدلالة على الجواز أشبه لكن على التفصيل المذكور.
# PageV03P126
# ولعل الأوجه الكراهة أيضا، والاحتياط في الترك.
# واختلف الأصحاب في المحدود بالحد الشرعي، ولعل النزاع إنما هو بعد توبته;
~~إذ قبله فاسق. وعدم الجواز ليس من جهة خصوص الحد، فنقل عن أبي الصلاح المنع
~~عن إمامة المحدود بعد توبته إلا بمثله (1).
# ولكن العلامة - رحمه الله - في المختلف لم يقيد كلامه ببعد التوبة (2)،
~~والظاهر أن مراده ms0691 ذلك كما ذكرنا.
# والمنقول عن الأكثر الجواز، لأنه عدل حينئذ بحسب المفروض، فتشمله
~~العمومات، وليس أسوأ حالا من كافر أسلم، وعلل المحقق كراهته بأنها منصب
~~جليل ومرتبته تنقص عن ذلك (3).
# ولعل ما عليه الأكثر أقوى، ولا بد من حمل رواية ابن مسلم وحسنة زرارة
~~المتقدمتين (4) على من لم يتب بعد، ولكنه يشكل ببعض ما ذكرنا سابقا، ويظهر
~~ذلك بالتأمل.
# وبهذا يظهروهن في أحكام الأبرص والمجذوم وغيرهما أيضا، والأحوط في الكل
~~الترك.
# ولا يجوز أن يؤم الأمي - أي من لا يحسن واجب القراءة على ما نقل عن
~~المعتبر (5) - بالقارئ، والمراد هنا الذي يعجز عن التعلم مع السعي، وإلا
~~فصلاته باطلة في نفسها، لأصالة عدم الصحة، وعدم سقوط القراءة، ولا يتحقق
~~تحمل القراءة عن الإمام حينئذ، ومنع شمول الإطلاقات والعمومات لذلك.
# PageV03P127
# والظاهر جواز إمامته بمن يساويه، وقطع بذلك جماعة من الأصحاب (1).
# وهل يجب على الأمي العاجز عن التعلم الائتمام بالقارئ المتقن؟ فيه وجهان،
~~والمشهور وجوبه، ودليله غير واضح.
# وعلله بعضهم بأنه يتمكن حينئذ من الصلاة بقراءة صحيحة فتجب عليه (2).
# ويشكل بمنع شمول أدلة وجوب القراءة له، إلا أن الاحتياط وحصول اليقين
~~بالبراءة إنما يكون بذلك.
# ويمكن إجراء هذا الحكم فيما لو وجد الأمي أقل لحنا منه، فإن الميسور لا
~~يسقط بالمعسور.
# وبما ذكرنا من المنع تنقدح أولوية عدم الوجوب في الأخرس، والظاهر أن
~~الأخرس كالأمي في جواز ائتمام أحدهما بالآخر.
# وفي جواز ائتمام الأمي بالأخرس وجهان، لقدرته على التكبير فلا يجوز،
~~ولعدم تحمل الإمام ذلك فيجوز، ويشكل الترجيح في مثل تلك المسألة، والأحوط
~~الترك.
# وأما عكسه فلعله لا بأس به مع ثبوت الإشكال فيه أيضا.
# ولا تجوز إمامة اللاحن بالمتقن، سواء كان مغيرا للمعنى كتبديل فتحة تاء
~~أنعمت بالضمة، أو لا كعكسه في الحمد، وكذا المبدل لحرف بحرف على المشهور
~~بين الأصحاب. والدليل عليه ما تقدم في الأمي، فإن اليقين بمسقط القراءة لا
~~يحصل بذلك.
# وللعلامة قول بالصحة، لأن صلاته صحيحة، لانحصار تكليفه في ذلك،
# PageV03P128
# فيجوز الائتمام (1).
# واستضعفه بعض الأصحاب، وألزمه بجواز ms0692 إمامة الأمي والأخرس (2)، ولا قائل
~~به من الأصحاب.
# وأما مثل التمتام، أي من يتردد في التاء المثناة من فوق، والفأفاء أي من
~~يتردد في الباء الموحدة; ففيه إشكال، فنسب جواز إمامتهما إلى غير واحد من
~~الأصحاب، لأن هذه زيادة غير مخرجة عن صحة القراءة (3). ويبقى الإشكال بعد
~~تسليم الصحة في أن مطلق صحة القراءة كيف يكفي في جواز مطلق الإمامة.
# وأما مثل الأرت، وهو من يلحقه في أول كلامه ريح فيتعذر بيانه، فإذا تكلم
~~انطلق لسانه كما ذكره في المبسوط (4)، فهو لا يمنع عن الصحة على الظاهر،
~~وتجوز إمامته.
# والكلام في وجوب ائتمام هؤلاء بالمتقن الوجهان المتقدمان ويؤيد ما ذكرنا
~~من الدليل على عدم الوجوب صحيحة الفضلاء المتقدمة في أوائل المبحث، قال: "
~~وليست الجماعة بمفروضة في الصلوات كلها " (5) وجعلناها مؤيدة لعدم ظهور
~~السنة في المستحب، ولاحتمال الخبر للسلب الجزئي، فتدبر.
# ولا تجوز إمامة القاعد بالقائم، للأصل، وإجماع علمائنا كما ذكره في
~~التذكرة (6)، ولما رواه ابن بابويه مرسلا عن الباقر عليه السلام، قال: " إن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بأصحابه جالسا، فلما فرغ قال: لا يؤمن
~~أحد
# PageV03P129
# بعدي جالسا " (1).
# ويمكن القول باطراد الحكم في جميع مراتب النقص والكمال، والإشكال في
~~إمامة القاعد بمثله ههنا موجود، لعدم ظهور الخبر فيه، وكذا الاجماع،
~~ولأصالة عدم الصحة، وسيجئ تمام الكلام إن شاء الله تعالى.
# الرابع: لا تجوز الصلاة مع وجود حائل بين الإمام والمأموم يمنع المشاهدة
~~بالإجماع، نقله غير واحد من أصحابنا (2).
# ويدل عليه مضافا إلى الاجماع والأصل صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام
~~أنه قال: " ينبغي للصفوف أن تكون تامة متواصلة بعضها إلى بعض، ولا يكون بين
~~الصفين ما لا يتخطى، يكون قدر ذلك مسقط جسد انسان إذا سجد ".
# وقال أبو جعفر عليه السلام: " إن صلى قوم بينهم وبين الإمام ما لا يتخطى
~~فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين
~~الصف الذي يتقدمهم ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة، وإن كان سترا أو ms0693 جدارا
~~فليس تلك لهم بصلاة، إلا من كان بحيال الباب " قال، وقال: " هذه المقاصير
~~إنما أحدثها الجبارون، فليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة " (3)
~~الحديث، هكذا رواه ابن بابويه.
# ورواه الشيخ أيضا في الحسن من قوله عليه السلام " وقال أبو جعفر عليه
~~السلام " بأدنى تفاوت في اللفظ، ففيما رواه الشيخ " إن كان بينهم سترة أو
~~جدار " وقال:
# PageV03P130
# " هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس، وإنما أحدثها...
# وإنما قيدنا بالمنع من المشاهدة لأن المشهور أنه لا مانع من الحائل إذا
~~كان مشبكا لا يمنع المشاهدة، خلافا للشيخ في الخلاف فحكم بالبطلان (1)،
~~واستدل بهذه الصحيحة.
# وربما يقال: وجه الدلالة أن المقاصير في الأغلب كانت مخرمة.
# وقد يضعف بأن المقاصير المشار إليها لعلها لم تكن مشبكة، فلا يعلم كونها
~~باطلة مع ذلك.
# ويمكن أن يقال: إن هذا إنما يرد لو أراد المعصوم أشخاصا معينين، بل
~~الظاهر أن مراده حينئذ جنس المقاصير المستحدثة، فإذا كان أغلبها كذلك فيلحق
~~الظن الشئ بالأعم الأغلب، ولكن الشأن في إثبات الأغلبية.
# وربما يقال: وجه الدلالة قوله عليه السلام: " إن صلى قوم بينهم وبين
~~الإمام ما لا يتخطى "، فإن الشبكة مانعة عن التخطي. وهو بعيد، لظهور إرادة
~~مقدار المسافة، لا إمكان التخطي وعدمه من جهة الحائل.
# وتشكل المسألة بأن إطلاق الجدار في الحديث يشمل الجدار المشبك أيضا.
# وأن الأنسب كان أن يستثني عليه السلام ذلك أيضا، حيث استثنى من كان بحيال
~~الباب، والاحتياط في عدم الاكتفاء بالجدار المشبك وإن لم يدل دليل على
~~بطلان الصلاة به، سيما وأكثر أحكام هذه الصحيحة على سبيل الاستحباب،
~~وسياقها أيضا ذلك.
# وأن الظاهر أن الجدار مفسر للستر، ولذلك اكتفى بعض المتأخرين بما لو كان
~~بينهما حائط قصير لا يمنع المشاهدة ولو في بعض الأحوال (2)، ولا يبعد ما
~~ذكره في
# PageV03P131
# صورة اختفاء الإمام في حال السجود فقط بأن يكون الحائل قصيرا بهذا
~~المقدار.
# وعلى القول بالبطلان فالمنسوب إلى أصحابنا هو بطلان صلاة المأموم فقط،
~~وإلى بعض العامة تعميم البطلان.
# ويكفي ms0694 للمأموم مشاهدة الإمام أو من يشاهده من المأمومين، وإلا لبطلت صلاة
~~الصف الثاني إذا لم يروا الإمام، وهو باطل. وقال في المنتهى: إنه لا نعرف
~~فيه خلافا (1).
# ولكن الإشكال فيما إذا كان المأمومون قياما خارج الباب، وفي أن صلاة من
~~على يمينهم ويسارهم وخلفهم صحيحة أم لا، والظاهر بملاحظة ما ذكرنا من كفاية
~~مشاهدة من يشاهد الإمام في الصفوف الكثيرة في المسجد الصحة ههنا أيضا، كما
~~هو المشهور، ولم نقف لأحد من الأصحاب على حكم ببطلانها أيضا، ولكن الدليل
~~على ما ذكرنا هو الاجماع، ومعهودية ذلك من زمن الأئمة.
# والإجماع لم يعلم ثبوته فيما نحن فيه، وكذا المعهودية.
# وتضعفه الصحيحة المتقدمة أيضا، لأن الصف الخارج من الباب إن صار مستطيلا
~~فلا يصدق عليه عرفا في الأغلب أن بينه وبين الصف المتقدم أو الإمام قدر ما
~~يتخطى، بل ربما كان أزيد بمراتب شتى.
# وملاحظة البينة بالنسبة إلى جزء منه الذي في خلف من كان بحيال الباب
~~والاكتفاء به مشكل، ولأن الظاهر من قوله عليه السلام " من كان بحيال الباب
~~" هو المحاذي لها من الأشخاص.
# والحمل على إرادة الصف وكون الحصر إضافيا بالنسبة إلى من كان على يمين
~~الباب وشماله مجاز.
# فيبقى المنع من الصلاة عقيب الجدار والستر بحاله، إلا أن يخدش في دلالة
# PageV03P132
# الصحيحة، وانصرافها إلى ما نحن فيه، وفي دلالتها على الوجوب كما أشرنا،
~~أو قيل بعدم مقاومتها للعمومات من جهة اعتضادها بالعمل.
# وبالجملة المسألة محل إشكال، فلو ثبت الاجماع فهو، وإلا فالأحوط
~~الاجتناب، سيما إذا طال الصف كثيرا.
# وأما التجاوز القليل بمثل شخص أو شخصين فلعله لا مجال للتأمل فيه، سيما
~~مع ما ورد في صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " لا أرى بالوقوف
~~بين الأساطين بأسا " (1).
# ويظهر التوقف في صحة صلاة القائمين على يمين من بحيال الباب ويساره وخلفه
~~من بعض المتأخرين (2).
# ولعل ما ذكرنا من الأحكام لا يتفاوت بين الصف والإمام; وبين الصف والصف
~~الآخر أيضا.
# ومنع أبو الصلاح (3) وابن زهرة (4) عن حيلولة النهر بين الإمام ms0695 والمأموم،
~~ولم نقف على مأخذه، فإن اعتبرا عدم كونه أزيد مما يتخطى فهو، وإلا فيطالبان
~~بالدليل.
# هكذا رد هذا القول صاحبا المدارك والذخيرة (5)، إلا أن صاحب الذخيرة تأمل
~~في الأول أيضا، وسيجئ الكلام فيه.
# ثم إن هذا الحكم الذي ذكرنا من لزوم عدم الحائل مختص بالرجل، وأما لو كان
~~المأموم مرأة فيجوز، ولو كان الحائل غير مشبك أيضا، وفاقا للمشهور، لموثقة
~~عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي بالقوم وخلفه دار
~~فيها نساء،
# PageV03P133
# هل يجوز لهن أن يصلين خلفه؟ قال: " نعم إن كان الإمام أسفل منهن " قلت:
~~فإن بينهن وبينه حائطا أو طريقا، قال: " لا بأس " (1) فإن الصحيحة لا تدل
~~على حكم المرأة، ولو سلم فالخاص مقدم على العام، وإن كان موثقا والعام
~~صحيحا، لاعتضادها بعمل الجمهور.
# وخالف في ذلك ابن إدريس قال: وقد وردت رخصة للنساء أن يصلين وبينهن وبين
~~الإمام حائط، والأول أظهر وأصح (2)، وأراد به المساواة مع الرجال، وطريق
~~الاحتياط واضح.
# ولا يجوز التباعد بين الإمام والمأموم إلا بالصفوف المتخللة، وهو إجماع
~~أصحابنا وأكثر أهل العلم.
# واختلفوا في تحديده، فأحاله الأكثر إلى العرف.
# وربما يستبعد ذلك، ولا وجه له، إذ المستفاد من الأخبار الكثيرة المتضافرة
~~في صلاة الجماعة أنه يتقدم الإمام ويقوم المأموم خلفه أو يقوم قدامه ونحو
~~ذلك، وهذه ألفاظ يرجع فيها إلى العرف.
# ففي رواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يؤم
~~الرجلين، قال: " يتقدمهما، ولا يقوم بينهما " وعن الرجلين يصليان جماعة،
~~قال:
# " نعم يجعله عن يمينه " (3) الحديث.
# وفي صحيحته عن أحدهما عليهما السلام، قال: " الرجلان يؤم أحدهما صاحبه
~~يقوم عن يمينه، فإن كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه " (4) إلى غير ذلك من
~~الأخبار (5).
# PageV03P134
# وقال في الخلاف: حده مع عدم اتصال الصفوف ما يمنع عن مشاهدته والاقتداء
~~بأفعاله (1)، ونقل عن المبسوط جواز البعد بثلاثمائة ذراع (2)، وكلاهما
~~بعيدان.
# وحدده أبو الصلاح (3) وابن زهرة (4) بما لا يتخطى، لصحيحة زرارة المتقدمة
~~(5)، ولا ريب أنه أحوط.
# ثم اعلم أن الذي ms0696 يظهر من مجموع الإطلاقات وخصوص صحيحة زرارة المتقدمة أنه
~~تصح صلاة من أحرم بالصلاة في الصف الأخير قبل إحرام من في الصف الأول على
~~الإطلاق، ولا يعتبر ذلك التباعد حينئذ بسبب عدم كونهم مصلين في هذه الحالة،
~~إذ الذي ظهر من عدم جواز التباعد وأقل ما يجوز منه على سبيل التسليم
~~والمماشاة هو ما يتخطى كما في الصحيحة، وذلك كما أنه يكفي في الفاصل بين
~~المأموم والإمام، فهو يكفي أيضا بين الصفين كما نص عليه في هذه الصحيحة،
~~فليس هذا المأموم مندرجا في عنوان من لا صلاة لهم، ولم يظهر من الأخبار
~~وكلام الأصحاب مانع من ذلك من غير جهة التباعد، فلا وجه لتقييد الأخبار
~~الدالة على عموم الاقتداء بغير دليل.
# وأما على قول المشهور من بناء ذلك على العرف وأن ما يفهم من الإطلاقات هو
~~الحجة، فالأمر أسهل، لأنه يصدق عليه حينئذ أنه صلى خلف الإمام، وأنه يصلي
~~خلفه في الصف الأخير ونحو ذلك مما هو مذكور في الأخبار.
# وقال السيد الفاضل في المدارك: فاعلم أنه ينبغي للبعيد من الصفوف أن لا
~~يحرم بالصلاة حتى يحرم قبله من المتقدم من يزول معه التباعد (6).
# PageV03P135
# أقول: وبعد ما ذكرنا فلا وجه له، لعدم ظهور الدليل على ذلك، وأما ما يظهر
~~من تعليله ذلك الحكم برفع التباعد ففيه أيضا ما عرفت.
# نعم يمكن أن يقول: شمول الصحيحة لذلك محل تأمل، وكذا فهم العرف من
~~الأخبار المطلقة، فيحصل الاحتمال، سيما مع كثرة الصفوف وكون الصف الآخر أول
~~من يحرم، فيكون ترك ذلك أولى وأحوط، فيكون مستحبا.
# ولعله - رحمه الله - مراده أيضا الاستحباب كما يشعر به كلامه، ولكن
~~تعارضه فضيلة المسارعة والمسابقة إلى الخير، ومع ذلك فالأحوط سيما فيما
~~فرضناه التأخير.
# ومما ذكرنا لعلك تتنبه على حال من تنقطع عنه الصفوف في حال الصلاة بأن
~~تتم صلاتهم، كما لو كانوا مسافرين، أو مؤتمين به بغير صنف صلاته، أو يقصدون
~~الانفراد ونحو ذلك، فالظاهر أن صلاته صحيحة، ولا عبرة بالتباعد أيضا.
# ولا يجب عليه العود ms0697 إلى ما يتخطى ونحوه إذا لم يكن فعلا كثيرا، ولا قصد
~~تجديد القدوة بناءا على جواز تجديد المؤتم بإمام آخر إذا انتهت صلاة
~~الإمام، والذي يستفاد من الأخبار لا يزيد على اعتبار ذلك في أول الصلاة،
~~ولا دليل في غيره.
# وقيل: تنفسخ القدوة، ولا تعود بانتقاله إلى محل القرب (1).
# ولقد أحسن السيد الفاضل - رحمه الله - حيث قال: والأصح أن عدم التباعد;
~~إنما يعتبر في ابتداء الصلاة خاصة دون استدامتها كالجماعة والعدد في
~~الجمعة; تمسكا بمقتضى الأصل السالم عن المعارض (2). والتشبث بما ذكرنا من
~~ظهور الصحة من الإطلاقات أولى.
# وبالجملة الاحتياط في أمثال تلك المسائل التي لا نص عليها بالخصوص أولى،
~~ولكن الاحتياط ههنا مع ما يأتي من الإشكال في إطلاق الحكم في جواز
~~الانفراد، ومع ثبوت الإشكال في العود إلى ما يقرب من الإمام أو قصد تجديد
~~القدوة لعله
# PageV03P136
# لا يحصل إلا بتعدد الصلاة.
# الخامس: المشهور بين الأصحاب عدم جواز علو الإمام بما إذا كان شبه الدكان
~~والأبنية، لا في الأرض المنحدرة، ويظهر من كلام بعضهم أنه نقل الاجماع على
~~ذلك أيضا (1).
# واستدلوا على ذلك بما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق، عن عمار، عن
~~الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلي بقوم وهم في موضع أسفل من
~~موضعه الذي يصلي فيه، فقال: " إن كان الإمام على شبه الدكان أو على موضع
~~أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، وإن كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل
~~إذا كان الارتفاع ببطن مسيل، فإن كان أرضا مبسوطة وكان في موضع منها ارتفاع
~~فقام الإمام في الموضع المرتفع وقام من خلفه أسفل منه والأرض مبسوطة إلا
~~أنهم في موضع منحدر فلا بأس به ".
# قال: وسئل فإن قام الإمام أسفل من موضع من يصلي خلفه؟ قال: " لا بأس ".
# قال: " وإن كان رجل فوق بيت أو غير ذلك، دكانا كان أو غيره، وكان الإمام
~~يصلي على الأرض وأسفل منه جاز للرجل أن يصلي خلفه ويقتدي بصلاته وإن كان
~~أرفع منه بشئ كثير " (2).
# وفي ms0698 التهذيب مقام قوله ببطن مسيل " بقدر شبر ". وقيل: وأكثر نسخ الفقيه
~~مقام ببطن مسيل " بقطع سبيل " (3).
# والخبر وإن كان مختلط الألفاظ مشتبه المعاني مشتمل على ما يخالف ظاهر
# PageV03P137
# الأصحاب من اعتبار الإصبع وأقل منه - اللهم إلا أن يجعل المراد طول
~~الإصبع، ولكنه لا ينتفي بذلك الإشكال بالمرة أيضا - إلا أن فهم الأصحاب مع
~~ظهور ما لما فهموه من اللفظ يكفي في ذلك الحكم، سيما مع توقف اليقين
~~بالبراءة على ذلك، هذا.
# مع أن الظاهر من الخبر من قوله " فإن كان أرضا مبسوطة " إلى آخره هو ذلك
~~التفصيل، ولا حاجة إلى صدر الخبر، إلا أن ارتباطه بما قبله يورث وهنا في
~~الظهور.
# وأظهر دلالات الخبر على المطلوب إنما هو على ما في أكثر نسخ الكافي كما
~~ذكرنا، فحينئذ تكون كلمة " إن " في قوله " وإن كان أرفع منهم بقدر إصبع "
~~وصلية، ويكون قوله " إذا كان الارتفاع ببطن مسيل " تأكيدا للتمثيل السابق،
~~ولهذا لم يأت بكلمة " في " مكان الباء، فيكون المطلوب من أول الخبر إلى هنا
~~بيان عدم جواز الارتفاع لو كان من قبيل الدكان أو بطن المسيل ونحو ذلك، وما
~~بعده لبيان جواز العلو في المنحدرة: وبما يقرب من هذا يوجه ما في الفقيه
~~أيضا.
# وأما ما في التهذيب فلم أجد له وجها وجيها.
# وتردد في ذلك الحكم المحقق في المعتبر (1)، ولعله لاضطراب الخبر.
# وحكم الشيخ في الخلاف بالكراهة (2)، وارتضاه بعض المتأخرين (3).
# واختلفوا في قدر العلو المانع، فقيل: ما يعتد به (4)، وقيل: قدر شبر (5)،
~~وقيل:
# ما لا يتخطى (6).
# ولعل نظر القائل بالآخرين إلى رواية عمار على بعض الطرق، وصحيحة زرارة
# PageV03P138
# المتقدمة على بعض الوجوه، ولا يخفى أنهما لا تدلان على أحدهما كما عرفت.
# وقال في التذكرة: لو كان العلو يسيرا جاز إجماعا، والاحتياط الاجتناب عن
~~العلو مطلقا (1).
# ثم إنه نسب إلى الأصحاب أن الباطل حينئذ هو صلاة المأموم دون الإمام،
~~وإلى بعض العامة تعميم البطلان (2).
# وأما المأموم فيجوز علوه على الإمام، ولعله إجماعي، وأسنده في المنتهى
~~إلى علمائنا (3)، ولم نقف فيه من ms0699 الأصحاب على مخالف، ويدل عليه مضافا إلى
~~الإطلاقات خصوص الموثقة المتقدمة.
# وأما ما رواه محمد بن عبد الله، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن
~~الإمام يصلي في موضع والذين يصلون خلفه في موضع أرفع منه، فقال: " يكون
~~مكانهم مستويا " (4) فلا بد من حمله على الاستحباب، لعدم مقاومته لما
~~ذكرنا، لجهالة الراوي; وإن كان الراوي عنه صفوان بن يحيى، وهو ممن أجمعت
~~العصابة على تصحيح ما يصح عنه، ولمتروكية ظاهره عند الأصحاب، والاحتياط في
~~ذلك ما لم يتضيق المكان.
# ولا يجوز تقدم المأموم على الإمام; للإجماع، ولعدم توظيف ذلك من الشارع،
~~بل وتوظيف خلافه، ويظهر ذلك من الأخبار الكثيرة.
# وهل يكفي التساوي أو يجب التأخر؟ فالمنسوب إلى أكثر الأصحاب والمشهور
~~بينهم هو عدم وجوب التأخر (5)، والمنقول عن ظاهر ابن إدريس لزوم التأخر
~~(6)،
# PageV03P139
# والأول أقرب.
# لنا: مضافا إلى ظاهر الإطلاقات إطلاق صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1)،
~~ولكنها تثبت التفصيل بالنسبة إلى الرجلين والأكثر، وأن الوقوف على اليمين
~~إنما هو إذا كانا رجلين. وفي معناها روايته الأخرى المتقدمة (2).
# وتدل على جواز التساوي أيضا موثقة سعيد الأعرج عن الصادق عليه السلام:
# في الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما، ويقوم وحده حتى يفرغ من
~~صلاته، قال: " نعم لا بأس، يقوم بحذاء الإمام " (3) وفي معناها رواية أخرى
~~(4).
# ولفظ " الحذاء " وإن كان بملاحظة اللغة والأخبار الواردة في صلاة المرأة
~~بحذاء الرجل هو كونها على جنبه (5)، ولكن إرادة المحاذاة خلف الإمام هنا لا
~~يخلو من رجحان، وسيجئ أيضا ما يشير إلى ذلك.
# وهذه الأخبار أيضا للرجل الواحد في المواد المعينة. اللهم إلا أن يقال:
~~إن القول الثالث منتف، فإذا ثبت جواز التساوي في الرجلين ثبت في الأكثر،
~~فلا بد من حمل تتمة الصحيحة وما في معناها من الأخبار على الاستحباب، إلا
~~أن الرواية وغيرها من الأخبار أظهر دلالة على مذهب ابن إدريس.
# وفي مرفوعة علي بن إبراهيم " رفعه، قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام
~~يصلي بقوم وهو إلى زاوية في بيته بقرب الحائط وكلهم ms0700 عن يمينه، وليس على
~~يساره أحد " (6) تأييد ما لما اخترناه.
# PageV03P140
# ويبقى الكلام في وجه الترجيح وحمل الخلاف على الاستحباب.
# وما ذهب إليه ابن إدريس أقوى بالنسبة إلى الأصول وظواهر كثير من الأخبار
~~واشتراكه في أدلة المشهور كما ذكرنا، والمشهور بالنسبة (1) إلى الشهرة
~~ومطابقته للإطلاقات.
# ولا ريب أن الاحتياط مع مذهب ابن إدريس، سيما فيما لو كان أكثر من رجلين.
# ولعل التفصيل كما هو مضمون الروايتين بل الروايات ليس بذلك البعيد، كما
~~يظهر ذلك من بعض المتأخرين (2)، لعدم ظهور الاجماع المركب ههنا (3).
# ثم بعد البناء على التأخر أو الأعم منه، فهل الوقوف على اليمين بالتفصيل
~~المذكور واجب أو مستحب؟ فيه وجهان، والمشهور بين الأصحاب أنه مستحب، بل قال
~~في المنتهى: إن هذا الموقف سنة، فلو خالف بأن وقف الواحد على يسار الإمام
~~أو خلفه لم تبطل صلاته عند علمائنا أجمع (4).
# وهذا لا ينافي خلاف ابن إدريس، إذ هو في التقدم والتأخر; وكل منهما أعم
~~من كل من اليمين واليسار من وجه، فتأمل.
# ونقل عن ابن الجنيد القول بوجوب ذلك لظاهر الروايتين (5)، وتدل عليه أيضا
~~رواية الحسين بن بشار المدائني: أنه سمع من يسأل الرضا عليه السلام عن رجل
~~صلى إلى جانب رجل فقام عن يساره وهو لا يعلم، كيف يصنع إذا علم وهو في
# PageV03P141
# الصلاة؟ قال: " يحوله عن يمينه " (1) ولا ريب أن الاحتياط في ذلك.
# والمرجع في التقدم والتأخر إلى العرف، وقد نسب إلى صريح الأصحاب أن
~~التساوي يعتبر بالأعقاب، فلو تساوى العقبان لم يضر تقدم أصابع رجل المأموم،
~~ولا تقدم رأسه وصدره، ولا ينفعه العكس لو تقدم العقب (2).
# وقيل باعتبار تقدم العقب والأصابع معا (3)، وأنه لا يضر التقدم في الرأس
~~والركبتين حال الركوع والسجود والجلوس، والأحوط اعتبار كل المذكورات.
# السادس: تجب نية الائتمام، وتعيين الإمام، ولو بأن يقتدي بمن يعلم أنه
~~أحد العدلين المرضيين عنده.
# وتجب متابعة الإمام في الأفعال بإجماعنا كما ذكره جماعة من الأصحاب، بل
~~هو إجماع العلماء كما يظهر من المعتبر والمنتهى (4).
# ويدل عليه مضافا إلى الاجماع ms0701 وعدم تحقق معنى القدوة بدونه وعدم حصول
~~البراءة إلا بذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إنما جعل
~~الإمام إماما ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا " (5) ومن طريق
~~الخاصة أيضا أخبار تدل على ذلك (6)، وسيجئ شطر منها.
# والمراد من المتابعة هنا عدم التقدم، سواء وافقه أو تأخر عنه.
# PageV03P142
# ولا يجب التأخر، للأصل، وظاهر الإطلاقات، إلا أنه أفضل.
# ويظهر من الصدوق أن ثواب الجماعة مشروط بذلك، قال في الفقيه: إن من
~~المأمومين من لا صلاة له، وهو الذي يسبق الإمام في ركوعه وسجوده ورفعه،
~~ومنهم من له صلاة واحدة وهو المقارن له في ذلك، ومنهم من له أربع وعشرون
~~ركعة وهو الذي يتبع الإمام في كل شئ، فيركع بعده، ويسجد بعده، ويرفع منهما
~~بعده (1).
# وظاهر العبارة وإن كان سائقا مساق نفي الفضيلة والثواب في التقدم، إلا
~~أنك عرفت أن المتابعة واجبة بالإجماع.
# ويبقى الكلام في أنه هل تبطل الصلاة بذلك أم لا؟ ظاهر ما ذكرنا من الأدلة
~~وأن القدوة لا تتحقق إلا بذلك يقتضي بطلان الصلاة، لأن هذه الصلاة حينئذ
~~خارجة عن الجماعة وغير داخلة في الانفراد، لأن الجماعة مشروطة بالنية كما
~~سيأتي، فمع نيتها لا يتأتى الانفراد، ومع التخلف لا تصح الجماعة، سيما إذا
~~قلنا بكون العبادات أسامي للصحيحة.
# وظاهر ما سيأتي من الأخبار وكلام الأصحاب الصحة، وكلام الصدوق - رحمه
~~الله - محتمل لها (2).
# فلو رفع رأسه عن الركوع قبل الإمام أو عن السجود فيجب عليه الاستمرار لو
~~كان عامدا في ذلك، قال في المدارك: إنه مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا
~~صريحا (3)، ولكن المفيد أطلق العود ولم يقيده بالعامد (4).
# واستدلوا على ذلك بموثقة غياث بن إبراهيم، قال: سئل أبو عبد الله عليه
~~السلام
# PageV03P143
# عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام، أيعود فيركع إذا أبطأ الإمام
~~ويرفع رأسه؟ قال: " لا " (1).
# وللزوم زيادة في الصلاة، ركنا كان أو غيره لو عاد إلى ما تقدم فيه عن
~~الإمام.
# ولو كان ناسيا في ذلك، فالمشهور أيضا أنه يعود ms0702 إلى ما كان فيه ويتم مع
~~الإمام.
# وتدل عليه صحيحة ربعي بن عبد الله والفضيل بن يسار، عن الصادق عليه
~~السلام، قالا: سألناه عن رجل صلى مع إمام يأتم به، فرفع رأسه من السجود قبل
~~أن يرفع الإمام رأسه من السجود، قال: " فليسجد " (2).
# وصحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام: عن الرجل يركع مع إمام
~~يقتدى به، ثم يرفع رأسه قبل الإمام، قال: " يعيد ركوعه معه " (3).
# وحسنة محمد بن سهل الأشعري، عن أبيه عن أبي الحسن الرضا عليه السلام
~~مثلها مع أدنى تفاوت في اللفظ (4).
# وقد يستشكل في هذا الحكم وهذه الاستدلالات، إذ تلك الأخبار مطلقات، وكذا
~~موثقة غياث، فلا وجه لحملها على العامد وتلك على الناسي، مع أن تلك الموثقة
~~لا تثبت تمام المطلوب، وفي ثبوت الاجماع المركب تأمل.
# قول: وما يختلج بالبال في تنقيح المقال أن الظاهر من تلك الأخبار أنها في
~~صورة النسيان، إذ هو الغالب في ذلك، لكون وجوب المتابعة مجمعا عليه معهودا
~~بين الأصحاب بل المسلمين، ومن البعيد أن يكون من كان يصلي صلاة الجماعة
~~ويدخل في زمرة الصالحين أن يفعل ذلك القبيح عمدا، وسيما بحيث يكون هذا
# PageV03P144
# مورد سؤال الراوين في جملة من الأخبار، ولعله لا فرق بينه وبين الخطأ، بل
~~هو الأغلب والشائع.
# والحمل على جاهل المسألة أيضا بعيد، مع أن الجاهل صلاته باطلة غالبا على
~~ما هو التحقيق، فلا يلائم المقام (1).
# وبالجملة فالذي يجده الطبع السليم أن المراد بتلك الأخبار هو صورة
~~النسيان أو الخطأ.
# والذي يشيد أركان ذلك ما يأتي من موثقة ابن فضال في الهوي إلى الركوع قبل
~~الإمام (2)، لما ذكرنا من أنه لا فرق بين الخطأ والنسيان، ولا قائل بالفصل
~~بين حكم الرفع والهوي; فيتم التقريب.
# وأما موثقة غياث، فلما كانت مخالفة لتلك الأخبار الكثيرة الصحيحة، فلا بد
~~من حملها على صورة العمد، وليس ذلك التوجيه بنفسه دليلا للاستمرار حالة
~~العمد، إذ الدليل لا بد أن يكون نصا أو ظاهرا، وما ذكرناه من الظهور في تلك
~~الأخبار ms0703 غاية ما يثبت منها مفهوم لقبي; ولا حجية فيه حتى نقول إنه هو
~~المخصص للموثقة.
# فنقول: إن الأصل في الصلاة عدم جواز الزيادة على الهيئة المخصوصة، لكونه
~~مخرجا لها عن المطلوب للشارع، ولا ريب أن زيادة كل واجب في الصلاة أو
~~نقصانه عمدا مبطل للصلاة، فهذا الأصل أصل متقن (3)، ولم يثبت مخصص له، فلا
~~يجوز حينئذ العود، للزوم الزيادة، غاية ما ثبت من الرخصة هو في حالة
~~النسيان، لظهور الأخبار في ذلك، وعدم جواز مخالفة الأصل إلا بالقدر
~~المتيقن، فموثقة غياث مقررة للأصل.
# PageV03P145
# ولم يوجد هناك ناقل يقاومه ليترجح عليه، لما ذكرنا من عدم ظهور الأخبار
~~في العامد، مع أن الترجيح للمقرر كما هو التحقيق، والقدر الذي قابله الناقل
~~لقوته - وهو صورة النسيان - فقد خصصناه، فتبقى صورة العمد بحالها.
# ومن هذا يظهر وجه تفرقة الأصحاب.
# ولكن يبقى الإشكال في تصريحهم بأنه يستمر حتى يلحقه الإمام; ولم يحكموا
~~ببطلان الصلاة حينئذ، بل وحكموا بصحتها، فإن المحقق والمقرر عندنا بل وعند
~~العلماء كافة وجوب المتابعة، ومع التخلف عن ذلك فالأوجه البطلان، فكيف يحكم
~~بالصحة؟!
# وموثقة غياث أيضا لا تنافي ذلك، ولم تصرح فيه بلزوم الاستمرار، ولعله
~~يكون المراد فيه البطلان أيضا.
# وقد يقال البطلان يظهر من كلام الشيخ في المبسوط أيضا، حيث قال: من فارق
~~الإمام بغير عذر بطلت صلاته (1)، ولا يخلو من إشعار.
# ولعل نظر الأصحاب إلى أن المتابعة واجب خارج عن الصلاة، فبتركه يحصل
~~الإثم خاصة، ولعل في كلام الصدوق الذي ذكرنا أيضا إشعار بذلك.
# ويشكل هذا الحكم لو قلنا بأن الجماعة اسم (2) للصحيحة منها.
# ثم بعد البناء على ذلك فالموثقة تحكم على مورد خاص، والإجماع المركب لم
~~نقف على من يدعيه ههنا، ولم يظهر لنا القطع به، فالأحوط في غير مورد الخبر
~~العود والإعادة، بل في أصل هذا الحكم عندي إشكال، ولم أقف للأصحاب في ذلك
~~على حجة يعتد بها.
# ثم إن العلامة - رحمه الله - ذهب في التذكرة والنهاية إلى استحباب العود
~~في
# PageV03P146
# صورة النسيان (1)، ولعله لتلك المعارضات استضعف ms0704 دلالتها على الوجوب، وليس
~~بشئ، لتوقف اليقين بالبراءة على ذلك.
# وبعد البناء على المشهور من الوجوب، فهل تبطل الصلاة بتعمد ترك العود أم
~~لا؟ وجهان، مالهما إلى جعل ذلك خارجا عن الجماعة أو داخلا فيها، وعدم
~~البطلان في صورة العمد يؤيد عدم البطلان ههنا وإن ثبت العصيان، والأحوط
~~البناء على البطلان والإعادة في الوقت.
# وأما الخارج ففي شمول أدلة القضاء له إشكال.
# وهذا الحكم الذي نقلناه من المشهور في الرفع هو بعينه قولهم في الهوي إلى
~~الركوع والسجود، أما في صورة العمد فللزوم الزيادة كما ذكرنا.
# وأما في صورة النسيان فلموثقة حسن بن علي بن فضال، قال: كتبت إلى أبي
~~الحسن الرضا عليه السلام: في الرجل كان خلف إمام يأتم به، فركع قبل أن يركع
~~الإمام، وهو يظن أن الإمام قد ركع، فلما رآه لم يركع رفع رأسه ثم أعاد
~~الركوع مع الإمام، أيفسد ذلك صلاته أم تجوز له الركعة؟ فكتب: " يتم صلاته
~~ولا يفسد ما صنع صلاته " (2) ويتم التقريب بعدم القول بالفصل.
# ويظهر لك مما ذكرنا سابقا الإشكال في صورة التعمد والجواب عنه، وكذا
~~التعدي عن حكم الهوي إلى الركوع كما هو مورد النص إلى غيره، وأن الاحتياط
~~ماذا.
# ولا بد من تقييد ذلك بما إذا تمت قراءة الإمام، وإلا فيشكل الحكم بالصحة،
~~بل الحكم بالصحة بالاستمرار في حال العمد في جميع هذه الصور عندي محل
~~إشكال، وكذا العود في هذه الحالة، والاحتياط في الاستمرار وإعادة الصلاة،
~~هذا حال الأفعال.
# PageV03P147
# وأما الأقوال والأذكار ففيها قولان; الأول: - ولعل الأكثر عليه - عدم
~~الوجوب، للأصل، وصدق الامتثال بالمطلقات بدون ذلك، وعدم ثبوت المقيد، وأنه
~~لو كان واجبا لوجب على الإمام الجهر ليعلم المأموم فلا يتقدمه (1).
# وثانيهما: قول الشهيد في جملة من كتبه، وهو وجوب المتابعة (2)، ولعل نظره
~~إلى الرواية النبوية المتقدمة (3)، وبأن القدوة لا تحصل إلا بذلك، والأحوط
~~هو ما ذكره.
# ولعل المراد بالمتابعة في الأقوال: هي المتابعة في شخص الذكر أيضا، لا
~~مجرد التقديم والتأخير.
# هذا في غير تكبيرة الإحرام.
# وأما ms0705 فيها فلا ريب في البطلان مع التقدم، ويظهر وجهه بما أسلفناه.
# وأما معه فقولان، والأصح البطلان، للأصل، ولعدم ظهور صدق القدوة، لأن
~~القدوة تحصل إذا ثبتت صلاة يقتدى بها، والاقتداء أيضا إنما يحصل بانعقاد
~~الصلاة، ولا تنعقد إلا بعد تمام التكبير، وتمامه ليس في حال انعقاد صلاة
~~المؤتم بها، لكون بعضه قبل انعقاد صلاته.
# ولكن الحميري روى في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام،
~~قال: سألته عن الرجل يصلي فيكبر قبل الإمام، قال: " لا يكبر إلا مع الإمام،
~~فإن كبر قبله أعاد التكبير " (4) وفي دلالتها على خلاف ما اخترناه تأمل.
# إعلم أن كلام الأصحاب في هذه المسائل كالأخبار مقيد بالصلاة خلف من يقتدى
~~به، والظاهر أنه كذلك والله العالم.
# PageV03P148
# السابع: الأظهر أنه يجب ترك القراءة للمأموم مطلقا، إلا إذا كانت الصلاة
~~جهرية، ولم يسمع صوت الإمام ولا همهمته، وتستحب القراءة في هذه الصورة
~~وفاقا لجماعة من المتأخرين (1).
# لنا: ظاهر الآية الشريفة (2)، وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت
~~أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة خلف الإمام أقرأ خلفه؟ فقال: " أما
~~الصلاة التي لا يجهر فيها بالقراءة فإن ذلك جعل إليه فلا تقرأ خلفه، وأما
~~الصلاة التي يجهر فيها فإنما أمر بالجهر لينصت من خلفه، فإن سمعت فانصت،
~~وإن لم تسمع فاقرأ " (3).
# وصحيحة الحلبي عنه عليه السلام، قال: " إذا صليت خلف إمام تأتم به، فلا
~~تقرأ خلفه، سمعت قراءته أو لم تسمع، إلا أن تكون صلاة تجهر فيها ولم تسمع،
~~فاقرأ " (4).
# وقال الصدوق في الفقيه: وفي رواية عبيد بن زرارة عنه عليه السلام " أنه
~~إن سمع الهمهمة فلا يقرأ " (5).
# وصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " وإن كنت خلف إمام فلا تقرأن
~~شيئا في الأوليين، وأنصت لقراءته، ولا تقرأن شيئا في الأخيرتين، فإن الله
~~عز وجل يقول للمؤمنين: (وإذا قرئ القرآن - يعني في الفريضة خلف الإمام -
~~فاستمعوا له
# PageV03P149
# وأنصتوا لعلكم ترحمون) (1) والأخيرتان تتبع الأوليين " (2).
# وحسنة زرارة عن أحدهما عليهما السلام، قال: " إذا كنت خلف إمام تأتم ms0706 به
~~فأنصت وسبح في نفسك " (3).
# وحسنة قتيبة عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا كنت خلف إمام ترتضي به في
~~صلاة تجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك، وإن كنت تسمع
~~الهمهمة فلا تقرأ " (4).
# وصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا، قال أبو جعفر عليه السلام: " كان أمير
~~المؤمنين عليه السلام يقول: من قرأ خلف إمام يؤتم به فمات بعث على غير
~~الفطرة " (5) وموثقة يونس بن يعقوب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن
~~الصلاة خلف من أرتضي به، أقرأ خلفه؟ فقال: " من رضيت به فلا تقرأ خلفه "
~~(6).
# وصحيحة سليمان بن خالد قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيقرأ الرجل
~~في الأولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنه يقرأ؟ فقال: " لا ينبغي له أن
~~يقرأ، يكله إلى الإمام " (7).
# PageV03P150
# وصحيحة ابن سنان عنه عليه السلام، قال: " إن كنت خلف الإمام في صلاة لا
~~يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ، وكان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرأ خلفه
~~في الأوليين " وقال: " يجزئك التسبيح في الأخيرتين " قلت: أي شئ تقول أنت؟
~~قال:
# " أقرأ فاتحة الكتاب " (1).
# ورواية الحسين بن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سأله رجل عن
~~القراءة خلف الإمام فقال: " لا، إن الإمام ضامن للقراءة، وليس يضمن الإمام
~~صلاة الذين خلفه، إنما يضمن القراءة " (2).
# وموثقة سماعة، قال: سألته عن الإمام إذا أخطأ في القرآن فلا يدري ما
~~يقول، قال: " يفتح عليه بعض من خلفه " قال: وسألته عن الرجل يؤم الناس
~~فيسمعون صوته ولا يفقهون ما يقول، فقال: " إذا سمع صوته فهو يجزئه، وإذا لم
~~يسمع صوته قرأ لنفسه " (3).
# وصحيحة عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إمام لا بأس
~~به في جميع أمره، عارف، غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما،
~~أقرأ خلفه؟ قال: " لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا " (4).
# ودلالة هذه الأخبار على سقوط القراءة وحرمتها مع سماع القراءة بينة، وكذا
~~اتحاد حكم الهمهمة معه، لخصوص الروايتين المتقدمتين، وعموم الآية ms0707 والأخبار
~~الأخر، وكذا على سقوط القراءة وحرمتها في الركعتين الأوليين من الإخفاتية،
~~للعمومات، والإطلاقات في الأخبار المتقدمة، وخصوص صحيحة عبد الرحمن بن
# PageV03P151
# الحجاج، وصحيحة ابن سنان وغيرهما.
# وقال السيد المرتضى رضي الله عنه: لا يقرأ المأموم خلف الموثوق به في
~~الأوليين في جميع الصلوات من ذوات الجهر والإخفات إلا أن تكون صلاة جهر لم
~~يسمع فيها المأموم قراءة الإمام فيقرأ كل واحد لنفسه، وهذه أشهر الروايات،
~~ثم نقل روايات أخر (1).
# وقال ابن إدريس: اختلفت الرواية خلف الإمام الموثوق به، فروي أنه لا
~~قراءة على المأموم في جميع الركعات والصلوات سواء كانت جهرية أو إخفاتية،
~~وهي أظهر الروايات التي تقتضيها أصول المذهب، لأن الإمام ضامن للقراءة بلا
~~خلاف، ثم نقل روايات أخرى، ثم قال بعده: والأول أظهر لما قدمناه (2).
# ويظهر من كلامهما - رحمهما الله - أن السقوط هو المشهور بين الأصحاب،
~~والأوفق بقواعدهم، لكن كلامهما ليس بصريح في الحرمة، بل كلام ابن إدريس
~~إنما ينفي الوجوب، فلم تظهر الشهرة من كلامهما إلا في السقوط.
# نعم لا يخلو كلام السيد عن ظهور في الحرمة.
# ويؤيد ما يظهر من ابن إدريس كلام المحقق في المعتبر أيضا، حيث قال: وتكره
~~القراءة خلف الإمام في الإخفاتية على الأشهر، وفي الجهرية لو سمع ولو
~~همهمة، ولو لم يسمع قرأ، ثم قال: هنا مسائل، الأولى تسقط القراءة عن
~~المأموم وعليه اتفاق العلماء، وقال الشيخان: لا يجوز أن يقرأ المأموم في
~~الجهرية إذا سمع قراءة الإمام ولو همهمة، إلى آخر ما ذكره (3).
# وأما الركعتان الأخيرتان فيدل على عدم الجواز في الجهرية خصوص صحيحة
# PageV03P152
# زرارة المتقدمة (١)، ويمكن استنباط العموم منها بالنسبة إلى الإخفاتية
~~أيضا، وقد ثبت عدم الجواز في أولييها، وكذا العمومات أيضا دالة على ذلك في
~~الجهرية والإخفاتية.
# وأما استحباب القراءة فيما لم يسمع صوت الإمام فلما مر من الأخبار، وبها
~~تخصص عمومات المنع.
# وأما رفع الوجوب مع وجود الأوامر - وهي ظاهرة في الوجوب - فللأصل، ولأنها
~~في مورد الحظر غالبا، أو مورد توهمه، ولخصوص صحيحة الحسن بن يقطين، قال: ms0708
~~سألت أبا الحسن الأول عليه السلام عن الرجل يصلي خلف إمام يقتدى به في صلاة
~~يجهر فيها بالقراءة فلا يسمع القراءة، قال: " لا بأس إن صمت وإن قرأ " (٢).
# ثم يرد على بعض ما ذكرنا من الأحكام أمور:
# الأول: إن ما ذكرت من الأدلة يقتضي حرمة القراءة في الركعتين الأوليين من
~~الإخفاتية، وقد روى إبراهيم بن علي المرافقي وأبو أحمد عمرو بن الربيع
~~البصري، عن جعفر بن محمد عليه السلام: أنه سئل عن القراءة خلف الإمام فقال:
~~" إذا كنت خلف الإمام تولاه وتثق به فإنه تجزئك قراءته، وإن أحببت أن تقرأ
~~فاقرأ فيما يخافت فيه، فإذا جهر فأنصت، قال الله تعالى: ﴿وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ (3) قال، فقيل له: فإن لم
~~أكن أثق به فأصلي خلفه فأقرأ؟ قال: " لا، صل قبله أو بعده " فقيل له:
# أفأصلي خلفه وأجعلها تطوعا؟ قال: " لو قبل التطوع لقبلت الفريضة، ولكن
~~اجعلها سبحة " (4).
# PageV03P153
# وهذه الرواية ظاهرة في جواز القراءة، وكذا صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة
~~تشعر بذلك، حيث قال عليه السلام: " لا ينبغي " (1) وهو لا يدل على الحرمة،
~~بل هو ظاهر في الكراهة، فالوجه الجمع بين الأخبار بالكراهة وأفضلية التسبيح
~~كما سنذكر.
# وفيه: أن الصحيحة غير صريحة في المطلوب، لمنع ظهور " لا ينبغي " في
~~الكراهة، غاية الأمر عدم دلالته على الحرمة، ولعل الصحيحة ظاهرة في
~~الركعتين الأخيرتين كما يشعر به قوله " وهو لا يعلم أنه يقرأ " وسيجئ فيهما
~~كلام.
# ولو سلمنا الظهور في المطلوب أيضا، فهو لا يعارض الأخبار الكثيرة الصريحة
~~الصحيحة، سيما مع ما عرفت من أنه الأوفق بالمذهب، والمشهور بين الأصحاب على
~~ما ظهر من كلام السيد رحمه الله، وإن كان يظهر خلافه من المحقق رحمه الله،
~~فلا وجه لإخراج الأقوى عن ظاهره بمخالفة الأضعف ظاهرا.
# ومما ذكرنا يظهر الجواب عن الرواية، والتوجيه المذكور يتطرق فيها أيضا
~~على ضرب من العناية.
# الثاني: إنه يعارض ما دل على حرمة القراءة في الركعتين الأخيرتين مطلقا
~~بصحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن ms0709 عليه السلام عن الركعتين اللتين
~~يصمت فيهما الإمام، أيقرأ فيهما بالحمد وهو إمام يقتدى به؟ قال: " إن قرأت
~~فلا بأس، وإن سكت فلا بأس " (2).
# ورواية أبي خديجة عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا كنت إمام قوم فعليك
~~أن تقرأ في الركعتين الأوليين وعلى الذين خلفك أن يقولوا: سبحان الله
~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وهم قيام، فإذا كان في الركعتين
~~الأخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرؤا فاتحة الكتاب، وعلى الإمام التسبيح مثل
~~ما يسبح القوم في
# PageV03P154
# الركعتين الأخيرتين " (1).
# وبما رواه المحقق في المعتبر، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال:
# " إذا كنت في الأخيرتين فقل للذين خلفك يقرؤن فاتحة الكتاب " (2).
# وتؤيده صحيحة ابن سنان المتقدمة على بعض الوجوه، وكذا صحيحة سليمان بن
~~خالد.
# وليس في عمومات تلك الأخبار أيضا ما يشمل ما نحن فيه بظاهره إلا صحيحة
~~زرارة ومحمد بن مسلم، وموثقة يونس بن يعقوب.
# وأما مثل رواية الحسين بن بشير فلعل الظاهر منها أنه فيما ثبت للإمام
~~هناك قراءة حتى يضمن بها قراءة من خلفه، والتزام القراءة في الأخيرتين
~~ووجوبها عينا غير واضح، بل عرفت سابقا أفضلية التسبيح مطلقا.
# وأما مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وصحيحة الحلبي وعمر بن يزيد وغيرها
~~وإن كان فيها إطلاق لكن الطبع السليم والتأمل المستقيم لا يفهم منها عموما،
~~ولا ينساق إلى الركعتين الأخيرتين قطعا كما لا يخفى.
# وأما صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم وموثقة يونس فهما تتعارضان مع ما ذكرنا
~~من الأخبار وعمومات جواز القراءة في الصلاة وفي خصوص الركعتين الأخيرتين.
# ويمكن دفعه بأن صحيحة علي بن يقطين ظاهرة في الجهرية، ويعارضها خصوص
~~صحيحة زرارة المتقدمة، فمع تأييدها بظاهر العمومات لا تقاومها هذه الصحيحة.
# وأما رواية أبي خديجة فربما يقال: إن المراد منها بقوله عليه السلام "
~~فإذا كان في
# PageV03P155
# الركعتين الأخيرتين " (إذا كان الائتمام في الركعتين الأخيرتين) (1) بأن
~~يكون المأمومون مسبوقين، وقوله عليه السلام " في الركعتين الأخيرتين " في
~~آخر الخبر من متعلقات قوله " على الإمام التسبيح ms0710 " فحينئذ لا يتم التقريب،
~~إذ هو مسألة على حدة، وسيجئ إن شاء الله تعالى.
# وعلى فرض تسليم الدلالة فهي قاصرة السند (2)، ولا تقاوم الأخبار الصحيحة
~~الظاهرة.
# ومن هذا يظهر الجواب عن البواقي، إلا أن يقال: شمول الصحيحة والموثقة
~~لذلك محل تأمل، وإنهما ظاهرتان فيما تثبت فيه القراءة، فتبقى عمومات جواز
~~القراءة بحالها، إلا أن ترك القراءة أحوط، سيما مع ما نذكر من استحباب
~~التسبيح، وذكرنا سابقا من أفضليته مطلقا (3).
# وبالجملة الأولى ترك القراءة في جميع تلك الموارد إلا في الجهرية إذا لم
~~يسمعها المأموم، ولعله يمكن القول بالأولوية هناك أيضا، لعدم التأكد (4)
~~فيها كما ذكر، وأفضلية التسبيح، ولخصوص بعض الأخبار الدالة عليها، منها ما
~~تقدم، ومنها ما سيأتي.
# ثم إن جمعا من الأصحاب حكموا باستحباب التسبيح في الإخفاتية (5)، لصحيحة
~~بكر بن محمد الأزدي قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إني لأكره للمرء
~~أن يصلي خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنه حمار " قال،
# PageV03P156
# قلت: جعلت فداك فيصنع ماذا؟ قال: " يسبح " (1).
# وقد مرت رواية أبي خديجة (2) وحسنة زرارة (3)، إلا أن حسنة زرارة تشمل
~~بإطلاقها الجهرية وإن سمع قراءة الإمام، بل هي ظاهرة فيها.
# فحينئذ يرد الإشكال من جهة ما دل على استحباب القراءة فيما لم يسمع الصوت
~~ولا الهمهمة، وحرمتها فيما سمعا. ومن جهة إطلاق رواية أبي خديجة، وظاهر هذه
~~الحسنة، فإنهما تدلان على رجحان التسبيح مطلقا، المتضمن لعدم الاستماع.
# أما الإشكال الأول وهو رجحان التسبيح كما هو مقتضى رواية أبي خديجة، ففيه
~~أنها لا تقاوم تلك الأدلة كما ذكرنا سابقا.
# وأما الإشكال الثاني وهو رجحان التسبيح - مع تضمنه عدم الاستماع - كما
~~أفادته الحسنة، فقد قيل في وجه الجمع بينها وبين الآية بوجهين الأول: أن
~~يكون المراد التسبيح الخفي بحيث لا ينافي الإنصات العرفي، والثاني: أن يكون
~~المراد التسبيح القلبي والنفسي لا الذكري كما هو ظاهر الخبر.
# وفي كليهما نظر، لأن المأمور به في الآية الاستماع والإنصات، ولا يتحقق
~~الإنصات إلا بترك القراءة، ولا ريب أن الاستماع ms0711 أمر مربوط بالقلب، فإنما هو
~~إعمال القلب للجارحة المخصوصة لحصول المقصود، فمع ربط القلب بتحصيل السماع
~~يشكل الالتفات إلى التسبيح النفسي والقلبي الذي ليس هو إلا بتوجه القلب،
~~ولا مدخل فيه لجارحة أخرى، إذ " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ".
# PageV03P157
# فلعل حملها على الإخفاتية وجعل الإنصات عبارة عن ترك القراءة أولى.
# ويشعر بذلك أيضا بعض الأخبار، كصحيحة علي بن يقطين (1).
# وبالجملة الحكم باستحباب التسبيح في الركعتين الأوليين من الجهرية إذا
~~سمع القراءة في غاية الإشكال، بل وجوازه أيضا.
# الثامن: يستحب حضور جماعة أهل الخلاف استحبابا مؤكدا، للأخبار الكثيرة،
~~فروى زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " يا زيد، خالقوا
~~الناس بأخلاقهم، صلوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وإن
~~استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا، فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا:
~~هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفرا، ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه، وإذا تركتم
~~ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، فعل الله بجعفر، ما كان أسوأ ما يؤدب أصحابه "
~~(2).
# وحفص بن البختري في الصحيح عنه عليه السلام، قال: " يحسب لك إذا دخلت
~~معهم وإن لم تقتد بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من يقتدى به " (3).
# وحماد بن عثمان في الصحيح عنه عليه السلام، أنه قال: " من صلى معهم في
~~الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله في الصف الأول "
~~(4) إلى غير ذلك من الأخبار (5).
# وتستحب الصلاة في المنزل أولا ثم الصلاة معهم، لصحيحة عمر بن يزيد عنه
# PageV03P158
# عليه السلام، أنه قال: " ما منكم أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها، ثم يصلي
~~معهم صلاة تقية وهو متوضئ إلا كتب الله له بها خمسا وعشرين درجة، فارغبوا
~~في ذلك " (1).
# وصحيحة عبد الله بن سنان عنه عليه السلام أنه قال: " ما من عبد يصلي في
~~الوقت ويفرغ ثم يأتيهم ويصلي معهم وهو على وضوء إلا كتب الله له خمسا
~~وعشرين درجة ".
# وقال له أيضا: إن على بابي مسجدا يكون فيه قوم مخالفون معاندون وهم ms0712 يمسون
~~في الصلاة، فأنا أصلي العصر ثم أخرج فأصلي معهم، فقال: " أما ترضى أن تحسب
~~لك بأربع وعشرين صلاة " (2).
# وما رواه مروك بن عبيد في الصحيح، عن نشيط بن صالح، عن أبي الحسن الأول
~~عليه السلام قال، قلت له: الرجل منا يصلي صلاته في جوف بيته مغلقا عليه
~~بابه، ثم يخرج فيصلي مع جيرته، تكون صلاته تلك وحده في بيته جماعة؟ فقال:
# " الذي يصلي في بيته يضاعف الله له ضعفي أجر الجماعة، يكون له خمسين
~~درجة، والذي يصلي مع جيرته يكتب الله له أجر من صلى خلف رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، ويدخل معهم في صلاته فيخلف عليهم ذنوبه ويخرج بحسناتهم " (3)
~~إلى غير ذلك من الأخبار (4).
# ولا تسقط القراءة حينئذ، وقال في المنتهى: لا نعرف فيه خلافا (5).
# ويدل عليه مضافا إلى ذلك، وكونه منفردا غير مقتدي حينئذ: حسنة الحلبي عن
# PageV03P159
# الصادق عليه السلام، قال: " إذا صليت خلف إمام لا يقتدي به فاقرأ خلفه،
~~سمعت قراءته أو لم تسمع " (1).
# وصحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصلي خلف
~~من لا يقتدى بصلاته والإمام يجهر بالقراءة، قال: " اقرأ لنفسك، فإن لم تسمع
~~بنفسك فلا بأس " (2).
# وصحيحة محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "
~~يجزيك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس " (3) ويسقط الجهر للروايتين
~~الأخيرتين.
# وأما ما تضمن من الأخبار من ترك القراءة مثل ما رواه بكير بن أعين في
~~الموثق لابنه، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الناصب يؤمنا ما نقول
~~في الصلاة معه؟ فقال: " أما إذا جهر فأنصت للقرآن واستمع، ثم اركع واسجد
~~أنت لنفسك " (4).
# وما رواه زرارة - وليس في طريقها إلا قاسم بن عروة - عن الباقر عليه
~~السلام، قال: " لا بأس أن تصلي خلف الناصب ولا تقرأ خلفه فيما يجهر فيه،
~~فإن قراءته تجزيك إذا سمعتها " (5).
# وما رواه معاوية بن وهب في الصحيح عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن
~~الرجل يؤم القوم وأنت ms0713 لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فقال: " إذا
# PageV03P160
# سمعت كتاب الله يتلى فأنصت له " قلت: فإنه يشهد علي بالشرك! قال: " إن
~~عصى الله فأطع الله "، فرددت عليه فأبى أن يرخص لي قال، قلت له: أصلي إذن
~~في بيتي ثم أخرج إليه؟ فقال: " أنت وذاك ".
# وقال: " إن عليا عليه السلام كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكواء وهو خلفه
~~﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن
~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (١)، فأنصت علي عليه السلام
~~تعظيما للقرآن حتى فرغ من الآية ثم عاد في قراءته، ثم عاد ابن الكواء الآية
~~فأنصت علي عليه السلام أيضا، ثم قرأ، فأعاد ابن الكواء فأنصت علي عليه
~~السلام، ثم قال: ﴿فاصبر إن وعد الله حق
~~ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾ (2) ثم أتم السورة ثم ركع " (3).
# فالأجود حملها على شدة التقية كما فعله الشيخ (4).
# وحملها على أنه يقرأ إذا سكت المخالف، ويسكت إذا قرأ; مؤيدا ذلك بظاهر
~~حكاية علي عليه السلام; ليس بذلك.
# ويشهد لما اخترناه من الحمل صحيحة ابن أذينة، عن علي بن سعد البصري قال،
~~قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني نازل في بني عدي ومؤذنهم وإمامهم وجميع
~~أهل المسجد عثمانية يتبرؤن منكم ومن شيعتكم، وأنا نازل فيهم، فما ترى في
~~الصلاة خلف الإمام؟ قال: " صل خلفه " قال: " واحتسب بما تسمع، ولو قدمت
~~البصرة لقد سألك الفضيل بن يسار وأخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل وتدع
~~قولي ".
# قال علي: فقدمت البصرة وأخبرت فضيلا فقال: هو أعلم بما قال، لكني قد
~~سمعته وسمعت أباه يقولان: " لا تعتد بالصلاة خلف الناصب، واقرأ لنفسك كأنك
# PageV03P161
# وحدك " قال: فأخذت بقول الفضيل وتركت قول أبي عبد الله عليه السلام (1).
# والأولى الجمع بين الاستماع والإنصات والقراءة حسب ما أمكن.
# ولو لم يقدر إلا على أم الكتاب وحدها فتجزيه وإن كانت السورة واجبة أيضا
~~على الأصح، وادعى في المدارك عليه الاجماع (2)، والظاهر عدم الخلاف فيه.
# وتدل ms0714 عليه أيضا رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن الرضا عليه
~~السلام، قال، قلت له: إني أدخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلوني، إلى ما
~~أن أؤذن وأقيم ولا أقرأ إلا الحمد حتى يركع، أيجزيني ذلك؟ قال: " نعم،
~~تجزيك الحمد وحدها " (3).
# ورواية علي بن أسباط في الحسن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله وأبي جعفر
~~عليهما السلام: في الرجل يكون خلف الإمام لا يقتدي به فيسبقه الإمام
~~بالقراءة، قال: " إذا كان قد قرأ أم الكتاب أجزأه، يقطع ويركع " (4).
# وأما لو ركع الإمام قبل إكمال الفاتحة فقيل: يقرأ في ركوعه (5).
# وقيل: تسقط القراءة للضرورة، وحكم بذلك الشيخ في التهذيب حتى قال: إن
~~الانسان إذا لم يلحق القراءة معهم جاز له ترك القراءة معهم والاعتداد بتلك
~~الصلاة بعد أن يكون قد أدرك الركوع (6).
# وتدل عليه أخبار كثيرة، فروى أبو بصير في الصحيح قال، قلت لأبي جعفر عليه
~~السلام: من لا أقتدي به في الصلاة، قال: " افرغ قبل أن يفرغ، فإنك في
# PageV03P162
# حصار، فإن فرغ قبلك فاقطع القراءة واركع معه " (1).
# وروى معاذ بن كثير في الصحيح، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا دخل
~~الرجل المسجد وهو لا يأتم بصاحبه وقد بقي على الإمام آية أو آيتان فخشي إن
~~هو أذن وأقام أن يركع فليقل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله
~~أكبر، لا إله إلا الله، وليدخل في الصلاة " (2).
# وروى إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أدخل المسجد
~~فأجد الإمام قد ركع وقد ركع القوم فلا يمكنني أن أؤذن وأقيم وأكبر، فقال
~~لي: " فإذا كان كذلك فادخل معهم في الركعة واعتد بها، فإنها من أفضل ركعاتك
~~".
# قال إسحاق: فلما سمعت أذان المغرب وأنا على بابي قاعد قلت للغلام: انظر
~~أقيمت الصلاة، فجاءني فقال: نعم، فقمت مبادرا فدخلت المسجد فوجدت الناس قد
~~ركعوا، فركعت مع أول صف أدركت، واعتددت بها، ثم صليت بها بعد الانصراف أربع
~~ركعات، ثم انصرفت، فإذا خمسة أو ستة من ms0715 جيراني قد قاموا إلي من المخزوميين
~~والأمويين فأقعدوني ثم قالوا: يا أبا هاشم جزاك الله عن نفسك خيرا، فقد
~~والله رأينا خلاف ما ظننا بك وما قيل فيك، فقلت: وأي شئ ذلك؟
# قالوا: اتبعناك حين قمت إلى الصلاة ونحن نرى أنك لا تقتدي بالصلاة معنا،
~~فوجدناك قد اعتددت بالصلاة معنا وصليت بصلاتنا، فرضي الله عنك وجزاك خيرا
~~قال، قلت لهم: سبحان الله، المثلي يقال هذا، قال: فعلمت أن أبا عبد الله
~~عليه السلام لم يأمرني إلا وهو يخاف علي هذا وشبهه (3).
# وروى أحمد بن عائذ قال، قلت لأبي الحسن عليه السلام: إني أدخل مع هؤلاء
# PageV03P163
# في صلاة المغرب فيعجلوني إلى ما أن أؤذن وأقيم فلا أقرأ شيئا حتى إذا
~~ركعوا وأركع معهم، أفيجزيني ذلك؟ قال: " نعم " (1).
# وقال بعض المتأخرين - كصاحب الذخيرة وصاحب المدارك - بعد نقلهم استدلال
~~الشيخ على المطلب برواية إسحاق: إنه يشكل التعويل عليها لضعف الرواية،
~~وقال:
# إن الأحوط الإتمام والإعادة عند عدم التمكن من قراءة الفاتحة (2). وقد
~~عرفت عدم انحصار الدليل فيها.
# ولا يخفى أن ما ذكرنا من الروايات يكفي في إثبات ذلك الحكم; وإن كان
~~لتضامها وتعاضد بعضها ببعض، مع أن رواية أبي بصير صحيحة، والظاهر أن أبا
~~بصير هو الثقة.
# وكذا رواية معاذ، وقد ذكر المفيد أنه من ثقات أصحاب الصادق عليه السلام
~~وفقهائه الصالحين ومن شيوخ أصحابه وخاصته (3)، والظاهر أنه الفراء النحوي
~~الثقة الجليل (4).
# ولم نقف للقائل بالقراءة حال الركوع على مستند، ولعله يمكن أن يقال:
# الاحتياط فيما ذكراه فيما لو لم يكن هناك تقية، وأما في صورة التقية
~~والضرورة فلعله ليس مجال التأمل في الحكم.
# ومن هذا يظهر لك الحكم باستحباب الجماعة مع المخالفين وجواز الاعتداد
~~بتلك الصلاة وأنه متى وأنى يستحب وحيثما يجب.
# ويستحب لو فرغ قبل الإمام أن يمجد الله ويثني عليه ويسجد حتى يفرغ، ففي
# PageV03P164
# موثقة عمر بن أبي شعبة - لابن بكير - عن الصادق عليه السلام قال، قلت له:
~~أكون مع الإمام فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ من قراءته، قال: ms0716 " فأتم
~~السورة، ومجد الله، واثن عليه حتى يفرغ " (1).
# وتقرب منها مرسلة إسحاق بن عمار عنه عليه السلام، وفي آخرها: " فسبح حتى
~~يفرغ " (2).
# وروى زرارة في الموثق - لابن بكير - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام
~~عن الإمام أكون معه فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ، قال: " فأمسك آية ومجد
~~الله واثن عليه، فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع " (3).
# ولم أقف على نص من كلام الأصحاب في وجه جمع تلك الأخبار، وصحيحة أبي بصير
~~المتقدمة (4) تؤيد الروايات الأولة، وكذا غيرها.
# ولعل الإتمام أولا أقوى وإن كان حمل موثقة زرارة على الاستحباب أيضا ليس
~~بذلك البعيد.
# وحكم بعض الأصحاب باستحباب التسبيح والذكر قبل فراغ الإمام خلف من يقتدى
~~به أيضا فيما تجوز فيه القراءة للإطلاق (5).
# التاسع: يجوز أن يأتم المفترض بالمفترض وإن اختلفا كالظهر والعصر، هذا هو
~~المعروف بين الأصحاب، بل قال العلامة في المنتهى: إنه قول علمائنا أجمع
~~(6).
# PageV03P165
# والظاهر أنهم لم يفرقوا في ذلك بتخالف الكم أيضا، كالظهر والصبح أو
~~المغرب مثلا، بأن يكون بعضها قضاءا أو كلها.
# ويدل على ذلك مضافا إلى الاجماع صحيحة حماد بن عثمان، قال: سألت أبا عبد
~~الله عليه السلام عن رجل إمام قوم، فيصلي العصر وهي لهم الظهر، قال:
# " أجزأت عنه، وأجزأت عنهم " (1).
# وموثقة أبي بصير، قال: سألته عن رجل صلى مع قوم وهو يرى أنها الأولى
~~وكانت العصر، قال: " فليجعلها الأولى وليصل العصر " (2).
# ورواية زرارة - وفي طريقها علي بن حديد (3) - عن الباقر عليه السلام: في
~~رجل دخل مع قوم ولم يكن صلى هو الظهر والقوم يصلون العصر، يصلي معهم؟ قال:
# " يجعل صلاته التي صلى معهم الظهر، ويصلي هو بعد العصر " (4).
# وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن رجل أم قوما في العصر
~~فذكر وهو يصلي بهم أنه لم يكن صلى الأولى، قال: " فليجعلها الأولى التي
~~فاتته ويستأنف بعد صلاة العصر وقد قضى القوم صلاتهم " (5).
# وصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: " إذا صلى المسافر خلف
~~قوم حضور فليتم صلاته ركعتين ويسلم، ms0717 وإن صلى معهم الظهر فليجعل الأوليين
~~الظهر والأخيرتين العصر " (6)
# PageV03P166
# وموثقة الفضل بن عبد الملك عن الصادق عليه السلام، قال: " لا يؤم الحضري
~~المسافر، ولا المسافر الحضري، فإذا ابتلى بشئ من ذلك فأم قوما حاضرين فإذا
~~أتم الركعتين سلم ثم أخذ بيد بعضهم فقدمه فأمهم، وإذا صلى المسافر خلف قوم
~~حضور " (1) الحديث بتمامه.
# وقد استدل العلامة بأنه إذا جاز ائتمام المفترض بالمتنفل كما في المعادة
~~فيصح ههنا (2)، ولا اعتماد عليه.
# ونقل عن الصدوق - رحمه الله - أنه قال: " لا بأس أن يصلي الرجل الظهر خلف
~~من يصلي العصر، ولا يصلي العصر خلف من يصلي الظهر، إلا أن يتوهمها العصر
~~فيصلي معه العصر ثم يعلم أنها كانت الظهر فتجزي عنه " (3).
# وربما يستدل له بصحيحة علي بن جعفر: أنه سأل أخاه موسى عليه السلام عن
~~إمام كان في الظهر فقامت امرأته بحياله تصلي معه وهي تحسب أنها العصر، هل
~~يفسد ذلك على القوم؟ وما حال المرأة في صلاتها معهم وقد كانت صلت الظهر؟
~~قال: " لا يفسد ذلك على القوم، وتعيد المرأة صلاتها " (4)، وهي تناقض مطلبه
~~كما لا يخفى.
# ولعل الأمر بالإعادة لكونها محاذية للإمام بناءا على عدم الجواز، ويحمل
~~على الاستحباب بناءا على المختار من الكراهة.
# وربما يقال: إنه لعله لاعتقاد المرأة خلاف الواقع (5)، وفيه تأمل.
# PageV03P167
# وربما نقل عن ابن بابويه القول باعتبار الاتفاق في الكم (1)، وتدفعه
~~الأخبار الصريحة في ائتمام المسافر بالمقيم (2)، ولكن الشأن في إثبات
~~العموم، ولعله لا قائل بالفصل، ولم نجد في الأخبار نصا في غيرها.
# نعم روى الكليني والشيخ - رحمهما الله - عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال:
~~سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى،
~~فقال: " إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلى حين يذكرها، وإن ذكرها وهو في صلاة
~~بدأ بالتي نسي، وإن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمها بركعة ثم صلى
~~المغرب ثم صلى العتمة بعدها، وإن كان صلى العتمة وحده فصلى منها ركعتين ثم
~~ذكر أنه نسي المغرب أتمها ms0718 بركعة، فتكون صلاته للمغرب ثلاث ركعات، ثم يصلي
~~العتمة بعد ذلك " (3) فإن الظاهر منها أنه يعدل إلى العصر ويأتم فيها
~~بالمغرب.
# وروى الشيخ عن إسحاق بن عمار - وفي طريقها سلمة صاحب السابري (4) والراوي
~~عنه ابن أبي عمير - والصدوق أيضا بسنده عن إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي عبد
~~الله عليه السلام: تقام الصلاة وقد صليت، فقال: " صل واجعلها لما فات "
~~(5).
# واستثنى الشهيد صلاة الاحتياط إلا فيما اشترك الإمام والمأموم في الشك
~~(6).
# والاحتياط الترك مطلقا لما أسلفنا لك سابقا.
# PageV03P168
# وما ذكرنا من جواز الائتمام إنما هو إذا لم تتخالفا كيفية كاليومية
~~والكسوف والعيدين، فإنه لا تتحقق القدوة ههنا والمتابعة، وهو ظاهر.
# ويمكن القول بأنه دائر مدار إمكان المتابعة، فلا مانع من القدوة في
~~الركوع الأخير أو القنوت الأخير أو نحو ذلك، لشمول العمومات; والاحتياط
~~تركه.
# ويجوز ائتمام المتنفل بالمفترض، كاقتداء المعيد بمن لم يصل، وكذا ائتمام
~~غير البالغ بناءا على كون عبادته شرعية، كل ذلك يظهر من الأخبار وسيأتي.
~~وعكسه، كائتمام من لم يصل بالمعيد، وسيجئ دليله.
# والمتنفل بالمتنفل في مواضع كالعيدين مع انتفاء الشرائط، وكذا الاستسقاء
~~والغدير على رأي أبي الصلاح (1).
# العاشر: لا تجوز مفارقة الإمام بلا عذر بدون قصد الانفراد; للتأسي، ولأن
~~الإمام إنما جعل إماما ليؤتم به (2)، ولأنه لا دليل على صحة مثل هذه
~~الصلاة، والأصل عدم الصحة.
# وأما مع العذر فلا خلاف فيه، كانفراده في التشهد إذا كان مسبوقا بالإمام
~~ونحو ذلك، وكذا لا شك في جواز المفارقة مع قصد الانفراد مع العذر.
# ويبقى الكلام في جواز المفارقة مع قصد الانفراد بلا عذر، فهو المشهور بين
~~الأصحاب، والمعروف من مذهبهم، بل نقل العلامة في النهاية الاجماع على ذلك
~~(3). وكذا نقل عن ظاهر المنتهى أيضا (4).
# وقال الشيخ في المبسوط: من فارق الإمام بغير عذر بطلت صلاته، وإن فارقه
# PageV03P169
# لعذر وتمم صحت صلاته (١).
# واحتجوا على المشهور بالأخبار الآتية في الانفراد في السلام والتشهد،
~~وغير ذلك، وبفعل النبي صلى الله عليه وآله في صلاة ذات الرقاع، فإنه صلى
~~بطائفة يوم ms0719 ذات الرقاع ركعة ثم خرجت من صلاته وأتمت منفردة، وببعض
~~الاعتبارات الضعيفة التي لا يمكن الاعتماد عليها.
# والجواب عن الأخبار بالقول بالموجب، إذ هو مع العذر في الأغلب، والمطلوب
~~خلافه.
# وأما مثل صحيحة أبي المعزا الآتية; فيحتاج إتمام الاستدلال بها بعدم
~~القول بالفصل، وهو غير معلوم.
# ويدل على مذهب الشيخ عدم ثبوت التوظيف بمثل هذه الصلاة، والأصل عدم
~~الصحة.
# ويؤيده قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا
~~أعمالكم﴾ (2) وقوله: " إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به " (3) ويمكن
~~القدح في تأييد الثاني.
# وجعلهما الشيخ دليلا على مدعاه على ما نقل عنه (4).
# وتؤيده صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام: أنه سأله عن إمام
~~أحدث فانصرف ولم يقدم أحدا، ما حال القوم؟ قال: " لا صلاة لهم إلا بإمام،
~~فليقدم بعضهم فليتم بهم ما بقي منها، وقد تمت صلاتهم " (5).
# فالإجماع إنما هو الحجة، وإلا فلا دليل للمشهور ظاهرا، فالحكم على خلافهم
# PageV03P170
# والقطع ببطلان الصلاة مشكل، والاحتياط في عدم الانفراد من دون العذر.
# وما ذكرنا إنما هو في الجماعة المستحبة، وأما الواجبة فلا يجوز قطعا.
# وهل يجوز عدول المنفرد إلى الائتمام؟ الأصل يقتضي عدم الجواز، وجوزه
~~الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الاجماع (1)، والأحوط الاجتناب، وقد مرت في
~~مباحث النية نبذة من مباحث العدول فراجع وتأمل (2).
# ثم: بعد البناء على جواز العدول يجب إتمام الصلاة من موضع الانفراد، فإذا
~~كان قبل القراءة فيقرأ وبعده فيركع.
# وأما في الأثناء ففيه إشكال، وأوجب الشهيد الثاني الاستئناف من أول تلك
~~السورة (3)، والشهيد الأول الاستئناف مطلقا، لأنه في محل القراءة وقد نوى
~~الانفراد (4)، وقال في المدارك: ولعله أحوط (5).
# ولكن الإشكال في ذلك الاحتياط أيضا محتمل، سيما على مذهب من يحرم القراءة
~~(6) كما هو المختار، إلا أن يقال: إن القرآن المحرم هو ما كان بقصد القراءة
~~المعينة للصلاة كما ذكرنا.
# ويجوز أن يسلم المأموم قبل الإمام وينصرف للضرورة وغيرها، قال في
~~المدارك: هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب حتى في كلام القائلين بوجوب
~~التسليم (7).
# ويدل ms0720 على ذلك مطلقا صحيحة أبي المعزا عن الصادق عليه السلام: في الرجل
# PageV03P171
# يصلي خلف إمام فيسلم قبل الإمام، قال: " ليس عليه بذلك بأس " (1).
# ولكن أبي المعزا روى أيضا في الصحيح عنه عليه السلام: عن الرجل يكون خلف
~~الإمام فيسهو فيسلم قبل أن يسلم الإمام، قال: " لا بأس " (2) ولعله يورث
~~وهنا في الإطلاق.
# وتدل على صورة العذر صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال:
~~سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطول الإمام بالتشهد، فيأخذ الرجل البول
~~أو يتخوف على شئ يفوت أو يعرض له وجع، كيف يصنع؟ قال: " يتشهد هو وينصرف
~~ويدع الإمام " (3).
# وصحيحته الأخرى عنه عليه السلام: عن الرجل يكون خلف إمام فيطول في التشهد
~~فيأخذه البول، أو يخاف على شئ أن يفوت، أو يعرض له وجع، كيف يصنع؟ قال: "
~~يسلم وينصرف ويدع الإمام " (4).
# وصحيحة زرارة عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون خلف
~~الإمام فيطيل الإمام التشهد، قال: " يسلم ويمضي في حاجته إن أحب " (5) وهذه
~~الصحيحة أيضا ظاهرها جواز السبقة بدون العذر كما لا يخفى.
# والظاهر أنه لا يجب هنا قصد الانفراد، وربما ينسب ذلك إلى ظاهر الأصحاب
~~أيضا، وربما يقوى ذلك على القول بعدم وجوب المتابعة في الأقوال، ولعله ليس
~~على ما ينبغي، لكون الجلوس المعين من الأفعال، والانصراف قبل
# PageV03P172
# الإمام - سيما إذا كان في التشهد - يستلزم عدم المتابعة في الفعل أيضا،
~~والأخبار المطلقة.
# ولعل قصد الانصراف يكفي مع عدم قصد الائتمام، ولا حاجة إلى قصد عدمه.
# الحادي عشر: لا شك في أن الأولى بالتقدم هو إمام الأصل لو كان حاضرا، بل
~~وكذلك حكم من أنابه الإمام بخصوص الصلاة.
# وأما عند غيبته فصاحب المنزل، والإمارة من جانب الإمام، والمسجد الراتب
~~(1) أولى من غيرهم، وإن كان الغير أفضل، والظاهر عدم الخلاف في ذلك، وقال
~~العلامة في المنتهى: إنه لا يعرف فيه خلافا (2).
# وتدل على ذلك رواية أبي عبيدة الآتية، وفي معناها أيضا روى الجمهور عن
~~النبي صلى الله عليه وآله، ولكنها تدل على الأولين. ms0721
# وأما المسجد، فربما يعلل بأن تقديم الغير يورث وحشة وتنافرا، وبأنه مثل
~~منزله.
# ويمكن أن يقال: إن ذلك سلطنة لصاحب المسجد فيدخل في الرواية أيضا وكلام
~~الأصحاب في ذلك يكفي; للتسامح في أدلة السنن.
# وحكم الشهيدان بأن الكراهة تنتفي لو كان بإذنهم، لأن أولويتهم ليست
~~مستندة إلى فضيلة ذاتية، بل إلى سياسة أدبية (3).
# وقال صاحب المدارك: إنه اجتهاد في مقابل النص (4)
# PageV03P173
# ويمكن أن يقال: إن الظاهر من النهي في الرواية هو النهي عن التقدم في
~~نفسه وأولا، وأما التقدم بسبب تقديمهم إياه فلا يستفاد من النص، فيبقى على
~~أصله، وليس بذلك البعيد.
# ولعل سياق الرواية أيضا يقتضي ذلك، بأن تكون هي أيضا من المرجحات
~~كالأقرئية والأفقهية وغيرهما، فيكون الأمر كما ذكراه، فتأمل.
# وعلى هذا فلا يتفرع أثر على النزاع في أنه هل الأفضل تقدمهم أو الإذن
~~للأفضل إلا على ما ذكراه، وحينئذ فالأظهر أفضلية الإذن; لما سيأتي من
~~الأدلة على أولوية الأعلم وغيره مما لم يذكر، وأما على ما ادعوه من ظهور
~~الرواية في الإطلاق فالأولى المباشرة.
# ونقل عن جماعة من الأصحاب أن الأولوية لا تتوقف على حضورهم، بل يرسل
~~إليهم لو كانوا غائبين، فإن حضروا أو استنابوا فهو، وإلا فيقدم المأمومون
~~من يريدون مع خوف ضيق الوقت (1).
# والظاهر أن المراد من صاحب المنزل: هو ساكنه، ولو بالعارية، فلو اجتمع
~~المالك والمستأجر أو المستعير فالظاهر تقديمهما. ونقل عن الشهيد الثاني
~~ترجيح المالك في الثاني (2)، وليس بواضح.
# وأما الثلاثة فلم نقف على مرجح في أنفسهم لو اجتمعوا.
# ثم نقل عن جماعة من الأصحاب أن الهاشمي أولى (3). والظاهر أن مرادهم بعد
~~الثلاثة المتقدمة كما يظهر من غير واحد من الأصحاب، وكما يظهر من كلام
~~العلامة في المنتهى في حكاية تقديم الثلاثة (4).
# PageV03P174
# وقال الشهيد في الذكرى (1) بعد أن اعترف بعدم النص عليه إلا ما روي عن
~~النبي صلى الله عليه وآله بطريق غير معلوم " قدموا قريشا ولا تقدموهم " (2)
~~نعم فيه إكرام لرسول الله صلى الله عليه وآله، إذ تقديمه لأجله نوع إكرام،
~~وإكرام ms0722 رسول الله صلى الله عليه وآله وتبجيله مما لا خفاء في أولويته.
# وقد يستدل عليه بأنه أفضل، وتقديم المفضول قبيح عقلا (3).
# ثم لو تشاح الأئمة، فالمنسوب إلى أكثر الأصحاب تقدم الأقرأ على الأفقه
~~(4)، وتدل عليه رواية الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله: " يؤم القوم
~~أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا
~~في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا " (5).
# وما رواه أبو عبيدة الحذاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القوم
~~من أصحابنا يجتمعون فتحضر الصلاة فيقول بعضهم لبعض: تقدم يا فلان، فقال: "
~~إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يتقدم القوم أقرؤهم للقرآن، فإن
~~كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم
~~سنا، فإن كانوا في السن سواء فليؤمهم أعلمهم بالسنة وأفقههم في الدين، ولا
~~يتقدمن أحدكم الرجل في منزله، ولا صاحب سلطان في سلطانه " (6).
# PageV03P175
# وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما: إنه سئل عن العبد يؤم القوم إذا
~~رضوا به وكان أكثرهم قرآنا، قال: " لا بأس به " (1).
# والمراد بالأقرأ على ما نقل عن جماعة من الأصحاب هو الأجود قراءة وإتقانا
~~للحروف، وأشد إخراجا لها من مخارجها. وربما يضم إلى ذلك الأعرفية بالأصول
~~المقررة بين القراء (2).
# وقيل: يحتمل إرادة أكثرية قراءة القرآن، أو أجودية طلاقة اللسان (3).
# ونقل العلامة في التذكرة قولا بتقديم الأفقه على الأقرأ (4)، ومال إليه
~~جماعة من متأخري أصحابنا، بل وقطع بعضهم بذلك (5)، وهو قوي، لما رواه
~~الصدوق مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: " إمام القوم وافدهم،
~~فقدموا أفضلكم " (6).
# والوافد: قاصد الأمير للزيارة أو الاسترفاد ونحوهما، والإبل السابق
~~للقطار (7).
# وروي عنه صلى الله عليه وآله أيضا: " إن سركم أن تزكوا صلاتكم، فقدموا
~~خياركم " (8).
# وتدل عليه أيضا الآيات والأخبار الكثيرة الدالة على أفضلية العالم وجلالة
~~قدره، وكونه بمنزلة الأنبياء، وكونه وارثهم، وأفضل من سبعين ألف عابد، إلى
~~غير ذلك مما لا يحصى كثرة (9)، فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا ms0723 يعلمون،
~~بل الذين
# PageV03P176
# أوتوا العلم منكم درجات (1).
# وتؤيده أيضا حسنة زرارة عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: الصلاة خلف
~~العبد، فقال: " لا بأس به إذا كان فقيها ولم يكن هناك أفقه منه) قال، قلت:
~~أصلي خلف الأعمى؟ قال: " نعم، إذا كان من يسدده، وكان أفضلهم " (2).
# وموثقة سماعة قال: سألته عن المملوك يؤم الناس؟ فقال: " لا، إلا أن يكون
~~هو أفقههم وأعلمهم " (3).
# وروى الصدوق مرسلا عن الصادقين عليهما السلام قالا: " لا بأس أن يؤم
~~الأعمى إذا رضوا به وكان أكثرهم قراءة وأفقههم " (4).
# وربما قيل بالتخيير (5)، ولعل نظره إلى الجمع بين الأخبار، وتؤيده هذه
~~الرواية أيضا.
# وقد يجاب عن الروايتين بضعف السند (6)، واشتمال الثانية على خلاف المعروف
~~بين الأصحاب، وهو تقديم الأسن على الأعلم.
# وقد توجه رواية أبي عبيدة بأن المراد بالأقرأ هو المستلزم للفقه والعلم
~~بأحكام القرآن، وأن إطلاق القارئ على العارف بذلك كان شائعا في الصدر
~~الأول.
# وقد يرد ذلك بأنه ينافي ذكر الأعلم بالسنة عقيبه، وأن العلم بمعاني
~~القرآن لا يستلزم العلم بالسنة، فلا ينفع ذلك التوجيه.
# PageV03P177
# إلا أن يقال: إن الدقائق المرموزة في القرآن - مما ينتفع بها أهل التفكر
~~فيه، ويتعظ بها المذكرون - كثيرا ما ينفك عنها العالم بالسنة، بل الأعلم
~~بها، إذ الظاهر من العلم بالسنة هو العلم بالفروع الشرعية مما يحتاج إليها
~~في الصلاة وغيرها.
# حينئذ المفروض أن الإمام لا بد من كونه عالما بأحكام صلاته بأي نحو كان،
~~اجتهادا أو تقليدا، وهذا يكفيه. وأما مرتبة التدبر بالآيات والتذكر بها
~~والتقرب بذلك إلى جناب الباري جل اسمه لعلها مرتبة يزيد فضلها على هذا
~~القدر من المزية في العلم.
# وتؤيده الأخبار الكثيرة الواردة في قراءة القرآن ولزوم التدبر فيه (1)،
~~وأن لا يكون هم أحدكم آخر السورة، بل أن تفزعوا قلوبكم القاسية، فيكون
~~المراد بالأقرأ هو ذلك، إلا أنه لم يعهد هذا القول من الأصحاب.
# فحينئذ الخبر الظاهر الدلالة على مطلوبهم هو الرواية العامية، ولعل ضعفها
~~منجبر بعملهم، سيما مع كونها من أدلة السنن.
# ثم المشهور بين ms0724 المتأخرين أنه يقدم بعد الأفقه الأقدم هجرة (2)، وهو
~~المنقول عن الشيخ في النهاية (3)، وله قول بتقديم الأشرف بعد الأفقه على
~~الأقدم هجرة (4)، والدليل على ذلك هو الرواية العامية (5).
# والمراد بالأقدم هجرة على ما ذكره في التذكرة سبق الاسلام، أو من كان سبق
~~هجرة من دار الحرب إلى دار الاسلام، أو يكون من أولاد من تقدمت هجرته (6)،
~~وقد مر سابقا ما ينفعك تذكره.
# PageV03P178
# ثم يقدم الأسن، وظاهر جماعة أن المراد: علو السن في الاسلام (1)، وهو
~~خلاف ظاهر النص، والدليل على ذينك أيضا الرواية العامية.
# ثم يقدم الأصبح وجها، ذكره ابنا بابويه (2) والشيخ (3) وسلار (4) وابن
~~البراج (5) والفاضلان (6)، ونقل عن المرتضى (7) وابن إدريس (8) أنه قد روي
~~إذا تساووا فأصبحهم وجها.
# وفسر مرة بأحسن صورة (9)، ومرة بأحسن ذكرا بين الناس (10).
# وقال العلامة في التذكرة: فإن استووا في ذلك كله قدم أشرفهم، أي أعلاهم
~~نسبا، وأفضلهم في نفسه، فإن استووا في هذه الخصال قدم أتقاهم وأورعهم، لأنه
~~أشرف في الدين، وأقرب إلي الإجابة. وربما رجحه بعضهم على الأول (11).
# ثم قال: فإن استووا في ذلك كله فالأقرب القرعة، ثم قال: وهذا كله تقديم
~~استحباب لا تقديم اشتراط، ولا إيجاب، فلو قدم المفضول جاز ولا نعلم فيه
~~خلافا (12).
# PageV03P179
# هذا كله إذا اختلف المأمومون ولم يتفقوا على شئ، وهذا مذهب الأكثر.
# وقال العلامة في التذكرة: إنه يقدم اختيار الأكثر، فإذا تساووا طلب
~~الترجيح (1) وهو خلاف ما اقتضاه النص، وأما لو اتفق المأمومون على واحد فهو
~~أولى، لما فيه من اجتماع القلوب، وحصول الإقبال المطلوب.
# وكذا إن كرهه الجميع، ولا يتقدم حينئذ، لقوله عليه السلام: " ثلاثة لا
~~يقبل الله لهم صلاة، أحدهم من تقدم قوما وهم له كارهون " (2) وكذا قيل (3).
# وقال العلامة في التذكرة: والأقرب إنه إذا كان ذا دين فكرهه القوم لذلك
~~لم تكره إمامته، والإثم على من كرهه، وإلا كرهت (4). واستحسنه بعض
~~المتأخرين أيضا (5)، وهو في محله.
# ثم اعلم أن ما ورد من الأخبار في تلك المرجحات كرواية أبي عبيدة (6) إنما
~~يفيد الترجيح على العموم، لأن العبرة ms0725 بعموم اللفظ، والسؤال غير مخصص للحكم
~~على الأصح.
# ولا يخفى أن المرجحات الثلاثة التي ذكرناها أولا أيضا منساقة مساق باقي
~~المرجحات، وظاهرها العموم.
# ولكن جماعة من أصحابنا قد أطلقوا الحكم أولا بأولوية الثلاثة الأول (7).
~~ثم
# PageV03P180
# ذكروا أنه إن تشاح الأئمة واختلفوا فيعمل بتلك المرجحات، فإن كان المستند
~~رواية أبي عبيدة فهي تقتضي اتحاد حكم الثلاثة الأول أيضا مع هذه، فلا وجه
~~لتخصيصهم تلك بصورة التشاح، بل لا بد من جعل الثلاثة أيضا في هذه الصورة،
~~أو بجعل المجموع مطلقا عن ذلك الشرط.
# فلا وجه لحكمهم بأولوية من اتفق عليه المأمومون وإن لم يكن صاحب أحد هذه
~~المرجحات وإن كان غيره; مثل الحديث النبوي صلى الله عليه وآله.
# فلا وجه لتخصيصهم إعمال تلك المرجحات بصورة التشاح، إذ هو عام.
# فلا وجه للقول بأولوية من اتفق المأمومون عليه - كما ذكروه - وإن لم يكن
~~راجحا بأحد هذه المرجحات.
# وبالجملة ظاهر تلك الأخبار وغيرها مما أوردنا بعضها في العبد والأعمى
~~يقتضي أن تلك الأمور مرجحات على الإطلاق، غاية الأمر تقديم الثلاثة الأول
~~في المرتبة للتأكيد في الخبر، وللإجماع المنقول ظاهرا كما ذكرنا.
# ثم إن الظاهر من التشاح هو ما تتضمنه رواية أبي عبيدة، ولعله يدخل فيه
~~تنازع الأئمة أيضا لتحصيل الثواب إن لم يضر هذا بالمروءة والعدالة، ولعله
~~غير مضر.
# الثاني عشر: يستحب وقوف المأموم عن يمين الإمام إن كان رجلا واحدا، وخلفه
~~إن كان أكثر، لروايتي محمد بن مسلم المتقدمتين (1)، وقد مر الكلام في ذلك
~~(2).
# وكذا يستحب أن يقف خلفه إن كان امرأة أو أكثر، لموثقة ابن بكير، عن بعض
~~أصحابنا، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يؤم المرأة؟ قال: " نعم، تكون
# PageV03P181
# خلفه " وعن المرأة تؤم النساء؟ قال: " نعم، تقوم وسطا بينهن " (1).
# ولصحيحة ابن مسكان، عن أبي العباس، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام
~~عن الرجل يؤم المرأة في بيته؟ فقال: " نعم، تقوم وراءه " (2).
# ويستحب إن كانت واحدة أن تقف مع ذلك إلى جهة يمين الإمام، لما رواه الشيخ
~~في الصحيح، عن ms0726 أبان، عن الفضيل بن يسار قال، قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام: أصلي المكتوبة بأم علي؟ قال: " نعم، تكون عن يمينك، يكون سجودها
~~بحذاء قدميك " (3).
# وإن كان رجل ونسوة، فيقوم الرجل عن يمين الإمام، والنسوة خلفه، لما رواه
~~الشيخ في الصحيح عن القاسم بن الوليد، قال: سألته عن الرجل يصلي مع الرجل
~~الواحد معهما النساء، قال: " يقوم الرجل إلى جنب الرجل، ويتخلفن النساء "
~~(4).
# ولو كان مع النسوة صبي أو أكثر فيتقدمونها، وإن كانوا عبيدا، لما رواه
~~الصدوق، عن إبراهيم بن ميمون، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يؤم النساء
~~وليس معهن رجل في الفريضة؟ قال: " نعم يقمن خلفه، وإن كان معه صبي فليقم
~~إلى جانبه " (5).
# وما رواه في الصحيح، عن الحلبي، عن الصادق عليه السلام: عن الرجل يؤم
~~النساء؟ قال: " نعم، وإن كان معهن غلمان فأقيموهم بين أيديهن وإن كانوا
~~عبيدا " (6).
# ولرواية ابن مسكان - وليس في طريقها إلا محمد بن سنان - قال: بعثت إليه
# PageV03P182
# بمسألة في مسائل إبراهيم فدفعها إلى ابن سدير، فسأل عنها وإبراهيم بن
~~ميمون جالس: عن الرجل يؤم النساء؟ فقال: " نعم " فقلت: سله عنهن إذا كان
~~معهن غلمان لم يدركوا، أيقومون معهن في الصف أم يتقدموهن؟ فقال: " لا، بل
~~يتقدمونهن وإن كانوا عبيدا " (1).
# وإن كان الإمام مرأة وقفت النساء إلى جانبيها، بمعنى أن لا يتأخرن عنها،
~~ولو احتجن إلى أزيد من صف وقفت التي تؤم وسط الصف الأول غير بارزة عنه، قال
~~في المعتبر: وعلى ذلك اتفاق القائلين بإمامة النساء (2). وتدل عليه الأخبار
~~المتقدمة في إمامتهن.
# ومثلهن العراة، ولكن إمامهم يبرز ركبتيه، لصحيحة عبد الله بن سنان عن
~~الصادق عليه السلام، قال: سألته عن قوم صلوا جماعة وهم عراة، قال: "
~~يتقدمهم الإمام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس " (3).
# والمشهور تعين الجلوس عليهم مطلقا، وقيل بوجوب القيام مع أمن المطلع،
~~واختاره الشهيد الثاني (4)، والأول أقوى، للصحيحة المذكورة، ولأن الظاهر أن
~~الصورة المفروضة من صور عدم الأمن من المطلع وإن كان الأمن حاصلا من مطلع
~~غيرهم.
# وربما يستدل بجواز ms0727 الجماعة للعاري جالسا مطلقا على جواز الجلوس له مطلقا
~~كما هو مذهب المرتضى (5)، لكونها مستحبة، ولا يجوز ترك الركن لأمر مستحب،
~~وهو كما ترى، بل هذا موافق لتفصيل المشهور كما اخترناه سابقا
# PageV03P183
# لما ذكرنا من الظاهر.
# ثم إن الظاهر وجوب الإيماء للركوع والسجود كما اختاره الأكثر (1)، وادعى
~~عليه ابن إدريس الاجماع (2)، للإطلاقات في الأخبار، كحسنة زرارة قال، قلت
~~لأبي جعفر عليه السلام: رجل خرج من سفينة عريانا أو سلبت ثيابه ولم يجد
~~شيئا يصلي فيه، فقال: " يصلي إيماءا، وإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها،
~~وإن كان رجلا وضع يده على سوأته ثم يجلسان فيومئان، إيماءا، ولا يسجدان ولا
~~يركعان فيبدو ما خلفهما، تكون صلاتهما إيماءا برؤسهما " (3) الحديث.
# وقال الشيخ في النهاية: يؤمي الإمام ويركع من خلفه ويسجد (4)، وتدل عليه
~~موثقة إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قوم قطع عليهم
~~الطريق وأخذت ثيابهم فبقوا عراة، وحضرت الصلاة، كيف يصنعون؟ فقال:
# " يتقدمهم إمامهم فيجلس ويجلسون خلفه، فيومي إيماءا بالركوع والسجود وهم
~~يركعون ويسجدون خلفه على وجوههم " (5).
# وقال المحقق في المعتبر بعد نقلها: وهذه حسنة لا يلتفت إلى من يدعي
~~الاجماع على خلافها (6).
# ويمكن أن يكون المراد من هذه الموثقة أيضا ذلك، ويكون قوله عليه السلام "
~~على وجوههم " مقام قوله " يؤمي إيماءا " وحينئذ يقع الإشكال من جهة
~~الإطلاقات وعمل الأصحاب، ومن جهة تلك الرواية، وأن الميسور لا يسقط
~~بالمعسور، سيما
# PageV03P184
# مع الأمن من مطلع حال ركوعهم وسجودهم.
# ويمكن أن يقال بمنع شمول الإطلاقات لحالة الجماعة، وأن اشتغال الذمة
~~يستدعي اليقين بالبراءة، وأن الميسور لا يسقط بالمعسور وغير ذلك، فيأتي بما
~~تمكن منه.
# ولكنه يشكل بعدم ثبوت التوظيف في هذه الحالة بهذا النحو أيضا، فلا يحصل
~~اليقين بالبراءة، والاحتياط في الإتيان بالصلاتين، وإن كان الأظهر قول
~~المشهور، للإجماع المنقول، والشهرة، وظواهر الإطلاقات.
# الثالث عشر: يستحب أن يكون في الصف الأول أهل المزية الكاملة، من علم أو
~~عمل أو عقل، لأنه أفضل الصفوف للأخبار (1)، والأفضل للأفضل.
# وتدل عليه رواية جابر ms0728 عن الباقر عليه السلام قال، قال: " ليكن الذين يلون
~~الإمام منكم أولي الأحلام والنهى، فإن نسي الإمام أو تعايا قوموه، وأفضل
~~الصفوف أولها، وأفضل أولها ما دنا من الإمام، وفضل صلاة الجماعة على صلاة
~~الرجل فذا خمس وعشرون درجة في الجنة " (2).
# وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من طريق العامة: " ليليني أولو
~~الأحلام، ثم الذين يلونهم ثم الصبيان، ثم النساء " (3).
# قال في الذكرى: وليكن يمين الصف لأفاضل الصف، لما روي أن الرحمة تنتقل من
~~الإمام إليهم إلى يسار الصف، ثم إلى الثاني، والأفضل للأفضل (4)
# PageV03P185
# ويدل على فضل الصف الأول وميامن الصف أخبار، منها ما مر، ومنها ما رواه
~~سهل بإسناده قال، قال: " فضل ميامن الصفوف على مياسرها كفضل الجماعة على
~~صلاة الفرد " (1).
# وروى الصدوق مرسلا عن الكاظم عليه السلام: " أن الصلاة في الصف الأول
~~كالجهاد في سبيل الله عز وجل " (2).
# وذهب العلامة في المنتهى إلى استحباب توسيط الإمام عدلا (3)، لما روى
~~الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " وسطوا الإمام وسددوا الخلل
~~" (4).
# وربما كان في مرفوعة علي بن إبراهيم الهاشمي المتقدمة في مباحث تقدم
~~الإمام واستوائه دلالة على خلافه (5)، وأيده بعض المتأخرين بأنه يقتضي
~~توسيع اليمين، واستحبابه يستدعي ذلك (6).
# ويكره أن يقوم وحده مع سعة الصفوف إذا كان رجلا، وهو المشهور بين الأصحاب
~~(7)، وقال في المدارك: إنه مجمع عليه بين الأصحاب، ونقل الاجماع العلامة
~~أيضا (8).
# ونقل عن ابن الجنيد القول بالمنع (9).
# والأول أقوى، للإطلاقات، ولرواية أبي الصباح الكناني، قال: سألت
# PageV03P186
# أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقوم في الصف وحده، فقال: " لا بأس،
~~إنما يبدو واحد بعد واحد " (1).
# وروى الصدوق عن موسى بن بكر: أنه سأل أبا الحسن موسى عليه السلام عن
~~الرجل يقوم في الصف وحده، فقال: " لا بأس، إنما يبدو الصف واحدا بعد واحد "
~~(2).
# ويدل على رجحان تركه الروايات الكثيرة الواردة في اللحوق بالصف إذا أدرك
~~الإمام في حال الركوع وهو بعيد عن الصفوف.
# وخصوص صحيحة الفضيل بن يسار عن الصادق عليه السلام، ms0729 قال: " أتموا الصفوف
~~إذا وجدتم خللا، ولا يضرك أن تتأخر إذا وجدت ضيقا في الصف، وتمشي منحرفا
~~حتى يتم الصف " (3).
# ومثلها صحيحة الحلبي (4).
# وعلى مرجوحية ذلك ما رواه السكوني، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام، قال:
~~" قال أمير المؤمنين عليه السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا
~~تكونن في العيكل " قلت: وما العيكل؟ قال: " أن تصلي خلف الصفوف وحدك، فإن
~~لم يمكن الدخول في الصف قام حذاء الإمام أجزأه، فإن هو عاند الصف فسدت عليه
~~صلاته " (5).
# وعنه عن أبيه عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سووا
~~بين صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم، لا يستحوذ عليكم الشيطان " (6).
# PageV03P187
# واحتج ابن الجنيد على البطلان برواية السكوني (1)، وهي مع ضعفها لا تقاوم
~~أدلة المشهور، فتحمل على الكراهة جمعا.
# أما لو كان الصف متضايقا فلا بأس به، ولكنه يقوم بحذاء الإمام. ويدل على
~~ذلك مضافا إلى رواية السكوني رواية سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد الله
~~عليه السلام عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما، أيقوم وحده حتى
~~يفرغ من صلاته؟ قال: " نعم لا بأس، يقوم بحذاء الإمام " (2).
# وروايته الأخرى عنه عليه السلام: عن الرجل يدخل المسجد ليصلي مع الإمام
~~فيجد الصف متضايقا بأهله، فيقوم وحده حتى يفرغ الإمام عن الصلاة، أيجوز ذلك
~~له؟ فقال: " نعم لا بأس به " (3) والروايتان معتبرتان.
# ومما ذكرنا ظهر تأكد استحباب سد الخلل وإقامة الصفوف.
# ولا بأس بالتقدم والتأخر إذا ضاق الصف، وتدل عليه مضافا إلى صحيحة فضيل
~~بن يسار المتقدمة (4) صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام: عن
~~القيام خلف الإمام في الصف ما حده؟ قال: " إقامة ما استطعت، فإذا قعدت فضاق
~~المكان فتقدم أو تأخر فلا بأس " (5).
# وموثقة سماعة عن الصادق عليه السلام، قال: " لا يضرك أن تتأخر وراءك إذا
~~وجدت ضيقا في الصف; فتأخر إلى الصف الذي خلفك، وإن كنت في صف فأردت أن
~~تتقدم قدامك فلا بأس أن تمشي إليه " (6).
# ومن جميع ما ذكر ظهر أنه تصح ms0730 الصلاة مع تخلل الصف الثاني وإن كان كثيرا،
# PageV03P188
# أعني صلاة ذلك الصف مثلا لو كان الصف مستطيلا وقام في أحد طرفيه رجلان،
~~وكذا في وسطه، وكذا في آخره، وإن كان الفصل بين كل منها كثيرا فتصح الصلاة،
~~لكنه خلاف المستحب.
# وأما صلاة من يليهم من الصف الثالث فتشكل صحتها لو كان الفصل كثيرا، إذ
~~يستلزم الفصل بين الصفين بأزيد مما يتخطى، إلا أن يكون الفصل قليلا بمثل
~~مكان رجل أو أزيد منه قليلا، فيشكل الحكم بالبطلان.
# بل الظاهر الصحة على القول باشتراط عدم الزيادة مما يتخطى أيضا.
# مع احتمال الصحة ولو كان الفصل كثيرا أيضا، لأنه يصدق أن بينه وبين الصف
~~الذي قدامه هذا المقدار، لكن إرادة محاذي الصف من الصف مجاز، وهو خلاف
~~الأصل.
# وتستحب تسوية الصفوف وإقامتها، قال في الذكرى: تستحب إقامة الصفوف
~~استحبابا مؤكدا (1).
# قال ابن بابويه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أقيموا صفوفكم،
~~فإني أراكم من خلفي، كما أراكم من قدامي ومن بين يدي، ولا تخالفوا فيخالف
~~الله بين قلوبكم " (2).
# إلى أن قال: ويستحب لمن وجد خللا في الصف أن يسعى، روى العامة في الحسان
~~عنه صلى الله عليه وآله: " إن الله وملائكته يصلون على الذين يلون الصفوف
~~الأول، وما من خطوة أحب إلى الله من خطوة تمشيها تصل بها صفا " (3).
# إلى أن قال: ويستحب للإمام أمرهم بتسوية الصفوف، لأن النبي صلى الله عليه
~~وآله كان يقول عن يمينه: اعتدلوا سووا صفوفكم، وعن يساره: اعتدلوا
# PageV03P189
# سووا صفوفكم (1) " (2).
# الرابع عشر: يكره أن يأتم حاضر بمسافر على المعروف من مذهب الأصحاب، بل
~~يظهر من الفاضلين أنه موضع وفاق (3)، وكذلك العكس كما صرح به في المعتبر
~~(4). ونقل عن علي بن بابويه القول بالمنع فيهما (5)، والأول أقرب.
# لنا على الجواز: العمومات والروايات الكثيرة، كصحيحة حماد قال: سألت أبا
~~عبد الله عليه السلام في المسافر يصلي خلف المقيم، قال: " يصلي ركعتين
~~ويمشي حيث شاء " (6).
# وحسنة الحلبي عنه عليه السلام: في المسافر (7)، الحديث.
# وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في مبحث ms0731 ائتمام المفترض بالمفترض (8).
# وصحيحة ابن مسكان ومؤمن الطاق عنه عليه السلام، قال: " إذا دخل المسافر
~~مع أقوام حاضرين في صلاتهم، فإن كانت الأولى فليجعل الفريضة في الركعتين
~~الأوليين، وإن كانت العصر فليجعل الأوليين نافلة والأخيرتين فريضة " (9).
# ولعل ذلك، إنما هو لكراهة النافلة بعد صلاة العصر كما ذكره الشيخ (10)،
~~فلذا
# PageV03P190
# جعل الفريضة في الأخيرتين.
# ويدل على المرجوحية في الصورتين موثقة الفضل بن عبد الملك المتقدمة ثمة
~~أيضا (1)، وهي تتضمن أنه يجعل الأوليين ظهرا، والأخيرتين عصرا، وكذلك صحيحة
~~محمد بن مسلم المتقدمة.
# وبخصوص الصورة الأولى صحيحة أبي بصير قال، قال أبو عبد الله عليه السلام:
# " لا يصلي المسافر مع المقيم، فإن صلى فلينصرف في الركعتين " (2)
~~والخبران ظاهران في الجواز أيضا.
# والظاهر أن كل ما تضمنته تلك الأخبار من جعل الأوليين ظهرا والأخيرتين
~~عصرا أو إحداهما فريضة والأخرى نافلة فيما يجوز الاقتداء فيه أو غير ذلك
~~كله جائز إن شاء الله.
# والمحقق في المعتبر قيد الكراهة بصورة اختلاف الفرضين كمية، وعلل ذلك
~~بلزوم المفارقة المكروهة فيها دون غيرها، فلا يكره ذلك في الصبح والمغرب
~~(3)، واختاره بعض المتأخرين أيضا (4)، وربما كان في الموثقة المتقدمة إشارة
~~إلى ذلك.
# وعلى ما ذكره (5) يلزم عدم الكراهة في صورة الاختلاف أيضا إن كان في
~~الركعتين الأخيرتين.
# ويؤيد ما ذهب إليه عدم ظهور الإطلاقات في غير الرباعية كما لا يخفى على
~~المتتبع، بل كلها صريحة فيها. ولا يبعد القول بأنه يحصل منها ظن قوي يتاخم
~~العلم أن العلة في ذلك هي ما فهمه المحقق، فيبقى مثل المغرب والصبح بل
~~والصورة التي
# PageV03P191
# فرضناها أيضا تحت الإطلاقات. إلا أن كلام الأصحاب في ذلك مطلق، فلو لم
~~يكن إجماع على الكراهة فيها لكان قول المحقق قويا متينا (1).
# ثم إذا كان الإمام مسافرا وفرغ فلا يتبعه المأموم في التسليم ويتم
~~الصلاة.
# قال في الذكرى: لو نقص عدد صلاة المأموم عن صلاة الإمام تخير المأموم بين
~~انتظاره حتى التسليم وبين تسليمه، والأول أفضل; ولو زاد عدد صلاته على صلاة
~~الإمام تخير المأموم بين المفارقة ms0732 في الحال والصبر حتى يسلم الإمام فيقوم
~~الإمام إلى الإتمام، والثاني أفضل، وحينئذ لو انتظر الإمام فراغ المأموم ثم
~~سلم كان جائزا، بل أفضل، فعلى هذا يقوم المأموم بعد تشهد الإمام (2)،
~~انتهى.
# ثم هل يجوز أن يقتدي المأموم بصاحبه في الباقي؟ الظاهر الجواز، للموثقة
~~المتقدمة (3); وهي وإن كانت في صورة تقديم الإمام لكنه لعله لا قائل
~~بالفصل، والأخبار الواردة فيما لو عرض عارض للإمام واستنابته أيضا ترشد إلى
~~ذلك (4).
# وتوقف في ذلك العلامة في التحرير (5)، ولا وجه للتوقف فيما لو قدم الإمام
~~أحدهما، بل ولا في غيره أيضا لما ذكرنا.
# واعلم أنه يظهر من مجموع الأخبار كراهة الإمامة والائتمام كليهما، سيما
~~مع ملاحظة خصوص صحيحة أبي بصير (6)، فلا يتوهم الاختصاص بالإمامة.
# ويكره أن يؤم الفالج بالأصحاء، والمقيد المطلقين، وقد مر ما يدل عليه
~~(7).
# والظاهر أنه لا بد من تقييدهما بما لا يبلغ الأفلج حد الجلوس، وكذا
~~المقيد،
# PageV03P192
# وإلا فلا يجوز كما ذكرنا سابقا، إلا أن يكون المأموم أيضا جالسا من جهة
~~أخرى.
# وكذا الكلام في كل مرتبة كانت أنقص من أخرى على ما اشتهر بين الأصحاب.
# وتكره إمامة المتيمم بالمتوضئين على المشهور بين الأصحاب، بل قال في
~~المنتهى: إنه لا يعرف فيه خلافا إلا ما حكي عن محمد بن الحسن الشيباني من
~~المنع عن ذلك (1).
# وتدل على الجواز أخبار كثيرة، منها صحيحة جميل بن دراج ومحمد بن حمران
~~قالا، قلنا لأبي عبد الله عليه السلام: إمام قوم أصابته جنابة في السفر
~~وليس معه ماء يكفيه للغسل، أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم؟ قال: " لا، ولكن يتيمم
~~الجنب ويصلي بهم، فإن الله قد جعل التراب طهورا " (2).
# وموثقة ابن بكير عن الصادق عليه السلام قال، قلت: له رجل أم قوما وهو جنب
~~وقد تيمم وهم على طهور، فقال: " لا بأس " (3).
# وموثقته الأخرى، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب ثم تيمم
~~فأمنا ونحن طهور، فقال: " لا بأس به " (4) إلى غير ذلك.
# وتدل على المرجوحية رواية السكوني المتقدمة في مسألة إمامة الأعمى ms0733 (5).
# وروايته الأخرى، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام، قال: " لا يؤم صاحب
~~التيمم المتوضئين، ولا صاحب الفالج الأصحاء " (6).
# ورواية عباد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لا يصلي
# PageV03P193
# المتيمم بقوم متوضئين " (1).
# وهذه الأخبار ضعيفة متروكة الظاهر عند الأصحاب، فحملت على الكراهة.
# وتكره إمامة العبد إلا لأهله، قال الصدوق في المقنع: لا يؤم العبد إلا
~~أهله (2).
# وأطلق الشيخ في الخلاف (3) وابن الجنيد (4) وابن إدريس (5) القول
~~بالجواز.
# وقال الشيخ في النهاية والمبسوط: لا يجوز أن يؤم الأحرار، ويجوز أن يؤم
~~مواليه إذا كان أقرأهم (6).
# وأطلق ابن حمزة أن العبد لا يؤم الحر (7)، واختاره العلامة في النهاية
~~(8).
# ولنا على الجواز: الأصل والإطلاقات، وحسنة زرارة - لإبراهيم بن هاشم - عن
~~الباقر عليه السلام قال، قلت له: الصلاة خلف العبد، فقال: " لا بأس به إذا
~~كان فقيها ولم يكن هناك أفقه منه " (9).
# وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: أنه سئل عن العبد يؤم
~~القوم إذا رضوا به وكان أكثرهم قرآنا، قال: " لا بأس به " (10).
# وصحيحته الأخرى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبيد
# PageV03P194
# الحديث بتمامه (1).
# وموثقة سماعة، قال: سألته عن المملوك يؤم الناس؟ فقال: " لا، إلا أن يكون
~~هو أفقههم وأعلمهم " (2).
# وأما المرجوحية واستثناء الأهل، فلما رواه السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن
~~علي عليهم السلام، أنه قال: " لا يؤم العبد إلا أهله " (3) فهو باعتبار
~~ضعفه لا يقاوم الأخبار الكثيرة المقررة للأصل والإطلاقات، فنحملها على
~~الكراهة.
# ومما ذكرنا ظهر مستند الصدوق والشيخ في المبسوط، ولعل الصدوق أيضا موافق
~~للشيخ في المبسوط.
# وجوابه: ضعف المستند، ولعله لذلك اختار الجواز المطلق في الخلاف، ولعله
~~أقوى، لغاية بعد إرادة أهل من تلك الإطلاقات الكثيرة غاية الكثرة، والتخصيص
~~إلى هذا المقدار مما لا يرضى به المحققون.
# وأما قول ابن حمزة فقد استدل له العلامة بأنه ناقص فلا يليق بهذا المنصب
~~الجليل، وهو كما ترى ويكره للمأموم التنفل حال الإقامة على المشهور بين
~~الأصحاب، لصحيحة عمر بن يزيد: أنه سأل أبا عبد الله ms0734 عليه السلام عن الرواية
~~التي يروون أنه لا ينبغي أن يتطوع في وقت فريضة، ما حد هذا الوقت؟ قال: "
~~إذا أخذ المقيم في الإقامة " فقال له: إن الناس يختلفون في الإقامة، قال: "
~~المقيم الذي تصلي معه " (4).
# ونقل عن الشيخ في النهاية (5) وابن حمزة أنهما منعا عن ذلك (6)، ولعل
# PageV03P195
# مستندهما أيضا ذلك.
# وقال في الذكرى: وقد يحمل على ما لو كانت الجماعة واجبة، وكان ذلك يؤدي
~~إلى فواتها (1)، وذلك بعيد.
# والأولى الحمل على الكراهة كما يشير إليه لفظ لا ينبغي.
# ويؤيد ذلك استحباب القيام إلى الصلاة عند قول المقيم " قد قامت الصلاة "
~~كما هو المشهور بين الأصحاب.
# وتدل عليه رواية معاوية بن شريح، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام،
~~قال: " إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة ينبغي لمن في المسجد أن يقوموا على
~~أرجلهم ويقدموا بعضهم، ولا ينتظر الإمام " قال، قلت: وإن كان الإمام هو
~~المؤذن؟ قال:
# " وإن كان، فلا ينتظرونه ويقدمون بعضهم " (2).
# وما رواه أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحناط، قال:
# سألت أبا عبد الله عليه السلام إذا قال المؤذن " قد قامت الصلاة " أيقوم
~~القوم على أرجلهم أو يجلسون حتى يجئ إمامهم؟ قال: " لا، بل يقومون على
~~أرجلهم، فإن جاء إمامهم وإلا فليؤخذ بيد رجل من القوم فيقدم " (3).
# وقال الشيخ في المبسوط والخلاف: بأن وقته عند كمال الأذان (4).
# ونقل العلامة عن بعض الأصحاب قولا بأن وقته عند قول " حي على الصلاة "
~~لمكان المناسبة. وعورض بالأذان، وليس بشئ (5).
# ولم نقف على مستند الشيخ.
# PageV03P196
# الخامس عشر: يستحب للإمام الإسرار بالتكبيرات الست الافتتاحية، والجهر
~~بتكبيرة الإحرام; ليسمع من خلفه.
# أما الجهر بتكبيرة الافتتاح حتى يسمع من خلفه فقال في المنتهى: لا نعرف
~~فيه خلافا (1).
# ويدل عليه وعلى الإسرار بالباقي صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام،
~~قال: " وإذا كنت إماما يجزيك أن تكبر واحدة تجهر فيها وتسر ستا " (2).
# ورواية أبي بصير عنه عليه السلام، قال: " إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت
~~واحدة، وإن شئت ثلاثا، وإن شئت خمسا، ms0735 وإن شئت سبعا، فكل ذلك مجزئ، غير أنك
~~إذا كنت إماما لم تجهر إلا بتكبيرة " (3).
# بل ويستحب للإمام الجهر بجميع الأذكار، وللمأموم أن لا يسمعه شيئا مما
~~يقول، لصحيحة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، قال: " ينبغي للإمام أن يسمع
~~من خلفه كل ما يقول، ولا ينبغي لمن خلف الإمام أن يسمعه شيئا مما يقول "
~~(4).
# ويتأكد ذلك في التشهد، لصحيحة حفص بن البختري عنه عليه السلام، قال:
# " ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه التشهد، ولا يسمعونه هم شيئا " (5).
# وصحيحة أبي بصير، قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام; فلما كان في
~~آخر تشهده رفع صوته حتى سمعنا، فلما انصرف قلت: كذا ينبغي للإمام أن
# PageV03P197
# يسمع تشهده من خلفه؟ قال: " نعم " (1).
# وتستحب الحمدلة بعد سمعلة الإمام، لصحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد
~~الله عليه السلام قلت: ما يقول الرجل خلف الإمام إذا قال: سمع الله لمن
~~حمده؟ قال: " يقول: الحمد لله رب العالمين " (2) وقد مر بعض ما يتعلق بذلك
~~الباب فراجع.
# وكذا يستحب إذا فرغ الإمام من الحمد، لصحيحة جميل عن الصادق عليه السلام،
~~قال: " إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد وفرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد لله رب
~~العالمين، ولا تقل آمين " (3).
# ويستحب أن ينبه المأموم الإمام على خطأه إذا أخطأ في القراءة وغيرها،
~~ويفتح عليه إذا تعايا، تدل عليه موثقة سماعة المتقدمة في مسألة القراءة خلف
~~الإمام (4).
# وفي رواية أخرى: " فإن نسي الإمام أو تعايا قوموه " (5).
# وأوجبه الشهيد في الدروس، لكنه استقرب صحة الصلاة مع الترك (6).
# والأول أظهر.
# وربما يؤيد بما تؤمي إليه صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال: " اغتسل أبي من الجنابة فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك لم
~~يصبها الماء، فقال له: " ما كان عليك لو سكت، ثم مسح تلك اللمعة بيده "
~~(7).
# PageV03P198
# وعن كتاب الدعائم عن علي عليه السلام: أنه رخص في تلقين الإمام إذا تعايا
~~أو وقف، فأما إذا ترك آية أو آيتين أو أكثر أو ms0736 خرج من سورة إلى سورة واستمر
~~في القرآن لم يلقن (1).
# ويستحب للإمام أن لا يختص نفسه بالدعاء، فقد روى الشيخ مسندا والصدوق
~~مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من صلى بقوم فاختص نفسه
~~بالدعاء دونهم فقد خانهم " (2).
# ويستحب أن تكون صلاته صلاة أضعف من خلفه، فروى الصدوق والشيخ بسندهما، عن
~~إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: " ينبغي للإمام أن تكون صلاته
~~على أضعف من خلفه " (3).
# وفي رواية سماعة في باب الركوع، قال: " فأما الإمام، فإنه إذا قام بالناس
~~فلا ينبغي أن يطول بهم، فإن في الناس الضعيف ومن له الحاجة، فإن رسول الله
~~صلى الله عليه وآله كان إذا صلى بالناس خف بهم " (4).
# وروى السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام، قال: " آخر ما
~~فارقت عليه حبيب قلبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يا علي إذا صليت فصل
~~صلاة أضعف من خلفك " (5) الحديث، إلى غير ذلك من الأخبار (6).
# وذلك إذا لم يحب المأمومون الاستطالة، أو لم يعلم الإمام بذلك، وأما إذا
~~علم أنهم يحبون ذلك فلا بأس بها.
# PageV03P199
# وأما موثقة حمزة بن حمران والصيقل قالا: دخلنا على أبي عبد الله عليه
~~السلام وعنده قوم فصلى بهم العصر وقد كنا صلينا، فعددنا له في ركوعه سبحان
~~ربي العظيم أربعا وثلاثين مرة، وقال أحدهما في حديثه: وبحمده في الركوع
~~والسجود سواء (1).
# فقال في الكافي: دل هذا على أنه عليه السلام علم احتمال القوم بطول ركوعه
~~وسجوده، وذلك أنه روي أن الفضل للإمام أن يخفف ويصلي بصلاة أضعف القوم (2)،
~~ومثله قال الشيخ (3).
# ويستحب أن لا يقوم الإمام من مصلاه إلى أن يتم المسبوقون صلاتهم استحبابا
~~مؤكدا، وتدل عليه أخبار كثيرة، منها ما رواه الصدوق بسنده، عن حفص بن
~~البختري، عن الصادق عليه السلام، قال: " ينبغي للإمام أن يجلس حتى يتم من
~~خلفه صلاتهم " (4).
# وموثقة سماعة، قال: " ينبغي للإمام أن يلبث قبل أن يكلم أحدا حتى يرى أن
~~من خلفه قد أتموا الصلاة ثم ينصرف هو ms0737 " (5).
# وصحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال: سمعته يقول: " ينبغي للإمام أن لا
~~يقوم إذا صلى حتى يقضي كل من خلفه ما قد فاته من الصلاة " (6).
# وظاهر المرتضى في الجمل الوجوب (7) على ما نقله في الذكرى (8)، ويدل عليه
# PageV03P200
# ما رواه السكوني عن الصادق عليه السلام، قال: " أيما رجل أم قوما فعليه
~~أن يقعد بعد التسليم ولا يخرج من ذلك الموضع حتى يتم الذين خلفه، الذين
~~سبقوا صلاتهم، ذلك على كل إمام واجب إذا علم أن فيهم مسبوقا، فإن علم أن
~~ليس فيهم مسبوق بالصلاة فليذهب حيث شاء " (1).
# وهو محمول على شدة الاستحباب، كما حمل الشهيد كلام السيد أيضا عليه.
# وتشهد به رواية عمار في الموثق، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن
~~الرجل يصلي بقوم فيدخل قوم في صلاته بقدر ما قد صلى ركعة أو أكثر من ذلك،
~~فإذا فرغ من صلاته وسلم، أيجوز له وهو إمام أن يقوم من موضعه قبل أن يفرغ
~~من دخل في صلاته؟ قال: " نعم " (2) ويستحب أن لا يصلي في مقامه ركعتين حتى
~~ينحرف من مكانه ذلك، لصحيحة هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام، قال:
~~سمعته يقول: " إذا انصرف الإمام فلا يصلي في مقامه حتى ينحرف عن مقامه ذلك
~~" (3).
# وصحيحته الأخرى عن سليمان بن خالد قال، قال أبو عبد الله عليه السلام:
# " الإمام إذا انصرف فلا يصلي في مقامه ركعتين حتى ينحرف عن مقامه ذلك "
~~(4).
# ولعل السر في ذلك عدم جواز الائتمام في النافلة، والظاهر أن يكون المراد
~~من الصلاة المنهي عنها أيضا النافلة كما يشعر به التقييد بالركعتين في
~~الصحيحة الأخرى.
# وتشهد لذلك حسنة الحلبي عنه عليه السلام، قال: " لا ينبغي للإمام أن
~~يتنفل إذا سلم حتى يتم من خلفه الصلاة " (5) الحديث.
# PageV03P201
# فحينئذ لم تثبت كراهة الفريضة، بل ولا الثنائية منها، ولكنه في بعض النسخ
~~" ينفتل " (1) مكان يتنفل، فلا يتم التقريب، فيصير من أدلة المسألة الأولى،
~~ولعل في تتمة الخبر إشعارا ضعيفا بهذا.
# السادس عشر: يستحب أن يعيد المنفرد صلاته إذا وجد من ms0738 يصلي جماعة، إماما
~~كان أو مأموما، وهذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب كما ذكره جماعة (2).
# وتدل عليه أخبار كثيرة، كحسنة حفص بن البختري - لإبراهيم بن هاشم - عن
~~الصادق عليه السلام: في الرجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة، قال:
# " يصلي معهم ويجعلها الفريضة " (3).
# وصحيحة هشام بن سالم عنه مثلها (4).
# والمراد بقوله " يجعلها الفريضة ": أي الفريضة التي صلاها، لأن المستحب
~~هو إعادة تلك الفريضة بعينها، فلا يحتاج إلى التكلفات (5) التي ارتكبها
~~الشيخ في توجيهه. وجعلها أعم من ذلك بأن تشمل القضاء وغيره بعيد، وإن كان
~~يجوز ذلك كما أشرنا سابقا وذكرنا رواية إسحاق بن عمار (6).
# وصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام:
# إني أحضر المساجد مع جيرتي وغيرهم، فيأمروني بالصلاة بهم وقد صليت قبل أن
~~آتيهم، وربما صلى خلفي من يقتدي بصلاتي، والمستضعف والجاهل، وأكره أن
# PageV03P202
# أتقدم وقد صليت لحال من يصلي بصلاتي ممن سميت لك، فمرني في ذلك بأمرك
~~أنتهي إليه وأعمل به إن شاء الله تعالى، فكتب: " صل بهم " (1).
# وصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا صليت صلاة وأنت في
~~المسجد وأقيمت الصلاة، فإن شئت فاخرج، وإن شئت فصل معهم واجعلها تسبيحا "
~~(2).
# ومثله روى الصدوق بطريقه عن الحلبي عنه عليه السلام (3)، والمراد بجعلها
~~تسبيحا فعلها بنية الاستحباب.
# وموثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي الفريضة
~~ثم يجد قوما يصلون جماعة، يجوز له أن يعيد الصلاة معهم؟ قال: " نعم، وهو
~~أفضل " قلت: فإن لم يفعل؟ قال: " ليس به بأس " (4).
# ورواية أبي بصير قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أصلي ثم أدخل
~~المسجد فتقام الصلاة وقد صليت، فقال: " صل معهم، يختار الله أحبهما إليه "
~~(5).
# ثم إن الظاهر من تلك الأخبار وإن كان استحباب الإعادة لو كانت الجماعة في
~~تلك الصلاة التي صلاها، وإن كان بعضها مطلقا أيضا، لكن الظاهر أنه لا قائل
~~بالفصل.
# إلا أن المحقق في الشرائع قال: ويستحب أن يعيد المنفرد صلاته إذا وجد من
~~يصلي ms0739 تلك الصلاة جماعة (6). وهو ظاهر في اشتراط الوحدة.
# والحكم باستحباب ذلك ههنا لا يخلو من إشكال، سيما وقد روي عنه
# PageV03P203
# عليه السلام: " لا تصلى صلاة في يوم مرتين " (1) والوظائف الشرعية موقوفة
~~على التوظيف، والاحتياط في الترك في غير ما يستفاد من النص.
# وظاهر جماعة عدم الاستحباب للذي صلى جماعة أيضا إماما كان أو مأموما حيث
~~قيدوا بالمنفرد (2) وعمم الشهيد في الذكرى بالنسبة إلى الجامع والمنفرد
~~نظرا إلى الإطلاقات وترك الاستفصال (3).
# والحكم بالاستحباب مشكل من جهة عدم الظهور من الأدلة، ومن جهة التسامح في
~~أدلة السنن، ولعله لذلك تردد العلامة في المنتهى (4).
# وكذلك الجماعة الذين انفردوا جميعا في الصلاة، ثم أرادوا الجماعة، ولعل
~~الأوجه المنع.
# إذا بنينا على اعتبار الوجه فالأقرب أنه ينوي الاستحباب فيما تجوز
~~الإعادة فيه، وقيل بالوجوب (5)، لظاهر صحيحة هشام (6)، وهو كما ترى.
# ويستحب إذا كان المصلي منفردا فانعقدت جماعة في أثناء الصلاة أن ينقل
~~بنيته إلى النفل ويتم ركعتين، ثم يقتدي بالإمام.
# والظاهر أن ذلك إجماعي كما يظهر من الذكرى، حيث نسبه إلى علمائنا (7)،
~~وكذا من التذكرة (8).
# PageV03P204
# وتدل عليه أيضا صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن رجل دخل المسجد وافتتح الصلاة فبينا هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن
~~وأقام الصلاة، قال: " فليصل ركعتين، ثم يستأنف الصلاة مع الإمام، ولتكن
~~الركعتان تطوعا " (1).
# وموثقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الإمام وقد صلى الرجل ركعة
~~من صلاة الفريضة، فقال: " إن كان إماما عدلا فليصل أخرى وينصرف ويجعلها
~~تطوعا، وليدخل مع الإمام فصلاته كما هو " (2) الحديث.
# واعلم أن المستفاد من الخبرين ليس إلا ما كان المأموم قادرا على النقل
~~إلى النفل والإتيان بالركعتين، وهذا لا يتم إلا إذا كان في الركعة الأولى
~~والثانية، فانسحاب هذا الحكم في الركعة الثالثة مثلا أو الرابعة بأن ينقل
~~إليه ويتم أو يهدم ويسلم مشكل، فلنقتصر فيما خالف الأصل على مورد النص.
# ونقل عن ابن إدريس القول بالمنع مطلقا، لأنه في قوة الإبطال (3).
# وعن ظاهر الشيخ في ms0740 المبسوط تجويز القطع أولا بدون نقل النية (4)، وقواه
~~الشهيد نظرا إلى تحصيل الفضل، والتفاتا إلى أن النقل إلى النافلة أيضا إما
~~قطع للصلاة أو مستلزم له (5)، واستحسنه بعض المتأخرين (6).
# والعدول عن الأصل لا يصح إلا بما اقتضاه الدليل، ولم يثبت بالنص إلا ما
~~ذكرنا، فما ذكروه مشكل.
# وأما لو كان مشتغلا بالنافلة فقطع المحقق في الشرائع بأنه يقطع ويشتغل
~~بالصلاة
# PageV03P205
# لو خاف الفوات، ويتم ركعتين ويشتغل لو لم يخف (1). وعلل الأول بعضهم بأن
~~الجماعة أهم في نظر الشارع، والثاني بأنه جمع بين الوظيفتين (2).
# السابع عشر: لا ريب في أنه تدرك الجماعة بإدراك الركوع، وأما إدراكها
~~بإدراك الإمام راكعا فأكثر الأصحاب على أنه كذلك أيضا، وهو الأقرب.
# لنا: صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا أدركت الإمام وقد
~~ركع فكبرت وركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة، فإن رفع الإمام رأسه
~~قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة " (3).
# ورواها في الكافي في الحسن لإبراهيم أيضا (4).
# وما رواه الشيخ في الصحيح بطريقين، وكذا الكليني في الصحيح عن سليمان بن
~~خالد قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " في الرجل إذا أدرك الإمام وهو
~~راكع فكبر الرجل وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك
~~الركعة " (5).
# وما رواه الصدوق بإسناده عن زيد الشحام: أنه سأله عن الرجل انتهى إلى
~~الإمام وهو راكع، قال: " إذا كبر وأقام صلبه ثم ركع فقد أدرك " (6).
# وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
# " إذا دخلت المسجد والإمام راكع فظننت أنك إن مشيت إليه رفع رأسه من قبل
~~أن تدركه فكبر واركع، فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك، فإذا قام فالحق بالصف ".
# PageV03P206
# ورواه الكليني أيضا بطريق ضعيف وكذلك الشيخ (1).
# ورواها الشيخ بطريق صحيح آخر أيضا عن عبد الرحمن، قال: سمعت أبا عبد الله
~~عليه السلام يقول: " إذا دخلت المسجد " (2) الحديث.
# وما رواه الصدوق بإسناده عن إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام: أدخل المسجد وقد ms0741 ركع الإمام، فأركع بركوعه وأنا وحدي وأسجد، فإذا
~~رفعت رأسي أي شئ أصنع؟ فقال: " قم فاذهب إليهم، فإن كانوا قياما فقم معهم،
~~وإن كانوا جلوسا فاجلس معهم ". ورواه الشيخ أيضا عنه عن أبي عبد الله عليه
~~السلام وفي طريقه حكم بن مسكين (3).
# وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما: عليهما السلام أنه سئل عن الرجل يدخل
~~المسجد فيخاف أن تفوته الركعة، فقال: " يركع قبل أن يبلغ القوم، ويمشي وهو
~~راكع حتى يبلغهم ". ورواه الصدوق أيضا بطريقه عن محمد بن مسلم (4).
# ورواية معاوية بن شريح، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول:
# " إذا جاء الرجل مبادرا والإمام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في
~~الصلاة والركوع ".
# وزاد في الفقيه بعد هذه الرواية: " ومن أدرك الإمام وهو ساجد كبر وسجد
~~معه، ولم يعتد بها، ومن أدرك الإمام وهو في الركعة الأخيرة فقد أدرك فضل
~~الجماعة، ومن أدركه وقد رفع رأسه من السجدة الأخيرة وهو في التشهد
# PageV03P207
# فقد أدرك الجماعة، وليس عليه أذان ولا إقامة، ومن أدركه وقد سلم فعليه
~~الأذان والإقامة " (1).
# وصحيحة صفوان، عن أبي عثمان، عن معلى بن خنيس، عن الصادق عليه السلام،
~~قال: " إذا سبقك الإمام بركعة فأدركته وقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتد بها
~~" (2).
# ورواية جابر الجعفي قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: إني أؤم قوما فأركع
~~فيدخل الناس وأنا راكع، فكم انتظر؟ قال: " ما أعجب ما تسأل عنه يا جابر،
~~انتظر مثلي ركوعك، فإن انقطعوا، وإلا فارفع رأسك " (3).
# ومرسلة مروك بن عبيد عن الباقر عليه السلام، قال، قلت له: إني إمام مسجد
~~الحي، فأركع بهم وأسمع خفقان نعالهم وأنا راكع، قال: " اصبر ركوعك ومثل
~~ركوعك، فإن انقطعوا وإلا فانتصب قائما " (4).
# وروى في الفقيه أيضا مرسلا: قال رجل لأبي جعفر عليه السلام، الحديث.
# وذهب المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية وكتابي الأخبار إلى أن المعتبر
~~إدراك تكبيرة الركوع (5)، وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم قال، قال أبو عبد
~~الله عليه السلام: " إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل في ms0742 تلك الركعة "
~~(6).
# وصحيحته الأخرى عن الباقر عليه السلام، قال، قال لي: " إن لم تدرك القوم
# PageV03P208
# قبل أن يكبر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة " (1) وصحيحته
~~الأخرى عنه عليه السلام، قال: " لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع
~~الإمام " (2).
# وصحيحته الأخرى عنه عليه السلام، قال: " إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع
~~الإمام فقد أدركت الصلاة " (3).
# ورواية يونس الشيباني عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا دخلت من باب
~~المسجد فكبرت وأنت مع إمام عادل ثم مشيت إلى الصلاة أجزأك ذلك، وإذا الإمام
~~كبر للركوع كنت معه في الركعة، لأنه إن أدركته وهو راكع لم تدرك التكبير لم
~~تكن معه في الركوع " (4).
# ثم إن الصحاح الأربعة إنما هي مرجعها إلى محمد بن مسلم، فكأنها خبر واحد،
~~مع أنه روى ما هو ظاهر في خلافها كما ذكرنا; فلا تقاوم الأخبار الصحيحة
~~الصريحة الكثيرة المعتبرة المعتضدة بالعمومات وعمل أكثر الأصحاب، وبالأخبار
~~الغير الصحيحة، وفي الأخبار أيضا إشارات إلى مدلولها.
# ويظهر من ذلك الجواب عن الرواية الأخيرة، ولعل النهي فيها محمول على
~~الأفضلية; للحث على المسارعة وعدم التكاهل، وفيه إشكال.
# ولعل طرحها أولى، لأنه على هذا يصير مقتضى ذلك أفضلية ترك القدوة في تلك
~~الركعة من الانفراد أيضا، ولا يجري (5) ذلك فيما لو كانت الجماعة واجبة
~~كالجمعة وقلنا بتحقق الركعة بإدراكه حال الركوع كما اخترناه فلا يجوز تركه.
# PageV03P209
# وربما يتوهم أن المراد بالكراهة هنا إنما هي بالنسبة إلى سائر أفراد
~~الجماعة، فلا تثبت أفضلية الانفراد عن الجماعة الكفائية، فيندفع الإشكال.
# وأنت خبير بأن الظاهر من تلك الأخبار هو أن الانفراد أولى منها، غاية
~~الأمر الإطلاق، فتخصيصها بالجماعة تعسف.
# ومن هذا ظهر حال جميع ما مر سابقا من كراهة إمامة الحضري والمسافر
~~والمجذوم والأبرص وغير ذلك فافهم.
# ثم اعلم أن إطلاقات الأدلة التي ذكرناها تشمل الجمعة وغيرها، لكن صحيحة
~~الحلبي عن الصادق عليه السلام تشعر بخلافه، قال: " إذا أدركت الإمام قبل أن
~~يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة، وإن أنت أدركته بعد ما ركع ms0743 فهي
~~الظهر أربعا " (1). وجوز بعض المتأخرين تخصيصه للأخبار الكثيرة لكونها
~~واردة في الجمعة (2).
# ولا يخفى عدم مقاومتها للإطلاقات الكثيرة; مع أنها خلاف الظاهر، فإن
~~الظاهر من قوله عليه السلام: " قبل أن يركع " قبل أن يفعل تمام الركوع، فإن
~~الركوع حقيقة في الجميع، وليس المراد قبل مجموع الركوع ليلزم المحذور،
~~فيصدق على الراكع أنه قبل تمام الركوع.
# ومن هذا يظهر أن المراد ببعد الركوع هو بعد تمام الركوع أيضا، وإن كان
~~ههنا لا يتفاوت الأمر، وحمله على ما بعد الشروع تجوز، وهو خلاف الأصل،
~~فالرواية مطابقة للمشهور.
# والمعتبر في الإدراك: هو إدراكه راكعا، ولا حاجة إلى بقاء الإمام بقدر
~~الذكر الواجب، وفي صحته إذا شرع في الانتصاب ولم يتجاوز حد الراكع إشكال،
~~وقد
# PageV03P210
# مر في مباحث الركوع ما ينفعك في هذا المقام (1).
# وأما لو شك في أنه هل أدركه راكعا أم لا، فالأصح عدم الاعتداد، لعدم
~~اليقين بالبراءة، وأصالة عدم الرفع معارضة بأصالة عدم الإدراك كما قيل (2).
# وذكر بعض المتأخرين أنه على القول الثاني يكفي إدراك التكبير ولو خارج
~~الصلاة كما هو ظاهر الخبر (3)، ولا يخفى أن الظاهر من الأخبار التي نقلناها
~~هو أن المراد إدراكه مع الإمام، وتنادي بذلك رواية يونس الشيباني (4).
# ثم إن الذي يدخل المسجد ويخاف فوت الركعة لو بلغ الصف فليكبر ويركع ويمشي
~~راكعا حتى يلحق بالصف.
# والظاهر أنه لا خلاف في ذلك، وادعى في المنتهى عليه اتفاق علمائنا أجمع
~~(5).
# وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم (6)، وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله
~~(7)، ورواية إسحاق بن عمار (8) المتقدمات.
# وصحيحة معاوية بن وهب، قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يوما وقد دخل
~~المسجد الحرام في صلاة العصر، فلما كان دون الصفوف ركعوا، فركع وحده و سجد
~~سجدتين ثم قام فمشى حتى لحق الصفوف (9).
# PageV03P211
# ويجر رجليه حينئذ ولا يتخطى، لما قال الصدوق في الفقيه: وروي " أنه يمشي
~~في الصلاة يجر رجليه ولا يتخطى " (1). والظاهر أنه بعنوان الاستحباب.
# ثم إن أخبار هذه المسألة عدا صحيحة محمد بن مسلم تتضمن ms0744 أنه يركع ويسجد ثم
~~يقوم ويمشي حتى يلحق بالصف، وليس فيها ما يدل على المشي حال الركوع، وحينئذ
~~فيمكن حمل ما عداها عليها وتقييدها بذلك، بأن نحملها على ما لو يف المشي
~~حال الركوع ببلوغه إلى الصف، فحينئذ يتم المشي بعد السجود، وأن المراد في
~~الصحيحة ما لو وفى المشي في هذه الحالة باللحوق بالصف، أو أن الأخبار
~~محمولة على صورة العلم بعدم اللحوق بالمشي في هذه الحالة، فلا يمشي أصلا
~~حتى يرفع من السجود، ولعل الأول أولى.
# والأظهر في الجمع بين الأخبار هو التخيير كما يظهر من المحقق في الشرائع
~~(2) وغيره أيضا (3).
# وهل يختص ذلك الحكم بما إذا كان اللحوق من عقيب الصف، أو يجوز اللحوق من
~~القدام أيضا، بأن ينوي ويركع ويرجع قهقري حتى يلحق بالصف؟
# المتبادر هو الأول، وإن كان لا يخلو القول بشمول الإطلاقات إياه من قرب.
# ويستحب إذا أدرك الإمام راكعا أن يكبر للركوع أيضا، وإن خاف الوقت أجزأته
~~تكبيرة واحدة، ونقل في المنتهى الاتفاق عليه (4)، ومر في الأخبار أيضا.
# ولو أدرك الإمام بعد رفعه من الركوع فاتت الركعة بلا خلاف، ولكن أكثر
~~علمائنا على أنه تستحب حينئذ التكبيرة للمأموم والمتابعة في السجدتين وإن
~~لم يعتد بهما (5).
# PageV03P212
# وظاهر العلامة في المختلف التوقف في هذا الحكم (1).
# والأول أظهر، لرواية ابن شريح المتقدمة، ورواية معلى بن خنيس.
# ونظر العلامة في التوقف إلى النهي الوارد في صحيحة محمد بن مسلم عن
~~الدخول في الركعة بعد الرفع. وليس بشئ، إذ الظاهر منها أن النهي عن الدخول
~~معتدا بها لا مطلقا، وتفسره صحيحته الأخرى، وقد مرت.
# والخبران مع قول أكثر الأصحاب تكفي في أدلة السنن. مع أنك قد عرفت أن
~~الأظهر طرح الروايات لتضمنها خلاف ما يظهر من الأقوى منها بمراتب.
# ومما ذكرنا ظهر ما في كلام بعض المتأخرين حيث قال بعد نقل التوقف عن
~~العلامة: وهو في محله; لا لما ذكره من النهي; فإنه محمول على الكراهة، بل
~~لعدم ثبوت التعبد بذلك (2).
# ثم بعد البناء على الاستحباب، فهل يكتفي ms0745 بتلك التكبيرة أو يستأنف بعد
~~القيام؟
# الأكثر على ذلك، وهو كذلك، لعدم ثبوت التوظيف.
# وأما ما ذكرنا من الدليل على الاستحباب فأما رواية ابن شريح فهي مع ضعفها
~~يحتمل أن يكون قوله " ومن أدرك الإمام " إلى آخره من كلام الصدوق، فحينئذ
~~لا ينهض دليلا على تخصيص ما يدل على عدم جواز زيادة الركن، واستصحاب شغل
~~الذمة اليقيني.
# وأما رواية معلى فليس فيها حكاية التكبيرة صريحا، فلا يتم التقريب.
# ومجرد ثبوت استحباب المتابعة ولو مع التكبيرة للمسامحة في أدلة السنن لا
~~يقتضي جواز اخراج العبادة التوقيفية عن وظيفتها المقررة.
# ونقل عن الشيخ القول بعدم الوجوب لاعتقاد الزيادة في الركن (3)، والشأن
~~في
# PageV03P213
# إثبات ذلك، وإن كان ما ذكره أيضا لا يخلو عن قوة ما على القول المختار،
~~فيكون التكبير الأول مستحبا.
# والظاهر من الأصحاب كما قيل أنه لا فرق في هذا الحكم بين ما قبل السجدة
~~وبعد السجدة الأولى أيضا (1) و (2).
# وستأتي رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وهي منافية لذلك; ولكن صحيحة
~~محمد بن مسلم تعارضها قال، قلت له: متى يكون يدرك الصلاة مع الإمام؟ قال:
# " إذا أدرك الإمام وهو في السجدة الأخيرة من صلاته فهو مدرك لفضل الصلاة
~~مع الإمام " (3).
# وأما لو أدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة فقد حكم العلامة (4)
~~والمحقق (5) ونقل عن غيرهما أيضا (6) بأنه يكبر ويجلس معه، فإذا سلم الإمام
~~قام وأتم صلاته، ولا يحتاج إلى استئناف التكبير.
# ولعل نظرهم إلى صدق عمومات الجماعة، ومثل رواية ابن شريح، ورواية عبد
~~الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا سبقك
~~الإمام بركعة فأدركت القراءة الأخيرة قرأت في الثالثة من صلاته وهي ثنتان
~~لك، فإن لم تدرك معه إلا ركعة واحدة قرأت فيها وفي التي تليها، وإذا سبقك
~~بركعة جلست في الثانية لك والثالثة له حتى تعتدل الصفوف قياما " قال، قال:
~~" إذا وجدت الإمام ساجدا فأثبت مكانك حتى يرفع رأسه، وإن كان قاعدا قعدت،
~~وإن كان قائما قمت " (7)
# PageV03P214
# وقال المحقق في المعتبر ms0746 بأنه مخير حينئذ بين الإتيان بالتشهد وعدمه (1)،
~~واستدل عليه بموثقة عمار، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يدرك
~~الإمام وهو قاعد يتشهد وليس خلفه إلا رجل واحد عن يمينه، قال: " لا يتقدم
~~الإمام ولا يتأخر الرجل، ولكن يقعد الذي يدخل معه خلف الإمام، فإذا سلم
~~الإمام قام الرجل فأتم الصلاة " (2) و (3).
# وأنت خبير بأن (4) استدلاله - رحمه الله - على التخيير لا يتم بهذه
~~الموثقة فقط إن كان مراده مجموع القعود للتشهد ونفسه وإثبات التخيير في
~~ذلك، بل لا بد من انضمام موثقة عمار الأخرى، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن رجل أدرك الإمام وهو جالس بعد الركعتين، قال: " يفتتح الصلاة ولا
~~يقعد مع الإمام حتى يقوم " (5) ولعل ذلك يحتاج (إلى دعوى الاجماع المركب
~~أيضا) (6) مع أن هذا ليس مراده، لنصه بالجلوس.
# وإن كان مراده التخيير في نفس التشهد فلا وجه له أيضا، إلا أن يقال:
~~القعود مطلق، والمطلق مخير في إيجاده في ضمن الأفراد، ولم يظهر من عمومات
~~متابعة الإمام للمأموم استحبابه ههنا، ولم تنصرف الإطلاقات إلى ذلك، وكذا
~~الأخبار الدالة على أن التشهد بركة كما سيجئ إن شاء الله تعالى، فيبقى
~~الإطلاق بحاله.
# وقد ظهر من مجموع ما ذكرنا أن الفضيلة لعلها تدرك بإدراك التشهد، وقد
~~يقال: لا تدرك بذلك، لأن ظاهر صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة ذلك، إذا جعل
~~منتهى إدراكه الفضيلة إدراكه في السجدة الأخيرة.
# PageV03P215
# وبالجملة حصول الفضيلة له بذلك مما لا ريب فيه على تقدير الاستحباب، وأما
~~كونها فضيلة الجماعة ففيه تردد.
# الثامن عشر: إذا سبق المأموم بركعة فصاعدا; يجعل ما يدركه أول صلاته،
~~ويتم صلاته بعد تسليم الإمام، بالإجماع والأخبار، وحكمه في القراءة في غير
~~أخيرتي الإمام ما مر.
# وهل يجب عليه إذا كان الإمام في الأخيرتين القراءة؟ اختار في المنتهى
~~الاستحباب (1) ونقل عن بعض فقهائنا الوجوب (2).
# وفي المختلف بعد نقل الوجوب عن المرتضى - رحمه الله - قال: وأصحابنا وإن
~~قالوا إنه يقرأ لكن لم يذكروا الوجوب، ثم اختار عدم الوجوب، لأنه مأموم ms0747
~~فتسقط عنه القراءة، وحمل تلك الأخبار على الندب جمعا (3).
# والأظهر عندي الوجوب، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4)، وصحيحة زرارة
~~(5)، ورواية أحمد بن النضر (6).
# وتؤيده بل تدل عليه صحيحة الحلبي (7)، وصحيحة معاوية بن وهب (8)، ورواية
# PageV03P216
# عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1)، وعموم قوله: " لا صلاة إلا بفاتحة
~~الكتاب " (2).
# وما احتجوا به من سقوط القراءة عن المأموم فلا يشمل ما نحن فيه، أما
~~الاجماع فظاهر، وأما العمومات فلا تنساق إلى ما نحن فيه، بل الظاهر منها هو
~~ما لو أدرك قراءة الإمام، مع أن أكثرها دال على الحرمة، ولم نقف على قائل
~~به فيما نحن فيه.
# سلمنا، لكنها مخصصة بهذه الأخبار.
# وما ارتكبه العلامة من الجمع إنما يصح مع جعل جميع الأخبار الدالة على
~~السقوط ممنوعة الدلالة على الحرمة، ودعوى أن مدلولها مجرد نفي الوجوب، وهو
~~كما ترى.
# والقدح في دلالتها على الوجوب ليس في محله، فإن الأمر حقيقة في الوجوب،
~~وكذلك الجملة الخبرية ظاهرة فيه.
# وما قيل: إنها في كلام الأئمة من المجازات الراجحة في الندب، لغلبة
~~شيوعها فيه، فقد حققنا بطلانه في القوانين المحكمة (3).
# ولا وجه للقدح فيها من جهة اشتمالها على ذكر المستحبات أيضا، لأن ذلك لا
~~يوجب الخروج عن الأصل، مع خلو بعضها عن ذلك أيضا.
# ثم إن الذي يظهر من الروايات وجوب القراءة إذا أدرك الركعة تامة أو
~~الركعتين كذلك، فما يظهر وجوبه منها فهو ما علم أو ظن تمكنه من القراءة ولو
~~بمجرد أم الكتاب، وإلا فلا يجب مطلق الشروع وقراءة آية أو آيتين أو أكثر،
~~بل لا دليل على جوازه أيضا.
# ولو ظن تمكنه من القراءة وشرع فركع الإمام قبل إتمامه، فإن أمكنه الاتمام
# PageV03P217
# ولو بمجرد فاتحة الكتاب بأن لا ينافي القدوة في عرف المتشرعة بسبب كثرة
~~التراخي أتم ولحق بالإمام في أواخر ركوعه، وإلا فيشكل.
# ويمكن القول بوجوب الإتمام واللحوق بالإمام أينما أدركه وإن كان في
~~السجود، للإطلاقات ودعوى الاجماع.
# قال الشهيد في الذكرى: لو سبق المأموم بعد انعقاد صلاته أتى بما وجب عليه ms0748
~~والتحق بالإمام، سواء فعل ذلك عمدا أو سهوا أو لعذر، وقد مر مثله في
~~الجمعة، ولا يتحقق فوات القدوة بفوات ركن ولا أكثر عندنا. وفي التذكرة توقف
~~في بطلان القدوة بالتأخر بركن (1)، والمروي بقاء القدوة، رواه عبد الرحمن،
~~عن أبي الحسن عليه السلام: فيمن لم يركع ساهيا حتى انحط الإمام للسجود: "
~~يركع ويلحق به " (2) و (3) انتهى.
# وأنت بعد التأمل فيما ذكرنا من اعتبار التمكن من القراءة علما أو ظنا في
~~اللحوق تعرف أن المسألة تصير من باب المسبوقية بعد انعقاد الصلاة، ويجئ
~~الكلام في إتمام السورة أيضا، لكن في صحيحة زرارة: " فإن لم يدرك السورة
~~تامة أجزأته أم الكتاب " (4) مع أن بعضهم منع القول بوجوب السورة من الأصل
~~أيضا (5)، وقال:
# من أوجب القراءة إنما أوجب الفاتحة، وإن كان فيه نظر كما يظهر من
~~الاستدلال بما اشتمل على السورة أيضا، هذا حال الركعتين الأوليين للمأموم.
# وأما الركعتان الأخيرتان التي يفعلهما بعد فراغ الإمام فهو مخير فيهما
~~بين الحمد والتسبيح على المشهور الأقوى، لعموم ما دل على ذلك.
# PageV03P218
# ونقل في روض الجنان قولا بوجوب القراءة في ركعة لئلا تخلو الصلاة عن
~~فاتحة الكتاب (1)، وهو باطل، سيما على ما اخترناه من وجوب القراءة عليه في
~~الأوليين.
# وعلى القول الآخر أيضا يكفي ما قرأه الإمام ولو قبل ائتمامه به.
# ثم إن المسبوق يتابع الإمام في القنوت، كما في موثقة عبد الرحمن بن أبي
~~عبد الله أو صحيحته، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يدخل في الركعة
~~الأخيرة من الغداة مع الإمام فقنت الإمام، أيقنت معه؟ قال: " نعم، ويجزؤه
~~عن القنوت لنفسه " (2) وهو يدل على سقوط القنوت عنه، لكن لا ينفي استحبابه
~~في الركعة الأخيرة.
# ويشكل ذلك في غير الغداة، فلا يبعد أن يكون الأولى تركه، ومع منافاته
~~للقدوة فمتعين، لكن الظاهر عدم المنافاة كما مر.
# وكذلك تستحب متابعته في التشهد، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3)، وصحيحة
~~الحلبي (4) وغيرهما (5).
# ويستحب التجافي فيه، ففي صحيحة الحلبي: " ومن أجلسه الإمام في موضع يجب
~~أن يقوم فيه تجافى ms0749 وأقعى إقعاءا ولم يجلس متمكنا " (6).
# ويجب عليه التشهد لنفسه في كل موضع يجب عليه، للعموم، ولا تنافيه صحيحة
~~عبد الرحمن بن الحجاج.
# ويجوز للمسبوق القيام قبل تسليم الإمام، ولا تجب نية الانفراد، والأحوط
# PageV03P219
# الصبر حتى يتم، ومع نية الانفراد كما بينا جوازه فلا إشكال.
# التاسع عشر: إذا مات الإمام أو أغمي عليه استناب المأمومون من يتم بهم
~~الصلاة، وادعى عليه الاجماع جماعة (1)، منهم العلامة في التذكرة (2).
# وتدل عليه صحيحة الحلبي (3).
# وإطلاقها يشمل من لم يكن في المأمومين، وقطع به في المنتهى (4).
# وكذا لو عرض الإمام عارض من حدث أو رعاف أو ضرورة يستنيب، وإن لم يستنب
~~فيستنيب المأمومون، والظاهر أنه أيضا إجماعي كما ادعاه جماعة (5)، وكذا
~~كونه بعنوان الاستحباب.
# والأخبار في استنابة الإمام كثيرة جدا، وكثير منها صحيح، وصحيحة علي بن
~~جعفر (6) في استنابة المأمومين أيضا محمولة على تأكد الاستحباب.
# ولو لم يستنيبوا فإما ينفرد كل منهم أو يأتم بعضهم ببعض.
# وتكره استنابة المسبوق كما يقتضيه الجمع ما بين صحيحة سليمان بن خالد (7)
~~وصحيحة معاوية بن عمار (8)، وغيرها (9)، بل من لم يشهد الإقامة كما تدل
~~عليه
# PageV03P220
# رواية معاوية بن شريح (1) ورواية معاوية بن ميسرة (2).
# والظاهر جواز استنابة غير المأمومين هنا أيضا، لظاهر صحيحة جميل بن دراج
~~عن الصادق عليه السلام: في رجل أم قوما على غير وضوء فانصرف وقدم رجلا ولم
~~يدر المقدم ما صلى الإمام قبله، قال: " يذكره من خلفه " (3) ويقرب منها
~~رواية زرارة (4).
# والمسبوق النائب يؤمي إلى المأمومين إذا تمت صلاتهم يمينا وشمالا
~~ليسلموا، ثم يقوم فيأتي بما بقي عليه، والظاهر أنه أيضا إجماعي، وتدل عليه
~~صحيحة معاوية بن عمار، وصحيحة عبد الله بن سنان (5).
# وجعل الشيخ في التهذيب الأحوط العمل بمقتضى رواية طلحة بن زيد من أن
~~النائب يقدم من يسلم عليهم (6).
# وجوز في المنتهى بعد القول باستحباب ذلك انتظارهم حتى يفرغ ويسلم بهم كما
~~في صلاة الخوف (7)، والأظهر العمل بمقتضى الصحيحتين.
# العشرون: إذا ظهر فسق الإمام أو كفره أو كونه على غير طهور فلا تجب
~~الإعادة ms0750 على المأموم على المشهور الأقوى، لأن الأمر يقتضي الاجزاء.
# وللصحاح المستفيضة وغيرها، منها صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام،
# PageV03P221
# قال: سألته عن قوم صلى بهم إمامهم وهو غير طاهر، أتجوز صلاتهم أم
~~يعيدونها؟
# فقال: " لا إعادة عليهم، تمت صلاتهم، وعليه هو الإعادة، وليس عليه أن
~~يعلمهم، هذا عنه موضوع " (1).
# وفي صحيحة محمد بن مسلم: " ولا يعيد من خلفه وإن أعلمهم أنه كان على غير
~~طهر " (2).
# وفي موثقة ابن بكير قال: سأل حمزة بن حمران أبا عبد الله عليه السلام عن
~~رجل أمنا في السفر، وهو جنب، وقد علم ونحن لا نعلم، قال: " لا بأس " (3).
# والظاهر أن حكم من ظهر أنه صلى على غير القبلة أيضا كذلك، لصحيحة الحلبي
~~(4) وحسنته (5).
# ومن الوجوه المتصورة في ذلك أن المأمومين كانوا قد تحروا ولو باعتمادهم
~~على إمامهم والإمام كان قد صلى بدون التحري.
# وأما رواية العرزمي الدالة على أن عليا عليه السلام صلى مع القوم بلا طهر
~~ثم نادى مناديه بالأمر بالإعادة (6)، فهي مقدوحة سندا (7) ومضمونا، لعصمته
~~عليه السلام.
# وفي مقابل المشهور قول السيد (8) وابن الجنيد (9) بوجوب الإعادة استنادا
~~إلى
# PageV03P222
# وجه ضعيف.
# وقول الصدوق بالتفصيل بالإعادة في الإخفاتية دون الجهرية (1). ويظهر من
~~الفقيه أن به رواية، وشذوذها وعدم وضوح سندها يمنع عن العمل بها.
# ولو ظهرت الأمور المذكورة في الأثناء ففيه وجهان مبنيان على القولين،
~~والوجه العدم، لما مر، ولصحيحة زرارة.
# وإذا كان المأموم مخالفا للإمام في بعض المسائل الفرعية فهو غير مضر في
~~القدوة، وإن كان يحلل ما كان فعله فسقا عنده، لأن المفروض عدالته.
# وأما لو كان ذلك في مسائل الصلاة، مثل أنه ترك السورة وهو يوجبها، أو أنه
~~يجوز ترك الجهر في الجهريات ويتركه وهو يوجبه، والوجه البطلان، لوجوب
~~الاقتداء بمن يفعل صلاة صحيحة في نفس الأمر، وظن المجتهد قائم مقام الصحة
~~النفس الأمرية، وكذلك الظن الحاصل من تقليد المجتهد إذا كان مقلدا.
# ويشكل فيما تخالفا في الوجه وفعلا، مثل أن يقتدي من يعتقد وجوب الجمعة
~~عينا بمن يفعلها استحبابا أو ms0751 بالعكس، وكذلك الكلام لو اقتدى من يوجب قراءة
~~السورة مع من يقول باستحبابها إذا قرأها في هذه الصلاة، ولا تبعد الصحة،
~~سيما إذا لم ينو الوجه.
# PageV03P223
# المقصد الثاني في منافيات الصلاة وفيه مباحث:
# الأول: لا يجوز قطع الصلاة اختيارا، سواء كان بالذات كالإعراض عنها، أو
~~بالتبع كفعل ما يبطلها مما يجئ.
# وعنوان المسألة في كلامهم هنا القسم الأول، والظاهر أنه إجماعي.
# ولكن القدر المسلم الثابت منه هو ما إذا كان في الفرائض كما خصص الحكم
~~بها العلامة (1) والمتأخرون عنه (2): وما كان لغوا أو لفعل حرام; لا مطلقا.
# ولذلك حكم الشهيدان بجريان الأحكام الخمسة فيه (3)، كالقطع لحفظ النفس
~~ونحوها، ولتدارك الأذان والإقامة، وقراءة الجمعة لمن نسيها، ونحوهما، ولحفظ
~~ما لا مالية فيه كالحبة والحبتين من الحنطة ونحوه، ولحفظ المال اليسير الذي
~~لا يضر فوته
# PageV03P224
# ونحوه، ولا يبعد جعل حفظ الحبة والحبتين من باب اللغو.
# وكيف كان فالقائلون بحرمة القطع قيدوه بحال الاختيار، وأما حال الاضطرار
~~مثل أخذ الآبق والغريم وقتل الحية التي يخافها على نفسه أو غيره فهو مستثنى
~~عندهم كما دلت عليه صحيحة حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن الصادق عليه السلام
~~(١)، وموثقة سماعة (٢)، ويمكن (٣) الاستدلال بظاهرهما على حرمة القطع في
~~الجملة.
# وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (٤) فهو ضعيف، لأنه من باب ضيق
~~فم الركية، يعني لا تعملوا باطلا، ومنه قوله تعالى: ﴿كالذي ينفق ماله رئاء الناس﴾ (5)، أو معناه لا
~~تفعلوا ما يوجب حبطها من الكفر والنفاق والعصيان، كما يستفاد مما رواه في
~~ثواب بالأعمال في تفسير الآية (6)، ولا مناسبة لهما بالمقام.
# وأما إرادة " لا تخربوها بعد الشروع فيها بالإعراض عنها أو بفعل ما
~~ينافيها " فهو أبعد المعاني، إذ المتبادر من الأعمال هي الطاعات المعهودة،
~~ومن إبطالها هو مع اعتقاد بقائها على وصف العملية، ومن يريد أن يبدل هذا
~~الشخص منها بشخص
# PageV03P225
# آخر فهو لا يبطل عمله، بل يبدل هذا بآخر، فتأمل بالدقة وتحقق.
# وأما صحيحة عبد الرحمن ms0752 بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن
~~الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع أن يصبر عليه، أيصلي على تلك الحال
~~أو لا يصلي؟ قال، فقال: " إن احتمل الصبر ولم يخف إعجالا عن الصلاة فليصل
~~وليصبر " (1) فدلالتها أيضا ممنوعة، لكون الأمر فيها واردا في محل الحظر.
# وكذلك لا دلالة في موثقة عمار المانعة عن قتل الحية إذا كان بينه وبينها
~~أكثر من خطوة (2)، لأن الظاهر منها بيان الجواز وعدمه مع البقاء على
~~الصلاة، وحاصله تحديد الفعل الكثير.
# وكذلك الأخبار الدالة على منع قطع المتيمم صلاته إذا وجد الماء بين
~~الصلاة (3) ليست ظاهرة في حرمة القطع من حيث هو قطع.
# الثاني: لو أحدث في أثناء الصلاة، فإن كان ذاكرا للصلاة فيبطل، سواء كان
~~باختياره أو سبقه بلا اختيار بإجماع أصحابنا، بل العلماء كافة كما نقلوه
~~(4).
# وقد مر الكلام في خصوص التشهد الأخير، وأن ظاهر الصدوق الإطلاق (5)، ولعل
~~مراده أيضا صورة السهو.
# وإن كان ساهيا لها، فالظاهر أن بطلان الصلاة به في الجملة أيضا إجماعي،
~~كما هو ظاهر التذكرة (6). ولكن يظهر مما نقل عن العلامة في النهاية أن
~~الخلاف في صورة
# PageV03P226
# سبق الحدث بدون اختيار (1)، والباقون أطلقوا محل النزاع في صورة السهو.
# والمخالف هو السيد والشيخ في بعض أقواله، فإنهما قالا: يتطهر ويبني على
~~ما مضى (2).
# وعن ابن أبي عقيل (3) والمفيد (4) وجماعة (5) التفصيل في المتيمم وغيره،
~~فأوجبوا البناء في المتيمم إذا سبقه الحدث ووجد الماء، والاستئناف في غيره.
~~والأقوى الأول.
# لنا: عدم ثبوت التوظيف بمثله من الشارع، لضعف متمسك المثبت كما سيجئ، وأن
~~الصلاة مشروطة بالطهارة، ويجب تلبسها بها، فبانتفائها تنتفي الصحة.
# وما قيل: إن المفروض وقوع جميع أجزائها بالطهارة فلا تنافي فاصلة
~~انتفائها (6); كلام ظاهري، إذ المستفاد من الشرع انسلاك الأفعال والأذكار
~~في سمط واحد، فالصلاة هي مجموع الأفعال والأذكار المنسلكة في حبل متصل هو
~~الزمان الممتد بين التكبير والتسليم، وقطع ذلك السلك يوجب تفرق هذا الدرج،
~~وليست الصلاة محض الأفعال والأذكار فقط حتى يصح ما ذكر.
# وتدل عليه ms0753 أيضا موثقة عمار (7)، وموثقة أبي بكر الحضرمي (8)، ورواية
# PageV03P227
# أبي الصباح الكناني (1)، ورواية الحسن بن الجهم (2) المتقدمات في مبحث
~~التشهد.
# وتؤيده صحيحة الفضلاء عن الصادق عليه السلام، قال: " إن سال من ذكرك شئ
~~من مذي أو ودي فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة، ولا تنقض له الوضوء، إنما هو
~~بمنزلة النخامة " (3) الحديث.
# حجة القول الثاني: صحيحة الفضيل بن يسار (4)، وصحيحة زرارة (5). وربما
~~يؤيد برواية أبي سعيد القماط (6) وبعض الأخبار المتقدمة في مبحث التشهد
~~(7).
# ولا دلالة في الصحيحين كما هو في غاية الوضوح، لأن مفادهما أنه إن آذته
~~بطنه فينصرف ويقضي حاجته ويتوضأ ويبني على ما مضى من صلاته، وهو خلاف
~~المدعى.
# مع أن صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في البحث الأول تدفعهما،
~~وكذلك رواية أبي سعيد.
# وأما الأخبار المتقدمة في التشهد فقد مر الكلام فيها.
# حجة التفصيل في المتيمم وغيره: صحيحتا زرارة، وفي إحداهما قال، قلت:
# في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلاة فتيمم وصلى ركعتين، ثم أصاب الماء،
~~أينقض الركعتين أو يقطعهما ويتوضأ ثم يصلي؟ قال: " لا، ولكنه يمضي في
# PageV03P228
# صلاته، فيتمها ولا ينقضها، لمكان أنه دخلها وهو على طهور بتيمم " قال:
~~زرارة، فقلت له: دخلها وهو متيمم فصلى ركعة فأحدث فأصاب ماءا، قال: " يخرج
~~ويتوضأ ويبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم " (1).
# وقد يناقش فيهما بعدم الدلالة على اختصاص ذلك بالتيمم، لأن السؤال إنما
~~وقع عن التيمم، مع أن الحكم في غيره أولى، لكون التيمم أضعف من غيره.
# وفيه: أنهم اعتمدوا في التفصيل بالجمع بين الصحيحين وبين الإطلاقات التي
~~دلت على البطلان، لا بنفس الصحيحين.
# وربما يوجه الحديث بأن كلمة " أحدث " مبني للمفعول، أي أحدث حدث و وجد
~~سبب وسنح أمر من أمطار السماء ونحوها من أسباب وجود الماء (2); ليلائم
~~تفريع إصابة الماء، وحينئذ فلا دلالة فيهما إلا على التفصيل في مسألة وجدان
~~الماء للمتيمم بين الصلاة.
# وهو بعيد، لأن كلمة الفاء لا تختص بالتفريع. مع أن قوله عليه السلام "
~~لمكان أنه دخلها " إلى آخره ينافيه، ms0754 مع أن الفارق بين الركعة والركعتين في
~~مسألة التيمم لم يعهد منه القول بالبناء.
# وربما حملتا على التقية (3)، وليس ببعيد، وطريقة الاحتياط واضحة.
# الثالث: من تكلم في صلاته عمدا بغير القرآن والذكر والدعاء فتبطل صلاته
~~إجماعا، على ما نقله غير واحد من الأصحاب (4)، والأخبار المعتبرة
# PageV03P229
# بها مستفيضة.
# ولكن مورد الاجماع هو ما كان بحرفين فصاعدا، فإن التكلم بحرف واحد لا
~~يبطل إجماعا على ما نقله غير واحد (1).
# والإجماعان إنما ثبتا في الجملة، لحصول الإشكال في المهمل في الأول،
~~والحق كونه مبطلا، لصدق الكلام عليه، فيشمله ظاهر الأخبار والإجماعات; وفي
~~مثل التأوه، وسيجئ الكلام فيه. ولوجود الإشكال والتردد في الحرف الواحد
~~المفهم مثل " ق " و " ع "، والحق عدم الإشكال، لصدق الكلام عليه عرفا
~~واصطلاحا، بل لا يبعد إلحاق الحرف المفهم بالقرينة أيضا، وإن لم يكن من هذا
~~القبيل.
# وأما التكلم نسيانا فلا يبطل بالإجماع والصحاح المستفيضة، ولكن تجب عليه
~~سجدتا السهو، ادعى عليه في المنتهى اتفاق الأصحاب (2)، ولكنه نسب في
~~المختلف خلافه إلى الصدوقين (3)، وكذا الشهيد في الذكرى (4).
# ويدل على الأول صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (5)، وصحيحة عبد الله بن أبي
~~يعفور الآتية في الشك بين الاثنين والأربع (6).
# وعلى الثاني صحيحة زرارة (7) وصحيحة محمد بن مسلم (8) ففيهما:
# PageV03P230
# " لا شئ عليه ".
# والجمع يقتضي حملهما على نفي الإعادة والإثم.
# ولا فرق في ذلك بين من يسهو ويظن إتمام الصلاة ويتكلم وغيره، وتدل عليه
~~صحيحة الأعرج الآتية أيضا (1).
# وأما المكره ففيه وجهان، لعدم انصراف العمد إليه، ولا يبعد القول بعدم
~~البطلان، والاحتياط في الإعادة.
# وأما التنحنح فلا يبطل، للأصل، وموثقة عمار: إنه سأل أبا عبد الله عليه
~~السلام عن الرجل يسمع صوتا بالباب وهو في الصلاة فيتنحنح ليسمع جاريته
~~وأهله لتأتيه، ويشير إليها بيده ليعلمها من بالباب لينظر من هو، قال: " لا
~~بأس به ".
# وعن الرجل والمرأة يكونان في الصلاة فيريدان شيئا، أيجوز لهما أن يقولا
~~سبحان الله؟ قال: " نعم، ويؤميان إلى ما يريدان، والمرأة إذا أرادت شيئا
~~ضربت على فخذها وهي في الصلاة ms0755 " (2) ويظهر من هذا الحديث جواز التنبيه
~~بالذكر والدعاء والقرآن بطريق الأولى، فيقول للمستأذن: (ادخلوها بسلام)
~~والمأموم للإمام الناسي للاخفات: (ولا تجهر بصلاتك) ويدل على ذلك صحيحة علي
~~بن جعفر (3) وغيرها (4) أيضا.
# ولعله يظهر من تتبع الأخبار عدم اختصاص الحكم بالأذكار المنصوصة، ولا
~~الحاجات المنصوصة.
# وأما التأوه، فيبطل إذا كان تكلما بحرفين. وفيما كان من خوف الله وجهان،
# PageV03P231
# اختار جوازه المحقق، لوصف الخليل بكونه أواها، وأنه منقول عن كثير من
~~الصلحاء (1).
# والأولى أن يقال: إنه من جملة الدعاء، لأنه من باب الشكوى عند الله
~~وإظهار الوجع والألم من الخوف، ويؤيده وروده في الأدعية، واندراج ذلك
~~الدعاء في عموم ما جوز، فالأظهر الجواز.
# وأما الأنين، فهو مبطل إذا صار تكلما بحرفين، بل الأحوط الاجتناب فيه عن
~~الواحد أيضا، لما في رواية طلحة بن زيد (2) وما رواه الصدوق من قوله عليه
~~السلام:
# " من أن في صلاته فقد تكلم " (3).
# والأولى حملهما مع ضعفهما بما تولد منه حرفان، وإن جعلنا الحرف المفهم
~~مطلقا مبطلا فيشكل هذا الحمل أيضا، سيما مع سهولة تركه.
# الرابع: لو سلم عليه مسلم في الصلاة يجب عليه الرد نطقا، والظاهر أنه
~~إجماع أصحابنا، وعن الشافعي وأحمد ومالك أنه يرد بالإشارة برأسه أو بيده،
~~وعن أبي حنيفة المنع مطلقا (4).
# لنا: الآية (5) والأخبار (6).
# فلنقدم الكلام في معنى الآية وبعض ما يترتب عليه، ثم نتكلم في أصل
~~المسألة لما فيها من الفوائد، فههنا مسائل:
# الأولى: فسر جمهور المفسرين التحية بالسلام، وذكره أكثر اللغويين أيضا
~~(7)،
# PageV03P232
# وهو منهم خلط، لأن السلام من مخترعات الشرع، والتحية في الأصل مصدر حيى
~~يحيي بمعنى الإخبار عن الحياة، ثم استعمل في الدعاء وطلب الحياة، ثم قيل
~~لكل دعاء، وغلب في السلام (1).
# وقيل: إنه العطية، وفرع عليه وجوب العوض على المتهب، وهو منقول عن
~~الشافعي (2)، وهو ضعيف.
# وكيف كان فالظاهر من الآية هو السلام، لأنه نسخ تحية الجاهلية، والأصل
~~براءة الذمة عن وجوب كل تحية حتى تثبت بدليل، والاحتياط في غير الصلاة عدم
~~الترك مطلقا.
# وفي تفسير علي بن إبراهيم عن ms0756 الصادقين عليهما السلام: " أنه السلام وغيره
~~من البر " (3) وهو يستلزم وجوب رد مثل كل عطية وإحسان بعد حمل ردها على
~~أقرب مجازاته، وهو رد مثله ليصح رد نفس الإحسان، فضلا عن وجوبه، وهو باطل.
# نعم ورد في الروايات ما يدل على أن تسميت العاطس ورده من التحية المذكورة
~~في الآية (4)، وكذا الإكرام بمثل طاقة نرجس كما فعلتها جارية للحسن بن علي
~~عليه السلام وأعتقها في مقابلها (5).
# ولكن ضعف الروايتين وكونهما من تفسيرات البطون يوجب حملهما على
~~الاستحباب.
# وربما يوجه ما في تفسير علي بن إبراهيم بزيادة البر والإحسان على السلام
~~(6)،
# PageV03P233
# وتدفعه الروايتان المذكورتان: الأولى في الخصال (1)، والثانية في المناقب
~~(2).
# قيل: والمراد (بأحسن منها) إذا كان المسلم مسلما، ويردها إذا كان من أهل
~~الكتاب (3). والأقوى أن المراد بالكل المسلمين.
# ولا يجب الأحسن في المسلمين، لظاهر الآية.
# وجواب أهل الكتاب هو عليك أو عليكم كما روى عن النبي صلى الله عليه وآله
~~(4).
# وروي: أن رجلا دخل عليه صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك، فقال
~~النبي صلى الله عليه وآله: " وعليك السلام ورحمة الله " فجاءه آخر فقال:
~~السلام عليك ورحمة الله، فقال صلى الله عليه وآله: " وعليك السلام ورحمة
~~الله وبركاته " فجاءه آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال
~~النبي صلى الله عليه وآله: " وعليك " فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه
~~وآله زدت للأول والثاني في التحية ولم تزد في الثالث، فقال: " إنه لم يبق
~~لي من التحية شيئا، فرددت عليه مثله " (5).
# والظاهر أن السلام يصح بمثل سلام مرفوعا وسلاما منصوبا، والسلام بحذف
~~الخبر، وسلامي عليك، وسلام الله عليك، ويجب ردها، خلافا لابن إدريس (6).
# وفي قولك " عليك " أو " عليكم السلام " أيضا خلاف، والأظهر عدم وجوب
~~الرد، وقد روى العامة عنه صلى الله عليه وآله المنع لمن قال عليك السلام،
~~معللا بأنه
# PageV03P234
# تحية الموتى، والأمر بقوله: السلام عليك، والرد بعليك السلام (1).
# الثانية: الأقوى أنه لا يجب الرد في غير الصلاة بقوله " عليكم السلام "
~~أو " عليك السلام " للعموم، وخصوص حسنة إبراهيم بن ms0757 هاشم (2).
# وقال العلامة: وصيغة الجواب " وعليكم السلام، وعليك السلام " مع العاطف
~~وبدونه (3).
# الثالثة: وجوب الرد فوري، للتبادر، وللفاء; وإن تأمل بعضهم في دلالتها
~~إذا كانت جزائية.
# وتاركه آثم.
# وهل يجب أداؤه في ثاني الحال؟ الأظهر لا، لأنه كالموقت يحتاج وجوبه ثانيا
~~إلى دليل كما حقق في الأصول، وقيل: يبقى في ذمته إلى أن يؤديه إليه (4)،
~~وهو ضعيف.
# الرابعة: يجب إسماع الرد تحقيقا أو تقديرا، ولم ينقلوا فيه خلافا في غير
~~حال الصلاة، لأنه المتبادر من الآية والعرف في التحية، وفي بعض الروايات
~~عليه دلالة أيضا (5); وما دل من الروايات على خلافه (6) فهو محمول على
~~التقية.
# الخامسة: لو تلاقى اثنان فسلم كل واحد منهما على الآخر يجب على كل منهما
~~جواب الآخر، وهو ظاهر.
# والظاهر أنه لو سلم جماعة على واحد يجوز أن يجيب بجواب واحد على صيغة
# PageV03P235
# الجمع، وكذلك يجوز السلام بصيغة الجمع على الواحد قاصدا معه الملائكة
~~الكاتبين كما ورد في بعض الأخبار (1)، أو المؤمنين أيضا.
# وعلى هذا فيجوز التسليم على المرأة بصيغة الجمع المذكر أيضا، تغليبا،
~~وكذلك الجواب.
# السادسة: وجوب الرد كفائي إذا كان المسلم عليهم جماعة، للإجماع، والأخبار
~~(2)، وبهما تخصص العمومات الظاهرة في العينية، ولا يسقط إلا برد من كان
~~داخلا فيهم.
# وفي سقوطه برد الصبي المميز إذا كان من جملتهم إشكال، ولا يبعد السقوط
~~خصوصا مع القول بكون عبادته شرعية كما هو الأظهر، لعموم موثقة غياث بن
~~إبراهيم (3)، ورواية ابن بكير (4)، وفيهما دلالة على إجزاء سلام الواحد
~~أيضا عن الجماعة كالرد. وفي ثبوت رد سلام الصبي المميز أيضا إشكال، الأظهر
~~الوجوب للعموم.
# السابعة: في وجوب رد السلام الوارد عليك من وراء الجدار، أو بواسطة
~~الرسول أو الكتاب، أو عند المفارقة; إشكال.
# الأظهر في الأول والآخر الوجوب، للعموم، وفي قرب الإسناد رواية تدل على
~~استحباب السلام عند المفارقة (5)، فلا بأس بمتابعتها.
# وفي الكافي رواية صحيحة تدل على وجوب رد الكتاب، كوجوب رد السلام (6).
# PageV03P236
# الثامنة: قيل: يحرم سلام المرأة على الأجنبي بناءا على أن صوتها عورة
~~(1)، والأظهر عدمه، ms0758 إلا إذا كان مظنة الريبة كما أشرنا سابقا.
# ويظهر من ذلك وجوب الرد عليها لو سلم عليها أحد.
# نعم يكره السلام على الشابة منهن حذرا من الريبة والشهوة كما رواه
~~الكليني في الحسن كالصحيح (2).
# ولو قلنا بحرمة سلام الأجنبي والأجنبية أيضا فالأظهر وجوب الرد، للعموم،
~~وقال في التذكرة: فلو سلم رجل على امرأة أو بالعكس، فإن كان بينهما زوجية
~~أو محرمية أو كانت عجوزة خارجة عن مظنة الفتنة ثبت استحقاق الجواب، وإلا
~~فلا (3).
# التاسعة: لا يجوز الابتداء بالسلام على أهل الذمة إلا في حال الاضطرار،
~~ومنه الاحتياج إلى أطبائهم.
# ولو سلم عليه ذمي ففي وجوب الرد إشكال، نعم هو أحوط.
# وأما الرد; فقال العلامة - رحمه الله - تقول: هداك الله، أو أنعم الله
~~صباحك، أو أطال بقاءك، ولو رد السلام لم يزد في الجواب على قوله: وعليك
~~(4).
# أقول: والمستفاد من الأخبار عدم الاختصاص بأهل الذمة، وأنه لا يجوز
~~ابتداء السلام على الكافر مطلقا، إلا في حال الاضطرار، وأن جوابهم " عليك
~~أو عليكم " مع العطف أو بدونه.
# العاشرة: يجب رد السلام ولو كان مكروها، كالسلام على من كان في حال
~~الخطبة والحمام والخلاء وفي حال الصلاة وأمثال ذلك على القول بكراهتها، وإن
~~قلنا
# PageV03P237
# بأن الكراهة بمعنى المرجوحية كما هو الأظهر لا الأقل ثوابا كما ذكره بعض
~~الأصحاب في توجيه مكروه العبادات; للعموم.
# الحادي عشر: لو سلم عليه مسلم في الصلاة فيجب رده قطعا بإجماع أصحابنا
~~كما يظهر من العلامة (1) وغيره (2)، ولفظ الجواز المذكور في كلمات علمائنا
~~(3) إنما أريد به المعنى الأعم ردا على العامة.
# قال في الذكرى: وظاهر الأصحاب مجرد الجواز للخبرين، والظاهر أنهم أرادوا
~~به شرعيته، ويبقى الوجوب معلوما من القواعد الشرعية (4).
# ولعله أراد من القواعد الآية والإجماع والأخبار المطلقة، وفي بعض الأخبار
~~الخاصة أيضا دلالة عليه.
# وكيف كان فلا إشكال في وجوب الرد في الجملة، إنما الكلام في مقامات أخر:
# الأول: إنه لا يعتبر في الرد قصد القرآن، لظاهر الآية والأخبار (5)، ونقل
~~عن ظاهر الشيخ اعتباره (6)، وليس بشئ.
# الثاني: المشهور ms0759 أنه يجب إسماعه، للتبادر، وحكم العرف والعادة، وخصوص
~~رواية ابن القداح (7).
# وظاهر المحقق في المعتبر (8)، والمحقق الأردبيلي (9) - رحمه الله - عدم
~~الوجوب
# PageV03P238
# نظرا إلى صحيحة منصور عن الصادق عليه السلام (١)، وموثقة عمار (٢)
~~الدالتين على إخفاء الرد، وهما محمولتان على التقية، وكذلك رواية محمد بن
~~مسلم (٣).
# الثالث: ظاهر الأصحاب وجوب الرد بالمثل في الصلاة، وفسره بعضهم بأنه إذا
~~قال: " سلام عليكم " لا يجوز الجواب بعليكم السلام، ونسبه المرتضى إلى
~~الشيعة (٤) والمحقق إلى مذهب الأصحاب (٥).
# وذلك لا يستلزم عدم جواز رد مثل قوله: " سلام عليك " ب " سلام عليكم "
~~ولا بالعكس إلا من جهة الأخسية، ولا يبعد القول بالجواز في الأول، حملا
~~للمثل على المثلية في الأسلوب.
# ويؤيده أن الجواب عن سلام المرأة إذا اعتبر فيه المثلية مطلقا فكيف يحصل
~~ذلك في إعراب آخره، والوقف لا يكفي في ذلك، ولكن ظاهر أخبار كثيرة اعتبار
~~المثلية في اللفظ (٦)، وهو أقرب مجازات قوله تعالى: ﴿أو ردوها﴾ (7).
# وأما موثقة سماعة عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يسلم عليه
~~وهو في الصلاة، قال: " يرد بقول سلام عليكم، ولا يقول: وعليكم السلام " (8)
~~الحديث، فيمكن أن يكون الحصر فيها إضافيا، فيوافق ما ذكرنا من القول
~~بالجواز في الأول، وإن احتمل حملها على الغالب من كون السلام بصيغة سلام
~~عليكم.
# ومن ذلك يظهر أن تعين " سلام عليكم " في الجواب كما نقل عن بعض
# PageV03P239
# الأصحاب (1) لا وجه له، ويمكن حمل سائر الأخبار أيضا على الحصر الإضافي
~~بالنظر إلى تقديم الظرف.
# وكيف كان فالظاهر عدم جواز تقديم الظرف في الجواب، ولم يظهر مخالف في ذلك
~~إلا ظاهر كلام ابن إدريس حيث قال: إذا كان المسلم عليه قال له: سلام عليكم
~~أو سلام عليك أو السلام عليك أو عليكم السلام فله أن يرد بأي هذه الألفاظ،
~~لأنه رد سلام مأمور به، قال: فإن سلم بغير ما بيناه فلا يجوز للمصلي الرد
~~عليه (2)، انتهى.
# بل الأحوط الاقتصار بنفس لفظ المسلم من دون تغيير، حتى بالجمع والإفراد،
~~والتعريف والتنكير. ms0760 ويشكل الأمر في جواب المرأة في الإعراب، فيستثنى ذلك
~~للضرورة.
# ومما ذكرنا يظهر الإشكال في جواز الرد بالأحسن وإن وافق سوق السلام، مثل
~~أن يزيد في جواب سلام عليكم قوله " ورحمة الله وبركاته " والأحوط الاجتناب،
~~وإن كان لا يبعد القول بالجواز، كما نقل عن بعض محققي الأصحاب (3)، لعموم
~~الآية.
# ولو قال المسلم: عليكم السلام، فالأظهر عدم وجوب الرد، بل وعدم جوازه
~~أيضا كما هو مذهب المحقق، إلا إذا قصد الدعاء وكان مستحقا له (4)، وتردد
~~العلامة في الجواز (5).
# وعلى القول بالجواز فهل يجب أم لا؟ وعلى القول بالوجوب فهل يجوز بالمثل
# PageV03P240
# أو يجب سلام عليكم كما نقل عن بعض الأصحاب (1)؟ ففي الكل إشكال، والمناص
~~هو الجواب بالقرآن، مثل سلام عليكم قاصدا للدعاء.
# وكذلك الإشكال في التسليمات المحرفة، مثل قوله: سرام معليك، وسلاما ليك،
~~وساماليكم، وأمثال ذلك. والأحوط فيها مراعاة مماثلة الكلمة المحرفة، ففي
~~الأولين يقول: سلام عليك، وفي الأخير سلام عليكم.
# وهكذا الكلام في التحيات التي لم تكن بالألفاظ المعهودة في السلام وإن لم
~~تكن من جنس السلام، فلا يبعد الجواب بالقرآن بقصد الدعاء له، ولا دليل على
~~قصد الرد.
# ويؤيده في غير السلام صحيحة هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، حيث سكت
~~الإمام عليه السلام عن جواب قوله " كيف أصبحت " بعد ما رد جواب سلامه (2).
# الرابع: قد عرفت أن وجوب رد السلام كفائي إذا كانوا جماعة، فلو قام غير
~~المصلي مقامه في الرد وكان من جملة المسلم عليهم - مصليا كان أو غيره -
~~فيسقط عن المصلي.
# وفي جوازه له حينئذ وجهان، ولا يبعد عدم الجواز بعد تمام الرد، والجواز
~~قبله.
# وإذا كان بعض المسلم عليهم مصليا وبعضهم قاعدا، فهل يجب على القاعد أو
~~يتساويان؟ الأظهر التساوي، وبرد أيهما يسقط عن الآخر، ولا يسقط برد من لم
~~يكن مقصودا بالسلام.
# والأظهر إجزاء رد الصبي المميز إذا كان من جملتهم، والأحوط حينئذ الإتيان
~~به بقصد الدعاء أيضا.
# ولا يخفى أن كل ما ذكرنا إنما هو إذا علم المصلي أنه سلم عليه، أو ms0761 أنه من
~~جملة
# PageV03P241
# المسلم عليهم، فإذا لم يظهر له ذلك أو ظهر خلافه فلا يجوز له الرد، ومع
~~الشك فالأصل عدم الوجوب، فلا يجوز أيضا، لعدم الدليل.
# الخامس: وجوب الرد فوري، والمعيار فيه العرف، فلا ينافيه إتمام الكلام أو
~~الآية إذا لم يوجب فصلا طويلا.
# وإذا ترك الرد الواجب ففي بطلان الصلاة وعدمه أقوال، ثالثها أنه يبطل إذا
~~كان حينئذ مشغولا بالقراءة والأذكار.
# والأصل في هذا الخلاف الرجوع إلى دلالة الأمر بالشئ على النهي عن ضده
~~الخاص، والأقوى عدم البطلان مطلقا، لمنع اقتضاء الأمر بالشئ النهي عن ضده
~~الخاص أولا.
# سلمنا، لكنه يدل عليه تبعا من باب المقدمة، ولو سلمنا دلالة النهي على
~~الفساد في العبادات فهو مخصوص بالمناهي الأصلية لا التبعية.
# مع أن بطلان الصلاة ببطلان الجزء لا يتم إلا إذا لم يتداركه.
# ومجرد القراءة المحرمة أو الذكر المحرم بين الصلاة لا دليل على كونه
~~مبطلا.
# مع أن تخصيص الكلام بالذكر والقراءة لا وجه له، إذ قد يضاد بعض الأكوان
~~والأفعال أيضا الرد، كما لو سلم عليه ومر مستعجلا وتوقف إيصاله جوابه إلى
~~مشي وحركة، ولا يمكن إيصاله بالصياح ورفع الصوت.
# السادس: يظهر من بعض الأخبار كراهة السلام على المصلي (1)، وينبغي العمل
~~بمضمونها، لأنه يوجب تشويش خاطر المصلي وإيقاعه في الخلل، سيما التسليمات
~~المحرفة.
# وذهب جماعة من الأصحاب إلى الاستحباب، نظرا إلى العمومات (2).
# وقد روى الحميري عن الصادق عليه السلام أنه قال: كنت أسمع أبي يقول: "
~~إذا
# PageV03P242
# دخلت المسجد والقوم يصلون فلا تسلم عليهم، وصل على النبي صلى الله عليه
~~وآله، ثم أقبل على صلاتك، وإذا دخلت على قوم جلوس وهم يتحدثون فسلم عليهم "
~~(1).
# ولكن يضعف القول بالكراهة موافقته للعامة ومخالفته للمشهور.
# ويؤيده ما روي في الخصال، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق عليه السلام، عن
~~أبيه عليه السلام، قال: " لا تسلموا على المصلي، لأن المصلي لا يستطيع أن
~~يرد السلام، لأن التسليم من المسلم تطوع، والرد فريضة " (2) فإن التعليل
~~ينبه على ما ذكرنا.
# الخامس: يستحب للمصلي إذا عطس ms0762 أن يحمد الله، وادعى عليه الاجماع جماعة
~~(3).
# وزاد في المنتهى أن يصلي على نبيه وآله عليهم السلام، وأن يفعل ذلك إذا
~~عطس غيره، قال: وهو مذهب أهل البيت عليهم السلام (4).
# وتدل عليه العمومات، وخصوص صحيحة الحلبي (5) وغيرها (6)، وفي الموثق:
# " إذا عطس أخوك وأنت في الصلاة فقل: الحمد لله، وصل على النبي وآله وسلم،
~~وإن كان بينك وبين صاحبك اليم " (7).
# والمشهور جواز تسميت العاطس للمصلي أيضا، بل استحبابه، لأنه دعاء،
# PageV03P243
# وللعمومات. وتردد المحقق ثم رجح الجواز (1).
# وهل يجب الرد؟ فيه إشكال، ولا يبعد الجواز، للعموم مؤيدا بعموم الآية،
~~وإن كان ظاهرا في السلام.
# والأولى في الرد قول " يغفر الله لكم ويرحمكم " لحسنة ابن أبي خلف عن
~~الباقر عليه السلام، وفيها " إنه إذا عطس عنده انسان قال: يرحمك الله عز
~~وجل " (2).
# السادس: تبطل الصلاة بتعمد الفعل الكثير بإجماع أصحابنا، بل العلماء كافة
~~كما نقله في المنتهى (3).
# وفي تحقيق هذه المسألة إشكال عظيم، وكلام الأصحاب فيه مضطرب متناقض على
~~الظاهر، ولم أقف على من سدد هذا المقام وحقق ذاك المرام، وذلك لأنهم
~~اختلفوا في تفسير الفعل الكثير وتعيينه.
# فبعضهم فسره بما سمي كثيرا عرفا (4).
# وبعضهم بما يخرج فاعله عن كونه مصليا عرفا (5).
# وبعضهم ما سمي في العادة كثيرا، مثل الأكل والشرب واللبس وغير ذلك مما
~~إذا فعله الانسان لا يسمى مصليا، بل يسمى آكلا وشاربا ولابسا، ولا يسمى
~~فاعله في العادة مصليا (6).
# وقال العلامة في المنتهى: ويجب عليه ترك الفعل الكثير الخارج عن أفعال
# PageV03P244
# الصلاة، فلو فعله عامدا، بطلت صلاته، وهو قول أهل العلم كافة، لأنه يخرج
~~به عن كونه مصليا، والقليل لا يبطل الصلاة بالإجماع (1).
# ووجه الإشكال في المسألة أنه لم يرد نص يدل على أن الفعل الكثير يبطل حتى
~~يرجع فيه إلى العرف، والإجماع من (الأدلة القطعية) (2) فيؤول الكلام إلى أن
~~ما أجمع على كونه مبطلا فهو مبطل، ولا حاجة إلى إقحام الفعل الكثير.
# وأيضا الاستدلال بالإجماع معللا بأنه يخرج عن كونه مصليا لا معنى له إلا
~~جعل ذلك مستندا للإجماع، ms0763 فحينئذ لا معنى لحوالة الكثرة والقلة إلى العرف،
~~فإن مقتضى الاستدلال حينئذ أن ما يخرج به المصلي عن كونه مصليا فهو مبطل،
~~وحوالة ذلك إلى العرف أيضا كما فعلوه لا معنى لها، إذ هذا منصب الشارع لا
~~العرف.
# وإن أريد به عرف المتشرعة، فإن أريد عوامهم فلا ريب أنهم يحكمون بكون
~~أكثر ما جوزه الشارع في الأخبار مخرجا عن الصلاة، وإن أريد عرف العلماء فهو
~~تابع لمقتضى أدلتهم، وليس له معيار يرجع إليه.
# وأيضا اضطرب كلامهم في الرجوع إلى العرف في الفعل الكثير، فبعضهم يفسر
~~الكثرة بالأفعال الثلاثة ويتردد في الاثنين (3)، وبعضهم يعبر عنه بما يكون
~~مخرجا به عن الصلاة لكثرة طوله ونحو ذلك (4).
# لا بد في تحقيق ذلك من فهم مرادهم، هل هو أن في الكثرة يرجع إلى العرف أو
~~في الفعل يرجع إلى العرف أو في الفعل الكثير؟ وأن المراد من الكثير في هذا
~~اللفظ هل هو توصيف عدد الفعل أو زمانه أو غير ذلك؟.
# ومن عدم تحقيق هذا المقام صعب الأمر على بعضهم، حيث فهم الكثرة
# PageV03P245
# العددية، ثم استشكل في الأفعال الخفيفة مثل تحريك الأصابع ثلاثا في مسحة
~~أو حكة (1) أو نحو ذلك، ثم جعلها بمنزلة القليل كما فعله في التذكرة (2)
~~وهكذا.
# وبالجملة اختلاف كلمات العلماء واضطرابها بحيث لا يكاد يرجا زواله سيما
~~من علماء العامة.
# ثم إن رفع الإشكال في انعقاد الاجماع على الأمر الظني الموكول إلى العرف
~~والرجوع إلى العرف فيما لم يقع في كلام الشارع وإن كان يمكن بأن يقال بأن
~~الاجماع إنما انعقد على مصداق هذا اللفظ، فيجوز جعله من باب عموم الحديث،
~~لأنه إجماع منقول، وهو مثل خبر واحد عام.
# ولا ينافي ذلك كون الظني مجمعا عليه، نظير كون اشتراط العدالة في الشاهد
~~أو الإمام إجماعيا، مع كونها من الأمور الظنية، فظن كل مجتهد يقوم مقام
~~الأمر النفس الأمري.
# ولكن يخدشه أن الاجماع لم يعلم انعقاده على الفعل الكثير بمعنى الكثرة
~~العددية أو الزمانية أو نحو ذلك، لاختلاف العلماء المتصدين لدعوى الاجماع ms0764
~~في تفسير الفعل الكثير في تلو ذكر إجماعهم، فلم يعلم من ذلك أن الاجماع هل
~~انعقد على مصداق الكثرة أو مصداق ما يكون مخرجا عن الصلاة وماحيا لصورتها،
~~فلم يعلم كون لفظ الكثير مما ورد عليه الاجماع لا قطعا ولا نقلا.
# فأنا أذكر ما ظهر عندي من أساس هذه المسألة ومبدئها مع قطع النظر عن كلام
~~العلماء واختلافاتهم، فلعلك بعد التأمل فيه تقف على توجيه كلام بعضهم ومنشأ
~~غفلة الآخرين، وهو أن العقل والنقل متطابقان على أن الأمر يقتضي الإطاعة
~~والامتثال، والإتيان على مقتضاه كما هو يقتضي الاجزاء، وعدم الإتيان على
# PageV03P246
# مقتضاه يوجب بقاء شغل الذمة.
# وعدم الإتيان بمقتضاه يتصور على وجوه ثلاثة:
# الأول: عدم الالتفات إليه بوجه وتركه رأسا.
# والثاني: الإتيان بشئ يزعم أنه فرد من أفراد المأمور به وليس كذلك.
# والثالث: الإتيان بفرد فاسد منه.
# فكما أن في صورة التكلم عمدا أو قصد الرياء بين الصلاة مثلا تصير الصلاة
~~فاسدة ويطلق عليها حينئذ الصلاة الفاسدة، ولا يحصل الامتثال لاشتراط الصحة
~~في حصول الامتثال، أو عدم ظهور البطلان بعد صدق كونه فردا من أفراد المأمور
~~به، فكذلك في صورة فعل ما يخرج الصلاة عن صورة الصلاة بحيث لا يعد من أفراد
~~الصلاة لا يحصل الامتثال، لأنه لم يأت بفرد من أفراد الصلاة، ففي الأولى لم
~~يأت بفرد صحيح، وفي الثانية لم يأت بفرد مطلقا، وهذا هو مراد العلماء في
~~عنوان هذه المسألة.
# فكما أن قطع الصلاة رأسا يوجب خروج الصلاة عن كونها صلاة، فكذلك فعل ما
~~يصدق بسببه أنه غير مصل يوجب خروجها عن كونها صلاة.
# ولما كان المفروض أن المصلي لم يقصد قطع الصلاة في هذا العنوان، ولم يفعل
~~أيضا من المبطلات الغير المخرجة عن الفردية، فانحصر الإبطال حينئذ بفعل ما
~~يخرجه عن الصلاة من جهة الكثرة، بمعنى طول المكث وتمادي الزمان، لا الكثرة
~~العددية.
# وأيضا المراد بالفعل هو الفعل العرفي، والوحدة والتعدد العرفيين، فمن
~~يعقد أزراره في حال الصلاة فقد فعل فعلا واحدا في العرف، مع أنه ms0765 مشتمل على
~~أفعال كثيرة لغة في كل زرة، فضلا عن جميعها، فالكثرة هنا غير معتبرة من حيث
~~هي كثرة، بل من حيث إنها ماحية لصورة الصلاة ومخرجة للمصلي عن صلاته.
# فالكلام إنما هو في بيان الكثرة الماحية، فحينئذ يقع الإشكال في إرجاع
~~ذلك إلى العرف. PageV03P247
# وأنا أقول: يمكن دفعه بوجهين:
# الأول: أن يقال إن المراد بالعرف هو العرف العام، ولا يضر عدم مدخلية
~~العرف في الأمور التوقيفية، فإن عدم مدخليته إنما هو في أصل وضعها
~~وحقائقها، وكلامنا ليس في ذلك، بل في صدق الخروج عنه والبقاء فيه من حيث
~~إنه فعل من الأفعال، لا من حيث إنه هذا الفعل، يعني بعد اطلاع أهل العرف
~~على هذا المعنى الشرعي وتميزه عن غيره من المعاني يقدر على أن يحكم أن
~~فاعله داخل فيه أو خارج عنه، فالحقيقة وإن كانت شرعية; لكن الاشتغال بها
~~والخروج عنها أمر عرفي.
# فلنفرض الكلام في عمل النقاش أو المدرس مثلا، فإن أهل العرف العام لا
~~اطلاع لهم على حقيقة النقش والتدريس، ولكن يقدرون أن يفهموا متى يشتغل
~~النقاش بالنقش والمدرس بالتدريس ومتى يصير خارجا عنه، فبمجرد شرب الماء
~~بينهما أو حك البدن أو شرب التتن ونحو ذلك لا يحكمون بالخروج، ولكن بطي
~~الكتاب والخروج عن المدرس وبجمع آلات النقش وأدواته في المحبرة والقيام عن
~~مقامه يحكمون بكونه خارجا، وهذا واضح المتأمل.
# والثاني: أن يقال المراد بالعرف عرف المتشرعة، فما يحكم المتشرعة بأنه
~~ينافي الصلاة من جهة الكثرة ويفسدها فهو باطل، ومنه يعلم بطلانها شرعا،
~~لأنهم ينسبون عرفهم إلى الشارع.
# وحينئذ فالموارد الواضحة في حكم الخروج وعدمه وكونها محكوما بفسادها
~~وعدمه حكمها واضح من حيث الصحة والبطلان، وأما الموارد المشكوكة فتبنى على
~~الصحة، لأصالة عدم الخروج، وعدم مدخلية انتفاء ذلك الفعل في الصحة.
# والمناسب لكلام الفقهاء والمستفاد من ظاهر عباراتهم هو الأول، فإنهم
~~عبروا عن المطلوب بكونه مخرجا عن الصلاة، وعن كونه مصليا وعدمه، لا بكون
~~الصلاة الكذائية صحيحة أو فاسدة.
# وحاصل المقام: أن الأفعال الواقعة الخارجة عن ms0766 الصلاة المبطلة لها بعضها
~~PageV03P248
# منصوص على قاطعيتها بالخصوص كالتكلم والقهقهة ونحوهما عمدا، وبعضها لا
~~يضر بالصلاة بالخصوص، بل من جهة الكثرة مثل الحك وقتل البرغوث والقملة
~~ونحوهما، وبعضها مختلف فيها كالأكل والشرب كما سيجئ.
# وما هو مبطل من جهة الكثرة إنما يبطل لكونه موجبا للخروج عن الصلاة،
~~وكونه مخرجا إنما يعرف بالعرف على الوجهين المتقدمين.
# ولكن بقي إشكال آخر: وهو أن الأخبار الكثيرة الواردة في تجويز كثير من
~~الأفعال في أثناء الصلاة (1) تنافي تلك القاعدة، فإن ظاهر كثير منها أنه
~~يصير مخرجا للمصلي عن الصلاة، وحكم العرف لا يوافقها، فيبقى التعارض بين
~~دليل العقل والنقل.
# والتحقيق: أن تخصص الأخبار وتحمل على ما لو لم يلزم منها خروج المصلي عن
~~كونه مصليا عرفا، ولا يحكم بفسادها في عرف المتشرعة بسبب ذلك، كما هو مقتضى
~~الجمع بين كثير منها أيضا، فإن الأخبار المطلقة وردت مثلا في تجويز قتل
~~الحية، وفي موثقة عمار: " إن كان بينها وبينه خطوة واحدة فليخط وليقتلها،
~~وإلا فلا " (2) ولكن روى في السرائر عن نوادر البزنطي ما يدل على أن
~~الخطوتين والثلاث أيضا غير مضرة (3).
# وكذلك الروايات الكثيرة المجوزة لغسل الرعاف والبناء على الصلاة (4)
~~مخصصة بذلك، جمعا بينها وبين صحيحة علي بن يقطين (5)، ورواية أبي حمزة (6).
# وكذلك ما دل على الإبطال مطلقا، مثل رواية حريز الدالة على القطع لرد
~~الآبق
# PageV03P249
# والغريم وقتل الحية (1) يخصص بما أوجب الخروج عن الصلاة.
# ثم إن من تتبع الأخبار يحصل له الظن القوي بل القطع بأنه لا مدخلية
~~لخصوصيات الأفعال، بل المخل هو الكثرة، وأن المقدار المرخص فيه هو غير ما
~~كان ماحيا لصورة الصلاة، والممنوع منه هو ما كان ماحيا من دون فرق بين
~~المواضع.
# وأفتى الفقهاء في كثير من تلك المواضع مثل قتل المؤذيات من الحية والعقرب
~~وغيرهما، والتصفيق وضرب الحائط تنبيها على الحاجة، وعد الركعات، والتسبيح
~~بالحصى، ورمي الغير بالحصى طلبا لإقباله، وضم الجارية إليه، وإرضاع الصبي
~~حال التشهد، ورفع القلنسوة من الأرض ووضعها على الرأس; رواه الشهيد في
~~الذكرى (2)، ولبس ms0767 العمامة والرداء، ومسح الجبهة، وغير ذلك. والأخبار فيما
~~ذكرنا وفي غيرها طويلة لا نطيل بذكرها.
# وقال العلامة في المنتهى بعد العبارة التي نقلناها عنه سابقا: ولم يحد
~~الشارع القلة والكثرة، والمرجع في ذلك إلى العادة، وكلما ثبت أن النبي صلى
~~الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين فعلوه في الصلاة أو أمروا
~~به فهو من القليل (3).
# والظاهر أن مراده - رحمه الله - أن ما فعلوه أو أمروا به هو القليل من
~~تلك الأفعال، لا أن كلها قليل، فإن قتل الحية قد يوجب فعلا كثيرا مثلا.
# ويحتمل أن يكون مراده أنه إن ثبتت كثرته أيضا فهو في حكم القليل في
~~الجواز، وهو بعيد، لكمال الإشكال في تخصيص الدليل العقلي، وجعل ذلك عبادة
~~أخرى قائمة مقام الصلاة أبعد.
# PageV03P250
# فمرجع المسألة إلى أن المصلي يعتمد على ملاحظة الخروج عن الصلاة عرفا
~~وعدمه على نهج ما يفهمه في سائر الأفعال العرفية، وهذا أمر ليس فيه كثير
~~مشقة، وليس خارجا عن طور العرف والعادة حتى لا يمكن حوالته عليه. وذلك مثل
~~حوالة المكلف في وجوب الاجتناب عن الغناء إلى العرف على القول به كما هو
~~الأظهر، وكذلك في خروجه عن دار الإقامة وعدمه في مسألة القصر.
# ثم إن المشهور تخصيص حكم إبطال الفعل الكثير بصورة العمد، فلا يبطل لو
~~كان نسيانا عندهم، وادعى عليه الاجماع في الذكرى (1)، ونسبه في التذكرة إلى
~~علمائنا (2).
# وقال الشهيد الثاني رحمه الله: لو استلزم الفعل الكثير ناسيا انمحاء صورة
~~الصلاة رأسا توجه البطلان أيضا، لكن الأصحاب أطلقوا الحكم بعدم البطلان
~~(3).
# وأقول: كلامهم في ذلك أيضا يشعر بانفكاك العنوانين، أعني الكثرة وكونه
~~مخرجا عن الصلاة، وقد عرفت كلام المنتهى المشعر بالاتحاد، وعرفت حقيقة
~~الأمر أيضا.
# وإن ثبت إجماعهم على عدم البطلان في صورة السهو فهو قانون جديد لازم
~~الاتباع، ومعناه تشريع قيام فعل آخر مقام الصلاة، لأنه غير مطابق لقاعدة
~~العقل في امتثال الأمر، ولا تقبل القاعدة العقلية التخصيص.
# والأوجه عندي البطلان، والأبحاث المتقدمة تدور عليهم إن جعلوا كثرة الفعل
~~مغايرة ms0768 لكونه مخرجا من الصلاة وأرادوا ذلك، لعدم التحديد، وعدم الدليل
~~عليه، وعدم ثبوت مورد الاجماع حينئذ، لأن النفي والإثبات في صورتي العمد
~~والسهو متعلقان بشئ واحد.
# PageV03P251
# وألحق بعضهم السكوت الطويل المخرج للمصلي عن كونه مصليا بالفعل الكثير
~~(1)، وهو كذلك.
# بقي الكلام في الأكل والشرب، وادعى الشيخ على إبطال مطلقهما الاجماع (2)،
~~وبنى المحقق الكلام فيهما على اعتبار القلة والكثرة (3)، وحسنه جماعة من
~~المتأخرين (4)، والأولى متابعة الشيخ للإجماع الذي نقله.
# وأما إذا وضع في فمه مثل السكر فذاب فابتلعه فالأظهر عدم الإبطال، وقال
~~في المنتهى بعدم إبطاله عندنا، وإبطاله عند الجمهور (5)، وهو يشعر بدعوى
~~الاجماع.
# وألحق بعضهم بذلك ابتلاع اللقمة لو مضغها قبل الصلاة (6)، وليس ببعيد.
# وإما ما بقي من بقايا الغذاء في أسنانه فابتلعه فلا يفسد، وظهر من بعضهم
~~دعوى الاجماع عليه (7).
# واستثنوا عن ذلك شرب الماء في صلاة الوتر لمن أراد الصوم في صبيحته وهو
~~عطشان يخاف الإصباح، لحسنة سعيد الأعرج قال، قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام:
# إني أبيت وأريد الصوم، فأكون في الوتر فأعطش، فأكره أن أقطع الدعاء
~~وأشرب، وأكره أن أصبح وأنا عطشان، وأمامي قلة بيني وبينها خطوتان أو ثلاثة،
~~قال:
# " تسعى إليها وتشرب منها حاجتك وتعود في الدعاء " (8).
# وربما يتعدى مورد النص، بل ويعمم في النوافل مطلقا، وهو مشكل، وإن كان لا
~~يخلو عدم البطلان من رجحان; لما يستفاد من تضاعيف الأخبار من المسامحة
# PageV03P252
# في النوافل.
# ولا فرق بين الصوم الواجب والمستحب لترك الاستفصال، هذه أحكام صورة
~~العمد.
# وأما النسيان فادعى في المنتهى إجماع الأصحاب على عدم إبطالها ناسيا (1).
# السابع: تبطل الصلاة بتعمد القهقهة إجماعا على ما نقله غير واحد (2)،
~~وللأخبار الكثيرة (3).
# ولا تبطل نسيانا، للإجماع أيضا، نقله جماعة (4).
# ولو كان من دون اختيار لمقابلة لاعب ونحوه فتبطل للعموم، وظاهر التذكرة
~~الاجماع عليه (5).
# وأما التبسم فليس بمبطل إجماعا كما يظهر من المنتهى (6)، عمدا كان أو
~~سهوا، للأخبار السابقة (7).
# واعلم أن مقابلة القهقهة بالتبسم في الأخبار وكلام الأصحاب يعطي أن ما
~~سوى التبسم قهقهة، وهو مخالف لظاهر ms0769 العرف واللغة.
# قال في الصحاح: القهقهة في الضحك معروفة، وهي أن يقول قه قه (8).
# PageV03P253
# وفي القاموس هي الترجيع في الضحك، أو شدة الضحك (1).
# وفي الصحاح: التبسم دون الضحك (2).
# واختلف كلام الأصحاب أيضا في تفسير القهقهة، فربما فسر بالضحك المشتمل
~~على الصوت (3)، ومنهم من فسرها بمطلق الضحك (4)، وهو يناسب تفسير الجوهري
~~للتبسم، فإنه يفيد مغايرة التبسم للضحك.
# وبالجملة حكم الضحك الشديد الخالي عن الصوت أو المشتمل على الصوت بدون
~~الترجيع مشكل، لعدم ظهوره من الأخبار، والأصل يقتضي عدم البطلان.
# والاحتياط في الإتمام والإعادة، بل لا يبعد ترجيح البطلان، فإن الظاهر أن
~~مورد الاجماعات هو ما سوى التبسم، فالظاهر أنهم أرادوا منها ما سوى التبسم
~~من أقسام الضحك، ويكون ذلك قرينة على أن المراد منها في الأخبار أيضا ذلك.
# الثامن: تبطل الصلاة بتعمد البكاء للأمور الدنيوية، كذهاب مال أو نفس أو
~~غير ذلك، على ما هو المشهور بين الأصحاب، بحيث لم يوجد فيه مخالف، إلا بعض
~~المتأخرين، كالمحقق الأردبيلي رحمه الله (5)، وبعض من تأخر عنه (6) حيث
~~توقفوا في الحكم، استضعافا للرواية التي هي مستند القوم (7)، وجعلوه من
~~لواحق الفعل
# PageV03P254
# الكثير، وهو مدفوع بجبر ضعفها بعملهم، وبورودها في الفقيه (1).
# وزاد جماعة من الأصحاب على الحكم بالبطلان أنه كذلك وإن وقع على وجه لا
~~يمكن دفعه (2).
# ثم إن إطلاق كلامهم يشمل ما لو كان لطلب الدنيا كالمال والولد، ولكن
~~الدليل لا يساعدهم، فإن المذكور في الرواية أنه إن كان لذكر ميت فصلاته
~~فاسدة، ويستفاد منه أنه لفقد شئ منها، بل الظاهر أنه قد يكون من الطاعات.
# وأما البكاء من خشية الله فهو من أفضل الأعمال، ومندوب إليه بالأخبار
~~الكثيرة عموما (3) وخصوصا (4).
# ثم إن بعض الأصحاب خصص الحكم بما كان له صوت ونحيب (5)، نظرا إلى أن
~~البكاء الممدود لما كان له مد وصوت، والمقصور لخروج الدمع كما ذكره الجوهري
~~(6).
# ولفظ الخبر وإن كان يحتملهما لأنه عليه السلام، قال: " إن بكى لذكر الجنة
~~والنار " الحديث، ولكن السؤال عن البكاء ممدودا، فيمكن أن يكون السؤال
~~قرينة لإرادة ms0770 الممدود في الجواب.
# وتعضده عبارة الفقيه: وروي أن البكاء على الميت يقطع الصلاة، والبكاء
~~لذكر الجنة والنار من أفضل الأعمال في الصلاة. ولعله أراد ذلك الخبر،
~~والأحوط الاجتناب عنهما.
# وظاهر الأصحاب أن البكاء نسيانا لا يبطل، وليس ببعيد، وإن كان إطلاق
# PageV03P255
# الخبر يشمله، لأن الخبر الضعيف إنما يعمل به بسبب عملهم، فيقتصر فيه على
~~ما عملوا به.
# التاسع: إذا تعمد الالتفات عن القبلة بكل البدن مطلقا وبالوجه إلى الخلف
~~فالمشهور بطلان الصلاة. وأما بالوجه فقط إلى أحد الجانبين فقط فليس بمبطل،
~~وظاهر المنتهى اتفاق الأصحاب عليه (1). ونسب المخالفة في ذلك في المعتبر
~~والتذكرة إلى بعض العامة (2)، ونقل عن فخر المحققين القول بالبطلان (3).
# والأظهر هو التفصيل المشهور، لاشتراط القبلة الظاهر في الاستقبال بالبدن
~~، وللأخبار الكثيرة المعتبرة المطلقة (4)، ولخصوص صحيحة زرارة أنه سمع أبا
~~جعفر عليه السلام يقول: " الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله " (5).
# وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال، قال: " إذا التفت في صلاة
~~مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا " (6) الحديث.
# وفي حديث الأربعمائة في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام: " الالتفات
~~الفاحش يقطع الصلاة " (7).
# فإن الظاهر أن الالتفات بكل البدن فاحش مطلقا، فلا تنافي بين منطوق
~~الصحيحة ومفهوم الحسنة، وصدق الفاحش بالالتفات بالوجه إلى الخلف، بل بما
~~يقرب منه أيضا، لاستحالة الالتفات إلى الخلف الحقيقي بالوجه عادة،
# PageV03P256
# وعدم ظهور صدق الفاحش في غيره، سيما مع ملاحظة مفهوم صحيحة زرارة، وباقي
~~الإطلاقات الواردة في الباب من طرفي الإبطال وعدم الإبطال مقيد بما ذكر.
# وأما الالتفات بالنظر ولو إلى الخلف فالظاهر أنه لا خلاف في عدم إبطاله
~~للصلاة، وادعى بعضهم الاتفاق عليه.
# نعم كل ذلك من المكروهات، وفي المحاسن عن الصادق عليه السلام: " إذا قام
~~العبد إلى صلاته أقبل الله عليه بوجهه، ولا يزال مقبلا عليه حتى يلتفت ثلاث
~~مرات، فإذا التفت ثلاث مرات أعرض عنه " (1).
# ومستند فخر المحققين هو مثل حسنة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: "
~~إذا استقبلت الصلاة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة ms0771 فتفسد صلاتك " (2) ولا
~~بد من تقييدها بالروايتين المتقدمتين.
# وأما إذا التفت نسيانا ففي كلام الأصحاب اختلاف، فيظهر من بعضهم أنه في
~~حكم العامد (3)، ومن بعضهم عدم الإعادة مطلقا (4)، ومن بعضهم التفصيل
~~المتقدم فيمن صلى إلى غير القبلة بالظن (5).
# وقال في المدارك: إن كان يسيرا لا يبلغ حد اليمين واليسار لم يضره ذلك،
~~وإن بلغه وأتى بشئ من الأفعال في تلك الحال أعاد في الوقت، وإلا فلا إعادة
~~(6).
# والعمل على التفصيل المتقدم ليس ببعيد، وإن كان الأحوط الإعادة.
# PageV03P257
# وفي الجاهل بالمسألة إشكال، ويظهر حكمه مما قدمناه ثمة.
# العاشر: تكره مدافعة الأخبثين للأخبار، منها صحيحة هشام بن الحكم، عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " لا صلاة لحاقن ولا لحاقب، وهو بمنزلة من هو في
~~ثوبه " (1) وهي محمولة على نفي الكمال للإجماع.
# ولو ضاق الوقت عن الدفع والطهارة أو كان في الصلاة فطرأه فإن لم يتضرر
~~بالحبس حبسهما، وإلا فليدفعهما وليصل بعد الطهارة.
# ولا يحضرني الآن منهم كلام في الريح ولعله أيضا كذلك، لكونه مانعا
~~للحضور، ولإشعار بعض الأخبار به (2).
# ويكره العبث باليد والرأس واللحية، والتثاؤب، والتمطي، وفرقعة الأصابع،
~~والقيام إلى الصلاة متكاسلا ومتناعسا، للنهي عن الصلاة سكارى وكسالى في
~~القرآن (3) ولصحيحة زرارة (4) وغيرها من الأخبار (5)، ولمنافاتها للخشوع
~~المطلوب في الصلاة بالقلب والجوارح، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله
~~لما رأى عابثا في الصلاة، قال: " لو خشع قلبه لخشعت جوارحه " (6).
# وفي صحيحة الفضيل عنهما عليهما السلام أنهما قالا: " إنما لك من صلاتك ما
~~أقبلت عليه منها، فإن أوهمها كلها أو غفل عن آدابها لفت وضرب بها وجه
~~صاحبها " (7).
# PageV03P258
# ويؤدي مؤداها أخبار كثيرة (1)، وفي بعضها تصريح أن العبد لا يقبل منه
~~صلاة إلا ما أقبل منها (2)، وفي أمثالها دلالة على مغايرة الاجزاء للقبول،
~~كما ذهب إليه المرتضى (3) - رحمه الله - فالإجزاء هو الإخراج عن عهدة
~~التكليف، والقبول هو ترتب الثواب.
# ويدل عليه قوله تعالى: (إنما يتقبل الله من المتقين) (4) وقوله تعالى
~~حكاية عن إبراهيم وإسماعيل: (ربنا تقبل منا) (5) وقوله تعالى: (فتقبل من
~~أحدهما ولم ms0772 يتقبل من الآخر) (6) مع اتيانهما بالمأمور به. ولدعاء الناس في
~~جميع الأعصار والأمصار بقبول أعمالهم بعد الفراغ منها، وإلا لم يحسن ذلك
~~إلا قبل الفعل. وربما يجاب عن المذكورات بتوجيهات وتأويلات بعيدة.
# ثم إن من يفرق بينهما ينبغي أن يقول فيما كان مجزيا غير مقبول إنه لا
~~ثواب عليه من حيث الخصوص، وإن كان مثابا عليه لإدخاله نفسه في زمرة
~~العابدين، وبذلك تندفع بعض الشبهات التي يمكن أن تورد هنا.
# وكيف كان فالعمدة في العبادة حصول القبول، وهو لا يحصل إلا بالإقبال،
~~والصلاة بدونه كجسد بلا روح، ففي صحيحة الفضيل: " إن علي بن الحسين عليه
~~السلام كان إذا قام في الصلاة تغير لونه، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض
~~عرقا " (7).
# PageV03P259
# وفي رواية الجهم بن حميد " أنه عليه السلام إذا قام في الصلاة كأنه ساق
~~شجرة لا يتحرك منه شئ إلا ما حركت الريح منه " (1).
# وفي بيان التنزيل لابن شهرآشوب نقلا عن تفسير القيسري أن أمير المؤمنين
~~عليه السلام كان إذا حضر وقت الصلاة تلون وتزلزل، فقيل له: مالك؟ فقال: "
~~جاء وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها
~~وأشفقن منها وحملها الانسان، وأنا في ضعفي فلا أدري أحسن أداء ما حملت أم
~~لا " (2).
# وفي حسنة عبد العزيز بن المهتدي، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا صليت
~~فصل صلاة مودع يخاف أن لا يعود إليها " رواها الصدوق في المجالس (3).
# PageV03P260
# المقصد الثالث في الشك والسهو وفيه مطالب:
# الأول: من زاد ركعة فما زاد في صلاته عمدا بطلت صلاته إجماعا.
# وأما سهوا، فإن لم يجلس ما قبل الزائدة بمقدار التشهد فكذلك أيضا، وأما
~~إذا جلس كذلك فكذلك أيضا عند أكثر الأصحاب، لصحيحة منصور القائلة: " لا
~~يعيد صلاة من سجدة، ويعيدها من ركعة " (1) وبمضمونها موثقة عبيد بن زرارة
~~(2).
# ولما رواه أبان في الصحيح، عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال:
# " من زاد في صلاته فعليه الإعادة " (3) ويؤدي مؤداها حسنة زرارة وبكير
~~(4).
# PageV03P261
# ولرواية زيد الشحام (1).
# وعن ابن الجنيد: أنه إن ms0773 جلس عقيب الرابعة مقدار التشهد فلا إعادة عليه
~~(2)، واختاره الفاضلان في المعتبر والمختلف لأن نسيان التشهد غير مبطل،
~~فإذا جلس مقدار التشهد فقد فصل بين الفرض والزيادة (3).
# وفيه: أن ادعاء كون الزيادة حينئذ خارجة عن الصلاة مصادرة، مع أن نسيان
~~الجلوس مقدار التشهد أيضا غير مبطل، فلا وجه للتخصيص.
# ولصحيحة زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن رجل صلى خمسا،
~~فقال: " إن كان جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته " (4) وبمضونها
~~صحيحة جميل (5) ورواية محمد بن مسلم (6).
# وحمله الشيخ في الاستبصار على ما لو تشهد (7)، واستحسنه جماعة من
~~المتأخرين، منهم الشهيد في الذكرى (8).
# وعلله الشيخ: بأن من جلس في الرابعة وتشهد ثم قام وصلى ركعة لم يخل بركن
~~من أركان الصلاة، وإنما أخل بالتسليم والإخلال بالتسليم، لا يوجب إعادة
~~الصلاة.
# وهذا الحمل ليس ببعيد، لكمال بعد إرادة نفس الجلوس، مضافا إلى كون اعتبار
~~الجلوس مقدار التشهد مذهبا لأبي حنيفة (9)، ولذلك حملها بعضهم
# PageV03P262
# على التقية (1)، ولكن تعليله يجري في صورة ترك التشهد أيضا.
# وبعد قبول ذلك التأويل وتحسينه يبقى الكلام في مقاومتها لأدلة المشهور،
~~وإنما نظر العاملين بها إلى أنها مقيدات والأخبار الأولة مطلقات، ومقتضى
~~الجمع ما ذكروه.
# وفيه: أن المطلق إنما يحمل على المقيد مع المقاومة، وظاهر المقيد مهجور
~~عندهم موافق للعامة، مع كونه تأويلا لا يقاوم المطلقات، لاعتضادها بعمل
~~الأكثرين.
# مع أن ظاهر صحيحة أبي بصير (2) أنه يزيد في صلاته، لا أنه يزيد على
~~صلاته، وتعليل هؤلاء يقتضي أن اعتبار ذلك لأجل اخراج الزيادة عن الصلاة،
~~وقد عرفت أن الجلوس هذا المقدار لا يستلزمه.
# وإن أعرضوا عن التعليل فالجواب عدم المقاومة، سيما مع استصحاب بقاء شغل
~~الذمة ثم إن ابن إدريس بعد اختياره هذا التفصيل والتأويل بنى الصحة والفساد
~~على القول بوجوب التسليم وعدمه، فقال: إذا تشهد وصلى على النبي وآله وقام
~~ساهيا فإن قلنا بوجوب التسليم فهو باطل، وإلا فلا، ونسب هذا إلى الاستبصار
~~(3)، وهو غير ظاهر، لإطلاق كلامه، ولعدم منافاة الصحة مع القول بالوجوب كما ms0774
~~أشرنا إليه في الحدث قبل التسليم.
# والإجماع المركب الذي نقلناه عن التذكرة في الحدث (4) إنما يثبت الحكم
~~ههنا لو ثبت عدم القول بالفصل بين الحدث وزيادة الركعة.
# والحاصل أن المفصلين لما كان أكثرهم قائلين باستحباب السلام فيوافقهم
# PageV03P263
# التفصيل والتأويل في هذه الأخبار، بل قد استدل بعضهم بهذه الأخبار على
~~ندب التسليم (1).
# وأما نحن فلما نترك العمل عليها فلا تضر قولنا بوجوب التسليم، فحينئذ من
~~جملة أدلتنا على ما اخترناه من وجوب الإعادة هنا ما دلنا على القول بوجوب
~~التسليم، ولا يضرنا إشعار هذه الأخبار باستحبابه.
# ثم إن المنقول عن ابن الجنيد هو التفصيل في الرباعيات (2)، ويظهر من ابن
~~إدريس (3) وغيره (4) عدم الفرق، وهو حسن.
# وهذا كله إذا تذكر بعد الدخول في الركوع.
# وأما قبله فيخرب ويتم ولا يبطل بلا خلاف.
# وأما لو نقص ركعة فما زاد سهوا; فإن تذكرها قبل فعل المنافي فلا خلاف في
~~أنه يتم ما بقي ولا إعادة عليه، للأخبار المطلقة المعتبرة المستفيضة، مثل
~~صحيحة الحارث بن المغيرة (5)، وصحيحة العيص بن القاسم (6)، وحسنة الحسين بن
~~أبي العلاء (7)، وموثقة عمار (8)، وغيرها من الأخبار الكثيرة (9).
# وإن تذكرها بعد أن فعل ما ينافي فعله الصلاة عمدا وسهوا كالحدث والفعل
~~الكثير الماحي لصورة الصلاة، فذهب الصدوق إلى أنه يتمها ولو تباعد في
~~البلدان
# PageV03P264
# وتذكرها بعد شهور وأزمان (1)، لأخبار كثيرة معتبرة (2)، والمشهور على
~~خلافه، وهو الحق، لحسنة أبي العلاء المتقدمة، وصحيحة جميل بن دراج (3)،
~~وموثقة أبي بصير (4)، ورواية محمد بن مسلم (5) وغيرها، لاعتضادها بعمل
~~الجمهور، ومهجورية تلك الأخبار عندهم.
# وحاول جماعة من المتأخرين الجمع بينهما بحمل الإعادة على الأفضلية (6)،
~~وهو مشكل.
# وإن تذكرها بعد فعل ما ينافيها عمدا لا سهوا كالتكلم، فالمشهور عدم
~~الإعادة، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في التكلم في الصلاة (7)، وصحيحة
~~سعيد الأعرج (8)، وصحيحة علي بن النعمان الرازي (9).
# وعن ابن أبي عقيل والشيخ في النهاية وأبي الصلاح وجوبها (10)، ولم نقف
~~على مستندهم.
# وعن بعض الأصحاب وجوبها في غير الرباعية (11)، نظرا إلى الأخبار الدالة
~~على أن
# PageV03P265
# السهو في الثنائية والثلاثية ms0775 مبطل (1)، وهو ضعيف، لأن المراد به الشك كما
~~لا يخفى.
# الثاني: قد تقدم وجوب سجدتي السهو في نسيان السجدة والتشهد والتكلم
~~نسيانا، وتجبان في مواضع أخر:
# منها: ما لو سلم في غير موضعه على المشهور المدعى عليه الاجماع في
~~المنتهى (2)، وظاهر المعتبر (3)، خلافا لابني بابويه (4)، وسكت عنه جماعة
~~(5)، وأدرجه بعضهم في التكلم (6)، ولعله الوجه في سكوت الجماعة.
# لنا: الاجماع المنقول، والشهرة العظيمة، وموثقة عمار (7) وصحيحة العيص
~~المتقدمتان في المبحث السابق.
# ولا وجه للتأمل في دلالة صحيحة العيص، سيما على ما في التهذيب، قال:
# سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم
~~ذكر أنه لم يركع، قال: " يقوم فيركع ويسجد سجدتي السهو " (8) وفي غير
~~التهذيب يسجد سجدتين بدون لفظ السهو.
# وللنافي: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في مبحث الكلام (9)، وصحيحة الحارث
~~بن المغيرة، وصحيحة علي بن النعمان، وحسنة الحسين بن أبي العلاء،
# PageV03P266
# ورواية أبي بكر الحضرمي المتقدمات في نقص الركعة (1); المصرحة بعضها بعدم
~~وجوب شئ، والساكتة كثيرة منها عنه في مقام البيان.
# والجواب عنها: أن المراد في الأولى بيان نفي وجوب الإعادة في صورة التكلم
~~أو الإثم أيضا، وفي البواقي أنه لا يبطل الصلاة، بل يتمها بركعة أو ركعتين.
# سلمنا، لكنها مطلقات، والمقيد حاكم على المطلق.
# نعم يقع الإشكال في أن هذه الأخبار إنما تدل على ما لو سلم في موقع من
~~شأنه أن يسلم فيه، وأما مثل السلام سهوا في حال القنوت أو القراءة أو في
~~محل التشهد فلا، إلا أن يقال بعدم القول بالفصل، وأن الظاهر من الاجماع
~~المنقول هو العموم.
# ويؤيده احتمال اندراجه تحت الكلام أيضا.
# ومنها: الشك بين الأربع والخمس على المشهور، ونقل عن المفيد والصدوق
~~وسلار وأبي الصلاح العدم (2).
# لنا: صحيحة عبد الله بن سنان (3)، وصحيحة أبي بصير (4)، وصحيحة الحلبي
~~(5) وصحيحة الفضيل بن يسار (6)، وموثقة سماعة (7) وحسنة زرارة (8)، ولم نقف
~~للثاني على ما يعتمد عليه.
# وسيجئ بيان مقام وجوب السجدة أنه هل هو بعد إكمال السجدتين أو غيره. ms0776
# PageV03P267
# ومنها: ما إذا قام في موضع قعود أو قعد في موضع قيام عند جماعة من
~~الأصحاب (1) وذهب آخرون إلى العدم (2).
# ويدل على الأول صحيحة معاوية بن عمار على الأظهر، قال: سألته عن الرجل
~~يسهو فيقوم في حال القعود أو يقعد في حال قيام، قال: " يسجد سجدتين بعد
~~التسليم; وهما المرغمتان يرغمان الشيطان " (3) وموثقة عمار (4) ورواية
~~منهال القصاب (5) ورواية سفيان بن السمط (6).
# وعلى القول الثاني: الحصر المستفاد من صحيحة الفضيل بن يسار، وموثقة
~~سماعة المتقدمتين، وفيهما: " إن السهو على ملم يدر أزاد في صلاته أم نقص "
~~(7).
# وصحيحة سليمان بن خالد (8)، وصحيحة ابن أبي يعفور (9)، وصحيحة محمد بن
~~مسلم (10)، وصحيحة الحلبي (11)، وحسنته (12)، وحسنة الفضيل بن يسار (13)،
# PageV03P268
# ورواية علي بن أبي حمزة (1) المتقدمات في مبحث التشهد.
# وأوضحها دلالة صحيحة الحلبي، رواها عن الصادق عليه السلام: عن الرجل يسهو
~~في الصلاة فينسى التشهد، قال: " يرجع فيتشهد " قلت: أيسجد سجدتي السهو؟
~~فقال: " لا، ليس في هذا سجدتا السهو ".
# وتدل عليه أيضا صحيحة أبي بصير (2)، وحسنة إسماعيل بن جابر (3)، ورواية
~~محمد بن منصور (4)، المتقدمات في مبحث ركنية السجدتين.
# وتحقيق المقام: أن الأخبار النافية وإن كانت أكثر وأصح وأوفق بالأصل ونفي
~~العسر والحرج، إلا أن الإشكال في الدلالة، فإن اختلاف العلماء في كل من
~~المواضع يشهد باختلاف الحكم بسبب اختلاف العناوين كما هو التحقيق في كل ما
~~كان من هذا القبيل، وقد أشرنا إليه مرارا، منها مسألة إدراك المغرب والعشاء
~~بإدراك مقدار أربع ركعات ما قبل انتصاف الليل.
# وتوضيحه: أن الكلام في سهو التشهد والسجدة غير الكلام في سهو القيام
~~والقعود، وإفرادهم المقامات شاهد لذلك.
# والحاصل أن الموضوع في كل مسألة هو ما عنونت به المسألة، وكان النسيان
~~متعلقا به بالأصالة لا بالتبع، فكلامهم في سهو التشهد أو السجدة لا يتضمن
~~حكم السهو اللازم له بالتبع من جهة القيام والقعود.
# وكذلك الأخبار الواردة في تلك المقامات يشكل الاستدلال بها على المدلولات
~~التبعية، ففي هذه الأخبار الصحيحة الكثيرة إنما المقصود بيان حال سهو
~~التشهد
# PageV03P269
# والسجود مثلا، فلا يعلم ms0777 حكم غيره منه نفيا وإثباتا.
# وأما صحيحة معاوية بن عمار وموثقة عمار فالالتفات فيهما إنما هو إلى حكم
~~القعود والقيام، فالاعتماد على دلالتهما أكثر، وذلك إنما يتصور في مثل ما
~~لو سها فتشهد قائما، أو سها فقرأ جالسا.
# نعم ترك الاستفصال في صحيحة الحلبي الصريحة والسكوت في معرض حاجة السائل
~~في سائر الأخبار يقوي العدم.
# ولا أقل من تساوي الطرفين في القوة والضعف، ومعه فالأصل عدم الوجوب،
~~فالأظهر الاستحباب.
# والأحوط أن لا يترك على حال.
# ومنها: وجوبهما في كل زيادة ونقصان، نقله الشيخ عن بعض أصحابنا (1)،
~~واختاره العلامة في بعض أقواله (2)، وفي الدروس: لم نظفر بقائله (3)،
~~والأقوى الأشهر عدم الوجوب، للأصل، والأخبار المتقدمة في المسألة السابقة،
~~والإطلاقات والعمومات التي لم يذكر فيها وجوبهما; مع كونهما في معرض
~~البيان.
# احتجوا لهذا القول برواية سفيان بن السمط عن الصادق عليه السلام، قال:
# " تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان " (4).
# وبصحيحة الحلبي المتقدمة في المقام الثاني، قال: " إذا لم تدر أربعا صليت
~~أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم، واسجد سجدتين بغير ركوع
# PageV03P270
# ولا قراءة، تتشهد فيهما تشهدا خفيفا " (1) فإنه إذا ثبت مع الشك فمع
~~القطع بطريق الأولى.
# وفيه: أن الأصل ممنوع مع ظهورها في أعداد الركعات، فكيف بالفرع مع بطلان
~~الأولوية، والرواية ضعيفة.
# ومنها: للشك في كل زيادة، ونقصان، ذهب إليه العلامة في بعض أقواله (2).
# وربما قيل: إنه ظاهر ما نسبه الشيخ إلى بعض الأصحاب (3).
# وهو ظاهر الصدوق في الفقيه حيث قال: ولا تجب سجدتا السهو إلا على من قعد
~~في حال قيامه أو قام في حال قعوده أو ترك التشهد أو لم يدر زاد أو نقص (4)
~~إن لم نقل بأن كلامه ظاهر في عدد الركعات كظواهر الأخبار.
# والمشهور عدم الوجوب، وهو الأقوى، للأصل، وحسنة الحلبي، قال: سئل أبو عبد
~~الله عليه السلام عن رجل سها فلم يدر سجد سجدة أم ثنتين، قال: " يسجد أخرى
~~وليس عليه بعد انقضاء الصلاة سجدة السهو " (5) والأخبار الكثيرة المعتبرة
~~الدالة على أن ms0778 من شك وتجاوز المحل لم يلتفت، وقد مر كثير منها.
# احتجوا بالأخبار المتقدمة في المقام الثاني، وهي - مع عدم مقاومتها لما
~~ذكرنا كثرة واعتبارا واعتضادا - ظاهرة في أعداد الركعات.
# ومنها: لما إذا لم يدر أزاد ركوعا أم نقص، أم زاد سجدة أم نقص، ذهب إليه
# PageV03P271
# المفيد في المسائل الغرية (1)، ويظهر ضعفه مما مر، ولعل دليله أيضا
~~الأخبار المتقدمة في المقام الثاني، والجواب عنها قد مر.
# الثالث: المشهور أن موضعهما بعد التسليم، للأخبار الصحيحة وغير الصحيحة
~~الكثيرة غاية الكثرة التي تقدمت الإشارة إلى أكثرها آنفا (2).
# ونقل في المبسوط قولا بالتفصيل: بعد التسليم إن كانتا للزيادة، وقبله إن
~~كانتا للنقيصة (3).
# ونسبه في المختلف إلى ابن الجنيد (4)، وقيل: إنه ليس كذلك، بل هو مذهب
~~أبي حنيفة (5).
# وتدل عليه صحيحة سعد بن سعد (6)، وصحيحة صفوان الجمال (7)، وحملتا على
~~التقية (8) ونقل في الشرائع قولا بتقديمهما على التسليم مطلقا (9)، لرواية
~~أبي الجارود (10)، وهي ضعيفة محمولة على التقية أيضا (11).
# ويجب فيهما التشهد والتسليم على المشهور المدعى عليه الاجماع ظاهرا في
# PageV03P272
# المعتبر والمنتهى (1)، واستحبهما في المختلف، قال: بل الواجب فيه النية
~~لا غير (2).
# والأول أقوى، لظاهر الاجماع، والصحاح المتقدمة في المقام الثاني في
~~المبحث السابق، وموثقة أبي بصير المتقدمة في مبحث التشهد (3) وغيرها (4).
# وللنافي: الأصل و الإطلاقات، وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال:
# سألته عن سجدتي السهو، هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال: " لا، إنما هما
~~سجدتان فقط، فإن كان الذي سها هو الإمام كبر إذا سجد وإذا رفع رأسه، ليعلم
~~من خلفه أنه قد سها، وليس عليه أن يسبح فيهما، ولا فيهما تشهد بعد السجدتين
~~" (5).
# والأحوط بل الأقوى الوجوب، لظاهر الاجماع، سيما من المعتبر، ولخصوص
~~الصحاح معتضدة بالشهرة العظيمة.
# والمشهور الأقوى وجوب الذكر فيهما أيضا، لأن السجود في كلام الشارع ينصرف
~~إلى ما فيه ذكر، ولصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، بل يجب خصوص ما
~~تضمنته تلك الصحيحة أيضا، قال: " تقول في سجدتي السهو:
# بسم الله وبالله، اللهم صل على محمد وآل محمد " قال الحلبي: وسمعته ms0779 مرة
~~أخرى يقول فيهما: " بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
~~وبركاته " (6).
# ورواها الكليني أيضا في الحسن (7)، وفي بعض نسخه بدل " اللهم صل على
# PageV03P273
# محمد وآل محمد " " وصلى الله على محمد وآل محمد ".
# وروى الشيخ في الصحيح عن عبيد الله الحلبي هذه الرواية على النسخة
~~الثانية أيضا (1).
# ومقتضى المذكورات التخيير بين الثلاثة.
# وما يتوهم أن الرواية متضمنة لسهو الإمام; يمكن دفعه بأن المراد أنه كان
~~يقول في حكم سجدة السهو ذلك، لا في نفسها.
# وأما السجود على الأعضاء السبعة ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه
~~فالمشهور الوجوب، واستدلوا بأنه المعهود من الشرع، فينصرف الإطلاق إليه
~~(2).
# وفي الاستدلال إشكال، لأنه إن أريد أن السجدة حقيقة شرعية في ذلك فهو
~~ممنوع، وإن أريد أن الثابت في سجدة الصلاة هو وجوب المذكورات وإن كانت
~~خارجة عن حقيقتها فهو لا يجدي نفعا.
# وإن احتجوا بإطلاق الأخبار، مثل قوله عليه السلام في صحيحة زرارة عن
~~الباقر عليه السلام: " السجود على سبعة أعظم " (3) ومثل قول الصادق عليه
~~السلام في صحيحة هشام بن الحكم: " السجود لا يجوز إلا على الأرض أو ما
~~أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس " (4) فيدفعه أن الظاهر منها سجود الصلاة.
# وكيف كان فالشهرة وهذه الإطلاقات مع استصحاب شغل الذمة يكفي في إثبات
~~الحكم.
# وفي وجوب الطهارة والستر والاستقبال قولان، أحوطهما ذلك.
# PageV03P274
# قالوا: ويجب الفصل بينهما بجلسة، وربما علل بتحقق الاثنينية (1)، وفيه:
~~منع الانحصار في ذلك كسجدتي الشكر، فيشكل الحكم إن لم يكن إجماع.
# وكذلك الإشكال في وجوب الطمأنينة بينهما، والأحوط الجلوس والاطمينان.
# وأما التكبير في أولهما فالمنقول عن الشيخ (2) وجماعة (3) استحبابه، ولم
~~نقف على مصرح بالوجوب، وموثقة عمار المتقدمة تنفيه (4)، والخبر الدال على
~~الاستحباب لم نقف عليه إلا للإمام للإعلام كما في موثقة عمار، وهي تدل عليه
~~حين رفع الرأس أيضا.
# والمراد بالتشهد الخفيف: الشهادتان والصلاة على محمد وآله. فيكفي أن
~~يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، اللهم صل على
~~محمد وآل محمد، ms0780 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
# والأحوط بل الأقوى التزام التخفيف في التشهد.
# ويجب البدار بهما بعد الصلاة قبل فعل المنافي، لظاهر الأخبار (5)، ويؤكده
~~ما دل على تقديمهما على التسليم (6).
# ولو نسيهما يأتي بهما متى ما ذكرهما، لموثقة عمار (7).
# وربما يستدل بالإطلاقات.
# وفيه: أنه بعد إثبات الفورية أو المحدودية بما قبل فعل المنافي لا يبقى
~~إطلاق،
# PageV03P275
# وانتفاء الفورية والوقت يوجب انتفاء الحكم على الأقوى، إلا أن يقال بمنع
~~الفورية مطلقا حتى في حالة النسيان والاضطرار كما تشعر به موثقة عمار
~~الآتية (1). وكيف كان فالمذهب وجوب الإتيان.
# ولو تركهما عمدا فالأكثر على الصحة، ونقل عن الخلاف القول باشتراط صحة
~~الصلاة بهما (2).
# وربما يبنى الخلاف على أن العبادة اسم للصحيحة أو الأعم، والأقوى المشهور
~~سيما على المختار في كونها أسامي للأعم.
# وفي بقاء الوجوب بعد ذلك إشكال، ولا يبعد القول بكونه أحوط.
# وإن تعدد موجب السجد، فالحق عدم التداخل، وهو مختار الأكثر. وقيل به
~~مطلقا (3)، وقيل به إن اتحد الجنس، وعدمه لو تعدد; كالكلام وسهو السجدة
~~(4).
# وربما يفرق في المتجانس بعدم تخلل الذكر، فيتعدد لو تخلل الذكر بين كلمات
~~ثلاث مطلقا، وقيل: في التكلم، ولا يجب لكل آية من الفاتحة المنسية جميعها
~~(5).
# والأولى الترتيب بملاحظة الأمور المنسية.
# وفي وجوب تقديم ما يقضى من المنسيات عليهما وجهان، وفي رواية علي بن أبي
~~حمزة المتقدمة في مباحث التشهد (6) دلالة على تقديمهما على قضاء التشهد،
~~ويدل عليه ما دل على فوريتهما.
# وقوى الشهيد تقديم ما يقضى (7)، ولم نقف على مستنده، إلا أنه موافق
~~للاعتبار.
# PageV03P276
# الرابع: تبط الصلاة بالشك في أعداد ركعات الثنائية، كالصبح، وصلاة السفر،
~~والجمعة، والعيدين، والآيات، والثلاثية على المعروف من مذهب الأصحاب، عدا
~~ابن بابويه، فإنه جوز البناء على الأقل والإعادة (1).
# لنا: الأخبار المتظافرة، مثل صحيحة حفص بن البختري وغيره عن الصادق عليه
~~السلام: " إذا شككت في المغرب فأعد، وإذا شككت في الفجر فأعد " (2).
# ومثلها صحيحة عبد الله بن مسكان عن عنبسة بن مصعب عنه عليه السلام (3)،
~~وصحيحة الحلبي (4) وصحيحة العلاء (5) وصحيحة محمد بن ms0781 مسلم (6).
# وموثقة سماعة، قال: سألته عن السهو في صلاة الغداة، قال: " إذا لم تدر
~~واحدة صليت أم ثنتين فأعد الصلاة من أولها، والجمعة أيضا إذا سها فيها
~~الإمام فعليه أن يعيد الصلاة لأنها ركعتان " (7) الحديث.
# وفيها ما يدل على أن الشك بين الثلاث والأربع أيضا في المغرب مبطل، مثل
~~رواية موسى بن بكر، قال: سأله الفضيل عن السهو فقال: " إذا شككت في
~~الأوليين فأعد " وقال في صلاة المغرب: " إذا لم تحفظ ما بين الثلاث إلى
~~الأربع فأعد صلاتك " (8) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
# PageV03P277
# وعدم التصريح ببعض المذكورات في الأخبار لا يضر، لمكان التعليل في موثقة
~~سماعة، ولعدم القول بالفصل.
# وفي حكم المذكورات الشك في الأوليين من الرباعية، قال في المنتهى: وهو
~~مذهب علمائنا أجمع إلا أبا جعفر بن بابويه فإنه قال: لو شك بين الركعة
~~والركعتين فله البناء على الأقل (1).
# لنا: مضافا إلى ما مر من بعض الأخبار حسنة الوشاء عن الرضا عليه السلام:
# " الإعادة في الركعتين الأوليين، والسهو في الركعتين الأخيرتين " (2).
# وصحيحة الفضل بن عبد الملك قال، قال لي: " إذا لم تحفظ الركعتين الأوليين
~~فأعد صلاتك " (3).
# وموثقة سماعة (4) وصحيحة عبد الله بن مسكان عن عنبسة بن مصعب (5) ولعل
~~مستند الصدوق في المقامين هو حسنة الحسين بن أبي العلاء (6)، وموثقة ابن
~~أبي يعفور (7)، ورواية عبد الرحمن بن الحجاج (8)، وصحيحة صفوان عن عنبسة
~~(9)، وكل ما دل على البناء على الجزم واليقين كما سيجئ.
# PageV03P278
# وحملها الشيخ على النافلة (1)، وحملها بعضهم على التقية (2).
# وكيف كان فلا تقاوم هذه الأخبار أدلة المشهور، فلا بد من طرحها أو
~~تأويلها، ولا دليل على حملها على التخيير، هذا إذا كان الشك في أعداد
~~الركعات.
# وأما الجزء فحكمه ما مر من الإتيان به ما لم يتجاوز المحل، ويصح إذا
~~تجاوز، ركنا كان أو غيره، لعموم الأخبار المستفيضة، منها ما تقدم في مباحث
~~الركوع (3) والسجود (4).
# ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: " كلما شككت فيه
~~بعد ما تفرغ من صلاتك فامضه " (5).
# وصحيحته الأخرى عن أحدهما ms0782 عليهما السلام، قال: سألته عن رجل شك بعد ما
~~سجد أنه لم يركع، قال: " يمضي في صلاته " (6) إلى غير ذلك من الأخبار
~~الكثيرة الصحيحة والحسنة والموثقة وغيرها.
# وهذا الحكم مشهور بين الأصحاب.
# وذهب المفيد إلى الإعادة في كل سهو يلحق الانسان في الركعتين الأوليين من
~~فرائضه (7)، ونقل عن الشيخ أنه نقل ذلك القول عن بعض قدماء أصحابنا (8)،
~~ولعل نظرهم ما دل على بطلان الصلاة بالشك في الأوليين.
# وفيه: أنها ظاهرة في عدد الركعات. فإن استدل بما دل على الإعادة بمجرد
~~الشك
# PageV03P279
# في الفجر والمغرب ونحوهما فيمكن دفعها أيضا بذلك.
# سلمنا، لكن النسبة بين هذه العمومات وما استدللنا به عموم من وجه،
~~والترجيح معنا، لكون دلالة أخبارنا على العموم أقوى، ولاعتضادها بعمل
~~الأصحاب وفهمهم، وموافقتها للأصل والاستصحاب، وقولهم عليهم السلام:
# " الصلاة على ما افتتحت عليه " (1).
# ولعل المراد بالبطلان عند من قال هو ما إذا انقضى الوقت، وأما لو تداركه
~~فلعله غير مضر، ولا أظن وجود مخالف فيه.
# ولا فرق في ذلك بين الركن وغيره، للإطلاقات. وما استقربه العلامة من
~~البطلان مستندا بأن الشك فيه شك في الركعة (2) بعيد.
# ثم إن صلاة الآيات إنما تبطل بالشك إذا كان في عدد الركعتين، وأما
~~الركوعات فيبنى فيها على الأقل، إلا أن يستلزم الشك في الركعة، كالشك بين
~~الخامس و السادس الذي يفعله في الثانية، ويظهر وجهه مما تقدم.
# الخامس: من لم يدر كم صلى تبطل صلاته على المشهور، بل قال في المنتهى:
# وعليه علماؤنا (3)، وظاهر الصدوق في الفقيه جواز البناء على الأقل هنا
~~أيضا (4).
# لنا: من مع ما دل على بطلان الصلاة بسبب عدم حفظ الأوليين، مثل صحيحة
~~الفضل بن عبد الملك، وحسنة الوشاء المتقدمتين (5)، ورواية عامر بن جذاعة عن
~~الصادق عليه السلام: " إذا سلمت الركعتان الأوليان سلمت الصلاة " (6)،
~~وبطلانها
# PageV03P280
# بسبب الشك فيهما; الصحاح المستفيضة وغيرها، مثل صحيحة صفوان، عن أبي
~~الحسن عليه السلام، قال: " إن كنت لا تدري كم صليت، ولم يقع وهمك على شئ
~~فأعد الصلاة " (1).
# وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه ms0783 عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يقوم في
~~الصلاة فلا يدري صلى شيئا أم لا، قال: " يستقبل " (2).
# وصحيحة زرارة وأبي بصير قالا، قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا
~~يدري كم صلى، ولاما بقي عليه، قال: " يعيد " (3) الحديث.
# ورواية ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا شككت فلم تدر
~~أفي ثلاث أنت أم في اثنتين أم في واحدة أم في أربع فأعد ولا تمض على الشك "
~~(4).
# وصحيحة علي بن النعمان المتقدمة فيمن نسي ركعة (5).
# واعلم أن قوله عليه السلام: " لا تدري كم صليت " يحتمل وجوها، أحدها:
# لا تدري كم قدرا فعلت من الصلاة، أعم من الركعة والأقل منها والأكثر، وهو
~~موافق لصحيحة علي بن جعفر.
# والثاني: لا تدري كم ركعة صليت، أواحدة أو ثنتين أو ثلاثا أو أربعا أو
~~أكثر، وتوافقه رواية ابن أبي يعفور.
# PageV03P281
# ولا يتحقق ذلك إلا مع اليقين بفعل ركعة، وهو يتصور على وجهين، أحدهما:
# أن يكون متيقنا بفعل ركعة مع اتصافها بوصف المرتبة الأولى، والثاني: أن
~~لا يعلم ذلك أيضا.
# والثالث: لا تدري أن ما فعلته كم هو عددا من الركعة، يعني أنه لا يدري أن
~~ما فعله الآن في أي مرتبة من مراتب العدد ليحصل له العلم بمجموع العدد وإن
~~حصل له العلم بمرتبة ما منه كالأولى، أو هي مع الثانية أو أكثر من ذلك.
# وهذا الاحتمال يجري في كثير من أقسام الشك التي لها علاج يصححها، كالشك
~~بين الثلاث والأربع، والاثنين والثلاث، وغيرهما، فعلى هذا لا بد من تخصيص
~~إطلاق هذه الصحيحة وما في معناها بما ورد من الأخبار في أحكام تلك الصور.
# وهذه اللفظة في المعنيين الأولين أظهر منه في الثالث، سيما فيما عدا
~~الوجه الأول من المعنى الثاني.
# وكيف كان فالظاهر أن عنوان المسألة المذكورة في ألسنتهم مبنية على
~~المعنيين الأولين، وأما المعنى الثالث فلا ينفك عن حفظ مرتبة من مراتب
~~الركعات، فحينئذ تختلف أحكامها باختلاف أقسامها، ففي بعضها باطل لاندراجها
~~فيما تقدم، وفي بعضها له علاج لدخولها ms0784 فيما دل على ذلك، فتأمل فيما ذكرنا
~~واضبطه عسى أن ينفعك فيما بعد.
# والحاصل أن من لا يدري كم صلى بمعنى غفلته وولهه عن مطلق أفعال الصلاة أو
~~عن عد الركعات مطلقا أو مع شكه في مجموع الركعات، أو أكثر منها، وإن تذكر
~~مرتبة منها في الجملة، فالكل حكمه واحد كما يستفاد من تلك الأخبار، فقد
~~يمكن الاستدلال في هذه المسألة بما دل على بطلان الصلاة بسبب الشك في
~~الواحدة والاثنتين (1) وقد لا يمكن، فهذه المسألة أعم من مسألة الشك في
~~الواحدة والاثنتين،
# PageV03P282
# فتظهر فائدة تعديد العنوان.
# ويدل على ما يظهر من الصدوق الجمع بين ما تقدم، وما دل على البناء على
~~الجزم، مثل صحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل
~~لا يدري كم صلى، واحدة أو اثنتين أم ثلاثا، قال: " يبني على الجزم، ويسجد
~~سجدتي السهو، ويتشهد تشهدا خفيفا " (1).
# وموثقة إسحاق بن عمار أنه قال: قال لي أبو الحسن الأول: " إذا شككت فابن
~~على اليقين " قال، قلت: هذا أصل؟ قال: " نعم " (2).
# وحسنة سهل بن اليسع: فيما إذا تلبست عليه الأعداد كلها عن الرضا عليه
~~السلام أنه قال: " يبني على يقينه، ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم، ويتشهد
~~تشهدا خفيفا " (3).
# ورواية علي بن أبي حمزة (4)، وقد مرت رواية عنبسة بن مصعب (5).
# وحملت الأولى على أن المراد بالجزم استئناف الصلاة. واستشكل بسجدتي
~~السهو.
# وقد تحمل على الاستحباب لكثرة السهو، ويناقش فيه بمنافاتها للبناء على
~~الجزم. ويمكن دفعه بإرادة أنه يجعل حكمه حكم الجازم.
# وحملت رواية عنبسة وما في معناها على النوافل.
# وأما رواية علي بن أبي حمزة فهي في حكم كثير الشك، وخارجة عما نحن
# PageV03P283
# فيه، مع أنه لا حاجة لنا إلى هذه التكلفات، لعدم مقاومتها لأدلة المشهور
~~سندا ودلالة وكثرة واعتضادا، مع أن صحيحة علي بن يقطين غير ظاهرة في أحد من
~~المعاني المتقدمة لمن لم يدر كم صلى.
# السادس: لو شك فيما زاد على الاثنتين من الرباعية، فإما أن يدخل فيه
~~الزائد على الأربع أم ms0785 لا، وإن زاد فإما أن يزيد على الخمس أم لا، وكلما زاد
~~على الخمس فحكمه واحد.
# فالصور المتصورة من الشك بين الاثنين والثلاث والأربع والخمس إحدى عشرة،
~~ستة منها ثنائية، وهي: الشك بين الاثنتين والثلاث، والاثنتين والأربع،
~~والاثنتين والخمس، والثلاث والأربع، والثلاث والخمس، والأربع والخمس.
# وأربع منها ثلاثية، وهي: الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، وبين
~~الاثنتين والثلاث والخمس، وبين الاثنتين والأربع والخمس، وبين الثلاث
~~والأربع والخمس.
# وواحدة منها رباعية، وهي الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع والخمس.
# والصور المتصورة بعد إدخال الست فيها - والمراد به الست فما فوقها - خمس
~~عشرة صورة: أربع منها ثنائية، وست منها ثلاثية، وأربع منها رباعية، وواحدة
~~منها خماسية، فمجموع الأقسام ستة وعشرون.
# ثم الحالات المتصورة للشك بالنسبة إلى أجزاء الركعة القابلة لاختلاف
~~الحكم تسع، لأنه إما أن يكون في حال الأخذ في القيام أو بعد استيفائه قبل
~~القراءة، أو في أثنائها، أو بعدها قبل الركوع، أو بعد الانحناء وقبل الرفع،
~~أو بعده قبل السجود، أو فيه قبل الفراغ من ذكر الثانية، أو بعده قبل الرفع
~~منها، أو بعده.
# وحاصل ضرب التسع في الصور المتقدمة مائتان وأربعة وثلاثون.
# فإن قلنا ببطلان الصلاة بسبب تعلق الشك بالسادسة رأسا كما عليه الأكثر
~~PageV03P284
# لأن زيادة الركن مبطلة، ومع احتمالها لا يحصل اليقين بالبراءة، فيسقط
~~الكلام في الأقسام المتعلقة به، ويبقى الكلام في الباقي، وهو تسع وتسعون
~~صورة.
# ولما كان الأظهر (إمكان الصحة) (1) كما ذهب إليه جماعة (2) لضعف دليل
~~المشهور كما ستعرف، فلا بأس بالإشارة الإجمالية إلى أحكام الجميع.
# وأما القائلون بالصحة فهم بين قول بالبناء على الأقل لأنه المتيقن وعدم
~~الدليل على البناء على الأكثر، إذ الظاهر (3) من أخبار عمار هو أكثر الأربع
~~لا مطلق الأكثر، والظاهر من البناء فيها تصحيح الأكثر لا مطلق البناء عليه
~~حتى يشمل البطلان من جهة زيادة الركعة أيضا.
# وبين قول بأن حكمه حكم ما يتعلق بالخمس فيصح حيث يصح، ويبطل حيث يبطل،
~~وكذلك حكم سجود السهو ولزوم الاحتياط، وهو المنقول عن ابن أبي عقيل ms0786 (4)
~~وجماعة من المتأخرين (5)، لإطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة في الشك بين الأربع
~~والخمس (6)، وما ورد " أن الفقيه لا يعيد صلاته " (7).
# فلنذكر أولا من الأقسام ما تعم به البلوى، ثم لنشر إلى بعض الصور النادرة
~~، ويظهر منها حكم الباقي.
# PageV03P285
# فأما الصور المتعارفة فهي خمس:
# الأولى: الشك بين الأربع والخمس، أو الرابعة والخامسة، فإن كان شكه بعد
~~إكمال السجدتين فيتم ويأتي بالمرغمتين وتصح صلاته بلا خلاف، وتدل عليه
~~الأخبار الصحيحة المتقدمة أيضا (1)، وقد مر خلاف المفيد (2) وتابعيه (3) في
~~وجوب السجدتين.
# وعن الصدوق وجوب الاحتياط بركعتين جالسا (4).
# وأول (5) بما إذا كان قبل الركوع، فيهدم الركعة ويسلم ويحتاط، لرجوعه إلى
~~الشك بين الثلاث والأربع، وليس من الشك بين الأربع والخمس، بل هو الشك بين
~~الرابعة والخامسة، كذا قالوه مع اختلاف بينهم في سجدتي السهو.
# ولعل من أوجبها فقد أراد السجود للزيادة، لا للشك بين الأربع والخمس،
~~لأنه ليس بذاك.
# وهذا الحكم عندي لا يخلو من إشكال، لأن خروج المسألة حينئذ عن عنوان
~~الأخبار الصحيحة في الشك بين الأربع والخمس وإن كان ظاهرا، ولكن دخولها تحت
~~ما دل على الشك بين الثلاث والأربع محل إشكال، لأن المتبادر من الشك في
~~الشئ وما يؤدي مؤداه من الألفاظ الواردة في الأخبار هو الشك الذي تعلق
~~بالشئ بالأصالة، لا ما يستلزمه تبعا أيضا. وأيضا المتبادر منها أن الشك
~~إنما هو في الثلاث والأربع، لا هو مع الرابعة والخامسة.
# فلا يبعد القول حينئذ بأنه يتمها رابعة لأصالة عدم الزيادة، لو لم يكن
~~إجماع
# PageV03P286
# على الهدم، ولم أتحققه.
# وأما بعد الركوع وقبل إكمال السجود سواء رفع عن الركوع أم لا ففيه قولان
~~، أظهرهما الصحة، وفاقا للعلامة في أحد أقواله (1)، وجماعة من المحققين
~~(2)، لأن الأصل عدم الزيادة، فيحسبها رابعة ويتم.
# واحتجوا للبطلان بتردده حينئذ بين محذورين: الإكمال المعرض للزيادة،
~~والهدم المعرض للنقيصة.
# وفيه: أن المبطل يقين زيادة الركن، عمدا كان أو سهوا، لا احتمالها، وتعمد
~~فعل السجود الذي هو ركن زائد في نفس الأمر ليس معنى زيادة الركن عمدا، فلا
~~يرد أن ms0787 زيادة السجود هنا حاصلة عن عمد.
# ومقتضى ما نقل عن بعض الأصحاب " من أن مسمى الركعة يتحقق بإدراك الركوع "
~~(3) دخول ذلك تحت النصوص الواردة في المسألة، فيتم ويسجد سجدتي السهو.
~~والحق عدمه، لأن المتبادر من الركعة هو مجموع القيام والركوع والسجود.
# وبذلك يظهر أن الشك بعد الركوع إلى ما قبل انعقاد السجدة الأخيرة لا يدخل
~~في هذه النصوص، للإشكال في معنى الركعة، والذي هو إجماعي أنها تتحقق بالرفع
~~من السجدة الأخيرة.
# وربما ألحق به ما دخل في السجدة الأخيرة أيضا، وليس ببعيد.
# وقوله عليه السلام: " لا تدري أربعا صليت أم خمسا " معناه أنك لا تدري ما
~~فعلته، هل هو أربع ركعات أو خمس، لا أن ما أنت فيه هل هو الرابعة أم
~~الخامسة، فالذي يتيقن اندارجه تحت هذه النصوص هو ما إذا رفع عن الأخيرة،
# PageV03P287
# والذي يظن دخوله فيها أيضا ما إذا دخل في السجدة الأخيرة، وغيره مشكوك
~~فيه، فإما يرجع في غيرها إلى حكم الشك بين الثلاث والأربع وقد عرفت أنه
~~أيضا مشكوك فيه، وإما يرجع فيها إلى الأصل، ومقتضاه الصحة; لأن الأصل عدم
~~الزيادة والتمسك باستصحاب شغل الذمة، وأن الأصل لا يجري في مهية العبادة;
~~ضعيف، وقد بينا حقيقته في القوانين المحكمة.
# والحاصل أنا إذا اعتبرنا الشك التبعي اللازم للشك بين الرابعة والخامسة
~~فلا تفاوت بين تلك الأقسام، لأن احتمال زيادة الركن قد عرفت أنها غير مضرة
~~كما نبه عليه في الروايات الواردة في الباب.
# وإن لم يعتبر فلا بد أن لا يعتبر في شئ منها، فإما يرجع في الكل إلى
~~البطلان لاستصحاب شغل الذمة وعدم ظهور دليل على الصحة، أو إلى حكم الشك بين
~~الثلاث والأربع للاستلزام التبعي، أو إلى الصحة والإتمام لما ذكرنا من
~~أصالة عدم الزيادة وعدم الالتفات إلى الاستلزام التبعي.
# والاحتياط في كل هذه الأقسام إتمام الصلاة والإعادة.
# الثانية: الشك بين الاثنتين والثلاث بمعنى أنه جازم بحصول الاثنتين وشكه
~~في انضمام الثالثة إليهما، وذلك إنما يتحقق بعد إكمال السجدتين، لما قد
~~عرفت أن الركعة ms0788 لا تتم إلا بإكمالهما، وهو إما بالرفع عن الأخيرة، أو بتمام
~~الأخيرة قبل رفعه أيضا على احتمال ظاهر قدمناه، واختاره الشهيد في الذكرى
~~(1).
# وحكمه على المشهور المدعى عليه الاجماع من السيد في الانتصار (2) البناء
~~على الثلاث، ويتم ويأتي بصلاة الاحتياط.
# PageV03P288
# فههنا مطلبان:
# الأول: إن هذا الحكم إنما يتم بعد إكمال السجدتين على أي المعنيين.
# والثاني: إن حكمه ما ذكر أما الأول فيرد عليه أن الدليل لا يقتضي ذلك،
~~فإنه إن كان هو ما دل على البناء على الأكثر كما تدل عليه روايات عمار (1)
~~وقد أشرنا إليها، فهو يتم إذا كان شكه قبل الركوع أيضا في أنها ثانية أو
~~ثالثة، وإن كان هو ما دل على أن من شك في الأولتين أو لم يحفظهما فصلاته
~~باطلة (2)، ففيه: أن ما نحن فيه ليس كذلك، فإن الظاهر منها في الأخبار
~~وكلام جمهور الأصحاب هو إرادة العدد، والعدد محفوظ بالفرض، فإن المفروض أنه
~~متيقن بأنه دخل في الثانية وتلبس بها، وأنه أتمها أو يتمها الآن، لكنه شاك
~~في أن في هذا الدخول هل هو الدخول في الثانية أو الدخول في الثالثة.
# وتؤيده صحيحة زرارة الآتية في الشك بين الثلاث والأربع (3)، والمفروض عدم
~~وقوع الشك في الأجزاء أيضا، مع أنه غير مضر على التحقيق أيضا كما عرفت،
~~فأصالة عدم الزيادة تقتضي أن يجعلها ثانية، فتصح صلاته ويتم ما بقي، ولا
~~دليل على البطلان.
# وإن كان هو الاجماع كما يظهر من كلمات بعضهم مثل الشهيد الثاني في شرح
~~الألفية حيث قال: إن كان شك يتعلق بالثانية قبل إكمالها يبطل قولا واحدا،
~~فله وجه، ولكن يضعفه تعليله في كثير من العبارات بسلامة الأوليين، كعبارة
~~الذكرى،
# PageV03P289
# فإنه بعد ما أسند الاشتراط إلى ظاهر الأصحاب قال: فيبطل بدونه، محافظة
~~على ما سلف من اعتبار الأوليين، وربما اكتفى بعضهم بالركوع لصدق مسمى
~~الركعة والأول أقوى (1)، انتهى.
# وكيف كان فالأولى متابعتهم في البطلان قبل الدخول في السجدة الأخيرة.
# وأما الثاني، فخالف فيه السيد - رحمه الله - فيبني على الأقل (2)،
~~والصدوق في المقنع ms0789 فقال بالبطلان، وفي ظاهر الفقيه فجوز البناء على الأقل
~~بدون الاحتياط (3).
# حجة المشهور: كل ما دل على البناء على الأكثر، مثل روايات عمار في
~~مقابلها الأخبار الدالة على الأخذ على الجزم وعلى الأقل عموما كموثقة إسحاق
~~بن عمار المتقدمة (4)، وغيرها (5).
# وخصوصا، مثل ما رواه عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد، عن محمد بن خالد
~~الطيالسي، عن العلاء قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل صلى ركعتين
~~وشك في الثالثة، قال: " يبني على اليقين، فإذا فرغ تشهد وقام قائما فصلى
~~ركعة بفاتحة القرآن " (6).
# ورواية سهل بن اليسع، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل لا يدري
~~أثلاثا صلى أم اثنتين، قال: " يبني على النقصان، ويأخذ بالجزم، ويتشهد بعد
~~انصرافه تشهدا خفيفا، كذلك في أول الصلاة وآخرها " (7). ولعله سقط من آخرها
# PageV03P290
# ذكر سجود السهو.
# والجمع بينهما مع عبارة فقه الرضا (1) هو حجة الصدوق في الفقيه. كما أن
~~الطائفة الأخيرة حجة السيد رحمه الله.
# وروايات عمار ظاهرة في عدد الركعات، بل صريحة، فتخصص بها العمومات
~~الشاملة للشك في الأجزاء أيضا.
# وأما رواية سهل بن اليسع فمع القدح في السند (2)، ففيها أنها لا تقاوم
~~أدلة المشهور، لاعتضادها بالعمل، مع أن ابن أبي عقيل ادعى تواتر الأخبار
~~على طبق المشهور (3). وقد يقال: إن أخبار الجزم محمولة على التقية (4).
# وحجة المقنع: هي صحيحة عبيد بن زرارة عن الصادق عليه السلام (5)، وحملها
~~الشيخ على المغرب (6)، مع أنه لا يمكن طرح الأخبار الكثيرة المعمول بها
~~بمثلها، مع أن الفاضلين ادعيا الاجماع على عدم بطلان الصلاة بالشك في
~~الأخيرتين (7)، ومع ذلك كله فالأحوط الإعادة.
# ثم قد يستدل على مذهبهم بحسنة زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال، قلت
~~له: رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا، فقال: " إن دخله الشك بعد دخوله في
# PageV03P291
# الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الأخرى، ولا شئ عليه، ويسلم " (1) الحديث.
# وتنزيله على مذهبهم يحتاج إلى تكلف وخروج عن الظاهر، مع أن الدخول في
~~الثالثة أي الركعة التي يحسبها ثالثة في المبادئ وقبل ms0790 وقوع الشك ليس بشرط
~~اتفاقا، وظاهرها يوافق مذهب السيد من البناء على الأقل، وتوجيهه على
~~المشهور أن يراد بقوله عليه السلام " ثم صلى الأخرى " صلاة الاحتياط.
# والمشهور هنا في صلاة الاحتياط التخيير بين الركعة قائما والركعتين من
~~جلوس.
# وظاهر علي بن بابويه تعين الأول (2).
# وابن أبي عقيل والجعفي عينا الثاني (3).
# ولعل دليل الأول عموم البدلية المستفاد من ملاحظة الأخبار، مؤيدا بما دل
~~على وجوبهما على من شك بين الاثنتين والثلاث والأربع كما سيأتي، فإن الظاهر
~~أنهما لتدارك الركعة لو كانت هي الساقطة.
# ودليل تعيين القيام ظاهر روايات عمار (4) وحسنة زرارة على الوجه المتقدم.
# ولم نقف لتعين الجلوس على مأخذ، والأحوط القيام.
# الثالثة: الشك بين الثلاث والأربع في أي موضع كان، والمشهور البناء على
~~الأربع والاحتياط وابن الجنيد وابن بابويه خيرا بينه وبين البناء على الأقل
~~وترك الاحتياط (5).
# PageV03P292
# ولنا: رواية الحلبي الصحيحة في الفقيه، الحسنة في الكافي (1)، وموثقة عبد
~~الرحمن بن سيابة والبقباق بأبان بن عثمان (2)، وحسنة الحسين بن أبي العلاء
~~(3)، ورواية جميل (4)، وصحيحة محمد بن مسلم (5)، وروايات عمار المتقدمة
~~وحجة القول الثاني: الجمع بينها وبين ما دل على الأخذ باليقين، وما رواه
~~زرارة في الصحيح والحسن عن أحدهما عليهما السلام قال، قلت له: من لم يدر في
~~أربع هو أو في ثنتين وقد أحرز ثنتين، قال: " يركع ركعتين وأربع سجدات وهو
~~قائم بفاتحة الكتاب، ويتشهد، ولا شئ عليه، وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في
~~أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها أخرى ولا شئ عليه، ولا ينقض اليقين
~~بالشك ولا يدخل الشك في اليقين " (6) الحديث.
# والأقوى العمل على المشهور لكونها مفصلة فلا تعارض بها المطلقات.
# وأما صحيحة زرارة فيحمل قوله عليه السلام " فأضاف إليها أخرى " على صلاة
~~الاحتياط، إذ الأخبار في ذكرها مفصولة وموصولة مختلفة (7)، ولا بد من حملها
~~على المفصولة ليحتمل جبر النقص لو كانت الصلاة ناقصة وصيرورتها نافلة
~~مستقلة لو لم تكن; كما صرح بذلك في الأخبار (8)، فالرواية مسوقة لبيان صلاة
~~الاحتياط، وحكم البناء على الأكثر ms0791 محول على سائر الأخبار.
# PageV03P293
# والمشهور في الاحتياط هنا أيضا التخيير كما تضمنته رواية جميل (1)، وظاهر
~~الجعفي وابن أبي عقيل تعين الركعتين جالسا (2)، وهو أحوط كما دلت عليه
~~الأخبار الصحيحة والحسنة (3)، لضعف رواية جميل وإن انجبرت بالعمل.
# ثم إن تعميمهم هذه المسألة بالنسبة إلى مواضع الركعة إما لظاهر صحيحة
~~زرارة المتقدمة آنفا، أو لأنه إذا كان قبل الركوع فيرجع إلى الشك بين
~~الاثنتين والثلاث، فلا يتفاوت الحكم.
# وفي الأخير تأمل، للاختلاف الواقع بينهم في صلاة الاحتياط في المقامين،
~~والاحتياط في صلاة الاحتياط مختلف كما عرفت، ولعل معتمدهم ظاهر الصحيحة أو
~~الاجماع.
# الرابعة: الشك بين الاثنتين والأربع، والمشهور البناء على الأربع
~~والاحتياط بركعتين من قيام.
# ونقل عن الصدوق التخيير بينه وبين البناء على الأقل والقول بالبطلان أيضا
~~(4).
# لنا: صحيحة ابن أبي يعفور (5)، وصحيحة محمد بن مسلم (6)، وصحيحة
# PageV03P294
# أبي بصير (1)، وما تقدم في المسائل السابقة مثل حسنة زرارة (2)، وصحيحة
~~الحلبي (3)، وصحيحة محمد بن مسلم (4).
# ودليل التخيير: الجمع بينها وبين ما دل على الأخذ بالجزم (5)، وصحيحة
~~زرارة المتقدمة آنفا (6)، وقد ظهر الجواب عنهما مما مر.
# ودليل البطلان: صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألته عن الرجل لا يدري صلى
~~ركعتين أم أربعا، قال: " يعيد الصلاة " (7).
# وقد تحمل على الشك في أثناء الركعة (8)، وليس ببعيد، وقد عرفت الاجماع
~~المنقول عن الفاضلين (9).
# الخامسة: الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، والمشهور البناء على الأربع
~~والاحتياط بركعتين من قيام وركعتين من جلوس.
# وقال ابن الجنيد وابنا بابويه: إنه يصلي ركعة من قيام وركعتين من جلوس
~~(10).
# وربما نقل عن ابن الجنيد البناء على الأقل أيضا (11).
# ويدل على المشهور ما رواه ابن أبي عمير في الحسن، عن بعض أصحابه،
# PageV03P295
# عن الصادق عليه السلام (1).
# وعلى القول الثاني صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي إبراهيم عليه
~~السلام قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل لا يدري اثنتين صلى أم
~~ثلاثا أم أربعا، فقال: " يصلي ركعة من قيام، ثم يسلم ثم يصلي ركعتين وهو
~~جالس " (2) وهذه موافقة لعبارة فقه الرضا عليه السلام أيضا ms0792 (3).
# والأقوى الحسنة، لاعتضادها بالشهرة، والصحيحة مضطربة الإسناد، لعدم
~~معهودية رواية الكاظم عن أبيه عليه السلام على هذا الوجه وفي بعض النسخ "
~~عن أبي إبراهيم قال، قلت: له رجل إلى آخره "، مع أن في بعض النسخ " ركعتين
~~من قيام " (4) فتكون دليلا للمشهور.
# وما ذكره الشهيد " أن هذا القول أوفق في الاعتبار بأنهما منضمتين تجريان
~~مجرى الركعتين لو كانتا ساقطتين وإحداهما تجري مجرى الواحدة لو كانت هي
~~الساقطة " (5) معارض بموافقة الركعتين للساقطة لو كانت ركعتين، ولا يلزم
~~منه زيادة نية وتكبير، بخلاف ما ذكره.
# والأكثر على التخيير بين الصلاتين في الترتيب، والمفيد (6) والسيد (7) في
~~بعض أقواله على تعين تقديم الركعتين من قيام، وهو أولى وأحوط، لظاهر
~~الرواية وإن كانت لا تفيد الواو الترتيب، مع أن كلمة ثم في الصحيحة تدل على
~~ذلك.
# PageV03P296
# ونقل عن المفيد في العزية تقديم الركعة قائما (1)، وهو ضعيف ثم إن مذهب
~~أكثر الأصحاب على ما نسبه إليهم الشهيد في الذكرى تعين الجلوس في الركعتين
~~الأخيرتين (2)، وهو الموافق للنص.
# وقيل بتعين الركعة قائما، نقله الشهيد عن ظاهر المفيد في العزية وسلار
~~(3)، ولم نقف على مأخذه، وقيل بالجواز، لتساويهما في البدلية، وأقربيتها
~~إلى الحقيقة المحتمل سقوطها (4)، وهو ضعيف.
# وأما الصور النادرة من الشك فلنذكر منها خمس:
# الأولى: الشك بين الأربع والست، فالمشهور البطلان كما عرفت.
# وعلى القول بجعله من باب ما يتعلق بالخمس فحكمه حكم الشاك بين الأربع
~~والخمس، فإن كان بعد السجدتين، فيتم ويسجد سجدتين، وإن كان في حال القيام،
~~فيرجع إلى الشك بين الثلاث والخمس وفيه وجهان، أظهرهما البناء على الأقل،
~~لأصالة عدم الزيادة، ولما دل على الأخذ بالجزم، ولقوله عليه السلام: " لا
~~يعيد الفقيه صلاته " (5).
# والثاني البطلان، وهو ضعيف.
# فعلى المختار يتم الركعة ولا شئ عليه.
# وإن كان بعد الركوع فلا يبعد القول بأنه يتمها وتصح صلاته، والمشهور
~~البطلان.
# ووجه ما اخترناه هو دخوله تحت الشك بين الثلاث والخمس، واحتمال اندارجه
# PageV03P297
# تحت من أكمل السجدتين على القول بإدراك الركعة بالركوع.
# الثانية: الشك بين الأربع والخمس والست، فإن ms0793 كان قبل الركوع فيرجع إلى
~~الشك بين الثلاث والأربع والخمس بعد السجود أو بعد الركوع على القولين.
# قال الشهيد: وفيه وجه بالبناء على الأقل، ووجه بالبناء على الأربع ووجوب
~~الاحتياط بركعة قائما أو ركعتين جالسا والمرغمتين (1).
# وعلل الشهيد الثاني الأول بأنه المتيقن، وضعفه بمخالفته المنصوص من بناء
~~الشاك بين الثلاث والأربع على الأكثر.
# وعلل الثاني بأنه موافق للنصوص في الشك بين الثلاث والأربع وبين الأربع
~~والخمس، فيحتاط بالركعة للأول، ويأتي بالمرغمتين للثاني وعندي في ذلك تأمل،
~~إذ المنصوص في كل مورد هي الحالة الوحدانية، ولا يستفاد منها حكم ما لو
~~قارنه شك آخر أم لا.
# لا يقال: المستفاد من الأخبار هو حكم كل مورد من موارد الشك لا بشرط شئ،
~~فيشمل ما لو قارنه آخر أم لا، فيثبت لكل منهما حكمه.
# لأنا نقول: الأحكام التوقيفية تتوقف على التوظيف، وإنما الذي يثبت من
~~الأخبار هو الحكم لمورد خاص في حال الوحدة، وإن لم يكن بشرط الوحدة، وثبوت
~~الحكم في حال لا يستلزم ثبوته في حال آخر، وكما أنه لا بد من إثبات القيد
~~من دليل; فلا بد من أثبات الإطلاق أيضا من دليل، إذ الإطلاق أيضا قيد، وقد
~~حققنا هذه القاعدة في القوانين في مواضع عديدة.
# مع أنه لا ينحصر الأمر في الشكين، بل هنا شك ثالث، وهو الشك ما بين
~~الثلاث والخمس أيضا، وحكمه إما البطلان أو البناء على الأقل، وهو لا يتم مع
~~ما ذكره. وهذا كلام سار في نظائر المسألة مما يرد عليك من أقسام الباب.
# PageV03P298
# مع أنا نقول: إن الشك بين الثلاث والأربع والخمس مهية في الشك مغايرة
~~للشك بين الثلاث والأربع، وللشك بين الأربع والخمس، وللشك بين الثلاث
~~والخمس، فلا وجه لدرج كل منهما في الأول.
# الثالثة: لو شك بين الثلاث والأربع والخمس، فإن كان قبل الركوع فيرجع إلى
~~الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، فيهدم الركعة ويأتي بما ذكرنا فيه من
~~الاحتياط.
# ولو كان بعد الركوع فقد عرفت حكمه آنفا.
# ويظهر مما مر حال ما لو ms0794 شك بين الاثنتين والثلاث والأربع والخمس، فيبطل
~~لو كان قبل إكمال السجود، وأما بعده فعلى ما ذكره الشهيد الثاني - رحمه
~~الله - يرجع إلى أصلين من أصول الشك المنصوص عليهما: الشك بين الثلاث
~~والاثنتين والأربع، والشك بين الأربع والخمس، فيأتي بركعتين من قيام
~~وركعتين من جلوس وبالمرغمتين. وترد عليه الإشكالات السابقة.
# ويظهر من ذلك حكم الشك بين الاثنتين والأربع والخمس، فيبطل إذا كان قبل
~~إكمال السجود، ويأتي بركعتين من قيام ويسجد للسهو على ما ذكروه، ويرد عليه
~~أيضا ما ذكرنا.
# الرابعة: لو شك بين الخمس والست، فإن كان قبل الركوع فيرجع إلى الشك بين
~~الأربع والخمس، فيهدم ويتشهد ويسلم ويأتي بالمرغمتين، وإن كان بعد الركوع
~~فيرجع إلى حكم زيادة الركن (1) في الصلاة، والأقوى فيه البطلان مطلقا.
# الخامسة: لو شك بين الثلاث والخمس، أو الاثنتين والخمس، أو الاثنتين
~~والثلاث والخمس، أو الاثنتين والست، أو الثلاث والست، وكذلك كل ما احتمل
~~الزائد على الأربع والناقص ولم يكن فيه احتمال للأربع، فالمشهور البطلان،
~~واحتمل الشهيد - رحمه الله - البناء على الأقل (2).
# PageV03P299
# ومما ذكرنا من الأقسام يظهر حال ما لم يذكر.
# والحق أنه لا يمكن استفادة أحكام هذه الصور النادرة من النصوص، والأصل
~~يقتضي البناء على الأقل، والاحتياط في الجميع واضح.
# تتميمات:
# الأول: تجب في صلاة الاحتياط النية، والتكبير، والقراءة، والتشهد،
~~والتسليم، لأنها صلاة منفردة، وللأخبار الدالة على ذلك (1).
# ولا يجوز تبديل القراءة بالتسبيح على الأشهر الأقوى، لخصوص الأخبار
~~المتقدمة (2).
# وعن المفيد (3) وابن إدريس (4) التخيير في المبدل، وهو ضعيف.
# ولا سورة فيها ولا قنوت.
# والأكثر على وجوب تعقيبها للصلاة.
# قال في الذكرى: ظاهر الفتاوى والأخبار وجوب التعقيب (5) ودلالة الأخبار
~~على ما ذكره ممنوعة، سيما مع أداء أكثرها بكلمة " ثم ". وكلمة " الفاء " في
~~تعقبها أيضا ممنوعة الدلالة على ذلك. نعم في الروايات لعمار إشعار بذلك
~~(6)، حيث جعلت تمام الصلاة فيها، ولا ريب أنه أحوط.
# ثم هل تبطل الصلاة لفعل المنافي قبلها أم لا؟ قولان، أظهرهما العدم،
~~للأصل:
# والفورية على القول بها أيضا لا تستلزم ذلك، وصحيحة ابن ms0795 أبي يعفور
~~المتقدمة في
# PageV03P300
# مسألة الشك بين الاثنتين والأربع الآمرة بسجدتي السهو للتكلم أيضا (1) لا
~~تدل على ذلك، مع أنها يمكن أن تكون لأجل سهو في نفس الصلاة، أو في صلاة
~~الاحتياط لا بينهما.
# وعلى القول بالبطلان بتخلل المنافي فحكمها حكم جزء الصلاة، ويترتب عليه
~~حكم المنافيات في الصلاة، فعلى ما اخترناه إذا أحدث بعد الصلاة قبل
~~الاحتياط يتوضأ، ويأتي بصلاة الاحتياط.
# وادعى الشهيد في الذكرى الاجماع على فورية الأجزاء المنسية التي تقضى،
~~وقال: إنه لا خلاف أنه يشترط فيها ما يشترط في الصلاة حتى الأداء في الوقت
~~(2).
# وفي بطلان الصلاة بفعل المنافي قبلها أيضا وجهان، والأظهر العدم.
# ولو ترك صلاة الاحتياط عمدا ففي البطلان وجهان، ناظران إلى ظاهر الأخبار،
~~سيما روايات عمار الدالة على أنها متممة.
# وإلى عدم ثبوت اشتراط الصحة بها، للأصل ومنع دلالة الروايات، بل هي واجب
~~على حدة يأثم بتركها. وهو أظهر، سيما بملاحظة ما قدمناه من عدم البطلان
~~بتخلل المنافي.
# مع أن المستفاد من العلة المذكورة في أخبار صلاة الاحتياط من أنها تمام
~~الصلاة إن كانت ناقصة، وتحسب نافلة إن كانت تامة (3)، أن الصلاة تبنى على
~~التمام على الظاهر، وهذه الصلاة احتياط للإتيان بما في نفس الأمر، فهذا
~~يشبه باحتياط المجتهد مع حصول الظن له بالحكم الشرعي، غاية الأمر أن
~~الاحتياط هنا واجب، فكما أن ظنه متصف بكونه حكم الله ظاهرا، فكذا الصلاة
~~بعد البناء على ما اقتضاه الشك.
# PageV03P301
# ثم على القول بالاشتراط، هل يكفي فعله أي وقت يكون; ولو قضاءا خارج
~~الوقت، أو تجب في وقت الصلاة، فتبطل بخروجه؟ احتمالان، والظاهر بالنظر إلى
~~الأخبار توقيته. وإن لم يكن فوريا ولم يثبت القضاء لصلاة الاحتياط من دون
~~الصلاة لا بد من دليل.
# والتحقيق أن القضاء فرض جديد، والأقرب بطلان الصلاة بخروج الوقت، إلا أن
~~يتمسك بعموم ما ورد في قضاء الفوائت لو لم نمنع شمولها لها.
# وأما على ما اخترناه فالوجه عدم البطلان بخروج الوقت وإن أثم بتركها لو
~~تعمد، والأحوط بل الأظهر وجوب قضائها، ms0796 وكذا لو كان نسيانا.
# ولو ترك الأجزاء المنسية عمدا ففي بطلان الصلاة أيضا وجهان، أظهرهما
~~العدم.
# وعلى الأول ففي كفاية القضاء في الصحة أيضا الوجهان، وأولى بالعدم هنا
~~لعدم العموم في أخبار القضاء لتشمله، ولفظ القضاء الوارد في الأجزاء
~~المنسية ليس على مصطلحه المشهور كما لا يخفى.
# الثاني: لو تذكر قبل الاحتياط عدم الحاجة إليه فلا إشكال.
# ولو تذكر النقصان فيأتي بالنقص ما لم يفعل المنافي.
# ولو تذكر النقصان ولما يركع في الركعة الأولى قال الشهيد: الأقرب عدم
~~الاعتداد بما فعله من النية والتكبير والقراءة، ويجب عليه القيام لإتمام
~~الصلاة (1)، انتهى.
# ولو تذكر بعد الاحتياط عدم الحاجة إليه فلا يضر، وله ثواب النافلة، ومر
~~ما يدل عليه من الأخبار.
# ولو تذكر النقصان صح، لأن الأمر يقتضي الاجزاء، فإن ظاهر الأخبار يشمل
# PageV03P302
# صورة التذكر أيضا، فلا وجه لتخصيصها بالنقص المحتمل دون المتيقن بعد
~~الاحتياط أيضا، ولصريح روايات عمار.
# نعم يقع الإشكال فيما لو ظهر النقصان بخلاف ما اقتضاه شكه، كمن صلى
~~ركعتين من جلوس للشك بين الثلاث والأربع، وظهر له بعد الاحتياط أنه صلى
~~ركعتين ففيه إشكال، نظرا إلى أن الأمر يقتضي الاجزاء، والإعادة كالقضاء
~~خلاف الأصل ويحتاج إلى فرض جديد.
# وإلى أن ذلك حكم ما لو لم يظهر لا مطلقا، وما لو حصل ما يجبر النقص،
~~والمفروض عدمه.
# والظاهر من روايات عمار أيضا هو ما وافق النقصان.
# ويؤيد الثاني ما يدل على حكم ناسي الركعة، وأنه يجب الإتيان بها (1)، إلا
~~أن بينها وبين ما دل على حكم الشك عموما من وجه، وحينئذ فحكم النسيان يقتضي
~~الإتيان بركعتين تتميما للفريضة، ويقع الإشكال حينئذ في كون الاحتياط مبطلا
~~للصلاة أم لا من جهة كونها فعلا كثيرا أو مستلزما لزيادة الركن، ومن جهة
~~عدم شمول أدلتهما لما نحن فيه، ولا يبعد أن يقال بمنع بقاء التكليف بالأربع
~~ركعات بعد الأمر بمقتضى الشك، وعود الحكم السابق يحتاج إلى دليل، والأصل
~~عدمه، وكذا لا دليل على إتيان ركعة أخرى حينئذ، فيكون الاجزاء أظهر،
~~والاحتياط واضح. ms0797
# وكذلك الكلام فيما لو ظهر للشاك بين الاثنتين والثلاث والأربع بعد
~~الإتيان بالركعتين أنه صلى ثلاث ركعات، أو بعد الإتيان بركعتين من جلوس إذا
~~قدمهما أنه كان صلى ركعتين، والأمر في الصورة الأخيرة أشكل، لعدم كفاية
~~الركعتين من جلوس، وكون الركعتين من قيام بعدهما زائدة على القدر الناقص في
~~نفس الأمر،
# PageV03P303
# وعدم دليل على جواز الإتيان بركعتين أخريين جالسا، أو ركعة من قيام،
~~وظهور منع شمول الأمر لهذه الصورة.
# وعدم المطابقة هنا ليس مثل عدم المطابقة لو تذكر في الشك بين الثلاث
~~والأربع أنه نقص ركعة مع إتيانه بركعتين من جلوس، فإن الظاهر أن الجلوس
~~والقيام وزيادة التكبير ونحو ذلك لا يضر بالمطابقة على ما اقتضته الأدلة
~~والأخبار، بخلاف عدد الركعات.
# ولو قلنا بلزوم المطابقة من جميع الوجوه فلا بد أن يحكم في كل صور التذكر
~~بالإعادة، ولا أظن قائلا به، هذا كله إذا تذكر بعد الخلاص.
# وأما لو تذكر في الأثناء عدم الحاجة فيهدمه، ويحتمل جواز الإتمام نافلة
~~كما نبهت عليه الروايات (1).
# ولو تذكر الحاجة فيحتمل الاجزاء للأمر، والعدم لما تقدم من دخوله تحت
~~ناسي الركعة، ولزيادة التكبير، والتفصيل بالصحة مع المطابقة، وعدمها مع
~~عدمها.
# وقد تحتاج ملاحظة ذلك التفصيل إلى عدم زيادة الركعة والتصرف في صلاة
~~الاحتياط، فلو شك بين الاثنتين والثلاث والأربع وأتى بركعتين من قيام وتذكر
~~في أثنائها أنها كانت ثلاثا، فقال في الذكرى: تنقدح الصحة ما لم يركع في
~~الثانية، أو يركع وكان قد قعد عقيب الأولى لما سبق في مثله، أما لو ركع
~~ولما يسبق له الجلوس فالبطلان قوي، لأنه إن اعتبر كونه مكملا للصلاة فقد
~~زاد، وإن اعتبر كونه صلاة منفردة فقد صلى زيادة عما في ذمته بغير فاصل.
# ولو تذكر في أثناء الركعتين جالسا أنها ثلاث فالأقرب الصحة، لأن الشرع
~~اعتبرها مجزية عن ركعة، ويحتمل البطلان، لأن ذلك حيث لا علم للمكلف، أما مع
~~علمه فيكون قد صلى جالسا ما هو فرض معلوم له، وهذا يقدح في صحة
# PageV03P304
# الصلاة، وإن كان قد ms0798 فرغ منهما وتذكر أنها ثلاث، وأبعد في الصحة لو تذكر
~~أنها اثنتان، لأنه يلزم منه اختلال النظم، ووجه امتثال الأمر، فالحكم
~~بالإجزاء على تقدير كل محتمل، إذ المكلف لا يؤخذ بما في نفس الأمر، فإذا
~~كان الحكم بالإجزاء حاصلا مع البقاء على الشك، ومن الممكن أن لا يكون
~~مطابقا للأمر نفسه، فلا فرق بينه وبين التذكر (1)، انتهى.
# والإنصاف أن الاعتماد على الأخبار في أكثر هذه الفروع مما لا يظهر له
~~وجه، وبعد تعارض الأصول والقواعد والالتفات إلى بعض التنبيهات يظهر رجحان
~~للقول بأن كل ما وافق الاحتياط للناقص على وفق ما ورد في الأخبار يكون
~~مجزيا، سواء كان في الأثناء أو بعد التمام، وكل ما يكون موافقا ويحتاج إلى
~~تصرف أو عدول نية فلا، ومع ذلك فالاحتياط في كل ما حصل اليقين بالنقصان
~~الإعادة أيضا.
# الثالث: هل تقدم الأجزاء المنسية على الاحتياط مطلقا، أو مع تقدمها، أو
~~لا كذلك؟ احتمالات، ولم يظهر من الأخبار شئ، والوجه التخيير، ولعل الأولى
~~ملاحظة الترتيب.
# ويترتب الاحتياط بترتب أسبابه، فلو شك بين الاثنتين والثلاث وبنى على
~~الثلاث، ثم شك بين الأربع والخمس في حال القيام، فيقدم احتياط الأول على
~~الثاني، وكذلك الأجزاء المنسية المترتبة.
# الرابع: قال في الذكرى: لو أعاد الصلاة من وجب عليه الاحتياط لم يجز ،
~~لعدم الإتيان بالمأمور به، وربما احتمل الاجزاء; لإتيانه على الواجب وزيادة
~~(2).
# أقول: والوجه ما ذكره أولا، نعم لو هدم الصلاة من حصل له موجب الاحتياط
~~وأعادها فيجزيه وإن عصى في ذلك.
# PageV03P305
# الخامس: مقتضى فورية الاحتياط عدم جواز صلاة أخرى قبلها، فريضة كانت أو
~~نافلة. وعلى ما اخترناه فلا دليل على الحرمة، سيما على ما اخترناه من عدم
~~إبطال المنافي بينهما أيضا.
# وعلى القول بالفورية يبطل أيضا عند من يجعل الأمر مقتضيا للنهي عن ضده
~~الخاص مع دلالته على الفساد، والمقامات الثلاثة كلها ممنوعة، هذا إذا تعمد.
# وأما النسيان فقيل: تبطل النافلة مطلقا، والفريضة فيما لم يمكن العدول،
~~وإلا فيعدل (1).
# وفيه: أن العدول كما لا يصح من النافلة ms0799 فلا دليل على العموم في جميع
~~الفرائض أيضا.
# ولا يبعد الاتمام ثم الإتيان بالاحتياط، كما لا يبعد جواز الهدم
~~والاحتياط ثم الإتيان بتلك الصلاة، لعدم الدليل على مطلق حرمة الإبطال.
# فمن سها احتياط الظهر ودخل في العصر يجوز له الإتمام والهدم كلاهما، ولعل
~~الثاني أوجه، وأما العدول فلم نقف له على دليل.
# ويظهر مما ذكرنا أن من تضيق وقته عن الإتيان باحتياط الظهر ثم العصر ولو
~~بإدراك ركعة منه يأتي بالعصر أولا ثم بالاحتياط بطريق الأولى.
# تنبيه: روى الطبرسي في الاحتجاج، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري،
~~عن صاحب الزمان عليه السلام: أنه كتب إليه يسأله عن رجل صلى الظهر ودخل في
~~صلاة العصر، فلما صلى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلى الظهر ركعتين،
~~كيف يصنع؟ فأجاب عليه السلام: " إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة تقطع بها
~~الصلاة أعاد الصلاتين، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمة
~~لصلاة الظهر، وصلى العصر بعد ذلك " (2).
# PageV03P306
# ونبه على ذلك الشهيد الثاني - رحمه الله - في روض الجنان، وعد ذلك من
~~المواضع التي لا تضر زيادة الركن في الصلاة (1).
# السادس: إذا غلب أحد الطرفين أولا أو بعد الشك وصار ظنا، فيبني عليه،
~~فيتبع مقتضاه من الصحة والبطلان.
# فمن ظن أنه صلى ثلاثا فيبني عليه ويأتي بالباقي، ومن ظن أربعا فيتم
~~ويقتصر عليه، ومن ظن أنه زاد ركعة فتبطل صلاته، وهكذا.
# والمشهور أنه لا فرق في ذلك بين الأوليين والأخيرتين، ونسبه الشهيد إلى
~~فتوى الأصحاب (2)، ونقل عن ظاهر ابن إدريس اختصاصه بما عدا الأوليين، ورده
~~بأنه مخالف للعمومات والفتاوى، واستدل بدفع الحرج وبما روى العامة عنه صلى
~~الله عليه وآله أنه قال: " إذا شك أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك إلى
~~الصواب فليبن عليه " (3).
# أقول: وتدل عليه صحيحة صفوان المتقدمة في مسألة من لم يدر كم صلى (4)،
~~سيما على المعنيين الأولين اللذين ذكرناهما، واستقراء الأخبار الكثيرة
~~المتقدمة في مسألة الشك بين الثلاث والأربع وغيرها المفيدة للظن القوي بأن
~~العلة فيها هي ms0800 الظن.
# وظاهر إطلاقهم يشمل الغداة والمغرب أيضا، ويدل عليه مضافا إلى ما ذكرنا
~~حسنة الحسين بن أبي العلاء المتقدمة في مسألة من نقص ركعة (5).
# PageV03P307
# ورواية إسحاق بن عمار قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا ذهب وهمك
~~إلى التمام أبدا في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع، أفهمت؟ " قلت:
# نعم (1).
# وفي الفقه الرضوي أيضا ما يدل على ذلك (2).
# نعم قد تعارض هذه الأخبار بمثل حسنة محمد بن مسلم المتقدمة في مسألة الشك
~~في الأوليين وفي الثنائية والثلاثية، قال: " يستقبل حتى يستيقن أنه قد أتم
~~" (3) فإن التعليل يفيد عدم الاكتفاء بالظن. ورواية أبي بصير (4) ورواية
~~موسى بن بكر (5) المتقدمتين ثمة، فإنها أخص مطلقا مما ذكرنا.
# وكذلك بمثل صحيحة زرارة (6) وما في معناها (7) المتقدمة ثمة القائلة
~~بوجوب الإعادة على من لم يدر واحدة صلى أم اثنتين، فإن عدم الدراية أعم من
~~الظن.
# ويمكن دفعها بالمعارضة بمفهوم الأخبار الواردة في الفجر والمغرب القائلة
~~ببطلانها بالشك (8)، فإن عدم الشك أعم من الظن، وبأن الظاهر من قولهم عليهم
~~السلام: " لا يدري واحدة صلى أم اثنتين " التساوي كما هو مقتضى همزة
~~التسوية (9)، ويؤيده ما سيجئ أيضا.
# PageV03P308
# ثم إن ظاهر الأكثرين وصريح جماعة تسوية الأعداد والأفعال في ذلك (1)، وهو
~~أيضا كذلك، ويدل عليه كثير مما تقدم، ومفاهيم الصحاح المستفيضة المتقدمة
~~متفرقة فيمن شك في شئ بأنه يقضي ما لم يخرج عن مكانه، ويمضي لو خرج، لأنه
~~لا يطلق الشك على الظن.
# ومثله الأخبار المتقدمة في مبحث تكبيرة الإحرام وغيرها، مثل صحيحة الحلبي
~~عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن رجل نسي أن يكبر حتى دخل في الصلاة
~~فقال: " أليس كان من نيته أن يكبر؟ " قلت: نعم، قال: " فليمض في صلاته "
~~(2).
# وما رواه الصدوق مرسلا عنه عليه السلام، أنه قال: " الانسان لا ينسى
~~تكبيرة الافتتاح " (3) ونحو ذلك (4).
# وكيف كان، فمع ظهور دلالة الأخبار الحاكمة بالبطلان في الأوليين وفي
~~الثنائية والثلاثية في الأعداد والشك فيها دون الأفعال والظن أو عدم ظهور
~~شمولها للأفعال والظن لا يجوز الحكم بالبطلان، ms0801 والظن الحاصل من الشهرة كاف،
~~فضلا عن ملاحظة ما ذكرناه من الأخبار، سيما مع موافقته لنفي العسر والحرج،
~~وكون ترك الاعتماد عليه موجبا لتوسيع مجال الشك وغلبة الشيطان.
# وفي بعض الأخبار دلالة على سجدتي السهو في صورة الظن،، مثل حسنة الحلبي
~~المتقدمة في الشك بين الثلاث والأربع (5)، ولا بأس بالعمل بها استحبابا.
# PageV03P309
# وكذلك رواية إسحاق بن عمار المتقدمة آنفا (1)، وموثقة أبي بصير تدل على
~~صلاة الاحتياط مع الشك بين الثلاث والأربع، وغلبة الظن بالثلاثة (2)، وهي
~~مهجورة.
# فائدة:
# قال الشهيد الثاني رحمه الله: يجب على الشاك التروي، فإن ترجح عنده أحد
~~الطرفين عمل عليه، وإلا لزمه حكم الشاك (3). ورده بعض المتأخرين بأن
~~الروايات لا تعطي ذلك، وجعل مراعاة ذلك احتياطا (4).
# أقول: ولعل نظره إلى ما رواه الشيخ في الصحيح، عن حمزة بن حمران - وهو
~~ممن قد يروي عنه صفوان بن يحيى - عن الصادق عليه السلام، قال: " ما أعادها
~~فقيه قط، يحتال لها ويدبرها حتى لا يعيدها " (5). والجملة الخبرية ظاهرة في
~~الوجوب.
# وفقه الحديث: أن كل ما يقبل الاحتيال والتدبير من واردات الشك والوسواس،
~~فالفقيه لا بد أن يدفعه من نفسه حتى لا يعيد الصلاة، فإن الإعادة في أمثال
~~ذلك من متابعة الشيطان، فمن جملة ذلك كثير من الشكوك الحاصلة في العبادات.
# ولذلك يجب على كثير الشك الإعراض عنه والبناء على الصحة، وعلى أهل
~~الوسواس الإعراض عنه وترك المتابعة، وهذا المعنى يحصل غالبا في نية الصلاة،
~~ويعيد المصلي صلاته لأجل التشكيك فيها وفي بطلان الصلاة بخروج الريح ونحو
~~ذلك.
# PageV03P310
# فدفع مكايد الشيطان من وجوه، بعضها قبل الشك، وبعضها بعده أما ما هو قبله
~~فتحذير النفس وتحقيق معنى النية، وأنه هو الداعي لا الخطر بالبال، وأن
~~الإخلاص مما لا يمكن تحصيله في حال النية، بل هو مما لا بد أن يحصل قبل
~~العبادة، وأن الشيطان يريد سلب لذة العبادة وجعلها مبغوضة للعبد، وطبعه
~~متنافرا عنها، فربما يوسوس في أفعال الصلاة، وربما يوسوس في الطهارة عن
~~الحدث أو الخبث، فيزاوله حتى يوقع المكلف في ms0802 الشدة والمحنة، ويجعله مطيعا
~~لنفسه في غاية الذلة والمهانة، فلا بد من أخذ الحذر والأسلحة لدفع هذا
~~العدو الخبيث بمذكرات الشرع ومنبهاته.
# ومن جملة ذلك أيضا إعداد الحصى لعد الركعات ونحو ذلك، والالتجاء إلى
~~الدعوات الواردة في الشك ونحوها.
# وأما ما هو بعده، فمنها الإعراض والعمل على الصحة كما هو حكم كثير الشك.
# ومنها التروي والتفكر في تحصيل القرائن لأجل اخراج الشك إلى الظن، فكما
~~أن مطلوب الشارع عدم إعادة الصلاة; فكذلك ما هو في معناه مثل صلاة الاحتياط
~~وسجدتي السهو ونحوهما، فإن الكل من ثمرات الشك، والعلة فيه غالبا هي غلبة
~~الشيطان، والإلهاء عن ذكر الله.
# ويؤيد ما ذكرناه ما رواه ابن إدريس في القوي عن أبي بصير قال، قلت لأبي
~~عبد الله عليه السلام: إن عيسى بن أعين يشك في الصلاة فيعيدها، قال:
# " هل يشك في الزكاة فيعطيها مرتين " (1)، وفي هذه الرواية مزية في
~~الدلالة من جهة التنبيه على العلة، فإن محبة المال هي العلة في عدم إطاعة
~~الشيطان في الزكاة دون الصلاة.
# PageV03P311
# ومن التأمل في الروايتين يظهر تأييد لجواز العمل بالظن عموما كما أشرنا،
~~فتنبه.
# بقي الكلام في وجه التقييد بقولنا كل ما يقبل الاحتيال، وهو ظاهر، لأن
~~وجوب الإعادة والعمل على مقتضى الشك في الجملة قد ثبت بالإجماع والأخبار،
~~فالرواية مخصوصة بغيرها.
# السابع: لا حكم للشك الحاصل للإمام مع حفظ المأموم وبالعكس، لحسنة حفص بن
~~البختري (1)، وصحيحة علي بن جعفر (2)، ومرسلة يونس (3)، ورواية محمد بن سهل
~~(4).
# ويحصل العلم لكل منهما بحال الآخر بالقرائن أو بالإشارة أو بالذكر، مثل
~~أن يفهم المأموم من الإمام أنه متردد بين الاثنتين والثلاث، فيقول: سبحان
~~الله ثلاث مرات، أو يشير إلى القيام بقوله: " بحول الله وقوته أقوم وأقعد "
~~وهكذا.
# والكلام مع يقين أحدهما ظاهر، لظهور الحفظ في اليقين، سيما مع ملاحظة
~~مرسلة يونس على ما رواه الشيخ، قال: " ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من
~~خلفه سهوه بإيقان منهم "، وعلى ما رواه الصدوق في موضع " إيقان " كلمة "
~~اتفاق " فلا يخلو ms0803 أيضا من ظهور فيه، لكمال ندرة الاتفاق مع عدم اليقين.
# وأما مع الظن فالأشهر الأظهر جواز رجوع الشاك إلى الظان أيضا، لإطلاق
~~الروايات.
# PageV03P312
# وفيه إشكال، لما ذكرنا من ظهور الحفظ في اليقين، سيما مع ملاحظة لفظة
~~إيقان.
# ويدفعه أن الظاهر أن المراد في الأخبار أن المأموم يبني على ما هو ظاهر
~~أنه يقيني للإمام، فإن العلم بأن ما يفعله الإمام بلا تردد وتأمل هل هو
~~مبني على يقينه أو ظنه مما لا يمكن عادة، فإطلاق ما لم يذكر فيه لفظ الحفظ
~~واليقين يشمله، والمراد مما ذكر فيه أيضا ظاهر الحفظ واليقين لا النفس
~~الأمري، وهذا واضح على المتأمل.
# وفي الفقيه في باب نوادر الطواف خبر قوي يدل على المطلوب (1).
# ويؤيده لزوم العسر والحرج على التنبيه بما يفرق به بين الظن واليقين، مع
~~أن المستفاد من الاستقراء أن حكم الظن في باب الشك هو حكم اليقين.
# هذا كله إذا أردنا إثبات المسألة على العنوان المبحوث عنه، وإلا فإذا
~~أفاد الظن فلا إشكال، والغالب أن الشك يتبدل به بسبب ظن صاحبه.
# والمشهور أن الظان منهما أيضا يرجع إلى المتيقن. وتأمل فيه بعضهم (2)،
~~وهو في محله، إلا أن ترجع المسألة إلى أن ذلك يوجب تبدل الظن بالظن بخلافه.
# وأما إذا تيقن كل منهما بشئ، فكل منهما يتبع يقينه، وكذلك إذا ظن كل
~~منهما بخلاف الآخر.
# وأما إذا كانا شاكين، فإن اتحد شكهما فيلزمهما حكمه.
# وإن اختلفا، فإن كان بينهما رابطة يرجعان إليها كما لو شك أحدهما بين
~~الاثنتين والثلاث، والآخر بين الثلاث والأربع، فيبنيان على الثلاث; لتيقن
~~أحدهما بوجود الثالثة والآخر بانتفاء الرابعة، وليس عليهما احتياط.
# PageV03P313
# وقد لا يوجد مع الرابطة يقين، كما لو شك أحدهما بين الثلاث والأربع،
~~والأخر بين الاثنتين والثلاث والأربع، فمرجعهما إلى الشك بين الثلاث
~~والأربع، لعدم تيقن أحدهما بانتفاء الأربع، فأحدهما متيقن في الثلاث،
~~وكلاهما شاكان في الأربع، فيعملان على مقتضى المرجع.
# وإن لم تكن رابطة، كالشك بين الاثنين والثلاث، وبين الأربع والخمس،
~~فينفردان كل بما يقتضيه شكه. ms0804
# هذا كله إذا لم يحصل اختلاف بين المأمومين، وإذا اختلفوا فلا يجوز أن
~~يرجع الإمام إلى أحدهم اقتراحا، فيعمل كل على ما عنده، إلا أن يحصل للإمام
~~الظن بقول أحدهم، فيعمل عليه، ثم يتبعه الآخر إن حصل له الظن بذلك أيضا،
~~وإلا فيعمل على ما عنده.
# وفي مرسلة يونس: " فإذا اختلف على الإمام من خلفه فعليه وعليهم في
~~الاحتياط الإعادة والأخذ بالجزم " (1).
# وهذا إذا لم تجمعهم رابطة، وإلا فيبنون على مقتضاها، كما لو شك الإمام
~~بين الاثنتين والثلاث والأربع، وفرقة من المأمومين بين الثلاث والأربع،
~~وأخرى بين الثلاث والأربع والخمس، فالمجمع هنا هو الشك بين الثلاث والأربع
~~لتيقن المأمومين بالثلاث وتيقن بعضهم مع الإمام بانتفاء الخمس.
# وكذلك إذا جمعهم العمل على الشك على أمر واحد، كما لو شك الإمام بين
~~الاثنتين والأربع، وبعضهم بين الثلاث والأربع، وآخر بين الأربع والخمس،
~~فيبني الكل على الأربع وإن تفاوت احتياطهم، وهكذا.
# والظاهر عدم الفرق بين كون أحد الشكين مقتضيا للبطلان وعدمه.
# ثم إن كلا منهما يرجع إلى الآخر وإن لم يحصل الظن، بل وإن كان المأموم
# PageV03P314
# غير عادل بل فاسقا، ولا يجوز الرجوع إلى غيرهما إلا إذا أفاد الظن وإن
~~كان عادلا.
# ثم إن فعل الإمام ما يوجب سجدتي السهو فيجب عليه بلا خلاف، كما أنه لا
~~يجب عليه إذا لم يفعل وإن فعله المأموم بلا خلاف.
# وأما المأموم، فالمشهور أنه لا يجب عليه شئ إذا لم يفعل ما يوجبه، وإن
~~فعله الإمام، خلافا للمبسوط. فأوجبه (1) وفاقا لجمهور العامة (2).
# ويجب عليه إذا فعله وإن لم يفعله الإمام، خلافا للخلاف فنفى الوجوب (3)،
~~وإن عرض له السبب، مدعيا عليه إجماع الفرقة، واختاره السيد (4) وجماعة من
~~المتأخرين (5)، ونسبه العلامة إلى العامة عدا مكحول (6)، والأقوى المشهور.
# لنا: الأصل في الأول، وخصوص صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في
~~التكلم ناسيا (7)، ورواية منهال المتقدمة في مقامات سجدتي السهو (8) في
~~الثاني.
# وتدل على قول المبسوط موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال في جملتها:
~~وعن الرجل يدخل مع الإمام ms0805 وقد صلى الإمام ركعة، أو أكثر فسها الإمام كيف
~~يصنع الرجل؟ قال: " إذا سلم الإمام فسجد سجدتي السهو فلا يسجد الرجل الذي
~~دخل معه، وإذا قام وبنى على صلاته وأتمها وسلم سجد الرجل سجدتي
# PageV03P315
# السهو " (1) وإطلاق موثقة عمار المتقدمة في وجوب التشهد والتسليم في
~~سجدتي السهو (2)، ويمكن حملها على التقية، والأحوط فعله.
# واستدل أيضا بقوله عليه السلام: " إنما جعل الإمام إماما ليتبعوه " (3)
~~ورد بالضعف، وأن المراد المتابعة في الصلاة.
# وتدل على قول الخلاف موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن
~~الرجل سها خلف إمام بعد ما افتتح الصلاة فلم يقل شيئا ولم يكبر ولم يسبح
~~ولم يتشهد حتى سلم، فقال: " قد جازت صلاته، وليس عليه شئ إذا سها خلف
~~الإمام، ولا سجدتا السهو، لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه " (4).
# وقد يستدل عليه بموثقته الأخرى النافية لسجدتي السهو على مأموم سها
~~التسبيح في الركوع أو السجود أو الذكر بين السجدتين (5)، وهو كما ترى.
# وقد يستدل له بروايتي حفص بن البختري (6) ومحمد بن سهل (7) المتقدمتين،
~~وهو أيضا كما ترى، مع أنه تعارضه مرسلة يونس المتقدمة القائلة " وليس على
~~من خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام " (8).
# PageV03P316
# مع أن رواية محمد بن سهل معارضة بأخبار كثيرة دالة على أن الإمام لا يضمن
~~صلاة من خلفه، مثل صحيحة معاوية بن وهب (1) وغيرها (2).
# وحاصل ما يستفاد من الجمع بين أخبار الضمان وعدم الضمان هو الضمان في
~~القراءة دون غيرها وبالجملة الأقوى العمل على الروايتين، لموافقتهما لجمهور
~~الأصحاب، ومخالفتهما للعامة، واعتضادهما بسائر العمومات.
# وههنا إشكال فيما نقل عن العامة (3): أن ترك السجود هنا مذهب لهم كفعله
~~ثمة، وكأن ثمة أولى بالعدم.
# فائدة:
# لا يجوز للمسبوق بركعة أن يأتم بالإمام في الأخيرة لو زاد الإمام ركعة
~~سهوا، للأصل، وموثقة سماعة عن الصادق عليه السلام: في رجل سبقه الإمام
~~بركعة ثم أوهم الإمام فصلى خمسا، قال: " يعيد تلك الركعة، ولا يعتد بوهم
~~الإمام " (4).
# قيل: المراد بالإعادة الإتيان بها منفردا بمناسبة أنه قد فاتته مع الإمام
~~(5).
# الثامن: ms0806 لا حكم للشك مع كثرته، وهو في الجملة إجماعي مدلول عليه بالأخبار
~~الكثيرة (6)، منها صحيحة زرارة وأبي بصير قالا، قلنا له: الرجل يشك كثيرا
~~في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه، قال: " يعيد ".
# قلنا: فإنه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك، قال: " يمضي في شكه ".
# PageV03P317
# ثم قال: " لا تعودوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان
~~خبيث معتاد لما عود، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا
~~فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك ".
# قال زرارة، ثم قال: " إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى
~~أحدكم " (1).
# والعلة المنصوصة تفيد العموم في جميع الموارد.
# وتقرب منها موثقة علي بن أبي حمزة المتقدمة فيمن لم يدر كم صلى (2).
# والظاهر أن المراد بكثرة الشك في أول الحديث كثرة احتمالات الشك، وفي
~~قوله: " فإنه يكثر عليه ذلك " كثرة نفس الشك وتعدده.
# وصحيحة الفضيل بن يسار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أستتم قائما
~~فلا أدري ركعت أم لا، قال: " بلى قد ركعت فامض في صلاتك، فإنما ذلك من
~~الشيطان " (3). ووجه الدلالة أن ظاهر قوله: " أستتم قائما " أنه ليس بعد
~~القراءة، بل هو بعد الانتصاب عن الركوع، فليس الشك حينئذ إلا لأجل الوسواس
~~وكثرة الشك.
# وهناك أخبار أخر تدل على عدم الاعتداد بكثرة السهو أيضا، منها صحيحة محمد
~~بن مسلم (4)، وعلل فيها أيضا بأنه من الشيطان.
# وعبارة كثير من أصحابنا أيضا أنه " لا حكم للسهو مع كثرته " ونقل عن ظاهر
# PageV03P318
# جماعة منهم التساوي بين الشك والسهو (1)، ويلزمه عدم البطلان بترك الركن،
~~وعدم وجوب الإعادة بتركه، ولا قضاء ما يستلزم القضاء ونحو ذلك. ولكن لم نقف
~~على مصرح بذلك، بل ادعى بعضهم اتفاق العلماء الفقهاء على البطلان لو كان
~~ركنا وتجاوز محله، وأنه يأتي به إن لم يتجاوز، ركنا كان أو غيره، ويقضيه
~~بعدها لو كان مما يقضى، نعم نقل عنهم سقوط سجدتي السهو (2).
# أقول: ولفظ السهو وإن كان حقيقة فيما حصل العلم به، ms0807 ولكنه استعمل في
~~الأخبار في الشك في غاية الكثرة، وكذلك في كلام الأصحاب.
# وقد يستعمل الوهم في الشك أيضا، كما في موثقة عمار عن الصادق عليه
~~السلام: في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدري أركع
~~أم لا، ويشك في السجود ولا يدري أسجد أم لا، فقال: " لا يسجد ولا يركع،
~~ويمضي في صلاته حتى يستيقن يقينا " (3) مع أن ما يتعرض له الشيطان غالبا هو
~~الشك.
# فبذلك يقرب حمل السهو في الأخبار على الشك، مع أن حملها على السهو فقط
~~بعيد، وإرادة القدر المشترك بينه وبين الشك أبعد من إرادة الشك، مضافا إلى
~~قوله عليه السلام في موثقة عمار " حتى يستيقن يقينا " فإنه ينادي بوجوب
~~الاتيان بما سها.
# والحاصل أن القول بعدم الاعتناء بالسهو - سيما فيما لم يتجاوز المحل -
~~شطط من الكلام، وتخصيص القول بما تجاوز محله تحكم، هذا.
# PageV03P319
# ولكن يمكن أن يقال: إن السهو أيضا من الشيطان، فإن مبدأه هو الغفلة
~~والتسامح والهاء النفس، وهو اختياري، ويتعقبه النسيان، فأصله ومبدؤه من
~~الشيطان. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وما أنسانيه إلا الشيطان﴾ (1) وقوله تعالى:
# (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا) (2) والعلة المنصوصة في صحيحة محمد بن مسلم،
~~ولكن لما لم نجد قائلا بذلك (3) صريحا من الأصحاب، بل ادعي إجماعهم على
~~خلافه (4); فنحمله على الشك.
# نعم يمكن أن يقال في السهو: إن تدارك ما نسيه المصلي ليس نفس مقتضى
~~السهو، بل هو مقتضى أصل التكليف، فالمراد بعدم الاعتناء بالسهو ورفع حكمه
~~هو عدم الاعتناء بما يتسببه، وهو ليس إلا سجدتي السهو، فإن إتيان الأجزاء
~~المنسية في الصلاة أو في الخارج إنما هو لأجل اقتضاء أصل التكليف، بمعنى
~~أنه نفس المكلف به على وجه، بخلاف صلاة الاحتياط، فإنها مما يمكن أن يصير
~~بدلا عن المكلف به لو لم يفعله في الواقع، لا أنه بدل في الواقع، لعدم
~~العلم بسقوطه في الواقع، ولذلك ورد في الأخبار أنها تحسب نافلة لو لم يكن
~~في الواقع محتاجا إليها ms0808 (5).
# ولعل ما ذكرنا هو السر في اقتصارهم على سقوط سجدتي السهو دون تلافي ما
~~فات.
# ونقل عن جماعة من الأصحاب أنه لا حكم لشك كثير السهو (6)، فكأنهم جعلوا
~~ذلك وجه الجمع بين الأخبار، وهو أيضا ليس بذلك البعيد بالنظر إلى العلة
# PageV03P320
# المنصوصة، وإن لم يظهر من أصل الروايات وعموم الأخبار.
# والعلة تقتضي عدم الفرق بين الأوليين، وغيرهما، وكذلك الفجر والمغرب
~~وغيرهما.
# ومعنى قولنا " لا حكم للشك مع الكثرة " أنه يبني على الصحة ويمضي في
~~الصلاة، فيبني على فعل المشكوك فيه، إلا إذا اقتضى البطلان، فيبني على
~~عدمه.
# والأظهر سقوط سجدتي السهو أيضا إذا اقتضاها الشك كصلاة الاحتياط
~~والإعادة. والتمسك بعموم ما دل عليها ضعيف.
# وهل هو عزيمة بحيث لو عمل بمقتضى الشك فيكون باطلا؟ قولان، أظهرهما
~~وأشهرهما نعم، فيبطل لو عمل بمقتضاه.
# ولم نقف على مستند للقول الآخر.
# وفصل بعض المتأخرين فقال بالبطلان لو فعل ما كانت زيادته مبطلة للصلاة
~~(1).
# وفيه: أنه إن كان فعله في حال الشك في معنى العمد فلا يتفاوت الحكم فيما
~~تبطل بزيادته الصلاة مطلقا كالركوع، أو عمدا فقط كالسجدة الواحدة، وإن لم
~~يكن ذلك في معنى العمد فليس بسهو أيضا حتى يكون مبطلا في الصورة الأولى دون
~~الثانية.
# وربما قيل باستحباب ذلك وجواز البناء على الأصل (2)، وهو أيضا ضعيف،
~~لظهور الأخبار في الوجوب، ومنافاته للعلة، فإنه لم يخلص بذلك عن مكيدة
~~الشيطان، فيشككه في الأقل بعد البناء عليه أيضا.
# ويرجع في تحديد الكثرة إلى العرف كما اختاره جمهور المتأخرين.
# وقال ابن حمزة: بأنه يحصل بثلاث مرات متوالية (3).
# وحدده ابن إدريس مرة بأن يسهو في شئ واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرات،
# PageV03P321
# ومرة بأن يسهو في أكثر الخمس - يعني ثلاث صلوات من الخمس - فيسقط حكمه
~~بعد ذلك (1)، فإن أراد حصول الكثرة بذلك أيضا فحسن، وإلا فلا وجه لهذا
~~التحديد.
# وأما صحيحة محمد بن أبي حمزة عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا كان
~~الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو " (2) ففيها إجمال،
~~وأظهر ms0809 معانيها: أنه إذا لم تحصل له ثلاث صلوات متواليات بدون الشك فهو ممن
~~كثر شكه، ولا دلالة فيها على انحصار كثير الشك في ذلك، وكما أن حصوله يعرف
~~بالعرف، فكذلك الخروج عنه، ولا يعتبر فيه اتحاد المشكوك فيه.
# ولو كثر شكه في فعل خاص ففي تعديه إلى غيره وجهان، أقربهما العدم، لأن
~~المتبادر من الأخبار المضافة فيها كثرة الشك إلى الصلاة كثرة طبيعة الشك في
~~طبيعة الصلاة، لا الشك في جزء خاص منها، ويفهم الحكم في خصوص هذا الخبر من
~~العلة المنصوصة، لا من أصل الخبر حتى يعارض به ما ذكرنا.
# ومع الشك في حصول كثرة الشك الأصل عدمه، إلا أن يجد من نفسه أنه من
~~الشيطان، فيبني على الكثرة.
# وفي حصول كثرة الشك بما استقر الظن على أحد طرفيه بعد التروي وبما حصل في
~~النافلة وجهان، أقربهما نعم، ولكن إذا اختص بالنافلة ولا يتعداها فحكمه ما
~~مر في الجزء الخاص.
# ثم إن علاج كثرة الشك يمكن بأمور يستحب الإقدام عليها والاهتمام بها،
~~أغلبها التفكر في عظمة المعبود، وكونه العالم للغيب والشهادة، القادر الضار
~~النافع الرازق المحيي المميت المنعم الصمد لا غيره، وفي عجز نفسه وذاته
~~وهوانها عنده، وفي فناء الدنيا ولذاتها، وبقاء نعيم الآخرة وعظمتها، وشدة
~~العذاب وعدم
# PageV03P322
# طاقته له، فمع ذلك تنقطع علاقته عما سواه، ويتوجه إليه فلا يشك إلا
~~نادرا.
# وبعده الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
# وأن يطعن فخذه الأيسر بإصبعه المسبحة اليمنى إذا دخل في الصلاة، ويقول:
# " بسم الله وبالله، توكلت على الله، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان
~~الرجيم " فإنه يزجره ويطرده عنه، كما رواه السكوني عن الصادق عليه السلام
~~عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله (1).
# أو يقول إذا دخل الخلاء: " بسم الله وبالله، أعوذ بالله من الرجس النجس
~~الخبيث المخبث الشيطان الرجيم " كما رواه في الفقيه أيضا عن الصادق عليه
~~السلام (2)، وهذا أشمل من الأول.
# ومن جملة ما ورد في الأخبار اختصار الصلاة وتخفيفها (3).
# ومنها: الاحصاء بالحصى، وبخاتمه بأن يحوله من مكان ms0810 إلى مكان (4)، وغير
~~ذلك (5).
# التاسع: روى محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما عليهما السلام، قال:
~~سألته عن السهو في النافلة، قال: " ليس عليك شئ " (6) وفي بعض النسخ " سهو
~~" مقام شئ.
# وفي مرسلة يونس المتقدمة، قال: " ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من
~~خلفه باتفاق منهم، وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام، ولا سهو
# PageV03P323
# في سهو، وليس في المغرب والفجر سهو، ولا في الركعتين الأوليين من كل
~~صلاة، ولا في نافلة " (1).
# واتفق الأصحاب - على ما نقله في المعتبر - على جواز البناء على الأكثر في
~~النافلة (2)، واستدلوا عليه بالروايتين (3)، وفي دلالتهما على المطلوب
~~خفاء.
# ووجه الاستدلال في الأولى: أنه ليس عليك شئ من فعل أو إعادة أو صلاة
~~احتياط أو سجدتي سهو، وحاصله البناء على الصحة كما في كثير الشك.
# وفي الثانية: مع مراعاة تناسق القرائن المذكورة أنه لا حكم للسهو في
~~المذكورات، بمعنى أنه إما يحكم بالبطلان رأسا، أو يحكم بالصحة من دون تدارك
~~وتلاف في المحل وخارجه، وسجدتي سهو ونحو ذلك، سواء كان الحكم بالصحة من جهة
~~عدم اختلال وحصول شك كما في المأموم والإمام، أو من جهة جعله في حكم ذلك
~~كما في كثير الشك.
# فما يحكم بالبطلان رأسا فيه هو الشك في الأوليين والفجر والمغرب، ومما
~~يحكم بالصحة بالمعنى الأول هو حكاية الإمام والمأموم، وما يحكم بالصحة
~~بالمعنى الثاني هو النافلة، والسهو في السهو كما سنحققه، فالجامع بين
~~القرائن هو أنه لا يعامل فيها معاملات الشك وما يترتب عليه من الأفعال.
# والقرينة المعينة لجعل النافلة من القسم الثاني من الصحة دون البطلان أنه
~~لو قلنا ببطلانها لكان الأمر فيها أشد من الفريضة، والمقصود في الرواية
~~التسهيل، مع أن الأمر في النافلة أسهل بالذات.
# وبالجملة هذه الرواية مع الاجماع المنقول تكفي في المطلوب، وتؤيده
~~الصحيحة الأولى إن لم نقل بدلالتها عليه وظهورها فيه أيضا.
# PageV03P324
# والمشهور أن البناء على الأقل أفضل، للاستصحاب، والأخبار الدالة على عدم
~~نقض اليقين بالشك، وخصوص ما رواه الكليني مرسلا ms0811 مقطوعا " أنه إذا سها في
~~النافلة بنى على الأقل " (1).
# وقد حمل الأكثر كل ما دل على البناء على الأقل من الأخبار على النافلة،
~~ومقتضى هذه الأدلة وإن كان هو الوجوب، لكن الاجماع المنقول والشهرة
~~والروايتين أخرجتها في النافلة عن الظاهر.
# ثم إن ظاهر الخبرين الأولين عدم الفرق بين عدد الركعات والأجزاء.
# وقال في المدارك: إن أحكام الفريضة جارية فيها إلا في عدد الركعات وسجدتي
~~السهو (2)، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (3).
# وفيه: أن عموم ما دل على أحكام الشك بحيث ينصرف إلى النافلة محل تأمل،
~~وظاهر رواية يونس (4) سيما مع ملاحظة القرائن يفيد عدم الاعتناء بالشك فيها
~~مطلقا، وكذلك صحيحة محمد بن مسلم.
# نعم يمكن الإشكال في شمول الرواية للصلوات المتعددة، كالشك في كون
~~الركعتين الأوليين من نافلة الظهر مثلا أو الركعتين الثانيتين، وهكذا.
# ولا يبعد تعميم المرسلة لذلك، وإن كان الأحوط البناء على الأصل.
# العاشر: لا عبرة بالشك بعد الصلاة، ولا للسهو في السهو.
# أما الأول: فيدل عليه مضافا إلى أن الأمر يقتضي الاجزاء وعمومات ما دل
~~على عدم الاعتناء بالشك مع الخروج عن محله صريح صحيحة محمد بن مسلم
~~المتقدمة
# PageV03P325
# في حكم أجزاء الثنائية والثلاثية (1).
# وهل يجري حكم الظن في ذلك أم يختص بحال الصلاة؟ يحتمل ذلك، للعموم، فلو
~~ظن بنقص بعد الصلاة فيتمه إن أمكن ولم يمنعه مانع ولم يتخلل مبطل.
# ويحتمل القول بالبطلان، لأن ما اقتضاه الدليل في الإتيان بركعة أخرى إنما
~~كان في صورة النسيان، فإلحاق الظن بالعلم إنما يثبت به كون الركعة في حكم
~~معلومة الترك، وهو لا يستلزم كونه في حكم السهو في ذلك، فلعل حكمه البطلان.
~~وكذلك القول بوجوب سجدتي السهو لأجل التسليم.
# ويحتمل كونه في حكم الشك، فلا عبرة به، ويحكم بصحة الصلاة، لأن الأمر
~~يقتضي الاجزاء، والإعادة فرض جديد، والتكليف بركعة أخرى لم يثبت، واستصحاب
~~شغل الذمة مدفوع بمنع الاشتغال حتى بالإعادة والتتميم أيضا، ولأن هنا
~~تكليفا واحدا مبنيا على وسعه وطاقته، وتكليفه في حال الصلاة ما اقتضاه زعمه
~~وقد تمت، ms0812 وهذا أظهر الاحتمالات، والأول أحوطها.
# ولو كان ظنه موجبا للبطلان كزيادة ركعة مثلا ففيه وجهان، أظهرهما الصحة،
~~ويظهر وجهه مما تقدم. ولو كان غير مناف للصحة فيبني عليه.
# ولا تدارك عليه فيما فيه تدارك، كما لو شك بين الثلاث والأربع بعد الصلاة
~~وغلب وهمه في الأربع فيبني عليه، ولا احتياط عليه، لعموم ما دل على اعتبار
~~الظن من رواية صفوان (2) وغيرها، لأن مع الشك يبني عليه كذلك، فمع الظن
~~أولى.
# وأما السهو في السهو، فهذا كلام مذكور في ألسنة الفقهاء، وفي بعض
# PageV03P326
# الروايات، كحسنة حفص بن البختري (1)، ومرسلة يونس (2).
# والظاهر أن حقيقة اللفظ غير مرادة، والمجازات المحتملة فيه في غاية
~~الكثرة متشعبة من إرادة السهو في اللفظين والشك فيهما، أو السهو في الأول
~~والشك في الثاني أو بالعكس، ويحتمل إرادة القدر المشترك بينهما من اللفظين
~~على التفصيل المذكور، سواء كان بعنوان عموم المجاز أو استعمال اللفظ في
~~المعنيين.
# والتفصيل: أنه إما يراد أنه لا حكم للسهو في السهو، بمعنى أنه إذا سها في
~~أنه سها في شئ فليس عليه شئ من سجدتي السهو أو غيرها من أجل هذا السهو.
# أو يراد أنه لا حكم للشك في الشك، بمعنى أنه إذا شك أنه هل شك أم لا فلا
~~يعتني به، لأن الأصل عدمه، فيرجع إلى الحالة التي هو فيها ولا ثمرة في هذا
~~الكلام إلا على القول بأن محض حصول الشك يوجب حكمه وإن وقع ظنه أو قطعه على
~~أحد الطرفين بعد التروي.
# نعم قد يثمر الشك في الشك إذا كان الشك في أنواع الشك بعد علمه بوقوعه في
~~الجملة، مثلا شك في أن شكه هل كان بين الاثنتين والأربع، أو الثلاث
~~والأربع، فالظاهر أنه يرجع إلى الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، فيصلي
~~ركعتين من قيام وركعتين من جلوس كما قالوه.
# والظاهر أنه كذلك أيضا لو شك أنه هل شك بين الاثنتين والثلاث أو الثلاث
~~والأربع.
# ولو شك أنه هل شك بين الثلاث والأربع أو الأربع والخمس فيرجع إلى الشك
~~بين ms0813 الثلاث والأربع والخمس، وقد مر حكمه، وهكذا.
# وإن شك في شئ من أفعال الصلاة ولم يتجاوز محله، ثم شك أنه هل فعله أم لا،
~~فالأظهر وجوب الإتيان به. واحتمال اندراج ذلك في المسألة المبحوثة، أعني
# PageV03P327
# عدم الحكم للشك في الشك وأنه مبني على الصحة جار، فإن أعاد الصلاة مع ذلك
~~كان أحوط.
# أو يراد أنه لا حكم للسهو في موجب السهو، كسجدتي السهو، فإن أريد سهو نفس
~~السجدتين فقد مر حكمه أنه يجب عليه فعلها متى ذكرهما، وإن أريد السهو في شئ
~~من واجباتها فإن كان هو أحد السجدتين فالأحوط بل الأظهر وجوب الإتيان بها
~~قبل الدخول في التشهد، وإن كان بعد الدخول فيه فالأظهر عدم الوجوب، وإن كان
~~الأحوط الرجوع وإعادة السجدتين بعد التمام.
# وإن كان في شئ من الواجبات من الأذكار وغيرها، فإن كان قبل الرفع فيأتي
~~به، وإن كان بعده فلا يجب، وأن الأحوط الإعادة، ولا تجب سجدتا السهو في شئ
~~من الخلل الواقع فيها للأصل.
# ومما ذكرنا يظهر حكم الأجزاء المنسية، فيقضي متى ذكرها لو نسيها ويأتي
~~بما نسي من أجزائها ما لم يفت محلها ولا شئ عليه إذا فات. والكلام في سجدتي
~~السهو فيهما ما مر، للأصل.
# أو يراد أنه لا حكم للسهو في الشك، فإن أريد منه السهو في نفس الشك، يعني
~~أنه سها أنه شك فلا شئ عليه من أجل السهو فهو كذلك، ولكنه يأتي بموجب الشك
~~بعد التذكر.
# وإن أريد أنه لا حكم للسهو في موجب الشك، فإن أريد سهو نفس موجب الشك
~~كصلاة الاحتياط وسجدتي السهو فهو باطل، لوجوب الإتيان بهما متى ذكرهما.
# وإن أريد نفي وجوب سجدتي السهو في السهو الحاصل فيهما، فهو أيضا موافق
~~للأصل وموثقة عمار الآتية (1)
# PageV03P328
# وإن أريد أنه لا يجب عليه حكم في سهو جزء من أجزائها فهو وإن كان موافق
~~للأصل أيضا فيما جاوز المحل، ولكن الأحوط في صلاة الاحتياط أن يعامل بها
~~معاملات الصلاة، ولم يظهر دليل على وجوبه، سيما مع ملاحظة موثقة عمار ms0814
~~الآتية (1) والروايتين المتقدمتين (2) وأن الأمر يقتضي الاجزاء.
# وإن أريد نفي سجدتي السهو فهو كذلك، للأصل، وموثقة عمار، وغيرها (3).
# أو يراد أنه لا حكم للشك في موجب الشك، فإن أريد منه الشك في فعله وتركه
~~فيجب الإتيان به، لأن الأصل عدم الإتيان، ولا يستفاد من الروايات نفي الحكم
~~عن ذلك.
# وإن أريد الشك في أجزاء موجب الشك، مثل أن يشك في عدد ركعات صلاة
~~الاحتياط أو أفعالها أو عدد سجدتي السهو أو أفعالهما; فالمشهور أنه لا
~~يلتفت إليه ويبني على الصحة بالمعنى الذي مر في كثير الشك، وبهذا فسر
~~العلامة في المنتهى قول الفقهاء " لا سهو في السهو " (4).
# ولا فرق في ذلك بين بقاء وقت المشكوك فيه وعدمه.
# أو يراد أنه لا حكم للشك في السهو، فإن أريد الشك في أنه سها أم لا فهو
~~لا (5) يرجع إلا إلى الشك في الفعل.
# وإن أريد الشك في أن ما سهاه هل هو سجدة مثلا أو تشهد بعد اليقين بالسهو
~~، فالأحوط الإتيان بهما ويسجد سجدتي السهو مرة. وإن شك أنه ركوع أو سجدة
~~فيقضي السجدة ويسجد للسهو، والاحتياط في الإعادة، وإن كان الأظهر عدمها،
# PageV03P329
# لأن الأمر يقتضي الاجزاء، والإعادة كالقضاء فرض جديد، بل لا يبعد القول
~~بعدم وجوب قضاء السجدة أيضا.
# وكذلك لا يبعد القول بعدم وجوب شئ عليه في الصورة الأولى أيضا، نظرا إلى
~~شمول الروايتين لها على الظاهر، أو على الاحتمال على ما بينته.
# وإن أريد الشك في موجب السهو، فإن كان في فعله مثل الشك في فعل سجدتي
~~السهو فقد مر أنه يأتي به. وإن أريد الشك في عدده وأجزائه فالأحوط قبل
~~الخروج عن محله الإتيان به، وبعد الخروج لا شئ عليه.
# إذا عرفت هذه الاحتمالات وموافقتها للأصل ومخالفتها فارجع إلى الأدلة
~~ولاحظ ما ورد في أحكام السهو والشك، وأنها هل تشمل هذه الصور المفصلة أم
~~لا، ثم لاحظ ما ورد مما هو قابل للتخصيص، وهما الروايتان المتقدمتان، وهما
~~حسنة حفص بن البختري (1)، ومرسلة يونس القوية (2); المتضمنتان لأنه لا سهو ms0815
~~في سهو، ولا سهو على سهو، وموثقة عمار المتقدمة في مقامات سجدتي السهو، و
~~في جملتها: " وليس في شئ مما تتم به الصلاة سهو " (3).
# وتؤيدها موثقة سماعة (4) وصحيحة الفضيل (5) المتقدمتان هناك أيضا;
~~القائلتان " إن من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو ".
# فنقول: إن الروايتين الأوليين إن لم نقل مع ملاحظة القرائن الخارجية
~~بظهورها في أكثر الاحتمالات المذكورة فلا أقل من كونهما محتملتين فتكونان
~~مجملتين، والعام المخصص بالمجمل ساقط من الحجية في قدر الاجمال، فلا تبقى
~~مقتضيات
# PageV03P330
# العمومات من الصحة والبطلان والأعمال الخاصة في الشك والسهو باقية على
~~عمومها بحيث تشمل موارد الاحتمالات، مع عدم إمكان الشمول في البعض كما لا
~~يخفى. وكذلك مقتضى العمومات الدالة على وجوب أداء الصلاة على ما هي عليه في
~~نفس الأمر بأجزائها وشرائطها حينئذ، حتى يقال إن براءة الذمة لا تحصل مع
~~عدم الاعتناء بالسهو في أمثال ذلك.
# والحاصل أن الظاهر من الروايتين، سيما مع ملاحظة القرائن السابقة
~~واللاحقة لهذه العبارة أنه يبنى فيه على الصحة مثل كثير الشك كما أشرنا
~~إليه في السهو في النافلة (1)، وأن حاله أسهل من غيره، واحتمال المحتملات
~~لا ينافي ظهور هذا المعنى.
# ولا معنى لجريان أحكام الشك والسهو فيها مثل نفس الصلاة حينئذ، لأنه لا
~~يبقى حينئذ فرق بينهما، فلم يبق وجه لجعله أسهل من غيره.
# ومن هذا يندفع احتمال بطلان الصلاة أو سجدتي السهو أو الأجزاء المنسية
~~بالشك والسهو وصحتها مع العمل بمقتضياتها في الصلاة يوجب عدم الفرق بينها
~~وبين الصلاة، فيبقى الحكم بالصحة بدون العمل على ما يقتضيها في الصلاة.
# ومن هذا يندفع احتمال المعارضة بالتعليل الوارد في موثقة سماعة (2)
~~المتقدمة في مبحث الشك في الثنائية والثلاثية المقتضية لبطلان الثنائية من
~~صلاة الاحتياط بالشك لو سلم شمولها لها.
# فهذه القاعدة - أعني التخصيص بالمجمل في الروايتين - مع انضمام ما يستفاد
~~من تتبع تضاعيف الأخبار الواردة في الشك والعلل المستفادة منها أن موجبات
~~الشك والسهو - بفتح الجيم - إنما هي من نتائج أفكار الشيطان، وملاحظة
~~الرواية الواردة في أن ms0816 الفقيه لا يعيد الصلاة (3) مع انضمام موثقة عمار
~~وغيرها يكفي في أن الحكم
# PageV03P331
# في جميع المحتملات البناء على الصحة، وعدم لزوم شئ من سجدتي السهو أو
~~الإعادة أو القضاء ونحو ذلك.
# نعم يقع الإشكال في الأجزاء المنسية في المذكورات مع بقاء محلها، فإن
~~الظاهر وجوب الإتيان لا لأنه مقتضى السهو، بل لأنه مقتضى نفس التكليف بها.
~~ولم يظهر من هذه الأدلة ظهور سقوط حكمها، ولم يحصل لما دل على الإتيان بنفس
~~هذه التكاليف إجمال بسبب هذه الروايات بالنسبة إلى هذه الأجزاء.
# ويؤيد ما ذكرنا قوله عليه السلام في حسنة حفص: " ولا على الإعادة إعادة "
~~فإنها تدل على أن الصلاة المعادة لأجل الشك لا تعاد من جهة شك أو سهو، وهو
~~موافق للعلة الواردة في غيرها في أن الإعادة متابعة للشيطان، فإن من المجرب
~~أن من يعيد صلاته لأجل شك; يشك فيها ثانيا بنفس ما شك في الأولى غالبا.
~~ولكن لم نقف على قائل بذلك صريحا.
# والمشهور عدم العمل بذلك إلا مع كثرة الشك.
# وربما قيل: يظهر من هذه العبارة أن كثرة الشك تحصل بالمرتبة الثانية، وهو
~~أيضا مشكل نعم يمكن القول به من جهة ظهور أنه من عمل الشيطان، والعلة
~~المنصوصة تقتضي ذلك. PageV03P332
# المقصد الرابع في الفوائت وفيه مباحث:
# الأول: الحق عدم وجوب ما فات في الوقت في خارجه إلا بدليل جديد كما
~~حققناه في الأصول (1). فلا يجب مع الشك بالفوت، بل وظنه، فهذا أصل موافق
~~لأصل البراءة وأصالة عدم التكليف.
# والذي وصل إلينا من العمومات والإطلاقات التي تكون بمنزلة القانون في
~~وجوب القضاء بعد وضع الموارد الخاصة التي ثبت وجوب القضاء فيها بالنص
~~والإجماع هي الروايات الدالة على أنه يجب على من فاتت منه صلاة أن يفعلها
~~إذا ذكرها (2) ولكن الإشكال في معنى الفوت، والتفرقة بين مثل الحائض
~~والمجنون وفاقد الطهور على قول، وبين الناسي والنائم.
# وقد يفرق بأن عدم وجوب القضاء على مثل الحائض لفقدان الشرط وهو
# PageV03P333
# الحيض; فلم تفت منها، ووجوبه على الساهي والنائم لوجود المانع.
# وهو ms0817 تحكم، وكما يجوز أن تكون الطهارة شرطا يجوز أن يكون الحيض مانعا،
~~وكما يجوز أن يكون التمكن من الطهور شرطا يجوز أن يكون فقدان الماء مانعا
~~وهكذا يحتمل كون اليقظة شرطا كما يحتمل كون النوم مانعا، مع أن عدم المانع
~~أيضا شرط من الشروط.
# نعم يمكن أن يرجع في فهم الفوت إلى العرف.
# لا يقال: هذا أمر شرعي لا مدخل للعرف فيه، فإن كون الشئ مراد الشارع وغير
~~مراده إنما يعلم منه من العرف.
# لأنا نقول: إن من المحقق عند العقل والعرف والعادة أن المدار في الإطاعة
~~والامتثال على الظنون، فكما يحسن بل يجب على المسافر تهيئة الزاد للسفر ،
~~ولملاقي العدو أخذ الحذر والسلاح مع احتمال الفوت (1) قبل الاحتياج إلى
~~الزاد ، وقبل لقاء العدو، فكذلك للصحيح السالم في أول الوقت التهيؤ للصلاة
~~بل الدخول فيها بنية الوجوب مع احتمال الهلاك قبل التمام، وكذلك نية الصيام
~~في الليل، والسفر إلى الحج قبل الموسم، وأمثال ذلك. وهكذا الكلام في سائر
~~أحوال المكلفين فالظاهر في العقلاء الأصحاء الخالين عن الموانع كونهم
~~مكلفين، فلما كانوا في نظر أهل العرف مستعدين لفعلية تعلق التكليف، وقابلين
~~لحصول العبادة منهم يصح في العرف أن يقال لمن سها أو نام منهم ولو قبل دخول
~~الوقت حتى خرج الوقت: إن الصلاة فاتت منه، بخلاف الصغير والمجنون.
# ونظير ذلك أن أهل العرف يقولون للتاجر المالك القنية الطالب للاسترباح
~~إذا حصل له مانع من سفر خاص: إنه فات منه هذا الربح، بخلاف الفقير الذي لا
~~قنية
# PageV03P334
# ولا أهلية للتكسب له من جهة عدم الأسباب.
# ثم في كل مورد حصل للمجتهد ظن بالفهم العرفي وصدق الفوات فيحكم بالقضاء
~~كالنائم والناسي، وكل موضع يحصل الظن بعدمه فيحكم بالعدم كالصغير والمجنون،
~~وما يشكل عليه الأمر في الفهم فيرجع إلى الأصل.
# ومن المواضع المشكلة الحائض، فيمكن القول بالفوات وعدم وجوب قضاء الصلاة
~~من دليل خاص، والقول بالعدم ووجوب القضاء في الصوم من دليل خاص.
# فلنفصل بعض التفصيل ونقول: يجب القضاء على من ترك صلاة فريضة ms0818 مع استكمال
~~شرائطها، أو أخل بها لنوم أو نسيان، لخصوص الأخبار في النوم والنسيان،
~~وعمومها في غيرهما، فإن المستفاد منها وجوب القضاء على من فاتته الصلاة.
~~والأخبار كثيرة معتبرة لا حاجة إلى ذكرها (1)، وتجئ الإشارة إلى بعضها.
# ولا يجب القضاء على المجنون والصغير بالإجماع، بل الضرورة، وكذا لا يجب
~~قضاء الصلاة على الحائض والنفساء بالإجماع.
# وقد مر التفصيل والكلام فيما لو أدركتا الوقت طاهرتين في آخره بمقدار
~~الطهارة وركعة، وأنه يجب عليهما الإتيان بهما، ولو تركتا يجب عليهما
~~قضاؤها; بخلاف ما لو أدركتا هذا المقدار في أول الوقت.
# وقد مر الكلام في فاقد الطهور أيضا، وأن فيه قولين; أظهرهما، الوجوب،
~~لقوله صلى الله عليه وآله: " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته " (2).
# والمناقشة في أن هذه الصلاة ليست بفريضة عليه; ليس في محلها إذ الظاهر أن
~~الفريضة صارت حقيقة في الصلاة المعهودة الواجبة، أو صارت مجازا مشهورا، مع
~~أنه منقوض بالنائم والناسي.
# PageV03P335
# وفي رواية زرارة: " إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى، فإن كنت تعلم
~~أنك إذا صليت الفائتة كنت من الأخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك " (1)
~~الحديث، وليس فيها التقييد بالفريضة.
# والخدشة بأن قوله عليه السلام: " فذكرتها " ظاهر في الناسي ليس على ما
~~ينبغي، لعدم المنافاة، ولا ينحصر تحقق التذكر بسبق النسيان حال الفوت.
# وقال في روض الجنان: إنه يشمل ما لو ذهل فاقد الطهور عن الصلاة بعد وجود
~~المطهر وذكرها في وقت أخرى، فيجب عليه حينئذ قضاؤها، للأمر به في الحديث
~~(2)، ولا قائل بالفرق.
# وتؤيده صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: فيمن صلى بغير طهور أو نسي
~~صلوات لم يصلها أو نام عنها، قال: " يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة " (3)
~~الحديث.
# واستدل عليه أيضا بروايته الأخرى القوية عنه عليه السلام: " إذا نسي
~~الرجل صلاة أو صلاها بغير طهور وهو مقيم أو مسافر فذكرها، فليقض الذي وجب
~~عليه لا يزيد ولا ينقص " (4) الحديث فإنه يشمل العاجز عن تحصيل الطهور،
~~وإذا وجب مع الصلاة فمع تركها أولى.
# واحتج المانع بأن القضاء ms0819 هو الإتيان بما فات من الواجب، والمفروض أن
~~الأداء ليس بواجب، فالقضاء أيضا ليس بواجب، وبأن القضاء إنما هو بالفرض
~~الجديد، ولا دليل عليه.
# والجواب عن الأول بمنع لزوم تعلق الوجوب في الوقت في تحقق مفهوم القضاء،
# PageV03P336
# وقد عرفت الأمر الجديد.
# ويجب القضاء على من فاتته الصلاة من أجل شرب مرقد أو مسكر، للعمومات.
# وتخصيص جماعة إياه بما لم يكن مكرها وغير عالم لا وجه له، للعمومات
~~والإطلاقات.
# ولا دلالة للعلة الآتية في المغمى عليه على ما نحن فيه، مع أنها منقوضة
~~بالنائم والساهي إذا كانا خارجين عن تحت الاختيار.
# والقول بأن جميع المبادئ فيهما اختيارية، بعيد، مع إمكان جريان ذلك في
~~المكره بالمرقد والمسكر.
# وفي المغمى عليه قولان، أصحهما عدم الوجوب، للأخبار الكثيرة الصحيحة
~~وغيرها، ومن جملتها حسنة حفص بن البختري عن الصادق عليه السلام، قال:
# سمعته يقول في المغمى عليه قال: " ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر "
~~(1).
# وفي حسنة عبد الله بن سنان عنه عليه السلام، قال: " كلما غلب الله عليه
~~فليس على صاحبه شئ " (2).
# وظاهر الصدوق في المقنع الوجوب (3) لظواهر الأخبار الصحيحة وغيرها (4)،
~~وموافقة الأخبار الأولة للأصل وعمل الأصحاب ونفي العسر والحرج يرجح العمل
~~عليها.
# والأولى حمل هذه على الاستحباب كما تشعر به بل تدل عليه رواية منصور بن
# PageV03P337
# حازم، عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن المغمى عليه شهرا أو أربعين
~~ليلة قال، فقال: " إن شئت أخبرتك بما آمر به نفسي وولدي: أن تقضي كل ما
~~فاتك " (1) ويقرب منها رواية أبي كهمس (2).
# وكذلك يحمل ما دل من الأخبار على قضاء اليوم الذي أفاق فيه أو ثلاثة أيام
~~أو غير ذلك على مراتب الاستحباب.
# ويمكن أن يراد من اليوم الذي أفاق فيه الصلاة التي أفاق في وقتها كما
~~يظهر من صحيحة الحلبي (3) وصحيحة ابن أبي عمير (4).
# ثم إن الظاهر من العلة المذكورة في حسنة حفص هو وجوب القضاء إذا تسبب هو
~~في الإغماء (5)، والأظهر العدم، للأصل، وإطلاق سائر الأخبار، وأنها واردة
~~مورد الغالب، مع أنها معارضة ms0820 بما ورد في الساهي والنائم (6).
# وإجراء هذه العلة في المرقد والمسكر أضعف، لأن النسبة بين ما دل على وجوب
~~قضاء ما فات من الانسان وهذه العلة عموم من وجه، والأول أقوى، لظاهر
~~الاجماع المنقول كما يظهر من الذكرى، فإنه أسنده إلى الأصحاب، سيما مع
~~الحكم بوجوب القضاء على النائم والناسي (7).
# فإن قلت: إن العمومات تشمل المغمى عليه أيضا.
# قلنا: الأخبار الواردة فيه خاصة، والخاص مطلقا مقدم على العام، ولا يضر
# PageV03P338
# كون العلة أعم من وجه من تلك العمومات.
# ولا يجب القضاء على الكافر الأصلي إذا أسلم، لأن الاسلام يجب ما قبله،
~~ولعله من المتواترات، وللإجماع، بل قيل: إنه ضروري.
# وهذا في غير من انتحل الاسلام من الكفار مثل الغلاة والخوارج والنواصب،
~~فإن حكمهم حكم المخالفين، وحكمهم أنهم ما لم يستبصروا فلا تصح صلاتهم ولا
~~تقبل منهم عبادة، لأنهم أخذوها من غير موضعها.
# وذلك نظير من لم يكن مجتهدا أو لم يأخذ عن مجتهد وإن طابقت عبادته
~~الواقع، فإنهم يحكمون ببطلانها، فكذلك من لم يأخذ دينه من الأئمة.
# ولأن عبادتهم فاقدة لشرائط الصحة غالبا، والإجماع والأدلة قائمة على
~~بطلان العبادة الغير الجامعة لشرائط الصحة، مثل أنهم يمسحون بالماء الجديد،
~~ويغسلون أرجلهم في الوضوء، ويتركون التسمية في القراءة وأمثال ذلك.
# وللأخبار الكثيرة المصرحة بأنه لا يقبل منهم عمل، وأن أعمالهم كرماد
~~اشتدت به الريح في يوم عاصف; المذكورة في الكافي لا نطيل بذكرها (1).
# ولا إشكال في هذا الحكم في المعاندين منهم المصرين على متابعتهم الآباء
~~والأمهات، فإنهم لا يؤجرون عليه أصلا وقطعا.
# وأما المستضعفون الجاهلون فلا دليل على حرمانهم من الأجر مطلقا، وقد بينا
~~في القوانين أن الجاهل إجمالا وتفصيلا معذور، وإنما الذي لا يعذر هو العالم
~~بالإجمال، الجاهل بالتفصيل، المقصر في التحصيل.
# وأما بعد الاستبصار ففيه أقوال ثلاثة، أقواها موافقا للمختلف (2) والذكرى
~~(3):
# أنه لا يجب عليهم قضاء ما فعلوه إلا الزكاة التي أعطوها غير المؤمنين،
~~وأنهم يثابون
# PageV03P339
# بما فعلوا ويكتب لهم.
# وهذا ليس بمعنى الحكم بكونها صحيحة في نفس الأمر، لينافي ms0821 ما قدمناه، بل
~~ذلك بفضل من الله سبحانه.
# والقول بأن قبولها مشروط بشرط متأخر وهو الإيمان، فإذا لحقها تمت الصحة;
~~ضعيف، كما لا يخفى على المتأمل فيما تقدم وما سيأتي.
# فإن قلت: إنهم يشترطون في سقوط القضاء وقوع العبادة صحيحة عندهم وصحيحة
~~عندنا على إشكال فيه فهذا ينافي ما ذكرته من عدم الصحة سابقا، وإسقاط
~~القضاء بذلك أيضا شاهد على الصحة.
# قلت: إنما قلنا بسقوط القضاء للأخبار الواردة في أنه لا تجب عليهم إعادة
~~ما صلوا وصاموا، لا لأنهم صلوا وصاموا (1)، ولكن لما كان الظاهر المتبادر
~~من السؤال والجواب السؤال عن الصلاة الصحيحة عندهم فاقتصرنا عليه، وأما
~~الصلاة الفاسدة فيجب قضاؤها بالإجماع كما لو كانوا تركوها رأسا، وتدل عليه
~~العمومات أيضا.
# وهذا ليس مثل الاسلام الذي يجب ما قبله، وحكمة الفرق: أن الكافر لا يترك
~~الصلاة اجتراءا على الله، لأنه لا يعتقد وجوبها عليه، بخلاف المخالف.
# بقي الكلام في الإشكال الذي ذكرناه فيما كانت صحيحة عندنا دونهم، فربما
~~قيل بكفايته مثل الصحيحة عندهم (2)، وربما قيل بالأولوية (3)، وربما قيل
~~بعدم الكفاية أصلا، لأنهم يعتقدون فسادها فلا يمكنهم التقرب بها، مع أنه
~~يقرب من المحال فعلهم موافقا لنا من غير جهة المأخذ أيضا (4)، والوجهان
~~الأولان باطلان، لمنع
# PageV03P340
# تبادرهما من الأخبار، ومنع الأولوية فتعين الثالث.
# فلنذكر من الأخبار روايتين إحداهما تدل على بطلان عملهم مطلقا، والثانية
~~على أنها تجديهم وتكتب لهم بعد الاستبصار.
# فالأول هو ما رواه الكليني في الحسن - لإبراهيم بن هاشم - عن الباقر عليه
~~السلام في ذيل حديث طويل: " أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدق
~~بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع
~~أعماله بدلالته ما كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان "
~~(1).
# والثاني هو ما رواه الكليني في الحسن، عن الفضلاء، عن أبي جعفر وأبي عبد
~~الله عليهما السلام: أنهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحرورية
~~والمرجئة والعثمانية والقدرية ثم يتوب ويعرف هذا الأمر ms0822 ويحسن رأيه، أيعيد
~~كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج، أوليس عليه إعادة شئ من ذلك؟ قال: "
~~ليس عليه إعادة شئ من ذلك غير الزكاة، فإنه لا بد أن يؤديها " (2) الحديث،
~~وفي حسنة أخرى: " لأنه وضعها في غير موضعها، وإنما موضعها أهل الولاية "
~~(3).
# وإنما اخترنا هذه الرواية لاشتمالها على حكم كفار المخالفين، فإن
~~الحرورية هم الخوارج.
# وأما القولان الآخران في المسألة، فأحدهما: ما هو ظاهر التذكرة أنها لا
~~تفيد لهم ولا تسقط القضاء مطلقا (4)، وثانيهما: ما يظهر من المدارك أنها
~~تسقط القضاء ولكن لا يؤجر عليها (5)، وقد عرفت التحقيق.
# PageV03P341
# وأما المرتد فيجب عليه قضاء أيام ردته إجماعا كما ادعاه في المنتهى (1)،
~~وتدل عليه العمومات المتقدمة، خرج ما خرج بالدليل كالمستبصر عن الكفر
~~الأصلي، ويبقى الباقي.
# ويشكل في المرتد الفطري لو لم نقل بقبول توبته باطنا أو قتل، للزوم تكليف
~~ما لا يطاق.
# وقد يجاب بمنع استحالته، لصيرورته باعثا له بنفسه، فيبقى في ذمته إلى أن
~~يقضي عنه الولي.
# والأظهر قبول توبته باطنا، فيصح ما فعله لو منعه عن القتل مانع إن شاء
~~الله تعالى، ويلزمه الحكم بطهارته أيضا.
# الثاني: لا يجب قضاء الجمعة والعيدين إجماعا وقد مر.
# وأما صلاة الآيات، فأما مع العلم بها وتركها حتى خرج الوقت فالمشهور وجوب
~~القضاء، عمدا كان أو سهوا.
# وذهب الشيخ إلى عدم وجوب القضاء على الناسي في غير صورة استيعاب القرص
~~(2).
# وعن السيد عدم وجوب القضاء في غير صورة الاستيعاب وإن كان عمدا (3).
# لنا: العمومات والإطلاقات، وموثقة عمار، ففي جملتها: " وإن لم تعلم حتى
~~يذهب الكسوف ثم علمت بعد ذلك فليس عليك صلاة الكسوف، وإن أعلمك أحد وأنت
~~نائم فعلمت ثم غلبتك عينك فلم تصل فعليك قضاؤها " (4).
# PageV03P342
# وما رواه الكليني مرسلا مقطوعا، قال: وفي رواية أخرى: " إذا علم بالكسوف
~~ونسي أن يصلي فعليه القضاء، وإن لم يعلم به فلا قضاء عليه، هذا إذا لم
~~يحترق كله " (1).
# وهذه الرواية صريحة في رد مذهب الشيخ.
# ويؤيده ما رواه حماد - في الصحيح - عن حريز، ms0823 عمن أخبره، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام، قال: " إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلي فليغتسل
~~من غد وليقض الصلاة، وإن لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا
~~القضاء بغير غسل " (2) ولا يضر اشتمالها على ما لا يقول به الأصحاب، وكذلك
~~إرسالها مع اعتضادها بالعمل.
# ويدل على مذهب السيد: الأصل، وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه
~~السلام، قال: سألته عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء؟ قال: " إذا فاتتك
~~فليس عليك قضاء " (3).
# ورواية عبيد الله الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة
~~الكسوف تقضى إذا فاتتنا؟ قال: " ليس فيها قضاء " وقد كان في أيدينا أنها
~~تقضى (4).
# وهما محمولتان على صورة الجهل كما يشعر به تغيير العبارة في قوله عليه
~~السلام " إذا فاتتك ".
# وعلى عدم الاستيعاب جمعا بين الأدلة، لعدم مقاومتهما لما تقدم، سيما مع
~~ضعف الثانية (5)، وكون ظاهرها متروكا عندهم.
# PageV03P343
# وأما غير الكسوفين، فإن ثبت عدم القول بالفصل فهو، وإلا فتشمله الإطلاقات
~~والعمومات، مع أن إطلاق القضاء عليها مشكل، فإن الظاهر أنها من قبيل
~~الأسباب الموجبة للفعل، وقد تقدم الكلام فيها في مباحث الأوقات، وأن حكم
~~صلاة الزلزلة أنها أداء أبدا، وأن الأظهر أن غيرها أيضا كذلك.
# وأما مع الجهل بالآية حتى انقضت، فأما الكسوفان فلا يجب القضاء إلا مع
~~احتراق القرص على المشهور الأقوى، بل قال في التذكرة: إنه مذهب الأصحاب عدا
~~المفيد (1)، ونقل في المختلف إطلاق القضاء عن ظواهر جماعة من الأصحاب (2).
# وقال المفيد: إذا احترق القرص وهو القمر كله ولم تكن علمت به حتى أصبحت
~~صليت صلاة الكسوف جماعة، وإن احترق بعضه ولم تعلم به حتى أصبحت صليت القضاء
~~فرادى (3).
# لنا: صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (4) وصحيحة محمد بن مسلم والفضيل بن يسار
~~على الأظهر (5)، وهما صريحتان في المطلوب، ورواية حريز، وهي أيضا صريحة،
~~وقد مرت مقطوعة الكليني.
# وليس للقائل بوجوب القضاء إلا الإطلاقات والعمومات، وهي بعد تسليم شمولها
~~لما نحن فيه مخصصة بتلك الأخبار.
# وآخر رواية ms0824 حريز المتقدمة سابقا أيضا مؤول بأن المراد نفي الغسل، لا
~~إيجاب
# PageV03P344
# القضاء وإن كان مستحبا، وليس بصريح فيما لو احترق البعض، ولو ثبت العموم
~~والوجوب فمخصص بما ذكر.
# وأما قول المفيد فصرح جماعة بعدم الوقوف على دليله (1)، واحتج له في
~~المختلف (2) برواية ابن أبي يعفور (3)، ودلالتها ممنوعة، مع كونها ظاهرة في
~~الأداء لا القضاء.
# وأما الزلزلة وسائر الآيات، فقال في التذكرة: فأما جاهل غير الكسوف مثل
~~الزلزلة والرياح والظلمة الشديدة فالوجه سقوطها عنه عملا بالأصل السالم عن
~~المعارض (4).
# وقال بعض محققي المتأخرين: وفيه نظر، لأن المعارض موجود، وهو عموم ما دل
~~على وجوب الصلاة للزلزلة من غير توقيت ولا تقييد بالعلم المقارن لحصولها،
~~ولهذا قال في النهاية: ويحتمل في الزلزلة قويا الإتيان بها، لأن وقتها
~~العمر (5)، وقد مر الكلام في ذلك في مباحث الأوقات.
# الثالث: يستحب قضاء النوافل المرتبة مؤكدا، ويتخفف التأكيد فيما لو كان
~~الفوات بسبب غلبة الله عليه بمرض ونحوه.
# وعلى المطلبين أخبار كثيرة، كصحيحة عبد الله بسنان، قال: سمعت أبا عبد
~~الله عليه السلام، يقول: " إن العبد يقوم فيقضي النافلة، فيعجب الرب
~~وملائكته منه، ويقول: ملائكتي عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه " (6).
# وقال في الفقيه: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن الله تبارك
~~وتعالى
# PageV03P345
# ليباهي ملائكته بالعبد يقضي صلاة الليل بالنهار، فيقول: ملائكتي انظروا
~~إلى عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه، أشهدكم أني غفرت له " (1).
# وحسنة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال، قلت له: رجل مرض فترك
~~النافلة، قال: " يا محمد، ليست بفريضة، إن قضاها فهو خير يفعله، وإن لم
~~يفعل فلا شئ عليه " (2).
# وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له:
~~أخبرني عن رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدري ما هو من كثرتها، كيف يصنع؟
~~قال:
# " فليصل حتى لا يدري كم صلى من كثرتها، فيكون قد قضى بقدر ما عليه من ذلك
~~".
# ثم قال، قلت له: فإنه لا يقدر على القضاء، فقال: " إن ms0825 كان شغله في طلب
~~معيشة لا بد منها أو حاجة لأخ مؤمن فلا شئ عليه، وإن كان شغله لجمع الدنيا
~~والتشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء، وإلا لقي الله عز وجل وهو مستخف
~~متهاون مضيع لحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله ".
# قلت: فإنه لا يقدر على القضاء، فهل يجزي أن يتصدق؟ فسكت مليا ثم قال:
# " فليتصدق بصدقة " الخ.
# قلت: فما يتصدق؟ قال: " بقدر طوله، وأدنى ذلك مد لكل مسكين مكان كل صلاة
~~".
# قلت: وكم الصلاة التي يجب فيها مد لكل مسكين؟ قال: " لكل ركعتين من صلاة
~~الليل مد، ولكل ركعتين من صلاة النهار مد ".
# فقلت: لا يقدر، فقال: " إذن مد لكل أربع ركعات من صلاة النهار " قلت:
# لا يقدر، قال: " فمد إذن لصلاة الليل ومد لصلاة النهار، والصلاة أفضل،
~~والصلاة
# PageV03P346
# أفضل، والصلاة أفضل " (1).
# وحسنة مرازم، وفيها: " إن المريض ليس كالصحيح، كلما غلب الله عليه فالله
~~أولى بالعذر " (2).
# واختلف الأصحاب في أفضلية وقت القضاء، فالمشهور استحباب تعجيل قضاء
~~النوافل الليلية ولو نهارا، والنهارية ولو ليلا، ولا ينتظر حصول الموافقة.
# وذهب ابن الجنيد (3) والمفيد في الأركان (4) إلى أفضلية الموافقة.
# وقد غفل بعض المتأخرين، ونسب إلى الأكثر استحباب التخالف مطلقا (5)، وهو
~~غلط، لعدم مساعدة كلماتهم لذلك، كما تنادي به عبارة الشرائع (6) والذكرى
~~(7) وغيرهما (8)، وعدم موافقته لأدلتهم، واستلزام ذلك تناقض أدلتهم
~~وتدافعها وتهافتها. وفي الحقيقة قولهم عدم ملاحظة الموافقة بل اعتبار
~~التعجيل، وهو يستلزم المخالفة في اليوم الأول والليلة الأولى، ولكنها ليست
~~بمقصودة من حيث إنها مخالفة، وتدل عليه آية المسارعة (9) وآية الخلفة (10)،
~~وما رواه الصدوق في تفسيرها عن الصادق عليه السلام أنه قال: " كلما فاتك
~~بالليل فاقضه بالنهار، قال
# PageV03P347
# الله تعالى: (وهو الذي جعل لكم الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو
~~أراد شكورا) (1).
# وروى الكليني والشيخ عن عنبسة العابد، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن قول الله عز وجل: (وهو الذي جعل لكم الليل والنهار خلفة لمن أراد
~~أن يذكر أو أراد شكورا) قال: " قضاء صلاة الليل بالنهار، ms0826 وصلاة النهار
~~بالليل " (2).
# والمراد بالليل والنهار في الروايتين ليس جنسهما، بل المعهودين، أي الليل
~~المتصل بذلك النهار، والنهار المتصل بذلك الليل كما هو ظاهر الأخبار
~~الكثيرة، وفهم الجنسية هو الذي دعا الغافل إلى نسبة استحباب مطلق المخالفة
~~إلى الأكثر، ومن تتبع أخبار الباب يجزم بأن المراد منها نهار ذلك الليل
~~وليل ذلك النهار.
# وحجة المفيد وابن الجنيد: صحيحة معاوية بن عمار قال، قال أبو عبد الله
~~عليه السلام: " اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار، وما فاتك من صلاة
~~الليل بالليل " قلت: أقضي وترين في ليلة؟ فقال: " نعم، اقض وترا أبدا "
~~(3).
# وصحيحة بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " أفضل
~~قضاء الليل في الساعة التي فاتتك آخر الليل، ولا بأس أن تقضيها بالنهار
~~وقبل أن تزول الشمس " (4) ويقرب منها رواية إسماعيل الجعفي (5).
# وهذه الأخبار معتبرة، ظاهرة الدلالة، فإن أقرب محامل الأمر في الأولى
~~الاستحباب لا مطلق الرخصة، والثانيتان صريحتان، ولكنهما لا تقاومان أدلة
~~المشهور، إذ منها ظاهر الكتاب والأخبار المعتبرة الكثيرة الظاهرة في رجحان
~~قضاء
# PageV03P348
# صلاة الليل في نهار ذلك الليل، ولا قائل بالفرق، فإذا اعتضدت المذكورات
~~بعمل الجمهور تعين استحباب المسارعة تخالفتا أو توافقتا.
# ومن جميع ذلك ظهر أن قول المشهور المسارعة كيف ما كان، وقول المفيد وابن
~~الجنيد اعتبار الموافقة فلا تغفل.
# الرابع: اتفق الأصحاب على وجوب مراعاة الترتيب فيما فات من الصلاة مع
~~العلم بالترتيب على ما يظهر من المعتبر (1) والمنتهى (2)، ونقل الشهيد عن
~~بعض الأصحاب قولا بالاستحباب (3)، وهو ضعيف.
# لنا: قوله عليه السلام: " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته " (4) على
~~إشكال فيه.
# وصحيحة زرارة (5)، وصحيحة محمد بن مسلم (6)، وصحيحة عبد الله بن سنان
~~(7)، وصحيحة أبي بصير (8)، ورواية جميل (9)، الآتيات في البحث الآتي.
# وهل ذلك مخصوص بما لم يفصل بين الصلوات فاصل، أو يشمل ما لو فات من كل
~~يوم نوع صلاة؟ فيه إشكال، الأظهر الأول، للأصل، ولظهور الأخبار فيه.
# PageV03P349
# ويؤيده عدم اعتبارهم الترتيب في قضاء الصوم، ولكن ظاهر إطلاقهم وصريح
~~بعضهم وجوب الترتيب ms0827 في الثاني أيضا.
# وهل ذلك يعتبر في الأيام أيضا، أو يختص بالصلوات؟ فيه أيضا إشكال، ولازم
~~إطلاقهم فيه أيضا الترتيب، وكذلك الشهور والأعوام.
# والأمر في صلاة الاستئجار أشكل، وإدراجه تحت إطلاق كلماتهم أخفى، فعدم
~~الوجوب فيه أظهر مما تقدم.
# والحاصل أن مدلول الأخبار هو ما ذكرنا أولا، ودعواهم الاجماع أيضا لم
~~تعلم إلا في ذلك، وإن كان فيه إطلاق بالنسبة إلى غير صلاة الاستئجار
~~فالأظهر فيه عدم الوجوب للأصل.
# وأما لو جهل الترتيب فذهب العلامة في التحرير (1) وولده (2) وجماعة من
~~المتأخرين منهم الشهيدان (3) إلى عدم الوجوب.
# وقيل بالوجوب، وهو مختار العلامة في الإرشاد (4).
# والأول أقرب، للأصل والإطلاقات، وعدم انصراف الأخبار المذكورة إلى
~~الجاهل، والأوامر المطلقة في أن من فاتته صلاة فليقضها إذا ذكر.
# واحتج الخصم بقوله عليه السلام: " فليقضها كما فاتته ".
# وعمومه لما نحن فيه ممنوع، فإن الظاهر أن المراد من الكيفيات المعتبرة في
~~العبادة المأمور بالإتيان بها على وجهها كما فاتته: الكيفيات المقصودة
~~للشارع المعتبرة عنده، لا كل ما يستلزمه تحقيقها في الخارج تبعا أيضا، فإن
~~غاية ما استفيد من الشرع هو توقيت كل صلاة بوقتها، وأما تقدم كل وقت على
~~الآخر فهو من الأمور الخارجية
# PageV03P350
# الاتفاقية اللازمة لما أمر به، فالذي أمر به الشارع هو أن يصلي في المغرب
~~صلاة وفي الفجر صلاة وفي الظهر صلاة، وتقدم المغرب على الفجر والفجر على
~~الظهر ليس بجعل الشارع نعم قد يستفاد منه تقدم الظهر على العصر والمغرب على
~~العشاء، وذلك لا يفيد اطراد الحكم. مع أنه عليه السلام قال " فريضة " ولم
~~يقل فرائض، ومع إفراد الفريضة يبعد هذا الاحتمال أيضا.
# مع أن القائل بوجوب الترتيب يلزمه تكرار الصلاة حينئذ ليحصل الترتيب، وهو
~~يستلزم المخالفة لما فاتته إذا لم يكن فيها تكرار ولا تعدد ولا فاصلة بصلاة
~~زائدة، مع أن ذلك يستلزم العسر والحرج المنفيين.
# وعلى القول بالوجوب فيجب على من فاته الظهر والعصر من يومين وجهل السابق
~~أن يصلي ظهرا بين عصرين أو بالعكس.
# ولو جاء معهما مغرب من ثالث ms0828 صلى الثلاث قبل المغرب وبعدها.
# ولو جاء معها عشاء من رابع فعل السبع قبلها وبعدها وهكذا.
# وفي وجوب الترتيب بين الفوائت الغير اليومية وبينها وبين اليومية مع
~~العلم وجهان، أوجههما العدم لما مر.
# الخامس: اختلف الأصحاب في تضيق الفوائت وتوسعتها، فالشيخان (1) والمرتضى
~~(2) وابن الجنيد (3) وسلار (4) وأبو الصلاح (5) وابن إدريس (6) على
~~فوريتها.
# PageV03P351
# وصرح في المبسوط ببطلان الحاضرة مع التقديم عليها (1). وأوجب المرتضى
~~أيضا الإعادة حينئذ في المسائل الرسية (2). وهو ظاهر ابن البراج (3). وبالغ
~~السيد (4) وابن إدريس (5) حتى منعا الاشتغال بغير الصلاة والتكسب بالمباح
~~والأكل والنوم الزائدين على قدر سد الرمق.
# والصدوقان (6) ووالد العلامة (7) على التوسعة، ونقله العلامة عن أكثر
~~معاصريه من المشايخ، وهو مذهب أكثر المتأخرين (8).
# وظاهر الصدوقين استحباب تقديم الحاضرة وغيرهما على استحباب تقديم
~~الفائتة، بل ظاهر قدماء الأصحاب أيضا التوسعة على ما يستفاد مما نقل عن بعض
~~الأصحاب (9)، فقد نقل بعض الأصحاب عن رسالة لابن طاوس أنه نقل فيه عن بعض
~~كتب بعض أصحابنا المذكور في خطبته أنه لم يرو فيه إلا ما أجمع عليه وصح من
~~قول الأئمة ما هذا لفظه: " والصلوات الفائتات يقضين ما لم يدخل عليه وقت
~~صلاة، فإذا دخل عليه وقت بدأ بالتي دخل وقتها وقضى الفائتة متى أحب " (10).
# وذهب المحقق إلى وجوب تقديم الفائتة إن اتحدت (11)، والعلامة في المختلف
~~إلى
# PageV03P352
# وجوب تقديم فائتة يوم الفوات وإن تعددت (1).
# والأقوى التوسعة واستحباب تقديم الفائتة.
# لنا: الأصل، ونفي العسر والحرج، وعمومات الآيات والأخبار، مثل (أقيموا
~~الصلاة) (2) و (أقم الصلاة لدلوك الشمس) (3) وغيرهما من الآيات والأخبار.
# وصحيحة سعد بن سعد، عن الرضا عليه السلام، قال: " يا فلان، إذا دخل الوقت
~~عليك فصلها، فإنك لا تدري ما يكون " (4).
# وما دل على فضيلة تقديم الصلاة أول الوقت (5).
# وفحوى ما دل على جواز تقديم النافلة على الفريضة، كأخبار رقود رسول الله
~~صلى الله عليه وآله عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، فقدم النافلة على
~~الفريضة (6).
# وموثقة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن رجل نام عن
~~الغداة حتى طلعت ms0829 الشمس، فقال: " يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة " (7).
# والروايات المستفيضة في خصوص المسألة، مثل صحيحة عبد الله بن سنان، عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " إن نام رجل أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء
~~الآخرة - إلى أن قال - وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم
~~العشاء قبل طلوع الشمس " (8).
# ومثلها صحيحة أبي بصير عنه عليه السلام، وفي آخرها: " فإن خاف أن تطلع
# PageV03P353
# الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصل المغرب ويدع العشاء الآخرة حتى تطلع
~~الشمس ويذهب شعاعها ثم ليصلها " (1).
# ورواية جميل عنه عليه السلام قال، قلت له: تفوت الرجل الأولى والعصر
~~والمغرب وذكرها عند العشاء الآخرة، قال: " يبدأ بالوقت الذي هو فيه، فإنه
~~لا يأمن الفوت، فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخل، ثم يقضي ما فاته;
~~الأولى فالأولى " (2).
# وحسنة الحلبي عنه عليه السلام (3) وصحيحة محمد بن مسلم (4) الدالتين على
~~أن من فاتته صلاة النهار يقضها متى شاء، إن شاء بعد المغرب، وإن شاء بعد
~~العشاء.
# وصحيحة الحسين بن أبي العلاء تقرب منها ودلالتها آكد (5).
# وكذلك رواية ابن أبي يعفور (6).
# وصحيحة زرارة الطويلة، وفي آخرها: " أيتهما ذكرت - يعني المغرب والعشاء -
~~فلا تصلهما إلا بعد شعاع الشمس " قال، قلت: ولم ذلك؟ قال: " لأنك لست تخاف
~~فوتهما " (7).
# وما رواه ابن طاوس، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام قال، قلت له: رجل
~~عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح ولم يصل صلاة ليلته تلك،
~~قال: " يؤخر القضاء ويصلي صلاة ليلته تلك " (8).
# PageV03P354
# ونقل أيضا عن كتاب الصلاة للحسين بن سعيد (1) وعن أصل عبيد الله الحلبي
~~الذي عرض على الصادق عليه السلام (2) ما يدل على ذلك.
# وفي قرب الإسناد أيضا ما يدل عليه (3).
# وتؤيده أيضا أخبار كثيرة، منها موثقة عمار، عن الصادق عليه السلام، قال:
# سألته عن الرجل تفوته المغرب حتى تحضر العتمة، فقال: " إن حضرت العتمة
~~وذكر أن عليه صلاة المغرب، فإن أحب أن يبدأ بالمغرب بدأ، وأن أحب بدأ
~~بالعتمة ثم صلى المغرب بعده " (4) فإن الاجماع ناف للتخيير في ms0830 الحاضرة، فهي
~~محمولة على إرادة مغرب الأمس.
# احتج المضيقون بالإجماع، نقله الشيخ (5) وابن زهرة (6).
# وفيما ذكرناه من المخالفات - سيما ما نقلناه عن بعض الأصحاب على ما نقله
~~ابن طاوس - دلالة على أن هذا النقل يشبه أن يكون توهما من ناقله.
# وبالأخبار الدالة على أن الفائتة من جملة الصلوات التي تقضى متى ما ذكرت،
~~وقد مر بعضها.
# وفيه: أن ظاهر تلك الأخبار رفع توهم الحظر، سيما في الأوقات المكروهة،
~~وأنه لا وقت معينا لها، لا أنه يجب الإتيان بها حين التذكر فورا، وهذا مما
~~لا يخفى على من لاحظ هذه الأخبار وتأملها أدنى ملاحظة وتأمل.
# PageV03P355
# وبالأخبار المتضمنة لحكم من فاتته ودخل وقت أخرى، أقواها سندا (1) ودلالة
~~صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام: أنه سئل عن رجل صلى بغير طهور، أو نسي
~~صلوات لم يصلها، أو نام عنها، فقال: " يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها
~~من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف
~~أن يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت، وهذه أحق بوقتها فليصلها، فإذا قضاها
~~فليصل ما فاته مما قد مضى، ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها " (2).
# ويؤدي مؤداها روايته الأخرى (3)، ورواية عبد الرحمن بن الحجاج (4)،
~~ورواية أبي بصير (5)، وصحيحة زرارة الطويلة (6).
# وصحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن رجل نسي الظهر حتى
~~غربت الشمس وقد كان صلى العصر، فقال: " كان أبو جعفر أو كان أبي يقول: إن
~~أمكنه أن يصليها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها، وإلا صلى المغرب ثم صلاها "
~~(7).
# والجواب عن الروايات بضعف أكثرها، وعدم مقاومة الباقيات لما ذكرنا، مع أن
~~أول صحيحة زرارة أيضا ظاهر في بيان الجواز ورفع الحظر.
# PageV03P356
# ولا يبعد حمل تلك الأخبار على خوف ذهاب وقت الفضيلة، لا خروج الوقت كما
~~يظهر من صحيحة صفوان وصحيحة زرارة الطويلة على من تأملها.
# وعلى هذا فلو كان التقديم في الفائتة واجبا لزم هنا ترك الواجب لأجل
~~المستحب، وهو كما ترى.
# سلمنا، لكن ms0831 نحمل الأوامر على الاستحباب، لعدم مقاومتها لما ذكرنا صحة
~~ودلالة وكثرة واعتضادا.
# وهذه هي أدلتنا على استحباب تقديم الفائتة، إذ الذي دل على استحباب تقديم
~~الحاضرة روايات، منها رواية جميل، وهي أوضحها دلالة، لكنها ضعيفة (1).
# وصحيحة عبد الله بن سنان، وصحيحة أبي بصير، وهي لا تقاوم هذه من جهة
~~الدلالة وإن غلبتها من جهة أصل التوسعة ولا منافاة.
# مع أن في صحيحة زرارة ما يضعفها من جهة أخرى، وهو ما أشرنا إليه سابقا من
~~أن الظاهر منها خوف ذهاب الفضيلة، سيما مع التعليل بقوله عليه السلام: "
~~لأنك لست تخافها ".
# وقد يقال: إن المضايقة موافقة لمذهب العامة، فيكون ذلك أيضا من مرجحات
~~المختار.
# وقد يستدل للمضايقة بالاحتياط وأنه المبرئ للذمة يقينا، وبقوله تعالى:
~~(وأقم الصلاة لذكري) (2). والكل ضعيف، إذ لا دليل على وجوب الاحتياط،
~~والأصل براءة الذمة. وقد بينا المبرئ للذمة الموجب للظن القوي المعمول به،
~~ولا دليل على وجوب تحصيل اليقين.
# وأما الآية فوجه الاستدلال أن معناها: أقم الصلاة لذكر صلاتي أي وقت
~~ذكرها أو تذكرها، أو أقم الصلاة وقت تذكيري لها إياك.
# PageV03P357
# وفيه: أنه خلاف الظاهر، بل أقرب معانيها: أقم الصلاة لتذكري (1)، أو
~~ليكون ذاكرا لي، أو نحو ذلك.
# نعم وردت روايتان رواهما زرارة إحداهما عن أبي جعفر عليه السلام، قال:
# " إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى، فإن كنت تعلم أنك إذا صليت التي
~~فاتتك كنت من الأخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك، فإن الله تعالى يقول: (وأقم
~~الصلاة لذكري) (2) " (3) الحديث.
# والأخرى رواها في الذكرى، وهي صحيحة، قال أبو جعفر عليه السلام في
~~جملتها: " ثم قال - يعني رسول الله صلى الله عليه وآله - من نسي شيئا من
~~الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله عز وجل يقول: (أقم الصلاة لذكري) (4) "
~~(5).
# وهما غير صريحتين، سيما الصحيحة، فإنه يمكن إرادة أن عموم الآية والأمر
~~بالصلاة يشمل ذلك، مع أن التوقيت معنى مجازي للأم، مع إمكان إرادة أول وقت
~~الموسع، كقوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) (6).
# سلمنا، لكن هذا ليس استدلالا بالآية، ms0832 بل هو استدلال بالخبر المفسر لبطن
~~الكتاب وتأويله، وهو لا يقاوم أدلتنا.
# واحتج المحقق بصحيحة صفوان المتقدمة (7)، والعلامة بها وبصحيحة زرارة
# PageV03P358
# الطويلة (1)، ففي جملتها: " وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا
~~فابدأ بهما قبل أن تصلي الغداة " (2) الحديث.
# والجواب عنهما يظهر مما تقدم من عدم المقاومة; وحملهما على وقت الفضيلة
~~وعلى الاستحباب.
# ومما يؤيد المختار مضافا إلى ما مر قرب حمل هذه الأخبار وبعد ما استدللنا
~~بها.
# وبالجملة الأقوى المواسعة، والأحوط الإتيان فورا دائرا مدار لزوم العسر
~~والحرج.
# ثم إن القائلين بالضيق بين قائل بالفساد لو صلى الحاضرة مضافا إلى الإثم،
~~وبين مقتصر على الإثم ولعل مستند الأولين كون الأمر بالشئ مقتضيا للنهي عن
~~ضده مع دلالة النهي على الفساد.
# وهو ضعيف، لأن غاية ما يدل عليه الأمر من حرمة الضد إنما هو من باب
~~المقدمة، وهو حكم تبعي من باب دلالة الإشارة، وما نسلمه من باب دلالة النهي
~~على الفساد هو المناهي الأصلية لا التبعية كما حققناه في محله.
# ثم إن ما ذكرناه حكم الذاكر، وأما الناسي للفائتة إذا فعل الحاضرة وأتمها
~~ثم تذكر فتصح صلاته قولا واحدا، ولا إثم عليه.
# ولو تذكر في الأثناء فيعدل إن أمكن وجوبا أو استحبابا على اختلاف
~~القولين.
# وهل العدول مختص بالواحدة أو يشمل ما لو كانت الفائتة متعددة أيضا؟ فيه
~~إشكال، والذي ظهر من الأخبار هو حكم الواحدة.
# ولو قلنا به في المتعددة; ففيما علم الترتيب يعدل إلى الأولى، وفيما لم
~~يعلم فإلى ما يبدأ به أولا.
# PageV03P359
# السادس: العبرة في القضاء بحال الفائتة، فمن فاتته الصلاة في السفر
~~يقضيها قصرا ولو في الحضر، وبالعكس، بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب، بل العلماء
~~إلا من شذ كما يظهر من المدارك (1)، لقوله عليه السلام: " فليقضها كما
~~فاتته " (2).
# ونحوه حسنة زرارة قال، قلت: رجل فاتته صلاة السفر فذكرها في الحضر فقال:
~~" يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أداها في الحضر مثلها، وإن
~~كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته " (3) وموثقة ms0833 عمار
~~(4)، وقوية زرارة الآتية (5).
# ولو نسي في مواضع التخيير ففي التخيير وتعين القصر وجهان، والأحوط القصر.
# ولو وجبت الصلاة في السفر ثم حضر وفاتت منه يجب عليه قضاء التمام، وكذا
~~العكس، لأن الشارع كان رخصه في التأخير من أجل التوسيع في الوقت، ومقتضى
~~ذلك اختلاف التكليف باختلاف الأحوال.
# فأفراد صلاة الظهر وإن كان مخيرا فيها من جهة اختيار أجزاء الوقت، لكن كل
~~واحدة منها متعينة على مقتضى وقتها على المكلف، فمن خيره الشارع في صلاة
~~الظهر في أول الوقت وكان صحيحا ثم مرض أو فقد الماء في آخر الوقت فإن اختار
~~حال الصحة والوجدان تتعين عليه المائية والقيام، وإن اختار آخر الوقت وحصل
~~فيه المرض والفقدان فتتعين عليه الترابية والقعود.
# وهكذا السفر والحضر، فيتعين على الحاضر الذي دخل عليه الوقت في السفر ثم
# PageV03P360
# حضر التمام كما اخترناه في أصل المسألة وبالعكس، فيتبع القضاء الفائتة.
# وما يتوهم من أنه في أول الوقت مخير بين أجزاء الوقت، وهو مستلزم للتخيير
~~بين مقتضياتها، ولازم ذلك التخيير في القضاء بين القصر والإتمام، إذ الفائت
~~هو الكلي المخير فيه. ففيه أن التخيير ليس إلا في اختيار الوقت، وهو لا
~~ينافي تعين مقتضاه عليه بسبب اختلاف الأحوال.
# والحاصل أن حكم الشارع في هذا المقام: أنك مخير في إتيان صلاة الظهر في
~~أي ساعة شئت من الآن إلى آخر الوقت، ولكن إن اخترت إتيانها في ساعة كنت
~~مسافرا فقصر فيه، وإن اخترتها في ساعة كنت حاضرا فتمم، وهكذا، وهذا واضح.
# ولعلك تستشكل هنا في أن مقتضى ما ذكرت أن من فاتته الصلاة حال فقدان
~~الماء أو في حال المرض الذي لا يقدر على القيام أن يأتي بالقضاء موافقا لما
~~فاته، وليس كذلك جزما، وما الفرق بينهما وبين السفر والحضر؟
# وفيه: أن الطهارة والقيام وستر العورة وأمثال ذلك شرائط لصحة الصلاة من
~~حيث هي صلاة، ولا مدخلية فيها لخصوصية الأفراد من كونها قضاءا أو أداءا، أو
~~قصرا أو تماما، أو ظهرا أو عصرا، أو غير ذلك، بخلاف أعداد ms0834 الركعات فإنها
~~ليست من شرائط ماهية الصلاة، بل هي مما اعتبر في أفرادها الأولية
~~والثانوية.
# فإن الصلاة الواجبة تنقسم على أقسام، منها اليومية، ثم اليومية تنقسم مرة
~~بالصلوات الخمس، وأخرى بالقصر والتمام وهكذا، فالشرائط الأولى لا تنفك عن
~~مهية الصلاة متى ما قدر عليها، ولكن الاثنينية والأربعية ليستا من شرائط
~~نفس الصلاة من حيث هي، فيتبع فيها في حال القضاء ما حصل التكليف بها في حال
~~الأداء.
# ويدل على ما اخترناه أيضا: حسنة زرارة المتقدمة، وروايته الأخرى القوية -
~~لموسى بن بكر - عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إذا نسي الرجل صلاة أو
~~صلاها بغير طهور وهو مقيم أو مسافر فذكرها فليقض الذي وجب عليه لا يزيد على
~~ذلك ولا ينقص، ومن نسي أربعا فليقض أربعا حين يذكرها، مسافرا كان أو مقيما،
~~PageV03P361
# وإن نسي ركعتين صلى ركعتين إذا ذكر، مسافرا كان أو مقيما " (1) فإن قوله
~~عليه السلام " وجب عليه " ظاهر في الواجب العيني.
# والمخالف في المسألة السيد (2) وابن الجنيد (3)، فقد نقل عنهما اعتبار
~~حال أول الوقت، وكذلك ابن إدريس (4).
# وربما يستدل له برواية زرارة - وفي طريقها موسى بن بكر - عن أبي جعفر
~~عليه السلام: أنه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فأخر الصلاة حتى
~~قدم، فهو يريد أن يصليها إذا قدم إلى أهله، فنسي حين قدم إلى أهله أن
~~يصليها حتى ذهب وقتها، قال: " يصليها ركعتين صلاة المسافر، لأن الوقت دخل
~~وهو مسافر كان ينبغي له أن يصلي ذلك " (5).
# وفيه: مع أنها لا تقاوم ما ذكرنا من جهة الإسناد والاعتضاد; أنها مبنية
~~على كون الاعتبار بحال الوجوب لا الأداء في حال الأداء وقد حققنا خلافه
~~سابقا، فلا تنهض حجة علينا.
# السابع: لو فاتت فريضة من الخمس ولم تتعين له، فالمشهور أنه يصلي صبحا
~~ومغربا وأربعا عما في ذمته، وادعى الشيخ في الخلاف الاجماع عليه (6).
# وذهب أبو الصلاح (7) وابن زهرة (8) إلى وجوب الخمس، والذي يقتضيه
# PageV03P362
# وجوب المقدمة ما اختاراه، سيما على المشهور من وجوب الجهر والإخفات، لأنا
~~وإن لم ms0835 نقل بوجوب قصد الوجه في النية، لكن قصد ما يميز العبادة ويشخصها
~~لازم جزما، فإن توقف على القصد فلا مناص عنه كما حققناه في محله.
# سلمنا عدم الاحتياج في المردد بين الظهرين، ولكنه لا يتم في المردد
~~بينهما وبين العشاء على الأقوى من وجوب الجهر والإخفات.
# ولكن نختار المشهور، للإجماع المنقول، وما رواه علي بن أسباط، عن غير
~~واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من نسي صلاة من صلاة
~~يومية واحدة ولم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين وثلاثا وأربعا " (1) ولا يضر
~~الإرسال، سيما على هذا الوجه، لاعتضادها بعملهم.
# ومقتضى ذلك التخيير في الجهر والإخفات، فهو بمنزلة المخصص لأدلتهما، بل
~~يمكن أن يمنع شمول أدلتهما لما نحن فيه، فيتم الإتيان من باب المقدمة بثلاث
~~صلوات أيضا، لأن المكلف به إنما هو صلاة واحدة، ولما كانت الزيادة والنقيصة
~~مما لا بد من اعتبارها جزما فنحتاط لهما، بخلاف قصد التعيين والجهر
~~والإخفات، فالأصل عدم وجوبهما.
# ومقتضى عدم لزوم تعيين القصد أن المسافر يقضي مغربا وثنائية كما نقل عن
~~المشهور فيه أيضا (2).
# وخالفهم ابن إدريس، وقال: إنه قياس، ولو لم يكن الاجماع ثمة أيضا لم نقل
~~بكفاية الأربع عن الثلاث (3).
# ورده العلامة بأنه ليس بقياس، بل إنما هو مدلول الرواية من باب التنبيه
~~(4)،
# PageV03P363
# وهو كذلك.
# ولو تعددت الفائتة ولم يعلم عددها سواء علم الفائتة بعينها أو لم يعلمها
~~قضى حتى يغلب على ظنه أنه وفي علي المشهور بين الأصحاب.
# وقيده الشهيد الثاني بما إذا لم يمكنه تحصيل العلم (1)، واحتمل العلامة
~~في التذكرة الاكتفاء بالمتيقن (2)، واستوجهه في المدارك (3)، وهو وجيه.
# ولكن الأظهر المشهور، لترك الاستفصال في موثقة إسماعيل بن جابر - لمعاوية
~~بن حكيم - عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الصلاة تجمع علي، قال: "
~~تحر واقضها " (4) ويؤيده الأمر بالتوخي في حسنة مرازم في النافلة (5).
# وحسنة زرارة والفضيل عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " ومتى استيقنت أو
~~شككت في وقتها أنك لم تصلها أو في وقت فوتها أنك لم تصلها صليتها، ms0836 فإن شككت
~~بعد ما خرج وقت الفوت فقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن، فإن
~~استيقنت فعليك أن تصليها في أي حال كنت " (6).
# ويؤيده أيضا أن الظاهر من حال المسلم عدم ترك الصلاة.
# وأما تقييد الشهيد الثاني فلا دليل عليه.
# فإن قلت: هو مقتضى ما دل على وجوب قضاء ما فات إذا ذكره، فإن المراد مما
~~فات هو ما فات في نفس الأمر، لا ما علم فواته، فيجب تحصيله ولو بإتيان
~~الاحتمالات من باب المقدمة، فإن قلنا بأن القضاء تابع للأداء فاستصحاب حال
~~الأداء يقتضي تحصيل اليقين، وإن قلنا إنه بفرض جديد فالتكليف بقضاء ما فات
~~في
# PageV03P364
# الأخبار يقتضي تحصيل ما فات في نفس الأمر، وهو لا يتم إلا بتحصيل اليقين.
# قلت: لا ريب أنهم متفقون على أنه لا يجب القضاء إلا مع العلم بالفوات،
~~وخلافهم في كون القضاء تابعا للأداء وعدمه إنما هو بعد تيقن الفوت، فمن
~~يقول بالتبعية يكفيه تيقن الفوت في وجوب القضاء، ومن يتبع الفرض الجديد
~~فيحتاج إلى أمر آخر، فحينئذ كل ما يثبته الأمر الآخر فهو المتبع، فالأصل
~~براءة الذمة عن الزيادة وعن القضاء حتى يتيقن الفوت، ولا يقين إلا في
~~الأقل، فلا معنى لاستصحاب حال الأداء.
# وأما كون ما فات اسما للفائت في نفس الأمر ويجب الإتيان به كما فات وهو
~~يقتضي تحصيل اليقين ليعلم أنه أتى به كما فات، فإنما يصح في مهية الفائت،
~~إذ هو الظاهر من قوله عليه السلام " كما فات " لا العدد، سيما مع إفراد
~~الفريضة في الحديث. PageV03P365
# خاتمة في أحكام الجنائز وفيها مقاصد: PageV03P367
# المقصد الأول في الاحتضار وفيه مباحث:
# الأول: يجب توجيه المحتضر إلى القبلة بأن يستلقي على ظهره ويجعل باطن
~~قدميه إليها على المشهور الأقوى، للأخبار الكثيرة الحسنة بعضها، والموثقة
~~بعضها، القوية بعضها (1)، المعتضدة كلها بعمل الأكثرين (2).
# والقدح في دلالة الأوامر في كلام أئمتنا على الوجوب ضعيف.
# نعم قوله عليه السلام في حسنة سليمان بن خالد: " فسجوه تجاه القبلة " (3)
~~يقدح فيه لزوم اجتماع إرادة الوجوب ms0837 والاستحباب بالنظر إلى الهيئة والمادة،
~~ولكن سائر الأخبار مع استمرار العمل بطريق الالتزام يعين الوجوب.
# PageV03P369
# وذهب جماعة، منهم المحقق في المعتبر (1) تبعا للشيخ في الخلاف (2) إلى
~~الاستحباب، لضعف الأخبار، وقد عرفت أنه لا وجه له.
# وهذا الوجوب كفائي بالإجماع على كل المكلفين والمطلعين عليه.
# وفي كفاية الظن بحصوله أو لزوم تحصيل العلم به قولان (3)، أظهرهما الأول.
# وقد يستدل عليه بأن التكليف بالعلم بحصول الفعل من الغير في المستقبل
~~قبيح، لامتناعه، ووجوب حضور جميع أهل البلد عند الميت حتى يدفن بعيد، فإن
~~أريد بذلك عدم وجوب الشروع على الكل أولا مع سعة الوقت فله وجه، وإن أريد
~~به عدم وجوب العلم بحصول الفعل فلا وجه له.
# والأولى الاستدلال بأن حجية الاستصحاب إنما هي من جهة ظن المجتهد الناشئ
~~عن غلبة بقاء ما ثبت; فهو حجة ما دام الظن باقيا، ولا ظن مع الظن بحصول
~~الفعل.
# وإن استدل بالأخبار الصحيحة الدالة على عدم جواز نقض اليقين إلا بيقين
~~(4); ففيه أنها لا حجية فيها إلا من جهة ظن المجتهد كما حققناه في الأصول،
~~ولا ظن من جهتها مع الظن بتحقق السبب الموجب لتحقق المسبب، وهو فعل الغير
~~الموجب لسقوط التكليف، فكم من يقين نقض بالظن، مع أن العمل بظن المجتهد
~~أيضا يقيني.
# وبالجملة التحقيق تقديم الظاهر على الأصل; إلا ما دل الدليل الخارجي في
# PageV03P370
# مورد خاص على تقديم الأصل على الظاهر، كما في أحكام النجاسات والطهارات
~~والأحداث ونحوها.
# والحاصل أن الدليل على لزوم الفعل أو العلم بفعل الغير هو استصحاب شغل
~~الذمة لا نفسه، والظن الحاصل بوجود سبب السقوط وهو فعل الغير يرفع ذلك الظن
~~كما هو المفروض، مع أن طلب العلم موجب للحرج والعسر الشديد.
# والقائلون بلزوم العلم لا يكتفون بإخبار العدل (1)، بل بعضهم توقف في
~~قبول شهادة العدلين أيضا (2).
# والحق على القول بلزوم العلم كفاية خبر الثقة، لدلالة آية النبأ عليه
~~(3)، ولا ريب أن حجية خبر الواحد تستلزم القول برفع البراءة اليقينية
~~الثابتة، فكيف لا ترفع شغل الذمة الثابت.
# والحاصل أن ms0838 ظن المجتهد قائم مقام اليقين.
# والقول بالاكتفاء بالظن المعلوم الحجية كالخبر وظاهر الكتاب ونحوهما غير
~~تمام، لأنه لا دليل عليها إلا كونها ظن المجتهد كما حققناه في الأصول (4)،
~~فلا يتفاوت الظن الحاصل منها مع الظن الحاصل من غلبة حصول السبب المستلزم
~~للظن بحصول المسبب.
# مع أنا لو سلمنا الاقتصار على المعلوم الحجية فلا مناص عن العمل بخبر
~~العدل الواحد لعموم آية النبأ، ولم نقف على من فرق بين الظنون.
# نعم نقل عن بعضهم كفاية العدلين (5).
# PageV03P371
# وتوقف فيه بعضهم، لعدم ثبوت حجيته في جميع المواضع (1).
# وكذا الكلام في سائر الواجبات الكفائية من أحكام الجنائز كما سيجئ.
# ثم إنهم ذكروا أن ذلك واجب لكل ميت مسلم، مؤالفا كان أو مخالفا، صغيرا
~~كان أو كبيرا، ولعل مستندهم عموم الأخبار (2).
# وقد يستشكل في أن الأخبار لا تدل إلا على التوجيه بعد الموت (3).
# وفيه: أن مرسلة الصدوق المروية في حكاية رجل من ولد عبد المطلب صريحة في
~~حالة السوق، وهي مروية في العلل وثواب الأعمال مسندة (4)، وموثقة ذريح
~~المتقدمة أيضا كالصريحة في ذلك (5).
# ومع اشتباه القبلة يسقط الوجوب، وربما احتمل التوجيه إلى الجهات
~~المختلفة، وهو ضعيف، لأن المقصود أن يموت مستقبلا، وهو لا يتحقق بذلك.
# ثم هل يسقط وجوب الاستقبال بالموت، أو يجب الاستمرار حتى يرفع؟ قال في
~~الذكرى: ظاهر الأخبار سقوط الاستقبال بموته، وأن الواجب أن يموت على
~~القبلة، وفي بعضها احتمال دوام الاستقبال، ونبه عليه ذكره حال الغسل ووجوبه
~~حال الصلاة والدفن وإن اختلفت الهيئة عندنا (6).
# ولعله أراد بظاهر الأخبار مثل موثقة ذريح ومرسلة الصدوق، وببعضها حسنة
~~سليمان بن خالد. وكيف كان فلا ريب في أن الاستمرار أولى وأفضل.
# PageV03P372
# الثاني: يستحب التلقين بالشهادتين والإقرار بالأئمة، وأن يتابع المحتضر
~~الملقن، لحسنة الحلبي (1)، وغيرها من الأخبار الكثيرة (2).
# وليكن آخر كلامه: لا إله إلا الله، فإن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله
~~دخل الجنة كما في رواية إسحاق بن عمار (3) وغيرها (4).
# وأن يلقنه كلمات الفرج، لحسنة زرارة (5) وحسنة الحلبي (6) وغيرهما (7).
# والتوبة، والاستغفار، والدعاء المأثور: ms0839 اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك
~~واقبل مني اليسير من طاعتك، وما في معناه، لرواية سالم بن أبي سلمة (8)
~~وغيرها (9).
# وروى الكليني عن أبي خديجة عن الصادق عليه السلام، وفي آخرها:
# " فلقنوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حتى يموتوا "
~~(10) قال: وفي رواية أخرى: " فلقنه كلمات الفرج والشهادتين وتسمي له
~~الإقرار بالأئمة عليهم السلام واحدا بعد واحد حتى ينقطع عنه الكلام " (11).
# ونقل في الذكرى عن ابن الجنيد أنه قال: ولا يكثر عليه عند أحوال الغشي
# PageV03P373
# لئلا يشغل بذلك عن حال يحتاج إلى معاينتها (1).
# ويستحب نقله إلى مصلاه الذي يصلي فيه أو عليه إذا تعسر عليه النزع،
~~لصحيحة عبد الله بن سنان (2)، وحسنة زرارة (3)، ورواية ليث المرادي (4)
~~وغيرها (5)، ولو جمع بينهما كان أحسن.
# وتغميض عينيه، وإطباق فيه بعد الموت، لموثقة زرارة (6)، ورواية أبي كهمس
~~(7).
# وتغطيته بثوب; لهذه الرواية، ولحسنة سليمان بن خالد المتقدمة (8).
# وفي موثقة زرارة: " أن لا تمسه في حال النزع، فإنه إنما يزداد ضعفا،
~~وأضعف ما يكون في هذه الحال، ومن مسه في هذه الحال أعان عليه " (9).
# وجعل في الذكرى من المستحب أن لا يظهر عليه الجزع، لأنه إعانة عليه، لضعف
~~نفسه (10).
# ويستحب أن يمد يديه وساقيه إلى جنبيه، ذكره الأصحاب، ولم نقف فيه على
~~رواية، وتكفي فتواهم للمسامحة. وربما علل بأنه أطوع للغاسل وأسهل للدرج
~~(11).
# PageV03P374
# وأن يسرج عنده إن مات ليلا، وينبه عليه ما رواه الكليني في حكاية أمر
~~الصادق عليه السلام بالإسراج في البيت الذي كان يسكنه أبوه عليه السلام (1)
~~لدخول المقصود فيه، وهو يدل على استحباب دوام الإسراج في بيت مات فيه، إلا
~~أن يستشكل فيه بمنع عموم الفعل، وكيف كان فيكفي في المقصود فتوى الجماعة
~~أيضا.
# وأن يكون عنده من يتلو القرآن استدفاعا عنه، وسيما يس والصافات حال
~~الاحتضار، لرواية سليمان الجعفري (2).
# وأن يعجلوا تجهيزه مع عدم الاشتباه بالإجماع، والأخبار الكثيرة الآمرة
~~بالتعجيل، والناهية عن التوقف (3)، ولأنه إكرام له للحديث النبوي (4).
# وإيذان الإخوان ليشهدوا الجنازة من البلد وحواليه إن لم يناف ms0840 التعجيل،
~~وهو لا ينافي كراهة النعي كما نقل عن الجعفي (5).
# وإذا اشتبه الموت فيجب التأخير، ففي رواية علي بن أبي حمزة عن أبي
~~إبراهيم عليه السلام: " يا علي قد دفن ناس كثير أحياء ما ماتوا إلا في
~~قبورهم " وفيها: " إن الغريق والمصعوق ينبغي أن يتربص به ثلاثا لا يدفن،
~~إلا أن يجئ منه ريح تدل على موته " (6).
# وبمضمونها غيرها مثل حسنة هشام بن الحكم (7) ورواية إسحاق بن عمار (8).
# PageV03P375
# وفي رواية عمار: " يحبس المصعوق يومين، ثم يغسل ويكفن " (1) وهي محمولة
~~على ما حصل العلم قبل الثلاثة، وما قبلها (2) على ما لم يحصل قبلها.
# وكيف كان فيجب الاستبراء ثلاثة أيام أو الرجوع إلى العلامات المفيدة
~~لذلك.
# وقد ذكر من علاماته انخساف صدغيه، وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخلاع
~~كفه من ذراعه، واسترخاء قدميه، وتقلص أنثييه إلى فوق مع تدلي الجلدة.
# قال في الذكرى: وقال ابن الجنيد: من علاماته زوال النور من بياض العين
~~وسوادها، وذهاب النفس، وزوال النبض، وزعم جالينوس أن أسباب الاشتباه
~~الإغماء، أو وجع القلب، أو إفراط الرعب، أو الغم، أو الفرح، والأدوية
~~المخدرة، فيستبرأ بنبض عروق بين الأنثيين، أو عرق يلي الحالب والذكر بعد
~~الغمز الشديد، أو عرق في باطن الإلية، أو تحت اللسان، أو في بطن المنخر
~~(3)، انتهى.
# والحاصل أن المعيار هو حصول العلم العادي بالموت، ومقتضى الأخبار أنه
~~يحصل بمضي ثلاثة أيام، وإلا فلا معنى للتحديد به مع عدم حصول العلم.
# الثالث: يكره أن يحضر المحتضر جنب أو حائض بلا خلاف ظاهر، لرواية يونس بن
~~يعقوب (4)، ورواية علي بن أبي حمزة (5)، وفي الأولى: " لا بأس أن يليا غسله
~~" وعلل في الأخيرة بأن الملائكة تتأذى بهما، وكذا في رواية في العلل (6).
# والأظهر زوالها بالتيمم عند تعذر الغسل، بل وعند انقطاع الدم ولما تغتسل.
# PageV03P376
# ويكره طرح الحديد على بطنه كما نقل عن جماعة من الأصحاب (1)، وقال الشيخ:
~~سمعناه من الشيوخ مذاكرة (2).
# وعن جماعة من الأصحاب كراهة غير الحديد أيضا (3)، خلافا لابن الجنيد (4)،
~~حيث قال: يضع على بطنه شيئا يمنع ms0841 ربوها. واحتج في الخلاف بإجماع الأصحاب
~~على الكراهة (5).
# ولا يترك وحده، فقد روي عن الصادق عليه السلام: " ليس من ميت ترك وحده
~~إلا لعب الشيطان في جوفه " (6).
# PageV03P377
# المقصد الثاني في الغسل وفيه مباحث:
# الأول: إنه أيضا واجب كفائي بالاتفاق.
# ويدل على أصل الوجوب - مضافا إلى الاجماع - ظواهر الأخبار، مثل قول
~~الصادق عليه السلام في موثقة سماعة: " غسل الجنابة واجب - إلى أن قال -
~~وغسل الميت واجب " (1).
# ومثل ما رواه الصدوق في أحاديث العلل، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه
~~السلام، قال: " إنما أمر بغسل الميت لأنه إذا مات كان الغالب عليه النجاسة
~~" (2) الحديث.
# وما ورد في الأخبار فيما إذا اجتمع ميت وجنب ومحدث وهناك ماء يكفي أحدهم
~~من تقديمه على غسل الجنابة (3)، ونحو ذلك.
# PageV03P378
# وقالوا: أولى الناس به أولاهم بميراثه، يعني يقدم الوارث على غير الوارث،
~~ولم يعتبروا هنا تقديم الأكثر نصيبا.
# واستدلوا عليه برواية غياث بن إبراهيم الرازي - ولا يخلو سندها عن قوة،
~~لأن السند إلى عبد الله بن المغيرة الراوي عنه حسن; مع أنها معتضدة بعمل
~~الأصحاب - عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام، قال: " يغسل الميت أولى
~~الناس به " (1).
# وقد يستشكل في الدلالة على إرادة الأولوية في الميراث، لم لا يكون المراد
~~أشدهم علاقة به.
# ويستدل عليه أيضا بعموم آية أولي الأرحام (2).
# وتوجيهه أنها أعم من الميراث والغسل وولاية القصاص وغير ذلك، وحينئذ
~~فإرادة الأولى بالميراث لا وجه لها، بل كل الأرحام متساوية ومقدمة على غير
~~الأرحام، وأما تقديم بعض الأرحام على بعض فلا دليل عليه.
# إلا أن يقال: إنه يستفاد من آية أولي الأرحام أن العلة في الأولوية هي
~~كونه رحما، ويضاف إلى ذلك أن الأقربية مستلزمة لقوة العلة، فيقدم الأقوى
~~على الأضعف، وبذلك يقدم الأقرب على الأبعد في الميراث، فتتم دلالة الرواية
~~على المطلوب بإعانة ملاحظة الآية، بأن يقال: المراد بالأولى في الرواية هو
~~الأولى في الآية، ولكن يلزمه حينئذ اعتبار تقديم الأكثر نصيبا وهم لم
~~يعتبروه.
# ثم إن جماعة منهم ذكروا أن الأولياء ms0842 إذا كانوا رجالا ونساءا فالرجال أولى
~~(3)،
# PageV03P379
# ولم أقف على مستنده، فإن كان أكثرية نصيب الرجال فهو مطلقا ممنوع كما هو
~~مشاهد في الأب والبنتين، والأخ من قبل الأم مع الأخت من قبل الأب.
# ثم إنهم أطلقوا ذلك، بل صرح المتأخرون بأن الميت لو كان امرأة تكون
~~الولاية للرجال لا للنساء، فتتوقف على إذنهم (1).
# وقيل: ولاية الرجال إنما هي للرجال، وأما النساء فولايتهن للنساء (2).
# ورد ذلك بعدم ثبوت المستند.
# وقيل: إن دليل المسألة وهي رواية غياث إنما يدل على ولاية من يتمكن من
~~المباشرة، فلا بد في غيره من الرجوع إلى العمومات (3).
# أقول: الدليل غير منحصر فيها، بل روى الصدوق في الفقيه أيضا مرسلا، قال:
~~" قال أمير المؤمنين عليه السلام: يغسل الميت أولى الناس به أو من يأمره
~~الولي بذلك " (4).
# مع أنا نقول عنوان المسألة في المقامين مختلف، والكلام في مماثلة الغاسل
~~للميت مقدم على ملاحظ ثبوت (الخيرة) (5) والأولوية في حق الولي، ففي
~~الروايتين لا التفات إلى جانب الغاسل من حيث المماثلة وعدمها، بل إنما هو
~~من حيث الأولوية وعدمها.
# والجمع بين المقامين أن تحمل رواية غياث على إرادة إثبات الولاية، ويجعل
~~الترديد في مرسلة الصدوق ناظرا إلى معنى أعم من إرادة رخصة الغير بسبب عدم
~~الإمكان، أو مع الإمكان أيضا، لإباحة ذلك شرعا، فحينئذ يتم ثبوت
# PageV03P380
# الولاية للنساء على الرجال والنساء أيضا، فإن الحديثين في مقام بيان مجرد
~~الولاية لا المباشرة.
# ويبقى الإشكال في تحقيق معنى " الأولى ": أنه هل هو الأولى المستفاد من
~~آية أولي الأرحام، أو الأولى العرفي وأن الآية لا تثبت إلا تقديم جنس أولي
~~الرحم على غيره، لا تقديم بعضهم على بعضهم، إلا على سبيل التنبيه بالعلة
~~كما أشرنا، والاعتماد عليه مشكل.
# إلا أن يقال: لما كان الرحم الأولى في الآية مبينا بالسنة بمن يرث، فتحمل
~~الروايتان أيضا على الآية مع ملاحظة البيان.
# وفيه: أن البيان إنما هو بالنسبة إلى الميراث، وأما في مثل الغسل فلا
~~بيان، فلم يبق المناص للجماعة في تفسيرهم بالأولى بالميراث إلا الرجوع ms0843 إلى
~~العلة المشار إليها، ولا يبعد الاعتماد عليها منضما إلى فتوى الجماعة، فإن
~~مجموع ذلك يفيد ظنا بالمقصود، ولا مناص لنا عن العمل بالظن.
# وأما تعيين الرجال لو اختلفوا رجالا ونساءا فمشكل، إلا أن يقال: الأولوية
~~في هذا العمل إنما هي للرجال، لكونهم قوامين بهذا الأمر وبمعرفة حال النساء
~~وتمشية الأمر غالبا.
# وذكر جماعة من الأصحاب: أنه لو لم يكن ولي فالإمام وليه مع حضوره، ومع
~~غيبته فالحاكم، ومع عدمه فالمسلمون (1).
# والزوج أولى بالزوجة في كل أحكامها، لرواية إسحاق بن عمار (2)، وادعى
~~المحقق في المعتبر الاتفاق على مضمونها (3)، وفي معناها رواية
# PageV03P381
# أبي بصير (1) وغيرها (2).
# فلا تعارض بها رواية حفص بن البختري (3) وإن كانت صحيحة، لشذوذها، وربما
~~حملت على التقية (4).
# وإطلاق الروايات (5) يشمل الدائمة والمنقطعة، والحرة والأمة.
# وفي مباشرة تغسيل كل من الزوجين للآخر أقوال، فعن جماعة كالسيد في شرح
~~الرسالة (6) وابن الجنيد (7) والجعفي (8) والشيخ في الخلاف والمبسوط (9)
~~وجماعة من المتأخرين (10) جواز ذلك اختيارا مطلقا، لصحيحة عبد الله بن سنان
~~(11)، وصحيحة منصور (12)، وحسنة محمد بن مسلم (13).
# PageV03P382
# وعن أخرى كالشيخ في النهاية (1) وابن زهرة (2) وجماعة من المتأخرين (3)
~~اشتراط ذلك بكونه من وراء الثياب، لتقييد ما تقدم بأخبار أخر، مثل صحيحة
~~محمد بن مسلم (4)، وصحيحة أبي الصباح (5)، وحسنة الحلبي (6) وغيرها (7)،
~~ونسبه في المسالك إلى المشهور (8)، ولعله أراد المشهور في الأخبار كما صرح
~~به في الذكرى (9).
# وذهب الشيخ في التهذيبين إلى عدم الجواز حال الاختيار (10)، لرواية أبي
~~حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " لا يغسل الرجل المرأة إلا أن لا
~~يوجد امرأة " (11) وهي ضعيفة (12)، ومع ذلك فنخصصها بما تقدم.
# والأقوى الأول.
# وتحمل الأخبار المفصلة على الاستحباب، لأن ما دل على الجواز كالصريح في
~~الجواز بدون الثوب، فليس من باب المطلق والمقيد، مع أنها موافقة للأصل
~~والعمومات ونفي الحرج، سيما وفي المقيدات اختلال واختلاف شديد يوجب
# PageV03P383
# وهنها، ولا يستفاد منها أزيد من الاستحباب.
# وإطلاق الأدلة يشمل الدائمة والمنقطعة والحرة والأمة.
# قالوا: والمطلقة رجعية زوجة، بخلاف البائنة (1) والظاهر أنه لا خلاف فيه.
# وتدل عليه الروايات، ms0844 مثل ما ورد في أخبار الرجعية أنها امرأته ما لم تنقض
~~عدتها (2).
# وما ورد في أخبار موت المطلقة رجعية أنها لم تحرم عليه ولا يحرم عليها
~~لأنها ترثه ويرثها (3).
# ولما ورد من الأخبار الدالة على الإرث (4)، ولا وجه لها إلا الزوجية.
# قال في الذكرى: ولا عبرة بانقضاء عدة المرأة عندنا، بل لو نكحت جاز لها
~~تغسيله وإن كان الفرض بعيدا عندنا (5). وهو كذلك.
# ويجوز للمولى تغسيل الأمة.
# وأما العكس فقيل: لا; لانتقالها إلى ملك غيره (6).
# وقيل: يجوز; للاستصحاب (7)، وليس ببعيد.
# وقيل: لا يجوز إلا في أم الولد (8)، لرواية إسحاق بن عمار في إيصاء علي
~~بن الحسين عليه السلام أن تغسله أم ولده (9).
# PageV03P384
# الثاني: يجب أن يكون المغسل للمسلم مسلما.
# وإذا لم يوجد مسلم مماثل ولا ذو رحم، فالمشهور أن الكافر والكافرة
~~يباشران غسل المسلم والمسلمة بعد أن يغتسلا، لموثقة عمار (1)، ورواية عمرو
~~بن خالد (2).
# قال في الذكرى: ولا أعلم مخالفا لهذا من الأصحاب سوى المحقق في المعتبر
~~محتجا بتعذر النية من الكافر مع ضعف السند (3)، وجوابه منع النية ههنا، أو
~~الاكتفاء بنية الكافر كالعتق منه، والضعف العمل يجبره، إلى أن قال: وللتوقف
~~فيه مجال، لنجاسة الكافر في المشهور، فكيف يفيد غيره الطهارة (4).
# أقول: رواية عمار موثقة منقولة في كتب المشايخ الثلاثة، والأخرى أيضا
~~قوية فلا وجه لتضعيف السند، سيما مع اعتضادها بالعمل، لكنهما لا تدلان إلا
~~على مباشرة النصراني أو أهل الكتاب لا مطلق الكافر، ولكنهم عمموا.
# ولا بد للعامل بالخبرين التزام عدم لزوم النية والاكتفاء بصورة الغسل، لا
~~لأن غسل الميت لا يحتاج إليها كما قيل لما سيجئ، ولا للاكتفاء بنية الكافر
~~كالعتق، لعدم اعتقاده الأمر به لو فرض اعتقاده بالله أيضا، فلا يتحقق
~~الامتثال عرفا.
# وكذلك لا بد أن يلتزم عدم لزوم الطهارة حينئذ; فتكون الروايتان مخصصتين
~~لتلك القواعد.
# والقول " بأن الأمر بالغسل لا يستلزم المباشرة للماء والبدن فيجمع بينهما
~~وبين
# PageV03P385
# اشتراط الطهارة " بعيد، لعدم الانفكاك غالبا، فتدل عليه الرواية بالتبع.
# وكذا القول بأن المسلم والمسلمة يأمران الكافر ms0845 بذلك فيكون الكافر كالآلة
~~والنية عليهما، لخلو الرواية (1) عنه، إلا أن يقال بأن المقام يدل عليه.
~~ولكن يبقى إشكال ظهور المباشرة للماء والبدن.
# والقول " بأنه مبني على طهارة أهل الكتاب وحملها على التقية لذلك أيضا "
~~بعيد، لضعف الأول، ولمنافاته الشهرة بين الأصحاب، سيما بعنوان الكافر.
# وبالجملة المسألة من المشكلات، ولا يخلو المشهور عن قوة، فعليك بالأخذ
~~بمجامع الاحتياط.
# وهل تجب الإعادة لو وجد من يجوز له تغسيله من المسلمين؟ فيه قولان مبنيان
~~على مسألة اقتضاء الأمر للإجزاء، وقد مر مرارا.
# ولا يبعد السقوط، لعدم دلالة الأدلة إلا على المطلقة، وقد سقطت بالمطلقة
~~الأخرى، ولم يثبت كون التكليف الأول مقيدا بالدوام ما لم يمنع مانع.
# الثالث: تشترط المماثلة في الذكورة والأنوثة إلا في مواضع:
# الأول: المحارم عند الأكثر (2) إذا تعذر المماثل من وراء الثياب، لموثقة
~~عمار (3)، و موثقة سماعة (4)، ورواية عمرو بن خالد (5)، إلا أن في رواية
~~عمرو بن خالد:
# PageV03P386
# " يؤزرنه ويصببن عليه الماء صبا، ويمسسن جسده ولا يمسسن فرجه " وهو ظاهر
~~في الاكتفاء بستر العورة.
# وعند جماعة مع وجوده أيضا (1)، واستدل عليه بصحيحة منصور (2)، وحسنة
~~الحلبي (3)، وحسنة عبد الله بن سنان.
# وفي دلالتها تأمل، سيما الأخيرة، لقوله عليه السلام: " وإن لم تكن امرأته
~~معه غسلته أولاهن به، وتلف على يديها خرقة " (4).
# واختار صاحب المدارك جوازه مطلقا (5)، يعني مجردا في حال الاختيار،
~~لصحيحة منصور - ودلالتها على التجرد مع ستر العورة واضحة، وعلى الاختيار
~~خفية - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج في السفر ومعه
~~امرأته يغسلها؟ قال: " نعم، وأمه وأخته ونحو هذا، يلقي على عورتها خرقة "
~~(6).
# قال في الذخيرة: إنه لم يجد القول بجواز التجريد إلا في المدارك (7).
# أقول: والقول به قوي، إلا أن الأول أحوط.
# والمراد بالمحارم هنا: من يحرم نكاحها مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة،
~~فخرجت أخت الزوجة وبنت غير المدخول بها.
# PageV03P387
# والظاهر أن المراد من الثوب هنا ما يستر البدن متعارفا، فلا يضر خروج
~~الرأس والكفين والقدمين كما يظهر من الأخبار (1).
# فإن لم يوجد ms0846 محرم أيضا فالمشهور أنها لا تغسل، وادعى عليه الاجماع في
~~المعتبر، وقطع بسقوط التيمم أيضا (2)، وكذا الشيخ في عدة من كتبه (3).
# وعن التذكرة: قال علماؤنا: تدفن بغير غسل ولا تيمم (4).
# وعن المفيد وجوب الغسل من وراء الثياب (5).
# وعن أبي الصلاح وابن زهرة (6) اشتراط تغميض العينين.
# والأول أقوى، للروايات الكثيرة، منها صحيحة الحلبي (7)، وصحيحة عبد الله
~~بن أبي يعفور (8)، وصحيحة أبي الصباح الكناني (9)، وصحيحة عبد الرحمن بن
~~أبي عبد الله (10) وغيرها (11).
# وفي مقابلها روايات بعضها يدل على صب الماء عليها فوق الثياب (12)،
~~وبعضها
# PageV03P388
# على غسل وجهها وكفيها (1)، وبعضها على التيمم (2)، وبعضها على غير ذلك،
~~وكلها ضعيفة لا تصلح لمقاومة ما ذكرناه.
# ويشكل حملها على الاستحباب (3)، لدوران الأمر بينه وبين الحرمة.
# الثاني: الخنثى المشكل تغسله محارمه، لعدم إمكان الوقوف على المماثل ،
~~وتجئ فيه الأقوال المتقدمة.
# ويشكل الأمر مع فقد المحارم. وعلى قول المفيد يغسل من وراء الثياب بطريق
~~الأولى.
# وعن ابن البراج لا يغسله رجل ولا امرأة، وييمم (4).
# وعن ابن الجنيد تغسله أمته (5).
# قال في الذكرى: ولو قيل بعد الأضلاع والقرعة، فلا إشكال (6).
# الثالث: يجوز تغسيل ابن ثلاث سنين فما دون للمرأة مجردا وبالعكس عند
~~جماعة مطلقا، وقيده الشيخ في النهاية (7) بعدم المماثل.
# وعن المفيد (8) وسلار (9) أن النساء يغسلن ابن خمس سنين مجردا، وفوقها من
~~فوق الثياب.
# وجوز الصدوق تغسيل بنت أقل من خمس سنين مجردة (10).
# PageV03P389
# ومنع في المعتبر (1) تغسيل الرجل للصبية مطلقا، وجوز للمرأة تغسيل ابن
~~ثلاث سنين مطلقا، نظرا إلى إذن الشارع في اطلاع النساء على الصبي، لافتقاره
~~إليهن للتربية، بخلاف الصبية، والأصل حرمة النظر.
# وعن العلامة في النهاية والمنتهى والتذكرة إجماعنا على تغسيل الرجل
~~الصبية (2).
# والأخبار في المسألة ثلاثة:
# الأولى: رواية أبي النمير قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: حدثني عن
~~الصبي إلى كم تغسله النساء؟ فقال: " إلى ثلاث سنين " (3).
# وظاهر الرواية أنه يجوز مع إكمال الثلاث، فلا وجه لتقييده بما دون الثلاث
~~كما في الشرائع (4)، ولعله نظر إلى خروج الغاية عن المغيا، وهو بعيد.
~~والظاهر أن منتهى ms0847 الحد هو الموت، لا الغسل كما توهم.
# والثانية: ما رواه الشيخ، عن محمد بن أحمد بن يحيى، قال: روي في الجارية
~~تموت مع الرجل، فقال: " إذا كانت بنت أقل من خمس سنين أو ست سنين دفنت ولم
~~تغسل " (5) وفي الذكرى: عن ابن طاوس أن لفظة أقل وهم (6).
# قال الصدوق: ذكر شيخنا محمد بن الحسن في جامعه في الجارية تموت مع الرجال
~~في السفر قال: " إذا كانت أكثر من خمس سنين أو ست دفنت ولم تغسل، وإن كانت
~~بنت أقل من خمس سنين غسلت " قال: وذكر عن الحلبي حديثا في معناه
# PageV03P390
# عن الصادق عليه السلام (1).
# وقال في الذكرى: وأسند الصدوق في كتاب المدينة ما في الجامع إلى الحلبي
~~عن الصادق عليه السلام (2).
# وكيف كان فلا ريب في الجواز في الثلاث سنين وما دون مطلقا.
# ولا يبعد ترجيح الجواز فيما دون ست سنين أيضا، للأصل، والعمومات، وعدم
~~ظهور عمومات المنع عن النظر واللمس فيه كما ذكره المحقق (3)، وعدم حصول
~~الشهوة فيه غالبا، نعم لو فرضت الشهوة فيمنع.
# الرابع: المشهور وجوب الغسل لكل مسلم، عدا الخوارج، والنواصب، والغلاة،
~~وكل من أنكر ما ثبت من الدين ضرورة، وبالجملة من يحكم بكفره، وعد منهم
~~المجسمة.
# وذهب المفيد إلى حرمة تغسيل المخالف على المؤمن إلا لضرورة فيغسله غسل
~~أهل الخلاف (4)، واستدل له الشيخ بأنه كافر ولا يجوز غسل الكافر بالإجماع
~~(5).
# وقال في الذكرى: وشرط سلار في الغسل اعتقاد الميت للحق (6)، قال: ويلزمه
~~ذلك في الصلاة (7).
# وعن ابن البراج: لا يغسل المخالف إلا لتقية (8)، وهو المنقول عن ظاهر
# PageV03P391
# ابن إدريس (1)، والظاهر أن هذا هو مذهب أبي الصلاح أيضا (2)، حيث لم يجوز
~~على منكر الإمامة كما سيجئ، ويلزم ابن إدريس ذلك أيضا من جهة منعه عن
~~الصلاة عليهم محتجا بكفرهم.
# ثم حكم جمهور الأصحاب بكراهة غسل المخالف على المؤمن، والظاهر أن مرادهم
~~مع وجود المخالف.
# ولم نقف على ما يدل على وجوب غسل مطلق المسلم، إلا ما ذكره في الذكرى من
~~قول الصادق عليه السلام: " اغسل كل الموتى ms0848 إلا من قتل بين الصفين " (3).
# ولعل هذه الرواية هي رواية أبي خالد قال، قال: " اغسل كل الموتى، الغريق
~~وأكيل السبع وكل شئ إلا ما قتل بين الصفين " (4) الحديث، وهي مع ضعفها لا
~~عموم فيها كما لا يخفى على المتدبر.
# نعم يظهر من المنتهى دعوى الاجماع على وجوب غسل كل مسلم عدا ما استثني
~~(5)، وهو مشكل.
# فإذا لم يثبت الدليل على الوجوب فلا دليل على الجواز، فيقوى قول المفيد،
~~لعدم الدليل، لا لما ذكره الشيخ، لظهور المنع.
# وتوجيه المحقق الأردبيلي (6) - رحمه الله - للإجماع " بأن مخالفة المفيد
~~إنما هي لأنه لا يعتقد إسلامهم (7) " لا ينفع في دفع خروجه عن المجمعين وفي
~~إثبات الاجماع
# PageV03P392
# على الوجوب لكل مسلم كما لا يخفى على المتأمل.
# وههنا إشكال آخر: وهو أن عموم تكليف المكلفين بغسل كل المسلمين بعنوان
~~الوجوب الكفائي لو ثبت برواية أو إجماع فهو يقتضي التكليف بالغسل الصحيح،
~~وهو يقتضي كون المؤمنين مكلفين بالغسل الصحيح إن لم يمنعهم مانع من خوف أو
~~تقية، مع أنهم قالوا إنهم يغسلونهم بطريقتهم مطلقا مع الإمكان، وأيضا حكمهم
~~بالكراهة للمؤمنين مع وجود المخالف مطلقا ينافي ذلك فوجوب تغسيل المخالف
~~على المؤمن إن كان من جهة ذلك العموم فهو لا يلائم هذا التفصيل، ويقتضي
~~وجوب الغسل الصحيح إن أمكن، لأنه هو المكلف به، وإن غسله المخالف أيضا، لأن
~~عبادتهم باطلة كما حقق في محله (1).
# وإن كان الدليل شيئا آخر فلا بد من بيانه، ولم نقف عليه.
# وإن استدل بما اشتهر من قولهم عليهم السلام: " ألزموهم بما ألزموا به
~~أنفسهم " (2) فنقول: النسبة بينه وبين عموم الغسل عموم من وجه، ولا وجه
~~لترجيح الأخير.
# مع أنه لا معنى لتخصيص وجوب الغسل الصحيح بجواز الغسل الفاسد، بل المناسب
~~عدم وجوب الغسل الصحيح، وليس معناه وجوب الغسل الغير الصحيح، لعدم انفكاك
~~الجنس عن الفصل عند التحقيق، وليس معنى قولهم عليهم السلام:
# " ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم " غسلوا موتاهم مطلقا كما لا يخفى.
~~والأمر بالصلاة عليهم كما سيجئ لا يستلزم وجوب الغسل كما لا ms0849 يخفى.
# وبالجملة كلام الأصحاب في المسألة غير محرر، والأظهر عدم وجوب الغسل، وإن
~~كان الأحوط متابعة الأصحاب.
# بقي الكلام في استثناء المذكورات، والتحقيق أن من يحكم بكفره منهم
# PageV03P393
# لا إشكال في عدم جواز تغسيله وإن كان رحما أو زوجا، لعدم الدليل، بل
~~الدليل على العدم، للإجماع، وخصوص الأخبار في بعض أقسام الكفار، مثل
~~النصارى (1)، وظواهر بعض الآيات.
# ولكن الإشكال في حقيقة الكفر، فإنهم عدوا من جملة ذلك المجسمة، وفي الحكم
~~بكفرهم مطلقا إشكال كما أشرنا إليه في مباحث النجاسات.
# وبعد تسليم كفرهم ففي شمول الاجماع الذي نقلوه لهم منع; كما منعنا ذلك في
~~نجاستهم، فإنهم مع أنهم قد ادعوا الاجماع على نجاسة الكافر مطلقا اختلفوا
~~في نجاسة أهل الكتاب والمجسمة ثانيا، فظهر أن دعوى الاجماع إنما هي في
~~الجملة.
# والكلام في تحقيق منكر الضروري أيضا لا يخلو عن غموض واشكال، وكذا تعيين
~~ما يفيد انكاره الكفر، وأن المعتبر في الضرورة هل هي الضرورة بالنسبة إلى
~~المنكر أو بالنسبة إلى المجتهد، وهل يكفي فيه ظن المجتهد بأنه ضروري وظنه
~~بأن المنكر أنكره مع كونه ضروريا عنده، أو يجب العلم به، والظاهر الأخير،
~~وقد حققنا المقام في القوانين المحكمة.
# ثم إنهم ألحقوا بالمسلم الطفل المتولد منه والمجنون، ولقيط دار الاسلام.
# وقد يلحق به لقيط دار الكفر إذا أمكن تولده من مسلم، وفيه نظر.
# والكلام في تبعية مسبي المسلم له يظهر مما قدمناه في كتاب الطهارة.
# وفي الطفل المتولد من الزنا إشكال، والأظهر العدم.
# والظاهر أن البغاة لا يجوز غسلهم وكفنهم والصلاة عليهم لكفرهم، وفي
~~الاحتجاج عن صالح بن كيسان ما يدل عليه (2)، وعن سير الخلاف: يغسل ويصلى
~~عليه بناءا على إسلامه (3)، وهو مشكل.
# PageV03P394
# الخامس: يسقط الغسل عن الشهيد المقتول في المعركة بإذن الإمام أو نائبه ،
~~وكذلك الكفن إن لم يجرد، فيصلى عليه ويدفن بثيابه بإجماع علمائنا، بل إجماع
~~أهل العلم إلا شاذ من العامة لا يعبأ به (1).
# وتدل عليه صحيحة أبان بن تغلب (2)، وحسنته (3)، وحسنة إسماعيل بن جابر و
~~زرارة (4)، وصحيحة أبي ms0850 مريم الأنصاري (5)، وغيرها (6).
# وما ورد في بعض الأخبار الضعيفة من أنه " إذا مات من يومه أو غده فواروه
~~في ثيابه، وإن بقي أياما حتى تتغير جراحته غسل " (7) فهو موافق للعامة كما
~~ذكره الشيخ (8).
# وما في بعض الروايات من أن عليا عليه السلام لم يصل على عمار وهاشم بن
~~عتبة (9) فقال الشيخ: إنه وهم من الراوي (10). وفي قرب الإسناد رواية تدل
~~على أنه
# PageV03P395
# صلى عليهما (1).
# ثم إن الظاهر أن كل من يقتل في جهاد سائغ وإن لم يكن بحضور الإمام أو
~~إذنه، كما لو دهم على المسلمين من يخاف منه على بيضة الاسلام واضطر إلى
~~الجهاد معهم فهو كذلك، لإطلاق الأخبار (2)، وفاقا للمحقق في المعتبر (3)
~~والشهيد في الذكرى (4) وبعض المتأخرين بعده (5)، وخلافا للأكثرين (6)، حيث
~~اشترطوا الإذن الخاص.
# ثم إنهم اشترطوا الموت في المعركة في سقوط الغسل والكفن، وقد يقال: إن
~~الروايات لا تدل إلا على اشتراط ترك الغسل بإدراك المسلمين إياه وليس له
~~رمق، وهو أعم من أن يموت في المعركة أو غيرها (7).
# ولا يبعد أن يقال: إن الظاهر من الروايات هو الموت في المعركة، لأنه
~~الغالب، فلا يجوز الخروج عما دل على وجوب الغسل والكفن مع احتمال عدم الموت
~~في المعركة فضلا عما علم به.
# ومقتضى إطلاق النص والفتوى عدم الفرق بين الذكر والأنثى، والصغير
~~والكبير، والمقتول بالحديد وغيره، حتى بالصدم وبعود سلاحه إليه.
# وفي من وجد ميتا في المعركة وليس فيه أثر القتل قولان مبنيان على ترجيح
# PageV03P396
# الأصل والظاهر، ولو علم الموت حتف أنفه فلا إشكال.
# والمشهور عدم الفرق بين الطاهر والجنب والحائض والنفساء للإطلاق، وعن ابن
~~الجنيد (1) والسيد في شرح الرسالة (2) تغسيل الجنب لإخبار النبي صلى الله
~~عليه وآله بغسل الملائكة حنظلة بن الراهب لخروجه جنبا (3)، وهو غير ناهض
~~على المطلوب.
# واختلفوا فيما ينزع منه على أقوال شتى، والمشهور بين المتأخرين أنه ينزع
~~عنه الفرو والجلود كالخفين (4)، لعدم صدق اسم الثياب عليه، سواء أصابها
~~الدم أم لا.
# ولا يحضرني الآن من الروايات في ذلك إلا رواية عمرو بن ms0851 خالد، عن زيد بن
~~علي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " ينزع
~~عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلا أن يكون
~~أصابه دم، فإن أصابه دم ترك، ولا يترك شئ عليه معقود إلا حل " (5).
# ثم إن الشهيد قال: قد يطلق في الأخبار على المطعون والمبطون والمهدوم
~~والنفساء والغريق والمقتول عند أهله وماله (6)، وليس حكمهم ما ذكرنا،
~~والمراد مشاركتهم له في الفضل.
# السادس: من وجب عليه القتل من رجم أو قصاص أو غير ذلك يغتسل غسل الأموات
~~ثلاثا بالخليطين ويتحنط ويلبس الكفن ثم يقتل، لرواية مسمع (7) المعمول
# PageV03P397
# بها عند الأصحاب بحيث لا يظهر مخالف فيها.
# ويصلى عليه بعد القتل.
# ويدفن، ويسقط عنه الغسل بعد القتل، والأظهر عدم وجوب الغسل بمسه بعد
~~الموت.
# السابع: صدر الميت حكمه حكم الميت في الغسل والكفن والصلاة والدفن،
~~لرواية الفضيل بن عثمان الأعور الصحيحة على الأظهر (1)، المعتضدة بالعمل.
# وما نقله في المعتبر عن جامع البزنطي عن أحمد بن محمد بن عيسى مرسلا (2)،
~~وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه (3).
# وهما وإن لم تدلا إلا على وجوب الصلاة، ولكن الأولوية تقتضي إثبات غيرها
~~كما نبه عليه في الذكرى (4). كما يلاحظ في الطفل. وتركه في الشهيد اسقاط
~~للفضل، لا لعدم الأهلية.
# ويمكن أن يستدل عليه بعموم رواية أبي خالد المتقدمة في المبحث الرابع
~~(5)، وما ورد في علل الغسل من أنه لكونه جنبا، ولملاقاة الملائكة (6).
# بل يمكن الاستدلال عليه بصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال:
~~سألته عن الرجل يأكله السبع والطير فتبقى عظامه بغير لحم، كيف يصنع به؟
~~قال: " يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن، فإذا كان الميت
# PageV03P398
# نصفين صلي على النصف الذي فيه القلب " (1) ومثلها صحيحة خالد بن ماد
~~القلانسي (2). فإن الظاهر منها ثبوت كل الأحكام للنصف الذي فيه الصدر،
~~وإنما فصل في آخر الحديث لبيان عدم وجوب الصلاة على غير ما فيه الصدر، فلا
~~بد أن تحمل العظام إما على الجميع كما هو ظاهر اللفظ، أو يخص ms0852 بما فيه
~~الصدر.
# وكذلك حسنة محمد بن مسلم (3) الدالة على الصلاة على مطلق العظم تقيد
~~بذلك، أو تحمل على الاستحباب.
# قال في الذكرى: القلب وحده كالصدر، لفحوى الرواية (4)، وكأنه أراد بها
~~مرسلة البزنطي (5)، وتبعه في المسالك (6)، وليس ببعيد.
# وعن النهاية والمبسوط تحنيط ما فيه عظم (7)، ولم أقف على مستنده.
# وغير الصدر منه إن كان شئ فيه عظم فالمشهور المدعى عليه الاجماع في
~~الخلاف (8) أنه يغسل غسل الأموات ويلف في خرقة ويدفن.
# وربما يؤيد ذلك بصحيحة علي بن جعفر (9)، بتقريب أن المراد بالعظام ليس
~~الجميع، بل المراد هو ما يقابل اللحم كما يظهر منها، وليس ببعيد بملاحظة
~~السياق، ولا يضر ذكر الصلاة فيها بعد ملاحظة آخرها.
# PageV03P399
# وفي لحوق المبانة من الحي قولان، جعل أشهرهما في المسالك اللحوق (1)،
~~ويمكن الاستدلال عليه بصحيحة أيوب بن نوح، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه
~~السلام، قال: " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة " (2) الحديث.
# وقال في الذكرى: الظاهر الملازمة بين وجوب الغسل عن مس شئ ووجوبه له (3)،
~~وتدل الصحيحة المذكورة على وجوب الغسل عن مس ما فيه عظم، وفيه إشكال، وذهب
~~المحقق إلى العدم (4)، وهو مقتضى الأصل.
# والظاهر أن المراد بالكفن هي القطع الثلاثة كما صرح به جماعة، وربما
~~يحتمل اعتبار حال اتصال العضو; فإن كانت تناله القطعات الثلاثة فالثلاث،
~~وإن اثنان فاثنان، ويلزمه في مثل الرأس وحده والقدمين كفاية الواحدة.
# وإن لم يكن فيه عظم، فيلف في خرقة ويدفن على المشهور، ولم نقف على ما يدل
~~على اللف، ولا بأس باتباعهم (5).
# وفي حكم الصدر السقط إذا كان له أربعة أشهر على المشهور، إلا في الصلاة،
~~فيغسل ويكفن على المعهود فيهما ويحنط ويدفن.
# وظاهر المحقق في الشرائع أنه يغسل ويلف في خرقة ويدفن (6)، والأول أظهر،
~~لموثقة سماعة الدالة على وجوب الغسل واللحد والكفن إذا استوت خلقته (7)،
# PageV03P400
# والظاهر التلازم بينه وبين تمام الأربعة.
# والمراد باللحد الدفن، فلا ينافي الوجوب.
# وتدل على وجوب الغسل أيضا رواية زرارة في الكافي (1)، ومرفوعة أحمد بن
~~محمد (2).
# والمتبادر من الكفن هو ms0853 المعهود.
# ولا صلاة عليه باتفاق العلماء كما في المعتبر (3).
# وأما إذا لم يكن له أربعة أشهر فهو كاللحم بلا عظم يلف في خرقة ويدفن على
~~المشهور، ويظهر من الفاضلين الاجماع عليه من العلماء عدا ابن سيربن (4).
~~ويدل عليه أيضا إطلاق رواية محمد بن الفضيل (5)، وليس فيها اللف، ويكفي
~~الاجماع المنقول.
# الثامن: تجب إزالة النجاسة عن الميت قبل الغسل بلا خلاف بين العلماء كما
~~في المنتهى (6).
# وقد يستدل عليه بالأمر بغسل الفرج وإنقائه في رواية الكاهلي (7)، ورواية
~~يونس (8)، وهو غير ناهض، لأن الغسل أعم من النجاسة، فيحتمل التعبد، سيما
~~إذا كان الفرج طاهرا كالغريق.
# PageV03P401
# وكذلك الإنقاء مع أن في رواية عمار: " فيغسل الرأس واللحية بسدر حتى
~~ينقيه " (1).
# فالاعتماد على ظاهر الاجماع المنقول.
# واستبعاد تطهير المحل عن الخبث مع بقاء نجاسة الموت غير ملتفت إليه بعد
~~الدليل.
# ولا يتم الاستدلال برواية محمد بن مسلم الدالة على أن غسل الميت كغسل
~~الجنابة (2) فإن مقتضاها بعد تسليم العموم جواز تطهير كل عضو قبل غسل ذلك
~~العضو، وهم لا يقولون به ههنا، بل يوجبون التقديم مطلقا، نعم يدل على وجوب
~~الإزالة في الجملة.
# التاسع: يغسل الميت بالسدر أولا، ثم بالكافور، ثم بالقراح; وجوبا على
~~المعروف من مذهب الأصحاب، عدا سلار، فإنه اكتفى بواحدة بالقراح (3)، لقوله
~~عليه السلام وقد سئل عن الميت يموت وهو جنب: " يغسل غسلا واحدا " (4) وهو
~~غير ناهض على مطلوبه، وكذلك لو أراد الأولوية، مع معارضته بالأخبار
~~المستفيضة المعتبرة المعتضدة بفهم الأصحاب الواردة في مقام البيان (5).
~~واشتمالها على المستحبات لا يخرجها عن الحجية بحسب الأصل.
# ويكفي في الخليط ما يحصل به المسمى، بأن يقال في العرف إنه غسل بماء
~~السدر أو بماء وسدر، أو الكافور كذلك. ومتفاهم العرف تمازجه مع الماء، فلا
~~بد من الطحن أو التمريس إن كان رطبا ليصدق الغسل به.
# PageV03P402
# وعن المفيد تقدير السدر بالرطل (1)، وعن ابن البراج برطل ونصف (2)، ولم
~~نقف على مستندهما.
# وعن بعضهم اعتبار سبع ورقات (3)، وهو موجود في رواية عبد الله بن عبيد
~~(4)، ورواية معاوية بن ms0854 عمار (5)، لكنهما متشابهتا الدلالة لا يمكن الاعتماد
~~عليهما في المطلوب.
# ولو خرج بالخليط عن الإطلاق ففي الجواز قولان (6)، نظرا إلى إطلاق
~~الأخبار واتفاق الأصحاب على شرعية السدر كما نقله في الذكرى (7)، وإلى أن
~~المتبادر من الغسل هو الغسل بالمطلق، ولظاهر قوله عليه السلام في صحيحة ابن
~~مسكان:
# " اغسله بماء وسدر، ثم اغسله على أثر ذلك غسلة أخرى بماء وكافور وذريرة
~~إن كانت، واغسله المرة الثالثة بماء قراح " (8) وفي معناها غيرها (9)، وفي
~~بعضها " بماء " (10) وفي بعضها " بماء بحت " (11) بدل القراح.
# والأظهر الثاني، لأن شرعية السدر أعم من حصول الإضافة، ودلالة لفظ "
~~الماء " على المطلق نص بالنسبة إليه، وإطلاق ماء السدر والكافور في بعض
# PageV03P403
# الأخبار (1) أيضا معارض بإطلاق ماء وسدر أو كافور في الأخر.
# والمراد بالقراح هنا ما خلا عن الخليطين بشهادة المقام، لا الخالص عن
~~مطلق الشوب كما في اللغة (2)، فلا تضر مخالطته بالطين وغيره ما دام مطلقا،
~~وعلى هذا فالأظهر اعتبار خلوص الماء في الثالثة عن الخليطين.
# ويجب الترتيب بين أعضاء الغسل كغسل الجنابة، لأبين أجزاء الأعضاء، وادعى
~~عليه اتفاقنا في الذكرى (3)، وتدل عليه الأخبار المستفيضة (4)، وكذلك بين
~~الغسلات الثلاث.
# قال في الذكرى (5): ويلوح من كلام ابن حمزة (6) استحباب الترتيب، للأصل،
~~وحمل الروايات على الندب، وهو ضعيف.
# وذكر جماعة من المتأخرين أنه يسقط الترتيب في أعضاء الغسل بغمس الميت في
~~الماء غمسة واحدة (7)، لرواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام رواها
~~الشيخ في الزيادات، قال: " غسل الميت مثل غسل الجنب " (8) واستضعفها في
~~المدارك (9)، والأظهر أن سندها معتبر.
# نعم يمكن القدح في استفادة العموم حتى للارتماس، فإن الارتماس في غسل
~~الجنابة إنما هو من باب الاجزاء، والأصل فيه الترتيب كما مر في محله، وجواز
# PageV03P404
# الارتماس في الغسل من أحكام الجنب، لا غسله.
# وتجب فيه النية على المشهور المدعى عليه الاجماع من الخلاف (1)، خلافا
~~للسيد (2)، لأنه تطهير من نجاسة الموت، وتردد في المعتبر (3).
# والأقوى الأول، لأنه من التوقيفيات، ولا يتحقق الامتثال عرفا إلا مع قصده
~~فيها، وليس كغسل الثوب والآنية.
# وتؤيده ms0855 رواية ابن مسلم المتقدمة (4) مع كل ما ورد في علة الغسل من أنه
~~للجنابة وغير ذلك (5).
# والخلاف في وجوب نيات ثلاث أو تكفي واحدة على المختار المحقق من كون
~~النية هي الداعي إلى الفعل، لا المخطر بالبال غير مثمر.
# نعم تظهر الثمرة في الخلاف في أنها فعل واحد مركب من أفعال، أو أفعال
~~متعددة مستقلة.
# ومن ثمراتها أنه إذا لم يوجد الماء إلا بقدر غسل واحد فهل يجب أم لا؟
# وسيجئ الكلام فيه.
# والنية على الغاسل لا غيره، والظاهر أنه هو الصاب للماء، لا المقلب.
# ولو اشتركوا ولو بصب أحدهم وإيصال الآخر إلى الأعضاء بيده فيشتركون في
~~النية، وإن تفرقوا بغسل كل منهم جزءا على الترتيب، فعلى كل منهم النية.
# العاشر: إنما تجب الغسلات الثلاث مع وجود الماء، وإلا فيكتفى بما تيسر،
# PageV03P405
# ولو كان غسلة واحدة، والظاهر أنه لا خلاف فيه، وإلا لأمكن المناقشة بأنه
~~لا يتم إذا قلنا بأن الغسل اسم لمجموع الغسلات وأن الثلاث شئ واحد مركب من
~~الغسلات كأعضاء الغسل بناءا على جعله من باب إجراء الحكم في بعض الأجزاء
~~العقلية بعد انتفاء بعض آخر.
# ثم إن الأظهر أنه يقدم الغسل بالسدر ثم بالكافور أيضا إن وجد الماء
~~لغسلتين.
# وفي الذكرى (1): قدم القراح لو وجد الماء لغسلة، لكونه أقوى في التطهير،
~~والسدر لو وجد لغسلتين، لوجوب البدأة به، ويمكن الكافور لكثرة نفعه،
~~والظاهر أنه يقدم السدر في الترتيب أيضا حينئذ أو الكافور على الاحتمال
~~الآخر.
# وفي وجوب التيمم عوضا عن المتعذر قولان للشهيدين في الذكرى والمسالك،
~~أولهما للثاني، لعموم البدلية (2)، وثانيهما للأول لحصول مسمى الغسل (3)،
~~وفي الدليلين نظر، والأحوط الأول، هذا إذا أعوز الماء.
# وأما لو فقد الخليط ففي تبديل الغسل بالقراح عنه قولان (4)، أظهرهما
~~العدم، لعدم الدليل، والأمر بالغسل بالخليط يقتضي الإمكان. ومع التعذر لا
~~يمكن، وانتفاء الجزء مستلزم لانتفاء الكل.
# واحتج الآخرون (5) بأن الانسان مكلف باستعمال الماء والخليط، وتعذر
~~الثاني لا يستلزم تعذر الأول.
# وفيه: أن الغسل بماء السدر ماهية بسيطة موجودة بوجود واحد، وتنتفي ms0856
~~الماهية
# PageV03P406
# بانتفاء كل من جزأيها.
# والتحقيق أنه لابقاء للجنس بعد انتفاء الفصل، فلا يمكن التمسك
~~بالاستصحاب، وليس ذلك مثل الأجزاء الخارجية كالأقطع الذي يجب عليه الوضوء،
~~مع أن الظاهر أن المركبات الخارجية أيضا مركبات ذهنية، فإن اليد مثلا هي
~~جارحة مركبة من أجزاء معينة، وبانتفاء كل منها تنتفي اليد، والحكم ثمة
~~لدليل آخر.
# نعم يتم الكلام في المأمور به المتعدد، وعليه يبتني حكم لزوم المقدور من
~~الأغسال الثلاثة لو تعذر الجميع، وقد عرفت الإشكال فيه أيضا.
# وقد يستدل عليه بقوله عليه السلام: " إذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما
~~استطعتم " (1) " والميسور لا يسقط بالمعسور " (2) و " ما لا يدرك كله لا
~~يترك كله " (3).
# وفيه أيضا بحث، فإن الظاهر أن المراد من كلمة " من " بعض الأفراد لا
~~الأجزاء، وكذلك لا بد من تقدير هذه الكلمة في الروايتين الأخيرتين،
~~واستعمالها في المعنيين لا يمكن على التحقيق، وإرادة عموم المجاز يحتاج إلى
~~القرينة.
# واستدل في الذخيرة باستصحاب شغل الذمة اليقينية المستدعية لبراءة الذمة
~~اليقينية (4)، وهو ممنوع، لأن القدر المسلم من الاشتغال هو بما لم يكن
~~خارجا من الأمرين، لا الشئ المجمل في الظاهر المطلوب منه شئ واقعي حتى يلزم
~~الإتيان بما يوجب اليقين، وأصل البراءة يقتضي العدم.
# وإذا تعذر أحد الأغسال ففي وجوب التيمم عنه قولان ناظران إلى كون المجموع
~~غسلا واحد أو كل منها، والتحقيق أن المعنيين كلاهما بحسب النظر الظاهر
~~موجبان
# PageV03P407
# للتيمم، أما الأول فلانتفاء الكل بانتفاء الجزء، فيثبت البدل، فما أتي به
~~من الغسل تعبد محض، وأما الثاني فلعموم البدلية.
# وأما عند التدقيق فالأولى الاعتماد على الأصل، لتساقط الوجوه بتعارضها.
# وإن كان ولا بد فتيمم عن المجموع، أو عما في الذمة.
# ولو وجد الخليط قبل الدفن; ففي وجوب الإعادة قولان، وقضية اقتضاء الأمر
~~للإجزاء العدم، وبقاء إطلاق الأمر بعد تبدل التكليف مشكل.
# وأما لو وجد الماء بقدر ما فقد من الأغسال، فعلى ما اخترناه من تقديم
~~الأول فالأول، فيأتي بالباقي لبقاء المحل وعدم وجوب الموالاة، وعلى القول
~~بتقديم القراح أو الكافور على ms0857 السدر كما احتمله في الذكرى (1) ففيه
~~الإشكال.
# وعن جماعة من الأصحاب أن غسل المس (2) لا يسقط بالأغسال الناقصة (3)،
~~وأولى منه التيمم، وفيه إشكال، للأصل، واقتضاء البدلية، ومنع شمول الإطلاق،
~~والأحوط ما ذكروه.
# الحادي عشر: إذا خيف من تغسيله تناثر جلده كالمحترق والمجدور يمم، وهو
~~مذهب الأصحاب، وقال في التهذيب: وبه قال جميع الفقهاء إلا الأوزاعي (4).
# واستدل عليه برواية زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: " إن
~~قوما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله مات صاحب
~~لنا وهو مجدور، فإن غسلناه انسلخ، فقال: يمموه " (5).
# PageV03P408
# ولا وجه لقدح بعض المتأخرين في السند والتمسك بالأصل في نفي التيمم (1)
~~مع عمل الأصحاب عليه وظاهر الاجماع وعموم بدلية التيمم عن المائية كما
~~حققناه في محله (2).
# واحتمال كون غسل الميت في الأصل لرفع الخبث لا الحدث بعيد ينافيه ما ورد
~~في علل غسل الميت (3)، وكذا ما ورد أنه مثل غسل الجنابة (4).
# وقد عارض الرواية صاحب المدارك والذخيرة بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن
~~أبي الحسن عليه السلام: عن ثلاثة نفر كانوا في سفر، أحدهم جنب، والثاني
~~ميت، والثالث على غير وضوء، وحضرت الصلاة ومعهم ماء يكفي أحدهم، من يأخذ
~~الماء ويغتسل به؟ وكيف يصنعون؟ قال: " يغتسل الجنب، ويدفن الميت، ويتيمم
~~الذي عليه الوضوء، لأن الغسل من الجنابة فريضة، وغسل الميت سنة، والتيمم
~~للآخر جائز " فإنها كالصريحة في سقوط التيمم (5).
# وفيه أولا: أنا لم نقف على هذه الرواية في شئ من الأصول، والموجود في
~~التهذيب إنما هي رواية عبد الرحمن بن أبي نجران، عن رجل حدثه، قال: سألت
~~أبا الحسن عليه السلام الحديث، فهو مرسل (6)، لكن الصدوق رواها عنه عن أبي
~~الحسن موسى عليه السلام، فيكون الحديث مسندا صحيحا، لكن فيه بعد قوله "
~~ويدفن الميت " كلمة " بتيمم " ثم قال: " ويتيمم الذي عليه
# PageV03P409
# وضوء " (1) ولعله سقط من قلم الشيخ أو النساخ بتوهم التكرار.
# وبالجملة لا تأمل في وجوب التيمم بدل غسل الميت في الأمور المذكورة وفي
~~غيرها أيضا، كما لو ms0858 فقد الماء رأسا أو تعذر استعماله، لعموم البدلية
~~المستفادة من الأخبار المعتبرة كما حققناه في محله.
# ثم إن مقتضى كون الأغسال الثلاثة غسلا واحدا وحدة التيمم، وهو ظاهر إطلاق
~~النص، قال في الذكرى: وهو ظاهر الخبر والأصحاب (2).
# وجزم في المسالك بوجوب التعدد والضربتين لكونه بدل الغسل (3)، وهو ضعيف.
# والظاهر أن المراد التيمم بيد الحي، لا الميت كالحي العاجز من كل وجه.
# تنبيه:
# أفتى الشيخ في النهاية (4) والفاضلان (5) وغيرهما (6) بمضمون الصحيحة
~~المتقدمة، ونقل المحقق قولا بتقديم الميت (7)، وعن الشيخ في الخلاف ما
~~يقتضي التخيير، وانتفاء الأولوية (8).
# ومحل النزاع فيما لو كان ملكا لجميعهم أو لمالك يسمح ببذله، فإن له
~~الخيار في تخصيص أيهم شاء، والكلام في أنه من الأفضل، فلو كان ملكا لأحدهم
~~وكان
# PageV03P410
# مخاطبا باستعماله لا يجوز صرفه إلى غيره، ولا يجب عليه بذله للغير مع عدم
~~المخاطبة أيضا.
# ولو كان مباحا وجبت على كل من الحيين حيازته، فإن سبق أحدهما إليه اختص
~~به، وإن أثبتا اليد عليه دفعة اشتركا (ولو توافيا دفعة اشتركا) (1) ولو
~~تغلب أحدهما أثم، وفي تملكه حينئذ قولان.
# ثم الأقرب القول الأول، للصحيحة المذكورة، ورواية الحسن التفليسي (2)،
~~ورواية الحسين بن النضر الأرمني (3).
# وحجة القول الثاني رواية محمد بن علي (4)، وهي مع إضمارها وإرسالها لا
~~تعارض الأخبار المعتضدة بالشهرة التي منها الصحيحة.
# ومن ثمرات المسألة: ما لو التمس المالك الأولى ولم يجوز للغير، أو أوصى
~~للأولى أو نذر له، فيتعين الجنب.
# ولو كفى الماء للمحدث خاصة ففي اختصاصه به أو صرفه إلى بعض أعضاء الجنب
~~توقعا للباقي إذا رجا حصوله وقت الصلاة وجهان، فلو استعمله وتعذر الإكمال
~~يتيمم للصلاة.
# ولو أمكن الجمع بأن يتوضأ المحدث ويجمع الماء ثم يغتسل الجنب فعل، وإن
~~قلنا برافعية غسالة الحدث الأكبر فيجمع ويغسل به الميت إن أمكن، وقد عرفت
~~في محله أن الأقوى العدم.
# ولو اجتمع محدث وجنب فعن الشيخ أقوال ثلاثة (5): التخيير، وتقديم
# PageV03P411
# المحدث، وتقديم الجنب; نقلها في المنتهى (1).
# ورواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ms0859 قوم كانوا في سفر
~~فأصاب بعضهم جنابة وليس معهم من الماء إلا ما يكفي الجنب، أيتوضؤن هم هو
~~أفضل، أو يعطون الجنب فيغتسل وهم لا يتوضؤن؟ فقال: " يتوضؤن هم ويتيمم
~~الجنب " (2) يقتضي ترجيح المحدثين إذا اجتمعوا مع الميت، ولا يبعد عدها من
~~الموثقات، ولكن بمزاحمتها للأخبار المتقدمة من وجه يشكل الترجيح.
# وههنا فروع وصور في اجتماع المحتاجين، كذوات الدماء، ومن مس الميت، و
~~مزيل الطيب عن المحرم، والنص مفقود، فلا يبعد القول بالتخيير، وللقرعة أيضا
~~وجه.
# والمضطر للعطش أولى من الجميع.
# الثاني عشر: يستحب أن يوضع الميت على لوح على مرتفع مع كون موضع الرجلين
~~أخفض، صونا عن التلطخ واجتماع الماء تحته، وفي الأخبار تنبيهات على
~~الاهتمام بتنظيف الميت (3).
# وأن يكون مستقبل القبلة كحال الاحتضار، ورجحانه اتفاق أهل العلم كما في
~~المعتبر (4)، ومدلول عليه بالأخبار الكثيرة.
# وعن ظاهر المبسوط الوجوب، لظاهر الأمر (5)، واختاره المحقق الثاني (6)
~~وفي
# PageV03P412
# المسالك (1)، وصحيحة يعقوب بن يقطين تنفيه (2)، وتوجب حمل الأمر على
~~الاستحباب.
# وأن يكون تحت الظلال، لاتفاق علمائنا كما في الذكرى (3)، لصحيحة علي بن
~~جعفر (4).
# وأن يجعل للماء حفيرة، لحسنة سليمان بن خالد (5).
# ويكره إرساله في الكنيف للإجماع كما في الذكرى (6)، ويجوز في البالوعة،
~~وتدل عليهما صحيحة الصفار (7).
# وأن يفتق قميصه وينزعه من تحته، لكونه أرفق به وأدخل في صيانته عن التلطخ
~~بالنجاسة (8) الموجودة في أسافله، وهما منبهان عليهما في الأخبار، مع أن
~~الشهرة كافية في المستحب.
# ويمكن الاستدلال بصحيحة عبد الله بن سنان المروية في الكافي وفيها: " ثم
~~يخرق القميص إذا غسل وينزع من رجليه " (9) وهذا إذا أمكن برضا الوارث
~~البالغ الرشيد.
# وفي أفضلية تغسيله في القميص للأخبار الصحيحة (10)، ومجردا عنه مع ساتر
# PageV03P413
# للعورة، لكونه أدخل في التمكن من الغسل والتجنب عن مخالفة الأدلة الدالة
~~على لزوم العصر في تطهير الثوب قولان.
# وعن ابن حمزة إيجاب الثاني (1).
# ولا يبعد ترجيح الأول، للأخبار (2)، ولفعل علي عليه السلام في غسل رسول
~~الله صلى الله عليه وآله (3)، فيكون وجوب العصر مخصصا بذلك.
# ويستحب ستر العورة مع وثوق ms0860 الغاسل من نفسه، أو كونه أعمى، أو كون الميت
~~طفلا أو زوجا أو زوجة على المختار، حذرا عن النظر غلطا، وخروجا عن الخلاف
~~في البعض، وإلا فيجب.
# وأن يلين أصابعه برفق قبل الغسل، لرواية الكاهلي (4)، وادعى عليه الاجماع
~~في المعتبر (5)، وعن ابن أبي عقيل المنع (6)، لرواية طلحة بن زيد (7)،
~~وحملت على ما بعد الغسل.
# وأن يغسل رأسه برغوة السدر قبل الغسل، ذكره جماعة من الأصحاب (8)،
~~واستشكله في المدارك (9) والذخيرة (10)، لعدم دلالة الأخبار، إلا على كون
~~ذلك
# PageV03P414
# في غسل الرأس الذي هو جزء الغسل لا مستقلا (1).
# أقول: قال في الذكرى: وعن يونس عنهم عليهم السلام: " يخرج يداه من القميص
~~ويجمع على عورته، ويرفع من رجليه إلى فوق ركبتيه، وإن لم يكن قميص فخرقة
~~على العورة، ويضرب السدر ليرغى، فتعزل الرغوة، فيغسل يدي الميت ثلاثا إلى
~~نصف الذراع كما يغسل من الجنابة، ثم ينقي فرجه، ثم يغسل رأسه بالرغوة
~~مبالغا، وليحذر من دخول الماء منخريه وأذنيه، ثم يغسل الإجانة ويديه إلى
~~مرفقيه - أي الغاسل - ليضع فيها ماء الكافور، ثم ليغسل يديه بعد فراغ
~~الكافور والإجانة للقراح " (2)، فإن كان هذا غير ما هو المذكور في التهذيب
~~فيمكن الاستدلال به، وإن كان هو نقل بالمعنى فلا.
# ويمكن الاستدلال بصحيحة يعقوب بن يقطين الآتية (3)، إلا أن المذكور فيها
~~السدر لا الرغوة، ومع قطع النظر عن الرغوة يمكن الاستدلال برواية عمار
~~الطويلة مع ملاحظة أولها مع آخرها (4)، وكيف كان فتكفي فتوى الجماعة.
# وأن يغسل فرجه بالسدر والحرض لرواية الكاهلي (5).
# وأن يغسل يدي الميت ثلاثا قبل كل غسلة إلى نصف الذراع.
# ويغسل يده إلى المرفقين بعد الأوليين.
# وأن يمسح بطنه فيهما.
# وتكرار غسل كل عضو ثلاثا; كما يستفاد من روايتي يونس (6) والكاهلي (7).
# PageV03P415
# ولو كان الميت حاملا فلا يمسح حذرا من الإجهاض، وفي البيان: لو أجهضت
~~فعليه عشر دية أمه (1).
# وأن يقف الغاسل عن جانبه، ولا يجعله بين رجليه، لرواية عمار (2)، وصرح
~~الفاضلان بكون الغاسل عن يمينه (3).
# وأن يوضأ وضوء الصلاة قبل الابتداء بالغسل بعد الإتيان بالمقدمات على ms0861
~~المشهور الأقوى، وعن أبي الصلاح القول بالوجوب (4).
# لنا: الأصل والأخبار المستفيضة الواقعة في مقام البيان الخالية عن ذكره.
# واحتج أبو الصلاح بقوله عليه السلام: " كل غسل قبله وضوء " (5).
# ويدفعه أن المتبادر منه الأحياء لا الأموات، وأن دلالته على الوجوب
~~ممنوعة، بل المراد منه الوجوب الشرطي للإتيان بالصلاة المشروطة به، وقد
~~حققنا وجه هذا الخبر في كتاب الطهارة، (6) مع أنه لنا لا علينا، بملاحظة أن
~~غسل الميت مثل غسل الجنابة كما رواه محمد بن مسلم (7)، أو هو هو على ما ورد
~~في الفقيه في علله (8).
# والأولى الاستدلال له بصحيحة حريز (9) وهي لا تقاوم ما ذكرنا، فتحمل على
~~الاستحباب.
# ويكره إقعاده، وادعى عليه الاجماع في الخلاف (10)، وما ورد من الأخبار
# PageV03P416
# الآمرة به (1) محمولة على التقية.
# وقص أظفاره وترجيل شعره، لرواية ابن أبي عمير (2).
# قال في الذكرى (3): نقل الشيخ الاجماع على أنه لا يجوز قص أظفاره ولا
~~تنظيفها من الوسخ بالخلال ولا تسريح لحيته، وجعل حلق رأسه مكروها وبدعة،
~~وكره حلق عانته وإبطيه وجز شاربه، ولعل مراده الكراهية، لقضية الأصل،
~~والنهي أعم من التحريم، ويؤيده أنه ذكر كراهية قلم الأظفار بعد ذلك (4)،
~~وابن حمزة حرم القص والحلق والقلم وتسريح الرأس واللحية (5).
# ثم قال: وقال الفاضل: يخرج الوسخ من أظفاره بعود عليه قطن مبالغة في
~~التنظيف (6)، ويدفعه نقل الاجماع مع النهي عنه في خبر الكاهلي السابق (7)،
~~انتهى.
# ولو فعل شئ من ذلك دفن ما ينفصل من الأظفار والشعر معه، بل يجب ذلك في كل
~~ما يسقط من الميت من جسده وشعره، وقال في التذكرة: إنه مذهب العلماء كافة
~~(8)، وتدل عليه حسنة ابن أبي عمير المرسلة (9)، وموثقة عبد الرحمن بن أبي
~~عبد الله (10).
# PageV03P417
# ويكره غسله بماء أسخن بالنار، للأخبار المعتبرة.
# قال الصدوق: وروى في حديث آخر: " إلا أن يكون شتاءا باردا فتوقي الميت
~~مما توقي منه نفسك " (1) ومضمون هذه الرواية مذكور في الفقه الرضوي (2).
# PageV03P418
# المقصد الثالث في تكفينه وفيه مباحث:
# الأول: المشهور وجوب تكفينه في ثلاثة أثواب، وادعى عليه إجماع علمائنا
~~عدا سلار (1) في المعتبر ms0862 والذكرى (2).
# وتدل عليه الأخبار الكثيرة المعتبرة، منها صحيحة زرارة قال، قلت لأبي
~~جعفر عليه السلام: العمامة للميت من الكفن؟ قال: " لا، إنما الكفن المفروض
~~ثلاثة أثواب أو ثوب تام لا أقل منه يوارى فيه جسده كله، فما زاد فهو سنة "
~~(3) الحديث، هذا على أكثر نسخ التهذيب المعتبرة.
# والمذكور في المعتبر والمنتهى (4) وغيرهما (5) وفي بعض النسخ " ثلاثة
~~أثواب
# PageV03P419
# وثوب تام " ويوافقه ما رواه الكليني، في الحسن عن زرارة ومحمد بن مسلم
~~(1)، ولعله هو مستند سلار، بأن تكون الواو بمعنى أو، وهو بعيد.
# وظاهر الرواية يقتضي وجوب الأربعة، ولم يقل به أحد من الأصحاب، وقد يوجه
~~بأنه من باب عطف الخاص على العام; فيكون بيانا لأحد الأثواب، وقد يحمل على
~~التقية، وكيف كان فالعمل على المشهور.
# ثم المشهور وجوب كون أحد الأثواب قميصا، وذهب ابن الجنيد والمحقق إلى
~~التخيير بين الأثواب الثلاثة وبين القميص والثوبين (2)، وارتضاه صاحب
~~المدارك وصاحب الذخيرة (3).
# لنا: حسنة حمران بن أعين (4)، ورواية معاوية بن وهب - وليس فيها من يتأمل
~~فيه إلا سهل، والأمر فيه سهل - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " يكفن
~~الميت في خمسة أثواب: قميص لا يزر عليه، وإزار، وخرقة يعصب بها وسطه، وبرد
~~يلف فيه، وعمامة يعتم بها ويلقى فضلها على صدره " (5) والأخبار الكثيرة
~~الواردة في كيفية التكفين الظاهرة في أن كون أحد الأثواب قميصا مفروغا عنه
~~(6).
# وأما الأخبار الواردة الدالة على مطلق رجحان القميص بوصيتهم عليهم السلام
~~وفعلهم فكثيرة (7)، فالوجه حمل مطلق ما دل على الأثواب بالمقيد.
# والحمل على الاستحباب وإن كان وجها للجمع، ولكن الأول أوجه، سيما مع
~~ملاحظة الشهرة والالتزام في العمل.
# PageV03P420
# وقد يتمسك في الاستحباب برواية محمد بن سهل، عن أبيه، قال: سألت أبا
~~الحسن عليه السلام عن الثياب التي يصلي فيها الرجل ويصوم، أيكفن فيها؟ قال:
# " أحب ذلك الكفن، يعني قميصا "، قلت: يدرج في ثلاثة أثواب؟ قال: " لا بأس
~~به، والقميص أحب إلي " (1) والظاهر أنها هي التي رواها الصدوق مرسلة عن أبي
~~الحسن عليه السلام بدون صدرها (2).
# وأنت خبير ms0863 بأنها غير دالة على الاستحباب، إذ الظاهر أن المراد بالقميص هو
~~المعهود.
# ثم المشهور كون أحد الأثواب مئزرا، والمراد به هنا الفوطة، ويقال لها
~~بالفارسية " لنگ ".
# وقال في المدارك: لم أقف في الروايات على ما يعطي ذلك، بل المستفاد منها
~~اعتبار القميص والثوبين الشاملين للجسد، والأثواب الثلاثة وبمضمونها أفتى
~~ابن الجنيد (3)، وقريب منه عبارة الصدوق، فإنه قال: والكفن المفروض ثلاثة:
# قميص وإزار ولفافة (4).
# أقول: الذي يستفاد من كتب اللغة أن المئزر والإزار واحد كما صرح به في
~~المصباح المنير (5).
# ويظهر ذلك من الصحاح في مواضع، منها قوله في الحقو: والحقو أيضا الخصر،
~~ومشد الإزار (6)، وكذلك غيره من كتب اللغة (7)، فالإزار الوارد في الأخبار
# PageV03P421
# أريد به المئزر، وإطلاق الإزار على هذا المعنى في الأخبار كثير، فلاحظ
~~الأخبار الواردة في دخول الحمام، والمنع عن الدخول بلا إزار، وهي كثيرة
~~مذكورة في أوائل الفقيه في باب غسل يوم الجمعة ودخول الحمام وغيره (1).
# وإذا ثبت هذا فتدل عليه مثل حسنة حمران المتقدمة وغيرها مما ورد في ذلك
~~لا نطيل بذكرها (2)، وتدل عليه الأخبار الواردة في كيفية التكفين وبسط
~~الكفن، خصوصا موثقة عمار بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام في جملة
~~حديث:
# " ثم تبدأ فتبسط اللفافة طولا، ثم تذر عليها من الذريرة، ثم الإزار طولا
~~حتى يغطى الصدر والرجلين، ثم الخرقة عرضها قدر شبر ونصف، ثم القميص " (3)
~~الحديث.
# ومما ذكرنا يظهر أن كون مراد الصدوق أيضا ما ذكره غير ظاهر، فلاحظ
~~الأخبار وكلمات العلماء الأخيار وكتب أهل اللغة يظهر لك ما ذكرنا في كمال
~~الوضوح، هذا كله مع الإمكان، فيكفي عند الضرورة ثوب واحد، بل يجوز الدفن
~~بلا كفن عند الضرورة مع ستر العورة.
# الثاني: لا يجوز أن يكون الكفن مغصوبا، للإجماع، وحرمة إتلاف مال الغير.
# ولا نجسا، للإجماع، نقله في الذكرى (4)، لوجوب إزالة النجاسة العارضة
~~للكفن.
# PageV03P422
# ولا حريرا، بإجماع علمائنا، كما نقله في المعتبر (1) والذكرى (2)، بلا
~~فرق بين الذكر والأنثى والصغير والكبير. وتدل عليه روايات تدل على عدم جواز
~~التكفين بكسوة الكعبة ms0864 (3). ويظهر منها أن وجهه كونها حريرا لا غير، وتنبه
~~عليه رواية الحسن بن راشد أيضا (4).
# وعن العلامة في النهاية احتمال جوازه للمرأة (5) ولكن الشهيد - رحمه الله
~~- في الذكرى ادعى الاجماع على عدم الفرق (6)، وهو مقتضى إطلاق الرواية، وإن
~~كانت دلالتها على الحرمة غير واضحة.
# قالوا: ولا يجوز التكفين في الجلود، لعدم إطلاق الثوب عليها (7).
# وفي الشعر والوبر قولان (8)، ولعل الأقوى الجواز، لصدق الثوب، هذا فيما
~~يؤكل لحمه.
# وأما في شعور وأوبار غير المأكول اللحم فالظاهر عدم الخلاف في عدم
~~الجواز، ويمكن استفادته من منع كل ما لا تجوز الصلاة فيه من باب تنقيح
~~المناط.
# قال في الذكرى: نعم لو اضطر إلى ما عدا المغصوب ففيه ثلاثة أوجه: المنع
~~لإطلاق النهي، والجواز لئلا يدفن عاريا مع وجوب ستره ولو بالحجر، ووجوب ستر
~~العورة لا غير حالة الصلاة ثم ينزع بعد، قال: وحينئذ فالجلد مقدم، لعدم
~~صريح
# PageV03P423
# النهي فيه، ثم النجس لعروض المانع، ثم الحرير لجواز صلاة النساء فيه، ثم
~~وبر غير المأكول، ثم قال: وفي هذا الترتيب للنظر مجال (1).
# الثالث: يجب التحنيط للذكر والأنثى، والصغير والكبير، وهو مسح مساجده بما
~~تيسر من الكافور على المعروف من المذهب، المدعى عليه الاجماع من الخلاف
~~(2).
# وزاد المفيد طرف الأنف الذي يرغم به في السجود (3)، والصدوق: السمع
~~والبصر والفم والمغابن - وهي الآباط - وأصول الأفخاذ (4).
# والأخبار في ذلك مختلفة، والروايات مع كثرتها لا يحضرني الآن خبر منها
~~اقتصر فيه على ذكر المساجد، بل كلها مشتملة على شئ آخر من المسامع والفم
~~والمفاصل واللبة والفرج وغير ذلك (5)، ولكن الشهرة والإجماع المنقول يكفي
~~في إثبات وجوب المساجد إن قلنا بأن الاشتمال على المستحب يخرج الخبر عن
~~الحجية.
# ثم إن المشهور بين المتأخرين كراهة جعل الكافور في سمعه وبصره، لحسنة
~~حمران بن أعين (6)، وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله المقطوعة (7)،
~~ورواية يونس (8)، ورواية عثمان النواء (9).
# PageV03P424
# والأولى ترجيح الأخبار المانعة، لاعتضادها بالشهرة، وإن كان بعض الأخبار
~~الآمرة صحيحة أيضا، ويمكن حملها على التقية، وقد تحمل على إرادة الجواز،
~~والأول ms0865 أولى.
# هذا إذا لم يكن محرما، وإلا فلا يقربه شئ من الكافور ولا غيره من الطيب،
~~لا في الغسل ولا في غيره، لروايات كثيرة معتبرة، منها صحيحة محمد بن مسلم
~~عنهما عليهما السلام، قال: سألتهما عن المحرم كيف يصنع به إذا مات؟ قال: "
~~يغطى وجهه ويصنع به كما يصنع بالحلال، غير أنه لا يقرب طيبا " (1).
# وعن ابن أبي عقيل أنه أوجب كشف رأسه ووجهه، للاستصحاب (2).
# والمشهور أقوى، للصحيحة المذكورة وغيرها من الأخبار.
# هذا مع الامكان، وإذ تعذر فيدفن بغير كافور.
# وفاقد الكافور بل مطلق الخليط ينتظر مع رجاء الحصول أن يخاف عليه الفساد
~~فيدفن.
# وفي الانتظار في زمان طويل كيومين فصاعدا إذا لم يخف عليه الفساد مع رجاء
~~الحصول إشكال.
# ويكفي فيه المسمى عند جماعة (3) لحصول الامتثال.
# وعن الشيخين (4) والصدوق (5): أقله مثقال، وأوسطه أربعة دراهم وأكمل منه
~~ثلاثة عشر درهما وثلث.
# وعن الجعفي: أقله مثقال وثلث (6).
# PageV03P425
# وعن ابن الجنيد: أقله مثقال وأوسطه أربعة مثاقيل (1).
# ومقتضى الأصل وإطلاق أخبار الحنوط في الأقل الأول، ومقتضى مرسلة ابن أبي
~~نجران المثقال (2)، ولم نقف للجعفي على شئ، وفي مرسلة ابن أبي نجران الأخرى
~~مثقال ونصف (3).
# وأما الأوسط فمقتضى رواية الكاهلي والحسين بن مختار أربعة مثاقيل (4)،
~~ولم نقف للأربعة دراهم على شئ إلا ما في فقه الرضا عليه السلام (5).
# وأما الأكثر فتدل عليه روايات كثيرة مذكورة في الكافي والفقيه والعلل
~~وكشف الغمة وكتاب الطرف لابن طاوس، كلها في حكاية تقسيم الكافور الذي أتى
~~به جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله، وقسمه بينه وبين علي وفاطمة عليهما
~~السلام (6).
# والأكثر على عدم مشاركة الغسل للحنوط في ذلك (7)، وتؤيده مرفوعة علي بن
~~إبراهيم في الكافي (8) وقيل بالمشاركة (9).
# الرابع: يستحب للغاسل الغسل للمس قبل التكفين للمبادرة; بالواجب مع الجمع
~~بين الحقين، بخلاف تعجيل التكفين، سيما إذا لم يوجب تأخير التجهيز.
# PageV03P426
# أو يتوضأ، وتشعر به بل وتدل عليه موثقة عمار الطويلة (1) وقال في
~~المدارك: بل الأولى تقديم التكفين على الغسل (2)، لصحيحة محمد بن مسلم: "
~~يغسل يديه من العاتق ثم يكفنه ms0866 ثم يغتسل " (3).
# أقول: ويؤدي مؤداها غيرها أيضا (4)، ويمكن القدح في دلالتها.
# ويستفاد من هذه الروايات استحباب غسل اليدين إلى المنكب مرة أو ثلاثا،
~~وفي رواية عمار (5) غسلهما إلى المرفقين وغسل الرجلين إلى الركبتين.
# وأما الوضوء بدل الغسل فذكره الأصحاب، ولا يحضرني الآن دليله، ويكفي في
~~ذلك فتواهم.
# الخامس: تستحب زيادة حبرة عبرية غير مطرزة بالذهب للرجل.
# والحبرة: ثوب يمنية من التحبير وهو التحسين والتزيين منسوب إلى العبر
~~(6)، وهو موضع أو جانب الوادي (7).
# والظاهر أنه لا خلاف فيه بين علمائنا، وظاهر المحقق (8) وغيره (9)
~~الاجماع على ذلك.
# والأخبار الدالة على رجحان الحبرة (10) مع كثرتها ليس فيها إلا رجحان كون
~~أحد
# PageV03P427
# الأثواب حبرة، وهو المنقول عن ابن أبي عقيل (1) وأبي الصلاح (2) أيضا،
~~ولكن يكفي في الحكم عملهم وظاهر إجماعهم.
# وأما عدم التطريز بالذهب فعلل بأنه تفويت للمال وتضييع غير مأذون فيه
~~(3)، وفيه إشكال، للأمر بإجادة الأكفان.
# ويمكن القول بأن ما دل على المنع عن التكفين فيما فيه لا تجوز الصلاة فيه
~~(4) ينبه (على ذلك على وجه للرجال) (5).
# وزاد على الذهب في المعتبر الحرير (6)، وهو على إطلاقه أشكل، سيما مع
~~ملاحظة رواية الحسن بن راشد (7).
# وظاهر بعض الأخبار أفضلية الحمراء (8).
# وعن جماعة من الأصحاب إذا انتفت الأوصاف كفى البعض، فإن لم يوجد فلفافة
~~أخرى (9)، ولعلهم اعتمدوا في ذلك على إطلاق الخمس في بعض الأخبار (10) ونحو
~~ذلك.
# PageV03P428
# وعن بعض الأصحاب أن البرد لا يلف ولكن يطرح عليه طرحا، فإذا أدخل القبر
~~وضع تحت خده وتحت جنبه (1)، وهو مؤدى رواية عبد الله بن سنان (2).
# قال في الذكرى: الظاهر أن المراد به الحبرة (3).
# وقال الصدوق رحمه الله: وإن شاء لم يجعل الحبرة معه حتى يدخله قبره
~~فيلقيها عليه (4). وهو مضمون الفقه الرضوي (5).
# وتستحب أيضا زيادة خرقة لفخذيه، والظاهر عدم الخلاف فيه أيضا، وورد ذلك
~~في روايات كثيرة (6). وفي رواية يونس عرضها شبر (7)، وفي موثقة عمار عرضها
~~شبر ونصف وطولها ثلاث أذرع ونصف (8).
# وفي المسالك والمدارك في كيفية اللف: أن يربط أحد طرفيها في وسط الميت،
~~إما بأن ms0867 يشق رأسها أو يجعل فيها خيط ونحوه، ثم يدخل الخرقة بين فخذيه، ويضم
~~عورته ضما شديدا، ويخرجها من تحت الشداد الذي كان على وسطه، ثم يلف فخذيه
~~وحقويه بما بقي لفا شديدا، فإذا انتهت أدخل طرفها تحت الجزء الذي انتهت
~~عنده منها (9).
# ولا بأس به، وهو المستفاد من ملاحظة مجموع الأخبار (10)، سيما رواية عمار
# PageV03P429
# بعد التأمل (1).
# ويستحب وضع القطن على العورة حتى يشد الخرقة عليه، لرواية عمار (2)،
~~والظاهر حصول الاستحباب بمجرد اللف من الحقوتين إلى آخر الفخذين، وإن كان
~~الأولى الأول.
# وتستحب زيادة عمامة للرجل على المعروف من المذهب، المدعى عليه الاجماع من
~~المعتبر (3) والأخبار المعتبرة ناطقة به (4).
# ويستحب التحنيك بها، لمرسلة ابن أبي عمير (5).
# والروايات في كيفيتها مختلفة، والمشهور بين الأصحاب مضمون رواية يونس:
# " يؤخذ وسط العمامة فيثنى على رأسه بالتدوير، ثم يلقى فضل الأيمن على
~~الأيسر، والأيسر على الأيمن، ويمد على صدره " (6).
# ولم نقف على تقدير فيها، فيكفي ما يحصل به ذلك طولا وما يصدق عليه
~~العمامة عرضا كما ذكره في المسالك (7).
# ويبدل عن العمامة خمار للمرأة بلا خلاف، لصحيحة محمد بن مسلم الآتية (8)
~~وغيرها.
# وتزاد على كفن الرجل خرقة لثدياها يضم بها ثدييها إلى صدرها، وتشد إلى
# PageV03P430
# ظهرها، لرواية سهل بن زياد (1)، وقال في المدارك: لا أعلم لها رادا (2)
~~ويكفي فيها ما يحصل به المقصود.
# وتزاد عليه أيضا نمطا عند كثير من الأصحاب، وهو ضرب من البسط كما في
~~القاموس (3)، وزاد ابن الأثير أن له خملا رقيقا (4).
# وعن المغرب: أنه ثوب من صوف يطرح على الهودج (5).
# وفي الذكرى (6): أنه ضرب من البسط، أو هو ثوب فيه خطط مأخوذ من الأنماط
~~وهي الطريق.
# وابن إدريس (7) جعله الحبرة; لدلالة الاسمين على الزينة، وظاهر الأكثر
~~مغايرته مع الحبرة (8).
# وكثير من الأصحاب (9) لم يفرق بين الرجل والمرأة.
# والمراد بالخمس للرجل في كلام كثير منهم غير الخرقة والعمامة، والسبع
~~للمرأة غير القناع، وكيف كان فالإشكال في مأخذ الحكم.
# وما استدلوا به من صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " يكفن ms0868
~~الرجل في ثلاثة أثواب، والمرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع ومنطق وخمار
~~ولفافتين " (10) غير ظاهر الوجه بوجه، فإن الظاهر من الدرع القميص، ومن
~~المنطق
# PageV03P431
# المئزر، والخمار القناع، وإذا جعلنا اللفافتين الإزار والحبرة، فلا يبقى
~~للنمط شئ يدل عليه.
# ويمكن أن يقال: هي رواية يونس عنهما عليهما السلام، قال: " الكفن فريضة
~~للرجال ثلاثة أثواب، والعمامة والخرقة سنة، وأما النساء ففريضته خمسة أثواب
~~" (1) ويشكل باستلزامه تفكيك القرينتين، لعدم وجوب الخمسة فيها ووجوب
~~الثلاثة في الرجل، مع عدم الإشعار بكون أحدهما نمطا.
# السادس: يستحب أن يكون الكفن قطنا، للإجماع، نقله في المعتبر (2)،
~~والأخبار (3).
# وأن يكون أبيض إلا الحبرة كما تقدم، للأخبار (4).
# وأن يكون جيدا غالي الثمن، للأخبار الكثيرة (5).
# وأن يطيب بالذريرة، للأخبار (6)، مثل موثقة عمار (7)، ورواية سماعة
~~القوية بعثمان بن عيسى (8)، والظاهر عدم الخلاف فيه.
# وموثقة سماعة تدل على تطييب كل الثياب، وخصه بعض الأصحاب بما عدا اللفافة
~~الظاهرة (9). وعن الشيخ أنه يذر على القطن الذي يوضع على الفرجين (10)،
# PageV03P432
# ولعله استفاده من رواية عمار.
# واختلفوا في تفسير الذريرة على أقوال شتى لم أتحقق شيئا منها، وأضبطها ما
~~ذكره الفاضلان (1) أنها الطيب المسحوق، والظاهر أنهما أرادا معهودا، وإلا
~~فلا رجحان لكل طيب مسحوق، والأقوال مذكورة في الذكرى (2) والذخيرة (3).
# والمشهور كراهية تطييب الكفن بغير الكافور والذريرة، وتجميرها بالمجمرة،
~~وهو ما تدخن به الثياب، ونقل في المعتبر إجماع علمائنا عليه (4).
# وتدل عليه الأخبار الكثيرة، كقول أمير المؤمنين عليه السلام في رواية
~~محمد بن مسلم: " لا تجمروا الأكفان، ولا تمسحوا موتاكم بالطيب إلا
~~بالكافور، فإن الميت بمنزلة المحرم " (5).
# ومرسلة ابن أبي عمير (6)، ورواية يعقوب بن يزيد في النهي عن التحنيط
~~بالمسك (7).
# ورواية إبراهيم بن محمد الجعفري في قرب الإسناد (8)، وغيرها (9).
# وعن الصدوق: أن يجمر الكفن، ولا يتبع بالمجمرة (10)، وتدل عليه حسنة
# PageV03P433
# عبد الله بن سنان (1)، وتؤيده رواية غياث بن إبراهيم الدالة على تجميره
~~بالعود فيه المسك (2).
# وينبغي حملها على التقية كما تدل عليه رواية داود بن سرحان (3).
# وكذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله ms0869 حنط بمثقال مسك سوى الكافور
~~(4) يحمل على التقية في الرواية، أو على اختصاصه صلى الله عليه وآله به.
# وظاهر المحقق في الشرائع حرمة التطييب بغير الكافور والذريرة (5).
# ويكره اتباعه بالمجمرة للروايات (6).
# ويستحب سحق الكافور باليد على المشهور، ومستنده غير واضح، وعلل بحفظه عن
~~الضياع، وتكفي فتواهم.
# وذكر جماعة من الأصحاب استحباب جعل ما يفضل من الكافور عن المساجد في
~~الصدر (7)، والمستفاد من حسنة الحلبي (8) مطلق الوضع على الصدر، لا خصوص
~~الفاضل.
# نعم في الفقه الرضوي ما يدل عليه (9).
# ويدل على رجحان الوضع مضافا إلى ذلك عموم المساجد; لكونه مسجدا في سجدة
~~الشكر.
# PageV03P434
# السابع: يستحب أن يجعل معه جريدتان بإجماع أصحابنا، والأخبار به من
~~الطرفين مستفيضة (1)، ولكن العامة لم يعملوا بها.
# وعلل في أخبارنا بأنه يوجب تجافى العذاب عنه، وفيها أن ذلك ينفع المحسن
~~والمسئ، والمؤمن والكافر، وذلك من الأمور التي لا تبلغه عقولنا كأكثر
~~الأحكام الشرعية.
# ويشترط أن تكونا خضراوين، لتصريح الأخبار، وتعليلها بأنه لا يعذب الميت
~~ما دامت رطبة، وفي بعضها التصريح بعدم جواز اليابس أيضا (2).
# والمشهور أن تكونا من النخل، وإن لم يوجد فالسدر، وإن لم يوجد فالخلاف،
~~وإلا فمن شجر رطب، لرواية سهل بن زياد (3)، ويحمل عليها إطلاق غيرها من
~~الأخبار.
# وقدم المفيد الخلاف على السدر (4)، وهو مختار سلار (5) والعلامة في
~~الإرشاد (6)، ولا يحضرني مستنده.
# وذهب جماعة منهم الشيخ في الخلاف إلى أنه مع تعذر النخل يؤخذ من شجر رطب
~~(7)، وتدل عليه حسنة علي بن بلال (8).
# وهناك قول آخر ذهب إليه الشهيدان، وهو قول المشهور مع تقديم الرمان على
# PageV03P435
# سائر الأشجار الرطبة (1).
# ولعل المستند ما ذكره الكليني بعد نقل رواية سهل بن زياد، وقال: وروى علي
~~بن إبراهيم في رواية أخرى قال: " يجعل بدلها عود الرمان " (2) والظاهر أن
~~المراد به بدل الخلاف.
# ووجه الاستدلال: أن الرمان إذا كان في مرتبة الخلاف فيقدم على غيره إذا
~~أعوز الخلاف بناءا على العمل برواية سهل.
# والمشهور في كيفية وضعهما أن يجعل رأس إحداهما مع ترقوتة ملتصقا بالجلد
~~إلى ما تبلغه ms0870 من الجانب الأيمن، والأخرى كذلك فوق القيمص من الجانب الأيسر،
~~لحسنة جميل بن دراج (3)، وحسنة الحسن بن زياد الصيقل (4)، ورواية فضيل بن
~~يسار (5).
# وذهب الصدوقان إلى جعل اليمنى مع ترقوته ملاصقة للجلد، واليسرى عند وركه
~~بين القميص والإزار (6)، ولم نقف على ما يطابقه من الأخبار.
# وعن الجعفي جعل إحداههما تحت إبطه الأيمن، والأخرى مما يلي الساق ونصف
~~مما يلي الفخذ (7)، لرواية يونس (8).
# والأولى عدم الشق، لظواهر أكثر الأخبار (9)، وإكمالا للغرض من بقاء
# PageV03P436
# الرطوبة، ولذلك قالوا باستحباب جعلهما في القطن.
# وإن لم يمكن وضعهما على الكيفية المعتبرة لتقية أو غيرها وضعت في القبر
~~حيث يمكن كما يستفاد من الأخبار (1)، بل على القبر أيضا كما يدل عليه
~~بعضها.
# والإطلاق يقتضي عدم الفرق بين الصغير والكبير، ولكن العلة المستفادة من
~~الأخبار من تخفيف العذاب تنافيه، وربما علل ذلك بإقامة الشعار، ولا بأس به.
# واختلفوا في مقدارها، فالأكثر على أن طولها قدر عظم الذراع (2).
# وقيل: إن كان قدر ذراع فلا بأس، وإن كان قدر شبر فلا بأس (3).
# وعن ابن أبي عقيل مقدار كل واحدة أربع أصابع فما فوقها (4).
# والأخبار في ذلك مختلفة (5)، والكل حسن، ولا يبعد ترجيح الأطول لملاحظة
~~العلة، وإن أمكن ترجيح قول الأكثر للعمل.
# الثامن: قال في الذكرى (6): ويستحب أن يكتب على الحبرة واللفافة والقميص
~~والعمامة والجريدتين: " فلان يشهد أن لا إله إلا الله " لخبر أبي كهمس أن
~~الصادق عليه السلام كتبه على حاشية كفن ولده إسماعيل (7).
# وزاد ابن الجنيد (8): وأن محمدا رسول الله صلى الله وعليه وآله.
# PageV03P437
# وزاد الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2) والخلاف (3) وابن البراج (4):
~~أسماء النبي والأئمة عليهم السلام، وظاهره في الخلاف دعوى الاجماع عليه
~~(5). والعمامة ذكرها الشيخ في المبسوط (6) وابن البراج (7) لعدم تخصيص
~~الخبر.
# ولتكن الكتابة بتربة الحسين عليه السلام، ومع عدمها بطين وماء، ومع عدمه
~~بالإصبع، وفي العزية للمفيد: بالتربة أو غيرها من الطين (8)، وابن الجنيد
~~بالطين والماء (9)، ولم يعين ابن بابويه ما يكتب به (10).
# والظاهر اشتراط التأثير في الكتابة لأنه المعهود.
# ويكره بالسواد، قال المفيد: وبغيره من ms0871 الأصباغ (11).
# ولم أقف (12) على استحباب كتابة شئ على الكفن سوى ذلك، فيمكن أن يقال
~~بجوازه قضية للأصل، وبالمنع لأنه تصرف لم يعلم إباحة الشرع له.
# أقول: وروى الصدوق في العيون عن عبد الله الصيرفي في حديث أن موسى بن
~~جعفر عليه السلام كفن بكفن في حبرة استعملت له بمبلغ خمسمائة دينار كان
~~عليها القرآن كله (13).
# PageV03P438
# وفي الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان عليه السلام: أنه كتب إليه قد
~~روي لنا عن الصادق عليه السلام أنه كتب على إزار ابنه: " إسماعيل يشهد أن
~~لا إله إلا الله " فهل يجوز لنا أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أو غيره؟
~~فأجاب: " يجوز والحمد لله " (1).
# وعمومات جواز التمسك بالقرآن والاعتصام به والاستشفاع به (2)، وعمومات ما
~~دل على رجحان جعل التربة مع الميت (3) وحسن التمسك بالأسامي المتبركة يكفي
~~في إتمام المطلوب في المكتوب والمكتوب به والمكتوب عليه.
# نعم الأولى الاجتناب عن الكتابة فيما يلاصق أسافل الأعضاء، بل الظاهر أن
~~الأصل مع حكم العقل بحسن الاستقصاء يفيد رجحان الفعل إذا لم يجعله بالخصوص
~~حكما شرعيا، ومع ملاحظة العمومات والخصوصات الواردة فلا إشكال.
# وأما كراهة الكتابة بالسواد فذكرها جماعة من الأصحاب (4)، وعللت بأنها
~~نوع استبشاع.
# ويمكن أن يقال: إن ما دل على كراهة التكفين في السواد والثوب الأسود (5)
~~ينبه عليه، وكذلك ما دل على استحباب التكفين في البياض والأبيض (6).
# ومما ذكرنا تظهر كراهة التكفين في سائر الألوان أيضا كما نقل عن ابن
~~البراج (7) إن قلنا بأن ترك المستحب مكروه، وإلا فيمكن الاعتماد في الكراهة
# PageV03P439
# على فتواه.
# ويكره التكفين في الكتان على المشهور، لرواية يعقوب بن يزيد (1)، ورواية
~~أبي خديجة (2)، وظاهر الصدوق التحريم (3) والوجه الأول.
# ويستحب أن يخاط الكفن بخيوطه، قال في الذكرى (4): قاله الشيخ في المبسوط
~~(5) والأصحاب (6).
# ويكره بل الخيوط بالريق في المشهور.
# قال في المعتبر (7): ذكره الشيخ (8) ورأيت الأصحاب يجتنبونه، ولا بأس
~~بمتابعتهم لإزالة الاحتمال، ووقوفا على موضع الوفاق.
# وأما بلها بغير الريق، فالظاهر عدم الكراهة، للأصل، ولإشعار التخصيص
~~بالريق إباحة غيره، انتهى. وما ذكر كاف ms0872 في المكروه للمسامحة كالمستحب.
# ويكره قطع الكفن بالحديد، قال الشيخ: سمعنا ذلك مذاكرة من الشيوخ، وعليه
~~كان عملهم (9).
# ويكره أن يعمل للأكفان المبتدأة أكمام، كما قاله الأصحاب (10)، لرواية
# PageV03P440
# محمد بن سنان (1).
# وأما لو كفن في قميصه أو قميص غيره فلا بأس فيه، لهذه الرواية، ولصحيحة
~~محمد بن إسماعيل بن بزيع (2)، ولكن تنزع أزراره للروايتين.
# ويستحب أن يطوى جانب اللفافة الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر، قال
~~في المدارك: لم أقف فيه على أثر، ولعل وجهه التيمن باليمين (3).
# أقول: في الفقه الرضوي ما يدل عليه (4).
# وقال في الذكرى (5): وقال الأصحاب (6) ونقل الشيخ فيه الاجماع (7) وتطوى
~~اللفافتان; جانبهما الأيسر على جانبه الأيمن، وجانبهما الأيمن على جانبه
~~الأيسر، ويعقد طرفيهما مما يلي رأسه ورجليه، قال ابن البراج: يشق حاشية
~~الظاهرة منهما ويعقد بها (8).
# التاسع: إذا ظهر من الميت نجاسة فإن لاقت بدنه فيجب غسله.
# والمشهور عدم وجوب إعادة غسله، وعن ابن أبي عقيل إذا خرج منه شئ من
~~الأحداث أنه تجب الإعادة (9).
# PageV03P441
# والأول أقوى لقوية عبد الله بن يحيى الكاهلي والحسين بن مختار (1)،
~~ومرسلة سهل بن زياد (2)، ورواية روح بن عبد الرحيم (3).
# ولا وجه للقدح في سند الأخبار مع قوة بعضها واعتضادها بالعمل في الغسل
~~وبه وبالأصل، واقتضاء الأمر الاجزاء في عدم إعادة الغسل.
# وربما يحتج لابن أبي عقيل بأن الحدث ناقض للغسل (4)، ولا يخفى ضعفه.
# وإن لاقت كفنه فالظاهر أن وجوب إزالتها في الجملة إجماعي، ولكن المشهور
~~أنه يغسل قبل طرحه في القبر ويقرض بعد طرحه فيه.
# وعن الشيخ (5) إطلاق القرض، لمرسلة ابن أبي عمير الحسنة (6)، ورواية
~~الكاهلي (7) وغيرهما (8).
# وربما حملتا على ما لم يمكن الغسل.
# وربما جمع بين هذه الأخبار {والأخبار} الأولة بالتخيير بين الغسل والقرض،
~~وربما حملت هذه على ما بعد الطرح في القبر كما هو المشهور.
# أقول: والتحقيق أن الأخبار الأولة أعم مطلقا بالنسبة إلى البدن والكفن،
~~والأخيرة خاصة بالكفن، فيخصص الغسل بغير الكفن.
# ووجه تقييد الخاص بما بعد الطرح في القبر أن عمومه ليس بحيث يشمل الخارج
~~من ms0873 القبر وصورة إمكان الغسل بلا حرج، سيما مع ملاحظة حرمة إتلاف المال
# PageV03P442
# إلا فيما دل عليه الدليل، ولم يدل عليه فيما نحن فيه.
# والظاهر أن الأمر بالقرض في القبر أيضا وارد مورد الغالب من عدم إمكان
~~الغسل أو لزوم الحرج، وإلا لأمكن وجوب الغسل هناك أيضا، وأن ذلك رخصة في
~~غيرهما أيضا لا عزيمة، ولعل مراد المشهور أيضا ذلك.
# ومما يشيد ما ذكرنا ويسدده الأمر الوارد بإجادة الأكفان وإعلائها، حتى
~~ورد أن بعض الأئمة كفن في حبرة تسوى خمسمائة دينار (1)، وبعضهم بما يسوى
~~أربعمائة دينار (2)، وعلل في الأخبار بأنهم يباهون بالأكفان ويحشرون فيها
~~ونحو ذلك (3)، فالحكم بجواز القرض في كفن يسوى خمسمائة دينار، وإضاعته
~~وتشويهه مع إمكان غسله بما لا يوجب نقصانا ولا عسرا كما ترى.
# ويؤيد ما ذكرنا أيضا أن الغالب في تنجس الكفن أنه يحصل من البدن كما هو
~~مورد الأخبار، ويصعب غسل الكفن بالماء في القبر مع ما أوجبه من البدن،
~~فالأمر بالقرض إرشاد إلى تقليل النجاسة.
# ولم يتعرضوا لحال البدن في القبر، مع أن إطلاق الأخبار الأولة يوجبه;
~~للنظر إلى الغالب من عدم الإمكان، أو لزوم العسر، بل الظاهر من تلك الأخبار
~~هو ظهور النجاسة قبل الطرح في القبر.
# ومما ذكرنا يظهر أن مراد الشيخ أيضا لا بد أن يكون جواز القرض قبل الطرح
~~لا وجوبه كما يتوهم من عبارة الشرائع (4) وغيرها (5)، لأن الظاهر أن الأمر
~~بالقرض إرشاد إلى الإزالة في موضع عدم إمكان الغسل، أو لزوم الحرج، فليفهم
~~ذلك.
# وقال في الذكرى: لو أفسد الدم معظم الكفن أو ما يفحش قطعه; فالظاهر وجوب
~~الغسل مطلقا استبقاءا للكفن، لامتناع إتلافه على هذا الوجه، ومع التعذر
# PageV03P443
# يسقط للحرج (1). وهذا أيضا يؤيد ما ذكرنا ويوضحه.
# والظاهر أن المراد من إمكان الغسل وعدم تعذره إنما هو في القبر، فلو لم
~~يمكن إلا باخراج الميت من القبر أو بنزع الكفن وإخراجه فلا يجوز.
# ثم أنهم لم يتعرضوا لحكم النجاسة الظاهرية للبدن أو الكفن من الخارج فيما
~~حضرني من كلماتهم، ولعل ms0874 عموم ما دل على إزالة النجاسة عن الميت سيما ما ورد
~~في علة الغسل (2) وتنبيه هذه الأخبار عليه يكفي في تعميم الحكم.
# وأما خروج النجاسة والأحداث عنه في أثناء الغسل فالظاهر أنه أيضا لا يوجب
~~إعادة الغسل للأصل، ويدل عليه ما مر من الأخبار الدالة على استحباب عصر
~~بطنه بعد الغسلتين الأوليين (3).
# العاشر: يؤخذ الكفن من أصل المال مقدما على الدين والوصية، إلا فيما
~~سنذكره، والظاهر أنه إجماعي، وادعى عليه الاجماع في الذكرى (4) وغيره (5).
# ويدل عليه مضافا إلى ظاهر الاجماع صحيحة عبد الله بن سنان (6)، وصحيحة
~~زرارة (7) ورواية السكوني (8).
# قال في الذخيرة: وإطلاق الأخبار وكلام الأصحاب يقتضي تقديمه على حق
# PageV03P444
# المرتهن والمجني عليه وغرماء المفلس، وبه صرح بعض الأصحاب، ويحتمل تقديم
~~حق المرتهن والمجني عليه، ويحتمل تقديم حق المجني عليه دون المرتهن (1)،
~~انتهى.
# ولعل الوجه أن حق المرتهن قد تعلق بعين المال في الجملة قبل الموت، وكذلك
~~حق المجني عليه بالنسبة إلى العبد الجاني، فيشكل الحكم بارتفاعه بالموت،
~~ومنع تبادر المذكورات من إطلاق الأخبار، سيما الصحيحتين.
# والذي يقدم هو الواجب من الكفن كما صرح به جماعة (2)، وأما المندوب إذا
~~أوصى به، فإن خرج من الثلث وإلا فيقف على الإجازة بعد الدين.
# قالوا: وكذلك ما يحتاج إليه الميت في التجهيز من سدر وكافور وغيره يخرج
~~من أصل المال (3)، ولم أقف على ذكر خلاف فيه; ومن جملة ذلك الماء أو ثمنه،
~~وأجرة المكان الذي يغسل فيه ونحو ذلك. واستدل عليه في المدارك بأن الوجوب
~~متحقق، ولا محل له سوى التركة إجماعا (4) أقول: إن لم تكن المسألة إجماعية
~~يمكن الخدشة بأن ظاهر ما دل على وجوب غسل الميت مثل قوله عليه السلام: "
~~غسل الميت واجب " (5) الإطلاق، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب، فإذا
~~قال الشارع " غسل الجنابة واجب " فلا نوقفه على وجود الماء، بل نوجب
~~تحصيله، إلا أن الظاهر عدم الخلاف; مع إمكان القدح في الإطلاق أيضا.
# وإن لم يكن للميت ما يكفن فيه يدفن بلا كفن، ولا يجب على المسلمين ms0875 بذله.
# والظاهر أنه أيضا إجماعي، وهو مقتضى الأصل.
# PageV03P445
# نعم يستحب لهم بذله للأخبار (1).
# وعن جماعة من الأصحاب جواز تكفينه من الزكاة مع احتياجه إلى (ذلك) (2)
~~(3).
# وقيل: بل يجب (4) لموثقة الفضل بن يونس الكاتب، قال: سألت أبا الحسن موسى
~~عليه السلام فقلت له: ما ترى في رجل من أصحابنا يموت ولم يترك ما يكفن به،
~~أشتري له كفنه من الزكاة؟ فقال: " أعط عياله من الزكاة قدر ما يجهزونه،
~~فيكونون هم الذين يجهزونه ".
# قلت: فإن له يكن له ولد ولا أحد يقوم بأمره، فاجهزه أنا من الزكاة؟ قال:
~~" كان أبي يقول: إن حرمة بدن المؤمن ميتا كحرمته حيا، فوار بدنه وعورته
~~وجهزه وكفنه وحنطه، واحتسب بذلك من الزكاة، وشيع جنازته ".
# قلت: فإن أتجر عليه بعض إخوانه بكفن آخر وكان عليه دين، أيكفن بواحد و
~~يقضى دينه بالآخر؟ قال: " لا، ليس هذا ميراثا تركه، إنما هو شئ صار إليه
~~بعد وفاته، فليكفنوه بالذي أتجر عليه، ويكون الآخر لهم يصلحون به شأنهم "
~~(5).
# وقدح في المدارك في سندها بسبب وقف الفضل (6)، وهو غير مضر، لأنه ثقة
~~(7).
# نعم لا دلالة فيها على الوجوب، لأن الأمر فيها وارد مورد توهم الحظر.
# PageV03P446
# والظاهر أنه عليه السلام أراد بالأمر بإعطائه أهله ليكفنوه جعله في سهم
~~الفقراء مع اشتراط فقرهم، ثم الأمر الآخر أيضا بعد فقد الأهل من باب إدخاله
~~في سبيل الله، وهو أيضا لا يفيد الوجوب، لأنه أيضا في مورد توهم الحظر.
# وكون الزكاة واجبة لا يوجب كون ذلك المصرف واجبا، بل مقتضى ذلك استحباب
~~جعل الزكاة الواجبة في هذا المصرف كما يصرف في نفقة الزوار.
# وفي الخبر أمور أخر تقدح في الدلالة على الوجوب لا تخفى على المتأمل.
# وقد يستدل على الوجوب بما دل على جواز قضاء دين الميت الذي لم يترك شيئا
~~يوفي دينه (1) من باب الأولوية، فإن الكفن مقدم على الدين، وفيه تأمل.
# وألحق في المسالك الخمس، قال: ويجوز تحصيله من الزكاة أو من الخمس مع
~~استحقاقه لهما (2)، وفيه إشكال.
# ولو كان للمسلمين بيت مال ms0876 موجود كفن منه. والظاهر أن بذلك أيضا لا يثبت
~~الوجوب، إذ لا دليل على وجوب بسط بيت المال على جميع المصالح كالزكاة.
# وقال في المسالك: أخذ منه وجوبا (3)، ولا يحضرني دليله.
# والكلام في فقد سائر مؤن التجهيز كالكفن في عدم وجوب البذل على المؤمنين
~~واستحبابه. وأما جعله من الزكاة فيتم لو عممنا سبيل الله كما هو المشهور،
~~أو أعطيناه الفقراء من أهله ليجهزوه به، بل وتدل عليه رواية الفضل أيضا في
~~الجملة، والكلام في بيت المال كما مر.
# الحادي عشر: كفن المرأة على زوجها بلا خلاف بين الأصحاب، ونقل عليه
~~الاجماع في الخلاف (4).
# PageV03P447
# وتدل عليه صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
# " الكفن من جميع المال " وقال عليه السلام: " كفن المرأة على زوجها إذا
~~ماتت " (1).
# والظاهر أن قوله " وقال عليه السلام " من عبد الله بن سنان لا الصدوق حتى
~~يلزم الإرسال.
# ورواية السكوني، عنه عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام: " إن عليا عليه
~~السلام، قال: على الزوج كفن امرأته إذا ماتت " (2).
# واستدل أيضا ببقاء الزوجية; ومن ثم جاز تغسيلها ورؤيتها ويرثها، فعليه
~~مؤنتها والكفن منها (3)، وفيه نظر.
# والأولى الاستدلال بالاستصحاب.
# وكيف كان فلا إشكال في الحكم، لاعتضاد الخبرين والإجماع المنقول بفتوى
~~الأصحاب وعملهم.
# وعن جماعة من الأصحاب إلحاق سائر مؤن التجهيز (4)، ولا بأس به،
~~للاستصحاب، وتوقف فيه في المدارك (5).
# ثم إن إطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق بين الدائمة والمنقطعة، والحرة
~~والأمة، والمطيعة والناشزة، والتعليل بوجوب المؤنة عليل، فلا يضر النشوز في
~~ذلك. نعم يمكن منع انصراف المنقطعة من إطلاق النص، والمطلقة رجعية زوجة.
# وظاهرهم اختصاص الوجوب بالموسر، واحتمل في المدارك لزومه على المعسر أيضا
~~(6)، وفسر بأن لا يفضل به شئ عن قوت يوم وليلة وما يستثنى في الدين،
# PageV03P448
# وحينئذ فيجب في تركتها.
# قال في الذكرى: ولو ملك البعض أخرج الباقي من تركتها (1).
# ولو ماتا معا فالظاهر عدم الوجوب في مال الزوج، لعدم التكليف.
# ولو مات بعدها لم يسقط.
# ولو أوصت بالكفن فيعتبر من الثلث، ms0877 لعدم وجوبه من مالها.
# ولا يلحق بالزوجة سائر من تجب نفقته إلا المملوك، قال في الذكرى (2):
# ولا يلحق واجب النفقة بالزوجة، للأصل، إلا العبد، للإجماع عليه وإن كان
~~مدبرا أو مكاتبا، مشروطا أو مطلقا لم يتحرر منه شئ، أو أم ولد، ولو تحرر
~~منه شئ فبالنسبة.
# PageV03P449
# المقصد الرابع في الصلاة عليه وفيه مباحث:
# الأول: فيمن يصلى عليه وهو كل من أظهر الشهادتين ما لم يظهر منه خلافه
~~بإنكار ضروري الدين.
# قال في المنتهى: وتجب الصلاة على الميت البالغ من المسلمين بلا خلاف (1).
# وظاهره دعوى الاجماع على الوجوب على كل ميت مسلم.
# وقال المحقق الأردبيلي - رحمه الله - بعد نقل ذلك: فدليل الوجوب هو
~~الاجماع نظير ما ذكره في الغسل (2).
# وقد ذكرنا الإشكال في دعوى الاجماع ثمة، والإشكال موجود هنا أيضا، لأن
~~المخالف فيه جماعة من فحول أصحابنا، كالمفيد (3) وأبي الصلاح (4)
# PageV03P450
# وابن إدريس (1) وسلار (2) على ما نقلناه من الذكرى (3).
# وغاية توجيه الاجماع المنقول هو ما ذكرناه ثمة من أن الاجماع نقل على
~~وجوب الصلاة لكل ميت مسلم، ولعل نزاع هؤلاء في كون المخالفين مسلمين،
~~فالإجماع إنما انعقد على وجوب الصلاة على المسلم، والمسلم اسم لمن هو مسلم
~~في نفس الأمر، ونحن مكلفون بما نفهم أنه مسلم، فإذا اخترنا كون المخالفين
~~مسلمين فيجري عليهم حكم الاجماع، فلا يضر الاختلاف في الاسلام الاجماع على
~~وجوب الصلاة على كل مسلم. غاية الأمر كونه كالإجماع على وجوب العمل على ما
~~يفهم أنه المراد من اللفظ.
# ولكن القول بكون المخالفين كفارا من جميع هؤلاء الفحول غير معهود، فلم
~~يعلم كون مخالفتهم من جهة الكفر، فليثبت الاجماع على وجوب غسل كل مسلم.
# ويمكن بعيدا أن يجمع بين دعوى الاجماع ومخالفة هؤلاء أن المراد أنه تجب
~~الصلاة على المكلفين في الجملة لكل ميت مسلم، لا أنه تجب الصلاة على جميع
~~المكلفين وقاطبتهم على كل ميت مسلم، فيكفي في ذلك وجوبه على المخالفين فقط.
# وتظهر الثمرة في وجوب أمرهم بالصلاة على موتاهم من باب الأمر بالمعروف،
~~سيما مع قولهم عليهم ms0878 السلام: " ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم " (4) ونحو
~~ذلك من الثمرات، هذا الكلام في الاجماع.
# PageV03P451
# وأما الأخبار فقد استدل على العموم بقوية طلحة بن زيد، عن الصادق عليه
~~السلام، عن أبيه عليه السلام: " صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على
~~الله " (1).
# ورواية السكوني، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام: " إن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله قال: صلوا على المرجوم من أمتي، وعلى القتال
~~نفسه من أمتي، لا تدعوا أحدا من أمتي بغير صلاة " (2).
# ونقل في الذكرى (3) عنه صلى الله عليه وآله - ولعله من طرق العامة - "
~~صلوا على من قال لا إله إلا الله " (4).
# وأيضا قال صلى الله عليه وآله " صلوا على كل بر وفاجر " (5).
# وفي رواية عبد الله بن سنان: " أمر جبرئيل عليه السلام هبة الله أن يصلي
~~على أبيه آدم عليه السلام، وأن يكبر عليه خمسا عدة الصلاة التي فرضها الله
~~تعالى على أمة محمد صلى الله عليه وآله، وهي السنة الجارية إلى يوم القيامة
~~" (6) ونحو ذلك.
# ويمكن القدح في سند كلها أو جلها، ودلالة أكثرها، سيما الرواية الأخيرة،
# PageV03P452
# لمنع عموم الأمة، ولأن ظاهر أكثر هذه الأخبار أن الفسق لا يضر كالزنا
~~والقتل وغيره كما ورد في صحيحة هشام بن سالم " أنه يصلى على شارب الخمر
~~والزاني والسارق " (١) والظاهر أن الأوامر فيها واردة مورد توهم الحظر كما
~~لا يخفى على المتأمل، ولا ننكر جوازه.
# وقضية قول الأصحاب في غسله " أنه يغسل غسل المخالفين " أن صلاته أيضا
~~كذلك كما ذكره المحقق الأردبيلي رحمه الله (٢) ويجئ فيه الإشكال الذي ذكرنا
~~ثمة.
# وقال: الانصراف بعد الرابعة من غير دعاء، لعدم ظهور وجوب الدعاء له أو
~~عليه وبالدعاء، والانصراف بعد الخامسة بالدعاء وبغير الدعاء بينهما،
~~واختيار صلاته كما قيل في الغسل، ولعل الثاني بغير الدعاء أولى، ويمكن مع
~~الدعاء للعموم وعدم ثبوت عدم جواز الدعاء، ولهذا وقع في الأدعية بعد
~~المؤمنين والمؤمنات الدعاء للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وعدم
~~الاتفاق على وجوب لعنهم، واحتمال الترحم لهم من الله، هذا ms0879 مع عدم النصب
~~والعداوة، لعموم الأخبار الدالة على وجوبها على أمة محمد صلى الله عليه
~~وآله، وكونها خمس تكبيرات مع الدعاء، ولما سقط الدعاء بعد الرابعة بالإجماع
~~ونحوه، بقي الباقي، ويشعر الاكتفاء في المنافق على أربع بجواز الاقتصار
~~عليه هنا أيضا فتأمل (٣)، انتهى كلامه.
# ولا تجوز الصلاة على الكافر، للإجماع، ولقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ (4) ولا فرق بين
~~الأصلي والمرتد، والذمي وغيره.
# نعم يجوز على بعض الفرق كالنواصب، ولكن يلعن عليه في الدعاء كما سيجئ.
# PageV03P453
# وفي حكم المسلم الأطفال والمجانين المتولدون من مسلم أو مسلمة.
# واختلفوا في الحد الذي تجب الصلاة عليه في الطفل، فالمشهور المدعى عليه
~~الاجماع من السيد (1) والعلامة في المنتهى (2) هو كمال ست سنين، لصحيحة
~~محمد بن مسلم (3)، وصحيحة زرارة وعبيد الله بن علي الحلبي (4)، وصحيحة
~~زرارة على الأظهر (5)، وغيرها من الأخبار (6).
# وعن ابن الجنيد الوجوب على المستهل (7)، لصحيحة عبد الله بن سنان (8)،
~~وصحيحة علي بن يقطين (9)، ورواية السكوني (10) وغيرها (11).
# وعن ابن أبي عقيل عدم الوجوب حتى يبلغ (12)، لموثقة عمار، وفيها: " إنما
~~الصلاة على الرجل والمرأة إذا جرى عليهما القلم " (13).
# PageV03P454
# وعن المفيد الوجوب إذا عقل الصلاة (1)، وكذا الصدوق في المقنع (2)،
~~والظاهر أنه هو قول المشهور، لما فسروا في أخبارهم (3) ذلك ببلوغ ست سنين.
# وعلى ذلك تحمل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، حيث قال:
# " إذا عقل الصلاة صلي عليه " (4).
# والأقوى الأول، لكثرة الأخبار وصحتها، وموافقتها للأصل والشهرة والإجماع
~~المنقول، وشذوذ القولين بحيث لم يعتد العلامة بمخالفتهما (5) في دعوى
~~الاجماع.
# وقد تحمل رواية عمار على أن القلم أعم من القلم التمريني (6)، وأخبار ابن
~~الجنيد على الاستحباب (7)، والأولى حملها على التقية كما هو الظاهر من غير
~~واحد منها.
# وعن النهاية: يصلى على من نقص عن ست استحبابا وتقية (8)، والظاهر أنه
~~أراد استحبابه في نفسه وإرادة الفعل وجوبا للتقية.
# وأما غير المستهل فلا صلاة عليه قولا واحدا.
# وفي حكم ما علم تولده من مسلم لقيط دار الاسلام، ومن وجد ms0880 ميتا فيها.
# وقيل: اللقيط في دار الكفر أيضا، وفيها مسلم صالح للاستيلاد (9)،
# PageV03P455
# وهو مشكل.
# الثاني: في المصلي على الميت.
# قالوا: إن أحق الناس بالصلاة عليه أولاهم بميراثه (1).
# ومعنى ذلك أن الوارث مقدم على غير الوارث، لا تقديم الأكثر نصيبا على
~~غيره أيضا. نعم هنا تفصيل في تقديم بعض ذوي الإرث على غيره سيجئ بيانه.
# والظاهر أن أصل الحكم إجماعي.
# واستدلوا عليه بآية أولي الأرحام (2).
# وفيه إشكال، فإنه لا يتم إلا مع تعميم الأولوية بالنسبة إلى الإرث
~~والصلاة وغيرهما، مثل ولاية القصاص، وحينئذ فلا يدل إلا على أولوية الرحم
~~على غير الرحم، لا الوارث على غير الوارث.
# ولا يمكن أن يقال: المراد بالبعض الأول في الآية هو بعض الأرحام
~~الموجودين، بمعنى أن بعض الموجودين منهم أولى بالميت من البعض الآخر منهم،
~~ليثبت اتحاد الأولى في الميراث والقصاص والصلاة وغيرها; للزوم الاجمال في
~~الآية، لعدم العهد، فلا يجوز الاستدلال به، مع أنك تراهم يستدلون بعمومه في
~~إثبات الميراث لمن لم يثبت فرضه في القرآن، ولم يرد به الخبر أيضا، ولم
~~يعهد في السنة النبوية صلى الله عليه وآله بيان لذلك المجمل حتى يكون
~~الاتكال عليه... مع أنك تراهم لا يتمسكون في جميع موارد الاستدلال به
~~بالخبر الوارد فيه.
# واستدلوا عليه بحسنة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن الصادق عليه السلام
~~قال: " يصلي على الجنازة أولى الناس بها، أو يأمر من يحب " (3) ورواية
~~البزنطي -
# PageV03P456
# وليس في سندها من يتأمل فيه إلا سهل، وهو سهل (١) - عن بعض أصحابنا، عنه
~~عليه السلام مثله (٢).
# وفيه أيضا إشكال، لعدم العهد للأولى، وكونه كناية عن الأولى المذكور في
~~الآية قد عرفت أنه لا يجدي، فإن مقتضى الآية أولوية مطلق الرحم من غيره، لا
~~أولوية بعضهم الخاص من غيره كما لا يخفى.
# ومقتضى ذلك تساويهم في استحقاق الإرث، وهو باطل جزما، فالاستدلال بالآية
~~إنما يناسب إثبات مطلق تقديم الرحم على غير الرحم ومجمله.
# نعم فصلت الشريعة النبوية وبينت ترتيب الطبقات، ومنع الأبعد مع وجود
~~الأقرب في الميراث، فإن ms0881 ثبت ذلك الترتيب والمنع في خصوص الصلاة مثلا كما
~~ثبت في الإرث فالمعتمد هو; لا عموم الآية، وإلا فلا يتم الاستدلال أصلا.
# وبالجملة لو لم يثبت الاجماع على تقديم الوارث على غيره لأشكل الاستدلال
~~بالمذكورات.
# نعم يمكن الاستدلال بالخبرين بحملهما على الأمس بالميت (٣)، والأشد
~~علاقة، وهو لا ينفك عن تقديم الوارث، ويناسب التفصيل الذي سنذكره بأن يكون
~~المراد به العلاقة واللصوق النسبي أو السببي، لا مطلق العلاقة.
# لكن يرد عليه المنع من جهة دلالته على العلاقة الخاصة، قال الله تعالى:
~~﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين
~~اتبعوه﴾ (4) الآية، ولم يقل أحد باعتبار مطلق العلاقة هنا.
# PageV03P457
# ثم إن الإشكال في أن الأولوية هل هي في مطلق الصلاة أو الإمامة
~~والمأمومية أيضا؟ إطلاق الروايتين يقتضي الأول، وظاهر كثير من الأصحاب (1)
~~وصريح بعضهم (2) الثاني، ولا تبعد استفادته من رواية السكوني في تقديم
~~سلطان حضر من سلطان الله إن قدمه ولي الميت (3)، وكذلك من صحيحة زرارة في
~~إمامة المرأة للنساء إذا لم يكن أحد أولى منها (4).
# والتحقيق أن يقال: الصلاة التي تسقط بها الصلاة على الميت ويسقط الوجوب
~~الكفائي لا بد أن تكون بإذن الولي، سواء كانت في جماعة أو فرادى، فإن في
~~المصلين تفاوتا فاحشا ربما لا يرضى الولي بإسقاط الصلاة بصلاة من لا يرضى
~~به، بل يريد أن يصلي عليه من يحسن ظنه به ويعتمد صلاحه، ويكون دعاؤه مظنة
~~للإجابة، فلذلك لا يعتنى بشأن المأمومين إذا كان الإمام مرضيا، وكذا لا
~~يعتنى بشأن من يصلي فرادى بعد انعقاد الجماعة بالإمام المرضي له ولم يتم
~~بعد، أو مقارنا لانعقادها، فالذي يضر بمراد الولي هو المنفرد الغير المرضي
~~المبتدئ بالصلاة، والإمام الغير المرضي، ولما كان الغالب في صلاة الجنازة
~~هو الجماعة جعلوا البحث في الإمام أو أطلقوا، فليفهم ذلك.
# ثم بعد اتفاقهم على تقديم الوارث ظاهرا اتفقوا على تقديم الأب على الابن،
~~والظاهر أنه إجماعي، وهو مقتضى تقديم الأمس والأشد علاقة، فإنه أشفق بالولد
~~من الولد.
# وكذا الولد على ms0882 الجد، خلافا لابن الجنيد (5)، حيث قدمه، لأنه أب الأب،
~~لأن
# PageV03P458
# منصب الإمامة إذا كان أليق بالأب من الولد، فيقدم أب الأب، ولا يخفى
~~ضعفه.
# وعن الشيخ أن الأب أولى ثم الولد، ثم ولد الولد، ثم الجد للأب، ثم الأخ
~~للأبوين، ثم الأخ للأب، ثم الأخ للأم، ثم العم، ثم الخال، ثم ابن العم، ثم
~~ابن الخال، قال: وبالجملة من كان أولى بالإرث فهو أولى بالصلاة للآية (1).
# وفيه إشكال، لأنه إن نظر إلى الآية فكل الأرحام متساوون كما ذكرنا، وإن
~~نظر إلى كثرة النصيب فمع عدم الدليل عليه ينتقض بالأب المقدم على الابن، مع
~~كونه أقل نصيبا، وإن كان يمكن القدح في الأقلية، لأن الغالب اجتماع الأولاد
~~مع الأب، وقد يتكثرون فلا يبلغ نصيب أحدهم ربع نصيب الأب، وهو لا ينقص
~~نصيبه أبدا، والجد المقدم على الأخ مع كونه مساويا له، واعتبار ملاحظة
~~أكثرية الحنو والشفقة لو سلم في الجد أيضا، فهو خروج عن اعتبار الإرث.
# وقد صرح بذلك الإشكال في الذكرى (2) وغيره (3)، وهو كذلك، ولا مناص عن
~~هذا الإشكال.
# ولا شئ يصير هنا بمنزلة القانون إلا الاعتماد على الروايتين والرجوع إلى
~~الأولوية العرفية، واعتبار الأحنية وأشدية العلاقة، ففيما يفهم ذلك في
~~العرف - ككون الأب أشد علاقة من غيره، وكذا الأخ من الأبوين مع الأخ من
~~الأب فقط - فواضح، وما لم يفهم ذلك فيه فالأظهر فيه التساوي.
# ويمكن الرجوع إلى القرعة وإن كان الرجوع إلى أكثرية النصيب أيضا أو
~~التقرب من جهة الأب أيضا لا يخلو من رجحان، بملاحظة أن تقديم الشارع بعضهم
~~في النصيب كاشف عن الأقربية والأولوية النفس الأمرية، كالحسن الذاتي
~~المفهوم من الأمر الشرعي فيما لا يدرك العقل حسنه أو قبحه، كصوم آخر رمضان
~~وأول شوال.
# PageV03P459
# هذا كله في غير الزوج.
# وأما الزوج فهو مقدم على الأب أيضا، فضلا عن غيره بلا خلاف ظاهر من
~~الأصحاب، لرواية أبي بصير (1)، ورواية إسحاق بن عمار (2)، ورواية أبي بصير
~~أيضا (3)، وفي روايتي أبي يصير تصريح بتقديمه على الأب والأخ والولد.
# ولا ms0883 يضر ضعف أسنادها مع هذا العمل.
# ولا يعارض بها صحيحة حفص بن البختري (4)، ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد
~~الله (5) الدالتين على تقديم الأخ عليه لشذوذهما. وحملهما الشيخ على
~~التقية، لموافقتهما للعامة (6).
# وإطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق بين الدائمة والمنقطعة، والحرة
~~والأمة.
# PageV03P460
# ومقتضى ذلك تقديم الزوج على سيد المملوكة كما صرح به في المسالك (1).
# وفيما لو كان الزوج عبدا إشكال، وظاهرهم عدم الخلاف في عدم ولاية العبد،
~~كما أن ظاهرهم عدم الخلاف في تقديم الزوج على غيره، والظاهر تقديم الأول
~~لسبق حجره على زوجيته، ولم يثبت زواله، وعدم إرثه، مع عدم العلم بالإجماع
~~في مطلق الزوج.
# ولا تلحق الزوجة بالزوج، لعدم الدليل، ونقل قول بمساواتهما، لشمول اسم
~~الزوج لهما لغة (2)، وهو ضعيف، لعدم وجود نص تعلق الحكم فيه بلفظ الزوج
~~القابل لهما، لأن الروايات كلها صريحة في الزوج أو كالصريحة فيه (3).
# وقال في المسالك: فإن فقد جميع القرابات انتقلت الولاية إلى أهل الولاء
~~على حسب ترتيبهم، فإن تعذر فوليه الحاكم، وإن تعذر فعدول المسلمين (4).
# وقال في روض الجنان بعد ما ذكر ما نقلناه عن الشيخ وألحق به انتقال
~~الولاية عند فقد القرابة إلى أهل الولاء على الترتيب المذكور: وهذا الترتيب
~~بعضه مبنى على أولوية الميراث، وبعضه وهو أفراد الطبقة الواحدة على غيرها،
~~وهو إما كثرة الحنو والشفقة كالأب بالنسبة إلى الابن، أو التوليد كالجد
~~بالنسبة إلى الأخ، أو كثرة النصيب كالعم بالنسبة إلى الخال، والعمل بهذا
~~الوضع هو المشهور (5).
# قال المحقق الأردبيلي رحمه الله: وليس في الحاكم والعدول شئ مما ذكر، و
~~الشهرة ما نعرفها، وهو أعرف (6).
# PageV03P461
# أقول: ويمكن القول بأنه المفهوم عرفا من الروايتين، ويمكن الاستدلال في
~~الولاء بقوله عليه السلام: " الولاء لحمة كلحمة النسب " (1).
# ثم إن ما ذكرنا في معنى الحديث من إرادة الأمس والأشد علاقة هو ما يحصل
~~بسبب النسب أو السبب المعهود من المصاهرة والولاء ونحوه، وإلا فقد تحصل
~~علاقة بين اثنين أجنبيين لا يوجد مثلها أبدا بين ذوي الأنساب وأولي
~~الأسباب، إذ ذلك هو ms0884 الغالب المعهود بين الناس، الحاضر في أذهان عامة
~~المكلفين، فلا يخدش بذلك في دلالة الخبر على ما ذكرنا.
# قالوا: إذا كان الأولياء متعددين فالذكر أولى من الأنثى، والبالغ من
~~الصبي، والحر من العبد، والظاهر أنه إجماعي كما يظهر من المنتهى (2).
# نعم نقل في المدارك عن بعض مشايخه المعاصرين قولا باشتراك الأنثى، وقال:
# ولا ريب في ضعفه، مع أنه مجهول القائل (3).
# ويدل عليه في الأخيرين مضافا إلى الاجماع; عدم الإرث في العبد، وكونه
~~محجورا عليه في التصرف في نفسه، فكيف في غيره، ويظهر منه الكلام في الصبي
~~سيما إذا كان غير مميز.
# واعلم: أن ظاهر كلام الأكثرين وصريح جماعة منهم الشهيدان (4) وصاحب
~~المدارك (5) أن ذلك في الطبقة الواحدة.
# وذهب المحقق الأردبيلي (6) - رحمه الله - إلى التعميم، والحكم بثبوت
~~الولاية للذكر في الطبقة الثانية مع انتفائه في الطبقة الأولى، وكذا
~~البالغ، تمسكا بظاهر
# PageV03P462
# عبارة المنتهى فإنه قال: الحر أولى من العبد وإن كان الحر بعيدا والعبد
~~أقرب; لأن العبد لا ولاية له في نفسه ففي غيره أولى، ولا نعلم فيه خلافا،
~~والبالغ أولى من الصبي لذلك، والرجل أولى من المرأة، كل ذلك لا خلاف فيه
~~(1)، انتهى.
# قال: والظاهر منه أن الصبي والمرأة لا ولاية لهما على تقدير وجود البالغ
~~والرجل وإن كانا بعيدين، وهما قريبان، وأن ذلك مما لا خلاف فيه. وأيده
~~بظاهر حسنة ابن أبي عمير المتقدمة (2)، فإن ظاهرها كون الولي صاحب الرأي
~~والاختيار (3).
# أقول: وفيه نظر، إذ تقييده العبد بقوله: " وإن كان بعيدا " لا يستلزم
~~تقييد الآخرين، والقرينة قائمة على عدم إرادة ما يتراءى ظاهرا من لفظه، إذ
~~هو رحمه الله (4) وغيره من الأصحاب (5) ذكروا أن الأولى بالصلاة هو أولاهم
~~بالميراث، والظاهر أنه إجماعي بينهم، ويظهر من المنتهى أيضا، حيث قال: وأحق
~~الناس بالصلاة أولاهم بالميراث، قاله علماؤنا (6)، فكيف يقال بتقديم غير
~~الوارث على الوارث، فلا بد أن يكون المراد في الطبقة الواحدة كما هو مصرح
~~به في كلام الآخرين (7).
# وأما مسألة العبد فلا إشكال فيها، بل الإشكال في ذكرها في ms0885 هذه المباحث
~~لعدم الاحتياج، لأنه ممنوع من الإرث، فليس داخلا في جملة الأولياء، فذكره
~~استطرادي، مع أن كلامه - رحمه الله - ليس بصريح في إرادة البعد بحسب
~~الطبقة،
# PageV03P463
# بل لعل مراده بعد الانتساب في مرتبة واحدة من جهة الميت بالأبوين معا أو
~~بأحدهما.
# والرواية لا تستلزم ما ذكره، بل غاية الأمر عزل الصغير عن الولاية، ولكن
~~قيام الغير مقامه من الطبقة الثانية يحتاج إلى الدليل. ولذلك قال في روض
~~الجنان:
# لو كان الذكر ناقصا لصغر أو جنون ففي انتقال الولاية إلى الأنثى من طبقته
~~أم إلى وليه نظر، من أنه في حكم المعدوم بالنسبة إلى الولاية، ومن عموم
~~الآية، فلتكن الولاية له يتصرف فيها وليه، ولو لم يكن في طبقته مكلف، ففي
~~انتقال الولاية إلى الأبعد أو إلى وليه الوجهان.
# واستقرب في الذكرى الانتقال إلى الأنثى في المسألة الأولى، وتوقف في
~~الثانية.
# ولو كان غائبا فالوجهان، ويمكن سقوط اعتباره مطلقا (1).
# أقول: مقتضى ظاهر الاجماع على أن الأولى بالصلاة هو الأولى بالميراث أو
~~من يأمره هو اعتبار الوارث لا غير، فلا تدخل فيه الطبقة الثانية أصلا.
# ثم الظاهر منه ومن الرواية أن الأولى بالميراث لا بد أن يكون قابلا
~~للصلاة أو الإذن، فالصغير والمجنون خارجان عن ذلك، وولاية وليهما من قبلهما
~~في ذلك لم يدل عليها دليل، خصوصا إذا كان الولي هو وصي الطفل، فإن المشهور
~~عدم جواز الصلاة للموصى إليه بها أيضا فضلا عن الوصي الذي لم يوص إليه بها،
~~سيما وإنما الولاية تثبت عليهما فيما ملكاه واستحقاه، فإذا لم يثبت
~~استحقاقهما لذلك من جهة عدم الأهلية فلا معنى لتصرف الولي فيه، فالأقوى
~~سقوط الولاية عنهما حينئذ، فإن وجدت الأنثى البالغة العاقلة في الطبقة فهو،
~~وإلا فيسقط الاعتبار.
# PageV03P464
# ومن ذلك يظهر عدم الدليل على الانتقال إلى أرباب الولاء أيضا بطريق
~~الأولى وإن كان هو الحاكم.
# ويظهر من ذلك الكلام في الغائب، وأن التحقيق سقوط الولاية عليه أيضا،
~~فحينئذ مقتضى العمومات أن المسلمين متساوون في الواجب الكفائي.
# وفذلكة المقام: أن الرحم مقدم ms0886 على غيره في غير الزوج، للآية والإجماع،
~~والوارث من الأرحام مقدم على غير الوارث منهم، لظاهر إجماعهم ودلالة
~~الرواية في الجملة، فمع وجود كل طبقة لا ولاية لمن لا يرث في تلك الطبقة.
# وإن لم يكن في تلك الطبقة أهل للصلاة والإذن فتسقط الولاية، والأمر إلى
~~المسلمين يصلون عليه جماعة أو فرادى، والأمر في تعيين الإمام ليس موكولا
~~إلى رأي أحد، والظاهر أن حكمه هو حكم الجماعة في اليومية كما مر، إلا أن
~~يرجع إلى عموم الآية أو إلى ظاهر الرواية في إثبات الولاية للطبقة الثانية
~~مع عدم وجود أهل للصلاة والإذن في الطبقة الأولى، وحينئذ فيلزم تخصيص ظاهر
~~الاجماع على أن الأحق هو الوارث، وهو مشكل.
# وأما الكلام في نفس كل طبقة; ففي الطبقة الأولى يقدم الأب على غيره بلا
~~إشكال للإجماع إلا في الزوج، فإنه يقدم على الأب أيضا، للأخبار وظاهر
~~الاجماع، وقول ابن الجنيد (1) ضعيف.
# ثم الابن مقدم على الأم والبنت، والظاهر أنه أيضا إجماعي.
# ثم إن الأم والبنت لا دليل على ترجيح إحداهما على الأخرى، ولعل تقديم
~~الأم أولى بناءا على فهم العرف في كثرة العلاقة من الرواية.
# ويقع الإشكال في الترجيح بينهما أو إحداهما وبين الزوجة إذا اجتمعت
~~معهما، ولا يبعد ترجيحهما عليها، لعموم الآية.
# PageV03P465
# ولو سلم كون الزوجة أمس بالزوج وأقرب إليه عرفا فتشملها الرواية، فنقول:
# إن النسبة بين الخبر والآية عموم من وجه، ولا وجه لتخصيص الآية بالخبر.
~~هذا الحال في الطبقة الأولى.
# وأما الطبقة الثانية، فقد عرفت ما نقلناه عن الشيخ بتقديم الجد للأب على
~~الأخ وغير ذلك من تقديم من هو أقرب إلى الميت بحسب الانتساب من جهة الأبوين
~~معا أو أحدهما (1).
# وكذلك في الطبقة الثالثة، والظاهر فيه الاتكال على ظاهر الرواية والرجوع
~~إلى الأقربية العرفية بحسب الانتساب إلى الميت، فيقدم الأقرب على الأبعد،
~~ومع التساوي فالتخيير، ومع التشاح فالعمل على ما سيجئ.
# وأما الطبقة الرابعة وما دونها من أصحاب الولاء فيظهر الحال فيها بملاحظة
~~ما ذكر. إذ ظاهر إجماعهم المنقول ms0887 على أولوية الوارث بالصلاة يقتضي أولويتهم
~~إذا انحصر الوارث فيهم، وكلمات الأصحاب في هذه المسألة غير محررة، فعليك
~~بالتأمل والاجتهاد فيما يرد عليك.
# ثم إن ههنا فوائد:
# الأولى: قال الشهيد الثاني - رحمه الله - في روض الجنان: لو لم يقدم
~~الولي أحدا ولم يتقدم مع أهليته سقط اعتباره، لأن الجماعة أمر مهم مطلوب،
~~فلا تسقط بامتناعه من الإذن، بل يصلي الحاكم أو يأذن إن كان موجودا، وإلا
~~قدم عدول المسلمين من يختارونه (2).
# وقال المحقق الأردبيلي رحمه الله: وإذا ثبتت له الولاية فإسقاطها بأن
~~الجماعة أمر مطلوب مشكل، وعلى تقدير السقوط فالثبوت للحاكم غير ظاهر، وأخفى
~~منه
# PageV03P466
# ثبوتها للعدول، لأنا ما نعرف له دليلا أصلا (1).
# أقول: وقريبا مما ذكره ذكر في الذكرى (2)، والوجه ما ذكراه (3) إذا لم
~~يكن عدم إذن الولي منوطا بعذر شرعي مسموع، لأن الصلاة كما أنها واجب كفائي
~~فإتيانها جماعة أيضا مستحب كفائي، والجماعة في صلاة الجنازة لا قوام لها
~~إلا بها، وكما أنه لا منافاة بين الوجوب الكفائي وإناطتها برأي بعض
~~المكلفين; بمعنى أنه إن قام بها سقط الفرض عن غيره، وكذا إن أذن لغيره وقام
~~بها ذلك الغير، وإلا سقط اعتباره، فكذلك إتيانها على سبيل الجماعة مستحب
~~كفائي كذلك. واعتبار الجماعة مع صلاة الجنازة مقدم طبعا على اعتبار
~~الولاية، فالموقوف على إذن الولي الصلاة التي من شأنها أن تؤتى بالجماعة،
~~وينتفع من فضلها وثوابها جماعة المسلمين، فإذا أراد الولي حرمانهم من ذلك
~~فلهم أن يقيموها كنفس الصلاة، ولا مانع من توقيف المسلمين أصل الصلاة
~~لاستيفاء الجماعة، لعدم إمكان تحقق الجماعة إلا مع الصلاة، والجماعة حق لهم
~~لم يثبت توقيفها على شئ إلا على اختيار الولي بحيث لو أتى بها أو أذن فيها
~~لأحد أجزأت، وإلا فللمسلمين الإتيان بها.
# الثانية: لو أوصى إلى أحد بالصلاة عليه فلا يتقدم على الولي، ولا بدون
~~إذنه كما اختاره العلامة رحمه الله (4) والشهيدان (5)، وأسنده في المختلف
~~إلى الأصحاب (6)، وفي المسالك إلى المشهور (7)، لعموم الآية.
# PageV03P467
# وقال في المسالك: لو فقد الوارث فهو مقدم ms0888 على الحاكم (1).
# وعن ابن الجنيد أنه أولى من القرابة (2)، ونفى عنه البأس في المدارك،
~~لعموم النهي عن تبديل الوصية، ولاشتهار ذلك بين السلف (3).
# وعد في الذكرى جماعة من الصحابة فعلوا ذلك ممن لا حجية في فعلهم (4)، مع
~~أنه يجوز أن يكون برضا الوارث.
# والنهي عن تبديل الوصية معارض بالآية (5)، مع أن حسنة ابن أبي عمير وما
~~في معناها أخص من دليل الوصية من حيث التصريح بالصلاة (6).
# الثالثة: لا يتقدم الولي إلا مع استكمال الشرائط، وتجوز الاستنابة له مع
~~الاستكمال أيضا، سيما إذا كان النائب أكمل، بل يستحب ذلك، لأنه أكثر مظنة
~~للإجابة. وربما يحتمل تقديم الولي حينئذ; لاختصاصه بمزيد الرقة التي هي
~~مظنة الإجابة.
# الرابعة: إذا تساوى الأولياء فظاهر الأصحاب إلحاق ذلك بالصلاة اليومية في
~~تقديم أيهم في الجماعة، فيقدم الأقرأ، فالأفقه، فالأسن فالأصبح. وكذلك
~~الكلام في الذي يأذن له الولي تعتبر فيه هذه المرجحات.
# ولكن المحقق في الشرائع فرق هنا، وقدم الأفقه على الأقرأ (7). وقد يعتذر
~~له بأن ذلك لأجل فقد القراءة فيها، وهو مدفوع بأن ذلك يوجب سقوط اعتبارها
~~رأسا،
# PageV03P468
# لا تأخير الأقرأ عن الأفقه، مع أن الدعاء أيضا يعتبر فيه كثير من مرجحات
~~القراءة.
# وقد مر الكلام في هذه المسألة في اليومية، وترجيح الأفقه على الأقرأ، وأن
~~تلك الترجيحات على سبيل الاستحباب.
# الخامسة: قالوا: إمام الأصل أولى من كل أحد، والكلام في أنه يقدم بشرط
~~إذن الوارث مع وجوب الإذن عليه أو بدونه، والتكلم في الروايات المناسبة
~~لذلك والتكلف في توجيهها وجمعها مستغنى عنه، لأنه إذا حضر فهو أعرف بما
~~يفعله.
# السادسة: ذكر جماعة من الأصحاب أن الهاشمي أولى من غيره إذا قدمه الولي
~~(1)، والظاهر أن مرادهم استحباب تقديمه للولي مع استكماله للشرائط، لقوله
~~عليه السلام: " قدموا قريشا ولا تقدموها " (2) قال في الذكرى: ولم نستثبته
~~في رواياتنا (3)، ولشرف النسب.
# وبالغ المفيد حتى أوجبه (4).
# وقال ابن الجنيد: ومن لا أحد له فالأقعد نسبا برسول الله صلى الله عليه
~~وآله من الحاضرين أولى به (5)، وهو يقتضي تقديم الأقعد نسبا ms0889 به صلى الله
~~عليه وآله عند انتفاء الولي الأقرب فالأقرب.
# السابعة: تقف النساء خلف الرجل إذا اقتدين به، وخلف صف الرجال إن كان
~~هناك رجال، لرواية السكوني (6)، ورواية سيف بن عميرة (7) المعلل فيهما
~~خيرية
# PageV03P469
# الصف الأخير في صلاة الجنازة، بصيرورة ذلك سترة للنساء، يعني أن الله
~~تعالى جعل الصف الأخير فيها خيرا لئلا تجاوزه النساء، فيكون سترة لهن.
# قال الصدوق في الفقيه: إن النساء كن يختلطن بالرجال في الصلاة على
~~الجنائز فقال النبي صلى الله عليه وآله: " أفضل المواضع في الصلاة على
~~الميت الصف الأخير " فتأخرن إلى الصف الأخير، فبقي فضله على ما ذكره عليه
~~السلام (1).
# والحائض تنفرد عن الصف استحبابا، لحسنة محمد بن مسلم (2) وغيرها من
~~الأخبار (3).
# وتجوز الإمامة للنساء فيها، ولكن يكره لها البروز، بل تقف في وسط صفهن
~~استحبابا، لصحيحة زرارة (4)، ورواية الحسن بن زياد الصيقل (5) وغيرهما (6).
# وعن الشيخ في النهاية والمبسوط أن حكم الرجال العراة أيضا ذلك، فيقفون
~~ويصلون (7)، واختاره المحقق - رحمه الله - في المعتبر والشرائع (8).
# واعتذر الشهيد في الذكرى للقيام هنا مع قولهم بالقعود في اليومية
~~بالاحتياج إلى الركوع والسجود ثمة (9)، وهو مشكل، للاكتفاء بالإيماء ثمة.
# PageV03P470
# وعلى القول بإلحاق هذه باليومية فالأقرب القعود، لعدم الأمن من المطلع
~~كما اخترناه هناك، فإن المطلع عند الجماعة غير مأمون عليه.
# الثامنة: يستحب بروز الإمام وقيام المأموم خلفه، بخلاف اليومية وإن كان
~~واحدا، لرواية اليسع بن عبد الله القمي، رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم
~~(1).
# الثالث: في كيفية الصلاة عليه، وهي خمس تكبيرات عند علمائنا، وادعى عليه
~~الاجماع جماعة من الأصحاب (2)، والأخبار الصحيحة وغيرها بها مستفيضة (3)،
~~وعلل في بعضها بأخذ كل تكبيرة من كل من الصلوات الخمس (4).
# والقدح في دلالتها على الوجوب سيما مع الاجماع على وجوب الصلاة على
~~الميت، وظهور بعضها فيه، مثل ما ورد في حكاية صلاة هبة الله على أبيه آدم
~~عليه السلام (5) غير مسموع.
# وما ورد في الشواذ من الاكتفاء بأربع (6) فمحمول على التقية، لموافقته
~~للعامة (7)، وإن رووا الخمس أيضا عنه عليه السلام (8)، وعلل بعضهم اختيارهم ms0890
# PageV03P471
# الأربع لصيرورة الخمس علما للشيعة (1).
# هذا في الصلاة على المؤمن، وأما المخالف فأربع; إدانة له بمذهبه.
# والظاهر أن الناصب وغيره في ذلك سواء، بل المنافق الحقيقي أيضا كذلك إن
~~دعته الضرورة إلى الصلاة عليهما كما يستفاد كل ذلك من الأخبار (2).
# وفي صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن
~~الصلاة على الميت، فقال: " أما المؤمن فخمس تكبيرات، وأما المنافق فأربع،
~~ولا سلام فيها " (3).
# وفي صحيحة هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يكبر على قوم خمسا وعلى آخرين أربعا، فإذا كبر على رجل
~~أربعا اتهم، يعني بالنفاق " (4).
# قال في الذكرى: وهذا جمع حسن بين ما روته العامة لو كانوا يعقلون (5).
# ثم المشهور وجوب الذكر بينها، خلافا للمحقق في الشرائع فاستحبه (6)،
~~والأول أقرب، لظاهر الروايات (7).
# بل الأقرب وجوب الأذكار الأربعة، ويظهر الاجماع على الوجوب من جماعة،
~~منهم العلامة في المنتهى، قال: وهي خمس تكبيرات بينها أربع أدعية، وعليه
~~علماؤنا أجمع (8).
# PageV03P472
# ونقله في روض الجنان عن الشيخ أيضا (1).
# وهو ظاهر الذكرى حيث قال: إن الأصحاب بأجمعهم يذكرون ذلك في كيفية
~~الصلاة، والمذكور في بيان الواجب ظاهره الوجوب.
# وقال أيضا: ولأن الغاية من الصلاة الدعاء للميت، فيجب تحصيلا لها، فيجب
~~الباقي، إذ لا قائل بالفرق (2).
# ولعل المحقق في الاستحباب اعتمد على الروايات المبينة لصلاة الميت أنها
~~خمس تكبيرات من دون ذكر الدعاء، والاختلاف الشديد بين ما دل على الأذكار.
# ثم المشهور بين المتأخرين (3) وجوب توزيع الأذكار الأربعة على التكبيرات
~~بذكر الشهادتين بعد الأولى، والصلاة على النبي وآله بعد الثانية، والدعاء
~~للمؤمنين والمؤمنات بعد الثالثة، والدعاء للميت بعد الرابعة، وهو ظاهر
~~إجماع المنتهى (4)، والإجماع المنقول عن الشيخ (5) في الذكرى وروض الجنان
~~(6).
# وتدل على ذلك من الروايات رواية محمد بن مهاجر، عن أمه أم سلمة سيما على
~~ما في الفقيه، وما رواه الصدوق مرسلا عن رسول الله صلى الله عليه وآله (7)،
~~ورواية أبي بصير (8).
# PageV03P473
# ولا يضر الضعف (1) مع الشهرة مع كون الراوي عن ms0891 محمد بن مهاجر هو ابن أبي
~~عمير، وورود الرواية في كتب الثلاثة وفي العلل.
# قال في الذكرى بعد نقل الاجماع عن الشيخ: ولا ريب أنه كلام الجماعة إلا
~~ابن أبي عقيل والجعفي فإنهما أوردا الأذكار الأربعة عقيب كل تكبيرة وإن
~~تخالفا في الألفاظ، قال الفاضل - رحمه الله - كلاهما جائز.
# قلت: لاشتمال ذلك على الواجب، والزيادة غير منافية مع ورود الروايات بها،
~~وإن كان العمل بالمشهور أولى، انتهى كلام الذكرى (2).
# ووجه أولوية المشهور اشتمال روايتهم على أن ذلك كان فعل رسول الله صلى
~~الله عليه وآله مستمرا، وأقله الرجحان.
# والأخبار المشتملة على الأذكار الأربعة وغيرها بعد كل تكبيرة كثيرة (3)،
~~وهي مستند ابن أبي عقيل والجعفي.
# ثم إن ظاهر بعض الأخبار مثل صحيحة صفوان بن مهران (4) وحسنة محمد بن مسلم
~~(5) وغيرهما (6) وجوب الدعاء على المخالف بأقسامه، وإذا ضممنا ذلك إلى ما
~~أثبتناه من توزيع الأذكار على التكبيرات فيصير الغرض من تلك الأخبار تبديل
~~الدعاء للميت بالدعاء عليه.
# وقال في الذكرى: والظاهر أن الدعاء على هذا القسم غير واجب، لأن التكبير
~~عليه أربع، وبها يخرج من الصلاة (7).
# PageV03P474
# وفيه: أن انحصار التكبير في الأربع لا يقتضي الخروج عن الصلاة بالرابعة،
~~بل المراد عدم وجوب الخامسة.
# وأما القائلون بعدم توزيع الأذكار على التكبيرات مع قولهم بوجوب الدعاء
~~فلا بحث معهم، فيقدمونه على الرابعة.
# ووجوب الدعاء عليه لا ينافي عدم وجوب الصلاة عليه كالمخالف الغير الناصب
~~على قول، أو عدم جوازه كما في الناصب، فإنه قد يجب تقية.
# وعلى عدم الوجوب مع الجواز فلا ينافي وجوب الدعاء عليه بعد ما فعل، مع
~~إمكان إرادة الوجوب الشرطي المستفاد من الإيجاب الشرعي في الجملة من
~~الأخبار أو من الخارج. وكذا الكلام في الدعاء للطفل مع استحباب الصلاة
~~عليه.
# ثم إن نقص الخمس والأربع في المقامين يوجب بطلان الصلاة، ويجب تداركه قبل
~~فوات وقت الإمكان إذا نسي أو شك في العدد، فإنه يبني على الأقل ويأتي به.
# أما الزيادة; فإن زادها في نيته في أول الأمر بمعنى اعتقاده لزوم ms0892 الزائد
~~في الصلاة فهو باطل، لأنه نوى عبادة غير مشروعة، فإن الظاهر أن هذه مهية
~~مركبة مرتبطة بعض أجزائها ببعض مرتبة على ترتيب، لا أنها محض أربع تكبيرات
~~لا ارتباط بينها حتى لا يكون قصد جزئية شئ آخر لها غير مضر.
# وأما لو زادها بعد الفراغ وقصد بها الوجوب حينئذ فهو آثم ولا تبطل صلاته،
~~وإن قصد بها المستحب فسيجئ الكلام فيه.
# وإن زادها في البين، فإن قصد بها التكبير للصلاة على الميت، يعني ذكر
~~للتكبير الذي تذكر بعده الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله مثلا تكبيرين،
~~فهو مبطل، فإن مقتضى كونها مهية مركبة اعتبار كون كل تكبير منها في مرتبته
~~ملحوظا في تلك المرتبة، والتكبيرات أركان لهذه الصلاة، مضافا إلى القيام في
~~حالها والنية على وجه، وزيادة الركن مبطلة للصلاة. PageV03P475
# والحاصل أن التكبيرات الخمسة أركان، وزيادتها ونقيصتها مع عدم تداركها
~~حيث يمكن التدارك مبطل، فما يظهر من الشهيد في الذكرى من أن الزيادة في
~~الأثناء غير مبطلة، وكذلك قوله بعدم إبطاله في الآخر مطلقا مع تسليم ركنيته
~~(1)، وكذا الشهيد الثاني (2) وصاحب المدارك في الثاني مطلقا (3) محل نظر.
# ويشكل فيما لو كبر بنية الثالثة ودعا للمؤمنين والمؤمنات ثم تذكر أنه لم
~~يكبر الثانية ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله، فلو قلنا بأن ملاحظة
~~مرتبة التكبير وقصدها لها مدخلية في مهية الصلاة خصوصا مع تميزه بالذكر
~~الذي بعده على المشهور فتدارك الفائت حينئذ مستلزم لتكرار الركن، ولو لم
~~نقل بذلك فيمكن جعل التكبير الثالث ثانيا، وتجديد التكبير للثالث، وحينئذ
~~فإما يسقط الدعاء الفائت أو يأتي به بعد التكبير الثالث، وعلى القول بعدم
~~وجوب التوزيع فلا إشكال، والأحوط إعادة الصلاة.
# ويجئ الإشكال لو كبر للثالثة مثلا مع نسيان الثانية وإن لم يشرع بعد في
~~دعاء الثالثة، ولم أقف على من تعرض لما ذكرناه، ويحتاج إلى التأمل.
# وأما التكبير بعنوان أنه ذكر وحسن على كل حال، فالظاهر أنه لا تضر زيادته
~~في الأثناء أيضا، كما إذا زاده بين الدعاء، وذلك ms0893 كما لو زاد تكبيرة بعد
~~تكبيرة الإحرام لا بنية الإحرام في اليومية.
# ويظهر مما ذكرنا حكم ما لو تذكر فعله سابقا بعد التدارك بسبب الشك،
~~واستقرب في الذكرى هنا أيضا الصحة بناءا على أن التكبير ذكر حسن في نفسه،
~~واحتمل البطلان لأنه ركن زيد (4).
# PageV03P476
# أما الدعوات فلم تثبت ركنيتها، قال في الذكرى: أما زيادة الدعوات فلا تضر
~~قطعا (1).
# تنبيه:
# قد ذكر في الأخبار (2) وكلام أصحابنا الأخيار ثبوت الدعاء للمؤمن
~~والمخالف والطفل والمستضعف والمجهول الحال، ويظهر لك الكلام في الكل مما
~~نبهناك عليه في وجوب الدعاء على المخالف بعد التكبيرة الرابعة، إما بالوجوب
~~الشرعي أو الشرطي.
# وورد في الأخبار كيفية أدعيتهم (3)، وأنت قد عرفت أن مسمى الأذكار
~~الأربعة كاف.
# فعلى المشهور الأقوى يكفي أن يقال بعد التكبيرة الأولى: أشهد أن لا إله
~~إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله. وبعد الثانية:
~~اللهم صل على محمد وآل محمد. وبعد الثالثة: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.
# وبعد الرابعة: اللهم اغفر لهذا الميت، ثم يكبر الخامسة وينصرف.
# ويستحب أن يقول فيها بما ورد في الأخبار وكلام الأصحاب، ولا يبعد ترجيح
~~القول باستحباب جميع الأذكار بعد كل التكبيرات كما ورد في صحيحة أبي ولاد
~~(4)، ورواية سماعة (5) وغيرهما (6).
# وأجمعها ما ورد في رواية سماعة، فيقول بعد التكبير: " أشهد أن لا إله إلا
~~الله،
# PageV03P477
# وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل
~~محمد وعلى أئمة الهدى، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا
~~تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، اللهم اغفر لأحيائنا
~~وأمواتنا من المؤمنين والمؤمنات، وألف بين قلوبنا على قلوب أخيارنا، واهدنا
~~لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم هذا
~~عبدك وابن عبدك وابن أمتك، وأنت أعلم به منا، افتقر إلى رحمتك واستغنيت
~~عنه، اللهم فتجاوز عن سيئاته، وزد في حسناته، واغفر له وارحمه، ونور له في
~~قبره، ولقنه حجته، وألحقه بنبيه صلى الله عليه وآله، ms0894 ولا تحرمنا أجره، ولا
~~تفتنا بعده ".
# وإن أردت التوزيع كما هو المشهور فاقرأ ما ذكره الصدوق (1) والمفيد (2)
~~وغيرهما (3) فتقول (بعد الشهادتين ما ذكره الصدوق يقول) (4): أشهد أن لا
~~إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق
~~بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، وتقول بعد الشهادة الأولى ما ذكره المفيد في
~~المقنعة: إلها واحدا أحدا فردا صمدا حيا قيوما لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، لا
~~إله إلا الله الواحد القهار، ربنا ورب آبائنا الأولين.
# ثم تكبر الثانية وتقول ما ذكره الصدوق: اللهم صل على محمد وآل محمد، و
~~ارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كأفضل ما صليت وباركت
~~وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
# وتكبر الثالثة، وتقول ما ذكره الصدوق: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات
# PageV03P478
# والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، وزاد المفيد: وأدخل على
~~موتاهم رأفتك ورحمتك، وعلى أحيائهم بركات سماواتك وأرضك، إنك على كل شئ
~~قدير.
# ثم تكبر الرابعة، وتقول ما ذكره الصدوق: اللهم هذا عبدك وابن عبدك، وابن
~~أمتك، نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم
~~به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه،
~~واغفر له، اللهم اجعله عندك في أعلا عليين، واخلف على أهله في الغابرين،
~~وارحمه برحمتك يا أرحم الراحمين.
# ثم تكبر الخامسة وتفرغ وزاد المفيد بعد الخامسة بقول: اللهم عفوك عفوك.
# ومقتضى رواية أم سلمة الصلاة على الأنبياء (1)، والأحوط الإتيان بها،
~~ولكنها ليست بواجبة، للأصل، وخلو أكثر الأخبار عنها.
# نعم تجب الصلاة على آل محمد إذا صلى عليه كما تضمنته الأخبار (2) وصرح به
~~في الذكرى (3).
# ثم إن كان الميت أنثى فتؤنث الضمائر، ويغير الابن بالبنت وهكذا. وإن كان
~~خنثى فيختار، وله أن يذكر بقصد الميت، أو يؤنث بقصد الجنازة، ويتصرف في لفظ
~~العبد والابن والبنت بما يناسبها، فيقول: اللهم إن هذا رقك وولد عبدك وولد
~~أمتك، وإن شاء قال: هذه رقك وولد عبدك ms0895 وولد أمتك، إلى آخر الدعاء.
# وإن كان الميت مخالفا فأقل الواجب هو الدعاء عليه، والمنقول فيه روايات
~~منها حسنة الحلبي في جاحد الحق: " اللهم املأ جوفه نارا، وقبره نارا، وسلط
~~عليه
# PageV03P479
# الحيات والعقارب " (1).
# ومنها صحيحة صفوان بن مهران للناصب: " اللهم اخز عبدك في عبادك وبلادك،
~~اللهم أصله أشد نارك، اللهم أذقه حر عذابك، فإنه كان يوالي أعداءك، ويعادي
~~أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيك " (2).
# وإن كان الميت مستضعفا فقل ما روي بطرق كثيرة، منها حسنة الحلبي: " اللهم
~~اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم " (3).
# قال في الذكرى: المستضعف هو الذي لا يعرف الحق ولا يعاند فيه ولا يوالي
~~أحدا بعينه (4).
# وقال في العزية من يعرف بالولاية ويتوقف عن البراءة (5).
# وقال ابن إدريس: من لا يعرف اختلاف الناس في المذاهب، ولا يبغض أهل الحق
~~على اعتقادهم (6).
# قال في روض الجنان: والكل متقارب (7).
# وفي رواية الفضيل بن يسار: " إن كان منافقا مستضعفا " على ما نقله في روض
~~الجنان تبعا للشهيد في الذكرى وقال: إنه يدل على أن المنافق هو المخالف
~~مطلقا، لا الناصب، وعلى أن المستضعف لا بد أن يكون من المخالفين حتى يدعا
~~له
# PageV03P480
# بهذا الدعاء (1).
# ولا يحضرني الآن من كتب الأخبار ما اشتمل عليه، وما يحضرنا من التهذيب
~~والكافي ففيه " إن كان واقفا مستضعفا " (2) ولعل المراد من الواقف المتوقف
~~عن اختيار دين.
# ويمكن أن يؤيد ما ذكره في روض الجنان بذكر المستضعف في مقابل المؤمن في
~~الرواية، وبما ورد في حسنة الحلبي حيث قال عليه السلام: " وإن كان المستضعف
~~منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة منك، لا على وجه الولاية " (3).
# وفي رواية أخرى عن الصادق عليه السلام، قال: " الترحم على جهتين: جهة
~~الولاية، وجهة الشفاعة " (4) فإن الظاهر أن المراد بالولاية هي مودة أهل
~~البيت المشار إليها في القرآن، والظاهر أن المراد من قوله عليه السلام: "
~~إن كان المستضعف منك بسبيل " إن كان له عليك حق، يعني: إن كان كذلك فاستغفر
~~له، وإلا فقل له الدعاء المذكور.
# وكيف كان فمن ms0896 يقول بالحق ويعتقده من دون معرفة الأدلة التفصيلية كأكثر
~~عوام أهل العصر فلا يندرجون في المستضعف، بل يعامل معهم معاملة المؤمنين.
# وإن كان الميت مجهول الحال - كالغريب - فتقول في دعائه ما ورد في حسنة
~~الحلبي: " اللهم إن كان يحب الخير وأهله فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه " (5)
~~أو غير ذلك مما ورد في الأخبار مثل ما في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: "
~~اللهم إن هذه النفس أنت أحييتها وأنت أمتها، اللهم ولها ما تولت، واحشرها
~~مع من أحبت " (6).
# PageV03P481
# والظاهر أنه يكفي في إيمانه معرفة بلده الذي يعلم إيمان أهلها أجمع، بل
~~أغلبهم أيضا على وجه.
# وإذا كان الميت طفلا فتقول في دعائه ما ورد في رواية زيد بن علي، عن
~~آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام: " اللهم اجعله لأبويه ولنا سلفا
~~وفرطا وأجرا " (1).
# وقال المفيد - رحمه الله - تقول: اللهم هذا الطفل كما خلقته قادرا وقبضته
~~ظاهرا فاجعله لأبويه نورا، وارزقنا أجره، ولا تفتنا بعده (2).
# وفي الشرائع: سأل الله أن يجعله مصلحا لحال أبيه شافعا فيه (3).
# والمراد بالطفل هنا من دون البلوغ وإن وجبت الصلاة عليه.
# وإنما يدعو لأبويه مع علمه بإيمانهما أو جهله بحالهما، ومع العلم بالكفر
~~كالمسبي إذا قلنا بتبعيته في الاسلام لم يصح الدعاء بذلك.
# ولو كان أحدهما مسلما خص الدعاء به.
# الرابع: يجب فيها النية والقيام إجماعا، وقد عرفت كونهما ركنا لها.
# ويدل على وجوب النية كلما دل على وجوبها في سائر العبادات.
# وقد عرفت حقيقتها أيضا أنها القصد إلى الفعل المعين تقربا إلى الله،
~~فالعمدة تميز الفعل بنية التقرب.
# والكلام في قصد الوجه ما مر من عدم الاحتياج إلا مع توقف التميز عليه،
~~ولا يحتاج إلى تعيين الكفائية، لعدم توقفه عليه.
# ويجب تعيين الميت ولو بالإشارة، واحدا كان أو أكثر، ولا تجب معرفته، بل
# PageV03P482
# تكفي نية منوي الإمام كما صرح به في الذكرى، قال: فلو عين وأخطأ فالأقرب
~~البطلان، لخلو الواقع عن نية (1).
# قال في روض الجنان: ويتوجه ذلك مع عدم ضم الإشارة إلى التعيين بأن ms0897 قصد
~~الصلاة على فلان، أما لو قصدها على هذا فلان قوى تغليب الإشارة (2).
# أقول: تغليب الإشارة على العبارة إنما يصح في المعاملات، كقوله: " بعتك
~~هذا الفرس " مشيرا إلى حمار، نظرا إلى أن الغلط في الإشارة أبعد منه في
~~العبارة، فيؤخذ اللافظ بها على مقتضاها، وذلك لأنها من أحكام الوضع.
# وأما العبادات التي تحتاج إلى النية ويلاحظ فيها نفس الأمر; فالمعتبر هو
~~ما قصده المكلف في نفس الأمر، نعم يصح لو كان التلفظ بزيد مثلا بعد هذا خطأ
~~من اللسان، وهذا مع أنه لا يجري إلا مع التلفظ بالنية، وأنه لغو لا عبرة
~~به، فيه: أنه ليس من باب ترجيح الإشارة على العبارة، بل هو مبني على عدم
~~العبرة بسهو اللسان فيما لا يحتاج إليه.
# نعم لو قصد المصلي الصلاة على الحاضر وظنه زيدا وقصد الصلاة على الحاضر
~~مع احتمال كونه غير زيد فتصح الصلاة حينئذ، وهو أيضا ليس من باب تغليب
~~الإشارة.
# وتجب في النية الاستدامة الحكمية، وقصد الاقتداء في المأموم كما مر في
~~اليومية.
# وأما القيام فلا ريب في وجوبه أيضا مع القدرة، ومع العجز يأتي بالممكن
~~كاليومية.
# ولو وجد المتمكن منه ففي إجزاء صلاة العاجز عنه إشكال، تردد فيه في
~~الذكرى (3)، من صدق الصلاة، ومن نقصها وإمكان الكاملة، والأظهر الاجزاء.
# PageV03P483
# وكذلك يجب الاستقبال بالإجماع والتأسي بالشارع، وعمل المسلمين، وتنبيه
~~الأخبار الكثيرة مثل ما ورد في الصلاة على الجنائز المتعددة وغيرها (1).
# وفي لزوم الساتر قولان (2)، أجودهما العدم، للأصل.
# واحتج الموجب (3) بأنها صلاة.
# وفيه: أنها مجاز فيها، لتبادر الغير، والاستعمال أعم من الحقيقة، ويدل
~~عليه قوله عليه السلام: " لا صلاة إلا بطهور " (4) " وإلا بفاتحة الكتاب "
~~(5).
# وقول الصادق عليه السلام في موثقة يونس بن يعقوب عن الجنازة أصلي عليها
~~على غير وضوء؟ فقال: " نعم، إنما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل، كما تكبر
~~وتسبح في بيتك على غير وضوء " (6) ونحو ذلك من الأخبار (7).
# وأما حسنة محمد بن مسلم أو زرارة، قال: " الصلاة على الميت بعد ما يدفن
~~إنما هو الدعاء " قلت: فالنجاشي ms0898 لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله؟
~~فقال: " لا، إنما دعا له " (8) فمحمولة على أنه لم يدع له الدعاء المعهود
~~الذي هو صلاة الميت، بل دعا له بمطلق الدعاء.
# وكذلك كل ما يشترط في اليومية فعله أو تركه يظهر الكلام فيه من جهة
~~إلحاقها
# PageV03P484
# باليومية وعدمه مما ذكرنا عدا ما ثبت بدليل خاص.
# ولو سلم ثبوت الحقيقة الشرعية فيها فلا تنصرف الأخبار الواردة في أحكام
~~الصلاة إلا إلى ذات الركوع والسجود.
# ومما مر يظهر عدم اشتراطها بالطهارة عن الحدث والخبث مع أن الأول إجماعي،
~~وتدل عليه الأخبار المعتبرة الكثيرة أيضا (1).
# وأما الثاني، فإنه وإن قال في الذكرى: إنه لم نقف فيه على نص ولا فتوى من
~~الأصحاب، واستشكله هو (2) ومن تأخر عنه، إلا أن الأصل عدم الاشتراط، وتنبه
~~عليه حسنة محمد بن مسلم (3). ومرسلة حريز (4) وغيرهما عن الأخبار (5)
~~المجوزة لصلاة الحائض عليه، مع عدم انفكاكها غالبا عن النجاسة.
# نعم يستحب أن يكون متطهرا، لرواية عبد الحميد بن سعد (6) وغيرها (7)،
~~مضافا إلى أنه دعاء وشفاعة للميت، فاستحب في فاعلها كونه على أكمل الأحوال
~~وأفضلها. ويجوز التيمم لها مع وجود الماء كما مر.
# ولا تجب القراءة والتسليم فيها بإجماعنا، وظاهرهم في التسليم عدم رجحانه،
~~بل عدم جوازه، إلا ابن الجنيد فإنه جوزه للإمام (8)، والأخبار ناطقة بنفيه
~~فيها (9)،
# PageV03P485
# وما ورد من ثبوته فيها (1) محمول على التقية.
# وأما القراءة فالحكم بعدم مشروعيتها محل إشكال، بل استشكل في الذكرى
~~كراهتها أيضا (2)، ونقل الكراهة عن الشيخ في الخلاف، ونقل عنه الاجماع (3)،
~~واستشكل فيه بأنا لم نر أحدا ذكر الكراهة فضلا عن الاجماع عليها.
# الخامس: يجب جعل رأس الجنازة إلى يمين المصلي في غير المأموم، وأن يكون
~~مستلقيا; لعمل المسلمين في الأعصار والأمصار، متأسيا بالنبي صلى الله عليه
~~وآله والأئمة عليهم السلام، ولموثقة عمار الدالة على وجوب إعادة الصلاة إذا
~~صلى عليه ورجلاه إلى يمينه (4).
# هذا إذا أمكن، وإلا فيسقط كما في المصلوب الذي يتعذر إنزاله فيصلى عليه
~~كما هو.
# وفي رواية أبي هاشم الجعفري تفصيل ms0899 للصلاة على المصلوب (5) جنح في الذكرى
~~إلى العمل به (6)، ونقل عن المختلف نفي البأس عن العمل بها (7)، والراوية
~~مذكورة في الكافي والتهذيب والعيون (8).
# ويجب أن يكون الميت أمام المصلي بغير تباعد فاحش لا يصدق في العرف معه
# PageV03P486
# أنه يصلي عليه، إلا أن يكون التباعد بسبب المصلين، قال في الذكرى: ولا
~~يجوز التباعد بمائتي ذراع، ولو كان خلف المصلي لم يصح عندنا.
# السادس: يستحب وقوف الإمام عند وسط الرجل وصدر المرأة، لحسنة عبد الله بن
~~المغيرة (1).
# وفي رواية جابر: " يقوم من الرجل بحيال السرة، ومن النساء دون ذلك من قبل
~~الصدر " (2).
# وفي رواية موسى بن بكر: " عند رأسها وصدره " (3) وعمل بها في الاستبصار
~~(4)، ولا بأس بالعمل بأيهما.
# وعن الخلاف: يقوم عند رأس الرجل وصدر المرأة (5)، ولم نقف على مستنده.
# ولو اجتمعا وأراد الصلاة عليهما جعل الرجل مما يلي الإمام، والمرأة قدامه
~~إلى القبلة محاذيا صدرها لوسطه، ليدرك الفضل فيهما.
# وهذا الترتيب مما اتفقت عليه كلمتهم وأخبارهم الصحيحة وغيرها (6)، وحمل
~~الأخبار على الاستحباب لإجماعهم على عدم الوجوب ودلالة صحيحة هشام بن سالم
~~على جواز العكس (7).
# PageV03P487
# واختلفت كلماتهم في الصبي، فذهب الصدوقان إلى جعله وراء المرأة مما يلي
~~الإمام (1)، لرواية ابن بكير (2)، وأطلق الشيخ في النهاية تقديمه عليها إلى
~~القبلة (3).
# وتدل عليه رواية طلحة بن زيد (4).
# وفصل في الخلاف والمبسوط فجعل من تجب عليه الصلاة وراء المرأة مما يلي
~~الإمام، ومن لا تجب عليه قدامها (5)، واختاره المحقق (6) وغيره (7).
# وادعى في الخلاف الاجماع على ذلك، واستند بأن الحسنين عليهما السلام
~~وجماعة صلوا على أم كلثوم أختهما وابنها زيد، جاعلا جنازته مما يلي الإمام،
~~والمرأة وراءه، وقالوا: " هذا هو السنة " (8).
# ويظهر من ذلك أن الشيخ ظهر له أن الابن كان له ست سنين، ولا يبعد ترجيح
~~التفصيل، لأن دليل القولين السابقين مطلق.
# ومما ذكر يظهر حال ما لو اجتمعت الأصناف الثلاثة وأراد الصلاة عليهم
~~دفعة.
# ويستفاد من رواية طلحة (9) ومن فتوى الأصحاب تقديم الحر إلى ما يلي
~~الإمام على العبد أيضا.
# PageV03P488
# بل يظهر من تنبيه ms0900 الأخبار (1) وبعض كلماتهم تقديم الأشرف إلى ما يلي
~~الإمام، فقال في الذكرى: يستحب أن يلي الرجل الإمام ثم الصبي لست، ثم
~~العبد، ثم الخنثى، ثم المرأة، ثم الطفل لدون ست، ثم الطفلة (2)، انتهى.
# وفي بعض الروايات - كرواية عبيد الله الحلبي (3) ورواية سماعة (4) -
~~تقديم الرجل على المرأة إلى القبلة، وهي محمولة على بيان الجواز، إذ الظاهر
~~أنه لا خلاف في عدم وجوب الترتيب كما يظهر من المنتهى (5).
# ثم إن رواية طلحة بن زيد وإن لم تدل إلا على تقديم الحر على العبد، ولكن
~~يمكن أن يستفاد منها تقديم الحرة على الأمة.
# وأما الحرة والعبد فقال في الذكرى: يعارض فيه فحوى الرجل والمرأة والحر
~~والعبد، ولكن الأشهر تغليب جانب الذكورية (6).
# ثم يستحب التدريج في وضع الموتى إذا اجتمعوا، فإذا اجتمع الرجال يجعل رأس
~~الثاني إلى ألية الأول وهكذا، ثم يقوم الإمام في الوسط.
# ولو كان معهم نساء جعل رأس المرأة الأولى إلى ألية الرجل الأخير ثم
~~الثانية إلى الأولى وهكذا، ثم يقوم وسط الرجال ويصلي عليهم صلاة واحدة،
~~وهذا مضمون موثقة عمار (7).
# قال في الذكرى: لا فرق في التدريج إذا كان المجتمعون صنفا واحدا بين
~~الصف; الرجال والنساء والأحرار والعبيد والإماء والأطفال، والظاهر أنه
# PageV03P489
# يجعلهم صفين كتراص البناء لئلا يلزم الانحراف عن القبلة، وإن كان ظاهر
~~الرواية أنه صف واحد، هذا كلامه (1) وفيه موضع تأمل.
# ثم إنه قد ظهر لك مما ذكرنا جواز الصلاة الواحدة على جماعة كثيرة،
~~والأقوال والأخبار (2) متطابقة عليه، ولا إشكال فيه مع اتحاد الموتى في وجه
~~الصلاة.
# أما لو اختلفوا كالطفل ما دون الست والرجل مثلا، فيشكل من حيث اجتماع
~~المتضادين سيما مع اشتراط قصد الوجه، وقد اضطرب كلام أصحابنا في توجيهه،
~~ولا يرجع شئ منها إلى محصل، حيث يقولون بأن تعدد الجهة غير مجد في إمكان
~~اجتماع المتضادين في الواحد الشخصي، وقد ذكرنا بطلان التوجيهات في كتاب
~~مناهج الأحكام في مبحث تداخل الأغسال، وأشرنا إليه في هذا الكتاب أيضا.
# والمناص هو القول بعدم استحالة الاجتماع كما حققناه ms0901 في القوانين (3).
# نعم يمكن القول بإمكان اسقاط الفعل الواجب للندب، كما يسقط غسل الجنابة
~~غسل الجمعة، بأن يقال: يحصل ثواب الندب له حينئذ، ولكن أين ذلك مما نحن
~~فيه، فإن ما نحن فيه هو قصد الجمع في نية واحدة، لا الإتيان بالواحد ليسقط
~~عن غيره.
# ويستحب رفع اليدين في التكبير الأول إجماعا، واختلفوا في البواقي، فنسب
~~في الذكرى والمدارك المنع إلى الأكثر (4)، لرواية غياث بن إبراهيم (5)،
~~ورواية إسماعيل بن إسحاق بن أبان الوراق (6).
# PageV03P490
# وذهب الشيخ في كتابي الأخبار (1) والمحقق (2) والعلامة في الإرشاد
~~والتحرير (3) والمحقق الأردبيلي (4) وصاحب المدارك (5) وصاحب الكفاية (6)
~~وهو ظاهر المسالك (7) إلى استحبابه في الجميع، لصحيحة عبد الرحمن العرزمي
~~(8)، ورواية يونس (9)، ورواية أخرى رواها الشيخ في كتاب الرجال (10)، حملا
~~للروايتين السابقتين على التقية، أو على بيان الجواز وقال الشهيد في الذكرى
~~في آخر الكلام: وبالجملة الخروج عن جمهور الأصحاب بخبر الواحد فيه ما فيه
~~(11).
# أقول: وإن كان الترجيح لا يخلو عن إشكال، لكن الأقرب ترجيح الاستحباب.
# ويستحب نزع النعلين، بل الحفاء أيضا، لكونه موضع الاتعاظ فناسب التذلل،
# PageV03P491
# ولقوله عليه السلام: " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على
~~النار " (1) وتكره الصلاة معها.
# ولا كراهة مع الخف، لرواية سيف بن عميرة، عن الصادق عليه السلام:
# " لا يصلى على جنازة بحذاء، ولا بأس بالخف " (2).
# ولولا انضمام نفي البأس إلى الخف لقلنا باستفادة الحفاء من الرواية أيضا،
~~ومعه فيمكن أن يكون المقصود فيه المنع عن الصلاة فيما يستر ظهر القدم ولم
~~يكن له ساق، بأن يجعل الحذاء عبارة عما يستره من النعال.
# وكيف كان فالظاهر رفع الكراهة بمجرد النزع، بل وحصول الاستحباب أيضا وإن
~~لم يحف، هذا الكلام في التكبير.
# وأما رفع اليدين في الدعاء، فقال في المسالك: لم يرد نص خاص عليه (3)،
~~ويمكن استفادته من فعل الحسين عليه السلام في صلاته على المنافق (4)، ومن
~~عموم الأمر به حالة الدعاء (5).
# ويستحب أن يقف الإمام بل المأمومين أيضا عدا من يتوقف رفع الجنازة عليهم
~~حتى ترفع الجنازة، لرواية حفص بن غياث (6)، ورواية ms0902 يونس (7)، وذلك لا
~~يستلزم حرمان من يرفع الجنازة لإعانتهم على الخير وفعلهم الخير وإيثارهم
~~الغير على أنفسهم.
# PageV03P492
# ويستحب أن يصلى في المواضع المعتادة، لحصول البركة فيها بكثرة الصلاة،
~~وسهولة الأمر لمن يقصدها، وكونه وسيلة إلى تكثير المصلين الذي هو مظنة
~~لحصول من يكون مجاب الدعوة فيهم.
# وفي صحيحة عمر بن يزيد عن الصادق عليه السلام: " إذا مات الميت فحضر
~~جنازته أربعون رجلا من المؤمنين فقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا
~~وأنت أعلم به منا، قال الله تبارك وتعالى: قد أجزت شهادتكم وغفرت له ما
~~أعلم مما لا تعلمون " (1).
# وتجوز الصلاة في المساجد مع أمن التلويث، للأصل، وصحيحة البقباق (2)، و
~~رواية محمد بن مسلم (3)، ولكن المشهور الكراهة، لقول أبي الحسن عليه السلام
~~لأبي بكر العلوي: " إن الجنازة لا يصلى عليها في المساجد " (4).
# واستثنوا من ذلك مسجد مكة، وعن الشيخ في الخلاف أنه بعد ذكر الكراهة و
~~الاستثناء احتج بالإجماع (5) قال في الذكرى: ولعله لكونها مسجدا بأسرها كما
~~في حق المعتكف وصلاة العيد (6).
# وكذلك العلامة عللها بكونها مسجدا كلها (7)، فلو كرهت الصلاة في بعض
# PageV03P493
# مساجدها لزم التعميم فيها أجمع، وهو خلاف الاجماع.
# أقول: والأولى منع كون كلها مسجدا، والتمسك بآية الإسراء (1) بتقريب أنه
~~صلى الله عليه وآله أسري به من بيت أم هاني (2) وأطلق عليه المسجد; ضعيف،
~~لأنه مجاز، ولانتفاء أحكام المسجد فيها كما لا يخفى، فيبقى الاعتماد على
~~الاجماع المنقول وفتوى الأصحاب.
# السابع: قال في المختلف: المشهور كراهة تكرار الصلاة على الميت، وقال ابن
~~أبي عقيل: لا بأس بالصلاة على من صلي عليه مرة، فقد صلى أمير المؤمنين عليه
~~السلام على سهل بن حنيف خمس مرات.
# وقال ابن إدريس: تكره جماعة وتجوز فرادى. وقال الشيخ في الخلاف: من صلى
~~خلف جنازة يكره له أن يصلي عليها ثانيا، وهو يشعر باختصاص الكراهة بالمصلي
~~المتحد (3)، انتهى.
# ويظهر من الاستبصار استحباب التكرار من المصلي الواحد وغيره (4).
# وقال في روض الجنان: إن للعلامة قولا باختصاص الكراهة بالخوف على الميت
~~أو مع منافاة التعجيل ms0903 ولم يعتبر المصلي (5).
# وقال في التحرير: يكره أن يصلى على الجنازة الواحدة مرتين، لأن المراد
~~المبادرة، وهي تنافي ذلك (6).
# PageV03P494
# وعن المحقق الشيخ علي في حاشية الإرشاد بعد قول المصنف " ويكره تكرار
~~الصلاة " (1) أنه قال: من الواحد خاصة، إلا أن ينافي التعجيل فيكره مطلقا
~~(2).
# ويظهر من الشهيد في الذكرى أن قول الأكثر بالكراهة إنما هو لمن صلى على
~~الميت، أو أن قولهم بالكراهة هو إذا كان قبل الدفن، فإنهم جوزوا الصلاة على
~~الميت على قبره لمن لم يصل على الميت من دون ذكر كراهة كما سيجئ.
# وقال في آخر الكلام في هذه المسألة: فتبين رجحان الصلاة بظهور الفتوى
~~وكثرة الأخبار، ثم قال: وفي المختلف المشهور كراهة التكرار، وقد علمت الحال
~~فيه (3)، انتهى.
# واختلفت الأخبار في المسألة، فمقتضى طائفة منها كموثقة عمار (4) وموثقة
~~يونس بن يعقوب (5) جواز الصلاة لمن لم يصل، ويؤدي مؤداهما رواية عمرو بن
~~شمر (6).
# ومقتضى طائفة أخرى كقوية إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال:
# " إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة، فلما فرغ جاء قوم
~~فقالوا:
# فاتتنا الصلاة عليها، فقال صلى الله عليه وآله: إن الجنازة لا يصلى عليها
~~مرتين، ادعوا له وقولوا خيرا " (7) وبمضمونها رواية وهب بن وهب عنه عليه
~~السلام (8)، المنع.
# PageV03P495
# وعن قرب الإسناد أيضا عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما
~~السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على الجنازة، فلما فرغ منها
~~جاء قوم لم يكونوا أدركوها فكلموه أن يعيد الصلاة عليها، فقال لهم: قد قضيت
~~الصلاة عليها، ولكن ادعوا لها " (1). وهذه مستند الأكثر في الحمل على
~~الكراهة.
# ومقتضى طائفة أخرى جواز التكرار من المصلي الواحد إن كان إماما، مثل حسنة
~~الحلبي (2) وغيرها (3) مما ورد في الصلاة على سهل بن حنيف.
# وطائفة منها تدل على جواز التكرار منفردا، مثل ما ورد من الأخبار في أن
~~الناس كانوا يصلون على رسول الله صلى الله عليه وآله فوجا فوجا فرادى، وأن
~~أمير المؤمنين عليه السلام أمرهم بذلك بعد ms0904 ما صلى هو عليه جماعة (4).
# أقول: وظاهر الأصحاب الاتفاق على الجواز كما يظهر من المدارك أيضا (5)،
~~والأصل يقتضي حرمة التكرار، لأن الامتثال بالطبيعة يحصل بفرد، والإتيان بها
~~ثانيا يحتاج إلى أمر جديد، فلا بد من الاكتفاء بما دل عليه الدليل.
# وظاهر اتفاقهم إن ثبت - كما هو الظاهر - فهو المثبت للجواز.
# وكلما ظهر رجحانه من الروايات فلا يبعد القول فيه بالاستحباب، كمن لم
~~يصل، والإمام أيضا، لإدراك الفضيلة، بل لا يبعد استفادة المأموم أيضا من
~~حكاية الصلاة على سهل فإن تلك الأخبار تدل على أن أمير المؤمنين عليه
~~السلام صلى عليه بخمس تكبيرات، وكلما مشى جاء جماعة قالوا: يا أمير
~~المؤمنين عليه السلام لم ندرك الصلاة على سهل، فكان يضعه ويكبر عليه خمسا
~~حتى بلغ خمسا
# PageV03P496
# وعشرين تكبيرة (1).
# وظاهر الرواية أن الجماعة الذين صلوا عليه أولا لم يتفرقوا عنه ولم
~~ينزووا عن الجماعة الثانية في الصلاة.
# نعم لا دلالة واضحة في الأخبار لجواز الصلاة منفردا للمنفرد إذا صلى
~~وحده، ولا للمأموم والإمام إذا أراد التكرار منفردا، ولا بجماعة جديدة.
# وأما الروايتان (2) المنزلتان على الكراهة فيمكن حملهما على أنه لا تصلى
~~الصلاة الواجبة المعهودة على الجنازة مرتين، قيل: ويحتمل النسخ، ويحتمل
~~الحمل على التقية، لأن الرواية من العامة (3)، وهي موافقة لأشهر مذاهبهم
~~(4).
# وأجاب في المختلف عن حكاية سهل بن حنيف بأنها مختصة بذلك الشخص، إظهارا
~~لفضله، كما خص النبي صلى الله عليه وآله عمه حمزة بسبعين تكبيرة (5)، وفيه
~~إشكال.
# وعبارة نهج البلاغة حيث قال أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه إلى
~~معاوية:
# " حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيد الشهداء، وخصه رسول الله صلى الله عليه
~~وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه " (6) لا تدل عليه كما توهم، إذ بعد
~~ثبوت جواز التكرار فلا ريب أن مراتب الأشخاص متفاوتة بحسب استحقاق التعظيم
~~و كثرة الدعاء والصلاة المتضمنة للدعاء والتشريف والتكريم أولى بأن تكون
~~لمن
# PageV03P497
# هو أولى بها.
# والحاصل أن اهتمام رسول الله صلى الله عليه وآله كان في شأنه أكثر، فخص
~~ذلك الاعتناء به ms0905 دون سائر الشهداء، لا أن هذا الحكم كان مختصا به أو بسهل
~~بن حنيف لا يجوز تجاوزه إلى غيرهما، وهذا ظاهر.
# والحاصل أن أفراد الصلاة مخير فيها، ومتفاوتة في الفضل، فجعل الأفضل
~~للأفضل.
# وبالجملة الأظهر الجواز مع عدم الكراهة لمن لم يصل، إماما كان أو مأموما
~~أو منفردا، وكذلك للإمام إذا أعاد لقوم لم يصلوا، والكراهة في غيره لظاهر
~~اتفاقهم على الجواز.
# ومما يشكل الأمر على المشهور أنه لا معنى للكراهة بمعنى كونه أقل ثوابا
~~هنا، لعدم وجود البدل له، وأما على مختارنا في الأصول من جواز اجتماع الأمر
~~والنهي فلا يضرنا حمل الكراهة على معناها الحقيقي " (1).
# ثم إن بنينا على الجواز فينوي فيها الندب، وتوهم " جواز قصد الوجوب لأصل
~~الوضع " فيه ما فيه.
# تنبيه:
# ظاهر طائفة من الأخبار استحباب زيادة التكبير على الخمس ستة وواحدا أو
~~اثنين وأكثر (2)، ولم نجد قائلا به من الأصحاب صريحا، وربما أشعر به كلام
~~ابن الجنيد، وما ذكره الشهيد في بيان مراده في آخر مباحث صلاة الميت (3).
# PageV03P498
# والظاهر أن المراد بسبعين تكبيرة في صلاة حمزة هو تكرار الصلاة إلى أن
~~يحصل منه هذا القدر كما يظهر من بعض الروايات الواردة في ذلك، وصرح به في
~~حكاية صلاة سهل.
# ويمكن أن يكون المراد من الزيادة ما حصل بسبب تشريك الجنائز في الصلاة
~~كما سيجئ، ويشعر به بعض ما ورد في صلاة حمزة.
# الثامن: لا تجوز الصلاة على الميت إلا بعد تغسيله وتكفينه حيث أمكن، وهو
~~إجماعي كما يظهر من جماعة (1)، وعمل المسلمين عليه في الأعصار والأمصار.
# والظاهر البطلان قبله أيضا، لعدم ثبوت مشروعيتها إلا كذلك، فلا عبرة
~~بإطلاق أخبار الصلاة في مقابل هذا المقيد الظاهر في اختصاص المشروعية بذلك
~~ومقتضى ذلك استواء العامد والناسي، وتدل عليه موثقة عمار الآتية.
# وإن لم يكن له كفن يجعل في القبر وتستر عورته، ثم يصلى عليه، لموثقة
~~عمار، في حكاية الصلاة على العريان عن الصادق عليه السلام، قال: " يحفر له
~~ويوضع في لحده، ويوضع اللبن على عورته، فتستر عورته ms0906 باللبن والحجر، ثم يصلى
~~عليه، ثم يدفن "، قلت: فلا يصلى عليه إذا دفن؟ فقال: " لا يصلى على الميت
~~بعد ما يدفن، ولا يصلى عليه وهو عريان حتى توارى عورته " (2) وتقرب منه
~~رواية محمد بن أسلم عن رجل من أهل الجزيرة (3).
# وجعل في الذكرى العمل بمقتضى الرواية عند عدم إمكان ستر العورة خارج
~~اللحد والصلاة عليه فيقدم ذلك مع الإمكان (4).
# PageV03P499
# وناقش صاحب المدارك في وجوب ذلك بعد ما جزم بالجواز (1).
# أقول: في الفرق بين الوجوب والجواز مع قبول الرواية نظر، ويمكن استفادة
~~ما ذكره في الذكرى من قوله عليه السلام: " ولا يصلى عليه وهو عريان " إلى
~~آخر الحديث، ومقتضى إطلاق الرواية وجوب الستر وإن أمن من الناظر (2).
# وإن لم يتفق للميت أن يصلى عليه فمقتضى العمومات (3) والاستصحاب وجوب
~~الصلاة عليه على القبر ما دام هو على حال لو كان في الخارج كانت تجب الصلاة
~~عليه; وبعبارة أخرى ما دام يصدق عليه أنه ميت آدمي، وهو ظاهر مختار العلامة
~~في المختلف (4) والمنقول عن غيره أيضا (5)، واختاره المحقق الأردبيلي رحمه
~~الله (6).
# وذهب المحقق في المعتبر إلى عدم الوجوب وإن قال بجوازه (7)، وتبعه صاحب
~~المدارك (8).
# واحتج المحقق بأن المدفون خرج بدفنه عن أهل الدنيا، فساوى من فنى في
~~قبره، ولرواية عمار (9) وغيرها مما دل على عدم الصلاة على المدفون (10).
~~واستدل على الجواز بالأخبار الدالة على الصلاة على المدفون (11) كما ستجئ.
# وفيما ذكره من المساواة منع ظاهر، ومع قبول الجواز بسبب الأخبار الأخر
~~فلا دافع للوجوب.
# PageV03P500
# وأما رواية عمار وما في معناها فلا تنتهض حجة على تخصيص تلك العمومات
~~المعتضدة بالأخبار المجوزة بظاهرها كما سيجئ، فإما تحمل على الكراهة مع
~~إرادة الصلاة على ميت صلي عليه كما تشعر به الأخبار المجوزة، أو يقال: إن
~~المراد منها منع الصلاة أولا على المدفون، يعني لا يجوز اختيار تقديم الدفن
~~على الصلاة، ولا تنفي وجوب الصلاة على ميت دفن بلا صلاة على من لم يحضره
~~حين الدفن أيضا، فحاصلها بيان وجوب تقديم الصلاة على الدفن.
# وأما الكلام في ms0907 جواز الصلاة على ميت صلي عليه ودفن; فهو أن ظاهر أكثر
~~أصحابنا الجواز (1)، وظاهر العلامة في المختلف العدم، وجمع بين الأخبار
~~المختلفة في هذا الباب بذلك (2).
# وربما جمع الشيخ بينهما بحمل المانعة على الصلاة، والمجوزة على الدعاء
~~(3).
# وقد جمع بينهما أيضا (4) هو وغيره من الفقهاء (5) بحمل المجوزة على ما لو
~~صلاها في يوم وليلة، والمانعة لو صلاها بعد ذلك، وحددها سلار بثلاثة أيام
~~بينهما (6)، ويظهر من الخلاف أن به رواية (7)، وحددها ابن الجنيد بما لم
~~يعلم منه تغير صورته (8).
# والحاصل أن فتاوى الأكثرين على الجواز لمن فاتته الصلاة على من صلي عليه،
~~مع اختلافهم في التحديدات المذكورة، واعترف الفاضلان بعدم اطلاعهم على
# PageV03P501
# دليل هذه التحديدات (1) وجواز الصلاة في يوم وليلة على من صلي عليه لمن
~~لم يصل عليه هو لازم فتوى جمهورهم بلا خلاف بينهم، وإنما الخلاف لسلار وابن
~~الجنيد في جوازه في الأزيد، والصدوق حيث أطلق الجواز (2).
# وحيث اخترنا الرجحان في مسألة تكرار الصلاة على الميت، فنقول هنا أيضا
~~كذلك.
# وأما جمهور الأصحاب القائلون بالكراهة ثمة فيشكل حكمهم بالجواز هنا من
~~دون الكراهة، فإما لا بد من القول بأن الكراهة هي ما قبل الدفن، أو أنها
~~لمن صلى كما نقلنا عن الشهيد، فيشبه أن يكون إسناد الكراهة مطلقا إلى
~~المشهور كما في المختلف (3) غفلة كما نبه عليه الشهيد أخيرا (4) والأظهر
~~عندي الجواز بلا كراهة لمن لم يصل (5) في المقامين، مع الوجوب أيضا على من
~~لم يصل عليه بعد الدفن. وأما جواز الصلاة لمن لم يصل على من صلي عليه فلم
~~أقف له على حجة.
# وأما الأخبار المختلفة في هذه المسألة، فأما ما يدل على الجواز فهو صحيحة
~~هشام بن سالم (6)، ورواية مالك مولى الجهم (7)، وهي قوية، وهما تشملان ميتا
~~صلي
# PageV03P502
# عليه، وميتا لم يصل عليه.
# ورواية عمرو بن جميع عن الصادق عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى
~~الله عليه وآله إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر " (1) ورواه
~~الصدوق مرسلا. (2) وقال في الذكرى: وروي أن النبي صلى ms0908 الله عليه وآله صلى
~~على قبر مسكينة دفنت ليلا (3).
# والروايتان ظاهرتان فيمن صلي عليه; وتؤيده رواية جعفر بن عيسى (4).
# وأما ما يدل على المنع فحسنة محمد بن مسلم أو زرارة المقطوعة، قال: "
~~الصلاة على الميت بعد ما يدفن إنما هو الدعاء " قلت: فالنجاشي لم يصل عليه
~~النبي صلى الله عليه وآله؟ فقال: " لا، إنما دعا له " (5).
# ورواية يونس بن ظبيان، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه، قال:
# " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصلى على قبر، أو يقعد عليه، أو
~~يبنى عليه " (6).
# وموثقة عمار (7) ورواية محمد بن أسلم (8) المتقدمتان.
# وموثقة عمار عن الصادق عليه السلام في ميت صلي عليه وهو مقلوب رجلاه
# PageV03P503
# إلى موضع رأسه، قال يسوى وتعاد الصلاة ما لم يدفن، فإن دفن فقد مضت
~~الصلاة، ولا يصلى عليه وهو مدفون " (1).
# وأجاب المجوزون عن هذه الأخبار بأن المراد المنع بعد يوم وليلة، أو ثلاثة
~~أيام، أو بعد التغير، أو أن الممنوع هو الصلاة، والمجوز هو الدعاء.
# والأولى أن يقال: إن الروايات المجوزة أقوى سندا واعتضادا بعمل الأكثر،
~~والمانعة ضعيفة السند، مخالفة لفتاوي الجماهير بظاهرها مع أن رواية يونس بن
~~ظبيان لا دلالة فيها أصلا كما لا يخفى، وقد ذكرنا وجه الموثقتين سابقا من
~~حملهما على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن الدفن أولا، هذا مع أن الحمل على
~~الكراهة لا يوافق طريقة المشهور، لعدم البدل كما أشرنا سابقا.
# نعم الأولى أن لا يجاوز عما حصل اتفاقهم عليه من جوازه في يوم وليلة، ولا
~~يبعد تجويز الثلاثة أيام أيضا.
# وأما تخصيص الأخبار المجوزة بمن لم يصل عليه كما فعله في المختلف (2)
~~فبعيد.
# ثم إن الصلاة على القبر يعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة في الخارج من كون
~~القبر حاضرا لا غائبا، ولا بعيدا غاية البعد، وكون رأس الميت على يمين
~~المصلي.
# التاسع: تجوز صلاة الميت بالجماعة وفرادى بالإجماع والأخبار، ولا يتحمل
~~الإمام هنا عن المأموم شيئا، وإنما خرجت القراءة في الصلاة ذات الركوع
~~بدليل.
# ولا قراءة هنا إجماعا ms0909 منا، فيجب على المأموم الإتيان بالأذكار.
# ويجوز الدخول في أثنائها ولو بين التكبيرتين، ولا ينتظر تكبير الإمام،
~~لعموم
# PageV03P504
# ما دل على الائتمام (1)، ونقل في الذكرى عن الشيخ الاجماع عليه (2).
# فإذا كان مسبوقا فيأتي بباقي التكبيرات بعد فراغ الإمام، لصحيحة الحلبي
~~(3)، و صحيحة العيص بن القاسم (4)، ورواية زيد الشحام (5)، وغيرها (6). وما
~~خالفها من الأخبار مطروح أو مؤول لعدم المقاومة.
# ولكن في صحيحة الحلبي: " فليقض ما بقي متتابعا " وأفتى على طبقها
~~الفاضلان (7) وغيرهما (8)، ومقتضاها عدم وجوب الذكر بعدها مطلقا، وهو مشكل،
~~سيما على القول بوجوب الذكر كما هو الأشهر الأظهر. ونزله جماعة من الأصحاب
~~على فرض يخاف معه فوت الجنازة من محل تجوز الصلاة عليها فيه اختيارا (9)،
~~وهو حسن.
# ولو رفعت الجنازة أتمها ولو ماشيا إلى سمت القبلة، ولو عند القبر، ولو
~~بعد الدفن; كما تدل عليه رواية خالد بن ماد القلانسي (10)، وهي مشعرة
~~بالاشتغال بالدعاء، إذ لو والى لم يبلغ الحال إلى الدفن كما نبه عليه في
~~الذكرى (11)، و
# PageV03P505
# استحسنه الشهيد الثاني في روض الجنان والمحقق الشيخ علي في شرح القواعد،
~~و قالا: لكن يجب تقييده بما لو كان مشيهم لا يخرج عن سمت القبلة، ولا يفوت
~~به شرط الصلاة من البعد، وإلا لتعينت موالاة التكبير (1)، وهو كذلك.
# ويبقى الإشكال في كيفية الذكر، ولم أقف إلى الآن في كلامهم على التعرض
~~لذلك، والذي يقتضيه النظر هو الإتيان بما يقتضيه أصل الصلاة، فلا تجب
~~متابعة الإمام في الأذكار، للعمومات، وعدم الدليل على وجوب المتابعة هنا.
~~ويأتي بما بقي من الأذكار بعد انصراف الإمام حسب ما يمكن منها.
# ويمكن أن يقال: إن الدخول مع الإمام في أثناء الصلاة وإن كانت تجب معه
~~نية الوجوب للصلاة، لعدم سقوط الوجوب حينئذ، ولكن بعد انصراف الإمام يظهر
~~السقوط، فيمكن القول بعدم وجوب الإتمام، ويظهر من الشهيد في الذكرى - حيث
~~قال يأتي بالباقي بعد فراغ الإمام على الأشهر - أن هنا قولا بعدم وجوب
~~الإتمام (2)، وحينئذ فتنطبق عليه رواية إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه
~~السلام، عن أبيه: ms0910 " أن عليا عليه السلام كان يقول: لا يقضى ما سبق من تكبير
~~الجنازة " (3) و أولها الشيخ بأنها لا تقضى كما كان، أي مع الدعاء، بل يأتي
~~بها ولاءا (4)، وهو بعيد.
# ويظهر من ذلك أسهلية الأمر في الدعاء، ومصلحة التقييد بالتتابع إشعار
~~بالاستحباب، لكن العمل على الأول.
# ثم إن الفاضلين (5) وغيرهما (6) ذكروا استحباب إعادة التكبير للمأموم إذا
~~سبق
# PageV03P506
# الإمام بتكبيرة أو أزيد، وهو على إطلاقه مشكل.
# وقال في المسالك: هذا إن سبقه سهوا أو ظنا، أما لو تعمد استمر متأنيا حتى
~~يلحقه الإمام ويأتم في الأخير (1).
# واستشكل المحقق الشيخ علي إطلاق كلام القواعد باستحباب الإعادة بالنسبة
~~إلى صورة العمد، للزوم زيادة الركن (2)، وكذلك الشهيد في الذكرى (3)،
~~وتوافق هؤلاء في الاستحباب في صورة السهو أو الظن لإدراك فضل الجماعة.
# ويبقى الكلام في الصحة مع التعمد وعدم إعادة التكبير، فمقتضى كلام
~~الجماعة أن الصلاة صحيحة وإن كان آثما، وهو مشكل كما أشرنا إلى مثله في
~~الصلاة اليومية، والظاهر أنهم جعلوا التكبيرات بمنزلة الأفعال في الصلاة
~~اليومية، وإلا فالأشهر والأظهر عدم وجوب المتابعة في الأذكار.
# وكيف كان فلا بد من تخصيص المقال بغير التكبيرة الأولى، فتبطل الصلاة
~~بتقديمها مطلقا.
# ومقتضى ما ذكر أن التقدم في الأدعية والأذكار غير مضر مطلقا.
# وإذا تأخر المأموم بتكبيرة فصاعدا عمدا فيظهر من الذكرى نوع تردد في
~~البطلان مع ميله إلى الصحة (4) بخلاف ما لو كان سهوا فيصح.
# العاشر: تجوز الصلاة على الميت ليلا ودفنه بلا كراهة، لعموم رجحان
~~التعجيل، ومقتضى رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام، عنه صلى الله عليه
~~وآله: " لا ألقين رجلا منكم مات له ميت ليلا فانتظر به الصبح، ولا رجلا مات
~~له
# PageV03P507
# ميت نهارا فانتظر به الليل " (1) مساواة الليل والنهار.
# ولكن الشيخ في المبسوط قال: النهار أفضل، إلا أن يخاف على الميت (2)، قال
~~في الذكرى: ولعله لتكثر اجتماع الناس عليه (3).
# وتجوز صلاة الجنازة في الأوقات الخمسة بلا كراهة بلا خلاف بينهم ظاهرا، و
~~دعوى الاجماع في كلامهم موجودة، والأخبار كصحيحة الحلبي (4) وصحيحة محمد ms0911 بن
~~مسلم (5) وغيرهما (6) بذلك ناطقة.
# ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (7) الناطقة بكراهتها حين تصفر الشمس
~~و حين تطلع شاذة محمولة على التقية.
# ولو اتفقت في وقت حاضرة، فعن المحقق التخيير ما لم يخف على الميت أو يخف
~~فوت الحاضرة (8)، جمعا بين ما دل من الأخبار على تعجيل الميت إلا أن يخاف
~~فوت الفريضة (9)، وما دل على الابتداء بالفريضة إلا أن يكون الميت مبطونا
~~أو نفساء (10)، فيتساويان ويثبت التخيير.
# والحق تقديم الفريضة ما لم يخف على الميت، وفاقا للشهيد (11) وجماعة من
# PageV03P508
# أصحابنا السابقين (1)، لإطلاق صحيحة علي بن جعفر (2)، ولاستقراء الأخبار
~~الواردة في تقديم الفريضة في أول الوقت (3)، وخصوص ما ورد في تقديم اليومية
~~على صلاة الآيات وغيرها (4)، والاهتمام الوارد في الشريعة في حقها.
# وأما مع الخوف على الميت فيتعين التقديم، لتضيقها وتوسعة الفريضة حينئذ.
# وبالجملة يجب تقديم المضيق إذ تضيق أحدهما، ويجوز الإتيان بأيهما مع
~~توسعتهما، مع أفضلية المبادرة إلى الفريضة.
# وأما لو تضيقتا، فظاهر كلام المبسوط تقديم الجنازة (5)، لأن حرمة المسلم
~~ميتا كحرمته حيا (6).
# وذهب جماعة من الأصحاب إلى تقديم الحاضرة (7)، وهو أظهر، لما يستفاد من
~~رجحان صلاة الفريضة مما ذكرنا، ووجوب {حفظ} حرمة المسلم يقتضي ترك الفريضة
~~لو ثبت وجوب الصلاة عليه قبل الدفن حينئذ، ولم تظهر أرجحية وجوب الصلاة
~~عليه قبل الدفن على وجوب الفريضة، لجواز الصلاة عليه بعد الدفن على القبر،
~~إلا مع عدم إمكان الدفن حينئذ إلا بترك الفريضة لفقدان من يدفنه، وحينئذ
~~فتبقى المعارضة بين الفريضة وبين دفن الميت، لا الصلاة عليه، وأهميته أيضا
~~غير معلومة، وقياسه على إنقاذ المسلم الحي من الغرق والحرق غير مسموع، وإن
~~كان
# PageV03P509
# لا يخلو ذلك من قوة إذا استلزم التأخير اتلاف الميت أو المثلة به. ولا
~~يبعد القول به لكن فرض مزاحمة ذلك مع الصلاة الفريضة ولو بإتيانها بالإيماء
~~والإشارة فرض نادر جدا، ومعه يمكن الجمع بينهما.
# ولا ريب في ترجيح جانب احترام المؤمن وحفظ ميته عن التلف على استيفاء
~~واجبات الصلاة من القيام والقعود وغير ذلك ms0912 مع إمكان الصلاة الاضطرارية.
# ومن جميع ذلك يظهر عدم الفرق بين الفرائض اليومية وغيرها من الصلوات
~~المكتوبات، ويقتضيه إطلاق الأخبار المتقدمة أيضا.
# الحادي عشر: قال في الذكرى (1): لا يستحب دعاء الاستفتاح عندنا، ولا
~~التعوذ، ولا تكبيرات ست قبلها، قال: والأقرب استحباب الجهر بالتكبير للإمام
~~ليعلم من خلفه.
# ثم قال: وقال الفاضلان باستحباب السر في الدعاء، سواء فعلت ليلا أو
~~نهارا، لأنه أبعد من الرياء، فيكون أقرب إلى الإجابة (2)، ولرواية أبي همام
~~عن الرضا عليه السلام: " دعوة العبد سرا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية
~~" (3).
# أقول: وفي صورة احتياج المأموم إلى المتابعة في الذكر كما هو الغالب
~~الشائع فلا ريب في رجحان الجهر في الكل.
# الثاني عشر: إذا حضرت جنازة في أثناء الصلاة على الأخرى، فذهب جماعة من
~~المتقدمين والمتأخرين (4) إلى أنه يتخير في الإتمام ثم الاستئناف على
~~الأخيرة
# PageV03P510
# والقطع والاستئناف عليهما، لصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه
~~السلام:
# في قوم كبروا على جنازة تكبيرتين ووضعت معها أخرى، قال: " إن شاؤوا تركوا
~~الأولى حتى يفرغوا من التكبير على الأخيرة، وإن شاؤوا رفعوا الأولى وأتموا
~~التكبير على الأخيرة، كل ذلك لا بأس به " (1).
# وهي لا تدل على ما ذكروه كما صرح به الشهيد (2) وغيره (3) - رحمهم الله
~~تعالى - بل الظاهر منها أنه يشرك بينهما حين توضع الأخيرة مع الأولى في
~~التكبيرة، فيجعل التكبير الثاني أو الثالث مثلا التكبيرة الأولى للثانية،
~~ويحرم لصلاة الثانية حينئذ في قصده ويقرأ لكل منهما وظيفتها، فيقرأ الصلاة
~~على محمد وآله مثلا للأولى، والشهادتين للثانية وهكذا، ثم يختار بين أن
~~يبقي الأولى بعد إتمام تكبيراتها الخمس حتى يتم التكبير على الأخيرة، أو
~~يرفع الأولى ثم يتم ما بقي من تكبيرات الأخيرة.
# ويحتمل أن يكون المراد: إن شاؤوا شركوها في الأثناء وتركوا الأولى حتى
~~يفرغوا من الأخيرة، وإن شاؤوا لم يشركوا بل ترفع الأولى بإتمام الصلاة
~~عليها، ثم يتموا التكبير على الأخيرة، يعني يستأنفوا عليها التكبيرات تماما
~~مستقلا.
# وأما توجيه الرواية على ما فهمه الجماعة فهو: أن يراد ms0913 من قوله عليه
~~السلام:
# " تركوا الأولى " أبطلوا صلاتها، وتكون كلمة " حتى " تعليلية لا غائية
~~(4)، يعني لئلا يصادف الفراغ التكبير على الأولى أولا، بل يصادف الأخيرة
~~وإن صادف الأولى أيضا معها، ويستفاد التشريك من قول الراوي: وضعت معها
~~أخرى.
# PageV03P511
# والمراد من قوله عليه السلام " وإن شاؤوا رفعوا الأولى " يعني: صلوا
~~عليها و رفعوها، ثم أتموا التكبير على الأخيرة، يعني: كبروا عليها تكبيرا
~~تاما مستقلا لا مشتركا.
# وهناك معنى رابع احتمله بعضهم، وهو أنه لا تشريك هنا أصلا، بل يتم الصلاة
~~على الأولى ثم يستأنف على الأخيرة، لكن لهم الخيرة بين أن يتركوا الأولى في
~~محلها حتى يرفعوهما معا، وبين أن يرفعوا الأولى قبل الثانية (1).
# وكيف كان فلا ريب في أفضلية استقلال كل منهما بصلاتها مع عدم الخوف على
~~الجنازة الثانية.
# وعن العلامة في بعض أقواله تعينه إذا اختلفا في الوجه (2)، وقد مر أن
~~اختلاف الوجه لا يضر في ذلك.
# والظاهر أن التشريك أيضا لا إشكال فيه، سيما إذا لم يختلفا في الوجه.
# ولم أقف في كلماتهم على منع عن ذلك.
# وحمل الشهيد ومن تأخر عنه الصحيحة على ذلك (3)، وهو الظاهر من الرواية،
~~وهو المستفاد من تنبيهات غيرها من الأخبار أيضا كما مرت الإشارة منا في
~~حكاية التكبيرات الزائدة عن الخمس (4)، وهو مقتضى إطلاقات الصلاة والجماعة،
~~وما دل على التشريك من رأس كما مر (5).
# إنما الإشكال في جواز القطع والاستئناف وفهم الجماعة واستدلالهم بالصحيحة
~~وعدم وضوح دليل تام على حرمة مطلق إبطال العمل كما أشرنا إليه في قواطع
~~الصلاة يقوي جوازه مطلقا، لكن الأولى والأحوط أن نخصه بصورة الخوف
# PageV03P512
# على الجنازة كما فعله الشهيد (1) وغيره (2) بمعنى أن القطع إذا كان يدفع
~~الضرر و عدمه يثبته فيثبت حينئذ القطع والاستئناف.
# وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأوضاع، واختلاف الجنائز في الدعاء و
~~اتحادها، فربما يكون التشريك في الأثناء أثقل من القطع، فيقطع، وربما يكون
~~أخف فيشرك، وربما يتساويان فيتخير.
# فلنأت ببعض الأمثلة وعليك باستخراج البواقي وملاحظة الأقسام:
# فمن أمثلة أثقلية التشريك: ما لو وقع التشريك ms0914 في التكبير الثاني أو
~~الثالث مطلقا، وفي الرابع مع اتحادهما في الجنس إذا خيف على الثانية، فإن
~~مكث الثانية على القسمين الأولين في صورة القطع والاستئناف يكون بمقدار
~~أربع أدعية أو خمس، وفي صورة التشريك بمقدار سبع في الأول وست في الثاني،
~~وعلى القسم الآخر تكون الأدعية في صورة القطع أربعة، وفي صورة التشريك
~~خمسة.
# ومن أمثلة العكس: التشريك في الخامسة، مع اختلافهما في الجنس، فلا يمكث
~~في صورة الاستئناف إلا بمقدار خمس أدعية، وفي صورة التشريك مكثه بمقدار
~~أربع.
# ومن أمثلة التساوي: ما وقع التشريك في الخامس مع اتحاد الجنس وفي الرابع
~~مع اختلافهما، ووجهه ظاهر.
# PageV03P513
# المقصد الخامس في الدفن ومقدماته وفيه مباحث:
# الأول: يستحب تشييع الجنازة بالإجماع والأخبار المستفيضة جدا (1)، وله
~~فضل عظيم وثواب جسيم.
# والظاهر أنه يتحقق بمطلق المشي معها، لا كما يفهم من ظاهر روض الجنان من
~~أنه المشي معها إلى موضع الدفن أو الصلاة (2)، لإطلاق بعض الأخبار، كرواية
~~ميسر (3)، ورواية إسحاق بن عمار (4) وغيرهما (5).
# وفي عقاب الأعمال عنه صلى الله عليه وآله: " من شيع جنازة فله بكل خطوة
~~حتى يرجع مائة ألف حسنة، ومحي عنه مائة ألف سيئة، ويرفع له مائة ألف درجة،
# PageV03P514
# فإن صلى عليه شيعه في جنازته مائة ألف ملك كلهم يستغفرون له، فإن شهد
~~دفنها وكل أولئك الملائكة كلهم يستغفرون له حتى يبعث من قبره " (1) الحديث.
# وفي رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " فبقدر ما يمشي مع الجنازة
~~يؤجر الذي يتبعها " (2)، وبمضمونها حسنته أيضا (3).
# ويجوز المشي من أي جانب، للأصل، وصحيحة محمد بن مسلم (4) و غيرها (5).
# والمشي خلفها وفي جانبيها أفضل من أمامها على المعروف من مذهب الأصحاب،
~~كما يستفاد من الأخبار مثل رواية إسحاق بن عمار (6) وغيرها (7).
# إنما الكلام في كراهة المشي قدامها، فنقل في الذكرى عن كثير من الأصحاب
~~الكراهة (8)، ونفاها في المعتبر (9).
# وعن ابن أبي عقيل وجوب التأخر عن جنازة المعادي لذي القربى (10)، لرواية
~~أبي بصير (11) وغيرها (12) من الأخبار الكثيرة الدالة على ذلك، وبعضها
~~واردة في
# PageV03P515
# مطلق المخالف، ms0915 وأكثرها معللة بأن الملائكة يستقبلونه بأنواع العذاب، وبما
~~يقرب من هذا المضمون.
# وعن ابن الجنيد أن صاحب الجنازة يمشي قدامها والباقون وراءها، لما روي من
~~فعل الصادق عليه السلام من تقدم سرير ابنه بلا حذاء ولا رداء (1) و (2).
# أقول: ولا يبعد القول بالكراهة مطلقا، لما يتبادر من لفظ التشييع والتبع،
~~وإن كان يمكن إرادة التبع في المشي لا في كيفيته ومحله.
# ولرواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام، عن آبائه، عن علي عليه
~~السلام، قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: اتبعوا الجنازة و لا
~~تتبعكم، خالفوا أهل الكتاب " (3) وفي المقنع قال: روي اتبعوا الجنازة ولا
~~تتبعكم، فإنه من عمل المجوس (4).
# ويكره الركوب إلا لعذر، وإلا في الرجوع، للأخبار الكثيرة (5).
# ويستحب للمشيع أن يحضر قلبه التفكر في المآل والتخشع والاتعاظ بالموت
~~(6).
# ويكره الضحك واللهو، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله أو عليا عليه
~~السلام شيع جنازة فسمع رجلا يضحك فقال: " كأن الموت فيها على
# PageV03P516
# غيرنا كتب " (1).
# ويظهر من بعض الأخبار كراهة ترك الرداء للمشيع غير صاحب الجنازة (2)، و
~~عن ظاهر ابن حمزة التحريم (3).
# وأما صاحب الجنازة فيخلعه للفرق والامتياز، لرواية أبي بصير (4)، ومرسلة
~~ابن أبي عمير (5)، بل يستحب له مطلق الامتياز.
# ولا ينبغي لمن شيع الجنازة أن يجلس حتى توضع في لحدها، لرواية عبد الله
~~بن سنان (6)، وتدل على جوازه حسنة داود بن النعمان (7).
# الثاني: يجب حمل الجنازة كفاية، وتستحب مباشرة الانسان له بنفسه، وليس
~~فيه لزوم دناءة ولا سقوط مروءة، فقد فعله النبي صلى الله عليه وآله
~~والصحابة و التابعون (8)، ووردت به الأخبار المستفيضة (9).
# ويستحب التربيع، بمعنى حمل الجنازة من الجوانب الأربع; لا الحمل بين
~~العمودين كما استحبه العامة (10)، للأخبار المستفيضة، منها حسنة جابر، عن
~~أبي جعفر عليه السلام: " من حمل جنازة من أربع جوانبها غفر الله له
# PageV03P517
# أربعين كبيرة " (1).
# واختلفوا في أفضل كيفيات التربيع، فالمشهور أن يبدأ بمقدم السرير الأيمن،
~~ثم بمؤخره الأيمن، ثم بمؤخره الأيسر، ثم بمقدمه الأيسر.
# وعن الشيخ في الخلاف عكس ms0916 الترتيب (2)، وتبعه جماعة من المتأخرين (3).
# واحتجوا للمشهور برواية العلاء بن سيابة عن الصادق عليه السلام، قال: "
~~تبدأ في حمل السرير من الجانب الأيمن، ثم تمر عليه من خلفه إلى الجانب
~~الآخر، ثم تمر عليه حتى ترجع إلى المقدم، كذلك دوران الرحى عليه " (4).
# ورواية الفضل بن يونس عن أبي إبراهيم عليه السلام، قال في آخرها: " فإن
~~لم تكن تتقي فيه فإن تربيع الجنازة الذي جرت به السنة أن تبدأ باليد
~~اليمنى، ثم بالرجل اليمنى، ثم بالرجل اليسرى، ثم باليد اليسرى حتى تدور
~~حولها " (5).
# ولقول الشيخ في الخلاف برواية علي بن يقطين عن الكاظم عليه السلام، قال:
# سمعته يقول: " السنة في حمل الجنازة أن تستقبل جانب السرير بشقك الأيمن
~~فتلزم الأيسر بكفك الأيمن، ثم تمر عليه إلى الجانب الآخر، وتدور من خلفه
~~إلى الجانب الثالث من السرير، ثم تمر عليه إلى الجانب الرابع مما يلي يسارك
~~" (6).
# قال في الذكرى: ويمكن حمله على التربيع المشهور، لأن الشيخ ادعى عليه
# PageV03P518
# الاجماع، وهو في المبسوط والنهاية (1) وباقي الأصحاب على التفسير الأول
~~(2)، فكيف يخالف دعواه، ولأنه قال في الخلاف: تدور دور الرحى كما في
~~الرواية (3)، وهو لا يتصور إلا على البدأة بمقدم السرير الأيمن والختم
~~بمقدمه الأيسر، والإضافة هنا قد تتعاكس (4).
# أقول: وهذا الحمل لا يخلو من بعد، ولا ريب أن حمل الخبرين الأولين على
~~قول الخلاف ورواية علي بن يقطين أظهر وأوضح كما فعله جماعة من المتأخرين
~~(5); بأن يراد من الجانب الأيمن في الأوليين أيمن الميت لا السرير، فتتوافق
~~الأخبار ولكن الأظهر عندي هو قول المشهور، لما رواه ابن إدريس عن جامع
~~البزنطي في آخر السرائر، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال: " السنة أن تستقبل الجنازة من جانبها الأيمن وهو مما يلي يسارك، ثم
~~تصير إلى مؤخره، وتدور عليه حتى ترجع إلى مقدمه " (6).
# فإذا ضم هذا الحديث الصحيح الصريح إلى رواية العلاء بن سيابة (7) الظاهرة
~~فيما ذكروه يترجح على مقتضى رواية علي بن يقطين (8)، ويمكن تأويله بنوع من
# PageV03P519
# التكلف ليرجع ms0917 إلى المشهور.
# بقي الكلام في أن دوران الرحى ظاهر في قول الخلاف لكونه غالبا على هذا
~~الوضع، ويدفعه أن المراد بدور الرحى: عدم انقطاع الدور; لا ملاحظة ابتداء
~~الدور من اليمين أو اليسار، وهو للرد على العامة كما نطق بذلك أول رواية
~~الفضل بن يونس في كيفية التقية (1).
# وكيف كان فلا ريب في تحقق السنة بدون الترتيب كما نطقت به الأخبار، مثل
~~رواية جابر (2)، ومكاتبة الحسين بن سعيد الصحيحة (3).
# الثالث: يستحب أن يقول المشاهد للجنازة: " الله أكبر، هذا ما وعدنا الله
~~و رسوله، وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانا وتسليما، الحمد لله الذي
~~تعزز بالقدرة، وقهر عباده بالموت " لرواية عنبسة بن مصعب (4).
# وأن يقول: " الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم " لرواية أبي
~~حمزة (5)، ومرفوعة أبي الحسن النهدي (6).
# ورفع التنافي ما بين حب لقاء الله، بل الموت المرغوب إليه في الأدعية و
~~الأخبار والحمد على الحياة وطلب طول العمر المرغوب إليهما، مما لا يخفى على
# PageV03P520
# أهل المعرفة، والحري بالعارف أن يجعل الأول من باب الشهوة، والآخر من باب
~~الإرادة، عكس ما هو مأنوس في طباع العامة.
# ونظير ذلك: المحب المشتاق إلى لقاء محبوب عظيم رفيع الشأن غاية الاشتياق
~~المتدنس بالوسخ والقذر المتلبس بالثياب الخبيثة المنتنة المنفرة، فهو مع
~~أنه لا يطيق المفارقة ويقل اصطباره عن القرار، يرجو طول زمان المفارقة
~~بمقدار إزالة الأوساخ، وأخذ الأهبة للقاء المحبوب على وجه يليق به.
# ونظير الآخر: مطلوبية طول الشتاء للزراع مع تحمل الشدائد فيه، لأجل زيادة
~~المحصول، وإلى ذلك أشير في كلمات أهل العصمة عليهم السلام: " بقية العمر
~~نفيسة لا ثمن لها " (1) و " الدنيا مزرعة الآخرة " (2) ونحو ذلك.
# الرابع: يستحب وضع جنازة الرجل على الأرض مما يلي رجلي القبر، والمرأة
~~مما تلي القبلة، وأن ينقله إلى شفير القبر بعد وضعه قريبا منه بدفعات ثلاث.
# والأخبار الدالة على وضعه قريبا من القبر بذراعين أو ثلاثة أو نحو ذلك
~~ليأخذ أهبته، وأن لا يفدح بالميت القبر; كثيرة (3).
# وأما استحباب الدفعات الثلاث، فيدل عليه ما ms0918 رواه الصدوق في العلل قال:
# وفي حديث آخر: " إذا أتيت بالميت القبر فلا تفدح به القبر، فإن للقبر
~~أهوالا عظيمة، وتعوذ من هول المطلع، ولكن ضعه قرب شفير القبر واصبر عليه
~~هنيئة، ثم قدمه قليلا، واصبر عليه ليأخذ أهبته، ثم قدمه إلى شفير القبر "
~~(4).
# ويستحب أن يرسل الرجل إلى القبر سابقا برأسه من قبل الرجلين، والمرأة
# PageV03P521
# عرضا، لمرفوعة عبد الصمد بن هارون (1)، ورواية زيد بن علي (2).
# وما رواه الصدوق في الخصال، عن الأعمش، عن جعفر بن محمد عليه السلام في
~~حديث شرائع الدين، قال: " والميت يسل من قبل رجليه سلا، والمرأة تؤخذ
~~بالعرض من قبل اللحد، والقبور تربع ولا تسنم " (3).
# ومطلقات ما دل من الأخبار على السل من قبل الرجلين (4) وموثقة عمار
~~الدالة على وضع الجنازة مما يلي الرجلين (5) منزلة على الرجل، للروايتين
~~المذكورتين.
# ومن جميع ذلك ظهر دليل استحباب وضع الرجل من قبل الرجلين والمرأة مما يلي
~~القبلة أيضا.
# ثم إن ظاهر ما رواه في العلل هو عدم الفرق بين الرجل والمرأة في الدفعات
~~الثلاثة، ولكن يظهر من الشهيد الثاني في الروضة (6) وبعض من تأخر عنه (7)
~~أن المشهور أن الحكم المذكور مختص بالرجل، ولم أقف على دليل في الفرق. وبعض
~~كلماتهم ظاهرة في عدم الفرق، كعبارة الصدوق في الفقيه (8) والمفيد (9)،
~~وكثير منها متشابهة الدلالة، فلاحظ كلماتهم وتأمل فيها.
# وكيف كان، فالراجح عدم الفرق، سيما مع التعليل الوارد في الأخبار " لأخذ
~~الأهبة وتسكين الهول " (10) مع أنها أحق بها لضعف نفسها.
# PageV03P522
# ويستحب أن ينزل من يدخله في القبر حافيا مكشوف الرأس محلولة أزراره،
~~للأخبار الدالة عليه (1).
# وما دل على نفي البأس عن الخف (2) فهو محمول على الضرورة أو التقية، كما
~~صرح به في رواية أبي بكر الحضرمي (3)، ورواية سيف بن عميرة (4).
# ويستحب أن يدعو بما ورد في الروايات عند وضعه في القبر، بأن يقول: "
~~اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، نزل بك وأنت خير منزول به " (5) وبعد وضعه
~~أيضا بما ورد فيها من الأدعية والفاتحة والمعوذتين والإخلاص وآية الكرسي
~~(6).
# ويكره أن ms0919 يباشر إدخاله الأرحام في الرجل دون المرأة، وعلل الأول بأنه
~~موجب للقسوة المضادة للرحمة المطلوبة من الله.
# والثاني بأنها عورة مستحقة للكتمان (7)، وبرواية السكوني عن الصادق عليه
~~السلام قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " مضت السنة من رسول الله صلى
~~الله عليه وآله أن المرأة لا يدخل قبرها إلا من كان يراها في حياتها " (8).
# وفي رواية إسحاق بن عمار عنه عليه السلام، قال: " الزوج أحق بامرأته حتى
~~يضعها في قبرها " (9).
# وأما الأخبار في جانب الرجل فلم نقف عليها إلا ما دل على كراهة نزول
~~الوالد
# PageV03P523
# قبر ولده، وعدمها في نزول الولد قبر والده من الأخبار المستفيضة (1)،
~~ويمكن أن يتنبه لذلك مما ورد في كراهة إهالة ذي الرحم كما سيجئ.
# ولو تعذر المحرم للمرأة فامرأة صالحة، ثم أجنبي صالح، وإن كان شيخا فهو
~~أولى، قاله في التذكرة (2)، وتبعه غيره (3)، ولا بأس به.
# الخامس: يجب الدفن كفاية بالإجماع.
# وقالوا: إن الواجب وضعه في حفرة تستر عن الإنس ريحه وعن السباع بدنه بحيث
~~يعسر نبشها غالبا (4).
# قال في الذكرى: وهاتان الصفتان متلازمتان في الغالب، ولو قدر وجود
~~إحداهما بدون الأخرى وجب مراعاة الأخرى، للإجماع على وجوب الدفن، ولا تتم
~~فائدته إلا بهما (5). وذكره غيره أيضا (6) ولعلهم نظروا إلى أن وجوب الدفن
~~توصلي، والمقصود من إيجابه حصول هاتين الحكمتين، فالتزموا وجوب حصولهما.
# ويمكن استفادة ذلك مما ورد أن حرمة المرء المسلم ميتا كحرمته حيا (7)،
~~ولا يحصل احترامه إلا بحصول الأمرين، مع أن في أحدهما دفع الإضرار عن
~~الأحياء أيضا.
# وروى الصدوق في العيون والعلل، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا
# PageV03P524
# عليه السلام، قال: " إنما أمر بدفن الميت لئلا يظهر الناس على فساد جسده
~~وقبح منظره، وتغير رائحته، ولا يتأذى الأحياء بريحه وبما يدخل عليه من
~~الآفة و الفساد، وليكون مستورا عن الأولياء والأعداء، فلا يشمت عدوه، ولا
~~يحزن صديقه " (1).
# وظاهرهم تعين الحفرة، فلا يجزي جعله في تابوت من صخر أو غيره، وكذا الأزج
~~(2) فوق الأرض وإن حصلت الفائدتان، لعدم صدق الدفن عليه.
# نعم لو ms0920 دفن بالتابوت في الأرض جاز لكنه مكروه، وادعى عليه في المبسوط
~~الاجماع (3)، وقال في الذكرى: ولا فرق بين أنواع التابوت (4)، هذا مع
~~التمكن.
# وأما مع التعذر لصلابة الأرض أو كثرة الثلج أو جمود الأرض وعدم التمكن من
~~نقله إلى ما يمكن الدفن فيه قبل فساده يجزي التابوت والبناء عليه مما يحصل
~~الغرضين أو أحدهما إن لم يمكن تحصيلهما معا.
# ومن مات في البحر وجب غسله وكفنه والصلاة عليه، ونقله إلى البر للدفن، أو
~~الاصطبار حتى يصل إلى البر مع الإمكان وعدم الحرج وعدم فساد الميت، وإلا
~~فيستر في وعاء كالخابية ويوكأ رأسه أو يثقل في رجليه أو غيرهما بحجر أو
~~حديد أو نحوهما ليرسب في الماء، ثم يلقى في البحر، للجمع بين صحيحة أيوب بن
~~الحر الدالة على الأول (5)، والأخبار الكثيرة الدالة على الثاني، مثل مرسلة
~~أبان (6)،
# PageV03P525
# ومرفوعة سهل بن زياد (1) وغيرهما (2).
# وربما يقدح في سند الأخبار الأخيرة (3)، ولا وجه له، سيما مع اشتهار
~~العمل بمضمونها، مع تأيدها بما ورد في حكاية زيد بن علي عليه السلام حيث
~~أحرقوا جثته من قول الصادق عليه السلام لسليمان بن خالد: " أفلا كنتم
~~أوقرتموه حديدا، وقذفتموه في الفرات " (4) ولا يذهب عليك أن إطلاق الأخبار
~~في الأمرين المذكورين محمول على الغالب في البحر أو ظاهر فيما يتعذر
~~الوصول، فلا ينافي التقييد الذي ذكرناه، لإطلاق الأمر بالدفن.
# وأوجب جماعة استقبال القبلة حين الإلقاء، لأنه دفن، وفيه تأمل، ولا ريب
~~أنه أحوط.
# السادس: يجب إضجاعه على اليمين مستقبل القبلة بلا خلاف بينهم، إلا من ابن
~~حمزة، ومال إليه المحقق الأردبيلي رحمه الله، لعدم وقوفه على دليل فيه.
# واحتج الأصحاب بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام.
# والظاهر أنهم أرادوا أنهم كانوا يفعلون ذلك، ملتزمين به، وإلا فلا دلالة.
# وبما ورد في حكاية براء بن معرور من الأخبار الكثيرة، منها صحيحة معاوية
~~بن عمار عن الصادق عليه السلام، قال: " كان البراء بن معرور التميمي
~~الأنصاري بالمدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة، وأنه ms0921 حضره
~~الموت، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس،
~~فأوصى البراء
# PageV03P526
# إذا دفن أن يجعل وجهه إلى رسول الله صلى الله وعليه وآله إلى القبلة،
~~فجرت به السنة، وأنه أوصى بثلث ماله فنزل به الكتاب وجرت به السنة " (١).
# وفي رواية أخرى: " إن براء كان أول من استنجى بالماء، فنزل فيه ﴿والله يحب التوابين ويحب
~~المتطهرين﴾ (2) وجرت به السنة " (3).
# والظاهر من جريان السنة في الجميع اللزوم والالتزام، فلا وجه للقدح في
~~الدلالة، مع أن العلاء بن سيابة روى عن الصادق عليه السلام في حديث القتيل
~~إذا قطع رأسه، قال: " إذا أنت صرت إلى القبر تناولته مع الجسد وأدخلته
~~اللحد و وجهته للقبلة " (4).
# وإذا كان الميت امرأة غير مسلمة حاملة من مسلم فيستدبر بها القبلة إكراما
~~للولد; حيث إن وجهه إلى ظهرها، وعن التذكرة إنه إجماع العلماء كافة (5).
# ولما كان المقصود بالذات في الدفن هو الولد، لعدم لزوم دفن الكافر، بل
~~ولا رجحانه، فيدفن في مقبرة المسلمين، واستدلوا عليه برواية يونس عن الرضا
~~عليه السلام (6).
# وظاهرهم عدم جواز اخراجه من بطنها وغسلها وتكفينها، وتدل عليه تلك
~~الرواية أيضا، وإن كان في دلالتها على الدفن في مقبرة المسلمين تأمل.
# PageV03P527
# السابع: يستحب حفر القبر قدر قامة أو إلى الترقوة، ذكرهما الأصحاب، وفي
~~الصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام، قال:
# " حد القبر إلى الترقوة، وقال بعضهم: إلى الثدي، وقال بعضهم: قامة الرجل
~~حتى يمد الثوب على رأس من في القبر، وأما اللحد فبقدر ما يمكن فيه الجلوس "
~~(1).
# قال في الذكرى: والظاهر أن هذا من محكي ابن أبي عمير، لأن الإمام لا يحكي
~~قول أحد (2) والكليني أسنده إلى سهل بن زياد، وقال: روى أصحابنا أن حد
~~القبر إلى آخره (3).
# وفي رواية السكوني: " إن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يعمق القبر فوق
~~ثلاث أذرع " (4)، وهو قريب من مقدار الترقوة.
# ولعل ذكر القامة في رواية ابن أبي عمير مع فتوى ms0922 الأصحاب كافية في
~~استحبابه، فيكون مخصصا لرواية السكوني، وهي محمولة فيما فوقها على الكراهة.
# وفي تتمة رواية ابن أبي عمير المتقدمة بعد ما نقلناه قال: " ولما حضرت
~~علي بن الحسين عليه السلام الوفاة قال: احفروا لي وأبلغوا إلى الرشح ".
~~ويمكن حملها على الثلاث أذرع، لأنها قد تبلغ الرشح في البقيع كما ذكره في
~~الذكرى.
# PageV03P528
# وعن المنتهى لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة بلا خلاف (1).
# ويستحب أن يجعل له لحدا مما يلي القبلة.
# وفي الصحاح: اللحد بالتسكين الشق في جانب القبر واللحد بالضم لغة فيه
~~(2).
# وذكر الفاضلان وغيرهما في معنى اللحد أن الحافر إذا بلغ أرض القبر حفر في
~~جانبه مما يلي القبلة مكانا مستطيلا يوضع الميت فيه، والشق أن يحفر له في
~~القبر شقا شبيه النهر يوضع الميت فيه ويسقف عليه (3).
# ودليل الاستحباب الاجماع كما يظهر من المنتهى (4)، ويدل عليه أيضا قوله
~~صلى الله عليه وآله: " اللحد لنا والشق لغيرنا " (5) وحسنة الحلبي (6).
# وأما الأخبار الواردة في الشق (7) فمحمولة على الجواز أو على التقية أو
~~على كون الأرض رخوة. فإنها تشق حينئذ خوفا من الانهدام، قال في المعتبر:
~~ولو عمل شبه اللحد من بناء في قبلته كان أفضل (8) ويستحب أن يكون اللحد
~~واسعا يتمكن فيه من الجلوس كما دلت عليه مرسلة ابن أبي عمير المتقدمة.
# ويستحب حل عقد الأكفان من قبل رأسه ورجليه، للأخبار المستفيضة، منها
~~صحيحة أبي حمزة (9).
# PageV03P529
# وأن يبرز وجهه كما في الصحيحة ورواية سالم بن مكرم (1).
# وأن يفضي خده إلى الأرض كما في رواية محفوظ الإسكاف (2).
# وأن يجعل له وسادة من تراب ويجعل خلف ظهره مدرة لئلا يستلقي كما في رواية
~~سالم بن مكرم.
# وأما ما في رواية ابن أبي عمير الصحيحة من شق الكفن من عند رأس الميت إذا
~~أدخل قبره (3)، فهو محمول على إرادة حل عقده، أو على ما إذا لم يمكن الحل.
# وأن يجعل معه شيئا من التربة المباركة الحسينية، قال في الذكرى: قاله
~~الشيخان (4)، ولم يعلم مأخذه.
# والتبرك بها كاف في ذلك.
# والأحسن ms0923 جعلها تحت خده كما قاله المفيد في المقنعة، وفي العزية في وجهه،
~~وكذا في اقتصاد الشيخ (5).
# وقيل: تلقاء وجهه (6).
# وقيل: في الكفن.
# وفي المختلف الكل جائز (7).
# وقد نقل أن امرأة قذفها القبر مرارا لفاحشة كانت تصنع، فأمر بعض الأولياء
~~بوضع تراب من قبر صالح معها فاستقرت.
# PageV03P530
# قال الشيخ نجيب الدين بن يحيى: في درسه يصلح أن يكون هذا متمسكا.
# ونقل الفاضل أنها كانت تزني وتحرق أولادها، فإن أمها أخبرت الصادق عليه
~~السلام فقال: " إنها كانت تعذب خلق الله بعذاب الله، اجعلوا معها شيئا من
~~تربة الحسين عليه السلام " فاستقرت (1)، انتهى كلام الذكرى (2).
# أقول: ويدل على مطلق جعلها معه ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن
~~داود، عن أبيه، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: كتبت إلى الفقيه
~~أسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره، هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب و
~~قرأت التوقيع ومنه نسخت: " يوضع مع الميت في قبره ويخلط بحنوط إن شاء الله
~~" (3).
# وروى الطبرسي في الاحتجاج عنه عن صاحب الزمان عليه السلام مثل ذلك (4).
# وروى الشيخ في المصباح، عن جعفر بن عيسى أنه سمع أبا الحسن عليه السلام
~~يقول: " ما على أحدكم إذا دفن الميت ووسده التراب أن يضع مقابل وجهه لبنة
~~من الطين، ولا يضعها تحت رأسه " (5).
# والظاهر أن المراد طين قبر الحسين عليه السلام، ولذلك أورده الشيخ في
~~جملة أحاديث تربة الحسين عليه السلام، وقد مر ما يناسب المقام في الكفن.
# ويستحب تغشية القبر بثوب عند إنزال الميت إلى أن يغشى باللبن في المرأة،
~~لرواية جعفر بن كلاب عن الصادق عليه السلام: " يغشى قبر المرأة بالثوب،
# PageV03P531
# ولا يغشى قبر الرجل " (1) وبعضهم عمم الحكم في الرجل أيضا (2)، وهو مشكل.
# ويستحب أن يلقنه الشهادتين وأسماء الأئمة عليهم السلام بعد وضعه في
~~القبر، للأخبار المستفيضة جدا، بل كادت تبلغ التواتر (3). وأن يدعو له;
~~للأخبار الكثيرة (4). وأن يقرأ آية الكرسي لصحيحة زرارة (5).
# ثم يشرج اللحد باللبن والطين وشبهه، وينضده بحيث يمنع وصول ms0924 التراب إلى
~~الميت. ويدل عليه بعد الاجماع ظاهر روايات، مثل ما رواه في الكافي عن ابن
~~القداح (6)، والصدوق في العلل والمجالس عن عبد الله بن سنان (7)، وهما
~~يدلان على التسوية، وسد الخلل والإتقان.
# وقال في الذكرى: روي أن النبي صلى الله عليه وآله رأى في قبر ابنه خللا
~~فسواه بيده، ثم قال: " إذا عمل أحدكم عملا فليتقن " (8).
# وفي رواية إسحاق بن عمار: " ثم تضع الطين واللبن " (9) فيستفاد منه رجحان
~~اللبن والطين، والظاهر أن الآجر أيضا يكفي، بل كل ما يؤدي مؤدى ذلك.
# ولا يبعد كون اللبن أفضل، لظاهر تلك الأخبار، ويمكن التنبه له من صحيحة
~~أبان بن تغلب أيضا قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " جعل علي
~~عليه السلام على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله لبنا "، فقلت: أرأيت إن
~~جعل
# PageV03P532
# عليه آجرا هل يضر الميت؟ قال: " لا " (1).
# وعن الراوندي: أن عمل العارفين من الطائفة على ابتداء التشريج من الرأس
~~(2).
# ويستحب الدعاء حال التشريج، لرواية إسحاق بن عمار (3).
# ثم يخرج من قبل الرجلين بلا فرق بين الرجل والمرأة، خلافا لابن الجنيد،
~~فقال: يخرج في المرأة من عند رأسها (4)، ولم يظهر وجهه.
# ويدل على أصل الحكم خصوص رواية السكوني (5)، ومرفوعة سهل بن زياد (6)،
~~وإطلاق غيرها من الأخبار الكثيرة الدالة على أن لكل بيت بابا، وباب القبر
~~من قبل الرجلين (6).
# وفي رواية سهل بن زياد: " أنه يدخل من حيث شاء ولا يخرج إلا من قبل
~~الرجلين ".
# ويقول عند الخروج من القبر: " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم ارفع
~~درجته في أعلى عليين، واخلف على عقبه في الغابرين، وعندك نحتسبه يا رب
~~العالمين " كما في رواية إسحاق به عمار.
# ثم يهيل الحاضرون عليه التراب بظهور الأكف مسترجعين على المشهور بين
~~الأصحاب، واعترف جماعة من الأصحاب بعدم الوقوف على دليله (8).
# PageV03P533
# ولعل دليله هو ما رواه الصدوق عن سالم بن مكرم، وفي جملته: " فإذا خرجت
~~من القبر، فقل وأنت تنفض يديك من التراب: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم احث
~~التراب عليه ms0925 بظهر كفيك ثلاث مرات، وقل: اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك،
~~هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله " (1).
# وهذا وإن كان يمكن المناقشة فيه بعدم دلالته على المجموع، لكن قال بعض
~~الأصحاب: لا دليل على شئ من الأمرين كصاحب المدارك (2)، ولا ريب أنه يثبت
~~البعض.
# وكذلك رواية محمد بن الأصبغ، عن بعض أصحابنا، قال: رأيت أبا الحسن عليه
~~السلام وهو في جنازة فحثا التراب على القبر بظهر كفيه (3).
# وفي حسنة عمر بن أذينة قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يطرح التراب
~~على الميت، فيمسكه ساعة في يده ثم يطرحه، ولا يزيد على ثلاثة أكف (4)،
~~فقال:
# " يا عمر كنت أقول: إيمانا بك، وتصديقا ببعثك، هذا ما وعدنا الله ورسوله
~~- إلى قوله - تسليما هكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله، وبه جرت
~~السنة " (5) و لعل هذا مستحب آخر، أو (6) يحصل الاستحباب بكليهما.
# واستثنى الأصحاب من ذلك ذا الرحم، فيكره له الإهالة على رحمه، لموثقة
~~عبيد بن زرارة المعللة بأنه يورث القسوة، المبعدة عن الرب تعالى (7).
# PageV03P534
# ويستحب تربيع القبر وتسطيحه ورفعه مقدار أربع أصابع إلى شبر، ويدل على
~~الأول والثاني مضافا إلى الاجماع ظاهر رواية محمد بن مسلم (1).
# وعلى التربيع ما رواه في العلل من علته أن البيت نزل مربعا (2).
# وعلى تسطيحه الاجماع، نقله الشيخ في الخلاف (3)، والأخبار، مثل ما روي أن
~~النبي صلى الله عليه وآله سطح قبر ابنه إبراهيم (4)، وسطح قبر النبي صلى
~~الله عليه وآله (5)، ولكراهة التسنيم كما يفعله العامة معترفين باستحباب
~~التسطيح مخالفة لنا، كما ذكره في روض الجنان (6).
# ويستفاد ذلك من الأخبار الدالة على تسوية القبر، مثل صحيحة زرارة الآتية
~~بعد ذلك (7)، ورواية السكوني، وسنذكرها في تجديد القبور (8).
# وعلى رفعه أربع أصابع أخبار كثيرة، طائفة منها مطلقة، وطائفة منها مقيدة
~~بمفرجات، وبعضها مقيدة بمضمومة، وفي بعضها أن قبر النبي صلى الله عليه وآله
~~رفع شبرا من الأرض (9).
# ولعل عدم التجاوز عن الأربع المفرجات أولى، لما رواه في العيون من منع
~~الكاظم عليه السلام عن ذلك ms0926 (10)، وكيف كان فالزائد على المذكورات مكروه.
# PageV03P535
# ويستحب رش الماء على القبر، لتطابق الأقوال والأخبار عليه (1).
# والأفضل أن يعمل على مقتضى رواية سالم بن مكرم عن الصادق عليه السلام،
~~وفي آخرها: " فإذا سوي قبره فصب على قبره الماء، وتجعل القبر أمامك وأنت
~~مستقبل القبلة، وتبدأ بصب الماء من عند رأسه، وتدور به على قبره من أربعة
~~جوانبه حتى ترجع إلى الرأس من غير أن تقطع الماء، فإذا فضل من الماء شئ
~~فصبه على وسط القبر " (2).
# ويستحب وضع اليد على القبر والدعاء للميت والاستغفار له، لرواية سالم بن
~~مكرم هذه، وغيرها من الروايات، مثل صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام في
~~حديث قال، قال: " وإذا حثي عليه التراب وسوي قبره، فضع كفك على قبره عند
~~رأسه، وفرج أصابعك، واغمز كفك عليه بعد ما نضح بالماء " (3) وبمضمونها
~~حسنته عن الصادق عليه السلام (4).
# ويتأكد ذلك في حق من لم يصل على الميت كما يستفاد من بعض الأخبار (5).
# وما يستفاد من استحباب تأثير اليد في التراب إنما هو في حال الدفن. ولم
~~نقف على رجحان التأثير في غير التراب وفي غير هذا الحال.
# وأن يدعو بما رواه عمرو بن أبي المقدام، عن أبي جعفر عليه السلام: "
~~اللهم ارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، وأسكن إليه من رحمتك ما يستغني
~~بها عن رحمة من سواك، وألحقه بمن كان يتولاه " (6).
# PageV03P536
# وبما رواه محمد بن مسلم: " اللهم جاف الأرض عن جنبيه، وأصعد إليك روحه،
~~ولقه منك رضوانا، وأسكن قبره من رحمتك ما تغنيه بها عن رحمة من سواك " (1).
# ويظهر من رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله استحباب كونه مقابل القبلة
~~حين وضع اليد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام كيف أضع يدي على قبور
~~المسلمين؟ فأشار بيده إلى الأرض ووضعها ثم رفعها وهو مقابل القبلة.
# وهو يفيد رجحان مطلق الوضع، لا خصوص عند الرأس كما يستفاد من غيرها، ولا
~~اختصاصه بوقت الدفن، هذا على ما رواه الشيخ (2).
# أما على ما في الكافي فتشكل استفادته، لأن له ms0927 زيادة في أوله تضعف
~~الاستدلال به على الإطلاق (3).
# وقال في الفقيه: ومتى زرت قبره فادع له بهذا الدعاء وأنت مستقبل القبلة
~~(4)، وأراد بالدعاء ما ورد في رواية محمد بن مسلم المتقدمة.
# قال في الذكرى: وعلى ذلك - يعني الاستقبال - عمل الأصحاب (5)، وقال بعض
~~أصحابنا: ورأيت في بعض الروايات أن زيارة غير المعصوم مستقبل القبلة، و
~~زيارته مستدبرها ومستقبلها (6).
# أقول: وروى الكليني في الصحيح، عن محمد بن أحمد، قال: كنت بفيد،
# PageV03P537
# فمشيت مع علي بن بلال إلى قبر محمد بن إسماعيل بن بزيع فقال علي بن بلال:
# قال لي صاحب هذا القبر عن الرضا عليه السلام قال: " من أتى قبر أخيه ثم
~~وضع يده على القبر وقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرات أمن يوم الفزع
~~الأكبر أو يوم الفزع " (1).
# وهذا المضمون مروي بأسانيد معتبرة في التهذيب، ومزار ابن قولويه، ورجال
~~الكشي، والنجاشي، وفي ثواب الأعمال (2).
# وفي الكشي: أن محمد بن إسماعيل روى عن أبي جعفر عليه السلام - والمراد به
~~الجواد عليه السلام - أنه يقول: " من زار قبر أخيه المؤمن فجلس عند قبره
~~واستقبل القبلة ووضع يده على القبر فقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر سبع
~~مرات أمن من الفزع الأكبر " (3).
# وفي التهذيب مثل ما رواه في الكافي إلا أنه قال: " من أتى قبر أخيه من أي
~~ناحية وضع يده وقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر " (4) الحديث، وكذلك الصدوق
~~رواه مرسلا مطلقا في الفقيه عن الرضا عليه السلام (5).
# وكيف كان فلا ريب في استحباب الاستقبال.
# ويستحب أن يلقنه الولي أو من يأمره بعد انصراف الناس بأرفع صوته بإجماع
~~أصحابنا كما ادعاه غير واحد منهم (6).
# PageV03P538
# وتدل عليه رواية يحيى بن عبد الله (1)، ورواية جابر (2)، ومرسلة إبراهيم
~~بن هاشم المذكورة في العلل (3)، وفي تلك الأخبار أن ذلك يكفي الميت دخول
~~النكيرين عليه في القبر ومسألتهما إياه.
# وذهب ابن إدريس إلى أن الملقن يستقبل القبلة والقبر (4)، وابن البراج
~~ويحيى بن سعيد إلى أنه يستدبر القبلة والقبر أمامه (5)، قال الشهيد رضي
~~الله عنه: و كلاهما ms0928 جائزان، لإطلاق الخبر (6).
# أقول: ويمكن ترجيح الاستقبال، لكونه خير المجالس، ثم قال: وقال ابن
~~البراج: ومع التقية يقول ذلك سرا (7).
# وأما الطفل فقال في الذكرى: ظاهر التعليل يشعر بعدم تلقينه، ويمكن أن
~~يقال: يلقن إقامة للشعار، وخصوصا المميز، وكما في الجريدتين (8).
# ويستحب أن يوضع عند رأسه علامة من حجر أو خشبة ليزار، لما نقل من فعل
~~النبي صلى الله عليه وآله في قبر عثمان بن مظعون (9)، ولرواية يونس بن
~~يعقوب الآتية الدالة على ذلك وعلى أن يكتب اسمه في اللوح (10).
# PageV03P539
# الثامن: قال الأصحاب يكره فرش القبر بالساج إلا عند الضرورة. والساج هو
~~خشب مخصوص.
# والظاهر أن مرادهم الساج ونحوه، كما يظهر من الشهيدين رحمهما الله (1).
# واعترف بعضهم بعدم الوقوف على الدليل (2)، وبعضهم علله بأنه إتلاف مال
~~غير مأذون فيه شرعا (3)، وفيه إشكال.
# وتكفي فتواهم في الكراهة، مع أنه يمكن استفادته من مكاتبة علي بن بلال
~~إلى أبي الحسن عليه السلام: أنه ربما مات الميت عندنا وتكون الأرض ندية
~~فنفرش القبر بالساج، أو نطبق عليه؟ فكتب: " ذلك جائز " (4) فإن السؤال عن
~~ذلك في حال الضرورة مشعر بأنه يعلم المرجوحية بدونها، فتقرير الإمام إياه
~~على ذلك المعتقد يدل عليه، وكذلك تدل الرواية على عدم الكراهة حال الضرورة.
# وقال في الفقيه: روي عن أبي الحسن الثالث عليه السلام إطلاق في أن يفرش
~~القبر بالساج ويطبق على الميت الساج (5)، وهذا لا ينافي الكراهة في غير حال
~~الضرورة، وبه يقل الإشكال الذي أشرنا إليه، إذ ذلك إذن في الإتلاف، مع أن
~~الإتلاف الذي ثبتت حرمته هو ما يعد إسرافا، وذلك ليس مما ينكره العقلاء في
~~تصرفاتهم، فبقي أن تكون الحكمة في الكراهة هي مطلوبية كون الميت على الأرض
~~لا على فراش كما في صلاة العيد.
# وأما وضع الثياب والفرش التي لها قيمة، فصرح في روض الجنان بحرمته،
# PageV03P540
# كما يحرم وضع ما له قيمة مع الميت مطلقا (1)، وليس ببعيد.
# وفي رواية يحيى بن أبي العلاء، عن الصادق عليه السلام: " ألقى شقران مولى
~~رسول الله صلى الله ms0929 عليه وآله في قبره القطيفة " (2) وهي مهجورة، هذا.
# والظاهر عدم كراهة إطباق اللحد بالساج ونحوه، كما صرح به المحقق الثاني
~~في شرح القواعد (3).
# ويكره تجصيص القبور، وادعى عليه الاجماع في التذكرة (4)، وفي رواية علي
~~بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن البناء على القبر
~~والجلوس عليه هل يصلح؟ فقال: " لا يصلح البناء على القبر ولا الجلوس ولا
~~تجصيصه ولا تطيينه " (5).
# وفي الفقيه في حديث المناهي: أنه صلى الله عليه وآله نهى أن تجصص المقابر
~~(6)، وعن معاني الأخبار أيضا أنه صلى الله عليه وآله نهى عنه (7)، هذا.
# ولكن روى يونس بن يعقوب، قال: لما رجع أبو الحسن موسى عليه السلام من
~~بغداد ومضى إلى المدينة ماتت له ابنته بفيد، فدفنها وأمر بعض مواليه أن
~~يجصص قبرها، ويكتب على لوح اسمها ويجعله في القبر (8).
# وفصل الشيخ فقال بكراهته بعد الاندراس لا الابتداء (9)، وبه يجمع
# PageV03P541
# بين الروايتين.
# وقد يجمع بينهما بحمل الأولى على غير قبور الأنبياء والأولياء والذرية
~~المطهرة، والثانية على مثلها كما هو مورد الرواية.
# وهما لا يخلوان عن بعد، والعمل على المشهور، للإجماع المنقول، و
~~الروايات.
# ويمكن حمل الرواية الثانية على التجصيص، بمعنى إعمال الجص لتنضيد الأحجار
~~والآجر ونحو ذلك. لأجل الاستحكام، وهو لا يسمى تجصيصا في العرف.
# وكذلك يكره تجديد القبور، وقيده في روض الجنان بما بعد اندراسها على وجه
~~الأرض، سواء اندرست عظامها أم لا قال: إلا أن تكون في أرض مسيلة وتندرس
~~عظامها فيحرم تجديدها حينئذ وتصويرها بصورة المقابر، لأن ذلك يمنع من هجوم
~~غيره مع زوال حقه (1).
# واستدلوا على الكراهة برواية أصبغ بن نباتة قال، قال أمير المؤمنين عليه
~~السلام:
# " من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام " (2).
# واختلف الأصحاب في رواية هذا الخبر، فعن محمد بن الحسن الصفار أنه " جدد
~~" بالجيم.
# وعن سعد بن عبد الله أنه " حدد " بالحاء المهملة، بمعنى التسنيم خلاف
~~التسطيح.
# وعن البرقي: أنه من " جدث " بالجيم من الجدث بمعنى القبر (3)، ولعله أراد
~~نبشه وجعله قبرا لميت آخر، ms0930 أو يكون المراد منه التجديد يعني إحياء
# PageV03P542
# القبر المندرس.
# وعن المفيد رحمه الله: أنه " خدد " بالخاء المعجمة والدال المهملة بمعنى
~~الشق ليدفن فيه أو على جهة النبش (1).
# وربما احتمل أن يكون معنى الحديث بالنظر إلى الرواية الأولى والرواية
~~الثالثة:
# من قتل مؤمنا عدوانا، فإنه بذلك يصير مستقلا في إحداث القبر بين القبور،
~~بخلاف ما لو مات أو قتل بحكم الشرع.
# ولا يخفى أن هذه المعاني بعضها مما هو محرم وبعضها مما هو مكروه،
~~فالتجديد بالجيم والتسنيم مكروهان، والنبش حرام، والشق للدفن أيضا حرام في
~~الجملة كما سيجئ.
# وكيف كان فالرواية وفتوى الأصحاب تكفي في إثبات كراهة التجديد.
# ويبقى الكلام في معنى الخروج عن الاسلام، وربما يؤول بقيد استحلال
~~المحرم، أو عدم كراهة المكروه مع العلم بالحرمة أو الكراهة من الشرع، أو
~~على المبالغة في المنقصة كما في نظائره.
# ثم إن التجديد قد يطلق على المرمة وإصلاح المنكسر، ولكن الظاهر أنه معنى
~~مجازي له، فهو غير داخل في الخبر.
# وأما ما ذكره في روض الجنان (2) من الحرمة في المسألة فلا دليل على
~~الحرمة مطلقا، فلا بد من تقييدها بما لو احتاج الناس إلى تلك الأرض.
# وفي الذكرى: المشهور كراهة البناء على القبر واتخاذه مسجدا، وكذا يكره
~~القعود على القبر (3)، وفي المبسوط نقل الاجماع على كراهة البناء عليه (4).
# PageV03P543
# أقول: وقد مرت رواية علي بن جعفر الدالة على البناء والجلوس هنا (1)،
~~ورواية يونس بن ظبيان في صلاة الميت على قبره (2).
# واستثنى الأصحاب من مسألة البناء والتجديد والتجصيص والصلاة قبور
~~الأنبياء والأئمة عليهم السلام; لإطباق الإمامية عليه في كل عصر، وللروايات
~~الواردة في فضيلة تعميرها وتعاهدها (3)، ولأن فيها إعانة على زيارتهم،
~~وتعظيما لشعائر الله، وتحصيلا لمصالح دينية لا تحصل غالبا إلا بها. وكذلك
~~تدل الأخبار (4) على جواز الصلاة عند قبورهم (5)، وعلى الفضل العظيم
~~والثواب الجسيم في ذلك.
# بل وكذلك الأمر في قبور أولاد الأئمة والعلماء والصلحاء، فإن تعميرها
~~والبناء عليها وتعاهدها كان متداولا بين الخاصة والعامة من دون نكير.
# ومن ذلك يظهر جواز تزيين ms0931 قبور الأنبياء والأئمة عليهم السلام، بل وغيرهم
~~من أولادهم وأتباعهم الصالحين بالفرش والصناديق والقناديل، وغير ذلك مما
~~يوجب تعظيمهم واحترامهم.
# بقي الكلام في معنى قوله عليه السلام " أو مثل مثالا " فقال الصدوق: إن
~~المراد منه من أبدع بدعة ودعا إليها أو وضع دينا (6).
# أقول: ويمكن أن يراد به تصوير ذوات الأرواح المظللة، وتأويل الخروج عن
~~الاسلام بأحد الأمرين المتقدمين.
# PageV03P544
# ويمكن أن يراد به الصنم.
# وروى في الكافي عن السكوني عن الصادق عليه السلام قال، قال أمير المؤمنين
~~عليه السلام: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة فقال: لا
~~تدع صورة إلا محوتها، ولا قبرا إلا سويته، ولا كلبا إلا قتلته " (1) وعن
~~ابن القداح عنه عليه السلام ما يقرب منه (2).
# وهذه الرواية مقربة لرواية " حدد " بالحاء المهملة في رواية الأصبغ.
# وروى الشيخ عن جراح المدائني عنه عليه السلام، قال: " لا تبنوا على
~~القبور، ولا تصوروا سقوف البيوت، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كره ذلك
~~" (3).
# التاسع: يكره أن يطرح في القبر من غير ترابه، وادعى عليه الاجماع في
~~التذكرة (4)، لرواية السكوني عن الصادق عليه السلام: " إن النبي صلى الله
~~عليه وآله نهى أن يزاد على القبر تراب لم يخرج منه " (5).
# وأيضا عن السكوني عنه عليه السلام، قال: " لا تطينوا القبر من غير طينه
~~".
# وفي الفقيه، قال الصادق عليه السلام: " كل ما جعل على القبر من غير تراب
~~القبر فهو ثقل على الميت " (6).
# وعن ابن الجنيد: أن ذلك وقت الدفن، ولا بأس به بعد ذلك (7).
# والظاهر أن الجص والآجر الذي يحتاج إليه في إحكام القبر بل التراب الذي
# PageV03P545
# يعمل فيه حينئذ مخرج عن المنع إن قلنا بعموم الروايات لها.
# وأما اللبن لنضد اللحد والقبر فلا إشكال فيه جزما.
# العاشر: يكره دفن ميتين في قبر واحد ابتداءا.
# ويظهر من جماعة من الأصحاب كراهته في الأزج المعد لدفن جماعة أيضا (1).
# ولم نقف لهم في الكراهة على مستند إلا ما نقله الشيخ في المبسوط مرسلا
~~عنهم عليهم السلام: " لا يدفن في قبر ms0932 واحد اثنان " (2) وهو كاف في المطلوب.
# وهذا مع عدم الاضطرار، وإلا فيجوز بلا كراهة كما نقل عنه صلى الله عليه
~~وآله أنه قال للأنصار يوم أحد: " احفروا وأوسعوا وعمقوا، واجعلوا الاثنين و
~~الثلاثة في القبر الواحد " (3).
# وأما إذا دفن ميت ثم أريد نبش قبره ودفن آخر فيه، ففي الكراهة والحرمة
~~قولان، أصحهما الثاني، لاستلزامه النبش المحرم، وسبق حق الأول فهو غصب.
# نعم إن حفر القبر خطأ أو سهوا أو حصل الحفر من الغير ففي الحرمة حينئذ
~~إشكال بالنسبة إلى الدليل الأول، فالقدر المحقق منه هو حرمة النبش لا مطلق
~~وضعه في القبر حينئذ.
# وأما الدليل الثاني فالظاهر أنه لا خدشة فيه. ولا يقبل منع الاستحقاق
~~والأولوية بحيث يمنع من ذلك.
# ويكره نقل الميت من بلد إلى آخر، لمنافاته التعجيل المأمور به. وفيه
~~إشكال، لمنع
# PageV03P546
# كون ترك المستحب مكروها، إلا على القول باستلزام الأمر الندبي النهي
~~التنزيهي، والأولى الاعتماد على الاجماع، قال في المعتبر: إن عليه العلماء
~~أجمع (1)، ونقل الاجماع الشهيد (2) وغيره (3) أيضا.
# واستثنوا من ذلك النقل إلى المشاهد المشرفة، بل قالوا باستحبابه، قال في
~~المعتبر: عليه عمل الأصحاب من زمن الأئمة عليهم السلام إلى الآن، وهو مشهور
~~بينهم لا يتناكرونه (4)، وكذلك قال غيره من علمائنا (5).
# ويدل عليه أيضا أنه يقصد به التمسك بمن له أهلية الشفاعة، وهو حسن عقلا.
# بل يظهر من الأصحاب أن فيه نصا، قال في الذكرى، قال المفيد في العزية:
# وقد جاء حديث يدل على رخصة في نقل الميت إلى بعض مشاهد آل الرسول صلى
~~الله عليه وآله إن وصى الميت بذلك (6).
# ويدل عليه ما ورد: " أن من مات في عرفات فالأفضل نقله إلى الحرم " رواه
~~الشيخ في التهذيب (7).
# وفي مجمع البيان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " لما
~~مات يعقوب حمله يوسف في تابوت إلى أرض الشام، فدفنه في بيت المقدس " (8).
# ويقرب الاستدلال ما سيجئ في النقل بعد الدفن.
# PageV03P547
# قال في التذكرة: ولأن موسى عليه السلام لما حضرته الوفاة سأل الله عز ms0933 وجل
~~أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية حجر، قال النبي صلى الله عليه وآله: " لو
~~كنت ثمة لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر " (1).
# وقيد الشهيدان (2) وغيرهما (3) هذا الحكم بما لو لم يخف هتكه في النقل.
# أقول: وتحقيق الهتك لا يخلو عن إشكال، والظاهر أنهم أرادوا مثل تأذي
~~الناس بريحه، وتلاشي جسده، وجريان الدم والصديد عنه، وتقطع أجزائه و
~~اضمحلاله، وسقوطه من ظهر الدواب المحمول عليها فإن تلك الأمور توجب مهانته
~~وذله وظهور سوأته ونفرة الطباع منه، ومع علم الميت بهذه الأمور ووصيته بذلك
~~أو مع العلم من حاله أنه يرضى بذلك لأجل تحصيل هذه الفائدة العظمى فيشكل
~~المنع لذلك.
# ويشاهد في الأحياء أنهم يرضون بمهانة جزئية إذا كانت محصلة لفائدة كلية
~~عظيمة.
# نعم يمكن القول بأن إيذاء الناس من الرفقاء وأهل القافلة، سيما إذا كان
~~الهواء حارا ولم يمكن التخلف عن جماعة المؤمنين، وحصل بذلك إيذاؤهم، بل
~~ربما أوجب مرضهم، وقد ينجر إلى هلاكهم، فهذا مما يمكن أن يقيد به الجواز،
~~وقد يصير التكليف ترك الوصية به أيضا، فلا بد أن يلاحظ ذلك، ويختلف باختلاف
~~الحالات والأوقات.
# ثم قال في الذكرى: فلو كان هناك مقبرة بها قوم صالحون أو شهداء استحب
~~الحمل والنقل إليها لتناله بركتهم وبركة زيارتهم، ولا بأس به (4)، هذا في
# PageV03P548
# غير الشهيد.
# وأما الشهيد فقال في الذكرى: فالأولى دفنه حيث قتل، لقوله صلى الله عليه
~~وآله: " ادفنوا القتلى في مصارعهم " (1) و (2).
# ثم قال في الذكرى: ويستحب جمع الأقارب في مقبرة، لأن النبي صلى الله عليه
~~وآله لما دفن عثمان بن مظعون قال: " أدفن إليه من مات من أهله " (3) ولأنه
~~أسهل لزيارتهم، فيقدم الأب ثم من يليه في الفضل، والذكر على الأنثى (4)،
~~انتهى. هذا الكلام في النقل قبل الدفن.
# وأما بعد الدفن، فالمشهور عدم جوازه وإن كان إلى أحد المشاهد المشرفة،
~~ونقل في التذكرة عن بعض علمائنا جوازه إليها (5)، وعن ابن الجنيد الجواز
~~لصلاح يراد بالميت (6)، وعن ابن حمزة الكراهة (7).
# وقال الشيخ في النهاية بعد منعه عن النقل: وقد ms0934 وردت رواية بجواز نقله إلى
~~بعض مشاهد الأئمة عليهم السلام، سمعناها مذاكرة، والأصل ما ذكرناه (8).
# ومثله قال في المصباح، ولكنه جعل فيه عدم النقل أفضل (9).
# ومال إلى الجواز جماعة من المتأخرين مثل المحقق الشيخ علي (10)، والشهيد
# PageV03P549
# الثاني (1)، وصاحب المدارك (2).
# دليل المانع: لزوم البدعة، والنبش، والهتك.
# والاستدلال الأول من ابن إدريس (3)، وهو لا يصح إلا في النقل إلى المشاهد
~~بقصد الفضل لا مطلقا، وهو صحيح لو لم يقم عليه دليل، وسنذكر ما يشير إلى
~~الجواز.
# وأما النبش فالدليل على حرمته ليس إلا الاجماع، وهو فيما نحن فيه ممنوع،
~~لعدم العلم به فيما نحن فيه، والإجماع في الجملة لا ينفع إلا فيما حصل
~~القطع به، وهو فيما نحن فيه ممنوع.
# والاعتماد على لفظ الاجماع المنقول إن جعل من باب الخبر العام وقيل
~~بأصالة عدم التخصيص; فهو بعد نقل الخلافات في المسألة من القدماء
~~والمتأخرين مشكل، سيما مع أن الظاهر من بعضهم الاجماع في الجملة. وصرح به
~~في روض الجنان، قال: وهو في الجملة إجماعي (4).
# وإن يجعل من باب الخبر العام واعتمدنا على ما حصل العلم به من مراد مدعي
~~الاجماع فلا دلالة فيه.
# وأما الهتك فقد عرفت الحال فيه والإجمال (5) والإشكال وأما ما يدل على
~~الجواز فهو الأصل، والتمسك بمن له أهلية الشفاعة، فإن العقل يحكم بجوازه،
~~والعلة المستفادة من الأخبار الدالة على حسن مجاورتهم والدفن في جوارهم،
~~وما دل على جواز النقل إليهم قبل الدفن (6)، وما روي عن الصادق
# PageV03P550
# عليه السلام من أن موسى على نبينا وآله وعليه السلام نقل عظام يوسف إلى
~~الشام و كان في شاطئ النيل في صندوق مرمر (1)، ولذلك يحمل أهل الكتاب
~~موتاهم إلى أرض الشام، بناءا على أن نقل حكايات السلف عن الأئمة عليهم
~~السلام شاهد على حسنه، كحكاية حديث أن ذكري حسن على كل حال عن موسى عليه
~~السلام في حال التخلي، رواه الصدوق في الفقيه والعيون والعلل والخصال (2)،
~~ورواه في الكافي أيضا عن أبي جعفر عليه السلام (3).
# ثم إن هذه الأمور إن لم يستقل ms0935 كل واحد منها في الدلالة، فلا ريب أن
~~اجتماعها كاف، سيما مع عدم وضوح دليل التحريم، سيما إذا أوصى الميت بذلك أو
~~علم من حاله الرضا بذلك، وسيما إذا لم يلزم منه هتك وإيذاء أصلا، والعلم
~~عند الله.
# ثم إن هذا الكلام في الدفن الحقيقي، وأما ما تعارف من وضعه في مكان مع
~~تابوت وإن كان تحت الأرض عارية لينقل إلى بعض المشاهد، فالأمر فيه أسهل
~~وأوضح.
# تنبيه:
# ادعى جماعة من العلماء الاجماع على حرمة النبش (4)، واستثنوا من ذلك
~~مواضع:
# منها: ما إذا بلي الميت وصار رميما، فيجوز نبشه لدفن غيره في الوقف
~~والمباح إذا أريد دفن غيره فيه أو في الملك لمصلحة المالك، ويختلف ذلك
~~باختلاف الترب
# PageV03P551
# والأهوية (1)، ومع الشك يرجع إلى أهل الخبرة.
# قال في الذكرى: فلو ظنه فظهر بقاؤه وجبت إعادته على ما كان عليه (2)،
~~وهذا يدل على حرمة الدفن فيه.
# وقال في روض الجنان: فلو نبش على وجه يجوز فوجد فيه عظاما دفنها وجوبا
~~(3)، وهذا لا يدل على حرمته.
# والظاهر أن مراد الذكرى ما لو كان الميت باقيا على حاله بحيث يصدق عليه
~~الميت، ومراد روض الجنان ما لو بقي فيه عظام متشتتة، فيكفي فيه دفنها ثانيا
~~وإن لم يمنع من دفن الميت معه، وهذا أظهر.
# ومنها: ما لو دفن في أرض غصبا، ولم يجز المالك، ومثله المشترك بغير إذن
~~الشريك، فيجوز لهما قلعه وإن كان الأفضل لهما إبقاؤه. قال في روض الجنان:
# ولو دفن بإذن المالك فله الرجوع قبل الطم لا بعده (4).
# ومنها: إذا كفن في المغصوب فيجوز اخراجه لرد مال الغير، ولا يجب على
~~المالك أخذ القيمة، وإن استحب.
# وأما كفن الحرير، فقيل: هو كالمغصوب (5)، والحكم بالنبش لنزعه مشكل، لكون
~~حق الله أوسع من حق الآدمي.
# ومنها: نبشه للشهادة على عينه وإثبات ما يترتب على موته من تقسيم تركته،
~~واعتداد زوجته، وحلول ديونه إذا أمكنت معرفته. ولو علم تغير صورته بحيث لا
~~يعرف فلا يجوز.
# ومنها: إذا وقع في القبر ماله قيمة، ولا يجب ms0936 على المالك قبول قيمته.
# PageV03P552
# ومنها: نبشه لاستدراك الغسل أو التكفين، أو الصلاة، وفيها خلاف، وعن
~~الشيخ القطع بعدم النبش (1)، وتبعه غيره (2)، وقيل به لتوقف الواجب المطلق
~~عليه (3).
# والأظهر الأول، للأصل، وحرمة الهتك، والمثلة، والوجوب حينئذ ممنوع، فلا
~~تجب مقدمته.
# والاستصحاب ممنوع، لعدم ثبوت الموضوع القابل للانسحاب إلى هذا الحين، فلا
~~يرد أن الاستصحاب لا يتحقق إلا مع إجمال الحكم وإجماله بالنسبة إلى الآن
~~مشكوك فيه، فلا معنى للأصل، فإذا ثبت الوجوب قبل الدفن فيستصحب ما بعده،
~~وذلك لأن الموضوع القابل للانسحاب في الأحكام الشرعية هو ما ثبت مع انفهام
~~الإطلاق في الحكم، فإذا كان الأمر مرددا بين مطلق ثبوت الحكم أو ثبوت الحكم
~~مطلقا فلم يعلم كون الحكم مطلقا حتى يقبل الانسحاب، بل ربما كان مقيدا إلى
~~حين الدفن.
# وأصالة عدم القيد لا معنى لها، لأن الإطلاق أيضا قيد، والحكم المطلق
~~والحكم المقيد كلاهما فردان لمطلق الحكم، والأصل بالنسبة إليهما متساو، فلا
~~معنى لأصل عدم أحدهما دون الآخر، وهذا المقام حققناه في القوانين في مباحث
~~الاستصحاب، ونبهناك عليه هنا تجديدا للعهد وتثبيطا عن الغفلة.
# وأما لو بيعت الأرض بعد الدفن ففي جواز النبش ترجيحا لحق المشتري وعدمه
~~لحرمة الميت وثبوت حق له وجهان، والأظهر عدمه، وفاقا لجماعة من الأصحاب
~~(4).
# PageV03P553
# المقصد السادس في اللواحق وفيه مباحث:
# الأول: لو مات ولد الحامل في بطنها وهي حية، وعسر اخراجه قطع واخرج، ادعى
~~عليه الشيخ الاجماع (1).
# وتدل عليه رواية وهب بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " قال
~~أمير المؤمنين: إذا ماتت المرأة وفي بطنها ولد يتحرك يشق بطنها ويخرج الولد
~~" وقال في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها، قال: " لا بأس أن يدخل
~~الرجل يده فيقطعه ويخرجه، إذا لم ترفق به النساء " (2).
# وقال في المعتبر، بعد تضعيفه للرواية: إن الوجه أنه إن أمكن الإسقاط
~~صحيحا بشئ من العلاجات، وإلا توصل إلى اخراجه بالأرفق فالأرفق، وتتولاه
~~النساء، وإن تعذر فالمحارم من الرجال، وإن تعذر فغيرهم; دفعا عن نفس الحي
~~(3)، وما ذكره ms0937 لا ينافي الرواية، ولا ريب في تقديم ما ذكر.
# PageV03P554
# وأما إذا ماتت الأم وبقي الولد حيا، فيشق بطن الميتة، ويخرج الولد، لحفظ
~~نفس الحي، وللأخبار المستفيضة، منها الرواية المتقدمة، ومنها حسنة ابن أبي
~~عمير في الكافي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام: في المرأة
~~تموت ويتحرك الولد في بطنها أتشق ويخرج الولد؟ قال، فقال: " نعم ويخاط
~~بطنها " (1) ومنها موثقة علي بن يقطين (2).
# وقيده الصدوق (3) والشيخان (4) وأتباعهما (5) بالجانب الأيسر، وأسنده في
~~التذكرة إلى علمائنا (6)، ولا بأس به، وإن خلت الأخبار عنه.
# وأما استشكال المحقق في لزوم الخياطة " من جهة أن ذلك رواية ابن أبي عمير
~~عن ابن أذينة موقوفة عليه، ولا يكون حجة، ولا ضرورة إليه، لأن مصيرها إلى
~~البلاء " (7) فهو مع أنه ضعيف في نفسه لكفاية موقوفة أمثال هذين الجليلين;
~~مبني على غفلته عما رواه الكليني في الباب الآتي بعد هذا الباب بسبع ورقات
~~تخمينا، وكأن نظره كان مقصورا على التهذيب. والعجب ممن تأخر عنه من
~~المحققين كالشهيد (8) والمحقق الثاني (9) وصاحب المدارك (10) وغيرهم (11)
~~حيث
# PageV03P555
# لم يطلعوا عليه.
# ثم إنهم أطلقوا ولم يشترطوا كون الولد مما يعيش عادة، لإطلاق النص. نعم
~~يشترط العلم بالحياة هنا كما يشترط العلم بالموت في المسألة السابقة.
# وينبغي أن يقيد الشق بما لم يمكن للقوابل اخراجه حيا، ثم للرجال المحارم،
~~ثم غيرهم.
# الثاني: لا يجوز شق الثوب على غير الأب والأخ، وأما الأب والأخ فيجوزه
~~الأكثرون (1)، وخالف فيه ابن إدريس (2).
# أما الدليل على الحرمة فهو إضاعة المال، وفيه إشكال. أو إنه إظهار السخط
~~على قضاء الله، وهو أيضا مطلقا ممنوع، لأنه قد يكون لا لذلك. ولعله إجماعي
~~والدليل هو ذلك.
# وما في رواية الصيقل: " لا ينبغي الصياح على الميت ولا شق الثياب " (3)
~~غير ناهض على المطلوب.
# وفي الذكرى عن النبي صلى الله عليه وآله النهي عن خمش الوجوه وشق الجيوب
~~(4)، وقد تكرر في الأخبار العامية أيضا.
# وأما الاستثناء، فدليله ما استفيض في الأخبار من فعل أبي محمد الحسن عليه
~~السلام على أبيه الهادي ms0938 عليه السلام (5)، وفي بعضها تعليل بأن موسى شق ثوبه
# PageV03P556
# على هارون، ولما نقل من فعل الفاطميات على الحسين عليه السلام (1) فقام
~~الدليل عليهما معا، هذا الكلام في الرجال.
# أما المرأة فقد اختلفوا فيه، وقال العلامة في النهاية بجوازه لها (2)،
~~وفي رواية خالد بن سدير دلالة على جوازه لها على زوجها (3)، ومال إليه في
~~الذكرى (4).
# وأما اللطم والخدش وجز الشعر فنقل في الذكرى (5) الاجماع على حرمتها عن
~~المبسوط (6)، لما فيها من السخط من قضاء الله، ولرواية خالد بن سدير عن
~~الصادق عليه السلام: " لا شئ في لطم الخدود سوى الاستغفار والتوبة " (7).
# وأما النياحة فتجوز إذا كانت بكلام حسن وصدق وتعداد الفضائل الموجودة فيه
~~نظما ونثرا، كما نقل عن فعل فاطمة عليها السلام على أبيها (8)، وفعل أم
~~سلمة عنده صلى الله عليه وآله لابن عمها وليد بن المغيرة (9).
# والأخبار كثيرة في جوازها وحليتها وحلية أجر النائحة (10)، وحكاية نياحة
~~أهل المدينة على حمزة سيد الشهداء طلبا لرضا رسول الله صلى الله عليه وآله
~~معروفة، وفي الأخبار مذكورة (11).
# وكذلك ما روي من وصية الباقر عليه السلام أن يندب عليه في الموسم عشر
# PageV03P557
# سنين، وأمره عليه السلام بوقف شئ من ماله لنوادبه (1).
# وما ورد في الأخبار من المنع (2) فهو محمول على النوح بالباطل، وكذلك
~~التحريم في كلام الشيخ حيث ادعى الاجماع على حرمته (3).
# وأما البكاء فهو جائز إجماعا قبل خروج الروح وبعده، قاله في الذكرى (4)،
~~والأخبار بجوازه من الطرفين موجودة، سيما ما دل على فعل رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وقوله، وخصوصا ما نقل في حكاية حمزة.
# قال الصدوق: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من واقعة أحد إلى
~~المدينة سمع من كل دار قتل من أهلها قتيل نوحا وبكاءا، ولم يسمع من دار
~~حمزة عمه، فقال صلى الله عليه وآله: " لكن حمزة لا بواكي له " فآلى أهل
~~المدينة أن لا ينوحوا على ميت ولا يبكوه حتى يبتدؤا بحمزة فينوحوا عليه
~~ويبكوه، فهم إلى اليوم على ذلك (5).
# ويستحب الاسترجاع لمن نزلت به ms0939 مصيبة، وفيه فضل عظيم، كما ورد في الأخبار
~~(6)، وكفاك الكتاب العزيز (7).
# الثالث: في التعزية.
# تستحب التعزية بإجماع العلماء، ودلالة الأخبار المستفيضة جدا (8)، وفيها
# PageV03P558
# فضل عظيم وثواب جسيم، وهو طلب التسلي من المصاب بإسناد الأمر إلى الله
~~تعالى وعدله وحكمته، وذكر ما وعد الله الصابرين من الأجر والدعاء للميت.
# وتجوز قبل الدفن وبعده، لصحيحة هشام بن الحكم (1)، وتتأكد بعد الدفن، وهي
~~أفضل مما قبله، لحسنة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه
~~السلام، قال: " التعزية لأهل المصيبة بعد ما يدفن " (2).
# ورواية محمد بن خالد، عن بعض أصحابه، عنه عليه السلام، قال: " التعزية
~~الواجبة بعد الدفن " (3) وهي محمولة على التأكيد.
# وتستحب تعزية جميع أهل الميت، ويتأكد في النساء، سيما الثكلى، إلا أن
~~يخاف الفتنة في الشابة.
# وقال الصدوق: إن كان المعزى يتيما مسح يده على رأسه، فقد روي عن النبي
~~صلى الله عليه وآله: " من مسح يده على رأس يتيم ترحما له كتب الله له بعدد
~~كل شعرة مرت عليها حسنة ".
# قال: وإن وجد باكيا سكت بلطف، فعن العالم عليه السلام: " إذا بكى اليتيم
~~اهتز له العرش، فيقول الله تبارك وتعالى: من هذا الذي أبكى عبدي الذي سلبته
~~أبويه في صغره، فوعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا يسكته عبد مؤمن إلا وجبت له
~~الجنة " (4).
# وأقل التعزية أن يراه صاحب المصيبة، قال في الفقيه: وقال - يعني الصادق
~~عليه السلام - " كفاك من التعزية بأن يراك صاحب المصيبة " (5).
# PageV03P559
# وعن الشيخ في المبسوط: أنه يكره الجلوس للتعزية يومين وثلاثة إجماعا (1).
# ومنعه ابن إدريس، وقال: أي كراهة في جلوس الانسان في داره للقاء إخوانه
~~والتسليم عليهم واستجلاب الثواب لهم في لقائه وعزائه (2).
# والحق أنه يرجع ذلك إلى النيات، فيكره إن كان للجزع والشكوى هذا.
# لكن في الكافي روايات تدل على جوازه ثلاثة أيام، منها حسنة زرارة عن أبي
~~جعفر عليه السلام، قال: " يصنع لأهل الميت مأتما ثلاثة أيام من يوم مات
~~(3).
# وفي الذكرى، عن أبي الصلاح أنه قال: من السنة تعزية أهله ثلاثة أيام،
~~وحمل الطعام ms0940 إليهم (4)، ومال هو إليه; لإشعار تلك الأخبار به (5).
# فالأظهر جواز الجلوس ثلاثة أيام بلا كراهة.
# وفي الأخبار دلالة على استحباب إطعام أهل الميت (6)، وادعى الاجماع عليه
~~في الذكرى (7)، وكذلك في المنتهى (8).
# ويستحب ذلك ثلاثة أيام، للأخبار، منها حسنة حفص بن البختري وهشام بن
~~سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " لما قتل جعفر بن أبي طالب عليه
~~السلام أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام أن تتخذ طعاما
~~لأسماء بنت عميس ثلاثة أيام، وتأتيها ونساؤها تقيم عندها ثلاثة أيام، فجرت
~~بذلك السنة
# PageV03P560
# أن يصنع لأهل الميت طعاما ثلاثة أيام " (1).
# ورواية أبي بصير عنه عليه السلام، قال: " ينبغي لجيران صاحب المصيبة أن
~~يطعموا الطعام عنه ثلاثة أيام " (2) وغيرها (3).
# ويكره الأكل عندهم، لما رواه الصدوق عن الصادق عليه السلام، قال: " الأكل
~~عند أهل المصيبة من عمل أهل الجاهلية، والسنة البعث إليهم بالطعام كما أمر
~~به النبي صلى الله عليه وآله في آل جعفر بن أبي طالب لما جاء نعيه " (4).
# والظاهر أن المكروه هو الأكل عندهم إذا صار الأكل سببا للمشقة عليهم،
~~لأنهم مشغولون بالمصيبة، وقلوبهم منكسرة، فلذلك جعلت السنة بعث الطعام
~~إليهم، وإلا فلو دعوا أهل الطعام إلى الأكل معهم أو صار ذلك سببا لأنسهم
~~وتسليتهم، أو كان ذلك إعانة في أكل أهل المصيبة أو نحو ذلك، مثل أن يكون
~~الطعام كثيرا ولا يمكن صرفه إلا بأكل الغير عندهم، فالظاهر عدم الكراهة.
# وأما كراهة الإطعام لأهل المصيبة، فلا دليل عليه، مع أنهم قد يضطرون إلى
~~ذلك لورود الناس عليهم من البعيد، وانحصار الأمر في ذلك، بل وتستحب وصية
~~الانسان ببعض ماله للمأتم كما رواه في الكافي من فعل أبي جعفر عليه السلام
~~(5).
# قال في الذكرى: ولو أنه فوض إلى غير أهله كان أنسب، لاشتغالهم بمصابهم
# PageV03P561
# عن ذلك كما دل عليه الخبر (1).
# الرابع: في زيارة أهل القبور، وهي مستحبة للرجال، إجماعا نقله في المنتهى
~~(2)، وفي الذكرى (3).
# وكفى بها فضلا أنها مذكرة للموت، ومميلة إلى دار القرار، ومنغصة للذات
~~الفانية ms0941 الموبقة للنفس.
# والأخبار بها من الطرفين مستفيضة، وفيها أنهم يعلمون بكم ويفرحون بكم و
~~يستأنسون إليكم (4).
# وتتأكد في السبت والاثنين والخميس.
# وما ورد في الأخبار من فعل فاطمة عليها السلام (5) يدل على جوازها للنساء
~~أيضا.
# وكرهها لهن في المعتبر; لمنافاتها الستر والصيانة (6).
# قال في الذكرى (7): وهو حسن إلا مع الأمن والصون، لفعل فاطمة عليها
~~السلام قال: ولو كانت زيارتهن مؤدية إلى الجزع والسخط بقضاء الله لضعفهن عن
~~الصبر منعن عنها، وعليه يحمل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: " لعن
~~الله زوارات القبور " (8).
# ويستحب أن يقول في التسليم على أهل القبور ما ورد في حسنة عبد الله
# PageV03P562
# ابن سنان: " السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا فرط،
~~ونحن إن شاء الله بكم لاحقون " (1).
# أو يقول ما رواه جراح المدائني: " السلام على أهل الديار من المسلمين و
~~المؤمنين، رحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم
~~لاحقون " (2).
# وفي الكافي عن محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام، قال: قال أمير
~~المؤمنين عليه السلام: " زوروا موتاكم فإنهم يفرحون بزيارتكم، وليطلب أحدكم
~~حاجته عند قبر أبيه، وعند قبر أمه بما يدعو لهما " (3).
# وروى ورام بن أبي فراس في كتابه قال، قال علي عليه السلام: " إذا قرأ
~~المؤمن آية الكرسي وجعل ثواب قراءته لأهل القبور جعل الله له من كل حرف
~~ملكا يسبح له إلى يوم القيامة " (4).
# وروى في الذكرى أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: " من دخل المقابر فقرأ
~~سورة يس خفف الله عنهم يومئذ، وكان له بعدد ما فيها حسنات " (5).
# وفيه: قال الفاضل: أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات التي
~~تدخلها النيابة فإجماع (6).
# والأخبار الدالة على أنه يلحق بالميت كل ما يفعل له من صدقة أو صلاة أو
~~صوم أو حج أو دعاء أو بر في غاية الكثرة، وأنها يكتب أجرها للذي فعل
~~وللميت.
# الخامس: قالوا يكره المشي على القبور والاستناد عليها، وادعى في التذكرة
# PageV03P563
# الاجماع عليه (1)، وقال في المعتبر: وبه قال العلماء (2).
# وروي عن النبي ms0942 صلى الله عليه وآله: " لأن يجلس أحدكم على جمر فتحرق ثيابه
~~وتصل النار إلى بدنه أحب إلي من أن يجلس على قبر " (3) والمراد به المبالغة
~~في الزجر.
# وقد مرت رواية علي بن جعفر عن الكاظم عليه السلام من أنه لا يصلح الجلوس
~~على القبر (4).
# إلا أن الصدوق روى في الفقيه عن الكاظم عليه السلام: " إذا دخلت المقابر
~~فطأ القبور، فمن كان مؤمنا استروح، ومن كان منافقا وجد ألمه " (5).
# وربما حمل على من يدخلها لأجل الزيارة، فيكون كناية عن طلب كثرة التردد
~~إليها لأجل الزيارة، وعدم الاقتصار على زيارتها إجمالا.
# وربما حمل الاجماع الذي ادعاه العلامة على المشي استخفافا، مع أن الخبرين
~~أيضا لم يدلا إلا على الجلوس.
# السادس: لا يجوز أن يدفن في مقبرة المسلمين كافر، وادعى عليه في الذكرى
~~إجماع العلماء، وعلله بأن لا يتأذى المسلمون بعذابهم (6)، وقد سبق استثناء
~~الحامل من مسلم.
# وأما دفنه مطلقا، فظاهر الأصحاب عدم جوازه كالغسل والتكفين، وإن كان ذا
# PageV03P564
# قرابة منه حتى أباه، كما في رواية عمار (١)، لقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا
~~تقم على قبره﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ (3).
# وعن السيد - رحمه الله - في شرح الرسالة جواز مواراته إذا لم يكن له من
~~يواريه (4)، ودليله غير واضح.
# السابع: قال في المنتهى: روى الشيخ أنه يستحب أن يوضع عند الجريدة مع
~~الميت كتاب يقول قبل أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم: " أشهد أن لا إله إلا
~~الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن
~~النار حق، وأن الساعة حق آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ".
# ثم يكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم: شهد الشهود المسمون في هذا الكتاب أن
~~أخاهم في الله عز وجل فلان بن فلان - ويذكر اسم الرجل واسم أبيه - أشهدهم و
~~استودعهم وأقر عندهم أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك ms0943 له، وأن
~~محمدا عبده ورسوله، وأنه مقر بجميع الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأن عليا
~~ولي الله وإمامه، وأن الأئمة من ولده أئمته، وأن أولهم الحسن، والحسين،
~~وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن
~~موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة القائم عليهم
~~السلام، وأن الجنة حق، وأن النار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله
# PageV03P565
# يبعث من في القبور، وأن محمدا رسوله جاء بالحق، وأن عليا ولي الله
~~والخليفة من بعد رسول الله، ومستخلفه في أمته، مؤديا لأمر ربه تبارك
~~وتعالى، وأن فاطمة بنت رسول الله، وابنيها الحسن والحسين ابنا رسول الله
~~وسبطاه، وإماما الهدى، وقائدا الرحمة، وأن عليا ومحمدا وجعفرا وموسى وعليا
~~ومحمدا وعليا و حسنا والحجة عليهم السلام أئمة وقادة ودعاة إلى الله عز
~~وجل، وحجة على عباده.
# ثم يقول للشهود: " يا فلان بن فلان ويا فلان ويا فلان المسمين في هذا
~~الكتاب أثبتوا لي هذه الشهادة عندكم حتى تلقوني بها عند الحوض ".
# ثم يقول الشهود: " يا فلان نستودعك الله; الشهادة والإقرار والإخاء
~~موعودة عند الله، وعند رسول الله صلى الله عليه وآله، ونقرأ عليك السلام
~~ورحمة الله و بركاته ".
# ثم تطوى الصحيفة، وتطبع وتختم بخاتم الشهود وخاتم الميت، وتوضع عن يمين
~~الميت مع الجريدة، وتثبت الصحيفة بكافور وعود على جبهته غير مطيب " (1).
# ولم يكن عندي نسخة صحيحة، وإنما نقلتها عن كتاب نقل فيه عن المنتهى مغلوط
~~جدا مع ملاحظة نسخة من مصباح الشيخ لا تخلو من غلط أيضا، ولعل الاستحباب
~~يحصل بدون الطبع والختم بخاتم الميت والشهود والكتابة بالعود و الكافور
~~أيضا، وأن الكتابة بالتربة المقدسة تكون أحسن.
# ويمكن أن يستشعر حسن أصل الاستشهاد من صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة في
~~المبحث الخامس من مباحث صلاة الميت (2)، ويستفاد ما ذكرنا من المحقق
~~الأردبيلي رحمه الله أيضا (3).
# PageV03P566
# فمع ملاحظة تلك الصحيحة ينبغي أن يكتب الشهود: " اللهم إنا لا نعلم منه
~~إلا خيرا وأنت أعلم به منا ms0944 " ثم يكتبون اسمهم ويختمون بخاتمهم، ختم الله
~~أمورنا بالحسنى، وجعل آخرتنا خيرا من الأولى، وجعلنا خيرا مما يظن
~~العالمون، وغفر لنا ما لا يعلمون.
# صورة خط المصنف رحمه الله، وقد فرغ من ذلك مؤلفه الفقير إلى الله الدائم
~~ابن الحسن الجيلاني أبو القاسم، عفا عنهما الخطايا والجرائم، في بلد
~~المؤمنين قم، عصر يوم الأربعاء السابع وعشرين من شهر ذي قعدة الحرام من
~~شهور عام ألف ومائتين وست عشرة هجرة خير الأنام عليه أكمل التحية والإكرام،
~~والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. PageV03P567
# بسم الله الرحمن الرحيم غنائم الأيام PageV04P001
# غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام للفقيه المحقق الميرزا أبو القاسم
~~القمي (1152 - 1231 ه) الجزء الرابع كتاب الزكاة والخمس تحقيق مكتب
~~الإعلام الإسلامي - فرع خراسان PageV04P003
# المؤلف: الميرزا أبو القاسم القمي التحقيق: مكتب الإعلام الإسلامي - فرع
~~خراسان.
# المحقق: عباس تبريزيان الناشر: مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي
~~المطبعة: مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي الطبعة الأولى / 1420 ق 1378 ش
~~PageV04P004
# كتاب الزكاة وفيه مقدمة وبابان: PageV04P021
# أما المقدمة فالزكاة في اللغة: الطهارة، والزيادة، والنمو (1).
# وفي الشرع: اسم لحق يجب في المال يعتبر في وجوبه النصاب، هكذا في المعتبر
~~(2)، والكلام في تصحيح عكسه وطرده غير مهم.
# وهي قسمان: زكاة المال، وزكاة الفطرة.
# والمشهور أنه ليس في المال حق واجب غيرهما وغير الخمس (3).
# وذهب الشيخ في الخلاف إلى وجوب ما يخرج يوم الحصاد من الضغث بعد الضغث،
~~ويوم الجذاذ من الحفنة بعد الحفنة، واحتج عليه بإجماع الفرقة وأخبارهم،
~~وبقوله تعالى:
# * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (4) و (5).
# لنا: الأصل، وعدم الدليل على الوجوب.
# وما ادعاه من الاجماع غير معلوم، وما يستفاد من فتاوى علمائنا ليس إلا
~~القدر الراجح
# PageV04P023
# أو صريح الاستحباب.
# وأما الأخبار; فهي مع كثرتها لا دلالة فيها على الوجوب، كما لا يخفى على
~~من لاحظها (1)، فهي محمولة على الاستحباب، كما تدل عليه رواية معاوية بن
~~شريح، عن الصادق عليه السلام: " في الزرع حقان، حق تؤخذ به، وحق تعطيه، أما
~~الذي تؤخذ به فالعشر ونصف العشر، وأما الذي تعطيه فقول ms0945 الله عز وجل: *
~~(وآتوا حقه يوم حصاده) * يعني: من حضرك الشئ بعد الشئ " ولا أعلمه إلا قال:
~~" الضغث بعد الضغث حتى تفرغ " (2).
# وحسنة زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير أيضا ظاهرة في ذلك (3).
# وأما الآية; فقد أجيب عنها بأن المراد منها الزكاة، فإن الظاهر من قوله:
~~* (وآتوا حقه) * إيجاب ما علم ثبوته، لا ايجاب شئ بهذا اللفظ.
# ويخدشه * (يوم حصاده) *، فيحتاج إلى تأويل الإيتاء بالعزم عليه حينئذ
~~والاهتمام به، وهو ليس بأولى من اخراج الإضافة عن ظاهرها الذي هو العهد،
~~سيما مع قوله تعالى:
# * (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) * (4).
# فإن الإسراف لا معنى له في المقدر الذي هو الزكاة كما وردت الرواية بذلك،
~~وأشار إليه السيد في الانتصار (5).
# وتشير إليه صحيحة البزنطي أيضا، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن
~~قول الله عز وجل: * (وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا) * قال: " كان أبي
~~يقول: من الإسراف في الحصاد والجذاذ أن يصدق الرجل بكفيه جميعا، وكان أبي
~~إذا حضر شيئا من هذا، فرأى أحدا
# PageV04P024
# من غلمانه يتصدق بكفيه، صاح به: أعط بيد واحدة، القبضة بعد القبضة،
~~والضغث بعد الضغث من السنبل " (1).
# غايته لزوم الاجمال في الآية حينئذ، ولا يضر; لبيان أهل البيت عليهم
~~السلام عند الحاجة، فحينئذ لا يلزم إلا خروج الأمر عن ظاهره، وهو لا يضر
~~إذا دلت عليه الأخبار المبينة له; إذ كما أن تلك الأخبار تصير بيانا
~~للمجمل، تصير قرينة للمجاز أيضا، ومما يدل على الاستحباب عدم تحديده
~~تحقيقا.
# PageV04P025
# الباب الأول في زكاة المال PageV04P027
# وهي واجبة بالإجماع والكتاب والسنة.
# بل هي من ضروريات الدين، يرتد منكرها، ويقتل إذا كان عن فطرة، ولا تقبل
~~توبته ظاهرا، إلا أن يكون في حقه شبهة.
# والآيات والأخبار الدالة على ثوابها وفضيلتها والعقاب على تركها والتشديد
~~والتأكيد في أمرها من الكثرة بحيث لا يحتاج إلى الذكر والبيان.
# وكفاها فضيلة اقترانها بالصلاة - التي هي أفضل الأعمال، وشرط قبول سائر
~~الأعمال، وعمود فسطاط الدين، المعدود تاركها من الكفار - في الآيات
~~المتعددة الدالة على ms0946 أنها مثلها في ذلك.
# وفيه مقاصد: PageV04P029
# المقصد الأول فيمن تجب عليه الزكاة وهو: البالغ، العاقل، الحر، المالك،
~~المتمكن من التصرف.
# وفيه مباحث:
# الأول: لا تجب الزكاة على الطفل.
# أما في الذهب والفضة فاجماعا; وللأصل، وعدم شمول العمومات إياهم; لعدم
~~التكليف، ولا لأوليائهم بالنسبة إلى أموالهم; لتبادر أموال أنفسهم منها
~~(1).
# وللأخبار المستفيضة، مثل صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: "
~~ليس في مال اليتيم زكاة " (2) ومثلها صحيحة محمد بن مسلم (3) وغيرها (4).
# وصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال، قلت له: في مال اليتيم، عليه
~~زكاة؟
# PageV04P030
# فقال: " إذا كان موضوعا فليس عليه زكاة; فإذا عملت به فأنت ضامن، والربح
~~لليتيم " (1)، وسيجئ غيرها.
# نعم المشهور المدعى عليه الاجماع من المعتبر استحباب اخراج الزكاة من
~~ماله إذا أتجر له الولي (2); للأخبار المستفيضة، مثل حسنة محمد بن مسلم
~~قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: " لا،
~~إلا أن يتجر به، أو يعمل به " (3) ورواية سعيد السمان (4) وموثقة يونس بن
~~يعقوب (5) كلها في الكافي، ورواية محمد بن الفضل في التهذيب (6).
# وظاهر المفيد الوجوب (7)، ولكن الشيخ قال: إن مراده الاستحباب; لأن
~~الزكاة في مال التجارة ليست بواجبة على البالغ، فالصبي أولى (8).
# ونفى ابن إدريس الزكاة رأسا (9)، ومال إليه صاحب المدارك، استضعافا لسند
~~الأخبار ودلالتها (10).
# أقول: أما السند، فالحسن والموثق حجتان كما حقق في محله، سيما مع ورودهما
~~في الكافي، وتلقي الأصحاب لهما بالقبول.
# PageV04P031
# وأما الدلالة، فكون كلمة " على " في مفهوم الحسنة، والأمر بالتزكية في
~~الموثقة ورواية محمد بن الفضل ونحوهما ظاهر في الوجوب لا يضر مع اقتضاء
~~الجمع بين الأخبار حملها على الاستحباب، سيما مع الشهرة والإجماع المنقول.
# وتؤيدها الأخبار الواردة في علة مقدار الزكاة، وملاحظة حال الفقراء،
~~والأغنياء; والنسبة بينهم (1)، فإن مقتضاها تعلق حقهم بأموال الأغنياء
~~مطلقا، ولذلك قيل بالوجوب هنا (2)، وفي الغوت والمواشي أيضا كما سيجئ.
# فكأن ثبوت الزكاة في أموال اليتامى في الجملة لا ينبغي التأمل فيه، خرج
~~النقدان بالإجماع; وبقي الباقي.
# ومقتضى الثبوت الوجوب على الولي; ms0947 لأنه من الأحكام الوضعية بالنسبة إلى
~~اليتيم; كما تتعلق به من الجنايات. ولكن الأخبار (3) والإجماعات المنقولة
~~دعتنا إلى القول باستحباب الإخراج، وأن ذلك حق في أموالهم غير محتوم.
# وأما الغلات والمواشي فالمشهور فيهما الاستحباب (4)، بمعنى أنه يستحب
~~للولي أن يخرجها من ماله وإن أمكن تعلق الاستحباب به أيضا إذا كان مميزا،
~~بناءا على كون عباداته شرعية كما هو الأصح، إلا أن كونه محجورا عليه يمنع
~~عن ذلك في العبادات المالية، وتبقى البدنية تحت الإمكان والصحة، إذا كان
~~مميزا عاقلا.
# وأوجبها الشيخان (5) وأتباعهما (6); لصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن
~~الباقر والصادق عليهما السلام، أنهما قالا: " مال اليتيم ليس عليه في العين
~~والصامت شئ، وأما
# PageV04P032
# الغلات فإن عليه الصدقة واجبة " (1) وفي بعض النسخ " الدين " بدل العين.
# وهي معارضة بموثقة أبي بصير عن الصادق عليه السلام، أنه قال: سمعته يقول:
~~" ليس في مال يتيم زكاة، وليس عليه صلاة، وليس على جميع غلاته من نخل أو
~~زرع أو غلة زكاة " (2) الحديث. وهي - مع اعتضادها بالأصل والعمل والعمومات
~~الصحيحة النافية للزكاة عن مال اليتيم (3) - راجحة على الصحيحة، سيما مع
~~منع ثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ الوجوب، فيحمل على الاستحباب.
# وحمل الشيخ الموثقة على أن المراد: ليس على جميع غلاته زكاة، بل إنما هي
~~على البعض، وهي الغوت الأربع (4)، وهو بعيد جدا.
# ولولا الشهرة العظيمة في الاستحباب، لقلنا بانتفائها رأسا; للأصل، أو
~~قلنا بالوجوب; لهذه الصحيحة، ولأنه هو الموافق للعلة الواردة في الأخبار،
~~كما أشرنا سابقا، ولكنها مع الأصل ومنع الحقيقة الشرعية تؤيد الاستحباب.
# والأولى اكتفاء الولي بنية مطلق التقرب وإسقاط الوجه.
# وربما حملت الصحيحة على التقية (5); لأن الوجوب مذهب العامة (6)، وتؤيده
~~رواية مروان بن مسلم، عن أبي الحسن عليه السلام عن أبيه عليه السلام، قال:
~~" كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم، ليس عليه زكاة " (7) وهي أيضا تؤيد
~~عدم الوجوب.
# وأما المواشي فلم نقف فيها على دليل، لا وجوبا، ولا استحبابا، ويمكن أن
~~يستشعر من مفهوم الوصف في الصحيحة المتقدمة، ولكن الاعتماد عليه مشكل، سيما ms0948
# PageV04P033
# مع العمومات (1)، وقوله تعالى: * (ولا تقربوا مال اليتيم) * (2).
# واعلم أن لفظ اليتيم في كلامهم موافقا للأخبار بناءا على الغالب، وإلا
~~فالحكم ثابت لمطلق المولود الغير البالغ دون الحمل، والظاهر أنه كذلك الحكم
~~بعد البلوغ وقبل الرشد.
# والمتولي لإخراج الزكاة هو الولي الشرعي، ومع فقده فيمكن ثبوت هذا الحكم
~~لآحاد العدول من المؤمنين، كما يجوز لهم التصرف في ماله مع المصلحة إذا
~~تعذر الولي. كما احتمله المحقق الأردبيلي - رحمه الله - مع تأمل فيه (3).
# فائدتان:
# الأولى: إذا نقل الولي مال الصغير إلى ذمته بالقرض ونحوه، واتجر لنفسه،
~~فتستحب له الزكاة; لصيرورته من فروع زكاة مال التجارة، وسيجئ دليل
~~الاستحباب.
# واشترطوا في جواز ذلك للولي الملاءة، أي كونه مالكا لما ساوى مال الطفل
~~زائدا على مستثنيات الدين وقوت يوم وليلة له ولمن تجب عليه نفقته.
# والأولى تفسيرها بما يقدر به على أداء المال لو تلف بحسب حاله كما قيل
~~(4)، فتكفي في ذلك القوة والحرفة والوجه، ولكن الأخبار الواردة فيه تدل على
~~اشتراط وجود المال، مثل صحيحة ربعي بن عبد الله (5)، ورواية أسباط بن سالم
~~(6) وغيرهما (7).
# PageV04P034
# واستثنوا من ذلك الأب والجد، فجوزوا لهما الاقتراض مع العسر واليسر، ولم
~~يظهر له مخالف، واستشكله في المدارك (1).
# ولعل دليلهم: الأخبار الكثيرة الواردة في أن الابن وماله لأبيه (2)،
~~ولكنها مقيدة بصورة الاضطرار والاحتياج، كما نطق به بعضها (3).
# ويمكن دفع ذلك: بأن التقييد إنما يفيد تقييد التصرف مجانا وبلا عوض بصورة
~~الاضطرار; لا مطلقا، فيبقى عمومها في غير ذلك على حاله، والأخبار كثيرة لا
~~نطيل بذكرها.
# ويؤيد ما ذكرنا من الدفع مورد في الأخبار من أن الأم لا يجوز لها الأخذ
~~إلا قرضا على نفسها، بخلاف الأب، مثل حسنة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام، قال:
# سألته عن الرجل لابنه مال فيحتاج الأب، قال: " يأكل منه، فأما الأم فلا
~~تأكل منه إلا قرضا على نفسها " (4).
# فإن الظاهر منها جواز الأخذ مجانا فوق مقدار نفقته الواجبة; لأن الأم
~~أيضا واجبة النفقة، فجواز الاستقراض للأب يثبت بطريق الأولى. ms0949
# الثانية: إذا أتجر غير الولي أو الولي الغير الملي بماله لنفسه فهو ضامن
~~للمال; لأنه غاصب حينئذ.
# وعليه تحمل صحيحة الحلبي المتقدمة (5) وما في معناها (6)، ولكن الإشكال
~~في
# PageV04P035
# معنى قوله عليه السلام " والربح لليتيم " ومطابقة فتواهم لهذه العبارة،
~~فإن المعاملة إذا كانت منهية فاسدة، فلا يحصل الانتقال، بل يرجع مال كل من
~~الطرفين إلى صاحبه، ويتبعه نماؤه، فربح المبيع بعين مال اليتيم كيف يتعلق
~~باليتيم.
# وربما يقيد ذلك: بأن المراد إذا كان المشتري وليا أو أجازه الولي مع
~~مصلحة الطفل.
# وفيه: أن المحذور لم يندفع في الأول، إلا أن تعتبر الإجازة من جانب الطفل
~~ثانيا (1).
# ولعل إطلاق الرواية مبني على أن البيع من العاقل واقع غالبا على جهة
~~المصلحة، وأن قلب مال الطفل أيضا كان مصلحة للطفل، بمعنى كونه أصلح من
~~إبقائه على حاله، وإن كان أخذ الولي إياه لنفسه مخالفا للمصلحة من جهة عدم
~~الملاءة، فإذا وقعت معاملة في ماله كانت موافقة لصلاحه، فيجب على الولي
~~إمضاؤها له; لأنه يجب عليه ملاحظة غبطته، ولهذا قال الإمام عليه السلام: "
~~والربح لليتيم " يعني: يجب عليه إمضاؤها لليتيم ليكون الربح له، وتبع
~~الفقهاء الرواية نظرا إلى ذلك، هذا.
# وربما يستشكل في تصحيحها بإجازة الولي أيضا; لأنها لم تقع للطفل ابتداءا،
~~بل وقعت لغير من تجوز له على وجه منهي عنه.
# وفيه: أنه مبني على انحصار صحة الفضولي فيما لو نوى الفضولي البيع
~~لمالكه.
# والظاهر أنه يجري في الغاصب أيضا، نظرا إلى الدليل، وسيجئ بيانه في محله.
# ولا زكاة هنا على المتصرف; لبطلان تجارته، ولا على الطفل، وعلل بعدم
~~مقارنة قصد الاكتساب للطفل حين التملك كما هو شرط في مال التجارة كما سيجئ.
# وربما يدفع: بأنها حاصلة على القول بكون الإجازة جزء السبب لا كاشفة.
# أقول: والأقوى كونها كاشفة، ولكنه يمكن استفادة استحبابها من صحيحة
~~الحلبي المتقدمة بمعونة ملاحظة مفهوم أولها، وهو ظاهر مختار جماعة من
# PageV04P036
# المتأخرين (1)، والمسألة محل إشكال.
# الثاني: لا تجب الزكاة في مال المجنون; للأصل، وعدم شمول الإطلاقات له
~~(2); لعدم ms0950 التكليف - ولا خلاف في ذلك في النقدين - إلا أن يتجر به الولي،
~~فتستحب فيه; لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال، قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام: امرأة من أهلنا مختلطة، عليها زكاة؟ فقال: " إن كان عمل به فعليها
~~زكاة، وإن لم يعمل فلا " (3) وقريب منها رواية موسى بن بكر (4).
# ونحملهما على الاستحباب; لعدم القول بالوجوب، ولعدم الوجوب في أصل مال
~~التجارة، ففيه أولى.
# وأوجب الشيخان الزكاة في غلاته كالطفل (5)، ولم نقف على مستندهما.
# ثم إن الحكم في المطبق واضح، وأما ذو الأدوار فعن التذكرة اشتراط الكمال
~~طول الحول، فلو جن في أثنائه سقط واستأنف من حين عوده (6).
# واستشكله في المدارك، واستقرب تعلق الوجوب في حال الإفاقة; لعدم المانع
~~من توجه الخطاب إليه (7).
# أقول: الخطابات المشروطة إنما تتعلق بالمكلفين، فالخطاب بالزكاة بشرط
~~حؤول الحول يتعلق بالمكلف، ولا بد من اعتبار مبدأ الحول في حال التكليف;
~~لعدم التكليف
# PageV04P037
# قبله، لا بمراعاة الشرط ولا المشروط، والجنون قاطع للحول، فلا بد من
~~إعادته.
# وأما السهو والغفلة والنوم فلا تقطع الحول; لعدم انفكاكها المكلف غالبا.
# وأما الإغماء فجعله في التذكرة قاطعا للحول (1)، ولعله ناظر إلى قدرته،
~~وإلا فالمغمى عليه كالنائم والناسي ليس بأهل للتكليف.
# نعم، يمكن القول بعدم التكليف الابتدائي في النائم والناسي أيضا، وتظهر
~~الثمرة فيما لو انتقل إليه المال في حال النوم أو الغفلة، فيعتبر تمام
~~الحول من حين يقظته واستشعاره، لا من حين الانتقال إليه; كما في البالغ،
~~فإنه يستأنف الحول من حين البلوغ كما هو ظاهر المتأخرين (2).
# الثالث: ليس على المملوك زكاة.
# أما على القول بأنه لا يملك فلا إشكال; لاشتراط الملك كما سيأتي إجماعا.
# وأما على القول بالتملك مطلقا أو على بعض الوجوه فالأظهر أيضا العدم;
~~لصحيحة عبد الله بن سنان (3)، وحسنته (4).
# وقيل بالوجوب عليه حينئذ (5); لصدق الملك، والعمومات (6). وهو مدفوع
~~بأنها مخصصة بالروايتين.
# وأما مسألة تملك العبد فالمشهور فيها - على ما في التذكرة - العدم (7)،
~~ونسب في
# PageV04P038
# المسالك القول بالملك في الجملة إلى الأكثر (1)، وهو الأظهر، لا لما ورد
~~من ms0951 أن مال العبد داخل في البيع على تقدير علم البائع به، وعدمه على تقدير
~~العدم (2)، وكذلك ما ورد في ذلك إذا أعتقه (3) كما يتوهم; إذ العلم والجهل
~~لا مدخلية لهما في التصرف في مال الغير.
# وكونه محجورا عليه بيد المولى لا يوجب جواز بيع ماله ورفع اليد عنه في
~~صورة العتق، بل الظاهر منها أن ما معه لمالكه، وعلمه به يدل على رضاه بذلك،
~~بخلاف صورة الجهل.
# بل لعمومات ما دل على تملك سائر الناس لأموالهم (4).
# ولخصوص صحيحة عمر بن يزيد في أنه يملك فاضل الضريبة (5)، وموثقة إسحاق بن
~~عمار في أنه يملك ما أعطاه مولاه بإزاء أن يحلله من ضربه إياه. وكل ما صدر
~~منه من إيذاء أو تخويف أو ترهيب (6)، وصحيحة الفضيل بن يسار (7) وحسنة أبي
~~جرير (8).
# وقيل: إنه يملك فاضل الضريبة وأرش الجناية (9); ويدل على أولهما صحيحة
# PageV04P039
# عمر بن يزيد.
# وأما الدليل على حجره فلعله الاجماع، ولا وجه لتأمل بعض المتأخرين فيه
~~(1)، سيما مع ملاحظة حسنة عبد الله بن سنان المتقدمة عن الصادق عليه
~~السلام، قال: " ليس في مال المملوك شئ ولو كان له ألف ألف، ولو احتاج لم
~~يعط من الزكاة شئ " (2).
# وصحيحته عنه عليه السلام، قال: سأله رجل وأنا حاضر عن مال المملوك، أعليه
~~زكاة؟
# قال: " لا، ولو كان ألف ألف درهم " (3) وهما أيضا تدلان على التملك;
~~لظاهر الإضافة.
# وأما دليل القول بالعدم مطلقا: فهو قوله تعالى: * (ضرب الله مثلا عبدا
~~مملوكا لا يقدر على شئ) * (4) و * (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت
~~أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء) * (5).
# ودلالتهما على خلاف المقصود أظهر، فإن الظاهر من الوصف التقييد لا
~~التوضيح، ومفهومه التملك.
# سلمنا، لكن المراد لعله كونه محجورا عليه في نفسه وماله، ولا نزاع فيه.
# وكذلك الآية الثانية، فإن عدم شراكتهم في مال المولى لا يدل على عدم
~~تملكهم، بل المفهوم يشعر بالتملك.
# وهذا الحكم يشمل المكاتب المشروط عليه والمطلق الذي لم يتحرر منه شئ;
~~لعموم الروايتين، وخصوص رواية ms0952 أبي البختري (6) المنجبر ضعفها (7) بعمل
~~الأصحاب، مؤيدا بعدم تمامية الملك; لكونه ممنوعا عن التصرف، وسيجئ بيان
~~اشتراطه.
# PageV04P040
# وأما المطلق الذي تحرر منه شئ، فيجب عليه إذا بلغ نصيب جزئه الحر نصابا;
~~للعمومات (1). وتبادر القن من المملوك في الروايتين المتقدمتين.
# واحتمال استصحاب حال مملوكيته السابقة المقتضية للعدم، معارض بأصالة عموم
~~الآيات والأخبار الشاملة للمكلفين، فإن المبعض قسم ثالث من المكلفين،
~~والتكاليف إنما تتعلق عند أوقات حصول الأسباب، وهو الآن مبعض، فلم يعلم
~~تخصيص العمومات بالنسبة إليه.
# الرابع: لا ريب ولا خلاف في اشتراط الملك للنصاب، فالموهوب لا يجري في
~~الحول إلا بعد القبض; إن قلنا بكونه شرطا في الصحة.
# وكذا الموصى به; إلا بعد الوفاة والقبول; على القول باشتراط الملك
~~بالقبول.
# ويجري المبيع في الحول بعد الصيغة إذا انقضى زمن الخيار ولم يحصل الفسخ;
~~لأن الأقوى حصول الملك به، لا به وبانقضاء زمان الخيار كما ذهب إليه الشيخ
~~(2).
# وكذا إذا استقرض نصابا وجرى عليه الحول يحسب الحول من حين القبض; لأنه
~~وقت الملك على الأشهر الأقوى، لا التصرف، وتدل عليه الأخبار المعتبرة أيضا
~~(3).
# وكذا لو نذر في أثناء الحول الصدقة بالنصاب، أو جعله صدقة بالنذر;
~~لانتقاله عن ملكه حينئذ، وعلى فرض تقدير بقائه على الملك فهو فاقد لشرط
~~التمكن من التصرف، وسيجئ بيانه، ولأنه ملك ناقص لا يتبادر مما ورد في زكاة
~~المال.
# نعم يقع الإشكال فيما لو علق النذر على ما لم يحصل بعد، والتحقيق أن يبنى
~~ذلك على كون ذلك مانعا عن التصرف فيه قبل انكشاف الواقع في حصول الشرط،
~~وعدمه. والظاهر أنه مانع، ومع المنع من التصرف لا يجري في الحول; لما سيجئ.
# PageV04P041
# ووجه جريانه في الحول صدق الملك، وعدم تحقق الشرط بعد.
# ثم إنهم اشترطوا مع الملك تماميته أيضا; لأنه المتبادر من الملك.
# وربما جعل ذلك عين اشتراط التمكن من التصرف كما سيجئ، وربما جعل أعم.
# وفرعوا على جعله أعم منه: ما لو جعل مبدأ الحول بعد جريان صيغة البيع على
~~القول بكون انقضاء زمن الخيار ملزما ms0953 للملك، فيكون الملك قبله متزلزلا; لا
~~غير تام، وكذلك الهبة قبل القبض، بناءا على القول بكونه شرط اللزوم.
# ويمكن أن يقال: إن الملك إذا تم بالقبض في الموهوب - مع فرض إمكان التصرف
~~بأن يطلب القبض ويسلمه - وبانقضاء زمن الخيار في المبيع، فيتم الملك، ويكشف
~~عن كون الملك تاما في نفس الأمر، ويصدق عليه أنه مال جرى في الحول عند ربه
~~كما هو مفاد الأخبار (1)، فلا يتم التفريع.
# نعم، يمكن التفريع بأن يفرض أن يبيع زرعا قبل انعقاد الحب، ويجعل لنفسه
~~الخيار إلى انقضاء شهرين، وانعقد الحب في أيام الخيار، ثم رجع البائع بعد
~~تعلق الزكاة، أو باعه نصاب حيوان مثلا وجعل الخيار إلى انقضاء الحول ثم رجع
~~بعده، فإن هذا يوجب سقوط الزكاة رأسا; لعدم تمامية الملك.
# أما للمشتري; فلانكشاف الواقع عن أنه لم يكن مالكا له في نفس الأمر
~~بالملك التام، وإن كان ملكا له في الجملة; ولذلك (لم تثبت) (2) له المنافع
~~المنفصلة في أيام الخيار، وإن كان يمكن القول بأنه لما كان ممنوعا من
~~التصرفات المانعة لخيار البائع فعدم تعلق الزكاة حينئذ إنما هو من جهة عدم
~~التمكن من التصرف، فلم تبق فائدة في جعله غير تام من جهة ما ذكرنا.
# وأما للبائع; فلخروجه عن ملكه، وعوده إليه إنما هو برجوعه; فهو ملك جديد.
# ويمكن أن يقال: ببقاء ملكه حينئذ متزلزلا أيضا
# PageV04P042
# حتى يلزم برجوعه ثانيا، لكنه أيضا غير تام; لعدم تمكنه من التصرفات مع
~~إبقائه على حاله من عدم الفسخ، وهو أيضا لا يجدي فيما نحن بصدده.
# وأما الخدشة في تقييد الهبة بما بعد القبض في المثال الأول بأن الملك غير
~~مستقر بعده أيضا في مثل ما كان لغير ذي رحم بلا عوض، فهو مدفوع بأن المراد
~~القبض الملزم كذي الرحم، أو أن مثل ذلك التزلزل لا يوجب عدم تمامية الملك
~~عرفا، بخلاف الخيار الثالث من الشارع بالخصوص أو من المتعاقدين بالشرط.
# الخامس: قالوا: يشترط في وجوب الزكاة التمكن من التصرف، وادعى عليه
~~الاجماع في التذكرة (1).
# ولعل ms0954 دليله الاجماع، وأنه المتبادر من الملك، ومثل صحيحة عبد الله بن
~~سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا صدقة على الدين، ولا على المال
~~الغائب عنك حتى يقع في يديك " (2) وصحيحة إبراهيم بن أبي محمود (3)، وسيجئ
~~بعض آخر.
# وقد يستشكل بأنها أخص من المطلوب، فلا تدل على سقوط الزكاة في المبيع
~~المشتمل على الخيار.
# وفيه: أنه لا يضر; لوجود غيرهما من الأدلة (4)، مع أن الظاهر عدم القول
~~بالفصل، مع أنه يمكن استشعار العموم من صحيحة عبد الله بن سنان، فإن الوقوع
~~في اليد كناية عن التسلط عليه، والمراد التسلط التام، وعلى جميع الوجوه،
~~وكذلك مراد الفقهاء، فيستفاد العموم من الاجماع المنقول أيضا من هذه الجهة.
# ومما يدل عليه أيضا: أن الأوامر وإن كانت ظاهرة في الواجب المطلق، لكن
~~ثبوت
# PageV04P043
# الاشتراط في أمور كثيرة جدا - كما سنشير إليه - يضعف ظهورها فيما نحن
~~فيه، سيما بملاحظة الشهرة والتبادر الذي ادعيناه إن لم نقل بظهور الاشتراط،
~~غاية الأمر التساوي، والأصل براءة الذمة.
# ولا بد فيما يشترط فيه الحول التمكن كذلك في تمام الحول، كما هو ظاهر
~~الأخبار المتقدمة. وفي غيره حين تعلق الزكاة.
# وأما التمكن من أداء الزكاة، فلا يشترط في وجوبها; للإجماع على ما في
~~المنتهى (1); وللإطلاقات (2).
# نعم، هو معتبر في الضمان; للإجماع المنقول في المدارك (3)، فيكون أمانة
~~لا يضمن فيها إلا بالتفريط، فلو تلف بعضه سقط عنه بالنسبة، وهو كذلك، هكذا
~~ذكروه ولا يخلو من إجمال; إذ الاستدلال بالإطلاقات في عدم الاشتراط مشكل.
# وبيانه: أن الأوامر في الزكاة مشروطة بأمور جزما، مثل حصول النصاب
~~وتملكه، وتمكن التصرف منه، والنمو في الملك، وحؤول الحول فيما يشترط فيه،
~~وغير ذلك، فكما أن الأوامر مقيدة بما ذكر، فلا بد أن تقيد بالتمكن من
~~الأداء أيضا بدليل العقل; لاستحالة التكليف بالمحال، فما وجه ما ذكروه
~~وتمسكهم بالإطلاقات؟!
# وتحقيق المقام أن يقال: إن مرادهم بعدم الاشتراط هو عدم اشتراط التعلق،
~~لا الوجوب، فالتعلق من أحكام الوضع، وهو غير وجوب الأداء.
# والحاصل أن الغلة حين بدو الصلاح ms0955 في الملك يتعلق بها الزكاة، بمعنى أنه
~~يثبت حق الفقراء فيها، وأما وجوب أدائه على المالك، فلا ريب أنه مشروط
~~بالتمكن منه، فإن لم يتمكن فيجب على الورثة اخراجه، أو على الحاكم أو
~~غيرهما، وكذلك في غير الغوت بعد حؤول الحول.
# PageV04P044
# فوجوب الأداء قد يتعلق بالمكلف بعد النمو في الملك، وقد لا يتعلق، ولكن
~~حصول الحق فيه يتعلق به دائما.
# فالمراد بالإطلاقات هو مثل قولهم عليهم السلام " فيه الزكاة " و " عليه
~~الزكاة " ونحو ذلك، وهو لا يستلزم الوجوب على المالك.
# وحينئذ فتخصص الأوامر المقتضية للطلب الشرعي بصورة التمكن من الأداء.
# وحينئذ يقع الإشكال في استدلالهم على نفي الزكاة على الطفل والمجنون، بأن
~~الأوامر مختصة بالمكلفين; لأن لنا أن نقول: يشملهم مثل ما ذكرناه مما يثبت
~~الحق من باب الحكم الوضعي، فلا بد أن يستدل ثمة بالأخبار الخاصة النافية
~~للزكاة عن مالهم (1)، لا بذلك.
# ثم إنهم فرعوا على اشتراط التمكن من التصرف أمورا:
# الأول: المال المغصوب لا زكاة فيه حتى يقع في يد صاحبه ويحول عليه الحول;
~~لما مر من الأدلة.
# وكذلك لا يجب في غير ما يشترط فيه الحول أيضا إذا حصل بدو صلاحه في يد
~~الغاصب.
# واستشكل في المدارك من جهة عدم دلالة الأخبار المتقدمة - على تقدير
~~تسليمها - إلا فيما يعتبر فيه الحول، قال: ولو قيل بوجوب الزكاة في الغوت
~~متى تمكن المالك من التصرف في النصاب لم يكن بعيدا (2).
# أقول: ويدل عليه عموم الاجماع المنقول (3)، وصحيحة عبد الله بن سنان (4)،
~~وأنه
# PageV04P045
# يتعلق وجوب الزكاة بالغلات بعد بدو الصلاح فيما ملكه قبل بدو الصلاح.
# والمراد بتعلق وجوب الزكاة بالغلات بعد بدو الصلاح: أن المالك مخاطب
~~باخراج الزكاة بوجوب موسع لا يحصل الضمان بسبب تأخيره لأجل الحصاد
~~والتصفية، بخلاف ما بعد التصفية; فإنه يضمن لو أخره بلا عذر، والوجوب لا
~~يجوز تعلقه بغير المتمكن عقلا وشرعا، والمفروض أن الوجوب حينئذ مطلق لا
~~مشروط، وتوسعته لا تنافي عدم جواز التكليف به حال عدم القدرة.
# إلا أن يقال: إن الأوامر وإن لم ms0956 تشمله; لكن يشمله ما دل عليه من باب
~~الوضع، كما أشرنا سابقا، ولا مقيد لهما، فتمسك حينئذ بما مر من الأدلة، وهي
~~مخصصة لما دل عليه من باب الوضع أيضا.
# ثم قال: وإنما تسقط الزكاة في المغصوب ونحوه إذا لم يمكن تخليصه ولو
~~ببعضه، فتجب فيما زاد على الفداء (1).
# أقول: الظاهر أن المرجع في التمكن من التصرفات هو العرف، فلا يضر التمكن
~~العقلي بأن يتحمل شيئا من المقدمات لتحصيل التمكن.
# والظاهر: أن المال المغصوب المرجو زوال يد الغاصب عنه بأجمعه يصدق عليه
~~في العرف أنه غير متمكن منه، وإن أمكن التخليص بفداء بعضه منه.
# وكذلك في المال الغائب الذي يصعب الوصول إليه، وإن أمكن بتحمل مشقة
~~كثيرة، ومنها صرف بعضه، سيما قدرا معتدا به في تخليصه.
# والحاصل أن المعيار هو حصول التمكن بالفعل، لا إمكان التمكن من التمكن.
# ولعله نظر إلى إطلاق ما رواه في الموثق، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام أنه قال:
# في رجل ماله عنه غائب فلا يقدر على أخذه، قال: " فلا زكاة عليه حتى يخرج،
~~فإذا خرج زكاه لعام واحد، وإن كان يدعه متعمدا وهو يقدر على أخذه فعليه
~~الزكاة لكل
# PageV04P046
# ما مر به من السنين " (1).
# وأنت تعلم أن القدرة أيضا تحمل على المقدور العرفي، وهو ما كان سهل
~~الحصول.
# ولو سلمنا ما ذكره فلا بد من أن يقيد بما لم يوجب صرف بعضه فيه نقصه بذلك
~~عن النصاب.
# ثم إن المال الغائب عن المالك إذا كان في يد الوكيل أو الولي في مال
~~الطفل والمجنون على القول بثبوت الزكاة فيه وجوبا أو استحبابا، فهو في حكم
~~الحاضر; لأن يد الوكيل كيد الموكل، وكذلك الولي، فإذا تعلقت الزكاة بمال
~~الغائب بذلك، فالكلام في المولى عليه واضح; إذ الولي هو المخاطب بالأداء.
# وأما في غيره، فإن علم في الغيبة بحصول النصاب له في ملكه وحؤول الحول
~~فيما يحتاج إليه، فيجب عليه الأداء; إما من عنده، وإما بأن يأذن للوكيل في
~~اخراجه.
# وإن لم يعلم بذلك، ms0957 فهل يجب على الوكيل الإخراج أم لا؟ الظاهر أنه يتبع
~~الوكالة عموما وخصوصا.
# وأما ما أوهمه ظاهر بعض العبارات من إطلاق سقوط الزكاة عن المال الغائب
~~(2) فهو ليس على ظاهره، بل المراد الغائب الذي لا يتمكن من التصرف فيه، كما
~~هو صريح غيرها (3).
# ومن أسباب عدم التمكن الجهالة، كالمال الموروث عن غائب لا يعلمه.
# ثم إن الشيخين (4) وجماعة من الأصحاب (5) قالوا: إن من ترك لأهله نفقة
~~بقدر
# PageV04P047
# النصاب فما فوقه بحيث لا يعلم زيادته عن قدر الحاجة وحال عليه الحول،
~~فتسقط عنه الزكاة، إن كان المالك غائبا، ويجب إن كان شاهدا; لصحيحة ابن أبي
~~عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام: عن رجل وضع لعياله ألف
~~درهم نفقة فحال عليها الحول، قال: " إن كان مقيما زكاه، وإن كان غائبا لم
~~يزك " (1).
# وتقرب منها صحيحة صفوان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن الماضي عليه
~~السلام (2)، ورواية أبي بصير (3).
# وفصل ابن إدريس (4) بالتمكن وعدم التمكن; للعمومات (5).
# ويمكن تقييد تلك الروايات بذلك بجعل الغيبة كناية عن عدم التمكن، والشهود
~~كناية عن التمكن، وهو مشكل; للإطلاق وعمل أكثر الأصحاب على ظاهره.
# الثاني: لا زكاة على الوقف والمفقود، ناطقا كان أو صامتا.
# أما الوقف; فلأنه حبس العين وتسبيل المنفعة، وهو ينافي تعلق الزكاة
~~بالعين وإخراجها منها، ولمشاركة سائر البطون والطبقات، ولو نتج فيجب فيه
~~إذا كان لمعين.
# وأما المفقود; فيعتبر فيه عدم صدق التمكن من التصرف فيه عرفا، فلا عبرة
~~بفقد غنم من القطيع لحظة أو يوما في انخرام الحول مثلا.
# ولو عاد المفقود زكاه سنة استحبابا على المعروف من مذهب الأصحاب (6)،
~~والأظهر أنه لا فرق بين كون مدة الفقدان ثلاث سنين فصاعدا، أو أقل منها.
# PageV04P048
# ومستند المسألة بعد ظاهر الاجماع: موثقة زرارة المتقدمة (1)، وحسنة سدير
~~البصري (2)، وحسنة رفاعة (3).
# وتدل على نفي الوجوب: صحيحة إبراهيم بن أبي محمود (4)، والوجوب هو
~~المنقول عن بعض العامة (5).
# الثالث: لا زكاة على الدين إن كان التأخير من جهة المدين بلا خلاف;
~~للأصل، والأخبار المعتبرة (6)، وقد ms0958 تقدم بعضها.
# وإن كان من قبل الدائن فكذلك على الأقوى; لعين ما ذكر. وأوجبه الشيخان
~~(7); لروايتين ضعيفتين مفصلتين (8) لا تقاومان الأصل، فضلا عن الأخبار
~~الكثيرة المعتبرة، والوجه حملهما على الاستحباب كما فعله في المختلف (9)،
~~أو التقية; لأنه مذهب
# PageV04P049
# جمهور أهل الخلاف (1).
# وكيف كان فالمتبادر من الدين في الأخبار النقدان، لا الأنعام، فلا
~~تشملها، وما يتوهم في وجه اخراجها من الحكم من أن السوم شرط فيها وهو لا
~~يتصور فيما في الذمة (2) فهو ضعيف، وإلا فلا يتصف النقدان أيضا بكونهما
~~منقوشين في الذمة، وكما جاز ثبوت الشئ في الذمة فيجوز ثبوت نوع منه أيضا.
# وكيف كان فالمعتبر هو السوم عرفا حين تشخص الدين في ضمن العين، لا السوم
~~طول الحول.
# ثم إنك قد عرفت سابقا حكم القرض، وأنه إذا حال عليه الحول عند المقترض
~~فيجب عليه; لأنه ملكه حينئذ، ودلت عليه الأخبار.
# ولو تبرع المقرض بالإخراج عنه، فمقتضى صحيحة منصور بن حازم عن الصادق
~~عليه السلام: في رجل استقرض مالا فحال عليه الحول وهو عنده، فقال: " إن كان
~~الذي أقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه، وإن كان لا يؤدي أدى المستقرض " (3)
~~الاجزاء.
# وقيده الشهيد - رحمه الله - بإذن المقترض (4).
# وعممه في المدارك; للإطلاق (5)، وعلله في المنتهى بأنه بمنزلة أداء الدين
~~(6)، والتعليل مقدوح بأن أداء الدين توصلي، وهذا توقيفي، والنية معتبرة
~~فيه، فينبغي تقييد الخبر بهذه القاعدة، فيكون بعد الإذن في حكم النائب.
# ولولا الرواية لأشكل مع الإذن أيضا; لأنه يؤديه عن ماله لا عن مال
~~المقترض نيابة عنه، ومقتضى ذلك العمل على إطلاق الرواية وتخصيص القاعدة
~~بها.
# PageV04P050
# وهل يصح الاشتراط على المقرض ويلزم؟ المشهور لا; لما مر من الأخبار
~~الدالة على أنها على المقترض (1)، ولأن اشتراط عبادة متعلقة بمكلف خاص على
~~غيره غير مشروع.
# وقال الشيخ: يصح ويلزم (2).
# وربما يستدل له بإطلاق الصحيحة المتقدمة، وهو ممنوع.
# ووجهه في المسالك إذا كان الشرط بمعنى أن يتحمل عن المديون ويخرجها من
~~ماله عنه مع كون الوجوب متعلقا بالمديون، بأنه لو تبرع به لجاز; لصحيحة ms0959
~~منصور، فإذا جاز التبرع فيجوز اشتراطه، لا بمعنى أن يثبت على المشروط عليه
~~ابتداءا بحيث لا يتعلق بالمديون وجوب النية، ويكون المقرض مؤديا لها عن
~~نفسه بسبب الشرط; لأن شرط إيجاب العبادة على غير من يخاطب بها غير مشروع
~~(3).
# ثم في صورة صحة الشرط ولزومه إن أدى المقرض فتسقط عن المقترض، وإلا فتجب
~~عليه، كما لو نذر انسان أن يؤدي دين انسان ولم يؤده.
# ثم إن هذا العمل من قبيل صلاة الاستئجار في النية، فينويها عن المقترض;
~~للنيابة عنه، وعن نفسه; لوجوبه عليه بالشرط.
# الرابع: تجب الزكاة على الكافر، ولا يصح منه أداؤها.
# أما الأول: فللعمومات، كقوله تعالى: * (يا أيها الناس اعبدوا) * (4) و *
~~(أن اعبدوني) * (5) و * (خذ من أموالهم صدقة) * (6) و " في خمس من الإبل
~~شاة " (7) وأمثالها،
# PageV04P051
# وخصوص قوله تعالى: * (ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) * (1) ونحوه.
# وشبهة النافي ضعيفة، وقد بيناه في موضعه.
# وأما الثاني: فلعدم تحقق النية فيه، أما في غير الموحد فواضح، وأما في
~~الملي كالكتابي فلاشتراط إطاعة الرسول الثابت، لا المنسوخة إطاعته لو فرض
~~توافق الدينين فيها.
# وتدل عليه: الأخبار الدالة على بطلان عبادات المخالفين المعللة بعدم
~~ولاية ولي الله (2)، لأجل التعليل، أو من باب الأولوية.
# ولأن من شأن العبادة الصحيحة أن يثاب عليها، ولا ثواب إلا في الجنة
~~بالإجماع المنقول مستفيضا، وهو لا يدخل الجنة اتفاقا.
# والمشهور أن الكافر لا يضمن الزكاة بعد إسلامه، وإن وجبت عليه في حال
~~كفره.
# وصرح جماعة من المتأخرين بسقوطها عنه حينئذ، وإن كان النصاب موجودا (3).
# واستشكله جماعة من المتأخرين (4); لأجل استصحاب الوجوب عليه; ولفحوى
~~الأخبار الدالة على عدم سقوطها عن المخالف (5).
# ويدفعه: عموم قوله عليه السلام: " الاسلام يجب ما قبله " (6).
# ولا وجه للقدح في السند والدلالة، إذ هو متلقى بالقبول مستفيض، بل ادعي
~~تواتره.
# وكلمة " ما " للعموم، والجب بمعنى القطع والاستئصال، فمعناه: أنه يقطع كل
~~ما كان قبل الاسلام من أسباب العقاب والتحميلات الحاصلة من التكاليف،
~~ومقتضاه
# PageV04P052
# عدم وجوب الإتيان بزكاة نصاب الغلة إذا بدا صلاحها في ملكه حال ms0960 الكفر.
# ويجب استئناف الحول إذا أسلم في أثناء الحول فيما يشترط فيه، ولذلك نقول
~~بسقوط قضاء الصوم والصلاة عنه، وإن قلنا بأن القضاء تابع للأداء.
# ويظهر من المحقق في الشرائع (1) والشهيد الثاني في شرحه (2) أن الكافر
~~إذا تلف النصاب في حال كفره فلا يضمن، يعني لا يجوز للإمام والساعي أخذه
~~قهرا حينئذ، وإن جاز الأخذ قهرا مع وجوده.
# واستشكله في المدارك; لعدم الدليل على اشتراط بقاء النصاب في جواز الأخذ
~~(3).
# أقول: ولعل وجهه أن الزكاة متعلقة بالعين على الأصح، فيجوز أخذها مع
~~الوجود، ولذلك يتبع الساعي العين إذا باعها المالك لغيره، ويرجع المشتري
~~على البائع. وإذا تلفت فحينئذ تنتقل إلى الذمة، ولا مؤاخذة على أهل الذمة
~~في معاملاتهم ومدايناتهم.
# وأما الحربي; فبعد التسلط عليه فأمواله غنيمة، ولا يحضرني أنهم حكموا
~~بمحاسبة زكاته التالفة والرد إلى الفقراء حينئذ.
# والحاصل أن الزكاة الموجودة بعينها كأنها خارجة عن معاملاته بالدليل،
~~وغيرها باق تحت الأصل، ولذلك لا يأمره الإمام بالعبادات قبل الإيمان وإن
~~كان مكلفا بها، بل إنما يأمره بالإيمان أو الإتيان بشرائط الذمة.
# وأما المسلم; فيضمن مع التمكن من الإخراج والإهمال والتفريط في حفظه على
~~المعروف المدعى عليه الاجماع (4) المدلول عليه بالأخبار (5).
# PageV04P053
# والتلف مع عزل الزكاة أو تلف الجميع واضح، وأما مع تلف بعض النصاب فيقسم
~~على حصة المالك وحصة الفقراء.
# وقيل: التالف من المالك (1).
# ولا وجه له، إلا أن يكون نظره إلى أن معنى تعلق الزكاة بالعين ليس على حد
~~سائر الأموال المشتركة، بل مجرد أنه يجب في هذا المجموع وإن بقي منه
~~بمقداره.
# ويؤيده ما ذكروه في فروع التعلق بالغير: أنه إذا أمهر امرأته نصابا فحال
~~عليه الحول وطلقها قبل الدخول فيرجع إلى النصف كملا والزكاة عليها، ولها أن
~~تخرجها من العين، وترد عليه نصف الباقي، وتغرم له نصف ما أدته.
# ولو لم يمكن للساعي استيفاء الزكاة من النصف الباقي عند المرأة لإتلافها
~~إياه وإعسارها فيرجع إلى ما في يد الزوج، وهو يرجع إلى الزوجة في الغرامة.
# والضامن في مال المجنون ms0961 والطفل على القول بوجوب الزكاة فيه إذا تلف مع
~~التمكن والإهمال أو التفريط هو الولي دونهما، ووجهه ظاهر.
# PageV04P054
# المقصد الثاني فيما تجب فيه الزكاة وفيه مباحث:
# الأول: تجب الزكاة في النقدين، والغلات الأربعة: الحنطة، والشعير،
~~والتمر، والزبيب، والأنعام الثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم; بإجماع العلماء
~~والأخبار المستفيضة جدا (").
# ويستحب في غيرها من الحبوب، وفي إناث الخيل من الحيوانات، وفي مال
~~التجارة.
# وليس زكاة في الخضر والبطيخ والخيار والباذنجان وغيرها من البقول.
# أما الاستحباب في سائر الحبوب فهو المنسوب إلى جميع الأصحاب (2)، عدا ابن
~~الجنيد، فإنه أوجب في كل ما دخل القفيز من الحبوب (3)، وهو ضعيف.
# لنا: الأصل، والأخبار المعتبرة الدالة على الانحصار في التسعة المتقدمة
~~(4)، وهي كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.
# PageV04P055
# ونقل في الكافي عن يونس بن عبد الرحمن أنه قال: بأن الوجوب على التسعة
~~إنما كان في أول الاسلام، ثم أوجب رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك في
~~سائر الحبوب، وظاهر الكليني أيضا هو ذلك (1).
# وتدفعه ظواهر الأخبار الكثيرة الناطقة بأنه صلى الله عليه وآله سن الزكاة
~~في تسعة أشياء وعفا عن غيرها، فإن قول الإمام للراوي في مقام الحاجة: " إن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله عفا عن ذلك " (2) ليس معناه إلا أنه لا يجب
~~عليكم الآن.
# مع أن الصدوق روى في معاني الأخبار بإسناده، عن أبي سعيد القماط، عمن
~~ذكره، عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن الزكاة، فقال: " وضع رسول الله
~~صلى الله عليه وآله الزكاة على تسعة وعفا عما سوى ذلك: الحنطة، والشعير،
~~والتمر، والزبيب، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم، والإبل ".
# فقال السائل: والذرة، فغضب عليه السلام ثم قال: " كان والله على عهد رسول
~~الله السماسم والذرة والدخن وجميع ذلك ".
# فقال: إنهم يقولون: إنه لم يكن ذلك على عهد رسول الله، وإنما وضع على
~~تسعة لما لم يكن بحضرته غير ذلك.
# فغضب وقال: " كذبوا، فهل يكون العفو إلا عن شئ قد كان، ولا والله ما أعرف
~~شيئا عليه الزكاة غير هذا، فمن شاء فليؤمن، ومن ms0962 شاء فليكفر " (3).
# ويقرب من ذلك قوية محمد الطيار التي رواها عنه ابن بكير (4).
# ويدل على مذهب ابن الجنيد: حسنة محمد بن مسلم، (5) وحسنة زرارة (6)
~~ورواية
# PageV04P056
# أبي مريم (1) وغيرها (2).
# وحملها الأصحاب على الاستحباب (3)، ولولا اتفاقهم على الرجحان لحملناها
~~على التقية; لكونها موافقة للعامة، وظهورها في الوجوب دون الاستحباب، وتشعر
~~بذلك رواية الصدوق المتقدمة، وصحيحة علي بن مهزيار الطويلة (4)، إلا أنه لا
~~مخرج عما عليه الأصحاب.
# وأما إناث الخيل فاستحبابها فيها أيضا هو المعروف من مذهب الأصحاب،
~~المدلول عليه بالأخبار (5)، المدعى عليه الاجماع (6).
# وأما مال التجارة فالأكثر على الاستحباب (7)، وقيل بالوجوب (8)، وهو ظاهر
~~الصدوق في الفقيه (9)، وهو الموافق لظاهر كثير من الأخبار المعتبرة (10).
# ولكن تدفعها الأخبار المستفيضة المتقدمة الحاصرة للزكاة في الأجناس
~~التسعة (11)،
# PageV04P057
# وخصوص صحيحة زرارة في حكاية تخاصم أبي ذر وعثمان إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، وتصديقه لأبي ذر على عدم الوجوب (1)، وموثقة إسحاق بن عمار (2)،
~~وصحيحة سليمان بن خالد (3) وغيرها (4).
# الثاني: يشترط في المذكورات النصاب، وهي في الإبل اثنا عشر نصابا: خمسة
~~منها خمس، في كل خمس شاة.
# وإذا تجاوز عن الخمس والعشرين بواحدة فهو النصاب السادس، وفيها بنت مخاض.
# وفي الست والثلاثين ابنة لبون.
# وفي الست والأربعين حقة.
# وفي الإحدى والستين جذعة.
# وفي الست والسبعين فبنتا لبون.
# وفي إحدى وتسعين حقتان.
# فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
# ولم ينقلوا في ذلك خلافا بين علماء الاسلام، إلا في النصاب السادس،
~~فأسقطه ابن أبي عقيل وابن الجنيد (5)، وفاقا للعامة; فأوجبوا في خمس وعشرين
~~بنت مخاض (6).
# PageV04P058
# لنا: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1)، وصحيحة أبي بصير (2) وغيرهما (3).
# واحتجوا بحسنة الفضلاء الخمسة عنهما عليهما السلام، قالا: " في صدقة
~~الإبل: في كل خمس شاة، إلى أن تبلغ خمسا وعشرين، فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة
~~مخاض، وليس فيها شئ حتى تبلغ خمسا وثلاثين، فإذا بلغت خمسا وثلاثين ففيها
~~ابنة لبون " (4) الحديث.
# وأجيب عنها بوجهين:
# أحدهما: تقدير " فإذا زادت على خمس وعشرين واحدة فبنت مخاض " (5).
# والثاني: حملها ms0963 على التقية.
# والأول أوجه بالنظر إلى ملاحظة ما بعدها من القرائن إلى آخر الحديث;
~~لاتفاقهم على أنه لا تجب بنت اللبون إلا في الست والثلاثين، وكذلك الحقة
~~إلا في الست والأربعين، وهكذا.
# والثاني بعيد بالنظر إلى سائر القرائن أيضا، فكأنه عليه السلام أراد
~~تحديد ما يبقى بعد اخراج الفريضة، لا أن المذكورات هي النصاب.
# سلمنا، لكنها لا تقاوم أدلة المشهور.
# ثم إنهم اختلفوا في أن الخمسين والأربعين في آخر نصب الإبل هل هما بعنوان
~~التخيير فيجوز اختيار الخمسين وإن أمكن تحقق الأربعين أو بالعكس، أم يتعين
~~اعتبار ما يحصل به الاستيعاب بقدر الإمكان ولو باعتبارهما جميعا. ففي
~~المائة وإحدى وعشرين تعتبر الأربعين لئلا تخلو الإحدى والعشرين من حق
~~الفقراء، وفي المائة
# PageV04P059
# والخمسين، الخمسون; لئلا تخلو الثلاثون من حقهم، وفي المائة والسبعين
~~يعتبران جميعا بإعطاء حقة وثلاث بنات لبون، ويتخير في المائتين والأربعمائة
~~بينهما؟.
# ظاهر الأكثر الثاني، وهو صريح الشيخ (1) وابن حمزة (2) والعلامة (3)
~~والشهيد الثاني - رحمه الله - في المسالك (4)، وكلامه في التذكرة يشعر
~~باتفاقنا (5)، وفي المنتهى نسبه إلى علمائنا (6).
# وفي المدارك عن جده في فوائد القواعد اختيار الأول منسوبا إلى ظاهر
~~الأصحاب، وهو ظاهر اختياره أيضا (7); لإطلاق قوله عليه السلام في صحيحة
~~زرارة: " فإن زادت على العشرين والمائة واحدة ففي كل خمسين حقة، وفي كل
~~أربعين بنت لبون " (8)، وصريح اعتبار التقدير بالخمسين فقط في صحيحة عبد
~~الرحمن وأبي بصير، ولو كان التعيين بالأربعين لازما في المائة وإحدى وعشرين
~~لما جاز ذلك.
# أقول: ملاحظة الاستيعاب - كما هو ظاهر الأكثر - أظهر; لأن ظاهر صحيحة
~~زرارة ذلك (9)، فإن ذلك هو مقتضى كلمة الواو الدالة على الجمع (10)، إلا
~~أنه محدود بقدر الإمكان، وفي معناها روايته الأخرى (11)، وحسنة الفضلاء
~~المتقدمة (12).
# ويؤيده حكم نصاب البقر الوارد في تلك الحسنة، فتعتبر الثلاثون والأربعون
~~فيها
# PageV04P060
# حسب ما أمكن، فيحمل إطلاق الخمسين في سائر الروايات على ما لو كانت
~~الخمسون أكثر استيعابا. هذا كله مضافا إلى الشهرة وظاهر نقل الاجماع (1).
# وفي البقر نصابان:
# ثلاثون; وفيها تبيع حولي، أو تبيعة حولية، ms0964 والظاهر أن التخيير بين الذكر
~~والأنثى إجماعي، وإلا ففي الحسنة: " تبيع حولي ".
# وأربعون; وفيها مسنة.
# وهو كذلك أبدا، ففي ستين تبيعان، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاث
~~حوليات، وفي عشرين ومائة ثلاث مسنات، وهكذا.
# فالنصاب هو أحد الأمرين من الثلاثين والأربعين.
# ويدل على هذا الحكم بعد الاجماع حسنة الفضلاء المتقدمة.
# وفي الغنم خمسة نصب:
# أربعون، وفيها شاة.
# ثم مائة وإحدى وعشرون، وفيها شاتان.
# وثم مائتان وواحدة، وفيها ثلاث شياه بالإجماع، والحسنة المتقدمة وغيرها
~~(2).
# وفي ثلاثمائة وواحدة أربع.
# حتى يبلغ أربعمائة، ففي كل مائة شاة على الأشهر الأظهر، وذهب جماعة إلى
~~أنه إذا بلغ ثلاثمائة وواحدة فيؤخذ من كل مائة شاة (3).
# لنا: الحسنة المتقدمة، والإجماع المنقول في الخلاف (4)، وظاهر ابن زهرة
~~أيضا دعوى الاجماع عليه (5).
# PageV04P061
# ولهم: صحيحة محمد بن قيس (1).
# ووضوح سند الأولى، وصراحة دلالتها، وموافقتها للمشهور، ومخالفتها للعامة;
~~وموافقة الثانية للفقهاء الأربعة كما نقله العلامة (2)، وعدم صراحة
~~دلالتها، لاحتمال إهمال حكم الثلاثمائة وواحدة فيها، والإشكال في سندها وإن
~~كان الأظهر العدم; لأن الظاهر أن محمد بن قيس هو البجلي بقرينة رواية عاصم
~~بن حميد عنه (3); يرجح ما اخترناه.
# وههنا سؤال وجواب مشهوران:
# أما السؤال: فهو أنه إذا وجب في الأربعمائة ما يجب في الثلاثمائة وواحدة
~~فما الفائدة في الزائد؟!
# والجواب: أن الفائدة تظهر في الوجوب والضمان، بمعنى أن الوجوب في
~~الأربعمائة مثلا يتعلق بمجموعها، وإذا نقص منها واحدة فيتعلق بالثلاثمائة
~~وواحدة ; لأن ما بينهما عفو.
# ويتفرع على ذلك: ثمرة الضمان في التالف، فإذا حال الحول على الأربعمائة
~~وتلف منها واحدة من دون تقصير، فيسترد من الفقير جزء من مائة جزء من واحدة،
~~وأما إذا حال على الثلاثمائة وتسعة وتسعين متنازلا إلى مجرد الثلاثمائة
~~وواحدة، فلا يسترد منه شئ.
# نعم، إذا كان النصاب نفس الثلاثمائة وواحدة وتلفت منها واحدة كذلك،
~~فيسترد منه جزء من خمسة وسبعين جزء وربع جزء منها (4).
# PageV04P062
# وربما احتمل اسقاط ربع الجزء باحتمال أن تكون الواحدة الزائدة على
~~الثلاثمائة شرطا للوجوب، لا جزءا للنصاب، وهو ضعيف، بل لا ms0965 وجه له.
# ويرد على هذا الجواب أمران:
# الأول: منع الاسترداد من الفقير إذا نقص من نفس الأربعمائة شئ ما دامت
~~الثلاثمائة وواحدة باقية; لأنه يصدق على المالك حينئذ أنه مالك للثلاثمائة
~~وواحدة وحال عليه الحول ولم ينقص منها شئ.
# والثاني: منع عدم الاسترداد من الفقير من العفو إذا نقص أصل الشاة من
~~أربعمائة، فإن ثمرة العفو عدم تعلق الزكاة به بخصوصه، ومقتضى الإشاعة
~~اشتراك النقص بينه وبين أصل النصاب، ولا منافاة بينهما، فتأمل فيهما.
# تنبيهان:
# الأول: لا يضم مال انسان إلى غيره; افترقا أو اجتمعا، اشتركا في العين أو
~~لم يشتركا، فيعتبر في كل منهما النصاب، وهو مقتضى الأصل والعمومات، ولا
~~خلاف فيه بين أصحابنا.
# وربما نزل على ذلك قول الصادق عليه السلام في صحيحة محمد بن قيس: " ولا
~~يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق " (1) وحملها على التقية أظهر.
# ولا يفرق بين مالي الواحد، وإن تباعدا، بلا خلاف عندنا; للإطلاقات
~~والعمومات.
# الثاني: لا تجب الفريضة إلا في كل نصاب من النصب، ولا يجب فيما بينهما
~~شئ، وهو مقتضى الإطلاقات والعمومات في التقديرات، وخصوص قوله عليه السلام:
~~"
# PageV04P063
# وليس على النيف شئ، ولا على الكسور شئ " (1).
# واصطلحوا تسمية ما بين النصابين في الإبل " شنقا " بفتح الشين والنون،
~~والبقر " وقصا " بفتح الواو والقاف، والغنم " عفوا ".
# الثالث: إنما تجب الزكاة في السائمة من الأنعام الغير العاملة.
# أما السوم فالمخالف فيه بعض العامة (2)، ويدل عليه مضافا إلى الاجماع
~~روايات، منها حسنة الفضلاء المتقدمة، ففيها: " إنما الصدقة على السائمة
~~الراعية " (3) قيل:
# والراعية وصف كاشف (4).
# أقول: ولعلها كناية عن كونها مرسلة، فيكون احترازا عن العوامل السائمة.
# ويعتبر استمراره في تمام الحول.
# ويكفي الصدق العرفي على الأصح، ولا يضر به العلف اليسير كما قيل (5).
# وقيل بكفاية الأغلبية (6)، وهو أيضا ضعيف.
# ويتحقق العلف بإطعامها مملوكا، سواء كان مثل التبن والشعير، أو بالإرسال
~~في المراعي المملوكة المستنبتة، كالقت والزرع والعلف النابت في البستان
~~وغيره.
# والظاهر أن الرعي في حريم القرية من الجبال والبراري ليس من ذلك، وإن كان
~~يرعاها ms0966 غير مالكها ولو على سبيل الاستئذان من مالكها، ولو بهبة مصانعة
~~وهدية قليلة، وكذلك ما يصانع الظالم عليه من المرعى المباح.
# والظاهر أن اعتلاف البهيمة بنفسها كاف، إذا خرجت به عن صدق السوم. وكذا
~~لو
# PageV04P064
# علفها غير المالك كذلك من ماله أو غيره.
# فلو اشترى علف قطعة من الأرض أو بستان للرعي فيصدق العلف، بخلاف ما لو
~~استأجر أرضا للرعي، بل لو اشترى أرضا لذلك أيضا، بل ولو فرض اشتراء علف
~~مرعى وسيع مثل قرية وسيعة وجبال وسيعة لذلك، فلا ينتفي صدق السوم.
# والإشكال فيما لو علفها غير المالك من نفسه - من جهة أن العلة في اشتراط
~~السوم قلة المؤونة على رب المال وهي مفقودة هنا - ضعيف; لعدم القطع بها،
~~والنص مطلق.
# والحاصل: أن المعيار في السوم والعلف العرف، فما علم أو ظن فيه تحقق
~~الوصف فيتبع حكمه، وما يشك فيه فالأصل براءة الذمة; للشك في حصول الشرط.
# ثم إن مقتضى ما ذكر أنه لا تجب الزكاة في السخال إلا بعد استغنائها عن
~~الأمهات بالرعي، إلا أن الشيخ (1) وجماعة من الأصحاب (2) جعلوا مبدأ حولها
~~من حين النتاج; لحسنة زرارة عن الباقر عليه السلام: " ليس في صغار الإبل شئ
~~حتى يحول عليها الحول من حين تنتج " (3).
# وعن الشهيد في البيان: اعتبار الحول من حين النتاج إذا كان اللبن من
~~سائمة (4)، وقربه المحقق الأردبيلي (5) وصاحب المدارك (6) رحمهما الله.
# وقال في المسالك: إنه غير واضح (7).
# أقول: والتحقيق أن الظاهر من ملاحظة اشتراط حؤول الحول على ما يعتبر فيه
~~إنما هو بعد جمعه لسائر الشرائط.
# PageV04P065
# ويقتضي ذلك كونها سائمة في تمام الحول، كالملك والتمكن من التصرف
~~وغيرهما، فصدق السوم حين الأداء لا يكفي.
# فحينئذ إن قلنا بتحقق السوم في السخال في أيام الرضاع بمجرد كون أمها
~~سائمة فيقوى قول البيان، وإلا فالمتبع هو الرواية، وهي بمنزلة المخصص لما
~~دل على اعتبار السوم.
# والأظهر العدم، سيما والمتبادر من السوم والعلف إنما هو فيما من شأنه
~~ذلك، فتكون السخال حين الرضاع في حكم المشكوك فيه في ms0967 حكم السوم والعلف،
~~والنص إنما هو المثبت للحكم فيها.
# وبالجملة فسواء قلنا بكون السوم شرطا أو العلف مانعا فلا يثبت حكم السخال
~~في أيام الرضاع منهما، والأصل يقتضي عدم الوجوب، إلا أن الحسنة متبعة;
~~لاعتبار سندها (1).
# ومع ملاحظة هذه الإشكالات لا يمكن التمسك بالعمومات أيضا، مثل قولهم
~~عليهم السلام: " في خمس من الإبل شاة " (2) و " في أربعين شاة شاة " (3);
~~لثبوت الاجمال في المخصص بالنسبة إليها، فيشكل الاعتماد على العام بالنسبة
~~إلى ما احتمل دخوله في الخاص، مع أن المتبادر من تلك الأخبار غير السخال
~~كما لا يخفى.
# فلم يبق في المقام إلا الاتكال على الحسنة، إلا أن يقال: المتبادر من
~~الحسنة كون الأمهات سائمة وغيرها مشكوك فيه، وهذا ليس ببعيد.
# فعلى هذا يبقى المعتمد هو الأصل فيما لو كان الرضاع من المعلوفة ثم صارت
~~سائمة بعد الاستغناء; لعدم الانصراف من الحديث.
# PageV04P066
# وأما اشتراط عدم كونها عوامل فهو أيضا إجماعي، والمخالف فيه بعض العامة
~~(1)، وتدل عليه أخبار كثيرة (2). ورواية إسحاق بن عمار (3) محمولة على
~~الاستحباب.
# والمراد بالعمل أعم من الحرث والحمل والركوب وغيرها.
# الرابع: يشترط في الأنعام الحول، وكذا في النقدين ومال التجارة والخيل
~~بالإجماع، بل إجماع العلماء كما في المنتهى (4)، والأخبار المعتبرة، مثل
~~حسنة الفضلاء المتقدمة (5)، وصحيحتهم (6)، وصحيحة الحلبي (7) وغيرها (8).
# ويتحقق حوله شرعا بإهلال الثاني عشر بإجماعنا، كما يظهر من المنتهى
~~والمعتبر والمسالك (9); ولحسنة زرارة عن الباقر عليه السلام، ففي جملتها: "
~~إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه الحول، ووجبت عليه فيها الزكاة "
~~(10).
# وظاهر الرواية استقرار الزكاة بدخول الشهر الثاني عشر، لا محض تعلق
~~الوجوب المتزلزل، وهو الظاهر من الفتاوى والإجماع المنقول.
# PageV04P067
# وقول الشهيد الثاني في المسالك: بأن استقراره إنما يحصل بتمام الثاني عشر
~~مع دعواه الاجماع في أول كلامه، وقوله: بأن مقتضى الاجماع والخبر السالف هو
~~الاستقرار بدخول الثاني عشر في آخر كلامه (1)، تهافت عجيب.
# والظاهر أن الثاني عشر محسوب من الحول الأول، بمعنى أنه لا يدخل في حول
~~الثاني، فيحسب مبدأ الحول الثاني من أول الشهر الثالث ms0968 عشر.
# فما ذكره فخر المحققين: من احتسابه من الحول الثاني نظرا إلى أن الفاء
~~تفيد التعقيب بلا فصل، و " حال " فعل ماض لا يصدق إلا بتمامه (2)، ضعيف;
~~وذلك لأن الحول هو اثنا عشر شهرا جزما، لكن حؤوله يحصل بالدخول في الشهر
~~الآخر منه، لا في الشهر الأول من الحول الآتي، وذلك لا يقتضي كون الثاني
~~عشر من الحول الآتي.
# وتؤيده رواية خالد بن الحجاج الكرخي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام
~~عن الزكاة، فقال: " انظر شهرا من السنة فانو أن تودي زكاتك فيه، فإذا دخل
~~ذلك الشهر فانظر ما نض - يعني ما حصل في يدك - من مالك فزكه، فإذا حال
~~الحول من الشهر الذي زكيت فيه فاستقبل مثل ما صنعت، ليس عليك أكثر منه "
~~(3). والظاهر أن الحديث في مال التجارة.
# ولا بد من بقاء النصاب مستمرا طول الحول، فلو خرج عن ملكه بالبيع مثلا ثم
~~رجع ولو لحظة فيستأنف الحول بعد الرجوع، وكذا لو نقص ثم أتمه ولو في لحظة.
# وهذا ليس مثل السوم، فإن علف لحظة في أثناء الحول لا يخرج البهيمة عن
~~السوم عرفا كما مر، بخلاف البيع والتلف والإتمام.
# وكذلك لو عاوضها في أثناء الحول ولو بمثلها، ولو للفرار من الزكاة على
~~أشهر الأقوال وأصحها.
# PageV04P068
# وقال في المبسوط: إن بادل بجنسه بنى على حوله، وإن كان بغير جنسه استأنف
~~الحول (1).
# وقال المرتضى - رضي الله عنه - في الانتصار (2) وجماعة (3): إن كان ذلك
~~للفرار عن الزكاة فتجب مطلقا، وإلا فلا.
# لنا: عمومات الأخبار السالفة القائلة: " كل ما لم يحل عليه الحول عند ربه
~~فلا شئ عليه " (4).
# والعمومات الدالة على عدم الزكاة في النقر والسبائك كما سيأتي (5).
# وخصوص الأخبار، مثل صحيحة علي بن يقطين، ففيها قال: " إذا أردت ذلك -
~~يعني عدم الزكاة - فاسبكه، فإنه ليس في سبائك الذهب ونقار الفضة شئ من
~~الزكاة " (6).
# وحسنة عمر بن يزيد قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل فر بماله من
~~الزكاة، فاشترى به أرضا أو دارا، أعليه فيه شئ عليه فيه، ms0969 وما منع نفسه من
~~فضله أكثر مما منع من حق الله تعالى الذي يكون فيه " (7) وهو صريح.
# وكذلك حسنة زرارة أيضا صريحة في ذلك (8)، وكذلك حسنة هارون بن خارجة (9).
# PageV04P069
# واحتج السيد بإجماع الطائفة (1)، ورد الأخبار المتقدمة بمعارضتها بما هو
~~أظهر منها وأقوى وأوضح طرقا، ولعله أراد بها رواية معاوية بن عمار (2)،
~~ورواية محمد بن مسلم (3) المفصلتين بوجوب الزكاة إذا كان التبديل من جهة
~~الفرار.
# وفيه: أن الروايتين لا تقاومان الروايات المتقدمة كثرة وسندا واعتضادا.
# نعم، يظهر من الانتصار أن جواز الترك عند الفرار هو مذهب العامة، وهو
~~مضعف لتلك الأخبار، لكنها موافقة للشهرة والأصل.
# وأما الاجماع الذي ادعاه السيد - فمع أنه مندفع بما ادعاه هو من الاجماع
~~على خلافه في المسائل المصرية الثالثة كما نقله في المختلف (4) - لا يعتمد
~~عليه مع ثبوت الشهرة على خلافه، ووجود الأخبار الكثيرة.
# فالأولى حمل ما دل على الوجوب على الاستحباب أو على فعل ذلك بعد حؤول
~~الحول. وتؤيده حسنة زرارة المذكورة في الكافي في باب المال الذي لا يحول
~~عليه الحول في يد صاحبه (5).
# وعن الشيخ في الاحتجاج على مطلبه من عدم السقوط لو بادل بجنسه: بأنه لو
~~بادل أربعين سائمة بأربعين في أثناء الحول يصدق عليه أنه ملك أربعين في
~~الحول (6)، ولا يخفى ضعفه.
# تنبيهان:
# الأول: إذا انتقلت إليه البهيمة مع السخال، فيعدان معا في النصاب، وإن
~~تولدت
# PageV04P070
# عنده، فيعد كل منهما على حدة، ويحسب حوله; لعموم قوله عليه السلام: " كل
~~ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه " (1).
# فلو ولدت ثلاثون من البقر ثلاثين فهما نصابان يحسب حول كل منهما منفردا.
# وكذلك لو ولدت أربعون غنما فصاعدا مائة وإحدى وعشرين. وأما لو ولدت
~~أربعون منها أربعين فالأظهر عدم الوجوب في السخال وإن حال عليها الحول،
~~وكذا لو اشترى أربعين بعد ملك الأربعين; لأنه عفو، كما لو ملك دفعة ثمانين.
# وعموم قوله: " في أربعين شاة شاة " ظاهر في النصاب المبتدئ.
# قال في المدارك: وإن كانت متممة للنصاب الثاني بعد اخراج ما ms0970 وجب في
~~الأول، كما لو ولدت ثلاثون من البقر أحد عشر، أو ثمانون من الغنم اثنين
~~وأربعين، ففي سقوط اعتبار الحول الأول وصيرورة الجميع نصابا واحدا، أو وجوب
~~زكاة كل منهما عند انتهاء حوله فيخرج عند انتهاء حول الأول تبيع أو شاة،
~~وعند مضي سنة من تلك الزيادة شاتان أو مسنة، أو عدم ابتداء حول الزائد حتى
~~ينتهي حول الأول ثم استئناف حول واحد للجميع أوجه، أوجهها الأخير، لوجوب
~~اخراج زكاة الأول عند تمام حوله; لوجود المقتضي وانتفاء المانع، ومتى وجب
~~اخراج زكاته منفردا امتنع اعتباره منضما إلى غيره في ذلك الحول; للأصل،
~~وقوله عليه السلام: " لا ثنيا في صدقة " (2) وقول أبي جعفر عليه السلام: "
~~لا يزكي المال من وجهين في عام واحد " (3) انتهى (4).
# الثاني: الارتداد الفطري في أثناء الحول يسقط الزكاة ويوجب استئناف الحول
~~على الوارث، بخلاف الملي; لبقائه على ملكه وإن حجر عليه.
# ويشكل بعدم التمكن من التصرف، والكلام المتقدم من التمكن لقدرته على
# PageV04P071
# الاسلام آت هنا.
# الخامس: من وجبت عليه بنت مخاض ولم تكن عنده، أجزأه ابن لبون على المشهور
~~المدعى عليه الاجماع ظاهرا من التذكرة (1)، وتدل عليه روايات (2).
# وفي المسالك نقل إجزاءه عنها مطلقا عن بعض الأصحاب (3)، وهو ظاهر الإرشاد
~~والدروس (4).
# وإن فقدهما، فالمشهور التخيير في اشترائهما، وعن ظاهر المعتبر والتذكرة
~~أنه موضع وفاق (5).
# ويظهر من المسالك: وجود قول بتعين اشتراء بنت المخاض; لأنها الثابتة في
~~الذمة (6)، وظاهر رواية ربيعة بن سبيع الآتية (7) ذلك.
# واحتج المشهور: بأنه بشراء ابن اللبون يكون واجدا له دون بنت المخاض.
# ويشكل بأن هذا لا يدفع وجوب شرائها ولزوم المعصية بتركها، وإن لم يناف
~~حصول الامتثال بعد الشراء.
# وكيف كان فالأحوط شراء بنت مخاض، مع أن الروايات ظاهرة فيما كان عنده ابن
~~لبون، لا محض التمكن منه (8).
# ومن وجب عليه سن من أسنان الإبل ولم يكن عنده يتخير بين إعطاء الأعلى منه
# PageV04P072
# بدرجة وأخذ شاتين أو عشرين درهما، أو الأسفل كذلك وإعطاء أحد الأمرين
~~بإجماع علمائنا، كما ادعاه العلامة في التذكرة ms0971 (1) وغيره (2); لرواية ربيعة
~~بن سبيع.
# والاكتفاء بشاة وعشرة دراهم كما يظهر من التذكرة والدروس والمسالك (3)
~~خروج عن المنصوص، وإن كان لا يخلو عن وجه; لأنه لا تبعد استفادة مساواة
~~عشرة دراهم لشاة، فالنظر في الرواية إلى ملاحظة التخيير بين الشاة والدرهم،
~~لا اعتبار انضمام الشاة مع الشاة، والدرهم مع الدرهم.
# والظاهر أن الصورة الأولى معاملة مع الفقير أو المصدق ثم إعطاء ما ينتقل
~~إليه بنية الزكاة فينوي الزكاة، بالباقي بعد معاملة الفاضل منه على الفريضة
~~بأحد الأمرين مع الفقير.
# ووجه الشهيد إيقاع النية على المجموع واشتراط المالك على الفقير ما يجبر
~~به الزيادة، فتكون نية وشرطا، لا نية بشرط (4).
# وأما الصورة الثانية فلا إشكال فيها.
# ثم إنهم لم يفرقوا في دفع الأعلى أو الأدنى مع الجبران بين ما تفاوتت
~~القيمة السوقية للفريضة مع المدفوع على الوجه المذكور أم لا.
# ويشكل مع مساواة قيمة المأخوذ من الفقير مع نفس البدل المدفوع، واستوجه
~~في المدارك عدم الاجزاء حينئذ (5) وفاقا لظاهر التذكرة (6)، وليس ببعيد;
~~لعدم تبادر هذه الصورة من النص، وحينئذ يشكل تصوير النية على ما ذكرنا.
# وأما لو كان عنده أعلى منها بدرجتين أو أكثر أو أسفل منها كذلك، فالأظهر
~~عدم
# PageV04P073
# التعدي إلى تضاعف التقدير الشرعي; اقتصارا على مورد النص فيما خالف
~~الوظيفة الشرعية.
# وجوزه الشيخ في بعض أقواله (1)، واختاره العلامة (2); نظرا إلى أن
~~المساوي للمساوي مساو للشئ، فإن بنت المخاض وأحد الأمرين إذا كانت مساوية
~~لبنت اللبون ، وبنت اللبون وأحدهما مساوية للحقة، فتكون بنت المخاض مع أربع
~~شياه أو أربعين درهما مساوية للحقة.
# وفيه: منع المساواة من كل وجه.
# ويظهر مما ذكرنا عدم التعدي إلى ما فوق الجذع من الأسنان بطريق الأولى،
~~وكذا ما عدا أسنان الإبل من البقر والغنم; لعدم النص، فيرجع مع فقد
~~المذكورات عنده إلى اشترائها أو إلى القيمة لو لم توجد.
# وإن قلنا بكفاية القيمة في الأنعام أيضا كما هو الأظهر كما سيجئ فتجزي
~~القيمة مطلقا.
# ومما ذكر يظهر الحال في كفاية الأعلى من غير جبران وعدمها، ms0972 وإجزاء بنت
~~مخاض عن خمس شياه وعدمه، فإن القاعدة تقتضي العدم إلا بالقيمة، بل لا يجزي
~~بعير عن شاة في أربعين شاة إلا بالقيمة، وهكذا فقس.
# ولو كان النصاب كله دون الجذع، أو دون بنت المخاض مثلا، فيجب عليه تحصيل
~~الفريضة، ولا يكتفي بواحد منها، سواء كان أعلى من الفريضة أو أدون إلا
~~بالقيمة.
# وجوز العلامة (3) والشهيد (4) إعطاء واحد منها، وهو غير واضح المأخذ.
# السادس: قال الصدوق في الفقيه: أسنان الإبل: من أول ما تطرحه أمه إلى
~~تمام
# PageV04P074
# السنة " حوار ".
# فإذا دخل في الثانية سمي " ابن مخاض " لأن أمه قد حملت.
# فإذا دخل في الثالثة سمي " ابن لبون "; وذلك أن أمه قد وضعت وصار لها
~~لبن.
# فإذا دخل في الرابعة سمي الذكر " حقا " والأنثى " حقة "; لأنه قد استحق
~~أن يحمل عليه.
# فإذا دخل في الخامسة سمي " جذعا ".
# فإذا دخل في السادسة سمي " ثنيا "; لأنه ألقى ثنيته.
# فإذا دخل في السابعة ألقى رباعيته وسمي " رباعيا ".
# فإذا دخل في الثامنة ألقى السن التي بعد الرباعية وسمي " سديسا ".
# فإذا دخل في التاسعة فطر نابه وسمي " بازلا ".
# فإذا دخل في العاشرة فهو " مخلف " وليس بعدها اسم.
# والأسنان التي تؤخذ في الصدقة من ابنة مخاض إلى الجذعة (1)، انتهى، وبذلك
~~عرفت الفرائض في الإبل.
# وأما فريضة البقر:
# فالتبيع: هو ولد البقر في السنة الأولى في اللغة (2)، ولكن اعتبر فيه
~~تمام الحول; لحسنة الفضلاء.
# وظاهر الرواية تمام السنة; لأنه قال: " تبيع حولي " فيشكل الاكتفاء
~~بالحول الشرعي في النصاب; لدلالة الدليل هناك على كفاية الدخول في الثاني
~~عشر.
# PageV04P075
# والمسنة: هي الثنية التي كملت لها سنتان، ودخلت في الثالثة، وادعى عليه
~~في المنتهى الاجماع (1)، وكأنه اصطلاح شرعي.
# والمعتبر في الشاة التي تعطى في الزكاة سواء كان في الغنم أو الإبل هو
~~المسمى; لإطلاق الأخبار (2).
# وقال الشيخ (3) وجماعة (4): أقلها الجذع من الضأن، والثني من المعز;
~~لرواية سويد بن غفلة; قال: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وآله قال:
~~نهانا أن نأخذ المراضع، وأمرنا أن نأخذ الجذعة والثنية (5). وهو أحوط ms0973 إن
~~قلنا بتسمية ما دونهما شاة في العرف، وإلا فيتعين، ولا يبعد القول
~~بالتسمية; لأن الشاة اسم النوع.
# والاستدلال بالرواية مشكل من وجوه:
# الأول: ضعف السند.
# والثاني: عدم ظهور التفصيل، فإن الجذع والثني يطلقان على الضأن والمعز
~~كليهما.
# والثالث: الإشكال في معنى الجذع والثني، أما الجذع فيظهر من الصحاح أنه
~~ولد الشاة في السنة الثانية، والشاة جنس لهما (6)، وكذلك قال في القاموس
~~(7) ، وابن الأثير في النهاية (8)، وصاحب الكنز (9).
# ونقل في التذكرة عن ابن الأعرابي: أن ولد الضأن إنما يجذع ابن سبعة أشهر
~~إذا
# PageV04P076
# كان أبواه شابين، ولو كانا هرمين لم يجذع حتى يستكمل ثمانية أشهر (1).
# ونقل في الصحاح قولا بأن ولد النعجة يجذع في ستة أشهر أو تسعة أشهر (2).
# وأما أصحابنا ففسره جماعة: بما دخل في الثانية، وبعضهم بما تم له سبعة
~~أشهر، والأول هو المستفاد من صحيحة إسحاق بن عمار: السخل متى تجب فيه
~~الصدقة؟
# قال: " إذا أجذع " (3).
# وكذلك اختلف كلام الأصحاب في الثني من المعز، ففسره جماعة في صفات الهدي
~~بما دخل في الثانية (4).
# وفسره العلامة بما دخل في الثالثة (5); مطابقا لكلام أهل اللغة.
# قيل: ولعل مستند الأول العرف (6)، وهو أحوط.
# وهذا كله مؤيد للاكتفاء بمسمى الشاة، سيما مع مطابقة الأصل والإطلاقات.
# السابع: لا تؤخذ المريضة، ولا الهرمة، ولا ذات العوار; لقوله تعالى:
# * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * (7).
# وصحيحة محمد بن قيس، عن الصادق عليه السلام، قال: " ولا تؤخذ هرمة، ولا
~~ذات عوار، إلا أن يشاء المصدق " (8).
# وقوله عليه السلام: " إلا أن يشاء المصدق " بظاهره مخالف لاتفاقهم، ويمكن
~~حمله على أن يأخذها المصدق أي الساعي لنفسه ويعطي الفقير عوضه، أو أن
~~يأخذها بالقيمة.
# PageV04P077
# والظاهر أنه لا فرق بين انحصار الفريضة فيها وعدمه إذا كان الباقي صحيحا،
~~فيؤخذ غيرها حينئذ ولو بالقيمة.
# وأما لو كان الكل مريضا فلا يجب عليه شراء الصحيحة، بلا خلاف من الأصحاب،
~~بل من العلماء كما يظهر من المنتهى (1).
# ونقل عن بعض العامة القول بوجوب شراء الصحيحة (2); لقوله عليه السلام: "
~~لا تؤخذ في الصدقة هرمة ms0974 ولا ذات عوار " (3).
# وأجاب عنه بالحمل على ما إذا كان النصاب صحاحا; لأنه المتعارف أيضا، قال
~~: ولا بأس به، وإن كان المصير إلى هذا القول محتملا.
# أقول: الأصل وفتوى الأصحاب كافية لنا مع تبادر صحة غالب النصاب أيضا،
~~فالقول بعدم الوجوب متعين.
# وهنا فوائد:
# الأولى: إذا تعدد ما هو بصفة الفريضة فلا خيار للساعي; للأصل، والإطلاق.
# وقيل: بالقرعة مع التشاح، وهو ضعيف; لعدم الإشكال، وهي لكل أمر مشكل، ولا
~~نص بالخصوص أيضا.
# الثانية: إذا كان له أموال متفرقة، فله الإخراج من أيها شاء، تساوت
~~قيمتها أو اختلفت; للعموم.
# وقيل: بالتقسيط إن لم يتبرع المالك بالأجود (4)، وكذا لا يجوز الدفع من
~~غير غنم البلد.
# PageV04P078
# وقيل: لا يجزي الأدون إلا بالقيمة (1).
# الثالثة: المعز والضأن في الحكم واحد بلا خلاف، وكذلك العراب والبخاتي من
~~الإبل، وكذلك البقر والجاموس; لصدق الاسم، وخصوص صحيحة زرارة عن الباقر
~~عليه السلام، قال، قلت له: في الجاموس شئ؟ قال: " مثل ما في البقر " (2).
# ويختار المالك في اخراج أي الصنفين شاء، وذهب جماعة منهم العلامة في
~~المختلف إلى التقسيط مع اختلاف القيمة (3)، مثل أن يكون عنده خمس عشرة بقرة
~~ومثلها جاموسا، وكذا عشرون ضأنا ومثلها معزا، فإذا كان التبيع في البقر
~~يسوى عشرين درهما وفي الجاموس ثلاثين، فيأخذ تبيعا من الجاموس يسوى خمسا
~~وعشرين، أو مثله في البقر، وهكذا.
# الرابعة: لا تؤخذ الربى، وهي الوالد، قال في الشرائع: إلى خمسة عشر يوما،
~~وقيل: إلى خمسين (4)، ولم نقف على دليل التعيين.
# ولا الأكولة، وهي السمينة المعدة للأكل.
# ولا فحل الضراب; لموثقة سماعة، وفيها: " لا تؤخذ الأكولة، والأكولة
~~الكبيرة من الشاة تكون في الغنم، ولا والد، ولا الكبش الفحل " (5) وتؤيده
~~صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج على وجه (6).
# ولعل الوجه في منع أخذ الربى أن فيه إضرارا بولدها، وربما علل بالمرض;
~~لأنها نفساء، ولذا لا تتخذ النفساء.
# PageV04P079
# ثم إن ما مر من أن المختار إنما هو المالك لا الساعي كان يكفي عن مؤونة
~~ذلك، ولكن الفائدة تظهر إذا تبرع المالك في أن ms0975 المنع في الربى هل هو لأجل
~~المرض أو لعدم الإضرار في غيرها في من منع الزكاة وكان الأخذ بيد الساعي،
~~فيكون المنع في بعضها لأجل المرض، وفي بعضها لعدم الإضرار، مع أن في صحيحة
~~بريد أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لمصدقه: " إياك وكرائم أموالهم "
~~(1) والأكولة والفحل من الكرائم.
# ثم إنهم اختلفوا في عد الأكولة وفحل الضراب في النصاب وعدمه على أقوال،
~~الأكثر على الأول; للإطلاقات والعمومات، وقوله عليه السلام في صحيحة محمد
~~بن قيس:
# " يعد صغيرها وكبيرها " (2).
# والمحقق في النافع والشهيد في اللمعة على الثاني (3)، ولعل مستندهما
~~صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق عليه السلام، أنه قال: " ليس في
~~الأكيلة ولا في الربى - والربى التي تربي اثنين - ولا شاة لبن، ولا فحل
~~الغنم صدقة " وهي، مع اشتمالها على ما لا يقول به الأصحاب، لا دلالة فيها
~~على ذلك، ويمكن حملها على عدم الأخذ، لا العد.
# والشهيد في البيان على عدم عد الفحل خاصة، إلا أن تكون كلها فحولا أو
~~معظمها (4)، ودليله غير معلوم.
# الثامن: إنما تجب الزكاة في العين في كل ما تجب فيه الزكاة على المعروف
~~من مذهب الأصحاب، ونقل ابن حمزة عن بعض الأصحاب قولا بتعلقها بالذمة (5).
# PageV04P080
# والأقوى الأول، وادعى عليه في المنتهى إجماع أصحابنا وأكثر أهل العلم
~~(1)، واستدلوا عليه بقولهم عليهم السلام: " في كل أربعين شاة شاة، وفي خمس
~~من الإبل شاة، وفي ثلاثين من البقر تبيع، وفيما سقت السماء العشر، وفي
~~عشرين مثقالا من الذهب نصف مثقال " فإن ظاهرها التعلق بالعين.
# أقول: الظهور في قوله عليه السلام " فيما سقت السماء العشر " ظاهر; فإن
~~ظاهر العشر عشر ما سقت السماء، بأن تكون اللام بدل الإضافة، ويقرب منه
~~الكلام الآخر والكلام الأول.
# وأما قوله عليه السلام: " في خمس من الإبل شاة " فهو مشكل; لأن الشاة
~~ليست في الخمس، وإن أريد قيمة شاة فهو ينافي أصالة الشاة، فإن الأصل في
~~الفرائض أيضا هو العين، والقيمة بدل، وجوازها مختلف فيه، خصوصا في الأنعام.
# فلا بد أن تجعل كلمة ms0976 في للسببية حتى تبقى الشاة على حقيقتها، وحينئذ لا
~~يتم وجوبها في العين أيضا، بل ظاهرها حينئذ التعلق بالذمة لا العين، إلا أن
~~يقدر إعطاء شاة حاصلة من خمس إبل، وهذا التقدير والإضمار ليس بأولى من مجاز
~~السببية.
# وكذلك قولهم عليهم السلام: " في كل ثلاثين من البقر تبيع "، و " في كل ست
~~وعشرين من الإبل بنت مخاض " لا يتم في كثير من الأوقات إلا بهذا التقدير،
~~فإنهما قد لا توجدان في النصاب، فيجب أن يشتري من الخارج.
# ولكن ملاحظة النظائر توجب حمل الجميع على وجوب الفرائض محصلة من النصب،
~~إما بإخراجها بعينها منها على فرض حصولها فيها، أو بتبديل بعض النصب بها
~~على فرض عدمها، سواء أمكن حصولها فيها كما في غير العبارة الثانية، أو
~~استحال كما فيها.
# فعلى هذا فعين الفريضة في الغلات هي عين عشرها، لا مقدار عشرها ولو من
# PageV04P081
# غيرها، وعين الفريضة من خمس من الإبل مثلا هي الشاة المحصلة منها، ومن
~~البقر وسائر نصب الإبل هو القدر المشترك بين نفس الفرائض الموجودة فيها، أو
~~المحصلة من جانبها بالمعاوضة.
# ثم إن ههنا أمرين آخرين: أحدهما البدل المثلي، والآخر القيمة، والظاهر
~~عدم الإشكال في جواز إعطاء المثل، كإعطاء مساوي العشر في الغلات من غير
~~النصاب، وإعطاء الشاة والتبيع مثلا مع وجودهما في النصاب من غيره، واشتراء
~~الشاة في خمس من الإبل، وكذا التبيع وبنت المخاض مثلا فيما لو لم يوجد في
~~النصاب من غير معاوضة بعض النصاب، ولم نقف على خلاف في ذلك، وأجروا ذلك
~~مجرى إعطاء عين الفريضة، فمرادهم بالعين عين جنسها.
# نعم، اختلفوا في جواز القيمة عن العين، والمشهور الجواز مطلقا، بل ادعى
~~في المعتبر الاجماع عليه في الغلات والنقدين (1).
# وخالف المفيد في الأنعام فلم يجوزه، إلا أن تعدم الأسنان المخصوصة في
~~الزكاة (2)، ويظهر من المحقق في المعتبر الميل إليه (3)، وقواه صاحب
~~المدارك; لعدم الدليل (4).
# والأظهر المشهور; لأن الشيخ ادعى في الخلاف عليه إجماع الفرقة وأخبارهم
~~(5)، ومنع المعتبر - للإجماع والأخبار - لا يضره.
# وأما الأخبار، فالذي وقفنا ms0977 عليه هو صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه
~~السلام، قال: سألته عن الرجل يعطي عن الزكاة; عن الدراهم دنانير، وعن
~~الدنانير دراهم بالقيمة، أيحل ذلك؟ قال: " لا بأس " (6).
# PageV04P082
# وصحيحة محمد بن خالد البرقي، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام:
~~هل يجوز - جعلت فداك - أن أخرج عما يجب في الحرث من الحنطة والشعير وما يجب
~~على الذهب دراهم بقيمة ما يسوى، أم لا يجوز إلا أن يخرج من كل شئ ما فيه؟
# فأجابه عليه السلام: " أيما تيسر يخرج " (1).
# ويمكن الاستدلال بعموم هذه الرواية في الأنعام - وإن أمكن القدح بأن يكون
~~المراد:
# كل شئ من المذكورات، وأيما تيسر منها - لظهور العموم مع ما سننقله عن قرب
~~الإسناد.
# وأما غير الحنطة والشعير من الغلات فيثبت بعدم القول بالفصل.
# وكذا غير الدراهم، وإن روى في الكافي، عن سعيد بن عمرو، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام قال، قلت: أيشتري الرجل من الزكاة الثياب والسويق والدقيق
~~والبطيخ والعنب فيقسمه؟ قال: " لا يعطيهم إلا الدراهم كما أمر الله تعالى "
~~(2) إذ لم نقف على من حصر فيها إلا ما استشكل صاحب المدارك في اخراج القيمة
~~فيما عدا النقدين; لقصور الروايتين عن إفادة العموم (3).
# وفيه: مع أن عدم القول بالفصل يثبت في البعض، يدل عليه أيضا ما نقل عن
~~قرب الإسناد، عن يونس بن يعقوب قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: عيال
~~المسلمين أعطيهم من الزكاة، فأشتري لهم منها ثيابا أو طعاما، وأرى أن ذلك
~~خير لهم، قال، فقال : " لا بأس " (4).
# قال في المدارك: ومتى سوغنا اخراج القيمة، فالمعتبر فيها وقت الإخراج;
~~لأنه وقت الانتقال إليها، وقال العلامة في التذكرة: إنما تعتبر القيمة وقت
~~الإخراج إن لم يقوم الزكاة على نفسه، فلو قومها وضمن القيمة ثم زاد السوق
~~أو انخفض قبل
# PageV04P083
# الإخراج فالوجه وجوب ما يضمنه خاصة دون الزائد والناقص، وإن كان قد فرط
~~بالتأخير حتى انخفض السوق أو ارتفع، أما لو لم يقوم ثم ارتفع السوق أو
~~انخفض أخرج القيمة وقت الإخراج، ms0978 هذا كلامه - رحمه الله - وفي تعيين القيمة
~~بمجرد التقويم نظر، انتهى كلامه رحمه الله (1).
# أقول: ولعل نظره إلى أن الزكاة وإن كان متعلقة بالعين، لكن الشارع رخص
~~المالك في التصرف في حق الفقير وإعطاء بدله أو قيمته، وفي صورة اختيار
~~القيمة تكون هذه مبايعة والتولية من الطرفين مع المالك، فتقويمه بمنزلة
~~بيعه من نفسه، فليس في ذمته إلا ما قومه على نفسه.
# ثم إنه يجوز في القيمة أن تكون عينا ومنفعة، ولو كان بإجارة الغني نفسه
~~من الفقير، ثم احتساب وجه الإجارة من الزكاة.
# فلنرجع إلى الكلام في تعلق الزكاة بالعين ونقول: إنهم استدلوا على
~~المشهور أيضا بأنها لو وجبت في الذمة لتكررت في النصاب الواحد بتكرر الحول
~~ولم تقدم على الدين مع بقاء عين النصاب إذا قصرت التركة، ولم يسقط بتلف
~~النصاب من غير تفريط، ولم يجز للساعي تتبع العين لو باعها المالك، واللوازم
~~باطلة اتفاقا، وقد تمنع الملازمة وبطلان التالي، سيما في الأخير.
# ويرد على الأولين أنهما دوريان; لتعليلهم الحكمين بتعلق الزكاة بالعين،
~~فكيف يستدل بهما عليه مع أن الاتفاق على بطلان التالي لو سلم فهو المثبت
~~فيها.
# واعلم أن القدر المحقق في تقدم الزكاة على الدين إنما هو مع وجود النصاب،
~~ولا دليل عليه في غيره.
# وأما الثالث، فهو أيضا إنما ثبت بالدليل من الاتفاق وحسنة محمد بن مسلم
~~(2).
# PageV04P084
# وأما الرابع، فمضافا إلى ما مر فيه أن العلامة في التذكرة (1) بعد ما
~~اختار جواز تصرف المالك في النصاب بالبيع وغيره وعدم جواز الفسخ للساعي
~~معللا بأن تعلقها بالعين تعلق لا يمنع التصرف كأرش الجناية، ولعدم استقرار
~~ملك المساكين لجواز دفع القيمة، قال: إذا ثبت هذا فإن أخرج الزكاة من غيره
~~وإلا كلف اخراجها، وإن لم يكن متمكنا فالأقرب فسخ البيع في قدر الزكاة
~~ويؤخذ منه، ويرجع المشتري بقدرها; لأن على الفقراء إضرار في تمام البيع،
~~وتفويتا لحقهم، فوجب فسخه، ثم يتخير المشتري لتبعض الصفقة.
# ويظهر منه أن تتبع العين ليس باجماعي، مع أن العلة لعلها هي الإضرار ms0979
~~حينئذ كما ذكره.
# وكيف كان فالاعتماد في المسألة على الاجماع المنقول في المنتهى (2)
~~والتذكرة (3)، وظواهر الأخبار المتقدمة، وخصوص صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد
~~الله قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل لم يزك إبله أو شاءه عامين
~~فباعها، على من اشتراها أن يزكيها لما مضى؟ قال: " نعم، تؤخذ منه زكاتها،
~~ويتبع بها البائع، أو يؤدي زكاتها البائع " (4).
# وقوية أبي المعزا عن الصادق عليه السلام، قال: " إن الله تبارك وتعالى
~~أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا إلى غير
~~شركائهم " (5).
# وفي كيفية التعلق بالعين وجوه ثلاثة: أظهرها: أنه من باب الاستحقاق
~~والشركة،
# PageV04P085
# وهو لا ينافي جواز التصرف والأداء من خارج; لدليل آخر، مثل ما مر من
~~الأدلة على جواز اخراج القيمة من الاجماع والأخبار، سيما الصحيحة المتقدمة،
~~وهو ظاهر الأصحاب، وهو ظاهر معنى التعلق بالعين.
# قال في التذكرة: الزكاة تتعلق بالعين عندنا وعند أبي حنيفة، إلا أن أبا
~~حنيفة قال:
# لا يستحق بها جزءا منها، وإنما يتعلق بها كتعلق الجناية بالعبد الجاني
~~(1).
# والثاني أنه استيثاق كالرهن، فالحق يتعلق بذمة المالك والنصاب كالرهن.
# والثالث أنه استيثاق، كتعلق أرش الجناية بالعبد، فلا يتعلق شئ بذمة
~~المالك، بل يتعلق بالنصاب، لكن المالك مخير بين أدائها منه أو فكها بالقيمة
~~كالعبد الجاني المخير مولاه بين الأمور الثلاثة.
# احتج القائل بتعلقها بالذمة: بأنها لو وجبت في العين لكان للفقير إلزام
~~المالك بالأداء منها ومنعه من التصرف قبل اخراج الفرض، وبأنه لا يتبعه
~~النماء، فلا يتعلق بالعين.
# وجوابه: منع الملازمة; لما مر من الدليل على جواز تصرفه في العين، وهو لا
~~ينافي تعلقها بها.
# وأما الجواب عن الأخير، فقال في التذكرة: وملك المساكين غير مستقر حيث
~~كان للمالك العدول، فلم يتبعه النماء، على أن لمانع أن يمنع ذلك (2).
# أقول: والمنع الأخير مشكل; لعدم ثبوت الملك المستقر بحيث يترتب عليه جميع
~~آثاره.
# نعم، روى الكليني، عن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه
~~السلام، قال:
# سألته عن الزكاة تجب علي ms0980 في مواضع لا يمكنني أن أؤديها، قال: " اعزلها،
~~فإن اتجرت بها فأنت لها ضامن، ولها الربح، وإن نويت في حال ما عزلتها من
~~غير أن
# PageV04P086
# تشغلها في تجارة فليس عليك شئ، وإن لم تعزلها فاتجرت بها في جملة مالك
~~فلها بقسطها من الربح، ولا وضيعة عليها " (1)، فيتقوى المنع حينئذ.
# وكيف كان فالظاهر عدم دخول الحمل أعطاها الشاة الحاملة فيسترد ولدها.
# ومن فروع المسألة: عدم تكرار الزكاة بتكرر الحول على النصاب الواحد إذا
~~لم يخرجها من خارج، لانثلام النصاب في العام الأول، بخلاف ما لو أخرجها من
~~مال آخر، فيبقى النصاب سالما ثم يحول عليه الحول.
# وقد أشرنا إلى ذلك فيما مضى.
# فلو كان عنده ست وعشرون من الإبل ومضى عليه حولان وجب عليه بنت مخاض وخمس
~~شياه، وإن مضى ثلاثة فيزيد عليه أربعة أخر فيصير تسعة.
# قال في المدارك: وهذا مقيد بما إذا كان النصاب بنات مخاض، أو مشتملا
~~عليها، أو قيمة الجميع بنات مخاض، وإلا فإن كانت زائدة عن قيمة بنت المخاض
~~أمكن أن يفرض خروج قيمة بنت المخاض عن الحول الأول من جزء واحد من النصاب
~~ويبقى منها قيمة خمس شياه عن الحول الثاني، فيجب في الثالث خمس شياه أيضا
~~ولو كانت ناقصة عن قيمة بنت المخاض نقص النصاب في الحول الثاني عن خمس
~~وعشرين، فيجب فيه أقل من خمس شياه كما لا يخفى (2).
# أقول: والزكاة لا تتعلق بالنيف كما مر، وإذا لوحظ خروج خمس شياه من نفس
~~النصاب فينثلم.
# ونيابة ذلك الجزء الباقي عما قوبل بخمس شياه من أصل النصاب، مع أنه لا
~~يتم إلا إذا وافق ذلك الجزء له في تصحيح إبل وإتمامه فيه أن الذي دل عليه
~~الدليل في أحكام الزكاة هو الإبل الصحاح، فيشكل الاطراد في الكسور.
# PageV04P087
# فلو كان لأحد من كل واحد من عشرة من الإبل نصفا لا يستفاد حكمه من تلك
~~الأدلة، فيشكل الحكم بوجوب شاة عليه.
# تنبيه:
# لا يجوز التصرف في العين على القول بتعلقها بالعين قبل الضمان.
# ولو باعها قبل ms0981 أداء الزكاة وبعد الضمان فتصح في الجميع، وإن كان قبل
~~الضمان نفذ في نصيبه، وأما في القدر الواجب فيبطل على الأقوى من كونه من
~~باب الشركة، وكذا على القول بالرهن، وعلى الجناية فقيل: إن البيع التزام
~~بالزكاة، فإن أداها نفذ، وإلا فيتبع الساعي العين.
# ولو باع الجميع ثم أخرج الزكاة فقيل: يصح البيع في الجميع.
# وقيل: يقف على الإجازة من المالك ثانيا; لتجدد الملك، كما لو باع مال
~~غيره ثم اشتراه، وهذا أظهر.
# التاسع: المشهور الأقوى أن أول نصاب الذهب عشرون دينارا، وفيه نصف دينار.
# ثم ليس فيه حتى يبلغ أربعة دنانير، ففيها قيراطان عشر دينار.
# وهكذا كلما زاد أربعة ففيها عشر دينار، وليس في النيف شئ.
# وعن الصدوقين (1) وجماعة من أصحاب الحديث (2): أن نصابه الأول أربعون
~~دينارا، فيه دينار.
# ونقل في المختلف عن علي بن بابويه أنه نفى النصاب الثاني وقال: ليس في
~~النيف شئ حتى يبلغ أربعين (3).
# PageV04P088
# ويدل على المشهور أخبار كثيرة:
# منها: صحيحة البزنطي (1).
# ومنها: صحيحة الحلبي (2)، وحسنة محمد بن مسلم (3) الدالتان على أن نصاب
~~الذهب هو ما يسوى مائتي درهم، مضافا إلى ما ذكر الأصحاب (4) وغيرهم (5) أن
~~كل دينار في ذلك الزمان كان مساويا لعشرة دراهم، وتشهد به ملاحظة مقادير
~~الديات.
# واحتج ابن بابويه بموثقة محمد بن مسلم وأبي بصير وبريد والفضيل (6). وتدل
~~عليه صحيحة زرارة أيضا (7)، وهما لا تقاومان أدلة المشهور، فالعمل عليه.
# وأما الفضة فنصابها الأول مائتا درهم، فيه خمسة دراهم.
# وكلما زادت أربعين ففيها درهم، وليس في الأقل من ذلك ولا في النيف شئ
~~ويدل عليه الاجماع (8) والأخبار المعتبرة (9).
# ثم إنه لا يضم أحد النقدين إلى الآخر في النصاب، فلا يجب في عشرة دنانير
# PageV04P089
# ومائة درهم شئ، وكذا غيرهما من الأجناس; للإجماع (1)، والأخبار (2).
~~وخلاف بعض العامة ضعيف (3).
# ثم إن الدينار لم يختلف في الجاهلية والإسلام، ولم يتغير عما كان على عهد
~~رسول الله صلى الله عليه وآله، ونقل على ذلك اتفاق العلماء (4)، بخلاف
~~الدراهم، والمعتبر فيها ما كان في زمن النبي صلى الله ms0982 عليه وآله.
# وقد ذكر علماء الفريقين (5) أنها كانت حينئذ ستة دوانيق، وصرح به أهل
~~اللغة (6)، وعليه تحمل أخبار أئمتنا عليهم السلام أيضا.
# قال العلامة في المنتهى والتذكرة والتحرير: إنها كانت في صدر الاسلام
~~صنفين:
# بغلية وهي السود، كل درهم ثمانية دوانيق، وطبرية، كل درهم أربعة دوانيق،
~~فجمعا في الاسلام وجعلا درهمين متساويين وزن كل درهم ستة دوانيق.
# ثم قال: فصار وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكل درهم نصف
~~مثقال وخمسه، وهو الدرهم الذي قدر به النبي صلى الله عليه وآله المقادير
~~الشرعية في نصاب الزكاة والقطع ومقدار الديات والجزية، إلى آخر ما ذكره
~~(7).
# وأما الدانق، فاتفقوا على أن كل دانق وزنه ثمان حبات من أواسط الشعير كما
~~صرح به علماء الفريقين، كذا ذكره في المنتهى والتذكرة (8).
# وأما الدينار، فهو والمثقال الشرعي متحدان، والمثقال الشرعي درهم وثلاثة
~~أسباع
# PageV04P090
# درهم، وهو ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي.
# فيكون العشرون مثقالا من الذهب في وزان ثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع
~~درهم، وخمسة عشر مثقالا بالصيرفي.
# والمائتا درهم في وزان مائة وأربعين مثقالا شرعيا، ومائة وخمس مثاقيل
~~بالصيرفي.
# ولا إشكال في ذلك كله إلا في الدانق، فإن رواية سليمان بن حفص المروزي
~~تدل على أنه وزان اثنتا عشرة حبة من أواسط الشعير (1)، ولكنها ضعيفة
~~متروكة، والعمل على المشهور.
# العاشر: يشترط في وجوب زكاة النقدين كونهما مسكوكين بسكة المعاملة
~~بإجماعنا (2) وأخبارنا، مثل صحيحة علي بن يقطين المتقدمة (3)، وموثقة جميل
~~(4) وغيرهما (5).
# ولا تشترط فعلية التعامل، بل يكفي كون السكة سكة المعاملة.
# ولا يكفي مطلق النقش.
# والمتبادر من المنقوش في الصحيحة هو ذلك، كما هو المتبادر من لفظ الدرهم
~~والدينار أيضا، وإطلاقها يشمل المهجورة أيضا، ولا زكاة في غير المنقوش وإن
~~جرت به المعاملة.
# PageV04P091
# وقد تقدم الكلام فيما لو جعلها سبائك لأجل الفرار، وأن الأظهر عدم
~~الوجوب، نعم يستحب.
# وكذلك يشترط حؤول الحول على مجموع النصاب كما تقدم في الحيوان بالإجماع
~~والأخبار.
# وقد تقدم الكلام في التبديل بالجنس وغيره، والفرار قبل الحول وفي
~~الأثناء.
# وقيل: تستحب ms0983 الزكاة في الحلي المحرم (1)، ولم نقف على دليله، أوجبه
~~العامة (2) ، ولا دليل لهم.
# والأخبار النافية للزكاة عن مطلق الحلي تشمله، وفي بعضها: " لا، وإن بلغ
~~مائة ألف " (3) وفي بعض الأخبار المعتبرة: " إن زكاة الحلي أن تعار " (4).
# تنبيهان:
# الأول: مقتضى الفتاوى وإطلاقات الأدلة أنه يضم الردئ من كل من الجنسين
~~إلى جيدهما.
# فإن أخرج الزكاة عن المجموع من الجيد، فقد أحسن إلى نفسه وحاز الفضل،
~~ودونه في الفضيلة الإخراج من كل نوع بقسطه.
# ويجوز اخراج الجميع من الأدنى لصدق الاسم، وإن زاد فيه حينئذ بحيث تساوي
~~قيمته الأفضل أو التقسيط لكان أفضل.
# ولكن لا يجوز الإخراج عن الأدنى من الأعلى بالقيمة، واحتمل العلامة
~~الاجزاء
# PageV04P092
# اعتبارا بالقيمة (1)، وهو مشكل; لأن المتبادر من القيمة هو الخارج من
~~الجنس.
# الثاني: إنما يعتبر في الدراهم المغشوشة بغير النقدين بلوغ الصافي منه
~~النصاب.
# ولا يخرج المغشوش عن الصافي، إلا إذا علم اشتماله على الفريضة من الصافي.
# وكذلك ما غش فيه أحد النقدين بالآخر يعتبر في كل منهما بلوغ النصاب على
~~حدة.
# ثم إذا علم بلوغ الصافي من المغشوش حد النصاب، وعلم قدره، فيخرج زكاته من
~~الخالص أو من المغشوش بحيث يحصل له اليقين بالوفاء.
# وإن جهل القدر، فإن تطوع بالصافي عن جملة المغشوش أو بما يحصل به اليقين
~~من المغشوش أو الصافي فهو، وإلا فيلزم بتصفيته لتحصيل البراءة اليقينية.
# وذهب الفاضلان (2) وغيرهما (3) إلى الاكتفاء بما تيقن اشتغال ذمته به،
~~كما لو شك في بلوغ الصافي النصاب أولا.
# وفيما ذكروه إشكال; إذ الأحكام متعلقة بالنصب، وهي أسماء لما في نفس
~~الأمر، فإذا قال الشارع: " في أربعين شاة شاة " أو " في عشرين مثقالا نصف
~~دينار "، وكان المكلف واجدا للغنم والذهب، لكنه شاك في العدد; فحينئذ كيف
~~يمكن أن يقال:
# لا يجب عليه عد غنمه أو دنانيره حتى يعرف أنه مكلف بالزكاة أم لا؟!
# وهكذا الكلام فيمن كان له زرع، فإذا قال الشارع: " في كل ثلاثمائة صاع
~~زكاة " فكيف يقال: إنه لا يجب على المالك أن يكيل غلته حتى ms0984 يعرف أنه مكلف
~~أم لا؟!
# وهكذا الكلام في من شك في استطاعة الحج من جهة عدم معرفة مقدار ماله،
~~فيجب عليه حينئذ أن يتبين حاله، هل هو مخاطب بالحج أم لا، فإن غاية الأمر
~~كون هذه الواجبات مشروطات بوجود شئ، ولم يثبت اشتراطها بالعلم بوجوده،
~~وهكذا
# PageV04P093
# الكلام في معرفة الزائد من النصاب، فالاعتماد على أصل البراءة في أمثال
~~ذلك مشكل.
# نعم، يمكن الاعتماد فيما لو شك في بلوغ الصافي حد النصاب أو لا، إذا لم
~~يتمكن من تحصيل المعرفة إلا بالتصفية، فإنه ضرر على المالك، ولم يعلم شمول
~~الإطلاقات لمثله، فليتأمل وليحتط.
# الحادي عشر: قد عرفت أن الزكاة لا تجب فيما أنبتت الأرض إلا في أربعة:
~~الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.
# وأما العلس والسلت; فالمشهور فيهما العدم، وذهب الشيخ (1) وجماعة (2) إلى
~~الوجوب، واختاره في المسالك (3); لنص أهل اللغة على كونهما منهما.
# قال في الصحاح: السلت - بالضم - ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه الحنطة،
~~والعلس أيضا ضرب من الحنطة يكون حبتان في قشر، وهو طعام أهل صنعاء (4).
# وفيه: أن العرف مقدم على اللغة على الأقوى، والظاهر صحة السلب عنهما، وهو
~~علامة المجاز.
# مع أن ابن دريد قال: السلت حب يشبه الشعير أو هو بعينه، وقال أيضا: العلس
~~حبة سوداء تخبز في الجدب أو تطبخ (5).
# مع أن السلت مذكور في بعض الروايات مع البر والشعير، وهو يشعر
~~بمغايرتهما.
# وكيف كان، فالأصل والشك في كونهما حنطة أو شعيرا يكفي في نفي الوجوب.
# يشترط في الغلات النصاب، ونصابها واحد، وإذا بلغ النصاب فيجب فيه وما زاد
~~عليه
# PageV04P094
# ولو قليلا، ولا يجب فيما دونه وإن كان بقليل، لأنه تحقيقي، لا تقريبي،
~~كما توهمه بعض العامة (1).
# وهو خمسة أوسق، والوسق بفتح الوسط ستون صاعا بالإجماع (2) والصحاح
~~المستفيضة (3).
# والصاع: تسعة أرطال بالعراقي; لصحيحة أيوب بن نوح (4)، وستة بالمدني;
~~لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه
~~وآله يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع، والمد رطل ونصف، والصاع ستة أرطال " (5).
# قال الشيخ: يعني أرطال ms0985 المدينة، فيكون تسعة أرطال بالعراقي; لأن الرطل
~~العراقي ثلثا الرطل المدني، كما أن الرطل المكي ضعف رطل العراقي.
# ورواية جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني مصرحة بأن الصاع تسعة بالعراقي
~~وستة بالمدني، وفي آخرها: أنه يكون بالوزن ألفا ومائة وسبعين وزنة (6)،
~~والمراد بالوزنة الدرهم كما قيل.
# والصاع: أربعة أمداد أيضا بإجماع العلماء كما في المنتهى (7).
# والمد: رطل ونصف بالمدني، وتدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة، فتكون رطلين
~~وربعا بالعراقي.
# PageV04P095
# وقال البزنطي: رطل وربع (1)، ولعل مستنده موثقة سماعة، وفيها: " المد قدر
~~رطل وثلاث أواق " (2). فإن جعلنا الرطل عراقيا والأوقية أربعين درهما كما
~~هو المشهور بين أهل اللغة، فيحصل الفرق الفاحش، وإن جعلناه مدنيا وقلنا: إن
~~الأوقية سبعة مثاقيل كما قيل، فيقرب من المشهور.
# والرطل العراقي: مائة وثلاثون درهما، أحد وتسعون مثقالا على المشهور،
~~موافقا للرواية المتقدمة، وأصالة عدم تحقق الشرط.
# وقال في التحرير: إنه تسعون مثقالا (3)، ولم نقف على مستنده.
# فالصاع ثمان مائة وتسعة عشر مثقالا بالشرعي، وستمائة وأربعة عشر مثقالا
~~وربع مثقال بالصيرفي. فيصير نصاب الغلة مائة وثمانين ألف وأربعة آلاف
~~ومائتين وخمسا وسبعين مثقالا. وبالمن التبريزي المعهود في هذه البلاد - وهو
~~وزان ثمان عباسيات من الفلوس - يصير مائتين وثمانين وسبعة أمنان وثلاثة
~~أرباع من وثمن من وخمسة عشر مثقالا صيرفيا.
# واعلم أن المعتبر الوزن، وإن كان الصاع في الأصل كيلا، سيما في هذا
~~الزمان الذي لا تمكن المعرفة بالكيل، فإن فرضت المعرفة بأن توافقا فلا
~~إشكال، وكذلك لو بلغ بالوزن دون الكيل; لأن الشارع اعتبره جزما، مع أنه
~~أضبط، بل اعتباره إنما هو للضبط، وأما لو بلغ بالكيل دون الوزن، فلا تجب
~~الزكاة خلافا لبعض العامة (4).
# الثاني عشر: وقت تعلق الوجوب بالغلات - بمعنى جواز الإتلاف وسائر
~~التصرفات، بدون الضمان قبل ذلك، وحصول الضمان لو أتلفه وفرط به بعد ذلك،
~~وإن لم يجب عليه الإخراج حينئذ، وانتقال الفرض إلى المنتقل إليه، لو حصل
~~الانتقال
# PageV04P096
# قبله لا بعده - هو أن يسمى بالحنطة والشعير، ويبدو صلاح الثمرة بالاحمرار
~~والاصفرار وانعقاد الحصرم عند الأكثر. ms0986
# وتحصل التسمية عندهم في الأولين باشتداد الحب.
# وقيل: لا يجب إلا مع التسمية بالتمر والزبيب (1).
# وقال ابن الجنيد: وقته أن يسمى عنبا أو تمرا (2).
# ولعل اعتبار تسمية الحنطة والشعير وفاقي، لكنهم اختلفوا في وقتها،
~~فالأكثر على أنه اشتداد الحب وإن لم يجف فيهما، (3) وظاهر غيرهم اعتبار
~~أكثر من ذلك (4).
# وأما الاحمرار والاصفرار في التمر والانعقاد في العنب، فربما يستدل في
~~الأولين بتسميتهما تمرا حينئذ عند أهل اللغة (5).
# والأولى الاستدلال فيهما وفي انعقاد الحصرم بصحيحة سعد بن سعد الأشعري،
~~عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن الزكاة في الحنطة والشعير والتمر
~~والزبيب متى تجب على صاحبها؟ قال: " إذا ما صرم، وإذا خرص " (6).
# وصحيحته الأخرى، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن أقل ما تجب فيه
~~الزكاة من البر والشعير والتمر والزبيب، فقال: " خمسة أوساق بوسق النبي صلى
~~الله عليه وآله "، فقلت: كم الوسق؟ فقال: " ستون صاعا "، فقلت: فهل تجب على
~~العنب زكاة، أو إنما تجب عليه إذا صيره زبيبا؟ قال: " نعم، إذا خرصه أخرج
~~زكاته " (7).
# ولا يخفى أن الخرص يتحقق في الحصرم أيضا كما يتحقق في البسر أيضا.
# PageV04P097
# ولعل مستند ابن الجنيد: الاقتصار على تسمية الزبيب والتمر كما في
~~الأخبار، خرج عنه في العنب بمقتضى الروايتين وبقي الباقي. ويظهر جوابه مما
~~ذكرنا.
# وأما وقت وجوب الإخراج: فهو التصفية في الحنطة والشعير، والجفاف في
~~الثمرتين بالإجماع.
# ومعنى الوجوب حينئذ: أنه لا يجب الإخراج قبله، ويضمن لو أخر عن ذلك من
~~دون عذر، وإلا فلا ريب في جواز التقديم، كما دلت عليه الصحيحتان.
# ولا يكفي بلوغه النصاب حال الرطوبة، بل يعتبر بلوغه النصاب إذا جف.
# والظاهر اعتبار حال كل ثمرة في نفسها; إذ قد يتفاوت الحال ويحصل النقص في
~~جفاف بعضها أزيد من الآخر، ولو فرض عدم حصول الزبيب أو التمر من نوع من
~~العنب والرطب فلا تجب فيه زكاة.
# وتضم النخيل والزروع المتباعدة بعضها إلى بعض، وإن اختلفت في زمان الزرع
~~والاطلاع والإدراك بالإجماع، ولكن إذا بلغ السابق النصاب فتجب الزكاة، ms0987 ثم
~~يخرج من الباقي وإن قل.
# ولو لم يبلغ السابق النصاب، فيتربص حتى يدرك الباقي، فإن بلغ فتجب حينئذ.
# وفيما لو أطلع نخله مرتين إشكال، فالأكثر على الانضمام; للإطلاقات، خلافا
~~للشيخ (1); لأنه في حكم ثمرة سنتين، وله الأصل وعدم انصراف الإطلاق إليه.
# وكذلك الإشكال فيما لو زرع الزكوي في عام واحد مرتين، مثل أن يزرع في أول
~~الربيع ويحصد في الصيف، ثم يزرع بعده في الصيف ويحصد في أواخر الخريف، كما
~~هو متعارف في بعض أنواع الشعير.
# الثالث عشر: يشترط في وجوب الزكاة في الغلات أن يكون تملكه لها قبل تعلق
# PageV04P098
# الوجوب بها، سواء كان تملكه بزرعها أو باشترائها أو غيرهما بالإجماع.
# فلو دخل الزرع في ملكه بعد تعلق الوجوب فالزكاة على الناقل.
# وكذا إذا ملك نخلا قبل زمان تعلق الوجوب.
# وكذا إذا اشترى الثمرة على الوجه الصحيح من انضمام الضميمة أو كون البيع
~~أزيد من عام وغيره، بلا خلاف ظاهر; للإطلاقات.
# ثم إذا زكاها فلا تجب عليه مرة أخرى، وإن حال عليه أحوال بالإجماع
~~والأخبار، إلا أن يبدلها بالأثمان وحال عليها الحول، فتجب حينئذ، وحسنة
~~زرارة وعبد الله عن الصادق عليه السلام مصرحة بالحكمين (1).
# الرابع عشر: لا تجب الزكاة إلا بعد وضع خراج السلطان بلا خلاف.
# والمشهور وضع المؤن كلها أيضا، وذهب الشيخ في الخلاف (2) ويحيى بن سعيد
~~(3) والشهيد الثاني (4) وصاحب المدارك (5) وبعض من تأخر عنه (6) إلى عدم
~~وضع شئ عدا خراج السلطان.
# لنا: الأصل، والاستصحاب، ونفي الضرر، وأن ظاهر بعض الروايات أن الزكاة في
~~النماء، مثل حسنة أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، أنهما
~~قالا له:
# هذه الأرض التي يزارع أهلها ما ترى فيها؟ فقال: " كل أرض دفعها إليك
~~السلطان - وفي بعض النسخ سلطان - فتاجرته فيها، فعليك فيما أخرج الله منها
~~الذي قاطعك
# PageV04P099
# عليه، وليس على جميع ما أخرج الله منها العشر، إنما العشر عليك فيما يحصل
~~في يدك بعد مقاسمته لك " (1).
# تدل عليه: مقابلة ما أخرج الله للمتاجرة، فإن ما يخرج من المتاجرة ms0988 إنما
~~يراد به في العرف المنافع، لا القنية وما بان به في الكسب، مع أن قوله عليه
~~السلام: " إنما العشر فيما يحصل في يدك " يدل عليه أيضا، فإن المؤن مما
~~يخرج من اليد، لا مما يحصل فيها.
# وبالجملة: الحديث ظاهر في المطلق، بل قال المحقق الأردبيلي رحمه الله:
~~إنه صريح في المطلق (2).
# وما يقال: إن المراد أن كل ما يبقى بعد وضع المقاسمة فتجب فيه الزكاة
~~بتمامه، ولا يخرج غيره، فهو بعيد، ومستلزم للتكرار، كما لا يخفى على
~~المتأمل.
# وفهم الأصحاب أيضا قرينة لما ذكرنا، كما يظهر من ذكر الشيخ ذلك في شرح
~~كلام المفيد وغيره (3).
# وفاعل " عليك " - على ما ذكرنا - إما الزكاة المعلوم من السياق، أو العشر
~~على سبيل التنازع.
# وجعل قوله عليه السلام " الذي قاطعت " فاعلا له بإرادة الخراج منه بعيد
~~لفظا ومعنا.
# والظاهر أن الرواية في رد مذهب أبي حنيفة من سقوط الزكاة في الأراضي
~~الخراجية (4)، فأولها في رده، وآخرها في عدم اخراج شئ، فلا تكرار.
# ومما يؤيد دلالة الرواية على ما ذكرنا: صحيحة زرارة في خمس المعادن، عن
~~أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: " كل ما كان
~~ركازا ففيه الخمس "،
# PageV04P100
# وقال: " ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج الله سبحانه منه من حجارته مصفى
~~الخمس " (1).
# ويدل عليه أيضا: ما رواه الشيخ في التهذيب، عن حماد بن عيسى، قال: رواه
~~لي بعض أصحابنا، ذكره، عن العبد الصالح أبي الحسن الأول عليه السلام،
~~والحديث طويل، إلى أن قال: " والأرض التي أخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة
~~متروكة في يد من يعمرها " إلى أن قال: " فإذا خرج منها نماء بدأ فأخرج منه
~~العشر " الحديث (2).
# وفي بعض النسخ موضع " نماء بدأ " كلمة " فائدة "، ولعل أحدهما تصحيف
~~الآخر.
# وكيف ما كان فيصح الاستدلال، فإن النماء والفائدة لا يطلقان عرفا على
~~المؤن والقنية، وسند الرواية منجبر بعمل الأصحاب في هذه المسألة ومسألة
~~الخراج وغيرها، كما صرح به المحقق الشيخ علي في الخراجية (3).
# وفي الفقه الرضوي قال: " فإذا بلغ ms0989 ذلك وحصل بغير خراج السلطان ومؤونة
~~العمارة والقرية أخرج منه العشر إن كان سقي بماء المطر (4) " إلى آخر ما
~~قال، فإن ظاهر جماعة من القدماء والمتأخرين الاعتماد على هذا الكتاب (5)،
~~وهو لا يقصر عن خبر صحيح; لانجباره بالعمل.
# وههنا مؤيدات وشواهد أخر للمطلوب ذكرناها في الرسالة التي كتبناها في
~~ذلك، من أراد التحقيق فليراجعها (6).
# ويدل على الاستحقاق بعد تعلق الوجوب أيضا: أن العلة حينئذ مشتركة بين
~~الفقير ورب المال، سيما على القول بتعلق الزكاة بالعين كما هو الحق، وخصوصا
~~بناءا على
# PageV04P101
# كونه على سبيل الاستحقاق، كما هو أظهر الوجوه لما مر، ولا دليل على وجوب
~~المؤونة على رب المال لحصة شريكه وحمله وتصفيته كسائر الأموال المشتركة.
# بل ويتم على القول بكونه من باب تعلق أرش الجناية بالعبد أيضا; لأن
~~المالك إذا اختار بذل العبد في أرش الجناية فلا خيار لأولياء المجني عليه
~~في عدم الأخذ، فيكون العبد مالا لهم، وكذلك الزكاة إذا اختار المالك إعطاء
~~العين، فيتعين حق الفقير فيها، ويصير شريكا له، ويتم الكلام عن آخره.
# وبضميمة عدم القول بالفصل يتم الكلام في المؤن السابقة.
# ولا يقدح في الشركة جواز تصرف المالك بمجرد الضمان والإخراج من غير
~~النصاب ولزوم أجرة الكيل والوزن عليه; لأن الأولين قد ثبتا من الخارج;
~~إرفاقا وتسهيلا على المالك.
# والثالث وإن كان مشهورا، ولكن ليس بوفاقي، فيمكن منعه أولا، وتسليمه
~~ثانيا، ولكن نمنع وجوبه عليه من ماله، لم لا يكون من البين، ولم يثبت كون
~~الوجوب مطلقا حتى بالنسبة إلى صرف ماله للغير، كوجوب حفظ النفس المحترمة من
~~الهلاك بالجوع; لجواز أخذ العوض إذا وجده الجائع، مع أن أجرة الكيل والوزن
~~غير ما نحن فيه; لتعلق وجوب الإخراج حينئذ، فلا يتم ذلك في الحصد والتصفية
~~والتذرية; لعدم وجوب الإخراج حينئذ وإن دخل وقت تعلق الوجوب.
# ثم إنه لا إشكال في جواز الخرص في الثمار بعد تعلق الوجوب وإفراز حصة
~~الفقير، وكذلك في الغلات على الأظهر; لظاهر صحيحة سعد بن سعد الأشعري (1)،
~~فإذا خرص فلا يجب ms0990 عليه ضبط مال الفقير، فتثبت عليه المؤونة في حصته وإن لم
~~يفرزه، فصرف مقدار حصة الفقير من الزكاة في ضبط ماله إحسان إليه، وما على
~~المحسنين من سبيل.
# PageV04P102
# وإن رجع إلى الحاكم أو عين الفقير وأعطاه فالأمر أوضح.
# احتجوا بالإطلاقات، مثل قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: " فيما سقت
~~السماء والأنهار إذا كان سيحا أو كان بعلا العشر، وما سقت السواني أو
~~الدوالي أو يسقى بالغرب فنصف العشر " (1).
# وفيه أولا: منع الإطلاق والعموم بالنسبة إلى جميع شؤون المطلق والعام،
~~فإن الظاهر في تلك الأخبار ملاحظة أفراد الصنفين مما فيه العشر ونصف العشر،
~~يعني في كل نصاب يندرج تحت هذا القسم العشر، وفي كل نصاب يندرج تحت الآخر
~~نصف العشر، لا ملاحظة جميع أجزاء كل منهما، وليس في الأخبار ما يدل على أن
~~في كل ما سقت السماء عشر جميعه، وكما يحتمل كون اللام في العشر عوض الإضافة
~~يحتمل كونها للعشر المعهود، وهو ما يؤدى بعد وضع المؤن. سلمنا، لكنها مخصصة
~~بما ذكرنا من الأدلة.
# ومن العجائب: أن الشيخ ادعى إجماع العلماء كافة إلا عطاء من العامة على
~~عدم اخراج شئ سوى خراج السلطان (2)، والظاهر أنه وهم بعد ملاحظة الشهرة بين
~~القدماء والمتأخرين، حتى هو أفتى في النهاية موافقا للمشهور (3).
# وكيف يستثني من إجماع العلماء كافة عطاء من العامة فقط مع تصريح شيخه
~~المفيد في المقنعة (4) والصدوق في الفقيه (5) ولا يعتني بفتواهما أصلا.
# ولو فرض تسليم إمكان تحقق هذا الاجماع في زمان عطاء، واطلاع الشيخ عليه
# PageV04P103
# دون المفيد والصدوق، والقول بأن خروجهما لا يضر، فالظاهر أنه إجماع انعقد
~~على مستند صدر من باب التقية، لأنه مذاهب الفقهاء الأربعة، فلا اعتماد عليه
~~أيضا.
# وأغرب من ذلك دعوى يحيى بن سعيد أيضا الاجماع من غير عطاء أيضا (1)، فإن
~~اشتهار الفتوى باخراج المؤن بعد الشيخ في غاية الوضوح، حتى ابن إدريس لم
~~ينقل الخلاف في المسألة (2)، والمتأخرون عن الشيخ، كالفاضلين (3) وغير هما
~~(4) لم يعتنوا بدعوى الشيخ الاجماع، حتى أن العلامة قال في التحرير بعد ms0991
~~الفتوى باخراج المؤن:
# وللشيخ - رحمه الله - هنا قول ضعيف (5).
# وبالجملة الظاهر أن مثل هذا الاجماع لا أصل له، والإطلاقات مع غاية
~~الكثرة إذا هجرها جل الأصحاب، سيما مع عدم ظهور خبر صريح لمذهبهم مما يضعف
~~التمسك بها جدا.
# والحاصل أن الشهرة الكذائية - مع ما ذكرنا من الأدلة - تكفي في ترجيح
~~المشهور، لكن الأحوط عدم وضع مؤونة ما قبل تعلق الوجوب، وغاية الاحتياط عدم
~~وضع شئ من المؤن.
# ثم إن صاحب المدارك أيد مختاره بالفرق الوارد في الأخبار وكلام الأصحاب
~~بين ما سقي بالسيح والبعل والعذي، وما سقي بالدوالي والسواني بالعشر ونصف
~~العشر، فإنه لو كان وضع المؤن ثابتا لما كان لهذا الفرق وجه; لعدم التفاوت
~~في المؤن بين القليلة والكثيرة (6).
# PageV04P104
# قال: ومن ثم احتمل الشهيد في البيان اسقاط مؤونة السقي لأجل نصف العشر،
~~واعتبار ما عداها (1).
# ولا شهادة فيه لما ذكره، فإنه لم يظهر من الروايات أن ذلك من جهة اعتبار
~~مؤونة السقي وكثرتها، وإلا فقد تكون سائر المؤن فيما سقت الأنهار أكثر،
~~سيما فيما يستقي من القنوات والأنهار العظيمة البعيدة المحتاجة إلى التقنية
~~(2) والحفر.
# ومع الإغماض عن أن ذلك تعبد، ولا تبلغ العقول إلى غالب أحكام الشرع، أنه
~~يمكن أن يكون السر في ذلك قلة الغلة الحاصلة من أمثال هذه الأدوات، واحتياج
~~أصحابها إلى الغلة لأجل القوت، سيما فيما يصعب التحصيل من الخارج، إرفاقا
~~عليهم.
# وينبغي التنبيه لأمور:
# الأول: إنه على القول باخراج المؤن هل يعتبر اخراج المؤن بعد النصاب،
~~فيزكى ما بقي من النصاب وإن قل، أو تخرج المؤن وسطا ثم يعتبر النصاب، أو
~~تخرج المؤن الحاصلة قبل تعلق الوجوب ثم يعتبر النصاب، فتخرج منه المؤن
~~اللاحقة، ثم يزكي ما بقي؟ أقوال، أحوطها الأول، وأظهرها - بالنظر إلى الأصل
~~ومقتضى تعلق الزكاة بالنماء والفائدة - الثاني، وهو ظاهر الأكثر.
# ووجه الثالث: عدم تعلق الزكاة بالمؤن السابقة بالفرض، وأن زكاة المؤونة
~~تصرف في مؤونة الزكاة في اللاحقة، فكأن الزكاة تعلقت بمجموع ما عدا المؤن
~~السابقة.
# الثاني: ظاهر أكثر الأصحاب وصريح الفاضلين ms0992 في المنتهى والتحرير والمعتبر
~~أن الخراج يخرج وسطا ثم يعتبر النصاب (3)، وجعله الشهيد الثاني - رحمه الله
~~- من المؤن المتعلقة بعد تعلق الوجوب، فيعتبر النصاب قبله، فتجب الزكاة بعد
~~اخراجه وإن بقي
# PageV04P105
# أقل من النصاب (1)، ولا أعرف له وجها.
# وأما الدليل على المشهور: مضافا إلى نفي الخلاف كما يظهر من المعتبر
~~والمنتهى (2)، أن حال الخراج والمقاسمة حال أحد الشريكين في الزرع; لكونه
~~شريكا في الثلث أو العشر مثلا كالمزارعة.
# ولعل السر في عدم تعلقها بمال الخراج وإن بلغ حد النصاب مع ذلك: عدم
~~انحصار مالكه، وعدم بلوغ نصيب كل من أربابه النصاب; لكونه لجميع المسلمين.
# وتدل عليه حسنة أبي بصير ومحمد بن مسلم المتقدمة (3).
# وروايتان للبزنطي الناطقتان بأن الزكاة على المتقبلين في حصصهم، وفي
~~إحداهما: " وكان للمسلمين، وعلى المتقبلين في حصصهم العشر ونصف العشر، وليس
~~في أقل من خمسة أوساق شئ من الزكاة " (4).
# الثالث: الخراج المستثنى في الزكاة هو الحق الثابت للمسلمين في الأراضي
~~الخراجية المفتوحة عنوة، أو ما صالح السلطان أهلها على أن تكون الأرض
~~للمسلمين وعليهم الجزية.
# والأمر فيه إلى الإمام، فيصرفه في مصالح المسلمين العامة.
# ومع غيبة الإمام تجري تصرفات الجائر من المخالفين مجرى تصرفات الإمام.
# وأما الجائر منا ففيه إشكال، ولا يبعد وضع الخراج الذي يأخذه من باب
~~المؤن; لعدم إمكان الزرع بدونه، مع ما يمكن استشعار جريان حكم المخالفين
~~فيهم بإشعار بعض الأخبار بالتعليل والتنبيه مع لزوم العسر والحرج.
# PageV04P106
# والأظهر عندي: أن إذن الحاكم الشرعي منا في الخراج تنوب مناب إذن الإمام
~~العادل، ولا يبعد القول به في صورة تسلط الجائر المخالف أيضا، فلو أمكن
~~المدافعة والإنكار والجحود وإيصال الحق إلى مستحقه برأي الحاكم الشرعي بدون
~~فساد وضرر فيجوز، بل يجب، خلافا لما نقل عن ظاهر الأصحاب، وادعي عليه
~~الاجماع من عدم جواز المذكورات بقول مطلق.
# وتحقيق الخراج والأراضي الخراجية ومعاملاتها قد استقصيناه في كتاب
~~المكاسب من مناهج الأحكام.
# الرابع: المراد بالمؤن ما يغرمه المالك على الغلة مما يتكرر كل سنة عادة;
~~وإن كان قبله، كأجرة ms0993 الحرث، والسقي، والحفظ، والأرض وإن كانت غصبا ولم ينو
~~إعطاءها، والبذر وإن كان ماله المزكى، وما ينقص من الآلات.
# ولو زرع مع الزكوي غيره وقصدهما معا أولا وزع عليهما، إلى غير ذلك مما
~~فصله الشهيد الثاني (1) والمحقق الشيخ علي رحمه الله (2).
# وعن جماعة من الأصحاب: أن ثمن الثمرة إذا اشتراها من دون الشجرة على وجه
~~يصح من جملة المؤن (3).
# الخامس عشر: كلما سقي من الغلات والثمار سيحا (4) أو بعلا (5) أو عذيا
~~(6) ففيه العشر.
# وما سقي بالدوالي (7) والنواضح (8) وأمثالهما مما تحتاج فيه ترقية الماء
~~إلى الأرض إلى
# PageV04P107
# آله نصف العشر; بالإجماع والأخبار المستفيضة، مثل صحيحة الحلبي (1)،
~~وصحيحة زرارة وبكير (2)، وصحيحة زرارة الأخرى (3).
# وإن اجتمع الأمران فيعتبر الأكثر، والظاهر أنه إجماعي، ولم ينقل فيه خلاف
~~إلا عن بعض العامة، فاعتبر التقسيط (4).
# وتدل عليه حسنة معاوية بن شريح، عن أبي عبد الله عليه السلام (5).
# وفي اعتبار الأكثرية بالعدد أو الزمان أو النفع والنمو أوجه، بل أقوال.
# والتحقيق: أن الرواية واردة على المتعارف المعتاد، فيسقط اعتبار السقيات
~~المتعددة المتوالية في زمان قليل، ومرور الأيام الكثيرة الخالية عن السقي
~~مع الحاجة، والاعتبار به، فلا يعتبر مطلق العدد، ولا مطلق الزمان.
# وأما التعدد المعتاد فلا ينفك عن النمو والنفع، والنمو تابع للوقت من حيث
~~التنمية والتقوية وعقد الحب والإدراك.
# فالمعتبر: هو ما أوجب أولوية نسبة الغلة إليه، فانتساب الغلة إلى السيح
~~والبعل أو النواضح والدوالي تابع للنفع والنمو بهما، وهو يحصل بالسقي
~~المعتاد في الزمان المعتاد.
# فجعل المعيار هو النفع والنمو - كما اختاره العلامة وولده - أقرب.
# PageV04P108
# وإن تساويا فمن النصف العشر، ومن النصف الآخر نصف العشر بلا خلاف، وادعى
~~عليه إجماع العلماء في المنتهى (1)، فالمجموع ثلاث أرباع العشر.
# وقيل: جزء من خمسة عشر جزءا، ولم أعرف وجهه.
# السادس عشر: إذا تعلق الوجوب بالمال ثم مات المالك فتخرج من أصل المال;
~~بالإجماع، والأخبار، مثل حسنة معاوية بن عمار (2)، وموثقة عباد بن صهيب
~~(3).
# وهذا الحكم ثابت ولو كان عليه دين يساوي مع الزكاة أصل التركة.
# ولو ضاقت التركة ms0994 عن المجموع، فالأصح الأشهر تقديم الزكاة مع بقاء العين
~~لتعلقها بالعين قبل تعلق الدين بها، وقيل: يجب التحاص (4) و (5)، وهو ضعيف.
# أما مع فقد العين فيتعين التحاص.
# ولو فقدت بعد الموت فيذهب حق الفقراء، ولا يشتركون مع الغرماء، فيرجع فيه
~~إلى المتلف إن وجد.
# ولو مات المالك وعليه دين مستوعب قبل ظهور الثمرة ثم ظهرت الثمرة وبلغت
~~حد الوجوب قبل أداء الدين، فإن قلنا ببقاء التركة على حكم مال الميت، فلا
~~زكاة على الميت; لعدم التكليف، ولا على الوارث; لعدم الملكية.
# وإن قلنا بانتقاله إلى الوارث فالزكاة عليه، ولا يتعلق بها الدين فيما
~~قطع به الأصحاب; لأنها ليست جزءا من التركة، هكذا ذكره في المدارك (6).
# PageV04P109
# وفيه نظر; لأن التركة إذا كانت مستوعبة للدين ولم تضق عنه، وفرض كون
~~الثمرة زائدة، فهي ملك الورثة على القولين; لاستحالة بقاء الملك بلا مالك،
~~فهو كشراء الثمرة قبل بلوغ وقت الوجوب بدون الشجرة كما مر، فما وجه نفي
~~الوجوب مطلقا؟!
# إلا أن يقال: إنه على القول بكون المال للميت فهو باق عليه حتى يؤدي
~~الدين، ونماؤه تابع له، ولا منافاة بين كون المال حينئذ زائدا على الدين
~~وعدم انتقاله إلى ملك الوارث; لاحتمال تلف بعضه قبل أداء الدين.
# مع أن التحقيق في المسألة: أن المال باق على ملك الميت، سواء كان الدين
~~مستوعبا لأصل التركة في أول الأمر أو لا، ولا ينتقل إلى الوارث إلا بعد
~~أداء الدين، وإن قلنا بجواز التصرف فيه، وقد حققنا ذلك في رسالة مفردة.
# ولو مات بعد ظهور الثمرة وقبل وقت الوجوب، وأن وقت الوجوب قبل أداء
~~الدين، فعلى القول الأول لا زكاة على أحدهما.
# وعلى ما أوردنا من النظر فلا بد أن يقيد ذلك أيضا بما لو لم تحصل زيادة
~~في العين والثمرة بحسب النماء أو السوق قبل زمان تعلق الوجوب بحيث يصدق
~~بلوغ النصاب منها في ملك الوارث حد الوجوب، ويندفع بما ذكرناه أخيرا.
# وعلى القول الثاني، قال في المدارك: فيه أوجه، ثالثها أنه إن تمكن من ms0995
~~التصرف في النصاب ولو بأداء الدين من غير الزكاة وجبت عليه، وإلا فلا (1).
# أقول: والوجه الثالث أوجهها، والفرق بين هذا القسم وما قبله، مع تساويهما
~~في دخول وقت الوجوب في مال الوارث، أن حق الديان تعلق بالثمرة في القسم
~~الأخير ولو من باب جناية العبد، فيكون ملك الوارث غير تام، بخلاف القسم
~~الأول.
# ثم على القول بالوجوب; فالأظهر أنه لا يغرم العشر للديان كما اختاره في
# PageV04P110
# المدارك (1); لأن الوجوب قهري كنقص القيمة السوقية والنفقة على التركة.
# وقيل: يغرم; لسبق حق الديان (2)، وهو ضعيف.
# PageV04P111
# خاتمة في بعض أحكام ما تستحب فيه الزكاة وفيها مباحث:
# الأول: قد عرفت سابقا استحباب الزكاة في كل ما يدخل الكيل من الحبوب ما
~~سوى الغلات الأربع، فاعلم أن كل ما مر من الشرائط جار فيها، من اعتبار
~~النصاب، ومقداره، ومقدار الفريضة، واعتبار السقي بالإجماع (1) والأخبار
~~(2)، وقد مر بعضها.
# الثاني: قد مر استحباب الزكاة في مال التجارة، وهو المال الذي ملكه بعقد
~~معاوضة قاصدا للاكتساب عند التملك.
# وهذا اصطلاح فقهي في هذا القسم من المال، كاصطلاح البئر في مبحثه، وكذا
~~الحيض والنفاس، فليس مما ينتقل بميراث أو هبة أو بصلح دم أو صداق أو نحو
~~ذلك شئ، ولا فيما قصد به القنية.
# PageV04P112
# وكل هذه القيود مستفادة من الأخبار (1); لاعتبارها فيها مع أصالة العدم
~~في غيرها، فإن موارد الأخبار ما أمسك المتاع طلبا لرأس المال أو الفضل، وهو
~~ظاهر في عقد المعاوضة.
# ومن ذلك يظهر استفادة قصد الاكتساب أيضا منها، بل استمراره طول الحول،
~~ولم ينقلوا خلافا في جميع ذلك.
# نعم، الإشكال في اعتبار مقارنة القصد للتملك، ولم ينقل في المعتبر فيه
~~الخلاف أيضا، إلا عن بعض العامة، فقال: تتعلق الزكاة بمال القنية إذا قصد
~~به التجارة (2)، وذهب إليه بعض المتأخرين (3). والأول أظهر; لأنه إنما هو
~~الظاهر من الأخبار، فإن طلب رأس المال والفضل ونحوهما المذكور فيها ظاهر
~~فيما وقعت المعاملة بقصد التجارة، ولا دليل على اعتبار غيره.
# بيان ذلك: أن رأس المال لا يطلق على قيمة ما ms0996 اشتراه للقنية، وقصد التجارة
~~بالمال في البين لا يوجب كون إطلاق رأس المال على الثمن حقيقة، بل هو مجاز;
~~لاشتراط التلبس بالمبدأ في المشتق، وهو حين الاشتراء لم يكن متلبسا بهذا
~~الوصف، ولا فرق في ذلك بين الجامد والمشتق.
# الثالث: يشترط فيه النصاب، وحؤول الحول على النصاب، وأن لا يطلب بنقيصة
~~ولو قليلا; بلا خلاف في ذلك كله من الأصحاب.
# والنصاب فيه هو النصاب في النقدين بلا خلاف ظاهرا، وهو الظاهر من الأخبار
~~(4)، فإن الظاهر منها أن المتاع قائم مقام النقد الذي اشتراه به، فيثبت فيه
~~النصابان معا.
# PageV04P113
# وعدم اعتبار العامة فيه النصاب الثاني إنما هو لعدم اعتبارهم ذلك في
~~النقدين.
# ولو كان مال التجارة ماشية أو زرعا فالمعتبر في النصاب هو القيمة التي
~~اشتراه بها، سواء وافق نصاب الماشية والزرع، أو خالفهما زيادة أو نقصانا.
# وأما الحول، فيدل عليه الاجماع (1) والأخبار، مثل حسنة محمد بن مسلم، عن
~~الصادق عليه السلام، وفي آخرها قال: وسألته عن الرجل يوضع عنده الأموال
~~يعمل بها، قال: " إذا حال عليه الحول فليزكها " (2).
# وروايته الأخرى أيضا، أنه قال: " كل مال عملت به فعليك فيه الزكاة إذا
~~حال عليه الحول " (3).
# ثم في اشتراط بقاء السلعة طول الحول وعدم تبادلها وعدمه قولان، أشهرهما
~~الثاني، وادعى عليه العلامة (4) وولده (5) الاجماع.
# ونقل في المدارك عن ظاهر المفيد والصدوق الأول (6)، وهو صريح المعتبر
~~(7)، واختاره هو مستدلا عليه بظاهر الأخبار الكثيرة المتضمنة لثبوت الزكاة
~~على السلعة الباقية طول الحول (8).
# وأنت خبير بأنها لا تنفي تعلق الزكاة بالأعيان المتبادلة، بل غايتها
~~إثبات الزكاة فيما ذكره.
# PageV04P114
# مع أن ظاهر روايتي محمد بن مسلم المتقدمتين هو كفاية التبادل، والإجماعان
~~المنقولان يعضدانهما، فهو أظهر.
# وأما أن لا ينقص المتاع عن رأس المال، فهو إجماعي أيضا كما نقله في
~~المعتبر (1)، وتدل عليه الأخبار أيضا (2).
# فإذا بلغ رأس المال فيستأنف الحول حينئذ.
# نعم، إذا مضى سنون وهو على النقص تستحب زكاته لسنة; لموثقة العلاء عن أبي
~~عبد الله عليه السلام (3).
# الرابع: زكاة التجارة تتعلق بالعين لا بالقيمة ms0997 كما اختاره الفاضلان (4)
~~وغيرهما; لظاهر الأخبار، مثل قولهم عليهم السلام: " فعليك فيه الزكاة إذا
~~حال عليه الحول "، و " إذا حال الحول فليزكها " ونحو ذلك، سيما مع ما مر في
~~زكاة المال، وحينئذ فالإخراج من القيمة بدل مجوز.
# وذهب الشيخ (5) وأتباعه (6) إلى تعلقه بالقيمة; لرواية إسحاق بن عمار "
~~كل عرض فهو مردود إلى الدراهم والدنانير " (7) ولأن النصاب يعتبر بالقيمة
~~فتجب الزكاة فيها.
# ودلالة الأولى ممنوعة وكذا ملازمة الثانية.
# PageV04P115
# وذكروا لوجه الثمرة وجوها:
# منها: ما لو زادت القيمة بعد الحول، فعلى المختار يخرج ربع عشر المال،
~~وعلى المشهور ربع عشر القيمة عند تمام الحول.
# ومنها: جواز بيع السلعة بعد الحول وقبل اخراج الزكاة أو ضمانها، فيجوز
~~على المشهور دون المختار.
# وفيه نظر; إذ المراد بالتعلق بالعين هنا نظير ما حققناه في زكاة المالية
~~في قوله عليه السلام:
# " في خمس من الإبل شاة " (1) فهو لا ينافي التعلق بالقيمة، وليس معنى
~~التعلق بالقيمة التعلق بالذمة كما لا يخفى.
# ومنها: التحاص وعدمه ولو قصرت التركة.
# وفيه أيضا النظر السابق، فلا يجوز التحاص على المشهور أيضا.
# ثم إن كان رأس المال غير النقدين، فتعتبر القيمة بالنقد الغالب، وملاحظة
~~النصاب ووجود رأس المال في الحول بالنسبة إليه.
# ولو تساوى النقدان في غلبة المعاملة فبأيهما بلغ النصاب يقوم به، وإن كان
~~أحد النقدين أو كليهما، فيقوم بما اشتراه به، كما صرح به جماعة من الأصحاب.
# ويظهر من المحقق في الشرائع: التخيير بين الدراهم والدنانير مطلقا (2)،
~~وتدل على الأول ملاحظة رأس المال في الأخبار، وهو إنما يعلم بالتقويم بما
~~اشتراه به، فإن بلغ النصاب بالدراهم دون الدنانير، وكان رأس المال هو
~~الدنانير، فلا زكاة، وكذا العكس.
# وعلى فرض ثبوتهما معا، فإن لم يبلغ كل منهما منفردا النصاب فلا زكاة، وإن
~~بلغ بأحدهما دون الآخر فهو المعتبر.
# PageV04P116
# الخامس: إذا كان مال التجارة عينا زكوية، واجتمعت فيها شرائط الزكاتين،
~~فالمعروف من المذهب المدعى عليه الاجماع من غير واحد عدم اجتماع الزكاتين
~~(1); لقوله عليه السلام: " لا يثنا في صدقة " (2).
# وقول الباقر عليه ms0998 السلام في حسنة زرارة: " لا تزكي المال من وجهين في عام
~~واحد " (3).
# ونقل في الشرائع قولا بثبوتهما معا، هذه وجوبا وهذه استحبابا (4)، وهو
~~ضعيف.
# ثم إن المفروض ههنا عامين تعارضا من وجه، والقاعدة الرجوع إلى المرجحات،
~~أما على المشهور من القول باستحباب الزكاة في مال التجارة فتتعين الزكاة
~~العينية; لتقدم الوجوب على الاستحباب، وظاهر التذكرة الاجماع (5).
# وعلى القول بالوجوب فقيل: بتقديم العينية (6) و (7)، وقيل: بالتخيير (8)،
~~وذهب بعض العامة إلى تقديم زكاة التجارة; استنادا إلى بعض الاعتبارات
~~الضعيفة (9)، ومستند التخيير التساوي في الوجوب.
# والأقوى تقديم العينية، لا لما قيل: إنها تتعلق بالعين فكانت أولى; لعدم
~~ثبوت رجحان من ذلك.
# بل لأن الأدلة الدالة على وجوب الزكاة العينية أقوى وأظهر دلالة وأثبت في
# PageV04P117
# المذهب، بخلاف أدلة زكاة التجارة; فإنها موافقة للعامة، فيحتمل سقوطها
~~رأسا كما تشعر به حكاية تخاصم أبي ذر وعثمان (1) و (3)، وبعد العمل عليها،
~~فالوجه حملها على الاستحباب لما مر، فدلالتها على الوجوب على فرض التسليم
~~ليست بمثابة دلالة تلك الأدلة مع كونها إجماعية، وكون هذه خلافية.
# مع أن المتبادر من أخبار زكاة التجارة أن مال التجارة غير الأعيان
~~الزكوية من الأمتعة الآخر، فلاحظ الأخبار وتأملها (3).
# نعم، في قوية خالد بن الحجاج الكرخي (4) ما لا يمنع استفادة الإطلاق
~~والعموم، ولكن لا تعارض ما ذكرنا.
# ولو عاوض نصابا زكويا من مال التجارة بآخر في أثناء الحول، فمقتضى ما
~~قدمناه " من أن تبدل مال التجارة في أثناء الحول لا يضر في تعلق زكاة
~~التجارة، وأنه يضر في الزكاة العينية " سقوط الزكاة العينية، وتعلق زكاة
~~التجارة.
# ثم إن بقي النصاب المذكور بعد التبادل حولا تاما من حين التبادل فتتعلق
~~به زكاة التجارة حين تمام الحول من أول تملك النصاب الأول.
# وفي اعتبار ما انقضى من المدة، من ابتداء تملك النصاب الثاني في حول
~~الزكاة العينية وعدمه، احتمالات تقدم نظيرها في زكاة الحيوان، والأظهر عدم
~~الاعتبار، لاستلزام الثنيا في الصدقة، وكما أن الحول الواحد لا يعتبر في
~~الزكاتين فكذا بعضه.
# PageV04P118
# لا يقال: إن مقتضى ms0999 أدلة زكاة التجارة وإن كان الثبوت عند تمام الحول
~~مطلقا، لكن الأدلة الدالة على جريان النصاب في الحول في الزكاة العينية (1)
~~يقتضي اعتباره من ابتداء التملك، فيقع الإشكال في تقديم إلحاق الزمان
~~الحاصل بعد تملك الثاني بمال التجارة أو احتسابه للعينية، فلا بد من الرجوع
~~إلى المرجحات، والمرجح للعينية كما تقدم.
# لأنا نقول: تعلق الزكاة العينية إنما يعلم بعد حؤول الحول، والجريان في
~~الحول من أول الملك معناه أن معرفة الحول تحصل بملاحظة أول التملك; لأن
~~الوجوب يتعلق به أول التملك، ولذلك نقول: إذا تساوقت زكاة التجارة والعينية
~~في الحول فيكون مراعى إلى آخر الحول، فإن نقص شئ من النصاب في أثناء الحول
~~بالنسبة إلى العينية ولم ينقص بالنسبة إلى زكاة التجارة فتتعلق به زكاة
~~التجارة عند تمام الحول. مع أن في أول الأمر أجرينا النصاب في حول الزكاة
~~العينية، فنقول فيما نحن فيه: إذا تم حول زكاة التجارة، فتتعلق به; لعدم
~~العلم ببقاء النصاب على شرائطه إلى آخر حول الزكاة العينية، وإذا تعلق يلزم
~~العمل على مقتضاه، ثم يبدأ بالحول للعينية.
# السادس: قالوا: تستحب الزكاة في حاصل العقار المتخذ للنماء من البساتين
~~والخانات والحمامات (2).
# وفي اشتراط الحول والنصاب وجهان، بل قولان، نفاهما في التذكرة للعموم
~~(3).
# واستقرب اعتبارهما في البيان (4)، قال في المدارك: ولا بأس به اقتصارا
~~فيما خالف الأصل على موضع الوفاق إن تم، قال: وعلى هذا فإنما يثبت
~~الاستحباب فيه.
# PageV04P119
# إذا كان الحاصل عرضا غير زكوي، أما لو كان نقدا فالزكاة تجب فيه مع
~~استجماع الشرائط، ويسقط الاستحباب (1)
# PageV04P120
# المقصد الثالث في مصرف الزكاة هو ما وصفه الله تعالى في قوله تعالى: *
~~(إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * (1) الآية.
# وفيه مباحث:
# الأول: اختلف الأصحاب - كأهل اللغة - في ترادف الفقير والمسكين
~~وتغايرهما، وكون الأول أسوأ حالا من الثاني، وبالعكس، وغير ذلك; على أقوال،
~~ليس لأكثرها ما يعتمد عليه.
# والأظهر: كون المسكين أسوأ حالا من الفقير، وأنه المحتاج الذي يسأل،
~~والفقير هو المحتاج الذي لا يسأل، كما نص عليه الصادق عليه السلام في ms1000 حسنة
~~أبي بصير (2)، وأحدهما عليهما السلام في صحيحة محمد بن مسلم (3).
# PageV04P121
# وتظهر ثمرة النزاع فيما لو نذر أن يعطي شيئا للفقير أو المسكين، أو أوصى
~~لأحدهما.
# وأما على القول بوجوب البسط على الأصناف الثمانية أو نذر أن يبسطها عليهم
~~فلا ثمرة; إذ يكفي الإيصال إلى الصنفين المترددين بين الاسمين، وإن لم
~~يعرفهما متعينا. نعم يلزم وجود الصنفين المترددين.
# وقال في المسالك: متى ذكر أحدهما دخل فيه الآخر بغير خلاف كما في آية
~~الكفارة (1)، وإنما الخلاف فيما لو اجتمعا كآية الزكاة (2) لا غير (3).
# والظاهر أن مراده من دخول أحدهما في الآخر: كفاية إعطاء كل منهما عن
~~الآخر، فإنه لا معنى للوفاق والخلاف في حقيقتهما في المواضع، والخلاف في
~~آية الزكاة لعله إنما هو من بعض العامة.
# الثاني: الحد الذي يسوغ أخذها للصنفين هو أن لا يملك مؤونة سنة من ربح
~~ماله، أو حاصل ضيعته، أو من أصل ماله الذي هو غير مستغل، ورأس ماله الذي هو
~~مدار معيشته; كما يستفاد من ملاحظة الجمع بين الأخبار.
# فلو كانت ضيعته التي يكفي حاصلها في كل سنة لمؤونة سنته، ولكن قيمتها
~~تساوي مؤونة أكثر من سنة له; لا يجب بيعها وصرفها، بل يحبسها ويصرف حاصلها
~~في مؤونته، ويجوز له أخذ الزكاة مع ذلك لو قصر عنها، وكذلك دابة المكاري
~~والجمل الذي يستقي به.
# وأما لو كان له ضيعة لا يستغل بها مثلا، وكانت قيمتها مساوية لمؤونة سنته
~~فلا يجوز له أخذ الزكاة، فيبيعها ويصرفها.
# PageV04P122
# وهذا هو حاصل ما يستفاد من الأخبار الكثيرة، مثل صحيحة معاوية بن وهب
~~(1)، وموثقة سماعة (2)، ورواية أبي بصير (3) وغيرها من الأخبار الكثيرة
~~(4). والمستفاد من كلمات أصحابنا المتأخرين، وهو الجامع بين كلاميهم،
~~أحدهما: أن الغني من ملك من الأموال ما يكون قدر كفايته لمؤونته طول سنته
~~على الاقتصاد، والآخر: ما ذكروه من جواز تناول الزكاة لمن كان له مال يتعيش
~~به أو ضيعة يستغلها إذا كان يعجز عن استنماء الكفاية.
# ويدل على أن من ملك مؤونة سنته لا يجوز له أخذ ms1001 الزكاة روايات، منها حسنة
~~أبي بصير في الكافي (5)، وروايتان مذكورتان في المقنعة (6) والعلل (7).
# وقال في الخلاف: الغني من ملك نصابا تجب فيه الزكاة أو قيمته (8)،
~~ومقتضاه أن من كان له نصاب واحد لا يكفيه في شهر ليس بفقير.
# وقال في المبسوط ما حاصله: إن الغنى أن يكون قادرا على كفايته وكفاية من
~~تلزمه كفايته على الدوام ولو بحرفة وصنعة ترد عليه كفايته (9).
# PageV04P123
# ومقتضاه: أن من كان له من المال ما يكفيه سنين متعددة من غير ما يتعيش به
~~من رأس المال ويستغل به من العقار فهو فقير يجوز له أخذ الزكاة، وهو بعيد،
~~ولذلك قال في المختلف: إن مراده بالدوام هنا مؤونة السنة (1) قول الخلاف
~~أيضا ضعيف.
# وربما يستدل له: بما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لمعاذ: "،
~~وأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم " (2) وهو ضعيف
~~سندا ودلالة (3)، ولعل إطلاق الغني هنا محمول على الغالب، أو اصطلاح جديد
~~فيمن تجب عليه الزكاة، فلا ينافي إطلاق الفقير عليه من جهة معناه العرفي
~~واللغوي.
# ثم إن من يقدر على اكتساب ما يمون به عياله، كسبا لائقا بحاله، لا يوجب
~~ارتكابه عسرا وحرجا، والمحترف كذلك; غني وإن لم يحصل عنده بالفعل ما يكفيه
~~على المشهور الأقوى; لأنه ليس بفقير عرفا، ولحسنة زرارة عن أبي جعفر عليه
~~السلام قال، سمعته يقول: " إن الصدقة لا تحل لمحترف، ولا لذي مرة سوي قوي،
~~فتنزهوا عنها " (4).
# وروى صاحب معاني الأخبار في الصحيح عن زرارة عنه عليه السلام قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي، ولا
~~لمحترف، ولا لقوي " ثم قال، قلت: ما معنى هذا؟ قال: " لا يحل له أن يأخذها
~~وهو يقدر على أن يكف نفسه عنها " (5).
# قال: وفي حديث آخر عن الصادق عليه السلام أنه قال، قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: " لا تحل الصدقة
# PageV04P124
# لغني " ولم يقل: ولا لذي مرة سوي (1). وروى مضمون الحديث الأخير في
~~الفقيه (2).
# وروى في ms1002 الكافي في الصحيح عن معاوية بن وهب قال، قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام:
# يروون عن النبي صلى الله عليه وآله أن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة
~~سوي، فقال أبو عبد الله عليه السلام:
# " لا تصلح لغني " (3).
# ويمكن أن يكون الوجه في هذه الأخبار: أن " الغني " يكفي عن القوي، وعن ذي
~~مرة سوي، فلا حاجة إلى التكرار. وربما يحمل نفي الأخير على التقية.
# وقيل: يجوز إعطاؤها للمكتسب من غير اشتراط قصور كسبه; لأنه غير واجد
~~للكفاية وغير مالك للنصاب (4). ولا يخفى ضعفه بعد ما تقدم.
# ويجوز للمكتسب أخذها إذا وجب عليه التفقه الغير المجامع للكسب; لوجوبه
~~مطلقا. والظاهر أنه كذلك أيضا في القدر الكفائي من الاجتهاد وتحصيل مبانيه،
~~فإن هذا الفن يحتاج دائما إلى اشتغال جماعة في تحصيله; لكثرة السوانح
~~الرادعة، وحصول الفوت قبل البلوغ إلى المقصد لكثير، فقد ترى في كل زمان
~~جمعا كثيرا في كل بلد مشتغلون في تحصيل هذا الشأن، ومع ذلك لا يكمل منهم
~~مقدار ما يكفي العوام.
# فلا يمكن أن يقال: يسقط الواجب الكفائي بتحصيل رجل واحد واشتغاله أو
~~اثنين أو ثلاثة، سيما مع عدم استعداد كل منهم استعدادا يغلب على الظن بلوغه
~~مرتبة الاجتهاد.
# ثم إن المكتسب لو قصر كسبه عن كفايته، جاز له الأخذ إجماعا، بل ويجوز
~~أخذه مقدار الغنى وأزيد منه دفعة كسائر الفقراء، ولا يجب الاقتصار على
~~المتمم على
# PageV04P125
# المشهور; لإطلاق الأخبار الدالة على ذلك.
# و ولا ينافيها مفهوم صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة، مع أنها وردت فيمن
~~قصر نفع تجارته من مؤونته، لا في ذي الكسب القاصر.
# الثالث: لا يمنع الفقير من أخذ الزكاة كونه صاحب دار أو خادم لائقين
~~بحاله، إذا كان شأنه أن يكون له خادم، أو اضطر إليه; لزمانته ورفع حاجته،
~~ولا يكلف بقبول بذل الدار والخدمة من غيره، ولا بالاستيجار وبيع داره
~~وخادمه.
# وألحق بهما في التذكرة فرس الركوب وثياب التجمل، قال: ولا نعلم فيه
~~خلافا، لإمساس الحاجة إلى هذه الأشياء، وعدم الخروج بها ms1003 عن حد الفقر إلى
~~الغنى (1).
# ويدل على خصوص الدار والعبد والأمة والجمل أخبار، مثل موثقة سماعة (2)
~~وصحيحة عمر بن أذينة عن غير واحد (3)، ورواية عبد العزيز (4).
# والظاهر أن مثل ما ذكر الفرش والظروف والآلات الضرورية اللائقة بحاله،
~~وكتب العلم المحتاج إليها; لصدق الفقر معها، وللعلة المنصوصة في رواية عمر
~~بن أذينة " أن الدار والخادم ليسا بمال ".
# ولا فرق في الدار بين الرفيع العالي القيمة والوضيع، وكذلك العبد والأمة
~~وغيرهما إذا لم يخرج عما يليق به، ولا يؤمر ببيعها وشراء ما يرفع حاجته;
~~للأصل،
# PageV04P126
# وإطلاق النصوص، ونفي العسر والحرج.
# نعم، لو كان له زيادة يمكن بيعها مستقلا وترفع حاجته حولا من دون عسر
~~فالأظهر الوجوب عليه.
# قيل: ولو فقد المذكورات واحتاج إليها استثنيت له أثمانها، وكذلك ما يحتاج
~~إليه (1) في التزويج لو احتاج إليه، وهو حسن.
# الرابع: لو ادعى أحد الفقر وجهل حاله; فالمعروف من مذهب الأصحاب - بل
~~الظاهر من الفاضلين الاجماع عليه - أنه يصدق من دون بينة ويمين، قويا كان
~~أو ضعيفا (2)، لأن أفعال المسلمين وأقوالهم محمولة على الصحة والصدق، ولأن
~~الدعوى موافقة للأصل، وقبولها موافق لنفي العسر والحرج.
# ونقل في المبسوط في قبول دعوى القوي الحاجة لأجل عياله قولين، ثانيهما
~~عدم القبول، إلا بالبينة وجعله أحوط (3)، وقال في المختلف: الظاهر أن
~~القائل من الجمهور (4).
# وكيف كان فالمذهب هو الأول، ويدل عليه أيضا ما رواه في الكافي، عن عبد
~~الرحمن العرزمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى الحسن
~~والحسين عليهما السلام وهما جالسان على الصفا فسألهما، فقالا: " إن الصدقة
~~لا تحل إلا في دين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، ففيك شئ من هذا؟ " قال:
~~نعم، فأعطياه (5) الحديث.
# ومما يدل على القول الآخر: أن الله تعالى أوجب إيصال الزكاة إلى الفقير،
~~وهو اسم لما هو كذلك في نفس الأمر.
# PageV04P127
# ويدفعه: أن هذا الظاهر يقوم مقام العلم، والظاهر أن قيامه مقام العلم لا
~~يختص بصورة العجز عن العلم، كما في سائر أفعال المسلمين وأقوالهم، فلا يتم ms1004
~~أن يقال: إن الأصل يقتضي تحصيل العلم، ومع العجز عنه يرجع إلى الظن.
# ثم إن الظاهر: أن الحكم لا يتفاوت إذا كان له أصل مال (1)، وعن الشيخ:
~~أنه لا يقبل إلا باليمين للاستصحاب (2).
# وربما نقل منه القول بتكليف البينة (3)، والأول أظهر، سيما إذا كان عدلا
~~أو ظهر صدقه من الأمارات.
# الخامس: لا يجب إعلام الفقير أنها زكاة، فيجوز الإعطاء على سبيل الصلة
~~والهدية في الظاهر، وقال في التذكرة: إنه لا نعرف فيه خلافا، ويدل عليه -
~~بعد الأصل (4) وأن النية هي الداعي، وأنه إعزاز للمؤمن، وترك لإذلاله -
~~خصوص رواية عاصم بن حميد، عن أبي بصير، وليس في سندها من يتأمل فيه إلا
~~سهل، والأمر فيه سهل، ورواها في المقنعة مرسلة، ورواها الصدوق بسنده عن
~~عاصم بن حميد، وقال في الخلاصة: إنه حسن لإبراهيم بن هاشم (5)، قال، قلت
~~لأبي جعفر عليه السلام:
# الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ من الزكاة فأعطيه من الزكاة ولا أسمي له
~~أنها من الزكاة؟
# فقال: " أعطه، ولا تسم له، ولا تذل المؤمن " (6) وفي مجالس ابن الشيخ
~~أيضا ما يعضده (7).
# PageV04P128
# ولا تعارض بها حسنة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: الرجل
~~يكون محتاجا فيبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها على وجه الصدقة يأخذه من ذلك
~~ذمام واستحياء وانقباض، أفنعطيها إياه على غير ذلك الوجه وهي منا صدقة؟
~~فقال: " لا، إذا كانت زكاة فله أن يقبلها، فإن لم يقبلها على وجه الزكاة،
~~فلا تعطها إياه " (1) الحديث.
# وحملت على الكراهة (2).
# وربما حملت على كون الامتناع لعدم الاحتياج وانتفاء الاستحقاق، وهو بعيد.
# ويؤيد الكراهة: الأخبار الدالة على أن تارك الزكاة وقد وجبت له، مثل
~~مانعها وقد وجبت عليه، وظاهر أكثرها التحريم.
# والفرق بين الروايتين أيضا واضح، فإن الثانية مشتملة على الامتناع وعدم
~~القبول، بخلاف الأولى; فيستحب عدم الإعلام للمستحيي الغير المانع، ويكره
~~الإعطاء للمترفع الذي يمنع ويرد ولا يقبل.
# ويمكن أن يكون المنع عن الإعطاء في الثانية إذا احتاج إلى التصريح بأنها
~~ليست بزكاة، والأمر بالإعطاء في الأول إذا ms1005 حصلت الكفاية بالسكوت عن الزكاة
~~وغيرها، وإن كان ظاهرها يتراءى منه أنه غير الزكاة.
# وكيف كان فالمذهب الجواز، ولكن الأحوط عدم التصريح بأنه هدية مثلا.
# وأحوط منه ترك قوله: إنه ليس بزكاة; لاستلزامه الكذب المحرم.
# ويحتمل تنزيل الرواية الأخيرة على ما لو احتاج إلى ذلك كما أشرنا، فلا
~~مانع حينئذ من إبقائها على ظاهرها من الحرمة.
# السادس: لو ظهر كون الفقير غنيا، فإن كان عالما بأنه زكاة وأخذ فيحرم
~~عليه،
# PageV04P129
# ويجوز الارتجاع بعينها أو قيمتها لو تلفت; لأنه غاصب، بل يجب لدفع
~~المنكر.
# وإن لم يكن عالما به، فقال في المعتبر: لا يجوز الارتجاع; لأن الظاهر
~~أنها صدقة (1).
# أقول: يعني أن الأصل وإن كان عدم الانتقال إلى الآخذ لزوما، ولكن لما كان
~~الظاهر كونها صدقة والصدقة عقد لازم، فالانتقال من الآخذ ثانيا يحتاج إلى
~~دليل، ومجرد دعوى المعطي لا تنهض دليلا.
# وهذا الكلام يدل على عدم اشتراط الفقر في صحة الصدقة، ويدل عليه ما ذكروه
~~من أن الهبة أعم من الصدقة (2); لأجل اشتراط القربة فيها، ولم يذكروا غير
~~ذلك، بل صرح العلامة في التذكرة في أبواب العطايا بجواز الصدقة على
~~الأغنياء للعموم، بل يظهر منه فيها جواز نذر الصدقة على الأغنياء أيضا (3).
~~وتدل عليه العمومات.
# وروى الشيخ في مجالسه بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: " كل
~~معروف صدقة، إلى غني أو فقير، فتصدقوا ولو بشق التمرة، واتقوا النار ولو
~~بشق التمرة " (4) الحديث.
# ثم إن ما ذكره حسن إذا ظهر كونها صدقة، وأما مع تساوي الاحتمالين فالأصل
~~عدم الانتقال لزوما، غاية الأمر كونها إباحة فيجوز الارتجاع مع البقاء.
# واستقرب في التذكرة جواز الاسترجاع; لفساد الدفع، ولأنه أبصر بنيته (5).
# قال في المدارك: وهو جيد مع بقاء العين وانتفاء القرائن الدالة على كون
~~المدفوع صدقة (6)، وهو كذلك.
# ثم إن ما وجهنا به كلام المعتبر إنما يتم إذا لوحظ حال المرافعة والحكم
~~الظاهري، وهو وجه من وجوه عدم التمكن كما سيأتي، ولكن لا ينهض دليلا على
~~عدم جواز
# PageV04P130
# الأخذ للمالك أو الإمام ms1006 أو الفقير على سبيل التقاص مع بقاء العين.
# وإن تعذر الارتجاع فيبقى في ذمة الآخذ إذا كان غاصبا، ولا شئ عليه إذا لم
~~يكن كذلك.
# وأما المعطي، فليس عليه ضمان إذا كان هو الإمام أو نائبه، بلا خلاف بين
~~العلماء كما في المنتهى (1)، ولأن الأمر يقتضي الاجزاء، فإن التكليف لم
~~يثبت إلا بإعطاء من ظهر فقره.
# وأما لو كان هو المالك، ففيه أقوال (2)، أظهرها أيضا ذلك، وقيل: تجب
~~الإعادة (3); لأنه دفعها إلى غير المستحق كالدين، ولرواية الحسين بن عثمان،
~~عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل يعطي زكاة ماله رجلا وهو
~~يرى أنه معسر فوجده موسرا، قال: " لا يجزي عنه " (4).
# وفيه: أن قياسه بالدين غير مسموع عندنا، سيما مع وجود الفارق، والرواية
~~مرسلة، ولم يعلم أن الإرسال من جهة ابن أبي عمير الواقع في السند، ولا
~~تقاوم القاعدة المسلمة، مع أنها غير صريحة في المطلوب، فلعل رأيه أنه معسر،
~~كان من غير طريق معتبر شرعا، كقول المسلم وفعله، وإن كان ترك الاستفصال
~~يؤيد التعميم.
# وفصل الفاضلان، فلا تجب الإعادة إذا اجتهد وتفحص; لحسنة عبيد بن زرارة
~~(5)، وهي متشابهة الدلالة، وموضع الاستدلال فيها قال، قلت: فإن لم يعلم
~~أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل وقد كان طلب واجتهد ثم علم بعد ذلك
~~سوء ما صنع، قال:
# " ليس عليه أن يؤديها مرة أخرى " (6).
# PageV04P131
# قال الشيخ: وعن زرارة مثله غير أنه قال: " إن اجتهد فقد برئ، وإن قصر في
~~الاجتهاد والطلب فلا " (1).
# ويرد على الحسنة - بعد تشابه الدلالة، وأن الظاهر من أولها أنها أعطاها
~~لغير أهلها عالما، وأن الاجتهاد في تحصيل الأهل الأصل، لا في معرفة الأهل -
~~أن حكم الإمام إنما وقع على ما سأله السائل، فلا يعتبر مفهومه.
# وأما الرواية فمجهولة الحال، مع أنه يمكن أن يقال: يكفي في تحقق الاجتهاد
~~السؤال من نفس الفقير والاكتفاء بقوله، فلا يضر بما اخترناه. مع أن الظاهر
~~من الحسنة أن المراد من غير الأهل هم المخالفون، فدلالتها على ما نحن ms1007 فيه
~~إن سلمت بالفحوى في جانب عدم الضمان مع الاجتهاد، فلا نسلم ذلك في جانب
~~الضمان مع انتفاء الطلب والاجتهاد.
# وكيف كان، فالأظهر هو القول الأول، والأحوط الاجتهاد والطلب.
# وأما لو بان كفره، أو فسقه على القول باشتراط العدالة، أو كونه واجب
~~النفقة، أو كونه هاشميا والدافع غير هاشمي، فلا يحضرني الآن كلام مخالف في
~~الاجزاء وعدم وجوب الإعادة، إلا عن بعض العامة; لعدم الوصول إلى المستحق،
~~فيضمن كالدين (2).
# ولازم من استدل بالحسنة السابقة في التفصيل المتقدم هو التفصيل هنا إن
~~عممنا غير الأهل، أو في خصوص ظهور كونه مخالفا، كما هو ظاهر الرواية.
# وأوجب الفاضلان الإعادة لو ظهر كونه عبدا للمالك; لأن المال لم يخرج عن
~~ملكه بذلك (3).
# PageV04P132
# وفيه تأمل سيما إذا تلفت العين.
# السابع: العاملون هم الساعون في تحصيلها أخذا وحسابا وكتابة وقسمة
~~وإيصالا.
# وأجمع علماؤنا وأكثر العامة على استحقاق هؤلاء نصيبا من الزكاة وإن كانوا
~~أغنياء; لإطلاق الآية (1)، قاله في المدارك (2).
# وما ذكره بعض العامة: من أنه من باب الأجرة لا الزكاة; لأنه لا يستحق إلا
~~بالعمل ويأخذه مع الغنى، والزكاة إنما تدفع استحقاقا، ولا تحل لغني (3);
~~ففيه ضعف، والكليتان ممنوعتان.
# ويشترط فيه: البلوغ، والعقل، والإيمان، والعدالة، والظاهر أنه لا خلاف
~~فيها، وادعي عليه الاجماع (4).
# ويدل على اعتبار العدالة أيضا: أنه استئمان على مال الغير، ولا أمانة
~~لغير العدل، وحسنة بريد بن معاوية، عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال
~~لعامله: " فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحا شفيقا أمينا حفيظا " (5).
# واعتبروا فيه الفقه أيضا، والظاهر أنه تكفي معرفته بالمسائل المتعلقة بما
~~يتولاه، وبقدر ما يتولاه ولو بالتقليد.
# ويشترط أيضا: أن لا يكون هاشميا، وتدل عليه صحيحة العيص بن القاسم (6)،
# PageV04P133
# والمنع إنما هو إذا أراد أخذ النصيب، وإلا فلا مانع منه إذا تبرع به أو
~~أعطاه الإمام شيئا من بيت المال، وكذا إذا كان عمله لقبيلة.
# ويتفرع على ما اختاره بعض العامة من كونه أجرة: جوازه، وقد عرفت بطلانه.
# والقول الذي نقله الشيخ على الجواز (1) لعله من ms1008 العامة كما ذكره في
~~المختلف (2).
# وفي اشتراط الحرية قولان; نظرا إلى أن العبد لا يملك ومولاه لم يعمل;
~~ولأنه نوع إجارة والعبد يصلح لذلك بإذن سيده، ولعله الأظهر.
# وكيف كان فلا إشكال في المكاتب; لأنه يملك.
# وتقدير النصيب في العامل موكول إلى نظر الحاكم، وتدل عليه حسنة الحلبي
~~(3).
# واختلفوا في سقوط نصيبهم في زمان غيبة الإمام، والأظهر عدم السقوط;
~~للإطلاق، فينوب الحاكم مقام الإمام.
# الثامن: لا خلاف في كون المؤلفة قلوبهم من جملة مصارف الزكاة; للآية (4)،
~~والأخبار (5).
# ولكنهم اختلفوا، فقال في المبسوط: المؤلفة قلوبهم عندنا هم الكفار الذين
~~يستمالون بشئ من مال الصدقات إلى الاسلام، ويتألفون; ليستعان بهم على قتال
~~أهل الشرك، ولا يعرف أصحابنا مؤلفة أهل الاسلام (6).
# وعن ابن الجنيد اختصاصه بالمنافقين (7).
# PageV04P134
# والمفيد جعلهم ضربين: مشركين، ومسلمين (1).
# وفصل الشافعي تفصيلا مرجعه إلى ستة أقسام: قسمان من المشركين والباقي من
~~المسلمين، وما اختاره في أقسام المسلمين يرجع أكثرها إلى العاملين أو في
~~سبيل الله (2).
# وذكره في المعتبر وارتضاه نظرا إلى أنه مصلحة، ونظر المصلحة إلى الإمام
~~(3).
# وقال في المدارك: لا ريب في جواز الدفع إلى جميع هذه الأقسام من الزكاة،
~~لكن مع عدم تحقق التأليف يكون الدفع من سهم المصالح (4).
# ثم اختلفوا في سقوط هذا السهم بعد النبي صلى الله عليه وآله، قيل: نعم;
~~لعدم الاحتياج إلى التأليف; لقوة الاسلام (5).
# وقيل: لا; لأنه كان باقيا إلى حين الوفاة، ولم يثبت نسخه (6).
# وقيل: يسقط بعد غيبة الإمام عليه السلام; لسقوط الجهاد (7).
# وقيل: يبقى بعدها أيضا; لأن الجهاد وإن سقط من جهة الدعوة إلى الاسلام
~~لكن لم يسقط لدفع الأذى عن الاسلام (8)، وقواه في المدارك تمسكا بظاهر
~~التنزيل السالم عن المعارض (9).
# أقول: القدر الإجماعي منه هو الكفار المؤلفة قلوبهم للجهاد في زمانه صلى
~~الله عليه وآله، والباقي مشكوك فيه، والأصل عدمه.
# ولا عموم في ظاهر التنزيل كما ادعاه في المدارك; لأن الظاهر منه قوم
~~معينون،
# PageV04P135
# فلا عموم فيه، فإن تأليف القلب لا بد أن يتعلق إلى شئ، وهو محتمل لأمور;
~~إذ قد ms1009 يتألف القلب إلى المسلمين بأن يسلموا ويذهبوا إلى مذهبهم، وقد يتألف
~~إلى نصرتهم في الحرب مع بقائهم مصرين على كفرهم.
# والحرب قد تكون للدعاء إلى الاسلام، وقد تكون للدفاع عنه، وهكذا احتمال
~~تأليف قلوب المسلمين الضعيف إسلامهم.
# وإذا تعين فيثبت العموم في أفراد ذلك المتعين لا مطلقا.
# وإرادة أكثر من معنى واحد لا تجوز كما حقق في الأصول، هذا.
# ولكن في الأخبار ما يدل على أن التأليف يتحقق لأجل الاسلام والثبات عليه
~~أيضا، مثل ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره: " إنهم قوم وحدوا الله،
~~وخلعوا عبادة من دون الله، ولم تدخل المعرفة قلوبهم أن محمدا رسول الله صلى
~~الله عليه وآله، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتألفهم ويعلمهم
~~ويعرفهم كيما يعرفوا، فجعل لهم نصيبا في الصدقات; لكي يعرفوا ويرغبوا "
~~(1).
# وفي صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم في الكافي والفقيه: أنهما قالا لأبي عبد
~~الله عليه السلام: أرأيت قول الله عز وجل: * (إنما الصدقات للفقراء
~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقا ب والغارمين وفي سبيل
~~الله وابن السبيل فريضة من الله) * أكل هؤلاء يعطى وإن كان لا يعرف؟ فقال:
~~" إن الإمام يعطي هؤلاء جميعا; لأنهم يقرون له بالطاعة ".
# قال: زرارة، قلت: فإن كانوا لا يعرفون؟ فقال: " يا زرارة لو كان يعطى من
~~يعرف دون من يعرف لم تجد لها موضعا، وإنما يعطى من لم يعرف ليرغب في الدين
~~فيثبت عليه، فأما اليوم فلا تعطها أنت وأصحابك إلا من يعرف، فمن وجدت من
~~هؤلاء المسلمين عارفا فأعطه دون الناس "، ثم قال: " سهم المؤلفة وسهم
~~الرقاب عام
# PageV04P136
# والباقي خاص " (1).
# وفي الكافي في الحسن، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: سألته عن
~~قول الله عز وجل: * (المؤلفة قلوبهم) *، قال: " هم قوم وحدوا الله عز وجل،
~~وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله عز وجل، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن
~~محمدا رسول الله، وهم في ذلك شكاك في بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه
~~وآله، فأمر الله ms1010 عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله أن يتألفهم بالمال والعطاء
~~لكي يحسن إسلامهم " إلى أن قال زرارة: فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: "
~~فحط الله نورهم، وفرض الله للمؤلفة قلوبهم سهما في القرآن " (2).
# وفيه عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " المؤلفة قلوبهم لم
~~يكونوا قط أكثر منهم اليوم " (3).
# وفيه عن موسى بن بكر، عن رجل قال، قال أبو جعفر عليه السلام: " ما كانت
~~المؤلفة قلوبهم قط أكثر منهم اليوم، وهم قوم وحدوا الله، وخرجوا من الشرك،
~~ولم تدخل معرفة محمدي قلوبهم وما جاء به، فتألفهم رسول الله صلى الله عليه
~~وآله، وتألفهم المؤمنون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله; لكيما يعرفوا "
~~(4).
# وأنت خبير بأن هذه الأخبار شواهد على مذهب ابن الجنيد، وعلى مذهب المفيد
~~أيضا على وجه. ولم نقف من الأخبار ما يدل على تخصيصها بالكفار.
# وأما دلالتها على بقاء حكم كونهم من مصارف الزكاة (5) فتنفيه صحيحة زرارة
~~ومحمد بن مسلم، ولا تنافيها الروايتان الأخيرتان; لعدم المنافاة، فلاحظ
~~وتأمل.
# PageV04P137
# التاسع: لا خلاف في كون الرقاب من مصارف الزكاة في الجملة، ودلت عليه
~~الآية (1) والأخبار (2).
# ولا خلاف بين الأصحاب في كون المكاتبين والعبيد الذين تحت الشدة من جملة
~~هذا المصرف، ويرجع في الشدة إلى العرف، ويظهر من كلماتهم أنه إجماعي (3).
# وكذلك شراء العبد من الزكاة وعتقه، وإن لم يكن تحت شدة; بشرط عدم
~~المستحق، ونسبه في المعتبر إلى فقهاء الأصحاب (4)، وكذلك في التذكرة (5).
# وجوز العلامة في القواعد الإعتاق مطلقا وشراء الأب منها (6)، ونقله ولده
~~في الشرح عن المفيد وابن إدريس وقواه هو (7)، وتبعه بعض المتأخرين (8).
# وقال في المسالك: اشتراط الشدة وعدم المستحق إنما هو في إعتاقه من سهم
~~الرقاب، ولو أعتق من سهم سبيل الله فلا يتوقف (9).
# وتوجيهه على مذهب الأصحاب من عدم وجوب البسط: أن مراده قصد هذا دون ذاك،
~~وينافيه إطلاق أدلتهم كما سيجئ.
# وأما الأخبار الواردة في هذا الباب، فأما في المكاتب فهو ما رواه الصدوق
~~والعياشي، والشيخ مرسلا عن الصادق عليه السلام: أنه ms1011 سئل عن مكاتب عجز عن
~~مكاتبته وقد أدى بعضها، قال " يؤدى عنه من مال الصدقة، إن الله عز وجل يقول
~~في كتابه:
# PageV04P138
# * (وفي الرقاب) * " (1).
# وأما على اشتراط الشدة، فهي صحيحة عمرو بن أبي نصر، عن الصادق عليه
~~السلام: في الرجل تجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة والستمائة، يشتري بها
~~نسمة ويعتقها؟ فقال: " إذن يظلم قوما آخرين حقوقهم "، ثم مكث مليا ثم قال:
~~" إلا أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه " (2).
# ويمكن الخدشة في دلالتها على الاشتراط; لأن الإمام عليه السلام إن أراد
~~من الظلم على الآخرين أنه يجب البسط على الأصناف الثمانية، وصرف الجميع -
~~كما هو ظاهر الرواية - في الرقاب مناف لذلك، ففيه: أن إجماعنا وأخبارنا
~~متوافقة على عدم وجوب البسط، مع أن جعلها جميعا للعبد الذي في الشدة حينئذ
~~أيضا ظلم.
# وإن قلنا: إن مراده عليه السلام: أن ذلك صرف في غير مصرف الزكاة رأسا;
~~لأن مطلق الرقبة ليس من المصرف، فيلزم الظلم على مصارف الزكاة، فهو مما لا
~~ينساق من اللفظ وفي غاية البعد.
# فالأولى الحمل على الكراهة، يعني: أن ذلك خلاف الأولى، لا أنه ظلم حقيقي
~~إلا أن يكون العبد في شدة، فرفع هذه الشدة يغلب رجحان البسط على الأصناف.
# وأما على جواز العتق من الزكاة مطلقا في حال عدم المستحق فهو موثقة عبيد
~~بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أخرج زكاة ماله ألف
~~درهم فلم يجد لها موضعا يدفع ذلك إليه، فنظر إلى مملوك يباع فيمن يريد،
~~فاشتراه بتلك الألف الدرهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه، هل يجوز ذلك؟ قال:
~~" نعم لا بأس بذلك " (3).
# وفيه: أن ذكر عدم المستحق إنما هو في كلام الراوي، فلا يدل على اشتراطه
~~به.
# PageV04P139
# وأما على جواز العتق منها مطلقا فهو ما رواه في العلل في الموثق، عن أيوب
~~بن الحر أخي أديم بن الحر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: مملوك يعرف
~~هذا الأمر الذي نحن عليه، أشتريه من الزكاة وأعتقه؟ قال، فقال: " اشتره ms1012
~~وأعتقه " (1) الحديث، مضافا إلى إطلاق الآية.
# وأما على شراء الأب منها، فما رواه في الكافي عن أبي محمد الوابشي، عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، قال: سأله بعض أصحابنا عن رجل اشترى أباه من
~~الزكاة زكاة ماله، قال: " اشترى خير رقبته، لا بأس بذلك " (2).
# ويمكن أن يقال: إن في الآية إجمالا لا يمكن الاستدلال بها، سيما مع زيادة
~~كلمة " في " فإن الظاهر منها إرادة أن هذا الوجه يصرف فيهم، لا أنه يعطى
~~لهم كالفقير والمسكين، والصرف فيهم مجمل; لاحتمال إرادة التوسعة عليهم، أو
~~فكهم من الشدة، أو مطلق عتقهم، والقدر الذي يتبادر من الآية، ووقع الاتفاق
~~عليه، واستفيد من الأخبار; مثل المكاتب العاجز، والذي هو تحت الشدة، فلا
~~إشكال فيه.
# وأما غيرهما، فمع عدم المستحق فهو مقتضى الرواية وعمل الأصحاب، لا ظاهر
~~الآية، وكذلك الأب.
# والروايات الدالة على المذكورات لا تدل على أن العتق فيها من الزكاة من
~~جهة القصد إلى كونه من باب الرقاب الذي هو أحد المصارف بالخصوص، بل لعله
~~كان من جهة دخوله تحت عموم سبيل الله - إن قلنا به - كما هو الأشهر الأظهر،
~~فالذي قام الدليل على احتسابه من هذا المصرف بالخصوص، إذا احتجنا إلى
~~اعتباره وقصده مثل إرادة فعل المستحب من البسط على الأصناف أو وفاء النذر
~~لو وقع النذر به، هو القسمان الأولان.
# ولكن الانصاف أنه لا يحسن إنكار ظهور الآية في عموم تخليص الرقاب، ولا
~~ريب
# PageV04P140
# أن مطلق الرقية حلقة بلاء يرجى الخلاص منها، وكون الرقية أرغب عند بعض
~~العبيد لأمر خارجي نادر لا يلتفت إليه في الإطلاقات.
# فالأظهر إذن قول العلامة ومن تبعه، وإن كان الأحوط الاقتصار على
~~المكاتبين العاجزين وغيرهم ممن ذكروه. ولكن هذا الاحتياط إن كان من جهة
~~التشكيك في دخول غير هؤلاء تحت الرقاب المذكورة في الآية، فلا شك في اندراج
~~مطلق العتق تحت عموم سبيل الله، ومعه فلا احتياط.
# ويمكن أن يقال: في وجه الاحتياط حينئذ شيئان، أولهما: الإشكال في عموم
~~سبيل الله; لقول بعضهم بالاختصاص بالجهاد. وثانيهما: ms1013 ظهور مرجوحية من تلك
~~الأخبار، ولا تقييد فيها بأن المرجوحية إنما هي مع قصد ذلك مندرجا تحت
~~الرقاب ومع اعتقاد ذلك، بل هو مطلق.
# ثم إن الشهيد الثاني - رحمه الله - قال في المسالك: ولا بد من صيغة العتق
~~بعد الشراء، ونية الزكاة مقارنة للعتق (1). وفي شرح اللمعة: مقارنة لدفع
~~الثمن أو للعتق (2).
# أقول: والأظهر أن هذا مثل الصلاة، فموضع النية هو دفع الثمن، ولا بد من
~~استدامته حكما إلى حصول العتق. ولو قلنا كما في المسالك يلزم كون الضمان
~~على المالك لو تلف بعد الشراء وقبل إجراء الصيغة، إذ بعد لم يتصف بكونه
~~زكاة، وهو كما ترى.
# وكذلك الكلام فيما يصرف في سبيل الله، كمن أراد صرف الزكاة إلى مسجد
~~فاشترى به الجص والآجر وسائر المصالح فتلف من دون تفريط قبل بناء المسجد،
~~ولا وجه للقول بأن وقت النية هو وقت تمام المسجد، هذا.
# وظاهر الأخبار (3) والأصحاب لزوم إجراء صيغة العتق وانشائها، ويحتمل قويا
# PageV04P141
# كفاية الاشتراء فيعتق، ومال إليه بعض المتأخرين (1)، والأحوط إجراء
~~الصيغة، بل الأظهر.
# ولا يقدح في ذلك أنه لا عتق إلا في ملك; لتخصيص القاعدة بذلك، مع إمكان
~~أن يقال: إن ذلك توكيل من جانب الشارع في مال الزكاة، وهو ولي أرباب
~~الزكاة، وعلى اعتبار الصيغة، فالظاهر لزومه منه في صورة اشتراء الأب أيضا
~~وإن لم يحتج إليه في غير الزكاة.
# ثم إن ههنا رواية في تفسير علي بن إبراهيم عن العالم عليه السلام: قال: "
~~وفي الرقاب قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الأيمان وفي قتل
~~الصيد في الحرم، وليس عندهم ما يكفرون به وهم مؤمنون، فجعل الله تعالى لهم
~~سهما في الصدقات ليكفر عنهم " (2).
# وهي مرسلة، وخلاف ظاهر الآية; لأن ظاهرها تخليص الرقاب، لا من يجب عليه
~~العتق، مع أنها تدل على جواز أداء مطلق الكفارة لا العتق، فلو أعطي من باب
~~الفقر فلا بأس به.
# وتردد في الشرائع في جواز العتق بذلك (3) وجوز في المعتبر إعطاءه من سهم
~~الغارمين (4)، وفيه نظر; لعدم ms1014 التبادر.
# ثم إن المكاتب إنما يعطى إذا لم يجد ما يصرفه فيه، وظاهر الرواية بل
~~الآية أيضا اشتراط العجز عن الكسب أيضا كما ذكره في البيان (5)، إلا على
~~القول بجواز العتق مطلقا كما قويناه، إلا أن يقال: إن ذلك القول مبني على
~~حمل الآية على تخليص العبد من الرق مع عدم إمكان تخلصه بنفسه، بأن يصير
~~مكاتبا مثلا، ويمنع إطلاق الآية
# PageV04P142
# بحيث يشمل من يتمكن منه، سيما مع السهولة.
# ويجوز الدفع إلى المكاتب بإذن السيد وبدونه، وإلى السيد بإذن المكاتب
~~وبدونه، كسائر الديان. وقال في المنتهى: بإذن المكاتب (1)، ولا يظهر وجهه،
~~سيما مع إطلاق الآية والرواية.
# ثم إن ما يؤدى عن وجه المكاتبة إن صرف في مصرفه وتحرر فلا كلام.
# وإن دفعه إلى السيد ورجع إلى الرق بسبب عجزه عن الإتمام في الكتابة
~~المشروطة فمقتضى امتثال الأمر الاجزاء وعدم الارتجاع، ولم ينقلوا فيه
~~مخالفا إلا عن أحد وجهي الشافعية; لعدم حصول المقصود (2)، وهو ضعيف.
# وأما لو لم يدفعه إلى السيد وحصل التحرير بغيره من إبراء المولى أو متطوع
~~تطوع، فالأظهر جواز الرجوع; لأن مصارف الزكاة على قسمين، فمنهم من يأخذها
~~أخذا مستقرا، ولهم صرف ما أخذوا في أي شئ أرادوا، وهم الفقراء والمساكين
~~والعاملون والمؤلفة، ومنهم من يأخذها أخذا مقيدا بوصف ومصرف خاص، وهم
~~الأربعة البواقي، ونبه على ذلك في الآية بإقحام كلمة " في " كما ذكره جماعة
~~من المفسرين (3)، مع أن الأصل عدم ثبوت استحقاقهم إلا من أجل ذلك، وعدم
~~جواز تصرفهم إلا في ذلك.
# ولا يجري هذا الكلام في الصورة السابقة; لأنه صار ملكا للسيد بأخذه، لكون
~~ذلك التصرف مأمورا به حينئذ.
# وحكم الشيخ بعدم الرجوع; لأنه أخذه باستحقاقه، فارتجاعه يحتاج إلى دليل
~~(4)، ويظهر جوابه مما مر.
# PageV04P143
# واعتبر المحقق - رحمه الله - في المعتبر قصد المالك، يعني إن قصد صرفه في
~~الكتابة ارتجع حينئذ، كما اعتبر ذلك في الغارم وابن السبيل; لأن للمالك
~~الخيرة في صرف الزكاة في الأصناف (1).
# وتظهر الثمرة فيما لو كان المكاتب فقيرا أيضا، وسامح المالك حين ms1015 الأداء
~~في قصد التعيين، وإلا فالظاهر عدم صحة الأداء إلا مع التعيين، لاختلاف
~~المصارف في الحقيقة والمفهوم، وللزوم ملاحظة مقدار وجه الكتابة والغرم
~~ونفقة السبيل; لعدم جواز إعطاء الزيادة في هذه المصارف، فلا يمكن إلا
~~بالقصد، فيلزم من اعتبار المحقق أن لا يجوز الارتجاع مع عدم قصد التعيين
~~فيما جازت فيه المسامحة.
# وأما مع تعيين غيره، مثل أن يكون المكاتب فقيرا، وأعطاه من جهة فقره،
~~فالظاهر عدم الإشكال في عدم الرجوع; لأن الفقير لا يحتكم عليه فيما يأخذه
~~بلا إشكال، وادعي عليه الاجماع في كلامهم.
# ولو ادعى الكتابة، فإما أن ذلك يلاحظ مع حق المولى، أو مع مصارف الزكاة.
# فأما مع المولى: فحكمه أن المولى إذا صدقه فلا كلام، ولو كذبه فعليه
~~البينة، وعلى المولى اليمين مع عدمها. وفيما جهل حال المولى لا يكذب العبد،
~~ويبقى المولى على حقه إلى حين حضوره.
# وأما لأجل أخذ الزكاة; فإن صدقه المولى فالمقطوع به في كلامهم القبول،
~~وعن الشافعي المنع; لجواز التواطؤ (2). ويظهر من المسالك أن به قولا منا
~~(3).
# وجعل الشيخ الأحوط عدم القبول إلا بالبينة، فيما احتمل التواطؤ لأخذ
~~الزكاة فيمن لا يعرف من حاله أن له عبد (4). ولا ريب في كونه أحوط، لكن لا
~~دليل على لزومه.
# PageV04P144
# ولو كذبه السيد ولم يثبت مطلبه بالبينة واليمين فلا وجه للقبول.
# وأما لو لم يعلم حال السيد في التصديق والتكذيب، فعن الأكثر القبول (1)،
~~ويظهر من الشرائع أن بالمنع قولا منا إلا بالبينة (2)، وقال في المدارك: لا
~~يخلو من قوة (3).
# والأظهر الأول كالفقير; لأصالة الصدق والصحة في المسلم، ولزوم العسر
~~والحرج كما قدمناه.
# ويشكل مع الاتهام; لضعف الظاهر حينئذ، ولكن مدار الأصحاب في فعل المسلم
~~في غالب المسائل وقوله الحمل على الصحة ما لم يعلم خلافه، وجعلوا الاجتناب
~~عن المتهم مستحبا، ولعله هو الوجه.
# فائدة:
# إذا مات المملوك الذي يشترى من الزكاة ولا وارث له فالمشهور أنه يرثه
~~أرباب الزكاة، ويظهر من المعتبر دعوى الاجماع عليه (4).
# ونقل في الشرائع قولا بأن وارثه الإمام (5)، واختاره العلامة ms1016 في القواعد
~~(6)، وولده في الشرح (7).
# والأول أقوى لظاهر الاجماع، وموثقة أيوب بن الحر المتقدمة في الرقاب، وفي
~~آخرها قلت فإن هو مات وترك مالا؟ قال، فقال: " ميراثه لأهل الزكاة; لأنه
~~اشتري بسهمهم " (8).
# PageV04P145
# وموثقة عبيد بن زرارة المتقدمة ثمة، وفي آخرها قلت: فإنه لما أعتق وصار
~~حرا أتجر واحترف، فأصاب مالا، ثم مات وليس له وارث، فمن يرثه إذا لم يكن له
~~وارث؟ قال: " يرثه فقراء المؤمنين الذين يستحقون الزكاة; لأنه إنما اشتري
~~بمالهم " (1).
# ولا يضر التخصيص بالفقراء; لعدم القول بالفرق كما صرح في المسالك (2)،
~~ولأن الظاهر حمل الرواية على الغالب، فالمراد بقوله عليه السلام: " اشتري
~~بمالهم " اشتري بالمال الذي يصرف فيهم.
# وقال في الدروس: إن في التعليل إيماءا إلى أنه لو اشتري من سهم الرقاب لم
~~يطرد الحكم; لأنه اشتري بنصيبه لا بمال غيره (3).
# وفيه: أن ظاهر الرواية أن الاشتراء وقع بمجموع الزكاة، لا بسهم الفقراء،
~~وآخر الرواية محمول على ما ذكرنا.
# وكأنه أشار إلى دفع ذلك في المسالك، حيث قال: وأما التفصيل بأنه إن اشتري
~~من سهم الرقاب فميراثه للإمام، وإلا فلأرباب الزكاة، فلا أصل له في المذهب
~~(4).
# وحجة القول بأن وارثه الإمام عليه السلام: أن ولاء العتق مشروط بتبرع
~~المعتق به، وعدم التبري من ضمان جريرته، وعدمه مناسبا، والشرط مفقود فيما
~~نحن فيه; لأن الرقاب أحد مصارف الزكاة، فيكون سائبة، والمراد بالسائبة هو
~~الذي لا عقل بينه وبين معتقه ولا ميراث، ولا وجه لهذا القول مع ورود
~~الروايتين المعتبرتين المعمولتين كما لا يخفى.
# قال في المدارك: الأحوط صرف ذلك في الفقراء خاصة; لأنهم من أرباب الزكاة،
~~وفي حال الغيبة يستحقون ما يرثه الإمام عليه السلام ممن لا وارث له غيره،
~~فيكون الصرف
# PageV04P146
# إليهم مجزيا على القولين (1).
# العاشر: من مصارف الزكاة الغارمون، أي المدينون، ولا ريب في كونهم مصرفا،
~~للكتاب والسنة والإجماع.
# لكنهم اشترطوا فيه أن لا يكون الدين في معصية، وهو إجماع أصحابنا كما في
~~المنتهى والتذكرة (2).
# واستدلوا عليه: بأن في قضاء دين الغريم في معصية حمله على ms1017 المعصية، وهو
~~قبيح عقلا، فلا يجوز التعبد به شرعا (3).
# وبما رواه الشيخ في كتاب الديون، عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا محمد،
~~عن الرضا عليه السلام في جملة حديث أنه قال: " يقضى ما عليه من سهم
~~الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله، وإذا كان أنفقه في معصية الله تعالى
~~فلا شئ له على الإمام " (4).
# وربما يقدح في الأول: بأنه إنما يتم مع عدم التوبة، والثاني: بالقدح في
~~السند، وأنها غير مذكورة في شئ من الأصول مسندة (5).
# أقول: الرواية لا يضر ضعفها مع روايتها في الكافي والتهذيب وعمل الأصحاب
~~عليها وتلقيها بالقبول.
# مع أن ههنا روايات أخر دالة عليه، مثل ما رواه علي بن إبراهيم في التفسير
~~عن العالم عليه السلام: " إن الغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في
~~طاعة الله من غير إسراف فيجب على الإمام أن يقضي عنهم ويكفيهم من مال
~~الصدقات " (6).
# PageV04P147
# وما رواه في قرب الإسناد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام: " إن
~~عليا عليه السلام كان يقول: يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كله
~~ما بلغ، إذا استدانوا في غير إسراف " (1) وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج
~~الآتية أيضا إيماء إليه (2).
# ونقل في آخر السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب بسند معتبر ما يدل
~~عليه، وفي آخرها المنع من أداء دين الغارمين من مهور النساء (3)، وبمضمونه
~~روايات أخر (4)، ولم أقف على مصرح بمضمونها، نعم نقل في المختلف عن ابن
~~الجنيد المنع في مهر النساء اللواتي استغني عنهن; لأن فيه نوع إسراف (5).
# أقول: وإن فرض تحقق الإسراف في ذلك فهو محمل حسن لتلك الأخبار.
# ثم إن ظاهر أكثر الأخبار وكلام الأصحاب أن الاستدانة لا بد أن لا تكون
~~للمعصية، وذلك لا يستلزم عدم الجواز إذا كانت الاستدانة على وجه الصحة لكن
~~وقع في المعصية من باب الاتفاق، ولم أقف على من صرح بالفرق، ولكن إطلاق
~~رواية الرضا عليه السلام ورواية التفسير (6) يفيد المنع عن ذلك أيضا، وكذلك
~~الحكمة تقتضيه.
# ومقتضى ذلك: ms1018 أن التوبة لا تفيد في جواز الإعطاء إذا صرفه في معصية. وقال
~~المحقق: إن تاب صرف إليه من سهم الفقراء، وهو إنما يتم مع الإعراض عن
~~الروايات، وهو مشكل، وأيضا يتم ذلك مع كونه فقيرا غير مالك لمؤونة السنة،
~~فلا بد من التقييد، ولا ينافيه حينئذ صرفه في الدين; لأن الفقير يملك المال
~~ويصرفه حيث شاء، وأيضا يتم اشتراط التوبة حينئذ على القول باشتراط العدالة.
# PageV04P148
# ولو جهل بالحال، فعن الأكثر الجواز; حملا لفعل المسلم على الصحة، وقال
~~الشيخ: لا يجوز (1); لتتمة رواية أبي محمد السابقة (2)، ولظاهر رواية
~~التفسير.
# والتحقيق: أن الصرف في المعصية مانع; لأن الصرف في الطاعة شرط، وملاحظة
~~عموم الآية والأخبار وخصوص بعضها أيضا يقتضي ذلك، وهذه العمومات والإطلاقات
~~وبعض الخصوصات، مع اعتضادها بالأصل ونفي العسر والحرج وأصالة صحة فعل
~~المسلم وعمل الأكثر لا تعارض بها رواية ضعيفة.
# ثم إنهم اشترطوا في الغارمين العجز عن الأداء; لأن الزكاة إنما شرعت لسد
~~الخلة ورفع الحاجة، ولو تمكن من البعض يعطى ما لا يتمكن منها.
# والظاهر أن اشتراط العجز عنه في الجملة مما لا إشكال فيه، ويستفاد ذلك من
~~تتبع الأخبار الواردة في هذا الباب، ومنها رواية عبد الرحمن العرزمي، عن
~~الصادق عليه السلام أن الحسنين عليهما السلام قالا: " إن الصدقة لا تحل إلا
~~في دين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع " (3).
# لكن الإشكال في أنه إذا كان له المال بقدر مؤونة سنته أو بعض السنة، فهل
~~يجب عليه الوفاء منه ثم أخذ الزكاة لأجل فقره، أو يجوز أداء دينه أولا من
~~الزكاة وصرف مال نفسه في مؤونة عياله؟.
# ويظهر من ابن إدريس: وجوب الأداء من ماله ثم أخذ الزكاة; لأنه حينئذ غني،
~~والزكاة لا تجوز للغني (4).
# واختار العلامة في جملة من كتبه العدم; لانتفاء الحكمة في أن يدفع ماله
~~ثم يأخذ الزكاة (5)، وظاهره أنه يعطى من سهم الغارمين حينئذ.
# PageV04P149
# أقول: وما ذكره ليس ببعيد، وإن قلنا بوجوب أداء الدين من الفاضل من
~~مستثنياته; لعدم المنافاة بين وجوب الأداء ms1019 من ماله وجواز أخذ الزكاة
~~لأدائه، وهو المطابق لظاهر الآية.
# ولقائل أن يقول بجواز الأداء من سهم الفقراء أيضا; لأنه يصدق على من يجب
~~شرعا صرف بعض ما يملكه من قوت السنة في دينه وهو عازم على الأداء، أنه غير
~~واجد لقوت السنة، فهو فقير.
# وأما ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر، عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب،
~~عن أبي أيوب، عن سماعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل منا
~~يكون عنده الشئ يتبلغ به، وعليه دين، أيطعمه عياله حتى يأتيه الله تعالى
~~الميسرة فيقضي دينه، أو يستقرض على ظهره في جدب الزمان وشدة المكاسب، أو
~~يقضي بما عنده دينه ويقبل الصدقة؟ قال: " يقضي بما عنده ويقبل الصدقة "
~~(1)، الحديث، فلا ينافي ما ذكرناه; إذ ترجيح الإمام أحد مسؤولات السائل
~~المتوهم حظر أخذ الزكاة إذا كانت عنده بلغة لا يفيد إلا جواز أخذ الزكاة،
~~وتقديم قضاء الدين على أخذ الزكاة المطابق لسؤال السائل، مع أن فورية وجوب
~~الأداء مع التمكن بالفعل، وتوقف أخذ الزكاة على زمان لا يستلزم عدم جواز
~~أخذ الزكاة قبل أداء الدين، سيما مع عدم المطابقة، وهذا واضح.
# وكيف كان فلا ريب في رجحان تقديم أداء الدين، خروجا عن الخلاف، وموافقته
~~مع الرواية على بعض وجوهها.
# ثم إن العلامة - رحمه الله - ذكر في جملة من كتبه أنه لا يشترط العجز
~~والفقر إذا كانت الاستدانة لأجل مصلحة ذات البين، وإطفاء نائرة الفساد،
~~بسبب تشاجر في قتل أو إتلاف مال (2); لإطلاق الآية، ولقوله عليه السلام: "
~~لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة " وذكر رجلا تحمل حمالة (3).
# PageV04P150
# وقال المحقق الأردبيلي: إذ هو في الحقيقة في سبيل الله (1).
# وفي إطلاق ما ذكره تأمل; إذ قضاء دين الغني المالك للآلاف، سيما إذا لم
~~يكن وقت الاستدانة قصده التقرب، ولم يكن له حاجة في ذلك; مشكل.
# نعم يجوز الصرف أولا في إصلاح ذات البين كما ذكره في البيان (2) وهو وجه
~~من وجوه السبيل.
# ثم إن الصرف في دين الحي لا يحتاج ms1020 إلى إذنه، فيجوز أداء دينه من دون
~~اطلاعه أيضا; للعموم.
# ولو كان للمالك دين على الغريم يجوز أن يحتسب به عنها، ويكفي في ذلك أن
~~يسقط ما في ذمته عوضا، سواء كان وافق عين الزكاة أو ساواها في القيمة.
# والظاهر أن أصل بالحكم إجماعي كما يظهر من جماعة من الأصحاب (3)، وتدل
~~عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4)، وموثقة سماعة (5)، وما رواه في
~~الكافي في باب القرض من كتاب الزكاة من رواية عقبة بن خالد (6).
# وكذلك الكلام لو كان الغارم ميتا، فيجوز أداء دينه ومقاصته لو كان للمالك
~~عليه دين، والظاهر أنه أيضا إجماعي كما يظهر من غير واحد.
# وتدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن عليه السلام
~~عن رجل
# PageV04P151
# عارف فاضل توفي، وترك عليه دينا قد ابتلى به، لم يكن بمفسد ولا مسرف، ولا
~~معروف بالمسألة، هل يقضى عنه من الزكاة الألف والألفان؟ قال: " نعم " (1).
# ورواية إبراهيم بن السندي في الكافي في باب القرض (2)، ورواية يونس بن
~~عمار في باب أن القرض حمى الزكاة الدالتين على المقاصة (3).
# وحسنة زرارة في باب نادر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل حلت
~~عليه الزكاة، ومات أبوه وعليه دين، أيؤدي زكاته في دين أبيه وللابن مال
~~كثير؟ فقال: " إن كان أبوه أورثه مالا ثم ظهر عليه دين، ولم يعلم به يومئذ
~~فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته، وإن لم يكن أورثه
~~مالا لم يكن أحد أحق بزكاته من دين أبيه، فإذا أداها في دين أبيه على هذه
~~الحال أجزأت عنه " (4).
# ومقتضى هذه الرواية اعتبار قصور التركة عن الدين كالحي، وهو الحق، وفاقا
~~لجماعة (5).
# ولم يعتبره في المختلف (6); للعموم، ولانتقال المال إلى الورثة، فهو
~~كالفاقد، والعموم مخصص بالحسنة وغيرها، وانتقال المال إلى الورثة ممنوع، بل
~~هو في حكم مال الميت; لظاهر الآية وبعض الأخبار، وقد حققناه في رسالة
~~مفردة.
# ثم إن مقتضى الحسنة جواز أداء دين الأب، وهو المعروف من المذهب، بل أداء
~~دين كل ms1021 من تجب نفقته عليه، حيا كان أو ميتا، وكذلك مقاصته.
# PageV04P152
# ويدل على هذه الأحكام مضافا إلى عدم ظهور الخلاف فيها: العمومات، وحسنة
~~زرارة المتقدمة، وصحيحة إسحاق بن عمار (1).
# وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، المانعة عن إعطاء الزكاة إياهم معللا بأنهم
~~عياله لازمون له (2)، لا يعارض بها ما قدمناه; لأن المراد لزوم الانفاق;
~~لعدم وجوب قضاء الدين على المكلف بالإنفاق، كما صرح به في المدارك (3).
# ولو صرف الغارم ما دفع إليه من سهم الغارمين في غير قضاء الدين، ففيه
~~الخلاف السابق في جواز الارتجاع; لأنه أعطاه ليصرفه في وجه مخصوص، فلا يسوغ
~~له غيره.
# وعدمه; لأنه ملكه بقبضه، فلا يحتكم عليه.
# ونحن وإن رجحنا في المكاتب الارتجاع، لكنا نقول الآن: إن في الحكم
~~بالارتجاع مطلقا إشكالا; لأن الأصل، كما أنه يقتضي عدم استحقاقهم إلا من
~~أجل ذلك، وعدم جواز تصرفهم إلا في ذلك، وبعد الإعطاء المأمور به أيضا الأصل
~~عدم وجوب الارتجاع للمالك، وعدم وجوب الرد للغارم، فإن جواز الارتجاع هنا
~~بالمعنى الأعم; وأريد منه الوجوب لو لم يبدله المالك بشئ آخر من قبل نفسه،
~~ولم يعطه فقيرا آخر، والجواز الأخص لو فعل ذلك، فهذا الأصل متأخر عن
~~الأصلين الأولين، والعمل عليه يقتضي هجرهما.
# مع أنا نقول: إن إعطاء الزكاة لهذه المصارف لأجل أن يصرف فيها يكفي فيه
~~قصد ذلك حين الإعطاء وتحققه حينئذ، فكونه مصرفا حين الإعطاء كاف، فهو يعطيه
~~لأجل أن يصرف في هذا المصرف; لا بشرط أن يصرف في هذا المصرف، ومن البين
~~جواز
# PageV04P153
# انفكاك كل منهما عن الآخر. فإذا كان رجل غارما عاجزا عن الأداء أو مكاتبا
~~عاجزا عن الوفاء فهو مستحق لسهم من الزكاة في هذا الحال، لأجل دفع هذا
~~الغرم، لا أنه مستحق له بشرط أن يرفع به هذا الغرم.
# نعم: لو أخذه مع احتياجه من جهة الغرم لأجل صرفه في غيره فهو لا يجوز،
~~فلو أخذ المال على هذا الحال لأجل أنه غريم ولأداء غرمه، ثم أبرأه الغريم
~~أو أعتقه المولى أو تطوع متطوع ms1022 بالأداء، فالحكم بوجوب الرد وجواز ارتجاع
~~المالك مشكل.
# غاية الأمر أن يقال: المفهوم من ذكر المصرف لزوم الصرف فيه ما دام المصرف
~~باقيا، وبعد سقوط الغرم أو تبرع المولى فلا يبقى المصرف حتى يقال: يجب
~~الصرف فيه لا غير، والأصل عدم وجوب الرد كما بينا.
# وأبعد من ذلك: أن نقول بلزوم صرف عين ما يأخذه في تلك المصارف، حتى لا
~~يجوز صرفه في نفقته وأداء الدين من ماله، سيما إذا كان ذلك أوفق لأداء
~~الدين، أو لا تجوز المعاملة به قبل أداء الدين إذا أمهله الغريم ليعامل به،
~~ويؤدي بربحه دينه، أو يؤدي دينه من نتاجه لو كان حيوانا ويصرف أصل الحيوان
~~في مصرف آخر، وذلك كله مستبعد.
# فقول الشيخ بعدم الارتجاع قوي (1)، وتؤيده إطلاقات بعض الأخبار أيضا (2).
# ويؤيد ذلك عدم الاحتكام على الفقير من أجل سهم الفقراء مطلقا، حتى أنه لو
~~أخذ الفقير آلافا كثيرة من الزكاة اليوم لأجل فقره وصار غدا مالكا لآلاف
~~كثيرة من أجل ميراث أو غيره لا يرتجع منه.
# والذي دعاهم إلى الفرق والخلاف في غيره هو تغيير أسلوب الآية باللام،
~~ففهموا الملك والاختصاص ثمة، المقتضي للتصرف على أي نحو شاؤوا، بخلاف
~~مدخولات " في "، فإن المراد بها الصرف في تلك المصارف الخاصة.
# PageV04P154
# ويمكن دفعه: بأن التغيير في الأسلوب لعله من جهة أن هؤلاء - الأولين -
~~حقيقون بالملك بأجمعهم، فناسبهم اللام، بخلاف الباقين، فإن الرقاب ليسوا
~~بأهل للملك على المشهور، وكذلك تخليص المكاتب، فإنه لا يجب أن تعطى بيد
~~المكاتب، وليس المولى بنفسه محلا لذلك، وكذلك الغريم قد يكون ميتا ليس له
~~أهلية للملك، وكذلك أنواع سبيل الله كالقناطر والمساجد وغيرها.
# بقي الكلام فيما لو شرط المالك صرفه في المصرف الخاص، وصرح بعدم الجواز
~~في الغير، والأحوط هنا متابعة الشرط، ولا يبعد تنزيل كلام المحقق على ذلك.
# ثم إذا ادعى أحد أن عليه دينا قبل قوله مع تصديق الغريم بلا إشكال منا،
~~وكذا لو تجردت دعواه عن التصديق والتكذيب.
# ونقل المحقق قولا بعدم القبول (1)، ولعل مراده إلا ms1023 بالبينة أو اليمين،
~~وهذا القول نقله في التذكرة عن الشافعي (2)، ولم ينسبه إلى أحد من أصحابنا.
# والأظهر القبول مطلقا، لما مر من حمل قول المسلم على الصحة، سيما إذا كان
~~عادلا، ولزوم العسر والحرج إن أوجبنا البينة أو اليمين، سيما والغالب عدم
~~التمكن من الحاكم لإجراء ذلك.
# قال في المدارك: وموضع الخلاف لمصلحة نفسه، أما الغارم لمصلحة ذات البين
~~فلا تقبل دعواه إلا بالبينة قولا واحدا (3).
# الحادي عشر: من مصارف الزكاة سبيل الله بلا خلاف، والأكثرون على أن
~~المراد به كل ما هو وسيلة إلى الخير، كمعونة الغزاة، والحجيج، والزوار،
~~وبناء القناطر والمساجد، والإعانة في تحصيل العلم الشرعي، وغير ذلك.
# PageV04P155
# وخصه الشيخ في بعض أقواله بالجهاد، وقال: يصرف إلى الغزاة الذين يغزون
~~إذا نشطوا، وهم غير الجند المقررين الذين هم أهل الفئ (1).
# وقال في الدروس: هو الجهاد، سواء كان الغازي متطوعا أو مرتزقا مع قصور
~~الرزق، ثم استقرب إلحاق سائر القرب (2).
# والتخصيص بالجهاد تقييد للآية من غير دليل، واستعماله في القرآن في مواضع
~~فيه كقوله تعالى: * (يقاتلون في سبيل الله) * (3) لا يدل على صيرورته حقيقة
~~فيه.
# ويدل على العموم: مضافا إلى ظاهر إطلاق اللفظ، ما رواه علي بن إبراهيم في
~~تفسيره، وهو مذكور في التهذيب (4)، وكذلك صحيحة علي بن يقطين (5) وغيرها من
~~الأخبار الكثيرة الدالة على جواز الحج بها (6).
# وقال الشهيد الثاني في الروضة: وينبغي تقييده بما لا يكون فيه معونة لغني
~~لا يدخل في الأصناف (7)، ومقتضاه لزوم أن يكون الزائر مثلا فقيرا، أو ابن
~~سبيل كما صرح به في المسالك (8).
# واستشكل في التذكرة في اعتبار الحاجة من أجل اندراج إعانة الغني تحت سبيل
~~الخير، ومن أجل ملاحظة غيره من أهل السهمان المعتبرة حاجتهم (9).
# والأوسط أن يقال باعتبار العجز عن تلك القرب، وإن كان غنيا من غير جهتها;
~~لأن الزكاة إنما شرعت لدفع الحاجة.
# PageV04P156
# ويؤيده ما في صحيحة معاوية بن وهب: " لا تصلح الصدقة لغني " (1) وما في
~~معناه من الأخبار الخاصة (2)، وما رواه علي بن إبراهيم في التفسير أيضا
~~(3).
# وما ms1024 روي عنه عليه السلام: " إن الصدقة لا تحل لغني إلا لثلاثة، وعد منها
~~الغازي " نقله الفاضلان وغيرهما (4).
# وهذه الرواية تدل على عدم اعتبار الحاجة والفقر في الغازي، وأفتى به
~~الجماعة من الأصحاب (5)، ولم أقف على مخالف فيه، واحتجوا عليه بالرواية،
~~وبإطلاق الآية، وبأنه كالأجرة، فلا يعتبر فيه وصف آخر.
# ولا يسترجع منه ما فضل من مؤونة الغزو، والظاهر أنه لا خلاف فيه، ويسترجع
~~إذا لم يغز، قال في التذكرة: وهو اختيار الشيخ أيضا (6)، وكذلك لو رجع من
~~الطريق قبل الغزو.
# الثاني عشر: من الأصناف ابن السبيل، واختلفوا في تفسيره، فقال المفيد:
~~إنهم المنقطع بهم في الأسفار، وقد جاءت رواية أنهم الأضياف (7); يراد بهم
~~من أضيف لحاجته إلى ذلك، وإن كان له في موضع آخر غناء ويسار، وذلك راجع إلى
~~ما قدمناه (8)، وعن الشيخ في المبسوط والنهاية (9) وابن زهرة (10) مثله.
# PageV04P157
# وقال ابن الجنيد: وأما سهم ابن السبيل فإلى المسافرين في طاعة الله،
~~والمريدين لذلك، وليس في أيديهم ما يكفيهم لسفرهم ورجوعهم إلى منازلهم إذا
~~كان قصدهم في سفرهم قضاء فرض، أو قياما بسنة، هكذا نقله في المختلف (1)،
~~ولا يبعد أن يكون مراد ابن الجنيد صدقه على ذلك، لا الاختصاص; لكمال بعده.
# وقال ابن حمزة: وابن السبيل المجتاز بغير بلده، المنقطع به غير منشئ
~~للسفر (2).
# أقول والكلام في مقامات:
# الأول: أن الأظهر مختار المشهور في عدم دخول المنشئ للسفر في ذلك، بل هو
~~داخل في سبيل الله إذا كان طاعة، فإن المتبادر من اللفظ هو الملازم للطريق
~~الذي وضعه الطريق على الأرض; لعجزه عن السفر بسبب فقد النفقة، فكأن الطريق
~~ولده، ويدل عليه تفسير العالم عليه السلام فيما رواه علي بن إبراهيم (3).
# وما نقل عن ابن الجنيد في الحجة هو صدق ابن السبيل على مريد السفر ومنشئ
~~الطريق (4)، وهو ضعيف; لتبادر غيره من اللفظ.
# والقياس على من أقام فيما بين السفر ثم أراد الخروج، فإنه يعطى الزكاة مع
~~أنه منشئ للسفر (5).
# وفيه: أولا أنه قياس، وثانيا بمنع الأصل كما اختاره الشيخ.
# والتحقيق ms1025 أنه يعطى لا لأجل أنه منشئ للسفر، بل لأنه منقطع به في السبيل،
~~فإن ما ينقطع بالإقامة هو السفر الشرعي، والسبيل في الآية يحمل على العرف،
~~فهو مسافر
# PageV04P158
# عرفا وابن سبيل.
# الثاني: ما ذكره الشيخان من الرواية في الضيف لم نقف عليه في شئ من
~~الأصول، واعترف بذلك جماعة من الأصحاب (1).
# ويظهر من جماعة من الأصحاب أنه داخل في ابن السبيل (2)، فالمراد به
~~المنقطع به في السبيل المحتاج إلى الضيافة.
# ويظهر من البعض مغايرته له (3).
# وقيل بانحصاره فيه إذا كان نائيا عن بلده مع حاجته إلى الضيافة (4).
# والحق أنه إن كان ابن السبيل محتاجا إلى الضيافة فهو داخل، كما اختاره
~~العلامة في المختلف (5)، ويظهر ذلك من جماعة من الأصحاب (6)، وإلا فلا
~~يدخل.
# وحينئذ فوجه ذكره على حدة الرخصة في الاحتساب من وجه الزكاة على هذا
~~الطريق الذي هو في صورة الإباحة لا التمليك، وعدم الإشعار بأنه من وجه
~~الزكاة، وعدم مضرة الجهالة فيه إن لم يأكل تمام ما هيئ له.
# قال الشهيد الثاني - رحمه الله - في الروضة: والنية عند شروعه في الأكل،
~~ولا يحتسب عليه إلا ما أكل وإن كان مجهولا (7)، انتهى.
# والظاهر أنه أراد (8) المتيقن، وإلا فلا يمكن حصول البراءة.
# وأما دخول الضيف من دون اعتبار السفر مطلقا والحاجة كما نقل عن بعض
# PageV04P159
# الفقهاء (1) فلا وجه له.
# الثالث: يشترط في ابن السبيل كون سفره مباحا بالإجماع، وظاهر ابن الجنيد
~~اشتراط كونه راجحا، (2) والأظهر كفاية إباحته; لإطلاق الآية.
# ورواية علي بن إبراهيم في تفسيره (3) الدالة على أنهم أبناء الطريق الذين
~~يكونون في الأسفار في طاعة الله تعالى، فينقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلى
~~الإمام عليه السلام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات، لا يعارض بها
~~ظاهر الآية مع جهالة سندها، ويمكن أن يكون المراد بها المثال، وإلا فليس
~~ذهاب المال من جهة التغليب شرطا في ابن السبيل المطلوب، بل يكفي إعواز
~~المؤونة، بسبب طول زمان السفر ونحوه.
# ويمكن أن يراد بالطاعة عدم المعصية، فإنه يصدق على من ترك المعصية أنه ms1026 في
~~طاعة; إذ الأقوى أن المطلوب بالنهي هو نفس أن لا يفعل، فترك المنهي عنه
~~طاعة، أو المراد بالطاعة عدم الخروج عن كونه مطيعا بمعنى الملكة.
# وأما ما أجاب به في المختلف بأن اعتقاد الإباحة إطاعة (4) فهو بعيد.
# الرابع: يشترط في ابن السبيل الحاجة في السفر وإن كان غنيا في بلده، فإن
~~عجز حتى عن بعض بيع أمواله المتمكن من التصرف فيها بحيث لم يلزم عليه حرج
~~وضرر، وعن الاستدانة كذلك، فلا ريب في شموله.
# وأما لو لم يعجز عن شئ منها، فظاهر المعتبر (5) والمسالك (6) أنه أيضا
~~داخل فيه،
# PageV04P160
# وهو مشكل; لعدم صدق العجز والاحتياج عليه حينئذ عرفا.
# وأما لو عجز عن البيع دون الاستدانة، فلا يبعد أن يقال بعدم وجوب
~~الاستدانة عليه كما اختاره في المدارك (1); إذ الأصل عدم وجوب جعل ذمته
~~مشغولة بمال الغير، والأحوط اعتبار العجز عنه أيضا.
# الخامس: يدفع إليه بقدر ما يبلغه إلى بلده مع ملاحظة قضاء وطره في ذلك
~~السفر، ولا تجب المبادرة إلى العود، ويلاحظ في ذلك ما يليق بحاله من
~~المأكول والملبوس والمركوب.
# فإن فضل منه شئ، ففي وجوب الإعادة إلى المالك أو من يقوم مقامه من الوكيل
~~أو الحاكم قولان، ولا يبعد القول بعدمه كما مر، وكذلك الكلام فيما لو صرفه
~~في غيره، وللشيخ هنا أيضا قولان (2)، ومختار المحقق هو اعتبار القصد كما مر
~~(3)، والتحقيق فيه ما مر من أن الأظهر عدم الارتجاع، مع إشكال في شرط
~~المالك، لا في مطلق قصده.
# PageV04P161
# المقصد الرابع في أوصاف المستحقين للزكاة وفيه مباحث:
# الأول: يشترط فيهم الإيمان إلا المؤلفة قلوبهم كما مر.
# ويمكن أن يجعل بعض أفراد سبيل الله مما يعطى منه بالمكلفين داخلا في
~~الاستثناء كالغازي; إذ غزو الكافر لا يستلزم التأليف، ولا الإعطاء
~~للاستمالة والتأليف عدم الإعطاء للغزو.
# والمراد بالإيمان: هو الاسلام مع القول بالأئمة الاثني عشر عليهم السلام
~~بدليل إجمالي تطمئن إليه النفس.
# ويدل على اعتباره بعد الاجماع الأخبار الكثيرة، منها صحيحة الفضلاء (1)،
~~وصحيحة بريد بن معاوية العجلي (2)، وصحيحة إسماعيل بن ms1027 سعد الأشعري
# PageV04P162
# المصرحة باشتراطه في زكاة الفطرة أيضا (1).
# وفي العيون رواية عن الصادق عليه السلام في المنع عن إعطاء المجبرة
~~والقائلين بأن الله يكلف عباده ما لا يطيقون (2).
# وفي كتاب التوحيد رواية تدل على منعها عن المجسمة (3).
# وفي رجال الكشي ما يدل على منعها عن الواقفية (4).
# وفي التهذيب ما يدل على منعها عن الزيدية (5).
# ثم إن في صحيحة الفضلاء وصحيحة بريد أن المخالف إذا استبصر وحسن رأيه لا
~~يعيد شيئا من عباداته إلا الزكاة; لأنه وضعها في غير موضعها، وإنما موضعها
~~أهل الولاية، والظاهر أن وجوب إعادة الزكاة عليه حينئذ يكون إجماعيا.
# والمستفاد منهما ومن غيرهما أنه لو كان أعطاها أهل الولاية لا تجب عليه
~~الإعادة، وهو كذلك.
# وأما عدم لزوم إعادة سائر طاعاتهم; فهو أيضا كذلك، على التفصيل الذي مر
~~في كتاب الصلاة، وسيجئ في الحج وغيره إن شاء الله تعالى.
# وإذا لم يوجد المؤمن هل تصرف إلى غيرهم؟ قال في المعتبر: فيه قولان
# PageV04P163
# ، أشبههما أن زكاة المال لا تدفع إلى غير أهل الولاية (1)، ثم ذكر رواية
~~يعقوب بن شعيب الدالة على أنه يعطيها حينئذ من لا ينصب، ثم حكم بندرتها،
~~وضعف طريقها (2).
# وفي التضعيف تأمل، لكن الأقوى المنع كما اختاره.
# والأظهر الأشهر مساواة الفطرة للزكاة في اعتبار الإيمان; للعمومات، وخصوص
~~صحيحة إسماعيل بن سعد المتقدمة.
# وذهب الشيخ (3) وجماعة (4) إلى جواز دفعها إلى المستضعف إذا عدم المؤمن -
~~ومرادهم منه: من لا يعاند أهل الحق من المخالفين - لروايات، منها موثقة
~~فضيل في التهذيب (5)، ورواية مالك الجهني في الكافي (6)، وصحيحة علي بن
~~يقطين في الفقيه (7)، وغيرها (8).
# والأولى حملها على التقية، كما تشعر به موثقة إسحاق بن عمار، إن حملناها
~~على المستضعف، أو جعلناها أعم، قال: سألته عن صدقة الفطرة أعطيها غير أهل
~~ولايتي من فقراء جيراني؟ قال: " نعم، الجيران أحق بها; لمكان الشهرة " (9).
# PageV04P164
# ويجوز أن تعطى الزكاة أطفال المؤمنين، يتيما كان أو غيره، دون غيرهم;
~~للإجماع، والكتاب، والسنة، مثل حسنة أبي بصير (1)، ورواية أبي خديجة (2).
# وما رواه في قرب الإسناد، عن ms1028 محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب، عن
~~الصادق عليه السلام قال، قلت له: عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري
~~لهم منها ثيابا وطعاما، وأرى أن ذلك خير لهم، قال، فقال: " لا بأس " (3).
# وظاهرهم عدم الفرق بين أن يكون آباؤهم فساقا أولا، وصرح بعدم الفرق جماعة
~~منهم (4)، وهو الحق; لإطلاق الأدلة.
# وقد يقال: بلزوم معرفة حال آبائهم بأنهم أخذوا أصول دينهم بالدليل ولو
~~كان إجماليا.
# وظاهر أنه لا يجب ذلك، بل يكفي ثبوت كونهم مقرين بدين التشيع ومظهرين له
~~ولو بالإجمال، ويحمل طريق الآخذ على الوجه الصحيح، فإن إقرارهم بذلك قول
~~مسلم يجب حمله على الصحة، وكيفية الأخذ من أفعالهم، وهي أيضا محمولة على
~~الصحة، ويكفي في حمل القول والفعل على الصحة ظهور الاسلام والإيمان مع عدم
~~العلم بالباطن.
# ويظهر مما ذكرنا الكلام في البلغ أيضا، وعدم وجوب التفحص وإن كان ذلك
~~أحوط، سيما مع اعتبار العدالة لو اعتبرت.
# وأما عدم جواز إعطاء أولاد غيرهم فالظاهر أنه أيضا مما لا خلاف فيه بينهم
# PageV04P165
# لتبعيتهم لهم في الإيمان والكفر، وهو ظاهر الأخبار أيضا (1).
# وقال المحقق الأردبيلي رحمه الله: ولا يبعد الإعطاء على تقدير تعذر الغير
~~من سهم سبيل الله (2).
# ثم إن الزكاة تعطى إلى وليهم ليصرفها فيهم، سواء كان الطفل رضيعا أو
~~غيره; لاحتياج الرضيع أيضا إلى أجرة الرضاع والكسوة ونحوها.
# ومع تعذر الولي يتولى أمره آحاد عدول المؤمنين، فتعتبر النية عند قبض
~~الثقة، ويمكن الاكتفاء بحصول الاعتماد على ملاحظة صلاحه لمن يتولاه وإن لم
~~يكن عدلا، أو تعذر العدل أيضا.
# بل يجوز إعطاء الطفل مع الاعتماد، إن علم من حاله أنه يصرف على وجه يسوغه
~~الولي لو كان كما صرح به جماعة (3).
# ولو أطعمه من الزكاة فلا يحتاج إلى الولي والقابض، فينوي عند الأكل
~~كالكفارة، ويحسب ما أكله عنها.
# وقال في التذكرة: حكم المجنون حكم الصبي الغير المميز، أما السفيه فإنه
~~يجوز الدفع إليه، لكن يحجر عليه الحاكم (4).
# ثم لو كان أحد الأبوين كافرا لحق بالمؤمن. والظاهر أنه كذلك لو ms1029 كان
~~أحدهما مخالفا; للعموم، وعدم ظهور الأخبار في اخراج ذلك.
# الثاني: العدالة، اعتبرها السيد (5) وجماعة (6)، واشترط المفيد أن يكون
~~عارفا
# PageV04P166
# تقيا (1)، وفي الرسالة العزية: عارفا عفيفا (2).
# وعن ابن الجنيد: المنع من إعطاء شارب خمر أو مقيم على الكبيرة (3)، وعن
~~جماعة مجانبة الكبائر دون الصغائر.
# ونقل في المعتبر عن قوم من أصحابنا عدم اعتبار العدالة وارتضاه (4)، وهو
~~مختار العلامة (5) وجمهور المتأخرين (6)، وهو الأقرب.
# لنا: عموم الآيات والأخبار، وإطلاقاتها، وترك الاستفصال الموجود فيها -
~~لا حاجة إلى ذكرها -، ولزوم العسر والحرج غالبا، والعلل الواردة في الأخبار
~~في مقدار الزكاة، وملاحظة الفقير والغني في هذا التحديد، الظاهر في أن
~~المعيار إنما هو الفقر والحاجة.
# بل وروى الصدوق في العلل، عن بشير بن بشار قال: قلت للرجل، يعني أبا
~~الحسن عليه السلام: ما حد المؤمن الذي يعطى من الزكاة؟ قال: " يعطى المؤمن
~~ثلاثة آلاف " ، ثم قال: " أو عشرة آلاف، ويعطى الفاجر بقدر; لأن المؤمن
~~ينفقها في طاعة الله، والفاجر ينفقها في معصية الله " (7).
# ويؤيده ما رواه في المقنعة: أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله، أي
~~الصدقة أفضل؟ فقال: " على ذي الرحم الكاشح " (8).
# احتج السيد بالإجماع، وبالاحتياط، وبكل ما دل على حرمة معونة الفساق (9).
# PageV04P167
# وزاد الشهيد لهم بما دل على أن موضعها أهل الولاية، منضما إلى ما روي
~~عنهم: " لن تنال ولايتنا إلا بورع واجتهاد " (1). وبأن الفاسق محاد لله
~~ولرسوله، وإعطاء الزكاة موادة.
# والإجماع لا نعرفه، خصوصا مع عدم اشتراط جماعة من أعيان من تقدمه ذلك،
~~كالصدوقين (2) وابن أبي عقيل (3) وكثير ممن تأخر عنه (4)، ولو فرض كونه
~~إجماعا منقولا فلا يعارض به ما قدمناه.
# والاحتياط ليس بدليل شرعي.
# وما دل على حرمة إعانة الفساق لو ثبتت فإنما تسلم في فسقهم، أو من حيث
~~إنهم فاسقون.
# وانحصار الولاية في العدالة واضح البطلان، فهي محمولة على كمالها.
# وكون الفسق محادة ممنوع وكذا كون إعطاء الزكاة موادة.
# ولعل ابن الجنيد تمسك برواية داود الصرمي في منع شارب الخمر (5)، منضما
~~إلى ادعاء عدم القول بالفرق، وهي ضعيفة مضمرة ms1030 لا تقاوم ما ذكرنا، هذا.
# وعرف الشهيد في غاية المراد العدالة هنا: بأنها هيئة راسخة في النفس تبعث
~~على ملازمة التقوى، بحيث لا تقع منه كبيرة، ولا يصر على صغيرة، فإن وقعت
~~استدركت بالتوبة (6)، ولعله أراد أنه لا يشترط هنا اجتناب منافيات المروءة;
~~ولعل ذلك لعدم إفادة دليلهم إلا وجوب اجتناب المعاصي، وترك المروءة ليس
~~بمعصية كما أشار إليه في المسالك (7).
# PageV04P168
# وعلى هذا فالظاهر أن المقتصرين على وجوب اجتناب الكبائر لا يقدح عندهم في
~~الجواز الإصرار على الصغائر، وإن كان ذلك أيضا من جملة الكبائر، وإلا فلم
~~يبق الفرق بين هذا القول والقول بالعدالة.
# وكيف كان، فالأظهر عدم اشتراط العدالة، وإن كان أولى وأحوط. وآكد منها
~~اجتناب الكبائر، سيما الخمر.
# ثم إن ظاهر الفقهاء في هذا المقام هو الكلام في المكلفين، وأن القائل
~~باشتراط العدالة أو اجتناب الكبائر إنما هو فيهم، فتفريع عدم جواز إعطاء
~~أطفال المؤمنين على اشتراط العدالة لا وجه له، مع أن الدليل على الجواز
~~قائم كما حققناه، وفي المسالك:
# هنا موارد أنظار، لا نطيل بذكرها.
# ثم إن ظاهر كلام السيد (1) وغيره (2) من مشترطي العدالة تعميم الاشتراط
~~كما هو مقتضى أدلتهم أيضا، ونفي المعتبر أيضا عن الشيخ التعميم، واستثنى
~~عنه المؤلفة فقط (3).
# وكيف كان فاشتراط العدالة في العاملين مخرج عن المسألة كما مر.
# الثالث: أن لا يكون ممن تجب نفقته على المعطي، كالآباء والأولاد والزوجة
~~والمملوك; بالإجماع، والأخبار المعتبرة. وما خالفها من الأخبار شاذ مؤول.
# وفي جواز أخذ من تجب نفقته على أحد الزكاة من غيره مع تمكن من يجب عليه
~~وبذله قولان، أظهرهما العدم; لعدم صدق الفقير عليه عرفا، فإنه مالك لمؤونة
~~السنة بالقوة، إذ لم يعتبروا في الغني تحقق المؤونة بالفعل، فهو كصاحب
~~الصنعة، أو كصاحب العقار الذي يستعين بأجرته على المؤونة، وهو مختار
~~التذكرة (4)
# PageV04P169
# والمحقق الأردبيلي (1) قدس سرهما.
# وعن المنتهى (2) والدروس (3): الجواز في غير الزوجة; لأن نفقتها كالعوض،
~~ونفقتهم من باب المواساة وسد الخلة، لا على وجه التمليك، ولذلك لا يستقر في
~~الذمة، ولا ms1031 يجب قضاؤه وإن أثم بالترك، بخلاف نفقة الزوجة، فيصدق عليهم
~~الفقير بمعنى أنهم ليسوا مالكين للمؤونة.
# واختاره في المدارك (4)، واستدل عليه بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن
~~أبي الحسن الأول عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمه أو
~~أخوه يكفيه مؤونته، أيأخذ من الزكاة فيتوسع به إذا كانوا لا يوسعون عليه في
~~كل ما يحتاج إليه؟
# إ قال: " لا بأس " (5).
# وفيه نظر; إذ هو إنما يدل على جواز الأخذ للتوسيع، والتوسيع ليس بواجب
~~على المنفق، بل الواجب إنما هو قدر الكفاية اللائقة بالحال.
# وصرح بجواز التوسيع في التذكرة، واستدل عليه بهذه الرواية أيضا (6)، وصرح
~~به في المسالك أيضا (7)، وهو ظاهر الدروس (8)، وتدل عليه روايات أخر (9).
# هذا كله إذا كان المنفق موسرا باذلا، وإلا فيجوز الأخذ في الجميع بلا
~~خلاف ظاهر.
# والظاهر أن إمكان الأخذ بالرجوع إلى الحاكم في قوة التمكن من النفقة.
# ويجوز للمالك أن يصرف فيمن تجب عليه نفقتهم في غير النفقة اللائقة من
~~المأكول
# PageV04P170
# والملبوس ونحوهما، مثل نفقة زوجتهم ومملوكهم، وأداء ديونهم، وكذلك يجوز
~~لهم أن يأخذوا من غيره; للعمومات، وإشارة التعليل في صحيحة عبد الرحمن بن
~~الحجاج المتقدمة في مبحث الغارمين إلى ذلك.
# وأما الأقارب الذين لا يجب الانفاق عليهم كالأخ والأخت والعم والخال
~~فيجوز إعطاؤهم من الزكاة بلا خلاف، وهو مقتضى العمومات، وخصوص بعض الأخبار
~~المعتبرة (1).
# وهل يجوز دفع الزكاة إلى الزوجة الناشزة الفقيرة؟ الأظهر العدم; لتمكنها
~~من الإطاعة وأخذ النفقة، وإن لم نقل باشتراط العدالة، وكذلك المعقود عليها
~~الغير الباذلة للتمكين.
# ويجوز للزوجة دفع زكاتها إلى زوجها وإن كان ينفق منها عليها; للعمومات،
~~وعن الصدوق المنع مطلقا (2)، وعن ابن الجنيد الجواز بشرط أن لا ينفقها
~~عليها وعلى ولدها (3).
# ويجوز دفع الزكاة إلى المتمتعة; لعدم وجوب الانفاق عليها. والقول بالمنع
~~لأنها زوجة لا وجه له.
# وقال في التذكرة العيلولة من دون القرابة غير مانعة من الإعطاء عند
~~علمائنا أجمع، وهو قول أكثر العلماء، فلو كان في عائلته من لا يجب الانفاق
~~عليه كيتيم ms1032 أجنبي - جاز أن يدفع زكاته إليه; لأنه داخل في الأصناف
~~المستحقين للزكاة، ولم يرد في منعه نص: لا اجماع، ولا قياس، ثم نقل الخلاف
~~عن بعض العامة (4).
# والظاهر أنه لا فرق بين الأجنبي والقريب بشرط وجوب النفقة، وادعى عليه
# PageV04P171
# الاجماع في المدارك (1). ثم إن ما ذكرنا من منع إعطاء من يجب الانفاق
~~عليه إنما هو من وجه الفقراء وفي نفقته اللازمة، فأما من وجه الغارمين إذا
~~كان عليه دين، أو الرقاب في تخليصه إن كان مكاتبا، أو شرائه إن كان رقا، أو
~~إعطائه المحمولة، وما زاد على نفقة الحضر من سهم ابن السبيل إن كان ابن
~~سبيل، أو للعمل إن كان عاملا، أو من سبيل الله للغزو إن كان غازيا، أو للحج
~~أو الزيارة فلا مانع منه; للعمومات، وخصوص ما مر في أداء الدين، وخصوص ما
~~دل على شراء الأب، وهي قوية أبي محمد الوابشي (2)، ولأن ما يعطى العامل
~~كالأجرة وكذا الغازي.
# الرابع: أن لا يكون هاشميا، فلا تحل له زكاة غير الهاشمي، بالإجماع،
~~والأخبار المعتبرة المستفيضة (3).
# ويحل أخذها من مثله في كونه هاشميا، وإن لم يكونا متحدين في الأب الخاص،
~~والظاهر أن هذا أيضا إجماعي، كما يظهر من التذكرة (4) وغيرها (5)، والأخبار
~~الدالة عليه بمكان من الكثرة، ولا إشكال في المسألة.
# ويتخير حينئذ بين أخذها وأخذ الخمس، والخمس أفضل.
# وكذلك يجوز للهاشمي أخذها من غير الهاشمي إذا لم يتمكن من الكفاية من
~~الخمس أو زكاة قبيله بلا خلاف ظاهر، ونسبه في المنتهى إلى فتوى علمائنا
~~أجمع (6)، وفي التذكرة والمعتبر إلى علمائنا ونقل الوفاق عن الإصطخري من
~~الشافعية
# PageV04P172
# ومخالفة الباقين (1).
# واختلف الأصحاب في تقدير الأخذ، فظاهر الأكثر - كما نقل القول به عنهم
~~ونسبه إليهم في المختلف أيضا (2) - جواز أخذ الكفاف.
# وقيل: لا يجوز الأخذ فوق الضرورة (3)، واختاره جماعة من متأخري المتأخرين
~~(4)، وربما فسر بقوت يوم وليلة، ويظهر من بعضهم الميل إلى الأقل من ذلك.
# وقال في المسالك بعد اختياره القول بعدم جواز الأخذ فوق الضرورة وتفسيرها
~~بقوت يوم وليلة: نعم لو ms1033 لم تندفع الضرورة بدفع قوت اليوم بأن لا يجد في
~~اليوم الثاني ما يدفع به الضرورة عادة جاز له أخذ ما تندفع به (5).
# واستدل في التذكرة للأول: بأن المنع إنما كان لاستغنائهم بالخمس، وحرمت
~~عليهم الصدقة، وجعل لهم الخمس في مقابلة ذلك، فإذا لم يحصل لهم الخمس حلت
~~لهم الصدقة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله للفضل بن عباس: " ليس في
~~خمس الخمس ما يكفيكم عن أوساخ الناس " ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه
~~السلام: " أعطوا من الزكاة من بني هاشم من أرادها، فإنها تحل لهم، وإنما
~~تحرم على النبي صلى الله عليه وآله وعلى الإمام الذي يكون بعده، وعلى
~~الأئمة عليهم السلام ".
# وليس المراد بذلك حالة الاستغناء بالخمس; لتحريمها عليهم إجماعا، فتعين
~~أن يكون حال الضرورة، وفارقوا النبي صلى الله عليه وآله والأئمة لعلو
~~منصبهم وزيادة شرفهم، فلا يحل لهم حال الضرورة (6)، انتهى.
# PageV04P173
# والرواية المذكورة هي رواية أبي خديجة (1)، وقال الشيخ بعد حملها على حال
~~الضرورة في وجه اختصاص النبي صله الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام
~~بالذكر: أنهم لا يضطرون إلى أكل الزكاة (2).
# وما أشار إليه في التذكرة أولا هو المستفاد من الروايات، مثل ما رواه
~~الشيخ عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا رفعه، قال: " الخمس من خمسة أشياء -
~~إلى أن قال - والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمدي، الذين
~~لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة، عوضهم الله مكان ذلك الخمس " (3) الحديث.
# وما رواه في الكافي في الحسن، عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد
~~الصالح في حديث طويل، قال: " وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم - يعني بني
~~عبد المطلب - عوضا لهم من صدقات الناس; تنزيها من الله لهم، ولا بأس بصدقات
~~بعضهم على بعض " (4).
# واحتج المحقق الأردبيلي (5) - رحمه الله - وبعض من تأخر عنه (6) بموثقة
~~زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: " لو كان العدل ما احتاج
~~هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة، إن الله تعالى جعل لهم في كتابه ما ms1034 كان فيه
~~سعتهم " ثم قال: " إن الرجل إذا لم يجد شيئا حلت له الميتة، والصدقة لا تحل
~~لأحد منهم إلا أن لا يجد شيئا، ويكون ممن تحل له الميتة " (7).
# وفي الرواية شئ، من حيث اشتمالها على تسوية المطلبي للهاشمي، وردها
# PageV04P174
# العلامة في التذكرة في مسألة حلية الزكاة للمطلبي بأنه خبر واحد ترك
~~العمل به أكثر الأصحاب، فلا يخص به العموم المقطوع (1).
# وقال في المعتبر: أصلها واحد نادر، فلا يخص بها عموم القرآن (2).
# ولعله لذلك لم يتعرض لها العلامة في الاستدلال هنا، لا في المختلف ولا في
~~التذكرة.
# وما يضعفه أن القائلين بالاكتفاء بالضرورة فسروها بقوت يوم وليلة، وهو
~~ليس معنى التحديد بسد الرمق كما أرادوها في الميتة، وهو ظاهر الرواية.
# بل لم أقف على مصرح، بذلك إلا ما يظهر من المدارك ومن تبعه، والعجب أنه
~~مع أنه لا يعمل بالأخبار الموثقة استدل بها هنا، ثم ردها في حكم بني المطلب
~~بأن في طريقها علي بن الحسن بن فضال، ولا تعويل على ما ينفرد به.
# وظاهر الاجماع المنقول في المنتهى وغيره أيضا هو قول الأكثر، ويؤيده
~~إطلاقهم تجويز عمالتهم إذا لم يجدوا من الخمس.
# قال في التذكرة: لو كان فقيرا لا يصل إليه من الخمس شئ، جاز أن يكون
~~عاملا عندنا، ويأخذ النصيب (3).
# ومما يؤيده أيضا: أن الاجماع في أصل المسألة كأنه لا اشكال في ثبوته
~~وتحققه في الجملة، وهو كاشف عن رأي المعصوم.
# ومن البعيد أن يكون تأسيس هذا الأساس وتبعية كل العلماء لإمامهم في مسألة
~~لا يحتاج إليها أصلا; إذ جواز أكل الحرام في حال الاضطرار كفى وضوحه عن
~~التصدي لبيانه في بعض أفراد الحرام بخصوصه، وكذلك كون المراد برواية زرارة
~~أيضا ذلك بعيد، فلا بد أن نحملها على إرادة محض المشابهة في الرخصة، لا في
~~كيفية الرخصة
# PageV04P175
# ومقدارها أيضا.
# ويشبه أن تكون الرواية واردة على ما هو أقرب إلى طريقة العامة من باب
~~التقية، فيظهر فيها ضعف آخر.
# وكيف كان فالمسألة مشكلة، ولقول الأكثر قوة، والأحوط الاجتناب عن ms1035 فوق قدر
~~الضرورة ومقدار الضرورة، وتحديد زمانها يختلف باختلاف الأوقات والأحوال
~~والأشخاص.
# ولو وجد الخمس أو غيره بعد ما أخذ الزكاة وبقي عنده منها شئ، ففي وجوب
~~الرد إشكال، والأحوط الاجتناب، ولم يثبت الوجوب.
# والمشهور أن الصدقة المفروضة إنما تحرم على أولاد هاشم، وعن المفيد في
~~المسائل العزية تحريمها على بني المطلب أيضا (1)، وهو أخو هاشم، وهو
~~المنقول عن ابن الجنيد أيضا (2).
# والأقوى الأول; لعموم الآيات، والأخبار، خرج منها الهاشمي بالإجماع
~~والأخبار.
# وفي الأخبار أيضا إشعار بالاختصاص، مثل صحيحة عبد الله بن سنان، عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " لا تحل الصدقة لولد العباس، ولا لنظرائهم من
~~بني هاشم " (3).
# وفي صحيحة العيص أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يا بني عبد المطلب،
~~إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم، ولكني قد وعدت الشفاعة " (4) الحديث وفي
~~معناها حسنة زرارة ومحمد بن مسلم (5).
# PageV04P176
# وحجة المفيد: موثقة زرارة المتقدمة، وقد عرفت ما فيها ولا يعارض بها تلك
~~الأدلة.
# وأولاد هاشم الآن منحصرون في أولاد أبي طالب من العلويين، ومن ولد جعفر
~~وعقيل، وأولاد العباس، والحارث وأبي لهب أولاد عبد المطلب، وإنما قلنا
~~الآن; لأنهم كانوا أكثر من ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وآله، فإن حمزة
~~كان من ولد هاشم، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وأولاده الصلبية.
# وما ذكرنا من حرمة الصدقات عليهم مما لا ريب فيه في زكاة المال الواجبة
~~والفطرة.
# وفي الصدقات الواجبة من المنذورات والكفارات قولان، أظهرهما الجواز;
~~للأخبار الكثيرة المصرحة بعضها بأنها إنما هي الزكاة المفروضة، مثل صحيحة
~~جعفر بن إبراهيم الهاشمي (1)، ورواية إسماعيل بن فضل الهاشمي (2)، ورواية
~~زيد الشحام (3).
# وأما الصدقات المندوبة فيجوز تناولها لهم على المعروف من المذهب، ويظهر
~~من المنتهى الاجماع، حيث أسنده إلى علمائنا (4)، وكذلك في المدارك (5)، وهو
~~ظاهر المعتبر (6) وغيره (7)، ولكنه في التذكرة جعله مشهورا (8).
# وكيف كان فلا إشكال في الجواز; لظاهر الاجماع والأخبار المستفيضة، منها
~~ما أشرنا إليها.
# واستثنى في التذكرة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام;
~~لمنافاته ms1036 شرفهم ورفعتهم (9)، وتبعه في
# PageV04P177
# المسالك (1)، والمشهور خلافه، بل قال في المعتبر: وهل تحرم المندوبة على
~~النبي صلى الله عليه وآله، قال علماؤنا: لا تحرم، وعلى ذلك أكثر أهل العلم
~~(2)، انتهى ما أردناه.
# ويدل على الجواز الأخبار الكثيرة، وإشباع الكلام في المسألة ليس بمهم.
# PageV04P178
# المقصد الخامس فيمن يتولى الإخراج وكيفيته وفيه مباحث:
# الأول: المتولي لذلك هو المالك ووكيله، والإمام وعامله. والفقيه العادل
~~قائم مقام الإمام في زمن الغيبة.
# أما تولي المالك له; فلا إشكال ولا خلاف فيه، والأخبار به ناطقة، والآيات
~~فيه ظاهرة.
# وأما وكيله; فللإجماع على قبول هذا الفعل للنيابة، والأخبار المستفيضة،
~~مثل صحيحة جميل بن دراج، عن الصادق عليه السلام: في الرجل يعطي غيره
~~الدراهم يقسمها، قال: " يجري له مثل ما يجري للمعطي، ولا ينقص المعطي من
~~أجره شيئا " (1).
# وصحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عمن يلي صدقة
~~العشر على من لا بأس به، فقال: " إن كان ثقة، فمره يضعها في مواضعها، وإن
~~لم يكن ثقة فخذها منه وضعها في مواضعها " (2).
# PageV04P179
# ورواية صالح بن رزين قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني إذا وجدت
~~زكاتي أخرجها فأدفع منها إلى من أثق به يقسمها، قال: " نعم، لا بأس بذلك،
~~أما إنه أحد المعطين " (1)، إلى غير ذلك من الأخبار التي يجئ بعضها في
~~مواضعها في مسألة نقل الزكاة إلى بلد آخر وغيرها.
# وتعتبر عدالة الوكيل; ليكتفي بقوله " إني أديت " أو بمحض توكيله; لتحصيل
~~البراءة، ودلالة الصحيحة المتقدمة عليه، وإشارة الرواية الأخرى إليه.
# وأما جواز اخراج الإمام وعامله مع إذنه; فهو أيضا مما لا اشكال فيه; لأنه
~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بل لا ريب في استحباب الحمل إليه أولا ورجحانه;
~~لأنه أبصر وأعرف بكيفية الإخراج والمستحق.
# ويتأكد في الأموال الظاهرة كالمواشي، والغلات كما قالوه، ولعله لإزالة
~~التهمة، والإعلان بشرائع الاسلام.
# بل ذهب جماعة من الأصحاب إلى وجوب حمل الزكاة أولا إلى الإمام، ومع غيبته
~~فإلى الفقيه المأمون (2).
# وربما يستدل لهم بقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * (3) بتقريب ms1037 أن
~~وجوب الأخذ يستلزم وجوب الدفع.
# ورد: بأن المتنازع الحمل أولا; لا بعد الطلب، والاستلزام إنما هو في
~~الثاني.
# وفيه: أنه لعل مراده أن ما يتعلق به وجوب الأخذ فهو مما يجب إعطاؤه
~~مطلقا.
# والأولى منع دلالة الآية على وجوب الأخذ مطلقا، بل إنما هي مقصورة على
~~شأن النزول، أو على الممتنعين، أو هو إنشاء حكم وتسنين شرع، فلا يعم بعد
~~تسنينه والتشرع به.
# PageV04P180
# وكيف كان; فلو طلبها الإمام فيجب الدفع إليه إذا كان طلبه إلزاميا حتميا;
~~لوجوب إطاعته.
# ولو فرقها المالك والحال هذه ففي الاجزاء وعدمه قولان، ناظران إلى أن
~~الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده، ولا ريب أن عدم الدفع ضد المأمور به، وهو
~~قد يتحقق في ضمن الدفع إلى الفقير.
# وإلى أن المقصود وصولها إلى المستحق كالدين، وقد وصلت، وإن حصل الإثم.
# وهذا النزاع، إنما يتمشى إذا لم يظهر من حال الإمام عليه السلام عدم
~~الإعطاء بالغير، وإلا فيشكل الحكم بالصحة على القول بدلالة النهي على
~~الفساد في العبادات كما هو الأصح، وإن لم نقل بدلالة الأمر بالشئ على النهي
~~عن الضد الخاص، أو قلنا به بدلالة تبعية، وإن لم (1) نقل بدلالتها على
~~الفساد حينئذ.
# ويؤيد الصحة ما سيجئ من الاجماع على الصحة لو نقل الزكاة إلى بلد آخر مع
~~وجود المستحق على القول بتحريمه.
# وهذا النزاع لا فائدة فيه في زماننا، إلا أن نقول بجريان الحكم في
~~الفقيه، وقلنا بوجوب إطاعته كالإمام إذا طلبها; كما هو مقتضى عمومات ما دل
~~على نيابته عن الإمام، ولا يحضرني التصريح به في كلامهم.
# وقالوا: إن المراد بالفقيه في هذا المقام وأمثاله هو الجامع لشرائط
~~الفتوى، وقيدوه هنا بالمأمون، وفسروه بمن لا يتوصل إلى أخذ الحقوق مع غنائه
~~عنها بالحيل الشرعية، فإن فيه انحطاطا عما نصبه الشارع له، وإضرارا
~~بالمستحقين، ونقضا للحكمة الباعثة على تشريع الزكاة; وإن حلت له بذلك.
# ثم إن ادعى المالك اخراج الزكاة يقبل قوله، ولا يكلف بينة ولا يمينا;
~~لحمل قوله على الصحة، ولدلالة الأخبار عليه، ms1038 مثل حسنة بريد بن معاوية
~~الواردة في آداب
# PageV04P181
# المصدق (1)، ورواية غياث بن إبراهيم (2).
# الثاني: لا يجب بسطها على الأصناف، فيجوز إعطاؤها ولو واحدا من واحد
~~منها.
# ولكن يستحب البسط، بل وإعطاؤها جماعة من كل صنف.
# ويدل على الأول - بعد الاجماع ظاهرا كما ادعاه في التذكرة - (3) الأخبار
~~المعتبرة المستفيضة جدا، منها ما مر في مسألة الغارمين والرقاب وسبيل الله.
# ومنها: صحيحة أحمد بن حمزة (4)، وحسنة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، وفي
~~آخرها: وقال: " ليس في ذلك شئ موقت " (5).
# ومنها: الأخبار الدالة على استحباب إعطاء الفقير من زكاة النقد ما يجب في
~~النصاب الأول (6).
# ومنها: ما دل على رجحان أن يعطي الفقير غناه (7).
# ومنها: غير ذلك.
# والمخالف في المسألة إنما هو بعض العامة (8)، خلافا لأكثرهم (9)، تمسكا
~~بظاهر
# PageV04P182
# الآية، لكون اللام للملك، وإفادة الواو التشريك.
# وأجيب عنه بوجوه، أوجهها: أن اللام هنا للاستحقاق، والآية مسوقة لبيان
~~المصرف.
# ويؤيده الحصر ب " إنما "، وقوله تعالى: * (ومنهم من يلمزك في الصدقات) *
~~(1) فالمراد أنه لا يصرف إلى غير هؤلاء.
# لا أنه يجب الصرف في جميع هؤلاء، ولو سلم الظهور فالإجماع والأخبار قرينة
~~على خلافه، وهو ما ذكرنا.
# وأما استحباب البسط فذكره جماعة من الأصحاب، واستدلوا عليه بالخروج عن
~~الخلاف، وشمول النفع.
# ولعل مرادهم بالخروج عن الخلاف في فهم اللفظ بمقتضى اللغة والعرف، وإلا
~~فالخلاف ليس إلا من بعض العامة.
# ويشكل الحكم بالاستحباب فيما إذا كان قليلا بحيث لا ينتفع بما يصل إلى كل
~~واحد.
# ويشكل أيضا بما ورد من فضيلة الإغناء، وما دل على لزوم أن لا يعطى الفقير
~~أقل من خمسة دراهم أو رجحانه كما سيجئ.
# ثم لا يجب التسوية بين أشخاص الأصناف أيضا بلا خلاف، ولكن الأولى أن لا
~~يخص بعض المستحقين بالإعطاء دون بعض بلا عذر، وكذا التفاضل إذا تساووا.
# ومع التفاوت فلا بأس، مثل كون بعضهم من أهل الفضل فيزاد نصيبه; لقوية عبد
~~الله بن عجلان السكوني (2). أو كونه ممن لا يسأل فيفضل على من يسأل; لصحيحة
~~عبد الرحمن بن الحجاج (3). وصرف صدقات ms1039 المواشي إلى المتجملين ومن لإعادة له
# PageV04P183
# له بالسؤال، وغيرها إلى الفقراء المدقعين; لرواية عبد الله بن سنان (1)،
~~ورواية عبد الكريم بن عتبة الهاشمي رواها في المقنعة (2).
# ولعل العلة في رواية ابن سنان مقصورة على ذلك الزمان وأمثاله، إذ قد
~~يستجمل من أخذ المواشي، ولا يستجمل من أخذ النقد، فيختلف الحال باختلاف
~~الأزمان.
# الثالث: قد عرفت وقت وجوب اخراج الزكاة سابقا، واختلف الأصحاب في أنه على
~~الفور أو يجوز التأخير، فالمشهور بينهم تحريم التأخير إلا لمانع; كعدم
~~التمكن من المال، أو الخوف من المتغلب، أو عدم المستحق.
# وكذلك كل من في يده مال لغيره فطالبه فامتنع أو أوصى إليه شئ فلم يصرفه
~~فيه، أو دفع إليه ما يصرفه إلى غيره، ويترتب عليه الضمان.
# ولم ينقل في التذكرة في أصل المسألة خلافا عن أحد من أصحابنا.
# ونسب القول بالتراخي إلى أبي بكر الرازي من العامة، وأبي حنيفة ما لم
~~يطالب بها، وصرح فيها بالإثم والضمان، وقال: لو أخر مع إمكان الأداء كان
~~عاصيا ولا تقبل منه صلاته في أول الوقت، وكذا جميع العبادات الموسعة (3).
# وجوز في الدروس التأخير لانتظار الأفضل والتعميم (4).
# PageV04P184
# وزاد في البيان: تأخيرها لمعتاد الطلب منه بما لا يؤدي إلى الإهمال (1).
# وقال في التذكرة: لو أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها من ذي قرابة أو
~~حاجة شديدة فالأقرب المنع وإن كان يسيرا، وقال أحمد: يجوز اليسير دون العكس
~~(2).
# وجوز ذلك في التحرير مع قصر الزمان، ولكنه قال: يضمن مع وجود المستحق
~~(3).
# وفي التذكرة: أن التأخير لطلب بسطها على الأصناف الثمانية أو الموجودين
~~عذر مع دفع نصيب الموجودين (4)، وكذلك في التحرير قال: فيه وفي الضمان
~~حينئذ إشكال (5).
# وذهب ابن إدريس إلى عدم الإثم بسبب التأخير، وإن حضر المستحق (6)، ولكنه
~~قال بالضمان حينئذ. ولكن لا يعطي كلامه أزيد من جواز التأخير إذا أراد
~~إيثار مستحق آخر لها، لا مطلقا.
# وقال الشيخان: بجواز التأخير بدون العذر مع العزل شهرا أو شهرين (7).
# وقال في المسالك: يجوز التأخير شهرا أو شهرين، خصوصا إذا أخرها ms1040 للبسط
~~ولذي المزية (8)، ويظهر من الروضة أنه مذهب جماعة (9).
# والظاهر من ذلك: جواز التأخير مطلقا إلى هذه المدة، وقد استدل على ذلك
~~بصحيحة معاوية بن عمار، وهي تدل على الجواز إلى ثلاثة أشهر وأكثر (10).
# واختار في المدارك مختار جده، بل جوز التأخير ثلاثة أشهر، بل وأربعة كما
~~هو
# PageV04P185
# مقتضى صحيحة معاوية بن عمار، وصرح بالضمان مع التلف مع تجويزه للتأخير في
~~غير صورة العذر (1)، وأما في صورة العذر فلا ضمان عندهم.
# نعم قد يقع الإشكال والاختلاف في حقيقة العذر.
# وكيف كان، فكلمات الأكثرين متفقة في عدم جواز التأخير بلا عذر، وليس من
~~باب صلاة الظهر وسائر الواجبات الموسعة، ويلزمه الضمان.
# ويدل على الفور: أن المستحق مطالب بشاهد الحال، فيجب التعجيل، كالوديعة
~~والدين، وقول الصادق عليه السلام في حسنة محمد بن مسلم: " إذا وجد لها
~~موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها " (2) الحديث; وكذلك ما في
~~معناها مثل حسنة زرارة الآتية (3)، سيما على نسخة التهذيب وغيرها.
# والتقريب: أن الضمان ظاهر في الإثم; لأنه مقتضى التفريط في حقوق الناس من
~~الأمانات، والزكاة من جملتها.
# وقد استدل بها في التذكرة أيضا للإثم والضمان معا (4)، فليتأمل في ذلك،
~~فسنشير إلى منع الملازمة بين الضمان والإثم.
# وصحيحة سعد بن سعد الأشعري، قال: سألته عن الرجل تحل عليه الزكاة في
~~السنة في ثلاثة أوقات، أيؤخرها حتى يدفعها في وقت واحد؟ فقال: " متى حلت
~~أخرجها " (5).
# ورواية أبي بصير قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا أردت أن تعطي
~~زكاتك قبل حلها بشهر أو شهرين فلا بأس، وليس لك أن تؤخرها بعد حلها ".
~~رواها في آخر السرائر عن كتاب محمد بن علي بن محبوب (6)، وسيجئ وجه أول
~~الرواية.
# PageV04P186
# وصحيحة علي بن الحكم، عن محمد بن يحيى - وقد يقال: إنه الخثعمي - عن أبي
~~بصير عنه عليه السلام: أنه سأله عن رجل حال عليه الحول، وحل الشهر الذي كان
~~يزكي فيه، وقد أتى لنصف ماله سنة، ولنصف الآخر ستة أشهر، قال: " يزكي الذي
~~مرت عليه سنة; ويدع الآخر ms1041 حتى تمر عليه سنته " (1).
# وأما الأخبار الدالة على جواز التأخير، فهي صحيحة حماد بن عثمان، عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين، وتأخيرها شهرين "
~~(2).
# وصحيحة معاوية بن عمار، عنه عليه السلام قال، قلت له: الرجل تحل عليه
~~الزكاة في شهر رمضان، فيؤخرها إلى المحرم، قال: " لا بأس "، قلت: فإنها لا
~~تحل عليه إلا في المحرم فيعجلها في شهر رمضان؟ قال: " لا بأس " (3).
# وصحيحة عبد الله بن سنان عنه عليه السلام، أنه قال في الرجل يخرج زكاته
~~فيقسم بعضها ويبقي بعضها يلتمس لها المواضع، فيكون بين أوله وآخره ثلاثة
~~أشهر، قال:
# " لا بأس " (4).
# وموثقة يونس بن يعقوب قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: زكاتي تحل علي
~~في شهر، أيصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة أن يجيئني من يسألني؟ فقال: "
~~إذا حال الحول فأخرجها من مالك لا تخلطها بشئ، ثم أعطها كيف شئت "، قال،
~~قلت: فإن أنا كتبتها وأثبتها يستقيم لي؟ قال: " لا يضرك " (5).
# ويضعف الأولين: اشتمالهما على تعجيل الزكاة، وهو ضعيف كما سيجئ، وموافق
~~لأكثر العامة، وهو المنقول عن غير مالك من الفقهاء الأربعة (6)، فالأولى
# PageV04P187
# حملها في التأخير على العذر كما فعله الأصحاب.
# وأما صحيحة عبد الله بن سنان، فنقول بموجبها، فإن طلب الموضع شاهد على
~~فقده.
# وأما موثقة يونس فهي أيضا لا تدل على الجواز بلا عذر، إنما الكلام في
~~تحقيق العذر.
# ويظهر من الموثقة أن انتظار معتاد الطلب منه عذر، وكذلك كون الشخص مظنة
~~لتردد المستحقين إليه في عرض السنة.
# ومقتضى هذه الموثقة - تصريحا وتنبيها - مع ملاحظة الجمع بين ما دل على
~~منع التأخير وما دل على استحباب التعميم وإيثار الأفضل من جهة الفقه أو
~~القرابة أو شدة الحاجة، فإن النسبة بينها وبينه عموم من وجه مع ملاحظة
~~العسر والحرج، والأصل هو المصير إلى توسعة في العذر.
# والحاصل: أن الظاهر حرمة التأخير من جهة التهاون، والتكاهل، وبلا عذر،
~~سيما إذا كانت الزكاة مظنة للتلف. وأما مع الأعذار المذكورة فالحكم بحرمة
~~التأخير مشكل لو لم ms1042 نقل برجحانه في البعض، كما هو المستفاد من القول بجوازه
~~لإيثار الأفضل، فإنه ليس إلا لأجل امتثال الأمر به، وترجيح جانب ذلك الأمر،
~~فيكون راجحا.
# وأما الضمان في صورة الجواز، كما يظهر من السرائر (1) والمدارك (2)، فهو
~~مشكل.
# واستدل عليه في المدارك بحسنة محمد بن مسلم (3) وحسنة زرارة (4)
~~الآتيتين.
# وفي الاستدلال بهما إشكال، لكن الظاهر عدم الفرق في صور التأخير، وسيجئ
~~أن التأخير بسبب النقل من بلد المال موجب للضمان مع وجود المستحق; لظاهر
# PageV04P188
# الحسنتين وغيرهما، فالأظهر حينئذ الضمان.
# بقي الكلام فيما ذهب إليه الشيخان (1)، وقد ظهر لك مما ذكرنا ضعفه، وسيجئ
~~أن العزل مستحب، لكن جواز التأخير وعدمه في صورة العزل وعدمه سيان، وجوازه
~~تابع للعذر باق ببقائه ولا تحديد فيه.
# الرابع: اختلف الأصحاب في جواز العدول بالزكاة إلى غير أهل بلد المال مع
~~وجود المستحق، بمعنى اخراجه عنه إلى غيره، لا اعطائه لغير أهل البلد إذا
~~كان حينئذ في ذلك البلد أيضا، فإنه لا اشكال فيه.
# قال العلامة في التذكرة: لا يجوز نقل الزكاة عن بلدها مع وجود المستحق
~~فيه عند علمائنا أجمع (2)، ثم نقله عن جماعة من العامة (3).
# فظهر منه أن المسألة إجماعية، مانه نسب القول بالحرمة في المنتهى إلى
~~علمائنا (4)، والجواز إلى المفيد (5) والشيخ في بعض كتبه (6)، واستقرب هو
~~الجواز فيه مع كون المالك ضامنا، ونسبه إلى صاحب الوسيلة (7)، وكذلك قال
~~بالجواز في المختلف والتحرير على كراهية (8).
# وعن المبسوط: عدم الجواز إلا بشرط الضمان (9) وقواه الشهيد في الدروس
~~(10).
# PageV04P189
# ولعل مراد من اعتبر شرط الضمان في الجواز أن الزكاة متعلقة بالعين، ولا
~~يجوز التصرف فيها إلا مع الضمان والأخذ في الذمة، ولما كان ممنوعا من
~~النقل; لأنه نوع تصرف في العين، فلا يجوز إلا مع الضمان والأخذ في الذمة
~~(1).
# وكيف كان، فالأخبار الدالة على جواز النقل على الإطلاق كثيرة جدا، مثل
~~صحيحة هشام [بن] الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يعطى الزكاة
~~يقسمها، أله أن يخرج الشئ منها من البلد الذي هو به إلى غيره؟ ms1043 قال: " لا
~~بأس " (2).
# وصحيحة بكير بن أعين، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يبعث
~~زكاته فتسرق، أو تضيع، قال: " ليس عليه شئ " (3).
# وصحيحة أحمد بن حمزة - والظاهر أنه ابن اليسع القمي الثقة - قال: سألت
~~أبا الحسن الثالث عليه السلام عن الرجل يخرج زكاته من بلد إلى بلد آخر
~~ويصرفها في إخوانه، فهل يجوز ذلك؟ فقال: " نعم " (4).
# وحسنة أبي بصير (5)، وقوية درست، عن رجل، عن الصادق عليه السلام، (6)
~~وغير ذلك.
# احتج المانع: بأنه تعريض لإتلافها وتغرير بها، وأنه مناف للفور.
# وأجيب عن الأول: بأنه يندفع بالضمان، وهو يصح على القول باشتراط الضمان
~~كما بيناه لا مطلقا.
# وعن الثاني: بالمنع عن الفور، وقد مر الكلام فيه.
# PageV04P190
# نعم يمكن أن يقال: إنه شروع في الإخراج، فلا يعد تأخيرا عرفا.
# ويمكن أن يستدل له بصحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تحل
~~صدقة المهاجرين للأعراب، ولا صدقة الأعراب في المهاجرين " (1) سيما مع
~~ملاحظة ما في حسنة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي من أن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله كان يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي، وصدقة أهل الحضر في
~~أهل الحضر (2)، وفيه تأمل.
# وأما الضمان مع وجود المستحق; فعلى القول بعدم الجواز، فلأنه تفريط موجب
~~للضمان، وللإجماع، نقله في المنتهى (3).
# وأما على القول بالجواز، فيدل عليه - مضافا إلى ظاهر الاجماع المنقول في
~~المنتهى (4) - حسنة محمد بن مسلم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بعث
~~رجل بزكاة ماله لتقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: " إذا وجد لها
~~موضعا فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها، وإن لم يجد لها من يدفعها
~~إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان; لأنها قد خرجت من يده، وكذلك
~~الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه
~~إليه، وإن لم يجد فليس عليه ضمان " (5).
# وحسنة زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بعث إليه أخ له
~~بزكاته ليقسمها فضاعت، قال: ms1044 " ليس على الرسول ولا على المؤدي ضمان "، قلت:
~~فإنه لم يجد لها أهلا ففسدت وتغيرت، أيضمنها؟ قال: " لا، ولكن إن عرف لها
~~أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها "، وفي التهذيب " ضامن من حين
~~أخرها " (6).
# PageV04P191
# ووجه هذا القول حينئذ: أن الضمان لا يستلزم التحريم، فلا ينافي ثبوت
~~الضمان جواز النقل مع وجود المستحق، فإن كثيرا من موارد الضمانات غير مجامع
~~للإثم كما لا يخفى على المطلع.
# ولولا اشتهار الضمان ودعوى الاجماع في المنتهى لقلنا بعدم الضمان إن قلنا
~~بجواز النقل، سيما مع طلب الأفضل; لغلبة انتفاء الضمان مع الرخص الشرعية،
~~والأخبار النافية للضمان في صورة النقل بإطلاقها، مثل صحيحة بكير بن أعين،
~~وصحيحة أبي بصير (1) وغيرهما (2).
# نعم لا ريب في رجحان الإعادة; لما دلت عليه حسنة أبي بصير; ففي آخر:
# فقلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك، الرجل يبعث بزكاته من أرض إلى
~~أرض فيقطع عليه الطريق فقال: " قد أجزأته، ولو كنت أنا لأعدتها " (3).
# هذا الكلام مع وجود المستحق في البلد، وأما مع عدمه فيجوز النقل
~~بالإجماع، بل قد يجب; لأنه مقدمة للواجب، وحينئذ فلا ضمان بلا إشكال،
~~والأخبار ناطقة بها خصوصا وعموما كما مر.
# ففذلكة المختار في هذا المبحث وسابقه، على ما يظهر لي من مجموع الأدلة،
~~حرمة التأخير بلا عذر، مثل طلب الأفضل، أو انتظار معتاد الطلب ولو بكونه
~~معرضا للواردين، المستلزم تركه للعسر والحرج، أو للتقسيم والتعميم، والحاصل
~~الحرمة تكاهلا وتكاسلا.
# والظاهر أن النقل من بلد المال إلى غيره لا يعد تأخيرا عرفا، فيجوز، سيما
~~إذا طلب بها الأفضل، مع الكراهة في غير طلب الأفضل، وثبوت الضمان مع التلف
~~في صورة التأخير تكاهلا إجماعا، وفي صورة التأخير للأعذار المذكورة، ومنها
~~النقل مع وجود
# PageV04P192
# المستحق على الأظهر المعروف المشهور بين الأصحاب، وادعى عليه الاجماع في
~~المنتهى في صورة النقل (1)، وعدم الضمان بالتلف مع التأخير والنقل مع العذر
~~وعدم المستحق بلا خلاف واشكال.
# ثم إن ههنا فوائد:
# الأولى: لو أخر الزكاة عصيانا ثم أداها يجزيه، وإن أثم ms1045 بالتأخير، بلا
~~خلاف بين أصحابنا.
# وكذلك لو نقل الزكاة إلى غير بلد المال ووصلت إلى مصرفها، فيجزي وإن قلنا
~~بتحريم النقل; للإجماع المنقول في المنتهى وغيره، ولأن الأمر يقتضي
~~الاجزاء.
# واحتمل في الروضة العدم على القول بالتحريم للنهي.
# وهو في غاية الضعف; لأن النهي - على فرض تسليمه وتسليم دلالته على الفساد
~~- إنما تعلق هنا بأمر خارج.
# وكون الحكمة في النهي انتفاع مستحقي البلد - لو سلم - لا يقتضي حرمتها
~~على غيرهم، وحرمة إعطائها لهم بعد النقل.
# ويتفرع على ذلك: جواز بيعها في ذمته وإعطاء القيمة في بلد آخر، وأخذها في
~~الذمة وإتلافها وإعطاء مثلها في بلد آخر.
# الثانية: قال في المنتهى: إذا نقلها اقتصر على أقرب الأماكن التي يوجد
~~فيها المستحق استحبابا عندنا، ووجوبا عند القائل بتحريم النقل (2).
# الثالثة: يضمن بالنقل لو تلفت، وإن قلنا بجوازه إذا لم يكن الطريق آمنا;
~~لأنه تفريط.
# الرابعة: يستحب أن تصرف زكاة المال في بلد المال، وهو مذهب العلماء كافة،
# PageV04P193
# كما في المدارك (1)، وتدل عليه حسنة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي المتقدمة
~~(2).
# ويجوز أن يدفع عوضها في بلد المالك وغيره بلا إشكال.
# فلو نقلها من بلدها إلى بلده وغيره مع وجود المستحق في بلدها ضمن.
# وقد يستشكل في صدق نقل الزكاة مع وجود المستحق; بناءا على أن عزل المال
~~بقصد الزكاة لا يصح مع وجود المستحق كما سيجئ.
# ويدفع: بأن المراد لو وجد المستحق بعد العزل حين عدم المستحق ثم نقل، أو
~~المراد من الزكاة هو مماثلها في القدر والوصف، وبضمانها بقاؤها في ذمته.
# أقول: وقد يصدق نقل الزكاة بنقل عين المال الزكوي من دون معاملة في
~~الذمة، وضمان أدائه من غيره; بناءا على تعلق الزكاة بالعين كما هو الحق،
~~سيما على القول بأن التعلق من باب الاشتراك كما هو الأظهر، فالمراد نقل مال
~~الفقراء وإن كان بالإشاعة في عين المال، وكيف كان فالأمر في ذلك هين.
# وأما الفطرة; فالأفضل أداؤها في بلده لا بلد المال. ولو عينها في بلد
~~المال فيضمن بالنقل مع وجود ms1046 المستحق، وسيجئ الكلام فيه.
# الخامسة: إذا لم يجد المالك لها مصرفا يستحب عزلها، يعني تعيينها في مال
~~خاص مع النية.
# أما جواز العزل مع عدم المستحق; فالظاهر أنه لا خلاف فيه، ويدل عليه لزوم
~~العسر والضرر العظيم بالمنع عن التصرف في المال.
# ويدل على الجواز والاستحباب أخبار كثيرة، منها صحيحة عبد الله بن سنان
~~(3)، وموثقة يونس بن يعقوب (4) المتقدمتان.
# PageV04P194
# وحسنة عبيد بن زرارة، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا أخرجها من ماله
~~فذهبت ولم يسمها لأحد فقد برئ منها " (1) ورواية أبي بصير (2) وغيرها (3).
# وأما جوازه مع وجوده بل استحبابه أيضا; فتدل عليه الأدلة المتقدمة.
# لكن فيه خلاف، فذهب في المسالك إلى عدم تحققه معه (4).
# ووجهه في الروضة: بأن الدين لا يتعين بدون قبض مالكه أو ما في حكمه; مع
~~الإمكان (5).
# وتدفعه - بعد تسليم كونها كالدين - الأخبار المتقدمة.
# ثم بعد العزل فهي أمانة لا يجوز التصرف فيها بالإبدال، ولا يضمنها إلا
~~بالتفريط أو تأخير الدفع مع التمكن.
# ويتبعها النماء متصلا ومنفصلا، خلافا للدروس في المنفصل (6). والأظهر
~~التبعية مطلقا; لأنه تابع للملك، ولخصوص رواية علي بن أبي حمزة عن أبيه
~~المتقدمة في مسألة تعلق الزكاة بالعين (7).
# وإذا أدركه الموت ولم يجد المصرف، تجب الوصية بحيث يحصل بها الثبوت
~~الشرعي; لتوقف الواجب عليه، وعموم الأمر بالوصية. والظاهر أنه إجماعي كسائر
~~حقوق الناس الواجبة.
# وأوجب في الدروس العزل مع ذلك أيضا (8). والأصل يدفعه، وفي صحيحة
# PageV04P195
# علي بن يقطين إيماء إلى عدم الوجوب (1).
# السادسة: إذا قبض الإمام أو العامل الزكاة برئت ذمة المالك، ولا ضمان
~~عليه لو تلفت بعده بلا خلاف، ولأنهما كالوكيل للفقراء، وتنبه عليه حسنة
~~عبيد بن زرارة المتقدمة.
# وكذلك الفقيه الشرعي; لعموم نيابته عن الإمام.
# وأما لو قبضها وكيل المالك فلا تبرأ ذمة المالك حتى يؤديها، فإن تلفت في
~~يده; فإن كان بدون تفريط من أحدهما فتبرأ ذمتهما، وإن كان ذلك بعد تأخير
~~المالك بما لا يجوز فلا تبرأ ذمته.
# وإن لم يقصر المالك وحسبه أمينا وأداه إليه، وفرط الوكيل بالتأخير أو ms1047
~~غيره، فالظاهر أنه لا ضمان عليه، والضمان على الوكيل، كما ذكرناه سابقا.
# الخامس: المشهور عدم جواز تقديم الزكاة قبل وقت الوجوب. وعن ابن أبي عقيل
~~(2) وسور (3) جواز التقديم بقصد الزكاة، والأقرب الأول.
# لنا: أصالة عدم الصحة ووجوب الزكاة مشروط بحؤول الحول، وخصوص حسنة زرارة
~~(4) وحسنة عمر بن يزيد (5) المعللتين بعدم جواز أداء الفرض قبل وقته
~~كالصلاة والصوم وغيرهما.
# وحجة الجواز: صحيحة حماد بن عثمان، وصحيحة معاوية بن عمار المتقدمتان في
# PageV04P196
# المبحث الثالث (1).
# وهما لا تقاومان ما ذكرناه من الأدلة، ويمكن حملهما على القرض، فيدفع إلى
~~الفقير مثل الزكاة قرضا ويحتسبها من الزكاة إذا جاء وقت الوجوب إن بقت
~~شرائطها، من بقاء المستحق على وصف الاستحقاق، وعدم انثلام النصاب قبل حؤول
~~الحول.
# ويدل على رجحان ذلك أخبار كثيرة، منها رواية عقبة بن خالد: أن عثمان بن
~~عمران دخل على أبي عبد الله عليه السلام، إلى أن قال، قال: ويجئ الرجل
~~فيسألني الشئ وليس هو إبان زكاتي، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: "
~~القرض عندنا بثمانية عشر والصدقة بعشر، وماذا عليك إذا كنت موسرا كما تقول
~~أعطيته، فإذا كان إبان زكاتك احتسبت بها من الزكاة " (2).
# وتجوز الاستعادة منه مع بقائه على صفة الاستحقاق أيضا.
# والحاصل: أن ذلك قرض تجوز استعادته، والزكاة واجبة عليه; له الخيرة في
~~إعطائها من يريد.
# وليس للمالك إلزامه بإعادة العين لو كانت باقية; لأن القرض يصير بالقبض
~~ملكا للمقترض على الأصح، فيجوز للمقترض رد المثل أو القيمة.
# ولو تعذرت استعادتها غرم المالك الزكاة، ولو تم النصاب بالعين المقروضة
~~وكانت باقية عند المقترض حتى حال الحول، ولا تجب الزكاة لما ذكرنا.
# ولا فرق في عدم جواز الاحتساب من الزكاة مع الغنى بين ما حصل الغنى من
~~الخارج أو من منافع القرض.
# وأما الغنى الحاصل بنفس القرض، بحيث لو أخذ منه صار فقيرا; فلا يمنع عن
~~الاحتساب من الزكاة على الأصح; لصدق الفقير عليه عرفا، وعدم الفائدة في
~~الأخذ
# PageV04P197
# ثم الرد.
# وأما الاحتساب من سهم الغارمين مع العجز عنه ms1048 فلا إشكال.
# وعلى القول بجواز التعجيل أيضا يراعى بقاء الفقير على صفة الاستحقاق،
~~وبقاء الوجوب في المال.
# السادس: أداء الزكاة مشروط بالنية; للإجماع، نقله غير واحد (1).
# بل نقله في المعتبر عن العلماء كافة، إلا الأوزاعي; متمسكا بأنها دين،
~~فلا تجب فيه النية كسائر الديون، ولهذا يخرجها ولي اليتيم ويأخذها السلطان
~~من الممتنع (2).
# وفيه: أنه قياس; لانحصار المستحق في الدين، ولهذا يسقط بإسقاطه، بخلافه
~~هنا، ونيابة الولي والسلطان إنما ثبتت من باب الاضطرار.
# والحاصل: أنها من العبادات التوقيفية; لكونها محدودة بالقدر والوقت
~~والنصاب وسائر الشرائط والكيفيات التي لا تعلم مصلحتها، كالواجبات
~~التوصلية، فلا يحصل الامتثال عرفا إلا بقصد الامتثال.
# ويدل عليه أيضا: عموم ما دل على اشتراط النية، مثل قوله عليه السلام: "
~~لا عمل إلا بالنية " (3). و " إنما الأعمال بالنيات " (4).
# وخصوص ما رواه في الفقيه في وصيته صلى الله عليه وآله: " يا علي لا خير
~~في القول إلا مع الفعل، ولا في الصدقة إلا مع النية " (5).
# واعلم: أن العمل الذي تجب فيه النية هنا هو إيصال المال المعهود إلى من
~~يجب الإيصال إليه، فالإفراز والإخراج من المال من مقدماته.
# PageV04P198
# فلو فرض أن يكون الإخراج من دون النية - كما لو قصد به الرياء - ولكن
~~أخلص النية عند الدفع فيصح. وكون المال مال المخرج من مقوماته، فإخراج
~~الإمام والساعي والوكيل والوصي والولي كلها إما من باب النيابة، أو من باب
~~الاضطرار، أو حكم على حدة.
# ثم إن الإيصال هو تحصيل الوصول إلى من يجب الإيصال إليه، ولا توظيف في
~~كيفيته، فيمكن حصوله، ولو بأن يأخذ طفل أو مجنون من ماله بمقدار الزكاة
~~ويعطي المستحق لاعن قصد، ونوى المالك الزكاة حين الوصول إلى يده قربة إلى
~~الله، فالأصل اعتبار قصد المالك ونيته حين الوصول كيف ما كان.
# وقد عرفت مرارا أن حقيقة النية هي الداعي إلى الفعل، ولا يجب الإخطار،
~~فالمقارنة اللازمة في النية - هنا وفي جميع العبادات - عبارة عن استمرار
~~الداعي وعدم نية الخلاف مع بقاء الداعي في مخزن الخيال.
# فعلى هذا فلو ms1049 قال المالك لعبده أو غيره: أخرج هذا القدر من البيدر وأعط
~~فلانا، وأراد بذلك في قصده الزكاة التي أوجبها الله عليه، فهذه هي النية،
~~فما لم تحصل له ندامة حتى وصلت إلى يد المستحق، فيصدق حصول النية ومقارنتها
~~مع الوصول إلى المستحق، وبعد الوصول إليه يصدق أن المالك أوصل القدر
~~المعهود من المال إلى المستحق امتثالا لأمر الله تعالى.
# نعم، تظهر الثمرة لو ارتد المالك قبل الوصول إلى المستحق، أو غفل ونسي ما
~~فعله بحيث لو سئل عن ذك أنكره وقال: لا يجب علي شئ، وقال: لا تعطوه وردوا
~~المال إلي فحينئذ لو أعطاه الواسطة المستحق فلا يجزي. هذا حال المباشرة.
# وأما لو وكل أحدا في الإخراج فكلام الأصحاب في تحقيق النية هنا غير محرر.
# وقد عرفت أن هذا الفعل مما يقبل النيابة عندهم، ولكن في معنى النيابة في
~~الزكاة إشكالا; لأن الزكاة هي اخراج المقدار المعين من المال إلى مصرفه
~~تقربا إلى الله، وامتثالا لأمره.
# والقصد إلى ذلك من النائب - مع أنه ليس من ماله، وليس ذلك امتثالا للأمر
~~PageV04P199
# بالنسبة إليه; إذ الأمر إنما يتعلق بالمالك - مشكل.
# وتصوير النيابة مع النية في الصلاة وغيرها من العبادات: أنه يقصد بفعله
~~والصلاة التي يصليها مثلا أني أفعل فعلي هذا تقربا إلى الله وامتثالا لطلبه
~~الندبي في المتبرع، وامتثالا لطلبه الإيجابي في المستأجر; نيابة عن فلان.
# فالتقرب والامتثال إنما يحصلان للفاعل، لكن ينفع ذلك للمنوب عنه، ويحصل
~~له الثواب، إلا أن ذلك تقرب وامتثال من المنوب عنه.
# ولما كان المال الذي كونه من مال المزكي من مقومات الزكاة ليس للوكيل،
~~فيشكل تصوير النيابة فيها، فإنه كان يفعل في الصلاة صلاة نفسه نيابة عن
~~الغير، ولا يعطي هنا مقدارا معينا من ماله نيابة عن الغير، بل يعطي مال
~~الغير نيابة عنه، فهو نيابة عن إتيان بعض أجزاء ماهية الزكاة.
# إلا أن يقال: إن الاجماع والأخبار لما دلت على صحة النيابة هي التوكيل في
~~اخراج زكاة الغير إلى مصرفها، فالمراد من النيابة هي النيابة ms1050 في نفس
~~الإيصال وإن كان مال الغير، فهو يعطي زكاة غيره نيابة عنه في الإعطاء، لا
~~أنه يزكي نيابة عن الغير، وذلك كالوكالة في البيع والتزويج وغيرهما.
# ولما كان إعطاء المالك ماله في وجه الزكاة لم يكن يصح إلا مع قصد التقرب
~~والامتثال، فلا بد للوكيل أيضا أن يقصد إلى الفعل المذكور ويصله بقصد
~~التقرب والامتثال، يعني (1) التقرب والامتثال لنفسه.
# أما التقرب بمعنى حصول القرب المعنوي فواضح.
# وأما الامتثال فالمراد به الامتثال للأمر الندبي الوارد في التوسط للخير.
# وأما الاستئجار في ذلك حتى يمكن الامتثال الوجوبي ففيه إشكال; لعدم وضوح
~~الدليل عليه، فإن الدليل على جواز الاستئجار في الصوم والصلاة إنما هو
~~الاجماع
# PageV04P200
# وعمل السلف، وهو هنا غير معلوم.
# وما استدلوا به في جوازه من جهة عمومات الإجارة مستلزم للدور كما أشرنا
~~سابقا، فإن صحة الإجارة موقوفة على إباحة المنفعة، والمفروض أن العبادات لا
~~تصير مباحة إلا بالرجحان، وإثبات إباحتها ورجحانها من عمومات الإجارة دور.
# فالحاصل أنا نقول: إذا ثبت من الأدلة وجوب النية في الزكاة، فإذا كان
~~المؤدي هو المالك، فإما أن يباشرها بنفسه في الإخراج والإيصال كليهما
~~فالأمر واضح، وتجب عليه النية مقارنة للدفع.
# وإذا لم يباشرها بنفسه، ولكن يحضر الإخراج والدفع ويخرجها غيره ويدفعها،
~~وإن لم يعلم ذلك الغير أن هذا المال أي شئ هو، سواء كان عاقلا بالغا، أو
~~صبيا أو مجنونا، فيكفي أيضا قصده مقارنا للدفع، والمجنون والصبي حينئذ في
~~حكم الآلة للإخراج والدفع، ويد العاقل البالغ أيضا كعدمها. ولو فرض عدم
~~الاطلاع حينئذ حتى حصل الدفع فلا يكفي، إلا أن تلحقه النية بعده على تفصيل
~~يأتي.
# وإذا كان المؤدي هو الوكيل; فهو إما بأن يخرجها بنفسه من ماله مباشرة، أو
~~بوساطة غيره، ثم يدفعها إلى من وكله في الإيصال إلى المصرف على وجه الزكاة،
~~أو لا يخرجها بنفسه، بل يوكل غيره في الإخراج والإيصال معا.
# وحينئذ; فإما أن يستحضر المالك حال الدفع إلى المصرف ويطلع عليه ويقصد
~~وينوي هو، فيكفي أيضا، ولا حاجة إلى ms1051 نية الوكيل.
# وإن لم يحضره ولم يستحضره، فحينئذ تجب النية على الوكيل، ولا تصح الزكاة
~~إلا مع النية، بأن يقصد اخراج زكاة الموكل نيابة عنه تقربا إلى الله، فإن
~~الفعل الذي هو مشروط بالنية إنما صدر منه، فلا تكفي نية الموكل حين الإخراج
~~في ذلك; لوجوب المقارنة.
# ولا تقاس عليه الكفاية حين العزل مع النية، بتقريب أنه لا ضمان عليه مع
~~التلف إذا لم يفرط بعد العزل، فلو لم يكن ذلك زكاة ولم تكف نية المالك
~~حينئذ لما برئت ذمته.
# لأنا نقول: إن العزل ليس معناه التزكية وأداء الزكاة، بل هو أمر آخر أوجب
~~سقوط PageV04P201
# الزكاة عن المكلف، لا أنه تزكية، والنية المعتبرة فيه هي القصد إلى كونه
~~مال الزكاة الذي يجب أن يخرجه ويضعه إلى أن يتمكن من الأداء ويؤديه، ثم
~~يقال: إنه زكى ماله، وقبل حصول التمكن لم يزك، ولكن تسقط عنه الزكاة لو
~~تلفت من دون تفريط.
# نعم، تكفي نية الموكل حينئذ، بمعنى أنه لو لم يقصر بالتأخير وتلفت في يد
~~الوكيل من دون تقصير تسقط عنه. وهذا أيضا ليس معناه أنه زكى ماله، بل إنه
~~شئ آخر مسقط للزكاة.
# وأما لو لم ينو الموكل ونوى الوكيل - ولا يمكن فرض ذلك إلا مع قصد الموكل
~~الرياء أو غيره، وإلا فلا ينفك التوكيل عن القصد، والظاهر أن التوكيل في
~~إعطاء ماله في الزكاة هو معنى النية كما صرح به بعض الأصحاب أيضا كما نقله
~~الشيخ ابن مفلح - رحمه الله -، فحينئذ يقع الإشكال في الكفاية، وظاهر كثير
~~من المتأخرين الاجزاء (1)، خلافا للشيخ (2) والمحقق (3) والعلامة في
~~التذكرة (4).
# ووجه الإشكال: من أن المكلف مأمور بالزكاة محضا لله تعالى، فالزكاة هي
~~إيصال المال المعهود من ماله إلى المصرف، وهو قد يكون بالمباشرة، وقد يكون
~~بالتسبيب والتوكيل، فيصدق على من وكل غيره في أداء زكاته بعد أداء الوكيل
~~أنه زكى ماله وامتثل، فإذا كان ذلك امتثالا للأمر فيلزمه لزوم النية
~~للموكل، ولا تكفي نية الوكيل، بل المعتبرة إنما هي نيته، والوكيل كالآلة.
# ومن ms1052 أن المكلف مكلف بالمباشرة.
# ونعني بالمباشرة: ما يعم أمر عبده أو صبي أو مجنون أو غيرهم، بإعطائه في
~~حضوره، ولو من غير علم منهم بأنه أي شئ، وهو غير التوكيل، إذ هو ظاهر
~~الأوامر
# PageV04P202
# كما لا يخفى. ولذلك يحتاج في إثبات صحة التوكيل في المقامات إلى الدليل،
~~فالموكل حينئذ ليس بمزك حقيقة، بل المزكي في صورة التوكيل إنما هو الوكيل.
# ولعله لأجل ذلك الإشكال ذهب المحقق والعلامة في المعتبر والتذكرة كالشيخ
~~قبلهما إلى اعتبار نيتهما معا.
# ولا يبعد ترجيح مختار الشيخ; لأن الخطاب بالزكاة متعلق بالمالك، ولم يظهر
~~من الأمر إلا لزوم اخراج القدر المعين من المال، وأما خصوص المباشرة فلا.
# فإذا لم ينو الموكل الزكاة، ولم يقصد التقرب في التوكيل أيضا، أو قصد
~~خلافه; لم يأت بالمأمور به، بخلاف ما لو نوى الامتثال ووكل، فإن مآل
~~التوكيل حينئذ يرجع إلى التوكيل في الإخراج والإيصال وغيره، وهذه أفعال إذا
~~اجتمعت مع قصد المالك ونيته تصير تزكية، فما فعله الوكيل لا يسمى تزكية،
~~فلا يصدق على المالك إذا لم يقصد التوكيل في اخراج الزكاة لله تعالى أنه
~~زكى.
# فمعنى قولهم: يخرج الزكاة بنفسه أو بوكيله، هو تلك الأفعال، لأنفس
~~التزكية، فكيف يصح أن يطلق على المالك أنه امتثل إذا لم يباشر بنفسه ولم
~~ينو الزكاة لله في توكيله، بل مقتضى ذلك كفاية نية المالك عند الدفع إلى
~~الوكيل وبقاء حكمها إلى حين الوصول إلى الفقير ولو بعدم حصول البداء
~~والمبطل كالارتداد وغيره أيضا، وإن لم ينو الوكيل التقرب والامتثال، ولو لم
~~تكن شبهة الاجماع في كلام العلامة في التذكرة لاكتفينا بذلك.
# ولعل كلام العلامة وغيره مبتن على جعل النية هي المخطر بالبال، وإن كان
~~خطر ببالهم اعتبار الداعي واستمرار حكمه فلعلهم لم يحكموا أيضا بالبطلان مع
~~عدم نية الوكيل أيضا.
# وإن اعتمدنا على ظاهر الاجماع المستفاد من كلام التذكرة (1) فلا بد أن
~~نقف مع
# PageV04P203
# المحقق والتذكرة من اعتبار نيتهما معا، ويكفي في النية الداعي على دفع
~~المال المعهود عن الزكاة التي ms1053 أوجبها الله تعالى.
# وكيف كان; فالقصد إلى كونه ذلك المال لازم من الوكيل وإن لم ينو التقرب،
~~بل ذلك واجب في الواجبات التوصلية كأداء الدين أيضا، فإنه لا يتشخص إلا
~~بالقصد وتعيين المال.
# إذا تحقق هذا فلنذكر بعض عبارات الأصحاب:
# فقال المحقق في المعتبر: لو دفع الموكل إلى الوكيل لم يجز عن نية الوكيل
~~حالة الدفع، ولو نوى الوكيل عند الدفع لم تجز عن نية الموكل حال التسليم
~~إلى الوكيل، ولو دفع المالك إلى الساعي لم يحتج الساعي إلى نية عند الدفع;
~~لأن الساعي كالوكيل لأهل السهمان (1).
# وقال العلامة في التذكرة: الزكاة إن فرقها المالك تولى النية حالة الدفع،
~~وإن دفعها إلى وكيله ليفرقها، فإن نوى الموكل حالة الدفع إلى الوكيل ونوى
~~الوكيل حالة دفعه إلى الفقراء، أجزأ إجماعا، وإن لم ينويا معا، بأن ينويا
~~الصدقة دون الزكاة لم يجزئ، وإن نوى المزكي حالة دفعه إلى الوكيل ولم ينو
~~الوكيل حالة الدفع إلى الفقراء لم يجزئ عندنا.
# ثم قال: ولو نوى الوكيل حالة الدفع إلى الفقراء، ولم ينو الموكل حال
~~الدفع إلى الوكيل لم يجزئه (2).
# وقال في الدروس: ويجب على الوكيل النية عند الدفع إلى المستحق، والأقرب
~~وجوبها على الموكل عند الدفع إلى الوكيل، فإن فقدت إحداهما فالأقرب إجزاء
~~نية الوكيل. وقال الشيخ: لا تجزئ إلا نيتهما (3).
# PageV04P204
# وقال في المدارك: واجتزأ العلامة ومن تأخر عنه بنية الوكيل حال التسليم
~~إلى الفقير، وهو غير بعيد (1).
# أقول: قد عرفت كلامه في التذكرة. نعم ذهب في المختلف إلى كفاية نية
~~الوكيل عند الدفع وإن لم ينو المالك; استنادا إلى أنها عبادة تقبل النيابة
~~(2).
# أقول: قد ظهر لك مما حققناه وجه هذه الأقوال، وأن الأظهر عدم كفاية نية
~~الوكيل، إذا لم ينو المالك أصلا، وكفاية نية المالك إذا استمر حكمها إلى
~~حين الدفع إلى المصرف ولم يطرأ شئ ينافيها، ولا ينفعها لحوق نية الوكيل حين
~~الدفع إذا لم يستمر حكمها، ولا بد أن لا تعرضها مبطلات الوكالة، كموت
~~الموكل أو جنونه أيضا; هذا كله ms1054 فيما لو عين المال وأفرزه ووكله في الدفع
~~ظاهر.
# وأما لو وكله في الافراز والدفع، بل في الحساب والإفراز والدفع كلها
~~أيضا، فالظاهر أن ذلك أيضا يكفي في نية المالك، فكأن المالك يقصد بينه وبين
~~الله إعطاء ما يجب عليه في هذا البيدر أو في هذه الصرة من باب الزكاة،
~~ويوكل الوكيل في اخراجه وإيصاله إلى المستحق.
# ومما ذكرنا اتضح لك: أن النيابة هنا إنما هي في الإخراج والإيصال، ونية
~~الوكيل هي القصد إلى ما أراده الموكل، وهو دفع المال المعهود لأجل
~~الامتثال، فلا دليل على وجوب قصد الامتثال والتقرب للوكيل.
# نعم، يستحب له ذلك، لأجل أن ذلك وساطة في الخير، وحصول الثواب فيه موقوف
~~على قصد التقرب بتلك الوساطة، فالاعتماد في قصد التقرب في الزكاة على فعل
~~الموكل لا غير.
# ويؤيده عدم وجوب قصد التقرب على الإمام والساعي أيضا.
# نعم، يجب على الوكيل التعيين حال الدفع، كما كان يجب على المالك، وأن
~~يقصد
# PageV04P205
# بأنه هو المال والذي وكمه الموكل في اخراجه، وأنه يعطيه على هذا الوجه،
~~فلو ظهر أن الوكيل لم يقصد ذلك الزكاة لم يجز، كأن يوكله الموكل في إيصال
~~الزكاة بعد اخراجها وإفرازها إلى المستحق، فذهب بها وأعطاها إياه عوضا عن
~~دين نفسه إليه، وكذا لو وكله في مجموع الافراز والإخراج والإيصال، فذهب
~~وأخرج ذلك المقدار بنية الغصب والتملك، وذهب بها وأعطاها الفقير لأداء
~~دينه، أو ليأخذ منه في عوضه شيئا آخر، فلو لحقته نية المالك عند الوصول أو
~~بعده مع بقائها أو تلفها على وجه يصح قصد الزكاة به كما سيجئ فهو، وإلا فلا
~~يجزي.
# فالواجب على الوكيل إنما هو قصد اخراج ما وكله فيه موكله وتعيين كون ذلك
~~هو الزكاة الواجبة، وهذا القصد مما يجب اعتباره في غير الزكاة أيضا من
~~الحقوق المالية المحضة، فإن أداء الدين أيضا يحتاج إلى النية بهذا المعنى.
# وظني أن مراد الأوزاعي من عدم اشتراط النية أيضا هو قصد التقرب، وإلا فلا
~~ريب في لزوم قصد التعيين في أداء الدين ms1055 أيضا، فإذا أعطى أحد ما يساوي دينه
~~إلى الدائن بقصد الصدقة أو غيره فلا يحسب عن دينه ويبقى في ذمته حتى يعطي
~~مساويه بقصد أداء الدين.
# اللهم إلا أن يكون الوكيل ثقة عادلا عنده، وقلنا بعدم وجوب تحصيل العلم
~~بإيصال الوكيل إلى المستحق، وكفاية الوصول إلى يد الوكيل العدل كما هو ظاهر
~~الأخبار المتقدمة، وما سيجئ من الأخبار الواردة فيمن يبعث زكاته إلى ثقة
~~ليصرفها في المصارف، فحينئذ تبرأ ذمته وإن ظهر بعد ذلك فسقه، وأنه أعطاها
~~إياه على غير وجه الزكاة; لأن الأمر يقتضي الاجزاء، كما لو بان الفقير
~~غنيا.
# وأما لو ظهر أنه لم يخرجها من ماله ولم يعطها الفقير، فالظاهر أنه لا
~~يجزي ويجب أن يخرجها.
# وأما ولي الطفل، سيما غير المميز - على القول باستحباب الزكاة في غلاته
~~ومواشيه - فهو حكم على حدة، لولا النصوص واشتهار العمل عليها، لقلنا
~~ببطلانه، فبهذه الأخبار ثبتت عبادة مستقلة للولي، فليس هذه زكاة الطفل، بل
~~هي زكاة الولي PageV04P206
# من مال الطفل، وتصح نية التقرب معه، ولا مانع من القول باشتراطها أيضا.
# وأما الوصي فيمكن جعله من باب الولي، ويمكن الاكتفاء بنية الموصي حيث
~~أمره باخراج الزكاة من ماله.
# وينبغي التنبيه على أمور:
# الأول: إنك قد عرفت أن معنى المقارنة هو كون الدفع إلى المستحق ناشئا عن
~~نية المالك أو الوكيل ولو ببقاء الداعي في مخزن الخيال، فلا يكفي تقديم
~~النية مع زوال حكمها عند الدفع.
# وأما لو أعطاها بدون النية، مثل: إن كان غرضه حين الدفع الرياء، ثم أراد
~~الإخراج في وجه الزكاة; فالظاهر إجزاء النية بعد الدفع مع بقاء العين;
~~لبقائها على ملكه، لعدم تحقق الناقل الشرعي.
# وكذا مع التلف إن كان القابض عالما بالحال; لاشتغال ذمته بها حينئذ،
~~فتحسب من الزكاة كسائر الديون.
# وأما مع جهله فلا دليل على الضمان، فلا وجه لنيته الزكاة حينئذ.
# الثاني: إنك قد عرفت سابقا جواز التوكيل في اخراج الزكاة، وأن الظاهر أنه
~~إجماعي، ولا إشكال فيه.
# فاعلم أن ظاهر أكثر كلماتهم أنه يجوز ms1056 للمستحق أيضا التوكيل في الأخذ، وأن
~~ذلك يقبل التوكيل، ولكن ابن إدريس منعها (1) تبعا لابن البراج (2)، واختاره
~~في المدارك تمسكا بأن إقامة الوكيل مقام الموكل يحتاج إلى دليل (3).
# PageV04P207
# وتمسك ابن إدريس بمثل ذلك، وبأن التوكيل إنما ثبت فيما يستحق الموكل
~~المطالبة به، والزكاة لا يستحقها واحد بعينه ولا يملكها إلا بعد القبض.
# أقول: عمومات الوكالة تشمله.
# نعم، لما ذكروا أن شرط صحة التوكيل تملك الموكل لذلك الفعل وتسلطه عليه
~~من حين عقد الوكالة إلى حين الفعل، وادعى عليه بعضهم الاتفاق، فيمكن الخدش
~~فيما لو وكله لأن يأخذ الزكاة بمعنى أن يطلب الزكاة وكالة عنه من شخص خاص
~~أو حيث ما وجد يأخذ; فإن ذلك لا يتم له إلا مع إعطاء المالك; لعدم استحقاق
~~شخص خاص لزكاة شخص خاص.
# والقول " بأنه يوكله في أنه لو أعطاه أحد زكاته فيأخذ نيابة عنه، وهذا
~~مما يملكه ويتسلط عليه " يمكن دفعه بأنه يستلزم تعليق الوكالة، وقد ذكروا
~~اشتراط التنجيز فيها، وادعى بعضهم الاجماع عليه أيضا.
# إلا أن يقال: التعليق هنا في الموكل فيه لا الوكالة، وذلك من باب أنت
~~وكيل في بيع عبدي إذا قدم الحاج، بأن يكون الشرط قيدا للبيع لا الوكالة،
~~وادعى العلامة على صحته الاجماع، وليس من باب قول الموكل: إن لم أجئ من
~~سفري هذا بعد سنة فأنت وكيل في تطليق زوجتي، أو إن كانت زوجتي فعلت كذا
~~فأنت وكيلي في تطليقها.
# وكيف كان، فالظاهر أنه لا اشكال في التوكيل فيما لو وعد أحد الفقير أن
~~يعطيه الزكاة فيوكل غيره في أخذها.
# ولا بد من ثبوت الوكالة بالإقرار أو البينة أو غيرهما، والظاهر عدم
~~الاحتياج إلى الحاكم في البينة.
# والظاهر جواز الإعطاء بدون الثبوت أيضا، لكن براءة الذمة حينئذ مراعاة
~~بحصول العلم بالوصول إلى الفقير ظاهرا، وفي نفس الأمر.
# وأما وكيل المالك فلا يحتاج جواز الأخذ من يده إلى الإثبات للفقير، بل
~~يكفي كونه في يده وتصرفه فيه كسائر المعاملات مثل البيع والطلاق وغيره،
~~غاية الأمر بقاء PageV04P208
# صاحب المال على ms1057 حقه لو ثبت خلافه بعد انكاره.
# الثالث: قد عرفت مرارا أن النية في العبادات هي القصد إلى الفعل المعهود
~~تقربا إلى الله تعالى، ولا يجب قصد شئ من الوجوب والندب وغيرهما إلا إذا
~~توقف تميز المكلف به عليه، فلا يجب في الزكاة قصد الوجوب والندب، ولا الجنس
~~الذي تخرج منه.
# بل الظاهر عدم وجوب قصد الفطرة والزكاة فيما لا يتوقف التميز عليه، كما
~~لو كان في ذمته صاعان من الزكاة وصاعان من الفطرة فيعطي أربع أصوع عما في
~~الذمة، أو يعطي صاعين إلى فقير بقصد ما في الذمة، ثم صاعين إلى آخر كذلك.
# ويظهر من ذلك بطريق الأولى أن الأمر كذلك في بيدرين (1) من الحنطة في
~~مزرعتين أو قطيعين من الغنم.
# بل والنصاب الأول من الغنم والأول من الإبل أيضا كذلك.
# بل وكذلك المتخالفان في جنس الواجب، كالغلة والنقدين، أو النقد والأنعام
~~إذا أخرج القيمة، والظاهر أن المسألة إجماعية كما نقل عن المنتهى (2).
# ولو أخرج بعض ما في الذمة تبرأ ذمته عنه ويبقى الباقي.
# وحينئذ فهل يتخير المالك في صرفه إلى أيهما شاء أو يوزع؟
# وتظهر الثمرة فيما لو لم يتمكن من اخراج الباقي لعدم المستحق حتى تلف أحد
~~النصابين، فعلى الأول - كما اختاره في التذكرة (3) - إن صرفه إلى الباقي
~~برئت ذمته عن زكاة التالف، وإن صرفه إلى التالف أخرج للباقي.
# وعلى الثاني كما اختاره في البيان (4) يسقط عنه مما أداه بالنسبة إلى
~~الباقي بمقدار
# PageV04P209
# ما يصير سهما له، ويجب عليه الباقي، والقول الثاني أظهر.
# الرابع: لا يضر الترديد في النية مع الجزم في القصد، والمضر إنما هو
~~التردد في القصد، فلو كان شاكا في وجوب الزكاة على السلت والعلس مثلا أو
~~ندبها، فأعطى الزكاة وقال: إن كان واجبا فهو واجب وإلا فندب، فلا يضر.
# وكذا لو كان الأمر مرددا بين ثبوت الزكاة وعدمه، كما لو شك في بقاء ماله
~~الغائب فنوى الزكاة إن كان سالما، والصدقة إن كان تالفا.
# ونظير ذلك كثير، كصوم يوم الشك، وصلاة الصبح للشاك في ms1058 طلوع الشمس إذا ضاق
~~الوقت عن الفحص.
# وأما على القول بعدم وجوب اعتبار الوجه في النية - كما هو الأظهر -
~~فالأمر أظهر.
# ولو أخرج ونوى عن ماله الغائب إن كان سالما، فإن ظهرت السلامة فيصح وتقع
~~زكاة.
# وإن ظهر تلفه، ففي جواز نقلها إلى غيره خلاف، منعه الشيخ; لفوات محل
~~النية (1)، واختاره الفاضلان (2)، ولعلهما نظرا إلى بقاء الملك للمالك;
~~لظهور انتفاء الزكاة، ولا ناقل آخر يوجب خروجها عن ملكه.
# ويظهر مما قدمنا من جواز لحوق النية للدفع ضعف الأول.
# وأما القول الآخر، فالأمر فيما لو كانت العين باقية واضح، فيجوز نقلها
~~إلى غيره، وأما في صورة التلف ففصل في المسالك وقال: إن القابض إن علم بذلك
~~حين القبض جاز النقل لتبين عدم الانتقال، بخلاف ما لو لم يعلم; لأنه سلطه
~~على ماله وأتلفه فلا ضمان (3).
# PageV04P210
# وقال في المدارك: بل لا يبعد الجواز مطلقا; لفساد الدفع في نفس الأمر وإن
~~لم يعلم به المستحق (1).
# وفيه تأمل; لعدم دليل على الضمان، فكما لا يجوز استرداده لا يجوز نقله
~~إلى غيره من الحقوق اللازمة أيضا; لأنها لا تصح إلا في ماله، وإذا لم يثبت
~~الضمان فليس ما أتلفه الفقير مالا للمالك.
# نعم لا يمنع احتسابه عند الله، وحصول الثواب له موافقا لثواب الصدقة، بل
~~الزكاة أيضا لتنبيه قوله عليه السلام: " لكل امرئ ما نوى " (2) و " نية
~~المؤمن خير من عمله " (3) هذا مع الذهول عن التعليق حين الإعطاء.
# وأما مع التذكر وعدم التعليق في نفسه وعدم الإعلام للفقير وقصد الزكاة
~~معا فالظاهر عدم الاحتساب عن شئ، ولا حصول الثواب لو لم نقل بلزوم العقاب.
# الخامس: إذا دفعها المالك إلى الإمام أو الساعي ولم ينو المالك، فإن
~~دفعها كرها أجزأه ذلك; لأنه كالولي للممتنع; كالطفل، فتكفي نيته عن نيته
~~كولي الطفل، ولأنها تصير مباحة لمستحقها، والمفروض أنه ليس حقا له من غير
~~وجه الزكاة، ولكن لا ثواب له فيه.
# والظاهر أنه يكفي أن يوصل الإمام أو نائبه إلى المستحق بقصد أنه هو مقدار
~~المال الذي تعلق ms1059 بالمالك بعنوان الزكاة وإن غفل عن قصد التقرب.
# ويمكن أن يقال: قصد الزكاة في النية مع عدم قصد ما ينافي التقرب كالرياء
~~متضمن لذلك القصد وكاف في النية، فيكون إعطاء الإمام ومن في حكمه معناه
~~بقصد أنه هو المال المخصوص إلى المستحق نيته.
# PageV04P211
# وإن دفعها إليهم طوعا - ويمكن (1) فرض عدم النية حينئذ مع ما أشرنا إليه
~~من سهولة تحققها بأن ينوي الرياء حين الدفع أو شيئا آخر. وعلى القول بوجوب
~~الإخطار مقارنا له ففرضه واضح - ففيه قولان، فعن الشيخ أنه لا يجزئ فيما
~~بينه وبين الله، غير أنه ليس للإمام مطالبته بها دفعة ثانية (2)، ووجهه:
~~أنها عبادة تفتقر إلى النية، والإمام ونائبه وكيل عن الفقراء، فتلزم النية
~~حين الدفع إليهم.
# وذهب الفاضلان إلى الاجزاء (3)، ووجهه أن الإمام ونائبه نواب عن المالك
~~أيضا، ويجوز في هذا الفعل النيابة، فتكفي نيتهم عنه، وهذا النزاع في الإمام
~~قليل الجدوى.
# وأما لو أخذها الفقيه أو ساعيه أو آحاد من العدول من المؤمنين، فالظاهر
~~أنهم إذا علموا بعدم نية المالك فيجب عليهم إعلام المالك وأمره بالنية
~~ونهيه عما يخالفها، حتى تصدر الزكاة عنه مع النية.
# ويقع الإشكال فيما لو كلف الفقيه المالك بالزكاة وأعطاها طوعا باسم
~~الزكاة لكن علم الفقيه من حاله أنه يقصد به الرياء أو شيئا آخر، ولا ينفعه
~~الإعلام والنصح والوعظ، ولا يبعد القول بالإجزاء بمعنى أنه لا يكلف
~~بإعطائها ثانيا وإن لم يحصل للمالك ثواب فيه، بل يعاقب على نيته، فيكون في
~~حكم المأخوذ كرها، بخلاف ما لو أعطاها بنفسه المستحق رياءا، فإنه لا يجزيه
~~وتجب عليه إعادتها.
# تنبيه:
# يجب على الإمام والفقيه إجبار الممتنع على الزكاة والأخذ منه كرها، إقامة
~~للمعروف، وإزاحة للمنكر.
# وهل يجوز ذلك لآحاد المؤمنين؟ الظاهر ذلك; لعين ما ذكر.
# PageV04P212
# وكذلك غير الزكاة من الخمس وسائر الوجوه الواجبة لعين ما ذكر. وصرح به
~~الشهيد - رحمه الله - في القواعد (1).
# PageV04P213
# المقصد السادس في اللواحق وفيه مباحث:
# الأول: إذا اجتمع للمستحق سببان أو أكثر - كالغرم والعمالة والغزو - جاز
~~أن يعطى ms1060 بكل سبب نصيبا بحسب كل من الوجوه المذكورة. ولو كان أحد الوجوه هو
~~الفقر فلا يتقدر الإعطاء بقدر كما مر.
# الثاني: ذهب الأكثر إلى أن أقل ما يعطى الفقير ما يجب في النصاب الأول،
~~نصف دينار أو خمسة دراهم، ومنهم السيد في الانتصار مدعيا عليه الاجماع (1).
# وقيل: ما يجب في النصاب الثاني، عشر دينار أو درهم، وهو قول ابن الجنيد
~~(2).
# واختلف النقل عن سور (3)، ففي المختلف نقل عنه الأول (4)، وفي المعتبر
~~الثاني (5)،
# PageV04P214
# وتبعه في المدارك (1).
# وعن السيد في الجمل: أنه لا حد في ذلك (2)، وتبعه ابن إدريس (3) وجماعة
~~(4).
# وعن السيد في المسائل المصرية: أقل ما يجزئ من الزكاة درهم (5)، ولعله
~~موافق لابن الجنيد.
# ولم نقف على ما يدل على قول ابن الجنيد في الأخبار.
# واحتج الأولون بصحيحة أبي ويد الحناط، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
~~سمعته يقول: " لا يعطى أحد من الزكاة أقل من خمسة دراهم، وهو أقل ما فرض
~~الله تعالى من الزكاة في أموال المسلمين، فلا تعطوا أحدا أقل من خمسة دراهم
~~فصاعدا " (6)، وبمضمونها رواية معاوية بن عمار وعبد الله بن بكير (7).
# والأظهر مختار الجمل، للأصل، وإطلاق الآية والأخبار، وخصوص صحيحتي محمد
~~بن عبد الجبار (8)، وخصوص حسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام، قال: قلت له:
# ما يعطي المصدق؟ قال: " ما يرى الإمام، لا يقدر له شيئا " (9)، وحسنة عبد
~~الكريم بن عتبة الهاشمي المتقدمة في مسألة البسط على الأصناف (10) وغيرها
~~(11).
# والإجماع المنقول في الانتصار ممنوع، سيما مع مخالفته له في كتابيه.
# PageV04P215
# والمشهور أن هذه التقديرات على سبيل الاستحباب، كما صرح به في المسالك
~~(1)، بل ادعى عليه الاجماع في التذكرة (2). ولكن يظهر من جماعة من الأصحاب
~~أنه على الوجوب، بل هو كالصريح في كلام كثير منهم (3). وشهرة الاستحباب
~~ونقل الاجماع عليه أيضا مما يؤيد ما اخترناه في أصل المسألة، فالأقوى حمل
~~النهي على الكراهة، والقول بالاستحباب في التحديد بالمشهور.
# ثم إن المذكور في الأخبار هو الدرهم، وليس لحكم الدينار فيها أثر فيما
~~نعلم، ولا لغير النقدين من الغلات ms1061 والمواشي، والظاهر أنه لا قائل بالفرق
~~بين الدرهم والدينار.
# وأما غيرهما ففيما يتعدد فيه النصاب كغير الغلات يمكن عدم التعدي إليه،
~~ويمكن اعتبار النصاب الأول أو الثاني منها كما ذهب إليه بعضهم، ويمكن
~~اعتبار بلوغ قيمة المدفوع ذلك كما اختاره في المسالك (4).
# وأما الغلات ففيها احتمالان: لزوم ما يجب في أول بلوغ النصاب، واعتبار ما
~~يساوي خمسة دراهم.
# أقول: والظاهر من صحيحة أبي ويد وما في معناها أنه لا يعطى أقل من أقل ما
~~يجب في أموال المسلمين في الزكاة في أول الإعطاء، ولعل الأقل كان في زمان
~~الصادق عليه السلام حين إفادة هذا الحكم هو خمسة دراهم بالنسبة إلى جميع
~~أصناف ما تجب فيه الزكاة، بمعنى أن قيمة زكاة النصاب الأول في الفضة كان
~~يومئذ أقل من قيمة زكاة النصاب الأول في سائر الأصناف، فيلاحظ سائر الأصناف
~~مع زكاة الفضة، ويعتبر عدم كونها أقل منها.
# أو نقول: إن الظاهر من الصحيحة اعتبار أقل ما يخرج المكلف مما كلف به،
~~فإن كان
# PageV04P216
# ماله درهم فخمسة دراهم، وإن كان غنما فشاة، وهكذا. ويؤيده ما سيجئ في
~~الفطرة من أنه لا يعطى أقل من صاع، فذكر الدراهم في الحديث بعنوان المثال.
# وكيف كان، فلو لم يجب على المالك إلا شاة، وكانت قيمتها حين وجوبها أقل
~~من خمسة دراهم، فلا ريب في كفايتها. وكذلك لو تحقق له النصابان، وأعطى زكاة
~~النصاب الأول لفقير، يجوز إعطاء الآخر لآخر على القول المشهور أيضا.
# وربما احتمل العدم; لعدم الامتثال، فيلزم أن تعطى زكاة النصاب الثاني إن
~~لم يمكن استتمامها بما يساوي زكاة النصاب الأول من النصب الباقية الفقير
~~الأول، وهو في غاية البعد.
# وعلى ما اخترناه من الاستحباب فالأمر هين، هذا الكلام في الأقل.
# وأما الأكثر فلا حد له، بل يجوز إعطاء الفقير فوق الغنى; للأخبار
~~المستفيضة، والظاهر أنه إجماعي، وصرح به في المنتهى (1).
# ولو تعاقب عليه الإعطاء حتى بلغت مؤونة السنة حرم عليه الزائد; لأنه غني
~~حينئذ، وقد مر الكلام في ذلك، وفي جواز إعطاء ms1062 ذي الكسب القاصر أيضا حد
~~الغنى وفوقه. ولا يقتصر على المتمم كالفقير الواجد لبعض المؤونة.
# الثالث: قيل: يجب على الإمام الدعاء لصاحب الزكاة إذا أخذها (2); لقوله
~~تعالى:
# * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) *
~~(3).
# وروى العياشي، عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن هذه الآية; أجارية هي
~~في الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: " نعم " (4).
# وقيل: يستحب، والنزاع في ذلك قليل الجدوى.
# PageV04P217
# وأما الساعي والفقيه; فالأظهر عدم الوجوب; لأن الخطاب مختص به صلى الله
~~عليه وآله، فيحتاج التعدي إلى دليل، مع أنها وردت في أبي لبابة وأصحابه حين
~~أطلق به من سارية المسجد وعرض ماله للتصدق، وقصته مشهورة (1)، وليس ذلك في
~~الزكاة، بل إنما عرض جميع ماله للتصدق لتطهر نفسه. مع أن في التعليل إشعارا
~~بالاستحباب له صلى الله عليه وآله أيضا كما لا يخفى.
# وربما يستدل بالعلة على عدم الوجوب على صلى الله عليه وآله; لأن المراد
~~بالسكن ما تسكن إليه النفس وتطمئن، وإنما هو فيه صلى الله عليه وآله ومن
~~غيره صلى الله عليه يليه، لاستجابة دعائه جزما.
# ويمكن القدح بأن السكون ربما يحصل في غيره أيضا، فالعلة تقتضي التعدية.
# ويدفعه: أن مقتضى هذا التعليل وجوب كل ما يكون سكنا عليه صلى الله عليه
~~وآله، مثل الرواح إلى بيتهم، وإظهار مودتهم، لا أن الدعاء يجب على غيره
~~لأنه سكن.
# ويؤيد عدم الوجوب حسنة بريد بن معاوية المتقدمة في العاملين، فإن أمير
~~المؤمنين عليه السلام لم يأمر فيها بذلك مع اشتمالها على جل الآداب والسنن
~~(2).
# قال في المدارك: أما المستحق فقيل: إنه لا يجب عليه الدعاء إجماعا، ولا
~~ريب في استحباب الدعاء للجميع (3).
# أقول: وعدم الوجوب على المستحق أيضا يؤيد عدم الوجوب على الساعي والفقيه
~~بالفحوى.
# ويكفي الدعاء بأي لفظ يكون.
# وقال في التذكرة: يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك
~~الله لك فيما أبقيت (4).
# PageV04P218
# ولا يجب الدعاء بلفظ الصلاة، وقيل: يجب (1); لظاهر الآية والتأسي به صلى
~~الله ms1063 عليه وآله حيث قال: " اللهم صل على آل أبي أوفى يجب " لما جاءته
~~زكاتهم (2).
# وفي مجمع البيان عن النبي صلى الله عليه وآله: كان إذا أتاه قوم بصدقتهم
~~قال: " اللهم صل عليهم " (3).
# وهو ضعيف; لأن ظاهر الآية مطلق الدعاء، والتأسي ليس بواجب مطلقا كما حقق
~~في الأصول (4).
# ومنع هذا الشافعية (5) بالخصوص; لأنه مخصوص بالأنبياء والملائكة.
# وظاهر الآية، وحكاية آل أبي أوفى، وكذلك قوله تعالى: * (أولئك عليهم
~~صلوات من ربهم) * (6) وقوله تعالى: * (وهو الذي يصلي عليكم) * (6) ويدل على
~~جواز الصلاة على غيره صلى الله عليه وآله.
# قال في الكشاف بعد تسليم الدلالة: إن للعلماء تفصيلا، وهو جوازه بتبع
~~النبي صلى الله عليه وآله، كقولك صلى الله على النبي وآله، وأما إذا أفرد
~~غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه; لأن ذلك صار شعارا لذكر
~~رسول الله صلى الله عليه وآله، ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض (8)، وفيه ما
~~ترى من الغرابة.
# الرابع: يكره تملك ما أخرجه من الصدقة - واجبة كانت أو مندوبة - اختيارا،
# PageV04P219
# وادعى عليه الاجماع غير واحد من الأصحاب، وهو موافق للاعتبار (1)، وليس
~~بحرام; للإجماع ظاهرا، وصرح به في التذكرة (2) وغيرها (3)، وللعمومات،
~~ولخصوص رواية محمد بن خالد (4) وغيرها (5).
# قال في التذكرة: لو دعت الحاجة إلى الشراء - بأن يكون الفرض جزءا من
~~حيوان لا يمكن الفقير الانتفاع بعينه ولا يجد من يشتريه سوى المالك، ولو
~~اشتراه غيره تضرر المالك بالمشاركة والفقير بقلة الثمن - زالت الكراهة
~~والتحريم إجماعا، وكذا كل موضع دعت الحاجة إلى البيع (6).
# وهو كما ذكره - رحمه الله - وصرح به غيره أيضا (7).
# وأما التملك بدون الاختيار، كأن يعود عليه بميراث وشبهه، كأن يشتريه
~~وكيله المطلق من دون اطلاعه، أو استوفاها من الفقير عن دين المالك ونحو ذلك
~~فلا كراهة فيه، يعني لا يستحب له اخراجه عن ملكه حينئذ.
# الخامس: قالوا: يستحب أن توسم نعم الصدقة في أقوى مواضعها وأكشفه، كآذان
~~الغنم، وأفخاذ الإبل والبقر (8).
# ونقله الجمهور عن فعل النبي صلى الله عليه وآله (9)، والظاهر أنه إجماعي.
# ويعاضده الاعتبار من ms1064 عدم الاشتباه، وإفادته اجتناب المالك عن إعادته في
~~ملكه
# PageV04P220
# في الجملة.
# قال في التذكرة: لو كتب عليه - أي الميسم - لله كان أبرك وأولى (1).
# السادس: إذا دفع الزكاة أو غيرها من الأموال إلى من يفرقها في مصارفها
~~وهو متصف بصفة المصارف، فإن علم رضا الدافع بأخذه فلا إشكال في الجواز;
~~كعدمه لو علم عدمه، بلا خلاف معروف في ذلك.
# وإن لم يعلم الحال، ففيه قولان، أقوى أدلة المجوزين روايات معتبرة، منها
~~الصحيح (2).
# وأقوى أدلة المانعين: الأصل، وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3)، مؤيدا بما
~~ورد من عدم جواز شراء الوكيل مال نفسه لموكله (4)، وعدم صحة تزويج الموكلة
~~لنفسه (5).
# وتحقيق المقام: أن الاستدلال بالأخبار إما مبتن على سؤال انفهام الدخول
~~في قول الموكل: ادفع إلى الفقراء، مثلا، أم لا، فيكون سؤالا عن اللغة لا
~~الحكم.
# وإما مبتن على أن ما لو لم يعلم الدخول من اللفظ أو لم يظن به فهل يثبت
~~جواز الأخذ أم لا؟ فيكون سؤالا عن الحكم.
# والأول بعيد عن شأن المروي عنه والراوي، والثاني هو الظاهر من الأخبار.
# فإن بني على الأول فالمتبع هو دلالة اللفظ، ويتفاوت بتفاوت المواضع،
~~ويقوى القول بالمنع; لأنه الأصل.
# وإن بني على الثاني فالأقوى الجواز، وخبر النهي هنا وفي البيع يحمل على
~~الكراهة، أو على مظنة التهمة والرزالة، وهو الذي يقوى في نفسي، فإن مورد
~~بعض
# PageV04P221
# الأخبار المجوزة غير ظاهر في الدخول، مثل رواية سعيد بن يسار الصحيحة أو
~~الموثقة قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يعطى الزكاة يقسمها في
~~أصحابه، أيأخذ منها شيئا؟ قال: " نعم " (1).
# والصحيحة المانعة ظاهرة في العدم، قال: سألته عن رجل أعطاه رجل مالا
~~لتقسيمه في محاويج أو في مساكين وهو محتاج، أيأخذ منه لنفسه ولا يعلمه؟
~~قال: " لا يأخذ منه شيئا حتى يأذن له صاحبه " (2).
# وظاهر أكثر كلام المجوزين وصريح بعضهم أنه لا يأخذ أزيد مما يعطي غيره
~~كما صرح به في بعض الأخبار، والأولى اعتبار التسوية إذا كانوا محصورين،
~~وصرح في التحرير (3) بجواز التفاضل حينئذ أيضا. ms1065
# وكيف كان، فالظاهر أن المراد بها اعتبار الحال بحسب الاحتياج، لا مطلق
~~التسوية، وإن كان الأحوط أن لا يأخذ لنفسه أزيد من غيره مطلقا.
# وظاهر بعض الأصحاب عدم الخلاف في جواز الإعطاء للأهل والعيال والأقارب
~~الموصوفين بصفة المدفوع إليهم، ولا بأس به، سيما مع ما بنينا عليه الأمر،
~~ونص على جواز الإعطاء للعيال المحتاجين في خبر صحيح، وهو أيضا مؤيد لأصل
~~المسألة.
# PageV04P222
# الباب الثاني زكاة الفطرة PageV04P223
# زكاة الفطرة يعني: زكاة الخلقة والبدن، كما يستفاد من تنبيه بعض الأخبار
~~(1)، ومنه قوله تعالى:
# * (فاطر السماوات) * (2).
# أو زكاة الدين والإسلام; لسبب قبول الصوم والصلاة، ولذلك تصح ممن أسلم
~~قبل الهلال، ولا تجب على من أسلم بعده، ومنه قوله تعالى: * (فطرت الله التي
~~فطر الناس عليها) * (3).
# أو زكاة الفطر من الصوم بمناسبة أنه فدية عنه وصدقة عوضا عنه.
# ووجوبها إجماع أهل الاسلام (4) إلا من شذ (5)، ويدل عليه الكتاب والسنة.
# أما الكتاب، فعموم * (وآتوا الزكاة) * (6)، ففي بعض الأخبار أنها داخلة
~~فيها (7)، وفي بعضها في تفسير * (أوصاني بالصلاة والزكاة) * (8) أنها هي.
# PageV04P225
# وخصوص قوله تعالى: * (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) * (1) ففي
~~صحيحة أبي بصير وزرارة قالا، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إن من تمام
~~الصوم إعطاء الزكاة، يعني الفطرة، كما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه
~~وآله من تمام الصلاة; لأنه من صام ولم يؤد الزكاة فلا صوم له إذا تركها
~~متعمدا، ولا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، إن الله
~~عز وجل قد بدأ بها قبل الصلاة فقال: * (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى)
~~* (2) " (3).
# وأما السنة فالأخبار فيها كثيرة جدا:
# وبيان أحكامها يستدعي رسم مقاصد:
# PageV04P226
# المقصد الأول فيمن تجب عليه ومن لا تجب عليه وفيه مباحث:
# : يشترط فيه العقل والبلوغ والحرية، فلا تجب على الصبي والمجنون، ويدل
~~عليه العقل والنقل من الاجماع; نقله الفاضلان في المعتبر والمنتهى (1)،
~~والسنة مثل عموم ما ورد من نفي الزكاة في مال اليتيم، وقد مر في زكاة
~~المال.
# وخصوص ms1066 صحيحة محمد بن القاسم بن الفضل البصري، قال: كتبت إلى أبي الحسن
~~الرضا عليه السلام أسأله عن الوصي أيزكي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان
~~لهم مال؟ قال: فكتب عليه السلام: " لا زكاة على يتيم "، هكذا نقله الكليني
~~في باب زكاة مال اليتيم، ونقلها في باب الفطرة وزاد: عن المملوك يموت مولاه
~~وهو عنه غائب في بلد آخر، وفي يده مال لمولاه، ويحضر الفطر، يزكي عن نفسه
~~من مال مولاه وقد صار لليتامى؟
# قال: " نعم " (2) وهو مشكل من وجهين، وربما يحمل على موت المولى بعد
~~الهلال.
# PageV04P227
# ومن ذلك ظهر أنه لا يجب على وليه الإخراج من ماله أيضا، ولا استحبابه، مع
~~أن الأصل عدمه أيضا.
# وذكر الأكثرون: أنه لا يجب على من أهل شوال وهو مغمى عليه، قال في
~~المدارك: وهو مشكل على إطلاقه، نعم لو كان الإغماء مستوعبا لوقت الوجوب
~~اتجه ذلك (1).
# أقول: والظاهر من كلمات بعضهم أنه لا خلاف فيه بينهم، ولعل دليله بعد ذلك
~~أنه غير مكلف حين تعلق وقت الوجوب، ولا دليل على تعلقه بعده.
# ويوضح ذلك: تصريحهم بعدم الوجوب على من أسلم بعد الهلال، أو صار غنيا بعد
~~الهلال، أو تولد، وهكذا.
# وأما اشتراط الحرية; فالظاهر أنه في القن والمدبر وأم الولد إجماعي، وعن
~~المنتهى أنه مذهب أهل العلم كافة إلا داود (2)، ولم يفرقوا في ذلك بين
~~القول بتملك العبد وعدمه.
# ويدل عليه: مضافا إلى الاجماع الأخبار الدالة على أن فطرة المملوك على
~~مالكه على الإطلاق (3)، وعموم ما دل على أنه لا زكاة في مال المملوك كما مر
~~في زكاة المال (4).
# وقال في التذكرة: لا تجب على المملوك اخراج الفطرة عن نفسه، ولا عن زوجته
~~وإن قلنا: إنه يملك (5). ولا بأس به; لعموم ما مر في باب الزكاة من عدم
~~الزكاة في مال المملوك مع مطابقته للأصل.
# ومن ذلك يظهر: أنه لو فرض أن تملك المملوك مملوكا أنه لا تجب عليه فطرته
~~ولا على مولاه كما اختاره في البيان (6)، وأوجبها في المنتهى على مولاه
~~(7)، وهو ms1067 مشكل.
# PageV04P228
# وأما المكاتب المشروط أو المطلق الذي لم يتحرر منه شئ، فقال في المدارك
~~(1):
# إن عدم الوجوب عليهما مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا سوى الصدوق في
~~الفقيه، فإنه قال بعد أن روى في الصحيح عن علي بن جعفر: أنه سأل أخاه موسى
~~بن جعفر عليه السلام عن المكاتب هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه،
~~وتجوز شهادته؟
# قال: " الفطرة عليه، ولا تجوز شهادته ". (2) قال مصنف هذا الكتاب: وهذا
~~على الانكار، لا على الإخبار، يريد بذلك كيف تجب عليه الفطرة ولا تجوز
~~شهادته، أي شهادته جائزة كما أن الفطرة عليه واجبة، ومقتضى ذلك وجوب الفطرة
~~عليه، وهو جيد; لدلالة الرواية عليه سواء حملت على الإخبار أو الانكار.
# أقول: وهذه الرواية معللة يشكل الاعتماد عليها، والأولى حملها على التقية
~~كما فعله في باب الشهادة، مع أن الكليني روى في باب زكاة المملوك والمكاتب
~~عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام، قال: " ليس في مال المكاتب زكاة "
~~(3).
# وروى في باب الفطرة، عن محمد بن أحمد رفعه، عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال: " يؤدي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه، ورقيق امرأته، وعبده النصراني
~~والمجوسي وما أغلق عليه بابه " (4) ويظهر من التذكرة أن مضمونه مجمع عليه
~~(5).
# وروى المفيد في المقنعة، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق عليه
~~السلام، قال: " تجب الفطرة على من تجب عليه الزكاة " (6).
# PageV04P229
# وهذه الأخبار، مع عمل الأصحاب، وعمومات ما دل على أن فطرة المملوك على
~~مولاه، وعموم ما دل على أنه لا زكاة في مال المملوك معتضدة بالأصل، لا
~~تعارض بمثل هذه الرواية الشاذة المعللة.
# وكما ثبت من ذلك عدم الوجوب على المكاتب ثبت الوجوب على مولاه، مضافا إلى
~~الاستحباب.
# هذا كله إذا لم يكن عيالا للمولى أو لغيره، وإلا فالزكاة على من عاله كما
~~سيجئ.
# وأما لو تحرر منه شئ، فإن عاله المولى أو غيره فالزكاة على من عاله كما
~~سيجئ، وإلا فقيل: إن الفطرة عليه وعلى المولى بالنسبة (1)، ووجهه ظاهر.
# وقيل بسقوطها عنهما (2); لأنه ms1068 ليس بمملوك حتى تجب على المولى، ولا بحر
~~طلق فيلزمه حكم نفسه، والمفروض أنه ليس عيالا لمولاه أيضا حتى يلزمه.
# ويلزم على قول الصدوق السابق لزومها عليه هنا بطريق الأولى.
# أقول: الأقوى الوسط، وهو قول المبسوط (3)، وقواه في المدارك (4).
# ويمكن الاستدلال عليه، أما على سقوطه عن المكاتب; فلعموم ما دل على أن في
~~مال المكاتب ليس زكاة.
# وأما على عدم لزومه على المولى; فلما رواه الصدوق، عن زرارة، عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، وفي آخرها: " وإن كان لكل انسان منهم أقل من رأس فلا شئ
~~عليهم " (5) ففيه تنبيه على عدم الوجوب على الانسان لجزء العبد.
# لكن سيجئ الكلام في العبد المشترك، وأن فطرته تتجزأ على المشهور، وخلاف
~~الصدوق فيه من جهة هذه الرواية، فقال: إنه لا تجب الفطرة إلا أن يكون لكل
~~انسان
# PageV04P230
# رأس تام، ولا يخلو من قوة; لعدم انصراف الأخبار المطلقة إلى أقل من رأس،
~~فالرواية مطابقة للأصل، ولكن مقتضاها كفاية تركب رأس من رأسين، وهو أيضا
~~مشكل.
# وكيف كان فوجه الانتفاء عن المكاتب ظاهر، إنما الخفاء في سقوطه عن
~~المولى.
# الثاني: يشترط في وجوبها الغنى على المشهور، بل ادعى العلامة عليه
~~الاجماع إلا من ابن الجنيد (1).
# ونقل في المبسوط قولا بوجوبها على الفقير (2).
# ونقل في الخلاف عن الشافعي وجماعة من العامة أنه إذا فضل صاع عن قوته
~~وقوت عياله ومن يمونه يوما وليلة وجب عليه ذلك، قال: وذهب إليه كثير من
~~أصحابنا (3).
# وعن ابن الجنيد: وعلى الفقير إذا تصدق عليه بما يتجاوز قوت يومه أن يخرج
~~ذلك عنه إلى غيره (4).
# لنا: الأخبار الكثيرة جدا المعتبرة كثير منها، منها صحيحة الحلبي، عن أبي
~~عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن رجل يأخذ من الزكاة، عليه صدقة الفطرة؟
~~قال:
# " لا " (5)، فإن الظاهر أن المراد أخذ الزكاة لأجل فقره.
# ويعضدها الأصل، والحكمة الباعثة على الزكاة من دفع الخلة.
# ويدل على ما نقله في المبسوط: مضافا إلى العمومات، صحيحة زرارة على
~~الأظهر قال، قلت: الفقير الذي يتصدق عليه، هل عليه ms1069 صدقة الفطرة؟ قال: "
~~نعم، يعطي مما يتصدق به عليه " (6).
# PageV04P231
# وما رواه علي بن إبراهيم في التفسير، عن الصادق عليه السلام: في قوله
~~تعالى: * (وأوصاني بالصلاة والزكاة) *، قال: " زكاة الرؤوس; لأن كل الناس
~~ليست لهم أموال، وإنما الفطرة على الفقير والغني والصغير والكبير " (1).
# وفي صحيحة هشام بن الحكم عنه عليه السلام قال، وقال: " نزلت الزكاة وليس
~~للناس أموال، وإنما كانت الفطرة " (2).
# والجواب عن العمومات بتقديم الخاص على العام، وعن الصحيحة وغيرها بعدم
~~المقاومة لما ذكرنا، فتحمل على الاستحباب; إذ لا ريب في الاستحباب، أو على
~~من استغنى بما يتصدق به عليه.
# وأما المذهبان الآخران - ولعلهما واحد - فلم نقف في الأخبار على ما يدل
~~عليهما بالخصوص.
# وأما موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل لا
~~يكون عنده شئ من الفطرة إلا ما يؤديه عن نفسه وحدها، أيعطيه غريبا أو يأكل
~~هو وعياله؟ قال:
# " يعطي بعض عياله، ثم يعطي الآخر عن نفسه يرددونها، فيكون عنهم جميعا
~~فطرة واحدة " (3) فلا دلالة فيها عليه.
# نعم حكم الأصحاب باستحباب العمل بمضمونها، قال في الشرائع: ويستحب للفقير
~~اخراجها، وأقل ذلك أن يدير صاعا على عياله ثم يتصدق به (4).
# وقال في التذكرة: يستحب للفقير اخراجها عن نفسه وعياله، ولو استحق أخذها،
~~أخذها ودفعها مستحبا. ولو ضاق عليه، أدار صاعا على عياله ثم يتصدق به على
~~الغير للرواية (5).
# PageV04P232
# ومثله قال في المعتبر (1)، وتقرب منه عبارة التحرير (2).
# وقال في الدروس: ويستحب للفقير اخراجها ولو بصاع يديره على عياله بنية
~~الفطرة من كل واحد، ثم يتصدق به على غيرهم (3).
# وأنت خبير بأن مقتضى الرواية اخراج الزكاة كذلك إذا عجز عن أكثر من صاع،
~~وفتواهم أعم.
# ثم إن ظاهر أكثر هذه الكلمات أن المتصدق هو المعيل، وعن البيان: أن
~~الأخير منهم يدفعه إلى الأجنبي (4).
# ويمكن أن نبني هذين القولين على أن ذلك هل هو فطرة واحدة وعبادة مستقلة،
~~وتكفي فيها نية واحدة، فينوي المعيل أني أدير هذا الصاع على عيالي وأخرجها
~~قربة إلى الله، أو هي فطرات ms1070 متعددة، فيصير كل واحد من عياله آخذا من وجه
~~ومعطيا من وجه، وهذا أنسب بلفظ الحديث.
# وقوله عليه السلام: " فيكون عنهم جميعا فطرة واحدة " يحتمل الوجهين،
~~بإرادة المعنى المصدري أو الاسمي.
# وذكر في المسالك ما يشعر باختيار التعدد ثم قال: ولو دفعه الأخير إلى
~~أحدهم جاز أيضا (5).
# أقول: ولا بأس به.
# ثم لفظ الإدارة المذكور في بعض كلماتهم أريد به إتمام الدور، ولا يستلزم
~~ذلك العود إلى أولهم أو إلى واحد منهم كما يفهم من المسالك.
# قال في المسالك: ولو كانوا غير مكلفين أو بعضهم تولى الولي ذلك عنه،
# PageV04P233
# ولا يشكل اخراج ما صار ملكه عنه بعد النص وثبوت مثله في الزكاة المالية
~~(1). وهو كما ذكره رحمه الله.
# والغنى يتحقق - على الأشهر الأقوى - بأن يملك قوت السنة لنفسه وعياله
~~فعلا أو قوة كما مر بيانه في الزكاة.
# ووجهه: أن من لا يملك قوت سنة تحل له الزكاة كما مر في باب الزكاة، ومن
~~تحل له الزكاة لا تجب عليه الفطرة بمقتضى الأخبار الكثيرة المتقدمة، هكذا
~~قيل (2).
# وأنت خبير بأن هذا إنما يفيد أن من لا يملك قوت السنة تحل له الفطرة، لا
~~أن من يملكه فهو غني تجب عليه الفطرة، إلا من جهة المفهوم، أو لبقائه تحت
~~العموم بعد اخراج الفقير.
# نعم روى المفيد في المقنعة، عن يونس بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله
~~عليه السلام، يقول: " تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، وتجب الفطرة على
~~من عنده قوت السنة. " (3) ثم هل يعتبر في الغنى ملك مقدار الفطرة مضافا إلى
~~قوت السنة، أو لا؟ قولان، ولعل الأظهر الأول.
# وذهب الشيخ في الخلاف إلى حصول الغنى بملك نصاب تجب فيه الزكاة أو قيمته
~~(4)، وابن إدريس إلى حصوله بملك عين النصاب مدعيا عليه الاجماع (5).
# وأنكر المحقق قول الشيخ وقال: إنه لا دليل عليه، ولا قائل به من قدماء
~~الأصحاب، وكذلك قول ابن إدريس، ونسب دعواه إلى الوهم (6).
# الثالث: تجب على الكافر ولا تصح منه، وقد مر وجهه في الصلاة.
# PageV04P234
# ولو ms1071 أسلم سقطت عنه، وتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار الآتية في المقصد
~~الرابع (1).
# نعم لو أسلم قبل دخول ليلة الفطر تجب عليه، وكذا من بلغ قبله أو أفاق من
~~جنونه أو حصل له الغنى، وكذلك تجب عن مملوك ملكه قبله، أو ولد ولد له، وتدل
~~عليه الصحيحة المذكورة.
# ولو حصلت الشروط المذكورة بعد دخول ليلة العيد إلى ما قبل صلاة العيد
~~يستحب الإخراج; لما رواه الشيخ مرسلا: " أن من ولد له ولد قبل الزوال يخرج
~~عنه الفطرة، وكذلك من أسلم قبل الزوال " (2).
# ورواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال فيها: " يصدق عن جميع
~~من يعول من حر أو عبد، صغير أو كبير، من أدرك منهم الصلاة " (3)، وحملا على
~~الاستحباب.
# PageV04P235
# المقصد الثاني فيمن تخرج عنه وفيه مباحث:
# الأول: يجب الإخراج عن نفسه، وعن كل من يعوله، أي يمونه وينفق عليه فرضا;
~~كالزوجة والعمودين والمملوك، أو نفلا; كسائر الأقارب والأجانب، صغيرا كان
~~أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا.
# ويدل عليه: بعد الاجماع، ظاهر الأخبار الصحيحة وغيرها المستفيضة جدا
~~عموما وخصوصا.
# منها: صحيحة عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الرجل
~~يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطر، يؤدي عنه الفطرة؟ قال: " نعم،
~~الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر وأنثى، صغير أو كبير، حر أو مملوك "
~~(1).
# ومنها: مرفوعة محمد بن أحمد المتقدمة في المكاتب (2).
# ولا تعارض بها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن عليه
~~السلام عن
# PageV04P236
# رجل ينفق على رجل ليس من عياله إلا أنه يتكلف له نفقته وكسوته، أتكون
~~عليه فطرته؟ قال: " لا، إنما تكون فطرته على عياله صدقة دونه " وقال: "
~~العيال: الولد، والمملوك، والزوجة، وأم الولد " (1) لمتروكيتها، والظاهر
~~منها إرادة التمثيل، مع أن مطلق الانفاق ليس معنى العيلولة، فلعله أريد به
~~الإهداء إليه، لا بأن يكون في داره وينفق عليه كما هو الغالب، فلا تنافي.
# ثم إنهم بعد اتفاقهم على وجوب الفطرة عن الزوجة ms1072 التي تجب نفقتها على
~~الزوج، إذا أعالها، بل المعالة المتبرع بإنفاقها وإن لم تجب نفقتها
~~كالناشزة وغيرها، اختلفوا في الزوجة الواجبة النفقة الغير المعالة، وغير
~~الواجبة النفقة الغير المعالة إذا لم يعلهما غير الزوج أيضا، فذهب الأكثر
~~إلى وجوبها عن الأولى، ولم نقف لهم على دليل; إذ لم يرد وجوب الزكاة عن
~~الزوجة من حيث إنها زوجة، بل إنما يستفاد من الأخبار اعتبارها من حيث إنها
~~عياله.
# نعم في حسنة صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام،
~~قال: " الواجب عليك أن تعطي عن نفسك وأبيك وأمك وولدك وامرأتك وخادمك "
~~(2)، وهي منزلة على الغالب.
# ونقل في الشرائع قولا بأنها لا تجب إلا مع العيلولة (3)، واختاره في
~~المدارك (4)، ودليله مفهوم الأخبار المستفيضة المتقدمة الدالة على أنها
~~إنما تجب عمن يعوله، فإن معناه من ينفق عليه، لا من تجب عليه نفقته.
# وقال ابن إدريس بوجوبها عن الزوجة مطلقا، دائمة كانت أو منقطعة، مدخول
~~بها كانت أو غير مدخول بها، مطيعة كانت أو ناشزة، وبالجملة من صدق عليها
~~اسم
# PageV04P237
# الزوجة; تمسكا بالعموم والإجماع (1)، واستغربه الفاضلان وأنكراه (2)، بل
~~قال في المعتبر: ما عرفنا أحدا من علماء الاسلام فضلا عن الإمامية أوجب
~~الفطرة عن الزوجة من حيث هي، بل ليس تجب الفطرة، إلا عمن تجب مؤونته أو
~~تبرع بها عليه، فدعواه إذن عرية عن الفتوى والأخبار.
# أقول: إن جعلنا حسنة صفوان مطلقة كما هو الظاهر فهي مع ابن إدريس، وإن
~~قلنا: إن المراد منها المعالة كما هو الغالب فلا يوافق المحقق، وإن قيدناها
~~بواجبة النفقة فما الدليل، بل التقييد بالمعالة أظهر.
# إلا أن يقال: إن الغالب هو حصول القيدين معا، فتحمل عليهما، وهو لا ينفعه
~~أيضا إن لم يضره.
# والحاصل: أن المحقق إن اعتمد على الزوجية المستفادة من الخبر; فهو لا
~~يقول بأن الزوجية من حيث هي تكفي.
# وإن اعتمد على قيد وجوب نفقتها; فلا قيد في الرواية يرجع الحكم إليه،
~~وإرادة المقيدة بالقيدين من الرواية نظرا إلى الغالب لو سلم، فلا ms1073 يفيد تعلق
~~الحكم على القيد، وهو وجوب النفقة كما لا يخفى.
# وإن اعتمد على الاجماع على وجوب فطرة الواجبة النفقة وإن لم تكن معالة
~~فهو ممنوع، كيف وهو في الشرائع قال: وقيل: لا تجب إلا مع العيلولة وفيه
~~تردد (3)، فكيف يقول: إنه إجماعي ومقطوع به، فتبقى (4) فتوى المحقق أيضا
~~والأكثر عارية عن الدليل.
# اللهم إلا أن يقال: ظهر عليه الاجماع بعد تأليف الشرائع، وهو أيضا مشكل
~~كما يظهر من الكلمات الآتية في المملوك أيضا.
# PageV04P238
# فالأظهر إذن: القول المنقول في الشرائع، وهو اعتبار العيلولة في الزوجة
~~مطلقا.
# وظاهرهم الاتفاق على أن المعتدة الرجعية في حكم الزوجة.
# ثم إن الإشكال الذي ذكرنا آت في المملوك أيضا، فإن الأكثرين أفتوا بوجوب
~~فطرته على المولى إن لم يعله غيره، وإن كان غائبا علم حياته، أو آبقا، أو
~~مرهونا، أو مغصوبا، وادعى عليه الاجماع في المنتهى (1)، وتظهر دعواه من
~~المحقق في المعتبر أيضا (2)، فاكتفوا بوجوب النفقة ولم يعتبروا العيلولة
~~بالفعل.
# ولكن يظهر من المحقق في الشرائع التردد فيه، ونقل فيه قولا بعدم الوجوب
~~إلا مع العيلولة كالزوجة كما ذكرنا (3).
# وكذلك يظهر وجود القول به من الدروس حيث قال: ولو غصب العبد وعاله الغاصب
~~وجبت عليه، وإلا فعلى المالك، إلا أن تجعل الزكاة تابعة للعيلولة (4).
# واختار ذلك صاحب المدارك وصاحب الكفاية (5).
# ونقل في المختلف عن المبسوط أيضا القول بالعدم في المغصوب (6)، وهو قوي;
~~للأصل، وظاهر الأخبار.
# وأما سائر من تجب نفقته من الأقارب إذا لم يعلهم غير من تجب عليه نفقتهم،
~~فمقتضى ما ذكرنا من ظاهر الأخبار هو توقف الوجوب على العيلولة بالفعل، ولا
~~يكفي مجرد وجوب النفقة; إذ الفطرة تابعة للنفقة لا لوجوبها كما صرح به في
~~المختلف، ورد بذلك قول الشيخ، حيث أوجبها عليه لوجوب النفقة (7).
# PageV04P239
# أقول: ويعود ما أورده على الشيخ عليه في مسألة الزوجة الواجبة النفقة
~~الغير المعالة كما قدمناه.
# والظاهر أنه لا فرق في القريب بين الصغير والكبير، وقول الشيخ بوجوب نفقة
~~الصغير الموسر في ماله وفطرته على أبيه ضعيف، فالأظهر ms1074 فيه سقوط الفطرة، إلا
~~أن يكون عيالا لأبيه وهو ينفق عليه; لعدم العيلولة للغير بالفرض، ولسقوطها
~~عنه بالصغر.
# الثاني: المعروف من مذهب الأصحاب وجوب الفطرة عن الضيف، وادعى عليه
~~الاجماع غير واحد من الأصحاب (1).
# ولكنهم اختلفوا في قدر الضيافة الموجبة لذلك:
# فقال السيد في الانتصار: مما انفردت به الإمامية القول بأن من أضاف غيره
~~طول شهر رمضان يجب عليه اخراج الفطرة عنه، والحجة فيه الاجماع المتردد (2).
# وقال الشيخ في الخلاف: روى أصحابنا أن من أضاف إنسانا طول شهر رمضان
~~وتكفل بعيلولته لزمته فطرته (3).
# وكلامهما يشعر باشتراط الضيافة طول الشهر.
# وعن المفيد ما يشعر باشتراط النصف الآخر (4).
# وعن ابن إدريس الاكتفاء بليلتين في آخره (5).
# وذهب العلامة في المنتهى إلى إجزاء الليلة الأخيرة بحيث يهل هلال شوال
~~وهو في ضيافته (6)، وكذا في التذكرة (7).
# PageV04P240
# ونقل في المعتبر عن جماعة اعتبار العشر الأواخر، وعن آخرين آخر جزء من
~~الشهر، بحيث يهل الهلال وهو في ضيافته، واختاره هو رحمه الله (1).
# واكتفى في المسالك بنزوله عليه قبل دخول شوال وبقائه عنده إلى أن يدخل،
~~ويظهر منه أنه لا يشترط فيه الأكل أيضا (2)، فإن أراد عدم حصول الأكل قبل
~~هلال شوال وإن استعد هو للأكل والمضيف للإطعام في ليلة العيد فليس ببعيد.
# وإن أراد عدم مدخلية الأكل أصلا فهو بعيد; لمنع صدق الضيف عليه.
# فالأقوى صدق اسم الضيف عليه عرفا، وإدراك جزء من الشهر حتى يصدق عليه أنه
~~ممن ينفق عليه ويطعمه، مع أن العول معناه الانفاق، والصحيحة الدالة على حكم
~~الضيف معللة بأنه ممن يعول.
# وفي رواية سلمة أبي حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه أيضا
~~تفسير من يعول بمن ينفق عليه (3).
# والظاهر كفاية الأكل في اليوم الآخر إذا جاز شرعا، أو في ليلة العيد إذا
~~أدرك آخر الشهر أيضا.
# أما لو نزل عليه ضيفا في اليوم الآخر ولم يأكل شيئا واتفق أكله في الليلة
~~عند آخر فيشكل الحكم بالوجوب.
# لنا: رواية عمر بن يزيد الصحيحة في الفقيه، المروية في التهذيب والكافي
~~أيضا، ms1075 قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عنده الضيف من
~~إخوانه فيحضر يوم الفطر، يؤدي عنه الفطرة؟ قال: " نعم، الفطرة واجبة على كل
~~من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حر أو مملوك " (4).
# PageV04P241
# وصحيحة عبد الله بن سنان، قال: " كل من ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك،
~~فعليك أن تؤدي الفطرة عنه " (1) الحديث.
# وجه الاستدلال: أن ترك الاستفصال يفيد العموم، ولا ريب أن الضيف يصدق على
~~من أضيف في يوم واحد، بل أقل.
# وما يتصور من الإشكال في الدلالة إنما هو في كلمة " من يعول " بناءا على
~~أن الظاهر منها الاستمرار وطول الزمان.
# وهو مدفوع: بأن المضارع قد يستعمل في الحال، وقد يستعمل في الاستقبال،
~~وقد يستعمل في الملكة، وهو المعبر عنه بالاستمرار التجددي، وقد يستعمل في
~~الحال المقابل للملكة.
# فعلى فرض الاشتراك فالمقام قرينة لإرادة الحال; لأن قوله عليه السلام: "
~~نعم، الفطرة واجبة على كل من يعول " بمنزلة كبرى لقياس أضمرت صغراه،
~~وتقديره: أن الضيف ممن يعول، وكل من يعول تجب عنه الفطرة، وحينئذ فلا بد من
~~إرادة الحال مقابل الاستقبال، وإلا للزم القول بكون الضيف ممن يعول بمعنى
~~الملكة، وهو باطل جزما.
# ولو قيل: إنه قرينة لإرادة الضيف المستمر، ففيه: أنه يوجب عدم مطابقة
~~السؤال للجواب، إذ الجواب لا بد أن يكون مساويا للسؤال أو أعم، أو لا بد من
~~الاستفصال حتى يتطابق مع السؤال.
# وأيضا لو لم يكن المراد بالضيف أعم من المستمر للزم بطلان ادعائهم
~~الاجماع على وجوب الفطرة عن الضيف من حيث إنه ضيف في الجملة، إلا بإرادة أن
~~الاجماع إنما هو على عدم كون الضيافة مانعة، لكونها سببا.
# مع أن المعنى الاستمراري للمضارع إنما هو بالنسبة إلى المستقبل كما في
~~الزوجة والولد وغيرهما، ولم يقل به أحد في الضيف، بل اعتبر من اعتبر
~~الاستمرار في سابق الزمان.
# PageV04P242
# وأيضا لفظ عال يعول بمعنى قات وأنفق مبني على الواو، والعيال مأخوذ من
~~عال يعيل من العالة بمعنى الفاقة.
# وإن فرض ms1076 انفهام الاستمرار من العيال والعيلولة المأخوذة منه فلا نسلم
~~الانفهام من العول بمعنى الانفاق.
# قال في الصحاح: يقال قد علته شهرا إذا كفيته معاشه (1)، ومن هذا يظهر أنه
~~يضاف إلى أقل من الشهر، إلى يومين ويوم أيضا.
# والحاصل: أن الظاهر من قوله عليه السلام " من يعول " مع ذكر الضيف هو
~~إرادة أن من كانت نفقته في عهدة غيره بالفعل، بمعنى أنه حضر حين تعلق خطاب
~~الفطر ووجوبه ملتزم لنفقته ويصدق عليه أنه منفق عليه ففطرته عليه.
# وإلى ذلك يشير كلام الفاضلين، قال في التذكرة في الاستدلال بقوله صلى
~~الله عليه وآله:
# " صدقة الفطرة عن كل صغير وكبير حر وعبد ممن تمونون " (2) أنه صالح للحال
~~والاستقبال، وحمله على الحال أولى; لأنه وقت الوجوب، وإذا علق الحكم على
~~وصف ثبت مع ثبوته لا قبله ولا بعده (3). ومثله قال في المعتبر (4).
# والإجماع المدعى في الانتصار لا يثبت اشتراط الشهر، وإن كان لا يخلو عن
~~إشعار، مع أنه قال فيه ردا على العامة: وليس لهم أن يقولوا الضيف لا تجب
~~عليه نفقته، فلا تجب فطرته، لأنا لسنا نراعي في وجوب الفطرة وجوب النفقة،
~~بل نراعي من يعوله، سواء كان ذلك وجوبا أو تطوعا.
# ومن ذلك يظهر أن مستند الوجوب عنده في الضيف هو العيلولة، وهو لا يوجب
~~تعين خصوص الشهر، والإجماع منعقد عليه عنده; لأجل حصول العيلولة فيه،
# PageV04P243
# لا لأجل حصولها في تمام الشهر، فلا بد من بيان اشتراط الشهر من إبداء
~~دليل آخر، ولم نقف عليه.
# ومما ذكرنا تعرف الحال في غير الضيف; إذ يظهر من الأخبار المتضافرة جدا
~~أن المعيار في وجوب الفطرة هو الانفاق والعول (1)، وإذا أمكن تحققه في
~~الضيف بالتقريب الذي ذكرنا بمجرد ليلة أو أقل، فكذلك في غيره ممن تجب فطرته
~~عليه.
# وفي معنى الضيف كل متبرع بنفقته، ولو في ليلة العيد إذا أدرك عنده جزء من
~~الشهر.
# وأما الأجير الذي عاله، فقال في المسالك: إن شرط النفقة أو قلنا بأنها
~~على المستأجر فلا يجب عليه، وإلا كان بحكم ms1077 الضيف (2).
# ولعل وجهه: أن النفقة حينئذ من الأجرة، وليس إنفاقا من المستأجر، والأحوط
~~أن لا يترك.
# ثم قال: وإنما تجب الفطرة على المضيف مع يساره، ومع الإعسار تجب على
~~الضيف الموسر.
# فلو تبرع المعسر بإخراجها عنه ففي الاجزاء قولان، جزم الشهيد بعدمه (3)،
~~وهو حسن مع عدم إذن الضيف، وإلا فالإجزاء أحسن.
# والظاهر أن موضع الإشكال ما لو كان الإخراج بغير إذنه.
# ولو تبرع الضيف بإخراجها عن الموسر توقف الاجزاء على إذنه، وكذا القول في
~~الزوجة وغيرها، انتهى كلامه.
# أقول: وما ذكره من الوجوب على الضيف الموسر مقتضى العمومات، ولكن لا بد
~~من أن يقيد بما لو لم يتحملها المعسر، فإنه لا ريب في استحبابها على
~~الفقير، ولا يثنا في
# PageV04P244
# صدقة، وبعد التحمل فلا دليل على الوجوب عليه.
# وحينئذ فلا وجه للقول بعدم الاجزاء مطلقا، كما أنه لا وجه لمدخلية الإذن
~~في سقوط التكليف عن أحد وإثباته للغير لو لم يكن مستحبا للمعسر أيضا.
# وقياسه على الدين كما ترى; إذ هي عبادة توقيفية.
# فينقدح من هذا وجوبها على الضيف الموسر، وسقوطها بتكلف المضيف المعسر;
~~فإن عمومات ما دل على وجوب الفطرة على المكلفين عن أنفسهم وعمن يعولون
~~مخصصة باشتراط الغنى في المكلف والمعيل، وبعدم كون المكلف عيالا لمن تجب
~~عليه أداء الفطرة لا مطلقا، فيبقى الضيف الموسر تحت عموم الوجوب، إذ الذي
~~أسقط التكليف عن المعال إنما هو الأخبار الدالة على الوجوب على المعيل كما
~~سيجئ، فإذا خصصنا الوجوب في تلك الأخبار بالموسر، فلم يبق مسقط عن الضيف
~~ومخصص لعمومات وجوب الفطرة على الموسر (1).
# ويمكن توجيه مدخلية الإذن بجعله من باب التوكيل، فيكون من باب أعتق عبدك
~~عني، أي ملكه إياي وأعتقه بالوكالة عني.
# ثم أقول: يمكن أن يقال: استحباب الزكاة على المعسر اتفاقي، ولا يصح توجه
~~الخطابين إلى الضيف والمضيف في آن واحد، فإذا كان مستحبا للمضيف المعسر
~~يسقط التكليف عن الضيف الموسر، فيكفي في اسقاطها عن الضيف مطلق تعلق الخطاب
~~بالمضيف إيجابا كان أو ندبا.
# ولذلك ذهب بعضهم إلى ms1078 سقوطه عنهما، أما عن المضيف فلإعساره فلا يجب عليه،
~~وأما عن الضيف فلعيلولته للغير، وعدم الوجوب على الغير لإعساره لا يوجب
~~تعلقها به.
# نعم، يمكن فرض ذلك فيما لو لم يقدر المعسر ولو على الاستقراض، فيمكن
~~القول
# PageV04P245
# بانتفاء الخطاب حينئذ رأسا، فيجب حينئذ على الضيف; لدخوله تحت العمومات،
~~ولا مخصص لها حينئذ.
# ويظهر من الشهيد في البيان (1) احتمال منع الاستحباب للمعسر في الضيف;
~~لأن المنصوص استحباب اخراجها عن عياله ونفسه، والمفهوم من عياله الفقير.
# ثم قال: سلمنا، لكن الندب قاصر عن الوجوب في المصلحة الراجحة، فلا يساويه
~~في الاجزاء، ولعله لذلك منع الاجزاء كما نقله في المسالك.
# وكيف كان، فلا ريب أن اخراج الضيف الموسر عن نفسه أولى وأحوط.
# ثم إن الشهيد الثاني قال في المسالك: ولو تعدد المضيف، وجبت عليهم
~~بالنسبة (2).
# وفيه الإشكال المتقدم في العبد المشترك.
# والظاهر أنه لا فرق في سقوط التكليف عنه بين علمه باخراج المضيف عنه
~~وعدمه، وربما احتمل الوجوب لو علم بعدم الإخراج، والأول أظهر; لأن المسقط
~~إنما هو توجه الخطاب إلى الغير، لا أداؤه، فإن التوجه إلى الغير ينفي
~~التوجه إليه، فإذا لا خطاب فلا امتثال، فمن أين يثبت الوجوب؟
# ثم من جميع ما ذكرنا يظهر أنه لا وجه للإجزاء إذا تبرع الضيف بإخراجها عن
~~الموسر ولو بإذنه إلا على التوجيه الذي ذكرناه في الإذن، فيجزي.
# الثالث: كل من تجب فطرته على غيره تسقط عن نفسه; وإن كان ممن تجب عليه لو
~~انفرد، مثل الضيف الغني، والقريب الكامل الغني، والزوجة; للأصل، وظاهر
~~الأخبار الدالة على وجوب الزكاة على المعيل (3)، وقوله صلى الله عليه وآله:
~~" لا يثنا في صدقة " (4).
# PageV04P246
# وعن ظاهر ابن إدريس الوجوب على الضيف والمضيف (1)، ولا يخفى ما فيه، وقد
~~مر الكلام في صورة إعسار المضيف وحكم الضيف.
# وأما الزوجة; فالكلام فيها نظير الكلام في الضيف، فإذا كان زوجها معسرا
~~فقيل:
# يجب أن تخرجها عن نفسها إذا كانت موسرة، اختاره ابن إدريس (2) والمحقق
~~(3) وصاحب المدارك (4)، ويظهر دليلهم مما مر في الضيف، وهو ms1079 الاعتماد على
~~العمومات، وخروج التي كانت تحت موسر بالدليل.
# وعن الشيخ في المبسوط: لا فطرة عليها ولا على زوجها; لأن الإعسار أسقطها
~~عن الزوج، ولا دليل على وجوبها على الزوجة (5)، وعن فخر المحققين أنه قواه
~~(6).
# وقال في المختلف: إن بلغ الإعسار بالزوج إلى حد تسقط عنه نفقة الزوجة،
~~بأن لا يفضل معه شئ البتة، فالحق ما قاله ابن إدريس، وإن لم ينته الحال إلى
~~ذلك، بل كان الزوج ينفق عليها مع إعساره فلا فطرة هنا، والحق ما قاله الشيخ
~~(7).
# ودليله على الجزء الأول: ما مر في قول ابن إدريس، وعلى الجزء الثاني:
~~أنها في عائلة الزوج ولا تجب عليها، وهو معسر فلا تجب عليه.
# ورد: بأن النفقة لا تسقط الفطرة إلا إذا تحملها.
# ثم قال: والتحقيق أن الفطرة إن كانت بالأصالة على الزوج، سقطت لإعساره
~~عنه وعنها، وإن كانت بالأصالة على الزوجة، وإنما يتحملها الزوج، سقطت عنه
~~لفقره ووجبت عليها عملا بالأصل (8).
# PageV04P247
# ورد: بأن ظاهر الأخبار (1) وكلام الأصحاب وإن اقتضى وجوب الفطرة بالأصالة
~~على الزوج مع يساره، ولكن ذلك لا يوجب سقوطها عن الموسرة مع إعساره.
# أقول: ويظهر التحقيق في المسألة مما قدمناه في الضيف، فالأقوى سقوطها
~~عنهما معا مطلقا; إلا أن يتمكن الزوج من الفطرة ولو بالاستقراض، فحينئذ تجب
~~على الزوجة; للعمومات.
# ثم إن الكلام في تبرع الزوجة عن الموسر ومدخلية الإذن في الأداء وعدمها
~~أيضا كما تقدم.
# وصرح الشيخ هنا في الخلاف أيضا باعتبار الإذن، قال: إذا أخرجت المرأة
~~الزكاة عن نفسها بإذن زوجها أجزأت عنها، وإن لم يأذن لم تجز عنها (2).
# وحسنه في المعتبر (3); لأنه إذا أذن لها كان المخرج لها كما لو أمرها
~~بأداء الدين عنه أو العتق.
# وقد مر ما فيه وتوجيهه.
# هذا كله إذا كانت في عيلولة الزوج، أما لو عالت نفسها مع إعسار الزوج
~~فإنما تجب عليها.
# الرابع: لا ريب في عدم اشتراط الحضور في الفطرة، فإذا غاب الرجل عن عياله
~~فلا تسقط فطرتهم عنه، وتدل عليه العمومات، وخصوص صحيحة جميل أيضا (4).
# وهذا ms1080 فيمن علم خبرهم وحياتهم ولو بالاستصحاب، مع الشرائط المقررة من عدم
~~عيلولتهم للغير مطلقا، أو عدم عيلولة واجب النفقة منهم للغير ولأنفسهم على
# PageV04P248
# المختار، ولو كان العلم بهذا الشرط أيضا من جهة الاستصحاب المفيد للظن.
# وأما لو جهل حال الشرط، ولو من جهة الاستصحاب أيضا، مثل أنه كان لعياله
~~نفقة وعلم أنها تمت، واحتمل كونهم حينئذ معالين للغير أو لأنفسهم، فحينئذ
~~يشكل الأمر، والظاهر عدم الوجوب مطلقا على المختار، وعن غير الواجب النفقة
~~على المشهور; للأصل; والشك في سبب الوجوب، واستصحاب عصمة المال عن استحقاق
~~الغير فيه، هذا كله إذا كان الغائب معلوم الخبر والحياة ولو من جهة
~~الاستصحاب.
# وأما إذا لم يعرف خبره; فقد ذكروا في المملوك الغائب قولين، فذهب جماعة
~~من الأصحاب إلى السقوط; للأصل، وعدم العلم بوجود الغائب، واستصحاب عصمة
~~المال (1).
# وذهب ابن إدريس إلى الوجوب; للاستصحاب، ولجواز عتق العبد الآبق في
~~الكفارة كما دلت عليه صحيحة أبي هاشم الجعفري (2)، وادعى عليه هو أيضا
~~الاجماع (3).
# ورد: بأن الاستصحاب معارض بأصالة البراءة، وأن قياسه على العتق باطل،
~~سيما وهو من حقوق الله ويبنى على التخفيف، بخلاف الفطرة فإن إيجابها على
~~المكلف يحتاج إلى سبب، ولكن كلامهم هذا مطلق بالنسبة إلى منقطع الخبر
~~وغيره.
# والتحقيق: أن الكلام إن كان فيمن علم خبره سواء علمت حياته أو لم تعلم،
~~وعلم حال الشرط أيضا أو جهل، فحكمه ما قدمناه، وإن كان فيمن انقطع خبره
~~فعلى المختار، فمن انقطع خبره فهو أولى بانقطاع الخبر عن شرط الوجوب أيضا،
~~إلا مع فرض تحقق استصحاب يفيد ذلك أيضا، ومع عدم العلم بالشرط ولو من جهة
~~الاستصحاب فينتفي الوجوب مطلقا، أي عن واجب النفقة وغيره، فلا يجري فيه
~~القولان; لعدم إفادة استصحاب الحياة شيئا ما لم يعلم الشرط، فالحكم إنما
~~يستند إلى جهالة الشرط.
# PageV04P249
# وعلى المشهور، من أصالة وجوب الفطرة على واجب النفقة ما لم يكن عيالا
~~للغير، فيمكن إجراء القولين وإفادة الاستصحاب وجوبها عن واجب النفقة وإن لم
~~يحصل العلم بالشرط، فليتأمل.
# فلعل المشهور ms1081 أيضا يشترطون عدم إعالة الغير لهم، فتنحصر ثمرة القولين
~~بالنظر إلى ملاحظة الموت والحياة فيما علم عدم إعالة الغير لهم وجهل حالهم
~~في كونهم معالين له أو لأنفسهم، فينفع الاعتماد على استصحاب الحياة.
# ويظهر من الكلام في المملوك حكم غيره أيضا.
# ففذلكة المختار: تقديم الاستصحاب على أصل البراءة، سواء كان استصحاب
~~الشرط على المختار، أو استصحاب الحياة فقط أيضا على المشهور في واجب
~~النفقة.
# الخامس: من كان له عبد ومات بعد دخول ليلة العيد فتجب فطرته في تركته.
# وإن كان له دين مستوعب يقسم ماله على الدين والفطرة بالنسبة.
# ولو مات قبله فلا يجب شئ على الميت، فإن لم يكن عليه دين ولا وصية فتجب
~~فطرته على الوارث، إن لم يعله غيره.
# وإن كان عليه دين; فإن عاله أحد فتجب عليه، وإلا - فإن قلنا بعدم انتقال
~~المال إلى الوارث إذا كان الدين مستوعبا على الأشهر أو مطلقا على المختار
~~كما هو ظاهر المحقق في مباحث الفطرة من الشرائع (1) ونقله فخر المحققين عن
~~بعض الأصحاب (2) واختاره المحقق الأردبيلي رحمه الله (3) وبعض من تأخر عنه
~~(4) وبقاؤه على حكم مال الميت - فتسقط الفطرة رأسا; لعدم كون الميت مكلفا،
~~وعدم ملك الوارث.
# PageV04P250
# وإن قلنا بانتقاله إلى الوارث مطلقا، ومنعه عن التصرف حتى يؤدي دينه;
~~فاختار في المدارك أن الزكاة على الوارث (1).
# ويشكل ذلك من جهة عدم استقلال الملك، وهو المتبادر منه، بل احتمل سقوط
~~الوجوب - على تقدير جواز التصرف مع ضمان الدين أيضا - المحقق الأردبيلي
~~رحمه الله (2); لعدم الاستقلال من جهة تعلق الدين بها، ولكنه بعيد، بل
~~الأظهر حينئذ وجوبه على الوارث من عين ماله، لا من التركة.
# ولو أوصى به لأحد، فإن قبلها قبل دخول ليلة العيد فلا إشكال في وجوب
~~الفطرة على الموصى له.
# وإن قبلها بعده، فإن قلنا بأن القبول جزء سبب للنقل فتسقط عن الوارث;
~~لعدم الانتقال إليه مع الوصية كما اخترناه، وعن الموصى له; لعدم حصول الملك
~~بعد.
# وعلى القول بانتقاله إلى الوارث فالأظهر أيضا العدم; لعدم استقلال الملك ms1082
~~وتماميته.
# وإن قلنا بأنه كاشف عن الملك فيحتمل وجوبه على الموصى له; لحصول الملك
~~حين الوجوب، وعدم الوجوب عليه; لاستحالة تكليف الغافل، والوجوب على الوارث;
~~لكونه ملكه ظاهرا، بناءا على القول بالانتقال، مع إمكان رد الموصى له
~~الوصية.
# واختار الشهيد الثاني - رحمه الله - الأول (3)، بناءا على أن القبول
~~كاشف، وأنه لا يضر عدم العلم حين الوجوب; كما لو ولد له ولد ولم يعلم به
~~حتى دخل شوال.
# أقول: والأظهر السقوط عنهما جميعا حينئذ أيضا، أما عن الوارث; فلعدم
~~الانتقال إليه، سيما مع تعقبه بقبول الموصى له في نفس الأمر; ولعدم استقلال
~~الملك وتماميته على القول بالانتقال أيضا.
# PageV04P251
# وأما عن الموصى له; فلعدم تماميته أيضا، سيما مع فرض الغفلة والجهالة.
# وقياسه على الولد غير صحيح; لأن مجرد إعلام التولد كاف في العلم، بخلاف
~~إعلام الوصية، والمتبادر من المملوك هو المعلوم المملوكية، وإن صدق اسم
~~المملوك على ما هو كذلك في نفس الأمر.
# ولو رد الوصية; فإن قلنا بالانتقال إلى الوارث فتجب عليه على إشكال، من
~~جهة عدم الاستقلال، وإلا فلا فطرة كما بيناه. PageV04P252
# المقصد الثالث في جنسها ومقدارها وفيه مباحث:
# الأول: قال المفيد: ماهية زكاة الفطرة، وهي فضلة أقوات أهل الأمصار، على
~~اختلاف أقواتهم في النوع، من التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، والأرز،
~~والإقط، واللبن (1).
# ومثله قال السيد بدون ذكر الأرز (2).
# وعن الصدوقين (3) و (4) وابن أبي عقيل (5): أنها صاع من حنطة، أو صاع من
~~شعير، أو صاع من تمر، أو صاع من زبيب.
# وعن الشيخ في المبسوط: يجب صاع من التمر، أو الزبيب، أو الحنطة، أو
~~الشعير، أو الأرز، أو الإقط، أو اللبن (6).
# PageV04P253
# وعن الخلاف: يجوز اخراج صاع من الأجناس السبعة المذكورة; للإجماع على
~~إجزاء هذه، وما عداها ليس على جوازه دليل (1).
# وعن ابن الجنيد: ويخرجها من وجبت عليه من أغلب الأشياء على قوته; حنطة،
~~أو شعير، أو تمر، أو زبيب، أو سلت، أو ذرة (2)، وبه قال أبو الصلاح (3)
~~وابن إدريس (4)، وهو مختار الفاضلين (5) والمتأخرين (6)، بل نسبه جماعة إلى
~~المشهور (7).
# وظني أن ms1083 مختار المفيد - رحمه الله - أيضا هو ذلك، وذكر المذكورات في
~~كلامه بعنوان المثال، ومراده من الأمصار: الأقطار لا البلدان فقط، فيشمل
~~البوادي; لأنا لا نعلم مصرا يكون غالب قوتهم الإقط أو اللبن، ويشهد بذلك
~~أنه ذكر بعد ذلك حديث الهمداني في تحديد القوت الغالب (8).
# وكذلك الظاهر من السيد هو أيضا هذا القول.
# وأما الصدوقان; فلعلهما اقتصرا على ذكر الأربع تبعا للأخبار، وما سنذكر
~~في تأويل تلك الأخبار من أن المراد منها بيان المقدار، وذكر الغلات الأربع
~~أو أزيد أو أقل من باب المثال جار في كلام الصدوقين أيضا، فالقائل
~~بالاقتصار على قوت دون قوت نادر.
# نعم يظهر من الخلاف الاقتصار (9)، ولعله أيضا أراد الاحتراز عن مثل الخل
~~والدبس ونحوهما، لا مثل الذرة والدخن ونحوهما، ولكنه خلاف الظاهر.
# وكيف كان، فالأقوى كفاية القوت الغالب، ولو كان عدسا أو دخنا أو حمصا أو
# PageV04P254
# غيرها، ويظهر من العلامة في المنتهى (1) والتذكرة (3) والمحقق في المعتبر
~~(3) الاجماع عليه من علمائنا، وكذلك الشيخ في الخلاف، حيث ادعى إجماع
~~الطائفة على العمل برواية الهمداني الآتية (4).
# وقال في المعتبر: الضابط اخراج ما كان قوتا غالبا، كالحنطة والشعير
~~والتمر والزبيب والأرز والإقط واللبن، وهو مذهب علمائنا.
# ومثله قال في التذكرة، وذكر فيها بالخصوص في الأرز واللبن أيضا أنه يجوز
~~اخراجهما عند علمائنا; لأنهما يقتات بهما، ونسب الخلاف فيهما إلى بعض
~~العامة.
# ثم إن في معنى ما كان قوتا غالبا اشتباه، والذي أفهمه أن المراد أنه يجوز
~~أن يخرج الفطرة عما هو قوت الانسان غالبا وإن كانت طوائف الناس مختلفة في
~~غلبة التقوت بها، لا أنه يجب لكل طائفة اخراجها عما هو غالب عندها، ولا
~~يجوز غيرها، فيجوز على أهل الأمصار العظيمة اخراج الإقط واللبن، وإن كانا
~~قوتين لأهل البوادي غالبا.
# وصرح بذلك في التذكرة، بل قال في التذكرة: وأما اللبن فيجوز اخراجه عند
~~علمائنا أجمع لكل أحد، سواء قدر على غيره من الأجناس أو لا (5).
# فالمراد من تحديد القوت الغالب في رواية الهمداني الآتية هو إما بيان أنه
~~لا ms1084 يجب عليهم تحصيل الأعلى، أو يستحب لهم الإخراج منه وترك الأدون.
# وأما وجوب الإخراج من القوت الغالب للبلد أو للشخص، فلم نقف على قائل به،
~~ولا على دليل يدل عليه.
# وما يظهر من الأخبار الآتية من الوجوب فهو لو سلمت الدلالة فيها فلا بد
~~أن ينزل على أحد الأمرين; لعدم القول به من أحد من حيث إنه قوت غالب.
# PageV04P255
# فالغلبة في كلامهم قد تلاحظ بالنسبة إلى نوع الانسان، فيحصل الاحتراز عن
~~مثل السلق والشلغم والجزر والخس وغير ذلك، فإن اقتيات الانسان بها في غاية
~~الندرة، ولا ينصرف القوت في الأخبار إلى أمثال ذلك.
# وإلى هذا ينظر كلام المحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة وغيرهما (1)،
~~فذكر الحنطة والشعير وغيرهما من الأجناس للمثال، لا للتعيين كما هو واضح.
# وقد يلاحظ بالنسبة إلى البلاد والأقطار، يعني كل قطر يخرج من القوت
~~الغالب عندهم، كالأرز عند أهل طبرستان، واللبن عند أهل البوادي، وهذا
~~الاحتراز ليس على حذو الاحتراز السابق كما بيناه، بل مرادهم من هذه
~~الملاحظة والتقييد هو إما بيان نفس الجواز وعدم وجوب تحصيل الأعلى، لا عدم
~~جواز الأدون، أو بيان الاستحباب كما سيجئ في تأويل خبر الهمداني (2).
# وقد يلاحظ بالنسبة إلى الشخص المعطى، وهو أيضا إنما يثمر في أحد المعنيين
~~الأخيرين، فلو كان أهل بلد مقتاتين بالحنطة وواحد منهم يقتات بالأرز مثلا
~~نقول:
# يجوز عليه اخراج الحنطة أو الشعير إن كان أدون، ولا يجب عليه اخراج التمر
~~والزبيب، إن كانا أعلى.
# ويستحب عليه اخراج الأرز - لا الأدون ولا الأعلى - على ظاهر رواية
~~الهمداني بناءا على إطلاق حمل الشيخ إياها على الاستحباب (3)، فقولهم في
~~مقام بيان الجنس وتحديد ماهية الفطرة حيث يعبرون به بأنه يخرج غالب قوته أو
~~غالب قوت بلده، لا بد أن يحمل على ما ذكرناه في معنى كلام المحقق، وهو أن
~~المراد عدم وجوب تحصيل الأعلى وكفاية ما يقتات.
# وحيث يعبرون بأنه يخرج ما كان قوتا غالبا أنه لا يجوز اخراج ما هو غير
~~غالب
# PageV04P256
# قوت الانسان، وأما غلبة أحد ms1085 الغالبات على الآخر، كغلبة الحنطة والشعير
~~على الأرز والحمص فهو غير مضر.
# نعم لو فرض قوت يندر للإنسان التقوت به فهو يخرج; لعدم الانصراف إليه كما
~~ذكرناه سابقا.
# فلنرجع إلى ذكر أدلة الأقوال، ونقول: يدل على المختار - مضافا إلى ظاهر
~~الاجماع - أخبار كثيرة، مثل صحيحة زرارة وابن مسكان جميعا، عن الصادق عليه
~~السلام، قال: " الفطرة على كل قوم مما يغذون عيالهم من لبن أو زبيب أو غيره
~~" (1).
# وما رواه الكليني - رحمه الله - في الصحيح، عن يونس، عمن ذكره، عنه عليه
~~السلام قال، قلت له: جعلت فداك، هل على أهل البوادي الفطرة؟ قال: " الفطرة
~~على كل من أقتات قوتا فعليه أن يؤدي من ذلك القوت " (2).
# وصحيحة معاوية بن عمار، عنه عليه السلام، قال: " يعطي أصحاب الإبل والبقر
~~والغنم في الفطرة من الإقط صاعا " (3) إلى غير ذلك من الأخبار التي ذكر في
~~بعضها الذرة بالخصوص، وفي بعضها الذرة والسلت، وفي بعضها العدس والسلت
~~والذرة وغير ذلك (4)، وستجئ رواية الهمداني أيضا.
# وأما دليل سائر الأقوال فهو الأخبار المذكورة فيها هذه الأجناس، فحسبوا
~~أن ذكر تلك الأشياء للتعبد، وليس كذلك، بل إنما هو بعنوان المثال، ولذلك
~~اختلفت الأخبار في ذكر المثال في الاقتصار على البعض، وذكر البعض في بعضها،
~~والبعض الآخر في آخر.
# وأغرب صاحب المدارك حيث اقتصر على الغلات الأربع والإقط (5)، مع أنا
# PageV04P257
# لم نجد من يوافقه، واستدل بصحيحة صفوان الجمال، قال: سألت أبا عبد الله
~~عليه السلام عن الفطرة فقال: " على الصغير والكبير والحر والعبد، عن كل
~~انسان منهم صاع من حنطة، أو صاع من تمر، أو صاع من زبيب " (1).
# وصحيحة سعد بن سعد الأشعري، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الفطرة
~~كم يدفع عن كل رأس من الحنطة والشعير والتمر والزبيب؟ قال: " صاع بصاع
~~النبي صلى الله عليه وآله " (2).
# وبصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (3) وذلك لما هو عليه من عدم الاعتماد،
~~إلا على ما يعتمد عليه من الأخبار الصحيحة.
# وأنت خبير بأن سؤال الراوي غير مخصص، وصحيحة معاوية تدل على ms1086 أن اعتبار
~~الإقط لأجل تقوت أرباب المواشي به، وصحيحة صفوان منزلة على بيان المقدار لا
~~الأجناس، كما تشهد به ملاحظة سائر الأخبار واختلافها في ذكر الأجناس نوعا
~~وعددا.
# تنبيهان:
# الأول: في إجزاء الدقيق والسويق عن الحنطة والشعير على الأصل، قولان،
~~ناظران إلى عدم صدق الحنطة والشعير عليهما.
# وإلى رواية حماد وبريد ومحمد بن مسلم، عن الصادقين عليهما السلام، قالوا:
~~سألناهما عليهما السلام عن زكاة الفطرة، قالا: " صاع من تمر أو زبيب أو
~~شعير، أو نصف ذلك كله حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلت " (4) الحديث،
~~وأنه حب تفتت.
# والتحقيق أن يقال: إن كان ذلك قوتهم، كما لو كان بلد لا يجلب إليهم إلا
~~الطحين أو
# PageV04P258
# السويق، فلا إشكال في اخراجهما على الأصل، وإلا فلا يبعد أيضا الجواز;
~~حملا للأخبار الناصة على الحبوب على الغالب، سيما مع التأييد بالأصل ونفي
~~الحرج والإعسار.
# والرواية أيضا مؤيدة، فلا يضر ضعفها ولا اشتمالها على تنصيف الحنطة، فإن
~~خروج بعض أجزاء الرواية مورد التقية أو غيره من المخالفات لا يضر بالباقي.
# وفي الخبز أيضا قولان، والأحوط الاقتصار على الحب، والإخراج على القيمة
~~لا على الأصل.
# الثاني: لا يجزي اخراج صاع مركب من جنسين أو أزيد على ما صرح به جماعة
~~(1)، وذهب في المختلف إلى الاجزاء (2)، وهو ضعيف مخالف لظاهر النصوص.
# وذكر الشهيدان في مسألة العبد المشترك بين جماعة: أنه لو أخرج كل واحد من
~~جنس يجزي وإن اتفقت أقواتهم (3).
# وقد مر الإشكال في لزوم الفطرة عن الأقل من رأس، فهذا إشكال على إشكال.
# وأما لو أعطى المعيل عن كل واحد من عياله من جنس على حدة فلا إشكال في
~~الاجزاء; لصدق الأخبار، وظهور الاجماع من المنتهى (4).
# الثاني: الأفضل اخراج التمر عند جماعة (5)، وثم الزبيب، وثم ما يغلب على
~~قوته عند آخرين (6)، وهما معا عند بعضهم (7)، والأرفع قيمة عند بعضهم (8)،
~~وعن
# PageV04P259
# الشيخ في الخلاف المستحب ما يغلب على قوت البلد (1)، واختاره في المعتبر
~~(2).
# حجة الأول: أخبار كثيرة معتبرة لا نطيل بذكرها، منها صحيحة هشام ms1087 بن
~~الحكم، عن الصادق عليه السلام، قال: " التمر في الفطرة أفضل من غيره; لأنه
~~أسرع منفعة، وذلك لأنه إذا وقع في يد صاحبه أكل منه " (3).
# وهو يدل على مساواة الزبيب له، لكن ههنا أخبار كثيرة مصرحة بأن التمر
~~أفضل بل وأحب، إما بالإطلاق، أو مع ذكر الزبيب في جملة الأجناس، ثم إطلاق
~~أن التمر أحب.
# وفي رواية زيد الشحام، عن الصادق عليه السلام: " لأن أعطي صاعا من تمر
~~أحب إلي من أن أعطي صاعا من ذهب في الفطرة " (4).
# واحتج الشيخ بما رواه إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: اختلفت الروايات في
~~الفطرة، فكتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام أسأله عن ذلك، فكتب:
~~" إن الفطرة صاع من قوت بلدك، على أهل مكة واليمن والطائف وأطراف الشام
~~واليمامة والبحرين والعراقين وفارس والأهواز وكرمان تمر.
# وعلى أهل أوساط الشام زبيب.
# وعلى أهل الجزيرة والموصل والجبال كلها بر أو شعير.
# وعلى أهل طبرستان الأرز.
# وعلى أهل خراسان البر، إلا أهل مرو والري فعليهم الزبيب.
# وعلى أهل مصر البر، ومن سوى ذلك فعليهم ما غلبت قوتهم.
# ومن سكن البوادي من الأعراب فعليهم الإقط.
# والفطرة عليك وعلى الناس كلهم ومن يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير،
# PageV04P260
# حر أو عبد، فطيم أو رضيع، يدفعه وزنا ستة أرطال من رطل المدينة، والرطل
~~مائة وخمسة وتسعون درهما، تكون الفطرة ألفا ومائة وسبعين درهما " (1).
# ولما كان ظاهر هذه الرواية تعيين الأجناس المذكورة لأهل كل قطر، وهو خلاف
~~الاجماع ظاهرا، فحملها على الاستحباب.
# أقول: ومن البعيد غاية البعد أفضلية الذرة من التمر، أو غير ذلك مما
~~تضمنته الرواية، بل المراد - والله يعلم - إما بيان عدم وجوب تحصيل الأرفع
~~قيمة، وإجزاء ما كان قوتا لهم، أو استحباب عدم العدول إلى الأدون مع كون
~~القوت هو الأعلى، أو هو لبيان نفس القوت الغالب بعنوان التمثيل، وإن لم
~~تحصل الإحاطة عليه بالخصوص في جميع الأفراد.
# وقد يتوهم أن من المشاهد عدم اعتياد قوت بعض البلاد فيما ذكر في الرواية
~~وإن وجد ms1088 فيه.
# وفيه: أن المعتبر زمان صدور الرواية، فلعله في ذلك الوقت لم يكن في أوساط
~~الشام مثلا إلا الزبيب، أو كان قوتهم الغالب مركبا منه ومن غيره، فيصدق
~~عليه أيضا أنه الغالب بالنسبة إلى الغير، وهكذا.
# الثالث: لا يتعين إعطاء العين، بل يجوز اخراج القيمة أيضا بلا خلاف ظاهر،
~~وادعى عليه الاجماع غير واحد (2)، والظاهر عدم الفرق بين الواجد والفاقد
~~كما نص عليه غير واحد (3).
# ويدل على المسألة - بعد الاجماع - أخبار كثيرة، مثل موثقة إسحاق بن عمار،
~~عن الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس بالقيمة في الفطرة " (4).
# PageV04P261
# وموثقته الأخرى قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، ما تقول
~~في الفطرة، يجوز أن أؤديها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سميتها؟ قال: " نعم،
~~إن ذلك أنفع له، يشتري ما يريد " (1).
# وإطلاق الأول وتعليل الثاني يقتضي جواز أداء القيمة من النقدين وغيرهما
~~من الأمتعة والحبوب.
# ولا ينافي ذلك الأخبار الكثيرة الصحيحة وغير الصحيحة التي ذكر فيها
~~الدرهم والفضة، مثل صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (2)، وصحيحة أيوب بن نوح
~~(3) وغيرها، فإن الدرهم إما في سؤال السائل، أو مذكور بعنوان المثال، أو
~~محمول على الغالب، فتوهم الاقتصار على الدراهم - مع أنا لم نقف على مصرح به
~~من الأصحاب - ضعيف.
# نعم يمكن الإشكال بأن القيمة تنصرف إلى النقدين كما يظهر من المحقق
~~الأردبيلي رحمه الله (4).
# ويدفعه: أن الأخبار مع كثرتها قد اقتصر فيها على ذكر الدرهم أو الفضة، مع
~~أن الفلوس أيضا مما تصدق عليها القيمة غالبا، ولكن الظاهر أنه لا خلاف
~~بينهم في كفاية النقدين.
# وكيف كان فالأظهر التعميم في القيمة كما هو ظاهر الأكثر.
# ثم إن قلنا بتعميم القيمة فهل يجزي نصف صاع من أحد الأجناس قيمة عن صاع
~~أدون منه؟ فيه قولان، اختار الجواز في المختلف (5)، والتذكرة (6)، وأنكره
~~الشهيد في
# PageV04P262
# البيان (1)، وتبعه في المدارك (2)، والأحوط الثاني.
# والمشهور أنه لا تحديد في القيمة، بل يرجع إلى قيمة السوق، ونقل المحقق
~~قولا بتقديره بدرهم، وآخر بتقديره بأربعة دوانيق (3)، وذكر جماعة أن
~~القولين ms1089 مجهولا القائل (4).
# ولعل مستندهما هو ما رواه المفيد في المقنعة مرسلا، قال: وسئل - يعني
~~الصادق عليه السلام - عن مقدار القيمة، فقال: " درهم في الغلاء والرخص "
~~وروي: أن أقل القيمة في الرخص ثلثا درهم، ثم قال: وذلك متعلق بقيمة الصاع
~~في وقت المسألة عنه، والأصل اخراج القيمة عنهما بسعر الوقت الذي تجب فيه
~~(5).
# وكيف كان، فالمتعين هو الرجوع إلى القيمة السوقية; لإطلاق الأخبار
~~الكثيرة (6)، والعمل المقارب للإجماع، بل قال في المختلف: لا خلاف في جواز
~~اخراج القيمة بسعر الوقت (7).
# الرابع: مقدار الفطرة صاع من جميع الأقوات; للأخبار الصحيحة المستفيضة
~~جدا وغيرها (8).
# وما ورد في بعض الأخبار الصحيحة وغيرها من إجزاء نصف صاع من حنطة (9)
~~محمول على التقية كما ذكره الشيخ (10) وغيره (11)، وقال: إنها من بدع عثمان
# PageV04P263
# ومعاوية، فتابعهم الناس، وخرجت تلك الأخبار وفاقا لهم، وصرح بذلك في
~~طائفة من الأخبار.
# وربما تحمل على التقية كما يظهر من التذكرة (1).
# وقد مضى في باب الزكاة مقدار الصاع، وأنه أربعة أمداد وتسعة أرطال
~~بالعراقي، وستة بالمدني.
# واختلفوا في خصوص اللبن، فالمشهور فيه أيضا أنه صاع، تسعة أرطال
~~بالعراقي، وقال الشيخ في النهاية: إنه أربعة أرطال (2)، وفي المبسوط قيدها
~~بالمدني (3)، وكذلك في كتابي الأخبار (4)، وضم إليه الإقط أيضا، وتبع الشيخ
~~أيضا غيره في التفسير بالمدني.
# والأقوى الأول; للعمومات، والخصوصات الكثيرة.
# ويدل على الثاني رواية القاسم بن الحسن رفعها، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال: سئل عن رجل في البادية لا يمكنه الفطرة، قال: " يتصدق بأربعة
~~أرطال من لبن " (5).
# واحتجوا على تفسيره بالمدني بصحيحة محمد بن الريان، قال: كتبت إلى الرجل
~~أسأله عن الفطرة وزكاتها كم تؤدى؟ فكتب: " أربعة أرطال بالمدني " (6).
# والرواية الأولى ضعيفة، وظاهر الثانية متروك، وحملها الشيخ على تصحيف
~~الأمداد بالأرطال، أو على تخصيصها باللبن والإقط للخبر السابق (7).
# ثم قد مر الكلام في جواز اخراج صاع من جنسين، والأظهر عدم الاجزاء إلا
~~على
# PageV04P264
# وجه القيمة لو جوزناه; لظاهر الأخبار، بل بعضها كالصريح (1).
# وأجازه العلامة (2) على الأصل; لوجوه اعتبارية لا تعارض بها ظواهر
~~الأخبار. ms1090
# PageV04P265
# المقصد الرابع في وقت الإخراج وكيفيته وفيه مباحث:
# الأول: الأقرب أنه تجب الفطرة بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان،
~~وفاقا للشيخ في الجمل والاقتصاد (1)، بل جميع كتبه على ما يظهر من المختلف
~~(2)، وابن حمزة (3)، وابن إدريس (4)، وأكثر المتأخرين; لصحيحة معاوية بن
~~عمار، قال:
# سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال:
~~" لا، قد خرج الشهر "، وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: "
~~لا " (5).
# ورواه الصدوق بسنده، عن علي بن حمزة، عن معاوية بن عمار بأدنى تفاوت،
~~وزاد في آخره: " وليس الفطرة إلا على من أدرك الشهر " (6)، فإن مفهومها
~~وجوب الفطرة عليهم وعنهم بمحض انتقالهم متلبسا بالولادة والإسلام من الشهر،
~~ولا ينتظر بهم
# PageV04P266
# طلوع الفجر.
# ويؤيده كونها متممة للصوم، ومشبهة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله
~~في التشهد، وكونها مضافة إلى الإفطار; إذ هو الإفطار، وهو الذي لا يتعقبه
~~صوم، وهذه تقتضي الاتصال بالصوم.
# وعن ابن الجنيد (1) والمفيد في المقنعة (2) والرسالة العزية (3) والسيد
~~(4) وأبي الصلاح (5) وسور (6) وابن البراج (7) وابن زهرة (8)، أنها تجب
~~بطلوع الفجر من يوم الفطر.
# واختاره في المدارك (9); تمسكا بأن الوجوب في هذا الوقت متحقق، وقبله
~~مشكوك فيه، فيقتصر على المتيقن.
# وبصحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة
~~متى هي؟
# فقال: " قبل الصلاة يوم الفطر " قلت: فإن بقي منه شئ بعد الصلاة؟ قال: "
~~لا بأس، نحن نعطي عيالنا منه، ثم يبقى فنقسمه " (10).
# ورواية إبراهيم بن ميمون قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " الفطرة إن
~~أعطيت قبل أن تخرج إلى العيد فهي فطرة، وإن كانت بعد ما تخرج إلى العيد فهي
~~صدقة " (11).
# أقول: الذي هو متحقق هو القدر المشترك من بقاء الوجوب وتعلق الوجوب،
# PageV04P267
# لأنفس التعلق، إلا أن يكون مراده استصحاب عدم الوجوب، فنقول: إنه مدفوع;
~~لظاهر الرواية المتقدمة.
# وأما صحيحة العيص فالظاهر منها بيان زمان الدفع; لا تعلق الوجوب.
# وبعبارة أخرى: بيان آخر الوقت، لا أوله، أو بيان الأفضل; لعدم منافاته ms1091
~~لتوسعة وقته من أول الليل; إذ كثيرا ما يستحب تأخير الموسع عن وقت الفضيلة،
~~فضلا عن غيره، كما قدمناه في أوقات الصلاة، هذا مع أن الرواية معللة.
# وربما يوجه: بأن المراد من العيال من ضمه عليه السلام إلى عياله من
~~الفقراء، وربما يوجه بإرادة صورة العزل.
# وأما الرواية الأخرى فضعيفة، ولا دلالة فيها على المطلوب، إذ المراد منها
~~وأمثالها عدم جواز التأخير عن الصلاة، أو عن الزوال، لا أن أول وقت الوجوب
~~ما قبل الصلاة في نهار الفطر.
# وبملاحظة هذه الرواية ونظائرها يظهر ضعف دلالة الصحيحة أيضا.
# ثم إن المشهور عدم جواز تقديمها على وقت الوجوب; للأصل والأخبار الصحيحة
~~المتقدمة في الزكاة المالية المتضمنة، لعدم جواز تقديم الفرض على وقته.
# وذهب جماعة من الأصحاب إلى جوازه (1); لصحيحة الفضلاء عن الصادقين عليهما
~~السلام، أنهما قالا: " على الرجل أن يعطي عن كل من يعول من حر وعبد وصغير
~~وكبير ، يعطي يوم الفطر; فهو أفضل، وهو في سعة أن يعطيها من أول يوم يدخل
~~من شهر رمضان " (2) الحديث.
# وموثقة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تعجيل
~~الفطرة بيوم، فقال: " لا بأس به " (3) الحديث.
# PageV04P268
# وهما محمولتان على القرض، إذ لا ريب في استحباب القرض; والاحتساب به حين
~~دخول لوقت مع بقاء المستحق على صفة الاستحقاق; للأخبار المتقدمة في الزكاة.
# مع أن الصحيحة مشتملة على ما لا يقول به الأصحاب من كفاية نصف صاع من بر،
~~وما لا يقول به مسلم من كفاية نصف صاع من شعير.
# وكيف كان، فلو أعطاها بقصد الفطرة أيضا فهو مراعى ببقائه على صفة
~~الاستحقاق كما مر في المالية.
# الثاني: اختلفوا في نهاية وقتها، فالأكثر على أنه صلاة العيد، بل ظاهر
~~العلامة في التذكرة (1)، وصريحه في المنتهى (2) الاجماع على أنه يأثم
~~بالتأخير عنها.
# وذهب ابن الجنيد إلى أنه زوال الشمس (3)، واختاره في المختلف، وقال: لو
~~أخرها عن الزوال لغير عذر أثم بالإجماع (4).
# وذهب في المنتهى - بعد ما ادعى الاجماع المذكور بقليل - إلى جواز التأخير
~~عن ms1092 الصلاة، وحرمته عن يوم العيد (5).
# لنا: رواية إبراهيم بن ميمون المتقدمة (6)، ويؤدي مؤداها ما رواه في
~~الإقبال (7)، وبمضمونها روى العامة أيضا عنه صلى الله عليه وآله (8).
# PageV04P269
# وموثقة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة،
~~قال: " إذا عزلتها فلا يضرك متى ما أعطيتها; قبل الصلاة، أو بعد الصلاة "
~~(1).
# ورواية سليمان بن جعفر المروزي، قال: سمعته يقول: " إن لم تجد من تضع
~~الفطرة فيه، فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة " (2) الحديث.
# ورواية أبي بكر الحضرمي، عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى: * (قد
~~أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) * قال: " تروح إلى جبانة فتصلي " (3).
# وفي الفقيه مرسلا، إلا أنه قال: " قد أفلح من أخرج الفطرة " وذكر بقية
~~الحديث (4)، وصحيحة عبد الله بن سنان الآتية (5).
# وحجة القول الثاني: أن وجوبها قبل الصلاة يقتضي امتدادها بامتداد وقتها
~~وهو الزوال، ولا يخفى ضعفه.
# وحجة المنتهى: صحيحة العيص المتقدمة (6).
# ويدفعها: أن الظاهر منها صورة العزل.
# وصحيحة الفضلاء المتقدمة (7).
# ويدفعها - مضافا إلى ما مر من اشتمالها على مخالفة الاجماع - أن الظاهر
~~منها بيان أفضلية يوم الفطر من التقديم، فلا التفات فيها إلى إطلاق اليوم
~~وتقييده، مع أن المروي في الاستبصار هو يوم الفطر قبل الصلاة (8)، ونقلها
~~في المسالك أيضا كذلك (9)، فالرواية
# PageV04P270
# مضطربة، والأرجح أن السهو حصل في التهذيب بالسقط.
# وكيف كان; فلا ريب أن اخراجها في النهار قريبا من الصلاة أفضل; لظاهر
~~اتفاقهم، وخصوص صحيحة الفضلاء المتقدمة، وصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق
~~عليه السلام، قال فيها: " وإعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل، وبعد الصلاة صدقة
~~" (1).
# ثم إن مقتضى رواية إبراهيم بن ميمون وما في معناها سقوط الفطرة بخروج وقت
~~الفطرة أداءا وقضاءا، سيما والقضاء إنما يثبت بفرض جديد على الأصح، وهو
~~مذهب جماعة من الأصحاب، منهم ابن زهرة مدعيا عليه الاجماع (2).
# وذهب جماعة منهم إلى كونه قضاءا بعد خروج وقتها ووجوبها عليه بعده (3);
~~لعدم الخروج عن عهدة التكليف، وخروج الوقت لا يسقط الحق، كالدين والزكاة
~~وغيرهما.
# ولصحيحة زرارة عن الصادق عليه ms1093 السلام: في رجل أخرج فطرته فعزلها حتى يجد
~~لها أهلا، فقال: " إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ، وإلا فهو ضامن لها حتى
~~يؤديها إلى أربابها " (4).
# بتقريب أن المراد: إذا أخرج الزكاة عن ضمانه، وإن يعزلها فهو ضامن لها
~~حتى يؤديها، وإن خرج وقتها.
# والكل ضعيف; لأن عدم الخروج عن عهدة التكليف، وإن كان بسبب التقصير، لا
~~يوجب القضاء في الموقت لما قلنا، وذلك ليس من باب الدين ونظائره; لأنها غير
~~موقتة.
# والصحيحة متشابهة الدلالة، والأظهر من سياقها أن بعد العزل إن أخرجها فقد
~~برئ،
# PageV04P271
# وإن لم يخرجها فهو ضامن حتى يؤديها، لا أنه ضامن ولو تلفت من دون تقصير،
~~لأنها حينئذ أمانة في يده.
# وهناك قول آخر لابن إدريس، وهو كونها أداءا أبدا (1)، وهو ناظر إلى أن
~~وجوبها كوجوب صلاة الزلزلة لا حد لآخر وقتها، ويظهر ضعفه مما مر.
# والأحوط أنه إذا صلى صلاة العيد ولم يعطها أخرجها تقربا إلى الله إلى
~~الفقير، وقصد أنه إن كان فطرة أداءا فأداء، أو قضاءا فقضاء، وإن لم يكن
~~شيئا منهما فصدقة مستحبة.
# الثالث: ظاهر كلماتهم ومقتضى ما قدمناه في الزكاة جواز العزل مع وجود
~~المستحق وعدمه، وتدل عليه موثقة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد
~~الله عليه السلام:
# " في الفطرة إذا عزلتها وأنت تطلب بها الموضع، أو تنتظر رجلا فلا بأس به
~~" (2).
# وهل يجب العزل مع عدم وجود المستحق، أو عدم التمكن منه؟ ظاهر المعتبر
~~الاجماع على عدم الوجوب، فإنه قال فيه: فإن أخرها عن صلاة العيد أثم.
# ثم قال: ولا يأثم لو أخر لعذر أو عدم المستحق إجماعا، فإن كان عزلها
~~أخرجها مع الإمكان، وإن لم يكن عزلها، قال الشيخان: يكون قضاءا (3)، إلى
~~آخر ما ذكره.
# فعلى هذا تحمل خصوص رواية سليمان بن جعفر المروزي المتقدمة على
~~الاستحباب، ولا ريب فيه.
# وبعد العزل يجب اخراجها أداءا وإن تأخر الإخراج بكثير، وتدل عليه موثقة
~~إسحاق بن عمار، وصحيحة زرارة المتقدمتان.
# وتوهم أن توقيت الفطرة ينافي ذلك، يندفع بأن هذه ms1094 الأخبار توقيت آخر لصورة
# PageV04P272
# العزل، والأمر فيه سهل.
# ثم إذا عزلها فالظاهر عدم وجوب فورية الأداء، كما هو ظاهر الأخبار (1)،
~~لكن لا يؤخرها على وجه التهاون والتكاسل.
# ثم إن تلفت قبل الإيصال، فإن كان التأخير مع إمكان الدفع فيضمن، وإلا
~~فلا.
# ويشكل فيما لو كان التأخير من جهة طلب الأفضل أو التعميم، ومقتضى كلام
~~المعتبر عدم الضمان حيث قال: ثم إن وجد مستحقا ولم يدفعها مع زوال العذر
~~ضمن; لتفريطه في التسليم، ومع العذر لا يضمن لو تلفت; خلافا لأحمد (2).
# إلا أن يقال: مراده بالعذر عدم التمكن لا مطلق العذر.
# وكلام التذكرة يشمل ما ذكرنا حيث قال: فإن عزلها ولم يخرجها مع القدرة
~~ضمن، وإن لم يتمكن; فلا ضمان، وقال أحمد: يضمنها مطلقا (3)، ومثله عبارة
~~الشرائع (4)، وهو مقتضى كلماتهم في الزكاة المالية.
# وقال في المدارك: الوجه في ذلك أن الزكاة بعد العزل تصير أمانة في يد
~~المالك، فلا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط المتحقق بتأخير الدفع إلى
~~المستحق مع القدرة عليه; لأن المستحق مطالب بشاهد الحال، فيجب التعجيل مع
~~التمكن منه (5).
# وفيه: أن ذلك إنما يتم على القول بوجوب الفور وعدم جواز التأخير لطلب
~~الأفضل ونحوه، وهو مع أنه خلاف مختاره في المالية غير واضح الدليل.
# ثم إن المراد بالعزل تعيينها في مال خاص بقدرها في وقتها بالنية كما مر.
# قال في المسالك: وفي تحقق العزل مع زيادته عنها احتمال، ويضعف بتحقق
~~الشركة، وأن ذلك يوجب جواز عزلها في جميع ماله، وهو غير المعروف من العزل،
# PageV04P273
# ولو عزل أقل منها اختص الحكم به (1)، انتهى. وهو جيد.
# والكلام في عدم جواز النقل إلى بلد آخر مع وجود المستحق وجوازه بدونه
~~والضمان وعدمه كما مر في المالية.
# وقد أشرنا سابقا إلى أن الأفضل صرف الفطرة في بلد المالك، ولو عينها في
~~غير بلده فيجوز، ولا يجوز نقلها منه إلى بلده مع وجود المستحق، ويضمن
~~تلفها، وتدل على منع النقل رواية فضيل (2) وصحيحة علي بن بلال (3).
# الرابع: تعتبر فيها النية كالمالية; لعين ما ms1095 ذكرنا في المالية.
# والكلام في جواز اخراجها بنفسه وبوكيله والمباشر للنية، مثل ما مر.
# ويدل على جواز التوكيل مضافا إلى الاجماع ظاهرا موثقة معتب (4).
# وكذلك الكلام في أن الأفضل نقلها إلى الإمام أو نائبه الخاص، ومع تعذرهما
~~فإلى فقهاء الشيعة; لأنهم أبصر بمواقعها كما مر، وتدل عليه رواية الفضيل
~~أيضا (5).
# وقال في المنتهى: يجوز للمالك تفريقها بنفسه بغير خلاف بين العلماء كافة
~~(6).
# PageV04P274
# المقصد الخامس في مستحق الفطرة وفيه مباحث:
# الأول: المشهور أن مستحق الفطرة هو مستحق الزكاة، بل الظاهر عدم الخلاف;
~~لقوله تعالى: * (إنما الصدقات) * (1) إلى آخره.
# وما يوجد في كلمات بعض فقهائنا من ترك العاملين والمؤلفة، فلعله مبني على
~~سقوط حقهما في أمثال زماننا، كما هو أحد القولين في الزكاة، وقد تقدم
~~الكلام فيه.
# نعم اختلفوا في اشتراط الإيمان، وقد مر أن الأقوى فيه أيضا الاشتراط.
# وأما الروايات الكثيرة الدالة على أن محلها الفقراء والمساكين ومن لا يجد
~~شيئا فهي لا تنفي استحقاق سائر الأصناف، ولا اشتراط سائر الشرائط كما لا
~~يخفى على من تأملها.
# ويعطى أطفال المؤمنين، وإن كان آباؤهم فساقا.
# الثاني: المشهور عدم جواز إعطاء الفقير أقل من صاع، بل ادعى السيد عليه
~~الاجماع
# PageV04P275
# في الانتصار (1).
# وقال في المختلف: لم أجد لأحد من علمائنا السابقين قولا بخلاف ذلك سوى
~~قول شاذ للشيخ في التهذيب أن ذلك على سبيل الاستحباب، حيث تأول حديث إسحاق
~~ابن المبارك فقال: المعنى أنه إذا كان هناك جماعة محتاجون كان التفريق
~~عليهم أفضل من إعطائه واحدا، فأما إذا لم يكن هناك ضرورة فالأفضل إعطاء رأس
~~لرأس (2).
# والمعتمد الأول.
# لنا: أنه قول فقهائنا، ولم نقف لهم على مخالف، فوجب المصير إليه، وما
~~رواه أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا
~~تعط أحدا أقل من رأس " (3).
# لا يقال: هذا الحديث مرسل فلا يعمل عليه.
# لأنا نقول: الحجة في قول الفقهاء، فإنه يجري مجرى الاجماع، وإذا تلقت
~~الأمة الخبر بالقبول لم يحتج إلى سند (4)، انتهى.
# أقول: قال الصدوق أيضا: ms1096 وفي خبر آخر: " ولا يجوز أن يدفع ما يلزم واحد
~~إلى نفسين " (5) وحمل المرسلة في المعتبر أيضا على الاستحباب لأجل الإرسال
~~(6)، وتبعه بعض المتأخرين أيضا (7).
# والأقوى المشهور; لما ذكرناه من الاجماع المنقول والرواية المنجبرة
~~بالعمل.
# وأما التقييد بما لو لم يجتمع جماعة لا تسع لهم كما ذكروه فلا بأس به;
~~لعدم اتفاق عملهم في هذه المادة، بل المشهور التقييد.
# PageV04P276
# ويؤيده أنه تعميم للنفع، وتخلص عن إيذاء المؤمن ومواساته بينهم.
# وأما رواية إسحاق بن المبارك عن أبي إبراهيم عليه السلام: حيث سأله عن
~~صدقة الفطرة نعطيها رجلا واحدا أو اثنين، فقال: " تفرقها أحب إلي " (1)
~~الحديث، فليست بظاهرة في ذلك.
# وأما جواز إعطاء الواحد أزيد من رأس فلا خلاف فيه، وتدل عليه أخبار كثيرة
~~(2)، بل يجوز إعطاء الواحد ما يغنيه ما لم تصل إليه كفاية سنته كما مر في
~~الزكاة.
# ولا يتفاوت الحال بين إعطائه دفعة أو دفعات ما لم يصل إلى الحد المذكور،
~~ولا بين أن يكون المعطي واحدا أو أكثر.
# الثالث: يستحب تخصيص الأقارب بها، ثم الجيران مع الاستحقاق; لما رواه في
~~الفقيه، عن علي عليه السلام، قال: " لا صدقة وذو رحم محتاج " (3).
# وما رواه في المقنعة عن قوله صلى الله عليه وآله حيث سئل أي الصدقة أفضل؟
~~فقال: " على ذي الرحم الكاشح " (4).
# وفي موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: " هم - يعني
~~القرابة - أفضل من غيرهم " (5) ولكن الرواية ظاهرة في زكاة المال.
# وروى الصدوق في الصحيح عن إسحاق بن عمار أنه سأل أبا الحسن عليه السلام
~~عن الفطرة، فقال: " الجيران أحق بها، ولا بأس أن يعطي قيمة ذلك فضة " (6).
# PageV04P277
# ويستحب تقديم أهل الفضل في الدين والعلم; لقوية عبد الله بن عجلان
~~السكوني قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام: إني ربما قسمت الشئ بين أصحابي
~~أصلهم به، فكيف أعطيهم؟ قال: " أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والعقل "
~~(1).
# ولم أقف في الروايات على ما يدل على الترتيب في الفضل، ولكن قوة دلالة
~~الأدلة وضعفها يقتضي الترتيب بتقديم الرحم، ms1097 ثم الجيران، ثم الأفضل والأحوج،
~~وقد يتجامع فيلاحظ المجموع، فذو الرحم الأفضل مقدم على غيره وهكذا.
# PageV04P278
# كتاب الخمس وهو حق مالي ثبت لبني هاشم بالأصالة عوض الزكاة، ويدل على
~~ثبوته الاجماع والكتاب (1) والسنة (2).
# وفيه مباحث:
# PageV04P279
# المبحث الأول فيما يجب فيه وفيه مطالب:
# الأول: المشهور الأقوى أنه سبعة كما يستفاد من الأدلة الآتية.
# وهي: غنائم دار الحرب، وأرباح التجارات والزراعات والصناعات والاكتسابات،
~~والمعادن، والكنوز، وما يخرج بالغوص، والحلال المختلط بالحرام مع جهل القدر
~~والمالك، وأرض اشتراها الذمي من مسلم.
# وزاد الشيخ: العسل الجبلي والمن (1)، وأبو الصلاح الميراث والهبة والصدقة
~~(2).
# وسيجئ الإشكال والكلام فيهما، وفي أن المراد بالإثبات والنفي في هذه
~~المذكورات هل هو الخصوصية أو الماهية، فلعل من ينفيه في العسل والمن ينفيه
~~من حيث الخصوص، وإن أثبته فيه من حيث الاكتساب، أو لعل من ينفي في الأخير
~~يمنعه من جهة عدم الإدراج في المنافع والأرباح، ومن يثبته فيها يدرجه فيها
~~أو يدعي الثبوت بالخصوص.
# PageV04P281
# وإطلاق الآية (1) وإن اشتمل على أزيد من ذلك إن جعلنا الغنيمة مطلق
~~الفائدة، ولكن الظاهر أنه لم يذهب إليه أحد من علمائنا.
# بل ربما يدعى ظهورها في غنائم دار الحرب بملاحظة تفسير المفسرين (2)،
~~وبقرينة نقل الحرب فيما قبل الآية، وفيما بعدها وفيها (3).
# فإن المراد بيوم الفرقان يوم التقى الجمعان واقعة بدر، حيث حصل الفرق بين
~~الحق والباطل، والتقى المسلمون والكفار.
# مؤيدا بملاحظة سائر النظائر، فإن ذكر العام وإرادة بعض أفراده، والمطلق
~~وإرادة بعض المقيدات كثير جدا.
# فالأصل وعدم وجود القائل من الأصحاب وتفسير المفسرين يرجح تخصيصها بغنائم
~~دار الحرب، ولكن ظاهر الأصحاب كالأخبار التعميم، فلاحظ الأخبار (4)
~~وكلماتهم، وسيجئ كثير منها.
# وأما صحيحة عبد الله بن سنان فلا بد من تأويلها، قال: سمعت أبا عبد الله
~~عليه السلام يقول: " ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة " (5).
# وأولها الشيخ: بأن الخمس بظاهر القرآن ليس إلا في الغنائم، وفي غيرها
~~إنما ثبت بالسنة. أو أن المراد من الغنائم كل ما وجب فيها الخمس (6).
# ويمكن إرادة الحصر الإضافي بالنسبة إلى ما ms1098 يسرق من الكفار أو يأخذ على
~~وجه
# PageV04P282
# الغيلة كما سيجئ، بأن يراد من الغنائم هو ما يؤخذ قهرا بالسيف بإذن
~~الإمام.
# الثاني: يجب الخمس في غنائم دار الحرب مما حواه العسكر وما لم يحوه،
~~منقولا كان أو غير منقول، مما يصح تملكه للمسلمين، مما كان مباحا في
~~أيديهم، لا مغصوبا.
# قال في المنتهى: وهذه الغنائم لم تكن محلة لأحد من الأنبياء، وإنما حلت
~~لرسول الله صلى الله عليه وآله; لقوله صلى الله عليه وآله: " أعطيت خمسا لم
~~يعطهن أحد من قبلي " (1) وذكر فيها " وأحلت لي الغنائم " وكانت في بدو
~~الاسلام لرسول الله صلى الله عليه وآله يصنع بها ما شاء، ثم نسخ ذلك فصار
~~أربعة أخماس للمجاهدين، والخمس الباقي لأصناف المستحقين (2)، انتهى.
# ويدل على الوجوب في هذا الصنف الاجماع والكتاب (3) والسنة (4).
# والإجماع إنما هو فيما أخذه المسلمون بالحرب بإذن الإمام.
# وإن كان بغير إذنه فنقل في المنتهى (5) عن الشيخين (6) والسيد (7)
~~وأتباعهم (8) أنه للإمام، واختاره المحقق في الشرائع (9) والشهيد في الدروس
~~(10)، وربما نقل عن ابن إدريس دعوى الاجماع عليه (11)، ويشعر به كلام ابن
~~فهد أيضا (12).
# PageV04P283
# وقال في المنتهى: وقال الشافعي: حكمها حكم الغنيمة مع إذن الإمام، لكنه
~~مكروه. وقال أبو حنيفة: هي لهم ولا خمس. ولأحمد ثلاثة أقوال، كقولي الشافعي
~~وأبي حنيفة، وثالثها: لا شئ لهم، ثم قوى قول الشافعي (1).
# واستجوده في المدارك (2)، وهو الظاهر من المحقق الأردبيلي رحمه الله (3)،
~~ويظهر من المحقق أيضا ميل إلى ذلك في المعتبر (4)، وتوقف في النافع (5).
# وتدل على قول الأكثر: رواية العباس الوراق، عن رجل سماه، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام، قال: " إذا غزى قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلها
~~للإمام عليه السلام، فإذا غزوا بإذن الإمام عليه السلام فغنموا كان للإمام
~~الخمس " (6).
# قال في المهذب: وعليها عمل الأصحاب (7).
# ودليل الآخر: عموم الآية (8)، وخصوص حسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام: في الرجل يكون من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم، فيصيب غنيمة،
~~فقال:
# " يؤدي خمسا ويطيب له " (9).
# وهذا القول لا ms1099 يخلو من قوة; فإن تخصيص الكتاب بمثل تلك الرواية مشكل.
# وتؤيده الأخبار الواردة في حصر الأنفال (10)، وليس ذلك فيها كما سيجئ،
~~وكذلك ما يدل على جواز تملك ملك من لا حرمة لماله (11).
# PageV04P284
# ولكن القول الأول أقوى; لشهرته بين الأصحاب كما ادعاها جماعة (1)،
~~والإجماع المنقول الذي هو بمنزلة خبر صحيح، فينجبر ضعف الرواية.
# وأما الحسنة; فلا تدل على أن ذلك كان من باب غنائم دار الحرب، فيمكن أن
~~يقال: إنه كان من باب سائر الفوائد والغنائم التي فيها الخمس من المكاسب
~~والحرف، سيما مع أن في بعض النسخ موضع لوائهم " أوانهم " وفي بعضها "
~~ديوانهم ".
# ويمكن أن تخص رواية المشهور بزمان إمكان حصول الإذن كما هو المتبادر من
~~اللفظ، وعلى سبيل الجهاد والدعوة إلى الاسلام، فأما في حال الغيبة أو الغزو
~~لمجرد النهب وجمع المال فيكون من باب سائر الفوائد والأرباح، لا من باب
~~غنائم دار الحرب، ولا من باب الأنفال.
# ويمكن حمل الحسنة على الاستحباب كما في جوائز الظالمين.
# وقد يتوهم أن حسنة معاوية بن وهب تدل على المشهور قال، قلت لأبي عبد الله
~~عليه السلام:
# السرية يبعثها الإمام فيصيبون غنائم، كيف تقسم؟ قال: " إن قاتلوا عليها
~~مع أمير أمره الإمام عليهم أخرج منها الخمس لله وللرسول وقسم بينهم ثلاثة
~~أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام، يجعله
~~حيث أحب " رواها في الكافي في كتاب الجهاد في باب قسمة الغنائم (2).
# وفيه: - مع ما فيه من حكاية التقسيم ومخالفته للإجماع - أن ظاهر الفقرة
~~الثانية حصول الغنيمة بلا مقاتلة، لا بدون إذن الإمام أو الأمير المأذون من
~~قبله، وهو كذلك، ولا إشكال فيه، وتقدير كلمة " مع أمير " هنا خلاف الأصل.
# وكيف كان فالظاهر أن الكلام فيما لو كان الأخذ على سبيل الحرب والغزو
~~باسم الجهاد والدعوة إلى الاسلام.
# وأما مطلق الأخذ قهرا وغلبة ولو على سبيل النهب والغارة فلا يفهم من
~~الرواية،
# PageV04P285
# ولا هو ظاهر كلامهم، فيكون داخلا في مثل السرقة والخدعة.
# وفيما يسرق من أموال أهل الحرب ms1100 أو يؤخذ غيلة قولان، فقال الشهيد في
~~الدروس: إنه لآخذه، ولا يجب فيه الخمس; لأنه لا يسمى غنيمة (1).
# وذهب الشهيد الثاني إلى وجوب الخمس فيه وإن لم يدخل في اسم الغنيمة
~~بالمعنى المشهور حتى يجب تقسيمه على الوجه المذكور في كتاب الجهاد بين
~~الغزاة، بل هو مختص بآخذه (2). وهو أقرب; لاندراجه حينئذ تحت المكاسب
~~والأرباح، ويشمله عموم الآية (3) كما سنحققه.
# ولعل مراد الشهيد أيضا نفي الخمس من حيث كونها غنيمة بالمعنى المشهور، لا
~~مطلقا.
# وتظهر الثمرة في اخراج مؤونة السنة وعدمه.
# وربما يستدل عليه بفحوى صحيحة حفص بن البختري (4) وما في معناها (5)
~~الآمرة بأخذ مال الناصب حيث ما وجد، ودفع الخمس إليهم عليهم السلام.
# وفيه إشكال، مع أن هذه الصحيحة وما في معناها لا قائل من الأصحاب
~~بظاهرها، ومخالفة لقواعدهم.
# وأولها ابن إدريس بالناصب للحرب (6).
# والظاهر أنه لا فرق بين كون الآخذ في بلادهم أو بلاد المسلمين إذا لم يكن
~~في أمان.
# وأما فداء المشركين وما صولحوا عليه فالظاهر دخولهما في الغنيمة ووجوب
~~الخمس، كما صرح به الشهيدان رحمهما الله (7).
# PageV04P286
# ثم إن الخمس في الغنيمة بعد وضع المؤن بعد التحصيل، مثل مؤونة حفظها
~~ونقلها وتحويلها إلى موضع القسمة، ومؤونة البهائم التي من جملتها، والظاهر
~~عدم الخلاف فيه، وهو مقتضى الشركة وتعلق حق أرباب الخمس به حين التحصيل،
~~وكذلك يقدم عليه وضع الجعالة وما في معناها.
# والمشهور أنه لا نصاب فيها; للإطلاق، وعن المفيد في المسائل العزية أنه
~~اعتبر بلوغها عشرين دينارا (1)، ولم نقف على مستنده.
# والأكثر على أن ما حواه العسكر من مال البغاة في حكم غنيمة دار الحرب
~~(2)، مستدلا بسيرة علي عليه السلام مع أصحاب الجمل، حيث قسمها بين
~~المقاتلين ثم ردها على أصحابها (3).
# وذهب آخرون إلى المنع، منهم السيد (4) وابن إدريس (5)، محتجا عليه بسيرة
~~علي عليه السلام مع أصحاب الجمل أيضا، فإنه أمر برد أموالهم، فأخذت حتى
~~القدر كفأها صاحبها لما عرفها ولم يصبر على أربابها، كما في رواية مروان
~~(6).
# ويظهر من السيد في المسائل الناصرية عدم الخلاف ms1101 في المسألة (7)، وادعى
~~ابن إدريس أيضا الاجماع (8)، ومن أدلتهم قوله عليه السلام: " لا يحل مال
~~امرئ مسلم إلا من طيب نفسه " (9).
# وقال في المسالك: الظاهر من الأخبار أن رد الأموال كان بطريق المن،
# PageV04P287
# لا الاستحقاق (1). وما ذكره يجمع بين ما دل على القسمة والرد، وتفصيل هذا
~~المطلب محله كتاب الجهاد.
# الثالث: يجب الخمس في المعادن، وهو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من
~~غيرها مما له قيمة، سواء كان منطبعا بانفراده، كالذهب والفضة والحديد
~~والنحاس والرصاص والصفر، أو مع غيره كالزئبق، أو لا، كالياقوت والفيروز ج
~~والبلور والعقيق والبلخش (2) والسبج (3) والكحل والزرنيخ والزاج والملح
~~والمغرة (4)، أو كان مائعا، كالقير والنفط والكبريت.
# والظاهر أن النباتات خارجة وإن كانت لها قيمة كالعود، ولا يطلق عليها
~~المعدن عرفا أيضا.
# وتوقف جماعة في مثل الجص والنورة وطين الغسل وحجارة الرحى (5)، وجزم
~~الشهيدان (6) وغيرهما بدخولها فيها.
# ولا تخلو المذكورات من الإشكال; للإشكال في صدق التعريف اللغوي; لمنع
~~مغايرة المذكورات للأرض، وعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، واضطراب العرف العام
~~فيها، فالأصل عدم اللحوق فيما شك فيه.
# نعم يمكن الإلحاق من باب الفوائد والغنائم، فإن استخراجها نوع تكسب،
~~وتظهر الفائدة في اعتبار مؤونة السنة وعدمه.
# والدليل في المعادن هو الاجماع، نقله غير واحد من علمائنا (7)، والأخبار
~~المستفيضة
# PageV04P288
# جدا عموما وخصوصا، مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام،
~~قال:
# سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص، فقال: " عليها
~~الخمس جميعا " (1).
# وصحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سأل أبا عبد الله عليه
~~السلام عن الكنز كم فيه؟
# قال: " الخمس " وعن المعادن كم فيها؟ قال: " الخمس " وعن الرصاص والصفر
~~والحديد وما كان من المعادن كم فيها؟ قال: " يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن
~~الذهب والفضة " (2).
# وصحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام، عن الملاحة فقال:
~~" وما الملاحة؟ " فقلت: أرض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحا، فقال:
~~" هذا المعدن فيه الخمس " فقلت له: فالكبريت والنفط يخرج من الأرض، قال، ms1102
~~فقال: " هذا وأشباهه فيه الخمس " (3).
# والدلالة موقوفة على ثبوت الحقيقة الشرعية في الخمس كما هو الظاهر، ولكن
~~في دلالة مثل صحيحة الحلبي خفاء، ولكن لا اشكال في المسألة.
# ولا يعتبر فيه الحول إجماعا منا.
# وفي اعتبار النصاب أقوال ثلاثة، فأكثر القدماء بل وأكثر الأصحاب (4) كما
~~نسب إليهم الشهيد في البيان (5) والدروس (6) على عدمه، وهو مذهب ابن إدريس
~~مدعيا
# PageV04P289
# عليه الاجماع (1).
# وعامة المتأخرين على اعتبار بلوغه عشرين دينارا (2).
# وأبو الصلاح على اعتبار بلوغه دينارا (3).
# للأول: الاجماع المنقول (4)، مع العمومات والإجماعات المطلقة في المعادن.
# وللمتأخرين: صحيحة البزنطي، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عما أخرج
~~المعدن من قليل أو كثير، هل فيه شئ؟ قال: " ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في
~~مثله الزكاة عشرين دينارا " (5).
# ولأبي الصلاح: ما رواه البزنطي في الصحيح، عن محمد بن علي بن أبي عبد
~~الله، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ
~~والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة ما فيه؟ قال: " إذا بلغ ثمنه
~~دينارا ففيه الخمس " (6).
# أقول: إجماع ابن إدريس بمنزلة خبر صحيح (7)، ويزيد عليه إطلاقات سائر
~~الاجماعات (8) مع عمومات الأخبار (9)، وعمل أكثر القدماء (10)، وموافقتها
~~للاحتياط.
# ويحتمل بعيدا حمل الصحيحة على التقية وإرادة الزكاة; لعدم التصريح فيها
~~بذكر الخمس، وكون وجوب الزكاة فيها قولا لبعض العامة.
# وأما رواية أبي الصلاح فمع ضعفها وشذوذها لا يعارض بها ما تقدم.
# هذا كله بالنسبة إلى وصف المعدنية، وأما بالنسبة إلى أنه من المكاسب فلا
~~يعتبر فيه
# PageV04P290
# نصاب بلا شبهة.
# وينبغي التنبيه لأمور:
# الأول: مقتضى الصحيحة المتقدمة اعتبار عشرين دينارا، ولكن الظاهر كفاية
~~مائتي درهم أيضا كما ذكره جماعة منهم الشهيد رحمه الله (1); لأن الظاهر أن
~~في صدر الاسلام كانا متساويين، ونسبه في البيان إلى ظاهر الأصحاب (2).
# وقد تقدمت الإشارة إلى مثل ذلك في أقل ما يعطى فقير من الزكاة وغيره (3)،
~~مع أن الصحيحة مصرحة بما يكون في مثله الزكاة، فذكر عشرين دينارا إنما هو
~~من باب المثال، وهذا واضح خصوصا في معدن ms1103 الفضة.
# وأما سائر المعادن، فالظاهر كفاية كون قيمتها مائتي درهم، كما مر نظيره
~~في أقل ما يعطى الفقير من الغلات والأنعام، وتشير إليه صحيحة الحلبي
~~المتقدمة.
# والظاهر أن ما زاد على النصاب يجب فيه الخمس، قليلا كان أو كثيرا، وليس
~~مثل الزكاة كما صرح به العلامة (4).
# الثاني: الخمس بعد وضع مؤونة الإخراج، وظاهر العلامة عدم الخلاف في
~~المسألة.
# قال في التذكرة (5): يعتبر النصاب، بعد المؤونة; لأنها وصلة إلى تحصيله،
~~وطريق إلى تناوله، فكانت منهما كالشريكين، وقال الشافعي وأحمد: المؤونة على
~~المخرج، إلى آخر ما ذكره (6). ومثله قال في المنتهى (7)، فلعله هو الدليل،
~~والأصل، ونفي
# PageV04P291
# العسر والحرج، وظاهر الآية (1)، فإن الغنيمة هي الفائدة المكتسبة،
~~والفائدة إنما هي بعد وضع المؤونة كما مر في الزكاة (2).
# وتؤيده صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن المعادن ما
~~فيها؟ فقال:
# " كل ما كان ركازا ففيه الخمس " وقال: " ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج
~~الله سبحانه منه من حجارته مصفى الخمس " (3).
# ولأن الخمس متعلق بالعين كالزكاة، فصاحب الخمس شريك، والمؤونة توزع على
~~الشركاء.
# أما أنه متعلق بالعين فلظاهر الأدلة، وكذلك سائر ما فيه الخمس; فإن مقتضى
~~لزوم الخمس في شئ تعلقه بعينه، ولعله لا خلاف فيه أيضا.
# قال في التذكرة (4): الخمس يجب في المخرج من المعدن والباقي يملكه
~~المخرج، إلى أن قال: وقال الشافعي يملك الجميع وتجب عليه الزكاة (5).
# وقال في المنتهى: الواجب خمس المعدن، لا خمس الثمن; لأن الخمس يتعلق بعين
~~المعدن لا بقيمته (6)، انتهى. ومثله قال في التذكرة (7).
# ومقتضى ذلك: عدم التصرف أي بعد اخراج الخمس، ويحتمل القول بجواز الإخراج
~~من غيره، وكذا اخراج القيمة كالزكاة، وتأمل فيه المحقق الأردبيلي رحمه
~~الله; لكونه قياسا (8).
# وأما أن المؤونة توزع على الشركاء فقد مر في كتاب الزكاة (9)، ولكن يشكل
~~ذلك
# PageV04P292
# بأن ذلك إنما يتم في الإخراجات بعد تعلق الخمس، وإنما هو بعد الإخراج،
~~فتبقى الإخراجات السابقة بلا دليل، فعمدة الإشكال على ظاهر الاجماع، وتخرج
~~باقي الأمور مؤيدة للمطلب.
# الثالث: لا اشكال فيما خرج ms1104 من المعدن دفعة، أما لو خرج دفعات فقيل: إذا
~~حصل المجموع قدر النصاب فصاعدا يجب الخمس من الجميع، وإليه ذهب الشهيدان
~~(1) وصاحب المدارك (2); لإطلاق الروايات (3).
# وقال العلامة في المنتهى والتذكرة: يجب أن يتخلل بينها إعراض، ولا بأس
~~بالترك لأجل الاستراحة أو إصلاح الآلة ونحو ذلك، فلو لم يصل كل واحد من
~~الدفعات مع تخلل الإعراض قدر النصاب، فلا شئ عليه وإن زاد المجموع عن
~~النصاب (4).
# ولا يخلو من قوة; فإن مقتضى صحيحة البزنطي (5) سقوط الزكاة عنه حين
~~الإعراض، وفي حال الإعراض، لا بشرط الإعراض، وليس السقوط مشروطا بعدم العود
~~فيستصحب.
# مع أن هذا مقتضى منطوق الرواية، وذلك مقتضى مفهومها، مع أنه معتضد
~~بالأصل، مضافا إلى عدم انصراف الرواية إلا إلى غير صورة الإعراض.
# وكيف كان فالأول أحوط.
# الرابع: قال في التذكرة (6): ويعتبر النصاب في الذهب، وما عداه قيمته،
~~ولو اشتمل على جنسين كذهب وفضة أو غيرهما ضم أحدهما إلى الآخر، خلافا لبعض
# PageV04P293
# الجمهور حيث قال: لا يضم مطلقا (1)، وقال بعضهم: لا يضم في الذهب والفضة
~~ويضم في غيرهما (2). ومثله قال في المنتهى، وظاهره الاجماع (3)، وهو مقتضى
~~الإطلاقات.
# ويشكل الأمر في المركب من الذهب والفضة، فيمكن اعتبار النصابين فيهما،
~~كما أشرنا سابقا إلى تساويهما في صدر الاسلام، فلو فرض كون المخرج عشر
~~دنانير من الذهب ومائة درهم من الفضة، فيجب فيه الخمس ديناران وعشرون
~~درهما، هذا.
# وأما لو اختلفت بقاع المعادن، سواء اتحدت أو اختلفت، فظاهر الشهيد وغيره
~~عدم الفرق، قال في الدروس: ولا فرق بين أن يكون الإخراج دفعة أو دفعات
~~كالكنز، وإن تعددت بقاعها وأنواعها، ولا بين كون المخرج مسلما أو كافرا
~~بإذن الإمام، أو صبيا أو عبدا (4).
# وقال في الروضة (5): وفي اعتبار اتحاد النوع وجهان، أجودهما اعتباره في
~~الكنز والمعدن، دون الغوص، وفاقا للعلامة (6).
# وقال في البيان (7): وفي اشتراط اتحاد المعدن في النوع نظر، فإن قلنا به
~~لم يضم الذهب إلى الحديد والمغرة، وإلا ضم، وهو قوله - رحمه الله - في
~~التحرير (8)، انتهى.
# أقول: قد عرفت أن كلامه في ms1105 التذكرة والمنتهى ظاهر في حال المعدن الواحد
~~المشتمل على الجنسين، لا مطلق المعادن، وضم المعادن المختلفة البقاع مع
~~اختلاف النوع لا يخلو عن إشكال، والمتبادر من الأخبار هو المتفق النوع (9).
# PageV04P294
# نعم لو اشتمل المعدن على جنسين فالظاهر ما ذكره العلامة رحمه الله (1)،
~~ويظهر منه عدم الخلاف فيه إلا عن العامة (2).
# ويظهر من المدارك (3) أنه فهم من كلام المنتهى (4) أنه لم يعتبر الاتحاد
~~مطلقا حتى يدعى أن ظاهر العلامة الاجماع على عدم اعتبار الاتحاد في النوع
~~مطلقا.
# وأنت خبير بأنه ليس كذلك، وقد عرفت الإشكال من الشهيدين (5).
# وصرح في التحرير بعدم انضمام أحد الكنزين إلى الآخر (6)، ولعله لا فرق
~~بينهما.
# الخامس: لو اشترك جماعة في استخراجه (7) اشترط بلوغ نصيب كل واحد النصاب،
~~قال في البيان: وظاهر الرواية قد يفهم منه عدم الاشتراط (8).
# أقول: ويدفعه اعتبار المماثلة مع الزكاة.
# قال: ونعني بالشركة الاجتماع على الحفر والحيازة، فلو اشترك قوم فصدر من
~~بعضهم الحفر، ومن آخرين النقل، ومن قوم السبك، احتمل كونه للحافر، وعليه
~~أجرة الناقل والسابك، واحتمل كونه بينهم أثلاثا، ويرجع كل واحد منهم على
~~الأخرين بثلث أجرة عمله بناءا على أن نية الحافر تؤثر في ملك غيره (9).
# أقول: يعني إن نوى الحافر الشركة بينهم، فالاحتمال الأول مبني على نية
~~الانفراد أو عدم تأثيرها في ملك الغير.
# السادس: قال فيه أيضا: لو استأجر على اخراج المعدن فالخارج للمستأجر، ولو
~~نوى
# PageV04P295
# الأجير التملك لنفسه لم يملك (1). وهو كذلك.
# السابع: قال في التذكرة (2): الذمي يجب عليه الخمس فيه، وبه قال أبو
~~حنيفة (3) - إلى أن قال - وقال الشيخ: يمنع الذمي من العمل في المعدن، وإن
~~أخرج منه شيئا ملكه وأخرج منه الخمس (4)، وأفتى بمنع الذمي عن العمل في
~~البيان أيضا (5)، ونسب التملك والتخميس إذا خالف وفعل إلى الشيخ في الخلاف
~~(6).
# الثامن: المعادن تبع الأرض يملك من يملكها; لأنها من أجزائها، فإن كان في
~~ملكه فهو له يصرف خمسه إلى أربابه والباقي له وإن أخرجه غيره بدون إذنه،
~~ولا شئ للمخرج، ولكن لا تعد هذه مؤونة ms1106 بالنسبة إلى المالك. وإن كان في مباح
~~فهو لواجده ويعطي خمسه.
# التاسع: قال في البيان: لو أخرج خمس تراب المعدن ففي إجزائه عندي نظر، من
~~اختلافه في الجوهر. ولو اتخذ منه دراهم أو دنانير أو حليا، فالظاهر أن
~~الخمس في السبائك لا غير (7).
# أقول: ولو علم التساوي فلا إشكال في الجواز، والمعتبر في الحلي هو نفس
~~الجوهر من حيث المعدنية، ويعتبر الزائد من حيث كونه من فائدة الكسب كما لو
~~أتجر به.
# العاشر: قال في المنتهى: الخمس يجب في نفس المخرج من المعدن، ويملك
~~المخرج الباقي، ثم قال: ويستوي في ذلك الصغير والكبير عملا بالعموم، هذا
~~إذا كان المعدن في موضع مباح، فأما إذا كان في الملك فالخمس لأهله والباقي
~~لمالكه (8).
# PageV04P296
# ومثله قال في التذكرة (1) والتحرير (2)، وبمضمونه ذكر المحقق في المعتبر
~~(3)، وقد عرفت عبارة الدروس (4).
# ويظهر منهم أن تعلق الخمس بما أخرجه الصبي إجماعي، وكذلك العبد.
# نعم الإشكال فيما استخرجه العبد، فإن كان للمولى بإذنه فهو للمولى، وكذا
~~لو استخرجه لنفسه إن قلنا بعدم مالكيته.
# قال في المنتهى (5): أما إذا استخرجه لنفسه بإذن المولى وقلنا إن العبد
~~يملك فالصحيح أنه كذلك; للعموم، خلافا للشافعي (6).
# وفيه تأمل ظاهر، ويمكن أن يكون مراده أن وجوب الخمس متعلق بالمولى; لأنه
~~محجور عليه كالصغير بالنسبة إلى الولي (7).
# الرابع: يجب الخمس في الكنز، وهو المال المدفون تحت الأرض للادخار، لا
~~لمجرد المحافظة عليه في مدة قليلة، سواء كان نقدا أو متاعا، ومع الاشتباه
~~يرجع إلى القرائن كالمحل، والوعاء.
# والدليل عليه الاجماع من العلماء والأخبار المستفيضة (8)، منها: صحيحة
~~الحلبي المتقدمة (9)، وسيجئ بعضها.
# ويعتبر فيه النصاب; لصحيحة البزنطي، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته
~~عما
# PageV04P297
# يجب فيه الخمس من الكنز؟ قال: " ما تجب الزكاة في مثله ففيه الخمس " (1).
# ومقتضى الرواية كفاية بلوغه مائتي درهم أيضا أو قيمة أحدهما في غير الذهب
~~والفضة أيضا.
# وحكم الشهيد في البيان (2) بكفاية مائتي درهم في المعدن، ونسبة ذلك إلى
~~ظاهر الأصحاب، وتوقفه هنا مع كون الرواية هنا أدل، غريب.
# ووضع مؤونة ms1107 الإخراج هنا أيضا مقطوع به في كلامهم، وهو مقتضى الأصل، لكن
~~يعتبر ذلك إذا كان لإخراج الكنز، ولو كان الحفر لغيره فاتفق خروجه فلا تحسب
~~المؤونة حينئذ.
# ولا يعتبر فيه الحول إجماعا.
# قال في التذكرة (3): ويجب على كل من وجده من مسلم وكافر، وحر وعبد، وصغير
~~وكبير، وذكر وأنثى، وعاقل ومجنون، إلا أن العبد إذا وجده كان لسيده، وهو
~~قول عامة العلماء (4) إلا الشافعي، فإنه قال: لا يجب إلا على من تجب عليه
~~الزكاة; لأنه زكاة (5)، وهو ممنوع، والعموم حجة عليه. ومثله قال في المنتهى
~~(6).
# أقول: إن لم يثبت الاجماع في المسألة ففي شمول العموم لغير المكلفين
~~إشكال، وتعميم الخطاب لهم وللأولياء بعيد، إلا أن الظاهر عدم الخلاف في
~~المسألة، وكذلك في المعدن.
# ثم إن الكنز إن وجد في دار الحرب فهو لواجده، ويجب عليه الخمس إذا بلغ
~~النصاب، سواء كان في موات أو عامر، وجد فيه أثر الاسلام كاسم النبي صلى
~~الله عليه وآله أو أحد
# PageV04P298
# ولاة الاسلام أم لا.
# أما أنه لواجده فللأصل، وظاهر الأخبار الواردة في وجوب الخمس (1)، ولا
~~دليل على حرمة التصرف في ملك الغير ما لم يعلم كونه ملك من لماله احترام.
# وأما وجوب الخمس فللإجماع، وعموم الأخبار.
# وإن وجد في دار الاسلام، فإما أن يوجد في أرض موات أو خربة لا مالك لها،
~~أو يوجد في أرض لها مالك.
# فأما الصورة الأولى، فإن لم يكن عليها أثر الاسلام فكذلك أيضا; لما مر،
~~وخصوص صحيحتي محمد بن مسلم الآتيتين (2).
# وأما لو وجد عليه أثر الاسلام ففيه قولان، أقواهما أنه كالأول; للأصل،
~~وعموم الأخبار (3)، وخصوص الصحيحتين، وتؤيده صحيحة الحميري الآتية (4).
# والآخر: أنه في حكم اللقطة، فيعامل به معاملتها; لعموم أدلة اللقطة (5)،
~~وهو ممنوع; لأن الظاهر من أدلتها هو المال الضائع على وجه الأرض التقطه
~~انسان، والكنز ليس منه.
# واحتجوا أيضا: بأن الأثر يدل على سبق يد مسلم، فحكمه مستصحب.
# وفيه: منع الدلالة كما فيما لو وجد الأثر في دار الحرب، لإمكان صدوره من
~~غير محترم.
# وبموثقة ms1108 محمد بن قيس، عن الباقر عليه السلام، قال: " قضى علي عليه السلام
~~في رجل وجد ورقا في خربة أن يعرفها، فإن وجد من يعرفها وإلا تمتع بها "
~~(6).
# PageV04P299
# وفيه: مع أنها معارضة بصحيحتي محمد بن مسلم الآتيتين، أنها ظاهرة في
~~اللقطة لا الكنز لواجده، مع أن ترك الاستفصال يقتضي عمومها لما لا أثر عليه
~~أيضا، فلا وجه لتخصيص عموم ما دل على أن الكنز لواجده (1)، ويجب فيه الخمس
~~من جهة هذه الرواية.
# وأما الصورة الثانية، فإما أن يكون في أرض مملوكة لغير الواجد أو للواجد،
~~أما الأول فالمشهور وجوب تعريف المالك، فإن عرفه فهو له، ولا يطالب ببينة
~~ولا بذكر علامة موجبة للعلم أو الظن بصدقه، وإن أنكره فيعرف مالكه السابق
~~عليه كذلك وهكذا، ولا يلتفت إلى الأبعد مع ادعاء الأقرب إلا بالبينة.
# وإن أنكره كلهم فهو مثل ما وجد في المباح، وفيه القولان المتقدمان، وقد
~~عرفت أقواهما.
# واستشكل العلامة في القواعد في وجوب تعريف الملاك السابقين على من في
~~يده، واكتفى بتعريف ذي اليد (2)، وتؤيده صحيحة الحميري الآتية (3) إلا أن
~~يحمل البائع فيها على الجنس، وهو بعيد.
# ويظهر من المدارك التأمل في وجوب تعريف الملاك مطلقا إذا احتمل عدم جريان
~~يدهم عليه; لأصل البراءة من هذا التكليف، فلو علم انتفاؤه عن بعضهم فينبغي
~~القطع حينئذ بسقوط تعريفه; لعدم الفائدة (4).
# أقول: والتأمل، في محله مع أن الأصل التأخر.
# ونقل بعض المحققين - ممن تأخر عنه - عن بعض المحققين من المتأخرين أنه لا
~~يجب الإعلام للمالك إلا إذا علم أنه دفنه (5)، ويظهر من قرائن كلامه أنه
~~أراد به
# PageV04P300
# صاحب المدارك وصاحب الذخيرة (1).
# وأنت خبير بأنه خلاف ما ذكره في المدارك; إذ مراده عدم جريان اليد على
~~الكنز ولو على سبيل عدم العلم بالكنز.
# والحاصل أنه إذا علم أن الكنز كان مدفونا في الأرض في حال تملكه للأرض
~~فيجب التعريف، وإلا فلا.
# أقول: يمكن الإشكال في الحكم بثبوت اليد على الكنز بمحض ثبوتها على الأرض
~~المشتملة عليه أيضا، غاية الأمر التردد في كونه يدا، ms1109 والذي يكون قاطعا
~~لأصالة البراءة هو اليد الثابتة، فليس لاعتبار اليد هنا دليل واضح.
# فمقتضى ذلك أنه يملكه بعد تخميسه مع الشرائط، سواء وجد عليه أثر الاسلام
~~أم لا، ولا حاجة إلى تعريف المالك.
# والدليل على ذلك الأخبار الواردة في الكنز (2)، وظاهرها أنه لواجده، وليس
~~في مقابل ذلك إلا اليد الدالة على الملك، وما دل على حكم اللقطة، وقد عرفت
~~ضعف اليد، ومنع شمول أدلة اللقطة لذلك، منضما إلى أصالة البراءة عن وجوب
~~التعريف للمالك، والتعريف من باب اللقطة أيضا.
# نعم روى إسحاق بن عمار في الموثق، قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن
~~رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيه نحوا من سبعين درهما مدفونة، فلم تزل معه
~~ولم يذكرها حتى قدم الكوفة، كيف يصنع؟ قال: " يسأل عنها أهل المنزل لعلهم
~~يعرفونها " قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال: " يتصدق بها " (3).
# ولعل هذه الرواية هي مستند الأصحاب في وجوب تعريف المالك، ويكون التصدق
~~في آخر الرواية محمولا على الاستحباب، ولا ينافي استحباب التصدق
# PageV04P301
# بالجميع وجوب الخمس; لعدم بلوغ النصاب في السبعين، ولا يضر خروج بعض
~~أجزاء الرواية عن الحجية، حجية باقيها.
# فعمل الأصحاب مع هذه الرواية المعتبرة الإسناد، منضما إلى المؤيدات
~~السابقة يكفي في وجوب التعريف، ويبقى الإشكال في دلالتها على تعريف سائر
~~الملاك.
# ولعل نظرهم إلى العلة المستفادة، وهو أن الظاهر أنه من إحدى الأيدي
~~المتعاقبة لا غيرها، واحتمال إرادة الجنس في أهل المنزل في الرواية ليشمل
~~الملاك السابقة بعيد.
# وأما بعد إنكار الكل فالأقوى هو تملك الواجد بعد التخميس كما مر، لا كونه
~~كاللقطة لما مر.
# ثم إن المحقق المذكور استشكل في وجوب تعريف المالك على الوجه الذي ذكره
~~الفقهاء من أنه لأجل أنه لو عرفه كان له، ولو لم يعرفه يعمل به على مقتضاه
~~من القولين.
# وقال (1): إن مقتضى صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أن ما
~~وجد في ملك أحد فهو له، وإطلاقه يقتضي ملكيته وإن لم يعرفه، قال: سألته عن
~~الدار يوجد ms1110 فيها الورق، فقال: " إن كانت معمورة فيها أهلها فهو لهم، وإن
~~كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحق به " (2).
# ومثلها صحيحته الأخرى، عن أحدهما عليهما السلام، قال: وسألته عن الورق
~~يوجد في دار فقال: " إن كانت الدار معمورة فهي لأهلها، وإن كانت خربة فأنت
~~أحق بما وجدت " (3).
# قال: ولا استبعاد في هذا الحكم من الله تعالى، ويكون ذلك من منافع الدار،
~~بأن يجعل من خواص الدار أن ما يوجد فيها ولم يعلم كونه ملكا لشخص معين أن
~~يكون
# PageV04P302
# لصاحب الدار، مع أن الأخبار الواردة في الكنز (1) ليس فيها، إلا وجوب
~~الخمس، وليس فيها أن ما وجد فهو لواجده، ويجب عليه الخمس، فلا مانع أن يكون
~~الكنز لمالك الدار، ويجب عليه الخمس.
# أقول: الظاهر أن هذا القول مخالف لإجماعهم; إذ لم نقف على قول من أحد من
~~العلماء يوافقه، وما ذكروه في كتاب اللقطة في مسألة من وجد في داره شيئا أو
~~في صندوقه ولا يعرفه، من أنه إذا كان يدخل الدار غيره أو يتصرف في الصندوق
~~غيره فهو لقطة، وإلا فهو له; لصحيحة جميل بن صالح قال، قلت لأبي عبد الله:
~~رجل وجد في بيته دينارا، قال: " يدخل منزله غيره؟ " قال: نعم كثير، قال: "
~~هذه لقطة ".
# قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا، قال: " يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو
~~يضع فيه شيئا؟ قلت: لا، قال: " فهو له " (2) فهو أيضا ظاهر فيما لا يعلم
~~عدم كونه منه.
# وصرح باشتراط ذلك فيه بعضهم أيضا (3)، والرواية أيضا منزلة على ذلك، بل
~~هي ظاهرة في ذلك.
# وكيف كان فحكم الكنز هو ما ذكروه; بملاحظة موثقة إسحاق بن عمار (4)
~~وغيرها من المؤيدات السابقة، فلا بد أن تحمل الصحيحتان في الكنز (5) على
~~أنه لأهلها إن عرفوه بعد التعريف، وفي اللقطة أن أمرها إلى أهلها في كيفية
~~العمل على ما هو مقتضى صحيحة جميل بن صالح.
# وأما ما ذكره من أن الأخبار لا تدل على أن ما وجده لواجده ويجب عليه
~~الخمس،
# PageV04P303
# ففيه: ms1111 أن المتبادر منها هو ذلك، سيما ما رواه في الفقيه في وصية النبي
~~صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام قال: " يا علي إن عبد المطلب سن في
~~الجاهلية خمس سنن أجراها الله في الاسلام " إلى أن قال: " ووجد كنزنا فأخرج
~~منه الخمس وتصدق به، فأنزل الله: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله
~~خمسه) * (1) الآية " (2) ومثله روى في الخصال (3) وفي العيون (4).
# والظاهر منها أنه لواجده بعد التصدق بخمسه، سيما بملاحظة الاستشهاد
~~بالآية، وليس في العيون كلمة و " تصدق به ".
# ثم لما أشكل الأمر على هذا المحقق في تملك المالك أو الواجد، وحكم بعدم
~~الفرق بين ما فيه أثر الاسلام وغيره جعل الاحتياط في أنه إن بلغ النصاب
~~فيخرج الخمس ويهب الباقي أحدهما للآخر، أو يتصالحان، وفيما لم يبلغ
~~الاحتياط في تمامه بأحد الأمرين.
# أقول: لو عرفه المالك وادعى أنه هو الذي كنزه ففي وجوب الخمس نظر; لأن
~~غاية ما تدل الأدلة وجوب الخمس على ما يوجد بعد الجهل أصلا لا غير، ولعل
~~مراده أيضا هذه الصورة.
# وأما الثاني - أعني ما كان ملكا للواجد - فإما أن يكون من جهة الإحياء أو
~~غيره.
# أما الأول فهو مثل ما لو وجده في مباح وقد مر.
# وأما الثاني فإما أن يكون من جهة الإرث أو الابتياع ونحوه، فإن كان من
~~جهة الإرث واحتمل أنه من مورثه فهو له، كذا قالوه، والظاهر أن مرادهم صورة
~~الجزم بأنه كان مدفونا فيه حين تصرف المورث في الملك، وإن احتمل كونه من
~~غيره.
# وأما لو احتمل تأخر الدفن فلا يتم الاعتماد على هذا الاحتمال.
# والظاهر أن ما ذكره صاحب المدارك (5) ونقلناه عنه سابقا، هو مراد الفقهاء
~~أيضا،
# PageV04P304
# فلا يلزم تعريف المالك إذا احتمل عدم كون الكنز في ملكه حين التصرف
~~واحتمل التأخر.
# وموثقة إسحاق بن عمار التي يمكن أن تكون دليلا لهم أيضا إنما تفيد في هذه
~~الصورة، والتمسك باليد أيضا لا يتم إلا في هذه الصورة.
# ثم إنه لا يجب على الوارث الخمس في الصورة المفروضة، ms1112 كما لو ادعاه أحد
~~الملاك في المسألة السابقة; فإن الخمس إنما هو في الكنز الذي يوجد ولا
~~معرفة بصاحبه، وهنا ليس كذلك; لأن الأول ميراث والثاني ملك لمدعيه، ومحكوم
~~بكونه أودعه لأجل ادعائه، وتجب القسمة بين الوراث إن تعددت، ولا يختص
~~بالواجد.
# وإن لم يحتمل كونه من المورث، فيرجع إلى المالك السابق، وهكذا إلى آخر ما
~~في المسألة السابقة.
# وإن احتمل بعض الوراث كونه من مورثه دون الباقين يأخذ من احتمل بقدر
~~حصته، والباقون يعملون على مقتضى ما مر.
# وإن كان الانتقال من جهة الابتياع أو نحوه من صلح أو هبة أو غير ذلك
~~فقالوا:
# يجب إعلام المالك، فإن لم يعرفه فالسابق عليه، وهكذا إلى آخر ما في
~~المسألة السابقة.
# ويعرف تفصيل الحال والأقوال في المسألة بملاحظة المسألة السابقة، فلا
~~حاجة إلى الإعادة.
# وعلى ما ذكره المحقق المتقدم والعمل على الصحيحتين المتقدمتين فيكون
~~الكنز للمالك الأول وإن لم يعرفه، وإن كان هو الوارث ولا يعلم حال مورثه،
~~والتحقيق خلافه، سيما والصحيحتان ظاهرهما ما لو وجد أحد في ملك غيره شيئا
~~لا في ملك نفسه.
# فرع:
# لو تداعى مالك الدار ومستأجرها في كنز وجد فيه، فالأكثر على تقديم قول
~~المالك PageV04P305
# مع يمينه; لأن له اليد الأصلية على الدار وكل ما فيها (1).
# وذهب الشيخ في الخلاف (2) وجماعة (3) منهم العلامة في المختلف (4) إلى أن
~~القول قول المستأجر مع يمينه; لأن له اليد الفعلية، ولأن المالك يدعي خلاف
~~الظاهر، وهو إكراء الدار التي فيها دفين، فإنه بعيد، وإن وقع فهو نادر،
~~ولأصالة تأخر دفن الكنز عن الإجارة.
# وفيه: أن المستأجر لم يثبت يده شرعا إلا على المنافع المباحة استيفاؤها
~~من جانب المالك عرفا، وليس وضع الكنز منها، ووضع المستأجر كنزه في دار
~~الغير أيضا خلاف الظاهر.
# وأصالة تأخر وضع الكنز معارضة بأصالة تأخر الإجارة، ولا معنى للأصل هنا،
~~هذا كله إذا انتفت القرائن على أحد الأمرين، وإلا فهو المتبع.
# ولو اختلفا في القدر فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه.
# تتميم:
# قالوا: لو اشترى دابة ms1113 ووجد في جوفها شيئا له قيمة يجب تعريفه البائع، فإن
~~عرفه فهو له، وإلا فهو للواجد وعليه الخمس; لصحيحة عبد الله بن جعفر قال:
~~كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للأضاحي،
~~فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهر، لمن يكون ذلك؟
~~قال، فوقع: عليه السلام " عرفها البائع، فإن لم يكن يعرفها فالشئ لك رزقك
~~الله تعالى إياه " (5).
# وظاهر الرواية الاكتفاء بتعريف المالك، وعدم لزوم تتبع من قبله مطلقا،
~~والقول
# PageV04P306
# بلزومه، كما ذهب إليه جماعة (1)، بعيد; لبعد إرادة جنس البائع من اللفظ،
~~وعدم الفرق بين ما كان عليها أثر الاسلام وما لم يكن، بل الظاهر أنها كان
~~عليها أثر الاسلام بقرينة زمان السؤال، فلا يجب التعريف من باب اللقطة بعد
~~إنكار الملاك أيضا مطلقا.
# والقول به - كما قيل - حملا للرواية على ما لم يكن فيها أثر الاسلام، مع
~~أن الشائع من الدراهم في ذلك الزمان ما كانت بسكة الاسلام بعيد; لعدم
~~انصراف أخبار اللقطة إلى ذلك، وظهور الصحيحة في الحكم بالتملك مطلقا.
# نعم وتعريفه أحوط، ولم نقف على ما يدل على وجوب الخمس فيه، إلا أنه
~~مشهور، ولا وجه لإلحاقه بالكنز، ويمكن إدراجه في الأرباح كما سيجئ (2).
# وذكر جماعة من الأصحاب أنه لو ابتاع سمكة فوجد في جوفها شيئا فهو له، ولا
~~يعرفه البائع، وعليه الخمس (3); ولم نقف فيه على نص.
# وذكروا في وجه الفرق بينه وبين سابقه: أن الظاهر في الدابة مع كون يد
~~المالك عليها أنها منه، بخلاف السمكة، فإنها في الأصل من المباحات التي
~~تملك بالحيازة، والصياد إنما حاز السمكة دون ما في بطنها، وهذا مبني على
~~اشتراط حصول الملك في الحيازة بالعلم والنية كما هو الأظهر، وهما مفقودان
~~هنا.
# وقد يستشكل في إطلاق الحكم في المسألتين; لأن الدابة قد تكون محازة
~~كالغزال المصطاد من الصحراء إذا باعه بدون أن يذهب به إلى بيته، والسمكة قد
~~تكون مملوكة كالواقعة في ماء محصور مملوك للبائع، ولعل نظرهم في ms1114 الإطلاق
~~إلى الغالب.
# ثم قد يستشكل في أن إطلاقهم يقتضي عدم كونه لقطة وإن وجد فيه أثر
~~الاسلام، وخصوص الرواية كان يرفع الإشكال في الدابة مطلقا، مع منع شمول
~~أدلة اللقطة له.
# وأما في السمكة; فإذا كان ذلك الشئ مما لم يعلم جريان يد عليه أصلا -
~~كاللؤلؤ
# PageV04P307
# الغير المثقوب - فالأمر فيه واضح إذا حيزت من البحر أو الشطوط المنتهية
~~إليه.
# وبذلك يتضح عدم وجوب تعريف المالك أيضا من جهة اليد مع قطع النظر عن
~~دخوله في المحاز من جهة احتمال عدم اشتراط العلم والنية، كما مال إليه في
~~التذكرة (1).
# وإذا كان مما جرت عليه يد كالدراهم والدنانير واللؤلؤ المثقوب، فلعل عدم
~~حكمهم بوجوب التعريف من باب اللقطة هو كونه من باب ما وقع في البحر من
~~السفينة المنكسرة فيه، فالأكثرون على أنه للغواص (2)، ومقتضاه خروجه عن ملك
~~مالكه، ووردت بقولهم رواية (3).
# وذهب آخرون إلى أنه له لو أعرض المالك عنه (4)، وحينئذ فلعلهم يكتفون
~~بظهور الإعراض بالقرائن، ولا يوجبون الفحص عن ذلك.
# وهذا مع عدم ظهور ذلك من أدلة اللقطة يقوي جواز تملكه مطلقا في مثل البحر
~~والأنهار العظيمة المتصلة به، وبعد تعريفه للمالك في مثل المياه المملوكة.
# وأما مثل الأنهار العظيمة والشطوط التي لا تنتهي إلى البحر، فالأظهر أيضا
~~أنه لا يجب التعريف للمالك، ولا يجب التعريف من باب اللقطة، وينبه عليه ما
~~ورد في الدابة; لأن الأمر فيما نحن فيه أهون.
# وأما ما ذكروه من وجوب الخمس فالكلام فيه مثل ما مر.
# ثم إن هنا رواية رواها الصدوق في الأمالي في حكاية علي بن الحسين عليهما
~~السلام مع واحد من أصحابه شكا إليه الفاقة، وأعطاه قرصيه اللذين أعدهما
~~لفطوره وسحوره، واشترائه بهما سمكة وقليلا من الملح، ووجد أنه لؤلؤتين
~~غاليتين في بطن السمكة
# PageV04P308
# وحصول الغناء له بهما واسترداده عليه السلام قرصيه عنه بعد ذلك لعجز غيره
~~عن أكلهما من أجل اليبس والجشب، وتقرير الإمام عليه السلام إياه على ذلك،
~~والرواية طويلة (1).
# وهي تدل على عدم وجوب تعريف المالك أصلا، ms1115 ولعل ذلك هو مستند المشهور في
~~عدم وجوب تعريف المالك، مضافا إلى ما مر من الاعتبار، ولكن لم يذكر فيها
~~حكاية الخمس، وإن كان يمكن القدح من جهة علم الإمام عليه السلام بحقيقة
~~الحال كما يستفاد من الرواية، فتكون واقعة حال، ولا عموم في وقائع الأحوال
~~كما حققناه في محله.
# الخامس: يجب الخمس فيما يخرج من البحر بالغوص، كاللؤلؤ والمرجان والجواهر
~~والذهب والفضة.
# ويدل عليه بعد الاجماع - كما نقله في المنتهى (2) - الأخبار المستفيضة،
~~منها: رواية محمد بن علي التي نقلناها في نصاب المعدن (3).
# ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن العنبر
~~وغوص اللؤلؤ قال: " عليه الخمس " (4).
# وصحيحة عمار بن مروان المروية في الخصال قال: سمعت أبا عبد الله عليه
~~السلام يقول: " فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط
~~بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس " (5).
# وحسنة ابن أبي عمير - لإبراهيم بن هاشم المروية فيه أيضا - عن غير واحد،
~~عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز
~~والمعادن والغوص
# PageV04P309
# والغنيمة " ونسي ابن أبي عمير الخامس (1).
# وفي كتاب صفات الشيعة أيضا رواية تدل على وجوبه في الغوص (2)، وفي
~~التهذيب أيضا روايتان تدين عليه عموما (3).
# فهذه الأخبار الكثيرة المعتبر كثير منها يكفي.
# فلا وجه لتمسك صاحب المدارك في التعميم بعدم القول بالفصل (4)، لاقتصاره
~~على ذكر صحيحة الحلبي، وتضعيفه لرواية محمد بن علي.
# ويعتبر فيه النصاب، والظاهر أنه إجماعي كما يظهر من المنتهى (5).
# والمشهور أنه دينار; لرواية محمد بن علي المنجبرة بعملهم، المتممة بعدم
~~القول بالفصل.
# وعن المفيد في المسائل العزية: أنه عشرون دينارا (6)، ومأخذه غير معلوم.
# وما زاد على النصاب يجب فيه وإن قل، والظاهر أنه إجماعي، وهو مقتضى
~~الإطلاقات.
# ولو اشترك جماعة في الغوص اعتبر نصيب كل منهم على حدة.
# والخمس في الغوص أيضا بعد وضع مؤونة الغوص.
# ويعتبر النصاب بعد المؤونة على الأظهر، وأسنده في الروضة إلى ظاهر
~~الأصحاب (7) وكذلك في المعدن والكنز.
# PageV04P310
# والظاهر تعلقه بالعين كنظائره، وأنه يجوز اخراج ms1116 القيمة أيضا كما صرح به
~~في البيان (1).
# والمراد بالغوص: ما يخرج من البحر بالنزول فيه والإخراج من تحت الماء،
~~وألحق به بعض المحققين ما يخرج منه بآلة كالكوب ونحوه (2)، ولا بعد فيه;
~~لصحيحة عمار بن مروان، ورواية محمد بن علي، مع استفادة العلة من الأخبار.
# وأما ما يؤخذ من وجه الماء أو الساحل فالظاهر عدم دخوله في ذلك، وسيما ما
~~يوجد في الساحل.
# وقيل بالدخول (3)، وهو ضعيف; لعدم دلالة العمومات عليه، وعدم انصراف
~~صحيحة عمار أيضا إليه.
# ثم المتبادر من الأخبار هو اخراج ما يتعارف الغوص له، فلو أخرج سمكة من
~~تحت الماء فلا يفهم دخوله في الأخبار، وقول الشيخ بدخوله فيه (4) ضعيف،
~~وكذلك حيوان آخر، نعم لا بأس بإدراجه تحت الأرباح كما سيجئ (5)، وكذا ما
~~يوجد في وجه الماء أو الساحل مما من شأنه أن يخرج بالغوص.
# والحاصل أن ما جعله الشارع مورد الخمس من الأمور المذكورة يعتبر فيه
~~الوصول إليه على وجه خاص متداول في ذلك الشئ، فلزوم الخمس في المعدن إنما
~~هو باخراجه من المعدن، إلا بمطلق تملكه، وكذلك الكنز والغوص وغيرهما.
# وتظهر الثمرة في الشرائط وكونه بعد مؤونة السنة وعدمه كما سيجئ (6).
# ويشكل الكلام فيما لو اجتمع أحد الأمور المذكورة مع الآخر في المصداق،
# PageV04P311
# كما لو أخرج بالغوص ما هو معدن، بأن يكون تحت الماء معدن الذهب مثلا أو
~~معدن الجواهر وأخرجه بالغوص، أو غنم من دار الحرب معدنا وهكذا، فيحتمل وجوب
~~الإخراج عن الجميع، وملاحظة غبطة أهل الخمس فيما يختلف باعتبار النصاب
~~وعدمه أو اختلافه، والتخيير بين العمل على مقتضى كل منها، ولعل الأخير
~~أوجه.
# وكيف كان فلا يتعدد الخمس كما مر في الزكاة.
# ويدل عليه ما نقل عن تحف العقول عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى
~~المأمون، قال: " والخمس من جميع المال مرة واحدة " (1).
# ويبقى الإشكال في ملاحظة سائر الأقسام مع الأرباح، يعني: أنه إذا خمس
~~المعدن والغوص وغيرهما وبقي في يده شئ يصرفه في مؤونة السنة، ثم فضل له شئ
~~من تلك ms1117 الأرباح أو منها ومن غيرها جميعا، والأظهر فيها أيضا عدم التعدد.
# والظاهر أن الأجناس المختلفة كالجوهر واللؤلؤ والمرجان تجتمع ويحسب
~~النصاب من الجميع، سواء تعددت البقاع أو اختلفت، وفاقا للعلامة (2) والشهيد
~~الثاني (3) رحمهما الله.
# والكلام في الدفعة والدفعات كما مر.
# تتميم يجب الخمس في العنبر بإجماع أصحابنا كما نقله غير واحد (4)، وتدل
~~عليه صحيحة الحلبي المتقدمة (5).
# PageV04P312
# والمشهور فيه اعتبار النصاب، وظاهر الشيخ في النهاية عدمه (1)، وقواه في
~~المدارك (2).
# ثم الأكثر على أنه إن أخرج بالغوص فهو دينار، وإن جني من وجه الماء أو من
~~الساحل كان له حكم المعدن (3)، وعن المفيد في العزية أن نصابه عشرون دينارا
~~(4).
# والمسألة لا تخلو عن إشكال، لأجل جهالة حقيقة العنبر، ولحوقه بالمعادن
~~حتى فيما لو جني من وجه الماء وعدمه، ثم تقديم وصف الغوص على المعدنية إن
~~حصل بالغوص.
# نعم لتفصيلهم وجه بناءا على عدم اعتبار النصاب في المعدن، ففيما لم يحصل
~~بالغوص لم يعتبر النصاب، سواء كان في نفس الأمر معدنا أم لا، ولكن لا يتم
~~على مذهب من اعتبر فيه عشرين دينارا، إلا إذا ثبت كونه معدنا حينئذ.
# وكيف كان فالأحوط، بل الأظهر عدم اعتبار النصاب فيما لو أخذ من غير جهة
~~الغوص وما في معناه من الإخراج بالآلة، وفيما يخرج بالغوص يعتبر كونه
~~بمقدار دينار; لعدم ثبوت معدنيته; لأن الظاهر عدم القول بالفصل، فلا يضر
~~عدم اشتمال الرواية عليه.
# واختلف كلام أهل اللغة فيه، قال في الصحاح: إنه نوع من الطيب (5).
# وفي القاموس: روث دابة بحرية، أو نبع عين فيه (6).
# وعن جماعة من الأطباء: أنه جماجم تخرج من عين في البحر أكثرها وزنه ألف
~~مثقال (7).
# PageV04P313
# وقيل: إنه نبات ينبت في البحر، نقله ابن إدريس (1) عن اقتصاد الشيخ (2)
~~ومبسوطه (3).
# وعن الجاحظ في كتاب الحيوان: العنبر يقذفه البحر إلى جزيرة، فلا يأكل منه
~~شئ إلا مات، ولا ينقره طائر بمنقاره إلا نصل فيه منقاره، وإذا وضع رجليه
~~عليه نصلت أظفاره، فإن كان قد أكل منه قتله ما أكل، وإن لم يكن أكل منه، ms1118
~~فإنه ميت لا محالة; لأنه إذا بقي بغير منقار ولم يكن للطائر شئ يأكل به
~~مات، والعطارون يخبرون بأنهم ربما وجدوا [فيه] المنقار والظفر (4).
# ونقل أيضا عن المسعودي في كتاب مروج الذهب ومعادن الجواهر: أصل الطيب
~~خمسة أصناف: المسك والكافور والعود والعنبر والزعفران، كلها يحمل من أرض
~~الهند إلا الزعفران والعنبر، فإنه يوجد بأرض الزنج والأندلس (5).
# وكيف كان فالأظهر في المسألة ما ذكرنا.
# السادس: أرباح التجارات والزراعات والصنائع وجميع أنواع الاكتسابات
~~وفواضل الأقوات من الغلات والزراعات عن مؤونة السنة على الاقتصاد، وهو قول
~~علمائنا أجمع، وقد خالف فيه الجمهور كافة، هذه عبارة المنتهى (6).
# وكذلك في التذكرة نسبه إلى علمائنا كافة (7)، ومنعه إلى الجمهور كافة،
~~وتظهر دعوى الاجماع عليه من غيره أيضا (8).
# PageV04P314
# قال الشهيد في البيان: وظاهر ابن الجنيد وابن أبي عقيل العفو عن هذا
~~النوع، وأنه لا خمس فيه، والأكثر على وجوبه، وهو المعتمد; لانعقاد الاجماع
~~عليه في الأزمنة التابعة لزمانهما واشتهار الروايات فيه (1)، انتهى.
# والحاصل أن رجحانه إجماعي، ووجوبه مشهور مدعى عليه الاجماع من غير واحد
~~من العلماء (2)، وهو الحق.
# لنا: قوله تعالى * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * (3) الآية استدل الأصحاب
~~بها.
# ويظهر منهم هنا وفي جميع أقسام ما فيه الخمس حيث استدلوا بالآية أن
~~بناءهم على أن الآية غير مختصة بغنائم دار الحرب، فما يوهمه قول المحقق
~~الطبرسي، في أول كلامه (4) - أن المراد بالغنيمة هي غنيمة دار الحرب وأنه
~~مروي عن أئمتنا عليهم السلام - من أن الآية مختصة بها، ليس كذلك; لأن مراده
~~هنا بيان الفرق بين الغنيمة والفئ، يعني:
# أن الغنيمة وإن كانت من حيث اللغة عامة، ولكن أريد من الآية هنا بيان حكم
~~ما أخذ من أهل الحرب بالقتال، لا بأن يكون اللفظ معناه ذلك فقط، بل أريد أن
~~هذه الفائدة هي التي أراد الله تعالى بيان حكمها، وهوما أخذ في القتال،
~~بقرينة ما قبل الآية وما بعدها، لاما يسمى فيئا من أفراد الغنيمة، خلافا
~~لقوم من الجمهور حيث جعلوهما واحدا، ولم يفرقوا بين الفئ والغنيمة، ms1119 وادعوا
~~نسخ آية الفئ التي هي مذكورة في سورة الحشر وآية الأنفال بهذه.
# والحاصل أن مراد الطبرسي أن آية الفئ والأنفال لم تنسخ، والذي يقسم على
~~الأصناف هو ما أخذ بالقتال، وهذا لا ينافي عموم الآية لكل ما يسمى غنيمة
~~وفائدة.
# ولعله أراد بما هو مروي عن أئمتنا عليهم السلام مثل ما رواه الشيخ عن عبد
~~الله بن سنان، عن
# PageV04P315
# الصادق عليه السلام: في الغنيمة قال: " يخرج منها الخمس، ويقسم ما بقي
~~بين من قاتل عليه وولي ذلك، وأما الفئ والأنفال فهو خالص لرسول الله صلى
~~الله عليه وآله " (1) وما في معناه.
# ويشهد بما ذكرنا من مراده ما ذكره في أواخر كلامه، قال: وقال أصحابنا إن
~~الخمس واجب في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب وأرباح التجارات، وفي
~~الكنوز والمعادن والغوص وغير ذلك مما هو مذكور في الكتب، ويمكن أن يستدل
~~على ذلك بهذه الآية، فإن في عرف اللغة يطلق على جميع ذلك اسم الغنم
~~والغنيمة (2)، انتهى.
# وظاهره أيضا دعوى الاجماع على المسألة.
# ويشهد بما ذكرنا من بيان مراد المحقق الطبرسي - رحمه الله - عبارة
~~المنتهى في كتاب الجهاد، قال: المقصد الرابع في الغنائم، الغنيمة هي
~~الفائدة المكتسبة، سواء اكتسبت برأس مال، كأرباح التجارات والزراعات
~~وغيرهما، أو اكتسبت بالقتال والمحاربة، والقسم الأول مضى البحث فيه،
~~والكلام هنا يقع في القسم الثاني.
# ومراده بما مضى هو ما مضى في كتاب الخمس.
# ثم قال: مسألة، قد بينا أن الغنيمة شاملة لما يغنم بالقهر والغلبة من
~~أموال المشركين، ولما يغنم بالمعاش والربح، وعند الجمهور الغنيمة اسم
~~للمعنى الأول، والوضع يساعدنا على الشمول للمعنيين معا، وأما الفئ فهو مشتق
~~من فاء يفئ إذا رجع، والمراد به في قوله تعالى * (وما أفاء الله على رسوله)
~~* (3) الآية; ما حصل ورجع إليه من غير قتال ولا إيجاف بخيل ولا ركاب، وما
~~هذا حكمه فهو للرسول خاصة، ثم قال: والغنيمة مشتق من الغنم وهو المستفاد
~~مطلقا على ما بينا (4).
# أقول: ومراده - رحمه الله - من المستفاد مطلقا أعم مما استفيد ms1120 بالقتال أو
~~بغيره.
# PageV04P316
# والحاصل أن ظهور الآية في عموم الفائدة ظاهر، ولا يضر ظهور بعض أجزاء
~~الآية وما قبلها وما بعدها في إرادة غنيمة دار الحرب; إذ ذلك لا يقتضي كون
~~معنى الغنيمة ذلك فقط، فكأن الله تعالى يحكم على جزئي بسبب ثبوت حكمه تعالى
~~في كليه، وهذا ما يقال: إن السبب لا يخصص العام، والعبرة بعموم اللفظ، سيما
~~مع ملاحظة لفظ " من شئ " بعده.
# واستدلال الأصحاب في جميع موارد الخمس من المعادن والكنوز وغيرهما وفي
~~خصوص هذه المسألة بعموم الآية يعين ذلك.
# وكذلك الأخبار المستفيضة جدا تدل على إرادة العموم، وقد مر بعضها، وسيجئ
~~بعض آخر.
# لكن يبقى الإشكال في معنى الفائدة، والظاهر منها مطلق النفع الحاصل
~~للإنسان كما يظهر من اللغة.
# قال الجوهري: الفائدة ما استفدت من علم أو مال (1)، وكذلك في القاموس
~~(2).
# ولا يطلق على نفس المتاع، ولا على نفس البذر الحاصل من الزرع مثلا، أو هو
~~مع شئ زائد من البذر بحيث لم يزد على ما اغترمه فيه.
# وأما الغنيمة; فظاهرهم أنها الفائدة المكتسبة كما صرح به العلامة في
~~المنتهى (3) والمقداد في كنز العرفان (4) وصاحب مجمع البحرين (5).
# والاكتساب طلب الرزق كما صرح به الجوهري (6) والفيروز آبادي (7)، وعلى
~~هذا
# PageV04P317
# فلا يدخل فيه كل ما حصل للإنسان بدون الكسب، كالميراث، وطير وقع في كفه
~~من الهواء، أو صيد دخل داره مخافة ذئب، أو كلب، أو نحو ذلك، وسيجئ تمام
~~الكلام.
# فلنرجع إلى ذكر الأدلة، فنقول: يدل على المسألة بعد الاجماعات المتعددة
~~وعموم الآية: الروايات المستفيضة، مثل ما رواه الكليني - رحمه الله - عن
~~حكيم مؤذن بني عبيس (1)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله
~~تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) *
~~فقال أبو عبد الله عليه السلام، بمرفقيه على ركبتيه ثم أشار بيده ثم قال: "
~~هي والله الإفادة يوما بيوم، إلا أن أبي جعل شيعته في حل ليزكوا " (2).
# وعن سماعة في الموثق، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس فقال: ms1121 "
~~في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير " (3).
# ثم روى بعدهما عن أحمد بن محمد بن عيسى عن يزيد - وفي نسختين من الكافي
~~ابن يزيد - قال: كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها؟ رأيك
~~أبقاك الله تعالى أن تمن علي ببيان ذلك لكيلا أكون مقيما على حرام لا صلاة
~~لي ولا صوم؟
# فكتب: " الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها، وحرث بعد الغرام أو
~~جائزة " (4).
# ويظهر منه - رضي الله عنه - أن هذا الحديث بيان للفائدة المذكورة في
~~السابقين، ويظهر منه شمول للجائزة من أقسام غير المكتسب.
# وروى الشيخ في الصحيح، عن علي بن مهزيار قال، قال: أبو علي ابن راشد، قلت
~~له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم:
# وأي شئ حقه؟ فلم أدر ما أجيبه، فقال: " يجب عليهم الخمس " فقلت: ففي أي
# PageV04P318
# شئ؟ فقال: " في أمتعتهم وضياعهم " قلت: فالتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال:
~~" ذلك إذا أمكنهم بعد مؤونتهم " (1).
# وعن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " على كل امرئ
~~غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة، ولمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها
~~الحجج على الناس، فذاك لهم خاصة يضعونه حيث شاؤوا، وحرم عليهم الصدقة، حتى
~~الخياط يخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق، إلا من أحللناه من شيعتنا
~~لتطيب لهم به الولادة، إنه ليس شئ عند الله يوم القيامة أعظم من الزنا، إنه
~~ليقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب سل هؤلاء بما أبيحوا " (2).
# وعن علي بن مهزيار، عن محمد بن الحسن الأشعري - ووصفه في المنتهى بالصحة
~~- قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: أخبرني عن الخمس
~~أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الضياع، وكيف
~~ذلك؟ فكتب بخطه: " الخمس بعد المؤونة " (3).
# وفي بعض النسخ " الصناع " بالصاد المهملة والنون، إلى غير ذلك من الأخبار
~~المستفيضة، بل المتواترة على ما ادعاه العلامة في المنتهى والتذكرة (4).
# ولا يحسن القدح في سند ms1122 بعضها; لانجبارها بالشهرة العظيمة، بل الاجماع.
# ولا في دلالتها; لوضوح دلالتها في الجملة في الجميع، وعدم الإشكال في
~~الدلالة في البعض، ولا في اشتمال بعضها على ما لا يقول به الأصحاب; لأنه لا
~~يضر في الاستدلال كما مر مرارا.
# والحاصل أن أصل المسألة مما لا اشكال فيه.
# PageV04P319
# ويبقى الكلام في مقامات:
# الأول: إن المراد من الفوائد هل هو كل فائدة أم لا؟ فالمشهور أن الميراث
~~والصدقة والهبة غير داخلة فيه، وذهب أبو الصلاح إلى وجوبه فيها (1)،
~~واستحسنه الشهيد في اللمعة (2)، ومال إليه شارحها (3)، وكذلك المحقق في
~~المعتبر (4) كما يظهر من ملاحظة كلامه في المال المختلط بالحرام.
# وأنكره ابن إدريس وقال: لم يذكره أحد من أصحابنا إلا أبو الصلاح، ولو كان
~~صحيحا لنقل نقل أمثاله متواترا (5).
# وذهب الناصر إلى أن في قليل العسل وكثيره الخمس (6)، ونفاه السيد في
~~المسائل الناصرية (7); للأصل والإجماع.
# وعن الشيخ في المبسوط: العسل الذي يؤخذ من الجبل، وكذلك المن فيه الخمس
~~(8).
# والمن على ما ذكره أهل اللغة: هو طل يقع على أوراق الأشجار.
# وقال في القاموس: المن كل طل ينزل من السماء على حجر أو شجر ويحلو وينعقد
~~عسلا ويجف جفاف الصمغ، كالشيرخشت والترنجبين، والمعروف بالمن ما وقع على
~~شجر البلوط (9)، وكذلك يظهر من الصحاح (10).
# أقول: فعلى هذا فالكزنكبين الذي يحصل في بلدة خونسار ونواحيها ليس بالمن،
# PageV04P320
# بل هو من الصمغ; لأنه صمغ شوكة.
# ويحتمل أن يراد بالعسل الجبلي أيضا العسل المنعقد على الحجر من الطل، لا
~~لعاب النحل المعهود إذا اتخذت في الجبال مسكنا، كما يظهر من ح القاموس أنه
~~أحد معاني العسل (1).
# وكيف كان فوجوب الخمس في المن والعسل الجبلي مذهب الشيخ (2) وابن إدريس
~~(3) وابن حمزة (4) والكيدري (5) والعلامة في المختلف (6).
# ومن هذه الاختلافات يقع الإشكال العظيم، فإنهم إن جعلوا المراد من
~~الغنيمة في الآية مطلق الفائدة سواء كانت مكتسبة ومحصلة بالاختيار أو بدونه
~~فيشكل بما ذكره جماعة في معنى الغنيمة أنه الفائدة المكتسبة (7)، وبأنه لا
~~وجه لإخراج الميراث والهبة والصدقة، فإخراجها يحتاج إلى دليل، ولا ms1123 دليل
~~عليه ظاهرا، فمقتضى الآية وإطلاق بعض الروايات يشملها، وقد عرفت أن ظاهر
~~الأصحاب حيث يستدلون بالآية في جميع الأقسام السبعة أنهم لا يخصونها بغنيمة
~~دار الحرب.
# وإن جعلنا المراد بالغنيمة هو الفائدة المكتسبة المحصلة بكسب، فحينئذ وإن
~~كان يظهر خروج الميراث في كمال الوضوح، وكذلك الهبة والصدقة; لبعد إطلاق
~~الكسب على مثل قبول الهبة والصدقة، وأن مراد الفقهاء من إطلاق الكسب عليه
~~في باب الحج - حيث ذكروا أن قبول الهبة فيما يستطاع به نوع كسب فلا يجب;
~~لأن الواجب مشروط عدم وجوب مطلق التحصيل، ولكن يشكل الأمر في مخالفتهم في
~~وجوبه في العسل والمن، فإن تحصيلهما من المكاسب.
# PageV04P321
# ولذلك قال في المختلف: لا وجه لتخصيص العسل والمن، بل كل ما يجتني
~~كالترنجبين والشيرخشت والصمغ وغير ذلك; لأن ذلك كله اكتساب (1). ومثله قال
~~المحقق في المعتبر (2).
# فإن قيل: لعل مراد هؤلاء أن تلك الأمور من باب المعدن والكنز وغيرهما،
~~فلا تعتبر فيها مؤونة السنة، ويجب الخمس فيها من حيث الخصوصية، لا من حيث
~~عموم المكاسب.
# قلنا: مع أنه لا دليل على ذلك ظاهرا، ينافي احتجاجهم في المذكورات بأنها
~~من المستفادات والمكتسبات.
# وبالجملة: كلماتهم في هذا المقام غير محررة، ولم نقف على تصريح في بيان
~~ذلك، إلا أنه يظهر من ذكرهم الميراث والهبة والصدقة في فروع الأرباح
~~والاكتسابات أن القائل يدخلها فيها، والمانع يمنع دخولها.
# وأما العسل والمن; فيظهر من ابن إدريس (3) والعلامة في المختلف (4)
~~والمحقق في المعتبر (5) إدراجهما في الاكتساب.
# ومراد الشيخ غير معلوم، ولذلك استشكل الشهيد - رحمه الله - في البيان
~~(6)، فإنه بعد ما ذكر الأقسام السبعة قال: وثامنها العسل المأخوذ من
~~الجبال، والمن، وذكره الشيخ (7) رحمه الله، وابن إدريس (8)، وجماعة (9)
~~رضوان الله عليهم، وهل هو قسم
# PageV04P322
# برأسه أو من قبيل المعادن، أو من قبيل الأرباح؟ ظاهر الفاضل أنه من قبيل
~~الأرباح (1) وقال السيد المرتضى: لا خمس فيه (2)، فيحتمل نفي الماهية
~~ويحتمل نفي الخصوصية.
# ثم قال: ونفى بعض الأصحاب الخمس عن المسك (3)، والاحتمالان فيه قائمان،
~~والظاهر أنه من المكاسب.
# وقال ms1124 في فروع مسألة جميع أنواع التكسب: أوجب أبو الصلاح في الميراث
~~والهدية والهبة الخمس (4)، ونفاه ابن إدريس (5) والفاضل (6) - رحمهما الله
~~- للأصل، فلا يثبت الوجوب مع الشك في سببه، نعم لو نما ذلك بنفسه أو
~~باكتساب الحق بالأرباح (7).
# ثم أقول: والتحقيق في المسألة إبقاء الآية على العموم، ولكن ظهورها في
~~الغنيمة المكتسبة أو ترددها بينها وبين مطلق الفائدة يثبطنا عن تعميمها
~~لمثل الميراث والهدية والهبة والمهر وعوض الخلع وحصول صيد في داره بلا تعب
~~ونحو ذلك، ومن ذلك الصدقات والأخماس.
# وفي رواية الحسين بن عبد ربه تصريح بعدمه في الخمس (8).
# وكذلك الأخبار الواردة في المسألة لا يستفاد منها إلا الفائدة المكتسبة.
~~ولفظ الإفادة في بعضها بمعنى الاستفادة، وهو ظاهر في الطلب والتحصيل.
# والأصل - مع ضعف كثير من الروايات وعدم ظهور دلالة كثير منها في مثل ذلك،
~~وترك الجمهور العمل على العموم في أمثالها - يرجح عدم الدخول.
# PageV04P323
# وأما في مثل العسل والمن والصمغ بأقسامه فالأظهر وجوب الخمس فيها من باب
~~الكسب والاستفادة، لا من حيث الخصوص.
# نعم يظهر من صحيحة علي بن مهزيار (1)، دخول الجائزة التي فيها خطر،
~~والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن في الغنائم والفوائد التي فيها
~~الخمس.
# وهذه الصحيحة مع أنها مضطربة مشتملة على أمور كثيرة لا يقول بها أحد من
~~الأصحاب، غير منطبقة على مذهب أبي الصلاح، وكذلك رواية يزيد المتقدمة
~~الدالة على ثبوته في الجائزة (2) لا تبلغ حد الحجية في المقام متنا وسندا،
~~ولا يبعد حملهما على الاستحباب.
# ويؤيده أن المشهور حكموا باستحباب تخميس جوائز الظلمة إذا كانت مشتبهة
~~لتزول الكراهة (3).
# وربما استدل بعضهم بالأولوية بالنسبة إلى المال المختلط بالحرام (4)، وهو
~~كما ترى.
# وربما استند بموثقة عمار (5)، ولا دلالة فيها ظاهرا، ولم يقل فيه أحدهم
~~بأنه فائدة وغنيمة ويجب فيه الخمس.
# وكذلك ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر، عن كتاب محمد بن علي بن محبوب،
~~عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كتبت إليه في الرجل يهدي
~~إليه مولاه والمنقطع ms1125 إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقل أو أكثر، هل عليه
~~فيها الخمس؟
# PageV04P324
# فكتب عليه السلام: " الخمس في ذلك بمائة درهم أو خمسين " (1) الحديث. لا
~~يعتمد عليه; لأن في طريقها أحمد بن هلال.
# والأحوط أن لا يترك الخمس في شئ من الفوائد; لهذه الروايات، واحتمال عموم
~~سائر الأخبار، بل ظهور بعضها كما ذكرنا.
# ومن أراد الاحتياط فينبغي أن يعتبر الخصوصية في خمس العسل الجبلي والمن،
~~ولا يعتبر فيها مؤونة السنة، ويخرجه حين حصولها من دون اعتبار نصاب ولا
~~مؤونة سنة.
# وإن فعل ذلك في الميراث والهبة والصدقة أيضا فأولى وأحسن، ولكن لم يقم
~~دليل على وجوب ذلك، فالمعيار هو الإدخال في أرباح المكاسب، فيلحق بها فيما
~~ظهر دخوله، دون ما لم يظهر كما بينا.
# ومما يدخل في هذا الصنف الاصطياد والاحتطاب والاحتشاش والاستقاء
~~والإجارات، وتعليم الأطفال في الدرس والمشق، والمجتنيات كالترنجبين
~~والكزانكبين (2) والكمأة وغير ذلك ما لا يعد ولا يحصى، سواء جعل أحد الأمور
~~المذكورة حرفة لنفسه، أم وقع على سبيل الاتفاق.
# وفي صحيحة علي بن مهزيار في الكافي، قال: كتبت إليه يا سيدي رجل دفع إليه
~~مال ليحج به، هل عليه في ذلك المال حين يصير إليه الخمس، أو على ما فضل في
~~يده بعد الحج؟ فكتب عليه السلام: " ليس عليه الخمس " (3).
# ورأيت في بعض أجوبة المسائل عن فخر المحققين أنه لا خمس في وجه أجرة الحج
~~والزيارة، وضم إلى ذلك الصداق والميراث والهبة والجعالة والزكاة والخمس.
# PageV04P325
# والأمر في الجعالة والحج والزيارة مشكل.
# وتحتمل فتواه نفي الخصوصية لا الماهية، وأما الحديث فهو أيضا يحتملها،
~~فيشكل الاعتماد عليه; إذ ليس في الحديث ذكر الفضل بعد المؤونة، فالظاهر أن
~~الجعالة ومطلق استيجار العبادات داخلة في الأرباح، وحكمها حكمها.
# وكذلك يجب في الزوائد المتصلة والمنفصلة في المال الذي لا خمس فيه،
~~كالميراث أو ما أخرج منه الخمس كاللبن والصوف والنتاج والسمن وغير ذلك،
~~سواء أخرج في الخمس من عين المال أو من قيمته.
# فلو أخرج لخمس مائة نعجة قيمة عشرين منها ثم ms1126 حصل النماء للجميع أو لنفس
~~العشرين فقط فيجب فيه الخمس; لأنه نماء ماله، والنماء فائدة حصلت له.
# وفيما لو زاد بارتفاع القيم السوقية إشكال، من جهة الإشكال في صدق
~~الإفادة والاستفادة عرفا، وجزم في التحرير بعدمه (1)، وليس ببعيد.
# وقال في الدروس: ولو وهب المال في أثناء الحول أو اشترى بغبن حيلة لم
~~يسقط ما وجب (2). وهو كذلك; لأنه ليس من المؤونة.
# وهل يكفي ظهور الربح في متاع مال التجارة، أو يحتاج إلى البيع والإنضاض؟
# فيه وجهان، استقرب في الكفاية الثاني (3).
# الثاني: إنما يجب الخمس في هذا القسم بعد وضع مؤونة المالك، والدليل على
~~ذلك الاجماع، نقله جماعة من الأصحاب (4)، والأخبار المستفيضة جدا، منها:
~~روايتا أبي علي ومحمد بن الحسن المتقدمتان (5).
# PageV04P326
# ومنها: صحيحة البزنطي قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام: الخمس أخرجه
~~قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟ فكتب عليه السلام: " بعد المؤونة " (1).
# ورواية إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام
~~أقرأني علي بن مهزيار كتاب أبيك عليه السلام فيما أوجبه على أصحاب الضياع
~~نصف السدس بعد المؤونة، وأنه ليس على من لم تقم ضيعته بمؤونته نصف السدس
~~ولا غير ذلك فاختلف من قبلنا في ذلك، فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد
~~المؤونة، مؤونة الضيعة وخراجها، لا مؤونة الرجل وعياله، فكتب عليه السلام
~~وقرأه علي بن مهزيار: " الخمس بعد مؤونته، ومؤونة عياله، وبعد خراج السلطان
~~" (2).
# ولعل ذكر نصف السدس مبني على أن أباه عليه السلام قد وهب ما سواه.
# ورواية علي بن محمد بن شجاع النيشابوري: أنه سأل أبا الحسن الثالث عليه
~~السلام، عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر ما يزكى، فأخذ منه العشر
~~عشرة أكرار، وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا وبقي في يده ستون كرا،
~~ما الذي يجب لك من ذلك، وهل لأصحابه من ذلك شئ؟ فوقع: " لي منه الخمس مما
~~يفضل من مؤونته " (3).
# والظاهر من هذه الأخبار مؤونة السنة، وكذلك مؤونة سنة الرجل وعياله كما
~~صرح به في رواية الهمداني، ms1127 ونص عليه الأصحاب، وادعوا عليه الاجماع (4)، فلا
~~وجه للإشكال فيه.
# ويبقى الإشكال في أن المؤونة توضع من أي شئ، ولا إشكال في أن رأس المال
~~وما لا يعد للصرف ويدخر للقنية كالفرش والظروف ونفس الضيعة التي هي مستغل
~~لها وأمثال ذلك لا يحسب منها المؤونة، إنما الإشكال فيما لو كان عنده مال
~~مستعد للصرف،
# PageV04P327
# مثل دراهم مخمسة، أو غلة مورثة، أو نحو ذلك، فهل تحسب المؤونة من ذلك
~~المال أو من الأرباح أو منهما معا بالنسبة؟ كما لو كانت مؤونته مائة
~~وأرباحه مائتين وماله الآخر مائتين، فإذا وزع المؤونة على المالين
~~بالمناصفة فيخمس مائة وخمسين من الأرباح، ذكر جماعة من الأصحاب فيه الوجوه
~~الثلاثة (")، ويظهر من جماعة أن الأوسط أظهر، والأول أحوط، والآخر أعدل
~~(")، ورجح المحقق الأردبيلي - رحمه الله - الأول (").
# أقول: والأخبار وإن كانت ظاهرة في اخراج المؤونة من الأرباح، سيما رواية
~~الهمداني ورواية النيشابوري، ورواية محمد بن الحسن الأشعري، لكن الظاهر
~~منها أيضا انحصار المستغل فيما حصل منه الربح، فلا دلالة فيها على الوضع من
~~الربح وإن كان له ما يصرفه في المؤونة، ولا يحتاج إلى صرف الربح فيها.
# وادعى المحقق الأردبيلي - رحمه الله - تبادر صورة الاحتياج من قوله عليه
~~السلام: " الخمس بعد المؤونة " يعني إذا احتاج الرجل في مؤونته إلى صرف
~~الأرباح فلا خمس عليه فيما يحتاج إليه من ذلك، وأما مع عدم الاحتياج لوجود
~~مال آخر يصرفه في المؤونة فيجب الخمس.
# واستدل أيضا بعموم أدلة الخمس وعدم وضوح صحة دليل المؤونة، وأن الاجماع
~~ونفي الضرر إنما يثبتان ما لو احتاج في المؤونة إلى إنفاق الأرباح، وبأن
~~ذلك يؤول إلى عدم الخمس في أموال كثيرة مع عدم الاحتياج إلى صرفها في
~~المؤونة، مثل أرباح تجارات السلاطين وزراعتهم، وأكابر الزراع والتجار، وهو
~~مناف لحكمة تشريع الخمس في الجملة.
# أقول: ويمكن أن يكون نظر من يرجح الأوسط - بعد ادعاء التبادر من اللفظ
~~كما ذكرنا - إلى أن فتاوى العلماء مجملة، وكذلك إجماعاتهم المنقولة، ومع
~~ملاحظة
# PageV04P328
# تصادم ذينك الظهورين من حيث اللفظ، ms1128 ومن حيث الحكمة، وقطع النظر عن الظهور
~~اللفظي، فلا أقل من حصول الشك، والأصل براءة الذمة عن التكليف الزائد، مع
~~أن العام المخصص بالمجمل لا حجية فيه في قدر الاجمال، سيما وفي الآية
~~وعمومها إشكال قد مر وجهه. وفي الأخبار إشكالات من حيث السند والدلالة
~~وغيرهما، فلم تثبت حجية العام فيما يساوي المؤونة من الأرباح مع وجود ما
~~يكفيها أو بعضها من غيرها.
# وأما قوله: إن ذلك يؤول إلى عدم الخمس إلى آخره، فهو محض استبعاد، ومنقوض
~~بسقوط الزكاة عن زراعات السلاطين إذا كانت في غاية الكثرة إذا صارت بسبب
~~كثرة المؤونة أو قلة نمو الزرع بحيث لو وضع مؤونة الزرع عنها لا يبقى إلا
~~قليل بالنسبة إلى ما كان يعتاد حصوله وإن كان كثيرا في نفسه فتسقط الزكاة
~~عن أموال كثيرة مع عدم الاحتياج إليها، مع أنه - رحمه الله - يقول بوضع مؤن
~~الزراعة في الزكاة، هذا.
# ولكن الانصاف بعد التأمل التام ظهور ما ذكره المحقق الأردبيلي - رحمه
~~الله - سيما بملاحظة رواية أبي علي بن راشد، فإن قوله عليه السلام " بعد
~~مؤونتهم " (1) بيان لقوله " إن أمكنهم " أو بدل، وهي مع أنها لا يبعد أن
~~تلحق بالصحاح منضمة إلى ملاحظة الحكمة واستبعاد أن يجعل ذلك شرطا مطردا
~~فيما لا يحتاج إليه أصلا، بل وظهور سائر الأخبار بعد التأمل، وكذلك إطلاقات
~~كلام السابقين ودعوى إجماعاتهم تكفي في خروج المبين عن الاجمال، فتبقى
~~عمومات الخمس بحالها.
# فالأظهر أن تلاحظ المؤونة من ذلك المال ويتمم نقصه - إن فرض النقص - من
~~الأرباح، فإن فضل بعد ذلك شئ ففيه الخمس.
# وأما دليل التقسيط; فلعله تعارض دليلي المالين وتساويهما، ولا ترجيح،
~~فيقسم بينهما بالنسبة، وقد عرفت الترجيح.
# ثم إن الوجوه الثلاثة مفروضة في كلام الشهيد في الدروس في الطارف
# PageV04P329
# والتلاد (1)، ولم أعرف وجه الاختصاص، وكلام غيره أعم من أن يحصل المال
~~الآخر في عامه أو قبله (2)، بل يظهر من بعضهم اختصاصه بالطارف (3)، وهو
~~أيضا مشكل.
# الثالث: المراد بالمؤونة ما يصرفه لنفسه وعياله الواجبي النفقة وغيرهم،
~~ومؤونة التزويج، ms1129 واشتراء الأمة أو العبد أو الدابة، والضيافة، والهدية
~~اللائقات بحاله، فلو أسرف حسب عليه ما زاد، وإن قتر حسب له (4) ما نقص،
~~والأحوط عدم احتساب الأخيرة.
# ومنها ما يلزمه بنذر أو كفارة ومؤونة الحج الذي وجب عليه في هذا العام.
# وكل ذلك يستثنى من ربح عامه، فلو استقر الخمس في مال في العام السابق فلا
~~يحسب منه ما يتجدد من المؤن، فلو حصلت الاستطاعة في الحج من فضلات سنوات
~~متعددة فيجب الخمس فيما قبل عام كمال الاستطاعة، ولا يجب في متممها في عامه
~~إذا صادف كمالها في هذا العام سير القافلة، وإن تأخر المسير فهو كالأعوام
~~المتقدمة، وكذلك لو تعذر الحج في هذا العام.
# ولو ترك الحج بلا عذر فيحسب من المؤونة - كما لو قتر في الانفاق - وإن
~~كان آثما، ونجيز على القول بوضع جميع المؤونة من الأرباح وضع جميع مؤونة
~~الحج عن أرباح عام كمالها وإن بقي لأجل الكمال مقدار قليل في عامه، وعلى ما
~~اخترنا فالأمر واضح.
# والدين الذي يلزمه في عامه من أجل المؤونة أو الغرامة فهو من المؤونة،
~~وأما الدين السابق على العام فليس منها إذا كان له في عام حصول الدين ما
~~يفي به من غير المستثنيات في الدين وإن قلنا بوضع المؤونة عن الأرباح; لأن
~~الدليل مقتضاه وضع مؤونة العام من أرباح العام، وهذا ليس من مؤونة العام
~~وسوانحه.
# PageV04P330
# واحتساب المؤونة من الربح أو من المال المعد للصرف - على اختلاف الأقوال
~~بالنسبة إلى لزوم الخمس في أرباح السنوات الماضية وعدمه - لا ينافي وجوب
~~وفاء الدين من غير المستثنيات فيه.
# نعم لو لم يكن عنده شئ سوى المستثنيات فيوضع منها; لتعلق التكليف به
~~حينئذ في هذا العام بما ملكه فيه; لأنه لم يكن قادرا على الأداء في الأعوام
~~السابقة وحصلت القدرة في عام الربح، وكذلك الكلام في الحج السابق.
# ومن جملة المؤن: الصدقات والخيرات وأسفار الطاعات من الزيارات والحج
~~المندوب، ولا يعتبر فيها الاقتصاد; إذ لا سرف في الخير، نعم يعتبر في مؤونة
~~الأسفار ذلك. ms1130
# ومنها: ما يأخذه الظالم قهرا أو يصانعه به اختيارا.
# ويجبر خسران التجارة والزراعة ونحوهما بالربح في الحول، ولا يجبر مطلق
~~التالف.
# والظاهر أن تتميم رأس المال لمن احتاج إليه في المعاش من المؤونة كاشتراء
~~الضيعة لأجل المستغل.
# الرابع: الظاهر من الأدلة هنا أيضا تعلق الخمس بعين الفاضل لا بذمة
~~المالك، والظاهر التعلق بالمجموع، فلو كان فاضل المؤونة خمسة خرفان مثلا
~~تتفاوت قيمتها فلا يكفي اخراج أقلها قيمة.
# والظاهر جواز اخراج القيمة عن العين كالزكاة، سيما إذا كان الفاضل من
~~الأمتعة والأقمشة، والظاهر أن المعتبر اخراج القيمة السوقية حين الإخراج،
~~لاما اشتراه به ، وصرح به بعض المحققين أيضا (3).
# الخامس: مصرف هذا القسم هو مصرف سائر الأقسام على المشهور عند الأصحاب
~~(2).
# PageV04P331
# وما يتوهم خلافه بملاحظة بعض الأخبار مثل رواية عبد الله بن سنان
~~المتقدمة (1) فمؤول.
# وظاهرهم عدم الخلاف في المسألة، وعموم الآية يدل عليه (2)، مضافا إلى
~~إطلاق بعض الأخبار (3).
# وقد استشكل في الكفاية في مستحق المعدن والكنز والغوص أيضا، واستقرب
~~القول بكون جميع المذكورات له عليه السلام (4).
# ولا وجه له; لعموم الآية (5)، وخصوص رواية أحمد بن محمد (6)، ومرسلة حماد
~~(7) الآتيتين في تقسيم الخمس، المعتضدتين بالشهرة.
# بل ظاهر العلامة في التذكرة والمنتهى الاجماع على أن مصرف الخمس في جميع
~~ما يجب فيه الخمس هو مصرف خمس الغنائم (8).
# السادس: الأرض التي اشتراها الذمي من مسلم يجب فيها الخمس، ولم يذكره
~~كثير من الأصحاب المتقدمين (9)، وذهب إليه الشيخ (10) ومن تأخر عنه (11)،
~~وادعى
# PageV04P332
# عليه الاجماع ابن زهرة (1)، وهو ظاهر التذكرة (2)، وفي المنتهى نسبه إلى
~~علمائنا (3).
# وتدل عليه رواية أبي عبيدة الحذاء، عن الباقر عليه السلام رواها الشيخ
~~والصدوق (4)، ورواها في المقنعة مرسلة عن الصادق عليه السلام (5).
# وعن الشهيد الثاني - رحمه الله - في فوائد القواعد الميل إلى عدم الوجوب،
~~استضعافا للرواية (6)، ووصفها في الروضة بالموثقة (7)، ولا وجه له ظاهرا;
~~لأن سندها في التهذيب صحيح ليس فيه من يتأمل فيه، رواها في موضعين منه قال:
# سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " أيما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإن ms1131 عليه
~~الخمس " (8) وفي المقنعة " فعليه فيها الخمس " (9).
# وربما يتوقف في الاستدلال من جهة الإشكال في الدلالة بمنع كون الخمس في
~~الرواية هو المصطلح; استنادا إلى أن مذهب مالك من العامة وجوب منع الذمي عن
~~اشتراء الأراضي العشرية (10) يعني ما كانت زكاته العشر، مثل ما سقي بالسيح
~~والبعل، ولو فرض أنه اشترى يضاعف عليه العشر ويؤخذ منه الخمس لمستحق
~~الزكاة، فلعل المراد من الحديث هو هذا، أو لعله ورد مورد التقية موافقا
~~لمالك; لاشتهار فتاويه في زمان الباقر عليه السلام، وهو بعيد; لإطلاق
~~الرواية وشمولها العشرية وغيرها، وما يزرع وما لا يزرع، وما يبلغ زرعه
~~النصاب وما لا يبلغه.
# PageV04P333
# وبالجملة لا وجه للإشكال في الرواية مع الصحة والظهور والاعتضاد.
# ولا تعارضها صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة القائلة أنه ليس الخمس إلا
~~في الغنائم خاصة (1)، بتقريب عدم تسمية ذلك غنيمة; لأنها مخصصة بهذه
~~الرواية.
# والظاهر أن مصرف هذا القسم هو مصرف سائر الأقسام كما سيظهر لك وجهه.
# ثم إن مقتضى إطلاق الرواية كفتاوي الجماعة وصريح الشهيدين (2) شمول الأرض
~~لما كانت مشغولة ببناء أو شجر وغيره.
# ولكن المحقق في المعتبر قال: والظاهر أن مراد الأصحاب أرض الزراعة لا
~~المساكن (3)، وكذلك قال العلامة في المنتهى (4)، واستجوده في المدارك (5);
~~لأنه المتبادر، وضعف قول جده - رحمه الله - بالتعميم (6).
# وقد يستشكل بأن عدم تبادر أرض الدار والبستان من الأرض إنما هو إذا
~~اعتبرت الدار من حيث إنها دار، وكذا البستان، وأما لو اعتبر أرض الدار
~~والبستان من حيث هي أرض فينصرف إليها.
# وفيه: أن ذلك إنما يتم في لفظ الأرض مفردة عن كلمة البيع والاشتراء،
~~ومراد من يدعي الظهور من اللفظ في غير الدار والبستان إنما هو من المركب،
~~يعني مجموع قولك: اشترى أرضا، فالأصل مع هذا الظهور، ودعوى الفاضلين أن ذلك
~~ظاهر الأصحاب (7) يثبطنا عن التعميم.
# نعم يتم الإشكال لو صرح ببيع أرض البستان مثلا، بأن تكون هي المقصودة
~~بالذات،
# PageV04P334
# مثل أنه يريد اشتراء البستان ليقطع أشجاره ويزرع فيه.
# فإن قيل: إن الأرض جزء للدار ms1132 والبستان، فيدل بيعهما على بيعها بالتضمن
~~والتبع.
# قلنا: من يدعي التبادر يدعي أن المتبادر من اللفظ في الحديث الاشتراء
~~بالاستقلال وقصدا بالذات، لا بالتبع، وإن كانت أجزاء المبيع داخلة فيه
~~ضمنا.
# وظاهر الرواية (1) وفتاوى الأكثرين (2); الاختصاص بالاشتراء، وهو مقتضى
~~الأصل.
# وألحق الشهيد مطلق الانتقال كالهبة وغيرها (3)، وهو مشكل.
# وقد يقال: الأحوط أن يشترط الخمس في ضمن عقد الانتقال، بل في البيع أيضا;
~~ليندفع الإشكال بالمرة.
# وذكر الشهيدان - رحمهما الله - أن الإمام أو الحاكم يتخير بين أخذ خمس
~~العين أو خمس الانتفاع (4).
# ولعل المراد أنه ليس للذمي أن يمتنع من العين ويقبل الانتفاع، وللإمام أن
~~يلزمه بإعطاء العين وأن يقبل الانتفاع لو رضي به الذمي، لا أن له إلزامه
~~بالانتفاع إذ لم يدل الحديث إلا على تعلق الخمس بالعين.
# وهنا احتمال ضعيف، وهو أن يكون تمام الأرض للذمي وعليه خمس منافعها، كما
~~في قولهم: من زرع الأرض الفلانية فعليه العشر، ولا يستفاد من الرواية (ولعل
~~وجهه قابلية الحديث لكليهما) (5).
# وأما أخذ قيمة العين فلا دليل عليه، إلا أن يرى الحاكم الصلاح فيه إذا
~~رضي به
# PageV04P335
# الذمي، ولا دليل على جواز إلزامه بها، ولو فرض أخذ القيمة فيجئ على أصل
~~المسألة وجوب الخمس عليه في ذلك الخمس; لأنه أيضا ملك اشتراه من صاحب
~~الخمس، وهكذا إلى أن لا يبقى شئ.
# والمراد بخمس الانتفاع ينبغي أن يكون خمس أجرة المثل، لا خمس ما ينتفع به
~~الذمي; إذ قد يتفاوت بالوجود والعدم والقلة والكثرة بسبب ترك الزرع وإساءته
~~ونحو ذلك، فيؤخذ منه ذلك في كل عام.
# وعلى القول بشمول الأرض المشغولة بالبناء والأشجار فتقدر الأرض المشغولة
~~بكون الشاغل مستحقا للبقاء بأجرة لصاحب الأرض، ويؤخذ منه خمس أجرة مثل تلك
~~الأرض.
# وقد يحتمل هنا تقدير الأرض خالية عن الشاغل وأخذ خمس أجرتها كذلك.
# وهو بعيد; لعدم تعلق حق الخمس بها خالية، بل كان مقارنا بالشاغل.
# وأما لو أريد أخذ العين على هذا التقدير فعلى فرض (إفراز) خمس العين فلا
~~مناص عن أخذ أجرة مثل الخمس; ms1133 لعدم التسلط على منع الذمي عن التصرف في
~~الشواغل.
# ولو باع الذمي هذه الأرض لذمي آخر لا يسقط خمسه، بل ولا يسقط لو باعها
~~لمسلم أيضا; فيبطل البيع في مقدار الخمس، ويتخير المشتري مع الجهل لتبعض
~~الصفقة.
# وكذلك لا يسقط بإقالة المسلم له في البيع، فيسترد الذمي من الثمن ما قابل
~~غير خمس الأرض، فهي في الحقيقة إقالة في بعض المبيع; لخروج الخمس عن ملكه
~~قسرا وإن لم يسلمه إلى المستحق بعد، ولا يعود إلى البائع بالإقالة.
# ولا فرق في ذلك بين ما لو قاطعه على المنفعة أم لا.
# وأما على الاحتمال الضعيف المتقدم فيصح التراد في الكل، لكن على الذمي
~~أرش عين الخمس، وصيرورتها معينة بسبب تعلق وجوب خمس المنفعة، ويتعلق حينئذ
~~بالبائع لتبعيته للعين.
# وربما احتمل سقوطه هنا; لأن الإقالة فسخ للبيع، فكأن البيع لم يقع من
~~المسلم أصلا. PageV04P336
# ويضعف بأن الفسخ إنما هو من حين الإقالة، لا من حين العقد.
# ولا فرق بين أن تكون الأرض مما يتعلق بها الخمس كالمفتوحة عنوة أو لا;
~~لإطلاق النص والفتوى.
# ويتصور ذلك بأن نقول بجواز بيعها تبعا للآثار كما هو التحقيق، أو يكون
~~المبيع هو حصة الخمس من تلك الأراضي، أو بأن يبيعها الحاكم لأجل مصالح
~~العسكر مثلا، لإطلاق النص والفتوى.
# السابع: إذا اختلط الحلال بالحرام، ولم يتميز مقدار أحدهما من الآخر ولا
~~مستحقه، فالمشهور بين الأصحاب، سيما المتأخرين وجوب اخراج الخمس (1).
# ونسبه في المنتهى إلى أكثر علمائنا (2)، وفي المعتبر إلى كثير من علمائنا
~~(3)، وفي المختلف إلى الشيخ (4) وأبي الصلاح (5)، وابن إدريس (6)، قال: ولم
~~يذكره ابن الجنيد، ولا ابن أبي عقيل، ولا المفيد (7).
# أقول: وروى المفيد في باب الزيادات، عن الصادق عليه السلام: عن رجل اكتسب
~~مالا من حلال وحرام، ثم أراد التوبة عن ذلك، ولم يتميز له الحلال بعينه من
~~الحرام، فقال: " يخرج منه الخمس وقد طاب، إن الله تعالى طهر الأموال بالخمس
~~" (8) وظاهره العمل عليه، وعن ابن زهرة دعوى الاجماع عليه (9).
# PageV04P337
# وتأمل فيه جماعة من محققي المتأخرين، كالمحقق ms1134 الأردبيلي (1) رحمه الله
~~وصاحب المدارك (2)، وصاحب الكفاية (3)، وغيرهم (4).
# ويظهر من الشهيد في البيان التوقف في كون ذلك هو الخمس المصطلح (5)،
~~وسيجئ كلامه.
# قال في المدارك بعد القدح في الروايتين الآتيتين من حيث السند وعدم ذكر
~~المصرف فيه: إن المطابق للأصول وجوب عزل ما يتيقن انتفاؤه عنه والتفحص عن
~~مالكه إلى أن يحصل اليأس من العلم به، فيتصدق به على الفقراء، كما في غيره
~~من الأموال المجهولة المالك.
# وقد وردت بالتصدق بما هذا شأنه روايات كثيرة (6) مؤيدة بالإطلاقات
~~المعلومة وبالاعتبارات العقلية، فلا بأس بالعمل بها إن شاء الله تعالى (7)،
~~انتهى.
# حجة المشهور: ما رواه الشيخ، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال: " إن رجلا أتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير
~~المؤمنين إني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من
~~ذلك المال، فإن الله عز وجل قد رضي من المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه
~~يعلم " (8).
# وما رواه في الكافي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "
~~أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: إني اكتسبت مالا أغمضت في مطالبه
~~حلالا وحراما، وقد أردت التوبة، ولا أدري الحلال منه من الحرام، وقد اختلط
~~علي، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:
# PageV04P338
# تصدق بخمس مالك، فإن الله قد رضي من الأشياء بالخمس، وسائر المال لك حلال
~~" (1).
# وروى الصدوق في الفقيه مرسلا قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه
~~السلام، فقال:
# يا أمير المؤمنين أصبت مالا أغمضت فيه، أفلي توبة؟ قال: " إيتني بخمسه "
~~فأتاه بخمسه فقال: " هو لك، إن الرجل إذا تاب، تاب ماله معه " (2).
# ولا ينبغي القدح في سندها مع ورودها في الأصول المعتمدة، سيما الكافي
~~والفقيه، وعمل كثير من الأصحاب، بل أكثرهم (3)، مع الاجماع المنقول (4)،
~~وسنذكر الخبر الصحيح أيضا (5) وإن لم يذكروه في مقام الاستدلال.
# لكن الإشكال إنما هو في دلالة الروايات المذكورة، وأن المراد بها هل هو
~~الخمس المصطلح، أو المعنى اللغوي، فيمكن القدح بأن الأظهر وإن كان ثبوت
~~الحقيقة ms1135 الشرعية، لكن ثبوتها حتى في زمان أمير المؤمنين عليه السلام في محل
~~المنع.
# سلمنا، لكن الخمس ليس من باب سائر الألفاظ مثل الصلاة والصوم والزكاة،
~~فإن هذا اللفظ اسم مرتبة من مراتب الكسور، وهو باق على حقيقته جزما في
~~العرف واللغة والشرع، فغاية الأمر ثبوت الاشتراك اللفظي، فيرجع في تعيين
~~المراد إلى القرينة.
# ولا ريب أن التصدق في الرواية الثانية قرينة على إرادة الوضع اللغوي،
~~سيما على ما هو المشهور بينهم من حرمة مطلق الصدقات الواجبة على بني هاشم
~~(6)، وإن كان الأقوى خلافه.
# وإطلاق الصدقة على الخمس أحيانا لا يقتضي كونها حقيقة فيه; لأن الاستعمال
# PageV04P339
# أعم، مع أن ظهور كون الصدقة والتصدق حقيقة في غير الخمس ليس بأقل من دعوى
~~الحقيقة الشرعية في الخمس، بل هو أظهر.
# فإن قلت: إن الأمر باخراج الخمس بدون ذكر المصرف ولا ذكر لفظ يدل على
~~المصرف كالتصدق في الحديث الثاني أيضا قرينة على إرادة الخمس المصطلح
~~المعهود.
# قلت: إن أردت من المعهود هو المذكور في الآية المنقسم على الأقسام الستة،
~~فيلزم منه دخول الميراث في الغنائم، والمال المختلط قد يكون ميراثا وهم قد
~~أخرجوه، مع أنهم قد يستشكلون في المصرف في غير ذلك أيضا كالأرباح، فإن
~~بعضهم يخصونه بالإمام مع أنه خمس عندهم، فإن كان هؤلاء يحملون الخمس الوارد
~~في الأخبار في باب الأرباح على ما هو المذكور في الآية فما وجه الإشكال؟
~~وإن كانوا يحملونه على الأعم كما يستفاد من بعض الأخبار الدالة على حكم
~~الأرباح، فيمكن أن يكون هذا الخمس أيضا مصرفه غير ما هو المذكور في الآية
~~وفي تلك الأخبار، وهو غير معلوم لنا.
# سلمنا، ظهور ما في الرواية الأولى في الخمس المصطلح، لكن ظهور الرواية
~~الأخرى يدفعه وتغلب عليها أو تتساقطان.
# فالأصل وكل ما دل على أن مجهول المالك يتصدق به على الفقراء يرجح الحمل
~~على المعنى اللغوي، فالأصل أن اخراج الخمس واجب، لكن لا يتعين إيصاله إلى
~~مصرف خمس الغنائم، بل يجوز دفعه إلى مطلق الفقراء.
# ولكن الأحوط أن ms1136 يصرف إلى فقراء بني هاشم، فإنه إن كان من باب مجهول
~~المالك فالأظهر جواز صرفه إليهم، لما مر في كتاب الزكاة (1) من عدم ثبوت
~~الدليل على حرمة غير الزكاة والفطرة الواجبتين على بني هاشم، سواء كانت
~~واجبة أو مستحبة، زكاة كانت أو غيرها.
# وإن كان من باب الخمس فقد وصل إلى مصرفه، فإن حصة الإمام عليه السلام
~~يجوز
# PageV04P340
# صرفها إلى فقراء بني هاشم في حال غيبته أيضا على الأظهر كما سيجئ تحقيقه
~~(1).
# وقال الشهيد في البيان: ظاهر الأصحاب أن مصرف هذا الخمس أهل الخمس، وفي
~~رواية " تصدق بخمس مالك، فإن الله رضي من الأموال بالخمس " (2) وهذه تؤذن
~~أنه في مصارف الصدقات; لأن الصدقة الواجبة محرمة على مستحق الخمس (3).
# هذا، ولكن الصدوق في الخصال روى في الصحيح عن عمار بن مروان قال:
# سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " فيما يخرج من المعادن والبحر
~~والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس " (4).
# ثم قال في الخصال: وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الخمس على خمسة
~~أشياء:
# على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة " ونسي ابن أبي عمير الخامس (5)،
~~قال مصنف هذا الكتاب: أظن الخامس الذي نسيه ابن أبي عمير مالا يرثه الرجل
~~وهو يعلم أن فيه من الحلال والحرام ولا يعرف أصحاب الحرام فيؤديه إليهم، أو
~~لا يعرف منه بعينه فيجتنبه، فيخرج منه الخمس، انتهى كلامه رحمه الله.
# وسوق الرواية دليل على إرادة الخمس المصطلح، فهذه الرواية، مع ظهور عمل
~~جمهور الأصحاب، وظاهر الاجماع المنقول يكفي في ذلك، فالمختار وجوب إيصال ما
~~لم يعرف صاحبه والقدر إلى أرباب الخمس المصطلح، ومصرفه مصرف سائر الأقسام
~~وإن لم نقل بدخوله في الآية، إذا كان من باب الميراث; لظاهر الصحيحة
~~المذكورة، وإطلاق مرسلة حماد بن عيسى (6)، ومرسلة أحمد بن محمد (7)
~~الآتيتين في
# PageV04P341
# تقسيم الخمس.
# وقد مر أن ظاهر العلامة أيضا دعوى الاجماع على أن مصرف الخمس في كل ما
~~يجب فيه الخمس هو مصرف خمس الغنائم.
# وقد يستدل على وجوب الخمس في هذا ms1137 القسم بحسنة الحلبي المتقدمة في خمس
~~الغنائم (1)، وقد عرفت ضعف العمل عليها إن أريد بها الغنيمة الحاصلة من حرب
~~الكفار بدون إذن الإمام، مع أنه غير ما نحن فيه، وإن أريد بها ما يحصل من
~~عمالتهم وولايتهم، كما يشعر به لفظ الديوان أو الأوان في موضع اللواء في
~~بعض النسخ، فلا دلالة فيه على ما نحن فيه.
# وفي معناها موثقة عمار أيضا، عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن أعمال
~~السلطان يخرج فيها الرجل، قال: " لا، إلا أن لا يقدر على شئ يأكل ولا يشرب،
~~ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى أهل البيت "
~~(2).
# ورواية الحكم بن علباء الأسدي، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت
~~له: إني وليت البحرين فأصبت بها مالا كثيرا، واشتريت متاعا، واشتريت رقيقا،
~~واشتريت أمهات أولاد، وأنفقت، وهذا خمس ذلك المال، وهؤلاء أمهات أولادي
~~ونسائي وقد أتيتك به، فقال: " أما إنه كله لنا، وقد قبلت ما جئت به، وقد
~~حللتك من أمهات أولادك، ونسائك وما أنفقت، وضمنت لك عليه وعلى أبي الجنة "
~~(3).
# فالأولى حمل تلك الأخبار على الاستحباب فيما يحصل من ولاية الظالمين إذا
~~لم يكن حراما، وإلا فيجب رده إلى أربابه، وربما يستدل بموثقة عمار على
~~استحباب تخميس جوائز الظالم إذا كانت مشتبهة لتزول الكراهة.
# PageV04P342
# ويحتمل أن يكون كل ما يحصل من عمالتهم من باب الأنفال، كما مر فيما يغنم
~~في عسكرهم من دار الحرب، فيكون اكتفاء الإمام بالخمس من باب العفو والتحليل
~~عن الباقي، كما تدل عليه الرواية الأخيرة.
# مع أن الرواية الأخيرة ربما كانت مبتنية على أن البحرين كانت من الأنفال;
~~لكون أرضه مما انجلى أهلها، وكذلك البحر كما يستفاد من بعض الأخبار، وكان
~~حكم الأنفال في زمن الإمام أنه لو تصرف فيه متصرف بإذن الإمام كان خمسه
~~للإمام، ولكن الإمام كان يتعامل معه معاملة الخمس كما يظهر من الكليني في
~~الكافي (1)، وإذا كان بغير إذن الإمام فالجميع للإمام، وما ذكره - رحمه
~~الله - مطابق للرواية ms1138 وغيرها من الروايات (2)، وسيجئ تمام الكلام في
~~الأنفال.
# والحاصل: أن ما يمكن به الاستدلال في المسألة من الأخبار هو ما قدمناه
~~أولا.
# هذا كله إذا جهل مقدار الحرام رأسا وصاحبه قطعا، وهو المتبادر من
~~الروايتين أيضا; إذ الظاهر من الفعل المنفي هو العموم، فالمراد عدم المعرفة
~~من جميع الوجوه.
# ولكن كلمات كثير من علمائنا (3) كظاهر صحيحة عمار المتقدمة (4) مطلقة
~~تقتضي وجوب الخمس وإن علم زيادة الحرام على الخمس، أو على صورة غلبته على
~~الحرام، بل صرح بعضهم بذلك كالمحقق في المعتبر (5); فإنه قال: ولا يعتبر في
~~غنائم دار الحرب ولا في الأرض التي ابتاعها الذمي من المسلم، ولا في المال
~~المختلط حرامه بحلاله مقدار، بل يجب فيه الخمس مطلقا من غير تقدير.
# قال الشيخ: إذا اختلط الحلال بالحرام حكم بالأغلب، فإن كان الأغلب حراما
# PageV04P343
# احتاط في اخراج الحرام، وكذا لو ورث ما لم يعلم أن المورث جمعه من محظور
~~ومحلل بأن غلب على ظنه أو علم أن الأكثر حرام; احتاط في اخراج الحرام منه،
~~وإن لم يتميز له أخرج الخمس وصار الباقي حلالا (1).
# وما ذكره الشيخ تفصيل لم تدل عليه الرواية، فإن كانت عنده ثابتة فتفصيله
~~غير لازم.
# أقول: ويقرب من كلام الشيخ كلام ابن إدريس (2)، وكلامهما في التفصيل وإن
~~كان أحسن من الإطلاق مطلقا كما يظهر من المحقق، إلا أن الأولى ما ذكره
~~جماعة من المحققين في التفصيل (3)، وهو أن وجوب اخراج الخمس إنما هو إذا
~~جهل القدر والمستحق من جميع الوجوه، كما هو ظاهر الروايتين، ولا يبعد تنزيل
~~إطلاق الصحيحة على ذلك أيضا.
# أما إذا علم المالك والمقدار، فلا ريب في وجوب الإيصال إليه.
# وإن علم القدر معينا دون المالك، فالأقوى وجوب التصدق به عن المالك مع
~~اليأس من المالك، مساويا كان لخمسه أو أزيد أو أنقص; لعدم اندراجه في مدلول
~~هذه الأخبار، فيكون من باب المال المجهول المالك.
# ومقتضى إطلاق فتاويهم والأخبار الواردة فيه التصدق به، ومقتضى بعض
~~الأخبار الواردة فيها أنها من باب الأنفال، والظاهر في ms1139 مثلها أيضا في أمثال
~~هذا الزمان جواز التصدق.
# ولا بأس بذكر بعض الأخبار، وهو ما رواه في الكافي في الصحيح، عن يونس،
~~قال:
# سألت عبدا صالحا عليه السلام، فقلت: جعلت فداك كنا مرافقين القوم بمكة
~~وارتحلنا عنهم وحملنا بعض متاعهم بغير علم وقد ذهب القوم ولا نعرفهم ولا
~~نعرف أوطانهم وقد بقي المتاع عندنا، فما نصنع به؟ قال: فقال: " تحملونه حتى
~~تلحقوهم بالكوفة ".
# PageV04P344
# قال يونس، فقلت له: لست أعرفهم، ولا ندري كيف نسأل عنهم قال، فقال:
# " بعه وأعط ثمنه أصحابك " قال، فقلت: جعلت فداك أهل الولاية؟ فقال: " نعم
~~" (1).
# وقريبا منه روى الشيخ في الصحيح عن الرضا عليه السلام (2).
# ورويا أيضا، عن يونس، عن نصر بن حبيب صاحب الخان، قال: كتبت إلى عبد
~~صالح: قد وقعت عندي مائة درهم وأربعة دراهم وأنا صاحب فندق، فمات صاحبها
~~ولم أعرف له ورثة، فرأيك في إعلامي حالها، وما أصنع بها، ضقت بها ذرعا؟
~~فكتب: " أعمل فيها وأخرجها صدقة قليلا قليلا حتى تخرج " (3).
# قال المحقق الأردبيلي - رحمه الله - في كتاب اللقطة: إن هذا هو المشهور
~~برد المظالم (4).
# وقال العلامة المجلسين رحمه الله - ووالده الفاضل المتقي - رحمه الله -:
~~إن هذا والقسم الأول، يعني ما لا يعلم القدر والمالك هما المشهوران برد
~~المظالم، وجوزا إعطاءهما السادات وغيرهم.
# وكيف كان فلا ريب في تفاوت الحال في المصرف من حيث الدليل، فإن الأول مما
~~وقع فيه النزاع العظيم، والمشهور أن مصرفه مصرف الخمس، وقد عرفت أنه
~~الأقوى، بخلاف هذه، فإن المشهور جواز التصدق به، ولم يشترطوا فيه إذن
~~الحاكم، ولا عدالة المتصرف، ولا عدالة المستحق.
# وجوز المحقق الأردبيلي أيضا التصدق به على السادات (5)، وهو على الأظهر
~~كما مرت الإشارة إليه سابقا، وعلى القول بتحريم مطلق الصدقة الواجبة على
~~السادات يجئ القول بالعدم
# PageV04P345
# وبذلك صرح في المسالك حيث قال: ولو علم القدر خاصة وجبت الصدقة به على
~~مستحق الزكاة لحاجته (1)، وكذا الشهيد في البيان (2).
# وذهب جماعة منهم العلامة في التذكرة (3) في صورة الزيادة عن الخمس إلى
~~وجوب اخراج الخمس ثم ms1140 التصدق بالزائد، ووجهه غير ظاهر.
# وإن علم القدر مجملا، مثل أنه يعلم أنه يزيد على الخمس ولا يعرف قدر
~~الزيادة، قال العلامة: يجب اخراج الخمس ثم ما يغلب على الظن في الزائد (4).
# ولعله أراد الصدقة كما اختاره في المسالك وصرح به. واحتمل في المسالك كون
~~المجموع صدقة، وكون المجموع خمسا (5)، والأخير في غاية البعد.
# وأما لو علم أنه أقل من الخمس ولم يعرف قدره قال في المسالك: اقتصر على
~~اخراج ما تتحقق معه براءة الذمة، ويحتمل الاكتفاء بالظن، وهل هو خمس أو
~~صدقة؟
# وجهان، ولا ريب أن جعله خمسا أحوط (6).
# أقول: لا وجه لجعله خمسا، بل هو صدقة يجوز إعطاؤها الفريقين، وأما
~~الاقتصار على اخراج ما تتحقق به البراءة أو الظن وإن كان لكل وجه، ولكن
~~الاقتصار على اخراج ما يتيقن انتفاؤه عنه كما احتمله في المدارك قويا أيضا
~~(7) وجه، وهو موافق لأصالة البراءة.
# ويجري هذا الكلام في تعيين الزائد عن الخمس في الصورة المتقدمة.
# ويجري في كل نظائره، مثل أنه يعلم اشتغال ذمته بالخمس أو بالزكاة ولا
~~يعرف القدر، فإن أصالة البراءة تقتضي عدم اشتغال الذمة إلا بالمتيقن،
~~والقول باستصحاب شغل الذمة والاعتماد عليه إنما يتم في القدر الثابت من
~~الاشتغال.
# PageV04P346
# فإن قلت: إن الغاصب المصر على الظلم إذا غصب مال أحد ونسي مقداره وأريد
~~الانتزاع منه، فكيف يكتفى بأخذ ما يتيقن من المقدار مع أنه حين الغصب صار
~~ضامنا لما أخذه في الواقع؟ فلو أراد الخلاص عما كتبه الكرام الكاتبين حين
~~الأخذ في زبر أعماله فكيف يعتمد على أصالة البراءة عن الزائد؟ وكذلك إذا
~~غصب صرة من دنانير لا يعرف قدرها وأخرجها تدريجا في معيشته.
# نعم قد لا يمكن للحاكم إجباره على الزائد إن لم يقدر المدعي على الإثبات
~~مثلا، وعدم ثبوت التكليف حينئذ على الزائد ظاهرا لا ينفي كونه مكلفا بإزاحة
~~ما في كتاب عمله.
# فإن قيل: التكليف به تكليف بما لا يطاق، حيث إنه جاهل به.
# قلنا: إنه مقدور بإتيان مقدمته، وهو الإتيان بما يتيقن معه ms1141 البراءة، مع
~~أنه هو الباعث على هذا التكليف، ولا مانع عقلا عندنا أيضا.
# نعم لو تاب وندم وأراد الخلاص فلعله يمكن القول بعدم جواز التكليف بما لا
~~يطاق، ولكن المفروض أنه ليس فوق طاقته، فلا يجدي هذا الكلام في شئ.
# نعم هذا الكلام يجري في قضاء الفوائت مع التوبة; إذ المعيار هنا هو الفرض
~~الجديد على التحقيق، واشتغال الذمة بشئ في الوقت لا يثبت وجوب رفعه في خارج
~~الوقت، ولا ينصرف عموم " فليقض ما فاتته " إلى المجهول كما لا يخفى، وهذا
~~أيضا إنما يجري فيما نسي الفائت من الأصل، وأما لو كان متذكرا له بعد الوقت
~~ثم نسي فيجري فيه الكلام السابق.
# وبالجملة: الذي ثبت من الحديث النبوي صلى الله عليه وآله عدم المؤاخذة
~~على المعصية نسيانا، لا أن نسيان المعصية يمحوها عن كتاب الأعمال، فلا يمكن
~~أن يقال: الآن نحن مكلفون بتدارك المعصية، ولم يثبت هذا التكليف إلا بما
~~يتيقن الاشتغال به الآن.
# قلت: إن استصحاب اشتغال الذمة إنما يدل على وجوب رد العين المغصوبة مهما
~~أمكن، وإذا تلفت العين أو اختلطت بحيث لم تتميز، فالتكليف إنما هو التوبة
~~ورد المثل أو القيمة، وهذا التكليف تكليف جديد، وإن كان منشؤه سبب التكليف
~~القديم، PageV04P347
# فيحتاج في إثبات هذا التكليف وتجديده إلى دليل شرعي، وأصل البراءة وأصل
~~العدم من الأدلة الشرعية. وحيث يحتاج في تحديد (1) المثل إلى تحديد مقدار
~~العين، ولا يمكن إلا بذلك بالفرض، فنقول: إذ التكليف بمثل ما في نفس الأمر
~~غير متيقن، ولا ظني، بل مرجوح; لأن ظاهر الأمر بإعطاء المثل إنما هو فيما
~~علمت حقيقة المثل، ولو قلنا بإرادة نفس الأمر للزم في مثل قوله تعالى: *
~~(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (2) أن المعتدى عليه
~~إذا كان جاهلا بالمقدار لجاز له الأخذ بالمثل النفس الأمري، وهو غير ممكن
~~في حقه، فالأصل يقتضي كون التالف هو الأقل، فيجب علينا اخراج مثله، كما في
~~استصحاب النجاسة والرجوع في المطهر إلى أقل الأمرين بسبب الرجحان الظني في ms1142
~~أحدهما بحسب الدليل الشرعي أو التخيير واختيار الأقل لأصل البراءة، كما لو
~~تردد مطهر البئر بين نزح ثلاثين دلوا أو أربعين، وفي الولوغ بين الثلاث
~~والسبع، وقد بينا ذلك في القوانين.
# فنقول: الأصل عدم زيادة المال الحرام في نفس الأمر عن الأقل، ويلزمه عدم
~~اشتغال الذمة بالزائد، وهذا الكلام في المال الذي وصل إليه من الغير أوضح،
~~سيما إذا كان الغير حيا.
# وأوضح منه: ما لو استقرض أحد تدريجا وشك في الزائد; لعدم تيقن الاشتغال
~~حينئذ، ولو ثبت فالظاهر أن النسيان يمحوه مع عدم التقصير وصدق النية.
# هذا كله إذا جهل المالك، فإن علم المالك، وجهل المقدار، فقيل: تجب
~~مصالحته إن كان حيا، أو وارثه إن كان ميتا، وإن لم يكن له وارث فهو من
~~الأنفال، وسيجئ مصرفها (3).
# PageV04P348
# وقال في التذكرة: إن عرف صاحبه وجهل قدره صالحه أو أخرج ما يغلب على ظنه،
~~وإن لم يصالحه مالكه أخرج خمسه إليه; لأن هذا القدر جعله الله تعالى مطهرا
~~للمال، هذه عبارة التذكرة (1).
# ولكنه في المسالك ذكر هكذا: ولو علم المالك خاصة صالحه، وإن أبى قال في
~~التذكرة دفع إليه خمسه مع الجهل المحض بقدره أو ما يغلب على الظن وإن علم
~~زيادته عنه أو نقصه; لأن هذا القدر جعله الله مطهرا للمال (2).
# ولعله نقل بالمعنى على ما فهمه، وليس ببعيد من كلامه.
# وقال في المدارك: الاحتياط يقتضي وجوب دفع ما يحصل به يقين البراءة، ولا
~~يبعد الاكتفاء بدفع ما يتيقن انتفاؤه عنه (3). وتبعه بعض محققي من تأخر عنه
~~(4)، ويجئ فيه الإشكال السابق ودفعه.
# ولو علم أنه أحد جماعة محصورين، قال في المدارك: وجب التخلص من الجميع
~~بالصلح (5).
# أقول: ويمكن القول بعدم وجوب دفعه إلى أحدهم، ولا وجوب مصالحتهم، فيكون
~~من باب الدرهم الحرام المجهول في صرة من الدراهم، فإن الأوفق بالأصل
~~والدليل هو جواز اخراج كل واحد واحد منها حتى يتم الجميع، ولكنه تشتغل ذمته
~~بالدرهم فيجب رده إلى صاحبه، أو العمل على مقتضاه، إن لم يعرفه كما حققناه
~~في القوانين، ms1143 وهو أحد الأقوال في مسألة الشبهة المحصورة، وليس من متفرداتي.
# فنقول فيما نحن فيه: إنه لا يجب دفعه إلى أحد من هؤلاء; لعدم علمه بكونه
~~منه، فلا يجب دفعه إلى هذا ولا إلى هذا، وهكذا إلى آخرهم، ولم يشتركوا فيه
~~جميعا
# PageV04P349
# بالفرض حتى يلزم استرضاؤهم، فيصير من باب المجهول المالك، فيصرف إلى
~~الفقراء.
# وهذا أظهر دليلا وأوضح سبيلا من الصلح، مع أنهم قد لا يرضون به، والإجبار
~~عليه لا دليل عليه بالخصوص، والرجوع إلى القرعة أيضا كما هو أحد الأقوال في
~~الشبهة المحصورة احتمال.
# فروع:
# الأول: إذا تلف المال المذكور فيجب مساوي الخمس منه أو ما يقوم مقامه;
~~للاستصحاب، ولأن ذلك للتطهير ورفع اشتغال الذمة كما يظهر من الرواية، وأن
~~ذلك جزء التوبة.
# وأما لو مات من كان عنده مثل ذلك المال وكانت ذمته مشتغلة بهذا الخمس أو
~~ما يقوم مقامه، فإن حصل العلم للوارث أو الوصي ببقائه في ذمته فيجب عليهم
~~الأداء، وإن لم يكن وارث أو وصي، فالحاكم يقوم مقامهما، وإن فقد فعدول
~~المؤمنين، ولا يكفي استصحاب الحال السابق هنا.
# وكذلك الكلام في الزكاة والخمس وغيرهما، ولذلك لا يكتفون في اخراج الدين
~~من مال الميت بالإثبات الشرعي حتى يضم إليه اليمين الاستظهاري، فإذا رفع
~~النصاب ولم يؤد الزكاة، بل وإن لم يرض البيدر فيما احتمل اخراجه بالخرص أو
~~غيره أيضا ومات، فلا يحكم باخراج الزكاة من ماله; لاحتمال إبراء ذمة فقير
~~غريم له بما يساوي زكاته ونحو ذلك، وهكذا في رد المظالم.
# الثاني: ظاهر الأخبار تعلق الخمس وما يقوم مقامه بعين المال، ولكن
~~إطلاقها يقتضي التخيير بين اخراج الخمس من أي نوع منه شاء، ولا يدل على
~~لزوم الإخراج من الجميع، ولا يبعد الاكتفاء بالبدل من أمثال المال بالقيمة
~~أيضا كما في الزكاة، ولم أجد تصريحا في المسألة في كلامهم. PageV04P350
# الثالث: لو أخرج الخمس ثم ظهرت الزيادة المعلومة أو المجهولة; فعلى مختار
~~صاحب المدارك (1) ونظرائه (2) فالجميع صدقة، وعلى كون المخرج خمسا فيحتمل
~~اخراج الزائد صدقة، ويحتمل استدراك الصدقة ms1144 في الجميع بالاسترجاع إن أمكن،
~~وإلا فيجزئ فيه ويتصدق بالزائد.
# الرابع: لو تبين المالك بعد الإخراج ففي الضمان وعدمه وجهان، بل قولان،
~~أولهما للشهيدين (3)، وقوى الأخير صاحب المدارك (4)، وهو أوفق بالأصول.
# الخامس: إذا كان الحرام مختلطا في بعض ماله فيعتبر الخمس في المختلط لا
~~المتميز، ولو كان خليط الحرام مما يجب فيه الخمس كالمعادن والغوص والأرباح
~~فقال في البيان: لم يكف خمس واحد; لأنه ربما يكون بإزاء الحرام، بل يجب
~~الاحتياط هنا بما يغلب على الظن من خمس الحلال، ثم خمس الباقي بعد الحلال
~~المظنون، ولو تساوى الاحتمالان في المقدار احتمل إجزاء خمس واحد; لأنه يأتي
~~على الجميع (5).
# وقال في المسالك: ولو كان الخليط مما يجب فيه الخمس لم يكن هذا الخمس
~~كافيا عن خمسه، بل يخرج الخمس لأجل الحرام أولا أو ما يقوم مقامه، ثم يخمس
~~الباقي بحسبه من غوص أو مكسب (6).
# أقول: والأقرب ما في المسالك; لأن رفع نكاية الحرام إنما هو بدفع خمس
~~المجموع المركب من الحلال والحرام، وبعد وضع خمس الحلال يصير خمس المختلط
~~أقل،
# PageV04P351
# وقد لا يرفع ذلك نكاية الحرام الواقعي، وكذلك إذا كان التكليف التصدق
~~بالزائد على الخمس أو الأقل فيخرج ذلك ثم يخمس الحلال بحسبه، يعني بحسب ما
~~يعلم من حاله من كونه أكثر من الحرام أو أقل بحسب الظن، أو البناء على
~~المبرئ للذمة يقينا، أو على ما يتيقن أنه ليس أقل منه فيخمس على مقتضاه.
# وذلك لا يستلزم تكرار الخمس في مال واحد، فخمس مال الحلال إنما يتعلق
~~بذات المال الحلال، وخمس المختلط إنما يتعلق بالحرام، يعني هذا القدر من
~~مجموع المالين هو عوض نفس الحرام والرافع لنكايته، سواء كان مساويا له في
~~الواقع أو أزيد أو أنقص، وإن كان ولا بد فليخمس ما بقي من بعد خمس الحلال.
# وأما تخميس الباقي بعد الحلال المظنون كما ذكره - رحمه الله - فليس
~~تخميسا لمجموع المال المختلط كما هو واضح.
# وبالجملة: ما يتوهم من بعض الأخبار، أو ملاحظة ما ورد في الزكاة من عدم ms1145
~~تعدد الحق في المال (1) ليس دلالته فيما نحن فيه بأقوى من دلالة الأخبار
~~على وجوب تخميس المجموع لأجل المختلط بالحرام، بل الثاني أقوى.
# نعم لو كان يقول: خمس الباقي بعد خمس الحلال المظنون، لكان له وجه، وإن
~~كان الأوجه ما ذكرنا.
# تنبيهان:
# الأول: قال المحقق في الشرائع: الخمس يجب في الكنز، سواء كان الواجد له
~~حرا أو عبدا، صغيرا أو كبيرا، وكذا المعادن والغوص (2). ومثل ذلك ذكر
~~العلامة في الإرشاد (3).
# ويظهر منهما أنه لا خمس على مال العبد والصغير بل والمجنون في غير
~~الأصناف
# PageV04P352
# الثلاثة، وقد عرفت سابقا الكلام في المعدن والكنز والاستدلال بالعمومات
~~(1).
# وأقول هنا: إن أرادوا من العموم عموم الآية فمع أن المتبادر منها - بعد
~~وضوح كون المخاطب بها المكلفين - أن الخمس في أموال نفس المكلفين لا المولى
~~عليهم أيضا، أنه يتم في الأرباح والفوائد أيضا، فلا وجه للتخصيص، بل وفي
~~المال المختلط بالحرام أيضا على وجه.
# وإن أرادوا مثل قولهم عليهم السلام في المعادن: " عليها الخمس " أو " فيه
~~الخمس " وكذلك: " الكنز فيه الخمس " ففيه: أن هذه الأخبار إن جعلت من باب
~~الأحكام الطلبية كما هو الظاهر من الجملة الخبرية; فيرد عليه ما يرد على
~~الآية من أن المتبادر إرادة مال نفس المكلف كما في قولهم عليهم السلام "
~~فيما سقت السماء العشر " (2) و " في خمس من الإبل شاة " (3) ونحوهما.
# وإن جعلت من باب حكم الوضع، وبيان أن حق أرباب الخمس ثابت في هذه الأموال
~~بعد اخراجها، فمع أنه يحتاج في إثبات الوجوب منها على المكلفين إما إلى
~~التمسك بدليل من الخارج، أو ارتكاب المحذور السابق في دلالة اللفظ، على أن
~~ذلك واجب على جنس المكلفين وإن كان يحتاج إلى التفصيل، فيخرج المكلف من مال
~~نفسه، وإن منع فالحاكم يخرجه، والولي يخرج عن الصغير، ونحو ذلك.
# فنقول: إن مثل ذلك موجود في الأرباح مثل موثقة سماعة القائلة بأن الخمس
~~في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير (4)، بل وفي المال المختلط بالحرام
~~أيضا مثل صحيحة عمار بن مروان ms1146 المتقدمة (5)، فإما يعتمد على الأصل وعدم
~~تكليف غير المكلفين ويدعى ثبوت الحكم في المعدن والكنز والغوص بالإجماع كما
~~ظهر من العلامة في التذكرة
# PageV04P353
# في الكنز (1)، بل في المنتهى: في المعدن أيضا (2).
# أو يدعى العموم ويثبت ويدعى اخراج الأرباح والمال المختلط بالإجماع،
~~والأمر في المال المختلط أصعب، سيما في كثير من شقوقه; إذ لا وجه لتحليل
~~مال الغير لأجل الصغر، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا من طيب نفسه.
# وبالجملة: فالأظهر أنه لا يجب الخمس على مال غير المكلف في الأرباح
~~والمكاسب; للأصل، وعدم ظهور العموم، وكذا في المال المختلط مما جهل قدره
~~وصاحبه مطلقا، بل وفيما جهل صاحبه فقط أيضا لا يجب عليه شئ.
# ثم إن بقي المال على حاله حتى يحصل مناط التكليف فالظاهر عدم تعلق
~~التكليف حينئذ أيضا; فإن ظاهر الأخبار أن الخمس على ما يستفيده البالغ من
~~الأرباح، لا أنه يجب على البالغ وإن استفاد المال في حال عدم التكليف،
~~فكذلك الكلام في إصابة المال المختلط.
# وأما المعادن والكنز والغوص فمقتضى الأصل ومنع العموم وإن كان عدم
~~التعلق، ولكن ظاهرهم عدم الخلاف، فلعله هو الحجة.
# الثاني: لا ريب في عدم اعتبار النصاب في الأقسام الثلاثة الأخيرة، وكذا
~~الحول في غير الفوائد والأرباح، وأما فيها فالمشهور أيضا عدم الاعتبار لا
~~بمعنى وجوبه مضيقا حين حصول النفع بمقدار يفضل عن المؤونة في نظر المكتسب،
~~بل بمعنى أنه يتعلق به الوجوب حينئذ موسعا مراعى لتمام الحول، فيجوز
~~التأخير إلى تمام الحول احتياطا للمكتسب; لاحتمال زيادة مؤونة بتجدد سبب،
~~كتلف مال وهدم دار وتزويج وشراء عبد أو أمة أو حصول خسارة في التجارة ونحو
~~ذلك.
# ويجوز التعجيل، بل يستحب; للإطلاقات، وللمسارعة في الخيرات،
# PageV04P354
# والإرفاق بالفقير، ودفع الموانع المحتملة من وساوس النفس، وتسويل
~~الشيطان، وصلة الذرية الطيبة، وغير ذلك.
# وبالجملة: فالظاهر من الروايات (1) بعد التأمل التام أن الخمس إنما يجب
~~بعد ملاحظة المؤونة ووضعها في النظر، ووسعة المال لذلك في الظاهر، لا أن
~~الخمس يجب بعد صرف مؤونة العام.
# ثم إن ظهرت ms1147 زيادة الخمس على ما أعطاه بعد تمام الحول أتمه; لأن ما أعطاه
~~أولا تخميني، وإن ظهر عدم لزومه عليه لحصول نقصان أو زيادة مؤونة فإن تلفت
~~العين مع جهل المستحق بالحال فلا ضمان، وأما مع علمه بالحال أو بقاء العين
~~فيأتي عليه ما مر في الزكاة (2).
# ونسب العلامة في المختلف (3) والشهيد في الدروس (4) وصاحب المدارك (5)،
~~إلى ابن إدريس (6) عدم مشروعية الخمس قبل الحول، وكلامه وإن كان لا يخلو عن
~~تشابه، لكنه لا يخلو عن ظهور فيما ذكروه.
# وكيف كان فهو ضعيف; لأنه مخالف لإطلاق الأدلة.
# ولا ينافيها قولهم عليهم السلام: " بعد المؤونة " كما ذكرنا، مع أنه
~~يستلزم أنه لو تلف الربح قبل تمام الحول وكان فاضلا على المؤونة لم يكن
~~عليه شئ، وهو كما ترى.
# ثم إن الإشكال في تعيين مبدأ الحول فقال الشهيد في الدروس: ولا يعتبر
~~الحول في كل مكتسب، بل يبتدئ الحول من حين الشروع في التكسب بأنواعه، فإذا
~~تم خمس ما فضل (7).
# PageV04P355
# وقال الشهيد الثاني: مبدؤه ظهور الربح (1). وتبعه صاحب المدارك (2).
# وتظهر الثمرة فيما لو تفاوتت مؤونة العامين، فأول الشتاء مثلا إذا كان
~~مبدأ حول الزرع وأول الصيف كان مبدأ ظهور نفعه، فعلى القول الثاني تعتبر
~~مؤونة أول الصيف إلى الصيف الآخر، وعلى الأول تعتبر مؤونة ما تقدم من أول
~~الشتاء إلى الشتاء الآخر، وهكذا الكلام في الشروع في التجارة والكسب.
# والأقرب القول الأول، سيما على ما اخترناه سابقا (3) من مختار المحقق
~~الأردبيلي (4) - رحمه الله - من الوجوه الثلاثة في محل صرف المؤونة، مع أن
~~القول الثاني يوجب الحرج والضيق; لجهالة وقت ظهور الربح غالبا، وسيما مع
~~اعتبار الانضاض في الأمتعة.
# ثم إن الشهيد الثاني قال في المسالك: وإنما يعتبر الحول بسبب الربح،
~~فأوله ظهور الربح، فيعتبر فيه مؤونة السنة المستقبلة، ولو تجدد ربح آخر في
~~أثناء الحول كانت مؤونة بقية الحول الأول معتبرة منهما، وله تأخير اخراج
~~خمس الربح الثاني إلى آخر حوله، ويختص بمؤونة بقية حوله بعد انقضاء حول
~~الأول، وهكذا، فإن المراد بالسنة هنا ms1148 ما تجددت بعد الربح، لا بحسب اختيار
~~المكتسب (5).
# قال في المدارك: وفي استفادة ما ذكره من الأخبار نظر، ولو قيل باعتبار
~~الحول من حين ظهور شئ من الربح ثم احتساب الأرباح الحاصلة بعد ذلك إلى تمام
~~الحول وإخراج الخمس من الفاضل عن مؤونة ذلك الحول كان حسنا (6).
# أقول: وهو ظاهر ما ذكره في الدروس (7)، لكن مع اعتبار مبدأ السنة من أول
~~الشروع
# PageV04P356
# في الكسب، وهو الأنسب بظواهر الأخبار وإطلاق فتاوي الأصحاب; فإن ظاهر
~~مرادهم من اعتبار مؤونة السنة وإجماعهم عليه هو مؤونة سنة الرجل المتداولة
~~بين الناس، لا مؤونة كل ربح ربح، مع أنه مما لا يمكن ضبطه غالبا، إلا بعسر
~~شديد وحرج وكيد.
# واعلم أن المراد بالحول هنا هو السنة الكاملة، ولا يجزئ الطعن في الثاني
~~عشر كما صرح به ابن إدريس (1)، واستقربه في الدروس (2).
# PageV04P357
# المبحث الثاني في مستحق الخمس وكيفية تقسيمه وفيه مطالب:
# الأول: المشهور بين الأصحاب (1) أنه يقسم ستة أقسام: ثلاثة للنبي صلى
~~الله عليه وآله: وهي سهم الله، وسهم رسوله، وسهم ذي القربى، وهذه الأقسام
~~بعده للإمام القائم مقامه صلى الله عليه وآله.
# والثلاثة الأخر: لليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل ونقل الفاضلان عن بعض
~~الأصحاب: أنه يقسم خمسة أقسام: سهم للرسول صلى الله عليه وآله، وسهم لذي
~~القربى يقسم فيهم، والباقي لليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل (2).
# واختلف العامة، فعن أبي العالية الرياحي موافقة الأول (3)، وعن الشافعي
~~وأبي حنيفة موافقة الثاني، وقالا: إن سهما للرسول صلى الله عليه وآله،
~~ومصرفه المصالح، وسهما
# PageV04P358
# لذي القربى، ومصرفه فيهم، والثلاثة الأخر لليتامى والمساكين وأبناء
~~السبيل من المسلمين كافة (1).
# وعن مالك: خمس الغنيمة مفوض إلى اجتهاد الإمام يصرفه فيمن شاء (2).
# وعن أبي حنيفة: يسقط بفوت النبي صلى الله عليه وآله سهمه وسهم ذي القربى،
~~وتبقى الثلاثة الأخر تقسم فيهم (3).
# ويدل على الأول مضافا إلى الاجماع - كما هو ظاهر الطبرسي (4) وصريح السيد
~~(5) وابن زهرة (6)، بل وابن إدريس (7) - ظاهر الآية الشريفة (8); فإن اللام
~~للملك أو الاختصاص، والعطف بالواو يقتضي التشريك.
# والأخبار المستفيضة عن أهل البيت ms1149 عليهم السلام، مثل مرسلة عبد الله بن
~~بكير (9)، ومرسلة، حماد بن عيسى (10)، ومرسلة أحمد بن محمد (11) الآتيات عن
~~قريب.
# وما رواه السيد - رضي الله عنه - في رسالة المحكم والمتشابه نقلا عن
~~تفسير النعماني (12).
# ومع ظهور الآية والإجماع وعمل الأصحاب لا وجه للقدح في أسناد الروايات،
# PageV04P359
# مع أنها في نفسها قوية معتبرة لا يخفى على المطلع بأحوال الرجال.
# وحجة القول الثاني من طريقنا: صحيحة ربعي، عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه المغنم أخذ صفوه، وكان
~~ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس، ويأخذ خمسه، ثم يقسم أربعة أخماس بين
~~الناس الذين قاتلوا عليه، ثم يقسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس، ثم يأخذ خمس
~~الله عز وجل لنفسه، ثم يقسم الأربعة أخماس بين ذوي القربى واليتامى
~~والمساكين وأبناء السبيل; يعطي كل واحد منهم حقا، وكذلك الإمام يأخذ كما
~~يأخذ الرسول صلى الله عليه وآله " (1) ولا يعارض بذلك ما تقدم من الأدلة.
# وربما يجاب بأن ذلك نقل فعله صلى الله عليه وآله، ولعله أعطى بعض حقه
~~لغيره توفيرا لهم (2).
# واستبعده بعضهم بملاحظة آخر الرواية (3)، والأولى حملها على التقية.
# وقد يوجه ظاهر الآية على قولهم: بأن الافتتاح باسم الله على جهة التيمن;
~~لأن الأشياء كلها لله (4)، وأنه من قبيل: * (والله ورسوله أحق أن يرضوه) *
~~والمراد: أنه لرسوله، أو أن ذكر الرسول وما بعده من باب التخصيص بعد
~~التعميم، بتقريب أن المراد:
# الخمس لا بد أن يكون متقربا به إلى الله، وتخصيص المذكورين بالذكر لأجل
~~التفضيل، كقوله تعالى: * (وملائكته ورسله وجبريل وميكال) * (5) وهذا (6)
~~يناسب تفويض أمر الخمس إلى الإمام، كما هو أحد أقوالهم.
# ثم إن المرتضى - رضي الله عنه - نقل عن بعض علمائنا أن سهم ذوي القربى لا
~~يختص بالإمام، بل هو لجميع قرابة الرسول صلى الله عليه وآله من بني هاشم
~~(7).
# PageV04P360
# قال في المختلف (1): ورواه ابن بابويه في كتاب المقنع (2)، وكتاب من لا
~~يحضره الفقيه (3)، وهو اختيار ابن الجنيد (4)، وتدل عليه رواية زكريا ms1150 بن
~~مالك الجعفي، عن الصادق عليه السلام: عن قول الله عز وجل: * (واعلموا أنما
~~غنمتم) * إلى آخره، فقال: " أما خمس الله عز وجل فللرسول صلى الله عليه
~~وآله يضعه في سبيل الله،) وأما خمس الرسول فلأقاربه، وخمس ذوي القربى فهم
~~أقرباؤه، واليتامى يتامى أهل بيته، فجعل هذه الأربعة الأسهم فيهم، وأما
~~المساكين وأبناء السبيل فقد عرفت أنا لا نأكل الصدقة، فلا تحل لنا، فهي
~~للمساكين وأبناء السبيل " (5).
# وهذه الرواية - مع ضعفها وعدم مقاومتها للأخبار المستفيضة المتقدمة
~~وغيرها - محمولة على التقية.
# وأجاب العلامة عنها: بأنا نقول بموجبه، فإن الإمام من الأقرباء بل هو
~~أقرب إليه من غيره.
# الثاني: إطلاق الآية (6) وإن كان يقتضي عدم اشتراط انتساب الفرق الثلاثة
~~إلى عبد المطلب كما نقل عن ابن الجنيد (7)، وكذلك إطلاق رواية ربعي
~~المتقدمة، ولكن جمهور أصحابنا اشترطوا ذلك; للأخبار المستفيضة، مثل موثقة
~~عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام في قول الله عز
~~وجل: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * قال: " خمس الله عز وجل للإمام عليه
~~السلام، وخمس الرسول للإمام، وخمس ذوي القربى لقرابة الرسول الإمام عليه
~~السلام، واليتامى يتامى الرسول صلى الله عليه وآله، والمساكين
# PageV04P361
# منهم، وأبناء السبيل منهم، فلا يخرج منهم إلى غيرهم " (1).
# ورواية أحمد بن محمد قال: حدثنا بعض أصحابنا رفع الحديث قال: " الخمس من
~~خمسة أشياء: الكنز والمعادن والغوص والمغنم الذي يقاتل عليه " ولم يحفظ
~~الخامس، إلى أن قال: " فأما الخمس فيقسم على ستة أسهم: سهم لله، وسهم
~~للرسول صلى الله عليه وآله، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى وسهم للمساكين،
~~وسهم لأبناء السبيل; فالذي لله فرسول الله صلى الله عليه وآله أحق فهو له
~~خاصة، والذي للرسول صلى الله عليه وآله فهو لذي القربى والحجة في زمانه
~~فالنصف له خاصة، والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمدي الذين
~~لا تحل لهم الصدقة، ولا الزكاة، عوضهم الله تعالى مكان ذلك بالخمس، فهو
~~يعطيهم على قدر كفايتهم، فإن فضل شئ فهو له، وإن نقص عنهم ولم ms1151 يكفهم أتمه
~~لهم من عنده، كما صار له الفضل كذلك يلزمه النقصان " (2).
# وحسنة حماد بن عيسى على ما في الكافي، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح
~~عليه السلام، قال: " الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم، والغوص، ومن الكنوز،
~~ومن المعادن والملاحة، يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس، فيجعل لمن جعله الله
~~له، ويقسم الأربعة الأخماس بين من قاتل عليه وولي ذلك، ويقسم بينهم الخمس
~~على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسول الله صلى الله عليه وآله، وسهم لذي
~~القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فسهم الله وسهم
~~رسول الله لأولي الأمر من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة، وله
~~ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله، وله نصف الخمس كملا، ونصف
~~الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء
~~سبيلهم يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم
~~شئ فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من
~~عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يمونهم; لأن له
# PageV04P362
# ما فضل عنهم، وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم دون مساكين الناس وأبناء
~~سبيلهم عوضا لهم من صدقات الناس تنزيها من الله لهم ".
# إلى أن قال: " وهم بنو عبد المطلب أنفسهم، الذكر منهم والأنثى، ليس فيهم
~~من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد ".
# إلى أن قال: " ومن كانت أمه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإن الصدقات
~~تحل له، وليس له من الخمس شئ; لأن الله يقول: * (ادعوهم لآبائهم) * (1) "
~~(2) الحديث.
# إلى غير ذلك من الأخبار (3).
# وهذه الأخبار مع اعتبار سندها معتضدة بعمل الأصحاب، فلا وجه للقدح في
~~أسنادها، فيجوز تخصيص الكتاب بها، ولا يعارضها مثل صحيحة ربعي القابلة
~~للتقييد الموافقة للعامة (4).
# والمشهور بين الأصحاب أيضا اشتراط الانتساب إلى عبد المطلب بالأب، ولا
~~يكفي الانتساب بالأم، فلا يجوز إعطاء الخمس إن انتسب إليه بالأم، ويجوز
~~إعطاؤهم الزكاة من غير ms1152 المنتسب إليه مطلقا; لأن الانتساب في اللغة (5)
~~والعرف إنما هو حقيقة في المنتسب بالأب، ولخصوص حسنة حماد بن عيسى
~~المتقدمة، ولا يضر الإرسال، سيما من مثل حماد، مع اعتضادها بالشهرة
~~العظيمة.
# وخالف في ذلك المرتضى (6) وابن حمزة (7)، محتجا باستعمال لفظ الابن
~~والبنت في المنتسب بالأم، كما في تسمية الحسنين عليهما السلام ب " ابني
~~رسول الله صلى الله عليه وآله " وأنهما يمدحان
# PageV04P363
# بذلك ويفضلان به، ولا مدح في وصف مجازي.
# وكان يقال للصادق عليه السلام " ابن الصديق " لأن أمه كانت بنت قاسم بن
~~محمد بن أبي بكر.
# ولاستدلالهم بقوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) * (1) على
~~تحريم بنت البنت، ولأن عيسى من بني آدم بلا خلاف.
# والجواب عليه: أن أكثر ما ذكر مبني على كون الأصل في الاستعمال الحقيقة،
~~وقد أبطلناه في الأصول (2); لأن الاستعمال أعم من الحقيقة، سيما إذا كان
~~المستعمل فيه متعددا، فإن المجاز خير من الاشتراك.
# وعدم جواز المدح بالمجاز ممنوع.
# والاستدلال بالآية لو لم يثبت الاجماع على إرادتها من الآية ببيان الشرع
~~غير مسلم، ومع الظهور من الخارج فهو مجاز مع القرينة.
# وببالي أن في رواية: سأل هارون من الكاظم عليه السلام في وجه تسميتهم
~~بابن رسول الله، وأجاب عليه السلام بأنه لأجل الافتخار (3)، فالسؤال
~~والجواب كلاهما يدين على ما ذكرنا.
# واستدل صاحب المدارك (4) للسيد أيضا بصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما
~~عليهما السلام أنه قال: " لو لم يحرم على الناس أزواج النبي صلى الله عليه
~~وآله بقوله عز وجل: * (ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه
~~من بعده أبدا) * (5) حرمن على الحسن والحسين عليهما السلام; لقول الله عز
~~وجل: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (6) " (7) فإن الرواية دلت
~~على أن أب الأم أب حقيقة، وإلا لما صح الاستدلال بالآية على تحريم
# PageV04P364
# زوجة الجد على ولد البنت.
# فإذا ثبت أنه أب حقيقة فيثبت أن ابن البنت ابن كذلك; لمكان التضايف.
# وفيه: أنه - رحمه الله - أجاب عن الاستدلال السابق للسيد - باستدلال
~~العلماء على تحريم ms1153 بنت البنت بآية التحريم على أنها بنت حقيقة - بأن
~~الاستعمال أعم من الحقيقة، فكما أن هناك يكون الاستعمال مجازا، والاستدلال
~~بالآية لعله من جهة ظهور القرينة من إجماع أو خبر على أن المراد من البنات
~~أعم من الحقيقة، فكذلك الكلام هنا في الآباء.
# مع أن هذا الحديث على فرض التسليم لا يدل على جواز إعطائه الخمس صريحا،
~~وحسنة حماد (2) تدل على المنع عنه صريحا.
# ثم قد عرفت في كتاب الزكاة أن أولاد عبد المطلب الآن منحصرون في أولاد
~~أبي طالب والعباس والحارث وأبي لهب.
# واختلف الأصحاب في بني المطلب وهو أخو هاشم، وقد عرفت التحقيق، وأن
~~الأقوى منعهم عن الخمس، وإعطاؤهم الزكاة.
# الثالث: المشهور جواز تخصيص بعض الطوائف الثلاث بالخمس; لأن الآية مسوقة
~~لبيان المصرف كالزكاة، ولخصوص صحيحة ابن أبي نصر البزنطي، عن الرضا عليه
~~السلام، قال: سئل عن قول الله عز وجل: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله
~~خمسه وللرسول ولذي القربى) * (2) فقيل له: فما كان لله فلمن هو؟ فقال:
# " لرسول الله، وما كان لرسول الله فهو للإمام ".
# فقيل: أفرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقل، ما يصنع به؟ قال: "
~~ذلك إلى الإمام، أرأيت رسول الله كيف يصنع، أليس إنما كان يعطي على ما يرى،
# PageV04P365
# كذلك الإمام " (1).
# وفي رواية أبي خالد الكابلي قال، قال: " إن رأيت صاحب هذا الأمر يعطي كل
~~ما في بيت المال رجلا واحدا فلا يدخلن في قلبك شئ، فإنه إنما يعمل بأمر
~~الله " (2) وفي دلالتها خفاء.
# وعن الشيخ (3) وأبي الصلاح (4) المنع من التخصص; لظاهر الآية، لأن اللام
~~للملك، والواو تقتضي التشريك.
# وفيه: أن الملكية مستلزمة للتسوية والمشاركة وعدم جواز التصرف لأحدهم
~~بدون إذن الآخر، وغير ذلك مما هو من توابع الملك، واللوازم منتفية، والظاهر
~~أنه لبيان المصرف، وأن المستحقين لذلك الذين يجوز الصرف إليهم هؤلاء.
# ويدل عليه: كونه كذلك في آية الزكاة (5)، مضافا إلى أن الخمس عوض عن
~~الزكاة لهؤلاء كما يستفاد من الأخبار، فيكون مساويا لها، وإنما خرج النصف
~~بدليل خارجي، ms1154 وكذلك الأخبار الدالة على تقسيمها ستة أسهم (6) تنزل على
~~المصارف والمستحقين، لا الملك.
# وبالجملة: الأصل وملاحظة آية الزكاة وكون الخمس عوضا عنها ولزوم العسر
~~والحرج وما يترتب من المفاسد على جعل اللام للملك وعمل جمهور الأصحاب يرجح
~~عدم وجوب البسط، ولكنه أحوط وأفضل.
# وأما البسط على الأشخاص فهو مما لا ينبغي التأمل في عدم وجوبه كعدم وجوب
# PageV04P366
# التسوية بينهم; لما تقدم من الأدلة، والزيادة عليه بأشدية الضيق والعسر،
~~وعدم ظهور خلاف في المسألة إلا ما توهمه عبارة الدروس في تعميم حاضري البلد
~~حيث قال بعد أن تأمل في اعتبار تعميم الأصناف: أما الأشخاص فيعم الحاضر،
~~ولا يجوز النقل إلى بلد آخر إلا مع عدم المستحق (1)، انتهى.
# ولم نقف على دليله إن أراد الوجوب.
# ولا ريب أن البسط على الحاضرين أفضل، بل أحوط مع الإمكان وعدم الحرج.
# الرابع: المشهور أن الإمام يقسم الخمس على الأصناف على قدر كفايتهم
~~مقتصدا، فإن أعوز أتمه من نصيبه، وإن فضل كان له، بل تظهر من المعتبر دعوى
~~الاجماع عليه (2).
# وتدل عليه مرسلة حماد (3)، ورواية أحمد بن محمد (4) المتقدمتين.
# ولا وجه للقدح في سندهما; لأن الأول حسن لإبراهيم بن هاشم إلى حماد، وهو
~~ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، مع ورودها في الكافي (5) والتهذيب
~~(6)، واشتمالها على أحكام كثيرة إجماعية ومشهورة، وتلقي الأصحاب إياهما
~~والعمل بهما يجبر ضعفهما لو كان.
# ولقد أفرط ابن إدريس في إنكار الحكم ورد الحديثين وتضعيفهما، وقال: لا
~~يجوز له أخذ فاضل نصيبهم، ولا يجب عليه إتمام ما نقص; لأنه " لا يحل مال
~~امرئ مسلم إلا من طيب نفسه " وهو مال الأصناف، ولأن ذلك يجعل التقدير
~~والتقسيم بلا فائدة، ويوجب صيرورة هؤلاء ممن تجب نفقتهم على الإمام، مع أن
~~الواجبي النفقة
# PageV04P367
# محصورون ليس ذلك واحدا منهم (1).
# ويظهر لك ضعفها مما مر; لمنع الملك، ولمنع كون الاستحقاق أيضا مطلقا، بل
~~لقدر الكفاية وسد الخلة كما هو مقتضى وضع الخمس; ولأن الفائدة في التقدير
~~والقسمة بيان المصرف لا بيان مقدار الحق، ولمنع استلزام ms1155 الإتمام وجوب
~~النفقة.
# وتوقف العلامة في المختلف (2)، وتبعه في المدارك (3).
# والأقوى ما عليه المشهور، ولا ينبغي التأمل فيه; لوضوح المأخذ.
# وهذه المسألة وإن كانت كما ترى قليلة الجدوى، لكنها ليست كذلك; لما سيظهر
~~لك في المسائل الآتية من معرفة حال نصيب الإمام في حال غيبته وغير ذلك.
# ثم هل يجوز إعطاء ما فوق مؤونة السنة دفعة كالزكاة، أو لا يجوز التجاوز؟
~~الأظهر عدم الجواز، وفاقا للشهيدين (4)، وتدل عليه مرسلة حماد (5) وغيرها
~~(6).
# والظاهر أن سنة الفقير لا تحديد فيها، فتتبع وقت حاجته، فإذا أعطي بقدر
~~مؤونة سنة وذهب من السنة ستة أشهر فيجوز حينئذ الإعطاء بقدر ستة أشهر أخرى،
~~وكذلك الكلام في الزكاة.
# الخامس: قد عرفت في الزكاة معنى المسكين، وادعى بعضهم أنه لا خلاف في عدم
~~الفرق في الحكم بينه وبين الفقير كلما ذكر أحدهما وحده كما صرح به الشهيد
~~الثاني (7).
# وكذلك قد عرفت معنى ابن السبيل، وأنه لا يشترط الفقر فيه، بل المعتبر هو
~~الحاجة
# PageV04P368
# في بلد التسليم.
# وفي اشتراطه في اليتامى قولان، أظهرهما نعم; لأنه لرفع الحاجة وسد الخلة،
~~ولأنه عوض الزكاة لغير بني هاشم كما يستفادان من الأخبار، ولدلالة ما تقدم
~~من أن الإمام إنما يعطي كفايتهم، ويأخذ فضلهم كما يتم نقصهم، كما دلت عليه
~~الروايات، بل في رواية حماد مواضع دلالة على اعتبار الفقر ظاهرة وصريحة،
~~كما لا يخفى على من لاحظها لا نطيل بذكرها، فلاحظها في الكافي والتهذيب.
# وذهب الشيخ في المبسوط (1) وابن إدريس (2) إلى العدم; لعموم الآية، ولأنه
~~لو اعتبر فيه الفقر لتداخلت الأقسام، فلا يصح جعله قسيما للمسكين.
# وفيه: أن العموم مخصص بما تقدم، كما خصصناهم ببني هاشم لما تقدم، ويكفي
~~مطلق المغايرة في جعل الشئ قسيما، ولا يحتاج إلى المباينة، مع أنه على
~~قولهم لا تباين أيضا، بل بينهما عموم من وجه، وإرادة الغنى فقط منها في
~~غاية الغرابة.
# وبالجملة: لا يضر اجتماع السببين، فيستحق بكل جهة سهمه كما قلنا في أصناف
~~الزكاة، ويلزمهم التزام ذلك فيما لو كان اليتيم مسكينا; إذ ms1156 هؤلاء أيضا لا
~~يتحاشون عن الإطلاق، ولا يخصصون بالغنى، فهذه زيادة اهتمام بشأن مساكين
~~الأيتام، وهو يصح على القول بالاشتراط.
# وأما اشتراط الإيمان في مستحق الخمس; فتردد فيه المحقق في الشرائع نظرا
~~إلى العموم (3)، وجزم بالاشتراط في المعتبر (4); لأنه موادة لمن حاد الله
~~لو جوزنا للمخالف، مضافا إلى أنه عوض الزكاة، فهو شرط فيها إجماعا، وهذا
~~أظهر.
# وأما العدالة; فالمعروف من مذهب الأصحاب عدمه، ويظهر من الشرائع وجود
# PageV04P369
# الخلاف فيه (1)، وقائله غير معلوم. والحق العدم; لإطلاق الآية والأخبار.
# السادس: يجوز نقل الخمس من البلد مع عدم وجود المستحق بلا إشكال; لأن
~~إيصال الحق لا يتم إلا به.
# وأما مع وجوده فقيل: لا يجوز (2)، وقيل يجوز مع الضمان، خصوصا مع طلب
~~الأفضل (3)، وهذا أقوى، وقد مر في الزكاة ما يرشدك إلى حقيقة الحال (4).
# PageV04P370
# المبحث الثالث في اللواحق وفيه مطالب:
# الأول: في الأنفال وهي جمع نفل بالسكون أو بالتحريك، بمعنى الزيادة، ومنه
~~سمي التطوع نافلة; لزيادته على الفريضة.
# والمراد بها هنا: ما يختص به الإمام زائدا على قبيله، وقد يطلق الفئ أيضا
~~على الأنفال، ومنه قوله تعالى في سورة الحشر: * (وما أفاء الله على رسوله
~~منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) * (1).
# ويدل على هذه المرادفة حسنة محمد بن مسلم الآتية (2).
# وقد يطلقان على ما يرادف الغنيمة العسكرية، ومنه قوله تعالى في سورة
~~الحشر أيضا: * (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) * (3) الآية، ويدل
~~عليه بعض الأخبار أيضا (4).
# PageV04P371
# والأمر في ذلك سهل; إذ المعيار هو الفرق بين الأمور المعدودة في الأنفال
~~والغنائم العسكرية.
# فمنها: ما يغنمه الغانمون بغير إذن الإمام، وقد مر الكلام فيه، وأن
~~الأشهر الأقوى هو كونه من الأنفال (1).
# ومنها: ما كان لسلطان دار الحرب من القطائع والصفايا.
# قال في المعتبر: ومعنى ذلك إذا فتحت أرض من أهل الحرب فما كان يختص به
~~ملكهم مما ليس بغصب من مسلم يكون للإمام عليه السلام كما كان للنبي صلى
~~الله عليه وآله (2). وزاد في الشرائع: أو معاهد (3)، ومثله قال في ms1157 المنتهى
~~(4).
# وقد تفسر القطائع بالأرض، والصفايا بما ينقل ويحول.
# وتدل على ذلك أخبار كثيرة، منها مرسلة حماد الطويلة (5)، وفيها تصريح
~~بكونه على غير وجه الغصب; لأن الغصب كله مردود.
# وصحيحة داود بن فرقد قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " قطائع الملوك
~~كلها للإمام " (6).
# وموثقة إسحاق بن عمار المذكورة في تفسير علي بن إبراهيم، قال: سألت أبا
~~عبد الله عليه السلام عن الأنفال فقال: " هي القرى التي قد خربت وانجلى
~~أهلها فهي لله وللرسول، وما كان للملوك فهو للإمام، وما كان من الأرض
~~الخربة لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وكل أرض لا رب لها، والمعادن منها، ومن
~~مات وليس له مولى فماله من الأنفال " (7) إلى غير ذلك من الأخبار (8).
# PageV04P372
# وكذلك يصطفي الإمام من الغنيمة ما شاء قبل القسمة من فرس أو جارية أو ثوب
~~أو سلاح أو نحو ذلك.
# وتدل عليه أيضا أخبار كثيرة (1) لا حاجة إلى ذكرها.
# ومنها: كل أرض أخذت من الكفار من غير قتال، سواء انجلى عنها أهلها
~~وتركوها للمسلمين، أو سلموها طوعا بتمكينهم المسلمين عليها مع بقائهم فيها;
~~لأخبار كثيرة (2) لا حاجة إلى ذكرها; لعدم الإشكال في المسألة.
# ومنها: الأرض الموات التي ليس لها مالك معروف، سواء جرى عليها الملك ثم
~~باد أهلها وماتت، أو لم يجر عليها ملك أصلا، فإذا كان لها مالك معروف فليست
~~من الأنفال.
# وإذا كانت الأرض حية ولم يعرف لها صاحب، فهي من باب مجهول المالك.
# وإذا كانت خربة بعد الملك وعلم أنها لا مالك لها حينئذ أصلا، بمعنى أنه
~~يعلم أنها كانت لفلان ولم يبق منه وارث; فهي أيضا من الأنفال، وداخلة في
~~ميراث من لا وارث له كما سيجئ.
# وتدل عليه أخبار كثيرة، مثل موثقة سماعة، قال: سألته عن الأنفال، فقال: "
~~كل أرض خربة أو شئ يكون للملوك فهو خالص للإمام، وليس للناس فيها سهم "
~~قال:
# " ومنها البحرين، ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب " (3).
# وحسنة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سمعه يقول: " إن ms1158
~~الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم، أو قوم صولحوا وأعطوا
~~بأيديهم، وما كان من أرض خربة، أو شئ طون أودية، فهذا كله من الفئ والأنفال
~~لله وللرسول صلى الله عليه وآله، فما كان لله فهو أ للرسول يضعه حيث يحب "
~~(4).
# PageV04P373
# وفي مرسلة حماد الطويلة: " كل أرض خربة قد باد أهلها، وكل أرض ميتة لا رب
~~لها " (1).
# وحسنة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الأنفال ما لم
~~يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض
~~خربة، وبطون الأودية، فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله، وهو للإمام من
~~بعده يضعه حيث يشاء " (2) إلى غير ذلك من الأخبار (3).
# وأنت خبير بأن هذه الأخبار بين ما هو أعم من المطلوب، مثل ما اشتمل على
~~كل أرض خربة، وما هو أخص منه، مثل قوله عليه السلام: " كل أرض ميتة لا رب
~~لها " فإنه ظاهر فيما لا مالك له أصلا، لا من لا يعرف له مالك، إلا أن
~~يقال: المتبادر منه الرب المعروف.
# وعلى هذا فيشكل اخراج ذلك من حكم مجهول المالك، إلا أن يقال: بأن تلك
~~الأخبار مخرج لأصل الأرض الغير المعروف مالكها من حكم المجهول المالك.
# أو يقال: إن مجهول المالك ما علمنا أن له مالكا، ولكن لا نعرفه، وما لم
~~يعرف مالكه أعم من ذلك، فإنه يحتمل كونه بلا مالك أصلا.
# وهو بعيد، فإن الأخبار الواردة بالتصدق بعضها ظاهر فيما لم يعرف المالك
~~كما مر بعضها (4)، ويظهر من بعضها أن مطلق ما لم يعرف مالكه - يعني حتى غير
~~الأرض - من الأنفال (5).
# وكيف كان ففي غير الأرض إذا أعطي الفقراء يحصل الامتثال وإن كان من جملة
~~الأنفال أيضا.
# ومنها: رؤوس الجبال، وما يكون بها، وبطون الأودية، والآجام; لأخبار
~~كثيرة،
# PageV04P374
# منها حسنة حماد الطويلة المرسلة، ففيها: " وبطون الأودية، ورؤوس الجبال،
~~والموات كلها له " (1).
# وحسنة حفص بن البختري، وحسنة محمد بن مسلم المتقدمتين، ومرسلة أحمد بن
~~محمد، وما رواه المفيد في ms1159 المقنعة عن محمد بن مسلم (2).
# وإطلاق الأخبار وكلام الأصحاب يقتضي العموم، وقيده ابن إدريس بما كانت
~~المذكورات في الموات أو الأرضين المملوكة للإمام (3)، وارتضاه صاحب المدارك
~~استضعافا للأخبار، واقتصارا في خلاف الأصل على موضع الوفاق (4).
# وأنت خبير بأن الأخبار معتبرة، ولا وجه للقدح فيها سيما مع عمل الأصحاب،
~~وأيضا أن ما ذكره يفضي إلى التداخل وعدم الفائدة في ذكر اختصاصه بما ذكر
~~كما نبه عليه الشهيد في البيان (5).
# ومنها: المعادن، والمشهور أنها من المشتركات بين الناس.
# وذهب الشيخان (6) والكليني (7) وشيخه علي بن إبراهيم (8) وسور (9) وابن
~~البراج (10)، إلى أنها من الأنفال، وفي كلام بعض هؤلاء البحار أيضا (11).
# وقال في المعتبر بعد نقله عن الشيخين: إن كانا يريدان ما يكون في الأرض
~~المختصة به أمكن، أما ما يكون في أرض لا تختص بالإمام فالوجه أنه لا يختص
~~به; لأنها أموال
# PageV04P375
# مباحة تستحق بالسبق إليها والإخراج لها، والشيخان يطالبان بدليل ما
~~أطلقاه (1).
# وخصها ابن إدريس أيضا بما كانت في أرضه عليه السلام (2)، واستحسنه
~~العلامة - رحمه الله - وقال: لم نقف للشيخين على حجة في ذلك (3).
# أقول: وتدل عليه موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة (4)، وما رواه العياشي عن
~~الباقر عليه السلام قال: " لنا الأنفال " قيل: وما الأنفال؟ قال: " منها
~~المعادن والآجام، وكل أرض لا رب لها، وكل أرض باد أهلها فهو لنا " قال: "
~~ما كان للملوك فهو من الأنفال " (5).
# وهذان الخبران مع عمل جماعة من القدماء عليه، وسائر العمومات مثل صحيحة
~~الكناني قال، قال لي أبو عبد الله عليه السلام: " نحن قوم فرض الله طاعتنا،
~~لنا الأموال، ولنا صفو المال " (6) الحديث. ومثل صحيحة أبي خالد الكابلي
~~الدالة على أن الأرض كلها لهم (7)، وفي معناها روايات أخر تكفي في ثبوت
~~الحكم.
# ولا ينافي ذلك ما تقدم من ثبوت الخمس في المعادن، ولاما قدمناه من أن كل
~~معدن يكون في ملك أحد فهو له ويجب عليه الخمس.
# أما في زمان الحضور; فلأن الظاهر أن ما كانوا يأذنون في التصرف فيه من
~~الأنفال كان لهم خمسه، ومصرفه كان ms1160 مصرف الخمس، وهو صريح كلام الكليني، حيث
~~قال بعد كلام في ذكر الأنفال: وكذلك الآجام والمعادن والبحار والمفاوز هي
~~للإمام خاصة، فإن عمل فيها قوم بإذن الإمام فلهم أربعة أخماس وللإمام خمس،
~~والذي
# PageV04P376
# للإمام يجري مجرى الخمس، ومن عمل فيها بغير إذن الإمام فالإمام يأخذه كله
~~ليس لأحد فيه شئ، وكذلك من عمر شيئا أو أجرى قناة أو عمل في أرض خراب بغير
~~إذن صاحب الأرض فليس له ذلك، فإن شاء أخذها منه كلها، وإن شاء تركها في يده
~~(1)، انتهى.
# وصرح بكون خمس الأنفال للإمام إذا تصرف فيه بإذنه سور أيضا (2).
# وتدل على ما ذكره أيضا رواية حكم بن علباء الأسدي المتقدمة في المال
~~المختلط بالحرام (3).
# وصحيحة عمر بن يزيد قال: رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة وقد
~~كان حمل إلى أبي عبد الله عليه السلام تلك السنة مالا فرده أبو عبد الله
~~عليه السلام، فقلت له: لم رد عليك أبو عبد الله عليه السلام المال الذي
~~حملت إليه؟ فقال: إني قلت له حين حملت إليه المال: إني كنت وليت الغوص
~~فأصبت أربع مائة ألف درهم، وقد جئتك بخمسها ثمانين ألف درهم، وكرهت أن
~~أحبسها عنك وأعرض لها وهي حقك الذي جعل الله تعالى لك في أموالنا، فقال: "
~~وما لنا في الأرض وما أخرج الله تعالى منها إلا الخمس؟! يا أبا سيار: الأرض
~~كلها لنا، فما أخرج الله تعالى منها من شئ فهو لنا ".
# قال، قلت له: أنا أحمل إليك المال كله، فقال لي: " يا أبا سيار قد طيبناه
~~لك وحللناك منه، فضم إليك مالك، وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم
~~فيه محللون، كل ذلك لهم حتى يقوم قائمنا " (4) الحديث.
# وأما في زمان الغيبة; فقد جوز لنا التصرف في الأنفال، والأخبار الدالة
~~على ثبوت الخمس في المعادن تشملها، وكذلك الغوص.
# وأما عدم ثبوت الخمس في مثل الأرض الموات بعد الإحياء في زمان الغيبة
~~فلعدم
# PageV04P377
# الثبوت، فإن ثبوت الخمس على النهج السابق فيها في حال الحضور ms1161 لو ثبت فلا
~~يثبت ذلك في حال الغيبة بالإذن العام، خرجنا عنه في مثل المعادن بالدليل
~~الخاص، وهو عمومات الأخبار الناصة عليها، وبقي الباقي.
# وإن شئت فقل: إن المراد بتلك الأخبار هو وجوب الخمس المعهود فيها في حال
~~الغيبة وإن كانت هذه المذكورات كلها مختصة به حال الحضور; لرفع المنافاة
~~بين إيجاب الخمس وكونها أنفالا، ولكنه بعيد، للإشكال في ثبوت المخصص.
# ثم إن الشهيد الثاني في شرح قول الشهيد - رحمه الله - في اللمعة: " وأما
~~المعادن فالناس فيها شرع " قال: على الأصح; لأصالة عدم الاختصاص، وقيل: هي
~~من الأنفال أيضا. أما الأرض المختصة به فما فيها من معدن تابع لها; لأنه من
~~جملتها، وأطلق جماعة كون المعادن للناس من غير تفصيل، والتفصيل حسن، هذا
~~كله في غير المعادن المملوكة تبعا للأرض أو بالإحياء، فإنها مختصة لمالكها.
~~(1) انتهى.
# وقد ذكرنا أيضا في خمس المعادن; أنهم ذكروا أن المعدن الذي يكون في ملك
~~أحد أنه تابع لملكه، وعلى ما ذكره - رحمه الله - وعلى ما ذكرنا فلا يبقى
~~إلا الأراضي المفتوحة عنوة.
# ويشكل بأن مقتضى ما ذكروه من تبعية المعدن للأرض كون حكم المعدن الواقع
~~فيها حكم تلك الأراضي، فتكون موقوفة على مصالح العامة كنفسها، فلا يبقى شئ
~~يكون شرعا بين الناس، إلا ما وجد في الموات، بناءا على رخصتهم عليهم السلام
~~لنا في أمثالها، فهم شرع في المعادن الظاهرة قبل الحيازة، وفي الباطنة قبل
~~الإحياء، وتستعمل فيها قاعدة حيازة المباحات، وذلك لأنه مباح بالأصل، بل من
~~أجل رخصتهم عليهم السلام في ذلك، وتمام الكلام في هذه المسألة ومسألة الأرض
~~يجئ في كتاب إحياء الموات إن شاء الله تعالى.
# ومنها: ميراث من لا وارث له، ذهب إليه علماؤنا أجمع كما صرح به في
~~المنتهى (2)،
# PageV04P378
# وخالف فيه الجمهور كافة على اختلاف مذاهبهم (1).
# ويدل عليه مضافا إلى الاجماع حسنة حماد الطويلة، ففيها " وهو وارث من لا
~~وارث له، يعول من لا حيلة له " (2).
# وموثقة إسحاق بن عمار أو صحيحته التي قدمناها (3)، ورواية أبان بن تغلب
~~(4)، ومرسلة ms1162 أحمد بن محمد (5)، وغيرها من الأخبار الكثيرة الصحيحة وغيرها.
# وسيجئ الكلام في مصرفه في حال الغيبة، وتمام الكلام وظيفة كتاب الميراث.
# الثاني: لا يجوز التصرف في الأنفال، ولا في حصته من الخمس حال حضور
~~الإمام إلا بإذنه كسائر أمواله; للكتاب والسنة والإجماع والعقل.
# وأما في حال الغيبة، فمذهب الأصحاب في بعضها كأرض الموات جواز التملك
~~بالإحياء، وظاهر جماعة منهم أن كل الأنفال مباحة; من الأراضي وغيرها.
# ومنهم الشهيد قال في البيان بعد ذكر الأنفال: ومع غيبة الإمام فالظاهر
~~إباحة تلك لشيعته، قال: وهل يشترط في المباح له الفقر؟ ذكره الأصحاب في
~~ميراث فاقد الوارث، أما غيره فلا (6).
# وأما حصة غيره من الخمس فالأظهر جواز مباشرة المالك لصرفها في الأصناف،
~~إلا مع مطالبته عليه السلام، فيجب دفعها إليه. وقيل بوجوب دفع الكل إليه
~~(7).، ولا فائدة لنا
# PageV04P379
# مهمة في ذلك، وسيجئ الكلام في حال الغيبة.
# الثالث: المشهور بين الأصحاب استثناء المناكح والمساكن والمتاجر من
~~الأنفال وفيما فيه الخمس للشيعة الاثني عشرية.
# ويظهر من العلامة في المنتهى أن استثناء المناكح إجماعي في حال الحضور
~~والغيبة، قال: وقد أباح الأئمة عليهم السلام المناكح في حالتي ظهور الإمام
~~وغيبته، وعليه علماؤنا أجمع (1)، لكنه نقل في المختلف (2) ما ظاهره
~~المخالفة فيه عن أبي الصلاح مطلقا (3).
# وعن المفيد: اختصاصه بالمناكح (4).
# وعن ابن الجنيد: أن تحليل ما لا يملك جميعه عندي غير مبرئ من وجب عليه حق
~~منه لغير المحلل; لأن التحليل إنما هو مما يملكه المحلل، لا مما لا ملك له،
~~وإنما إليه ولاية قبضه وصرفه في أهله الذين سماه الله لهم (5).
# وعن سور: إباحة جميع الأنفال في حال الغيبة للشيعة من دون تخصيص (6).
# ورد الشهيد في البيان قوله بأن الروايات ظاهرها العموم، وعليه إطباق
~~الإمامية (7).
# وفسروا المناكح: بالسراري المغنومة من دار الحرب، فيجوز شراؤها ووطؤها
~~وإن كانت بأجمعها للإمام فيما لو كان بغير إذنه، أو بعضها إذا كان بإذنه،
~~وليس ذلك من باب تبعيض التحليل، بل تمليك للحصة أو الجميع من الإمام كما
~~ذكره في الدروس ms1163 (8).
# والظاهر عدم الفرق بين ما لو سباها أو انتقلت إليه بشراء أو هبة.
# PageV04P380
# وقد تفسر بالجواري التي ثمنها من ماله الذي فيه الخمس، والزوجة التي
~~مهرها من ذلك.
# وأورد عليه: بأنها داخلة في مستثنيات المؤن.
# وأجيب: بأنه قد يكون من غير ما تخرج منه مؤونة السنة، كالمعادن والغوص،
~~وعمومات الأخبار الآتية تشمله، ولا مخصص لها، وبأنه قد يكون زائدا على
~~حاجته على سبيل الاقتصاد، وقد يكون بعد عام الوجوب.
# وفسرت المساكن: بما يبنى في الأراضي المختصة به، أو بما يشترى من مال فيه
~~الخمس.
# ويرد على الأول: أنه داخل في الأراضي المجوزة لنا في حال الغيبة، فلا
~~معنى للتخصيص بالمسكن.
# وعلى الثاني: أنها من المؤن المستثنيات. ويدفعه ما تقدم.
# والمتاجر: بما يشترى من الأموال التي فيها الخمس ممن لا يخمس للتجارة.
# وقال ابن إدريس: ولا يتوهم متوهم أنه إذا ربح في ذلك المتجر لا يخرج منه
~~الخمس، فليحصل ما قلناه، فربما اشتبه (1).
# وبما يشترى من الغنائم المغنومة بغير إذن الإمام أيضا.
# ثم إن الوجه في استثنائهم المذكورات هو الاعتماد على الأخبار الكثيرة
~~الواردة عن أئمتنا عليهم السلام، فمنها ما مر مثل رواية حكيم مؤذن بني عيس
~~(2)، ورواية عبد الله بن سنان (3) المتقدمتين في الأرباح.
# ورواية حكم بن علباء المتقدمة في المختلط بالحرام (4).
# PageV04P381
# ورواية مسمع بن عبد الملك (1).
# وصحيحة أبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم كلهم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
~~قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: " هلك الناس في بطونهم
~~وفروجهم; لأنهم لم يردوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل
~~" (2).
# وصحيحة علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر عليه السلام: عن رجل
~~يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس، فكتب بخطه عليه السلام: "
~~من أعوزه شئ من حقي فهو في حل " (4).
# وصحيحة ضريس الكناسي قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " أتدري من أين
~~دخل على الناس الزنا؟ " فقلت: لا أدري، فقال: " من قبل خمسنا أهل البيت ms1164 إلا
~~لشيعتنا الأطيبين، فإنه محلل لهم ولميلادهم " (4).
# ورواية محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: " إن أشد ما فيه
~~الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول يا رب خمسي، وقد طيبنا ذلك
~~لشيعتنا; لتطيب ولادتهم، ولتزكوا أولادهم " (5).
# ورواية أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رجل وأنا حاضر:
~~حلل لي الفروج، ففزع أبو عبد الله عليه السلام، فقال له رجل: ليس يسألك أن
~~يعترض الطريق، إنما يسألك خادما يشتريها، أو امرأة يتزوجها، أو ميراثا
~~يصيبه، أو تجارة أو شيئا أعطيه،
# PageV04P382
# فقال: " هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحي، وما
~~يولد منهم إلى يوم القيامة، فهو لهم حلال، أما والله لا يحل إلا لمن أحللنا
~~له، ولا والله ما أعطينا أحدا ذمة، وما لأحد عندنا عهد، ولا لأحد عندنا
~~ميثاق " (1).
# ورواية يونس بن يعقوب - ووصفها بالموثقة في المختلف وفي طريقها محمد بن
~~سنان أو محمد بن سالم على اختلاف النسخ - قال: كنت عند أبي عبد الله عليه
~~السلام فدخل عليه رجل من القماطين، فقال: جعلت فداك يقع في أيدينا الأموال
~~والأرباح وتجارات نعرف أن حقك فيها ثابت، وإنا عن ذلك مقصرون، فقال أبو عبد
~~الله عليه السلام:
# " ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم " (2).
# ورواية داود بن كثير الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال سمعته
~~يقول: " الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا، إلا أنا أحللنا شيعتنا من ذلك "
~~(3).
# وصحيحة حارث بن المغيرة النصري عنه عليه السلام قال، قلت له: إن لنا
~~أموالا من غلات وتجارات ونحو ذلك، وقد علمت أن لك فيها حقا، قال: " فلم
~~أحللنا إذن لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكل من والى آبائي فهو في حل مما في
~~أيديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب " (4).
# ورواية الفضيل - ولا يبعد القول بصحتها، كما نبه عليه المحقق الأردبيلي -
~~رحمه الله - أيضا (5)، ولعله لكون الظاهر أن الفضيل هو ابن يسار بقرينة
~~الراوي عنه، وهو القاسم ابن بريد، والظاهر أنه العجلي الثقة، وليس فيه
~~بعدهما إلا ms1165 الوشاء،
# PageV04P383
# وحاله معلوم - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من وجد برد حبنا في
~~كبده فليحمد الله على أول النعم " قال، قلت: جعلت فداك ما أول النعم؟ قال:
~~" طيب الولادة " ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: " قال أمير المؤمنين
~~عليه السلام لفاطمة: أحلي نصيبك من الفئ لآباء شيعتنا ليطيبوا " ثم قال أبو
~~عبد الله عليه السلام: " إنا أحللنا أمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا " (1).
# ورواية الحارث [بن المغيرة] النصري قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام
~~فجلست عنده فإذا نجية قد استأذن عليه - إلى أن قال نجية - جعلت فداك ما
~~تقول في فلان وفلان؟
# قال: " يا نجية إن لنا الخمس في كتاب الله، ولنا الأنفال، ولنا صفو
~~المال، وهما والله أول من ظلمنا حقنا - إلى أن قال في آخر دعائه - اللهم
~~إنا قد أحللنا لشيعتنا " (2).
# وصحيحة زرارة في العلل، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إن أمير
~~المؤمنين عليه السلام حللهم من الخمس - يعني الشيعة - ليطيب مولدهم " (3).
# وفي كتاب إكمال الدين، عن محمد بن يعقوب فيما ورد من التوقيعات بخط صاحب
~~الزمان عليه السلام: " أما ما سألت عنه من أمر المنكرين لي - إلى أن قال -
~~وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا، وجعلوا منه في حل إلى أن يظهر أمرنا; لتطيب
~~به ولادتهم " (4) إلى غير ذلك من الأخبار (5).
# أقول: ويشكل العمل بظواهر أكثر هذه الأخبار; لأن مقتضى بعضها تحليل مطلق
~~الخمس حتى حصة غير الإمام وحصة الإمام اللاحق وفي حال الحضور، فضلا عن
~~الغيبة، وكذلك الأنفال، ويفيد كثير منها عدم تخصيص الاستثناء بما ذكر، وذلك
~~يوجب جواز التصرف في مال الغير.
# وهذا وإن كان يمكن دفعه بأن إخبار المعصوم عن ذلك كاشف عن صحته، بمعنى
# PageV04P384
# أنه إخبار عن عدم الوجوب، ولكن يدفعه التأمل في الحكمة الباعثة على وضع
~~الخمس، وما دل من الأخبار على أن الله تعالى حرم الزكاة على بني هاشم
~~تشريفا لهم، وتنزيها إياهم عن أوساخ الناس، وتوفيرا لحقهم على غيرهم من جهة
~~المقدار والمحل كليهما (1).
# فإذا كان ذلك ساقطا ms1166 عن الشيعة، فيبقى فقراء بني هاشم أسوأ حالا من سائر
~~الخلق; لأن المخالفين مع قلة ما يتعلق به الخمس عندهم - لأنهم لا يقولون
~~بخمس الأرباح; وهو الغالب النافع في الغالب، ولا المال المختلط، ولا في أرض
~~الذمي التي اشتراها من مسلم - الغالب أنهم لا يعطون خمسهم للشيعة، وسيما من
~~كان منهم في بلاد التشيع، مع ما ثبت من شرف بني هاشم، وكثرة اهتمام النبي
~~صلى الله عليه وآله بحالهم، وجعل الموادة معهم أجر الرسالة، وما ورد من
~~الأخبار الكثيرة في صلة الذرية الطيبة، فكيف يمكن القول بسقوط حقوقهم
~~بالمرة أو في الأغلب، مع أن الأصل الثابت بالكتاب والسنة المتواترة
~~والإجماع كيف يخرج عنه بمثل هذه الأخبار، وسيما الأصل عدم السقوط.
# فيشبه أن يكون الباعث لصدور هذه الأخبار، هو طغيان أهل الجور، واغتيال
~~السلطان لأموالهم، وتصرف الظلمة في الأنفال والأخماس.
# فالعفو إما لأجل أن المخالفين إذا كانوا يأخذون منهم فلا يجب عليهم ثانيا
~~كما في الخراج والزكاة، وإما لأجل أن ما يعاملون معهم في تلك الأموال ويصل
~~إليهم لا غائلة فيه كما في شراء الزكاة والخراج.
# مع أن الظاهر من بعض تلك الأخبار أن ذلك التحليل كان منهم عليهم السلام
~~عند إعواز المال وعدم الاقتدار، وأن العفو من صاحب الحق من حقه، مع احتمال
~~حق غيره أيضا حينئذ.
# ويظهر من بعضها: أنه كان للخوف والتقية، ومن بعضها: أن ذلك كان عفوا من
~~صاحب الحق عليه السلام في ماله الذي أتلفه السائل، وعدم تمكنه من الإيصال.
# PageV04P385
# مع أن في مقابل هذه الأخبار أخبارا مشددة لوجوب إيصال حقوقهم والاهتمام
~~في ذلك، مثل حسنة إبراهيم بن هاشم، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه
~~السلام إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل وكان يتولى له الوقف بقم فقال: يا
~~سيدي اجعلني من عشرة آلاف درهم في حل، فإني قد أنفقتها، فقال له: " أنت في
~~حل ".
# فلما خرج صالح قال أبو جعفر عليه السلام: " أحدهم يثب على أموال آل محمدي
~~وأيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ms1167 فيأخذها ثم يجئ فيقول: اجعلني في حل،
~~أتراه ظن أني أقول: لا أفعل، والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالا
~~حثيثا " (1).
# أقول: لا ينافي تحليله عليه السلام من ماله سؤاله تعالى منه يوم القيامة
~~عن سوء فعله إذا لم يتب عن ذلك وكان مقصرا.
# ولا وجه للقدح في دلالة الرواية بأن السائل لعله لم يكن من الشيعة، وأن
~~المال مال الوقف، لا مما نحن فيه، فإنه يدفعه الظهور في الأول، وعموم قوله
~~عليه السلام بعد خروج السائل.
# وما رواه الكليني، عن محمد بن يزيد الطبري، قال: كتب رجل من تجار فارس من
~~بعض موالي أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله الإذن في الخمس فكتب إليه: "
~~بسم الله الرحمن الرحيم إن الله واسع كريم، ضمن على العمل الثواب، وعلى
~~الضيق الهم، لا يحل مال إلا من وجه أحله الله، إن الخمس عوننا على ديننا
~~وعلى عيالاتنا وعلى موالينا، وما نبذله وما نشتري من أعراضنا ممن نخاف
~~سطوته، فلا تزووه عنا، ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا " (2) الحديث.
# وأيضا عنه قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا عليه السلام
~~فسألوه أن
# PageV04P386
# يجعلهم في حل من الخمس، فقال: " ما أمحل هذا، تمحضونا المودة بألسنتكم
~~وتزوون عنا حقا جعله الله لنا وجعلنا له، وهو الخمس، لا نجعل، لا نجعل، لا
~~نجعل لأحد منكم في حل " (1).
# إلى غير ذلك من الأخبار المؤكدة في أمر الخمس وإيجاب دفعه، وأنه موجب
~~لتزكية المال وتطهيره، مثل رواية أبي بصير قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام:
~~ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال، قال: " من أكل من مال اليتيم درهما،
~~ونحن اليتيم " (2).
# وموثقة ابن بكير عن الصادق عليه السلام قال: " إني لآخذ الدرهم، وإني لمن
~~أكثر أهل المدينة مالا، ما أريد بذلك إلا أن تطهروا " (3).
# ورواية أبي بصير عن الباقر عليه السلام في حديث قال: " لا يحل لأحد أن
~~يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا " (4) إلى غير ذلك من الأخبار.
# وفي كتاب إكمال الدين توقيعان ms1168 عن صاحب الأمر عليه السلام; يدين على ذلك
~~(5)، وكذلك في كتاب الخرائج والجرائح ما يدل عليه (6)، نقلها في الوسائل.
# فحاصل الكلام في هذا المقام: أن ثبوت الخمس والأنفال لأربابهما من
~~القطعيات التي لا شبهة فيها، وهذه الأخبار لا يحصل منها شئ موجب للقطع يمكن
~~تخصيص القطعي به; لتشابهها في الدلالة، فيمكن أن يراد بها أن ما يحصل من
~~المكاسب فيه
# PageV04P387
# الخمس يوما فيوما، كما صرح به في رواية حكيم (1) ورواية عبد الله بن سنان
~~(2)، إلا أنهم جعلونا في حل في المنكح والمسكن والمتجر، يعني في المؤن
~~المحتاج إليها في السنة كما يستفاد ذلك من الأخبار الواردة في الأرباح،
~~وهذا لا كلام فيه.
# ويمكن أن يراد بها أن أخذ الظلمة للخمس مسقط عنهم، كالزكاة والخراج
~~وغيره، ويجوز التصرف فيه لهم إذا اختلطت المذكورات بسائر الأموال ترفيقا
~~منهم عليهم السلام، كما دلت عليه رواية أمر أمير المؤمنين عليه السلام
~~فاطمة عليه السلام بتحليل الفئ، ويحتمل غير ذلك.
# فالأخبار متشابهة الدلالة، وآحاد منها تدل على أزيد من ذلك مما لا يمكن
~~الاعتماد عليها بحيث تخصص العموم القطعي، فيقتصر على ما يمكن التخصيص به.
# فنقول: أما زمان الحضور فلا يهمنا التكلم فيه.
# وأما زمان الغيبة; فالظاهر حلية المناكح من الأنفال، سواء كانت عين
~~الجارية، أو ثمنها، أو مهر الزوجة.
# وأما من الخمس فيقصر على ما هو داخل في المؤن، وهذا لا ينحصر في خصوص حقه
~~عليه السلام، بل يشمل حقوق سائر الأصناف.
# وأما حلية حقوق سائر الأصناف منه فيما زاد على المؤن أو في مثل المعادن
~~والغوص فليس ما يمكن أن يستدل به من تلك الأخبار في الكثرة والاعتبار بحيث
~~يقاوم الأصل الثابت بالكتاب (3) والسنة (4) والإجماع والاعتبار، سيما
~~بملاحظة أن مطلق صرف الخمس في المنكح لا يوجب حرمة المنكح والخلل في
~~الميلاد، كما لو اشترى الجارية في ذمته وأدى ثمنها من الخمس، أو جعله مهر
~~الزوجة.
# PageV04P388
# وبملاحظة أن فساق الشيعة الذين لا يحترزون عن أغلب المحرمات في المناكح،
~~بل عن الزنا، وهم الأغلبون منهم ms1169 لا ينفعهم ذلك، ولا يوازي تحليل الإمام حصة
~~خمس فقراء بني هاشم وصلحائهم لأجل أن تطيب ولادتهم مع عدم تجنبهم عما يوجب
~~عدم الطيب; لما يستلزمه من حرمان هؤلاء وعسرهم وشدتهم.
# ولذلك ربما يحتمل أن يكون المراد في تلك الأخبار من الشيعة خلصهم
~~وخواصهم، كما يظهر من خصوص بعض الأخبار (1)، ونحن لا نجتزئ بذلك التخصيص في
~~الخلص أيضا; للأصل الثابت.
# والظاهر دخول وطء الجارية المشتراة ممن لا يخرج خمس ماله وإن تعلق الخمس
~~بنفس الجارية أيضا، وكذلك ما اشترى من مال انتقل إليه ممن لا يخمس; لعدم
~~مقاومة تعلق الخمس بالعين دون الذمة; لإطلاقات الأخبار المخصصة. والأمر في
~~مال من لا يعتقد الخمس كالمخالف أظهر.
# وأما خصوص حقه عليه السلام من الخمس من مال نفس المكلف فسيجئ الكلام فيه.
# ويظهر من ذلك الكلام في المتاجر، فالظاهر صحة استثناء ما يشترى من
~~الغنائم المأخوذة من دار الحرب بدون الإذن، بل واشتراء متعلق الخمس ممن لا
~~يخمس - لما أشرنا - إلى أن يتجر فيربح فيجب فيه، كما نقلناه عن ابن إدريس
~~(2).
# والدليل على ذلك أيضا بعض العمومات المتقدمة، كصحيحة الفضلاء (3) وغيرها،
~~ولزوم العسر والحرج.
# ويظهر من ذلك الكلام في المساكن أيضا، فلا إشكال فيما هو من جملة المؤن،
~~وكذلك فيما زاد عليها إذا كان من الأراضي المختصة بهم عليهم السلام;
~~للاتفاق، وكذلك إذا اشتراه ممن لا يخمس كما أشرنا.
# PageV04P389
# الرابع: قيل: يجب صرف الخمس بأجمعه في زمان الحضور إلى الإمام (1)، وقد
~~يستشكل في إطلاق هذا الحكم، ولا فائدة لنا مهمة في تحقيقه.
# وأما في زمان الغيبة، فقد اختلف فيه كلام الأصحاب اختلافا شديدا، قال
~~المفيد - رحمه الله - في المقنعة: فمنهم من يسقط فرض اخراجه; لغيبة الإمام
~~وما تقدم من الرخص فيه من الأخبار.
# وبعضهم يوجب كنزه ويتأول خبرا ورد أن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور القائم
~~مهدي الأنام، وأنه عليه السلام إذا قام دله الله سبحانه على الكنوز،
~~فيأخذها من كل مكان.
# وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستحباب، وليس أدفع ms1170 قرب
~~هذا القول من الصواب.
# وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر عليه السلام، فإن خشي إدراك المنية قبل
~~ظهوره وصى به إلى من يثق به في عقله وديانته وتسليمه إلى الإمام عليه
~~السلام إن أدرك قيامه، وإلا وصى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة،
~~ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان عليه السلام.
# وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم; لأن الخمس حق وجب لغائب لم يرسم
~~فيه قبل غيبته رسما يجب الانتهاء إليه، فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه، أو
~~التمكن من إيصاله إليه، أو وجود من انتقل بالحق إليه، وجرى أيضا مجرى
~~الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقا فلا يجب عند عدمه سقوطها، ولا يحل
~~التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك، ويجب حفظها بالنفس والوصية بها إلى
~~من يقوم بإيصالها إلى مستحقها من أهل الزكاة من الأصناف.
# وإن ذهب ذاهب إلى منع ما وصفناه في شطر الخمس الذي هو خالص للإمام عليه
~~السلام،
# PageV04P390
# وجعل الشطر الآخر في يتامى آل الرسول وأبناء سبيلهم ومساكينهم على ما جاء
~~في القرآن لم نبعد إصابته الحق في ذلك، بل كان على صواب.
# وإنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ إليه فيه من صريح
~~الألفاظ، وإنما عدم ذلك لوضع تغليظ المحنة، مع إقامة الدليل بمقتضى العقل
~~والأثر من لزوم الأصول في خطر التصرف في غير المملوك إلا بإذن المالك، وحفظ
~~الودائع لأهلها; ورد الحقوق (1)، انتهى كلامه.
# والمشهور بين محققيهم صرف حصة الأصناف إليهم وهو نصفه، وأما النصف الآخر
~~فاختلفوا فيه، فبعضهم أوجب ضبطه له عليه السلام (2).
# وبعضهم صرح بتحريم صرفه إلى الأصناف وأكد فيه غاية التأكيد، مثل ابن
~~إدريس (3)، وادعى فيه تطابق الأدلة العقلية والنقلية وفتاوى المحصلين من
~~الأصحاب.
# وأكثرهم خيروا بين الدفن، أو الضبط والإيصاء، أو الصرف في سائر الأصناف
~~(4)، وظاهر كثير منهم ترجيح الأخير على غيره (5).
# (وظاهر بعضهم وجوب الصرف إليهم معينا (6).
# وظاهر بعضهم تعميم الإعطاء لصلحاء الشيعة وفقرائهم) (7) و (8).
# وقيد جماعة من المحققين ms1171 المجوزين لإعطاء سائر الأصناف بأن يكون على سبيل
~~التتمة، بمعنى أنه لو لم تف حصتهم بمؤونة سنتهم، فتعطى تتمة المؤونة
# PageV04P391
# من حصته عليه السلام (1).
# هذه الأقوال المنقولة من أصحابنا - رضوان الله عليهم -.
# والأظهر في النظر القاصر هو ترجيح القول بجواز صرف جميع الخمس إلى فقراء
~~بني هاشم تبعا للمفيد - رحمه الله - في الرسالة العزية (2) والفاضلين (3)،
~~ومن تأخر عنهما من المتأخرين (4).
# والأظهر أنه بعنوان الوجوب كما هو ظاهر المفيد - رحمه الله - وجماعة.
# أما في حصتهم فواضح، وأما في حصته عليه السلام فلأن الظاهر من حاله بل
~~المعلوم من سيرتهم صلوات الله عليهم، ورأفتهم وشفقتهم على شيعتهم، سيما
~~ذريتهم، واهتمامهم في شأنهم، ووصيتهم في صلتهم والإحسان إليهم; أنهم راضون
~~بإعطاء نصيبهم لهم، سيما في مثل هذا الزمان الذي لا يحتاج إليه، ولا يمكن
~~الإيصال إليه عليه السلام.
# ولا ريب أن ذلك أولى من الاستيداع والإيداع والإيصاء في الحفظ، سيما في
~~أمثال الأزمان التي يغلب فيه المتغلبون، ويكثر فيه التغلب (5) والاضطراب،
~~وتسلط الظلمة والنهب، وإتلاف الأموال والنفوس، ويحصل فيه تلف الأموال في
~~قليل من الأوقات، فضلا عن تمادي الأعوام والشهور.
# وكذلك أولى من الدفن، فإنه مع ما قد يصيبه من التلف في كثير من الأوقات
~~لا يكون فيه كثير فائدة إن بقي ووصل إليه عليه السلام في زمان تسلطه الذي
~~لا يكاد يظهر احتياجه إليه حينئذ.
# ومع ملاحظة ما ذكر، وملاحظة كمال احتياج العلويين والفاطميين سيما
~~صلحائهم وضعفائهم وأيتامهم وأراملهم الذين لا يجدون حيلة ولا معينا ولا
~~نصيرا، وملاحظة
# PageV04P392
# الأخبار الدالة على تحليلهم الخمس عموما (1)، قد يحكم العقل السليم
~~بعنوان القطع بأنهم راضون بذلك، بل لا يبعد القول بحكم العقل بوجوب الدفع
~~إليهم حينئذ.
# هذا كله وبعد ملاحظة الروايتين اللتين ذكرناهما في إتمام الإمام نقص
~~مؤونة الأصناف من حصته عليه السلام، وقلنا: إن الظاهر أن ذلك على سبيل
~~الوجوب، فيتضح ذلك غاية الوضوح.
# فالأظهر القول بوجوب ذلك، وأنه تدفع حصة الإمام إلى فقراء بني هاشم الذين
~~لم تف حصتهم من الخمس بمؤونة سنتهم ms1172 بمقدار النقص، بل يجوز الإعطاء وإن لم
~~يعط قبله شئ بمقدار مؤونة السنة.
# وربما قيل: الأحوط إعطاؤهم على التدريج في كل وقت بقدر ما يحتاجون إليه
~~حينئذ، ولا دليل على لزوم ذلك.
# والمشهور بين من جوز إعطاء نصيبه عليه السلام إلى شركائه; أنه لا بد أن
~~يتولاه الفقيه الجامع لشرائط الفتوى; لعموم نيابته عنه عليه السلام، فلو
~~أعطاه المالك أو غيره ضمن.
# بل قال في المسالك: ولو تولى غيره كان ضامنا عند كل من أوجب صرفه إلى
~~الأصناف (2).
# وظاهر إطلاق المفيد في المسائل العزية عدم وجوب ذلك (3).
# ويظهر من الشهيد في الدروس أن إذن الفقيه كافية ولا حاجة إلى توليه (4).
# ولا ريب أن توليه مع الإمكان أحوط، أو إذنه الخاص (مع عدم إمكانه، أو
~~إذنه العام للمالك مع عدم إمكان الخاص) (5) أيضا.
# وأما فعل المالك ذلك أو غيره من غير إذن أصلا، فمشكل.
# PageV04P393
# نعم لو لم يمكنه الإذن العام أيضا، ودار الأمر بين صرفه إليهم، أو الأداء
~~إلى الإتلاف، أو ما هو مظنته، فالظاهر جواز مباشرة المالك، سيما لو أمكن
~~استصواب عدول المؤمنين، سيما طلبة العلوم منهم. PageV04P394
# المبحث (1) الرابع في سائر الصدقات وفيه مباحث:
# الأول: قد عرفت أنه لا حق مالي واجب بالذات إلا الزكاة والفطرة والخمس،
~~وقد يجب بالنذر وشبهه وبالكفارة، وستجئ في مواضعها، وقد مر الكلام في حق
~~الحصاد والجذاذ أيضا.
# ولكن يستحب التصدق بقدر المقدور مؤكدا بالإجماع، بل الضرورة والكتاب
~~والسنة المتواترة، وحكم العقل بحسنه.
# والأخبار في ذلك فوق حد الإحصاء، ونكتفي بذكر ما رواه في الكافي في
~~الحسن، عن أبي بصير، قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام ومعنا بعض
~~أصحاب الأموال، فذكروا الزكاة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " إن الزكاة
~~ليس يحمد بها صاحبها، وإنما هو شئ ظاهر، إنما حقن بها دمه، وبها سمي مسلما،
~~ولو لم يؤدها لم تقبل له صلاة، وإن عليكم في أموالكم غير الزكاة ".
# فقلت: أصلحك الله، وما علينا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال: " سبحان الله،
~~أما
# PageV04P395
# تسمع الله ms1173 عز وجل يقول في كتابه: * (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل
~~والمحروم) * (1)، قال، قلت: ماذا الحق المعلوم الذي علينا؟ قال: " هو الشئ
~~يعمله الرجل في ماله يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قل أو كثر
~~غير أنه يدوم عليه.
# وقوله عز وجل: * (ويمنعون الماعون) * (2) قال: " هو القرض يقرضه،
~~والمعروف يصطنعه، ومتاع البيت يعيره، ومنه الزكاة ".
# فقلت: إن لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا كسروه وأفسدوه، فعلينا جناح أن
~~نمنعهم؟
# فقال: " لا، ليس عليكم جناح أن تمنعوهم إذا كانوا كذلك ".
# قال، قلت له: * (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) * (3)
~~قال: " ليس من الزكاة ".
# قال، قلت: قوله عز وجل: * (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا
~~وعلانية) * (4) قال: " ليس من الزكاة ".
# قال، قلت: قوله عز وجل: * (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها
~~الفقراء فهو خير لكم) * (5) قال: " ليس من الزكاة، وصلتك قرابتك ليس من
~~الزكاة " (6) وتؤدي مؤداها أخبار كثيرة.
# ونتبع ذلك بذكر ما ذكره العلامة في التذكرة (7)، ونقتصر عليه; إذ ذكر
~~الأخبار وما ورد في الصدقة مما لا يسعه هذا الكتاب، قال: صدقة التطوع
~~مستحبة في جميع الأوقات; للآيات الدالة على الحث على الصدقة (8).
# PageV04P396
# وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا
~~يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما
~~يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل " (1).
# وقال عليه السلام: " أرض القيامة نار ما خلا ظل المؤمن، فإن صدقته تظله "
~~(2).
# وقال الباقر عليه السلام: " البر والصدقة ينفيان الفقر، ويزيدان في
~~العمر، ويدفعان عن سبعين ميتة سوء " (3).
# وصدقة السر أفضل; للآية (4)، إلا أن يتهم بترك المواساة.
# ويستحب الإكثار منها وقت الحاجة; لقوله تعالى: * (أو إطعام في يوم ذي
~~مسغبة) * (5) وفي شهر رمضان; لتضاعف الحسنات فيه.
# وعلى القرابة; لقوله تعالى: * (يتيما ذا مقربة) * (6) وقال عليه السلام:
~~" الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة " (7).
# والأولى الصدقة من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام، ms1174 قال
~~عليه السلام:
# " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول " (8).
# وتستحب الصدقة أول النهار، وأول الليل، قال الصادق عليه السلام: " باكروا
~~بالصدقة، فإن البلايا لا تتخطاها، ومن تصدق بصدقة أول النهار دفع الله عنه
~~ما ينزل من السماء في ذلك اليوم، فإن تصدق أول الليل دفع الله عنه شر ما
~~ينزل من السماء في تلك الليلة " (9).
# PageV04P397
# ويكره السؤال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " اتبعوا قول رسول الله
~~صلى الله عليه وآله، من فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر "
~~(1).
# ويكره رد السائل، قال الباقر عليه السلام: " كان فيما ناجى الله عز وجل
~~به موسى عليه السلام، أن قال: يا موسى أكرم السائل ببذل يسير أو برد جميل،
~~إنك يأتيك من ليس بإنس ولا جان ملائكة من ملائكة الرحمن يسألونك فيما
~~خولتك، ويسألونك مما نولتك، فانظر كيف أنت صانع يا بن عمران " (2).
# والصدقة المندوبة على بني هاشم أفضل، خصوصا العلويون، قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله:
# " إني شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل
~~نصر ذريتي، ورجل بذل ماله لذريتي عند الضيق، ورجل أحب ذريتي باللسان
~~والقلب، ورجل سعى في حوائج ذريتي إذا طردوا وشردوا " (3).
# وقال عليه السلام: " من صنع إلى أحد من أهل بيتي يدا كافيته يوم القيامة
~~" (4) و (5) انتهى كلامه رحمه الله.
# قوله رحمه الله: الأولى الصدقة من الفاضل عن كفايته، إلى آخره. يشكل بما
~~ورد من فضل الإيثار في الكتاب والسنة.
# وقد جمع في الدروس بينهما بحمل ما ورد في الإيثار على الإيثار على النفس
~~لا على العيال (6).
# ويمكن حمل الإيثار على ما لا يتضرر به في بدنه وإن كان شاقا عليه، والمنع
~~على ما كان مضرا.
# PageV04P398
# الثاني: يشترط فيها أهلية المصدق للتصرف، وكذا الإيجاب والقبول والقبض
~~برضا المالك بلا خلاف ظاهر، وظاهرهم الاجماع عليه.
# والظاهر كفاية الإيجاب والقبول الفعليين.
# وتشترط نية التقرب أيضا، والظاهر أنه أيضا وفاقي كما يظهر من المسالك (1)
~~وغيره (2).
# ويدل عليه قول الصادق ms1175 عليه السلام في رواية هشام وحماد وابن أذينة وابن
~~بكير وغير واحد أنه " لا صدقة ولا عتق إلا ما أريد به الله تعالى " (3).
# ولا يجوز الرجوع فيها بعد القبض على المشهور; لصحيحة عبد الله بن سنان
~~وفيها قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنما مثل الذي يتصدق
~~بالصدقة ثم يعود فيها مثل الذي يقئ ثم يعود في قيئه " (4).
# وعن الشيخ: أن صدقة التطوع كالهبة عندنا في كل شئ، فيجوز الرجوع في كل ما
~~يجوز الرجوع فيه في الهبة (5).
# ورده المحقق - رحمه الله - بأن المقصود منها الثواب وقد حصل، فتكون
~~كالمعوضة، فلا يجوز الرجوع فيها كالهبة المعوضة (6).
# الثالث: قد ذكرنا في كتاب الزكاة جواز الصدقة المندوبة لبني هاشم، وأن
~~الأظهر جواز المفروضة أيضا غير الزكاة كالنذور والكفارات ونحوهما.
# PageV04P399
# وتجوز الصدقة على الذمي وإن كان أجنبيا على المشهور الأقوى; للعموم،
~~ولقوله صلى الله عليه وآله: " لكل كبد حراء أجر " (1). ولقوله تعالى: * (لا
~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن
~~تبروهم وتقسطوا إليهم) * (2).
# وتدل عليه الأخبار أيضا، مثل رواية مصادف الدالة على سقي الصادق عليه
~~السلام نصرانيا عند عطشه في باب سقي الماء في الكافي (3)، ورواية عمرو بن
~~أبي نصر الدالة على جواز التصدق على اليهود والنصارى والمجوس في الكافي في
~~باب الصدقة على أهل البوادي (4).
# وقيل: لا تجوز إلا على المؤمن (5).
# ويدفعه: ما ذكرنا، ورواية معلى بن خنيس في حكاية صدقة الصادق عليه السلام
~~على أهل ظلة بني ساعدة (6) وغير ذلك.
# نعم يستفاد من الأخبار منعها عن النصاب وأمثالهم (7).
# وفي حسنة سدير الصيرفي قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أطعم سائلا
~~لا أعرفه مسلما؟ قال: " نعم، أعط من لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحق، إن
~~الله عز وجل يقول:
# * (وقولوا للناس حسنا) * ولا تطعم من نصب بشئ من الحق أو دعا إلى شئ من
~~الباطل " (8) تمت.
# PageV04P400
# بسم الله الرحمن الرحيم PageV05P001
# غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام للفقيه المحقق الميرزا أبو القاسم
~~القمي (1152 ms1176 - 1231 ه) الجزء الخامس كتاب الصوم تحقيق مكتب الاعلام
~~الاسلامي - فرع خراسان مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي حوزه علمية قم /
~~1378 PageV05P003
# فهرست نويسى پيش از انتشارات: مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي الميرزا
~~القمي، أبو القاسم بن محمد حسن، 1152 - 1221 ق.
# غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام / للميرزا أبو القاسم القمي، حققه
~~مكتب الإعلام الإسلامي، فرع خراسان - قم دفتر تبليغات اسلامي حوزه علمية
~~قم، مركز انتشارات، 1378.
# 000 / 19 ريال. - شابك: 3 - 590 - 424 - 964 ج. - (دفتر تبليغات اسلامي
~~حوزه علمية قم، مركز انتشارات، 704: مسلسل انتشار، 1331، آثار دفتر تبليغات
~~اسلامي شعبه خراسان، 7.) مندرجات: ج. 1. كتاب الطهارة. - ج. -. 2. كتاب
~~الصلاة. - ج. 3. كتاب الصلاة. - ج. 4. كتاب الزكاة والخمس. - ج. 5. كتاب
~~الصوم. - 1. فقه جعفري - قرن 13. ألف. دفتر تبليغات اسلامي حوزه علمية قم،
~~شعبه خراسان، محقق. ب. دفتر تبليغات اسلامي حوزه علمية قم، مركز انتشارات.
~~ج. عنوان. 9 غ 9 م / 183 342 / 297 غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام /
~~ج 5 المؤلف: الميرزا أبو القاسم القمي التحقيق: مكتب الإيام الإسلامي - فرع
~~خراسان المحقق: عباس تبريزيان المساعدان: عبد الحليم الحلي، الشيخ باسم
~~الحلي، على رضا اردشيري الناشر: مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي (مركز
~~النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي) المطبعة: مطبعة مكتب الإعلام
~~الإسلامي الطبعة: الأولى / 1420 ق، 1378 ش العدد: 1000 نسخة السعر: تومان
~~حقوق الطبع محفوظة للناشر عنوان: قم، شارع شهداء (صفائية)، مركز انتشارات
~~دفتر تبليغات اسلامي، ص ب: هاتف: 7 - 742155، غابر: 742154، توزيع: 743426
~~شبكه اينترنت:
# شبكه شارح: (تلفن 4 - 744153) PageV05P004
# بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد
~~وآله أجمعين PageV05P021
# كتاب الصوم وفيه مقاصد: PageV05P023
# المقصد الأول في ذكر ما فيه من الفضائل وفيه مباحث:
# المبحث الأول: الصوم من أفضل الطاعات وأهمها، والأخبار الواردة في ذلك في
~~غاية الكثرة.
# منها: ما رواه في الكافي في الحسن - لأجل إبراهيم بن هاشم - عن أبي جعفر
~~عليه السلام، قال: " بني الاسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة،
~~والحج، والصوم، والولاية " وقال رسول الله ms1177 صلى الله عليه وآله: " الصوم جنة
~~من النار " (1).
# وعن إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه عليهم
~~السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأصحابه: " ألا أخبركم بشئ إن
~~أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ " قالوا:
~~بلى، قال: " الصوم يسود وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله والمؤازرة
~~على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه، ولكل
# PageV05P025
# شئ زكاة، وزكاة الأبدان الصيام " (1).
# وعن يونس بن ظبيان قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " من صام لله عز
~~وجل يوما في شدة الحر فأصابه ظمأ، وكل الله به ألف ملك يمسحون وجهه
~~ويبشرونه، حتى إذا أفطر قال الله عز وجل: ما أطيب ريحك وروحك; ملائكتي
~~اشهدوا أني قد غفرت له " (2).
# وعن عبد الله بن طلحة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الصائم
~~في عبادة وإن كان على فراشه، ما لم يغتب مسلما " (3).
# وعن أبي الصباح عنه عليه السلام، قال: " إن الله تبارك وتعالى يقول:
~~الصوم لي وأنا أجزي عليه " (4).
# وقد ذكروا في وجه اختصاصه به تعالى وجوها لا يجتمع جميعها في غير الصوم:
# وهي أنه موجب لترك الشهوات واللذات في الفرج والبطن، الموجبة لارتقاء
~~النفس عن حضيض البهيمية إلى ذروة التشبه بالملائكة الروحانية.
# ويوجب صفاء العقل والفكر بسبب ضعف القوى الشهوية، الموجب لحصول المعارف
~~الحقة التي هي أشرف أحوال النفس.
# وأنه أمر خفي يصعب الاطلاع عليه، فيكمل فيه الإخلاص، بخلاف سائر الأعمال
~~البدنية.
# الثاني: روى في الكافي عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام: " من
~~كتم صومه
# PageV05P026
# قال الله عز وجل لملائكته: عبدي استجار من عذابي فأجيروه، ووكل الله
~~تعالى ملائكته بالدعاء للصائمين، ولم يأمرهم بالدعاء لأحد إلا استجاب لهم
~~فيه " (1).
# الثالث: روى في الكافي أيضا في الحسن، عن ابن أبي عمير، عن سليمان، عمن
~~ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام: في قول الله عز وجل: * (واستعينوا
~~بالصبر) * قال: " الصبر الصيام، وقال: إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة ms1178 فإن
~~الله عز وجل يقول: * (واستعينوا بالصبر) * يعني الصيام " (2).
# الرابع: وروى الصدوق في الصحيح، عن هشام بن الحكم: أنه سأل أبا عبد الله
~~عليه السلام عن علة الصيام، فقال: " إنما فرض الله عز وجل الصيام ليستوي به
~~الغني والفقير; وذلك أن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير; لأن
~~الغني كلما أراد شيئا قدر عليه، فأراد الله عز وجل أن يسوي بين خلقه، وأن
~~يذيق الغني مس الجوع والألم، فيرق على الضعيف، ويرحم الجائع " (3).
# قال الصدوق: وكتب أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام إلى محمد بن
~~سنان فيما كتب من جواب مسائله: " علة الصوم لعرفان مس الجوع والعطش، ليكون
~~العبد ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا صابرا، ويكون ذلك دليلا له على شدائد
~~الآخرة، مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات، واعظا له في العاجل، دليلا
~~على الآجل; ليعلم شدة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدنيا والآخرة "
~~(4).
# PageV05P027
# وروى في الفقيه أيضا مرسلا، عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام،
~~أنه قال:
# " جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم عن
~~مسائل، فكان فيما سأله أنه قال له: لأي شئ فرض الله عز وجل الصوم على أمتك
~~بالنهار ثلاثين يوما، وفرض على الأمم أكثر من ذلك؟
# فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة
~~بقي في بطنه ثلاثين يوما، ففرض الله على ذريته ثلاثين يوما الجوع والعطش،
~~والذي يأكلونه بالليل تفضل من الله عز وجل عليهم، وكذلك كان على آدم عليه
~~السلام، ففرض الله ذلك على أمتي، ثم تلا هذه الآية * (كتب عليكم الصيام كما
~~كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات) *. (1) قال اليهودي:
~~صدقت يا محمد، فما جزاء من صامها؟
# فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا إلا
~~أوجب الله تبارك وتعالى له سبع خصال: أولها يذوب الحرام في جسده، والثانية
~~يقرب من رحمة الله ms1179 عز وجل، والثالثة يكون قد كفر خطيئة آدم أبيه، والرابعة
~~يهون الله عليه سكرات الموت، والخامسة أمان من الجوع والعطش يوم القيامة،
~~والسادسة يعطيه الله براءة من النار، والسابعة يطعمه الله من طيبات الجنة.
# قال: صدقت يا محمد " (2).
# الخامس: في فضل شهر رمضان وأفضلية صيامه، والأخبار فيه في غاية الكثرة.
# فروى في الكافي، عن عبد الله بن عبد الله، عن رجل، عن أبي جعفر عليه
~~السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لما حضر شهر رمضان، وذلك
~~في ثلاث بقين من شعبان، قال
# PageV05P028
# لبلال: ناد في الناس، فجمع الناس، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه،
~~ثم قال:
# أيها الناس، إن هذا الشهر قد خصكم الله به، وحضركم، وهو سيد الشهور، فيه
~~ليلة خير من ألف شهر، تغلق فيه أبواب النار، وتفتح فيه أبواب الجنان، فمن
~~أدركه ولم يغفر له فأبعده الله، ومن أدرك والديه ولم يغفر له فأبعده الله،
~~ومن ذكرت عنده فلم يصل علي فلم يغفر الله له فأبعده الله " (1).
# وعن أبي الورد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " خطب رسول الله صلى الله
~~عليه وآله في آخر جمعة من شعبان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها
~~الناس، إنه قد أظلكم شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، وهو شهر رمضا، فرض الله
~~صيامه، وجعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة كتطوع صلاة سبعين ليلة فيما سواه من
~~الشهور، وجعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير والبر كأجر من أدى فريضة من
~~فرائض الله عز وجل، ومن أدى فيه فريضة من فرائض الله، كان كمن أدى سبعين
~~فريضة من فرائض الله فيما سواه من الشهور " (2) الحديث.
# وعن مجالس الصدوق، عن العلاء بن يزيد القرشي قال، قال الصادق عليه
~~السلام:
# حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث،
~~قال: " من صام شهر رمضان، وحفظ فرجه ولسانه، وكف أذاه عن الناس، غفر الله
~~له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر، ms1180 وأعتقه من النار، وأحله دار القرار، وقبل
~~شفاعته بعدد رمل عالج من مذنبي أهل التوحيد " (3) إلى غير ذلك مما هو من
~~الكثرة بمكان.
# PageV05P029
# المقصد الثاني في مهيته وفيه مباحث:
# المبحث الأول: الصوم في اللغة: مطلق الإمساك، سواء كان عن الحركة أو
~~الأكل أو السير أو غير ذلك.
# وقد استعمله الشارع في معنى أخص من ذلك.
# والكلام في صيرورته حقيقة في الشرع فيه أو لا هو الكلام المعروف في
~~الحقيقة الشرعية. والأظهر ثبوتها فيه.
# وأما صيرورته حقيقة فيه عند الفقهاء والمتشرعة فلا كلام فيه.
# ولهم في تعريفه عبارات:
# فقيل: إنه الكف عن المفطرات مع النية (1).
# وقيل: إنه توطين النفس لله تعالى على ترك الثمانية - الأكل والشرب إلى
~~آخرها - من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من المكلف أو المميز المسلم
~~الخالي عن
# PageV05P030
# السفر والمر ض وغيره من الموانع التي عدها (1).
# وقيل: إنه إمساك مخصوص يأتي بيانه (2).
# وقيل: إنه إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص (3).
# والحق; أن حقيقة الصوم تختلف باختلاف آراء المجتهدين، فعند كل مجتهد هو
~~الإمساك الخاص في الوقت الخاص على الوجه الذي يبينه في كتاب الصوم.
# وهم مجمعون على أن الإمساك في مجموع النهار عن كل ما اتفق عليه أو اختلف
~~فيه صوم.
# والإشكال فيما يحصل فيه بعض المناقض; كالمسافر الناوي له قبل الزوال إذا
~~عن له (4) التوطن أو دخول داره بعد الصبح أنه من قبيل البدل الاضطراري أو
~~أن مهية الصوم هي ما تشمل مثل ذلك أيضا.
# وكيف كان فتحديد الصوم بتعريف يكون جامعا ومانعا في غاية الصعوبة، إلا
~~بجعل ما يذكر في كتاب الصوم حدا للصوم عند كل من يكتب كتابا، ولذلك اكتفى
~~العلامة في المنتهى بأنه إمساك مخصوص يأتي بيانه.
# فالتوجه إلى تصحيح الحدود وطردها وعكسها لا طائل فيه، ويشغلنا عنه الأهم.
# والتزام بعضهم " اعتبار أمر وجودي كالتوطين في الإمساك، حتى لم يكتف
~~بالكف مع أنه لا ينفك عن التوطين، مع أنهم جعلوه في الكتب الأصولية من
~~الأمور الوجودية، ومناصا عن ارتكاب كون مطلق ms1181 الترك متعلقا للتكليف بالنهي "
~~لا داعي إليه; لأن التحقيق أن الأعدام تصير متعلقة للقدرة باعتبار الإبقاء،
~~واستمرار الحكم كاف،
# PageV05P031
# فلا يضر الذهول عن الإمساك والغفلة عنه.
# المبحث الثاني:
# قد عرفت حقيقة النية في كتاب الطهارة وغيرها، وأنها القصد إلى الفعل
~~المعين تقربا إلى الله، وأنه لا يعتبر قصد شئ من مشخصات الفعل ووجهه وصفاته
~~إلا ما احتاج تعين الفعل إليه في نظر المكلف وتميزه، فلا حاجة إلى إعادة
~~الكلام فيها وفي معنى التقرب وغيره.
# وكذلك لا فائدة مهمة في اختلافهم في كون النية جزءا للعبادة أو شرطا بعد
~~اتفاقهم على توقف صحة العبادة عليها.
# والأظهر كونها شرطا; لما يظهر من الأخبار، مثل قولهم: " لا عمل إلا
~~بالنية " و " نية المؤمن خير من عمله " ومثل قولهم عليهم السلام: " افتتاح
~~الصلاة التكبير "، و " تحريمها التكبير " ونحو ذلك مما يدل على المغايرة،
~~سيما في الصوم; لتقدمها على طلوع الفجر، سيما على اعتبار الإخطار.
# وأما إطلاق الركن عليها بمعنى أنه يبطل بتركها عمدا وسهوا فلا نمنعه،
~~وهذا ليس بمعنى الجزئية.
# ويتفرع على ما حققناه من أمر النية: أنه يكفي في رمضان أن يصوم تقربا إلى
~~الله، ولا حاجة إلى تعيين أنه صوم رمضان، بل ولا إلى وجوبه كما هو المشهور،
~~ويظهر من المنتهى أن المخالف فيه إنما هو بعض العامة، وكذلك من التذكرة
~~(1).
# ووجهه: أن الفعل متميز بالفرض، والذي ثبت من الدليل في أمر النية هو قصد
~~الامتثال بالفعل المتميز عما سواه.
# ولكن هذا إنما يتم مع التفطن والعلم بالشهر ووجوب صومه عليه وعدم
# PageV05P032
# قصده لغيره.
# وعلى هذا لا بد أن ينزل استدلال الجماعة بأنه لا يقع في رمضان غير صوم
~~رمضان، وإلا فيمكن المناقشة بأن ذلك لا يستلزم الصحة مطلقا، كما لو قصد صوم
~~غير رمضان عمدا، أو قصد صوم رمضان آخر، فإن الظاهر أنه باطل، وإن اشتمل على
~~نية الصوم قربة إلى الله; لأنه قصد غير المأمور به، وهذا ليس محض تصور
~~الغير حتى يقال: إنه لا ينافي تصديقه بأنه هو نفس ms1182 المأمور به.
# والحاصل أن القصد إلى نفس المأمور به مما لا بد منه في الامتثال.
# ومن ذلك يظهر الكلام في النذر المعين، والمشهور فيه وجوب التعيين، خلافا
~~للسيد (1) وجماعة (2).
# فالتحقيق: أنه مع التفطن والاستحضار لا يحتاج إلى التعيين، وبدونه يحتاج
~~كما ذكرنا.
# وتمسك الأولين في الفرق بينه وبين رمضان " بأن رمضان لا يقع فيه غيره فلا
~~يحتاج، بخلافه " ضعيف; لأنه مع أنه لا يتم لما مر، لا يصلح فارقا; لأن
~~المفروض عدم وقوع الغير أيضا في النذر المعين.
# والفرق بالأصالة والعرضية غير مجد، مع إمكان المناقشة في الأصالة بالنسبة
~~إلى رمضان أيضا; إذ المتعين فيه إنما هو للحاضر الصحيح الجامع للشرائط، لا
~~مطلقا، قال الله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (3).
# ومن ذلك يظهر الكلام فيما لو نذر تعيين النذر المطلق أيضا، وأنه لا يجدي
~~في اسقاط قصد التعيين - مع عدم التميز إلا به - تعينه في نفس الأمر، ولا
~~يضر في عدم
# PageV05P033
# الاحتياج إلى التعيين مع التفطن له كون غيره من الأزمنة صالحا لوقوعه
~~فيه، وأنه إنما أفاد فوريته خاصة، وأن وجوبه باق بعده و (1) إن لم يأت به،
~~وكذلك الكلام لو تضيق القضاء بتضيق شهر رمضان ونحو ذلك.
# وأما النذر المطلق والكفارات والقضاء وصوم النفل فلا بد فيها من نية
~~التعيين; لما مر من لزوم تعيين المأمور به في تحقق الامتثال عرفا.
# فما يتردد بين أمور لا يتميز إلا بالقصد، فلا بد من تمييزه به، والظاهر
~~أنه إجماعي، قال في المنتهى: وهو قول علمائنا وكافة الجمهور إلا النافلة
~~(2)، ومثله في التذكرة (3)، وقال في المعتبر: وعلى ذلك فتوى الأصحاب (4).
# نعم قال الشهيد في البيان: وكذا تكفي القربة في الندب إذا تعين كأيام
~~البيض (5).
# بل ونقل عنه في الروضة إلحاق مطلق المندوب لتعينه شرعا في جميع الأيام
~~إلا ما استثني، وحسنه (6).
# أقول: والوجه في الكل يظهر مما مر.
# والتحقيق: ما ذكرنا من أن المعيار لزوم القصد إلى الفعل المتعين المتميز
~~تقربا إلى الله، ويكفي فيه الداعي، ولا حاجة إلى الإخطار كما ms1183 مر مرارا، فإن
~~تميز في نظر المكلف فلا حاجة إلى قصد تعيينه، وإن لم يكن متميزا أو كان
~~مترددا بين أمور فيلزم القصد إلى المعين.
# والحق أن نية التعيين لا تكفي عن التقرب; تمسكا بعدم الانفكاك عنه كما
~~نقل عن المبسوط; لتغايرهما بالذات كما لا يخفى.
# PageV05P034
# المبحث الثالث:
# وقت النية على التحقيق هو حال الدخول في الفجر، بمعنى وجوب استصحابه
~~للداعي على الإمساك المخصوص في الوقت المخصوص لله تعالى في وقت دخول الفجر.
# وأما على ما ذهب إليه المتأخرون من اعتبار الإخطار بالبال، فيلزمهم تحري
~~الوقت المقارن لدخول الفجر بحسب المقدور; لتحقيق النية المقارنة. وهو قريب
~~من المحال، ولا ريب في تعسره جدا لو لم يتعذر.
# ولكنهم ذكروا هنا أنه لا بد من حضورها عند أول جزء من الصوم، أو تبييتها
~~بمعنى إيقاعها في جزء من الليل مع استمرار حكمها.
# والاكتفاء بمطلق التبييت إنما يناسب القول بكفاية الداعي، لا وجوب
~~الإخطار، مع أن حصول الداعي لا بد من مقارنته، وهو نفس استمرار الحكم، فلا
~~معنى لجعل النية شيئا; واستمرارها شيئا آخر.
# وعلى القول باعتبار الإخطار في النية فالاستمرار الحكمي إنما ينوب عن
~~النية في أثناء العبادة كالصلاة; لامتناع الإخطار دائما، فلا وجه لنيابته
~~في مثل ما نحن فيه.
# فجمع الأصحاب بين القول بالاخطار والاكتفاء بمطلق التبييت مع استمرار
~~الحكم مشكل، إلا أن يجعل ذلك أصلا آخر وتخصص به قاعدتهم لأجل العسر، بل
~~وتكليف ما لا يطاق; ولمثل قوله عليه السلام: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام
~~من الليل " (1) ونحوه (2).
# ثم إن اعتبار الاستمرار على حكم النية على قول المتأخرين إلى الفجر وحصول
# PageV05P035
# الداعي عند الدخول في الفجر على ما حققنا لا يبطل بالنوم والغفلة.
# فلو نام بعد حصول ذلك ولم ينتبه حتى طلعت الشمس، فالظاهر كفاية ذلك في
~~النية الإخطارية; إذ المراد بالداعي واستمرار الحكم هو عدم نية الخلاف، وهو
~~متحقق هنا.
# وكذلك لو نسي بعد النية كونها ليلة الصيام أو شهر رمضان، واعتقد أنه غيره
~~حتى أصبح، أما لو ms1184 عدل عن النية عمدا حتى أصبح فصومه باطل، وسيجئ التفصيل.
# وعن ظاهر ابن أبي عقيل: تحتم التبييت، بمعنى أن يعين لها وقتا يعلم أنه
~~لا يفاجئه الفجر (1)، ولعله لأن العلم بالفجر لا يحصل إلا بعد الطلوع،
~~فتتعذر المقارنة، فلا بد من ترك اعتبارها.
# وكيف كان، فلو لم تحصل النية حتى دخل الفجر عمدا فلا يصح الصوم; للزوم
~~إخلاء جزء من الصوم من النية، ولقوله عليه السلام: " من لم يبيت نية الصيام
~~من الليل فلا صيام له " (2).
# ويجب عليه القضاء.
# وفي وجوب الكفارة قولان، ولعل الأقوى العدم; للأصل.
# وهناك قولان آخران، أحدهما: جواز النية بعد الزوال فرضا كان أو نفلا ،
~~لابن الجنيد (3).
# وثانيهما: أن وقتها قبل الفجر إلى قبل زوال الشمس، للسيد رحمه الله (4).
# وكلاهما ضعيفان.
# ولا تبطل النية بفعل ما ينافي الصوم قبل الفجر; للأصل، والإطلاقات.
# وتردد الشهيد في البيان في الجماع وما يبطل الغسل; نظرا إلى أنه يصير غير
~~قابل
# PageV05P036
# للصوم فيزول حكم النية (1)، ضعيف، فلا تجب إعادة النية، كما لا تجب لو
~~حصل المنافي في النهار أيضا. هذا الكلام في حالة الاختيار وفي الصوم المعين
~~الواجب كرمضان والنذر المعين.
# وأما في حال الاضطرار، كالجاهل بكونه اليوم الذي يجب فيه الصوم والناسي
~~له، فالمشهور المدعى عليه الاجماع من الفاضلين في المعتبر والمنتهى
~~والتذكرة امتداد وقتها إلى الزوال (2); لما روي أن ليلة الشك أصبح الناس
~~فجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فشهد برؤية الهلال، فأمر النبي
~~صلى الله عليه وآله مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك (3).
# ولفحوى ما دل على انعقاد الصوم من المريض والمسافر إذا زال عذرهما قبل
~~الزوال.
# ومخالفة ابن أبي عقيل في ذلك حيث عم البطلان بالنسبة إلى الناسي (4).
# ولعله نظر إلى عموم الشرطية، والرواية لا يلتفت غيره إليها; لشذوذها.
# واعلم أنه تجب المبادرة بعد الذكر والعلم بحيث لا يخلو جزء من الصوم عنها
~~وإلا لبطل.
# وأما غير الصوم المعين الواجب، كالنذر المطلق، وقضاء شهر رمضان والنافلة،
~~فأما الواجب فالمشهور المقطوع به ms1185 في كلماتهم أنه يستمر وقتها إلى الزوال
~~إذا لم يفعل المنافي; للأخبار الكثيرة الصحيحة وغيرها الدالة بالإطلاق على
~~الكل، وبالخصوص في قضاء شهر رمضان وفي النذر المطلق أيضا.
# وقول ابن الجنيد بجواز تجديدها بعد الزوال (5) ضعيف، فإن دل عليه إطلاق
~~صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال، قال علي عليه السلام: "
~~إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب
~~شرابا ولم يفطر، فهو
# PageV05P037
# بالخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر " (1).
# والظاهر أن المراد من قوله عليه السلام " إذا لم يفرض " إلى آخره هو
~~النذر المعين.
# وصحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: الرجل
~~يصبح ولا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم، فقال: " إن
~~هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له
~~من الوقت الذي نوى فيه " (2).
# وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن
~~الرجل يصبح ولم يطعم ولم يشرب ولم ينو صوما وكان عليه يوم من شهر رمضان،
~~أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار؟ قال: " نعم، له أن يصومه ويعتد
~~به من شهر رمضان " (3).
# ومرسلة البزنطي، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له:
~~الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان ويصبح فلا يأكل إلى العصر، أيجوز له
~~أن يجعله قضاءا من شهر رمضان؟ قال: " نعم " (4). فإن صحيحة محمد بن قيس
~~محمولة على ما قبل الزوال، كما تدل عليه موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه
~~السلام قال، قلت له: الرجل تكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها،
~~متى ينوي الصيام؟ قال: " هو بالخيار إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فإن
~~كان قد نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الإفطار فليفطر " فسئل: فإن كان نوى
~~الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: " لا " سئل: ms1186 فإن نوى
~~ثم أفطر بعد ما زالت الشمس؟ قال: " قد أساء وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك
~~اليوم
# PageV05P038
# الذي أراد أن يقضيه " (1). فإن هذه الموثقة مع اشتهار العمل بها، بل ظاهر
~~السيد الاجماع، وكونها أوفق بالأصل والعمومات، أقوى من إطلاق الصحيحة.
# وأما صحيحة هشام فهي ظاهرة في المندوب.
# وأما صحيحة عبد الرحمن فمحمولة على ما قبل الزوال، فإنه بملاحظة طلوع
~~الفجر قد يكون أكثر اليوم.
# وأما المرسلة فهي لا تقاوم الموثقة المعمول بها المعتضدة بما مر.
# وأما الصوم المندوب فلا إشكال في تجديد نيته قبل الزوال، كما هو المشهور
~~المدلول عليه بالأخبار المتقدمة وغيرها.
# وأما بعد الزوال فعن الشيخ في المبسوط (2) وأكثر القدماء (3) امتداد
~~وقتها إلى الغروب، وادعى عليه المرتضى (4) وابن زهرة (5) وابن إدريس (6)
~~الاجماع.
# وقال الشيخ رحمه الله: وتحقيق ذلك أن يبقى بعد النية من الزمان ما يمكن
~~صومه، لا بأن تنتهي النية مع انتهاء النهار (7).
# ويدل عليه مضافا إلى ما تقدم من الأخبار موثقة أبي بصير، قال: سألت أبا
~~عبد الله عليه السلام عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة، قال: " هو بالخيار
~~ما بينه وبين العصر، وإن مكث حتى العصر ثم بدا له أن يصوم ولم يكن نوى ذلك
~~فله إن يصوم ذلك اليوم إن شاء " (8).
# وذهب جماعة إلى خلافه، منهم الشيخ في الخلاف; تمسكا بأنه لم يعرف فيه
# PageV05P039
# نصا (1)، وهو ضعيف; لوجود النصوص كما عرفت والإجماعات المنقولة.
# وقدح العلامة في المختلف في رواية أبي بصير بالضعف (2)، ولا وجه له; لأنه
~~ليس فيها من يتأمل فيه إلا الحسين بن عثمان وسماعة وأبا بصير، والظاهر أن
~~كلهم ثقات.
# وكذلك القدح في دلالتها بأن المفروض أنه في الصائم لا من لم ينو الصوم;
~~لعموم اللفظ، وصريح قوله عليه السلام " ولم يكن نوى ".
# ويظهر من المحقق في النافع (3) والشهيد الثاني في المسالك (4) أن في
~~الروايات ما يدل على أن النافلة كالفريضة لا يتعدى وقت نيتها عن الزوال.
# ولم نقف على شئ من ذلك إلا رواية عمار المتقدمة، وصحيحة هشام بن سالم ms1187 إن
~~قلنا إن معناها أنه ليس بصوم، بل إنما يؤجر على إمساك ما أمسكه من بعد
~~الزوال، ولكن عبد الله بن سنان روى في الصحيح عنه عليه السلام في جملة
~~حديث: " إن بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم، فإنه يحسب له من
~~الساعة التي نوى فيها " (5) وهو مناف لما ذكر، فلا بد أن يقال: المراد أن
~~الصوم صوم صحيح ولكن ثوابه أقل.
# ويظهر من ذلك إشكال فيما ذكره في المدارك، حيث قال: لو جدد النية في
~~أثناء النهار فهل يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية أو من
~~ابتداء النهار، أو يفرق بين ما إذا وقعت النية بعد الزوال أو قبله؟ أوجه،
~~أجودها الأخير; لقوله عليه السلام في صحيحة هشام بن سالم المتقدمة " إن هو
~~نوى " (6) الحديث.
# أقول: والتحقيق أن يقال: إن مقتضى الأدلة في الواجب والمندوب أنه يحكم
~~بكونه صوما صحيحا تاما كلما رخص فيه بتجديد النية، فيتفرع عليه بر يمين من
~~أوجب
# PageV05P040
# على نفسه صدقة على من صام يوما مثلا.
# ولكن الإشكال في حصول الثواب بمقدار الصوم التام، ومقتضى العدل والاعتبار
~~التفاوت مطلقا كما دلت عليه صحيحة عبد الله بن سنان، فتحمل صحيحة هشام على
~~أن المراد حسبان شطري اليوم له في الجملة وإن لم يحسب له يوما تاما فيمن
~~نوى قبل الزوال دون من نوى بعده، أو تخرج صحيحة عبد الله بن سنان إلى نوع
~~من الإطلاق لتشمل ما بعد الزوال، فتكون المزية الواردة في صحيحة هشام من
~~باب التفضل.
# تذنيبان:
# الأول: قال الشيخ في الخلاف: وأجاز أصحابنا في نية القربة في شهر رمضان
~~خاصة أن تتقدم على الشهر بيوم وأيام (1)، وكذلك اختار جواز التقديم في
~~النهاية والمبسوط (2).
# وقال في المبسوط: إن ذلك إذا لحقه سهو أو نوم أو إغماء عند دخول الشهر
~~ومنعه عن تجديد النية، وإن كان ذاكرا فلا بد من تجديدها. والظاهر أن مراده
~~في الخلاف أيضا ذلك.
# ومنع المتأخرون كفاية التقديم (3)، وادعى في المختلف الاجماع على البطلان
~~إذا ms1188 لم يجدد مع التذكر (4)، وكذلك يظهر الاجماع من الشهيد في البيان (5).
# أقول: ولم نقف في تفصيل الشيخ وتحديده باليوم والأيام على مستند، إلا أن
~~يكون هناك إجماع اطلع عليه كما يظهر من لفظه، وهو مشكل.
# PageV05P041
# ويمكن توجيهه: بأن يكون المراد من السهو، السهو عن إخطار النية، فإنه لا
~~ينافي استمرار الحكم الذي اعتبروه في صورة التبييت، وكذلك النوم والإغماء
~~لا ينافيان الداعي واستمرار الحكم; لأن المنافي إنما هو نية الخلاف كما
~~أشرنا إليه سابقا.
# ولا ينافي ذلك قوله عليه السلام: " لا صيام لمن لم يبيت بالصيام " (1);
~~لأنه حصر إضافي بالنسبة إلى النهار، فلا يجوز تركها عمدا حتى يدخل النهار،
~~لا أنه لا يجوز الاكتفاء بالداعي والاستمرار السابق على دخول الشهر مع عدم
~~حصول نية الخلاف.
# نعم إذا حصل السهو عن الشهر والصيام، مثل أن يعتقد أن الشهر الآتي شهر
~~شعبان مثلا، أو قصد الأكل والضيافة في أول الشهر مثلا سهوا، ويبقى على هذه
~~الحالة حتى يذهب شئ من النهار، فيرد على الشيخ أنه لا دليل على كفاية ذلك;
~~لعدم بقاء استمرار الحكم حين الدخول في الشهر، وسيجئ الكلام فيما لو حصل
~~ذلك بعد تبييت النية.
# وأما قوله بلزوم التجديد لو كان ذاكرا فيبقى غير ظاهر الوجه إلا مع
~~اشتراط الإخطار بالبال، ولا دليل على أصله، فضلا عن هذا المورد الخاص.
# ولعل دعوى الاجماع من العلامة أيضا لم تكن مبنية على خصوصية أخرى غير
~~لزوم الإخطار، بل ادعاه في اعتقاده أن النية إنما هي الإخطار، ولما كان
~~خلاف الشيخ إنما هو في صورة السهو، فتبقى صورة الذكر تحت قاعدة النية متفقا
~~عليها عند القائلين بالاخطار.
# وعلى ما حققناه من كفاية الداعي، فيكفيه الداعي عند التذكر، ولا يحتاج
~~إلى التجديد; إذ هو عين النية.
# الثاني: المشهور بين الأصحاب سيما المتقدمين تجويز أن ينوي من أول شهر
~~رمضان صومه أجمع، ولا يحتاج إلى تجديدها في كل ليلة، وادعى عليه الاجماع
# PageV05P042
# الشيخ بل الشيخان (1) كما يظهر من المختلف (2)، والسيد في الانتصار
~~والمسائل الرسية (3)، ونقل ms1189 عن ابن زهرة أيضا (4). وأسنده في المنتهى إلى
~~أصحابنا، وكذلك في التذكرة (5).
# وذهب العلامة في المختلف والتذكرة إلى وجوبها في كل ليلة (6) وكذلك
~~الشهيد في الدروس والبيان (7).
# ويظهر من النافع اختيار الأول (8).
# وأما في سائر كتب المحقق (9) وبعض كتب العلامة كالتحرير والمنتهى، فيظهر
~~منهما نوع تردد وميل إلى الجواز مع أولوية تجديدها كل يوم (10)، كالشهيد في
~~اللمعة (11)، وصريح ابن إدريس (12) أيضا الجواز، مع أفضلية الثاني.
# واحتج الأولون: بأنه عبادة واحدة، فيكفي فيه نية واحدة، فتؤثر فيه النية
~~الواحدة كما أثرت في اليوم الواحد إذا وقعت في ابتدائه.
# والآخرون: بأنها عبادات منفصلة، ولهذا لا يبطل البعض بفساد الآخر.
# أقول: والأظهر ما اختاره الأكثر; للإجماعات المنقولة، فإن مثل هذه
~~الاجماعات مع العمل المعروف سيما من القدماء يكفي في إثبات الحكم الشرعي.
# PageV05P043
# ويكفي في النية استمرار حكمها كما يكفي ذلك في نية الليلة بالنسبة إلى
~~تمام اليوم.
# وذكر تأثير النية في الشهر تشبيها باليوم ليس من باب القياس، بل هو تنظير
~~لبيان عدم منافاة الغفلة عن نية كل يوم لحكم النية السابقة، وأن استمرار
~~حكم نية أول الشهر ينوب عن نية كل ليلة، واستمرار حكمها لذلك اليوم، فالمهم
~~حينئذ بيان ما ينافي استمرار حكم النية وما لا ينافي.
# والظاهر أنه لا يتفاوت الحال بينه وبين نية الليلة، وسيجئ الكلام فيه.
# فالإجماع مخصص لأدلة وجوب تبييت النية، أو مبين لأن المراد من النية أعم
~~من نفس النية واستمرار حكمها الحاصل منها في الليلة، أو ما قبلها.
# وأما الاستدلال بأنها عبادة واحدة فهو مشكل; لأن الظاهر أنها عبادات
~~متعددة; لعدم بطلان بعضها ببطلان الآخر، بخلاف الصلاة الواحدة وصوم اليوم
~~الواحد.
# وقد أورد الشهيد الثاني - رحمه الله - أيضا عليه بأن من شأن العبادة
~~الواحدة عدم جواز تفريق النية على أجزائها (1)، وهؤلاء يقولون بجواز
~~الاكتفاء بالنية لكل يوم، بل يقولون بأفضليته وأولويته وكونه أحوط، ومن فرق
~~بين العبادات، وجعل بعضها مما يقبل التعدد والاتحاد كالوضوء والغسل بالنسبة
~~إلى الأعضاء، حيث جوز بعضهم تفريق نية رفع الحدث على ms1190 الأعضاء، دون مثل
~~الصلاة وصوم اليوم الواحد، فإنه وإن كان يتم فيه تفريق النية، ولكن لا تتم
~~الأولوية والأحوطية; لأنه إنما تتم إذا جمع بين نية الكل والتفريق،
~~فالاحتياط فيما نحن فيه هو الجمع لا الاكتفاء بنية كل واحد، وكذلك الكلام
~~في غسل الأموات.
# أقول: الظاهر أن مراده من تفريق النية على أجزائها الاكتفاء بنية الأجزاء
~~عن نية المجموع.
# PageV05P044
# فإن أراد من النية هو القصد إلى الفعل الخاص لله تعالى، فلا دليل على عدم
~~جواز تفريقها وتكريرها وبسطها في الأجزاء والاكتفاء بها، بل هو مطلوب
~~يقينا، إلا أنه يكتفي فيما لو نوى أولا للكل باستمرار الحكم، ولا فرق في
~~ذلك بين مثل الصلاة، ومثل الوضوء وغيرهما، فالاكتفاء بالنية لكل واحد واحد
~~من أجزاء الصلاة تقربا إلى الله لا دليل على عدم جوازه، وكذلك الكلام في
~~غسل كل من الأعضاء في الوضوء والغسل وقصد الوقوف في عرفات والمشعر ونحو
~~ذلك.
# وإن أراد من النية هي ملاحظة الغاية أيضا من مثل رفع الحدث واستباحة
~~الصلاة وأمثال ذلك، فلا ريب أن القصد إلى كل جزء من الأجزاء باعتقاد أن له
~~مدخلية في تلك الغاية أيضا مما لا غائلة فيه.
# نعم لم يقل أحد بوجوبه.
# وأما قصد رفع الحدث والاستباحة رأسا لذلك الجزء فهو مما لا مسرح له; لأن
~~الشارع إنما وضع المجموع لرفع مجموع الحدث والاستباحة، ولا يستقل البعض في
~~الجميع ولا في البعض المعين - أعني: الحدث المتعلق بذلك العضو مثلا - فقصد
~~ذلك خلاف موضوع الشارع، فلا وجه للتفريق بهذا المعنى أصلا، ولا تخفى سخافة
~~قول من ذهب إليه، والظاهر أن مراد القائل أيضا هو في الجملة، وهو ما أشرنا
~~إليه.
# وبالجملة نية العبادة إما تلاحظ بالنسبة إلى أصل العبادة، أو إلى أجزائها
~~من حيث إنها أجزاؤها، ولا ريب أن أصل العبادة لا بد فيه من النية، وكون
~~الباعث عليها هو القصد إليها مميزا عن غيرها من العبادات والعادات تقربا
~~إلى الله تعالى.
# فالإشكال إنما هو في أنه هل تجب النية أولا للمجموع ms1191 ثم يكفي في الأجزاء
~~استمرار النية الحكمية، بمعنى عدم قصد المنافي، أو يجوز أن ينوي في كل واحد
~~واحد ذلك الواحد بالخصوص ثم يكتفي بمجموع النيات عن نية المجموع؟ وقد عرفت
~~أنه لا دليل على تعين الأول.
# وأما العبادات المتغايرة المتمايزة بهيئاتها وتراكيبها فلا ريب في لزوم
~~النية في كل PageV05P045
# منها، فارتباط الأمور التي من قبيل العبادات بعضها ببعض يتصور على وجوه،
~~ويختلف إطلاق الاتحاد والتعدد عليها وحكمهما بحسب اختلاف الموارد.
# فقد يكون من باب ارتباط الجزء بالكل كالركوع بالنسبة إلى الصلاة، والوقوف
~~بالنسبة، إلى الحج.
# وقد يكون من باب ارتباط الشرط والمشروط، كالوضوء مع الصلاة، والحج مع
~~العمرة، وصلاة الميت مع غسله.
# وقد يكون من باب ارتباط جزئيات الماهية بعضها مع بعض، والغالب في ذلك في
~~الأفراد المجتمعة تحت صنف كالصلوات الخمس، وصوم أيام شهر رمضان، ولا حكم
~~لارتباط أجزاء هذا القسم في التصحيح والتركيب.
# فالقاعدة تقتضي في القسمين الأخيرين استقلال كل منها بالنية.
# وأما مثل غسل الأموات فيحتمل كون الأغسال الثلاثة فيه من باب أعضاء
~~الغسل، ويحتمل أن يكون من باب الشرط والمشروط، فتأثير كل منها موقوف على
~~وجود الآخر وإن استقل كل برأسه.
# فحينئذ نقول: صوم أيام رمضان إن كان عند هؤلاء من باب تركب الأجزاء، بأن
~~يقال: وضع الشارع عبادة مركبة، وهو وجوب إمساك الأيام وإفطار الليالي في
~~هذا الشهر بأجمعه، فالمجموع المركب مثل الصلاة، فلا ريب أن النية التي
~~جعلوها لكل يوم أفضل وأولى إنما هو مثل نية كل واحد من أجزاء الصلاة، ومثل
~~وقوف عرفات، فينوي أنه يمسك هذا اليوم قربة إلى الله، وهكذا سائر الأيام.
# ولا دليل على منافاة جواز ذلك للوحدة، وليس هذا معنى تفريق النية التي لا
~~يجوز جزما، وكذلك إن كان من باب الشرط ولم يقل به أحد.
# وأما الوجه الثالث فلم يقل أحد بأن الاتحاد بهذا المعنى يوجب عدم صحة
~~تفريق النية وتعديدها.
# نعم لو قيل لا يجوز في كل من الأيام نية صوم جميع رمضان فله وجه، ولكنه ms1192
~~PageV05P046
# خلاف الفرض.
# وحينئذ فلو فرضنا كون صوم رمضان من باب الصلاة عند هؤلاء فلا مانع من
~~جواز تعديد النية بهذا المعنى بلا إشكال.
# وأما حديث الأولوية والأفضلية، فأما عند القدماء فيحتمل أن يكون مرادهم
~~أفضلية النية في كل يوم بعد الإتيان بالنية الواحدة للمجموع كما هو ظاهر
~~المقنعة (1)، ولا ينافي قولهم في هذا المقام: يجوز الاكتفاء بنية واحدة، أو
~~تكفي نية واحدة، فإن معناه أنه لا يجب تجديد النية بعده وإن كان أفضل، لا
~~أنه يجوز الاكتفاء ويجوز تركه والاكتفاء بنية كل فرد فرد، والثاني أفضل.
# ويمكن أن يكون مبنى كلامهم على منع لزوم نية واحدة في الأول للعبادة
~~الواحدة مطلقا، بل يقولون: مقتضى العبادة الواحدة جواز النية الواحدة لها
~~وإمكانها بالإمكان العام المشتمل على الوجوب والإمكان الخاص.
# ففي مثل الصلاة يجب استقلالها بالنية في أولها بالنسبة إلى مجموع المركب،
~~وفي مثل الحج والغسل والوضوء يجوز الاكتفاء بنية جزء ثم جزء إلى أن يتم،
~~فمجموع النيات فيه هي نية المجموع.
# فيجعلون صوم شهر رمضان من قبيل الحج وأمثاله، فلا مانع من جواز الاكتفاء
~~بنية واحدة في الأول للمجموع، كما أنه يجوز الاكتفاء بنية كل واحد واحد إلى
~~آخر الشهر، فيكون مجموع النيات نية المجموع.
# ومع هذا فيكون ذلك أفضل من النية الواحدة لدليل آخر، وقد لا تكون هناك
~~أفضلية كالوضوء والغسل.
# هذا للمستدلين في الاكتفاء بأنها عبادة واحدة، وأما لو بنى الأمر على
~~الاجماع فلا إشكال; إذ لا مانع من ثبوت الاجماع على جواز الكفاية وجواز
~~التجديد مع أفضلية
# PageV05P047
# التكرير والتجديد، بل الاجماع عليه كما يظهر من المنتهى، حيث قال بعد
~~الاشكال في المسألة، واختيار أولوية التعدد: إن قلنا بالاكتفاء بالواحدة
~~فإن الأولى تجديدها بلا خلاف فتأمل (1).
# وأما المتأخرون المستشكلون، سيما الجماعة الذين وقع الخلاف في المسألة
~~قبل زمانهم، فمرادهم أن ذلك أقرب، فيكون من باب * (وأولوا الأرحام بعضهم
~~أولى ببعض) * كما هو ظاهر اللمعة (2).
# ويحتمل أن يكونوا متوقفين في المسألة ويرون التخيير، لكن يجعلون التعديد
~~أرجح وأفضل.
# أو مرادهم ms1193 أن مقتضى فتوى القدماء جواز الوحدة لا تعينها، ومقتضى قول من
~~خالفهم في وجوب التعدد عدم جواز الاكتفاء، فالأحوط الأخذ بمجمع القولين
~~وبناء العمل عليه وهو التجديد.
# تنبيهات:
# الأول: إن قلنا بعدم جواز النية الواحدة، فلو فعل كذلك فيكفي عن اليوم
~~الأول; لتضمنها ذلك كما صرح به في المسالك (3).
# الثاني: قال في المنتهى: لو نذر شهرا معينا أو أياما معينة متتابعة لم
~~يكتف فيها بالنية الواحدة، أما عندنا فلعدم النص، وأما عندهم فللفرق بين
~~صوم لا يقع فيه غيره وبين صوم يجوز أن يقع فيه سواه (4).
# أقول: ولعل مراده من النص الاجماع، ولو كان المعيار في الجواز ثمة كونها
~~عبادة
# PageV05P048
# واحدة لقوي القول بالجواز هنا; لأن الظاهر هنا أيضا الوحدة، ولو كان
~~المعيار هو الاجماع فلا يتعدى لعدمه، بل الظاهر أن عدمه إجماعي كما يظهر من
~~الدروس (1).
# الثالث: الأظهر إلحاق ما لو فاته بعض الشهر في جواز الاكتفاء بنية واحدة
~~للباقي، بل قيل بأولويته، وقيل بعدم الاكتفاء; لأن شهر رمضان إما عبادة
~~واحدة أو ثلاثون عبادة، فلا وجه لإخراجه إلى ثالث.
# ورد: بأن العبادة الواحدة لا تسقط بفوات بعضها لعذر، وهو كذلك.
# الرابع: لا ينعقد صوم في شهر رمضان غير ما فرض الله فيه، لا فرض ولا ندب;
~~لعدم التوظيف، فيكون بدعة، أما في الحضر فواضح.
# وأما في السفر فلعين ما ذكر أيضا، ومنع انصراف عمومات النافلة إليه،
~~وكذلك ما دل على جواز المنذور لو قيد النذر بالسفر والحضر، سيما بعد ملاحظة
~~الأخبار الواردة بوجوب الإفطار في السفر (2); وحملها على الإفطار عن الصوم
~~المعهود بعيد، وكذلك الأخبار الكثيرة الدالة على المنع عن الصوم في السفر
~~وخصوصا على القول بعدم جواز النافلة مطلقا في السفر كما هو الأشهر الأظهر،
~~وسيجئ، وسيما بعد ملاحظة مرسلتي إسماعيل بن سهل (3) والحسن بن بسام الجمال
~~(4).
# وقول الشيخ في المبسوط بجواز النافلة فيه في السفر بناءا على جواز مطلقها
~~في السفر (5) ضعيف، وسيجئ تمام الكلام.
# PageV05P049
# وهل يقع عن رمضان ما نواه عن غيره في الحضر؟
# الأقرب ms1194 التفصيل بالعمد وغيره، والبطلان في صورة العمد دون الجهل
~~والنسيان، وفاقا لجماعة من المتأخرين، منهم ابن إدريس (1) والعلامة في
~~المختلف (2)، ومقتضى إطلاق كلام الشيخ في المبسوط (3) والسيد (4) وابن زهرة
~~(5) وابن حمزة (6) والمحقق في الشرائع (7) وقوعه عنه، وصرح في المعتبر
~~بوقوعه عنه ولو كان عمدا (8)، وتوقف في المنتهى (9) والقواعد (10) وأطلق
~~نفي الاجزاء في الإرشاد (11)، وحمله الشهيد في الشرح على العمد (12).
# لنا على البطلان في صورة العمد: أنه لا عمل إلا بنية، وهو لم ينو صوم
~~رمضان; للمنافاة بين قصده وقصد غيره، ولأن قصد الغير حرام فمفسد.
# وأما في صورة الجهل والنسيان; فظاهرهم الاتفاق على وقوعه كما صرح به في
~~المدارك (13)، وقال في المسالك: لا قائل بفساد الصوم مطلقا، فكان التفصيل
~~أوجه (14).
# ويدل عليه: ما ورد في صوم يوم الشك - وسيجئ الكلام - وظاهرهم عدم الفرق;
# PageV05P050
# مع إشعار بعض الأخبار الواردة فيه بما يفيد الاطراد ويؤيده ما ورد في رفع
~~الخطأ والجهل والنسيان ومعذوريتها.
# وإنما جعلناه مؤيدا مع أن بعضهم استدل به لأن غايته سقوط الإثم، وهو لا
~~يستلزم الصحة، فالاعتماد على الاجماع وإشارات الأخبار، وإلا فيرد عليه حديث
~~عدم النية الواقعية.
# وقال المفيد في المقنعة: ثبت عن الصادقين عليهما السلام أنه لو أن رجلا
~~تطوع شهرا وهو لا يعلم أنه شهر رمضان ثم تبين له بعد صيامه أنه كان شهر
~~رمضان، لأجزأه ذلك عن فرض الصيام (1).
# أقول: وستجئ رواية الزهري أيضا، وفيها إشارة إليه.
# احتجوا: بأن نية رمضان يكفي فيها قصد الصوم قربة إلى الله كما مر، وهو
~~حاصل فيما نحن فيه، وما زاد لغو.
# وفيه: أن المقيد لا ينوب عن المطلق، وكفاية المطلق إنما هي لانصرافه إليه
~~والقيد مانع عنه، فما نواه لم يقع، وما وقع لم ينو.
# ويمكن أن يوجه كلامهم: بأن مرادهم أن العالم العامد مع علمه بأنه لا يقع
~~غيره عنه فقد لغى في القصد إلى التعيين، فكأنه لم ينو غيره; إذ النية تصديق
~~لفعل المنوي لا تصوره، والمفروض فيما نحن فيه هو تصور الغير; لعدم إمكان
~~التصديق ms1195 به.
# ويدفعه: أن ذلك لا ينفع في تصحيح نية رمضان; إذ انتفاء الغير لا يوجب
~~حصولها، فيكون خاليا عن نية رمضان، فالمفيد فيها إنما هو قصده بعينه.
# بل التحقيق أن كفاية الإطلاق إنما هي لأجل عدم اعتبار الإخطار في النية،
~~وإلا فلا بد من أن يكون الداعي إليه هو قصد صوم رمضان، وإنما خرجت صورة
~~الجهل والنسيان بالدليل، وإلا لقلنا فيها بالبطلان أيضا; لعدم النية
~~المعتبرة.
# PageV05P051
# الخامس: يستحب صوم يوم الشك، وهو الثلاثون من شعبان إذا تحدث الناس
~~بالرؤية ولم يشهد بها أحد، أو شهد من لا يثبت بقوله، أو دل عليه اعتبار
~~رصدي مع الصحو والاجتهاد، بل ومطلق الثلاثين على المشهور الأقوى; للإجماعات
~~المنقولة عن الخلاف والانتصار والناصرية والغنية (1)، وهو ظاهر الروضة (2).
# وعن المفيد في العزية: يكره صوم يوم الشك إذا لم يكن هناك عارض، وتيقن
~~أول الشهر، وكان الجو سليما عن العوارض، وتفقد الهلال ولم ير مع اجتهادهم
~~في الطلب، ولا يكون هناك شك; يكره صومه حينئذ، إلا لمن كان صائما قبله
~~شعبان أو أياما تقدمته من شعبان، بذلك جاءت الآثار عن آل محمد صلوات الله
~~عليهم (3).
# وقال ابن الجنيد: لا أستحب الابتداء بصيام يوم الشك إلا إذا كان في
~~السماء علة تمنع من الرؤية استظهارا (4).
# ولهما شواهد من الأخبار (5).
# ولكن الأقوى المشهور; للأخبار المستفيضة (6) المعتبرة المعتضدة بالعمل
~~والإجماعات.
# وكيف كان; فإذا نوى يوم الشك ندبا أجزأ عن رمضان إذا انكشف أنه منه
~~بإجماعنا، بل إجماع المسلمين كما يظهر من الفاضلين (7)، والأخبار المعتبرة
~~به مستفيضة لا حاجة إلى ذكرها، وسيجئ بعضها.
# وألحق جماعة بذلك كل واجب معين فعل بنية الندب مع عدم العلم، مثل ما لو
~~نذر
# PageV05P052
# صوم أول يوم من رجب واشتبه عليه، أو نسي ونواه ندبا، ولا يخلو من إشكال;
~~لعدم الاكتفاء بنية القربة مطلقا كما مر، ولعدم ثبوت الأولوية.
# نعم يمكن أن يقال: إن القضاء إنما هو بفرض جديد، ولم يثبت، فيسقط التكليف
~~بذلك.
# وهل يتأدى رمضان بواجب آخر حينئذ أم لا؟ الأظهر نعم، بل ms1196 يظهر من الشهيد
~~في الدروس الأولوية وطرد الحكم في كل معين، قال في الدروس: ويتأدى رمضان
~~وكل معين بنية فرض غيره بطريق الأولى (1).
# والاعتماد على الأولوية مشكل، ولكنه مقتضى إطلاقات الأخبار الواردة في
~~إجزاء صوم يوم الشك عن رمضان.
# ولا مانع من صومه بنية الوجوب.
# وما ورد من الأخبار الدالة على أنا مأمورون بصومه عن شعبان ومنهيون عن
~~صومه عن رمضان فلا ينافي ذلك; إذ المراد من صومه عن شعبان أن لا نصومه عن
~~رمضان، لا وجوب صومه بنية الندب إن صمناه; إذ صوم شعبان يشمل صومه وجوبا
~~وندبا وقضاءا وأداءا.
# وهل يجزئ ذلك عن الواجب أيضا لو انكشف كونه عن رمضان؟ الأظهر لا; لأصالة
~~عدم التداخل إلا ما ثبت بالدليل.
# واحتمل في المدارك إجزاءه عما نواه; لأن الأمر يقتضي الاجزاء (2).
# وهو مشكل; لما ذكرنا، ولدلالة الأخبار على ذلك ظاهرا، مثل ما رواه
~~الكليني، عن الزهري، عن علي بن الحسين عليه السلام، في حديث طويل، قال: "
~~وصوم يوم الشك أمرنا به ونهينا عنه، أمرنا أن نصومه مع صيام شعبان، ونهينا
~~عنه أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس ".
# PageV05P053
# فقلت له: جعلت فداك فإن لم يكن صام من شعبان شيئا، كيف يصنع؟ قال:
# " ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه، وإن
~~كان من شعبان لم يضره ".
# فقلت: وكيف يجزئ صوم تطوع عن فريضة؟! فقال: " لو أن رجلا صام يوما من شهر
~~رمضان تطوعا وهو لا يعلم أنه من شهر رمضان ثم علم بذلك لأجزأ عنه; لأن
~~الفرض إنما وقع على اليوم بعينه " (1) الحديث.
# ورواه الشيخ أيضا والصدوق أيضا عنه (2).
# وروى أيضا عن محمد بن حكيم، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن اليوم
~~الذي يشك فيه، فإن الناس يزعمون أن من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان،
~~فقال: " كذبوا، إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفق له، وإن كان من غيره فهو
~~بمنزلة ما مضى من الأيام " (3).
# وعن بشير ms1197 النبال، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن صوم يوم
~~الشك، فقال:
# " صمه، فإن يك من شعبان كان تطوعا، وإن يك من شهر رمضان فيوم وفقت له "
~~(4) فإنها تدل على أنه لا يحسب عن غير رمضان إذا انكشف كونه منه.
# وأما لو نواه عن رمضان فالمشهور أنه لا يجزي (5)، وعن الشيخ في الخلاف
~~(6)
# PageV05P054
# وابن الجنيد (1) وابن أبي عقيل الاجزاء (2).
# لنا: أنه تشريع، فيكون باطلا، والأخبار المستفيضة، منها رواية الزهري
~~المتقدمة.
# وصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: في الرجل يصوم اليوم الذي
~~يشك فيه من رمضان، فقال عليه السلام: " عليه قضاؤه وإن كان كذلك " (3).
# وعن قتيبة الأعشى قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " نهى رسول الله
~~صلى الله عليه وآله عن صوم ستة أيام: العيدين، وأيام التشريق، واليوم الذي
~~يشك فيه من شهر رمضان " (4).
# ومنها قوية سماعة الآتية، ومنها غير ذلك (5).
# واحتج الشيخ بإجماع الفرقة وأخبارهم على أن من صام يوم الشك أجزأه عن
~~رمضان ولم يفرقوا (6).
# وأجيب بالمنع عن عدم الفرق; لوجوده في كلام الأصحاب، وأخبارهم.
# وقد يستدل له بموثقة سماعة، قال: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر
~~رمضان لا يدري أهو من شعبان أو من رمضان، فصامه من شهر رمضان، قال: " هو
~~يوم وفق له، ولا قضاء عليه " (7).
# وفيه: أنه معارض بروايته الآتية المعتضدة بالأخبار الكثيرة المعتبرة،
~~منها ما تقدم.
# مع أنه في الكافي " فصامه فكان من شهر رمضان ". والظاهر أن السقط وقع من
~~قلم الشيخ، مع أنه يحتمل أن يكون الظرف حالا من الضمير المنصوب كما احتمله
# PageV05P055
# في المختلف (1).
# وكيف كان; فالمذهب هو المشهور.
# ثم إن هذه المسألة في الجاهل بالحكم الغافل الذي يحسب وجوبه عليه لشبهة
~~مبتنية على كون المنع من باب التنبيه وتعليم الجاهل وتنبيه الغافل، فلزوم
~~القضاء إنما هو بفرض جديد دلت عليه الروايات، مثل صحيحة محمد بن مسلم
~~المتقدمة.
# وأما العالم بالمسألة الذي يعلم بالانتفاء شرعا، فقال في المدارك: ولا
~~يخفى أن نية الوجوب مع الشك ms1198 إنما تتصور من الجاهل الذي يعتقد الوجوب لشبهة،
~~أما العالم بانتفائه شرعا فلا يتصور منه ملاحظة الوجوب إلا على سبيل
~~التصور، وهو غير النية، فإنها إنما تتحقق مع الاعتقاد (2).
# فإن أراد أنه لا يضر ذلك لأنه لا ينفك حينئذ عن نية الندب أو الصوم
~~المطلق فيكون صحيحا فهو ممنوع، فإن غاية ذلك عدم نية الوجوب، وهو لا يستلزم
~~نية الندب أو المطلق بدون القيد.
# وإن أراد بيان نفس الأمر في نية الوجوب فهو كما ذكره.
# ويرد عليه أيضا: أنه استدل أولا على البطلان بأنه تشريع فيكون حراما،
~~وذلك لا يجامع انحصار النية في الجاهل، فإن التحريم لا يتعلق بالجاهل،
~~ويمكن أن يكون مراده الجاهل بالتفصيل وإن كان عالما بوجوب تحصيل المسائل
~~إجمالا وكان مقصرا في التحصيل.
# فحاصل الكلام في البطلان يؤول إما إلى عدم الإتيان بالمأمور به وثبوت
~~القضاء بالفرض الجديد فقط، أو إلى كون تلك العبادة حراما منهيا عنها أيضا،
~~فتكون باطلة; لدلالة النهي على الفساد.
# وأما لو ردد نيته بأن ينوي " أنه إن كان من شهر رمضان كان واجبا، وإلا
~~كان ندبا "
# PageV05P056
# أو (1) ينوي " أني أصوم غدا لوجوبه أو لندبه، أو أصوم إما واجبا وإما
~~ندبا "، فعن الشيخ في الخلاف والمبسوط (2) وابن حمزة (3) والعلامة في
~~المختلف (4) وابن أبي عقيل الاجزاء (5).
# وعن الشيخ في سائر كتبه (6) وابن إدريس (7) والمحقق (8) والعلامة في سائر
~~كتبه (9) وأكثر المتأخرين (10) العدم. وهو أقرب; لأنه عبادة، ولم يوظف
~~كذلك، فيكون تشريعا; لأن العبادة إما واجبة، وإما مندوبة، ولا ثالث لهما،
~~وقد أثبتنا استحبابه بالإجماعات والأخبار الكثيرة (سيما المفصلة) (11) بأنا
~~أمرنا أن نصومه من شعبان، ونهينا أن نصومه من رمضان، منها ما مر.
# ومنها: موثقة سماعة، عن الصادق عليه السلام، قال: " إنما يصام يوم الشك
~~من شعبان، ولا نصومه من شهر رمضان; لأنه قد نهي أن ينفرد الانسان بالصيام
~~في يوم الشك، وإنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان من شهر
~~رمضان أجزأ عنه بتفضل الله سبحانه " (12).
# ومنها: الأخبار الناهية عن صوم يوم ms1199 الشك على الإطلاق (13)، خرج صومه بنية
# PageV05P057
# الندب بالدليل، وبقي الباقي.
# ومنها: صحيحة هشام بن سالم، وفي آخرها: " إن السنة جاءت في صيامه على أنه
~~من شعبان، ومن خالفها كان عليه القضاء " (1).
# ومنها: ما دل على حرمة الانفراد بصيام يوم الشك، مثل رواية الزهري
~~المتقدمة وغيرها (2)، فإن الظاهر من الانفراد اخراجه عن صوم شعبان، وهذا
~~كذلك.
# احتجوا بوجوه ضعيفة، أقواها أمران:
# الأول: كفاية نية القربة وقد حصلت، والتردد إنما هو في أمر خارج فيكون
~~لغوا.
# والثاني: أنه نوى الواقع، ونوى العبادة على وجهها; لأنه إن كان من شهر
~~رمضان كان واجبا، وإن كان من شعبان كان نفلا; فيجزئ.
# ويرد على الأول: أن المسلم في كفاية قصد القربة وعدم اشتراط التعيين في
~~شهر رمضان هو إذا تفطن له وعلم بأنه شهر رمضان كما مر، وأنه يكفي قصد مطلق
~~الصوم حينئذ; لانصرافه إليه، والمفروض عدم العلم، وعدم قصد المطلق، بل هو
~~مقيد بهذا الترديد، والحصة الموجودة بشرط فرد ليست نفس الماهية المطلقة،
~~سيما إذا كانت منهيا عنها.
# وعلى الثاني: أن الوجوب في نفس الأمر لا معنى له، والمفروض أن تعلقه
~~بالمكلف إنما هو إذا علم دخول الشهر، ومع عدم العلم فليس إلا مندوبا،
~~فالمطابق للواقع إنما هو قصد الندب، هذا.
# ولا تنافي ما اخترناه نية الاحتياط لرمضان، بمعنى أن يقصد في الإتيان
~~بذلك المستحب عدم الإفطار في شهر رمضان في الواقع أيضا كما صرح به في
~~المعتبر (3).
# PageV05P058
# وهو المستفاد من الأخبار الكثيرة (1)، مثل رواية بشير النبال المتقدمة
~~(2) وما في معناها، فيصح أن ينوي: " أني أصوم غدا ندبا، فإن كان من رمضان
~~مجزيا عني ومسقطا عنه، وكنت غير مفطر له في نفس الأمر، وإلا فكان لي أجر
~~المندوب ".
# ومن هذا القبيل ما لو احتمل زكاة كانت واجبة عليه في ذمته فيتصدق بشئ،
~~وينوي أنه إن كانت زكاة في ذمته فكان مسقطا عنها، وإلا كانت مستحبة، هذا
~~فيما يمكن أن يكون من هذا القبيل.
# وأما فيما لا يمكن مثل المردد بين الزكاة والخمس في غير ms1200 الصورة التي كان
~~الآخذ والمعطي كلاهما هاشميين، فالحكم فيه مشكل.
# ويحتمل التخيير والقرعة وكونه من باب المجهول المالك، ويحتمل التنصيف;
~~لعدم المرجح.
# ثم إن ما ذكر في يوم الشك يجري في سائر أيام الشهر، بل وفي غير شهر رمضان
~~أيضا.
# والأظهر في الكل عدم جواز الترديد، بل يراعى في الكل استصحاب الحال
~~السابق، سواء كان واجبا معينا عليه أو ندبا، كما لو كان نذر صوم آخر يوم من
~~شعبان، ففي النذر المعين يجب قصده ويجزي عن رمضان لو انكشف كونه منه.
# واعلم أن الكلام السابق في حكم الجاهل والعالم يجري هنا أيضا.
# تنبيه:
# لو أصبح يوم الشك بنية الإفطار، وظهر كونه من الشهر قبل الزوال ولما يأت
~~بما يفسد الصوم; جدد النية، وأجزأه. والظاهر عدم الخلاف فيه، وتظهر دعوى
# PageV05P059
# الاجماع من الفاضلين (1)، وتدل عليه رواية الأعرابي المتقدمة (2).
# وأما لو ظهر بعد الزوال فيجب عليه الإمساك والقضاء، ولا يجزي تجديد النية
~~حينئذ على الأشهر الأظهر، وقد عرفت قول ابن الجنيد وضعفه (3).
# قال في المسالك: ولو أفطره وجبت عليه الكفارة; إذ لا منافاة بين وجوبها
~~وعدم صحة الصوم بمعنى اسقاط القضاء (4).
# أقول: سيظهر الكلام فيه فيما بعد.
# وأما لو نوى ندبا وظهر كونه من الشهر فيجدد النية ويجزيه مطلقا.
# السادس: لو عقد نية الصوم وغفل عنه في النهار أو نام أو نسي فلا شئ عليه
~~بلا خلاف.
# وأما لو نوى فعل المفطر في أثناء النهار ولم يفطر ففيه خلاف، المشهور أنه
~~أيضا كذلك.
# وقيده المحقق بما إذا جدد نية الصوم بعد ذلك (5)، وكذلك العلامة في بعض
~~كتبه (6).
# وعن أبي الصلاح (7) وفخر المحققين في شرح الإرشاد (8): أنه يفسد ويجب
~~عليه القضاء والكفارة.
# وقال في المختلف بالفساد دون الكفارة (9).
# PageV05P060
# وفي الدروس والبيان والإرشاد والإيضاح والمسالك حكموا بالإفساد ساكتين عن
~~الكفارة (1)، والأقرب الأول.
# والمسألة من مشكلات الفن، وقد أطال الكلام في المقال السيد في بعض مسائله
~~(2)، والعلامة في المختلف (3)، والشهيد في غاية المراد (4)، وذكروا أدلة من
~~الطرفين لا يخلو شئ منها من شئ.
# لنا: أنه ms1201 يصدق عليه أنه صائم شرعا صوما صحيحا قبل تلك النية، فيحتاج رفعه
~~إلى دليل، والاستصحاب حجة شرعية، وذلك نظير قولهم عليهم السلام: " الصلاة
~~على ما افتتحت عليه " (5).
# والأخبار الكثيرة الحاصرة للمفطرات، وليس فيها ذكر هذه، مثل صحيحة محمد
~~ابن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام: يقول: " لا يضر الصائم ما صنع
~~إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء " (6).
# ومثل ما رواه في الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " خمسة أشياء
~~تفطر الصائم:
# الأكل، والشرب، والجماع، والارتماس في الماء، والكذب على الله وعلى رسوله
~~وعلى الأئمة " (7).
# والاستدلال بها من وجهين، الأول: أنها تفيد الحصر، فينتفي كون غير
~~المذكورات مفطرا.
# والثاني: أن قصد الإفطار لو كان مفطرا لما كان نفس تلك الأشياء مفطرة;
~~لمسبوقية
# PageV05P061
# الفعل الاختياري بالقصد، فلا يبقى بعد القصد صوم حتى تكون هذه الأشياء
~~مفطرة.
# ويؤيده أمور:
# منها: أن هذا مما تعم به البلوى، وعدم التعرض له في الأخبار وكلام جمهور
~~الأصحاب مع اهتمامهم بذكر المنافيات والمكروهات والمندوبات أعظم شاهد على
~~أنه لا أصل له.
# ومنها: أنه لو ارتد بعد عقد الصوم ثم عاد لم يفسد صومه كما ذكره (1)،
~~ويظهر من المنتهى أنه لا خلاف فيه (2).
# ومنها: أن قصد الإفطار قبل النية لا يضر كما في يوم الشك وقضاء رمضان
~~وغيره، فكذلك فيما بعدها.
# ومنها: أنه لا يبطل الإحرام بقصد فعل المنافي جزما، بل بفعله أيضا.
# ومنها: أن الامتثال في التروك يحصل بدون النية، كترك الزنا وشرب الخمر
~~وغيرهما، فكذلك الصوم، غاية الأمر ثبوت الاجماع على الاحتياج إليها في
~~الصوم، وهو إنما ثبت في الجملة، وهو في الأول.
# احتج القائل بالفساد ونفي الكفارة: أما في الثاني فبالأصل، وأما في الأول
~~فبأنه عبادة مشروطة بالنية; لأنه لا عمل إلا بنية، وقد فات شرطها فتبطل،
~~واعتبار الاستدامة الحكمية; لعدم إمكان اعتبار النية في جميع الأجزاء أو
~~تعسرها إنما يتم إذا لم ينو ما يخالفها، فإذا نوى القطع أو فعل المنافي فلا
~~تبقى نية ولا حكمها.
# وفيه: ms1202 أنا نمنع وجوب النية إلا في الجملة، وهو يتحقق (3) بدخوله معها فيه
~~إذا كان المجموع عبادة واحدة، سيما مع تعسر استحضارها إلى الآخر، أو تعذره;
~~لعدم دليل على استحالة التكليف بمثله عقلا ونقلا، والأصل عدم زيادة
~~التكليف.
# PageV05P062
# وتوهم عدم جريان الأصل في العبادات ضعيف كما حققناه في الأصول، سيما على
~~القول بأنها أسام للأعم كما هو المختار (1).
# وأما استمرارها حكما بمعنى عدم قصد ما ينافيها فهو وإن كان واجبا كما في
~~أصل الإيمان، فإن العقد الخاص بالقلب لا يجب استحضاره دائما، بل يكفي فيه
~~عدم العقد على خلافه والتردد، لكنا نمنع شرطيتها كما في المعتبر (2).
# سلمنا شرطيتها، لكنا نمنع منافاتها لقصد الإفطار.
# والظاهر أن القصد إلى فعل المنافي لا يبطل الصلاة أيضا، بل الظاهر أنها
~~لا تبطل بقصد الخروج وإخراج نفسه من الصلاة أيضا إذا عاد إليها قبل تحقق ما
~~يبطل الصلاة من المنافيات كما عليه الأكثر، وكما أفتى الأصحاب بعدم بطلان
~~الوضوء بقصد الخروج في الأثناء.
# نعم هناك دقيقة تظهر من كلام المحقق الأردبيلي - رحمه الله - وهي الفرق
~~ما بين قصد المفطر وبين قصد الرياء بجزء من الصوم، بل وقصد عدم الإمساك، أو
~~قصد غير الصوم المنوي (3)، بمعنى إنشاء الرياء في جزء منه، أو جعل ذلك
~~الجزء غير ممسك فيه أو غير المنوي، فإن ذلك بمنزلة نفس الإفطار لا قصده،
~~فيفوت بعض اليوم، والصوم لا يتبعض، ولذلك جعلوا موضوع المسألة قصد المفطر
~~لا الرياء ونظراءه.
# أقول: والفرق حينئذ بين الصوم والصلاة منع كون أكوان المصلي في حال
~~الصلاة من أجزاء الصلاة، بل الصلاة إنما هي الأفعال المعهودة، فإذا جعل
~~نفسه في الصلاة خارجا عنها وعاد إليها قبل فعل المنافي لا يلزم تفويت شئ
~~منها إذا لم يحصل الإخلال بشئ من أفعالها الواجبة، بخلاف الصوم، فإن جميع
~~الآنات من اليوم جزء منه، وبتفويت بعضها يتبعض الصوم.
# PageV05P063
# والحاصل: أن القصد إلى فعل المفطر ليس نفس تبعيض الصوم، إلا أن ينوي "
~~أني الآن أخرجت نفسي عن الصوم، وأنشأت اخراج نفسي عن الطاعة ms1203 " وأكل الطعام
~~في ثاني الحال بالنسبة إلى هذا القصد، فحينئذ يكون باطلا.
# وذلك لأن الكف عن المفطرات وتأديب النفس بهذا العمل مكلف به، إما بإيجاد
~~فعل وجودي من توطين النفس وإكراهها، أو باستمرار العدم الأزلي وإبقائه على
~~حاله باختياره في غير حال الغفلة والنوم، ولم يتحقق منه شئ من ذلك فيما نحن
~~فيه، فالقصد إلى عدم الإمساك أو إيجاد الرياء ونظرائه مفوت لهذا المعنى
~~فيبطل.
# فإن قلت: مع القصد إلى الإفطار في ثاني الحال لا يبقى شئ من الأمور
~~الوجودية، التي ذكرتها أيضا.
# قلت: نعم، ولكن لم يحصل ما يرفع حكم النية السابقة، المجعولة بجعل
~~الشارع، المؤثرة في الصحة حال الغفلة والنوم والإغماء أيضا، الثابتة قسرا
~~من قبل الشارع، المانعة عن ارتفاعها إلا بجعل من الشارع.
# ولكن يمكن (1) إجراء هذا الإشكال في الصورة التي أشار إليها المحقق
~~الأردبيلي - رحمه الله - أيضا (2)، فإن انتفاء هذا الحكم القسري في أمثال
~~ذلك أيضا غير معلوم; إذ لا مانع من حكم الشارع بصحة عمل شرع فيه بنية صحيحة
~~وإن طرأ في بعض أجزائه الفعل المنهي عنه كالرياء ونحوه، سيما إذا كان من
~~قبيل التروك.
# ولكن الظاهر أن ضرر قصد الخلاف بنفس الفعل إجماعي كما ادعاه غير واحد
~~منهم في الصلاة، بل وفي الصوم أيضا كما يظهر من غاية المراد (3).
# واعلم أنهم جعلوا الخلاف في هذه المسألة متفرع على مسألتين:
# إحداهما: شرطية استمرار النية الحكمية وعدمها، بعد الاعتراف بكون وجوبه
# PageV05P064
# مما لا نزاع فيه.
# فوجه الشرطية: أنه بدل عن النية; لتعسر استحضارها في الجميع أو تعذره،
~~فكما أن النية في الابتداء شرط، فكذلك بدلها.
# ووجه العدم: تحقق العبادة وانعقادها بالنية ابتداءا، والأصل عدم شرطية
~~استمرار الحكم، وإن كان وجوب العزم على البقاء مستفادا من أحكام الإيمان.
# وثانيتهما: أن إرادتي الضدين متضادتان بالذات أو بالعرض أو لا، فيبطل على
~~الأول دون الثاني.
# فقيل بالأول; لأن إرادة أحدهما مستلزمة لكراهة الآخر أو نفسها، ولا تجامع
~~كراهة الشئ مع إرادته، فتتنافى الإرادتان.
# وقيل بمنع ذلك; ولو سلم فهو ms1204 الضد العقلي دون الشرعي.
# أقول: أما المسألة الأولى: فقد عرفت أن التحقيق عدم ثبوت الشرطية; لمنع
~~البدلية أولا، بل هو واجب على حدة، ومنع لزوم مساواة البدل للمبدل في جميع
~~الأحكام، ومنع منافاة قصد الإفطار للاستمرار، إنما المنافي هو جعل نفسه
~~خارجا عن العبادات، وإيجاد جزء منها بقصد الغير، هذا كله مع المعارضة
~~بالاستصحاب والأخبار المتقدمة.
# وقد أورد في المختلف: بأنه لو لم تكن المنافاة ثابتة، يلزم أن يكون من
~~أصبح في اليوم الثاني بنية الإفطار ورفض الصوم صومه صحيحا من أجل نية أول
~~الليلة من الشهر على القول بإجزائه (1).
# ورده الشهيد - رحمه الله - بأن الخصم يلتزمه; إذ لا يجب عنده تجديد النية
~~لكل يوم; لأن النية السابقة للصوم بأجمعه (2).
# أقول: وهو حسن إن لم يجعل نفسه في الصبح غير صائم، أو أمسك مرائيا كما
~~تقدم ذكره.
# PageV05P065
# والحاصل: أنه كما أن التشكيك في تحقق الاستدامة الحكمية يوجب الشك في
~~تحقق مجموع الصوم، فالتشكيك في زوال حكم القطعة الصحيحة من الصوم يقينا
~~يوجب الحكم ببقاء حكمه.
# فتأمل في ذلك حتى تعرف أن مراد بعضهم حيث حكم بأن قصد الإفطار وإن نافى
~~النية لكن لا ينافي حكمها، لعله كان ذلك يعني العمل على حكم اليقين كما
~~يستفاد من الأخبار الدالة على عدم جواز نقض اليقين بالشك، فإن المراد فيها
~~حكم اليقين; لبداهة استحالة اجتماع نفس اليقين والشك، وليس مراده الاستدامة
~~الحكمية حتى يصير موردا للاعتراض بثبوت التنافي، مع أنك قد عرفت إمكان
~~الدفع على ذلك أيضا.
# وأما المسألة الثانية: فالظاهر أنه لا يمكن القول بجواز اجتماع إرادة
~~الضدين للعاقل العارف المتفطن لكونهما ضدين، عقليين كانا أو شرعيين، بل
~~إنما يمكن مع الجهل والغفلة، أو بأن يراد من إرادة أحدهما الشهوة (1)، ومن
~~الأخرى الإرادة الحقيقية، وكلاهما خارجان عن موضوع المسألة، فإن الكلام
~~فيمن يعلم أنه صائم وينوي الإفطار، ويعلم تضاد الإفطار وعدم الصوم معه.
# فالمراد أنه إذا ارتفع الجزم السابق الذي تحقق بالنية بسبب العزم على
~~الإفطار فهل يبطل أم لا؟ وهذا ليس ms1205 من الاجتماع في شئ حتى يتفرع على جواز
~~اجتماع الإرادتين.
# وأما صدور الإرادتين منه في الوقتين فحصوله بديهي، فلا معنى للخلاف فيه،
~~إنما الكلام في أن أثر الإرادة الأولى (2) وحكمها هل يرتفع بالثانية أم لا،
~~وهذا لأدخل له في اجتماع الإرادتين وعدمه، وقد عرفت التفصيل.
# إذا عرفت هذا ظهر لك الفرق بين العبادات في نية الخروج وقصد المبطل، ففي
~~شئ منها لا يضر قصد الخروج والمبطل في ثاني الحال.
# PageV05P066
# وأما الخروج بالفعل أو فعل بعض الأجزاء بقصد الرياء أو غير المنوي، ففي
~~مثل الصوم يكون مبطلا; لتفويته جزءا منه مع عدم إمكان التدارك.
# وفي الوضوء والغسل مثلا يمكن العود بالنية، ويمكن التدارك لما فعل بقصد
~~الغير بإعادة ذلك الجزء بعينه.
# وفي الصلاة يمكن العود إلى النية في الخروج المحض، وبالتدارك لما غير
~~نيته فيه إذا لم يتحقق به مبطل كزيادة الركن، أو الفعل الكثير; مع احتمال
~~البطلان بمطلق الزيادة إذا كان من الواجبات، سيما إذا كانت ركنا، والتفصيل
~~في المندوب بالكثرة وعدمها.
# ثم إن ما ذكره الفاضلان من التقييد بتجديد النية بعد قصد الإفطار (1) لم
~~أتحقق وجهه، فإن قصد الإفطار والخروج إن لم يكن مضرا بالاستمرار فلا فرق،
~~وكذا لو كان مضرا.
# تنبيه:
# قد بينا سابقا أن المتعمد في ترك النية من الليل حتى أصبح يبطل صومه،
~~وأولى به الناوي للإفطار، وهو المعروف من مذهب الأصحاب، إلا أن المحقق مال
~~إلى انعقاد الصوم لو جدد النية قبل الزوال (2)، وهو مقتضى إطلاق كلام السيد
~~كما نقلنا عنه سابقا (3).
# ومقتضى القول بكفاية النية الواحدة لتمام الشهر أيضا صحة ذلك إذا كان في
~~غير اليوم الأول; لتقدم النية وعدم إبطال قصد الإفطار كما بينا، فلا بد أن
~~تقيد فتوى القائلين بالكفاية هنا بما لو لم تسبق النية أول الشهر.
# وقد أشرنا آنفا أيضا إلى أن ذلك إنما يتم إذا لم يصبح خارجا عن الإمساك،
# PageV05P067
# موجدا (1) لاعتقاد عدم الصوم أو الرياء، وإلا فلا وجه للصحة، كما ذكرنا
~~ذلك في إيجاد هذا المعنى في أثناء ms1206 النهار مع سبق النية في الليل.
# السابع: نية الصبي المميز صحيحة وصومه شرعي.
# ولو كان صائما وبلغ قبل الزوال فيجدد النية فيجزئه عن رمضان، بخلاف ما
~~بعد الزوال.
# واعلم أن الكلام في هذه المسألة في مقامين:
# أحدهما: كون عباداته شرعية أم لا، بل تكون تمرينية، والثاني: أنه على
~~تقدير كونها تمرينية هل تتصف بالصحة أم لا، بعد اتفاقهم على الاتصاف بها
~~على تقدير كونها شرعية.
# أما المقام الأول: فالأقوى عندي كونها شرعية، وفاقا للشيخ (2) وجماعة،
~~منهم المحقق في صريح كتاب الصوم من الشرائع، في غير موضع، ومن النافع (3)،
~~والعلامة في المنتهى والتذكرة والإرشاد في كتاب الصوم (4)، والشهيد في
~~الدروس واللمعة (5)، والمحقق الأردبيلي رحمه الله (6)، وصاحب المدارك (7).
# وذهب جماعة منهم العلامة في المختلف (8 والمحقق الثاني في حاشية الإرشاد
~~والشهيد الثاني (9) إلى أنها ليست بشرعية.
# PageV05P068
# ومرادهم بالشرعية: أنها مستندة إلى أمر الشارع ومطلوبة له، فتكون مندوبة،
~~وبالتمرين: حمل الولي للصبي على العبادة ليعتادها لئلا يجد بها مشقة بعد
~~البلوغ.
# وتظهر ثمرة النزاع في ترتب الثواب، وفي مثل ما تقدم في الصوم.
# وفي ظهور علامة البلوغ الغير المبطلة في أثناء الصلاة إذا جوزنا العدول
~~بالنية.
# ومثل جواز الصلاة بعد البلوغ بالطهارة الحاصلة قبله.
# وفي النذور والأوقات وأمثالها إذا تعلق بمن فعل عبادة شرعية أو مندوبة.
# وربما يذكر في الثمرات: أن الصلاة التمرينية مثلا ليست بصلاة حقيقة،
~~فيحتاج إلزام الصبي بإتيان الشروط وترك المنافيات إلى دليل آخر، بخلاف ما
~~لو كانت شرعية، فإن ثبوتها كاف في إثبات شرائطها وترك موانعها.
# وفيه: أن الأمر التمريني إنما هو بالعبادة الجامعة للشرائط أيضا فلا
~~ثمرة.
# لنا: عموم الأوامر، مثل الأخبار الكثيرة الدالة على وجوب الصوم على الصبي
~~إذا أطاق الصوم، أو إذا راهق الحلم، أو إذا أطاق ثلاثة أيام متتابعة، فإن
~~أقرب مجازاتها الاستحباب.
# والأخبار الدالة على أمرهم بالعبادات في الصوم والصلاة، مثل قوله عليه
~~السلام:
# " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع " (1) فإن الأمر بالأمر أمر كما حققناه في
~~الأصول (2)، والوجوب منفي بالإجماع، فيبقى الرجحان.
# والقول " بأن ms1207 الحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، والصبي ليس
~~بمكلف فلا حكم بالنسبة إليه، فلا خطاب، فلا امتثال، فلم تثبت الشرعية "
~~مدفوع بأن نظرهم في الحد إلى الغالب، ولذلك بدله بعضهم بالعباد.
# مع أن التعريف منقوض بالأحكام الوضعية التي لا تختص بأفعال المكلفين،
~~كضمان الصبي في ماله، وتأثير الحدث الحاصل قبل البلوغ في وجوب الوضوء بعده،
# PageV05P069
# وغير ذلك.
# والاعتذار " بأن التكليف في الأول بالولي، فلم يتعلق بالصبي، وفي الثاني
~~بأنه مأمور بالوضوء; لأنه فاقد للطهور، لا لأنه محدث " تكلف، والمندوب ليس
~~بتكليف حتى لا يمكن تعلقه بغير المكلف.
# ولنا أيضا لزوم الظلم عليه تعالى لو خلا عمله عن الثواب.
# وبيانه: أنا قد حققنا في الأصول أن المكلف تابع لما يؤديه إليه عقله
~~وفطنته (1)، فإذا كان غافلا أو جاهلا رأسا، ولم يتفطن لأنه يجب عليه التفحص
~~عن المجتهد وتقليده، واعتقد أن الدين والمذهب هو ما علمه أبواه أو معلمه،
~~فلا يؤاخذ على فعله; لأنه منتهى طاقته * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) *
~~فيجب عليه أن يعطيه الأجر على ما فعله; إذ هو طاعته على مقتضى طاقته.
# فالطفل أيضا إذا فهم أن الله تعالى يطلب منه هذا الفعل الذي مرنه عليه
~~أبواه وعلماه النية فيه، وذكرا له أن ذلك طاعة الله وعبادته، فيفهم من ذلك
~~أن الله يريد منه هذه العبادة، ويفعله إما خوفا منه أو رجاءا للثواب; لأن
~~الولي لا يقول له: إني أريد منك محض التمرين، وأن مطلوبي منك محض صورة
~~العبادة والله تعالى لا يريده منك.
# فالحكم بحصول الثواب والأجر للأول دون الثاني تحكم، أو ترجيح مرجوح،
~~وإيثار الله تعالى طاعة الأول على الثاني في بذل الثواب ظلم عليه.
# مع أن المستبعد الذي قد يحكم العقل باستحالته أن يحصل الفرق بين لمحتين
~~من الآنات من أواخر الصبا وأوائل البلوغ مع عدم تفاوت حال العبد فيهما أصلا
~~بحسب العقل والكمال والمعرفة، فيثاب على ما فعله في الآن الثاني دون الأول
~~مع اعتقاده في كلا الآنين أن الله تعالى أراد منه، ms1208 غاية الأمر أنه يعتقد
~~المؤاخذة على الترك في الآن
# PageV05P070
# الثاني دون الأول، وذلك لا ينافي كونه مثابا في الآن الأول أيضا.
# هذا مع ملاحظة تفاوت علامات التكليف في التقدم والتأخر، فمن كانت علامة
~~بلوغه السن; لعدم سبق الإنبات أو الاحتلام، كيف يقال: إنه ليس في أواخر
~~السنة الخامسة عشر مستعدا للأوامر والخطاب، وهذا الشخص بعينه لو فرض أنه مع
~~هذه المرتبة من الفهم لو احتلم أو أنبت قبل ذلك بسنين كان قابلا للتكليف
~~ومستعدا للخطاب؟!
# فإن قلت: المفروض في هذا الاستدلال قطع النظر عن الأوامر والتمسك بلزوم
~~الظلم، والثواب لا يتحقق إلا بالأمر.
# قلت: لا ينحصر الأمر في الأمر النفس الأمري، بل الظن به أيضا في حكمه كما
~~هو كذلك في المجتهد; يذعن بأن الأمر الفلاني مطلوب منه ويفعله رجاءا
~~للثواب، فكذلك الطفل بمحض تعليم الولي نية العبادة يذعن بأن هذا مطلوب
~~الشارع، ويفعله رجاءا للثواب، هذا.
# مع أنا لا نمنع من حصول الثواب بمقدمة الواجب، وإن قلنا إن وجوبها تبعي،
~~وإن لم نقل بلزوم العقاب على تركه كما نقل عن الغزالي (1)، ولا ريب أن ذلك
~~مقدمة لطاعته بعد البلوغ، ودل عليه الشارع، وأمر به بسبب تسبيبه لفعله من
~~جهة الأمر بالولي بخطاب تبعي.
# وإن أبيت عن ذلك وصعب عليك فهمه كفاك سائر الأدلة، منها ما مر.
# ومنها: ما يقتضيه تتبع الأخبار في باب صحة أذان الصبي المميز (2)، وجواز
~~إمامته (3)، وانعقاد الجماعة بصلاته إذا ائتم (4)، وإجزاء حجه إذا كمل قبل
~~المشعر
# PageV05P071
# وغيرها، فإنها تشهد بكون عبادته شرعية، هذا.
# مع أنه لا منافاة بين كون الخطاب من الله، وكونه تمرينيا; بمعنى أنه بعد
~~تعلم العبادة تستحب مداومته عليها، وفعلها مستمرا; ليحصل له الاعتياد
~~الموجب لتسهيل الأمر عليه.
# وليس ذلك من باب أمر المولى عبده بترييض الدابة وتعويدها العدو; لوجود
~~الفهم والقابلية فيما نحن فيه.
# والحاصل: أن الفهم والإدراك الذي هو شرط في تعلق الخطاب موجود فيه
~~بالفرض، بل قد يوجد في بعض الصبيان أزيد مما يوجد في كثير من المشايخ.
# ولا ms1209 مانع منه إلا الأخبار التي وردت في رفع القلم عنهم (1)، وهي لا تفيد
~~إلا نفي العذاب.
# ويؤيد ما ذكرنا أيضا: بعض الأخبار الواردة في صلاة الميت، وتحديد سن
~~الصبي الذي تجب الصلاة عليه، فلاحظ الأخبار وتأملها (2).
# والحاصل: أن كونها شرعية واضح عندي، والله العالم بحقائق أحكامه.
# وأما المقام الثاني:
# فاتصافها بالصحة بناءا على كونها شرعية واضح; لأن الصحة هي موافقة الأمر
~~على قول المتكلمين، والمفروض كونه مأمورا.
# وأما بمعنى اسقاط القضاء فهو أيضا يصح، وإن صعب فهمه على بعضهم، لعدم
~~لزوم القضاء.
# ووجه الصحة: أنه مسقط للقضاء التمريني على القول به، فإنه كما نقول بأنه
~~مأمور ندبا بالفعل نقول بكونه مأمورا بالقضاء ندبا إذا فات عنه.
# وأما على القول بالتمرين فيظهر من كلماتهم عدم الاتصاف; لأنه ملزوم
~~الأمر.
# PageV05P072
# وذهب الشهيد الثاني - رحمه الله - إلى جواز الاتصاف (1); لأنه من أحكام
~~الوضع، ولا يختص بأفعال المكلفين.
# وذلك لا يتم مطلوبه إلا أن يقول: إن المراد موافقة الأمر التمريني الصادر
~~من الولي، وهو تكلف واضح، وخلاف مصطلحهم في الصحة.
# وإن أراد موافقة الأمر النفس الأمري المتعلق بالمكلفين، يعني ما يفعله
~~الصبي موافقا لذلك الأمر فهو صحيح، فمع أن الموافقة له لا تتم إلا بقصد
~~القربة، فإنه مأخوذ في الأمر النفس الأمري، ومعتبر في الصحة على مصطلحهم.
~~وإن قلنا بأن النية خارجة وشرط لا جزء; خلاف المتبادر من اصطلاحهم في
~~الصحة، فإن مرادهم في الاصطلاح موافقة الأمر المتعلق بفاعل الصحيح، لا
~~الأمر المتعلق بالغير.
# ثم إن بعض الأصوليين ذهب إلى أن الصحة والبطلان بمعنى موافقة الأمر
~~ومخالفته حكم عقلي محض، وليس بوضعي; لأن الحاكم بذلك إنما هو العقل، ولا
~~يحتاج إلى توقيف الشارع.
# قلت: قد يبتدئ الشارع بحكم الصحة من دون مسبوقية ببيان وجه الصحة من
~~الأمر به، فيقول: " إذا فعل كذا كان صحيحا " فهذا كاشف عن الأمر والخطاب
~~الذي هو مخفي على المكلف، فلا يطلع عليه إلا بوضع الشارع، فيكون حكما
~~وضعيا.
# PageV05P073
# المقصد الثالث فيما يمسك عنه الصائم وفيه مباحث:
# المبحث الأول يجب ms1210 الإمساك عن الأكل والشرب من طلوع الفجر الثاني إلى غروب
~~الشمس بإجماع العلماء، وبالكتاب، والسنة.
# أما الكتاب; فقوله تعالى: * (فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض
~~من الخيط الأسود) * إلى قوله تعالى: * (أتموا الصيام إلى الليل) * (1).
# وأما السنة; فكثيرة، منها ما مر، ومنها ما سيأتي.
# ولا إشكال في أكل المأكول المعتاد، والمشروب كذلك.
# وأما غير المعتاد كالحصى والبرد ومياه الأنوار () وعصارة الأشجار،
~~فالمعروف من مذهب الأصحاب فيه أيضا ذلك، وادعى عليه الاجماع جماعة، منهم
~~العلامة في
# PageV05P074
# التذكرة، حيث نسبه إلى علمائنا (1).
# وقال في المنتهى: إنه قول عامة أهل الاسلام إلا من نستثنيه، ثم نسب
~~الخلاف إلى الحسن بن صالح بن الحي، وأبي طلحة الأنصاري، فإنه كان يأكل
~~البرد في الصوم وكان يقول: إنه ليس بطعام ولا شراب (2) و (3).
# وادعى الاجماع أيضا السيد في المسائل الناصرية، ونقل الخلاف عنهما وقال:
~~إن الاجماع متقدم ومتأخر عن هذا الخلاف (4)، وكذلك ابن حمزة نقل إجماع
~~الطائفة (5).
# وعن الشيخ في الخلاف: إجماع المسلمين أن أكل البرد مفطر، وحكم بانقراض
~~خلاف أبي طلحة (6).
# ونقل عن ابن الجنيد القول بعدم الإفطار بغير المعتاد (7)، وعن السيد في
~~الجمل: أنه أشبه (8).
# لنا: الاجماع المستفيض وعموم الآية والأخبار.
# واستدل في المختلف لهذا القول: بأن المنع عن الأكل والشرب إنما ينصرف إلى
~~المعتاد (9).
# ويدفعه: أن النهي عن الأكل والشرب والأمر بالتجنب عنهما بدون ذكر المفعول
~~يفيد منع إيجاد طبيعة الأكل في ضمن جميع الأفراد، ولا يحصل الامتثال في
~~النهي إلا بترك جميع الأفراد، وهو من باب العموم، لا الإطلاق حتى ينصرف إلى
~~المأكولات
# PageV05P075
# المعتاد أكلها عند أغلب الناس.
# سلمنا، لكنه معارض بالإجماع المستفيض.
# وقد يستدل عليه برواية مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام: " أن
~~عليا عليه السلام سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم قال: ليس عليه قضاء;
~~لأنه ليس بطعام " (1).
# وهو مع سلامة سنده مدفوع بأن المراد أنه ليس من أكل الطعام، فإن ذلك من
~~دون الاختيار، أو أن ذلك ليس أكلا إن جعلنا الطعام مصدرا كما ms1211 ذهب إليه في
~~القاموس (2)، وهو بعيد.
# وكيف كان; فلا يعارض بها ما تقدم من الأدلة، سيما والمستفاد من العلة
~~والحكمة الباعثة على الصوم تحمل الجوع والعطش، وعلى هذا فيمكن الفرار عن
~~ذلك بالأكل والشرب الغير المعتادين.
# وأما الأكل الغير المتعارف، وإن كان المأكول متعارفا، كابتلاع بقايا
~~الغذاء المتخلفة في الأسنان وغيرها، فظاهر المنتهى (3) وغيره (4) أيضا أنه
~~إجماعي، وتشمله العمومات.
# وابتلاع الريق على مجرى العادة ليس بمفطر إجماعا.
# ولو جمعه في فيه ثم ابتلعه فكذلك، خلافا للشافعي في أحد قوليه (5).
# وأما إذا خرج من الفم ثم ابتلعه فقالوا: إنه مفطر; لصدق الأكل.
# ويحتمل إيجاب كفارة الحرام; لأنهم يقولون بالحرمة إذا خرج من الفم، وإن
~~لم نقف على دليل سوى ادعاء الاستخباث.
# بل هناك أخبار كثيرة دالة على الحل، مثل ما رواه الكليني في الصحيح، عن
# PageV05P076
# الحسن بن زياد الصيقل، وفي جملتها: أن النبي صلى الله عليه وآله أخرج
~~اللقمة من فيه وأعطاها امرأة سألته إياها فأكلتها (1).
# وأيضا روى الكليني في باب النص على أبي جعفر الجواد عليه السلام، وفي
~~جملتها: أن علي بن جعفر مص ريق أبي جعفر بحضرة الرضا عليه السلام ولم ينكره
~~(2).
# ويمكن المناقشة بعدم ملازمته للبلع وإن كان بعيدا.
# وعن كتاب الملهوف لابن طاوس: أن زين العابدين كان يبل طعامه وشرابه
~~بدموعه حتى لحق بالله عز وجل (3)، وستأتي صحيحة أبي ولاد وغيرها.
# والظاهر كما ذكره المحقق الأردبيلي - رحمه الله - أنه لا يصدق ذلك على
~~مثل ما لو وضع في فمه حصاة أو درهما وابتل وأخرجها ثم وضعها ثانيا في فمه،
~~فلا يحصل الإفطار بذلك (") كما أفتى به في المنتهى (5).
# ويؤيده تجويزهم الأكل بالقاشوقة، وكذا أكل الفواكه بالعض مع عدم الانفكاك
~~عن بلة الريق، فتجويزهم ذلك مع قولهم بتحريم الخارج، يستلزم عدم كون ذلك
~~أكلا للريق الخارج، فكذلك الأمر في الحصاة والدرهم المذكورين.
# وأما ريق الغير فيعلم حكمه من السابق في الإفطار وعدمه، والحكم بالتحريم
~~هنا أيضا مشكل، وكذلك حصول الإفطار بمحض البلة.
# ويشكل فيما ابتلعه بسبب تقبيل الفم ms1212 ومص اللسان، وحكم في المنتهى بالبطلان
~~(6)، وأول الروايات الواردة في الجواز، وهي صحيحة أبي ويد الحناط قال، قلت
~~لأبي عبد الله عليه السلام: إني أقبل بنتا لي صغيرة وأنا صائم، فيدخل من
~~ريقها في
# PageV05P077
# جوفي شئ، فقال: " لا بأس، ليس عليك شئ " (1).
# وموثقة سماعة، عن أبي بصير قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الصائم
~~يقبل؟ قال:
# " نعم، ويعطيها لسانه تمصه " (2).
# ورواية علي بن جعفر - ووصفها في المنتهى بالحسن (3)، وقال في الخلاصة: إن
~~سند الشيخ إليه صحيح (4) فلا يضر وجود محمد بن أحمد العلوي في سنده - عن
~~أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الرجل الصائم أله أن يمص
~~لسان المرأة أو تفعل المرأة كذلك؟ قال: " لا بأس " (5) فإن وصول الريق إلى
~~الجوف في الأولى لم يظهر أنه كان من الفعل الاختياري.
# والثانية يمكن دفعها بأن المص لا يستلزم الابتلاع، مع أنه لا دلالة فيها
~~على كون المرأة صائمة، وانجذاب لعاب المرأة بمصها لسانه غير معلوم، مع أن
~~كون البلة مبطلة ممنوع كما تقدم، ويشكل بترك الاستفصال.
# وكيف كان فالأظهر وجوب الاجتناب عن إدخال اللعاب في الجوف اختيارا.
# فروع:
# الأول: لا بأس بمص الخاتم لرفع العطش وغيره; للأصل، ولصحيحة عبد الله بن
~~سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يعطش في شهر رمضان، قال: " لا
~~بأس بأن يمص الخاتم " (6).
# وصحيحة منصور بن حازم أنه قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل
~~يجعل النواة
# PageV05P078
# في فيه وهو صائم؟ قال: " لا " قلت: فيجعل الخاتم؟ قال: " نعم " (1) وتؤدي
~~مؤداها رواية يونس بن يعقوب (2).
# ولعل المنع في النواة إذا كان فيها شئ من تمر أو نحوه مما يدخل في الجوف.
# الثاني: لا بأس بمضغ الطعام للصبي وزق الطائر من غير ابتلاع، وكذلك
~~أمثاله مما يدخل في الفم ولا يحصل البلع، ومنه ذوق الطعام والمرق; للأصل،
~~والأخبار الكثيرة الصحيحة وغيرها.
# ومنها: رواية مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن
~~فاطمة كانت تمضغ للحسن ثم للحسين عليهما ms1213 السلام وهي صائمة في شهر رمضان "
~~(3).
# وأما صحيحة سعيد الأعرج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم،
~~أيذوق الشئ ولا يبلعه؟ قال: " لا " (4) فحملها الشيخ على المنع وعدم الجواز
~~إذا لم يحتج إلى الذوق (5)، والأخبار المجوزة على صورة الاحتياج، مثل خوف
~~فساد الطعام وهلاك الطائر، والأولى حملها على الكراهة والتنزيه في صورة عدم
~~الضرر، أو يكون المراد أنه لا يبلعه.
# ثم إذا فعل ذلك وسبق منه شئ إلى حلقه بغير اختياره فالأظهر عدم وجوب
~~القضاء; للأصل، والإذن في الفعل، وعدم تعمد الازدراد.
# وقال في المنتهى: لو أدخل في فيه شيئا وابتلعه سهوا، فإن كان لغرض صحيح
# PageV05P079
# فلا قضاء عليه، وإلا وجب (1).
# وتنظر في المدارك في الوجوب حينئذ (2)، وهو في محله.
# ولعل العلامة - رحمه الله - نظر إلى فحوى ما يدل عليه في المضمضة لغير
~~الصلاة، وهو مشكل.
# الثالث: لا بأس بالاستياك بالرطب واليابس، بل هو مستحب، وهو المشهور.
# وعن الشيخ (3) وابن أبي عقيل (4 كراهة السواك بالرطب; لصحيحة عبد الله
~~ابن سنان (5)، وحسنة الحلبي (6)، ورواية أبي بصير (7)، ورواية محمد بن مسلم
~~(8)، وموثقة عمار (9).
# ويدل على الجواز: صحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام: أيستاك الصائم
~~بالماء وبالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال: " لا بأس به " (10).
# PageV05P080
# وتدل عليه روايتان أخريان دالتان على أن الرطوبة لا تضر; لأن المضمضة
~~بالماء أرطب (1)، والخبر المعلل مع اعتضاده بالشهرة والأخبار المطلقة في
~~مطلق السواك وفي خصوص الصائم المستفيضة جدا أقوى.
# الرابع: تجوز المضمضة للصائم مطلقا على الأصح الأشهر المعروف من مذهب
~~الأصحاب كما في المدارك (2)، وفي التذكرة والمنتهى الاجماع على عدم كونها
~~مفطرة مع التحفظ (3).
# ويدل عليه بعد الأصل: ظاهر الاجماع، وصحيحة حماد الآتية في المضمضة
~~للصلاة.
# وصحيحته الأخرى، عمن ذكره، عن الصادق عليه السلام: في الصائم يتمضمض
~~ويستنشق؟ قال: " نعم، ولكن لا يبالغ " (4).
# ونفي المبالغة محمول على الكراهة.
# وتؤيده رواية يونس، قال: " الصائم في شهر رمضان يستاك متى شاء، وإن تمضمض
~~في وقت فريضة فدخل الماء حلقه فلا شئ عليه وقد تم صومه، وإن تمضمض ms1214 في غير
~~وقت فريضة ودخل الماء حلقه فعليه الإعادة، والأفضل للصائم أن لا يتمضمض "
~~(5).
# PageV05P081
# ويظهر من عبارة المنتهى الآتية التحريم لغير الوضوء (1)، ومن الاستبصار
~~التحريم للتبرد (2)، ولا دليل لهما يعتد به.
# وينبغي أن تحمل أفضلية الترك والكراهة على ما لو كان لغير الصلاة; لأن
~~عمومات الاستحباب وخصوصاته لهما في الصائم أقوى.
# وفي رواية زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الصائم يتمضمض،
~~قال:
# " لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات " (3).
# والأولى حملها على الاستحباب; لعدم مقاومتها للمطلقات المرخصة للمضمضة،
~~سيما ما ورد للصلاة من دون اشتراط ذلك.
# ووقع الخلاف بينهم في صورة دخول الماء إلى الحلق من دون اختيار، بعد
~~اتفاقهم على أنه لو أدخله عمدا أثم ووجب عليه القضاء والكفارة، فالظاهر أنه
~~لا خلاف بينهم في عدم لزوم شئ عليه إذا كان في وضوء الصلاة الفريضة.
# ويظهر من التذكرة الاجماع في مطلق الصلاة (4).
# ونقل عن طائفة من الأصحاب الميل إلى أن ذلك للفريضة، فإذا كان للنافلة
~~فهو مفطر (5)، ونقله في التذكرة عن ابن عباس (6)، وحسن ذلك في المسالك (7).
# دليل الأول: بعد ظاهر الاجماع; موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل عبث
~~بالماء يتمضمض به من عطش فدخل حلقه، قال: " عليه القضاء، وإن كان في وضوء
~~فلا بأس " (8).
# PageV05P082
# ودليل الثاني: رواية يونس المتقدمة، وصحيحة الحلبي عن الصادق عليه
~~السلام: في الصائم يتوضأ للصلاة فيدخل الماء حلقه، فقال: " إن كان وضوؤه
~~لصلاة فريضة فليس عليه شئ، وإن كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء " (1).
~~ورواها الكليني، في الحسن، عن حماد، عنه عليه السلام (2).
# ولا يبعد ترجيحه; لتقديم المفصل على المجمل، وعدم القطع بأن ناقل الاجماع
~~أراد العموم.
# ولا يبعد أن يقال: مرادهم من إطلاق الوضوء أن هذا الحكم ثابت في الوضوء
~~دون العبث والتبرد، ولا التفات فيه إلى أقسام الوضوء.
# أما لو كان لأجل التبرد والعبث فيبطل صومه ويجب عليه القضاء، وادعى عليه
~~الاجماع في المنتهى والتذكرة (3) ويدل عليه فحوى صحيحة الحلبي، وموثقة
~~سماعة، ورواية يونس المتقدمات.
# وأما المضمضة للتداوي أو ms1215 لإزالة النجاسة إذا دخلت في الحلق من دون
~~اختيار، فعن ظاهر جماعة من الأصحاب أنه كوضوء الفريضة لا يوجب القضاء (4).
# وفي المسالك: ينبغي إلحاق إزالة النجاسة بالصلاة الواجبة (5)، وقطع به في
~~الدروس (6).
# وزاد في التذكرة: غسله من أكل الطعام (7). وربما يستشكل بفحوى صحيحة
~~الحلبي، وعموم رواية يونس، والأولوية ممنوعة، والرواية ضعيفة.
# وإذا وضع في فمه شيئا مثل خرز لغرض صحيح فسبق إلى حلقه من دون تعمد
# PageV05P083
# فالظاهر عدم الإبطال; للأصل مع كونه مجوزا شرعا.
# وأما لو كان عبثا ففيه قولان: من جهة فحوى ما دل على لزوم القضاء في
~~التبرد والعبث، ومن جهة الأصل. ورواية يونس بعمومها تدل على الأول.
# ثم إن صاحب المدارك قال: ولا يلحق بالمضمضة الاستنشاق قطعا، فلا يجب مما
~~سبق منه قضاء ولا كفارة، بل لو قيل بأن تعمد إدخال الماء من الأنف غير مفسد
~~للصوم، لم يكن بعيدا (1).
# وعن ظاهر جماعة من الأصحاب الإلحاق (2)، ولم نقف على دليله.
# الخامس: اختلف كلام الأصحاب في ابتلاع النخامة.
# والمراد بالنخامة مشتبه في كلام أهل اللغة وفي كلام الفقهاء أنها هل هي
~~ما يخرج من الصدر والحلق، أو هي ما يجذب من الرأس إلى الحلق من الخيشوم، أو
~~مشترك بينهما لفظا أو معنى؟
# ويظهر من الشرائع: أنها ما يخرج من الصدر، لاما يجذب من الدماغ، حيث عطف
~~حكم المسترسل من الدماغ على النخامة المشعر بالمغايرة; وفرق بينهما في
~~الحكم، (3) كالعلامة في الإرشاد (4).
# ويظهر من التذكرة عكس ذلك، حيث أطلق على ما يجذب من الرأس النخامة، وعلى
~~ما يخرج من الصدر النخاعة (5).
# ويظهر من موضع آخر فيها الاتحاد، فقال: لو ابتلع النخامة المجتلبة من
~~صدره أو
# PageV05P084
# رأسه لم يفطر (1)، واستدل برواية غياث (2)، ونسب الخلاف إلى الشافعي،
~~وإلى أحمد في إحدى الروايتين (3).
# والظاهر من الشهيد في الدروس أيضا كونها مشتركة معنوية بينهما، حيث قال:
# والفضلات المسترسلة من الدماغ إذا لم تصر في فضاء الفم لا بأس بابتلاعها;
~~للرواية، ولو قدر على اخراجها ولو صارت في الفضاء أفطر لو ابتلعها، وفي
~~وجوب ms1216 الكفارات الثلاث هنا نظر، وتجب لو كانت نخامة غيره (4) انتهى.
# فإن الظاهر من مجموع هذا الكلام أن النخامة هي القدر المشترك بينهما
~~والمتحصل مما يخرج من الرأس، سواء خرج تدريجا واجتمع في الحلق والصدر، أو
~~دفعة بجذبه بقوة، وإلا لتعرض لحكم الخارج من الصدر، وهذا هو الذي يترجح في
~~النظر بالنظر إلى الاعتبار، وبالنظر إلى تردد كلام أهل اللغة وترديدهم، مع
~~أن الاشتراك مرجوح مثل المجاز.
# ومرجع الخلاف في كلام الأصحاب الذي وصل إلينا إلى ثلاثة:
# الأول: ما ذهب إليه في الشرائع من الفرق بينهما بجواز ابتلاع ما يخرج من
~~الصدر ما لم ينفصل عن الفم، والمنع عن ازدراد الثانية وإن لم تصل إلى الفم
~~(5).
# والثاني: ما ظهر من كلام الشهيد في الدروس من التسوية بينهما في جواز
~~الابتلاع ما لم تصل إلى فضاء الفم (6)، وارتضاه في المسالك (7).
# والثالث: مساواتهما في عدم الإفطار ما لم ينفصلا عن الفم، واختاره صاحب
# PageV05P085
# المدارك (1) تبعا للمحقق في المعتبر (2) والعلامة في المنتهى والتذكرة
~~(3)، وهو الأقرب عندي; للأصل، وعدم صدق الأكل والشرب، واستصحاب الصوم،
~~وخصوص رواية غيا ث بن إبراهيم القوية - لأن الراوي عنه في الكافي عبد الله
~~بن المغيرة، وفي التهذيب صفوان بواسطة سعد بن أبي خلف، مع أن العلامة وثقه
~~في الخلاصة، وإن روى فيه أنه تبري طائفة من الزيدية، فغاية الأمر كونه
~~موثقا - عن الصادق عليه السلام، قال:
# " لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته " (4).
# وقد يؤيد بفحوى صحيحة عبد الله بن سنان الآتية في القئ والقلس، ويظهر
~~ضعفه مما سنذكره.
# فالمختار في المسألة عدم إفساد الصوم، وعدم وجوب القضاء والكفارة
~~بابتلاعهما ما لم تنفصلا عن الفم، وأما لو انفصلتا عن الفم ثم ابتلعهما
~~فيفسد الصوم ويجب القضاء والكفارة.
# وهل تجب عليه كفارة واحدة أو كفارة الجمع؟ قطع في المسالك بوجوب كفارة
~~الجمع; لأنه إفطار بالحرام (5)، وهو مبني على القول بحرمة فضلات الانسان،
~~من ريقه وعرقه ونحوهما إذا انفصلت، ولم نقف على دليله إلا الاستخباث في
~~بعضها كما مر.
# وأما الازدراد من داخل ms1217 الفم، فلا تتطرق فيه شائبة الاستخباث، فالحكم
~~بتحريمه لغير الصائم حتى يكون إفطارا بالحرام للصائم في غاية البعد، فالقول
~~بكفارة الجمع فيه على القول بإفساده للصائم أيضا في غاية البعد، سيما وفي
~~رواية عبد الله ابن سنان، عن الصادق عليه السلام: " من تنخع في المسجد ثم
~~ردها في جوفه لم تمر بداء في
# PageV05P086
# جوفه إلا أبرأته " (1).
# وإطلاق هذه الرواية أيضا يدل على جواز ازدراد النخاعة في الصوم فتأمل.
# السادس: قال في التذكرة: بقايا الغذاء المتخلفة بين أسنانه إن ابتلعها
~~عامدا نهارا فسد صومه، سواء أخرجها من فمه أو لا; لأنه ابتلع طعاما عامدا
~~فأفطر كما لو أكل (2)، ثم نقل خلاف أحمد (3) والشافعي (4) وأبي حنيفة (5)
~~على اختلافهم في المذهب، والظاهر منه عدم الخلاف.
# واختار المحقق وجوب الكفارة عليه أيضا (6)، وعن بعض الأصحاب أنه المشهور
~~بينهم (7).
# وقال في المسالك: إن الخلاف فيما لو ابتلعه جاهلا بحرمته، وإلا وجبت
~~الكفارة قطعا (8).
# وهذا أيضا يشعر بعدم الخلاف فيه حينئذ، وقال: ولكن الشيخ في الخلاف أطلق
~~القضاء (9)، فكان قولا وإن ضعف.
# ومن ذلك كله يظهر أن مناقشة صاحب المدارك في أصل الإفساد; لعدم تسميته
~~أكلا، ولصحيحة عبد الله بن سنان الآتية في القلس (10) ضعيفة، غاية الأمر أن
~~يكون هذا من باب الأكل الغير المعتاد، وقد قدمنا أنه مفطر.
# PageV05P087
# وسيما المستفاد من الأدلة والأقوال لزوم الاجتناب عن إدخال الطعام في
~~الجوف من الحلق، إلا ما أخرجه الدليل، مثل الريق والنخامة، هذا الكلام في
~~صورة العمد.
# وأما لو كان سهوا فأطلق المحقق بأنه لا شئ عليه (1)، ونقل في المسالك عن
~~بعضهم التفصيل، فمن قصر في التخليل فيجب عليه القضاء; لتفريطه وتعريضه
~~للإفطار، دون غيره، وقال: لا بأس به (2).
# وضعفه في المدارك (3)، وهو جيد; للأصل، وعدم الدليل على كون مطلق التعريض
~~مفطرا، خرجنا عنه في مثل المضمضة عبثا ونحوه بالدليل، وبقي الباقي تحت
~~الأصل، والقياس باطل.
# السابع: كلما له طعم يتغير الريق بطعمه كالعلك والكندر ونحوهما فإن تفتت
~~ودخل شئ من أجزائها في حلقه عامدا أفطر، وأما لو ms1218 لم يدخل شئ من أجزائها ولم
~~يتغير الريق بطعمها فلا شئ عليه، وكذا لو تغير ولم يدخل في حلقه.
# وأما لو دخل في حلقه ففيه خلاف، والظاهر أن الأكثرين على الكراهة، وهو
~~قول الشيخ في المبسوط (4).
# وصرح في النهاية بعدم الجواز (5)، وهو ظاهر كلام ابن الجنيد (6)، والأول
~~أقرب.
# لنا: الأصل، والاستصحاب، والأخبار الحاصرة للمفطرات في غير ذلك، كصحيحة
~~محمد بن مسلم المتقدمة وغيرها.
# وخصوص رواية أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يمضغ
# PageV05P088
# العلك؟ قال: " نعم إن شاء " (1).
# والعجب أن الشيخ قال في التهذيب: إنه غير معمول به (2)، مع أنه عمل به في
~~المبسوط (3)، ولعله أراد أن إطلاق قوله عليه السلام " نعم " ينافي الكراهة،
~~ولم يقل أحد بنفي الكراهة; لا أنه حرام (4)، والعمل عليه.
# ورواية محمد بن مسلم المروية في الكافي قال، قال أبو جعفر عليه السلام: "
~~يا محمد إياك أن تمضغ علكا، فإني مضغت اليوم علكا وأنا صائم فوجدت في نفسي
~~منه شيئا " (5).
# والظاهر أن مراده عليه السلام من قوله عليه السلام: " وجدت في نفسي منه
~~شيئا " مظنة دخول بعض أجزائه في الحلق، وفعله عليه السلام مع أن الغالب فيه
~~حصول التغير في الريق والدخول في الحلق دل على الجواز.
# حجة المنع: امتناع انتقال الأعراض، فحصول الطعم مستلزم لحصول جزء منه في
~~الريق الذي يدخل في الحلق، وخصوص حسنة الحلبي عنه عليه السلام قال، قلت:
~~الصائم يمضغ العلك؟ قال: " لا " (6).
# وتؤيده صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه، عليه السلام، قال: سألته عن الصائم
~~يذوق الشرا ب والطعام يجد طعمه في حلقه، قال: " لا يفعل " قلت: فإن فعل فما
~~عليه؟ قال:
# " لا شئ عليه، ولا يعود " (7) وصحيحة الحلبي المتقدمة في السواك.
# والجواب عن الأول بالمنع عن استحالة انتقال الأعراض، وقد يحصل التغير
~~بالمجاورة كما في الماء والهواء بمجاورة الميتة وغيرها، فعن المنتهى أنه
~~قال: وقد قيل إن
# PageV05P089
# من لطخ باطن قدميه بالحنظل وجد طعمه ولا يفطر إجماعا (1).
# أقول: والأولى أن يقال على فرض تسليم عدم انتقال الأعراض ms1219 نمنع انصراف
~~أدلة الإفطار بمثل بلع هذه الأجزاء الصغار التي لا يدركها البصر.
# وأما الحسنة فلا تقاوم ما ذكرناه، فتحمل على الكراهة، مع أن دلالة النهي
~~على الفساد ووجوب القضاء محل المنع.
# هذا كله إذا لم يتحلل منه شئ، فإن علم ذلك وابتلعه عمدا فهو مفسد للصوم
~~موجب للقضاء بل الكفارة أيضا.
# الثامن: ذهب الشيخ في المبسوط (2) والعلامة في المختلف (3) إلى أن صب
~~الدواء في الإحليل حتى يصل إلى الجوف مفسد للصوم، واستدل عليه في المختلف
~~بما يرجع إلى القياس بالحقنة.
# وذهب الشيخ في الخلاف (4) والمحقق في المعتبر (5) إلى العدم.
# وتردد في الشرائع (6)، والأقرب الأول; للأصل، وبطلان القياس.
# وكذلك ذهب في المختلف تبعا للشيخ في المبسوط إلى أنه إذا أمر غيره بإدخال
~~مثل طعنة الرمح في جوفه أو فعل هو بنفسه أفسد صومه (7)، والأقوى عدمه، تبعا
~~للشيخ في الخلاف (8) وابن إدريس (9)، وكذلك فيما لو داوى جرحه بما وصل إلى
~~جوفه.
# PageV05P090
# المبحث الثاني يجب الإمساك عن الجماع في قبل المرأة، ويفسد الصوم للواطئ
~~والموطوءة بالإجماع والآية والأخبار المستفيضة، قد مر بعضها وسيجئ بعضها.
# وفي دبرها كذلك على الأظهر الأشهر; لعموم الآية (1)، فإن المباشرة أعم،
~~وإذا ثبتت الحرمة فيثبت البطلان بالإجماع المركب كما صرح به في المدارك
~~(2).
# وكذلك عموم الأخبار الدالة على وجوب الاجتناب عن جماع النساء واتيانهن
~~(3)، سيما وورد أنه أحد المأتيين، وفيها دلالة على البطلان أيضا.
# ويدل عليه أيضا:
# الاجماع، نقله الشيخ في الخلاف (4) وابن حمزة في الوسيلة (5) على استواء
~~فرجي الآدمي.
# ويدل عليه أيضا: أن الأخبار الواردة في حرمة التعمد على الجنابة إلى
~~الصباح منبهة على أن الجنابة مضرة بالصوم (6)، وهو مشروط بعدمها، خرج
~~الإنزال نهارا من دون اختيار، وكذلك المباشرة سهوا بدليل الاجماع، والجماع
~~في الدبر موجب للجنابة; لأنه يوجب الغسل كما بيناه في كتاب الطهارة.
# وبهذا يظهر فساد صوم الموطوءة أيضا; لما بيناه ثمة من وجوب الغسل عليها،
~~ويظهر من المبسوط نوع تردد في كونه ناقضا (7).
# وتدل على عدم البطلان به روايتان ضعيفتان دالتان على أنه لا ms1220 ينقض الصوم،
# PageV05P091
# ولا يوجب الغسل عليهما (1).
# وهما مع منافاتهما لما أثبتنا من وجوب الغسل به لا يعارض بهما ما تقدم.
# وقال الشيخ في التهذيب: هذا خبر غير معمول به، وهو مقطوع الإسناد (2).
# وأما دبر الغلام فالمشهور فيه أيضا الإفساد، وتردد فيه في النافع (3).
# وجعله العلامة في المختلف (4) والمحقق في الشرائع (5) بعد التردد تابعا
~~لوجوب الغسل، يعني: إن قيل بوجوب الغسل فيكون جنابة، والجنابة مبطلة للصوم
~~بناءا على ما أشرنا إليه، وإلا فلا.
# أقول: والأظهر أنه مبطل; لأنه موجب للغسل كما حققناه في كتاب الطهارة،
~~ويظهر التقريب في نقض الصوم مما مر.
# مع أنه المناسب لوضع الصوم، بل يدل إبطال الجماع في الفرج الحلال على
~~إبطاله بطريق أولى.
# مع أنه يمكن الاستدلال عليه بلفظ النكاح الوارد في الأخبار، بل الجماع
~~أيضا، مثل ما رواه الصدوق في العلل، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله
~~عليه السلام: لأي علة لا يفطر الاحتلام الصائم والنكاح يفطر الصائم؟ قال: "
~~لأن النكاح فعله، والاحتلام مفعول به " (6).
# وظاهر ابن حمزة في الوسيلة أيضا الاجماع حيث سوى بين فرجي
# PageV05P092
# الآدمي (1)، وهو المنقول عن الشيخ في الخلاف (2) وظاهر المبسوط (3).
# ودليل العدم: الأصل، وصحيحة محمد بن مسلم السابقة.
# والأصل لا يعارض الدليل، والصحيحة غير باقية على ظاهرها كما لا يخفى.
# ويظهر مما تقدم أن حكم الموطوء كحكم الواطئ.
# وأما البهيمة; فالظاهر أن المشهور فيه أيضا الإبطال، وظاهر الشيخ في
~~الخلاف أنه لا خلاف فيه (4)، وإن كان يظهر منه نوع اضطراب، وذهب ابن إدريس
~~(5) والفاضلان إلى العدم (6).
# ويمكن أن يستدل عليه: بأنه موجب للغسل على الأظهر كما بيناه، اتكالا على
~~فحوى قول علي عليه السلام: " أتوجبون عليه الجلد والرجم ولا توجبون عليه
~~صاعا من ماء؟! " (7) منضما إلى اشتراط الخلو عن الجنابة عمدا في الصوم كما
~~أشرنا.
# قالوا: ولا فرق في الموطوء بين الحي والميت.
# هذا كله مع عدم الإنزال، وأما مع الإنزال فلا إشكال في الإفساد بالأخبار
~~والإجماع.
# الثالث: اختلف الأصحاب في كون الكذب على الله ورسوله والأئمة ms1221 متعمدا
~~مفطرا موجبا للقضاء والكفارة، أو القضاء فقط، أو عدمهما - بعد اتفاقهم على
~~عدم كون مطلق الكذب ناقضا، وإن حرم الجميع على تفاوت في مراتبه في القوة
~~والضعف بالذات وبحسب الزمان - على أقوال.
# PageV05P093
# فأكثر القدماء على الأول، منهم الشيخان (1)، والسيد في الانتصار (2)،
~~وأبو الصلاح (3)، وابن البراج (4)، ونسبه في الدروس إلى المشهور (5).
# وقال السيد في الجمل: الأشبه أنه ينقض الصوم وإن لم يبطله (6)، واختاره
~~ابن إدريس (7) والعلامة (8) وأكثر المتأخرين (9).
# وظاهر المحقق في النافع أنه موجب للقضاء فقط (10).
# والأقوى الأول; للإجماع المنقول في الانتصار (11)، وعن ابن زهرة أيضا أنه
~~ادعاه (12).
# وقال في المنتهى بعد أن نسب هذا القول إلى الشيخين: احتجوا بالإجماع،
~~ويظهر منه أنهما أيضا ادعيا الاجماع (13).
# ولخصوص موثقة أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "
~~الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم " قال، قلت له: هلكنا! قال: " ليس حيث
~~تذهب، إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة عليهم السلام "
~~(14).
# وطعنوا عليها بضعف السند; بأن في طريقها منصور بن يونس بن بزرج، وقال
# PageV05P094
# الشيخ: إنه واقفي (1)، ونقل الكشي رواية تدل على أنه جحد النص على الرضا
~~عليه السلام لأموال كانت في يده (2).
# وفيه: أن النجاشي وثقه من دون ذكر الوقف (3)، ولو ثبت فالخبر موثق، وهو
~~حجة، سيما مع اعتضادها بعمل القدماء، وخصوصا مع أن الراوي عنه ابن أبي
~~عمير، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، ولا يروي إلا عن ثقة
~~كما ذكروه، وفي طريق الرواية جهالة.
# وبأن أبا بصير مشترك بين الثقة والضعيف.
# وفيه: أن التحقيق أنه لا اشتراك فيه بينهما، بل الظاهر أنه الثقة، سيما
~~إذا كان راويا عن أبي عبد الله عليه السلام. ووصف العلامة في المختلف هذه
~~الرواية بالموثقة أيضا (4).
# وبأنها مشتملة على ما لا يقول به الأصحاب من كونه ناقضا للوضوء.
# وفيه: أن الحق أنه لا يخرج الخبر بذلك عن الحجية في سائر أجزائه، مع أن
~~الكليني رواها في كتاب الإيمان والكفر في الحسن لإبراهيم بن هاشم، عن ابن
~~أبي عمير، ms1222 عن منصور، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام
~~يقول: " إن الكذبة لتفطر الصائم " قلت: وأينا لا يكون ذلك منه؟ قال: " ليس
~~حيث ذهبت " (5) إلى آخر الحديث.
# وكذلك الصدوق رواها في الفقيه بسنده عن منصور - وهو صحيح كما في الخلاصة
~~(6) - عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام: " إن الكذبة على الله
~~وعلى رسوله
# PageV05P095
# وعلى الأئمة عليهم السلام تفطر الصائم " (1) وليس فيهما نقض الوضوء.
# فهذه الرواية، مع عمل القدماء، وورودها في الكتب الثلاثة، يكفي في إثبات
~~المطلب.
# ودلالتها أيضا واضحة، فإن الإفطار إما من باب الحقيقة الشرعية، أو
~~التشبيه بالإفطار، فتعم أحكامه، سيما الشائعة منها، ومنها القضاء والكفارة.
# والدليل على أن المفطر في شهر رمضان يجب عليه القضاء والكفارة الأخبار
~~الكثيرة، وسيجئ شطر منها.
# وموثقة سماعة - وفي طريقها عثمان بن عيسى، وهو غير مضر - قال: سألته عن
~~رجل كذب في شهر رمضان، فقال: " قد أفطر وعليه قضاؤه " فقلت: ما كذبته؟
~~فقال:
# " يكذب على الله وعلى رسوله " (2)، رواها في باب ماهية الصيام، وإضمار
~~سماعة غير مضر كما حقق في محله.
# وروى في باب ما يفسد الصيام أيضا في الموثق عنه، قال: سألته عن رجل كذب
~~في شهر رمضان قال: " قد أفطر وعليه قضاؤه وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا
~~تعمد " (3) ولا يضر اشتمالها على قضاء الوضوء كما مر، وحمله الشيخ في
~~الوضوء على الاستحباب (4).
# والعجب أن العلامة وغيره من المتأخرين اكتفوا في هذا المقام بهذه الرواية
~~ورواية منصور على ما في التهذيب، وقدحوا فيهما بما قدحوا، مع ما عرفت من
~~وجود غيرهما من دون ورود ما أوردوا.
# وههنا روايات أخر أيضا: مثل ما رواه في الخصال مرفوعا، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام،
# PageV05P096
# قال: " خمسة أشياء تفطر الصائم: الأكل والشرب، والجماع، والارتماس في
~~الماء، والكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الأئمة
~~عليهم السلام " (1)، وفي كتاب الإقبال أيضا ما يدل عليه (2).
# واحتج المتأخرون; بالأصل، وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (3).
# والأصل مخرج عنه بما ms1223 ذكرنا، والصحيحة مع أنها ليست باقية على ظاهرها لا
~~تقاوم ما ذكرنا من الأدلة.
# ثم إن ظاهر هذا الكلام - يعني أن الكذب على الله مفطر - أنه يعتقد أنه
~~كذب ويقول، لا أن يقول شيئا هو غير مطابق للواقع مع اعتقاد المطابقة، وإن
~~كان الكذب على التحقيق هو المخالف للواقع كما صرح به جماعة (4).
# وعلى هذا فلو اعتقد المخالفة وقال فهو داخل في المسألة، وإن كان في
~~الواقع موافقا للواقع، فإنه لا ريب أن التكاليف منوطة بالعلم.
# وقال المحقق الأردبيلي رحمه الله: الظاهر أن منه بيان المسائل الدينية
~~على خلاف ما هي عليه (5).
# أقول: إن أراد أنه إذا اعتقد أنه خلاف حكم الله الواقعي والظاهري كليهما
~~ونسبه إلى الله تعالى فهو كما ذكره، وأما في مثل بعض القاصرين من العلماء
~~والعوام، حيث ينسب القول إلى الله تعالى بمجرد فتوى رآها في كتاب، ولم يكن
~~تكليفه الاقتصار عليه، أو بتقليد من ليس تكليفه تقليده، فهو مشكل، من أنه
~~ليس بحكم الله الواقعي في اعتقاده، ولا الظاهري، ونسب إليه تعالى، ومن أنه
~~لم يعتقد أنه كذب، غاية الأمر عدم اعتقاده للصدق.
# PageV05P097
# وأما لو قال: الحكم هكذا والصلاة هكذا، والصوم هكذا من دون نسبة إلى الله
~~والقصد إلى ذلك أيضا، وإن كان ربما دل (1) على ذلك دلالة تبعية غير مقصودة،
~~فالحكم بالإفساد أشد إشكالا، بل الظاهر عدم الإشكال في العدم.
# الرابع: الارتماس متعمدا واختلفوا فيه، فأكثر القدماء على أنه مفسد وموجب
~~للكفارة، ونسبه في الدروس إلى المشهور، واختاره هو (2)، وهو مذهب الشيخين
~~في غير التهذيب والاستبصار (3)، وجعله في المبسوط أظهر الروايات (4)، وادعى
~~عليه في الانتصار الاجماع (5)، وهو المنقول عن ابن زهرة (6)، وكذا ظاهر
~~الشيخ في الخلاف (7).
# وعن أبي الصلاح: وجوب القضاء خاصة (8)، وهو المنقول عن العلامة في
~~التلخيص، وظاهر النافع (9).
# وذهب الشيخ في الاستبصار (10)، وابن إدريس (11)، والفاضلان في جملة من
~~كتبهما (12)، وجماعة ممن تأخر عنهما; إلى الحرمة (13)، وعدم الإفساد
~~والكفارة.
# PageV05P098
# وعن السيد في الجمل أيضا: التنصيص بعدم الإفساد (1).
# وعن ابن أبي عقيل: أنه مكروه ms1224 (2)، وكذا الشيخ في التهذيب (3).
# والأقوى الأول; للإجماعات المنقولة، وخصوص رواية الخصال المتقدمة، ومثل
~~صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث ذكر فيها الارتماس مع الأكل والشرب وما في
~~معناهما، الظاهرة في تساويه معها.
# وفي الفقه الرضوي: " واتق في صومك خمسة أشياء تفطرك: الأكل، والشرب،
~~والجماع، والارتماس في الماء، والكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة "
~~(4).
# وأما الأخبار الدالة على التحريم فهي كثيرة معتبرة، مثل صحيحة الحلبي، عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، قال: " الصائم يستنقع في الماء ولا يرمس رأسه "
~~(5).
# وصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " الصائم يستنقع في
~~الماء ويصب على رأسه، ويتبرد بالثوب، وينضح المروحة، وينضح البوريا تحته،
~~ولا يغمس رأسه في الماء " (6).
# وهذه الأخبار مع الأصل، وخصوص رواية إسحاق بن عمار - ووصفها في المنتهى
~~بالموثقة - قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل صائم ارتمس في الماء
~~متعمدا، أعليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: " ليس عليه قضاؤه ولا يعودن " (7) دليل
~~التحريم وعدم الإفساد.
# والأصل لا يقاوم الدليل. وكذلك هذه الرواية - مع سلامة سندها - لا تقاوم
~~الاجماعات المنقولة والروايات المتقدمة، سيما مع ما ذكره في المبسوط من كون
~~ذلك
# PageV05P099
# أظهر الروايات (1)، فإنه يظهر منه أنه كان بخصوص القضاء والكفارة معا
~~رواية.
# وأما حجة ابن أبي عقيل فهي رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال:
# " يكره للصائم أن يرتمس في الماء " (2).
# وهي مع سلامة سندها ممنوعة الدلالة; لمنع الحقيقة الشرعية في الكراهة.
# تنبيهات:
# الأول: ذكر جماعة أن المراد هنا بالارتماس غمس الرأس في الماء وإن بقي
~~البدن خارج الماء (3); لإطلاق الأخبار. والتأمل فيها يفيد أن المراد به
~~غمسه بعد الاستنقاع أو الارتماس بتمام البدن، ولكن الأحوط، بل الأظهر
~~الوقوف معهم.
# وقال الشهيد الثاني رحمه الله: المراد به غمس الرأس في الماء دفعة واحدة
~~عرفية (4)، ويشكل بأنه لا دليل على اخراج ما لو غمسه تدريجا; لصدق الارتماس
~~عليه.
# وأما لو أحاطه ماء غامر بعنوان الصب دفعة، فالظاهر أنه خارج عن مورد
~~الأخبار.
# ويشكل ms1225 بما لو غمس جميع المنافذ وبقيت منابت الشعر، نظرا إلى أن الرأس
~~حقيقة في المجموع، وإلى أن الحكمة لعلها دخول الماء في الجوف من المنافذ،
~~وهي موجودة فيما نحن فيه، وكذلك الإشكال لو بقي بعض المنافذ كالعين والأذن.
# الثاني: إطلاق النص وكلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين النافلة والفريضة،
~~فمن قال بالإفساد يقول به فيهما، ومن يقول بالتحريم فقط فالأظهر فيها أيضا
~~التحريم كالتكفير في الصلاة، هذا إذا أريد بقاء الصوم، وإلا فيجوز قولا
~~واحدا.
# PageV05P100
# الثالث: إن قلنا بالتحريم فقط; فالثمرة حصول العقاب ونقص الكمال.
# وجعل في المسالك من ثمراتها بطلان الفعل الارتماسي حينئذ; لأن النهي تعلق
~~بجزء العبادة (1).
# وفيه إشكال من وجهين:
# الأول: إن النسبة بين حرمة الارتماس ودليل الغسل عموم من وجه، ولا دليل
~~على استحالة اجتماعهما حينئذ كما حققناه في الأصول (2).
# والثاني: منع كون رمس الرأس جزءا، بل إنما هو إيصال الماء إلى كل جزء جزء
~~من الرأس، ورمسه في الماء مباح، والحرام إنما هو جمع الكل فيه، وكونه جزء
~~الغسل ممنوع، كذا ذكره بعض الأفاضل (3).
# وقال في المدارك: يتم البطلان إذا وقع الغسل حال الارتماس وحال
~~الاستقرار، وأما لو وقع في حال الأخذ في رفع الرأس من الماء، فإنه يجب
~~الحكم بصحته; لأن ذلك واجب محض لم يتعلق به نهي أصلا، فينتفي المقتضي
~~للفساد (4).
# أقول: ويشكل إذا تعمد الارتماس عالما بحرمته; لصيرورته بنفسه سببا لذلك،
~~فلا يستحيل التكليف بما لا يطاق، وإن قيل: إن هذا ليس بارتماس، فيخرج عن
~~المسألة.
# وأما الناسي; فلا إشكال في صحة غسله، كما لا اشكال في صحة صومه على القول
~~بالإفساد.
# وأما الجاهل; فإن كان غافلا عن المسألة وعن وجوب تحصيلها إجمالا وتفصيلا
~~فكذلك، وإلا فالظاهر أنه كالعامد، كما حققناه في الأصول، مع إشكال في
~~الكفارة على القول بها.
# PageV05P101
# الخامس: يجب الإمساك عن إيصال الغبار إلى الحلق عمدا، سواء كان بقصد ذلك
~~بالذات، أو بأن يقوم في مقام يوجب ذلك من دون اضطرار.
# وقيده الأكثر بالغليظ، والمستند أعم.
# وحد الحلق: مخرج ms1226 الخاء المعجمة.
# وهو مفسد للصوم عند أكثر الأصحاب، بل يظهر من التذكرة أنه مذهب علمائنا،
~~حيث نسب الخلاف إلى الجمهور (1)، وعن ابن زهرة أنه ادعى عليه الاجماع، إلا
~~أنه عبر بالشم الموجب لوصول شئ إلى الجوف (2)، وكذلك عن ابن إدريس في
~~القضاء (3).
# قال في المنتهى: وعلى قول السيد المرتضى - رضي الله عنه - ينبغي عدم
~~الإفساد بذلك (4).
# والظاهر أن مراده من قوله هو عدم الإفساد بأكل غير المعتاد كما اختاره في
~~الجمل (5).
# والحق أنه على قول المشهور من إفساد غير المعتاد لا يندرج ذلك فيه، فإنه
~~أكل غير معتاد; لأن المأكول غير معتاد، فالتمسك بأنه نوع من المتناولات
~~فيفطر ضعيف، وإن كان يمكن التأييد به.
# فحجة المشهور: هي رواية سليمان بن جعفر المروزي، قال: سمعته يقول: " إذا
~~تمضمض الصائم في شهر رمضان، أو استنشق متعمدا، أوشم رائحة غليظة، أو كنس
~~بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك له مفطر
~~كالأكل
# PageV05P102
# والشرب والنكاح " (1).
# ويظهر من المحقق في المعتبر التوقف; لإضمار الرواية (2).
# والأقوى هو المشهور; لانجبار ضعف الرواية بعملهم، ولا يضر ضعف الرواية
~~ولا إضمارها، بل كلما كانت الرواية أضعف يصير الاعتماد عليها مع العمل
~~أقوى، وكذلك لا يضر اشتمالها على ما لا يقول به الأصحاب من حكاية المضمضة
~~والاستنشاق.
# وأما شم الرائحة الغليظة فهو مما ليس مهجورا عندهم، بل جعله الشيخ في
~~النهاية (3) وابن البراج (4) مما يوجب القضاء والكفارة إذا وصلت إلى الجوف،
~~مع أن الشيخ في المبسوط جعل ذلك مقتضى الروايات (5)، وهو مشعر بكثرتها.
# وأما ما يدل على المنع (6); فهو الأصل، وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة،
~~فإن الغبار ليس بطعام ولا شراب.
# وموثقة عمرو بن سعيد، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يتدخن
~~بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه، قال: " جائز لا بأس به " قال:
~~وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه، قال: " لا بأس به " (7).
# وفيه: أن الأصل لا يقاوم الدليل، والصحيحة ليست باقية على عمومها كما مر،
~~والموثقة لم تدل ms1227 على تعمد الإيصال، بل هي ظاهرة في دخوله من دون الاختيار.
# ومع التسليم فهجر الأصحاب هذه مع كونها أوضح سندا وأسلم من كثير مما في
# PageV05P103
# مستندهم أدل دليل على عدم اعتبارها.
# وأما الكفارة; فظاهر الأكثر وجوبها (1)، وبعضهم اكتفى بذكر القضاء (2)،
~~وبعضهم صرح بعدمها كابن إدريس، قال: وأما غبار النفض، فالذي يقوى في نفسي
~~أنه يوجب القضاء دون الكفارة إذا تعمد الكون في تلك البقعة من غير ضرورة،
~~فأما إذا كان مضطرا إلى الكون في تلك البقعة وتحفظ واحتاط في التحفظ; فلا
~~شئ عليه من قضاء وغيره (3)، انتهى.
# ولما كان المستند هو رواية سليمان فالأظهر الوقوف مع الأكثر.
# ثم إن ظاهرهم عدم الفرق بين ما لو كان الغبار من حلال كالدقيق، أو غيره
~~كالتراب.
# وتقييدهم بالغليظ إن كان غرضهم الاحتراز عما لا يحس حصوله في الحلق فلا
~~بأس به، وأما مع حصوله في الحلق سيما بحيث يخرج شئ محسوس منه بالتنحنح فلا
~~فرق بين الغليظ وغيره.
# ثم إنه يشكل الأمر في مثل الحصاد المستلزم لذلك غالبا، فإن تركه مستلزم
~~للضرر العظيم، وارتكابه في الليل موجب لذلك والعسر الشديد، والظاهر أنه مع
~~التحفظ مهما أمكن غير مضر وإن وصل إلى حلقه شئ.
# وألحق جماعة من المتأخرين الدخان الغليظ الذي فيه أجزاء تتعدى إلى الحلق
~~(4)، وهو أحوط.
# السادس: يجب الإمساك عن البقاء على الجنابة عمدا إلى الصباح، سواء نوى
# PageV05P104
# أن يغتسل بعد الفجر أو نوى أن يشرع في الغسل في وقت لا يقع تمامه قبل
~~الفجر أو لا; فإن كل ذلك في معنى تعمد البقاء على الجنابة، ومفسد للصوم،
~~وموجب للكفارة، وهو المشهور المعروف من مذهب الأصحاب، وفي الانتصار
~~والوسيلة والسرائر أنه إجماعي (1)، ونقل ذلك عن الخلاف والغنية وكشف الرموز
~~أيضا (2)، وهو الظاهر من العلامة في التذكرة والمنتهى في الإفساد (3).
# وعن الصدوق في المقنع: القول بعدم الوجوب، حيث قال: سأل حماد بن عثمان
~~أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل، وأخر
~~الغسل إلى أن يطلع الفجر، ms1228 فقال له: " قد كان رسول الله صلى الله عليه وآله
~~يجامع نساءه من أول الليل، ويؤخر الغسل حتى يطلع الفجر، لا أقول كما يقول
~~هؤلاء الأقشاب: يقضي يوما مكانه " (4).
# ونقل عنه - رحمه الله - أن عادته في هذا الكتاب نقل متون الأخبار
~~والإفتاء بها.
# ومال إليه المحقق الأردبيلي رحمه الله (5).
# وذهب ابن أبي عقيل إلى وجوب القضاء فقط (6)، والأقوى الأول.
# لنا: الاجماعات المنقولة، والأخبار المعتبرة المستفيضة جدا، مثل صحيحة
~~الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال في رجل احتلم أول الليلة أو
~~أصاب من أهله ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتى أصبح قال: " يتم صومه ذلك ثم
~~يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان ويستغفر ربه " (7).
# PageV05P105
# وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل
~~يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح، قال: " يتم يومه ويقضي
~~يوما، وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم يومه وجاز له " (1).
# وصحيحة معاوية بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يجنب
~~في أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان، قال: " ليس عليه شئ " قلت:
~~فإنه استيقظ ثم نام حتى أصبح، قال: " يقضي ذلك اليوم عقوبة " (2).
# وصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن الرجل
~~تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثم ينام قبل أن يغتسل، قال: " يتم صومه ويقضي
~~ذلك اليوم، إلا أن يستيقظ قبل الفجر، فإن انتظر ماءا يسخن أو يستقى فطلع
~~الفجر فلا يقضي يومه " (3).
# وصحيحة أحمد بن محمد، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن رجل أصاب
~~من أهله في شهر رمضان، أو أصابته جنابة، ثم ينام حتى يصبح متعمدا، قال: "
~~يتم ذلك اليوم وعليه قضاؤه " (4).
# وموثقة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل أجنب في شهر رمضان
~~بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح، قال: " يعتق رقبة، أو يصوم شهرين
~~متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا " قال، وقال: " إنه حقيق أن لا ms1229 أراه يدركه
~~أبدا " (5).
# PageV05P106
# وموثقة سماعة، قال: سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان،
~~فنام وقد علم بها ولم يستيقظ حتى أدرك الفجر، قال: " عليه أن يتم صومه،
~~ويقضي يوما آخر " فقلت: إذا كان ذلك من الرجل وهو يقضي رمضان؟ قال: "
~~فليأكل يومه ذلك وليقض، فإنه لا يشبه رمضان شئ من الشهور " (1).
# ورواية إبراهيم بن عبد الحميد، عن بعض مواليه، قال: سألته عن احتلام
~~الصائم قال، فقال: " إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلا يتم (2) حتى يغتسل،
~~وإن أجنب ليلا في شهر رمضان، فليس له أن ينام إلا ساعة حتى يغتسل، فمن أجنب
~~في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا وقضاء ذلك
~~اليوم ويتم صيامه ، ولن يدركه أبدا " (3).
# ورواية سليمان بن جعفر (4) المروزي، عن الفقيه عليه السلام، قال: " إذا
~~أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولم يغتسل حتى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين
~~مع صوم ذلك اليوم " (5) إلى غير ذلك من الأخبار.
# حجة القول الآخر: الأصل، وقوله تعالى: * (حتى يتبين) * (6) فإنه غاية
~~للأمور الثلاثة، والأخبار المعتبرة، مثل صحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت
~~أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان في أول الليل وأخر
~~الغسل حتى يطلع الفجر، قال: " يتم صومه ولا قضاء عليه " (7).
# PageV05P107
# وصحيحته الأخرى، عنه عليه السلام: عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم
~~يستيقظ، ثم ينام قبل أن يغتسل، قال: " لا بأس " (1).
# وصحيحة حبيب الخثعمي، عنه عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله
~~عليه وآله يصلي صلاة الليل في شهر رمضان ثم يجنب ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى
~~يطلع الفجر " (2).
# ورواية إسماعيل بن عيسى، قال: سألت الرضا عليه السلام عن رجل أصابته
~~جنابة فنام عمدا حتى يصبح، أي شئ عليه؟ قال: " لا يضره ولا يبالي، فإن أبي
~~عليه السلام قال، قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أصبح جنبا
~~من جماع من غير احتلام قال: لا يفطر ولا يبالي " (3) الحديث، إلى ms1230 غير ذلك
~~من الأخبار.
# والجواب عن الأصل; أنه مخرج عنه بالدليل.
# وعن الآية، أنه لا دليل على لزوم إرجاع المخصص المتعقب للجمل إلى الجميع،
~~وإنما يضم الأكل إلى الشرب للإجماع، ولا إطلاق في الآية بحيث يعتمد عليه،
~~مع أنه رفع للسلب الكلي السابق، وهو حرمة الجماع في تمام الليل، ويحصل
~~بالإيجاب الجزئي وإرجاع الإطلاق إلى العموم للخروج عن اللغوية، وهو يتم
~~بحمله على مقدار يمكن بعده الغسل، فلا ضرورة إلى الأزيد.
# سلمنا، لكنها مخرج عنها بالأخبار المستفيضة المعتبرة الموافقة لجمهور
~~الأصحاب والإجماعات المنقولة.
# وأما الأخبار فهي محمولة على التقية; لموافقتها للعامة، كما ينادي به
~~سياق بعضها، حيث نسب ذلك إلى عائشة، وإلى فعل رسول الله صلى الله عليه وآله
~~على سبيل الاستمرار، مع كونه مرجوحا اتفاقا.
# PageV05P108
# ويمكن حمل بعضها على صورة العزم على الغسل، كصحيحة العيص وما في معناها.
# وبالجملة المسألة واضحة.
# وينبغي التنبيه لأمور:
# الأول: إن ظاهر كلام الأصحاب في بيان ماهية الصوم " أنه هو الإمساك عن
~~الأمور المحصورة التي منها البقاء على الجنابة متعمدا " يقتضي التعميم في
~~كل صوم، ولكن الأخبار كما ترى واردة في شهر رمضان، ولذلك تردد العلامة في
~~المنتهى (1).
# وقال في المعتبر: ولقائل أن يخص هذا الحكم برمضان (2).
# أقول: والأظهر إلحاق قضاء شهر رمضان به في الإفساد; لصحيحة عبد الله بن
~~سنان: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب في
~~أول الليل، ولا يغتسل حتى يجئ آخر الليل، وهو يرى أن الفجر قد طلع، قال: "
~~لا يصوم ذلك اليوم، ويصوم غيره " (3).
# وصحيحته الأخرى، قال: كتب أبي إلى أبي عبد الله عليه السلام وكان يقضي
~~شهر رمضان، وقال: إني أصبحت بالغسل وأصابتني جنابة فلم اغتسل حتى طلع
~~الفجر، فأجابه: " لا تصم، هذا اليوم، وصم غدا " (4) وقد مرت موثقة سماعة
~~أيضا.
# ويظهر من هذه الأخبار: أن المجنب لا يصح منه القضاء وإن كان أصبح جنبا
~~سهوا، أو من غير علم كما لو احتلم ولم يعلم حتى أصبح.
# واحتمل الشهيد الجواز مع ms1231 التضيق إن لم يعلم الجنابة حتى أصبح (5)، وكذلك
# PageV05P109
# احتمله في المسالك (1).
# أقول: ويؤيده أن ظاهر الأخبار أيضا صورة التوسعة.
# وأما الصوم المندوب، فجوزه بعضهم (2)، ومنعه بعضهم (3)، وتردد بعضهم (4)،
~~والأقرب الجواز; لصحيحة حبيب الخثعمي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
~~أخبرني عن التطوع وعن صوم هذه الثلاثة الأيام، إذا أجنبت من أول الليل
~~فأعلم أني قد أجنبت فأنام متعمدا حتى ينفجر الفجر، أصوم أو لا أصوم؟ قال: "
~~صم " (5).
# وموثقة ابن بكير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب ثم
~~ينام حتى يصبح، أيصوم ذلك اليوم تطوعا؟ فقال: " أليس هو بالخيار ما بينه
~~وبين نصف النهار " (6) وله رواية أخرى تدل عليه أيضا (7).
# وأما سائر أفراد الصيام; فالأصل يقتضي عدم اشتراطها بذلك. وإطلاق الأصحاب
~~- سيما مع إشكالهم في قضاء رمضان وصيام الندب - لا يبقى معه اعتماد عليه،
~~وخصوصا مع ملاحظة موثقة سماعة المتقدمة المنبهة على أن شهر رمضان مخالف
~~لغيره، وكذلك مفهوم قوله عليه السلام: " إذا أفطر من شهر رمضان " في صحيحة
~~الحلبي المتقدمة، وسبيل الاحتياط واضح.
# وقال في المسالك: وفي حكم القضاء النذر المطلق، والكفارة قبل التلبس بها،
~~ولو كان في الأثناء حيث يشترط التتابع أو في أثناء صوم يشترط تتابعه وجهان،
~~أجودهما
# PageV05P110
# عدم صحة الصوم، ولا يقطع التتابع; لعدم التقصير (1).
# وناقشه في المدارك: بمنع الدليل على الإلحاق، وبمنع عدم انقطاع التتابع،
~~وعدم لزوم الإثم لا يستلزم حصول الامتثال (2)، وهو كما ذكره.
# الثاني: قال في المنتهى: لم أجد لأصحابنا نصا صريحا في حكم الحيض في ذلك،
~~يعني أنها إذا انقطع دمها قبل الفجر هل يجب عليها الاغتسال ويبطل الصوم لو
~~أخلت به حتى يطلع الفجر؟ الأقرب ذلك; لأن حدث الحيض يمنع الصوم، فكان أقوى
~~من الجنابة (3)، وهو مختار جماعة من الأصحاب، منهم ابن أبي عقيل (4).
# وعن النهاية الجزم بالعدم (5)، وهو قضية كلام من ذكر المفطرات ولم يذكر
~~ذلك كالشيخ في الجمل والمبسوط (6) وابن حمزة (7) كما نقل عنهما، ومال إليه
~~في المدارك (8).
# وتوقف المحقق في المعتبر (9).
# والأول أقوى; لموثقة ms1232 أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن
~~طهرت بليل من حيضها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت كان عليها قضاء
~~ذلك اليوم " (10).
# والظاهر عدم وجوب الكفارة كما صرح به جماعة (11); للأصل، وجعلها العلامة
~~في المختلف كالجنب (12)، وهو ضعيف.
# PageV05P111
# ثم إن الظاهر أن الحكم مختص برمضان; للأصل، وعدم الدليل في غيره.
# وأما دم النفاس; فالأظهر أنه كالحيض كما اختاره جماعة من الأصحاب (1)،
~~ويدل عليه ما يفهم من الأخبار من مساواة النفساء مع الحائض وإجماعهم على
~~أنه يحرم عليها ما يحرم عليها، بل قال في المعتبر: إنه مذهب أهل العلم كافة
~~(2).
# وأما غسل مس الميت; فالأصل يقتضي عدم وجوبه له، ولم أقف فيه على قول
~~بالوجوب، وصرح المحقق الأردبيلي - رحمه الله - بعدمه (3).
# وأما غسل الاستحاضة، فالمشهور بين الأصحاب بطلان الصوم بالإخلال بالأغسال
~~التي تجب عليها (4)، بل قال في المدارك: هذا مذهب الأصحاب (5)، وربما يدعى
~~اتفاقهم عليه.
# والأصل في المسألة صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتبت إليه: امرأة طهرت من
~~حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت فصلت وصامت شهر
~~رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، هل يجوز
~~صومها وصلاتها أم لا؟ قال: " تقضي صومها، ولا تقضي صلاتها; لأن رسول الله
~~صلى الله عليه وآله كان يأمر فاطمة والمؤمنات من نسائه بذلك " (6).
# والمناقشة فيها بالإضمار مع كون المكاتب هو الثقة الجليل لا يضر، مع أن
~~في الكافي: كتبت إليه عليه السلام، وفي الفقيه: فكتب عليه السلام.
# وكذلك الطعن فيها باشتمالها على خلاف ما عليه الأصحاب من عدم وجوب
# PageV05P112
# القضاء كما مر مرارا.
# وقد توجه بتوجيهات، أوجهها: أن كلمة " لا " من توهم الراوي، أو تصحيف
~~كلمة " ولاء " بالمد ردا على توهم أنها تفرق في قضاء الصوم، للفرق بين
~~القضاء والأداء، فلعله عليه السلام كتب تحت قوله: " صومها " تقضي صومها
~~ولاءا، وتحت قوله: " صلاتها " تقضي صلاتها.
# وربما يؤيد ذلك بمكاتبة الصفار التي وردت في قضاء صوم الولي، ms1233 ففي جملتها:
# أنه يقضي عشرة أيام، ولكن يقدح فيها ما ذكره بعض المحققين (1) من عدم
~~ارتباط السؤال بالجواب فإن مورد السؤال من الأمور النادرة، والجواب يشعر
~~بكثرة الوقوع من جهة قوله عليه السلام " كان يأمر " فلعل ذلك كان جواب
~~السؤال عن الحيض، فإن هذه العبارة وردت في بعض أخبار الحيض بعينها.
# ولعل ذلك حصل من جهة غفلة الناقل، فإن من شأن المكاتبة الجمع بين
~~السؤالات المختلفة، وبأدنى غفلة تلتبس أوضاع السؤال والجواب، ولذلك يظهر من
~~بعضهم التوقف كالشيخ في المبسوط حيث أسندها إلى رواية الأصحاب (2).
# وكيف كان; فهذه الرواية مع عمل الأصحاب يكفي في إثبات هذا الحكم.
# ولكن الإشكال في تحقيق الشرط أنه أي شئ هو، فهل هو جميع الأغسال أو
~~بعضها، أو هي مع ضمائمها كالوضوء لكل صلاة، أو ذلك مع تغيير القطنة والخرقة
~~أيضا؟ فقد اختلف كلام الأصحاب فيه، وقد حصرها بعض الأفاضل في وجوه ستة (3):
# الأول: اشتراط صومها بكل ما عليها كما هو ظاهر الشيخ في النهاية (4) وابن
~~إدريس (5).
# PageV05P113
# والثاني: عدم اشتراطه بشئ منها كما يظهر من المبسوط والمنتهى، حيث أشعر
~~كلامهما بالتوقف في القضاء إن أخلت بالأغسال (1).
# والثالث: اشتراطه بالغسل النهاري خاصة، وهو اختيار الشهيد في الدروس
~~والبيان (2).
# والرابع: اشتراطه بالغسل الفجري، وعدم اشتراطه بالغسل للظهرين إن تجددت
~~الكثرة في اليوم، وهو الذي احتمله العلامة في التذكرة (3).
# والخامس: اشتراطه بالغسل الفجري خاصة، وهو الذي احتمله العلامة في
~~النهاية (4) مع وجوب تقديمه على الصوم، بناءا على أنه لا يكون مشروطا إلا
~~بما تقدمه.
# والسادس: اشتراطه بما قارنه أو تقدم عليه، لا بما تأخر عنه، وهو الذي
~~اختاره الشهيد الثاني في الروضة، قال: وربما يحتمل وجوب القضاء عليها مع
~~صحة صومها; لأن القضاء بأمر جديد، ورد به النص وأفتى به الأصحاب، ولم يقم
~~على الفساد دليل، وإيجاب القضاء لا يدل عليه (5). أقول: ولا ينبغي التأمل
~~بناءا على العمل بالرواية كما هو الوجه في بطلان الصوم ووجوب القضاء لمن
~~تركت جميع ما عليها بناءا على حمل سؤال الراوي على ms1234 السالبة الكلية بالنسبة
~~إلى جميع ما يجب عليها، وأما على حمله على السلب الجزئي كما هو الظاهر في
~~رفع الإيجاب الكلي فالظاهر اختصاص اشتراطه بالأغسال النهارية، وتخصيص الغسل
~~لكل صلاتين إما من باب المثال، أو أريد جمع صلاة الليل مع الغداة أيضا،
~~والقيد بقوله " لكل صلاتين " وارد مورد الغالب، لكون المتوسطة من الأفراد
~~النادرة، ولا حجة في القيد إذا ورد مورد الغالب، مع أن الظاهر
# PageV05P114
# عدم القول بالفصل.
# وأما الوضوء وتغيير القطنة والخرقة فليست من متممات الغسل كما حققناه في
~~محله، بل الظاهر أنها لتصحيح الصلاة، مع أنه إنما سئل عن الغسل.
# وكذلك الظاهر عدم اشتراط تقديم الغسل الفجري على الفجر; لعدم اشتراطه في
~~غسل المستحاضة، ولا استبعاد في تأثير ذلك في تصحيح ما تقدمه من الزمان،
~~بخلاف الغسل الليلي الآتي.
# وأما اشتراط الغسل الليلي للصوم الآتي فلا يبعد اشتراطه، إلا أن يداخله
~~في الفجري الآتي، أو برئت في الليل واغتسلت للبرء.
# تنبيهات:
# الأول: لو استحاضت بعد صلاة الغداة أو صلاة الظهر والعصر، فالظاهر عدم
~~وجوب الغسل، حتى يأتي وقت الصلاة الأخرى; لأن المستفاد من الرواية إنما هو
~~اشتراطه بالغسل الواجب للصلاة، والمفروض عدمه.
# الثاني: هذا الحكم مختص بشهر رمضان لا غير، اقتصارا فيما خالف الأصل على
~~مورد النص.
# الثالث: لو لم يتمكن الجنب وأخواته من الغسل، ففي وجوب التيمم عليهم
~~قولان، أصحهما الوجوب; لما مر في مبحث التيمم; من أنه يجب لكل ما تجب له
~~المائية (1)، ويلزمه القول بوجوب القضاء والكفارة مع تعمد الترك.
# وحينئذ فهل يجب البقاء عليه إلى الفجر؟ فيه أيضا قولان، وما ذكروه في وجه
~~القولين لا يخلو عن ضعف، والأولى أن يبنى ذلك على أن التيمم هل هو رافع
~~لوصف الحالة المانعة إلى زمان التمكن من الغسل، أو إلى أحد الأمرين من ذلك،
~~أو
# PageV05P115
# حصول ناقض له.
# ويتفرع على ذلك: أن الجنب إذا تيمم ثم أحدث بحدث أصغر، هل يجب عليه
~~الوضوء أو التيمم بدلا عن الغسل إلى أن يتمكن من الغسل؟ وقد ذكرنا في ms1235 مبحث
~~التيمم أن المشهور الثاني (1); لاستصحاب الحالة المانعة، فإن لم يعلم
~~ارتفاعه، إلا إلى أحد الأمرين، فلا يمكن استصحاب حالة ارتفاع المانع إلى
~~زمان التمكن من الغسل، فإنه إنما يصح إذا ثبت الارتفاع على الإطلاق، وهو
~~ممنوع، واستصحاب المحدود في نفس الأمر مع جهالة الحد غير معقول.
# وكذلك لا يمكن استصحاب حالة التيمم; لأنها أيضا غايتها محدودة في نفس
~~الأمر، وجهالة الحد يورث الاجمال في زمان تأثيره، فيسقط عن درجة الاعتماد.
# ومقتضى ذلك لزوم البقاء على التيمم، ولزوم الإعادة لو حصل حدث، وعدم جواز
~~النوم إلا مع إمكان الانتباه أو الاعتياد عليه ليعيد التيمم بدلا.
# ولكن يمكن منع عموم ما دل على كون التعمد على الجنابة إلى الفجر مبطلا
~~(2) لمثل هذه الجنابة التي عاد أثرها بعد التيمم، فيشكل الحكم بوجوب
~~القضاء، وأبعد منه الحكم بوجوب الكفارة.
# الرابع: إذا نام غير ناو للغسل حتى أصبح يجب عليه القضاء والكفارة، هكذا
~~ذكره المحقق (3) والعلامة (4)، مستدلين بأنه مع العزم على ترك الاغتسال
~~يسقط اعتبار النوم ويعود كالمتعمد للبقاء على الجنابة.
# وجعل صاحب المدارك مراد المحقق من النوم غير ناو للغسل; هو عدم العزم على
~~الغسل، لا العزم على عدمه، فرقا بينه وبين المسألة المذكورة قبله، وهي تعمد
~~البقاء
# PageV05P116
# على الجنابة، حتى يطلع الفجر (1); تبعا لجده في المسالك (2)، وأورد على
~~استدلاله في المعتبر بما نقلنا أن عدم نية الغسل أعم من العزم على ترك
~~الاغتسال.
# وأنت خبير بما فيه، إذ مراد الفاضلين من هذا الكلام هو النوم بعد العزم
~~على عدم الغسل، وبيان أنه لا فرق بين ما لو بقي متعمدا الجنابة مستيقظا
~~متذكرا لوجوب الغسل من دون نية، أو نام على هذه الحالة، فلاحظ المنتهى
~~والمعتبر والشرائع في غير موضع (3).
# ومما يوضح ذلك استدلالهما في المعتبر والمنتهى بالدليل المتقدم، وذلك
~~واضح.
# والحاصل: أن للتعمد على الجنابة صورا، منها: العزم على البقاء مستيقظا
~~متذكرا إلى الصبح.
# ومنها: النوم على تلك الحالة سواء اعتاد الانتباه ولم يعد إلى القصد أو
~~لا.
# ومنها: التردد في الغسل ms1236 وعدمه إلى الصباح، فإن الظاهر أنه أيضا يصدق عليه
~~أنه بقي على الجنابة متعمدا سواء بقي مستيقظا أو نام على هذا الحال.
# وأما لو غفل وذهل عن الجنابة، أو عن الغسل قبل الصبح، أو عن كون الليل
~~ليلة الصيام فالحكم بوجوب القضاء مشكل، فضلا عن الكفارة.
# وإدراجها في مسألة نسيان الغسل الآتية في محلها بعيد; لعدم انصرافه من
~~الأخبار.
# ويشكل الكلام فيما لو طرأ النسيان بعد العزم على عدم الغسل أو التردد،
~~والحكم بعدم الفرق بين النوم والنسيان مشكل.
# الخامس: إذا نوى الاغتسال ونام ولم يستيقظ حتى طلع الفجر، فقال في موضع
# PageV05P117
# من المعتبر: إنه يفسد صومه ذلك اليوم، وعليه قضاؤه، وهذا قول أكثر
~~علمائنا (1).
# وقال في موضع آخر منه: إنه لا شئ عليه (2)، وكذلك في الشرائع (3).
# والحق أن هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل هو مذهب الأصحاب كما في المدارك
~~(4)، وعليه عمل الأصحاب كما في المنتهى (5)، بل لا فرق بين النوم واليقظة
~~في صورة العزم على الغسل، فلا يجب عليه شئ.
# وتدل عليه صحيحة العيص بن القاسم المتقدمة (6)، فإن تأخير الغسل ظاهر في
~~إرادة الفعل، مع أن الإطلاق يكفي.
# وصحيحته الأخرى: أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل ينام في شهر
~~رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام شهر رمضان قبل أن يغتسل، قال: " لا بأس "
~~(7).
# وقوية سليمان بن أبي زينبة، قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى بن جعفر عليه
~~السلام أسأله عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل فأخر الغسل حتى طلع
~~الفجر، فكتب إلي بخطه أعرفه مع مصادف: " يغتسل من جنابته، ويتم صومه، ولا
~~شئ عليه " (8).
# وصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (9).
# وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور الآتية (10).
# PageV05P118
# وصحيحة ابن أبي نصر عن أبي سعيد القماط: أنه سئل أبو عبد الله عليه
~~السلام عمن أجنب في أول الليل في شهر رمضان فنام حتى أصبح، قال: " لا شئ
~~عليه; وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال " (1) وذلك إذا لم يكن مقصرا.
# وأما مع التقصير بأن ms1237 يؤخر ويتراخى إلى زمان لا يسع الغسل بدون عذر، فلا
~~يبعد وجوب القضاء عليه، وإن كان عازما كما نبهت عليه صحيحة محمد بن مسلم
~~المتقدمة (2)، وغيرها، فلا بد من ملاحظة عدم تفويت الوقت من باب المقدمة،
~~ولكن استفادة لزوم القضاء من الأدلة مشكل، فإن القضاء بفرض جديد، ولا يصدق
~~على هذا تعمد البقاء على الجنابة، وهذا أظهر، وإن كان القضاء أحوط.
# ثم إن المستفاد من الأصل وظواهر الأخبار (3) جواز النوم، ولكن لا بد أن
~~يقيد بما لو احتمل الانتباه، وإلا لدخل في المتعمد على البقاء على الجنابة،
~~بل ربما اعتبر بعض الأصحاب اعتياد الانتباه، وليس ببعيد.
# والحاصل: أن البقاء على الجنابة، إما يحصل بنفسه وبالذات، أو بفعل ما
~~يستلزمه وإن لم يرد البقاء عليها، وذلك نظير ما ذكروه في كفاية قصد ما
~~يستلزم إقامة العشرة في السفر، وما يستلزم المسافة.
# والاستشكال في عدم جواز النوم حينئذ سيما على القول بكون وجوب الغسل
~~لغيره وكون التكليف ساقطا مع النوم ضعيف; لوجوب التهيؤ للغير مع ظن السلامة
~~وإدراك الغير كالحج، وكون مقدمات النوم اختيارية، ولو فرض غلبة النوم بحيث
~~أخرجه عن الاختيار فهو خارج عن المفروض.
# ثم إذا انتبه ونام ثانيا بنية الغسل ولم يستيقظ حتى الصباح فالمشهور بل
~~الظاهر عدم
# PageV05P119
# الخلاف أنه يجب عليه القضاء ولا كفارة عليه، أما الثاني فللأصل.
# وأما الأول فلصحيحة معاوية بن عمار (1)، وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور
~~قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يجنب في شهر رمضان ثم ينام، ثم
~~يستيقظ، ثم ينام حتى يصبح، قال: " يتم يومه ويقضي يوما آخر، وإن لم يستيقظ
~~حتى يصبح أتم يومه وجاز له " (2).
# والظاهر أن النومة الثانية مباحة مع نية الاغتسال; للأصل.
# وقال في المسالك بحرمتها وإن عزم على الغسل واعتاد الانتباه (3)، وهو
~~مشكل; لعدم الدليل.
# ولا يدل عليه قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار: " ويقضي ذلك
~~اليوم عقوبة " (4) فإن ذلك لا يدل على الإثم، ولعله من باب لزوم الإعادة
~~لناسي إزالة النجاسة وإن ms1238 كان عازما عليها; لأجل أن يهتم فلا ينساه.
# وكذلك قوله عليه السلام في رواية إبراهيم بن عبد الحميد: " ليس له أن
~~ينام " (5) فإنها مع ضعفها (6) ممنوعة الدلالة على الحرمة، سيما مع ورود
~~النهي عنه في اليوم فيها مع عدم الدليل على حرمته، بل كون الحرمة فيه خلاف
~~الاجماع، مع أنه - رحمه الله - غير قائل بالتفصيل المذكور فيها.
# ثم إذا انتبه ونام ثالثا مع العزم على الغسل مع احتمال الانتباه واعتياده
~~ولم ينتبه
# PageV05P120
# حتى الصباح فالمشهور وجوب القضاء والكفارة (1)، ولم نقف على ما يدل عليه
~~من الأخبار.
# وقد يستدل عليه بأنه متعمد للبقاء على الجنابة حتى الصباح، وهو ممنوع،
~~وبالأخبار الثلاثة المتقدمة الموجبة للكفارة، وهي أيضا ممنوعة الدلالة،
~~ولكن الشيخ ادعى عليه الاجماع في الخلاف (2)، وكذلك ابن حمزة (3) وابن زهرة
~~(4)، وهذا يكفي في إثبات الحكم.
# وقد يخرج هنا وجه عقلي، وهو أنه يلزم فيه زيادة على المسألة السابقة مع
~~وجوب القضاء فيها، وهو ضعيف.
# والظاهر أن النوم الثالث مع العزم أيضا مباح، ويجئ على قول الشهيد الثاني
~~أيضا الحرمة هنا بطريق الأولى، وهو ضعيف.
# السادس: لا فرق بين الاحتلام والجماع; للإطلاق، ولخصوص بعض الأخبار
~~المتقدمة.
# السابع: يجب الإمساك عن الاستمناء، وهو طلب الإمناء من غير جماع، سواء
~~كان باليد أو بالملاعبة والملامسة، ويفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة
~~بالإجماع، بل نقل على إفساده إجماع العلماء كافة (5)، وذلك إذا أمنى، وإن
~~لم يمن فلا يفسد وإن فعل حراما.
# PageV05P121
# ويدل عليه مضافا إلى الاجماع الأخبار، مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج،
~~قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى
~~يمني، قال:
# " عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع " (1).
# وحسنة ابن أبي عمير، عن حفص بن سوقة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام:
# في الرجل يلاعب أهله أو جاريته في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء، فينزل،
~~قال:
# " عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان " (2).
# ورواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد ms1239 الله عليه السلام عن رجل وضع يده على
~~شئ من جسد امرأته فأدفق، فقال: " كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم
~~ستين مسكينا، أو يعتق رقبة " (3).
# والظاهر أن قصد الفعل الذي يوجب الإنزال عادة في حكم القصد إلى الإنزال،
~~وإن لم يقصد الإنزال.
# واعلم أن صاحب المدارك قال في شرح قول المحقق: " ولو استمنى أو لمس امرأة
~~فأمنى فسد صومه " فقد أطلق المصنف هنا وفي المعتبر كون الإمناء الواقع عقيب
~~اللمس مثل الاستمناء، وهو مشكل، خصوصا إذا كانت الملموسة محللة ولم يقصد
~~بذلك الإمناء، ولا كان من عادته ذلك (4).
# وقال صاحب الكفاية (5): وقد أطلق الفاضلان (6) وغيرهما أن الإمناء الحاصل
~~عقيب الملامسة مفسد للصوم، واستشكله بعض المتأخرين (7)، ثم قال: والوجه ما
~~ذكره الأصحاب; لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، إذ لا اختصاص
# PageV05P122
# لها بالاستمناء.
# أقول: كلما وقفت عليه من كلام الأصحاب صريح أو ظاهر في قصد الإنزال أو
~~قصد الفعل مع الاعتياد به، وليس فيه إطلاق إلا ظاهر عبارة الشرائع هذه
~~وعبارة القواعد، حيث قال: ولو أمنى عقيب الاستمناء أو لمس امرأة فأمنى فسد
~~صومه (1).
# وعن أبي الصلاح: لو أصغى إلى حديث أو ضم أو قبل فأمنى فعليه القضاء (2).
# وأما غيرها فقال في المعتبر: ويفطر بإنزال الماء بالاستمناء والملامسة
~~والقبلة اتفاقا (3)، فإن الظاهر أن مراده من الإنزال القصد إلى الإنزال،
~~ومراده بالاستمناء هو المعالجة باليد ونحوها، وبالملامسة والقبلة هو جعلهما
~~وسيلة للإنزال قصدا.
# وفي موضع آخر: من أمنى بالملاعبة والملامسة أو استمنى ولو بيده لزمته
~~الكفارة، ثم نقل الخلاف عن بعض العامة، ثم قال: لنا أنه أجنب مختارا متعمدا
~~وكان كالمجامع، ولأنه أفطر بإنزاله عمدا فلزمته الكفارة.
# ثم قال: ويؤيد ذلك ما روي من طريق أهل البيت عليه السلام، ثم نقل رواية
~~عبد الرحمن بن الحجاج، ورواية أبي بصير المتقدمتين (4).
# فظهر أنه حمل رواية أبي بصير على إرادة القصد بالإنزال، أو مع اعتياده
~~بذلك.
# وقال في المنتهى: الإنزال نهارا مفطر مفسد للصوم مع العمد، سواء أنزل
~~بالاستمناء أو ملامسة وقبلة بلا خلاف ms1240 (5)، واستدل بالروايات الثلاث، وقال
~~في موضع آخر ما يؤدي مؤدى العبارة الثانية من المعتبر (6).
# PageV05P123
# وقال في التحرير: كل من أنزل نهارا عمدا أفسد صومه، سواء كان باستمناء أو
~~ملامسة أو ملاعبة أو قبلة أو مباشرة أو غير ذلك من أنواع ما يوجب الإنزال
~~(1).
# وقال في موضع: لو استمنى بيده فأنزل أو أنزل عقيب الملاعبة أو الملامسة
~~أو التقبيل والوطء في غير الفرجين وجب عليه القضاء والكفارة (2).
# وأنت خبير بأن موضع المسألة في الموضعين من كل من الكتب الثلاثة واحد،
~~والمقصود في أولهما بيان الإفساد، وفي الثاني وجوب القضاء والكفارة، وكلها
~~صريحة أو ظاهرة في القصد إلى الإمناء بالذات أو بما يستلزمه عالما
~~بالاستلزام عادة.
# فليس في شئ منها أنه لو أمنى بمجرد الملامسة وإن لم يقصد الإنزال ولم يكن
~~معتادا له أنه يجب عليه القضاء والكفارة مع كمال بعد لزوم الكفارة التي هي
~~ناشئة من الإثم غالبا في مثل ذلك مطلقا.
# وأما في التذكرة فقد ذكر أولا أن الإنزال نهارا عمدا مفسد، سواء كان
~~باستمناء أو ملامسة أو ملاعبة أو قبلة إجماعا، واستدل برواية أبي بصير (3).
# ثم ذكر الموضع الثاني - أعني وجوب القضاء والكفارة - وقال (4): لو أنزل
~~عند الملامسة أو الملاعبة أو التقبيل أو استمنى بيده، لزمه القضاء
~~والكفارة، وبه قال مالك وأبو ثور (5); لأنه أجنب مختارا متعمدا، فكان
~~كالمجامع.
# ثم استدل بالروايات الثلاث المتقدمة (6)، ثم قال: وقال الشافعي وأبو
~~حنيفة: عليه
# PageV05P124
# القضاء دون الكفارة (1)، وقال أحمد: تجب الكفارة في الوطء فيما دون الفرج
~~مع الإنزال (2)، وعنه في القبلة واللمس روايتان (3).
# ثم ذكر في الفصل الرابع كراهة مباشرة النساء تقبيلا ولمسا وملاعبة; حذرا
~~من الوقوع في الوطء، إلى أن قال: إذا عرفت، فلو قبل لم يفطر إجماعا، فإن
~~أنزل وجب القضاء والكفارة عند علمائنا، وبه قال أحمد ومالك، خلافا للشافعي،
~~وقد سلف (4) و (5).
# وهذه العبارة، وإن كانت توهم ما فهمه صاحب الكفاية (6)، لكن الحوالة على
~~ما سلف مع التأمل الصادق يكشف عن كون مراده ما ذكرنا.
# وقال ابن فهد في ms1241 المهذب: الفصل الثاني، الملاعبة والملامسة، فإن كان مع
~~قصد الإنزال كفر قطعا، وإن كان لا معه فكذلك على المشهور، وقال أبو علي يجب
~~القضاء خاصة، احتج الأولون بأنه أنزل في نهار رمضان عقيب فعل معد للإنزال
~~فكانت عليه الكفارة (7)، إلى آخر ما ذكره.
# فإن ذكر الاحتجاج على هذا السياق يدل على أن مراد المشهور ليس إطلاق المس
~~كما لا يخفى.
# وكلام العلامة في المختلف أيضا مثل كلام ابن فهد في النسبة إلى المشهور
~~والاحتجاج بأنه قصد فعلا يحصل معه الإمناء فكان كالمجامع (8).
# PageV05P125
# نعم في عبارة المسالك تصريح بالتعميم (1)، ولكنه في الروضة اعتبر شرط
~~الاعتياد (2).
# وكذلك الشهيد في الدروس حيث قال: وفي حكم الاستمناء النظر المعتاد
~~والاستمتاع والملاعبة والتخيل إذا قصده (3).
# وكذلك المحقق الأردبيلي - رحمه الله - قال بعدم وجوب شئ مع عدم القصد
~~والاعتياد، واحتمل القضاء كما في المضمضة لغير الصلاة (4).
# وقال في المدارك: بعد تضعيف إطلاق القول بالإفساد باللمس: والأصح أن ذلك
~~إنما يفسد الصوم إذا تعمد الإنزال بذلك (5).
# ومما يؤيد ما ذكرنا: أن المحقق في الشرائع ذكر بعد العبارة المتقدمة في
~~مسألة لزوم الكفارة لفظ الاستمناء فقط، ولم يذكر حكاية اللمس (6)، مع أنه
~~ذكرهما معا في المعتبر في الموضعين (7)، وكذلك العلامة في كتبه (8)، فظهر
~~أن مراده في العبارة المتقدمة الاستمناء باللمس، سواء كان بقصد الإمناء أو
~~قصد اللمس مع اعتياد الإنزال.
# وذكر ابن حمزة في الوسيلة من جملة ما يوجب القضاء والكفارة إجماعا إنزال
~~المني عمدا، وإن كان بالملاعبة والملامسة (9).
# وقال السيد في الانتصار: ومما انفردت الإمامية به القول بإيجاب القضاء
~~والكفارة على من اعتمد استنزال الماء الدافق بغير جماع (10).
# PageV05P126
# ويؤيد ذلك أن السيد في الناصريات ادعى الاجماع على أن النظر إذا أوجب
~~الإمناء لا يفطر إذا لم يستدع الإنزال (1).
# والحاصل: أنه إن فرض إطلاق في كلمات بعضهم فلا بد أن يحمل على ما لو عمد
~~إلى الإنزال أو فعل ما يعلم بعادته إيجابه له كما تدل عليه سائر كلماتهم.
# وكذلك الأخبار المطلقة، مثل رواية أبي بصير (2) وغيرها (3)، فإن ms1242 الظاهر
~~منها; أنها وردت فيمن لا يثق بنفسه، وإلا فمن كان ممن يثق بنفسه واتفق أن
~~يدفق بمجرد اللمس في غاية الندرة، سيما مع كون نزول المني غالبا مسبوقا
~~بحالات ومقدمات يفهم صاحبه النزول، فتكون هذه الأخبار واردة في المقصر،
~~سواء كان من جهة عدم الوثوق أو من جهة الإصرار على الدواعي إلى الإنزال حتى
~~ينزل.
# مع أن المتبادر من قولهم عليه السلام " وضع يده على شئ من جسد امرأته
~~فأدفق ورجل لزق بأهله فأنزل " (4) - مع قطع النظر عن حمل باب الإفعال على
~~التعدية كما هو ظاهرها - السببية التامة في نظر العرف والعادة، لا محض
~~التعقيب.
# ولا ريب أن الإنزال على غير المعتاد ليس مسببا عن اللمس واللزوق، بل هو
~~إنما صار سببا بضميمة عرض للمزاح (5) أو شئ آخر.
# وبالجملة الظاهر من قولنا " إذا صار اللمس سببا للإنزال يفسد " هو ما
~~يفهم المكلف أنه سبب وأتى به، لا مجرد كونه سببا في نفس الأمر، فإن الألفاظ
~~وإن كانت أسامي للأمور النفس الأمرية، لكن تتبع الأخبار وكلام الأخيار
~~يقتضي أن المراد منها في التكاليف ما يعلم المكلف أنه هو المسمى، لاما كان
~~هو في نفس الأمر، هذا مع ما سيجئ من الأخبار الدالة على عدم كراهة التقبيل
~~والملامسة والملاعبة مع الوثوق
# PageV05P127
# بعدم الإنزال ولو ظنا، فإن تلك الرخصة مع استعقابها للكفارة في غاية
~~البعد.
# وأما ما ذكره صاحب الكفاية من عدم اختصاص الصحيحة بالاستمناء (1) إن أراد
~~أنها شاملة لما أمنى بمحض الاتفاق وإن لم يكن من قصده الإمناء أو من عادته
~~أيضا، فهو بعيد.
# وإن أراد أنها لا تدل على اشتراط القصد بالإمناء فلا نمنعه; لأنا نقول:
~~إن القصد إلى الفعل المستلزم للإمناء عادة قصد إلى نفسه، وكلمة " حتى "
~~يمكن أن تكون داخلة على العلة الغائية وعلى الغاية، وعلى الوجهين يتم
~~الاستدلال، ويختص بما ذكرنا، ولا يعم ما ذكره.
# والحاصل: أن المسلم في الإفساد هو تعمد إنزال المني، والعمد إنما يتحقق
~~بقصد الإنزال، غاية الأمر دخول القصد إلى ما من شأنه ms1243 ذلك، وهو اللمس
~~وأشباهه إذا كان معدا لذلك، نظير ما ذكروه في شبه العمد، وإلحاقه بالعمد في
~~القتل إذا كان بآلة قتالة وإن لم يقصد القتل، ومع اللمس القليل أو القبلة
~~مع عدم اعتياده الإنزال بذلك وعدم قصده إليه، فلا يصدق عليه إنه إفطار
~~بالإمناء قصدا.
# وأما الأخبار الدالة على الإطلاق، فقد عرفت أن ظاهر صحيحة عبد الرحمن بن
~~الحجاج (2) هو التعمد بأحد المعنيين المتقدمين.
# وكذلك مرسلة حفص بن سوقة (3)، فمع أنه لا يعلم عمل الأصحاب على إطلاقها
~~ليجبرها ظاهرة في التعمد بأحد الوجهين كما يشعر به المضارع التجددي الظاهر
~~في أن السبق والإنزال إنما نشأ منه استشعاره بذلك.
# وأما رواية أبي بصير فهي ضعيفة (4)، ويمكن حملها على التعمد بأحد
~~الوجهين.
# PageV05P128
# وكذلك مضمرة عثمان بن عيسى، قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: "
~~عليه إطعام ستين مسكينا، مد لكل مسكين " (1) مع ظهور اللزوق والإنزال في
~~التعمد كما أشرنا إليه.
# وروى في الفقيه مرسلا قال، قال أمير المؤمنين: " أما يستحيي أحدكم أن لا
~~يصبر يوما إلى الليل، إنه كان يقال: إن بدو القتال اللطام، ولو أن رجلا لصق
~~بأهله في شهر رمضان فأدفق، كان عليه عتق رقبة " (2).
# وفيه: مع الإرسال; وما ذكرنا من إرادة العمد أنه رواه في المقنع أيضا،
~~وقال: " فأدفق لم يكن عليه شئ " (3).
# وأما مثل ما رواه محمد بن مسلم وزرارة في الموثق بأبان، عن أبي جعفر عليه
~~السلام: أنه سئل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال: " إني أخاف
~~عليه، فليتنزه من ذلك، إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه " (4).
# وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يمس من
~~المرأة شيئا، أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال: " إن ذلك ليكره للرجل الشاب،
~~مخافة أن يسبقه المني " (5).
# وصحيحة منصور بن حازم، قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في
~~الصائم يقبل الجارية والمرأة؟ فقال: " أما الشيخ الكبير مثلي ومثلك فلا
~~بأس، وأما الشاب الشبق فلا; لأنه لا يؤمن، ms1244 والقبلة إحدى الشهوتين " (6) فلا
~~يمكن أن يستدل بها على أن مطلق الإنزال بعد اللمس وشبهه مفسد، بتقريب أنه
~~عليه السلام علل المنع بخوف سبق المني،
# PageV05P129
# فيظهر منه أن مطلق سبق المني مفسد، وذلك لأن مطلق خروج المني في اليوم
~~غير مبطل جزما، مثل ما لو كان من دون الاختيار في النوم واليقظة.
# والقول بأن مراده عليه السلام أن السبق الذي يحصل عقيب اللمس وأشباهه
~~مفسد من جهة أنه عقيب اللمس، يدفعه إطلاق التعليل، فلا بد أن يكون المراد
~~من التعليل الأمر بالتحرز عن الإمناء على سبيل العمد.
# والمراد بسبق المني غلبة الطبع والهوى على الانسان بحيث يخفى عليه الأمر،
~~فيستمر اللمس وأشباهه إلى أن يخرج عن الحالة المعتادة، فيفعل ما لا ينفك
~~عنه الإمناء، فيصير من باب شبه العمد، بل ربما ينجر إلى الجماع، كما يشير
~~إليه إطلاق صحيحة منصور.
# وبالجملة المفسد هو القصد إلى الإمناء، أو إلى فعل ما من شأنه ذلك غالبا،
~~فالمنع عنه للشاب الشبق أو من لا يثق بنفسه لأجل فتور في جسده; لأن ذلك فعل
~~يشبه العمد.
# ويؤيد ما ذكرنا، بل يدل عليه الأخبار المستفيضة جدا، الدالة على وجوب
~~القضاء والكفارة على المتعمد للإفطار (1)، فإنها بمفهومها تدل على عدم شئ
~~على غير المتعمد.
# وتؤيده أيضا رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل
~~كلم امرأته في شهر رمضان وهو صائم فأمنى، قال: " لا بأس " (2).
# ومع ذلك كله فالأحوط القضاء، بل الكفارة أيضا، أما الوجوب فلم يثبت.
# ثم إنهم اختلفوا في الإمناء بالنظر، فأطلق جماعة من الأصحاب عدم وجوب شئ
~~عليه، من غير فرق بين المحلل والمحرم، وما كان مع القصد والاعتياد وما
~~بغيرهما (3).
# PageV05P130
# وزاد في الخلاف: أنه إذا كرر النظر حتى أمنى كان كذلك، ونقل عليه إجماع
~~الفرقة (1).
# وعن الشيخين في المقنعة والمبسوط (2) وسور (3) وابن حمزة (4) والعلامة في
~~التحرير (5) وجوب القضاء بالنظر إلى المحرمة دون المحللة، وهو ظاهر اللمعة،
~~ولكنه قال: لو قصد - يعني الإمناء - فالأقرب الكفارة (6)، وهو مقتضى كلام
~~كل ms1245 من قال بأن الاستمناء من غير جماع كذلك ولم يستثن هذا الموضع.
# وألحق الشهيد الثاني - رحمه الله - بالقصد فعل المعتاد أيضا (7)، وهو
~~ظاهر الدروس (8).
# وذهب العلامة في المختلف إلى أنه إن قصد الإنزال فأنزل وجب عليه القضاء
~~والكفارة، سواء فيه المحللة والمحرمة، فإن لم يقصد فاتفق الإنزال لتكرر
~~النظر فيجب القضاء خاصة مطلقا (9).
# وكذلك اختلفوا في الإمناء بالسماع، فذهب الجماعة الأولون إلى أنه ليس
~~عليه شئ مطلقا، وأطلق المفيد (10) وأبو الصلاح (11) وجوب القضاء، وذهب في
~~المختلف إلى وجوب القضاء والكفارة مع قصد الإنزال والقضاء خاصة لا معه إن
~~كرر ذلك حتى أنزل (12).
# PageV05P131
# أقول: وما ذكروه من الأدلة في هذه الأقوال لا يرجع إلى طائل يعتمد عليه،
~~والحق القول بأنه إن قصد الإمناء أو فعل ما يعتاد به الإمناء قضى وكفر،
~~وإلا فلا شئ عليه; للأصل. ولا فرق في ذلك بين المحلل والمحرم، ويظهر وجهه
~~مما تقدم.
# تنبيهات:
# الأول: قد عرفت حكم الإفساد والكفارة وعدمهما، وأما الحرمة والكراهة، فلا
~~ريب في حرمة نفس الاستمناء المقصود فيه الإمناء باليد ونحوها من غير أعضاء
~~المحللة، والظاهر جوازه بمثل التفخيذ والملاعبة المحللة.
# ولا ريب في حرمة الجميع في الصوم; لأنه تعمد إلى إبطال الصوم المحرم.
# وأما مطلق الملامسة وملاعبة المحللة إن لم يقصد به الإمناء، فإن علم من
~~حاله وجزم بأنه موجب له، فالظاهر أيضا أنه حرام; وإن لم يعلم من حاله ذلك،
~~فإن علم من حاله عدمه وأنه لا تتحرك به شهوته، فلا ريب في جوازه، والمشهور
~~الأصح الأقوى عدم الكراهة أيضا.
# وإن كان ممن يحرك ذلك شهوته، فهو مكروه إجماعا، بل الظاهر أنه إجماع
~~العلماء كافة، كما صرح به في المنتهى في القبلة لذي الشهوة (1). وتدل عليه
~~الأخبار المستفيضة جدا وقد تقدمت طائفة منها (2).
# وربما يعلل بأنه تعريض للإمناء المفسد، وهو مشكل في معتاد العدم.
# ثم إن الكراهة هل هي فيمن لا يغلب على ظنه الإنزال ويحرم على غيره، أو
~~تعم؟.
# قال في المنتهى: الأكثر على أن القبلة مكروهة وإن غلب على ms1246 ظنه الإنزال،
~~ونقل عن بعض الشافعية التحريم، واستدل بالأخبار، وبأن إفضاءه إلى الإفساد
~~مشكوك فيه
# PageV05P132
# فلا يثبت التحريم بالشك (1).
# ثم إنه يشكل المقام بتجويزهم هنا الملاعبة واللمس مع ظن حصول الإمناء،
~~وحكمهم ثمة بالإفساد، مستدلين بأنه يصدق عليه أنه أجنب متعمدا فيفسد صومه،
~~مع أن الجنابة عمدا في الصوم حرام; لأنه إفساد للصوم الواجب، فهذا من أعظم
~~الشواهد على أنهم أرادوا ثمة من الملامسة وأشباهها ما كان بقصد الإنزال، أو
~~ما كان معتادا فيها الإنزال.
# فلم يظهر كون فتوى جمهور الأصحاب في مثل ما لم يكن أحد الأمرين - وإن كان
~~مع غلبة الظن بالحصول - الإفساد ولزوم الكفارة; لأنه ليس بجنابة عمدا في
~~نهار رمضان. ويؤيده ما سننقل عن المنتهى في مسألة الاحتلام (2).
# وعلى هذا فيبقى الإشكال في الحكم بالكراهة; إذ الغالب الوقوع في الأخبار
~~وكلام الأصحاب أن الحكم بالكراهة لخوف العاقبة إنما يكون فيما كانت العاقبة
~~محرمة، كالصيرفة وبيع الأكفان وغير ذلك، فإذا لم يكن الإنزال على غير وجه
~~الاستمناء والاعتياد حراما مفسدا فلا يناسب الحكم بالكراهة.
# ويمكن دفعه: بأنه لخوف الوقوع في العمد ولو بغلبة الهوى والشهوة بحيث
~~يخفى عليه الأمر في أن الملاعبة في الآن الأخير مما يعتاد الإنزال عقيبها
~~حتى يمسك عنه، أو لخوف الوقوع في الوطء وذلك لا يخرجه عن التعمد; إذ هو
~~بنفسه صار باعثا للاختفاء، فلا منافاة بين جواز المقدمات وحرمة العاقبة،
~~كما لا منافاة بين عدم وجوب مقدمة الواجب ووجوب نفس الواجب.
# وقولهم " بأن تجويز الترك في المقدمة يستلزم خروج الواجب عن الوجوب، أو
~~لزوم تكليف ما لا يطاق " في غاية الضعف; إذ تجويز الترك لا يخرج الواجب عن
~~المقدورية، فهو قادر على أن لا يترك فيأتي بالواجب، غاية الأمر أن الآمر
~~سهل مؤونة المأمور في
# PageV05P133
# المؤاخذة، وخص المؤاخذة بنفس الواجب.
# فالذي يمكن بارتكابه الجمع بين كلمات الأصحاب في هذا المقام حيث استدلوا
~~على إبطال الصوم بإنزال المني عقيب الملامسة ونحوها مطلقا بأنه تعمد
~~للجنابة، وهو مفسد للصوم وموجب للقضاء والكفارة وحيث ذكروا ms1247 أنه لا تجوز
~~الملامسة في الصوم، إما مع الكراهة في صورة غلبة الظن بالحصول، أو عدمها في
~~غيرها أن يقال: تعمد الجنابة مفسد مطلقا، وليس بحرام مطلقا، وأن هذا الفرد
~~من التعمد ليس بحرام وإن كان مفسدا، وهو كما ترى; لكمال بعد إطلاق التعمد
~~على مثله، وبعد إطلاق الكفارة فيما ليس فيه إثم.
# أو يقال: إن تجويز فعل مقدمة الحرام وترك مقدمة الواجب إنما يقبح فيما
~~علم كونه مقدمة، لا ما يحتمل أن يصير مقدمة أو يظن، فلا يضر القول بجواز
~~المقدمة مع كون ذي المقدمة حراما أيضا في مثله، وإن قلنا بقبح القول بجواز
~~فعلها من الحكيم فيما علم كونها مقدمة للحرام، كقبح تجويز ترك ما علم كونها
~~مقدمة للواجب.
# وإن قلنا بعدم كون مقدمة الواجب واجبة ومقدمة الحرام حراما، فإن مرادنا
~~من نفي القول بالوجوب والحرمة في المقدمة هو عدم عقاب على حدة، لا أنه يصح
~~من الآمر الحكيم أن يرخص في فعل هذه وترك هذه، وهذا كله تكليف، وإن كان ولا
~~بد فالأنسب هو التمسك بإطلاق الأخبار إن سلم وضوح دلالتها، والاحتياط واضح.
# الثاني: لو تخيل قاصدا الإمناء، أو كان من عادته; فحكمه ما تقدم من
~~الإفساد والقضاء والكفارة. وأما لو خطر بباله أو أمنى ولم يكن معتادا فلا
~~شئ عليه.
# الثالث: قال العلامة وغيره: لو تساحقت امرأتان، فإن لم تنزلا فلا شئ
~~عليهما سوى الإثم، وإن أنزلتا فعليهما القضاء والكفارة، ولو أنزلت إحداهما
~~اختصت بالحكم، وكذلك المجبوب لو تساحق (1).
# PageV05P134
# الرابع: لو احتلم بعد نية الصوم نهارا لم يفسد صومه; للأخبار الكثيرة،
~~مثل صحيحة القداح (1)، وصحيحة العيص (2)، وموثقة ابن بكير (3)، ورواية عمر
~~بن يزيد المذكورة في العلل (4)، وادعى عليه الاجماع في التذكرة (5).
# وقال في المنتهى: لو احتلم نهارا في رمضان نائما أو من غير قصد لم يفسد
~~صومه ويجوز له تأخير الغسل، ولا نعلم فيه خلافا (6).
# ورواية إبراهيم بن عبد الحميد المتقدمة في البحث السابق محمولة على
~~الكراهة (7).
# ويدل على عدم الإبطال وجواز النوم بعده صحيحة العيص ms1248 بن القاسم (8).
# الثامن: اختلف الأصحاب في الحقنة بالمائع بدون ضرورة، والمشهور فيها
~~الحرمة، فعن الأكثر أنها مفسدة للصوم موجبة للقضاء (9)، وادعى على كونها
~~مفطرة السيد في المسائل الناصرية الاجماع (10)، وهو منقول عن الشيخ في
~~الخلاف أيضا (11)، ولعل الإجماعين المنقولين مع عمل الأكثر يكفي في ذلك.
# وتؤيده صحيحة البزنطي، عن أبي الحسن عليه السلام: أنه سأله عن الرجل يكون
~~به العلة،
# PageV05P135
# يحتقن في شهر رمضان؟ فقال: " الصائم لا يجوز له أن يحتقن " (1).
# والتقريب: أن احتمال إرادة التعبد وحصول النقص من غير جهة الإفساد في
~~غاية البعد، فإن المناهي التحريمية في الصوم جلها أو كلها أريد بها
~~الإفساد، فتصير الرواية بذلك ظاهرة في الإفساد.
# مع أن السؤال مشتمل على وجود العلة، والعلة التي تضطره إلى الاحتقان
~~مجوزة له إجماعا، فالجواب بعدم الجواز مع ترك الاستفصال يعني إرادة الإفساد
~~من عدم الجواز يعني أنه لا يجوز أن يعتقد الصائم كونه صائما مع الاحتقان،
~~وحمل العلة على غير التي تضطره، أو تأويل الرواية بما أمكن رفع الاضطرار
~~بالاحتقان في الليل ليس بأولى مما ذكرنا.
# ثم إذا ثبت الإفساد فيجب عليه القضاء; لعموم ما دل على لزوم القضاء
~~بالإفطار عمدا (2).
# وقيل: يجب القضاء والكفارة، ونسبه السيد إلى قوم من أصحابنا في الجمل
~~(3).
# وقيل: بأنه حرام ولا يوجب شيئا، وهو قول الشيخ في جملة من كتبه (4)، وابن
~~إدريس (5)، وبعض المتأخرين (6).
# وقيل: يكره، وهو قول السيد في الجمل (7).
# وقيل: يستحب تركه، وهو قول ابن الجنيد (8).
# PageV05P136
# ولعل دليل من أوجب الكفارة عمومات الأخبار الدالة على أن من تعمد الإفطار
~~تجب عليه الكفارة (1).
# وفي تبادره منها إشكال، والأصل عدمها.
# ومن ذلك يظهر الإشكال في انصراف دليل القضاء أيضا، إلا أن تدعى الملازمة
~~بين القول بالإفطار والقضاء، فتشمله دعوى الاجماع، بل ذكر بعض الأصحاب أن
~~في كلام جماعة الاجماع المنقول على وجوب القضاء (2).
# مع أنه يمكن أن يقال: إن الإفطار في الأخبار وكلام الأصحاب حقيقة فيما
~~يفسد الصوم، أكلا كان أو جماعا أو غيرهما، فإذا ثبت كون الحقنة بالمائع
~~مفطرة ms1249 بما مر، فلا وجه لمنع شمول الأخبار له. وحينئذ فيلزمه القول بلزوم
~~الكفارة أيضا، لذكرهما معا في بعض الأخبار، واستلزام الكفارة أيضا وجوب
~~القضاء، فتشملهما الأخبار القائلة بأن من تعمد الإفطار وجبت عليه الكفارة،
~~والقائلة بأن من تعمد تجب عليه الكفارة والقضاء معا، وستجئ الأخبار في
~~محلها.
# وحينئذ فإما لا بد من القول بعدم إفساد الاحتقان، أو القول بلزوم القضاء
~~والكفارة معا، ولعل الثاني أظهر.
# وحجة القول بالتحريم دون الإفساد: الأصل، وخصوص صحيحة البزنطي (3)، فإن
~~التحريم لا يستلزم الإفساد، وقد مر الكلام فيه.
# وحجة القول بالاستحباب: لعله الجمع بين هذه الصحيحة وصحيحة علي بن جعفر،
~~عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل والمرأة هل يصلح لهما أن
~~يستدخلا الدواء وهما صائمان؟ فقال: " لا بأس " (4).
# PageV05P137
# ومنه يظهر وجه القول بالكراهة أيضا.
# وفيه: أن الجمع إنما يصح مع المقاومة، وهذه الصحيحة لا تقاوم ما تقدم،
~~سيما مع هجر أكثر الأصحاب لها، ويمكن حملها على الجواز مع الضرورة كما يشعر
~~به لفظ الدواء، وهو لا ينافي الإفساد. أو على الجامد كما هو ظاهرها، وتدل
~~عليه موثقة الحسن بن فضال، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: ما تقول
~~في اللطف يستدخله الانسان وهو صائم؟ فكتب عليه السلام: " لا بأس بالجامد "
~~(1) وفي التهذيب: " ما تقول في التلطف من الأشياف " (2).
# وأما الجامد: فالأكثر على أنه غير محرم، بل نقل عن كشف الرموز نفي الخلاف
~~(3)، وعن ظاهر الغنية الاجماع (4)، لكن صريح المعتبر التحريم في الحقنتين
~~(5)، وهو مقتضى إطلاق الصدوقين (6).
# ومقتضى إطلاق ما نقله السيد عن قوم من أصحابنا كونها موجبة للقضاء
~~والكفارة (7).
# ومقتضى ما اختاره في الجمل الكراهة (8)، وكذلك الشيخ في النهاية (9).
# ومقتضى إطلاق السيد في الناصريات كونه مفسدا (10)، وكذلك المفيد (11)
# PageV05P138
# وأبو الصلاح (1) وصريح العلامة في المختلف (2).
# والأظهر المشهور; للأصل، وخصوص صحيحة علي بن جعفر (3)، وموثقة ابن فضال
~~(4).
# وأما صحيحة البزنطي فظاهرها الاحتقان بالمائع (5)، فإنه المتبادر من
~~اللفظ، والمناسب للاشتقاقات اللغوية.
# ومن ذلك يظهر أن دعوى الاجماع في الناصرية على كون الحقنة مفطرة، لا ms1250 يثبت
~~الاجماع في الجامد، وكذلك يشكل صرف إطلاق الفقهاء إليه.
# نعم لا نمنع الكراهة بدون الاضطرار; لاحتمال الإطلاق مسامحة.
# واعلم أنه لا دليل على إلحاق ما لو داوى جرحه فوصل الدواء إلى الجوف
~~بالحقنة، كما صرح به الشيخ في الخلاف (6)، وذهب في المختلف إلى كونه مفطرا
~~لاعتبار ضعيف (7).
# وكذلك تقطير الدهن في الأذن كما صرح به جماعة من الأصحاب (8)، ونقل عن
~~أبي الصلاح أنه مفطر (9)، وهو ضعيف; للأصل، وصحيحة حماد بن عثمان، عن أبي
~~عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يشتكي أذنه، يصب فيها الدواء؟
~~قال:
# " لا بأس " (10) وفي معناها غيرها أيضا.
# PageV05P139
# التاسع: المشهور أن تعمد القئ مفسد للصوم، موجب للقضاء (1).
# وفي المختلف: نقل السيد المرتضى عن بعض علمائنا أنه يوجب القضاء
~~والكفارة، وعن بعضهم أنه يوجب القضاء، وعن بعضهم أنه ينقص الصوم ولا يبطله
~~(2)، قال:
# وهو الأشبه (3)، انتهى.
# وفيه أيضا عن ابن الجنيد: وجوبهما معا إذا كان من حرام (4).
# وعن ابن إدريس: أنه يكون مخطأ ولا يجب عليه شئ (5).
# والأقوى الأول; للأخبار المستفيضة، منها صحيحة الحلبي المروية عن الصادق
~~عليه السلام:
# " إذا تقيأ الصائم فعليه قضاء ذلك اليوم، فإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم
~~صومه " (6).
# وفي صحيحته الأخرى: " إذا تقيأ الصائم فقد أفطر " (7).
# وموثقة سماعة (8)، وموثقة عبد الله بن بكير (9) وغيرها.
# والاكتفاء بالقضاء في هذه الروايات ظاهر في نفي الكفارة.
# نعم يشكل الأمر بصحيحة الحلبي الثانية مع ملاحظة ما دل على أن متعمد
~~الإفطار تجب عليه الكفارة، ولكن ترك ذكرها في هذه الأخبار الكثيرة في مقام
~~البيان أقوى من هذا الإشعار، سيما مع عمل الأكثر بخلافها.
# PageV05P140
# وتمسك صاحب المدارك بما حاصله أن المتبادر من الإفطار هو ما كان بالأكل
~~والشرب (1) قد مر ما يضعفه آنفا.
# واحتج النافي لهما بالأصل، وصحيحة عبد الله بن ميمون، عن الصادق عليه
~~السلام، قال: " ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ والاحتلام والحجامة " (2).
# وصحيحة محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام، قال: " لا يضر الصائم ما
~~صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الأكل والشرب ms1251 والنساء والارتماس " (3).
# والأصل لا يعارض الدليل، ورواية القداح مع عدم المقاومة محمولة على
~~الناسي أو على ما ذرعه، وصحيحة ابن مسلم مخصصة بهذه الأخبار وغيرها مما مر
~~في غير ما نحن فيه.
# ولم نقف لابن الجنيد على ما يعتمد عليه.
# هذا كله إذا تعمد، وأما لو ذرعه - أي جاءه من غير اختيار - فالظاهر عدم
~~الخلاف في أنه لا شئ عليه، ويظهر من المدارك الاتفاق عليه (4)، وصحيحة
~~الحلبي (5) وغيرها (6) ناطقة به.
# ولكن نقل في المختلف عن ابن الجنيد أنه إذا كان من محرم يجب عليه القضاء
~~(7)، ولم نقف على مأخذه.
# وأما القلس (8) والجشاء - أي ما يرتفع من المعدة إلى الحلق ثم يرجع - فلا
~~يضر;
# PageV05P141
# للأصل، وخصوص موثقة عمار (1)، وموثقة سماعة (2).
# ويظهر من موثقة عمار اتحاد القلس والجشاء، ولكن يظهر من كلام الفقهاء
~~وأهل اللغة المخالفة، فيفهم منهم أن القلس ما يخرج إلى فضاء الفم.
# والكلام فيه أنه إذا خرج إلى فضاء الفم وازدرده ثانيا متعمدا فيجب عليه
~~القضاء والكفارة كما ذهب إليه الشيخ في التهذيب (3) وابن إدريس (4)
~~والعلامة في المختلف (5)، وهو ظاهر المبسوط (6) وابن الجنيد (7).
# وعن ابن البراج: أن عليه القضاء فقط (8)، وهو قول الشيخ في النهاية (9)،
~~تمسكا بأن القلس ما يخرج إلى الفم، فإذا عاد فهو القئ كما ذكره الجوهري
~~(10)، فعليه القضاء خاصة; لما مر، ولصحيحة عبد الله بن سنان، عن الصادق
~~عليه السلام: عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشئ من الطعام، أيفطره ذلك؟
~~قال: " لا " قلت: فإن ازدرده بعد أن صار على لسانه؟ قال: " لا يفطره "
~~(11).
# والجواب عن الأول: أن المستفاد من غير الصحاح أن القئ هو ما يخرج إلى
~~الفم، والعود ثانيا إلى المعدة لا مدخلية له في صيرورته قيئا، فهذا
~~الازدراد شئ زائد على القئ مندرج تحت أكل الطعام.
# وأما الصحيحة; فمحمولة على الناسي; لعدم المقاومة.
# PageV05P142
# والأخبار الدالة على أن القلس ليس فيه شئ محمولة على ما لو لم يزدرد
~~عمدا.
# العاشر: كلما ذكرناه من المفطرات، إنما يفسده إذا وقع عمدا اختيارا، فما
~~لا عمد ولا ms1252 قصد فيه أصلا لا يفسد بلا خلاف، كما لو طارت ذبابة ودخلت في
~~حلقه، أو دخل الغبار الغليظ في حلقه حيث لا يتمكن الاحتراز عنه.
# وكذلك إذا وجر في حلقه شئ.
# وكذلك من أكره بالضرب والشتم، بحيث ارتفع قصده في الفعل.
# ويدل عليه مضافا إلى الاجماع: أنه لا يصدق عليه أنه أفطر، ويشمله قوله
~~عليه السلام:
# " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (1).
# واختلفوا فيمن لم يبلغ إكراهه إلى هذا الحد، مثل من خوف وهدد بما يكون
~~مضرا له في نفسه، أو من يقوم مقامه بحيث لا يليق بحاله، مع قدرة المتوعد
~~وشهادة القرائن بأنه يفعله لو لم يفطر إلى أن أكل، فالأكثر على أنه غير
~~مفسد (2); للأصل، ولعموم " استكرهوا ".
# وذهب الشيخ في المبسوط (3) والعلامة في التذكرة (4)، والشهيد الثاني في
~~المسالك (5) إلى أنه يفطر; لصدق العمومات والإطلاقات، فيكون كالمريض المجوز
~~له الإفطار، فيجب عليه القضاء. والمراد بحديث ما استكرهوا كما هو المتبادر
~~هو رفع المؤاخذة لا جميع الأحكام.
# ويدفعه: أن القضاء بفرض جديد، والقول ببطلان الصوم لو سلمناه لا يستلزم
~~القول بوجوب القضاء، غاية الأمر أن الأخبار الواردة في بيان المفطرات مثل
~~صحيحة
# PageV05P143
# محمد بن مسلم القائلة أن الصائم لا يضره ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال (1)
~~تقتضي أن هذا الشخص مفطر، لكن الأخبار الدالة على أن من أفطر يوما من رمضان
~~متعمدا يقضي (2) لا يشمل ذلك; لعدم صدقه عليه، وكذلك سائر إطلاقات القضاء;
~~لعدم تبادره منها. والمريض مخرج بالدليل، والقياس باطل.
# نعم يمكن الاستدلال بفحوى ما دل على القضاء في الإفطار للتقية كما يأتي
~~(3).
# وفيه أيضا إشكال.
# وثمرة القول بالإفساد مع عدم وجوب القضاء تظهر فيمن نذر شيئا للصائم
~~ونحوه.
# وذكر جماعة من الأصحاب أن معنى الإكراه الإفطار في يوم وجب صومه للتقية،
~~أو التناول قبل الغروب لأجل التقية (4).
# وفرق في الدروس فنفى تعلق شئ به في صورة التخويف وحكم بالقضاء في التقية،
~~وكذلك أطلق التخويف في الإكراه، وقيده بخوف التلف في التقية (5).
# أما الثاني فلا وجه له، ms1253 بل يكفي فيه ظن الضرر كما يستفاد من الأخبار
~~الواردة في التقية (6)، ولا دلالة في الرواية الآتية وما في معناها من
~~الأخبار الكثيرة عليه.
# وأما الأول فلعله لأجل ما تقدم في الإكراه من عدم الدليل، ولخصوص رواية
~~رفاعة، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " دخلت على أبي العباس
~~بالحيرة، فقال: يا أبا عبد الله عليه السلام ما تقول في الصيام اليوم؟
~~فقلت: ذاك إلى الإمام، إن صمت صمنا، وإن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام علي
~~بالمائدة، فأكلت معه وأنا أعلم والله
# PageV05P144
# أنه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي
~~ولا يعبد الله " (1).
# وقال في المسالك: وحيث ساغ الإفطار للإكراه والتقية يجب الإفطار على ما
~~تندفع به الحاجة، فلو زاد عليه كفر، ومثله ما لو تأدت بالأكل فشرب معه أو
~~بالعكس (2)، انتهى.
# وهو حسن، ويدل عليه ما في رسالة المحكم والمتشابه للسيد - رضي الله عنه -
~~من قول علي عليه السلام في آخر كلام له عليه السلام: " وعليه أن يدين الله
~~في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين " (3) لكن في وجوب الكفارة
~~على ما اختاره من إفساد الصوم إشكال. وسيجئ الكلام في نظيره، ولعل العدم
~~أظهر.
# وأما الناسي - أعني من نسي الصيام - فلا يفسد صومه، وليس عليه شئ إجماعا،
~~وهو مقتضى الأصل والعمومات والأخبار المعتبرة المستفيضة جدا الواردة فيه
~~بالخصوص، مثل صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن رجل
~~نسي فأكل وشرب ثم ذكر، قال: " لا يفطر، إنما هو شئ رزقه الله تعالى فليتم
~~صومه " (4).
# وفي معناها صحيحة محمد بن قيس (5)، وموثقة عمار الواردة في الجماع نسيانا
~~(6)، وسيجئ بعضها أيضا.
# وإطلاق الأدلة والفتاوى يقتضي عدم الفرق بين الصوم الواجب والمندوب،
~~والأداء والقضاء، والمعين وغير المعين; ولكنه قيده في التذكرة بتعين الزمان
~~(7).
# PageV05P145
# وربما نقل عن بعض الأصحاب أنه قال (1): لا يصح صيام ذلك اليوم ندبا ولا
~~واجبا غير معين; للرواية عن الصادق عليه السلام، وكذا في القضاء ms1254 بعد
~~الزوال; قال: وعندي فيه إشكال، والأقرب المنع أيضا; لأنه عبارة عن الإمساك،
~~ولم يتحقق مع السهو.
# وعن الشهيد - رحمه الله - في حواشي القواعد: أن المراد بالرواية لعله ما
~~رواه العلاء في كتابه، عن محمد بن مسلم، قال: سألته فيمن شرب بعد طلوع
~~الفجر وهو لا يعلم، قال: " يتم صومه في شهر رمضان وقضاءه، وإن كان متطوعا
~~فليفطر " (2).
# أقول: ويدل على عدم الفرق رواية أبي بصير قال، قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام: رجل صام يوما نافلة فأكل وشرب ناسيا، قال: " يتم صومه ذلك وليس
~~عليه شئ " (3).
# وروى الصدوق في الفقيه في الموثقة عن عمار: أنه سأل أبا عبد الله عليه
~~السلام عن رجل ينسى وهو صائم، فجامع أهله، قال: " يغتسل ولا شئ عليه " (3).
# ثم قال: وروي عن الأئمة عليهم السلام أن هذا في شهر رمضان وغيره، ولا يجب
~~منه القضاء (5).
# وأما ما أشار إليه الشهيد - رحمه الله - من الرواية فلا دلالة فيها على
~~المطلوب، وبمضمونها أخبار كثيرة وردت في أن من تسحر مصبحا وأكل وشرب الفجر
~~لا يجوز له أن يصوم ذلك اليوم في غير شهر رمضان (6).
# واعلم أن ظاهر الأخبار والفتاوى هو حكم نسيان الصوم.
# وأما لو نسي كون المفطر مفطرا فلا يظهر منها، والظاهر أن حكمه حكم الناسي
# PageV05P146
# للصوم; للأصل، وعموم قوله: عليه السلام: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "
~~(1).
# وأما لو حصل له الشك والتردد في حكم المفطر ولم يمكنه الاستعلام، فيمكن
~~الحكم بوجوب الاجتناب، نظرا إلى وجوب الاجتناب عن أمور ثابتة في نفس الأمر
~~غير مشروطة بحضورها في ذهنه. والعدم; للأصل، وعموم قوله عليه السلام: " كل
~~شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (2).
# وكيف كان; فلو ارتكبه فالظاهر عدم وجوب القضاء والكفارة; للأصل، وعدم
~~تبادر حكمه من الأدلة.
# ولو أمكن التحصيل وقصر فلا يبعد الحكم بوجوبهما معا، سيما مع القضاء.
# وأما الجاهل بالحكم فالأكثر على أنه كالعالم العامد في إفساد الصوم (3)،
~~وهم بين قائل بوجوب القضاء والكفارة (4)، وقائل بوجوب القضاء فقط (5).
# وذهب ms1255 ابن إدريس إلى أنه لا شئ عليه (6)، واحتمله الشيخ في كتابي الأخبار
~~(7)، وكذا العلامة في المنتهى، ولكنه استوجه بعد ذلك الإفساد وجزم في موضع
~~آخر بتعلقهما معا (8).
# أقول: لا ينبغي النزاع في الغافل و (9) الجاهل رأسا الغير المقصر في
~~التحصيل في أنه لا إثم عليه; لحكم العقل بذلك، ودلالة الكتاب والسنة على
~~ذلك عموما، فإنه تكليف بما لا يطاق، وداخل فيما رفع عن الأمة مما لا يعلم
~~الوارد في الأخبار الكثيرة.
# PageV05P147
# وخصوص موثقة زرارة، وأبي بصير قالا جميعا: سألنا أبا جعفر عليه السلام عن
~~رجل أتى أهله في شهر رمضان، وأتى أهله وهو محرم وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال
~~له، قال: " ليس عليه شئ " (1).
# وهذه الأدلة كما تدل على نفي الإثم تدل على نفي الكفارة أيضا، سيما وهو
~~مسبب عن الإثم غالبا، فالإطلاقات الدالة على ثبوت الكفارة مثل ما ورد في
~~حكم الملامسة أيضا (2) منزلة على غير الجاهل.
# وأما القضاء فيمكن القول بثبوته من وجهين، الأول: إطلاق الأخبار الواردة
~~في أن من فعل كذا يقضي، ومن فعل كذا يقضي، مثل ما ورد فيمن نام ثانيا بعد
~~الجنابة (3)، ومن نام متعمدا حتى الصباح (4)، وفي امرأة تركت غسل الاستحاضة
~~(5) وغسل الحيض (6)، والقئ (7).
# والثاني: الأخبار الدالة على حصر المفطرات، مثل صحيحة محمد بن مسلم
~~القائلة أنه لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال (8)، فإن مفهومها أنه يضره
~~إذا لم يجتنب، وعمومها شامل للجاهل.
# ويمكن دفع الأول بمنع تبادر الجاهل رأسا منها.
# والثاني: بذلك، وبأنه يمكن أن يقال: الظاهر من الصائم هو الصوم الصحيح،
~~وإن قلنا بكون الألفاظ أسامي للأعم، فإن المراد بيان ما يفطره، وهو لا يتم
~~إلا مع كونه
# PageV05P148
# صحيحا بدونه، وصحته إنما تكون إذا نوى الكف عن المفطرات، والمفروض أن
~~الجاهل لا يمكن منه تحقق ذلك; لعدم علمه به، فكيف ينوي الكف عنه، فهو مفطر
~~قبل ذلك الفعل أيضا، غاية الأمر عدم العقاب عليه.
# ولكن يدفعه: أن عدم العلم بالفساد كاف على هذا القول، ولا حاجة إلى
~~اعتبار الصحة، ms1256 مع أن الصوم ليس محض نية الإمساك عن المفطرات، بل هي مع
~~الاستدامة عليها، فالعالم المرتكب أيضا ليس بصائم.
# إلا أن يقال: الغرض من الرواية بيان حكم مباشر الصوم وما يفطره، لا بيان
~~ماهية الصوم، ومباشرته لا تستلزم تحقق تمام ماهيته، فالمناط حينئذ إنما هو
~~النية، والكلام إنما يتم حينئذ في الجاهل، فانحصر الدفع في منع اعتبار
~~الصحة، بل يكفي إطلاق الصوم عليه.
# نعم يمكن أن يقال: إن غاية الأمر ثبوت الضرر للجاهل، وثبوت الضرر غايته
~~الفساد، وهو لا يستلزم القضاء مطلقا، فيحتاج ثبوته إلى فرض جديد كما هو
~~التحقيق.
# هذا كله مع أن الموثقة عامة في نفي القضاء والكفارة، فلا ينافي ذلك كون
~~الإفطار من أحكام الوضع أيضا، ويقيد إطلاق الأخبار - لو سلم ظهورها لاعتبار
~~سندها واعتضادها - بما دل على أنه لا شئ على الجاهل، مثل ما ورد في صحيحة
~~عبد الصمد بن بشير: " أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه " (1) وبالأصل
~~والاعتبار.
# وأما العالم بوجوب المعرفة، وأن للشرع أحكاما كثيرة لا بد من تحصيلها،
~~وخصوصا في الصوم، إذا قصر في التحصيل، وصار تقصيره سببا لجهالة كون شئ
~~مفطرا، فالأظهر فيه الإفساد، سيما في الإجماعيات والضروريات، كالأكل والشرب
~~المعتادين، بل القضاء والكفارة أيضا، فتشمله الإطلاقات المتقدمة، بل
~~الأخبار المستفيضة المعتبرة الواردة في أن من تعمد الإفطار في شهر رمضان
~~يجب عليه الكفارة
# PageV05P149
# والقضاء (1)، فإن ذلك أيضا من باب العمد.
# فرع:
# لو أكل أو جامع ناسيا فظن أن صومه فسد فتعمد المفطر بعد ذلك، فذهب الشيخ
~~في الخلاف والمبسوط (2) والفاضلان (3) إلى أن عليه القضاء والكفارة.
# ونقل في المبسوط عن بعض أصحابنا أنه يقضي ولا يكفر (4)، واختاره الشهيد
~~في الدروس (5) وصاحب المدارك (6)، وهو ظاهر المسالك (7).
# وفرعه جماعة من الأصحاب على حكم الجاهل، فإنه جاهل بتحريم الأكل (8)،
~~وعلى هذا فيلزم أن يقول القائل بعدم وجوب شئ على الجاهل عدم وجوب القضاء
~~عليه، وهو مشكل; لأن في مسألة الجاهل بكون شئ مفطرا كان الجاهل صائما على
~~معتقده، وفيما نحن فيه لم يصم، ms1257 لا في نفس الأمر، ولا في معتقده.
# فالتحقيق أن يقال: إن كان مقصرا في تحصيل المسألة فيجب عليه القضاء
~~والكفارة، وإن لم يكن مقصرا فلا تجب عليه الكفارة.
# ونفي القضاء عنه في غاية الإشكال; لعدم دلالة الموثقة (9) عليه كما لا
~~يخفى، وعدم انصراف أخبار وجوب القضاء على المتعمد أيضا له; لأنه وإن كان
~~متعمدا للأكل، لكنه ليس بمتعمد للإفطار عرفا، فإن الظاهر منها المتعمد
~~للإفطار فيما اعتقده
# PageV05P150
# صوما، وهو غير صائم في معتقده.
# وبالجملة فالأحوط بل الأظهر القضاء، وإن لم تجب الكفارة، وظاهر العلامة
~~في المنتهى تخصيص الحكم بمن قصر في التعلم مع إمكانه (1).
# الحادي عشر: إنما يجب القضاء في الواجب المعين، كشهر رمضان والنذر
~~المعين، وأما غيره مثل قضاء شهر رمضان والنذر المطلق، فإذا أفطره فإن ذلك
~~وإن وجب الإتيان بيوم آخر بدله لكنه لا يسمى قضاءا، وقد مر الكلام في شهر
~~رمضان.
# والحكم في الواجب المعين أيضا مقطوع به في كلام الأصحاب، مدعى عليه
~~الاجماع كما صرح به في الانتصار (2)، ومدلول عليه بالأخبار الكثيرة، منها
~~صحيحة علي بن مهزيار (3)، وستأتي جملة منها عن قريب.
# ولا وجه لإشكال صاحب المدارك في صحيحة علي بن مهزيار مع كثرة الروايات
~~وعمل الأصحاب (4).
# وأما الكفارة، فالظاهر أنه لا خلاف بينهم في وجوبها في شهر رمضان والنذر
~~المعين وصوم الاعتكاف إذا وجب، ونسبه الفاضلان في المعتبر والمنتهى إلى
~~علمائنا (5)، كما أن ظاهرهما الاتفاق على عدمها في مثل صوم الكفارات والنذر
~~الغير المعين والمندوب، ونقل الوفاق فيه غير واحد (6).
# ونقل الفاضلان أن الجمهور أطبقوا على أنه لا كفارة إلا في صوم شهر رمضان
~~(7).
# PageV05P151
# واختلف الأصحاب في قضاء شهر رمضان بعد الزوال، بعد اتفاقهم ظاهرا على
~~حرمة الإفطار حينئذ كما في الخلاف والانتصار والغنية (1)، وإن كان يظهر من
~~الشيخ في تأويل موثقة عمار الجواز (2)، وهو في غاية البعد مع إيجابه
~~الكفارة، فالمشهور فيه وجوب الكفارة، وفي الكتب الثلاثة ادعاء الاجماع
~~عليه، ونسبه في المعتبر إلى علمائنا (3).
# وخالف فيه ابن أبي عقيل بأنه قال: من جامع ms1258 أو أكل أو شرب في قضاء شهر
~~رمضان أو صوم كفارة أو نذر فقد أثم وعليه القضاء ولا كفارة عليه، وأطلق
~~(4).
# والأول أقوى.
# لنا: رواية بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام: في رجل أتى
~~أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: " إن كان أتى أهله قبل الزوال فلا شئ
~~عليه إلا يوما مكان يوم، وإن كان أتى أهله بعد الزوال، فإن عليه أن يتصدق
~~على عشرة مساكين، لكل مسكين مد، فإن لم يقدر عليه صام يوما مكان يوم، وصام
~~ثلاثة أيام كفارة لما صنع " (5).
# وصحيحة هشام بن سالم قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل وقع على
~~أهله وهو يقضي شهر رمضان، فقال: " إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شئ
~~عليه، يصوم يوما بدل يوم، وإن فعل بعد العصر صام ذلك اليوم وأطعم عشرة
~~مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك " (6).
# وربما يقدح في سند الأولى من جهة الحارث بن محمد (7)، ولا وجه له; لأن
# PageV05P152
# الظاهر أنه هو البجلي، ولا يخلو عن مدح (1)، مع أن الراوي عنه ابن محبوب،
~~والظاهر أنه الحسن بن محبوب، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه
~~على قول (2)، مع أن العلامة وصفها بالصحة في المنتهى (3)، ولو سلم فعمل
~~الأصحاب يجبرها، وكذلك مخالفتها للعامة.
# وفي متن الثانية بأنه خلاف مذهبهم، وربما وجهها الشيخ بأن المراد بما قبل
~~صلاة العصر هو ما قبل الزوال (4)، وهو بعيد، ولكن يمكن الدفع بأن منطوق
~~الشرطية الثانية يكفي في الاحتجاج، وخروج سائر أجزائها عن الظاهر لا يخرجها
~~عن الحجية، فيتم الاستدلال بعدم القول بالفصل.
# حجة القول الآخر: الأصل، وموثقة عمار المتقدمة في باب النية، حيث قال في
~~آخرها: سئل فإن نوى الصوم ثم أفطر بعد ما زالت الشمس، قال: " قد أساء، وليس
~~عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه " (5).
# وفيه: أن الأصل لا يقاوم الدليل، وكذلك الموثقة ما قدمناه لما ذكرنا،
~~وسيجئ تمام الكلام في بيان الكفارة ms1259 وتحقيقها.
# وقد ذكر المحقق (6) وغيره (7) أن من أخر صيام الثلاثة أيام من الشهر
~~استحب له قضاؤه، فيلزمه استحباب القضاء بجميع المفطرات المتقدمة عدا ما
~~استثني، مثل التعمد على الجنابة إلى الصباح وما سنذكره.
# وقد ذكر الأصحاب في المفطرات الموجبة للقضاء مضافا إلى ما سبق أمورا:
# منها: فعل المفطر قبل مراعاة الفجر مع القدرة عليه، سواء كان ظانا ببقاء
~~الليل
# PageV05P153
# كما عبر به جماعة (1)، أو شاكا كما صرح به آخرون (2).
# والظاهر عدم الخلاف في جواز الإتيان بالمفطر ما لم يحصل اليقين بالفجر،
~~وتدل عليه رواية إسحاق بن عمار قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: آكل في
~~شهر رمضان بالليل حتى أشك، قال: " كل حتى لا تشك " (3) ورواه الصدوق أيضا
~~مرسلا (4).
# وتدل عليه قوية زرارة لموسى بن بكر (5)، وكذلك ما رواه العياشي في تفسيره
~~(6).
# ولكن لو صادف المفطر طلوع الفجر فيترتب عليه لزوم القضاء مع ترك مراعاة
~~القادر، ولا كفارة; للأصل، وعدم الإثم، وأما مع المراعاة فلا قضاء ولا
~~كفارة.
# والظاهر أن هذا التفصيل إجماعي كما يظهر من المنتهى (7) وغيره (8)، وتدل
~~عليه أيضا الأخبار مثل صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل
~~عن رجل تسحر ثم خرج من بيته وقد طلع الفجر وتبين، فقال " يتم صومه ذلك ثم
~~ليقضه، وإن تسحر في غير شهر رمضان بعد الفجر أفطر ".
# ثم قال: " إن أبي كان ليلة يصلي وأنا آكل، فانصرف فقال: يا جعفر فقد أكلت
~~وشربت بعد الفجر، فأمرني فأفطرت ذلك اليوم في غير شهر رمضان " (9).
# وتؤدي مؤداها في وجوب القضاء لشهر رمضان صحيحة إبراهيم بن مهزيار (10)،
# PageV05P154
# ورواية علي بن أبي حمزة (1).
# وتدل على التفصيل صريحا موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل أكل أو شرب بعد
~~ما طلع الفجر في شهر رمضان، فقال: " إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثم
~~عاد فرأى الفجر فليتم صومه ولا إعادة عليه، وإن كان قام وأكل وشرب ثم نظر
~~إلى الفجر فرأى أنه قد طلع فليتم صومه ويقضي يوما آخر; لأنه بدأ ms1260 بالأكل قبل
~~النظر، فعليه الإعادة " (2). وسيجئ أيضا ما يدل عليه.
# وقد ظهر من تلك الأخبار وجوب القضاء على غير المراعي بنفسه، وعدمه على
~~المراعي كذلك.
# وأما انتفاء الكفارة فيهما فيدل عليه الأصل، وعدم الإثم على الإفطار.
# ومنها: وجوب القضاء على من أخلد إلى قول غيره في عدم الفجر وصادف الفجر
~~مفطرا وإن حصل له الظن، وتدل عليه أيضا صحيحة معاوية بن عمار قال، قلت:
# لأبي عبد الله عليه السلام: آمر الجارية أن تنظر طلع الفجر أم لا، فتقول:
~~لم يطلع، فآكل ثم أنظر فأجده قد كان طلع حين نظرت، قال: " تتم يومك ثم
~~تقضيه، أما أنك لو كنت أنت الذي نظرت ما كان عليك قضاؤه " (3).
# وقال جماعة من الأصحاب: لو كان المخبر عدلين فلا قضاء عليه (4)، وهو لا
~~يخلو عن قوة، وإن كان في حجية العدلين هنا إشكال; لأن المفروض أن الرواية
~~ظاهرة في وحدة المخبر، والقضاء بفرض جديد، ولا إطلاق في النصوص المتقدمة
~~يشمل ما لو أخبره العدلان أيضا.
# PageV05P155
# ومنها: وجوب القضاء على من ترك قول المخبر بالفجر ظانا كذبه فصادف الفجر
~~مفطرا، ولا كفارة عليه.
# أما الثاني; فللأصل.
# وأما الأول; فلصحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحرون في بيت، فنظر إلى الفجر
~~فناداهم، فكف بعضهم وظن بعضهم أنه يسخر فأكل، فقال: " يتم صومه ويقضي " (1)
~~وفي الفقيه وناداهم: أنه قد طلع (2).
# لا يقال: مقتضى ما مر من الأخبار الدالة على سقوط القضاء عن المراعي عدم
~~القضاء، فالنسبة بينهما عموم من وجه، فما وجه الترجيح؟!
# لأنا نقول: ما مر كالصريح في عدم إخبار الغير، فهذا كالأخص مطلقا فيقدم
~~عليه.
# ومنها: ما لو أفطر تقليدا للغير أن الليل قد دخل، ثم ظهر فساد الخبر، فقد
~~ذكروا أنه مما يوجب القضاء فقط.
# وهذا الحكم بإطلاقه مشكل، فإن الذي ثبت من الأدلة في جواز العمل بالظن في
~~الوقت هو ما لو كان للمكلف مانع عن تحصيل العلم، مثل الغيم والغبار، ولعل ms1261
~~انعكاس نور القمر في الآفاق في بعض الليالي أيضا من هذا القبيل، وقد بينا
~~ذلك في كتاب الصلاة، وكذلك يجوز العمل به للأعمى والمحبوس، وكل عاجز عن
~~الاستعلام.
# وأما العمل بالظن في الوقت كيف ما كان ليكون إخبار واحد ولو كان فاسقا
~~داخلا فيه فكذلك، وكذلك أذان المؤذن على الأصح كما مر في محله.
# وعلى هذا فلو كان هذا الصائم ممن لا يتمكن من تحصيل العلم ويجوز له
~~التقليد والعمل بالظن الحاصل من قول الغير فتكليفه جواز الإفطار، وحينئذ
~~فلا يجب
# PageV05P156
# قضاؤه، ولا كفارة; لكونه مأذونا فيه.
# وثبوت القضاء فيما لو أكل باستصحاب الليل واتفق كونه في النهار لخصوص
~~دليل لا يستلزم الحكم بثبوته هنا أيضا، إذ لا دليل هنا بالخصوص.
# وإن كان يتمكن من تحصيل العلم، بل الظن بالمراعاة والملاحظة فلا يجوز له
~~العمل بمجرد قول الغير وإن لم يكن حجة شرعية به، فتجب عليه الكفارة أيضا.
# وما ذكرنا من الإشكال يظهر من كلام صاحب المدارك أيضا (1) بعد جده - رحمه
~~الله - في الروضة (2).
# وقال صاحب الكفاية: ولا يبعد أن يقال إن حصل الظن بإخبار المخبر اتجه
~~سقوط القضاء والكفارة; لصحيحة زرارة، ولا يبعد انتفاء الإثم أيضا، وإلا
~~فالظاهر ترتب الإثم، فإن مقتضى الأمر بالصيام إلى الليل وجوب تحصيل العلم
~~أو الظن بالامتثال، وهو منتف في الفرض المذكور، وأما وجوب القضاء ففيه تأمل
~~أيضا (3)، انتهى.
# والظاهر أن مراده بصحيحة زرارة ما رواه الشيخ عنه، قال: سألت أبا جعفر
~~عليه السلام عن وقت إفطار الصائم، قال: " حين تبدو ثلاثة أنجم " وقال لرجل
~~ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك، قال: " ليس عليه قضاء "
~~(4).
# ويحتمل ما رواه الشيخ والصدوق عنه قال، قال أبو جعفر عليه السلام: " وقت
~~المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة، ومضى صومك،
~~وتكف عن الطعام إن كنت قد أصبت منه شيئا " (5).
# وأنت خبير بأن الروايتين غير ظاهرتين في حصول الظن من إخبار المخبر، بل
~~الظاهر
# PageV05P157
# منهما خلافه، ومنزلتان على ms1262 ما كان هناك مانع من غيم أو غبار ونحو ذلك، أو
~~على من لا يتمكن من المراعاة أيضا، ولم يقل أحد من الفقهاء بجواز العمل
~~بالظن على أي وجه كان، وقد مر الكلام في مباحث أوقات الصلاة.
# ثم قوله: " ولا يبعد انتفاء الإثم فيه " أنه لو كان دليل جواز العمل
~~بالظن شاملا لما نحن فيه فانتفاء الإثم متعين، فلا معنى لقوله " ولا يبعد
~~".
# إلا أن يقال: بناؤه هنا ليس على مسألة الاكتفاء بالظن في الوقت مع العجز
~~عن تحصيل العلم في الصلاة والصوم، بل مبنى كلامه هنا في خصوص الصوم
~~الاكتفاء بالظن مطلقا; لخصوص صحيحة زرارة.
# فيرد عليه حينئذ: أن الظاهر أنه لا قائل بالفصل بين الصوم والصلاة في
~~جواز العمل بالظن، وعدم انصراف الرواية إلى الظن الحاصل من قول المخبر.
# وأما قوله: " وإلا فالظاهر " إلى آخره الأحسن القطع بترتب الإثم.
# وأما وجه تأمله في وجوب القضاء، فلعله لتأمله في صدق تعمد الإفطار عليه
~~حينئذ، وليس بجيد; إذ الجزم بترتب الإثم أو ظهوره إنما هو للإفطار عمدا،
~~وهو مستلزم للقضاء.
# ثم إن إطلاق كلمات الأكثر يشمل ما لو كان المخبر فاسقا أو عادلا واحدا أو
~~متعددا.
# وعن المحقق الشيخ علي: الجزم بأنه لو شهد بالغروب عدلان ثم بان كذبهما
~~فلا شئ على المفطر وإن كان ممن لا يجوز له تقليد الغير; لأن شهادتهما حجة
~~شرعية (1).
# واستشكله في المدارك; لعدم ما يدل على الحجية عموما، سيما فيما يجب فيه
~~تحصيل اليقين (2).
# قال في الكفاية: وهو حسن، إلا أن في جعل محل البحث مما يجب فيه تحصيل
# PageV05P158
# اليقين تأملا; لصحيحة زرارة الدالة على الاكتفاء بالظن (1)، وحينئذ
~~فالظاهر التعويل على شهادتهما، إلا مع عدم الظن بشهادتهما (2).
# أقول: قد عرفت ما فيه، واستشكال المدارك في محله، إلا أن لزوم القضاء في
~~مثل ذلك أيضا غير معلوم; لعدم ظهور اندراجه فيمن أفطر الصوم عمدا.
# وأما ما قد يتوهم من أن المستفاد من الأخبار أنه يكفي العدل الواحد في
~~المقامات التي يحتاج إلى العلم فكيف بالعدلين، ms1263 فهو ضعيف.
# ومن جملة ما ذكره من المقامات ما رواه الشيخ، عن إسحاق بن عمار، قال:
# سألته عن رجل كانت له عندي دنانير وكان مريضا، فقال لي: إن حدث بي حدث
~~فأعط فلانا عشرين دينارا، وأعط أخي بقية الدنانير، فمات ولم أشهد موته،
~~فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي: إنه أمرني أن أقول لك انظر إلى الدنانير
~~التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين
~~ولم يعلم أخوه أن عندي شيئا، فقال: " تصدق منها بعشرة دنانير كما قال " (3)
~~فدلت على ثبوت الوصية بقول الثقة.
# ومنها: ما رواه بسند فيه العبيدي، والصدوق بسنده عن ابن أبي عمير، عن
~~هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام: في حديث، قال عليه السلام فيه: " إن
~~الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبدا، والوكالة ثابتة حتى يبلغه
~~العزل عن الوكالة بثقة يبلغه، أو يشافهه العزل عن الوكالة " (4)، وصرح
~~الأصحاب بأنه لا ينعزل إلا مع العلم (5)، فظهر أن الثقة يقوم مقام العلم.
# PageV05P159
# ومن ذلك ما ورد من كفاية إخبار المالك العدل باستبراء الأمة (1).
# ووجه الضعف: أن خبر الواحد حجة شرعية ظنية يجوز الاعتماد عليه، فهذه
~~الأخبار الآحاد التي وردت في تلك الموارد في سماع قول الثقة في موضوعات
~~الأحكام، فلو عملنا على مقتضاها فإنما هو لأنه مقتضى تلك الأحاديث، لا لأنه
~~مجرد خبر ثقة في موضوع الحكم، فيقتصر على مواردها، مع أن كون المذكورات مما
~~يجب فيه العلم ممنوع.
# وما ذكره من تصريح الأصحاب في مسألة العزل ممنوع، بل اختلفوا، فقيل:
# بوجوب العلم (2)، وقيل: بكفاية إخبار الثقة (3)، فمن يشترط العلم لا يعمل
~~بالرواية، ومن لا يشترط يعمل.
# وبالجملة ظاهر مطمح نظر المتوهم إثبات قطعية الأخبار، وادعاء أن خبر
~~الثقة مفيد للقطع، وأين هذا مما رامه، وأنى له إثبات هذا.
# والحاصل: إن فرض حصول الجزم للمفطر فلا مانع من الإفطار، وإن كان خبر
~~فاسق، والظاهر عدم وجوب القضاء حينئذ لو بان فساده، وبدونه مشكل وإن كان
~~خبر عدلين، ولكن ms1264 لا يحكم بوجوب القضاء لو فعل وبان فساده، هذا كله فيما لو
~~بان الفساد.
# وأما لو لم يظهر الحال حتى تيقن الليل، ففيه إشكال، ويظهر من المحقق (4)
~~والشهيد (5) وغيرهما - حيث قيدوه بما لو تبين الفساد - عدم القضاء لو لم
~~يتبين الفساد، والأصول الشرعية تقتضي الفساد والقضاء، بل الكفارة ما لم
~~تظهر الموافقة.
# ومنها: ما لو ظن دخول الليل لظلمة عرضت، إما لغيم أو غيره، فأفطر ثم تبين
# PageV05P160
# فساد ظنه، أتم صومه، ووجب عليه القضاء عند أكثر علمائنا (1)، وهو قول
~~العامة، هكذا قال في التذكرة، ثم قال: وللشيخ قول آخر أنه يمسك ولا قضاء
~~عليه (2) و (3).
# أقول: ونقل هذا القول في المدارك عن الصدوق في الفقيه وجمع من الأصحاب،
~~واختاره هو - رحمه الله (4) - وبعض من تأخر عنه (5).
# وعن ابن إدريس أنه قال: من ظن أن الشمس قد غابت لعارض يعرض في السماء من
~~ظلمة أو قتام ولم يغلب على ظنه ذلك ثم تبين الشمس بعد ذلك; فالواجب عليه
~~القضاء دون الكفارة، وإن كان مع ظنه غلبة قوية فلا شئ عليه من قضاء ولا
~~كفارة; لأن ذلك فرضه; لأن الدليل قد فقد، فصار تكليفه في عباداته غلبة ظنه،
~~فإن أفطر لاعن أمارة وظن فيجب عليه القضاء والكفارة (6).
# وفي المختلف مال إلى القول الأول بعد توقفه أولا (7).
# ويظهر من المسالك: أن هنا قولا آخر حصل من الجمع بين الأخبار، وهو وجوب
~~القضاء على من تمكن من المراعاة ولم يراع (8).
# وهو قول الشهيد في اللمعة، فإنه قال فيها بوجوب القضاء إذا حصل له الظن
~~بدخول الليل مع ترك المراعاة مع إمكانها، ولا قضاء عليه مع المراعاة في
~~صورة الإمكان، ولا مع عدمها في صورة عدم الإمكان، ونسب القول بعدم القضاء
~~في صورة حصول الظن لظلمة موهمة مع عدم المراعاة إلى القيل مشعرا بتمريضه
~~(9).
# PageV05P161
# وجعل في المسالك أيضا قول ابن إدريس أيضا من مقتضى الجمع بينهما، بحمل ما
~~دل على لزوم القضاء على ما كان الظن ضعيفا، والآخر على ما كان قويا (1).
# أقول: ولا يخفى ms1265 بعد التأمل في الأخبار، والإنصاف أن كلها من باب واحد،
~~وهو ما حصل الظن بسبب العارض، وأن فرض التمكن من المراعاة وتركه في صورة
~~حصول الظن من غشيان السحاب وحصول الغيم الذي أظلم حتى حصل الظن بالليل نادر
~~لا تنصرف إليه الإطلاقات.
# فيكون مورد الأخبار هو عدم التقصير في المراعاة، أو ما يشمل صورة التقصير
~~أيضا.
# ولا استبعاد في وجوب القضاء لو انكشف الفساد حينئذ إذا قام الدليل،
~~فالشأن في إقامة الدليل، والكلام في ترجيح الأدلة.
# فما يدل من الأخبار على القول الأول هو ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح
~~على الأظهر، عن أبي بصير وسماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام: في قوم
~~صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فرأوا أنه الليل، فأفطر
~~بعضهم، ثم إن السحاب قد انجلى، فإذا الشمس، فقال: " على الذي أفطر صيام ذلك
~~اليوم، إن الله عز وجل يقول: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) فمن أكل
~~قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه; لأنه أكل متعمدا " (3).
# وأما ما يدل على القول الثاني فكثير، منها صحيحتا زرارة المتقدمتان (4).
# ومنها رواية أبي الصباح الكناني - وكثيرا ما يصف هذا السند بالصحة
# PageV05P162
# في المختلف - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صام ثم ظن أن
~~الشمس قد غابت وفي السماء غيم فأفطر، ثم إن السحاب قد انجلى، فإذا الشمس لم
~~تغب، فقال: " قد تم صومه ولا يقضيه " (1).
# ورواية زيد الشحام عنه عليه السلام: في رجل صائم ظن أن الليل قد كان، وأن
~~الشمس قد غابت، وكان في السماء سحاب، فأفطر، ثم إن السحاب انجلى، فإذا
~~الشمس لم تغب، فقال: " تم صومه ولا يقضيه " (2).
# والصدوق - رحمه الله - أخذ بهذه الأخبار، ورد رواية سماعة; لأنه واقفي
~~(3).
# والشيخ في الاستبصار حمل الرواية الأولى على صورة الشك (4)، وربما قدح
~~بعضهم في سندها; لمكان العبيدي (5).
# وربما قدح بعضهم في دلالة صحيحة زرارة الثانية على عدم وجوب القضاء; بأن
~~قوله عليه السلام " مضى " بمعنى سقط وتلف، يعني مضى من يده (6).
# والحق; ms1266 أن هذه الإشكالات كلها ضعيفة، ودلالة الأخبار على الطرفين واضحة،
~~ولا يخلو كل من الطرفين من أسناد معتبرة.
# وكون سماعة واقفيا مع تسليمه غير مضر; لحجية الموثق، مع أن في الكافي
~~والتهذيب رواه عن أبي بصير أيضا (7)، والأظهر فيه الصحة كما وصفه به في
~~المختلف أيضا (8).
# PageV05P163
# وقوله عليه السلام: " فرأوا أنه الليل " ظاهر في الظن، مع أن في بعض
~~النسخ فظنوا.
# وكذا العبيدي أظهره الصحة (1)، فلا بد من الرجوع إلى الترجيح.
# فما يرجح القول الأول أكثرية القائلين به، وأشهريته، وكون روايته معللة،
~~لكن التعليل بكونه أكل متعمدا لا يخلو من شئ، سيما ولو كان كذلك للزمت
~~الكفارة أيضا، وهم لا يقولون به، بل ظاهرهما الاتفاق كما يظهر من المسالك
~~(2).
# ويضعفه أيضا كونه موافقا للعامة كما نقله في التذكرة (3)، ونقل فيها
~~روايتهم عن حنظلة قال: كنا في شهر رمضان وفي السماء سحاب، فظننا أن الشمس
~~قد غابت، فأفطر بعضنا، فأمر من كان أفطر أن يصوم مكانه (4).
# ومما يرجح القول الآخر كثرة الأخبار، واعتبار أسنادها، وموافقتها للأصل،
~~والاعتبار، والموافقة لنفي الحرج والعسر والملة السمحة السهلة، ومخالفتها
~~للعامة، فلم يبق في الطرف الأول إلا أكثرية القائل، وليس ذلك بحد يغلب على
~~تلك المرجحات القوية، مع أن هذا القول ليس بشاذ، بل القائل به أيضا كثير،
~~فلا يبعد حمل رواية الأولين على التقية.
# والأقوى عدم وجوب القضاء.
# وأما الكفارة فلا دليل عليها إلا إشعار قوله عليه السلام: " لأنه أكل
~~متعمدا " (5) وقد عرفت ضعفه.
# بقي الكلام فيما ذهب إليه ابن إدريس من الفرق بين مراتب الظنون (6)، وهو
~~غير ظاهر الوجه; لعدم انضباط مراتب الظن حتى يجعل بعضها غالبا وبعضها غير
~~ذلك،
# PageV05P164
# بل الظن كله غالب كما أشار إليه في المسالك (1)، مع أن المذكور في
~~الأخبار هو مطلق الظن.
# وقال في المختلف: ومنشأ خياله هذا ما وجده في كلام شيخنا أبي جعفر أنه
~~متى غلب على ظنه لم يكن عليه شئ، فتوهم أن غلبة الظن مرتبة أخرى راجحة على
~~الظن، ولم يقصد الشيخ ذلك، فإن الظن ms1267 هو رجحان أحد الاعتقادين، وليس للرجحان
~~مرتبة مخصوصة محدودة تكون ظنا وأخرى تكون غلبة الظن.
# ثم قوله: " إن أفطر لاعن أمارة ولا ظن وجب عليه القضاء والكفارة " خطأ;
~~لأنه لو أفطر مع الشك لوجب عليه القضاء خاصة، فهذا كله كلام من لا يحقق
~~شيئا (2)، انتهى.
# أقول: وهذه العبارة الموهمة موجودة في كلام غير ابن إدريس أيضا، مثل
~~عبارة المحقق في الشرائع، فإنه عد أمورا يجب فيها القضاء فقط، وقال في
~~آخرها: والإفطار للظلمة الموهمة دخول الليل، فإن غلب على ظنه لم يفطر (3).
# وقد جعل في المسالك أحد معاني العبارة التفاوت بين مراتب الظن كما ذكره
~~ابن إدريس بإرادة الظن من الوهم كما هو أحد معانيه لغة (4).
# والأظهر عندي أن مراده - رحمه الله - من الإفطار للظلمة الموهمة هو ما لم
~~يحصل معه الظن، فيكون الوهم في كلامه بمعنى الغلط كما هو أحد معانيه
~~اللغوية أيضا (5).
# فاتباع الظلمة المغلطة موجب للإفطار الموجب للقضاء، وما حصل منه الظن
~~مستثنى من أقسامه بسبب النصوص، ولذلك قال: فإن غلب على ظنه لم يفطر، يعني
~~لم يحكم بكونه مفطرا، وإن استبان خطأه، فيكون مختاره - رحمه الله - في
# PageV05P165
# المسألة عدم وجوب القضاء، بخلاف مختاره في المعتبر (1).
# وعلى ذلك تنزل عبارة التذكرة (2) وغيرها.
# وأصرح العبارات في ذلك عبارة اللمعة، حيث قال: وقيل لو أفطر لظلمة موهمة
~~ظانا فلا قضاء (3).
# والكلام في العبارات سهل، وإنما المهم تحقيق أصل المسألة، فأما الكلام في
~~صورة حصول الظن فقد عرفته.
# وأما في صورة الوهم والشك المصطلحين; فلم نقف في الأخبار على ما يدل
~~عليه، ومقتضى العمومات لزوم القضاء عليه; لأنه غير مأذون فيه.
# بل وهو كذلك لو لم ينكشف كونه في النهار، كما ذكره في المسالك (4)،
~~واختاره في التذكرة (5).
# بل لزوم الكفارة أيضا كما أشار إليه أيضا في المسالك (6).
# وإن كان لجهل بالحرمة، فقد مر حكم الجاهل.
# وأما لو انكشف كونه في الليل ففيه إشكال، والظاهر عدم وجوب القضاء كما
~~صرح به في التذكرة; لصحته في الأصل وعدم طروء المفسد (7).
# وأما الكفارة; ms1268 ففي سقوطها حينئذ إشكال، من جهة هتك الحرمة، وعدم صدق
~~الإفطار، وسيجئ الكلام فيه.
# ثم إن الظاهر أن الكلام فيمن ظن الدخول في الليل، وله طريق إلى العلم
~~كذلك،
# PageV05P166
# كما ذكره في المسالك أيضا، قال: ويظهر من المتأخرين أنه لا كفارة في هذه
~~الصورة، وقد عرفت ما فيه، والوجهان آتيان فيمن أفطر في يوم يعتقده من شهر
~~رمضان، ثم تبين أنه العيد، أو أفطر المسافر قبل تحقق بلوغ الترخص، ثم ظهر
~~له أنه في محله، أو ظن أن سفره بعد الزوال فأفطر ثم تبين أنها لم تزل، وعدم
~~الكفارة في الجميع متوجه وإن حصل له الإثم (1)، انتهى، وتمام الكلام فيه
~~سيجئ بعد ذلك.
# الثاني عشر: كفارة شهر رمضان: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو
~~إطعام ستين مسكينا.
# واختلفوا في أنه مخير فيها، أو مرتبة على الترتيب المذكور، فتتعين الأولى
~~مع القدرة، ثم الثانية مع العجز عن الأولى، ثم الثالثة هكذا.
# والأشهر الأظهر المدعى عليه الاجماع من السيد في الانتصار (2) وابن زهرة
~~(3) هو الأول; للأصل; والأخبار المستفيضة، منها موثقة أبي بصير المتقدمة في
~~مسألة من أصبح جنبا متعمدا (4).
# ومنها: روايته الأخرى المتقدمة في مسألة الاستمناء (5).
# ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل
~~أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال: " يعتق نسمة، أو
~~يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر على ذلك تصدق بما
~~يطيق " (6).
# وموثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن معتكف واقع
~~أهله، قال:
# PageV05P167
# " عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا: عتق رقبة، أو صوم
~~شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا " (1).
# وهناك روايات كثيرة اكتفي فيها بإحدى الخصال، وهي لا تلائم الترتيب، بل
~~هي أوفق بالتخيير، فلاحظها (2).
# وذهب ابن أبي عقيل إلى الترتيب (3).
# وعن الشيخ في الخلاف أنه حكاهما روايتين، إلا أنه قال: وخبر الأعرابي
~~يقوي الترتيب (4)، والظاهر أنه أراد بخبر الأعرابي رواية عبد المؤمن
~~الآتية.
# وذكروا في ms1269 دليله الاحتياط، ورواية عبد المؤمن بن الهيثم الأنصاري، عن أبي
~~جعفر عليه السلام: " إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: هلكت
~~وأهلكت، فقال صلى الله عليه وآله:
# ما أهلكك؟ فقال: أتيت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم، فقال له النبي صلى
~~الله عليه وآله:
# أعتق رقبة، قال: لا أجد، قال: فصم في شهرين متتابعين، فقال: لا أطيق،
~~قال:
# تصدق على ستين مسكينا، قال: لا أجد، فأتى النبي صلى الله عليه وآله بعذق
~~في مكتل فيه خمسة عشر صاعا، من تمر، فقال له النبي صلى الله عليه وآله:
~~خذها وتصدق بها، فقال: والذي بعثك بالحق، ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه
~~منا، فقال: خذه وكله أنت وأهلك، فإنه كفارة لك " (5).
# وحسنة جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن رجل أفطر
~~يوما من شهر رمضان متعمدا، فقال: " إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله
~~فقال: هلكت يا رسول الله، فقال: مالك؟ فقال: النار يا رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، فقال: ومالك؟ قال: وقعت على أهلي،
# PageV05P168
# قال: تصدق واستغفر ربك، فقال الرجل: فوالذي عظم حقك ما تركت في البيت
~~شيئا لا قليلا ولا كثيرا، قال: فدخل رجل من الناس بمكتل تمر فيه عشرون صاعا
~~يكون عشرة أصوع بصاعنا، فقاله له رسول الله: خذ هذا التمر فتصدق به، فقال
~~يا رسول الله:
# على من أتصدق به وقد أخبرتك أنه ليس في بيتي قليل ولا كثير، قال: فخذه
~~وأطعمه عيالك واستغفر الله عز وجل " قال: فلما رجعنا قال أصحابنا: إنه بدأ
~~بالعتق، قال:
# " أعتق، أو صم، أو تصدق " (1).
# ورواية المشرقي، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن رجل أفطر من
~~شهر رمضان أياما متعمدا، ما عليه من الكفارة؟ فكتب: " من أفطر يوما من شهر
~~رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة، ويصوم يوما بدل يوم " (2) فإنها تدل
~~على تعينه عليه.
# والجواب عن الرواية الأولى: بعد ضعفها، أنها ليست بنص في الترتيب في
~~التكليف، بل إنما ms1270 هو ترتيب في إلقاء الحكم، ولعله عليه السلام ابتدأ بما
~~ابتدأ لأجل الأفضلية.
# سلمنا الدلالة، لكنها لا يعارض بها ما قدمناه من الأخبار المعتبرة
~~الصريحة في التخيير (3); لموافقتها لجمهور الأصحاب، ومخالفتها لأكثر العامة
~~(4)، ووافقنا في التخيير; مالك (5)، ورووا رواية دالة عليه عن أبي هريرة
~~(6)، وأما أبو حنيفة والشافعي وغيرهما فذهبوا إلى الترتيب، واستدلوا بحكاية
~~الأعرابي المتقدمة،
# PageV05P169
# ولموافقتها للأصل ونفي العسر والحرج، وأكثريتها وأصحيتها وأوضحيتها،
~~فنحملها على الاستحباب.
# وأما الرواية الثانية: فالأمر بالتصدق يدل على وجوب الابتداء بالعتق،
~~وحملها على أنه صلى الله عليه وآله كان يعلم عجزه عن الآخرين تأويل، وليس
~~بأولى من إرادة ذكر أحد أفراد الواجب المخير.
# وأما آخر الرواية; فنقل حكاية جميل قول أصحابه في معنى حديث مرسل، ولا
~~حجية فيه، وكأنه أراد أني لم أسمع إلا حكاية التصدق، ولكن أصحابنا قالوا:
~~إنه بدأ بالعتق إلى آخره.
# مع أنه لا دلالة في الابتداء بالعتق على تعينه، فلعله للفضيلة، مضافا إلى
~~أن كلمة " أو " ظاهرة في التخيير.
# وأما الثالثة: فمع تسليم سندها، فهو أعم من التعيين، فلعله في الأفضلية.
# سلمنا; لكنها معارضة بالأخبار الكثيرة التي عين فيها غيره (1)، مع أن
~~بعضها لا يقبل التأويل بأنه من جهة أن الإمام كان يعلم عجزه عن غيره، مثل
~~أن الراوي سأل عن رجل فعل كذا; فقال: يكفر كذا; لأن ذلك سؤال عن صورة فرضه.
# هذا كله مع ما عرفت من أن التوجيه والتأويل في هذه الأخبار ألصق وأنسب
~~وأولى من جهة قربه هنا دون أخبارنا، ومن جهة أن إرجاع الأضعف إلى الأقوى
~~متعين، ولا يجوز العكس.
# ثم إنهم اختلفوا في ثبوت الفرق بين الإفطار بالمحرم والمحلل، وعدمه،
~~فظاهر إطلاق الأكثر عدم الفرق، ونسبه العلامة إلى المشهور في المختلف (2).
# وذهب جماعة من الأصحاب إلى الفرق، وهو مذهب الصدوق (3) والشيخ
# PageV05P170
# في كتابي الأخبار (1) وابن حمزة (2) والعلامة في الإرشاد والقواعد (3)،
~~وولده في شرحه (4)، وفي جواب مسائل المهنا بن سنان، ويحيى بن سعيد في
~~الجامع (5)، والشهيد في الدروس واللمعة (6)، والشهيد الثاني في المسالك
~~والروضة (7)، ونسبه ms1271 الفاضل المتقي في شرحه على الفقيه إلى المشهور بين
~~المتأخرين، واختاره (8)، وهذا أقوى.
# لنا: ما رواه الصدوق، عن عبد الواحد بن عبدوس النيسابوري، عن علي بن محمد
~~بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن الرضا
~~عليه السلام، قال، قلت له: يا بن رسول الله عليه السلام قد روي عن آبائك
~~عليهم السلام فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات، وروي عنهم
~~أيضا كفارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ؟ قال:
# " بهما جميعا، متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه
~~ثلاث كفارات: عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا وقضاء ذلك
~~اليوم، وإن كان نكح حلالا فعليه كفارة واحدة " رواه في باب الكفارات من
~~الفقيه وفي العيون ومعاني الأخبار (9).
# وقال في كتاب الصوم من الفقيه: وأما الخبر الذي روي فيمن أفطر يوما من
~~شهر رمضان متعمدا أن عليه ثلاث كفارات فإني أفتي به فيمن أفطر بجماع محرم
~~عليه; أو بطعام محرم عليه، لوجود ذلك في روايات أبي الحسين الأسدي - رضي
~~الله عنه -
# PageV05P171
# فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه
~~(1).
# وهذا يشهد بأن هنا رواية أخرى عن صاحب الزمان ظاهرة الصحة، والرواية
~~الأولى أيضا ظاهرة الصحة كما وصفها بها العلامة في كفارات التحرير (2)،
~~والشهيد الثاني في المسالك والروضة (3).
# والتأمل في عبد الواحد كما قال في المختلف أنه لا يحضره الآن حاله، ولو
~~كان ثقة لكانت الرواية صحيحة يتعين العمل بها (4)، لا وجه له، مع ملاحظة
~~كونه معتمد الصدوق وشيخه، وروى عنه بلا واسطة، وقال بعد ذكره " رضوان الله
~~تعالى عليه " (5) إذ لا يحصل الظن بالتوثيق من عدل أزيد مما يحصل من ذلك.
# وأما علي بن محمد بن قتيبة، فيظهر من العلامة في هذه العبارة من المختلف
~~توثيقه (6)، وكذلك من الشهيد الثاني (7) وغيره (8)، مع أنه ممن اعتمد عليه
~~الكشي كما صرح به النجاشي (9).
# وأما عبد السلام فهو أبو الصلت الهروي، ولا ريب في ms1272 توثيقه (10).
# وما يظهر من العلامة في باب الكنى من أنه عامي ينافي ذكره في باب
~~المعتمدين بلا إشكال (11).
# PageV05P172
# مع أنه يظهر من الروايات التي نقلها الكشي أن العامة وثقوه ولم يعيبوا
~~عليه بشئ إلا التشيع ومحبة آل الرسول الله صلى الله عليه وآله (1).
# فلعل غفلة من غفل مثل ابن داود في أواخر كتابه مع تصحيحه قبل ذلك في
~~موضعين (2) إنما كان لأجل كونه متقيا، وهذا الجمع أولى من الجمع بكونه
~~عاميا ثقة حتى يكون موثقا، مع أن الموثق أيضا حجة.
# ولعل مراد الصدوق - رحمه الله - بالخبر الذي ذكره هو موثقة سماعة، قال:
~~سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمدا فقال: " عليه عتق رقبة، وإطعام
~~ستين مسكينا، وصيام شهرين متتابعين، وقضاء ذلك اليوم، وأنى له مثل ذلك
~~اليوم " (3).
# ورواه الشيخ في التهذيب وأوله بتأويلين، أحدهما: كون " الواو " بمعنى "
~~أو " كما في مثنى وثلاث ورباع.
# والثاني: بإتيان أهله في حال تحريم الوطء كحال الحيض، وحال الظهار قبل
~~الكفارة، واستشهد عليه برواية الهروي (4).
# فطرح هذه الروايات الثلاث المفصلة أو اخراجها من الظاهر وحملها على
~~الاستحباب مع اعتبارها وموافقتها للاعتبار وعمل كثير من الأصحاب، مع أنه
~~ليس في طرف الخلاف إلا الأصل والإطلاقات وترك الاستفصال في غاية الإشكال،
~~فالأظهر العمل على التفصيل.
# وأما رواية الفتح بن يزيد الجرجاني المروية في العيون والخصال (5)،
~~وستأتي في مسألة وجوب تكرر الكفارة بتكرر المفطر، فهي لا تنافي ما ذكرنا
~~كما يظهر بالتأمل.
# PageV05P173
# ثم إنه لا فرق في المحرم بين الأصلي كأكل الميتة، ولحم الخنزير، والزنا،
~~والاستمناء المحرم، وغبار ما لا يجوز تناوله كالتراب، أو العارضي كوطء
~~الزوجة في حال الحيض أو حال الظهار قبل الكفارة ونحوها.
# ويشكل الكلام في الغبار; لأن المذكور في الرواية أن كفارته صيام شهرين،
~~والتمسك بعدم القول بالفصل مشكل.
# وقد يعد من تناول المحرم ابتلاع نخامة الرأس إذا صارت في فضاء الفم، وهو
~~ضعيف، وسيجئ الكلام فيه.
# الثالث عشر: قد عرفت أنه لا خلاف في وجوب الكفارة في النذر المعين،
~~واختلفوا في ms1273 قدرها ولما كانت الأقوال متواردة على مطلق النذر، فلنتكلم على
~~مطلقه، ففيه أقوال عديدة:
# فالمشهور أن كفارة خلف النذر والعهد كفارة شهر رمضان مخيرة، سواء كان
~~المنذور صوما أو غيره، وادعى السيد في الانتصار الاجماع على وجوب القضاء
~~وما يجب على من أفطر يوما من شهر رمضان من الكفارة على من أفطر صوم النذر
~~المعين (1).
# وذهب الصدوق إلى أنها كفارة يمين (2).
# ونقل ابن إدريس عن السيد في المسائل الموصليات التفصيل بأنه إن كان
~~المنذور صوما معينا فأفطره فكفارة رمضان، وإلا فكفارة يمين (3)، وارتضاه
~~جماعة من الأصحاب (4).
# PageV05P174
# وقال في الإرشاد: الأقرب أن خلف نذر الصوم كرمضان، وخلف نذر غيره
~~كاليمين، وكذا العهد (1).
# والفرق بين التفصيلين ظاهر.
# وعن الكرخي وسور أن كفارة خلف النذر هي كفارة ظهار (2)، وهو يقتضي
~~الترتيب.
# وقال السيد في الانتصار: ومما انفردت به الإمامية أن من خالف النذر حتى
~~فات فعليه كفارة، وهي عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين
~~مسكينا، وهو مخير في ذلك، فإن تعذر عليه الجميع كان عليه كفارة يمين (3).
# والأقوى قول المشهور; لما رواه الشيخ، عن عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، قال: " من جعل لله عليه أن لا يركب محرما سماه فركبه،
~~قال:
# ولا أعلم إلا قال: فليعتق رقبة، أو ليصم شهرين متتابعين، أو ليطعم ستين
~~مسكينا " (4).
# والظاهر أن الرواية صحيحة; لأنه ليس فيها من يتأمل فيه أي عبد الملك بن
~~عمرو (5)، والظاهر عدم الإشكال فيه لوجوه:
# منها: أن الكشي روى في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن عبد
~~الملك بن عمرو قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إني لأدعو لك حتى اسمي
~~دابتك، أو قال: أدعو لدابتك " (6).
# والقدح في ذلك بأن ذلك شهادة لنفسه فلا تسمع، يدفعه أن رواية ابن أبي
~~عمير عنه
# PageV05P175
# تشهد بصدق الحديث فيكون الحديث معتبرا، وهذا المدح مع صحته لا يقصر عن
~~التوثيق، بل أكبر منه.
# ومنها: أن جماعة من الفضلاء المحققين وصفوا هذه الرواية بالصحة، مثل ms1274
~~العلامة - رحمه الله - في المختلف (1)، وولده (2)، والشهيد الأول في غاية
~~المراد والدروس (3) وغيرهما، والمحقق ابن فهد في المهذب (4)، وبعض من تأخر
~~عنهم (5)، فهذا في معنى التوثيق من هؤلاء، فلا وجه للتأمل.
# ومنها: أن الراوي عنه في هذا السند ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، وهما
~~ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، وقد قالوا في شأن ابن أبي عمير
~~ما قالوا (6).
# فهذه الرواية مع عمل جمهور الأصحاب، بل ادعاء الاجماع عليه من السيد في
~~أول الأمر يعين العمل عليها.
# وحجة الصدوق: روايات، منها صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال: سألته عن الرجل يجعل عليه نذرا ولا يسميه، قال: " إن سميت فهو ما
~~سميت، وإن لم تسم شيئا فليس بشئ، فإن قلت: لله علي، فكفارة يمين " (7).
# ورواية حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن كفارة
~~النذر، قال:
# " كفارة النذر كفارة اليمين " (8).
# وأما دليل التفصيل: فهو الجمع بين الأخبار، بحمل صحيحة ابن عمرو على
# PageV05P176
# الصوم، وحمل صحيحة الحلبي على غيره، مؤيدا بمناسبة الصوم للصوم، وبروايات
~~وردت في خصوص الصوم، مثل رواية القاسم بن الفضيل، أنه كتب إليه: يا سيدي
~~رجل نذر أن يصوم يوما لله تعالى، فوقع في ذلك اليوم على أهله، ما عليه من
~~الكفارة؟ فأجابه: " يصوم يوما بدل يوم، وتحرير رقبة مؤمنة " (1) ومثل رواية
~~علي بن مهزيار (2)، ورواية الحسين بن عبيدة (3).
# وفيه: مع أن تلك الأخبار ضعيفة لا دليل فيها على ذلك; إذ تحرير الرقبة
~~موجود في كلتي الكفارتين.
# مع أنه تضعفه صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي
~~إني نذرت أن أصوم كل يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟ فكتب
~~وقرأته: " لا تتركه إلا من علة، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض، إلا أن
~~تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة
~~مساكين، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى " (4).
# فإن هذا الخبر ms1275 يدل على أن كفارة الصوم ليست كفارة رمضان، بل الظاهر أنها
~~كفارة يمين، والظاهر أن السبعة تصحيف عشرة، ويشهد له أن الصدوق في المقنع
~~ذكر لفظ عشرة بدل سبعة (5)، ومن دأبه ذكر متون الأخبار والإفتاء بمضمونها.
# والحاصل: أن التفصيل ضعيف; لأن مطلق الجمع بين الأخبار لا دليل عليه،
~~وليس في الأخبار ما يدل عليه.
# فبقي الكلام في الترجيح بين قول الصدوق والمشهور، ولا ريب أن الترجيح مع
# PageV05P177
# المشهور، فإن كثرة الأخبار الدالة على كفارة اليمين، مع انفراد الصدوق،
~~وهجر أكثر الأصحاب العمل عليها مما يضعفها، ويظهر من الانتصار أن ذلك مذهب
~~الإمامية (1)، ولا يبعد أن يكون مخالفه مما ورد من باب التقية.
# ومن الغريب أن الشهيد الثاني - رحمه الله - قوى رواية الحلبي بتأيدها
~~برواية حفص بن غياث، وقال: وهو وإن كان عاميا إلا أن الشيخ قال: إن كتابه
~~معتمد، وباتفاق روايات العامة التي صححوها عن النبي صلى الله عليه وآله،
~~قال: وهي وإن لم تكن حجة إلا أنها لا تقصر عن أن تكون مرجحة (2)، انتهى.
# وأنت تعلم أن هذا مؤيد لما ذكرنا، وهو من المضعفات لقول الصدوق، وبالجملة
~~الكلام في الخلف في الصوم الذي هو مما نحن فيه، سيما في إفطار اليوم المعين
~~نذره ظاهر.
# ولا ينبغي التأمل في أن الأقوى قول المشهور، سيما مع ملاحظة الإجماعين
~~المذكورين في الانتصار، وكذلك في غير الصوم، وفي الصوم مع التخلف عنه بغير
~~الإفطار الأقوى قول المشهور; لأنه لا يقاوم صحيحة الحلبي، ورواية غياث
~~لصحيحة ابن عمرو مع اشتهار العمل بها، ولا يضرها إشعار لفظها بالتردد مع
~~ملاحظة فهم الأصحاب.
# وأما دليل التفصيل الأخير، فهو الاجماع الذي نقله المرتضى، وهو مقتضى
~~حسنة جميل بن صالح، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: " كل من عجز عن
~~نذر نذره فكفارته كفارة يمين " (3)، وحمل في المختلف صحيحة الحلبي وما في
~~معناها على ذلك (4)، وكذلك غيره (5)، ولا بأس به.
# PageV05P178
# وأما كفارة العهد، فهو أيضا مثل النذر عند المشهور; لرواية علي بن جعفر،
~~عن أخيه موسى بن ms1276 جعفر عليه السلام، قال: سألته عن رجل عاهد الله في غير
~~معصية، ما عليه إن لم يف بعهده؟ قال: " يعتق رقبة، أو يتصدق بصدقة، أو يصوم
~~شهرين متتابعين " (1).
# ورواية أبي بصير، عن أحدهما عليه السلام، أنه قال: " من جعل عليه عهد
~~الله وميثاقه في أمر لله طاعة فحنث فعليه عتق رقبة، أو صيام شهرين
~~متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا " (2).
# الرابع عشر: تتكرر الكفارة إذا تكرر الموجب في يومين أو أكثر، سواء كفر
~~عن الأول أم لا، بإجماع علمائنا، كما نقله في التذكرة والمنتهى (3)، ونفى
~~عنه الخلاف في المبسوط (4) كما نقله في المختلف (5).
# واختلفوا في تكررها بتكرره في يوم واحد، فعن الشيخ في المبسوط أنه قال:
~~ليس لأصحابنا فيه نص، والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا تتكرر الكفارة (6)، وهو
~~المنقول عن ابن حمزة (7) وجماعة من الأصحاب (8)، واختاره المحقق (9)، وهو
~~المنقول عن أبي حنيفة والشافعي ومالك (10).
# PageV05P179
# وعن السيد - رحمه الله - أنها تتكرر بتكرر الوطء (1).
# وعن ابن الجنيد: أنه إن كفر عن الأول كفر ثانيا، وإلا فتكفيه كفارة (2)،
~~ونقله في التذكرة عن أحمد بن حنبل، وقال: لا بأس به، وتوقف فيما لو اختلف
~~جنس المفطر كالوطء والأكل (3).
# وقال في المختلف: قال ابن أبي عقيل: ذكر أبو الحسن زكريا بن يحيى صاحب
~~كتاب شمس المذهب عنهم عليه السلام: أن الرجل إذا جامع في شهر رمضان عامدا
~~فعليه القضاء والكفارة، فإن عاود إلى المجامعة في يوم ذلك مرة أخرى فعليه
~~في كل مرة كفارة.
# ثم قال فيه: والأقرب عندي أنه إن تغاير جنس المفطر تعددت الكفارة سواء
~~اتحد الزمان أو لا، كفر عن الأول أو لا، وإن اتحد جنس المفطر في يوم واحد;
~~فإن كفر عن الأول تعددت الكفارة، وإلا فلا (4).
# وقال في المسالك: لا ريب في تكررها مع اختلاف الأيام مطلقا، وأما في
~~اليوم الواحد فالأصح تكررها بتكرر الجماع، ومع تخلل التكفير، ومع اختلاف
~~نوع الموجب، وأما مع اتفاقه فقال في الدروس: لا يتكرر قطعا (5)، وفي المهذب
~~إجماعا (6)، واختار المحقق الشيخ علي تكررها مطلقا (7)، وهو ms1277 الأصح إن لم
~~يكن قد سبق الاجماع على خلافه، والأكل والشرب مختلفان ويتعددان بالازدراد،
~~والجماع بالعود بعد النزع (8)، انتهى كلامه رحمه الله.
# ولم نقف في هذا الباب على نص سوى ما نقله في المختلف عن ابن أبي عقيل أنه
~~نقله
# PageV05P180
# عن زكريا بن يحيى.
# وفيه وفي التذكرة: أنه مروي عن الرضا عليه السلام (1)، ولعله هو ما رواه
~~الصدوق في العيون والخصال بسنده، عن الفتح بن يزيد الجرجاني، أنه كتب إلى
~~أبي الحسن عليه السلام ليسأله عن رجل واقع امرأة في شهر رمضان من حلال أو
~~حرام في يوم عشر مرات، قال: " عليه عشر كفارات، لكل مرة كفارة، فإن أكل أو
~~شرب فكفارة يوم واحد " (2).
# وهذه الرواية وإن لم تكن صحيحة السند إلا أن الظاهر أن السيد عمل بها،
~~وهو مؤيد للعمل بها، ولا معارض لها بالخصوص في الأخبار، ولكن تصريح الشيخ
~~بأنه لا نص فيه لأصحابنا وهجر سائر الأصحاب إياها وعدم الاستدلال بها
~~يضعفها غاية الضعف، خصوصا مع ملاحظة نقل ابن أبي عقيل إياها والسكوت عنها،
~~وخصوصا مع ملاحظة الاجماع المنقول عن المهذب صريحا وعن المبسوط ظاهرا.
# وأما القدح فيها بمنافاتها لما دل على وجوب كفارة الجمع للإفطار بالمحرم
~~(3)، فلا وجه له ظاهرا; لعدم المنافاة، إذ ظاهر الرواية بيان تعدد الكفارة
~~بسبب تعدد الوطء سواء كانت كفارة الجمع أو غيرها.
# وكيف كان فالأحوط ملاحظة العمل بها، وإن كان الأظهر ما اختاره الشيخ في
~~المبسوط.
# لنا: الأصل، وضعف تمسك القائلين بالتعدد مطلقا بمثل صحيحة عبد الرحمن بن
~~الحجاج المتقدمة في الاستمناء (4) وغيرها (5); لعدم العموم، وتبادر ما يفسد
~~الصوم
# PageV05P181
# منها، يعني: إذا وقع في حال يكون المكلف صائما.
# ولا ريب أن الفعل الحاصل بعد فساد الصوم لا يصدق أنه مفسد للصوم، وأصالة
~~عدم تداخل الأسباب إنما يحسن التمسك بها لو سلمت السببية، وإنما المسلم من
~~السبب ما وقع في حال الصوم، لا بعد فساده.
# وأما الجواب بأن الأسباب الشرعية من قبيل المعرفات، ولا بعد في اجتماعها
~~على سبب واحد كما في تداخل ms1278 الأغسال; فهو ضعيف; لمنافاته لفهم العرف في
~~الامتثال وإن أمكن اجتماعها عقلا، والمسلم في مثل تداخل الأغسال إنما هو
~~المنصوص عليه، كما لو كان عليه غسل الجنابة، وهو مفقود فيما نحن فيه.
# وقد يؤيد ذلك بمثل صحيحة عبد الله بن سنان، حيث قال عليه السلام في جواب
~~سؤاله عن رجل أفطر في شهر رمضان: " يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو
~~يطعم ستين مسكينا " (1) من دون استفصال، ولا بأس به.
# ومما ذكرنا يظهر ضعف التمسك في الأجناس المختلفة بالأخبار الواردة فيها،
~~بتقريب أن مقتضى " ما دل على أن الأكل يوجب الكفارة " وجوبها له، ومقتضى ما
~~دل على أن الجماع يوجبها وجوبها له، فيجب العمل عليهما; لما ذكرنا من أن
~~المتبادر إنما هو ما وقع في حال يوجب فساد الصوم. وبعد وقوع أحدهما لا يبقى
~~صوم حتى يوجب الآخر فساده.
# وكذلك يظهر ضعف الفرق بما وقع المفطر ثانيا بعد الكفارة عن الأول، فيجب،
~~دون ما لم يقع; تمسكا في الأول بأن الثاني مفطر وقع في نهار رمضان، فيوجب
~~الكفارة، ولا ترفعه الكفارة الأولى، بخلاف ما لو لم يكفر، فإنه حصلت منه
~~مهية المفطر، وهو شئ واحد فعليه كفارة واحدة.
# ومن أبعد الأقوال وأضعف المتمسكات ما اختاره في المسالك من حصول التعدد
# PageV05P182
# بتعدد الازدراد; لصدق الإفطار لكل منها.
# الخامس عشر: لو أوجد موجب الكفارة ثم حصل مسقط الصوم كالمرض والحيض
~~وغيرهما; فعن الأكثر ومنهم الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الاجماع (1)
~~والعلامة في التحرير عدم سقوط الكفارة (2).
# وقيل: تسقط (3)، واختاره العلامة في القواعد والتذكرة والإرشاد والمختلف
~~(4)، وولده في الإيضاح (5)، والأول أقرب.
# لنا: الاجماع المنقول، وأنه يصدق عليه أنه أفسد صوم يوم من رمضان، فتجب
~~عليه الكفارة، مضافا إلى أن العلة في الوجوب هي هتك حرمة الشهر ظاهرا وقد
~~حصل.
# واحتجوا: بأن صوم هذا اليوم غير واجب في علم الله، وقد انكشف لنا بتجدد
~~العذر، فلا تجب الكفارة كما لو انكشف بالبينة أنه من شوال.
# وفيه: أن التحقيق وإن كانت الألفاظ أسامي للأمور النفس ms1279 الأمرية، ولكنا
~~نقول:
# إن التكاليف متعلقة بما هو في نفس الأمر في نظر المكلف - وإن كان بظنه
~~المتبع في هذه المقامات مع تعذر العلم - لا في نفس الأمر، والمفروض أنه حين
~~الإفطار مكلف في اعتقاده بالصوم، فيصدق عليه أنه أفطر ما هو صوم في نفس
~~الأمر بحسب اعتقاده، فتتعلق به الكفارة، ويستصحب وجوبها بعد انكشاف فساد
~~اعتقاده، والقضية مطلقة، وليست مقيدة بما لم ينكشف فساد ظنه، وهي قابلة
~~للاستصحاب.
# واحتجاجهم بأن صوم هذا اليوم غير واجب في علم الله، إنما يتم إذا سلمنا
~~أن
# PageV05P183
# الكفارة إنما تجب على إفطار ما هو صوم في علم الله، فالإجماع المنقول
~~والاستصحاب يكفي مضافا إلى الشهرة.
# بل العلامة - رحمه الله - في التذكرة بعد أن نقل مختاره عن بعض علمائنا،
~~قال:
# والقول الثاني لعلمائنا (1).
# ثم إن العلامة ومن تأخر عنه فرعوا هذه المسألة على القاعدة الأصولية، وهي
~~أن الحكيم هل يصح منه الأمر بشئ مع علمه بانتفاء شرطه في نفس الأمر أم لا،
~~فعلى الأول تجب الكفارة; لأنه مكلف بالصوم وأفسده، بخلاف الثاني; لعدم
~~التكليف، فلم يفسد صوما (2).
# وهذا التفريع فاسد، خصوصا على مذهب جمهور علمائنا; لأنه لا دليل على
~~استحالة وجوب الكفارة على من أكل أو جامع في نهار رمضان إذا كان يعتقد على
~~الظاهر بوجوب صيامه، وإن لم يكن مكلفا به في نفس الأمر.
# مع أنه كيف يتمشى من العلامة ومن وافقه من الأصحاب في المسألة أن يكون
~~بناؤهم في السقوط على أنه ليس بمكلف، وأن يكون بناء سائر الأصحاب في عدم
~~السقوط على أنه مكلف بالصوم، مع أنهم لا يقولون به جزما، إلا ما نقل فخر
~~المحققين في الإيضاح عن الشيخ موافقته للأشاعرة في المسألة (3).
# والظاهر أن مراد الشيخ أيضا ليس ذلك كما سنشير إليه، بل ظاهر بعض الأصحاب
~~أن جمهور الأشاعرة مع قولهم بجواز تكليف ما لا يطاق (4) لا يقولون بوقوع
~~هذا التكليف.
# فيؤول النزاع، إلى أنه تعالى هل يجوز أن يأمر العباد ويواجههم بالأمر وإن
~~لم يرد
# PageV05P184
# منهم وقوع المأمور ms1280 به في الخارج، إذا علم انتفاء شرط الوقوع، بأن يكون
~~مراده نفس التوطين على الامتثال، أو امتحانهم، أو غير ذلك، ويترتب عليه
~~الثواب والعقاب وسائر الفوائد على نفس ذلك الأمر من حيث هو، أم لا؟ فكان
~~عدم كون نفس الصوم فيما نحن فيه مطلوبا بنفسه مفروغ عنه عندهم، وخلافهم في
~~سائر فوائد لفظ الأمر.
# ولذلك قال فخر المحققين في الإيضاح بعد ذكر أن هذه المسألة فرع مسألة
~~أصولية، هي أنه إذا علم المكلف انتفاء شرط التكليف عن المكلف في وقت الفعل،
~~هل يحسن منه تكليفه أم لا؟ الشيخ والأشاعرة على الأول (1)، والمصنف
~~والمعتزلة على الثاني (2):
# إن هذه أيضا - يعني هذه المسألة الأصولية - متفرعة على مسألة أخرى
~~أصولية، وهي أنه هل يحسن الأمر لمصلحة ناشئة من نفس الأمر، لا من نفس
~~المأمور به في وقته، أم لا يحسن إلا مع مصلحة ناشئة منهما؟ الشيخ وابن
~~الجنيد والأشاعرة على الأول لحصول الثواب بعزم المكلف على الفعل، والمصنف
~~والمعتزلة على الثاني (3)، انتهى.
# ولازم هذا البناء: أن العلامة ومن وافقه لا يقولون بإثم هذا المكلف
~~المفطر في نهار رمضان إذا انكشف أنه لم يكن مكلفا بالصوم في نفس الأمر;
~~لأنه لم يتوجه إليه خطاب أصلا، أما بالنسبة إلى الصوم نفسه فواضح، وأما
~~بالنسبة إلى التوطين وما في معناه فلأن كلامهم مبني على عدم صحة الأمر
~~بمجرد مصلحة ناشئة عن نفس الأمر، لا المأمور به كما بنيت عليه المسألة، وهو
~~كما ترى; إذ الظاهر اتفاق كلماتهم على الإثم حينئذ.
# وينبغي التنبيه على أمور:
# الأول: أن تشبيه المستدلين على سقوط الكفارة فيما نحن فيه بصورة انكشاف
~~كون
# PageV05P185
# الأيام من شوال يشعر بعدم الإشكال في سقوطها فيها، ولذلك قطع به في
~~المدارك، وقال: إن ظاهرهم أن الحكم فيها مفروغ عنه ومسلم عند الطرفين،
~~فيكون وفاقيا، وعلله بأن الكفارة إنما تتعلق بمن أفطر في نهار رمضان،
~~والمفروض خلافه (1).
# أقول: ولم يظهر لي إجماعهم على ذلك، فإن ثبت فهو، وإلا فيشكل بأنه إذا
~~اكتفينا في الخطاب بما هو عند ms1281 المخاطب، فلا ريب في أنه معتقد حينئذ بكونه
~~من رمضان، وأنه أفطر صوم رمضان في اعتقاده، فكما يكتفي بكونه صوما في
~~اعتقاده، يكتفي بكونه يوما يجب فيه الصوم لرمضان.
# وكيف كان فالأصل وظاهر اتفاقهم يكفي في دفع الوجوب.
# الثاني: لم يفرق الأكثرون بين الحيض والمرض والسفر الضروري مما لا يتمكن
~~المكلف من دفعه عقلا أو شرعا، وبين السفر الاختياري.
# وقال العلامة في القواعد بعد اختياره سقوط الكفارة بالمرض والحيض
~~ونحوهما:
# لو جامع ثم أنشأ سفرا اختيارا لم تسقط الكفارة، ولو كان اضطرارا سقطت على
~~رأي (2).
# أقول: إذا كان بناؤه في سقوط الكفارة على عدم كونه مكلفا بالصوم، فمع
~~تجويز الشارع له السفر الاختياري واختيار المكلف إياه يكشف ذلك عن عدم كونه
~~مكلفا.
# وأما ظهور تردد ما منه في الاضطراري مع كونه مثل الحيض والمرض في اسقاط
~~التكليف، فقال في الإيضاح في وجهه: إن الحيض ليس له عليه قدرة بوجه ما،
~~بخلاف السفر، فإنه إن الجئ بحيث ارتفعت قدرته وقصده لم يجز الإفطار، وإلا
~~ففيه اختيار ما، فعلى تقدير السقوط هناك يحتمل عدمه هنا، قال: والأقوى عندي
~~السقوط (3)، انتهى.
# PageV05P186
# وأما في التذكرة فجعل السفر الاختياري كالحيض (1)، وكذلك في المختلف (2).
~~نعم قال بعدم السقوط إذا قصد بالسفر محض اسقاط الكفارة، قال في التذكرة:
~~وإلا لزم اسقاط الكفارة عن كل مفطر باختياره والإقدام على المحرمات.
# ويظهر من المدارك أنه لا خلاف في ذلك (3).
# وتدل عليه حسنة حريز، عن زرارة ومحمد بن مسلم - لإبراهيم بن هاشم - رواها
~~في الكافي، وهي طويلة، وموضع الحاجة هذا قال، وقال زرارة ومحمد بن مسلم،
~~قال أبو عبد الله عليه السلام: " أيما رجل كان له مال وحال عليه الحول فإنه
~~يزكيه " فقلت له:
# فإن وهبه قبل حله بشهر أو يوم؟ قال: " ليس عليه شئ أبدا " قال، فقال
~~زرارة عنه أنه قال: " إنما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في
~~إقامته ثم خرج في آخر النهار في سفر، فأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي
~~وجبت عليه، وقال: إنه ms1282 حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، ولكنه
~~لو كان وهبها قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شئ، بمنزلة من خرج ثم أفطر " (4).
# أقول: والرواية لا تخلو عن إغلاق، سيما على ما في الفقيه، فإنه لم يذكر
~~فيه إلا قوله: وروى زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام أنه
~~قال: " أيما رجل كان له مال وحال عليه الحول فإنه يزكيه، قيل: فإن وهبه قبل
~~حوله بشهر أو بيوم؟ فقال: " ليس عليه شئ أبدا "، وروى زرارة عنه عليه
~~السلام أنه قال: " إنما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته،
~~ثم يخرج في آخر النهار في سفر وأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي وجبت "
~~(5) انتهى.
# والظاهر أن قوله: " وقال إنه حين رأى الهلال " إلى آخره في حديث الكافي
~~يبين
# PageV05P187
# ما سبقه، فلا بد من حمل ما سبقه على أن المراد مما رواه الراويان معا
~~أداء الزكاة قبل حلول الحول، والمراد مما ذكره زرارة وحده بيان حكم مطلق
~~اخراج الزكاة.
# وحاصله بملاحظة قوله " وقال إنه حين رأى الهلال " إلى آخره أنه إذا كانت
~~الهبة بعد حلول الحول فهو بمنزلة من أفطر وفر بسفره عن الكفارة، فلا ينفعه،
~~وإذا كان قبل حلول الحول فيجوز ولا شئ عليه، بمنزلة من خرج إلى السفر ثم
~~أفطر.
# الثالث: إن بعض الذين جعلوا هذه المسألة مبتنية على المسألة الأصولية
~~كصاحب المسالك ذكر في جملة أدلة القائلين بعدم سقوط الكفارة أن العلة في
~~الوجوب هتك حرمة الشهر، وقد وجد، فيترتب عليه معلوله (1)، ولا يخفى ما
~~بينهما من التنافي.
# وأيضا ما ذكره فخر المحققين من ابتناء إحدى المسألتين الأصوليتين على
~~الأخرى على الإطلاق (2)، منظور فيه، كما تشهد به كلماتهم في كتب الأصول،
~~وكلامه هذا يدل على أنه لا خلاف بينهم في عدم تعلق التكليف بنفس المأمور
~~به.
# والظاهر أنه ليس كذلك; إذ من الأشاعرة من يقول بوقوعه مضافا إلى الجواز،
~~كما يظهر من استدلالاتهم في المسألة (3).
# اللهم إلا أن يكون نظره إلى أقوال ms1283 أصحابنا فقط، وفيه أيضا ما مر من أنه
~~مستلزم لعدم حصول الإثم أيضا على قول من يقول بسقوط الكفارة وهو كما ترى.
# السادس عشر: من أفطر في شهر رمضان عامدا مستحلا للإفطار، وكان إفطاره بما
~~علم تحريمه من دين الاسلام ضرورة، كالأكل والشرب والجماع، فهو مرتد.
# وإن كان فطريا ولم يكن في حقه شبهة يستحق القتل ولا تقبل توبته ظاهرا،
~~بمعنى أنه لا يسقط الحد بها عنه.
# PageV05P188
# وإن أمكن في حقه الشبهة وادعاها تقبل منه.
# ولو نشأ في برية ولم يعرف قواعد الاسلام ولا موجبات الإفطار يعرف ويعامل
~~بعد ذلك معاملة المرتد الفطري.
# ونقل في المختلف عن أبي الصلاح القول بتكفير من أفطر بغير ما علم تحريمه
~~ضرورة (1)، وهو ضعيف.
# وإن كان عن غير فطرة فيستتاب، وتقبل توبته، هذا إذا استحله.
# وأما معتقد العصيان فيعزر، وإن عاد فيعزر ثانيا، وإن عاد فيقتل في
~~الثالثة على قول (2)، وفي الرابعة على آخر (3).
# والظاهر أن الأول قول الأكثر; لرواية سماعة، قال: سألته عن رجل أخذ في
~~شهر رمضان وقد أفطر ثلاث مرات، وقد رفع إلى الإمام ثلاث مرات، قال: "
~~فليقتل في الثالثة " (4).
# وتدل عليه أيضا صحيحة يونس عن الكاظم عليه السلام: " إن أصحاب الكبائر
~~يقتلون في الثالثة " (5).
# وأما دليل القول الآخر: فقال في المدارك: هو ما رواه الشيخ مرسلا عنهم "
~~أن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة " (6) و (7).
# أقول: بعد تتبع المسائل في الزنا واللواط وشرب الخمر وغيرها يظهر أن ثبوت
# PageV05P189
# القتل في المرتبة الثالثة ليس إجماعيا، وإن عمل به الأكثر في أكثر
~~الكبائر، ووردت الأخبار على خلافها، خاصة في الرابعة في بعضها، وفي بعضها
~~نقل الاجماع عليه أيضا، مثل الزنا واللواط، حيث ادعى السيد المرتضى (1)
~~وابن زهرة (2) الاجماع على أنه في الرابعة.
# وكيف كان فملاحظة خطر قتل النفس وعظم أمر التهجم على الدماء يحجبنا عن
~~العمل بالثالثة، سيما مع ملاحظة خصوصية الأخبار في سائر الموارد، وعمومية
~~ما ورد في أصحاب الكبائر، فالعمل على القول الثاني.
# قال في التذكرة: إذا ثبت هذا فإنما يقتل ms1284 في الثالثة أو الرابعة على
~~الخلاف لو رفع في كل مرة إلى الإمام وعزر، أما لو لم يرفع فإنه يجب عليه
~~التعزير خاصة ولو زاد على الأربع (3)، انتهى، وهو كما ذكره; للرواية
~~المتقدمة، وللاحتياط في الدماء.
# ومن الأخبار المناسبة للمسألة: ما رواه الكليني في الصحيح، عن بريد بن
~~معاوية العجلي، قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل شهد عليه شهود أنه
~~أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام، قال: " يسأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن
~~قال: لا، فإن على الإمام إن يقتله، وإن قال: نعم، على الإمام أن ينهكه ضربا
~~" (4).
# السابع عشر: روى الكليني، عن مفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام: في رجل
~~أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة، فقال: " إن استكرهها فعليه كفارتان، وإن
~~كانت طاوعته فعليه كفارة، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد،
~~وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا، وضربت خمسة وعشرين
# PageV05P190
# سوطا " (1)، وبمضمونها عمل الأصحاب.
# ولا يضر ضعفها; لانجبارها بالشهرة، بل الاجماع كما ادعاه الفاضلان، بل
~~قال المحقق: إن علمائنا ادعوا على ذلك إجماع الإمامية (2).
# نعم نقل في المختلف عن ابن أبي عقيل أنه ليس على الزوج المكره إلا كفارة
~~واحدة (3)، وهو غير مضر; لندرته، وتردد هو في المنتهى (4)، ويظهر من الصدوق
~~أيضا التوقف، حيث أورد الرواية (5).
# وكيف كان فالمذهب هو المشهور.
# ولا فرق بين الدائمة والمنقطعة، للإطلاق.
# والأصح عدم إلحاق الأمة; للأصل، خلافا للعلامة في القواعد (6)، وولده في
~~الشرح (7)، وجزم به في المختلف مستدلا بشمول امرأته لها (8)، وتبعه ولده
~~والسيد عميد الدين (9) رحمهما الله، وهو كما ترى.
# وكذا النائمة، خلافا للشيخ (10); للأصل، وبطلان القياس، سيما مع الفارق;
~~لأن في المكرهة نوعا من التهجم ليس فيها، كما صرح به في المعتبر (11).
# وكذا لا يثبت الحكم في الأجنبي المكره لهما; لما ذكرنا، وكذا للزوجة
~~المكرهة للزوج.
# PageV05P191
# وأما إكراه الأجنبية على ذلك فقيل: يلحق به; لأن تحمل الكفارة إنما هو
~~لأجل تغليظ العقوبة، وهو أولى في المحرم (1).
# ورد: بأن الكفارة مسقطة للذنب، أو ms1285 مخففة له غالبا، ولذلك سميت كفارة،
~~فجاز اختصاصها بالأخف، ويكون الأثقل مما ينتقم الله به كما قيل في الصيد
~~عمدا مع وجوبها في الخطأ (2).
# قال في المسالك: ومن هنا يعلم أن الكفارة عن العبادة لا تدل على عظم
~~شأنها على غيرها، فإن الصلاة أفضل من الصوم، ولا كفارة في إفسادها (3).
# واعلم أنه لا فرق بين الإجبار الرافع للتمكن عن الدفع، وبين ما حصل من
~~جهة التهديد والتخويف أو الضرب المضر الموجب لتمكنها; لإطلاق الرواية.
# وقد مر خلاف الشيخ في بطلان الصوم ولزوم القضاء في الصورة الأخيرة،
~~فأوجبه كما في المريض (4)، وقد بينا أن الأظهر عدم البطلان، وعلى فرض
~~البطلان الأظهر عدم القضاء.
# وقال في المسالك: وقد يجتمع في الحالة الواحدة الإكراه والمطاوعة، كما لو
~~أكرهها ابتداءا ثم طاوعته بعد ذلك، فيلزمه حكم الإكراه ويلزمها حكم
~~المطاوعة (5).
# وهذا في مجرد الاستمرار على الإيلاج الأول مشكل; لعدم تبادر ذلك من
~~الرواية، إلا أن يكون إجماعا كما ادعوه فيمن طلع الفجر وهو مجامع فاستمر،
~~أنه يجب عليه القضاء والكفارة.
# نعم لو نزع بعد الإكراه، ثم لم تمنع عن الثاني، فيجري فيه ما ذكر.
# ويظهر من جميع ما ذكرنا حكم ما لو أكره المجنون زوجته فلا يجب عليهما شئ;
# PageV05P192
# لعدم التكليف في الزوج، وعدم الاختيار في الزوجة، ولو طاوعته فعليها
~~الكفارة.
# بقي الكلام في المسافر لو أكره زوجته الصائمة، قال في القواعد: وجبت
~~الكفارة عليه عنها لا عنه. ويحتمل السقوط; لكونه مباحا له غير مفطر لها
~~(1).
# وقال ولده في الشرح: وجه الأول أنه لو فعلته مختارة وجبت عليها الكفارة،
~~والإكراه يقتضي تحمل ما يجب على المكره لو فعله طوعا في كل موضع يتحقق
~~الإكراه، والأقوى عندي الثاني; لأنه لم يفطر أحدهما، فلا يوجب كفارة (2)،
~~انتهى.
# وما اختاره ولده أرجح في النظر; للأصل، وعدم دلالة الرواية، وضعف التمسك
~~بالعلة، لكن الإشكال فيما يستفاد من كلام العلامة من إباحة الإكراه حينئذ.
# قال في المدارك: الأصح التحريم; لأصالة عدم جواز إجبار المسلم على غير
~~الحق الواجب عليه ms1286 (3)، وهو حسن، وكيف كان فهو لا ينافي عدم ثبوت الكفارة.
# الثامن عشر: لو عجز عن الخصال الثلاث وجب عليه صوم ثمانية عشر يوما، وإن
~~عجز استغفر الله، ذكره ابن حمزة (4) وأكثر المتأخرين (5)، وهو مذهب المفيد
~~(6) والمرتضى (7) وابن إدريس (8)، ونسبه في المسالك في الكفارات إلى
~~المشهور بين الأصحاب (9)، والمحقق الأردبيلي - رحمه الله - إلى المشهور بين
~~المتأخرين (10).
# PageV05P193
# وقال الصدوق في المقنع (1) وابن الجنيد (2): إنه يتصدق بما يطيق.
# وذهب العلامة في المختلف (3) والشهيدان إلى التخيير بينهما (4)، وههنا
~~مذاهب أخر سنذكرها.
# احتج الأولون: برواية أبي بصير وسماعة: أنهما سألا أبا عبد الله عليه
~~السلام عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام، ولم
~~يقدر على العتق، ولم يقدر على الصدقة، قال: " فليصم ثمانية عشر يوما، عن كل
~~عشرة مساكين ثلاثة أيام " (5).
# ويدل على القول الثاني: ما رواه الكليني - رحمه الله - في الصحيح، عن عبد
~~الله ابن سنان، عنه عليه السلام: في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما
~~واحدا من غير عذر، قال: " يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين
~~مسكينا، فإن لم يقدر يتصدق بما يطيق " (6) وتؤدي مؤداه حسنته (7).
# وربما يحتج له بقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، وهو كما ترى; إذ لا ريب
~~أن ذلك بعد العجز عن الجميع، فلا يصح أن يقال: إذا كان مخيرا بين الجميع
~~فله اختيار أحدهما، وهو الصدقة والعمل فيه بها; لأن مقتضى التخيير والعمل
~~بالقاعدة معا التخيير في الإتيان بأيهما أراد حسب المقدور، لا تعيين
~~الإتيان بالصدقة حسب المقدور كما هو مذهب القائل، مع أن الصحيحة إنما تفيد
~~البت والتعيين.
# PageV05P194
# واحتج المخيرون بالجمع بينهما، والحمل على التخيير، وله وجه، إن لم يرجح
~~خبر الثمانية عشر، وإلا فالترجيح معها بشهرة العمل واعتضادها بما ورد في
~~الظهار كما سنشير إليه.
# واعلم أن كلماتهم هنا في غاية الاضطراب، ولم أجد تنقيحا للمطلب في
~~كلامهم، فإن المحقق في الشرائع والنافع ذكر في باب الكفارات أن كل من وجب
~~عليه صوم شهرين متتابعين فعجز عنهما صام ثمانية ms1287 عشر يوما، فإن لم يقدر تصدق
~~عن كل يوم بمد من الطعام، وإن لم يستطع استغفر الله (1)، وكذلك العلامة في
~~القواعد في كتاب الكفارات (2)، وكذلك الشهيد في اللمعة (3)، وابن إدريس في
~~الكفارات (4)، بل نسبه في المسالك إلى المشهور (5).
# وقيل: بوجوب الإتيان بالممكن من الشهرين، حتى لو أمكن صومهما متفرقين
~~(6).
# وعن العلامة القول بوجوب الإتيان بالممكن من الصوم والصدقة وإن تجاوز
~~الثمانية عشر; لعموم " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم " (7). (8)
~~وقال المحقق في الشرائع في كتاب الصوم: كل من وجب عليه شهران متتابعان فعجز
~~صام ثمانية عشر يوما، فإن عجز عن الصوم أصلا استغفر الله، فهو كفارة (9).
# ومثله عبارة القواعد والإرشاد (10)، وظاهر المحقق الأردبيلي - رحمه الله
~~- أنه المشهور
# PageV05P195
# بين المتأخرين (1).
# وقال العلامة في المختلف في كتاب الصوم: لو عجز عن هذه الثلاث - يعني
~~الخصال الثلاث - فوجب عليه صوم ثمانية عشر يوما، قاله المفيد (2) والسيد
~~المرتضى (3) وابن إدريس (4)، وقال ابن الجنيد والصدوق محمد بن بابويه في
~~المقنع (5) يتصدق بما يطيق، والأقرب عندي التخيير، ثم شرع في الاستدلال على
~~مذهبه (6). وتبعه جماعة من المتأخرين، منهم الشهيدان في الدروس والمسالك
~~(7).
# وقال الشيخ في النهاية في كتاب الصوم بعد ذكر الخصال الثلاث المخير فيها:
~~فإن لم يتمكن فليتصدق بما تمكن منه، فإن لم يتمكن من الصدقة صام ثمانية عشر
~~يوما، فإن لم يقدر صام ما تمكن منه، فإن لم يستطع قضى ذلك اليوم واستغفر
~~الله (8) ومقتضاه جعل صوم ثمانية عشر مرتبة متوسطة بين الصدقة بالمقدور
~~وبين صوم ما تمكن.
# وعن المنتهى: يصوم ثمانية عشر يوما، وإن لم يقدر تصدق بما وجد أو صام ما
~~استطاع، فإن لم يتمكن استغفر الله ولا شئ عليه، ونسبه إلى علمائنا (9).
# وليس عندي المنتهى، ولعل مراده بالنسبة إلى علمائنا هو عدم لزوم شئ بعد
~~العجز عن الخصال والإتيان بالبدل، وإلا فليس مجموع ما ذكره مشهورا بين
~~العلماء، فضلا عن كونه قولهم جميعا، كما تشعر به عبارة التذكرة، قال فيها:
~~لو عجز عن الأصناف الثلاثة صام ثمانية عشر يوما، فإن ms1288 لم يقدر تصدق بما وجد
~~أو صام ما استطاع،
# PageV05P196
# فإن لم يتمكن استغفر الله تعالى ولا شئ عليه، قاله علماؤنا; لما رواه
~~العامة أن النبي صلى الله عليه وآله قال للمجامع: " اذهب فكله أنت وعيالك "
~~(1) ولم يأمره بالكفارة في ثاني الحال، ولو كان الوجوب ثابتا في ذمته لأمره
~~بالخروج عنه عند قدرته.
# إلى أن قال: وقال الزهري والثوري وأبو ثور: إذا لم يتمكن من الأصناف
~~الثلاثة كانت الكفارة في ذمته (2).
# إلى أن قال: اختلفت عبارة الشيخين هنا، فقال المفيد رحمه الله: لو عجز عن
~~الأصناف الثلاثة صام ثمانية عشر يوما متتابعات، فإن لم يقدر تصدق بما أطاق،
~~أو فليصم ما استطاع، فجعل الصدقة مترتبة على العجز عن صوم ثمانية عشر (3)
~~والشيخ - رحمه الله - عكس، فقال: إن لم يتمكن، إلى آخر ما نقلنا عنه سابقا
~~(4).
# فظهر أن مراده من النسبة إلى علمائنا هو أن لا يبقى في ذمته شئ بعد العمل
~~بما هو بدل عن الخصال، وإن كان نفس البدل مختلفا فيه، خلافا لغيرهم، حيث
~~يقولون: بعد العجز عن الخصال تبقى الكفارة في الذمة.
# واختار ابن إدريس أيضا هذا القول، ولم يذكر الاستغفار (5)، ثم قال في
~~كفارة صوم النذر بعد ما اختار أنه مثل كفارة رمضان: فإن لم يتمكن منه صام
~~ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر تصدق بما يتمكن منه، فإن لم يستطع استغفر
~~الله وليس عليه شئ (6).
# وقال ابن حمزة في الوسيلة: وإن عجز عن الكفارات الثلاث - والظاهر أن
~~مراده كفارة رمضان - إن أمكنه صيام ثمانية عشر يوما صام، وإن لم يمكنه
~~استغفر ولم يعد،
# PageV05P197
# وإن عجز في كفارة النذر عن صيام شهرين، وعن بدله، وعن صيام ثمانية عشر
~~يوما صام ثلاثة أيام، وإن عجز استغفر (1).
# هذا ذكر الأقوال إجمالا، وقبل الخوض في المقصود لا بد من بيان معنى العجز
~~عن الكفارة، ومعنى قولهم " من وجب عليه صيام شهرين وعجز عنه صام ثمانية عشر
~~يوما "، والتفرقة بين مواضعه.
# فنقول: العجز عن الكفارة إما بعدم الاستطاعة ابتداءا، أو بفقدها بعد ms1289
~~الاستطاعة.
# والظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في أن العبرة في الكفارة بحال الأداء،
~~لا الوجوب، وإنما المخالف فيه بعض العامة، فلو قدر على العتق أولا ثم عجز
~~فلا يبقى في ذمته، بل ينتقل تكليفه إلى صيام الشهرين، وهكذا إذا قدر على
~~صيام الشهرين ثم عجز عنه ينتقل فرضه إلى الإطعام، فيصدق على من عجز عن صيام
~~الشهرين وقدر على الإطعام ثم عجز عنه أنه ممن عجز عن صيام شهرين.
# والمراد بقولهم " من وجب عليه صيام شهرين " أنه كان ممن يكون من شأنه
~~الخطاب بالصيام لو كان واجدا لشرطه وتعلق به في الجملة، لا خصوص الوجوب
~~المطلق البت، فقوله تعالى في كفارة الظهار: * (فتحرير رقبة من قبل أن
~~يتماسا) * (2) يعني: إن وجدها، ثم قوله تعالى: * (فمن لم يستطع فصيام
~~شهرين) * (3) يعني: إن استطاعه، وهكذا، فليس المراد الواجب المطلق، وهذا
~~المعنى الذي ذكرناه موجود في المرتبة والمخيرة وكفارة الجمع.
# ولكن في تصوير ذلك في الجميع غموض، فلنبين أولا معنى قول الجماعة في باب
~~الكفارات ووجه ما ذكروه، واستشكله جماعة من المتأخرين مثل الشهيد الثاني في
# PageV05P198
# المسالك (1) وصاحب الكفاية (2) وغيرهما (3) أنه لا دليل على ذلك ولا
~~مستند له.
# أقول: الظاهر أن مراد الجماعة من هذه العبارة أن من تعلق به وجوب صيام
~~الشهرين، وكان من شأنه ذلك بالمعنى الذي قدمناه، ولم يمكنه الإتيان به، ولا
~~بالبدل الأولي التخييري فيما له بدل تخييري أو ترتيبي أولي، وبنفسه فقط
~~فيما لم يكن له بدل أولي، كما في كفارة الجمع فيصوم ثمانية عشر يوما، وليس
~~المراد أنه إذا عجز عن صيام الشهرين يلزمه ذلك وإن قدر على العتق أو
~~الإطعام في المرتبة والمخيرة.
# نعم مقتضى قولهم ثبوته في كفارة الجمع مع القدرة عليهما، وذلك لا ينافي
~~ما ذكرنا; إذ هما ليسا فيه بدلين عن الصيام، وإطلاقهم الكلام في هذا المقام
~~لأجل الاعتماد على ما ثبت بالأدلة.
# مع أن مع العجز عنه ينتقل إلى البدل الأولي لا غير - وخصوصا مع ملاحظة
~~رواية أبي بصير (4) - لأكون الثمانية ms1290 عشر بدلا عن الشهرين مطلقا، بل هو
~~مصرح به في كلام بعضهم (5)، ومنه عبارة التحرير الآتية في كفارة رمضان (6).
# والظاهر أن مستند الجماعة هو رواية أبي بصير، ومقصودهم الإطلاق.
# ويتطرق الإشكال في الاستدلال بها بعد تسليم سندها من وجوه:
# الأول: جعل الثمانية عشر بدلا عن صيام الشهرين مع منافاته لآخر الرواية،
~~حيث قال: " عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام ".
# والثاني: أنه لو فرض تمكنه من الصيام ثم عجزه عنه، وتمكنه من الإطعام
~~وعجزه عنه بعد ذلك، فبملاحظة أن العبرة في الكفارة بحال الأداء، وقد انتقل
~~فرضه إلى
# PageV05P199
# الإطعام، فالذي فات عنه هو الإطعام، فلا بد أن تكون الثمانية عشر بدلا
~~عنه دون الصيام.
# سلمنا الإمكان فما وجه الترجيح؟
# والثالث: أنه لا دلالة في الرواية على أنه إن عجز عن الثمانية عشر تصدق
~~عن كل يوم بمد.
# والرابع: أنه ليس فيها دلالة على أنه يستغفر ولا شئ عليه.
# والخامس: أن الرواية لا دلالة فيها على حكم الشهرين الواجبين بالنذر
~~وشبهه، وعلى حكم كفارة الجمع إذا عجز عن الشهرين وقدر على الآخرين، وكلامهم
~~يفيد (1) الإطلاق.
# ويمكن أن يذب عن الأول بأن الظاهر أن الجماعة ذهبوا في هذا الكلام على
~~ممشى الرواية، حيث عنونت الرواية بالسؤال عن العاجز عن الصيام، فليس مرادهم
~~أن من عجز عن صيام شهرين متتابعين أنه يصوم ثمانية عشر يوما بدلا عن صيام
~~الشهرين من حيث إنه بدل عنه، بل المراد أنه يجب على من عجز عن الشهر صوم
~~ثمانية عشر يوما وإن كان ذلك بدلا عن جميع الخصال; إذ قد بينا أنه لم يقل
~~أحد بلزوم صيام ثمانية عشر يوما مع التمكن من العتق والإطعام، بل المراد
~~صورة العجز عنه وعن غيره، ولذلك جعل العلامة في المختلف وغيره عنوان
~~المسألة " من عجز عن الخصال الثلاث " (2).
# وأما الرواية فهي أيضا ليست بصريحة في اختصاص صوم ثمانية عشر يوما ببدلية
~~الصيام، بل قوله عليه السلام في آخرها: " عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام "
~~ظاهر في خلافه.
# وإنما اقتصر الراوي على ms1291 السؤال عنه; لأجل أنه كان يتوهم أن العجز عن
~~العتق والإطعام لا حيلة فيه، ولكن يمكن المناص في صيام الشهرين المتتابعين
~~بإسقاط التتابع مثلا أو تقليل العدد، وإن كان توهمه ضعيفا; لإمكان تقليل
~~العدد في الإطعام أيضا بل
# PageV05P200
# في العتق أيضا بالتجزئة، وهذا مما يؤيد القول باشتراط التتابع في
~~الثمانية عشر كما سنشير إليه.
# وبذلك يندفع الإشكال الثاني أيضا; إذ لم نقل بالاختصاص حتى يرد ذلك، مع
~~أنا ذكرنا أن المراد بوجوب الشهرين هو مجرد تعلقه، وكون المكلف من جملة من
~~يكون من شأنه ذلك، فلا عبرة بالانتقال إلى الإطعام في ذلك.
# وأما الإشكال الثالث، فيندفع بأنه لا يجب أن يكون دليلهم في لزوم التصدق
~~المذكور هو هذه الرواية، بل هو مقتضى تتبع النظائر، وملاحظة الأخبار
~~المستفيضة جدا، المستفاد منها أن بدل كل يوم من الصيام مد من الطعام في
~~مواضع كثيرة من مواضع العجز:
# منها: ما دل على بدلية إطعام ستين مسكينا عن صيام شهرين في الترتيبي، مع
~~ملاحظة أن الأشهر الأظهر كفاية مد في كل مسكين.
# ومنها: ما ورد في إفطار الشيخ الكبير وذي العطاش والحامل المقرب والمرضعة
~~القليلة اللبن (1)، ويؤيده لزوم الكفارة بمد إذا أخر قضاء رمضان إلى القابل
~~بلا عذر.
# ومنها: ما ورد في فدية صوم النذر.
# بل منها ما يدل بعمومه على ما نحن فيه، وهي صحيحة البزنطي، عن الرضا عليه
~~السلام:
# في رجل نذر على نفسه إن هو سلم من مرض أو تخلص من حبس أن يصوم كل يوم
~~أربعاء، وهو اليوم الذي تخلص فيه، فعجز عن الصوم لعلة أصابته أو غير ذلك،
~~فمد الله للرجل في عمره، واجتمع عليه صوم كثير، ما كفارة ذلك؟ قال: " تصدق
~~لكل يوم مدا من حنطة أو تمر " (2) قال: الظاهر أن المراد بقوله عليه السلام
~~" أو غير ذلك " من الصيام الواجب.
# ويوضحه ما رواه الصدوق في الحسن، عن إدريس بن زيد وعلي بن إدريس،
# PageV05P201
# قالا: سألنا الرضا عليه السلام عن رجل نذر نذرا إن هو تخلص عن الحبس ms1292 أن
~~يصوم كل يوم يتخلص فيه، فعجز عن الصوم أو غير ذلك فمد له في العمر، إلى آخر
~~ما مر بأدنى تفاوت (1).
# ثم إن بعضهم فهم من هذه العبارة المشهورة أن مرادهم أن بعد العجز عن
~~الثمانية عشر يوما يتصدق عن كل يوم من الستين يوما بمد (2).
# وهو مع أنه خلاف المتبادر من العبارة لا يصح; لسقوط حكم الستين قبل ذلك،
~~فإن من أقسام المسألة الكفارة المخيرة، ولا ريب أنه لا ينقل فيها من صيام
~~شهرين إلى الثمانية عشر مع التمكن من إطعام ستين مدا، وبعد فرض العجز عنه
~~لا معنى للعود إليه، مع أنه أصل لا بدل.
# بل لا يتم في المرتبة أيضا; لأن إطعام الستين إنما هو بعد العجز عن صيام
~~الستين بلا واسطة، فلا معنى لتوسيط الثمانية عشر.
# وأما الإشكال الرابع; فيندفع أيضا بأنه لا يلزم أن تدل عليه هذه الرواية،
~~بل هو مستفاد من غيرها، مثل رواية أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، قال: "
~~كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه من صوم أو عتق أو صدقة في يمين أو نذر
~~أو قتل أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة فالاستغفار له كفارة، ما
~~خلا يمين الظهار، فإنه إذا لم يجد ما يكفر به حرمت عليه أن يجامعها، وفرق
~~بينهما إلى أن ترضى المرأة أن يكون معها ولا يجامعها " (3).
# وأما الإشكال الخامس; فلا مسرح لدفعه في النذر وشبهه; لكونه قياسا، ولمنع
~~اتحاد الطريق.
# PageV05P202
# وأما كفارة الجمع; فيشكل دفعه أيضا; إذ السؤال في الرواية إنما هو عن
~~العجز عن الصيام مع العجز عن الإطعام والعتق أيضا، ولا بد من حملها على
~~الإطعام والعتق المعهودين، وإلا فلا يصح السؤال والجواب.
# وحينئذ فنقول: مع أن المتبادر منه هو العتق والصدقة اللذان وجوبهما من
~~باب البدل تخييرا أو ترتيبا لا عينا، أن إرادتهما معا توجب استعمال اللفظ
~~في المعنيين المختلفين، وهو خلاف التحقيق.
# مع أن مرادهم إطلاق الوجوب عند العجز عن الصيام، ولا تشمل الرواية لو قدر ms1293
~~عليهما في كفارة الجمع.
# وإن قيل: إن مرادهم العجز عن بدل الصيام المتصور في الأصل: يعني أن ذلك
~~الصيام المطلوب في كفارة الجمع هو الصيام الذي له بدل في الأصل قد جمع هنا
~~مع الآخرين، فالمراد العجز عنه وعن بدليه.
# وإن قدر على العتق والصدقة المتعينين في كفارة الجمع يلزمه الجمع، أو
~~يلزمه أحد البدلين الآخرين عوضا عنه أيضا.
# وإن قدر على المتعينين عليه فالمراد أنه إذا عجز عن الصيام في كفارة
~~الجمع وعجز عن بدله الأصلي فيصوم ثمانية عشر يوما.
# وإن قدر على العتق والصدقة المتعينين، فمع أنه لم يدل دليل على ملاحظة
~~البدل الأصلي هنا يلزم استعمال اللفظ في ثلاث معان مختلفة، أحدها: العجز عن
~~الصوم وبدلية الترتيبيين أو التخييريين.
# والثاني: العجز عنه وعن صاحبه المتعينين.
# والثالث: العجز عنه وعن بدليه المتصورين في أصل وضع الكفارة.
# وقد عرفت فيما ذكرنا أن ظاهر الرواية هو الكفارة المخيرة أو المرتبة
~~المشتملة على صيام الشهرين، وأما كفارة الجمع فلا تدل عليها الرواية.
# وقد وجدت في حواشي نسخة من القواعد حاشية منسوبة إلى فخر المحققين على
~~PageV05P203
# هذه العبارة في باب الكفارات، قال محمد بن المطهر: هذه فيمن عليه الشهران
~~ولا يكون لها بدل، وأما في المرتبة فإذا عجز عن الصوم وجب الإطعام، فإذا
~~عجز عنه يستغفر الله تعالى ولم يجب الثمانية عشر.
# ورأيت في هذه النسخة أيضا في كتاب الظهار مكتوب على قول المصنف:
# " ولو عجز عن الكفارة وما يقوم مقامها كفاه الاستغفار " حاشية منقولة من
~~خطه - رحمه الله - وهذه صورتها: واعلم أن الكفارة هي الخصال الثلاث، وما
~~يقوم مقام الكفارة ثمانية عشر يوما، وتقدير ذلك أن نقول: إن عجز عن العتق
~~والصيام والإطعام ابتداءا كفاه الاستغفار، وهو ظاهر; لأن الثمانية عشر يوما
~~بدل الشهرين.
# وإذا عجز عن الشهرين انتقل إلى الإطعام.
# ولو عجز عن الشهرين وتمكن من الإطعام ثم عجز عنه فإنه يكفيه الاستغفار.
# وأما إذا عجز ابتداءا عن العتق والإطعام وقدر على الصيام تعين الصيام
~~للشهرين، ثم بعد تعين الصوم ms1294 عجز عنه تعين صيام ثمانية عشر يوما، هذا في
~~المرتبة.
# وأما في كفارة الجمع; فإنه يجب عليه إذا عجز عن الصوم وغيره صيام ثمانية
~~عشر يوما عن الصوم، واستغفر الله تعالى عن الباقي.
# ولو قدر على غير الصوم من الخصال الثلاث وجب.
# والعبد كفارته الصوم لا غير، أي يصوم شهرا، فإن عجز عنه صام تسعة على
~~الأقوى، وفي معناه الكفارة المخيرة إذا عجز عن الخصلتين غير الصوم تعين
~~الصوم، فإذا عرض له العجز بعد القدرة صام الثمانية عشر يوما.
# وأما إذا عجز عن الكل دفعة واحدة ابتداءا، وجب الثمانية عشر يوما، بخلاف
~~المرتبة.
# والفرق بينهما: أن المرتبة الواجب منها واحدة دائما، وأما الواجبة على
~~التخيير فاختيارنا في أصول الفقه وجوب الكل، وبفعل البعض يسقط، هذا هو الذي
~~استقر عليه رأينا، ورأي والدي، ولهذا لو ترك الكل استحق العقاب على ترك
~~الكل، بمعنى PageV05P204
# أنه يستحق العقاب على ترك أمور يجزئ بعضها عن بعض، فكل واحد من خصال
~~المخيرة يوصف بالوجوب دفعة; وأما المرتبة فلا.
# ويجب الاستغفار هنا مع صوم الثمانية عشر يوما، وكذا في كل موضع ينتقل إلى
~~الثمانية عشر يوما توبة لا كفارة.
# والفرق بين الاستغفار الذي هو توبة والذي هو كفارة: أن الاستغفار الذي هو
~~كفارة يجوز أن يكون عن بعض الأمور دون البعض إجماعا، وأما التوبة ففيها
~~الخلاف، وكتب محمد بن المطهر، انتهت الحاشية.
# أقول: قد ظهر مما بيناه أن مراد الفقهاء من هذه العبارة موافقا لما ورد
~~في الكتاب والسنة هو مطلق الوجوب، الأعم من المطلق والمشروط، والعيني
~~والتخييري، والترتيبي، وليس المراد بالعجز العجز بعد القدرة، بل الأعم كما
~~مر.
# فنقول: إن فاقد جميع الخصال والعاجز عنها يصدق عليه أنه وجب عليه الصيام
~~وعجز عنه، سيما بملاحظة رواية أبي بصير.
# فقوله رحمه الله: " وإذا عجز عن الشهرين انتقل إلى الإطعام "، مراده أنه
~~حينئذ ليس مكلفا بالصيام، إذ هو سقط بسبب العجز وانتقل إلى الإطعام.
# ويرد عليه: أن الانتقال إلى الإطعام إنما هو إذا استمر عدم القدرة على ms1295
~~الصيام وقدر على الإطعام، وأما إذا لم يقدر على الإطعام فانتقاله إليه
~~ممنوع، وإلا لما وجب عليه الصيام بعد حصول القدرة عليه أيضا إذا كان
~~التكليف قد انتقل إلى الإطعام، فحين العجز عن الكل يتساوى الكل في صدق
~~العجز عنها، ولا يختص بالإطعام; بتقريب أنه آخر المراتب، فيصدق عليه أنه
~~تعلق به حكم وجوب الصيام في الجملة، وأنه عجز عنه، فيتم كون الثمانية عشر
~~بدلا عن الصيام حينئذ.
# قوله رحمه الله: " ولو عجز عن الشهرين وتمكن من الإطعام ثم عجز عنه " إلى
~~آخره، مراده أنه حينئذ استقر عليه الإطعام ويتعين عليه، فإذا عجز عنه بعد
~~القدرة فهذا عاجز عما وجب عليه من الإطعام; لعدم وجوب الصيام عليه حتى يكون
~~PageV05P205
# الثمانية عشر عوضا عنه.
# أقول: إن كان مراده استقرار الإطعام عليه وتعينه عليه ما دام موجودا فهو
~~كذلك، ولكنه خلاف المفروض، وإن كان مراده الاستقرار عليه وتعينه عليه بعد
~~التلف أيضا فهو ممنوع، بل هو حينئذ كفاقد الجميع ابتداءا، وقد مر أن العبرة
~~في الكفارة بحال الأداء لا الوجوب، بلا خلاف، والمفروض أن حالة الوجوب قد
~~انمحت، والمعتبر إنما هو هذه الحالة التي يريد إبراء ذمته فيها، فالظاهر أن
~~الثمانية عشر تتعلق به أيضا.
# قوله: " تعين صيام ثمانية عشر يوما " إن أراد من جهة تعين الصيام عليه
~~ففيه المنع المتقدم، وإن أراد أنه حينئذ فاقد للجميع وعاجز عن الجميع الذي
~~من جملته صيام الشهرين فهو حسن.
# قوله: " وأما في كفارة الجمع " إلى آخره، قد عرفت أن الرواية لا تدل على
~~حكم كفارة الجمع بوجه من الوجوه، فلا دلالة فيها على وجوب الثمانية عشر،
~~سواء قدر على الآخرين أم لا.
# قوله: " بخلاف المرتبة "، قد عرفت أن المرتبة أيضا كذلك.
# قوله: " الواجب منها واحد دائما " أقول: نعم، ولكن لا يتعين إلا بالعجز
~~عن سابقه والتمكن منه، والمفروض عدم التمكن من المرتبتين الأخيرتين أيضا،
~~فإنما يبقى تعلق الوجوب في الجملة بالنسبة إلى الجميع والعجز عن الجميع،
~~فيصح أنه عجز عن الصوم المتعلق به في ms1296 الجملة مع العجز عن الآخرين كما هو
~~مدلول الرواية.
# قوله: " فاختيارنا في أصول الفقه " إلى آخره، أقول: لا يخفى أنه يتم على
~~القول بكون كل واحد منها واجبا بالأصالة ولكن على البدل، بمعنى أنه لا يجب
~~فعل الجميع ولا يجوز الإخلال بالجميع أيضا، وذلك يكفي في صدق تعلق التكليف
~~بالصوم بشرط التمكن في الجملة، ويصدق عليه أنه عاجز عنه مع العجز عن
~~الآخرين.
# ومن جميع ما ذكرنا في معنى الحديث والإشكالات، وتفاوت الحكم بتفاوت معاني
~~الرواية، وتفاوت حال الكفارات بتفاوت الموجبات لها، ظهر وجه اختلاف
~~PageV05P206
# الأصحاب في التعبير عن عنوان المسألة، فلنفصل الكلام في مقامات، وننقل
~~الخلاف، ونذكر ما هو الحري بالاختيار بذكر مباحث:
# الأول: كفارة شهر رمضان واختلف فيها الأصحاب، فذهب المفيد (1) والمرتضى
~~(2) وابن إدريس (3) والعلامة في القواعد والإرشاد والمنتهى والتذكرة (4) -
~~بل الظاهر أنه المشهور - إلى أن من عجز عن الكفارات الثلاث يصوم ثمانية عشر
~~يوما.
# وذهب الصدوق في المقنع (5) وابن الجنيد (6) وصاحب المدارك (7) وبعض من
~~تأخر عنه (8) إلى أنه يتصدق بما يطيق، وهو ظاهر الشيخ في كتابي الأخبار
~~(9).
# وذهب العلامة في المختلف (10) والشهيد في الدروس (11) إلى التخيير
~~بينهما، وكذلك الشهيد الثاني في المسالك (12).
# وقال في التحرير: لو عجز عن صيام شهرين متتابعين وتمكن من صيامها متفرقة
~~ولم يقدر على العتق ولا الإطعام فالوجه وجوب الشهرين متفرقة، ولو عجز صام
~~ثمانية عشر يوما.
# PageV05P207
# ثم قال: لو عجز عن الشهرين وقدر على شهر فالوجه وجوبه، ولا ينتقل إلى
~~ثمانية عشر، وكذا لو قدر على عشرين يوما على إشكال في ذلك، ولو عجز عن
~~إطعام ستين وتمكن من إطعام ثلاثين وجب، ولو تمكن من صيام شهر والصدقة على
~~ثلاثين فالأقرب وجوبهما معا (1).
# وعن المنتهى أنه جعل التصدق بالممكن بعد ثمانية عشر يوما (2).
# وقال الشيخ في النهاية: إن لم يتمكن من الكفارات الثلاث فليتصدق بما تمكن
~~منه، فإن لم يتمكن من الصدقة صام ثمانية عشر يوما، وإن لم يقدر صام ما تمكن
~~منه، وإن لم يتمكن من ذلك قضى واستغفر الله، وليس ms1297 عليه شئ (3).
# وعن السيد: لو عجز عن الثلاثة صام ثمانية عشر يوما متتابعات، فإن لم يقدر
~~تصدق بما وجد وصام ما استطاع (4).
# حجة الأول: رواية أبي بصير المتقدمة (5).
# وحجة الثاني: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: في
~~رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال: " يعتق نسمة، أو
~~يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر تصدق بما يطيق "
~~(6).
# وحسنته لإبراهيم بن هاشم، عنه عليه السلام: في رجل وقع على أهله في شهر
~~رمضان فلم يجد ما يتصدق به على ستين مسكينا، قال: " يتصدق بقدر ما يطيق "
~~(7) والظاهر أن
# PageV05P208
# المراد العجز عن الخصال الثلاث.
# وحجة الثالث: الجمع بين الروايتين.
# والأظهر العمل على الأول.
# والقدح في سند الرواية من جهة إسماعيل بن مرار وعبد الجبار بن مبارك (1)
~~مع عمل المشهور عليها لا وجه له.
# مع أن إسماعيل بن مرار ممن يروي عنه إبراهيم بن هاشم في غاية الكثرة (2)،
~~وهو مؤيد قوي.
# وروى الكشي عن عبد الجبار أيضا خبرا دالا على مدحه (3)، ولكن سنده ضعيف،
~~والناقل للرواية هو عبد الجبار.
# وكيف كان فالشهرة تجبره، ولا تترجح عليه الصحيحة مع كون العامل بها شاذا،
~~والجمع إنما يتم إذا حصل التكافؤ وهو مفقود.
# وأما قول التحرير; فلعله مستند إلى عموم قوله عليه السلام: " إذا أمرتكم
~~بشئ فاتوا منه ما استطعتم " (4) ونحوه من الأخبار.
# وفيه: أن رواية الثمانية عشر يوما بل وصحيحة عبد الله بن سنان أخص من تلك
~~القاعدة، والخاص مقدم على العام، ومع هذا فلا دليل على الجمع بينه وبين
~~رواية الثمانية عشر بجعلها متأخرة عنه.
# وأبعد من ذلك ما نقل عن المنتهى.
# وأما دليل الشيخ والسيد، فلعله الجمع بين الأخبار وقاعدة الميسور لا يسقط
~~بالمعسور وما في معناه، ولكنه بالتفصيل الذي ذكراه لم يدل عليه دليل.
# PageV05P209
# وربما بني الإتيان بحسب المقدور على أن وجوب الجزء هل هو تابع للكل أو
~~بالعكس، أو كل واحد منهما مستقل، والأظهر أن وجوب الجزء تابع، ms1298 والدلالة
~~عليه تبعية.
# وربما يؤيد الاستقلال: بأن الأصل عدم اشتراط وجوب بعض الأجزاء بالقدرة
~~على الآخر، وإلا لزم إما الترجيح بلا مرجح أو الدور.
# وفيه: أن الحكم متعلق بالكل، وهو وإن استلزم الأمر بالجزء، لكنه من باب
~~وجوب المقدمة، وليس وجوبه أصليا، بل تبعي، فلا يحتاج إلى التمسك بالأصل في
~~عدم اشتراط وجوب بعضها ببعض، مع أن الدور المتوهم ليس من باب الدور
~~التوقيفي، بل هو معي، ولا استحالة فيه.
# ثم على القول بلزوم الثمانية عشر يوما ففي وجوب التتابع وعدمه قولان (1)،
~~ناظران إلى إطلاق الرواية منضما إلى الأصل، وإلى اقتضاء البدلية ذلك، وفي
~~عمومه منع، نعم يؤيده ما قدمناه سابقا مع كونه أحوط.
# ويؤيد الأول: رواية سليمان بن جعفر الجعفري، عن أبي الحسن عليه السلام: "
~~إنما الصيام الذي لا يفرق: كفارة الظهار، وكفارة الدم، وكفارة اليمين " (2)
~~ولعله أظهر.
# ولو فعل البدل ثم قدر على المبدل فلا يجب المبدل; لأن الأمر يقتضي
~~الاجزاء، ورواية مؤمن الطاق الواردة في الظهار المخالفة لذلك محمولة على
~~الاستحباب (3).
# PageV05P210
# ولو حصل العجز بعد صوم شهر فيحتمل وجوب الثمانية عشر; لصدق العجز عن صيام
~~شهرين، ووجوب تسعة (1); لأن الثمانية عشر بدل عن الشهرين، فيكون نصفها بدلا
~~عن نصفه، والسقوط رأسا; لصدق صيام الثمانية عشر في ضمن الشهر، والأول أظهر.
# ثم بعد البناء على صيام الثمانية عشر لو عجز عنه، فربما يظهر من المحقق
~~في الشرائع أنه يأتي بما تمكن منه، ولعله للعمل بأن الميسور لا يسقط
~~بالمعسور، قال: وإن عجز استغفر الله فهي كفارته (2).
# قال في المدارك (3): إن هذا الحكم - يعني الانتقال من الصوم إلى
~~الاستغفار - مقطوع به في كلام الأصحاب، بل ظاهرهم أنه موضع وفاق، وتدل عليه
~~روايات، منها رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " كل من
~~عجز عن الكفارة التي تجب عليه، صوم أو صدقة أو عتق في يمين أو نذر أو قتل
~~أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة، فالاستغفار له كفارة ما خلا
~~يمين الظهار " (4).
# وأما ms1299 حد العجز ومعناه: ففي العتق والصوم ظاهر; إذ عتق بعض الرقبة لا يسمى
~~عتق رقبة، وكذا صيام الأقل من الشهرين، وأما الصدقة فحددوه بأن لا يجد ما
~~يصرفه في الكفارة فاضلا عن قوته وقوت عياله في ذلك اليوم، وكذلك غيره من
~~مستثنيات الدين.
# قال المحقق الأردبيلي رحمه الله: وكذا العجز عن قيمة الرقبة مع وجودها
~~بها، فكأنهم أخذوه من كون ذلك في الدين ونحوه، قال: فلو خالف وتصدق به فلا
~~يبعد الاجزاء; لاحتمال كون ذلك للرخصة (5).
# PageV05P211
# الثاني: كفارة الظهار فذهب المفيد (1) وابن الجنيد (2) فيما لو عجز عن
~~الخصال الثلاث إلى أنه لا بدل لها، بل يحرم عليه وطؤها إلى أن يؤدي الواجب.
# والشيخ في النهاية حكم بأنه يفرق بينهما الحاكم ولا يقربها إلى أن يؤدي
~~الكفارة، ولكنه قال بعد ذلك: إذا عجز عن إطعام الستين صام ثمانية عشر يوما،
~~فإن عجز عن ذلك أيضا، كان حكمه ما قدمناه من أنه يحرم وطؤها إلى أن يكفر
~~(3).
# وقال ابن البراج مثل ما قال الشيخ أخيرا (4).
# وقال ابن حمزة: إذا عجز عن صوم شهرين متتابعين صام ثمانية عشر يوما، وإن
~~عجز تصدق عن كل يوم بمد من طعام، فإن عجز استغفر الله ولم يعد (5)، ولعل
~~مراده أيضا، بعد العجز عن الخصال الثلاث.
# وقد تقدم قول العلامة في القواعد أنه لو عجز عن الكفارة وما يقوم مقامها
~~كفاه الاستغفار وحل الوطء (6).
# وقال ابن إدريس بعد نقل عبارة النهاية الأولى: والأولى أنه يستغفر الله
~~بدلا عن الكفارة، ولا يفرق الحاكم بينهما; لعدم الدليل. وقال: إن الشيخ رجع
~~عما قاله في الاستبصار، وقال: إنه يطأ زوجته بعد الاستغفار، وتكون الكفارة
~~في ذمته إلى أن يقدر عليها (7). وهو مختار العلامة في المختلف (8).
# PageV05P212
# وذهب الصدوقان إلى أن بدل الكفارة هو التصدق بما يطيق (1)، وقال الصدوق
~~في المقنع بعد ذلك: وروي في حديث آخر أنه إذا لم يطق إطعام ستين مسكينا صام
~~ثمانية عشر يوما (2).
# حجة المفيد وابن الجنيد: الأصل، وأن نص القرآن إنما جاء على هذه الخصال
~~الثلاث، ms1300 فلا يجزئ غيرها، ورواية أبي بصير المتقدمة في الجواب عن الإشكال
~~الرابع (3).
# وفيه: أن الأصل مخرج عنه بالدليل. وكذلك الآية تخصص به، ولا يستلزم ذلك
~~النسخ كما توهم، والرواية معارضة بأقوى منها، مع أنها لا تنفي لزوم
~~الثمانية عشر أو التصدق إذا أمكن كما لا يخفى، بل إنما تدل على أن
~~الاستغفار بعد العجز عما يجب عليه لا يوجب الحل، وسيجئ ما يعارض ذلك أيضا.
# وحجة القول بوجوب الثمانية عشر يوما: عموم رواية أبي بصير المتقدمة في
~~أول الباب بالتقريب الذي بيناه، وخصوص موثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد
~~الله عليه السلام عن رجل ظاهر من امرأته، فلم يجد ما يعتق ولاما يتصدق، ولا
~~يقوى على الصيام قال: " يصوم ثمانية عشر يوما، لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام
~~" (4).
# وهذا هو الدليل الذي ذكرنا أنه مخرج عن الأصل ومخصص للآية; لجواز تخصيص
~~الكتاب بخبر الواحد، سيما إذا اشتهر العمل به.
# وأما حجة جواز الوطء بعد حصول ما يقوم مقام الكفارة، فهو ظاهر إطلاق
~~هاتين الروايتين في مقام الحاجة، وخصوص موثقة إسحاق بن عمار - بل حسنته
~~لإبراهيم بن هاشم أو صحيحته; لمنع كون إسحاق هذا واقفيا (5)، وكون مدح
~~إبراهيم بمنزلة التوثيق -
# PageV05P213
# عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفارة
~~فليستغفر ربه وينوي أن لا يعود قبل أن يواقع، ثم ليواقع، وقد أجزأ عنه ذلك
~~من الكفارة، فإذا وجد السبيل إلى ما يكفر يوما من الأيام فليكفر، وإن تصدق
~~وأطعم نفسه وعياله فإنه يجزئه إذا كان محتاجا، وإن لم يجد ذلك فليستغفر ربه
~~وينوي أن لا يعود، فحسبه ذلك والله كفارة " (1).
# وأما حجة الصدوقين; فلم أقف لهما على شئ، ولا دلالة في صحيحة عبد الله بن
~~سنان المتقدمة (2) على حكم الظهار، ولا يمكن التمسك بقاعدة الميسور لا يسقط
~~بالمعسور، ولجريانها في الصوم أيضا، وتعين الإطعام عليه بعد العجز عن
~~الصيام إنما يسلم إذا تمكن من تمامه، مع أن القاعدة عامة، والموثقة خاصة،
~~فهي أحرى بالعمل.
# واعلم أن المراد ms1301 بالاستغفار - في هذا الباب وغيره مما ورد فيه - التوبة،
~~ولكن مع التكلم بقوله " أستغفر الله " فهو كاشف عن التوبة، كما أن كلمة
~~الشهادة كاشفة عن الاسلام، فلا ينفع إذا لم يكن تائبا بينه وبين الله، وإن
~~حكم بسقوط الكفارة عنه وحل الوطء ظاهرا.
# ويستفاد ذلك من روايات كثيرة، منها الروايات المتقدمة، ومنها رواية داود
~~بن فرقد الواردة في وطء الطامث، ففي آخرها: " إن الاستغفار توبة وكفارة لكل
~~من لم يجد السبيل إلى شئ من الكفارة " (3).
# ولا بد فيه من النية; لأنه عبادة موقوفة عليها.
# ومقتضى كونه بدلا سقوط الكفارة، فما اشتملت عليه موثقة إسحاق بن عمار من
~~لزوم الكفارة إذا وجد إليها السبيل بعد ذلك (4) محمول على الاستحباب.
# PageV05P214
# الثالث: كفارة النذر وقد مر ما قاله فيها ابن حمزة (1) وابن إدريس (2)،
~~وقد عرفت مقتضى عموم عبارتهم المذكورة في كتاب الكفارات، وأنه يشمله على
~~المختار من كون كفارة النذر هي كفارة شهر رمضان، وقد ذكرنا أن عموم رواية
~~أبي بصير (3) يشمله، فيجب عليه صيام ثمانية عشر يوما بعد العجز عن الآخرين
~~أيضا.
# وأما الإطعام عن كل يوم بمد; فلم نقف على دليله، إلا ما أشرنا إليه
~~سابقا.
# وأما الاستغفار; فلا إشكال فيه كما تقدم ودلت عليه رواية أبي بصير
~~المتقدمة في الإشكال الرابع (4).
# وأما قول العلامة بلزوم الإتيان بما قدر عليه من أصل الكفارة نظرا إلى
~~قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور (5)، فتدفعه الروايات كما مر.
# الرابع: صيام النذر وما في معناه فمن نذر صيام شهرين وعجز عنه فلا دليل
~~على وجوب ثمانية عشر يوما عليه، ولا التصدق عوضا عن الثمانية عشر يوما عليه
~~ولا غيره.
# نعم تجري فيه قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، وهو أيضا مشكل، فلا يبقى
~~إلا ما ورد من التصدق عن كل يوم بمد في كفارة صوم النذر بعد العجز عنه (6)
~~كما مرت الإشارة إليه.
# PageV05P215
# وسيجئ الكلام والخلاف في وجوب فدية صيام النذر وفي مقدار كفارته، وكيف
~~كان فلا دليل على التفصيل المذكور فيه.
# فحاصل المختار في المسألة: إن ms1302 كان من كان عليه الكفارات الثلاث مرتبة أو
~~مخيرة عجز عن الجميع فيجب عليه صيام ثمانية عشر يوما مطلقا على الأظهر، وإن
~~كان التتابع أحوط، وإن عجز عنه فإطعام ثمانية عشر مسكينا بمد من طعام على
~~ما تردد فيه، مع رجحان ما للوجوب من جهة الشهرة وتتبع النظائر، وظاهر
~~الروايتين المتقدمتين.
# ومع العجز عنه فكفارته الاستغفار، بمعنى سقوط الكفارة عنه، وإن كان في
~~الظهار فيحل له الجماع، وأما كفارة الجمع والشهران المنذوران فلم نقف فيهما
~~على دليل يفيد هذا التفصيل.
# التاسع عشر: لو تبرع متبرع عمن تجب عليه الكفارة، فإن كان ميتا فالأصح
~~جوازه مطلقا; لعموم الروايات المستفيضة جدا الدالة بعمومها على أن كل من
~~عمل عملا صالحا عن الميت ينفعه (1)، وقد مر بعضها في كتاب الصلاة.
# ويؤيده جواز أداء الدين، بل الكفارة أيضا دين.
# ويؤيده ما مر في الزكاة للغارمين، وكذلك ما دل على جواز فعل الولي عن
~~الميت وغير ذلك.
# ويظهر من العلامة في المختلف حيث اكتفى بذكر الخلاف في الحي كون المسألة
~~إجماعية (2)، ولكن يظهر من المسالك وجود الخلاف حيث جعله أصح القولين (3)،
# PageV05P216
# ومن الدروس حيث جعله أقوى القولين (1).
# وأما الحي فنقل في المختلف عن المبسوط أنه كالميت (2) قال، وقال بعض
~~أصحابنا:
# لا يجزئ، والوجه عندي الأول، واحتج عليه بأنه كوفاء الدين (3).
# وحجة المنع: الأصل، وأنه عبادة مشروطة بالنية، ومن شأنها أن لا تقبل
~~النيابة * (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) * (4).
# وهناك قول ثالث اختاره في الشرائع، وهو الجواز في غير الصوم (5)، واختار
~~في المسالك هذا القول لكن مع الإذن (6)، والظاهر أنه مختار المحقق الشيخ
~~علي رحمه الله (7).
# ووجهه أما في الصوم فالأصل، وكونه عبادة توقيفية، والقياس على الميت
~~باطل، وأما في غير الصوم فلأنه مما يقبل النيابة، ويؤيده ما تقدم من أداء
~~الدين وغيره، وأما قوله تعالى: * (ليس للإنسان إلا ما سعى) * (8) ففيه: أن
~~الإيمان هو سعي المؤمن، وهذا من ثمراته، فالأظهر مختار المسالك.
# PageV05P217
# المقصد الرابع فيما يكره للصائم وهو أمور:
# منها: النساء تقبيلا ولمسا وملاعبة. ms1303
# والأظهر أنه لمن يحرك ذلك شهوته، سواء كان شيخا أو شابا، فالإطلاق كما
~~يظهر من بعض العبارات (1) ليس بجيد، وكذلك التفصيل بالشيخ والشاب كما يظهر
~~من الخلاف; لأنه جعل ذلك قولا في مقابل من فصل بتحريك الشهوة وعدمه (2)،
~~ودليل المسألة وتحقيق الحال قد مر في مسألة الاستمناء فلا نعيد.
# ومنها: الاكتحال بما فيه صبر (3) أو مسك كما نقل عن الشيخ وجماعة (4).
# وعن ابن حمزة زيادة العنبر (5). وفي المعتبر اقتصر على المسك (6). وعن
~~ابن زهرة بما فيه صبر وما أشبهه (7). ولعل المراد ب " ما أشبهه " ماله طعم
~~يصل إلى الحلق كما في
# PageV05P218
# التحرير والتذكرة (1). ولعل مراد من اقتصر بالبعض المثال.
# وقد اختلفت الأخبار في ذلك، فمنها: ما يدل على المنع من الاكتحال مطلقا،
~~كصحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن الرجل يكتحل وهو
~~صائم، فقال: " لا، إني أتخوف أن يدخل رأسه " (2).
# وصحيحة سعد بن سعد الأشعري، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عليه
~~السلام عمن يصيبه الرمد في شهر رمضان هل يذر عينه بالنهار وهو صائم؟ قال: "
~~يذرها إذا أفطر، ولا يذرها وهو صائم " (3).
# ومنها: ما يدل على الجواز مطلقا، كصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه
~~السلام في الصائم يكتحل، قال: " لا بأس به، ليس بطعام ولا شراب " (4).
# وصحيحة عبد الحميد بن أبي العلاء، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا بأس
~~بالكحل للصائم " (5).
# ومنها: ما يدل على التقييد، كصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما
~~السلام: أنه سئل عن المرأة تكتحل وهي صائمة فقال: " إذا لم يكن كحل تجد له
~~طعما في حلقها فلا بأس " (6).
# وقوية سماعة - لعثمان بن عيسى - قال: سألته عن الكحل للصائم فقال: " إذا
~~كان كحلا ليس فيه مسك وليس له طعم في الحلق فلا بأس به " (7).
# ومنها: ما يدل على أنه لا يضر مع وجود ما فيه طعم أيضا، كرواية الحسن بن
# PageV05P219
# أبي غندر قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أكتحل بكحل فيه مسك وأنا
~~صائم؟ فقال:
# " لا بأس " (1).
# وتؤيده ms1304 صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن
~~الصائم يذوق الشراب والطعام يجد طعمه في حلقه، قال: " لا يفعله " قلت: فإن
~~فعل؟ قال:
# " لا شئ عليه ولا يعود " (2).
# قيل: ومما يدل على عدم الإفساد، وإن وجد طعمه في حلقه بخصوصه: أن الحنظل
~~إذا أطلي به أسفل الرجل وجد طعمه في الحلق، مع أنه لا يفطر إجماعا.
# فالأظهر كراهة كل ماله طعم يصل إلى الحلق مطلقا، وربما احتمل الكراهة
~~مطلقا; لإطلاق مثل صحيحة سعد بن سعد الأشعري (3).
# ومنها: اخراج الدم المضعف، والظاهر عدم الفرق بين الحجامة والفصد
~~وغيرهما، كما صرح به الفاضلان (4)، لاستفادة ذلك من العلة المستفادة من
~~الأخبار، مثل صحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الصائم
~~أيحتجم؟ قال: " إني أتخوف عليه، أما يتخوف على نفسه " قلت: ماذا يتخوف؟
~~قال: " الغشيان، أو تثور به مرة " قلت: أرأيت إن قوي على ذلك ولم يخش شيئا؟
~~قال: " نعم إن شاء الله تعالى " (5).
# وصحيحة سعيد الأعرج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم
~~يحتجم؟ قال:
# " لا بأس، إلا أن يتخوف على نفسه الضعف " (6).
# وصحيحة عبد الله بن سنان، عنه عليه السلام، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام قال: " لا بأس
# PageV05P220
# بأن يحتجم الصائم إلا في رمضان، فإني أكره أن يضر بنفسه، إلا أن لا يخاف
~~على نفسه، وإنا إذا أردنا الحجامة في رمضان احتجمنا ليلا " (1) إلى غير ذلك
~~من الأخبار (2).
# ويدل على عدم الحرمة والإفساد الأصل والإجماع، كما في المنتهى والتذكرة
~~(3)، وهذه الروايات وغيرها، مثل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (4) في
~~الاكتحال في جهة التعليل بأنه ليس بطعام ولا شراب.
# ورواية عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " ثلاثة لا
~~يفطرن الصائم:
# القئ، والاحتلام، والحجامة، وقد احتجم النبي صلى الله عليه وآله وهو صائم
~~" (5).
# وأما ما روى العامة عن النبي صلى الله عليه وآله، وكذا الخاصة عن الصادق
~~عليه السلام: " أفطر الحاجم والمحجوم " (6) فقيل: إنه صلى الله عليه وآله
~~قال ms1305 ذلك لأجل اغتيابهما مسلما.
# وعن الصدوق في معاني الأخبار: احتمال أن يكون المراد أن من احتجم فقد عرض
~~بنفسه للاحتياج إلى الإفطار بسبب احتمال الضعف (7)، وهو بعيد في الحاجم،
~~إلا أن يقال: إن تعريضه المحجوم لذلك إفطار له، ونقل عن بعض مشايخه أن
~~المراد الدخول في فطرة النبي صلى الله عليه وآله وسنته.
# ومنها: دخول الحمام المضعف; لصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه
~~السلام:
# أنه سئل عن الرجل يدخل الحمام وهو صائم، فقال: " لا بأس به، ما لم يخش
~~ضعفا " (8).
# PageV05P221
# ومنها: السعوط بما لا يتعدى إلى الحلق، وهو - بفتح السين وضم العين - ما
~~يصل إلى الدماغ من الأنف على الأشهر الأظهر.
# وقال الصدوق في الفقيه: ولا يجوز للصائم أن يتسعط (1).
# وعن المفيد (2) وسور (3) أنهما أوجبا به القضاء والكفارة. ونقل في
~~المختلف (4) عن السيد - رحمه الله - نقل ذلك القول عن قوم من أصحابنا (5).
# وعن ابن إدريس أنه لا يوجب شيئا منهما (6).
# وعن أبي الصلاح (7) وابن البراج (8) أنه يوجب القضاء فقط، ونقل عن السيد
~~أيضا نقل هذا القول عن قوم من أصحابنا (9).
# والأظهر الأول; للأصل، ورواية ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن الصائم يحتجم ويصب في أذنه الدهن، قال: " لا بأس، إلا السعوط
~~فإنه يكره " (10).
# ورواية غياث بن إبراهيم، عنه، عن أبيه عليه السلام قال، قال: " لا بأس
~~بالكحل للصائم، وكره السعوط للصائم " (11).
# ولا تنهضان حجة لابن بابويه.
# واحتج في المختلف للآخرين: بأنه لو أوصل المفطر إلى الدماغ فكان عليه
~~القضاء والكفارة، أو القضاء خاصة; لأن الدماغ جوف، وأجاب عنه بالمنع، بل
~~الممنوع إنما
# PageV05P222
# هو الإيصال إلى المعدة (1).
# وأما في المتعدي إلى الحلق فذهب جماعة ممن لم يمنعه في غير المتعدي إلى
~~المنع هنا، وقالوا بوجوب القضاء والكفارة (2)، وهو مختار العلامة في
~~المختلف (3).
# واكتفى في التذكرة بالقضاء (4) تبعا للشيخ في المبسوط (5)، واحتج عليه:
~~أنه أوصل إلى حلقه المفطر متعمدا، فكان عليه القضاء والكفارة كما لو أوصل
~~إلى حلقه لقمة.
# وفيه: منع كلية الكبرى وبطلان القياس، فالأظهر ms1306 إذن عدم الحرمة وعدم لزوم
~~شئ; للأصل. ويؤيده ما مر في الاكتحال.
# ومنها: شم الرياحين، قال في المدارك (6): وهو كل نبت طيب الريح كما نص
~~عليه أهل اللغة (7)، وليس عندي من كتب اللغة الآن إلا الصحاح، وفيه أنه نبت
~~معروف (8).
# وكراهته إجماع علمائنا كما في المنتهى والتذكرة (9)، مدلول عليه
~~بالأخبار، كرواية الحسن بن راشد قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
~~الصائم يشم الريحان؟ فقال: " لا; لأنه لذة، ويكره أن يتلذذ " (10).
# ورواية الحسن بن الصيقل، عنه عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يلبس
~~الثوب المبلول؟
# PageV05P223
# قال: " لا، ولا يشم الريحان " (1).
# وتتأكد الكراهة في النرجس; لما رواه الكليني، عن محمد بن الفيض، قال:
# سمعت أبا عبد الله عليه السلام ينهى عن النرجس فقلت: جعلت فداك لم ذلك؟
~~قال: " لأنه ريحان الأعاجم " (2) وهذه الرواية تفيد كراهته مطلقا، ولكن
~~الظاهر أن المراد في حال الصوم كما فهمه الأصحاب.
# قال الكليني رحمه الله: وأخبرني بعض أصحابنا أن الأعاجم كانت تشمه إذا
~~صاموا وقالوا: إنه يمسك الجوع (3).
# وقال المفيد: ولا بأس بشم الريحان كله، ويكره شم النرجس خاصة للصائم،
~~وذلك أن ملوك الفرس كان لهم يوم في السنة يصومونه، وكانوا في ذلك اليوم
~~يعدون النرجس ويكثرون من شمه; ليذهب عنهم العطش، فصار كالسنة لهم، فنهى آل
~~الرسول صلوات الله عليهم أجمعين عن شمه، خلافا على القوم، وإن كان شمه لا
~~يفسد الصيام (4) و (5).
# ولعل وجه التأكيد هو كونه منصوصا عليه، مع احتمال إرادة النرجس من
~~الريحان المذكور في الأخبار، ولعله معلل بأنه ريحان الأعاجم، ولأنه
~~بالخاصية - أعني رفع الجوع والعطش - مخالف لوضع الصوم المطلوب منه ذلك.
# وأما الأخبار الدالة على جواز شم الرياحين فهي كثيرة لا حاجة إلى ذكرها
~~(6).
# وعن الشيخين (7) والأكثر إلحاق المسك بالنرجس، لشدة رائحته، ولما رواه
# PageV05P224
# الكليني، عن غياث، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام: " أن عليا عليه السلام:
~~كره المسك أن يتطيب به الصائم " (1).
# وأما سائر الطيب; فلا يكره للصائم جزما، بل هو مستحب.
# وعن الشيخ (2) وابن حمزة (2) وابن إدريس (4) زيادة ms1307 ما يجري مجراه على
~~المسك، وعن المفيد (5) وابن زهرة (6) زيادة الزعفران خاصة، وعلله المفيد
~~بأن المسك والزعفران يصلان إلى الحلق ويجد شامهما طعمهما.
# وكيف كان فلا ريب في عدم كراهة غير المذكورات، ففي رواية الحسن بن راشد،
~~أنه قال: كان أبو عبد الله عليه السلام إذا صام تطيب، ويقول: " الطيب تحفة
~~الصائم " (7).
# وفي الفقيه روى: " أن من تطيب بطيب أول النهار وهو صائم لم يكد يفقد عقله
~~" (8).
# وفيه أيضا: وسئل الصادق عليه السلام عن المحرم يشم الريحان، قال: " لا "
~~قيل:
# والصائم؟ قال: " لا " قيل: يشم الصائم الغالية والدخنة؟ قال: " نعم "
~~قيل: كيف حل له أن يشم الطيب ولا يشم الريحان؟! قال: " لأن الطيب سنة،
~~والريحان بدعة للصائم " (9) إلى غير ذلك من الأخبار، هذا.
# وأما العلة المستفادة من رواية الحسن بن راشد بأنه لذة، ويكره التلذذ،
~~يفيد الكراهة مطلقا.
# PageV05P225
# وكذلك يستفاد من روايته الأخرى قال: كان أبو عبد الله عليه السلام إذا
~~صام لا يشم الريحان، فسألته عن ذلك، فقال: " أكره أن أخلط صومي بلذة " (1)
~~فيمكن أن يجاب عنه بأن المرغوب تركه هو التطيب بقصد التلذذ، وأما بقصد
~~السنة وملاحظة تحصيل موافقة الملائكة وموافقة المؤمنين كما يستفاد من المنع
~~عن البصل والثوم لمن دخل المسجد فلا بأس به، بل هو سنة.
# وأما الريحان سيما النرجس فلعل العلة فيه هي مخالفة طريقة الأعاجم
~~والمجانبة عنها، وإن لم يقصد بها التلذذ، حماية للحمى، ولعله لذلك خص
~~المفيد الكراهة بالنرجس (2).
# وحاصل المقام أن هنا أمورا ثلاثة هي مظنة الكراهة:
# أحدها: الاجتناب عن وصول شئ إلى الحلق.
# والثاني: التلذذ ورفع الجوع والعطش.
# والثالث: موافقة الكفار، إذ المراد بالأعاجم هم المجوس، فيحسن الاجتناب
~~عن موافقتهم ولو من باب حماية الحمى، فيمكن القول بالكراهة فيما وجد فيه شئ
~~من ذلك، وعدمها في غيره، والله العالم.
# ومنها: استنقاع المرأة في الماء على المشهور بين الأصحاب; لرواية حنان بن
~~سدير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم يستنقع في الماء، قال:
~~" لا بأس، ولكن لا ينغمس فيه، ms1308 والمرأة لا تستنقع في الماء; لأنها تحمل
~~الماء بفرجها " (3) المحمولة على الكراهة; لعدم مقاومتها للأصل والأخبار
~~الحاصرة للمفطرات، وليس هذا من جملتها.
# PageV05P226
# وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في الاكتحال المعللة بأنه ليس بطعام
~~ولا شراب (1).
# وعن سور (2) وأبي الصلاح (3) وابن زهرة (4) وابن البراج (5) التحريم،
~~وكذا عن ظاهر المقنع (6) والمقنعة (7)، وعن الأولين النص على وجوب القضاء
~~أيضا، وعن الثانيين لزوم الكفارة أيضا، وعن ابن زهرة التمسك بالإجماع
~~والاحتياط (8).
# ولعل حجة المحرمين رواية حنان (9)، وحجة الموجبين للقضاء العلة الواردة
~~فيها بأنها تحمل الماء بقبلها، وظاهر تعليل صحيحة محمد بن مسلم، فإنه داخل
~~في الشراب (10).
# وفيه: منع مقاومة الرواية لأدلة المشهور، سيما مع هجرهم ظاهرها، ومنع كون
~~جذب الماء إلى الجوف موجبا للقضاء مطلقا، ومنع إطلاق الشرب عليه حقيقة وإن
~~كان شرابا.
# وأما الاجماع المدعى على وجوب الكفارة فهو غريب، مع أن القول به لم يعهد;
~~إلا ممن يدعيه وسور (11)، والأصل عدم وجوبها وهو مدافع للاحتياط.
# ثم إن العلامة في القواعد والشهيد في اللمعة ألحقا الخنثى بالمرأة، ولعله
~~من جهة العلة (12).
# PageV05P227
# والظاهر عدم الفرق بين المشكلة وغيرها إذا كان لها فرج يحمل الماء.
# وزاد الشهيد الخصي الممسوح (1)، والظاهر أن مجبوب الذكر خاصة أيضا كذلك،
~~بل الظاهر أن مجبوب الخصيتين فقط لا يدخل فيه; لعدم العلة.
# لا يقال: إن الجامع مفقود; لوسعة منفذ المرأة، لما يقال: بمنع ذلك مطلقا
~~حتى في البكر.
# ومنها: بل الثوب على الجسد; لروايات، منها رواية الحسن الصيقل، عن أبي
~~عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول، فقال: "
~~لا " (2).
# ورواية عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لا
~~تلزق ثوبك وهو رطب وأنت صائم حتى تعصره " (3) ومنها ما سيجئ.
# ويدل على الجواز خصوص رواية محمد بن مسلم، عنه عليه السلام، قال: "
~~الصائم يستنقع في الماء، ويصب على رأسه، ويتبرد بالثوب، وينضح المروحة،
~~وينضح البوريا تحته، ولا يغمس رأسه في الماء " (4).
# ولا يضر بل الجسد وجلوس الرجل في الماء وإن كان ms1309 أقوى تبريدا كما في
~~الروضة (5); للأصل، وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، ورواية الحسن بن راشد
~~قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الحائض تقضي الصلاة؟ قال: " لا "،
~~قلت: تقضي الصوم؟ قال: " نعم " قلت: من أين جاء هذا؟ قال: " أول من قاس
~~إبليس ".
# قال، قلت: فالصائم يستنقع في الماء؟ قال: " نعم " قلت: فيبل ثوبا على
~~جسده؟
# قال: " لا " قلت: من أين جاء هذا؟ قال: " من ذاك " (6).
# PageV05P228
# ومنها: الهذر واستماعه، والمراد به الكلام الذي لا يعبأ به لعدم فائدة
~~دينية، بل ينبغي أن تصوم جميع جوارحه عما لا ينبغي، ولا يشتغل إلا بطاعة
~~الله، ففي حسنة محمد بن مسلم قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا صمت
~~فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك، وعد أشياء غير هذا، وقال: لا يكون يوم صومك
~~كيوم فطرك " (1).
# وعن سيد العابدين عليه السلام: أنه إذا كان شهر رمضان لم يتكلم إلا
~~بالدعاء والتسبيح والاستغفار والتكبير (2).
# وروى جراح المدائني، عن الصادق عليه السلام، قال: " إن الصيام ليس من
~~الطعام والشراب وحده، ثم قال: قالت مريم: * (إني نذرت للرحمن صوما) * (3)
~~أي صمتا، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا ولا
~~تحاسدوا ".
# قال، وقال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من
~~الحرام والقبيح، ودع المراء وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصيام، ولا تجعل
~~يوم صومك كيوم فطرك " (4).
# PageV05P229
# المقصد الخامس فيمن يصح منه الصوم وفيه مباحث:
# الأول: لا يصح الصوم إلا من العاقل، المسلم، بل المؤمن، فلا يصح من
~~المجنون، ولا الكافر، بل المخالف.
# أما الأول، فلا إشكال فيه; لعدم التكليف المقتضي لتعلق الأمر، المقتضي
~~لحصول الامتثال وموافقة الأمر الذي هو معنى الصحة.
# وفيما لو عرض في أثناء النهار مع سبق النية وزال; إشكال، وسيجئ الكلام
~~فيه.
# وأما الثاني، فلا إشكال فيه أيضا; لاشتراط نية التقرب وإطاعة أولي الأمر
~~منا، وهي لا تحصل من الكافر، منكرا للصانع كان، أو مشركا، أو أهل ملة، وهو
~~لا ينافي كونه مكلفا; للتمكن من الإيمان الذي هو مقدمة الواجب، ms1310 لأنه مقدور
~~له، فبطلت شبهة المنكر، وهو لزوم التكليف بما لا يطاق، إذ التكليف إنما هو
~~في حال الكفر ، لا بشرط الكفر.
# وأما الثالث، فقد مر في كتاب الصلاة وغيره; أن الأصح عدم صحة عباداتهم،
~~وأن PageV05P230
# ما يلحقهم بعد الاستبصار إنما هو تفضل من الله سبحانه وتعالى.
# وأما الصبي المميز; فالأظهر صحة صومه; لأن الأظهر كون عباداته شرعية لا
~~كما توهمه الشهيد الثاني من القول بها مع نفي شرعيتها أيضا; لأنه من باب
~~الوضع (1)، وقد مر تحقيق ذلك أيضا في مباحث النية.
# وأما المغمى عليه; فعن الأكثر أنه يفسد بحصول الإغماء ولو في جزء من
~~أجزاء النهار كالجنون (2).
# وقال المفيد في المقنعة: وإذا أغمي على المكلف للصيام قبل استهلال الشهر
~~ومضى عليه أيام ثم أفاق كان عليه قضاء ما فاته من الأيام، فإن استهل عليه
~~الشهر وهو يعقل فنوى صيامه وعزم عليه ثم أغمي عليه وقد صام شيئا منه أو لم
~~يصم ثم أفاق بعد ذلك فلا قضاء عليه; لأنه في حكم الصائم بالنية والعزيمة
~~على أداء الفرض (3).
# وفي المختلف (4) عن الخلاف: إذا نوى ليلا وأصبح مغمى عليه حتى ذهب اليوم
~~صح صومه، وإذا نوى الصوم من الليل وأصبح مغمى عليه يوما أو يومين وما زاد
~~عليه كان صومه صحيحا، وكذلك إن بقي نائما يوما أو أياما، وكذلك إذا أصبح
~~صائما ثم جن في بعضه، أو مجنونا فأفاق في بعضه ونوى، فلا قضاء عليه (5).
# ويظهر منهما أن المغمى عليه إذا سبقته النية فيصح صومه، وإن أطبق الإغماء
~~يومه بل وأكثر من يومه.
# حجة الأكثر: أن التكليف يسقط بزوال العقل وجوبا وندبا، فلا يصح; لعدم
~~الأمر الموجب للصحة، وأن كل ما أفسد الصوم إذا وجد في جميعه أفسده إذا وجد
~~في
# PageV05P231
# بعضه كالجنون والحيض، وأن القضاء ساقط عن المغمى عليه، وهو مستلزم لسقوط
~~الأداء.
# والجواب عن الأول: النقض بالنوم.
# وعن الثاني: بالمنع، وقياسه بالحيض باطل، وكذا الجنون، مع أن الحكم فيه
~~أيضا ممنوع على إطلاقه.
# وعن الثالث: أن القضاء فرض جديد، ms1311 ويجتمع مع سقوط الأداء - كصوم الحائض -
~~وثبوته، وكذلك سقوطه مع ثبوت الأداء - كالجمعة - وعدم ثبوته كصلاة الحائض.
# قال في المدارك ونعم ما قال: الحق أن الصوم إن كان عبارة عن مجرد الإمساك
~~عن الأمور المخصوصة مع النية كما هو المستفاد من العمومات وجب الحكم بصحة
~~صوم المغمى عليه إذا سبقت منه النية كما اختاره الشيخان (1)، وإن اعتبر مع
~~ذلك وقوعه بجميع أجزائه على وجه الوجوب أو الندب بحيث يكون كل جزء من
~~أجزائه موصوفا بذلك، اتجه القول بفساد ذلك الجزء الواقع في حال الإغماء;
~~لأنه لا يوصف بوجوب ولا ندب، ويلزم من فساده فساد الكل; لأن الصوم لا يتبعض
~~إلا أن ذلك ينتفي بالأصل، ومنقوض بالنائم، فإنه غير مكلف قطعا، مع أن صومه
~~لا يفسد بذلك إجماعا (2)، انتهى.
# والحاصل: أنا لا ننكر سقوط التكليف بالاستمرار في حال الإغماء، ولكن نمنع
~~مدخلية استمرار التوطين على الصيام في مهية الصوم، فيكفي صدق الصوم عليه في
~~عرف المتشرعة; إذ من المشاهد أن المتشرعة يحتاطون عن صب الدواء في حلقه
~~تمسكا بأنه صائم، والأصل عدم النقل، فكذلك عند الشارع، فتتم بذلك ماهية
~~الصوم، سيما على القول بكون العبادات أسامي للأعم من الصحيحة كما هو
~~الأظهر.
# PageV05P232
# بقي هنا شئ:
# وهو أن المستفاد من كلام الشيخين أن ذلك يجري في المغمى عليه أزيد من يوم
~~(1)، ولعله مبني على اكتفائهم بنية واحدة لتمام الشهر كما هو الأشهر
~~الأظهر.
# ولكنه مشكل فيما نحن فيه; للشك في صدق الصائم عليه في اليوم الثاني
~~فصاعدا، سيما ومعتمدنا في مسألة كفاية النية الواحدة للشهر هو استمرار
~~الداعي، وهو مفقود هنا بالنسبة إلى اليوم الثاني والثالث، بل بالنسبة إلى
~~الأول أيضا، بل بالنسبة إلى جزئه أيضا; إذ المفروض أنه لم يتسبب بشئ عند
~~الإغماء، لا الكف ولا التوطين، ولا استمرار العدم الأزلي، بخلاف المفيق
~~المكتفي بالداعي إلى أيام، والنوم إنما خرج بالنص والإجماع والأصل، مع صدق
~~الصوم عليه في عرف المتشرعة، وهذا يشمل الإغماء في بعض اليوم بل في تمام
~~اليوم الأول ms1312 أيضا.
# ولو لم تكن هذه المذكورات يجري الكلام في النوم أيضا، ولكن النص والإجماع
~~وصدق الاسم إنما يثبت فيما لو سبقته النية بالنسبة إلى هذا اليوم الخاص.
# بقي الكلام فيما ذكره في الخلاف من ذكر النوم والجنون وأنهما أيضا لا
~~يضران (2)، فأما مسألة النوم، فأما فيما استمر عليه النوم ما فوق يوم إذا
~~سبقته النية فالإشكال المتقدم في المغمى عليه آت فيه، وأما في يوم واحد أو
~~جزء يوم فلا ريب في أنه غير مضر، وعليه اتفاق العلماء، وتدل عليه الضرورة
~~والأخبار، بل فيها ما يدل على رجحانه وأنه بمنزلة العبادة، وكذلك لا خلاف
~~فيه ظاهرا إذا استوعب اليوم مع سبق النية.
# والأولى الاكتفاء في الاستدلال بذلك، لا بتحقق الصوم الذي هو عبارة عن
~~الإمساك المخصوص مع النية، فإن إجزاءه في المستوعب أو فيمن نام قبل الفجر
~~إلى ما بعد الزوال مشكل، فإن قصارى ما يكتفى به في الصوم هو استمرار الترك،
~~وإلا فعلى القول باعتبار الكف أو التوطين فالأمر أصعب، ولكن يشكل بذلك
~~الأمر في
# PageV05P233
# الإغماء المستوعب; لعدم دعوى الاتفاق عليه، بل المشهور خلافه.
# ثم إن الشهيد الثاني - رحمه الله - قال: ونقل عن ابن إدريس أن النائم غير
~~مكلف بالصوم، وليس صومه شرعيا (1).
# والظاهر أن مراده من الناقل العلامة في المختلف (2)، ونقله عنه صاحب
~~المدارك أيضا صريحا (3)، ولم نقف على هذا الإطلاق في كتابه السرائر. وما
~~وجدته فيه هو أنه بعد ما نقل عبارة المبسوط المشتملة على أن من جملة من حصل
~~له حكم النية ولم يفعل النية بالفعل النائم طول شهر رمضان والمغمى عليه،
~~فإنه لا نية لهما، ومع ذلك يصح صومهما (4)، قال: والذي يلوح لي ويقوى في
~~نفسي أن النائم الذي ذكره والمغمى عليه غير مكلفين بالصيام، ولاهما صائمان
~~صياما شرعيا، فذكره لهما غير واضح (5).
# أقول: وظاهر العبارة تخصيص الكلام بالنائم الذي ذكره الشيخ، لا مطلق
~~النوم، ولا حاجة إلى ما وجه كلامه به في المدارك من أن مراده أن الإمساك في
~~حال النوم لا يوصف بوجوب ms1313 ولا ندب، فلا يوصف بالصحة ولكنه بحكم الصحيح في
~~استحقاق الثواب عليه; للإجماع القطعي على أن النوم لا يبطل الصوم (6). بل
~~ليس مراده ذلك جزما، بل مراده أن صوم النائم المذكور باطل كما يظهر من
~~كلامه بعد ذلك في المغمى عليه والنائم طول الشهر.
# والظاهر أن نظر ابن إدريس أيضا إلى ما ذكرنا من عدم بقاء الداعي في
~~المفروض، وإلا فهو أيضا ممن يكتفي بنية واحدة لتمام الشهر.
# وقال في المختلف بعد نقله عنه: وهو غلط; لأنه بحكم الصائم، ولا يسقط عنه
# PageV05P234
# التكليف بنومه; لزوال عذره سريعا (1).
# وتبعه الشهيد الثاني - رحمه الله - في المسالك (2)، وفصله، وفرق بين
~~النوم والإغماء والسكر والجنون، بأن النوم من الجبلة والعادة يزول سريعا
~~ولا يزيل العقل، بل إنما هو يغطي الحواس، ولا يخرج عن أهلية التكليف، ولذلك
~~يتنبه إذا نبه، بخلاف الجنون والسكر، بل الإغماء على الأصح، فلذلك لا تبطل
~~العبادات التي ليست مشروطة بالطهارة الصغرى، كالإحرام والاعتكاف وغيرها.
# ثم قال: فإن قيل: النائم غير مكلف; لأنه غافل، ولقوله صلى الله عليه
~~وآله: " رفع القلم عن ثلاثة " (3) وعد منهم النائم حتى يستيقظ، وقد أطبق
~~المحققون في الأصول على استحالة تكليفه، وذلك يقتضي عدم وقوع الجزء الحاصل
~~وقت النوم شرعيا; لأنه غير مكلف به، ويلحقه باقي النهار; لأن الصوم لا يقبل
~~التجزئة في اليوم الواحد، وأولى منه ما لو نوى ليلا ثم نام مجموع النهار،
~~وهذا يؤيد ما ذكره ابن إدريس، بل يقتضي عدم جواز النوم اختيارا على الوجه
~~المذكور.
# قلنا: تكليف النائم والغافل وغيرهما ممن يفقد شروط التكليف; فقد ينظر فيه
~~من حيث الابتداء به، بمعنى توجه الخطاب إلى المكلف بالفعل وأمره بإيقاعه
~~على الوجه المأمور به بعد الخطاب، وقد ينظر فيه من حيث الاستدامة، بمعنى
~~أنه لو شرع في الفعل قبل النوم والغفلة وغيرهما ثم عرض له ذلك في الأثناء.
# والقسم الأول لا اشكال في امتناع التكليف به عند المانع من تكليف ما لا
~~يطاق، من غير فرق فيه بين أنواع الغفلة، وهذا هو ms1314 المعنى الذي أطلق الأكثر
~~من الأصوليين وغيرهم امتناعه كما يرشد إلى ذلك دليلهم عليه، وإن أطلقوا
~~الكلام فيه; لأنهم احتجوا عليه بأن الإتيان بالفعل المعين لغرض امتثال
~~الأمر يقتضي العلم به، المستلزم
# PageV05P235
# للعلم بتوجه الأمر نحوه، فإن هذا الدليل غير قائم في أثناء العبادة في
~~كثير من الموارد إجماعا; إذ لا تتوقف صحتها على توجه الذهن إليها، فضلا عن
~~إيقاعها على الوجه المطلوب، كما سنبينه.
# وأما الثاني، فالعارض قد يكون مخرجا عن أهلية الخطاب والتهيؤ له أصلا،
~~كالجنون والإغماء، على أصح القولين، وهذا يمنع استدامة التكليف، كما يمنع
~~ابتداءه.
# وقد لا يخرج عن ذلك كالنوم والسهو والنسيان مع بقاء العقل، وهذه المعاني
~~وإن منعت من ابتداء التكليف بالفعل، لكن لا تمنع من استدامته، إذا وقع على
~~وجهه وإن استلزمت إبطاله من حيثية أخرى، كالنوم المبطل للصلاة لا من حيث هو
~~غفلة ونقص عن فهم الخطاب، بل من حيث نقضه للطهارة التي هي شرط للصلاة، ومن
~~ثم لو ابتدأ الصلاة على وجهها ثم عرض له في أثنائها ذهول عنها بحيث أكملها
~~وهو لا يشعر بها، أو نسي وفعل منها أشياء على غير وجهها، أو ترك بعضها مما
~~هو ليس بركن ونحو ذلك لم تبطل الصلاة إجماعا، مع أنه يصدق عليه أنه في حالة
~~النسيان والغفلة غير مكلف.
# وكذا القول في الصوم كما لو ذهل عن كونه صائما في مجموع النهار مع نية
~~الصوم، بل لو أكل وشرب وجامع ذاهلا عن الصوم وغير ذلك من المنافيات لم يبطل
~~الصوم إجماعا، وهي مع مشاركتها للنوم في عدم التكليف حالتها أعظم منافاة
~~للصوم منه (1)، إلى آخر ما ذكره، ومن هذا النمط لا نطيل بذكره.
# أقول: ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف الظاهر، وفيه مواضع تأمل
~~ونظر، أما أولا فقوله: " إنه لا يزيل العقل " إن أراد أن القوة العاقلة
~~القائمة بالنفس لا تزول، فهو مسلم، ولكنه لا ينفع في شئ مما يتعلق بفعلية
~~التكليف، مع أنه أيضا قابل للمنع، وتؤيده صحيحة عبد الله ms1315 بن المغيرة، عن
~~الرضا عليه السلام: " إذا ذهب النوم بالعقل فليعد
# PageV05P236
# الوضوء " (1) وفي معناها حسنة زرارة (2) وغيرها (3).
# وإن أريد أن الإدراك الذي هو مناط التكليف لا يزول فهو غريب، وكون النوم
~~جبلة وعادة وسريع الزوال وغير ذلك مما ذكره لا ينفع في صحة الخطاب والتكليف
~~في هذا الحين.
# قوله: " فإن هذا الدليل غير قائم في أثناء العبادة " إلى آخره، فيه: أن
~~حاصل دليلهم أن العبادة مشروطة بالنية، أي القصد إلى الفعل المعين امتثالا
~~لأمر الله، فإن طاعة المولى لا تحصل إلا بقصد طاعته عرفا، وهذا هو معنى
~~النية، والإتيان بالفعل لغرض امتثال الأمر يقتضي العلم بتوجه الأمر إليه،
~~وهو لا يتصور من الغافل الذاهل، فلا يصح تكليفه، بل يقبح; لأنه بمنزلة خطاب
~~الجماد، فما ذكره من أن هذا الدليل غير قائم في أثناء العبادة في كثير من
~~الموارد بمنزلة التصريح منه - رحمه الله - بعدم اشتراط جميع أجزاء العبادة
~~بالنية، والظاهر أنه خلاف إجماعهم، بل هم متفقون على اشتراطها، ولكن لما لم
~~يمكن إخطار النية في الأثناء دائما ولم يتيسر أقاموا الاستدامة الحكمية
~~مقامها، بل هي عين النية، فإن التحقيق أن النية هي الداعي إلى الفعل، لا
~~المخطر بالبال، وهو الذي يحركه إلى جانب الحركات والسكنات المخصوصة التي هي
~~أجزاء العبادات مع ذهوله وغفلته عن إخطارها بالبال، فكل من يفعل الفعل على
~~حسب الداعي فهو ما لم يتوجه الأمر إليه إجمالا وعلى وجه من وجوه الالتفات،
~~وهذا القدر كاف في الخروج عن الغفلة والذهول.
# وأما لو تحرى عن ذلك أيضا، بأن نوى شيئا مخالفا للطاعة ومنافيا لها، فلا
~~ريب أنه فاقد للداعي، وليست عبادته صحيحة، واشتباهه - رحمه الله - إنما نشأ
~~من الغفلة عن
# PageV05P237
# تحقيق النية وكفاية الاستدامة الحكمية فيها.
# فالتحقيق: أن الغفلة والذهول في الأثناء أيضا مضر، ولا وجه لما ذكره من
~~التفصيل، وإنما خرج مثل النوم والإغماء أيضا - إن جعلناه مثل النوم كما هو
~~الأظهر في مثل الصوم - بالدليل، بمعنى أن الله تعالى يقبل مثل ذلك عن صوم
~~اليوم، بل ms1316 هو صوم، كما فيمن عن له الصيام وقت ارتفاع النهار، لا أنه في هذا
~~الآن مكلف ومخاطب باستمرار الصوم واستدامته، ولا أنه يمكن أن تتحقق بعض
~~العبادات بلا نية وبدون قصد الامتثال.
# قوله رحمه الله: " وهذا يمنع استدامة التكليف كما يمنع ابتداءه " فيه:
~~أنا وإن سلمنا ذلك في استدامته، لكن الحكم ببطلان صوم من جن لحظة في أثناء
~~اليوم ثم أفاق مع سبق النية ممنوع، وقد عرفت ذهاب الشيخ إلى صحته في الخلاف
~~(1)، وكذلك الإغماء كما مر.
# قوله: " وقد لا يخرج عن ذلك كالنوم " فيه: أنه أول الكلام، وهل ذلك إلا
~~محل النزاع; إذ المعتبر هو قابلية التكليف بالفعل، وهو ممنوع في النائم،
~~ولا فرق في الغفلة حال النوم بينه وبين المغمى عليه، والقول بأنه غير مضر
~~من جهة النص والإجماع معنى آخر، وليس مراده - رحمه الله - جزما، فهذا عدول
~~منه عن أول كلامه، والتحقيق ما مر من الاعتماد على النص والإجماع وصدق
~~الصائم عليه مضافا إلى الأصل.
# قوله رحمه الله: " وإن استلزمت إبطاله من حيثية أخرى " فيه: أن قولك بأن
~~النائم قابل للتكليف في الصلاة واتصاف صلاته بالصحة، ولكن النص دل على أن
~~النوم من نواقض الطهارة، والصلاة مشروطة بها، فبطلت من هذه الجهة، ليس
~~بأحرى من قولنا الصائم النائم غير مكلف في حال النوم، وغير قابل لمخاطبته
~~باستمرار الصوم، ولكن
# PageV05P238
# النص دل على أن مثل هذا الانقطاع في الأثناء غير مضر.
# قوله رحمه الله: " ثم عرض له في أثنائها ذهول عنها ". فيه: أن هذا قياس
~~مع الفارق; إذ ذلك إنما هو لأجل الداعي ومصاحبته له إجمالا، وإن لم يخطره
~~بالبال تفصيلا، ولذلك يجئ بالأفعال على وجهها، وليس ذلك موجودا في حال
~~النوم جزما، وهذا واضح.
# قوله: " وترك بعضها مما هو ليس بركن " هذا من أجل النص والدليل والخارج،
~~وإلا فمن البين الواضح أن من لم يأت بجزء من المركب لم يأت بنفس المركب.
# قوله: " إنه في حالة النسيان والغفلة غير مكلف " لا يخفى أن الغفلة عن
~~إخطار النية ms1317 بالبال ليست غفلة عن الصلاة، وكذلك الغفلة عن جزء منها ليست
~~غفلة عنها، مع أن عدم البطلان حينئذ إنما هو بالنص والدليل الخارجي.
# قوله: " بل لو أكل أو شرب " إلى أخره، كل ذلك إنما هو بالنص والدليل
~~الخارجي، فهو بمنزلة التخصيص، ولا كلام فيه.
# إذا عرفت هذا: فظهر أن النوم في بعض اليوم مع سبق النية غير مضر إجماعا،
~~وكذلك إذا نام تمام اليوم كما صرح في المدارك بأنه اتفاقي (1)، والأصل وصدق
~~الصوم والإطلاق يعضده، وأنه إذا نام أياما مع سبق النية لا يصح في غير
~~اليوم الأول على الأظهر; لأن الذي نعتبره من نية تمام الشهر في أوله هو ما
~~إذا استمر الداعي ولا يتم ذلك إلا مع الإفاقة، ومنه يظهر حال الإغماء
~~المطبق عليه أياما.
# وأما الإغماء في بعض اليوم; فالأظهر أنه غير مضر، وكذا ما إذا أحاط اليوم
~~على إشكال فيه.
# وأما الجنون إذا سبقته النية وأفاق في ذلك اليوم سواء أصبح مجنونا أو
~~طرأه في الأثناء، فلا يبعد القول بصحته أيضا كما ذهب إليه في الخلاف (2)،
~~واستقربه في المدارك
# PageV05P239
# أيضا (1)، هذا كله مع سبق النية.
# وأما لو لم تسبقه النية وأصبح نائما حتى زالت الشمس فلا يصح، ويجب عليه
~~القضاء، وفي وجوب الكفارة إذا تعمد تركها قولان، أظهرهما العدم; للأصل،
~~والقول بالوجوب - كما نقله الشهيد في البيان عن بعض مشايخه، نظرا إلى أن
~~ترك الشرط أقوى من فعل المفطر كالأكل والشرب (2) - ضعيف، ويظهر منه الكلام
~~في الإغماء، وسيجئ الكلام في لزوم القضاء وعدمه، وأما المجنون فلا ريب في
~~بطلانه إذا لم يفق قبل الزوال ويجدد النية.
# وأما فعل ما يوجب السكر والإغماء إن أمكن بدون إفطار فلعله أيضا لا يوجب
~~البطلان إن سبقته النية.
# وأما السكران في الليل فلا يسقط عنه التكليف; لأنه أوجبه بنفسه. ولا يبعد
~~وصفه بالصحة مع سبق النية على إشكال تقدم في المغمى عليه.
# وأما بدون سبق النية فلا يصح منه جزما، ولكن الظاهر أنه مكلف، ولا قبح في
~~مثله; لكونه هو ms1318 الباعث على فقد الشرط، ويؤيده ما روي عن علي عليه السلام: "
~~أن الرجل إذا شرب الخمر سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجلدوه حد
~~المفتري " (3).
# وكذا الأخبار الواردة في أن حرمته لتأديته إلى المعاصي والآثام (4)، ولعل
~~ذلك يكون كافيا في إيجاب القضاء عليه بل الكفارة أيضا على إشكال; للأصل،
~~ولأنه كالعامد في ترك الصيام.
# الثاني: لا يصح الصوم من الحائض والنفساء وإن حصل العذر قبيل غروب الشمس
~~أو زال بعيد طلوع الفجر بلا خلاف فيه، بل الظاهر أنه إجماع العلماء كافة،
# PageV05P240
# كما يظهر من الفاضلين في المعتبر والتذكرة (1).
# وتدل عليه الأخبار، مثل ما رواه الصدوق في الصحيح عن العيص بن القاسم، عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن المرأة تطمث في شهر رمضان قبل أن
~~تغيب الشمس، قال: " تفطر حين تطمث " (2).
# وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج: أنه سأل أبا الحسن عليه السلام عن
~~المرأة تلد بعد العصر أتتم ذلك اليوم أم تفطر؟ فقال: " تفطر ثم تقضي ذلك
~~اليوم " (3).
# وعن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام: في امرأة أصبحت
~~صائمة، فلما ارتفع النهار أو كان العشاء حاضت، أتفطر؟ قال: " نعم، وإن كان
~~قبل المغرب فلتفطر "، وعن امرأة ترى الطهر في أول النهار في شهر رمضان ولم
~~تغتسل ولم تطعم، كيف تصنع بذلك اليوم؟ قال: " إنما فطرها من الدم " (4).
# وأما المستحاضة فيصح منها الصوم إذا أتت بما يجب عليها من الأعمال بلا
~~خلاف، وأما بدونه فلا يصح بل يجب عليها قضاؤه، وهو مذهب الأصحاب كما في
~~المدارك (5)، بل ادعى في المسالك الاجماع عليه (6).
# ولكن الإشكال في أن العمل الذي يوجب تركه القضاء أي شئ هو؟ فعن ظاهر
~~الشيخ في النهاية (7) وابن إدريس (8) وصريح المبسوط (9) اعتبار الجميع حتى
~~الوضوء وتجديد القطنة والخرقة، فبترك شئ منها يجب القضاء.
# PageV05P241
# وعن ظاهر المبسوط في كتاب الحيض التوقف في الحكم (1) كما أشار إليه في
~~الذكرى (2)، وكذلك عن العلامة في المنتهى (3).
# ومقتضى ذلك: أنه لا يجب القضاء بترك شئ منها. ms1319
# وقيل باشتراطه بالغسل النهاري خاصة، وهو مختار جماعة، منهم العلامة في
~~التذكرة في كتاب الصوم (4)، والشهيدان في المسالك والدروس والبيان (5)، ولا
~~مدخلية لغسل العشاءين في الصوم الحاضر، بل الظاهر أنه المشهور بين
~~المتأخرين.
# قال في التذكرة: إذ غسل الليل لا يؤثر في صوم النهار، ولم يذكره علماؤنا
~~(6).
# ويظهر من هذه العبارة: أنه حمل عبارة النهاية وما في معناها على لزوم
~~الأغسال النهارية من الأمور المذكورة، لا مطلق الأعمال مطلقا، فهذه أقوال
~~ثلاثة.
# وهناك قول رابع: وهو اشتراطه بما قارنه أو تقدم عليه من الأغسال، لا بما
~~تأخر عنه، وهو مختار الشهيد الثاني في روض الجنان والروضة والمسالك حيث نفى
~~مدخلية غسل العشاءين في الصوم الحاضر وقال: إن له مدخلية في المقبل، فإن لم
~~تفعله في محله فلا بد من الغسل قبل الفجر للحدث السابق إن لم يجب عليها غسل
~~آخر للمقبل، وإلا تداخلا (7).
# وهناك احتمال خامس: وهو اشتراطه بالغسل الفجري خاصة، مع وجوب تقديمه على
~~الصوم، بناءا على أنه لا يكون مشروطا إلا بما تقدمه، وهو احتمال نقله بعض
~~الأصحاب عن العلامة في النهاية، فإنه قال فيها: وهل يشترط في الصوم غسل
# PageV05P242
# العشاءين أو الظهرين أو تقديم غسل الغداة على الفجر إشكال (1).
# قيل: يعني أن التوقف على غسل الفجر معلوم، وفي توقفه على غسل العشاءين
~~وكذا غسل الظهرين إشكال، ويحتمل التوقف على الجميع وعلى الثاني دون الأول،
~~وعدم التوقف على شئ منهما، وفي التوقف على تقديم غسل الفجر عليه أيضا
~~إشكال.
# واحتمال سادس: وهو اشتراطه بالغسل الفجري، وعدم اشتراطه بالغسل للظهرين
~~إن تجددت الكثرة في اليوم، وهو الذي احتمله في التذكرة، قال فيها: لو كان
~~الدم قليلا وأخلت بالوضوء، أو فعلته وصامت، ثم كثر في أثناء النهار، فإن
~~كان قبل الزوال وجب الغسل عنده للصلاة والصوم، وإن أخلت به احتمل بطلان
~~الصوم إذ لم تفعل ما هو شرطه، والصحة لانعقاده فلا يؤثر فيه عدم الطهارة
~~كالجنابة المتجددة، وإن كان بعد أن صلت لم يجب للصلاة، إذ قد فعلتها، وفي
~~وجوبه ms1320 للصوم إشكال (2).
# وقال في التحرير بعد ذكر وجوب الأغسال المتوسطة والكثيرة: إذا فعلت هذه
~~الأغسال صارت طاهرا، إلى أن قال: ولو لم تفعل الأغسال كان حدثها باقيا ولا
~~يصح صومها (3).
# وظاهره اشتراط الغسل مطلقا في الصوم مطلقا، ولكن ظاهر قوله " كان حدثها
~~باقيا " إنما هو تأثير غسل العشاءين في الصوم المقبل.
# والأصل في المسألة هو صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتبت إليه: امرأة طهرت
~~من حيضها أو من دم نفاسها في أول شهر رمضان ثم استحاضت وصلت وصامت شهر
~~رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، هل يجوز
~~صومها وصلاتها أم لا؟ قال: " تقضي صومها ولا تقضي صلاتها; لأن رسول الله
~~صلى الله عليه وآله،
# PageV05P243
# كان يأمر فاطمة والمؤمنات من نسائه بذلك " (1).
# وقد نوقش فيها بالإضمار (2).
# وفيه: أنه لا يضر من مثل هذا الثقة الجليل الوكيل، وأن ذلك إنما صار من
~~جهة تقطيع الأخبار من الأصول، وكان المرجع مذكورا في الأصل، مع كونه مذكورا
~~في كتب المشايخ الثلاثة. ومع ذلك ففي الكافي: كتبت إليه عليه السلام، وفي
~~الفقيه: فكتب عليه السلام.
# وبأنه مشتمل على ما لا يقول به الأصحاب، من عدم وجوب القضاء للصلاة.
# وفيه: أن ذلك لا يخرج الخبر عن الحجية، وقلما وجد خبر لا يخلو عن توجيه
~~أو خروج عن الظاهر في بعض أجزائه.
# وقد يوجه: بأن كلمة " لا " توهم أو تصحيف كلمة " ولاء " الممدودة، ردا
~~على من توهم لزوم التفريق في قضاء الصوم فرقا بينه وبين الأداء، فلعله كتب
~~تحت قول السائل صومها " تقضي صومها ولاء " وتحت قوله صلاتها " تقضي صلاتها
~~"، وتؤيده مكاتبة الصفار، فإن في جملتها " تقضي عشرة أيام ولاء " وهي وردت
~~في قضاء صوم الولي.
# نعم يخدش فيها ما أفاده بعض المحققين من أن الجواب غير مربوط بالسؤال
~~(3)، ولعله من جهة عدم إمعان نظر الناقل، فإن المكاتبة من شأنها جمع
~~الأسئلة والأجوبة المتعددة، فبأدنى غفلة تلتبس أوضاع السؤال والجواب، وذلك
~~لأن هذه العبارة - يعني قوله عليه السلام " كان يأمر ms1321 " إلى آخره - تستعمل
~~فيما يكثر وقوعه ويتكرر، وهذا ليس منه، ولأن هذه العبارة بعينها أريد بها
~~في خبر من أحاديث الحيض قضاء الحائض الصوم دون الصلاة.
# ولا يخفى على الذوق السليم مناسبتها لحكم الحيض; لتكرره وكثرة السؤال
~~عنه.
# PageV05P244
# وعلى هذا فيشكل الاعتماد على هذه الرواية، فإن ثبت الاجماع فهو، وإلا
~~لكان للتوقف في هذا الحكم مجال، كما فعله الشيخ في المبسوط، حيث أسنده إلى
~~رواية الأصحاب (1).
# ثم إن أراد الشيخ من رواية الأصحاب هذه فقد عرفت الحال، وإلا فيمكن
~~التعويل عليها بمعونة عملهم واشتهاره بينهم، بل وإجماعهم عليه كما ادعاه في
~~المسالك (2).
# بقي الكلام في تطبيق الرواية على الأقوال المتقدمة، فيمكن أن يكون المراد
~~بطلان الصوم بترك جميع الأغسال، ويكون ذكر الغسل لكل صلاتين بعنوان المثال.
# وأما سائر الأعمال فلعلها من لوازم الغسل أو المراد فيهما تشريك صلاة
~~الليل مع الغداة.
# وحينئذ فعدم استنباط حكم المتوسطة غير مضر; لعدم القول بالفصل، مع أن
~~القيد وارد مورد الغالب; لندرة المتوسطة. وإن جعلنا الغسل لكل صلاتين من
~~باب المثال الأعم حتى يشمل ما يجب فيه غسل واحد أيضا; فيجزي فيه ترك
~~الاستفصال أيضا ويشمل المتوسطة.
# ويمكن أن يكون المراد بطلانه بترك بعض عمل المستحاضة.
# ووجهه: أن غاية ما يستفاد من سؤال الراوي هو السلب الجزئي; إذ هو الأصل
~~في رفع الإيجاب الكلي، فترك الغسل لكل صلاتين لا يستلزم عدم الغسل رأسا.
# أو نقول: إن عمل المستحاضة هو المجموع، وهو ينتفي بانتفاء البعض، أو هو
~~الغسل لكل صلاتين، ومجموع الغسل الثابت لكل صلاتين ينتفي بانتفاء جزئه.
# وكيف كان فالمتبادر من الرواية منضما إلى كمال بعد تأثير الشرط المتأخر
~~في الصوم المتقدم هو عدم تأثير غسل العشاءين في الصوم المتقدم، وظهور
~~تأثيره في المتأخر، وظهور الرواية فيه أيضا، كما هو المشهور.
# PageV05P245
# ولو تركته في محله فلا بد أن تغتسل قبل الفجر غسلا لرفع ذلك الحدث، وإن
~~لم يجب عليها غسل للمقبل، وإلا تداخلا كما ذهب إليه الشهيد الثاني رحمه
~~الله (1).
# وانقدح من هذا وجوب ms1322 غسل الاستحاضة للصوم المقبل إذا حصل موجبه ولم تفعله
~~في محله قبل الفجر، كالحائض والنفساء إذا طهرتا قبل الفجر، كما تقدم في
~~كتاب الطهارة مع دليله، وأنه يجب التيمم بدلا عنه مع العجز كالجنب العاجز
~~عنه (2).
# وأما الكفارة; فالأظهر عدم وجوبها، لا في ترك الغسل، ولا في ترك التيمم،
~~مع الأولوية في ترك التيمم في بدل غسل الجنابة، ولكن احتمال وجوبها هنا
~~أقوى; لثبوته في ترك غسله، واحتمال مساواة البدل للمبدل منه.
# تنبيهان:
# الأول: أنه هل يجب عليها غسل للبرء أم لا؟ وهل تتوقف عليه صحة الصوم أم
~~لا؟ قال العلامة في التحرير: قال الشيخ: إذا انقطع دمها أينقض وضوءها؟
~~والوجه ذلك إن كان للبرء، وإلا فلا، والمراد بالبرء هو الشفاء (3).
# قال في المدارك: وهو حسن، لكن لا يخفى أن الموجب له في الحقيقة هو الدم
~~السابق على الانقطاع، لأنفس الانقطاع، فإن دم الاستحاضة يوجب الوضوء تارة
~~والغسل أخرى، وإسناد الإيجاب إلى الانقطاع والاقتصار على إيجاب الوضوء خاصة
~~لا يستقيم.
# وقال في الذكرى: وهذه المسألة لم نظفر فيها بنص من قبل أهل البيت عليهم
~~السلام، ولكن ما أفتى به الشيخ هو قول العامة بناءا منهم على أن حدث
~~الاستحاضة يوجب الوضوء
# PageV05P246
# لا غير، فإذا انقطع بقي على ما كان عليه، ولما كان الأصحاب يوجبون به
~~الغسل فليكن مستمرا (1)، هذا كلامه رحمه الله.
# ومحصله: أن الحدث هو دم الاستحاضة، فينبغي أن يترتب عليه مسببه، وضوءا
~~كان أو غسلا، ولو قلنا: إن المعتبر فيه وقوعه في أوقات الصلاة وجب اعتباره
~~هنا، انتهت عبارة المدارك (2).
# أقول: وفي هذا الكلام يحصل التنبيه لمسألتين:
# الأولى: أن الاستحاضة يجب فيها غسل للبرء، مضافا إلى الأغسال الواجبة
~~فيها للصلاة والصوم، وإن كان وجوبه أيضا للغير من صلاة أو صوم لا لنفسه.
# وتظهر الثمرة فيما لو رأت كثيرا واغتسلت غسل الصلاة، إما لصلاة الفجر أو
~~لصلاتين وصلت، ولم تر بعد الصلاة دما كثيرا أو لم ينقطع الدم بالمرة، ثم
~~انقطع وحصل البرء قبل الصلاة الآتية، فهل يجب عليها ms1323 غسل البرء أو لا؟ وكذلك
~~الكلام في الوضوء في القليلة، وإن لم نقل بوجوب الغسل عند البرء، وكذا
~~الوضوء، فيجوز لها الدخول في كل مشروط بالطهارة إن لم يحصل حدث آخر لها،
~~وإلا فيجب الغسل أو الوضوء.
# ويظهر من التذكرة عدم الوجوب، قال فيها: فروع، الأول: لو كان الدم كثيرا
~~فاغتسلت أول النهار وصامت ثم انقطع قبل الزوال لم يجب غسل آخر عند الزوال،
~~لا للصوم، ولا للصلاة إن كان للبرء، ولو كان لا له وجب، ولو كانت تعلم عوده
~~ليلا أو قبل الفجر وجبت الأغسال الثلاثة (3).
# ويظهر من هذا الكلام أن التلطخ كاف في استمرار حكم كثيرة الدم ما لم تبرأ
~~بالمرة، فإذا كان الدم قبل صلاة الفجر كثيرا واغتسلت لها وصلت ولم تر بعد
~~الصلاة إلا قليلا
# PageV05P247
# فاستمر حتى دخل الظهر، فيجب عليها الغسل لكل صلاتين، وهكذا.
# وعلى هذا فلعل قوله رحمه الله: " لو كانت تعلم " إلى آخره لبيان حكم ما
~~لو انقطع بالمرة بحيث لم يبق التلطخ أيضا، ولكن تعلم بحسب عادتها عوده ليلا
~~فهو أيضا في حكم المستمر.
# ويظهر من الفاضل الإصبهاني في شرح الروضة ثبوته في شرح قول الشارح: " نعم
~~هو شرطه في اليوم الآتي ويدخل في غسل الصبح لو اجتمعا " حيث قال: بمعنى
~~أنها لو تركته كفاها للصوم غسل الصبح، وكذا يدخل في غسل البرء لو تركته
~~وبرأت في الليل، انتهى.
# والأظهر عدم وجوب غسل للبرء ولا وضوء; إذ الذي يستفاد من الأخبار هو
~~الأغسال المعهودة في أوقات الصلوات، والوضوءات والمعهودة.
# نعم يمكن التمسك بالاستصحاب فيما فرضه الفاضل، فإن المفروض ثبوت الحدث
~~الموجب للغسل، والمفروض عدم تحققه، ولكن هذا ليس بغسل على حدة من جهة
~~البرء، والظاهر من الذكرى القول بثبوته (1) كظاهر التحرير (2)، بل المدارك
~~أيضا (3).
# المسألة الثانية: هي أن مطلق حصول هذا الدم كاف، أو يعتبر حصوله في أوقات
~~الصلاة، وهو أيضا خلافي كما ظهر من عبارة المدارك السابقة (4).
# وقال في المسالك: فيجب الغسل للصوم متى حصل الغمس قبل صلاة الفجر، وتتوقف
~~عليه ms1324 صحة الصوم، ولو كان بعد الصلاة لم يجب إلا مع الكثرة، فيتوقف صوم
~~اليوم على غسل مثل الظهرين وإن لم تستمر الكثرة إلى وقتها (5)، وقيل: يعتبر
~~حصولها وقت الصلاة (6).
# PageV05P248
# أقول: والظاهر من أخبار المستحاضة أن حصول الحالة موجبة لمسبباتها وإن لم
~~تقترن بأوقات الصلاة.
# الثاني: إن الأصل في غسل الاستحاضة أنه للصلاة، والرواية التي هي دليل
~~الصوم إنما دلت على اعتبار تلك الأغسال الثلاثة الثابتة للمستحاضة في صحة
~~الصوم، وكما لا يشترط تقديم غسل الغداة على الفجر في الصلاة، فلا يعتبر في
~~الصوم أيضا.
# نعم ذكر الشهيد الثاني في روض الجنان بعد ما استقرب توقف الصوم المقبل
~~على غسل الليلة الماضية أن الحق أنها إن قدمت غسل الفجر ليلا أجزأها عن غسل
~~العشاءين إذا تركته بالنسبة إلى الصوم، وإن أخرته إلى الفجر بطل الصوم هنا،
~~وإن كان تقديم الغسل على الفجر غير واجب لولا ذلك (1)، وهو مختاره في
~~المسالك والروضة كما نقلنا عنه سابقا (2). وليس ببعيد بناءا على ما ذكرنا
~~أن ظاهر الرواية أن ترك مجموع الأغسال الحاصل بترك بعضها مبطل، وإنما نقول
~~بصحة ذلك بدليل التداخل، وإلا لكان في الصحة إشكال.
# ومما ذكرنا من أن الأصل مراعاة أغسال الصلاة ظهر أنه لا يجب الغسل للصوم
~~إذا طرأت الكثرة بعد صلاة الغداة إلى أن يدخل الزوال، وكذا بعد صلاة العصر
~~إلى أن يدخل المغرب.
# الثالث: إن الصوم لا يصح من مسافر يجب عليه التقصير، بأن لا يكون مقيما
~~عشرة أيام أو مترددا ثلاثين يوما، أو عاصيا بسفره، أو كثير السفر أو نحو
~~ذلك إلا في مواضع.
# PageV05P249
# أما عدم صحة الصوم من المسافر في الجملة فهو إجماع أصحابنا، مدلول عليه
~~بالآيات (1) والأخبار المعتبرة المستفيضة جدا (2) لا حاجة إلى ذكرها، وقد
~~مر بعضها في كتاب الصلاة.
# ومن جملتها صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام: أنه سئل عن
~~الرجل يسافر في شهر رمضان فيصوم، فقال " ليس من البر الصيام في السفر " (3)
~~والسؤال ليس بمخصص للجواب فيعم.
# ومن جملتها ما دل ms1325 على تلازم القصر والإفطار (4).
# ومن جملتها رواية محمد بن حكيم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام،
~~يقول: " لو أن رجلا مات صائما في السفر ما صليت عليه " (5) وسيجئ بعضها.
# وأما استثناء بعض المواضع; فالأكثر على استثناء ثلاثة أيام في بدل الهدي،
~~والثمانية عشر بدل البدنة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا، والنذر
~~المشترط سفرا وحضرا (6).
# أما الأول; فيدل عليه مضافا إلى قوله تعالى: * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة
~~أيام في الحج) * (7) أخبار كثيرة، منها: ما رواه الكليني في الصحيح، عن
~~رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن المتمتع لا يجد
~~الهدي، قال: " يصوم ثلاثة: قبل التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة "
~~قلت: فإنه قدم يوم التروية؟ قال: " يصوم
# PageV05P250
# ثلاثة أيام بعد التشريق " قلت: لم يقم عليه جماله، قال: " يصوم يوم
~~الحصبة وبعده يومين " قال، قلت: وما الحصبة؟ قال: " يوم نفره ".
# قلت: يصوم وهو مسافر؟! قال: " نعم، أليس هو يوم عرفة مسافرا، إنا أهل بيت
~~نقول ذلك; لقول الله عز وجل * (فصيام ثلاثة أيام في الحج) * (1) يقول في ذي
~~الحجة " (2).
# وأما صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: " الصوم الثلاثة
~~الأيام إن صامها فآخرها يوم عرفة، وإن لم يقدر على ذلك فليؤخرها حتى يصومها
~~في أهله ولا يصومها في السفر " (3) فقد حملها الشيخ على أنه لا يجوز صومها
~~معتقدا لأنه لا يسوغ له غير ذلك، بل يعتقد أنه مخير بين أن يصومها في السفر
~~وبين أن يصومها إذا رجع إلى أهله (4).
# ويؤيده ما رواه المفيد في المقنعة مرسلا، عن الصادق عليه السلام في آخر
~~باب الزيادات قال: وسئل عمن لم يجد هديا وجهل أن يصوم الثلاثة الأيام، كيف
~~يصنع؟ فقال عليه السلام: " أما إنني لا آمره بالرجوع إلى مكة، ولا أشق
~~عليه، ولا آمره بالصيام في السفر، ولكن يصوم إذا رجع إلى أهله " (5) فإن
~~قوله عليه السلام: " لا آمره " مشعر بالتخيير كما يستفاد من صحيحة معاوية
~~بن عمار (6).
# وأما الثاني; فهو فتوى كثير ms1326 من الأصحاب، ويظهر من كثير منهم عدمه; لأنهم
~~حصروا الصوم المرخص فيه في غيره ولم يذكروه، كسور (7)، والسيد في
# PageV05P251
# الجمل (1)، والراوندي في فقه القرآن (2)، والشيخ في الاقتصاد (3)، وابن
~~حمزة (4)، وابن زهرة (5).
# وكيف كان فالمذهب هو الأول; لما رواه الكليني صحيحا، عن ضريس الكناسي، عن
~~أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس،
~~قال: " عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة،
~~أو في الطريق، أو في أهله " (6).
# وأما الثالث; فهو المشهور بين الأصحاب، بل وعن المنتهى أنه لا يعلم فيه
~~مخالفا (7)، وتدل عليه صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتب بندار مولى إدريس:
# يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟
# فكتب عليه السلام وقرأته: " لا تتركه إلا من علة، وليس عليك صومه في سفر
~~ولا مرض، إلا أن تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بقدر
~~كل يوم على سبعة مساكين، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى " (8).
# قال في المسالك: إنه خبر مقطوع ضعيف، لكن العمل به متعين; لعدم القائل
~~بخلافه، قال العلامة في المنتهى بعد حكايته عن الشيخين (9): لا نعلم لهما
~~مخالفا في ذلك (10).
# PageV05P252
# أقول: لا وجه لتضعيف السند; لأنه ليس فيه من يتأمل فيه إلا بندار، فإنه
~~مجهول (1)، ولكنه غير مضر; لأن الاعتماد على قراءة علي بن مهزيار كتابه.
# والظاهر أن مراده من القطع هو الإضمار وجهالة المكتوب إليه، وهو أيضا غير
~~مضر; لأن مثل هذا الثقة الجليل الوكيل لا يروي ما لم يكن المكتوب إليه
~~إماما.
# وكذلك المحقق في المعتبر قال: ولمكان ضعف هذه الرواية جعلناه قولا مشهورا
~~(2).
# قيل: ولعل وجه تضعيفها الإضمار، واشتمالها على ما لم يقل به أحد من وجوب
~~الصوم في المرض إذا قيد الناذر به، واشتمالها على التصدق على سبعة مساكين
~~لكفارة خلف النذر (3).
# وفيه: أن خروج بعض أجزاء الرواية عن الحجية لا يوجب سقوطها رأسا، مع أن
~~الصدوق ms1327 ذكر متن الرواية كما هي في الفقيه (4)، وظاهره أنه فتواه، فالرواية
~~مع عمل الأصحاب كافية في تمام المطلب.
# واعلم أن تعلق النذر بالسفر يتصور على وجوه:
# أحدها: ما ذكرنا، والظاهر أنه لا فرق فيه بين أن ينذر فعله في السفر
~~خاصة، أو ينذر فعله سفرا وحضرا; لشمول الصحيحة لهما.
# والثاني: أن ينذر صوم يوم بعينه فاتفق كونه مسافرا في ذلك اليوم، مثل أن
~~ينذر صوم كل خميس، فاتفق الخميس في السفر، فالأشهر الأظهر عدم جواز الصوم.
# وعن المرتضى (5) والمفيد (6) وسور (7) لزوم صومه; لعموم * (أوفوا بالعهد)
~~* (8) *
# PageV05P253
# (ويوفون بالنذر) * (1) وخصوص رواية إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن
~~عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يجعل لله عليه صوم يوم مسمى، قال: "
~~يصومه أبدا في الحضر والسفر " (2).
# والجواب عن الأولين: أن المراد النذر والعهد الشرعيان، وهو فيما نحن فيه
~~أول الكلام; إذ النسبة بين ما دل على المنع من الصوم سفرا وما دل على رجحان
~~الوفاء بالنذر عموم من وجه، والرجحان في متعلق النذر معتبر، والشك في الشرط
~~يستلزم الشك في المشروط.
# وإنما قلنا بالصحة في الصورة الأولى لأجل الصحيحة المتقدمة، فالرجحان
~~لمتعلق النذر إنما ثبت بها، فالرجحان والصحة حصلا بجعل واحد، فلا يرد أن
~~صحة النذر هناك أيضا موقوفة على ثبوت الرجحان، وعمومات المنع عن الصوم في
~~السفر تنفيه.
# وعن الثاني: أنها مع ضعفها مؤولة بما دلت عليه صحيحة علي بن مهزيار (3)
~~معارضة بروايات كثيرة، منها حسنة كرام - لإبراهيم بن هاشم، والظاهر أن
~~كراما هذا هو عبد الكريم بن عمر ووثقه النجاشي مرتين (4)، لكنه واقفي،
~~فالحديث موثق، مع أن الراوي عنه ابن أبي عمير، وقد يروي عنه البزنطي أيضا -
~~قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
# إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم عليه السلام، فقال: " صم، ولا
~~تصم في السفر " (5) الحديث.
# وموثقة زرارة، قال: " إن أمي كانت جعلت على نفسها لله
# PageV05P254
# عليها نذرا; إن الله رد عليها بعض ولدها من شئ كانت تخاف عليه فيه أن
~~تصوم ذلك اليوم ms1328 الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكة، فأشكل
~~علينا (لمكان النذر) (1) أتصوم أم تفطر؟ فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن
~~ذلك، وأخبرته بما جعلت على نفسها، فقال: " لا تصوم في السفر، قد وضع الله
~~عنها حقه، وتصوم هي ما جعلت على نفسها " قلت: ما ترى إذا هي قدمت وتركت
~~ذلك؟ قال: " إني أخاف أن ترى في الذي نذرت فيه ما تكره " (2).
# وحسنته أيضا عن أبي جعفر عليه السلام بهذا المضمون (3)، ورواية القاسم
~~ابن أبي القاسم الصيقل (4).
# والثالث: أن ينذر صوم أيام معدودة، مثل شهر مثلا، فلا يصومه في السفر.
~~ومقتضى بعض الأخبار المتقدمة عدم جوازه في السفر، وكذا موثقة عمار، قال:
~~سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقول: لله علي أن أصوم شهرا، أو
~~أكثر من ذلك أو أقل، فعرض له أمر لا بد له من أن يسافر، أيصوم وهو مسافر؟
~~قال: " إذا سافر فليفطر; لأنه لا يحل له الصوم في السفر، فريضة كان أو
~~غيره، والصوم في السفر معصية " (5).
# وعبارة السيد (6) وسور (7) لا تشمل هذه الصورة.
# وكيف كان فالمذهب عدم الجواز.
# PageV05P255
# ثم إنا قد ذكرنا أن الأكثر على الاقتصار في الاستثناء على الثلاثة
~~المذكورة (1)، وهنا قولان آخران:
# أحدهما: للمفيد - قد نسبه إليه الفاضلان في المعتبر والمختلف والشهيد
~~الثاني رحمه الله في الروضة (2) -، وهو جواز الصوم الواجب مطلقا عدا شهر
~~رمضان (3).
# وربما استدل له بالأصل، وبما يستفاد من الأخبار أن الإفطار في السفر إنما
~~هو رخصة من الله وهدية منه لعباده فيما أوجبه عليهم (4)، ولا يعجب (5) أحد
~~أن ترد هديته، وأما الصوم الذي يوجبه العبد من نفسه على نفسه فلا يجري فيه
~~ذلك.
# وفيه: أن ما ذكر لا يعارض به ما تقدم من الأدلة عموما وخصوصا.
# والثاني: للصدوقين، وهو جواز صوم جزاء الصيد للمحرم (6)، ولم نقف على
~~مستنده. والتمسك بأنه " بدل عن جبران وجب في الحرم فجاز صومه في السفر كصوم
~~دم المتعة الثلاثة الأيام " قياس منقوض بالسبعة.
# هذا الكلام في الصوم الواجب.
# وأما ms1329 المندوب; فاختلف فيه كلام الأصحاب، فالصدوق في الفقيه والمقنع ذهب
~~إلى الحرمة (7)، وهو المنقول عن ابن البراج (8) وابن إدريس (9)، وذهب ابن
~~حمزة إلى الجواز (10)،
# PageV05P256
# والأكثر على الكراهة (1).
# ولعل الأقوى الحرمة، كما ذهب إليه صاحب المدارك (2) وبعض من تأخر عنه
~~أيضا (3); للأخبار الكثيرة المعتبرة عموما وخصوصا، وقد مر كثير منها (4).
# ومن جملتها صحيحة البزنطي، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصيام
~~بمكة والمدينة ونحن في سفر، قال: " فريضة؟ " فقلت: لا، ولكن تطوع كما يتطوع
~~بالصلاة، فقال:
# " تقول: اليوم وغدا؟ " قلت: نعم، فقال: " لا تصم " (5) وسيأتي بعضها
~~أيضا.
# ولعل دليل ابن حمزة هو رواية إسماعيل بن سهل، عن رجل، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام، قال: خرج أبو عبد الله عليه السلام من المدينة في أيام بقين
~~من شعبان، فكان يصوم، ثم دخل عليه شهر رمضان وهو في السفر فأفطر، فقيل له:
~~أتصوم شعبان وتفطر شهر رمضان؟! فقال: " نعم، شعبان إلي إن شئت صمته وإن شئت
~~لا، وشهر رمضان عزم من الله عز وجل على الإفطار " (6).
# ورواية الحسن بن بسام الجمال، عن رجل، قال: كنت مع أبي عبد الله عليه
~~السلام فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم، ثم رأينا هلال شهر رمضان
~~فأفطر، فقلت له:
# جعلت فداك أمس كان من شعبان وأنت صائم، واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر؟!
# فقال: " إن ذلك تطوع، ولنا أن نفعل ما شئنا، وهذا فرض فليس لنا أن نفعل
~~إلا ما أمرنا " (7). وأنت خبير بأنه لا يجوز تخصيص الأخبار المعتبرة بمثل
~~هذين الخبرين الضعيفين
# PageV05P257
# القابلين للتأويل، مثل أن يكون عليه السلام أوجبه على نفسه بالنذر المقيد
~~بالسفر، فيكون مراده عليه السلام: لنا أن نفعل ما شئنا من جعله منذورا
~~مقيدا بالسفر. وأما دليل الأكثر فهو الجمع بين الأخبار بحمل المنع على
~~الكراهة في خصوص المندوب (1)، وهو أيضا غير جيد; إذ لا دليل على مطلق
~~الجمع، مع أنه يستلزم استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي، وإن أردنا
~~من المنع فيها المرجوحية على سبيل عموم المجاز ms1330 فمع أنه مجاز لا دليل عليه
~~يسقط الاحتجاج بها في جانب الصوم الواجب، مع أنهم استدلوا بها عليه.
# وهذا كله مع أنه يمكن توجيه الكراهة بأن يقال: إن المتبادر من كثير من
~~الأخبار هو شهر رمضان والاعتماد في غير الواجبات من مثل النذر وغيره على
~~الأخبار الخاصة بها، ويحمل ما ورد في خصوص التطوع - كصحيحة البزنطي السابقة
~~- على الكراهة، ويؤيده استفصاله عليه السلام فيها أولا، فهاتان الروايتان
~~مع المسامحة في أدلة السنن والشهرة بين الأصحاب وفهمهم للأخبار يقرب هذا
~~القول.
# وكيف كان فالأحوط الترك; لدوران الأمر بين الحرمة والاستحباب.
# ثم على القول بالحرمة فيستثنى منه الصوم ثلاثة أيام للحاجة بالمدينة;
~~للأخبار المستفيضة، منها صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قال:
~~" إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم الأربعاء، وتصلي ليلة
~~الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة، وهي أسطوانة التوبة التي كان ربط إليها
~~نفسه حتى نزل عذره من السماء،، تقعد عندها يوم الأربعاء.
# ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبي صلى الله عليه وآله
~~ليلتك ويومك، وتصوم يوم الخميس.
# ثم تأتي الأسطوانة التي تلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ومصلاه ليلة
~~الجمعة فتصلي عندها
# PageV05P258
# ليلتك ويومك، وتصوم يوم الجمعة.
# وإن استطعت أن لا تتكلم بشئ منه في هذا الأيام إلا ما لا بد لك منه، ولا
~~تخرج من المسجد إلا لحاجة، ولا تنام في ليل ولا نهار فافعل، فإن ذلك مما
~~يعد فيه الفضل.
# ثم احمد الله في يوم الجمعة واثن عليه، وصل على النبي صلى الله عليه
~~وآله، وسل حاجتك، وليكن فيما تقول: اللهم ما كانت لي إليك من حاجة شرعت أنا
~~في طلبها أو لم أشرع سألتكها أو لم أسألكها فإني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي
~~الرحمة في قضاء حوائجي صغيرها وكبيرها، فإنك حري أن تقضى حاجتك إن شاء الله
~~تعالى " (1).
# وألحق المفيد - رحمه الله - مشاهد الأئمة عليهم السلام (2). ولم أعرف
~~دليله.
# وعن الصدوقين: إلحاق صوم الاعتكاف في المسجد الحرام ms1331 أو في مسجد الرسول
~~صلى الله عليه وآله، أو مسجد الكوفة، أو مسجد المدائن (3). وكذلك ابن إدريس
~~(4).
# الرابع: يصح الصوم من المريض، إن لم يتضرر به.
# أما الأول: فللعمومات (5) وإطلاق الآية الدالة على لزوم الإفطار للمريض
~~(6) مقيدا بالأخبار والإجماع ظاهرا.
# بل المتبادر من الآية إنما هو المرض المضر، فنفس المرض من حيث هو مرض لا
~~يوجب الإفطار وإن كان شديدا، بل قد ينفعه الصوم.
# وعلى ذلك تحمل موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: عن الرجل يجد في
~~رأسه وجعا من صداع شديد، هل يجوز له الإفطار؟ قال: " إذا صدع صداعا شديدا،
~~وإذا
# PageV05P259
# حم حمى شديدة، وإذا رمدت عيناه رمدا شديدا، فقد حل له الإفطار " (1) فلا
~~عبرة بمجرد الشدة.
# وأما الثاني: فلعموم نفي الضرر والعسر والحرج، ولما رواه الصدوق في
~~الصحيح، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " الصائم إذا خاف على
~~عينيه من الرمد أفطر " (2).
# وقال عليه السلام: " كل ما أضر به الصوم فالإفطار له واجب " (3).
# وفي الصحيح عن الوليد بن صبيح، قال: حممت بالمدينة يوما في شهر رمضان،
~~فبعث إلي أبو عبد الله عليه السلام، بقصعة فيها خل وزيت، قال لي: " أفطر
~~وصل وأنت قاعد " (4).
# ويتحقق الضرر بخوف زيادة المرض كيفا، بأن يشتد الألم، وكما لو يبطؤ البرء
~~أو يتجدد مرض آخر، أو بحصول نفس المشقة، كزيادة العطش والتضجر الشديد من
~~الحرارة، وفي كثير من العبارات تحديده بما لا يتحمل عادة، والأولى التعبير
~~بما يشق تحمله عادة.
# ومن جملة ذلك: حصول الضعف كما دلت عليه موثقة سماعة، قال: سألته ما حد
~~المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار، كما يجب عليه في السفر * (من كان
~~مريضا أو على سفر) *؟ قال: " هو مؤتمن عليه، مفوض إليه، فإن وجد ضعفا
~~فليفطر، وإن وجد قوة فليصمه، كان المرض ما كان " (5).
# ويمكن القدح فيه: بأن المراد بالضعف العجز عنه بسبب المرض، لا مطلق
~~الضعف.
# PageV05P260
# نعم روى في الكافي في الحسن، عن يونس، عن شعيب، عن محمد بن مسلم قال، ms1332 قلت
~~لأبي عبد الله عليه السلام: ما حد المريض إذا نقه في الصيام؟ قال: " ذلك
~~إليه، هو أعلم بنفسه، إذا قوي فليصم " (1).
# ثم الإشكال في صورة العلم بحصول الضرر، والظاهر عدم الإشكال في حصول الظن
~~به، وفي الاكتفاء بالاحتمال وجه قوي، بل ظاهر كثير من إطلاقاتهم ذلك، حيث
~~عبروا بخوف الضرر.
# وربما يستدل عليه بصحيحة حريز المتقدمة، وهو مشكل بملاحظة تتمة الرواية.
# نعم رواها في الكافي في الحسن بدون التتمة (2)، وللاستدلال به وجه.
~~ويؤيده ما اخترناه في التيمم من الاجتزاء باحتمال الضرر.
# وربما يستدل على وجوب الصوم بثبوته في الذمة، فيستصحب حتى يظهر المسقط،
~~وليس إلا العلم أو الظن، وهو ممنوع; لأصالة البراءة، لتجدد الخطاب كل يوم،
~~والأصل عدمه.
# فالأولى الاستدلال بالعمومات والإطلاقات إن قاومت ما ذكرنا.
# والمرجع في الظن إلى ما يحصل به من أمارة أو تجربة، أو قول من يفيد قوله
~~الظن ولو كان كافرا، وقد يجد الانسان من نفسه ذلك.
# ويجوز اتباع كل ذلك كما يستفاد من الأخبار، ففي صحيحة ابن أذينة قال:
~~كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام أسأله ما حد المرض الذي يفطر صاحبه،
~~والمرض الذي يدع صاحبه الصلاة من قيام؟ فقال: " بل الانسان على نفسه بصيرة،
~~وقال: ذاك إليه، وهو أعلم بنفسه " (3).
# وفي معناها موثقة ابن بكير (4) وغيرها (5)، وفي آخرها: " هو أعلم بما
~~يطيقه ".
# PageV05P261
# وفي الصحيح، عن بكر بن محمد الأزدي، عنه عليه السلام، قال: سأله أبي وأنا
~~أسمع عن حد المرض الذي يترك الانسان فيه الصوم، قال: " إذا لم يستطع أن
~~يتسحر " (1).
# وروى الصدوق في الفقيه، عن سليمان بن عمرو، عنه عليه السلام، قال: "
~~اشتكت أم سلمة عينها في شهر رمضان، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن
~~تفطر، وقال: عشاء الليل لعينك ردي " (2).
# ثم إن الصحيح إذا خاف حدوث المرض بالصوم، هل يجوز له الإفطار أم لا؟ فيه
~~إشكال، من جهة العمومات والإطلاقات وعدم دخوله تحت قوله: * (ومن كان مريضا)
~~* (3)، ومن جهة نفي الضرر والحرج، وعموم قوله عليه السلام: " كلما ms1333 أضر به
~~الصوم فالإفطار له واجب " (4).
# وقد يستدل عليه بصحيحة حريز المتقدمة، وفيه إشكال; للزوم استعمال اللفظ
~~في معنيين، وحمله على القدر المشترك بعيد.
# ولا يبعد ترجيح إلحاقه بالمرض، ومال إليه في المدارك (5).
# ثم إن كلما ثبت الضرر وجب الإفطار، وإذا وجب الإفطار يبطل الصوم ويجب
~~عليه القضاء وإن كان تكلفه.
# وأما رواية عقبة بن خالد، عن الصادق عليه السلام: في رجل صام رمضان وهو
~~مريض، قال: " يتم صومه ولا يعيد، يجزيه " (6) فمع أنها ضعيفة (7) محمولة
~~على المرض الذي
# PageV05P262
# لا يضر معه الصوم كما فعله الشيخ (1)، أو على الجاهل كما نقل عن بعض
~~الأصحاب القول بإجزائه عنه (2).
# الخامس: قد عرفت أن الأقوى أن الصوم يصح من الصبي المميز وأن عباداته
~~شرعية (3).
# وأما الحد الذي يجب فيه الصوم وسائر العبادات فيعرف بأمور:
# منها: خروج المني من قبله، ذكرا كان أو أنثى، نائما كان أو مستيقظا، خرج
~~بشهوة أم لا، يكون منه الولد أم لا.
# وما ورد في بعض العبارات من تقييد المني بما كان منه الولد فهو مسامحة،
~~بل هذا التقييد إنما يصح للماء كما وقع في آخر.
# وربما فرق بينهما: بالرسوب في الماء فيكون منه الولد، بخلاف ما بقي عليه،
~~والإجماع والنصوص به من الكتاب والسنة مستفيضة لا حاجة إلى ذكرها، وسيجئ
~~بعضها.
# أما الخنثى المشكل فلا يعلم إلا بخروجه من قبليه; للشك في قبله، لاحتمال
~~كون ما خرج منه المني عضوا زائدا، فيحصل الشك في الخروج منه، كما ذكره
~~الشيخ (4) والفاضلان (5). وتوقف في التحرير (6).
# وعن المحقق الثاني (7) والشهيد الثاني (8) بلوغه إذا أمنى من الذكر بعد
~~مضي
# PageV05P263
# تسع سنين إن أمكن إمناء الذكر فيه; لبلوغه إن كان ذكرا بالإمناء، وبتسع
~~سنين إن كان أنثى.
# وقد يقال: إن خروج المني من مخرج الذكر موجب للحكم بكونه ذكرا كما إذا
~~بال منه فقط، فيتعين كونه رجلا إذا أنزل منه، وكذا الإنزال من مخرج الأنثى.
~~وهو قياس مع الفارق، ولا يجدي مجرد ذلك في الحكم بالبلوغ.
# نعم لو اعتاد بأحدهما لكان للإلحاق وجه ms1334 لو لم تعارضه علامة أقوى.
# والمعتبر في الإمناء الموضع المعتاد; لحمل إطلاق الشارع على المتعارف،
~~فلا عبرة بغيره.
# ويؤيده تحديده ببلوغ النكاح في بعض النصوص.
# ويشكل بما لو اعتاد بغيره، والظاهر الاكتفاء به.
# وعن التذكرة: أن الحد الذي يمكن أن يكون الخارج منيا استكمال تسع سنين
~~مطلقا عند الشافعي، وفي المرأة خاصة عندنا، ولم يذكر لحده في الذكر عندنا
~~شيئا (1).
# وفي كتاب حجر المسالك: ما وقفت له على حد يعتد به (2).
# وفي التذكرة: فيه للشافعية وجهان آخران، ذكرهما الجويني أحدهما: مضي ستة
~~أشهر من العاشرة، والثاني: تمامها (3).
# ثم قال في المسالك: ولا يبعد أنه ما بعد العاشرة محتمل (4)، وأفتى به
~~المحقق في كتاب اللعان من الشرائع (5)، وأسنده في المسالك إلى العلامة (6)
~~والشيخ أيضا (7).
# ثم إن الاستعداد فقط لا يكفي، بل لا بد من الفعلية.
# PageV05P264
# قال في المسالك: ولا يجب التعريض للجماع لو ظن أنه يمني به، نعم لو وجد
~~على بدنه أو ثوبه المختص به منيا حكم ببلوغه، ولو كان مشتركا فلا (1)، وهو
~~كما ذكره.
# ومنها: الإنبات، يعني خروج الشعر الخشن على العانة، وفي بعض العبارات حول
~~الفرج، وهو أشمل، وهذا أيضا إجماعي كما عن الخلاف والغنية والتذكرة (2)،
~~ومصرح به في الأخبار (3).
# ولا فرق بين الذكر والأنثى والخنثى، ولا بين المسلم والكافر عندنا
~~إجماعا، كما عن الخلاف والتذكرة (4).
# وربما نسب القول باختصاصه بالكافر إلى الشيخ (5)، كما ذهب إليه بعض
~~العامة (6); لعدم إمكان الاعتماد على قولهم في الاحتلام والسن، ولأنه مورد
~~تهمة في المسلمين; لأن به يحصل الاستقلال في التصرفات، فقد يستعجلون فيه
~~بالعلاج دون الكفار، فإن فيه ثبوت قتلهم وجزيتهم، فلا يستعجلون فيه.
# ولا عبرة بالزغب، وهو الشعر الضعيف الذي ينبت قبل الخشن ثم يتساقط.
# والمشهور أنه (7) علامة لسبق البلوغ، لا أنه نفس البلوغ، وإلا لما كانت
~~الغاية في قوله تعالى: * (حتى إذا بلغوا النكاح) * (8) و * (إذا بلغ
~~الأطفال منكم الحلم) * (9) غاية.
# ولأن الإنبات قد يكتسب بالدواء، ولا يكتسب البلوغ.
# ولأنه تدريجي، والبلوغ ليس كذلك.
# PageV05P265
# ويخدش في الأول: النقض بالسن، ms1335 فإنه تيقن البلوغ، لا علامة سبقه.
# والقول بأنه مخرج بالأخبار والإجماع يجري في الإنبات أيضا، فإن الأخبار
~~فيه أيضا موجودة، سيما ما ورد مع السن بسياق واحد.
# وأيضا لو فرض العلم بعدم بلوغه السن، وحصل الإنبات، ولم يحصل الحلم قبله،
~~سيما إذا جرب الجماع، فكيف يقال: هذا المنبت قد بلغ قبل ذلك، فإن المراد
~~بالبلوغ حقيقة وإن كان هو المرتبة التي يستعد المكلف بسببها لإفاضة التكليف
~~عليه من جهة الفهم والإدراك والقابلية، ولكنه لما كان مختلفا بحسب الأشخاص
~~والأحوال، فجعل الشارع لذلك حدا محدودا لا يتجاوز عنه، وإن كان قد تكون
~~مرتبة فهم من هو دون هذه العلامة مساوية لمن هو فوقه; لأن بناء الشارع على
~~حماية الحمى وسد الطرق.
# فالمعتبر في البلوغ هو فعلية الاحتلام، لا الاستعداد، وإلا لجرى القول
~~بكونه علامة للسبق في الاحتلام أيضا، مع أنه ليس كذلك جزما، بل المراد من
~~النكاح والحلم هو ما كان يحصل منه الولد كما هو مقصود الشارع، وإلا فمن
~~المشاهد أن الصبي قبل البلوغ قادر على الجماع وإزالة البكارة بحيث لا مجال
~~للشك في بلوغه النكاح والمراد منه الفعلية; لعدم الانضباط بدونه، وهو خلاف
~~الحكمة، إلا أن يقال: المخبر الصادق لما أخبر بأن غاية اليتم والصغر هو
~~الاحتلام، وحكم بأن الأحكام تتعلق به مع الإنبات فيحصل لنا الجزم بفعلية
~~الاحتلام قبل ذلك، بأن يكون ذلك واقعا في النوم من دون اطلاعه، وهو بعيد،
~~وهذا الحمل والتوجيه ليس بأولى من تخصيص عام الكتاب، سيما مع أنه مخصص قبل
~~ذلك بالسن جزما.
# وأما قولهم: إن الإنبات مكتسب، ففيه: أنه لا يخدش فيما ليس بمكتسب منه،
~~وتحمل الأخبار على المعتاد التابع للطبيعة.
# وأما قولهم: إنه تدريجي، ففيه: أن نموه وتكثره تدريجي، لأنفس خروجه،
~~والأصل أيضا يقتضي كونه نفس البلوغ. PageV05P266
# نعم لما كان الاطلاع على أول ظهور الشعر من الجلد في غاية الندرة ونهاية
~~الغرابة، وأن الغالب أنه لا يطلع عليه إلا بعد طوله، سيما إذا خرج حول
~~المقعد وتحت الخصية، فلم يعتنوا بالنادر، ms1336 ولا ريب أن الغالب أن الاطلاع بعد
~~سبق البلوغ الذي هو أول الشروع في الخروج من الجلد، فيكون النزاع لفظيا.
# ثم إن المشهور عدم اعتبار غير شعر العانة وما حول الفرج، مثل الإبط
~~والفخذ وغيرهما، بل ظاهرهم الاجماع في غير شعر اللحية.
# قال في المسالك في كتاب الحجر: لا عبرة بغير شعر العانة عندنا، وإن كان
~~الأغلب تأخرها عن البلوغ إذا لم يثبت كون ذلك دليلا شرعيا، خلافا لبعض
~~العامة (1) و (2).
# وقال في الروضة: وفي إلحاق اخضرار الشارب ونبات اللحية بالعانة قول قوي
~~(3).
# وعن المبسوط أنه قال: ولا خلاف أن إنبات اللحية لا يحكم بمجرده بالبلوغ،
~~وكذا سائر الشعور، وفي الناس من قال: إنه علم على البلوغ، وهو الأولى; لأنه
~~لم تجر العادة بخروج لحيته من غير بلوغ (4).
# وفي التحرير: والأقرب أن إنبات اللحية دليل على البلوغ، أما باقي الشعور
~~فلا (5).
# وعن التذكرة: ولا اعتبار بشعر الإبط عندنا، وللشافعي وجهان هذا أصحهما;
~~إذ لو كان معتبرا في البلوغ لما كشفوا عن المؤتزر; لحصول الغرض من دون كشف
~~العورة، والثاني أن نباته كنبات شعر العانة; لأن إنبات العانة يقع في أول
~~تحريك الطبيعة في أول الشهوة، ونبات الإبط يتراخى عن البلوغ في الغالب،
~~فكان أولى بالدلالة على حصول
# PageV05P267
# البلوغ، وأما نبات اللحية والشارب فإنه أيضا لا أثر لهما في البلوغ وهو
~~أحد وجهي الشافعية، والثاني: أنهما يلحقان بشعر العانة، وبعض الشافعية ألحق
~~شعر الإبط بشعر العانة، ولم يلحق اللحية والشارب بالعانة، وأما ثقل الصوت
~~ونهود الثدي ونتوء طرف الحلقوم وانفراق الأرنبة فلا أثر له، كما لا أثر
~~لاخضرار الشارب، وهو أحد قولي الشافعية، والثاني: أنه يلحق بشعر العانة،
~~ولا بأس به عندي بناءا على العادة القاضية بتأخر ذلك عن البلوغ (1)، انتهى.
# وفي صلاة كتاب التهذيب: البلوغ يعتبر في أشياء، منها: الاحتلام، فمن تأخر
~~احتلامه اعتبر بما سواه من الإشعار والإنبات وما جرى مجراهما، أو كمال
~~العقل وإن خلا عن جميع ذلك (2).
# أقول: ونفي الخلاف الذي نقلناه عن المبسوط إنما هو في ms1337 عدم كونه نفس
~~البلوغ، بحيث إذا فرض حصوله قبل السنة العاشرة مثلا فلا يحكم بالبلوغ، وأما
~~لو فرض حصوله لمن يحتمل وصوله في السن إلى حد البلوغ، أو في استعداد
~~الإنزال والإنبات، فالظاهر أنه علامة السبق بملاحظة الغلبة.
# وكذلك عبارة المسالك، سيما بملاحظة فتاويهم المذكورة في شعر الإبط
~~واللحية وكمال العقل وغيرها مما نقلنا، فلم يعلم الاجماع على عدم كونها
~~علامة لسبق البلوغ.
# وكيف كان فالأصل دليل قوي لا يجوز الخروج منه إلا فيما دل الدليل، ولم
~~يدل في أكثر المذكورات.
# نعم لا يبعد إلحاق شعر اللحية والشارب من جهة رواية الكناسي وحمران
~~الآتيتين إذا لم يكن مخالفا للمعتاد.
# ثم هل يجب على الصبي التفحص عن الإنبات مع احتماله أم لا؟ لم أقف على من
~~تعرض للمسألة، ومقتضى اشتراط التكليف بالبلوغ عدمه; إذ وجوب الفحص حكم
# PageV05P268
# شرعي يتوقف تعلقه بالإنسان على البلوغ مثل سائر الواجبات، فهو يشتمل على
~~نوع من الدور، فلا بد أن يقال: إنما يتعلق التكليف على من ظهر عليه
~~الإنبات، لا على من أنبت في نفس الأمر مطلقا.
# ويمكن أن يقال: هذا التكليف مستثنى من مطلق التكليف، وإنما هو مشروط
~~بالفهم لا بالبلوغ، فكما أن البلغ مكلفون في الواجبات المشروطة بالتفحص عن
~~الشرط كما حققناه في غير موضع من تأليفاتنا، ولا يتوقف وجوبها على العلم
~~بالشرط، بل منشأ الوجوب إنما هو وجوب الشرط، وقد أشرنا إليه في كتاب الزكاة
~~من هذا الكتاب أيضا في معرفة النصاب ومقدار ما تعلقت به الزكاة في الدراهم
~~المغشوشة، وفروعه في الفقه في غاية الكثرة، فكذلك الفاهمون أيضا في بعض
~~التكاليف.
# ومنه معرفة أنه هل بلغ أم لا، وتعلق به التكليف أم لا؟ ولعل الفقهاء كان
~~ذلك مفروغا عنه عندهم، ولذلك لم يتوجهوا إليه. وكذلك الكلام في الفحص عن
~~السن.
# وأما التفاتهم إلى مسألة لزوم التعرض للإجماع أم لا، فلعله لأجل الإشكال
~~في أنه هل المعيار في استعداد الحلم وزمانه كما يظهر من الراغب في مفرداته
~~(1)، حيث فسر الحلم كما في الآية ms1338 بذلك، أو فعليته.
# فالحق أن المعتبر فيه الفعلية كما بينا.
# ومنها: السن، وهو بلوغ خمس عشرة سنة في الذكر وتسع في الأنثى على
~~المشهور، بل قال في المسالك في الأول: كاد أن يكون إجماعا (2) وعن صريح
~~الغنية دعوى الاجماع (3)، وكذا عن ظاهر الخلاف والتذكرة (4).
# وقال في كنز العرفان: في قوله تعالى: * (حتى إذا بلغوا النكاح) * (5) إنه
~~أشار إلى
# PageV05P269
# غاية الحجر بقوله تعالى: * (حتى إذا بلغوا النكاح) * وهو حال البلوغ، أي
~~أوان يصلح له أن ينكح، بأن يحتلم، أو يبلغ خمس عشرة سنة عندنا وعند
~~الشافعية (1); لقوله صلى الله عليه وآله: " إذا بلغ المولود خمس عشرة سنة،
~~كتب ماله وما عليه، وأقيمت عليه الحدود " (2).
# ثم قال: وأما الأنثى فعندنا تسع سنين.
# ثم قال: ورواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه رده عن الجهاد
~~عام بدر وله ثلاث عشرة سنة، ثم رده في أحد وله أربع عشرة سنة، وعرض عليه في
~~الخندق وله خمس عشرة سنة (3)، يدل على قولنا (4)، انتهى.
# وقيل: ببلوغ أربع عشرة سنة (5).
# وقيل: بكمال ثلاث عشرة سنة، والدخول في الرابعة عشرة (6).
# والأقوى الأول; للأصل، ولظاهر الاجماعات، ولخصوص الرواية السابقة
~~المنجبرة بالعمل.
# وصحيحة معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام في كم يؤخذ
~~الصبي بالصيام؟ فقال: " ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة، فإن هو
~~صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته " (7).
# وجه الدلالة: أن الظاهر من الرواية أنه يؤخذ الصبي الذي هو بهذا السن
~~وهذا السن، ولا معنى للتخيير في الزائد والناقص في مثل هذا المقام في
~~الحتم، فلا بد من حمل الأربع عشرة على التمرين كما يقتضيه السياق أيضا، ولا
~~معنى لحمل الخمس
# PageV05P270
# عشرة على الاستحباب وغيره، هذا على ما في الكافي والفقيه (1).
# وأما التهذيب فقال: " ما بين خمس عشرة أو أربع عشرة " (2) فدلالتها
~~ضعيفة، ولكن الإسقاط أظهر من الزيادة، والكليني أضبط من الشيخ.
# وما رواه الشيخ بسند صحيح إلى أبي أيوب الخزاز، عن يزيد الكناسي، ms1339 عن أبي
~~جعفر عليه السلام في حديث طويل قال: " نعم، إذا أدخلت على زوجها ولها تسع
~~سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وأقيمت الحدود التامة عليها ولها "
~~قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: " يا أبا خالد، إن الغلام
~~إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان له الخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة، أو يشعر
~~في وجهه، أو ينبت في عانته قبل ذلك " (3).
# وليس في السند من يتأمل فيه إلا يزيد الكناسي، وقد قال الصدوق: إن كتابه
~~موضوع، وغلطه ابن الغضائري - مع أنه لا يسلم عن قدحه كثير من الأكابر -
~~وقال: إني أعلم أن كتابه مسموع من ابن أبي عمير، مع أن الكليني والشيخ
~~كثيرا ما يرويان عنه، وقال الشيخ أيضا: يروي عنه ابن أبي عمير، وقال الشيخ
~~في شأنه: لا يروي إلا عن ثقة (4).
# وما رواه أيضا عنه، عن عبد العزيز العبدي، عن حمزة بن حمران، عن حمران -
~~وعبد العزيز له كتاب يرويه عنه جماعة، منهم الحسن بن محبوب كما ذكره
~~النجاشي، وكذلك ذكر في حمزة أن له كتابا يرويه عنه صفوان بن يحيى (5)،
~~فالسند لا يخلو من اعتبار - قال: سألت أبا جعفر عليه السلام قلت له: متى
~~يجب على الغلام أن يؤخذ
# PageV05P271
# بالحدود التامة وتقام عليه ويؤخذ بها؟ فقال: " إذا خرج عنه اليتم وأدرك "
~~قلت: فلذلك حد يعرف؟ فقال: " إذا احتلم، أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر، أو
~~أنبت قبل ذلك، أقيمت عليه الحدود التامة، وأخذ بها، وأخذت له " قلت:
~~فالجارية متى تجب عليها الحدود وأخذت بها وأخذت لها؟ قال: " إن الجارية
~~ليست مثل الغلام، إن الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها
~~اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأقيمت عليها
~~الحدود التامة " (1) الحديث.
# وبهذا الأسناد رواه في الكافي أيضا (2).
# وما رواه الكليني والشيخ بالإسناد المتقدم، عن أبي أيوب، عن يزيد
~~الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب
~~عنها اليتم، وزوجت، وأقيمت عليها ms1340 الحدود التامة، إلى أن قال: أما الحدود
~~الكاملة التي يؤخذ بها الرجال فلا، ولكن يجلد في الحدود كلها على مبلغ سنه،
~~فيؤخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة " (3).
# وروى الصدوق في الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " يؤدب الصبي
~~على الصوم ما بين خمس عشرة إلى ست عشرة " (4).
# وأما ما يدل على اعتبار بلوغ أربع عشرة سنة، فلعله ما رواه الشيخ، عن
~~عيسى بن زيد، عن جعفر بن محمد عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه
~~السلام: " يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع
~~لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهي طوله لإحدى وعشرين، وينتهى عقله لثمان
~~وعشرين إلا التجارب " (5) وهي مع ضعفها سندا ودلالة - لأن حصول الاحتلام
~~فيه لا يثبت البلوغ لمن لم يحتلم بعد - لا تقاوم
# PageV05P272
# أدلة المشهور.
# وأما ما دل على بلوغ ثلاث عشرة سنة صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، قال: " إذا بلغ أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة
~~وجب عليه ما وجب على المحتلمين، احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات،
~~وكتبت له الحسنات، وجاز له كل شئ، إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا " (1).
# وعنه في الموثق، عنه عليه السلام، قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول الله
~~عز وجل: * (إذا بلغ أشده) * (2) قال: " الاحتلام " فقال: يحتلم في ست عشرة
~~سنة سبع عشرة سنة ونحوهما؟ فقال: " لا، إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة، كتبت
~~له الحسنات، وكتبت عليه السيئات، وجاز أمره، إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا "
~~(3).
# ولا يبعد حملهما على إرادة أنه يمكن أن يحتلم في هذا السن.
# وأيضا في الموثق، عن آدم بياع اللؤلؤ، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق
~~عليه السلام، قال: " إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة، كتبت له الحسنة، وكتبت
~~عليه السيئة، وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك " (4).
# وتدل عليه رواية أبي حمزة، عن الباقر عليه السلام (5)، وموثقة عمار
~~الساباطي عن الصادق عليه السلام أيضا (6).
# وهذه الأخبار ms1341 وإن كانت كثيرة معتبرة الأسناد، لكنها لا تقاوم أدلة
~~المشهور; لمخالفتها للأصول وعمل الأصحاب، وموافقة أدلة المشهور - مع اعتبار
~~سند بعضها وانجبار ضعف
# PageV05P273
# الباقي بالشهرة - للعمل، والأصول، ونفي العسر والحرج، وظاهر الاجماعات
~~المنقولة.
# وأما بلوغ التسع للمرأة، فقد نقل الخلاف فيه عن كتاب صوم المبسوط (1)
~~وابن حمزة (2) حيث جعلاه بلوغ العشر، وعن كتاب حجر المبسوط موافقة المشهور،
~~وجعل العشر رواية (3). وقد يؤول بأن مراده بلوغ رأس العاشرة.
# والأقوى المشهور، وادعى عليه ابن إدريس الاجماع (4)، وكلام المقداد أيضا
~~ظاهر فيه كما مر (5).
# ويدل عليه ما مر من الأخبار.
# ولعل حجة القول الآخر: رواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن علي
~~عليه السلام: " لا توطأ جارية لأقل من عشر سنين، فإن فعلت فغيبت فقد ضمنت "
~~(6) ولا دلالة فيها على المطلوب.
# وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " لا يدخل بالجارية حتى يأتي
~~لها تسع سنين أو عشر سنين " (7).
# وروى محمد بن مسلم، قال: سألته عن الجارية يتمتع بها الرجل، قال: " نعم،
~~إلا أن تكون صبية تخدع " قال: قلت: أصلحك الله، فكم الحد الذي إذا بلغته لم
~~تخدع؟
# قال: " بنت عشر سنين " (8).
# PageV05P274
# ولا دلالة في هذه الأخبار على المطلوب، ولعلها لبيان الحد الذي يجوز
~~الدخول; لاختلافهن في صغر الجثة وكبرها، وهذا ليس معنى البلوغ، على أن
~~الظاهر من رواية محمد بن مسلم بيان الرشد لا البلوغ.
# وكيف كان، فهذه الروايات مع ضعفها سندا ودلالة لا تقاوم أدلة المشهور،
~~فلتطرح، أو تؤول بما ذكرنا.
# وأما الأخبار الدالة على اعتبار سبع سنين وثلاث عشرة سنة فهي مهجورة لا
~~يلتفت إليها.
# ثم اعلم أن مرادهم من بلوغ الخمس عشرة سنة في الرجل والتسع في الأنثى
~~إكمالها، لا الدخول فيها كما هو ظاهر الروايات; لأن الخمس عشرة مثلا اسم
~~لمجموع العدد.
# نعم لو قيل: بلوغ الخامسة عشرة، لكان الإشكال متجها كما لا يخفى، بل
~~الظاهر أنه لا خلاف في ذلك، كما يظهر من كلمات جماعة، منهم الشهيد الثاني،
~~حيث نسبه إلى فتوى الأصحاب (1) وهو ms1342 منقول عن الخلاف والغنية والوسيلة
~~والتذكرة (2) والظاهر كونه إجماعيا، وهو موافق للأصل أيضا.
# والمعتبر الهلالية كما في سائر النظائر، وهو المعهود في شرعنا كما نص
~~عليه في المسالك (3) وغيره (4).
# وأما بلوغ الخنثى المشكل بحسب السن، فهو أيضا بلوغ خمس عشرة; للأصل، ولم
~~نقف على مخالف فيه.
# ومنها: الحيض والحمل، ولم نقف في كونهما علامة للبلوغ على خلاف، ولكن
# PageV05P275
# الإشكال في أنهما نفس البلوغ أو علامة لسبقه، فالظاهر أن المشهور هو
~~الثاني، بل ادعى في المسالك عليه الاجماع (1).
# وظاهر التحرير أيضا عدم الخلاف، حيث قال في كتاب الحجر: السن يتحصل منه
~~البلوغ، إلى أن قال: الحيض دلالة على البلوغ بلا خلاف، وكذا الحمل (2)،
~~وكذا يظهر ذلك من ابن إدريس (3).
# وعن ظاهر المبسوط: أن الحيض نفس البلوغ (4).
# وأما الحمل فلم يذكروا فيه خلافا.
# والذي ذكروه في وجهه: أن الحيض لا يكون إلا مع كمال التسع إجماعا، فلا
~~يتحقق الحيض إلا بعد كماله، فظهر أنها بالغة قبل الحيض.
# وفي الحمل أنه مسبوق بإنزال الماء; لقوله تعالى: * (أمشاج نبتليه) * (5)
~~و * (يخرج من بين الصلب والترائب) * (6) وهو نفس البلوغ.
# وربما يورد على الأول بالدور; لأن معرفة كون الدم حيضا موقوف على معرفة
~~كمال التسع الذي هو نفس البلوغ، فإذا عرف البلوغ به لزم الدور.
# ويندفع: بأن ذلك في مجهولة السن التي يمكن أن يكون دمها حيضا فبالإمكان
~~يحكم بكونه حيضا، وبعد ذلك يحكم بكونها بالغة بالتسع كمالا.
# ويرد على الأول: إمكان المقارنة دفعة، فلا يثبت السبق، والسبق الذاتي من
~~جهة العلية - كسبق حركة اليد على المفتاح - لو سلم فلا يثمر في الفروع
~~الفقهية، والذي ذكروه من الفروع هو صحة العقد الذي وقع مقارنا لمبدأ الحيض
~~أو انعقاد النطفة،
# PageV05P276
# وهو مع ندرته وندرة الاطلاع عليه خصوصا في انعقاد النطفة يشكل باحتمال
~~وقوع أول الصيغة قبل البلوغ، إلا أن يكون نظرهم إلى تقديم الظاهر على
~~الأصل، وله وجه.
# وأما الكلام في الحمل; فقد ذكر فيه أنه مسبوق بالإنزال من المرأة، وأن
~~عادة الله جرت على أن المرأة ms1343 لا تحبل حتى يتقدم منها حيض.
# وفيه: مع ما تقدم من إمكان المقارنة أن المعتبر من الحيض والمني ما يخرج
~~من المخرج، لاما ينزل في الرحم وتخلق فيه. وكيف كان فالنزاع في المسألة
~~قليل الفائدة.
# وأما الخنثى المشكل فتحيضها بمجرده لا يدل على البلوغ، إلا إذا أمنى من
~~مخرج الذكر كما عن الأكثر (1)، وهو كما ذكروه.
# وقد يقال هنا بطريق نظير ما تقدم في الإنزال من أن خروج الحيض من مخرج
~~الأنثى دليل على كونها أنثى، كما إذا بالت منه، وأن خروج الحيض من الرجل
~~محال، فكان دليلا على التعيين، ومتى ثبت التعيين، كان دليلا على البلوغ،
~~كما أن خروج المني من مخرج الذكر من الأنثى محال، فيكون دليلا على رجولية
~~الخنثى.
# أقول: أما الأول فهو قياس.
# وأما الثاني فهو استبعاد يدفعه وقوع أعجب منه، وهو الإيلاد لآخر مع إيلاد
~~الآخر منها كما في قصة شريح، وهذا القول منسوب إلى بعض العامة (2)، وارتضاه
~~في المسالك (3)، وهو غير جيد، نعم لو اعتاد بذلك فيمكن الاعتماد.
# وأما ما قيل من أن خروج الحيض والمني من المخرجين يوجب التعارض والتساقط
~~ففاسد; إذ لا يخرج الشخص في نفس الأمر عن الرجل والمرأة عند الشارع، فما لا
~~يلتبس من أجله الحكم، فلا وجه لعدم اعتباره من أجله.
# PageV05P277
# تذنيبان الأول: طريق معرفة البلوغ بالسن لمن لم يضبطه البينة أو الشياع.
# وأما ادعاء الصبي ذلك أو إقراره فقال في القواعد: ولو ادعى أنه بلغ
~~بالاحتلام في وقت إمكانه صدق من غير يمين، وإلا دار، ولو ادعاه بالسن طولب
~~بالبينة (1)، ومثله قال في التحرير (2).
# وقال في الشرائع: ولا يقبل إقرار الصبي بالبلوغ حتى يبلغ الحد الذي يحتمل
~~البلوغ (3).
# وظاهر إطلاقه يشمل إقراره بالسن.
# وفي التذكرة: ولو ادعى البلوغ بالسن طولب بالبينة لإمكانها، ولو كان
~~غريبا أو خامل الذكر الحق بدعوى الاحتلام، يعني يسمع; لعسر إقامته البينة
~~عليه كالمني (4).
# ونقله في الدروس ساكتا عليه مشعرا بالتوقف (5 ").
# وفي الروضة: أنه تقبل دعواه، وأطلق (6).
# وفي المسالك بعد نقل كلام التذكرة: ms1344 والأظهر أنه لا يقبل بدون البينة;
~~لإمكان إقامتها عليه في جنس المدعى، ولا ينظر إلى حال المدعي وعجزه مع كون
~~الجنس في ذاته مقدورا.
# قال: ويمكن حمل كلام المصنف على دعوى البلوغ، ووجه قبوله أن طريقه مما
~~يرجع إليه في الجملة، وهذا متجه.
# PageV05P278
# ثم قال وفاقا للتذكرة: وفي الحقيقة دعوى الصبي البلوغ بالاحتلام وغيره أو
~~مطلقا ليس إقرارا; لأن الإقرار إخبار عن ثبوت حق عليه للغير، ونفس البلوغ
~~ليس كذلك، ولهذا يطالب مدعي البلوغ في السن بالبينة، واختلفوا في تحليف
~~مدعيه بالاحتلام، والمقر لا يكلف البينة ولا اليمين. نعم قد يتضمن الإقرار
~~من حيث إنه يستلزم الاعتراف بالحقوق المنوطة بالبلوغ، وذلك لا يقتضي كونه
~~بنفسه إقرارا.
# ثم قال أيضا موافقا للتذكرة: وأيضا فإنه على تقدير قبول قوله يحكم ببلوغه
~~سابقا على قوله، فلا يكون إقراره إقرار الصبي إلا من حيث الظاهر، ولكن
~~الأمر هنا سهل; لجواز وصفه بالصبي من هذا الوجه، فإنه حال الإقرار كان
~~محكوما بصباه، وإنما كشف تمام إقراره عن عدم صباه، وذلك حكم متأخر عن حالة
~~الإقرار (1).
# أقول: الصبي المذكور حين الإقرار صبي، وثبوت كون إقراره في حال البلوغ
~~بقول نفسه موقوف على كون قوله مقبولا حين الإقرار، وهو أول الكلام.
# والظاهر عدم الفرق بين كون اخباره من باب الدعوى أو الإقرار أو مطلق
~~الإخبار، وكلها مشروطة بالكمال.
# والقول " بأن الصبي إذا كان عاقلا يشمله عموم إقرار العقلاء على أنفسهم
~~جائز، فإن العقل قد ينفك عن البلوغ " مما لا أجد له مسرحا في النظر السليم;
~~إذ هو مستلزم للتخصيص الذي لا يرضى به المحققون بالنسبة إلى هذا النوع من
~~أنواع العام; إذ لا ريب في عدم سماع إقرار الصبي إلا في مثل الوصية
~~بالمعروف عند من جوزها له.
# فالأظهر عدم قبول قوله، إلا بالبينة أو الشياع; لأن الأصل عدم ثبوت حق
~~على غيره في صورة كون اخباره من باب الدعوى، وكون غرضه إثبات حق على الغير.
# وتقديم قول أحد المتداعيين إذا كان قوله مما لا يطلع عليه ms1345 أحد غيره، إنما
~~يعتبر فيما
# PageV05P279
# كان جنسه كذلك، لتكون القاعدة مطردة، فلا عبرة بكونه غريبا أو خامل
~~الذكر.
# ولا يحسن القول بأن هذا أيضا كلي مطرد، وليس بجزئي حتى لا يعتبر; لأن لكل
~~جزئي من جزئيات الدعوى يمكن اعتبار أمر كلي، مثل أن يقال: من لم يكن غريبا
~~ولا خامل الذكر ولكن مات شهوده أو خاف شهوده يجري فيه ذلك، فيقال: كل من
~~مات شهوده أو خاف فلا يمكن الاطلاع على قوله إلا من جهته، وهكذا.
# وأما إن تضمن اخباره إقرارا على نفسه; فلما ذكرنا أن إقرار الصبي لا يسمع
~~على نفسه، وإنما اختلفوا فيه مع إذن الولي، والمفروض أنه حال الإقرار محكوم
~~بكونه صبيا.
# وأما الإخبار المطلق فهو أيضا مشروط بالبلوغ.
# وأما بالنسبة إلى معرفة حال نفسه بالنسبة إلى التكاليف فهو أمر بينه وبين
~~الله، وعليه اتباعه، فتجب عليه العبادات مثلا بإقراره بينه وبين الله.
# ولكن لا يثبت وجوب الأمر والنهي للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر
~~بمجرد ذلك.
# وكذلك لا يجب على وليه لو مات قبل ثبوت بلوغه بالبينة قضاء صلاته الفائتة
~~على القول بعدم اختصاص الولاية بابنه الأكبر أو مطلقا إذا فرض اطلاع ابنه
~~الأكبر على إقراره كذلك; إذ هو بالنسبة إليه إقرار على الغير فلا يسمع.
# ثم إن الشهيد الثاني - رحمه الله - قال في الروضة: وفي قبول قول الأبوين
~~أو الأب في السن وجه (1)، ولعل وجهه أنه لا يعرف إلا من قبلهما - كما قيل -
~~كالاحتلام منه.
# وفيه نظر، ولو قبل فالأم أولى بالقبول، فالصواب جعلهما من باب الشاهد لو
~~اتصفا أو اتصف أحدهما بصفته.
# وأما الاحتلام فيثبت بالبينة والشياع أيضا; لإمكان حصول العلم للغير به،
~~وبقوله
# PageV05P280
# مع الإمكان، كما اختاره الفاضلان (1) والشهيدان (2)، لأنه أمر لا يعرف
~~غالبا إلا من قبله.
# ثم اختلفوا في تحليفه، فذكر العلامة (3) وغيره (4) أنه لا يحلف، وإلا
~~دار; لأن صحة اليمين مشروطة بكون الحالف بالغا; لرفع القلم عن الصبي،
~~فيتوقف على الحكم بالبلوغ، ولو توقف الحكم البلوغ على اليمين لزم الدور.
# وما ذكره ms1346 الشهيد - رحمه الله - في الدروس في دفعه " بأن اليمين موقوفة
~~على إمكان البلوغ، والموقوف على اليمين هو البلوغ فتتغاير الجهة " (5) فهو
~~مدفوع بمنع كفاية إمكان البلوغ في اليمين.
# أقول: ويمكن أن يكون نظره - رحمه الله - إلى صورة الدعوى ووجود المزاحم،
~~فحينئذ معنى قبول قوله أنه يصير من قبيل المنكر، وكلما يقال في المنكر "
~~القول قوله " فالمراد مع اليمين; لعموم قوله عليه السلام: " البينة على
~~المدعي، واليمين على المدعى عليه " إذ من المواضع التي يجعل أحد المتداعيين
~~منكرا هو ما كان الفعل فعله، وكان مما لا يطلع عليه غيره غالبا.
# فالأولى منع قبول قوله لما دل على رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، وعدم
~~كفاية الإمكان والاحتمال، وبعد قبول قوله فالأظهر الاحتياج إلى اليمين.
# وكذلك الكلام في دعوى الصبية الحيض مع الإمكان على الوجه الذي حققناه
~~سابقا من اعتبار ذلك في مجهولة السن، لئلا يلزم الدور.
# والكلام في التحليف أيضا كما تقدم، والوجه عدم القبول; لعموم رفع القلم،
~~وما دل من الأخبار على أن الحيض والعدة إلى النساء إنما هو فيمن بلغت.
# PageV05P281
# وأما الإنبات فلا يثبت بقوله; لإمكان المعرفة بالاختيار للاضطرار، بل
~~اختيارا على المشهور من عدم كون محله عورة، ولم نقف على مخالف فيه، ويثبت
~~بالبينة والشياع.
# الثاني: يستحب تمرين الصبي والصبية على العبادات استحبابا، والمراد به
~~حمله على العبادات قبل البلوغ ليعتاد عليها، ويقوى عليها، حتى يسهل عليه
~~الأمر بعد البلوغ، ويصلب عليها.
# وهو مأخوذ من المرانة بمعنى العادة، أو من قولهم: مرنت يده على العمل،
~~إذا صلبت، والأصل الاستحباب مما لا اشكال فيه.
# إنما الخلاف في مبدأه، وقد أشرنا في أول الكتاب إلى اختلاف الأخبار في
~~مبدأ الصلاة.
# وأما الصوم فذكر جماعة أن مبدأه سبع سنين مع الطاقة، ولكن جعلها جملة
~~منهم مبدأ التشديد.
# وذهب جماعة إلى أن مبدأه التسع.
# وقال المفيد: ويؤخذ الصبي بالصيام إذا بلغ الحلم أو قدر على صيام ثلاثة
~~أيام متتابعات قبل أن يبلغ الحلم، بذلك جاءت الآثار (1).
# حجة الأولين: حسنة الحلبي، عن أبي ms1347 عبد الله عليه السلام: " إنا نأمر
~~صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإن كان
~~إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقل، فإذا غلبهم العطش والغرث أفطروا،
~~حتى يتعودوا الصيام ويطيقوه، فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين ما
~~أطاقوا من صيام، فإذا غلبهم العطش أفطروا " (2).
# PageV05P282
# وهذه الرواية تدل على أفضلية السبع، لا على اختصاصه بأولادهم عليهم
~~السلام، حتى أنه لا يستحب لغيرهم، كما فهمه الآخرون.
# ويدل على الرجحان قبل السبع أيضا وإن لم يكن مشددا مضافا إلى إطلاق صحيحة
~~معاوية بن وهب المتقدمة سابقا (1)، وصحيحة زرارة والحلبي، وحسنتهما، عن أبي
~~عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن الصلاة على الصبي متى يصلى عليه؟ فقال: "
~~إذا عقل الصلاة " قلت: متى تجب الصلاة عليه؟ قال: " إذا كان ابن ست سنين،
~~والصيام إذا أطاقه " (2).
# وقوية عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عن الصبي متى يصوم؟ قال: "
~~إذا قوي على الصيام " (3).
# والمستفاد من الخبرين وغيرهما (4) أن المعيار هو الطاقة، وأن ذكر السبع
~~مثلا قد ورد مورد الغالب، وقد عرفت أن الطاقة لبعض اليوم أيضا تكفي في
~~استحبابه صريحا من الحسنة المتقدمة.
# وأما دليل المفيد فرواية السكوني، عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا
~~أطاق الغلام صوم ثلاثة أيام متتابعة، فقد وجب عليه صيام شهر رمضان " (5).
# وعن الصدوق: أنه فهم من ذلك أنه إذا أطاق ذلك أخذ بصيام كل الشهر (6)،
~~وكذا المفيد في موضع من المقنعة (7)، وهو بعيد.
# وأما القول باستحباب أخذ الصبي بالصيام إذا كان ابن ست سنين بالخصوص كما
# PageV05P283
# في المعتبر (1)، لعله فهم ذلك من صحيحة زرارة والحلبي المتقدمة: " إذا
~~كان ابن ست سنين تجب الصلاة عليه والصيام "، فهو معطوف على الصلاة المقدرة
~~بقرينة المقام، ولكنه مقيد بالطاقة، وليس بذلك البعيد، فليس ذلك من باب
~~القياس على الصلاة كما قد يتوهم، والمراد من وجوب الصلاة الثبوت، فهو بيان
~~لتعقله للصلاة، وأول الرواية سؤال عن صلاة الميت.
# تنبيهات:
# الأول: لا يحضرني كلام منهم في تمرين المجنون، ms1348 وقال في الروضة: وأما
~~المجنون فينتفيان في حقه - يعني شرعية عبادتهم وصحتها - لانتفاء التمييز،
~~والتمرين فرعه، قال: ويشكل ذلك في بعض المجانين; لوجود التمييز فيهم (2).
# أقول: والعلة المستفادة من بعض الأخبار المتقدمة وكلماتهم من حصول
~~التسهيل عليهم بعد البلوغ يشعر بعدمه فيهم، إلا أن يكون جنونهم دوريا،
~~فيمكن حصول الثمرة فيهم وقت الإفاقة، فيمكن القول برجحان تمرينهم في حال
~~الجنون لحال الإفاقة، ولكن المقام لا يصفو عن شوب الإشكال.
# الثاني: اختلفت كلماتهم في نية الصبي في الواجبات، اختار العلامة في
~~التذكرة والتحرير نية الندب; لأنه الوجه الذي يقع عليه فعله، فلا ينوي غيره
~~(3).
# وقال الشهيد في الذكرى: وهل ينوي الوجوب أو الندب؟ الأجود الأول; ليقع
~~التمرين موقعه، قال: ويكون المراد بالوجوب في حقه ما لا بد منه، يعني ولو
~~تمرينا، أو المراد به الواجب على المكلف، ويمكن الثاني; لعدم وجه الوجوب في
~~حقه (4).
# PageV05P284
# وفي البيان قال: وينوي الصبي الوجوب، ولو نوى الندب جاز (1).
# وقال الشهيد الثاني في الروضة: ويتخير بين نية الوجوب والندب; لأن الغرض
~~التمرين على فعل الواجب، ذكره المصنف وغيره وإن كان الندب أولى (2).
# أقول: والتحقيق أن يفصل ويقال: لا معنى للوجوب الحقيقي ولا للندب الحقيقي
~~على القول بعدم كون عباداته شرعية; إذ لا خطاب، فلا ندب ولا إيجاب.
# وأما على القول بكونها شرعية - كما هو المختار - فعباداته مندوبة لها
~~ثواب، فيتعين قصد الندب.
# ويمكن أن يقال حينئذ: المطلوب منه بعنوان الندب إيقاعها مع تصوير قصد
~~الوجوب ندبا.
# يعني يستحب أن يأتي بصورة العبادة التي تجب على المكلفين هيئة ونية، فنية
~~الوجوب ليست نفس نية العبادة، بل هي تصور هنا، وحقيقة النية تصديق، فيستحب
~~له تصور الوجوب الذي هو ثابت على المكلفين، فنية الفعل حقيقة هو الندب،
~~وقصد الوجوب إنما هو محض التصور لأجل الاعتياد، ولا غائلة في ذلك.
# وما يقال: إن التمرين في النية غير محتاج إليه لكمال سهولة تغييرها عند
~~البلوغ، فهو كما ترى، إذ في ممارسة ذلك كمال التسهيل، سيما فيمن قد تطرؤه
~~الوسوسة في ms1349 النية والتشكيك، وذلك نظير نية الأجير للحج المندوب ينوي وجوب
~~ما هو مندوب على المستأجر على نفسه.
# الثالث: مقتضى اشتراط صحة النية بالإخلاص خلوصها عن شوب سائر الدواعي،
~~والعادة من أعظم الدواعي على الأفعال العادية، فكيف يجتمع هذا مع رجحان
~~تسهيل العبادات على العباد من جهة الاعتياد، وتكليفه بعد البلوغ بتصفية
~~نيته عن شوب داعية العادة من أشق التكاليف، فهذا التسهيل مما يوجب عدم
~~التسهيل،
# PageV05P285
# فترتفع فائدة التمرين، وهو التسهيل، وما يوجب وجوده عدمه فهو محال.
# ويمكن دفع هذا الإشكال: بأن الحكمة في ذلك لعلها جعل العمل بحيث لا تكرهه
~~النفس، وإلا فهو مكلف بعد البلوغ بإزالة داعي العادة وتصفيتها عنها، فإنا
~~قد نجد من أنفسنا بعد إخلاص النية عن كل شوب مشقة العبادة ومنافرة النفس
~~وتضجرها منها، لكونها شاقة في نفسها.
# فالمطلوب من الاعتياد هو صيرورة العمل بحيث لا تتضجر منه النفس، ولذلك
~~أمرونا بالاقتصاد، بل وترك المندوب حين الألم واشتغال القلب بالغموم وغير
~~ذلك، وعدم تحميلها فوق وسعها، وكفاك قوله تعالى: * (ما أنزلنا عليك القرآن
~~لتشقى) * (1) فتأمل تفهم الفرق بين ملائمة النفس وبين كون الداعي على العمل
~~هو الاعتياد، والله أعلم بالرشاد.
# PageV05P286
# المقصد السادس في أقسام الصوم وهو ينقسم إلى ما عدا المباح من الأحكام
~~الأربعة.
# وفيه فصول:
# الفصل الأول: في الصوم الواجب فالواجب منه ستة: صوم شهر رمضان،
~~والكفارات، والنذر وما أشبهه، وقضاء الواجب، ودم المتعة، والاعتكاف منذورا
~~أو بعد يومين، وسيجئ الكلام في النذر وشبهه ودم المتعة في محالها، ونقتصر
~~هنا على ذكر قسمين:
# القسم الأول: في صوم شهر رمضان وفيه مباحث:
# الأول: فيما يعلم به دخول الشهر، ووقت وجوب الإمساك والإفطار.
# أما علامة دخول الشهر فأمور: PageV05P287
# الأول: الرؤية فيجب على من رأى الهلال متيقنا ولو انفرد، وكذا لو شهد
~~فردت شهادته، بإجماع علمائنا كما في التذكرة (1) والمدارك (2)، خلافا
~~لعطاء، والحسن، وابن سيرين، وإسحاق (3).
# وكذلك الحكم في إفطار أول شوال، وادعى عليه الاجماع أيضا في المدارك (4).
# ويدل عليه قولهم عليهم السلام: " إذا رأيت الهلال فصم، وإذا ms1350 رأيته فأفطر
~~" (5) ونحوه مما سيجئ.
# وخصوص صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يرى
~~الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، له أن يصوم؟ قال: " إذا لم يشك
~~فيه فليصم، وإلا فليصم مع الناس " (6).
# ولا تنافيه مثل صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: "
~~والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد: هو ذا هو، فينظر تسعة فلا
~~يرونه، إذا رآه واحد رآه عشرة وألف " (7) إذ لعل المراد أنه لا تعتبر شهادة
~~مثل هذا الواحد; لأنه مورد التهمة.
# ولو أفطر هذا المنفرد، تجب عليه الكفارة عند علمائنا أجمع، كما في
~~التذكرة (8).
# وينبغي التنبيه لأمور:
# PageV05P288
# الأول: إذا رؤي الهلال في بلد دون آخر، فإن كانت البلدان متقاربة كان
~~حكمها واحدا في الصوم والإفطار، وإن تباعدت فلكل منهما حكمه.
# والمراد بالتباعد: أن يكون بحيث تختلف المطالع، كالحجاز والعراق، وبغداد
~~وخراسان، بخلاف المتقاربة كبغداد والعراق.
# واختلف العامة في معنى التباعد، فبعضهم اعتبر مسافة القصر، وبعضهم مسافة
~~يظهر في مثلها تفاوت في المناظر بسبب الارتفاع والانخفاض وإن كان أقل من
~~مسافة القصر، وبعضهم اتحاد الإقليم واختلافه، وبعضهم ما اعتبرناه (1).
# ووجهه: أن اختلاف المطالع إنما هو الموجب لاختلاف الرؤية بناءا على أن
~~الأرض كروية كما هو الأصح، فتختلف المطالع، فتطلع الكواكب على جهاتها
~~الشرقية قبل طلوعها على الغربية، وكذلك في الغروب، فيمكن أن لا يرى الهلال
~~قبل الغروب في الشرقية; لقربه من الشمس، ثم يرى في تلك الليلة في الغربية;
~~لتأخر غروبها، فيحصل التباعد بينهما الموجب للرؤية.
# قال فخر المحققين: وكل بلد غربي بعيد عن الشرقي بألف ميل يتأخر غروبه عن
~~غروب الشرقي ساعة واحدة (2).
# واستدل عليه أيضا في التذكرة بما رواه كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته
~~إلى معاوية بالشام، قال: قدمت الشام فقضيت بها حاجتي، واستهل علي رمضان
~~فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله
~~بن عباس وذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة، فقال: أنت ms1351
~~رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة
~~السبت، فلا نزال نصوم حتى تكمل العدة أو نراه، فقلت أو لا تكتفي برؤية
~~معاوية وصيامه؟
# قال: " لا، هكذا أمرنا
# PageV05P289
# رسول الله صلى الله عليه وآله " (1) و (2).
# وربما يستدل بمثل آخر رواية زيد الشحام، قال: صعدت مرة جبل أبي قبيس
~~والناس يصلون المغرب، فرأيت الشمس لم تغب، إنما توارت خلف الجبل عن الناس،
~~فلقيت أبا عبد الله عليه السلام فأخبرته بذلك، فقال: " فلم فعلت ذلك، بئس
~~ما صنعت، إنما تصليها إذا لم ترها خلف الجبل، غابت أو غارت، ما لم يتجللها
~~سحاب أو ظلمة تظلها، فإنما عليك مشرقك ومغربك، وليس على الناس أن يبحثوا "
~~(3).
# وفيه: منع الدلالة، إذ مع قطع النظر عن اختصاص ذلك بوقت المغرب على القول
~~بكفاية ذهاب الشعاع عن الأشجار والمباني العالية، لا زوال الحمرة المشرقية،
~~لا بد على أن بعد البحث لا يجب العمل بمقتضاه.
# ثم نقل فيها عن بعض الشافعية (4) أن حكم البلدان كلها واحد، فمتى رؤي في
~~بلد حكم بأنه أول الشهر في جميع أقطار الأرض، تباعدت البلاد أو تقاربت،
~~اختلفت مطالعها أو لا، وبه قال أحمد وليث، وبعض علمائنا; لأنه يوم من شهر
~~رمضان في بعض البلاد للرؤية، وفي الباقي بالشهادة، فيجب صومه; لقوله تعالى:
~~* (ومن شهد منكم الشهر فليصمه) * (5) ولأن الأرض مسطحة، فإذا اختلفت البلاد
~~في الرؤية فإنما هو لأمر عارضي.
# وبقول الصادق عليه السلام في صحيحة هشام بن الحكم: فيمن صام تسعة وعشرين
~~يوما: " إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية
~~الهلال
# PageV05P290
# قضى يوما " (1).
# ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله عنه عليه السلام، وفي آخرها: " فإن
~~شهد أهل بلد آخر فاقضه " (2).
# ويرد عليه: المنع بثبوته بمثل هذه الشهادة، وبمنع تسطيح الأرض كما حقق في
~~محله، وتشهد به التجربة، فإنا نشاهد أن من يسير على خط من خطوط نصف النهار
~~إلى سمت الشمال يرتفع القط ب الشمالي، وكذلك بالعكس.
# وأما الآية (3); فظاهرها فيمن ms1352 شهد في البلد الذي رأوه فيه، ولو منع
~~الظهور فلا بد من تأويلها به لئلا يلزم جواز جعل شهر رمضان ثمانية وعشرين
~~في بعض الأوقات، وهو غير جائز إجماعا.
# وأما الأخبار; فليس فيها عموم يشمل البلاد المتباعدة، بل هي ظاهرة في
~~المتقاربة.
# وأما منع الجبال والتلال للرؤية وتفاوت الأمكنة بسبب ذلك كما يظهر من
~~كلام بعض العامة اعتباره (4) فضعيف جدا; إذ لو اعتبر ذلك اعتبر حيطان الدار
~~وسور البلد ونحو ذلك، وليحصل الفرق بين من كان في سفح الجبل ومن كان في
~~قلته في بعض البلاد الواقعة في سفحه.
# وبالجملة فلا قائل به من الأصحاب، وخلاف مقتضى إجماعهم ظاهرا.
# إذا عرفت هذا فلو شرع في الصوم في بلد ثم سافر إلى آخر لم ير الهلال فيه
~~في اليوم الأول، فعلى القول بالتعميم يلزم أهل البلد الآخر موافقته لو ثبت
~~عندهم بشهادته إذا كان عدلا وقلنا به أو بطريق آخر، فيقضون اليوم الأول،
~~وفي العكس هو يقضي.
# وعلى القول المختار قال في التذكرة: وجهان، أحدهما: أنه يصوم معهم، وهو
~~قول
# PageV05P291
# بعض الشافعية; لأنه بالانتقال إلى بلدهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم،
~~والثاني:
# أنه يفطر; لأنه التزم حكم البلدة الأولى، فيستمر عليه، وشبه ذلك بمن
~~اكترى دابة لزمه الكراء بنقد البلد المنتقل عنه (1).
# أ قول: فقد يلزمه على الأول صوم أحد وثلاثين يوما بناءا على التعميم، وفي
~~العكس الإفطار على ثمانية وعشرين يوما.
# ولو أصبح معيدا ثم انتقل ليومه ووصل قبل الزوال، أمسك بالنية وأجزأ،
~~وبعده أمسك مع القضاء، ولو انعكس أفطر.
# وههنا فروع كثيرة لا نص فيها، فالأولى العمل بالاحتياط فيها.
# الثاني: قال في التذكرة: يجب الترائي للهلال ليلة الثلاثين من شعبان
~~ورمضان وتطلبه; ليحتاطوا بذلك لصيامهم ويسلموا من الاختلاف.
# واستدل عليه بأن الصوم واجب في أول رمضان، وكذا الإفطار في العيد، فيجب
~~التوصل إلى معرفة وقتهما; لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (2).
# أقول: وفيه نظر; إذ الأصل دليل قوي لا يخرج عنه إلا بدليل، وبراءة الذمة
~~عن ms1353 التكليف لا ترتفع إلا بما يثبته، ونحن نمنع وجو ب الصوم إلا لمن عرف
~~دخول الشهر، وإن قلنا بأن الألفاظ أسام لما هو في نفس الأمر . وبذلك ندفع
~~ما احتج به الأصحاب في وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة، حيث استدلوا على
~~وجوب الاجتناب عن المشتبه بالنجسن بأن الاجتناب عن النجس أو الحرام واجب،
~~ولا يتم إلا بالاجتناب عن الجميع، ونقول: إن المسلم وجوبه هو الاجتناب عما
~~علمت نجاسته أو حرمته، لا عما هو نجس أو حرام في الواقع كما حققناه في
~~القوانين.
# PageV05P292
# ولهذه المسألة فروع كثيرة في الفقه، منها: لزوم إذابة النقد المغشوش إذا
~~جهل بلوغه حد النصاب لمعرفة ذلك.
# ومنها: تعريض الأموال للبيع، حتى يعرف الاستطاعة للحج.
# ومنها: وجوب التفحص عن المسافة لمن يريد السفر.
# ومن هذا الباب: جواز الأكل والشرب في السحر مع عدم التفحص عن الفجر.
# والحاصل: أنا لا نقول إن مائتي درهم وعشرين دينارا مثلا اسم لما علم أنه
~~مائتا درهم وعشرون دينارا، وكذا في نظائره، لكنا نقول: ظاهر متعارف أهل
~~اللسان أنهم يريدون ذلك، وكذلك غالب استعمالات الشرع، مضافا إلى الأصل،
~~فالأصل والظاهر هنا متطابقان.
# وقد يقال: إن المولى إذا قال لعبيده كل من كان عنده عشرون دينارا فليتصدق
~~بدينار، ومن لم يبلغ ما عنده إليه فلا شئ عليه، فالعرف والعادة ووجوب
~~الامتثال يقتضي أن يحسب كل منهم ما عنده حتى يعرف الحال، وأنه من أي
~~الصنفين.
# وفيه: أنا نمنع ذلك إلا إذا علموا أن مراده لزوم التفحص عن ذلك.
# سلمنا اللزوم; ولكنه فيما لم يكن بأيدينا ما هو عذر لترك التفتيش،
~~والمفروض أن لنا عذرا في تركه، وهو استصحاب شعبان.
# لا يقال: إن هذا الكلام يمكن إجراؤه في كل موضع; لأن أصل البراءة عذر في
~~كل موضع، لأنا نفرض الكلام في الحكمين المتعارضين من الشارع مع قطع النظر
~~عن الأصل.
# الثالث: يستحب لمن رأى الهلال الدعاء.
# وعن ابن أبي عقيل: أنه يجب أن يدعو بهذا الدعاء عند رؤية هلال شهر رمضان:
# " الحمد لله الذي ms1354 خلقني وخلقك، وقدر منازلك، وجعلك مواقيت للناس، اللهم
~~أهله علينا إهلالا مباركا، اللهم أدخله علينا بالسلامة والإسلام، واليقين
~~والإيمان، PageV05P293
# والبر والتقوى، والتوفيق لما تحب وترضى " (1).
# وروى الكليني، عن جابر، عن الباقر عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى
~~الله عليه وآله إذا أهل هلال شهر رمضان استقبل القبلة ورفع يديه فقال:
~~اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والعافية المجللة،
~~والرزق الواسع، ودفع الأسقام، اللهم ارزقنا صيامه وقيامه وتلاوة القرآن
~~فيه، اللهم سلمه لنا، وتسلمه منا، وسلمنا فيه " (2). وعن الحسين بن المختار
~~رفعه قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " إذا رأيت الهلال فلا تبرح،
~~وقل: اللهم إني أسألك خير هذا الشهر وفتحه ونوره ونصره وبركته وطهوره
~~ورزقه، وأسألك خير ما فيه وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما
~~بعده، اللهم أدخله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والبركة
~~والتقوى والتوفيق لما تحب وترضى " (3) إلى غير ذلك من الأدعية التي وردت في
~~خصوص هلال شهر رمضان ومطلق الهلال، وسيما دعاء الهلال لمولانا سيد الساجدين
~~عليه السلام في الصحيفة المباركة (4).
# الثاني: أن يمضي من شعبان ثلاثون يوما بإجماع المسلمين، بل هو من ضروريات
~~الدين كما في المدارك (5).
# وتدل عليه الأخبار (6) أيضا، وكذلك الكلام في هلال شوال، فيعلم بمضي
~~ثلاثين من رمضان.
# PageV05P294
# الثالث: الشياع وهو في اللغة بمعنى الانتشار، قال الجوهري: شاع الخبر أي
~~ذاع، وفسر ذا في محله بانتشر (1).
# وهو لا يستلزم العلم كما لا يخفى، وكذا لا يفهم منه العلم في العرف.
# وفسره في الروضة هنا بإخبار جماعة به تأمن النفس من تواطؤهم على الكذب،
~~ويحصل بخبرهم الظن المتاخم للعلم (2).
# وادعى على ثبوت الرؤية بالشياع الاجماع في المعتبر، قال: وكذا لو رؤي
~~شائعا، ولا خلاف بين العلماء في ذلك (3).
# وقال في التحرير: ولو رؤي في البلد رؤية شائعة وجب الصيام إجماعا (4).
# ولكنه قال في التذكرة: ولو رؤي الهلال في البلد رؤية شائعة واشتهر وذاع
~~بين الناس الهلال وجب الصيام إجماعا; لأنه نوع تواتر يفيد العلم، ولو لم
~~يحصل ms1355 العلم بل حصل ظن غالب بالرؤية فالأقوى التعويل عليه كالشاهدين، فإن
~~الظن الحاصل بشهادتهما حاصل مع الشياع (5).
# وحكى عن المنتهى (6) في المدارك الاستدلال بأنه نوع تواتر يفيد العلم، ثم
~~حكى عبارة التذكرة، ثم قال: الأصح اعتبار العلم كما اختاره العلامة في
~~المنتهى، وصرح به المصنف - رحمه الله - في كتاب الشهادات من هذا الكتاب (7)
~~و (8).
# PageV05P295
# أقول: ويظهر من ذلك أنهم لم يفرقوا بين ما يمكن كونه مستند الشهادة
~~وغيره، فحينئذ لا بد أن يجعل العلم الذي اعتبروه في الشهادة أعم مما حصل
~~الجزم الواقعي بموردها أو العلم الشرعي.
# فمن يكتفي في ثبوت النسب أو النكاح ونحوهما بالاستفاضة الظنية يشهد بأني
~~عالم بأن فلانا ولد فلان، أو فلانة زوجة فلان; لأن الشارع حكم بوجوب اعتقاد
~~ذلك حين حصول هذا الظن.
# ولذلك يستندون في الشهادة إلى الاستصحاب وإلى اليد مع التصرف المتكرر، بل
~~ومطلق اليد على المشهور إذا لم تزاحمه قرينة العارية أو الإجارة ونحوهما.
# وحينئذ فلا بد للجماعة المشترطين للعلم في الاستفاضة التي تبنى عليها
~~الشهادة، إما أن لا يكتفوا في الشهادة بالظنون التي تصير مناطا للأحكام
~~الشرعية التي يجب العمل عليها ويخصصوا العلم الذي اشترطوه في الشهادة
~~بالعلم القطعي، ولا تنافي عندهم بين قولهم ذلك وقولهم بثبوت الأحكام
~~الشرعية بالاستفاضة الظنية وسائر الظنون.
# وإما القول بعدم إمكان ثبوت شئ بالاستفاضة الظنية، وقولهم في مقام
~~الاستدلال على اشتراط قطعية الاستفاضة بأن الشهادة مما يجب فيها العلم، دون
~~أن يقولوا: إن الاستفاضة الظنية لا تثبت شيئا علينا من جانب الشارع، لتكون
~~محصلة لعلم شرعي، حتى يمكن أن يصير موردا للشهادة، أعظم شاهد على الفرق بين
~~المقامين، فمسألة حجية الاستفاضة الظنية في الأحكام الشرعية مسألة، ومسألة
~~جواز بناء الشهادة عليها مسألة أخرى.
# ويظهر من المدارك الخلط بينهما، حيث نقل فتوى المصنف في الشهادات باشتراط
~~العلم، والكلام فيما نحن فيه إنما هو في ثبوت الرؤية بالشياع الظني، لا في
~~قبول الشهادة المبتنية عليه.
# والذي يشهد بذلك: أن المحقق اختار اعتبار الجزم في تحمل الشهادة
~~بالاستفاضة ms1356 وتردد فيما حصل به الظن المتاخم، ثم ذكر ثبوت الوقف والنكاح
~~بالاستفاضة الظنية، PageV05P296
# وقال: ولعل هذا أشبه بالصواب (1).
# بل لم يظهر منه - رحمه الله - اشتراط القطع في الشهادة أيضا; لمنافاته
~~التردد في اعتبار الظن المتاخم للعلم، بل مراده كفاية القطع الحاصل
~~بالاستفاضة لا اشتراطه.
# وأما كلامه في أول كتاب القضاء في ولاية القاضي (2)، فليس بنص في اعتبار
~~اليقين، بل أطلق الشياع، وما ذكره في آخر كلامه من اعتبار اليقين إنما هو
~~في اعتبار الأمارات الحاصلة بصدق الوالي بخبره.
# ويدل عليه حصر الحكم بثبوت الاستفاضة بالأمور المعينة، وإلا فلا ينبغي
~~التخصيص فيما يفيد العلم.
# وقد غفل في المسالك ونسب إليه اعتبار العلم مع تنبهه; لأنه لا وجه
~~للتخصيص في صورة اعتبار العلم (3).
# فههنا مقامان من الكلام:
# الأول: أنه هل يكفي في الشهادة الاعتقاد الظني الذي أجاز الشارع العمل به
~~أم لا؟
# وهو محله في كتاب الشهادات، والظاهر جوازه كالاستصحاب واليد وغيرهما .
~~والثاني: أن هذا الظن الحاصل بالاستفاضة هل هو من باب تلك الظنون التي أجاز
~~الشارع العمل بها أم لا؟ ومحله محل آخر، ومنه ما ذكره المحقق في أول كتاب
~~القضاء من أن ولاية القاضي تثبت بالاستفاضة، وكذا النسب والملك المطلق
~~والموت والنكاح والوقف والعتق (4).
# ونقل الشهيد في القواعد عن بعضهم أنه يثبت بالاستفاضة اثنان وعشرون:
~~النسب إلى الأبوين، والموت، والنكاح، والولاية، والعزل، والولاء، والرضاع،
~~وتضرر
# PageV05P297
# الزوجة، والوقوف، والصدقات، والملك المطلق، والتعديل، والجرح، والإسلام،
~~والكفر، والرشد، والسفه، والحمل، والولادة، والوصاية، والحرية، واللوث،
~~قيل: والغصب، والدين، والعتق، والإعسار (1).
# أقول: فالعمدة بيان الأقوال والأدلة في مسألة حجية الاستفاضة، واعتبار
~~الجزم والظن; لينفعنا في مسألة رؤية الهلال، والأقوال في المسألة ثلاثة:
# أحدها: اعتبار العلم، والمصرح به في مسألة الشهادة جماعة (2)، ولكن في
~~أصل ثبوت شئ به وحجيته في إثبات المطالب مطلقا فلا يحضرني مصرح به.
# نعم يظهر من الذين حصروا إثبات المطالب بالاستفاضة في أمور معينة أنهم
~~يعتبرون العلم في غير الصور المعدودة، ويكتفون بالظن فيها، وإلا فلا وجه
~~للحصر في الأمور المعدودة لما ms1357 يفيد العلم، إذ هو حجة مطلقا، إلا أن يقال
~~بإمكان إجراء النزاع في حجية العلم في بعض المواضع أيضا كما ذكروه في مسألة
~~عمل الحاكم بعلمه.
# ويظهر من الأصحاب: عدم كفاية مطلق العلم في أداء الشهادة، بل يعتبرون
~~العلم المستند إلى الحس.
# وخالفهم المحقق الأردبيلي رحمه الله (3)، وصاحب الكفاية (4)، فاكتفيا
~~بمطلق حصول العلم للشاهد، ولا يخلو عن قوة، بل هو الظاهر من المسالك (5)
~~وغيره.
# قال في المسالك في مسألة تحمل الشهادة بما يكفي فيه السماع: وقد اختلف
~~فيما به يصير الشاهد شاهدا بالاستفاضة، فقيل: إن تكثر السماع من جماعة حتى
~~يبلغ حد
# PageV05P298
# العلم بالمخبر عنه، وعلى هذا فلا تكون هذه الأشياء خارجة عن أصل الشهادة،
~~وقيل:
# يكفي بلوغه حدا يوجب الظن الغالب المقارب للعلم، إلى آخر ما ذكره.
# لا يقال: هذا أيضا استناد إلى الحس.
# لأنا نقول: مرادهم بالحس سماع نفس المشهود عليه، كلفظ الإقرار وغيره،
~~والمشهود عليه هنا ليس بمسموع، بل هو من قبيل النسب أو الموت أو غيرهما، بل
~~هذا مستند إلى الحدس المستفاد من الحس، مع انضمام القرائن، ويلزم عليهم
~~حينئذ أن يقبلوا الشهادة المنوطة بخبر واحد محفوف بالقرينة، أو برؤية أمور
~~يحصل بالحدس الجزم بوقوع شئ، والظاهر أنهم لم يقولوا به.
# وكيف كان فلا ينبغي الإشكال فيما حصل العلم من الاستفاضة في إثبات الأمور
~~التي ذكروها من الوقف والنكاح وغيرهما، وإنما الإشكال فيما لو حصل الظن بها
~~فيها وفي غيرها، فيمكن حينئذ للقائل باشتراط العلم في الاستفاضة التخصيص
~~والاكتفاء بالظن المتاخم في موارد خاصة بسبب دليل خارجي.
# وأما القائل بكفاية الظن المتاخم فلا وجه له للتفصيل، كما أنه لا وجه
~~للتفصيل في الاستفاضة المفيدة للقطع بقبولها في بعض دون بعض آخر إلا على
~~التوجيه الذي مر.
# وإلى ما ذكرنا تشير عبارة المسالك في مسألة ولاية القاضي بعد ذكر وجه
~~قبول الاستفاضة في الأمور السبعة المتقدمة، قال: وزاد بعضهم في هذه الأسباب
~~ونقص آخرون، وقد ظهر من تعليلها أنها لا تستند إلى نص خاص، بل إلى اعتبار، ms1358
~~فكان الوجه فيها أن يقال: إن اعتبرنا اليقين في المستند كما اعتبره المصنف
~~بقوله " ما لم يحصل اليقين " فلا وجه للحصر في هذه، وإن كانت أمس حاجة من
~~غيرها إلى الاكتفاء بالسماع دون المشاهدة; لما أشرنا إليه من أن العلم
~~القطعي أقوى من البينة، بل لا يقبل الخلاف، فمتى حصل ذلك في الملاك المسبب
~~وغيره من الحقوق بالتسامع كفى، وإن اكتفينا في الاستفاضة بالظن الغالب
~~المتاخم للعلم احتمل اختصاصه بهذه، والقدح في بعضها حيث لا نص. PageV05P299
# ويمكن القول بالتعميم أيضا; لأن أدنى مراتب البينة الشرعية لا يحصل بها
~~الظن المتاخم للعلم، فيكون ما أفاده أمما وقع النص والإجماع على ثبوته به،
~~فكان أولى أيضا، وإن كان مساويا لبعض مراتب البينة أو قاصرا عن بعضها; لأن
~~مفهوم الموافقة يكفي في المرتبة الدنيا بالقياس إلى ذلك الفرد المتنازع فيه
~~لو أقيمت عليه بينة كذلك أو حصل به تسامع يفيد مرتبة أقوى، وسيأتي رجوع
~~المصنف عن الجزم باعتبار العلم إلى الاكتفاء بمتاخمته على تردد فيه.
# وإن اكتفينا فيها بمطلق الظن كما يظهر من كلام الشيخ قوي جانب الحصر لما
~~ذكروه من الوجوه (1)، انتهى.
# وظهر من ذلك: أن الأقوال في المسألة ثلاثة: اعتبار العلم في الاستفاضة
~~إلا فيما استثني من الأمور المذكورة على خلاف فيها وفي عددها ليس ههنا محل
~~بسط الكلام فيها.
# والثاني: كفاية الظن مطلقا كما نسب إلى الشيخ (2).
# والثالث: اعتبار الظن المتاخم للعلم.
# دليل القول الأول: أن الأصل عدم الثبوت، وأصالة حرمة العمل بالظن، ولا
~~دليل على اعتبار هذا الظن.
# ولا ينافي ذلك ما حققناه في الأصول من أن مطلق ظن المجتهد حجة; لابتنائه
~~على الدليل العقلي الذي لا يقبل التخصيص، وهو انسداد باب العلم، وقبح تكليف
~~ما لا يطاق مع بقاء التكليف (3); لأن ذلك إنما ذكرناه في نفس الأحكام
~~الشرعية، ومثل مباحث الألفاظ من متعلقات الأحكام، ومثل ماهيات الموضوعات
~~التي تحول إلى أهل خبرتها، كالعيب والأرش والقبض وأمثالها.
# PageV05P300
# والأسباب الشرعية; وإن كانت من الأحكام الشرعية الوضعية، لكن الذي يكتفى
~~فيها ms1359 بالظن هو إثبات سببية السبب وشرطية الشرط ومانعية المانع، لا وجود
~~السبب وتحققه في الخارج، ووجود المانع وتحققه، ونحو ذلك.
# والكلام في هذه المسألة إنما هو في ذلك، فإن سببية الرؤية للصوم والفطر
~~قد ثبتت من الشرع، لكن حصولها في الخارج موضوع هذه المسألة.
# فمسائل النكاح والوقف وغيرهما، وإن كانت تثبت بالظن، فيكتفى في سببية بعض
~~أفراد النكاح مثلا للزوجية والميراث بالظن الشرعي، لكن لا يكتفي في تحققه
~~في الخارج بكل ظن، فلا بد من الدليل على حجية ما يثبت به النكاح مثلا، وقد
~~ثبت أنه يثبت بشهادة العدلين، واختلف في الاستفاضة الظنية، وهكذا.
# وأما الدليل على الاكتفاء بالظن في الاستفاضة، فربما يذكر مما يناسب
~~المقام ما ذكره الفاضلان (1) وغيرهما (2): أنا نقضي أن خديجة زوجها النبي
~~صلى الله عليه وآله، كما نقضي بأنها أم فاطمة، وليس ذلك من باب التواتر;
~~لأن شرطه استواء الطرفين والواسطة والطبقات الوسطى، والمتصلة بنا وإن بلغت
~~التواتر، ولكن الأولى غير متواترة; لأن شرط التواتر الاستناد إلى الحس،
~~والظاهر أن المخبرين أولا لم يخبروا عن مشاهدة العقد، ولاعن إقرار النبي
~~صلى الله عليه وآله، بل نقل الطبقات متصل إلى الاستفاضة التي هي الطبقة
~~الأولى.
# ورده في المسالك: بأن الطبقة الأولى السامعين للعقد المشاهدين للمتعاقدين
~~بالغون حد التواتر وزيادة; لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان ذلك الوقت
~~أعلى قريش، وعمه أبو طالب المتولي لتزويجه كان يومئذ رئيس بني هاشم وشيخهم،
~~ومن إليه مرجع قريش، وخديجة كانت من أجواء بيوتات قريش، والقصة في تزويجها
~~مشهورة، وخطبة أبي طالب - رضي الله عنه - في المسجد الحرام بمجمع من قريش
~~ممن يزيد عن
# PageV05P301
# العدد المعتنى في التواتر، فدعوى معلومية عدم استناد الطبقة الأولى إلى
~~مشاهدة العقد وسماعه ظاهرة المنع، وإنما الظاهر كون ذلك معلوما بالتواتر
~~لاجتماع شرائطه، فلا يتم الاستدلال به على المطلوب (1)، انتهى.
# أقول: ولا ينبغي الاستدلال بذلك على مطلق الاستفاضة الظنية، بل هو إنما
~~يثبت الثبوت في النكاح، ولا ينافي عدم الثبوت في غيره، فإن القائلين
~~باشتراط القطع ms1360 فيها اكتفوا في النكاح ونظائره بالظن.
# والأولى الاستدلال بالعلة المنصوصة في قوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق
~~بنبأ) * (2) الآية، فإنها تقتضي الاكتفاء بالظن الحاصل بمقدار الظن الحاصل
~~من خبر العدل، وأنه خبر مما يؤمن معه إصابة قوم بجهالة وحصول الندامة،
~~فالعمل بقول الفاسق مع التثبت المانع عن حصول الندامة جائز.
# وبملاحظة تجويز العمل بخبر العدل معللا بأنه ليس فيه ندامة بحسب المفهوم
~~ولا يفيد إلا الظن تظهر كفاية حصول الظن، ولا ريب أن الاستفاضة نوع من
~~التثبت للخبر، فإذا بلغ حد الأمن الحاصل من خبر العدل فيكتفى به.
# وإن أبيت عن إطلاق التثبت عليه فيكفي حصول العلة الحاصلة من التثبت في
~~هذا الخبر أيضا.
# وأما القدح بأنه يلزم منه جواز العمل بخبر عدل واحد ولم يقل به الأكثر،
~~وبخبر فاسق أو فاسقين أو نحوهما إذا حصل منه الظن الموجب للأمن المعهود،
~~وهو باطل اتفاقا، فهو مدفوع بأنها مخرجة بالدليل، فكما أن القائل باشتراط
~~القطع يخصص دليله بالمواضع المستثنيات من جهة دليل خارجي كالعسر والضرر
~~وغير ذلك، فيخصص القائل بكفاية الظن دليله بما لا يثبت به جزما كالزنا
~~والقتل وغيرهما.
# وأما الدليل على اعتبار الظن المتاخم للعلم، فهو ما أشعرت به عبارة
~~المسالك
# PageV05P302
# السابقة من أنه أقوى من الظن الحاصل من البينة، فكان العمل به أولى،
~~مضافا إلى أصالة عدم الثبوت، وأصالة حرمة العمل بالظن.
# وقد نوقش فيه: بأن الأولوية إنما تصير حجة لو ثبت أن علة حجية البينة
~~إنما هي حصول الظن، بل إنما هي تعبد محض، مع أنه لو سلم ذلك فلا دليل على
~~اعتبار المتاخمة للعلم، بل يكفي كونه أقوى، مع أنه يلزم منه جواز العمل
~~بقول فاسقين أو فاسق أو غيرهما إذا أفاد ظنا أقوى من العدلين، وهو باطل
~~اتفاقا.
# ويمكن دفعه: بأن الاتفاق ونحوه مخصص له.
# ويشعر باعتبار المتاخمة ما نفي اعتبار الخمسين في آخر صحيحة محمد بن مسلم
~~الآتية (1)، ومثلها رواية أبي العباس (2).
# قال المحقق الأردبيلي رحمه الله (3): إن صحيحة العيص أنه سأل أبا عبد
~~الله ms1361 عليه السلام عن الهلال إذا رآه القوم جميعا فاتفقوا أنه لليلتين،
~~أيجوز ذلك؟ قال: " نعم " (4) يشعر باعتبار الظن المتاخم للعلم، ومال إليه
~~ووجهه بأنه دل ثبوت دخول الشهر من غير اشتراط العدالة في القوم وحصول العلم
~~بخبرهم، بل اكتفى برؤية القوم وقال: إن ظاهر نسبة الرؤية إلى القوم في
~~العرف هو حصول الظن المتاخم للعلم، وقال: إنه ليس المراد تجويز كونه
~~لليلتين، بل المراد أنه يجوز الاعتماد عليه في دخول الشهر.
# إذا عرفت هذا فنرجع إلى الكلام في مسألة رؤية الهلال، ونقول: إن بنينا
~~على أصالة حرمة الاكتفاء بالظن فيمكن الخروج عنه في رؤية الهلال بمقتضى
~~الاجماع المنقول في المعتبر والتحرير، فإنهما ادعياه على مطلق لفظ الشياع
~~الأعم من القطعي
# PageV05P303
# والظني (1)، وتؤيده الروايتان الآتيتان في اعتبار الخمسين.
# وأما على القول بكفاية الظن فهو مندرج تحته، ولا يبعد ترجيحه تمسكا
~~بالعلة المنصوصة في الآية، مقتصرا على ما أفاد الأمن من الخطر.
# وأما ما ورد في الأخبار من عدم جواز العمل بالتظني، وأنه لا يدخل الشك في
~~اليقين ونحو ذلك (2)، فالظاهر أن المراد به المنع عن العمل بالظن بالأمارات
~~النجومية والحسابية وغيرها.
# وكذلك الأخبار المتواترة الدالة على أن الصوم والفطر بالرؤية (3) هو عدم
~~جواز الاعتماد على الرأي والتخمين والظنون المذكورة، لا أن يكون المراد
~~رؤية نفس المكلف; للإجماع على عدم اشتراطه، بل يلزم الاستناد إلى الرؤية
~~أعم من رؤية نفسه ومن عدلين ومن الشياع، وهو المستفاد من تتبع الأخبار.
# نعم يظهر منها أنه لا بد من عدم الاتهام وحصول الاطمئنان، ففي صحيحة محمد
~~ابن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا
~~رأيتموه فافطروا، وليس بالرأي ولا بالتظني، ولكن بالرؤية، قال: والرؤية ليس
~~أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا هو وينظر تسعة فلا يرونه، لكن إذا
~~رآه واحد رآه عشرة وألف، وإذا كانت علة فأتم شعبا ثلاثين ". وزاد حماد فيه:
~~" وليس أن يقول رجل هو ذا هو " لا أعلم إلا قال: " ولا خمسون " (4).
# وفي رواية عبد ms1362 الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " صم
~~للرؤية، وأفطر للرؤية، وليس رؤية الهلال أن يجئ الرجل والرجلان فيقولان:
~~رأينا، إنما الرؤية أن يقول القائل رأيت، فيقول القوم: صدقت " (5) إلى غير
~~ذلك من الأخبار (6)،
# PageV05P304
# وسيجئ بعضها.
# ولعل نظر من يعتبر الظن المتاخم إلى ذلك، فإن الأمن من الخطر إنما يتحصل
~~منه، وتؤيده الأخبار الدالة على متابعة أهل الأمصار في الصوم (1)، وأنه إذا
~~كان في قرية خمسمائة من الناس فصم لصيامهم وأفطر لفطرهم، سيما بانضمام ما
~~رواه أبو الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " صم حين يصوم الناس،
~~وأفطر حين يفطر الناس، فإن الله عز وجل جعل الأهلة مواقيت " (2).
# وسماعة، عن الصادق عليه السلام: عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟ قال: "
~~إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائة انسان
~~" (3).
# الرابع: شهادة العدل وفيه خمسة أقوال نقلها في المهذب (4).
# الأول: قبول العدلين من خارج البلد، وعدد القسامة منه مع العلة، ولا معها
~~لا بد من القسامة من خارج، وأولى منه إذا كانوا من البلد، وهو مذهب القاضي
~~(5) والشيخ في النهاية (6).
# الثاني: قبول العدلين مع العلة من البلد وخارجه، والقسامة مع عدمها من
~~البلد وخارجه، وهو مذهب التقي (7) والشيخ في المبسوط (8).
# الثالث: قبول العدلين من خارج أو مع العلة، وإلا فلا بد من القسامة، وهو
~~مذهب
# PageV05P305
# الصدوق في المقنع (1).
# أقول: وهو المطابق لما نقل عن الشيخ في الخلاف (2)، ولكن الفاضل في شرح
~~الروضة قال: إن مقتضى ما عنده من نسخ المقنع أنه مطابق للنهاية، لا للخلاف،
~~ولكن العلامة وغيره نقلوه هكذا (3).
# الرابع: قبول العدلين كيف كان، مع العلة وعدمها من البلد وخارجه، وهو
~~مختار السيد (4) وابن الجنيد (5) وابن إدريس (6) والفاضلين (7).
# الخامس: قبول الواحد في هلال شهر رمضان دون غيره من الأهلة، احتياطا
~~للصوم، وهو مذهب سور (8).
# أقول: الأقوى القول الرابع، وهو مذهب أكثر الأصحاب.
# لنا: الأخبار الصحيحة المستفيضة جدا (9) وغيرها لا حاجة إلى ذكرها.
# ولنكتف بذكر صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله ms1363 عليه السلام، أنه قال: " صم
~~للرؤية وأفطر للرؤية، فإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه "
~~(10).
# وصحيحته الأخرى، عن أبي عبد الله عليه السلام: " إن عليا عليه السلام كان
~~يقول: لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين " (11).
# والحصر فيه إضافي بالنسبة إلى شهادة النساء ونحوها، ففي صحيحة عبيد الله
# PageV05P306
# ابن علي الحلبي قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " لا تقبل شهادة
~~النساء في رؤية الهلال، إلا شهادة رجلين عدلين " (1) مضافا إلى أن الأصل
~~قبول شهادة العدلين إلا ما ثبت خلافه.
# وأما دليل النهاية والصدوق على ما نقل الفاضل (2) هو رواية حبيب الجماعي
~~قال ، قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا يجوز الشهادة في رؤية الهلال دون
~~خمسين رجلا عدد القسامة، وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من أهل خارج
~~المصر وكان بالمصر علة، فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية "
~~(3).
# وأما دليل المبسوط فهو الجمع بين ما دل على قبول العدلين مطلقا (4)، ومثل
~~صحيحة محمد بن مسلم (5)، ورواية ابن بكير (6) المتقدمتين، وما في معناهما
~~(7)، مضافا إلى رواية أبي أيوب الآتية (8).
# وأما دليل الخلاف وما نسبه العلامة وغيره إلى الصدوق فهو رواية أبي أيوب
~~الخزاز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: كم يجزئ في رؤية الهلال؟
# فقال: " إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله، فلا تؤدوا بالتظني، وليس رؤية
~~الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه
~~واحد رآه مائة، وإذ رآه مائة رآه ألف، ولا يجزئ في رؤية الهلال إذا لم يكن
~~في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة
~~رجلين يدخلان
# PageV05P307
# ويخرجان من مصر " (1).
# وظني أن هذا الخبر ألصق بمذهب المبسوط من مذهب الخلاف، وتطبيقه على مذهب
~~الخلاف في غاية الصعوبة; إذ لا دلالة فيه على قبول العدلين من الخارج مع
~~الصحو، ولا قبولهما من الداخل مع العلة صريحا.
# وأجاب المحقق عن الروايتين: بأن اشتراط الخمسين لم يوجد في حكم سوى قسامة ms1364
~~الدم، ثم لا يفيد اليقين، بل قوة الظن، وهو يحصل بشهادة العدلين (2).
# وبالجملة هو مناف لما عليه عمل المسلمين كافة، فكان ساقطا، هذا.
# مع أن حبيبا مجهول (3)، وفي سند رواية أبي أيوب أيضا كلام وإن لم يكن
~~تماما; فلا تعارض بهما الأخبار الصحيحة المستفيضة جدا وغيرها من الخصوصات
~~والعمومات المعمولة عند أكثر الأصحاب.
# مع أن لهما محملا سديدا، وهو أن اعتبار الخمسين فيما توقف الشياع المعتبر
~~عليه لأجل التهمة، كما يظهر من الروايات المتقدمة القائلة إذا رآه واحد رآه
~~جماعة، وفيما لم تثبت عدالتهم ولا عدالة اثنين منهم.
# وأما دليل مذهب سور، فوجوه:
# الأول: الاحتياط للصوم.
# وفيه: أن الاحتياط إنما هو إذا صام ندبا لا بنية رمضان، فإنه تشريع، مع
~~أنه ربما يستلزم إفطار آخره، وهو خلاف الاحتياط، وإن احتاط في الآخر بزيادة
~~يوم فصام أحدا وثلاثين فهو تشريع آخر.
# والثاني: بأنه يفيد الرجحان، وتركه إلى المرجوح قبيح.
# وفيه: منع الرجحان مع عدم ثبوت مشروعيته، مع معارضته باستصحاب رجحان
# PageV05P308
# شعبان، سيما إذا ساواه المشهود له في قوة البصر.
# والثالث: ارتفاع التهمة بسبب أنه أمر ديني يشترك فيه المخبر والمخبر،
~~فيجب قبوله كالرواية.
# وفيه: منع ارتفاع التهمة مطلقا أولا، وعدم استلزام ارتفاعها القبول
~~ثانيا، وبطلان القياس سيما مع الفارق ثالثا.
# والرابع: الروايات، فمنها: صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام
~~قال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " إذا رأيتم الهلال فافطروا، أو شهد
~~عليه عدل من المسلمين، وإن لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره
~~فأتموا الصيام إلى الليل، وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم افطروا " (1).
# ورد: بأن الرواية بهذا اللفظ إنما هو في المختلف (2)، والذي في الأصول "
~~أو شهد عليه بينة عدل " وهذا لا يكفي لسلار.
# أقول: ومنع ذلك لا يناسب وجودها في الاستبصار كذلك، ولكن فيه أيضا بطريق
~~آخر " بينة عدل " (3) وفي التهذيب أيضا عدول من المسلمين (4).
# هذا مع أن لفظ العدل مصدر يطلق على الجمع كما ذكر جماعة (5) ونقلوه عن
~~أهل اللغة (6)، مضافا إلى ms1365 أن الرواية إنما تدل على جواز الإفطار لا الصوم،
~~والظاهر أن سور لا يقول به أصالة.
# وأما القدح في السند باشتراك محمد بن قيس (7) فليس بذلك; إذ الظاهر أنه
~~البجلي
# PageV05P309
# الثقة صاحب كتاب القضايا الذي يروي عنه عاصم بن حميد ويوسف بن عقيل
~~بقرينة رواية يوسف عنه هنا (1).
# ومنها: رواية داود بن الحصين، عن الصادق عليه السلام: " لا بأس في الصوم
~~بشهادة النساء ولو امرأة واحدة " (2).
# وهي مع سلامة سندها مخالفة للإجماع ظاهرا على عدم قبول شهادة النساء
~~منفردات ومنضمات، كما ادعاه المرتضى (3) وابن زهرة (4) وصاحب المدارك (5)،
~~والأخبار النافية لقبول شهادتهن (6).
# ومنها: رواية يونس بن يعقوب، عنه عليه السلام قال، وقال له غلام وهو
~~معتب: إني قد رأيت الهلال، قال: " اذهب فأعلمهم " (7).
# وفيه: مع سلامة السند منع الدلالة، إذ لعله لأجل أن يضم إليه آخر لو وجد،
~~أو لأجل تواعي القوم فيروا معه.
# ومنها: ما رواه العامة عن ابن عباس: أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله
~~عليه وآله قال: إني رأيت الهلال يعني رمضان، قال: " تشهد أن لا إله إلا
~~الله؟ " قال: نعم، قال: " تشهد أن محمدا رسول الله " قال: نعم، قال: " يا
~~بلال أذن في الناس فليصوموا غدا " (8).
# ورواية ابن عمر قال: يتراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله
~~عليه وآله إني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه (9).
# PageV05P310
# وفيهما: مع ضعفهما أنه لعله رآه غيرهما أيضا، فالصيام والأمر به إنما
~~كانا لذلك.
# وهذه الأدلة مع ضعفها كما عرفت لا تعارض بها أدلة المختار مع كثرتها
~~واعتبارها وشهرتها واعتضادها بالأصل والاستصحاب، وهجر هذه عندهم وشذوذها،
~~بل مخالفتها للإجماع كما ادعاه في المسالك (1)، ونقل عن الشيخ في الخلاف
~~(2).
# ثم إن سور إنما يجيز قبول الواحد في هلال رمضان لأجل الصوم خاصة (3)، فلا
~~يثبت لو كان منتهى أجل دين أو عدة أو نحو ذلك.
# وأما ثبوت هلال شوال بمضي ثلاثين يوما منه، فإنما هو ثبوت بالتبع لا
~~بالأصالة، وذلك لأنا لو لم نحكم بالتبعية للزم وجوب صوم أحد وثلاثين يوما،
~~لأجل ms1366 صوم رمضان لو غم آخر الشهر.
# ويتم المقام بذكر أمور:
# الأول: قالوا: لا يتوقف جواز الإفطار بالشاهدين على حكم الحاكم، ولا نعرف
~~فيه خلافا، وكذا لو رد الحاكم شهادتهما لجهله بحالهما كما صرح به في
~~التذكرة (4)، وهو مقتضى الأخبار الصحيحة وغيرها الناطقة بأنهما، إذا شهدا
~~عندك فاقضه ونحو ذلك (5).
# الثاني: لا بد من موافقتهما في الشهادة، فلو اختلفا في وصف الهلال
~~بالانحراف والاستقامة والعظم والصغر، وكونه جنوبيا أو شماليا، فلا يسمع،
~~بخلاف ما لو اختلفا في زمانها في الليلة الواحدة، بأن يراه أحدهما عند
~~الغروب مثلا والآخر بعد صلاة المغرب.
# وفيما لو شهد أحدهما برؤية هلال شعبان ليلة الجمعة، والآخر برؤية هلال
~~رمضان
# PageV05P311
# ليلة الأحد وجهان، من اتفاقهما في المعنى، ومن مخالفة كل للآخر في
~~شهادته.
# ولعل الثاني أوجه; للأصل، وعدم انصراف الأدلة، إلى مثله، ولأن في
~~اجتماعهما في مورد الشهادة مدخلية تامة في الظن بالصدق يمكن كونه حكمة في
~~القبول.
# الثالث: قال في المدارك: لو استند الشاهدان إلى الشياع المفيد للعلم وجب
~~القبول قطعا (1).
# أقول: وما ذكره العلماء في كتاب الشهادة في مسألة جواز بناء الشهادة على
~~الاستفاضة واقتصارهم في ذلك على مواضع مخصوصة يفيد اكتفاؤهم بالظن أيضا،
~~فإن ظاهر من خص بتلك الأمور هو أنه لا يثبت عنده شئ بالاستفاضة الظنية إلا
~~هذه الأمور، كما هو مقتضى الاستثناء.
# ثم إن كلامهم هذا مع اشتراطهم الحس في الشهادة وعدم اكتفائهم بالعلم
~~الحاصل من غير الحس إما مبني على أن المراد بالحس أعم مما كان مبدأ للعلم
~~الحاصل للشاهد وإن كان بانضمام القرائن، وإلا فالعلم هنا لم يحصل من الحس
~~أولا وبالذات، وإما مبني على تخصيص قاعدتهم بما ذكر.
# وعلى اعتبار الحس في الشهادة; فلا تقبل شهادة من شهد بأن اليوم أول رمضان
~~أو أول شوال; لأنه مسألة اجتهادية تختلف باختلاف الآراء والأسباب، بخلاف
~~الرؤية، اللهم إلا إذا علم اتفاق الشاهد والمشهود له في السبب كما في الجرح
~~والتعديل، فيلزم الاستفصال إذا جهل الحال.
# الرابع: قال في المسالك: ولو شهد ms1367 الشاهدان على مثلهما أو على الشياع قبل
~~أيضا (2)، ومال إليه في المدارك (3).
# PageV05P312
# ولكن العلامة قال في التذكرة: لا يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة عند
~~علمائنا; لأصالة البراءة، واختصاص ورود القبول بالأموال وحقوق الآدميين،
~~وللشافعية طريقان، إلى آخر ما ذكره (1)، وظاهره الاجماع، ولعله الأقوى.
# الخامس: هل يكفي قول الحاكم في ثبوت الهلال أم لا؟
# قال في المدارك: فيه وجهان، أحدهما: نعم، وهو خيرة الدروس (2); لعموم ما
~~دل على أن الحاكم يحكم بعلمه (3)، ولأنه لو قامت عنده البينة فحكم بذلك،
~~وجب الرجوع إلى حكمه كغيره من الأحكام، والعلم أقوى من البينة، ولأن المرجع
~~في الاكتفاء بشهادة العدلين وما تتحقق به العدالة إلى قوله، فيكون مقبولا
~~في جميع الموارد.
# ويحتمل العدم; لإطلاق قوله عليه السلام: " لا أجيز في رؤية الهلال إلا
~~شهادة رجلين عدلين " (4). (5) أقول: وما ذكره في التعليل لمختار الدروس
~~إنما يناسب كلامه الآخر بعد ذلك، قال: ولو قال: اليوم الصوم أو الفطر ففي
~~وجوب استفساره على السامع ثلاثة أوجه، ثالثها إن كان السامع مجتهدا (6)،
~~انتهى.
# وحاصل المقام: أن مرجع المسألة الأولى إلى قبول شهادة الحاكم وحده في
~~ثبوت الهلال، والأظهر فيها عدم القبول; لأنها شهادة وليست بحكم.
# ومرجع المسألة الثانية إلى حكم الحاكم بثبوت أول الشهر، وأنه يوم الفطر
~~أو الصوم، والأوجه فيه القبول لرعيته، دون مجتهد آخر أو مقلد مجتهد آخر،
~~إلا مع
# PageV05P313
# الاستفسار والرجوع إلى مقتضاه.
# ويمكن أن يوجه كلامهما في المسألة الأولى بتضمنها للحكم، فإن مراد الحاكم
~~من شهادته بالهلال " أني أحكم بأن اليوم أول الشهر بسبب رؤيتي للهلال " فهو
~~حكم مستند إلى علمه مع بيان سبب العلم، والمراد في المسألة الثانية حكمه
~~بكون اليوم يوم الصوم من دون ذكر سبب العلم، فيجري (تعليل) (1) المدارك في
~~الأول أيضا.
# ويشكل ذلك أيضا بما عرفوا الحكم بأنه إلزام خاص أو إطلاق خاص في واقعة
~~خاصة متعلقة بأمر المعاش فيما تقع فيه الخصومة بين العباد، مطابقة لحكم
~~الله تعالى في نظر المجتهد في هذه الواقعة وغيرها مما يندرج تحت كلي، كما ms1368
~~ذكره الشهيد في القواعد (2)، فإنه من أمور المعاد لا المعاش، وليس فيه رفع
~~خصومة غالبا.
# ويمكن توجيهه: بأن يراد بأمر المعاش ما لا اختصاص له بالشارع وإن كان من
~~موضوعات حكمه، فيرجع إلى أنه هل تحققت الرؤية أم لا، وهل تم عدد الشهر أم
~~لا، ولا مدخل له في الحكم الشرعي، وإن كان يرجع إليه باعتبار قطع النزاع
~~ويتضمن أن الشارع حكم بأن يحكم الحاكم أن هذا اليوم يوم الفطر.
# ومن فروع كونه من الحكم: ثبوت حلول الآجال فيما تنازع فيه الخصمان في مثل
~~البيع المشروط فيه الخيار إلى أول الشهر الفلاني، الذي يترتب عليه اللزوم
~~بانتفاء الشرط في أول الشهر، ثم وقع بينهما النزاع في اليوم الخاص أنه أول
~~الشهر أم لا، فيكفي في ذلك الحكم بأنه أول الشهر، فيترتب عليه اللزوم
~~وعدمه، ولا يحتاج إلى الحكم باللزوم وعدم اللزوم، فالحكم بأنه أول الشهر
~~حكم، وحكمه باللزوم أو عدمه حكم آخر.
# فالمناص في تعميم الحكم لذلك هو ضم قصد الحاكم بحكمه رفع ما عسى أن يتصور
~~من الخصومة والمخالفة أيضا وإن لم يكن بالفعل هناك خصومة.
# PageV05P314
# الخامس: الجدول وهو حساب مخصوص مأخوذ من سير القمر واجتماعه مع الشمس،
~~ومرجعه إلى عد شهر تاما وشهر ناقصا، إلى تمام السنة، فيجعل محرم تاما وصفر
~~ناقصا وهكذا إلى آخر السنة كما يفعله المنجمون، أو يجعل رمضان تاما وشوال
~~ناقصا وهكذا; لما ورد في الأخبار أنه أول السنة (1).
# وكيف كان فهو يتضمن كون رمضان تاما أبدا وشعبان ناقصا.
# قال في المسالك: وهذا الحساب قريب من كلام أهل التقويم، فإنهم يجعلون
~~الأشهر كذلك في غير السنة الكبيسية، وفيها يجعلون ذا الحجة تاما بعد أن كان
~~تسعة وعشرين في غيرها (2).
# أقول: وتوضيحه على ما ذكره بعض الأصحاب أنهم لما اعتبروا في الشهر اجتماع
~~النيرين في درجة واحدة من تلك البروج إلى اجتماع آخر، وكان ما بين
~~الاجتماعين تسعة وعشرين يوما واثنتي عشرة ساعة وأربعا وأربعين دقيقة، وكان
~~الكسر زائدا على نصف اليوم، جعلوا الشهر الأول ms1369 ثلاثين يوما; لأن الكسر يقوم
~~عندهم مقام الواحد إذا زاد على النصف.
# ثم جعلوا الشهر الثاني تسعة وعشرين جبرا لنقصان الشهر الأول، فصارت
~~الشهور الأوتار كلها ثلاثين ثلاثين، والأشفاع كلها تسعة وعشرين تسعة
~~وعشرين، حتى إذا كملت السنة اجتمع من الكسر الزائد على نصف اليوم الذي
~~أهملوه من كل شهر - و هو أربع وأربعون دقيقة - ثمان ساعات وثمان وأربعون
~~دقيقة، وهو خمس يوم وسدسه، فاجتمع في كل ثلاثين سنة أحد عشر يوما، وكبسوها
~~أي أدرجوها في إحدى عشر سنة من كل ثلاثين سنة: هي الثانية، والخامسة،
~~والسابعة، والعاشرة، والثالثة
# PageV05P315
# عشرة، والخامسة عشرة، والسادسة عشرة، والثامنة عشرة، والحادية والعشرون،
~~والرابعة والعشرون، والسادسة والعشرون، والتاسعة والعشرون; فسموها لذلك
~~السنين الكبيسة، وجعلوا ذا الحجة في كل منها ثلاثين يوما، فتوالت فيها
~~ثلاثة أشهر، كل منها ثلاثون يوما.
# أقول: ولا فرق بين السنين الكبيسة وغيرها في أن رمضان تام وشعبان ناقص،
~~ويظهر من جماعة من الأصحاب أنه لا خلاف بينهم في عدم اعتبار الجداول (1).
# نعم نسبه الشيخ في الخلاف إلى شاذ منا (2).
# وكلام ابن زهرة في الغنية أيضا مشعر بأن فيهم من يعتبره، قال: وعلامة
~~دخوله أي الشهر رؤية الهلال، وبها يعلم انقضاؤه، بدليل إجماع الأمة بأسرها
~~من الشيعة وغيرها على ذلك، وعملهم به في زمن النبي صلى الله عليه وآله وما
~~بعده إلى أن حدث خلاف قوم من أصحابنا فاعتبروا العدد دون الرؤية (3)،
~~وتركوا ظواهر القرآن والمتواتر من روايات أصحابنا، وعولوا على ما لا يجوز
~~الاعتماد عليه من أخبار آحاد شاذة، ومن الجدول الذي وضعه عبد الله بن
~~معاوية بن عبد الله بن جعفر ونسبه إلى الصادق عليه السلام، والخلاف الحادث
~~لا يؤثر في دلالة الاجماع السابق، وكما لا يؤثر حدوث خلاف الخوارج في رجم
~~الزاني المحصن في دلالة الاجماع على ذلك، فكذلك حدوث خلا ف هؤلاء، وهذا عبد
~~الله بن معاوية مقدوح في عدالته بما هو مشهور من سوء طريقته، مطعون في
~~جدوله بما تضمنه من قبيح مناقضته، ولو سلم من ذلك ms1370 كله لكان واحدا لا يجوز
~~في الشرع العمل بروايته (4)، انتهى.
# وكيف كان فلا ريب في بطلانه وعدم جواز الاعتماد عليه; لمخالفته للشرع،
~~لقوله
# PageV05P316
# تعالى: * (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس) * (1).
# وقوله عليه السلام: " من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما نزل على محمد
~~صلى الله عليه وآله " (2) والأخبار المتواترة الدالة على توقيت الصيام
~~والفطر بالرؤية لا حاجة إلى ذكرها (3).
# وكذلك ما يدل على عد شعبان ثلاثين إذا غم الشهر، والأخبار الناصة على كون
~~رمضان تسعة وعشرين، وهي أيضا كثيرة (4)، إلى غير ذلك من الأخبار.
# مع أن أهل التقويم لا يثبتون أول الشهر بمعنى جواز الرؤية، بل بمعنى تأخر
~~القمر عن محاذاة الشمس، ليرتبوا عليه مطالبهم من حركات الكواكب وغيرها،
~~ويعترفون بأنه قد لا تمكن رؤيته، بل يقولون: إن الأغلب عدم إمكان رؤيته تلك
~~الليلة، وقد لا يمكن في الثانية أيضا، ويتفق نادرا أن لا تمكن في الثالثة
~~أيضا، والشارع علق الأحكام الشرعية على الرؤية، لا على التأخير المذكور،
~~هكذا قاله في المسالك (5).
# السادس: العدد المشهور في تفسيره: عد شعبان ناقصا أبدا، وشهر رمضان تاما
~~أبدا. وقد يطلق على ما ذكرناه في تفسير الجدول وعلى ما سيجئ من عد خمسة من
~~هلال السنة الماضية وغيره أيضا.
# والمشهور عدم اعتباره، بل ادعى عليه الاجماع في المسائل الناصرية قال:
~~وإليه يذهب جميع أصحابنا، وهو مذهب جميع الفقهاء من أهل السنة (6) وهو
~~الظاهر من كلام ابن زهرة المتقدم ذكره (7).
# PageV05P317
# والقول به نقله في المعتبر عن قوم من الحشوية (1)، والمرتضى عن شذاذ من
~~أصحابنا لا اعتبار بقولهم (2).
# وهو مذهب الصدوق، فإنه قال في الفقيه بعد ذكر الأخبار الدالة على أن
~~رمضان تام أبدا وشعبان لا يتم أبدا: من خالف هذه الأخبار وذهب إلى الأخبار
~~الموافقة للعامة في ضدها اتقي كما تتقى العامة، ولا يكلم إلا بالتقية كائنا
~~من كان، إلا أن يكون مسترشدا فيرشد ويبين له، فإن البدعة إنما تماث وتبطل
~~بترك ذكرها، ولا قوة إلا بالله (3).
# وقال في الخصال: مذهب خواص الشيعة ms1371 وأهل الاستبصار منهم في شهر رمضان أنه
~~لا ينقص عن ثلاثين يوما أبدا، والأخبار في ذلك موافقة للكتاب ومخالفة
~~للعامة، فمن ذهب من ضعفة الشيعة إلى الأخبار التي وردت للتقية في أنه ينقص
~~ويصيبه ما يصيب الشهور من النقصان والتمام اتقي كما تتقى العامة، ولم يكلم
~~إلا بما يكلم به العامة، ولا قوة إلا بالله (4).
# لنا: أن لفظ شهر رمضان الذي ورد في القرآن والسنة يرجع في معناه إلى
~~العرف، والمعروف في معناه ما كان محدودا بالرؤية في أوله وآخره، ولا عبرة
~~عند أهل (العلم) (5) بما يعتبره المنجمون من التأخر عن محاذاة الشمس وغيره.
# ويدل عليه أيضا: أن الأهلة مواقيت للناس والحج والطريقة المستمرة من زمان
~~الشارع إلى الآن بكمال الاعتناء في الاستهلال، ولو كان يكفي محض العدد لما
~~احتاجوا إلى ذلك، والاستصحاب في خصوص شعبان، والأخبار المتواترة الدالة على
~~أن الصوم للرؤية والفطر للرؤية (6)، وخصوص ما ورد في شهر رمضان وشعبان
# PageV05P318
# وهي كثيرة جدا نكتفي بذكر بعضها.
# وهي صحيحة حماد بن عثمان، عن الصادق عليه السلام، أنه قال في شهر رمضان:
~~" هو من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان " (1).
# وصحيحة الحلبي عنه عليه السلام في حديث قال، قلت: أرأيت إن كان الشهر
~~تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم؟ فقال: " لا، إلا أن يشهد لك بينة عدول،
~~فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك اليوم فاقض ذلك اليوم " (2).
# وصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: " وإذا كانت
~~علة فأتم شعبان ثلاثين " (3) إلى غير ذلك من الأخبار، وقد مرت صحيحة هشام
~~بن الحكم في مسألة رؤية الهلال في البلدان المتقاربة (4).
# احتج الصدوق بما رواه، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال: " شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص أبدا " (5)، قال: وفي رواية حذيفة بن
~~منصور عن معاذ بن كثير - ويقال له: معاذ بن مسلم الهواء - عنه عليه السلام،
~~قال: " شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص والله أبدا " (6).
# وفي رواية محمد بن إسماعيل ms1372 بن بزيع، عن محمد بن يعقوب، عن شعيب - وفي
~~نسخة عن محمد بن يعقوب بن شعيب - عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام
~~قال، قلت: إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما صام من شهر
~~رمضان تسعة وعشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين، قال: " كذبوا، ما صام رسول
~~الله صلى الله عليه وآله إلا تاما، ولا تكون الفرائض ناقصة، إن الله تبارك
~~وتعالى خلق السنة ثلاثمائة وستين يوما، وخلق السماوات
# PageV05P319
# والأرض في ستة أيام، فحجزها من ثلاثمائة وستين يوما، فالسنة ثلاثمائة
~~وأربعة وخمسون يوما، وشهر رمضان ثلاثون يوما; لقول الله عز وجل: *
~~(ولتكملوا العدة) * (1) والكامل تام، وشوال تسعة وعشرون يوما، وذو القعدة
~~ثلاثون يوما; لقول الله عز وجل: * (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) * (2) والشهر
~~هكذا ثم هكذا، أي شهر تام وشهر ناقص، وشهر رمضان لا ينقص أبدا، وشعبان لا
~~يتم أبدا " (3).
# وسأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: * (ولتكملوا
~~العدة) * قال:
# " ثلاثين يوما " (4).
# وعن ياسر الخادم قال، قلت للرضا عليه السلام: هل يكون شهر رمضان تسعة
~~وعشرين يوما؟ فقال: " إن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين أبدا " (5).
# هذا ما ذكره في الفقيه من الأخبار، وفي معناها روايات أخر مذكورة في
~~التهذيب والكافي والخصال ومعاني الأخبار (6)، وكثير منها يرجع إلى حذيفة بن
~~منصور.
# قال الشيخ (7): إن هذا الخبر شاذ لا يوجد في شئ من الأصول، ولا في كتاب
~~حذيفة، وهو مختلف الألفاظ مضطرب المعاني; لأنه تارة يرويه عن الصادق عليه
~~السلام، وتارة يفتيه من قبل نفسه، وتارة يرويه عن الإمام بواسطة، وتارة بلا
~~واسطة، فلا يعارض به المتواتر من الأخبار، والقرآن العزيز، وعمل جميع
~~المسلمين.
# وذكر لها توجيهات:
# منها: أن من تلك الأخبار ما يدل على نفي كون صوم الرسول صلى الله عليه
~~وآله تسعة وعشرين
# PageV05P320
# أكثر من كونه ثلاثين، وتكذيب الراوي من العامة لذلك، وأن منها ما يدل على
~~الإخبار عما اتفق في زمان الرسول من عدم النقص، وهو لا ms1373 يستلزم تمامه أبدا،
~~وأن كلمة " أبدا " في كثير منها يرجع إلى المنفي لا إلى النفي، يعني نقصه
~~ليس دائما، لا أنه دائما لا ينقص.
# وقد توجه أيضا بأن المراد أن ثوابه ثواب ثلاثين يوما، ولا ينقص بنقص يوم
~~منه، وبأنه لا يجوز أن يقال ناقص; لأنه صفة ذم.
# ومنها: أن المراد الحث على صوم آخر شعبان.
# أقول: وقد يختلج بالبال أن يقال: لما كان من المسلمات أن الشهور قد تكمل
~~وقد تنقص، وأن الكمال بتمام الثلاثين والنقص بتسعة وعشرين فلا يوجد شهر يتم
~~بثمانية وعشرين حتى يكون كماله بتسعة وعشرين، وكثيرا ما يعيد العامة بعد
~~ثمانية وعشرين كما رأيناه مكررا في زماننا وإن كان بسبب وضع الشاهدين على
~~الرؤية في أول الشهر، فيكون هذا ردا عليهم، يعني أصل رمضان ليس تسعة وعشرين
~~حتى يكون الناقص منه ثمانية وعشرين، بل لا ينقص الأصل من ثلاثين أبدا،
~~فيكون الناقص تسعة وعشرين.
# وتؤيده بعض الأخبار، مثل صحيحة عبد الله بن سنان - وفي طريقه حماد بن
~~عيسى - عن رجل نسي حماد بن عيسى اسمه، قال: " صام علي عليه السلام بالكوفة
~~ثمانية وعشرين يوما شهر رمضان، فرأوا الهلال، فأمر مناديا ينادي: اقضوا
~~يوما، فإن الشهر تسعة وعشرون يوما " (1).
# وكيف كان فهذه الأخبار مما لا يمكن التعويل عليها من وجوه شتى، وتلوح
~~منها رائحة الوضع; لاشتمالها على الأيمان المغلظة التي هي شأن من يريد
~~ترويج كلامه.
# ومنها: مخالفتها للحس والاعتبار.
# ومنها: اشتمالها على مضامين لا ترجع بظاهرها إلى محصل، وتعليلات غير
# PageV05P321
# منطبقة على معلولاتها، فلاحظ رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع إلى آخرها
~~تقف على ما ذكرنا.
# والتوجه إلى كل واحد من الأخبار وذكر ما فيها وتأويلها تطويل بلا طائل لا
~~يفي الوقت بها، مع عدم الاحتياج إليها; إذ الظاهر أن هذا القول مسبوق
~~بالإجماع على خلافه، وملحوق به كما يظهر من الأصحاب.
# ونقل عن ابن طاوس: أن جماعة من الذين انتصروا لهذا القول قد رجعوا عنه
~~وألفوا كتابا في رده (1).
# والإنصاف: أن التوجيهات التي ذكروها ms1374 لهذه الأخبار أكثرها في غاية البعد
~~منها، ولا تتم في كثير منها، وما ذكر في بعضها لا يجامع ما يدل عليه بعض
~~آخر منها، فالأولى طرح هذه الأخبار، ووكول أمرها إلى الصادع بها إن كان هو
~~الإمام; لمخالفتها للحس والعقل والكتاب والسنة والإجماعات المنقولة.
# وأما ما قد يستدل على هذا القول بقوله تعالى: * (أياما معدودات) * و *
~~(ولتكملوا العدة) *.
# فأما الآية الأولى ففيها: أن كونها معدودة لا خلاف فيه، وإنما الاختلاف
~~فيما يعرف به أول هذا العدد وآخره، وليس في الآية ما يدل عليه.
# وقيل: إن المراد بالمعدودات الإشارة إلى القلة تسهيلا للأمر كما في دراهم
~~معدودة، مع أن أيام الحيض أيضا معدودة بمعنى أن لها حدين لا تتجاوزها قلة
~~وكثرة وإن اختلفت بنفسها.
# مع أنه قيل: إنها أيام عاشوراء، وقد نسخت بشهر رمضان (2).
# وأما الثانية ففيها: أن إكمال كل واحد من الأقل والأكثر إكمال له، وأن
~~المراد بإكمالها إكمال عملها، فكما أن المعتدة تكمل عدتها بثلاثة أشهر، وقد
~~يكون بعضها
# PageV05P322
# ناقصا ولا ينافي الإكمال، فكذا ما نحن فيه، وكذا إتمام حولين كاملين لمن
~~أراد أن يتم الرضاعة، فإنه قد يتحقق الإكمال مع كون أحدهما زائدا على
~~الآخر، كما لو كانت السنة كبيسة.
# وقد يقال: إن المراد بالعدة هو قضاء ما فاته في المرض أو في السفر كما
~~يرشد إليه سياق الآية.
# السابع: رؤية الهلال قبل الزوال والمشهور المعروف أنه لا عبرة بها، وادعى
~~عليه الاجماع ابن زهرة (1) والعلامة في التذكرة (2)، بل لم يذكر الخلاف فيه
~~إلا عن الثوري وأبي يوسف من العامة (3)، ونقل عن الآخرين الموافقة لنا (4)،
~~وعن أحمد القول بالتفصيل (5).
# وعن المنتهى: أنه مذهب أكثر علمائنا إلا من شذ منهم لا نعرفه (6)، وهو
~~ظاهر الشيخ في الخلاف أيضا (7).
# وذهب المرتضى في المسائل الناصرية إلى أنه إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو
~~لليلة الماضية، وقال: دليلنا إجماع الفرقة المحقة، وأيضا ما روي عن أمير
~~المؤمنين عليه السلام وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأنس أنهم قالوا بذلك
~~ولا مخالف لهم ms1375 (8).
# PageV05P323
# وهو معارض بما ذكره الشيخ في الخلاف: أنه روي عن أمير المؤمنين عليه
~~السلام وابن عمر وأنس أنهم قالوا كلهم لليلة القابلة، ولا مخالف لهم، فدل
~~على أنه إجماع الصحابة (1).
# وربما نسب إلى الصدوق في المقنع حيث روى الرواية الدالة عليه (2)، وربما
~~يظهر من المحقق الأردبيلي - رحمه الله - الميل إليه (3).
# ونسب إلى العلامة في المختلف القول بالتفصيل، فيعتبر في الصوم دون الفطر
~~(4).
# وفي التذكرة بعد ما نسب إلى الثوري وأبي يوسف القول بالاعتبار مطلقا، نقل
~~عن أحمد أنه قال: إن كان في أول شهر رمضان فهو للماضية، وإن كان في هلال
~~شوال فروايتان، إحداهما: أنه كذلك، والثانية: للمستقبلة، ثم غلطهما (5)،
~~والظاهر أنه في المختلف أيضا موافق للمشهور كما سنشير إليه.
# لنا: الاستصحاب، وعدم جواز نقض اليقين بالشك المدلول عليه بالأخبار
~~المعتبرة (6)، خصوصا ما ورد في شهر رمضان أنه لا يعمل فيه بالتظني ولا بد
~~من اليقين (7)، والإجماعات المنقولة، والأخبار المتواترة القائلة " صم
~~للرؤية وأفطر للرؤية " فإن الظاهر أنها على نسق واحد في الجميع، وهي ظاهرة
~~في وجوب الصوم والفطر غدا، لا بعدهما بلا فاصلة.
# لا يقال: إن الغالب المتعارف في الرؤية إنما هو في أول الليلة، فلا تنصرف
~~تلك الأخبار إلى الرؤية قبل الزوال فدلالة الأخبار على وجوب الصوم والفطر
~~غدا إذا رؤي في الليل لا تنافي وجوب الصوم والفطر إذا رؤي قبل الزوال.
# PageV05P324
# لأنا نقول: هذا يستلزم منع دخول الرؤية بعد الزوال في مصداق الأخبار
~~أيضا، سيما ما قرب من الغروب، وهو بعيد.
# سلمنا عدم الدخول، لكنا نقول: ظاهر تلك الأخبار تعيين العلامة، يعني أن
~~الرؤية في الليل علامة لوجوب الفطر والصوم غدا، وعدمها فيها علامة لعدمه،
~~فدلت تلك الأخبار على عدم الوجوب وإن رؤي قبل الزوال.
# وذلك أيضا يكفي في الاستدلال; لصدق عدم الرؤية في الليلة الماضية.
# ورؤيته قبل الزوال لا تصير موجبا لصيرورته هلالا في الليلة الماضية، إذ
~~اتصاف القمر بكونه هلالا إنما هو بإمكان الرؤية، بل فعليتها، لا مجرد
~~الخروج من تحت الشعاع، وقد يخرج ولا ms1376 تمكن رؤيته في تلك الليلة، بل وما
~~بعدها أيضا.
# وصحيحة محمد بن قيس المتقدمة في دليل مذهب سور (1).
# وجه الدلالة: مفهوم قوله عليه السلام: " وإن لم تروا الهلال إلا من وسط
~~النهار أو آخره فأتموا الصيام " فإن وسط النهار شامل لما قبل الزوال; إذ
~~ليس المراد هو ركود الشمس في دائرة نصف النهار; لاستحالته، وعدم انصراف فهم
~~العوام إليه الذي هو المعيار في فهم الأخبار، سيما والأظهر الأشهر أن
~~النهار اسم لما بين طلوع الفجر إلى الغروب، لا ما بين طلوع الشمس إلى
~~غروبها.
# وعلى هذا فالمنتصف إنما هو قبل الزوال، مع أنه هو المحتاج إليه في سؤال
~~الرواة وجوابهم عليهم السلام، فكيف يطوي عن الاعتناء بحاله بالمرة، وعدم
~~التعرض لذكر أول النهار لندرته جدا.
# وما رواه الشيخ في التهذيب، عن علي بن حاتم، عن محمد بن جعفر، عن محمد
~~ابن أحمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى، قال: كتبت إليه عليه السلام: جعلت فداك
~~ربما غم علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربما
~~رأيناه بعد الزوال،
# PageV05P325
# فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا؟ وكيف تأمر في ذلك؟ فكتب عليه
~~السلام: " تتم إلى الليل، فإنه إذا كان تاما رؤي قبل الزوال " (1).
# ومحمد بن جعفر وإن كان مشتركا بين الثقة وغيره (2)، ولكن أستاذنا - طاب
~~ثراه - قال في بعض تحقيقاته: ما رواه الشيخ عن كتاب علي بن حاتم الثقة
~~الجليل بسنده الصحيح عن محمد بن عيسى، ومع ذلك فالضعف منجبر بالشهرة التي
~~كادت أن تكون إجماعا.
# وجه الدلالة: أن الظاهر أن المراد من هلال شهر رمضان هو هلال شوال كما
~~يتسامح فيه في المتعارف، بقرينة قول السائل: " فترى أن نفطر " إذ هو
~~المناسب للصوم اللازم، دون صوم آخر شعبان، وقوله عليه السلام في الجوا ب: "
~~تتم إلى الليل " دون أن يقول:
# اعدل بنيتك إلى صوم رمضان، وبالعلة المنصوصة يتم الحكم في أول شهر رمضان
~~أيضا، بل القول بعدم الفصل لما سنذكر من موافقة المختلف للمشهور.
# وفي ms1377 شرح الروضة للفاضل الإصفهاني " غم علينا الهلال " معرفا باللام، فلا
~~إشكال.
# وعن جراح المدائني قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " من رأى هلال
~~شوال بنهار في رمضان فليتم صيامه " (3) ولا وجه لحملها على ما بعد الزوال،
~~سيما والمحتاج إليه هو بيان ما قبل الزوال كما ظهر من مخالفة الثوري في
~~زمانه عليه السلام وأبي يوسف (4)، ولم يعهد خلاف من أحدهما في بعد الزوال
~~حتى يكون الحديث رفعا له.
# وموثقة إسحاق بن عمار أو صحيحته، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن
# PageV05P326
# هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: " لا تصمه، إلا أن
~~تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه، وإذا رأيته في وسط النهار فأتم
~~صومه إلى الليل " (1).
# يعني بقوله عليه السلام: " أتم صومه إلى الليل " على أنه من شعبان، دون
~~أن ينوي أنه من رمضان (2).
# فإن اعتبرنا تفسير الراوي فالأمر واضح.
# وإن لم نعتبره فيمكن القول: بأن المراد من قوله عليه السلام: " وإذا
~~رأيته في وسط النهار " إلى آخره أنه حكم هلال شوال; لأن بعد ما نهاه عن
~~الصوم بدون رؤيته في الليل فلا صوم ههنا متحقق الوقوع حتى يقال: أتمه.
# وكذلك أمره بالقضاء لو رآه أهل بلد آخر يشهد بعدم كونه صائما.
# وروى الفاضل الإصفهاني، عن بعض الكتب، عن أمير المؤمنين عليه السلام،
~~قال: " إذا رأيتم الهلال أو رآه ذوا عدل منكم نهارا فلا تفطروا حتى تغر ب
~~الشمس، كان ذلك في أول النهار أو في آخره، وقال: لا تفطروا إلا لتمام
~~ثلاثين من رؤية الهلال أو بشهادة شاهدين عدلين أنهما رأياه " (3).
# حجة القول الآخر: حسنة حماد بن عثمان - لإبراهيم بن هاشم - عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، قال: " إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية،
~~وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة " (4).
# وموثقة عبيد بن زرارة وعبد الله بن بكير قالا، قال أبو عبد الله عليه
~~السلام: " إذا رؤي
# PageV05P327
# الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رؤي بعد ms1378 الزوال فذلك من شهر
~~رمضان " (1).
# وردهما الشيخ بالشذوذ، وكونهما غير معلومين، وبمخالفتهما للكتاب والأخبار
~~المتواترة معنى; الدالة على وجوب الصوم للرؤية والفطر للرؤية (2).
# وتردد بعض الأصحاب مثل المحقق في المعتبر والنافع (3)، وكذا يظهر من صاحب
~~المدارك (4) بسبب اعتبار سند الروايتين.
# وليس في محله; إذ كلما كان السند أصح والدلالة أوضح والعدد أكثر والقائل
~~أقل، وكان الطرف المخالف أضعف سندا ودلالة والقائل بها أكثر، يقوى الظن
~~باعتبار ما اشتهر العمل به، ويضعف الشاذ.
# واحتج العلامة في المختلف (5) - مضافا إلى هاتين الروايتين، وما نقل في
~~المسائل الناصرية من قول أمير المؤمنين عليه السلام والصحابة (6) - بأنه
~~أحوط للعبادة، وبالأخبار الدالة على وجوب الصوم للرؤية (7) بناءا على أنه
~~إذا رؤي قبل الزوال كان وقت الصوم باقيا فيجب ابتداؤه حينئذ.
# وفيه: مع بعده بالنسبة إلى الرواية الثانية; أنه لا معنى للاحتياط إلا
~~بنية شعبان، لئلا يكون مفطرا يوما من رمضان لو كان في نفس الأمر منه، وهو
~~ليس معنى صومه من رمضان، مع أنه لا يتم في آخر الشهر; لتردده بين الحرام
~~والواجب.
# ثم إنه قال في آخر كلامه: إذا عرفت هذا فنقول: لو رؤي في أول الشهر قبل
~~الزوال ولم ير ليلة إحدى وثلاثين هلال شوال وجب صومه إن كان هذا الفرض
~~ممكنا إذا
# PageV05P328
# حصلت علة; لأن الاحتياط للصوم متعين، فلا يجوز الإقدام على الإفطار بمثل
~~هذه الروايات المفيدة للظن المعارضة بمثلها (1).
# وأنت خبير بأن الاحتياط لا يصير دليلا شرعيا، ولا دليل على وجوبه، ولا
~~وجه للفرق بين الواجب والحرام.
# وهذا الكلام منه يشعر بأن مراده الصيام في الأول من شعبان احتياطا، وكذا
~~في الآخر لا بقصد أنه من شوال، فلا مخالفة له مع المشهور.
# الثامن: عد خمسة أيام من أول شهر رمضان في السنة الماضية، وجعل الخامس
~~أول السنة الآتية، فإذا كان أول الأول جمعة يكون أول الثاني الثلاثاء.
# ولا اعتبار به عند الأصحاب، وإن وردت به روايات، مثل ما رواه عمران
~~الزعفراني، قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن السماء تطبق ms1379 علينا
~~بالعراق اليوم واليومين والثلاثة، فأي يوم نصوم؟ قال: " انظر اليوم الذي
~~صمته من السنة الماضية، وصم يوم الخامس " (2).
# وروايته الأخرى أيضا قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنما نمكث في
~~الشتاء اليوم واليومين لا نرى شمسا ولا نجما، فأي يوم نصوم؟ قال: " انظر
~~اليوم الذي صمته من السنة الماضية، وعد خمسة أيام، وصم اليوم الخامس " (3).
# وما رواه الصدوق مرسلا عنه عليه السلام قال: " إذا صمت شهر رمضان في
~~العام الماضي في يوم معلوم، فعد في العام المستقبل من ذلك اليوم خمسة أيام،
~~وصم
# PageV05P329
# يوم الخامس " (1).
# ورواية محمد بن عثمان الخدري، عن بعض مشايخه، عنه عليه السلام، قال: " صم
~~في العام المستقبل يوم الخامس من يوم صمت عام أول " (2).
# ونزلها الشيخ على أن السماء إذا كانت مغيمة فعلى الانسان أن يصوم اليوم
~~الخامس احتياطا لرمضان من قبيل يوم الشك، لا على أنه من رمضان (3).
# نعم عمل بتلك الروايات جماعة من الأصحاب إذا غمت شهور السنة كلها، وأما
~~لو غم شعبان فقط أو أزيد منه فيجب إكمال شعبان ثلاثين يوما، ثم يصام وجوبا
~~(4)، وظاهر التذكرة الاجماع على ذلك (5).
# وبالجملة هذه الروايات مع ضعفها وشذوذها وعدم العامل بها على الإطلاق لا
~~تقاوم ما دل على اعتبار الرؤية وإتمام ثلاثين من شعبان (6).
# مع أنها لا تتم في السنة الكبيسة، كما صرح به جماعة من الأصحاب (7)،
~~ففيها لا بد من جعله السادس أولا للسنة الآتية.
# ووردت بذلك أيضا رواية، وهي ما رواه السياري، قال: كتب محمد بن الفرج إلى
~~العسكري عليه السلام يسأله عما روي عن الحساب في الصوم عن آبائك في عد خمسة
~~أيام بين أول السنة الماضية والسنة الثانية التي تأتي، فكتب: " صحيح، ولكن
~~عد في كل أربع سنين خمسا، وفي السنة الخامسة ستا فيما بين الأول والحادث،
~~وما سوى ذلك، فإنما هو خمسة خمسة ".
# قال السياري: وهذه من جهة الكبيسية، قال: وقد حسبه أصحابنا فوجدوه
# PageV05P330
# صحيحا.
# قال: وكتب إليه محمد بن الفرج في سنة ثمان وثلاثين ومائتين: هذا الحساب
~~لا ms1380 يتهيأ لكل انسان أن يعمل عليه، إنما هذا لمن يعر ف السنين، ومن يعلم متى
~~كانت السنة الكبيسية ثم يصح له هلال شهر رمضان أول ليلة فإذا صح الهلال
~~لليلته وعرف السنين، صح له ذلك إن شاء الله (1).
# ثم إن المشهور أنه فيما لو غمت شهور السنة العمل على عدها ثلاثين ثلاثين،
~~وذهب جماعة من الأصحاب إلى اعتبار عد خمسة أيام; لموافقته للعادة (2)، حتى
~~أنه نقل عن صاحب عجائب المخلوقات أنه قال: قد امتحنوا ذلك خمسين سنة فكان
~~صحيحا، ولكن مع التقييد بغير السنة الكبيسية (3).
# ويظهر من المختلف أن اعتماده إنما هو على العادة دون الروايات; لضعفها
~~(4).
# وتوجيهه: أن المتبادر مما دل على اعتبار إتمام الثلاثين إنما هو فيما لم
~~تغم جميع الشهور، فإن العرف والعادة إنما جريا على كون شطر الشهور ناقصة،
~~فلا بد من اعتبارها. وأما تعيينه على هذا الوجه - يعني بعنوان عد خمسة أيام
~~- فلغلبة وقوعه أيضا في العادة.
# ومرجع هذا الاستدلال العمل بالظن وتقديم الظاهر على الأصل، وأن (5)
~~التكليف بالصوم باق والعلم بأول الشهر متعذر; إذ المفروض انعدام جميع
~~العلامات من الرؤية والبينة والاستفاضة، ولم يبق إلا استصحاب عدم دخول
~~الشهر، واستصحاب عدم تمام الشهر السابق، وهما لا يقاومان هذا الظهور; إذ
~~المناط في حجية الاستصحاب هو حصول الظن، والمفروض فقده، بل خلافه مظنون.
# PageV05P331
# وما دل على عدم جواز العمل بالتظني خصوصا في شهر رمضان (1) إنما ينصرف
~~إلى ما كان يقين ثابت حتى يستصحب حكمه، وهو في كل شهر شهر مفقود; لعدم
~~معلومية أولها.
# وأما بالنسبة إلى مجموع الستة أشهر أو تمام السنة مثلا فلا يعارض الظن
~~الحاصل من الأخبار الدالة على عدم جواز نقض اليقين بالشك، الظن الحاصل من
~~هذا الظاهر، فإنا قد حققنا في الأصول أن الظاهر أيضا من القواعد المعتبرة
~~كقاعدة اليقين وقاعدة نفي الضرر والحرج وغير ذلك، ولا بد فيما لو تعارضا من
~~الرجوع إلى المرجحات، والرجحان هنا مع الظاهر، سيما مع اعتضاده بالروايات
~~المستفيضة مع عمل جماعة بها فيما لو غمت ms1381 الشهور.
# ثم إن ما ذكر يجري فيما لو غم أكثر من ثلاثة أشهر أيضا، وإن لم يغم تمام
~~السنة; لأن كون أزيد منها تماما بعنوان التوالي أيضا نادر، بخلاف الشهرين
~~والثلاثة، فإن الأصل حينئذ أقوى من الظاهر.
# لا يقال: إنك قلت بأن العمل بأمثال هذه الظنون لا يتم إلا في نفس
~~الأحكام، وأما في إثبات الموضوعات فلا بد من الوقوف على ما ثبت من الشرع.
# لأنا نقول: المفروض انتفاء ما ثبت من الشرع هنا، ولا سبيل إليه مع ثبوت
~~التكليف الموقوف على معرفة أول الشهر إلا العمل بأحد هذين الأمرين، ولما لم
~~يتم الدليل على العمل بالاستصحاب وعد ثلاثين ثلاثين تاما، فانحصر الرجوع
~~إلى هذا الظن.
# التاسع: لا عبرة بغيبوبة الهلال بعد الشفق، واعتبره الصدوق في المقنع،
~~قال:
# واعلم أن الهلال إذا غاب قبل الشفق فهو لليلة، وإن غاب بعد الشفق فهو
~~لليلتين، وإن رؤي فيه ظل الرأس فهو لثلاث ليال (2)، ونسب هذا القول في
~~التذكرة إلى بعض من
# PageV05P332
# لا يعتد به (1).
# ولعل دليله رواية إسماعيل بن الحر - وفي بعض النسخ إسماعيل بن الحسن - عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة،
~~وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين " (2) وهي مع ضعفها (3) لا تقاوم ما دل على
~~انحصار معرفة الشهر بالرؤية أو إتمام ثلاثين أو نحو ذلك.
# ويعارضها صريح (4) ما رواه الشيخ عن أبي علي بن راشد، قال: كتبت إلى أبي
~~الحسن العسكري عليه السلام كتابا وأرخته يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان،
~~وذلك في سنة اثنين وثلاثين ومائتين، وكان يوم الأربعاء يوم الشك، وصام أهل
~~بغداد يوم الخميس وأخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس ولم يغب إلا بعد
~~الشفق بزمان طويل، قال: فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس، وأن الشهر كان عندنا
~~ببغداد يوم الأربعاء، قال: فكتب إلي: " زادك الله توفيقا، فقد صمت بصيامنا
~~" قال: ثم لقيته بعد ذلك فسألته عما كتبت به إليه فقال لي: " أو لم أكتب
~~إليك إنما صمت الخميس، فلا تصم ms1382 إلا للرؤية " (5).
# أما رؤية رأس الظل - والمراد به ظل الرأس، فإن رأس ظل الانسان هو ظل رأسه
~~- فاعتباره هو الظاهر من الصدوقين حيث ذكراه في المقنع (6) والرسالة (7)،
~~خلافا للأكثر.
# وتدل عليه صحيحة مرازم، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "
~~إذا تطوق
# PageV05P333
# الهلال فهو لليلتين، وإذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث ليال " (1).
# وهي وإن كانت صحيحة لكنها لا تقاوم العمومات والإطلاقات المعتضد بالأصل
~~والعمل القريب من الاجماع.
# ويظهر من الصدوق أيضا اعتبار التطوق لهذه الرواية (2) وجمهور الأصحاب على
~~خلافه (3).
# وقد حكم في التذكرة بضعف الرواية (4)، ولعله أراد الشذوذ.
# وحكم المحقق في المعتبر - بعد ذكر الأخبار الواردة في هذه الأمور
~~المهجورة عند الأصحاب - أن هذه الروايات شاذة، والعامل بها نادر (5)، وكذلك
~~غيره (6).
# العاشر: نقل عن ابن أبي عقيل أنه قال: قد جاءت الآثار عنهم عليهم السلام:
~~أن صوموا رمضان للرؤية، وأفطروا للرؤية، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة من
~~رجب تسعة وخمسين يوما، ثم الصيام من الغد (7).
# ويدل عليه ما رواه المفيد في المقنعة، عن أبي بصير، عن الصادق عليه
~~السلا: " إذا أهل هلال رجب، فعد تسعة وخمسين يوما ثم صم " (8).
# وما رواه في الكافي، عن محمد بن الحسن بن أبي خالد يرفعه، عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، قال: " إذا صح هلال شهر رجب، فعد تسعة وخمسين يوما وصم
~~يوم الستين " (9).
# PageV05P334
# وما رواه الصدوق أيضا مرسلا (1).
# وهذه الرواية أيضا ضعيفة شاذة لا يعارض بها ما تقدم من الأخبار، والأدلة
~~الحاصرة لعلامة الشهر.
# ثم إن ههنا مسألتين:
# الأولى: المشهور بين الأصحاب استحباب صوم يوم الشك (2)، وعن جماعة من
~~الأصحاب الاجماع عليه، مثل السيد في الانتصار والمسائل الناصرية (3)، وابن
~~زهرة في الغنية (4)، والشيخ في الخلاف (5)، وهو ظاهر الروضة (6).
# ويدل عليه مضافا إلى العمومات عموم ما ورد في صوم شعبان، وخصوصا في
~~الثلاثة الأخيرة، وخصوصا ما ورد في يوم الشك، وهو كثير جدا، مثل صحيحة سعيد
~~الأعرج قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني صمت اليوم الذي يشك فيه،
~~وكان ms1383 من شهر رمضان، أفأقضيه؟ قال: " لا، هو يوم وفقت له " (7).
# وما رواه سهل بن سعد، عن الرضا عليه السلام، وفي جملتها قال، قلت له:
# يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله، فما ترى في صوم يوم الشك؟ فقال: "
~~حدثني أبي، عن جدي، عن آبائي عليهم السلام قال، قال أمير المؤمنين عليه
~~السلام: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أفطر يوما من شهر رمضان " (8).
# ورواية بشير النبال، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن صوم يوم
~~الشك، فقال:
# PageV05P335
# " صمه، فإن يك من شعبان كان تطوعا، وإن يك من رمضان فيوم وفقت له " (1).
# ورواية أبي الصلت عبد السلام بن صالح - رواها في المقنعة - عن الرضا عليه
~~السلام، عن آبائه عليهم السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "
~~من صام يوم الشك فرارا بدينه فكأنما صام ألف يوم من أيام الآخرة غراء
~~زهراء، لا تشاكلن أيام الدنيا " (2).
# وعن أبي خالد، عن زيد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب
~~عليه السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " صوموا سر الله "
~~قالوا: يا رسول الله، وما سر الله؟ قال:
# " يوم الشك " (3) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة (4) التي لا حاجة إلى
~~ذكرها، وقد مر بعضها في مسائل النية.
# وعن ابن الجنيد أنه قال: لا أستحب الابتداء بصيام يوم الشك إلا إذا كان
~~في السماء علة تمنع من الرؤية استظهارا (5).
# وعن المفيد في العزية أنه قال: يكره صوم يوم الشك إذا لم يكن هناك عارض
~~وتيقن أول الشهر وكان الجو سليما عن العوارض وتفقد الهلال ولم ير مع
~~اجتهادهم في الطلب، ولا يكون هناك شك حينئذ، ويكره صومه حينئذ إلا لمن كان
~~صائما قبله شعبان أو أياما تقدمته من شعبان، بذلك جاءت الآثار عن آل محمد
~~عليهم السلام (6).
# وتحقيق المقام يقتضي ذكر أمور:
# الأول: في موضوع المسألة، أعني يوم الشك، فقال الشهيد الثاني في الروضة:
# وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث ms1384 الناس برؤية الهلال، أو شهد به من لا
~~يثبت بقوله (7).
# PageV05P336
# وتقرب منه عبارته في المسالك، قال: واعلم أن موضع الخلاف إنما هو مع تحقق
~~كونه شكا، لا مطلق يوم الثلاثين، ولا يتحقق كونه شكا إلا مع تحدث الناس
~~برؤيته على وجه لا يثبت، أو بشهادة الواحد ونحوه، وبدون ذلك لا يكون شكا،
~~فلا يتعلق به حكمه من كراهة صومه ولا استحبابه على الوجه الوارد (1).
# وأنت خبير بأن عبارة المفيد السابقة صريحة في أن الكراهة إنما هي في صورة
~~عدم الشك (2)، والمشهور عدمها، وهو موضع الخلاف.
# وأيضا ظاهر التذكرة والمنتهى والدروس والشرائع أن محل النزاع مطلق
~~الثلاثين وأنه يسمى يوم الشك مطلقا (3).
# قال في التذكرة: يستحب صيام يوم الشك من شعبان إذا لم ير الهلال، ولا
~~يكره صومه، سواء كان هناك مانع من الرؤية كالغيم وشبهه أو لم يكن، وبه قال
~~أبو حنيفة ومالك (4).
# إلى أن قال: وقال شيخنا المفيد رحمه الله: إنما يستحب مع الشك في الهلال
~~لامع الصحو وارتفاع الموانع، ويكره مع الصحو وارتفاع الموانع إلا لمن كان
~~صائما قبله، وبه قال الشافعي والأوزاعي (5) و (6).
# أقول: والتحقيق أن يقال: المراد بيوم الشك يوم من شأنه الشك بعنوان
~~القاعدة الكلية كما هو الغالب في التسميات، ولما كان الشهر دائما مرددا بين
~~أمرين ثلاثين يوما وتسعة وعشرين يوما، فيوم الثلاثين محل الشك، ولا ضرورة
~~إلى فعلية الشك في التسمية.
# PageV05P337
# مع أنه قلما يوجد ارتفاع الشك; إذ عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود،
~~سيما بعد ملاحظة هجر القواعد الرصدية في الشرع، وهذا هو الظاهر من كلمات
~~الأصحاب.
# الثاني: الظاهر من الأخبار الواردة في استحباب صوم الشك أن العلة فيها
~~إدراك صوم رمضان والتوفيق له في نفس الأمر، فيستحب الصوم لأجل أن لا يفوت
~~هذا اليوم منه في نفس الأمر، فلاحظ الأخبار، فإنها منادية بذلك.
# فمراد أكثر الأصحاب من استحبابه بعد ما أجمعوا على استحباب صوم شعبان،
~~وذكروا استحباب صوم الثلاثة الأيام في آخره، ووصل شعبان برمضان، ونقلوا
~~الأخبار الدالة على ذلك، ms1385 ثم عنونوا الكلام في صوم يوم الشك، ينبغي أن تكون
~~الحكمة في استحبابه بالخصوص هو استحبابه لأجل إدراك صوم رمضان والتوفيق له،
~~ولا مانع في العقل والشرع أن يكون لشئ واحد فضيلتان من جهتين.
# فنظر المشهور إلى أن احتمال كونه من رمضان لا ينتفي بسبب الصحو وعدم
~~الرؤية وعدم الأمارات الرصدية، ونظر المفيد إلى عدم الاعتداد بالاحتمال
~~الضعيف، ولذلك قال: " حينئذ ليس هناك شك ".
# فينبغي أن لا يمنع المفيد استحبابه من جهة أنه آخر شعبان شرعا، بل إنما
~~يقول بالكراهة لأجل أن الاعتداد بالاحتمال الضعيف في إدراك التوفيق لصوم
~~رمضان ليس مما يستند إليه في الحكم الشرعي; لأنه حينئذ متشبه بمن يعتد بغير
~~أمارة شرعية، ولذلك اشترط عدم تقدم الصيام، فإن من كان يصوم قبل ذلك ويستمر
~~فيه إلى الآخر لا يتوهم فيه أنه صام لأجل الاعتماد على ما لا يجوز الاعتماد
~~عليه، ويضمحل هذا الاحتمال في جنب داعية الاستمرار على العمل، وعلى هذا
~~فيشبه أن يكون النزاع لفظيا.
# وكيف كان فالمذهب هو المشهور، فالأحسن على ما ذكرنا الاستدلال بخصوص ما
~~ورد في يوم الشك، وأنه لأجل التوفيق لصوم رمضان، ولأنه فرار بدينه ونحو ذلك
~~PageV05P338
# مما ذكر في الأخبار، لا بإطلاق ما دل على استحباب صوم شعبان أو الثلاثة
~~الأيام من آخره ونحو ذلك.
# الثالث: في ذكر الآثار التي ذكرها المفيد، ولعله أراد بها مثل رواية معمر
~~بن خلاد، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: كنت جالسا عنده آخر يوم من شعبان،
~~فلم أره صائما، فأتوه بمائدة، فقال: " ادن " وكان ذلك بعد العصر، قلت له:
~~جعلت فداك صمت اليوم، فقال لي: " ولم؟ " قلت: جاء عن أبي عبد الله عليه
~~السلام في اليوم الذي يشك فيه أنه قال: " يوم وفق له " قال: " أليس تدرون
~~إنما ذلك إذا كان لا يعلم أهو من شعبان أم من شهر رمضان فصامه الرجل وكان
~~من شهر رمضان كان يوما وفق له، فأما وليس علة ولا شبهة فلا " فقلت: أفطر
~~الآن؟ فقال: " لا " فقلت: وكذلك في ms1386 النوافل ليس لي أن أفطر بعد الظهر؟ قال:
~~" نعم " (1).
# ورواية هارون بن خارجة قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " عد شعبان
~~تسعة وعشرين يوما، فإن كانت مغيمة فأصبح صائما، وإن كان مصحية وتبصرت فلم
~~تر شيئا فأصبح مفطرا " (2).
# ورواية الربيع بن ويد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا رأيت
~~هلال شعبان فعد تسعة وعشرين ليلة، فإن صحت فلم تره فلا تصم، وإن تغيمت فصم
~~" (3).
# وأنت خبير بأن هذه الأخبار مع سلامتها لا تعارض بها الأخبار المتواترة
~~المعتبرة، فلعل المراد بها المنع عن صيامها لقصد احتياط إدراك رمضان لكمال
~~بعده، ولكن يلزمه بقاء الاستحباب لأجل أنه من شعبان أو آخر شعبان، ولا أقل
~~من أجل أنه صوم; لعدم المنافاة، فلا وجه للإفطار والأمر بالإفطار كما
~~يستفاد من تلك الأخبار.
# PageV05P339
# الرابع: لو صامه ندبا وظهر كونه من رمضان أجزأ عنه اتفاقا، وهو مدلول
~~الأخبار الكثيرة جدا (1).
# بل قال المفيد في المقنعة: ثبت عن الصادقين عليهما السلام لو أن رجلا
~~تطوع شهرا وهو لا يعلم أنه شهر رمضان ثم تبين له بعد صيامه أنه كان شهر
~~رمضان لأجزأ ذلك عن فرض الصيام (2). وقد تقدم الكلام في ذلك وسائر ما يتعلق
~~به في مباحث النية.
# الخامس: لو أفطره وأهل شوال في ليلة التاسع والعشرين من رمضان قضاه، وكذا
~~لو قامت بينة برؤيته ليلة الثلاثين من شعبان بلا خلاف أعرفه، وتدل عليهما
~~الأخبار، ومر بعضها مثل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة في مسألة العدد
~~(3)، وصحيحة هشام بن الحكم المتقدمة في مسألة رؤية الهلال (4).
# قال المحقق: وكل شهر تشتبه رؤيته يعد ما قبله ثلاثين (5).
# ولم يذكر في المدارك ولا في المسالك خلافا فيه (6)، وإنما ذكر المحقق (7)
~~وغيره (8) الخلاف فيما لو غمت شهور السنة، فذهب الأكثر إلى أنه يعد الكل
~~ثلاثين (9).
# وقيل: ينقص منها; لقضاء العادة بالنقيصة (10).
# وقيل: يعمل بعد الخمسة من السنة الماضية (11).
# أقول: أما في خصوص شعبان فلا إشكال فيه; للإجماع والأخبار، وأما في كل
# PageV05P340
# شهر غير شعبان فإن كان إجماع ms1387 فهو، وإلا فهو مشكل.
# وأما في غم الجميع; فالأظهر فيه البناء على النقيصة، بل بخصوص عد الخمسة.
# والتحقيق أن يقال: إن ترك العمل على عد ثلاثين في الجميع كما اخترناه ليس
~~لأجل ترجيح الظاهر على الأصل فقط كما يظهر من المسالك (1)، بل لأنه لا يمكن
~~إجراء الاستصحاب أصلا فيه، بل ولا في صورة غم الكل، ولا في البعض، وإنما
~~قلنا بذلك في خصوص شعبان للدليل.
# ووجهه: أنا نعلم بالعيان أنه ليس للشهور حد لا تتجاوزه، فقد يكون الشهر
~~ثلاثين، وقد يكون تسعة وعشرين، وتعيين خصوص الثلاثين بسبب الاستصحاب بناءا
~~على أن الاستصحاب قد يثبت حكما جديدا كما في حكاية استصحاب الطهارة في مادة
~~عدم ناقضية المذي إنما يتم لو صح إجراء الاستصحاب.
# ولا يمكن فيما نحن فيه; إذ معنى الاستصحاب إجراء ما ثبت في الزمان الأول
~~في الزمان الثاني على مقتضى جري عادة الله على بقاء الحكم الأول، فمرجعه
~~إلى حصول الظن بسبب العادة، فإذا كانت العادة مختلفة في أفراد كلي، فلا
~~يمكن تسوية جميع أفراد الكلي، بل إنما يقتصر على ما هو ثابت في الأقل
~~استمرارا.
# ولا ريب أن تفاوت الشهور في العدد يبنى على تفاوت أوضاع سير القمر،
~~والقمر في كل قطعة من الأيام والأزمان يختلف بسبب اختلاف أوضاعه بالنسبة
~~إلى الشمس، فوضعه في هذا الزمان على خلاف وضعه في الزمان الآخر، وعادة الله
~~إنما جرت في هذه على خلاف هذه.
# فالتمسك باستصحاب عدم تأخر القمر عن الشمس، وانسحاب مقتضى حالة اجتماعه
~~معها في كل قطعة من تلك الأزمنة التي هي شهر على حدة، تقتضي بقاءه على حاله
~~إلى هذه الساعة التي خرجت من الظلمة إلى النور، وهو قد يكون نهاية تسع
# PageV05P341
# وعشرين، وقد يكون نهاية ثلاثين، فكيف يحكم بأنه هو هذا دون ذاك تمسكا
~~بمطلق استصحاب عدم التأخر؟!
# نعم الاستصحاب يتم في حصول مراتب التأخر في كل منها على حدة، فإذا علمنا
~~أن لزيد مثلا مسكنا في موضع، ولكن لا نعلم أن بناءه من الآجر أو الحجر ms1388 أو
~~من القصب والسعف، فلا يمكننا إجراء استصحاب بقائه بعد مائة سنة لأجل وجوده
~~في الزمان الأول، بل الاستصحاب إنما يجري على أقلهما مكثا في الدنيا.
# فبقاء القمر بلا نور قد تقصر مدته وقد تطول، ويختلف بالنسبة إلى الأهلة،
~~فاستصحاب مطلق المكث الذي هو معيار الكلام هنا ليثبت الحكم في الجميع أو في
~~كل واحد لا يتم إلا في القدر المتيقن.
# فالاستصحاب لا يقتضي إلا الحكم بعدم الخروج إلى مقدار زمان التسع
~~والعشرين، وأما انقطاعه حينئذ أو استمراره إلى الثلاثين فلا يفيده
~~الاستصحاب، فيبقى المقام مبهما لا نحكم عليه بشئ منهما.
# وليس هنا مجال أن يتوهم أن الاستصحاب إلى أقل الأزمان إن سلم لتيقنه، لكن
~~الخروج عن الاجتماع أمر وجودي والأصل عدمه، وهو يقتضي تمام الثلاثين; لأنا
~~لم نرد باعتبار استصحاب الأقل نفي الحكم عن الزائد والاستدلال به على الحكم
~~بتسع وعشرين حتى يعارض بأصالة عدم سرعة السير وعدم خروج القمر عن الاجتماع،
~~بل المراد أن الثابت بالاستصحاب إنما هو هذا المقدار المشترك بينهما، وهو
~~لا يثبت شيئا منها، فما ذكره في المسالك من ترجيح العمل برواية الخمسة في
~~صورة غم الجميع لترجيح الظاهر بحسب العادة والغلبة، وترجيح العمل بعد
~~ثلاثين في الشهرين والثلاثة للاستصحاب والتردد في أزيد من ثلاثة لا يرتبط
~~بالدليل.
# نعم يظهر من المدارك أن الحكم في الشهرين والثلاثة أيضا إجماعي، قال
~~وموضع الخلاف ما إذا غمت شهور السنة أو أكثرها، وأما الشهران والثلاثة
~~فينبغي PageV05P342
# القطع بعدها ثلاثين لما ذكرناه من امتناع الحكم بدخول الشهر بمجرد
~~الاحتمال (1)، وهو مشكل.
# ويظهر من الروضة والمسالك وقوع الخلاف فيه حيث جعله أقوى (2)، وقد ظهر
~~مما ذكرنا خلافه.
# ثم إنه - رحمه الله - وجه الاستصحاب هنا بطريقين:
# الأول: أن يقال إن الشهر المعين مثل شعبان واقع ثابت، والأصل استمراره،
~~إلى أن يتحقق الزوال، وليس إلا بمضي ثلاثين، وكذا في غيره.
# والثاني أن يقال: إذا حصلت الخفية للهلال وهو المحاق فالأصل بقاؤها وعدم
~~إمكان الرؤية، إلى أن يتحقق خلافه بمضي ثلاثين (3).
# أقول: قد ms1389 عرفت عدم إمكان التمسك بالاستصحاب على الوجه الثاني.
# وأما الوجه الأول; فإن كان مراده من قوله " الشهر المعين ثابت واقع "
~~ثبوته ووقوعه بما هو شهر فهو أيضا يرجع إلى الثاني; إذ لا تتم حقيقة الشهر
~~إلا بانقضاء زمان خفاء الهلال في آخره، وقد عرفت عدم جريان الاستصحاب فيه.
# وإن أراد منه استصحاب الأحكام الواردة فيها مثل وجوب الصوم في رمضان
~~وتأكد استحبابه في شعبان، وتأكد استحباب التعزية في المحرم ونحو ذلك، ففيه:
~~أنه إنما يتم إذا كان الواجب في رمضان مثلا هو الصوم، والمستحب المؤكد في
~~شعبان هو الصوم لا صوم رمضان وشعبان، وكذلك المحرم في السفر هو صوم رمضان،
~~لا الصوم في رمضان، وهو في محل المنع، والفرق بينهما واضح.
# ويتفرع على هذا الأصل فروع منها: جواز الصوم المندوب في شهر رمضان في
~~السفر على القول بجوازه، وكذا
# PageV05P343
# الصوم المنذور تفريعا على أن الحرام هو صوم رمضان في السفر، لا الصوم في
~~رمضان.
# والأظهر بالنظر إلى تتبع النظائر هو الثاني، فإنه يفيد أن ظرف الزمان من
~~مميزات المهية، كما نشاهد في غسل الجمعة وغسل العيد وغير ذلك، بل وكذلك ظرف
~~المكان والأفعال، كغسل الإحرام والتوبة ودخول مكة والمدينة ونحو ذلك.
# وعلى هذا فيدخل في مهية تلك الأحكام المستصحبة تعلقها بالشهر بما هو شهر
~~ويعود المحذور.
# ثم إنك قد عرفت دليل الرجوع إلى عد الخمسة بأنه روايتا عمران الزعفراني
~~(1) وغيرهما (2)، وهي مع ضعفها (3) لا دلالة فيها على صورة غمة الشهور كلها
~~كما لا يخفى، ولا غمة أكثر من شهر، ولا بد من تقييدها بغير السنة الكبيسية
~~كما عرفت.
# وأما القول بالنقيصة مطلقا فقال في المسالك: فليس فيه بيان الناقص، ولكن
~~إحالته على العادة يقربه من رواية الخمسة (4).
# أقول: والظاهر أن مراد القائل: " إن العادة تقتضي البناء على النقيصة
~~ونقصان ستة أيام " من كل السنة، وإذ لا مرجح في تعينها في بعض الشهور دون
~~بعض، فمقتضى الأصل وعدم جواز الترجيح بلا مرجح وبقاء التكليف تخيير المكلف
~~في جعل النقيصة في أي ms1390 شهر أراد، لا بمعنى جعل الجميع في شهر مثلا، بل جعل
~~كل يوم في شهر حتى يكمل العدد.
# والأولى أن لا يجعل شهرين متواليين ناقصا - وإن كان قد يتفق ذلك، بل قد
~~رأينا
# PageV05P344
# مرة اتفق نقصان ثلاثة أشهر متواليات - بل يجعل شهر تاما وشهر ناقصا.
# فلعل العمل برواية الخمسة في غير الكبيسية أحسن; جمعا بين العمل
~~بالروايات المعمولة عند جماعة، وبين مقتضى العمل بالنقيصة، فهو أفضل
~~الأفراد المخير فيها إذا لم نقل بتعينه.
# المسألة الثانية: المحبوس الذي لا يعرف الأهلة، والأسير الذي لا يعرف
~~الشهور وجب عليه الاجتهاد، والظاهر عدم الخلاف فيه; لأنه مكلف بصوم رمضان
~~إجماعا كما صرح به في التذكرة (1).
# ومع اعتقاده إمكان المعرفة به يجب الطلب من باب مقدمة الواجب.
# فإن اجتهد وغلب على ظنه أن هذا الشهر هو شهر رمضان فيبني عليه.
# والظاهر أن وجوب البناء عليه أيضا إجماعي، وادعاه بعض الأصحاب صريحا (2)،
~~ولأنه إذا تعذر عليه العلم يرجع إلى الظن; لأن ترجيح المرجوح قبيح.
# ولا ينوي الأداء والقضاء كما ذكره الفاضلان في المعتبر والمنتهى (3).
# ثم إن استمر الاشتباه أجزأ إجماعا إلا عن الحسن بن صالح بن حي كما في
~~التذكرة (4).
# وحكي عن المنتهى أيضا (5)، ولأن الأمر يقتضي الاجزاء.
# ولو ظهرت الموافقة أو تأخره عن شهر رمضان بأجمعه أو ببعضه فيجزي أيضا
~~إجماعا كما في التذكرة، إلا عن الحسن بن صالح (6).
# PageV05P345
# وإن اتفق كونه قبل رمضان فلا يجزيه بإجماع علمائنا كما في التذكرة، بل
~~إنما نقل الخلاف عن أحد قولي الشافعي قياسا على إجزاء وقوف عرفات قبل عرفة
~~بيوم في حال الاشتباه (1)، والقياس مع أصله باطلان.
# والظاهر أن بطلان البعض في صورة تقدمه خاصة أيضا إجماعي، وهو ظاهر
~~التذكرة (2) والمحكي عن المنتهى (3).
# ويدل على أكثر ما تقدم ما رواه الكليني والشيخ - رحمه الله - عن عبد
~~الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: رجل
~~أسرته الروم ولم يصم شهر رمضان، ولم يدر أي شهر هو، قال: " يصوم شهرا
~~يتوخاه ويحتسب، ms1391 فإن كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزئه، وإن كان
~~بعد شهر رمضان أجزأه " (4).
# ولا وجه للقد في سنده بسبب عبيس بن هشام كما وقع في المدارك لجهالته (5)،
~~فإن الظاهر أنه هو عباس بن هشام الثقة، كما يظهر من النجاشي والخلاصة (6).
# مع أن الراوي عنه عبد الله بن المغيرة في سند الشيخ.
# مع أن الصدوق رواه بسنده عن أبان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد
~~الله، وفي بعض النسخ عبد الرحمن بن أبي العلاء، ولعله مصحف.
# وكيف كان فالسند معتبر جدا، بل صحيح على الأظهر.
# وفي الفقيه موضع لم يصم " لم يصح "، وموضع يحسب " يحتبس "، وموضع يتوخاه
~~" يتوخى " (7).
# PageV05P346
# ورواه المفيد في المقنعة أيضا وسننقل عبارته.
# ثم إن الشهيد الثاني وغيره ذكروا أنه يلحقه حكم الشهر في وجوب المتابعة،
~~وإكمال ثلاثين لو لم ير الهلال في الطرفين، فلو رآه فيهما فليس عليه إلا
~~شهر هلالي.
# نعم لو ظهرت المخالفة وكان رمضان تاما وهذا ناقصا فعليه قضاء يوم إن لم
~~يكن شوالا ولاذا الحجة، وإلا فيومين أو أكثر، لمكان العيدين وأيام التشريق،
~~فلو توافقا في النقصان وكان شوالا قضى يوما، وإن كان ذا الحجة قضى يوما أو
~~أكثر، وإن كان رمضان ناقصا وشوال تاما فلا قضاء، ويلحقه أحكام العيد بعده
~~من الصلاة والفطرة وحرمة الصوم.
# وكذا لزوم الكفارة بإفساد يوم منه إن لم يتبين تقدمه على رمضان، وإلا
~~ففيه الوجهان المتقدمان في مثل الحائض إذا أفطرت أول النهار وحاضت في وسطه،
~~وكذا المسافر.
# وكذا لو تبين التأخر عن رمضان; ففي لزوم كفارة رمضان بالإفساد، أو كفارة
~~قضاء رمضان وجهان.
# وناقش صاحب المدارك في الإلحاق في تلك الأحكام; لأصالة البراءة عن جميع
~~ذلك، واختصاص النص بالصوم.
# أقول: إشكاله وجيه، إلا في اعتبار التتابع وإكمال ثلاثين إن لم ير
~~الهلال.
# ولو لم يغلب على ظنه شئ فقالوا: إنه يتخير في كل سنة شهر، أيا منها أراد;
~~لأنه مكلف بالصوم، ولا سبيل له إلى العلم بالشهر ولا الظن به، فيثبت
~~التخيير. ms1392
# قال في المدارك: قد قطع به الأصحاب (1).
# ويظهر من التذكرة أن المخالف فيه إنما هو بعض الشافعية (2); لأنه لم يعلم
~~دخول الشهر ولا ظنه فلا يلزمه، كما لو شك في دخول وقت الصلاة (3)، واحتمله
# PageV05P347
# في المدارك (1).
# وهو ضعيف; لشمول الرواية له، بل الظاهر منها ذلك، فإن التوخي مطلق القصد
~~إلى الشئ.
# قال في الصحاح: وخيت وخيك; أي قصدت قصدك، ثم قال: توخيت مرضاتك; أي تحريت
~~وقصدت (2).
# ولكن قال في التحري: إنه طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن
~~كالتقمن، قال: وفلان يتحرى الأمر; أي يتوخاه ويقصده، وتحرى فلان بالمكان أي
~~تمكث (3).
# وعلى هذا فشمول الرواية لهذه مشكل، إلا أن يقال: إن المعيار هو قوله عليه
~~السلام:
# " يصوم شهرا " والتوخي أمر آخر غير الأمر بصوم شهر، وهو دائر مدار
~~الإمكان وحصول الفائدة، فإن انتفى إمكانه أو لم تحصل منه فائدة فيبقى الأمر
~~بصيام شهر مخيرا فيه بدليل العقل، وبالجملة فالرواية مع فتواهم تكفي في
~~ذلك.
# ثم إنه يظهر من المحقق الأردبيلي عدم وجوب التفتيش في صورة استمرار
~~الاشتباه (4)، ولكن ظاهر الرواية لزومه سيما على ما في الفقيه من لفظ "
~~يحسب " على زنة يضرب.
# وقال المفيد في المقنعة في باب الزيادات: وسئل يعني الصادق عليه السلام
~~عن رجل أسرته الروم فحبس ولم ير أحدا يسأله، فاشتبهت عليه أمور الشهور، كيف
~~يصنع في صوم شهر رمضان؟ فقال: " يتحرى شهرا فيصومه - يعني: يصوم ثلاثين
~~يوما - ثم يحفظ ذلك، فمتى خرج أو تمكن من السؤال من أحد; نظر فإن كان الذي
~~صامه كان قبل شهر
# PageV05P348
# رمضان لم يجز عنه، وإن كان هو هو فقد وفق له، وإن كان بعده أجزأه " (1).
# ولا بد من مراعاة المطابقة بين الشهرين في سنتين، بأن يكون بينهما أحد
~~عشر شهرا، وإلا كان أحد الشهرين غير رمضان على اليقين.
# قيل: وتجري فيه الأحكام المتقدمة في الشهر المظنون، إلا أنه يجوز له ترك
~~ما اختاره أولا واختيار شهر آخر في أثنائه، ولا كفارة في الإفطار حينئذ;
~~لعدم الدليل على التعين عليه ms1393 بسبب اختياره ذلك (2).
# ويظهر من التذكرة عدم وجوب التتابع هنا، بل جعله أولى (3)، وهو مشكل، بل
~~الظاهر الوجوب.
# قال في المسالك: ولو اتفق للأسير صيام شهر رمضان تطوعا فالأقرب الاجزاء
~~عنه (4). وقد صرح به في التذكرة أيضا (5)، وهو منقول عن المنتهى (6) تمسكا
~~بظاهر قوله عليه السلام في صيام يوم الشك بنية الندب: " هو يوم وفقت له "
~~(7).
# أقول: وقد نقلنا عن المفيد في صوم المقنعة في صوم يوم الشك ما يدل صريحا
~~على ذلك (8).
# وأما وقت وجوب الإمساك فهو طلوع الفجر الثاني بإجماع العلماء والآية (9)
~~والأخبار، إلا في الجماع، فيجب
# PageV05P349
# قبله بقدر الغسل; لحرمة تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر على الأشهر
~~الأقوى كما مر.
# وقد مر بيان حقيقة الفجر في كتاب الصلاة (1).
# ووقت الإفطار غروب الشمس، والمشهور تحديده بذهاب الحمرة المشرقية (2)،
~~وذهب جماعة إلى أن حده استتار القرص (3)، ولا يخلو من قوة وإن كان الأول
~~أحوط، وقد مر الكلام في ذلك أيضا.
# قالوا: ويستحب تقديم الصلاة على الإفطار إلا أن يكون هناك من ينتظره
~~للإفطار فتقديمه أفضل; لما رواه الصدوق في الصحيح، والكليني في الحسن، عن
~~الحلبي، عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن الإفطار قبل الصلاة أو بعدها؟
~~فقال: " إن كان معه قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم، وإن كان غير
~~ذلك فليصل ثم ليفطر " (4).
# وما رواه الكليني، والشيخ في الموثق، عن زرارة وفضيل، عن الباقر عليه
~~السلام: " في رمضان تصلي ثم تفطر، إلا أن تكون مع قوم ينتظرون الإفطار، فإن
~~كنت معهم، فلا تخالف عليهم وأفطر ثم صل، وإلا فابدأ بالصلاة ".
# قلت: ولم ذاك؟ قال: " لأنه قد حضرك فرضان: الإفطار والصلاة، فابدأ
~~بأفضلهما، وأفضلهما الصلاة ". ثم قال: " تصلي وأنت صائم فتكتب صلاتك تلك
~~فتختم بالصوم أحب إلي " (5).
# PageV05P350
# يدل عليه الاجماع والأخبار الدالة على أن الصلاة في أول الوقت أفضل،
~~خصوصا المغرب; لقلة وقت فضيلته، ولما ورد في استجابة دعاء الصائم (1)،
~~والصلاة مشتملة عليه.
# ويظهر من ذلك استحباب تأخيره عن العشاء، ولكن العلامة في التذكرة قال:
# ويستحب ms1394 تعجيل الإفطار بعد صلاة المغرب إن لم يكن من ينتظره للإفطار، ولو
~~كان استحب تقديمه على الصلاة، روى العامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~قال: " يقول الله تعالى: أحب عبادي إلي أسرعهم فطرا " (2) و (3).
# وعن المنتهى: أنهم رووه عن أبي هريرة عنه عليه السلام (4)، وعن نهاية ابن
~~الأثير: ومنه الحديث: " إذا حضر العشاء فابدؤا بالعشاء " العشاء بالفتح
~~الطعام الذي يؤكل عند العشاء، وأراد بالعشاء صلاة المغرب (5)، انتهى.
# وأنت خبير بأنه لا حجة فيما ذكر علينا، فالاستباق إلى العبادة والدعاء
~~أفضل.
# و ما تشعر به رواية زرارة والفضيل من أنه أحد الفرضين على فرض تسليمه لا
~~يوجب أفضليته; إذ لا ريب أن الإفطار إن سلم وجوبه فليس بفوري، وإلا فالمراد
~~بكونه فرضا النهي عن الوصال وعدم نقض الصيام في الليل.
# ويدل على أفضلية تقديم الصلاة أيضا: أن صفاء الخواطر في حال الجوع أكثر،
~~وتوجه النفس إلى الله أسهل إن لم يكن بحد لا يحفظ نفسه ولا يقوى على ضبطها،
~~وأيضا فيه مخالفة النفس التي جزاؤها كون الجنة هي المأوى.
# ويدل على استحباب التأخير لرفع انتظار المنتظر مضافا إلى الروايات عمومات
~~ما دل على فضيلة إجابة دعوة المؤمن، وإدخال السرور في قلبه، ودفع الأذى
~~عنه، فإنه
# PageV05P351
# قلما يوازنه شئ من الأعمال في الثواب.
# ثم إن الإفطار قد يطلق على مجرد ما يبطل الصوم ولو بحب من التمر أو
~~الزبيب، وقد يطلق على أكل ما يعتاد أكله من الغذاء.
# والأدلة المذكورة منها ما يدل على الأول مثل استجابة دعاء الصائم، ومنها
~~ما يدل على الثاني كالروايات المتقدمة.
# فالأولى تقديم الصلاة عليهما جميعا.
# ثم إن المحقق (1) وغيره (2) ذكروا استحباب تأخير الصلاة إذا نازعته نفسه
~~في تقديم الصلاة.
# قال في المدارك: ولم أقف على رواية تدل عليه، وربما كان وجهه استلزام
~~تقديم الصلاة على هذا الوجه فوات الخشوع والإقبال المطلوب في العبادة (3).
# أقول: قال المفيد في المقنعة بعد ما نقل رواية الفضيل وزرارة: وروي أيضا
~~في ذلك: " أنك إذا كنت تتمكن من الصلاة ms1395 وتعقلها وتأتي بها على جميع حدودها
~~قبل أن تفطر فالأفضل أن تصلي قبل الإفطار، وإن كنت ممن تنازعك نفسك للإفطار
~~فتشغلك شهوتك عن الصلاة فابدأ بالإفطار; ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة،
~~غير أن ذلك مشروط بأنه لا يشتغل بالإفطار قبل الصلاة إلى أن يخرج وقت
~~الصلاة " (4).
# وروى الشيخ في الموثق، عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام، قال: " يستحب للصائم إن قوي على ذلك أن يصلي قبل أن يفطر "
~~(5).
# PageV05P352
# وعن كتاب الإقبال أيضا مثله (1)، هذا.
# ولكن ينبغي للإنسان أن لا يجعل هذا مخيلة للشيطان ومضمار للنفس الأمارة،
~~فإنهما معتادان لما عودا، فليجاهد نفسه ليذهب عنه هذا الخاطر، وقد أشرنا
~~إلى نظيره في تأخير الصلاة عن وقت الفضيلة لأجل الحر ونحوه.
# مع أنه كما يمنع الجوع عن الحضور والتوجه، فالشبع أيضا قد يمنعه وإن لم
~~يكن بحد الامتلاء، سيما في شدة الحر والبرد، فإنا نشاهد الكسل والرغبة عن
~~الصلاة بعد الإفطار كثيرا.
# وأما الجمع بينهما: بأن يأكل قليلا ثم يصلي ثم يتم الشبع، فإنا قد جربنا
~~مرارا أنه يحرك الشهوة ولا يسكن الهمة، ويصعد البخار إلى الدماغ، وبسببه
~~يختل الحال ويشوش النفس، وربما يضر من جهة التداخل.
# فالأولى اعتياد النفس بتقديم الصلاة; ليصير عادة لها، إلا أن يكون بحيث
~~لا يتحمل الصبر ويتضرر به، فقد يجب حينئذ تقديم الإفطار.
# والظاهر أن السنة تتأدى بتقديم المغرب على الإفطار وإن وقع الإفطار أيضا
~~في وقت فضيلة المغرب.
# ولكن الأولى تأخيره عن التعقيب، بل وصلاة العشاء، بل الظاهر من الروايات
~~وبعض الأدلة المتقدمة رجحان التقديم، وإن خرج وقت الفضيلة أيضا.
# PageV05P353
# المبحث الثاني في شرائطه والكلام فيها إما في شرط الوجوب أو القضاء، وأما
~~الصحة فقد تقدم الكلام فيها.
# فهناك مطلبان:
# المطلب الأول: في شرائط الوجوب وهي أمور:
# منها: البلوغ والعقل، فلا يجب على الصبي والمجنون إجماعا، إلا أن يكملا
~~قبل طلوع الفجر، فيكونان مثل سائر المكلفين.
# ولو كملا بعد الفجر، فعن الأكثر عدم الوجوب مطلقا (1)، والظاهر من ابن
~~إدريس ms1396 بل صريحه دعوى الاجماع (2).
# وعن الشيخ في كتاب صوم الخلاف: أن الصبي إذا نوى الصوم أول النهار ولم
~~يفطر، فبلغ، وجب عليه الإتمام (3).
# PageV05P354
# وعن المبسوط في كتاب الصوم: إذا بلغ حال الصوم جدد النية وكان صوما صحيحا
~~(1)، وعن ابن إدريس: أنه خلا ف إجماع أصحابنا، وأنه من فروع المخالفين لا
~~يلتفت إليه; لمخالفته لأصول مذهبنا (2).
# وعن ابن حمزة: الصبي إن لم يفطر وبلغ صام واجبا، ولم يقيد بالنية (3)،
~~وقواه المحقق في المعتبر (4)، وارتضاه صاحب المدارك (5).
# لنا: أن الأصل عدم الصحة، وأن الصوم لا يتبعض إلا فيما قام عليه الدليل،
~~والقياس بالمسافر باطل.
# احتج في المعتبر في باب شرائط القضاء: بأن الصوم ممكن في حقه، ووقت النية
~~باق.
# لا يقال: لم يكن الصبي مخاطبا لأنا نقول: لكنه الآن صار مخاطبا.
# ولو قيل: لا يجب صوم بعض اليوم.
# قلنا: متى، إذا يتمكن من نية تسري حكمها إلى أول النهار أو إذا لم يتمكن؟
~~وهو ههنا متمكن من نية تسري حكمها إلى أوله، قال: وكذا البحث في المغمى
~~عليه (6).
# وفيه: أولا أنا نمنع سراية مثل هذه النية إلى أول النهار; لعدم الدليل
~~عليها بالخصوص.
# وثانيا: أنا نمنع وجوبه عليه، والقياس باطل. مع أنه - رحمه الله - قال
~~قبل ذلك بوريقات في مبحث شرائط الوجوب: فلو بلغ الغلام قبل الفجر وجب عليه
~~الصوم
# PageV05P355
# إجماعا، وإن كان بعد الفجر لم يجب، واستحب له الإمساك سواء كان مفطرا أو
~~صائما.
# ثم نقل عن أبي حنيفة الوجوب قياسا على من قام عليه بنية الهلال في أثناء
~~النهار، وعن الشافعي التفصيل فقال: إن أفطر استحب الإمساك، وفي القضاء
~~قولان، وإن كان صائما فوجهان، أحدهما يتمه استحبابا ويقضيه وجوبا، والثاني
~~بالعكس.
# ثم قال: لنا أن الصبي ليس من أهل الخطاب.
# ثم قال: وإذا لم يصح خطابه في بعض النهار، لم يصح في باقيه; لأن صوم
~~البعض لا يصح (1).
# وحجة الشيخ: أنه إذا نوى الصوم انعقد صحيحا شرعيا فوجب إتمامه; لعدم عروض
~~مسقط له بل مؤكد.
# وفيه: إنا وإن صححناه كما ms1397 مر، لكنا نمنع وجوب الاتمام.
# وشمول قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * له أول الكلام;
~~لظهوره في المكلفين بالصوم في الليل، كما لا يخفى على من لاحظ ما قبله وما
~~بعده (2).
# مع أن كون الصوم المبعض ولو بحسب النية صوما أو لكل أحد أول الكلام.
# ومما ذكرنا يظهر الكلام في المجنون، وأن الأصح عدم الوجوب عليه، كما هو
~~المشهور، وقد مر الكلام في الصحة والبطلان.
# وكذا المغمى عليه; لعدم كونه مكلفا حال الإغماء. ولو أفاق قبل الفجر فلا
~~إشكال في الوجوب.
# وأما بعد الفجر، فظاهر المتأخرين عدم الوجوب، والدليل عليه ما مر من
~~الأصل، وعدم تعلق الخطاب أولا، وعدم تبعض الصوم.
# ويظهر من المحقق في مبحث شرائط الوجوب عدم الوجوب بل عدم
# PageV05P356
# الصحة (1)، ومن كلامه الذي نقلناه عنه في باب شرائط القضاء صحته (2)، وهو
~~ضعيف.
# وعن ابن الجنيد: إن أفاق في بعض اليوم ولم يكن فعل ما بمثله يفطر الصائم
~~صام ذلك اليوم وأجزأه (3).
# وقد مر الكلام في المغمى عليه مع سبق النية.
# ومنها: الصحة من المرض، فلا يجب على المريض المتضرر بالصوم بالإجماع
~~والكتاب (4) والسنة (5).
# ولا يصح منه كما مر.
# وأما لو برأ قبل الفجر فلا إشكال في صحته أيضا، بل هو ليس بمريض حينئذ.
# ولو برأ بعد الفجر; فإن أفطر قبل البرء فلا يجب عليه الصوم ولا يصح منه
~~بإجماعنا، بل يستحب له الإمساك.
# وإن لم يفطر; فيظهر من المعتبر والتذكرة (6) وغيرهما (7) عدم الخلاف في
~~وجوب الصوم وسقوط القضاء به، بل نسبه في التذكرة إلى علمائنا مؤذنا بدعوى
~~الاجماع.
# وربما يستدل عليه بفحوى ما يدل على حكم المسافر،; لأن المريض أعذر.
# وفيه تأمل.
# واستدل في التذكرة والمعتبر بمثل ما نقلناه سابقا من المعتبر في الصبي،
~~وقد عرفت ضعفه.
# PageV05P357
# فالعمدة هي فتوى الجماعة وظهور عدم الخلاف، إلا أنه ربما يظهر من بعض
~~الأصحاب أن المسألة خلافية، فقال: إن ابن حمزة عد من الصوم المندوب صوم
~~المريض إذا برأ وأطلق (1).
# أقول: والذي رأيته في الوسيلة أنه عد صوم المريض ms1398 من باب صوم الأدب، لا
~~مطلق المندوب، وإن جعل صوم الأدب من أفراد الصوم المندوب توسعا، فلعله أراد
~~منه إذا أفطر لا مطلقا.
# وقال أيضا: وقال ابن زهرة: ويستحب للكافر إذا أسلم في يوم من شهر رمضان
~~وللمريض إذا برأ، وللمسافر إذا قدم، وللغلام إذا بلغ، وللمرأة إذا طهرت من
~~الحيض والنفاس أن يمسكوا بقية ذلك اليوم، وهذا هو صوم التأديب، وأطلق (2).
~~وإطلاق كلامه يشمل ما لو صح المريض ولم يفطر.
# أقول: والتمسك بهذا الإطلاق أيضا ضعيف، إذ لعل مراد ابن زهرة في هذا
~~المقام عد ما يمكن أن يتحقق فيه صوم الأدب، لا أن كل ما ذكر صومهم صوم
~~الأدب كما لا يخفى.
# ومنها: كونه حاضرا، أو بحكمه، كالمقيم عشرة أيام في السفر، والكثير
~~السفر، والعاصي بسفره وغير ذلك مما مر في الصلاة; فلا يجب على المسافر، بل
~~ولا يجوز له، ولا يصح منه بإجماعنا، والآية (3) والأخبار (4).
# ووجه دلالة الآية التفصيل الموجب للتعين.
# ومن كان فرضه القضاء يسقط عنه الأداء، ولو فعل كان بدعة، وفي الأخبار
~~تهديد شديد ووعيد أكيد، ففي بعضها أن الإمام عليه السلام قال: " لو مات من
~~صام في السفر
# PageV05P358
# ما صليت عليه " (1)، وفي بعضها: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله سمى
~~أناسا صاموا في السفر عصاة " (2) هذا إذا كان عالما عامدا.
# وأما الجاهل فهو معذور عندهم ويصح صومه.
# ولعل استثناؤهم هذا مع ما أطلقوا القول بعدم معذورية الجاهل لكونه عالما
~~بالإجمال أن في الشريعة أحكاما كثيرة فهو مقصر، مبني على أن هذا التقصير في
~~مثل ذلك معذور; لما ورد في الأخبار، وهي كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، نكتفي
~~بما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر، فقال: إن كان لم يبلغه
~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء وقد أجزأ عنه
~~الصوم " (3).
# والعيص بن القاسم في الصحيح، عنه عليه السلام، قال: ms1399 " من صام في السفر
~~بجهالة لم يقضه " (4).
# وابن أبي شعبة، يعني عبيد الله بن علي الحلبي قال، قلت لأبي عبد الله
~~عليه السلام:
# رجل صام في السفر فقال: " إن كان بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلا شئ عليه " (5) هذا إذا لم
~~يعلم بالحرمة حتى خرج الوقت.
# ولو علم في أثناء النهار فيفطر ويقضي جزما.
# وأما الناسي، فإذا تذكر في الأثناء فكذلك أيضا، وأما لو خرج الوقت فيجب
~~عليه القضاء أيضا على الأصح، فإن الجاهل إنما خرج بالدليل، ولا دليل هنا.
# PageV05P359
# وقيل بإلحاقه بالجاهل; لاشتراكهما في العذر (1)، وهو ضعيف، وقياسه على
~~الصلاة مع عدم إمكانه باطل.
# والظاهر أن المراد بمعذورية الجاهل إنما هو في أصل مسألة القصر، وأما في
~~فروعها فلا، فلو علم أنه يجب عليه الإفطار في السفر ولم يعلم بأن في
~~الأربعة فراسخ التي يرجع فيها ليومه أو قبل العشرة حكمه كذا وصامه فيشكل
~~فيه اطراد الحكم; اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، والأخبار المخصصة
~~أيضا ظاهرة في ذلك.
# ولا يقاس على المسافر المريض ولا غيره، فلو صام جاهلا بوجوب الإفطار يجب
~~عليه القضاء.
# ثم إن المسافر إذا علم أنه يصل إلى منزله أو بلد يريد الإقامة فيه قبل
~~الزوال جاز له الإفطار، ولكن الإمساك أفضل.
# أما أفضلية الإمساك; فلاحترام اليوم والمسارعة إلى الخير.
# وأما ثبوت الخيرة له في السفر; فلوجود مبيح الإفطار وعدم المانع، ولخصوص
~~الروايات الكثيرة، مثل ما رواه الصدوق في الصحيح، عن رفاعة بن موسى، عن أبي
~~عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتى
~~يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار، قال: " إذا طلع الفجر وهو خارج
~~لم يدخل فهو بالخيار، إن شاء صام، وإن شاء أفطر " (2) ورواه الكليني (3)
~~والشيخ (4) أيضا بعدة طرق منها الصحيح ومنها الحسن.
# وما روياه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام
~~عن الرجل يقدم من ms1400 السفر في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع
~~النهار، قال:
# PageV05P360
# " إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء
~~أفطر " (1).
# ذكر هذا الحكم الفاضلان في المعتبر والتذكرة (2)، وكذا غيرهما (3) من دون
~~نقل خلاف، وظاهرهما أنه إجماعي.
# وقال في المدارك: ربما ظهر من إطلاق الروايتين تخير المسافر بعد الدخول
~~أيضا إذا طلع الفجر عليه وهو داخل البلد. وأظهر منهما في الدلالة: ما رواه
~~الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "
~~إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فخرج بعد نصف النهار، فعليه صيام ذلك اليوم،
~~ويعتد به من شهر رمضان، فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر وهو يريد الإقامة
~~بها، فعليه صوم ذلك اليوم، وإن دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه، وإن شاء
~~صام " (4) و (5).
# أقول: وتؤدي مؤداه رواية سماعة، قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد
~~السفر، إلى أن قال: " إن قدم بعد زوال الشمس، أفطر ولا يأكل ظاهرا، وإن قدم
~~من سفره قبل زوال الشمس، فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء " (6).
# ثم قال: والمسألة محل إشكال (7).
# وكيف كان فالمعتمد ما عليه الأصحاب.
# أقول: ولا ينبغي الإشكال; لأن الظاهر أن الروايتين مخالفتان لإجماعهم كما
~~يظهر منه أيضا، والأولى حملهما على أن له الخيار قبل القدوم إذا عرف أنه
~~يقدم قبل الزوال.
# PageV05P361
# ثم إذا قدم المسافر بلده أو بلدا يعزم الإقامة فيه قبل الزوال، فإن أفطر
~~فيمسك استحبابا كما سيجئ، وإن لم يفطر فالأكثر على أنه يصوم ولا يجب عليه
~~القضاء (1)، بل ظاهر التذكرة الاجماع حيث نسبه إلى علمائنا (2).
# وقد مرت عبارة ابن زهرة الموهمة للاستحباب (3)، ولا عبرة به.
# ويدل على الوجوب: ما رواه الكليني، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد،
~~عن أحمد بن محمد، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل قدم من سفره في
~~شهر رمضان ولم يطعم شيئا قبل الزوال، قال: " يصوم " (4).
# وموثقة أبي بصير بسماعة بن مهران، قال: ms1401 سألته عن الرجل يقدم من سفر في
~~شهر رمضان، فقال: " إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ويعتد به "
~~(5).
# وما رواه الصدوق في الصحيح، عن يونس بن عبد الرحمن، عن موسى بن جعفر عليه
~~السلام، أنه قال في المسافر يدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل
~~فعليه أن يتم صومه ولا قضاء عليه، قال: " يعني إذا كانت جنابته من احتلام "
~~(6).
# ورواه الشيخ والكليني أيضا (7).
# وربما يستدل عليه بمثل ما مر من المعتبر (8)، وهو ضعيف، ولا حاجة إليه.
# وأما لو وصل بعد الزوال فلا يجب عليه الصوم ولا يجزيه، ويجب عليه القضاء
~~سواء فعل المفسد أم لا; لزوال وقت النية، ولمفهوم موثقة سماعة المتقدمة
~~(9)،
# PageV05P362
# وروايته الأخرى (1).
# وقوية محمد بن مسلم بعثمان بن عيسى، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام
~~عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من
~~الحيض، أيواقعها؟ قال: " لا بأس " (2).
# وربما يوهم إطلاق كلام الشيخ في النهاية وجوب الصوم عليه وعلى المريض إذا
~~ارتفع عذرهما بعد الزوال ولم يفعلا ما يفسد الصوم أيضا (3).
# واعترض عليه ابن إدريس بأنه مخالف للإجماع (4).
# والظاهر أن مراد الشيخ أيضا ما قبل الزوال كما يظهر من لفظ وسط النهار في
~~قوله:
# " إذا برأ المريض وسط النهار " على التقريب الذي مر من كون النهار حقيقة
~~فيما أوله الفجر.
# وأما استحباب الإمساك في بقية النهار ولو حصل المفطر في المسافر والمريض
~~وغيرهما; فهو لاحترام الشهر والتشبه بالصائمين، وخصوص رواية سماعة المتقدمة
~~(5).
# وحسنة يونس قال، قال في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان وقد أكل قبل
~~دخوله، قال: " يكف عن الأكل بقية يومه، وعليه القضاء " (6).
# ورواية الزهري، عن علي بن الحسين عليهما السلام، في حديث قال: في جملته:
~~" وكذلك
# PageV05P363
# المسافر إذا أكل أول النهار ثم قدم أهله أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا
~~وليس بفرض " (1).
# ومنها: الخلو عن الحيض والنفاس بالإجماع والأخبار (2)، وقد تقدمت طائفة
~~منها.
# وربما نقل عن شاذ من العامة القول بوجوب الصوم ms1402 عليهما وإن وجب عليهما
~~الإفطار; لوجوب القضاء عليهما (3). وهو خطأ فاحش، ووجوب القضاء لا يستلزم
~~وجوب الأداء.
# الثاني: في شرائط القضاء وهي أمور:
# منها: البلوغ والعقل فلا يجب القضاء على الصبي والمجنون بعد البلوغ
~~والإفاقة إجماعا كما ادعاه الشهيد الثاني رحمه الله (4)، وصاحب المدارك
~~(5). والمحقق في المعتبر (6)، والعلامة في التذكرة (7).
# واستدل في المدارك بحديث " رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى
~~يفيق، والنائم حتى يستيقض " (8) وهو غفلة، سيما مع ملاحظة وجوب قضاء الصلاة
# PageV05P364
# على النائم.
# وأما المغمى عليه فاختلف الأصحاب في وجوب القضاء عليه بعد الإفاقة، فعن
~~الشيخ في النهاية والمبسوط (1) وعامة المتأخرين (2) عدم الوجوب.
# وعن فقه القرآن للراوندي: أنه لا قضاء عليه عندنا، مشعرا بدعوى الاجماع،
~~وحمل كلام من خالف من الأصحاب على الاستحباب (3).
# وعن الشيخ في الخلاف (4) والمفيد (5) والسيد (6) وسلار (7) وابن البراج
~~(8): أنه لا يقضي إن سبقت منه النية، ويقضي إن لم ينو.
# واختار في المبسوط أيضا عدم وجوب القضاء مع سبق النية، ولم يفرق بين من
~~أغمي عليه قبل الشهر أو بعده، فيكتفي بالنية المتقدمة على الشهر وإن كان
~~بأيام كما نقلنا مذهبه في مباحث النية (9).
# ولكن المفيد لم يعتبر النية المتقدمة، وكذلك هو الظاهر من الخلاف.
# وعن ابن الجنيد: أن المغمى عليه والمغلوب على عقله من غير سبب أدخله على
~~نفسه لا قضاء عليه إذا لم يفق في اليوم كله، وإن أفاق في بعض اليوم ولم يكن
~~فعل ما بمثله يفطر الصائم، صام ذلك اليوم وأجزأه، وإن كان من محرم، قضى كل
~~ما غم عليه فيه.
# ويظهر منه أنه إذا كان الجنون بفعل محرم يجب عليه القضاء.
# PageV05P365
# وعن ابن أبي عقيل أنه قال: القضاء أحب إلي وأحوط إذا فات منه الشهر أو
~~بعض يوم منه (1).
# أقول: وتفصيل ابن الجنيد لا بأس به; لأنه الذي فوت على نفسه، لكن القضاء
~~فرض جديد يحتاج إلى الدليل، وانصراف عمومات القضاء إليه محل إشكال.
# والأول أظهر; للأصل، وخصوص صحيحة أيوب بن نوح، قال: كتبت إلى أبي الحسن
~~الثالث عليه ms1403 السلام أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر، هل يقضي ما فاته أم
~~لا؟ فكتب: " لا يقضي الصوم، ولا يقضي الصلاة " (2).
# ومثلها صحيحة علي بن مهزيار قال: سألته عن المغمى عليه (3) الحديث.
# وصحيحة علي بن مهزيار أيضا رواها في الفقيه في كتاب الصلاة: سأله - يعني
~~أبا الحسن الثالث عليه السلام - عن هذه المسألة، يعني مسألة المغمى عليه،
~~فقال: " لا يقضي الصوم ولا الصلاة، وكلما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر
~~" (4).
# وروى الشيخ في الصحيح، عن الصفار، عن علي بن محمد القاساني، قال:
# كتبت إليه وأنا بالمدينة أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر، هل يقضي ما
~~فاته؟
# فكتب عليه السلام: " لا يقضي الصوم " (5) إلى غير ذلك من الأخبار (6).
# وأما الاستدلال " بأنه غير مخاطب بالأداء لعدم الفهم فلا يخاطب بالقضاء "
~~فهو فاسد; لمنع الملازمة كما في النائم في الصلاة.
# ومما ذكرنا يظهر أن حكم نية العدم حكم عدم النية، كما لو كانت نيته
~~الإفطار ففاجأه الإغماء حين يطلع الفجر; لشمول الأخبار له، ولأنه غير مكلف
~~حين الإغماء،
# PageV05P366
# فكان فاقدا للشرط، والأمر مع العلم بانتفاء الشرط قبيح.
# ويمكن منع انصراف الأخبار إليه.
# وكيف كان فالأصل يكفي في نفي القضاء خاصة.
# حجة الآخرين: قوله تعالى: * (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)
~~* (1).
# وهو مدفوع بمنع كونه مريضا.
# سلمنا، لكنه مخصص بالمرض المضر بالصوم، وليس كل إغماء يضر بصاحبه الصوم،
~~ولا قائل بالفرق; مع أن العموم لو سلم فمخصوص بما سبق من الأدلة.
# وما رواه الشيخ بسنده، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال:
# " يقضي المغمى عليه ما فاته " (2).
# وهو مع القدح في السند لا يعارض ما تقدم، فيحمل على الاستحباب، كالأخبار
~~الواردة في الصلاة (3)، وقد تقدم ذكرها في الصلاة.
# وبالأخبار الواردة في قضاء الصلاة (4); فإنها تدل على كونه مكلفا بها،
~~ويلزم منه كونه مكلفا بالصوم، إذ لا قائل بالفرق.
# وهو مدفوع بمنع مخاطبته رأسا أولا، وبمنع الوجوب في الصلاة ثانيا كما مر،
~~وبمنع استلزام وجوب الأداء ms1404 لوجوب القضاء ثالثا، وبمنع كون وجوب القضاء
~~ناشئا عن وجوب الأداء رابعا كالحائض والنفساء، وبمنع عدم القول بالفرق
~~خامسا.
# وأما دليل تفصيل ابن الجنيد فقد أشرنا إليه، ولكن الإشكال في الفرق بين
~~المحرم وغيره، فإنه إذا علم أنه يفضي إلى الإغماء يوم الصوم فلا ينبغي
~~الفرق بينهما في لزوم
# PageV05P367
# القضاء، وكذا في عدم اللزوم مطلقا لو لم يعلم ذلك.
# ويمكن دفعه أولا: بأن مراده لعله من المحرم هو فعل ما يوجب الإغماء
~~بنفسه، لا من قبل الله تعالى، بقرينة المقابلة.
# ولو سلمنا إرادة خصوص الحرام به، فيمكن الفرق أيضا، وإن لم يعلم بالإفضاء
~~إلى الإغماء يوم الصوم عقوبة لفعل الحرام، سيما مع إيجابه ترك الواجبات،
~~ولكنه لا يصيره دليلا على خصوص القضاء، بل يمكن حصوله بالعذاب على ترك
~~العبادة الواجبة.
# وأما النائم تمام النهار إذا لم تسبق منه النية، والناسي للصوم، فيجب
~~عليهما القضاء، وإن لم يكونا مكلفين حال النوم والنسيان; للعمومات، والظاهر
~~عدم الخلاف فيه.
# قال في المعتبر: من غلب على عقله بشئ من قبله كشرب المسكر والمرقد يلزمه
~~القضاء; لأنه سبب الإخلال، ولا كذا لو كان من قبل الله تعالى أو من قبل
~~غيره، والنائم إذا سبقت منه النية كان صومه صحيحا; لأنه أمر معتاد لا يبطل
~~به الصوم (1).
# ومنها: الاسلام فيسقط القضاء عن الكافر بعد الاسلام، وهو إجماعي، كما
~~نقله جماعة من الأصحاب (2).
# ويدل عليه بعد الأصل: قوله عليه السلام: " الاسلام يجب ما قبله " (3)
~~ويظهر من بعض الأصحاب أنه متواتر رواه الخاصة والعامة.
# PageV05P368
# ولا وجه للقدح في الدلالة بأن المراد منه سقوط العذاب عنه، بل يدل على
~~سقوط اعتبار كل ما يوجب عليه كلفة; للعموم.
# وصحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سئل عن رجل أسلم في
~~النصف من شهر رمضان، ما عليه من صيامه؟ قال: " ليس عليه إلا ما أسلم فيه "
~~رواها الكليني والشيخ (1).
# ورواها الصدوق مرسلة وزاد في آخرها: " وليس عليه أن يقضي ما مضى منه "
~~(2) ولا بد من حملها على من أسلم ms1405 ليلا لما سيجئ.
# ورواه الكليني في الصحيح، عن عيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام، هل عليهم أن يصوموا
~~ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ فقال: " ليس عليهم قضاء، ولا يومهم
~~الذي أسلموا فيه، إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر " (3).
# ورواه الصدوق بسنده، عن صفوان بن يحيى، عن العيص (4)، وهو حسن لإبراهيم
~~بن هاشم، كما في الخلاصة (5)، ورواه الشيخ في الصحيح أيضا (6).
# ورواية مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه عليهم
~~السلام: إن عليا عليه السلام كان يقول في رجل أسلم في نصف شهر رمضان: " إنه
~~ليس عليه إلا ما يستقبل " (7).
# وعن ابن أبي عقيل أنه قال: لو قضى يومه الذي أسلم فيه وما مضى أحب
# PageV05P369
# إلي وأحوط (1).
# ولعل نظره إلى ما رواه الشيخ عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه
~~السلام عن رجل أسلم بعد ما دخل من شهر رمضان أيام، فقال: " ليقض ما فاته "
~~(2).
# وحملها الشيخ على من أسلم وفاته ذلك لعارض من مرض ونحوه، أو من أسلم ولم
~~يعلم أنه يجب عليه الصوم فأفطر ثم علم وجوبه.
# وذهب الأكثرون إلى أنه لو أسلم قبل الزوال ولم يفطر لا يجب عليه الصوم
~~ولا قضاؤه (3)،; لصحيحة العيص المتقدمة (4).
# وعن الشيخ في المبسوط: وجوبه عليه، فيجدد النية، ويكون صومه صحيحا، ولا
~~يجب عليه القضاء (5). وقواه في المعتبر مستدلا عليه بما مر في الصبي من
~~اقتداره على نية تسري إلى ما قبلها، ويزيد هنا أنه مكلف (6).
# وقال في المدارك: وهو جيد لولا الرواية الصحيحة (7). وقد عرفت تطرق المنع
~~إلى هذا الدليل.
# وربما يستدل له بصحيحة الحلبي المتقدمة، فإن اليوم الأول أول ما أسلم
~~فيه.
# ولا تنافيه صحيحة العيص; لأنها تنفي قضاء ذلك اليوم، لا وجوب صومه،
~~فلعلها لرفع توهم وجوب القضاء من أجل نقص اليوم.
# وفيه: مع أنه لا يوافق قوله عليه السلام: " إلا أن يكونوا أسلموا قبل
~~طلوع الفجر ms1406 " يقتضي أن يكون نفي وجوب قضاء ذلك اليوم إذا لم يفطر فيه، وهو
~~يوجب تقييد
# PageV05P370
# الرواية بلا دليل، فيحمل قوله عليه السلام: " ليس عليه إلا ما أسلم فيه "
~~على إرادة اليوم الذي صار مسلما في تمامه، وهو لا يكون إلا ما قبل الفجر،
~~فالمراد وجوب الأيام المستقبلة للإسلام، لا الماضية.
# ويؤيد ضعف هذا القول قوله عليه السلام: " الاسلام يجب ما قبله " (1) فإن
~~الجزء الماضي من اليوم أيضا مما جب حكمه الاسلام، فلا يجب عليه بسببه شئ،
~~هذا الكلام في الكافر الأصلي.
# وأما المرتد فقالوا: يجب عليه القضاء، سواء كان فطريا أو مليا، وسواء كان
~~اليوم الذي رجع فيه إلى الاسلام قبل الزوال أو غيره (2); لعموم ما دل على
~~وجوب القضاء (3).
# وقيل: هذا إن كان إجماعيا كما هو ظاهرهم، وإلا فيمكن القول بشمول الأخبار
~~السابقة له (4).
# أقول: الأخبار السابقة لا تنصرف إلى المرتد، بل هي ظاهرة في غيره، ولكن
~~ربما (يمكن القدح) (5) في شمول أدلة القضاء للمرتد الذي صام ولم يفطر،
~~فالعمدة في الفرق هو ظاهر إجماعهم.
# ثم إن ههنا إشكالا آخر، وهو أن جمهور علمائنا قالوا بعدم قبول توبة
~~المرتد الفطري ظاهرا وباطنا، ولا يجامع هذا قولهم بوجوب القضاء عليه; لأنه
~~لا يصح القضاء إلا مع الاسلام، فكيف يكون مكلفا بما لا يمكنه، وهذا تكليف
~~بما لا يطاق، وكذا تكليفه بالإسلام مع عدم قبوله منه، فلا بد إما من القول
~~بقبول التوبة باطنا،
# PageV05P371
# أو بعدم وجوب القضاء.
# وربما يدفع ذلك: بأنه تكليف صار هو بنفسه سببا له، ولا قبح في التكليف
~~بالمحال الذي صار المكلف بنفسه سببا له، كمن دخل دار قوم غصبا عالما
~~بالحرمة فهو مكلف بالخروج وعدم الخروج.
# ولعل المراد بالتكليف حينئذ - مع قبحه عن الحكيم من جهة لغويته لكونه طلب
~~إيجاد ما لا يوجد أبدا - هو كونه معاقبا في الآخرة في أداء ما لا يتمكن من
~~إيجاده توسعا.
# أقول: الأظهر قبول توبته باطنا; لعموم الآيات والأخبار الواردة في
~~التوبة، خصوصا قوله تعالى: * (يا عبادي الذين أسرفوا على ms1407 أنفسهم) * (1)
~~الآية، منضما إلى قوله تعالى: * (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن
~~يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) * (2) فإنها تدل على قبولها، وأنهم منصورون
~~إذا أنابوا وأسلموا.
# وأما الأخبار الواردة في عدم قبول توبة المرتد الفطري، فلا يستفاد منها
~~أكثر من عدم صيرورتها دارءة للحد، دافعة للقتل ونحوه; إذ أظهرها دلالة
~~صحيحة محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام: في المرتد، فقال: " من رغب عن
~~الاسلام وكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه، فلا توبة
~~له، وقد وجب قتله، وبانت منه امرأته، ويقسم ما ترك على ولده " (3).
# وهي صحيحة على ما رواه الشيخ في ميراث المرتد وفي طريقها على ما في أول
~~باب حد المرتد سهل بن زياد، وهو سهل (4). وفي طرق متعددة في الكافي
~~والتهذيب مروية عن أبي عبد الله عليه السلام وفي سندها سهل أيضا (5).
# فإن ظاهر نفي جنس التوبة العموم ظاهرا وباطنا، فيحمل على أنه لا توبة له
~~توجب
# PageV05P372
# سقوط القتل وما بعده، كما يشعر به عطف ما بعده عليه.
# والمراد أنه لا يستتاب وإن قبلت توبته لو تاب، كما دلت عليه موثقة عمار
~~عن الصادق عليه السلام، قال: " كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الاسلام وجحد
~~محمدا صلى الله عليه وآله نبوته وكذبه، فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه،
~~وامرأته بائنة منه يوم ارتد فلا تقربه، ويقسم ماله على ورثته، وتعتد امرأته
~~عدة المتوفى عنها زوجها، وعلى الإمام أن يقتله ولا يستتيبه " (1) فإن عدم
~~الاستتابة لا يستلزم عدم قبول التوبة لو تاب.
# والحاصل: أن ظاهر هذه الرواية لا يقاوم ما دلت عليه أدلة التوبة مع
~~قطعيتها وتضافرها في الكتاب والسنة (2)، سيما مع ما هو المعهود من كرم الله
~~ووسعة رحمته، وسبقها غضبه، ونفي العسر والحرج، وكون الملة سمحة سهلة.
# وأما القتل وما يتبعه فلا ينافي ما ذكر; لكونها من باب الأحكام الوضعية
~~المقوية (3) للدين، السادة لخلل شبه أهل الجحود، وتطرق الإضلال.
# إذا عرفت هذا، فنقول: التحقيق القول بقبول توبته ms1408 باطنا كما قواه جماعة
~~منهم الشهيد الثاني (4) والمحقق الشيخ علي (5) وصاحب المدارك (6) وغيرهم
~~(7).
# وما ذكروه من جواز التكليف بما لا يطاق إذا كان المكلف هو الذي صار باعثا
~~له، فإنما يسلم إذا لم يتب.
# وأما بعد التوبة الصحيحة فنحن نحكم بقبحه كسائر التكاليف التي لا تطاق،
~~ونحن إذا صححنا التوبة بما ذكرنا فلا يرد علينا شئ.
# وأما ظاهر جمهور الأصحاب فإن كان مرادهم هو ما ظهر منهم من عدم القبول
# PageV05P373
# أصلا مع كونهم مكلفين بالإجماع، فلا مناص لهم عن القول بجواز مثل هذا
~~التكليف بما لا يطاق، وهو بعيد.
# وكيف كان، فالأظهر قبول توبته باطنا، وصحة عباداته وطهارة بدنه، وصحة
~~معاملاته التي منها حل ذبيحته ومنها جواز تملكه، وتزويجه، ولو كان بامرأته
~~السابقة بعقد جديد.
# وأما عدم سقوط قتله وعدم رجوع ماله إليه وزوجته بالعقد السابق فلا نمنعه;
~~للاستصحاب، وعدم منافاته لوسعة رحمة الله وكرمه; لأن فيها فوائد جمة في
~~حراسة الدين وردع المبطلين، ولعله يوجب حصول الأجر مضافا إلى رفع العقوبة
~~لنفس المرتد، فلا غائلة أصلا فيه.
# ثم إنه لو صام المسلم فارتد في أثنائه ثم رجع ففي صحته قولان، فعن الشيخ
~~(1) وابن إدريس (2) وجماعة منهم المحقق في المعتبر (3) الصحة.
# وذهب العلامة (4) والشهيد (5) إلى البطلان، وقواه في المدارك (6); لأن
~~الاسلام شرط الصحة، وبفوته في جزء من الصوم يفسد ذلك الجزء، والصوم لا
~~يتبعض.
# ويؤيده قوله تعالى: * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت
~~ليحبطن عملك) * (7).
# وأجاب المحقق بأن شرط الإحباط أن يموت على الشرك (8)، وهو تقييد لا دليل
~~عليه.
# نعم ما ذكره له وجه بالنسبة إلى الأعمال الآتية إذا تاب.
# PageV05P374
# وبالجملة وإن كان القول بالبطلان قويا، لكن الحكم بوجوب القضاء مشكل;
~~لأنه فرض جديد على الأصح، هذا الكلام في الكافر والمرتد.
# وأما المخالفون; فقد مر أنهم إذا استبصروا يسقط عنهم قضاء ما فعلوه صحيحا
~~عندهم عدا الزكاة، تفضلا من الله تعالى، لاما لم يفعلوه كذلك، فيجب عليهم
~~القضاء; لعموم الأدلة.
# وأما كفار المسلمين، كالخوارج والغلاة، فقال في ms1409 المدارك: يجب عليهم
~~القضاء قطعا (1)، وهو كما ذكره; للعمومات (2)، ولعدم انصراف ما مر من
~~الأخبار في الكافر إليهم.
# ثم إن ههنا مسائل:
# الأولى: لا يجب التتابع في قضاء شهر رمضان على المشهور، بل لم نقف على
~~مخالف صريح، وعن المسائل الناصرية والخلاف والمختلف دعوى الاجماع عليه (3).
# وربما يقال: يظهر من إيجاب أبي الصلاح فورية القضاء أنه يقول بوجوب
~~التتابع، فإنه قال: يلزم من تعين عليه فرض القضاء بشئ من رمضان أن يبادر في
~~أول أحوال الإمكان (4).
# وكيف كان فالمذهب عدم الوجوب; للأصل، وإطلاق الآية (5)، ومنع كون الأمر
~~للفور، وإطلاق الأخبار (6)، وخصوص كثير منها لا حاجة إلى ذكرها.
# نعم المشهور الاستحباب; للمسارعة إلى الخير وسبب المغفرة، ولخصوص صحيحة
# PageV05P375
# عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: " من أفطر شيئا من رمضان
~~في عذر، فإن قضاه متتابعا فهو أفضل، وإن قضاه متفرقا فحسن " (1).
# وصحيحة الحلبي عنه عليه السلام، قال: " إذا كان على الرجل شئ من صوم شهر
~~رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياما متتابعة، فإن لم يستطع فليقضه كيف
~~شاء، وليحص الأيام، فإن فرق فحسن، وإن تابع فحسن " (2).
# وتدل عليه رواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: "
~~قال علي عليه السلام في قضاء شهر رمضان: إن كان لا يقدر على سرده فرقه،
~~وقال: لا يقضى شهر رمضان في عشرة ذي الحجة " (3).
# وحملها الشيخ على من كان حاجا فإنه مسافر.
# ويحتمل أن يكون المنع لفقد التتابع لمكان العيد.
# وكيف كان فالظاهر عدم الخلاف في عدم الكراهة في عشر ذي الحجة، ونسبه في
~~التذكرة إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع (4).
# مع أن الحلبي روى في الصحيح في جملة حديث قال، قلت: أرأيت إن بقي علي شئ
~~من صوم شهر رمضان، أقضيه في ذي الحجة؟ قال: " نعم " (5).
# وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عنه عليه السلام: في قضاء شهر رمضان في
~~شهر ذي الحجة وقطعه، فقال: " اقضه في ذي الحجة واقطعه إن شئت " (6).
# PageV05P376
# نعم هو مذهب أحمد من العامة ms1410 (1).
# ونقل ابن إدريس عن بعض الأصحاب قولا بأن من فاته عشرة أيام أو ثمانية
~~فليتابع بين ثمانية أو بين ستة ويفرق الباقي (2)، وهو قول ابن حمزة في
~~الوسيلة (3).
# وعن المبسوط: أن ما لا يراعى فيه التتابع أربعة مواضع، إلى أن قال: وصوم
~~قضاء شهر رمضان لمن أفطر لعذر وإن كان التتابع فيه أفضل، فإن أراد الفضل
~~فليصم ستة أيام متعاقبات ثم يفرق الباقي (4).
# ونحوه عن النهاية، إلا أن فيها: فإن لم يتمكن من سرده (5).
# ونقل ابن إدريس أيضا قولا باستحباب التفريق للفرق بين القضاء والأداء
~~(6).
# وهو ظاهر المفيد في المقنعة قال: ومن فاته شئ من شهر رمضان، فإن شاء قضى
~~متتابعا، وإن شاء قضى متفرقا، على أي الوجهين قضى فقد أجزأه، وقد روي عن
~~الصادق عليه السلام أنه قال: " إذا كان عليه يومان فصل بينهما بيوم، وكذلك
~~إذا كان عليه خمسة أيام وما زاد، فإن كان عليه عشرة أيام أو أكثر من ذلك
~~تابع بين الثمانية الأيام إن شاء، ثم فرق الباقي " (7) والوجه في ذلك أنه
~~إن تابع بين الصيام في القضاء لم يكن فرق بين الشهر في وضعه وبين القضاء،
~~فأوجبت السنة الفصل بين الأيام بالإفطار ليقع الفرق بين الأمرين كما
~~وصفناه، والذي قدمناه من التخيير بين المتابعة والتفصيل على حسب ما يلائم
~~ما ذكرناه في هذا الشرح الذي بيناه (8).
# ولعل مستند الجميع موثقة عمار عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن
~~الرجل تكون
# PageV05P377
# عليه أيام من شهر رمضان، كيف يقضيها؟ فقال: " إن كان عليه يومان فليفطر
~~بينهما يوما، وإن كان عليه خمسة فليفطر بينهما أياما، وليس له أن يصوم أكثر
~~من ستة أيام متوالية، وإن كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أفطر بينها يوما "
~~(1).
# وفي الاستبصار موضع ستة " ثمانية ".
# فبعضهم أخذ برواية التهذيب، وبعضهم برواية الاستبصار، وبعضهم جمع بينهما
~~بالتخيير.
# ولعل مراد المفيد - رحمه الله - من الرواية هو أيضا رواية عمار، ولكن ما
~~ذكره من التعليل بالفرق بين الأداء والقضاء لا يستفاد من الرواية.
# وعن المرتضى في الجمل: ms1411 القاضي مخير بين المتابعة والتفريق، وقد روي: أنه
~~إن كان عليه عشرة أيام أو أكثر منها كان مخيرا في الثمانية الأول بين
~~المتابعة والتفريق، ثم يفرق ما بقي ليقع الفصل بين الأداء والقضاء (2).
# وبالجملة أكثر الأصحاب تعرضوا لهذه الرواية بعباراتهم المختلفة، فربما
~~حمل على أنه لدفع توهم وجوب المتابعة لا وجوب التفريق ولا ندبيته، كما يظهر
~~من الشيخ، وربما حمل على ندب المتابعة في الستة والتفريق في الباقي إن كان
~~عليه فوق الستة.
# ويظهر من بعضهم التخيير بين الثمانية والستة في هذه الفضيلة، ولعله ناظر
~~إلى نسختي التهذيب والاستبصار، فطرح هذه الرواية رأسا في غاية الإشكال.
# ولعل الأظهر العمل على مقتضى صحيحة ابن سنان (3) وصحيحة الحلبي (4)
# PageV05P378
# وغيرهما (1); لصحتها، وكثرتها، واعتضادها بالعمل.
# وتؤيده صحيحة محمد بن الحسن الصفار الآتية في قضاء الولي (2).
# ويمكن حملها على تأكد الاستحباب في الستة ثم الثمانية، ولكن لا يلائمه
~~ظاهر الرواية، فإن ظاهرها رجحان التفريق، وحملها على مطلق الرخصة أو على من
~~يضعف عن المتابعة بعيد.
# ثم إن ههنا وجها آخر لم يذكروه، وهو أن يكون المطلوب بالذات التتابع،
~~لكنه لا يمكن الاكتفاء بتتابع بعضها، ككفارة صوم شهر رمضان بالنسبة إلى
~~شهرين متتابعين، فيكتفي بشهر ويوم، فيكتفي هنا بتتابع الستة أو الثمانية.
# وعن المقنع: روي عن أبي عبد الله عليه السلام في قضاء رمضان أنه قال: "
~~تصوم ثلاثة أيام ثم تفطر " (3) ولكنه لا يلائم أول الرواية.
# ويمكن أن يكون ذلك في الثلاثة وما فوقها، ويشعر به ما رواه في قرب
~~الإسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عمن كان عليه
~~يومان من شهر رمضان، كيف يقضيهما؟ قال: " يفصل بينهما بيوم، وإن كان أكثر
~~من ذلك فليقضها متوالية، فقد يكتفى بالثلاثة، وقد يكتفى بالستة، وقد يكتفى
~~بالثمانية " (4) وهذا أيضا بعيد.
# الثانية: المشهور عدم وجوب الفور في قضاء رمضان، وفي المدارك: أنه
~~المعروف من مذهب الأصحاب (5); للأصل، وعموم الآية (6) والأخبار (7)، وخصوص
~~صحيحة
# PageV05P379
# عبد الله بن سنان (1)، وصحيحة الحلبي (2) المتقدمتين.
# وصحيحة حفص بن البختري، عن ms1412 أبي عبد الله عليه السلام، قال: " كن نساء
~~النبي صلى الله عليه وآله إذا كان عليهن الصيام أخرن ذلك إلى شعبان; كراهة
~~أن يمنعن النبي صلى الله عليه وآله، فإذا كان شعبان صمن، وكان رسول الله
~~صلى الله عليه وآله يقول: شعبان شهري " (3) إلى غير ذلك.
# وكلام أبي الصلاح المتقدم يشعر بلزومه، ولا حجة عليه.
# الثالثة: لا يجب الترتيب في قضاء شهر رمضان كما نص عليه جماعة من الأصحاب
~~(4)، ولم نقف فيه على ذكر خلاف، فيجوز القضاء بدون قصد الأول ثم الثاني ثم
~~الثالث، بل يجوز قصد الآخر أولا ثم ما قبله إلى الأول.
# وقال في المسالك: إنه أفضل (5)، ولعل وجهه الاحتياط.
# واستشكله في الدروس (6)، ولعل وجهه النظر إلى تساوي الأيام في التعلق
~~بالذمة، وأن تقدم بعضها على بعض ليس من باب جعل الشارع - كالظهر والعصر
~~والمغرب والعشاء - بل من باب الاتفاق، كتقدم صلاة الصبح على الظهرين، وهما
~~على العشاءين، وقد أشرنا إلى ذلك في كتاب الصلاة، وإلى تقدم اشتغال الذمة
~~بالأول، فهو أحق.
# وهو ضعيف كما ترى في الديون المتعاقبة.
# وكيف كان فلا ريب أن الترتيب أحوط، ثم الاقتصار بمطلقه من دون تقييد.
# وأما الترتيب بينه وبين سائر الواجبات وبين نفس السائر، كالقضاء والكفارة
~~والنذر والكفارة من حيث هي، فالأظهر أنه ليس بواجب; للأصل.
# PageV05P380
# وعن ابن أبي عقيل: لا يجوز صومه عن نذر أو كفارة لمن عليه قضاء شهر رمضان
~~حتى يقضيه.
# وفي المختلف: الأولى التفصيل، فإن كان نذرا معينا فيقدم، وإلا فإن تضيق
~~وقت القضاء فيقدم، وإلا فيختار; للأصل وعدم المرجح.
# واحتج لابن أبي عقيل بأنه كالأصل، وبأنه وجب بأصل الشرع فيقدم، ثم منع
~~أنه كالأصل، وكذا الملازمة في الثاني (1)، وما ذكره جيد.
# الرابعة: اختلف في جواز صوم التطوع لمن عليه فرض، فعن الأكثر المنع.
# ولم يذكر في التذكرة (2) الخلاف، إلا عن أحد روايتي أحمد من العامة (3)،
~~وتمسك للمنع بحسنة الحلبي الآتية (4)، وهو مشعر بعدم القول بالفرق، وإلا
~~لما تم الاستدلال.
# وعن السيد (5) وجماعة (6) الجواز.
# وقال في المدارك: ms1413 ربما ظهر من الكليني اختصاص المنع بما إذا كان الواجب
~~من قضاء رمضان، قال: وهو المعتمد، وتمسك للجواز في غيره بالأصل، وللمنع فيه
~~بحسنة الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل عليه من شهر
~~رمضان طائفة، أيتطوع؟ فقال: " لا، حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان " (7).
# ورواية أبي الصباح الكناني التي ليس في سندها إلا محمد بن الفضيل، قال:
# سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل عليه من شهر رمضان أيام، أيتطوع؟
~~قال: " لا حتى
# PageV05P381
# يقضي ما عليه من شهر رمضان " (1) و (2).
# أقول: ويدل على قول الأكثر ما رواه الصدوق بسنده عن الحلبي (3)، وما رواه
~~عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام (4).
# قال في الفقيه: باب الرجل يتطوع بالصيام وعليه شئ من الفرض: وردت الأخبار
~~والآثار عن الأئمة عليه السلام أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل وعليه شئ من
~~الفرض، وممن روى ذلك الحلبي وأبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه
~~السلام (5).
# وعن كتابه المقنع: إعلم أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل وعليه شئ من الفرض،
~~كذلك وجدته في كل الأحاديث (6).
# وروى الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن
~~ركعتي الفجر، قال: " قبل الفجر " إلى أن قال: " أتريد أن تقايس، لو كان
~~عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع؟! إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة "
~~(7) وهذه الرواية تفيد العموم من جهة العلة التي أشار إليها الإمام عليه
~~السلام.
# الخامسة: من فاته شهر رمضان أو بعضه لمرض; فإن مات في مرضه لم يجب القضاء
~~عنه، ونقل الاجماع مذكور في كلامهم (8)، بل عن المنتهى إجماع العلماء (9).
# والأخبار بذلك متضافرة، مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما
~~السلام، قال:
# سألته عن رجل أدرك شهر رمضان وهو مريض فتوفي قبل أن يبرأ، قال: " ليس
~~عليه
# PageV05P382
# شئ، ولكن يقضي عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي " (1).
# وقوية سماعة - لعثمان بن عيسى - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ms1414
~~رجل دخل عليه شهر رمضان وهو مريض لا يقدر على الصيام فمات في شهر رمضان أو
~~في شهر شوال، قال: " لا صيام عليه ولا يقضى عنه " قلت: فامرأة نفساء دخل
~~عليها شهر رمضان ولم تقدر على الصوم فماتت في شهر رمضان أو شوال؟ فقال: "
~~لا يقضى عنها " (2).
# ورواية منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المريض في
~~شهر رمضان فلا يصح حتى يموت في شهر رمضان، قال: " لا يقضى عنه " والحائض
~~تموت في شهر رمضان، قال: " لا يقضى عنها " (3).
# وذهب جماعة من الأصحاب إلى استحبابه (4)، بل نسبه في المنتهى إلى أصحابنا
~~(5)، واستحسنه; لأنه طاعة فعلت عن الميت، فوصل إليه ثوابها. ولعله نظر إلى
~~الأخبار المستفيضة جدا القريبة حد التواتر " أن من فعل عبادة لميت يصل
~~ثوابه إليه ويدخل عليه السرور والفرج وينتفع به " (6).
# وأنت خبير بأنها غير ما نحن فيه; إذ المطلوب استحباب فعلها على أنها قضاء
~~عنه، لا فعل المكلف عبادة نفسه وإهداء ثوابه إليه، وقد أبطلنا في كتاب
~~الصلاة استدلال بعضهم بها في مسألة الاستئجار للعبادات بما لا مزيد عليه
~~(7)، وحمل كلام الأصحاب على ذلك بعيد.
# فلم يبق إلا الاعتماد على فتواهم، للمسامحة في أدلة السنن، وإلا فلم نقف
~~على
# PageV05P383
# ما يدل على ذلك، بل الأخبار الصحيحة المصرحة بنفي القضاء ظاهرة في عدم
~~مشروعيتها كما مرت.
# بل صحيحة أبي بصير، عن الصادق عليه السلام مصرحة به، قال: سألته عن امرأة
~~مرضت في رمضان وماتت في شوال، فأوصتني أن أقضي عنها، قال: " هل برأت من
~~مرضها؟ " قلت: لا، ماتت فيه، قال " لا يقضى عنها، فإن الله لم يجعله عليها
~~" قلت:
# فإني أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك، قال: " فكيف تقضي شيئا لم
~~يجعله الله عليها؟! فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم " (1) ويحتمل أن يكون
~~المراد منها إهداء ما فعل لنفسه إليها.
# وإن استمر المرض عليه إلى رمضان آخر فلا قضاء عليه، ويفدي عن يوم بمد من
~~الطعام على المشهور بين الأصحاب.
# وعن الصدوق (2) وابن ms1415 أبي عقيل (3) والشيخ في الخلاف (4) وابن زهرة (5)
~~وابن إدريس (6) وأبي الصلاح (7) والعلامة في المنتهى والتحرير (8) وجوب
~~القضاء لا غير.
# وعن ابن الجنيد الجمع بينهما احتياطا (9).
# لنا: الأصل، والأخبار المستفيضة جدا، مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه
~~السلام:
# في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان، ويخرج عنه وهو مريض، فلا يصح حتى يدركه
~~شهر رمضان آخر، قال: " يتصدق عن الأول، ويصوم الثاني، فإن كان صح فيما
~~بينهما
# PageV05P384
# ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر، صامهما جميعا وتصدق عن الأول " (1).
# وحسنة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، قال:
~~سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر، فقالا: " إن كان برأ
~~ثم توانى قبل أن يدركه الشهر الآخر، صام الذي أدركه وتصدق عن كل يوم بمد من
~~طعام على مسكين، وعليه قضاؤه، وإن كان لم يزل مريضا حتى أدركه شهر رمضان،
~~صام الذي أدركه وتصدق عن الأول عن كل يوم مد على مسكين، وليس عليه قضاؤه "
~~(2).
# ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا مرض الرجل من
~~رمضان إلى رمضان، ثم صح، فإنما عليه لكل يوم أفطر فدية طعام، وهو مد لكل
~~مسكين " قال:
# " وكذلك أيضا في كفارة اليمين وكفارة الظهار مدا مدا، وإن صح فيما بين
~~الرمضانين، فإنما عليه أن يقضي الصيام، فإن تهاون به وقد صح، فعليه الصدقة
~~والصيام جميعا، لكل يوم مد إذا فرغ من ذلك الرمضان " (3) إلى غير ذلك من
~~الأخبار.
# وربما يستدل باستيعاب العدد لوقت الأداء والقضاء معا، فيسقط التكليف
~~رأسا، كالإغماء المستوعب لوقت الصلاة; وذلك لأن وقت القضاء إنما هو ما بين
~~الرمضانين.
# وفيه: منع ظاهر; لأن وجوب المبادرة بينهما لا يستلزم انحصار الوقت فيه،
~~وهو مقتضى إطلاق الآية، ولكن هذا الاستدلال قد تكرر في كلامهم، ويبعد أن لا
~~يكون له وجه.
# ويمكن أن يكون نظرهم إلى ما سننقله عن العلل والعيون، عن الفضل بن شاذان،
~~عن الرضا عليه السلام (4).
# PageV05P385
# واحتج الآخرون: بعموم الآية، ورواية أبي ms1416 الصباح الكناني، قال: سألت أبا
~~عبد الله عليه السلام عن رجل كان عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه رمضان
~~قابل فقال:
# " إن كان صح فيما بين ذلك ثم لم يقضه حتى أدركه شهر رمضان قابل، فإن عليه
~~أن يصوم ويطعم لكل يوم مسكينا، وإن كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر
~~رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام إن صح، فإن تتابع المرض عليه فعليه أن
~~يطعم كل يوم مسكينا " (1).
# والجواب عن الآية: بأنها مخصصة بالأخبار (2) المستفيضة جدا، المعتضدة
~~بعمل الأصحاب، قال في المعتبر: ومع ظهور هذه الأخبار واشتهارها وسلامتها عن
~~المعارض يجب العمل بها (3).
# والعجب من العلامة حيث قال تقوية لهذا القول: بأنها أخبار آحاد لا تعارض
~~الآية (4)، مع أنه خلاف مذهبه في الأصول (5).
# وأما الرواية - فمع القدح في سندها بمحمد بن فضيل المشترك بين الثقة
~~والضعيف (6)، وإن كان العلامة كثيرا ما يصحح سندا هو فيه - لا يعارض بها ما
~~تقدم من الأدلة، مع أن دلالتها ممنوعة، بل هي دليل المشهور كما يظهر من
~~المحقق حيث لم يجعلها معارضة للأخبار، بل جعلها من جملة أدلة المشهور (7)،
~~وكذلك الشيخ في التهذيب
# PageV05P386
# ذكرها في عداد الأخبار الأدلة.
# بيان ذلك: أن قوله عليه السلام " فإن تتابع المرض " إلى آخره هو موافق
~~للمشهور، وهؤلاء إنما احتجوا بقوله عليه السلام قبل ذلك: " وإن كان مريضا "
~~إلى آخره، فإن قلنا: إن المراد به هو صورة الاستمرار أيضا فتتناقض
~~العبارتان; إذ الظاهر من الأخيرة إطعام المسكين فقط، فالأولى أن يجعل
~~المراد بها حصول الصحة والمرض معا، وعدم ترك الصوم تهاونا.
# وهو أحد الأقوال في المسألة الآتية.
# وأشهرها في أصل الرواية ينبغي أن يكون وجوب الصوم والإطعام معا إن حصلت
~~الصحة، وتقرر وجوب الصوم فقط إن حصلت الصحة ولم يقصر، ووجوب الإطعام فقط إن
~~تتابع المرض.
# أو يكون الحصر في الفقرة الثانية إضافيا بالنسبة إلى ترك الصوم، لئلا
~~ينافي لزوم الفدية على ما سنختاره في المسألة الآتية من عدم التفصيل بين
~~التهاون وغيره.
# ولو سلم دلالتها ms1417 أيضا فلا تقاوم ما ذكرنا; لضعفها، وموافقتها لمذهب
~~العامة، ومخالفتها للمشهور.
# وأما حجة ابن الجنيد: فهي ما رواه الشيخ بسنده، عن الحسين بن سعيد، عن
~~عثمان ابن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عن رجل أدركه رمضان وعليه رمضان قبل
~~ذلك لم يصمه فقال: " يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان عليه بمد من
~~طعام، وليصم هذا الذي أدرك، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فإني كنت
~~مريضا فمر علي ثلاث رمضانات لم أصح فيهن، ثم أدركت رمضان آخر، فتصدقت بدل
~~كل يوم مما مضى بمد من طعام، ثم عافاني الله وصمتهن " (1).
# وأجيب عنه - بعد القدح في السند، والإضمار، وعدم المقاومة لما مضى من
~~الأخبار - بحملها على الاستحباب.
# PageV05P387
# وتؤيده صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من
~~أفطر شيئا من رمضان في عذر ثم أدرك رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل
~~يوم، فأما أنا فإني صمت وتصدقت " (1).
# وأجاب الشيخ عنها: بما حاصله أنه ليس فيها إلا أنه لم يصح في نفس
~~الرمضانات لا فيما بينهن (2)، ولا يرد عليه أنه يلزم أن يكون تركه عليه
~~السلام تهاونا; لعله كان من جهة عذر آخر، أو لسعة الوقت فعرض عذر آخر.
# وكيف كان فالمذهب هو المشهور.
# ثم إن ههنا أمورا لا بد أن ينبه عليها:
# الأول: لا تتكرر الكفارة بتكرر السنين على الأشهر الأظهر المحكي عليه
~~الاجماع من الخلاف (3); للأصل، والإطلاقات، وخصوص رواية سماعة المتقدمة
~~(4).
# وقال في التذكرة: ولو أخره سنين تعددت الكفارة بتعدد السنين، وللشافعي
~~وجهان (5) و (6)، ولم نقف على مأخذه.
# الثاني: لا فرق بين رمضان واحد أو أكثر في لزوم الكفارة، فيتعدد بتعدده،
~~فلو استمر المرض إلى ثلاث فيفدي عن كل من الأولين، وهكذا قطع به العلامة في
~~التذكرة من غير نقل خلاف (7)، والشهيدان (8)، وغيرهما (9).
# PageV05P388
# ونقله في المختلف عن الشيخ (1) وابن الجنيد، ثم نقل كلام ابن بابويه في
~~رسالته (2)، وحكى عن المقنع أيضا مثله (3)، ويظهر من كلامه أنه لو مر عليه
~~رمضانات ثلاثة فيفدي ms1418 عن الأول ويقضي الثاني كما فهمه ابن إدريس من كلامه
~~(4) والشهيد في الدروس (5)، وتردد في المختلف في فهم كلامه بين موافقته
~~للمشهور ومخالفته (6).
# وهذه عبارة الرسالة: إذا مرض الرجل وفاته صوم شهر رمضان كله ولم يصمه إلى
~~أن يدخل عليه شهر رمضان قابل، فعليه أن يصوم هذا الذي قد دخل، ويتصدق عن
~~الأول لكل يوم بمد من طعام، وليس عليه القضاء، إلا أن يكون صح فيما بين
~~الرمضانين، فإن كان كذلك ولم يصم، فعليه أن يتصدق عن الأول لكل يوم بمد من
~~طعام، ويصوم الثاني، فإذا صام الثاني قضى الأول بعده، فإن فاته شهر رمضان
~~حتى يدخل الثالث من مرض، فعليه أن يصوم الذي دخل، ويتصدق عن الأول لكل يوم
~~بمد من طعام، ويقضي الثاني (7).
# وكيف كان فالمذهب الأول; لإطلاق الدليل، ولم نقف لهما على دليل.
# قيل: ولعل دليله هو ما رواه الحميري في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر، عن
~~أخيه موسى عليه السلام، قال: وسألته عن رجل تتابع عليه رمضانان لم يصح
~~فيهما (8)، ثم صح بعد ذلك، كيف يصنع؟ قال: " يصوم الأخير، ويتصدق عن الأول
~~بصدقة، كل يوم مد من طعام لكل مسكين " (9) فإنه يعم ما إذا كانت صحته بين
~~الثاني والثالث،
# PageV05P389
# أو بعد الثالث.
# أقول: والمتبادر منه حكم ما تتابع عليه رمضانان لا رمضانات (1)، فلا عموم
~~فيه، ولو تم ما ذكرتم في صحيحة زرارة وحسنة محمد بن مسلم المتقدمتين (2)
~~وما في معناهما فلا حاجة إلى التمسك بهذه، وتخصيص الاستدلال بها، فإن
~~المتبادر من صوم الثاني المذكور فيها قضاء صوم الثاني، لا صيام نفس ما
~~أدركه، بقرينة مقابلة التصدق عن الأول، وبقرينة قوله عليه السلام " صامهما
~~" وغير ذلك.
# وكيف كان فالمذهب هو الأول; لعموم الأخبار، وخصوص رواية سماعة المتقدمة
~~في فعل الصادق عليه السلام (3)، ورواية أبي بصير الآتية في تفسير الآية.
# الثالث: اختلفوا في قدر الفدية، فالمشهور أنه مد.
# وعن الشيخ (4) وابن حمزة (5) وابن البراج (6): أنه مدان، فإن لم يتمكن
~~فمد.
# وعن المبسوط والجمل: أنه مدان، وأقله مد ms1419 (7)، وهو ظاهر في استحباب الأول.
# وقال في التذكرة: وتصدق عن كل يوم بمدين أو بمد عند أكثر علمائنا (8)،
~~ولعل مراده بيان المستحب عند الكل، أو ترديده ناظر إلى الخلاف الواقع بينهم
~~في مقابل قول العامة أنه ليس عليه إلا القضاء (9) كما هو مذهب الصدوق (10).
# لنا: الأصل، والأخبار المستفيضة جدا، المتقدم كثير منها.
# PageV05P390
# ولم نقف لتعيين المدين على مأخذ يعتمد عليه، واحتج له في المختلف بأن نصف
~~الصاع بدل عن اليوم في جزاء كفارة الصيد، وهذا أولى منه; لكونه آكد وأفضل
~~(1).
# وفيه ما لا يخفى.
# وربما يستدل له بصحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام
~~يقول:
# " الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان،
~~ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمدين من طعام " (2).
# فإن الشيخ جمع بينهما وبين ما نص على المد عليهما: بأن من أطاق إطعام
~~مدين يلزمه ذلك، ومن لم يطق إلا إطعام مد فعل ذلك، فلعله يقول بعدم الفرق
~~بين العطاش وغيره من الأمراض، بل لا فرق في الفدية عن صوم رمضان بين
~~الأعذار، فإن العبرة في الفداء بالمفدي دون السبب.
# وأجيب عن ذلك بحمل خبر المدين على الاستحباب; لندرته وتظافر الأخبار
~~بخلافه، مع معارضة صحيحة محمد بن مسلم بصحيحته الأخرى (3)، وبمنع عدم
~~الافتراق بافتراق الأسباب وإن اتحد المفدي (4).
# الرابع: قال الشهيدان ومن بعدهما: إن محل هذه الفدية هو مستحق الزكاة
~~لحاجته، يعني لا للعمالة، والتأليف والرق والغرم وغير ذلك، فمرادهم من
~~حاجته لنفسه ليتم اخراج الغرم (5).
# واحتمل الشهيد الثاني في كتاب الكفارات دخول ابن السبيل (6).
# والأجود الاقتصار على المساكين; لأنه مقتضى الأخبار.
# PageV05P391
# وعلى ما بنى عليه الشهيد الثاني من شمول المسكين للفقير إذا ذكر منفردا
~~(1) فيدخل الفقير، وقد عرفت أنه محل نظر، وأن المسكين أسوأ حالا من الفقير،
~~فالخروج عن مقتضى النصوص لا وجه له، سيما وقد روى العياشي في تفسير قوله
~~تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) * (2) عن أبي بصير قال:
~~سألته عن رجل مرض ms1420 من رمضان إلى رمضان قابل، ولم يصح بينهما، ولم يطق الصوم،
~~قال:
# " تصدق مكان كل يوم أفطر على مسكين مدا من طعام، وإن لم يكن حنطة فمد من
~~تمر، وهو قول الله تعالى: * (فدية طعام مسكين) * فإن استطاع أن يصوم
~~الرمضان الذي يستقبل، وإلا فليتربص إلى رمضان قابل فيقضيه، فإن لم يصح حتى
~~رمضان قابل، فليتصدق كما تصدق مدا مدا " (3).
# ويظهر من قولهم: " محله مستحق الزكاة " اعتبار الإيمان والعدالة عند من
~~يعتبرها، ولم أقف في الأخبار على ما يدل عليه، ولا ريب أنه أحوط.
# الخامس: قال في المسالك بعد ما ذكر أن محلها مستحق الزكاة لحاجته ولا يجب
~~تعدده، وكذا كل فدية في هذا الباب، فيجوز إعطاء فدية أيام لمسكين واحد، وهو
~~مقتضى الأصل والإطلاق (4).
# ولا يضره لفظ مسكين في الأخبار، حيث إنه ظاهر في الواحد; بتقريب أن
~~تنوينه تنوين التنكير لا التمكن، فإن التصدق عن كل يوم بمد على مسكين لا
~~ينافي التصدق عن جميع الأيام على مسكين واحد، فإنه مسكين تصدق عليه بمد لكل
~~يوم.
# نعم الظاهر من الأخبار أنه لا بد أن لا يكون حظ كل مسكين أقل من مد.
# وعن المفيد في المقنعة: ومن فاته صيام شهري رمضان لمرض دام به فليكفر عن
# PageV05P392
# الأول منهما بثلاثين مدا من طعام على ثلاثين مسكينا (1). وظاهره وجوب
~~التعدد.
# وتشعر به رواية أبي بصير المتقدمة في المسألة حيث قال عليه السلام: " وهو
~~مد لكل مسكين " (2).
# وهذه الرواية مع سلامتها ممنوعة الدلالة، إذ لعل المقصود أنه لا يعطى
~~المسكين أقل من مد.
# وبالجملة ليس في مقابل الأصل والإطلاقات ما يوجب التقييد، سيما مع
~~موافقتها لنفي العسر والحرج، سيما بملاحظة قوله تعالى: * (طعام مسكين) *
~~نظرا إلى ما فسر بما نحن فيه، وإن وردت في تفسيره روايات أخر أنه في الشيخ
~~الكبير وذي العطاش، مع أن حكم الكل واحد كما يظهر من تعميم المسالك لكل
~~فدية في هذا الباب.
# السادس: إذا فات الصوم بغير المرض من سفر ونحوه أو مركبا عنهما ثم استمر ms1421
~~المرض إلى رمضان آخر، فهل هو في حكم من فاته رمضان بالمرض أم لا؟ فيه
~~قولان، أظهرهما نعم، وفاقا للشيخ في الخلاف (3) وظاهر ابن أبي عقيل كما
~~نسبه إليه في الدروس (4) بل في المختلف أيضا في الجملة (5); لصحيحة عبد
~~الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من أفطر شيئا من رمضان
~~في عذر ثم أدرك رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم " (6).
# وأجاب العلامة في المختلف بعد ما قطع بعدم الإلحاق لعموم الآية واختصاص
~~الروايات بالمريض: أن هذه الرواية لا يعارض بها عموم الآية; لأن قوله عليه
~~السلام: " وهو
# PageV05P393
# مريض " يشعر بأن العذر المذكور في الرواية هو المرض (1).
# أقول: هذا الإشعار لا يرفع إطلاق أول الرواية، مع أن الصدوق روى في العلل
~~والعيون، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام، قال: " فإن قال: فلم
~~إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره أو لم يفق من مرضه
~~حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للأول وسقط القضاء، وإذا أفاق
~~بينهما أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء؟ قيل: لأن ذلك الصوم،
~~إنما وجب عليه في تلك السنة في هذا الشهر، فأما الذي لم يفق فإنه لما مرت
~~عليه السنة كلها وقد غلب الله عليه فلم يجعل له السبيل إلى أدائها سقط عنه،
~~وكذلك كل ما غلب الله عليه مثل المغمى عليه الذي يغمى عليه في يوم وليلة،
~~فلا يجب عليه قضاء الصلاة، كما قال الصادق عليه السلام: كلما غلب الله على
~~العبد فهو أعذر له; لأنه دخل الشهر وهو مريض، فلم يجب عليه الصوم في شهره
~~ولا سنته للمرض الذي كان فيه وجب عليه الفداء; لأنه بمنزلة من وجب عليه
~~الصوم فلم يستطع أداءه فوجب عليه الفداء، كما قال الله عز وجل: * (فصيام
~~شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) * (2) وكما قال: * (ففدية
~~من صيام أو صدقة أو نسك) * (3) فأقام الصدقة مقام الصيام إذا عسر عليه "
~~(4).
# فإن ms1422 قيل: فإن لم يستطع إذ ذاك فهو الآن يستطيع.
# قيل: لأنه لما دخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للماضي; لأنه كان
~~بمنزلة من وجب عليه صوم في كفارة فلم يستطعه فوجب عليه الفداء، وإذا وجب
~~عليه الفداء سقط الصوم عنه، فالصوم ساقط والفداء لازم، فإذا أفاق فيما
~~بينهما ولم يصمه
# PageV05P394
# وجب عليه الفداء; لتضييعه، والصوم; لاستطاعته.
# وحاصل تعليله عليه السلام: أنه بسبب عدم الاستطاعة ينتقل فرضه من القضاء
~~إلى التصدق، وعدم الاستطاعة أعم من العقلي والشرعي، فالمسافر أيضا غير
~~مستطيع; لأنه سافر بإذن الشارع، وبعد اختياره ما هو جائز شرعا يترتب عليه
~~عدم الاستطاعة، مع أنه قد يكون السفر واجبا كالحج، ولا قائل بالفرق،
~~واقتصاره عليه السلام على ذكر المرض من باب التمثيل لا التخصيص كما يستفاد
~~من أول الكلام.
# وهذه الرواية مع الصحيحة المتقدمة والإشعار بالعلة من الروايات الأخر مع
~~دعوى الشيخ الاجماع في المسألة كما حكاه عنه الفاضل الإصفهاني لعلها كافية
~~في ترجيح التعميم.
# ومما ذكرنا يظهر الكلام فيما لو كان فوات الصيام بالمرض واستمرار المانع
~~بغيره، وكذلك لو كان الفوات بغير المرض، وكذا استمرار المانع كان بغيره.
# وظاهر الشيخ في الخلاف التعدي أيضا (1)، فإن ما نقل عنه المحقق في
~~المعتبر، والشهيد في الدروس من إلحاق سائر الأعراض بالمرض مقتضاه ذلك،
~~فلاحظهما (2)، فينطبق عليه إجماعه الذي نقل عنه، والعلة المستفادة من رواية
~~الفضل.
# فالأحوط أن لا يترك القضاء في غير المرض المستمر، وقوفا مع عموم الآية،
~~وأن يتصدق في نظير ما ثبت فيه التصدق في المرض، هذا كله إذا استمر المرض.
# وأما إذا برأ بين الرمضانين فيجب عليه القضاء، ولا يجوز التأخير عن
~~الرمضان الآتي، والظاهر عدم الخلاف فيه.
# فإن ترك القضاء فالمشهور أنه إن تهاون يجب عليه القضاء والفدية معا، وإلا
~~فيقضي خاصة.
# PageV05P395
# وفسروا التهاون (1) بأن لا يعزم على شئ من الفعل والترك في جميع أزمان
~~البرء، أو عزم على الترك كذلك، سواء عرض له عذر بعد ذلك منعه عن القضاء أم
~~لا، أو يعزم ms1423 على القضاء أولا، ثم تجدد له العزم على العدم عند ضيق الوقت،
~~أو في السعة مع عروض ما يمنعه من القضاء.
# وفذلكته: عدم العزم على القضاء إلى إدراك الرمضان الثاني، أو حصول عذر
~~مستمر إليه.
# واعلم أن عدم العزم على شئ في جميع الزمان لا يجامع التذكر، بل لا بد
~~للإنسان إذا ضاق الوقت ولم يكن ناسيا أو صاحب عذر من عزم إما على الفعل أو
~~الترك، وعدم التهاون بأن عزم على القضاء في السعة وأخر اعتمادا عليها فعرض
~~له مانع واستمر.
# وذهب ابن إدريس إلى وجوب القضاء فقط مطلقا (2).
# وذهب الشهيدان في الدروس والمسالك والروضة (3) ومن تأخر عنهما (4) إلى
~~وجوب الفدية مع القضاء على من قدر عليه ولم يفعل حتى يدخل الثاني، عزم عليه
~~أم لا، وهو مقتضى إطلاق الصدوقين (5). قيل: وهو محتمل كلام المحقق في
~~المعتبر (6)، ويحيى بن سعيد في الجامع (7)، وكلام المفيد (8) وابن زهرة
~~(9)، وهو الأقوى.
# لنا: صحيحة زرارة المتقدمة (10)، وحسنة محمد بن مسلم (11)، ورواية
# PageV05P396
# أبي الصباح (1)، ووصفهما في المختلف والمنتهى بالصحة (2)، وكذلك في
~~المسالك (3).
# أما صحيحة زرارة، فواضحة الدلالة; لأن قوله عليه السلام " ولم يصم " يشمل
~~جميع صور ترك القضاء في حال الصحة.
# وأما حسنة محمد بن مسلم، فوجه دلالتها اكتفاؤه عليه السلام - من جميع
~~شقوق ترك القضاء حال الصحة - بذكر صورة تركه في حال التواني، فعلم من ذلك
~~أن مراده عليه السلام من التواني هو التكاسل ومطلق ترك القضاء مع القدرة،
~~وإلا فيلزم أن الإمام ترك حكم بعض الشقوق في الجواب، وحيث ذكر ذلك في مقابل
~~صورة استمرار المرض ساكتا عن غيره مع احتياج السائل إلى الجواب، علم أن حكم
~~جميع صور الترك واحد.
# لا يقال: إن وجوب القضاء كان معلوما بالآية والأخبار، فإنما كان المحتاج
~~إليه في المسألة غيره، فلعل المعصوم عليه السلام أحال الراوي على عموم
~~الآية.
# لأنا نقول: إن كان الراوي يعلم ذلك - يعني وجوب القضاء على الإطلاق -
~~وسؤاله عن أمر زائد، وكان هذا الاعتقاد صحيحا، فكيف يرد الإمام عليه السلام
~~عن ms1424 اعتقاد الإطلاق ويحكم بعدمه في صورة استمرار المرض، وإن كان (4) اعتقاده
~~الإطلاق باطلا، فتحتاج جميع الأقسام إلى الذكر، فلم ترك في الجواب ذكر صورة
~~عدم التواني مع الصحة.
# وأما رواية الكناني فعموم الفقرة الأولى واضحة، وإنما الإشكال في الفقرة
~~الثانية، فإنها يحتمل أن يكون المراد بها صورة العزم مع عدم التهاون، كما
~~هو مذهب المشهور، ولكن ليس بحيث يمكن الاعتماد به في الاستدلال; لعدم دلالة
~~اللفظ عليه بواحدة من
# PageV05P397
# الدلالات (وكما يحتمل ذلك يحتمل) (1) أن يكون المراد من الحصر الإضافي
~~بالنسبة إلى ترك الصيام لا ترك الصدقة.
# فحاصل الفقرات الثلاث أنه إذا صح وقدر على القضاء بينهما يجب عليه القضاء
~~والكفارة، سواء استمرت الصحة أو تلفق الصحة والمرض، وإن استمر المرض فليس
~~عليه إلا الكفارة، فالفقرة الثانية إنما هي في حكم الملفق.
# وتدل على ما ذكرنا رواية العلل المروية عن الفضل بن شاذان (2)، وسندها
~~أيضا قوي; إذ ليس في سندها إلا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري عن
~~أبي الحسن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، وقد حكم العلامة بصحة خبرهما
~~(3).
# وأيضا ابن عبدوس من مشايخ الإجازة، وقال في المسالك: إنه شيخ ابن بابويه،
~~وهو في قوة التوثيق، فلا يضر إهماله وجهالته، والكشي اعتمد على علي بن
~~محمد، ومدحه النجاشي والعلامة (4).
# حجة المشهور: الأخبار المتقدمة، وقد عرفت الوجه فيها وستعرف أيضا .
~~واستدل لهم الفاضل الإصفهاني في شرح الروضة برواية الوشاء، عن أبي الحسن
~~الرضا عليه السلام، قال: " ومن فاته شئ من شهر رمضان لمرض ولم يقضه حتى أتى
~~عليه شهر رمضان آخر، فإن كان لم يصح فيما بينهما يصوم الثاني ويتصدق عن
~~الأول، وليس عليه قضاء، وإن كان قد برأ فيما بينهما ولم يقض ما فاته وفي
~~نيته القضاء، يصوم الحاضر ويقضي الأول، وإن تركه متهاونا لزمه القضاء
~~والكفارة
# PageV05P398
# عن الأول، وأن يصوم ما قد حضر وقته "، ثم ردها بضعفها بسهل بن زياد،
~~وأولها بتأويل بعيد.
# أقول: وهذه الرواية لم نقف عليها في شئ من الأصول، ولعله أخذها من ms1425
~~التهذيب، وهذا من كلام الشيخ - رحمه الله - وليس من رواية الوشاء في شئ،
~~وقد غفل عن ذلك فحسبها من تتمة الرواية، وذلك لأن الشيخ - رحمه الله - نقل
~~الأخبار الدالة على قضاء الولي عن الميت، وساقها إلى أن قال محمد بن يعقوب،
~~عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الوشاء، عن أبي الحسن الرضا عليه
~~السلام، قال سمعته يقول: " إذا مات الرجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علة
~~فعليه أن يتصدق عن الشهر الأول ويقضي الثاني " (1).
# ثم قال: ومن فاته شئ من شهر رمضان إلى آخر ما ذكرنا.
# ثم قال: والذي يدل على ذلك ما رواه محمد بن يعقوب، وساق الأحاديث
~~المتقدمة، أعني حسنة محمد بن مسلم وصحيحة زرارة ورواية الكناني.
# ثم قال: والذي يدل على ما ذكرنا من التقسيم ما رواه الحسين بن سعيد إلى
~~آخر رواية أبي بصير المتقدمة، ثم نقل رواية سماعة المتقدمة وأجاب عنها،
~~وكذلك سائر كلمات الشيخ إلى آخر الباب ينادي بذلك، فلاحظها.
# والذي ينادي بذلك أيضا أن الكليني روى رواية الوشاء في الكافي مقتصرا
~~بحكاية القضاء عن الولي، ولم يذكر هذا التقسيم، واقتصر في الباب الذي عقد
~~لما نحن فيه على الروايات الثلاث المتقدمة.
# وأما استدلالهم برواية أبي بصير المتقدمة، فهو مبني على جعل قوله عليه
~~السلام: " فإن تهاون " إلى آخره قسيما لقوله عليه السلام: " وإن صح "
~~ومعطوفا عليه، فيشمل ما لو صح بينهما ولم يتهاون، فيكون حكمه القضاء فقط.
# PageV05P399
# والظاهر أنه ليس كذلك، كما يشعر به العطف بكلمة الفاء دون الواو.
# فقوله عليه السلام: " فإن تهاون " فرع لقوله: " وإن صح فيما بين
~~الرمضانين " يعني: إن صح بينهما فيجب عليه الصيام، يعني بين الرمضانين، فإن
~~تهاون حينئذ ولم يصم حتى أدرك القابل فعليه الصيام والكفارة.
# وأما استدلالهم بحسنة محمد بن مسلم فمبني على أن مفهوم قوله عليه السلام:
~~" إن كان برأ ثم توانى قبل أن يدركه الصوم الآخر صام الذي أدركه وتصدق عن
~~كل يوم بمد من طعام على مسكين وعليه صيامه " أنه ms1426 إذا لم يتوان ولم يقصر
~~فليس حكمه وجوب الأمرين عليه، بل إنما يجب عليه الصيام فقط.
# وفيه: أن انتفاء المركب يحصل بانتفاء المجموع، وبكل واحد من جزئيه، فلعله
~~لم يكن عليه شئ، أو كان عليه الفدية فقط.
# ولا دليل على تعيين الصيام، مع أن النفي والإثبات يرجعان إلى القيد
~~الأخير غالبا، فوجوب الصيام أولى بالانتفاء، فلعل حكمه كان حكم استمرار
~~المرض، وقد مر تمام الكلام.
# هذا إن سلمنا أن المراد بالتواني هو ما فسروه في معنى التهاون، وإلا فلنا
~~أن نقول:
# إن تأخير القضاء مع القدرة تهاون، وإن اعتمد في التأخير على السعة، فإن
~~التهاون في اللغة بمعنى الاستحقار كما نص عليه الجوهري (1)، وكذلك التواني
~~بمعنى التقصير وتأخير الواجب عن أول وقته بلا عذر مع القدرة عليه استحقار
~~له، فإن محض الاعتماد على السعة ليس بعذر، بل هي متابعة للهوى، وترجيح
~~لمقتضى النفس الأمارة على المبادرة بالواجب.
# واستشهد الشيخ - رحمه الله - أيضا برواية سعد بن سعد، عن رجل، عن أبي
~~الحسن عليه السلام، قال: سألته عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثم يصح بعد
# PageV05P400
# ذلك، فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو أكثر، ما عليه في ذلك؟ قال: "
~~أحب له تعجيل الصيام، فإن كان أخره فليس عليه شئ " (1) قال: إنه محمول على
~~ما ذكرناه فيما تقدم من أنه متى أخره غير متهاون به وفي نيته الصيام فليس
~~عليه شئ من الصدقة، وإنما يلزمه القضاء حسب ما تضمنه القرآن (2).
# وفيه: مع ضعفها وإرسالها أن ظاهرها يقتضي سقوط الفدية عن المتهاون أيضا،
~~وعدم وجوب المبادرة بالقضاء بين الرمضانين، ولا يقولون به، بل ظاهر الرواية
~~عدم وجوب المبادرة في أول الزمان الذي بين الرمضانين، لا في نفس الزمان.
# وحجة ابن إدريس (3): أصالة البراءة عن الكفارة، وأن القرآن لا يدل إلا
~~على وجوب القضاء، ولا إجماع في المسألة; إذ لم يذكره إلا الشيخين (4) ومن
~~تبعهما (5)، فيجب القضاء فقط مطلقا، يعني وإن استمر المرض بينهما.
# وهو على أصله من عدم حجية أخبار الآحاد ms1427 واضح، ولكن أصله ضعيف، مع أن
~~المسألة ذكرها من كان قبل الشيخ من الفقهاء مثل الصدوقين (6) وابن أبي عقيل
~~(7).
# بل قال في المعتبر: ولا عبرة بخلاف بعض المتأخرين في إيجاب الكفارة هنا،
~~فإنه ارتكب ما لم يذهب إليه أحد من فقهاء الإمامية فيما علمت، قال: وروى ما
~~ذكرنا مضافا إلى الروايتين - يعني بهما رواية زرارة ومحمد بن مسلم
~~المتقدمتين - أبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام وأبو بصير،
~~عن أبي عبد الله، وعبد الله بن سنان عنه عليه السلام، وهؤلاء فضلاء السلف
~~من الإمامية، وليس لرواياتهم معارض، إلا ما يحتمل
# PageV05P401
# رده إلى ما ذكرناه، فالراد لذلك يتكلف ما لا ضرورة له إليه (1).
# ثم إنا قد ذكرنا سابقا أن أكثر الأصحاب خصوا المسألة بحكم المريض، ونقلنا
~~عن الشيخ في الخلاف أنه عمم الحكم بين المرض وغيره من الأعذار (2)، وهو
~~ظاهر ابن أبي عقيل أيضا (3)، ومال إليه في المختلف، ثم جعل التفصيل أقرب،
~~وهو التعدي إلى غير المرض من الأعذار إن كان التأخير توانيا، فإن المرض
~~أعظم الأعذار، فإذا ثبتت معه الكفارة، فتثبت فيما دونه بطريق الأولى.
# قال: وليس هذا من باب القياس، بل من باب التنبيه، وأما إذا كان التأخير
~~من غير جهة التواني، فيجب فيه القضاء وإن استمر العذر; لعموم الآية، وأن
~~اسقاط القضاء من جهة المرض الذي هو أعظم الأعذار إن استمر لا يوجب إسقاطه
~~من جهة ما هو دونه من الأعذار (4)، وارتضاه في المسالك (5).
# وفي الاستدلال بالأولوية إشكال، مع أنه لم يظهر من الروايات أن العلة في
~~وجوب الكفارة هي التأخير الحاصل من جهة المرض، بل الظاهر أنه لأجل تأخير ما
~~وجب عليه من القضاء، فيشمل الجميع.
# فالأولى العمل على قول الشيخ في الخلاف من تسوية الأعذار مطلقا (6) لما
~~بينا سابقا.
# السابع: في شرائط القضاء عن الميت وأحكامه.
# ولما لم نذكر في كتاب الصلاة أحكام الصلاة، كما لم يذكرها طائفة من
~~الأصحاب أيضا، فلا بد أن نشير إلى حكمها أيضا هنا لتحصيل البصيرة.
# PageV05P402
# ويتوقف تنقيح المقام ms1428 على ذكر مقدمة ومباحث:
# أما المقدمة:
# فوجوب قضائهما على الوارث في الجملة هو المشهور بين أصحابنا، بل لم نقف
~~فيه على مخالف إلا ما نقل في المختلف عن ابن أبي عقيل في وجوب قضاء الصوم
~~(1)، ويظهر من السيدين المرتضى (2) وابن زهرة (3) - رحمهما الله - الاجماع
~~فيه أيضا في الجملة.
# وبالجملة فالمسألة مما لا اشكال فيها، ومخالفة العامة فيها تمسكا بقوله
~~تعالى: * (ليس للإنسان إلا ما سعى) * (4) وبقوله عليه السلام: " إذا مات
~~ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:
# صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (5) ضعيف; لأنهما
~~مخصصان بالأدلة كما خصصا بالحج وغيره.
# مع أن ما ذكر من نتائج إيمانه وتحصيله العقائد الحقة الذي هو من سعيه،
~~وكذلك هو من منافع عمله ومعرفته وولده الصالح.
# وقد يلتزم أن النفع والثواب للولي، ولكنه يسقط القضاء عن الميت، وهو
~~بعيد.
# المبحث الأول: في بيان ما يجب قضاؤه من الصلاة والصوم، واختلف الأصحاب في
~~ذلك، فظاهر المشهور التعميم، كما يظهر من الشهيد الثاني في مسألة الحبوة،
~~قال:
# إطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق بين أن يكون الفائت من الصلاة
~~والصيام بعمد وغيره، وربما قيل باختصاص الحكم بما فات منهما لعذر، ولا بأس
~~به، والنصوص لا تنافيه (6).
# PageV05P403
# ويظهر ذلك من الشهيد في الذكرى أيضا (1).
# والظاهر أنه أراد من القائل المحقق - رحمه الله - في جواب مسائل جمال
~~الدين بن حاتم المشغري البغدادية، فإنه قال: على الولد قضاء ما فات الميت
~~من صلاة وصوم لعذر من مرض وسفر وحيض، لاما تركه عمدا مع القدرة (2).
# ونقل في الذكرى عن أستاذه عميد الدين - رحمه الله - الانتصار لهذا القول
~~ثم قال هو: ولا بأس به، وقال: إن الرواية محمولة على الغالب، فإن الغالب
~~عدم ترك الصلاة عمدا، وحمل ما فعلها على غير الوجه الصحيح لأجل المسامحة في
~~تحصيل مسائلها أيضا على الترك عمدا، وعلى ذلك فجعله من الأفراد النادرة
~~بعيد، خصوصا بملاحظة حال أغلب عوام الناس (3).
# نعم يمكن أن يقال: المتبادر من لفظ صلاة أو صيام ms1429 المنكر الوارد في
~~الأخبار أن سائر عباداته إنما وقعت على الوجه الصحيح، وأن ما حصل من الفوت
~~إنما هو لأجل الترك، لا لأجل البطلان.
# وحكى في الذكرى عن ابن إدريس ويحيى بن سعيد أنه يقضي عنه الصوم الذي فرط
~~فيه، والصلاة التي فاتت في مرض الموت لا غير.
# وعن ابن الجنيد: أن المريض إذا وجبت عليه الصلاة فأخرها إلى أن مات يقضي
~~عنه وليه كما يقضي حجة الاسلام والصوم ببدنه، ولو عرض عنه يتصدق مد عن كل
~~ركعتين، وإن لم يتمكن فعن كل أربع ركعات بمد، وإن لم يتمكن فعن صلاة النهار
~~بمد، وعن صلاة الليل بمد.
# ثم قال: وكذا قال السيد المرتضى رحمه الله.
# ثم نقل عن ابن زهرة أنه لو مات وعليه صلاة فيجب على الولي قضاؤها، ثم نقل
# PageV05P404
# عنه حكاية التصدق كما حكى عنهما، وأنه قال ذلك بدليل الاجماع وطريقة
~~الاحتياط، هذه الأقوال التي ذكرها في الذكرى (1).
# وحاصلها ما قاله في الدروس، قال: ويجب أن يقضي الولي جميع ما فات الميت،
~~وخير ابن الجنيد بينه وبين الصدقة المذكورة آنفا، وبه قال المرتضى وابن
~~زهرة، وقال ابن إدريس وسبطه: لا يقضي إلا ما فاته في مرض فوته، وقال
~~المحقق: يقضي ما فاته لعذر كمرض أو سفر أو حيض بالنسبة إلى الصوم، لا ما
~~تركه عمدا، والظاهر أنه تغير رأيه في الدروس، وهذه الأقوال ذكروها في كتاب
~~الصلاة (2).
# حجة المشهور: عموم الأخبار، مثل صحيحة حفص بن البختري في الكافي، عن أبي
~~عبد الله عليه السلام: في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام، فقال: " يقضيه
~~عنه أولى الناس بميراثه " قال: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: " لا،
~~إلا الرجال " (3).
# ومرسلة ابن أبي عمير عنه عليه السلام: في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام،
~~قال:
# " يقضيه أولى الناس به " نقله في الذكرى عن ابن طاوس (4).
# وكذا رواية عبد الله بن سنان عنه عليه السلام، قال: " الصلاة التي حصل
~~وقتها قبل أن يموت الميت يقضي عنه أولى الناس به " (5) وسيجئ بعض ms1430 الأخبار
~~أيضا.
# وأما دليل تقييد الصلاة والصوم إذا كان فوته لعذر كما نقلناه عن المحقق
~~وتابعيه فهو الأصل وعدم انصراف الأخبار إلى ما تركه عمدا، وهو ليس ببعيد،
~~سيما مع حمل أفعال المسلمين على الصحة من عدم تركهم الصلاة بلا عذر، سيما
~~في زمان الأئمة، فإن المعهود من أفعال أصحابهم عليهم السلام كمال الاهتمام
~~في العبادات وفي قضائها، سيما
# PageV05P405
# على القول بالتضيق، فكيف يتركونها عمدا ويتركون قضاءها، ولذلك ذكر الشهيد
~~في الذكرى في عذر عدم ورود الأخبار في استئجار الصلاة للميت أن أصحابهم
~~عليهم السلام كانوا يهتمون في القضاء كثيرا، فلم يحتاجوا إلى السؤال عن حكم
~~الاستئجار ولو كان في ذمتهم شئ أحيانا لتداركوه بقضاء الولي، ولذلك وردت
~~الأخبار فيه.
# وهذا أيضا يؤيد أن ما كان يجب على الولي إنما كان مما سقط بالعذر، بل
~~مسامحتهم في القضاء أيضا كانت من جهة عذر كان له وجه مناسب للتأخير، مثل أن
~~القضاء كان ميسرا لهم بالصلاة قاعدا، أو بالإيماء فيؤخرونه ليفعلوه على
~~الوجه الأكمل، وهكذا.
# ومما ذكرنا يظهر أن ما فات من الميت من جهة بطلان الصلاة والمسامحة في
~~أخذ مسائلها على وجهها ليس بداخل في هذه الأخبار، سيما بملاحظة تنكير لفظ
~~صيام أو صلاة في الأخبار.
# فإذا لم يظهر خروج غير هذا القسم من العبادات من سائر أفراد ما ترك
~~عصيانا من إطلاق هذه الأخبار فيكفي خروج هذا القسم; لعدم القول بالفصل، مع
~~أن الظاهر من قولهم عليهم السلام يموت وعليه صيام أو صلاة، ويموت وعليه
~~قضاء، ويموت وعليه دين من شهر رمضان وأمثال ذلك في الأخبار أن الميت كان
~~معتقدا لكونه واجبا عليه ودينا عليه لازما أداؤه، لا محض لزومه عليه في نفس
~~الأمر، وإن كانت الألفاظ أسامي لما هو في نفس الأمر.
# وكيف كان فالأصل دليل قوي، ولا يمكن إتمام العموم بإطلاق هذه الأخبار،
~~سيما على المختار من كون الحبوة مجانا لا في عوض الصوم والصلاة، وسيما مع
~~لزوم العسر والحرج إذا كان أبواه كلاهما صاحب تسعين سنة، ms1431 وكانت صلاتهما
~~باطلة، وكان الولد ضعيفا، سيما على القول بوجوب الإتيان ببدنه لا
~~بالاستئجار.
# مع أن لنا إشكالا في كون ذلك هو المشهور بين الفقهاء، والتمسك بإطلاق
~~فتاويهم إنما يتم إذا كانت المسألة معنونة بحكم قضاء الصلاة والصوم مع
~~ملاحظة نفسهما من PageV05P406
# حيث هي، بل إطلاقاتهم في العنوانات ليست منسبكة لأجل بيان حكم المطلق من
~~حيث هو مطلق.
# فمرادهم في مسألة الحبوة بيان حكم القاضي أنه من هو، لا بيان كيفية
~~المقضي، وكذلك ههنا تعرضوا للمسألة لبيان أن الواجب هل هو قضاء العبادة، أو
~~يكتفي بالتصدق، أو يخير بينهما، لا لبيان حال نفس المقضي وكيفيته وهكذا.
# وهذه النكتة مما ينبغي التفطن لها، فإن الحكم يختلف باختلاف عنوانات
~~الموضوع في المسائل.
# وأما حجة ابن الجنيد وابن زهرة في التصدق فلم نقف عليها، والاعتماد على
~~الاجماع الذي ادعاه وترك الأخبار الكثيرة كما ترى.
# وأما مسألة الصوم فقال في الدروس: لو تمكن من القضاء ومات قبله فالمشهور
~~وجوب القضاء على الولي، سواء كان صوم رمضان أولا، وسواء كان له مال أولا،
~~ومع عدم الولي يتصدق من أصل ماله عن كل يوم بمد، وقال المرتضى: يتصدق عنه،
~~فإن لم يكن له مال صام وليه، وقال الحسن: يتصدق عنه لا غير، وقال الحلبي:
~~مع عدم الولي يصام عنه من ماله، كالحج، والأول أصح (1)، انتهى.
# ولا يخفى أنه لا يظهر من هذه العبارة أيضا أن المشهور عدم الفرق بين ما
~~كان الفوات لعذر أم لا، بل المراد من المشهور في كلامهم هو فتواهم بوجوب
~~القضاء في مقابل القول بالصدقة وغيره، فبقي انفهام الشهرة في التعميم من
~~إطلاق كلامهم، وقد ذكرنا أنه لا اعتماد على مثل هذا الإطلاق.
# وكيف كان فالأظهر الاكتفاء بما فات من جهة عذر كما نقلناه عن المحقق
~~وأتباعه، ومنهم صاحب المدارك، وقد عرفت دليله، فلا بد من بيان الأدلة لهذه
~~الأقوال في المسألة.
# PageV05P407
# ولما كان في الصوم تفصيلات أخر لا بد من التعرض لها فنقول: إن فوات
~~الصيام إما من أجل المرض أو ms1432 غيره، من سفر أو حيض، فلنقدم الكلام فيما فات
~~للمرض، ونقول:
# أما ما فات من أجل المرض مع عدم التمكن من القضاء حتى مات، فقد تقدم
~~الكلام فيه، وأنه لا يجب القضاء على الولي، بل يستحب على المشهور، مع إشكال
~~فيه.
# وأما إذا تمكن ولم يقض حتى مات فالمشهور وجوبه على الولي، وعن الخلاف
~~والسرائر دعوى الاتفاق عليه (1)، ويشعر به كلام المنتهى والتذكرة (2).
# وعن المبسوط والاقتصاد والجمل التخيير بين القضاء والصدقة (3).
# وعن الانتصار: التصدق من ماله عن كل يوم بمد من طعام، فإن لم يكن له مال
~~فليقضه الولي، ولم يفرق بين أسباب فوت الصوم، وادعى عليه الاجماع (4).
# وعن ابن إدريس: وجوب القضاء على الولي وعدم وجوب الصدقة، وادعى عليه
~~الاجماع، وأن ما قاله السيد لم يقل به أحد غيره (5).
# وأنكره المحقق في المعتبر، وقال: وأنكر بعض المتأخرين الصدقة عن الميت،
~~وزعم أنه لم يذهب إلى القول بها محقق، وليس ما قاله صوابا مع وجود الرواية
~~الصريحة المشتهرة، وفتوى الفضلاء من الأصحاب، ودعوى علم الهدى الاجماع على
~~ما ذكره، فلا أقل من أن يكون قولا ظاهرا بينهم، فدعوى المتأخر أن محققا لم
~~يذهب إليه تهجم (6).
# PageV05P408
# وعن ابن أبي عقيل: أنه يتصدق عنه لا غير (1).
# والأقوى قول المشهور.
# لنا: عموم الأخبار السابقة، ومرسلة ابن بكير عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد
~~الله عليه السلام: في الرجل يموت في شهر رمضان، قال: " ليس على وليه أن
~~يقضي عنه ما بقي من الشهر، وإن مرض فلم يصم رمضان فلم يزل مريضا حتى مضى
~~رمضان وهو مريض، ثم مات في مرضه، ذلك فليس على وليه أن يقضي عنه الصيام،
~~فإن مرض ولم يصم شهر رمضان ثم صح بعد ذلك فلم يقضه، ثم مرض فمات، فعلى وليه
~~أن يقضي عنه; لأنه قد صح فلم يقض ووجب عليه " (2).
# ومرسلة حماد بن عثمان في الكافي، عمن ذكره، عنه عليه السلام، قال: سألته
~~عن الرجل يموت وعليه دين من شهر رمضان، من يقضي عنه؟ قال: " أولى الناس به ms1433
~~" قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ قال: " لا، إلا الرجال " (3).
# وصحيحة محمد بن الحسن الصفار في الفقيه، قال: كتبت إلى أبي محمد الحسن
~~ابن علي في رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام، وله وليان، هل يجوز
~~لهما أن يقضيا عنه جميعا: خمسة أيام أحد الوليين، وخمسة أيام الآخر؟ فوقع
~~عليه السلام: " يقضي عنه أكبر ولييه " (4).
# قال ابن بابويه رحمه الله: هذا التوقيع عندي من توقيعاته إلى محمد بن
~~الحسن بن الصفار بخطه عليه السلام (5).
# وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن رجل
~~أدركه
# PageV05P409
# شهر رمضان وهو مريض فتوفي قبل أن يبرأ، قال: " ليس عليه شئ، ولكن يقضي عن
~~الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي ما عليه " (1).
# وحجة السيد: إجماعه الذي ادعاه، وما رواه الصدوق في الصحيح، عن أبان بن
~~عثمان، عن أبي مريم الأنصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا صام
~~الرجل شيئا من شهر رمضان ثم لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه قضاء، وإن صح
~~ثم مات وكان له مال تصدق عنه مكان كل يوم بمد، فإن لم يكن له مال صام عنه
~~وليه " ورواه الكليني أيضا بسند غير صحيح (2).
# وحجة ابن أبي عقيل أيضا: رواية أبي مريم، نقلها في التهذيب عنه عليه
~~السلام، قال: " إذا صام الرجل رمضان لم يزل مريضا حتى يموت فليس عليه شئ،
~~فإن صح ثم مرض حتى يموت وكان له مال تصدق عنه، فإن لم يكن له مال تصدق عنه
~~وليه ".
# ونقل العلامة في المختلف الرواية هكذا، ولكن عبارة ما نقله عن ابن أبي
~~عقيل هذه: وقد روى أنه من مات وعليه صوم من رمضان تصدق عنه عن كل يوم بمد
~~من طعام، وبهذا تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام (3).
# ونقل في المدارك رواية أبي مريم عن التهذيب مع وصفها بالصحة، وعبارته
~~هذه:
# وإن صح ثم مرض حتى يموت وكان له مال تصدق عنه وليه (4).
# حجة الشيخ في المبسوط لعلها الجمع ms1434 بين الأخبار بحملها على التخيير.
# وحجة ابن إدريس هو إجماعه المدعى، ومراد السيد - رحمه الله - من دعوى
~~الاجماع أيضا الاجماع على وجوب الصيام على الولي ردا على المخالفين، حيث
# PageV05P410
# لا يوجبون شيئا غير التصدق، لا الاجماع على تقديم الصدقة، وكلامه كالصريح
~~في ذلك.
# إذا عرفت هذا، فقول ابن أبي عقيل في غاية الضعف; لكونه خلاف المشهور
~~والأحاديث المعتبرة المستفيضة والإجماعين المنقولين، ولا يبعد حمل تقديم
~~الصدقة وانفرادها المستفاد من رواية أبي مريم على التقية، ولما كانت
~~الرواية مضطربة فيضعف الاعتماد عليها. ومنه يظهر ضعف القول بالتخيير أيضا.
# وأما الاستدلال لابن أبي عقيل بقوله تعالى: * (ليس للإنسان إلا ما سعى) *
~~فقد عرفت ضعفه.
# وأما ما فات من جهة السفر ففيه قولان، والذي يظهر أنه قول الأكثر هو
~~التفصيل مثل المريض، فيشترط وجوب القضاء على الولي بتمكن المسافر من الأداء
~~أو القضاء، وهو أحد قولي الشيخ، اختاره في الخلاف مدعيا عليه الاجماع (1)،
~~وهو مختاره في النهاية (2)، ومختار المحقق في النافع (3)، والعلامة في كثير
~~من كتبه (4)، والشهيدين في اللمعة وشرحها والمسالك (5)، وهو ظاهر ابن إدريس
~~(6).
# والقول الآخر وجوبه ولو مات في السفر على كل حال، وهو مذهب الشيخ في
~~التهذيب (7)، ومنقول عن صاحب الجامع يحيى بن سعيد (8).
# وربما يقال: إنه ظاهر الصدوق في الفقيه والمقنع، حيث قال: إذا مات رجل
~~وعليه صيام شهر رمضان فعلى وليه أن يقضي عنه، وكذلك من فاته في السفر أو
~~المرض، إلا
# PageV05P411
# أن يكون مات في مرضه من قبل أن يصح بمقدار ما يقضي به صومه، فلا قضاء
~~عليه إذا كان كذلك (1).
# وفيه تأمل.
# ويظهر من التذكرة الميل إليه، حيث قال: لا بأس به بعد ما نقله عن أحد
~~قولي الشيخ، ولم ينقل فيه قولا عن غيره (2)، وهو مختار المحقق الأردبيلي
~~رحمه الله (3) وصاحب المدارك (4).
# ويظهر من الشرائع والمعتبر التردد (5).
# ولعل الأظهر الأول; للأصل، والإجماع المنقول، والعلة المستفادة من مرسلة
~~ابن بكير (6)، وصحيحة أبي بصير (7) المتقدمتين هنا وفي المباحث السابقة،
~~ولأنه إذا لم يتمكن هو فيسقط منه، فالولي ms1435 أولى بالسقوط عنه.
# واحتج الآخرون: بما رواه الكليني عن أبي حمزة - والظاهر أنه الثمالي - عن
~~أبي جعفر عليه السلام فالظاهر أنه صحيح، قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر
~~رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال: "
~~أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم " (8).
# وروى الشيخ في الموثق، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام
~~مثله (9).
# PageV05P412
# وروى عن منصور بن حازم عنه عليه السلام: في الرجل يسافر في رمضان فيموت،
~~قال:
# " يقضى عنه، وإن امرأة حاضت في رمضان فماتت لم يقض عنها، والمريض في
~~رمضان ولم يصح حتى مات لم يقض عنه " (1).
# وفي الموثق عن فضالة، عن الحسين بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير، قال:
# سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل سافر في رمضان فأدركه الموت قبل أن
~~يقضيه، قال:
# " يقضيه أفضل أهل بيته " (2).
# واقتصر في المسالك على رواية منصور، وقدح فيها بضعف السند، وإمكان حملها
~~على الاستحباب، أو على الوجوب; لكون السفر معصية وإن بعد (3)، وقد عرفت عدم
~~الانحصار.
# والجواب: أن الاجماع المنقول بمنزلة خبر صحيح، ورواية أبي بصير أيضا
~~صحيحة، ووجه الدلالة: أن قوله عليه السلام فيها: " لا يقضى عنها; فإن الله
~~تعالى لم يجعله عليها " نص على العلة، وهي عامة في المرض والسفر.
# وبالجملة الروايتان المشتملتان على العلة المعتضدتان بالأصل والشهرة
~~والإجماع المنقول وما ذكرناه من الاعتبار تترجح على معارضها.
# وصحيحة أبي حمزة لا تعارضها مع قلة العامل بها.
# وأما موثقة أبي بصير، فإن أغمضنا عن سندها; لأن الظاهر أن حسين بن عثمان
~~مشترك بين الثقات، بل الثقتين، ولا ضعف في أحد منهم (4)، ورواية فضالة
~~قرينة على أنه الرواسي الثقة، لكن الظاهر منها السؤال عن حال القاضي، لا
~~كيفية المقضي،
# PageV05P413
# فلا يبقى اعتماد على الإطلاق، ولا ترك الاستفصال عن التمكن وعدمه.
# وأجاب في المختلف عن روايتي منصور ومحمد بن مسلم - بعد منع السند -
~~بحملهما على الاستحباب، أو على الوجوب لكون السفر معصية (1)، وهو بعيد.
# ووجه ms1436 كلامه بعضهم: بأن مراده أن السفر في رمضان بدون ضرورة معصية، وهو
~~أيضا ليس بتمام.
# وربما يقال: إن السر في وجوب القضاء على المسافر خاصة هو تمكنه من الأداء
~~بترك السفر أو الإقامة، وهو أبلغ من التمكن من القضاء، بخلاف المريض
~~والحائض.
# ويرد عليه: أن بعد رخصة الشارع في السفر لا يبقى فرق، مع أنه لا يتم في
~~السفر الواجب.
# فالأقوى فيه أيضا التفصيل بالتمكن وعدم التمكن، ولو كان فرض التمكن
~~بالإقامة.
# فالأولى حمل الأخبار المعارضة على الاستحباب، وفي بيان المراد من التمكن
~~إشكال، فإطلاق كلام أكثرهم هو اشتراطه بالتمكن من القضاء.
# واعتبر الشهيد في اللمعة مراعاة تمكنه من المقام والقضاء، وزاد الشهيد
~~الثاني في شرحه ولو بالإقامة في أثناء السفر (2)، وزاد الفاضل الإصفهاني في
~~شرحه لفظ الأداء قبل القضاء.
# فعبارات الثلاثة هذه: وفي القضاء عن المسافر خلاف، أقربه مراعاة تمكنه من
~~المقام والأداء أو القضاء ولو بالإقامة في أثناء السفر كالمريض.
# أقول: ولا وجه لزيادة لفظ " الأداء " هنا; إذ الكلام إنما هو بعد ثبوت
~~الفوت بالسفر كالمريض، وما ذكره الشهيدان من أن السر في قول من يوجب القضاء
~~على المسافر مطلقا دون المريض تمكن الأول من الأداء دون الأخير; مع سلامته
~~هو شئ آخر
# PageV05P414
# لأدخل له فيما نحن فيه.
# وأما ما اعتبراه من كفاية التمكن من المقام والقضاء المستلزم لانحصار عدم
~~وجوب القضاء فيما لو كان السفر واجبا أو لم يتمكن من الإقامة لخوف أو ضرر
~~فهو يدل على اعتبار التمكن بالقوة، فلا يجعلان السفر المباح المجوز فيه من
~~الشارع عذرا، وقد عرفت سابقا أن السفر المستمر بين الرمضانين مسقط للقضاء
~~عن المكلف عند الشيخ في الخلاف (1)، ولم يقيده بالسفر الواجب، والقول
~~بسقوطه به عن نفس المكلف ولزومه على الولي كما ترى.
# والحاصل أن التشبيه بالمريض يقتضي أن الخلو من السفر يوجب القضاء لا
~~التمكن من الخلو منه، كما أن المعتبر الخلو من المرض.
# فمعيار الكلام هنا جعل السفر المباح من الأعذار وعدمه، والظاهر أنه منها،
~~وإلا لما جاز ms1437 استمرار السفر المباح إلى رمضان آخر، ولم أقف على من أفتى به،
~~فمقتضى إطلاق الشيخ في الخلاف باطراد الأعذار يشمله.
# وبالجملة وجوب القضاء على المتمكن بوجوب موسع ما بين الرمضانين مخصوص
~~بغير من كان له عذر شرعي، فيجوز التأخير مع العذر الشرعي، ومقتضى اطراد
~~الأعذار سقوط القضاء عمن استمر سفره المباح، فإذا سقط عن المكلف فيسقط عن
~~الولي.
# فالحكم بوجوب قضاء الولي عنه مطلقا حتى في السفر الضروري في غاية
~~الإشكال.
# وإن كان ولا بد فليقتصر على السفر المباح، ولم نقف على مصرح به عدا
~~الشهيدين في اللمعة وشرحها (2).
# وأما اعتبار التمكن من الأداء فلا وجه له، ومع ذلك كله فالأحوط قضاء ما
~~فاته
# PageV05P415
# في السفر مطلقا، وقوفا على ظاهر النصوص.
# ومما يؤيد ما ذكرنا من كون السفر من الأعذار مطلقا جواز إفطار أصل الشهر
~~مع ضيق وقته، بأن يسافر سفرا مباحا، فكيف لا يجوز استمرار السفر المباح في
~~وقت القضاء وإن تضيق.
# ومما ذكرنا يظهر حكم الحائض، وأنه التفصيل بالتمكن وعدم التمكن كما دلت
~~عليه الأخبار والاعتبار (1).
# المبحث الثاني: فيمن يجب عليه القضاء فعن الأكثر أنه الولد الذكر الأكبر
~~لا غير، فلو كان الولد الأكبر أنثى أو انحصر فيها فيسقط القضاء.
# وعن الصدوقين (2) والمفيد (3) وابن الجنيد (4) أنه يجب على مطلق الولي
~~حتى الزوجين، والمعتق، وضامن الجريرة، بترتيب الطبقات وفي كل طبقة يقدم
~~الأكبر الذكر، وإن لم يكن فالإناث.
# وربما يستشكل في فهم الترتيب من كلام المفيد; لكن الظاهر أن مراده ذلك
~~كما فهمه العلامة في المختلف والشهيد في الدروس (5).
# أقول: الولي عند الشيخ أكبر أولاده الذكور لا غير (6).
# وعن المفيد: لو فقد أكبر الولد فأكبر أهله من الذكور، فإن فقدوا فالنساء
~~(7)، وهو
# PageV05P416
# ظاهر القدماء والأخبار (1) والمختار.
# وعن ابن البراج: أنه يجب على الولد الذكر الأكبر، فإن لم يكن فالبنت
~~الكبرى (2) ومن هذا يظهر عدم التعدي عن الأولاد.
# والأظهر قول الأكثر; لأصالة عدم تحمل أحد فعل غيره، كما ينبه عليه قوله
~~تعالى:
# * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (3) خرج عنه الولد ms1438 الذكر الأكبر بالإجماع،
~~ولا ريب أنه أولى بالميراث من النساء، بل من الذكور أيضا; لاختصاصه
~~بالحبوة، ولخصوص صحيحة حفص بن البختري، ومرسلة حماد المتقدمتين.
# وصحيحة الصفار أيضا تدل على اعتبار الأكبرية، ولكن غاية ما يستفاد منها
~~وجوبه على الرجل الأكبر، وأما الاختصاص بالولد فلا يستفاد منها.
# ويمكن أن يقال: إن القدماء القائلين بتعميم الولي للأولاد وغيرهم والرجال
~~والنساء; اعتمدوا على عموم الروايات وإطلاقها; لأن الولي والأولى في كل
~~طبقة موجود، وصحيحة حفص بن البختري ومرسلة حماد تنفيان الوجوب عن النساء،
~~فيتعين قول الأكثر بعدم القول بالفصل، لأنا لم نقف على من قال بوجوبه في كل
~~طبقة على أكبر الرجال دون النساء، فإن علمنا بإطلاق تلك الأخبار يلزم طرح
~~هذين الخبرين، ولا وجه له، سيما وهما أخص مطلقا من تلك، والخاص مقدم على
~~العام، سيما إذا وافق الأصل والاعتبار، ونفي العسر والحرج والإضرار، وعمل
~~أكثر العلماء الأخيار.
# وربما حملتا على نفي الوجوب على النساء في حال وجود الرجال، وهو قريب
~~(4).
# وكيف كان فلا ريب أن العمل بعموم الروايات أحوط.
# PageV05P417
# ثم إن ههنا أمورا لا بد أن ينبه لها:
# الأول: ذكر جماعة من العلماء، منهم العلامة في التذكرة والمنتهى (1)،
~~والشهيد الثاني - رحمه الله - (2) أن المراد بالولد الذكر الأكبر من لم يكن
~~هناك أكبر منه وإن انحصر فيه كما في الحبوة، ويدل عليه عموم لفظ الولي
~~والأولى في الأخبار.
# وأما صحيحة الصفار الدالة على اعتبار الأكبرية، فهي محمولة على حال
~~التعدد ووجود الأصغر والأكبر.
# نعم الإشكال في أن الوجوب هل مشروط بالبلوغ حين الموت ليمكن تعلق التكليف
~~به أم لا؟ فيه قولان ناظران إلى عدم تعلق التكليف بغير البالغ العاقل
~~فيستصحب، وإلى عموم الروايات واستحقاق الحبوة.
# ولعل الأرجح الثاني; لأنه ليس في الأخبار ما يدل على الوجوب عليه بمجرد
~~موت مورثه حتى يستلزم البلوغ والكمال، فيكون مراعى إلى حصول الكمال كافيا،
~~كما لو كان الولي البالغ غائبا ولم يطلع على موت أبيه إلا بعد سنين.
# واختلفوا فيما لو تعدد الولي وكان أحدهما أكبر ms1439 سنا ولم يبلغ، والآخر أقل
~~سنا وبلغ بالانبات أو الاحتلام.
# والأظهر اعتبار البلوغ; لأنه أولى بالميت في أكثر الأحكام، مثل مباشرة
~~التجهيز والإذن في الصلاة وسائر ما هو منوط بالمكلفين.
# ووجه القول الآخر: إطلاق لفظ الأكبر في صحيحة الصفار وغيرها، وهو محمول
~~على الغالب، فلا حجة فيه، هذا إذا كان الأكبر غير بالغ.
# وأما إذا كانا بالغين فلا إشكال في تقديم الأكبر سنا; وكذا لو لم يكونا
~~بالغين.
# وأما في الحبوة فالأظهر تقديم الأكبر سنا; للأخبار الكثيرة الحاكمة
~~بكونها
# PageV05P418
# للأكبر (1)، وهو الظاهر في السن مع احتمال تساويهما مطلقا; لأن لكل منهما
~~مرجحا، واحتمال تقديم البالغ مطلقا، حملا للأخبار على الغالب، ولكن الأظهر
~~ما ذكرنا.
# الثاني: إذا تعدد الأولياء وتساووا في السن، فالمشهور التقسيط بينهم.
~~وقال ابن البراج (2): إن لم يكن هناك إلا توأمان فلهما الخيرة، فأيهما فعل
~~أجزأ، ولو تشاحا فالقرعة، وقال ابن إدريس: سقط القضاء (3).
# فلنقدم الكلام في فرض التساوي، ثم نخوض في أدلة الأقوال.
# فنقول: إن فرض التساوي إما بأن يتولد له ولدان في آن واحد من امرأتين،
~~وهو ممكن; لأن مدة الحمل تختلف، ولا يستلزم اتحاد زمان التولد اتحاد زمان
~~علوق النطفة حتى يقال باستحالة وطء امرأتين في آن واحد.
# ويمكن الفرض بأن يتولد التوأمان في آن واحد من دون تعاقب وإن بعد الفرض،
~~مع أنه قد يتسامح في العرف في إطلاق الوحدة على التفاوت اليسير، سيما في
~~التوأمين.
# وإن لم نقل بالتسامح في صورة التعاقب، ففي كون أولهما ورودا أكبر أو
~~آخرهما وجهان، أظهرهما الأول; لفهم العرف، فإنهم يعتبرون الولادة والخروج
~~عن الرحم.
# ولذلك يقال للولد الذي تولد بعد ستة أشهر من العلوق قبل من تولد بعد تسعة
~~أشهر من العلوق بلمحة أن الأول أكبر، مع أن علوق الثاني مقدم عليه مما يقرب
~~من ثلاثة أشهر; لأن تولد الثاني أسبق منه بهذا المقدار، فلا عبرة بالعلوق.
# نعم هنا رواية رواها الكليني والشيخ عنه في سند فيه علي بن أشيم المجهول
~~عن بعض أصحابه، قال: أصاب رجل ms1440 غلامين في بطن وهناه أبو عبد الله عليه
~~السلام، قال:
# " أيهما أكبر " قال: الذي خرج أولا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: "
~~الذي خرج آخرا هو أكبر،
# PageV05P419
# أما تعلم أنها حملت بذاك أولا، وأن هذا دخل على ذاك، فلم يمكنه أن يخرج
~~حتى خرج هذا، فالذي يخرج آخرا هو أكبرهما " (1).
# ويشكل العمل بمثله; لضعفه وإرساله ومخالفته للاعتبار والعرف والعادة، مع
~~أن العمل عليه يستلزم الحكم بأكبرية الثاني وإن تولد بعد أيام، ولو فرض صحة
~~الحديث أيضا فهو لا يقاوم ما دل على تقديم الأكبر; إذ لفظ الأكبر في سائر
~~الأخبار يرجع في معناه إلى العرف، فهو أيضا ترجيح للخبر على الخبر، لا
~~العرف على الخبر، ليصير موردا للمنع.
# فالعمدة هنا بيان أنه هل يعتبر الفصل اليسير في تحقق الأكبرية، أو يتسامح
~~فيه فيشتركان فيه؟ وجهان، لا يحضرني من كلام الأصحاب الآن تصريح بحكمه، إلا
~~ما ذكره الشهيد الثاني - رحمه الله - في رسالته في مسألة الحبوة قال: ولو
~~ولد التوأمان على التعاقب ففي اشتراكهما في الأكبر نظر، من زيادة سن السابق
~~على المسبوق ولو يسيرا، فيصدق التفصيل، ومن عدم الاعتداد بمثل ذلك عرفا،
~~وهذا هو الأقوى بشاهد العرف، على أن مثل هذا التفاوت لا يؤثر في التساوي،
~~ومثله ما لو ولدا من امرأتين في وقتين متقاربين، إلا أن العرف قد يأبى هذا
~~القسم في بعض الموارد، وإن قبله في التوأمين.
# ثم قال: فالمرجع في ذلك العرف، فمن عدهما متساويين في السن تشاركا فيها،
~~وإلا فلا، وإن حصل الشك يستحق السابق; لأنه المتيقن، وكذا لو زاد على اثنين
~~(2)، انتهى كلامه.
# أقول: وفيما ذكره أخيرا نظر; إذ المتيقن إنما هو القدر المشترك بين
~~الأكبرية محضا وبين كونه نظير الأكبر كما لا يخفى، فالمتيقن استحقاقه
~~للشطر، فيرجع في الباقي إلى التخيير أو القرعة أو التقسيم ثانيا، ولا يبعد
~~الترجيح بمحض الأكبرية للسابق مطلقا.
# PageV05P420
# إذا عرفت هذا فنرجع إلى أصل المسألة ونقول: الأقوى قول المشهور; لصدق
~~الولي والأولى عليهما، ولا يجب على كل منهما بالتمام ms1441 إجماعا، ولا يسقط
~~عنهما بعموم النص، وترجيح أحدهما بلا مرجح قبيح، فلا مناص إلا التوزيع; لأن
~~المتبادر من الأمر هو الوجوب العيني، وإذا ضمت إليه أصالة البراءة عن وجوب
~~التمام على كل واحد عينا وكفاية، وقلنا بإطلاق الولي والأولى على كل واحد،
~~بل الأكبر أيضا لو فسرناه بمن لم يكن أكبر منه، فلا يبقى إلا التوزيع على
~~السواء فيما أمكن.
# وتمسك ابن إدريس بأن الاجماع إنما ثبت في الولد الأكبر، ولا يصدق عليه،
~~والأصل براءة الذمة، وعلة استحقاق الحبوة أيضا هنا غير موجودة (1).
# وفيه: أن عدم الاجماع لا يوجب عدم الحكم، والأصل لا يقاوم ظواهر النصوص،
~~وعدم استحقاق الحبوة أيضا غير ممنوع كما حقق في محله.
# وأما دليل ابن البراج فلعله أن القضاء بتمامه لا يجب على كل منهما عينا،
~~ويصدق على كل منهما أنه ولي أو أولى، فلا بد أن يكون الوجوب عليهما بعنوان
~~الكفائي، وبفعل أحدهما يسقط عن الآخر، وما لم يتحقق فذمتهما معا مشغولة.
# ولو تشاحا فلا مناص إلا القرعة; لأنها لكل أمر مشكل.
# وفيه: مع ما مر من أصالة البراءة عن الكفائي أيضا أنه على تقدير الوجوب
~~الكفائي لا مجال للتشاح، ولا يلزم من حصول العمل متعددا إذا شرعا معا وفرغا
~~معا أن يكون مطلوب الله تعالى متعددا حتى يلزم خلاف الاجماع كما في صلاة
~~الميت إذا لم يكن هناك ولي شرعي وتساوى المؤمنون فيه، ولم يكن إمام يقيم
~~الجماعة، فصلاتهما معا صحيحة، وإن كان المطلوب صلاة واحدة، وكذلك في الإمام
~~والمأموم.
# وأما القرعة فهي على تسليم جريانها في العبادات مطلقا إنما تتم إذا حصل
~~الإشكال، وإطلاق الأخبار دافع للإشكال.
# PageV05P421
# ثم إن كان هناك كسر، كما لو كانت الصلاة ثلاثا والولي اثنان، فالظاهر
~~وجوبه كفاية عليهما، ويسقط بفعل أحدهما عن الآخر كما في المسالك وغيره (1)،
~~وتحتمل القرعة، ولم أقف على مصرح بها هنا.
# ومن قبيل الكسر إذا كان عليه صوم يوم أو صلاة واحدة.
# وبالجملة المراد بالولي الجنس، وهو يشمل الواحد والمتعدد، فقولهم عليهم
~~السلام: " يقضي ms1442 الولي الصوم والصلاة " يعني يقضي جنس الولي جنس الصوم
~~والصلاة، ولازمه أنه إن كان واحدا فالجميع على الواحد، وإن كان متعددا فعلى
~~المتعدد، وتعلقه بالمتعدد على سبيل الكل المجموعي، مثل قولك: " يجب على
~~القوم رفع هذه الأحجار " فكل ما أمكن اجتماعهم (عليهن وانفراد كل بحجر،
~~فيتعين الاجتماع) (2) فيما لا يمكن إلا بالاجتماع في الرفع، والتوزيع في
~~الممكن، فلو بقي هناك حجر لا يمكن الاجتماع ولم يبق سواه من الأحجار، فيجب
~~عليهم جميعا بعنوان الوجوب الكفائي، ولا يلزم تجوز في اللفظ; إذ ذلك هو
~~مقتضى تعلق الحكم بالمجموع.
# والحاصل أن قول ابن إدريس في غاية الضعف، بل الظاهر أن الاجماع منعقد
~~قبله على عدم السقوط بسبب التعدد، مع أنا نقول: إن وجوبه على الولي الواحد
~~إجماعي في الجملة كما مر، ومن جملة نقلته هو ابن إدريس.
# فإذا كان مراده تعالى، إبراء الولي الواحد ذمة مورثه، فالمتعدد أولى بذلك
~~كما لا يخفى، فلا وجه لسقوطه بالتعدد.
# فإذا لم يسقط فالأصل في الوجوب هو العيني، مهما أمكن، فلا بد من التوزيع.
# وفي غير الممكن - كصورة الانكسار عليهم - فالوجوب الكفائي أيضا أقرب إلى
~~الحقيقة من القرعة; إذ القرعة كاشفة عن تعين أحدهما، وإجراؤها هنا يستلزم
~~براءة أحدهما.
# PageV05P422
# وهو أيضا خلاف الأصل في الوجوب; إذ الإطلاق أو الأولوية اقتضى التعلق
~~بالجميع، فكما أن كون الوجوب عينا هو الأصل، فتعلقه بالجميع أيضا هو الأصل،
~~فإذا لم يمكن تعلقه بالجميع أيضا على العينية، يكتفى به على الكفائية; لأنه
~~أيضا متعلق بالجميع في الجملة، بخلاف صورة القرعة.
# ومن فروع المسألة: ما لو قضيا جميعا صوم رمضان عنه وأفطرا معا بعد الظهر،
~~فهل تجب الكفارة على كل منهما، أو يشتركان فيه، أو تجب عليهما بعنوان
~~الوجوب الكفائي؟ ولا يحضرني الآن دليل على وجوب الكفارة.
# ومن فروعها: جواز إفطار أحدهما مع بقاء الآخر على الصوم، أو الظن ببقائه،
~~ورجح في الدروس جوازه في صورة الظن بالبقاء، بخلاف عدم الظن (1)، وأصل ثبوت
~~المعصية في الإفطار لا يخلو عن إشكال.
# ثم على ms1443 المختار من وجوب التقسيط، فإن فعله أحدهما بالتمام فهل يسقط عن
~~الآخر أم لا؟ فيه إشكال، فعن ابن إدريس (2) والعلامة في المنتهى (3) عدم
~~الاجزاء.
# وظاهر المحقق في الشرائع الاجزاء (4)، قال في المسالك، في وجهه: إنه بفعل
~~المتبرع تبرأ ذمة الميت، فلا يبقى وجه لوجوبه على الغير (5).
# ورده في المدارك: بأن التكليف متعلق بالولي، ولا دليل على كون فعل غيره
~~مسقطا عنه، وقوى المنع (6).
# وقال الفاضل الإصفهاني: وإن قام بالكل بعضهم سقط عن الباقين كما نصوا
~~عليه، ثم فرع المسألة على جواز تبرع غير الولي، فإن قلنا به فههنا أولى
~~بالجواز، وإلا
# PageV05P423
# ففيه إشكال.
# أقول: الأقوى السقوط سيما مع إذن الآخر له; لأن الأقوى في المتبرع غير
~~الولي السقوط أيضا، ولعموم الأخبار المستفيضة الدالة بعمومها على أن من فعل
~~للميت عملا كان له، الظاهرة في أن عمله يصير بمنزلة عمله، لا محض أن ثوابه
~~له، وهي أكثر من عشرة، نقلها الشهيد في الذكرى عن كتاب غياث سلطان الورى
~~لسكان الثرى لابن طاوس رحمه الله (1).
# ولا فرق في هذه المسألة بين الصلاة والصوم والحج وغيرها.
# الثالث: قد ظهر مما ذكرنا أخيرا التمكن من تحقيق جواز استئجار الولي
~~الغير لهذه العبادات، واختلفوا فيه، ذهب الشهيد في صوم الدروس إلى جوازه
~~(2).
# وقال في الذكرى: الأقرب أنه ليس له الاستئجار; لمخاطبته بها، والصلاة لا
~~تقبل التحمل عن الحي، ويمكن الجواز; لما يأتي إن شاء الله تعالى في الصوم;
~~لأن الغرض فعلها عن الميت، فإن قلنا بجوازه وتبرع بها متبرع أجزأت أيضا
~~(3)، انتهى.
# وعلى كل حال فدليل المنع: أن الولي مكلف، وفعل الغير غير مسقط.
# ودليل الجواز: منع تعلق التكليف ببدنه، بل المطلوب إنما هو إبراؤه ذمة
~~الميت على أي نحو كان مثل الدين.
# وهذا هو الأقوى عندي; لذلك، ولعموم الأخبار، ولكل ما دل على مطلق
~~الاستئجار للعبادات عن الميت، وعمدة ما اعتمد عليه في الاستئجار وإن كان هو
~~الاجماعات المنقولة، ولكن المدعين أطلقوه ولم يخصصوه بغير الولي، بل الغالب
~~أن الولي هو المحتاج إليه.
# ويؤيده ms1444 نفي العسر والحرج أيضا، ويؤيده أيضا إطلاق الدين على الصلاة في
~~كثير
# PageV05P424
# من الأخبار، وأنها دين الله، ولم يعتبر أحد في أداء الدين مباشرة شخص
~~خاص.
# ولا بأس أن نذكر هنا بعض الأخبار الدالة على جواز الصلاة للميت وغيرها من
~~البر، ففي رواية عبد الله بن أبي يعفور، عن الصادق عليه السلام، قال: "
~~يقضي عن الميت الحج والصوم والعتق وفعاله الحسن " ومثله رواية صفوان بن
~~يحيى، ورواية محمد بن مسلم، ورواية العلاء بن رزين، ورواية البزنطي، وكذلك
~~إلى عشرة أخبار نقلها ابن طاووس رحمه الله (1).
# ومن جملتها ما نقله صاحب الفاخر، قال: مما أجمع عليه وصح من قول الأئمة
~~عليهم السلام: " ويقضي عن الميت أعماله الحسنة كلها ".
# والشهيد في الذكرى حكم بصحة هذه الأخبار كلها أيضا (2).
# وعلى كل حال فما يدل على جواز مطلق الاستئجار عن الميت يدل هنا، وهو
~~أمران، أحدهما: الاجماعات المنقولة، نقلها الشهيد في الذكرى (3)، والمحقق
~~الثاني في كتاب الإجارة من شرح القواعد (4)، والمحقق الأردبيلي رحمه الله
~~(5).
# والثاني: أنه مبني على مسألتين إجماعيتين، إحداهما: جواز العمل عن الميت
~~بالإجماع والأخبار الصحيحة، والثانية: إذا جاز العمل عنه جاز الاستئجار;
~~لعموم ما دل على صحة الاستئجار في الأعمال المباحة التي جاز للمؤجر أن
~~يفعلها لنفسه.
# ولي في هذا الاستدلال نظر; لاستلزامه الدور كما أشرنا إليه في هذا الكتاب
~~غير مرة، وأوضحناه سابقا في كتاب المكاسب من كتاب مناهج الأحكام، وإطلاق
~~الاجماعات يكفي; لأنه لا وجه لحملها على غير الولي مع غلبة احتياج الولي،
~~وكذلك لا وجه لحملها في الولي على الاستئجار من باب الاحتياط، سيما إذا كان
# PageV05P425
# الولي ضعيفا، أو كان ممن ليس صلاته صحيحة، ولا يبالي بتصحيح صلاته، سيما
~~على قول المشهور من وجوب قضاء جميع العبادات لا ما فات منه لعذر.
# فإن قيل: إشكال الشهيد في الذكرى مع دعواه الاجماع سابقا على صحة
~~الاستئجار للعبادات كاشف عن أن مراده ثمة من دعوى الاجماع في غير صورة ما
~~وجب على الولي.
# قلت: الظاهر أنه غفل هنا، ولعل الداعي ms1445 على الغفلة هو أن للمسألة هنا
~~حيثيتين (1) مندرجتين تحت قاعدتين، الأولى: أن من وجب عليه عمل من المكلفين
~~الأحياء فالأصل عدم اسقاط فعل الغير إياه، غاية الأمر أن ذلك الغير يجوز أن
~~يفعل فعلا عن الميت، وفعل الغير هنا إنما هو عن الولي، ولا يجوز العبادة عن
~~الأحياء إلا فيما خرج بالدليل كالحج والزيارة.
# والثانية: أن من جاز له أن يعمل عملا لنفسه، ويجوز أن يفعله لغيره، يجوز
~~أن يؤجر نفسه لفعل ذلك العمل إجماعا، منضما إلى ما ثبت أن من فعل عملا
~~للميت ينفعه ويصل إليه ويجوز له أن يفعله، ويلزمه جواز إيجار نفسه لفعل ذلك
~~إذا وجب ذلك الفعل على الولي، وهذا يستلزم بالتبع جواز استئجار الولي إياه
~~لذلك العمل.
# فلعل نظر الشهيد - رحمه الله - هنا إلى القاعدة الأولى، وغفل عن مقتضى
~~القاعدة الثانية، ونظره ثمة إلى القاعدة الثانية، ومسألتنا هذه مورد
~~القاعدتين، والنسبة بينهما عموم من وجه.
# ولما استشكلنا سابقا في القاعدة الثانية من جهة منع عموم أن من فعل فعلا
~~للميت فهو صحيح وينفعه حتى إذا كان بإزاء الأجرة أيضا; لأن غاية ما ثبت من
~~الأخبار هو أن ما فعله المتبرع عن الميت ينفعه لا مطلقا، ولا يتم الاستدلال
~~إلا بذلك.
# فلم تثبت إباحة الفعل لنفسه مطلقا حتى يتم بضميمة عمومات الإجارة
~~المستلزمة
# PageV05P426
# للوجوب عليه، فيشكل علينا دفع هذا الإشكال بالتزام الاجماع على هذا
~~الوجه; لعدم ثبوته عندنا بهذا الوجه، بل المعتمد إنما هو الاجماع على أصل
~~الاستئجار، وإطلاقه على ما نقلوه.
# وكلام الذكرى في الاجماع وإن كان معللا بالقاعدة ولكنه لا ينافي صحة أصل
~~الاجماع، فلعل الغفلة إنما هي في بيان وجه الاجماع.
# وكيف كان بل نقول: إنه - رحمه الله - بعد ما نقل الاجماع في طي المسألتين
~~اللتين ادعى إجماع الإمامية عليهما، إحداهما: جواز الصلاة عن الميت،
~~والثانية: أن كلما جاز الصلاة عن الميت جاز الاستئجار عنه، ادعى الاجماع
~~على أصل جواز الاستئجار عن الميت من دون ملاحظة القاعدتين، بل نقول: إنه
~~ادعى الاجماع على ms1446 العموم بحيث يشمل استئجار الولي أيضا.
# ويظهر ذلك في مواضع من كلامه، منها ما ذكره بعد ما نقل الاجماع على جواز
~~الاستئجار عن الميت مع قطع النظر عن القاعدتين بعد ما ادعى الاجماع في ضمن
~~القاعدتين.
# فقال: فإن قلت: فهلا اشتهر الاستئجار على ذلك والعمل به عن النبي صلى
~~الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام كما اشتهر الاستئجار على الحج حتى علم
~~من المذهب ضرورة.
# قلت: ليس كل واقع يجب اشتهاره، ولا كل مشهور يجب الجزم بصحته، ورب متأصل
~~لم يشتهر إما لعدم الحاجة إليه، ثم ذكر بيان عدم الحاجة في الصلاة لاهتمام
~~أصحاب الأئمة عليهم السلام بالصلاة وقضائها كما نقلنا عنه سابقا.
# إلى أن قال: فخلف من بعدهم قوم تطرق إليهم التقصير، إلى أن قال: فاحتاجوا
~~إلى استدراك ذلك بعد الموت لظنهم عجز الولي عن القيام به، فوجب رد ذلك إلى
~~الأصول المقررة والقواعد الممهدة وفيما ذكرناه كفاية (1).
# PageV05P427
# أقول: وأراد بالأصول المقررة القاعدتين اللتين أشار إليهما، فعلم من ذلك
~~أن استئجار الولي الغير لما وجب عليه داخل في ضمن القاعدتين، فظهر من ذلك
~~أنه - رحمه الله - ادعى الاجماع عليه عموما وخصوصا، بل ويظهر الاجماع من
~~ابن زهرة أيضا (1)، حيث نقل في الذكرى قبل ذلك عنه ما يؤذن به، قال: واستدل
~~ابن زهرة على وجوب قضاء الولي الصلاة بالإجماع أنها تجري مجرى الصوم والحج،
~~وقد سبقه ابن الجنيد بهذا الكلام حيث قال: والعليل إذا وجبت عليه الصلاة
~~وأخرها عن وقتها إلى أن فاتت قضاها عنه وليه كما يقضي حجة الاسلام والصيام،
~~قال: وكذلك روى ابن يحيى بن إبراهيم بن سام عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~فقد سويا بين الصلاة وبين الحج، ولا ريب في جواز الاستئجار على الحج (2)،
~~انتهى.
# ثم ادعى بعد ذلك الاجماع في طي القاعدتين، ثم مطلقا، إلى آخر ما نقلنا
~~عنه، ويمكن أن يكون نقل قول ابن زهرة وابن الجنيد من ابن طاوس - رحمه الله
~~- وعلى أي حال، فظاهر دعوى ابن زهرة أن الصلاة كالحج اتحادهما ms1447 في جميع
~~الأحكام حتى في استئجار الولي.
# وكيف كان فالأظهر ترجيح جواز الاستئجار، أما أولا فلظاهر إجماع الذكرى
~~عموما وخصوصا، وظاهر دعوى ابن زهرة الاجماع على التسوية.
# وأما ثانيا: فلعموم بعض الأخبار المتقدمة كما قال ابن طاوس - رحمه الله -
~~بعد ما نقل رواية عمر بن محمد بن يزيد الآتية قوله عليه السلام: " إخوة في
~~الدين " إيضاح لكل ما يدخل تحت عمومه، من الابتداء بالصلاة عن الميت أو
~~بالإجارات.
# وأما ثالثا: فلمنع دخوله تحت ما يجب على المكلف نفسه; لأن المسلم من
~~الأخبار هو وجوب إبراء الذمة على الولي، وأما بخصوص أن يفعل ببدنه فلا.
# ويؤيده جواز وصية الميت بعباداته الواجبة كما سيجئ، سواء وصى بالاستئجار
# PageV05P428
# من ماله، أو عين أحد الأولياء أو متبرعا وقبلا.
# فحينئذ يرتفع وجوب استئجار الولي من ماله أيضا، فضلا عن إتيانه ببدنه،
~~فيتضح اندراج المسألة تحت عموم استئجار العبادات غاية الوضوح.
# والحاصل أن مباشرة الولي ببدنه وتعينه عليه خصوصا على القول بدخول النساء
~~في الولي، وخصوصا إذا فاتت العبادة من غير عذر، وخصوصا إذا كان الفائت ستين
~~سنة فصاعدا، إذا فعلهما على الوجه الغير الصحيح تهاونا، وخصوصا إذا قلنا
~~بالوجوب عن الأم أيضا وماتا جميعا، وخصوصا مع ضعف الولي يوجب العسر الشديد،
~~والحرج الأكيد، ولم أقف على من فرق بين هذه الصور.
# ثم إن الظاهر أنه يجوز استئجار أحد الوليين الآخر بقدر حصته كما يجوز
~~استئجارهما ثالثا.
# وأما استئجار أحدهما الآخر في المجموع فلا; لعدم جواز أخذ الأجرة على
~~العبادة الواجبة على المكلف، وكفاية تبرع أحدهما عن الآخر لا يستلزم جواز
~~استئجاره إياه كما لا يخفى.
# الرابع: قد أشرنا سابقا إلى الخلاف في كفاية فعل المتبرع عن الولي، ونقول
~~هنا:
# الإشكال في مسألة المتبرع أكثر منه في مسألة الاستئجار، ولذلك منعه
~~العلامة في المنتهى (1) وابن إدريس (2) وإن كان بإذن الولي، وقواه في
~~المدارك; تمسكا بأن الأصل عدم سقوط ما على المكلف بفعل الغير (3)، وتوقف في
~~التحرير في صورة الإذن بعد ما منع عنه في صورة عدمه ms1448 (4).
# والأقوى عندي هنا أيضا السقوط مطلقا; للأخبار الكثيرة الدالة على أن ما
~~فعله
# PageV05P429
# أحد للميت كان له وبمنزلة عمله (1)، لا على محض ثبوت ثوابه له، فإنها
~~ظاهرة في سقوط نفس العمل الواجب عليه عنه، وبعد سقوط الفعل وبراءة ذمة
~~الميت عنه لا يبقى معنى ظاهر لوجوبه على الولي.
# ومن جملة الأخبار: رواية عبد الله بن أبي يعفور المتقدمة وما في معناها،
~~وقد مرت.
# ومنها: الأخبار الكثيرة الدالة على أن فعل الأجنبي عنه أيضا يقوم مقام
~~فعله، نقلها الشهيد في الذكرى عن علي بن طاووس الحسيني - رحمه الله - في
~~رسالته (2)، مثل رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: حدثني
~~أخي موسى بن جعفر عليه السلام قال: " سألت أبي جعفر بن محمد عليه السلام عن
~~الرجل هل يصلح له أن يصلي أو يصوم عن بعض موتاه؟ فقال: نعم، فيصلي ما أحب،
~~ويجعل تلك للميت، فهو للميت إذا جعل ذلك له ".
# ورواية عمار بن موسى عن الصادق عليه السلام: وعن الرجل يكون عليه صلاة،
~~أو يكون عليه صوم، هل يجوز له أن يقضيه رجل غير عارف؟ قال: " لا يقضيه إلا
~~مسلم عارف ".
# ورواية عمر بن يزيد التي نقلها عن الفقيه عن الصادق عليه السلام: سأله
~~أيصلى عن الميت؟
# فقال: " نعم، حتى أنه ليكون في ضيق فيوسع عليه ذلك الضيق، ثم يؤتى فيقال
~~له:
# خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك ".
# ورواية حماد بن عثمان في كتابه قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " إن
~~الصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة وكل عمل صالح ينفع الميت، حتى أن
~~الميت يكون في ضيق فيوسع عليه، ويقال: هذا بعمل ابنك فلان، وبعمل أخيك
~~فلان، إخوة في الدين " وبمضمونها رواية عمر بن محمد بن يزيد.
# PageV05P430
# وبملاحظة الجمع بين الابن والأخ في الدين الشامل لعمل الولي ولعمل سائر
~~المؤمنين يظهر أن المراد في الحديث أعم من الصلاة الواجبة والمندوبة، وأن
~~نفع صلاة الابن وصلاة الأخ في الدين من باب واحد، فكما أن عمل الابن مسقط، ms1449
~~فكذلك الأخ في الدين. وهناك أخبار كثيرة أخر لا حاجة إلى ذكرها.
# تنبيهات:
# الأول: إن مات الولي قبل الإتيان بما يجب عليه، فهل يتعلق بذمة وليه أم
~~لا؟
# استشكله في المختلف (1)، وجعل الشهيدان الأقرب العدم (2); للأصل،
~~واقتصارا فيما خالفه على المتيقن، وهو نفس الولي، وهو أظهر.
# الثاني: لو أوصى بقضاء صلاته وبالاستئجار من ماله، أو أوصى بأن يفعله أحد
~~أوليائه بشخصه أو أجنبي وقبلاه، فالأقرب السقوط عن الولي بسبب عموم وجوب
~~العمل بالوصية، هكذا ذكره الشهيد - رحمه الله - في الذكرى (3).
# ولا ينافي قوله السابق من عدم جواز استئجار الولي من جهة تعلق التكليف
~~ببدنه; لأن غاية الأمر أن ما بقي في ذمة الميت بدون وصية حتى يموت يكون
~~واجبا على الولي، ولا نعلم لزومه في هذه الصورة.
# فإن قلت: النسبة بين أدلة الوصية ودليل اللزوم على الولي، عموم من وجه،
~~وترجيح الأول يقف على الدليل.
# قلنا: دليل الأول مقدم بحسب المقتضي على الثاني، فهو أحق بالتقديم.
# وقال الشهيد الثاني - رحمه الله - أيضا: لو أوصى على وجه يكون نافذا يسقط
~~عن الولي (4).
# PageV05P431
# أقول: الأظهر السقوط; لتقديم مقتضى الوصية، ولكن الإشكال فيما لو لم يعمل
~~الوصي بمقتضى الوصية، فهل يجب حينئذ على الولي أم لا؟ ظاهر كلام الشهيدين
~~حيث حكما بالسقوط عدم عود التكليف إليه، وهو مقتضى الدليل، والأحوط أن يأتي
~~به الولي حينئذ. والظاهر عدم الفرق في المسألة بين الصلاة والصوم; لوحدة
~~الدليل.
# الثالث: إن لم يكن للميت ولي، أو قلنا بعدم وجوب ما فات عن الميت بلا عذر
~~كما رجحناه، فإن أوصى بشئ مما يجب عليه من العبادات فيجب العمل بمقتضى
~~وصيته على حسبها من الأصل أو الثلث.
# وإن لم يوص، فقال في الذكرى: ظاهر المتأخرين من الأصحاب عدم وجوب الإخراج
~~من ماله; لأن الفرض لم يتعلق بغير بدنه، خرجنا في صورة الوصية عن مقتضاه
~~بالإجماع، وبقي غير صورة الوصية تحت الدليل (1).
# ثم قال: وبعض الأصحاب أوجب اخراجها كالحج، وصب الأخبار التي لأولي فيها
~~عليه، واحتج أيضا بخبر زرارة قال، ms1450 قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن أباك
~~قال لي: " من فر بها فعليه أن يؤديها ". قال: " صدق أبي، إن عليه أن يؤدي
~~ما وجب عليه، وما لم يجب عليه فلا شئ عليه " ثم قال: " أرأيت لو أن رجلا
~~أغمي عليه يوما ثم مات فذهبت صلاته، أكان عليه وقد مات أن يؤديها؟ " فقلت:
~~لا، قال: " إلا أن يكون قد أفاق من يومه " (2) فظاهره أنه يؤديها بعد موته،
~~وهو إنما يكون بوليه أو ماله، فحيث لأولي يحمل على المال، وهو شامل لحالة
~~الإيصاء وعدمه (3)، انتهى كلام الذكرى.
# ولعل مراده من الأخبار التي استدل بها بعض الأصحاب عليه رواية عبد الله
~~بن أبي يعفور المتقدمة وما في معناها، وفي دلالتها خفاء حيث إن ظاهرها بيان
~~الرخصة والجواز، لا وجوب القضاء مطلقا.
# PageV05P432
# وأما رواية زرارة فلا وضوح في دلالتها، بل بعض ألفاظها متشابهة مع قطع
~~النظر عن سندها، ولم أفهم المراد من لفظ " قربها " (1) ومرجع الغير المنصوب
~~فيها، فإن كان المرجع فيها الميت بتأويل الجنازة، والمراد من القريب الولي،
~~فلا دلالة فيها على ما نحن فيه.
# وفي بعض النسخ مكان قربها " كان تركها " ثم جعل بالحك والإصلاح قربها،
~~وعلى نسخة " تركها " لها مناسبة في الجملة بالمطلوب.
# ولعله نظر إلى ترك استفصال الإمام عن القريب فيشمل غير الولي، ولما لم
~~يجب على غير الولي فعلها بالإجماع، فلا بد أن ينزل على تحصيلها من مال
~~الميت.
# ويحتمل أن يكون أصل النسخة " فوتها " من التفويت، يعني فوت العبادات
~~والصلاة، فصحفت، وهو أنسب بمقصود المستدل.
# وعلى أي حال فالاعتماد على مثل هذه الأدلة في حكم مخالف للأصل لا وجه له،
~~سيما مع فتوى الأكثرين على خلافه، بل ليس في النظر قول إلا ما ذكره الشهيد
~~هنا، وما (2) نسبه في المسالك إلى أبي الصلاح أنه جعله كالحج (3).
# نعم في كلام بعض أصحابنا إشارة إليه في كتاب الوصايا، مثل المحقق - رحمه
~~الله - في النافع حيث قال: ولو أوصى بواجب وغيره أخرج الواجب من الأصل
~~والباقي من الثلث (4)، وكذا عبارة ms1451 الشرائع (5).
# ومقتضاه وجوب اخراج الواجب من الأصل مطلقا، ماليا كان مثل الزكاة، أو
~~مشوبا بالمال كالحج، أو بدنيا محضا كالصلاة والصوم، وهذا الإطلاق مشعر بأنه
~~لو لم يوص يخرج من الأصل كالزكاة والحج.
# PageV05P433
# إلا أن يقال: المراد من قوله " بواجب " الواجب الإخراج لاما هو واجب على
~~المكلف.
# ولذلك قال في الذكرى في هذا المقام: لو أوصى بفعلها من ماله فإن قلنا
~~بوجوبه لولا الإيصاء كان من الأصل كسائر الواجبات، وإن قلنا بعدمه فهو تبرع
~~يخرج من الثلث إلا أن يجيزه الوارث (1).
# وعلى كل حال فالمشهور أن الوصايا الواجبة البدنية تخرج من الثلث، وما
~~حسبه بعضهم أنه لا خلاف فيه غفلة كما عرفت.
# نعم قول المشهور أقوى، فيجب الإخراج من الثلث أي مع إجازة الوارث.
# نعم تقدم الواجبات على المتبرع بها وإن كانت مؤخرة في الذكر كما ذكره
~~جماعة من الأصحاب، ولم أقف على مصرح بخلافه إلا صاحب الكفاية، حيث أسند
~~الفتوى إلى بعض الأصحاب، وقال: إن حجته غير واضحة (2).
# ويمكن أن يكون نظر الجماعة إلى العلة المستفادة من حسنة معاوية بن عمار
~~لإبراهيم بن هاشم، رواها في التهذيب قال: أوصت إلي امرأة من أهلي بثلث
~~مالها، وأمرت أن يعتق ويحج ويتصدق، فلم يبلغ ذلك، فسألت أبا حنيفة عنها،
~~فقال:
# يجعل أثلاثا، ثلث في العتق، وثلث في الحج، وثلث في الصدقة، فدخلت على أبي
~~عبد الله عليه السلام، فقلت: إن امرأة من أهلي ماتت وأوصت إلي بثلث مالها،
~~وأمرت أن يعتق عنها ويتصدق ويحج عنها، فنظرت فيه فلم يبلغ، فقال: " ابدأ
~~بالحج، فإنه فريضة من فرائض الله عز وجل، ويجعل ما بقي طائفة في العتق
~~وطائفة في التصدق " فأخبرت أبا حنيفة بقول أبي عبد الله عليه السلام فرجع
~~عن قوله وقال بقول أبي عبد الله عليه السلام (3).
# PageV05P434
# وتؤدي مؤداها حسنته الأخرى، رواها أيضا قبيل ذلك (1).
# وأيضا لا يخفى أن الواجب أولى بالإتيان به.
# ولعل تقديم الموصي غيره بالذكر يكون منهيا عنه; إذ لعله يصير موجبا
~~لتفويت الواجب، فلا يكون معتبرا في ms1452 نظر الشارع، ولا ينافي ذلك بقاء لزوم
~~أصل العمل لو وفى الثلث به بحاله، فليتأمل (2).
# الرابع: لو كانت ذمة الولي مشغولة بصلاة القضاء لنفسه أو باستئجار آخر أو
~~غير ذلك لا يصير منشأ للسقوط عنه، ويجب عليه إتيانهما جميعا.
# وقال في الذكرى: والأقرب الترتيب بينهما، عملا بظاهر الأخبار وفحاويها،
~~نعم لو فاتته صلاة بعد التحمل أمكن القول بوجوب تقديمها; لأن زمان قضائها
~~مستثنى كزمان أدائها، وأمكن تقديم المتحمل لسبق سببه (3).
# أقول: مراعاة الترتيب كما ذكره وإن كان أحوط، ولكن لم يظهر عندي إلى الآن
~~دليل على وجوبه في أمثال ذلك.
# نعم الذي يظهر من الأخبار والأدلة هو وجوب الترتيب (فيما جعله الله
~~مرتبا، كالترتيب) (4) بين الظهرين ليوم واحد، والعشاءين لليلة واحدة، لا
~~مطلق الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فضلا عن غيرهما.
# PageV05P435
# وأما تقدم الفجر مثلا على الظهرين والظهرين على العشاءين واليوم الماضي
~~على المستقبل، فإنما هو من باب الاتفاق بتبعية الأوقات، لا بجعل الشارع.
# المبحث الثالث: فيمن يجب له القضاء.
# هل يختص ذلك بالرجل، أو يجب للمرأة أيضا؟ فيه خلاف، ظاهر إطلاق الأصحاب
~~كما ذكره بعضهم العموم، وإن كان يظهر من الذكرى أن ظاهر الأصحاب الاختصاص
~~بالرجل (1)، كما يظهر من مسألة الحبوة.
# وصريح الشيخ في النهاية والمبسوط (2) وابن البراج (3) والعلامة في
~~المختلف (4) وأسنده فيه إلى جماعة، والشهيد في الدروس واللمعة (5) لزوم
~~القضاء عنها.
# ومال إليه في الذكرى، قال: وكلام المحقق يؤذن بالقضاء عن المرأة، ولا بأس
~~به (6).
# ولعله أراد قوله في المعتبر، حيث قال بعد نقله عن الشيخ: إن كل صوم كان
~~واجبا على المريض بأحد الأسباب الموجبة، فمات وكان متمكنا من قضائه، فإنه
~~يتصدق عنه أو يصام عنه: وما ذكره - رحمه الله - صواب، وعليه دل ظاهر
~~الروايات.
# وقال أيضا: وحكم المرأة في ذلك حكم الرجل، وما يفوتها من أيام حيضها وجب
~~القضاء عليها، فإن لم تقض وماتت وجب على وليها القضاء عنها إذا فرطت فيه،
~~أو يتصدق عنها على ما بيناه (7)، انتهى.
# PageV05P436
# وهو مؤذن بموافقته له - ولكنه في الشرائع والنافع ms1453 متردد (1) - كظاهر
~~العلامة في التحرير (2)، واستشكل في القواعد (3).
# وأما القول بالعدم فهو مختار ابن إدريس (4) وفخر المحققين (5).
# والأول أظهر; لأن الغالب اشتراك الرجال والنساء في الحكم، وذكر الرجل في
~~الأخبار من باب المثال لا التخصيص كما أشار إليه في الذكرى، ويدل عليه خصوص
~~الأخبار، مثل صحيحة أبي حمزة (6) وموثقة محمد بن مسلم (7) المتقدمتين.
# فإن قلت: غاية ما ثبت منها المشروعية والجواز لا الوجوب.
# قلت: يمكن أن يقال: قرائن المقام ومعهودية القضاء في الواجب وفهم الأصحاب
~~واستدلالهم يرجح إرادة الوجوب.
# فإن قلت: إن هذا ينافي ما ذكرته سابقا من حمل تلك الأخبار في المسافر على
~~الاستحباب في صورة عدم التمكن إلى أن مات.
# قلت: صورة الدلالتين مختلفة، فإنها تدل من باب التنبيه على وجوب القضاء
~~على الولي مع التمكن خصوصا في السفر بانضمام القرائن السابقة، وتدل على
~~استحباب قضاء صلاة المسافر مع عدم التمكن بظاهرها، فلا منافاة.
# سلمنا، لكن عمومات الأخبار كافية في ذلك.
# وقال بعض المتأخرين: إني لم أقف على عموم وإطلاق في الأخبار يشملها، بل
# PageV05P437
# بعضها صريح في حكم المرأة كصحيحة أبي حمزة، لكن دلالتها غير واضحة،
~~وبعضها صريحة في الرجل (1).
# ويظهر الجواب عنه مما مر.
# وأما العمومات التي ذكرناها فهي كثيرة، منها ما رواه في المعتبر، عن
~~عروة، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من مات وعليه صيام
~~صام عنه وليه " (2).
# ومن طريق الخاصة الأخبار التي قدمناها سابقا، ومن جملتها رواية عبد الله
~~بن سنان التي نقلها في الذكرى عن ابن طاووس - رحمه الله - وحكم بصحتها، عن
~~الصادق عليه السلام، قال: " الصلاة التي حصل وقتها قبل أن يموت الميت يقضي
~~عنه أولى الناس به " (3).
# ورواية زرارة المتقدمة آنفا.
# وكذلك رواية عبد الله بن أبي يعفور المتقدمة وما في معناها، وإن كان يمكن
~~فيها القدح من جهة أنها لبيان الجواز لا الوجوب.
# وعلى أي حال فلما لم يكن في جانب المنع شئ إلا الأصل، وهو لا يقاوم إطلاق
~~صحيحة عبد الله بن سنان فقط، فضلا ms1454 عما إذا ضم إليها غيرها، فيترجح القول
~~بالوجوب.
# واستدل عليه في المختلف أيضا بصحيحة أبي بصير المتقدمة في مسألة من فاته
~~شهر رمضان لمرض من وجوه:
# الأول: سؤاله عليه السلام: " هل برأت من مرضها؟ " قال: لا، فأجابه بسقوط
~~القضاء، ولولا أن البرء يوجب القضاء لما صح هذا السؤال.
# PageV05P438
# والثاني: تعليله عليه السلام عدم القضاء عنها بعدم إيجابه عليها، وعند
~~انتفاء العلة ينتفي المعلول، فيجب القضاء عنها عند الإيجاب.
# الثالث: تعليل تعجبه عليه السلام في قوله: " كيف يقضي شيئا لم يجعله الله
~~عليها؟! " بانتفاء الإيجاب، فيجب أن يكون مع الايجاب يجب القضاء (1)، هذا
~~كلامه - رحمه الله - وفيه نظر يظهر للمتأمل.
# ويؤيد ما اخترناه، بل يدل عليه: الأمر الشديد والاهتمام الوكيد في بر
~~الوالدين، حتى الكافر والمخالف منهما، حتى أنه تعالى رخص في ترك الجهاد
~~لإيناسهما، وفي خصوص الأم، سيما ما ورد في تقديمها على الأب.
# فمنها ما رواه الكليني في الحسن - لإبراهيم بن هاشم - عن هشام بن سالم،
~~عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله
~~وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله، من أبر؟
# قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال:
# أباك " (2).
# فهذا الحديث يدل على تقديم الوالدة على الوالد في البر، فإذا وجب البر
~~للوالد بقضاء ما وجب عليه، فالوالدة أولى.
# وروى فيه أيضا، عن معلى بن خنيس، عنه، قال: " جاء رجل وسأل النبي صلى
~~الله عليه وآله عن بر الوالدين، فقال: أبرر أمك، أبرر أمك، أبرر أمك، أبرر
~~أباك، أبرر أباك، وبدأ بالأم قبل الأب " (3) إلى غير ذلك من الأخبار الدالة
~~على تقديم الأم، سيما مع ملاحظة شفقتها عليه، وكثرة عنائها في تربيته حال
~~الحمل والوضع والرضاع والفطام مما لا يخفى على ذي بصيرة.
# وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إن العبد ليكون بارا
~~بوالديه في
# PageV05P439
# حياتهما ثم يموتان، فلا يقضي عنهما دينهما، ولا يستغفر لهما، فيكتبه ms1455 الله
~~عز وجل عاقا، وإنه ليكون عاقا لهما في حياتهما غير بار بهما، فإذا ماتا قضى
~~دينهما واستغفر لهما، فيكتبه الله عز وجل بارا " (1) وقد مر أن في أخبار
~~كثيرة إطلاق الدين على الصلاة، فالدلالة فيها من وجهين، وبالجملة ظني أن
~~المسألة واضحة والحمد لله.
# المبحث الرابع: اختلفوا في وجوب القضاء عن العبد، استشكله في القواعد،
~~وتردد فيه في البيان، وقربه في الدروس، وجعله أقرب في الذكرى، وصرح باللزوم
~~في اللمعة، وجعله الشهيد الثاني - رحمه الله - في شرحها أقوى (2)، وكذا
~~الفاضل الإصفهاني في شرحه، وتشمله عبارة كل من أطلق الوجوب عن الميت
~~بإطلاقها.
# وذهب فخر المحققين إلى العدم، قال في الإيضاح: ومنشأ الإشكال عموم قولهم
~~عليه السلام: " فعلى وليه أن يقضي عنه " واعترض بقولهم عليهم السلام في
~~تمام الخبر: " فإن لم يكن له ولي تصدق عنه من تركته " دل بالمفهوم على
~~الحرية، فهذه المسألة ترجع إلى أن الضمير إذا رجع إلى البعض هل يقتضي
~~التخصيص أم لا؟ فقد حقق ذلك في الأصول، والحق عندي عدم القضاء لما تقدم
~~(3).
# قال الفاضل الإصفهاني بعد نقل كلامه: ونحن لم نظفر بخبر فيه ذلك، وإنما
~~الخبر الذي تعرض للتصدق خبر أبي مريم، وليس فيه ذكر الصوم إلا بعد التصدق
~~في إحدى طريقيه كما عرفت، ولفظه كما سمعت: " وإن صح ثم مرض حتى يموت وكان
~~له مال تصدق عنه " ولا نفهم من هذه العبارة ما ذكره.
# أقول: وظني أن نظر فخر المحققين - رحمه الله - إلى رواية أبي مريم على ما
~~نقلناها عن الصدوق، وتأخر ذكر الصوم عن التصدق لا يضر بمقصده; إذ مراده أن
~~لفظ الرجل
# PageV05P440
# في أول الرواية عام، وضمير " وكان له مال " الراجع إلى الرجل يفيد أن
~~المراد بالرجل الحر; لأن العبد لا مال له، وضمير " صام عنه وليه " بعد ذلك
~~أيضا راجع إلى الرجل المذكور المخصص بالضمير السابق، فمراده من تمام الخبر
~~جملة الخبر لا آخره، وتفريعه صحيح.
# وحاصل مراده: أن عمومات الأخبار، وإن كانت شاملة للعبد ولكن هذه الرواية
~~مخصصة لها ms1456 بناءا على اختياره في الأصول أن الضمير مخصص للعام، فجعل هذه
~~الرواية مخصصة بالحر من جهة تلك القاعدة، ثم خصص بها العمومات والإطلاقات،
~~واختار عدم الوجوب.
# والذي يترجح في نفسي هو وجوب القضاء; لإطلاقات الأخبار، مثل رواية عبد
~~الله بن سنان، ومرسلة ابن أبي عمير اللتين نقلناهما عن الذكرى، ومرسلة ابن
~~بكير وغيرها (1).
# والمناقشة فيها بأن المراد بالولي الأولى بالميراث ضعيف، غاية الأمر أن
~~الأولوية بالميراث أحد علامات الأولوية، ولا يلزم منه عدم تحقق الأولوية
~~إذا لم يكن هناك ميراث.
# ومنه يظهر ضعف ما يقال: إن الحبوة لا تتحقق في العبد; لأنه لا دليل على
~~أن القضاء إنما هو في عوض الحبوة.
# وما ذكره فخر المحققين - رحمه الله - فجوابه أن الضمير ليس بمخصص للمرجع
~~كما حققناه في الأصول.
# سلمنا، لكنه ليس من فروع هذا الأصل; إذ اللام في الرجل إن كانت للعهد
~~الخارجي، فلا معنى للعموم بالنظر إلى الحرية والرقية، وإن كانت للعهد
~~الذهني، فيكون من باب الترديد والتفصيل في محتملاته، بأنه إن كان له مال
~~بأن يكون حرا ذا مال
# PageV05P441
# فيتصدق من ماله، وإن لم يكن له مال بأن كان عبدا أو حرا بلا مال فيقضي
~~عنه وليه.
# نعم لو قال عليه السلام: " وإن صح ثم مات تصدق من ماله، وإن لم يكن له
~~مال صام عنه وليه " لكان لما ذكره وجه.
# سلمنا، لكن التنافي بين العام والخاص شرط في التخصيص، وهو منتف هنا.
# سلمنا، لكن التخصيص موقوف على مقاومة الخاص للعام، وهو ممنوع.
# واعلم أني لم أقف في كلماتهم على تصريح بحكم الأمة، والظاهر أن حكمها حكم
~~الحرة، ووجهه يظهر مما ذكرنا في العبد.
# والكلام في تعيين الولي في العبد والأمة هو الكلام في الحر من تقديم
~~الولد الذكر الأكبر وغيره.
# المبحث الخامس: المشهور كما في المختلف والدروس والروضة وجوب القضاء على
~~الولي مع وجوده، والتصدق عنه من صلب ماله مع عدمه (1)، ونقل الفاضل
~~الإصفهاني هذا القول عن الشيخ (2) وابن حمزة (3) والعلامة (4) وجماعة،
~~وقال: إن الشيخ وابن حمزة ms1457 لم يصرحا بصلب المال، وفي المختلف نقل عن الشيخ
~~أنه من أصل المال (5).
# وذكر في المختلف في مقابل قول المشهور قول السيد المرتضى - رحمه الله -
~~في وجوب التصدق من صلب المال، وإن لم يكن مال فيصوم الولي (6).
# والقول بمنع التصدق رأسا قول ابن إدريس، وقال: لم يذهب إليه محقق من
# PageV05P442
# الأصحاب سوى السيد رحمه الله (1).
# وطعن عليه المحقق كما نقلنا عنه سابقا (2)، ويظهر من المحقق التوقف في
~~المسألة.
# والعمدة بيان الدليل، والظاهر أن دليل المشهور هو رواية أبي مريم (3)،
~~وقد عرفت أنها على ما رواه في الفقيه والكافي إنما تناسب مذهب السيد، ولا
~~تناسب المشهور.
# وأما على ما نقلناها عن الشيخ فليس فيها حكاية الصوم، وهي وإن كانت يمكن
~~تقييدها بصورة فقد الولي، لكنه لا يلائم قوله عليه السلام في نفس الرواية:
~~" تصدق عنه وليه " إلا أن يقال: إن المراد من الولي هنا من لا يجب عليه
~~القضاء.
# نعم ما نقل عن ابن أبي عقيل " أنه قال: وقد روي أنه من مات وعليه صوم
~~رمضان تصدق عنه عن كل يوم بمد من طعام، بهذا تواترت الأخبار عنهم عليهم
~~السلام " (4) لا يخلو عن المناسبة; لعدم ذكر الولي فيه، لكنه مخالف المشهور
~~من تقديم القضاء على التصدق.
# والاعتماد على الاجماع الذي نقلناه سابقا عن الانتصار أيضا مشكل; لما
~~بينا سابقا أن مراده من دعوى الاجماع إنما هو في القضاء ردا على المخالفين،
~~لا التصدق، مع أن فتواه تقديم التصدق على القضاء، فلا ينفع المشهور.
# لكن لا يبعد أن يقال: ملاحظة مجموع هذه الروايات بضميمة الشهرة بين
~~الأصحاب وملاحظة الجمع بين الأخبار يفيد البناء على لزوم الصدقة عند فقد
~~الولي; لأنه ليس في مقابل دعوى تواتر ابن أبي عقيل، وخصوص روايات أبي مريم
~~وملاحظة كلام السيد وكلام المحقق في رد قول ابن إدريس في مقابل إثبات مطلق
~~التصدق شئ إلا انكار ابن إدريس، فالظاهر أن ثبوت التصدق إجمالا مما لا
~~اشكال فيه.
# PageV05P443
# ثم وفور الأخبار وعمل المشهور على تقديم القضاء عليه يجعل هذا ms1458 المجمل في
~~معرض المبين، وطريق الجمع إنما هو بجعل التصدق عقيب القضاء.
# ومن ذلك يظهر وجه آخر للجمع، وهو التخيير بين التقديم والتأخير، ولكن لم
~~نقف على مصرح به; إذ التخيير الذي نقلناه سابقا عن الشيخ إنما هو ما بين
~~أصل الصوم والصدقة، لا التقديم والتأخير.
# وعلى كل حال فالأقوى قول المشهور من وجوب تقديم القضاء على الصدقة.
# بقي هنا إشكال آخر: وهو أنه هل يجب تقديم الاستئجار من ماله مع الإمكان
~~ويتصدق مع عدمه، أو يجب التصدق أولا؟ فعن المشهور عدم الوجوب، وعن أبي
~~الصلاح الوجوب (1)، وقد مر الكلام، وأن الأقوى العدم.
# وقياسه بالحج باطل، سيما مع وجود الفارق; لوجوب الصوم على الولي دون
~~الحج.
# وأما كون الصدقة من أصل المال فالظاهر عدم الإشكال فيه كما هو ظاهر رواية
~~أبي مريم.
# وأما مقدار التصدق، فهو " مد " على المشهور، كما يظهر من الروضة (2)، وهو
~~أقوى; لرواية أبي مريم، وما رواه ابن أبي عقيل، وكلام السيد في الانتصار.
# ونقل في المختلف عن الشيخ القول بمدين عن كل يوم، فإن عجز فمد (3)، وهو
~~المنقول عن ابن حمزة (4)، ودليله غير واضح.
# ثم إن هذا الكلام إذا لم يوص بالقضاء من ماله وصية نافذة، وإن أوصى فيسقط
~~التصدق، كما صرح به في الروضة (5).
# PageV05P444
# المبحث السادس: لو كان عليه صوم شهرين متتابعين، يصوم الولي عن شهر،
~~ويتصدق من تركته عن شهر آخر، على المشهور كما في الروضة (1)، وعلى ظاهر
~~المذهب كما في الدروس (2).
# وخالفهم ابن إدريس وقال بوجوب القضاء، إلا أن تكون كفارة مخيرة، فيتخير
~~بين القضاء والصدقة (3)، وقواه في المسالك والروضة (4)، وكذا العلامة في
~~المختلف (5). وربما نقل ذلك عن ظاهر المفيد (6)، ونقله صاحب المدارك عن
~~جماعة وارتضاه أيضا (7).
# ومستند المشهور: رواية الوشاء، عن الرضا عليه السلام، قال: سمعته يقول: "
~~إذا مات رجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علة، فعليه أن يتصدق عن الشهر
~~الأول، ويقضي الثاني " (8).
# ومستند القول الآخر: عموم ما دل على وجوب قضاء الولي عن الميت، والعلة
~~المستفادة من مثل صحيحة أبي ms1459 بصير (9) ومرسلة ابن بكير (10) وغيرهما
~~المتقدمات، فإن المستفاد منها أن علة وجوب القضاء هو وجوبها على الميت.
# وقدحوا في رواية الوشاء بسهل، والأمر فيه سهل (11); خصوصا مع عمل
# PageV05P445
# المشهور، ولكن في دلالتها إشكالات:
# أحدها: احتمال إرادة رمضانين متعاقبين لم يرتفع المرض بينهما، كما تشعر
~~به كلمة " من علة " وجعل الصدقة للشهر الأول ولم يذكر الولي في الرواية،
~~فلعل الضمير المجرور راجع إلى الميت، يعني: يجب على الميت أن يتصدق ويقضي،
~~ولما لم يكن ذلك، فيكون المراد التصدق من ماله عن شهر والاستئجار من ماله
~~عن شهر آخر مجازا.
# والثاني: أن القائلين بهذا القول منهم من جعله من باب الرخصة، كالعلامة
~~في المنتهى والتحرير (1)، وهو ظاهر اللمعة (2)، واحتمل في المسالك العزيمة
~~كما هو ظاهر الرواية (3).
# والثالث: أن من يحضرني كلامه من القائلين بالرواية أطلقوا الحكم ولم
~~يعينوا قضاء الشهر الثاني إلا الشهيد في الدروس، فطابقت فتواه الرواية (4).
# إلا أن يقال: إن المطلقين سامحوا في التأدية، ومرادهم أيضا مضمون الرواية
~~وإن بعد.
# والرابع: أنه ليس فيها أن التصدق من مال الميت أو من مال الولي، واختلفت
~~فتاويهم فيه، فالفاضلان (5) والشهيدان في الدروس والروضة (6) صرحوا بأنه من
~~مال الميت.
# والمسألة لا تخلو عن إشكال، ولكن في ظاهر رواية أبي مريم المتقدمة إشعار
~~بأنه من مال الميت (7)، وهو قضية أصالة براءة ذمة الولي.
# PageV05P446
# ويؤيده أنه دين في ذمة الميت، وأن هذا عوض صوم وجب عليه.
# ويؤيد القول الآخر: أن الصوم إنما يجب على الولي، وإذا أرجعنا الضمير
~~المجرور إليه فيتبادر منه أنه من مال الولي، ولعل الأول أقوى، وسيجئ إشكال
~~آخر.
# وعلى كل حال فقول ابن إدريس لا يخلو من قوة، ولا يبعد ترجيحه.
# واعلم أنه لا فرق على المشهور بين كون وجوب صوم الشهرين عينيا، كالمنذور
~~وكفارة الظهار إذا تعين عليه في حياته لعجزه عن العتق، أو تخييريا، ككفارة
~~شهر رمضان على الأقوى; إذ التخيير ينتقل إلى الولي بعد فوته كما في المسالك
~~(1); لإطلاق النص والفتوى، فيجوز إذا اختار الولي من بين كفارات ms1460 شهر رمضان
~~صيام شهرين أن يتصدق عوض شهر منهما.
# نعم هو مخير في أول الأمر بين صيام الشهرين وعتق الرقبة من أصل مال الميت
~~وإطعام ستين مسكينا كذلك، كما صرح به في التحرير وغيره (2).
# ولكن يشكل المقام من جهة ظهور كلمة " عليه " في الواجب العيني، وإرادة
~~المعنيين معا غير جائز على التحقيق، والقدر المشترك مجاز لا يصار إليه إلا
~~بدليل، فهذا هو الإشكال الذي وعدنا به.
# واعلم أن مقدار الصدقة هو الذي كان على نفس المكلف من مد أو مدين على
~~الخلاف، كما صرح به العلامة في التحرير (3).
# ثم لو كان على الميت أزيد من شهرين متتابعين، فهل يجري فيه هذا الحكم؟
~~فيه إشكال، قال في الروضة: ولا يتعدى إلى غير الشهرين; وقوفا مع النص لو
~~عمل به، وكذلك في المسالك (4)، وهو جيد.
# PageV05P447
# تنبيه:
# قد يتوهم مما نقلنا عن ابن إدريس والمسالك أن المكلف بالصوم في الكفارة
~~المخيرة إنما هو الولي، لكن على سبيل الواجب التخييري، فلو اختار الصوم
~~فيأتي بالشهرين معا على قول ابن إدريس، ويصوم أحدهما ويتصدق عن الآخر على
~~المشهور، ولا دليل على ذلك; إذ ما ثبت من الأدلة تعلقه بالولي هو الصوم
~~والصلاة الواجبان عينا، وأما أداء سائر ما عليه فالكل فيه سواء كالدين.
# ولا دلالة في الأدلة على حكم الصيام المخير بينه وبين غيره، فينبغي أن
~~يكون المراد من تخيير الولي هنا أن له أن يأبى عن الصيام لأجل قيام غيره
~~مقامه، وحينئذ فكل الورثة سواء في ذلك، ومقتضاه: إما العتق من ماله، أو
~~الإطعام من ماله، أو الاستئجار.
# ومراد ابن إدريس: أنه لو بنى على الصوم فليس لهم أن يبدلوا أحد الشهرين
~~بالصدقة، لا أنه لو بنى على الصيام يجب ذلك على الولي، أعني الذكر الأكبر.
# وقال في السرائر: إن هذين الشهرين إن كانا نذرا وقدر على الإتيان بهما
~~فلم يفعل فالواجب على وليه - وهو أكبر أولاده الذكور - الصيام للشهرين،
~~ويكون تكليفه ذلك لا يجزيه غيره، وإن كان عليه كفارة مخير فيها، فإنه مخير ms1461
~~في أن يصوم شهرين أو يكفر من ماله قبل قسمة تركته - أعني الولي - ولا يتعين
~~عليه الصيام، ولا يجزيه إلا أن يفعل من الكفارة جنسا واحدا أو صياما أو
~~إطعاما، هذا إذا كانت الكفارة مخيرا فيها، فليتأمل ما قلنا في فقه المسألة
~~(1)، انتهى.
# وليس مراده من فقه المسألة هنا إلا الرد على الشيخ وأتباعه حيث جوزوا
~~الصدقة عن شهر.
# PageV05P448
# وحاصل مراده: عدم تشريك الصدقة بالصيام، سواء كان الصيام متعينا على
~~الولي، أو كان الوراث مخيرين في إبراء ذمة متوفيهم بالصيام والعتق
~~والإطعام، سواء باشر الصيام الولد الذكر أو غيره،، وإنما نسب التخيير إليه
~~خاصة دفعا لما قد يتوهم من وجوب ذلك الصوم أيضا عليه كالمتعين، فالمراد من
~~تخييره أن له الإباء عنه.
# ويوضحه ما ذكره بعد ذلك بورقات حيث قال: ومن مات وعليه شئ من ضروب الصيام
~~لم يؤده مع تعين فرضه عليه وتفريطه فعلى وليه القضاء عنه، وإن لم يتعين ذلك
~~عليه لم يتعين الصوم على وليه، ولا يجب على الولي الصيام، وقدمنا طرفا من
~~ذلك فيما تقدم، وكذلك صيام الشهرين المتتابعين (1).
# فعلى ذلك فلا وجه لما ذكره الجماعة في جريان الحكم المذكور في الواجب
~~المخير; لعدم الدليل، وقد ذكرنا أن الرواية ظاهرة في المتعين; لمكان كلمة
~~عليه.
# فحاصل المختار في المسألة وجوب الشهرين على الولي مع التعين، وعدم بدلية
~~الصدقة عن أحدهما.
# وأما في المخيرة فلا يتعين على الولي بخصوصه شئ، ولكن يلزم اخراج إحدى
~~الخصال من ماله، ولو اختير الصيام فلا يبدل عن أحد الشهرين بالصدقة أيضا،
~~سواء باشره الولي، أو استؤجر عنه، أو تبرع به.
# ثم مع ذلك كله فالمسألة لا تصفو عن شوب الإشكال; لعدم ظهور الواجب
~~التخييري من الأدلة الدالة على وجوب العبادات على الولي، وكذا ما دل على
~~وجوب أداء ما عليه من الحقوق من ماله أيضا لا ينصرف إلا إلى المالي المحض،
~~لا المخير بينه وبين العبادة.
# ولكن يظهر منهم الاجماع على أن كل واحد من الخصال من مبرءات ذمة الميت من ms1462
~~التكليف، وأنه لم يسقط التكليف بجميعها بسبب الموت; لاتفاق كلمة الكل على
~~ذلك.
# PageV05P449
# فحينئذ نقول: أما الوارث منحصر في الولي، فهو مخير بين كل واحد منها مع
~~التمكن من كل منها، وفي صورة اختياره الصوم يجئ الخلاف المذكور، فالمشهور
~~يجوزون تبديل أحد الشهرين بالصدقة، وابن إدريس لا يجوز.
# وكذا لو كان معه وارث آخر ولم يزاحمه في اختياره وإن كان بسبب صغره، بل
~~لا معنى للمزاحمة; إذ غاية الأمر كونه متبرعا.
# نعم يمكن جريان المزاحمة على القول المشهور بفرض أن يكون تبديل أحد
~~الشهرين بالصدقة من مال الميت أشق عليهم من عتق عبد موجود عندهم لا يسوى
~~ثمنه الصدقة المذكورة.
# فلا بد من فرض المسألة على المشهور في صورة عدم المزاحمة، وكلامهم لا
~~يأبى عن ذلك، وكذلك كلام ابن إدريس.
# هذا كله على فرض وجود الولي، سواء كان منفردا أو معه غيره.
# وأما لو فرض عدم الولي، وانحصر الوارث في غيره، فيمكن المناقشة في دعوى
~~الاجماع السابق; لأن كلماتهم متطابقة في ذكر الولي، فلا بد من الرجوع إلى
~~القواعد.
# فمقتضى استصحاب اشتغال ذمة الميت بإحدى الخصال، وتعلق الحق المالي بذمته
~~في الجملة لزوم الإتيان بأحدها; إذ الأصل عدم انتقال المال إلى الوارث إلا
~~فيما ثبت، وثبوت قضاء العبادة عند فقد الولي وعدم لزوم الاستئجار كما مر لم
~~يقم دليل عليه إلا في صورة تعين العبادة عليه، وهو خلاف المفروض; إذ هنا
~~الأمر مردد بين العبادة وصرف المال، فالمتولي لأداء ديون الميت - كالوصي أو
~~الحاكم أو من يقوم مقامه - يلزمه الأخذ بإحدى الثلاثة، وفي صورة التزامه
~~الصيام يجئ فيه الخلاف المذكور أيضا.
# على أنا نقول: يمكن دعوى الاجماع على تعلق الحق المذكور بماله بعد الموت
~~في الجملة أيضا. PageV05P450
# وذكرهم الولي هنا مبني على الغالب، أو المراد هنا من الولي المباشر
~~للأمر، فمحل النزاع في هذه المسألة حكم جواز تبديل أحد الشهرين بالصدقة لو
~~بنى على الصيام على أي وجه يكون، والمختار قول ابن إدريس.
# ثم إن هذا الكلام إذا بقي الواجب ms1463 التخييري متمكنا من أفراده إلى زمان
~~الموت، وإذا تعين أحدها قبل الموت، فإن كان هو العبادة فهو على الولي إن
~~كان ولي، وإلا فيسقط إن لم يتبرع بها متبرع.
# وإن كان مالا فيؤدى من ماله، وليس على الولي العبادة، ولا على غيره إلا
~~أن يتبرع بها.
# وإن بقي المخير فيها متمكنا منها على حاله إلى زمان الموت، وانحصر الأمر
~~بعد الموت، مثل أن يتلف المال قبل وصوله إلى يد الوارث، فلا تلزم العبادة
~~على الولي ولا على غيره.
# ولو مات الولي قبل التمكن من العبادة أو فعلها فتتعين إحدى الماليتين،
~~ولم أقف في كلماتهم على تفصيل هذه المسائل، والاحتياط في الكل طريق النجاة.
# الثامن: يجوز لقاضي شهر رمضان الإفطار قبل الزوال بلا عذر، إن لم يتضيق
~~برمضان الآتي، أو بظن الموت قبل أن يفعله بعد ذلك.
# ويحرم بعد الزوال بلا عذر، وتجب عليه الكفارة لو أفطر.
# وأما غيره فيجوز الإفطار في غير المعين مطلقا، وكذا في قضاء غير المعين
~~مطلقا.
# فههنا مسائل:
# الأولى: جواز الإفطار قبل الزوال لقاضي شهر رمضان هو المشهور بين
~~علمائنا، وحكي عن العلامة في المدنيات الأولى الاجماع عليه.
# ويدل عليه بعد الأصل والإجماع المنقول الأخبار المستفيضة، كصحيحة عبد
~~الله بن سنان - رواها الشيخ في باب نية الصائم - عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال: " من أصبح وهو PageV05P451
# يريد الصيام ثم بدا له أن يفطر، فله أن يفطر ما بينه وبين نصف النهار، ثم
~~يقضي ذلك اليوم " (1) الحديث.
# ويظهر من ملاحظة سائر أخبار الباب أنه من قضاء شهر رمضان، مع أن الإطلاق
~~يكفي.
# وروى في باب قضاء شهر رمضان عنه عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " صوم
~~النافلة لك أن تفطر ما بينك وبين الليل متى شئت، وصوم قضاء الفريضة لك أن
~~تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر " (2) ووصفه الفاضل
~~الإصفهاني بعد العلامة في المختلف بالصحة (3)، وقال في المدارك: وليس ببعيد
~~(4).
# ولعل وجه التأمل هو وقوع عبيد بن الحسين في السند، ms1464 وهو مجهول، والظاهر
~~أنه عبيد بن الحسن، وليس عندي إلا نسخة واحدة من التهذيب، ولعل في نسختهم
~~كان الحسن، وهو ثقة كما صرح به النجاشي (5) والعلامة (6).
# وأما التأمل من جهة البرقي فلا وجه له; لكونه ثقة، وكذلك ابنه أحمد.
# وصحيحة جميل بن دراج - على أن يكون الراوي عنه النضر بن سويد كما في
~~نسختي من التهذيب، وفي بعض النسخ النضر بن شعيب، وهو مجهول، وصححها في
~~المدارك (7)، ولعل نسخته أيضا كانت كنسختي - عن أبي عبد الله عليه السلام
~~أنه قال: " في الذي يقضي شهر رمضان بالخيار إلى زوال الشمس وإن كان تطوعا
~~فإنه إلى الليل بالخيار " (8) إلى غير ذلك من الأخبار، وسيجئ بعضها.
# PageV05P452
# وعن أبي الصلاح (1) وابن زهرة (2) - مدعيا عليه الاجماع - حرمة الإفطار
~~قبل الزوال، وهو المحكي عن ظاهر ابن أبي عقيل (3).
# وربما يستدل لهم بما رواه الشيخ في باب نية الصائم في الصحيح، عن عبد
~~الرحمن بن الحجاج، قال: سألته عن الرجل يقضي رمضان، أله أن يفطر بعد ما
~~يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ فقال: " إذا كان نوى ذلك من الليل، وكان من
~~قضاء رمضان، فلا يفطر ويتم صومه " (4).
# وبما رواه في الموثق في باب قضاء شهر رمضان، عن زرارة، قال: سألت أبا
~~جعفر عليه السلام عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء، قال: " عليه
~~من الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان، ذلك اليوم عند الله من أيام
~~رمضان " (5).
# ويرد على الأول: مضافا إلى الإضمار وإن كان الأظهر جواز العمل; أنها لا
~~تقاوم ما ذكرنا من الأدلة، فتحمل على الكراهة.
# مع أنه يمكن منع دلالتها; إذ لعل المراد أن تجدد العزم على الإفطار وحصول
~~البداء لا يصير منشأ للبطلان، فيجوز له أن يتم، كما أن تجدد العزم على
~~الصيام قبل الزوال يكفي في صحة الصوم إذا لم يسبقه مفطر.
# وتشهد بذلك تتمة الرواية، قال: وسألته عن الرجل يبدو له بعد ما يصبح
~~ويرتفع النهار، أيصوم ذلك اليوم ويقضيه من رمضان وإن لم يكن نوى ms1465 ذلك من
~~الليل؟ قال:
# " نعم يصومه ويعتد به إذا لم يحدث شيئا ".
# وعلى الثانية: مضافا إلى عدم المقاومة لأدلة المختار; أنها تحمل على ما
~~بعد الزوال، كما هو مقتضى رواية العجلي الآتية، قال الشيخ: هذا الخبر ورد
~~نادرا، وحمله على
# PageV05P453
# ما بعد الزوال مع الاستخفاف والتهاون، ويظهر منه جوازه بدون ذلك.
# واستدل لهم في المختلف (1) بقوله: تعالى: * (لا تبطلوا أعمالكم) * (2)
~~وبأنه بدل عن رمضان، فيجب إتمامه كالمبدل; إذ لولاه لكان إتمامه مستحبا،
~~فلم يجز عن الواجب.
# يرد على الأول: منع الدلالة، لا لما ذكره في المختلف " من أن النهي
~~يتناول إبطال جميع الأعمال; إذ الجمع المضاف للعموم، وذلك إنما يكون بالكفر
~~" (3) لأن الظاهر منه العموم الإفرادي لا المجموعي، يعني: لا تبطلوا شيئا
~~من أعمالكم، بل لأن المتبادر منه:
# لا تبطلوا أعمالكم معتقدين كفايتها; لا ولو بقصد إتيان بدلها.
# أو لا تبطلوها بمثل المن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس.
# أو لا تؤتوا عملا باطلا من باب ضيق فم الركية، ولا تحيطوها بالمعاصي، كما
~~يظهر مما ورد في تفسير الآية.
# فروى الصدوق في ثواب الأعمال عن الباقر عليه السلام قال، قال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله: " من قال: سبحان الله، غرس الله له بها شجرة في الجنة،
~~ومن قال: الحمد لله، غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال: لا إله إلا
~~الله، غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال: الله أكبر، غرس الله له بها
~~شجرة في الجنة، فقال رجل من قريش:
# يا رسول الله، إن أشجارنا في الجنة لكثيرة! قال: نعم، ولكن إياكم أن
~~ترسلوا إليها نيرانا فتحرقوها، وذلك أن الله عز وجل يقول: * (يا أيها الذين
~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) * (4) " (5).
# وعلى الثاني: المنع من لزوم موافقة البدل للمبدل في كل شئ، ومنع استلزام
~~جواز إبطاله استحبابه.
# PageV05P454
# الثانية: أن ذلك إذا لم يتضيق وقت القضاء بسبب الرمضان الآتي; لما حققناه
~~سابقا من وجوب المبادرة بالقضاء بين الرمضانين، بل ربما قيل بانحصار ms1466 الوقت
~~فيه، وتأخير الموقت عن وقته أو ترك المبادرة بما يجب البدار حرام، ولكنه لا
~~يستلزم الكفارة; للأصل، وعدم الدليل.
# وكذلك الكلام مع ظن الموت قبل أن يفعله بعد ذلك; لأنه في معنى الموقت أو
~~الفوري.
# الثالثة: أن كل واجب معين بالذات لا يجوز إفطاره مطلقا، وهو ظاهر، وتجب
~~الكفارة كالنذر المعين وصيام رمضان.
# الرابعة: كل واجب متعين بالذات كالنذر المطلق وصوم الكفارة يجوز إفطاره
~~مطلقا، غير قضاء رمضان بعد الزوال، وإن لم يتضيق، وفاقا للعلامة (1)
~~والشهيدين (2) رحمهما الله، بل يظهر من المسالك أنه المشهور (3); للأصل،
~~ولأنه كان مخيرا في اختيار الأيام، وهو مستصحب.
# وعن ظاهر أبي الصلاح (4) وابن زهرة (5) الحرمة; لعموم قوله تعالى: * (ولا
~~تبطلوا أعمالكم) * وقد عرفت ضعف الاستدلال.
# وعن علي بن بابويه: أن حكم قضاء النذر كقضاء رمضان في الحرمة ووجوب
~~الكفارة إن أفطر بعد الزوال، وربما استدل له بصحيحة عبد الله بن سنان
~~المتقدمة، فإن قضاء الفريضة يعمه (6).
# PageV05P455
# وموثقة سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: الصائم بالخيار إلى
~~زوال الشمس، قال: " إن ذلك في الفريضة، وأما النافلة فله أن يفطر في أي
~~ساعة شاء إلى غروب الشمس " (1).
# قال الشيخ في التهذيب: المراد بالفريضة هو قضاء الفريضة; لأن نفس الفريضة
~~ليس فيها خيار على حال.
# قيل: ويمكن الجواب بأن الفريضة في عرف الحديث إنما تطلق غالبا على الواجب
~~أصالة، فلا تشمل المنذور، على أن سوق الكلام في خبر سماعة إنما هو لإخراج
~~النافلة، وإن اختص الحكم ببعض الفرائض.
# أقول: وما ذكره جيد، ويؤيده كلام الشيخ; إذ ما ذكره من قوله " إن نفس
~~الفريضة ليس فيها خيار على حال " إن أريد منه مطلق الواجب لصار موافقا
~~لمذهب أبي الصلاح، ولم يعهد القول به من الشيخ، فالظاهر أن مراد الشيخ من
~~قضاء الفريضة قضاء رمضان، وعلى هذا فقضاء رمضان أيضا ليس فريضة بنفسه، بل
~~هو واجب بالتبع، وهو قضاء فريضة.
# وأما صحيحة ابن سنان الأخرى، فقد قلنا إن الظاهر منها أيضا قضاء رمضان.
# وبالجملة الأصل دليل ms1467 قوي، ولا يجوز الخروج منه بمثل هذه الأدلة، نعم هو
~~أحوط.
# وأما الكفارة; فلم نقف فيها على شئ يعتمد عليه، وقياسه على المبدل منه -
~~وهو أصل النذر المعين - ضعيف، مع أنه لا اختصاص فيه بما بعد الزوال.
# وعن أبي الصلاح: إن كان القضاء لإفطار تجب له الكفارة، ففرضها متعين مع
~~القضاء، وهو شامل لما قبل الزوال أيضا (2)، ولكن لا دليل عليه.
# PageV05P456
# الخامسة: يحرم إفطار قضاء شهر رمضان بلا عذر بعد الزوال، وتجب به
~~الكفارة.
# أما الحرمة; فهي المشهورة بين الأصحاب بلا خلاف كما في المسالك (1)، وقال
~~في المدارك: هو مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا (2)، وعن الانتصار والخلاف
~~والغنية دعوى الاتفاق عليه (3)، وتدل عليه الأخبار الكثيرة المتقدم بعضها
~~والآتي بعضها.
# ويظهر من الشيخ في كتابي الأخبار عدم الحرمة، فإنه قال بعد نقل موثقة
~~زرارة المتقدمة آنفا: ويمكن أن يكون المراد به من أفطر هذا اليوم بعد
~~الزوال على سبيل الاستخفاف والتهاون بما يجب عليه من فرض الله تعالى، فيجب
~~عليه حينئذ من الكفارة ما على من أفطر يوما من رمضان; عقوبة له وتغليظا
~~عليه، وأما من أفطر وهو معتقد أن الأفضل إتمام صومه، فليس عليه إلا ما
~~قدمناه من إطعام عشرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام (4)، وسننقل عنه عبارة
~~أخرى.
# ويمكن أن يكون مراده من الأفضل مثل ما يقال: إن الطاعة أحسن من المعصية،
~~والإسلام أحسن من الكفر.
# وأما وجوب الكفارة; فهو المشهور بين الأصحاب أيضا، وعن الخلاف والانتصار
~~والغنية دعوى الاتفاق عليه (5).
# وعن ابن أبي عقيل: نفي الكفارة بإطلاقها (6)، وتدل عليه موثقة عمار عن
~~الصادق عليه السلام: عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان يريد أن يقضيها
~~متى يريد أن ينوي الصيام؟ قال: " هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت
~~الشمس، فإن كان نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الإفطار فليفطر " سئل: فإن
~~كان نوى الإفطار يستقيم
# PageV05P457
# أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: " لا ".
# سئل: فإن نوى الصوم ثم أفطر بعد ما زالت الشمس، قال: ms1468 " قد أساء، وليس
~~عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه " (1).
# قال الشيخ: إنه محمول على أنه ليس عليه شئ من العقاب; لأن من أفطر في هذا
~~اليوم لا يستحق العقاب، فإن أفطر بعد الزوال تلزمه الكفارة حسب ما قدمناه،
~~وليس كذلك من أفطر في رمضان; لأنه يستحق العقاب والقضاء والكفارة (2).
# أقول: والأولى أن تحمل الرواية على أن يكون قوله عليه السلام: " بعد ما
~~زالت الشمس " ظرفا لمجموع النية والإفطار، ويكون المراد من قوله عليه
~~السلام: " قد أساء " أنه أساء في نيته بعد الزوال، فإن اعتقاد صحة الصوم
~~بالنية بعد الزوال، وأن الأكل بعده إفطار للصوم تشريع، وهذا حمل وجيه
~~للرواية، بل لا يبعد ادعاء ظهوره بملاحظة تمام الرواية.
# وكيف كان فلا تعارض بمثلها الروايات المعتبرة المستفيضة جدا (3)،
~~المعتضدة بالشهرة العظيمة والإجماعات المنقولة.
# ثم إني بعد ما ألهمت هذا التوجيه للرواية، وحسبته من خواصي، راجعت
~~المعتبر فوجدت ما ذكره هنا راجعا إلى ما فهمته، فحمدت الله عليه.
# ثم رأيت الفاضل الإصفهاني في شرح الروضة أكثر البحث عليه، وزيف كلامه،
~~حيث لم يستجود تأويل الشيخ وذكر ما يؤول إلى ما ذكرنا، وفهم رواية عمار كما
~~فهمنا، ونقلها بالمعنى اختصارا، وحسب الفاضل أنه أسقط من الرواية شيئا، فلم
~~يطابق تأويله للرواية، وزاد بذلك البحث عليه بما لا حاجة إلى نقله.
# PageV05P458
# وإنما نبهنا على ذلك أداءا لبعض حقوق هذا الخبر العظيم الشأن، والفريد
~~المرصوص البنيان، ووفاءا لوصيته التي ذكرها في أول الكتاب، وتأكيده البليغ
~~في عدم البدار إلى رد شئ من مقاصده في شئ من الأبواب، وإن كان هذا الفاضل
~~الرفيع المكان أيضا ممن لا يسع لمثلي مكافحته ومناقضته، والله يهدي من يشاء
~~إلى صراط مستقيم.
# السادسة: اختلفوا في قدر الكفارة، فعن المشهورة كما في المسالك هنا وفي
~~الكفارات أنها إطعام عشرة مساكين، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام (1).
# وعن أبي الصلاح: التخيير بينهما (2)، وكذا عن ابن زهرة ناقلا عليه
~~الاجماع (3).
# وعن ابن البراج في موضع من المختلف (4)، وعن الصدوقين: أنها كفارة ms1469 شهر
~~رمضان (5)، إلا في الفقيه، فجعله رواية (6).
# وقد عرفت أن ظاهر الشيخ في التهذيب أيضا ذلك إذا كان استخفافا وتهاونا،
~~وإلا فالأول (7).
# وعن ابن حمزة: موافقة التهذيب في صورة الاستخفاف، وموافقة أبي الصلاح في
~~صورة العجز (8).
# وعن سور: أنه كفارة اليمين (9)، وهو المنقول عن الكراجكي، وكذا عن
# PageV05P459
# ابن البراج في موضع من المختلف (1).
# وعن ابن إدريس: أنه كفارة اليمين (2)، وتبع ابن إدريس المشهور في موضع
~~آخر (3)، ولعل المراد فيهما واحد مسامحة، كما وقع إطلاق كفارة اليمين على
~~مذهب المشهور في المختلف في باب الكفارات (4)، وكذا الشيخ في النهاية في
~~باب الكفارات قال: كفارة يمين وإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام (5).
# وعن ابن أبي عقيل: عدم وجوب الكفارة (6)، وهو ظاهر المسالك في الكفارات
~~(7)، فإنه استجود حمل الكفارة على الاستحباب; لاختلاف تقديرها في الروايات،
~~واختلاف تحديد وقت ثبوتها، يعني بالزوال والعصر والإطلاق، وقصور سند
~~الأخبار، وقواه في الكفاية (8)، والأقوى قول المشهور.
# لنا: ما رواه في الكافي والتهذيب عن بريد العجلي، عن أبي جعفر عليه
~~السلام: في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: " إن كان أتى
~~أهله قبل زوال الشمس فلا شئ عليه إلا يوم مكان يوم، وإن كان أتى أهله بعد
~~زوال الشمس فإن عليه أن يتصدق على عشرة مساكين، فإن لم يقدر صام يوما مكان
~~يوم، وصام ثلاثة أيام كفارة لما صنع " وفي الكافي والتهذيب لم يذكر قوله
~~عليه السلام: " فإن لم يقدر " (9) إلى آخر الحديث.
# وربما يقدح في سنده بالحارث بن محمد; لأنه مجهول.
# وفيه: أنه منجبر بعمل الأصحاب، مع أن الراوي عنه الحسن بن محبوب، وقال
# PageV05P460
# الكشي: إنه ممن اجتمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنه (1).
# مع أن الشيخ روى في الصحيح عن هشام بن سالم قال، قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام:
# رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان؟ فقال: " إن كان وقع عليها قبل صلاة
~~العصر فلا شئ عليه، يصوم يوما بدل يوم، وإن فعل بعد صلاة العصر صام ذلك
~~اليوم وأطعم ms1470 عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك " (2).
# وحملها الشيخ على قبل الزوال بناءا على أنه إذا زالت الشمس دخل وقت
~~الصلاتين، إلا أن الظهر قبل العصر (3)، ولا بأس به، مع أن خروج بعض الحديث
~~عن الحجية لا يوجب سقوطه رأسا، وإذا ثبت الحكم ما بعد العصر فلا قائل
~~بالفصل.
# حجة القول بأنها كفارة شهر رمضان: موثقة زرارة المتقدمة (4).
# ولا وجه للقدح فيها من حيث السند لمكان علي بن فضال، فإنه موثق، والموثق
~~حجة.
# ولا بأنه ليس فيها تقييد بما بعد الزوال; لأن الأخبار الدالة على جواز
~~الإفطار قبل الزوال بحيث يفهم منها أنه ليس عليه شئ بسبب الإفطار قبل
~~الزوال يصير بمنزلة المقيد، فلا يرد ما استبعده في المسالك من حمل المطلق
~~على المقيد من جهة مخالفة الحكم، فإن الحكم في المقيد مثل رواية بريد مخالف
~~لحكم هذا المطلق; لتفاوت الكفارة فيهما. مع أن نفس الكفارة شئ واحد،
~~والاختلاف في كيفيتها.
# بل ينبغي أن يقال: إنها لا تقاوم رواية المشهور من حيث الاعتقاد بعمل
~~المشهور، وأصالة البراءة عن زيادة التكليف وضعف الدليل الوارد فيها، سيما
~~مع ملاحظة ما ورد من استبعادهم في الأخبار مساواة قضاء شهر رمضان لرمضان،
~~فقالوا: " وأنى له بمثله " يعني مثل اليوم المقضي، وخصوصا مع ملاحظة الفرق
~~بجواز الإفطار هنا قبل
# PageV05P461
# الزوال دونه.
# وأما مرسلة حفص بن سوقة، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يلاعب
~~أهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل، فقال: " عليه من
~~الكفارة مثل ما على الذي يجامع في رمضان " (1) ففيها مضافا إلى ما أورد على
~~السابق من الإطلاق أنها ضعيفة ولا جابر لها.
# وقد تحمل على أن المراد من قضاء شهر رمضان أداؤه، وهو بعيد، كتأويل موثقة
~~زرارة بأنه كان يقضي في شهر رمضان وهو لا يعلم أنه شهر رمضان، مؤيدا
~~بالتعليل بأن ذلك اليوم عند الله من أيام شهر رمضان.
# وأما حجة القول بكفارة اليمين: فلعله البناء على أن في الرواية مسامحة في ms1471
~~ذكر إحدى الخصال، وإرادة التخيير بينها وبين غيرها، كما اتفق نظيره في سائر
~~الكفارات، كما نقلنا نظيره من المختلف وغيره في عبارات الفقهاء، ولكن
~~الاعتماد على ذلك مشكل.
# وأما حجة التخيير; فلم أقف على ما يدل عليه إلا الاجماع الذي نقله ابن
~~زهرة، ولا وجه للاعتماد عليه مع هذا الخلاف الواضح والأخبار الدالة على
~~خلافه.
# ويظهر من ذلك الكلام في مذهب ابن حمزة وأنه لا دليل عليه.
# وأما حجة ابن أبي عقيل، فهو الأصل، وموثقة عمار المتقدمة. والأصل لا
~~يعارض الدليل، وقد عرفت الكلام في الموثقة.
# وقد عرفت وجه حمل أخبار الكفارة على الاستحباب كما اختاره في المسالك في
~~الكفارات، وأيده برواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: في المرأة
~~تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الإفطار، قال: " لا ينبغي له أن يكرهها
~~بعد الزوال " (2).
# PageV05P462
# والجواب: منع ضعف المستند، ولا يضر اختلاف الأخبار مع حصول المرجح.
# واعلم أن المراد بثلاثة أيام: المتتابعات كما قطع به الجماعة، وقيل: لعله
~~إجماع، ومقتضى حسنة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، قال: " كل صوم
~~يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين " (1) عدم اللزوم، ولا يحضرني مصرح
~~به.
# وكذلك رواية سليمان بن جعفر الجعفري، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: "
~~إنما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار، وكفارة الدم، وكفارة اليمين " (2).
# تنبيهات:
# الأول: الظاهر كفاية مد في الإطعام، أو إشباع مسكين، وسيجئ تحقيق المقام
~~وذكر الخلاف في الكفارات إن شاء الله تعالى.
# الثاني: قال في المسالك والروضة: يجب إمساك تتمة اليوم مع الإفطار بعد
~~الزوال (3)، وهو مقتضى كلام الشهيد في الدروس (4).
# وربما يستدل له بقوله عليه السلام في صحيحة هشام المتقدمة: " صام ذلك
~~اليوم ".
# ويشكل بأن الظاهر منه الصوم الشرعي بدل ذلك اليوم، لا مجرد الإمساك، مع
~~أنه مستلزم لعدم التعرض للقضاء.
# وبما في موثقة زرارة " أن ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان " بتقريب أنه
~~يجب الإمساك في رمضان.
# ويخدشه - مع كونه نادرا كما مر - منع لزوم المساواة في جميع ms1472 الأحكام.
# وربما يتمسك باستصحاب وجوب الإمساك.
# PageV05P463
# وفيه: أن الإمساك المأمور به إنما هو في ضمن الصوم الشرعي، ولا معنى
~~لاستصحابه.
# فالأقوى عدم الوجوب، كما نقل ابن فهد في محرره; للأصل وعدم الدليل كما
~~عرفت.
# الثالث: الأخبار الواردة في لزوم الكفارة وإن كانت مختصة بالوقاع لا سائر
~~المفطرات، ولكن الظاهر عدم القول بالفرق كما صرح به بعض الأصحاب.
# الرابع: قال في المسالك والروضة تتكرر الكفارة بتكرر السبب كشهر رمضان،
~~يعني إما مطلقا، أو مع تخلل التكفير، أو اختلاف الجنس، أو في الجماع خاصة
~~على التفصيل الذي تقدم (1).
# ولعله استند إلى موثقة زرارة المتقدمة، وقد عرفت الجواب عنها، والأصل عدم
~~التكرر، سيما في غير الجماع الذي هو مورد روايات الباب، وظهور الروايات في
~~المرة الأولى.
# فالأقوى العدم، سيما مع ما يستفاد من الأخبار من تفاوت رمضان مع غيره،
~~وأن احترام اليوم فيه منظور مع قطع النظر عن الصوم، كما يظهر من حكم
~~المسافر والحائض وغيرهما، بخلاف غيره.
# التاسع: من نسي غسل الجنابة في شهر رمضان ومضى عليه أيام، أو كل الشهر،
~~فيجب عليه قضاء الصلاة إجماعا; للإجماع على اشتراطها بالطهارة عن الجنابة.
# وأما الصوم; فالأشهر كما في اللمعة والمسالك وجوب قضاؤه أيضا (2)، ونسبه
~~في غاية المراد إلى الأكثر (3)، ومنهم المحقق في المعتبر بظاهره (4).
# PageV05P464
# وذهب ابن إدريس إلى عدم وجوبه (1) وتبعه المحقق في المختصرين (2).
# والأظهر الوجوب; لصحيحة الحلبي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل
~~أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان، قال: " عليه أن يقضي
~~الصلاة والصيام " رواها في الزيادات (3).
# وروى الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن مسكان، عن إبراهيم بن ميمون بأدنى
~~تفاوت (4).
# وما رواه الكليني والصدوق في الفقيه، عن علي بن رئاب، عن إبراهيم بن
~~ميمون - وهو وإن كان مجهولا إلا أنه قد يروي عنه ابن مسكان - قال: سألت أبا
~~عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثم ينسى أن يغتسل
~~حتى يمضي لذلك جمعة، أو يخرج شهر رمضان، ms1473 قال: " عليه قضاء الصلاة والصوم "
~~ثم قال: وقد روي في خبر آخر أن من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى
~~خرج شهر رمضان أن عليه أن يغتسل ويقضي صلاته وصومه، إلا أن يكون قد اغتسل
~~للجمعة، فإنه يقضي صلاته وصيامه إلى ذلك اليوم، ولا يقضي ما بعد ذلك (5).
# ويؤيده ما ذكره المحقق في المعتبر من أن فتوى الأصحاب على أن المجنب إذا
~~نام مع القدرة على الغسل، ثم انتبه، ثم نام، وجب عليه القضاء، سواء ذكر
~~الاحتلام بعد ذكره الأول أو نسيه.
# وإذا كان التفريط السابق مؤثرا في إيجاب القضاء، فقد حصل ههنا تكرار
~~النوم مع ذكر الجنابة أول مرة، فيكون القضاء لازما كما كان هناك لازما،
~~خصوصا وقد وردت الرواية الصحيحة الصريحة المشهورة بذلك.
# PageV05P465
# فإن قيل: إنما وجب عليه القضاء في تكرار النوم مع نية الغسل، فيكون ذاكرا
~~للغسل ومفرطا فيه في كل نومة.
# قلنا: الذي ذكر نية الغسل بعض المصنفين، ولا عبرة بقوله مع وجود النصوص
~~مطلقة، روى ذلك جماعة، منهم ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام:
~~في الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح، قال: " يتم صومه،
~~ويقضي يوما آخر " (1) ومثله روى محمد بن مسلم (2) وسماعة بن مهران (3)
~~وغيرهما.
# ولو قيل: إنما يلزم ذلك إذا تكرر النوم في الليلة الواحدة.
# قلنا: كما عمل بتلك الأخبار في الليلة الواحدة وإن كان لم يتعمد البقاء
~~على الجنابة، جاز أن يعمل بهذا الخبر في تكرار النوم في الليالي المتعددة،
~~ولا استبعاد في هذا، إلا أن يستبعد في ذلك.
# ولا يقال: فتلزم الكفارة.
# لأنا نقول: قد بينا أن إيجاب الكفارة مع تكرر النوم لم يثبت، واقتصرنا
~~على القضاء لا غير في الموضعين (4)، انتهى كلامه رحمه الله.
# وإنما جعلناه مؤيدا لما يرد عليه المنع; لوجود الفارق بين المقامين كما
~~ستعرف، فلا اعتماد على العلة التي فهمها، والعبرة إنما هي بالنص. مع أنه
~~عدل في الاعتراض الأخير وجوابه عن سوق الاستدلال الأول إلى ms1474 الاعتماد على
~~النص، فيا ليته فعل كذلك في الأول أيضا.
# ومع ذلك كله يرد عليه أنه إنما يتم في غير اليوم الأول; إذ لم يحصل
~~التكرار فيه بعد، واستثناؤه قول حادث لم يعلم القول به من أحد، كما أشار
~~إليه في
# PageV05P466
# غاية المراد (1)، ولعله لذلك تبع المحقق ابن إدريس (2).
# وربما يمكن دفعه بمنع تحقق الاجماع المركب; لأن غرضهم هنا مجرد بيان أن
~~السهو في الغسل يوجب القضاء في الجملة، وليس مدخلية الجنابة في إفساد الصوم
~~منحصرة في صورة العمد، لا أنه مؤثر في جميع الأفراد حتى في اليوم الأول،
~~ولذلك رجع عنه في المعتبر إلى قول المشهور (3)، مع أنا نقول الاعتماد على
~~النص يرفع عنا مؤونة هذه الإيرادات.
# حجة ابن إدريس: الأصل، وعموم رفع الخطأ والنسيان الوارد في الرواية
~~المتلقاة بالقبول كما في غاية المراد، والقضاء مؤاخذة، وما رفع إنما هو
~~المؤاخذة لا حقيقتها كما هو واضح، مع أنها أقرب مجازات نفي الحقيقة هنا،
~~ومنع اشتراط الصوم بالطهارة الكبرى إلا مع العلم.
# ومن ثم لو نام جنبا في المرة الأولى فأصبح نائما، صح صومه وإن تركها تمام
~~النهار عمدا، فهنا أولى.
# وفيه: أن الأصل لا يقاوم الدليل، والحديث مع سلامته ظاهر في نفي الإثم
~~والعقوبة، فلا ينافي وجوب القضاء كالصلاة، وقد أقمنا الدليل على الاشتراط،
~~فلا مجال للمنع; لما حققناه في الأصول من حجية أخبار الآحاد، سيما مثل هذه
~~الأخبار المعتبرة المشهورة.
# وأما قياسه بمسألة النوم فستعرف حاله.
# ثم إن بعض الأصحاب كالشهيد في اللمعة عنون المسألة بقوله: من نسي غسل
~~الجنابة قضى الصلاة والصوم في الأشهر (4)، وكذا أطلق في الدروس (5)،
~~والعلامة
# PageV05P467
# في القواعد (1)، وهذا الإطلاق يشمل اليوم الواحد والأكثر منه، إلى انقضاء
~~الشهر.
# ويشكل أولا: بأن صحيحة الحلبي وما في معناها ظاهرة في غير صورة الانفراد.
# وثانيا: بأنه لا يظهر فرق حينئذ بين ما نحن فيه وبين ما لو نام جنبا أول
~~مرة فأصبح ولم يغتسل، وإنهم حكموا فيه بصحة الصوم وإن ترك الغسل طول النهار
~~عمدا، وحكموا ههنا ms1475 بوجوب القضاء، فما وجه اختلاف حكمها حتى أن حكمهم في
~~النائم يشمل ما لو نام النومة الأولى وأصبح ناسيا للجنابة حتى الليل.
# ومقتضى حكمهم هنا وجوب القضاء لدخوله في الناسي، ومقتضى ما ذكروه في
~~النائم عدم الوجوب; لدخوله تحت مسألة النائم.
# فاندفاع الإشكال إما ببيان الفارق بين النوم والنسيان، إن جعلنا الإشكال
~~في عدم الفرق بينهما من جهة عدم التكليف حالهما، وإما ببيان اندراج ما
~~اجتمع فيه النوم والنسيان في أيهما.
# فأما الأول; فيمكن الفرق كما يستفاد من غاية المراد (2) بأن النسيان مظنة
~~التذكر، بخلاف النوم، فلما أبيح له النوم إرفاقا به، أبيح له ما يترتب
~~عليه، فلا تفريط فيه; بخلاف الناسي، فإنه من جهة تفطنه في مظنة التذكر،
~~وعدم تذكره مع طول الزمان لا يكون إلا لتفريطه، ولذلك يقال بوجوب القضاء في
~~النائم ثانيا، فإنه قد يتخلل التذكر بينهما، فنومه ثانيا أيضا تفريط.
# وتوضيح ذلك: أن مقدمات النسيان قد تكون اختيارية، ولذلك مدح الله
~~المؤمنين بقولهم: * (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا) * (3).
# ويوضحه: ما ورد من لزوم إعادة الصلاة على من نسي إزالة النجاسة; معللا
~~بأن ذلك لأجل أن يهتم بأمره حتى لا ينسى، ويشير إليه قوله عليه السلام: "
~~رفع عن أمتي
# PageV05P468
# الخطأ والنسيان " (1).
# وأما الثاني، فنقول: أما فيما لو نام أولا ثم انتبه ليلا ونسي الجنابة
~~واستمر إلى الليلة الآتية فصاعدا فالأظهر اندراجه في مسألة النسيان، وعليه
~~القضاء; لأن النوم كان مرخصا فيه، وترك الغسل مستند إلى النسيان، وهو السبب
~~في الترك.
# ومثله ما لو نسي قبل النوم واستمر ثم نام إلى فوات وقت الغسل.
# وأولى منه بالاندراج ما لو تذكر بعد الانتباه، ثم نسي، سيما إذا طال زمان
~~التذكر.
# ولا بد أن ينزل إطلاق كلامهم في مسألة النوم بعدم القضاء على غير ذلك.
# وإن لم ينتبه ليلا حتى انقضى وقت الغسل ثم استمر نسيانه إلى الليل،
~~فالظاهر اندراجه في مسألة النوم; لاستناد ترك الغسل إليه.
# نعم مع استمرار النسيان إلى ما بعد اليوم من الأيام يندرج ما بعد ms1476 اليوم
~~الأول في مسألة النسيان.
# ثم إن المتبادر من مسألة النوم والغالب الوقوع هو النوم عقيب العلم
~~بالجنابة، وأما لو تمادت مدة التذكر بعد العلم بالجنابة، ثم نام حتى فات
~~وقت الغسل، فيشكل اندراجه في مسألة النوم، كما يشكل الحكم بلزوم القضاء;
~~للأصل، وعدم حصول النسيان بالفرض.
# وقد ذكر في الروضة هذا الإشكال، أعني المنافاة بين إطلاق لزوم القضاء
~~بحيث يشمل اليوم الواحد هنا، مع حكمهم بعدم القضاء فيما لو نام الجنب حتى
~~فات وقت الغسل.
# وذكر في دفعه وجهين:
# الأول: إن مرادهم هنا حكم الناسي، وفيما تقدم حكم النائم عالما عازما على
~~الغسل، لا ناسيا، فيضعف حكم الجنابة بالعزم على الغسل.
# PageV05P469
# والثاني: بحمل ما هنا على ما عدا اليوم الأول (1).
# وأنت بعد التأمل فيما ذكرنا تعرف وجه الأول وتنزيله على ما ذكرنا، بأن
~~مراده هو (2) بيان الحكمة في الفرق مع قطع النظر عن وحدة النوم وكثرته،
~~ويصح توجيها لإطلاقهم الفتوى في المقامين.
# وأما الثاني; فلا يصح دفعا لإشكال الإطلاق كما أشار إليه أيضا، بل إنما
~~المراد منه أنا نقول بالقضاء في النسيان في غير اليوم الأول إذا تكثرت
~~الأيام، وبعدم القضاء في النوم، وهو نفي للإطلاق، لا بيان لوجهه ودفع
~~الإشكال.
# وأورد عليه: بأنه قول بالتفصيل، ولا قائل به هنا، وقد ذكرنا أن ذلك لا
~~يضر.
# نعم هذا يمكن أن يصير وجها لدفع الإشكال في مخالفة مسألة النوم مع مسألة
~~النسيان في اليوم الأول من الأيام المتعددة.
# ووجه الدفع: أنا لا نقول بوجوب القضاء إلا فيما بعد اليوم الأول حتى يرد
~~علينا أنه لا فرق بين المسألتين، فلم تفرقون؟
# ثم قال في الروضة: ويمكن - الجمع يعني بين ما دل على حكم النوم وما دل
~~على حكم النسيان - بأن روايات الثاني إنما دلت على حكم الأيام الكثيرة،
~~وروايات الأول على حكم الليلة الواحدة، فيفرق بين اليوم الواحد والأكثر من
~~يوم عملا بمنطوق روايات الطرفين (3).
# ثم استشكله بأن قضاء الجميع يستلزم قضاء الأبعاض إن لم يكن أولى، فيعود
~~المحذور من منافاة ms1477 حكم هذا البعض الذي هو اليوم الأول لذلك اليوم الواحد في
~~مسألة النوم.
# أقول: إن أراد أن قضاء الجميع يستلزم قضاء الأبعاض في ضمن الجميع فهو
~~مسلم،
# PageV05P470
# ولكن لا يضر هذا بما ذكر في الجمع; إذ لعل في الاجتماع تأثيرا، فيمكن
~~مخالفة حكم الشئ مجتمعا مع آخر لحكمه منفردا.
# وإن أراد أن قضاء الجميع مستلزم لوجوب قضاء كل واحد ولو فرض منفردا، فهو
~~أول الكلام، بل لو فرضنا أن الشارع لو قال: " إذا نام في ليلة واحدة حتى
~~الصباح لا يجب عليه الغسل، ولو نام كذلك ليالي متعددة يجب عليه الغسل " لا
~~يستلزم ذلك محذورا.
# ثم إنه - رحمه الله - قال في المسالك والروضة: وفي حكم الجنابة الحيض
~~والنفاس لو نسيت غسلهما بعد الانقطاع، وفي حكم صوم رمضان حكم المنذور
~~المعين (1).
# أقول: وربما يستدل عليه بأنهما حدثان منافيان للصوم، ولا يرتفعان إلا
~~بالغسل، وبرواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال: " إن طهرت بليل عن
~~حيضها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت كان عليها قضاء ذلك اليوم "
~~(2).
# ويرد على الأول: منع المنافاة إلا مع سيلانها، ومنع اشتراط صحته بالغسل،
~~بل يكفي الانقطاع.
# وعلى الثاني: بأنها ظاهرة في العمد.
# وأما القدح، في السند فلا وجه له; لكونها موثقة.
# ويظهر منه الكلام في النفاس; إذ لا دليل عليه ظاهرا إلا ما دل على اتحاد
~~حكمها مع الحائض، وقد عرفت حكم الحائض.
# وأما إلحاق النذر المعين فلا دليل عليه أيضا; لما سبق في محله من الإشكال
~~في اشتراط غير رمضان وقضائه بعدم البقاء على الجنابة عمدا، فضلا عن قضائه،
~~وما ورد في الحيض أيضا مختص برمضان والنذر المعين.
# PageV05P471
# وإن ثبت وجوب قضائه بالإجماعات المنقولة والرواية الصحيحة كما سبق منا
~~الكلام فيه، ولكنه; إنما هو فيما ثبت بطلانه به، ومورد الرواية الوقاع في
~~اليوم، ولم يثبت كون تعمد البقاء على الجنابة إلى الصباح مبطلا له، فضلا عن
~~صورة النسيان، وفضلا عن غير الجنابة.# PageV05P472 ms1478